welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : رسائل فقهیة- ج 5*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهیة- ج 5

صفحه1

   

   رسائل فقهية

5


صفحه2

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1388 .

      ج .     ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5(دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 410- 9 (ج. 5)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:   …الخامس

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1430 هـ . ق

المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

القطع:   … وزيري

عدد الصفحات:   … 710 صفحة

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام)ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

رسائل فقهية

تبحث في مسائل فقهية مختلفة ومستحدثة على ضوء الكتاب العزيز والسنة النبوية ومصادر التشريع عند الفريقين

تأليف

سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني

دام ظلُّهُ

الجزء الخامس


صفحه4


صفحه5
بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه6


صفحه7
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وعلى آله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وجعلهم احد الثقلين اللذين أُنيطت بهم السعادة في الدنيا والآخرة.

أما بعد: فهذا هو الجزء الخامس من موسوعتنا «رسائل فقهية» يزفه الطبع إلى القراء الكرام، آملين من الله سبحانه ان ينتفع بها رواد الفقه وطلاب الحقيقة انّه قريب مجيب.

وممّا يجدر ذكره أن هذه الرسائل اختلفت من حيث البسط والإيجاز، لأنها أُلّفت في أزمنة متعددة، ولداع مختلفة، ولكنها جميعاً كانت ـ بفضل الله تعالى ـ ثمرة سنين من الجهود الّتي بذلناها في هذا السبيل، ولله الحمد والمنة.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

26 رجب المرجب 1430 هـ . ق


صفحه8


صفحه9

في حكم الأذان قبل الفجر   

الرسالة الثالثة والسبعون

حكم الأذان قبل الفجر


صفحه10


صفحه11

الحمدللّه على سوابغ نعمه حمداً لا نهاية له ولا انقطاع، ثمّ أُصلّي وأُسلّم على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد فلقد رزقنا اللّه سبحانه زيارة بيته الحرام عام ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هـ. ق، وفوجئت هناك برفع الأذان قبل الفجر بساعة أو أكثر في المدينة المنورة، ومكّة المكرمة. حيث إنّ الأذان المشروع هو الأذان عند الفجر، وقد راسلت أخيراً في ذلك صديقي العزيز، الشيخ عبد الوهاب إبراهيم أبوسليمان ، وهو من كبار علماء مكة المكرمة، وسألته عن الدليل ، فأفاد بأنّ الدليل على جواز ذلك هو الرواية الواردة في «صحيح البخاري»، يعني:

قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا يمنعن أحدكم ـ أو أحداً منكم ـ أذان بلال من سحوره، فإنّه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ولينبّه نائمكم، وليس أن يقول: الفجر، أو الصبح...».(1)

ولأجل إيضاح الموضوع نرجع إلى دراسته عن طريق كلمات الفقهاء والروايات الواردة حوله.

قال الشيخ الطوسي: يجوز الأذان قبل طلوع الفجر إلاّ أنّه ينبغي أن يعاد بعد


1 . صحيح البخاري:1/153، كتاب الأذان.


صفحه12

طلوع الفجر، وبه قال الشافعي إلاّ أنّه قال: السنّة أن يؤذّن للفجر قبل طلوع الفجر، وأُحبّ أن يُعيد بعد طلوع الفجر فإن لم يفعل واقتصر على الأوّل أجزأه. وبه قال مالك وأهل الحجاز والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف وداود وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال قوم: لا يجوز أن يؤذّن لصلاة الصبح قبل دخول وقتها كسائر الصلوات، ذهب إليه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه.(1)

وقال العلاّمة الحلّي: لا يجوز الأذان قبل دخول الوقت في غير الصبح لإجماع علماء الإسلام، لأنّه وضع للإعلام بدخول الوقت فلا يقع قبله، أمّا في صلاة الصبح فيجوز تقديمه رخصة لكن يُعاد بعد طلوعه. وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأبو يوسف.

وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجوز إلاّ بعد طلوع الفجر.(2)

وقال في «الجواهر»: وقد رُخّص في تقديمه على وقت الصبح عند المعظم من أصحابنا، بل في المعتبر عندنا، بل عن المنتهى عند علمائنا. ولعلّه أذان مشروع في نفسه لتنبيه الناس على التهيّؤ للصلاة والصوم في مثل شهر رمضان، كالأذان في إذن المولود ونحوه، وربما كان ذلك ظاهر موضع من الذكرى، بل هو ظاهر العلاّمة في المختلف وغيره. وربما تنقدح لفظية النزاع بحمل كلام المانع كالجعفي والكاتب والتقي والحلّي والمرتضى ـ بل ربما استظهر من الأخير الإجماع عليه ـ على إرادة أذان الصلاة، وكلام المجوّز على


1 . الخلاف:1/269.

2 . التذكرة:3/78.


صفحه13

إرادة المشروعية في نفسه. لكن قد ينافي ذلك ما ذكره المصنّف وغيره من أنّه يستحب إعادته بعد طلوعه ـ أي الفجر ـ. والظاهر عدم تقدير زمان للتقدّم بسدس الليل ونحوه، كما أنّه لا يعتبر في المؤذّن الاتحاد.(1)

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية نظير ما نقلناه عن الكتابين المذكورين، وإليك نصّه:

أمّا بالنسبة للفجر فذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من الحنفية إلى أنّه يجوز الأذان للفجر قبل الوقت، في النصف الأخير من الليل عند الشافعية والحنابلة وأبي يوسف، وفي السدس الأخير عند المالكية. ويسنّ الأذان ثانياً عند دخول الوقت لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتّى يؤذن ابن أُمّ مكتوم» وعند الحنفية ـ غير أبي يوسف ـ لا يجوز الأذان لصلاة الفجر إلاّ عند دخول الوقت، ولا فرق بينها و بين غيرها من الصلوات، لما روى شداد مولى عياض بن عامر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لبلال: «لا تؤذن حتّى يستبين لك الفجر».(2)

وهذه الكلمات ونظائرها موجودة في سائر الكتب، والمهم دراسة ما ورد في السنّة: فقد روى البخاري في المقام روايتين:

1. عن عبداللّه بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا يمنعن أحدكم ـ أو أحداً منكم ـ أذانُ بلال من سحوره فإنّه يؤذن ـ أو ينادي ـ بليل، ليرجع قائمكم


1 . الجواهر:9/77ـ 81.

2 . الموسوعة الفقهية الكويتية:2/363.


صفحه14

ولينبه نائمكم وليس أن يقول: الفجر، أو الصبح».

2. عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتّى يؤذن ابنُ أُمّ مكتوم».

3. عن عائشة: (بنفس ألفاظ الرواية الثانية).(1)

إنّ الاستدلال بالحديثين اللّذين ذكرهما البخاري في المقام قاصر عن إضفاء المشروعية للأذان قبل الفجر في طول السنة بساعة أو أكثر فضلاً عن نصف الليل، وإليك بيانه:

1. انّ أقصى ما تدلّ عليه هذه الروايات هو جواز الأذان قبل الفجر في شهر رمضان ،وأمّا جوازه في غير هذا الشهر فلا يستفاد منها، وذلك لأنّه فرق بين الدليل اللفظي والدليل اللبيّ الّذي لم يرد فيه لفظ عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما قرر عملاً صدر عن صحابي في حضوره ولم يعترض عليه. ففي الأوّل أي الدليل اللفظي يؤخذ بالإطلاق كما إذا قال: «اعتق رقبة» وسكت عن القيد.

وأمّا الثاني أي الدليل اللبي ـ كما في المقام ـ فيؤخذ بالقدر المتيقن ويقتصر على مورده.

وبعبارة أُخرى: فرق بين أن يقول النبي : يجوز الأذان قبل الفجر فيؤخذ بإطلاقه، وبين أن يؤذّن أحد الصحابة في ظرف خاص بمرأى ومسمع من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فيقرّه عليه فيؤخذ بنفس العمل في ذلك الظرف.

وعلى ضوء ما ذكرنا فالأذان الّذي صدر من بلال (رحمه الله)ولم يعترض عليه


1 . صحيح البخاري:1/153، باب الأذان قبل الفجر.


صفحه15

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في شهر رمضان والناس أيقاظ بين متهجّد وآكل للسحور أو مستعد للقيام، ففي هذه الظروف يصحّ الأذان قبل الفجر، وأمّا تعميمه لبقية الشهور والناس على غير هذه الحالة فإنّه يحتاج إلى دليل، ولا يمكن التمسّك بالعمل الفاقد للسان، بل يكتفى بالقدر المتيقّن كما قلنا.

2. انّ أذان بلال قبل الفجر كان قبيل الفجر وكان الفاصل الزماني بين أذانه والفجر قليلاً جدّاً على نحو ربما كان بعض الناس يتخيل دخول الفجر، فنبّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ أذانه ليس دليلاً على دخول الفجر، فلو دلّ العمل على الجواز فإنّما يدلّ في هذا الحدّ لا ما إذا كان الفاصل الزماني يقترب من ساعة كاملة كما هو الحال الآن، ولذلك ينقل ابن حجر في «فتح الباري» عن ابن دقيق قوله: كان وقت الأذان مشتبهاً محتملاً لأن يكون عند طلوع الفجر، فبيّن (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الّذي يمنعه طلوع الفجر الصادق. قال: وهذا يدلّ على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. ثمّ قال ابن حجر: ويقويه أيضاً ما تقدّم من أنّ الحكمة في مشروعيته، التأهبُ لإدراك الصبح في أوّل وقتها.(1)

3. يحتمل جدّاً أنّ بلالاً كان يؤذن ببعض فصول الأذان لا بأذان تام الأجزاء، لأنّ الغرض كما نُصّ عليه في الرواية هو: «ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم»، ويفسره العيني في شرحه بقوله: إنّما يؤذن بلال ليعلمكم أنّ الصبح قريب فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام لحظة ليصبح نشيطاً ويوقظ نائمكم


1 . فتح الباري:2/106.


صفحه16

ليتأهب للصبح بفعل ما أراده من تهجد قليل أو تسحّر أو اغتسال.(1)

وهذا يحصل ببعض الفصول لا بأذان تام، ولذلك نرى الاختلاف في النقل بين «ينادي» و «يؤذن».

روى البخاري في باب الأذان بعد الفجر عن عبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتّى ينادي ابن أُمّ مكتوم».(2)ولعل التعبير بالنداء والعدول عن كلمة الأذان إشارة إلى أنّ الصادر من بلال لم يكن أذاناً حقيقياً جامعاً لعامة فصوله بل كان يلتقط شيئاً من فصول الأذان وينادي بها.

نعم كان أذان ابن أُمّ مكتوم أذاناً واقعياً والتعبير عنه بـ«ينادي» لأجل وقوعه ضمن سياقه.

ولهذا نرى أنّ عبد اللّه بن مسعود يرويه على الوجهين فيقول فإنّه يؤذن ـ أو ينادي ـ بليل.

4. انّ الحنفية ذهبت إلى أنّه لا يسنّ الأذان قبل وقت الصبح حتّى تجرأ بعضهم وقال: إنّه كان نداءً لا أذاناً.

أوليس الأولى عندئذ ترك هذا الأذان والاكتفاء به في شهر رمضان.

وهناك ملاحظتان حول الحديثين من جانب آخر:

الأُولى: أنّ ابن أُمّ مكتوم كان أعمى بينما كان بلال بصيراً فمقتضى الحال أن


1 . عمدة القاري: 5/134.

2 . صحيح البخاري: 1/153، باب الأذان قبل الفجر.


صفحه17

ينسب الأذان قبل الفجر إلى ابن أُمّ مكتوم والأذان عند الفجر إلى بلال، وهذا يدلّ على أنّ الحديث نُقل على وجه غير صحيح، ويدلّ على ما ذكرنا:

1. ما رواه النسائي في «سننه» بسنده عن حبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة، قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا أذّن ابن أُمّ مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذّن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا».(1)

2. ما رواه أحمد بن حنبل في «مسنده» بسنده عن حبيب قال: سمعت عمتي تقول: إنّ ابن أُمّ مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتّى ينادي بلال.(2)

3. ورواها البيهقي في «سننه» بسنده عن زيد بن ثابت انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ ابن أُمّ مكتوم يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتّى يؤذِّن بلال».(3)

4. ورواها الزيلعي في «نصب الراية» عن ابن خزيمة في صحيحه بسنده عن عائشة: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«إنّ ابن أُمّ مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتّى يؤذِّن بلال» وكان بلال لا يؤذِّن حتّى يطلع الفجر.(4)

ويؤيّد ذلك ما روي عن طريق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أنّ ابن أُمّ مكتوم هو الّذي كان يؤذِّن قبل الفجر، وأنّ بلالاً هو المؤذِّن عند الفجر.

روى الكليني في «الكافي» بسنده عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ فقال: «بياض النهار من سواد الليل». قال: وكان بلال يؤِّذن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وابن أُمّ مكتوم ـ و كان أعمى ـ يؤذِّن بليل،و يؤذِّن


1 . سنن النسائي:2/11، باب «هل يؤذنان جميعاً أو فرادى».

2 . مسند أحمد:6/433.   

3 . سنن البيهقي:1/382.

4 . نصب الراية:1/289.


صفحه18

بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم».(1)

ورواه أيضاً الصدوق في «الفقيه»(2)، ورواه الشيخ الطوسي في «التهذيب».(3)

الثانية: لو صحّ أنّ الأذان قبل الفجر كان من ابن أُمّ مكتوم والأذان الثاني كان من قبل بلال يمكن أن يقال: إنّ عمله هذا لا يدلّ على تقرير النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)له، لأنّه كان أعمى قد يخطئ في وقت الأذان من غير اختيار، وقد قال سبحانه:(لَيْسَ عَلَى الأَعْمى حَرَجٌ)(4) ومقتضى اطلاق الآية عدم المحذور في خطأ الاعمى مطلقاً ، وربّما كان سكوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم تعرضه له وردعه لعدم ترتب مفسدة عليه، إذ انّ الاعتماد كان منصباً على أذان بلال.

هذا كلّه على ضوء ما رواه أهل السنة وأمّا على ضوء أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)فالظاهر من الشيخ الطوسي في «الخلاف»(5) ، والمحقّق في «المعتبر»(6)، والعلاّمة في المنتهى(7) هو الاتّفاق على الجواز، ولكنّه ليس بتام حيث خالف فيه ابن الجُنيد والمرتضى وأبو الصلاح وابن إدريس(8)، وربما استظهر من كلام المرتضى الإجماع على عدم الجواز، فلا يمكن الاعتماد


1 . الكافي:4/98، الحديث 3.

2 . من لا يحضره الفقيه:1/189، الحديث905.

3 . التهذيب:4/184، الحديث 315.

4 . النور:61.   

5 . الخلاف:1/269.

6 . المعتبر:2/138.  

  7 . المنتهى:11/425.

8 . الجواهر:9/89.


صفحه19

على نقل هذا النوع من الإجماع لا من المجوز ولا من المانع، والعمدة عطف النظر إلى الروايات الواردة في هذا المجال.

نقول يدلّ على الجواز:

1. صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: إنّ لنا مؤذِّناً يؤذِّن بليل؟ فقال (عليه السلام): «أما إنّ ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة، وأمّا السنة فإنّه يُنادى مع طلوع الفجر».(1)

2. ما رواه ابن سنان أيضاً عن الصادق (عليه السلام)قال: سألته عن النداء قبل الفجر؟ قال (عليه السلام): «لا بأس، وأمّا السنّة مع الفجر، وانّ ذلك لينفع للجيران» ـ يعني قبل الفجر ـ .(2)

هذا ولا يخفى أنّ لحن الحديث أظهر في عدم الجواز حيث يعدُّ الأذان قبل الفجر مقابل السنّة، ويعلّل الجواز بقيام الجيران إلى الصلاة، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الظروف كانت لا تسمح للإمام (عليه السلام)بأن يصرح بعدم الجواز.

ويؤيد ما ذكرنا الروايات التالية:

1. روى معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: «لا تنتظر بأذانك وإقامتك إلاّ دخول وقت الصلاة».(3)


1 . الوسائل: 4، الباب8 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث7.

2 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 8 .

3 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث1.


صفحه20

2. روى عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول لبلال إذا دخل الوقت:«يا بلال اعلُ الجدارَ وارفع صوتك بالأذان».(1) ولحن الحديث يكشف عن اهتمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأذان بلال في مقابل أذان ابن أُمّ مكتوم.

كلّ ذلك يبعث الفقيه إلى عدم الإفتاء بالجواز، واستخدام وسيلة أُخرى لإيقاظ الناس للصلاة، فالأحوط والأولى ترك رفع الأذان قبل الفجر والاكتفاء بأذان واحد عند الفجر.

ولو تنزلنا فأقصى ما يمكن أن يقال: إنّه يجوز الأذان قبل الفجر بدقائق في خصوص شهر رمضان المبارك كما هو مورد الحديث وعدم التجاوز عنه.

وأمّا قياس سائر الشهور بشهر رمضان فغير صحيح، لما علمت من وجود الفرق بين هذا الشهر وسائر الشهور.


1 . الوسائل: 4، الباب 8 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث5.


صفحه21

الرسالة الرابعة والسبعون

أحكام صلاة المسافر


صفحه22


صفحه23

وقع السفر في الشرع موضوعاً لعدّة أحكام في الأجزاء المتقدّمة، ونشير إلى بعضها الآخر في المقام:

1. التقصير في الصلاة عزيمة لا رخصة.

2. الإفطار في الصوم الواجب والمستحب عزيمة إلاّ ما استثني:

أ. صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع لقوله سبحانه: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجِّ وَ سَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشرَةٌ كامِلَة)(1) .

ب. صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً، وهو ثمانية عشر يوماً.

ج. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصاً أو سفراً وحضراً دون النذر المطلق.

د. لا يجوز الصوم المندوب في السفر إلاّ ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة. والتفصيل موكول إلى كتاب الصوم.


1 . البقرة: 196.


صفحه24

 

3. سقوط النوافل النهارية:

تسقط النوافل النهارية كنافلة الظهرين، ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر، قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(1)

أمّا نافلة المغرب فلا تسقط لقوله: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر».(2)

كما أنّه لا تسقط نافلة الفجر، روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر في السفر والحضر».(3)

إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء، فقد اختلفت كلمتهم في سقوطها وعدمه.

قال الشيخ: وليس على المسافر شيء من نوافل النهار، فإذا سافر بعد زوال الشمس قبل أن يصلّي نوافل الزوال فليقضها في السفر بالليل أو بالنهار، وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدمناه.(4)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 3، الباب 25 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 6. ولاحظ بقية روايات الباب.

4 . النهاية: 125، صلاة المسافر.


صفحه25

والمراد ممّا قدّمه ما ذكره في أوائل كتاب الصلاة من أنّ سنن السفر سبع عشرة ركعة: أربع ركعات بعد المغرب، كحالها في الحضر، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل، وركعتا صلاة الفجر، فهذه سبع عشرة ركعة. ـ ثمّ قال: ـ ويجوز أن يصلّي الركعتين من جلوس التي يصليها في الحضر بعد العشاء الآخرة.(1) ترى أنّه لم يجعلهما من سنن السفر، وإن حكم بجواز الإتيان، وهذا يدلّ على وجود التفاوت بين الحكمين من حيث الوضوح والخفاء.

قال ابن إدريس: وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدّمناه إلاّ الوُتيرة.(2)

وقال المحدّث البحراني: الأظهر عندي هو القول بما صرّح في النهاية من بقاء استحبابها في السفر كما في الحضر لعدّة من الأخبار.(3)

أقول: السقوط هو الموافق للقاعدة لسقوط الفرع بسقوط الأصل إلاّ أن يدلّ دليل على التخصيص وهو ليس ببعيد.

1. روى الصدوق في الفقيه عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام)أنّه قال: «إنّما صارت العتمة مقصورة وليس نترك ركعتيها، لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتم بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع».(4)

وقال الصدوق: وما كان فيه عن الفضل بن شاذان من العلل التي ذكرها


1 . النهاية:51.   

2 . السرائر: 1/344.

2 . الحدائق: 6/46.

3 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.


صفحه26

عن الرضا (عليه السلام)فقد رويته عن عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار ـ رضي اللّه عنه ـ عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)(1). وكلاهما لم يوثّقا.

أقول: إنّ عبد الواحد بن عبدوس من مشايخ الصدوق الذين أخذ منهم الحديث والمعروف في لسانهم عدم الحاجة إلى توثيقهم، لأنّ اعتماد المشايخ المتقدّمين على النقل عنهم وأخذ الأخبار منهم والتتلمذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال«فلان ثقة».

وأمّا علي بن محمد بن قتيبة فهو من مشايخ الكشي الذي أكثر الرواية عنه(2) في كتابه المشهور في الرجال.

أضف إلى ذلك: أنّ الدليل غير منحصر بذلك، ويمكن استظهار عدم السقوط من روايات أُخرى كما سيوافيك تالياً.

2. ما تضافر عنهم (عليهم السلام)بأظهر تأكيد على الحثّ على الإتيان بهما حتى عُدّ عدم الترك من لوازم الإيمان باللّه واليوم الآخر. وهذه الروايات وإن كانت مطلقة قابلة للتخصيص بالحضر لكن لسانها يأبى عن التخصيص، بل يعد حاكماً على ما دلّ على سقوط النوافل إثر سقوط الركعتين.

روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال، قال أبو جعفر (عليه السلام): «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلاّ بوتر».(3) والمراد منه حسب ما ورد في


1 . الوسائل: ج 19، خاتمة الكتاب في ذكر طرق الصدوق ، رقم 251.

2 . تنقيح المقال:2/308.

3 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1 .


صفحه27

رواية أبي بصير هو الركعتان بعد العشاء الآخرة.(1)

ثمّ إنّ النسبة بين هذه الروايات وما دلّ على سقوط النافلة عند سقوط الفريضة الرباعية، عموم وخصوص من وجه. فهي خاص بالوتيرة، وعام لأجل شمولها السفر والحضر، وما دلّ على الملازمة بين السقوطين خاص لأجل اختصاصها بالسفر، وعام لأجل شمولها الوتر ونوافل الظهرين ومقتضى القاعدة سقوطهما في مورد الاجتماع وهو الوتر في السفر، لكن لسان القسم الأوّل، يأبى عن التخصيص فيقدم على الثاني وتكون النتيجة اختصاصه بنوافل الظهرين.

فإن قلت: إنّ مفهوم الروايات أنّ من بات بلا وتر، فليس بمؤمن باللّه واليوم الآخر، ولذلك لابدّ من تفسير الوتر بصلاة العشاء وتسميته وتراً، لأجل أنّها الصلاة الخامسة.

قلت: إنّ هذه التعابير واردة في المكروهات والمستحبات لبيان شدة الكراهة أو الاستحباب، قال الصادق (عليه السلام): «لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تدع ذلك (عانتها) فوق عشرين يوماً».(2)

وورد أنّ من سافر وحده فهو شرّ الناس.(3)

و ورد اللعن على من أكل زاده وحده، والنائم في بيته وحده، والراكب في الفلاة وحده.(4) وأمّا تفسير الوتر بالعشاء فغير صحيح إذ لم يرد في


1 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 8. ولاحظ الحديث 2، 4 .

2 . الوسائل: ج 1، الباب 86 من آداب الحمام، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 4.

4 . الوسائل: ج 8 ، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 7.


صفحه28

حديث تسميتُها وتراً، ولكن سمى نافلة العشاء وتراً في غير واحد من الروايات.

3. يظهر من بعض الروايات أنّ الفرائض والنوافل كانت خمسين ركعة، فأضاف النبيُّ ركعة عليها ليكون عدد النوافل ضعف الفرائض:

ففي صحيح معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «كان في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): ... أمّا الصلاة فالخمسون ركعة».(1)

و في صحيح الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر».(2) ومعناه أنّه لا صلة لها بصلاة العشاء، غير أنّها تقع بعدها شُرِّعت لتدارك احتمال فوت الوتر.

و مثله خبر المفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت: أُصلي العشاء الآخرة، فإذا صليتُ، صليتُ ركعتين وأنا جالس فقال: «أما إنّها واحدة، لو متّ، متّ على وتر»(3).

وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: « ... نعم انّهما بركعة فمَن صلاّهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، فإن لم يحدث به حدثُ الموت يصلّي الوتر في آخر الليل».(4)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.

4 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.


صفحه29

إلى هنا تمّ دليل القائل بعدم السقوط، وفي مقابله ما يمكن الاستدلال به على السقوط كالتالي:

1. حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)أنّهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».(1)

2. روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث».(2)

3. روى أبو يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بُنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».(3) والتقييد بالنهار في سؤال الراوي لا في كلام الإمام.

يلاحظ على الأُولى والثالثة بأنّهما محمولتان على النوافل النهارية بقرينة صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر؟ قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(4)

نعم يظهر من رواية أبي بصير كرواية ابن سنان المذكورة انّ السقوط يعم النهاريّة والليليّة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر، وليس عليك قضاء صلاة النهار وصلّ صلاة الليل واقضه».(5)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3 .

3 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.

4 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.

5 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.


صفحه30

فإنّ الاستثناء دليل على عموم قوله: «ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».

ولكن لو تمّ العموم، يخصص بالوتيرة وأمّا على القول بأنّها تقديم للوتر الوارد في صلاة الليل فيكون تخصصاً.

و منه يظهر الجواب عن التعليل الوارد في قوله: «لو صلحت النافلة تمت الفريضة» فان الظاهر ان الوتيرة خرجت عن تحت المنع تخصصاً لأنّها شرعت لتدارك احتمال فوت الوتر، نعم بما أنّ التعليل، تعليل بأمر ارتكازي يشكل القول بخروجها تخصيصاً ، وبما أنّ المسألة لا تخلو عن شوب إشكال فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية.

4. عدم سقوط نافلة المغرب والصبح وصلاة الليل

اتّفقت كلمتهم على عدم سقوط نافلة المغرب والفجر وصلاة الليل.

أمّا الأوّل فقد تضافرت الروايات على عدم سقوطها، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في حضر ولا سفر».(1) وأمّا الأخيران فعن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا (عليه السلام)أنّه كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين ـ إلى أن قال ـ : ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر من سفر ولا حضر. (2) وأمّا النوافل غير الرواتب فيجوز، لإطلاق أدلّتها.


1 . الوسائل: ج 3، الباب 24 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.


صفحه31

 

5. جواز الإتيان بالنافلة إذا خرج بعد الزوال

قد عرفت تضافر الروايات على سقوط نافلتي الظهر والعصر في السفر، غير أنّه ورد الاستثناء في موردين أشار إليهما السيد الطباطبائي في المسألة الأُولى والثانية،(1) وإليك البيان، قال السيد:

إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر، ثمّ سافر قبل الإتيان بالظهرين يجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً وإن كان يصلّيهما قصراً، وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.

و يدلّ على ما ذكره موثقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سُئل عن الرجل إذا زالت الشمس، وهو في منزله ثمّ يخرج في السفر، فقال: «يبدأ بالزوال فيصلّيها ثمّ يصلي الأُولى بتقصير ركعتين، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضر الأُولى» وسُئل: فإن خرج بعدما حضرت الأُولى، قال: «يصلّي الأُولى أربع ركعات، ثمّ يصلّي بعدُ النوافلَ ثماني ركعات، لأنّه خرج من منزله بعدما حضرت الأُولى، فإذا حضرت العصر، صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان، لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر». (2)

والسند نقيّ قابل للاحتجاج، والدلالة واضحة، إنّما الكلام في تطبيق المضمون على القواعد المعتبرة وآراء الأصحاب ففيها:

أوّلاً: أنّه قد جمع في الإجابة عن السؤال الأوّل بين الإتيان بالنوافل في


1 . العروة الوثقى: 3 / 508، أحكام صلاة المسافر، المسألة 1 و 2 .

2 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث1.


صفحه32

السفر، والإتيان بالفريضة قصراً وعلّل بأنّه خرج من المنزل وقد دخل وقت النوافل، ولم يدخل وقت الفريضة بمعنى أنّه إذا زالت الشمس يدخل وقت النوافل دون الفريضة وإنّما يدخل وقتها بعد مضي شيء كالقدم والذراع.

وهو مخالف لما تضافر من الروايات من أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه.(1)

وثانياً: فقد حكم في الإجابة عن السؤال الثاني بأنّه إذا خرج بعدما حضرت الأُولى (وقت صلاة الظهر) يصلّي الظهر في السفر أربع ركعات، ومعناه أنّ المناط في التقصير والإتمام هو وقت الوجوب، لا وقت الأداء وهو خلاف المشهور بين الأصحاب.

وثالثاً: لم يعلم وجه تقديم الفريضة الرباعية في السفر، على نوافلها حيث قال: «ثمّ يصلي بعد النوافل ثماني ركعات»، مع أنّها متأخّرة في الحضر والمفروض أنّ الإتيان بها رباعية لأجل أنّه دخل وقتها وهو في الحضر، فيلزم أن يعامل معها مثل الحضر، ومن المعلوم أنّ نوافل الظهر متقدّمة على الفريضة في الحضر من غير فرق بين قراءة «بعد» في الحديث مضموماً غير مضاف أو منصوباً مضافاً فتأمل.

و رابعاً: أنّ مفاد الموثقة أضيق ممّا جاء في العروة لأنّه يخص الإتيان بنوافل الظهر بما إذا لم يدخل وقت الظهر وهو قبل بلوغ الظل إلى قدر القدم أو الذراع مع أنّ كلامه مطلق، يعم كلّ من خرج عن البلدة بعد الزوال وإن دخل وقت صلاة الظهر وزاد الظل عن القدم أو الذراع.


1 . الوسائل: ج 3، الباب 4 من أبواب المواقيت.


صفحه33

 

6. التنفّل في السفر إذا أخّر الفريضة

هذا هو المورد الثاني الذي استثني من سقوط النافلة في السفر وهو إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر ولكنّه ترك الإتيان بالظهر أو العصر حتى يدخل المنزل أو محلّ الإقامة فيأتي بها تماماً، فهل يجوز الإتيان بنوافلها حال السفر؟ هذا في نافلتي الظهرين، وأمّا نافلة العشاء فبأن يقال: إذا صلّى العشاء في الحضر(1) ثمّ سافر، فهل يجوز له الإتيان بالنافلة في السفر؟ فقد أفتى السيد بالجواز في الجميع اعتماداً على التعليل الوارد في رواية الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم جميعاً، عن أبي يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة».(2)

والسند لا غبار عليه إلاّ في آخره، أعني: أبا يحيى الحنّاط فقد ذكره النجاشي في باب الكنى برقم 1237 ولم يذكر فيه شيئاً من المدح والذم، وذكر سنده إلى كتابه عن طريق شيخه الحسين بن عبيـد اللّه الغضـائري المتوفّى عام 411 هـ ، والد ابن الغضائري، ويروي كتابه عنه الحسن بن محمد بن سماعة(3). وذكره الشيخ في الفهرست وذكر سنده إليه المنتهي إلى الحسن ابن محبوب عنه. ونقلت الرواية في التهذيب والاستبصار والفقيه عن


1 . اختلافهما في التصوير لأجل تقدّم نافلتي الظهرين عليهما وتأخّر نافلة العشاء عنه، فلذلك اختلف تصويرهما.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.

3 . رجال النجاشي: برقم 1237.


صفحه34

الحسن بن محبوب، عن أبي يحيى، وعناية المشايخ بذكر السند إلى كتابه، ونقل الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم عنه، يورث اطمئناناً بوثاقته خصوصاً إذا كثرت الرواية عنه، والمضمون غير بعيد عن كلمات المعصومين إنّما الكلام في دلالتها، والظاهر عدمها بوجهين:

1. أنّها تدل على أنّه لو صلحت النافلة، لتمّت الفريضة، لا العكس أي لا أنّه لو تمت الفريضة، لصلحت النافلة.

2. سلّمنا أنّها تدلّ على الملازمة بين تمامية الفريضة، وصلاحية النافلة، لكنّها فيما إذا تمت الفريضة في السفر، تكون ملازماً لصلاحية النافلة لا مطلقاً كما في المقام حيث إنّه تتم الفريضة في الحضر. فالأقوى عدم مشروعية النافلة في هذه الفروض.

7. حكم العالم والجاهل في الصوم

اتّفقت الإمامية على أنّ صيام شهر رمضان في السفر حرام، وانّ الإفطار عزيمة، وظاهر الآية يدل على أنّ واجبَ من شهد الشهر، هو الصيام، وواجبَ من لم يشهده، هو صيام أيّام أُخر من أوّل الأمر، ولو قيل بالقضاء، فلأجل وجود المقتضي للصيام في حقّ كلّ المكلّفين، وإلاّ فبالنظر إلى المانع فالواجب في حقّ غير الشاهد هو صيام العدّة، قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ
)(1).

وقال سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِديَةٌ طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً


1 . البقرة: 185.


صفحه35

فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(1).

فإن قلت: إنّ قوله سبحانه في آخر الآية: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)دليل على كون الإفطار رخصة.

قلت: إنّه راجع إلى مجموع ما جاء في الآية، فإنّه سبحانه ذكر قبل هذه الجملة أُموراً:

1. أنّ عناء الصيام قليل، لأنّه ليس إلاّ أيّاماً معدودات.

2. أنّ المكتوب في حقّ المريض والمسافر، هو الصيام في أيّام أُخر.

3. المفروض على الذين يطيقونه، فدية طعام مسكين.

4. ومن تطوّع بزيادة الطعام أو بكلّ خير، فهو خير له.

5. أنّ صيامكم خير لكم كما قال: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ)مشيراً، إلى أهمية الصيام وكونه الركن الثاني بعد الصلاة، وأنّه لا يصحّ لمسلم التخطّي عنه بالحجج الواهية.

فقوله: هذا (و أن تصوموا)خطاب للمخاطب الوارد في صدر الآية حيث قال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ولا صلة له بالمسافر، لأنّه غير شاهد، وأمّا المريض أو المطيق، فالرجوع إليهما باطل بالاتفاق، ولم يقل أحد أنّ صيام المريض، خير من إفطاره، أو صيام الشيخ والشيخة المطيقين خير من إفطارهما لأنّ المفروض أنَّ صومهما حرجي، والتكليف الحرجي مرفوع


1 . البقرة: 184.


صفحه36

بقوله سبحانه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج)(1) .

وقد حضرت في مؤتمر فقهي لأهل السنّة حول أحكام السفر، فكان الحاضرون من الأحناف القائلين بصحّة الصوم في السفر وقد أوضحت مفاد الآية. فلم أسمع منهم شيئاً قابلاً للذكر إلاّ التمسك بذيل الآية: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ)زاعمين أنّه راجع إلى خصوص المسافر، وهو كما ترى.

وعلى ذلك فصيام العالم بالحكم باطل بلا شكّ مضافاً إلى الروايات الواردة، إنّما الكلام في الجاهل بالحكم أوّلاً، والجاهل بالخصوصيات ثانياً، والجاهل بالموضوع ثالثاً.

أمّا الأوّل: فيصحّ لصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال: « إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم».(2)

وصحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام في السفر فقال: «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه».(3)

وصحيح العيص بن القاسم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «من صام في


1 . الحج: 78.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


صفحه37

السفر بجهالة لم يقضه».(1) ومثله صحيح ليث بن البختري المرادي.(2)

إنّما الكلام في الجاهل، وهو على أقسام:

1. جاهل بأصل الحكم، 2. جاهل بالخصوصيات، 3. جاهل بالموضوع.

قال في الجواهر: ولا يبعد إلحاق الصوم بالصلاة كما نصّ عليه في الدروس... إلى أن قال: ويؤيده في الجملة تلازم القصر والإفطار والصيام والتمام وأنّهما سواء.(3)

و قال السيد الطباطبائي: حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة فيبطل مع العلم والعمد ويصحّ مع الجهل بأصل الحكم، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع.(4)

أقول: كان عليه أن يستثني صورة النسيان، لأنّ مقتضى قوله: «حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة» أن يكون الناسي في باب الصوم مثل الناسي في مورد الصلاة، مع اختصاص دليل الناسي بباب الصلاة.

وعلى كلّ تقدير فمن قائل باختصاص الأجزاء بالجهل بأصل الحكم، إلى قائل آخر بشمول الحكم لعامة صور الجهل حتى الخصوصيات، والموضوع ذهب إليه السيد الخوئي وبعض آخر.

وأمّا الروايات فعلى أقسام ثلاثة:


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.

3 . الجواهر:14/345.   4 . العروة الوثقى: 3 / 511، أحكام صلاة المسافر، المسألة 4 .


صفحه38

1. ما يدلّ على عدم الإجزاء كصحيح معاوية بن عمّار قال: سمعته (عليه السلام)يقول: «إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزه وعليه الإعادة». (1)

ونظيره صحيح الفضل، عن الرضا (عليه السلام).(2)

2. ما يفصِّل بين بلوغ نهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم بلوغه، ففي صحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام في السفر؟ فقال: «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه».(3)

وفي صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: « إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، وقد أجزأ عنه الصوم».(4)

3. ما يفصِّل بين الجهالة وعدمها، ففي صحيح العيص بن القاسم(5)وأبي بصير ليث بن البختري المرادي: «و إن صامه بجهالة لم يقضه».(6)

لا شكّ أنّ الصنف الأوّل يخصّص أو يقيّد بما في الصنفين الأخيرين، إنّما الكلام في عموميتهما لعامة صور الجهل:

قال السيد الحكيم(قدس سره)ما هذا حاصله: أنّ الصنف الثالث وإن كان يعمّ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2 .

5 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5 .

6 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.


صفحه39

جميعَ صور الجهل، لكنّه مخصص بالصنف الثاني الذي هوأخصّ منه، ويدل على المعذورية في صورة الجهل بالحكم فيقدم للأخصية، ولو سلم التساوي وعدم الترجيح في الظهور، فالمرجع إطلاق ما دلّ على بطلان الصوم في السفر.(1)

أقول: الظاهر أنّ المراد من الجهالة ليس مطلق الجهل بل بحسب ما ذكره الراغب في مفرداته بأن الجهل هو فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل. (2) واستشهد لقوله: (أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالَة) ، ويدل عليه قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَة)(3)، وقوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سوءاًبِجَهالة) (4)، وقوله تعالى: (لِلّذِينَ عَمِلُوا السوءَ بِجَهالة) (5) فلا يصدق إلاّ على ما إذا كان هناك تقصير فيخرج منه الجهل بالموضوع والجهل بالخصوصيات إذا كان المورد ممّا لا يبتلى به المكلّف غالباً، وعليه فيتّحد مفاد الصنفين من دون أن يكون بينهما تناف حتى يخصص أحدهما بالآخر.

إنّ هنا نكتة مهمة وهي كما أنّ للآيات شأن نزول، فهكذا للأحاديث المروية أسبابَ صدور، لو رجع الفقيه إليها لزال الإبهام، فهذه الروايات مشيرة إلى ما ورد في الباب الأوّل من أبواب ما يصحّ منه الصوم متضافراً ونقتصر بذكر واحدة ; روى العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر، وقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج


1 . المستمسك:8/166.                2 . المفردات: 120، مادة «جهل».

3 . النساء: 7.   4 . الأنعام: 54.

5 . النحل: 119.


صفحه40

من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم(1) دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر، ثمّ أفطر الناس معه، وتم أُناس على صومهم فسماهم العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه».(2)

فالمراد من نهي رسول اللّه هو هذا النهي الوارد في سفره إلى فتح مكة فأفطر في «كراع الغميم» فأفطر أكثر الصحابة وصام قليل منهم وسمّاهم رسول اللّه عصاة، فإذا كان المراد منه هذا النهي، فلا شكّ أنّه مشير إلى الجهل بأصل الحكم، روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قوله عزّوجلّ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) قال: «ما أبينها من شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه».(3) فالروايات الأربعة من غير فرق بين قوله: إن كان بلغه أنّ رسول اللّه نهى عن ذلك، وقوله: «وإن صام بجهالة» كلها مشيرة إلى هذا النهي الوارد في الواقعة الخاصة، وتعم كلّ واقعة مثلها كالعلم بأصل الحكم لا إلى غير مثلها كالجهل بالخصوصيات أو الجهل بالموضوع، إذ لم يرد نهي عن النبي في ذينك الموردين حتى يتعلق به العلم والجهل.

و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي، فقال في كلام مسهب حاصله: أنّ نهي النبي عن الصوم في السفر انحلالي ـ كما في سائر النواهي ـ ينحل إلى نواهي عديدة بعدد أفراد الصيام الواقعة في الأسفار


1 . موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. معجم البلدان: 4/443.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 ، ولاحظ روايات الباب.


صفحه41

فلكل، نهي يخصّه مغاير لغيره، ومن المعلوم أنّ هذا الفرد الشخصي الصادر من الجاهل بالخصوصية لم يبلغ نهيُه، فيكون محكوماً بعدم وجوب القضاء بمقتضى صحيح الحلبي وغيره.

ومع التنزل والشكّ في أنّ مرجع الشكّ هل هو الطبيعي أو الصنف الخاص، فغايته إجمال صحيحي عبد الرحمن والحلبي، ويرجع إلى إطلاق صحيح العيص الدال على نفي القضاء عن مطلق الجاهل من غير معارض.(1)

يلاحظ عليه: ما عرفت من أنّ روايات الباب، ناظرة إلى النهي الصادر عن النبي في فتح مكة، ولم يكن النهي فيها إلاّ نهياً في واقعة خاصة غاية الأمر يعم الحكم كلّ واقعة مثلها، لا غيرها، وأمّا ما أفاده أخيراً من أنّ المرجع إطلاق صحيح العيص الدالّ على نفي القضاء عن مطلق الجاهل، فقد عرفت من أنّ لفظ الجهالة، غير لفظ الجهل; وأنّ الأوّل يستعمل في المورد الذي من حقّه أن لا يفعل وهو يلازم العمل الصادر عن تقصير وغرور فلا يعم الجهل بالموضوع ، ولا الجهل بالخصوصيات التي ليس من شأن المكلّف أن يتعلمها قبل الابتلاء.

ثمّ إنّ له(قدس سره)بياناً آخر لشمول الحكم للجهل بالموضوع، وهو لا يخلو من تأمّل وإشكال نتركه للقارئ الكريم.

8 . إذا لم يصلّ الجاهل بالحكم ثمّ علم

إذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت، ثمّ علم بوجوب القصر على المسافر، فهل يقضيه قصراً أو يقضيه تماماً؟


1 . مستند العروة:8/375.


صفحه42

ومثله ما إذا لم يصلّ ناسي الحكم أو الموضوع ثمّ خرج الوقت فهل يقضيه قصراً أو تماماً؟

لا شكّ أنّ مقتضى قاعدة: «اقض ما فات كما فات» هو القضاء قصراً، وإنّما احتمل خلافه لأجل أنّه لو صلّى تماماً، لكان صحيحاً فيحتمل أن يكون الواجب في حقّه هو التمام فتقضى تماماً.

و الظاهر هوالقضاء قصراً لما عرفت من أنّ الواجب في حقّ المكلّفين قاطبة هو القصر، وأنّ الشارع تقبل التمام مكان القصر، لمصلحة يراها من دون انقلاب التكليف الواقعي في حقّه إلى التمام، لعدم دلالة الأدلّة الماضية خصوصاً رواية الفاضلين عليه، وعلى ذلك فيختص التقبّل بظرف الجهل فإذا علم بواجبه يرتفع العذر، فيجب عليه القضاء حسب ما فات.

وبعبارة أُخرى: القضاء في الحقيقة توسعة في وقت الفعل بدليل غير دليل الأداء، فهو في الحقيقة كمن علم في الوقت قبل أن يُصلّي، وقوله (عليه السلام): «كما فاتته» يراد منه كيفيات الفعل الّتي قررها الشارع له في الواقع لا بحسب زعم المكلّف.(1)

نعم لو بقى على جهله وقضاها تماماً خارج الوقت، لكان للقول بالصحّة وجه، لإطلاق رواية الفاضلين وغيرهما وأنّ الجهل مادام موجوداً فهو عذر في حقّه.


1 . الجواهر :14/352، وجه التأمل احتمال كون الفريضة عليه في نفس الأمر هوالتمام فلا وجه لقوله: «بحسب زعم المكلف».


صفحه43

ومنه يعلم حكم الناسي فلو ارتفع النسيان قبل القضاء فيقضي قصراً، وإلاّ فيكفي قضاؤها تماماً جرياً على النسيان.

9. إذا تذكّر الناسي في أثناء الصلاة

قد ذكر السيد الطباطبائي في هذه المسألة فروعاً لا بأس بالإشارة إليها ثمّ بيان حكمها:

1. إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة وكان التذكر قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، أتم الصلاة قصراً.

2. إذا تذكّر بعد الدخول بطلتْ ووجبت عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة.

3. إذا تذكّر بعد الصلاة تماماً وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فتجب إعادتها قصراً.

4. إذا شرع الجاهل بالموضوع أو بالخصوصية بنيّة التمام، ثمّ علم بذلك في الأثناء أنّ حكمه القصر، فحكمه في جميع الصور حكم الناسي.

5. من كانت وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً ـ كما هو الحال في المقيم الجاهل ـ ثمّ تذكّر في الأثناء، يعدل إلى التمام ولا يضرّه أنّه نوى من الأوّل ركعتين مع أنّ الواجب عليه أربع ركعات، لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق لا التقييد.

هذه هي الفروع المذكورة في هذه المسألة ولنأخذ كلّ واحد بالبحث.


صفحه44

أمّا الأوّل: أي تذكّر قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، أي في مورد يمكن العود إلى القصر لعدم فوت محلّ العدول، فوجوب إتمامها قصراً بهدم القيام، يتوقف على ثبوت أمرين:

أ. انّ عنوان التمامية والقصرية ليس من العناوين القصدية، فلو نوى التمام مكان القصر فلا يضرّ تخلف قصد العنوان، وذلك لعدم الدليل على ذلك وإنّما الواجب نيّة فرض الوقت من الصلاة، وقد صرح به الشيخ في الخلاف وقال: القصر لا يحتاج إلى نيّة القصر، بل تكفي نيّة فرض الوقت. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجوز القصر إلاّ بثلاثة شروط: أن يكون سفراً تقصّر فيه الصلاة، وأن ينوي القصر مع الإحرام، وأن تكون الصلاة أداء لا قضاء، فإن لم ينو القصر مع الإحرام لم يجز له القصر. قال المزني: إن نوى القصرَ قبل السلام جاز له القصر. دليلنا: انّه قد ثبت بما دللنا عليه أنّ فرضه التقصير، وإذا ثبت ذلك لم يحتج إلى نيّة القصر، ويكفي أن ينوي فرض الوقت، فإن فرض الوقت لا يكون إلاّ مقصوراً، وأيضاً: الأصل براءة الذمّة فمن أوجب عليها هذه النية فعليه الدلالة.(1)

و كفانا الشيخ في إقامة الدليل على عدم وجوب نيّة القصر، وحاصله: أنّ واجبه هو مصداق القصر وواقعه لا عنوانه، ويكفي في قصد الواقع، قصد فرض الوقت فهو عنوان مشير إلى القصر بالحمل الشائع.

ب. مشكلة قصد الأمر المخالف: إذ هو قصد الأمر المتعلّق بالتمام ولم يقصد الأمر المتعلّق بالقصر، فما قصد لم يكن واجباً وما وجب لم يقصده.


1 . الخلاف: 1 / 579، كتاب الصلاة، المسألة 335.


صفحه45

وحلّها بما عرفت، من أنّ هنا أمراً واحداً متعلّقاً بصلاة الظهر مثلاً، وإنّما الاختلاف في المصداق كاختلاف الصحيح والمريض فيه، فالمكلّف حاضراً كان أو مسافراً، صحيحاً كان أم مريضاً يقصد الأمر الواحد المتعلّق بفرض الوقت من الظهر والعصر، وإنّما الاختلاف في المصداق المحقِّق لها، فالواجب على الحاضر، الإتيان بها في ضمن الفرد التام، والواجب على المسافر الإتيان بها في ضمن الفرد المقصور. نعم الأمر الثاني أمر إرشادي لا مولوي، لبيان الفرد المطلوب من المكلّف في هذه الحالة، وعلى ذلك فالأمر المقصود لكلّ من الصنفين أمر واحد، غير أنّ الاختلاف في المصداق والمحقّق للطبيعة وقد عُيّن المصداق بأمر إرشاديّ، فقد فرض على الحاضر امتثال الأمر المتعلّق بفرض الوقت في ضمن الفرد التام، كما فرض على المسافر امتثال نفس ذلك الأمر في ضمن الفرد المقصور.

وبذلك يظهر مقصود السيد الطباطبائي من قوله: «إنّه لا يضر كونه ناوياً من الأوّل التمام، لأنّه من باب الداعي والاشتباه في المصداق لا التقييد، فيكفي قصد الصلاة والقربة بها».

وحاصله: أوّلاً: أنّ نيّة القصر ليست بواجبة، فلا تكون نيّة التمامُ مُخلّة.

وثانياً: أنّ نيّة التمام عنوان مشير إلى قصد الأمر المتعلّق بفرض الوقت وداع إلى التوجه إليه. بتصور أنّه يجب امتثاله في ضمن الفرد التام مع كونه تصوراً خاطئاً.

وثالثاً: أنّ نية التمام ليس تقييداً في مقام الامتثال بأن ينوي أنّه إنّما


صفحه46

يمتثل الأمر المتعلّق بفرض الوقت، إذا أمكن امتثاله في ضمن الفرد التمام، وإلاّ فليس قاصداً لامتثاله.

ثمّ إنّ للسيد المحقّق الحكيم ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ عبارة لا تخلو من تأمّل قال: إنّ الحاضر والمسافر يأتيان بفعل واحد ممتثلين أمراً واحداً، غير أنّ الحاضر يقصد امتثال ذلك الأمر في ضمن امتثاله للأمر المنبسط على الركعات الأربع، والمسافر يقصد(1) الأمر المتعلق بالركعتين مستقلاً بلا ضمّ امتثال الآخر إليه، بل يقصد امتثال الأمر بهما بقيد عدم زيادة عليهما.(2)

ولا يخفى ما فيه مضافاً ـ إلى الغموض في التعبير ـ أنّ الأمر الثاني، ليس أمراً مولوياً بل إرشادي، أي أنّ فرد الطبيعة المطلوب منه في هذه الحالة هو ذاك الفرد، دون الفرد الآخر فليس للأمر الثاني امتثال، حتى يكون له امتثال في ضمن امتثال الأمر الأوّل كما هو ظاهر كلامه.

أمّا الثاني: إذا تذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، فقد قال السيد الحكيم : «بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة». و ذلك لأنّه تذكر والوقت باق ولو بعناية إذا تذكّر وقد بقي من الوقت ركعة فيدخل تحت قوله: «مَن أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعاً». وهذا النص وإن لم يرد في موسوعاتنا الروائية لكن نقله المحقّق في المعتبر (3)، ويؤيّده سائر روايات الباب من أدرك ركعة من الصلاة، أو من العصر....(4)


1 . لعلّ الصحيح لا يقصد.   2 . المستمسك:8/169.

3 . المعتبر: 2 / 47 : قال في منَ أدرك ركعة من آخر الوقت أنّه مؤد لا قاض لقوله (عليه السلام): «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت».

4 . الوسائل: ج 3، الباب 30 من أبواب المواقيت.


صفحه47

إنّما الكلام إذا تذكّر وقد ضاق الوقت فهل يتمّه اتماماً ويجتزئ به أو يُحْكَم ببطلانها ويقضيها؟ وجهان من أنّ قوله: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد»(1) كناية عن إمكان الإتيان بها في الوقت والمفروض عدمه فيدخل في الشّق الثاني: «و إن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه» ومن أنّ
ما دلّ على الصحّة مختص بما لو ذكر وفرغ من الصلاة المفروض أنّه بعدُ فيها.

والأقوى هو الثاني لما ذكر في الوجه الثاني من أنّ مورد الرواية فيما لو تذكّر وقد فرغ من الصلاة، فتكون الزيادة سهوية مغتفرة، وأمّا المقام فقد تذكر وهو في ركوع الركعة الرابعة(2) فإنّ إتمامها يُعدّ. زيادة عمدية ولا دليل على كونها مغتفرة فلا محيص عن القول بالبطلان والقضاء.

وأمّا الثالث: أي إذا تذكر بعد الصلاة تماماً وقد بقى من الوقت ركعة فيجب إعادتها قصراً، لدخول المورد في الشقّ الأوّل من رواية أبي بصير: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد» بناء على أنّ اليوم كناية عن بقاء الوقت كما في الظهرين.

وأمّا الرابع: أي إذا شرع الجاهل بالموضوع أو بالخصوصية بنيّة التمام ثمّ علم بذلك أنّ حكمه القصر، فحكمه في جميع الصور حكم الناسي، وذلك لأنّ الجاهل يفترق عن الناسي في نفس الوقت إذا أتم، فلا يعيد


1 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

2 . لأنّ المفروض عدم بقاء الوقت و لو بإدراك ركعة فلابدّ من تغيير الفرض إلى ما ورد في العروة الوثقى.


صفحه48

الجاهل بخلاف الناسي، وأمّا إذا صار عالماً في الأثناء فهو مثل ما إذا تذكر فيه الناسي، فتجري فيه الصور المذكورة مع ما فيها من النقض والإبرام.

وأمّا الخامس: أي من كانت وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً كما هو الحال في المقيم الجاهل ثمّ تذكر في الأثناء فهو يعدل إلى التمام في جميع الحالات، ويشترك الفرع مع الفرع الأوّل في الإشكال والدفاع، لما عرفت من أنّ التمام والقصر ليسا من العناوين القصدية ولا تضره نيّة القصر مع كون المفروض عليه واقع التمام، إلى آخر ما ذكرناه.

10. لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد

ذكر السيد الطباطبائي صورتين للمسألة:

1. لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد (مع العلم بالحكم والموضوع) .

2. لو كان جاهلاً بأنّ وظيفته القصر فنوى التمام لكنّه قصّر سهواً.

ولكن الظاهر من الشيخ والمحقّق أنّ محلّ البحث هو الصورة الثانية .

قال الأوّل: إذا قصّـر المسافر مع الجهل بجواز التقصير بطلت صلاته، لأنّه صلّى صلاة يعتقد أنّها باطلة.(1)

وقال المحقّق: ولو قصّر المسافر إتّفاقاً لم تصح، وحمله في الجواهر(2) على صورة الجهل حيث استدلّ للبطلان بما استدل به الشيخ، كما سيوافيك.


1 . المبسوط: 1/139.   2 . الجواهر:14/350.


صفحه49

وذكرالسيّد العاملي صوراً ثلاث للمسألة.(1)

وذكر نظيرها السيد المحقّق الخوئي في مستنده(2)، وإليك بيانها:

1. إذا شرع في الصلاة ولم يكن ملتفتاً إلى شيء من التمام والقصر، كما لو اقتدى المسافر بإمام في ركعته الثالثة وسلّم بتبعته في الرابعة والتفت بعد السلام.

2. إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام وقد نسي الموضوع أو حكم صلاة المسافر فسلّم على الركعتين اتّفاقاً.

3. إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام جهلاً بالموضوع أو بالحكم ولكنّه قصّر سهواً.

ولندرس حكم صورة الجهل ويعلم منها حكم الصورتين الأُولتين، إذ لو صحّت الصلاة في صورة الجهل، تكون الصحّة فيهما أولى، ولأجل ذلك جعل السيد الطباطبائي الاحتياط في صورة الجهل آكد من غيرها.

نقول: قد تقدم أنّ الأمر المتعلّق بفريضة الوقت، واحد في حقّ الحاضر والمسافر، والكلّ مخاطبون بقوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) (3)، وإنّما الاختلاف في الأمر الإرشادي إلى إيجاد الكلي في ضمن فرد خاص ويشير إلى وحدة الأمر قوله سبحانه: (أَنْ تقصروا من


1 . مفتاح الكرامة: 3/604.

2 . مستند العروة: 8/388.

3 . الإسراء: 78.


صفحه50

الصلاة)(1)، فكأنَّ صلاة المسافر نفس صلاة الحاضر إلاّ أنّها مقصورة ومقطوعة من الآخر. فإذا كان كذلك فقصد التقرب حاصل، بلا كلام، ونيّة التمام ليست مخلّة، إذ ليست هي والقصر من العناوين القصدية حتى يُخِلَّ قصدُ الضد، وإنّما هي مشيرة إلى ما هو الواجب في وقت الفريضة، خاطئاً في التطبيق، مع القصد الجدي إلى إفراغ الذمة ممّا هو الواجب عليه بلا كلام، وقد مرّ توضيح كلّ ذلك.

نعم المشهور هو البطلان، وقد نقله في مفتاح الكرامة عن الشرائع والتحرير، والهلالية وغاية المراد وغيرها.(2) وبما أنّ المسألة ليست من الفقه المنصوص بل من الفقه المستنبط، فلا أثر لفتوى المشهور أبداً.

وقد استدلّ صاحب الجواهر على البطلان بوجوه أربعة:

1. أنّه صلّى صلاة يعتقد فسادها وأنّها غير المأمور به.

2. لم تكن الصلاة المقصورة، مقصودة بحال.

3. لم يقصد التقرب.

4. انّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.(3)

والجميع منظور فيه:

أمّا الأوّل: أي قوله: «صلّى صلاة يعتقد فسادها وأنّها غير المأمور به»،


1 . النساء: 101.

2 . مفتاح الكرامة:3/604.

3 . الجواهر:14/350.


صفحه51

فإنّما يضر إذا صلّى مع هذا الاعتقاد والمفروض أنّه قصّر غافلاً عن هذه العقيدة، فلا تكون مخلّة.

أمّا الثاني: فيلاحظ عليه بما مرّ من وحدة الأمر فهو قصد الأمر المتعلّق بفريضة الوقت وهو كاف في حصول القربة.

و به تظهر الإجابة عن الثالث من أنّه لم يقصد التقرب.

وأمّا ما أفاده من أنّ ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد، فإن أراد به عنوان التمامية فهو حقّ، وقد عرفت أنّه ليس من العناوين القصدية، وإن أراد الأمر المتعلّق بفريضة الوقت فقد قصده ووقع.

وبما ذكرنا يظهر وجه قول السيد الطباطبائي من أنّ الاحتياط بالإعادة في صورة الجهل آكد وأشدّ، من الصورة الأُولى أي ما قصّر اتّفاقاً لا عن قصد.

وذلك لأنّه في صورة الجهل قصد الخصوصية (التمامية) المغايرة لما هو الواقع بخلاف الأُولى فقد قصد نفس الأمر بلا خصوصية. نعم تشترك صورة النسيان مع صورة الجهل، في نيّة الخصوصية المغايرة.

و يحتمل أن يكون وجه الآكدية احتمال انقلاب الواجب في حقّ الجاهل إلى التمام، مع أنّه أتى بخلافه وقد عرفت ضعفه، وأنّ الثابت إجزاء التمام عن الواجب، لا انقلابه إليه.


صفحه52


صفحه53

الرسالة الخامسة والسبعون

في مشروعية عبادات

الصبي المميز


صفحه54


صفحه55

تتضمن المسألة فرعين:

1. مشروعية عبادات الصبي المميز.

2. التشديد عليها بسبع بلا فرق بين الذكر والأُنثى.

المشهور بين الأصحاب أنّ نية الصبي المميز صحيحة وصومه شرعي، وكذا جملة عباداته بمعنى أنّها مستندة إلى أمر الشارع فيستحق عليها الثواب،لا تمرينيّة. ذهب إليه الشيخ وجمع، منهم المحقق وغيره.

قال الشيخ: إذا نوى الصبي صحّ ذلك منه وكان صومه شرعياً.(1)

وقال العلامة في المختلف: الأقرب انّه على سبيل التمرين، وأمّا أنّه تكليف مندوب إليه، والأقرب المنع.

أمّا القائل بأنّها تمرينية، فدليله واضح، لأنّ التكليف مشروط بالبلوغ ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط.(2) مضافاً إلى حديث رفع القلم، فلو أُريد منه رفع قلم التكليف، فهو ليس بمكلف فكيف تكون عباداته شرعيّة؟!

ويمكن إثبات شرعية عباداته بالوجهين التاليين:

1. أنّ العقل لا يأبى توجيه الخطاب إلى المميز، فلا مانع من أن يكون مكلّفاً بالمستحبات وترك المكروهات ،و ما دلّ على أنّ التكليف مشروط


1 . المبسوط: 1/278.   2 . مختلف الشيعة:3/386.


صفحه56

بالبلوغ، فهو شرط لقسم من التكليف، أعني: الوجوب والحرمة اللّذين يترتب على ترك الأوّل وفعل الثاني، العقاب، وعليه يحمل ما دلّ على رفع القلم عن ثلاثة: «عن الصبي حتى يحتلم...»(1)، فهو ناظر إلى هذا النوع من التكليف.

ويؤيد ذلك إمضاء بعض ما يصدر من الصبي المميز في باب العتق والتصدّق والإيصاء على حدّ معروف، وقد وردت في كتاب الوصايا روايات(2) في ذلك المجال.بل يظهر من بعض الروايات صحّة أذانه وإمامته،(3) وتنفيذ الصدقة والوقف والعتق والإمامة موجب لدخول أعماله تحت المطلقات الواردة في هاتيك الأبواب، وترتّب الثواب عليها فتكون عباداته صحيحة إذا طابقت ما ورد في الشرع.

نعم حكى صاحب الحدائق عن الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المحقّق: «نية الصبي المميز صحيحة وصومه شرعي»، ما هذا صورته: أمّا صحة نيته وصومه فلا إشكال فيه، لأنّها من باب خطاب الوضع وهو غير متوقف على التكليف، وأمّا كون صومه شرعياً ففيه نظر لاختصاص خطاب الشرع بالمكلّفين والأصح أنّه تمريني لا شرعي.(4)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم الوضعي الذي لا يتوقف على التكليف، هو الوضع الملازم للغرامة ( على تأمل فيه) فلو أتلف مال الغير وأورد خسارة


1 . الوسائل: ج 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 11.

2 . الوسائل: ج 13، الباب 44 من أبواب الوصايا، الحديث 1،2، 3، 4، 5.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 3.

4 . الحدائق: 13/55.


صفحه57

على مال الغير يكون سبباً للضمان وأمّا تنفيذ الصدقة والوقف والعتق والإمامة فهو يلازم عرفاً كونه مشمولاً للخطاب التكليفي في هذا المورد حتى إذا قام بالعمل، وُصف عمله بالصحة.

ويوضح ذلك ما ورد من الروايات حول حجّهم إذا «أثغروا» حيث يأتون بعامة أجزاء الحجّ إمّا مباشرة، أو نيابة عنهم و ممّا جاء فيها : إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه وجرّدوه وغسلوه كما يجرد المحرم، وقفوا به المواقف فإذا كان يوم النحرفارموا عنه واحلقو رأسه ثمّ زوروا البيت ومري الجارية أن تطوف به بالبيت وبين الصفاء و المروة.(1)

وفي رواية أُخرى: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير فإنّه يأمره أن يُلبّي ويفرض الحج، فإن لم يُحسن أن يلبّي، لبّوا عنه ويطاف به ويصلّى عنه».(2)

كلّ ذلك يعرب على أنّه لو أحسن، يحسب له عملاً شرعياً وإن لم يكن مسقطاً عن حجّة الإسلام.

2. أنّ الأمر بالأمر، أمر بذلك الشيء بمعنى أنّ الظاهر من حال الآمر كونه مريداً لذلك الشيء ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين، بما أطاقوا من صيام اليوم ـ إلى أن قال : ـ فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإذا غلبهم العطش أفطروا».(3) ولعل هذين الوجهين ـ خصوصاً الوجه


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب 17 من أبواب أقسام الحج، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.


صفحه58

الأوّل ـ كافيان في إثبات شرعية عبادات الصبي.

2. متى يؤخذ الصبي بالصيام ؟

هذا هو الفرع الثاني، ولا خلاف بين الأصحاب في أنّه يستحب تمرين الصبي على الصوم قبل البلوغ إلاّ أنّهم اختلفوا في مبدئه لاختلاف الأخبار.

الف. بلوغ الحلُم أو القدرة على صيام ثلاثة أيام متتابعات

قال المفيد: يؤخذ بالصيام إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، بذلك جاءت الأخبار.(1)

وقال ابن الجنيد: يستحب أن يُعوَّد الصبيان وإن لم يُطيقوا الصيام ويُؤخذوا إذا أطاقوا صيام ثلاثة أيام تباعاً.(2)

ب. يشدد إذا بلغوا تسع سنين

قال الشيخ: ويُستحب أن يُؤخذ الصبيان بالصيام إذا أطاقوه وبلغوا تسع سنين وإن لم يكن واجباً عليهم.(3)

ونقل العلامة في المختلف عن المبسوط: سبع سنين، ولكن في المطبوع تسع سنين، قال: ويستحب أخذه بذلك إذا أطاقه، وحدّ ذلك بتسع سنين فصاعداً، وذلك بحسب حاله في الطاقة.(4)


1 . المقنعة: 367،باب وجوه الصيام، مع اختلاف في التعبير.

2 . المختلف: 3/486.    3. النهاية: 149.   4 . المبسوط:1/266.


صفحه59

 

ج . يشدد عليهما لسبع مع الطاقة(1)

وهذا هو المنسوب إلى الشيخ حسب نقل المختلف كما مرّ.

وعن المعتبر: يُمرَّن لست سنين.(2) ولعله خارج من موضوع البحث، لأنّ الكلام في التشديد وأمّا التمرين فليس له حدّ معين إلاّ الطاقة وإن كان نصف يوم.

ثمّ إنّ اختلاف الآراء مستند إلى اختلاف الروايات.

وتشهد لما ذكره المفيد موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا أطاق الغلام صوم ثلاثة أيام متتابعة، فقد وجب عليه صوم شهر رمضان».(3)وفي دلالته على ما ذكره المفيد قصور واضح، لأنّها تحكم عليه بالوجوب، لا على المولى بالتشديد.

ويدل على ما ذكره الشيخ في النهاية و المبسوط ـ حسب المطبوع ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم، فإن كان إلى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل، فإذا غلبهم العطش والغرث أفطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام،


1 . الشرائع: 1/147.

2 . لم نعثر عليه في المعتبر، والموجود: ويصحّ من الصبي المميز لقولهم: مروهم بالصلاة بسبع، لاحظ المعتبر: 2 / 683.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5 .


صفحه60

فإذا غلبهم العطش أفطروا».(1) ويقرب منه مرسلة الصدوق.(2)

والتفريق بين صبيان أهل البيت وصبيان غيرهم، يرجع إلى الاختلاف في الظروف حيث إنّ الأطفال في البيوت العامرة بالدين والتقوى يسهل لهم القيام بهذه الأُمور بخلاف غيرهم، ولكن المروي في المختلف: «أبناء سبع سنين».(3)

وأمّا ما يدل على السبع فليس له دليل صالح سوى ما ورد في نسخة المختلف، كما عرفت.

والذي يمكن أن يقال: يبتدأ بالتمرين بالسنين النازلة كالست على ما ذكره المحقق في المعتبر، أو السبع لأنّه يفطر كلّما غلبه الغرث والعطش، وأمّا التشديد فهو يختلف حسب اختلاف الأطفال في القوة والضعف والإطاقة وعدمها وينزل اختلاف الأخبار والكلمات على اختلاف مراتب الأطفال في القوة والضعف.

لا فرق بين الصبي والصبية

قد عرفت التصريح بعدم الفرق بين الصبي و الصبية والوارد في الروايات هو الصبي، وهل أخذُه في لسان الروايات كأخذ الرجل فيها في أكثر الأحكام حيث يتلقّاه العرف حكماً على من لم يبلغ، وانّه من باب التمثيل لا التخصيص، أو أنّ للذكورية مدخليّة؟ وجهان، ولعل الأظهر هو التعميم.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 11.

3 . المختلف: 3/486.


صفحه61

الرسالة السادسة والسبعون

الاعتكاف


صفحه62


صفحه63

تعريف الاعتكاف

الاعتكاف لغة هو الاحتباس، ويدلّ عليه قوله سبحانه:(هُمُ الّذِينَ كَفروا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَرامِ وَالهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه)(1)، أي أنّ قريشاً صدّوكم عن المسجد أن تطوفوا وتُحلُّوا من عمرتكم كما منعوا الهدي الذي ساقه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فصار الهدي معكوفاً، أي محبوساً عن أن يبلغ محلّه، أي منْحَره وهو مكة، لأنّ هدي العمرة لا يُذبح إلاّ في مكة، كما أنّ هدي الحجّ لا يذبح إلاّ بمنى.(2) وكأنَّ المعكتف يحبس نفسه في المسجد لغاية قدسيّة.

وأمّا شرعاً فقد عُرف بتعاريف، منها ما اختاره صاحب العروة من اللبث في المسجد بقصد العبادة. والأولى ما في المدارك من أنّه لبث في مسجد جامع مشروطاً بالصوم ابتداءً.(3) لما في الإخلال بذكر الصوم إخلال لما هوالمقوِّم للاعتكاف.

كفاية قصد التعبّد بنفس اللبث وعدمها

هل يكفي صرف التعبّد بنفس اللبث، أو يحتاج إلى ضمّ عبادة أُخرى؟ وبعبارة أُخرى: هل نفس اللبث بنفسه عبادة، أو هو مقدّمة لعبادة أُخرى؟


1 . الفتح:25.   2 . مجمع البيان:5/124.   3 . مدارك الأحكام:6/308.


صفحه64

اللائح من تعاريف القوم هو الثاني، حيث عرَّفه المحقّق بأنّه اللبث المتطاول للعبادة.(1) وعرّفه الشهيد بأنّه لبث في مسجد جامع ثلاثة أيّام فصاعداً صائماً للعبادة.(2) وهو أحد المحتملين من عبارة صاحب العروة والمرتكز في أذهان المتشرّعة حيث إنّ الغاية من احتباس النفس في المسجد وعدم الخروج منه، هو التفرّغ للعبادة والانقطاع عن غيره سبحانه بها.

ولكن ربما يستدل للأوّل بوجهين:

الأوّل: ظاهر الكتاب، قال تعالى :(وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهيمَ وَإِسماعيلَ أَن طَهِّرا بَيْتِيَ للطائِفينَ وَالْعاكِفِين والرُّكَّعِ السُّجُود) (3). والرُّكّع جمع الراكع، كما أنّ السجود، جمع الساجد.

وجه الدلالة هو أنّ في جعل الاعتكاف قسيماً للطواف وللركوع والسجود أي الصلاة وعدّه قبالاً لهما، دلالة واضحة على أنّه بنفسه عبادة مستقلة، وأنّه مشروع لنفسه من غير اعتبار ضمّ عبادة أُخرى.(4)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره أحد المحتملات، وقد فسر أيضاً تارة بالمقيمين بحضرته، وأُخرى بالمجاورين، وثالثة بأهل البلد الحرام، ورابعة بالمصلّين، وعلى ذلك فالآية بصدد بيان أنّ الحاضر حول البيت بين مرتحل


1 . نفس المصدر : 131.

2 . الدروس: 1 / 298 .

3 . البقرة:125.

4 . مستند العروة الوثقى:2/224.


صفحه65

ومقيم، فالأوّل كالطائف والراكع والساجد، والثاني كالعاكف، فيجب على الوالد والولد أي إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)تطهير البيت لكلتا الطائفتين أي المقيم والمرتحل، وأمّا أنّ حقيقة الاعتكاف قائم بنفس الإقامة في المسجد لأجله سبحانه، فليست الآية بصدد بيانها. و يؤيّد ما ذكرنا وهو العاكف بمعنى المقيم، في مقابل المرتحل قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه وَالْمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سواءً العاكِفُ فِيهِ والباد)(1) ، فقد فسر العاكف بالمقيم، والباد بالطارئ الذي ينتابه من غير أهله.(2)

الثاني: الاستشعار من بعض الأخبار، وعمدتها صحيحة داود بن سرحان، قال: كنت بالمدينة في شهر رمضان، فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أُريد أن أعتكف، فماذا أقول؟ وماذا أُفرض على نفسي؟ فقال: «لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».(3)

فإنّ ظاهرها السؤال عن حقيقة الاعتكاف قولاً وفعلاً، فلم يُجبه (عليه السلام)بأكثر من العزم على اللّبث، وانّه متى خرج لحاجة ملحَّة يعود فوراً بعد قضائها، فلا يعتبر في حقيقته شيء آخر وراء ذلك.

يلاحظ عليه: أنّ السؤال لم يتعلّق بحقيقة الاعتكاف، بل تعلّق بشيء آخر، وهو تحديد الاعتكاف بالنسبة إلى الخروج من المسجد وعدمه، وعلى


1 . الحج:25.

2 . مجمع البيان:4/81.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث3.


صفحه66

فرض الجواز فما هو حدّه؟ فأجاب الإمام (عليه السلام)بحرمة الخروج إلاّ لحاجة، فلو خرج فلا يقعد تحت ظلال حتى يعود إلى المسجد، وأمّا أنّ اللبث تمام حقيقة الاعتكاف فليست الرواية بصدد بيانه.

وقت الاعتكاف

يصحّ الاعتكاف في كلّ زمان يصحّ فيه الصوم، كما لا يصحّ فيما لا يصحّ فيه الصوم، كالاعتكاف في أيّام العيدين أو فيما إذا كان مسافراً لا مقيماً.

نعم، أفضل أوقاته شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر منه.

أمّا الأوّل فلما رواه السكوني، عن الصادق (عليه السلام)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجتين وعمرتين».(1)

وأمّا الثاني فلما في صحيحة أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان في العشر الأُولى، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثمّ لم يزل (صلى الله عليه وآله وسلم)يعتكف في العشر الأواخر».(2)

انقسام الاعتكاف إلى واجب ومندوب

ينقسم الاعتكاف إلى واجب ومندوب. فالواجب منه ما وجب بنذر، أو عهد، أو يمين، أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك. وقد تقدّم منّا


1 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4.


صفحه67

غير مرّة أنّ المستحب لا ينقلب بطروء العنوان الثانوي عليه إلى الواجب، فالاعتكاف مستحب مطلقاً، وإنّما الواجب هو الوفاء بالنذر أو العهد أو اليمين، فالاعتكاف بما انّه مندوب مصداق للوفاء بالنذر، لأنّه نذر أن يأتي بالاعتكاف المستحب، ولو نوى الوجوب لم يف بنذره.

جواز الإتيان عن الميت والحيّ

في جواز الاعتكاف عن الحيّ وجهان. ذهب الشيخ كاشف الغطاء إلى أنّه تجوز نيّته عن الميت والأموات دون الأحياء خلافاً لصاحب الجواهر حيث قوّى الجواز وقال:

لا يقدح ما فيه من النيابة من الصوم التبعي كالصلاة للطواف ونحوها.(1)

وتبعه صاحب العروة حيث قال: ولا يضرّ اشتراط الصوم فيه، فإنّه تبعي، فهو كالصلاة في الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحيّ.

أقول: المرتكز في الأذهان هو عدم جواز النيابة عن الحيّ في الأُمور العباديّة، لأنّ الغاية المتوخّاة منها لا تتحقّق إلاّ بقيام الإنسان بها مباشرة، فقيام الغير بدلاً عن الشخص على خلاف القاعدة، فلا يجوز إلاّ إذا ورد فيه النصّ، كما في النيابة في الحجّ عن الحيّ، وما ذكره من التعليل فهو أشبه بالقياس حيث قيس الصوم في الاعتكاف بالصلاة في الطواف نيابة، وهذا لا يصلح دليلاً، والمهم وجود الدليل العام المجوز للنيابة في الأُمور العبادية وعدمه.


1 . الجواهر:17/164.


صفحه68

نعم استدلّ على جواز النيابة عن الحي في الأُمور العباديّة بروايتين:

1. ما رواه الكليني بسند صحيح عن محمد بن علي، عن الحكم بن مسكين، عن محمد بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما يمنع الرجل منكم أن يبرّ والديه حيّين وميّتين، يُصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك».(1)

والاستدلال رهن صحّة السند وثبوت الدلالة.

أمّا الأوّل فقد روى أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن محمد بن علي(والمراد هو محمد بن علي بن إبراهيم بن موسى بقرينة أنّه روى عنه البرقي حوالي مائتين وستين حديثاً).(2)

قال النجاشي: كان يكنّى أبا سمينة، ضعيف جداً، فاسد الاعتقاد، لا يعتد في شيء.

روى الكشي عن الفضل بن شاذان انّه أشهر الكذّابين المشهورين.(3)

وهو يروي عن الحكم بن مسكين الذي لم يرد في حقّه مدح ولا ذم سوى أنّ البزنطي وابن عمير يرويان عنه; وهو عن محمد بن مروان المردّد بين البصري الذي هو من رجال الباقر والصادق (عليهما السلام)، والذهلي هو أيضاً من أصحاب الصادق (عليه السلام) الذي له كتاب وتوفّي عام 161 هـ ، وعلى كلّ تقدير لم


1 . الوسائل: ج 4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث1.

2 . معجم رجال الحديث:3/55.

3 . لاحظ الموسوعة الرجالية الميسّرة: 2 / 170 برقم 5326.


صفحه69

يرد في حقّهما توثيق. نعم وثّق الذهلي السيد الخوئي لكونه من رجال «كامل الزيارات».

هذا حال السند، وأمّا الدلالة فلاحتمال رجوع ضمائر التثنية كلّها إلى «الميتين» لا إلى الوالدين و إن كان بعيداً.

2. ما رواه ابن طاووس عن كتاب «غياث سلطان الورى» عن الحسين ابن أبي الحسن العلوي الكوكبي من كتاب «المنسك» عن علي بن أبي حمزة قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أحجّ وأُصلّي وأتصدق عن الأحياء و الأموات من قرابتي وأصحابي؟ قال: «نعم تصدق، وصلّ عنه، ولك أجر بصلتك إيّاه».(1)والسند ضعيف جدّاً.

فقد ظهر ممّا ذكرناه عدم قيام دليل على صحّة النيابة في الاعتكاف عن الحيّ.

الشروط اللازمة في صحّة الاعتكاف

الأوّل: الإيمان

فلو أراد منه الإسلام، فقد مرّ أنّه لا يصحّ الصوم من الكافر، وأنّ الاعتكاف مشروط بالصوم، على أنّه جنب غالباً فلا يجوز لبثه فيه; وإن أراد الإيمان بالمعنى الأخص، وهو كونه موالياً لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد مرّ أنّه شرط قبول العمل لا صحّته.


1 . الوسائل: ج 4 ، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث9.


صفحه70

الثاني: العقل

فلا يصحّ من المجنون، لعدم قصده وإن كان أدوارياً إذا صادف اعتكافه في دوره، ومنه يظهر حال السكران، ولا من المغمى عليه وإن سبقت منه النية، للفرق الواضح بين النوم والإغماء.

الثالث: نية القربة

وفيها أُمور:

1. إتيان العمل للّه سبحانه المعبَّر عنه بقصد القربة.

2. التعيين إذا تعدّد ما في ذمّته من الاعتكاف، كما فيما لو نذر: إن شفى مريضه، اعتكف; وإن رزق ولداً، اعتكف.

3. عدم اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب وكيفيته إذا نوى.

4. وقت النيّة قبل الفجر.

5. لو نوى الوجوب في المندوب أو العكس.

وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر:

1. اشتراط قصد القربة

يشترط في صحّة الاعتكاف قصد القربة، لأنّه عبادة، وروحها هو قصد
التعبّد وإتيان العمل للّه سبحانه، ويشير إليه قوله سبحانه: (انْ طَهّرا بَيْتِي لِلْطائِفينَ وَالعاكِفينَ وَالركَّع السُّجُود)، لظهور كون تطهير البيت لغاية العبادة،
مضافاً إلى كون المعطوف، والمعطوف عليه في الآية من مقولة العبادة ووحدة السياق تقضي كونه كذلك. لكن عرفت أنّه من المحتمل أن يكون


صفحه71

المراد من العاكفين، هو المقيمين، لا المعنى المصطلح.

2. قصد التعيين إذا تعدّد ما في وقته

قد تقدم الكلام في ذلك في الفصل الأوّل من كتابنا الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء عند شرح قول السيد الطباطبائي: «ويعتبر فيما عدا شهر رمضان ـ من الواجب أيضاً ـ القصد إلى نوعه، من الكفارة، أو القضاء أو النذر،...» وقلنا هناك ما هذا حاصله:

إنّ اختلاف الآثار يدل على اختلاف الطبائع والقيود المأخوذة فيها، ولذلك تعدّ طبيعة صوم القضاء غير طبيعة صوم الكفّارة، وطبيعتهما غير طبيعة صوم النذر، كما أنّ طبيعة صلاة الظهر غير طبيعة صلاة العصر، لاختلاف آثارهما. (1)

وعلى ضوء ذلك فلو كان ما عليه من الاعتكافين، غير مختلفين في الأثر، فلا يجب التعيين كما في المثال السابق حيث نذر أن يعتكف إن شفي مريضه، ونذر أيضاً أن يعتكف إن رزق ولداً، فيأتي باعتكافين ويسقط ما هو الواجب، لأنّ عليه اعتكافين غير متميزين في الواقع، مثل ما إذا كان عليه درهمان للغير، فيكفي إذا أتى بها للّه سبحانه أو إذا دفع الدرهمين إلى الدائن فإذا كان الواجبان غير متميّزين في الواقع فلا يجب قصد التميّز بإتيان أحدهما لغاية امتثال ذاك النذر والآخر لذلك.

وأمّا إذا كان ما عليه من الواجبين مختلفين في الأثر، فيكون كلّ من


1 . راجع: الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء: 1 / 19 .


صفحه72

الواجبين متميزاً عن غيره في ذمّته كما في المثالين لكن بتفاوت أنّه نذر أن يعتكف نيابة عن أبيه عند شفاء ولده وعن أُمّه عند رزق الولد، فلا يحسب العمل لواحد منهما إلاّ بالنيّة، ونظيره ما إذا كان عليه اعتكافان أحدهما نيابة عن أبيه والآخر عن نفسه، فإنّ الثاني و إن كان لا يتوقّف على النية لكن الأوّل رهن النية، إذ النيابة من العناوين القصدية.

3. عدم اعتبار قصد الوجه

قد حقّقنا في محلّه أنّه لا يعتبر في صحّة العبادة سوى الإتيان بها للّه سبحانه، و أمّا قصد وجه العمل من كونه واجباً أو مندوباً فلا يجب، وما استدل لوجوبه غير تام.

وعلى فرض الالتزام بما لا يلزم قال صاحب العروة: ينوي الوجوب في الواجب والندب في المندوب(1)، وما ذكر مبني على أنّ المندوب إذا تعلّق به النذر ينقلب ويصير واجباً، لكن عرفت أنّ انطباق عنوان واجب على أمر عبادي لا يجعله واجباً بل يبقى على ما كان عليه، وإنّما الواجب هو العنوان المنطبق عليه، أعني: الوفاء بالنذر، غير أنّ الوفاء به رهن الإتيان بالاعتكاف المندوب بالذات، وعلى ذلك فليس له إلاّ وجه واحد وهو الندب.

ولا ينافي ذلك، لزوم الاعتكاف في اليوم الثالث مطلقاً حتى لو اعتكف خمسة أيام، وجب السادس وهكذا، لأنّه من أحكام الاعتكاف إذا استمر إلى يومين، نظير إتمام النافلة إذا شرع، على القول به، وإتمام الحجّ بعد الإحرام، مع كون الشروع مستحباً.


1 . العروة الوثقى: 3 / 668، شرائط الاعتكاف.


صفحه73

 

4. وقت النية قبل الفجر

أمّا وقت نيته فهو قبيل الفجر، كما هو الحال في الصوم، و الاعتكاف هو اللبث في المسجد صائماً فيكون مبدؤُه مبدأه، إنّما الكلام في صحّة النية أوّل الليل كما في صوم شهر رمضان، فقد استشكل فيه صاحب العروة، بعد الإجماع على صحته في الصوم، وذلك لأنّّ الأصل هو اعتبار مقارنة النيّة للعبادة، وجواز التقديم من أوّل الليل في الصوم لا يقتضي القول به، لأنّ المكث في المسجد يجب أن يقع على وجه العبادة فلابدّ من المقارنة.

أقول: لا شكّ في عدم صحّة العمل إذا فسِّرت النية بالإخطار بالبال، لعدم وجوده مع كونه نائماً في أوّل الفجر إنّما الكلام في صحّته إذا فسّرت بالداعي المركوز في النفس، والظاهر صحّته، لأنّ من دخل المسجد ناوياً اللبث فيه من الفجر إلى ثلاثة ثمّ نام مع هذه النية، يعد بقاؤه في المسجد عملاً اختيارياً نابعاً عن نيته المستمرة في حالتي اليقظة والنوم، لأنّ لبثه في حالة النوم، وإن كان خارجاً عن الاختيار، لكنّه لأجل انتهائه إلى ما بالاختيار، وهو إرادة اللبث في المسجد للّه سبحانه من أوّل الليل يعدّ فعلاً اختياريّاً مقروناً بالنيّة.

لو نوى الوجوب مكان الندب

لو نوى الوجوب مكان الندب أو بالعكس، فقد فصّل صاحب العروة بين ما إذا كان على وجه التقييد فيبطل، دون ما إذا كان من باب الخطأ في


صفحه74

التطبيق. فلو اعتكف ناوياً للوجوب مع كونه مندوباً، على وجه لولا كونه واجباً لما اعتكف فهو من قبيل التقييد، فيحكم بالبطلان، لأنّه ليس بصدد امتثال الأمر الواقعي الذي هو الأمر الندبي، بخلاف ما لو قصد امتثال أمره سبحانه على كلّ تقدير، لكنّه زعم أنّ أمره في المقام هو الأمر الوجوبي على وجه لو وقف على خطئه لعدل إلى قصد الأمر الندبي، فيحكم بالصحّة.

غير أنّك عرفت أنّه ليس لنا إلاّ أمر واحد وهوالأمر الندبي وليس للاعتكاف إلاّ قسم واحد ، ومع ذلك يمكن تصوير التقييد والتطبيق بالنسبة إلى الأمر المتعلّق بالنذر، فلاحظ.

الرابع: الصوم :

وفيه أُمور:

1. لا يصحّ الاعتكاف إلاّ بالصوم.

2. لا يصحّ إلاّممن يجوز له الصوم، فخرج من لا يصحّ منه الصوم.

3. لا يصحّ الاعتكاف إلاّفي زمان يصحّ فيه الصوم، فخرج العيدان.

4. لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس فيه عيداً، ففيه التفصيل بين التقييد والإطلاق.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل: فهو أمر متفق عليه وفي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «لا اعتكاف إلاّ بصوم».(1)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3 .


صفحه75

وفي صحيحه الآخر: «وتصوم مادمت معتكفاً».(1) وغيرهما من الروايات. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وبه قال: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وفي التابعين خلق. وقال الشافعي: يصحّ الاعتكاف بغير صوم، ويصحّ أن يفرّد الليل والعيدين وأيّام التشريق بالاعتكاف، وبه قال أحمد.(2)

وأمّا الثاني: أي عدم صحّة الاعتكاف إلاّ ممّن يصحّ منه الصوم، فخرجت الحائض و ا لنفساء والمسافر في غير ما يجوز له الصوم.

أمّا الأُوليان فعدم الصحّة مستند إلى حرمة لبثهما في المسجد، قبل أن يكون مستنداً إلى عدم صحّة صومهما، فكأنّ صاحب العروة ترك التعليل بالذاتي، وعلّله بالعرضي، أمّا الثالث فدليله واضح، فإنّ صحّة الصوم مشروطة بعدم السفر في الأدلّة الشرعية، هذا من جانب.

ومن جانب آخر دلّ الدليل على عدم صحّة الاعتكاف إلاّ بالصوم، ومعنى ذلك أنّ الاعتكاف يكون مشروطاً بالصوم بكلّ قيوده وشروطه.

وقد خالف في ذلك ابنا بابويه فقالا بصحّة الاعتكاف نفلاً في السفر. واختاره الشيخ في المبسوط وقال: المسافر وكلّ من لا تجب عليه الجمعة يصحّ اعتكافه من عبد أو امرأة أو مريض أو مسافر.(3)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

2 . الخلاف:2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 92.

3 . المبسوط:1/292.


صفحه76

وصحّحه ابن إدريس، وقال العلاّمة: الأقرب، الكراهة.

احتج القائل بالصحّة بأنّه عبادة مطلوبة للشارع لا يشترط فيها الحضر فجاز صومها في السفر. وأجاب العلاّمة بقوله: نمنع من عدم اشتراط الحضر، فإنّه مشروط بالصوم المشروط بالحضر، وشرط الشرط شرط.

والظاهر ابتناء المسألة على جواز الصوم المندوب للمسافر وعدمه، وقد تقدّم حكمه.

وأمّا الأمر الثالث: أي اشتراطه بزمان يصحّ فيه الصوم فخرج العيدان، فقد ظهر وجهه ممّا سبق، فإنّ صحّة الاعتكاف فرع صحّة الصوم، وصحّته مشروطة بغير هذين اليومين.

وأمّا الأمر الرابع: لو نوى اعتكاف زمان يكون الرابع أو الخامس عيداً.

فقد قال صاحب العروة بالبطلان إذا كان على وجه التقييد بالتتابع، لأنّ الاعتكاف أمر واحد لا يُتبعض، فقد نوى اعتكافاً واحداً لا يصحّ الصوم في بعض أجزائه، على وجه لو لم يكن جزءاً للاعتكاف لما اعتكف.

وهذا بخلاف ما إذا كان على وجه الإطلاق فقد احتمل صاحب العروة أن يكون العيد فاصلاً بين أيّام الاعتكاف.

والظاهر عدمه لما عرفت من أنّ الاعتكاف عمل واحد لا يتبعّض، فلو كان الباقي بعد إخراج يوم العيد ثلاثة يكون اعتكافاً جديداً، فإذا كان أقلّ يبطل الاعتكاف فيه.


صفحه77

 

الخامس: أن لا يكون أقلّ من ثلاثة أيام

في المقام أُموراً أربعة:

1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة.

2. تجوز الزيادة وإن كان يوماً أو بعضه.

3. لا حدّ لأكثره.

4. لو اعتكف خمسة وجب السادس وهكذا.

وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.

1. أقلّ الاعتكاف ثلاثة

أقلّ ما ينعقد به الاعتكاف ثلاثة أيّام، قال المحقّق: وقد أجمع علماؤنا على أنّه لا يجوز أقلّ من ثلاثة أيّام، بليلتين، وأطبق الجمهور على خلاف ذلك.(1)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: هذا قول علمائنا أجمع.(2)

وفي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(3)

وأمّا الجمهور فقد نقل الشيخ أقوالهم في الخلاف وقال:ومن وافقنا في


1 . المسالك:2/93، قسم المتن.   

2 . تذكرة الفقهاء: 6/242.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، ولاحظ أحاديث الباب.


صفحه78

اعتبار الصوم فيه قال: أقلّه يوم وليلة، ومن لم يعتبر الصوم مثل الشافعي وغيره قال: أقلّه ساعة ولحظة. وقال في سنن حرملة: المستحب أن لا ينقص عن يوم وليلة.(1)

2. جواز الزيادة وإن كان يوماً

تجوز الزيادة على الثلاثة وإن كان يوماً أو بعض يوم. و استدلّ عليه بوجهين:

1.إطلاق أدلّة مشروعيتها من الكتاب والسنّة حيث إنّه لم يُحدَّد إلاّ من جانب القلّة، لا الكثرة، فتبقى الإطلاقات بحالها.

2. موثق أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أُخر».(2) فإنّ مفهوم الذيل جواز الخروج قبل استكمال اليومين بعد الثلاثة، كأن يخرج في اليوم الرابع، فيدلُّ بالدلالة الالتزامية على جواز نيّة الاعتكاف بهذا المقدار من أوّل الأمر.

وفي كلا الوجهين نظر:

أمّا الأوّل، فإنّ ما ورد في المصدرين، ليس بصدد بيان مدته، حتى يتمسّك بإطلاقه.


1 . الخلاف: 2، كتاب الصوم، 232، المسألة 101.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه79

فهو تارة بصدد بيان كونه مشروطاً بالصوم كما في قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم».(1)

أو زمانه الأفضل كقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):« اعتكاف عشر في شهر رمضان تعدل حجّتين وعمرتين»(2).

أو مكانه كقوله (عليه السلام): «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(3)

أو لبيان أقله زماناً كقوله: «لا يكون الاعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام».(4)وليس هناك أمر بالاعتكاف، مجرّداً عن بيان هذه الخصوصيات حتى يؤخذ بإطلاقه بأن يقول:«من اعتكف فله كذا وكذا».

وأمّا الثاني، فهو يدلّ على جواز الخروج قبل إتمام اليومين إذا بدا له الخروج، لا أنّ له أن ينوي عند الاعتكاف الخروج قبل استكمالهما، فما في المتن تبعاً للجواهر(5) من قوله: «وله أن يأتي بالأزيد» محل تأمل.

نعم يمكن الاستدلال بعمل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث اعتكف بعشر في شهر رمضان، فإنّ اليوم العاشر بعد التسعة، كاليوم الرابع بعد الثلاثة، فلاحظ.

3. لا حدّ لأكثره

واستدلّ له بأنّ النصوص متعرضة للتحديد في طرف الأقل من دون


1 . الوسائل: ج 7، الباب2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3، 4، 5، 6، ولاحظ روايات الباب.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث3.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث1، ولاحظ روايات الباب.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2 وغيره .

5 . الجواهر:17/166.


صفحه80

تعرض للأكثر، وفيه تأمل، لأنّ عدم التعرض لا يكشف عن عدم التحديد خصوصاً أنّ العبادة أمر توقيفي، لا يصلح التقرب به إلاّ بما ورد في الشرع. وقد مرّ أنّ رسول اللّه اعتكف عشرة أيام، وعشرين، عشراً لعامه وعشراً قضاء لما فاته.(1)

4. لو اعتكف خمسة يجب السادس

ويدلّ عليه موثق أبي عبيدة الماضي، قال في المدارك: ومقتضى هذه الرواية وجوب السادس أيضاً، ويلزم من ذلك وجوب كلّ ثالث، إذ لا قائل بالفصل، وربما كان في الرواية إشعار بذلك.(2) وقد تبع في ذلك جده في المسالك حيث قال:أمّا السادس فهو منصوص خبر أبي عبيدة عن الباقر (عليه السلام): أمّا ما بعده فلعدم القائل بالفرق.(3)

لكن التمسّك في مثل هذه المسألة بالإجماع المركّب، كما ترى وانقلاب العمل المندوب واجباً، يتوقف على الدليل وقد ورد في السادس، دون التاسع والثاني عشر .

ما هو المراد باليوم لغةً وشرعاً ؟

اليوم لغة وعرفاً عبارة عن البياض المتحقّق بطلوع الشمس إلى غروبها لكن دخول ما بين الفجرين، لأجل اشتراط صحّة الاعتكاف بالصوم، وهو محدّد بالإمساك من الفجر الصادق إلى الغروب وأمّا دخول الليلين


1 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث2.

2 . المدارك:6/313.   

3 . المسالك:2/96.


صفحه81

المتوسطين، فلأنّه المتبادر من العمل المتصل المستمرّ خصوصاً بالنظر إلى ما ورد من عدم الخروج عن المسجد إلاّ لضرورة الدال على دخولهما في الاعتكاف، وأمّا خروج الليلة الأُولى، فلما عرفت من توقف صحّته على الصوم الظاهر في كونه مبدوءاً به، فيخرج الليلة الأُولى، والرابعة مضافاً إلى النص الوارد في الأخير.(1)

كفاية الثلاثة التلفيقية وعدمها

هل تكفي الثلاثة التلفيقيّة بأن تبتدئ من ظهر أوّل شهر رجب إلى ظهر اليوم الرابع منه أو لا؟ فيه وجهان مبنيان على أنّ الاعتبار في أمثال هذه التقديرات، على المقدار، كما هو الحال في مثل أقلّ الحيض وأكثره، وأكثر النفاس وإقامة العشرة والعدّة و مدة الخيار، ونزح البئر وإجارة البيوت والفنادق، وعلى أنّ الوارد في النصوص هو ثلاثة أيّام واليوم عبارة عن بياض بين مطلع الشمس ومغربها، والملفّق من اليومين، ليس يوماً واحداً حقيقة، بل هو يومان ونصفا يوم، فلا تصدق ثلاثة أيّام.

والظاهر هو الثاني لما تقدّم من ظهور الأدلة باقتران الاعتكاف بالصوم الذي لا يكون إلاّ في تمام اليوم، فعدم الاكتفاء هو الأقوى.

السادس: أن يكون في المسجد الجامع

قال الشيخ في الخلاف: لا ينعقد الاعتكاف لأحد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث7.


صفحه82

إلاّ في المساجد الأربعة، التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي في القديم والجديد: يكره لها أن تعتكف في غير مسجد بيتها، و هو الموضع المنفرد في المنازل للصلاة. وبه قال أبو حنيفة.(1)

وحكى ابن قدامة في المغني عن حذيفة: أنّ الاعتكاف لا يصحّ إلاّ في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

أقول: المسألة عندنا ذات أقوال:

1. لا يصحّ إلاّ في مسجد أقام الإمام فيه الجمعة

وقال الشيخ والسيد المرتضى: لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في أربعة مساجد كما عرفت. وبه قال الصدوق في الفقيه، وسلاّر، وأبو الصلاح، وابن البراج، وابن حمزة، وابن إدريس.

وجه التخصيص: انّه قد أقام صلاة الجمعة فيها إمام عدل كالنبي والوصي، وذكر ابن بابويه مكان مسجد البصرة، مسجد المدائن، ولكنّه في غير محلّه، إذ لو كان الملاك هو إقامة الجمعة، فلم يصل الحسن المجتبى (عليه السلام)فيه إلاّ صلاة جماعة لا جمعة.(3)


1 . الخلاف: 2/227، كتاب الاعتكاف، المسألة 91.

2 . المغني:3/188.

3 . المختلف:3/580.


صفحه83

 

2. ما صلّى فيه الإمام جماعة

لا يجوز الاعتكاف إلاّ في مسجد صلّى فيه الإمام جماعة، ولذلك عطف ابن بابويه مسجد المدائن على الأربعة ـ كما سيوافيك ـ وإلى ذينك القولين أشار المحقّق وقال:

وضابطه كلّ مسجد جمع فيه نبي أو وصي جماعة، ومنهم من قال جمعة.(1)

3. المسجد الجامع

لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في المسجد الجامع. قال المفيد: ولا يكون الاعتكاف إلاّ في المسجد الأعظم، وقد روي أنّه لا يكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي.(2) وهو خيرة المحقّق قال: فلا يصحّ إلاّ في مسجد جامع.(3) وهو خيرة أكثر المتأخرين.

4. مساجد الجماعات

يظهر من ابن أبي عقيل أنّه يجوز الاعتكاف في مساجد الجماعات. قال: الاعتكاف عند آل الرسول (عليهم السلام)لا يكون إلاّ في المساجد. وأفضل


1 . المسالك: 2/99، قسم المتن.

2 . المقنعة:363.

3 . المسالك: 2/99.


صفحه84

الاعتكاف في المسجد الحرام ـ إلى أن قال: ـ و سائر الأمصار، مساجد الجماعات.(1)

وعلى كلّ تقدير فالفرق بين القولين الأوّلين قليل جداً، إذ على الأوّل (شرطية إقامة الإمام المعصوم الجمعة) يحدّد جواز الاعتكاف بالمساجد الأربعة، وعلى الثاني (شرطية إقامة الجماعة فيه) يعمّ الجواز مسجد المدائن أيضاً، فإنّ المروي أنّ الحسن (عليه السلام)صلّى فيه جماعة لا جمعة. فمع غضّ النظر عن الفرق القليل بين القولين ندرس دليلهما معاً فنقول:

استدل للقولين بوجوه ثلاثة:

الأوّل: رواية عمر بن يزيد ورواها المشايخ الثلاثة:

1. روى الكليني بسند صحيح ـ إلاّ أنّ فيه سهل بن زياد ـ قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام): ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: «لا اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة قد صلّى فيه إمام عدل صلاةَ جماعة، ولا بأس أن يعتكف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة و مسجد مكة».(2)

2. روى الشيخ في التهذيب ـ مضافاً إلى ما نقله الكليني ـ عن علي بن الحسن بن فضّال، عن محمد بن علي، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد مثل ذلك.(3)


1 . المختلف:3/578.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 8.

3 . التهذيب: 4/290، برقم883.


صفحه85

وذكر السيد الخوئي أنّ الطريق معتبر، لأنّ المراد بـ«محمد بن علي» الواقع في السند، هو محمد بن علي بن محبوب بقرينة روايته عن الحسن بن محبوب.(1)

وفيه تأمّل، لأنّ الراوي عنه هو علي بن الحسن بن فضّال الذي كان من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام)المتوفّى عام 254 هـ ، والعسكري (عليه السلام)المتوفّـى عام 260 هـ ، وأمّا محمد بن علي بن محبوب فقد عدّه الشيخ في رجاله ممن لم يرو عن الأئمّة وقال: روى عنه أحمد بن إدريس (المتوفّى عام 306 هـ) ومحمد بن يحيى العطار.

هذا من جانب و من جانب آخر أنّهما يرويان أيضاً عن محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة، المتوفّـى حوالي 290هـ ، فيكون محمد بن علي بن محبوب في مرتبة صاحب النوادر.

وأمّا علي بن الحسن بن فضّال، فهو من أصحاب الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، فلو لم يكن متقدّماً عليه في المرتبة فهما معاصران.

وممّا يشهد على خلاف ما ذكره أنّ محمد بن علي بن محبوب يروي عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضّال الذي هو أخو «علي بن الحسن بن فضّال» وإن كان أكبر منه. ولعلّ المراد هو محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى صاحب نوادر الحكمة واستثناه ابن الوليد من اسناد نوادر الحكمة.

3. رواه الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب وسنده إليه


1 . مستند العروة الوثقى: 2/353.


صفحه86

صحيح، وإن كان في طريقه إليه محمد بن موسى المتوكّل لكن ادّعى ابن طاووس الإجماع على وثاقته، ووثّقه ابن داود والعلاّمة، وقد صحّح العلاّمة الطريق في الخلاصة.(1)

هذا هو حال السند وأمّا الدلالة: فالظاهر أنّها تامّة، فإنّ الإمام العادل
وإن كان كالشاهد العادل يطلق على كلّ إمام عادل مقابل إمام فاسق، لكن
نفي البأس عن الاعتكاف في مسجد الكوفة والبصرة ومسجد المدينة
ومكة الدالّ على وجوده في غيرها دليل على أنّ المراد هو الإمام المعصوم، وذلك لأنّ نفي البأس عن الاعتكاف في هذه المساجد دون غيرها، لو كان بملاك إقامة الإمام المعصوم الجماعة أو الجمعة فيها، فيكون قرينة على أنّ المراد من الإمام العادل في الصدر، هو الإمام المعصوم لا كلّ من يجوز به الاقتداء، إذ لو كان الملاك هو الأعم من المعصوم وغيره، فما وجه تخصيص نفي البأس به؟

وبذلك يظهر ضعف ما أُورد على الاستدلال بأنّ الإمام العدل كالشاهد العدل لا ينسبق إلى الذهن منه عند الإطلاق إلاّ من يصحّ الاقتداء به في الجماعة في مقابل من لا يصحّ كحكام الجور.(2) وذلك لما عرفت من أنّه لو أُريد ذلك، كان نفي البأس عن خصوص الأربعة دون غيرها بلا وجه، إذ ما أكثرَ المساجد التي أقام الإمام العدل فيها جماعة.

أضف إلى ذلك: أنّ لازم ذلك جواز الإقامة في خصوص مسجد صلّى


1 . الموسوعة الرجالية الميسرة: 2/496.

2 . مستند العروة: 2/353.


صفحه87

فيه الإمام العدل، وهو شرط لم يقل به أحد، ولذلك التجأ (قدس سره) إلى حمله على الاستحباب، وهو كما ترى.

الثاني: الفقه الرضوي:

وصوم الاعتكاف في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن، ولا يجوز الاعتكاف في غير هذه المساجد الأربعة، والعلّة في ذلك انّه لا يعتكف إلاّ في مسجد جمع فيه إمام عادل، وجمع رسول اللّه بمكة والمدينة وأمير المؤمنين في هذه المساجد الثلاثة ، وقد روي في مسجد البصرة.(1)

الثالث: مرسلة المفيد:

روي أنّه لايكون الاعتكاف إلاّ في مسجد جمع فيه نبي أو وصي نبي، قال: وهي أربعة مساجد: المسجد الحرام جمع فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد المدينة جمع فيه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمير المؤمنين (عليه السلام)، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة جمع فيهما أمير المؤمنين (عليه السلام). ورواه الصدوق أيضاً في المقنع مرسلاً.(2) ولعلّ مصدر المرسلتين هو صحيحة عمر بن يزيد بقرينة تقارب ألفاظهما في بعض المقاطع.

والذي يمكن أن يقال: إنّ الظاهر من الآيات والروايات الواردة في


1 . الفقه الرضوي:36.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 12.


صفحه88

الاعتكاف أنّه تشريع عالميّ لا يختص ببلد دون بلد كما هو مقتضى قوله سبحانه: (وَلا تُباشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَقْرَبُوها) (1)، لكن لازم تخصيصه بالمساجد الأربعة أو الخمسة هو عدم تمكن المسلم منها إلاّ إذا كان من أهلها أو سافر إليها وأقام فيها عشرة أيّام وهو كما ترى، فلا محيص من حمل الحديث على الاستحباب المؤكّد في المساجد الأربعة.

وأمّا القول الثالث: عدم جواز الاعتكاف إلاّ في المسجد الجامع، فقد ورد في غير واحد من الروايات:

1. صحيح الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(2)

2. معتبر داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«إنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد جامع».(3)

3. خبر علي بن النعمان، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن الاعتكاف ـ إلى أن قال: ـ «لا أرى الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد جامع».(4)


1 . البقرة:187.

2 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 10.

4 . الوسائل: ج 7 ، الباب 3 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 5.


صفحه89

والموجود في التهذيب(1) هو لفظ «جامع» بلا ضم «جماعة» كما في الوسائل المطبوعة.

وأمّا القول الرابع: أي مساجد الجماعات، فقد اتخذ الموضوع المسجد الذي تقام فيه صلاة الجماعة كما في صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا يصلح العكوف في غيرهاـ يعني: مكة ـ إلاّ أن يكون في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أو في مسجد من مساجد الجماعة».(2)

وصحيحة يحيى بن العلاء الرازي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة».(3)

وفي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن الاعتكاف؟ قال: «لا يصلح الاعتكاف إلاّ في المسجد الحرام، أو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مسجد الكوفة، أو مسجد جماعة، وتصوم ما دمت معتكفاً».(4)

ولكن الظاهر أنّ المراد من مسجد الجماعة هو الجامع لمختلف الناس، في مقابل مسجد القبيلة أو المحلّة، فبما أنّها وصف للمسجد يكون المراد منه، المسجد الجامع، وإلاّيكون القيد زائداً، لأنّ المسجد بما هو هو معدّ للجماعة ، قلّت أو كثرت.

فتلخّص أنّ الأقوى، هو القول الثالث الذي اختاره المفيد، وأمّا ما رواه العلاّمة في «المنتهى» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا اعتكاف إلاّ بصوم، وفي


1 . التهذيب: 4/264، برقم 468 فلاحظ.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 7.


صفحه90

المصر الذي أنت فيه».(1) ففيه مضافاً إلى ضعف سنده ـ لأنّ العلاّمة نقلها عن جامع البزنطي بالوجادة من دون أن يذكر سنداً إليه ـ أنّ الحديث مجمل، ولعلّ المراد من حصر الاعتكاف في المصر الّذي هو فيه، هو النهي عن الاعتكاف في السفر، والسائل أسديّ بالولاء، كوفي الموطن، وإلاّ يكون الحصر غير صحيح لصحة الاعتكاف في غير مسجد الكوفة كما في المساجد الثلاثة.

السابع: في إذن السيد والزوج والوالدين والمستأجِر

في المسألة فروع:

1. يشترط في صحّة اعتكاف العبد إذن سيده إلاّ في العبد المكاتَب الذي كان اعتكافه اكتساباً لأداء دينه لمولاه، وإلاّ العبد المبعّض الذي هاياه وقاسمه مولاه فيجوز الاعتكاف في نوبته بلا حاجة إلى الإذن، بل مع المنع عنه.

2. إذن المستأجِر بالنسبة إلى أجيره الخاص.

3. إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقّه.

4. إذن الوالد والوالدة بالنسبة إلى الولد.

وإليك دراسة الكلّ واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّه لا يملك شيئاً، فحركاته وسكناته


1 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 11.


صفحه91

للمولى، فصرفها في الاعتكاف تصرف في حقّه ومالِه، ولا يصحّ إلاّ بإذنه من غير فرق بين القِنّ والمدبَّر وأُمّ ولد. وأمّا المكاتب فالمبعّض منه يجوز إذا هاياه مولاه وقاسمه بأن جعل أُسبوعاً له وأُسبوعاً للعبد، فيجوز في نوبته، و غير المبعَّض، يجوز إذا كان الاعتكاف اكتساباً لأداء دينه، ويصح حتى مع المنع، لأنّ ذلك مقتضى عقد المكاتبة.

قال الشهيد: والمبعض كالقنّ، نعم لو هاياه مولاه واعتكف في نوبته فالأقوى الجواز مالم يؤدِّ إلى الضعف في نوبة السيد.(1) وعلى كلّ تقدير فعدم الابتلاء بالموضوع يغنينا عن بسط الكلام فيه.

أمّا الثاني: فقد فصل صاحب العروة بين الأجير الخاص وغيره. فاعتبر في الأوّل في صحّة الاعتكاف إذن المستأجِر، دون الثاني، لأنّ الأجير الخاص أشبه بالعبد فإنّ منافعه له كخادم البيت و الموظف في الدوائر، أو العامل في المصانع فقد ملك المستأجر، ما يصرفه الأجير في الاعتكاف اللّهمّ إلاّ إذا لم يكن منافياً للاعتكاف، كما إذا صار أجيراً لعمارة المسجد و حفر بئره أو كنسه من الأعمال التي يقوم بها العامل في المسجد، وأمّا الأجير غير الخاص كما إذا آجره للسفر في وقت خاص فخالف واعتكف، فبطلان الاعتكاف يتوقف على أنّ الأمر بالشيء كالسفر مقتض للنهي عن ضدّه كالاعتكاف، وأنّ مثل هذا النهي موجب للفساد و كلاهما ممنوعان، وعلى فرض التسليم يمكن تصحيح الاعتكاف عن طريق الترتب بأن يكون مأموراً بالوفاء بالعقد، و إن عصى فبالاعتكاف.


1 . الدروس الشرعية:1/298.


صفحه92

وأمّا الثالث: فلأنّ الاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد ثلاثة أيام هذا من جانب، و من جانب آخر يحرم عليها الخروج عن الدار و المكث خارجه بلا إذن الزوج، فيكون المكث في المسجد، منافياً لحقّه، فيكون مبغوضاً لا يمكن التقرّب به.

نعم الخروج من البيت بما جرت عليه العادة على نحو لا يعد منافياً لحقّه، كالخروج لشراء ما تحتاج إليه، أو لزيارة الوالدين، أو الحرم الشريف، خارج عن حريم النهي في صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا رسول اللّه ما حقّ الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه، ولا تعصيه، ولا تُصدِّق من بيته إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه ـ إلى أن قال: ـ ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه».(1)

نعم لو لم يكن المكث في المسجد منافياً لحقّه، كما إذا كان المسجد سكناً لها ، يصح اعتكافها بلا إذنه، بل مع نهيه.

وأمّا الرابع: أي إذن الوالد والوالدة في اعتكاف الولد إذا كان مستلزماً لإيذائهما، فهو أمر قابل للتأمل، لأنّ الحاصل من الآيات التالية، هو وجوب المعاشرة والمصاحبة الحسنة معهما، والإحسان إليهما ، قال سبحانه: (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَينِ إِحْساناً).(2)

(وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلاَ تَقُلْ لَهُما أُفّ ولاَ تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ


1 . الوسائل: ج 14، الباب 79 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.

2 . النساء:36.


صفحه93

لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغِيراً).(1)

(وَوَصَّيْنا الإِنْسانَ بِوالدَيْهِ حُسْناً). (2)

(وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنيا مَعْرُوفاً).(3)

والآيات تدلّ على وجوب حسن المعاشرة والإحسان إليهما، وأمّا وجوب إطاعتهما في غير الحرام مطلقاً، ولو كان على ضرر الولد، ولغير صالحه فلم يدلّ عليه دليل.

فإن قلت: دلّت الآية على حرمة التأفيف والنهر والزجر، وبوجه أولى الضرب، فيكون الجامع هو حرمة إيذائهما، فإذا كان الاعتكاف سبباً له فيحرم، فيكون مبغوضاً، وهو لا يصلح للتقرّب.

قلت: القدر المتيقن هو حرمة إيذائهما في الأُمور التي يرجع إليهما في مجال المعاشرة والمصاحبة، وأمّا ما لا يرجع إليهما من الأُمور التي تسبّب إيذاءهما، فلا دليل على وجوب الإطاعة، فالأولاد أحرار في انتخاب المهنة والزوجة، والسير والسفر وإن صار سبباً لإيذائهما، وعلى ضوء ذلك فيصحّ اعتكافه من دون اعتبار إذنهما، بل مع نهيهما. واللّه العالم.


1 . الإسراء:23ـ24.

2 . العنكبوت: 8 .

3 . لقمان:15.


صفحه94

 

الثامن: استدامة اللبث في المسجد

في المقام فروع:

1. يبطل الاعتكاف بالخروج من المسجد عالماً كان أو جاهلاً إلاّ بالأسباب المبيحة له.

2. لو خرج ناسياً أو مكرهاً فلا يبطل.

3. يجوز الخروج لضرورة .

4. حكم الاغتسال في المسجد بلا تلويث.

5. لا بأس بإخراج بعض بدنه إذا صدق اللبث في المسجد.

وإليك دراسة الكلّ واحداً بعد الآخر:

1. بطلان الاعتكاف بالخروج عن المسجد عمداً

وهو موضع اتفاق فتوى ونصاً. قال الشهيد: ولزوم المسجد، فلو خرج بطل إلاّ لضرورة.(1)

وقال في الحدائق: واستدامة اللبث في المسجد، فلو خرج بغير الأسباب المبيحة بطل اعتكافه، وهو إجماع منهم كما صرح به غير واحد منهم.(2) وتدل عليه روايات:

منها: صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس


1 . الدروس الشرعية:1/299.   2 . الحدائق الناظرة:13/470.


صفحه95

للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ إلى الجمعة أو جنازة أو غائط».(1)

والصحيحة كغيرها ظاهرة في الخروج الاختياري دون الإكراهي والاضطراريّ، لكن إطلاقه يعمُّ العالم والجاهل بكلا قسميه ، لكن يمكن تصحيح العمل في الجاهل القاصر دون المقصّر، برفع وجوب اللبث مادام جاهلاً أو رفع جزئيته مادام كذلك بحديث الرفع(بشرط أن لا يطول زمن الخروج بحيث يخرج عن كونه معتكفاً) فإذا علم وجب العود وإلاّ يبطل الاعتكاف.

فإن قلت: إنّ رفع الوجوب أو الجزئية في تلك الحالة لا يستلزم وضع الباقي وتعلّق الحكم به، لأنّ الحديث حديث رفع لا وضع.

قلت: إنّ تعلّق الوجوب بالباقي إنّما هو بالدليل الأوّلي المتعلّق بالموضوع، الصادق على الفاقد والواجد، لأنّ المفروض أنّ الموضوع ليس قيداً مقوماً وركناً يرتفع الموضوع بارتفاعه، فإذا صدق على الباقي يتعلّق به الحكم قطعاً.

فإن قلت: إنّ مفاد حديث الرفع، حكم ظاهري وليس في مرتبة الأدلّة الواقعية، فيكون الرفع مخصوصاً بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة، لأنّ الحكومة ظاهرية، وإلاّ فالواقع باق على حاله ولا يتغيّر ولا يتبدل بتاتاً، فمع انكشاف الخلاف لا مناص من الإعادة، والاجتزاء بالناقص عن الكامل


1 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف،الحديث6; ولاحظ الحديث 1، 2، 3، 4، 5 من هذا الباب.


صفحه96

يحتاج إلى الدليل كما في مورد الصلاة فيما عدا الأركان بمقتضى حديث «لا تعاد».

قلت: إنّ حديث الرفع وإن كان حكماً ظاهرياً وارداً في حقّ الجاهل ولا يعم حالة العلم بوجوب ما جهل سابقاً، لكن القول بإجزاء الناقص عن الكامل، إنّما هو لأجل الملازمة بين الأمر بالعمل بالأمارة أو الأصل في امتثال أمر المولى، والاجتزاء بالمأتي به. مثلاً إذا أمر المولى بصنع معجون مركب من عدة أجزاء، ثمّ قال: إذا شككت في كون شيء جزءاً أو لا، فاسأل الصيدليّ واتّبع قوله، فمعنى ذلك أنّه اكتفى في تحصيل مقاصده بما أدّى إليه الطريق الذي عيّنه، مع علمه بأنّه ربّما يُخطئ، ولذلك لو امتثل العبد على النحو الذي بيّنه المولى، يعد ممتثلاً ومعذوراً في ترك ما ترك.

و لذلك، قلنا بالإجزاء مطلقاً في مورد الأمارات والأُصول، خلافاً للمتأخّرين حيث اقتصروا في القول بالإجزاء في مورد الأُصول دون الأمارات.

و بما أنّ الإجزاء في هذه الصورة وقع موقع المناقشة من جانب العلمين السيد الحكيم والسيد الخوئي ـ قدس اللّه أسرارهما ـ نأتي بنص المناقشة وما يمكن أن يكون حلولاً لها.

أ. انّ الحديث المذكور ليس في مرتبة الأدلّة الواقعية كي تلحظ النسبة بينها، لأنّ المفروض كونه حكماً ظاهرياً، وهو في غير مرتبة الواقع، وإلاّلزم انتفاء الشكّ بالواقع، وهو خلف.

يلاحظ عليه: أنّ حديث الرفع لاختصاصه بموضوع الشكّ لا يتصرف


صفحه97

في موضوع الأحكام الواقعية لتأخّر رتبته عن رتبة الأدلّة الواقعية، ولكنّه يؤثّر في رفع الشرطية أو وجوب اللبث في حالة الجهل وهذا أمر لا سترة فيه.

و أمّا الإجزاء والاقتصار بالمأتيّ به، فهو ليس وليد الأصل، وإنّما هو نتيجة وجود الملازمة بين الإجزاء والأمر بالعمل بالأمارة أو بالأصل في امتثال الأمر الواقعي، فهذا الأمر يلازم الإجزاء في نظر العقلاء، وانّ المولى اكتفى في امتثال أوامره وتحقّق أغراضه بما أدّت إليه الأمارة أو الأصل الذي أمر به في تحصيل أجزاء المأمور به وشرائطه، فلو أمر المولى عبده بتحضير معجون مركب من أجزاء ثمّ أمر بالرجوع إلى أهل الخبرة من أجل معرفة الأجزاء الداخلة في المعجون المذكور ، فامتثل العبد ثمّ بان الخطأ في المعلومات التي أدلى بها أهل الخبرة، حينها يعدّ العبد ممتثلاً. وأمّا اقتصار المولى بالمأتي به لمصلحة موجودة فيه، وذلك لأنّ قول الثقة يوافق الواقع 95% ويخالف 5% فلأجل التسهيل وإيجاد الرغبة في الناس اقتصر بهذا المقدار من الموافقة وغضّ النظر عن المخالفة.

وحاصل الكلام: أنّ الدال على الإجزاء ليس هو الأصل بل أمر المولى بالعمل به الملازم عرفاً للإجزاء واقتصار المولى بما أدّى إليه الأصل.

ب. أنّ الوجوب على تقديره ارتباطي، فهو كما يتلازم في مقام الثبوت والسقوط واقعاً، كذلك يتلازم في مقام السقوط والثبوت ظاهراً، فرفعه في مقام الظاهر بالنسبة إلى المجهول رفع بالنسبة إلى سائر الأجزاء، لما عرفت من الملازمة في السقوط والثبوت ظاهراً و إلاّ كان خلفاً.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الملازمة بين المقامين ثبوتاً وسقوطاً إنّما


صفحه98

يرجع إلى الأُمور التكوينية المرتبطة المحصِّلة لطبيعة مادية، فالأجزاء متلازمة ثبوتاً في إيجاد الطبيعة وسقوطاً في انعدامها.

وأمّا الأُمور الاعتبارية، فمعنى كون الواجب ارتباطيّاً أنّ الأجزاء لا تنفع في تحصيل الملاك التام إلاّ باجتماعها معاً. ولكنّه في حدِّ نفسه لا يمنع من أن يقتصر المولى بالناقص عن الكامل في موضع الجمل لمصلحة كاملة في تقبل هذا النوع من الامتثال.

ج. أنّ رفع الجزئية عن اللبث مرجعه إلى رفع الأمر المتعلّق بالمركب منه فإذا كان هذا الأمر مرفوعاً، فلابدّ من دليل يثبت تعلّق الأمر بالباقي ليحكم بصحته بعد أن لم يكن شأن الحديث إلاّ الرفع دون الوضع.

يلاحظ عليه: أنّ تعلّق الأمر بالمركب الفاقد، ليس مستنداً إلى أصالة البراءة بل إلى الإطلاقات حيث إنّها كما تصدق على الواجد، تصدق على الفاقد.

د. هذا الرفع مخصوص بحال الجهل ومراعى ببقاء هذه الحالة، لأنّ الحكومة حكومة ظاهرة وإلاّ فالواقع باق على حاله ولا تغير ولا تبدّل فيه بتاتاً.

يلاحظ عليه بما عرفت من أنّ الرفع و إن كان مخصوصاً بحال الجهل، ولكن الملازمة العرفية أوّلاً وانطباق العنوان على الأجزاء الباقية ثانياً يكفي في سقوط الأمر بعد الإتيان بالباقي حتى مع ارتفاع الجهل.(1)


1 . المستمسك:8/552; مستند العروة الوثقى:2/365.


صفحه99

هذا وقد تكرر منّا نقل هذه الشبه وأجوبتها في بعض محاضراتنا أيضاً.

2. لو خرج ناسياً أو مكرهاً

إذا خرج ناسياً أو مكرهاً، فقد علم حكمهما ممّا ذكرناه في الخروج جهلاً عن قصور لا عن تقصير، لأنّ جزئية اللبث في المسجد تكون مرفوعة مادام ناسياً أو مكرهاً مرفوعاً بنفسها أو بمناشئها، أعني: الوجوب المتعلّق بلبث هذا المقدار من الزمان، فيتعلّق الحكم بالباقي، لأجل صدق الموضوع على الفاقد.

إنّ الأمر في مورد النسيان والإكراه أسهل من صورة الجهل، لأنّ الرفع في صورة الجهل أصل شرعي وضع لبيان تكليف المكلّف في حالة الشكّ والجهل، بخلافه في تينك الحالتين، فإنّه رفع واقعيّ و دليل اجتهادي ثانوي يتصرف في لسان الدليل الاجتهادي الأوّلي ويكون حاكماً عليه حكومة عامة العناوين الثانوية على العناوين الأوّلية من دون أن تتوجه إليه، مناقشات العلمين في صورة الجهل والشك.

وأمّا الاضطرار فجواز الخروج منصوص كما سيوافيك.

3. جواز الخروج لضرورة عقلاً أو شرعاً أو عادة

لا شكّ في جواز الخروج لضرورة عقلاً ، كقضاء الحاجة من بول أو غائط; أو شرعاً، كالاغتسال للجنابة والاستحاضة; إنّما الكلام في جواز الخروج للضرورة عادة، فقد جوّز المصنِّف الخروج حيث قال:«أو عادة». و


صفحه100

أمّا الوارد في النصوص فكالتالي:

ففي صحيحي داود بن سرحان وصحيح الحلبي: «إلاّ لحاجة لابدّ منها».(1)

وفي صحيح عبد اللّه بن سنان: «ولا يخرج المعتكف من المسجد إلاّ في حاجة».(2) ومقتضى صناعة الاجتهاد، تقييد المطلق بالمقيّد، فيجوز في كلّ مورد يعدّ من الضروريّات بخلاف الخروج لكلّ أمر مندوب الذي لا يعد أمراً ضروريّاً عرفاً فلا يجوز إلاّما قام الدليل بالخصوص على جوازه، فقد ورد الخروج في عيادة مريض أو مشايعة جنازة في صحيحي الحلبي وعبد اللّه بن سنان.

وهناك احتمال آخر أنّ خروج هذين من باب المثال، والموضوع هو كلّ عمل مندوب ومستحب شرعاً، وعلى ذلك يكون الموضوع أوسع من اللابدية العرفية. والذي يقوِّي ذلك الاحتمال خبر ميمون بن مهران ، قال: كنت جالساً عند الحسن بن علي (عليهما السلام)، فأتاه رجل فقال له: يابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّ فلاناً له عليّ مال و يريد أن يحبسني، فقال: «واللّه ما عندي مال فأقضي عنك»، قال: فكلّمه، قال: فلبس (عليه السلام)نعله، فقلت له: يابن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنسيت اعتكافك؟ فقال له: «لم أنس ولكنّي سمعت أبي يحدّث عن جدي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبد اللّه عزّ وجلّ تسعة آلاف سنة صائماً نهاره، قائماً ليله».(3)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 5 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4.


صفحه101

ولكن الحديث ضعيف، إذ لم يرد أي توثيق لميمون بن مهران، مضافاً إلى أنّ في طريق الصدوق إليه عدة رجال، وهم بين مهمل وضعيف، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به.

وعلى كلّ تقدير، فالخروج الجائز إنّما لا يقدح إذا كان يسيراً لا يوجب سلب عنوان الاعتكاف عنه، وإلاّ كما إذا استوعب تمام النهار، يبطل لانتفاء الموضوع.

4.حكم الاغتسال في المسجد

إذا وجب عليه الغسل، فهل يجوز له الاغتسال في المسجد؟ نقول للفرع صور:

1. أنّ الحدث الموجب للغسل إذا كان على وجه لا يحرم معه المكث في المسجد كمسِّ الميت، فلا إشكال أنّه يجوز إذا لم يضرّ المسجد أو لم يكن هتكاً له.

2. إذا كان الحدث الموجب للغسل موجباً لحرمة اللبث والعبور، كالجنابة بالنسبة إلى المسجدين، فعليه أن يتيمّم ويخرج منه فوراً.

3. إذا كان الحدث الموجب للغسل موجباً لحرمة اللبث فقط دون العبور، فقال المصنّف:«لا يجب الاغتسال فيه و إن أمكن». ولو قال« وجب عليه الخروج عن المسجد فوراً بلا تيمم» لكان أظهر، وذلك لأنّ الاغتسال في المسجد رهن اللبث المحرّم مطلقاً، بخلاف الاغتسال في الخارج، فإنّه و


صفحه102

إن كان يستلزم اللبث في خارجه وهو محرم وضعاً في اليومين الأوّلين في الاعتكاف المندوب، ووضعاً وتكليفاً في اليوم الثالث، أو مطلقاً كما في الاعتكاف الواجب المعيّن وقته لكن يحرم بلا عذر و بلا حاجة لابدّ منها والمفروض في المقام خلافه، فيقدم الحرام المشروط المفقود شرطه، على الحرام المطلق.

فإن قلت: إذا تمكن من الغسل في حال الخروج وكانت مدة اللبث عنده أقل من مدّة اللبث في الخارج إذا اغتسل فيه، يجب أن يقدم الاغتسال فيه على الاغتسال في الخارج.

قلت: إنّما جاز اللبث لغاية الخروج إذا كان مقدمة للخروج واقعاً كالعابر من المسجد إلى مكان آخر، بخلاف المقام، لأنّه إنّما يغتسل ماشياً نحو الباب لا لغاية الخروج من المسجد، لأنّه نقض للغرض، بل لأجل تطهير النفس من الجنابة ويريد البقاء في المسجد بعد الاغتسال. وبذلك يعلم أنّ محاسبة مقدار اللبث في المسجد عند الاغتسال فيه مع مقدار اللبث في الخارج إذا اغتسل فيه وأنّهما تارة يتساويان و أُخرى يختلفان فيقدّم الاغتسال في المسجد مطلقاً إلاّ إذا استلزم لبثاً زائد على الاغتسال في الخارج، لا وجه له.

5. المدار هو خروج البدن كلّه

لا بأس إذا أخرج يده عن المسجد لاستلام شيء، أو لرؤية الهلال، أو لسائر الأُمور بعد صدق المكث في المسجد وعدم الخروج عنه.


صفحه103

 

في ارتداد المعتكف

هل يبطل الاعتكاف بالارتداد أو لا؟و على القول بالبطلان فهل هناك فرق بين كونه في النهار أو الليل؟

قال الشيخ: إذا ارتدّ المعتكف بطل اعتكافه.

وقال الشافعي: لا يبطل. واختلف أصحابه على وجهين: أحدهما مثل ما قلناه: إنّه يبطل، والثاني: لا يبطل.

دليلنا: أنّه إذا ارتدّ وهو مولود على الفطرة وجب قتله على كلّ حال; و إن كان أسلم ثمّ ارتدّ فهو محكوم بنجاسته، فلا يجوز أن يقيم في المسجد، ولا تصح منه الطاعة، وذلك ينافي الاعتكاف.(1)

ولا يخفى ضعف دليليه. أمّا الأوّل، فلأنّ وجوب القتل لا يلازم بطلان الاعتكاف كما لو تأخر قتله، إلى ثلاثة أيام. وأمّا الثاني فلأنّه لا دليل على حرمة إبقاء النجاسة غير السارية في المسجد إذا لم يكن فيه هتك لحرمة المسجد.

وأمّا الثاني أي أنّه يحرم على الكافر اللبثُ في المسجد ويجب إخراجه، ففيه أنّه لم تثبت حرمةُ لبث الكافر إذا لم يكن جنباً ـ كما هو المفروض في المقام ـ إلاّ لبث المشرك في المسجد الحرام، لقوله سبحانه: (إِنَّما المُشْرِكُونَ نَجسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الحَرام بَعْدَ عامِهِمْ هذا).(2)


1 . الخلاف:2/236ـ237، المسألة 110.

2 . التوبة: 28.


صفحه104

والأولى الاستدلال بما تقدّم من شرطية الإسلام في صحّة الاعتكاف من غير فرق بين المرتد الفطري و الملّي.

وأمّا التفريق بين اليوم و الليل، فغير تام، لما قلنا من دخول الليلين المتوسطين، نعم على القول بخروجهما، لا يبطل بالارتداد إلاّ إذا استمرّ إلى النهار.

في العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره

لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره، وإن اتّحدا في الوجوب أو الندب، ولا عن نيابة ميّت إلى آخر، أو إلى حيّ، أو عن نيابة غيره إلى نفسه، أو العكس.

لأنّ العدول من عبادة إلى عبادة أُخرى يحتاج إلى الدليل، وقد ورد الدليل في العدول من العصر إلى الظهر، ومن الفريضة إلى النافلة إذا حضرت الجماعة، وليس في المقام دليل.

النيابة عن أكثر من واحد في الاعتكاف

الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف واحد.نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب، فيصح إهداؤه إلى متعدّدين أحياء أو أمواتاً، أو مختلفين.

لعدم قبول العمل الواحد الاشتراك، مضافاً إلى أنّ الأصل عدم المشروعية حتى يدلّ عليه دليل والمفروض عدمه، وما ورد من الحجّ


صفحه105

للوالدين والصلاة والتصدّق عنهما لا يعني النيابة عنهما في عمل واحد، بل الغاية تشريع أصل النيابة عن الوالد والوالدة، مقابل حرمة النيابة.

وفي رواية علي بن أبي حمزة قال: سألته عن الرجل يحجّ ويعتمر ويصلّـي ويصوم ويتصدّق عن والديه وذوي قرابته؟ قال: «لا بأس به يؤجر فيما يصنع وله أجر آخر بصلة قرابته».(1) والحديث كسائر ما ورد في الباب بصدد بيان تشريع النيابة، لا جواز المشاركة فيها على أنّ ظهوره في المشاركة ممنوع.

صوم الاعتكاف هل يكون لأجله؟

هل يجب أن يكون الصوم مختصاً للاعتكاف ولغايته، أو يكفي في صحّة الاعتكاف كونه مقروناً بالصوم الصحيح سواء أكان لأجله أم لغاية أُخرى كالصوم في شهر رمضان؟

والصحيح هو الثاني. وتدلّ عليه صحيحة أبي العباس البقباق، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان في العشر الأُولى، ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر، ثمّ لم يزل (صلى الله عليه وآله وسلم)يعتكف في العشر الأواخر». ونظيرها غيرها.(2)

و هذا يكشف عن كفاية الصوم الصحيح في الاعتكاف وإن لم تكن الغاية في الصوم هو الاعتكاف، وهذا بإجماله لا إشكال فيه، ولذلك يجوز أن


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب صلاة القضاء، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4. ولاحظ الحديث 1، 2و 3.


صفحه106

يصوم بعنوان الأيّام البيض ثمّ يعتكف. إنّما الكلام في الفروع المترتبة عليه في كلام صاحب العروة، وهي ثلاثة، ونضيف إليها رابعاً سيأتي الكلام عنه في المستقبل، وإليك الفروع:

1. إذا وجب عليه الصوم ذاتاً أو بعنوان النذر أو آجر نفسه للصوم النيابي، يجوز له أن يعتكف وإن صام لغير غاية الاعتكاف.

2. إذا نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر نفسه للصوم و يعتكف في ذلك الصوم، ولا يضرّه وجوب الصوم عليه بعد نذر الاعتكاف، والفرق بين الصورتين واضح. ففي الأُولى يؤجر نفسه لأجل الصوم أو ينذر الصوم ثمّ يعتكف لنفسه; و أمّا الثانية، فينذر الاعتكاف ويؤجر نفسه للصوم ويعتكف في ذلك الصوم.

3. إذا نذر اعتكافاً مطلقاً وصام صوماً مندوباً يجوز له قطعه، فلو قطع وجب عليه الاستئناف.

و سيوافيك الفرع الرابع.

إذا عرفت ذلك فلنذكر حكم الفروع:

أمّا الفرع الأوّل: أي إذا كان الصوم واجباً بالذات أو بعنوان النذر، أو آجر نفسه للصوم النيابي فيجوز له الاعتكاف، لما عرفت من أنّ الشرط في صحّة الاعتكاف ليس خصوص الصوم له بل مطلق الصوم الصحيح، ولو كان واجباً بالذات كصوم رمضان ، أو بالنذر، أو بالنيابة، وقد صام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رمضان الواجب بالذات واعتكف، فما ظنك إذا كان الصوم واجباً بعنوان النذر أو الإيجار. نعم استشكل سيد مشايخنا البروجردي في تعليقته في


صفحه107

كفاية الصوم عن الغير من الاعتكاف عن نفسه أو عن غير من يكون صائماً عنه.(1)

أمّا الفرع الثاني: وهو إذا تقدم نذر الاعتكاف على الاستيجار فنذر الاعتكاف ثمّ آجر نفسه واعتكف في ذلك الصوم. و قد قال صاحب العروة بالصحة، لأنّ الذي يجب عليه في الاعتكاف المتقدّم نذره، هو الصوم الصحيح الأعم من كونه له أو بعنوان آخر.

وربما يفرق بين الاعتكاف المطلق و المعيّن ، فلو نذر أن يعتكف أيّاماً معيّنة لم يجز أن يؤجر نفسه لصوم تلك الأيام بعد النذر و يجوز قبله.(2)

ولعلّ وجهه توقيفية العبادات ، وقد قام الدليل فيما إذا كان الصوم راجعاً إلى المعتكف نفسه، سواء كان واجباً بالذات، أو واجباً بالنذر، وأمّا إذا كان الصوم للغير أو لا، فالاكتفاء به في صحة الاعتكاف لنفسه يحتاج إلى الدليل.

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المانع كون الصوم واجباً من باب المقدّمة، فيرد عليه .

أوّلاً: أنّه أمر مشترك بين الاعتكاف المطلق والمعيّن، لأنّ الصوم مقدمة في كلا الصورتين، و ما هو واجب مقدمة يمتنع أن يؤجر نفسه للصوم فيه.

وثانياً: أنّه لا مانع من الجمع بينهما، لأنّ المقدمة ليس خصوص الصوم


1 . تعليقة السيد البروجردي على هامش العروة من هذا الموضع.

2 . لاحظ تعليقة السيد جمال الدين الكلبايكاني.


صفحه108

للاعتكاف، بل مطلق الصوم الصحيح ولو كان نيابة عن الغير، لأنّ الهدف من المقدمة إنّما هو رفع الإحالة وهو يتحقّق بأي صوم صحيح.

فإن قلت: لعلّ نظر القائل بالفرق هو لزوم اجتماع الوجوبين في موضوع واحد، وهو الصوم، أو بطلان أخذ الأُجرة لما وجب على الإنسان.

قلت: إنّ متعلّق الوجوب الغيري هو ذات الصوم، ومتعلّق الوجوب النفسي هو وجوب الوفاء بالعقد، المتحقّق في الخارج بالصوم نيابة، فأين وحدة الموضوع؟! وأمّا أخذ الأُجرة على الواجب مقدّمة فقد فرغنا منه في بحوثنا في المكاسب، فلاحظ.

وأمّا الفرع الثالث: فهو أنّه لا بأس بإيجاد الاعتكاف المنذور المطلق في ضمن الصوم المندوب الذي يجوز قطعه.

وبعبارة أُخرى: لا مانع من أن يكون الاعتكاف واجباً وصومه مندوباً، غاية الأمر إذا أفطر، يفسد اعتكافه ويستأنفه من جديد.

نعم لا يجوز الإفطار في الاعتكاف المعيّن، لأنّ وجوب الاعتكاف يلازم وجوب ما هو شرط لصحته، وهو الصوم، فلا يجوز له أن يفطر.

كلّ ذلك في اليومين الأوّلين، وأمّا اليوم الثالث، فلا يجوز إفطار لا في المطلق ولا في المعين.

وأمّا الفرع الرابع: فهو أنّه لو نذر اعتكافاً مقيداً بأن يكون صومه لأجله، فلا يصلح لا بالصوم الواجب بالذات أو بالنذر، أو بالاستئجار، لعدم تحقّق شرطه .


صفحه109

 

في قطع الاعتكاف المندوب والمنذور

للمسألة صور:

1. وجوب الاعتكاف المندوب، بالدخول فيه.

2. حكم الاعتكاف المنذور المطلق .

3. حكم الاعتكاف المنذور المعين يومه.

وإليك دراسة الكل واحدة تلو الأُخرى:

وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه

اختلف الأصحاب في وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه وعدمه على أقوال:

1. يجب بالدخول فيه كالحج، وهو قول الشيخ في «المبسوط»(1)، وأبي الصلاح الحلبي في «الكافي».(2)

2. لا يجب بالدخول مطلقاً بل يجوز له الإبطال والفسخ متى شاء . وهو مختار السيد المرتضى في «المسائل الناصرية»(3)، و ابن إدريس في
«السرائر»(4)، وهو خيرة العلاّمة في «المختلف».(5)


1 . المبسوط:1/289.                   2 . الكافي: 186.

3 . المسائل الناصرية: المسألة 135.         4 . السرائر: 1/422.

5 . المختلف: 3 / 582. وقد منع العلاّمة صحة سند ما دلّ على الوجوب بعد اليومين و حمله على شدة الاستحباب.


صفحه110

3. وجوب اليوم الثالث بعد مضي يومين. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع»(1)، وصاحب المدارك (2)، و المتأخرين.

4. لا يجب بالدخول مطلقاً في جميع الأيّام إذا شرط في حال نذره، الرجوع متى شاء وإلاّ يجب بالدخول في اليوم الثالث.

وهو في الحقيقة ليس قولاً رابعاً، بل هو نفس القول الثالث بإضافة جواز الرجوع في اليوم الثالث إذا كان نذره مقيّداً بالرجوع متى شاء.

أمّا الأوّل: فيمكن الاستدلال له بوجهين:

1. حرمة إبطال العمل.

2. ما دلّ على وجوب الكفّارة إذا أفسد اعتكافه بالجماع و لو قبل الثالث .

يلاحظ على الأوّل: أنّه لم يدلّ دليل على حرمة قطع العمل المندوب، وأمّا قوله سبحانه: (وَلا تُبْطِلُوا أَعمالَكُمْ)(3) فقد مضى الكلام في عدم دلالته على الإبطال مطلقاً، بل هو مختص بالإبطال بالإحباط كما يدلّ عليه سياق الآيات على أنّ الآية ناظرة إلى الإبطال بعد تمام العمل لا في أثنائه كما في المقام، نظير قوله سبحانه: (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذى).(4)

يلاحظ على الثاني: أنّ إيجاب الكفّارة عند الإفساد بالجماع يدلّ على


1 . المسالك: 2 / 107، قسم المتن.    2 . المدارك:6/340.

3 . محمد:33.

4 . البقرة:264.


صفحه111

حرمة إفساده بهذا الطريق لما فيه من الهتك للعبادة، دون حرمة قطعه مطلقاً ولو بالانصراف عن العمل.

وأمّا الثاني: فقد استدلّ عليه العلاّمة في «المختلف» بوجهين:

1. انّها عبادة مندوبة، فلا يجب بالشروع فيها كغيرها من التطوعات، وفارقت الحج لورود الأمر فيه دون صورة النزاع.

2. انّ اليوم الأوّل والثاني متساويان، فلو اقتضى اعتكافُ الثاني وجوبَ الإتمام لاقتضاه الأوّل.(1)

يلاحظ عليهما : أنّ الدليلين إنّما يتمّان إذا لم يكن دليل يدلّ على وجوب الإتمام بعد اليومين، وإلاّ فيكون أشبه بالاجتهاد في مقابل النص.

وأمّا الثالث: فتدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيام».(2) والرواية صحيحة السند على نقل الكافي، نعم هي موثقة حسب نقل الشيخ حيث نقلها: عن علي بن الحسن (بن فضّال)، عن الحسن(بن محبوب)، عن أبي أيّوب (الخزاز).

وما في نسخة الوسائل المطبوعة المحقّقة «عن الحسين» مكان «عن الحسن» فهو من غلط النُّساخ، إذ السند في التهذيب(3) على ما سردناه.


1 . المختلف:3/582.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

3 . التهذيب: 4/362، برقم 462.


صفحه112

وصحيحة أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: من اعتكف ثلاثة أيّام فهو يوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيّام أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيّام أُخر».(1)

وبذلك يقيد ما روي صحيحاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)من أنّه إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنّه يأتي بيته، ثمّ يُعيد إذا برئ و يصوم.(2) وغيره، فلعلّ وجوب الرجوع لأجل النذر فيقضي بعدما يبرأ لا بالوجوب بالدخول.

وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع عند البحث عن وجوب الاعتكاف الواجب المعيّن والموسّع والمندوب واشتراط المعتكف ، فانتظر(3).

لو نذر اعتكاف يوم أو يومين

يشترط في صحّة النذر كون المنذور مشروعاً، فلوكان النذر مقيّداً بعدم الزيادة كان المتعلّق غير مشروع لما دلّت الأدلة على أنّ أقلّ الاعتكاف ثلاثة.(4) ويوصف بالبدعة غير الصالح للتقرّب، وأمّا لو كان مطلقاً فهو كما يتحقّق في ضمن يومين بشرط لا، كذلك يتحقّق في ضمن الأكثر من يومين أيضاً، لأنّ «لا بشرط» يجتمع مع ألف شرط ويكفي في صحّة النذر، كون


1 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف ، الحديث 1، 2، 3.

3 . انظر الصفحة: 160 من هذا الكتاب .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.


صفحه113

المتعلّق مشروعاً ولو ببعض أفراده وأقسامه.

هذا كلّه إذا كان المقصود هو الاعتكاف المصطلح، و أمّا إذا أراد منه المعنى اللغوي باعتبار أنّ المكث في المسجد عبادة خصوصاً إذا انضمّت إليه قراءة القرآن والدعاء والصلاة، فيجوز مطلقاً، لكنّه خارج عن مفروض العبارة.

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام ثالثها العيد

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام معينة أو أزيد فاتّفق كون اليوم الثالث عيداً، بطل من أصله، إذ لا اعتكاف إلاّ بصوم صحيح، والمفروض أنّ الصوم في الاعتكاف المنذور محرم باطل، فكيف ينعقد النذر، مع أنّه لا رجحان فيه، بل مرجوح، ومع عدم انعقاده، لا يصدق الفوت حتى يجب قضاؤه.

وأمّا كون القضاء أحوط، فلاحتمال أن يكون النذر من باب تعدّد المطلوب لا من باب الالتزام بكونه في خصوص يوم العيد، واحتمال كون وجهه، هو استفادة القضاء ممّا ورد القضاء في الحائض والمريض،(1) بعيد جدّاً للفرق الواضح بين المقامين، لانعقاد النذر في الأوّلين وإن طرأ المانع دون المقام.

ويحتمل أن يكون وجهه ما ورد في صحيحة علي بن مهزيار قال: كتبت إليه ـ يعني إلى أبي الحسن (عليه السلام)ـ : يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً، ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر، أو أضحى، أو أيّام


1 . الوسائل: ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1، 2.


صفحه114

التشريق، أو سفر، أو مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم، أو قضاؤه؟ وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيّام كلّها ويصوم يوماً بدلَ يوم إن شاء اللّه تعالى».(1) وبما أنّ الرواية على خلاف القاعدة لعدم انعقاد النذر لأجل المصادفة، يُقتصر في العمل بموردها. نعم تصلح لأن تكون سبباً للاحتياط في المقام.

لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد

لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل، إلاّ أن يعلم يوم قدومه قبل الفجر.

أمّا الصحّة عند العلم بكون قدومه قبل الفجر فواضح .

إنّما الكلام إذا نذر و لا يعلم زمان قدومه، فحكم صاحب العروة بالبطلان لعدم إمكان الاعتكاف في ذلك اليوم المجهول.

وربما يمنع بطلان النذر إذا لم يعلم يوم قدومه من حيث تردّده بين يومين أو أكثر، إذ لازم ذلك العلم، هو الاحتياط في جميع تلك الأطراف المحصورة، المحتمل وقوع القدوم فيها.(2)

وأُورد عليه أنّ تنجيز العلم الإجمالي بالنسبة إلى الموافقة القطعية فرع تعارض الأُصول عند جريانها، والمقام ليس كذلك، فإنّه يجري في غير اليوم الأخير بلا معارض، ولا يجري في اليوم الأخير للعلم بقدومه أمّا فيه أو في اليوم المتقدّم أو الأيّام المتقدّمة عليه، فيكون جريان الأصل فيماعدا ذلك


1 . الوسائل: ج 16، الباب 10 من أبواب النذر، الحديث1.

2 . مستمسك العروة الوثقى:8/562.


صفحه115

اليوم إلى زمان العلم بالخلاف سليماً عن المعارض، فيجري الاستصحاب في كلّ يوم إلى أن يعلم بالقدوم، فإن علم به في ذلك اليوم فهو، و إن علم بقدومه قبل ذلك كان معذوراً في الترك لأجل استناده إلى الأصل، والحاصل: أنّه تردّد قدومه بين الأيّام الثلاثة، فاليومان الأوّلان، مشكوك قدومه، فيجري الأصل بخلاف الثالث فإنّه ظرف العلم بقدومه أمّا فيه في أحد اليومين المتقدّمين فلا يجري فيه.(1)

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيّام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد.

وذلك لأنّ النذر يتعلّق بالأمر المشروع وليس المتعلّق هنا مشروعاً، لما قلنا من دخول الليلتين المتوسطتين في الاعتكاف.

اللّهم إلاّ إذا قصد الاعتكاف اللغوي وهو المكث في المساجد، وهو خلاف الفرض.

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد

لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو أزيد لم يجب إدخال الليلة الأُولى فيه، بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر، فإنّ الليلة الأُولى جزء من الشهر.

أمّا عدم دخولها في نذر ثلاثة أيّام، فلأنّ ظاهر الأدلّة أنّ الاعتكاف يبتدأ


1 . مستند العروة: كتاب الصوم: 2/238.


صفحه116

به بالصوم، كما هو ظاهر قوله:«لا اعتكاف إلاّ بصوم».(1) فتخرج الليلة الأُولى عن مصبِّ النذر.

وأمّا الثاني فلعلّ القصد في دخول الليلة الأُولى في الاعتكاف إلى أنّ الشهر حقيقة فيما بين الهلالين، فتدخل الليلة الأُولى، بخلاف ما إذا نذر الأيّام.

ويمكن أن يقال بخروجها أيضاً، لأنّ الناذر إنّما يقصد الاعتكاف المشروع، وهو يبتدأ بالصوم، وعندئذ تخرج الليلة الأُولى في الثاني أيضاً.

وبالجملة: أنّ الناذر و إن كان جاهلاً بالحكم الشرعي وهو ابتداء الاعتكاف بالصوم، ولكنّه في قرارة نفسه ينذر ما جعله الشارع اعتكافاً، والمفروض أنّه لم يجعل الليلة الأُولى جزءاً من الاعتكاف، وبذلك لا يجب عليه إدخالها حتى بعد العلم بالحكم.

لو نذر اعتكاف شهر

فيه فرعان:

1. لو نذر اعتكاف شهر يجزئه اعتكاف ما بين الهلالين.

2. إذا نذر اعتكاف مقدار شهر وجب اعتكاف ثلاثين يوماً.

أمّا الأوّل، فلأنّ الشهر في اللغة العربية إنّما هو ما بين الهلالين كقوله سبحانه: (شَهْرُ رَمَضانَ الّذي أُنْزلَ فِيهِِ القُرآن)(2) وقوله سبحانه: (إِنَّ عِدّةَ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.

2 . البقرة: 185.


صفحه117

الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثنا عَشَرَ شَهْراً في كِتابِ اللّه)(1)، ولذلك ذهب بعضهم إلى عدم كفاية التلفيق في صوم شهرين متتابعين وإن ناقشنا في ذلك.

وأمّا الثاني، فلأنّ المتبادر من مقدار الشهر، هو ثلاثون يوماً.

وما ذكر يصحّ إذا كان الناذر عربياً، وأمّا إذا كان غيره فلابدّ من منصرف كلامه والمتبادر منه، ولعلّ المتبادر في الجميع هو ثلاثون يوماً، فإنّ الزائد والناقص عليه أمر على خلاف القاعدة.

لو نذر اعتكاف شهر بعينه

إذا نذر اعتكاف شهر رجب مثلاً وجب عليه الاعتكاف في نفس ذلك الشهر من أوّله إلى آخره، وليس له أن يبدأ بالعاشر من رجب ليكمله في العاشر من شعبان، كما ليس له أن يصوم 15 يوماً من رجب هذه السنة و الباقي من رجب السنة القادمة لما عرفت من أنّ الشهر عبارة عمّا بين الهلالين.

هذا إذا نذر اعتكاف شهر، وأمّا لو نذر مقدار الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة إلى أن يكمل ثلاثين.

واحتمل صاحب العروة في المقام وجهاً آخر وهو جواز التفريق يوماً، فيوماً، ويضمّ إلى كلّ واحد، يومين آخرين لا وفاءً للنذر. بل تصحيحاً لاعتكاف اليوم الماضي.

توضيحه: أنّه يجوز له اعتكاف يوم واحد لغاية الوفاء بالنذر، ثمّ يضم


1 . التوبة:36.


صفحه118

إليه اعتكاف يومين آخرين لا لأجل الوفاء بالنذر بل تصحيحاً لاعتكاف اليوم الماضي لما قلنا من أنّ أقلّ الاعتكاف ثلاثة.

وهكذا الأمر في اليوم الثاني بعد الثلاثة يعتكف وفاءً للنذر ثمّ يضم إليه يومين آخرين تصحيحاً وندباً لا وفاءً بالنذر، وعند ذلك يستغرق الوفاء بالنذر 90 يوماً، ثلاثون يوماً بالتفريق لأجل الوفاء بالنذر، وستون يوماً بصورة يومين فيومين تصحيحاً.

ثمّ قال بل الأمر كذلك في كلّ مورد لم يتبادر التتابع من الدليل.

وأورد عليه السيد الخوئي بأنّه مبني على دعوى لزوم قصد عنوان الوفاء في امتثال الأمر النذري بحيث لو لم يقصده إلاّ في الواحدة من كلّ ثلاثة فلا يقع الباقي وفاءً للنذر، ولكن العنوان المزبور غير لازم القصد فإنّ الوفاء هو الإتيان بذلك المتعلّق كما في الوفاء بالعقد، والأمر الناشئ من قبل النذر توصلي لا تعبدي، فمتى أتى بالمتعلّق كيف ما اتّفق فقد أدّى ما عليه، وعلى ذلك فاليومان الآخران يحسبان وفاءً عن النذر بطبيعة الحال.

اللّهمّ إلاّ أن يأخذ خصوصية في المنذور لا تنطبق إلاّ على واحد من الأيام الثلاثة، كما لو نذر الاعتكاف في مقام إبراهيم في مسجد الكوفة واعتكف يوماً واحداً فيه واليومين الآخرين في سائر أماكن المسجد.(1)

يلاحظ عليه : أنّ الاحتمال الأخير خارج عن موضوع البحث، والكلام مركّز على ما إذا لم يكن هناك ميز بالنسبة إلى الأيّام الثلاثة.


1 . مستند العروة الوثقى:2/394.


صفحه119

ويمكن أن يقال: إنّ اليومين إنّما يحتسبان من النذر إذا أتى به لا بشرط بما أنّه محبوب للّه أو مأمور به بأمر استحبابي أو غير ذلك من العناوين التي لا ينافي انطباق عنوان المنذور عليه، وأمّا إذا أتى به بشرط لا، وضارباً الصفحَ عن الأمر النذري ، فاحتمال كونه مصداقاً للمنذور، كما ترى.

نعم يرد على السيّد أنّ الامتثال بهذه الصورة خارج عن منصرف النذر وليس مصداقاً له.

لو نذر الاعتكاف شهراً أو زماناً على وجه التتابع

إنّ نذر اعتكاف شهر على وجه التتابع يتصور على وجهين:

1. أن يكون المنذور من حيث الزمان كلياً كأن ينذر اعتكاف شهر ما من الشهور على وجه التتابع فإن أخل به استأنف، لأنّه أخل بصفة النذر فوجب عليه استئنافه. وبعبارة أُخرى: المأتي ليس مصداقاً للمنذور، فلابدّ من اعتكاف آخر بوصف تتابع الأيّام حتى يكون وفاءً للنذر وليس العمل الثاني قضاءً، بل أداءً مصداقاً له.

2. أن يكون المنذور من حيث الزمان معيّناً كالاعتكاف في شهر رمضان، فلو قال: للّه عليّ أن اعتكف شهر رمضان متتابعاً، قال الشيخ في «المبسوط»: لزمه المتابعة هنا من ناحية الشرط، فإن أخلّ بها استأنف، لأنّ المتابعة من ناحية الشرط.(1) وعليه المحقّق في «الشرائع» قال: ولو نذر اعتكاف شهر معين وتلفّظ بالتتابع استأنف.(2) وهذا هو الذي أشار إليه


1 . المبسوط:1/291.   2 . المسالك: 2/106، قسم المتن.


صفحه120

صاحب العروة بقوله: «وإن كان معيناً وقد أخلّ بيوم أو أزيد وجب قضاؤه، والأحوط التتابع فيه أيضاً».

ثمّ إنّ في قوله: «وجب قضاؤه» احتمالين:

الأوّل: قضاء المنذور وفاقاً للشيخ في المبسوط حيث قال:«فإن أخلّ بها استأنف»، لأنّ المتابعة من حيث إنّها وصف للمنذور غير متحقّقة.

الثاني: ما عليه العلاّمة في «المختلف»: الاقتصار على قضاء ما أخلّ به حيث قال: ولقائل أن يقول: لا يجب الاستئناف وإن وجب عليه الإتمام متتابعاً وكفارة خلف النذر، لأنّ الأيّام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به فيخرج فيها عن العهدة، ولا يجب عليه استئنافها، والفرق بين الصورتين أنّه في صورة الإطلاق وعدم تعيين الزمان، يتمكن من الأداء بجعل كلّ صوم متتابع مصداقاً للمنذور، أمّا مع التعيين فلا يمكنه البدل.(1)

وهو خيرة المسالك قال: يتدارك ما بقي من الشهر ويقضي ما حكم ببطلانه وإن لم يكن متتابعاً.(2)

وتبعه سبطه وقال : بل الأصح عدم بطلان ما فعل إذا كان ثلاثة فصاعداً مع التلفّظ بالتتابع وبدونه، إذ المفروض تعيين الزمان.(3)

ولكن اللازم حمل كلام صاحب العروة على الاحتمال الأوّل بشهادة ذيل كلامه حيث قال: «فالأحوط ابتداء القضاء فيه» أي في الزمان الباقي، إذ لو


1 . المختلف:3/587.   2 . المسالك:2/106.

3 . المدارك:6/337.


صفحه121

أُريد قضاء خصوص ما أخلّ به لتعيّن قضاؤه خارج ذلك الزمان، لأنّ ما بقي من ذلك الزمان يعدّ أداءً بالنسبة إلى ما بقي من الشهر، حسب الاحتمال الثاني.

ثمّ إنّ دليل صاحب العروة على لزوم الاستئناف ما ذكره صاحب الجواهر بقوله: وفيه أنّ التتابع في البعض غير كاف في الامتثال بعد أن فرض اعتباره في الجميع في صيغة واحدة، وعدم إمكان استئنافها نفسها باعتبار تعيّنها لاينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأت بها أجمع.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي فصّل في المقام بين كون مستند القضاء، دليلاً لفظياً تضمّن انّ من فاته الاعتكاف المنذور وجب قضاؤه صحّ التمسّك بإطلاق الفوت الشامل لما فات رأساً أو ما فات ولو ببعض أجزائه، باعتبار أنّ فوت الجزء يستدعي فوات الكل واتّجه الحكم حينئذ بقضاء المنذور بتمامه.

وأمّا لو كان الإجماع فالقدر المتيقن منه هو قضاء ما أخلّ به.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الاعتماد على الإجماع في المقام عجيب جداً، لأنّه من المسائل التفريعية التي لم يرد فيها نصّ، وعليه فلم يعتمد المجمعون على نص وصل إليهم ولم يصل إلينا، بل اعتمدوا على اجتهاداتهم وفي مثله لا يكون الإجماع دليلاً حتى يؤخذ بالمتيقن منه.

ثمّ إنّ الاعتماد على إطلاق الدليل اللفظي لو ورد في المقام، ينافي ما


1 . الجواهر:17/179.   2 . مستند العروة، كتاب الصوم:2/397.


صفحه122

ذكره في المسألة الثالثة من الفصل الرابع عشر من أنّ أدلّة القضاء اللفظية نظير قوله: «يقضي ما فاته كما فاته» ناظر إلى المماثلة من حيث القصر والتمام، فلا إطلاق لها كي يقتضي الاتحاد من سائر الجهات.(1)

ومع ذلك، الظاهر قوة القول المشهور، لأنّ الظاهر أنّ اعتكاف شهر معيّن عمل واحد مرتبط بعض أجزائه ببعض وليس أعمالاً كثيرة، والمفروض أنّه لم يتحقق العمل الواحد بالإخلال بالبعض، فالقول بقضاء المنذور أوفق بالقاعدة.

لو نذر اعتكاف أربعة أيام

يقع الكلام في أُمور:

1. لو نذر اعتكاف أربعة أيّام فأخل بالرابع وقد اشترط التتابع أو كان منساقاً من نذره، بطل ما أتى، لعدم وقوع المنذور، ويجب عليه الاستئناف، ولا يزيد المستأنف عن أربعة أيام.

2. تلك الصورة ولكن لم يشترطه ولا كان منساقاً من نذره يجب عليه قضاء ذلك اليوم، و لمّا كان اعتكاف اليوم الواحد غير مشروع، لا محيص له لأجل التمكّن من القضاء من ضم يومين آخرين.

3. أنّه مخيّر في جعل اليوم الأوّل هو المقضيّ أو أيّاً منها شاء، والأولى عند صاحب العروة جعلُ المقضيّ أوّل الثلاثة.

ولكنّ الظاهر أنّه ينطبق على الأوّل قهراً بلا حاجة إلى النية.


1 . مستند العروة الوثقى:2/261.


صفحه123

وذلك لأنّه ليس على ذمَّته إلاّ اعتكاف يوم واحد، وبما أنّه لا يتمكّن من أداء ما وجب شرعاً إلاّ بضم يومين إليه، يكون أحد الأيام واجباً نفسيّاً، والآخران واجبين بالوجوب المقدّمي الشرعي ـ لو قلنا به ـ أو العقلي بمعنى اللابدية كما هو الحقّ، فإذا قام بالاعتكاف بنيّة ما وجب عليه، ينطبق الواجب عليه من دون حاجة لأن ينوي انطباق ما عليه على اليوم الأوّل، لأنّ المفروض أنّ ما في ذمّته ليس إلاّ اعتكاف يوم واحد من دون أن يكون ملوّناً بلون خاص حتى لا ينطبق على المأتي به أوّلاً.

نظير المقام إذا كان مديوناً لزيد بدرهم ونذر أن يضمّ إليه درهمين آخرين عند التأدية، فدفع درهماً فيسقط به الأمر الأوّل، وإن كان سقوط الأمر النذري متوقّفاً على ضمّ درهمين إليه.

نعم دفع الدرهمين واجب شرعاً لأجل الوفاء بالنذر، لكنّ ضم اليومين في المقام واجب عقلاً للتمكن من القضاء، والمقدمة ليست بواجبة شرعاً كما حقّق في الأُصول، وبذلك تستغني عن الإطناب الموجود في المقام تبعاً للجواهر.(1)

لو نذر اعتكاف خمسة أيام

قال في المدارك: لو كان المنذور خمسة وجب أن يضمّ إليها سادساً، سواء أفرد اليومين أم ضمّهما إلى الثلاثة، لما بيّناه، فيما سبق من أنّ الأظهر وجوب كلّ ثالث.(2)


1 . الجواهر: 17/189; المستمسك: 8/565 ; مستند العروة الوثقى: 2 /400.

2 . المدارك:6/338.


صفحه124

أقول: أمّا إذا لم يُتابِع، أي اعتكف ثلاثة فقط وأخلّ بالاثنين، فالحكم واضح للتمكّن من قضاء ما فات، أعني: اعتكاف يومين، ولا يتمكن إلاّ إذا ضمَّ إليها يوماً آخر، لعدم مشروعية الاعتكاف في الأقل من ثلاثة.

إنّما الكلام فيما إذا تابع، فهل يجب عليه ضمُّ السادس أو لا؟ وجهان:

1. من عموم ما ورد في صحيح أبي عبيدة للمقام، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: «من اعتكف ثلاثة أيّام فهو في اليوم الرابع بالخيار، إن شاء زاد ثلاثة أيّام أُخر، وإن شاء خرج من المسجد، فإنْ أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيّام أُخر».(1)

2. من اختصاص النص بالمندوب بشهادة قوله: «فهو في اليوم الرابع بالخيار» فلا يعم المنذور، مع إمكان التفرقة في المندوب دون المقام. ففي الأوّل إذا اعتكف ثلاثة أيّام، فقد تحقّق الاعتكاف المشروع وليس ثمة إلزام على اتصال الزائد وهو اليومان، فإذا أضاف يكون بمثابة اعتكاف جديد يجب إكماله باليوم الثالث، بخلاف المنذور بأنّ الخمسة حينئذ اعتكاف واحد، عن أمر واحد، وملاك واحد فلا نقص ليحتاج إلى الإكمال.

يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ الحكم كذلك في بعض أقسام الواجب كالنذر المطلق غير المعيّن زمانه، إذ له أيضاً رفع اليد عن الاعتكاف عن الثلاثة والإتيان بالواجب في زمان آخر و إن كان لا يجوز في المعيّن ـ : أنّ المتبادر من الرواية هو أنّ الحكم راجع إلى طبيعة الاعتكاف، سواء كان


1 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه125

مندوباً أو واجباً وإن كان المورد مندوباً.

وهناك جواب ثالث، وهو أنّ الاعتكاف مندوب مطلقاً; ولا يكون واجباً إلاّ بالعرض، وأنّ الواجب عند النذر، هو الوفاء به، والنذر يتعلّق بالاعتكاف المندوب بذاته مع ما له الحكم كذلك، وقد عرفت أنّ حكم الاعتكاف الذي اعتكف ثلاثة هو إكماله بيوم آخر.

لو نذر زماناً معيناً وتركه

قال المحقّق: إذا نذر اعتكاف شهر معيّن ولم يعلم به حتى خرج ـ كالمحبوس أو الناسي ـ قضاه.

وقال في المدارك في شرح العبارة : هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، واستدلّ عليه في «المنتهى» بأنّه نذر في طاعة أخلّ به فوجب قضاؤه. وهو إعادة للمدّعى، و ينبغي التوقّف في ذلك إلى أن يقوم على وجوب القضاء دليل يعتدّ به، وأمّا الكفارة فلا ريب في سقوطها للعذر.(1)

ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

ألف: عموم ما دلّ على قضاء ما فات

1. اقض ما فات كما فات.

2.من فاتته فريضة فليقضها.

وهما مرسلتان لا يحتجّ بهما مضافاً إلى انصرافهما إلى ما هو الواجب


1 . المدارك:6/337.


صفحه126

بالذات كالصلاة والصوم لا يعمّان الواجب بالعرض المندوب بالذات.

3. صحيحة زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟ قال: «يقضي ما فاته كما فاته، إن كانت صلاة السفر أدّاها في الحضر مثلها، وإن كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».(1)

وهي ليست بصدد بيان كل ما فات من المكلّف من الفرائض في مختلف الأبواب، بل بصدد بيان المماثلة من حيث القصر والإتمام. ويؤيدها الرضوي: «فتصلي ما فاتك مثل ما فاتك من صلاة الحضر في السفر وصلاة السفر في الحضر».(2)

ب: ما دلّ على وجوب قضاء الصوم المنذور

روى ابن مهزيار أنّه كتب إليه يسأله: يا سيدي، رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفّارة؟ فكتب إليه : «يصوم يوماً بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة».(3)

ونظيره ما رواه الحسين بن عبيدة(4)، و القاسم الصيقل.(5)

والاستدلال به على وجوب قضاء الاعتكاف المنذور أشبه بالقياس،


1 . الوسائل: ج 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.

2 . مستدرك الوسائل: 6/541، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 3.


صفحه127

لأنّ مورده الصوم، والبحث في الاعتكاف، واشتماله على الصوم لا يجعلهما من موضوع واحد.

ج: ما دلّ على قضاء الاعتكاف لدى عروض المانع

روى عبد الرحمن بن الحجاح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيد إذا برئ ويصوم».(1)

و في رواية أبي بصير: «فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها».(2)

إنّ قوله في الحديث الأوّل: «ثمّ يعيد إذا برئ و يصوم» ظاهر في وجوب الإعادة لا في وجوب القضاء، فيكون مورده هو الاعتكاف الواجب المطلق بلا تعيين زمانه، ويكون الإتيان أداءً في كلّ زمان، بخلاف المقام فإنّ المأتي يوصف بالقضاء لانقضاء وقته; وأمّا قوله: «فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها» و إن كان ظاهراً في كون المورد الاعتكاف المعيّن، لكن من المحتمل، كون المراد مطلق العمل.

وبعبارة أُخرى: أنّ الاستدلال بالأوّل مبنيّ على كون الفائت معيّناً من حيث الزمان، لكنّه لايناسب قوله: «فإنّه يأتي بيته ثمّ يعيده إذا برئ» فإنّ التعبير بالإعادة شاهد على بقاء الوقت. نعم قوله:«فقضت ما عليها» في الثانية، ظاهر كون الفائت واجباً معيناً بحيث يعد المأتي قضاء لا إعادة، لكن الاعتماد على


1 . الوسائل : ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

2 . الوسائل : ج 7، الباب 11 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه128

مثل هذا الظهور مع احتمال كون المراد هو الإعادة كما في الحديث الأوّل مشكل.

فلم يبق في المقام إلاّ الإجماع الذي حكاه صاحب الجواهر، و هو كما ترى إذ لا يبعد أنّ اعتماد المجمعين على ما ذكر من الأدلّة، فالقول بسقوط التكليف بارتفاع موضوعه أقوى.

لو غمّت الشهور

و لو غمت الشهور فلم يتعيّن عنده ذلك المعيّن، عمل بالظن، و مع عدمه يتخيّر بين موارد الاحتمال.

وهذا هو المحكي عن الشهيد حيث قال: إنّه لو غُمّت عليه الشهور توخّى وإلاّ تخير.(1) ولعلّه اعتمد على ما ورد من الأسير والمحبوس إذا لم يعلم شهر رمضان، فيجب عليه التوخّي، أعني: الصوم فيما يظنه شهر رمضان.(2) و لكنّه ضعيف جداً، لأنّه أشبه بالقياس واختاره صاحب الجواهر قائلاً بأنّه مقتضى بقاء التكليف، وقبح التكليف بما لا يطاق، فليس حينئذ إلاّ التوخّي، ومع عدمه فالتخيير، لأنّهما أقرب طرق الامتثال.(3)

يلاحظ عليه: أنّ أقرب الطرق للامتثال هو الاحتياط، إلاّ إذا استلزم الحرج، فيتنزّل عن الامتثال القطعي إلى الظنّي إن أمكن و إلاّ فيختار الشهر


1 . شرح اللمعة: 2 / 114، كتاب الصوم ; الجواهر: 17/189.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1، 2.

3 . الجواهر:17/189.


صفحه129

الأخير المحتمل ويقصد ما في ذمّته الأعم من الأداء و القضاء.

في اعتبار وحدة المسجد في الاعتكاف الواحد

لا دليل عليه سوى انصراف قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع»(1)، وقوله: «لا يكون اعتكاف إلاّ في مسجد جماعة»(2) إلى المسجد الواحد.

وربما يستدلّ بوجهين:

1. ما دلّ من النصوص من أنّ من خرج من المسجد لحاجة، لزمه الرجوع بعد الفراغ منها إلى مجلسه. مثل ما ورد في رواية داود بن سرحان:«لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».(3) فإنّ مقتضى إطلاقه عدم جواز المكث خارج المسجد الذي اعتكف فيه بعد انقضاء الحاجة من غير فرق بين مسجد آخر وسائر الأمكنة.

يلاحظ عليه: أنّه منصرف إلى مجلس آخر مثل ما خرج إليه، كالبيوت والسوق، ولا يعمّ المسجد الذي هو نظير ما خرج منه.

2. ما دلّ على أنّ من خرج عن المسجد لحاجة فحضرت الصلاة، لا يجوز أن يصلّي إلاّ في المسجد الذي اعتكف فيه ما عدا مكة; كما في رواية منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المعتكف بمكة يصلِّي في أيِّ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه130

بيوتها شاء، و المعتكف بغيرها لا يصلي إلاّ في المسجد الذي سمّاه»(1) فإنّ مقتضى الإطلاق عدم جواز الصلاة حتى في مسجد آخر.

يلاحظ عليه: أنّ المراد أنّه لا يصلّي في بيت آخر في غير مكة، لا في مسجد آخر، ويدلّ على ما ذكرناه صحيح عبد اللّه بن سنان: «ولا يصلّي المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلاّ بمكّة».(2)

والدليل الوحيد هو الانصراف، لو قلنا به، وإلاّ فلا دليل على وحدته إذا كان الخروج من مسجد والدخول في غيره غير موجب للخروج عن المسجد، أو إذا خرج لحاجة ضرورية فلمّا فرغ دخل المسجد الآخر في طريقه. نعم لو عُدَّ المسجدان في العرف مسجداً واحداً كما لو وُسِّع المسجد بضم أرض إليه ووقفه جزء له فلا مانع قطعاً.

لو اعتكف في مسجد واتفق مانع من إتمامه فيه

إذا طرأ المانع من استدامة الاعتكاف، فلا يخلو إمّا أن يكون الاعتكاف مندوباً، أو واجباً. فعلى الأوّل يبطل; وعلى الثاني يجب استئنافه إن لم يكن مقيداً بزمان معين، أو قضاؤه، إن كان مقيّداً في مسجد آخر، أو ذلك المسجد إذا ارتفع المانع.

وذلك فلعدم التمكّن من الإتمام في هذا المسجد، ولا في مسجد آخر إذا استلزم الخروج من المسجد، لاعتبار وحدة المسجد على ما عرفت.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه131

هذا ما عليه عامة المشايخ، ولكن الأقوى جواز الانتقال إلى مسجد آخر والبناء على ما سبق خصوصاً إذا كان واجباً معيناً، وذلك برفع شرطية وحدة المسجد وجزئية المكث في المسجد فيما إذا توقف الانتقال على الخروج منه، بحديث الرفع.

وتوهّم عدم جريانه في المندوب من العمل، غير تام .لأنّ الرفع وإن كان فرع الثبوت، لكن يكفي فيه ثبوت الجزئية حسب ماهية العمل وصحته وإن لم يكن هناك تكليف إلزامي بالاستمرار فيه.

في سطح المسجد ومحرابه

سطح المسجد، وسردابه، ومحرابه منه، ما لم يعلم خروجها. وكذا مضافاته إذا جعلت جزءاً منه كما لو وُسّع فيه.

بما أنّ الاعتكاف عبارة عن اللبث في المسجد، يجب إحراز كون المكان مسجداً بالقرائن الحاكية عن كونه مسجداً أو جزءاً منه، و إلاّ فلا يصحّ كما لا يصحّ الانتقال منه إلى ذلك الجزء المشكوك كونه منه، والظاهر أنّ ذلك يختلف حسب اختلاف العادات في البلاد، فربما لا يكون صحن المسجد جزءاً منه، كما هو الحال في البلاد الباردة على عكس المناطق الحارة أو المعتدلة وهكذا.

هل يعتبر قبرا مسلم وهاني من مسجد الكوفة؟

قبر مسلم و هاني ليس جزءاً من مسجد الكوفة، لدلالة القرينة على أنّه


صفحه132

ليس منه، لأنّ من قتله الظالم يمنع عن دفنه في الأماكن المقدسة، على
أنّه يكفي الشك في كونه جزءاً من مسجد الكوفة أو لا، في عدم الحكم بالصحة.

في ثبوت المسجدية للمكان المعيّن

لا ريب في ثبوت الموضوع ـ كون المكان المعيّن مسجداً ـ بالعلم الوجداني، أو الشياع المفيد للعلم والبيّنة الشرعية ، إنّما الكلام في ثبوته بأمرين:

1. خبر العدل الواحد.

2. حكم الحاكم.

أمّا الأوّل، فالمشهور عدم حجّية قول العادل في الموضوعات، وأنّ ثبوتها رهن البيّنة، من غير فرق بين مورد الترافع والدعاوي، وغيرها ككون الماء المعيّن كرّاً. غير أنّ سيرة العقلاء على خلاف ما هو المشهور حيث جرت سيرتهم على الاعتماد على قول العدل الثقة في الموضوعات، كاعتمادهم عليه في الأحكام الشرعية، ولا تردُّ تلك السيرة إلاّبدليل قاطع ، وهو موجود في باب الترافع، كما تضافر عنهم (عليهم السلام)من أنّ «البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه»،(1) وغيره ممّا دلّ على لزوم التعدّد في ثبوته كالهلال و غيره، و أمّا في غير ذلك فيؤخذ بالسيرة ولم يرد دليل على ردّها سوى موثّقة مسعدة بن صدقة، أعني: قوله (عليه السلام): «الأشياء كلّها على هذا


1 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


صفحه133

حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».(1) حيث إنّ الظاهر حصر الثبوت بالأمرين فقط.

وربما يجاب بأنّ المراد من البيّنة فيها ما يُتبيّن به من الحجج الشرعية، فإنّ الحجّة الشرعية لا تختص بالعدلين، بل يعمّ إقرار الإنسان، وحكم الحاكم، واستصحاب الحالة السابقة. وبالثلاثة الأخيرة، تستدل على الأحكام كما يستدل على الموضوعات.(2)

يلاحظ عليه: أنّ البيّنة في اللغة و إن كان بمعنى ما يُتبيّن به من دون اختصاص بالعدلين، لكنّها صارت حقيقة متشرعية في العدلين عبْر القرون خصوصاً في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)حيث إنّ القضاة يستعملون لفظة البيّنة في المعنى المصطلح.

والأولى أن يجاب به بعد صحّة سند الرواية وعدم الإرسال فيه، حيث رواه علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) . و قد تُوفّي القمي، حوالي سنة 308هـ; وهارون ممّن لقى أبا محمد و أبا الحسن الهادي (عليهما السلام); ومسعدة بن صدقة من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام) . فإنّ نقل الأوّل عن الثاني وإن كان قريباً، لكن نقل هارون عن مسعدة مشكل، وإن صرح النجاشي بأنّ هارون ينقل عن مسعدة.

والأولى أن يجاب بأنّ سكوت الإمام عن سائر ما يثبت به لا يدل على عدم ثبوته به.إذ أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ سكوت الإمام دليل على انحصار


1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ،الحديث 4.

2 . مستند العروة الوثقى:2/415ـ 416.


صفحه134

الثبوت بهما ، ولكنّه أمام السيرة ضعيف جداً، مضافاً إلى ما ورد في موارد قبول خبر العدل، فلاحظ.(1)

وأمّا الثاني، فلما مرّ منّا في مسألة ثبوت الهلال بحكم الحاكم من عدم سعة حجّية حكم الحاكم إلاّ في مورد الأحكام والفتاوى، والدعاوى و المرافعات، دون الأُمور الخارجية.

نعم لو ادّعى بعض الورثة وقفية أرض للمسجد وأنكره غيره، فترافعا، فثبت عند الحاكم، وحكم به ، يؤخذ بقوله، لحجية حكمه في باب الترافع.

أمّا لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية، فبان الخلاف، تبيّن البطلان.

ووجهه واضح، لأنّ الموضوع هو الاعتكاف في المسجد الواقعي لا المسجد المتخيّل، وبعبارة أُخرى: كون المكان مسجداً شرط واقعي لا ظاهري.

في اعتكاف المرأة

لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع بين الرجل والمرأة، فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في بيتها، بل ولا في مسجد القبيلة ونحوه.

ويدل على الاشتراط مضافاً إلى ـ صحيحة داود بن سرحان حيث قال:


1 . و قد ذكرنا ما يدلّ على حجيّة قول العدل الواحد من الروايات في كتابنا كليات في علم الرجال: 159 ـ 160.


صفحه135

«ولا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع، والمرأة مثل ذلك» (1) ـ الإطلاقات الواردة في المقام خصوصاً قوله: «لا اعتكاف إلاّ بصوم في مسجد الجامع».(2) وغيره من الروايات الواردة لبيان ما هو المعتبر في حقيقة الاعتكاف.(3)

في اعتكاف الصبي المميّز

المشهور عند أصحابنا أنّ نية الصبي المميّز صحيحة، وصومه شرعي وكذا سائر عباداته، بمعنى أنّها مستندة إلى أمر الشارع فيستحق عليها الثواب لا تمرينية.

نعم، اختار العلاّمة في «المختلف» أنّها على سبيل التمرين، واستدلّ بقوله: إنّ التكليف مشروط بالبلوغ، ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط .(4)

يلاحظ عليه: أنّ للتكليف مرحلتين:

1. مرحلة الإلزام فعلاً وتركاً، وهي مشروطة بالبلوغ، وحديث رفع القلم ناظر إلى رفع مثل تلك الأحكام.

2. مرحلة الاستحباب والكراهة وهي غير مشروطة ولا يعمّها الحديث المذكور، لعدم كونها على الذمّة حتى يرفع.

ويدلّ على ما ذكرنا وجوه:


1 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 10 .

2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1 .

3 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.

4 . المختلف: 3 / 386 .


صفحه136

الأوّل: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إنّا نأمر صبياننا بالصيام ـ إلى أن قال:ـ فمروا صبيانكم إذا كانوا بني تسع سنين بالصوم ما أطاقوا من صيام، فإذا غلبهم العطش أفطروا».(1) وقد ثبت في الأُصول من أنّ الأمر بالأمر أمر بنفس الشيء.

الثاني: أنّ الشارع أذن للصبي في الصدقة والوقف والعتق والإمامة، ومعناه ترتّب الثواب عليها، وهو يلازم كونها شرعية وداخلة تحت الأوامر المطلقة بالعتق والصدقة والإمامة.

ففي رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق، أو أوصى على حدّ معروف وحقّ، فهو جائز»، ونظيره غيره.(2)

وفي موثّقة غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤمّ القوم، و أن يؤذّن» ونحوهما.(3)

وهذه الروايات تعرب عن كون عمله مطابقاً للشرع مأموراً به بأمر ندبي على وجه يكون عمله موضوعاً بالنسبة إلى المكلّفين.

الثالث: أنّ إطلاقات الأدلّة في أبواب المستحبات والمكروهات شاملة للصبي من غير مزاحم، ولذلك يستحب له قراءة القرآن والزيارة وصلاة الليل، ومنها إطلاقات باب الاعتكاف.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 13، الباب 44 من كتاب الوصايا، الحديث4. ولاحظ روايات الباب.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث3.


صفحه137

 

في اعتكاف العبد

هنا فروع:

الأوّل: بطلان اعتكاف العبد بدون إذن المولى، لقوله سبحانه: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُعَلى شَيء)(1) خرجت الفرائض بالدليل القطعي.

وعلى كلّ تقدير فهو مملوك، فلا يجوز له التصرف في ملك الغير.

الثاني: لو اعتكف بلا إذن المولى وأُعتق في أثنائه لم يجب عليه إتمامه لفساد الاعتكاف من أوّله.

الثالث: لو اعتكف بإذن المولى ثمّ أعتق في الأثناء، فله الخيار في الإتمام وعدمه ما لم يكمل اليومين، وإلاّ وجب الثالث أو السادس حسب ما مرّ.

الرابع: إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن إذنه شأن كلّ مالك بالنسبة إلى ما يملك ما لم يكن هناك إلزام من الخارج.

وبعبارة أُخرى: العبد المأذون ليس بأفضل من الإنسان الحرّ، فله الرجوع قبل إكمال يومين.

الخامس: إذا اعتكف بإذن المولى وأكمل اليومين، فهل له أن يرجع عن إذنه بعد إكمال يومين؟ الظاهر لا، لأنّه بإذنه سلب سلطنته عنه مادام يعتكف، فلو كان الاعتكاف مستحباً جاز له الرجوع عن إذنه، وأمّا إذا صار واجباً عليه


1 . النحل:75.


صفحه138

فليس له الرجوع، لأنّه ليس بمشرِّع، وقد ثبت أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإن قلت: إنّ وجوب المضيّ فرع جواز اللبث المنوط بالإذن حدوثاً وبقاءً، وإلاّ فهو تصرّف في ملك الغير الذي هو محرّم ومصداق لمعصية الخالق أيضاً.

قلت: إنّ إذنه في الاعتكاف إذن في موضوع له أحكام، وهو وجوب الاستمرار إذا أكمل اليومين، وعند ذلك فهو بإذنه حدوثاً سلب السلطنة عن نفسه اختياراً بالنسبة إلى اليوم الثالث.

السادس: إذا نذر العبد أن يُتم الاعتكاف متى شرع و كان النذر بإذن المولى، وقد شرع فيه العبد، فإنّه ليس له الرجوع حينئذ، لكونه على خلاف حكمه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: أنّ إجازته للعبد بأن ينذر وجوب إتمام الاعتكاف متى شرع يعدُّ سلبَ سلطنة لنفسه في هذه الأيّام، حيث أذن لموضوع له حكم خاص، وهو وجوب الإتمام عند الشروع.

والحاصل: أنّه ليس للمولى حلُّ ما وجب شرعاً كما في اليوم الثالث في الفرع الخامس، أو اليوم الأوّل وبعده كما في الفرع السادس.

في الموارد الّتي تجوّز الخروج من المسجد

يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة الشهادة، أو لحضور


صفحه139

الجماعة أو لتشييع الجنازة، وإن لم تتعيّن عليه هذه الأُمور. وكذا في سائر الضرورات العرفية، أو الشرعية ،الواجبة، أو الراجحة. سواء كانت متعلّقة بأُمور الدنيا ،أو الآخرة، ممّا ترجع مصلحته إلى نفسه أو غيره . ولا يجوز الخروج اختياراً بدون أمثال هذه المذكورات.

وقد تقدّم الكلام في ذلك في الشرط الثامن، وعرفت أنّ المستثنى في صحيح عبداللّه بن سنان(1) هو مطلق الحاجة، ولكن المستثنى في صحيحي الحلبي(2) و داود بن سرحان(3) هو الحاجة التي لابدّ منها، ومقتضى صناعة الاجتهاد هو تقييد المطلق بالمقيد. وعلى ذلك فلا دليل على جواز الخروج لمطلق الحاجة المستحبّة ما لم تكن الحاجة لابدّ منها عقلاً أو شرعاً أو عرفاً. نعم ورد في صحيح الحلبي جواز الخروج لمشايعة الجنازة أو عيادة المريض، ويمكن حملها على مشايعة أو عيادة لابدّ منها، لا مطلق الحاجة المستحبة.

في حكم الجنابة في المسجد أثناء الاعتكاف

هنا فرعان:

1. حكم الاغتسال إذا أجنب.

2. حكم الاعتكاف إذا لم يخرج.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه140

أمّا الأوّل، فقد فصّل صاحب العروة بين إمكان الاغتسال في المسجد بلا تلويثه، فيقدّم الاغتسال فيه على الاغتسال في الخارج، للجمع بين الاغتسال وحرمة الخروج; وبين عدم إمكانه، فيجب الخروج والاغتسال في الخارج.

أقول: قد تقدّم في الأمر الثامن أنّه يجب الاغتسال مطلقاً خارج المسجد ويحرم المكث فيه، سواء تمكّن من الاغتسال في المسجد بلا تلويثه أو لا، وسواء تمكّن من الاغتسال بحالة الخروج أو لا، وذلك لأنّ مكث الجنب في المسجد حرام وليس مضطرّاً إليه لوجود المندوحة وهو الاغتسال في الخارج، وعندئذ يصبح الخروج ممّا لابدّ منه كما مرّ .

وإن شئت قلت: إنّ هنا إطلاقين يلزم تقييد أحدهما في هذه الحالة:

1. إطلاق ما دلّ على حرمة اللبث في المسجد للجنب.

2. إطلاق ما دلّ على حرمة الخروج من المسجد للمعتكف.

فلو قُيِّد الإطلاق الأوّل بأدلّة الاضطرار تكون النتيجة هو وجوب الاغتسال في المسجد، ولو قُيِّد الإطلاق الثاني بما ورد في ذيله ودلّ على جواز الخروج للحاجة الضرورية، تكون النتيجة هو وجوب الخروج والاغتسال في الخارج. وعلى ضوء ذلك لا ملزم لتقييد الأوّل دون الثاني مع أنّهما متساويان .

بل يمكن أن يقال: إنّه لا يجوز تقييد حرمة مكث الجنب في المسجد بطروء الاضطرار، بل يتعيّن تقييد إطلاق حرمة الخروج من المسجد بما ورد


صفحه141

في ذيل الروايات من الحاجة الضرورية ، وذلك لأنّ الالتجاء إلى العناوين الثانوية ـ كحديث الرفع ـ إنّما يجوز إذا أوجد العمل بالأحكام الواقعية الأوّلية تزاحماً، فعندئذ يرفع التزاحم بأدلّة العسر والحرج ورفع الاضطرار.

وأمّا المقام فليس من صغرى هذه الضابطة، فإنّ دليل حرمة اللبث وإن لم يقيّد بشيء فهو مطلق، لكن حرمة الخروج في نفس الأدلّة مقيّدة بعدم عروض الحاجة الضرورية، فإذاً الجمع بين هذين الحكمين اللّذين أحدهما مطلق جوهراً والآخر مقيد كذلك لا يورث تزاحماً حتى نتمسك في رفع التزاحم بالعناوين الثانوية.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الجمع بين الأحكام المتعلّقة بالعناوين الأوّلية مطلقها ومقيدها مورثاً للتزاحم، فلابدّ من الخروج من دائرة العناوين الأوّلية إلى تطبيق أحكام العناوين الثانوية عليها; وأمّا إذا كان التزاحم مرتفعاً بنفس العمل بالأحكام الواقعية فيما إذا كان أحدهما مقيَّداً من أوّل الأمر والآخر مطلقاً، فلا مجال للتمسك بالعناوين الثانوية لفقد الموضوع.

أمّا الثاني، أعني: بطلان الاعتكاف إذا لم يخرج من المسجد، فلأجل أنّ المكث الحرام جزء من الاعتكاف، وبما أنّه محرَّم لا يكون هذا الجزء مقرِّباً، فيبطل الكل.

وربما يفصّل بين ما إذا كان مكثه موجباً لترك جزء من الاعتكاف عمداً وما إذا لم يكن كذلك، فيبطل الاعتكاف في الأوّل دون الثاني; فإنّ اللبث حرام تكليفاً ووضعاً في الأوّل فيكون مخلاًّ بالاعتكاف، وتكليفاً فقط في


صفحه142

الثاني فلا يكون مخلاًّ به.

توضيحه: أنّه إذا أرسل خادمه لتحصيل الماء ليغتسل في المكان المعدّ للاغتسال من توابع المسجد، ولكنّه لبث في المسجد إلى أن يجيء الخادم، فهو وإن ارتكب الحرام تكليفاً، لكن لم يترك جزءاً من الاعتكاف، لأنّ المفروض أنّ هذا المقدار من الزمان لا يجب المكث فيه غاية الأمر كان عليه الانتظار خارج المسجد فخالف وارتكب الحرام، وعندما حضر الماء خرج من المسجد واغتسل في خارجه.

نعم لو جلس في المسجد زائداً على المقدار المذكور كما أنّه استمرّ في اللبث حتى بعد تحصيل الماء، فبما أنّه فوَّت على نفسه الاعتكاف في المقدار الزائد من الزمان، «فقد ترك جزءاً من اللبث الواجب اختياراً»(1)، وذلك موجب للبطلان.(2)

أحكام الغصب في الاعتكاف

هنا فروع:

1. إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد وجلس فيه واعتكف، فهل يبطل اعتكافه؟

2. إذا جلس على فراش مغصوب.


1 . والأولى أن يقول: فبما أنّ هذا الجزء الزائد مستثنى من الاعتكاف، فهو محرّم وفي الوقت نفسه جزء منه، والمحرّم لا يكون مقرّباً ولا يتمشى من الفاعل قصد التقرّب به، فيكون باطلاً.

2 . مستند العروة الوثقى:2/424.


صفحه143

3. إذا جلس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب أو آجر مغصوب.

4. إذا لبس الثوب المغصوب أو كان حاملاً له و هو معتكف.

5. إذا جلس على المغصوب ناسياً أو جاهلاً أو مضطراً.

وإليك البحث في الجميع واحداً تلو الآخر:

1. إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد

إذا أزال شخصاً عن مكانه في المسجد وجلس فيه واعتكف، فهل يبطل اعتكافه؟ قولان مبنيان على أنّ السابق إلى مكان هل يُوجد له حقّ الاختصاص مالم يعرض عنه أو لم يتحقّق الإعراض العرفي، أو لا يوجِدُ إلاّ عدم المزاحمة له فلا تجوز إزالته عنه، وأمّا بعدما أُزيل ولو قهراً ينتفي حقّه ويبقى على الإباحة العامة؟ فالرأيان مستمدان ممّا ورد في المقام من الروايات.

1. روى الكليني باسناد صحيح عن محمد بن إسماعيل، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: نكون بمكة أو بالمدينة أو الحيرة أو المواضع التي يرجى فيها الفضل فربما خرج الرجل يتوضأ فيجيء آخر فيصير مكانه، فقال: «من سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته».(1)

والاستدلال بالرواية فرع صحّة السند.


1 . الوسائل: ج 3، الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 1.


صفحه144

لكن الظاهر انّ السند ضعيف لأجل الإرسال، ومعه لا حاجة إلى التحقيق عن هوية محمد بن إسماعيل الذي روى بواسطة واحدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

وهو ليس محمد بن إسماعيل الذي هو شيخ الكليني، والراوي عن الفضل بن شاذان، بل هو مردد بين محمد بن إسماعيل بن بزيع أو محمد بن إسماعيل بن ميمون، وإن كان الأقرب هو الثاني .

قال النجاشي: محمد بن إسماعيل بن ميمون الزعفراني، أبو عبد اللّه، ثقة، عين، روى عن الثقات ورووا عنه، ولقي أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)، له كتاب نوادر.(1)

وأمّا محمد بن إسماعيل بن بزيع فهو أيضاً روى عن أصحاب الصادق (عليه السلام)، حيث روى عن منصور بن يونس وحمّاد بن عيسى .(2)

والظاهر من الرواية أنّ المكان كان من قبيل السوق غير أنّ كونه أحقّ بها حتى في ليلته لابدّ من حمله على وضع سلعته وحاجاته فيه وإلاّ فينتهي حقّه بانتهاء اليوم.

وبما ذكرنا يعلم أنّ الرواية لم تشتمل على شيء لم يقل به أحد، وأمّا الدلالة فسيوافيك بيانها.

2. ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «سوق المسلمين كمسجدهم، فمن


1 . رجال النجاشي: 2 / 238، برقم 934.

2 . رجال النجاشي: 2 / 214، برقم 894 .


صفحه145

سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى الليل و كان لا يأخذ على بيوت السوق كراءً».

والرواية نقلها الصدوق مرسلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(1)، و نقلها الكليني بسند(2) صحيح ينتهي إلى طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين ....

وطلحة بن زيد لم يوثّق لكن الشيخ قال في حقّه: «هو عامي المذهب، إلاّ أنّ كتابه معتمد» وله بهذا العنوان 156 رواية في الكتب الأربعة.

كما نقله أيضاً بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «سوق المسلمين كمسجدهم...».(3)

وعلى هذا فالرواية قابلة للاستناد.

وتحديد الحقّ إلى الليل يدلّ على أنّ المكان من قبيل السوق فينتهي بتخلية المكان، بخلاف الرواية الأُولى فإنّه أثبت الأحقّية لليوم والليلة، وقد مرّ محمله.

ربما يقال: إنّ الظاهر من الأحقّية بقرينة صيغة التفضيل مجرد الأولوية، فكلّ واحد من المسلمين ذو حق بالنسبة إليه، إلاّ أنّ السابق أحقّ به.

يلاحظ عليه: بأنّ أفعل التفضيل كثيراً ما تستعمل في غير التفاضل، كما في قوله سبحانه: (قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أمْ جنّةُ الخُلْدِ الّتي وُعِدَ المُتَّقُون).(4)


1 و 2 . الوسائل: ج 3، الباب 56 من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 12، الباب 17 من أبواب آداب التجارة، الحديث 2.

4 . الفرقان: 15.


صفحه146

وقال سبحانه: (أَفَمَنْ يَهْدي إِلى الحَقِّ أحقُّ أَنْ يُتَّبعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أن يُهْدى).(1)

وقال سبحانه: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصلاحاً).(2)

والمراد في الجميع أنّ أحدهما حقّ دون الآخر، إنّما الكلام في تفسير كونه محقاً، فقد ذهب السيد الحكيم والسيد الخوئي إلى أنّ معناه كونه محقّاً أي غير مزاحم فلا تجوز إزالته ، وأمّا بعد الإزالة وارتكاب المعصية فلا تعرّض في الرواية لجهة تصرفه أو تصرف غيره فيه، فلو أُزيل أحد عن المكان ثمّ جلس فيه نفس هذا الشخص أو الشخص الثالث أفهل يحتمل بطلان تصرفه لكونه في حكم الملك السابق الذي يتوقّف على إذنه؟

يلاحظ عليه : أنّ معنى كون الإنسان محقّاً أنّ هذا الحقّ ثابت له مالم يعرض عنه باختياره، وعلى ذلك فلو أُزيل قهراً فهو لا يلازم زوال حقّه و كونه محقّاً، وقد قيل:«إنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء»، فلو بطل الحقّ بالقهر والغلبة فيكون من مصاديق قول القائل:«الحقّ بعد أبي ليلى لمن غلبا » و هو كما ترى.

وإن شئت قلت: إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونه بصدد بيان الأمر الوضعي، لا الأحكام.

وربما يقاس المقام بما ورد من أنّ أولى الناس بميراثه أولى الناس بالصلاة عليه، إذ ليس معناه أنّه لا يجوز لغير الولي أن يصلّي على الميت، بل


1 . يونس:35.    2 . البقرة: 228.


صفحه147

المراد عدم جواز مزاحمته في الصلاة وأنّه أولى بذلك، وإلاّ فالوجوب الكفائي ثابت لجميع المكلّفين، فهكذا المقام.(1)

يلاحظ عليه: أنّ صلاة الغير على الميت لا تزاحم صلاة الولي ، (ولعلّ معنى أولوية الوارث على غيره أولويته بالقيام على تجهيزه من الغسل إلى الصلاة إلى الدفن فأولى الناس بميراثه ، أولاهم بتحمّل عبء هذه الأُمور)، وهذا بخلاف المقام، إذ لا يسع المكان الواحد إلاّ لشخص واحد.

وبعبارة أُخرى: أنّ الشاغل السابق ذو حق ويبقى حقّه مستمراً إلى وقت الإعراض، فلو أزاله شخص وجلس مكانه فهو مأمور بتخلية المكان وتسليمه إلى المحق، فهو بعمله هذا يعصي أمر اللّه سبحانه مستمراً، ومعه كيف يصحّ اعتكافه؟

وعلى ضوء ذلك، أي بقاء حقّه في نفس المكان، فهو بجلوسه في المكان الذي سبق إليه غيره يمكث مكثاً حراماً، فكيف يكون مقرّباً؟

فإن قلت: إنّ متعلّق الحرمة هو الجلوس، ومتعلّق الوجوب هو المكث، فعلى القول بجواز اجتماع الأمر والنهي، لا مانع من الصحة.

قلت: إنّ متعلّق الحرمة هو إشغال المكان الذي سبق إليه غيره سواء كان بالجلوس، أو بالقيام عليه، و الجلوس والمكث من العناوين المنطبقة عليه فالإشغال بالقياس إلى المكان، ينتزع منه الجلوس، وبالقياس إلى الزمان ينتزع منه المكث، فليس في الواقع إلاّ شيء واحد وهو الإشغال فكيف يتقرّب به


1 . مستند العروة الوثقى: 2/428.


صفحه148

وهو حرام، وإن قلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي؟

2. الجلوس على الفراش المغصوب

إذا اعتكف في المسجد جالساً على الفراش المغصوب، فهل يبطل اعتكافه أو لا؟ وجهان:

أ: الصحّة فإنّ النهي تعلّق بالجلوس، والأمر بالمكث وهما وإن كانا متلازمين في الخارج، لكن حرمة أحدهما لا تسري إلى الآخر ، فيبقى المكث الذي يتقوّم به الاعتكاف على ما كان عليه من الإباحة، وحال الجلوس المزبور حال اللباس المغصوب الذي اتّفقوا فيه على صحّة الاعتكاف، فكما أنّ الفرش يحرم الجلوس عليه، كذلك اللباس المغصوب يحرم لبسه.

ب: انّ متعلّقي الأمر و النهي وإن كانا مختلفين ولذلك يصحّ اجتماعهما في المقام، لكن الإشكال في تمشّي قصد القربة بالعمل الواحد المنهي عنه، فإنّ المكث العبادي متحد في الخارج مع الجلوس الحرام، فكيف يتقرّب بعمل واحد، لا يحبه المولى بل يبغضه وبما ذكرنا يظهر وجه الفرق بين المقام والاعتكاف بثوب مغصوب، وذلك لأنّ واقعية الاعتكاف هو اللبث في المسجد، سواء كان كاسياً أو عارياً، وليس للّبس أيّ مدخلية في واقع الاعتكاف، فلو اعتكف مع قميص مغصوب فكأنّما اعتكف مع الكذب والغيبة.


صفحه149

 

3. الجلوس على أرض المسجد المفروش بتراب مغصوب

إذا فرش المسجد بتراب أو حجر مغصوب، فحكمه حكم الفراش المغصوب إذا أمكن إزالته فلا يعتكف فيه جالساً عليه، إنّما الكلام إذا لم تمكن إزالته كما إذا فرش بآجر مع الاسمنت بحيث لا يمكن قلعه بسهولة، ولو قلع لما أمكن الانتفاع به.

لا شكّ انّ تلك المواد بعد الاستعمال تخرج عن المالية، إذ لا يبذل بإزائها الثمن، لما عرفت من أنّه لو قلع لما أمكن الانتفاع به، إنّما الكلام في خروجها عن الملكية وعدمه، والظاهر هو الأوّل، لأنّها اعتبار عقلائي لغاية عقلائية و المفروض انتفاء الغاية بعد تحولها جزءاً من المسجد بحيث لو قلع لما انتفع به، فهو أشبه ببعض الأوعية المكسورة التي لا يمكن الانتفاع من مكسورها، فيكون الكاسر ضامناً، والأجزاء المتفرقة داخلة في المباحات، ومع ذلك فللمالك حقّ الاختصاص، فيكون الجلوس عليه محرّماً. هذا إذا لم يغط الغصب عامة سطح المسجد، و إلاّ فيقع التزاحم بين حقّ المصلّي ـ غير الغاصب ـ مع حقّ المغصوب منه، فيقدّم حقّ الأوّل على الثاني، لأنّ المنع عن الانتفاع بالمسجد لأجل ذلك الأمر يزاحم الغاية المتوخّاة من الوقف .

4. لُبس الثوب المغصوب في الاعتكاف

إذا لبس الثوب المغصوب في حال الاعتكاف أو حمله، فقد علم حكمه ممّا مرّ في النوع الثاني، فلاحظ.


صفحه150

 

5. إذا جلس على المغصوب ناسياً أو جاهلاً أو مضطراً

إذا جلس المعتكف على المغصوب لعذر عقلي أو شرعي، كالنسيان والإكراه والاضطرار فلا يبطل اعتكافه، بشرط أن لا يكون الناسي هو الغاصب، و إلاّ فيبطل، وقد ورد النص في بطلان صلاة الغاصب الناسي.

وجه الصحة ، هو حكومة العناوين الثانوية كالنسيان والإكراه والاضطرار على أحكام العناوين الأوّلية، فنخص فعلية الحرمة بغير هذه الحالات، فيكون الاعتكاف جامعاً للشرائط، والمعتكف نادراً على قصد التقرب بعد.

وأمّا إذا كان جاهلاً بالغصب أو شاكاً، فالرفع في المقام، وإن كان يختلف مع الرفع في الموارد الثلاثة المتقدّمة حيث إنّ نسبة الرفع فيها إلى الأدلة الواقعية، من قبيل حكومة دليل اجتهادي على دليل اجتهادي مثله، بخلاف الرفع فيما لا يعلم، فإنّ الرفع فيه ظاهري، لكونه أصلاً عملياً وارداً في مورد الشكّ والجهل، ولكن ذلك الفرق لا يؤثِّر في صحّة العمل في الجميع، لما عرفت من الملازمة العرفية بين الأمر بالشيء، والأمر بشيء آخر في كيفية امتثاله، فلازم الأمر الثاني هو اقتناع المولى في مقاصده، على ما تؤدّيه إليه الأمارات والأُصول العملية لمصلحة أعلى من حفظ عامة المقاصد...

ولذلك قلنا بالإجزاء في موارد الأمارات والأُصول الجارية في الأجزاء والشرائط. وتكون النتيجة بعد تقديم حديث الرفع على أدلّة الشرطية والجزئية والمانعية، اختصاص مانعية الغصب بغير صورة الجهل.


صفحه151

فإن قلت: ليس المانع من الصحة هو عدم قصد القربة حتى يقال بإمكانه من الجهل، ولا الحرمة المنجزة كما يقال بارتفاعها في طرف الجهل، بل المانع هو الحرمة الفعلية الواقعية وإن لم تكن منجزة . وبالجملة، أنّ المغصوب في طرف النسيان والإكراه والاضطرار ليس بحرام لا واقعاً ولا ظاهراً، لما عرفت من حكومة أدلّة العناوين الثانوية، على الأدلة الأوّلية حكومة دليل اجتهادي على دليل اجتهادي مثله، وأمّا المقام فالمرفوع هو التنجز أي كون العمل موجباً للعقاب، دون الحرمة الفعلية، وعلى ذلك فمورد العناوين الثلاثة من قبيل التزاحم دون المقام فهو من قبيل التعارض، والحرام بالفعل لا يكون مصداقاً للواجب .(1)

قلت: تطلق الفعلية ويراد منها أحد الأمرين:

1. تمامية البيان من الشارع في المورد سواء أوصل إلى المكلّف أم لم يصل. والفعلية بهذا المعنى لا تنافي جريان البراءة، لأنّ مفادها عندئذ هو عدم صحّة الاحتجاج بمثل هذا البيان غير الواصل، فيكون الحكم الواقعيّ المبيّن، ممّا لا يحتجّ به، وأمّا صحّة العمل فهي نتيجة الملازمة بين الأمر بالبراءة والاكتفاء بالمقدار الباقي بعد صدق الموضوع على الواجد والباقي.

2. وجود خطاب جدّي من المولى إلى العبد في المورد، والفعلية بهذا المعنى تنافي البراءة، لكنّه مبنيّ على تعدّد الخطاب حسب تعدّد المكلّفين ـ كما هو المشهور ـ و المختار عندنا هو وجود خطاب إنشائي متعلّق بالعنوان الكلي الذي يحتجُّ به المولى على العبد دون أن يكون في كلّ مورد خطاب


1 . مستند العروة الوثقى :2/430.


صفحه152

خاص ـ وعلى ذلك ـ لا يكون ذلك الخطاب الكلي مانعاً عن جريان البراءة، لعدم وجود خطاب جزئي متوجّه إلى العبد في المورد.

الخروج لأداء دين واجب أو إتيان واجب

انّ أداء الدين والمكث في المسجد متضادان لا يجتمعان فلا يمكن الأمر بهما معاً. وعندئذ فهنا فروض:

1. إذا قلنا الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أي المكث، فلا يمكن الأمر به أيضاً، لبطلان اجتماع النهي ـ وإن كان تبعياً ـ مع الأمر بالشيء ـ وإن كان أصلياً ـ .

2. إذا قلنا بعدم الاستلزام ، فبما أنّ الأهم والمهم متزاحمان في مقام الامتثال، فلازم ذلك عدم الأمر بالمهم في ظرف الأمر بالأهم، وسقوط الأمر بالمهمّ لا يلازم فساد العبادة، لما سيوافيك من الفرض الثالث، أعني: الأمر الترتّبي.

3. إذا قلنا بأنّ المحال هو الأمر بالمهم في عرض الأمر بالأهم، فيسقط الأمر بالأوّل في ظرف الأمر بالأهم، لا ما إذا كان الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم كما في الأمرين المترتبين إذا كان الأمر الثاني مترتباً على عصيان الأمر الأوّل، وعند ذاك يمكن إحراز صحة المهم.

4. إذا لم نقل بإمكان الترتّب ومع ذلك يمكن إحراز صحّة الاعتكاف، لأنّه لا شكّ في الصحة على تقدير الخروج، فهذا المقدار من المكث خارج عن الاعتكاف ومستثنى منه بمقتضى الأمر المطلق بالخروج، فطبعاً تبقى بقية


صفحه153

الأزمان تحت الأمر، فإذا صحّ الاعتكاف على تقدير الخروج، صحّ على تقدير عدمه أيضاً و إن كان عاصياً.(1) لكن هذا الفرض غير تامّ، لعدم ملازمة العصيان في المقام مع السقوط واجباً على نحو فوراً ففوراً.

الخروج من المسجد لضرورة

في المسألة فروع:

1. إذا خرج من المسجد فيرجع إليه من أقرب الطرق.

2. لا يجلس تحت الظلال مع الإمكان.

3. الأحوط أن لا يجلس إلاّ مع الضرورة.

4. الأحوط عدم المشي تحتها.

أمّا الأوّل، أعني: وجوب الرجوع إلى المسجد من أقرب الطرق، فلأنّ الخروج في لسان الأدلّة مثل صحيحة داود بن سرحان: «لا تخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها».(2) كناية عن المكث خارج المسجد، فالجائز هو المقدار الذي لابدّ منه في قضاء الحاجة الضرورية و أمّا الزائد فلا، فإذا كان أحد الطريقين أقرب و الآخر أبعد، فسلوك الأخير موجب للمكث خارج المسجد زائداً على قدر الضرورة، فيكون ممنوعاً، وبه يظهر وجه قوله في المتن: «ويجب عدم المكث إلاّ بقدر الحاجة والضرورة».

وأمّا الثاني، أعني : المنع عن الجلوس تحت الظلال مع الإمكان، فتدلّ


1 . مستند العروة الوثقى: 2/434.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 3.


صفحه154

عليه نفس الصحيحة حيث قال: «ولا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك».

ثمّ إنّ صاحب العروة قيّد المنع بقوله: «مع الإمكان»ووجهه ; ربما يتوقف قضاء الحاجة على الجلوس تحت الظلال كعيادة المريض الوارد ذكرها في صحيحة الحلبي.

ويمكن أن يقال: إنّ الممنوع هو الجلوس تحت الظلال بعد قضاء الحاجة كما هو الظاهر من قوله: «لا تقعد تحت ظلال حتى تعود إلى مجلسك»، فالجلوس تحتها قبله خارج عن حريم المنع.

وأمّا الثالث: أي المنع عن مطلق الجلوس، فقد ورد في صحيح الحلبي، ورواية ثانية لداود بن سرحان.

ففي الأوّل: «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثم لا يجلس حتى يرجع، ولا يخرج في شيء إلاّ لجنازة، أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتى يرجع».(1)

وفي الثانية: «إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع».(2)

والممنوع و إن كان مطلق الجلوس، لكنّه يقيّد بما ورد في صحيح ابن داود الثاني من ممنوعية الجلوس تحت الظلال لا مطلق الجلوس.

كما أنّ الممنوع في الجميع هو الجلوس، بعد قضاء الحاجة لا قبلها.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.


صفحه155

فإن قلت: إنّ قوله في صحيح الحلبي:«ولا يجلس حتى يرجع» مطلق يعمّ قبله وبعده.

قلت: إنّه تكرار لما تقدّم من النهي عن الجلوس بعد قضاء الحاجة، أعني قوله: «إلاّ لحاجة لابد منها ثمّ يجلس حتى يرجع » الظاهر في النهي عن الجلوس بعد قضائها ويحمل الذيل عليه.

فقد تبيّن أنّ الممنوع هو الجلوس تحت الظلال بعد قضاء الحاجة فقط.

ولكنّ هنا احتمالاً آخر، وهو أنّ النهي عن الجلوس تحت الظلال كناية عن النهي عن التأخير من غير فرق بين القيام والجلوس، و على هذا لا فرق بين الجلوس تحت الظلال وغيرها.

وأمّا ذكر الظلال بالخصوص في الروايات، فلأجل أنّ الجلوس تحت الظلال هو الغالب في مظانّ الاستراحة، و على هذا فليس في المقام إلاّ حكم واحد، وهو النهي عن التأخير بعد قضاء الحاجة، وبما أنّك ستعرف أنّه لا دليل على حرمة المشي تحت الظلال، ينخفض عدد الفروع من الأربعة إلى الاثنين، فلاحظ.

وأمّا الرابع: أي المنع عن المشي تحت الظلال، فهو خيرة المرتضى، واستدلّ عليه بالإجماع وطريقة الاحتياط، وأضاف في الجواهر وقال: ولعلّه الحجّة مضافاً إلى ما دلّ عليه في المحرم بناء على أصالة مساواته له في
ذلك حتى يعلم الخلاف، وإلى احتمال إلغاء خصوصية الجلوس، وكون


صفحه156

المانع منه تحت الظلال، فلا فرق بينه وبين المشي والوقوف.(1) و الجميع كما ترى.

ثمّ إنّ صاحب الوسائل عنون الباب الثامن بالنحو التالي «باب أنّ المعتكف إذا خرج لحاجة لم يجز له الجلوس، ولا المشي تحت ظلال اختياراً...» ولم نعثر فيه على ما يدلّ على المنع عن المشي تحت الظلال، ولكنّه قال في آخر الباب : تقدم ما يدل على عدم جواز الجلوس والمرور تحت الظلال للمعتكف.(2) وقد اعترف المعلِّق بعدم عثوره على ما يدلّ على حرمة المرور تحت الظلال.

إذا طال الخروج بطل الاعتكاف

لو خرج لضرورة وطال خروجه، بحيث انمحت صورة الاعتكاف، بطل.

لأنّ الاعتكاف عمل واحد متصل مستمر إلى ثلاثة أيّام، والفصل
بين أجزائه ينافي الوحدة والاتّصال، خرج ما لابدّ منه، والقدر المتيقّن ما
لا يضرّ بصورة العمل التي هي قوامه، فلو خرج لعيادة مريض في نقطة
نائية، بحيث استغرقت ساعات من اليوم، خرج عرفاً عن كونه معتكفاً في المسجد.


1 . الجواهر: 17/185ـ 186.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف.


صفحه157

 

في طلاق المعتكفة

صور المسألة ثلاث:

الأُولى: إذا طُلِّقت المعتكفة طلاقاً بائناً أو مات عنها زوجها، فقد انقطعت العصمة بينهما، فهي كسائر النساء الأجنبيّات لا يؤثر رضا الزوج السابق ولا عدمه. وهذا خارج عن محطّ البحث، وإنّما ذكر استطراداً.

الثانية: إذا طُلّقت المعتكفة طلاقاً رجعياً وكان الاعتكاف واجباً موسّعاً كالمنذور بلا توقيت، فوافاها الطلاق الرجعي في اليومين الأوّلين، فقد أفتى صاحب العروة بوجوب خروجها إلى منزلها للاعتداد وبطل اعتكافها، ولكن يجب استئناف الاعتكاف بعد الخروج عن العدة، وذلك لعدم التزاحم بين الوفاء بالنذر والاعتداد في البيت حيث إنّ الأوّل واجب موسّع والآخر واجب مضيّق، فيقدم قوله سبحانه: (لاتُخْرِجُوهُنَّ من بُيُوتِهنَّ ولا يَخْرُجْن)(1) على الاعتكاف.

الثالثة: إذا كان الاعتكاف واجباً معيناً كالنذر المعين، فوافاها الطلاق في أي يوم من الأيام الثلاثة، أو كان مستحباً، أو واجباً غير معيّن لكن وافاها الطلاق في اليوم الثالث من الاعتكاف، فهنا أقوال:

القول الأوّل: ما ذهب إليه الشيخ والمحقّق من لزوم الخروج من المسجد والرجوع إلى البيت، وقد حكاه عن الشافعي وأحمد محتجاً بقوله


1 . الطلاق:1.


صفحه158

سبحانه: (لا تخرجوهنّ من بُيُوتهنّ ولا يخرجن) ، ولأنّ الاعتداد في بيتها واجب، فلزمها الرجوع إليه، كالجمعة في حقّ الرجل.(1)

وهو خيرة المحقّق أيضاً حيث قال: إذا طلقت المعتكفة رجعية، خرجت إلى منزلها ثمّ قضت واجباً إن كان الاعتكاف واجباً، أو مضى يومان، وإلاّ ندباً.(2)

القول الثاني: لزوم الاستمرار في الاعتكاف حيث إنّه واجب، وقد تعارض مع وجوب الخروج للاعتداد، فيقدم الأسبق وهو الاعتكاف.

القول الثالث: ما اختاره صاحب العروة من التخيير بين إتمامه ثمّ الخروج، أو إبطاله والخروج فوراً، لتزاحم الواجبين ولا أهمية معلومة في البين.

هذه هي الأقوال في المسألة، وهي مبنية على أنّ الإقامة في البيت والاعتداد فيه حكم شرعي للاعتداد. فعلى ذلك يجب الخروج في الصورة الثانية بلا كلام، والتخيير في الصورة الثالثة بناء على عدم أهمية امتثال أحد الحكمين على الآخر.

وأمّا لو قلنا بأنّ الاعتداد في البيت ليس حكماً جديداً، بل هو استمرار للحكم السابق للزوجة حيث إنّ المطلّقة رجعية زوجة، فعلى هذا فيكون حال المطلّقة حال الزوجة. ويدلّ على ما ذكرنا صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للمطلقة أن تخرج إلاّ بإذن زوجها حتى تنقضي عدّتها


1 . المبسوط:1/294. ونقله العلاّمة في المنتهى:2/635، الطبعة الحجرية.

2 . شرائع الإسلام :1/162.


صفحه159

ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر إن لم تحيض».(1)

وعلى ذلك فحال المطلّقة حال الزوجة في جميع الأحوال، وقد مرّ حكمها سابقاً في الأمر السابع حيث قال السيد الطباطبائي اليزدي: وكذا يعتبر إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافياً لحقّه.(2)

نعم لو قلنا بأنّ حرمة خروج الزوج من البيت حكم تعبدي للاعتداد ولا صلة له بالزوجية، فعندئذ يصلح ما في المتن من التخيير إذا كان الحكمان متساويين في الملاك، أو يقدّم أحدهما إن كان فيه ملاك التقديم، لكن المبنى غير تام.

فإن قلت: إنّ ظاهر قوله سبحانه: (لا تخرجوهنّ من بيوتهن ولا يخرجن)هو كون حرمة الخروج من آثار الطلاق ثمّ الاعتداد لا من آثار الزوجية الباقية في المطلّقة الرجعية.

قلت: إنّ ما ذكر إشعار لا يعتمد عليه في مقابل صحيحة الحلبي، خصوصاً في مقابل قولهم:«المعتدة رجعية زوجة» وليس معنى كونها مطلقة أنّها خارجة عن حبال الزوجية، بل هي زوجة بالفعل لكن لها ذلك الشأن وهو أنّه إذا خرجت العدة ولم يرجع الزوج فيها، خرجت عن كونها زوجة.

وعلى ما ذكرنا فليس عليها وجوب الخروج في الثانية، بل هي مخيّرة بين الخروج والبقاء.

كما أنّه يجب عليها البقاء لكون الاعتكاف واجباً معيّناً، وليس البقاء في


1 . الوسائل: ج 15، الباب 18 من أبواب العِدد، الحديث1.

2 . العروة الوثقى:380، كتاب الاعتكاف، الأمر السابع.


صفحه160

الثانية ولا الثالثة مخالفاً لحقّ زوجها، لأنّ المفروض كونها مطلّقة.

اللّهمّ إلاّ إذا رجع عن طلاقها، فصار البقاء مخالفاً لحقّ الزوج فترجع إلى البيت في الثانية دون الثالثة، لتعيّنه عليها.

في وجوب الاعتكاف الواجب المعيّن والموسّع والمندوب

قد تقدم الكلام في هذا الموضوع عند البحث عن قطع الاعتكاف المندوب والمنذور (1) ، فالواجب المعيّن لأجل كونه مضيّقاً لا يجوز رفع اليد عنه، بخلاف الموسّع والمندوب فيجوز إلاّ في اليوم الثالث. ولا مانع من أن يكون العمل مستحباً والإتمام واجباً كما هو الحال في الحجّ والعمرة، قال سبحانه: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرة)(2). نعم يظهر من الشيخ وجوب الإتمام بالشروع فيه، و سيوافيك كلامه في المسألة التالية.

في اشتراط المعتكف

اتفقت كلمة الأصحاب والأخبار على أنّه يستحب للمعتكف أن يشترط لنفسه في الاعتكاف أنّه إذا عرض له عارض أن يخرج من الاعتكاف.

هذا أمر لا إشكال فيه، و إنّما الكلام في محل الشرط، فهل يختص باليومين الأوّلين أو يعمّ الثالث أيضاً؟

ذهب الشيخ إلى اختصاصه باليومين الأوّلين، لوجوب الثالث بمضيّ يومين فلا يحلّ بالاشتراط.


1 . انظر الصفحة: 112 من هذا الكتاب.         2 . البقرة:196.


صفحه161

قال في المبسوط: ومتى شرط المعتكف على نفسه أنّه متى عرض له عارض رجع فيه، كان له الرجوع فيه أي وقت شاء ما لم يمض به يومان، فإن مضى به يومان وجب عليه إتمام الثالث، فإن لم يشترط وجب عليه بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام، لأنّ الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيّام.(1)

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في الفروع التالية:

1. هل يجوز اشتراط الرجوع مطلقاً، أو يختص بغير اليوم الثالث؟

2. لا فرق بين تعليق الرجوع على عروض عارض وعدمه.

3. لا يجوز له اشتراط المنافيات كالجماع مع بقاء الاعتكاف.

4. يعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النيّة.

5. إذا شرط حال النيّة ثمّ أسقط حكم شرطه، فهل يكون مؤثراً أو لا؟

وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

1. عموم الشرط لعامة الأيّام

قد عرفت أنّ الشيخ خصّص الشرط باليومين الأوّلين وأخرج اليوم الثالث، ولكن الحقّ جوازه مطلقاً على نحو يكون مؤكداً لجواز العدول في اليومين ومؤثراً في اليوم الثالث، وذلك لإطلاق ما دلّ على جواز الاشتراط.

ففي معتبرة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« لا يكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيّام واشترِط على ربّك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك


1 . المبسوط:1/289.


صفحه162

أن يحلّك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علّة تنزل بك من أمر اللّه».(1)

وروى الكليني والصدوق عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يكون اعتكاف أقلّ من ثلاثة أيام، ومن اعتكف صام، و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يُحرم».(2)

إلى غير ذلك من الروايات فإطلاقها محكّم خصوصاً أنّ ما دلّ على وجوب اليوم الثالث مقيّد بعدم الاشتراط، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «و إن أقام يومين ولم يكن اشترط، فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيّام».(3)

فعلى ذلك فلا مانع من الاشتراط في جميع الأيّام.

2. جواز الاشتراط مطلقاً و لو مع عدم عروض عارض

هل يختص الاشتراط بالرجوع مع العارض، أو يجوز مطلقاً ولو لم يطرأ طارئ؟

الظاهر من كلام المحقّق والشهيد في «الدروس» هو الثاني، قال المحقّق: ولو شرط في حال نذره الرجوعَ إذا شاء، كان له ذلك أي وقت شاء.(4)

وقال الشهيد: ولو شرط الرجوع متى شاء اتُّبع ولم يتقيّد بالعارض.(5)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.

4 . شرائع الإسلام :1/218.   

5 . الدروس الشرعية : 1 / 301 .


صفحه163

ولكن الظاهر من العلاّمة هو الاختصاص بعروض العارض، قال:

إنّما يصحّ اشتراط الرجوع مع العارض، فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة أو التنزّه أو البيع أو الشراء للتجارة أو التكسّب بالصناعة في المسجد لم يجز.(1)

ووافقه الشهيد في «المسالك» وقال: اعلم أنّ الاشتراط في الاعتكاف بأن يحلّه حيث حبسه الجائر كالحجّ وفائدته تسويغ الخروج منه عند العذر الطارئ بغير اختياره، كالمرض والخوف ونحوهما، فلا يجوز اشتراط الخروج بالاختيار أو إيقاع المنافي كذلك.(2)

واختاره المحدّث البحراني في حدائقه وقال: هذا هو الظاهر من الأخبار، وأمّا ما ذكروه من جواز اشتراط الرجوع مطلقاً فلا أعرف له دليلاً.(3)

واستُدلّ على القول بعدم الاختصاص بطروء النذر بروايتين:

1. إطلاق صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط فليس له أن يخرج ويفسخ اعتكافه حتى تمضي ثلاثة أيّام».(4)

2. صحيحة أبي ولاّد الحنّاط، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من


1 . تذكرة الفقهاء :6/308.   2 . مسالك الافهام: 2/107.

3 . الحدائق الناظرة: 13/486.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.


صفحه164

المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال: «إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر».(1)

وجه الدلالة: أنّ حضور الزوج ليس عذراً قطعاً ولا يعد عارضاً ، ومع ذلك نوّه الإمام بأنّه لو لم تشترط كان عليها ما على المظاهر، بخلاف ما لو اشترطت فليس عليها شيء.

واستدلّ للقول بالاختصاص بصحيحة وموثّقة.

أمّا الصحيحة فهي ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «وينبغي للمعتكف إذا اعتكف أن يشترط كما يشترط الذي يُحرم».(2) والاشتراط في الإحرام يُعلّق على طروء عارض فيقول هناك: أنْ تحلني حيث حَبَسْتَني.

وأمّا الموثقة فهي ما رواه عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «واشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى».(3)وتقيد الأُوليان بالأخيرتين.

يلاحظ عليه: أنّ التقييد فرع إحراز وحدة الحكم ـ كما بُيّن في محلّه ـ وإلاّ فيجوز أن يكون المطلق موضوعاً لحكم، والمقيّد موضوعاً لحكم آخر، والمقام من هذا القبيل حيث إنّ الرجوع متى شاء موضوع لجواز الاشتراط،


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث6.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث2.


صفحه165

كما أنّ الرجوع متى عرض عارض موضوع لاستحباب الاشتراط الذي يحكي عنه قوله في موثقة أبي بصير:«و ينبغي للمعتكف».

و لذلك جرت سيرة العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد في أبواب المستحبات، وذلك لأجل عدم إحراز وحدة الحكم واحتمال تعدد مراتبه، فلو ورد اقرأ زيارة يوم عاشوراء، وورد اقرأها تحت السماء، لا يحمل المطلق على المقيّد، بل يحمل على تأكد الاستحباب، فإذا كان حال المستحبات كذلك فما ظنك إذا كان أحد الحكمين حاملاً للجواز كما هو الحال في الصحيحين، والآخر حاملاً للاستحباب كما هو المستفاد من الأخيرتين.

3. اشتراط المنافيات

لا يجوز اشتراط ارتكاب المنافيات كالجماع ونحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله، لأنّ العبادات توقيفية، والشرط ليس مشرّعاً إلاّ إذا ورد عليه النصّ كما في اشتراط فسخ الاعتكاف، وأمّا تجويز الإتيان بالمنافيات بالشرط مع حفظ الموضوع أي بقاء الاعتكاف بحاله، فهو رهن الدليل.

4. اعتبار كون الشرط حال النية

يعتبر أن يكون الشرط المذكور حال النية فلا اعتبار بالشرط قبلها، أو بعد الشروع فيه و إن كان قبل الدخول في اليوم الثالث، وذلك لأنّه المفهوم من تشبيه الشرط في المقام بالشرط في باب الإحرام، فإنّ وقته فيه هو النية.


صفحه166

مضافاً إلى أنّ حقيقة الشرط عبارة عمّا يناط المنشأ به، وهو فرع كونه مقروناً به حتى يقال اشترط في اعتكافه، وبعبارة أُخرى: معنى الاشتراط في الاعتكاف، هو كون الثاني ظرفاً للشرط و هو فرع نيّة الشرط معه وإلاّ يكون غير مرتبط به وأشبه بالشرط الابتدائي الخارج عن مصطلح الشرط الوارد في الروايات.

5. إسقاط حكم الشرط

إذا اشترط ثمّ حاول إسقاط حكم شرطه، فهل يسقط بذلك ويعود الاعتكاف بعد ذلك لازماً على نحو ليس له الخروج عنه إذا وجب كاليوم الثالث، أو لا يسقط ويبقى الاعتكاف في جوازه، متى شاء خرج؟

الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ الشرط يُطلق ويراد به تارة الشرط الأُصولي، كما عليه تقسيم الواجب إلى واجب مطلق وواجب مشروط، كاشتراط وجوب الصلاة بدلوك الشمس فيعود إلى تقيّد المنشأ بالشرط.

وأُخرى الشرطُ الفقهي ومرجعه إلى أحد الأمرين، إمّا طلب فعل من المشروط عليه كما في قوله : بعتك بشرط أن تخيط لي قميصاً، فخياطة القميص تكون جزءاً من الثمن مطلوباً، أو جعل الخيار لنفسه كما في قوله: بعتك بشرط الخيار إلى عشرة أيام . والمقام أشبه بالقسم الثاني حيث إنّه ينوي الاعتكاف ويشترط خيار الفسخ والرجوع، غير أنّه لم يدل دليل على أنّ كلّ شرط قابل للإسقاط، خصوصاً إذا كانت نتيجة الشرط الحكم الشرعي بجواز الاعتكاف في اليوم الثالث، فليس للمكلّف إسقاط الحكم الشرعي


صفحه167

وأنّ للعبد إرجاع الاعتكاف الجائز إلى اللازم، فمثله يحتاج إلى الدليل.

في اشتراط المعكتف بالرجوع في النذر

هنا فرعان:

1. كفاية ذكر الشرط في صيغة النذر.

2.لو اشترط ورجع، لا قضاء عليه مطلقاً. وإليك البحث في كلّ واحد تباعاً.

أمّا الأوّل: فقد دلّت الروايات السابقة على جواز اشتراط العدول متى شاء، أو عند طروء العارض عند الاعتكاف على نحو يكون محل الشرط هو الشروع في الاعتكاف وعند نيّته . وهنا نوع آخر، وهو اشتراط الرجوع عند نذر الاعتكاف. والظاهر من صاحب العروة جواز كلّ من الصورتين، ولكن مورد الروايات هو الأولى دون الثانية، وتجويز الصورة الثانية يحتاج إلى دليل، وقد أشار إليه السيد العاملي في «المدارك» وقال: ولم أقف على رواية تدلّ على ما ذكروه من مشروعية اشتراط ذلك في عقد النذر، وإنّما يستفاد من النصوص أنّ محلّ ذلك نية الاعتكاف مطلقاً.(1)

و تبعه صاحب الحدائق وقال: وهو مشكل، لأنّ المستند في هذا الاشتراط، إنّما هو الأخبار المذكورة، وهي كما عرفت، إنّما دلّت على أنّ محله هو الاعتكاف، والاعتكاف على وجه النذر لم يرد به خبر بالكلية فضلاً


1 . المدارك: 6/340.


صفحه168

عن خبر يدل على إيقاع هذا الشرط فيه.(1)

و ما أبعد ما بينه و بين ما اختاره العلاّمة في «المنتهى» من حصر محله، في نذر الاعتكاف حيث قال: تفريع: الاشتراط إنّما يصحّ في عقد النذر، أمّا
إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصحّ له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف.(2) ولا شكّ في ضعف هذا الكلام للاتّفاق على صحّة جعله في الاعتكاف، إنّما الكلام في صحّة هذا الشرط في عقد النذر، كصحته عند نية الاعتكاف.

ثمّ الداعي لذكره في عقد النذر هو أنّه إذا كان الاعتكاف مجرّداً عن النذر، فله أن ينوي الرجوع متى شاء بلا محذور، وأمّا إذا كان مقارناً مع عقد النذر فلو لم يذكره في عقد النذر، يكون المنذور به اعتكافاً مطلقاً لا مشروطاً ومعه لا يمكن اشتراط الوجوب عند نية الاعتكاف ، لأنّ المفروض أنّ الواجب عليه هو المطلق الذي من آثاره عدم الرجوع في اليوم الثالث متى شاء ولا يمكن قلب المطلق إلى المشروط بالنيّة.

إذا علمت ذلك تبيّن لك وجه صحة هذا الاشتراط في ضمن نذر الاعتكاف، لأنّه إذا كان الاعتكاف المشروع على قسمين: مطلق لا يمكن الرجوع فيه متى شاء أو عند طروء عارض غير ضروري، و مشروط بخلافه. فالناذر، لأجل أن يتمكن من الرجوع متى شاء، ينذر القسم المشروط، لا المطلق، ليكون ما يتحمّله لأجل النذر من أوّل الأمر هو القسم المشروط،


1 . الحدائق الناظرة: 13/485.

2 . المنتهى: 2/638 .


صفحه169

ويكون المعتكف مختاراً عند القيام بالاعتكاف.

وبذلك يعلم أنّه لا يحتاج في تصحيح هذا النوع من النذر إلى دليل خاص يدلّ على صحة جعل هذا الشرط في ضمن النذر، بل يكفي كون الاعتكاف شرعاً على قسمين وتمتّع كل بالرجحان.

وأمّا إعادة الشرط في مقام الاعتكاف فهو غير لازم، بل يكفي إتيان العمل وفاءً بالنذر، فلو لم يلتفت إلى الشرط أوّل الاعتكاف، بل التفت إلى الشرط الذي ذكره عند النذر في أثناء العمل، كفى ذلك في مشروعية الرجوع متى شاء.

أمّا الثاني، أعني: عدم وجوب القضاء مطلقاً، فلأجل عدم صدق الفوت، سواء أكان المنذور معيّناً أم غير معيّن، مشروطاً فيه التتابع أم لا، لعدم صدق التخلّف عن النذر، حتى يصدق الفوت ويجب عليه القضاء في المعيّن والاستئناف في غيره.

ثمّ إنّ قول السيد الطباطبائي: «فيجوز الرجوع في الجميع مع الشرط المذكور» إشارة إلى خلاف المحقّق في المعتبر(1)، و الشهيد الثاني في المسالك(2) حيث أوجبا القضاء في بعض الصور. قال في الأخير: ثمّ الاعتكاف المنذور ينقسم باعتبار الشرط وعدمه ثمانية أقسام: لأنّه إمّا أن يكون متعيّناً بزمان أو لا، وعلى التقديرين إمّا أن يشترط فيه التتابع لفظاً أو لا،


1 . المعتبر:2/740.

2 . مسالك الافهام: 2 / 107 ـ 108.


صفحه170

وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يشترط على ربه الرجوع إذا عرض له عارض أو لا، فالأقسام ثمانية:... حيث فصل في المشروط بين المتعيّن وغيره: وأنّه لا يجب القضاء في الأوّل; وأمّا الثاني فإن لم يشترط التتابع، ففيه قولان أجودهما القضاء، ولو شرط التتابع ففيه الوجهان.

و لم يعلم وجه التفصيل، إذ لا فرق بين المعيّن وغيره فإنّ الحاكم على عدم القضاء، هو الاشتراط لا كون الزمان معيّناً أو غير معيّن، وهذا الملاك جار في الجميع.

اشتراط الرجوع في اعتكاف آخر

هنا فرعان:

1. اشتراط الرجوع في اعتكاف آخر.

2. اشتراط جواز فسخ اعتكاف شخص آخر.

أمّا وجه عدم الصحة في الأوّل، فلأنّ تأثير الشرط بالنسبة إلى الربّ «عزّ وعلا» على خلاف الأصل، فيقتصر على الاعتكاف الذي ذكر فيه الشرط مالم يدلّ دليل على نفوذه مطلقاً، و أمّا عدمها في الثاني فلأنّ الشرط الموافق على القاعدة، هو الشرط على النفس، لا على الغير، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المسلمون عند شروطهم»، ناظر إلى هذا الفرع من الشرط، والمفروض في المقام هو العكس، وهو شرط في حقّ الغير، ومنه يظهر حال الفرع الثاني.

وقد حاول صاحب الجواهر تصحيح الشرط و قال: الظاهر انّه لا يصحّ


صفحه171

له اشتراط الفسخ في اعتكافه لاعتكاف عبده أو ولده، أو اعتكاف آخر له كما صرح به شيخنا أيضاً في رسالته، و إن كان ربّما يحتمل بناء على جواز مثله في الخيار المشترك معه، في أنّ مدركه عموم: «المؤمنون عند شروطهم» الذي هو المنشأ في كثير من الأحكام السابقة.(1) وفيما ذكره تأمّل، للفرق بين جعل الشرط على الرب، والخيار المشترك.

عدم جواز التعليق في الاعتكاف

أمّا إذا علّقه على شرط معلوم الحصول كما إذا قال : أعتَكِفُ بشرط أن يكون اليوم يوم الجمعة، وهو يعلم أنّه يوم الجمعة، فلأنّه ليس بتعليق جداً، إنّما الكلام فيما إذا علّقه على شيء مشكوك الوجود، كما إذا قال : اعتكف إذا كان اليوم من رجب، أو يوم الجمعة، فالمشهور هو البطلان، وذلك لأنّ الاعتكاف مؤلّف من أمرين:1. النيّة، 2. اللبث في المسجد. أمّا الثاني فلا يقبل التعليق، فإنّ اللبث دائر أمره بين الوجود والعدم، ولا يقبل التعليق. و أمّا النيّة فهي أيضاً من الأُمور التكوينية التي أمرها دائر بين الأمرين، فهو إمّا ناو أو غير ناو، و لا يصحّ أن يقال: ناو إن كان اليوم يوم الجمعة، وغير ناو إن لم يكن.

وأمّا التعليق في الإنشاء نظير قولنا: حج إن استطعت، ففيه أُمور:

1. الإنشاء وهو إطلاق اللفظ واستعماله في معناه وهو أمر محقّق منجّز لا يقبل التعليق، فأمره دائر بين الوجود والعدم.

2. المنشأ وهو الطلب الاعتباريّ فهو قابل للتقييد، فالمنشأ هو طلب


1 . الجواهر:17/199.


صفحه172

الحجّ على فرض الاستطاعة دون عدمها. وبما أنّه أمر اعتباري يفارق الطلب التكويني باليد وغيرها، فهذا النوع من الطلب الاعتباريّ يقبل التعليق بخلاف التكويني من الطلب فهو لا يقبل التعليق.

3. الإرادة التكوينية في نفس المنشئ، فبما أنّها لا تتعلّق بفعل الغير، لخروجه عن اختياره، بل تتعلّق بفعل نفس المنشئ وهو الإنشاء باللفظ فليس فيها أي تعليق، نعم تحكي عن كون فعل الغير ـ أي الحجّ ـ مقروناً بالاستطاعة محبوباً للآمر ومطلوباً له، من دون أن تتعلّق إرادته بفعل الغير أي الحجّ على فرض الاستطاعة، حتى يتسرّب التعليق إلى الأمر التكويني.

وبذلك ظهر أنّه لا تعليق في الإنشاء ولا في الإرادة في العقد المعلّق وليس على بطلانه دليل إلاّ الإجماع كما هو الحال في النكاح والطلاق أو السيرة العقلائية، كالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا لم يكن واحد منهما فيجوز، نظير إنشاء العتق على العبد المكاتب المشروط بدفع الثمن، وإنشاء التمليك المشروط في باب الوصايا، كما هو واضح.

و أمّا الامتثال الرجائي فليس معناه هو التعليق في النيّة، بل هو عازم للفعل بما هوهو قطعاً لكن باحتمال أنّه مأمور به، كما إذا صلّى إلى أحد الجوانب باحتمال أنّه قبلة، أو اعتكف في مكان باحتمال أنّه مسجد، إلى غير ذلك من الموارد.


صفحه173

فصل

في أحكام الاعتكاف

يحرم على المعتكف أُمور:

أحدها: مباشرة النساء بالجماع

الكلام في هذا الأمر من جهات:

1. مباشرة النساء بالجماع قبلاً ودبراً، مع الإنزال وعدمه.

2. حكم اللمس و التقبيل بشهوة.

3. حكم النظر إليها بشهوة.

4. عدم الفرق بين الرجل والمرأة في المقام.

أمّا الأمر الأوّل: فقد اتّفقت كلمتهم على حرمة الجماع مطلقاً، وكونه مفسداً، ودلّت عليهما ـ أي الحرمة والفساد ـ الروايات التي نقلها الشيخ الحر في البابين الخامس والسادس من أبواب الاعتكاف، فالنهي ظاهر في الحرمة، وتعلّق الكفّارة ظاهر في فساد الاعتكاف.

أمّا الأمر الثاني، ففيه أقوال ثلاثة:


صفحه174

1. القول بالتحريم والإفساد. وهو خيرة الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد.

2. عدم الحرمة والإفساد واختصاصهما بالجماع. وهو خيرة الشيخ في التهذيب.

3. الجماع حرام ومفسد للاعتكاف، وأمّا غيره فيحرم دون أن يُفسد. وهو خيرة العلاّمة.

قال الشيخ: إذا باشر امرأته في حال اعتكافه فيما دون الفرج أو لمس ظاهرها بطل اعتكافه، أنزل أو لم يُنزل. وبه قال الشافعي في «الإملاء»، وقال في «الأُمّ» لا يبطل نكاحه، أنزل أو لم ينزل. وقال أبو حنيفة : إن أنزل بطل، وإن لم يُنزل لم يبطل. دليلنا قوله تعالى: (وَلا تُباشِروهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد)و هذا عام في كلّ مباشرة أنزل أم لم ينزل، والنهي يدلّ على فساد المنهي عنه.(1) وهو خيرة ابن الجنيد حيث قال بفساد الاعتكاف بالجماع و القبلة المقارنة للشهوة، والنظرة بشهوة من محرّم.(2)

والظاهر من الشيخ في التهذيب: هو القول باختصاص الحرمة والإفساد بالجماع دون غيره، حيث قال بعد نقل رواية حمّاد، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)... فقال بعضهم :واعتزل النساء؟ فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أمّا اعتزال النساء فلا».(3)

وذكر الشيخ أيضاً في ذيل الحديث ما هذا نصّه: وليس بين هذه


1 . الخلاف:2/229، كتاب الاعتكاف، المسألة 93.

2 . المختلف: 3/ 590، كتاب الاعتكاف.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من كتاب الاعتكاف، الحديث 2 .


صفحه175

الروايات (الدالّة على حرمة الجماع) و بين الخبر الذي قدّمناه عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)من قوله: «أمّا اعتزال النساء فلا» تناقض، لأنّه (عليه السلام)أراد بذلك مخالطتهن ومجالستهن ومحادثتهن دون الجماع، والذي يحرم على المعتكف من ذلك الجماع دون غيره حسب ما قدّمناه.(1)

وقال العلاّمة بالحرمة التكليفية دون الإفساد، وقال: والأقرب عندي تحريم النظر والقبلة بشهوة أمّا الإفساد بهما فلا.(2) وهو خيرة صاحب الحدائق، قال: المسألة عندي بالنسبة إلى إبطال الاعتكاف بالمباشرة والتقبيل بشهوة، محل توقف، أمّا التحريم فلا ريب فيه لظاهر الآية.(3)

أقول: الظاهر صحّة ما عليه المشهور من الحرمة والفساد ، فالآية كافية في الحكم، فإنّ قوله سبحانه: (ولا تباشروهن) يتناول الجميع ، والقول بالحرمة المجردة دون الإفساد كما عليه العلاّمة في المختلف مبني على حمل الآية عليها دون الحمل على الإرشاد إلى الفساد، أو إلى الحرمة التكليفية الملازمة مع الفساد.

فإن قلت: الظاهر أنّ المراد من المباشرة، في الآية هو الجماع لا مطلق الممارسة حتى يعم اللمس والتقبيل بشهوة بقرينة قوله سبحانه:(فَالآن باشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُم).(4)

قلت: المباشرة مع النساء مفهوم عام يعم عامة الممارسات، وكون


1 . التهذيب: 4/365، كتاب الاعتكاف، الحديث 21.

2 . المختلف: 30/590.   3 . الحدائق الناظرة: 13/491.

4 . البقرة:187.


صفحه176

المراد منها هو الجماع في الآية لأجل قوله سبحانه في صدر الآية: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرََّّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ...)فلولا قوله :«الرفث» لما كان وجه لتخصيصه بالجماع، وأمّا جواز سائر التمتعات في ليلة الصيام فلأجل الأولوية.

وأمّا قوله (عليه السلام): «أمّا اعتزال النساء فلا»، فالظاهر مراده مطلق المحادثة والمخالطة العادية، دون المقرونة بالشهوة، و ما فسر به الشيخ كلام الإمام، فهو غير ظاهر.

ومع ذلك كلّه ففي النفس من تحريم اللمس والتقبيل بشهوة شيء، لأنّ قوله تعالى: (وَلا تُباشِرُوهُنَّ)جاء في نفس الآية التي جاء فيها قوله: (فَالآن باشِرُوهُنَّ)وبما أنّ المراد من الأخير هو الجماع، يكون هو المراد من الآخر والتفكيك وهو مقتضى وحدة السياق.

وأمّا الثالث: أي النظر مع الشهوة فلا تصدق عليه المباشرة، إلاّ إذا أنزل فيكون داخلاً في الاستمناء، وسيأتي حكمه في الأمر الثاني من أحكام الاعتكاف.

وأمّا الأمر الرابع: أعني: عدم الفرق بين الرجل والمرأة، فهو مقتضى قاعدة الاشتراك في الأحكام إلاّ ما خرج بالدليل خصوصاً فيما إذا دلّ الدليل على أنّ الحكم لنفس الفعل من غير نظر إلى الفاعل.

فقوله (الحسن بن الجهم): سألته عن المعتكف يأتي أهله؟
فقال (أبوالحسن (عليه السلام)): «لا يأتي امرأته ليلاً ولا نهاراً وهو معتكف»،(1)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.


صفحه177

يدلّ على أنّ الحكم للاعتكاف بما هو اعتكاف.

على أنّه يمكن استفادة الاشتراك من حديثين آخرين:

أحدهما: ما رواه الصدوق باسناده عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتى يرجع، ولا يخرج في شيء إلاّ لجنازة، أو يعود مريضاً، ولا يجلس حتى يرجع ـ قال :ـ. واعتكاف المرأة مثل ذلك».(1)

فمعنى الحديث تنزيل اعتكاف المرأة منزلة اعتكاف الرجل في عامة الآثار، لا في خصوص ما ورد في الحديث من حرمة الخروج إلاّ لحاجة أو جنازة أو عيادة مريض.

ثانيهما: ما رواه الصدوق باسناده عن داود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: و«لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد الجامع إلاّ لحاجة لابدّ منها، ثمّ لا يجلس حتّى يرجع، والمرأة مثل ذلك».(2)مضافاً إلى صحيحة أبي ولاّد الحناط.(3)

فالإمعان فيها مضافاً إلى قاعدة الاشتراك يثبت اشتراك الصنفين في عامة الأحكام، فلو حرم الجماع على الرجل أو اللمس والتقبيل بشهوة بما أنّها من مصاديق المباشرة، فيحرم على المرأة أيضاً.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 7، من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 7، من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.


صفحه178

نعم أمّا النظر بشهوة من غير مباشرة، فلا دليل على حرمته في كلا الطرفين.

الثاني: الاستمناء

قال الشيخ: المعتكف إذا وطأ في الفرج نهاراً، أو استمنى بأي شيء كان، لزمته كفّارتان، وإن فعل ذلك ليلاً لزمته كفّارة واحدة، وبطل اعتكافه.(1)

إذا كان الاستمناء بشكل لمس الزوجة وتقبيلها، فقد علم حكمه بدخوله في المباشرة المحظورة مع شيء زائد وهو إنزال المني.

إنّما الكلام إذا كان بالنظر إلى الحليلة الموجب له، فليس عليه نصّ بالخصوص، إلاّ أن يستفاد أولوية الحرمة من مجرّد اللمس والتقبيل بشهوة بلا إمناء.

نعم ربما تُستفاد حرمته من موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل لصق بأهله فأنزل، قال: «عليه إطعام ستين مسكيناً، مدٌّ لكلّ مسكين».(2)

ومورد الرواية هو الصائم وإن لم يُصرّح به، لعدم حرمته على غير الصائم، ولكنّها لم تتقيد أيضاً بصوم رمضان، إذن فليس من البعيد أن يقال: إنّها تدلّ على أنّ في كلّ مورد كان الجماع موجباً للكفّارة فالاستمناء بمنزلته، وانّه نُزِّل منزلته، ومنه المقام. فإذا كان الجماع في الاعتكاف موجباً للكفارة فكذلك الاستمناء، فيلحق الاستمناء بالجماع.

وبذلك علم وجه كونه أحوط.


1 . الخلاف: 2/238، المسألة 113.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.


صفحه179

 

الثالث: شمّ الطيب مع التلذّذ

قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز للمعتكف استعمال شيء من الطيب. وقال الشافعي: يجوز ذلك. دليلنا إجماع الفرقة.

وأيضاً إذا لم يستعمل الطيب، صحّ اعتكافه بلا خلاف، وإذا استعمل ففي صحته خلاف.(1)

ولكنّه (قدس سره) ذهب في المبسوط إلى خلافه، قال: ولا يجوز له البيع والشراء، ويجوز له أن ينكح وينظر في أمر معيشته وضيعته، ويتحدَّث بما شاء من الحديث بعد أن كان مباحاً، ويأكل الطيبات ويشمَّ الطيب، وقد روي أنّه يجتنب ما يجتنبه المحرم، وذلك مخصوص بما قلناه، لأنّ لحم الصيد لا يحرم عليه، وعقد النكاح مثله.(2)

ولكن الحقّ ما اختاره في الخلاف لما روى الكليني في الصحيح عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:« المعتكف لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان، ولا يماري، ولا يشتري، ولا يبيع...».(3)

وجوّز صاحب العروة شمّ الطيب لفاقد حاسة الشم، والظاهر أنّ فاقدها لا يشمّ، بل يستنشق وهو غير الشم.

وقيّده بعدم التلذّذ، وقد جاء في النص :«ولا يتلذّذ بالريحان» فخرج ما


1 . الخلاف: 2/240، كتاب الاعتكاف، المسألة 116.

2 . المبسوط: 1/293.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1.


صفحه180

إذا كان الشم لداع آخر كما إذا شمَّه ليشتريه بعد الخروج عن الاعتكاف، أو يهديه إلى صديقه.

الرابع: البيع والشراء

أمّا حرمة البيع والشراء فممّا لا خلاف فيه.

قال الشيخ: ولا يجوز له البيع والشراء.(1) وقد دلّت عليه صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، وحملها على الكراهة كما ترى.

وهل المحرّم خصوص البيع والشراء أو مطلق التجارة، وأنّ البيع والشراء كناية عنه، كالإجارة والمصالحة والمزارعة والمساقاة؟ وجهان.

وعلى كلّ تقدير فالقدر المتيقن ما إذا كان هناك تبادل المالين أو تبادل المال والمنفعة لا ما إذا كان من جانب واحد كالإهداء.

وأمّا الاشتغال بالأُمور الدنيوية من المباحات كالخياطة والنساجة فلا بأس، لعدم ورود النص، كما أنّه لا مانع من البيع والشراء بمقدار الضرورة التي عليها نظام حياته مع تعذر الوكيل أو مع يسره لانصراف الرواية عن صورة الضرورة.

الخامس: المماراة

في المسألة فرعان:

1. المماراة و المجادلة.

2. حكم اجتناب ما يحرم على المحرم.


1 . المبسوط: 1/293.


صفحه181

فلندرس حكم كلّ واحد، تباعاً.

أمّا الأوّل فيعلم وجهه ممّا ذكره الشهيد الثاني في المسالك، وبما أنّه لايخلو عن فائدة نأتي بنصِّه.

قال: المراء لغة: الجدال، والمماراة: المجادلة. والمراد هنا المجادلة على أمر دنيوي أو ديني لمجرّد إثبات الغلبة أو الفضيلة كما يتّفق للكثير من المتّسمين بالعلم. و هذا النوع محرّم في غير الاعتكاف، وقد ورد التأكيد في تحريمه في النصوص. وإدخاله في محرمات الاعتكاف إمّا بسبب عموم مفهومه، أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة، كما ورد في تحريم الكذب على اللّه ورسوله في الصيام. و على القول بفساد الاعتكاف بكلّ ما حرم فيه تتضح فائدته.

ولو كان الغرض من الجدال في المسألة العلمية مجرّد إظهار الحقّ وردّ الخصم عن الخطأ كان من أفضل الطاعات، فالمائز بين ما يحرم منه و ما يجب أو يستحب، النيّة، فليحترز المكلّف من تحويل الشيء من كونه واجباً إلى جعله من كبار القبائح.(1)

وأمّا الثاني ـ أي وجوب اجتناب ما يحرم على المحرِم ـ فقد حكاه المحقّق في الشرائع وقال: يحرم عليه ما يحرم على المُحْرم ولم يثبت، فلا يحرم عليه لُبْس المخيط، ولا إزالة الشعر ولا أكل الصيد، ولا عقد النكاح.

وقد ذهب إليه الشيخ في «الجمل» وقال: يجب على المعتكف تجنّب


1 . مسالك الافهام:1/109ـ 110.


صفحه182

ما يجب على المحرم تجنّبه، وكذا قال ابن البراج وابن حمزة.(1) ونسبه الشيخ في المبسوط إلى رواية وقال: روي أنّه يجتنب ما يجتنبه المحرم.(2) ولا ريب في ضعف هذا القول ولم يثبت ما أرسله من تنزيل المعتكف منزلة المحرم، ولو كان لبان، وقد نقل الرواة كيفية اعتكاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وليس فيه من هذا عين ولا أثر.

والأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد وإزالة الشعر ولبس المخيط ونحو ذلك، و إن كان أحوط، لعدم الدليل.

ما يحرم على المعتكف هل هو مختص بالليل أو النهار؟

ما يحرم على المعتكف على قسمين: ما يحرم لأجل اعتكافه، فلا فرق في حرمته بين اليوم والليل، وقد مضى أنّ الاعتكاف عمل واحد مستمرّ وليس الليل خارجاً منه.

و ما يحرم لأجل كونه صائماً فيختص بالليل، إلاّ الجماع فإنّه حرام بكلا العنوانين.

هل يجوز للمعتكف الخوض في المباح؟

يجوز للمعتكف الخوض في المباح والنظر في معاشه، خلافاً للعلاّمة في «المنتهى» قال: كلّ ما يقتضي الاشتغال بالأُمور الدنيوية من أصناف المعايش ينبغي القول بالمنع منه عملاً بمفهوم النهي عن البيع والشراء.(3)


1 . المختلف: 3/588.   2 . المبسوط: 1/293.   3 . المنتهى: 2/639. ط. الحجرية.


صفحه183

و اعترضه في «المدارك» بعد نقله: وهو غير جيد، لأنّ النهي عن البيع والشراء لا يقضي النهي عمّا ذكره بمنطوق ولا مفهوم.(1)

أضف إلى ذلك: أنّ الدليل الوحيد هو صحيحة أبي عبيدة الماضية، وليس فيها مايدلّ على ما ذكره، وليس المعتكف في المسجد راهباً، بل هو متفرّغ للعبادة والابتهال على وجه يلائم الفطرة الإنسانية. وعلى ذلك يجوز له الخياطة والنساجة وسائر الحرف اليدوية.

في فساد الاعتكاف بفساد الصوم

كان الكلام في السابق في محرمات الاعتكاف، وبما أنّه لا ملازمة بين الحرمة التكليفية والبطلان (وذلك كالخروج من المسجد، فهو حرام وضعاً وليس بحرام تكليفاً في اليومين الأوّلين، وربما يجتمعان كالخروج في اليوم الثالث فهو حرام ـ لوجوب الاستمرار ـ مفسد فيحرم الخروج تكليفاً و وضعاً) حاول صاحب العروة أن يبيّن حكم المحرّمات المذكورة من حيث الإفساد وعدمه سواء كان حراماً تكليفاً أو لا.

و حاصل كلامه يتلخّص في أُمور:

1. كلّما يفسد الصوم، يفسد الاعتكاف إذا وقع في النهار.

2. الجماع يفسد الاعتكاف مطلقاً، سواء كان في الليل أو النهار.

3. اللمس والتقبيل بشهوة يفسدان الاعتكاف.


1 . المدارك: 6/344 ـ 345.


صفحه184

4. الأحوط بطلان الاعتكاف بسائر المحرمات من البيع والشراء وشمّ الطيب وغيرها.

5. الأحوط في الأُمور الأخيرة الإتمام والاستئناف إذا كان واجباً غير معيّن والإتمام و القضاء إذا كان واجباً معيّناً.

أمّا الأوّل، فبما انّ الاعتكاف مشروط بالصوم، فلا شكّ أنّ كلّما يفسد الصوم ممّا مضى في كتاب الصوم يبطل الاعتكاف، من الأكل والشرب وغمس الرأس في الماء والبقاء على الجنابة وغيرها ممّا مرّ.

وأمّا الثاني، أعني: كون الجماع مبطلاً مطلقاً سواء أكان في الليل أو النهار (وإن كان في خصوص النهار مبطلاً قطعاً لكونه مفسداً للصوم، لكن الكلام فيه على وجه الإطلاق) فالظاهر أنّه حرام تكليفاً ووضعاً، ويستفاد ذلك من تنزيله منزلة «من أفطر يوماً من شهر رمضان» ومقتضى عموم التنزيل ذلك كما في موثقة سماعة بن مهران.(1)

وأمّا الثالث: أي اللمس والتقبيل بشهوة فلا شكّ في الإفساد إذا كانا في النهار ومع الإنزال لكونهما مفسدين للصوم، إنّما الكلام إذا كانا في النهار لا معه أو في الليل مطلقاً، فلو قلنا بأنّ الآية، أعني قوله سبحانه: (وَلاَ تُباشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي المَساجِد)(2)، ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد مثل قوله: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسود)(3) فلا كلام في الإفساد، وأمّا إذا قلنا بأنّ الآية ظاهرة في النهي المجرد، فالقول بالإفساد ليس


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث5 و غيره.

2 . البقرة:187.   3 . البقرة:187.


صفحه185

له دليل، غير أنّك عرفت احتمال اختصاص التحريم تكليفاً ووضعاً بالجماع كما مرّ. كلّ ذلك على القول بشمول المباشرة في الآية للتقبيل واللمس وعدم اختصاصها بالجماع كما هو الحال في قوله: (فالآن باشروهنّ) .

وأمّا الرابع: أي البيع والشراء وشمّ الطيب فقال الشيخ : لا يفسد الاعتكاف جدال ولا خصومة ولا سباب ولا بيع ولا شراء وإن كان لا يجوز له فعل ذلك أجمع.(1)

ويمكن أن يقال: إنّ ظاهر الجملة الخبرية: «لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان ، ولا يماري ولا يشتري و لا يبيع»، هو الإرشاد إلى المانعية، وإنّ شأن المعتكف بما هو معتكف، الاجتناب عنها، لعدم اجتماعها معه . نعم ظهوره فيها عند صاحب العروة ليس على حدّ يعتمد عليه، لاحتمال كون النهي لمجرد التكليف، ولذلك احتاط في هذه الأُمور، فلو قلنا بكونها مبطلة فاللازم هو الاستئناف في الواجب غير المعيّن، والقضاء في المعين منه بخلاف ما إذا تردّد بين كونها مبطلة، أو لمجرد النهي، فالأحوط هو الجمع بين الاحتمالين: الإتمام، ثمّ الاستئناف أوالقضاء كما لا يخفى، وسنشير إليه في المسألة التالية.

هل يفسد الصوم بارتكابه أحد المحرمات سهواً؟

الكلام في هذه المسألة في اختصاص الإفساد بصورة العمد أو عمومه له وللسهو.


1 . نقله في الحدائق: 13/493. لاحظ المبسوط:1/295.


صفحه186

أمّا الجماع فذهب صاحب العروة إلى أنّه مفسد عمداً وسهواً على الأحوط، خلافاً للشيخ حيث ذهب إلى أنّه متى وطئ المعتكف ناسياً، أو أكل نهاراً ساهياً، أو خرج من المسجد كذلك لم يفسد اعتكافه.(1)

أمّا الروايات فهي على صنفين:

1.ما يدلّ على وجوب الكفّارة إن جامع ليلاً ونهاراً.(2) فهذا الصنف يؤيد اختصاص إفساده للعامد إذ لا كفارة على الناسي.

2. ما ينهي المعتكف عن اتيان النساء كما في رواية الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن المعتكف يأتي أهله؟ فقال: «لا يأتي امرأته ليلاً ونهاراً وهو معتكف».(3) فلو قلنا بأنّ مفاد النهي عن الإتيان ، فلا يبعد انصرافه إلى العامد; وإن قلنا بأنّ مفاده الإرشاد إلى المانعية فيكون دالاً على الإفساد مطلقاً، فلازمه كونه دخيلاً في الاعتكاف ومانعاً من تحقّقه، فيعم العامد والناسي.

ولكن يمكن رفعها في حالة النسيان بحديث الرفع ـ كما مرّغير مرّة ـ سواء أقلنا بأنّها مجعولة أم أنّها منتزعة من الأحكام التكليفية فتكون مرفوعة برفع منشأ انتزاعها.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى التفصيل بين كون النهي لبيان التكليف فالنهي منصرف إلى العمد، وكونه لبيان الحكم الوضعي أي الارشاد


1 . المبسوط : 1/294.

2 . راجع الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث1، 2و3 وغيرها.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث1.


صفحه187

إلى المانعية، ومعنى ذلك أنّ عدمه قد اعتبر في الاعتكاف غير المختص اعتباره بحال دون حال، ولا يمكن رفع المانعية في حالة النسيان بحديث الرفع، إذ لو دلّ الحديث على الصحة في مورد النسيان، لدل عليها في مورد الإكراه والاضطرار، وهو كما ترى ضرورة فساد الاعتكاف بالجماع وإن كان عن إكراه واضطرار.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من صحّة الانصراف إذا كان النهي متضمّناً للتكليف دون ما إذا كان إرشاداً إلى المانعية وإن كان صحيحاً، لكن لا مانع من رفع المانعية بنفسها أو بمنشأ انتزاعها بحديث الرفع، وما ادّعى من أنّ لازم ذلك صحة الاعتكاف إذا كان الجماع بإكراه أو اضطرار، ولذلك ذهب صاحب العروة وغيره في الأمر الثامن إلى صحة الاعتكاف لو خرج ناسياً أو مكرهاً أو مضطراً، ولا يصحّ أن يقال: أنّ الصحّة نتيجة النصّ الخاص، وذلك لأنّه ورد في الأخير دون الأوّلين، وأمّا الصحّة فيهما فهي مستندة إلى حديث الرفع. نعم ذهب المفصل إلى البطلان في النسيان أيضاً كما مرّ.(2)

فإن قلت: إذا كان لسان الدليل ظاهراً في الإرشاد إلى المانعية الظاهرة من كون الجماع مانعاً من الصحّة مطلقاً، عامداً أو ناسياً، كيف يمكن أن يقيد إطلاق الدليل الاجتهادي بالأصل العملي؟

قلت: قد مرّ سابقاً أنّ نسبة الرفع إلى «ما يعلمون» تختلف مع نسبته إلى غيره، فالرفع في الأوّل رفع ظاهري لا واقعي، ولكنّه في الآخرين، أعني:


1 . مستند العروة الوثقى: 2 / 467، كتاب الصوم.

2 . مستند العروة الوثقى: 2/366، كتاب الصوم .


صفحه188

النسيان والاضطرار والإكراه، رفع واقعي ثانوي، والدليل الدال على الرفع في هذه الحالات دليل اجتهادي، حاكم على الإطلاق الموجود في العناوين الأوّلية.

ولا مانع من أن يكون الرفع في مورد، ظاهرياً وفي مورد آخر واقعياً، لأنّه مستعمل في معنى واحد، وأمّا الخصوصيات فإنّما تستفاد من القرائن.

وبذلك يعلم وجه احتياط صاحب العروة في الجماع سهواً، حيث جعل الإتمام هو الأحوط، ثمّ الاستئناف أو القضاء . والاحتياط وإن كان حسناً في كلّ حال ، لكن الظاهر اختصاص البطلان بصورة العمد، وفي غيره يبني على ما سبق ويتم من دون حاجة إلى الاستئناف أو القضاء.

في فساد الاعتكاف

إذا فسد الاعتكاف بإحدى المفسدات فهنا صور:

1. أن يكون الاعتكاف مندوباً.

2. أن يكون الاعتكاف واجباً غير معيّن.

3. أن يكون الاعتكاف واجباً معيّناً.

أمّا الأوّل، فإن كان الإفساد بعد اليومين فيقضي بناء على ثبوت العموم في قضاء كلّ ما فات من العبادات حتى الاعتكاف، وإن كان الإفساد في اليومين فلا شيء عليه، فلو اعتكف ثانياً فهو امتثال لأمر جديد، لا قضاء لما فات للأمر به في كلّ يوم على حدة.

نعم لو كان للزمان خصوصية و أتى به في غير زمانه صح فيه إطلاق


صفحه189

القضاء، كما في قضاء نافلة الليل بعد خروج وقتها، فإنّ المأتي به ثانياً، قضاء لا أداء لافتراض خروج وقتها.

وأمّا ما رواه الكليني بسند صحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كانت بدر في شهر رمضان فلم يعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا أن كان من قابل اعتكف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عشرين: عشرة لعامه، وعشراً قضاء لما فاته».(1) فالإطلاق من باب التوسعة، لأنّ المفروض الإتيان به إنّما كان في وقته لأنّه يجوز في شهر رمضان الاعتكاف بعشرين يوماً فالعشرة الثانية عمل في محلّه وفي وقته، فكيف يكون قضاءً؟!

نظير ذلك إطلاق القضاء على العمرة التي أتى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في شهر رجب من السنة السابعة حيث حُصر في العام المتقدّم عليه واتّفق مع قريش على أن يرجع من الحديبية إلى المدينة ويُحرم في السنة القادمة في نفس الشهر، فإنّه من باب التوسعة في الإطلاق، لأنّ للزمان وإن كانت له خصوصية لكنّه لم يأت به في غيره، بل أتى به في نفس الشهر فصار أداءً لاقضاء. كيف وقد ذبح من ساق من الهدي في الحديبية في السنة الممنوعة وقد عمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون معه بحكم المحصور.

وأمّا الثاني، فيجب الاستئناف، لأنّ الفاسد لم يقع مصداقاً للواجب، والمفروض أنّ الزمان كلّي غير معين في ضمن فرد، فإذا أتى به ضمن فرد آخر، يكون أداءً لا قضاء بناء على وجوب قضاء الاعتكاف الفائت.

وأمّا الثالث، فيجب القضاء لفوات وقته باعتبار تعيّن زمانه بناء على


1 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2.


صفحه190

الأصل المذكور . كلّ ذلك بناء على عمومية أدلّة القضاء لكلّ ما فات، وقد مرّت المناقشة في ذلك فلاحظ.

في قضاء الاعتكاف

لا يجب الفور في القضاء، لأنّ أصل وجوبه مشكوك فضلاً عن وصفه، وعلى فرض التسليم لا دليل على الفور، نعم لو توانى وتساهل وانتهى إلى ترك الواجب فيكون عاصياً كما مرّ نظـيره في قضاء الكفّارة.

في قضاء الاعتكاف عن الميت

إذا مات المعتكف في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه، كما إذا مات في أثناء اليوم الثالث، وللمسألة صور:

1. إذا مات في أثناء الاعتكاف المندوب إذا وجب الإتمام لدخول اليوم الثالث.

2. إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب المعيّن زمانه.

3. إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب غير المعيّن.

هذه صور المسألة وأمّا الأقوال، فقد حكى الشيخ الطوسي وجوب القضاء عن بعض الأصحاب، قال : و من مات قبل انقضاء مدة اعتكافه،
في أصحابنا من قال: يقضي عنه وليّه، لعموم ما روي من أنّ من مات
وعليه صوم واجب وجب على وليّه أن يقضي عنه، أو يخرج من ماله إلى
من ينوب عنه قدر كفايته، أو يتصدّق عنه.(1) وإطلاق عبارته يعم من


1 . المبسوط:1/293ـ 294، كتاب الاعتكاف، الفصل الثالث.


صفحه191

مات في الأثناء، أو مات تاركاً من رأس.

أقول: أمّا الأوّلان، فلا قضاء لعدم استقرار الوجوب على الميت حتى ينوب عنه الولي، بل كشف الموت عن عدم انعقاد النذر في الواقع لعدم تمكّنه من الوفاء به.

وأمّا الثالث، فلو افترضنا أنّه قد شرع بالاعتكاف في أوّل أزمنة التمكّن فمات في الأثناء فهو أيضاً مثل الأوّلين، وأمّا إذا توانى وأخّر مع التمكن واعتكف فمات في الأثناء فلا يكشف الموت عن عدم وجوبه، بل انعقد النذر واستقر، لكنّه أخّر، وهذا هو الذي يجب أن يقع موضع البحث، غير أنّه لم يدلّ دليل على وجوب كل ما فات عن الميت من العبادات على الولي، وإنّما الواجب خصوص ما كان عليه من صلاة وصوم، لا اعتكاف، ففي صحيح حفص البُختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام ؟قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه».(1)

وبذلك يظهر وجه ما ذكره صاحب العروة من التفصيل بين ما إذا نذر الاعتكاف فمات في الأثناء و ما إذا نذر الصوم معتكفاً، فلا يجب قضاء الأوّل دون الثاني، وذلك لأنّ المنذور في الأوّل هو الاعتكاف ولا دليل على قضاء ما فات من الاعتكاف، بخلافه في الثاني فإنّ المنذور فيه هو الصوم في حال الاعتكاف، فيجب عليه الاعتكاف من باب تحصيل الشرط للصوم الواجب بالنذر.

وما ذكره إنّما يتم إذا كان الفرق بين التعبيرين أمراً عرفيّاً، حتى يختلف


1 . الوسائل: ج 7 ، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.


صفحه192

المنذوران في نظر الناذر، وأمّا إذا كانا من قبيل التفنّن في التعبير فلا، نظير ذلك ما إذا قال: بعتك هذا الفرس العربي أو بعتك هذا الفرس، إذا كان عربياً حيث جعل الشيخ الأعظم الأوّلَ من قبيل تخلّف المبيع و الثاني من قبيل تخلّف الشرط، وقد قلنا في محله أنّه تدقيق عقلي لا يلتفت إليه العرف بل يتلقّاهما أمراً واحداً.

في وجوب الكفّارة في الاعتكاف الواجب والمندوب

في المسألة فروع:

1. وجوب الكفّارة إذا فسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلاً.

2. وجوب الكفّارة في سائر المحرمات إذا كان الاعتكاف واجباً.

3. ثبوت الكفّارة في الاعتكاف المندوب قبل تمام اليومين إذا أفسده بالجماع.

4. كفارته، ككفّارة شهر رمضان.

أما الأوّل: فقد اتّفقت عليه كلمة الأصحاب لتضافر الروايات على فساد الاعتكاف ووجوب الكفارة من غير فرق بين اليوم والليل، ففي موثّقة سماعة: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن معتكف واقع أهله؟ فقال: «هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان»(1)، وإطلاقها يعمُّ الليل و النهار، إلى غير ذلك من الروايات.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث2. و لاحظ سائر روايات الباب.


صفحه193

هذا إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع، أمّا إذا أفسده بسائر المفطّرات فذهب المفيد في المقنعة(1)، والمرتضى على ما نقله عنه في المعتبر (2) إلى وجوبها، خلافاً للمحقّق في ذلك الكتاب حيث ذهب إلى عدم وجوب الكفّارة، واختاره صاحب المدارك(3) و نسبه إلى الشيخ الطوسي أيضاً، وقال: والأصح ما اختاره الشيخ والمصنِّف، وأكثر المتأخرين من اختصاص الكفّارة بالجماع دون ما عداه من المفطّرات، وإن كان يفسد به الصوم، ويجب به القضاء، واختاره في الحدائق.(4)

وأمّا الفرع الثاني: أي وجوب الكفّارة في سائر المحرّمات فلم يدلّ دليل على وجوب الكفّارة فيها.

وأمّا الفرع الثالث: وهو وجوب الكفّارة على المعتكف إذا جامع في الاعتكاف المندوب، ففيه أقوال ثلاثة:

الأوّل: عمومه للواجب والمندوب.

الثاني: اختصاصه بالواجب.

الثالث: اختصاصه بالواجب المعيّن.

أمّا الأوّل: فقد ذهب إليه الشيخان (قدّس سرّهما) ، وأمّا الثاني فيظهر من عبارة المحقّق في المعتبر حيث قال بعد نقل كلامهما ما هذا لفظه:

ولو خصّا ذلك باليوم الثالث أو بالاعتكاف اللازم كان أليق بمذهبهما،


1 . المقنعة: 363.   2 . المعتبر:2/742.

3 . مدارك الأحكام: 6/349.    4 . الحدائق الناظرة: 13/496.


صفحه194

لأنّا بيّنا أنّ الشيخ ذكر في «النهاية» و «الخلاف» أنّ للمعتكف الرجوع في اليومين الأوّلين من اعتكافه وانّه إذا اعتكفهما وجب الثالث، وإذا كان له الرجوع لم يكن لإيجاب الكفّارة مع جواز الرجوع وجه.(1)

وعلى كلّ حال فالمهم وجود الإطلاق في الروايات الدالة على الكفّارة في إفساد الاعتكاف بالجماع ، فلو قلنا به فلا فرق بين المندوب و غيره، والحكم يدور مدار الإطلاق وعدمه، وأمّا ما ذكره المحقّق من أنّ الاعتكاف مندوب قبل اليومين فيمكن له رفع اليد عنه فكيف تترتب عليه الكفّارة؟ فواضح الدفع، لأنّ جواز رفع اليد وترك الاعتكاف بتاتاً لا يلازم عدم وجوب الكفّارة بل يمكن أن يجوز له ترك الاعتكاف مطلقاً، إلاّ أنّه إذا أفسده بالجماع كان عليه أن يكفِّر.

نعم، ذهب صاحب الجواهر إلى أنّ وجوبها بالجماع وعدمه دائر مدار تزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني دون الأوّل، واستظهره من صحيح أبي ولاّد: عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها فخرجت ـ حين بلغها قدومه ـ من المسجد إلى بيتها فتهيّأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال:«إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فإنّ عليها ما على المظاهر».(2)

قال: إنّ تعليق الكفّارة على عدم الاشتراط في صحيح أبي ولاّد المتقدم يومئ إلى عدم وجوبها مع عدم تعيّن الاعتكاف حتى في اليوم الثالث، إذا


1 . الحدائق الناظرة: 13/496.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.


صفحه195

فرض الاشتراط فيه على وجه يرفع وجوبه، مضافاً إلى أصل البراءة ونحوه، وهو قوي جداً، فيكون المدار حينئذ في وجوبها بالجماع وعدمه بتزلزل الاعتكاف وعدمه، فتجب في الثاني دون الأوّل.(1)

والظاهر أنّه ليس برأي جديد بل نفس ما اختاره المحقّق من اختصاصها بالواجب.

أقول: قد عرفت في السابق أنّ المعتكف في اليومين الأوّلين في فسحة، فله أن يستمر في الاعتكاف وله أن يقطع، وإنّما يجب الإتمام إذا دخل اليوم الثالث وهو معتكف، وعلى ذلك فقوله (عليه السلام):«قبل أن تقضي ثلاثة أيّام ولم تكن اشترطت في اعتكافها» لا يخلو من أحد معنيين:

أ: أن يراد أنّها بعدُ في اليوم الثاني من اعتكافها ولم يدخل اليوم الثالث.

ب: أن يراد أنّها دخلت في اليوم الثالث.

فالمعنى الأوّل يجانب الصواب، لأنّه خلاف الظاهر وغير مثبت لمرامه، لأنّ الاعتكاف فيهما متزلزل مطلقاً سواء اشترطت أم لم تشترط، فلا محيص لها إلاّ عن إرادة المعنى الثاني، فيكون المراد أنّ الكفارة لا تجب حين اشترط الفسخ، بخلاف العكس، فيكون الميزان في وجوب الكفّارة ما ذكره من تزلزل الاعتكاف بالاشتراط ووجوبه مع عدمه، ولكنّه يختص بنفس اليوم الثالث ولا نظر للعبارة لليومين الأوّلين.

والحاصل: أنّ تزلزل الاعتكاف وعدمه إنّما يعد معياراً في اليوم الثالث الواجب بذاته وغير الواجب بالشرط، وأمّا اليومان الأوّلان الجائزان ـ


1 . جواهر الكلام : 17/208.


صفحه196

اشترطت أم لم تشترط ـ فخارج عن مدلول اللفظ ومعناه، فيرجع فيه إلى الإطلاقات.

اللّهمّ إلاّ أن يؤخذ بالمناط وهو أنّ عدم وجوبها في اليوم الثالث عند الاشتراط لأجل تزلزله فيكون اليومان مثله مطلقاً، فلا تجب الكفّارة فيه لهذه الجهة الجامعة، وهو كما ترى.

والظاهر هو الأخذ بإطلاق الأدلّة.

وأمّا الفرع الرابع: فقد اختلفت الروايات، فدلّت الموثّقتان(1) لسماعة على أنّ كفّارة الجماع كفارة مخيّرة، كما دلّت صحيحتا زرارة و أبي ولاّد(2)على أنّها مرتبة، ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل الترتيب على الاستحباب، كما يمكن القول بأنّ التشبيه في المقدار دون الكيفية، والأوّل أقرب من الثاني، غير أنّ الشهرة الفتوائية على أنّها مخيّرة.

قال الشيخ في المبسوط: والكفّارة في وطء المعتكف هي الكّفارة في إفطار يوم من شهر رمضان، سواء على الخلاف بين الطائفة في كونها مرتّبة أو مخيّرة فيها.(3)

وقال ابن زهرة في الغنية: وإذا أفطر المعتكف نهاراً أو جامع ليلاً انفسخ اعتكافه ووجب عليه استئنافه، وكفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان.(4)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 2و5 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 1 و 6.

3 . المبسوط:1/294.

4 . غنية النزوع: 2/147.


صفحه197

 

كفّارة فساد الاعتكاف في شهر رمضان

أقول: هنا فروع نذكرها تباعاً:

الأوّل: إذا أفسد اعتكافه الواجب بالجماع في شهر رمضان، فإن كان في النهار فعليه كفّارتان إحداهما للاعتكاف والثانية للإفطار في نهار رمضان، وإن كان في الليل فكفّارة واحدة.

وتدلّ عليه رواية عبد الأعلى بن أعين، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل وطأ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان؟ قال: «عليه الكفّارة» قال: قلت: فإن وطأها نهاراً؟ قال: «عليه كفّارتان».(1)

و روي عن المرتضى أنّه أفتى بما ذكر في مطلق الاعتكاف الواجب سواء كان في شهر رمضان أو لا، قال: إذا جامع المعتكف نهاراً كان عليه كفّارتان، وإذا جامع ليلاً كانت عليه كفّارة واحدة، ولم يذكر له دليل.

نعم، قال الصدوق: روي أنّه إن جامع بالليل فعليه كفّارة واحدة، وإن جامع بالنهار، فعليه كفّارتان.(2)

وحمل العلاّمة في التذكرة كلام السيد على شهر رمضان، فإنّ الجماع في غير شهر رمضان إنّما يوجب كفّارة واحدة ليلاً كان أو نهاراً .

الثاني: إذا صام قضاء شهر رمضان معتكفاً وأفطر بالجماع بعد الزوال


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث3.


صفحه198

فإنّه يجب عليه كفّارتان، كفّارة الاعتكاف وكفّارة قضاء شهر رمضان، لأنّ كل واحد سبب مستقل في لزوم الكفّارة. لأنّ من أفطر صوم قضاء رمضان بعد الزوال فعليه الكفّارة وإن لم يكن معتكفاً.

الثالث: إذا نذر الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع في النهار، وجب عليه ثلاث كفّارات: إحداها: للاعتكاف حيث أفسده، والثانية: لخلف النذر حيث حنثه، والثالثة للإفطار في شهر رمضان.

الرابع: إذا جامع امرأته المعتكفة وهو معتكف في نهار رمضان، فلو قلنا بتحمّله كفّارتها فهنا احتمالان:

أ. عليه أربع كفّارات: اثنتان عن نفسه حيث أفسد اعتكافه وأفطر في شهر رمضان، واثنتان عن امرأته حيث أفسد صومها واعتكافها.

وقد ورد النصّ في أنّ من أكره زوجته الصائمة على الجماع يتحمّل كفّارتها.(1)

ب. ويحتمل عليه كفّارات ثلاث، لأنّ التحمّل ورد في كفارة الصوم لا في كفّارة الاعتكاف، ولذا لوأكرهها على الجماع في الليل لم تجب عليه إلاّ كفّارته ولا يتحمّل عنها .

الخامس: إذا كانت المعتكفة متابعة، فعلى كلّ منهما كفّارتان إن كان في النهار، وكفّارة واحدة إن كان في الليل لتعدّد السبب في النهار و وحدته ليلاً.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.


صفحه199

الرسالة السابعة والسبعون

حكم المصالحة بين المالك

والحاكم الشرعي


صفحه200


صفحه201

لا يجوز للفقير ولا للحاكم الشرعيّ أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه المسمّى بالفارسية بـ «دست گردان»، أو المصالحة معه بشيء يسير، أو قبول شيء منه بأزيد من قيمته أو نحو ذلك، فإنّ كلّ هذه حيل في تفويت حقّ الفقراء، وكذا بالنسبة إلى الخمس والمظالم ونحوهما. نعم لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبلغ كثير وصار فقيراً لا يمكنه أداؤه وأراد أن يتوب إلى الله تعالى، لا بأس بتفريغ ذمّته بأحد الوجوه المذكورة، ومع ذلك ـ إذا كان مرجوّ التمكّن بعد ذلك ـ الأولى أن يشترط عليه أداؤها بتمامها عنده.

وللمسألة صورتان:

الأُولى: إذا كان متمكّناً من أداء الزكاة.

الثانية: إذا كان متمكّناً منه لكن زال عنه التمكّن وصار فقيراً.

ثمّ إنّ الممارس للاحتيال، إمّا الفقير أو الحاكم، والطرق المذكورة له ثلاثة، فيبلغ عدد الصور بضرب بعضها في بعض إلى اثنتي عشرة صورة، بضرب عدد الممارس (الفقير والحاكم) في عدد من يُراد تطهير ماله (المتمكّن وغير المتمكّن) فيصير أربعة، فتضرب في الطرق الثلاثة، فيناهز عددها إلى اثنتي عشرة صورة. فلنقدم الكلام في الصورة الأُولى ـ أي


صفحه202

المتمكّن من الأداء على من زال تمكّنه ـ بشقوقها الستة.

الأُولى: إذا كان متمكّناً من أداء الزكاة

إذا كان المالك متمكّناً من أداء الزكاة، ولكن يريد الاحتيال ويتوسّل في إعمال الحيلة بالفقير أو بالحاكم.

أمّا الفقير فتارة يحتال بالمداورة، وأُخرى بالمصالحة، وثالثة بالمحاباة.

أمّا الأوّل: فبأن يأخذ الزكاة عن المالك ثمّ يرد عليه قرضاً، أو هبة وعطاء; والظاهر عدم جوازه إذا كان قرضاً، إذا كان فوق شأنه، إذ ليس له الولاية على هذا النوع من التصرّف، وأولى منه بعدم الجواز، العطاء والهبة.

فإن قلت: قد ورد في موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «فإذا هي ـ الزكاة ـ وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء» فقلت: يتزوّج ويحجّ منها؟ قال: «نعم».(1)

قلت: صحيح لكن القدر المتيقّن هو صرفه في حوائجه كيف ماشاء لا إقراضها الغير إذا كان فوق شأنه، مضافاً إلى ما في العطاء والهبة من تضييع حقّ سائر المستحقّين.

وأمّا الثاني: أي المصالحة معه بشيء يسير، وهو أيضاً غير صحيح، إذ لا يملك شيئاً في ذمّة المالك حتّى يصالحه بشيء، والزكاة ملك للعناوين الثمانية لا لأشخاصهم، مضافاً إلى ما فيه من تضييع حقوق الآخرين.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1.


صفحه203

وأمّا الثالث: أي قبول شيء بأزيد من قيمته، كما إذا اشترى ما يساوي عشرة دراهم بمائة درهم، فعند ذلك يصير مديوناً للمالك فيحتسب المالك ما في ذمّة الفقير زكاة، فهذا أيضاً غير صحيح، لما تقدّم في السابق من كونه مستلزماً لإضاعة الحقوق، مضافاً إلى عدم شمول دلالة إمضاء العقود بمثل هذا، لأنّه عقد غير عقلائي أو أشبه بمعاملة فاقد القصد.

هذا كلّه حول الفقير أمّا الكلام في الحاكم فهل يجوز له أن يتوسّل بهذه الطرق الثلاثة، لإبراء ذمّة المالك المتمكّن أو لا؟

فالحق أنّه ليس للحاكم ولاية المصالحة والمحاباة، إذ لا يملك حقّاً أو ملكاً في ذمّة المالك حتّى يصالحه بشيء، وقبول شيء بأزيد من قيمته أشبه بالمحاباة التي عرفت عدم شمول العمومات لها، مضافاً إلى استلزامها تضييع حقوق الآخرين.

إنّما الكلام في المداورة فالظاهر جوازها إذا كان هناك مصلحة عائدة لأصحاب الزكاة على نحو لولاها لما أدّى المالك شيئاً من الزكاة.

ثمّ إنّ المحقّق عقد فصلاً للحيل الجائزة والممنوعة في آخر كتاب الطلاق، وتبعه أصحابنا فذكروا في آخر كتاب الطلاق بعض الحيل، وقد بسط الكلام فيها صاحب الحدائق، كما أنّ أهل السنّة طرحوها تحت عنوان «فتح الذرائع» الّذي فتحه أبو حنيفة وأوصد بابه الإمام مالك تحت عنوان «سد الذرائع».

قال في «الجواهر» في آخر كتاب الطلاق: ولعلّ من ذلك ما يتعاطاه


صفحه204

بعض الناس في هذه الأزمنة من التخلّص ممّا في ذمّته من الخمس والزكاة ببيع شيء ذي قيمة رديّة بألف دينار مثلاً من فقير برضاه ليحتسب عليه ما في ذمّته عن نفسه، ولو بأن يدفع له شيئاً فشيئاً ممّا هو مناف للمعلوم من الشارع من كون المراد بمشروعية ذلك، نظم العباد وسياسة الناس في العاجل والآجل بكفّ حاجة الفقراء من مال الأغنياء، بل فيه نقض للغرض الّذي شرّع له الحقوق.

وكلّ شيء تضمن نقض غرض أصل مشروعية الحكم يحكم ببطلانه، كما أومأ إلى ذلك غير واحد من الأساطين، ولاينافي ذلك عدم اعتبار اطّراد الحكمة، ضرورة كون المراد هنا ما عاد على نقض أصل المشروعية، كما هو واضح .(1)

الصورة الثانية: إذا صار غير متمكّن

أمّا الصورة الثانية إذا كان متمكّناً ثمّ صار فقيراً، فالظاهر جوازها، فيجوز الأخذ من المالك ثمّ الردّ إليه قرضاً، واشتغال ذمّته به، وتوكيله في الدفع إلى مستحقّيه ولو تدريجاً، وهذا يصحّ من الحاكم دون الفقير، ويختص مورده بما إذا كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبالغ كثيرة وصار فقيراً لا يمكنه أداؤها وأراد أن يتوب إلى الله تعالى فلا بأس بتفريغ ذمّته من جانب الحاكم على النحو الّذي ذكرنا، ويشترط عليه الأداء عند التمكّن ولو شيئاً فشيئاً.


1 . الجواهر: 32 / 202 .


صفحه205

وليس في تصوير هذا النوع من الأخذ والرد أي تضييع لحقّ الفقراء، لأنّ المفروض أنّ المالك صار فقيراً، وهذا العمل وعدمه سيّان في انتفاع سائر الفقراء، لكنّه ينفع في براءة ذمّته، بخلاف الصورة الأُولى فإنّ المفروض فيها غناء المالك لا فقره.

ولعلّ إلى هذه الصورة أشار صاحب الجواهر وقال: نعم قد يقال إنّ فتح الباب المزبور يعود على الغرض بالنقض، فلا ينافيه ما يصنعه بعض حكام الشرع في بعض الأحوال مع بعض الناس لبعض المصالح المسوّغة لذلك، ضرورة أنّه قد يتّفق شخص غلب الشيطان عليه في أوّل أمره ثمّ أدركته التوبة والندامة بعد ذلك ثمّ صار صفر الكفّ أو مات كذلك ولكن ذمّته مشغولة بحقّ الخمس مثلاً، فإنّ الظاهر جواز السعي في خلاصه بل رجحانه بالطرق الشرعية التي يندرج بها في الإحسان وتفريج الكربة عن المؤمن، ونحو ذلك من الموازين الشرعية المأمور بها.(1)


1 . الجواهر: 32 / 203 .


صفحه206


صفحه207

الرسالة الثامنة والسبعون

الخمس فريضة شرعية   

 


صفحه208


صفحه209
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

شكّل الدور التاريخي المؤثّر لعلماء الإسلام في حياة الأُمّة، تحدّياً سافراً للأعداء الطامعين بها، والمتربّصين بها الدوائر.. فلقد أثبتت الأحداثُ الجمّة التي مرّت على العالم الإسلاميّ، أنّ القيادة العلمائيّة، هي الأجدر بتحمّل مسؤولية الحفاظ على المبادئ والقيم التي آمنت بها الأُمّة، والدفاع عن كيانها، وصَوْن كرامتها وعزّتها.

إنّ ما قام به العلماء من دور فاعل في مقارعة الاستعمار الغربيّ بشتى وجوهه، وفي مواجهة قوى الإلحاد والطغيان والاستبداد، أمر لا يمكن أن يُنكره أحد يحترم الحقيقة، كيف؟ وهذه صفحات التاريخ المعاصر، قد سَطّرت بأحرف من نور مواقفَهم الجريئة والحكيمة في التصدي للمشروع الاستعماري البغيض، وقُدراتِهم الجبارة في تعبئة الجماهير باتجاه هذا الهدف المقدّس، وسعيَهم الدائبَ لفضح مؤامراتهم ومخطّطاتهم الشيطانية الرامية إلى خداع الأُمة عن دينها ومبادئها وتطلّعاتها وآمالها، وإلى تحطيم مقوّمات وحدتها وقوّتها ومنَعَتها.


صفحه210

ولم يكتفِ العلماء بذلك، بل قادوا جموعَ الثائرين، وانضمّوا إلى صفوف المقاتلين في ساحات الجهاد، للذَّود عن الدين والشرف والوطن، وتحرير البلاد وتطهيرها من دَنَسهم.

وبرز هذا الدور بشكل أكبر في أواخر القرن الهجري الماضي، ومطلع هذا القرن عندما هلَّ هلالُ الفتح والنصر على العالم الإسلاميّ، بتأسيس دولة إسلامية، تهدف إلى تحكيم القرآن المجيد والسنّة الشريفة، وإحلال الأحكام الشرعية محلّ القوانين الوضعية الغربية، وذلك بفضل ثورة، قادها علماء الإسلام ومراجع الدين، وبمساندة قطاعات الشعب المختلفة، التي التفّت حولهم، من أجل تطبيق الشريعة في كافة نواحي الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها.

وقد أوجد هذا الحدثُ الفذُّ هزَّةً عنيفةً في العالم، وأحدثَ زلزالاً كبيراً في المنطقة (على حدّ وصف رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك)، أرعب المستكبرين وصنائعَهم، من الكيان الصهيوني، والأنظمة الجائرة الحاكمة في بعض البلدان الإسلامية، لِما تحملُه هذه الثورة من مشروع تغييريّ شامل، يحقِّق طموح الناس للعيش في أفياء حياة حرّة كريمة طيّبة، بعدما ذاقُوا مرارةَ الحرمان، وذُلَّ الهوان في ظلٍّ من يحموم الأنظمة التابعة للشرق أو للغرب.

ولمّا أحسّ الأعداءُ وأذنابُهم، بأنّ أَثَر هذه الثورة المباركة قد امتدّ إلى سائر الشعوب الإسلامية، بل إلى الشعوب المستضعَفة، وأنّ الصحوة الإسلامية أخذت تتوسّع، والوعيَ الدينيّ والسياسيّ بدأ ينمو في أوساط الأُمة، جنّ جنونُهم، وانهمكوا في وضع الخطط والبرامج لإيقاف هذا الزحف


صفحه211

الميمون، أو للحدّ من تقدّمه، وذلك بإشعال نار الفتن الداخلية، والحصار الاقتصادي، والغزو الفكري والثقافي، ودفع بعض الحمقى وأعوانهم ممّن تتحكّم بهم العُقد الطائفية، والروح الفرعونية إلى معاداة الثورة ومحاربتها إعلامياً وسياسياً، وشنّ الحرب العسكرية ضدها.

ولمّا لم تأتِ هذه الأساليب أُكُلَها كما يشتهون ضمّوا إليها أسلوباً آخر، لعلّهم يتوصّلون به إلى تحقيق مآربهم الشريرة، وقد تمثّل هذا الأُسلوب في توجيه ضربات للمرجعية الدينية، والكيان الحوزوي، باعتبارهما قمّة الهرم في التحرك الجماهيري الواعي والمتّزن، والعملِ على فكّ الارتباط والالتحام بين المرجعية الدينية وبين القاعدة الشعبية العريضة التي تؤمن بقيادتها، وتستجيب لتوجيهاتها وإرشاداتها .

وسعياً وراء تحقيق هذا الغرض، كرّس الأعداء، وأصحاب المطامع والأهواء، ومن خسرت صفقتهم في سوق العقل والدليل والبرهان، كرّسوا جهودهم لتشويه صورة المرجعية الرشيدة، وإثارة الشبهات حولها، وتوجيه سهام الانتقادات إليها، ومحاولة تجفيف منابعها المالية التي تستعين بها على إقامة أمر الدين، وتعزيز الوجود الإسلامي، وإنعاش حياة المسلمين المحرومين .

إنّ المرء لَيعجب من كثرة الكتابات التي تطرحها المطابع كل أسبوع، وبمختلف اللغات، وتُنشر على نطاق واسع، ولا غاية لها سوى تهميش وإلغاء دور المرجعية الدينية وكيانها المتمثل في العلماء المخلصين، وعزل الجماهير عنها، ليسهل لهم فيما بعدُ تمريرُ سياساتهم التي تضادّ مصالح الأُمّة،


صفحه212

وتنفيذُ مآربهم في السيطرة على ثرواتها، والتحكّم بمقدّراتها.

ومن نماذج هذه الإصدارات كتاب نشر تحت عنوان: «الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية»، تأليف سليمان بن صالح الخراشي. وكان هذا الكتاب قد نُشر ـ من قَبل ـ على موقع (فيصل النور) الالكتروني، كما تم تلخيصه وطبعه باسم «الخمس جزية العصر»، وزُعم أنّ مؤلفه شخص يُدعى : السيد علاء عباس الموسوي.

والكتاب يدل على أنّ المؤلف ليس فقيهاً حتّى في مذهبه الحنبلي ولا عارفاً بالفقه الشيعي، والشاهد عليه وجود التناقض في عباراته، فتارة ينكر وجوب الخمس في غير الغنائم، وأُخرى يُقرّ به ولكن يُنكر وجود الدليل على دفعه إلى الفقهاء، وثالثة يُصرّ على أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد أحلّوه في زمان الغيبة، إلى غير ذلك من المشاغبات العديدة في كلامه.

وقد كشف المؤلف حسب زعمه في الفصل الأوّل عن ثمان حقائق، اعتبرها خطيرة ومفيدة، ويبدو أن أكثر ما أقلق المؤلف هو دفع الخمس إلى الفقهاء، وإلاّ فلا نراه يُبالي فيما إذا دُفع الخمس إلى السادة وسائر المستحقين مباشرة، وهذا يشير إلى أنّ الهدف هو تضعيف المرجعيّة، التي هي سند النهضة الإسلامية وعمادها الرصين.

وبما أنّ القارئ الكريم سيقف على زيف هذه الحقائق ـ التي هي أشبه بالأوهام ـ لذا نترك البحث فيها، وندخل في صلب الموضوع على النحو التالي:


صفحه213

1. الخمس في كتاب الله وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

2. تفسير ما دلّ على حلّية الخمس في موارد أو فترة خاصّة.

3. جهاز الوكالة في عصر الحضور.

4. فريضة الخمس وتولّي الفقهاء.

5. تشريح كتاب الخراشي وما فيه من خزايا وخطايا.

6. خاتمة: الأسئلة التي طرحها الكاتب، وأجوبتها .

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لمّا فيه رضاه، وأن يجمع شمل المسلمين، ويقطع ألسنة المفرِّقين الذين لا همّ لهم سوى إثارة الفتن والأحقاد بين أبناء الجسد الإسلامي الواحد، لكي يُرضوا أسيادهم وأولياء نعمتهم.


صفحه214


صفحه215

الفصل الأوّل

الخمس في الكتاب والسنة

سوف نتطرق في هذا الفصل إلى ما جاء في الكتاب والسنة، ممّا يدلّ على وجوب الخمس في كل ما يغنمه الإنسان ويفوز به .

الخمس في الكتاب العزيز

الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ والله على كُلِّ شيء قديرٌ)(1).

لا شك في أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر » الكبرى ، لكن الكلام في أنّ قوله: (ما غَنِمْتُمْ) هل هو عام لكل ما يفوز به الإنسان في حياته، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟

وعلى فرض كونه عامّاً، فهل المورد مخصّص أو لا ؟

فيقع الكلام في مقامين:


1 . الأنفال: 41.


صفحه216

 

الأوّل: الغنيمة: مطلق ما يفوز به الإنسان

الظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعمّ ممّا يظفر به الإنسان
في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان، وإليك بعض كلماتهم:

1ـ قال الأزهري: «قال الليث: الغنم: الفـوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم»(1).

2ـ قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم قال: (واعلموا أنَّما غنمتم من شيء)، (فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّباً)والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة )(2).

3ـ قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يُملك من قبل، ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين (3).

4ـ قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة (4).

5ـ قال ابن الأثير: في الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غنمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته» (5).


1 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».   2 . المفرادت : مادة «غنم».

3 . مقاييس اللغة: مادة «غنم».   4 . لسان العرب: مادة «غنم».

5 . نهاية اللغة: مادة «غنم».


صفحه217

6ـ قال الفيروزآبادي: «الغنم»: الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة (1).

وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك، وإن كانت لا تستعمل في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن إلاّ في ما يظـفر به في ساحة الحرب.

ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.

لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان، وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي، أو ما يناله من نعيم في الآخرة إذ يقول سبحانه:

(يا أيُّها الَّذين آمنُوا إذا ضَربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلام لَستَ مُؤمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرة)(2).

والمراد بالمغانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدلّ على أنّ لفظ المغنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا وفي ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة.

ثمّ إنّه قد وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد بها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.


1 . قاموس اللغة، مادة «غنم».   2 . النساء: 94.


صفحه218

روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما»(1).

وفي مسند أحمد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «غنيمة مجالس الذكر الجنّة»(2).

وفي وصف شهر رمضان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنم للمؤمن»(3).

وفي نهاية ابن الأثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب (4).

فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب في الأعصار المتأخّرة، وبعد نزول الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.

الثاني: المورد لا يخصّص

إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيقاً لعمومه. وإذا وقفنا على


1 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.

2 . مسند أحمد : 2 / 330 و 374 و 524.

3 . المصدر نفسه: 177.   4 . النهاية، مادة «غنم».


صفحه219

أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكّداً لإطلاق الآية، ولا يكون وروده في الغنائم الحربية رافعاً له.

استدلال الفقهاء بالآية في غير مورد الغنيمة

ما يدل على أنّ الغنيمة في الآية بمعنى مطلق ما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق الحرب، هو استدلال الفقهاء على وجوب الخمس في المعادن.

قالت الحنفية والمالكية بوجوب الخمس على ما يُستخرج من المعادن.

قال الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي: المعدن والرِّكاز أو الكنز بمعنى واحد وهو كل مال مدفون تحت الأرض، إلاّ أنّ المعدن هو ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز أو الكنز هو المال المدفون بفعل الناس الكفّار.

ثم ذكر أنّ المعادن ثلاثة أنواع، وذكر من النوع الأوّل ما هو جامد يذوب وينطبع بالنار كالنقدين والحديد والنحاس والرصاص ويلحق به الزئبق.

وقال: ولا يجب الخمس إلاّ في هذا النوع سواء وجد في أرض خراجية أو عُشرية، ويصرف الخمس مصارف خمس الغنيمة، ودليلهم الكتاب والسنة الصحيحة والقياس، أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا


صفحه220

غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ)(1)، ويُعدّ المعدن غنيمة.(2)

وغير خفيّ على النابه أن عدّ المعدن غنيمة لا يصح إلاّ إذا فُسّرت بكل ما يفوز به الإنسان، وإلاّ فلو خُصّت بما يفوز به الإنسان عن طريق الحرب، فليس المعدن من أقسامه.

نعم لو كانت المعادن في أراضي الكفار واستولى المسلمون عليها عن طريق الحرب، ربّما يمكن عدّ المعادن من الغنائم، ولكن ليس كل معدن كذلك، فإن كثيراً منها في البلاد الإسلامية التي حكمها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، ولا يُعدُّ استخراجه بعد هذه الحقبة من الزمن استيلاءً على مال الكفّار.

ونقل ابن الأثير عن مالك في وجه الخمس في الركاز: إنّه إنّما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يُطلب بمال ولم يتكلّف فيه نفقة، ولا كبير عمل ولا مؤونة، فأمّا ما طُلب بمال وتُكلف فيه عمل كبير، فأُصيب مرة وأُخطئ مرة فليس بركاز .(3)

وكأنّ ابن الأثير يُريد إدخال الركاز الّذي ورد فيه الخمس تحت عنوان الغنيمة إذا لم تتكلف فيه نفقة ولا كثير عمل ولا مؤونة، وهذا لا يصح إلاّ بتفسير الغنيمة بمطلق ما يفوز به الإنسان بسهولة.

ويؤيد ما ذكرنا ما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام)عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام)قال: «إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام .. إلى أن قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس


1 . الأنفال: 41 .            2 . الفقه الإسلامي وأدلته: 2 / 776 .

3 . جامع الأُصول من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): 4 / 620 .


صفحه221

وتصدّق به، فأنزل الله: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ) (1).

ويؤيد عموم المعنى، التعبير عما يجب فيه الخمس بلفظة «من شيء» التي هي كالصريحة في أن متعلّقه كل شيء.

ولعلّ ما ذكرنا حول الآية من القرائن والشواهد يكفي في الاستدلال به على وجوب الخمس في مطلق ما يفوز به الإنسان، فلنرجع إلى السنة الشريفة.

الخمس في السنّة النبويّة

تضافرت الروايات عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب. وإليك النصوص أوّلاً ثم تبيين ألفاظها ثانياً:

روى لفيف من الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وجابر، وعُبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في هذا المجال:

1ـ في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل: عن ابن عباس قال:

قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز ، الخمس (2).

2ـ وفي صحيحي مسلم والبخاري، واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :


1 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

2 . مسند أحمد : 1/314; سنن ابن ماجة: 2/839 ، ط 1373 هـ .


صفحه222

«العجماء جُرْحُها جُبار(1)، والمعدن جبار، وفي الرِّكاز الخمس»، وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار (2).

قال القاضي أبو يوسف : كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قَليب (3) جعلوا القليب عَقَله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك فقال: «العجماء جُبار، والمعدن جُبار ، والبئر جُبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول الله؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت»(4).

3ـ وفي مسند أحمد: عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «السائمة جبار، والجُبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي (5).

4ـ وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت، قال:

من قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجُبار هو الهَدَر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس (6).

5ـ وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى خيبر


1 . جُبار: هَدَر.

2 . صحيح مسلم : 5/127، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار ، من كتاب الحدود; وصحيح البخاري: 1/182، باب في الركاز الخمس.

3 . القَلِيب: البئر.   4 . الخراج: 22.

5 . مسند أحمد: 3/335.   6 . المصدر نفسه: 5/326.


صفحه223

فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته، فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا، فأخذها فأتى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم، فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس» (1).

6ـ وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول الله مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « فيه، وفي الركاز الخمس» (2).

7. وقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفرّاء الحنبليّ: فأما الرِّكاز، فهو كلّ مال وُجد مدفوناً من ضرب الجاهلية، وفي موات، أو طريق سابل، يكون لواجده وعليه الخُمُس .(3)

8ـ وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سَيْب» واللفظ للأوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ لوائل بن حجر: «وفي السُّيوب الخمس». السُّيوب: الركاز.

قالوا:

«السُّيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسُّيوب: جمع سَيْب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه» (4).


1 . المصدر نفسه: 3/128.   2 . المصدر نفسه: 2/186.

3 . الأحكام السلطانية: 143 .   4 . النهاية : مادة «سيب».


صفحه224

 

تفسير ألفاظ الأحاديث:

العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه إنسان فلا غُرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وُجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له (1).

والآرام: الأعلام وهي حجارة تُجمع وتُنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه (2).

وفي لسان العرب وغيره من معاجم اللغة: ركَزَه يركُزُه رَكزاً: إذا دفنه.

والركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض أو المعدن، واحده الركزة كأنّه ركز في الأرض.

وفي نهاية اللغة: والركزة: القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها وجمع الركزة الركاز.

إنّ هذه الروايات تعرب عن كون وجوب الخمس في الكنز والمعادن،


1 . سنن الترمذي: 6/145، باب ما جاء في العجماء.

2 . النهاية ، مادة «ارم».


صفحه225

ضريبة غير الزكاة، وقد استند إليها أُستاذ الفقهاء أبو يوسف في كتابه «الخراج». وإليك نصّه:

كلام أبي يوسف في المعدن والركاز :

قال أبو يوسف: في كل ما أُصيب من المعادن من قليل أو كثير، الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على موضع الغنائم (1)، وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذاً فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة ـ مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة ـ فلا خمس في شيء من ذلك، إنّما ذلك كلّه بمنزلة الطين والتراب(2).

قال: ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دَين فادح لم يُبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى


1 . ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في آية الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.

2 . هذا رأي أبي يوسف، وإطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته لروايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّها تفرض الخمس في الجميع.


صفحه226

لو أنّ جنداً من الأجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خُـمِّسَت ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.

قال: وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله عزّ وجلّ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمـن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحـد ـ فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب ـ فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمَّس وما بقي فلهم.

قال: ولو أنّ حربياً وجد في دار الإسلام ركازاً و كان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذمّياً أُخذ منه الخمس كما يؤخذ من المسلم، وسلِّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الإسلام فهو له بعد الخمس ... (1).

خمس أرباح المكاسب في الحديث النبوي

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بإخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها. وإليك بعض ما ورد في المقام:

1ـ لمّا قدم وفد عبد القيس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: «إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحرم فمُرنا بجُمل الأمر، إن عَمِلنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن وراءنا» فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان باللّه، وهل تدرون ما الإيمان، شهادة أن لا إله إلاّ الله


1 . الخراج: 22.


صفحه227

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم» (1).

ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب، كيف؟ وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.

وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وفرض فيها الخمس على أصحابها، وستتبيّن لك ـ بعد الفراغ من نقلها ـ دلالتُها على الخمس في الأرباح، وإن لم تكن غنيمة مأخوذة من الكفّار في الحرب ، فانتظر.

2ـ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:

«بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» (2).

والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.

3ـ كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن


1 . صحيح البخاري: 4/250، باب (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ) من كتاب التوحيد، وج1 ص 13 و 19 ، وج3 ص 53; صحيح مسلم: 1/35 ـ 36 باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 1/333; مسند أحمد: 1/318; الأموال: 12، وغيرها.

2 . فتوح البلدان : 1/ 81 ، باب اليمن; سيرة ابن هشام: 4/ 265 ; تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1/ 157.


صفحه228

عبد كلال قيل (1) ذي رعين، ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأُعطيتم من المغانم خمس الله» (2).

4ـ كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه: أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه» (3).

5ـ كتب للفُجَيع ومن تبعه:

«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه... وأسلمَ، وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله ...» (4).

6ـ كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله، وسهم النبي، وفارقوا المشركين، فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة محمد بن عبد الله» (5).

7ـ كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس» (6).


1 . قيل، جمعه: أقيال، قال في لسان العرب: القيل، الملك من ملوك حمير... ومنه الحديث إلى قيل ذي رُعين أي ملكها وهي قبيلة من اليمن تنسب إلى ذي رعين .

2 . الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (الطبعة الرابعة، بيروت).

3 . الطبقات الكبرى: 1/270.            4 . المصدر نفسه: ص 304 ـ 305.

5 . المصدر نفسه: ص 270.            6 . الوثائق السياسية: 265 برقم 157.


صفحه229

8 ـ كتب لملوك حمير فيما كتب:

«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس الله، وسهم النبي وصفيّه، وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة» (1).

9ـ كتب لبني ثعلبة بن عامر:

«من أسلم منهم، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وأعطى خمس المغنم، وسهم النبي والصفي» (2).

10ـ كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:

«من أسلم منهم، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، وأعطى من الغنائم الخمس»(3).

إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب:

يتبيّن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.

ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه، هما اللّذان يليان بعد الفتح


1 . فتوح البلدان: 1/ 82 ; سيرة ابن هشام: 4/ 258.

2 . الإصابة: 2/ 189 ; أُسد الغابة: 3/34.

3 . الطبقات الكبرى: 1/271.


صفحه230

قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة شيئاً من ذلك سوى ما يسلبه من القتيل ، وإلاّ كان سارقاً مغلاًّ.

فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟

فيتبيّن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهب بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :

«من انتهب نهبة فليس منّا» (1) ، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ» (2)، وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن لا ننهب(3).

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله، فأصاب الناسَ حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول الله يمشي متّكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلَّ من الميتة» (4).


1 . سنن ابن ماجة: 1298 برقم 3937، كتاب الفتن .

2 . سنن ابن ماجة: 1298 برقم 3938، كتاب الفتن .

3 . صحيح البخاري: 2 / 48، باب النهب بغير إذن صاحبه.

4 . سنن أبي داود: 2/12.


صفحه231

وعن عبد الله بن زيد: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن النهبى والمثلة (1).

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.

وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير إذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة فيها، هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال، أو النهب الممنوع في الدين.

وعلى الجملة: أنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خُمُسها، إمّا أن يراد بها ما يستولي عليه أحد عن طريق النهب والإغارة، أو ما يستولي عليه عن طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولي عليه عن طريق الكسب والكد.

والأوّل ممنوع، بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خمس النهيبة.

والثاني يكون أمر الغنائم فيه بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو الذي يأخذ


1 . رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/ 334.


صفحه232

كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم، بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّن.

الخمس في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)

قد وردت في وجوب الخمس روايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في غير مورد الغنيمة المأخوذة من الكفّار في الحرب، نشير إلى عناوينها وشيء من أدلّتها:

1. المعادن

يجب الخمس في المعادن، روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ] الباقر [(عليه السلام)قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص؟

فقال: «عليها الخمس جميعاً» (1).

2. الكنز

وممّا يجب فيه الخمس الكنز الّذي يُعثر عليه، روى الحلبي أنّه سأل أبا عبدالله ]الصادق [(عليه السلام)عن الكنز، كم فيه؟ فقال: «الخمس»...(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .


صفحه233

 

3. ما يخرج من البحر بالغوص

وممايجب فيه الخمس ما يخرج من البحر بالغوص فيما لو كان ذا قيمة نفيسة، روى الحلبي قال: سألت أبا عبدالله ] الصادق [(عليه السلام)عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ فقال: «عليه الخمس»(1)

4. أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم

وممّا يجب فيه الخمس الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، روى أبو عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر ] الباقر [ (عليه السلام)يقول: «أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضاً، فإنّ عليه الخمس» (2).

5. الحلال المختلط بالحرام

إذا اختلط الحلال بالحرام على وجه لا يُعرف مقدار الحرام كما لا يُعرف صاحبه، فلابد في تطهيره من دفع خُمُسه، روى الحسن بن زياد عن أبي عبدالله ] الصادق [(عليه السلام)قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله عزّوجل قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يُعْلَم» .(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .


صفحه234

 

6. أرباح التجارات والصناعات والزراعات

ممّا يجب فيه الخمس ما زاد من أرباح التجارات والصناعات والزراعات بعد إخراج مؤونة السنة منها، وهذا هو المسمّى بأرباح المكاسب، وقد وردت الإشارة إليه في تعاليم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)التي أوصى بها الوافدين عليه من قبيلة عبد القيس.

وإليك ما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا الصدد:

الخمس في كلام الإمام الصادق (عليه السلام)

1. روى أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام): «الخمس في ذلك»، وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء بمائة درهم أو خمسين درهماً، هل عليه الخمس؟ فكتب: «أمّا ما أكل فلا، وأمّا البيع فنعم، هوكسائر الضياع» (1).

الخمس في كلام الإمام الكاظم (عليه السلام)

2. روى سماعة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس؟ قال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(2).


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .


صفحه235

3. روى حماد بن عيسى، عن رجل (من بعض أصحابنا)، عن العبد الصالح (عليه السلام)قال: «الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن، ومن الملاحة ».(1)

وما يعود إلى الإنسان من الملاحة فهو من أرباح المكاسب، ذكره الإمام بالخصوص لنكتة، هي كونه محلّ ابتلاء السائل أو شيئاً مغفولاً عنه عنده.

4. روى عمران بن موسى عن موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: قرأت عليه آية الخمس فقال: «ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا»، ثم قال: «والله لقد يسّر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحداً وأكلوا أربعة أحلاء، ثمّ قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به ولا يصبر عليه إلاّ ممتحن قلبه للإيمان» .(2)

فإن قوله: «أرزاقهم» يشير إلى مطلق ما يفوز به الإنسان ويستفيده من عمله.

الخمس في كلام الإمام الرضا (عليه السلام)

5. روى الصدوق باسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني، أنّ في توقيعات الرضا (عليه السلام) إليه: «أنّ الخمس بعد المؤونة» (3).

والحديث ناظر إلى الأرباح التي يكسبها الإنسان من عمله، وأنّ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .


صفحه236

الخمس يتعلق بما زاد على المؤونة أي مؤونة الكسب أو مؤونة الإنسان، ولا يمكن حمل الرواية على الغنائم الحربية لأنّها من وظيفة الحاكم المسلم، والخطاب هنا لواحد من عامة الناس.

6. جاء في فقه الرضا قوله (عليه السلام): كل ما أفاده الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص ومال الفيء الّذي لم يختلف فيه وهو ما ادّعي فيه الرخصة، وهو ربح التجارة، وغلَّة الضيعة وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات، والمواريث وغيرها، لأنّ الجميع غنيمة وفائدة ومن رزق الله عزوجل، فإنّه روي أنّ الخمس على الخياط من إبرته، والصانع من صناعته، فعلى كل من غنم من الوجوه مالاً فعليه الخمس (1).

7. كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام)يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: «إنّ الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى أموالنا، وما نبذله ونشتري من أعرافنا ممن نخاف سطوته، فلا تَزوُوه عنّا، ولا تُحْرِموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم، وماتمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم» .(2)

8. عن محمد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودّة، بألسنتكم وتزوون عنا حقّاً جعله الله لنا وجعلنا له، لا نجعل


1 . فقه الرضا (عليه السلام): 40; مستدرك الوسائل: 7 / 284، باب وجوب الخمس فيما يفضل عن مؤونة السنة.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 2 .


صفحه237

لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ» (1).

الخمس في كلام الإمام الجواد (عليه السلام)

9. كتب محمد بن الحسن الأشعري إلى الإمام الجواد (عليه السلام)وسأله عن الخمس، وقال: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع، وكيف ذلك؟ فكتب الإمام (عليه السلام)بخطه: «الخمس بعد المؤونة»(2).

ولعل القرائن كانت تشهد بأنّ السائل يسأل عن كيفية تعلّق الخمس، فهل هو على جميع ما يستفيد أو عليه بعد إخراج المؤونة، فكتب الإمام (عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة».

وكانت إمامة الإمام الجواد (عليه السلام)من سنة 203 ـ 220 هـ ، وهذا يدل على أنّ الحكم بلغ من الوضوح إلى درجة تعلق فيها السؤال بالكيفية لا بالأصل.

10. كتب الإمام الجواد (عليه السلام)في رسالة لعلي بن مهزيار عام 220 هـ ، قال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال الله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(3)، والغنائم والفوائد يرحمك الله


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 3 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .

3 . الأنفال: 41 .


صفحه238

فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الّذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن» .(1)

الخمس في كلام الإمام الهادي (عليه السلام)

11. روى علي بن محمد بن شجاع النيسابوريّ، قال: سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام)عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزكّى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً (2)، ما الّذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟

فوقّع (عليه السلام): «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته» (3).

وكلام الإمام يرجع إلى عصر إمامته (من عام 220 ـ 254 هـ).

12. روى علي بن مهزيار، قال: قال لي أبوعلي بن راشد: قلت له (عليه السلام): أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: في أمتعتهم وصنائعهم، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم (4).

هذه اثنا عشر حديثاً اقتصرنا بها تيمُّناً بهذا العدد المبارك وهي تدل


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 .

2 . الكر يساوي 384 كيلو غرام.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .

4 . نفس المصدر والباب، الحديث 3 .


صفحه239

بوضوح على لزوم الخمس في الفوائد والأرباح وكل ما يستفيده الإنسان .

ومن هنا يقف القارئ على كذب ما ذكره مؤلف الكتاب، حيث قال في الحقيقة الثالثة من حقائقه الثمان التي ادّعى كشفها: «إنّ هذه النصوص تجعل حكم أداء الخمس للإمام نفسه وفي حال حضوره، الاستحباب أو التخيير بين الأداء وتركه، وليس الوجوب» (1).

وكأنّ كاتب هذه الشبهات لم يقرأ هذه الأحاديث أو تجاهلها عمداً، أفيمكن تفسير قول الإمام الرضا (عليه السلام)بالاستحباب عندما سأله بعض الشيعة أن يجعلهم في حلّ من الخمس فأجابهم: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودة بألسنتكم، وتزوون عنا حقّاً جعله الله لنا وجعلنا له: لا نجعل، لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ»(2).

وأمّا ما تشبث به في عدم وجوب الخمس بما دلّ على تحليله للشيعة، فسيأتي تفسير هذه الروايات في الفصل التالي، فانتظر.


1 . الخمس جزية العصر: 9 .

2 . مرّ برقم 8 .


صفحه240

الفصل الثاني

ما هو المقصود من

تحليل الخمس في بعض الروايات؟

قد مرّ أنّ الخمس فريضة شرعية، دلّ عليها الكتاب والسنة النبوية والأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام). وهذا الحكم الشرعي، لم يُنسخ أبداً بل بقي على ما كان عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس لأحد بعد رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)نسخ حكم شرعي أتى به.

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تُفسَّر الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والدالّة على تحليل الخمس لشيعتهم؟

والجواب: إنّ تحليله كان في ظرف خاص، ولمصلحة مؤقتة اقتضت تجميد العمل به، ولم يكن تصرّفاً في الحكم الشرعيّ; بل هو باق على ما كان عليه، ولن يتغيّر أبداً.

وتكمن هذه المصلحة في دفع الأخطار الناجمة عن تطبيق هذا الحكم الشرعيّ في بعض الأوقات، فلقد تعرّض الأئمة(عليهم السلام)وشيعتهم في بعض الفترات الزمنية لمضايقات جمّة، ولفنون الظلم والاضطهاد على أيدي حكّام


صفحه241

الجور، الذين كانوا يبثّون العيون والجواسيس، لمراقبة تحركّاتهم واتصالاتهم ونشاطاتهم.

ولاشكّ في أنّ الحاكم المستبدّ، يجد في إيصال الأموال إلى الإمام المعصوم مصدر خطر كبير عليه وعلى نظامه، فبالإضافة إلى دور المال في تعزيز القاعدة الشعبية للإمام، فإنّه يرى فيه تعبيراً عن عدم الاعتراف بشرعيّة حكمه.

ومن هنا لم يجد الأئمة(عليهم السلام)بُدّاً من تقديم الأهمّ على المهمّ، فأجازوا لشيعتهم إبقاء الخُمس في أيديهم، لما يترتّب على دفعه إليهم(عليهم السلام)من مخاطر وأضرار تلحق بهم جميعاً.

هذا هو السبب المهمّ، وثَمّة أسباب أُخرى للتحليل، تتضح عند دراسة الروايات الدالة على التحليل.

ثم إنّ الروايات الحاكية عن التحليل على أقسام خمسة، هي:

القسم الأوّل: تحليل خمس الغنائم

كان المسلمون خلال حياة الأئمة(عليهم السلام)يخوضون حروباً لنشر الإسلام في كافة أرجاء العالم، وكانوا يرجعون بغنائم كثيرة (من إماء ومتاع وأموال)، وكانت تباع في الأسواق فتتداولها الأيدي بالبيع والشراء، وكان الشيعة ـ وهم جزء من هذا المجتمع ـ يشترون الأمتعة والإماء .

ومن المعلوم أنّ خمس الغنائم الّذي أوجبه الله وجعله من حق الله


صفحه242

ورسوله كان لا يُخرج من هذه الغنائم، ولا يُدفع للإمام، والتكليف بالخمس لم يكن متوجهاً للشيعة أوّلاً وبالذات، بل يتعلّق بأموال وقعت في أيدي الشيعة، فأوجد هذا الأمر مشكلة لهم. ولأجل رفع هذه المشكلة، أحلّ الأئمةُ لهم خمسَ الغنائم التي تقع بأيديهم، وأكثر ما يدل على التحليل راجع إلى هذا القسم، وسنذكر بعض ما ورد فيه:

1. روى الفضلاء ـ أبو بصير وزُرارة ومحمد بن مسلم، كلهم ـ عن أبي جعفر ]الباقر [(عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقنا، ألا وإنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ».(1)

إنّ قوله (عليه السلام): «فروجهم» راجع إلى الإماء فيكون قرينة على أنّ المراد من بطونهم هو ما يتملكوه من غنائم الحرب.

2. روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)] يعني الباقر أو الصادق [قال: «إنّ أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، وقد طيَّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا أولادهم».(2)

فإنّ قوله: «لتطيب ولادتهم» أصدق شاهد على أنّ التحليل يتعلق بالسراري التي يشتريها الشيعة، وهي من الغنائم الحربية.

فلنقتصر على هذا، ولنذكر شيئاً من الروايات التي تشير إلى تحليل هذا النوع:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 5 .


صفحه243

ففي رواية الحارث بن المغيرة: «فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلاّ لتطيب ولادتهم»(1) .

وفي حديث فضيل: «إنّا أحللنا أُمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا»(2).

وفي رواية زرارة: «حللهم من الخمس لتطيب ولادتهم» .(3)

وفي رواية إسحاق بن يعقوب: «لتطيب ولادتهم ولا تخبث».(4)

وفي رواية الإمام العسكري (عليه السلام): «لتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام» .(5)

فالناظر إلى هذه الروايات يذعن بأنّ مصب التحليل فيها راجع لما يقع في أيدي الناس من المناكح التي لم تُخمَّس، واشتراها الشيعة واستولدوها.

يقول الشهيد الثاني: المراد بالمناكح السَّراري المغنومة من
أهل الحرب في حالة الغَيبة، فإنّه يباح لنا شراؤها ووطؤها وإنْ كانت
بأجمعها للإمام على القول بأنّها من الأنفال، إذ كل جهاد مع العدو لم يكن بإذن الإمام، فالغنائم كلها للإمام (عليه السلام)على ما مرّ، أو بعضها ـ الخمس ـ على القول الآخر.(6)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9 .

2 . نفس المصدر، الحديث 10 .

3 . نفس المصدر، الحديث 15.

4 . نفس المصدر، الحديث 16 .

5 . نفس المصدر، الحديث 20 .

6 . مسالك الأفهام: 1 / 475.


صفحه244

 

القسم الثاني: التحليل لمن ضاق عليه معاشه

يظهر من بعض الروايات أنّ التحليل كان لطائفة خاصة من الناس الذين ضاق عليهم العيش، ويدل على ذلك:

1. ما رواه الصدوق في الفقيه عن يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال: جُعلت فداك، يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعلم أنّ حقك فيها ثابت وإنا عن ذلك مقصِّرون، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (1).

فظاهر الحديث أنّ ملاك التحليل، هو عسر السائل وكثرة ورود الظلم على الشيعة من جانب المخالفين، فاقتضت المصلحة رد الخمس إليهم أو تحليله لهم، ويشهد على ذلك قوله: «ما أنصفناكم إن كلفناكم». ويمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى القسم الثالث الآتي، إذ ربّما تقع الأموال غير المخمّسة في أيدي الشيعة عن طريق البيع والشراء، فتكليف الشيعة بإخراج خُمُسها كان إحراجاً لهم .

2. ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر (عليه السلام)من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حِلّ ».(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .

2 . نفس المصدر والباب، الحديث 2.


صفحه245

 

القسم الثالث: تحليل ما ينتقل إلى الشيعة من غير المخمّس

يظهر من روايات أُخرى أنّ ملاك التحليل أنّ أكثر الناس كانوا غير معتقدين بوجوب التخميس في الأرباح والمكاسب، فربما تقع أموالهم عن طريق البيع والشراء بيد الشيعة، وفيها حقهم(عليهم السلام)، وهذا هو الّذي أباحه الأئمة للشيعة رفعاً للحرج والضرر، ويدل على ذلك ما رواه أبو سلمة سالم بن مُكرم ـ وهو أبو خديجة ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رجل وأنا حاضر: حلّل لي الفروج؟ ففزع أبو عبدالله (عليه السلام)، فقال له الرجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنّما يسألك خادماً يشتريها، أو امرأة يتزوّجها، أو ميراثاً يصيبه، أو تجارة أو شيئاً أعطيه، فقال: «هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، الميّت منهم والحيّ، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلاّ لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحداً ذمّة، (وما عندنا لأحد عهد) ولا لأحد عندنا ميثاق» .(1)

فالرواية مشتملة على موضوعين:

1. ما يقع في أيدي الشيعة من الغنائم، وهو قوله: «إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يتزوجها».

2. ما يقع في أيدي الشيعة من الأموال غير المخمسة وهو قوله: «أو ميراثاً يصيبه أو تجارة أو شيئاً أعطيه».


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 4.


صفحه246

نعم يقع الكلام، هل التحليل يختص بأموال غير المعتقدين بالخمس، أو يعم الشيعة المعتقدين به ولكن يبيعون الأموال بلا تخميس؟

القدر المتيقن هو الأوّل وهو مصب الروايات، بقرينة التركيز على لفظ الشيعة.

القسم الرابع: التحليل لمرحلة زمنية خاصّة

تدل بعض الروايات على أنّ التحليل كان في فترة زمنية معيّنة، كان إيصال الأموال فيها إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أمراً مشكلاً وحرجياً ربّما يستعقب ما لا تحمد عقباه.

ومن قرأ حياة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وتضييق الحكام الأمويين على الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وإحراج العباسيين للإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام)، يقف على أنّ التضييق قد بلغ ذروته في بعض الفترات. وكانت السياسة العامة للأمويين وفترة من حكم العباسيين، هي إشخاص الإمام ومساءلته، أو إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن، ثم استحدث المأمون سياسة جديدة (سار عليها الحكام من بعده)، تقوم على نقل الإمام إلى عاصمة المُلك، وإخضاعه للمراقبة الشديدة، وقد عانى من هذه السياسة: الإمام الرضا (عليه السلام)والجواد والهادي والعسكري(عليهم السلام).

ولا شك في أنّ الاتصال بالإمام (عليه السلام)في مثل هذا الظرف القاسي، ونقل الأموال إليه يورث الحرج والخطر عليه وعلى شيعته.

ويدل على هذا الخطر المحدق بالشيعة ما رواه الشيخ الطوسي في


صفحه247

فصل عقده لذكر الممدوحين من وكلاء الأئمة(عليهم السلام)، قال : ومنهم المعلّى بن خُنيس، وكان من قوّام أبي عبدالله (عليه السلام)، وإنّما قتله داود بن علي بسببه وكان محموداً عنده (الإمام) ومضى على منهاجه، ولما قُتل عظمُ ذلك على أبي عبدالله (عليه السلام)واشتد عليه، وقال له: «ياداود على ما قتلت مولاي وقيّمي في مالي وعيالي؟ والله إنّه لأوجه عند الله منك».(1)

ويدلّ عليه أيضاً، ما ورد في قصة محمد بن أبي عمير (وكان من خلص أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)) فقد حُبس في أيّام الرشيد ليدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام).

وروي بأنّه: ضُرب أسواطاً بلغت منه، فكاد أن يُقرّ لعظيم الألم، فسمع محمد بن يونس بن عبدالرحمن، وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر، ففرج الله .(2)

ويشهد على ما ذكرنا ما رواه حكيم مؤذن بني عبس عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ)(3) قال: هي والله الإفادة يوماً بيوم إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكوا.(4)

فإنّ قوله (عليه السلام): «إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ»، يدل على أنّ الحلّ كان راجعاً إلى فترة خاصة، وأمّا الإمام الصادق (عليه السلام)نفسه فقد سكت عن


1 . الغيبة للطوسي: 347 .

2 . رجال النجاشي: 2 / 204، برقم 888 .

3 . الأنفال: 41 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8 .


صفحه248

ذلك مشعراً بأنّ الحكم باق على فعليته، ولعله كان راجعاً إلى الفترة التي حصل فيها بعض الانفراج السياسي، بسبب سقوط الدولة الأموية على أيدي العباسيين وما نشب خلال ذلك من صراع بينهما.

والنماذج التي حوتها كتب التاريخ كثيرة.

وبما أنّ الظروف المختلفة التي أدت إلى تحليل الخمس للشيعة تارة، وأخذه تارة أُخرى، صارت سبباً للإبهام، قام الإمام الجواد (عليه السلام)برفع الشبهة، وذلك ببيان قاطع، إذ كتب إلى بعض أصحابه، قائلاً: «إنّ الّذي أوجبتُ في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين ومائتين، فقط لمعنى من المعاني، أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء الله، إنّ مواليّ ـ أسأل الله صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهِّرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس»، إلى أن قال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ...)والغنائم والفوائد ـ يرحمك الله ـ فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان إلى الإنسان التي لها خطر، والميراث الّذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن...»، إلى آخر ما ذكره .(1)

وهذه الروايات التي يفسر بعضها بعضاً، تدلّ على أنّ مسألة الخمس صارت تثير المشاكل في حين دون حين، ولذلك رخّص الأئمة(عليهم السلام)في تركه، ولما كثر السؤال عنه في عصر الإمام الجواد (عليه السلام)كتب هذه الرسالة وأعلن وجوب دفع الخمس في الموارد التي ذكرها.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 .


صفحه249

 

القسم الخامس: تحليل الأنفال

إنّ الغنائم الحربية هي من نصيب المجاهدين، بعد إعطاء خمسها لأصحابه، وأمّا الأنفال ـ أعني: كل أرض ملكت بغير قتال ـ وكل موات، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية، والآجام والغابات، وميراث من لا وارث له، وكافة ما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام، وكافة المياه العامة والأحراش الطبيعية والمراتع التي ليست حريماً لأحد، وقطائع الملوك وصفاياهم غير المغصوبة، فالكل لله ولرسوله وبعده للإمام، وقد مرّ معنى كون الأنفال للرسول والإمام فلا يجوز التصرف فيها إلاّ باذنه.

هذا من جانب ومن جانب آخر، فإنّ بعض هذه الأُمور تقع في متناول الشيعة، وهذا ما أحلّه الأئمة(عليهم السلام)لهم خصوصاً ما يرجع إلى الأرض، ويدل عليه ما رواه أبو سيّار مِسْمَع بن عبدالملك، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها، وهي حقك الّذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: «ومالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلاّ الخمس؟ يا أبا سيّار، الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا» قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه؟ فقال لي: يا أبا سيّار، قد طيبناه لك وحللناك منه، فضمّ إليك مالك، وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق لما كان في أيدي سواهم، فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا، فيأخذ


صفحه250

الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة».(1)

لقد ظهر من هذا البحث الضافي أنّ روايات التحليل ـ التي قد وقعت ذريعة بأيدي بعض المناوئين لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم، لاسيّما المرجعية الدينية التي تتولى قيادة الشيعة في حياتهم الفردية والاجتماعية ـ لا صلة لها بما يرتئيه البعض من تحليل الخمس في عامة الموارد وفي جميع الأزمنة، بل هي تدور حول الموضوعات التالية:

1. خمس الغنائم في الحروب التي خاضتها الدولتان (الأموية والعباسية) .

2. خمس مال من ضاق عليه معاشه.

3. خمس الأموال غير المخمسة المنتقلة إلى الشيعة.

4. تحليل الخمس في فترة خاصة، كان إيصاله إلى الأئمة(عليهم السلام)يشكّل خطراً عليهم.

5. تحليل الأنفال التي ترجع إلى الله ورسوله والإمام من بعده فأذنوا فيها للشيعة، خصوصاً ما يتعلّق بالأراضي الموات منها.

الخمس بدل الزكاة لبني هاشم

لقد حرّم الله سبحانه الزكاة على فقراء بني هاشم وجعل مكانها الخمس، على ذلك اتفقت كلمة الفقهاء، من غير فرق بين الشيعة والسنة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.


صفحه251

قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إنّما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم من صدقات الناس، تنزيهاً من الله لهم لقرابتهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة، ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض، وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين ذكرهم الله فقال: ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(1)وهم بنو عبدالمطلب أنفسهم الذكر منهم والأُنثى» (2) .

فإذا كانت حياة فقرائهم معتمدة على الخمس، فكيف يمكن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)تحليله في عامة الأزمنة إلى قيام القائم، إذ أن لازم ذلك إما أن يموتوا جوعاً أو أن يعتمدوا على الزكاة المحرَّمة عليهم.

إذا عرفت ذلك فهلم معي نسأل مؤلف كتاب «الخمس جزية العصر» حيث يقول في الحقيقة الثانية التي يدعي اكتشافها ـ وكأنّه اكتشف كنزاً ـ : إنّ كثيراً من النصوص الواردة عن الأئمة تسقط الخمس عن الشيعة وتبيحه لهم خصوصاً في زمن الغيبة إلى حين ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو صحّ ما زعم من دلالة النصوص، فهي ناظرة إلى عصر الظهور لا إلى عصر الغيبة لأنّها مروية عن الإمام الباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)فكيف تكون ناظرة إلى عصر الغيبة.

ثانياً: قد عرفت أنّ مفاد النصوص لا يمت إلى ما يرتئيه بعضم بصلة،


1 . الشعراء: 214 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .


صفحه252

فأين الروايات التي تُدّعى دلالتها على تحليل الخمس بأنواعه (الغنائم، الكنز، الغوص، المعادن، الحلال المختلط بالحرام، الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، خمس الأرباح والفوائد)، مطلقاً في جميع الأزمنة والفترات إلى يومنا هذا، فمن ادّعى ذلك ونسبه إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فهو إمّا جاهل أو متجاهل.


صفحه253

الفصل الثالث

جهاز الوكالة في عصر الحضور

انتهجت السلطتان: الأموية والعباسية في معظم فترات حكمهما، سياسة القمع والبطش، ومصادرة الحريات، لاسيّما تجاه أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، الذين كان يصعب عليهم الاتصال بأئمتهم(عليهم السلام)، لِما يسبّبه لهم من مشاكل ومخاطر في حياتهم، قد تُفضي بهم أحياناً إلى الهلاك.

ولأجل التخفيف من وطأة هذه المخاطر، وتيسير حاجات الشيعة، تمّ إنشاء جهاز الوكالة، الّذي يضمّ مجموعة من الوكلاء، يتمّ توزيعهم على مختلف المناطق، ليقوموا بمهمة تعليم الأحكام، وتسلّم أموال الفرائض المالية، وغير ذلك من الأعمال.

وكان الأصل المهم في الوكالة، كون الرجل ثقة عادلاً تسكن إليه النفوس، وقد حفل تاريخ الأئمة(عليهم السلام)بذكر وكلائهم في أعصارهم، حتّى أنّ بعض هؤلاء الوكلاء قد استشهدوا بسبب وكالتهم للأئمة(عليهم السلام). وها نحن نذكر أسماء عدد ممن كانوا مرجعاً لتعليم الأحكام، وأخذ الفرائض المالية:


صفحه254

 

1. المُعَلّى بن خُنَيس

كان المعلّى بن خنيس أحد وكلاء الإمام الصادق (عليه السلام)في أخذ الحقوق الشرعية، ولما وقف على ذلك داود بن علي (والي المدينة من قبل العباسيين)، أمر بقتله . روى الكشِّي عن ابن أبي نجران عن حماد الناب عن المسمعي، قال: لما أخذ داود بن علي المعلى بن خنيس حبسه وأراد قتله، فقال له المعلى بن خنيس: أخرجني إلى الناس فإن لي دَيناً كثيراً ومالاً حتّى أشهد بذلك، فأخرجه إلى السوق، فلمّا اجتمع الناس، قال: يا أيها الناس أنا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني، اشهدوا أن ما تركت من مال من عين أو دين أو أمة أو عبد أو دار أو قليل أو كثير، فهو لجعفر بن محمد (عليه السلام). قال: فشدَّ عليه صاحب شرطة داود فقتله. قال: فلما بلغ ذلك أبا عبدالله (عليه السلام)خرج يجرّ ذيله حتّى دخل على داود بن علي، وإسماعيل ابنه خلفه، فقال: يا داود قتلت مولائي وأخذت مالي. فقال: ما أنا قتلته ولا أخذت مالك. فقال: «والله لأدعونّ الله على من قتل مولائي وأخذ مالي».(1)

وروى المجلسي: لما وليّ داود المدينة من قابل أحضر المعلى وسأله عن الشيعة؟ فقال: ما أعرفُهم. فقال: اكتبهم لي، وإلاّ ضربت عنقك. فقال: أبالقتل تهددّني، والله لو كانت تحت أقدامي ما رفعتها عنهم. فأمر بضرب عنقه وصلبه. فلما دخل عليه الصادق (عليه السلام)قال: «ياداود قتلت مولاي ووكيلي، وما كفاك القتل حتّى صلبته».(2)


1 . رجال الكشي: 323، برقم 241 .

2 . بحار الأنوار: 47 / 181 ; الغيبة للشيخ الطوسي: 347، برقم 300 .


صفحه255

 

2. حُمران بن أعيَن

ينتمي حمران (أخو زرارة بن أعين) إلى بيت عريق في العلم، والموالاة لأهل البيت(عليهم السلام)، وكان من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام).

جاء في رسالة أبي غالب الزراري التي ألّفها في أحوال آل أعين: أنّ حمران بن أعين لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، وكان من أكبر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يُشكّ فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومَن يُعدّ ويذكر اسمه في القراءات، وروي أنّه قرأ على أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) .(1)

وكان مع ذلك عالماً بالنحو واللغة، وقد ذكر الكشي في رجاله روايات عديدة في مدحه.(2)

وعدّه الشيخ الطوسيّ من وكلاء الأئمة المحمودين .(3)

وهذا يدل على أنّ جهاز الوكالة كان موجوداً في عصر الباقر (عليه السلام)أيضاً، بل ربّما يستفاد من بعض الروايات وجوده في حياة الإمام الحسن السِّبط (عليه السلام) .

روى الإربلي في كشف الغمة: أنّ رجلاً جاء إلى الحسن (عليه السلام)وسأله


1 . رسالة أبي غالب الزراري: 129 ـ 130. وانظر: غاية النهاية في طبقات القرّاء: 1 / 261، برقم 1189 .

2 . اختيار معرفة الرجال: 1 / 412 ـ 416 برقم 303 ـ 312 .

3 . الغيبة للطوسي: 346 .


صفحه256

حاجة... إلى أن قال: فدعا الحسن (عليه السلام)بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها، قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم .(1)

3. نصر بن قابوس اللخمي

ذكره الشيخ الطوسي في وكلاء الإمام الصادق (عليه السلام)وقال: روي أنّه كان وكيلاً لأبي عبدالله (عليه السلام)عشرين سنة ولم يُعلَم أنّه وكيل، وكان خيّراً فاضلاً.(2)

4. عبدالرحمن بن الحجّاج

قال الشيخ الطوسي: هو أحد الفقهاء في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)أخذ عنه الفقه، وكان وكيلاً له ومات في عصر الإمام الرضا (عليه السلام).(3)

5. المُفضَّل بن عمر الجُعفي

كان المفضل بن عمر من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)وقد أملى عليه الإمام رسالة التوحيد في مجالس. روى الشيخ الطوسي عن هشام بن الأحمر قال: حملت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام)إلى المدينة أموالاً، فقال: رُدّها فادفعها إلى المفضّل بن عمر، فرددتها إلى الجعفي فحططتها على باب المفضل .(4)

وروى أيضاً عن موسى بن بكر قال: كنت في خدمة أبي الحسن (عليه السلام)


1 . بحار الأنوار: 43 / 347 .

2 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 302 ; بحار الأنوار: 47 / 343 .

3 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 302 ; بحار الأنوار: 47 / 343 .

4 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 298 .


صفحه257

فلم أكن أرى شيئاً يصل إليه إلاّ من ناحية المفضّل، ولربّما رأيت الرجل يجيء بالشيء فلا يقبله منه ويقول: أوصله إلى المفضل .(1)

6. عبدالله بن جندب البجلي

قال الشيخ الطوسي: ومنهم (يعني الوكلاء) عبدالله بن جندب البجلي، وكان وكيلاً لأبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليهما السلام)وكان عابداً رفيع المنزلة لديهما على ما روي في الأخبار .(2)

7. محمد بن سنان

ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الأئمة(عليهم السلام)وقال: روي عن علي بن الحسين بن داود، قال: سمعت أبا جعفر الثاني (عليه السلام)يذكر محمد بن سنان بخير ويقول: «رضي الله عنه برضائي عنه فما خالفني وما خالف أبي قط».(3)

8. علي بن مهزيار

كان علي بن مهزيار من وكلاء الإمام الجواد (عليه السلام)ويدل على مكانته ومنزلته ما مرّ من الروايات حيث كاتب الإمام وكاتبه هو.

ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الإمام أبي جعفر الثاني.(4)


1 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 299 ; بحار الأنوار: 47 / 342، برقم 30 .

2 . الغيبة للطوسي: 348، برقم 302 ; بحار الأنوار: 49 / 274 .

3 . الغيبة للطوسي: 348، برقم 304 ; بحار الأنوار: 49 / 275 .

4 . الغيبة للطوسي: 349، برقم 306; بحار الأنوار: 50 / 105 .


صفحه258

 

9. أيوب بن نوح بن درّاج

روى الشيخ في غَيبته عن عمرو بن سعيد المدائني، قال: كنت عند أبي الحسن العسكري (عليه السلام)إذ دخل عليه أيوب بن نوح ووقف قُدّامه، فأمره بشيء ثم انصرف .(1)

10. علي بن جعفر الهُماني

قال الشيخ الطوسي في الفصل الّذي عقده لبيان وكلاء الأئمة(عليهم السلام): كان فاضلاً مرضياً من وكلاء أبي الحسن وأبي محمد (عليهما السلام). ثم نقل أنّه حج أبو طاهر بن بلال فنظر إلى علي بن جعفر وهو ينفق النفقات العظيمة، فلما انصرف كتب بذلك إلى أبي محمد (عليه السلام)فوقّع في رقعته:

قد كنا أمرنا بمائة ألف دينار، ثمّ أمرنا له بمثلها فأبى قبوله (قبولها) إبقاءً علينا، ما للناس والدخول في أمرنا فيما لم ندخلهم فيه، قال: ودخل على أبي الحسن العسكري (عليه السلام)فأمر له بثلاثين ألف دينار.(2)

11. أبو علي الحسن بن راشد

ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الأئمة (عليهم السلام)، وروى عن محمد بن عيسى أنّ الإمام العسكري (عليه السلام)كتب إلى الموالي ببغداد والمدائن والسواد وما


1 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 307 .

2 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 308 ; بحار الأنوار: 50 / 220.


صفحه259

يليها: قد أقمت أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ومَن قبله من وكلائي، وقد أوجبت في طاعته طاعتي، وفي عصيانه الخروج إلى عصياني.(1)

روي عن أبي عليّ بن راشد أنّه قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّما نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وماكان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه .(2)

12. صالح بن محمد بن سهل الهمداني

روى الشيخ الطوسي عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام)إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل الهمداني ـ وكان يتولى له ـ فقال له: جعلت فداك اجعلني من عشرة آلاف درهم في حلّ فإنّي أنفقتها، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): أنت في حِلّ .(3)

13. علي بن أبي حمزة البطائني

14. زياد بن مروان القندي

15. عثمان بن عيسى الرواسي

نقل الشيخ الطوسي عن محمد بن إسماعيل وعلي بن محمد


1 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 309 ; بحار الأنوار: 50 / 220 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .

3 . الغيبة للطوسي: 351، برقم 311 .


صفحه260

الحسنيين: كلهم كانوا وكلاء لأبي الحسن موسى (عليه السلام)وكان عندهم أموال جزيلة، فلمّا مضى أبوالحسن موسى (عليه السلام)وقفوا طمعاً في الأموال، ودفعوا إمامة الرضا (عليه السلام)وجحدوه.(1)

16. عثمان بن سعيد العمري

روى الشيخ الطوسي بسنده عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبدالله الحسنيين قالا : دخلنا على أبي محمد الحسن (عليه السلام)بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتّى دخل عليه بدر خادمه، فقال: يا مولاي بالباب قوم شعثٌ غُبْر، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن (في حديث طويل يسوقانه إلى أن ينتهي) إلى أن قال الحسن (عليه السلام) لبدر : فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمريّ، فما لبثنا إلاّ يسيراً حتّى دخل عثمان، فقال له سيّدنا أبو محمد (عليه السلام): امض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال.

ثم ساق الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: ياسيّدنا، والله إنّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وإنّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى. قال: نعم، واشهدوا أنّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهدّيكم .(2)


1 . الغيبة للطوسي: 352 .

2 . الغيبة للطوسي: 355 ـ 356، برقم 317; بحار الأنوار: 51 / 345 .


صفحه261

 

17. أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري

روى الشيخ الطوسي عن أبي نصر هبة الله قال: وجدت بخط أبي غالب الزراري (رحمه الله وغفر له) أنّ أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله)مات في آخر جمادى الأُولى سنة خمس وثلاثمائة... إلى أن قال: إنّه كان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة، يحمل الناس إليه أموالهم ويُخرج لهم التوقيعات بالخط الّذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا .(1)

18. الحسين بن روح النوبختي

روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي عبدالله جعفر بن محمد المدائني المعروف بابن قزدا، قال: كان من رسمي إذا حملت المال الّذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سره)أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمثله: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للإمام (عليه السلام)، فيقول لي: نعم دعه فأراجعه، فأقول له: تقول لي: إنّه للإمام؟ فيقول: نعم للإمام (عليه السلام)فيقبضه.

فصرت إليه آخر عهدي به (قدس سره)ومعي أربعمائة دينار، فقلت له على رسمي، فقال لي: امض بها إلى الحسين بن روح، فتوقفت فقلت: تقبضها أنت مني على الرّسم؟ فردّ علي كالمنكر لقولي وقال: قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح. إلى أن قال: فعدت إلى أبي القاسم بن روح وهو في


1 . الغيبة للطوسي: 366، برقم 334 .


صفحه262

دار ضيّقة فعرّفته ما جرى فسرّ به وشكر الله عزوجل ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك (من الدنانير) .(1)

إنّ هؤلاء كانوا وكلاء أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وقد حفظ التاريخ أسماء وأحوال قليل منهم، فإنّ طبيعة الحال تقتضي أن يكون جهاز الوكالة أوسع من ذلك، وقد عرفت وجوده من عصر الإمام الحسن المجتبى إلى نهاية الغيبة الصغرى، فهل يجتمع ذلك مع تحليل الفريضة المالية المسمّاة بـ «الخمس» في عامة الظروف والأحوال؟


1 . الغيبة للطوسي: 367 ـ 368، برقم 335 ; بحار الأنوار: 51 / 352 .


صفحه263

الفصل الرابع

فريضة الخمس وتولّي الفقيه

قد تبيّن من الفصل السابق وجوب الخمس في الأنواع السبعة، وأنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام)كانوا يدفعون تلك الفريضة إلى أئمتهم أو إلى وكلائهم عبر قرون، إنّما الكلام في وجوب دفعه إلى المرجع الديني في عصر الغيبة،وهذا هوالّذي أقلق الكاتب، وجعله محور البحث في كتيِّبه. ومن المعلوم أنّ وراء تلك الكلمة سياسة مُغرضة، ترمي إلى تضعيف المرجعية ومن ثم تضعيف الشيعة، لأنّ القائم بأُمور الدين والدنيا في عصر الغيبة هم الفقهاء الذين هم أُمناء الأُمّة وزعماء الدين، والزعامة تتوقف على إمكانات مالية تُيسِّر إنجاز مسؤولياتها حيال الفرد والمجتمع.

وبما أنّ هذا الأمر صار هو الهدف الأصلي للكاتب وأسياده، فهو يركّز عليه أكثر من كل شيء، ويثير الشكوك حوله، ويقول بأنّه لا دليل على وجوب إعطاء الخمس للفقيه، وليس المهم عنده إخراج الخمس أو عدم إخراجه، بل ما يهمّه هو عدم وجوب إعطائه للفقيه.

وبما أنّ المؤلف بعيد عن دراسة الفقه الإمامي، فلذا زعم أنّ المسألة تفقد الدليل. وإليك ـ عزيزي القارئ ـ البيان :


صفحه264

يقسم الخمس إلى ستة أسهم:

سهم لله سبحانه، وسهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسهم للإمام (عليه السلام)، فما كان لله وللرسول فهو للإمام الحيّ.

وثلاثة أسهم أُخرى هي للأيتام والمساكين وأبناء السبيل، من الهاشميين.

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في النصف الأخير، أعني: ما يصرف في مورد الأيتام والمساكين وابن السبيل ، بعد اتفاقهم على وجوب صرف سهامهم عليهم في عصر الغيبة، فقال بعضهم بأنّه يجوز للمالك دفعها إليهم بنفسه.

غير أنّ قسماً من الفقهاء قالوا بأنّ الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه، لأنّه أعرف بمواقعه والمرجِّحات التي ينبغي ملاحظتها. وسيوافيك أنّ مقتضى الأدلّة تولّي نائب الإمام ذلك، فانتظر.

هذا كله في النصف الثاني، وأمّا النصف الأوّل فالمشهور هو دفعه إلى المرجع الديني، وهذا هو الّذي أثار حفيظة الكاتب، وأصر مؤكِدّاً أنّه لا دليل على دفعه إلى الفقيه.

وأكثر ما عنده من الدليل أنّ الشيخ المفيد وتلميذه الشيخ الطوسي لم يذكرا ذلك، ولو كان دفعُ هذه الأسهم الثلاثة إلى الفقيه أمراً لازماً لنبّها عليه .

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه كيف جعل قول الشيخين دليلاً على المدّعى ولم يعتد بفتوى الآخرين الذين جاءوا بعدهما وأقاموا صرح الفقه وأكملوه.


صفحه265

وما هذا إلاّ لأنّ ما استنتجه من قول العلمين موافق لرأيه وفكره، ولذلك اهتم برأيهما ولم يعتد بالآخرين.

ثانياً: أنّ استنتاجه من كلام العلمين غير صحيح جدّاً، حيث مرّ على كلامهما مروراً عابراً، أو اعتمد في ذلك على نقل الآخرين.

فأمّا الشيخ المفيد، فقد اختار في نصيب الإمام الإيصاء إلى من يثق به إلى أن يظهر الإمام، ولم يقل بصرفه في مورد. وإليك نص عبارته: وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر (عليه السلام)، فإن خشي إدراك المنيّة قبل ظهوره، وصّى به إلى من يثق به في عقله وديانته، ليسلِّمه إلى الإمام (عليه السلام)إن أدرك قيامه، وإلاّ وصّى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة. ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان (عليه السلام).

و قال: هذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم. إلى أن قال: فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه .(1)

ترى أنّ الشيخ المفيد أفتى بالحفظ لا بالصرف، ومع هذا لا يبقى موضوع للدفع إلى الفقيه أو إلى غيره، حتّى يتخذ عدم ذكره دليلاً على عدم لزومه. أفيصحّ بعد هذا عدّ الشيخ المفيد ممن لا يعتبر لزوم الإعطاء للفقيه؟

وبعبارة أُخرى: إنّ كلامنا على القول بعدم سقوط سهم الإمام ولزوم صرفه، فعلى هذا الأصل يقع الكلام في لزوم الدفع إلى الفقيه وعدمه، وأمّا إذا كان القائل قد اختار لزوم الحفظ فلا يبقى موضوع للبحث والاستناد إلى كلامه.


1 . المقنعة: 286 .


صفحه266

ومنه يظهر مقصود الشيخ الطوسي حيث إنّه اختار أحد الأمرين، الدفع أو الوصاية حيث قال: ولو أنّ إنساناً استعمل الاحتياط، وعمل على أحد الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن أو الوصاة، لم يكن مأثوماً .(1)

ترى أنّ الشيخ اختار مذهب أُستاذه بوجه أوسع، حيث ضمّ الدفن إلى الوصاية، ومعه لا يبقى موضوع للبحث عن وجوب دفعه إلى الفقيه، أو تولي صاحب المال تقسيمه بنفسه .

وأنت ترى التمويه وإسدال الستر على الحقائق لإثبات مطلبه، حيث استدل بكلام العلَمين على ضد المشهور عند الإمامية، مع أنّ كلامهما خارج عن موضوع البحث .

إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ فطاحل الشيعة وفقهاءهم الذين يرون صرف الخمس في محاله من غير فرق بين سهم السادة وسهم الإمام، يُصرّون على وجوب دفعه إلى الفقيه، خصوصاً فيما يرجع إلى سهم الإمام، وإن كان الأمر في سهم السادة أسهل في نظر بعضهم، وها نحن نذكر بعض مَنْ وقفنا عليه فإن الاستقصاء يورث الملل:

1. قال أبو الصلاح (374 ـ 447 هـ): يجب حمل الزكاة والخمس إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله تعالى أو إلى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه في مواضعه فإنْ تعذّر الأمران فإلى الفقيه المأمون (2).

2. يقول ابن حمزة (المتوفّى حوالي 550 هـ): الرابع: أن يكون إلى


1 . النهاية: 201 .

2 . الكافي: 172. ونقله الشهيد عنه في البيان: 200 .


صفحه267

الإمام إن كان حاضراً، وإلى من وجب عليه الخمس إن كان الإمام غائباً وعرف صاحبه المستحق وأحسن القسمة (فبها) وإن دفع إلى بعض الفقهاء الديانين ليتولى القسمة كان أفضل، وإن لم يحسن القسمة وجب عليه أن يدفع إلى من يحسن القسمة من أهل العلم بالفقه .(1)

ولعل كلامه ظاهر في مجموع السهام لا في خصوص نصيب الإمام.

3. وقال المحقّق الحلّي (602 ـ 676 هـ) في الشرائع: يجب أن يتولى صرف حصة الإمام ـ في الأصناف الموجودين ـ مَنْ إليه الحكم بحق النيابة، كما يتولّى أداء ما يجب على الغائب (2).

4. وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726 هـ) في القواعد: ومع حضوره (عليه السلام)يجب دفع الخمس إليه، ومع الغيبة يتخيّر المكلّف بين الحفظ بالوصية إلى أن يسلّم إليه، وبين صرف النصف إلى أربابه وحفظ الباقي، وبين قسمة حقّه على الأصناف، وإنّما يتولّى قسمة حقه (عليه السلام)الحاكم .(3)

5. وقال في التحرير: الثامن: يجب أن يتولى صرف حصة الإمام في الأصناف الموجودين مَن إليه الحكم بحق النيابة، كما يتولّى أداء ما يجب على الغائب .(4)

فالمحقّق والعلاّمة قائلان بوجوب صرف سهم السادة في أنفسهم، وصرف سهم الإمام في تلك الأصناف أيضاً، إلاّ أن المتولّي في الصرف هو «من إليه الحكم» وفسر «من إليه الحكم» في المختلف بالفقيه المأمون الجامع


1 . الوسيلة: 137 .   2 . شرائع الإسلام: 1 / 138 .

3 . قواعد الاحكام: 1 / 365 .   4 . تحرير الأحكام: 1 / 445 .


صفحه268

لشرائط الفتوى والحكم، فإنْ تولّى ذلك غيره كان ضامناً .(1)

6. وقال الشهيد الأوّل، محمد بن مكّي العامليّ (734 ـ 786 هـ) في الدروس: والأقرب صرف نصيب الأصناف عليهم والتخيير في نصيب الإمام بين الدفن والإيصاء، وصلة الأصناف مع الإعواز بإذن نائب الغيبة، وهو الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى .(2)

إن الشهيد وسّع الأمر في نصيب الإمام، وضمّ إلى الدفن والإيصاء، الصرف في الأصناف الثلاثة مع إعوازهم، وجعل المتولي هو الفقيه.

7. وقال ابن فهد الحليّ (المتوفّى 841 هـ): وفي حال الغيبة يصرف النصف إلى مستحقه، ويصرف مستحقه (عليه السلام)إلى الأصناف مع قصور كفايتهم، ويتولّى ذلك الفقيه .(3)

8. وقال المحقّق الثاني، عبدالعالي الكركيّ (المتوفّى 940 هـ): وإنّما يتولّى قسمة حقّه (عليه السلام)الحاكم .(4)

9. وقال الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي (المتوفّى 966 هـ) : وليس له ـ صاحب المال ـ أن يتولّى إخراجه بنفسه إلى الأصناف مطلقاً، ولا لغير الحاكم الشرعي، فإن تولاه غيره ضمن .(5)

10. وقال العلاّمة المجلسي (المتوفّى 1110 هـ) في زاد المعاد: وأكثر العلماء قد صرّحوا بأنّ صاحب الخمس لو تولّى دفع حصّة الإمام (عليه السلام)لم تبرأ


1 . المختلف: 3 / 354 ـ 355 .   2 . الدروس الشرعية: 1 / 206 .

3 . الرسائل العشر: 184 .   4 . جامع المقاصد: 3 / 56 .

5 . الروضة البهية: 2 / 79 .


صفحه269

ذمّته، بل يجب عليه دفعها إلى العالم المحدث العادل، وظنيّ أنّ هذا الحكم جار في جميع الخمس.(1)

11. وقال المحقّق أحمد النراقي (المتوفّى 1245 هـ) : لا تشترط مباشرة النائب العام ـ وهو الفقيه العدل ـ ولا إذنه في تقسيم نصف الأصناف على الحق للأصل خلافاً لبعضهم فاشترط، ونسبه بعض الأجلة إلى المشهور.

وهل تشترط مباشرته (الفقيه) في تقسيم نصيب الإمام كما هو صريح جماعة، أم لا؟ والحق هو الأوّل، إذ قد عرفت أن المناط في الحكم بالتقسيم هو الإذن المعلوم بشاهد الحال، وثبوته عند من يجوّز التقسيم، إجماعيّ ولغيره غير معلوم، لاسيّما مع اشتهار عدم جواز تولّي الغير، بل الإجماع على عدم جواز تولية التصرف في المال الغائب، الّذي هذا أيضاً منه، خصوصاً مع وجود النائب العام، الّذي هو أعرف بأحكام التقسيم وأبصر بمواقعه .(2)

12. وقال السيد محمد كاظم الطباطبائي (المتوفّى 1337 هـ) في العروة: الأحوط الدفع إلى المجتهد أو بإذنه لأنّه أعرف بمواقعه والمرجِّحات التي ينبغي ملاحظتها.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات الدالة على لزوم دفع نصيب الإمام، أو كله إلى الحاكم، والمهم هو بيان الدليل عليه.


1 . الحدائق: 12 / 468 ; الجواهر: 16 / 178 .

2 . مستند الشيعة: 10 / 136 .

3 . العروة الوثقى: الفصل الثاني من كتاب الخمسن، المسألة 7.


صفحه270

 

بيان ما يدل على تولّي الفقيه

1. أنّ الخمس في عامة الأنواع ليس ملكاً شخصياً للرسول أو الإمام، وإنّما هو ملك للمنصب الّذي يتقلده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام (عليه السلام)من بعده. وبعبارة أُخرى: هو ملك لمقام الإمامة والزعامة، التي يتقلدها الأئمة واحداً بعد الآخر، ويدل على ذلك صحيح أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه» (1).

فإذا كان الخمس راجعاً لمقام الإمامة، وهو أمر غير قابل للتعطيل، فإنّ من يقوم مقام الإمامة ويشغل هذا المنصب يكون نائباً عنه في شؤون الإمامة كافة، ومنها ما يتعلق بالخمس. وليس هو إلاّ الفقيه العارف بالكتاب والسنة.

إنّ تعطيل ما يرجع إلى شؤون الإمامة يؤدي إلى محق الدين وذهاب الشريعة، فإنّ الإمام وإن غاب لكن وظائف الإمامة ليست منقطعة عن الأُمّة، ففرض التعليم، ونشر الدين، ومكافحة البدع، وإرشاد الناشئة إلى الحق المبين، وصيانتهم من تأثير التيارات الإلحادية والفلسفات المادية، كلّ ذلك من وظائف الإمامة المستمرة والّتي قوامها بذل المال في سبيل تحقق هذه الأهداف .

إنّ الأموال في عصر الحضور كانت تجلب إلى الأئمة (عليهم السلام)، بما أنّهم


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2، من أبواب الأنفال، الحديث 6 .


صفحه271

كانوا هم القائمين بوظائف الإمامة في عصرهم، فمقتضى نيابة الفقهاء كونه كذلك في غيبتهم، واحتمال اختصاص ذلك بعصر الحضور ينافي القول باستمرار وظائف الإمامة وإن انقطعت .

2. أنّ تولّي أرباب الأموال تقسيم الخمس بأنفسهم يستلزم الهرج، من دون أن يصرف المال في مواقعه الصحيحة والتي تصب في صالح وظائف الإمامة.

3. أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)جعل الفقيه العارف بأحكام الله الناظر في الحلال والحرام حاكماً على الشيعة، وقال: «من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك».(1)

لقد نصب الإمام الصادق (عليه السلام)، الفقيه حاكماً، نظير الحكام المنصوبين من جانب الخلفاء، ومن الواضح أنّ الفرائض المالية كالزكاة والخمس والخراج كانت بيد حكامهم، فكل شيء كان أمره بيد الحاكم في الخلافة العباسية، فهو بيد الفقيه لتنزيله منزلة الحاكم عندهم، فيدل الحديث بمقتضى عموم التنزيل أن الفرائض المالية بيد الفقهاء الأُمناء على الدين والدنيا.

4. نفترض أنّه ليس هناك دليل على دفع الخمس أو نصفه إلى الفقيه القائم بأُمور المجتمع، وعلى ذلك فيدور الأمر بين صرف كل شخص سهم


1 . أُصول الكافي: 1 / 67، باب اختلاف الحديث، الحديث 10.


صفحه272

الإمام وسهم السادة في مصارفهما، وبين دفعه إلى المجتهد القائم بأُمور المجتمع ليصرفه في مظانه.

فأيّهما أقرب إلى الصواب؟

5. أنّ صرف الفرائض المالية يُتصوّر على وجوه ثلاثة:

أ. دفعها إلى الملوك والأُمراء ليصرفوها كما شاءوا.

ب. صرفها من قبل المكلّف نفسه في الموارد المذكورة.

جـ . دفعها إلى الفقيه التقي، الّذي تقلد زعامة الأُمّة وتدبير أُمورها.

فأي هذه الوجوه يقبله العقل الحصيف ؟

يقول المحقّق أحمد النراقي: لاشكّ أنّ مع وجود أمين الشخص وخليفته وحجّته والحاكم من جانبه ووارثه، الأعلم بمصالح أمواله، والأبصر بمواقع صرفه، الأبعد عن الأغراض، الأعدل في التقسيم ولو ظناً، لا يعلم الإذن ـ إذن الإمام الغائب ـ في تصرف الغيرومباشرته، فلا يكون جائزاً.

نعم لو تعذر الوصول إلى الفقيه جاز تولي المالك، كما استظهره بعض المتأخرين، وزاد: أو تعسّر.(1)

6. أن كل من يقول بجواز صرف الفريضة المالية في مظانها مباشرة، من دون أن يكون هناك جهاز عام ينجز هذا الأمر، قد نظر إلى الإسلام نظرة قاصرة، فإنّ الإسلام دين عالمي، وما هوكذلك فلابد أن يكون متكامل الأركان، ومن أركانه المهمة وجود القدرة المالية لدى الحاكم، ليستطيع من


1 . مستند الشيعة: 10 / 136 .


صفحه273

خلالها القيام بمسؤولياته الهامة تجاه المجتمع الإسلامي، وليس هو عند الشيعة سوى الفقيه .

إنّ المسؤولية ليست منحصرة في دفع عيلة الفقير والمسكين وابن السبيل من الهاشميين، حتّى يقوم كل بواجبه بل المسؤولية الكبرى هي الالتفات إلى كافة الجوانب المتعلقة بتقدم المجتمع ورفاهه، فالمجتمعات تحتاج إلى جامعات ومدارس ومراكز أبحاث ومستشفيات ومصانع ومؤسّسات إدارية وخَدَمية، وغير ذلك، وتحقيق هذه الأُمور رهن توفر إمكانات مادية كبيرة، ومنها نصيب الخمس الراجع إلى منصب الإمامة.

7. الأمر دائر بين التعيين والتخيير، فإما أن يكون الدفع إلى الفقيه أمراً متعيِّناً أو يكون صاحب المال مخيّراً بين دفعه إليه وبين صرفه بنفسه في الموارد المذكورة، وفي مثله يحكم العقل بالأول، لأنّ فيه الامتثال القطعي بخلاف الثاني فالامتثال فيه محتمل، فإذا دار الأمر بين الامتثالين، فالقطعي هو المتعيّن.

وبذلك تظهر ضآلة ما ذكره مؤلف الكتيب إذ يقول: إنّ دفع الخمس إلى الإمام أمر مستحب، فكيف ارتقت درجة أدائه إلى الفقيه فصار الدفع إلى الفقيه أمراً واجباً، فكيف تغير الحكم وارتفع من درجة الاستحباب إلى الوجوب؟(1)

أقول: إنّ دفع الخمس إلى الإمام كان أمراً واجباً، وبقي على وجوبه إلى


1 . الخمس جزية العصر: 10.


صفحه274

زماننا هذا ولم يتبدل إلى الاستحباب، وأمّا كون الدفع إلى الفقيه واجباً فإنّما هو مقتضى كونه نائباً عنه، فمقتضى المنطق أن يكون حكم الدفع إليهما على نحو سواء، فلو كان الدفع إلى الفقيه أمراً مستحباً لانتقض المنطق.

بانت الحقيقة بأجلى صورها

لقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الخمس فريضة مالية يتولاها الإمام في حياته، ونائبه في غيبته، وقد ثبتت نيابة الفقيه عن الإمام في غيبته في ما يرجع إلى وظائف الإمامة، فإنّ الإمامة وإن انقطعت ولكن الوظائف بعده مستمرة، فالقائم بها هو الفقيه.

فكما أنّهم(عليهم السلام)يتولَّونه في حال حضورهم، فإنّ نوّابهم من الفقهاء يتولّونه عند الغيبة .

وأمّا ما نقل عن القدماء من الدفن أو الإيصاء إلى من يثق به، فإنّ كل ذلك كان مبنياً على أنّ الإمام الغائب (عليه السلام)سيظهر قريباً، فلذلك أفتوا بهذين الأمرين، ولو كانوا واقفين على أنّه ستطول غيبته لما أفتوا بذلك.

وبذلك يُعلم أنّ فتوى كل من المفيد والطوسي بالوصاية أو الدفن كانت مبنية على تلك الفكرة، ولذلك توقفا عن صرف نصيب الإمام، ولو كانا شاهدين لما نشاهد، لما أفتيا بذلك.

وأمّا إفتاء كثير من العلماء بتولّي صاحب المال تقسيم نصيب السادة عليهم، فذلك مبنيّ على زعم أنّه فريضة فردية، وليس راجعاً إلى منصب


صفحه275

الإمامة، وأمّا على ما ذكرنا فلا فرق بين نصيب السادة ونصيب الإمام حسب رواية أبي علي بن راشد (1) في أنّ المتولي هو الإمام أو من يقوم مقامه.

وإذا كان المؤلف يعتمد على قول الشيخ الطوسي، فلينظر إلى قوله فيمن يقول بالتحليل، حيث قال (قدس سره): وأمّا التصرف فيه على ما تضمنه القول الأوّل (الترخيص لشيعتهم التصرف في حقوقهم ممّا تعلق بالأخماس وغيرها) فهو ضدّ الاحتياط، والأولى اجتنابه حسب ما قدمناه .(2)


1 . مرّ ذكر الرواية في الصفحة: 270.

2 . النهاية: 201 .


صفحه276

الفصل الخامس

دراسة نقدية للكتاب

إنّ كتاب «الخمس جزية العصر»، قد نُشر لغايات سياسية لا علمية، إذ لم يكن الكاتب مؤهّلاً للخوض في هذه المسائل، وإنّما جمعه من كتابين لشخصين خرجا عن المنهج السليم في البحث العلمي:

أحدهما: «الشيعة والتصحيح» لموسى الموسوي (1) .

الثاني: «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب .

وقد اعتمد على ذينك الكتابين في تأليف هذه الرسالة اعتماداً كاملاً، كما اعتمد على قضائهما في مورد الخمس ومصارفه وأدلته.

ولعلّ المؤلف لا يعرف بُعد هذين الكاتبين عن الموضوعية والحياد في البحث العلميّ، ولايعرف نَزَعاتهما، ولا منزلتهما عند الشيعة.

وسنخصّص هذا الفصل لتشريح الكتاب وبيان خصوصياته، حتّى تقف ـ عزيزي القارئ ـ على أخطائه وأوهامه، ومواطن ضعفه، وتهافُت أفكاره، بعون الله تعالى، ويقع ذلك ضمن أُمور:

***


1 . ولا ندري من أين استعار لقب الدكتوراه للمؤلف ووصفه به عند ذكر المصادر .


صفحه277

 

الأوّل: افتراؤه على السيد محمد الصدر

ذكر المؤلف أنّ السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره)قد ذكر صدر الحديثين ولم يذكر ذيلهما، وقد اتهمه بأنّه بتر الحديثين لأجل أن الصدر ينفعه دون الذيل.

أقول: ما ذكره سوء ظن بعالم كبير، وقف نفسه لإصلاح الأُمّة حتّى استشهد في سبيل ذلك، لأنّ تقطيع الحديث أمر رائج بين الفقهاء حيث إنّه يأتي بما له صلة بمقصوده.

ثم إنّه اتهمه بتهمة أشنع، وهي اختراع روايتين وليس منهما أثر في المصادر الروائية القديمة الأربعة .(1)

أقول: فمن جانب يتهم السيد الشهيد باختراع الحديث ومن جانب يقول: «لم أجد...»، كأنّ عدم وجدانه دليل على العدم!! ثم إنّ المصادر غير منحصرة بالقديمة فقط. وإليك نص الروايتين مع الإشارة إلى مصادرهما:

1. «من أكل من مالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً»(2).

2. «لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على كل من أكل من مالنا درهماً حراماً» .(3)

«ما هكذا تورد ياسعد الإبل».

***


1 . الخمس جزية العصر: 41.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 7. وراجع كمال الدين للصدوق: 522 ; والاحتجاج للطبرسي: 479 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 8 . وراجع: كمال الدين: 522 برقم 51 ; الاحتجاج: 480 .


صفحه278

 

الثاني: تحريفه لكلام الشيخ الطوسي

ربّما يظنّ القارئ أنّ ما نسبه إلى الشهيد الصدر كان هفوة أو زلّة قلم، ولم يكن عن قصد وعناد، ولكنّه عندما يصل إلى ما نسبه إلى الشيخ الطوسي من الرأي الساقط ثمّ يقارنه بفتوى السيد الخوئي ويحكم بأنّ بين الرأيين بوناً شاسعاً واختلافاً غير قابل للجمع، ولكنه عندما يصل إلى ذلك يذعن بأنّ الأول كالثاني نابع عن الجهل بالواقع أو سوء الفهم. وإليك البيان.

لقد نسب إلى الشيخ الطوسي الرأي التالي:

«يقسِّم الطوسي الخمس قسمين:

قسم مصدره مكاسب وأرباح التجارات والمساكن والمناكح، يختار هو إباحته وإسقاطه.

والقسم الآخر هو الّذي يرد ممّا تبقّى من أنواع المال والكنوز وغيرها كما يعبّر الطوسي، وهذا يرجّح قسمته أيضاً نصفين، والنصف الّذي هو حق الإمام لا يجيز التصرف به لأيّ كان، بل إمّا يدفن أو يوصى به والنصف الآخر هو لبني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، مرجعه إلى المالك مع ترجيح قسمته عليهم من قبله».

أقول: إنّه ارتكب في كلامه خطأين :

الأوّل: أنّ الشيخ أفتى بحلِّيّة التصرف في المناكح والمتاجر والمساكن فقط، ومراده من المناكح الإماء والسراري التي يغنمها الغزاة، كما أنّ مراده من


صفحه279

المتاجر الأموال والأمتعة التي يستولي عليها المجاهدون ثم تتداول في أيدي الناس ومنهم الشيعة، ولا يريد بها أرباح المكاسب. ومراده من المساكن الأنفال، كالمملوكة بغير قتال وغيرها.

والّذي يدلّ على ذلك أنّه ذكر إباحة الخمس في الأُمور الثلاثة في ذيل القتال والجهاد، وقال: فإذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام فغنموا كانت غنيمتهم للإمام خاصّة دون غيره، وليس لأحد أن يتصرّف في ما يستحقّه الإمام من الأنفال والأخماس إلاّ بإذنه، فمن تصرَّف في شيء من ذلك، كان عاصياً... إلى أن قال: هذا في حال ظهور الإمام، وأمّا في حال الغيبة فقد رخّصوا لشيعتهم التصرُّف في حقوقهم ممّا يتعلق بالأخماس وغيرها فيما لابد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن، فأمّا ما عدا ذلك فلا يجوز له التصرف فيه على حال.(1)

فنلفت نظر القارئ إلى الأُمور التالية:

1. أنّ مصبّ البحث في كلامه الغنائم الحربية، فلو كان هناك استثناء وإباحة فإنّما يرجع إليها أو إلى ما يناسبها كالأنفال في المساكن.

2. أنّ الشيخ الطوسي وصف المستثنى من الخمس ـ أعني: المناكح والمتاجر والمساكن ـ بقوله: «ممّا لابد لهم منه»، وهو أقوى قرينة على ما ذكرنا، حيث إنّ الشيعة كانوا يعيشون مع إخوانهم السنة جنباً إلى جنب، فلم يكن لهم بدّ من شراء الإماء أو الأمتعة المغنومة، غير المخمّسة، فأين هذا من إباحة أرباح المكاسب والمتاجر التي يمارسها الشيعة أنفسهم؟


1 . النهاية: 200 .


صفحه280

وبما أنّ الكاتب كان جاهلاً بالمصطلح، وضع مكان «المتاجر» في عبارة الشيخ لفظة «مكاسب وأرباح التجارات». وقد فسر غير واحد من فقهاء الشيعة المصطلحات الثلاثة في كتبهم :

يقول المحقّق الحلّي: ثبتت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة .

ويقول الشهيد الثاني: المراد بالمناكح السراري المغنومة من أهل الحرب في حال الغيبة، فإنّه يباح لنا شراؤها وإن كانت بأجمعها للإمام، أو بعضها على القول الآخر.

والمراد بالمساكن، ما يتخذه منها في الأراضي المختصة به (عليه السلام)كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال.

والمراد بـ «المتاجر» ما يشترى من الغنائم المأخوذة في الحرب حالة الغيبة أو ما يشترى ممّن لا يعتقد الخمس .(1)

وممّا يدل على ذلك هو أنّ الشيخ بعدما فرغ من حليّة الموضوعات الثلاثة بدأ الكلام في غيرها، وقال: «وما يستحقونه من الأخماس، في الكنوز وغيرها في حال الغيبة، فقد اختلف قول أصحابنا فيه».

ومراده من «غيرها» هو ما ذكره في أوّل الفصل الّذي عقده باسم «باب الخمس والغنائم» وقال: الخمس واجب في جميع ما يغنمه الإنسان، ثم عدّ منها :


1 . المسالك: 1 / 475ـ 476 .


صفحه281

1. الغنائم أي كل ما يؤخذ بالسيف من أهل الحرب.

2. أرباح التجارات والزراعات .

3. الكنوز المُدَّخرة.

4. الذميّ إذا اشترى من المسلم أرضاً .

إلى غير ذلك ممّا ورد في كلامه.(1)

الخطأ الثاني: ما قاله من أنّه لم يورد ذكر الفقيه في كل تفاصيل الفتوى أبداً، بل صرح الشيخ الطوسي أنّ المتولّي لذلك ليس بظاهر.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ قول الشيخ الطوسي : «إنّ المتولي لذلك ليس بظاهر» راجع إلى النصف الآخر الّذي هو لبني هاشم فقط، ويشهد على ذلك قوله: «لأن هذه الثلاثة أقسام مستحقها ظاهر، وإن كان المتولّي لتفريق ذلك فيهم ليس بظاهر». فتوسيع كلامه إلى مطلق النصفين خطأ ظاهر.

وثانياً: أنّه لم يذكر الفقيه في النصف الأوّل، لأجل أنّه اختار فيه الدفن أو الإيداع، ومعه لايبقى موضوع لذكر الفقيه، فإنّ تولّي الفقيه مبني على القول بصرفه في مظانه، وأمّا على القول بعدم الصرف، فلايكون وجه لذكر الفقيه وعدمه.

وبذلك يظهر أنّ ما صوّره من الجدول وقارن فيه بين فتوى الشيخ الطوسي وبين فتوى السيد الخوئي، مستنتجاً مخالفتهما، مبنيٌّ
على استنتاجاته الخاطئة من كلام الطوسي، وبذلك ذهبت جهوده


1 . النهاية: 196 ـ 198 .


صفحه282

في الجدول سدىً، ولا حاجة للتفصيل.

وأمّا قوله في آخر الجدول: «لاحظ أنّ فتوى الخوئي مخالفة جملة وتفصيلاً لفتوى الشيخ الطوسي» فليس بشيء، والمخالفة الجزئية بين الفقهاء أمر رائج.

***

الثالث: «حقائق ثمانية» أو انطباعات خاطئة؟!

قدّم الكاتب في ديباجة كتابه أُموراً ثمانية زعم أنّه اكتشفها بعد ما كانت خافية عن أنظار العالمين، وكأنّه يتبجّح بذلك ، وها نحن نذكر خلاصة تلك الحقائق!!! حتّى يثمنها القارئ:

1. أنّ أداء خمس المكاسب إلى الفقيه لا يستند إلى أي دليل ولا أصل له بتاتاً في أي مصدر من المصادر الحديثية الشيعية المعتمدة.

2. أنّ كثيراً من النصوص الواردة عن الأئمة تُسقط الخمس عن الشيعة وتبيحه لهم، خصوصاً في زمن الغيبة.

3. أنّ هذه النصوص تجعل حكم أداء الخمس للإمام نفسه في حال حضوره الاستحباب أو التخيير بين الأداء وتركه، وليس الوجوب.

4. أنّ أحداً من علماء المذهب الأقدمين لم يذكر قط مسألة إعطاء الخمس للفقهاء.

5. أنّ حكم أداء الخمس إلى الإمام في كثير من الروايات المعتبرة


صفحه283

الاستحباب، وصار أداؤه إلى الفقيه واجباً.

6. أنّ الخمس في أصل تكوينه يقسم إلى قسمين: النصف الأوّل حق الله تعالى ورسوله وذي القربى، وأمّا النصف الآخر، فهو لليتامى والمساكين وابن السبيل، إلاّ أنّ الواقع المشاهد أنّ الفقيه يأخذ الخمس كلّه.

7. أنّ نصف الخمس لفقراء بني هاشم لا للأغنياء، فما يفعله هؤلاء (الأغنياء) من أخذ الأموال باسم الخمس باطل.

8. أنّ إخراج الخمس وإعطاؤه للفقهاء لا يستند إلى أي نص.

فلندرس تلك الحقائق الهامة التي أخذ الكاتب يركز عليها ويناور بها وهي في الحقيقة إمّا ادّعاءات متكررة أو متناقضة أو انطباعات خاطئة .

أمّا الأوّل: أعني التكرار، فالحقيقة الأُولى، والثامنة، وهكذا الرابعة، كلّها في الواقع ادعاء واحد، وهو عدم الدليل على إعطاء الخمس للفقيه، غاية الأمر يدّعي في الأُولى والثامنة عدم الدليل في الكتاب والسنة، وفي الرابعة عدم الفتوى بين الأقدمين، ومرجع الجميع واحد.

أمّا الثاني: أعني التناقض فيدّعي في الحقيقة الثانية سقوط الخمس عن الشيعة، ولكنه في الحقيقة السادسة يسلّم بوجوب الخمس، وأنه يقسم قسمين: الصنف الأوّل لله ورسوله وذي القربى، والنصف الآخر لبني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولكنه يعترض على أدائه للفقيه ، الّذي يأخذ ـ في زعمه ـ الكل دون مراعاة هذه القسمة. وهذا هو نفس التناقض .

وأمّا الثالث: أعني انطباعاته الخاطئة، فنذكرها واحداً بعد الآخر:


صفحه284

 

1. عدم الدليل على إعطاء الخمس للفقيه

إنّ الرسالة تهدف إلى التشكيك في صلاحية الفقيه لأخذ الخمس، وهو قلِق من هذا الموضوع، ونحن نلفت نظره إلى الفصل الثاني، حيث ذكرنا دلائل وجوب إعطائه للفقيه تحت عنوان «بيان ما يدلّ على تولّي الفقيه».

2. خلوّ القرآن والسنة عن ذكر الخمس

يذكر هو في الحقيقة الثانية سقوط الخمس عن الشيعة، ولكن في ثنايا الكتاب ينكر وجوب الخمس في الشريعة الإسلامية المقدسة ويقول: لقد خلا القرآن الكريم وخلت سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسيرته وكذلك سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من حكام المسلمين من ذكر «الخمس» ولم نجد في تاريخ الإسلام ولا غيره ضريبة كانت تفرض على أموال الناس وتجاراتهم بهذا القدر.(1)

كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وكأنّه لم يقرع سمعه قوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ... )(2) .

أو لم يقرأ شيئاً من أحاديث الرسول حيث قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الركاز الخمس.(3)


1 . الخمس جزية العصر: 81 .   2 . الأنفال: 41 .

3 . مسند أحمد: 1 / 314 ; سنن ابن ماجة: 2 / 839، طبعة 1373 هـ .


صفحه285

وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (لمّا قدم إليه وفدُ عبدالقيس وقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحرم فمرنا بجمل الأمر): «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع. ثم ذكر الأربع بقوله: شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم».

وقلنا في محله إنّ المراد مطلق ما يفوز به الإنسان.

أليس من الصلافة، قوله: لقد خلا القرآن الكريم وخلت سنة النبي وسيرته وكذلك سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من حكّام المسلمين من ذكر الخمس.(1)

3. ارتقاء الحكم من الاستحباب إلى الوجوب

يذكر في الحقيقة الخامسة أنّ أداء الخمس في كثير من الروايات المعتبرة إلى الإمام نفسه مستحب، ولكنه ارتقت درجة أدائه إلى الفقيه فصار واجباً!!

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره كلام شعري يستحسنه ذوقه وشعوره، فإنّ حكم الخمس لم يزل واجباً ولم يتبدل حكمه إلى الآن وبقي أداؤه إلى الفقيه على الحكم السابق، وأمّا الترخيص للشيعة فقد عرفت أنّه بين ما لا يمتّ إلى الخمس المصطلح (أرباح المكاسب) بصلة، أو ما يرجع إليه ولكنّه أُحلّ لهم بسبب الظروف القاسية، التي كان إيصاله فيها إلى الإمام ينجم عنه مخاطر ومشاكل كبيرة للشيعة وللأئمة أنفسهم.


1 . الخمس جزية العصر: 81 .


صفحه286

 

4. أخذ الفقيه الخمس كلّه

يقول: إنّ الخمس يقسم إلى: نصفين نصف للإمام ونصف للسادة، إلاّ أنّ الفقيه يأخذ الخمس كله من دون مراعاة هذه القسمة (1).

لا أدري أين شاهد ذلك مع أنّ عامة الرسائل العملية والكتب الاستدلالية تصرح بأنّ الخمس يقسم إلى نصفين على النحو المذكور حتّى أن كثيراً من الفقهاء، قالوا بوجوب صرف نصيب الإمام في حاجات بني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وقد عرفت أن المحقّق الحلّي وغيره، تبنّوا هذا. ولو أخذه الفقيه كله، فإنّما يأخذه ليصرفه في مصارفه كالإمام المعصوم نفسه، لكونه زعيم الشيعة.

5. أخذ اغنياء بني هاشم الخمس

ادّعى في الحقيقة السابقة أنّ الأغنياء من بني هاشم يأخذون الأموال باسم الخمس بحجة النسب  . وهو يدّعي أنّ هذه الحقيقة مجهولة من قبل عامة من يقول بدفع الخمس، إذ يدفعون الخمس لكل من يدّعي النسبة.(2)

أقول: إنّ أهل البيت أدرى بما فيه، وفي المثل السائر «أهل مكّة أدرى بشعابها» فإنّ المؤمنين يمسكون عن دفع المال إلاّ بعد إحراز الفقر والحاجة، ولو أقدم بعضهم على دفع الخمس بلا تحقيق، فلا يكون ذلك دليلاً على


1 . الخمس جزية العصر:11.   2 . نفس المصدر: 11.


صفحه287

العموم، على أنّ ذلك أجنبي عن البحث العلمي، ولعلّ الكاتب لا يعرف منهج البحث العلمي.

6. لم يذكر أحد المتقدمين تولّي الفقيه

قال في الحقيقة الرابعة: إنّ أحداً من علماء المذهب الأقدمين، لم يذكر قط مسألة إعطاء الخمس للفقهاء، بل لم يخطر لهم على بال.

كيف يقول ذلك مع أنّ الشيخ أبا الصلاح الحلبي (374 ـ 447 هـ) يقول في الكافي: يجب على من تعيّن عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يُخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله سبحانه (الإمام المنصوب) أو إلى من يُنصِّبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه (النيابة الخاصة)، فإنْ تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون، فإن تعذّر تولّى ذلك بنفسه .(1)

والشيخ الحلبي أقدم من الطوسي ولادة ووفاة، وقد ذكره الطوسي في رجاله فلاحظ.

الرابع: مصدر شرعية الخمس

يستمد الخمس شرعيته من الكتاب والسنة حسب ما عرفته في الفصل الأوّل، وأنّ جميع الفقهاء يستدلون على وجوب الخمس بما ورد في الكتاب والسنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، غير أنّ الكاتب نسب إلى بعض


1 . الكافي: 172.


صفحه288

علماء الشيعة أنّه يدافع عن أخذ الخمس بأنّها تصرف على المدارس الدينية والحوزات العلمية والشؤون المذهبية الأُخرى (1) .

أقول: إنّ المؤلف كالغريق يتشبث بكل طحلب، ولم يجد مصدراً صالحاً سوى ما أشار إليه في الهامش، ومؤلِّف لم يُعتمد عليه، وهو معروف لدى الأوساط التي يعيش فيها بأنّه لا يتمتع بمؤهّلات كريمة تجعله صالحاً لأن يكون مصدراً في القضايا العلمية الإسلامية، والعاقل تكفيه الإشارة .

وياليته أشار إلى فقيه اعتمد في إيجاب الخمس على شرعية المصرف، ومن ذكرها فإنّما ذكرها كمصرف للخمس، دون أن تكون شرعية المصرف دليلاً على وجوب الخمس. ثم إنّ الخمس راجع إلى مقام الإمامة، ومن شؤون الإمامة قيادة المجتمع روحياً ودينياً، وهي رهن إعداد الدعاة والمبلغين لنشر الإسلام في العالم، وبذلك يظهر أن إطنابه في هذا الموضوع فضول من الكلام، لا يليق أن يُنقض ويردّ.

***

الخامس: مهمّات الشرع رهن الدليل القاطع

عقد الكاتب فصلاً لغاية إثبات أنّ مهمّات الشرع رهن أدلّة واضحة قطعية الدلالة، غير قابلة للردّ أو التأويل كالصلاة والزكاة وبرّ الوالدين وحرمة الربا وحرمة الزنا حتّى يكون الطريق مسدوداً أمام الراغبين في الإفلات من التكاليف الشرعيّة، ولكن خمس المكاسب لم تثبت بمثل هذه الأدلّة


1 . الخمس جزية العصر: 42، نقله عن كتاب الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي.


صفحه289

أي النصوص القرآنية، والأدلّة القاطعة، ثمّ بدأ بتفسير آية الخمس وأنّ موردها الغنائم المأخوذة من الكفّار المحاربين.

أقول: إنّ الكاتب يُركِّز على خمس المكاسب دون سائر أنواع الخمس كالمعدن والكنز والغوص والمال الحلال المختلط بالحرام والأرض التي اشتراها الذمي من المسلم إلى غير ذلك، لأنّ موارده قليلة لا تنتفع به المرجعية الدينية في أداء وظائفها الملقاة على عاتقها، وإنّما تنتفع بأرباح المكاسب، فلذلك يصرّ على عدم الدليل على لزوم الخمس فيها.

ولكنّه نسي أنّه قد سلّم في بعض الحقائق الثمانية بلزوم الخمس، وإنّما أنكر وجوب دفعه إلى الفقيه، وعلى كل تقدير، فمن قرأ الآية برأي مسبق، يخصّها بالغنائم المأخوذة من الكفار، وأمّا من قرأها مجرَّداً عن ذلك، ومن دون أن يتأثر بالمناقشات المذهبية، فسيجد دلالتها على لزوم الخمس في كل ما يفوز به الإنسان أمراً واضحاً بشهادة أنّه سبحانه يقول: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء...) فلفظة الشيء نكرة تشمل كل ما يغنم، وقد أثبت العلماء في محلّه أنّ المورد لا يخصّص إذا كانت القاعدة كلية، ولذلك اعتمد على الآية فقهاء الأحناف في ثبوت الخمس في المعادن.(1)

نظراً لعزوفه عن سائر المصادر، فإنّه لم يقف على مصادر الخمس في السنة النبوية، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في الفصل الأوّل، كما أنّه أسدل الستار على أحاديث العترة الطاهرة الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه وأحد الثقلين اللّذين بهما تناط سعادة الإنسان في الدارين، وقد ذكرنا اثني عشر حديثاً تدلّ


1 . الفقه الإسلامي وأدلّته، لوهبة الزحيلي: 2 / 776 .


صفحه290

بوضوح على وجوب الخمس في الأرباح والمكاسب.

(فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )(1)

***

السادس: تكرّر ذكر الزكاة دون الخمس

استدلّ الكاتب على نفي وجوب الخمس بتكرّر ذكر الزكاة في عشرات الآيات، بينما لم يرد لخمس المكاسب ذكر في القرآن الكريم .

أقول: جاءت كلمة الزكاة (32) مرّة في القرآن الكريم، (11) مرة منها في السور المكية، والباقي في السور المدنية، والجميع يدعو إلى تزكية المال وليس جميع هذه الآيات تشير إلى الزكاة المصطلحة في الكتب الفقهية، وذلك لأنّ الزكاة بالمعنى الخاص فرضت في المدينة في السنة الثانية للهجرة الشريفة، فلايمكن أن يكون الجميع ناظراً لما لم يُشرَّع ولم تُبيّن كيفيّته، بل وجبت صدقة الفطرة قبل وجوب الزكاة بالمعنى الخاص.

يقول ابن حجر: وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضاً والنسائي وابن ماجة والحاكم في حديث قيس بن سعد بن عبادة. قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله. وقال: اسناده صحيح رجاله رجال الصحيح. ثم قال: وهودالّ على أنّ فرض صدقة الفطر، كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان .(2)


1 . الأعراف: 185 .   2 . فتح الباري: 3 / 266، ط . دار المعرفة.


صفحه291

وعلى هذا فقد وجب صوم شهر رمضان فوجبت صدقة الفطر ثم وجبت الزكاة بالمعنى الخاصّ، كل ذلك يلزمنا بأنّ كثيراً من موارد استعمال الزكاة في القرآن المجيد يراد بها تزكية المال، وهو بالمعنى الجامع يشمل فريضة الخمس، وصدقة الفطر، والزكاة، بل يشمل سائر ما يجب
على المسلم من الفرائض المالية حتّى الكفّارات. نعم الآيات تدلّ على التزكية بالمعنى الجامع، وأمّا الخصوصيات فإنّما وردت في السنة النبوية شيئاً فشيئاً.

وممّا يدلّ على أنّ الزكاة في الذكر الحكيم يراد بها مطلق تطهير المال، لا الزكاة بالمعنى الخاص، ورود وجوبها في الشرائع السابقة، كما ينقل سبحانه عن لسان عيسى (عليه السلام)أنّه قال: (وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)(1) .

كما ينقل عن لسان إسماعيل (عليه السلام)قوله: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)(2) .

ونحن نسأل الكاتب هل الآيات الواردة في السور المكية وقبل وجوب فريضة الزكاة تهدف إلى المعنى العام، فيدخل الخمس في ضمنه؟ أو أنّها تهدف إلى الزكاة بالمعنى الخاص قبل إيجابها، وهو ممّا لا يتفوّه به فقيه؟!

على أنّ دراسة الآيات التالية تدلّ على أنّ الشريعة المقدّسة تأمر بإنفاق


1 . مريم: 31 .   2 . مريم: 55 .


صفحه292

ما زاد، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ)(1)، وقال سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ... )(2).

نقل الطبري في تفسير قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) أي خذ العفو من أموال الناس وهو الفضل ، وأُمر بذلك قبل نزول الزكاة.(3)

سُئل عبدالله بن عمر عن تفسير قوله تعالى: (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ)(4): أهي الزكاة؟ فقال: إن عليك حقوقاً سوى ذلك، ونقل عن الشعبي أنّه قال: إنّ في المال حقّاً سوى الزكاة، وعن الأعمش عن إبراهيم قال: في المال حق سوى الزكاة.(5)

وعلى ضوء ما ذكرنا، فلفظة الخمس وإن لم ترد في القرآن الكريم إلاّ مرة واحدة إلاّ أنّ المضمون بشكل عام قد ورد في غير واحدة من الآيات المكية وحتّى المدنية.

وأخيراً نقول: إنّ من يدرس الموضوع على ضوء عقائده المسبقة لا يستطيع أن ينظر بواقعية وموضوعية للأدلّة التي ذكرناها.

وأما من يدرس الموضوع بعيداً عن العصبية المذهبية والطائفية، فيكفيه قليل ممّا ذكرنا من الأدلّة على وجوب الخمس في الأرباح.

***


1 . البقرة: 219 .   2 . الأعراف: 199 .

3 . جامع البيان: 6 / 191، طبع دار ابن حزم، عمان، 1423 هـ .

4 . المعارج: 24 ـ 25 .

5 . جامع البيان: 29/ 50 ـ 51، طبع دار المعرفة.


صفحه293

 

السابع: المقارنة بين الزكاة وخمس المكاسب

يقول: إنّ الله عزّوجلّ يفرض على أغنيائنا ربع العشر من أموالهم أي من كل أربعين واحداً (401) ومن كل مائة، اثنين ونصف (1005,2) إذا بلغت النصاب وهو ما يعادل عشرين مثقالاً من الذهب مرّة واحدة في العام... وفي الوقت نفسه يوجب على عباده في الأرباح والفوائد الخمس (51) وهو يزيد على فريضة الزكاة بكثير.. فلو بلغ رأس ماله عشرين ديناراً يجب عليه دفع أربعة دنانير لأجل الخمس ونصف دينار لأجل الزكاة، فكيف فرض الأقل (الزكاة) بالأدلّة القاطعة ولم يفرض الأكثر (الخمس) بهذه الطريقة بل ولا يذكره ولو مرة واحدة مع أنّه أضخم منها وأكبر أضعافاً مضاعفة؟!(1).

يلاحظ عليه: أنّه وإن ذكر الأقل ـ حسب فرضه ـ غير مرّة، ولكنّه ذُكر الأكثر أيضاً بمثله، لما عرفت من أنّ الآيات الدالة على تزكية الأموال آيات عامّة تشمل كل فريضة مالية ولا تختص بالزكاة بالمعنى الخاص على أنّ السنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة فرضت ذلك بالأدلة القاطعة.

هلمّ معي نستعرض الخلط الّذي وقع فيه، حيث تصور أنّ فريضة الزكاة في الدينار أقل من فريضة الخمس، لأنّ الفريضة هناك 401 وهنا 51 ولكنّه غفل عن أمرين:

الأوّل: أنّ زكاة النقدين تُخرج قبل إخراج المؤونة السنويّة، بخلاف


1 . الخمس جزية العصر: 54.


صفحه294

الخمس الّذي يتعلّق بما فضل عن المؤونة، وقد تضافر عنهم قولهم: الخمس بعد المؤونة .

فإخراج الأقل حسب فرضه واجب على من ملك النصاب سواء كان فقيراً أو غنياً. دائناً أو غير دائن، مالكاً لمؤونة سنته أو لا، بخلاف الخمس فإنّه يُخرج إذا لم يكن فقيراً، مالكاً لمؤونة سنته، غير دائن.

الثاني: أنّ الزكاة تتعلّق بالنقدين في كل عام مالم ينزل عن النصاب فلو ملك أربعين ديناراً فيجب عليه في كلّ سنة إعطاء 401 من باب الزكاة حتّى ينزل عن النصاب ويصير 19 ديناراً، بخلاف الخمس فلو دفع ثمانية دنانير مرّة واحدة في العمر صار المال مُخمَّساً والمُخمَّس لا يُخمّس، فعندئذ تنعكس الأقلية والأكثرية، وترتفع فريضة الزكاة على فريضة الخمس. كل ذلك بشرط أن يكون المال جامعاً لشرائط وجوب الخمس بأن زاد على مؤونة سنة ولم يكن دائناً في نفس السنة إلى غير ذلك من الشروط.

تمثيل باطل للمقارنة!!

إنّ الكاتب حاول أن يكبّر فريضة الخمس ويصغر فريضة الزكاة في الكمية في الفقه الشيعي، فافترض مثالاً، وقال:

لو افترضنا أنّ رجلاً يمتلك بيتاً وبستاناً وسيارة ومالاً على شكل نقد، فما مقدار الزكاة الواجبة عليه، وما مورد الخمس؟

ثم قال: الزكاة


صفحه295

البيت: لا زكاة عليه.

السيارة: كذلك لا زكاة عليها.

البستان: لا زكاة إلاّ على ثماره عند جنيها إذا بلغت النصاب.

النقود: إذا لم تكن بالغة النصاب فلا زكاة عليها، والنصاب ما يعادل عشرين مثقال ذهب .

فلو أنّ رجلاً ملك هذه الأموال وبلغت نقوده مليون دينار، وحال عليه الحول، فيجب عليه خمسة وعشرون ألف دينار، هذا هو حال الزكاة في فقه الإمامية.

أمّا الخمس، لو فرضنا أنّ قيمة كل من البيت والبستان والسيارة ثلاثة ملايين وكان عند هذا الرجل قيمة النصاب مليون دينار، فيكون المجموع عشرة ملايين دينار. خمسها في الفقه الشيعي يساوي مليونين أي ما يعادل الزكاة الواجبة عليه ثمانين مرّة. هذا كلامه.

ونقول: طوبى لك يا فقيه الأُمة وفقيه الإسلام وفقيه المذاهب الإسلامية! ما هذه العبقرية في الحساب ؟! وما أنت وفقه الإمامية؟ عجباً إنّه ينقض ويبرم، وهو لا يعرف أبجدية فقه الطائفة!!

وذلك: أنّ البيت لا خمس عليه، لأنّه من المؤونة.

والسيارة: كذلك لا خمس عليها لأنّها من المؤونة أيضاً .

أما البستان، فلا خمس على رقبته إذا كان من محاويج الرجل ولا على ثماره إذا كانت كذلك، إلاّ إذا فضلت عن مؤونة سنته ومؤونة عياله.


صفحه296

فلم يبق إلاّ نقوده التي فرضها مليون دينار.

فالخمس وإن كان يزيد على الزكاة في الظاهر، لكنه لا يزيد عليها في الواقع، إنْ لم يكن الأمر على العكس لما عرفت من أنّ الخمس يجب مرة واحدة في العمر، والزكاة في كل سنة حتّى ينزل المال عن النصاب.

فالخمس في مليون دينار يكون مائتي ألف دينار بشروطه، ولكن الزكاة ـ لأجل أنّه يجب عليه كل سنة إعطاء401 من النقد الموجود حتّى لا يبقى منه إلاّ 19 ديناراً ـ تبلغ إلى 000,981 دينار على مرّ السنين، وعند ذلك تنعكس القضية.

أضف إلى ذلك: أنّ ما ذكره إطاحة بالوحي فإنّ المسلم من يسلّم الأمر إلى الله سبحانه، ولرسوله. يقول عزّ اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(1) .

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا وإنّ الإسلام هو التسليم»، فأنّى لعقولنا إدراك الملاكات الشرعية والمصالح والمفاسد، حتّى نمشي على ضوئها، ويصبح الخمس فريضة باهظة والزكاة فريضة عادلة في مقياسنا نحن؟!

قد تعرفت على مواقع خطئه في المقارنة بين الزكاة والخمس، ومع ذلك ولأجل المقارنة بين الزكاة والخمس في الفقه الشيعي رسم الكاتب جدولاً على حسب الأخطاء الماضية، وها نحن نأتي بجدوله الخاطئ ثم نردفه بالجدول الصحيح حتّى تتميز مواضع خطئه. وإليك جدول الكاتب :


1 . الحجرات: 1 .


صفحه297

مقارنة خاطئة بين الزكاة والخمس

في الفقه الشيعي

الزكاة

الخمس

1. نسبتها بالأرقام 401 أو 1005,2 أو 100025.

2. لابد فيها من بلوغ النصاب.

3. يشترط لها دوران الحول.

4. في أصناف محدودة من المال.

5. على الأغنياء فقط.

6. يصرف لثمانية أصناف.

7. شرعت لسد حاجة الأُمّة جميعاً.

8. لا حق فيها إلاّ لمحتاج.

9. ورد ذكرها في عشرات الآيات.

10 مهملة لا يهتم بها مع أن الله أكد عليها كل هذا التأكيد.

1. نسبته بالأرقام 51 أو 10020 أو 1000200.

2. لا يشترط ذلك.

3. لا يشترط ذلك.

4. في جميع الأصناف حتّى الهدايا والمسكن والاثاث.

5. على مكاسب الأغنياء والفقراء.

6. يعطى لصنف واحد، هم الفقهاء أو السادة.

7. جعل لطبقة واحدة هي طبقة الفقهاء أو السادة.

8. يعطى للفقيه أو السيد بغض النظر عن كونه محتاجاً أم لا.

9. لم يرد ذكره أبداً في القرآن الكريم اللهم إلاّ خمس الغنائم.

10. يؤكد عليه تأكيداً بالغاً مع أنّه أهمله ولم يذكره.

وإليك مواضع الخطأ في الجدول المذكور، الّذي لا يعكس الرأي الشيعي في بابي الزكاة والخمس.


صفحه298

أخطاؤه حول «الزكاة» في الفقه الشيعي

1. يشترط لها حوَلان الحول.

أقول: ما ذكره صحيح في زكاة الأنعام والنقدين، وأما المستخرج من الأرض كالمعادن والكنز والغلات، فلا يشترط فيها حولان الحول.

3. قال: على الأغنياء فقط.

أقول: على الأغنياء والفقراء. فمن تعلقت به الزكاة خصوصاً فيما لا يشترط فيه حَوَلان الحول يجب عليه إخراجها، وإن كان فقيراً في آخر السنة، ويعيش ـ عند الفقر ـ على حساب بيت المال .

4. قال: لاحق فيها إلاّ لمحتاج.

أقول: لا حق فيها لمحتاج إلاّ في المؤلفة قلوبهم فلا يشترط فيهم الفقر، لأنّ الغاية من إعطائهم، هي تأليف قلوبهم، ودَرْء شرّهم عن المسلمين.

5. قال: مهملة لا يهتمّ بها، مع أنّ الله أكد عليها كل هذا التأكيد.

أقول: مهتمٌّ بها عبر الأعصار، ومانسبه إلى الإمامية افتراء عليهم، فإنّ الفقهاء يذكرون الزكاة إلى جانب الخمس، ولا تجد كتاباً فقهياً يُذكر فيه الخمس دون الزكاة .

وأمّا العناية الخارجية، فإنّ الناس يُسلِّمون أطيب أموالهم إلى الفقهاء من دون أن يكون هناك جهاز إداري أو ضغط خارجي يجبر الناس على دفع الفرائض المالية.


صفحه299

ونحن لا ننسى أنّه كان في بعض البلاد جهاز خاص لجمع الزكوات وإيصالها إلى أهلها، وفي هذا الإطار قام الشيخ علي أكبر الأردبيلي(1) (الحاكم الإسلامي في تلك المحافظة) بتأسيس جهاز لجمع الزكوات، تأديةً لواجبه الشرعي.

أخطاؤه حول «الخمس» في الفقه الشيعي

1. قال: لا نصاب إلاّ في الكنز والمعدن.

أقول: هذا غير صحيح لوجود النصاب في الغوص أيضاً .

2. قال: في جميع الأصناف حتّى الهدايا والمسكن والأثاث.

أقول: هذا غير صحيح لعدم تعلق الخمس بالمسكن والأثاث، لأنّ الجميع من المؤونة، والخمس بعد المؤونة. وأمّا الهدايا فإنّما يجب فيها الخمس عند البعض إذا كانت خطرة .

3. قال: على مكاسب الأغنياء والفقراء.

أقول: هذا من زلاّته إذ لم يقل أحد بتعلق الخمس بالفقير، وإنّما يجب الخمس على من يملك مؤونة سنته.

4. قال: يعطى لصنف واحد وهم الفقهاء أو السادة.

أقول: هذا خطأ واضح لأنّ الخمس يصنف إلى صنفين، والفقيه يؤمِّن


1 . توفي (قدس سره)عام 1346 هـ ، اقرأ ترجمته في طبقات الفقهاء في القسم الأوّل من القرن الرابع عشر: 462 برقم 4700.


صفحه300

عَيلة السادات، وربّما يصل إليهم أكثر ممّا يصل إلى الصنف الآخر .

5. قال: يعطى للفقيه أو السيد بغض النظر عن كونه محتاجاً أو لا.

أقول: هذه زلة واضحة، فأمّا الفقيه فيعطى له بما أنّه زعيم الشيعة وإليه يرجع المحتاجون من عامة الناس، وأمّا السيد فإنّما يعطى له إذا كان محتاجاً.

6. قال: لم يرد ذكره أبداً في القرآن الكريم، اللهم إلاّ خمس الغنائم.

أقول: هذا خطأ، لِما قلنا من عدم اقتصار الخُمس الوارد في الآية الكريمة على الغنائم، ولوروده بمحتواه لا بلفظه في الآيات الدالة على لزوم تزكية الأموال.

7. قال: يؤكد عليه تأكيداً بالغاً مع أنّ الله أهمله ولم يذكره.

أقول: الصحيح أن يقول: مع أنّ الله تعالى قد ذكره في كتابه وأكدت عليه أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام).

هذه هي أخطاؤه في الجدول الّذي رسمه لبيان موقف الفقه الشيعي من الزكاة والخمس، وقد عرفت أنّه أخطأ في كلا الموردين.

ولإيقاف القارئ على ما هو الصحيح عند الشيعة فلينظر إلى الجدول التالي:


صفحه301

المقارنة الصحيحة بين الزكاة

والخمس في الفقه الشيعي

الزكاة

الخمس

1. نسبتها بالأرقام 401 في كل سنة حتّى ينزل عن النصاب .

2. لابد فيها من بلوغ المال النصاب .

3. يشترط لها حوَلان الحول.

4. في أصناف تسعة من المال ويستحب في غيرها.

5. على الأغنياء والفقراء .

6. يصرف للأصناف الثمانية المذكورة في القرآن .

7. يشترط الفقر في الأصناف الثمانية إلاّ المؤلفة قلوبهم.

8. شُرِّعت لسدّ حاجات الاصناف الثمانية.

9. ورد ذكرها في القرآن كثيراً.

10. مهتمٌّ بها عبر العصور.

1. نسبته بالأرقام 51 مرة واحدة في العمر.

2. لا نصاب في الخمس إلاّ في الكنز والمعدن والغوص.

3. لا يشترط إلاّ في أرباح المكاسب، بمعنى إخراج مؤونة السنة ثم التخميس.

4. في كل ما يفوز به الإنسان إلاّ إذا كان مؤونة له، فلا خمس في المسكن والأثاث والسيارة والهدايا الحقيرة.

5. على مكاسب الأغنياء فقط .

6. يصرف نصفُه في الأصناف الثلاثة: الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، والنصف الآخر في حاجات الأُمة حسب تشخيص الإمام، أو نائبه الفقيه .

7. يُعطى للمحتاج من الأصناف الثلاثة، ويصرف النصف الآخر في مهام الأُمور.

8. شُرِّع لرفع حاجات الأصناف الثلاثة، وحاجات الأُمّة.

9. ورد في القرآن بلفظ الخمس مرة واحدة وأُكد مضمونه في عشرات الآيات.

10. مهتمٌّ به، ومؤكَّد في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت(عليهم السلام).


صفحه302

وأنت أيها القارئ الكريم إذا قارنت هذا الجدول الّذي عليه فقه الشيعة مع ما رسمه الكاتب ترى فرقاً شاسعاً بينهما، وبذلك يتبين أنّ أكثر انطباعاته عن الروايات وأقوال العلماء، مبنيٌّ على رأي مسبق يحفزه إلى تفسير الآيات والروايات بما يعتقده ويهتمّ به.

الأمر الثامن: الخمس سياسة يوسفية لا فرعونية!

إنّ آخر ما كان في كنانة الكاتب من السهام المسمومة، تشبيه الخمس بالسياسة الفرعونية، قال: جاء في الكتاب المقدس، فاشترى يوسف جميع أراضي المصريّين لفرعون، لأنّ المصريين باعوا حقولهم، لأنّ المجاعة اشتدت عليهم فصارت الأرض لفرعون. وأمّا الشعب فاستعبده من أقصى حدود مصر إلى أقصاها.

وقال يوسف للشعب: إنّي اشتريتكم اليوم أنتم وأراضيكم لفرعون فخذوا لكم بذراً تزرعونه في الأرض، فإذا خرجت الغلال تعطون منها الخمس لفرعون والأربعة أخماس تكون لكم بذراً للحقول، وطعاماً لكم، ولأهل منازلكم، وطعاماً لعيالكم.

قالوا: قد أحييتنا، فلْتَنَل حُظَوة في عيني سيدنا ونكون عبيداً لفرعون، فجعل يوسف ذلك فريضة على أرض مصر إلى هذا اليوم.(1)

هذا نص التوراة في سفر التكوين ثم إنّ المؤلف بعد ذكر هذا النص ـ مع وجود الاختلاف بين الموجود في التوراة وما نقله ـ رتّب عليه قوله: إنّ


1 . الكتاب المقدس، سفر التكوين الفصل 47، الفقرات 20 ـ 26 .


صفحه303

فرعون على طاغوتيته ـ واستكباره ـ لم يستحل أخذ الخمس من مكاسب شعبه إلاّ بعد أن اشتراهم واشترى أراضيهم فصاروا عبيداً له وصارت أراضيهم ملكاً له، فحينما أخذ الخمس عاملهم معاملة السيد مع عبيده. وكأنّ الخمس في شريعة فرعون لا يؤديه إلاّ العبد المملوك تجاه السيد المالك.

فهل شريعة فرعون أرحم وأرقى نظرة إلى الإنسان من شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)السماوية التي حرّرت البشرية من قيود العبودية .(1)

أقول: أوّلاً: لو صحّ ما جاء في التوراة وصحّ الاستناد إليه في القضاء، فإنّ الإشكال يعود على فقهاء السنَّة، لإيجابهم الخمس في المعدن والكنز .

روى أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وفي الركاز الخمس». (2)والركاز يشمل الكنز والمعدن ـ على قول ـ فهل تعاملت الشريعة المحمدية مع أصحاب المعادن والكنوز معاملة السيد والعبد، مع أنّ تلك الشريعة قد حررت البشرية من الظلم وقيود العبودية؟

ثانياً: إنّ السياسة التي ذكرتها التوراة تنسبها إلى يوسف لا إلى فرعون، وإن القائم بذلك هو يوسف النبي المعصوم (عليه السلام)الّذي اشترى رضا الله تبارك وتعالى بالزَّجّ في السجن بضع سنين ، فهل يعمل النبي ـ في نظر الكاتب ـ لصالح الطاغية أو لصالح الشعب ؟

والكاتب لم يمعن النظر في هذه السياسة اليوسفية التي تحدّثت عنها التوراة، فإنّه (عليه السلام)لم يتمكّن من توزيع ما عنده من الغلات على الناس مجاناً


1 . الخمس جزية العصر: 83 .

2 . أخرجه البخاري، فتح الباري: 3 / 364. ط. السلفية.


صفحه304

وبلا مقابل، ولذا قام بتوزيعها مقابل النقود، وبعد أن نفدت النقود التجأ إلى توزيعها مقابل أراضيهم، ثم بعد أن نفدت قام ببيعها عليهم مقابل استعبادهم.

لقد أتبع (عليه السلام)هذه السياسة حتّى ينجي الشعب من المجاعة التي عمّت أراضي مصر، وقد استطاع بهذه السياسة إرجاع أراضيهم إليهم وتمليكها لهم مع الاحتفاظ بأربعة أخماس غلاّتها، في مقابل إعطاء الخمس لخزانة فرعون، وكانت هذه سياسة إلهية لكي يصبحوا مالكين لأراضيهم وتعود سيادتهم عليها.

وبهذا يظهر أنّ أداء الخمس ليس علامة لكون المعطي عبداً والآخذ سيداً، وإنّما وضعت هذه الضريبة في هذه الظروف القاسية، إذ لم يمكن هناك حَلٌّ للمشكلة إلاّ باتباع هذه الطريقة التي ابتكرها يوسف(عليه السلام).

فالكاتب بدل أن ينسب هذه السياسة إلى يوسف، قد نسبها إلى فرعون حتّى يصوِّر في ذهن القارئ أنّ الخمس ضريبة فرعونية ظالمة.


صفحه305

 

الخاتمة

أسئلة وأجوبة

عقد المؤلف فصلاً خاصاً أسماه: «خمس المكاسب بين النظرية والتطبيق» وطرح فيه أسئلة. وإليك دراسة ما يستحق منها الذكر:

1. قال: إنّ الاعتقاد بأنّ الخمس من حق ذرية أهل البيت(عليهم السلام)وأقارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوجب على من يستلم هذه الأموال أن يقوم بعمل إحصائية في كل حي من الأحياء ممن يسكنه ممن ينتسب إلى أهل البيت(عليهم السلام)، لا سيما الفقراء منهم من أجل تقسيم الخمس عليهم، وليس ذلك بمستحيل (1).

أقول: ما اقترحه من القيام بعمل إحصائي كان أمراً رائجاً في القرون الإسلامية الأُولى، وكان للطالبيين نقابة خاصة،وقد تولّى الشريف الرضي (359 ـ 406 هـ) مثلاً النقابة لمدة تزيد على العشرين سنة، ثم تولاّها أخوه المرتضى (355 ـ 436 هـ) واستمرت النقابة إلى عصر السيد ابن طاووس (المتوفّى 664 هـ)، ولما سقطت الخلافة العباسية على يد هولاكو، وجاء دور الملوك انخفض دور النقابة بشكل واضح، وعلى الرغم من ذلك ففي كل بلد من بلدان الشيعة يوجد علماء يرجع إليهم السادة الفقراء في أخذ حقوقهم ونصيبهم من الخمس.

والعجب أنّ الكاتب يصف الخمس بأنّه سياسة فرعونية ثم يأتي هنا


1 . الخمس جزية العصر: 86 .


صفحه306

بوضع برنامج لتوزيعه على مستحقيه، فهل هناك أكثر شناعة من هذا التناقض؟!

2. قال: الواقع المشاهد أنّ كل مجتهد يحق له استلام الخمس دون النظر إلى كونه ينتمي إلى بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أم لا، بل دون النظر حتّى في كونه عربياً أم أعجمياً، مع أنّ نص الآية يذكر قيد «ذي القربى» لا «ذي الفتوى» فبأي حق يكون له نصيب فيه؟

أقول: ما ذكره يعرب عن عدم إلمامه بالفقه الشيعي، لما ذكرنا من أنّ الخمس يقسم إلى قسمين: الأوّل منه يُصرف في فقراء آل البيت ومساكينهم وأبناء سبيلهم.

والقسم الثاني ـ الّذي هو لله وللرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولذوي القربى ـ يُسلَّم إلى الإمام في عصر الحضور، وإلى نائبه في عصر الغيبة، وبذلك يظهر لك ضعف منطقه ـ حيث يقول:

من دون النظر في كونه عربياً أم أعجمياً، وكأنّ العربية شرط للنيابة، والأعجمية مانعة عنها.

وأفحش من ذلك قوله: أنّ نص الآية يذكر قيد ذي القربى لا ذي الفتوى.

نعم انّه سبحانه يقول الأوّل دون الثاني ولكن غيبة ذي القربى سببت لأن يقوم مقامه ذو الفتوى وهو المجتهد الجامع للشرائط.

3. قال: هل كان الفقهاء في زمان الخليفة الراشد علي (عليه السلام)في المناطق البعيدة كالحجاز ومصر وخراسان يأخذون خمس مكاسب الناس في تلك الأمصار باعتبارهم نواباً للإمام.


صفحه307

أقول: قد عرفت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد ركز على دفع الخمس من المغنم والغنيمة، وقد تبيّن أنّ المراد ليس الغنائم المأخوذة من الكفار.

وأما عدم أخذ الخمس في عصر الخليفة الراشد (عليه السلام)إذا صحّ، وأيّده الدليل التاريخي ـ مع أنّ الكاتب لم يذكر دليله ـ فلعل ذلك لأجل أنّ الخلفاء قبله قد أسقطوا سهم الله ورسوله وسهم ذي القربى من خمس الغنائم، وبذلك خالفوا الكتاب العزيز، أفيمكن بعد ذلك إلزام الناس بدفع الخمس من أرباح المكاسب وغيرها؟

ولكنّك عرفت وجود جهاز مالي لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)يستلم الخمس من الناس.

4. قال: ولنا سؤال آخر: إذا كان المقلد يعطي (خمسه) إلى الفقيه، فلمن يعطي الفقيه (خمسه)، إذا لم يكن من ذرية (أهل البيت)؟ أو كان أعجمياً ليس بعربي؟!

أقول: يجب علينا أن نمر على هذا السؤال وعلى ما يتبعه من أسئلة تنبع عن حقده على العلماء، وبالأخص إذا كانوا غير عرب.

فما ذكره عصبية جاهلية لا تمتّ للإسلام بصلة، وأنا أضنّ بوقتي وبأوراقي من أن أقوم بالإجابة عن هذه الأسئلة، الّتي منها افتراءات على الفقهاء والعلماء، والله سبحانه يؤاخذه بها ويحاسبه عليها.

وها نحن نجعجع بالقلم عن الإفاضة في مناقشة هذا الكتاب.

والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.


صفحه308


صفحه309

الرسالة التاسعة والسبعون

في

مقدمات الإحرام


صفحه310


صفحه311

تستحب قبل الشروع في الإحرام أُمور:

أحدها: توفير شعر الرأس ـ بل واللحية ـ لإحرام الحجّ مطلقاً، لا خصوص التمتّع، كما يظهر من بعضهم لإطلاق الأخبار من أوّل ذي القعدة، بمعنى عدم إزالة شعرهما .لجملة من الأخبار، وهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب، إلاّ أنّها محمولة على الاستحباب، لجملة أُخرى من الأخبار ظاهرة فيه، فالقول بالوجوب ـ كما هو ظاهر جماعة ـ ضعيف، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط، كما لا ينبغي ترك الاحتياط بإهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحلق، حيث يظهر من بعضهم وجوبه أيضاً، لخبر محمول على الاستحباب، أو على ما إذا كان في حال الإحرام، ويستحبّ التوفير للعمرة شهراً.

الثاني: قصّ الأظفار، والأخذ من الشارب، وإزالة شعر الإبط والعانة بالطلي، أو الحلق، أو النتف. والأفضل الأوّل، ثمّ الثاني، ولو كان مطليّاً قبله يستحبّ له الإعادة وإن لم يمض خمسة عشر يوماً، ويستحبّ أيضاً إزالة الأوساخ من الجسد، لفحوى ما دلّ على المذكورات، وكذا يستحبّ الاستياك.

الثالث: الغسل للإحرام في الميقات، من مقدّمات الإحرام المستحبة الغسلُ للإحرام في الميقات، فهل هو واجب كما نقله العلاّمة عن العمّاني(1)،


1 . مختلف الشيعة:4/50.


صفحه312

وابن الجنيد(1)، أو هو مستحب.

المشهور هو الثاني، قال الشيخ: ويستحبّ له أن يغتسل عند الإحرام.(2)

وقال في «الخلاف»: يستحب الغسل عند الإحرام، وعند دخول مكة.(3)

وقد ادّعى العلاّمة الإجماع على عدم الوجوب في كتبه الثلاثة: قال في «المنتهى»: يستحب الغسل إذا أراد الإحرام من الميقات ولا نعـرف فيه خلافاً.(4)

وقال في «التذكرة»: يستحبّ له إذا وصل إلى الميقات وأراد الإحرام أن يغتسل إجماعاً ـ إلى أن قال: ـ وهذا الغسل ليس واجباً في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ الإحرام جائز بغير اغتسال، وأنّه غير واجب.(5)

وقال في «التحرير»: يستحبّ له الغسل إذا أراد الإحرام من الميقات وليس بواجب إجماعاً، ولا فرق بين الذكر والأُنثى، والحر والعبد، والبالغ وغيره.(6)

وقال في «المختلف»: المشهور أنّ غسل الإحرام مستحب، اختاره الشيخان حتّى أنّ المفيد (رحمه الله) قال: غسل الإحرام للحجّ سنّة أيضاً بلا خلاف، وكذا غسل إحرام العمرة، وهو اختيار ابن الجنيد، والسيد المرتضى، وسلاّر،


1 . مختلف الشيعة: 4/51.   2 . المبسوط:1/314 .

3 . الخلاف:2/286 .   4 . المنتهى:10/200، الطبعة الحديثة.

5 . التذكرة:7/223.   6 . تحرير الأحكام:1/566.


صفحه313

وابن إدريس، وابن البرّاج، وأبي الصلاح.

وقال ابن أبي عقيل: إنّه واجب.

وقال السيد المرتضى (رحمه الله): الصحيح عندي أنّ غسل الإحرام سنّة ولكنّها مؤكّدة غاية التأكيد، فلهذا اشتبه الأمر على أكثر أصحابنا، واعتقدوا أنّ غسل الإحرام واجب لقوة ما ورد في تأكيده. والحقّ الاستحباب.

لنا :الأصل براءة الذمة، وما تقدّم في حديث سعد عن الصادق(عليه السلام)حين قال: الغسل في أربعة عشر موطناً، واحد فريضة والباقي سنّة.(1)

وظاهر كلام السيد أنّ أكثر الأصحاب قائلون بالوجوب وهو مع ما نقلناه عن الشيخ وما نقله العلاّمة عن المفيد، على طرف النقيض ولم ينقل الوجوب إلاّ عن ابن أبي عقيل، نعم نسب صاحب الجواهر الوجوب إلى ابن الجنيد (2) وهو خلاف ما صرّح به العلاّمة في كلامه، ولعلّ مراد السيد من الأكثر الصدوق وكلّ من ذكر التعبير عنه أو عن إعادته بلفظ الأمر و «عليك» ونحوهما.(3)

هذه كلمات أصحابنا، وأمّا الآخرون فقال ابن رشد: اتّفق جمهور العلماء على أنّ الغسل للإهلال سُنّة وأنّه من أفعال المُحْرِم حتّى قال ابن خويز منداد: إنّ هذا الغسل للإهلال عند مالك أوكد من غسل الجمعة.

وقال أهل الظاهر: هو واجب.


1 . مختلف الشيعة: 1/315 .   2 . الجواهر:5/44.

3 . الجواهر:5/44.


صفحه314

وقال أبو حنيفة والثوري: يُجزئ منه الوضوء.

وحجة أهل الظاهر مرسل مالك من حديث أسماء بنت عميس: أنّها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء. فذكر ذلك أبو بكر لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: «مرها فلتغتسل، ثمّ لتهلّ» والأمر عندهم على الوجوب. وعمدة الجمهور: أنّ الأصل هو براء الذمة حتّى يثبت الوجوب بأمر لا مدفع فيه.

وكان عبد اللّه بن عمر يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، ولدخول «مكّة»، ولوقوفه عشية يوم عرفة، ومالك يرى هذه الاغتسالات الثلاثة من أفعال المحرم.(1)

وقال الخرقي في متن «المغني»: والمرأة يستحبّ لها أن تغتسل عند الإحرام وإن كانت حائضاً أو نفساء، لأنّ النبي أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل.

وقال ابن قدامة في «المغني» في شرح العبارة: وجملة ذلك أنّ الاغتسال مشروع للنساء عند الإحرام كما يشرع للرجال، لأنّه نُسك وهو في حقّ الحائض والنفساء آكد،ثمّ ذكر الخبر.(2)

والظاهر ما عليه المشهور ويدلّ عليه وجوه:

1. اتّفاق فقهاء الإسلام على الاستحباب كما عرفت،ولم يُنقل الوجوب من أصحابنا إلاّ من القديمين أو من أحدهما فقط كما تقدّم، كما لم ينقل من


1 . بداية المجتهد:3/302ـ 303.

2 . المغني:3/261.


صفحه315

السنة إلاّ عن الظاهريين الذين يأخذون بظاهر الدليل مع قطع النظر عن القرائن.

2. أنّ المسألة لكثرة الابتلاء بها تقتضي لنفسها أن تكون واضحة الحكم، فلو كان الاغتسال واجباً لما خفي على جمهور الفقهاء.

قال في «الجواهر»: فقد نقل استحبابه عن كثير من الأصحاب، إذ لو كان واجباً لاشترط في صحّة الإحرام، لاستبعاد الوجوب النفسي، ومن المستبعد بل الممتنع أن يكون ذلك، كذلك، ويكون المحفوظ عند العلماء خلافه، مع توفر الدواعي وتكرر الحجّ في كلّ عام.(1)

3. القول بوجوبه لا يخلو إمّا أن يكون نفسياً أو شرطياً لصحّة الإحرام.

أمّا الأوّل فبعيد جدّاً، ولذا قال في «الجواهر» : لاستبعاد الوجوب النفسي(2)، بل لم يثبت كون الغسل واجباً نفسياً، حتّى الجنابة والحيض، فكيف الإحرام للحجّ ؟

وأمّا الثاني فمعناه أنّ إنشاء الإحرام وتحقّقه مشروط به، مع أنّ المحقّق أنّه لو اغتسل ونام، لا يجب عليه إعادة الغسل ففي صحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين ثمّ ينام قبل أن يحرم، قال: «ليس عليه غسل».(3) ولا ينافيه صحيح النضر بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمّ ينام قبل


1 . الجواهر:5/44.   2 . الجواهر:5/44.

3 . الوسائل: ج 9، الباب10 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه316

أن يحرم؟ قال: «عليه إعادة الغسل».(1) لأنّه محمول على الاستحباب جمعاً بين الصحيحين.

4. ورود الاغتسال ضمن المستحبات في بعض الروايات.

روى الصدوق في «عيون الأخبار» عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)في كتاب كتبه إلى المأمون: «وغسل يوم الجمعة سُنّة، وغسل العيدين، وغسل دخول مكّة والمدينة، وغسل الزيارة، وغسل الإحرام، وأوّل ليلة من شهر رمضان، وليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، هذه الأغسال سنّة، وغسل الجنابة فريضة، وغسل الحيض مثله».(2)

أدلّة القول بالوجوب

يمكن الاستدلال على الوجوب بوجوه:

1. ورود الأمر به في غير واحد من الروايات:

أ. صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«... ثم استك واغتسل والبس ثوبيك...».(3)

ب. صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):«أطلِ بالمدينة


1 . الوسائل: ج 9، الباب10 من أبواب الإحرام، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 2، الباب1 من أبواب الأغسال المسنونة، الحديث6.

3 . الوسائل: ج 9، الباب6 من أبواب الإحرام، الحديث4.


صفحه317

وتجهّز بكلّ ما تريد واغتسل».(1)

ج. صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)وفيه:«...فإنّي أخاف أن يعزّ الماء عليكم بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة».(2)

2. الأمر بإعادة الغسل إذا نام أو لبس قميصاً

أ. صحيحة النضر بن سويد عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمّ ينام قبل أن يحرم؟ قال: «عليه إعادة الغسل».(3)

ب. خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إذا اغتسل الرجل وهو يريد أن يحرم فلبس قميصاً قبل أن يلبّي فعليه الغسل».(4)

ج. عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل اغتسل للإحرام ثمّ لبس قميصاً قبل أن يحرم؟ قال: «قد انتقض غسله».(5)

3. وصفه بالوجوب والفرض

أ. موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):«وغسل المحرم واجب».(6)

ب. مرسلة يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«الغسل


1 . الوسائل: ج 9، الباب7 من أبواب الإحرام، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحرام، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 9، الباب10 من أبواب الإحرام، الحديث1.

4 . الوسائل: ج 9، الباب11 من أبواب الإحرام، الحديث2.

5 . الوسائل: ج 9، الباب11 من أبواب الإحرام، الحديث1.

6 . الوسائل: ج 2، الباب1 من أبواب الأغسال المسنونة، الحديث3.


صفحه318

في سبعة عشر موطناً، منها الفرض ثلاثة» فقلت : جعلت فداك ما الفرض منها؟ قال: «غسل الجنابة، وغسل من غسل ميتاً، والغسل للإحرام».(1) رواه الشيخ عن المفيد، عن أحمد بن محمد(المتوفّـى343هـ)، و المراد به هو أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، الذي أبوه أُستاذ الصدوق، فالمفيد يروي عن الولد و الصدوق يروي عن الوالد، وهو يروي عن أحمد بن إدريس المعروف وابن علي الأشعري (المتوفّى سنة 306 هـ)، فلاحظ.

4. الأمر بإعادة الإحرام بلا غسل

روى الشيخ بسند صحيح عن الحسين بن سعيد الأهوازي، عن أخيه الحسن قال: كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن (عليه السلام): رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب: «يعيده».(2)

هذه جملة ما يمكن أن يحتج به على وجوب الاغتسال للإحرام، والجميع لا يخلو من تأمّل.

أمّا الأوّل، أعني: ورود الأمر بالاغتسال فلو لم يكن ما دلّ على عدم الوجوب بوضوح، لصحّ الاحتجاج به، وهذا يوجب حمله على الاستحباب المؤكد جمعاً بين الأدلّة.

وما ورد من التعبير بـ«عليك» ناظر إلى بيان الوظيفة واجباً كان أو


1 . الوسائل: ج 1، الباب1 من أبواب الجنابة، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 9، الباب20 من أبواب الإحرام، الحديث1.


صفحه319

مستحباً، كما إذا قيل: عليك بالدعاء لأربعين مؤمناً في صلاة الليل.

وأمّا الثاني، أعني: ما ورد من الأمر بالإعادة إذا نام أو لبس قميصاً، فإنّما هي بصدد بيان حكم الغسل عند النوم واللبس، واجباً كان أو مستحباً، لا أنّه واجب، كما إذا قيل التكلم أثناء صلاة الليل مبطل، فلا يدلّ على وجوبها، بل يدلّ على حكمها، سواء أكانت واجبة أم مستحبة.

وأمّا الثالث: أعني: وصفه بالوجوب فاقترانه بالمستحبة من الأغسال قرينة على أنّ المراد به، هو الاستحباب المؤكّد، فقد جاء في الموثّقة: وغسل المولود واجب، وغسل يوم عرفة واجب، وغسل الزيارة واجب، وغسل دخول البيت واجب، مع ذهاب المشهور إلى عدم الوجوب.

وأمّا مرسلة يونس ـ فمع ضعف سندها ـ : أنّ حصر الفرض في ثلاثة غير ظاهر بوجوب غسل الحيض والاستحاضة، ولذلك حمله الشيخ على الاستحباب، قال في «التهذيب» وأمّا قوله:«والغسل للإحرام» ـ و إن كان عندنا أنّه ليس بفرض ـ فمعناه أنّ ثوابه ثواب غسل الفريضة.(1)

وأمّا الرابع: أعني: الأمر بإعادة الإحرام بلا غسل محمول على الاستحباب، نظير إعادة المكتوبة إذا دخلها بلا أذان ولا إقامة حيث ورد الأمر بإعادتها.

فإن قلت: فرق واضح بين المقامين، فإنّ المكتوبة تبطل بإدخال فصول الأذان والإقامة فيها، لأنّ بعض فصولها ليس بذكر، فيصحّ الأمر بالإعادة، أي تجديدها بعد إبطالها.


1 . التهذيب:1/105، باب الأغسال، الحديث27.


صفحه320

وأمّا الإحرام فلو صحّ ـ كما هو المفروض ـ فلا يبطل، بالاغتسال حتّى تصحّ إعادته، بل هو باق على صحّته ولا ينتهي أمده إلاّ بالتقصير فلا محيص من القول بأنّ الإعادة فيه إرشاد إلى البطلان.

قلت: ما ذكرته مبني على دقة عقلية، غير مطروحة للعرف المخاطب، والمراد منها هو تكرار صورة العمل من دون إبطال وله نظائر في الفقه، كالصلاة المعادة جماعة فقد ورد فيها الأمر بالإعادة.

وأمّا استحبابه في الميقات فلما دلّ من جواز التقديم في بعض الأحيان; ففي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يغتسل بالمدينة للإحرام، أيجزيه عن الغسل في ذي الحليفة؟ قال: «نعم».(1) وهذا يدلّ على أنّ محلّه هو الميقات .

***

إذا لم يجد ماءً في الميقات فهل يجوز التيمم أو لا؟

ظاهر جماعة ذلك.

قال الشيخ: ويستحبّ له أن يغتسل عند الإحرام فإن لم يجد ماءً تيمم ويلبس ثوبي إحرامه.(2)

وقال ابن البراج في «المهذب»: وإن عدم الماء تيمّم .(3)


1 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحرام، الحديث5.

2 . المبسوط:1/314.

3 . المهذب:1/219.


صفحه321

وقال المحقّق: وقيل إن لم يجد ماءً تيمم له.(1)

وقال العلاّمة في «المنتهى»: لو لم يجد الماء للاغتسال، قال الشيخ (رحمه الله): يتيمّم وهو اختيار الشافعي، وقال أحمد: لا يستحبّ التيمم.(2)

وقال في «المسالك»: جواز التيمم للشيخ وجماعة وتوقف صاحب العروة، من عدم النص، وأنّ الغرض من الغسل المندوب التنظيف، لأنّه لا يرفع الحدث، وهو مفقود مع التيمّم، ومن شرعيته بدلاً لما هو أقوى، وعموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصعيد طهور المؤمن».(3)

وما ذكره من أنّ الغرض من الغسل المندوب التنظيف ليس بسديد، لأنّه من قبيل الحكمة، بل الغسل بنفسه أمر قربي مع قطع النظر عن كونه منظِّفاً.

ومع ذلك ففي مشروعية التيمّم في المقام إشكال.

ويمكن أن يقال: إنّ القدر المتيقّن من بدلية التيمّم عن الوضوء أو الغسل، هو ما إذا كانت الغاية منهما رفع الحدث أو استباحة الفعل المشروط
بالطهارة، قال سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَ أَحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيّباً فامسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ


1 . الشرائع:1/244.   2 . المنتهى:10/207، الطبعة الحديثة.

3 . المسالك:2/228.


صفحه322

وَأَيْديكُمْ مِنْهُ ما يُريدُ اللّهُ ليَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نَعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)

قوله :(فتَيَمَّمُوا صَعيداً)أي لإقامة الصلاة التي صرّح بها في قوله :(إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة).

هذا هو واقع التيمم والظرف الذي شرّع فيه، لكن: كلتا الغايتين غير متحقّقة في المقام، وليس لغسل الإحرام ذلك الشأن، بشهادة أنّه يصحّ من الحائض والنفساء.

في جواز تقديم الغسل على الميقات

هنا فروع:

1. جواز تقديم الغسل على الميقات عند خوف إعواز الماء فيه.

2. جواز تقديمه مطلقاً مع عدم الخوف أيضاً.

3. الأحوط الإعادة في الميقات إذا تمكّن.

أمّا الأوّل: فقد تضافرت النصوص عليه وأفتى به الأصحاب.

1. قال الشيخ: ولا بأس أن يغتسل قبل بلوغه إلى الميقات إذا خاف عوز الماء.(2)

2. وقال المحقّق: ويجوز له تقديمه على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه.(3)


1 . المائدة:6.   2 . النهاية:212.   3 . الشرائع:1/244.


صفحه323

ولكن المحقّق نسبه في «النافع» وفي بعض نسخ «الشرائع» إلى (قيل)، وقال: وقيل: يجوز تقديم الغسل على الميقات لمن خاف عوز الماء.(1)

مع أنّ صاحب الرياض ادّعى فيه عدم الخلاف وقال: وعليه عامة المتأخرين بل لا خلاف فيه أجده، وبه صرح في الذخيرة مشعراً بدعوى الإجماع.(2)

وقال صاحب المدارك: أمّا جواز التقديم مع خوف عوز الماء فمجمع عليه بين الأصحاب.(3)

ويدلّ على جواز التقديم ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم قال: أرسلنا إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)ونحن جماعة ونحن بالمدينة: إنّا نريد أن نودّعك، فأرسل إلينا أن «اغتسلوا بالمدينة، فإني أخاف أن يعزّ عليكم الماء بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة، والبسوا ثيابكم الّتي تحرمون فيها ثمّ تعالوا فرادى أو مثاني». وهذا ما رواه الكليني.

ورواه الصدوق باسناده عن ابن أبي عمير وزاد فيه: فلمّا أردنا أن نخرج قال:«لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماءً إذا بلغتم ذا الحليفة».(4)

ورواه الشيخ في «التهذيب» مع الزيادة (5)والظاهر عدم الاختلاف بين


1 . لاحظ الجواهر:18/180; كشف الرموز في شرح المختصر النافع:1/347.

2 . الرياض:6/224.

3 . المدارك:7/251.

4 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحرام، الحديث1و2.

5 . التهذيب:5/303، الباب24 ما يجب على المحرم اجتنابه، الحديث32.


صفحه324

«الفقيه»(1) و«التهذيب» في نقل الذيل.

فالرواية دالّة على جواز الاغتسال في المدينة وعدم وجوب إعادته بالميقات وإن وجد الماء فيه.

أمّا الفرع الثاني: فهو تقديم الاغتسال مطلقاً بلا عذر أيضاً، فقد قوّاه جماعة من متأخّري أصحابنا.

قال في «الرياض»: بل ظاهر جملة منها جواز التقديم مطلقاً ولو لم يخف عوز الماء، وقوّاه جماعة من متأخّري أصحابنا.(2)

ويدلّ عليه صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغتسل بالمدينة للإحرام أيجيزه عن غسل ذي الحليفة؟ قال: «نعم».(3)

وإطلاق الرواية يعمّ صورة خوف إعواز الماء وعدمه.

كما يدلّ عليه أيضاً صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)ونحن بالمدينة عن التهيّؤ للإحرام؟ فقال: «أطلِ بالمدينة وتجهّز بكلّ ما تريد، واغتسل، وإن شئت استمتعت بقميصك حتّى تأتي مسجد الشجرة».(4)

والاستدلال صحيح وفق ما رواه الشيخ والصدوق عن معاوية بن


1 . الفقيه:2/308، الحديث2537، الباب109 التهيّؤ للإحرام.

2 . رياض المسائل:6/224.

3 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحرام، الحديث5. والظاهر اتّحاده مع الحديث6.

4 . الوسائل: ج 9، الباب7 من أبواب الإحرام، الحديث1.


صفحه325

وهب، ولكن رواه الشيخ بسند آخر عنه.(1) وليس فيه قوله: واغتسل،ولكن الجملة الأخيرة، أعني قوله: «وإن شئت استمتعت بقميصك حتّى تأتي مسجد الشجرة» تدلّ على سقوط قوله:«واغتسل» وإلاّ فأيّ مناسبة لذكر الاستمتاع بالقميص بعد التهيّؤ للإحرام ولم يأت شيئاً من مقدّماته. وقد ثبت في محلّه أنّ الأمر إذا دار بين النقيصة والزيادة فالأُولى هي المتعيّنة .

أمّا الفرع الثالث: فقد احتاط صاحب العروة بالإعادة في الميقات إذا تمكّن.

قال في المستند: وهل تستحب الإعادة لو وجد الماء في الميقات أو لا؟

فيه قولان: الأقرب هو الثاني للأصل.(2)

ومنشأ الوجهين هو ذيل صحيحة هشام، أعني قوله: «لا عليكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماءً إذا بلغتم ذا الحليفة»، لأنّ فيه احتمالين:

1. أن تكون «لا» لنفي الجنس والمنفي هو «البأس»، أي «لا بأس عليكم أن تغتسلوا» فيكون دليلاً على الوجه الأوّل.

2. أن تكون «لا» في قوله: «لا عليكم أن تغتسلوا» هي «لا» المشبهة بـ«ليس» فيكون المعنى «أي ليس لكم أن تغتسلوا إن وجدتم ماءً» فيكون دليلاً على القول الثاني، وهذا هو الأظهر.

وهنا احتمال ثالث يؤيد الوجه الثاني، أي عدم الحاجة إلى الإعادة


1 . المصدر نفسه، الحديث3.   2 . مستند الشيعة:11/272.


صفحه326

وعدم انتقاض الغسل بالنوم وهو أن تكون «لا» لنفي المستقبل، سواء أكان المنفي هو اللزوم، أو الجواز أي لا يلزم ولا يجوز الاغتسال بعد العثور على الماء.

واعلم أنّ مرجع البحث في لزوم الإعادة في المقام، إلى ناقضية النوم للغسل السابق وعدمها، فيعيد على الأوّل دون الثاني. ولا منافاة بين أن يكون الغسل بالذات مستحباً وتكون الإعادة لازمة عند توسط النوم، وذلك لأنّ المراد هو أنّ إدراك الفضيلة المترتبة على الإحرام بعد الغسل رهن الإعادة وإلاّ فلا تدرك، ومنه يظهر معنى وجوب الإعادة إذا توسط بين الغسل والإحرام، أحد الأُمور الآتية: أكل ولبس ما لا يجوز أكله أو لبسه أو التطيب والتقنّع، فلاحظ.

في كفاية الغسل من أوّل النهار إلى الليل وبالعكس

هنا أُمور:

الأوّل: كفاية غسل أوّل النهار إلى الليل فيحرم بلا إعادته، وأوّل الليل إلى أوّل النهار كذلك.

الثاني: كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس .

الثالث: حكم الإعادة إذا نام بين الغسل والإحرام. وإليك دراستها.

الأمر الأوّل: كفاية غسل أوّل النهار إلى الليل وبالعكس

قال الشيخ في «النهاية» :وإذا اغتسل بالغداة كان غسله كافياً لذلك اليوم.


صفحه327

أيّ وقت أراد أن يُحرم فيه، فعل; وكذلك إذا اغتسل في أوّل الليل، كان جائزاً له إلى آخره ما لم ينم.(1)

وقال المحقّق: ويجزي الغسل في أوّل النهار ليومه، وفي أوّل الليل لليلته ما لم ينم.(2)

وقال في «المختصر النافع»: ويجزي غسل النهار ليومه وكذا غسل الليل ما لم ينم.(3)

ووصفه في «رياض المسائل» بقوله: بلا خلاف أجده للنصوص المستفيضة وفيها الصحيح والموثق وغيرهما ...وبه أفتى جماعة من متأخري المتأخرين، تبعاً للمحكي عن «المقنع».(4)

ويدل عليه صحيحتان:

1. صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «غسل يومك ليومك، وغسل ليلتك لليلتك».(5)

2. صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله إلى الليل في كلّ موضع يجب فيه الغسل، ومن اغتسل ليلاً، كفاه غسله إلى طلوع الفجر».(6) ووصف الحديث بالصحّة على


1 . النهاية:212.   2 . الشرائع:1/244.

3 . المختصر النافع:82.   4 . رياض المسائل:6/226.

5 . الوسائل: ج 9، الباب9 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

6 . الوسائل: ج 9، الباب9 من أبواب الإحرام، الحديث 4.


صفحه328

فرض كون الوارد في نسخة «التهذيب» هو عمر بن يزيد لا عثمان بن يزيد، وأمّا على النسخة الأُخرى فهو خبر إذ لم يوثّق عثمان بن يزيد وإن كان له رواية في «التهذيب» و«الكافي»، ولكن الظاهر هو الأوّل، بشهادة الصحيحة الأُولى.

الأمر الثاني: كفاية غسل اليوم إلى آخر الليل وبالعكس

وأمّا الاجتزاء بغسل النهار لليلته، وغسل الليل لنهاره فيدلّ عليه حديثان:

1. صحيح جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «غسل يومك يجزيك لليلتك، وغسل ليلتك يجزيك ليومك».(1)

2. موثّق سماعة بن مهران ، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «من اغتسل قبل طلوع الفجر وقد استحم قبل ذلك ثمّ أحرم من يومه أجزأه غسله».(2)

لكن في خبر أبي بصير ـ انّه إذا اغتسل نهاراً ولم يحرم حتّى الليل، فإنّه يعيد ـ قال: أتاه رجل وأنا عنده، فقال: اغتسل بعض أصحابنا فعرضت له حاجة حتى أمسى، فقال: «يعيد الغسل، يغتسل نهاراً ليومه ذلك، وليلاً لليلته».(3)، ولكنّه مطروح والسند ضعيف بعلي بن أبي حمزة، أو مؤوّل محمول على مراتب الاستحباب.


1 . الوسائل: ج 9، الباب9 من أبواب الإحرام، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب9 من أبواب الإحرام، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 9، الباب9 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه329

 

الأمر الثالث: حكم الإعادة إذا نام بين الغسل والإحرام

وأمّا الإعادة إذا نام بعد الغسل وقبل الإحرام ففيه وجهان:

الأوّل: لزوم الإعادة والمراد به هو بطلان الغسل بالنوم قبل الإحرام ولا منافاة بين أن يكون الغسل مستحباً بالذات، ووجوب إعادته إذا نام، لأنّ المراد من الوجوب هو ناقضية النوم فلا محيص لدرك فضيلة الغسل المستحب عن إعادته، ويمكن استظهاره من لفيف من الروايات:

1. صحيح النضر بن سويد، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمّ ينام قبل أن يحرم؟ قال: «عليه إعادة الغسل».(1)

2. خبر علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن رجل اغتسل للإحرام، ثمّ نام قبل أن يحرم؟ قال: «عليه إعادة الغسل».(2)

3. صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثمّ ينام فيتوضأ قبل أن يدخل أيجزيه ذلك أو يعيد؟ قال: «لا يجزيه لأنّه إنّما دخل بوضوء».(3)

4. خبر علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: قال لي: «إن اغتسلت بمكة ثمّ نمت قبل أن تطوف فأعد غسلك».(4)


1 . الوسائل: ج 9، الباب10 من أبواب الإحرام، الحديث1.

2 . المصدر نفسه، الحديث2.

3 . الوسائل: ج 9، الباب6 من مقدّمات الطواف، الحديث1.

4 . المصدر نفسه، الحديث2.


صفحه330

وموردهما وإن كان هو الاغتسال لدخول مكة أو للطواف، لكن يمكن الاستئناس بأنّ النوم يبطل الأغسال المسنونة.

5. موثّق إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: سألته عن غسل الزيارة، يغتسل بالنهار ويزور بالليل بغسل واحد؟ قال: «يجزيه إن لم يحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوءاً فليعد غسله» .(1)

وهذه الروايات التي يؤيّد بعضها بعضاً، تثبت انتقاض الغسل بالنوم، وبغيره بطريق أولى.

الوجه الثاني: عدم الانتقاض، وعدم الحاجة إلى الإعادة ويدلّ عليه صحيح العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة، ويلبس ثوبين ثمّ ينام قبل أن يحرم ؟قال: «ليس عليه غسل».(2)

والظاهر وجود التعارض بين صحيحي النضر بن سويد و صحيح العيص بن القاسم، فإنّ مفاد الأوّل هو كون النوم ناقضاً، كما هو ظاهر قوله: عليه إعادة الغسل، كما أنّ مفاد الثاني عدم ناقضية النوم المعبر عنه بقوله: ليس عليه غسل، فيتعارضان فيتساقطان. ويشهد على أنّ المراد هو الناقضية، خبر ابن أبي حمزة في من لبس المخيط بين الغسل والإحرام.(3)

وأمّا الروايات المؤيدة فقد مرّ أنّها للاستئناس لا للاستدلال. فالمرجع


1 . الوسائل: ج 10، الباب 3 من أبواب الزيارة، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 10 من أبواب الإحرام، الحديث3.

3 . الوسائل: ج 9، الباب 10 من أبواب الإحرام، الحديث1.


صفحه331

هو عمومات ما دلّ على ناقضية النوم وغيره من سائر النواقض.

فإن قلت: مقتضى إطلاق كفاية غسل النهار ليومه، أو غسل الليل لليلته وبالعكس، عدم ناقضية النوم ، الغسل.

قلت: الإطلاق محمول على صورة عدم النوم ، وذلك لأنّ ناقضية النوم أمر مرتكز في ذهن الراوي الشيعيّ.

ومنه يظهر حكم ما إذا بال بين الغسل والإحرام.

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ وجدان الماء في الميقات ـ إذا اغتسل قبله ـ لا ينقض الغسل بخلاف النوم فإنّه ينقض فلا محيص عن الإعادة لإدراك الفضيلة.

ثمّ إنّ هنا نواقض أُخرى كالأُمور التالية:

1. أكل ما لا يجوز أكله.

2. لبس ما لا يجوز لبسه.

3. التطيب.

4. التقنع.

حكم الإعادة في الأكل واللبس والتطيب والتقنّع

كما أنّ الأولى إعادة الغسل إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم، بل وكذا لو تطيّب، بل الأولى ذلك في جميع تروك الإحرام،فلو أتى بواحد منها بعدها قبل الإحرام، الأولى إعادته.


صفحه332

قد أُلحق بالنوم ـ في إعادة الغسل ـ أكلُ أو لُبس ما لا يجوز أكله ولبسه للمحرم، في كلام الشيخ والمحقّق.

قال الشيخ: ومتى اغتسل للإحرام، ثمّ أكل طعاماً لا يجوز للمحرم أكله، أو لبس ثوباً لا يجوز له لبسه، يستحب له إعادة الغسل استحباباً.(1)

قال المحقّق: ولو اغتسل وأكل أو لبس مالا يجوز للمحرم أكلُه ولا لُبسه، أعاد الغسل استحباباً.(2)

وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عـن أبي عبـد اللّه(عليه السلام)قـال: «إذا لبست ثوباً لا ينبغي لك لُبسه، أو أكلت طعاماً لا ينبغي لك أكله، فأعد الغسل».

ونظيرها صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا اغتسلت للإحرام فلا تقنع ولا تطيب، ولا تأكل طعاماً فيه طيب فتعيد الغسل».(3)

إنّما الكلام في إلحاق جميع تروك الإحرام بالنوم، فقد ألحقه صاحب العروة، وقال الشهيد الثاني: أضاف الشهيد (رحمه الله) التطيب، ولم يتعرض لباقي محرمات الإحرام مع أنّ منها ما هو أقوى من هذه، لعدم النص.(4)

3. وصحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إن لبست ثوباً في إحرامك لا يصلح لك لبسه، فلبّ وأعد غسلك».(5)

4. خبر علي بن أبي حمزة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل اغتسل


1 . النهاية:212.   2 . الشرائع:1/244.

3 . الوسائل: ج 9، الباب 13 من أبواب الإحرام، الحديث 1و2.

4 . المسالك:2/229.

5 . الوسائل: ج 9، الباب13 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه333

للإحرام ثمّ لبس قميصاً قبل أن يحرم؟ قال: «قد انتقض غسله».(1)

5. صحيح محمد بن مسلم ـ و في السند سهل وقد قيل: و الأمر في سهل، سهل ـ عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:«إذا اغتسل الرجل وهو يريد أن يحرم فلبس قميصاً قبل أن يلبّي فعليه الغسل».(2)

ولو أخذنا بهذه الروايات لا تنحصر مواضع الإعادة بالثلاثة المذكورة في المتن، بل يضاف إليها التقنّع في صحيح عمر بن يزيد.

إنّما الكلام في إلحاق سائر التروك بها، يمكن التفصيل بين الأقوى، كالنكاح وغيره فيلحق ، أخذاً بالأولوية وبين الأضعف كتقليم الأظفار أو قلع السنّ، ففي مرسلة جميل، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل اغتسل لإحرامه ثمّ قلّم أظفاره، قال: «يمسحها بالماء ولا يعيد الغسل».(3)

لو أحرم بغير غسل

قال الشيخ في «النهاية»: ومن أحرم من غير صلاة وغير غسل، كان عليه إعادة الإحرام بصلاة وغسل.(4)

قال المحقّق: ولو أحرم بغير غسل أو صلاة ثمّ ذكر، تدارك ما تركه وأعاد الإحرام.(5)


1 . الوسائل: ج 9، الباب11 من أبواب الإحرام، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب11 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 9، الباب12 من أبواب الإحرام، الحديث2.

4 . النهاية:213.   5 . الشرائع:1/244.


صفحه334

وقال في «المسالك»: المشهور والأقوى أنّ تداركه على وجه الاستحباب ليقع على أكمل أحواله.(1)

ويدلّ عليه صحيح حسين بن سعيد، عن أخيه الحسن قال: كتبت إلى العبد الصالح أبي الحسن(عليه السلام): رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً، ما عليه في ذلك؟ وكيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب: «يعيده».(2)

وظاهر قوله:«يعيده» هو الوجوب، لأنّ الجملة الخبرية أوضح في الوجوب من صيغة الأمر، ولكن حمل على الاستحباب لبعض الوجوه.

قال في «المدارك»: وإنّما حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب، لأنّ السؤال إنّما وقع عمّا ينبغي أن يصنع لا عمّا يجب.(3)

وما ذكره مبنيّ على ظهور لفظة «ينبغي» في الاستحباب وهو كذلك في عصرنا، وأمّا في عصر صدور الرواية فصاحب الحدائق ينكر ذلك، والأولى أن يقال: إنّه يحمل على الاستحباب، لأنّه لا وجه للوجوب بعدما كان الغسل من أصله مستحباً.

وإليه أشار في «الجواهر» حيث قال: لا أجد فيه خلافاً...، بل ولا وجهاً ضرورة عدم تعقّل وجوب الإعادة مع كون المتروك مندوباً.(4)

إنّما الكلام في تفسير الاستحباب في المقام، إذ كيف يستحبّ للمحرم أن يحرم ثانياً ويعيده قبل الشروع في الأعمال.


1 . المسالك:2/229.

2 . الوسائل: ج 9، الباب20 من أبواب الإحرام، الحديث1.

3 . المدارك:7/253ـ254.   4 . الجواهر:18/185.


صفحه335

فهناك وجوه:

الأوّل: إنكار استحباب الإعادة وهو الذي اختاره ابن إدريس فأنكر استحباب الإعادة قائلاً بأنّه أحرم واقعاً فلا معنى لإعادته مرّة ثانية، قال في «المدارك»: وهو جيّد على أُصوله.(1)

والظاهر أنّ مراد صاحب المدارك من قوله:«وهو جيد على أُصوله» هو عدم حجّية الخبر الواحد (حديث سعيد الأهوازي) عنده، ولكن عبارة السرائر تدلّ على أنّ الإنكار لأمر آخر، وإليك نصّه:

فقال بعد نقل كلام شيخنا الطوسي في «النهاية» الّذي سبق ما هذا نصّه: إن أراد أنّه نوى الإحرام، وأحرم، ولبّى، من دون صلاة وغسل، فقد انعقد إحرامه، فأيّ إعادة تكون عليه، وكيف يتقدر ذلك.

وإن أراد أنّه أحرم بالكيفية الظاهرة، من دون النية والتلبية، على ما قدّمنا القول في مثله، ومعناه، فيصحّ ذلك، ويكون لقوله وجه.(2)

أقول: ما ذكره من الوجه الثاني بعيد جدّاً فإنّ الرواية ظاهرة في أنّه أحرم حقيقة، فكيف يحمل على أنّه أحرم من دون النية والتلبية؟

فلابدّ من تفسير الاستحباب على الوجه الأوّل أي أنّه أحرم ولبّى، إحراماً صحيحاً.

الثاني: بطلان الإحرام الأوّل بالإحرام الثاني نظير التكبيرة الثانية الّتي


1 . المدارك:7/254.

2 . السرائر:1/532 .


صفحه336

تبطل التكبيرة الأُولى فيتوقّف الدخول في الصلاة على تكبيرة ثالثة.

نعم يفارقها المقام بأنّ الإحرام الثاني مبطل للأوّل وصحيح في نفسه، وهو خيرة صاحب الرياض قال: وعلى هذا فالمعتبر من الإحرامين ثانيهما.

ونسبه إلى «المختلف» و«المنتهى» وغيرهما(1) ولكن عبارة العلاّمة في «المختلف» ليست ظاهرة في هذا القول، بل ظاهر عبارته هو صحّة كلا الإحرامين غاية الأمر أنّ الأوّل واجب والإعادة مستحبة نظير إعادة المكتوبة بالجماعة، وإليك نصّه:

قال في جواب ابن إدريس: إنّما قصد الشيخ (رحمه الله) أنّه إذا عقد إحرامه بالتلبية والنيّة ولُبس الثوبين الّتي هي أركان الإحرام وأجزاؤه، من غير غسل ولا صلاة، استحب له إعادة التلبية ولبس الثوبين والنية ثمّ ذكر رواية الحسين بن سعيد وقال: ولا استبعاد في إعادة الفرض لأجل النفل كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها بغير أذان ولا إقامة فإنّه يستحبّ له إعادتها.(2)

الثالث: انّ الصحيح هو الإحرام الأوّل والثاني صورة الإحرام بمعنى مشروعية صورة الإحرام بلبس الثوبين والتلبية من دون إنشاء النية. وهو خيرة «المسالك» و«المدارك» وصاحب العروة.

قال الشهيد الثاني: المشهور والأقوى أنّ تداركه على وجه الاستحباب، ليقع على أكمل أحواله، وللرواية. وقيل: على وجه الوجوب. والمعتبر هو الأوّل، إذ لا سبيل إلى إبطال الإحرام بعد انعقاده.(3)


1 . رياض المسائل:6/229.   2 . مختلف الشيعة:4/50.   3 . المسالك:2/229ـ230.


صفحه337

وقال سبطه: وقد نص الشهيدان على أنّ المعتبر هو الأوّل، إذ لا سبيل إلى إبطال الإحرام بعد انعقاده، وعلى هذا فلا وجه لاستئناف النية، بل ينبغي أن يكون المعاد بعد الغسل والصلاة ] صورة[ التلبية واللبس خاصة.(1)وتبعهما صاحب العروة وقال: وأعاد صورة الإحرام.

ولعلّ وجهه أحد أمرين:

1. أنّ الإحرام أمر بسيط قائم بالقلب وهو توطين النفس على ترك المحرمات. وأمّا التلبية ولبس الثوب فمن أعمال الإحرام كما عليه الشيخ الأنصاري، وهو لا يقبل التكرار والإعادة، فتحمل الرواية على تكرار الصورة.

2. أنّه من المقرر عند الفقهاء انّ الإنسان لا يخرج من الإحرام إلاّ بالأعمال، سواء أكان الإحرام إحرام العمرة أم إحرام الحجّ، فكيف يخرج من الإحرام بتجديد النيّة؟

الرابع: صحّة كلا الإحرامين.

وهو ما اختاره الفاضل الإصبهاني وصاحب الحدائق والسيد الخوئي.

قال الفاضل: إنّ الإعادة لا تفتقر إلى الإبطال، لِمَ لا يجوز أن يستحب تجديد النية وتأكيدها للخبر، وقد ينزل عليه ما في المختلف.(2)

وقال صاحب الحدائق: لا منافاة بين الإعادة لطلب الكمال وبين براءة الذمة بالأوّل، ولأنّ عدم اعتباره لا يدلّ على إبطاله، وقد عرفت أنّه لا دليل على إبطاله بعد انعقاده.(3)


1 . المدارك:7/254.   2 . كشف اللثام:5/251.   3 . الحدائق الناضرة:15/19.


صفحه338

وقال السيد الخوئي: وذهب بعضهم إلى أنّه لا مانع من انعقاد الإحرام بعد الإحرام، وكلا الإحرامين حقيقي صحيح، والأوّل واجب ـ على فرض وجوب الحجّ ـ والثاني مستحب، نظير الصلاة المعادة جماعة، ويحسب له في الواقع أفضلهما، نحو ما ورد في الصلاة جماعة، فالأوّل صحيح وإن استحب له الإعادة التي لا تبطله، فالحكم بالإعادة حكم تعبّدي شرعي لتدارك الفضيلة، وهذا الوجه اختاره صاحب الجواهر، وهو الصحيح، ويوافق ظاهر الرواية، لأنّ الظاهر منها إعادة نفس ما أتى به أوّلاً، وأنّ الإعادة إعادة حقيقة للإحرام الأوّل ولا موجب لبطلانه.(1)

هذا وقد عدل عنه في الفصل الثالث عشر(فصل في كيفية الإحرام) المسألة الخامسة.

وحقيقة الأمر أنّ الجمع بين الإحرامين الصحيحين الحقيقيين أمر مشكل، لا، لاجتماع المثلين، بل لأجل أنّ الإحرام إذا كان توطين النفس على ترك المحرمات فالإحرام الثاني يشبه أن يكون تحصيلاً للحاصل، فالأوجه هو القول الثالث كما عرفت.

لو ترك الغسل عامداً أو جاهلاً أو ناسياً

هنا فرعان:

1. عمومية الحكم للعامد والجاهل والناسي.

2. لو أتى بما يوجب الكفّارة بين الإحرامين وجبت عليه.


1 . المعتمد:2/467.


صفحه339

أمّا الأوّل، فالعامد والجاهل منصوص عليهما حيث جاء في الرواية: رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلاً أو عالماً.(1)

وأمّا الناسي فغير مذكور، وقد ألحقه في «الجواهر» بالجاهل بالفحوى وقال: اللّهمّ إلاّ أن يفهم لحوقه بالفحوى.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد إلحاقه بالعالم باعتبار أنّه العالم الذي طرأ عليه النسيان، فالإلحاق مشكل، لأنّ الناسي أضعف من العالم، وثبوت الحكم في الأقوى لا يكون دليلاً على ثبوته في الأضعف، وإن أُريد إلحاقه بالجاهل فله وجه حتّى جعله المحقّق الخوئي من أقسام الجاهل، لأنّه جاهل بالفعل.

ويمكن أن يقال: إنّ ذكرهما في سؤال السائل من باب المثال والحكم لمطلق المعذور.

وأمّا الفرع الثاني: فإنّه مقتضى صحّة الإحرام الأوّل مطلقاً على عامة الأقوال حتّى ولو قلنا ببطلانه بالإحرام الثاني، فإنّ المفروض أنّه ارتكب ما يوجب الكفّارة والإحرام صحيح ولم يأت بعد بما يبطله.

الأمر الرابع: أن يكون الإحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة

المشهور أنّ الإحرام بعد الصلاة أمر مستحب، ولم يخالف فيه إلاّ ابن الجنيد.

قال الشيخ: والأفضل أن يكون الإحرام بعد صلاة فريضة، فإن لم تكن


1 . راجع الوسائل: ج 9، الباب20 من أبواب الإحرام، الحديث1.

2 . الجواهر:18/189.


صفحه340

صلاة فريضة، صلّى ست ركعات من النوافل، وأحرم في دبرها. فإن لم يتمكّن من ذلك، أجزأه ركعتان.(1)

وقال المحقّق: وأن يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها، وإن لم يتفق صلّى للإحرام ست ركعات، وأقلّه ركعتان.(2)

وقال العلاّمة في «المختلف»: ظاهر كلام ابن الجنيد يعطي وجوب الغسل وصلاة الإحرام، فإنّه قال: وليس ينعقد الإحرام إلاّ من الميقات بعد الغسل والتجرّد والصلاة، والأشهر الاستحباب.(3)

وقال النراقي: وعن الإسكافي الوجوب وظاهر أكثر الأخبار معه، إلاّ أنّ شذوذه، بل مخالفته للإجماع المحقّق بالحدس لعدم قدح مخالفة النادر فيه، أوجب صرفه عن ظاهره.(4)

وأمّا السنّة فالظاهر اتّفاقهم على استحباب إيقاعه بعد الفريضة أو مطلق الصلاة.

قال الخرقي في مختصره: فإن حضر وقت صلاة مكتوبة وإلاّ صلّى ركعتين.

وقال ابن قدامة في شرحه: المستحب أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضرت صلاة مكتوبة أحرم عقيبها، وإلاّ صلّى ركعتين تطوّعاً وأحرم عقيبهما. استحب ذلك عطاء وطاووس ومالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة


1 . النهاية:212.   2 . الشرائع: 1/244.

3 . مختلف الشيعة:4/51.   4 . مستند الشيعة:11/274.


صفحه341

وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقد روي عن أحمد أنّ الإحرام عقيب الصلاة وإذا استوت به راحلته.(1)

والمهم دراسة الروايات الواردة في المقام، والذي يمكن أن يقال: إنّ الروايات على طوائف:

الأُولى: ما هو ظاهر في الوجوب

1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«لا يكون الإحرام إلاّ في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، وإن كانت نافلة صلّيت ركعتين وأحرمت في دبرهما».(2)

ولولا اتّفاق الأصحاب على الاستحباب لكان القول بالوجوب لأجلها قوياً لكن الاتّفاق قرينة على أنّ المراد هو كمال الإحرام نظير: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد.

2. صحيحته الأُخرى قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت البيت، وإذا أردت أن تحرم ...».(3)

وفي دلالة الثانية على المطلوب، ضعف، لأنّ الظاهر ـ بقرينة سائر الروايات ـ أنّ المراد هو عدم اختصاص وقت خاص له ويصحّ إتيانها في عامّة الأوقات، بشهادة الرواية التالية:


1 . المغني:3/229.

2 . الوسائل: ج 9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 9، الباب19 من أبواب الإحرام ، الحديث1.


صفحه342

عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «خمس صلوات تصلّيها في كلّ وقت، منها صلاة الإحرام».(1) وفي السند هاشم بن أبي سعيد المكاري، وهو من مشايخ ابن أبي عمير.

والعمدة هذه الطائفة وقد عرفت عدم ظهورها إلاّ الأُولى، وأمّا الطوائف الباقية فليست بصدد بيان حكم صلاة الإحرام من حيث الوجوب أو الاستحباب، وانّما هي بصدد بيان أُمور أُخرى:

ـ جواز الإحرام بعد كلّ صلاة.

ـ لبيان كيفية التطوع للإحرام.

ـ أو الأفضل كون الإحرام بعد الفريضة.

ـ ما يحكي فعل النبي من أنّه أحرم بعد الظهر أو الصلاة.

ـ ما يدلّ على أنّه سنّة مؤكّدة.

وإليك التفصيل:

الثانية: ما يدلّ على جواز الإحرام بعد كلّ صلاة

ما دلّت على جواز الإحرام بعد كلّ صلاة فريضة كانت أو نافلة:

1. خبر أبي الصباح الكناني قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أرأيت لو أنّ رجلاً أحرم في دبر صلاة مكتوبة أكان يجزيه ذلك؟ قال: «نعم». (2)


1 . الوسائل: ج 9، الباب19 من أبواب الإحرام، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب18 من أبواب الإحرام، الحديث2.


صفحه343

2. خبر عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال: «واعلم أنّه واسع لك أن تحرم في دبر فريضة أو نافلة، أو ليل أو نهار».(1)

والظاهر أنّ المركوز في أذهان الأكثر أنّه لا يصح الإحرام إلاّ بعد صلاة الفريضة، فركز الإمام على كفاية مطلق الصلاة.

الثالثة: لبيان كيفية التطوع للإحرام

إنّ بعض ما ورد في المقام بصدد بيان كيفية التطوع للإحرام و بيان مقدار ركعاتها:

1. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «تصلي للإحرام ست ركعات تحرم في دبرها».(2)

2. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا أردت الإحرام في غير وقت صلاة الفريضة، فصلّ ركعتين ثمّ أحرم دبرها».(3)

الرابعة: أفضلية كون الإحرام بعد المكتوبة

وهنا ما يدلّ على أنّ الإحرام بعد المكتوبة سنّة مؤكّدة:

1. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «صل المكتوبة ثمّ أحرم بالحجّ أو بالمتعة».(4)


1 . المصدر نفسه، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 18 من أبواب الإحرام ، الحديث4.

3 . المصدر نفسه، الحديث5.

4 . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث 6.


صفحه344

2. صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)كيف أصنع إذا أردت الإحرام ؟قال: «إعقد الإحرام في دبر الفريضة» .(1)

3. عن إدريس بن عبد اللّه، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر كيف يصنع؟

قال: «يُقيم إلى المغرب » قلت: فإن أبى جمّاله أن يقيم عليه؟ قال: «ليس له أن يخالف السنّة»، قلت: أله أن يتطوّع بعد العصر؟ قال: «لا بأس به، ولكنّي أكرهه للشهرة، وتأخير ذلك أحبّ إليّ»، قلت: كم أُصلي إذا تطوّعت؟ قال: أربع ركعات».(2)

ومراده من السنّة هو الإحرام بعد المكتوبة، فإنّ الإحرام في غير وقت المكتوبة مكروه عند السنّة، ففي الموسوعة الكويتية: ولا يصلّيهما في الوقت المكروه اتّفاقاً بين الأئمّة.(3)

وربّما يتخيّله الجاهل بأنّه تطوّع بعد العصر وهو عندهم ممنوع، ولذلك أمره الإمام بالصبر إلى وقت صلاة المغرب.

ولمّا رأى السائل أنّ الإمام أمره بالصبر إلى المغرب حاول أن يتخلّص من ذلك بسؤال آخر وهو التطوّع بعد العصر، فإذا جاز فله أن يتطوّع ويحرم ويخرج مع الجمّال، فأجاب الإمام بعدم البأس به لكن كرهه مخافة الشهرة.


1 . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث 7.

2 . الوسائل: ج 9، الباب19 من أبواب الإحرام ، الحديث3.

3 . الموسوعة الكويتية:2/113، مادة «أحرم».


صفحه345

فهذا يدلّ على أنّ الصلاة سنّة مؤكّدة لا تخالف حتّى في الظروف الحرجة.

الخامسة: في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أحرم بعد الظهر أو الصلاة

وهنا ما يدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أحرم بعد صلاة الظهر، أو مطلق الصلاة.(1) وما يدلّ على أنّ القارن يقلدها بنعل خلق قد صلى بها.(2)

السادسة: ما يستظهر منه أنّه سنّة مؤكّدة

وهنا ما يدلّ على أنّه سنّة مؤكّدة حيث عبر عنه وعمّـا يأتي بعده بالفرض.

روى حنان بن سدير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إذا أتيت مسجد الشجرة فأفرض» قلت: وأي شيء الفرض؟ قال: تصلّي ركعتين، ثم تقول: اللّهم إنّي أُريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحج».(3)

واشتماله على الدعاء المستحب آية أنّ المراد من الفرض هو الاستحباب المؤكد. فلم يدلّ دليل قاطع على لزوم الإحرام بعد الصلاة.

والأولى أن يكون بعد صلاة الظهر، في غير إحرام حجّ التمتع، فإنّ الأفضل فيه أن يصلّي الظهر بمنى. وإن لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة


1 . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث2و 14.

2 . الوسائل: ج 8، الباب12 من أبواب أقسام الحج، الحديث4.

3 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه346

فريضة أُخرى حاضرة وإن لم يكن فمقضية، وإلاّ فعقيب صلاة النافلة.

الأمر الخامس: صلاة ست ركعات أو أربع ركعات أو ركعتين للإحرام

والأولى الإتيان بها مقدماً على الفريضة. ويجوز إتيانها في أيّ وقت كان بلا كراهة، حتّى في الأوقات المكروهة، وفي وقت الفريضة، حتّى على القول بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة. لخصوص الأخبار الواردة في المقام. والأولى أن يقرأ في الركعة الأُولى بعد الحمد التوحيد، وفي الثانية الجحد، لا العكس كما قيل.

في كراهة استعمال الحناء للمرأة

يكره للمرأة ـ إذا أرادت الإحرام ـ أن تستعمل الحناء إذا كان يبقى أثره إلى مابعده، مع قصد الزينة، بل لا معه أيضاً إذا كان تحصل به الزينة وإن لم تقصدها، بل قيل بحرمته. فالأحوط تركه، وإن كان الأقوى عدمها. والرواية مختصة بالمرأة. لكنّهم ألحقوا بها الرجل أيضاً، لقاعدة الاشتراك، ولا بأس به. وأمّا استعماله مع عدم إرادة الإحرام فلا بأس به وإن بقي أثره ، ولا بأس بعدم إزالته وإن كانت ممكنة.


صفحه347

الرسالة الثمانون

لبس الثوبين من واجبات الإحرام


صفحه348


صفحه349

من واجبات الإحرام لبس الثوبين بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه، وفي المسألة فروع ثلاثة:

الأوّل: هل اللبس واجب تكليفاً أو لا؟

الثاني: هل التجرّد من المخيط شرط لصحّة الإحرام؟

الثالث: هل اللبس شرط وضعاً سبب لصحة الإحرام؟

وأشار إلى الفرع الأوّل بقوله: «من واجبات الإحرام لبس الثوبين»، وإلى الفرع الثاني بقوله: «بعد التجرّد عمّا يجب على المحرم اجتنابه»، وإلى الفرع الثالث بقوله: «والأقوى عدم كون لبسهما شرطاً في تحقّق الإحرام». وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: وجوب لبس الثوبين تكليفاً

الظاهر وجوب لبس الثوبين تكليفاً وأنّه من واجبات الإحرام.

والظاهر أنّ المسألة إجماعية.

قال العلاّمة في «المنتهى»: لُبس ثوبي الإحرام واجب، وقد أجمع


صفحه350

العلماء كافّة على تحريم لُبس المخيط، فإذا أراد الإحرام نزع ثيابه ولَبِس ثوبي الإحرام، يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.

روى الجمهور عن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه قال: سأل رجل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا يجتنب المحرم من الثياب؟ قال: «لا تلبس القميص والسراويل ولا العمامة ولا ثوباً به الورس والزعفران، وتلبس إزاراً و رداءً». ثمّ نقل ما رواه الخاصّة من رواية معاوية بن عمّار.(1)

قال المحقّق: لبس ثوبي الإحرام واجب.(2)

وقال الشهيد الثاني: لا إشكال في وجوبهما، وكون أحدهما إزاراً يستر العورتين وما بين السرّة والركبة، والآخر رداءً يوضع على المنكبين.(3)

وقال في «المدارك» في شرح قول المحقّق أعلاه: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.(4)

واقتصر الفاضل في كشفه في وجوب لبس الثوبين على الأخبار وقال:

الأخبار التي ظفرت بها لا تصلح مستنداً له، مع أنّ الأصل العدم.(5)

والحقّ أنّ التشكيك في وجوب لبس الثوبين غير صحيح، لأنّ مجموع الوجوه التي استدلّ بها على الوجوب مفيد للقطع به، وهي:

ألف. التأسي بالنبي، ففي صحيح معاوية بن عمار: كان ثوبا رسول اللّه


1 . المنتهى:2/681.   2 . الشرائع:1/246.

3 . المسالك:2/236.    4 . المدارك:7/274.

5 . كشف اللثام:5/272.


صفحه351

اللّذين أحرم فيهما يمانيّين.(1)

ب. سيرة المسلمين عبر قرون، وهو أمر ملموس.

ج. ما ورد حول تجريد الصبيان في فخّ.(2)

د. ما ورد من الإحرام في المسلخ في وادي العقيق، وعند التقية يؤخر إظهاره إلى ذات عرق.(3)

هـ . تضافر الأمر باللبس في كثير من الروايات:

1. قوله (عليه السلام)في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): «ثمّ استك واغتسل والبس ثوبيك».(4)

2. صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)ـ ونحن بالمدينة ـ عن التهيّؤ للإحرام ؟قال (عليه السلام): «أطلِ بالمدينة...» إلى أن قال: «وتلبس ثوبيك».(5)

ودلالة الجملة الخبرية على الوجوب آكد من الأمر.

3. ما رواه هشام بن سالم قال: أرسلنا إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام)ونحن جماعة، ونحن بالمدينة إنّا نريد أن نودعك فأرسل إلينا:«أن اغتسلوا بالمدينة فإنّي أخاف أن يعزّ الماء عليكم بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة والبسوا


1 . الوسائل: ج 9، الباب27 من أبواب الإحرام، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب18 من أبواب الإحرام، الحديث1.

3 . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب المواقيت، الحديث10.

4 . الوسائل: ج 9، الباب6 من أبواب الإحرام، الحديث4.

5 . الوسائل: ج 9، الباب7 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه352

ثيابكم التي تحرمون فيها ثمّ تعالوا فرادى أو مثاني».(1) إلى غير ذلك من الروايات الّتي ورد الأمر بلبس الثوبين فيها والمبثوثة في أبواب الإحرام.

إنّ تضافر الأمر بلبس الثوبين ـ مع ما سبق ـ يكفي في إثبات الوجوب الشرعي; ووقوع الأمر باللبس في عداد الأُمور المندوبة، لا يضر باستفادة الوجوب منها، فلو أمر المولى بأُمور، ثمّ دلّ دليل خارجي على عدم وجوب بعضها، فلا يوجب ذلك سقوط ظهور الأمر في الوجوب في غير ما قام الدليل على عدم وجوبه ، كما إذا قال: «اغتسل للجمعة والجنابة». ولو قيل إنّ وحدة السياق دليل على الندب فإنّما هو في ما إذا لم يتضافر بوفرة وكثرة.

الثاني: هل التجرّد ممّا يجب اجتنابه شرط، أو لا؟

هل التجرّد من المخيط أو مطلق ما يجب اجتنابه شرط في صحّة انعقاد الإحرام، أو وجود ما يجب اجتنابه مانع عن الصحّة بحيث لو نوى و لبس الثوبين و عليه المخيط مثلاً و لبّى، لم ينعقد إحرامه كما هو ظاهر المروي عن ابن الجنيد ـ حسب ما نقله الشهيد ـ حيث قال: ظاهر ابن الجنيد، اشتراط التجرّد، أو أنّ التجرّد من المخيط حكم تكليفي ممنوع على المحرم وليس شرطاً لصحّة الإحرام.

ويمكن الاستدلال على الثاني بما يلي:

1. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «يوجب الإحرام


1 . الوسائل: ج 9، الباب 8 من أبواب الإحرام، الحديث 1. و لاحظ الباب 48، الحديث 2، 3، والباب 52، الحديث 1، 2، 3 من أبواب الإحرام.


صفحه353

ثلاثة أشياء: التلبية، والإشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم».(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الصحيحة بصدد بيان أسباب الإحرام، وأنّ كلّ واحد سبب تام، وأمّا ما هي الشرائط لتأثيرها فليست بصدد بيانها، ومن المحتمل أن يكون التجرّد شرطاً لتأثيرها. نعم لو شك في جزئية شيء لواحد من هذه الأسباب صحّ في نفيه التمسّك بالإطلاق.

2. ما تضافر من الروايات على أنّ من أحرم وعليه قميصه، ينزعه ولا يشقّه من دون الأمر بتجديد الإحرام. وإليك دراسة الروايات:

أ. صحيحة معاوية بن عمّـار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل أحرم وعليه قميصه، فقال: «ينزعه ولا يشقه، وإن كان لبسه بعد ما أحرم شقه وأخرجه ممّا يلي رجليه».(2)

والشاهد في الشق الأوّل، فإنّ المتبادر هو أنّ الرجل أحرم من دون أن ينزع القميص، بل لبس الثوبين فوقه، بخلاف الشق الثاني، فقد أحرم، ثمّ لبس القميص، فلو كان التجرّد من المخيط شرطاً لصحّة الإحرام كان على الإمام أن يأمر بإعادة الإحرام والتلبية في حالة الشق.

فإن قلت: إنّ صحيحة أُخرى لابن عمار تدلّ على إعادة التلبية والغسل، وهي:


1 . الوسائل: ج 8، الباب12 من أبواب أقسام الحج، الحديث20.

2 . الوسائل: ج 9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.


صفحه354

ب. عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إن لبست ثوباً في إحرامك، لا يصلح لك لبسه فلبّ وأعد غسلك، وإن لبست قميصاً فشقه وأخرجه من تحت قدميك».(1)

قلت : إنّ الصحيحة ناظرة إلى الشق الثاني، أعني: ما إذا أحرم، ثمّ لبس ما لا يصلح، وهي تفرّق بين ثوب مثل العباء والقميص، وانّ الأوّل يمكن نزعه من دون ستر الرأس، بخلاف القميص فإنّه لو أخرجه من رأسه لتحقّق ستر الرأس، فلذلك يشقّه، وبما أنّ الصحّة في هذا الشق لا غبار عليها تحمل الإعادة على الاستحباب.

فإن قلت: دلّت الصحيحة الأُولى لابن عمار على أنّ التجرّد ليس شرطاً لصحّة الإحرام، أو لبس المخيط حين الإحرام ليس مانعاً من تحقّقه مطلقاً، عالماً كان أو جاهلاً، ولكن صحيحة عبدالصمد بن بشير، وخبر خالد بن محمد بن الأصم يدلاّن على اختصاص الصحّة بالجاهل، و على هذا لو أحرم مع القميص، عالماً أو ناسياً، عليه الإعادة، وإليك الحديثين:

1. عن عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ أنّ رجلاً أعجمياً دخل المسجد يلبّي وعليه قميصه، فقال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة فجئت أحج ولم أسأل أحداً عن شيء، وأفتوني هؤلاء أن أشق قميصـي وأنزعه من قبل رجلي، وأنّ حجّي فاسد، وأنّ عليّ بدنة، فقال(عليه السلام) له: «متى لبست قميصك؟ أبعد ما لبيّت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي، قال: «فأخرجه من رأسك، فإنّه ليس عليك بدنة، وليس عليك


1 . الوسائل: ج 9، الباب45 من أبواب تروك الإحرام، الحديث5.


صفحه355

الحجّ من قابل، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً... ».(1)

والرواية ناظرة إلى الشق الأوّل من الحديث الأوّل لمعاوية بن عمار وأنّ الرجل أحرم مع القميص فقال الإمام : «ليس عليك الحجّ من قابل ـ معللاً بأنّ ـ أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه...».

2. عن خالد بن محمد الأصم دخل رجل المسجد الحرام وهو محرم فدخل في الطواف وعليه قميص وكساء، فأقبل الناس عليه يشقون قميصه، وكان(أي الثوب) صلباً فرآه أبو عبد اللّه(عليه السلام)وهم يعالجون قميصه، يشقّونه، فقال: «كيف صنعت؟» فقال: أحرمت هكذا في قميصي وكسائي، فقال: «انزعه من رأسك ليس ينزع هذا من رجليه، إنّما جهل...».(2)

فقوله: «إنّما جهل» قيد لما ورد في الرواية.

قلت: ما ذكرته من التقييد بالجهل هو خيرة صاحب الحدائق قال: ظاهر هذين الخبرين (حديثي عبد الصمد وخالد) أنّ لبس الثوب قبل الإحرام والإحرام فيه إنّما كان عن جهل، وانّه معذور في ذلك، لمكان الجهل، وصحيحة معاوية بن عمار و إن كانت مطلقة، إلاّ أنّه يمكن حمل إطلاقها على الخبرين وحينئذ فيشكل الحكم بالصحّة في من تعمّد الإحرام في المخيط عالماً بالحكم.(3)


1 . نفس المصدر والباب، الحديث3.

2 . نفس المصدر والباب، الحديث4.

3 . الحدائق: 15/78.


صفحه356

مع ذلك، فالظاهر عدم الدلالة على البطلان كما صرّح بذلك في «الجواهر» وقال: ربّما فهم منهما ـ خصوصاً الأخير ـ عدم الانعقاد مع عدم الجهل، إلاّ أنّه لا دلالة فيهما، بل إطلاق الصحيح الأوّل يقتضي خلافه.(1)وذلك لأنّ مفهوم قوله:

«من ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه» أنّ من ركبه بغير جهالة فعليه شيء، وهو مردد بين الأُمور التالية:

1. الشق والإخراج من تحت القدم، ويعدّ ذلك تأديباً وخسارة لغير الجاهل.

2. لزوم البدنة عليه دون الجاهل.

3. فساد الحج والإعادة من قابل.

4. احتمال الجميع.

ومع هذه الاحتمالات، كيف يصحّ إرجاع التفصيل بين الجهل والعلم إلى خصوص بطلان الإحرام والإعادة من قابل؟!

إلى هنا تمّ الكلام عن عدم شرطية التجرّد في صحّة الإحرام، بقي الكلام في الأمر الآخر، أعني: شرطية لبس الثوبين في صحّته. وإليك الكلام فيه.


1 . الجواهر:18/236.


صفحه357

 

الثالث: هل اللبس شرط لصحّة الإحرام؟

هل اللبس من شرائط الصحّة حتّى لو أحرم عارياً أو لابساً مخيطاً لم ينعقد إحرامه، أو أنّه ليس شرط صحّته وانّه ينعقد إحرامه وإن أثم؟ وجهان، والظاهر هو الثاني كما سيوافيك دليله.

ثمّ إنّ مدخليته تتصوّر على نحوين:

الأوّل: أن يكون لبس الثوبين جزءاً من الإحرام.

الثاني: أن يكون شرطاً لصحّة الإحرام.

أمّا الأوّل: فهو احتمال تردّه صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية، والإشعار، والتقليد، فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقـد أحرم».(1) فإنّ المتبـادر منه أنّه ينعقد الإحرام بمجرّد التلبية. وربّما يقال بأنّها ناظرة إلى بيان ما هو الجزء الأخير للإحرام الذي لابدّ منه ولذا لم يتعرض للنيّة.

يلاحظ عليه: أنّ عدم ذكر النيّة لوضوحها، والظاهر أنّ التلبية تمام المقوّم للإحرام. وقد مرّ أنّه لو كان الشكّ في جزئية شيء لواحد من هذه الأسباب، فإطلاق الصحيحة كاف في دفعه من غير فرق بين جزء وجزء، وتخصيص الرواية بأنّها بصدد بيان خصوص الجزء الأخير خلاف الإطلاق.


1 . الوسائل: ج 8، الباب12 من أبواب أقسام الحج، الحديث20.


صفحه358

وأمّا الثاني: بأن يكون لُبس ثوبين شرطاً في صحّة التلبية بحيث لو لبّى عارياً أو في المخيط من دون الثوبين بطلت التلبية وعليه إعادتها لكونها فاقدة للشرط فتفسد.

واستدلّ على عدم الشرطية بأمرين:

1. ما في صحيح معاوية بن عمّـار المتقدّم: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية، والإشعار، والتقليد; فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم». فلو كان لبس الثوبين شرطاً، لما كانت التلبية أو الأمران ( الإشعار والتقليد) سبباً للإحرام.

يلاحظ عليه: بأنّ الحديث بصدد بيان محقق الإحرام وما به تحرم المحظورات، وأمّا الشرائط المتقدّمة له، فليست الصحيحة في مقام بيانها. وليس الشكّ في جزئية شيء لواحد من الأسباب كالشكّ في شرطية شيء له لما عرفت من ظهور الصحيحة في كون التلبية تمام السبب.

2. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل أحرم وعليه قميصه، فقال (عليه السلام):

أ. ينزعه ولا يشقه.

ب. وإن كان لبسه بعدما أحرم شقه وأخرجه ممّا يلي رجليه.(1)

فاستدلّ بالشق الأوّل على صحّة الإحرام من دون لبس الثوبين قائلاً: بأنّ الإمام أمر بنزع القميص لحرمة لبس المخيط على المحرم، ولو كان لبس


1 . الوسائل: ج 9، الباب45 من أبواب الإحرام، الحديث2.


صفحه359

الثوبين شرطاً في صحّة الإحرام يلزم عليه الإحرام ثانياً لبطلان الإحرام الأوّل.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال مبني على التفريق بين الشقين بأنّه أحرم في الشق الأوّل ولم يكن معه ثوب سوى قميصه، بخلاف الثاني فقد أحرم مع الثوبين ثمّ لبس القميص.وبما أنّ الإمام أمره بنزع القميص ولم يأمره بإعادة الإحرام يكون ذلك دليلاً على عدم شرطية لبس الثوبين، ولكن المبنى غير صحيح.

لكن الظاهر أنّ الفرق بين الشقين يكمن في لبس المخيط قبل التلبية بالإحرام أو بعدها، لا في وحدة الثوب ولا تعدده، بل كان معه وراء المخيط، ثوبا الإحرام في كلا الشقين.

والأولى أن يستدلّ بوجه ثالث وهو: أنّ الأمر باللبس، لا يدلّ سوى أنّه من واجبات الإحرام ، وأمّا أنّه واجب شرطي له، بحيث يبطل الإحرام بتركه فلا يدلّ عليه.

وبعبارة أُخرى: ظاهر الأمر كونه واجباً نفسياً، لا شرطياً، إلاّ أن يدل دليل قاطع على أنّه واجب شرطي.

ويؤيد ذلك أنّ كثيراً من واجبات الحج لا يبطل الحج بتركها إمّا مطلقاً أو في صورة الجهل والنسيان، وعلى هذا فلبس الثوبين واجب نفسيّ لا شرطي حتّى يبطل الحجّ بترك لبسهما.


1 . المعتمد:2/562.


صفحه360

 

اشتراك المرأة مع الرجل في لبس الثوبين

هل تشترك المرأة مع الرجال في لبس الثوبين، أو لا؟ مقتضى إطلاق الفتاوى، بل صريح بعضها، هو الأوّل، فإنّ الموضوع للبس الثوبين هو المحرم، المراد به الجنس الشامل لكلا الصنفين كسائر الألفاظ، قال المحقّق : فالواجبات ثلاثة: الأوّل: النيّة، الثاني: التلبيات الأربع، الثالث : لبس ثوبي الإحرام.(1) ومعنى ذلك أنّ الأُمور الثلاثة لمطلق المحرم.

وصرح العلاّمة في «المنتهى» بالاشتراك قال: إحرام المرأة كإحرام الرجل إلاّ في شيئين: أحدهما رفع الصوت بالتلبية، وقد تقدّم استحباب الإخفات; والثاني: لبس المخيط لهنّ فإنّه جائز.(2)

وقال النراقي في «المستند»: إحرام المرأة والرجل على السواء إجماعاً، ويستثنى من المساواة أُمور ذكرت في مواضعها: من تغطية الرأس، ولبس المخيط، والتظليل.(3) ولم يستثن ثوبي الإحرام.

ويظهر من صاحب الحدائق اختصاص الوجوب بالرجل حيث قال: الثالث: لبس ثوبي الإحرام للرجل، ووجوبه اتفاقي بين الأصحاب، قال في «المنتهى»: انّا لا نعلم فيه خلافاً.(4)

وتبعه صاحب الجواهر وقال: الظاهر عدم وجوب لبس ثوبين


1 . الشرائع:1/245.   2 . المنتهى:10/295، الطبعة الحديثة.

3 . المستند:11/335.   4 . الحدائق الناضرة:15/75.


صفحه361

لخصوص الإحرام للمرأة تحت ثيابها وإن احتمله بعض الأفاضل، بل جعله أحوط، ولكن الأقوى ما عرفت، خصوصاً بعد عدم شمول النصوص السابقة للإناث، إلاّ بقاعدة الاشتراك التي يخرج عنها بظاهر النص والفتوى.(1)

وقد عرفت أنّ مقتضى قاعدة الاشتراك وإطلاق الفتوى وعدم استثناء المرأة عن وجوب لبس الثوبين، يقتضي وجوبه لها، واستثناء المخيط ليس دليلاً على عدم الاشتراك، إذ هنا أمران:

1. وجوب لبس الثوبين على الرجل والمرأة.

2. حرمة لبس المخيط على الرجل دونها، فلا يكون عدم التسوية في الثاني دليلاً على عدمها في الأوّل.

بل يمكن أن يقال: إنّ مقتضى النصوص ذلك أيضاً:

1. موثّق يونس: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الحائض تريد الإحرام؟ قال: «تغتسل وتستثفر وتحتشي بالكرسف، وتلبس ثوباً دون ثياب إحرامها».(2)

يقال: استثفر الرجل بثوبه إذا ردّ طرفيه بين رجليه، إلى حُجزته، والمراد في المقام أن تأخذ خرقة طويلة عريضة تشدّ أحد طرفيها من قدام وتخرجها من بين فخذيها وتشدّ طرفها الآخر من وراء بعد أن تحتشي بشيء من القطن ليمتنع به من سيلان الدم .(3)


1 . الجواهر:18/245.

2 . الوسائل: ج 9، الباب48 من أبواب الإحرام، الحديث2.

3 . مجمع البحرين، مادة«ثفر».


صفحه362

وجه الدلالة: انّ قوله: تلبس ثوباً«دون ثياب إحرامها» حاك عن أنّ لها ثياب إحرام وراء سائر ثيابها، ولو كانت ثيابُ إحرامها نفسَ الثياب التي خرجت معها من بلدها فلا ملزم لقوله: «دون ثياب إحرامها»، و الظاهر أنّ «دون» بمعنى «غير»، لا بمعنى التحت، لأنّ ثوبي الإحرام يلبسان من فوق سائر الثياب لا تحتها، واحتمال أنّ المراد من ثياب إحرامها هي الثياب البيض الرائجة في حالة الإحرام ـ كما ترى ـ لا دليل عليه .

2. خبر زيد الشحام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن امرأة حاضت وهي تريد الإحرام فتطمث قال: «تغتسل وتحتشي بكرسف وتلبس ثياب الإحرام وتحرم».(1) والرواية كالسابقة تدلّ على أنّ لها ثياباً للإحرام وراء سائر ثيابها.

3. صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الحائض تحرم وهي حائض؟ قال: «نعم، تغتسل وتحتشي وتصنع كما يصنع المحرم ولا تصلّي».(2)

فتدلّ الرواية على أنّها تغسل كما يصنع المحرم، أي الرجل، أو مطلق المحرم من النيّة والتلبية واللبس، وتستثنى الصلاة.

4. الروايات البيانية في الحج، خصوصاً ما ورد في حج الرسول.(3) من


1 . الوسائل: ج 9، الباب48 من أبواب الإحرام، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب48 من أبواب الإحرام ، الحديث4 . وفيه:«كما تصنع المحرمة» بدل«كما يصنع المحرم»، والظاهر هو من غلط النسّاخ. وقد صحّحنا الحديث على نسخة التهذيب:5/388برقم 1358.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج.


صفحه363

أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الناس بنتف الإبط، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، والتجرّد في إزار ورداء.(1)

ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين الرجل والأُنثى، وعدم لزوم التجرّد على الأُنثى لا يكون دليلاً على عدم شمول غيره لها، كما أنّ عدم شمول حلق العانة، لغير البالغين لا يكون دليلاً على خروجهم عن مجموع ما ورد في الروايات البيانيّة، ولعلّ المجموع كاف في الحكم بلزوم لبس الثوبين عليهما.

الكلام في كيفية اللبس

ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّه يتّزر بأحد الثوبين وإنّما الاختلاف في الثوب الثاني، فمنهم من قال بأنّه يرتدي به، ومنهم من قال: إنّه يتخيّر بين أن يرتدي به أو يتوشّح.

وأمّا القول الأوّل فقد ذهب إليه لفيف من الفقهاء، منهم:

1. العلاّمة في «المنتهى» قال:فإذا أراد الإحرام وجب عليه نزع ثيابه ولبس ثوبي الإحرام يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.(2)

2. العلاّمة أيضاً في «التذكرة» قال:يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.(3)

3. صاحب المدارك قال: والمراد بالثوبين الإزار والرداء، ويعتبر في الإزار ستر ما بين السرة والركبة، وفي الرداء كونه ممّا يستر المنكبين.(4)


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث15.

2 . المنتهى:10/259، الطبعة الحديثة.

3 . التذكرة:7/238.   4 . المدارك:7/274.


صفحه364

4. الشهيد الأوّل قال في «اللمعة»: يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.(1)

وأمّا القول الثاني فقد قال به كثير من أصحابنا منهم:

1. الشيخ المفيد قال: ثمّ ليغتسل ويلبس ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما ويتوشّح بالآخر أو يرتدي به.(2)

2. الشيخ الطوسي قال: ويلبس ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما، ويتوشّح بالآخر أو يرتدي به.(3)

3. وقال في «الدروس»: ولو كان الثوب طويلاً فاتّزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشّح به أجزأ.(4)

4. الشهيد الثاني: أضاف بعد قول الشهيد «يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر» قوله: بأن يغطي به منكبيه أو يتوشح به بأن يغطّي به أحدهما.(5)

5. وقال في «المسالك»: لا إشكال في وجوبهما (الثوبين) ،وكون أحدهما إزاراً يستر العورتين وما بين السرة والركبة، والآخر رداءً يوضع على المنكبين، أو وشاحاً يوضع على أحدهما.(6)

أمّا التوشّح: وهو عبارة عن إدخال الثوب تحت اليد اليمنى وإلقاء طرفيه على المنكب الأيسر.

قال في المُغرب: توشح الرجل وهو أن يدخل ثوبه تحت يده اليمنى أو


1 . الروضة:2/232، قسم المتن.   2 . المقنعة:396.

3 . المبسوط:1/314.   4 . الدروس:1/344.

5 . الروضة البهية:2/232.   6 . المسالك:2/236.


صفحه365

يلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم.

وفي المصباح المنير: توشح بثوبه وهو أن يدخله تحت إبطه الأيمن ويلقيه على منكبه الأيسر.(1)

ونقل الفاضل عن الأزهري أنّ التوشيح هو إدخال طرفه تحت إبطه الأيمن ويلقيه على عاتقه الأيسر كالتوشح بالسيف.(2)

هذه كلمات الفقهاء واللغويين، وأمّا النصوص فالظاهر منها هو أن يجعل أحدهما إزاراً والآخر رداءً.

1. في صحيح عبد اللّه بن سنان: فلمّا نزل ]النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)[ الشجرة أمر الناس بنتف الإبط وحلق العانة والغسل والتجرّد في إزار ورداء، أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء.(3)

2. في صحيحة عمر بن يزيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين، وإن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه، أو قباءه بعد أن ينكسه».(4)

3. في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« لا تلبس ثوباً له أزرار وأنت محرم إلاّ أن تنكسه، ولا ثوباً تدرّعه، ولا سراويل إلاّ أن لا يكون لك إزار، ولا خفين إلاّ أن لا يكون لك نعل».(5)


1 . المصباح المنير:2/381، مادة «وشح».   2 . كشف اللثام:5/275.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث15.

4 . الوسائل: ج 9 ، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

5 . الوسائل: ج 9، الباب35 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.والمراد من قوله:«ولا ثوباً تدرعه» أي تجعله كالدرع الذي تعقد أزاره.


صفحه366

4. وفي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «ويلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء، ويقلب ظهره لباطنه».(1)

إلى هنا ظهر أنّ الأقوى هو أن يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر.

وأمّا الوشاح فلم نجد له دليلاً صالحاً.

في عقد الإزار والرداء

في المسألة فروع:

1. عدم عقد الإزار في عنقه.

2. عدم عقده مطلقاً ولو بعضه على بعض.

3. عدم غرزه بإبرة ونحوها.

4. الأحوط في الرداء عدم عقده.

ومع ذلك كلّه استقوى جواز الكلّ.

أمّا الفرع الأوّل: فيدلّ عليه موثق(2) سعيد الأعرج أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المحرم يعقد أزاره في عنقه؟ قال (عليه السلام): «لا».(3)

وصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليه السلام)قال:
«المحرم لا يصلح له أن يعقد إزاره على رقبته ولكن يثنيه على عنقه


1 . الوسائل: ج 9، الباب44 من أبواب تروك الإحرام، الحديث7.

2 . إذ في طريقه عبد الكريم بن عمرو الواقفي الثقة.

3 . الوسائل: ج 9، الباب53 من أبواب تروك الإحرام، الحديث1.


صفحه367

ولا يعقده». أي لا يعقده على رقبته.(1)

وظاهر الروايتين ـ خاصة الأُولى ـ عدم جواز العقد في العنق، وحملهما على الكراهة لا وجه له.

وبذلك يظهر أنّ ما استقواه صاحب العروة جواز ذلك فيما يأتي منه ليس بتام. نعم لا بأس في الأُمور التالية.

أمّا الفرع الثاني: ـ أعني: عدم عقد الإزار مطلقاً، على العنق وغيره ـ فيمكن الاستدلال عليه بوجهين:

1. ما مرّ في صحيحة علي بن جعفر: «ولا يعقده».

يلاحظ عليه: من أنّه ظاهر في العقد على العنق، كما هو ظاهر لمن تدبّر فيها.

2. ما في خبر الاحتجاج الآتي، إذ فيه: ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض.

يلاحظ عليه بضعف السند أوّلاً، إذ لم يذكر صاحب الاحتجاج سنده إلى الخبر، واحتمال أنّ المراد العقد على العنق ثانياً إذ كان هو المعمول. مضافاً إلى أنّ في معتبرة جعفر بن محمد(2) عن عبد اللّه بن ميمون القداح،


1 . نفس المصدر و الباب، الحديث5.

2 . وهو جعفر بن محمد بن عبيد اللّه الذي يروي عنه صاحب نوادر الحكمة، ولم يستثن ابن الوليد رواياته منه، فيستظهر منه وثاقته. راجع الموسوعة الرجالية الميسرة:1/175برقم 1174.

كما أنّ عبد اللّه بن ميمون أيضاً ثقة، ولذلك قلنا معتبرة.


صفحه368

عن جعفر (عليه السلام)أنّ علياً (عليه السلام)كان : لا يرى بأساً بعقد الثوب إذا قصر، ثمّ يصلّي فيه وإن كان محرماً.(1)

أمّا الفرع الثالث: أي عدم غرزه بإبرة ونحوها يقال: غرز الإبرة في الشيء: أدخلها فيه. والمراد منه غرز الإزار بإبرة لتجمع بين طرفي الإزار ، فيدل عليه ما في مكاتبة محمد بن عبد اللّه بن جعفر إلى صاحب الزمان ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ حيث سأله عن المحرم هل يجوز أن يشدّ المئزر من خلفه على عنقه...؟ فوافاه الجواب: «جائز أن يتّزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثاً بمقراض ولا إبرة تخرجه به عن حدّ المئزر وغرزه غرزاً، ولم يعقده ولم يشد بعضه ببعض، وإذا غطى سرته وركبتيه كلاهما... ـ إلى أن قال:ـ والأفضل لكلّ أحد شدّه على السبيل المألوفة المعروفة للناس جميعاً».(2)

ولكن الرواية فاقدة لشرائط الحجّية، إذ لم يذكر الطبرسي أي سند لروايته، والظاهر انّه نقلها بالوجادة.

وأمّا الفرع الرابع: أعني الرداء، فعقده في العنق أو عقده مطلقاً أو غرزه بإبرة، فليس هناك دليل يدلّ عليه، فإنّ الروايات كانت ناظرة إلى الإزار، دون الرداء.

ومن ذلك ظهرت صحّة قول المصنّف: «الأقوى جواز ذلك كلّه في كل منهما»، إلاّ في عقد الإزار في عنقه فإنّ موثقة سعيد الأعرج صرحت بمنعه.


1 . الوسائل: ج 9، الباب53 من أبواب تروك الإحرام، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب53 من أبواب تروك الإحرام، الحديث3.


صفحه369

 

في كفاية المسمّى من الرداء والإزار خلافاً للثوب الطويل

هنا فروع:

1. كفاية المسمّى من الرداء و الإزار.

2. عدم كفاية ثوب طويل يتّزر ببعضه ويرتدي بالباقي.

3.تقدّم اللبس على النية والتلبية.

4. لزوم النية في اللبس دون التجرّد.

أمّا الفرع الأوّل: فلأنّه مقتضى ما دلّ على كفاية صدق الإزار والرداء عرفاً، فالإزار حسب المعمول يستر ما بين السرة والركبة، كما أنّ الرداء يستر المنكبين. لكن مجرد ستر المنكبين غير كاف لعدم صدق الرداء على مجرّد إلقاء منديل على المنكبين، بل يجب أن يكون على وجه يستر ظهره حتّى يصدق أنّه رداء.

أمّا الفرع الثاني: فعدم كفاية الثوب الطويل، لأجل أنّ المرتكز هو تعدّد الثوبين، وقد مرّ في صحيح ابن سنان في صفة حجّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه أحرم في إزار ورداء، الدالّ على تعدّده.

ويظهر من «الدروس» تجويزه قال: ولو كان الثوب طويلاً فائتزر ببعضه وارتدى بالباقي أو توشح به أجزأ. (1) وهو على خلاف التأسّي والسيرة الرائجة.


1 . الدروس:1/344.


صفحه370

 

الفرع الثالث: تقدم اللبس على النية والتلبية

هل يجب لبس الثوبين قبل النية والتلبية، أو يكفي تقارنه لهما أو تأخّره عنهما؟

ربّما يتصور شرطاً ممهداً لتحقّق الإحرام بالتلبية، فمقتضى ذلك تقدّمه عليهما، لأنّ الغالب على الشروط هو التقدّم، كتقدّم الطهارة من الخبث والحدث على الصلاة.

يلاحظ عليه: أنّ الشروط على أقسام ثلاثة فكيف تجعل قسماً واحداً؟! والأولى الاستظهار من النصوص. والمتبادر هو التقدم:

1. في صحيح معاوية بن عمار: «واغتسل والبس ثوبيك».(1)

2. في صحيح معاوية بن وهب: اطل بالمدينة ـ إلى أن قال :ـ وإن شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك الماء وتلبس ثوبيك.(2)

ولو قدّمهما على اللبس، قال صاحب العروة: « أعادهما بعده».

وهذا إنّما يتم لو كان اللبس واجباً شرطاً لتحقّق الإحرام، فلو أحرم بدونه، فيبطل إحرامه، وأمّا لو قلنا بكونه واجباً مستقلاً كما مرّ، فغاية الأمر أنّه


1 . الوسائل: ج 9، الباب6 من أبواب الإحرام، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 9، الباب7 من أبواب الإحرام، الحديث1. ولاحظ الباب8 من هذه الأبواب، الحديث1.


صفحه371

بالتأخير يعصي لكن لا يضر بتحقّق الإحرام حتّى يعيد النية والتلبية.

الفرع الرابع: لزوم النية في اللبس دون التجرد

لأنّ لبس الثوبين واجب قربي، وهو فرع النية ، وأمّا التجرد فهو لأجل إزالة المحظور، وهو واجب توصلي لا يتوقف على امتثال النهي على النيّة فضلاً عن القربة.

لو أحرم في قميص عامداً أو جاهلاً أو ناسياً

في المسألة فروع:

1. إذا أحرم في قميص عالماً عامداً أعاد الإحرام.

2. لو أحرم في القميص جاهلاً أو ناسياً صحّ إحرامه.

3. لو أحرم وعليه قميص نزعه وصحّ إحرامه، وأمّا لو لبسه بعد الإحرام فاللازم شقّه وإخراجه من تحت. وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

الفرع الأوّل: لو أحرم في قميص

الفرق بين هذا الفرع وما تقدّم من البحث حول «شرطية التجرد ممّا يجب على المحرم اجتنابه»، هو أنّ البحث السابق كان مركّزاً على شرطية التجرّد عمّا يحرم، مع لبس الثوبين، بخلاف المقام فإنّ البحث مركز على الإحرام في قميص، دون لبس الثوبين. إذا علمت ذلك فاعلم أنّ صاحب العروة ذكر أنّه لو أحرم في قميص عالماً عامداً أعاده. وذلك لا لشرطية لبس


صفحه372

الثوبين في الإحرام لما تقدّم من أنّ لبس الثوب واجب مستقل، ليس متمماً للإحرام ولا شرطاً لصحته، بل لأجل أنّ الإحرام في قميص ينافي نيته.

وذلك لأنّ الإحرام عند صاحب العروة هو عبارة عن العزم على ترك كلّ ما يجب عليه اجتنابه، فلو أحرم في قميص لا يتمشى منه العزم على الترك. ولا يختص الإشكال بهذا المحظور(لبس المخيط) بل يأتي في عامة محظورات الإحرام إذا علم المحرم بأنّه سيرتكبه فوراً أو بعد فترة. مثلاً يعلم أنّه يركب السيارة غير المكشوفة بعد التلبية في نهاره.

ثمّ إنّ صاحب العروة أفاد بأنّ الإحرام في قميص إنّما ينافي نية الإحرام إذا قلنا بأنّ الإحرام عبارة عن العزم على الترك، وأمّا لو قلنا بأنّه عبارة عن البناء على تحريمها على نفسه فلا ينافي نيته.

أمّا الأوّل: فلأنّه لا يتمشّى العزم على ترك المحظورات وهو مرتكب لها حين العزم كالعزم على الصوم مع العزم على ارتكاب أحد المفطرات.

وأمّا الثاني: وهو البناء العملي على تحريمها على نفسه فهو لا ينافي لبس المحظور، إذ كثيراً ما يبني الإنسان على إتيان الشيء أو تركه ومع ذلك يخالفه، كما هو الحال في الحنث والنذر، فبطلان الإحرام مبني على التفسير الأوّل للإحرام دون الثاني.

يلاحظ عليه: أنّ ارتكاب المحذور كما ينافي العزم على ترك المحظورات، فهكذا ارتكاب المحظور ينافي البناء على تحريمها على نفسه، وذلك لأنّ المراد من البناء هو البناء الجدي ، الصوري، فمع العلم بأنّه لابس


صفحه373

للمخيط، فكيف يلتزم بتحريم التروك على نفسه.

وأمّا قياسه على اليمين والنذر فهما أيضاً مثل المقام فلو علم أنّه سيحنثه فكيف يلتزم على نفسه إتيان الشيء أو تركه.

نعم لو لم يعلم بأنّه سيحنثه في المستقبل يمكن أن يتمشّى منه الحلف والنذر وإن حنثه في المستقبل.

وبعبارة واضحة: ليست الأُمور القلبية، أُموراً فوضوية بأن يكون الإنسان قادراً على البناء على الترك مع أنّه يعلم أنّه يناقضه في نفس الحالة.

والّذي يُسهل الخطب أنّ المبنيين غير صحيحين، وإنّما الإحرام عبارة عن نية الدخول في أعمال العمرة أو الحجّ كما أنّ تكبيرة الإحرام عبارة عن الدخول بها.

وعلى هذا لا يكون لبس المخيط منافياً للإحرام، عامداً كان أو جاهلاً أو ناسياً.

وأمّا الفرعان الثاني والثالث فقد تقدّم الكلام فيهما بصورة مستفيضة في السابق، وقلنا بمساواة الجميع في الصحة من غير فرق بين العامد وغيره، كما قلنا بأنّ الفرق بين النوعين من اللبس تعبّدي، ولا يدلّ الأمر بالإخراج من الرأس على بطلان إحرامه، لإمكان إخراجه منه بلا ستر للرأس.


صفحه374

 

في استدامة لبس الثوبين ونزعهما

في المسألة فرعان:

1. لا يجب استدامة لبس الثوبين، بل يجوز تبديلهما لإزالة الوسخ أو للتطهير.

2. يجوز التجرّد عنهما مع الأمن من الناظر، أو كون العورة مستورة بشيء آخر.

وإليك دراستهما:

أمّا الأوّل: فلأنّ القدر المتيقن هو لبس الثوبين حدوثاً، وأمّا التحفّظ بشخصهما وعدم إبدالهما بثوب آخر فلم يدل دليل على عدم جوازه، فيجوز له نزعهما للغسل والتطهير.

أمّا الفرع الثاني: وهو التجرّد مع الأمن لعدم الدليل على وجوب اللبس إذا أراد الاستحمام مثلاً، ومع ذلك لا يجوز لبس المخيط، فلا محيص له في حال الطواف والسعي والوقوف عن لبسهما.

في الزيادة على الثوبين اتّقاءً للبرد والحر

أمّا لبس ثوبين للاتّقاء عن الحر والبرد فيدلّ عليه صحيح الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المحرم يتردّى بالثوبين، قال(عليه السلام): «نعم والثلاثة إن شاء يتقي بها البرد والحر».(1)


1 . الوسائل: ج 9، الباب30 من أبواب الإحرام، الحديث1.


صفحه375

ومورد الرواية هو الارتداء لكن بالنظر إلى فلسفة الحكم، أعني: الاتّقاء من البرد والحر، تُلغى الخصوصية، فيعم الازار.

بل يجوز مطلقاً وإن لم يكن اتّقاء الحر لصحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: سألته عن المُحرم يقارن بين ثيابه وغيرها التي أحرم فيها؟ قال: «لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة».(1)


1 . نفس المصدر، الحديث2.


صفحه376


صفحه377

الرسالة الحادية والثمانون

فقه المزار في أحاديث الأئمة الأطهار(عليهم السلام)   


صفحه378


صفحه379
بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وجعلهم النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أعدالَ الكتاب وقرناءَه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»، فأُنيطت بهما سعادة المسلمين وهدايتهم في الدنيا والآخرة.

أمّا بعد:

فقد وقفت على كُتيّب باسم: «فقه المزار عند الأئمة(عليهم السلام)»، قد تقنّع
مؤلّفه باسم مستعار هو «عبدالهادي الحسيني»، كما تقنّع ناشروه باسم
كاذب وقالوا: نشر مركز إحياء تراث آل البيت، فلا المؤلف شيعي يوالي
أهل البيت، ولا الناشر يسعى لإحياء تراثهم(عليهم السلام)، وإنّما قامت بإصدار
هذا الكتيب مجموعة من الحاقدين الذين خلت قلوبهم عن المودة


صفحه380

لأهل القربى لو لم نقل امتلأت بالنصب البغيض لهم.

وقد حاول الكاتب عرض أفكار الوهابية ودعمها بروايات أهل البيت(عليهم السلام)دون أن يعرف أهل البيت(عليهم السلام)وآراءهم وأخبارهم وما تَعنيه رواياتهم، فقد نظر إلى الروايات نظرة سطحية برأي مسبق فخرج بنتائج لا تعدو ما قاله محمد بن عبدالوهاب ومِنْ قبله ابن تيمية.

ثم إنّ علماء المسلمين من لدن ظهور الضلال في أوائل القرن الثامن ردّوا على تلك الأفكار الساقطة التي لا تهدف إلاّ إلى الحط من مقامات الأنبياء والأولياء أوّلاً، وهدم كل أثر ديني بقي من عصر الرسالة إلى يومنا هذا تحت شعار التوحيد ثانياً.

ولذلك قمنا بنقد هذه الرسالة نقداً موضوعياً بنّاءً نهدف من ورائه بيان الحقيقة وإتمام الحجة على الكاتب ومن على رأيه.

وستكون دراستنا للموضوع ضمن الفصول التالية:

1. زيارة القبور وآثارها البنّاءة في الكتاب والسنّة.

2. صيانة مراقد الأنبياء والأئمة.

3. حجج المؤلف وذرائعه.

4. بناء المساجد جنب المشاهد.

5. البكاء على الميّت وإقامة العزاء عليه.

6. خاتمة المطاف: تضخيم بعض الممارسات.


صفحه381

وسوف نركز في هذه الفصول ـ غالباً ـ على ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ـ حتّى يتبيّن أنّ الأخبار الواردة عنهم تتضاد تماماً مع ما عليه الوهابية في كافة المجالات.

قال الله تعالى:(قُلْ هِذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلى اللهِ عَلى بَصِيرة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَني وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكين).(1)

والله من وراء القصد


1 . يوسف:108.


صفحه382

الفصل الأوّل

زيارة القبور وآثارها البنّاءة في الكتاب والسنة

الزيارة ـ لغة ـ بمعنى القصد، فقد جاء في «المصباح المنير»: زاره، يزوره، زيارة، وزوراً: قصده، فهو زائر.(1) والمزار يكون مصدراً، أو موضع الزيارة، والزيارة في العرف قصد المزور إكراماً له واستئناساً به.

وربّما تطلق الزيارة في ألسن العامة على ما يقرأه الزائر أو يتكلم به مادحاً المزور وواصفاً له ومسلِّماً عليه، إلى غير ذلك من الكلمات والجمل الواردة في زيارة الأولياء وغيرهم.

إنّ صلة الإنسان بآبائه وأجداده وأرحامه وأصدقائه في حياتهم أمر واضح، وعندما يفترق عنهم مدة معينة يجد في نفسه شوقاً لزيارتهم والحضور عندهم والاستئناس بهم، ولذلك أمرنا الله سبحانه بصلة الأرحام وحرّم قطع الرحم، وكأنّه بإيجابه هذه الصلة أكد ما عليه الإنسان صاحب الفطرة السليمة.

ثم إذا مات هؤلاء ودفنوا في مقابرهم لا يرضى الإنسان أن تنقطع صلته


1 . المصباح المنير: 315، مادة «زور».


صفحه383

بهم ويجد في نفسه دافعاً إلى زيارة قبورهم، ولذا تراه يقوم بتعميرها وصيانتها حفاظاً عليها من الاندراس، كل ذلك نابع عن فطرة خلق الإنسان عليها.

فلو دل دليل على كراهة تجديد القبر، فلأجل عنوان ثانويّ وهو طروء الضيق على الناس في الأراضي التي تخصص لدفن الأموات.

ومن الواضح أنّ الدين الإسلامي لا يتعارض مع مقتضيات الفطرة، بل أنّه يضع أحكامه على وفقها، ولذا أمر بالعدل والإحسان ونهى عن خلافهما، وهكذا سائر الأحكام الأساسية الواردة في الكتاب والسنة، والتي لا تتغير بمرور الزمان وتبقى سائدة ما دام للإنسان وجود على الأرض وشريعة الإسلام حاكمة، قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)(1).

الآثار الإيجابية للزيارة

حينما يطل الإنسان بنظره على وادي الصمت (المقابر) يرى عن كثب وادياً يضم أجساد الفقراء والأغنياء والصغار والكبار جنباً إلى جنب ، يراهم قد باتوا في سبات عميق وصمت مخيف، قد سلبت عنهم قُدَراتهم وأموالهم، وما سخروه من الخدم، ولم يأخذوا معهم إلاّ الكفن .

وهذه النظرة تدهش الإنسان وتدفعه إلى التفكير في مستقبله ومصيره


1 . الروم: 30 .


صفحه384

وربّما يحدّث نفسه بأنّ حياة هذه عاقبتها، وأياماً هذه نهايتها لا تستحق الحرص على جمعه للأموال، والاستيلاء على المناصب والمقامات، خصوصاً فيما لو كان الزائر موحّداً مصدِّقاً بالمعاد، وأنّه سوف يحاسب بعد موته على أعماله وأفعاله وما اكتنز من الكنوز واقتنى من الأموال وتقلّد من مناصب، فهل كان ذلك عن طريق مشروع دون أن يكون فيه هضم للحقوق وتجاوز على الأعراض والنفوس .

هذا هو الأثر التربوي لزيارة القبور على الإطلاق سواء أكان القبر للأنبياء والأولياء أم للأرحام والأصدقاء، أم لم يكن واحداً منهم، وإلى هذا الأثر التربوي يشير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديث المروي عنه: «زوروا القبور فإنّها تُذكّركم الآخرة».(1)

وفي حديث آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّ لكم فيها عبرة».(2)

وقد استفاد أهل البيت(عليهم السلام) من التذكير بالقبور وما يؤول إليه أصحابها، في الوعظ والتربية حتى مع طواغيت عصرهم وهم في قمة حالات الزهو والبطر والتمادي، وهذا ما نلاحظه جليّاً في الأبيات التي أنشدها الإمام الهادي(عليه السلام)للمتوكل العباسي، وهو من أعتى طواغيت بني العباس وأشدّهم حقداً على أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

روى المسعودي بأنّه سُعيّ إلى المتوكل بالإمام علي الهادي (عليه السلام)وقيل


1 . سنن ابن ماجة: 1 / 500، الحديث 1569 .

2 . كنز العمال: 15/647، الحديث 42558.


صفحه385

له: إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، فوجّه إليه ليلاً من الأتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في داره، فوجد في بيت وحده مغلّق عليه وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلاّ الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف، متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآيات
من القرآن، في الوعد والوعيد، فأُخذ على ما وجد عليه وحمل إلى المتوكّل في جوف اللّيل، فَمَثُل بين يديه والمتوكّل يشرب وفي يده كأس، فلمّا
رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه، ولا
حالة يتعلّل عليه بها، فناوله المتوكّل الكأس الّذي في يده، فقال (عليه السلام)له:
«ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني منه» فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً استحسنه، فقال (عليه السلام): «إنّي لقليل الرواية للأشعار» فقال: لابدّ أن تنشدني فأنشده (عليه السلام) :

باتُوا على قُلَلِ الأجبال تَحْرِسُهُمْ *** غُلْبُ الرجالِ فَما أغنتهم الْقُلَلُ

وَاسْتُنْزِلُوا بَعْدَ عِزٍّ عن مَعاقِلِهم *** فأُودِعُوا حُفَراً يا بِئسَ ما نَزَلُوا

ناداهُمُ صارِخٌ مِنْ بَعدِ ما قُبرُوا *** أيْنَ الأسرّةُ والتيجان والحُلَلُ

أين الوجوه الّتي كانت مُنَعَّمَةً *** مِنْ دُونِها تُضْرَبُ الأستارُ والكِللُ


صفحه386

فأفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حينَ ساءَلَهُمْ *** تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْها الدُّودُ يقْتَتِلُ

قَدْ طالَ ما أكَلُوا دَهراً وما شَرِبُوا *** فأصبَحُوا بعدَ طولِ الأكلِ قَد أُكِلُوا

وَطالَ ما عَمّرُوا دُوراً لِتُحْصِنَهُمْ *** فَفارَقُوا الدُّورَ والأهليَن وانتقَلُوا

وَطالَ ما كَنزُوا الأموالَ وادَّخَرَوا *** فخلَّفُوها على الأعداء وارْتَحَلُوا

أضْحَتْ مَنازلُهُمْ قَفْراً مُعَطَّلَةً *** وساكِنُوها إلى الأجداثِ قَدْ رَحَلُوا(1)

زيارة مراقد العلماء والشهداء

ما ذكرناه من الأثر التربويّ هو نتيجة لزيارة قبور عامة الناس، حيث إنّها تورث العبرة، وتذكّر بالآخرة، وتحطُّ من الأطماع، وتقلّل من تعلّق الإنسان بالدنيا وما فيها.

وأمّا زيارة مراقد العلماء فلها وراء ذلك شأن آخر، حيث إنّها تهدف إلى تكريم العلم وتعظيمه، وبالتالي تحث الجيل الناشئ لتحصيل العلم، حيث يرى بأُمِّ عينيه تكريم العلماء أحياءً وأمواتاً .


1 . مروج الذهب: 4 / 11 .


صفحه387

كما أنّ لزيارة مراقد الشهداء ـ الذين ذبّوا بدمائهم عن دينهم وشريعتهم المقدسة ـ أثراً آخر وراء العبرة والاعتبار، وذلك لأنّ الحضور عند مراقدهم بمنزلة عقد ميثاق وتعهّد من الحاضرين في مواصلة الخط الّذي ساروا عليه، وهو خط الانتصار الحقيقي والسبيل الإلهي لتحقيق الأهداف السامية.

قال سيد قطب في تفسيره لقوله تعالى:(إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلنا وَالَّذينَ آمَنُوا في الْحَياةِ الدُّنْيا): والناس يقصرون معنى النصر على صورة معيّنة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى. وقد يتلبّس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة... إبراهيم(عليه السلام) وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟

ما من شك ـ في منطق العقيدة ـ أنّه كان في قمة النصر وهو يُلقى في النار، كما أنّه انتصر مرة أُخرى وهو ينجو من النار.

هذه صورة وتلك صورة. وهما في الظاهر بعيد من بعيد، فأمّا في الحقيقة فهما قريب من قريب!.(1)

ولإيضاح الحال نأتي بمثال: أنّ الفقهاء أفتوا باستحباب استلام الحجر الأسود عند الطواف، وعندئذ يسأل الحاج عن سرّ هذا العمل، وما هي الفائدة من وضع اليد على الحجر واستلامه؟ إلاّ أنّه لو تأمّل في تاريخ بناء البيت الحرام يجد أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) قد تولى إعادة بناء بيت الله الحرام بعد طوفان نوح(عليه السلام)، وبأمر من الله عز وجل وضع الحجر الأسود ـ الذي كان جزءاً


1 . في ظلال القرآن:7/189، تفسير الآية51 من سورة غافر.


صفحه388

من جبل أبي قبيس ـ داخل حائطه.

ثمّ إنّ وضع اليد على الحجر هو نوع من أنواع التعاهد مع بطل التوحيد(عليه السلام)ونبي الإسلام(صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يحارب كل نوع من أنواع الشرك والوثنية، وأن لا ينحرف عن التوحيد في جميع مراحل حياته.

ولذا فإنّ الهدف من استلامنا الحجر الأسود هو أن نبايع الله والأنبياء على الثبات على التوحيد، وقد ورد أنّ ذلك من مستحبات الطواف، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ضع يدك على الحجر وقل: «أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة».(1)

وينقل الشيخ الصدوق عن ابن عباس(رحمه الله) أنّه قال: واستلامه اليوم بيعة لمن لم يدرك بيعة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

ومن ذلك نستنتج أنّ استلام الحجر تجسيد عملي لمعاهدة قلبية مركزها روح الإنسان وداخله، وفي الحقيقة أنّ زائر بيت الله الحرام بهذا العمل يعكس عملياً تلك المعاهدة القلبية بشكل ملموس محسوس.

وما ذكرناه من حكمة لهذا العمل هي ذات السبب للحضور عند مراقد شهداء بدر وأُحد وكربلاء، وغيرها، فإنّ الزائر بحضوره لديهم وبوضع يده على مراقدهم، كأنّه يعقد ميثاقاً مع أرواحهم في مواصلة الأهداف التي لأجلها ضحّوا بدمائهم، وقتلوا في سبيلها، فإنّ زيارة قبور الشهداء تكريم وتعظيم


1 . وسائل الشيعة: ج 10، الباب13 من أبواب الطواف، الحديث17.

2 . علل الشرائع:427، الحديث 10.


صفحه389

لهم ونوع تعهد في مواصلة أهدافهم.

كما أنّ من الجدير ذكره أنّ كثيراً من السلفيين ربّما يعتذرون عن استلام الحجر بما أُثر عن الخليفة الثاني من أنّ تقبيله له لأجل أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبّله، ولولا تقبيله لما فعل، ولكنّه غفل عن سرّ تقبيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أُشير إليه في الحديث التالي:

روى عبدالرحمن بن كثير الهاشمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «مرّ عمر بن الخطاب على الحجر الأسود فقال: والله يا حجر إنّا لنعلم أنّك حجر لا تضر ولا تنفع، إلاّ أنّا رأينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحبّك فنحن نحبّك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): كيف يابن الخطاب، فوالله ليبعثنه الله يوم القيامة وله لسان وشفتان، فيشهد لمن وافاه، وهو يمين الله عزوجل في أرضه يبايع بها خلقه. فقال عمر: لا أبقانا الله في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب» .(1)

زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في الروايات الشريفة

تضافرت الروايات من الفريقين على استحباب زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وانّها من متمّمات الحج، وإليك طائفة منها:

1. عن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي» .(2)


1 . علل الشرائع: 426، الحديث 8 ; وسائل الشيعة: ج 10، الباب 12 من أبواب الطواف، الحديث 13 .

2 . شفاء السقام: 81 .


صفحه390

2. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة».(1)

3. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من حجّ فزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي»(2).

هذا ما تيسّر ذكره مما ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا ما ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)فهو كثير نختصر منه ما يلي:

4. عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) قال: «أتمّوا برسول الله حجّكم، إذا خرجتم إلى بيت الله، فإنّ تركه جفاءٌ وبذلك أمرتم، وأتمّوا بالقبور التي ألزمكم الله زيارتها وحقّها».(3)

5. روى عبدالرحمن بن أبي نجران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عمّن زار قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)متعمداً؟ قال: «يدخله الله الجنة إن شاء الله»(4).

وقوله: «متعمداً» أي يكون مجيئه لمحض الزيارة لا لشيء آخر تكون الزيارة مقصودة بالتبع.

6. روى ابن قولويه بسنده عن أبي حجر الأسلمي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أتى مكة حاجّاً ولم يزرني بالمدينة جفوته يوم القيامة، ومن زارني زائراً وجبت له شفاعتي» .(5)


1 . شفاء السقام: 83 .   2 . شفاء السقام: 89 .

3 . الخصال للشيخ الصدوق:2/406.

4 . كامل الزيارات:43، الباب 2، الحديث 3 .

5 . كامل الزيارات:44، الباب 2، الحديث 9 .


صفحه391

ومراده من الجفاء هو عدم الشفاعة.

وقد أورد ابن قولويه في هذا الباب أزيد من عشرين حديثاً في استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

وما هذا إلاّ لأنّ الحضور لدى قبره الشريف نوع تقدير وعرفان لجميل ما بذله في سبيل هداية الأجيال وما تحمّل في سبيل ذلك من الجهود المضنية.

7. أنّ للإمام الرضا (عليه السلام)كلمة قيّمة في زيارة مراقد القادة المعصومين كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام) حيث قال: «إنّ لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم». (1)

هذا وكأنّ الزائر في حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: لو إنّ الأنصار بايعوك في العقبة الثانية لأن يذبّوا عنك كما يذبّون عن أنفسهم وأولادهم، أو أنّ المهاجرين والأنصار بايعوك تحت الشجرة للذب عن رسالتك، فها أنا أُبايعك في حرمك للذب عن المثل العليا في رسالتك السماوية المقدّسة بما أُوتيتُ من حول وقوة من الله سبحانه ناشراً ألوية التوحيد في ربوع العالم، محطّماً أوتاد الشرك وأصنامه.

فلو كان السياح يجوبون الأرض لزيارة المواقع التاريخية والمناظر الطبيعية الجميلة، فها أنا قطعت الفيافي لزيارة مرقدك، فإن لم أتمكّن من تقبيل يدك فأنا أُقبل تربة القبر الّذي ضم جسدك الشريف.


1 . الوسائل: ج 10، الباب 44 من أبواب المزار، الحديث 2 .


صفحه392

 

رأي ابن القيّم في زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قد عدّ الشيخ ابن القيم(المتوفّى 751 هـ ) زيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)من أفضل الأعمال كما جاء في نونيته المشهورة :

فإذا أتينا المسجد النبوي صلْـ *** ـلينا التحية أولاً ثنتان

بتمام أركان لها وخشوعها *** وحضور قلب فعل ذي الإحسان

ثم انثنينا للزيارة نقصد الْـ *** ـقبر الشريف ولو على الأجفان

فنقوم دون القبر وقفة خاضع *** متذلل في السرِّ والإعلان

فكأنه في القبر حيٌّ ناطق *** فالواقفون نواكس الأذقان

ملكتهم تلك المهابة فاعترت *** تلك القوائم كثرة الرجفان

وتفجرت تلك العيون بمائها *** ولطالما غاضت على الأزمان


صفحه393

وأتى المسلّم بالسلام بهيبة *** ووقار ذي علم وذي إيمان

لم يرفع الأصوات حول ضريحه *** كلا ولم يسجد على الأذقان

كلا ولم يُر طائفاً بالقبر أسـ *** ـبوعاً كأن القبر بيت ثان

ثم انثنى بدعائه متوجها *** لله نحو البيت ذي الأركان

هذي زيارة من غدا مُتمسكاً *** بشريعة الإسلام والإيمان

من أفضل الأعمال هاتيك الزيا *** رة وهي يوم الحشر في الميزان(1)

طلب الاستغفار من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الذكر الحكيم يحث المسلمين أو طائفة منهم على الحضور عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليستغفر لهم بعد استغفارهم، قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)(2).


1 . الزيارة النبوية، لمحمد بن علوي المالكي: 95 ـ 96 .

2 . النساء: 64 .


صفحه394

ويقول سبحانه في موضع آخر: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(1).

والآية وإن وردت والنبي على قيد الحياة إلاّ أنّ المورد لايخصّص، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حي يرزق; وكيف لا يكون حياً وهو يرد سلام مَن صلّى عليه؟! وكيف لا يكون حياً وهو نبي الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون؟! فمن زار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب منه الاستغفار سوف يكون قد عمل بالآية الشريفة.

وقد فهم ألباب الأُمّة وعقلاؤها أنّ الآية لا تشير إلى مدة حياته، بل تعم الدنيا إلى آخرها، لذلك كتبت هذه الآية فوق قبره الشريف لكي لا يغفل الزائرون عن هذه النعمة العظيمة.

ثم إنّ العلاّمة السبكي نقل في «شفاء السقام»(2) فتاوى فقهاء المذاهب، وإنّ الجميع متّفقون على استحباب زيارته(صلى الله عليه وآله وسلم).

ونقل أيضاً عن فقيه الحنابلة ابن قدامة المقدسي(3) أنّه قال به، وكذلك نصّ عليه المالكية أيضاً ; كما وذكر قول أبي الخطّاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلواذانيّ الحنبلي في كتاب «الهداية» في آخر باب صفة الحجّ: وإذا فرغ من الحجّ استحبّ له زيارة قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال أبوعبدالله محمّد بن عبدالله بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن


1 . المنافقون: 5 .   2 . شفاء السقام:157ـ163.

3 . المغني:3/558.


صفحه395

إدريس السامريّ في كتاب «المستوعب»: باب زيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا قدم مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)استحبّ له أن يغتسل لدخولها، ثمّ يأتي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ويقدّم رجله اليمنى في الدخول، ثمّ يأتي حائط القبر، فيقف ناحية، ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره، والمنبر عن يساره... وذكر كيفيّة السلام والدعاء إلى آخره.

ومنه: اللّهم إنّك قلت في كتابك لنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ... )(1)، وإنّي قد أتيت نبيّك مستغفراً، فأسألك أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللّهم إنّي أتوجّه إليك بنبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم)... وذكر دعاء طويلاً.

ثمّ قال: وإذا أراد الخروج عاد إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فودّع.

انظر عزيزي القارئ إلى هـذا المصنّف وهو من الحنابلة ـ ومؤلف كتاب «فقه المزار» متمذهب بمذهبهم ـ ، كيف نصّ على التوجّه إلى الله تعالى بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) !(2)

اهتمام العلماء بزيارة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)

اتّفق فقهاء الفريقين على استحباب زيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد جاء في كتاب «الفقه على المذاهب الأربعة»: زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل المندوبات، وردت فيها أحاديث.(3)


1 . النساء: 64 .   2 . شفاءُ السقامِ في زيارة خير الأنام: 158.

3 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/590.


صفحه396

وقد اعتنى العلماء ـ قديمهم ومتأخرهم ـ عناية عظيمة بزيارة قبر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فألفوا في ذلك كتباً كثيرة في بيان فضل الزيارة وآدابها ومناسكها، وثواب شد الرحال إلى زيارة قبره الشريف(صلى الله عليه وآله وسلم)وبيان الآثار الاجتماعية لهذه العبادة الشريفة، وإليك عناوين عدد مما ألفه إخواننا علماء أهل السنة:

1.الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للعلاّمة القاضي أبي الفضل عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي (المتوفّى 544 هـ ).

2. شفاء السقام في زيارة خير الأنام، للإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي(المتوفّى 756هـ).

3. إتحاف الزائر وإطراف المقيم السائر في زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، للإمام العالم أبي اليمن عبد الصمد ابن الشيخ الأجل أبي الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله القرشي الدمشقي المعروف بابن عساكر (المتوفّى 571هـ).

4. رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة، للمحدث الشيخ محمود سعيد ممدوح.

5. الجوهر المنظم في زيارة القبر النبوي الشريف المكرم، للمحدث الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (المتوفّى 973 هـ).

6. تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار، لابن حجر الهيتمي.

7. الدرة الثمينة فيما لزائر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، للعلامة الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الغني المدني الدجاني الأنصاري القشاشي (المتوفّى 1071 هـ).


صفحه397

8. نفحات الرضا والقبول في فضائل المدينة وزيارة سيدنا الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، للمحدث المؤرخ الشيخ أحمد بن محمد الحضراوي المكي(المتوفّى 1327هـ).

9. الذخائر القدسية في زيارة خير البرية، للعلامة الشيخ عبد الحميد بن محمد علي قدس المكي(المتوفّى 1335هـ).

10. التوسل والزيارة، للشيخ محمد الفقي.

11. مشارق الأنوار في زيارة النبي المختار(صلى الله عليه وآله وسلم)، للإمام المحدث الشيخ حسن العدوي المالكي.

12. الزيارة النبوية بين الشرعية والبدعية، للسيد محمد بن علوي المالكي الحسني.

زيارة القبور في السنة النبوية

اتّفق أهل السيرة على أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجّلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» .(1)

ولم يقتصر (صلى الله عليه وآله وسلم)بل علّم كيفية الزيارة لزوجته، روى مسلم في صحيحه عن عائشة في حديث طويل قالت: قلت كيف أقول لهم يارسول الله؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ورحم


1 . صحيح مسلم: 3 / 63 ; سنن النسائي: 4 / 94 .


صفحه398

الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون».(1)

ومع ذلك نرى أنّ الحكومة السعودية قد أقفلت باب البقيع بوجه النساء، فمنعت دخولهن إليه، مع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أدخل زوجته البقيع وعلّمها صيغة الزيارة .

وقد جاء في الآثار أنّ بنت المصطفى التي هي أفضل نساء العالمين تذهب إلى زيارة القبور، كما تذهب إلى زيارة قبر عمها حمزة وتصلّي عنده في حياة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

هذه هي سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهذا سلوك بنته، فما هذا التناقض بينها وبين عمل الوهّابية؟!

هذا وقد زارت عائشة قبر أخيها عبدالرحمن وكان قد مات بالحُبشي ـ والحبشي على اثني عشر ميلاً من مكة، هكذا في كتاب ابن أبي شيبة عن ابن جريج ـ فحُمِل حتّى دفن بمكة، فقدمت عائشة من المدينة، فأتت قبره فوقفت عليه، فتمثلت بهذين البيتين:

وكنا كندماني جذيمة حقبة *** من السهر حتّى قيل: لن يتصدّعا

فلّما تفرقنا كأنّي ومالكاً *** لطول اجتماع لم نبت ليلة معا


1 . صحيح مسلم: 3 / 64، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها .

2 . المستدرك للحاكم:1/377.


صفحه399

أما والله لو شهدتك ما زرتك، ولو شهدتك ما دفنتك إلاّ في مكانك الّذي متّ فيه (1).

وحصيلة الكلام: أنّ استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر اتفق عليه قاطبة الفقهاء.

حتّى أنّ مفتي الديار السعودية السابق عبدالعزيز بن باز أفتى باستحبابها ونشرت جريدة «الجزيرة» فتواه في عددها 6826، وبتاريخ 24 / ذي القعدة الحرام / عام 1411 هـ .

وقد ذكر العلاّمة السبكي ما روي في المقام من الأحاديث فأنهاها إلى خمسة عشر حديثاً وتكلم في أسنادها، (2) كما نقل نصوص كبار علماء المسلمين على استحباب زيارة قبر الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد بيّن أنّ الاستحباب أمر مجمع عليه بين المسلمين.

كما أنّ العلاّمة الراحل الشيخ الأميني (رحمه الله) قد نقل ما دل على استحباب زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وذكر ما يتجاوز الأربعين قولاً من أقوال علماء السنّة التي فات السبكي الوقوف عليها.(3)

***


1 . شفاء السقام في زيارة خير الأنام (صلى الله عليه وآله وسلم): 194، ناقلاً عن المصنف لابن أبي شيبة: 3 / 224، كتاب الجنائز، الحديث 8 .

2 . لاحظ: شفاء السقام في زيارة خير الأنام: 65 ـ 115 .

3 . لاحظ: الغدير:5/109ـ125.


صفحه400

 

حديث: «لا تشدّ الرّحال...»

ربما يمكن أنّ يقال: إنّ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر مستحب في نفسه، إلاّ أنّ السفر لتلك الغاية غير جائز لما رواه مسلم في صحيحه:

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى»(1).

إلاّ أنّ الإمعان في الحديث يعرب عن أنّ الكلام مشتمل على المستثنى دون المستثنى عنه، ويسمّى هذا الاستثناء في اصطلاح اللغويين بالاستثناء المفرغ، فلابد من تعيين المستثنى منه ثم دراسة الحديث. وهناك احتمالات ثلاثة:

إنّ المقدّر هو المكان، أو القبر، أو المسجد.

فعلى الأوّل يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد .

وعلى الثاني يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى قبر من القبور إلاّ إلى ثلاثة مساجد.

وعلى الثالث يكون المقصود: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد.

أمّا الأوّل فهو باطل شرعاً وعرفاً لبديهة جواز السفر للتجارة والزيارة


1 . صحيح مسلم: 4 / 126، باب شدّ الرحال .


صفحه401

والدراسة والسياحة إلى غير ذلك من الغايات المباحة شرعاً.

أمّا الثاني فهو يجعل المستثنى منقطعاً لعدم دخول المستثنى في المستثنى منه، إذ يصبح الكلام ركيكاً جدّاً، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أفصح العرب، فكيف يتكلّم بما يُعد عيباً عند الفصحاء والأُدباء؟!

إذن يتعين الثالث وهو: لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد.

لعدم وجود المزية في غير هذه المساجد الثلاثة، فيصبح شد الرحال أمراً لغواً.

فالمسجد الجامع في البصرة من حيث الثواب نفسه في الكوفة فالسفر من البصرة إلى الكوفة لغاية درك فضيلة اقامة الصلاة في المسجد الجامع في الكوفة أمر لا طائل تحته لإمكان الزائر أن يناله بالصلاة في جامع البصرة .

ولعمري أنّ الحديث واضح لا شبهة فيه. وعلى ما ذكرنا لا يشمل مَن يشد الرحال ويتوجه لمرقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لزيارته وتجديد البيعة معه لخروجه عن مصب الحديث في جانبي المستثنى والمستثنى منه.

هذا على القول بصحة سند الحديث، وبما أنّه ورد في الصحيحين أبى الفقهاء عن المناقشة في مضمونه، وإلاّ فيمكن نقض القاعدة بما تضافر من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يزور مسجد قباء في كل سبت(1)، ومنطقة قباء تبعد عن المدينة مسافة تستوجب السفر وشدّ الرحال.


1 . صحيح مسلم: 4 / 127 ; صحيح البخاري: 2 / 76.


صفحه402

 

شدّ الرحال إلى المساجد السبعة

إنّ حجاج بيت الله الحرام يقصدون المساجد السبعة في المدينة المنورة، مضافاً إلى المساجد الثلاثة الأُخرى كمسجد رد الشمس (الفضيخ)، والإجابة، وبلال، فكيف يبرر هذا السفر مع نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن شد الرحال إلاّ لمساجد ثلاثة.

الجواب: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن السفر إلى غير هذه المساجد لأجل العبادة والصلاة فيها، لكون السفر أمراً لغواً لعدم مزية مسجد على مسجد آخر مثله. وأمّا سفر الحجاج إلى هذه المساجد فليس لغاية إقامة الصلاة فيها وإن كانوا يصلّون بمجرد الدخول فيها، بل الغاية من السفر هو التعرّف على البطولات التي قام بها المسلمون في وجه المشركين وما قدّموا من التضحيات في طريق إرساء أُسس الإسلام ونشر راية التوحيد، وكل ذلك لا يعلم إلاّ بالحضور في تلك المشاهد حتّى يتعرف الإنسان على ما جرى عليهم في تلك الحقبة من الزمن، وذلك واضح لكل من له إلمام بالسفر إلى هذه المساجد. ولم يكن السفر إليها لأجل إقامة الصلاة فيها بل التعرف على تاريخ الإسلام وبطولات رجاله.

والعجـب أنّ الحكـومة السعـودية بسبب ضغـط هيئـة الآمـرين بالمعـروف قـد وضعت العراقيل أمام حجاج بيت الله الحرام الّذين يقومون بزيارة هذه المشاهد، بإقفال بعض هذه المساجد والمنع عن الأُخريات، وما ذلك إلاّ لقطع صلة المسلمين بآثار نبيهم .


صفحه403

 

صيانة آثار الصالحين

إنّ كل ظاهرة دينية أو اجتماعية إذا تجرّدت عن الآثار الدالة على وجودها على أرض الواقع قد تصبح بمرور الأجيال عرضة للتشكيك والترديد.

ولأجل ذلك نرى أنّ الدعوة النصرانية أصبحت في الغرب ـ بالأخص عند شبابهم ـ ظاهرة مشكوكة، وذلك لأنّه ليس لسيدنا المسيح أثر ملموس يستدل على وجوده ودعوته، إذ ليس للمسيح عندهم مقام يزار، ولا لأصحابه قبور تقصد، ولم يجدوا كتاباً مصوناً من التحريف والدس، إذ أنّ ما بين أيديهم ما يقارب من 24 أنجيلاً يُضاد بعضها بعضاً، على أنّ كثيراً منها حافل بحياة سيدنا المسيح، وكأنّ إنساناً غيره قد كتب ترجمة حياته إلى أنّ صلب ودُفن وخرج من قبره بعد عدة أيام.

كل ذلك ممّا سبب تولد التشكيك في أصل الدعوة النصرانية، وأنّه من المحتمل أن تكون من الأساطير والروايات كأُسطورة قيس ومعشوقته ليلى العامريين.

ولأجل ألاّ تبتلي الأُمّة الإسلامية بما ابتلت به الأُمم السابقة يجب على أبنائها صيانة كل أثر يرجع إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأولاده الطيبين(عليهم السلام)وأصحابه الميامين وكل ما يمت بصلة إليهم حتّى يصبحوا عند الأُمم المتحضرة شامخي الرؤوس، وانّهم أتباع دين قيّم ونبي عظيم، فيقولون هذا مولده، وهذا مهبط وحيه، وهذه قبور أولاده وأصحابه، وهذه أماكن بطولاتهم


صفحه404

وفتوحاتهم، إلى غير ذلك ممّا يدل على وجود هذه الدعوة وواقعيتها.

ومن العوامل التي تساعد على صيانة الآثار شد الرحال إلى زيارة قبر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقبور أولاده وأصحابه، الذين بذلوا مهجهم في إرساء أُسس الدين، فلو تركت الأُمّة الإسلامية زيارتهم ولم يتعاهدوا تلك الأماكن المشرفة المنتشرة في أرجاء البلدان الإسلامية لتعرضت إلى الاندراس والزوال، ولم يبق منها أثر شاهد.

البيوت التي أذن الله أن ترفع

لقد أمر الله سبحانه المسلمين برفع بعض البيوت التي يذكر فيها اسمه ويسبّح له فيها بالغدو والآصال.

قال تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ)(1).

فلنبحث عن هذه البيوت التي عنتها هذه الآية، فهناك قولان:

1. المساجد.

2. بيوت الأنبياء والأولياء.

أمّا الأوّل فغير صحيح جدّاً، لأنّ البيت غير المسجد، فالبيت عبارة عن المكان الّذي يسكن فيه الرجل وأهله ويأوي إليه من الحر والبرد، وهو مبيته،


1 . النور: 36 ـ 37 .


صفحه405

لذا يجب أن يكون له سقف فلا يطلق على المكشوف بيتاً، قال سبحانه: (وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ)(1).

وتفسير ذلك هو أنّه لولا أنّ مشيئته تعلّقت بأن يكون الناس أُمّة واحدة لجعل سقوف بيوت الكافرين من فضة، وهذا يدل على أنّ السقف من لوازم البيت مع أنّ المساجد لا يشترط فيها السقف، وهذا هو المسجد الحرام مكشوف غير مسقف.

ولذا يتعيّن الثاني وهو الّذي يؤيده ما أُثر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى السيوطي في تفسير الآية قال: أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريد قال: قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هذه الآية: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ...)فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: «بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها ـ بيت علي وفاطمة ـ؟ قال: «نعم، من أفاضلها».(2)

والمراد من الرفع إمّا الرفع المادي أو الرفع المعنوي، فعلى الأوّل يجب تعميرها عند طروء الحوادث المخربة.

وعلى الثاني يجب تعظيمها وتنظيفها ممّا يشينها.

ثم إنّ هذه البيوت ربّما تكون بيتاً للنبي وآله فتزيد شرفاً وتكتسب فضلاً كما هوالحال في مرقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومرقد الإمامين الهمامين الهادي


1 . الزخرف: 33 .   2 . الدر المنثور: 6 / 203.


صفحه406

والعسكري (عليهما السلام)فقد دفنا في بيتهما وكانا يسبحان له بالغدو والآصال.

ومن المؤسف أن يبلغ الجهل بالإنسان درجة يرى فيها أنّ تخريب هذه البيوت عبادة يتقرب بها إلى الله، وفريضة يثاب عليها.

ألاّ قاتل الله الجهل أوّلاً، والعصبية الطائفية ثانياً، فإنّ المخرّبين يعلمون بأنّ البيت الّذي قاموا بتخريبه هو مرقد العترة الطاهرة التي أمرالله سبحانه بمودتهم في قوله تعالى: (قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى )(1) .


1 . الشورى: 23 .


صفحه407

الفصل الثاني

صيانة مراقد الأنبياء والأئمة

تعرفت في الفصل الأوّل على الفوائد والآثار الايجابية المترتبة على زيارة مطلق القبور، مضافاً إلى الآثار الخاصة لزيارة قبور الأنبياء والأولياء، وكل ذلك بشكل موجز.

ولندرس هنا ضرورة حفظ قبورهم وصيانتها من الخراب والتدمير على ضوء الكتاب والسنة.

وبما أنّا في هذه الرسالة بصدد نقد كتاب «فقه المزار» حيث إنّ مؤلّفه حاول تطبيق أحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على أقوال الوهابيين وآرائهم، لذلك نركّز البحث على رواياتهم ولا نعتمد على غيرها إلاّ قليلاً.

إنّ فكرة هدم القبور والآثار المقدسة قد أرسى قواعدها أحمد بن تيمية (662 ـ 728 هـ)، وبعد مضي أربعة قرون نفذ هذه الفكرة محمـد بـن عبـدالـوهـاب النجـدي (1115 ـ 1206 ه