welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : رسائل فقهية/ج3*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية/ج3

صفحه1

   

   رسائل فقهية / ج 3


صفحه2

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 341 - 6 (ج. 2)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …الثالث

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1429 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3

الجزء الثالث


صفحه4


صفحه5

   


صفحه6


صفحه7

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله وأنبيائه محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، الهداة المهديّين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

إمّا بعد، فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الموسوم بـ «رسائل فقهية» نقدّمه إلى القرّاء الكرام آملين منهم أن يتحفونا بآرائهم وأفكارهم.

لقد واجه المسلمون بعد رحيل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مسائل مستجدّة لم تُبيّن في الكتاب والسنّة، وكلّما ضرب الإسلام بجرانه اتّسعت هذه الظاهرة.

ولأجل سدّ هذا الفراغ قام فقهاء الأُمّة بالإجابة عنها على ضوء ما استنبطوه من الكتاب والسنّة، وبذلك اتّسع نطاق الفقه، فأُلّفت موسوعات وكتب تعرب عن كون التشريع الإسلامي ذا مادّة غريزة بحيث يقدر معها علماء الأُمّة والأخصّائيون منهم، على استنباط كل حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كل عصر من العصور.

وقد استعان فقهاء الشيعة في الإجابة عن هذه الأسئلة بالتمسّك بالثقلين اللّذين أُنيطت بهما الهداية في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا» .


صفحه8

وهذه الرسائل المتنوعّة تعتمد في استنباط الأحكام على الكتاب والسنّة وما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)في مختلف المجالات.

والسابر في أحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يقف على قواعد وضوابط فقهية مستنبطة من أنّ أحاديثهم حديث النبي وكلامهم كلامه، وقد صرّحوا بذلك كثيراً.

وإذا اختلفت كلمة المسلمين في مسألة الخلافة والولاية إلاّ أنّهم لم يختلفوا في حجيّة الثقلين وأنّ النبي خلّفهما للأُمّة لئلاّ يضلّوا، فلو رجعت الأُمّة إلى ما رسمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لضاق الاختلاف، وظهرت أعلام الوحدة بين الأُمّة، فتكون الأُمّة الإسلامية أُمّة واحدة متمسّكة بكتابها وسنّة نبيها التي اختزنتها عترته ونقلها عنه كابر عن كابر.

أرجو من الله سبحانه أن يوحّد كلمتهم ويرصّ صفوفهم، ويجعلهم يداً واحدة على الأعداء والكائدين المعاندين للإسلام وأهله.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 شهر رمضان المبارك ـ 1429 هـ


صفحه9

الرسالة السابعة والثلاثون

في سفر المعصية


صفحه10


صفحه11

في سفر المعصية   

يشترط في وجوب التقصير كون السفر سائغاً، والمراد منه عدم كونه محرماً، سواء أكان واجباً أم مستحباً أم مباحاً أم مكروهاً، ويقابله السفر المحرم.

ثمّ إنّ المراد منه أحد الأُمور التالية:

1. أن يكون نفس السفر بعنوانه محرماً، كما إذا نهى المولى عن السفر بما هوهو.

2. أن يكون السفر محقّقاً لما هو المحرم كالفرار من الزحف، ونشوز الزوجة، وعقوق الوالد، والإضرار بالبدن، فإنّ هذه العناوين تتحقّق بنفس السفر، فإنّ المحرم في لسان الأدلّة شيء، والسفر شيء آخر، لكن السفر محقق لتلك العناوين حتى فيما إذا نذر عدم السفر إذا كان في تركه رجحان، فإنّ الواجب فيه هو الوفاء بالنذر والمحرم هو نقيضه وهو متحقّق بالسفر.

وبذلك يعلم الضعف في كثير من الكلمات حيث يمثلون لكون السفر حراماً بالفرار عن الزحف وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، وسفر الولد مع نهي الوالدين، في غير الواجب والسفر المضر، مع أنّ المحرم بالذات ليس نفس السفر، غاية الأمر يكون السفر محققاً له.

3. أو كانت غايته أمراً محرماً، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو


صفحه12

للسرقة، أو للزنا، أو لإعانة ظالم، أو لأخذ مال الناس ظلماً ونحو ذلك.

4. أو كانت غايته أمراً محللاً، كالتجارة، ولكن ربما يتفق في أثنائه أمر محرم كالغيبة، أو ترك الواجب، وهل الشرط هو خلوه من القسمين الأوّلين أو يعم الثالث أيضاً؟ احتمالات ولنذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ الطوسي: ولا يجوز التقصير إلاّ لمن كان سفره طاعة للّه أو في سفر مباح، وإن كان سفره معصية أو اتّباعاً لسلطان جائر لم يجز له التقصير، وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير.(1)

وقال أيضاً: المسافر في معصية لا يجوز له أن يقصر، مثل أن يخرج لقطع طريق، أو لسعاية بمسلم، أو معاهد، أو قاصداً لفجور، أو عبد آبق من مولاه، أو زوجة هربت من زوجها، أو رجل هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقّه، ولا يجوز له أن يفطر، ولا أن يأكل ميتة (إذا اضطرّ) . وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وزادوا، المنع من الصلاة على الراحلة والمسح على الخفين ثلاثاً والجمع بين الصلاتين.

وقال قوم: سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء. ذهب إليه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.(2)

وقال ابن البراج: وأمّا المباح فهو مثل سفر التجارة وطلب الأرباح لذلك وطلب القوت لأنفسهم ولأهليهم، وأمّا القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً، ومن هو باغ، أو عاد، أو يسعى في قطع الطريق، وما


1 . النهاية: 122.

2 . الخلاف:1/587 برقم 349.


صفحه13

أشبه ذلك، ومن طلب الصيد للّهو والبطر.(1)

قال ابن إدريس: السفر على أربعة أقسام: ...والرابع سفر المعصية، مثل سفر الباغي والعادي، أو سعاية، أو قطع طريق، أو إباق عبد من مولاه، أو نشوز زوج من زوجها، أو اتّباع سلطان جائر في معونته وطاعته مختاراً، أو طلب صيداً للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.(2)

وقال ابن سعيد: ويتم العاصي بسفره كاتّباع السلطان الجائر لطاعته، والصائد لهواً وبطراً.(3)

وقال المحقّق: الشرط الرابع أن يكون السفر سائغاً واجباً، كان كحجّة الإسلام، أو مندوباً كزيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مباحاً كالأسفار للمتاجر. ولو كان معصية لم يقصر، كاتّباع الجائر، وصيد اللهو.(4)

هذه كلمات الأصحاب وآراء المذاهب الفقهية.

لا إشكال في دخول القسم الثالث في مورد الروايات، فإنّ الأمثلة الواردة فيها من هذا القبيل، كالسارق في رواية حماد بن عثمان، والسعاية أو الضرر على المسلمين في رواية عمّار بن مروان، وقصد السلطان الجائر في رواية أبي سعيد الخراساني(5)، إلاّ أنّ الكلام في دخول القسمين الأوّلين


1 . المهذب:1/160.  

2 . السرائر:1/327.

3 . الجامع للشرائع : 91.

4 . الشرائع:1/102.

5 . ستوافيك الروايات فانتظر.


صفحه14

اللّذين عدهما المشهور قسماً واحداً وإن جعلناه قسمين، فيمكن الاستدلال على دخولها تحت الروايات بوجهين:

الأوّل: الأولوية فإذا وجب التمام فيما هو مباح ذاتاً، محرم غاية فأولى أن يتم إذا كان بنفسه حراماً.

الثاني: شمول إطلاق قوله: «أو في معصية اللّه»في رواية عمّار بن مروان لهما.

و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره الشهيد الثاني في روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قال: وقد عدّ الأصحاب من العاصي بسفره مطلق الآبق، والناشز، وتارك الجمعة بعد وجوبها، ووقوف عرفة كذلك، والفارّ من الزحف، ومن سلك طريقاً مخوفاً يغلب معه ظنّ التلف على النفس، أو على ماله المُجحف، وإدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخص كلّ تارك للواجب بسفره لاشتراكهما في العلّة الموجبة لعدم الترخص، إذ الغاية مباحة فإنّه المفروض وإنّما عرض العصيان بسبب ترك الواجب، فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة ونحوها وبين استلزامه ترك غيرها كتعلّم العلم الواجب عيناً أو كفاية، بل الأمر في هذا الوجوب أقوى.(1)وسيوافيك بيان الحال في هذه الموارد.

نعم، السفر المباح الذي ربما يترتب عليه العصيان، كالغيبة، والكذب وغيره فخارج عن مصب الروايات، وإلاّ فلو قلنا بدخولها في الأدلّة، لم


1 . روض الجنان: 388.


صفحه15

يرخص إلاّ للأوحدي إذ قلّما يتّفق لمكلّف عادي أن يخلو في السفر عن العصيان.

وعلى أيّ حال فاللازم دراسة الأحاديث الواردة في ذلك المجال حتى نقف على ما هو الموضوع بحده:

1. روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: «لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلاّ في سبيل حق».(1)

2. وفي خبر حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في قول اللّه عزّوجلّ: (فَمنِ اضْطُرَّ غَيْر باغ وَلا عاد)قال: «الباغي: باغي الصيد(2)، والعادي: السارق، وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، وهي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة».(3)

3. وفي صحيحة عمّار بن مروان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد، أو في معصية اللّه، أو رسولاً(4) لمن يعصي اللّه، أو في طلب عدو أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين».

والرواية حسب نقل الصدوق ينتهي سندها إلى عمّار بن مروان، وعلى


1 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2 . و في الوسائل المطبوعة: «الباغي الصيد» و فيه سقط، و نقلنا الرواية عن نفس الكافي.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

4 . وفي الوسائل المطبوعة الحديث3 من الباب 8 من أبواب صلاة المسافر: «أو رسول» و هو مصحف.


صفحه16

نقل الكليني ينتهي سندها إلى محمد بن مروان، وعمار بن مروان ثقة ولكن محمد بن مروان لم يوثّق.

والظاهر صحّة ما في الفقيه، وانّ الخلط تسرب إلى الكافي المطبوع بشهادة انّ الفيض نقله عن الكافي عن عمّار بن مروان.

كما نقله الشيخ في التهذيب عن عمّار بن مروان، ونقله في الحدائق عن الكافي عن عمّار بن مروان.(1)

4. روى سماعة قال: سألته عن المسافر؟ قال: «ومن سافر فقصر الصلاة وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً مشيعاً لسلطان جائر أو خرج إلى صيد...».(2)

5. وعن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: ... والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل».(3)

6. وعن أبي سعيد الخراساني، قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)بخراسان فسألاه عن التقصير؟ فقال لأحدهما: «وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني، وقال للآخر: وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان».(4)


1 . لاحظ المصادر التالية، الفقيه: 2 / 92 ، كتاب الصيام، برقم 94; الكافي:4/129، كتاب الصيام برقم 3; الوافي:7/173، الباب التاسع ، باب من كان سفره باطلاً; التهذيب:4/219، برقم 640; الحدائق:11/380.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 .

3 . الوسائل: ج 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


صفحه17

لا شكّ في شمول الروايات للسفر الذي يكون ذا غاية محرمة، وقد ورد فيه نماذج من هذا القسم، أعني:

1. السارق، 2. طلب العدوان، 3. طلب الشحناء، 4. السعاية، 5. ضرر على قوم من المسلمين، 6. المحارب الذي يقطع السبيل، 7. قصد السلطان الجائر.

وأمّا القسمان الأوّلان فهما داخلان قطعاً لوجهين:

الأوّل: انّ مانعية القسم الثاني يوجب مانعية القسمين الأوّلين بطريق أولى.

الثاني: قوله: مشيّعاً لسلطان جائر، فإنّ المحرم هناك نفس السفر لا الغاية، فربما لا تلازم المشايعة مع الأمر الحرام، لكن نفس المشايعة حرام بنفسه، أو لكونه محقّقاً لعنوان الإعانة، أضف إلى ذلك: أنّ قوله «في معصية اللّه» يعم القسمين الأوّلين أيضاً.

وأمّا القسم الرابع، أي ما يكون محلّلاً غايةً، ولكن ربما يشتمل على الحرام، كما إذا سافر للتنزه أو الزيارة، ولكنّه يغتاب في أثناء السفر أو يكذب، فهذا القسم خارج عن مصبّ الروايات، لعدم انطباق أحد العناوين السابقة على هذا القسم، ولو كان مثل هذا مانعاً لاختص التقصير بالأوحدي من الناس.

بقي هنا بعض الأقسام:


صفحه18

الأوّل: السفر للفرار من الدين وترك الواجبات

إذا سافر للفرار عن الدين أو لترك صلاة الجمعة بعد وجوبها، أو لترك الوقوف بعرفات ففيه وجوه واحتمالات:

1. يتم مطلقاً، وذلك لأحد وجهين:

الأوّل: انّ أحد الضدين مقدمة لترك الآخر، فيكون السفر مقدمة لترك أداء الدين المحرم، فيكون محرماً لأجل المقدّمية.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ السفر، يلازم ترك الواجب وليس مقدمة ولا دليل على وحدة المتلازمين في الحكم، انّ المتبادر من قوله: «في معصية اللّه» أن يكون السفر محرماً نفسياً ولو لغاية محرّمة لا مقدمياً.

الثاني: انّه وإن لم يكن مقدمة واقعاً، لكنّه في نظر العرف مقدمة وإن لم يكن كذلك في الواقع فيصدق كون السفر في معصية اللّه حسب ما ورد في صحيحة عمّار بن مروان.

يلاحظ عليه: بما عرفت من ظهور الروايات في الحرمة النفسية وأقصى ما يترتب عليه أنّه يكون حراماً مقدّمياً.

2. التفصيل بين كون السفر، مقدمة منحصرة للأمر المحرم بحيث لو كان في الوطن، لأدّى الدين ولو خوفاً على عرضه وأتى بالواجب; وعدمها، بحيث لو لم يسافر أيضاً لأخلّ بالواجب فيتم في الأوّل لكون السفر مقدمة محرمة دون الآخر، إذ عندئذ يكون، ملازماً للحرام ولا وجه لاتحاد المتلازمين في الحكم.

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من الروايات هو كون السفر حراماً نفسياً، لا حراماً مقدمياً.


صفحه19

3. التفصيل بين كون الغاية من السفر، هو الأمر المحرم كترك أداء الدين وعدمه، فيكون السفر في الأوّل حراماً نفسياً لا مقدّمياً، كما إذا أراد أن يتوصل بالسفر إلى ذلك الأمر المحرم فيكون المورد من مصاديق السفر لغاية محرمة، دون ما لم يرد بل يكفي نفس الالتفات بأنّه يترتب عليه ذلك، فما في العروة من التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصل إلى ترك الواجب أو لم يكن. ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني، ناظر إلى إدخال السفر، تحت الأسفار ذات الغاية المحرّمة فذكر قصد التوصل، أو الالتفات للإشارة إلى القسمين وإلاّ فالمعيار كون السفر، ذا غاية محرمة والتوصل والالتفات طريقان إلى العلم بكونه كذلك.

وعلى ذلك لا وجه للاحتياط بالجمع في الثاني، حيث لا يكون السفر عنده محرماً.

***

الثاني: السفر بالدابة المغصوبة

إذا كان السفر مباحاً، لكن ركب دابة غصبية أو مشى في أرض مغصوبة فهل هو يقصّر، أو يُتم؟ الظاهر التفصيل بين الأوّل فيقصر، والثاني فيتم.

أمّا الأوّل: فهو يقصر ولا تزاحمه غصبية الدابة، لأنّ المقياس في المنع عن التقصير كون نفس السفر محرماً ولو لأجل غاية محرمة، لا ما إذا اتحد مع عنوان محرم أو صار ملازماً معه كما في المقام، فإنّ نفس السفر ليس بحرام أي ليس من الأقسام الثلاثة الأُوَل، وإنّما الحرام هو الاستيلاء على الدابة وهو


صفحه20

متحد مع السفر أو ملازم معه، وهذا نظير ما إذا سافر مع لباس مغصوب.

وأمّا الثاني: فلأنّه لا يشترط في إيجاب التمام كون نفس السفر بعنوانه محرماً وإلاّ لزم وجوب التقصير في القسم الثاني من الأقسام الأربعة، فإنّ المحرم بالذات فيها هو عبارة عن الفرار عن الزحف، أو عقوق الوالدين، أو نشوز الزوج، أو الإضرار بالبدن، لا السفر بل يكفي كون السفر محقّقاً وممثِّلاً لما هو المحرم، ومثله المقام فإنّ الغصب والتصرف العدواني، يتحقّق بالسير على الأرض المغصوبة.

وبذلك يظهر الفرق بين هذا والسفر بلباس مغصوب، فإنّ الغصب في الثاني يتحقّق باللبس، سواء كان هناك سفر أو لا، وليس السفر دخيلاً في تحقّق ذلك العنوان بخلاف السير في الأرض المغصوبة فإنّه محقّق للغصب. واللّه العالم.

***

الثالث: في بيان حكم التابع

واعلم أنّ التابع للجائر، تارة يسافر معه، وأُخرى يسافر وحده لكن بأمره، فهنا بحثان:

الأوّل: إذا سافر التابع مع الجائر، فإمّا أن يكون مجبوراً في التبعيّة بحيث لولاه لانهارت معيشته ولم يكن هناك ما يزيل به علّته، أو مكرهاً، أو قاصداً لدفع المظلمة عن المضطهدين بحيث تكون التبعيّة لأجل الأغراض


صفحه21

الصحيحة، ففي جميع تلك الصور يقصِّر لعدم حرمة السفر.

وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن اختار التبعيّة طمعاً في مال الدنيا، قال السيد الطباطبائي: «و كانت تبعيته إعانة الجائر في جوره وجب عليه التمام» وكان عليه أن يعطف عليه أو كونه سبباً لعدّه من أعوان الظلمة، وإن كان نفس العمل حلالاً كالكتابة والمحاسبة، أو موجباً لتقوية شوكته، لكونه من ذوي الجاه، ففي جميع الصور يتم لكون السفر محرماً، وقد مرّقوله (عليه السلام): «أو مشيّعاً لسلطان» في رواية عمّار بن مروان اليشكري.

و ربما يختلف حكم التابع عن المتبوع، فالثاني يقصر إذا كان سفره مباحاً لكونه قاصداً الزيارة فهو يقصر والتابع يتم، لكون سفره معصية لكونه إعانة للظالم.

الثاني: في حكم التابع إذا لم يسافر مع الجائر.

إذا كان التابع موظفاً في دائرة الجائر وإن كان للخدمة أو الكتابة والمحاسبة، فأمره بالسفر يأتي فيه التفصيل السالف الذكر في الأمر الأوّل. فإن كان سفره إعانة للظالم في ظلمه، كما إذا سافر لإبلاغ رسالته إلى بلد خاص وكانت الرسالة تحمل حكماً جائراً على خلاف الكتاب والسنّة فيتم بلا إشكال، لأنّ السفر محرَّم، بحرمة غايته، وما جاء في العروة الوثقى من أنّ الأحوط الجمع لا وجه له.

وأمّا إذا لم يعد سفره إعانة للظالم، كما إذا استأجره للحج عنه، أو لأمر مباح، فالواجب القصر.

***


صفحه22

 

السفر للصيد

إذا سافر للصيد فله أقسام:

1. سافر لقوته وقوت عياله.

2. سافر للتجارة.

3. سافر لهواً وبطراً، والمراد من اللهو، لهو الاشتغال بما لا ينفع. والبطر هو العمل الحاكي عن الطغيان.

وهذه المسألة ممّا انفردت بها الإمامية، وأمّا المذاهب الأربعة، فقد اتّفقوا على جواز القصر في الصيد مطلقاً.

وإليك كلماتهم:

قال المفيد: ومن كان سفره في معصية اللّه جلّوعزّ، أو صيد لهو وبطر، أو كان تابعاً لسلطان الجور في المعونة له عليه، فهو داخل في حكم المسافر في العصيان.(1)

قال الشيخ: أو طلب صيد للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة، فأمّا الصيد فإن كان لقوته أو قوت عياله فهو مباح، وإن كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.(2)


1 . المقنعة: 349، كتاب الصوم .

2 . المبسوط:1/136.


صفحه23

وقال أيضاً: وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير، وإن كان الصيد لقوته وقوت عياله وجب أيضاً التقصير، وإن كان صيده للتجارة وجب عليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم.(1)

وقال أيضاً: إذا سافر للصيد بطراً أو لهواً لا يجوز له التقصير، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.(2)

وقال الحلبي: وفرض التمام يختص المسافر في معصية، والمسافر للّعب والنزهة.(3)

وقال ابن البراج: وأمّا السفر القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً ومن هو باغ أو عاد أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك ومن طلب الصيد للّهو والبطر... ومن كان سفره في طلب صيد التجارة لا لقوته وقوت عياله وأهله.(4)

وقال ابن إدريس: أو طلب صيد للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.

فأمّا الصيد الذي لقوته وقوت عياله، فإنّه يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة.

فأمّا إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت، روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.


1 . النهاية: 122.  

2 . الخلاف: 1/ 588، المسألة 350.

3 . الكافي: 116.  

4 . المهذب: 1 / 106.


صفحه24

وكلّ سفر أوجب التقصير في الصلاة أوجب التقصير في الصوم، وكلّ سفر أوجب التقصير في الصوم أوجب تقصير الصلاة إلاّ هذه المسألة فحسب للإجماع عليها، فصار سفر الصيد على ثلاثة أضرب، وكلّ ضرب منها يخالف الآخر ويباينه.

فصيد اللّهو والبطر، يجب فيه تمام الصلاة والصوم; وصيد القوت للعيال والنفس، يجب فيه تقصير الصلاة والصوم، بالعكس من الأوّل; وصيد التجارة يجب فيه تمام الصلاة وتقصير الصوم.(1)

وقال ابن سعيد: التقصير في السفر فرض إذا كان طاعة أو مباحاً والصيد للقوت من ذلك، فإن صاد للتجارة أتم صلاته وقصّر صومه، ويتم العاصي بسفره كاتباع السلطان الجائر لطاعته والصائد لهواً وبطراً.(2)

وقال المحقّق في «الشرائع»: لو كان السفر معصية لم يقصر كاتباع الجائر وصيد اللهو، ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله قصر، ولو كان للتجارة قيل يقصر الصوم دون الصلاة، وفيه تردّد.(3)

حاصل الأقوال:

1. انّه يقصر ويفطر إذا كان لقوته وقوت عياله.

2. لا يقصر ولا يفطر إذا كان للّهو والبطر.


1 . السرائر:1/328.

2 . الجامع للشرائع: 91.

3 . الشرائع: 1/102.


صفحه25

3. وأمّا إذا كان للتجارة ففيه قولان:

ألف. يقصر ويفطر، وهو الظاهر من المحقّق وممن اقتصر بإخراج الصيد لغاية اللهو والبطر ولم يذكر الآخرين; كالمفيد في المقنعة، والشيخ في الخلاف، والحلبي في الكافي، وابن البراج في المهذب.

ب. يتم الصلاة ويفطر الصوم، وعليه الشيخ في المبسوط والنهاية، وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في جامعه، وماقيل من الملازمة بين الإفطار والقصر، صحيح لكنّه خرج المورد بدليل.

وهل السفر للصيد اللهوي والبطري حرام فيكون كلّ الإتمام والصوم موافقاً للقاعدة، أو السفر مانع، لأنّ مطلق اللهو ليس بحرام إلاّ ما استثني من القمار والمزمار، وليس الصيد كذلك بحرام بشهادة كونه جائزاً في الوطن، فلا يكون السفر للصيد لأجل اللّهو حراماً فالحكم تعبديّ.

فلندرس الروايات الواردة في المقام لتنقيح الموضوع جليّاً.

أقول: يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: حكم الصلاة والصوم في الموارد الثلاثة:

فنقول: إنّ الروايات الواردة على طوائف ثلاث:


صفحه26

 

الطائفة الأُولى: ما يدل على أنّ السفر للصيد لا يوجب القصر:

1. خبر حماد بن عثمان(1) في قوله اللّه عزّوجلّ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد) .(2)

قال: الباغي: باغي الصيد، والعادي: السارق(3) والمراد من الباغي، أي طالب الصيد، فلا يجوز له أكل الميتة إذا اضطرّ.

2. صحيح عمار بن مروان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر، إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد».(4)

3. ما رواه الصدوق في الخصال، عن أبي الحسن الأوّل، قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أربعة يفسدن القلب ويُنبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد».(5) ودلالته على عدم جواز القصر، لأجل كونه من مصاديق سفر المعصية فيتم للضابطة.


1 . رواه الكليني عن شيخه «الحسين بن محمد»، وهو الحسين بن محمد بن عمران الأشعري الثقة، لكن في السند معلى بن محمد و هو لم يوثق، و أمّا الوشاء الّذي في السند، فهو الحسن بن علي بن زياد الوشاء من وجوه الطائفة.

2 . البقرة: 173.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.

5 . المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


صفحه27

 

الطائفة الثانية: ما يدل على عدم الفرق بين سفر الصيد،
وغيره:

1. روى الصدوق، عن العيص بن القاسم; والشيخ، عن عبد اللّه بن سنان، أنّهما سألا الصادق(عليه السلام)عن الرجل يتصيّد فقال: «إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر».(1)

ولعلّ الوقت كناية عن الحدّ، فالدائر حول البلد، لا يقصر، والمتجاوز عنه يقصر. وقال في الوسائل: «الفرض هنا اشتراط المسافة».

2. صحيح الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام، وإذا جاوز الثلاثة لزمه».(2)

والتفصيل بين الثلاثة وغيرها محمول على فتوى أبي حنيفة، حيث اشترط قطع مراحل ثلاث في ثلاثة أيّام.

الطائفة الثالثة: الروايات المفصِّلة بين اللهو وغيره

1. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته


1 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 8.

2 . المصدر نفسه: الحديث 3.


صفحه28

أم لا يقصّر؟. قال: «إنّما خرج في لهو لا يقصّر».(1)

2. سألته عن الرجل يشيّع أخاه اليوم واليومين في شهر رمضان، قال: «يفطر ويقصّر، فإنّ ذلك حقّ عليه».(2)

3. موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال: «يتم لأنّه ليس بمسير حق».(3) والمراد بقرينة الرواية السابقة هو اللهو، لأنّ الصيد لطلب القوت ليس على خلاف الحقّ قطعاً.

4. روى الشيخ باسناده، عن أحمد بن محمد، عن عمران بن محمد بن عمران القمي(4)، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصر أو يتم؟ فقـال: «إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة».(5)

و هل المراد من طلب الفضول، فضول المال، فيعم الصيد للتجارة، أو يراد منه اللهو كناية؟ وعلى كلّ تقدير، فلو عمّ التجارة، فقد أعرض عنها الأصحاب في مورد الصوم، لاتّفاقهم على كونه يفطر.


1 . المصدر نفسه: الحديث 1.

2 . المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.

4 . الأشعري، الثقة.

5 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.


صفحه29

و أمّا ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد السياري، عن بعض أهل العسكر، قال: خرج عن أبي الحسن أنّ صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم، فإذا رجع إليها قصر.(1) فالسياري ضعيف للغاية، فحديثه ساقط بلا حاجة لتأويله وإن أوّله صاحب الوسائل بوجه بعيد.

وعلى كلّ تقدير فبفضل الطائفة الثالثة، يعالج التعارض بينها بحمل كلّ من الروايات المانعة والمجوزة على موردهما من اللهو، وتحصيل القوت.

بقي الكلام في سفر الصيد للتجارة به:

فهناك قولان ولكن الاحتمالات ثلاثة:

1. التقصير والإفطار، 2. الإتمام والإفطار، 3. الإتمام في الصلاة والصيام.

والظاهر هو الأوّل أي بقاؤه تحت عمومات القصر، ولم يدل دليل قطعي على خروجه عنها، لأنّ ما ورد في الطائفة الثانية عبارة عن العناوين التالية:

أ. خرج في لهو.

ب. ليس بمسير حق.

ج. خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


صفحه30

ومن المعلوم عدم شمول الأوّلين للصيد من أجل التجارة، وإنّما الكلام في قوله لطلب الفضول فهو بظاهره وإن كان شاملاً للتجارة بأن يكون المراد طلب الزيادة، ولكن الرواية مرسلة أوّلاً، وضعيفة الدلالة ثانياً، حيث قال: فلا، ولا كرامة; ولذلك لا يمكن تخصيصها بمثل هذه الرواية.

وأمّا الثاني فليس له مصدر سوى ما نقلناه عن الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر حيث قالا: روى أصحابنا أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم، مع أنّه غير موجود في جوامعنا الحديثية وهناك احتمالان:

الأوّل: استنباط التفصيل باعتبارات عقلية ممّا بين أيدينا من الروايات.

الثاني: وجود رواية وصلت إليهم ولم تصل إلينا، وقد استقرب الثاني سيد مشايخنا البروجردي لحسن ظنه بالقدماء، ويؤيده ما في فقه الرضا (عليه السلام)قال: ومن خرج إلى صيد فعليه التمام إذا كان صيده بطراً وشرهاً، وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم، وإذا كان صيده اضطراراً ليعوده على عياله، فعليه التقصير في الصلاة والصوم.(1)

إنّ فقه الرضا ليس كتاباً روائياً، بل هو كتاب فتوى ألّفه عالم خبير بالروايات وجمع فيه لبّ ما جاء فيها بعد تقييد العام بخاصه، والمطلق بمقيده وهو يكشف عن وجود الرواية، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على مثله لعدم إحراز حجّيته.

وأمّا الثالث فهو احتمال، إذ لا قائل في الصلاة والصيام إذا كان الصيد


1 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6091 .


صفحه31

للتجارة لكنّه ورد في رواية زيد النرسي، وجاء فيها: وإن كان ممّن يطلبه للتجارة وليست له حرفة إلاّ من طلب الصيد، فإنّ سعيه حقّ و عليه التمام في الصلاة والصيام، لأنّ ذلك تجارته فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور الأسواق في طلب التجارة.(1)

والالتزام بكلّ من القول الثاني والاحتمال الثالث مشكل، أمّا ما في الفقه الرضوي، فإنّه يخالف الضابطة الواردة في صحيحة معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».(2)

وأمّا ما في رواية زيد النرسي منقولاً عن أصله فرفع اليد بها عن عمومات التقصير في الصلاة والصوم مع كون التجارة أمراً مرغوباً أمر مشكل، والأقوى كون الصيد لطلب التجارة حلالاً تكليفاً، والصائد يقصر ويفطر.

المقام الثاني: في حكم السفر اللهوي تكليفاً

قد عرفت اتّفاق الروايات والفتاوى على الإتمام والصيام في السفر للصيد اللهوي.

إنّما الكلام في كون العمل حلالاً تكليفاً وإنّ عدم جواز القصر والإفطار حكم تعبدي، أو هو فعل محرم وعدم الجواز على وفاق القاعدة لأنّه من أقسام سفر المعصية.

أمّا الفتاوى فلا تظهر القول بالحرمة من القدماء، إلاّ ابن البراج(3) فإنّه


1 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6090.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث17.

3 . المهذب:1/106.


صفحه32

جعله من قبيل السفر القبيح كما تقدم، وأمّا الشيخ فقد جعل السفر للصيد اللهوي قسماً لسفر المعصية، قال: فإن كان سفره معصية، أو اتباعاً لسلطان جائر، لم يجز له التقصير، ولذلك (أي كونه سفر معصية) إن كان سفره إلى صيد لهو وبطر لم يجز له التقصير.(1)

وأمّا الخلاف، فقد عقد الشيخ فيه مسألتين، خصّص إحداهما بمسألة سفر المعصية، والأُخرى بسفر الصيد.(2)

وقال ابن إدريس: والمسافر في طاعة إذا مال إلى الصيد لهواً وبطراً، وجب عليه التمام.(3)

وقال ابن سعيد: فإن عدل في طريقه إلى صيد لهو وبطر أتمّ.(4)

و أوّل من صرّح بالحرمة التكليفية هو المحقّق في الشرائع، وتبعه غيره;إنّما المهم دراسة الأدلّة.

ويمكن استظهار الحرمة من رواية حماد بن عثمان، حيث قال في تفسير قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَ لا عاد)(5)، الباغي باغي الصيد والعادي السارق، وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا الصلاة.(6)


1 . النهاية: 122.

2 . الخلاف: 1 / 587 ، كتاب صلاة المسافر، المسألة 349 و 350.

3 . السرائر:1/343.  

4 . الجامع للشرائع: 1/ 92.

5 . البقرة:173.

6 . الوسائل: ج 5، الباب8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.


صفحه33

وجه الدلالة، انّه جعله عِدْل السارق.

وأمّا النهي عن أكل الميتة بالنسبة إليهما، فهو راجع إلى بعض الحالات، كما إذا هجم عليهما الجوع، بحيث لو لم يأكلا لزم الحرج الشديد، ففي هذه الحالة لا يجوز لهما أكل الميتة كما يجوز لسائر المسلمين، وأمّا إذا كان هناك خوف على النفس بالموت جوعاً فهو جائز قطعاً، من غير فرق بين الصائد والسارق وغيرهما.

ويمكن استظهار الحرمة من قوله: «لأنّه ليس بمسير حق».(1) وقوله: «إنّ التصيّد مسير باطل».(2) وقوله: «أربعة يفسدن القلب وينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد».(3)

فإنّ المراد من الباطل في المقام ليس الباطل الوضعي، لأنّ المفروض أنّ الصائد يتملك إذاكان صيده للّهو، فيرجع البطلان إلى العمل ويساوق الحرمة.

نعم الذي يبعد الحرمة هو كثرة الابتلاء بالصيد اللهوي، مع عدم ورود رواية صريحة على حرمته، ولأجل ذلك فالأحوط تركه.

نعم لا فرق بين صيد البر والبحر، لإطلاق الأدلّة، وما ورد في رواية


1 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


صفحه34

زرارة «من الصقورة والبزاة والكلاب»(1) لا يدل على الاختصاص بعد إطلاق الأدلّة.

كما لا فرق بعد فرض كونه سفراً، بين كونه دائراً حول البلد، وبين ابتعاده عنه، لإطلاق الأدلّة.

كما لا فرق بين استمراره ثلاثة أيام وعدمه.

وما ورد في خبر أبي بصير لا مجال للعمل به.(2)

الرجوع عن سفر المعصية

إذا كان السفر سفر معصية لا يُقصر فيه الصلاة، فهل الرجوع عنه بحكم الذهاب أو لا، أو فيه تفصيل؟ فهناك صور:

1. إذا رجع عن سفره بعد ارتكاب المعصية وبعد تخلّل إحدى القواطع كالإقامة أو المرور على الموطن أو غيرهما، فلا شكّ أنّ الرجوع يكون موضوعاً مستقلاً يتَّبع حكمُه واقعية السفر الثاني من كونه سفراً سائغاً أو غير سائغ، ولمّا كان المفروض أنّه سائغ يقصر.

2. إذا تاب بعد ارتكاب المعصية وهو بصدد الرجوع، فالظاهر أنّ السفر الثاني موضوع مستقل لا يدخل تحت روايات الباب، كصحيحة عمّار بن مروان من قوله: «أو في معصية اللّه»، أو قوله: « لأنّه ليس بمسير حق»، أو قوله:


1 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.


صفحه35

«مسير باطل» خصوصاً إذا كان الرجوع لأجل تحصيل القوت لنفسه ولعياله، وذلك لأنّ تخلل التوبة فَصَلَ الإيابَ عن الذهاب موضوعاً، فقد كان عاصياً حين الذهاب وأصبح طائعاً وتائباً حين الإياب.

3. إذا لم يتب من عصيانه عند الإياب فهل يقصر أو لا؟ فيه وجوه:

أ. إنّ الإتمام والقصر يتبعان كون السفر سفرمعصية أو طاعة والمفروض أنّ الإياب ليس داخلاً في الأوّل وهو يكفي في القصر، لأنّ المقتضي وهو طيّ المسافة موجود، والمانع وهو العصيان مفقود، فيؤثّر المقتضي.

ب . إنّ الاياب يعدُّ من توابع الذهاب، فالعرف يعدّ كلاًّ من الذهاب والإياب سفراً واحداً محكوماً بالحرمة دون جعل فاصل بينهما.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس هو السفر الواحد حتى يقال بأنّ الإياب جزء من الذهاب بل هو السفر الواحد الذي ينطبق عليه ابتداءً وانتهاءً أنّه سفر معصية، والمفروض أنّه ينطبق على الذهاب فقط دون الإياب.

ج. التفصيل بين عدِّ الإياب جزءاً من السفر عرفاً أو سفراً مستقلاً وعليه أكثر المعلِّقين على العروة.

يلاحظ عليه: بما ذكرناه من الملاحظة السابقة، فإنّ الموضوع عبارة عن السفر الواحد المنطبق عليه عنوان المعصية، وهو غير حاصل في المقام والدليل عليه أنّ الغاية هي السبب لوصف السفر بالعصيان فمادامت الغاية المترتبة عليه غير حاصلة بعدُ يُوصف السفر بالعصيان والحرمة، فإذا حصلت الغاية وتمّ الأمر فلا يوصف الجزء الآتي بعدَ الغاية بالحرمة والعصيان، لأنّ


صفحه36

الغاية المحرمة المترتبة توجب كون السفر المترتبة عليه الغاية معصية لا الغاية المتحقّقة التي يعقبها سفر آخر.

فالأقوى أنّ الإياب موضوع للسفر المباح، فيقصر إذا كان مسافة شرعية.

شرطية إباحة السفر ابتداء واستدامة

لا شكّ أنّه إذا كان تمام السفر لغاية مباحة، يُقصّر فيه الصلاة، كما أنّه إذا كان تمامه لغاية محرّمة يتم فيه الصلاة، إنّما الكلام إذا كان السفر مباحاً ابتداءً فقصد المعصية في الأثناء، أو كان سفره ابتداءً معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة، وقد خصّ السيد الطباطبائي المسألة الثالثة والثلاثين لبيان حكم هذين الفرعين مع بعض شقوقهما.

وقبل دراسة أحكام بعض الشقوق وأدلّة الباب، نذكر ما هو المحتمل في هاتين الصورتين، وإن كان التصديق الفقهي يتوقف على الإمعان في الأدلّة، فنقول: فيهما احتمالات ثلاثة:

1. الأخذ بإطلاق أدلّة الترخيص غاية الأمر خرج عنه ما إذا كان المجموع سفراً محرماً، لا بعضه.

2. الأخذ بإطلاق أدلّة الباب، وأنّ وزانها بالنسبة إلى الأدلّة المرخصة وزان المخصّص أو المقيّد، فيكون موضوع أدلّة المرخصة، المسافر غير العاصي بسفره، والسفر الواحد إذا كان بعض أجزائه سفراً محرماً، يصدق


صفحه37

عليه أنّه عاص بسفره، أو أنّ سفره في غير مسير الحق أو في مسير الباطل.

3. إنّ الحكم من حيث القصر والإتمام يختلف حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الطاعة والعصيان، ففي السفر الواحد سواء كان على حدّ المسافة الشرعية أو أزيد يُقصِّر في حالة الطاعة، ويتمّ في حالة العصيان، كما هو الحال عند اختلاف حال المكلّف بالنسبة إلى الحضر والسفر، فإن صلّى الظهر في أوّل الوقت في الحضر، أتم وإن سافر بعده، كما أنّه إن صلاها في السفر يُقصِّـر وإن حضر بعد الصلاة وكان الوقت باقياً.

هذه هي المحتملات قبل دراسة الأدلّة، وإليك تحليل المسألة مع شقوقها الواردة في العروة بتقديم وتأخير.والمهمّ في المقام، هو تبيين أنّ المرجع هل هو الأدلّة المرخصة، أو روايات الباب فقط فنقول: إنّ العدول يتصور على وجهين:

الأوّل: لو عدل في الأثناء إلى المعصية

لو كان في ابتداء سفره مطيعاً وصار في أثنائه عاصياً، فله صورتان:

الأُولى: لو سافر بنية سائغة ثمّ عدل إلى المعصية قبل قطع المسافة انقطع ترخّصه ووجب عليه الإتمام فيما بعد، وأمّا ما صلاه قصراً قبل العدول، فمقتضى القاعدة هو الصحّة نظير من صلّى وعدل عن السفر قبل قطعها حيث قلنا بأنّه لا تجب إعادتُها، فهنا دعويان:

إحداهما: أنّه يتم فيما بعد، لأنّ المرجع هو روايات الباب لا الأدلّة


صفحه38

المرخصة، لأنّ موردها ما إذا قطع مسافة بنيّة الطاعة، لا ما إذا قطعها ملفقة بنيّتين.

ثانيهما: صحّة ما صلّى قصراً لما عرفتَ أنّ الصحّة مقتضى القاعدة، سواء أكان هناك نصّ أم لا، لأنّه أتى ما أتى، بأمر الشارع وقد انطبق عليه عنوان الفريضة وقام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من فريضة واحدة في يوم واحد، تكون النتيجة هي الإجزاء. غاية الأمر النص موجود في المسألة السابقة (عدل عن أصل السفر) دون المقام وهو غير مؤثِّر.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره)استشكل على الصحّة وحاصل ما أفاده: انّ ظاهر الأدلّة كون الموضوع قطع البريدين عن قصد لا مجرّد القصد فقط وإن لم يقطع المسافة وليس المقام مثل الإقامة التي يكفي فيها مجرّد قصدها، وإن عدل بعد القصد عن الإقامة عشرة أيّام إذا صلّـى بعد القصد وقبل العدول رباعية.

يلاحظ عليه: نحن نفترض أنّ الموضوع هو قطع المسافة عن قصد، فلا يكفي أحد الجزءين، لكن تجويز الشارع أداء الصلاة في حدّ الترخص قبل العدول عن القصد يدل بالدلالة الالتزامية على أنّه اقتنع في امتثال تكاليفه بما أتى لكونه وافياً بملاك الواجب الواقعي، وإلاّ لما أمر.

أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون الموضوع لصحّة الصلاة قبل قطع المسافة هو نفس القصد وإن تعقبه العدول، نعم الموضوع بعد القطع هو البريدان عن قصد.


صفحه39

الثانية: إذا قطع مسافة شرعية بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى قصد المعصية لسفره وكان الباقي مسافة شرعية لكن لم يكن سفراًمستقلاً (كما إذا ابتدأ به بعد المرور على الوطن أو بعد الإقامة عشرة أيام وإلاّ فالتمام متعيّن بلا إشكال) بل كان الباقي استمراراً لما ابتدأ به من السفر بنية سائغة، فهل العدول إلى المعصية يوجب التمام أو لا ؟فيه احتمالات ثلاثة ماضية. والأقرب إلى الاعتبار هو الإتمام لما علمت أنّ التقصير هدية إلهيّة وإرفاق منه سبحانه للمسافر، وهو يناسب المطيعَ في سفره، فإذا كان السفر مختوماً بالشر والعصيان، فالمناسبة المزبورة تقتضي كونه محكوماً بالإتمام، ولا يكفي وجوده (قصد السفر بنيّة الطاعة) الحدوثي، وكفايته في بعض الأحيان كما في مورد الإقامة على ما مرّ لا يكون دليلاً على المقام، نعم هو صحيح في مورد المحدود والسارق والقاتل، ومعنى ذلك كون الطاعة شرطاً ابتداء واستدامة.

والحاصل هل المرجع في المقام هو أدلّة الباب، أو الأدلة المرخّصة للتقصير؟ والظاهر هو الأوّل لأنّ المناسبة بين الموضوع والحكم تقتضي كون الطاعة شرطاً في الابتداء والاستدامة.

والظاهر من الشيخ الأعظم في تعليقته على نجاة العباد، هو التقصير.(1)والمرجع عنده هو إطلاق الأدلّة المرخّصة الشاملة للمقام، وقد خرج منها ما إذا كان مجموع السفر معصية للّه تبارك وتعالى.


1 . قال صاحب الجواهر في نجاة العباد (ص 100): «فلو كان ابتداء سفره طاعة فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخصه و إن كان قد قطع مسافات» و علق عليه الشيخ بقوله:فيه تأمّل مع قطع المسافة الموجبة للقصر.


صفحه40

توضيحه: أنّ الأدلّة المرخّصة قبل انضمام روايات الباب (سفر المعصية) مطلقة تعم جميع أقسام السفر سائغه ومحرمه، وأمّا روايات الباب، فقد قيدت الموضوع وجعلته أمراً مركباً من قطع الثمانية بشرط أن لا يكون المسير باطلاً، أو يكون المسير حقّاً، أو في غير معصية اللّه من دون أن تتصرف في إطلاق الحكم، وكأنّه قال: «المسافر في سبيل الحقّ أو في غير سبيل الباطل يقصّر». والمفروض تحقّق الموضوع مع قطع الثمانية فراسخ بنيّة سائغة، وعند ذاك يكون محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً وإن كان القطع بعدها في غير سبيل الحقّ. والحاصل أنّ روايات الباب لم تتصرف في إطلاق الحكم، وإنّما تصرفت في الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع في الفترة الأُولى وهو كاف في كونه محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بذلك على إطلاقه مشكل، فلو افترضنا أنّه قصد مائة فرسخ، وقد قطع ثمانية فراسخ بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى نيّة المعصية، فالالتزام بالقصر في بقية المسافة بعيد جدّاً، وهل العاصي بسفره يستحقّ الإرفاق؟!

ثانياً: أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونه قيداً لجميع أجزاء السير لا بالمقدار المحصل للموضوع على الوجه الأقل لكونه إرفاقاً منه سبحانه للطائع لا للعاصي وتصور كونه مطيعاً في فترة من الزمن سبب للإرفاق دائماً وإن انقلب إلى ضدّه بعيد عن الأذهان.

ثالثاً: أنّ ما ذكره من الوجه، احتمال في مقابل احتمال آخر، فكما


صفحه41

يحتمل أن يكون قيداً للموضوع يحتمل أن يكون قيداً لإطلاق الحكم، نعم لو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي ولم يعلم كون المرجع هو روايات الباب أو الأدلّة المرخصة، فالمرجع هو الأصل العملي ومقتضاه هو القصر.

تقريب للمحقّق الخوئي

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره)ذكر وجهاً آخر، للقول بالتقصير، وحاصله: أنّ السفر بنيّة سائغة مقتض للقصر مطلقاً مالم ينقطع بقاطع مقتض للتمام، وأمّا سفر المعصية فهو ليس بمقتض للتمام، فإنّه لا يقتضي القصر وليس هو كالمرور على الوطن المقتضي للتمام، وعلى ذلك فاللازم العمل بمقتضي القصر ما لم ينقطع بمقتضي التمام.(1)

إنّ الظاهر من الأدلّة، أنّ سفر المعصية من قبيل المانع لاقتضاء السفر للقصر، فلو تمّ الإطلاق في ناحية المانع، فلا يكون فرق بين الحدوث والبقاء، لا أقول إنّ سفر المعصية مقتض للتمام وإنّما هو مانع عن تأثير المقتضي للقصر، فالمرجع بعد ممنوعية المقتضي للقصر، هو أدلّة التمام فإنّه الأصل في الصلاة، وغيره يحتاج إلى الدليل.

***


1 . مستند العروة:8/128.


صفحه42

 

الوجه الثاني: لو عدل في الأثناء إلى الطاعة

هذا هو الوجه الثاني الذي عقدت المسألة لبيانه وحاصله: أنّه لو سافر بنية المعصية فعدل عنها في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر سواء كانت المسافة امتدادية أو تلفيقية، وسواء كان الذهاب أربعة أو أقل على ما مرّ.

إنّما الكلام في مورد آخر وهو ما إذا لم يكن الباقي مسافة امتدادية ولا تلفيقية، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالقصر وإن احتاط بالجمع بين القصر والتمام احتياطاً استحبابياً.

وجّه ما ذكره بقوله: فإنّ المدار على حال العصيان والطاعة، فمادام عاصياً يُتمّ، ومادام مطيعاً يقصر من غير نظر إلى كون البقية مسافة أو لا.

توضيحه: أنّ أدلّة الترخيص لها إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي، فما دلّ على الإتمام في سفر المعصية أخرجه عن تحت الإطلاق الأحوالي لا عن الإطلاق الافرادي، فعلى ذلك فالعاصي في سفره في الابتداء لم يخرج عن تحت عمومات القصر خروجاً موضوعياً، وإنّما خرج عن إطلاقه الأحوالي فقط بمعنى أنّ المسافر في حال الطاعة يقصر وفي حال العصيان يتم، فإذا كان كذلك فالمسافر بنية العصيان لم يخرج موضوعياً وإنّما خرج أحوالياً، فإذا زال العصيان وعادت الطاعة يشمله الدليل موضوعياً وأحوالياً.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع حَسَبَ الأدلّة هو من قصد الثمانية، سواء


صفحه43

كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، وهذا هو مقتضى الإطلاق الأحوالي.

ثمّ إنّ أدلّة الباب خصصت الأدلّة المرخصة في جانب الإطلاق الأحوالي من دون أن تمس كرامة الموضوع فمن كان في ابتداء سفره عاصياً فقد بقي تحت الأدلّة المرخصة وإنّما خرج عن تحت إطلاقه الأحوالي، أعني قولنا: سواء كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، فمادام كونه عاصياً لا يشمله إطلاق الحكم وإن كان باقياً تحت الموضوع، فإذا عاد إلى الطاعة يشمله الدليل المرخص موضوعاً وحكماً.

يلاحظ عليه: أنّ هذه الفروض، فروض ذهنية لا يمكن الاعتماد عليها والشاهد عليه انّه اسْتُظهِر(1) في مسألة واحدة تارة أنّ إباحة السفر مأخوذ في الموضوع وقيد له، وأُخرى أنّه قيد للحكم وتقييد لإطلاقه غير مأخوذ في الموضوع.

ففي الصورة الأُولى، أعني: ما إذا كان في ابتداء سفره مطيعاً وقد قطع ثمانية فراسخ بها ثمّ عاد إلى العصيان، جعل الشيخ الأعظم نيّة الإباحة قيداً للموضوع، ولأجل ذلك حكم بالقصر في حالة العصيان احتجاجاً بتحقّق الموضوع في فترة خاصة، وهو يكفي في بقاء الحكم حتى في حالة العصيان.

وفي الصورة الثانية، أي فيما إذا كان عاصياً في ابتداء السفر ومطيعاً في منتهاه، وكان المجموع بمقدار المسافة جعل السيد الطباطبائي نية الإباحة قيداً للحكم ومقيداً لإطلاقه لا قيداً للموضوع من دون أن يخرج العاصي في


1 . و إن كان المستظهر شخصين، فالمستظهر الأوّل هو الشيخ الأعظم، و المستظهر الثاني هو السيّد الطباطبائي في هذا الفرع.


صفحه44

ابتداء السفر عن تحت الأدلّة المرخّصة، وإنّما خرج عن تحت إطلاق الحكم، فبما أنّ العاصي في أوّل سفره والمطيع في آخره باق تحت الأدلّة المرخّصة، فما دام عاصياً يتم، وإذا عدل إلى الطاعة يقصر.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ تلك الاستظهارات لا تعتمد على أصل صالح للاحتجاج، وإنّما هي ذوقيات فوق مستوى الأفهام العرفية، فالذي يمكن أن يقال أنّ مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى أنّه هدية إلهية إنّ نيّة الإباحة قيد لجميع أجزاء السفر الواحد.

وبما أنّ قسماً منه كان بنيّة المعصية لا تشمله الأدلّة المرخّصة ولو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي فمقتضى الأصل العملي هو التمام.

مسألة: لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية

لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية فلها صور:

1. أن يكون كلّ من الداعيين مستقلين بحيث لو فُقد أحدهما كفى الآخر في البعث.

2. أن يكون داعي المعصية مستقلاً بلا حاجة إلى ضميمة بخلاف داعي الطاعة.

3. أن يكون داعي الطاعة مستقلاً بلا حاجة في بعثه إلى ضميمة بخلاف داعي المعصية.


صفحه45

4. أن يكون كلّ منهما جزءاً للباعث بحيث لو لم يكن الآخر لما حصل الانبعاث.

لا إشكال في وجوب الإتمام في الصورة الأُولى والثانية، لأنّ المسير عندئذ ليس بمسير حق، وإنّما هو مسير باطل وسفر معصية.

و ربما يحتمل أنّ المستفاد من الأدلّة: أنّ السفر الذي يجب فيه التمام هو السفر الذي يتحقّق بداعي المعصية محضاً، ففي الصورة الأُولى يجب القصر لعدم تحقّق السفر بداعيه لأنّه مستند إلى الداعيين وإن كان كلّ واحد كافياً في البعث إلاّ أنّه لما اجتمعا يكون السفر مستنداً إلى كليهما.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مجرّد احتمال وليس عليه دليل في الروايات وإنّما الميزان كون السفر، سفر معصية والمسير باطلاً أو على خلاف الحقّ، وهذه العناوين صادقة على مثل هذا السفر.

أمّا الثالثة أعني: إذا كان قصد المعصية تبعاً بحيث لم يكن له أثر
في إيجاد الداعي إلى السفر في نفس المسافر، فالظاهر أنّ التكليف هو
القصر لعدم صدق عنوان «سفر المعصية»، فليس السفر بنفسه ولا بغايته محرماً.

و إن شئت قلت: إذا كان أحد الداعيين شديداً والآخر ضعيفاً، فالسفر في نظر العرف يستند إلى الداعي القوي وإن كان للضعيف أيضاً تأثير بحسب الدقة العقلية، ولأجل ذلك يكون الحكم في الصورة الثالثة على خلاف


1 . الصلاة للحائري: 417.


صفحه46

الصورة الثانية. فالعرف يُسند السفر في الثانية إلى قصد المعصية وفي الثالثة إلى قصد الطاعة.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد مثل لهذا القسم بما يقع في سفر المسافر من باب الصدفة والاتفاق كالكذب والسبِّ والغيبة والنميمة وشرب الخمر ونحوها ممّا يقع في الطريق أو المقصد.(1)

والظاهر خروج هذا النوع من المعاصي الصادرة في أثناء السفر من دون أن تكون مقصودة في بدء السفر وداعية إليه، بل المراد هو الداعي الموجود في نفس المسافر عند الحركة ولكن داعياً ضعيفاً بحيث لا تأثير له لا في حال الوحدة ولا في حال الجمع إلاّبالدقة العقلية وأمّا ما يتّفق في أثناء السفر أو المقصد من المحرمات غير المقصودة عند إنشاء السفر، والمقصودة عند الفعل، فهو خارج عن محلّ النزاع، إلاّ أن يكون داعياً من بدء الأمر وهو نادر فيما مثل به.

وأمّا الرابعة: وهو ما إذاكانت كلّ من الغايتين غير صالحتين للبعث وإنّما يتأتى البعث من كليهما معاً، ففيه وجهان:

أ. القصر لأنّ القدر المتيقن من أدلّة الباب ما إذا كان داعي المعصية صالحاً للبعث بالاستقلال وهو ليس كذلك، لأنّ المفروض أنّ كلاً من الداعيين لا يوجب البعث إلى المطلوب حلالاً كان أو حراماً.

ب. الإتمام وذلك لأنّ المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام فيه


1 . مستند العروة الوثقى: 8 / 135.


صفحه47

دخل والمفروض أنّ له سهماً من التأثير.

والحقّ أن يقال إذا كان الملاك هو صدق سفر المعصية فهو يقصر، وإن كان الملاك كون السفر على مسير الحقّ أو على عدم مسير الباطل، فالظاهر أنّه من مصاديق المسير الباطل.

وإن شئت قلت: إنّ كون المسير باطلاً وغير مرضي لا يتوقف على أن يكون الداعي إليه الغاية المحرمة محضاً بل قد يكون السير باطلاً مع عدم قصد غاية محرمة أصلاً، كما إذا علم أنّه إذا سافر ومشى إلى محل خاص يضطر إلى ارتكاب الحرام، وعليه فهذا المسير باطل وإن لم يكن بداعي الحرام.

***

مسألة: إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟

إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟

فإن كانت الشبهة حكمية، فاللازم هو الفحص والنظر في الأدلّة هذا إذا كان مجتهداً، وأمّا المقلّد فيرجع إلى مقلَّده أو يعمل بالاحتياط.

وأمّا إذا كانت موضوعية، فالمرجع أصالة الحل إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعي ينقح موضوع الدليل الاجتهادي الدال على الحرمة، كما إذا استأذن العبدُ المولى في السفر أو الزوجة من الزوج، فلم يأذنا، ثمّ شكّ في بقاء المنع، فاستصحاب عدم الإذن ينقح الموضوع للدليل الاجتهادي الدال على


صفحه48

حرمة سفر العبد والزوجة بلا إذن المولى والزوج.

مسألة: ما هو المدار في حلية السفر وحرمته؟

ما هو المدار في وصف السفر بالحلية والحرمة، فهل المدار هو الواقع أو ما يقابله؟

ثمّ إنّ ما يقابل الواقع إمّا الاعتقاد بالخلاف (القطع المخالف للواقع) أو الأصل العملي المخالف، فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو المدار في الوصف بالحلية والحرمة، هل الواقع أو الاعتقاد المخالف للواقع؟ وتظهر الثمرة في الموردين التاليين:

أ. لو سافر لقتل إنسان معتقداً بأنّه محقون الدم فأتم صلاته فبانَ كونه مهدور الدم، فلو كان المدار هو الواقع، وجبت عليه إعادة صلاته لأنّه لم يكن سفر معصية في الواقع، فكان واجبُه هو القصر وقد أتم، ولو لم يصل وفاتته، يقضيها قصراً وهذا بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يُعيد ما صلاّها تماماً ويقضي ما فات تماماً، لا قصراً، لافتراض كونه معتقداً بكونه حراماً وأنّ وظيفة مثله هي التمام داخل الوقت وخارجه، وبما أنّه كان في الواقع سفر حلال وإنّما اعتقد حرمته يعدُّ عمله تجرياً فلو قلنا بعدم حرمته، تظهر الثمرة بين القولين كما بيناها.

وأمّا لو قلنا بحرمة التجرّي وأنّ من اعتقد كونَ فعل حراماً ولم يكن في الواقع محكوماً بالحرمة، يكون الفعل ـ والحال هذه ـ محكوماً بالحرمة، فلا يظهر أثر بين القولين: الواقع والاعتقاد، لأنّ التجري موضوع وحكمه الواقعي


صفحه49

هو الحرمة، فيكون السفر حراماً واقعاً.

و بما أنّ التجري على القول بقبحه يشارك المعصية في استحقاق العقاب، لا في سريان الحرمة إلى المتجرى به، تترتب على القولين ثمرة.

ب. ينعكس الحكم في عكس الصورة، فإذا اعتقد أنّ رجلاً مهدور الدم وسافر لقتله فقصر وبان أنّه محقونه، فلو كان الميزان هو الواقع، يعيد ما صلاّها قصراً، تماماً، ولو لم يصلّ حتى خرج الوقت يقضيها تماماً، بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يعيد ما صلاها قصراً، وأمّا القضاء، فيقضي ما فات، قصراً، ولا موضوع للتجري لأنّه تحرك وفق علمه وقطعه هذا إذا كان مقابل الواقع هو الاعتقاد، وأمّا إذا كان مقابله هو الأصل العملي، فإليك بيانه في المورد الثاني.

الثاني: إذا كان مقتضى الأصل مخالفاً للواقع فهل المدار في الوصف هو الواقع أو مقتضى الأصل كما إذا كان مقتضى الأصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه، مثل ما إذا كانت الزوجة ممنوعة السفر من جانب زوجها فترة لكنّه عدل عن المنع من دون إعلام لها، فسافرت ومعها استصحاب المنع، فهل المدار هو الواقع أو مقتضى الأصل؟

فلو كان المقياس هو الواقع صحّت صلاتها قصراً لا تماماً، ولو كان المقياس هو الأصل فبما أنّ مقتضى الاستصحاب بقاء منع الزوج، صحّت صلاتها تماماً لا قصراً، ومنه يعلم حال من سافر لقتل إنسان.

فلنرجع إلى الكلام في المقامين:


صفحه50

 

الأوّل: هل المدار الواقع أو الاعتقاد؟

فربما يقال انّ المدار هو الاعتقاد لا الواقع، لأنّ الموضوع للحرمة في رواية عمّار بن مروان هو «أو في معصية اللّه»، ومن المعلوم أنّ مخالفة الواقع بما هوهو، لا يُضفي على الفعل وصفَ العصيان مالم يتنجز بالعلم، والتنجز فرع العلم بالحرمة، فيكون هو المدار، لا الواقع.

يلاحظ عليه: أنّ هذا الشرط كسائر الشرائط من كون المسافة بريدين من الشرائط الواقعية. نعم ماهية الشرط على وجه يتوقف تنجزه على المكلّف على العلم، وعلى ذلك يكون الشرط هو الواقع المنجز فلا يكفي وجوده الواقعي من دون تنجزه على المكلّف، كما لا يكفي مجرّد الاعتقاد، وهذا بخلاف البريدين، فإنّه شرط تكويني لا دخل للعلم والجهل فيه.

وعلى ذلك يأتي التفصيل الآتي:

أ. إذا اعتقد حرمة الشيء أو حلّيته، وكان الواقع وِفْقَ اعتقاده. فيتم في الأوّل، ويقصر في الثاني.

ب. إذا كان السفر حراماً في الواقع، ولكنّه اعتقد حليته يقصر صلاته ويفطر صومه، وذلك لأنّ الأدلّة المرخصة تعمّ ذلك المورد، وأمّا روايات الباب فبما أنّ الواقع لم يكن منجزاً عليه فيبقى المورد تحت العمومات المرخِّصة فلا يتصف السفر بالباطل أو بكونه في معصية اللّه أو أنّه على مسير غير الحقّ.


صفحه51

ج. إذا كان السفر حلالاً في الواقع واعتقد حرمته كما لو سافر لقتل شخص بتخيل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فيقصر صلاته ويفطر صومه (إذا لم نقل بحرمة التجري وأنّه معصية بالعنوان الثانوي) ، لأنّ الأدلّة المرخصة شاملة لهذا المورد وروايات الباب غير منطبقة عليه، لأنّه ليس في الواقع تحريم حتى يتنجّز عليه.

فالإتمام والصيام مختصان بصورة واحدة، وهو ما إذا كان سفره حراماً في الواقع وكان المكلّف عالماً به، وأمّا إذا كان حراماً في الواقع من دون علم فالواقع غير منجز لعدم العلم، كما أنّه إذا كان حلالاً في الواقع واعتقد حرمته، فليس هناك حرمة حتى يتنجز.

هذا كلّه حول المقام الأوّل.

المقام الثاني: هل المدار هوالواقع أو الأمارة الشرعية والأُصول العملية؟

وفي هذا تأتي الصور السابقة:

1. إذا كان السفر حراماً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على وفق الواقع، يتم ويصوم.

2. إذا كان السفر حراماً في الواقع، وقامت الأمارة أو الأصل على حلّيته، يُقصر ويفطر لعدم تنجز الواقع بالجهل به وإن كان مستنداً إلى الأمارة والأصل العملي، فتشمله الروايات المرخصة، دون روايات الباب.


صفحه52

3. إذا كان السفرحلالاً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على حرمته، فهل المدار على الواقع، أو على الأمارة والأصل فقد عرفت أنّ المدار في مثل هذه الصورة من المقام الثاني على الواقع، إذ لا أمر شرعي في مورد العلم المخالف للواقع حتى يكون امتثاله موجباً للإجزاء، وأمّا المقام فيمكن أن يقال أنّ المدار على الأمارة والأُصول فلو تحرك على وفقهما يجزي مادام الموضوع (أي الجهل بالواقع) موجوداً، فلو صلّى تماماً أو صام يصحّ دون ما قصر وأفطر، نعم لو لم يصل حتى انكشف الواقع يقضيها قصراً.

فإن قلت: إنّ الحكم الظاهري المنكشف خلافه لا يغير الواقع، ولا يوجب قلبه عمّا هو عليه، هو سفر حقّ وإن جهل به المسافر.

قلت: الحكم بصحّة صلاته إذا صلّى تماماً أو صام، ليس لأجل كون الأمارة أو الأصل المخالف للواقع يغيّر الواقع، بل لأجل الملازمة بين الأمر بالأمارة أو الأصل، والاكتفاء في امتثال الأوامر بما أدّى إليه لكونه وافياً بالمصلحة الواقعية.

***

مسألة: إذا كانت الغاية في أثناء الطريق

إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالتفصيل بين ما إذا كان بين السفرين استلزام، فيُعدّ المجموع سفر معصية، وما لم تكن ملازمة، فلا يكون جزءاً له.


صفحه53

مثلاً إذاكانت محطة القطار التي ينزل فيها الركاب أبعد بميل من الغاية المحرمة التي يرتكب فيها المعصية، فعليه بعد النزول في المحطة، الرجوعُ إلى الغاية بالسيارة، فلا شكّ أنّ المجموع يعد سفراً واحداً وجزءاً منه، بل مقدمة للغاية المحرّمة.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن السفر الثاني ملازماً للسفر الأوّل عقلاً، لكن يتبعه سفر آخر عادة، كما إذا سافر إلى نقطة خاصة لعمل محرم، ولكن العادة جرت أنّ من سافر إليها، ربما يسافر إلى مصايفها للتنزّه والتفرج، ومن المعلوم أنّ السفر الثاني، سفر مستقل، لا يعدّ جزءاً من السفر الأوّل.

السفر بقصد التنزه ليس بحرام ولا يوجب التمام

إنّ إطلاقات الأدلّة المرخصة تعم السفر السائغ والحرام، خرج عنه الثاني وبقي السائغ بعامة أقسامه، والسفر لغاية التنزه، سفر لغاية محلّلة. قال الإمام علي (عليه السلام): للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرُمُّ معاشَه، وساعة يخلِّي بين نفسه وبين لَذَّتها.(1) والمسألة مورد اتّفاق.

إذا نذر إتمام الصلاة في يوم

قال السيد الطباطبائي: إذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوماً معيّناً وجب عليه الإقامة، ولو سافر، وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام إلاّ إذا كان بقصد التوصل إلى


1 . نهج البلاغة: 4 / 93، قسم الحكم ، رقم 390.


صفحه54

ترك الواجب، والأحوط الجمع.

أقول: يقع الكلام في أُمور:

1. هل يصحّ النذر المذكور أو لا؟

2. إذا فرضنا صحّة النذر، هل تجب الإقامة أو لا؟

3. إذا سافر فهل السفر، سفرُمعصية ليكون المرجع روايات الباب، أو ليس بسفر معصية، ليكون المرجع الأدلّة المرخِّصة، أو سفر معصية ولكن المرجع هو الأدلّة المرخصة أيضاً كما سيوافيك بيانه؟

4. وعلى جميع التقادير، هل ورد نصّ على خلاف القواعد أو لا؟

وإليك البيان:

أمّا الأوّل: فصحّة نذر التمام غير واضح لعدم وجود رجحان في التمام على القصر، إذ كلاهما صلاتان تامتان، نعم يصحّ نذر الصوم في مقابل الإفطار، ففيه الرجحان على مقابله.

أمّا الثاني: فلو قلنا بوجوب المقدمة، تجب الإقامة إذا كان غير حاضر في البلد، وقد حُقِّق في محلِّه عدم وجوبها وجوباً شرعياً بل الوجوب عقلي.

أمّا الثالث: فيمكن تقريب حرمة السفر بوجوه:

أ. إنّ السفر حرام لكونه مقدمة لترك الواجب أي التمام والصيام، وترك الواجب حرام فتكون مقدمته حراماً أيضاً.

يلاحظ عليه: أنّ منصرف روايات الباب كون السفــر حرامـاً نفسيّـاً لا مقدمياً.


صفحه55

ب. إنّ السفر حرام، لأنّ نذر التمام ينحلّ إلى نذرين: نذر التمام ونذر ترك السفر، فإذا كان تركه واجباً يكون فعله حراماً نفسيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ الناذر ربما يكون غافلاً عن النذر الثاني، أضف إلى ذلك أنّ النذر يتوقف على الإنشاء ولا تكفي الملازمة العقلية، والشاهد عليه عدم تعدد الكفّارة لو خالف وسافر.

ج. السفر حرام لا لكونه مقدمة للحرام (ترك الواجب) بل لوجود التضاد بينه وبين الواجب، نظير السفر مع مطالبة الديّان، وإمكان الأداء في الحضر دون السفر، فعند ذلك يأتي في التفصيل الماضي في المسألة السابعة والعشرين وهو أنّ الاستلزام إنّما يكون سبباً لحرمة الملازمة إذ أتى به لغاية التوصل إلى ترك الواجب فيكون نفسُ السفر حراماً لكون الغاية محرمة دون ما لم يكن لتلك الغاية.

فإن قلت: ما ذكر من التفصيل يختصّ إذا كان بين السفر والواجب، تضاد ذاتي، كما في مورد السفر وأداء الدين، لا في المقام إذ ليس هنا تضاد بين السفر والتمام، إلاّ كون ترك السفر مقدمة للواجب وقد حقّقنا في الأُصول بأنّها غير واجبة.

قلت: إن أُريد من نفي التضاد، هو التضاد التكويني فمسلّم، وإن أُريد الأعم منه ومن التشريعي فالتضاد بين السفر والتمام متحقق، وهو كاف في صيرورة السفر، سفرَ معصية إذا سافر، لغاية ترك الواجب، وهذا الوجه هو المتعيّن، وقد اعتمد عليه السيد الطباطبائي(قدس سره).


صفحه56

ومع الاعتراف بحرمة السفر إذا كان لغاية الفرار عن الواجب، لكن شمول روايات الباب لهذا المورد غير واضح، بل المقام داخل تحت الأدلّة المرخِّصة، وذلك لأنّه يلزم من شمول روايات الباب للمقام، عدم شمولها ومن الحكم بالإتمام، عدم كونه عاصياً الملازم لارتفاع حكم الإتمام، وذلك لأنّا لو قلنا بأنّ السفر، سفر معصية ولو للفرار عن الواجب، فلو حكم بالقصر فلا يتوجه أيّ إشكال، غاية الأمر يلزم ورود تخصيص على روايات الباب، أي يتم العاصي بسفره إلاّهذا المورد.

وأمّا لو حكمنا عليه بالإتمام يترتب عليه:

إنّه بالإتمام يكون وافياً بنذره، فيخرج عن كونه عاصياً مع أنّه فرض عاصياً، ومع خروجه عن كونه عاصياً، ينتفي الحكم بالإتمام، فهذا هو الذي دعانا، للتفريق بين العصيان والإتمام، وقلنا إنّه يعصي بسفره، ولكنّه يقصر، هذا كلّه حسب القواعد.

هذا ولكن الظاهر من النصوص عدم وجوب الإقامة عند نذر الصوم وتُعْطَف عليه الصلاة، وأنّ الصوم المنذور ليس بآكد من شهر رمضان، حيث إنّه لا تجب الإقامة بل من شَهِدَ الشهرَ يصوم، دون من لم يشهد.

روى عبد اللّه بن جندب، قال: سمعت من زرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك».(1)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5; ولاحظ روايات الباب.


صفحه57

و روى القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم كلّ يوم جمعة دائماً مابقي، فوافق ذلك اليوم يومَ عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق، أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاءه، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بَدَل يوم إن شاء اللّه تعالى».(1)

***

في قصد الغاية المحرمة في خارج الجادة

إذا سافر لغرض مباح في المقصد، ولكنّه يقصد أيضاً الغاية المحرمة في حاشية الجادة كالسرقة من بستان، ونحوها فله صورتان:

الأُولى: أن يكون له من بدء السفر غرضان أحدهما في المقصد والآخر في أثناء السفر.

الثانية: أن يعرض له قصد ذلك في الأثناء وإنّما خرج عن البلد، لغاية مباحة.

أمّا الأُولى: فلا شكّ أنّه يُتم، لما عرفت من أنّ الغاية الملفقة من الطاعة والعصيان، توجب كونَ السفر سيراً في غير طريق الحقّ، فلو قام بما قصد، ثمّ رجع إلى الجادة يكون منشأ للسفر الجديد فلا يقصّر إلاّ أن يكون الباقي على حدّالمسافة ولو ملفّقة، لما عرفت من أنّ من حكم عليه بالتمام، لا يحكم عليه بالقصر إلاّ بإنشاء السفر الشرعي.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2; ولاحظ روايات الباب.


صفحه58

وأمّا الثانية: فلو كان خروجه عن الجادة قليلاً بحيث لا يعدُّ جزء للسفر، كأن يدخل البستان الواقع على حاشية الجادة ويتصرف فيه عدواناً، ويخرج فيقصر لكون السفر سفراً مباحاً ولا يضرّ الخروج القليل المحرّم لوحدتها.

و لو خرج عن الجادة وسار مسافة كثيرة وعدّ سيره حاشيتها جزءاً من سفره، فيقع الكلام في حكم صلاته مادام خارجاً عن الجادة ذهاباً وإياباً، وفي حكمها بعد الرجوع إلى الجادة إلى وصول المقصد.

أمّا حكم صلاته في خارج الجادة فإن كان ما قطعه بنية سائغة أقلَّ من المسافة الشرعية فيتمُّ في الحاشية قطعاً، وأمّا إذا كان ما قطعه مسافة شرعية ثمّ عدل إلى النيّة الجديدة فقد عرفت أنّ الشيخ الأعظم تأمّل في الحكم بالتمام في حاشيته على «نجاة العباد»، بتصور أنّه تحقّق الموضوع الشرعي، بسير ثمانية فراسخ سائغة وصار المسافر محكوماً بالقصر مطلقاً وإن رجع بعده إلى المعصية، وبعبارة أنّ الطاعة قيد للموضوع لا للحكم والمفروض أنّه قد تحقّق، ولحوق السير بنيّة العصيان به لا يضرّ تحقّقه المقتضي للحكم بالقصر مطلقاً، سار على نيّة الطاعة أم على نيّة العصيان، نعم لو كان القيد، قيداً للحكم، يجب عليه التمام.

يلاحظ عليه: الظاهر أنّه قيد للسير سواء كان على حدّ المسافة أو أوسع منها، وذلك لأنّه هدية للمطيع بسيره لا للعاصي به، فلازم ذلك كونه معتبراً ابتداء واستدامة، فالأشبه هو ما في العروة من قوله: «فما دام خارجاً عن الجادة يتم».


صفحه59

وأمّا صلاته بعدما رجع إلى الجادة فبما أنّه حصل الانقطاع بين السفرين فإن كان الباقي مسافة يقصر فيها، وأمّا إذا لم يكن فهل يكفي ضمّ ما قبل العصيان إلى ما بعده؟ التحقيق لا، لما عرفت من انصراف الأدلّة المرخصة إلى ما لم يتخلل بينهما ـ سير بلا قصد أو سير مع قصد العصيـان ـ فمعـه يكون السير الثـاني موضوعاً جديداً لا يقصر فيه إلاّ إذا كان على حدّ المسافة ولو ملفقاً. وبالجملة من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر مالم يقصد مسافة جديدة.

***

في قصد الغاية المحلّلة في أثناء الجادّة

هذا كلّه إذا عرض له قصد العصيان في الأثناء، وأمّا لو انعكس بأن كان سفره من بدء الأمر لغاية محرمة ثمّ خرج عن الجادة وقطع مسافة لغرض صحيح، فما هو حكم صلاته عند الخروج عن الجادة ذهاباً وإياباً؟

أمّا ذهاباً فقد أفتى السيد الطباطبائي بأنّه يقصر مادام خارجاً مطلقاً بلغ الذهاب حدّ المسافة أو لا، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالأقوى فيه التمام لأنّه موضوع مستقل والمفروض كونه أقلّ من المسافة الشرعية.

***


صفحه60

 

حكم الصلاة في المقصد بعد العصيان

إذا قصد الغاية المحرمة ووصل إلى المقصد، فيقع الكلام في حكم صلاته قبل الارتكاب وبعده مادام في المقصد وحكم صلاته عند الرجوع. لا كلام في أنّه يتم في الأوّل، ويقصر في الثالث إذا قلنا بأنّ الرجوع سفر مستقل لا صلة له بالسفر السابق ـ كما مرّ ـ إنّما الكلام في الثاني، فقال السيد الطباطبائي: حاله حال العود عن سفر المعصية في أنّه لو تاب يقصّر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام بعدّ المجموع سفراً واحداً والأحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر في العود بدعوى عدم عدّه مسافراً قبل أن يشرع في العود.

الظاهر أنّ المقام داخل تحت الضابطة الكلية في أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام، لا يقصر مالم ينشأ للسفر والمقام كذلك مضافاً إلى عدّه من جزء السفر.

***

إذا قطع بعض أجزاء المسافة بنيّة محرّمة

إذا كان السفر لغاية محللة، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم منضماً إلى الغرض الأوّل.

الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، فإن قطع مقدار من


صفحه61

حاشية الجادة بنية العصيان كان خارجاً عن المسافة الامتدادية، ولم يكن جزءاً منها، بخلاف المقام، فإنّ المفروض قطع جزء من المسافة الامتدادية بنية محرمة وأمّا حكم هذا المقدار الذي يقطعه المسافر بغايتين فقد عرفت لزوم الإتمام في جميع الصور، إلاّ إذا كان العصيان تبعاً محضاً، وبذلك يعلم عدم الوجه للاحتياط فيما إذا لم يكن الباقي مسافة كما في العروة، إذ لا خصوصية لكون الباقي مسافة أو عدم مسافة.

نعم إنّما ينفع الاحتياط في نفس المسافة الباقية غير البالغة حدّالمسافة، فإنّه على القول بضمها إلى القطعة السابقة، فالأقوى القصر إن كان مسافة، والأحوط الجمع إذا لم تكن بنفسها مسافة.

إذا قصد العاصي الصوم ثمّ عدل إلى الطاعة

إذا كان السفر في الابتداء سفر معصية وقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة فله صورتان:

1. أن يكون العدول قبلَ الزوال.

2. أن يكون العدول بعد الزوال.

والمسألة غير منصوصة فلابدّ من استنباط حكمها من إدخالها تحت أحد العناوين المنصوص حكمها، والذي يمكن أن يقال: هو أنّ الأُولى كالخروج من البلد بنيّة سائغة قبل الزوال فيفطر.

والثانية كالخروج من البلد بنيّة سائغة بعد الزوال فلا يفطر.


صفحه62

هذه هي روح المسألة ودليلها وإليك الشرح:

أمّا الأُولى: فقال السيد الطباطبائي: وجب الإفطار، لما حقّق في محلّه من لزوم الإفطار لمن سافر بنيّة سائغة قبل الزوال.

و ما ذكره صحيح بشرط أن يكون الباقي مسافة ولو ملفقة وإنّما لم يقيد لأنّه جعل الطاعة من قيود الحكم لا الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع حتى في صورة العصيان، وإنّما منع من شمول الحكم فقدان قيده، فإذا ارتفع المانع يشمله الحكم فلا يشترط كون الباقي مسافة، ولكنّك عرفت أنّ الإباحة قيد لإجزاء السير جميعاً وهو غير متحقّق، فلا محيص في الحكم بالإفطار من كون الباقي مسافة شرعية.

وأمّا الثانية: ففيها وجهان مبنيان على شمول النصّ لمثل المقام أو لا.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم؟ قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».(1)

فإن قلنا بأنّ النصّ وإن ورد فيمن خرج عن البلد بعد الزوال لكن المناط ليس هو الخروج، بل من صحّ صومه إلى الزوال وإن كان وجه صحّته كونه عاصياً لا كونه في البلد، فيكون الحكم فيه الاستمرار على الصوم وعدم الإفطار.

وأمّا لو قلنا باختصاص روايات الباب لمن سافر ابتداءً بعد الزوال


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


صفحه63

بحيث يكون سيره بعد الزوال فلا يشمل المقام، لأنّ السير هناك لم يكن بعد الزوال وإنّما كان السير في كلتا الصورتين قبل الزوال غير أنّ العدول ربما يكون قبله كما في أُولاهما أو بعده كما في الثانية.

و يمكن أن يقال: إنّ للوجهين منشأ آخر وهو أنّه مبني على الاختلاف بين مبنى الشيخ الأعظم والسيد الطباطبائي في كون الإباحة من قيود السفر الموجب للترخص أو من قيود الحكم.

فلو قلنا بالأوّل فلا يتحقّق الموضوع المرخص للسفر إلاّ بعد الظهر، ومن المعلوم أنّ السفر بعده لا يوجب الإفطار، فيصدق في حقّه كأنّه خرج بعد الظهر، وأمّا خروجه قبل الظهر فهو كالعدم.

وهذا بخلاف ما قلناه بأنّه قيد للحكم فقد تحقّق الموضوع أي الخروج من البلد قبل الظهر غاية الأمر كان العصيان مانعاً عن شمول الحكم مع وجود الموضوع، فإذا ارتفع شمله الحكم ولأجل ذلك قال السيد: ففيه وجهان.

وبذلك يعلم أنّه لو قلنا بأنّ المقام من قبيل فقد الموضوع، يختص النزاع بما إذا كان هناك مسافة بعد العدول حتى يكون له شأنية الإفطار وإن لم يكن فعليته لكونه كالخروج بعد الزوال، وهذا بخلاف مالو قلنا بأنّه من قيود الحكم فلا يلزم إلاّ أن يكون المجموع (قبل العدول وبعده) مسافة حتى يكون كالخارج قبل الزوال، ولكن الأقوى هو الأوّل لما عرفت من أنّ الإباحة شرط لأجزاء السير جميعاً.

***


صفحه64

إذا كان الصائم مطيعاً في البدء وعدل إلى المعصية في الأثناء

هذا هو الشقّ الثاني للمسألة السابقة، وحاصله: إذا كان الصائم مطيعاً في ابتداء السفر وعدل إلى المعصية في الأثناء، فهل يصحّ صومه؟

نقول: هنا أيضاً صورتان:

1. أن يكون العدول قبل الزوال.

2. أن يكون العدول بعد الزوال.

ولقد كان مفتاح الحل في الفرع السابق هو إدخال الفرع بالخارج عن البلد قبل الظهر أو بعده، ولكن مفتاحه هنا هو جعله من قبيل من يدخل البلد قبل الظهر أو بعده ولم يفطر في كليهما. والأوّل يصوم دون الثاني وإنّما عليه الإمساك تأدّباً.

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى حكم الصورتين:

فهل العدول إلى المعصية بعد قطع المسافة الشرعية قبل الزوال كالداخل إلى الوطن قبل الزوال أو ليس مثله فلا يصحّ صومه؟ والوجهان مبنيان بما ذكر في الفرع السابق من اختصاص النصّ بالمسافر الداخل إلى الوطن قبل الظهر، لا مطلق من صحّ صومه إلى ما قبل الزوال ولو بالعصيان.

والثاني أي العدول بعد قطع المسافة الشرعية بعد الزوال فهل هو كمن دخل بعد الزوال في البلد فيبطل صومه أو ليس كذلك؟ لأنّ النصّ يختص بمن يدخل البلد وهو غير مفطر لا من صحّ صومه إلى ما بعد الزوال وإن لم يدخل البلد، والأحوط في كلا الفرعين الجمع بين الصوم والقضاء.


صفحه65

الرسالة الثامنة والثلاثون

إذا أتم في موضع القصر وبالعكس


صفحه66

إذا أتم في موضع القصر وبالعكس   


صفحه67

إذا أتم في المورد المستجمع لشرائط القصر، فله صور نشير إليها:

1. إذا أتم في موضع القصر عامداً عالماً بالحكم والموضوع وأنّ المسافة ثمانية فراسخ.

2. إذا أتم في موضع القصر عامداً، لكن جاهلاً بالحكم وأنّ المسافر يقصّر صلاتَه.

3. إذا أتم في موضع القصر عامداً، لكن لا جاهلاً بالحكم أو الموضوع بل ببعض الخصوصيات، مثلاً أنّ المسافة التلفيقية توجب القصر، والسفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أنّ كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصر في السفر الأوّل، أو أنّ العاصي بسفر إذا عاد إلى الطاعة يقصّر، أو أنّ المسافة الشرعية هي ثمانية فراسخ، أو أنّ من عدل عن الإقامة يتم وإن لم يأت بالرباعية، ونحو ذلك.

4. إذا أتم في موضع القصر عامداً لكن عالماً بالحكم وجاهلاً بالموضوع وأنّ المسافة ثمانية فراسخ.

5. إذا أتم في موضع القصر عامداً ناسياً لحكم السفر أو موضوعه.

6. إذا أتم في موضع القصر غافلاً.

***


صفحه68

 

الصورة الأُولى: إذا أتم في موضع القصر عن عمد

إذا أتم في موضع القصر عن علم وعمد، أعاده على كلّ حال في الوقت وخارجه، والحكم اتّفاقي كما يظهر من مفتاح الكرامة(1) وصاحب الجواهر(2) وغيرهما.

وقال الشيخ: ومن تمم في السفر، وقد تليت عليه آية التقصير، وعلم وجوبه، وجبت إعادة الصلاة، فإن لم يكن علم ذلك فليس عليه شيء.(3)

وقال ابن زهرة: فإن تمم عن علم بذلك وقصد إليه لزمته الإعادة على كلّ حال.(4)

وقال ابن إدريس: ومن تعمّد الإتمام في السفر بعد حصول العلم بوجوبه عليه وجبت عليه الإعادة لتغييره فرضه.(5) إلى غير ذلك من الكلمات.

و يمكن الاستدلال عليه بوجوه مختلفة:

1. ما أشار إليه ابن إدريس من أنّه لم يأت ما أمر به، وما أتى به غير مأمور به، فالإجزاء يحتاج إلى الدليل.

2. عدم تمشي القربة، فإنّه من أفعال أهل البدع والتشريع، مضافاً إلى


1 . مفتاح الكرامة: 4/601.  

2 . الجواهر: 14/342.

3 . النهاية:123.  

4 . الغنية:74.

5 . السرائر:1/328.


صفحه69

اتصاف نفس العمل بالحرمة لأجل كونه مصداقاً للتشريع إذا قام به خفاء، والبدعة إذا قام به جهراً لدعوة الناس إليه.

3. انّها زيادة في الفريضة كما جاء في رواية الأعمش، عن جعفر بن محمد(عليهما السلام): «و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّوجلّ».(1) وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة».(2)

4. ورود النص في المورد كما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ قال: « إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له فصلّى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».(3) ورواه العياشي في تفسيره كما في الوسائل(4)والحديث دليل على أنّ وجوب التقصير واجب ذكري لا واقعي، والمراد من التفسير تبيين مفاد الآية وانّ قوله: «لا جناح» لا ينافي اللزوم كما أوضحناه في صدر الكتاب.

وأمّا صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر؟ قال: «أعد».(5)


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4. و ابن أبي نجران هو عبد الرحمن بن أبي نجران، قال النجاشي: ثقة ثقة.

4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.

5 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


صفحه70

فربما تحمل على العامد وتكون دليلاً على المقام، وربما يقال بأنّ جلالة الحلبي تصدّنا عن حملها عليه، إذ كيف يصح لمثله أن يتم عامداً في السفر وهو من أجلة أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، ولأجله يحمل على الناسي أو عليه وعلى الجاهل.

يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّ جلالته تمنع عن كونه مباشراً لما جاء في السؤال ولا تمنع عن فرض المسألة ليعرف حكمها وينقلها إلى الآخرين، وقد كان هذا هوالدارج بين أصحابهم (عليهم السلام). فإنّ قوله: «صلّيت» كناية عن وجود الحادثة في الخارج، وإنّما نَسَبَه إلى نفسه ليقف على الجواب، ومع ذلك كلّه فكونها ظاهرةً في خصوص العمد أو شاملةً له بعيد لندرة الموضوع ووضوح الحكم، فإنّه بمنزلة من لم يمتثل بل هو خاص بالناسي أو يعمه والجاهل.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق صحيحة الفاضلين عدم الفرق بين الإعادة في الوقت والقضاء خارجه وربما يتوهم المعارضة بينها وصحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل صلّى وهو مسافر فأتم الصلاة؟ قال: «إن كان في وقت فليعد وإن كان قد مضى فلا».

توضيح المعارضة: أنّ صحيح الفاضلين خاص لأجل اختصاصه بالعامد، مطلق من حيث عمومه للوقت وخارجه.

وذيل صحيح العيص ـ أعني قوله: «و إن كان الوقت قد مضى فلا» ـ خاص لأجل اختصاصه بخارج الوقت مطلق من حيث شموله للعالم


صفحه71

والجاهل، فيتعارضان في العالم إذا علم خارج الوقت، فعلى الأوّل يعيد وعلى الثاني لا يعيد.

والظاهر عدم عمومه بالعامد لأنّ معنى قوله: «و إن كان في وقت فليعد» أنّه لو انكشف الواقع له والوقت باق فليعد والانكشاف آية عدم شموله للعامد، إذ لا انكشاف في العامد أبداً، ولو حاولنا عمومه للعالم أيضاً فلابدّ أن تفسر الجملة بصورتين مختلفتين، فيقال في العالم إذا أراد أن يعيد فإن كان الوقت باقياً فليعد وإلاّفلا، ويقال في غيره: إن انكشف في الوقت فليعده وإلاّ فلا والجملة لاتحتمل ذينك المعنيين كما لا يخفى.

***

الصورة الثانية: إذا أتم عن جهل بأصل الحكم

والأقوال فيه ثلاثة:

1. عدم الإعادة مطلقاً داخل الوقت وخارجه، وهو القول المشهور.

2. التفصيل بين الوقت وخارجه فيعيد في الأوّل دون الثاني، وهو المنسوب إلى الإسكافي والحلبي.

3. الإعادة مطلقاً في الوقت وخارجه. نسب إلى العماني.

أمّا الأوّل فيدل عليه صحيح زرارة حيث قال: وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها، فلا إعادة عليه.(1)


1 . البدر الزاهر: 344.


صفحه72

ولا ينافيه صحيح الحلبي: صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر قال: أعد لما تقدم من احتمال رجوعه إلى العامد وإن استبعدناه، وعلى فرض إطلاقه العامد والجاهل والناسي يخصص مورد الجاهل بصحيح زرارة.

استدل للقول الثاني من التفصيل بين الوقت وخارجه، فيعيد في الأوّل دون الثاني، بصحيح العيص قال: «إن كان في وقت فليعد وإن كان الوقت قد مضى فلا» وقد مضى أنّ معنى قوله: «إن كان في وقت» هو أنّه «إن كان انكشاف الواقع في وقت» وهو لا يشمل العامد قطعاً، ويشمل الجاهل والناسي فيُخصّص به إطلاق صحيح زرارة الدالّ على عدم الإعادة مطلقاً في وقت كان أو خارجه.

ربما يقال في رفع التنافي بأنّ ظاهر رواية زرارة كون الجهل بنحو الإطلاق تمام الموضوع لسقوط الإعادة، وظاهر رواية العيص كون مضيّ الوقت تمام الموضوع بحيث لا يحتاج في كونه معذوراً إلى ضمّ الآخر فيكون للعذر علّتان مستقلتان، غاية الأمر انّه تجتمع علتان في الجاهل بالنسبة إلى خارج الوقت.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا كان صحيح العيص ساكتاً عن الإعادة في الوقت ومقتصراً بأنّ العذر هو مضي الوقت فلا ينافي أن يكون هنا عذر آخر وهو الجهل، لكنّه متعرض للإعادة في داخل الوقت حيث يقول: «فإن كان في وقت فليعد» فيعارض، صحيح زرارة.

والحاصل: أنّ هنا تعارضاً بين الشقّ الثاني لصحيح الفاضلين ـ أعني


1 . البدر الزاهر: 271.


صفحه73

قوله: «وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه» ـ والشق الأوّل لصحيح العيص ـ أعني قوله: «إن كان في وقت فليعد» ـ والنسبة بين المفادين عموم من وجه، فالأوّل خاص لاختصاصه بالجاهل، عامّ لشموله داخل الوقت وخارجه، والثاني خاصّ لاختصاص الحكم بالإعادة بداخل الوقت، عام لشموله الجاهل والناسي بل الغافل، فيتعارضان في الجاهل داخل الوقت، فيتساقطان، فيرجع إلى العمومات والمطلقات الدالة على عدم الإجزاء إذا لم يكن هناك أمر شرعي ظاهري.

و لكن يمكن القول بتقديم صحيح الفاضلين بوجوه ثلاثة:

1. إنّ النسبة بينهما وإن كان ما ذكره لكن مادة الاجتماع وهو الجاهل المتوجه إلى الحكم الشرعي في الوقت داخل في الصحيحة، لاتّفاق الأصحاب عدا الإسكافي والحلبي على عدم وجوب الإعادة على الجاهل مطلقاً. والتفريق بين الجاهل والناسي، فالأوّل لا يعيد مطلقاً، بخلاف الثاني فهو يعيد في الوقت دون خارجه.

2. إنّ الحكم بعدم الإعادة في صحيح الفاضلين منصرف إلى داخل الوقت، ولو قلنا بعدمها خارج الوقت فمن باب الأولوية لا من باب الدلالة اللفظية، فتنقلب النسبة من العموم من وجه إلى الخصوص المطلق، فصحيح الفاضلين خاص لاختصاصه بالجاهل المتوجّه داخل الوقت، وصحيح العيص عام لشموله الجاهل والناسي والغافل المتوجّه في الوقت فيخصص بالأوّل.


صفحه74

3. إنّ صحيح العيص محمول على خصوص الناسي، ولا صلة له بالجاهل أصلاً بقرينة رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلّـي في السفر أربع ركعات قال: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، وإن لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه».(1) وسيوافيك الكلام فيه وإن كان السيّد المحقّق الخوئي عمّمه إلى الجاهل والناسي بكلا قسميهما.

***

الصورة الثالثة: إذا أتمَّ عن جهل ببعض الخصوصيات

إذا جهل ببعض الخصوصيات مثل أنّ السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر وقد مرت أمثلته، وجهان مبنيان على أنّ المراد من قوله: «إن قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له» هو العالم بأصل الحكم، فيدخل في الشقّ الأوّل من صحيح الفاضلين، فتجب عليه الإعادة والقضاء، أو أنّه كناية عن العلم بالأحكام الشرعية الواردة في حقّ المسافر، والمفروض أنّ الجهل بالخصوصيات، جهل بأحكام صلاة المسافر في مختلف الصور.

وبعبارة أُخرى: هل الحديث بصدد التفريق بين العالم بالأحكام الشرعية في مورد القصر والإتمام والجاهل بها، أو أنّه بصدد التفريق بين العالم بأصل الحكم والجاهل به؟ وظاهر الحديث هو الثاني دون الأوّل، وجعله كناية عن المعنى الأوّل، مشكل جدّاً، وعلى ذلك فهو داخل تحت


1 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث 2.


صفحه75

العالم يعيد في الوقت ويقضي خارجه.

و مع ذلك كلّه فللمحقّق الأردبيلي في المقام كلام نأتي به قال: إنّ الظاهر أنّ الجاهل في وجوب القصر معذور سواء كان عن وجوب القصر رأساً، أو بوجه دون وجه، لصدق الجهل واشتراك العلّة بل أنّه أولى لكثرة الخفاء، بخلاف أصل القصر فإنّه قليلاً ما يخفى على الناس.(1) ولا يخلو عن وجه، فلو قيل بوجوب الإعادة فمن باب الاحتياط.

***

الصورة الرابعة: إذا أتم عن جهل بالموضوع

إذا توهم أنّ المسافة ليست مسافة شرعية فأتمّ ثمّ تبيّن خلافه: فيه وجهان، فلو قلنا بأنّ المستفاد من صحيح الفاضلين انّ للاعتقاد موضوعيّة في المقام، فيلحقُ الجاهلُ بالموضوع بالجاهلِ بالحكم، وأمّا لو قلنا بأنّ المستفاد هو كون الجهل بالحكم الشرعي عذراً فقط، فيدخل الجاهل بالموضوع تحت الشقّ الأوّل لصحيح الفاضلين، وصحيح الحلبي، لو قلنا بعمومه للعامد والجاهل للحكم والموضوع، خرج منه الجاهل بالحكم وبقي الباقي تحته، ومن المعلوم أنّ استظهار الوجه الأوّل من الحديث مشكل كالاستظهار السابق.

نعم ما ذكر من إلحاق الجاهل بالموضوع بالعامد، هو الذي أفتى به السيد الطباطبائي في العروة، وقد عرفت وجهه، ولكن الظاهر من السيد


1 . مجمع الفائدة: 3 / 435.


صفحه76

المحقق الخوئي ـ في محاضراته وتعليقته ـ وبعض آخر، هو التفصيل بين الوقت وخارجه، مستدلاً بصحيح العيص السابق، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة قال: «إن كان في وقت فليعده وإن كان الوقت قد مضى فلا»(1). بناء على عمومه للجاهل بأصل الحكم وخصوصياته، والموضوع، والناسي، خرج منه الجاهل بأصل الحكم على وجه الإطلاق، كما عرفت وبقي الباقي تحته.

نعم صدر حديث الفاضلين وإن دلّ على لزوم الإعادة مطلقاً داخل الوقت وخارجه إذا كان المتمّ ممّن قرئت عليه آية التقصير والمفروض أنّ الجاهل بالموضوع ممّن قُرئت عليه آية التقصير، لكنّه يخصص بصحيح العيص، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، لأنّ صدر حديث الفاضلين يعمُّ العامد، والجاهل بالخصوصيات والموضوع والناسي، وصحيح العيص لا يعمّ الأوّل لقوله: «فإن كان في وقت فليعد» أي إن كان الانكشاف، والعامد ليس فيه انكشاف، وإنّما يعم الثلاثة الجاهلين بالحكم والموضوع، والناسي، فيخصص صدر حديثهما به.

والذي يمكن أن يقال: إنّ استظهار الإطلاق من صحيح العيص بالنسبة إلى الجاهل مشكل، بل لا يبعد انصرافه إلى الناسي، لموافقته لمضمون حديث أبي بصير الوارد في الناسي ـ كما سيوافيك ـ وغاية ما يمكن أن يقال: إنّ الإعادة والقضاء خارج الوقت هو الأحوط، لو لم يكن الأقوى.

***


1 . الوسائل: ج 5، الباب 17، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه77

 

الصورة الخامسة: إذا أتمّ عن نسيان بالموضوع

المشهور بين الأصحاب أنّه إن كان ناسياً أعاد في الوقت دون خارجه.

قال الشيخ: فإن كان قد علم، غير أنّه نَسي في حال الصلاة، فإن كان في الوقت أعاد الصلاة وإن كان قد مضى وقتها، فليس عليه شيء.(1)

وقال ابن زهرة: وإن كان إتمامه عن جهل أو سهو، أعاد إن كان الوقت باقياً، بدليل الإجماع المشار إليه(2). ولعلّه أراد من السهو، النسيان لا الغفلة، وقد عرفت أنّ الجاهل لا يعيد مطلقاً.

وقال ابن إدريس: من نسي في السفر فصلّى صلاة مقيم، لم تلزمه الإعادة، إلاّ إذا كان الوقت باقياً.(3)

وقال المحقّق: وإن كان ناسياً أعاد في الوقت، ولا يقضي إن خرج الوقت.(4) ويدل عليه، صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات؟ قال: « إن ذكر في ذلك اليوم فليعد وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه».

وأمّا رجال السند: فقد اشتمل على عدّة ثقات: (5)

1. علي بن النعمان النخعي، قال النجاشي: ثقة، وجه، ثبت، صحيح.


1 . النهاية: 123.  

2 . الغنية:74.  

3 . السرائر:1/345.

4 . الشرائع:1/135، طبعة دار الأضواء، بيروت.

5 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.


صفحه78

2. سويد القلاّء، وهو سويد بن مسلم القلاّء، مولى شهاب بن عبد ربّه. قال النجاشي: ثقة، نقله عن شيخه أبي العباس السيرافي قال: وله كتاب.

3. أبو أيّوب الخزاز، وهو إبراهيم بن عيسى بن أيّوب، وهو ثقة بلا كلام. وثّقه النجاشي والكشي.(1)

4. أبو بصير وهو منصرف إلى يحيى بن القاسم الأسدي الذي عدّه الكشي من أصحاب الإجماع ووثّقه النجاشي، وإلى ليث بن البختري المرادي، و«المراد» قبيلة في اليمن وهو مراد بن مَذْحِجْ ذكره النجاشي ولم يذكر في حقّه شيئاً، وقال الكشي عند البحث في أصحاب الإجماع: «وقال بعضهم مكان «أبو بصير» الأسدي، «أبو بصير» المرادي، وهو ليث بن البختري»، ونقل العلاّمة المامقاني في تنقيح المقال توثيق ابن الغضائري إيّاه، وعلى ذلك فالرواية صحيحة وإن عبر عنه في الجواهر بالخبر لمكان «أبو بصير» المردّد بين البختري والأسدي وكلاهما ثقة.

وظاهر الفتاوى والنص عدم الفرق بين نسيان الحكم والموضوع، واختاره السيد الطباطبائي في العروة، غير أنّ المتأخرين عنه خصّوا الناسي بناسي الموضوع دون الحكم، قال السيد الاصفهاني: ذهب السيد في العروة في أغلب المسائل إلى اتحاد حكم ناسي الموضوع والحكم، ثمّ اختار هو بأنّ ناسي الحكم داخل فيمن قرئت عليه آية التقصير ونسيها، فليس معذوراً،


1 . كما في اختيار معرفة الرجال: 2 / 661 برقم 679 ، ورجال النجاشي: 1 / 97 برقم 24 و رجال الشيخ: 167 برقم 239، ولكن في فهرست الشيخ: إبراهيم بن عثمان برقم 13، و قد وثقه، فسواء أكانا رجلين أو رجلاً واحد، فكلاهما ثقة.


صفحه79

فيجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء خارجه فليس له حكم الجاهل البدوي ولا الناسي، بل هو قسم خاص من الجاهل بالحكم.(1) وقال السيد المحقّق البروجردي: الناسي للحكم يجب عليه القضاء كالعامد على الأقوى.

ومع ذلك كلّه فإطلاق النص في صحيح العيص وأبي بصير، وإطلاقات كلمات الأصحاب يقتضي عطف الناسي بالحكم على الموضوع، مع كثرة الأوّل وقلّة الثاني ولو كان هناك فرق لكان التنبيه عليه فيما ذكر من النصوص لازماً، والتفريق بين الناسيين بأنّ ناسي الموضوع يمتنع توجه الخطاب إليه لعجزه عن الامتثال، بخلاف ناسي الحكم فإنّ توجه التكليف إليه لا محذور فيه. غير تام، لأنّ امتناع الخطاب الشخصي لا يأبى عن شمول غيره كما أوضحناه في محلّه.

***

الصورة السادسة: إذا أتم عن سهو

قال السيد: أمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه، ومع ذلك أتم صلاته ناسياً، وجب عليه الإعادة والقضاء. والظاهر كان عليه أن يقول: «غافلاً» و«ساهياً» مكان «ناسياً» وكثيراً ما يدخل المسافر الصلاة بنيّة القصر مع العلم بحكمه، غير أنّه يسهو في أثناء الصلاة ويغفل عن حاله فيتم الصلاة. فلا وجه للإجزاء، لأنّه داخل في العالم، ومن قرئت عليه آية القصر، وليس بجاهل بالحكم أو الموضوع، ولا ناسي الموضوع ولا الحكم، وإنّما هو ساه.


1 . كتاب الصلاة:221.


صفحه80

فتلخص ممّا ذكرنا أنّ العالم بالحكم يعيد، والجاهل به يعيد، والجاهل بالخصوصيات يعيد على الأحوط، والناسي مطلقاً حكماً أو موضوعاً يعيد في الوقت دون خارجه، والمتم عن سهو يعيده، واللّه العالم.

إكمال

قد يقال إنّ الجاهل بالحكم لو أتم، تصح صلاته، ولا يعيد داخلَ الوقت وخارجه، ولكنّه في الوقت نفسه معاقب، فيطرح هنا سؤالان:

1. أنّ العلم بالحكم من الحالات التي لا يمكن أخذها في موضوع الحكم فلا يصح أن يقال: العالم بوجوب القصر يتم، حتى يكون الواجب في حقّ الجاهل هو التمام، وذلك لأنّ فعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع، والمفروض أنّ جزء الموضوع ـ وهو العلم ـ يتوقف على تشريع الحكم أوّلاً حتى يتعلّق به العلم.

وقد أُجيب عنه بوجوه أوضحها ما أفاده المحقّق النائيني وحاصله: أنّ العلم بالحكم لما كان من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه التقييد لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.

ومن جانب آخر أنّ الإهمال الثبوتي لا يعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد، فانّ الملاك إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي العلم والجهل فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفلاً


صفحه81

لبيان ذلك، فلابد من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد، وهو المصطلح عليه بمتمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الإطلاق والتقييد يكون بدليل آخر.

وقد دلت الأدلّة على اشتراك الأحكام في حقّ العالم والجاهل، كما دلّ الدليل في مورد على اختصاصها بالعالم كما في مورد الجهر والإخفات والقصر والإتمام.(1)

و يمكن أن يقال: إنّ الواجب في حقّ الجاهل أيضاً هو القصر، ولكن إجزاء ما أتى به من الرباعية لأجل اشتماله على الملاك، وعلى ذلك فالواجب في حقّ العالم والجاهل واحد. ولذلك لو قصر الجاهل بالحكم من باب الاتفاق صحّت صلاته.

فإن قلت: إنّه نوى امتثال الأمر المتعلق بالتمام دون المتعلق بالمقصورة فيكون من باب ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

قلت: إنّ هنا أمراً واحداً، وهو: (أقمْ الصلاةَ لدلوك الشمسِ) وإنّما الاختلاف في المصداق كصلاة القائم والجالس، فالمتم والمقصّر يقصدان أمراً واحداً.

2. كيف يعاقب، مع أنّه لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء، وهل هو أشبه بالأمر الخارج عن الطاعة؟

أقول: قد تخلص عنه كاشف الغطاء في كشفه وجعل المقام من


1 . فوائد الأُصول: 3 / 6، ط . النجف الأشرف.


صفحه82

مصاديق الأمرين المترتبين لا بالمعنى المعروف في مبحث الضد، وحاصله: أنّ الحكم الواقعي أوّلاً هوالقصر، ولو قصر في التعلّم فحكمه الإتمام، وبذلك يصح الجمع بين الصحّة والعقاب.(1)

يلاحظ عليه: أنّه يلزم إذا ترك الجاهل الصلاة، أصلاً أن يعاقب بعقابين، أحدهما لترك التعلّم، والآخر لترك صلاة التمام.

والذي يمكن أن يقال: إنّ الصلاة صحيحة، ولا إعادة ولا قضاء ولم يثبت انّ هنا عقاباً.

توضيحه: الظاهر من الروايات اشتمال الرباعية على المصلحة التامة القائمة بنفس الصلاة المقصورة، وانّهما متساويتان في المصلحة، وإنّما أمر المسافر بالثنائية لأجل مصلحة خارجية وهي مسألة التخفيف. روى الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان في حديث العلل التي سمعها من الرضا (عليه السلام)قال: «إنّ الصلاة إنّما قُصّرت في السفر، لأنّ الصلاة المفروضة أوّلاً إنّما هي عشر ركعات، والسبع إنّما زيدت فيها بعد، فخفّف اللّه عزّ وجلّ عن العبد تلك الزيادة، لموضع سفره وتعبِه ونَصَبه، واشتغاله بأمر نفسه، وظعْنِه وإقامته، لئلاّ يشتغل عمّا لابدّ له منه من معيشته، رحمة من اللّه عزّوجلّ وتعطفاً عليه، إلاّ صلاة المغرب، فإنّها لم تقصّر لأنّها صلاة مقصّرة في الأصل» إلى آخر الحديث.(2)

وعلى ذلك فالصلاة الرباعية لم تكن من حيث المصلحة القائمة بنفس


1 . الرسائل: 408ـ409، مبحث الاشتغال، طبعة رحمة اللّه.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 24 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 5.


صفحه83

الصلاة بأقل من المصلحة القائمة بالثنائية ، ولكن أمر بالمقصورة لأجل مصلحة خارجية، وهي تخفيف الأمر على المسافر حتى يشتغل بأمر
نفسه.

إذا وقفت على ذلك فالإشكال يندفع.

أمّا حديث الاكتفاء بالرباعية فلاشتمالها على المصلحة التامة فلا تنقص من المصلحة القائمة بالثنائية لو لم تكن بأزيد منها من حيث هي قائمة بنفس العمل.

أمّا عدم الأمر بالإعادة وإن كان الوقت باقياً، فلأنّه يستلزم نقضَ الغرض، لأنّ المطلوب للشارع هو التخفيف والأمر بالإعادة بالإتيان بالمقصورة، بعد الإتيان بالرباعية نقض له.

وأمّا عدم كفاية الرباعية للعالم بالحكم مع اشتمالها على نفس المصلحة التامة القائمة بالثنائية، فلأجل أنّ المطلوب للشارع هو تخفيف الأمر للمسافر، ورفضها والتوجه إلى الرباعية يناقض ذلك المطلوب أوّلاً، ويوجب ردّ هدية الشارع ثانياً، كما في بعض روايات الباب.(1)

وأمّا العقاب بعد الوقوف على الحكم، مع إمكان الإعادة والقضاء فلم نقف على دليل صالح، وإن ادّعي عليه الإجماع، وليس في الروايات منه عين ولا أثر، والأصل في ذلك صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام): رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟قال: «إن كان قرئت عليه آية


1 . الوسائل: ج 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 4، 8، 11.


صفحه84

التقصير وفسرت له فصلّى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».(1)

***

   

لو قصّر في موضع التمام

كان البحث في السابق مركّزاً على من أتمّ في موضع القصر، وقد عرفت التفصيل وبقي البحث فيمن عكس، وقصّـر في موضع التمام، كما ربّما يتّفق للمسافر بعد نيّة الإقامة الموجبة للتمام، فلا شكّ في البطلان إذا كان عالماً، إنّما الإشكال في الجاهل بالحكم أو الموضوع، والمشهور هو البطلان، وإن ذهب ابن سعيد الحلي إلى الصحّة في جامعه قال: وإن نوى مقام عشرة، وقصّر لجهل فلا إعادة.(2)

وهو خيرة صاحب العروة قال: إذا قصّر مَنْ وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد إلاّ في المقيم المقصِّر للجهل بأنّ حكمه التمام.(3)

وقال المحقّق الأردبيلي: وأمّا القصر ممّن وجب عليه التمام... مع الجهل فلا يبعد الصحّة وكونه عذراً لبعض ما مرّ، ونقله الشارح عن يحيى بن سعيد ويدل عليه صحيحة منصور بن حازم... إلى أن قال: واحتط مهما أمكن فإنّ الأمر صعب ولا يمكن القول بكلّية شيء، بل تختلف الأحكام باعتبار


1 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

2 . الجامع للشرائع :93.

3 . العروة الوثقى: 2 / 162، أحكام صلاة المسافر، المسألة 5 .


صفحه85

الخصوصيات والأحوال والأزمان، والأمكنة والأشخاص، وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجتهم.(1)

قال المحدّث البحراني: ويدل عليه ما رواه الشيخ الحر في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سمعته يقول: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام، فأتمّ الصلاة، فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة».(2)

وقد وصفه البحراني بالصحّة، مع أنّ في سنده موسى بن عمر، وهو مردد بين شخصين:

1. موسى بن عمر بن بزيع الثقة الذي هو من الطبقة السادسة.(3)

2. موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، الذي عنونه الشيخ في الفهرست، والنجاشي في الرجال(4) ولم يذكرا في حقّه شيئاً. وهو من الطبقة السابعة. والمراد منه في السند هو الثاني لروايته في المقام عن علي بن النعمان، الذي هو من الطبقة السادسة.

نعم يمكن استظهار حسن حاله من بعض القرائن كما ذكره العلاّمة المامقاني، ولعلّ المحدّث البحراني لم يميّز بين موسيين، فحكم عليها


1 . مجمع الفائدة: 3 / 436، و ذيل كلامه جدير بالإمعان، فتدبر.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.

3 . الحدائق الناضرة: 11 / 436.

4 . رجال النجاشي: 2 / 336 برقم 1076.


صفحه86

بالصحّة. وقد سبقه في الوصف المحقّق الأردبيلي (قدس سره).

وأمّا تصحيح الرواية بكون موسى بن عمر من رواة كامل الزيارات كما عليه المحقّق الخوئي، فقد أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال» فراجع.

إلاّ أنّ الكلام في إعراض الأصحاب عنها، ووصفها السيد البروجردي بكونها معرضاً عنها، ولكن لم يثبت الإعراض غاية الأمر عدم التعرض للمسألة، فلو كان السند ممّا يعتمد عليه، فما ذهب إليه السيد الطباطبائي هو الأقوى، ومن هنا اجترى بعض المحقّقين وقال: إنّ الظاهر من الأخبار كون الجاهل معذوراً في هذا المقام مطلقاً، أعني: في جميع ما يتعلّق بالقصر والإتمام في السفر حتى القصر في مواضع التمام، والتمام في بعض مواضع القصر.(1)

نعم ليس كلّ من قصّر معذوراً حتى من قصر في صلاة المغرب التي لم يكتب عليها القصر ولا التمام، فما رواه محمد بن إسحاق بن عمّـار قال: سألت أبا الحسن عن امرأة كانت معنا في السفر وكانت تصلّي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية قال: «ليس عليها قضاء».(2) والرواية معرض عنها، وتأويله بما نقله الحرّ عن الشيخ في التهذيب لا يخلو عن بعد، فلاحظ.


1 . الحدائق: 11 / 436، نقلاً عن بعض المحقّقين.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.


صفحه87

الرسالة التاسعة والثلاثون

في صوم يوم الشك


صفحه88


صفحه89

المسألة تشتمل على فرعين:

1. يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان، لا يجب صومه وإن صام فيصوم من شعبان ندباً أو قضاء ويجزيه صومه إن بان الخلاف، ولو بان قبل الغروب يجدد النية.

2. لو صام من رمضان لم يصح و إن صادف الواقع.

وإليك الكلام في الفرعين:

الفرع الأوّل:

قال الشيخ في «الخلاف»: صوم يوم الشكّ يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان،وصومه من غير نية أصلاً لا يجزي عن شيء.

وذهب الشافعي إلى أنّه يكره إفراده بصوم التطوع من شعبان، أو صيامه احتياطاً لرمضان، ولا يكره إذا كان متصلاً بما قبله من صيام الأيّام.

وكذلك لا يكره أن يصومه إذا وافق عادة له في مثل ذلك، أو يوم نذر أو غيره; وحكى أنّ به قال في الصحابة: علي (عليه السلام)، وعمر، وابن مسعود، و عمار بن ياسر; وفي التابعين: الشعبي، والنخعي; وفي الفقهاء: مالك، والأوزاعي.


صفحه90

وقالت عائشة وأُختها أسماء: لا يكره بحال.

وقال الحسن وابن سيرين: إن صام إمامه صام ، وإن لم يصم إمامه لم يصم.

وقال ابن عمر: إن كان صحواً كره، وإن كان غيماً لم يكره; وبه قال أحمد بن حنبل.

وقال أبو حنيفة: إن صامه تطوعاً لم يكره، وإن صامه على سبيل التحرز لرمضان حذراً أن يكون منه فهذا مكروه.(1)

والإمعان في الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين والفقهاء يثبت أنّ الكراهة وترك الصيام عندهم أفضل.

قال ابن رشد: واختلفوا في تحرّي صيامه ـ يوم الشكّ ـ تطوعاً، فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمّار: «من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم» ومن أجازه فلأنّه قد روي أنّه (عليه السلام) صام شعبان كلّه، ولما قد روي من أنّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين إلاّ أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدُكم فليصمه». وكان الليث بن سعد يقول: إنّه إن صامه على أنّه من رمضان ثمّ جاء الثبت أنّه من رمضان أجزأه.(2)

وعلى كلّ حال فجواز الصوم وكفايته عن رمضان عندنا اتفاقي.

قال المحدّث البحراني: الظاهر أنّه لا خلاف في أنّه لو صام يوم الشك


1 . الخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.

2 . بداية المجتهد:1/310.


صفحه91

بنية الندب، ثمّ ظهر كونه من شهر رمضان فإنّه يجزي عنه ولا يجب عليه قضاؤه.(1)

وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من المحقّق والعلاّمة نفي الخلاف بين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض حدّ الاستفاضة إن لم يكن متواتراً كالنصوص.(2)

وربما نسب إلى المفيد القول بالكراهة لكن كلامه في المقنعة ينادي بخلاف ذلك.(3) وإليك بعض ما يدل عليه:

1. موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره، فجاء قوم فشهدوا أنّه كان من شهر رمضان، فقال: بعض الناس عندنا: لا يعتدّ به؟

فقال: «بلى».

فقلت: إنّهم قالوا: صُمْتَ وأنت لا تدري أمن شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: «بلى، فاعتدّ به، فإنّما هو شيء وفّقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشك من شعبان ولا تصومه من شهر رمضان».(4)

2. ما رواه الكليني عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك؟ فقال:


1 . الحدائق الناضرة:13/39.  

2 . جواهر الكلام:16/ 211.

3 . المقنعة:302.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4 .


صفحه92

«هو شيء وُفّق له».(1)

3. ما رواه سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي صُمت اليوم الذي يشك فيه، فكان من شهر رمضان، أفأقضيه؟ قال: «لا، هو يوم وُفقتَ له».(2)

4. ما رواه محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشكُّ فيه، فإنّ الناس يزعمون أنّ من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: «كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفّق له، وإن كان من غيره، فهو بمنزلة ما مضى من الأيّام».(3)

5. ما رواه بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم الشك؟ فقال: «صمه، فإن يك من شعبان، كان تطوّعاً، وإن يك من شهر رمضان فيوم وُفِّقْتَ له».(4)

6. ما رواه الكاهلي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان؟ قال: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».(5)

وهذه الطائفة من الروايات تُعْرب عن جواز الصيام وكفايته عن شهر رمضان إذا بان الواقع.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.


صفحه93

وأي لفظ أصرح من قوله في رواية سماعة «بلى، فاعتدّ به»; وقوله في رواية الأعرج: «فكان من شهر رمضان، أفأقضيه، فقال: لا».

وفي رواية أُخرى لسماعة: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان، أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له، لا قضاء عليه».(1)

نعم ورد في التهذيب مكان قوله: «فصامه فكان من شهر رمضان» قوله: «فصامه من شهر رمضان»، ولكن نسخة التهذيب مغلوطة والصحيح ما رواه الكليني.

وما ورد فيه قوله: «هو شيء وفق له» مجرداً عن نفي القضاء أُريد من التوفيق صحّة الصوم وعدم وجوب قضائه لو بان أنّه من شهر رمضان بقرينة الروايات التي قورن فيها التوفيق بعدم القضاء.

وهذه الروايات وغيرها تدل بوضوح على القول المشهور المتفق عليه.

نعم في مقابل هذه الروايات ما يعارضها، نقتصر منها على ما يلي:

1. ما رواه قتيبة الأعشى، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صوم ستة أيّام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».(2)

2. عبد الكريم بن عمرو الملقّب بـ «كرّام»، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.

2 . الوسائل : ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.


صفحه94

إنّي جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم فقال: «صم; ولا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيّام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه».(1)

3. عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اليوم الذي يُشكّ فيه ولا يُدرى أهو من شهر رمضان أو من شعبان؟ فقال: «شهر رمضان، شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان، فصوموا للرؤية وأفطروا للرؤية، ولا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم...».(2)

ولكن النهي محمول على الصوم بنيّة رمضان بشهادة حديث محمد بن شهاب الزهري قال: سمعت علي بن الحسين يقول: «وصوم يوم الشكّ أُمرنا به ونُهينا عنه، أُمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونُهينا عنه، أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشكّ فيه الناس». الحديث.(3)

ويمكن حمل هذه الروايات على التقية لما عرفت من كتاب الخلاف، ذهاب بعضهم إلى كراهته إذا كان مفرداً، أو التفصيل بين الصحو والغيم كما عن ابن عمر أو غير ذلك.


1 . الوسائل : ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.


صفحه95

 

إذا صام قضاءً يجزي عن شهر رمضان

إذا صام ندباً، أو قضاء أو لغيرهما وبان أنّه من رمضان أجزأ عنه في جميع الصور، وربما يقال إنّ المنصرف من صومه على أنّه من شعبان، صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير...ويؤيد قوله (عليه السلام) في رواية بشير النبال:«صمه فإن يك من شعبان كان تطوعاً، وإن يك من رمضان فصوم وُفِّقْتَ له».(1)

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاقات هو الاجتزاء في جميع الصور ولو كانت الصحة مختصة بما إذا صام تطوعاً كان على الإمام البيان، وأمّا رواية بشير فليست بصدد التقييد، بل وردت بعنوان المثال.

تجديد النية لو بان أثناء النهار

هل يجب تجديد النية إن بان في أثناء النهار ولو كان بعد الزوال أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر التردد في الوجوب قائلاً :ثمّ إنّ إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء بذلك، وإن لم يجدّد النية إذا بان أنّه من رمضان في أثناء النهار.(2) لكن مصبّ الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء النهار، فلا يصحّ التمسك بإطلاقها فلابدّ من الرجوع إلى القواعد فربما يقال: إنّ أمامه أحد الأُمور:


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.

2 . الجواهر:16/211.


صفحه96

1. أن يتخلّى عن النية عند الانكشاف، بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك.

2. أن يستمر على النية السابقة: نية الصوم من شعبان ندباً.

3. أن يجدّد النية.

والأوّل باطل جزماً، والصوم عبادة لا يصحّ بلا نية، والثاني أيضاً مثله لعدم الأمر بالصوم بنية شعبان فتعين الثالث.

يلاحظ عليه: أنّه يتخلّى عن النية السابقة، ويصوم بلا عنوان لما مرّ من أنّ الزمان لا يصلح إلاّ لرمضان، وقد مرّ أنّ في مثله يكفي الصوم بلا نية العنوان، نعم تجديد النية هو الأحوط فربما تحصل بلا اختيار بعد الانكشاف، كما هو الأقوى، وعندئذ يكون البحث عن التجديد وعدمه أمراً لغواً.

الفرع الثاني: لو صام يوم الشكّ بنية أنّه من رمضان، وهذا الفرع أحد الفروع الأربعة الآتية في مسألة أقسام ووجوه صوم يوم الشك.

قال الشيخ في «الخلاف»: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان.(1)

وقال في مسألة أُخرى: إذا عقد النية ليلة الشكّ على أن يصوم من رمضان من غير أمارة من رؤية أو خبر من ظاهره العدالة، فوافق شهر رمضان أجزأه، وقد روي أنّه لا يجزئه.(2)


1 . الخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.

2 . الخلاف: 2/180، كتاب الصوم، المسألة 23.


صفحه97

ولا يخفى وجود التهافت الاجتهادي بين المسألتين، فإذا كان صومه حراماً، فكيف يكون صحيحاً مع اقتضاء النهي في العبادات الفساد؟!

وكلّ من نسب إلى الشيخ الجواز، فإنّما هو بالنظر إلى كلامه في المسألة الأُخرى، وإلاّ فمقتضى كلامه في مسألتنا هو الفساد.

قال العلاّمة في «المختلف» بعد عنوان المسألة: قال ابن أبي عقيل: إنّه يجزئه; وهو اختيار ابن الجنيد، وبه أفتى الشيخ في الخلاف، قال فيه: وقد روي أنّه لا يجزئه.

وقال في المبسوط: وإن صام بنية الفرض روى أصحابنا أنّه لا يجزئه; وقال في النهاية، والجمل، والاقتصاد وكتابي الأخبار: لا يجزئه وهو حرام.

واختاره السيد المرتضى، وابنا بابويه، وأبو الصلاح، وسلاّر، وابن البراج، وابن إدريس، وابن حمزة وهو الأقوى.(1)

وقال في «الحدائق الناضرة» بعد عنوان المسألة : المشهور أنّه يكون فاسداً ولا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان وإن ظهر كونه منه.(2)

وقال في «الجواهر»: على المشهور بين الأصحاب، بل في الرياض نسبته إلى عامة من تأخّر، بل عن المبسوط نسبته إلى الأصحاب مشعراً بدعوى الإجماع عليه لبطلانه بالنهي عنه، المقتضي للفساد.(3)

ويمكن الاستدلال على الصحّة بروايتين:


1 . مختلف الشيعة: 3/380.  

2 . الحدائق الناضرة:13/34.

3 . الجواهر: 16/207.


صفحه98

الأُولى: موثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له لا قضاء عليه».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على ما رواه الشيخ في التهذيب: «...فصامه من شهر رمضان» ولكن المروي في الكافي قوله: «فصامه ] فكان  [من شهر رمضان» بإضافة لفظة «فكان» فيكون دليلاً للفرع السابق، قال في الحدائق: وبذلك يظهر حصول الغلط في الخبر ونقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور وما جرى له فيه من التحريف والتغيير والنقصان في متون الأخبار وأسانيدها.

والثانية: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال: «هو شيء وفّق له»، بناء على أنّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بقوله:«يصوم».

يلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لوضوح أنّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بـ«يشك» لا بقوله: «يصوم» لأقربية الأوّل.

استدل القائلون بالفساد بروايات:

1. رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: في يوم الشك من صامه قضاه، وإن كان كذلك، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية، قضاه، وإن كان يوماً من شهر رمضان، لأنّ السنّة جاءت في صيامه على


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.وقد أشار المعلِّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي والتهذيب فلاحظ.


صفحه99

أنّه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء.(1)

والاستدلال مبني على أنّ التفسير، أعني قوله: «يعني الخ» من الإمام، وإلاّ فقوله: «من صامه قضاه وإن كان كذلك» مجمل مردّد بين الصوم بنية شعبان الذي فرغنا عنه أو صومه بنية رمضان الذي نحن فيه.

نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد الصوم بنية رمضان بقرينة ما مضى من الروايات الدالة على الصحّة إذا كانت النية، نيةَ شعبان.

2. صحيح محمد بن مسلم في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، فقال: «عليه قضاؤه وإن كان كذلك».(2)

والاستدلال مبني على تعلّق الظرف (من رمضان) بقوله: «يصوم» حتى يكون الصوم بنية رمضان.

يلاحظ عليه: الظاهر تعلّقه بالأقرب، أعني: يشك، و يكون عندئذ مخالفاً لما دل على الصحة من الروايات والإجماع.

ويمكن أن يكون متعلقاً بالبعيد بأن يكون المراد يصوم ـ يوم الشك ـ من رمضان وذلك جمعاً بينها و بين الروايات الدالة على الصحّة إذا صام بنية شعبان.

والأولى الاستدلال بالروايتين التاليتين:

3. رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل، قال: «وصوم يوم الشك أُمرنا به ونُهينا عنه، أُمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان،


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.


صفحه100

ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس».(1)

والاستدلال مبني على أنّ المراد من انفراد الرجل، انفراده بصيامه عن سائر الناس فيصوم بنية رمضان.

وفي بعض النسخ على ما في تعليقة الحدائق «أن ينوي» مكان «أن ينفرد».

4. موثقة سماعة في جواب سؤال من قال: رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره؟ فقال (عليه السلام) :« بلى فاعتدّ به فإنّما هو شيء وفقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان، ولا تصومه من شهر رمضان، لأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك».(2)

ودلالة الرواية واضحة، والمقصود من قوله: «ولأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان» أي ينفرد بالصوم بنية رمضان.

هذه هي الروايات التي استدلّ بها على القول المشهور، وإن كانت دلالة بعضها ضعيفة، ولكن في المجموع كفاية.

مضافاً إلى أنّ الصوم بنيّة رمضان بدعة في الدين، لأنّه إذا لم يثبت الهلال لم يثبت كون اليوم من رمضان، فكيف يصوم بنية يوم دل الدليل على أنّه من شعبان؟

وبذلك يظهر مفاد النهي عن الصوم في يوم الشك ففي خبر محمد بن


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4.


صفحه101

الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه ـ إلى أن قال: ـ «لا يعجبني أن يتقدم أحد بصيام يومه».(1)

وفي خبر سهل بن سعد قال: سمعت الرضا يقول: «الصوم للرؤية، والفطر للرؤية، وليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية، وأفطر قبل الرؤية للرؤية»، قال: قلت له: يابن رسول اللّه فما ترى في صوم يوم الشك؟ فقال: «حدثني أبي، عن جدّي ،عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».(2)

ومرسل الصدوق قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «لئن أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم يوماً من شعبان، أزيده في شهر رمضان».(3) فإنّ ذيل المرسلة قرينة على المراد من قوله: «لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يومه» هو أن يجعله من رمضان.

وبعد ملاحظة الفتاوى في الفرعين ودراسة الروايات وتفسير بعضها ببعض، يُتبيّن أنّ ما هو المشهور هو الحقّ وإن قال صاحب الجواهر:فالمسألة لا تخلو من إشكال.(4)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 7 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 9 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 8 .

4 . الجواهر: 16/211.


صفحه102

 

أقسام ووجوه صوم يوم الشكّ

صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يصوم على أنّه من شعبان، وهذا لا إشكال فيه، سواء نواه ندباً، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك، ولو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه وحسب كذلك.

الثاني: أن يصومه بنيّة أنّه من رمضان، والأقوى بطلانه وإن صادف الواقع.

الثالث: أن يصومه على أنّه إن كان من شعبان كان ندباً أو قضاءً مثلاً.وإن كان من رمضان كان واجباً. والأقوى بطلانه أيضاً.

الرابع: أن يصومه بنيّة القربة المطلقة، بقصد ما في الذمّة، وكان في ذهنه أنّه إمّا من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنويّ لافي نيّته فالأقوى صحّته وإن كان الأحوط خلافه.

تقدم الكلام في الأوّلين إنّما الكلام في الأخيرين، والبحث تارة يقع في الفرق بينهما، وأُخرى في وجه اختلاف حكمهما من حيث عدم صحّة الأوّل وصحّة الثاني.


صفحه103

 

وجه الفرق بين الصورتين

الظاهر من صاحب العروة أنّ الأوّل من قبيل الترديد في المنويّ حيث فسّر القسم الثاني بقوله: «بأن يكون الترديد في المنوي لا في النية» مشيراً بذلك إلى أنّ الترديد في الأوّل من قبيل الترديد في النية.

يلاحظ عليه: إذا كان المراد من النية هو قصد الصوم والعزم عليه، فهو قاصد وعازم قطعاً فهو غير متردد في نية الصوم وقصده.

وقد حاول المحقّق الخوئي أن يجعله من قبيل الترديد في النيّة بالبيان التالي: وهو أنّ مبنى الصورة الأُولى على الامتثال الاحتمالي، بمعنى أنّ الباعث له على الصيام إنّما هو احتمال رمضان، وأمّا الطرف الآخر، أعني: الصوم الندبي من شعبان، فلا يهتمّ به، بل قد يعلم ببطلانه لعدم كونه مأموراً به في حقّه، كما لو كان عبداً أو زوجة أو ولداً قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي، بناءً على الافتقار إلى الإذن منهم، فيصوم يوم الشك برجاء أنّه من رمضان لا على سبيل البتّ والجزم ليكون من التشريع، فيتعلّق القصد بعنوان رمضان، لكن لا بنية جزمية بل ترديدية احتمالية ... .

وأمّا الصورة الثانية، فليس فيها رجاء أبداً، بل هو قاصد للأمر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب والاستحباب للقطع بتعلّق الأمر بالصوم في هذا اليوم، غاية الأمر أنّ الخصوصية مجهولة، لأنّ صفة المنويّ مرددة بين الوجوب والاستحباب لتردّدها بين رمضان وشعبان.(1)


1 . مستند العروة:75ـ 76.


صفحه104

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الصورة الثانية لا غبار عليه، وقد أصلح بما ذكره عبارة صاحب العروة حيث جعل المراد من التردّد في المنوي، هو التردّد في وصف المنويّ لا نفسه، خلافاً لظاهر عبارة صاحب العروة في كون التردّد في نفس المنويّ لا في وصفه، لكن كلامه في الصورة الأُولى غير تام، لأنّه ربما يهتم بكلا الطرفين، كما إذا كان عليه قضاء يريد أن يقضي ما فات لئلاّ تتعلّق به كفارة التأخير، أو كان عليه صوم نذري أو غير ذلك من الدواعي، ومعه كيف يقول: إنّ الداعي هو الاحتمال، للاهتمام بأحد الأمرين دون الآخر؟!

ويمكن أن يقال: إنّه جازم في النية، أي قاصد للصوم، وجازم لامتثال الأمر، المحقّق شرطه في الواقع وإن لم يكن عارفاً به; فكأنّه ينوي، إن كان من شعبان أصومه ندباً لا غير. وإن كان رمضان أصومه واجباً لا غير، وبما أنّ أحد الشرطين محقّق في الواقع، فهو قاصد للأمر المحقّق شرطه، فليس هذا ترديداً في النية ولا في المنويّ، وإنّما هو جهل لوصف الأمر المجزوم، المحقّق شرطه.

والفرق بينها وبين الصورة الثانية هو انّ المنويّ في الثانية هو الأمر الفعلي الماثل أمامه من دون تعليق واشتراط ،وهذا بخلاف المقام فيقصد كلّ أمر مشروطاً، وتكون النتيجة أنّه يقصد الأمر المشروط، المحقّق شرطه عند اللّه.

فليست هاتان الصورتان لا من قبيل الشكّ في النية ولا في المنويّ، والتفاوت بينهما هو كون المنويّ في الأُولى مشروط دون المنوي في الثانية.


صفحه105

نعم لو قال: أصوم إن كان من رمضان ولا أصوم لو كان من شعبان فهو ترديد في النية.

كما أنّه لو قال: أصوم إمّا من رمضان أو من شعبان، فهو ترديد في المنويّ، بلا تعليق على تقدير معين.

بقي هنا شيء :

وهو أنّ صاحب العروة قيّد القربة المطلقة بقصد ما في الذمة في الصورة الثانية، وكأنّه قيد زائد لا يتم فيما إذا لم يكن على ذمته صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة، وأمّا الصوم الاستحبابي فليس على ذمة الإنسان، وعلى هذا، فالإتيان بهذا القيد أمر زائد لو لم يكن مخلاً.

إنّ هنا صورة خامسة، وهي أن يأتي بها تقرّباً إلى اللّه، بناء على كفايته في صحة العبادة وإن لم يلتفت إلى أمره، ولعلّ قول صاحب العروة: «بنية القربة المطلقة» إشارة إلى هذا القسم، دون ما ذكرناه وفسرناه من قصد الأمر الفعلي الماثل، هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي تبيين واقع النيّتين.

ما هو وجه الفرق في الحكم؟

فلنذكر الأقوال ثمّ بيان الفرق:

قال الشيخ: إذا نوى أن يصوم غداً من شهر رمضان فرضة أو نفلة، فقال: إنّه إن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة: أجزأه ولا يلزمه القضاء. وقال الشافعي: لا يجزيه وعليه القضاء.


صفحه106

دليلنا: ما قدّمناه من أنّ شهر رمضان يجزي فيه نية القربة، ونية التعيين ليست شرطاً في صحّة الصوم، وهذا قد نوى القربة وإنّما لم يقطع على نية التعيين فكان صومه صحيحاً.(1)

وقال العلاّمة في «المختلف»: للشيخ قولان: أحدهما: الإجزاء، ذكره في المبسوط والخلاف، والثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه. واختاره ابن إدريس; واختار ابن حمزة الأوّل، وهو الأقوى، وهو مذهب ابن أبي عقيل.(2)

وقال في الحدائق : والصحة ظاهر الدروس والبيان، وإليه يميل كلام المحقّق الأردبيلي، والمحدث الكاشاني; وأمّا البطلان، فقد ذهب إليه المحقّق ، وابن إدريس، والعلاّمة في الإرشاد، واختاره في المدارك ونسبه إلى أكثر المتأخرين.(3)

استدل القائل بالبطلان في الصورة الأُولى بوجوه:

الأوّل: ما نقله العلاّمة عن الشيخ: انّه لم ينو أحد السببين(الأمرين) قطعاً، والنية فاصلة بين الوجهين ولم يحصل، والمراد أنّ النية قاطعة للترديد وموجبة لنية أحد السببين ولم يحصل.

وأجاب العلاّمة: المنع من اشتراط القطع، لأنّه تكليف بما لا يطاق.(4)

توضيحه: أنّه نوى أحد السببين لا بصورة مطلقة، بل بصورة مشروطة، وبما أنّ شرط أحد الأمرين متحقّق فقد نواه وإن لم يتعيّن ظاهراً، فنيّة كلّ من الوجوب والندب على تقدير، مرجعه إلى أنّه لو كان من شعبان فأصوم ندباً


1 . الخلاف: 2 / 179، كتاب الصوم، المسألة 21. 

2 . مختلف الشيعة:3/383.

3 . الحدائق: 13/44. 

4 . مختلف الشيعة:3/384.


صفحه107

فقط ولو كان من رمضان فأصوم وجوباً فقط، فالمنوي في الواقع متعيّن و لا تعيّن عنده، والنيّة الفاصلة بين الوجهين أيضاً محقّقة.

الثاني: الظاهر من النصوص أنّه تتعيّن نيّته من شعبان، فنيّته بهذه الصورة على خلاف ذلك تشريع محرم فلا يتحقّق به الامتثال، وهو معتمد المدارك.(1)

يلاحظ عليه: أنّ النصوص المبيّنة لكيفية النيّة، بصدد المنع عن صومه بما أنّه من رمضان، روى عبد اللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام شعبان، فلمّـا كان شهر رمضان أضمر يوماً من شهر رمضان فبان أنّه من شعبان، لأنّه وقع فيه الشكّ؟ فقال: «يعيد ذلك اليوم، و إن أضمر من شعبان فبان أنّه من رمضان فلا شيء عليه».(2)

وهو صريح في أنّ الممنوع نيّة كونه من رمضان لا غير على وجه الجزم، وأمّا صورة الترديد وإيكال الأمر إلى الواقع، فهي خارجة عن حريم الروايات المجوِّزة والمانعة.

وممّا ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي حيث استقرب أن تكون الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمر إما لا يقع خارجاً أو نادر الوقوع جداً، وهو الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان بنية جزمية تشريعية، وبالجملة فالروايات إمّا مختصة بالرجاء أو أنّها


1 . مدارك الأحكام: 6/34.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.


صفحه108

مطلقة من هذه الجهة، وعلى التقديرين فتدل على البطلان في هذه الصورة.(1)

لأنّ ما ذكره مجرد احتمال لا تساعده ظواهر الروايات وليس فيها أية إشارة إلى أنّها ناظرة إلى تلك الصورة، ولو افترضنا شمولها بصورة الرجاء، فيشمل ما إذا صام رجاء كونه رمضانَ فقط وهو غير نية كلّ من الأمرين على صورة خاصة.

الثالث: انّ حقيقة صوم رمضان، تغاير الصوم المندوب، كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تُعيَّن حقيقة أحدهما، في النيّة، التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به، لم يقع عن أحدهما; وهو معتمد الشيخ الأعظم.(2)

يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّه لا تشترط نيّته عنوان رمضان في صحّة صومه، وذاك لأنّ اليوم المتعيّن شرعاً لصوم خاص لا يُقْبل فيه أي صوم، فتكفي فيه نية صوم الغد والفرض أنّه محقق، وما فسِّرت به النيّة، كأنّه تفسير فلسفي، واختلاف أحكام صوم رمضان يرجع إلى تعيّن اليوم للصوم، لا إلى اختلاف ماهية صومه مع صوم الأيام الأُخر، وعلى ذلك فنيّة صوم الغد، كاف في استحضار حقيقة الفعل المأمور به كما لا يخفى.

هذا كلّه حول الصورة الأُولى.

وأمّا صحة الصورة الثانية، فقد اتضحت ممّا ذكرناه للجزم بالنيّة،


1 . مستند العروة: 1 / 76، كتاب الصوم .

2 . كتاب الصوم للشيخ الأنصاري: 121.


صفحه109

والإشارة إلى الأمر المعيّن، غاية الأمر لا يعلم وصفه، وهو غير مضرّ.

لو أصبح يوم الشكّ ناوياً الإفطار

هنا فروع ثلاثة:

1. لو أصبح يوم الشكّ بنيّة الإفطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر، فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء، وأمسك بقيّة النهار وجوباً تأدّباً.

2. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال.

3. وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر جدّد النيّة وأجزأ عنه.

حكم بالبطلان في الأوّلين دون الثالث، فلنذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ : إذا أصبح يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، ويعتقد أنّه من شعبان بنية الإفطار، ثمّ بان أنّه من شهر رمضان لقيام بيّنة عليه قبل الزوال، جدّد النية وصام، وقد أجزأه. و إن بان بعد الزوال، أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة .

وقال الشافعي: يمسك وعليه القضاء على كلّ حال. واختلفوا إذا أمسك هل يكون صائماً أم لا؟ قال الأكثر: إنّه يجب عليه الإمساك ولا يكون صائماً.

وقال أبو إسحاق: يكون صائماً من الوقت الذي أمسك صوماً شرعياً.(1) ولم يذكر ما إذا تناول المفطر.

وقال في «المختلف» بعد نقل كلام الشيخ عن الخلاف: ونحوه قال ابن


1 . الخلاف:2/178، المسألة 20، كتاب الصوم.


صفحه110

أبي عقيل. وأطلق ابن الجنيد وقال: إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام، فعلم فيه أنّه من رمضان، فصامه معتقداً لذلك، أجزأ عنه وبناه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال.(1)

وقال في الحدائق: أمّا الحكم الأوّل (الصحّة قبل الزوال)فالظاهر أنّه لا خلاف فيه بينهم، وظاهر المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى والتذكرة أنّه موضع وفاق بين العلماء; وأمّا الحكم الثاني (البطلان فيما بعد الزوال) فهوالمشهور.(2)

واستدل على الصحّة فيما إذا لم يتناول المفطر وعلم قبل الزوال بفحوى ما ورد على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما من قبل.(2)

وما ورد من طريق أهل السنة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر رجلاً من «أسلم» ان أذّن في الناس أنّ من أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإنّ اليوم يوم عاشوراء. (3) ونقله الشيخ في الخلاف كما مرّ.

واستدل في الجواهر بالإجماع وقال: وهو الحجّة بعد اعتضاده بما عرفت.(4)

أقول: الظاهر أنّ الأصحاب انتزعوا ممّا ورد في أبواب مختلفة ضابطة


1 . المختلف: 3/379.   2 . الحدائق: 13/46.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 6، 7.

3 . السنن الكبرى: 4/288.

4 . الجواهر: 16/214.


صفحه111

كلية، وهي بقاء وقت النية إلى الزوال.

1. ما ورد في حقّ المسافر في موردين:

أ. ما ورد في خروجه قبل الزوال وبعده، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سُئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم؟ قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».(1)

ب. ما ورد في قدومه قبل الزوال وبعده، فعن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتدّ به».(2)

2. ما ورد في الواجب غير المعين كالقضاء والنذر المطلق من بقاء وقت النية إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهاراً، وهي روايات متضافرة; ففي صحيح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يُصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم ليصمه وليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئاً».(3)

3. و ما دلّ من الأدلة على صحّة صوم الجاهل والناسي لرمضان إذا تذكر قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، وهو وإن لم يرد فيه نص بالخصوص


1 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2وغيره.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 وغيره.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ، الحديث 2وغيره.


صفحه112

لكن عرفت أنّ الصحّة هو مقتضى القواعد.

4. اتّفاق المشهور عليها، حيث ألحقوا المريض الذي برأ قبل الظهر بالمسافر مع عدم ورود نصّ فيه، كلّ ذلك ممّا يشرف الفقيه على بقاء زمان النية في الصوم الواجب إلى الزوال، من غير فرق بين صوم رمضان أو غيره، أداء كان أو قضاء.

وما عن السيد المحقّق الخوئي (قدس سره) من أنّ الاجتزاء على خلاف القاعدة، يقتصر على مورد قيام الدليل، وهو خاص بالمريض والمسافر دون غيرهما وإن لم يتناول المفطر، فلا وجه للتعدي(1) غير تام، لما عرفت من عدم ورود النصّ في المريض أوّلاً، وإمكان انتزاع القاعدة الكلية من روايات واردة في موارد مختلفة ثانياً.

بقي الكلام في أمرين:

1. فيما إذا تناول المفطر، وجب القضاء وأمسك بقية النهار وجوباً تأدّباً. أمّا القضاء، فعلى وفق القاعدة، إنّما الكلام في الإمساك بعد الإفطار تأدّباً، فقد ورد صوم التأديب في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في مورد الصبي المراهق والمسافر إذا أكل من أوّل النهار، ثمّ قدم أهله، وكلّ من أفطر لعلة في أوّل النهار ثمّ قوى بعد ذلك، أُمر بالإمساك بقية يومه تأديباً، وليس بفرض.(2) إنّما الكلام في الإمساك التأديبي فرضاً كما في المقام، فليس عليه دليل سوى ارتكاز المتشرعة، فإنّ المرتكز عندهم قبح تناوله بعد علمه.


1 . مستند العروة : 1 / 78ـ 79 ، كتاب الصوم.

2 . الوسائل: ج 7 ، الباب 33 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.


صفحه113

2. فيما لو لم يتناوله ولكن كان التبيّن بعد الزوال، وقد عرفت أنّ الميزان لتجديد النية، هو قبل الزوال، لا بعده، فلذلك يصوم تأدّباً ويقضي.

تناول المفطر نسياناً في صوم يوم الشكّ بنية أنّه من شعبان

في المسألة فروع ثلاثة، والجامع بينها صوم يوم الشك بنية شعبان:

1. إذا تناول المفطر نسياناً قبل أن يتبيّن أنّه من رمضان.

2. إذا تناول المفطر نسياناً ولم يتبيّن أنّه من رمضان.

3. إذا تناول المفطر نسياناً، بعد أن تبيّن أنّه من رمضان.

وجه عدم القدح هو اختصاص المفطر، بالتناول العمدي، وأمّا غيره فليس بمفطر.

ويؤيده الاتفاق على الصحّة فيما إذا تناول في شهر رمضان نسياناً، فكيف إذا تناول ولم يثبت بعدُ أنّه من رمضان، أو لم يثبت إلى نهاية النهار؟

لو صام بنيّة شعبان ثم أفسد صومه

وذلك لاختصاص الدليل بالصوم الصحيح، فيجدّد النيّة من الصوم الصحيح إلى صحيح آخر، لا من الصوم الباطل، وليس الصوم مجرّد إمساك، بل إمساك بنيّة التقرّب، والمفروض أنّه فاته ذلك القيد في بعض أجزاء النهار.

فإن قلت: ما الفرق بينه و بين ما إذا صام بنية شعبان، ثمّ نوى الإفطار


صفحه114

وتبيّن كونه من رمضان، مع أنّها كالرياء مفسدة للصوم، وسيأتي في المسألة التالية الحكم بالصحّة، ومثله: ما إذا صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تبيّن كونه من رمضان، فالمختار عندنا هو الصحّة وإن كان المختار عند صاحب العروة البطلان؟

قلت: سيوافيك الفرق بين المقام والآخرين هو أنّ نية الإفطار في الصورة الأُولى لم تكن محرمة، لأنّه لم يثبت عنده كون الزمان من رمضان، ومثله الصورة الثانية، فإنّ نية الإفطار ليست محرمة إلاّ من باب التجرّي، لأنّ الزمان غير صالح لصوم اليوم المعين، وكونه من رمضان غير ثابت، فلا يكون حكمه منجزاً وتكون نيّة الإفطار تجرياً، وأمّا المقام فالصوم هنا منهي عنه، فكيف يصلح لأن يتقرَّب به ويضم إلى الصوم الصالح الذي يتقرّب به.

ومع ذلك ففي النفس ممّا ذكره شيء لما مرّ من أنّ المصحح هو تجديد النية بعد الوقوف على كونه من رمضان وتقبل الصوم الناقص مكان الكامل، فلا يزيد الرياء في الصوم على نية الإفطار، وسيوافيك أنّه غير مبطل.

إذا صام يوم الشكّ ثم نوى الإفطار

إذا صام يوم الشك ثمّ نوى الإفطار، ولم يتناول شيئاً، ثمّ تبيّـن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل ينعقد صومه أو لا؟

الظاهر انعقاده، لأنّه يكون كمن أصبح يوم الشكّ بنية الإفطار ثمّ بان له أنّه من الشهر، فقد مضى أنّه يصحّ إذا جدّد النيّة قبل الزوال.

والتفصيل بين قبل الزوال وبعده مبنيّ على الضابطة الكلية المنتزعة


صفحه115

عن موارد مختلفة، بل الصحّة في المقام أولى، لأنّه إذا صحّ فيما إذا نوى الإفطار إلى قُبيل الزوال ثمّ نوى الصوم، فأولى أن يكون صحيحاً فيما إذا كان في جزء منه صائماً وفي جزء آخر ناوياً الإفطار.

إذا نوى الإفطار في شهر رمضان عصياناً

إذا نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم تنعقد نيّته.

قال الشيخ: إذا نوى في أثناء النهار أنّه قد ترك الصوم، أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه، وكذلك الصلاة إذا نوى أن يخرج منها، أو فكّر هل يخرج أم لا؟ لا تبطل صلاته، وإنّما يبطل الصوم والصلاة بفعل ما ينافيهما .وبه قال أبو حنيفة. واستدل على ذلك بأنّ نواقض الصوم والصلاة قد نُصّ لنا عليها، ولم يذكروا في جملتها هذه النية، فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة.(1)

وقال المحقّق: لو نوى الإفطار في يوم رمضان ثمّ جدّد قبل الزوال، قيل: لا ينعقد وعليه القضاء، ولو قيل بانعقاده كان أشبه.(2)

وبذلك يعلم أنّ التشكيك في كون الصحّة قولاً للشيخ ليس بصحيح، لما عرفت من تصريحه في الخلاف، ونقله في المختلف عن المبسوط


1 . الخلاف: 2/222، كتاب الصوم، المسألة 89.

2 . الشرائع: 1/140، فروع ثلاثة.


صفحه116

أيضاً(1)، وذهب أبو الصلاح في الكافي(2)، والعلاّمة في المختلف(3) إلى البطلان; ودليله واضح، لأنّ الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات
ذلك الجزء لفوت شرطه، ويلزم منه فساد الكلّ، لأنّ الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه.(4)

وبذلك يعلم الفرق بين الصوم والصلاة، فانّ كلّ آن من الفجر إلى الليل، جزء من الصوم، فيجب أن يكون مقروناً بنية الصوم، فلو نوى الإتيان بالمُخلّ، فقد أخلى ذلك الجزء من النية، وفات منه الصوم الكامل ولا دليل على قيامه مقام الصوم الكامل.

استدل على الصحّة بوجوه:

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يُصبح وهو يريد الصيام ثمّ يبدو له فيفطر؟ قال: هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار».(5)

وجه الاستدلال: هو دلالتها على أنّه بالنيّة قبل الزوال، يُحسب اليوم.(6)

يلاحظ عليه: ظهور الصحيحة في النافلة ، أو الواجب غير المعيّن ولا يعم المعيّن من الصوم خصوصاً شهر رمضان.

وقال الشهيد الثاني: القول بالصحّة مبني على الاجتزاء بنيّة واحدة مع


1 . لاحظ المبسوط: 1/278.  

2 . الكافي: 182. 

3 . المختلف:3/385.

4 . الحدائق: 13/47; المختلف: 2/385.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم، الحديث13.

6 . الحدائق: 13/48.


صفحه117

تقدّمها أو على القول بجواز تأخير النيّة قبل الزوال اختياراً، وانّ نيّة المنافي إنّما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النيّة وشرطيّة الاستدامة أو توقف صحّة الصوم عليها غير معلوم. وإن ثبت ذلك في الصلاة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ كلا المبنيين غير ثابت: أمّا الثاني، أي جواز تأخير النية، فهو على خلاف الآية الدالة على لزوم مقارنة نيّة الصوم من الفجر إلى الليل، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل)(2). وأمّا الأوّل أي كفاية النية المتقدمة، فلأنّ النيّة ليست إخطاراً بالبال حتى يكتفي بوجودها المتقدم، بل هي عبارة عن الداعي إلى الإمساك المقارن معه إلى نهاية اليوم والمفروض انتفاؤه في جزء من اليوم.

وأمّا القول بأنّ نيّة المنافي، لا ينافي نيَّة الصوم فهو كما ترى.

إذا صام يوم الشكّ بنية واجب معين

لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل يصحّ من رمضان أو لا؟

وذلك كما إذا نذر أن يصوم آخر شهر شعبان، فصام بهذه النية، ثمّ نوى


1 . المسالك:2/14.

2 . البقرة: 187.


صفحه118

الإفطار عصياناً ولم يتناول المفطر، ثمّ تبيـّن كونه من رمضان، فجدّد النيّة ثانياً.

وجه البطلان: أنّه يشترط في الصوم الواجب المعيّن، اقتران الإمساك في جميع الوقت بنيّة الصوم، والمفروض عدمه في ظرف العصيان، وبما أنّ صومه هذا من الواجب المعيّن، تكون نيّة الإفطار مبطلة.

ويمكن تصحيحه بالبيان التالي: أنّ نيّة الإفطار إنّما تبطل إذا كان هناك أمر فعلي منجّز دونما إذا لم يكن كذلك، والمفروض أنّه قبل التبيّن لم يتنجّز عليه الأمر بالصوم، لجهله بكونه من رمضان، وأمّا الأمر بالصوم بنية الواجب المعين كالنذر، فقد كان أمراً تخيليّاً، أو ظاهرياً ـ حسب اصطلاح القوم ـ ومخالفته لا تكون مؤثِّرة في بطلان الصوم، غاية الأمر تُعدّ مخالفة العلم تجرياً وله حكمه فعلاً وفاعلاً.

وأمّا بعد ما يتنجز الأمر وعلم أنّه من رمضان، فالمفروض أنّه عقد النية ولم ينو الإفطار، بل عقدها إلى الليل.

وإن شئت فنزّل المقام بما إذا أصبح ناوياً للإفطار ولكن لم يتناول المفطر، فتبيّن أنّه من شهر رمضان، فقد مضى أنّه يصحّ من رمضان، بل المقام أولى بالصحّة لكونه صائماً في فترة من اليوم.


صفحه119

الرسالة الأربعون

   

في قضاء الصوم عن الميت


صفحه120


صفحه121

هنا فروع:

1. يجب على الولي قضاء ما فات .

2.اختصاص الوجوب بما إذا مات لعذر لا ما فاته عمداً أو جهلاً بالحكم.

3. يشترط في وجوب القضاء على الولي، تمكن الميّت من القضاء وإهماله .

4. لا فرق في الميّت بين الأب والأُمّ.

5. لا فرق بين ما ترك الميّت مالاً، يُتصدق به عنه وعدمه.

6. المراد من الولي، الولد الأكبر وإن كان طفلاً أو حملاً.

وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.


صفحه122

 

الفرع الأوّل: وجوب القضاء على الولي

المشهور عندنا هو وجوب القضاء عن الميت لا التصدّق عنه، قال الشيخ: فإن أخّر قضاءه لغير عذر ولم يصم ثمّ مات فإنّه يصام عندنا.

وقال الشافعي: يُطعم عنه و لا يصام عنه . و به قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.

وقال أحمد وإسحاق: إن كان صومه نذراً فإنّه يصوم عنه وليّه، وإن لم يكن نذراً أطعم عنه وليّه.

وقال أبو ثور: يصوم عنه نذراً كان أو غيره.

ثمّ استدلّ بحديث عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه». و روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحقّ أن يُقضى».(1)

وقال العلاّمة في «المختلف»: ذهب إلى وجوب القضاء الشيخان، وابن بابويه والسيد المرتضى، وابن الجنيد، و ابن البراج، و ابن حمزة وابن إدريس.

وقال ابن أبي عقيل: وقد روي عنهم (عليهم السلام) في بعض الأحاديث أنّ من


1 . الخلاف: 2 / 208 ، كتاب الصوم، المسألة 65.


صفحه123

مات، وعليه قضاء من شهر رمضان، صام عنه أقرب الناس إليه من أوليائه... وقد روي أنّه من مات وعليه صوم من رمضان تصدّق عنه من كلّ يوم بمدّ من طعام، و بهذا تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) . والقول الأوّل مطروح، لأنّه شاذ.(1)

ويدل على القول المشهور أخبار:

1. صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة ؟ قال: «لا إلاّ الرجال».(2)

2. و بهذا المضمون مرسلة حماد بن عثمان.(3)

3. مرسلة عبد اللّه بن بكير، عن أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث «... فليس على وليّه أن يقضي عنه الصيام، فإن مرض فلم يصم شهر رمضان ثمّ صحّ بعد ذلك ولم يقضه ثمّ مرض فمات فعلى وليّه أن يقضي عنه، لأنّه قد صحّ فلم يقض ووجب عليه».(4)

4. موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل سافر في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(5) إلى


1 . المختلف: 3/527ـ 528.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 13.

5 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.


صفحه124

غير ذلك من الروايات التي تمرّ عليك في الفروع الآتية.

احتج ابن أبي عقيل بروايتين :

1. صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبد الغفار بن القاسم الثقة) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا صام الرجل شيئاً من شهر رمضان ثمّ لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(قضاء) و إن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».]على رواية الكليني و الصدوق(1) [ «وإن لم يكن له مال تصدّق عنه وليه». ]على رواية الشيخ في التهذيب[.(2)

2. ما رواه في الفقيه وقال: روي عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) قال: قلت له: رجل مات وعليه صوم ،يصام عنه أو يتصدق؟ قال: «يتصدق عنه أفضل».(3)

وقد نبّه بهذه الرواية صاحب الحدائق.(4) حيث لم ينقلها صاحب الوسائل في الباب المختص بالمسألة.

أقول: إنّ الرواية الأُولى على كلتا النسختين، لا تدلّ على مذهب ابن أبي عقيل، فإنّه أوجب التصدّق فقط ومنصرفه إذا كان للميّت مال، وأمّا الرواية فعلى نسخة الكليني والصدوق فالواجب هو التصدق أوّلاً إذا كان له مال، وإلاّ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.

2 . التهذيب:4/317 برقم 9، باب «من أسلم في شهر رمضان».

3 . الفقيه: 3/ 236، باب النذور و الكفارات.

4 . الحدائق: 13/321.


صفحه125

فالصوم عنه ثانياً. وأين هو من القول بالتصدّق فقط؟!

وأمّا على ما رواه الشيخ فقد أوجب التصدّق من مال الميت إذا كان له مال، وإلاّ فمن مال الوليّ، وهو غير مذهبه المقتصر على التصدّق من مال الميّت.

وربما يقال: بأنّ نسخة الشيخ لا تنافي المذهب المشهور من وجوب الصوم عنه، و ذلك لأنّ إيجاب الصدقة من مال الميت من جهة التأخير وإلاّ فمن ماله، زيادة على القضاء، إذ لا دلالة في الرواية على نفي القضاء بوجه.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّ ظاهر المقابلة في الرواية بين الصورتين، أعني:

...لم يزل مريضاً حتى مات فليس عليه شيء(القضاء).

... وإن صحّ ثمّ مرض ثمّ مات و كان له مال تصدّق عنه....

هو انّ تمام الواجب في الصورة الثانية هو التصدّق من ماله أو مال وليّه فقط، وهو ينافي ما عليه المشهور من وجوب الصوم عنه.

2. انّ الكفّارة التي أُشير إليها ليست إلاّ كفّارة التأخير، وليس في الرواية ما يشعر بالتأخير لو لم يكن ظاهراً أنّه مات بين رمضانين، فليس لكفّارة التأخير موضوع.

وما ربما يقال من أنّ وجوب الكفّارة من جهة التواني، لأنّه صحّ ولم يقض اختياراً كما ترى، إذ ليست الصحة وترك الصوم موضوعاً لوجوب


1 . مستند العروة الوثقى: 2/205.


صفحه126

الكفّارة، بل يحتاج إلى ضم جزء ثالث، وهو بقاؤه حياً إلى رمضان آخر، والمفروض أنّه توفّي قبله .

ثمّ إنّ صاحب الجواهر رجّح رواية الكليني والصدوق على نسخة الشيخ لكونهما أضبط منه.(1) وما ذكره و إن كان صحيحاً كبروياً، لكن المورد ليس من مصاديقها، لأنّ مورد القاعدة ما إذا كانت هناك رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين فيرجح ما أثبته الكليني أو الصدوق على ما نقله الشيخ، وأمّا المقام فقد شاركهما الشيخ في نقل الرواية الأُولى، ثمّ اختص بنقل الثانية فليس المقام من موارد القاعدة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية غير صالحة للاحتجاج، لتعارضها مع الروايات المتضافرة أوّلاً، وموافقتها لمذهب العامّة ثانياً، وعدم ثبوت النقل الصحيح ثالثاً.

وأمّا الرواية الثانية أعني: ما رواه الصدوق في الفقيه، فلا يصلح للاحتجاج لكونه خبر واحد في مقابل الروايات المتضافرة على أنّها موافقة للعامة كما عرفت.

الفرع الثاني: اختصاص الوجوب بما إذا فات لعذر

هل يختص الوجوب بما إذا فات لعذر، أو يعمّ ما ترك عمداً أيضاً؟ ذهب المحقّق في جواب المسائل البغدادية التي طرحها جمال الدين حاتم المشغري، إلى الأوّل، وتبعه عميد الدين ابن أُخت العلاّمة، وأيّده الشهيد في


1 . الجواهر:17/39.


صفحه127

الذكرى قائلاً: إنّ الروايات تحمل على الغالب من الترك وهو ما يكون الترك على هذا الوجه.(1) وهو خيرة السيد صاحب المدارك، والفاضل الخراساني في «الذخيرة» وصاحب الحدائق.(2)

ويظهر من صاحب الجواهر، الميل إلى القول الثاني من دون أن يستدل بشيء، و ليس الدليل إلاّ ذكر أسباب الفوت في بعض الروايات من المرض والسفر والحيض(3)، ومن المعلوم أنّ المورد لا يكون مخصصاً للحكم.

والذي يمكن أن يقال: إنّ مورد الروايات في المسلم الذي لا يفوت منه الصلاة إلاّ لعذر والتفويت عن عمد أو جهل لا يعذر، خلاف مقتضى حال المسلم، وعلى ذلك فمنصرف الروايات مع ملاحظة حال المسلم هو غير تينك الصورتين(الترك عمداً أو فساد الصلاة للجهل بالحكم الشرعي) فيكون المحكَّم في موردهما هو البراءة.

نعم الأحوط هو قضاء جميع ما فات.

الفرع الثالث: اشتراط وجوب القضاء باستقراره عليه وعدمه

هل يجب على الولي قضاء كلّ ما فات عن الميت سواء تمكن من القضاء أو لا؟

لا شكّ أنّه إذا كان السبب هو المرض يشترط فيه التمكّن من القضاء


1 . الذكرى: 2 / 448، مواقيت القضاء.

2 . الحدائق: 13/328.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23، من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 2، 4، 11، 13، 16.


صفحه128

لصحيح محمد بن مسلم:«ولكن يُقضى عن الذي يبرأ، ثمّ يموت قبل أن يقضي».(1) وصحيح أبي بصير المشعرين بعدم شرعية القضاء.(2)

وهل هو كذلك في عامة الأسباب حتى السفر أو يختص بالمرض، وأمّا السفر فيقضى عنه مطلقاً وإن لم يتمكّن؟ فيه قولان:

الأوّل: يقضي مطلقاً وهو خيرة الصدوق في المقنع(3)، و الشيخ في التهذيب(4) و ابن سعيد في الجامع(5)، ونسبه المحقّق(6) إلى رواية، وقال: ولا يقضي الولي إلاّ ما تمكّن الميّت من قضائه وأهمله إلاّما يفوت بالسفر فإنّه يقضى ولو مات مسافراً على رواية.

الثاني: يقضي بشرط التمكّن من القضاء. وهو خيرة الشيخ في النهاية،(7) وخيرة العلاّمة في المختلف.(8)

أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو شرطية التمكّن من القضاء، وذلك لما استظهرناه من الآية أنّ المكتوب على المريض والمسافر هو الصوم في غير شهر رمضان فإذا مات في السفر أو في الحضر مع عدم التمكّن من القضاء فلم يفت منه شيء حتى يقضي عنه الولي.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.

3 . المقنع: 201، باب قضاء شهر رمضان .

4 . التهذيب: 4/249، ذيل حديث 739.

5 . الجامع للشرائع: 163.  

6 . المسالك: 2/36، قسم المتن.

7 . النهاية:157.

8 . المختلف:3/535.


صفحه129

نعم لو دلّ الدليل على لزوم القضاء إذا مات في السفر مع عدم التمكّن من القضاء، فلابدّ من القول بأنّ إيجاب القضاء لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة كما هو الحال في إيجاب قضاء الصلاة للنائم.

إنّما الكلام في الأحاديث التي استدل بها صاحب الحدائق على عدم الاشتراط، وإليك سردها:

1. صحيحة أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)

2. موثّقة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان، هل يقضى عنها؟ فقال: «أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(2)

3. ما رواه منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت، قال:« يُقضى عنه».(3)

4. صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل سافر
في شهر رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(4)


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 16.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 15 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.


صفحه130

ولكن الاستدلال بهذه الأحاديث ضعيف إلاّ الأخير، لأنّ الإمعان فيها يثبت أنّ مورد السؤال هو جواز القضاء وعدمه، فأُجيب بالجواز لمن أراد أن يقضي عنه سواء أكان ولياً أم لا، وأين هو من وجوب القضاء على الولي؟!

والباعث على السؤال هو ما قرع سمع الراوي من أنّه سبحانه لم يجعله عليه، فكيف يُقضى عنه، كما ورد نظيره في مورد المريض في رواية أبي بصير.(1)

وهذا صار سبباً للسؤال عن شرعية القضاء. وانّ هناك فرقاً بين المريض فلا يُقضى عنه بل هو بدعة، و المسافر فيُقضى عنه. وقد ذكرنا أنّ إيجاب القضاء للمسافر لأجل تدارك فوت مصلحة ملزمة لا تتدارك إلاّ بالقضاء.

نعم، موثقة أبي بصير ظاهرة في جوازه على الولي، بل وجوبه عليه حيث قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)

ولكنّه ليس ظاهراً في عدم التمكّن من القضاء فإنّ قوله: «فأدركه الموت قبل أن يقضيه» يعمّ المتمكّن وغيره وليس ظاهراً في الثاني.

مضافاً إلى أنّ الحكم على خلاف القاعدة فإثباته بحديث واحد
أمر مشكل، وحمله على ما يدلّ على الاستحباب أفضل من حمله على الوجوب.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 12.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11.


صفحه131

 

الفرع الرابع: في اختصاص الحكم بما فات عن الوالد وعدمه

ذهب الشيخ في «النهاية»(1) و «المبسوط»(2) إلى عموم الحكم للرجل
و المرأة، وتبعه ابن البراج في «المهذب»(3)، و تردّد المحقّق حيث قال: وهل
يُقضى عن المرأة ما فاتها؟ فيه تردد.(4) واختاره العلاّمة في «المختلف».(5)

وذهب ابن إدريس إلى اختصاص الحكم بالوالد، لأنّ إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج إلى دليل، وإنّما انعقد الإجماع على الوالد حيث يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام و يصير ذلك تكليفاً للولد، وليس العموم مذهباً لأحد من أصحابنا و إنّما أورده الشيخ إيراداً لا اعتقاداً .(6)

ثمّ استدل بأنّ الغالب تساوي الذكور و الإناث في الأحكام الشرعية.

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ سعة الحكم لا يختص بالشيخ، بل هو مذهب جماعة كما عرفت.

وثانياً: أنّ مورد القاعدة عبارة عمّا إذا اتّخذ الرجل موضوعاً لحكم شرعي كما إذا قيل رجل شكّ بين الثلاث والأربع، فحينئذ يحكم بسعة الجواب وعدم اختصاصه بالرجل; و أمّا إذا كان الرجل بنفسه موضوعاً لحكم متعلّق بشخص آخر، كما إذا قيل يجوز الاقتداء بالرجل الثقة، فإنّه لا وجه


1 . النهاية و نكتها: 1/401.  

2 . المبسوط:1/286.

3 . المهذّب: 1/196.  

4 . المسالك: 2/65، قسم المتن.

5 . المختلف: 3/536. 

6 . السرائر: 1/399.


صفحه132

للتعدّي، وتعميم الحكم، والمقام من هذا القبيل، فإنّ مقتضى ظواهر النصوص أنّ الفوت من الرجل موضوع لوجوب القضاء على الولي فلا يمكن التعدي من هذا الموضوع إلى موضوع آخر، مضافاً إلى أنّ أكثر الروايات تشتمل على لفظ «الرجل» فلا وجه للتعدّي عنه إلى المرأة.

نعم يمكن الاحتجاج في بادئ النظر على سعة الحكم بصحيحة وموثقة.

أمّا الأُولى فهي صحيحة أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أوسافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يقضى عنها؟ قال:« أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السفر فنعم».(1)

وأمّا الموثّقة فهي موثّقة محمد بن مسلم(2) التي هي بنفس مضمون الصحيحة.

ولكنّك عرفت عدم صحة الاستدلال بهما في الفرع السابق على عدم شرطية التمكّن، و منه يظهر عدم صحة التمسّك بهما في هذا الفرع أيضاً أي عموم الحكم للمرأة، وذلك لأنّ وجه السؤال هو شرعية القضاء وعدمه حيث إنّ المغروس في ذهن الراوي هو عدم وجوبه على المنوب عنها، لافتراض أنّها ماتت قبل خروج شهر رمضان، فإذا لم يكن مكتوباً عليها فأولى أن لا يجوز القضاء عنها، فوافاه الجواب بالفرق بين المرض و الطمث وبين السفر،


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 16.


صفحه133

فلا يقضى في الأوّلين دون الثالث، وهذه هي مهمة الرواية، وأمّا وجوبه على الولي إذا ماتت المرأة فليس مطروحاً في الرواية.

الفرع الخامس: لا فرق بين ترك الميت مالاً وعدمه

لا فرق في وجوب القضاء عن الميت بين أن يترك مالاً يُتصدق به أو لا، خلافاً للسيد المرتضى حيث اعتبر في وجوب القضاء على الوليّ أن لا يُخلف الميت ما يتصدّق به عنه عن كلّ يوم بمدّ.(1) وقد عرفت أيضاً مذهب ابن أبي عقيل حيث ذهب إلى وجوب التصدّق فقط دون القضاء.

ولكن المشهور هو وجوب القضاء مطلقاً سواء ترك الميّت مالاً يُتصدّق به أو لا . ويدلّ على قول المشهور إطلاق الروايات من دون تقييد القضاء بعدم مال يتصدق عنه.

نعم يدلّ على قول المرتضى، رواية أبي مريم الأنصاري الماضية وقد جاء فيها:

«وكان له مال تصدّق عنه مكان كلّ يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال صام عنه وليّه».(2)

والحديث ينطبق على نظر المرتضى تماماً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تقييد الإطلاقات المتضافرة بالحديث الذي نقل على وجهين كما تقدّم أمر مشكل، وقد عرفت أنّ الشيخ نقل هذا المتن أيضاً


1 . الانتصار:71.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.


صفحه134

كما نقل متناً آخر و هو: «وكان له مال، تصدّق عنه مكان كل يوم بمدّ، وإن لم يكن له مال، تصدّق عنه وليّه».

وثانياً: أنّ تقييد الإطلاقات بعدم مال للميت يستلزم حملها على الفرد النادر، إذ قلّما يتفق عدم مال للميت يتصدّق به.

ولأجل ذلك ذهب المشهور إلى الأخذ بالإطلاقات دون تقييدها بهذه الرواية.

فإن قلت: إنّ الرواية على كلا النقلين اتّفقت على وجوب التصدّق، غير أنّهما يختلفان في الشق الثاني، أعني : إذا لم يكن له مال، فعلى النقل الأوّل يصوم الولي ، وعلى النقل الثاني يتصدّق الولي، والاختلاف في الذيل لا يضر الاتفاق على الصدر، فعلى ذلك يجب أن تقيّد الإطلاقات بالصدقة،بمعنى الالتزام بوجوب الأمرين معاً لعدم التنافي بينهما من هذه الجهة، فيلتزم بوجوب القضاء عنه، ووجوب التصدّق بماله عملاً بالإطلاقات والرواية على كلتا النسختين.

قلت: إنّ حديث الإطلاق والتقييد إنّما يجري فيما إذا كان المطلق على نحو «لا بشرط» والمقيد «بشرط شيء» كما في قولك: أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة، ومن الواضح أنّ الثاني يقدّم على الأوّل لدلالته على مالا يدلّ عليه الأوّل.

وأمّا إذا كانت النسبة بينهما بشكل آخر بأن يكون المقيد «بشرط لا» والمطلق «لا بشرط» كما في المقام، فإنّ رواية أبي مريم تدلّ على أنّ الواجب


صفحه135

عند مَن كان له مال، هو التصدّق فقط لا غير على نحو ينفي القضاء، فكيف يمكن الجمع بينه و بين ما يوجب القضاء ولو بنحو لا بشرط؟!

ولأجل ذلك ترك المشهور العمل بالرواية بكلا النقلين خصوصاً أنّه تستشم منه موافقة العامّة على ما عرفت من أقوالهم.

الفرع السادس: المراد من الوليِّ هو الولد الأكبر

المشهور عند الأصحاب أنّ المراد من الولي هو الولد الأكبر.

أ: أكبر أولاده الذكور

وقد خصّصه جماعة بأكبر الأولاد الذكور.

1. قال الشيخ : هو أكبر أولاده الذكور ، فإن كانوا جماعة في سنّواحد وجب القضاء بالحصص، أو يقوم به بعض فيسقط عن الباقين، وإن كانوا إناثاً لم يلزمهن القضاء وكان الواجب الفدية.(1)

2. وقال ابن حمزة: يلزم وليّه القضاء عنه وجوباً، والولي هو أكبر أولاده الذكور، فإن كان له جماعة أولاد في سن واحد قضوا عنه بالحصص، وإن خلف البنت وترك مالاً فدت عنه بما ذكرنا.(2)

3. قال ابن إدريس : وإنّما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر ما فرّط فيه من الصيام، ويصير ذلك تكليفاً لذلك، وكذلك ما يفوته من


1 . المبسوط:1/286.  

2 . الوسيلة: 150.


صفحه136

صلاة مرضته التي توفّي فيها يجب على الولد الأكبر قضاء ذلك.(1)

4. وقال المحقّق :والولي هو أكبر أولاده الذكور، ولو كان الأكبر أُنثى لم يجب عليها القضاء، ولو كان له وليّان أو أولياء متساوون تساووا في القضاء وفيه تردد، ولو تبرّع بالقضاء بعض، سقط.(2)

5. واستقربه العلاّمة في المختلف.(3)

ب: أكبر أولاده وإلاّ أكبر أوليائه

6. قال المفيد: ... فإنّه ينبغي للأكبر من ولده من الرجال أن يقضي عنه بقية الصيام، فإن لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله وأولاهم به، وإن لم يكن له إلاّ من النساء.(4)

وقد فسر العلاّمة كلام المفيد وقال: وفي هذا الكلام حكمان: الأوّل: انّ الولاية لا تختص بالأولاد، الثاني: انّ مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.(5)

7. وقال علي بن بابويه: من مات وعليه صوم شهر رمضان، فعلى وليّه أن يقضي عنه، فإن كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال، فإن لم يكن له وليّ من الرجال قضى عنه وليّه من النساء.(6)

8. وقال بمثله ولده الصدوق في المقنع.(7)


1 . السرائر: 1/399.  

2 . المسالك: 2 / 63، قسم المتن.

3 . المختلف: 3/532. 

4 . المقنعة:353.

5 . المختلف: 3/531 ـ 532. 

6 . المختلف: 3/532.  

7 . المقنع: 63.


صفحه137

وهؤلاء المشايخ الثلاثة ، لا يُحصرون الولاية بالأولاد الذكور، وأنّه مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.

ج: الولد الأكبر وإلاّ فالأولى من النساء

قال ابن البراج: على ولده الأكبر من الذكور أن يقضي عنه ما فاته من ذلك ومن الصلاة أيضاً، فإن لم يكن له ذكر فالأولى به من النساء.(1)

وهو يتفق مع قول الشيخ المفيد في الحكم الثاني، دون الأوّل.

هذا ما وقفت عليه من الأقوال بعد الفحص عن مظانّها، وقد استقر رأي المشايخ في الأعصار المتأخرة كالمصنّف والمعلّقين عليها على القول الأوّل والمهم في المقام هو دراسة الروايات التي تفسر الوليّ فنقول:

إنّ العناوين الواردة في الروايات عبارة عن:

1. روى حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:«... يقضي عنه أولى الناس بميراثه». قلت: إن كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: «لا، إلاّ الرجال».(2)

2. روى حماد بن عثمان مرسلاًعن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث... من يقضي عنه؟ قال: «أولى الناس به»، قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: «لا، إلاّ الرجال».(3)


1 . المهذّب:1/195.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.


صفحه138

3. ما رواه محمد بن أبي عمير مرسلاً عن الصادق(عليه السلام) : في الرجل يموت وعليه صلاة أو صوم؟ قال: «يقضيه أولى الناس به».(1)

4. روى أبو بصير في حديث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... قال: «يقضيه أفضل أهل بيته».(2)

5. وفي مكاتبة الصفار، وقع (عليه السلام) : «يقضي عنه أكبر وليّيه،عشرة أيام ولاءً» كما سيوافيك نصّه.(3)

فالمهم من هذه العناوين ما يلي:

أ. أولى الناس بميراثه.

ب.أفضل أهل بيته.

والكلام فيما هو المراد في «أولى الناس بالميراث» و قد فسّره في المستند بالأولوية على ترتيب الطبقات في الإرث، فمع الأب والابن لا وليّ غيرهما، ومع فقدهما تنتقل الولاية إلى الطبقة الثانية، وهكذا إلاّ النساء فلا تنتقل إليهنّ أبداً.(4)

يلاحظ عليه: أنّ لازم ما ذكره من التفسير هو وجوب القضاء على الأولاد والأبوين أوّلاً، والإخوة و الأجداد ثانياً، والأعمام والأخوال ثالثاً; وعلى المتقرّبين بالولاء، كولاء العتق، ثمّ ولاء ضمان الجريرة، ثمّ ولاء ضمان الإمام


1 . الوسائل: ج 5، الباب 12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث6.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 11 .

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3.

4 . مستند الشيعة:10/462.


صفحه139

ثالثاً. وهذا ممّا لم يلتزم به أحد. ولا أظن أن يلتزم به قائله.

والظاهر اختصاصه بالأولاد، ويدلّ عليه قوله في موثّقة أبي بصير: «يقضيه أفضل أهل بيته»، ومن المعلوم انّ الوالد لا يعد من أهل بيت الولد، بل الولد من أهل بيت الوالد. فإذا خرج الوالد، تخرج الطبقات المتأخّرة من الأجداد والإخوة بطريق أولى. ويختص القضاء بالأولاد.

هذا من جانب، ومن جانب آخر دلّت صحيحة حفص بن البختري(1)على خروج النساء. ومثلها مرسلة حماد بن عثمان.(2)

فبفضل هذه الروايات ظهر أنّ المحكوم بالقضاء عبارة عن أولاده الذكور، وأمّا تقدّم الأكبر على غيره، فلما في مكاتبة الصفار، قال: كتبت إليه: رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعاً خمسة أيّام أحد الوليّين، وخمسة أيام الآخر؟ فوقع (عليه السلام) : «يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إن شاء اللّه».(3)

قال الصدوق: هذا التوقيع عندي مع توقيعاته إلى محمد بن الحسن الصفار بخطه (عليه السلام) .

فتلخّص بذلك انّ المسألة وإن كانت من حيث الأقوال متشتتة ولسان الروايات غير واضح، ولكن يمكن من ضم بعض إلى بعض كشف الحقيقة، وحل المشكل يكمن في الإمعان في قوله: «يقضيه أفضل أهل بيته» حيث


1 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 3.


صفحه140

يخرج بذلك كلّ من يرث منه على ترتيب الطبقات إلاّ الأولاد والزوجة.

كما أنّ بفضل بعض الروايات خرجت الزوجة فانحصر الموضوع في الأولاد، وقد علمت أنّ المكاتبة تقدّم الأكبر على غيره.

وأمّا قوله : أولى الناس بميراثه، فلا يخلو من إجمال، وربّما يفسر بالنحو التالي: المراد هو الأولى من جميع الناس بالميراث بقول مطلق و على نحو القضية الحقيقية أي من كلّ من يفرض في الوجود، سواء أكان موجوداً بالفعل أم معدوماً. وهذا ينحصر مصداقه في الولد الأكبر فإنّه الأولى بميراث الميت من جميع البشر، حتى ممّن هو في طبقته في الإرث كالأبوين، فإنّ لكلّ واحد منهما السدس، وكالبنات لأنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، وكسائر الأولاد الذكور لمكان اختصاص الأكبر بالحبوة، بناء على ما هو الصحيح من عدم احتسابها من الإرث، فهو الأوفر نصيباً من الكلّ ولأجله كان هو الأولى بالميراث من جميع الناس بتمام معنى الكلمة.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ التفسير المزبور مبني على أنّ المراد من الأولوية، هو الأكثرية، وعلى ذلك يقدّم أكبر أولاده الذكور على غيره، لكن الوارد هو الأولى لا الأكثر.

ثانياً: أنّ الظاهر انّ المراد هو أولى الناس بالميراث بالفعل، فلو كان هناك أولاد فهم أولى الناس به، وأمّا مع فقده فالأولى غيره، وعلى ذلك لا ينحصر الوليّ بأكبر الذكور بل يتعدّى إلى من هو الأكثر فالأكثر، وما ذكره من التفسير لا يخلو من دقة عقليّة، والظاهر انّ ما سلكناه في تفسير الوليّ أوضح ممّا بيّنه.


صفحه141

 

لو لم يكن للميت ولد أو تعدّد الولي

لو لم يكن للميّت ولد لم يجب القضاء على أحد من الورثة وإن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه. لما عرفت من تعلّق الوجوب بأكبر أولاده الذكور.

لو تعدّد الوليّ اشتركا وإن تحمّل أحدهما كفى عن الآخر كما أنّه لو تبرّع أجنبيّ سقط عن الوليّ.

هذا كما إذا كان له ولدان ولدا في ساعة واحدة من زوجتين، فيصدق على كلّ واحد أفضل أهل بيته، فيُخاطَب كلّ بالقضاء، فيُشبه أن يكون من قبيل الواجب الكفائي، فلو قام واحد بالجميع لسقط الوجوب عن الآخر.

كما أنّه لو تبرّع أجنبي سقط عنهما شأن كلّ واجب كفائي.

جواز الاستئجار للولي

لما تقدّم في الفرع السابق من أنّ خطاب الوليّين بالقضاء آية أنّه واجب كفائي، أضف إلى ذلك انّ الغاية من الإيجاب هو تفريغ ذمّة الميّت من الدين وأولى الناس بميراثه أولى بأن يقضيه، ويتحمّل جهد القضاء، والمتبادر من مثله، هو عدم اعتبار المباشرة كما مرّ.

ويظهر ذلك ممّا رواه الشيخ في الخلاف عن ابن عباس ، قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «لو كان على أُمّك دين أكنت قاضيه عنها؟»، قال:


صفحه142

نعم. قال :« فدَيْنُ اللّه أحق أن يُقضى».(1)

فإذا كان المقام من مقولة الدين فيسقط بفعل الولي، والأجير والمتبرع.هذا كلّه على القول بصحّة الإجارة في المقام، وأمّا على القول ببطلانها فيه فالأمر في الإجارة مشكل، نعم لو أتى به سقط عن الوليّ.

وأمّا التمسّك في سقوطه بعمل الأجير، بعموم أدلّة الإجارة بعد كون متعلّقها في المقام عملاً مشروعاً سائغاً حسب الفرض.(2) فهو كماترى لما قلنا في محله: من أنّ أدلّة المعاملات كلّها، أدلة إمضائيّة لما بيد العرف وليس في الشرع معاملة تأسيسيّة ، شرّعها الشارع وأمر بتنفيذها فإذاً تجب ملاحظه ما بيد العقلاء، فهل عندهم عقد إجارة على عمل قربي، لا يترتب عليه الأثر إلاّ إذا قام به الإنسان تقرباً إلى اللّه وطلباً لرضاه أو لا، الظاهر هو الثاني لأنّهم بفطرتهم يرون التنافي بين أخذ الأُجرة للعمل، وكونه مأتياً به اللّه سبحانه، وهذا كاف في انصراف الأدلّة عن مورد العبادات. مثل قوله في حديث تحف العقول: «أو يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئاً يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع».(3)

وما ذكر من المحاولات لأخذ الأجرة لو صحت، لا يكون سبباً لشمول أدلّتها للمقام بعد وجود التنافي بين الإجارة وموردها.

وأمّا النيابة في مورد الحجّ، فهوخارج عن التأجير للعبادات، لأنّ الحج


1 . الخلاف: 2/209، المسألة 65، كتاب الصوم.

2 . مستندالعروة:2/214.

3 . الوسائل: ج 13، الباب 1 من كتاب الإجارة، الحديث 1.


صفحه143

عبادة يتوقف على الزاد والراحلة، فمن يريد الحجّ عن والده، فعليه أن يبذلهما ليتمكن المتبرّع عن النيابة ولا يقاس عليه سائر العبادات ولذلك، صار الاستئجار عندنا للأُمور العباديّة أمراً مشكلاً إلاّ إذا كان مماثلاً للنيابة في الحج، و قد أوضحنا حاله في محاضراتنا.(1)

هذا و ممّا يقضى منه العجب ما ذكره المحقّق النراقي(قدس سره) في المقام من عدم سقوطه عن الولي، بعد قيام المتبرع أو الأجير به قال: الحقّ عدم السقوط عن الولي بتبرع الغير ولا باستئجاره أو وصية الميت بالاستئجار للأصل.

فإن قيل بفعل الغير تُبرأ ذمّة الميت ولا صوم عليه فلا معنى لقضاء الولي عنه.

قلت: ما أرى مانعاً من قضاء متعدد من واحد، ولا ضير في أن تشتغل ذمة أحد بشيء يجوز لمائة أداؤه عنه ولو بالتعاقب.(2)

أقول: إنّ معنى ذلك اشتراط المباشرة في القضاء عن الميّت، وقد عرفت أنّ المتبادر من أمثال المقام هو أداء ما على الميّت وليس على الميت إلاّ صوم واحد فيسقط بفعل واحد منهم فلا يبقى موضوع للآخر.

عدم سقوط الصوم عن الولي إذا لم يأت به الأجير

إنّ الواجب هو تفريغ ذمة الميت عن الصوم والاستئجار طريق إليه والمفروض أنّه لم يحصل، نعم لو كان الواجب عليه أحد الأمرين:الإتيان


1 . المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 740، الوجه الثامن.

2 . مستندالشيعة: 10/ 466.


صفحه144

بالصوم مباشرة، أو الاستئجار، فبما أنّه قام بأحد الشقين من الواجب التخييري، سقط الوجوب، لكنّه خلاف الفرض.

إذا شكّ الولي في اشتغال ذمّة الميت

ربما يحتمل الاشتغال بجريان أصالة عدم إتيان الميّت بالواجب .

يلاحظ عليه بما ذكرناه سابقاً من عدم جريانه إلاّ فيما إذا كان ظرف الوجوب أوسع من ظرف الفعل كصلاة الظهر عند دلوك الشمس، و أمّا إذا كانا متساويين، فالمتيقن هو عدم الإتيان بالنفي التام قبل دخول ظرف الواجب، والموضوع للقضاء ، هو عدم الإتيان بالمعنى الناقص وبعد دخول ظرفه واستصحاب الأول، لغاية إثبات الثاني من أوضح مصاديق الأُصول المثبتة فلاحظ وقد بيّناه في محاضراتنا الأُصولية.

والأولى: التمسك بأصل البراءة ، للشك في الاشتغال، و منه يظهر الحال فيما إذا تردّد بين الأقل والأكثر ومعه لا حاجة إلى استصحاب البراءة لكونه حاكماً عليه، لأنّ الأول يكفي فيه مجرّد الشكّ بخلاف الثاني فهو رهن لحاظ الحالة السابقة وجرّها، والأقل مؤونة يقدّم على الأكثر.

إذا أوصى الميت باستيجار ما عليه من الصوم أو الصلاة

قد عرفت أنّ الواجب هو تفريغ ذمّة الميّت، فلو أوصى وأدّى الأجير حصلت الغاية المتوخّاة، فلم يبق موضوع للقضاء ، نعم لو لم يؤدِّ أو أدَّى غيرَ صحيح فلا يسقط عن الوليّ، لأنّ وجوب القضاء على الولي حكم شرعي لا


صفحه145

يسقط بالإيصاء وليس من الحقوق القابلة له، وسقوطه عن ذمّة الولي بعد قيام الأجير به، لأجل عدم الموضوع لا لكون الإيصاء مسقطاً للحكم الشرعي.

وجوب القضاء على الولي إذا علم اشتغال ذمة الميت

يجب القضاء على الولي إذا علم اشتغال ذمّة الميّت، أو قيام البيّنة عليه، أو أقرّ به الميّت.

فلا إشكال في ثبوته بالأوّلين وإنّما الإشكال في ثبوته بالإقرار، لأنّه ليس إقراراً على نفسه إذ ليس له أثر بالإضافة إلى المقرّ بل إلى الغير أي الولد الأكبر، ومن المعلوم أنّ إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، لا على غيرهم، ولا يقاس الإقرار بالصوم، بالإقرار بالدين فإنّه مستلزم حرمان الورثة، أوّلاً، و مؤثر في نفسه ثانياً إذ بعد الإقرار يُطالب .

لكن للتأمّل فيه مجال: وذلك لأنّه إذا كان الموضوع ممّا لا يعلم إلاّ من قبل المقرّ فلابدّ من قبوله لانسداد الطريق كما هو الحال في الإقرار بما في الأرحام، فإذا كان الإقرار واجباً يكون السماع مثله وإلاّيلزم اللغوية غالباً.

إذا علم الولي باشتغال ذمة الميت بعد مرور زمان

إذا علم الولي اشتغال ذمته بالقضاء ولكن شكّ في إتيان الميّت به حال حياته أو بقاء شغل ذمّته، والفرق بين هذا الفرع والفرع الآتي بعد اشتراكهما في العلم بالاشتغال والشك في البقاء وتفريغ الذمّة، هو انّه تارة يكون اليقين والشك من الولي، من دون العلم بحال الميّت وانّه هل مات متيقّناً بالاشتغال،


صفحه146

أو بالبراءة ، أو شاكاً وهذا هوالفرع الذي نحن فيه وأُخرى يكون الشكّ من نفس الميّت حال حياته فيشك في أنّه هل أتى ما كان عليه أو لا؟ وهذا هو الفرع الآتي، فإليك الكلام في الأوّل.

إذا علم الولي باشتغال ذمة الوالد بالصوم وشكّ في إتيانه حال حياته، فقد استظهر المصنف عدم الوجوب عليه، وخالفه غالب المعلّقين عليه فاستظهروا خلافه وصحةَ التمسك باستصحاب البقاء.

وجه عدم الوجوب، هو انّ المرجع أصالة البراءة النافية لوجوب القضاء، وأمّا استصحاب بقاء الاشتغال فليس بحجّة، وذلك لأنّه ليس بأقوى من قيام البيّنة على الميّت حيث لا تكون حجّة في إثبات الدعوى عليه مالم تقترن باليمين، فإنّ استصحاب بقاء الاشتغال نوع ادّعاءعلى الميّت فلا يكون كافياً في المقام.

قال المحقّق: ولا يستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت فيُستحلف على بقاء الحقّ في ذمته استظهاراً.(1)

ويدل عليه، خبر عبدالرحمن البصري:«وإن كان المطلوب بالحق قد مات، فأُقيمت عليه البيّنة، فعلى المدّعي، اليمين باللّه الذي لا إله إلاّ هو، لقد مات فلان وانّ حقه لعليه، فإن حلف وإلاّ فلا حقّ له، لأنّا لا ندري لعله قد أوفاه ببيّنة لا نعلم موضعها أو غير بيّنة قبل الموت».(2)

و مكاتبة محمد بن الحسن الصفار،إلى أبي محمد الحسن بن


1 . الشرائع:4/85.

2 . الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


صفحه147

علي (عليهما السلام): هل تُقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع (عليه السلام): «إذا أشهد معه آخر عدل، فعلى المدّعي اليمين».(1)

يلاحظ عليه: أنّ مورد الروايتين هو ما إذا أُقيمت الدعوى على الميّت، بحيث لو ثبتت لتضرّر الوراث، وأين هو من استصحاب الولي الذي لو صحّ لكان عليه القيام بالقضاء لا غير؟!

والحاصل: انّه لا مانع من جريان الاستصحاب الذي تمّ أركانه عند الولي حيث أيقن وشكّ وأمر الشارع بعدم نقض يقينه بالشك فصار كالمتيقن «بأنّ الميت مات وعليه صيام» فيكون الاستصحاب منقحاً لموضوع الدليل الاجتهادي.

لو شكّ الميت بين براءة الذمّة والإتيان

إذا كان الميّت نفسه هو المتيقّن بالاشتغال والشاك في فراغ ذمّته فقط، فاستظهر المصنّف وجوب القضاء على الوليّ والمفروض اختصاص الميّت باليقين والشك، لا الولي، وإلاّ فلو كان هو أيضاً في حال حياته، متيقّناً وشاكّاً، يدخل في الفرع الأوّل.

وذهب السيد الحكيم إلى عدم جريانه، لأنّ المدار في الوجوب على الوليّ قيام الحجّة عنده على فوات الواجب،لا قيامها عند الميت.

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان قيام الحجة عند الميّت مبدأ لقيام الحجّة على الوليّ، يكون داخلاً في المدار المزبور، وذلك لأنّ الميت بإجراء


1 . الوسائل: ج 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث1.


صفحه148

الاستصحاب في حياته صار محكوماً بالقضاء وانّ عليه صياماً، فإذا مات يصدق عليه قوله:«في الرجل يموت وعليه صلاة وصيام؟ قال: «يقضي عنه أولى الناس بميراثه» . وعلى ما ذكرنا يجب القضاء في جميع الصور بلا إشكال واللّه العالم.

في قضاء الصوم الواجب

هل يختص وجوب القضاء على الولي بشهر رمضان، أو يعمّ كل صوم واجب؟ اختار الثاني جماعة، منهم:

قال المفيد في مقنعته : يجب على وليّه أن يقضي عنه كلّ صيام فرّط فيه من نذر أو كفّارة أو قضاء رمضان.(1)

قال الشيخ: والمريض إذا قد وجب عليه شهران متتابعان ثمّ مات، تصدق عن شهر ويقضي عنه وليّه شهراً آخر.(2) وتبعه ابن البراج.(3)

وكلامه هذا يدلّ على أنّ الولي يتحمّل كلّ صوم واجب غير أنّ تبديل أحد الشهرين بالتصدّق لأجل الرواية الواردة فيه كما سيوافيك.(4)

وقال ابن إدريس: الشهران إذا كانا نذراً وفرط فيهما وجب على وليّه ـ وهو أكبر أولاده الذكور ـ الصيام للشهرين. (5) واستقربه العلاّمة في «المختلف».(6)


1 . المقنعة: 353 ـ 354.  

2 . النهاية: 158. 

3 . المهذب:1/196.

4 . الوسائل: ج 7، الباب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

5 . السرائر: 1/398.  

6 . المختلف:3/539.


صفحه149

ولكن الظاهر من الصدوق في «المقنع» هو الاختصاص بقضاء رمضان حيث خصّه بالذكر وقال: وإذا مات رجل وعليه صوم شهر رمضان فعلى وليّه أن يقضي عنه. ونقله العلاّمة في المختلف عن العمّاني.(1) وهذا هو الأقرب، وذلك لأنّ السؤال في أغلب الروايات عمّن مات وعليه قضاء شهر رمضان.

وهذا قرينة على أنّ المركوز في أذهان الرواة، هو لزوم الخروج عن قضاء شهر رمضان، دون غيره ولو كان الحكم عامّاً كان على الإمام الإشارة أو التصريح به مع كثرة الأسئلة.

وثانياً لو قلنا به، لزم القول بلزوم قضاء كلّ ما اشتغلت ذمّته ولو بالانتقال من ذمّة أبيه إلى ذمّته، وهذا كما ترى حكم حرجيّ، لا يلزم به أحد.

استدلّ القائل بالعموم بروايتين:

1. صحيحة حفص، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يموت وعليه صلاة أو صيام قال: «يَقضي عنه أولى الناس بميراثه» قلت: فإن كان أولى الناس به امرأة فقال: «لا إلاّ الرجال».(2) وجه الاستدلال هوإطلاق قول السائل«وعليه صلاة أو صيام» وعدم تقييده برمضان.

يلاحظ عليه: أنّ جواب الإمام بأنّه يقضيه أولى الناس بميراثه، يكشف عن واقع السؤال، وانّ حيثية السؤال كانت راجعة إلى تعيين من يقضي، من دون نظر إلى سبب اشتغاله من رمضان أو نذر أو كفّارة حتى يؤخذ بإطلاق السؤال والجواب.


1 . المقنع: 201; المختلف: 3 / 532 .

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 5.


صفحه150

2. خبر الحسن بن عليِّ الوشاء ،عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علّة فعليه أن يتصدّق عن الشهر الأوّل ويقضي الشهر الثاني».(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الحديث لا يثبت تمام المدّعى، لأنّ مفاده جوازالتصدّق عن الشهر الأوّل، دون الشهر الثاني، وهو غير المدّعى.

وثانياً: أنّ مرجع الضمير في «فعليه» غير معلوم ولا دليل في ظاهر الحديث أنّه يرجع إلى الولي وإن نقله صاحب الوسائل في ذلك الباب، وعلى القول به يمكن حمل الحديث على من استمرّ مرضه إلى شهر رمضان الثاني، ثمّ صحّ ولم يصم ومات، فيجب على الولي التصدّق عن الأوّل، لعدم برئه و القضاء عن الثاني لبرئه وموته بعده. ويدلّ على ذلك قوله من علّة، الظاهر في المرض. وما ذكرناه وإن كان غير قطعي لكنّه أولى من حمله على ظاهره.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 24 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.


صفحه151

الرسالة الحادية والأربعون

   

في زكاة النقدين


صفحه152


صفحه153

كلّما أطلق النقدان يراد بهما الذهب والفضة المسكوكان، والأصل في تعلّق الزكاة بهما، قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَ الرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم)(1) .

والضمير في قوله: (وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا)وإن كان يرجع إلى خصوص الفضة، لكن المراد هو الأعم منها ومن الذهب بقرينة الصدر، وإلاّ كان ذكر الذهب فيه بلا وجه، وتقدير الآية (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ (ولا ينفقونه في سبيل الله) وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ) فحذف المعطوف (ولا ينفقونه) الّذي عطف على (يَكْنِزُونَ)لدلالة الثاني (وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا)عليه.

ثمّ إنّ المشهور انّ الواو في قوله: (وَ الَّذِينَ) للاستئناف لا للعطف على الجملة المتقدمة عليه، أعني: (وَ يَصُدُّونَ)، فيعمّ كلّ مكتنز كتابياً كان أو مسلماً.

نعم هناك من يجعل الواو للعطف، فيختص حينئذ مفاد الآية بأهل


1 . التوبة: 34.


صفحه154

الكتاب، ولعلّ الغاية ـ من غير وعي ـ تبرير عمل المكتنزين من الخلفاء وغيرهم.

روى السيوطي في «الدر المنثور» انّ الخليفة عثمان ـ الّذي اكتنز هو وبطانته أموالاً طائلة ـ اختلف مع أُبيّ بن كعب عند جمع القرآن على لهجة واحدة، وكان الخليفة يصرّ على أنّ النازل «الذين» بدون الواو ، على خلاف ما كان عليه أُبي بن كعب، فلمّا أحسّ الصحابي إصرار الخليفة على حذف الواو هدّده، وقال: سمعت من النبي يقرأ الآية مع الواو ، ولابدّ أن تُكتب، وإلاّ لأضع سيفي على عاتقي.(1)

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الكنز مطلق ما يدفن في الأرض أو في مكان مستور أُدّيت زكاته أم لا، ولكن المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انّ كلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً، وكلّ مال أُدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان دفيناً.

وروي عن علي (عليه السلام): أنّ ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز أدّى زكاته أم لم يؤدّ، وما دونها نفقة.(2)

فعلى ذلك فالأقوال في الكنز، ثلاثة:

أ. مطلق الدفين تحت الأرض، قليلاً كان أو كثيراً، أُدّيت زكاته أو لم تؤدّ.

ب. كلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً.


1 . الدر المنثور: 2 / 223 .

2 . مجمع البيان: 3 / 26.


صفحه155

ج. التفريق بين أربعة آلاف وأنقص منه، فالأوّل كنز دون الثاني.

والتفصيل موكول إلى محله في كتاب الخمس.

في نصاب الذهب

وفيه نصابان :

النصاب الأوّل: هو عشرون ديناراً

المشهور أنّ النصاب الأوّل هو عشرون ديناراً، قال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة في الذهب حتّى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال، فإن نقص من العشرين ولو قيراطاً لا تجب فيه الزكاة.

وما زاد عليه، ففي كلّ أربعة دنانير عُشْر دينار، وبه قال أبو حنيفة ـ إلى أن قال : ـ وقال الحسن البصري: لا زكاة في الذهب حتّى يبلغ أربعين مثقالاً، فإذا بلغها ففيه دينار، وذهب إليه قوم من أصحابنا.(1)

وقال العلاّمة في «المختلف»: المشهور بين علمائنا أجمع أنّ أوّل نصاب الذهب عشرون مثقالاً، وفيه نصف مثقال.

وقال الشيخ علي بن بابويه: ليس فيه شيء حتّى يبلغ أربعين مثقالاً وفيه مثقال واحد.

والنصاب الثاني من الذهب أربعة دنانير. ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلاّ


1 . الخلاف: 2 / 83 ، كتاب الزكاة، المسألة 99 .


صفحه156

الشيخ علي بن بابويه فإنّه جعله أربعين مثقالاً، فقال: وليس في النيف شيء حتّى يبلغ أربعين.(1)

والمراد من النيف هو ما بعد الأربعين حتّى يبلغ أربعيناً ثانياً، ويحتمل أن يكون المراد هو ما قبله.

هذا ولكن الظاهر من ولد الشيخ، أعني: الصدوق، هو نسبة الأربعين إلى الرواية، حيث إنّه بعد ما ذكر النصاب المشهور، قال: وقد روي أنّه ليس في الذهب حتّى يبلغ أربعين مثقالاً، فإذا بلغ ففيه مثقال.(2)

فظهر من ذلك أنّ النصاب الأوّل المشهور بين الفريقين هوالعشرون، وأنّ القول بالأربعين قول شاذ.

وقد روت العامّة عن علي (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ليس فيما دون عشرين مثقالاً من الذهب صدقة، فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال»(3) .

وروى ابن عمر قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يأخذ من كلّ عشرين ديناراً نصفَ دينار، ومن كلّ أربعين ديناراً ديناراً.(4)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: فأوّل نصاب الذهب عشرون مثقالاً. وعليه


1 . المختلف: 3 / 183 ـ 184 .  

2 . المقنع: 162.

3 . نقل الحديث بلفظه الإمام أحمد بن يحيى في كتابه البحر الزخار: 3 / 148 ـ 149 عن كتاب أُصول الأحكام فلاحظ.

4 . أخرج الحديث ابن ماجة في سننه: 1 / 571، حديث 1791; والدارقطني في سننه: 2 / 92 ; حديث 1، عن عائشة مثله.


صفحه157

إجماع العلماء ـ إلاّ ما حكي عن الحسن البصري، وشيخنا علي بن بابويه، فانّهما قالا: لا شيء في الذهب حتّى يبلغ أربعين مثقالاً ـ لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب، ولا في أقلّ من مائتي درهم صدقة .(1)

وهو يدلّ بمفهومه على وجوبه في العشرين، خصوصاً مع اقترانه بالمائتين وقول علي(عليه السلام): على كلّ أربعين ديناراً دينار، وفي كلّ عشرين نصف دينار.(2)

ثمّ إنّ الروايات الواردة في المقام على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما يؤيد موقف المشهور، وإليك قسماً منها:

1. صحيحة الحسين بن بشّار، عن أبي الحسن (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «في الذهب في كلّ عشرين ديناراً، نصف دينار، فإن نقص فلا زكاة فيه».(3)

2. موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «ومن الذهب من كلّ عشرين ديناراً، نصف دينار».(4)

3. موثّقة علي بن عُقْبة وعدة من أصحابنا، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام): قالا: «ليس فيما دون العشرين مثقالاً من الذهب شيء، فإذا كملت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال».(5)


1 . الأموال لأبي عبيد: 449 ونقله عنه ابن قدامة في المغني: 2 / 599 .

2 . التذكرة: 5 / 119 ـ 120، المسألة 63 ; ولاحظ المغني لابن قدامة: 2 / 599 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3 .

4 . المصدر السابق: الحديث 4 . 

5 . المصدر السابق: الحديث 5.


صفحه158

4. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «في الذهب إذا بلغ عشرين ديناراً ففيه نصف دينار، وليس فيما دون العشرين شيء».(1)

5. معتبرة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ليس في الذهب زكاة حتّى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغ عشرين مثقالاً ففيه نصف مثقال.(2)

6. موثّقة زرارة وبكير بن أعين، أنّهما سمعا أبا جعفر (عليه السلام)يقول في الزكاة: «أمّا في الذهب فليس في أقلّ من عشرين ديناراً شيء، فإذا بلغت عشرين ديناراً، ففيه نصف دينار».(3)

7. روى علي بن جعفر، عن أخيه قال: «لا تكون زكاة في أقلّ من مائتيّ درهم، والذهب عشرون ديناراً، فما سوى ذلك فليس عليه زكاة».(4)

8. صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟ قال: «ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة، عشرين ديناراً».(5)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي يضيق بنقلها المقام، مضافاً إلى الشهرة المحقّقة الّتي تكاد تصل إلى حدّ الإجماع.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّ النصاب هو الأربعون ديناراً، ويدلّ عليه روايتان:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 9 .

2 . المصدر نفسه : الحديث 10 .

3 . المصدر نفسه: الحديث 11 .

4 . المصدر نفسه: الحديث 15.

5 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .


صفحه159

1. موثّقة الفضلاء الأربعة عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)أنّهما قالا: «في الذهب في كلّ أربعين مثقالاً مثقال... وليس في أقلّ من أربعين مثقالاً شيء».(1)

ويمكن حمل الرواية على أنّ المراد من «شيء» هو المثقال، والمعنى أو ليس في أقل، من أربعين مثقالاً، مثقالٌ، لأنّ المثقال زكاة الأربعين، وأمّا دون ذلك ففيه أقل، ففي العشرين نصف المثقال، وفي أربعة وعشرين نصف المثقال مع ربع العشر، وهكذا.

كما يحتمل الحمل على التقية لما عرفت من ذهاب الحسن البصري إليه، ولكن هذا الاحتمال ضعيف للغاية للشهرة المحقّقة بين الفريقين على أنّ النصاب الأوّل هو عشرون ديناراً.

2. صحيحة زرارة، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل عنده مائة درهم وتسعة وتسعون درهماً وتسعة وثلاثون ديناراً أيزكّيها؟ فقال: «لا، ليس عليه شيء من الزكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتّى يتم أربعون ديناراً والدراهم مائتا درهم».(2)

ولكن الظاهر تطرق التصحيف إلى نسخة الشيخ في «التهذيب» بشهادة أنّ الصدوق رواها بنحو آخر، قال: عن زرارة، أنّه قال لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهماً وتسعة عشر ديناراً، أيزكّيها؟ فقال: «لا، ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتّى يتم».(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضّة، الحديث 13.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 14.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .


صفحه160

وبذلك يضعف الاعتماد على رواية الشيخ للخبر المذكور، وقد نقل المحدّث الكاشاني في كتاب «الوافي» الخبر برواية الصدوق ثمّ نبّه على رواية الشيخ، وقال: إنّ ما في الفقيه هو الصواب.(1)

فلم يبق في المقام إلاّ الفقه الرضوي، حيث جاء فيه:

وليس في ما دون عشرين ديناراً زكاة حتّى بلغ عشرين ديناراً ففيها نصف دينار، وكلّ مازاد بعد العشرين إلى أن يبلغ أربعة دنانير فلا زكاة فيه فإذا بلغ أربعة دنانير ففيه عشر دينار ثمّ على هذا الحساب ـ إلى أن قال بعد ذكر أحكام عديدة : ـ وروي أنّه ليس على الذهب زكاة حتّى يبلغ أربعين مثقالاً، فإذا بلغ أربعين مثقالاً ففيه مثقال، وليس في النيف شيء حتّى يبلغ أربعين.(2)

والمتبادر من عبارته أنّ المختار عنده، هو العشرون، حيث نسب الأربعين، إلى الرواية، كما عليه «المقنع» على ما عرفت، وعلى هذا فليس في الشيعة أي مخالف في النصاب الأوّل.

الطائفة الثالثة: ما يستظهر منها انّه ليس للذهب نصاب خاص، وإنّما يجب فيه الزكاة إذا كان معادلاً لنصاب الفضة، أعني: مائتي درهم.

صحيحة الحلبي قال: سئل أبوعبدالله (عليه السلام)عن الذهب والفضّة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: «مائتا درهم وعدلها من الذهب».(2)


1 . الوافي: 10 / 69.   2 . الفقه الرضوي: 22 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الذهب والفضة، الحديث 1 .


صفحه161

ونحوها صحيحة محمد بن مسلم.(1)

والروايتان محمولتان على الرائج في تلك الأعصار من معادلة قيمة نصاب الفضة مع نصاب الدينار.

بقيت هنا رواية وهي موثّقة إسحاق بن عمّار (2) عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال:

قلت له: تسعون ومائة درهم، وتسعة عشر ديناراً، أعليها من الزكاة شيء؟ فقال: «إذا اجتمع الذهب والفضة فبلغ ذلك مائتي درهم ففيها الزكاة، لأنّ عين المال، الدراهم، وكلّ ما خلا الدراهم من ذهب أو متع فهو عرض مردود ذلك إلى الدراهم من الزكاة والديات».

والرواية ناظرة إلى مسألة أُخرى وهي ضمّ أحدهما إلى الآخر، وسيوافيك البحث فيها. وليس بصدد عدم استقلال الذهب بالنصاب.

ثمّ إنّ الروايات كما حدّدت النصاب بعشرين ديناراً كما هو الأكثر، عبرت بعشرين مثقالاً أيضاً، كما هو الحال من موثّقة علي بن عقبة (3)، وموثّقة زرارة (4) فيعلم من ذلك، وحدتهما وزناً ومقداراً، وهذا صار سبباً للانتقال إلى الأمر الثاني، أعني:


1 . المصدر نفسه: الحديث 2 .

2 . المصدر نفسه: الحديث 7 .

3 . المصدر نفسه: الحديث 5.

4 . المصدر نفسه : الحديث 10.


صفحه162

 

الدينار مثقال شرعي

نصّ علماء اللغة على أنّ الدينار هو المثقال.

قال ابن الأثير في مادة «ثقل»: إنّ المثقال في الأصل مقدار من الوزن، سواء أكان قليلاً أم كثيراً. والناس يطلقونه في العرف على الدينار.

هذا و«المثقال» على المعنى الأوّل يرادف لفظة «سنگينى»، وعليه قوله سبحانه: (يَا بُني إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل )(1)، وقوله: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْرًا يَرَهُ )(2).

ولكن المقصود في المقام هو المعنى الثاني الّذي هو مقدار خاص.

وقال الطريحي في مادة «دنر»: تكرر ذكر الدينار، وهو واحد الدنانير الّذي هو مثقال من الذهب.

ويشهد على ما ذكره اللغويون موثّقة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «ليس في الذهب زكاة حتّى يبلغ عشرين مثقالاً، فإذا بلغ عشرين مثقالاً، ففيه نصف مثقال، ثمّ على حساب ذلك، إذا زاد المال في كلّ أربعين ديناراً، دينار»(3). ونظيره رواية علي بن عقبة.(4)

ويظهر من القاموس أنّ الكلمة غير عربية، وانّ أصلها «دنّار» فبدّلت


1 . لقمان: 16 .  

2 . الزلزلة: 7 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 10.

4 . المصدر نفسه: الحديث 5 .


صفحه163

إحدى النونين ياءً لئلاّ يلتبس بالمصادر مثل كذّاب.

كلّ مثقال شرعي يعادل ثلاثة أرباع الصيرفي

إنّ عشرين مثقالاً يعادل خمسة عشر مثقالاً صيرفياً، نصّ بذلك الفيض في «الوافي»، والمجلسي في رسالة الأوزان، ووالده في «روضة المتّقين». (1)والطريحي في مادة «ثقل»، وعلى ذلك فالتفاوت بينهما بالربع، وربع العشرين هو الخمس، فيكون خمسة عشر مثقالاً صيرفياً مساوياً لعشرين مثقالاً شرعياً، ويكون النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي هو الخمسة عشر مثقالاً صيرفياً.

زكاته رُبع المثقال وثمنه

أمّا كون مقدار زكاته ربع المثقال وثمنه فبيانه:

إنّ كلّ مثقال صيرفي يعادل 24 حبّة، فإذا ضرب في الخمس عشر تكون النتيجة كالتالي:

24 × 15 = 360 حبّة.

وأمّا زكاته، أعني: ربع العشر (نسبة نصف الدينار إلى عشرين ديناراً هو ربع العشر) فهو يساوي ربع المثقال وثمنه، وذلك لأنّ عُشْر (300) حبة هو (30) حبة، وعُشر (60) هو (6)، فإذا جمعناهما يكون 36 جزءاً.

وأمّا ربعه، أي ربع العشر فإنّ ربع (32) جزءاً هو ثمانية أجزاء، وربع


1 . مستند الشيعة: 9 / 145.


صفحه164

الباقي جزء واحد، فيكون المجموع تسعة أجزاء 8 + 1 = 9 .

ونسبة (9) إلى (24) هو ربع المثقال وثمنه، لأنّ ربع (24) هو (6) وثمنه (3) فيكون المجموع 6 + 3 = 9، وهو ربع المثقال وثمنه.

النصاب الثاني: أربعة دنانير

اتّفق عليه الأصحاب ولم يخالف فيه أحد، وإن نسبه العلاّمة في «المختلف» إلى علي بن بابويه حيث قال:

والنصاب الثاني من الذهب أربعة دنانير، ذهب إليه علماؤنا أجمع إلاّ الشيخ علي بن بابويه فإنّه جعله أربعين مثقالاً، فقال: وليس في النيف شيء حتّى يبلغ أربعين .(1)

ونقله عنه أيضاً في السرائر .(2) ومراده من النيف ما بعد النصاب الأوّل أي بعد العشرين.

وأمّا السنّة فقد وافقنا أبو حنيفة وخالفنا غيره، قال في «الخلاف»: فإن نقص من العشرين ولو قيراط لا تجب فيه الزكاة، وما زاد عليه ففي كلّ أربعة دنانير عُشر دينار. وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: ما زاد على العشرين فبحسابه ولو نقص شيء ولو حبة فلا زكاة.(3)

وقال الخرقي في متن المغني: «وفي زيادتها وإن قلّت» والضمير في زيادتها يرجع إلى العشرين.


1 . المختلف: 3 / 184 . 

2 . السرائر: 1 / 447.

3 . الخلاف: 2 / 83، كتاب الزكاة، المسألة 99 .


صفحه165

وقال ابن قدامة في شرحه: روي هذا عن علي وابن عمر; وبه قال: عمر بن عبدالعزيز، والنخعي، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر.

وقال سعيد بن المسيب وعطاء، وطاووس، والحسن، والشعبي، ومكحول، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبو حنيفة: لا شيء في زيادة الدنانير حتّى تبلغ أربعة دنانير.(1)

ويدلّ على القول المشهور صحيحة علي بن عقبة، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)قالا: «... فإذا كملت عشرين مثقالاً ففيها نصف مثقال إلى أربعة وعشرين، فإذا كملت أربعة وعشرين ففيها ثلاثة أخماس دينار إلى ثمانية وعشرين، فعلى هذا الحساب كلّما زاد أربعة».(2)

فما جاء في الرواية من كون الواجب ثلاثة أخماس الدينار فإنّما هو للمجموع، أي أربعة وعشرين ديناراً، وهو موافق لما سيوافيك في الرواية الثانية من أنّ الواجب في أربعة دنانير هو عُشر دينار، وذلك لأنّ ثلاثة أخماس تشتمل على 106 ، والأعشار الخمسة يعادل نصف دينار وهو زكاة العشرين، ويبقى العشر الواحد وهو زكاة الأربعة دنانير الباقية، وإليك الشكل الرياضي لهذه المسألة:

106 = 53            106 ـ 105= 101


1 . المغني: 3 / 7 ـ 8 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5.


صفحه166

هذه العشر المتبقية هي زكاة الدنانير الأربعة.

ورواية ابن عتيبة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إذا جازت الزكاة العشرين ديناراً، ففي كلّ أربعة دنانير، عُشْر دينار».(1)

وبما أنّ المسألة مورد اتّفاق نقتصر على هذا المقدار.

أربعة دنانير تعادل ثلاثة مثاقيل صيرفية

ووجهه واضح، لما عرفت من أنّ التفاوت بينهما بالربع، فإذا نقصت من الأربعة، ربعها تكون النتيجة ثلاثة.

1 ـ 43 = 41 ،       41× 4 = 1، 4 ـ 1 = 3

الواجب فيه بعنوان الزكاة ربع العشر وهو قيراطان

وهو ما أشار إليه بقوله: وفيه ربع العشر، والضمير يرجع إلى أربعة دنانير، أي في أربعة دنانير ربع العشر، وهو عبارة أُخرى عمّا في الرواية من أنّ في أربعة دنانير هو عشر دينار.

فسواء قلت: في أربعة دنانير عُشْر دينار.

أو قلت: في أربعة دنانير رُبع العُشر.

فكلاهما يشيران إلى أمر واحد، وذلك:

لأنّ كل دينار يشتمل على 20 قيراطاً، فعشره، قيراطان.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 6 .


صفحه167

20 × 101 = 2

فعلى ضوء هذا أربعة دنانير تشتمل على 80 قيراطاً، فعشره 8 أقراط، وربعه قيراطان.

فصارت النتيجة: انّ عشر دينار يعادل ربع العشر من أربعة دنانير.

4 × 20 = 80

80 × 101 = 8

8 × 41 = 2

في زيادة النصاب

إذا كان الواجب في الأربعة الأُولى بعد العشرين، قيراطين، فيكون الواجب هو نفس ذلك الشيء في كلّ أربعة إلى أن يصل إلى الأربعين، فيكون الواجب فيه دينار للجميع.

مثلاً إذا زاد أربعة وصار 28 ديناراً، تكون فيه أربعة قيراطات (وراء نصف الدينار للعشرين).

ثمّ إذا زاد وصار 32 قيراطاً، تكون فيه ستة قيراطات; فإذا زاد وصار 36 ديناراً، ففيه ثمانية قيراطات; فإذا بلغ الأربعين، ففيه عشر قيراطات الّذي هو نصف الدينار.

فإذن يصحّ أن يقال: إنّ في كلّ أربعين ديناراً، دينار واحد، نصفه للعشرين الأوّل، والنصف الآخر للعشرين الثاني. فإذا أخرج بعد البلوغ إلى


صفحه168

عشرين فما زاد في كلّ أربعين، واحداً، فقد أدّى ما هوالواجب، وفي بعض الأوقات زاد الواجب بقليل، أعني: ما إذا تجاوز عن النصاب ولم يصل إلى النصاب الآخر.

وفي مجمع البحرين: المثقال الشرعي على ما هو المشهور المعول عليه في الحكم، عبارة عن عشرين قيراطاً، والقيراط ثلاث حبات من شعير، كلّ حبة عبارة عن ثلاث حبات من الارز .(1)

في نصاب الفضة

وفيه أُمور:

الأمر الأوّل: انّ في الفضة نصابين:

الأوّل: مائتا درهم.

الثاني: أربعون درهماً.

وهذا ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب، قال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة فيما زاد على المائتين حتّى يبلغ أربعين درهماً، وعلى هذا بالغاً ما بلغ، في كلّ أربعين درهماً درهم، وما نقص عنه لا شيء فيه.

وقال الشافعي: فيما زاد على المائتين وعلى العشرين ديناراً ربع العشر، ولو كان قيراطاً بالغاً ما بلغ، وبه قال ابن عمر ورووه عن علي (عليه السلام) ، وقال: ابن


1 . مجمع البحرين: 1 / 316، مادة «ثقل»<.


صفحه169
أبي ليلى، والثوري، وأبو يوسف، ومحمد، ومالك.(1)

وقال الخرقي في متن المغني: لا زكاة فيما دون المائتين، فإذا تمت ففيها ربع العشر، وفي زيادتها وإن قلّت .(2)

ويدلّ على القول المشهور من الروايات ما نقله الشيخ الحرّ العاملي في الباب الثاني من أبواب زكاة الذهب والفضة، منها:

1. صحيحة الحلبي قال: سُئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن الذهب والفضة، ما أقلّ ما تكون فيه الزكاة؟ قال: «مائتا درهم وعدلها من الذهب»، قال: وسألته عن النيف الخمسة والعشرة؟ قال: «ليس عليه شيء حتّى يبلغ أربعين فيعطي من كلّ أربعين درهماً درهم».(3)

2. صحيحة رفاعة النخّاس قال: سأل رجل أبا عبدالله (عليه السلام) فقال: إنّي رجل صائغ أعمل بيدي، وانّه يجتمع عندي الخمسة والعشرة، ففيها زكاة؟ فقال: «إذا اجتمع مائتا درهم فحال عليها الحول فإنّ عليها الزكاة».(4)

3. صحيحة الحسين بن بشار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)في كم وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة؟ فقال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم، وإن نقصت فلا زكاة فيها».(5)


1 . الخلاف: 2 / 81، كتاب الزكاة، المسألة 97 .

2 . المغني: 2 / 596 ـ 601 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .

4 . المصدر نفسه: الحديث 2 .

5 . المصدر نفسه: الحديث 3 .


صفحه170

4. موثّقة سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم من الفضة، وإن نقصت فليس عليك زكاة».(1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الباب الأوّل والثاني من أبواب زكاة الذهب والفضة، فبعضها يشير إلى النصاب الأوّل، والبعض الآخر إلى النصاب الثاني، وقسم منها يشير إلى كلا النصابين.

الأمر الثاني: انّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره

والهدف من تبديل الدرهم إلى المثقال الصيرفي هو الإشارة إلى مسألة فقهية معنونة في كتاب الزكاة، وهو انّ الميزان في تعلّق الزكاة هو الوزن لا العدد، فيجب أن يبلغ وزن مائتي درهم إلى مائة وخمسة مثاقيل صيرفية.

قال الشيخ في «الخلاف»: المعتبر في الفضة الّتي تجب فيها الزكاة الوزن، وهو أن يكون كلّ درهم ستة دوانيق، وكلّ عشرة سبعة مثاقيل، ولا اعتبار بالعدد. وبه قال جميع الفقهاء.(2)

وقال ابن قدامة: ويعتبر في النصاب في الحُليّ الّذي تجب فيه الزكاة الوزن، فلو ملك حلياً قيمته مائتا درهم ووزنه دون المائتين لم يكن عليه زكاة، وإن بلغ مائتين وزناً ففيه الزكاة، وإن نقص في القيمة.(3)

وقال المحقّق في «المعتبر»: والمعتبر كون الدرهم ستة دوانيق بحيث


1 . المصدر نفسه: الحديث 4 .

2 . الخلاف: 2 / 79، كتاب الزكاة، المسألة 95.

3 . المغني: 3 / 12 ـ 13.


صفحه171

يكون كلّ عشرة منها سبعة مثاقيل وهو الوزن المعدّل، فانّه يقال: إنّ السود كانت ثمانية دوانيق والطبرية أربعة دوانيق فجمعا وجعلا درهمين، وذلك موافق لسنّة النبي. ولا عبرة بالعدد، وقال المغربي: يعتبر العدد، لكن الإجماع على خلافه، فلاعبرة بقوله.(1)

والظاهر أنّ التعديل بين الدرهمين حدث في عصر عبدالملك بن مروان.

وقال العلاّمة في «التذكرة»: المعتبر في نصاب الفضة الوزن، وهو أن يكون كلّ عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكلّ درهم ستة دوانيق، ولا اعتبار بالعدد، وبه قال عامة فقهاء الإسلام .(2)

فظهر ممّا ذكرنا أنّ الدرهم الشرعي هو ستة دوانيق، وذلك لأنّ السود من الدراهم كانت ثمانية دوانيق، والطبرية أربعة فجمعت وصارت 12 دانقاً، وجعل كلّ درهم يعادل 6 دوانيق، و 12 دانق يعادل درهمين.

إذا عرفت ذلك فاعلم:

إنّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره، وذلك انّ المثقال الصيرفي يعادل واحداً وتسعين وثلاثة أسباع حبة من حبات الشعير المتوسطات، والدرهم يعادل تقريباً ستة دوانق كما عرفت، والدانق يساوي ثمانية حبات من أوسط حبات الشعير.

فلو ضربنا 6 دوانيق × 8 حبات، تصير النتيجة 48 حبة.


1 . المعتبر: 2 / 529 .  

2 . تذكرة الفقهاء: 5 / 123، المسألة 66 .


صفحه172

ونسبة 48 إلى 73 91 نسبة النصف مع إضافة ربع العشر، وعلى ذلك فيصحّ قوله: إنّ نسبة الدرهم إلى المثقال الصيرفي يعادل نصف مثقال وربع العشر.(1)

الأمر الثالث: النصاب الأوّل حسب المثقال الصيرفي 105 مثاقيل والنصاب الثاني حسبها أحد وعشرون مثقالاً

وبعبارة أُخرى: أنّ 200 درهم الّذي هو النصاب في لسان الأدلّة يعادل 105 مثاقيل، وأنّ أربعين درهماً الّذي هو النصاب الثاني في لسان الأدلّة يعادل 21 مثقالاً.

وذلك لماعرفت من أنّ الدرهم نصف المثقال الصيرفي وربع عشره، فيجب علينا أن نأخذ من 200 درهم، نصفها وربع عشرها، فنصف 200 درهم هو 100، وعشر المائتين هو 20 درهماً، وربعه هو 5، فيكون المجموع


1 . والدليل على ذلك أنّ المثقال الصيرفي يعادل مثقالاً شرعياً وثلثه والمثقال الشرعي يعادل درهماً وثلاثة أسباعه، لأنّ عشرة دراهم تساوي سبعة مثاقيل شرعية وكلّ درهم شرعي يعادل ستة دوانق وكلّ دانقة تساوي ثمانية حبات من أوسط حبّات الشعير، فإذا ضربنا ثمانية حبات في ستة دوانق ثمّ في درهم وثلاثة أسباعه ثمّ في مثقال شرعي وثلثه، فالنتيجة هي واحد وتسعون وثلاثة أسباعه.

وإليك العملية الحسابية:

المثقال الصيرفي = 34 (من المثقال الشرعي) = 34    73 1 (الدرهم الشرعي) = 710 × 34 × 48 (حبّة)

فالمثقال الصيرفي = 34 × 710 × 48 = 7640 = 73 91 (حبّة)

المثقال الصيرفيالدرهم الشرعي = 348 = 64048 = 6407 × 48 = 4021 = 4020 + 401 = 21 + 401 = نصف وربع العشر

               7 91   7


صفحه173

100 + 5 = 105 .

وأمّا كون النصاب الثاني، أي أربعين درهماً يساوي 21 مثقالاً صيرفياً، وذلك كالشكل التالي: 20 + 1 = 21 .

أن يكون الذهب والفضة مسكوكين بسكة المعاملة

ممّا انفردت به الإمامية تخصيص وجوب إخراج الزكاة عن الذهب والفضة بالمسكوكين منهما، فتخرج الحُليّ والظروف والذرات المخلوطة بالتراب، وقد عدّه المرتضى في «الانتصار» ممّا انفردت به الإمامية.(1)

وقال الشيخ في «الخلاف»: لا زكاة في سبائك الذهب والفضة، ومتى اجتمع معه دراهم أو دنانير ومعه سبائك أو نقار، أخرج الزكاة من الدراهم والدنانير إذا بلغا النصاب، ولم يُضمّ السبائك والنقار إليها: وقال جميع الفقهاء: يضم بعضها إلى بعض.(2)

وقال الخرقي في متن المغني: وليس في حليّ المرأة زكاة إذا كان ممّا تلبسه أو تعيره والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص وفيها الزكاة. (3) وقد استثنوا خصوص الحلية.

ويدلّ على القول المشهور عندنا، صحيحة علي بن يقطين، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)في حديث قال: «وكلّ ما لم يكن ركازاً فليس عليك فيه شيء»


1 . الانتصار: 214، المسألة 102 .

2 . الخلاف: 2 / 77، كتاب الزكاة، المسألة 90 .

3 . المغني: 3 / 10 و 15.


صفحه174

قال: قلت: وما الركاز؟ قال: «الصامت المنقوش، ثمّ قال: إذا أردت فاسبكه فإنّه ليس في سبائك الذهب ولا نقار الفضة شيء من الزكاة».(1)

والرواية صحيحة، لا حسنة لأجل إبراهيم بن هاشم، وهو عندنا فوق الثقة.

و «الصامت» بمعنى الساكت، والصامت من المال: الذهب والفضة، في مقابل المال الناطق الّذي هو الحيوان، يقال: ما له، ناطق ولا صامت، أي لا شيء له; والمراد من المنقوش: المسكوك بشهادة تفسيره في المرسلة الآتية بالدراهم والدنانير، كما سيوافيك.

2. ومرسلة جميل، عن بعض أصحابنا أنّه قال: ليس في التبر، إنّما هي على الدنانير والدراهم.(2)

و «التبر»: ما كان من الذهب غير مضروب، أو غير مصوغ، أو في تراب معدنه، الواحدة «تبرة».

3. وخبر جميل بن درّاج، عن أبي عبدالله وأبي الحسن (عليهما السلام)أنّه قال: «ليس في التبر زكاة إنّما هي على الدنانير والدراهم» .(3) وفي سند الرواية: جعفر بن محمد بن حُكيم، وهو لم يوثّق، ويحتمل اتحاده مع ما قبله بسقوط لفظة: «عن بعض أصحابنا» عن الثالث.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2 .

2 . المصدر السابق: الحديث 3 .

3 . المصدر السابق: الحديث 5 .


صفحه175

والروايتان دليلان على أنّ المراد من المنقوش، هو المسكوك لا مطلق النقش.

ويؤيد ذلك ما دلّ من الأخبار على نفي الزكاة عن السبائك والحليّ والنقار والتبر، كلّ ذلك يؤيد أنّ المراد من المنقوش ليس مطلق النقش لعدم خلو الحلي والظروف عن النقش، بل المراد سكة المعاملة، ولذا فسّره في صحيح ابن يقطين بالدراهم والدنانير.

لا فرق بين سكة دار الإسلام ودار الكفر.

فلا فرق بين السكّتين، لأنّ الموضوع هو الدرهم والدينار المطلقين، مضافاً إلى تداول النقود الرومية والكسروية بين المسلمين، وأوّل من ضرب السكة في الإسلام هو عبدالملك بن مروان، وقد نقل قصته مفصلاً الدميري في كتاب «حياة الحيوان»، وأنّه قد قام بذلك بإشارة الإمام محمد الباقر (عليه السلام).(1)

وعلى كلّ حال، فالموضوع التعامل بهذه النقود وهو صادق على كلا القسمين.

السكة الممسوحة بالعرض

ربما يقال بأنّ وجوب الزكاة دائر مدار صدق الدرهم والدينار عملاً بالنصّ. والأولى أن يقال: إنّ وجوب الزكاة رهن التعامل بهما وعدمه، ولا


1 . حياة الحيوان: 1 / 59. والقصة جديرة بالمطالعة حيث تكشف عن علم الإمام الواسع.


صفحه176

يبعد أن يقال: انّ الدرهم والدينار في النص منصرفان إلى صورة التعامل بهما، وذلك لما في صحيحة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: «لا تجب الزكاة فيما سبك فراراً به من الزكاة، ألاترى أنّ المنفعة قد ذهبت فلذلك لا تجب الزكاة».(1)

والمراد من المنفعة، كون الدرهم والدينار ثمناً رائجاً يسهل بهما التعامل في عامة الأمكنة والأزمنة، وهذه مزية لهما لا توجد في مطلق الذهب والفضة.

وعلى ذلك فيكون المدار وجود المنفعة المزبورة لا صدق الدرهم والدينار وإن خلا عن تلك المنفعة بأن لا يتعامل بهما لأجل مسح نقشهما.

فإن قلت: إنّ مقتضى الاستصحاب التعليقي هو وجوب الزكاة فيهما وإن لم يتعامل بهما، وذلك لأنّ الدرهم والدينار الممسوحين إذا كانا منقوشين يتعلّق بهما الزكاة بعد حولان الحول، فهكذا إذا أُزيل نقشهما بكثرة الاستعمال.

قلت: الأصل محكوم بالدليل الاجتهادي الّذي يفرق بين السبائك والدرهم والدينار بفقدان الأوّل المنفعة الخاصة بخلافهما، ولذلك يجب فيهما الزكاة، ومعنى ذلك عدم وجوبها إذا خليا عن تلك المنفعة، ومع هذا لا تصل النوبة إلى الاستصحاب التعليقي.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.


صفحه177

 

السكة الممسوحة بالأصالة

المراد ما لم ينقش عليهما عند الضرب، فالحكم فيه مثل الحكم السابق، فلا يعبأ بإطلاق الدرهم والدينار وإن صدقا عليهما، لما عرفت من انصراف الدليل إلى التعامل بهما كما لا يعبأ بالأصل التعليقي.

ما ضرب ولكن لم يتعامل بهما

أو تعومل بهما لكن لم يصل رواجها إلى حد تعدّ دراهم أو دنانير، أو ضرب وكان رائجاً ثمّ سقطت السكة عن الاعتبار لسبب من الأسباب، فالحكم في هذه الفروع كالحكم في الصورتين السابقتين، فالمدار على الرواج وعدمه، والتعامل وعدمه، لا إطلاق الدرهم والدينار ولا الاستصحاب.

إذا اتّخذ الدرهم والدينار للزينة

فصّل صاحب العروة بين رواج المعاملة وعدمه، فيجب في الأوّل دون الثاني، وليس في المسألة جذور في كتب القدماء، وقد عنونه الشهيد في «الروضة» وتبعه شارحها الاصفهاني، وللفرع صورتان:

الأُولى: إذا تغيّر الدرهم والدينار باتّخاذهما حلياً بثقب أو نحوه بحيث لا يتعامل بهما، وفي هذه الصورة اتجه عدم وجوب الزكاة فيهما لانتفاء المنفعة الواردة في صحيحة علي بن يقطين، إنّما الكلام فيما إذا بقيا بحالهما


صفحه178

ولم يحدث فيهما تغير يوجب سقوطهما، فهل يجب فيهما الزكاة أو لا؟

مقتضى إطلاق أدلّة وجوب الزكاة في الدرهم والدينار هو وجوب الزكاة فيهما، كما أنّ مقتضى ما دلّ على عدم وجوب الزكاة في الحُليّ عدمه، وبين الإطلاقين عموم وخصوص من وجه، فيفارق الأوّل فيما إذا لم يتخذا حليّاً، كما يفارق الثاني في الحليّ بغير الدرهم والدينار ويتصادقان فيما إذا اتخذ المضروب بالسكة زينة، فما هو الدليل على ترجيح أحد الإطلاقين على الآخر؟

ثمّ إنّ صاحب الجواهر (1) ذكر لتقديم إطلاق الوجوب في الدرهم والدنانير على إطلاق عدمه في الحُليّ وجهين:

1. الإطلاق مؤيَّد بالاستصحاب.

2. المفهوم من نصوص الحلي ما كان معدّاً لذلك أصالة بخلاف المورد.

يلاحظ على الأوّل: أنّه لا موضوع للأصل مع الدليل، وعلى الثاني بمنعه، لظهور بعض الروايات في جعلهما بأنفسهما زينة.

1. صحيحة عمر بن يزيد: قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل فرّ بماله من الزكاة فاشترى به أرضاً أو داراً أعليه شيء؟ فقال: «لا، ولو جعله حُليّاً أو نقراً فلا شيء عليه»(2) فانّ الظاهر ـ بشهادة استعمال الشراء في الأوّل،


1 . الجواهر: 15 / 182 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .


صفحه179

والجعل في الثاني ـ أنّه جعلهما بأنفسهما زينة لا أنّه اشتراها بالمال.

2. خبر هارون بن خارجة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: إنّ أخي يوسف وليَ لهؤلاء القوم، أعمالاً أصاب فيها أموالاً كثيرة، وإنّه جعل ذلك المال حليّاً أراد به أن يفرّ من الزكاة أعليه الزكاة؟ قال: «ليس على الحلي زكاة».(1)

كما ذكر صاحب الجواهر أيضاً لتقديم إطلاق اخبار الحُليّ على الآخر وجهاً وهو التعليل الوارد في الحُليّ الظاهر باختصاص تشريع الزكاة بالمال الّذي لا ينفد بإخراج الزكاة كما في النقود، حيث يقوم مقام ما أخرج، غيره بخلاف الحُليّ فإذا أُخرج لا يقوم مقامه شيء، ففي خبر يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الحُليّ أيزكّى؟ فقال: «إذاً لا يبقى منه شيء». (2)ونحوه غيره .(3)

وذهب المحقّق الخوئي إلى تقديم إطلاق عدم الوجوب في الحُليّ على إطلاق وجوبه في الدرهم والدنانير قائلاً: إنّ النسبة بينهما وإن كانت عموماً من وجه إلاّ أنّ المتعيّن ترجيح الأوّل، إذ لا محذور فيه عدا تقييد الثاني وحمله على الدرهم والدينار غير المستعملين في الحُليّ، وهذا بخلاف العكس، إذ لو قدمنا الثاني وقيّدنا أدلّة الحُلي بغير الدرهم والدينار لم يبق حينئذ خصوصية بعنوان الحُليّ في الحكم بعدم الزكاة ضرورة أنّ غير الحُليّ


1 . المصدر السابق: الحديث 4 .

2 . الوسائل: 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .

3 . المصدر السابق: الحديث 9 .


صفحه180

أيضاً في غير الدرهم والدينار لا زكاة فيه، فالحُلي وغير الحُلي سيان في هذه الجهة ـ بعد فرض كون الموضوع غير الدرهم والدينار كما هو مقتضى التقييد المزبور ـ فيلزم إلغاء هذا العنوان مع أنّ ظاهر الدليل لزوم رعايته وأنّ له دخلاً في تعلّق الحكم ومعه لا مناص من ترجيح أدلّة الحُلي، وتقييد أدلّة الزكاة من الدرهم والدينار بغير المتخذ للحلية.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا وقع الحُلي موضوعاً للحكم في كلام الإمام من دون تقدّم السؤال بأن يقول ابتداء: «ليس في الحُلي زكاة» فهو عندئذ يصلح لئن يكون مانعاً عن تعلّق الزكاة إذا كان المقتضي موجوداً كما في التزيّن بالدرهم والدينار.

وأمّا إذا ورد الحُلي في كلام الإمام، لأجل تقدّم السؤال عنه،كما هو الحال في عامّة الروايات (2)، فمثله لايكون شاهداً على الموضوعية، بشهادة أنّه لو تقدّمه السؤال عن التبر والسبائك والظروف، لحكم عليها بمثل ما حكم على الحُلي مع أنّ المفروض أنّها ليست موضوعة للحكم.

وعلى هذا فكلّ ما ورد في هذا المجال من عدم الزكاة في الحُلي والتبر والسبائك وغيرها عنوان مشير إلى أنّه لا زكاة في غير الدرهم والدينار، من دون أن يكون لواحد منها مدخلية وموضوعية.

والأولى تقديم إطلاق أدلّة الدرهم والدينار لاشتراك المورد، مع غيره


1 . مستند العروة، قسم الزكاة: 1 / 280 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة.


صفحه181

في المنفعة الّتي يدور عليها وجوبها وعدمها، إذ ليس بين ما اتّخذ زينة وما اكتنز في الصندوق أيُّ فرق ويترتب عليهما، ما يترتب على غيرهما من تبادل شيوع الأجناس بهما دون غيرهما.

تعلّق الوجوب مشروط بمضي الحول

فقد اتّفقت عليه كلمة الفقهاء إلاّ ما نقل عن ابن عباس وابن مسعود.

قال المحقّق: وحول الحول حتّى يكون النصاب موجوداً فيه أجمع.(1)

وقال العلاّمة: «والحول شرط في الأنعام الثلاث، والذهب والفضة وهو قول أهل العلم كافة إلاّ ما حكي عن ابن عباس وابن مسعود... لنا: من طريق الجمهور أنّ النبيّ قال: «لا زكاة في مال حتّى يحول عليه الحول».(2)

وفي الجواهر ـ بعد قول المحقّق : ـ بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.(3)

وبما أنّ الركاز عند أهل الحجاز هو: الكنز المدفون، وعند أهل العراق: المعدن، فلعلّ كلامه ناظر إلى الخمس فيه الّذي يعتبره فقهاء السنّة زكاة.

وقد تضافرت الروايات من طرقنا على لزوم مضي الحول على النصاب، الّتي نقلها صاحب الوسائل في الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة ويظهر من الجميع أنّ شرط مضي الحول كان أمراً مسلماً، ولذلك ركّز السؤال على جعلها حُلياً، أو سبائك وغيرهما بعد الحول.


1 . الجواهر: 15 / 182، قسم المتن.

2 . المنتهى: 8 / 122، كتاب الزكاة، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1423 هـ .

3 . الجواهر: 15 / 182، قسم المتن.


صفحه182

ويدلّ على الشرط بالدلالة المطابقية روايات.

1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازاً أو كنزاً موضوعاً، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة».(1)

2. صحيحة أُخرى له، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه قال: «الزكاة على المال الصامت الّذي يحول عليه الحول ولم يحركه».(2)

3. عن زرارة وبكير ابني أعين أنّهما سمعا أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «إنّما الزكاة على الذهب والفضة الموضوع، إذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، ومالم يحل عليه الحول فليس فيه شيء».(3)

وأمّا كفاية مضي أحد عشر شهراً فقد مضى الكلام فيه عند البحث في زكاة الأنعام، ومرّ هناك أنّ الشهر الثاني عشر، لا يحسب لا من السنة الأُولى ولا من السنة الثانية.

عدم طروء النقص في أثناء السنة على النصاب

قال الشيخ: «إذا نقص من المائتي درهم حبة أو حبّتان في جميع الموازين، أو بعض الموازين، فلا زكاة فيه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي.

وقال مالك: إن نقص الحبة والحبتين في جميع الموازين ففيها الزكاة. هذا هو المعروف من مذهب مالك.(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1.

2 . المصدر السابق: الحديث 3 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 15 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 5.

4 . الخلاف: 2 / 75، كتاب الزكاة، المسألة 88 .


صفحه183

ولا شكّ في عدم التعلّق عند عدم مضيّ الحول على النصاب الّذي حدّده الشارع بمائتي درهم، أو عشرين ديناراً، فلو طرأ النقص لا تجب الزكاة كما إذا لم يبلغ من أوّل الأمر إلى حدّ النصاب.

عدم تبديله بغيره أو سبكه

إذا بدّله وسبكه لغاية من الغايات دون الفرار عن الزكاة، فقد مرّ حكمه عند البحث عن زكاة الأنعام، غير أنّ الشيخ قال بوجوبها إذا بدل بجنسه دون غيره زاعماً أنّ الزكاة تتعلّق على الكلّي من الذهب وإن تبدّلت أفراده، وقد استوفينا الكلام فيه، فراجع.

السبك والتبديل بعد الحول

التبديل والسبك بعد الحول، فلايؤثر بعد استقرار الوجوب، وقد شبّه هذا العمل في الروايات بمن أفطر، ثمّ سافر. (1) ويترتب عليه أنّه لو نقصت قيمة الدرهم والدينار بالسبك ضمن قيمة النقص .

في ما لا تجب فيه الزكاة

في المسألة فروع:

1. لا زكاة في الحُلي.

2. لا زكاة في الدرهم والدينار فيما إذا خرجا عن رواج المعاملة بهما.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.


صفحه184

3. زكاة الحُلي إعارتها.

أمّا الأوّل: فالمسألة مورد اتّفاق بيننا سواء كان حلالاً أم حراماً. أمّا الحلال فواضح ; وأمّا الحرام، كالسوار والخلخال للرجل، والمنطقة وحلية السيف للمرأة فقد تضافرت الأخبار عنهم (1) أنّه لا زكاة في الحُلي وإطلاق الروايات يشمل كلا النوعين.

وقد فصل بعض منّا والعامة بين الحلال والحرام. قال الشيخ في «الخلاف»: الحُلي على ضربين: مباح، وغير مباح.

فغير المباح أن يتخذ الرجل لنفسه حُليّ النساء كالسوار والخلخال، والطوق; وأن تتخذ المرأة لنفسها حُليّ الرجال كالمنطقة، وحلية السيف وغيره، فهذا عندنا لا زكاة فيه. لأنّه مصاغ، لا من حيث كان حلياً، وقد بينّا انّ السبائك ليس فيها زكاة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا: فيه زكاة.

وأمّا المباح، فهوأن تتخذ المرأة لنفسها حُليّ النساء، ويتخذ الرجل لنفسه حُلي الرجال كالسكين والمنطقة، فهذا المباح عندنا لا زكاة فيه. وللشافعي فيه قولان...(2)

وقال المحقّق في «الشرائع»: لا تجب الزكاة في الحُلي محلّلاً كان كالسوار للمرأة وحلية السيف للرجل; أو محرماً، كالخلخال للرجل والمنطقة للمرأة، وكالأواني المتّخذة من الذهب والفضة، وآلات اللهو لو عملت منهما.(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب زكاة الذهب والفضة.

2 . الخلاف: 2 / 87، كتاب الزكاة، المسألة 102.  

3 . الجواهر: 15 / 183، قسم المتن.


صفحه185

وقال صاحب الجواهر: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك من بيننا إذا لم يكن بقصد الفرار، بل الإجماع بقسميه.(1) وقد تضافرت الروايات في ذلك.(2)

وأمّا الفرع الثاني فقد مرّ الكلام فيه في الشرط السابق.

كما أنّ الفرع الثالث، أعني: زكاتها إعارتها، فقد وردت في مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «زكاة الحُليّ عاريته».(3)

والرواية محمولة على الاستحباب، لأنّ العارية بنفسها عقد جائز، وربما تصلح لأن تكون قرينة على الاستحباب، بشرط الاطمئنان من عدم الإفساد والكسر، كما هو المروي.(4)

حكم إخراج الزكاة من الجيد والرديء

في المسألة فروع:

1. وجوب الزكاة في الجيد والرديء.

2. إخراج الرديء إذا كان تمام النصاب جيداً.

3. إخراج الرديء إذا كان النصاب مؤلفاً من الرديء والجيد.


1 . المصدر السابق.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 و 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.


صفحه186

4. دفع الجيد عن الرديء بالتقويم.

5. دفع الدينار الرديء عن النصف الجيد إذا كان الواجب النصف.

أمّا الفرع الأوّل، فلاكلام فيه، لإطلاق الأدلّة الشامل للجيد والرديء مع شيوعهما بين الناس، ثمّ إنّ رداءة الذهب أو الفضة لا تستند إلى جوهرهما، وإنّما تستند إلى قلّة الخليط وكثرته.

وبعبارة أُخرى: يستند إلى اختلاف العيار، فكلّما كان الخليط من النحاس والرصاص وغيره أقل فهو جيد وأجود.

وأمّا الفرع الثاني ـ أي إخراج الرديء إذا كان تمام النصاب جيداً ـ ففي المسألة قولان:

أحدهما: التخيير وهو خيرة صاحب العروة، حيث قال: ويجوز الإخراج من الرديء وإن كان تمام النصاب من الجيد.

الثاني: الاقتصار على إخراج الجيد.

والأقوى هو القول الثاني إلاّ أن تقع المعاملة عليه مثل الجيّد، فالأقوى جواز الدفع.

أمّا على القول بالإشاعة، فالفريضة عليه جزء من أربعين جزءاً من كلّ دينار، فيجب أن يكون المخرج مساوياً لما يستحقه.

كما هو كذلك على القول بأنّه من قبيل الكلّي في المعيّن، فالواجب واحد من هذا النصاب الّذي كلّه جيد.


صفحه187

وأمّا على المختار من أنّ متعلّقها المالية السيّالة، فالواجب عليه، دفع كسر خاص من قيمة النصاب، ودفع الرديء لا يساوي ذلك الكسر، والتمسّك بإطلاق ما دلّ على إخراج الزكاة من خارج النصاب منصرف إلى ما إذا كان مساوياً في القيمة لما يستحقه بالأصالة، كما ذكرنا مثله في باب الأنعام، إلاّ إذا كان الرديء والجيّد سواسية في وقوع المعاملة. هذا كلّه إذا كان الجميع جيداً، وأمّا إذا كان مؤلّفاً من الجيد والرديء فهذا هوالفرع الثالث.

وأمّا الفرع الثالث ـ أي إذا كان النصاب مؤلفاً من الجيد والرديء ـ فهل يجوز الإخراج من الرديء، أو يجب التقسيط؟ قولان:

اختار الشيخ الوجه الأوّل، فقال: إذا كان معه دراهم جيدة الثمن مثل الروضيّة والراضية ودراهم دونها في القيمة ومثلها في العيار، ضم بعضها إلى بعض وأخرج منها الزكاة، والأفضل أن يخرج من كلّ جنس ما يخصه وإن اقتصر على الإخراج من جنس واحد لم يكن به بأس، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم ولم يفرق وكذلك حكم الدنانير سواء».(1)

وحاصل الدليل: التمسّك بإطلاق قوله: «في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم»، وهو يشمل في كلّ من الجانبين «المائتين» و «خمسة دراهم» الرديء.

واختار المحقّق في «الشرائع» القول الثاني، فقال: لا اعتبار باختلاف الرغبة مع تساوي الجوهرين، بل يضم بعضها إلى بعض، وفي الإخراج إن


1 . المبسوط: 1 / 209، فصل في زكاة الذهب والفضة.


صفحه188

تطوّع (المالك) بالأرغب، وإلاّ كان له الإخراج من كلّ جنس بقسطه.(1)

وعلّله في الجواهر بأنّه مقتضى قاعدة الشركة ولا يجزيه الدفع من الأردأ لما فاته لقاعدة الشركة.

ثمّ إنّه اختار القول الأوّل متمسّكاً بإطلاق أدلّة الفرائض الّتي لا فرق فيها بين أفراد النصاب.

ومقتضى ما ذكرنا في الفرع السابق عدم الفرق بينه وبين الثاني، لما عرفت من حديث الشركة في المالية، وأمّا الإطلاق فمنصرف إلى ما إذا تساويا في العيار، أو اختلفا اختلافاً بشيء يسير.

وأمّا الفرع الرابع ـ أي دفع الجيد عن الرديء بالتقويم ـ فلو كان عنده أربعون ديناراً ردياً الّتي فيها دينار، فهل يجوز له أن يدفع نصف دينار جيد إذا كان قيمته مساوية مع قيمة الدينار الواحد من الرديء؟

فقال السيد الطباطبائي اليزدي: لا يجوز دفع الجيد عن الرديء بالتقويم، إلاّ إذا صالح الفقيرَ بقيمته في ذمته ثمّ احتسب تلك القيمة عمّا عليه من الزكاة.

ولعلّ وجه عدم الجواز منصرف الأدلّة وهو إخراج كمية معينة من النصاب ودفع نصف دينار جيد وإن كان يعادل ديناراً ردياً في القيمة لكنّه لا يعادله في الكمية.

وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو نقص قدراً مثل أن يخرج عن نصف


1 . الجواهر: 15 / 193، قسم المتن.


صفحه189

دينار ثلث دينار جيد، احتمل الإجزاء اعتباراً بالقيمة واحتمل عدمه، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نص على نصف دينار فلم يجز النقص منه.(1)

وقال في «الحدائق»: ولو أخرج من الأعلى بقدر الأدون مثل أن يخرج نصف دينار جيد عن دينار أدون، فالمشهور عدم الجواز من حيث إنّ الواجب عليه دينار فلا يجزي ما نقص عنه، واحتمل العلاّمة في «التذكرة» الإجزاء، وردّه جملة من أفاضل متأخّري المتأخّرين بأنّه ضعيف.(2)

والمسألة مبنية على أنّ المراد من دفع ربع العشر هو دفعه عيناً وقيمة أو تكفي القيمة.

فعلى الأوّل لا يجوز بخلاف ما إذا قلنا بالثاني، ولكنّ الأقوى الجواز، لما عرفت من أنّ الشركة في المالية السيّالة فلو دفع نصف دينار جيد فقد أخرج ما هو الواجب من حيث القيمة.

والّذي يؤيد ذلك انّه لو دفع نصف دينار جيد بعنوان القيمة أوّل الأمر يكفي بالاتّفاق.

وأمّا الفرع الخامس، أي دفع الدينار الرديء عن نصف دينار جيد، فجائز على جميع الأقوال، لأنّه لو كان الميزان هو الكمية فقد دفع أكثر ممّا يجب، ولو كان المقياس هو القيمة فقد أخرج القيمة، ولو كان الواجب كلاهما فقد أخرجهما.


1 . التذكرة: 5 / 129، كتاب الزكاة، المسألة 69 .

2 . الحدائق الناضرة: 12 / 94 .


صفحه190

 

حكم الزكاة في النقدين المغشوشين

في المسألة فروع:

1. تعلّق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة.

2. لو شكّ في بلوغ المغشوش حدّ النصاب ولا طريق للعلم به.

3. وجوب التصفية للاختبار.

وإليك التفصيل:

أمّا الفرع الأوّل: فالواجب علينا تفسير الدينار والدرهم المغشوشين، فليس المراد من المغشوش، مطلق المزيج بغيره من النحاس والرصاص ونحوهما من الفلزّات، وذلك لأنّ الذهب الخالص حسب ما نقل عن أهل الخبرة، ليّن لا يقبل النقش ولا الطبع ما لم يخلط بشيء من الفلزات، والأقل اللازم في كلّ مثقال صيرفي هو حمصة ونصف من غير الذهب حتّى تتماسك أجزاؤه وتقبل النقش والطبع.

وعلى ذلك فليس المراد من المغشوش اختلاط الذهب بغيره، لما عرفت من ضرورة الاختلاط، بل المراد كون الخليط أزيد ممّا هو رائج في البلد الّذي ضرب وطبع فيه، مثلاً: إذا كان الرائج في كلّ مثقال، خلط الذهب بحمصتين أو ثلاث حمصات من النحاس، فإذا زاد الخليط عن هذا المقدار يعدّ مغشوشاً.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الشيخ ممّن ذهب إلى وجوب الزكاة في


صفحه191

المغشوشة، وقال: إذا كان عنده دراهم محمول عليها، لا زكاة فيها حتّى تبلغ ما فيها من الفضة مائتي درهم، سواء كان الغش النصف أو أكثر مثل ما قلناه، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش، وكانت كالفضة الخالصة الّتي لا غش فيها. فإن كان مائتي درهم فضة خالصة، فأخرج منهاخمسة مغشوشة أجزأه، ولو كان عليه دين مائتا درهم فضة خالصة، فأعطى مائتين من هذه أجزأه.

وكلّ هذا لا يجوز عندنا، ولا عند الشافعي.(1)

وقال في «المبسوط»: ولا يجب فيها (المغشوشة) الزكاة حتّى يبلغ ما فيها من الفضة نصاباً، فإذا بلغ ذلك فلا يجوز أن يخرج دراهم مغشوشة، وكذلك إن كان عليه دين دراهم فضة لا يجوز أن يعطي مغشوشة، وإن أعطى لم تبرأ ذمّته بها وكان عليها تمامها.(2)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: لا تجب الزكاة في المغشوشة حتّى يبلغ الصافي نصاباً، وكذا المختلط بغيره عند علمائنا، وبه قال الشافعي وأحمد.(3)

لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس فيما دون خمس أوراق من الورق صدقة.

ولأنّ المناط كونه ذهباً وفضة، والغش ليس أحدهما.

وقال أبو حنيفة: إن كان الغش النصف أو أكثر كانت كالعروض تعتبر بالقيمة، وإن كان الغش دون النصف سقط حكم الغش وكانت كالفضة


1 . الخلاف: 2 / 76، كتاب الزكاة، المسألة 89 .

2 . المبسوط: 1 / 209 ـ 210، كتاب الزكاة.

3 . التذكرة: 5 / 126، كتاب الزكاة، المسألة 69.


صفحه192

الخالصة الّتي لا غش فيها، لأنّ الفضة لا تنطبع إلاّ بالغش وليس حجّة.(1)

وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على وجوب إخراج الزكاة عن الدينار والفضة المغشوشين بوجوه ثلاثة:

الأوّل: الإجماع على وجوب الإخراج. قال صاحب الجواهر في شرح قول المحقّق: «الدراهم المغشوشة لا زكاة فيها حتّى يبلغ خالصها نصاباً»: بلا خلاف أجده فيما قبل الغاية ولا بعدها، بل الأوّل من الواضحات.(2)

الثاني: التمسّك بإطلاق ما دلّ على الزكاة في الدراهم، مثلاً متى وقعت السكة عليها ولو في ضمن غيرها كما في المقام حيث إنّ الفضة في ضمن سائر الفلزات.

الثالث: خبر زيد الصائغ، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي كنت في قرية من قرى خراسان، يقال لها: بخارى، فرأيت فيها دراهم تعمل ثلث فضة، وثلث مساً، وثلث رصاصاً، وكانت تجوز عندهم وكنت أعملها وأنفقها، قال: فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «لا بأس بذلك إذا كان تجوز عندهم».

فقلت: أرأيت إن حال عليها الحول وهي عندي وفيها ما يجب عليّ فيه الزكاة، أُزكّيها؟

قال: «نعم، إنّما هو مالك».

قلت: فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتّى حال عليها الحول أُزكّيها؟


1 . المصدر السابق.  

2 . الجواهر: 15 / 195 .


صفحه193

قال: «إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضة الخالصة من فضة ودع ما سوى ذلك من الخبيث».

قلت: وإن كنت لا أعلم ما فيها من الفضة الخالصة إلاّ أنّي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة؟

قال: «فاسبكها حتّى تخلص الفضة ويحترق الخبيث ثمّ تزكّي ما خلص من الفضة لسنة واحدة».(1)

وموضع الاستدلال هو الجواب عن السؤال الثالث.

هذه هي أدلّة القول بوجوب إخراج الزكاة من المغشوش إذا بلغ الخالص من الذهب أو الفضة إلى حدّ النصاب.

يلاحظ عليها أوّلاً: بأنّ المتبادر من قولهم: «إذا بلغ خالصهما النصاب» هو بلوغ الذهب الخالص في الدينار المغشوش إلى عشرين مثقالاً شرعياً مع أنّ موضوع الزكاة في غير المغشوش كونه عشرين ديناراً لا عشرين مثقالاً شرعياً ذهباً خالصاً، وقد علمت أنّ كلّ دينار ينقص على الأقل بحمصة ونصف من الذهب الخالص. فيكون الخليط في عشرين ديناراً، دينار ونصف وأظن انّ مرادهم غير ما يعطي ظاهر عباراتهم.

وثانياً: أنّ المسألة غير معنونة في كتب القدماء الّتي كتبت لتنظيم الفتاوى على وفق النصوص حتّى نستكشف عن وجود النص، وإنّما ذكرها


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .


صفحه194

الشيخ في كتابيه اللّذين أُلّفا لغير تلك الغاية.

وأمّا الدليل الثاني من وجوب الزكاة في الدرهم ولو في ضمن غيره فلا بأس به لكن على التفصيل التالي: وهو أنّ الدنانير والدراهم على الإطلاق على أقسام:

الأوّل: الدينار والدرهم غير المغشوشين، وإن شئت قلت: الخالصين من الغش لا الخالصين من غير جنسهما، لما عرفت من أنّ الخالص ليّن لا يقبل الطبع والنقش.

الثاني: الدينار والدرهم المغشوشان لكن يصدق عليهما العنوانان ويترتب عليهما الفائدة الخاصة بالدراهم والدنانير الواردة في رواية علي بن يقطين حيث قال فيما سبك من الدرهم والدينار: ألا ترى أنّ المنفعة قد ذهبت فلذلك لا تجب الزكاة.(1)

والمفروض في المقام وجود المنفعة، لكون الغش معلوماً ولكن يتسامح الناس فيه، وفي مثل ذلك يخرج زكاته مثل إخراج الزكاة عن غير المغشوش، أي في أربعين ديناراً دينار واحد، وفي مائتي درهم خمسة دراهم من غير ملاحظة بلوغ خالصهما النصاب أو لا.

ولعلّ ما نقله الشيخ في «الخلاف» والعلاّمة في «التذكرة» عن أبي حنيفة من أنّه يتعامل مع المغشوش، معاملة الفضة الخالصة إذا كان الغشّ دون النصف ناظر إلى هذه الصورة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.


صفحه195

فعلى ضوء ذلك فلو كان عنده أربعون ديناراً مغشوشة فحسب يجب واحد من نفس المغشوشة، بخلاف ما إذا قلنا بالقول المعروف، أي اشتراط بلوغها حد النصاب فلا يجب فيها الزكاة إلاّ إذا ملك أكثر من أربعين ديناراً حتّى يبلغ خالصها حدّ النصاب، وبذلك نفارق المشهور في هذه الصورة.

الثالث: ما إذا كان الغش واضحاً كثيراً لا يطلق عليه الدرهم والدينار، ولكن مع ذلك يتعامل بهما في بيئة خاصة لغرض من الأغراض، كتدهور الوضع الاقتصادي أو غيره، وهذا هو الّذي جاء في رواية زيد الصائغ، حيث نقل أنّه كان في بخارى ورأى فيها دراهم ثلثها فضة وثلثاها من غير الفضة ولكن كانت جائزة.

فقد حكم الإمام في الإجابة عن السؤال الثاني بإخراج الزكاة، كإخراجه من غير المغشوش، أي من مائتي درهم، خمسة دراهم; أو من أربعين ديناراً، دينار واحد; فإنّ ظاهر العبارة أنّ إخراج الزكاة في هذه الصورة على غرار إخراجها في القسمين الأوّلين. والدليل على وجوب الزكاة، إطلاق الدرهم والدينار، ويصلح خبر زيد الصائغ للتأييد، لعدم كونه حجّة كما سيوافيك.

وهنا أيضاً نفارق المشهور حيث قالوا باشتراط بلوغ الخالص منهما حد النصاب، بخلاف ما قلناه فالكمية المعتبرة في النصاب كافية لإخراج الزكاة من نفس العين بلا رعاية بلوغ خالص المغشوش حدّ النصاب.

الرابع: ما لا يطلق عليه الدرهم والدينار ولا يتعامل به بل يعد ثمناً ممنوعاً في البلد، وهذا ما أشار إليه زيد الصائغ في سؤاله الثالث من قوله:


صفحه196

«فإن أخرجتها إلى بلدة لا ينفق فيها مثلها فبقيت عندي حتّى حال عليها الحول، أُزكّيها؟ قال: «إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة»، وهذا يطابق فتوى المشهور، غير أنّ خبر زيد الصائغ ليس بحجة لورود محمد بن عبدالله ابن هلال في سنده، وهو لم يوثق.

وأمّا نفس زيد الصائغ فهو مجهول ليس له إلاّ هذا الخبر في الكتب الأربعة، فلا يعمل به في هذه الصورة، ومقتضى القاعدة عدم وجوب الزكاة مطلقاً وإن بلغ خالصهما حدّ النصاب كما إذا ملك ستين ديناراً ممّا يكون ثلثه ذهباً، لما عرفت من أنّ موضوع الوجوب هو الدرهم والدينار، لا مطلق الذهب والفضة، ولا المنقوش منهما إذا لم يحمل الفائدة المذكورة في رواية ابن يقطين كما عرفت.

فقد تلخّص ممّا ذكرنا وجوب الزكاة في الصور الثلاث الأُول على النحو المعروف من إخراج واحد من أربعين، أو خمسة دراهم من مائتي درهم دون الصورة الرابعة. والمعتمد هو إطلاق الدليل لا خبر زيد الصائغ، نعم هو مؤيد لما قلناه في الصورة الثالثة.

وبذلك لم يبق موضوع للبحث عن الفرعين المذكورين في المتن ولكن نبحث فيهما على غرار مختار المشهور فنقول:

وأمّا الفرع الثاني: لو شكّ في بلوغ المغشوش حد النصاب ولا طريق للعلم به، فهل يجب الفحص أو لا؟ ولو قلنا بالوجوب هل يجب فيما لو استلزم الضرر؟


صفحه197

والمسألة مبنية على المذكور في علم الأُصول من وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية الوجوبية وعدمه.

وقد ذهب الشيخ وغيره إلى جريان البراءة العقلية، والشرعية.

وقد أورد عليه المحقّق البروجردي (قدس سره)في درسه: بأنّ وظيفة الشارع بيان الكبريات لا الصغريات، فالفحص عن الصغريات وظيفة المكلف ولا شأن للشارع فيها، فلامورد لحكم العقل «قبح العقاب بلا بيان» لا قبل الفحص ولا بعد الفحص.

وقد أجاب عنه سيدنا الأُستاذ (قدس سره)بأنّ موضوع حكم العقل هو قبح العقاب بلا حجة، والحجة متشكلة من كبرى وصغرى، والكبرى وإن كانت محرزة لكن الصغرى غير محرزة، فعلى ذلك فتجري البراءة بلا فحص.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع لحكم العقل وإن كان هو قبح العقاب بلاحجة، ولكن الحجّة إذا كانت في متناول الشاك بحيث لو فتش عنها في مظانّها لعثر عليها لا يصدق عليه أنّه عقاب بلا حجّة، وليس المتعارف جعل الحجّة بجميع أجزائها في متناول المكلّف على نحو لو فتح عينه لرآها، بل ربما يتوقف على الفحص والتفتيش، ولذلك ذهبت الإمامية إلى لزوم سماع دعوى مدّعي النبوة، لاحتمال صدقه ولزوم النظر إلى معجزته، وما ذلك إلاّ لأنّ الاحتمال منجز قبل الفحص.

وعلى ما ذكرنا فتجري البراءة خلافاً للسيد البروجردي، بعد وجوب الفحص خلافاً لسيدنا الأُستاذ، ولذلك جرت السيرة على الفحص عن مقدار


صفحه198

النصاب في الزكاة ووجود الاستطاعة في الحج وعن الماء للطهارة.

نعم قام الإجماع على عدم وجوب الفحص في مورد النجاسات، لأنّ الفحص فيها ربما يوجب حرجاً.

هذا كلّه حول الشق الأوّل، أي وجوب الفحص.

وأمّا الشق الثاني، أي لو افترضنا انّ الفحص يوجب الضرر، فظاهر كلام السيد عدم وجوبه لقاعدة لا ضرر.

يلاحظ عليه: أنّ قاعدة لا ضرر إنّما تجري في الأحكام النفسية لا المقدمية، فإذا كان الواقع منجزاً وكانت المقدمة ضررية يجب الاحتياط أيضاً.

وأمّا الفرع الثالث وهو إذا توقف الاختبار على وجوب التصفية، فقد علم حكمه ممّا ذكر حيث إنّها تجب وإن كانت ضررية لما عرفت من أنّ القاعدة لا ترفع الحكم المقدمي إذا كان الواقع منجزاً، فعندئذ يجب عليه الاحتياط إمّا بالتصفية، أو بإخراج المقدار المحتمل بدونها.

ولكن الفرعين على فرض وجوب إخراج الزكاة وقد علمت عدم وجوبه في الصورة الرابعة. وأمّا الصور الثلاثة الأُول فيخرج منها الزكاة على غرار الصحيح.

في حكم إخراج المغشوش عن الجيد

قد مرّ في المسألة الثانية أنّه إذا كان تمام النصاب جيداً يجوز إخراج زكاة النصاب الجيد بالرديء.


صفحه199

وأمّا المقام فهو يشارك تلك المسألة في أنّ النصاب كلّه جيد، غير أنّ الزكاة تخرج من المغشوش دون الرديء. وبهذا تفترق المسألتان.

قال في «الجواهر»: ثمّ اعلم أنّه لايجوز له أن يخرج المغشوشة عن الجياد بلا خلاف ولا إشكال، إلاّ إذا علم اشتمالها على ما يساوي الجياد.(1)

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) ذكر هنا أُموراً:

1. لا يجوز دفع المغشوش بعنوان الفريضة مطلقاً، سواء أكانت قيمة المغشوش مساوية مع قيمة الجيد ـ إمّا لأنّ للخليط قيمة أو لكون السكة راقية عتيقة ـ أو لا.

2. يجوز دفعه من باب الفريضة في مورد واحد، وهو ما ذكره المصنّف بقوله: «إلاّ إذا علم اشتماله على ما يكون عليه من الخالص».

والمراد من الخالص اشتمال المغشوش من الذهب على ما يشتمل عليه الدينار الخالص كما إذا زادت المغشوشة في العدد.

3. نعم، يجوز دفع المغشوش من باب القيمة إذا ساوى مع ما هو الواجب في القيمة، هذا توضيح ما في العبارة.

أقول: أمّا الأمر الأوّل فالأقوى ـ كما مرّ في إخراج الرديء عن الجيد ـ هو التفصيل بين صدق الدينار على المغشوش ووقوع المعاملة عليه، وبين ما لا يكون. فعلى الأوّل يكفي الإخراج سواء اشتمل على ما يشتمل عليه الدينار الخالص وعدمه، لعدم الفرق بين الرديء، والمغشوش بعد صدق


1 . الجواهر: 15 / 196 .


صفحه200

الدرهم والدينار عليهما وترتّب المنفعة عليهما مثل غيرهما. وقد علمت أنّ الذهب على قسم واحد، وإنّما تتطرّق الرداءة عليه من خلال كثرة الخليط وقلّته.

وعلى الثاني، لا يجوز إخراجه عن الجيّد حتّى وإن اشتمل على ما يشتمل عليه الدينار الخالص، لأنّ النصوص في الإخراج منصرفة إلى الدينار والدرهم الرائجين اللّذين يترتب عليهما المنفعة الخاصة الواردة في رواية علي بن يقطين، فلا يجوز دفع المغشوش عن النصاب الرائج، وإن اشتمل على ما يشمل عليه غيره.

وأمّا الأمر الثاني، فعلى مبنى صاحب العروة يجوز الدفع من باب الفريضة إذا اشتمل على المقدار الخالص، وأمّا على المختار فلا يجوز إلاّ إذا كان مثل غيره في وقوع المعاملة عليه.

وأمّا الأمر الثالث، أي دفعه من باب القيمة، فلا مانع منه، لأنّه يجوز إخراج الزكاة من غير جنس الفريضة.

إذا كان عنده نصاب من المغشوش

فرض المسألة فيما إذا ملك أربعين ديناراً مغشوشة رائجة تقع عليها المعاملة، (وإلاّ فلا تتعلّق بها الزكاة حتّى يُخرج زكاتها من المغشوشة) ويريد أن يخرج زكاتها من خارج النصاب وهو أيضاً مغشوش، ويشترط فيه ما اشترط في المسألة الرابعة من اشتمال ذلك المغشوش بما تشتمل عليه


صفحه201

الدنانير المغشوشة من الخالص عند السيد الطباطبائي اليزدي، وأمّا عندنا فيكفي وقوع المعاملية عليه.

وإلى هذه المسألة أشار صاحب الجواهر بقوله: «وكذا لو أدّى المغشوشة عن المغشوشة».(1)

لو ملك دراهم بحد النصاب وشكّ بكونه خالصاً أو مغشوشاً

قال العلاّمة في «التذكرة»: لو ملك النصاب ولم يعلم هل فيه غش أو لا؟ وجبت الزكاة لأصالة الصحة والسلامة.(2)

والأقوى حسب ما ذكرنا أنّه إذا صدق عليه الدرهم والدينار وترتبت عليه المنفعة المذكورة في رواية علي بن يقطين، وجبت فيها الزكاة، وإلاّ فلا.

حكم ما لو كان أحد النقدين مغشوشاً بالآخر

كان البحث في السابق في الدراهم والدنانير المغشوشة بغير الذهب والفضة من سائر الفلزات كالنحاس، والكلام في المقام خلط كلّ منهما بالآخر بأن تكون الدراهم مغشوشة بالذهب، والدنانير مغشوشة بالفضة، والمعروف بين الصاغة أنّ الذهب إن كان يميل إلى الحُمْرة فهو مغشوش بالنحاس، وإن كان يميل إلى الصفرة فهو مغشوش بالفضة.(3)


1 . الجواهر: 15 / 196 .

2 . التذكرة: 5 / 127.

3 . مستند العروة: كتاب الزكاة: 1 / 301.


صفحه202

وقال في الجواهر: لو كان الغش بأحدهما كالدراهم بالذهب أو بالعكس وبلغ كلّ من الغش والمغشوش نصاباً، وجبت الزكاة فيهما أو في البالغ، ويجب الإخراج من كلّ جنس بحسابه، فإن علمه وإلاّ توصل إليه بالسبك ونحوه.(1)

أقول: إنّ الدراهم المغشوشة بالذهب أو الدينار المغشوش بالفضة، لو كان الخليط قليلاً مستهلكاً في الآخر على نحو لا يصدق عليه انّه مغشوش إلاّ بالدقّة العقلية غير المطروحة للعرف، ففيها الزكاة كغرار الصحيح. فلو كان عشرين سكة ذهباً، ففيها نصف دينار، ولو بلغ إلى مائتي درهم، ففيها خمسة دراهم، سواء بلغ الغش أو المغشوش النصاب أم لا.

إنّما الكلام إذا كان الخليط كثيراً على نحو لا يصدق على السكة أنّها ذهب أو فضة، فقد ذكر صاحب العروة له صوراً ثلاثاً:

الأُولى: أن يبلغ إلى نصاب الذهب.

الثانية: أن يبلغ إلى نصاب الفضة.

الثالثة: أن يبلغ إلى كلا النصابين.

أمّا الأُولى: كما إذا كان له أربعون سكة نصفها ذهب ونصفها فضة، فهذا يشتمل على نصاب الذهب دون الفضة، فيجب إخراج نصف دينار.

وأمّا الثانية: فكما إذا ملك 219 سكة، فالخليط من الذهب فيهابمقدار


1 . الجواهر: 15 / 196 .


صفحه203

19 سكة والباقي يبلغ حدّ نصاب الفضة، فيجب فيه خمسة دراهم.

وأمّا الثالثة: كما إذا ملك 220 سكة فالذهب فيها بمقدار عشرين والباقي فضة، فتجب عليه زكاة الدرهم والدينار كلا النصابين.

وأمّا وجوب الإخراج في هذه الصور فقد أوضحه السيد المحقّق الخوئي (قدس سره)بقوله: إنّ الأدلّة وإن لم تشمله بمدلولها اللفظي لعدم كون المورد لا من الذهب ولا من الفضة حسب الفرض ولازكاة إلاّ فيما صدق عليه أحد العنوانين، إلاّ أنّ المستفاد منها بمعونة الفهم العرفي، شمول الحكم لذلك، فإنّهم لا يشكّون في أنّه لو تألّف مركب من عدّة أجزاء مشاركة في الحكم، فذاك الحكم يثبت للمركب أيضاً وإن لم يكن في حدّ نفسه مندرجاً في شيء من عناوين أجزائه.

فلو صنعنا معجوناً مؤلّفاً من الطحال والدم المتخلّف في الذبيحة ودم ميتة السمك وسائر ما في الذبيحة من الأجزاء الطاهرة المحرم أكلها كالقضيب والأُنثيين والفرث والنخاع والمرارة ونحو ذلك، فإنّه لا يرتاب العرف في استفادة تحريم المركب من أدلّة تحريم الأجزاء وإن لم (1) يستهلك بعضها في بعض ولم يكن المركب معنوناً بشيء منها.(2)

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنّ الحرمة في المقيس عليه لذات الأجزاء، سواء صدق عليه أسماؤها، أم لا. فالقضيب والانثيين أو النخاع والمرارة بأعيانها الخارجية محرمة وإن اندكت بعضها في


1 . كذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح «وإن استهلك».

2 . مستند العروة: 1 / 301 ـ 303، كتاب الزكاة.


صفحه204

بعض وذهبت أسماؤها، وأمّا المقام فالحكم مترتب على عنوان الدرهم والدينار، وعلى المنفعة الموجودة فيها، والمفروض عدم صدقها وذهاب المنفعة فكيف يجب فيها الزكاة؟!

وعلى ما ذكرنا لا زكاة في الأقسام الثلاثة.

والحاصل: أنّه على مختارنا من أنّ الحكم مترتب على عنوان الدرهم والدينار تختلف أحكام أكثر هذه المسائل المعنونة في المقام.

لو علم أكثرية أحدهما مردّداً

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي اليزدي بعد ما اختار وجوب الزكاة طرح فرعاً آخر، وهو أنّه يعلم أكثرية أحد الأمرين من الذهب والفضة ولكن لا يعلم ما هو الأكثر، مثلاً: إذا كان عنده ألف سكة وتردّد بين أن يكون مقدار الفضة فيها أربعمائة والذهب ستمائة وبين العكس، فلا شكّ أنّه يُخرج تارة عن أربعمائة، زكاةَ الذهب، وعن أربعمائة أُخرى زكاةَ الفضة وبذلك تكون ثمانمائة سكة مزكّاة، ولكن يبقى الكلام في مائتي سكة، فبما أنّ الأكثر مردّد بين الذهب والفضة فيدور الأمر بين المتباينين، فالواجب إمّا إخراج خمسة سكك إذا كان الأكثر فيها ذهباً، أو عشرة دراهم إذا كان الأكثر فيها فضة، فيجب عليه إخراج خمسة دنانير مع عشرة دراهم، لأنّ الاشتغال اليقيني يستلزم البراءة العقلية ولا يحصل إلاّ بامتثال كلا التكليفين المحتملين.

هذا إذا حاول أن يخرج الفريضة من عين النصاب، وأمّا إذا أراد أن يخرج من النصاب لكن بعنوان القيمة فيكفي إخراج خمسة دنانير بعنوان


صفحه205

القيمة، إذ كان الواجب هو الذهب فهو، وإن كان الواجب هو الفضة فهو يعادله أو يفوق عليها.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أفاد بأنّه يكفي قيمة الأقل أيضاً لانحلال العلم الإجمالي حينئذ، وذلك لأنّ للمالك ولاية التبديل والإخراج من غير العين بعنوان القيمة، فهو مخير بين الأمرين، أي دفع العين والقيمة، فالواجب هو الجامع بين الأمرين، وبما أنّ القيمة الّتي هي عدل الواجب التخييري مرددة بين الأقل والأكثر، فتعلّق التكليف به مشكوك من أوّل الأمر، فيرجع في نفيه إلى أصالة البراءة.(1)

هذا كلّه على القول بوجوب الزكاة في هذه الصور الثلاث، وقد عرفت أنّ المختار غيره.

كيفية إخراج الزكاة عن الدراهم المغشوشة؟

أمّا الصورة الأُولى، فلأنّ الخالص فيها يبلغ مائتي درهم، فلو حاول الإخراج من خارج النصاب، فعليه أن يخرج خمسة دراهم من الخالص، لأنّ النصاب الأوّل للدرهم هو المائتان; ولو أراد الإخراج من نفس النصاب، فيجب عليه أن يخرج سبعة ونصف من المغشوش الّتي ثلثها نحاس أو رصاص.

وأمّا الصورة الثانية، فبما أنّه يعلم أنّ السكوك مغشوشة بمقدار الثلث ولكن لا يعلم نسبتها إلى كلّ واحد من الدراهم فربما تكون بعض الدراهم


1 . مستند العروة: 1 / 304 ـ 305، كتاب الزكاة.


صفحه206

أكثر غشاً من الآخر، فليس له الاقتصار بسبعة ونصف من المغشوش لعدم العلم باشتماله على خمسة دراهم خالصة، فيجب عليه أحد الأمرين:

أ. إمّا الإخراج بالخالص.

ب. وإمّا الاختبار والدفع من النصاب.

إذا ترك لأهله نفقة ممّا يتعلّق بها الزكاة

والمسألة منقولة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)ولذا ذكرها الشيخ في «النهاية» وقال: وإذا خلّف الرجل دراهم أو دنانير نفقة لعياله، لسنة أو سنتين أو أكثر من ذلك، مقدارَ ماتجب فيه الزكاة، وكان الرجل غائباً (1)، لم تجب فيها الزكاة، فإن كان حاضراً وجبت عليه الزكاة.(2)

وقال المحقّق في «الشرائع»: إذا ترك نفقة لأهله فهي معرّضة للإتلاف تسقط الزكاة عنها مع غيبة المالك، وتجب لو كان حاضراً.(3)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: من ترك لأهله نفقة بلغت النصاب فصاعداً، وحال عليه الحول; فإن كان حاضراً وجبت عليه الزكاة، لأنّه مالك متمكّن لم يخرج عنه ملكه; وإن كان غائباً فلا زكاة فيه، أمّا على أهله فلعدم الملك في حقّهم، وأمّا عليه فلأنّها في معرض الإتلاف.(4)


1 . في النسخة المطبوعة: غالباً، والصحيح ما أثبتناه.

2 . النهاية: 178، باب المقادير الّتي تجب فيها الزكاة.

3 . الجواهر: 15 / 202، قسم المتن.

4 . التذكرة: 5 / 31، المسألة 19.


صفحه207

وظاهر هذه العبارات أنّ المقياس في الوجوب وعدمه كون المالك حاضراً أو غائباً، سواء أكان متمكّناً من التصرف أم لا، ويعضدها ظهور الروايات.

1. موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: قلت له: رجل خلّف عند أهله نفقة ألفين لسنتين، عليها زكاة؟ قال: «إن كان شاهداً فعليه زكاة، وإن كان غائباً فليس عليه زكاة».(1)

2. مرسلة ابن أبي عمير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)في رجل وضع لعياله ألف درهم نفقة فحال عليها الحول، قال: «إن كان مقيماً زكّاه، وإن كان غائباً لم يزكّ».(2)

3. خبر أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قلت له: الرجل يُخلّف لأهله ثلاثة آلاف درهم نفقة سنتين، عليه زكاة؟ قال: «إن كان شاهداً فعليه زكاة وإن كان غائباً فليس فيها شيء».(3)

وظاهر الروايات يوافق ما نقلناه من الكلمات. غير أنّ ابن إدريس لم يعمل بالروايات لأجل أنّها آحاد، وجعل المسألة من صغريات الشروط العامة لوجوب الزكاة الّتي منها تمام التمكّن من التصرف، فلا تجب في المال الّذي لا يتمكّن المالك من التصرف فيه. وعلى ذلك فلو كان متمكّناً يجب عليه الزكاة وإن كان غائباً، وإلاّ فلا يجب وإن كان شاهداً. حيث قال:


1 . الوسائل: ج 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 17 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 3.


صفحه208

ذكر ذلك (الفرق بين الشاهد والغائب) شيخنا أبوجعفر الطوسي (رحمه الله) في نهايته، وهذا غير واضح، بل حكمه حكم المال الغائب إن قدر على أخذه متى أراده، بحيث متى رامه أخذه، فإنّه يجب عليه فيه الزكاة، سواء أكان نفقة أو مودعاً، أو كنزه في كنز، فإنّه ليس بكونه نفقة، خرج من ملكه، ولا فرق بينه وبين المال الّذي له في يد وكيله، ومودعه وخزانته، وإنّما أورده في نهايته إيراداً لا اعتقاداً، فإنّه خبر من أخبار الآحاد لا يلتفت إليه .(1)

والظاهر أنّ الحقّ مع ابن إدريس ولكن ليست الروايات مخالفة لما اختاره، فإنّ الغيبة في تلك الأزمنة غالباً كانت مساوقة لعدم التمكّن من التصرف، كما كان الحضور مساوقاً مع التمكّن منه.

وعلى ذلك فالروايات ليست مخصصة لما دلّ على اشتراط التمكّن، بل هي بصدد بيان صغرى ذلك الشرط، ولذلك نرى أنّ صاحب العروة فصّل بين التمكّن وعدمه.

عدم جبر الناقص من الأموال الزكوية بغير جنسه

اتّفقت الإمامية على أنّه لا تجب الزكاة حتّى يبلغ كلّ جنس نصاباً، ولو قصر كلّ جنس أو بعضها عن النصاب لم يُجبر بالجنس الآخر، ووصفه صاحب الجواهر بقوله: إجماعاً بقسميه ونصوصاً.

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كان معه ذهب وفضة، ينقص كلّ واحد منهما عن النصاب، لم يضم أحدهما إلى الآخر، مثل أن يكون معه مائة درهم


1 . السرائر: 1 / 447 .


صفحه209

وعشرة دنانير لا بالقيمة ولا بالأجزاء، وبه قال الشافعي وأكثر أهل الكوفة: ابن أبي ليلى، وشريك، والحسن بن صالح بن حي، وأحمد بن حنبل، وأبو عبيد القاسم بن سلام.

وذهبت طائفة إلى أنّهما متى قصرا عن نصاب ضممنا أحدهما إلى الآخر وأخذنا الزكاة منهما. ذهب إليه مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد.(1)

ويدلّ على مختار المشهور غير واحد من الروايات:

1. صحيحة زرارة أنّه قال لأبي عبدالله (عليه السلام): رجل عنده مائة وتسعة وتسعون درهماً وتسعة عشر ديناراً أيزكّيها؟ فقال: «لا، ليس عليه زكاة في الدراهم ولا في الدنانير حتّى يتم».(2)

2. موثّقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن رجل له مائة درهم وعشرة دنانير، أعليه زكاة؟ فقال: «إن كان فرّ بها من الزكاة فعليه الزكاة».

قلت: لم يفرّ بها ورث مائة درهم وعشرة دنانير، قال: «ليس عليه زكاة»، قلت: فلا تُكسر الدراهم على الدنانير ولاالدنانير على الدراهم؟ قال: «لا».(3)

نعم لإسحاق بن عمّار رواية أُخرى تعارضها محمولة على التقية متروكة.(4).


1 . الخلاف: 2 / 85، كتاب الزكاة، المسألة 100.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1 .

3 . المصدر السابق: الحديث 3 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 7.


صفحه210


صفحه211

الرسالة الثانية والأربعون

   

الخمس في الأموال


صفحه212


صفحه213

الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين، ويتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً ولا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس وإن ضمنه في ذمّته ، ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه، و لو اتّجر به قبل إخراج الخمس كانت المعاملة فضوليّة بالنسبة إلى مقدار الخمس فإن أمضاه الحاكم الشرعيّ أخذ العوض و إلاّ رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة، و بقيمته إن كانت تالفة، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الّذي أخذها و أتلفها هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح، وأمّا إذا كانت في الذمّة و دفعها عوضاً فهي صحيحة و لكن لم تبرأ ذمّته بمقدار الخمس ويرجع الحاكم به إن كانت العين موجودة، و بقيمته إن كانت تالفة مخيـّراً حينئذ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً.

تحقيق حال هذه الفروع مبني على بيان كيفية تعلّق الخمس بالأموال، فنقول هناك احتمالات:

1. وجوب الخمس وجوب تكليفي

أن يكون التكليف بدفع خمس المال حكماً تكليفياً محضاً من دون أن يستعقب حكماً وضعياً في المقام، ويكون وجوبه كوجوب ردّ السلام.


صفحه214

 

2. وجوب تكليفي يستتبع اشتغال الذمة به

أن يكون هناك حكم تكليفي بدفع الخمس مستعقب لحكم وضعي وهو اشتغال ذمّة المالك بالخمس، نظير ما إذا استدانه وصرفه، فالذمة مشغولة من دون أن تكون أمواله متعلّقةً بالحقّ.

هذان الوجهان لا يساعدهما لسان الأدلّة كما سيوافيك.

وقد ردّه الشيخ في الخلاف وقال:إنّ كلّ خبر روي في وجوب الزكاة تضمّن «أنّ الإبل إذا بلغت خمساً ففيها شاة» ـ و إلى قوله: ـ «فإذا بلغت ستة وعشرين ففيها بنت مخاض» وكذلك فيما بعد.

وقالوا في البقر «إذا بلغ ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة» إلى أن قال: وهذه الأخبار صريحة بأنّ الفريضة تتعلّق بالأعيان لا بالذمة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ بعض ما ذكره وإن كان صحيحاً، لكن الاستدلال بقوله (عليه السلام) : «إذا بلغ الإبل خمساً ففيها شاة» غير صحيح، بل يمكن أن يكون دليلاً على الخلاف لعدم وجود شاة بين الإبل، لأنّهما من نوعين،
ولعلّه يصلح أن يقع شاهداً لبعض المحتملات من القول بالشركة في المالية .


1 . الخلاف: 2 / 30، كتاب الزكاة، المسألة 29.


صفحه215

 

3. تعلّق الخمس بالعين على نحو الإشاعة

هذا هو الاحتمال الثالث، واختاره أكثر المشايخ، واستدل عليه بالأُمور التالية:

1. التعبير بالنصيب في بعض الروايات مثل قوله في رواية أبي بصير:«ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا نصيبنا».(1)

2. التعبير بأنّ لنا الخمس ممّا أخرج اللّه منها، ففي رواية مسمع بن عبد الملك فقال: «وما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلاّ الخمس».(2)

3. التعبير عن نفس الفريضة بالخمس الظاهر في الإشاعة.

4. إضافة الخمس في عدّة من الروايات(3) إلى المال، مضافاً إلى نفس الآية.

5. التعبير بالظرفيّة، نظير «ففيه الخمس » كما في رواية زرارة(4)والبزنطي(5) ومرسلة الصدوق(6) ورواية سماعة.(7)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 9. ولاحظ الحديث 20; من الباب 4 من الأنفال.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.

3 . الوسائل: ج 6 ، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، 2، 3، 4.

4 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 .

5 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .

6 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .

7 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.


صفحه216

هذه التعابير ظاهرة في كون التعلّق بنحو الشركة والإشاعة.

وأشكل السيّد الحكيم على الاستدلال بالظرفية بقوله:إنّ الخمس وإن كان معناه الكسر المشاع، لكن جعله مظروفاً للعين يناسب جدّاً ـ بقرينة ظهور تباين الظرف والمظروف ـ أن يكون المراد به مقداراً من المال يساوي الخمس قائماً في العين نحو قيام الحقّ بموضوعه. فلا يدل على أنّ التعلّق بنحو الإشاعة بل يمكن أن يكون بوجه من الوجوه الآتية. (1)

يلاحظ عليه: أنّ موضوع تباين الظرف والمظروف إنّما يناسب بما ذكر إذا كان الكلام من قبيل الماء في الكوز والدينار في الصندوق، لا في مثل الجزء كما في المقام، فالمال الكثير ظرف اعتباري يحتوي الجزء القليل منه، وبما أنّهما من نوع واحد يكون قرينة على وجوده فيه، كوجود الكسر في المكسور.

نعم يبعّد ذلك الوجه أمران:

1. إنّ المرتكز عرفاً في الضرائب الحكومية تعلّقه بالذمّة، غاية الأمر ربّما يكون المال موضوعاً للحقّ، بحيث لو امتنع من أداء الضريبة، يحلّ للحاكم استيفاء حقّه من المال، وأمّا كون الحاكم شريكاً مع صاحب المال فممّا لا يخطر ببال العرف، والزكاة والخمس، ضرائب إسلامية، فرضت لغايات صحيحة معلومة، فإذا خوطب العرف مع ما عرفت من الارتكاز، تبادر إلى ذهنه، الشركة والإشاعة.


1 . المستمسك:9/559.


صفحه217

2. اختلاف التعبير، فقد جاء التعبير في بعض الروايات بحرف الاستعلاء مثل «على»، وأُخرى بحرف الابتداء.

أمّا الأُولى: ففي مرسلة الصدوق عن ابن أبي عمير: أنّ الخمس على خمسة أشياء.(1) وفي رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال: «عليه الخمس».(2)

أمّا الثانية: فعن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «الخمس من خمسة أشياء».(3)

ومرسلة أحمد بن محمد: «الخمس من خمسة أشياء».(4)

التعبير الأوّل يناسب كونه حقّاً قائماً بالعين، والثاني يناسب أكثر الاحتمالات.

4. تعلّقه بالعين على نحو الكلي في المعيّن

وهذا الوجه أحد الاحتمالات في تعلّق الخمس بالعين، وحاصل تصويره: بعد التمثيل به بقولهم: بعتك صاعاً من صبرة، هو أنّ المبيع تارة يقيّد بالمشخصات الفردية، مثل قولك: بعتك هذا الفرس، وأُخرى يكون المبيع أمراً مقيّداً بالمشخصات النوعية والصنفيّة، من دون تقيد بالفردية، وهذا كالمثال السابق، فالمبيع هو صاع من هذه الصبرة، لا من صبرة أُخرى،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9 .


صفحه218

فالخصوصية النوعية والصنفية ملحوظتان ولو قبل المشتري صاعاً من صبرة أُخرى، فقد رضي بشيء مغاير عوضاً عن المبيع، ولكنّها تشمل على أُصوع متوفرة، فالخصوصية الفردية ملغاة، فأيّ فرد دفعه إلى المشتري فقد دفع المبيع الواقعي. والحاصل إذا كانت العناية متوجهة إلى جنس الشيء ونوعه وصنفه، دون خصوصية الفرد، فهو من قبيل الكلي في المعين، سواء وقع مورد البيع، أو صار متعلّقاً للحقّ كما في المقام.

فالواجب على المالك، دفع خمس ما من الأخماس، من غير فرق بين هذا الفرد وذاك، ويجوز له التصرف فيه مادام الحقّ باقياً فيه حتى بعد انتهاء السنة، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالشركة والإشاعة فليس له التصرّف فيه.

وهذا وجه لا دليل على تعيّنه ـ مضافاً إلى كونه خلاف الارتكاز العرفي في مورد الضريبة، إذ لا يرى الحاكم شريكاً مع المالك و لو بهذا النحو ـ و ما دلّ على أنّ الأئمّة جعلوا شيعتهم في حلّ لتطيب ولادتهم(1) يوافق كلا القولين، من غير فرق بين هذا القول وغيره.

5. تعلّقه بالعين نحو تعلّق الحقّ بها

هناك احتمال خامس وهو أن يكون تعلّق الخمس بالعين من قبيل تعلّق الحق بالعين، وهذا الوجه يتصور على أنحاء:

أ. أن يكون الخمس في ذمّة المالك لكن العين كالرهن فهي متعلّقة لحقوقهم بشخصها، فكما أنّه لا يجوز للراهن التصرّف في العين المرهونة إلاّ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث9 وغيره.


صفحه219

بعد فك الرهن فهكذا لا يجوز التصرّف إلاّ بعد أدائه. فتكون التصرّفات الناقلة فضولية قبل الأداء، ويتّحد هذا الوجه، مع الوجهين السابقين: الإشاعة والكلي في المعيّن في النتيجة وهو كون العقد فضولياً، ولو أجاز الحاكم ينتقل الخمس إلى الذمة لا إلى البدل.

ب. أن يكون الحقّ قائماً بشخص العين دون ذمّة المالك، فسواء بقي المالك أو مات، بقي في ملكه أو انتقل، فالحقّ قائم بالعين الشخصية فقط، والفرق بين هذا وما تقدّم، هو: الإذن في التصرّف يوجب انتقال الحقّ إلى الذمّة بخلاف المقام فالحقّ قائم بالعين ولو باعه، فالعين متعلّق للحقّ، وهذا هو الرائج في الضرائب المضروبة على الأبنية والبقاع حيث يأخذ الحاكم حقّه عمّن كان البناء بيده وإن كان حين التعلّق ملكاً لغيره.

نظيره حقّ غرماء الميت في التركة، فهي متعلّقة حقوقهم، وليس للشخص فيه دور، أمّا الميّت فقد هلك،وأمّا الورثة فهم كالغرماء مجتمعون حول هذه التركة يطلبون حقوقهم وليسوا ضامنين لحقوق الغرماء.

وإن كان هناك فرق بين الموردين، حيث إنّه لو تلف شيء من التركة، فلا تتوجّه الخسارة إلى الغرماء بل يستنقذون حقوقهم ممّا بقي منها إذا كانت وافية لها، بخلاف المقام حيث إنّ الخسارة تتوجه على المالك وأصحاب الخمس بالنسبة كما لا يخفى.

ج. تلك الصورة ولكن الحقّ قائم بمالية العين لا بشخصه، وهذا نظير إرث الزوجة من أعيان الدار الموروثة فليست شريكة للورثة فيها، ولكنّها


صفحه220

متعلّقة لحقها بماليتها فلو باعها الورثة ينتقل حقّها إلى بدلها .

وإن شئت قلت: المتعلّق هو العين بماليتها القائمة بالعين أو البدل أو بماليتها السيّالة، وعلى ذلك تجوز المعاملة عليها مالم ينته إلى إعدام الموضوع كالهبة والإتلاف.

ولعلّ هذا الوجه هو الأقرب إلى الأذهان، وهي خالية عن الإشكالات المتوجهة إلى سائر الأقوال خصوصاً القول بالإشاعة أو الكلي في المعيّن.

إذا عرفت ما ذكرنا فلنرجع إلى الفروع المذكورة في المسألة فنقول هنا فروع:

الأوّل: يتخير المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً.

أقول: تكلّم الأصحاب حول المسألة في كتاب الزكاة بصورة مبسطة، ولكن اقتصروا القول في المقام، ولعلّه لعطف أحدهما على الآخر . قال الشيخ الأنصاري ـ بعد اختيار تعلّق الخمس بالعين ـ : لكن الظاهر عدم وجوب أن يخرج من كلّ عين خمسها، لصدق إخراج خمس الفائدة، بل الظاهر أنّ الحكم كذلك في الكنز والغوص والمعدن إذا اشتملت على أجناس مختلفة، وهل يجوز دفع النقد في هذه الأشياء؟ الظاهر ذلك، كما صرّح به بعض، بل يظهر من حاشية المدقق الخوانساري في مسألة وجوب بسط نصف الخمس على الأصناف أنّ جواز أداء القيمة مذهب الأصحاب ـ إلى أن قال: ـ فالظاهر من الروايات منضمة إلى ملاحظة سيرة الناس هو جواز


صفحه221

التصرّف في الأعيان الخمسيّة مع ضمان الجنس.(1) ويدل على ذلك الأُمور التالية:

1. إنّ المشهور في مورد الزكاة هو جواز الدفع من القيمة، قال السيد الطباطبائي في باب الزكاة: بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية من النقدين أو غيرهما، وإن كان الإخراج من العين أفضل.(2)والظاهر اتّفاق حكمهم في الغلاّت والنقدين، ولو كان هناك خلاف فإنّما هو في الأنعام، ففي صحيح محمد بن خالد البرقي، قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير، وما يجب في الذهب، دراهم بقيمة ما يسوي، أم لا يجوز إلاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب (عليه السلام) : «أيّما تيسّر يخرج».(3) وإذا جاز في الزكاة جاز في الخمس، لأنّهما ضريبتان يستفيد من كل، طائفة خاصة.

2. ما ورد في زكاة الفطرة من أولوية دفع القيمة، فعن إسحاق بن عمّار الصيرفي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن أُؤدّيها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميّتها؟ قال: «نعم، إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد».(4)

والتعليل وإن جاء في مورد زكاة الفطرة لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية في كلّ ضريبة على النفس والنفيس لأجل مصالح الفقراء فلا يرد


1 . الخمس: 278ـ 279، المسألة 25.

2 . العروة الوثقى: 2 / 277 ، فصل «زكاة الأنعام الثلاثة»، المسألة 5.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 1.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب الفطرة، الحديث 6.


صفحه222

على الاستدلال أنّه من باب القياس.

3. السيرة المستمرة بين الشيعة خصوصاً في عصر الجوادين، أو العسكريين حيث كانوا يرسلون النقود إليهم لا نفس الأعيان، وذلك واضح لمن قرأ تاريخ حياتهم.

عدّة من الروايات في باب الخمس

أ. صحيحة الريّان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) ما الذي يجب عليّ يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي، وفي ثمن سمك وبُرديّ وقصب ، أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب:« يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه».(1) وقد تلقّى الراوي كفاية دفع الثمن في الموارد الثلاثة وإنّما سأل الإمام عن مقداره فأجاب بتعيين المقدار وقال: «الخمس».

ب. خبر أبي بصير : في الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء بمائة درهم أو خمسين درهماً هل عليه الخمس؟ فكتب:« أمّا ما أكل فلا، وأمّا البيع فنعم هو كسائر الضياع».(2)

ج. ما ورد فيمن وجد ركازاً فباعه بثلاثمائة درهم ومائة شاة متبع. فحكم الإمام علي (عليه السلام)بوجوب أداء خمس ما أخذ وأنّ الخمس عليه، لأنّه الذي وجد الركاز.(3)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


صفحه223

وقد أورد السيد الحكيم على الاستدلال بالروايات بوجهين:

الأوّل : إنّ مفادها جواز إيقاع المعاملة على المال الذي فيه الخمس فينتقل إلى الثمن، ولا تدل على جواز دفع القيمة إلاّ أن تكون نوعاً من المعاوضة ولا يخلو من تأمّل. (1)

يلاحظ عليه: بأنّ العرف يلغي الخصوصية، فإذا جاز البيع من الغير لغاية التبديل، فلماذا لا يجوز التبديل بلا بيع، فإنّ التفريق بين بيعه من الغير، أو حفظه لنفسه وأداء الخمس من ماله الآخر لا يساعده الذوق الفقهي.

الثاني: إنّ هذه الروايات ليست في مقام البيان، فالقدر المتيقن هو جواز التبديل أثناء السنة، لا بعد انتهائها الذي هو محلّ البحث اللّهمّ إلاّ أن يتعدّى إليه باستصحاب الولاية الثابتة في أثناء الحول.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره على فرض صحته إنّما يتمّ في الحديثين الأوّلين حيث إنّ موردهما الأرباح، دون حديث الركاز فإنّ الخمس يجب فيه بعد الاستخراج، فقد عرفت أنّ الإمام فرض على بائعه أداء خمس قيمة الركاز ولا يعتبر في تعلّق الخمس به، مرور السنة.

وأمّا الدفع من الجنس فيجوز إذا كان منه أمراً ميسراً لأصحاب السادة أخذاً بالغرض من إيجاب الخمس دون ما إذا لم يكن كذلك، بل يتعين عندئذ تبديله كما إذا كانت مهنته انتاج الدواء أو المواد الكيمياوية المخطورة، فإنّ دفع العين ليس لصالح أصحاب الخمس .


1 . المستمسك: 9/554.


صفحه224

نعم لو استلزم التبديل صرف شيء منه في طريقه، فالظاهر أنّه على عهدة المالك فإنّه مقدمة للقيام بالواجب.

وأمّا الأداء بجنس آخر، فيجوز لما عرفت من تعلّقه بالمالية القائمة بالعين، فإذا كان الجنس الآخر، مساوياً معه فيها، فالأداء به، أداء لخمس المالية.

الفرع الثاني

لا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس وإن ضمنه في ذمّته.

ما ذكره مبني على الأقوال الأربعة: الإشاعة، والكلي في المعين، وكون العين كالرهن، والمالية القائمة بالعين الشخصيّة، وأمّا على القول بأنّ العين متعلّق بالخمس بماليته فيجوز التبديل فيتعلّق ببدله.

ثمّ على الآراء الأربعة، هل يجوز التصرف إذا ضمنه وجعل في ذمّته مطلقاً، أو بشرط الملاءة، أو الاطمئنان من نفسه بالأداء؟ الظاهر لا، لعدم الدليل على صحّة ضمانه بوجه من الوجوه:

هذا على حسب القاعدة، وأمّا حسب النصوص فمقتضى الروايات الثلاث السابقة جوازالتصرف، ولكن مقتضى بعضها عدمه، نظير:

1. خبر أبي بصير : «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإنّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا».(1)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه225

2. مرسل العياشي عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول يا ربّ اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس».(1)

وقد ذُكر في الجمع بين الطائفتين وجوه:

1. حمـل الطائفة الأُولى على ما إذا تصرّف مع نيّة الأداء بمال آخر، على خلاف الطائفة الثانية حيث تحمل على ما إذا تصرّف بلا نيّة الأداء.

2. حمل الأُولى على صورة الأداء، والثانية على صورة عدمه.

3. حمل الأُولى على صورة الانضاض للتمكن من أداء الخمس، والثانية على صورة استمرار التجارة لأداء الخمس.

ولعلّ الأولى هو الجمع الأوّل، وهو أنّ التصرّف في الطائفة الأُولى لا ينتهي إلى حرمان أهل الخمس بل يؤدي بعد فترة، بخلاف الطائفة الثانية فإنّه سينتهي إليه، والشاهد هو قوله في رواية إسحاق بن عمّار«لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول يا ربّ اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس»، حيث يدل على أنّ البائع لم يكن بصدد أداء الخمس، والمشتري أيضاً كان يعتذر بأنّه اشترى بماله.

والذي يقرب ذلك أنّ القدر المتيقن من مورد هذه الروايات هو الغنائم التي كانت تقسم بين السلطة والمجاهدين ، من دون دفع أي سهم لأصحاب الخمس حيث إنّ الخلفاء أسقطوا سهم ذوي القربى من الغنائم ، كما هو مقرر في محلّه .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 10.


صفحه226

الفرع الثالث:

ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه.

سواء صرفه في مؤونته، أووهبه، وجه الضمان أنّه أتلف ما ليس له.

الفرع الرابع:

ولو اتّجر به قبل إخراج الخمس، كانت المعاملة فضولية بالنسبة إلى مقدار الخمس، فإن أمضاها الحاكم أخذ العوض ورجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة، وبقيمتها إن كانت تالفة، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.

أقول: قوله: «فإن أمضاها الحاكم الشرعي أخذ العوض» إنّما يتم على غير القول بأنّ التعلّق أشبه بكون العين رهناً، إذ عليه ينتقل الحقّ إلى الذمة، لعدم وجود الشركة بين المالك وأصحاب الخمس، غاية الأمر كان ممنوع البيع، فإذا رضى به يملك العوض من كان يملك المبيع.

وأمّا على المختار فليست المعاملة فضولية مطلقاً، غاية الأمر ينتقل الحقّ إلى البدل.

الفرع الخامس:

ويتخير في أخذ القيمة بين رجوعه على المالك أو الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.


صفحه227

ولا يبعد تعين الرجوع إلى البائع لكون استناد التلف إليه أقوى من استناده إلى المشتري خصوصاً إذا كان جاهلاً.

وحصيلة الكلام أنّه يترتب على المختار أُمور:

1. يجوز التصرّف في المبيع بعد انتهاء السنة مالم ينجرّ الأمر إلى إعدام المالية.

2. إنّ المعاملات الواقعة على الأعيان ليست فضولية محتاجة إلى إذن الحاكم إذا كانت المالية محفوظة.

3. عدم وجوب العزل، أو المصالحة مع الحاكم، أو دفعه إليه ثمّ الاستقراض منه على ما هو الرائج في هذه الأزمنة، بل أصحاب الخمس شركاء المالك في المالية السيّالة لا المالية القائمة بخصوص العين، ويجب على المالك تكليفاً الخروج عن عهدة التكليف ولا يجوز التأخير المنجرّ إلى التسويف. واللّه العالم.

جواز التصرف ببعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باق

يجوز له أن يتصرّف في بعض الربح مادام مقدار الخمس منه باق في يده مع قصده إخراجه من البقيّة، إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنّما هي على وجه الكلّي في المعيّن كما أنّ الأمر في الزكاة أيضاً كذلك، وقد مرّ في بابها.


صفحه228

 

إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها

إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرّف فيه بالاتّجار، و إن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأوّل منه لأرباب الخمس بخلاف ما إذا اتّجر به بعد تمام الحول فإنّه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً، ثمّ يخرج خمس بقيّته إن زادت على مؤونة السنة.

الظاهر من الروايات كما تقدّم أنّ الخمس في أرباح المكاسب ضريبة ماليّة سنوية يُخرج مرّة واحدة في السنة كما يدل عليه قوله (عليه السلام) :«فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ...)والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها».(1)

وعلى ذلك فيلاحظ مجموع الفوائد والعوائد سواء كانت متدرجة أو غير متدرجة، دفعة واحدة، فيخرج في كلّ عام مرّة واحدة، ونتيجته عدم كون كلّ ربح موضوعاً مستقلاً، بل المجموع ربح واحد يتعلّق به الخمس بعد المؤونة في كلّ سنة مرّة واحدة.

وأمّا إذا قلنا بأنّ كلّ ربح موضوع مستقل فلازمه أنّه لو اتّجر وربح ثانياً وثالثاً قبل انتهاء السنة بحيث حصل من الأصل والربح ربح آخر، أن يختص


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه229

الربح المستند إلى خمس الربح الأوّل بأرباب الخمس.

مثلاً لو اتّجر وربح ستمائة وكانت المؤونة بين الربحين مائة فاتّجر بخمسمائة، التي خُمسها لأربابه وربح مثله، فعلى القول بملاحظة المجموع أمراً واحداً يكون مقدار الخمس الواجب مائتين، وأمّا إذا لوحظ كلّ ربح على وجه الاستقلال فخمس الربح الأوّل عبارة عن مائة، فإذا اتّجر بخمسمائة فقد اتّجر بشيء خمسه مال لأصحاب الخمس، ولو ربح بخمسمائة، فنماء المائة(وهو أيضاً مائة) لهم، فيبلغ سهمهم من خمس الربح الأوّل ونمائه إلى مائتين، وإذا أُضيف إليه خمس الأربعمائة وهو ثمانون، يكون سهمهم عندئذ مائتين وثمانين، وإلى ذلك أشار صاحب الجواهر ناقلاً عن بعضهم ـ ولم يُسمّه ـ : بل قد يقال، إنّ المتّجه وجوب خمس تلك الزيادة وإن لم يكن قد أخرج الخمس مثلاً انتظاراً به تمام الحول ـ إلى أن قال: ـ فلو ربح ستمائة وكانت مؤونته مائة وقد أخذها فاتّجر بالباقي مثلاً من غير فصل معتدّ به فربح خمسمائة كان تمام الخمس مائتين وثمانين، مائة من الربح الأوّل ويتبعها نماؤها من الربح الثاني وهو مائة فيكون الباقي من الربح الثاني أربعمائة وخمسها ثمانون فيكون المجموع مائتين وثمانين.(1)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على احتساب كلّ ربح على حدة وكونه بنفسه موضوع الحكم، وكان الاتّجار به من قبيل المضاربة ،لكن الملحوظ عدم احتساب كلّ ربح بنفسه موضوعاً للحكم، بل يلحظ الجميع بالنسبة إلى رأس المال كربح واحد. ويرد على الاحتمال الثاني أمران:


1 . الجواهر:16/55.


صفحه230

1. يستلزم الحرج، ولا يرتفع إلاّ باستخدام محاسب ليس له شغل إلاّ محاسبة الأرباح.

2. إنّ المراد من المؤونة المستثناة هي مؤونة السنة فلحاظ المؤونة، بصورة أمر واحد، دليل على لحاظ جميع ما يستفاد ممّا فضل من المؤونة أمراً واحداً.

قال الشيخ الأنصاري :إنّ وحدة المؤونة الموضوعة من التجارة والصناعة مع حصول الأرباح المتدرجة، تدل على أنّ المستثنى من الجميع مؤونة واحدة ولا يكون إلاّ بأن يكون لها سنة واحدة.(1)

وهنا وجه ثالث يستفاد من كلام المحقّق الخوئي وهو أنّ المؤونة المستثناة ليس هو المقدّر، بل ما يصرف خارجاً، قال: دلّت على أنّ الخمس إنّما يجب في الربح بعد استثناء ما صرفه من مؤونة سنته من مجموع الأرباح لا من بعضها ليجب دفع تمام البعض الآخر خمساً باعتبار كونه ربح الربح.(2)

ولا يخفى أنّ ما أفاده هو المفتى به قولاً وعملاً، لكنّه مخالف لما اختاروه من القول بالإشاعة، والكلي في المعيّن، فإنّ لازم هذا القول كون الاتّجار أثناء السنة كالاتّجار بالربح غير المخمّس بعد انتهاء الحول، اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم تعلّقه إلاّ بعد مضيّ الحول، وهو كما ترى، وبالجملة عدم صحّة النتيجة دليل على عدم صحّة المبنى.

نعم لو قلنا بأنّ تعلّق الخمس على العين من قبيل تعلّق الحقوق عليها


1 . كتاب الخمس: 218.

2 . مستند العروة الوثقى : 293، كتاب الخمس.


صفحه231

أو كون الاشتراك في المالية السيالة لا المالية القائمة بالعين فقط كان لما ذكر وجه، وعدم تمامية النتيجة دليل على عدم صحّة المبنى، أي: مالكية أصحاب الخمس جزء من المال سواء كانت بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، أو المالية القائمة بالعين، ممّا يوجب تبعيّة ربح الخمس له، ولعلّ الاتفاق والسيرة في هذه المسألة كاشف عن بطلان هذه الفروض.

هل يجوز الاتّجار بالربح بعد تمام السنة؟

كان محور البحث في المسألة السابقة الاتجار في أثناء السنة، ولكن المحور في هذه المسألة هو الاتجار بعد تمام السنة. فنقول: قد عرفت أنّ الخمس يتعلّق بالعين على المباني الأربعة، فلا ولاية للمالك لأن ينقله إلى الذمّة سواء كان من باب الإشاعة أو الكلي في المعيّن أو من قبيل تعلّق الحقوق عليها، أو الاشتراك في المالية القائمة بالعين، وأمّا الحاكم فله الولاية إذا رأى في الصلح مصلحة وحينئذ تختص العين بالمالك وينتقل الخمس إلى الذمة ويكون الربح له إذا اتّجر به.

وبما أنّ مورد المسألة هو التصرّف بعد تمام السنة يظهر عدم صلة ذيل المسألة بموضوعها، أعني قوله: «ولو فرض تجدّد مؤن له في أثناء الحول على وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح» وذلك لأنّ البحث في الصلح بعد السنة وبعد الفراغ عن المؤونة، وعندئذ فلا معنى لتجدّد المؤن. وإن كان البحث عن التصالح في أثناء السنة فهو أمر غير محتاج إليه، لجواز التأخير إلى آخر السنة، وجواز التصرّف في الأصل والربح، وعدم تعلّق


صفحه232

الخمس على خمس الربح، إلى غير ذلك من الأحكام التي قدّمها في الفرع السابق.

جواز إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة

المسألة مبنية على قول المشهور من تعلّق الخمس على الربح بمجرّد ظهور الربح وأنّ التأخير من باب الإرفاق لأجل احتمال تجدّد مؤن غير مترقّبة.

وعلى ذلك فلو رفض الإرفاق وقدم الخمس بعد تقدير المؤونة بما يظن فبان عدم كفاية المقدَّر لها، فحكم السيد الطباطبائي بجواز الرجوع مع بقاء عينه لامع تلفها في يده إلاّ إذا كان عالماً بالحال، وسنشرح المراد من العلم بالحال.

وظاهر «الجواهر» عدم جواز الرجوع مطلقاً، قال في شرح قول المحقّق الحلي: «ولكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطاً للمكتسب»: و المنع له من الرجوع مع تلف العين وعدم علم المستحق لأنّه هو الذي سلّط عليه باختياره، بل و مع العلم أيضاً وبقاء العين في وجه قوي كما استوجهه المسالك، فضلاً عن أحدهما، لاحتمال كون المعتبر عند إرادة التعجيل تخمين المؤونة وظنّها وإن لم يصادف الواقع.(1) و الخمس يتعلّق بما عدا المؤونة المظنونة، فإذا أخرج ماعداها ودفعه إلى صاحبه فقد أدّى الخمس الواقعي.

ولكنّ الحقّ خلافه، لأنّ الخمس بعد ظهور الربح يتعلّق بما عدا


1 . الجواهر:16/80.


صفحه233

المؤونة الواقعية لا بما عدا المؤونة المظنونة، والظنّ في المقام إنّما أخذ طريقاً إلى الواقع وليست له موضوعية حتى يكون الحكم دائراً مدار الظن وافق الواقع أم خالفه، وعلى ذلك فيكون ما دفعه إلى أصحاب الخمس كلّه أو بعضه ملكاً شخصياً له سلّطهم عليه جهلاً بالواقع ويرجع في مثله إلى قواعد الضمان، فلو كان باقياً فهو أولى بملكه من الغير، وتسليط الغير عليه لا يخرجه عن ملكه إذا كان دافعاً بعنوان استحقاق الغير له، مع عدم كونه مستحقاً له وإن كان تالفاً والآخذ جاهلاً لا يكون ضامناً لضابطة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» وملاكه تسليط الغير على ملك بعنوان أنّه له ويجوز فيه التصرف بلا عوض وإن كان الآخذ عالماً بالحال بمعنى أنّ المدفوع خمس وأنّ المؤونة أخرجت تخميناً لا تحقيقاً وأنّه يمكن زيادة المؤونة على المقدار المظنون، فالحقّ ضمانه لأنّ رضا الدافع بالتصرّف فيه على أساس أنّه يجب دفعه إلى مستحقه، والآخذ بما أنّه يحتمل استحقاقه له وعدم استحقاقه فلا يصحّ له الإتلاف إلاّ على وجه الضمان.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ تسليط الدافع للغير على ماله قبل انتهاء السنة مع احتمال أنّ المؤونة يمكن أن تكون زائدة على ما ظن، يوجب جعل ماله معرضاً للإتلاف ويكون هو الهاتك لحرمة ماله فنسبة الإتلاف هنا إلى السبب أقوى من نسبته إلى المباشر، فالقول بعدم الضمان في صورة العلم بالحال أقوى فتأمّل.


صفحه234

 

لو اشترى بالربح قبل إخراج الخمس

قد عرفت أنّ مختار صاحب العروة تعلّق الخمس بالعين على نحو الكلي في المعين، وعليه يجوز التصرف في العين مادام مقدار الخمس باقياً سواء قصد إخراجه من الباقي أو لا، ولكنّه (قدس سره) قيّد جواز التصرف في ذيل المسألة بشرطين:

1. بقاء مقدار الخمس.

2. كونه قاصداً الإخراج منه.

لكن الظاهر الغناء عن هذا الشرط لجواز التصرّف مادام مقدار الخمس باقياً، إذ ليس تصرّفه عندئذ تصرّفاً في مال الغير سواء أقصد الإخراج أم لا.

وإنّما الكلام فيما إذا تصرّف في جميع المال واشترى به جارية أو ثوباً أو ماء الغسل، فهل يجوز التصرّف فيه أو لا؟

فيقع الكلام في صحّة المعاملة أوّلاً، وجواز التصرّف في المشتراة على فرض صحّة المعاملة ثانياً.

أمّا الأوّل: فالظاهر كون المعاملة فضولية على القول بكون التعلّق على الإشاعة، أو الكلي في المعين، أو كون العين بشخصها موضوعاً لتعلّق الحقّ، أو كون أصحاب الخمس شركاء في المالية القائمة بشخص العين، فيحتاج التنجّز وحصول الملكيّة القطعيّة إلى إجازة ولي الخمس.

وأمّا على القول بكون تعلّقه من قبيل تعلّق الحقّ بالمالية القائمة بعينها


صفحه235

أو ببدلها، فالمعاملة صحيحة لانتقال الحقّ إلى المالية القائمة بالبدل هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

وأمّا الثاني، أي التصرّف فيما اشترى: فعلى غير المبنى الأخير لا يجوز التصرّف لعدم حصول الملكية، وأمّا على الأخير فلا تجوز التصرفات المفوّتة للمالية كالأكل والشرب والوطء للاستيلاد والاستعمال الموجب لفوت بدلها.

هذا كلّه إذا وقعت المعاملة على الشراء بنفس العين، وأمّا الشراء بما في الذمّة، والأداء من غير المخمس، فالمعاملة صحيحة والتصرّف نافذ في تمام ما اشترى وإن كانت ذمّته مشغولة للخمس لتفويته.

غير أنّ في النفس شيئاً من سالف الأيّام فيما إذا اشترى بنفس العين غير المخمّس حتى على المباني الأربعة: الإشاعة والكلي في المعيّن و...، وذلك لأنّه لو اشترى بالربح غير المخمّس ولكن يعلم المشتري أنّ البائع راض بالتصرّف في المبيع في مقابل الثمن الذي يحلّ له التصرف في الظاهر وإن لم يكن حلالاً في الواقع، فعندئذ يجوز التصرف في الماء المشترى ويصحّ الوضوء والغسل لتمشي قصد القربة مع إحراز الرضا لإباحة التصرف، ويجوز الوطء لحصول الملكية بإنشائه البيع في مقابل الثمن الذي يأخذه من المشتري إذا حلّ له التصرّف في الظاهر.

وبذلك يمكن تصحيح صلوات كثير من الناس الذين لا يخرجون الفريضة من أموالهم ويتعاملون بها.


صفحه236

ومثله ما إذا كان باع غير المخمّس فيجوز له التصرف في ثمنه إذا أحرز أنّ المشتري راض بالتصرّف في الثمن إذا دفع إليه ما يجوز له التصرف في الظاهر وإن لم يكن حلالاً في الواقع.

نعم لو كانا واقفين على الحال فلا يجوز التصرّف.

وأمّا ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) :«لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».(1) وما رواه أيضاً قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لا يحلّ له».(2) فقد مضى تفسيرها، وهو: أنّ القدر المتيقن ما إذا انتهى التصرّف إلى إبطال حقوقهم، وحرمانهم منها رأساً، ويؤيد ذلك احتمال ورودها في الغنائم التي أسقط الخلفاء حقوق ذوي القربى منها، كما هو محرّر في محلّه.

في مصارف الحج الواجب والمندوب والزيارات

قد مضى فيما سبق أنّ مصارف الحجّ من مؤونة عام الإتيان، فلو استطاع ولم يذهب قصوراً أو تقصيراً يجب عليه الخمس، وليس أمر الشارع بالحجّ إذا لم يذهب موجباً لاحتسابه مؤونة، ولذلك قيّد صاحب العروة كونها من مؤونة عام الربح إذا تمكّن من المسير في تلك السنة، والأولى أن يضيف «وسار».

ثمّ إنّه (قدس سره) جعل المدار في محاسبة شيء من مؤونة عام الربح، حصوله في عام الربح وإن تأخّر صرف بعض المؤونة في خارج ذاك العام، كما إذا


1 و 2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4و5.


صفحه237

تمّت سنة الربح وهو بعدُ في سفر الحجّ ولم يرجع إلى موطنه فيحسب كلّ ما يصرفه من مأكل ومشرب ومسكن من مؤونة سنة الربح المتجددة مع سنة الإتيان به.

وعلى ذلك فما يشتريه من الألبسة وغيرها ممّا يحتاج إليه في سفر الحجّ حتّى السيارة إذا قصد الحجّ بها، لا يتعلّق بها الخمس وإن بقيت أعيانها بعد الفراغ عن الحجّ وهي كاشتراء الظروف والفُرش لمؤونة السنة وإن بقيت أعيانها بعدها.

ومثله ما راج بعد قيام الثورة الإسلامية من عقد اتّفاقية مع إدارة الحجّ والزيارة على مبلغ تتكفل جميع مخارجه إياباً وذهاباً سواء ذهب عام الربح أو تأخّر إلى العام اللاحق لعدم إصابة القرعة به، فمثل ذلك يعدّ من مؤونة عام الربح وإن لم يكن هناك إياب وذهاب.

وأمّا إذا ذهب إلى الحجّ على نفقته الشخصية وطال السفر فتمّ عام الربح ودخل العام الجديد فقد اختار المصنّف: بأنّ ما يصرفه يحسب من مؤونة السنة السابقة فلا يجب إخراج خمسه سواء صرفه في الأكل والشرب والمسكن أو في الذهاب والإياب ، سواء كان من شأنها البقاء أو لا، إذا عدّت من توابع مؤونة الحجّ.

لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له

وجه التعدّد، أنّ كلاً من الغوص والربح الحاصل من المكاسب موضوع مستقلّ في الأدلّة الشرعية، فإذا اجتمع العنوانان في مورد واحد


صفحه238

يثبت فيه كلا الحكمين، كما إذا قال: أعط كلّ هاشمي درهماً ثمّ قال: أعط كلّ عالم درهماً، ففيما اجتمعا العنوانان يجب إعطاء الدرهمين وبما أنّ الحكمين مثبتان، لا يحمل أحدهما على الآخر ولا يقيّد إطلاق كلّ بالآخر.

ولكنّه غير تام جدّاً، أمّا أوّلاً فلأنّ الظاهر من النصوص أنّ هنا موضوعاً واحداً يتعلّق به الخمس وهو عنوان الغنيمة الصادقة على الغوص والمعدن وأرباح المكاسب، ومن المعلوم أنّه لا خمس في الغنيمة بالمعنى العام إلاّ خمس واحد قال: فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم كلّ عام قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ) .(1)

وقال في رواية حكيم مؤذن بني عيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قلت له: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول) قال: «هي واللّه الإفادة يوماً فيوم، إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا».(2)

كل ذلك يعطي أنّ هنا عنواناً واحداً لإيجاب الخمس وهو الاغتنام، وليس هنا عناوين مختلفة، وإن كانت المصاديق مختلفة من حيث الشرائط، فعندئذ يبطل قياسه باجتماع العنوانين المستقلين في تعلّق الحكم.

أضف إليه: أنّه لو كان الواجب هو التعدد، كان التنبيه عليه لازماً في الأحاديث كما لا يخفى.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.


صفحه239

 

المرأة الّتي تكتسب في بيت زوجها

المرأة الّتي تكتسب في بيت زوجها و يتحمّل زوجها مؤونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج المؤونة، إذ هي على زوجها إلاّ أن لا يتحمّل. لأنّ المراد من المؤونة المستثناة، هي المؤونة المصروفة، والمفروض عدمها، نعم لولم ينفق زوجها، وأنفقت هي على نفسها، يتعلّق الخمس بغير ما صرفت.

في اشتراط التكليف والحرية وعدمه

اتّفقت كلمتهم على شرطية البلوغ في تعلّق الزكاة تبعاً للنصوص وقد كتب الإمام الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن القاسم بن الفضيل : «لا زكاة على يتيم».(1) إنّما الكلام في شرطيته لوجوب الخمس، والمسألة غير معنونة في كتب الفقهاء، قبل العلاّمة، فقد أفتى بعدم شرطيته في المنتهى(2)، وتبعه المحقّق القمي في الغنائم، وفصّل السيد الطباطبائي اليزدي بين الأرباح وغيرها، فأفتى بعدمها في الثاني، واستشكل في الأوّل ثمّ احتاط بالحكم بالإخراج بعد البلوغ وسيوافيك وجهه.

قال الشيخ في رسالته: الظاهر أنّه لا خلاف في عدم اشتراط البلوغ والعقل في تعلّق الخمس بالمعادن، والكنوز، والغوص، ويدل عليه إطلاق


1 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة، الحديث 4.

2 . المنتهى: 8 / 533، كتاب الخمس، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1423 هـ .


صفحه240

الأخبار، وأمّا الغنيمة فالظاهر أنّه كذلك لما ذكروا في الجهاد من إخراج الخمس من الغنيمة أوّلاً، ثمّ تقسيمه بين من حضر القتال حتى الطفل ودلّ على الإطلاق في الأربعة المذكورة وفي الحلال المختلط، إطلاق رواية عمّار بن مروان: «فيما يخرج عن المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام ـ إذا لم يعرف صاحبه ـ والكنوز، الخمس».(1)

وحاصل دليلهم هو أنّ الخمس ضريبة على نفس المال، وأنّ العناوين السبعة أسباب لتعلّق الخمس بها، كان المالك بالغاً، أو غير بالغ، وتعلّقه بها سنخ تعلّق الحكم الوضعي نظير تعلّق الجمرك بالأموال المستوردة فلا يعتبر فيه شرائط التكليف وذلك كضمان التالف، وهو على المتلف، كان واجداً لشرائط التكليف أو لا.

مثلاً قوله في صحيحة زرارة: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس».(2) وقوله في صحيحة البزنطي عن الرضا(عليه السلام) ، قال: سألته عمّا يخرج من البحر... قال: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».(3) إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في تعلّقه بهذه العناوين بما هي هي.

فإن قلت: فعلى هذا، يلزم التفريق بين قوله: «ففيه الخمس» و«عليه الخمس» كما في تعلّقه بالأرض المشتراة حيث قال: أيّما ذمي اشترى من


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6; لاحظ كتاب الخمس للشيخ الأنصاري : 273ـ 274.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


صفحه241

مسلم أرضاً فإنّ عليه الخمس.(1) فإنّ الثاني ظاهر في كونه على ذمّة المكلّف المختص بالبالغ.

قلت: لا نسلّم ظهوره في التكليف، إذ ربّما يستعمل في الوضعي أيضاً كما في قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» ، أو يقال: «عليه دين».

يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّه لا يتم في الحلال المختلط بالحرام، فقد عرفت أنّ المتبادر من رواياته عدم تعلّق الخمس بالعين من أوّل الأمر وإنّما التخميس طريق لتطهيره وإخراج الحرام منه ولا يصحّ ذلك إلاّ من المكلّف.

نعم لو حاول الوليّ تطهير ماله من الحرام، يخرج منه الخمس، وهذا غير القول بوجود الخمس فيه من أوّل الأمر.

وثانياً: أنّ التمسّك بهذه التعبيرات دقائق عقلية، لا يلتفت إليه، ولأجله ترى التعابير مختلفة، بين قوله: «ففيه الخمس»، أو «عليه الخمس» (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَانَّ للّهِ خُمُسهُ وَللرَّسُول) ، كلّ ذلك تفنن في التعبير، وليس هنا عناية خاصة بكلّ تعبير، بشهادة أنّ المخاطبين بهذه الروايات لم يكونوا ملتفتين لهذه الدقائق، وهذا يعرب عن عدم الدلالة العرفية التي هي الملاك في الحجّية.

وثالثاً: أنّ هذه الروايات ليست في مقام بيان الشرائط حتّى يتمسك بإطلاقها، وليس عدم ذكر شرط التكليف فيه دليلاً على عدمه.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


صفحه242

رابعاً: أنّ إطلاق قوله :«رفع القلم عن ثلاثة» يسوّي بين التكليف والوضع، ولا يمكن تقييده بهذه الإشعارات الضعيفة، فإطلاق الحديث محكم إلاّ أن يدل دليل على الوضع كما في باب الغرامات حيث إنّ رفعها خلاف الامتنان للآخرين، ومثلها، التعزير الذي دلّ دليل خاص عليه، فعدم وجوب الخمس على غير المكلّف هو الأقوى.


صفحه243

الرسالة الثالثة والأربعون

الخمس في ما يفضل من مؤونة السنة

ومؤونة العيال


صفحه244


صفحه245

هذا القسم من أقسام ما يتعلّق به الخمس هو المهم في هذه الأيام، لأنّ بعض هذه الأقسام يتوقف على وجود الحكومة الإسلامية المقتدرة المجرية لأحكام الإسلام، والأُمّة الإسلامية تفقدها منذ قرون، ولأجل ذلك صار خمس الغنائم وخمس الأرض المشتراة كأحلام النائم ليس منهما عين ولا أثر ، وأمّا المعادن الكبيرة كالنفط والغاز والنحاس فقد وضعت الحكومات يدها عليها تستخرجها وتبيعها ممّن تشاء، وقد تقدّم عدم تعلّق الخمس بمثلها لأنّها تصرف في المصالح العامة، وأدلّة الخمس منصرفة عنها، ولم يبق إلاّ الصغار التي يستخرجها الشعب برخصة من الحكومة فيتعلّق بها الخمس وليست لها أهمية كثيرة ، وأمّا غير هذه الثلاثة، كالكنز، والغوص، والعنبر، فالأوّل نادر، والأخيران على فرض شيوعهما قليلا النفع، فصار العامل المهم في تمويل الحوزات الإسلامية الشيعية هو أرباح المكاسب والعوائد.

ولأجل ذلك وقعت فروعها ومسائلها مورداً للنظر والدقة، ربّما لا تجد مثلها في غير هذا النوع، والمسائل الرئيسية فيه عبارة عن الأُمور التالية:

1. ما هو الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع؟

2. أدلّة وجوب الخمس في هذا النوع كتاباً وسنة.

3. في سعة متعلّق هذا النوع وضيقه.


صفحه246

4. ما هو المفهوم من أدلّة تحليل الخمس للشيعة؟

فهذه هي المسائل الرئيسية التي بحث عنها صاحب العروة في المقام إلاّ الأخير، ونحن نقتفي أثره فيها من دون أن نعقد لكلّ منها فصلاً.

الأوّل: الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع

لو تفحّصت الكتب الفقهية من أقدم العصور إلى العصر الحاضر، ترى اتّفاق كلمتهم على ثبوت وجوب الخمس في أرباح المكاسب أو مطلق الفوائد، على ما سيأتي . نعم اختلفوا في تحليله في زمان الغيبة، وهو لا ينافي ثبوته بل هو دليل على ثبوته وتشريعه، نعم نسب إلى القديمين ـ ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد ـ عدم الوجوب، لكن العبارة المنقولة عنهما لا تدل على ذلك، بل ظاهر الأوّل، هو التوقّف، وظاهر الثاني، الموافقة مع المشهور احتياطاً. حكى المحقّق: عن الأوّل العبارة التالية: قال ابن أبي عقيل: وقد قيل الخمس في الأموال كلّها حتى على الخياطة والنجارة وغلّة الدار والبستان والصانع في كسب يده، لأنّ ذلك إفادة من اللّه وغنيمة.(1)

ونقل العلاّمة في المختلف، عن ابن الجنيد، أنّه قال: فأمّا ما استفيد من ميراث أو كدّ بدن أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك، فالأحوط إخراجه لاختلاف الرواية في ذلك، ولو لم يخرجه الإنسان لم يكن كتارك الزكاة التي لا خلاف فيها، إلاّ أن يوجب ذلك من لا يسع خلافه ممّا لا يحتمل تأويلاً، ولا يرد عليه ورخصة في ترك إخراجه.(2)


1 . المعتبر: 1/293 .

2 . المختلف:3/313، المقصد السادس في الخمس.


صفحه247

والعجب أنّ جامع فتاوى القديمين من الكتب الفقهية غفل عمّا نقله المحقّق عن ابن أبي عقيل، في معتبره بل اكتفى بما في مختلف الشيعة، وبما أنّ نقل فتاوى العلماء طيلة القرون يوجب الإطناب فلنطوي الكلام عن ذكرها والوقوف عليها سهل لمن حاول، وإنّما الكلام في إقامة الدليل على وجوبه في هذا النوع وهو المقام الثاني.

الثاني: ما يدل على وجوب دفع الخمس في الفوائد والأرباح

يدلّ الكتاب والسنة وأحاديث العترة الطاهرة الحاكية للسنّة النبوية على وجوب الخمس في الفوائد والأرباح.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فإنّ للّهِ خُمسهُ وَلِلرَّسُول وَلِذي الْقُرْبى وَاليَتامى وَالْمَساكِين وَابْن السَّبيل...).(1)

وقد أوضحنا دلالة الآية على وجوب الخمس في كلّ ما يفوز به الإنسان، وقد اعترف بما ذكرنا القرطبي(2) إلاّ أنّه خصص مضمون الآية بالمعروف عند المتشرعة على عدم وجوبه في غيرالغنائم الحربيّة، وعلى ما ذكرنا فمفاد الآية أنّ كلّما يصدق عليه الغنم ففيه الخمس.

نعم هناك فرق بين الزكاة والخمس، فالأُولى للفقراء ومصالح المسلمين، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بالأخذ . قال سبحانه:(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ


1 . الأنفال:41.  

2 . الجامع لأحكام القرآن:8/1.


صفحه248

لَهُمْ) .(1) فلأجل ذلك كان يبعث العمّال لأخذ الزكوات، وهذا بخلاف الخمس فإنّه حقّ له ولأقربائه ـ وإن لم يكن ملكاً شخصياً له ـ فلم يؤمر بالأخذ، بل أمر الناس بالدفع حيث خوطبوا بقوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا انَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء)ولأجل ذلك تطلب الزكاة من الناس، دون الخمس الذي هو حقّ له وقد أُمر الناس بالدفع.

هذا كلّه حول دلالة الآية، وإليك الكلام في شرعية الخمس في عهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكاتيبه.

تضافرت الروايات على أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطلب في رسائله إلى قبائل مسلمة نائية عن المدينة دفع الخمس، كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على تعلّق الخمس بأرباح المكاسب والفوائد، فلنذكر شيئاً ممّا ورد في السنّة النبوية وشيئاً ممّا ورد في أحاديث العترة الطاهرة.

الخمس في رسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهوده

1. لما قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين، وأنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر الحرم، فمرنا بجمل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنّة وندعوا إليها من وراءنا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان باللّه وهل تدرون ما الإيمان باللّه؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم».(2)


1 . التوبة:103.

2 . صحيح البخاري: 9/160، باب واللّه خلقكم و ما تعملون من كتاب التوحيد و 1/13 و19 و ج3/53; صحيح مسلم:1/35 و36، باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 2/333 ; مسند أحمد: 3/318; والأموال: 12 وغيرها.


صفحه249

ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب، كيف، وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم خوفاً من المشركين؟! وعلى هذا يكون المراد المغنم بمعناه الحقيقي وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون أو يستفيدون.

2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم... هذا... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشْر ما سقي البعل، وسقت السماء ونصف العشر ممّا سقي الغرب».(1)

والبعْل ما سُقي بعروقه، والغرب الدلو العظيمة.

3. كتب إلى شرحبيل بن كلال ونعيم بن كلال وحارث بن كلال رؤساء قبيلة ذي رعين ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه».(2)

4. كتب إلى سعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام، كتاباً واحداً يعلّمهم فيه فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة.(3)


1 . فتوح البلدان:81; سيرة ابن هشام:4/265.

2 . تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك:1/157.   

3 . طبقات ابن سعد:1/270.


صفحه250

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما طلب دفع الخمس على أيدي رسوليه، لم يطلب خمس غنائم الحرب التي خاضوها مع الكفّار، وإنّما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس الأرباح.

5. كتب للفجيع ومن تبعه:

«من محمّد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه وأعطى من المغانم خمس اللّه».(1)

6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه».(2)

7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«وتشربوا ماءها على أن تؤدّوا الخمس».(3)

8. كتب لملوك حمير فيما كتب:

«وآتيتم الزكاة ومن المغانم خمس اللّه وسهم النبي وصفيه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة».(4)

9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:


1 . طبقات ابن سعد:1/304 ـ 305.

2 . طبقات ابن سعد:1/270.

3 . الوثائق السياسية: 142.

4 . فتوح البلدان:1/85; سيرة ابن هشام: 4/258.


صفحه251

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفيّ».(1)

10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:

«من أسلم منهم... وأعطى من الغنائم الخمس».(2)

ويتبيّـن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي خاضوا فيها بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.

ثمّ إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض حرب واكتساب الغنائم.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بالنحو الذي يجب بعد أن يستخرج منها الخمس ولا يملك أحدٌ من الغزاة عدا سلب القتيل(على قول) شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاً.

فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب وفي عهد بعد عهد؟ فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن له صلة بغنائم الحرب.


1 . الإصابة: 2/189; أُسد الغابة:3/34.

2 . سنن أبي داود: 2/55، الباب 20 ;سنن النسائي:2/179.


صفحه252

هذا، مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن النهبة بشدة ففي كتاب الفتن باب النهي عن النهبة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من انتهب نهبةً مشهورة فليس منّا».(1)

وقال: «إنّ النهبة لا تحلّ».(2)

وفي صحيح البخاري و مسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا ننتهب.(3)

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدوا وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اللّه يمشي متكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثمّ جعل يرمل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة».(4)

وعن عبداللّه بن زيد: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهبى والمثلة.(5)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد .

وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في


1 . سنن ابن ماجة: 2 / 1298 ح 3935 .

2 . سنن ابن ماجة: 2/ 1299، ح 3938.

3 . صحيح البخاري: 2/48، باب النهبى بغير إذن صاحبه.

4 . سنن أبي داود:3/66 برقم 2705.

5 . رواه البخاري في الصيد، راجع التاج:4/334.


صفحه253

مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير إذن النبي جائزة، لم تكن الغنيمة تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة في كتب النبي هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال، بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.

وعلى الجملة: إنّ الغنائم المطلوبة في هذه الرسائل النبوية، أداء خمسها إمّا أن يراد ما يستولى عليه أحد من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى من طريق الكسب والكدّ.

والأوّل ممنوع بنص الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خمس النهيبة.

وعلى الثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو الذي يأخذ كلّ الغنائم، ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلب النبي الخمس من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعين.

وقد ورد فرض الخمس في غير غنائم الحرب في أحاديث منقولة عن


صفحه254

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ففي سنن البيهقي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «في الركاز الخمس» قيل: وما الركاز يا رسول اللّه ؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرضين يوم خلقت».(1) وقد تقدم الكلام فيه.

خمس الأرباح والفوائد في أحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام)

لقد تضافرت الروايات عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) على وجوبه فيها وننقل منها ما يلي:

1. معتبرة سماعة

سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(2) والرواية موثقة لوجود سماعة في آخر السند، وغيره كلّهم إماميون ثقات.

والرواية معتبرة رواها علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن شيخه ابن أبي عمير، عن شيخه الحسين بن عثمان الأحمسيّ البجلي (عرّفه النجاشي بقوله: كوفي ثقة، كتابه: رواية ابن أبي عمير ثمّ ذكر سنده إلى كتابه وقال: عن ابن أبي عمير عن الحسين)(3) عن سماعة الذي عرفه النجاشي بقوله: ثقة ثقة.(4)


1 . سنن البيهقي:4/152 و155.

2 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

3 . رجال النجاشي: 1/165 برقم 121.

4 . رجال النجاشي: 1/431 برقم 515.


صفحه255

والرواية صحيحة، لولا أنّ سماعة رُمي بالوقف وإن كان غير ثابت، ومن كان واقفياً، لا يصفه خرّيت الفن النجاشي، بما عرفت من تكرير «الثقة».

2. صحيح أبي علي بن راشد

روى الشيخ بإسناده إلى علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فاعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه فقال: «يجب عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وضياعهم»(1) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم».(2)

وسند الشيخ إلى علي بن مهزيار في التهذيب صحيح، وأمّا أبو علي بن راشد فهو الحسن بن راشد مولى آل المهلب أبوعلي البغدادي من أصحاب الجواد والهادي (عليهما السلام) كما يظهر من رجال الشيخ.(3)

قال في المدارك: إنّ أبا علي بن راشد لم يوثق صريحاً.(4)

3. مرسلة الشيخ عن الريان بن الصلت

روى الشيخ في التهذيب وقال: «وروى الريان بن الصلت قال: كتبت


1 . كذا في التهذيب: 4 / 123 ، باب الخمس رقم 10. و ربّما يذكر: «صنائعهم» وهو مصحّف بقرينة قوله فيما بعد:« والصانع بيده»، وقد تكرر لفظة الصنائع في روايات الخمس مكان الضياع.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

3 . رجال الشيخ: 400.

4 . مدارك الأحكام: 5 / 382 .


صفحه256

إلى أبي محمد (عليه السلام) : ما الذي يجب علي يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبرديّ وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب:« يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه تعالى».(1)

و«الغلّة»: الدخل من كراء دار وفائدة أرض.

و«البَردي» :بالفتح، نبات كالقصب كان قدماء المصريين يستخدمون قشره للكتابة، والبردي بالضم من أجود الثمرة.

و«الأجمّة» الشجر الكثير الملتف.

وعبّرنا عنها بالمرسلة، لأنّ الشيخ نقلها على نحو ما ذكرت، ولم يذكر سنده إلى كتابه في المشيخة، وبذلك صارت الرواية مرسلة، وما في الوسائل «وبإسناده عن الريان بن الصلت» ناظر إلى إسناده إلى كتابه في الفهرست وسنده إليه صحيح، فبذلك تُصبح الرواية صحيحة، والريان بن الصلت ثقة بلا كلام.

وأورد عليه في المدارك بقوله: إنّـها قاصرة من حيث المتن لاختصاصها بالأرض القطيعة، وهي أرض الخراج أو محالّ ببغداد أقطعها المنصور (العباسي) أُناساً من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها ،كما ذكره في القاموس، ومستحق الخمس فيها غير مذكور فجاز أن يكون غير مستحق الغنائم.(2)


1 . التهذيب:4/184، رقم 16 من باب الخمس; الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث9.

2 . المدارك: 5/383.


صفحه257

يلاحظ عليه: أنّ السؤال غير مختص بالأرض الخراجية، بل يعمّ دخل الرحى الواقعة فيها، فهل يحتمل أن يكون للأرض مدخلية في تعلّق الخمس به؟

وما ذكره من أنّه لم يذكر فيها مصرف الخمس، غير تام، لأنّه لا يتبادر من مصرفه سوى ما جاء في الآية المباركة، ولا يتبادر إلى ذهن أحد أنّ مصرفه غير ما جاء فيها، فالرواية صالحة للاحتجاج.

4. خبر أبي عمارة عن الحارث بن المغيرة النصري

روى الشيخ عن أبي عمارة، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لنا أموالاً من غلاّت و تجارات ونحو ذلك، وقد علمت أنّ لك فيها حقّاً، قال: «فلم أحللنا إذاً لشيعتنا إلاّ لتطيب ولادتُهم، وكلّ من والى آبائي فهو في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا، ليبلغ الشاهد الغائب».(1)

والسند لا غبار عليه إلاّ أنّ أبا عمّارة وهو عمران بن عطيّة لم يوثق، ووصفها في المدارك بالصحّة لأجل نهاية السند حيث قال: يمكن أن يستدل على ثبوت الخمس في هذا النوع في الجملة بصحيحة الحارث بن المغيرة النصري.(2) وقد عرفت أنّ الراوي عنه لم يوثق، إلاّ أن تستظهر وثاقته من رواية البزنطي عنه، لأنّه لا ينقل إلاّ عن ثقة كما أوضحناه في البحوث في علم الرجال.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9.

2 . المدارك: 5/384.


صفحه258

 

5. خبر محمّد بن علي بن شجاع

روى الشيخ في التهذيب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن محمّد بن علي بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العُشر عشرة أكرار، وذهبَ منه بسبب عِمارة الضيعة ثلاثون كُرّاً وبقي في يده ستون كرّاً ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع (عليه السلام) : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».(1)

والسند لا غبار عليه إلاّ نهاية الحديث فإنّه مهمل في الرجال غير معنون، والمذكور في التهذيب والاستبصار(2) هو ما ذكرناه محمّد بن علي بن شجاع، لكن نسب المامقاني هذا إلى التهذيب، وعلي بن محمّد إلى الاستبصار ولكن الوارد في المطبوع منهما هو الأوّل، نعم رجح المحقّق التستري كون الصحيح هو علي بن محمد، لوروده في الكشي في ترجمة سلمان ففيه: طاهر، عن أبي سعيد السمرقندي، عن علي بن محمد بن شجاع، عن أبي العباس المروزي عن الصادق (عليه السلام) قال في الحديث الذي روي فيه أنّ سلمان محدّثاً: إنّه كان محدّثاً عن إمامه لا عن ربّه»(3).

وفيه تأمّل إذ لو كان المروزي ناقلاً عن الصادق بلا واسطة، فكيف


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.

2 . التهذيب: 4/16; الاستبصار:2/17.

3 . قاموس الرجال:7/558.


صفحه259

يروي صحابي الإمام الهادي عن صحابي الإمام الصادق؟ إلاّ إذا كانت الرواية مرسلة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية مؤيدة وكاشفة عن اشتهار الحكم عند أصحاب الأئمّة، لكن الكلام كان في تعلّق الخمس على المؤونة وعدمه فأوضحه الإمام.

6. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمد وعبد اللّه بن محمد جميعاً، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة قال: «إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه وهي سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار وسأفسر لك بعضه إن شاء اللّه إنّ موالي ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك، فأحببت أن
أطهّرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس. قال اللّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَميعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يقبلُ التَوبَة عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَدقاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّاب الرَّحيم * وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلكُمْ وَرَسُولهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهادة فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .(1)

ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي


1 . التوبة: 103 ـ 105.


صفحه260

فرضها اللّه عليهم، وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفاً منّي عن موالي ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من
أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَللرَّسُول وَلِذي القُربى وَالْيَتامى وَالمَساكِين وَابْن السَّبيل إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرقان يَومَ التقى الجَمْعان وَاللّهُ عَلى كُلّ شيء قَدير )(1)، والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء
والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يُحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثلُ مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى مواليّ من أموال الخرّمية الفسقة فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقة فليتعمّد لإيصاله، ولو بعد حين فإنّ نيّة المؤمن خير من عمله، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعتُه تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك».(2)


1 . الأنفال: 41.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه261

والحديث صحيح، لأنّ سند الشيخ إلى الصفّار صحيح في التهذيب والفهرست، والمراد من أحمد بن محمد وأخيه، هما: أحمد بن محمد بن عيسى (شيخ القميين) وعبد اللّه بن محمد الملقّب بـ «بتان» قوله: قال: أي كلّ من أحمد وعبد اللّه، قوله: كتب إليه أبوجعفر، أي كتب إلى عليّ بن مهزيار الإمام الجواد (عليه السلام) .

قوله: «وقرأت أنا» أي كلّ من الأخوين، فالسند معتبر، لكن في ظاهر الحديث إشكالات ثلاثة ذكرها صاحب المدارك وقال:

1. أمّا رواية علي بن مهزيار فهي معتبرة، لكنّها متروكة الظاهر من حيث اقتضائها وجوب الخمس فيما حال الحول عليه من الذهب والفضّة.

2. ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدوّ في اسم الغنائم، فيكون مصرف الخمس فيهما مصرف الغنائم.

3. وأمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلاّت فغير مذكور صريحاً، مع أنّا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً.(1)

وقد ذكرها صاحب المدارك، كما تعرّض لبعضها ابن خاله صاحب المعالم في «منتقى الجمان»، وأضاف شيئاً آخر لم يذكره الأوّل، والفضل يرجع إلى الأوّل لسبقه عليه، لأنّه فرغ من قسم الصيام والاعتكاف من كتاب


1 . مدارك الأحكام: 5/383.


صفحه262

المدارك عام 995هـ، وقد فرغ ابن خاله عن قسم الصلاة من «منتقى الجمان» عام 1004هـ، وعلى كلّ تقدير فهما غصنان من شجرة واحدة تتلمذا على يدي المحقّق الأردبيلي وعاشا معاً، فلا بأس بتحليل ما استشكلا على الرواية.

الإشكال الأوّل

إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) خزنة العلم وحفظة الشرع لا يغيّرون الأحكام بعد انقطاع الوحي، فكيف يستقيم قوله في هذا الحديث: «أوجبت في سنتي هذه ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام» ؟إلى غير ذلك من العبارات الدالّة على أنّه (عليه السلام)يحكم في هذا الحقّ بما شاء واختار.(1)

وحاصل الإشكال: أنّ الإمام تصرّف في حكم الخمس من حيث الزمان بسنة خاصة، كما تصرّف في متعلّق الخمس حيث خصّه ببعض الأشياء دون بعض.

والجواب أنّ الوجه في إيجابه في سنة 220 هـ ، دون غيرها، لأنّه كان يعلم أنّها السنة الأخيرة من عمره الشريف لانتقال الإمامة بعده إلى ولده أبي الحسن الثالث (عليه السلام) .

وأمّا التصرّف الثاني ـ أي التصرف في متعلّق الخمس ـ حيث أوجب في الذهب والفضة وأسقطه عن المتاع والآنية والدواب والربح والضيعة إلاّ في ضيعة خاصّة التي ذكرها في الحديث (من التفصيل بين ضيعة تقوم بمؤونة صاحبها ففيها نصف السدس دون ما لا تقوم) فمرجعه إلى إسقاط


1 . منتقى الجمان:2/438ـ 439.


صفحه263

حقّه لمصلحة فيه، ولا يعدّ مثل هذا تصرّفاً في الحكم، أو تبديلاً له، وأمّا المصلحة فغير معلومة، وقد أشار الإمام إليها بقوله: «لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء اللّه».

وبالجملة هذا المقدار من التصرّف مع ما أعطوا من الولاية على الأموال والنفوس ممّا لا إشكال فيه، فقد كان الرسول يتصرّف في الغنائم وبما يخص المهاجرين بها وأُخرى يخص الأنصار وربّما يشاركهم وكأنّه المعني بقوله سبحانه: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِساب) .(1)

الإشكال الثاني

إنّ قوله: «ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم» ينافيه قوله: بعد ذلك: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(2)

والجواب عنه واضح وهو أنّ الحصر يرجع إلى عام الوفاة وهي سنة 220هـ .

وأمّا الثاني: فهو لبيان قاعدة كلية راجعة إلى غيرها. والحاصل أنّ الإمام لمصالح غير معلومة ولعلّ عدم بسط يده في نفس السنة، أسقط حقّه في بعض ما يتعلّق به الخمس من غير تصرّف فيما يرجع إلى الباقي غير هذه السنة.


1 . ص:39.

2 . منتقى الجمان:2/439.


صفحه264

 

الإشكال الثالث

إنّ قوله: «وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول» خلاف المعهود إذ الحول يعتبر في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة لا في تعلّق الخمس بهما.

أقول: إنّ الذهب والفضة كما يقعان مورداً للزكاة مثل ما لو ترك المورث ما بلغ حدّ النصاب وحال عليهما الحول فيجب إخراج زكاتهما كذلك يقعان مورداً للخمس إذا كانا من الأرباح كما هو الحال في الصائغ فلا مانع من تعلّق الخمس بهما بعد ما حال عليهما الحول كسائر المنافع.وأي إشكال في ذلك؟ وأمّا إثبات الخمس فيهما وإسقاطه عن غيرهما من متاع وآنية ودواب وخدم وربح ربحه في تجارة فلمصلحة اقتضت ذلك.

الإشكال الرابع

اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدو في اسم الغنائم فيكون تصرّفه مصرف الخمس.

يلاحظ عليه: أيّ مانع من دخول الجميع تحت عنوان الغنائم؟ وقد علمت أنّ معنى الغنيمة كلّ ما يفوز به الإنسان بسهولة أو بمشقّة. مع أنّ الإمام أردف الغنائم بلفظ الفوائد وقال: «والغنائم والفوائد رحمك اللّه».


صفحه265

ويحتمل أن يكون المراد من قوله:«والمال الذي لا يعرف له صاحب» المباحات العامّة لا اللقطة، وإلاّ كان عليه أن يعبّر عنه بما «لا يعرف صاحبه».

الإشكال الخامس

إنّ مصرف السهم المذكور في آخر الرواية، أعني: «ونصف السدس في الضياع والغلاّت» غير مذكور صريحاً.

ولا يخفى ضعف الإشكال، لأنّ الرواية بصدد بيان أحكام الخمس فقط، فيكون مصرف نصف السدس هو مصرف الخمس أيضاً وإلاّ كان عليه التنبيه على تعدد الصرف.

الإشكال السادس

إنّ وجوب نصف السدس في الضياع لم يقل به أحد .

يلاحظ عليه: أنّه صحيح لكن الإمام ليس بصدد بيان الحكم الشرعي، بل بصدد بيان ما أسقط وما أثبت من باب الولاية، فيكون حكماً ولائيّاً مؤقتاً، ويشهد لذلك قوله: «تخفيفاً منّي عن مواليّ و منّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم».

إلى هنا تبيّن اندفاع الإشكالات وأنّ الرواية صالحة للاستدلال على وجوب الخمس في الغنائم والفوائد.


صفحه266

 

إكمال

ثمّ إنّ الكتاب الذي كتبه الإمام الجواد (عليه السلام) ، إلى علي بن مهزيار، وقرأه الأخوان ـ أعني: أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى ـ هو الكتاب الذي قرأه إبراهيم بن محمد الهمداني أيضاً، روى الشيخ: كتب إليه (إلى الإمام الهادي (عليه السلام) ) إبراهيم بن محمد الهمداني: واقرأني علي (بن مهزيار)كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة وأنّه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك فاختلف من قِبَلِنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع، الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله: فكتب (الإمام الهادي إلى إبراهيم بن محمد الهمداني) وقرأه علي بن مهزيار (أيضاً): «عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان».(1)

ولا يخفى ما في تعبير الشيخ من الإجمال حيث قال: «وكتب إليه أبوجعفر» من دون تعيين المرجع، ومثله في الحديث المتقدّم قال: قال لي أبو علي قلت له. غير أنّ المرجع كان في كتاب علي بن مهزيار معيّناً، حيث صدر الباب بأحاديث الإمام الهادي فجاء بعده بالضمير والشيخ أخذ الحديث من الكتاب، بنصّه غافلاً من أنّ النقل بهذا النحو يوجب الإجمال.(2)


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.

2 . منتقى الجمان:2/442.


صفحه267

 

الثالث: في متعلّق الخمس من هذا القسم

أقول: إنّ الفوائد التي يحوزها الإنسان على أقسام، إمّا أن تحصل بالاكتساب كالتجارة والصناعة والزراعة والإجارة، وإمّا أن تحصل بشرط القبول فقط كالجوائز والهدايا، وإمّا أن تدخل في ملك الإنسان بلا اختيار كالإرث، وإمّا أن تحصل في ملكه من دونه كالتوالد وارتفاع القيمة السوقية.

وكان سيّدنا المحقّق البروجردي يقسّمها بشكل آخر: إنّ الفوائد إمّا أن تحصل بتبادل شيء بشيء كالتجارات و الإجارات، وإمّا أن تحصل بتغيّـر المادة وتصويرها بصورة كالصناعة ،وإمّا أن تحصل بالتزايد والنمو كالثمار والزراعات، وإمّا أن تحصل بلا عمل إلاّ القبول كالجوائز، وإمّا أن تحصل بلا اختيار كالإرث.

ولك أن تقول: إنّ مدار المعيشة إمّا على الإنتاج بالإنماء كالزراعة والرعي، أو على تبديل المواد الأوّلية إلى أُمور صناعية وهذه هي الصناعة، أو بالاقتناء والتوزيع في أزمنة وأمكنة مختلفة كالتجارة أو بالأعمال اليدوية كالنجارة، والكلّ لا يخلو عن تعب; وأمّا ما لا تعب فيه فإمّا لا يحصل إلاّ بالقبول كالهبة والجائزة والصداق وعوض الخلع والمال الموصى به ونحوها، أو يحصل بلا حاجة إلى القبول كالميراث وهو إمّا ميراث محتسب أو غير محتسب، ولا يخفى أنّ رحى المعيشة على الأُمور الأربعة الأُول، وأمّا الباقية فأُمور اتفاقية.


صفحه268

وعلى كلّ تقدير فقد اختلفت آراؤهم فيما هو متعلّق الخمس في هذا القسم على أربعة أقوال:

1. اعتبار التكسب مطلقاً فتخرج غير الأربعة.

2. تقييد الكسب باتخاذه مهنة وشغلاً مستمرّاً نسب إلى جمال المحقّقين في حاشيته على اللمعة .

3. عموم الحكم لكلّ فائدة، اختيارية أو غير اختيارية فيشمل الهبة والهدية والخلع والمواريث، ولو غمضنا النظر عن القول الثاني يدور الأمر بين قولين:

1. تعلّق الخمس بمطلق ما يملكه الإنسان ولو بإرث ونحوه.

2. تعلّقه بمطلق فائدة يحصل من طريق التكسب وإن لم يطلق في بعضها على فاعلها الكاسب، دون ما يدخل في ملكه بغير هذه الأسباب كالإرث والصدقة والصداق، والعطية ونحوها، فمال شيخنا الأنصاري إلى الأوّل، وجزم المحقّق الهمداني بالثاني.

وأمّا كلمات الأصحاب فيظهر من الشيخ في النهاية، وأبي الصلاح في الكافي، وابن زهرة في الغنية، العموم لوجود كلمة «غير ذلك» في عبارتي النهاية والغنية، بل عبارة الكافي صريحة في الموضوع .

وإليك ما يستفاد منه العموم من العبارات.

قال الشيخ في «النهاية»: ويجب الخمس أيضاً في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات والزراعات وغير ذلك بعد إخراج مؤونته ومؤونة عياله.(1)


1 . النهاية: 196ـ 197.


صفحه269

ويحتمل أن يكون «غير ذلك» إشارة إلى الصناعات والإجارات، كما يحتمل أن يكون إشارة إليهما وإلى غيرهما.

وقال أبو الصلاح الحلبي: وما فضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك.(1)

وقال في الغنية: ويجب الخمس أيضاً في الفاضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة بأيّ وجه كان بدليل الإجماع المشار إليه وطريقه الاحتياط.(2)

هذا ما وقفنا عليه من الكلمات التي تُعبِّر عن عموم الحكم، ومع ذلك ففي دلالة غير عبارة الحلبي على العموم تأمّل، لاحتمال أن يراد من قولهما «أو غير ذلك» ما يشبه التكسب، كالإجارات والاحتطاب والاحتشاش وجمع العسل من الجبال، وبالجملة كلّ عمل يدوي يورث نفعاً.

وفي مقابلها ما يستظهر منه الخصوص أو هي نص فيه.

فمن الأوّل عبارة الشيخ في «الخلاف»، قال: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤونة الرجل لنفسه ومؤونة عياله سنة.(3)


1 . الكافي: 170.  

2 . الغنية: 129.

3 . الخلاف: 2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.


صفحه270

ومن الثاني: عبارة «السرائر»: ويجب الخمس أيضاً في أرباح التجارات والمكاسب وفيما يفضل من الغلاّت والزراعات على اختلاف أجناسها عن مؤونة السنة له ولعياله.(1)

وقال بعد صفحة : والعسل الذي يؤخذ من الجبال، وكذلك المنّ، يؤخذ منه الخمس وجميع الاستفادات من الصيود والاحتطاب و الاحتشاش والاستقاء والإجارات، والمجتنيات والاكتسابات، يخرج منه الخمس.(2)

ثمّ نقل عبارة الكافي لأبي الصلاح ـ حيث ذهب إلى تعلّق الخمس بالميراث والهدية والهبة ـ وقال: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً.(3)

والظاهر من المفيد في المقنعة، والسيد المرتضى في الانتصار، وسلاّر في المراسم، وابن حمزة في الوسيلة، والمحقّق في المعتبر،الاختصاص.

وأمّا المتأخرون المتقاربون لعصرنا فقد قوّى الشيخ الأعظم، سعة الحكم، وقال في رسالته: الوجوب لا يخلو عن قوّة وفاقاً للمحكي عن الحلبي وعن المعتبر، و اختاره في اللمعة، ومال إليه في شرحها، وهو ظاهر الإسكافي، لكن من حيث الاحتياط.(4)

وقال المحقّق الهمداني: إنّه يمتنع عادة إرادة ثبوت الخمس من مثل الإرث والهبة مع عموم الابتلاء بهما وكونهما من أشيع ما يملكه الإنسان، من غير تصريح به ـ إلى أن قال ـ : ولو كان هذا مرادهم لم يكن وجه يعتد به،


1 . السرائر: 1 / 486 .  

2 . السرائر: 1 / 488.

3 . السرائر: 1/ 490.  

4 . كتاب الخمس:191 ـ 192.


صفحه271

لحصرهم الخمس في فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم المحكية في أقسام معدودة، كي يوهم ذلك خلاف مقصودهم، بل كيف يحتمل كون كلّ الأصحاب أو جلّهم أو كثير منهم قائلين بثبوت الخمس في الإرث ونحوه، ولم يشتهر ذلك بين العوام اشتهار الشمس في رابعة النهار مع عموم الابتلاء به؟ مضافاً إلى ما يظهر من الحلّي وغيره، بل كلّ من تعرض له مخالفة القول بثبوت الخمس في الإرث والهبة والصدقة للمشهور، بل اختصاص القول به في القدماء بالحلبي.(1)

والذي يسهل الخطب، أنّ عدم التصريح بالعموم والاكتفاء بالاكتساب لا يعدّ دليلاً على الإعراض لما بيّنّا من أنّ وجوب الخمس في هذا القسم برز وظهر في عصر الصادقين (عليهما السلام) ولم يكن قبل عصرهما منه اسم ولا أثر وإن كان أصله موجوداً في كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما بيّناه، وعلى هذا الأساس لا بأس أن يختفي حكم بعض أصنافه على أكثر القدماء، أضف إلى ذلك وجود الاختلاف بين استنباط القدماء والمتأخرين حيث إنّ المتأخرين يستعملون الدقة في الأحاديث أكثر من القدماء ويحيطون بها ببركة الجوامع أكثر من غيرهم ويصنّفون الروايات على وجه يظهر منه حكم كثير من الفروع، وعلى ذلك لا يعدّ عدم إفتائهم دليلاً على الإعراض.

ولأجـل ذلك يجب إمعان النظر في روايات الباب والدقة في الكلمـات الواردة فيها حتى نستقطب الإطلاقات ونستفيد منها أحكاماً وراء المكاسب.


1 . مصباح الفقيه: 14 / 112 ـ 113.


صفحه272

 

الجوائز والعطايا

فنقول: يمكن استفادة حكم المقام، أعني: الجوائز والعطايا من الآية والروايات.

أمّا الآية المباركة: فإنّ لفظ الغنيمة يصدق على العطايا والجوائز، هذا ابن فارس يقول: إنّها بمعنى إفادة شيء لم يملك من قبل. وقال الراغب: والغنم إصابته والظفر به ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العِدى وغيرهم. إلى غير ذلك من الكلمات التي قدّمناها في صدر البحث عن أدلّة تعلّق الخمس بهذا الصنف.

أمّا الروايات فهناك روايات متضافرة بين صحيح وغير صحيح تؤيّد تعلّقه بكلّ فائدة ومنفعة، وإليك بيانها.

1. والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر.(1)

والفائدة في اللغة بمعنى الزيادة التي تحصل للإنسان والفعل في قوله (عليه السلام) : «والفائدة يفيدها» من باب الإفعال بمعنى يستفيدها وهو ليس منحصراً بالاكتساب بل هو أحد الطرق وله طرق أُخرى، كما في الجوائز والعطايا والمال الموصى به، وما ذكره الإمام (عليه السلام)من قوله:«والجائزة الخ» بيان مصداق له، وتقييدها بالخطر لأجل أنّه لولاه لما يبق إلى آخر السنة بل


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه273

تصرف في مؤونة الحياة. وبعبارة أُخرى القيد غالبي، ولو حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويفيدها على الاكتساب لكفى قوله (عليه السلام) : «الجائزة من الإنسان».

2. صحيحته الأُخرى نقلاً عن أبي علي بن راشد الثقة... فقال: «يجب عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم»، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم»(1) . والمتاع كلّ ما يتمتع به من عروض الدنيا كثيرها وقليلها.

3. موثقة سماعة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس؟ فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(2) أي أوجب حصول زيادة في المال للناس وهو بعمومه يعمّ غير المكاسب.

4. ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، الثقة، عن سهل بن زياد (والأمر في سهل، سهل) عن محمّد بن عيسى (ابن عبيد ـ الثقة ـ ) عن علي بن الحسين بن عبدربّه (وهو من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) ووكيله معتمد عليه) قال: سرح الرضا (عليه السلام)بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحتَ إليّ خمس؟ فكتب إليه: «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس».(3)

«السراح» هو التسهيل، والمراد الصلة التي سهّل بها أمر الحياة للمهدى إليه، والحديث يعرب عن تعلّق الخمس بطبيعة الصلة، إلاّ أن يُسرّح به


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.

2 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


صفحه274

صاحب الخمس، وإلاّ فيكون القيد زائداً.

هذه هي الروايات الصحيحة أو المعتبرة في المقام وهناك روايات غير نقيّة الأسناد تؤيد ما ذكرناه والمجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم.

5. رواية محمد بن الحسن الأشعري (وهو ابن خالد المعروف بـ «شنبولة» ولم يوثق) قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام):أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى جميع الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه: «الخمس بعد المؤونة».(1)

وربّما يتراءى أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، ولكنّه بعد الدقة جواب يشمل على أمر زائد وهو لزوم الخمس في هذه الموارد بعد إخراج المؤونة.

6. رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن (بن) يزيد أو عن يزيد، وعلى كلّ تقدير فهو مجهول، وربّما يحتمل أنّ المراد هو يزيد بن إسحاق ويؤيّده أنّه من مشايخه كما ذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث.(2) وعنونه النجاشي: يزيد بن إسحاق بن أبي الخسف، ولم يوثقه، لكن رواية أحمد بن محمد يضفي إليه السلامة في الحديث، لأنّه كان رجلاً محتاطاً في نقل الحديث، لا أقول: إنّه لا يروي عن الضعفاء أبداً، بل أقول: إنّه رجل لا ينقل إلاّ ما يعتمد، قال: كتبت : جعلت لك الفداء تعلّمني ما الفائدة وما حدّها؟ رأيك


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

2 . معجم رجال الحديث: 2/303.


صفحه275

أبقاك اللّه إن تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لا أكون مقيماً على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: «الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة».(1)

وقوله (عليه السلام) : «يفيد إليك» أي يحصل لك.

7. رواية محمد بن علي بن محبوب، الثقة، عن محمد بن الحسين أبي الخطاب الثقة، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرمي ـ قال النجاشي: كذّاب غال ـ عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «على كلّ امرئ غنم أو اكتسب، الخمس».(2)

والمراد من «غنم» الفوز بمال من غير طريق الاكتساب بقرينة المقابلة.

8. ما رواه محمد بن إدريس في آخر السرائر عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب: «الخمس في ذلك».(3)

وفي السند أحمد بن هلال قال النجاشي: صالح الرواية يعرف منها وينكر، وقد روي فيه ذموم من سيّدنا أبي محمد العسكري (عليه السلام).(4) وأبان بن عثمان الأحمر المرمى بالناووسية وهو من أصحاب الإجماع.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.

4 . رجال النجاشي:1/218 برقم 197.


صفحه276

9. ما رواه علي بن موسى بن طاووس في كتاب «الطرف» بإسناده عن عيسى بن المستفاد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) :«أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لأبي ذرّ وسلمان والمقداد... وإخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين وأميرهم».(1) والحديث ضعيف بعيسى بن المستفاد وقال: النجاشي روى عن أبي جعفر الثاني ولم يكن بذاك.(2)

10. ما رواه في «تحف العقول» عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «والخمس من جميع المال مرّة واحدة».(3)

11. ما في «الفقه الرضوي»، من قوله: «وربح التجارة وغلّة الضيعة وسائر الفوائد والمكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لأنّ الجميع غنيمة وفائدة».(4)

وهذه الروايات المتضافرة كافية في الإفتاء بالوجوب في مطلق الفائدة من غير فرق بين الاكتساب وغيره. والإمعان في هذه الروايات يثبت أنّ الموضوع ما يملكه الإنسان بطريق من الطرق من غير اعتبار المهنة،ولا القصد ولا الاختيار مضافاً إلى أنّ الهدية والجائزة والميراث غير المحتسب مذكورة فيها.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 21.

2 . رجال النجاشي:2/151 برقم 807.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 13.

4 . الفقه الرضوي: 294 بتفاوت يسير.


صفحه277

 

المال الموصى به

وبذلك يتّضح حكم المال الموصى به سواء كانت الوصية عهدية بأن يعهد إلى الوصي أن يعطي فلاناً بعد وفاته ذاك المال. فيكون شبه هدية من الميّت إلى الحي كالجائزة التي هي من الحي إلى الحي، أو تمليكية بأن يملّك مقداراً من ماله لزيد ويقول: هذا المتاع لزيد بعد وفاتي. سواء قلنا باحتياجه إلى القبول، أو قلنا إنّ له الرد ولا يحتاج إلى القبول، فعلى الأوّل يصحّ كالهدية، وعلى الثاني يصدق عليه أنّه غنم وفائدة وإن لم يصدق له عنوان التكسب.

الميراث غير المحتسب

الأقوال فيه لا تتجاوز الثلاثة:

الأوّل: الوجوب مطلقاً، كما عليه ظاهر الفقه الرضوي وظاهر الكافي للحلبي.

الثاني: عدمه مطلقاً، كما عليه السرائر، وقال ردّاً على الحلبي: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً والأصل براءة الذمة.

الثالث: التفصيل بين المحتسب وغيره، فيجب في الثاني دون الأوّل، لصحيحة علي بن مهزيار قال: والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن .(1)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه278

وما ذكره ابن إدريس غير تام لندرة هذا النوع من الإرث وإنّما يتمّ في مطلق الميراث ونحن لا نقول به، والدليل الوحيد هو الحديث.وما ربّما يقال: من عدم صدق الفائدة في الإرث المرجو فلا يصدق على الوارث أنّه غنم، إذ عدم الترقّب والرجاء كأنّه مأخوذ في صدق عنوان الغنم خصوصاً في نسبته إلى الفاعل، غير تام، فلو صحّ ما ذكره لوجب عدم صدقه على ما يحصل من الإجارات والتجارات إذا كان الربح مرجوّاً كما هو الغالب، بل الوجه ـ مع صدق الفائدة ـ هو أنّ المسألة لمّا كانت عامة البلوى فلوكان الخمس ثابتاً لظهر وبان.

نعم صوّر المصنف الميراث غير المحتسب بما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات وكان هو الوارث له، لكن التصوير لا يتوقف على ذينك القيدين، بل يمكن تصويره في الرحم القريب العائش معه في البلد فيما إذا كان أخ وله أولاد كثيرة وهلك الجميع ومات الأخ وورثه الأخ الآخر من غير احتساب، وما ذكره من التصوير، لبيان الفرد الواضح.

الوقف الخاص

ما يحصل من الوقف الخاص يملكه الموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول فيصدق عليه الغنم والفائدة فيشبه بالمال الموصى به إذا كانت الوصية تمليكية غير محتاجة إلى القبول، هذا إذا كان الحاصل بغير اختيار، وأمّا الحاصل منه مع الاختيار كالغرس والزراعة فيتعلّق به الخمس لكونه داخلاً في أقسام التجارة.


صفحه279

وأمّا الموقوف بوجه عام فلا يملكه الإنسان إلاّ بالقبض، كما إذا وقف ضيعة على العلماء والقرّاء، وما أكثر مصاديقها، فلا يجب على كلّ واحد منهم إلاّ إذا تملّكه بالقبض، فلو زاد بعده يجب فيه الخمس كالخاص فيكون أشبه بالهبة، وأمّا النذور فبما أنّ الملكية تتوقّف على قبول المنذور له فيشبه الهدية، ويكون حكمها، حكمها.

عوض الخلع والمهر

إنّ في صدق الغنم والفائدة عليهما غموضاً، بل هو أشبه بتبديل شيء بشيء، فالمهر في مقابل البضع والتسلّط عليها بأنواعه، وهي وإن كانت تفوز بمال لكن في مقابل ماتبذل من رأس مالها، واللّه العالم إنّها نفعت أو خسرت. ويقابله الخلع فالرجل يرفع سلطانه على المرأة وتمتعه بها في مقابل عوض الخلع فأشبه بمعاوضة شيء بشيء، أضف إلى ذلك أنّه لو وجب الخمس فيهما لبان لكثرة الابتلاء بهما.

تعلّق الخمس بأُجرة الحجّ

إذا آجر نفسه للحجّ عن الغير وتملّك الأُجرة فلا شكّ أنّه لا يتعلّق الخمس قبل القيام بالحجّ، إنّما الكلام إذا صرف الأُجرة في الحج وفضل منها شيء فلا وجه لعدم تعلّقه به بعد صدق كونه من مصاديق ما يفوز به الإنسان ويستفيد.

نعم يظهر من صحيح محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن


صفحه280

مهزيار عدم تعلّقه به مطلقاً. قال : كتبت إليه: يا سيّدي رجل دُفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب (عليه السلام) : «ليس عليه الخمس».(1) وبما أنّ التخصيص بعيد، لابدّ من تأويل الرواية بالحمل على الصورة الأُولى، وإن كان على خلاف الظاهر.

إكمال

إذا آجر نفسه أكثر من سنة واحدة وأخذ تمام الأُجرة، فيقع الكلام في وجوب تخميس تمام ما أخذ، أو إتمام ما بقي إذا صرف شيئاً منه في مؤونة سنته، أو لا يتعلّق إلاّ بما يقابل عمل السنة الأُولى، وأمّا ما يقابل عمل السنة الثانية فلا يتعلّق به الخمس إلاّ بعد انقضاء السنة الثانية.

ومثله ما إذا آجر نفسه للحجّ في السنة القادمة وأخذ الأُجرة بتمامها، فهل يتعلّق الخمس بما أخذ، أو بما بقي منه في السنة الأُولى قبل أن يحجّ أو لا يتعلّق، إلاّ إذا انقضت السنة الثانية وفضلت الأُجرة بتمامها أو ببعضها عن مؤونة سنتها؟

الظاهر هو الثاني، لأنّ ما يتعلّق بغير السنة الأُولى لا يوصف بالغنم والفائدة، بل هو مدين في مقابل الأُجرة الباقية نظير ما إذا استدان ولم يصرفه إلى نهاية السنة. والمتبادر من موثقة سماعة «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو


1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


صفحه281

كثير»(1)، ما إذا خلص الباقي، ولم يتعلّق بذمة المكلّف في مقابله دفع مثله أو عمل، وهذا في الوضوح بمكان.

إتمام الكلام ما إذا آجر داره سنتين وأخذ تمام الأُجرة بتمام أنّه لا يعدّ ديناً، بل خلص له الأُجرة في السنة التي آجر الدار وإن كانت الأُجرة مقسطة على الانتفاع من الدار سنتين، فلا يبعد تعلّق الخمس به باستثناء الخسارات التي تتوجه إلى الدار طيلة الاستفادة منها فلا يصدق على تمام الأُجرة أنّه فائدة وغنيمة بل قسم منه ما يتدارك به خسارة الدار.

وربّما يقال باستثناء ما يوجب نقصاً في مالية العين ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة تسوى بأقل منها لو لم تكن مسلوبة، فكانت تقوم الدار بألف ومع السلب بثمانمائة فلو أجر الدار سنتين بأربعمائة دينار، وصرف مائة دينار في مؤونة السنة الأُولى، وبقي له ثلاثمائة دينار، فلا يتعلّق الخمس إلاّ بمائة دينار، لأنّ المائتين منها يجبر به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة سنتين.(2)

يلاحظ عليه: أنّ انخفاض القيمة عند إجارة الدار أمر مؤقت ولذا لو انقضت مدة الإجارة تقوم بألف أيضاً أو أزيد فلا يعد مثل هذا خسارة إلاّ إذا باعها في نهاية السنة الأُولى بثمانمائة لا ما إذا أبقاها حتى انتهت الإجارة وصارت يعامل عليها بنفس القيمة الأُولى.واللّه العالم.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

2 . مستند العروة الوثقى: 220ـ 221 بتلخيص، كتاب الخمس.


صفحه282

 

إذا علم أنّ مورّثه لم يؤد الخمس

لا يخفى، أنّه لو كان الخمس ديناً في ذمّة الميت يجب إخراجه مثل سائر الديون، لقوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَو دين).(1)

إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة أو تبدل إلى عين أُخرى، فإن كان المورِّث ممّن لا يعتقد بوجوب الخمس فسيوافيك تحليله من جانب الأئمّة (عليهم السلام) ، وأمّا إذا كان معتقداً فتساهل في دفعه فلا وجه للسقوط بالموت، فيتعلّق الخمس بالعين أو بدلها.

ولكن الكلام في صحّة المعاملة الواقعة عليها فيختلف حكمها حسب اختلاف المباني في كيفية تعلّق الخمس. ويظهر من قول المصنف: «بل كان الموجود عوضها» صحّة المعاملة مطلقاً، ولكنّها ليست على إطلاقها.

فنقول هنا صور:

1. إذا قلنا بتعلّقه بالعين على نحو الإشاعة أو الكلي في المعيّن، فلو كانت المعاملة في أثناء السنة فتصح، لأنّ له الولاية في تبديلها إلى جنس آخر أو إلى نقد.

2. إذا كانت المعاملة بعدها، وأمضاها الحاكم صحّت وانتقل الحقّ إلى العوض.

3. تلك الصورة ولكن لم يمضه فتبطل المعاملة بمقدار الخمس فله


1 . النساء:12.


صفحه283

الرجوع إلى كلّ من البائع والمشتري لتوارد أيديهما عليها ، وبذلك يظهر أنّ قول السيد الطباطبائي (قدس سره) : «لو كان الموجود عوضها» ممّا لا حاصل له على هذا المبنى، بل العوض مشترك بين البائع والمشتري وسهم أصحاب الخمس منحصر في المبيع.

4. إذا قلنا بتعلّقه عليه كتعلّق الحقّ، كحقّ المرتهن على العين المرهونة فالمعاملة بعد السنة فضوليّة، وإنّما تتنجّز بعد فكِّها عن حقّ أصحاب الخمس بأدائه من دون حاجة إلى إذن الحاكم، وأمّا إذا لم يؤدّ فالصحة موقوفة على إذن الحاكم حتى ينتقل الحقّ إلى العوض.

5. إذا قلنا بأنّ متعلّق الخمس هو المالية الكلية السيالة بين العين وعوضه وليست نفس المال بشخصه متعلّقة له، فيصحّ البيع ويستقرّ حقّ أصحابه على العوض، وسيوافيك توضيحه.

لا خمس فيما ملك بالخمس والزكاة والصدقة المندوبة

هذا على القول بجواز الإعطاء بما يزيد على سنة، وإلاّ فلا تتصور الزيادة ولا يملكها، نعم لو قتّر على نفسه أو أهدي إليه شيء في أثناء سنته يزيد ما أخذ على مؤونة سنته.

فيقع الكلام في تعلّق الخمس عليه، أو لا، لا شكّ في تعلّقه على نمائه كسائر النماءات، كما إذا زادت الأنعام بالتوالد والتناسل، أو أثمرت الشجرة فزادت عن مؤونة سنته، فإنّ النماءات فوائد وعوائد لا تقصر عن سائر الفوائد والعوائد.


صفحه284

إنّما الكلام في تعلّقه بنفس ما أخذه خمساً وزاد عن مؤونة سنته، وقد استدل على عدم التعلّق بوجوه:

1. إنّه ملك للسادة والفقراء، فكأنّه يدفع إليهم ما يطلبونه فيشكل صدق الفائدة.

يلاحظ عليه: أنّه لامنافاة بين كونه ملكاً ومطلوباً لهم وبين تعلّق الخمس إذا زاد عن المؤونة كأُجرة الأجير وثمن المبيع فالكلّ ملك للأجير والبائع، ومطلوب لهم، مع أنّه يتعلّق بهما الخمس إذا زاد عن المؤونة.

2. ما رواه سهل بن زياد ـ و الأمر فيه سهل ـ عن محمّد بن عيسى (وليس المراد منه والد أحمد بن محمّد بن عيسى القمي، بل المراد منه هو ابن عبيد بقرينة نقل سهل عنه الذي اعتمد عليه النجاشي (1) وإن ضعّفه ابن الوليد أُستاذ الصدوق وقال: ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه) عن علي بن الحسين بن عبد ربّه الذي كان وكيلاً للإمام الهادي (عليه السلام) وكفى في الاعتماد عليه، قال: سرح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحت إليّ خمس؟ فكتب: «لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس».(2) أي فيما سهّل به صاحب الخمس.

لا شكّ أنّ المال المعطى لم يكن من ماله الشخصي، وإلاّ لم يقل فيما سرح به صاحب الخمس، فالتعليق يدل على أنّ المال كان من الخمس، إنّما الكلام هل كان عمله من باب تطبيق الكلي على الفرد، والعنوان على


1 . رجال النجاشي: 2 / 242، ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى برقم 940.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


صفحه285

المعنون، وأنّ الآخذ كان من أصحاب الخمس، فعند ذلك يدلّ على الحكم المطلوب وأنّ المال إذا ملكه شخص من باب الخمس فلا خمس فيه إذا زاد عن مؤونته؟

أو كان المال من أموال الخمس لكن الإمام أعطى له هديّة تسهيلاً، وعندئذ لا يدل على الحكم المطلوب وإنّما يدلّ على أنّ الهدية من أصحاب الخمس لا خمس فيه، لا كلّ مملوك من باب الخمس لا خمس فيه؟

وبعبارة أُخرى: هل الإمام بعطائه حاول تطبيق آية الخمس على موردها، أو أنّه حاول تسريح وكلائه بالخمس فأهداه شيئاً من مال الخمس ولاية؟ فعلى الأوّل يدل على المطلوب وأنّ المأخوذ خمساً لا خمس فيه، وعلى الثاني يدلّ على أنّ المملوك من مال الخمس هديّة لا خمس فيه.

نعم لا يدل على عدم الخمس إذا أهداه من أموالهم الشخصية، والرواية ظاهرة في الصورة الثانية.

3. قوله (عليه السلام) في مرسلة حمّاد: «وليس في مال الخمس زكاة».(1) وذلك بتنقيح المناط فلا خمس في مال الخمس.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه أشبه بالقياس ـ أنّ الاستدلال بالحديث ناش من الغفلة عمّا في ذيله فهو يوضح المراد من الجملة، وحاصله أنّ عدم تعلّق الزكاة بمال الخمس لأجل كفاية الزكاة لرفع حاجة الفقراء، فلا فقير بعد الزكاة حتّى تتعلّق الزكاة بمال الخمس، ولذلك لم يكن على مال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.


صفحه286

والولي (عليه السلام) زكاة، لأنّه لم يبق فقير محتاج، كما أنّ الخمس أغنى أقرباء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يبق فقير منهم ببركة الخمس، فالخمس أغناهم عن كلّ شيء سواه.

وأين هذا من الدلالة على عدم تعلّق الخمس بالمأخوذ خمساً إذا زاد عن المؤونة؟ وعلى الجملة فلم نجد دليلاً صالحاً على عدم تعلّق الخمس بالمال المأخوذ خمساً، إلاّ إذا كان المأخوذ عطاء من صاحب الخمس منه وهدية من صاحب الولاية، والمتعارف عند الدول أخذ الضرائب عن الموظفين الذين يعيشون بالضرائب التي يدفعها الناس إلى الدولة وهي تحرسهم بها.

وعلى كلّ تقدير فقول الماتن: « أو الصدقة المندوبة » فالتقييد بالمندوبة خال عن الوجه، بل الواجبة كالكفّارات و المندوبة سواء، والتشكيك في صدق الفائدة بالنسبة إلى الخمس والزكاة والنماءات غير المقصودة، كما ترى.

إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه

ما ذكره مبني على القول بالشركة سواء كان بنحو الإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، فإن أمضاه يتخيّر في الرجوع، فله أن يرجع إلى البائع كما أنّ له أن يرجع إلى المشتري، فلا يتعيّن الرجوع إلى الثاني كما هو ظاهر المتن لترتب أيديهما على المبيع، وإجازة البيع ليس بمعنى رفع الضمان، كما أنّه مع عدم الإمضاء إنّما يرجع إلى المشتري إذا كانت العين باقية، فأمّا إذا


صفحه287

تلفت فله أن يرجع إلى أحدهما بالبدل مثليّاً كان أو قيميّاً لجريان أيديهما عليه.

هذا كلّه على القول بالشركة أو الكلي في المعيّن، وأمّا على القول بأنّ تعلّق الخمس عليه كتعلّق حقّ المرتهن على العين المرهونة فهنا صور:

1. إذا أدّى الخمس يتنجّز البيع، فيكون من مصاديق من باع ثمّ ملكه، أي تسلّط على البيع الصحيح كما في المقام بلا حاجة إلى إذن الحاكم.

2. إذا لم يؤدِّ وأمضاه الحاكم مطلقاً، فلا تكون العينُ ولا العوض متعلّقاً للحقّ.

3. تلك الصورة لكن أمضاه مشروطاً بأداء الخمس تكون العين متعلّقاً للحقّ لدى المشتري.

4. إذا لم يؤدّ ولم يمضه، يكون حكمه حكم الثالثة، وأمّا على القول بأنّ المشاع هو المالية الكلية فتصح المعاملة ويكون العوض متعلّقاً للخمس على النحو المفروض.

ثمّ إنّ الظاهر من النص الوارد في باب الزكاة صحّة المعاملة إذا باع العين الزكوية بلا أداء زكاتها.(1)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


صفحه288

 

في زيادة ونمو الأعيان

الزيادة إمّا أن تكون عينيّة أوحكميّة راجعة إلى زيادة قيمتها السوقيّة من دون زيادة في العين.

ثمّ الزيادة العينيّة، تارة تكون متصلة كالنموّ في الأشجار، والسمن في الحيوان، والصوف في الغنم; أو منفصلة كالفواكه واللبن، وعلى ذلك يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في الزيادة العينيّة المنفصلة.

الثانـي: في الزيادة العينيّة المتصلة.

الثالث: في الزيادة الحكمية لأجل ارتفاع القيمة السوقية.

الأوّل: الزيادة العينية المنفصلة

لا شكّ في تعلّق الخمس بالزيادة العينية المنفصلة عند حلول السَّنة، لأنّها غنيمة وفائدة فلو قلنا بكفاية ظهور الربح في تعلّق الوجوب، فيتعلّق عنده وإلاّ فعند الانضاض.

الثاني: الزيادة العينية المتصلّة

إنّ في الزيادة العينية المتصلة كالسمن في الغنم والنمو في الشجر، وجوهاً واحتمالات:


صفحه289

1. ما حكم به السيد الطباطبائي اليزدي من تعلّقِ الخمس بها من غير تفصيل، وجهه: صدق حصول الفائدة حيث كان فاقداً لها، حيث كان الشجر فسيلاً فصار شجراً كبيراً، وكان الحيوان سِخالاً، فصار غنماً.

2. ما أفاده السيّد الاصفهاني في تعاليقه على المتن من التفصيل، بين ما إذا كان المقصود من إبقائها الانتفاع والتكسب بعينها، كالأشجار غير المثمرة التي يُنتفع بخشبها وما يقطع من أغصانها، وكالأغنام الذكور التي تبقى لتُسمن فينتفع بلحمها، فيجب الخمس في نمائها المتصل، وأمّا ما كان المقصود، الانتفاع والتكسب بنمائها المنفصل كالأشجار المثمرة والأغنام الإناث التي ينتفع بنتاجها ولبنها فإنّما يتعلّق الخمس بنمائها المنفصل دون المتصل.

3. عن صاحب العروة في المسألة 55 تفصيل آخر، وحاصله: التفصيل بين من عمّر البستان للانتفاع بثمرها وتمرها، لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان، فالظاهر وجوب الخمس في نموّ أشجاره ونخيله والفرق بين التفصيلين واضح، فالأوّل يعتمد على التفصيل بين كون نفس النمو مقصوداً بالذات فيتعلّق بالنمو، وبين كون النمو مقصوداً بالتبع وكان الثمر والنتاج مقصوداً بالذات فلا يتعلّق بالنمو، والثاني يعتمد على التفصيل بين كون تأسيس البستان للتجارة بأصله وبيعه ومبادلته بشيء آخر، فيتعلّق بنموِّه، وبين إبقائه والانتفاع بثمره فلا يتعلّق بنموّه.

والظاهر عدم تعلّق الخمس بها في جميع الصور مطلقاً، إلاّ إذا حال وقت الانتفاع.


صفحه290

توضيحه: أنّ الميزان صدق الفائدة والعائدة لما عرفت من عدم اعتبار التكسب في لزوم تعلّق الخمس، فالكبرى مسلّمة، وإنّما البحث في الصغرى، وصدقها على الزيادة المتصلة مطلقاًحتى وإن لم يصل أوان الانتفاع، فالظاهر أنّه لا يعدّ النموّ في الأشجار فائدة إذا لم يصل وقت الاستفادة، ومثله السمن فلا يعدّ من الفوائد إلاّ إذا حان وقت القطع وبيع الحيوان، ولأجل ذلك جرت السيرة على عدم محاسبة النمو والسِّمَن في كلّ سنة، من غير فرق بين كون الهدف هو الانتفاع بنموها أو بثمرها من غير فرق بين كون الغاية من التأسيس هو الاتّجار بأصلها أو الانتفاع بثمرها، فلا يعدّ النمو من المنافع إذا لم يَحِن وقت الانتفاع به كقطع الشجر للبيع والحيوان للبيع.

والحاصل: أنّ النمو والسمن وكلّ زيادة متصلة لا يعدّ من العوائد السنوية إلاّ إذا حان وقت الانتفاع منهما على ما عرفت، وذلك فيما ساعدت الظروف لبيع نفس الشجر والحيوان لاما إذا اقتضى بقاءهما على حالهما.

وأمّا التفصيلان فلا يرجعان إلى محصل فإنّه إذا حان وقت الاستفادة من الزيادة المتصلة، عُدّت من العوائد والغنائم، سواء كان النمو هو المقصود أو غيره، وسواء كان التأسيس بنيّة الاتّجار بأصله أو الانتفاع بثمره، إذ الأثر مترتب على صدق عنوان الغُنْم والفائدة ولا يتحقّقان إلاّ إذا حان وقت الانتفاع وإنّما ذهبوا إلى هذا التفصيل بتصوّر أنّه يجب دفع الخمس في كلّ سنة سواء حان وقت الانتفاع أم لا.

هذا من غير فرق بين تملك الأصل عن طريق الميراث أو الإحياء أو


صفحه291

لأجل الصداق أو عوض الخلع أو عن طريق الشراء، فلا شكّ أنّه يصدق على الزيادة العينية أنّـها فائدة مطلقاً أو إذا حان وقت الانتفاع بها، على ما مرّ، وعلى ما ذكرنا في تعلّق الخمس عند وقت الانتفاع، لا فرق بين القول باختصاص الخمس بالتكسب أو عموميته له ولغيره، وذلك لصدق العنوان المزبور، عند بيع الأشجار والأغنام التي كبرت أو سمنت.

ولا ينافي ذلك ما سيوافيك من أنّ وقت تعلّق الوجوب هو ظهور الربح، لا وجوده أي انضاضه. وذلك لأنّ الشيء إذا كان ممّا لا يباع إلاّ بعد مضيّ سنين، ففي مثله لا يصدق ظهور الربح عرفاً (وإن كان يصدق عقلاً) إلاّ إذا حان وقت بيعهما على وجه يصير المطلوب حفظ المالية لا بصورته الشخصية، ولأجل ذلك اقتصرنا بما إذا حان وقت بيعه. فتلخّص أنّه يخمس كلّ زيادة متصلة إذا حان وقت البيع، من غير فرق بين كون المطلوب هو النمو، أو الثمرة.

الثالث: في الزيادة الحكمية

إذا أدّى خمسَ الأصل أو ملك وكان ممّا لا يتعلّق به الخمس، كما إذا ورث ثمّ عالت القيمة السوقية من غير زيادة في العين، فقد قسّمه السيد الطباطبائي اليزدي إلى قسمين:

الأوّل: فيما إذا كان المقصود هو صيانة ماليته وخصوصيته والانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، كما إذا اشترى بستاناً ليتّجر بثمرها، أو سيارة ليؤجرها، وهذا ما يعبّر عنه بالاقتناء كان الانتفاع لسدّ


صفحه292

الحاجة أو لازدياد الثروة فقال السيد الطباطبائي: لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن إذا باعها. فلا يتعلّق بها الخمس إلاّ إذا باعها فيتعلّق الخمس بتلك الزيادة من الثمن.

الثاني: إذا كان المقصود هو التحفظ على ماليّته دون الخصوصية كما إذا كان المقصود الاتّجار بها فيتعلّق الخمس بالزيادة بعد تمام السنة عند بيعها.

الصورة الأُولى: في الانتفاع بنمائها

إذا كان الهدف هو التحفظ على الخصوصية العينية لا إبدالها وبيعُها فارتفاع القيمة ونزولها لا يعدّ نفعاً ولا ضرراً نظير ارتفاع قيمة البيت الذي يسكنه الإنسان ويعدّ من المؤونة فلا يعدّ الارتفاع انتفاعاً ولا النزول ضرراً.

هذا إذا كان الأصل ممّا لم يتعلّق به الخمس أو تعلّق به ولكنّه أدّاه، وإلاّ فلا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة لوضوح أنّ تمام العين متعلّق للخمس بنحو من الأنحاء وإذا ارتفعت قيمة أربعة أخماسها ارتفعت قيمة خمسها، فيجب الخروج عن عهدة التكليف بأداء خمس قيمتها الفعلية.

يلاحظ عليه: أنّه بإطلاقه غير تامّ ، وذلك لأنّ الادّخار قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحياء أو بالنكاح كالمهر، فربّما يصحّ أن يقال لم يربح شيئاً إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر فقد كان مالكاً للبستان قبل عشرين سنة والآن أيضاً ملكه، زادت قيمته أو نقصت، وذلك لأنّه لا يتعلّق الخمس بالإرث مطلقاً وإن بقيت التركة وزادت قيمته، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإطلاق، نعم لو باعها لم يبعد


صفحه293

وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن هذا، ويتعيّن ما علّقه السيد البروجردي عليه بقوله، لكن الأقوى عدمه إذا كان المقصود ما ذكرناه من الصورة .

وقد يفرض فيما إذا ملك بالمعاوضة أو بالثمن والظاهر أنّه محط نظره لقوله: «لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة في الثمن» ففي مثله الأقوى تعلّق الخمس لصدق الفائدة بالتبديل، وعلى ذلك لا يصحّ ما ذكر السيد البروجردي في المقام.

وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده السيد الحكيم من التفصيل بين ما إذا ملكها بغير معاوضة فباعها كما لو ورثها فباعها أو وهبت له فباعها فلا يتعلّق الخمس بالزيادة، وبين ما إذا كان ملكها بالمعاوضة للاقتناء فزادت قيمتها فباعها بأكثر من الثمن وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة.(1)

وعلى ذلك فيدخل فيه ما إذا ملكها من طريق الإحياء أو كانت صداقاً أو عوض الخلع فلا يتعلّق بالزيادة خمس وإن تحقّق البيع.

والتفصيل مبني على ما ذكرنا من أنّه إذا ملكها بالمعاوضة يصير ما دفعه من العوض مأخذاً للحكم بالغنم والخسران، دون ما إذا ملكه بغير هذا الطريق فليس هنا أساس للحكم بأحدهما، وليس البيع عندئذ إلاّ تبديل مال الإرث بغيره، ولا يطلق على مثله الفائدة، فلو باع العين بأعلى الثمن لا يصدق عليه أنّه استفاد شيئاً، بل بدّل عيناً مكان عين أُخرى لا أنّه ربح وغنم.

اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه إذا كان الميزان في صدق الغنم والفائدة هو قيمة


1 . المستمسك: 9/527.


صفحه294

العين يوم ورث أو وهب، فإذا زادت بعد سنين، فلماذا لا يعدّ الزيادة غنماً وفائدة عند البيع؟ ولولا اتّفاقهم على عدم الخمس في الميراث والأرض المحياة عند ارتفاع القيمة لكان للتأمّل في هذه الصورة مجال.

وربّما يفصّل في صورة الادّخار بين ما إذا باعها بجنس الثمن الذي اشترى به كما إذا اشترى الغنم بخمسين ديناراً لينتفع من ألبانها وأصوافها ثمّ باعه بمائة، فيتعلّق الخمس بالخمسين، وما إذا باعها بغيره كما إذا باعه بالبقر فلا يتعلّق به الخمس في الصورة الثانية، لعدم صدق الزيادة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الميزان هو المالية، فلا فرق فيما إذا ملك من طريق الاشتراء بين بيعها بالثمن الذي اشتراه أو بغير ذاك الثمن من النقود أو بالعروض، فالميزان ارتفاع ماليته ولا نظر إلى الخصوصية من الريال والدولار أو اللّيرة أو العروض.

فما عن السيد الحكيم من التفصيل ـ بين ما إذا اشتراها للاقتناء فباعها بغير الثمن، كما إذا اشترى فرساً بدينار فباعها ببقرة أو بدراهم مع زيادة قيمتها فلا خمس عليه لعدم الزيادة المالية، وبين ما إذا باعها بأكثر من الثمن الذي اشترى به وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة(2) ـ غير تام.

الصورة الثانية: في الاتجار بنمائها

إذا كان المقصود الاتجار بنمائها فيتعلّق الخمس إذا باعها وأخذ قيمتها.


1 و 2 . المستمسك: 9 / 527 .


صفحه295

 

إذا اشترى عيناً فزادت قيمتها ولم يبعها

إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة، لعدم تحقّقها في الخارج، نعم لو لم يبعها عمداً بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه.

حاصله: التفصيل بين النزول بعد الارتفاع في أثناء السنة أو بعد السنة فلا يضمن في الأوّل، لعدم تحقّق الزيادة في الخارج دون الثاني.

ويرد على تعليل عدم الضمان في الصورة الأُولى «لعدم تحقّقها في الخارج» بأنّها كيف لم تتحقق مع أنّ المفروض ارتفاع قيمة العين أثناء السنة وإن نزلت قبل انتهائها؟ والأولى، التعليل بكونه مأذوناً في الإبقاء وعدم البيع إلى آخر السنة والإذن فيه آية عدم الضمان.

وإن شئت قلت: إنّ الفائدة تحقّقت لكن لم تستقر إذ الاستقرار عبارة عن بقاء العين على تلك الحالة إلى أن تتم السنة.

ثمّ إنّ الضمان في الصورة الثانية، أي نزول القيمة بعد السنة لابدّ له من وجه، وليس هو إلاّ قاعدة الإتلاف بصوره المختلفة:

1. إتلاف ذات العين.

2. إتلاف منافعها كجنس الدابة المعدة للإكراء.


صفحه296

3. إتلاف صفاتها الصحية أو الكمالية على ما قوّيناه من ضمان الصفات مطلقاً.

4. إتلاف ماليّته، كغصب الثلج في الصيف وأداء مثله في الشتاء، أو ردّ النقود عند سقوطها عن الرواج، والكل غير متحقق في المقام، وإنّما المتحقّق هوحبسها عند وجود الرغبة الأكيدة ودفعها عند قلّتها، فليس ذلك من مواردها حتى في الغصب، فكيف في المقام؟ فلو غصب الدابة عند ارتفاع قيمتها ودفعها بعد نزول قيمتها صحيحة فلا يكون ضامناً للزيادة.

ثمّ إنّ القول بالضمان على الوجه الثالث (تعلّقه بالذمة وكون العين كالرهن) مبني على تعلّق وجوب الخمس بظهور الربح، وهو أمر غير مسلّم عندهم.

1. قال صاحب الحدائق: وهل يكفي ظهور الربح في أمتعة التجارة أم يحتاج إلى البيع والانضاض؟ وجهان ولعلّ الثاني هو الأقرب.(1)

2. وقال المحقّق الهمداني: ولا عبرة بزيادة القيمة السوقية، لأنّها أمر اعتباري لا يعدّ ربحاً بالفعل، ولذا يقال عرفاً: إنّه لو باعه بتلك القيمة كان يربح فمتى باعه بأكثر من رأس ماله دخلت حينئذ في الأرباح.(2)ولكن صريح الشيخ الأعظم خلاف ذلك، فقال: ثمّ إنّ الظاهر تعلّق الوجوب بمجرّد ظهور الربح من غير حاجة إلى الانضاض فتصدق الاستفادة بمجرّد ذلك.(3)


1 . الحدائق:12/354.

2 . مصباح الفقيه:14/124.

3 . الخمس: 195.


صفحه297

وهو الظاهر من صاحب الجواهر قال: ثمّ لا فرق في الربح بين النماء والتولد وارتفاع القيمة ولو للسوق كما صرّح به في الروضة وغيرها لصدق الربح والفائدة، لكن في المنتهى ـ واستجوده في الحدائق ـ : «لو زرع غرساً فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب عليه الخمس في الزيادة، أمّا لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه ولم يبعه لم يجب عليه».(1)

ويظهر من تعاليق السيد المحقق البروجردي عدم تعلّق الوجوب إلاّ بالبيع.

والحقّ أنّ المسألة مبنية على كيفية تعلّق الخمس بالعين، ويتفاوت الحكم بالضمان مع تفاوت المباني، فلو قلنا: بأنّ الخمس يتعلّق على العين بالإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، وأنّ السادة شركاء في العين، فلا وجه للضمان، لبقاء العين، وليس ارتفاع القيمة إلاّ زيادة اعتبارية تتصف بها العين اعتباراً بارتفاعها ونزولها.

ولو قلنا: بتعلّقه بالذمّة المحضة، أو بها مع كون العين متعلّقة له كتعلّق حقّ المرتهن بها، فللضمان وجه، لأنّه استقر خمس القيمة المرتفعة على الذمّة حسب الفرض عند انتهاء السنة.

ولو قلنا: بأنّ متعلّقه هو خمس مالية العين بلا تعلّقه بالذمّة، ولا يتجدّد إلاّ بتبديل العين إلى القيمة والمفروض عدمه، فلا وجه أيضاً للضمان كما لا يخفى، لبقاء ماليّة خمس العين.


1 . الجواهر:16/57.


صفحه298

 

إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً

إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله.

لا يخفى أنّ ما أفاد صاحب العروة في المقام من التفصيل بين كون قصده من تعمير البستان الاقتناء والتحفظ بالأعيان والانتفاع بالثمر، وبين كون قصده هو الاكتساب بأصل البستان، ينافي ما تقدّم منه في المسألة (53) من الحكم بالخمس في الزيادة المتصلة من غير تفصيل موجود هناك.

ثمّ إنّ البستان الذي ينتفع من ثمره مع التحفظ على عينه، تارة يعدّ من المؤونة، كما إذا انتفع هو وعائلته من ثمار البستان واستغنوا بذلك عن اشترائها من السوق، وأُخرى يكون معدّاً للاتجار كبيع ثمارها في السوق فيتجر بمنافعه دون أعيانه كالسائق الذي يكتسب بأُجرة السيارة، فالظاهر تعلّق الخمس في كلا القسمين بالزيادة العينية إذا حان وقت قطع الشجر، وكون الثمرة مؤونة لا يكون سبباً لعدم تعلّقه بالأصل إذا عدّت فائدة، كما إذا أراد قطع أشجار البستان وتبديلها إلى أرض زراعية.

إذا كان له أنواع من الاكتساب

يمتاز خمسُ الأرباح عن سائر ما يتعلّق به الخمس بتعلّقه على ما زاد


صفحه299

عن مؤونة الشخص في السنة بخلاف غيره فلا تستثنى منه مؤونة الشخص، وإنّما يتعلّق بنفس الخارج عن المعدن وغيره بعد وضع مؤونة الإخراج والتحصيل، وسيوافيك أنّ اعتبار الحول هنا ليس بمعنى توقف الوجوب على مضيّ الحول، بل بمعنى جواز تأخير إخراجه احتياطاً له، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أو نقصها.

وعندئذ فلو كان للكاسب نوع واحد من الكسب، فلا شكّ في أنّ الفاضل من المؤونة يتعلّق به الخمس، وأمّا إذا كان له أنواع من الاكتساب وأصناف من الأرباح المختلفة من حيث الزمان، فهل يضم بعضها إلى بعض ويحسب المجموع ربحاً واحداً لسنة واحدة وتستثنى المؤونة من مجموع تلك الأرباح أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله ولكل سنةٌ مستقلة؟

وعلى ذلك فلو ربح في النصف الأوّل من العام مبلغاً من التجارة وتوقف أمره، وربح من الزراعة في النصف الثاني من السنة، فلو قلنا بملاحظة كلّ ربح مستقلاً فالمؤونة المصروفة بين الربحين تستثنى من الربح الأوّل فقط ولو كان غير واف بها فلا يجبر من الثاني، والمؤونة المصروفة في النصف الثاني إلى آخر السنة تستثنى من كلا الربحين كما أنّ المؤونة المصروفة في النصف الأوّل من السنة الثانية تختص بالربح الثاني.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام فللمجموع سنة واحدة تنتهي بانتهاء السنة الأُولى أو بدخول الشهر الثاني عشر على الخلاف الآتي، فالمؤونة تُستثنى من مجموع الربحين ومؤونة السنة الثانية تستثنى من الأرباح الحاصلة فيها; وممّن اختار القول الأوّل هو الشهيد في الروضة حيث قال: ولو حصل


صفحه300

الربح في الحول تدريجاً اعتبر كلّ خارج عام بانفراده، نعم تُوزَّع المؤونة في المدّة المشتركة بينه و بين ما سبق عليها ويختص الربح المتجدّد بالباقي.(1)

وعلى ذلك فلو ربح في كلّ شهر مقداراً قليلاً صرفه في مؤونته، ولكنّه ربح في الشهر الآخر أضعافاً مضاعفة لا يتعلّق الخمس إلاّ بعد مضي أحد عشر شهراً عليه، بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام، فإنّه يتعلّق به وتتم السنة بانتهاء ذلك الشهر.

وعلى كلّ تقدير فالانضمام هو الأظهر .و ربّما يستدل عليه بقوله (عليه السلام)في صحيحة علي بن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» حيث يستظهر منه أنّ مجموع الغنائم تلاحظ غنيمة واحدة والأرباح ربحاً واحداً، وعند ذلك تخرج المؤونة من المجموع.

يلاحظ عليه: الفقرة المزبورة ليست في مقام بيان انضمام الفوائد بعضها إلى بعض أو لحاظها مستقلاً، بل هو بشهادة السياق في مقام بيان أنّه (عليه السلام) لم يسقط خمس الغنائم والفوائد، بل أوجبه في كلّ عام بخلاف غيره فقد خفف فيه الأمر، بل أسقط خمس البعض واكتفى في بعضها الآخر بنصف السدس، وأمّا كيفية ملاحظة العام في الفوائد فليست بصدد بيانها.

والأولى أن يقال: إنّ المستثنى من الخمس إذا كان هو مؤونة السنة بصورة وحدانية لا «مؤونات» فهو ملازم عرفاً كون المستثنى منه أيضاً هو ربح السنة بهذه الصورة، ولازم ذلك انضمام الأرباح بعضها إلى بعض وإخراج المؤونة عن الجميع، ويوافقه الاعتبار العرفي، فالضرائب الموضوعة


1 . الروضة البهية: 1/182، كتاب الخمس.


صفحه301

على أرباح الكسبة والتجار عند الدول في كلّ سنة على أساس ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض ووضع المؤونة من الكل لا محاسبة كلّ ربح مستقلاً وتتبعه المؤونة.

وربما يستدل على القول الآخر بموثقة سماعة قال : سألت أبا الحسن عن الخمس؟ قال (عليه السلام) : «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1) حيث إنّ المستفاد انحلال الحكم، فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس، كما هو الحال في المعادن والكنوز.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه بصدد بيان أنّه لا فرق في متعلّق الخمس بين القليل والكثير، وأنّه يتعلّق بكلّ شيء لا أنّ كلّ ربح في أثناء السنة موضوع مستقل.

أضف إلى ذلك أنّ لحاظ المؤونة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب العسر فيمن يربح وقتاً دون وقت وربّما يتخلل الفصل الطويل وأُخرى الفصل القصير وإن لم يكن كذلك فيمن يربح كلّ يوم تقريباً أو في فترات يسيرة، فإنّ أقصى ما يلزم في هاتين الصورتين أداؤه قبل انتهاء السنة وهو أمر جائز، وإنّما يسوغ التأخير إلى نهاية السنة احتياطاً للمكتسب لاحتمال تجدد مؤونة غير مترقبة عند ظهور الربح.

اشتراط الاستقرار في وجوب خمس الربح والفائدة

الرائج في البيع الخياري هو بيع العين بأقلّ من القيمة العادية، لأنّ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.

2 . مستند العروة الوثقى: 241، كتاب الخمس.


صفحه302

تزلزل العقد يوجب عدم الرغبة إلى شرائها بقيمتها الواقعية ، و مع ذلك لا يصدق الربح ولا يقال إنّ المشتري ربح في حال كون العقد في معرض الزوال والتزلزل.

لكنّ هنا أُموراً يجب التنبيه عليها:

1. هل المراد الاستقرار الشرعي بانقضاء الخيار أو بإسقاطه في ضمن عقد لازم، أو يكفي الاستقرار العرفي؟ كما إذا علم المشتري بعدم قدرة البائع على ردّ مثل الثمن أو انتقاله إلى بلد ناء لا ينتفع بالخيار معه، ولا يبعد كفاية الاستقرار العرفي، إذ يصدق في العرف أنّه ربح وغنم.

2. أنّ ما ذكره من التزلزل إنّما يجري في أصل العين المشتراة ونمائها المتصل وارتفاع القيمة، وأمّا المنافع المستوفاة فإنّما يتعلّق بها الخمس لو زاد على المؤونة، لكونها ملكاً للمشتري مطلقاً، لازماً كان العقد أو جائزاً، لكون العين ملكاً للمشتري وإن كان متزلزلاً ومنافعها المستوفاة له، خلافاً للشيخ حيث قال: يتوقف ملكية العين ومنافعها على انقضاء زمان الخيار.

3. هذا كلّه إذا لم يتصرّف في العين، ولو باعها المشتري ـ بناء على جوازه ـ وإن كان الخيار للبائع لكونه ملكاً له فربح يتعلّق به الخمس، ولو فسخ البائع الأوّل فلا ينفسخ العقد الثاني، بل يجب على المشتري ضمانه بردّ مثله أو قيمته كما هو مقرّر في محلّه.

4. إذا كان العقد في السنة الأُولى في عام تجارته وصار مستقراً في السنة الثانية، فهل الربح من أرباح السنة الأُولى فيقسط مؤونتها عليه، أو من


صفحه303

أرباح السنة الثانية فلا تقسط مؤونة السنة الأُولى عليه بل تستثنى منه مؤونة الأخير؟ وجهان، من وقوع العقد في السنة الأُولى والاستقرار أخذ بنحو الشرط المتأخر وقد حصل فيكشف عن إيجابه في الأُولى، ومن عدم صدقه إلاّ بالاستقرار وهو حصل في السنة الثانية، ولعلّ الثاني هو الأوفق بالاعتبار العرفي وللسيد المحقّق الخوئي في المقام تفصيل آخر فلاحظ.

لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار

لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس إلاّ إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.

حاصله أنّه إذا كانت الإقالة في أثناء السنة وكانت موافقة لشأن المقيل، فيعدّ الإعراض عن الربح بمنزلة الأُمور التي لا تعدّ إسرافاً وتبذيراً كالعطاء والهبة، وأمّا إذا لم يوافقه أحد الأمرين كما إذا كانت بعد تمامية الحول، أو كانت الاستقالة غير موافقة بشأنه فلا يسقط، لاستقرار الخمس في ذمّته في الأوّل، وكون الاستقالة إسرافاً وتبذيراً وخارجاً عن المؤونة المستثناة في الثاني.

ولكن الظاهر جواز الاستقالة في أثناء السنة مطلقاً للأمر بقبول الإقالة.


صفحه304


صفحه305

الرسالة الرابعة والأربعون

   

في أقسام العمرة


صفحه306


صفحه307

أقسام العمرة

العمرة بمعنى الزيارة، وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده، ولا تختص بزمان خاص، ففارقت الحج، هذا إذا كانت مبتولة.(1)

تنقسم العمرة إلى: واجب أصلي كالحج، وواجب عرضي كالواجب بالنذر أو بإجارة، ومندوبة كالعمرة الثانية في من أتى الواجب الأصلي، وبدعيّة كالعمرة المفردة بين عمرة الحجّ المتمتع بها والحج.

وجوب العمرة بأصل الشرع

تجب العمرة كالحجّ على كلّ مكلّف مستطيع مرّة واحدة بالشرائط المعتبرة في الحجّ .

قال الشيخ في «الخلاف»: العمرة فريضة مثل الحجّ. وبه قال الشافعي في «الأُم» وبه قال: ابن عمر، وابن عباس، وسائر الصحابة; ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء; وفي الفقهاء: الثوري، وأحمد، وإسحاق.

قال ] الشافعي[ في القديم: سنّة مؤكّدة، وما علمت أحداً رخّص في


1 . منتهى المطلب: 10/9، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.


صفحه308

تركها، وإليه أومى في أحكام القرآن، وأمالي حرملة، و به قال في الصحابة: ابن مسعود، وهو قول: الشعبي، ومالك وأبي حنيفة وأصحابه. ثمّ أخذ بالاستدلال بالآيات والروايات.(1)

وقال العلاّمة في «المنتهى»: العمرة فريضة مثل الحجّ، ذهب إليه علماؤنا أجمع. وبه قال علي(عليه السلام)، وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر و سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء، وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق، وقال مالك وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إنّها نفل وليست فرضاً. وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان.(2)

فقد استدلّوا على وجوبها بالكتاب والسنّة.

أمّا الكتاب فاستدلّوا على وجوبها بآيتين:

1. قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً)(3) فحجّ البيت قصده لإتيان الأعمال المركّبة من العمرة والحج في التمتع، والحج والعمرة في غيره، ويدلّ على ما ذكرنا من التفسير صحيحة عمر بن أذينة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: «لا ولكنّه يعني الحج والعمرة جميعاً، لأنّهما مفروضان». رواها الصدوق في


1 . الخلاف:2/262، المسألة28.

2 . منتهى المطلب :10/17، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.

3 . آل عمران:97.


صفحه309

«العلل»، كما رواها العياشي في تفسيره مرسلاً عن عمر بن أذينة.(1)

2. قوله سبحانه: (وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ)(2) بأنّ الأمر للوجوب، ولأنّ العطف بالواو يقتضي التسوية، وقال ابن عباس: إنّها لقرينة الحج في كتاب اللّه.(3)

وقال الشيخ بعد ذكر الآية: والإتمام لا يتم إلاّ بالدخول، فوجب الدخول أيضاً.(4)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآية تدلّ على وجوب الإتمام ـ إن دخل ـ لا مطلقاً وإن لم يدخل.

وبعبارة أُخرى: الإتمام واجب مشروط بالدخول، وليس واجباً مطلقاً حتى تجب مقدّمته، فليس الدخول مقدّمة، بل شرط للوجوب.

نعم يظهر من الروايات صحّة الاستدلال به على وجوب العمرة عن أئمّة أهل البيت.

روى البيهقي في سننه عن علي (عليه السلام)قال: إتمامه أن تحرم بها من دويرة أهلك.(5)

وروى الفضل أبو العباس ] البقباق[، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه


1 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث7و 9.

2 . البقرة:196.

3 . المنتهى: 10 / 17 ـ 18، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.

4 . الخلاف:2/263، المسألة28.

5 . سنن البيهقي:4/341و 5/30.


صفحه310

عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)قال: «هما مفروضان».

وروى زرارة، عن أبي جعفر قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لأنّ اللّه تعالى يقول:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) وانّما نزلت العمرة بالمدينة».(1)

وعلى هذا فالمراد من الإتمام هو إقامتها على ما هما عليه لا إكمالهما، ولذلك فسّره في المجمع بقوله: أقيموهما إلى ما فيها، وهو المروي عن:
أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعن سعيد بن جبير، ومسروق، والسدي.(2)

وقال في «لسان العرب» قوله عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)قيل إتمامهما: تأدية كلّ ما فيهما من الوقوف والطواف وغير ذلك.(3)

نعم ذيل الآية ـ أعني قوله: (فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَديُ مَحِلَّه)ـ يناسب تفسير الإتمام بضم أجزائه الأخيرة بما أتى لا بمعنى إتيان الشيء، واللّه العالم.

وأمّا السنّة فقد عقد في «الوسائل» باباً وقال: «باب وجوبها على المستطيع» أورد فيه اثني عشر حديثاً، مع اتّحاد بعضها ببعض. فعن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« العمرة مفروضة مثل الحجّ».(4)


1 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث1، 2.

2 . مجمع البيان:1/290.

3 . لسان العرب: 2/53، مادة «تمم».

4 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث5.


صفحه311

والحاصل: أنّه لا شبهة في وجوبها حسب الكتاب والسنّة، وعرفت قول الشافعي إنّه سنّة لم يرخّص أحد في تركها. ولا يعتدّ بمخالفة أصحاب الرأي كأبي حنيفة، لقلّة اعتدادهم بالسنّة.

وجوب العمرة فوري

قال العلاّمة في «التذكرة»: ووجوب الحجّ والعمرة على الفور لا يحل للمكلّف تأخيره عند علمائنا أجمع. وبه قال: علي (عليه السلام)، ومالك وأحمد والمزني وأبو يوسف، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ، ومن أصحابه من قال: هو قياس مذهبه.(1)

وقال في« الجواهر»: تجب الفورية التي ليست بتوقيت عندنا.(2)

لا يخفى أنّ تفسير الفورية لا بنحو التوقيت إنّما ينطبق على العمرة المبتولة التي ليس معها حجّ، والعمرة المستمتع بها إلى الحجّ.

أمّا الأُولى فلو قلنا بوجوبها ـ كما مرّ ـ فيجب فوراً ففوراً، ولا يسقط وجوبها بتأخيرها من شهر إلى شهر آخر.

أمّا الثانية فبما أنّها ـ مع الحج ـ عمل واحد حيث دخلت العمرة إلى الحجّ، فالفورية فيها هو نفس الفورية في الحجّ بمعنى حرمة التسويف لكن مع عدم سقوط وجوبها بالتأخير من سنة إلى سنة.


1 . التذكرة:7/17ـ 18، المسألة8.

2 . الجواهر:20/447.


صفحه312

وأمّا العمرة المفردة التي معها الحج فيظهر من صحيحة معاوية بن عمار أنّ وقتها هو بعد مضي أيام التشريق ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل جاء حاجاً ففاته الحج ولم يكن طاف، قال (عليه السلام): «يقيم مع الناس حراماً أيام التشريق ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ، وعليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم».(1)

و جوّز الشهيد تأخيرها إلى استقبال المحرم.(2)

وأورد عليه في «المسالك» بقوله: ويشكل بوجوب إيقاع الحج والعمرة المفردة في عام واحد، إلاّ أن يريد بالعام اثني عشر شهراً، ومبدؤها زمان التلبّس بالحج.(3) وعلى أيّ تقدير فالفورية فيها بمعنى التوقيت.

وعلى كلّ تقدير فالذي يدلّ على فورية العمرة هو ما مرّ غير مرّة، من أنّ مقتضى التكليف هو الفورية، وأنّ التأخير يحتاج إلى البيان.

وبعبارة أُخرى: تكليف المولى لا يترك بلا عذر، فلو صرّح بجواز التأخير فهو عذر وإلاّ فلا مسوّغ لتأخيره.

هل يشترط في وجوب العمرة استطاعة الحج؟

إنّ مقتضى عطف العمرة على الحج، في الآيات والروايات هو كون كلّ منهما واجباً مستقلاً، يكون وجوب كلّ رهن الاستطاعة إليه، فلو استطاع


1 . الوسائل: ج 10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3.

2 . الدروس:1/ 337، الدرس88.

3 . المسالك:2/501.


صفحه313

للعمرة المفردة دون الحج يجب، وهكذا العكس، كما هو الحال في الحجّ المفرد.

وهناك قولان آخران:

1. انّ كلاً منهما لا يجب إلاّ عند الاستطاعة للآخر. حكاه النراقي ولم يذكر القائل.(1)

وفي «الجواهر»: أرسله غير واحد لكن لم أعرف القائل به.(2)

2. وجوب العمرة رهن الاستطاعتين دون الحج، وهو خيرة الشهيد قال: ولو استطاع لها خاصة لم يجب، ولو استطاع للحج مفرداً دونها فالأقرب الوجوب.(3)

والحقّ هو القول الأوّل، ويعلم وجهه ممّا تقدّم من أنّهما مفروضان مستقلاّن. فظهر من ذلك: أنّ من استطاع العمرة المفردة يجب الإتيان بها.

هل تجزي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة؟

العمرة المتمتّع بها تجزي عن العمرة المفردة المفروضة، قال النراقي: إجماعاً فتوىً محقّقاً ومنقولاً ونصّاً.(4)

قال العلاّمة: تجزي عمرة التمتّع عن العمرة المفردة، وهو قول علمائنا كافّة.(5)


1 . المستند:11/160.  

2 . جواهر الكلام:20/444.

3 . الدروس:1/338، الدرس88.   

4 . مستند الشيعة:11/160.

5 . المنتهى: 13 / 196، في حج النذر والعمرة، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.


صفحه314

وقال المحقّق: ولا تصحّ ] عمرة المتمتّع بها [ إلاّ في أشهر الحج(شوال وذوالقعدة وذوالحجة). وتسقط المفردة معها.(1)

وقال في «الحدائق»: ويجب أن يعلم أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض وجوبها.(2)

وقال في «الجواهر»: لا خلاف في إجزاء العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة.(3)

وقد عقد في «الوسائل»: باباً وقال: باب «من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض العمرة» وأورد فيه ثماني روايات، نقتصر على واحدة.

صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(4)

وتظهر الثمرة في موردين:

1. إذا تمتع النائي، فيسقط وجوب العمرة المفردة عنه، وقد عرفت وجوبها عليه وأنّ العمرة والحجّ واجبان مستقلان.

2. إذا قلنا بوجوب العمرة المفردة للنائي ـ كما سيأتي في الفرع الآتي ـ يسقط وجوبها بعمرة التمتع، وعلى هذا تكون الثمرة الثانية متوقّفة على وجوب العمرة المفردة للنائي الذي يأتي فيه الكلام في الفرع الثاني.


1 . الشرائع:1/302 تحت عنوان «الرابع: في أقسام العمرة».

2 . الحدائق:16/331.  

3 . الجواهر:20/448.

4 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1. ولاحظ سائر الأحاديث.


صفحه315

 

هل تجب العمرة المفردة على مَن وظيفته حج التمتع ؟

إذا استطاع مَنْ وظيفته حجّ التمتّع على العمرة المفردة، ولم يكن مستطيعاً للحج، فهل تجب عليه العمرة ، مثلاً كما إذا فرغ الأجير عن عمل النيابة وتمكن من العمرة المفردة فقط، أو إذا تمكّن منها في شهر رجب فهل تجب عليه أو لا؟ ذكر السيد الطباطبائي أنّ عدم الوجوب هو المشهور، وانّ بعضهم أرسله إرسال المسلّمات.

ما ادّعاه من الشهرة لم أقف عليها. وقولهم: يجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة،(1) أو قول المحقّق: وتسقط ] العمرة [ المفردة معها ] عمرة التمتع [، (2) دالّ على خلاف ذلك حيث إنّ المستفاد من هذه التعابير أنّ الأصل هو العمرة المفردة غاية الأمر تقوم عمرة التمتع مكانها، وعلى ذلك لو استطاع على الأصل، دون الفرع فيجب الإتيان به.

قال العلاّمة في «المنتهى»: تُجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة وهو قول العلماء كافّة.

روى الشيخ في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا تمتّع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(3)

وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قول


1 . المنتهى: 13 / 196 .  

2 . الشرائع:1/302.

3 . الوسائل: ج 10، الباب 5 من أبواب العمرة، الحديث1.


صفحه316

اللّه عزّوجلّ(وأتموا الحجّ والعمرة للّه) يكفي الرجل إذا تمتّع بالعمرة إلى الحجّ مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: «كذلك أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه»(1) ولأنّه أتى بالعمرة متقدّمة فتكون مجزية عن المفردة.

ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «نعم» ، قلت: فمن تمتع يجزئ عنه؟ قال: «نعم»(2).(3)

وهذه الروايات الصحيحة مع ما ورد من الإطلاقات في باب وجوب العمرة التي نقلها صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب العمرة تشهد على خلاف ما نسب إلى المشهور.

نعم يظهر ممّن خصّ المفردة بحاضري المسجد الحرام، كما في «الشرائع» حيث قال: والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام، وتصحّ في جميع أيام السنة. (4)

اختصاص المفردة بالقريب وليست وظيفة النائي إلاّ عمرة التمتّع

وبذلك يعلم وجود التنافي بين عبارتي المحقّق في «الشرائع» حيث قال:


1 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث 3.

3 . المنتهى: 13 / 194، في حج النذر والعمرة.  

4. الشرائع:1/303.


صفحه317

1. «وتسقط المفردة معها» الحاكي عن وجوبها للنائي غاية الأمر تسقط بعمرة التمتع.

2. «والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام»، الحاكي عن اختصاص العمرة بالحاضر دون النائي، فلا معنى لإجزاء العمرة المتمتّع بها عن المفردة لعدم وجوبها للنائي بتاتاً; ولذلك قال في «المسالك»: وبين المفهومين تدافع ظاهراً.(1)

ويظهر من صاحب الجواهر اشتهار الفتوى بالوجوب في عصره حيث قال: وحينئذ يظهر لك ما في المعروف الآن في عصرنا من العلماء وغيرهم من وجوب عمرة مفردة على النائين عن غيرهم مع فرض استطاعتهم المالية، معلّلين بأنّ العمرة واجبة على كلّ أحد والفرض استطاعتهم لها فتجب وإن وجب عليهم الحجّ بعد ذلك مع حصول شرائط وجوبه.(2)

ما هو الحقّ في المقام؟

لا شك أنّ مقتضى إطلاق ما ورد في وجوب العمرة المفردة وجوبها على كلّ مستطيع إليها من غير فرق بين الحاضر والنائي، نظير:

ما رواه الفضل بن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في قول اللّه عزّ وجلّ: (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) قال: «هما مفروضان».(3)


1 . المسالك:2/497.

2 . الجواهر:20/450.

3 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 1.


صفحه318

وما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «العمرة مفروضة مثل الحج».(1)

وما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على مَن استطاع إليه سبيلاً».(2)

وملاحظة هذه النصوص ونظائرها تقوّي وجوب العمرة المفردة مطلقاً على عامّة الناس، غاية الأمر أنّ عمرة التمتّع تجزي عنها، وهذا لا يعني عدم وجوبها في حقّ من لا يستطيع حج التمتّع.

ولكن الذي يصدّ الفقيه عن الإفتاء بالوجوب والأخذ بالإطلاق الأُمور التالية:

1. تقسيم العمرة إلى قسمين

ما اشتهر بين الفقهاء من تقسيم العمرة الى متمتّع بها ومفردة.(3)

2. تقسيم الحج إلى ثلاثة

يقسّم الحج إلى: تمتّع وقران وإفراد.

ففي صحيح معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، وقران، وتمتّع بالعمرة إلى الحج، وبها أمر رسول


1 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 8 .

3 . الشرائع:1/302.


صفحه319

اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والفضل فيها، ولا نأمر الناس إلاّ بها».(1)

وقد تكرر ذلك التقسيم في كلماتهم(عليهم السلام)كقول الإمام الصادق (عليه السلام): «الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتّع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج».(2)

أو قول الإمام الباقر(عليه السلام): «الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج وساق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق الهدي، ورجل تمتّع بالعمرة إلى الحج».(3)

3. وجوب الإفراد والقران لحاضري المسجد الحرام

دلّت الروايات على أنّ الإفراد والقران وظيفة مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً.

روى زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام)قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)(4) قال: «يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً» .(5)


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب1 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.

2 . المصدر نفسه، الحديث 2.

3 . المصدر نفسه، الحديث 3.

4 . البقرة:196.

5 . الوسائل: ج 8، الباب6 من أبواب أقسام الحج، الحديث3، وغيره.


صفحه320

4. التمتّع وظيفة النائي أو الآفاقي

إنّ مَن يكون أهله وراء ثمانية وأربعين ميلاً، ويعبّر عنه بالنائي والآفاقي ووظيفته التمتّع، ولم يخالف في ذلك إلاّ عمر، وخالفه الصحابة وعلى رأسهم علي (عليه السلام) إلى أن ترك قوله.

روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لأنّ اللّه يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)(1) فليس لأحد إلاّ أن يتمتّع».(2)

5. السيرة المستمرة بين المسلمين

السيرة المستمرة بين المسلمين على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج وعدم الحكم بفسقه لو أخّر الاعتمار إلى أشهر الحج.

كلّ هذه الأُمور تشهد على أنّ العمرة وظيفة الحاضر دون النائي، وأنّ العمرة الواجبة على الآفاقي هي العمرة التي دخلت في الحج في السنة العاشرة من الهجرة، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من كونها فريضة، أي في موردها ومحلّها . والحاضر يأتي بها بعد الحج، والآفاقي في ضمن الحج.

وبعبارة واضحة: ما ورد في الباب1 من أبواب العمرة من الروايات الحاثّة على إتيان العمرة من قوله (عليه السلام): «هما مفروضان»، وقوله(عليه السلام): «العمرة


1 . البقرة:196.

2 . الوسائل: ج 8، الباب3 من أبواب أقسام الحج، الحديث2 وغيره.


صفحه321

واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ» أو قوله(عليه السلام)في تفسير قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حجّ البَيت): « الحجّ والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان» (1) ، ناظر إلى ردّ الفكر الخاطئ من لزوم تفكيك العمرة عن الحجّ الذي تبنّاه الخليفة بقوله: متعتان كانتا في عصر رسول اللّه حلالاً وأنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء.(2)

وكان عذره أمرين:

1. إنّي أخشى أن يعرّسوا بهنّ في الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً.

2. إنّ أهل هذا البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في مَن يطرأ عليهم.(3)

فتضافرت الروايات على الردّ لهذه الفكرة، ولذلك قال الإمام (عليه السلام): «دخلت العمرة إلى الحجّ إلى يوم القيامة» فالروايات الحاثّة على وجوب العمرة ناظرة إلى لزوم الإتيان بها مع الحجّ لا وجوبها مستقلاً وإن لم يكن مستطيعاً للحجّ.

هل تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد...؟

ذكر صاحب العروة أسباباً لوجوب العمرة وهي:

1. النذر، 2. الحلف، 3. العهد، 4. الشرط في ضمن العقد، 5. الإجارة،


1 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث 1، 2، 7.

2 . البيان والتبيين: 2 / 193; أحكام القرآن:1/290ـ 293; الجامع لأحكام القرآن:2/261.

3 . لاحظ: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/463.


صفحه322

6. الإفساد، 7. دخول مكة.

وأضاف المحقّق سبباً ثامناً وهو الفوات قال: قد تجب ] العمرة[: بالنذر، وما في معناه(العهد والحلف)، والاستئجار، والإفساد، والفوات.(1)

أمّا وجوب العمرة بالأسباب الخمسة فواضح، لعموم صحّة النذر واليمين، والعهد والشرط، والإجارة، إنّما الكلام في الثلاثة الباقية، أعني: الإفساد، والفوات، ودخول مكة.

أمّا الأوّل فالمراد هو إفساد العمرة قال النراقي: وبالإفساد، أي إذا أفسد عمرة يجب عليه فعلها ثانياً وإن كانت مندوبة كالحج على ما قطع به الأصحاب.(2) وأمّا إذا أفسد حجّه فالتحلّل بالدم، وسيوافيك الكلام في محله.

وأمّا الثاني ـ أعني: الفوات ـ : فالمراد إذا أحرم وفات منه الحج، فلم يدرك المواقف لا اختياريّها ولا اضطراريّها فلا محيص من الإحلال بعمرة مفردة .

قال المحقّق: من فاته الحج تحلّل بعمرة مفردة. (3) وسيوافيك الكلام في مسائل الحج.

وأمّا الثالث، فقال الشيخ : من دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والرسالة وزيارة الأهل، أو كان مكّيّاً فخرج لتجارة ثمّ عاد إلى وطنه، أو دخلها


1 . الشرائع:1/301.   

2 . مستند الشيعة:11/161.

3 . الشرائع:1/257.


صفحه323

للمقام بها، فلا يجوز أن يدخلها إلاّ بإحرام. وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي في «الأُمّ». ولأبي حنيفة تفصيل فقال: هذا لمن كانت داره قبل المواقيت، وأمّا إن كانت داره في المواقيت أو دونها فله دخولها بعد إحرام . والقول الآخر للشافعي: إنّ ذلك مستحب غير واجب قاله في عامة كتبه. وبه قال ابن عمر ومالك.(1)

وقال في «النهاية»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلاّ محرماً أيّ وقت كان، وقد رُخّص للمريض والحطّابة دخولها من غير إحرام.(2)

وقال في «المبسوط»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكّة إلاّ محرماً إمّا بحجّ أو عمرة، وقد روي جواز دخولها بغير إحرام للحطّابة والمرضى.(3)

وقال المحقّق: كلّ من دخل مكة وجب أن يكون محرما. (4) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاق الأصحاب على وجوب الإحرام.

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي وصف العمرة بالوجوب في مَن يدخل مكة وقال: «وتجب أيضاً لدخول مكة» وهل المراد الوجوب العقلي المقدمي أو الوجوب الشرعي؟

أمّا الأوّل فليس الدخول واجباً، حتّى تكون العمرة واجبة لأجل المقدّمية، وعلى فرض وجوبه فليست العمرة مقدّمة له.


1 . الخلاف:2/376، المسألة222.

2 . النهاية:247.

3 . المبسوط:1/355.

4 . الشرائع:1/252.


صفحه324

فإن قلت: إنّ الإحرام واجب لمن يريد الدخول، فإذا وجب الإحرام تجب العمرة، لعدم إمكان الإحلال بدونها.

قلت: إنّما يحرم الدخول بلا إحرام، وهو رافع للحرمة، كما أنّ مسّ المصحف حرام والوضوء رافع له، ولأجل ما ذكرنا صار السيد الطباطبائي يفسّر الجملة على وجه يرفع الإشكال وقال: بمعنى حرمته بدونها فإنّه لا يجوز دخولها إلاّ محرماً.

وعلى كلّ تقدير فقد تضافرت الروايات على عدم جواز الدخول إلاّ بإحرام، وقد عقد في «الوسائل» باباً ونقل فيه اثني عشر حديثاً، منها:

صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ مريضاً أو مَن به بطِن». ونحوه غيره.(1)

في حكم الحطّاب والحشّاش والمجتلب إذا دخلوا الحرم

قد ظهر ممّا ذكر أنّه لا يجوز دخول مكة إلاّ محرماً، وقد استثنى طوائف خاصة وردت في الروايات وكلمات الأصحاب.

فاستثنى الشيخ في «النهاية»: المريض، والحطّابة، نظير «المبسوط» كما مرّ.

واستثنى المحقّق صنفين:

1. مَن يكون دخوله بعد إحرامه قبل مضي شهر.


1 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث4.


صفحه325

2. مَن يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش. ولم يذكر المريض، ثمّ قال: وقيل من دخلها لقتال، جاز أن يدخل محلاً ، كما دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عام الفتح وعليه المِغْفَر.(1)

واقتصر السيد الطباطبائي بمن يتكرّر دخوله وخروجه كالحطّاب والحشّاش.

والمذكور في الروايات وكلمات الفقهاء عدّة عناوين:

1. الحطّاب والحشّاش والمجتلبين.

2. المرضى، خصوصاً المبطون.

3. الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام.

4. من دخل لقتال. وإليك التفصيل:

الأوّل: الحطاب والحشاش والمجتلب

فقد اتّفقت كلمتهم على أنّه يجوز لهم الدخول بلا إحرام، وقد تقدّم في كلام الشيخ في «المبسوط»، وقال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده.(2) والعمدة في ذلك هو النص.

ففي صحيح رفاعة بن موسى في حديث قال: وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الحطّابة والمجتلبة أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً».(3)


1 . الشرائع:1/252.  

2 . الجواهر:18/448.

3 . الوسائل: ج 9، الباب51 من أبواب الإحرام، الحديث2.


صفحه326

والمراد من المجتلبة من يجلب حوائج الناس من خارج البلد إليه، فيعمّ الجصّاص والحجّار ونقلة الميرة والرعاة. فيمكن أن يقال: إنّ جواز الدخول بلا إحرام حكم كلّ من له ذلك الشأن، سواء أكان داخلاً في العناوين السابقة أم لا.

وإن شئت قلت: من اتّخذ مهنة لازمها الخروج والدخول في كلّ يوم أو أُسبوع أو شهر.

ولكن جعل الفاضل الاصفهاني هذه العناوين كناية عمّن يتكرر دخوله في كلّ شهر، قال: «إلاّ المتكرر» دخوله كلّ شهر بحيث يدخل في الشهر الذي خرج، «كالحطّاب» والحشّاش والراعي وناقل الميرة، ومَن له ضيعة يتكرّر لها دخوله وخروجه إليها، للحرج. (ثمّ نقل صحيح رفاعة على ما نقلناه).(1)

ولكن التعامل معه مشكل، لابتنائه على تخريج المناط الممنوع في الشرع، فأقصى ما يمكن أن يقال: من كان مهنته مقتضية للخروج والدخول يومياً أو أُسبوعياً أو شهرياً.

وبذلك يعلم أنّ من يتردد بين مكة وجدّة أحياناً لأجل عيادة المرضى في جدّة، لا يدخل إلاّ بإحرام إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، ومثله المدرّس الذي يخرج من مكة إلى خارج الحرم لأجل التدريس، فالجميع لا يدخلون إلاّ بإحرام، وليس هذا أمراً حرجياً، إذ غاية ما يجب عليه الإحرام في كلّ شهر وإتيان العمرة معه وليس هذا أمراً شاقاً في كلّ شهر.


1 . كشف اللثام:5/304.


صفحه327

 

الثاني: المرضى، خصوصاً المبطون

فقد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن».(1)

وفي الصحيح عن عاصم بن حميد قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلاّ محرماً؟ قال: «لا إلاّ مريض أو مبطون».(2)

ومقتضى الروايتين سقوط الإحرام عن المريض، وقد أفتى به الشيخ في «النهاية».(3)

والمحقّق في «المختصر النافع».(4)

ولكن يعارضها صحيحة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالاً، قال: «لايدخلها إلاّ محرماً».(5)

والجمع بحمل النهي على الكراهة.


1 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 1.

3 . النهاية: 247.

4 . المختصر النافع: 85.

5 . الوسائل: ج 9، الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 3 و 8 .


صفحه328

 

الثالث: الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام

مَن خرج في الشهر الذي أحرم فيه ودخل مكة واعتمر، يسقط عنه الإحرام، وهذا ما ترك صاحب العروة ذكره في المقام، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل التاسع، أي فصل صورة حجّة التمتع، المسألة الثانية.

ثمّ إنّ الفرق بين هذه الطائفة والمتقدمة هو أنّ سقوط وجوب الإحرام عن الطائفة الثالثة مسبوق بإحرامهم في الشهر الذي دخلوا فيه بإحرام، غير أنّ الحطّاب والحشّاش أو المريض ربّما يكون خروجهم غير مسبوق بإحرام الحج.

الرابع: مَن دخل لقتال

واستدلّ القائل بدخول النبي مكة المكرمة في السنة الثامنة بلا إحرام وهكذا أصحابه، ولعلّه من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

روى الطبرسي في «إعلام الورى» نقلاً عن كتاب أبان بن عثمان، عن بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث فتح مكة ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ألا إنّ مكّة محرمة بتحريم اللّه لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ من ساعة من نهار إلى أن تقوم الساعة».(1)

واعلم أنّه يجب الإحرام لدخول مكة إذا كان الدخول إليها من خارج


1 . الوسائل: ج 9، الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث12.


صفحه329

الحرم، فلو خرج أحد من مكة ولم يخرج من الحرم، عاد إليها بغير إحرام. ووجهه واضح، لأنّ الدخول محرماً فرع الخروج عن الحرم حتى يحرم من إحدى المواقيت، والمواقيت كلّها خارج الحرم.

في توالي عمرتين ومقدار الفصل بينهما

اختلفت كلمة الفقهاء في توالي العمرتين ومقدار الفصل بينهما، فلهم فيه أقوال ـ من السنّة والشيعة ـ .

أمّا السنّة فقد ذكر الشيخ في «الخلاف» آراءهم على النحو التالي:

1. قال أبو حنيفة والشافعي: له أن يعتمر ما شاء، أي لا يعتبر الفصل بين العمرتين.

2. وقال مالك: لا يجوز ] في كلّ عام[ إلاّ مرّة واحدة. وبه قال: سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين.

3. حكى عن ابن عمر أنّه اعتمر أعواماً في كلّ عام عمرتين في أيّام ابن الزبير.

4. واعتمرت عائشة في شهر واحد عمرتين.(1)

لا تجد في هذه الأقوال أثراً من الفصل بعشرة أو شهر.

ومع ذلك فقد نقل العلاّمة في «المنتهى» استحبابها في كلّ شهر، أو في


1 . الخلاف:2/260، المسألة26.


صفحه330

عشرة أيام عن جماعة وقال: ويستحبّ أن يقيم (يعتمر) الإنسان في كلّ شهر وبه قال علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي وأحمد، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن البصري وابن سيرين ومالك والنخعي.

وقال في المسألة التالية: ويستحب في كلّ عشرة أيّام عمرة مع التمكّن. وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل، لأنّها زيارة للبيت فاستحب تكرارها في الشهر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقد قيل إنّه يحرم أن يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام، وقيل: يكره، وهو الأقرب.(1) وعلى ما ذكره يكون لعطاء ـ وهو من التابعين ـ قولان، فصل بشهر، وفصل بعشر.

وأمّا الشيعة فلهم في ذلك أقوال:

1. جواز توالي العمرتين

ذهب السيد المرتضى إلى أنّ العمرة جائزة في سائر أيّام السنة.(2)

وهو خيرة ابن إدريس حيث قال: وقال بعضهم لا أُوقت وقتاً، ولا أجعل بينهما مدّة، وتصحّ في كلّ يوم عمرة، وهذا القول يقوى في نفسي، وبه أُفتي، وإليه ذهب السيد المرتضى في« الناصريات»... وما روي في مقدار ما يكون بين العمرتين، فأخبار آحاد، لا توجب علماً ولا عملاً.(3)


1 . المنتهى: 13 / 199 ـ 201، في حج النذر والعمرة.

2 . الناصريات: 307 ، المسألة139.

3 . السرائر:1/540ـ541.


صفحه331

 

2. لزوم الفصل بعشرة أيام

ذهب جماعة من الأصحاب إلى لزوم الفصل بين العمرتين بعشرة أيام.

ومنهم ابن الجنيد حيث قال: لا يكون بين العمرتين أقلّ من عشرة أيّام.(1)

ومنهم الشيخ فقد اختار ذلك القول في كتابيه.

قال في «الخلاف»: يجوز أن يعتمر في كلّ شهر، بل في كلّ عشرة أيّام.(2)

وقال في «المبسوط»: أقلّ ما يكون بين عمرتين عشرة أيّام.(3)

و منهم ابن البراج حيث قال: يستحبّ للإنسان أن يعتمر في كلّ شهر، أو في كلّ عشرة أيام.(4)

ومنهم ابن حمزة لكن جعله أحد المرويين وقال: العمرة ضربان: مرتبطة بالحجّ، وغير مرتبطة... فالمتقدمة هي العمرة المتمتع بها إلى الحجّ، ومتأخّرة وهي عمرة القران والإفراد. وغير المرتبطة بالحجّ ضربان: واجبة بالنذر، أو مندوب إليها. فالواجبة يلزمها الإتيان بها على ما نذر، والمندوب إليها يصحّ الإتيان بها في كلّ شهر، وروي في كلّ عشرة أيام.(5)


1 . المختلف:4/359.   

2 . الخلاف:2/260، المسألة 26.

3 . المبسوط:1/309.   

4 . المهذب:1/211.

5 . الوسيلة: 195ـ 196.


صفحه332

 

3. لزوم الفصل بشهر

ذهب أبو الصلاح إلى لزوم الفصل بين العمرتين بشهر حيث قال: وكلّ منهم مرغّب بعد تأدية الواجب عليه إلى الاعتمار في كلّ شهر مرّة أو في كلّ سنة مرة.(1)

4. لزوم الفصل بسنة

وربّما يقال لزوم الفصل بسنة، وهو المحكي عن ابن أبي عقيل قال: لا تجوز عمرتان في عام واحد، وقد تأوّل بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص فزعمت أنّها في المتمتع خاصة، فأمّا غيره فله أن يعتمر في أي الشهور شاء وكم شاء من العمرة، فإن يكن ما تأوّلوه موجوداً في التوقيف عن السادة آل الرسول(عليهم السلام)فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظن فذلك مردود عليهم، وراجع في ذلك كلّه إلى ما قالته الأئمّة(عليهم السلام).(2)

هذه أقوال الشيعة واختلافها رهن الاختلاف في الروايات، أمّا خيرة السيد المرتضى فقد استدلّ عليها بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): العمرة إلى العمرة كفّارة ما بينهما، ولم يفصّل بين ذلك في سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين.

رواه السنّة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(3) والشيعة عن الرضا(عليه السلام)كما


1 . الكافي: 221.  

2 . مختلف الشيعة:4/359.

3 . كنز العمال:3/22.


صفحه333

في «الفقيه» (1) والوسائل . (2)

يلاحظ عليه: بأنّه في مقام بيان فضل العمرة، ولا إطلاق لها بالنسبة إلى ما بين الفصل بين العمرتين، وهو نظير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « الحجّة ثوابها الجنة، والعمرة كفّارة لكلّ ذنب، وأفضل العمرة عمرة رجب».(3)

وقد استدلّ للقول الثاني(لزوم الفصل بعشرة أيّام) بما جاء في «الوسائل»: بما رواه الكليني بسند صحيح عن علي بن أبي حمزة في حديث عن أبي الحسن (عليه السلام)قال:

سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والأربعة كيف يصنع قال: «إذا دخل فليدخل ملبّياً، و إذا خرج فليخرج محلاً». وقال:«ولكلّ شهر عمرة»، فقلت: يكون أقلّ؟ فقال: «في كلّ عشرة أيام عمرة»، ثمّ قال: وحقّك لقد كان في عامي هذه السنة ستّ عمر، قلت: ولم ذاك؟ قال: كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف، فكان كلّما دخل دخلت معه.(4) والرواية وإن كانت ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، لكن الأصحاب عملوا بروايته، قائلين بأنّه أخذها ونقلها حين استقامته، على أنّ انحرافه عن الإمام الرضا (عليه السلام)موضع نقاش بين المحقّقين.

و في «الوسائل» رواه الصدوق بإسناده عن القاسم بن محمد، عن علي


1 . الفقيه:2/142، رقم الحديث619.

2 . الوسائل: ج 10، الباب3 من أبواب العمرة، الحديث6.

3 . الفقيه:2/142، رقم الحديث620.

4 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث3.


صفحه334

ابن أبي حمزة مثله.(1)

وظاهر العبارة أنّ الصدوق نقل الحديث كلّه في مكان واحد، وليس الأمر كذلك، فنقل الفقرة الأُولى ـ أي من قوله: «عن الرجل يدخل مكة» إلى قوله: «فليخرج محلاً» ـ و لم ينقل الفقرة الثانية التي هي موضع الاستشهاد.(2)

وروى الصدوق في موضع آخر باسناده عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى قال: «لكلّ شهر عمرة». قال: قلت له: يكون أقلّ من ذلك؟ قال: «لكلّ عشرة أيام عمرة».(3) وهذا نفس ما نقله الكليني.

وعلى كلّ تقدير فرواية العشر تصل إلى علي بن أبي حمزة من غير فرق بين ما رواه الكليني أو الصدوق، واحتمال كونه علي بن أبي حمزة الثمالي، لا البطائني ، غير صحيح بشهادة أنّ الصدوق يرويه عن القاسم بن محمد الذي يروي عن البطائني كثيراً على أنّ علي بن أبي حمزة في الأسانيد ينصرف إلى البطائني لا الثمالي، مضافاً إلى أنّه ليس للثمالي رواية فقهية إلاّ النادر.

فقد تبين أنّه ليس للقول بالعشرة دليل سوى رواية واحدة، وهي رواية ابن أبي حمزة.


1 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث3.

2 . الفقيه:2/239، برقم 1141، طبعة النجف الأشرف.

3 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث10; الفقيه:2/278، رقم الحديث 1362.


صفحه335

 

الفصل بشهر بين العمرتين

إنّ القول بلزوم فصل شهر بين العمرتين ممّا تضافرت الروايات عليه، ونقتصر بما يلي :

1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: في كتاب علي(عليه السلام): «في كلّ شهر عمرة».(1)

2. موثّقة يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«إنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول في كلّ شهر عمرة».(2)

3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان علي(عليه السلام)يقول: لكلّ شهر عمرة».(3)

والإمام يحتج بكتاب علي ليكون أقنع.

4. موثقة إسحاق قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «السنة اثني عشر شهراً يعتمر لكلّ شهر عمرة».(4)

5. خبر علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن العمرة متى هي؟ قال: «يعتمر فيما أحب من الشهور».(5)


1 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث1 .

2 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 2 .

3 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 4 .

4 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 5.

5 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 10 .


صفحه336

6. خبر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام)قال: قال: «لكلّ شهر عمرة».(1)

ويؤيد ذلك أمران:

1. ما دلّ من الروايات على أنّ من أفسد عمرته فعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة.(2)

2. ما دلّ على أنّ الخارج من مكة يدخلها محرماً إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، معللاً بأنّ لكلّ شهر عمرة(3) ، كلّ ذلك يعرب عن أنّ للشهر خصوصية عمل العمرة.

الفصل بالسنة بين العمرتين

قد تقدّم القول بالسنة، ويدلّ عليه صحيحتان:

1. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«العمرة في كلّ سنة مرّة».(4)

2. صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لا تكون عمرتان في سنة».(5)


1 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 11.

2 . الوسائل: ج 9، الباب12 من كفّارات الاستمتاع، الحديث1، 2، 3و 4.

3 . تقدّمت روايات الباب.

4 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 6.

5 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 7.


صفحه337

وحملهما الشيخ على عمرة التمتع وليس ببعيد، لجريان السيرة العملية على العمرة طول السنة.

وعلى كلّ تقدير قد مرّ تضافر الروايات على الجواز في كلّ شهر، فدار الأمر بين الأخذ برواية العشر وهي رواية واحدة، أو روايات الشهر المتضافرة، ولا شكّ انّ صناعة الفقه تقتضي الأخذ بالثانية.

ومع ذلك يمكن القول بأنّ اختلاف النصوص(بينما لا يحدّ، أو يحدّ بعشرة أيام، أو شهر، أو بسنة) محمولة على مراتب الاستحباب، فهو في كلّ يوم مستحب، وبعد تخلل عشرة أيام مؤكّد، وبعد تخلّل شهر آكد، وهكذا، وما دلّ على من أفسد عمرته يقضيها في الشهر الآتي، أو أنّ من دخل مكة غير الشهر الذي أحرم فيه، لا يدخلها إلاّ محرماً، أحكام خاصة لموارد خاصة فلا ينافي استحباب العمرة في كلّ زمان فالإتيان بها فيما دون العشر رجاءً قويّ.

ما هو المراد من الفصل بالشهر؟

قد عرفت تضافر الروايات على الفصل بين العمرتين، بشهر لزوماً أو استحباباً، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد منه؟ فهل أُريد به الفصل بثلاثين، فلو اعتمر في منتصف شهر رجب فليس له الاعتمار في عاشر شعبان لعدم الفصل بين العمرتين بثلاثين يوماً، أو أُريد به ما بين الهلالين، أي من أوّل رؤية الهلال السابق إلى رؤية الهلال الثاني، وعليه يجوز الاعتمار في المورد السابق، بل أقلّ بكثير، كما إذا اعتمر في اليوم التاسع والعشرين من


صفحه338

شهر رجب، يجوز الإحرام للعمرة بعد هلال شعبان في يومه الأوّل؟

المتبادر من الشهر في الكتاب هو ثلاثون يوماً، قال سبحانه: (للَّذِينَ يُؤلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّص أَربعَةِ أَشْهُر )(1)، وقال تعالى: (فَسيحُوا فِي الأَرْض أَربَعة أَشْهُر )(2) ، وقوله: (إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتهُنَّ ثَلاثة أَشْهُر)(3) .إلى غير ذلك من الآيات.

وأمّا المقام فبما أنّ الشهر فيه جاء في مقابل عشرة أيام، أو السنة يكون قرينة على أنّ المراد به هو ثلاثون يوماً أو الشهر الكامل الهلالي، لا بين الهلالين على نحو لو اعتمر في آخر شعبان لجاز له الاعتمار في أوّل رمضان، بحكم أنّ لكلّ شهر عمرة وأنّ الأُولى وقعت في شعبان و الأُخرى في رمضان.

نعم قد ذهب السيد الخوئي إلى أنّ المراد هو ما بين الهلالين، مستظهراً ما اختاره ببعض الروايات، وليست الروايات ظاهرة فيما ادّعى، بل غاية ما في الباب فيها إشعار بما اختاره.

نعم لا يبعد أن يكون المراد من الشهر في قوله:«خرج في الشهر الذي اعتمر فيه ودخل فيه» :ما بين الهلالين، فانتظر.


1 . البقرة:226.

2 . التوبة:2.

3 . الطلاق:4.


صفحه339

 

جواز التوالي في بعض الموارد:

1. الظاهر من النصوص، هو الفصل بين العمرتين إذا كانتا عن نفسه، وأمّا إذا كانت إحداهما عن نفسه والأُخرى عن الغير، أو كانت العمرتان عن شخصين مختلفين، فتجوز لدخولهما تحت الإطلاقات وخروجهمـا عمّا دلّ من الفصل بشهر، فيجوز لشخص واحد النيابة عن شخص أو أكثر في يوم واحد.

2. انّ الظاهر عدم لزوم الفصل بين العمرة المفردة إذا تقدّمت، وعمرة التمتّع إذا تأخّرت، كما إذا اعتمر في العشر الأواخر من رمضان للعمرة المفردة، فيجوز له أن يعتمر، عمرة التمتع في شهر شوال.

3. تجوز العمرة بعد الفراغ من أعمال الحجّ، بلا مرور شهر، نعم لا تجوز العمرة المفردة بين عمرة التمتع والحجّ وإن كان الفصل أزيد من شهرين، لما سيوافيك في محله.


صفحه340


صفحه341

الرسالة الخامسة والأربعون

   

تعلّق النية بالإحرام ووجوبها


صفحه342


صفحه343

تعلّق النية بالإحرام

ذكر السيد الطباطبائي تبعاً للفقهاء أنّ من واجبات الإحرام النية وفسر بمعنى القصد إليه، وعلى ضوء ما ذكره يكون الإحرام مقصوداً، والقصد متوجهاً إليه، فهل يعمّم ذلك على عامة النظريات في حقيقة الإحرام أو لا؟ وإليك دراسته.

أمّا على الأُولى، فلو كان الإحرام أمراً مركباً من أُمور ثلاثة، أحدها النية، والآخران التلبية ولبس الثوبين، فلا يتعلق به النية، لأنّ أحد أجزائه، هو النية، فكيف تتعلّق النية بها، إلاّ أن يقال بأنّه أمر بسيط يحصل من الأُمور الثلاثة، فتتعلّق به النية، وقد عرفت إشكاله.

وأمّا على الثانية: توطين النفس على ترك المنهيات فهو بالذات أمر قصدي، فلا تقع متعلّقاً للنية.

وأمّا على الثالثة، الإحرام أمر اعتباريّ، يتحصل بالتلبية، فتتعلق به النية. أمّا السبب ـ أي التلبية ـ فواضح، وأمّا المسبب فمن طريق تعلقّها بالسبب.

وأمّا الرابعة، أعني: كونه أمراً إنشائياً يوجده المحرم بتحريم المحرمات على نفسه، فلو كان آلة الإنشاء، هو الالتزام النفساني فهو بالذات أمر قصدي وإن كانت التلبية فيصحّ تعلّقها بها.

وأمّا الخامسة، أعني: الحالة التي تمنع عن فعل شيء من المحرمات


صفحه344

المعلومات، فبما أنّها لا تحصل إلاّ بالسبب، يكون حكمها حكم النظرية الرابعة.

وأمّا السادسة، أعني: الدخول في العمرة والحجّ، بالتلبية، فتعلّقها به واضح.

الإحرام بلا نية

لو أحرم من غير نية أصلاً بطل، سواء كان عن عمد أو عن سهو أو عن جهل.

أمّا الأوّل ـ أعني: الترك عن عمد ـ فيبطل نسكه، أي مجموع العمرة أو الحجّ، لأنّ العبادة بلا نية كالجسد بلا روح، ولا يصحّ إلاّ بالرجوع إلى الميقات فينوي ويأتي ببقية الأعمال، وقد تقدّم ذلك في فصل أحكام المواقيت، المسألة3.

وأمّا الثاني: أعني: إذا تركه مع السهو والجهل فقد سبق أنّه لا يبطل النسك ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن، وإلاّ فمن حيث أمكن على ما مرّ في المسألة السادسة من ذلك الفصل، فلاحظ.

اعتبار القربة والخلوص في النية

يشترط في صحّة امتثال الأمر العبادي أمران:

1. كونه آتياً به للّه سبحانه، لا لغيره، وهذا هو المراد من القربة فيعتبر أن يكون العمل للّه سبحانه.


صفحه345

2. أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، لا للرياء ولا للسمعة حتى يراه الناس ويسمعوه، وهذان الأمران معتبران في صحّة كلّ أمر عبادي.

وجوب النية من أوّل الشروع في الإحرام

وجه مقارنتها للشروع فيه واضح، لأنّ الأعمال بالنيات، والنيّة تتعلّق بالعمل من أوّله إلى آخره، فلو أتى ببعض العمل بلا نيّة لا يكون مجزياً.

ثمّ إنّ صاحب العروة نقل عن بعضهم من أنّ الإحرام تروك، وهي لا تفتقر إلى النية، والقدر المسلّم من الإجماع على اعتبارها إنّما هو في الجملة ولو قبل التحلّل.

وأورد عليه أوّلاً: منع كون الإحرام تروكاً فإنّ التلبية ولبس الثوبين
أفعال.

وثانياً: اعتبارها فيه على حدّ سائر العبادات في كون اللازم تحقّقها حين الشروع فيها.

ولم أعثر على القائل وإلاّ فضعفه واضح كما ذكره السيد الطباطبائي، بل التروك من أحكام الإحرام لا نفسه.

نعم هو خيرة الشيخ في «المبسوط» إذ قال فيه: الأفضل أن تكون مقارنة للإحرام، فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل.(1)

ولعلّ الشيخ قد أراد من عدم مقارنة النيّة هو تفكيك التلبية عن الصلاة


1 . المبسوط:1/307.


صفحه346

في الميقات فقد ورد ذلك في بعض الروايات.

ففي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد، فقم وامش هنيهة، فإذا استوت بك الأرض ـ ماشياً كنت أو راكباً ـ فلبّ...».(1)

وعلى ذلك لا تنفك النيّة عن العمل لما عرفت من أنّ الإحرام يتحقّق بالتلبية.

لزوم تعيين خصوصيات الإحرام في النية

قد سبق عن الشرائع والتذكرة والمنتهى، من أنّ الواجب في النية أن يقصد في قلبه أُموراً أربعة:

1. تعيين كون الإحرام لحجّ أو عمرة، وهذا ما يعبّر عنه في كلام القدماء بـ«ما يحرم به».

2. تعيين نوعه، لأنّ حجّة الإسلام على ثلاثة أقسام يجب أن يعين نوعه: إمّا تمتعاً، أو إفراداً، أو قراناً.

3. تعيين أنّ الحجّ، حجّة الإسلام أو النذري أو الندبي. وهذا ما يعبّر عنه في كلامهم بـ«ما يحرم له».

4. نية الوجه من الوجوب والندب.

وإليك دراستها:


1 . الوسائل: ج 9، الباب 34 من أبواب الإحرام، الحديث2. ولاحظ سائر أحاديث الباب.


صفحه347

أمّا الأوّل: أي تعيين (ما يحرم به) من عمرة أو حجّ، فقد اختلفت كلمتهم في تعيين ما يُحرم به من عمرة أو حجّ، فذهب الشيخ في «المبسوط» وابن البراج في «المهذب» وابن حمزة في «الوسيلة» والعلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» إلى عدم وجوب التعيين حين النية، بل هو بالخيار بين أن يجعله للحجّ أو للعمرة، نعم إن كان في غير أشهر الحجّ تعين للعمرة. وإليك كلماتهم:

قال الشيخ: إذا أحرم منهما ولم ينو شيئاً لا حجّاً ولا عمرة، كان مخيراً بين الحجّ والعمرة أيّهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحجّ، وإن كان في غيرها فلا ينعقد إحرامه إلاّ بالعمرة .(1)

وقريب من هذه العبارة عبارتا «المهذب»(2) و«الوسيلة».(3)

وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو نوى الإحرام مطلقاً ولم يذكر لا حجّاً ولا عمرة انعقد إحرامه، وكان له صرفه إلى أيّهما شاء.(4) وكذا عبارة «المنتهى».(5)

استدلّ القائل بوجوب التعيين بأمرين:

1. انّ الأمر المتعلّق بالعمرة غير الأمر المتعلّق بالحجّ، فتعيين امتثال أحد الأمرين فرع قصد العنوان، أي كونه عمرةً أو حجّاً.


1 . المبسوط:1/316.  

2 . المهذب :1/219.

3 . الوسيلة:161.   

4 . التذكرة:7/233.

5 . المنتهى: 10 / 217، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.


صفحه348

يلاحظ عليه: أنّه مبني على لزوم قصد الأمر في تحقّق الامتثال، ولكنّه غير تام، إذ يكفي في امتثال الأُمور القربية والتعبد، إتيان العمل للّه سبحانه خالصاً لوجهه الكريم كما هو سيرة المسلمين، ويؤيده قوله سبحانه: (قُلْ إِنّما أَعِظُكُمْ بِواحدة أَن تَقُومُوا للّهِ مَثْنى وَفُرادى).(1)

2. يظهر من غير واحد من الروايات أنّ عنواني العمرة والحجّ من العناوين التي يجب قصدهما كعنواني الظهر والعصر....

ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه أمر بالدعاء بعد الصلاة، وقد جاء فيها: «اللّهمّ إنّي أُريد التمتع بالعمرة إلى الحجّ على كتابك وسنّة نبيّك».(2)

وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أردت الإحرام والتمتع فقل: اللّهمّ إني أُريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحجّ فيسّـر ذلك لي وتقبّله منّي وأعنّي عليه».(3)

وفي صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي أُريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحجّ فكيف أقول؟ قال:«تقول: اللّهمّ إنّي أُريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحج...».(4)

وفي صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل متمتع


1 . سبأ:46.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 16 من أبواب الإحرام، الحديث1.

3 . نفس المصدر والباب، الحديث2.

4 . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام ، الحديث1.


صفحه349

كيف يصنع؟ قال: «ينوي العمرة ويحرم بالحجّ».(1)

إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة ذكر التعيين ولكنّ في دلالة أكثرها على لزوم التعيين، نظراً.

أمّا الأوّل فلأنّ الدعاء مشتمل على أُمور مستحبة، ومعه كيف يحتج به على لزوم خصوصه؟! وأمّا الثلاثة الباقية فلأنّ المفروض فيها من جانب الإمام كما في الثانية، أو من الراوي كما في الأخيرتين، هو انّ الحاج يريد من أوّل الأمر حجّ التمتع، فيأمره الإمام أن يقول: اللّهمّ إنّي أُريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحجّ.

وأمّا لزوم التعيين مطلقاً، حتّى فيما لا يريد سوى الإحرام المطلق، والتعيين بعده فهو ممّا لا يستفاد منها.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر أيّد لزوم التعيين بوجهين آخرين:

1. ما عليه الفقهاء من أنّه إن لم يتوفق للحج فيعدل إلى عمرة مفردة، ضرورة أنّه لو لم يعتبر التعيين لم يحتج إلى العدول المعتبر فيه ما عرفت، لأنّ الفرض مشروعية النية على الإطلاق....

2. ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار من الإشراط وأنّه يقول: «اللّهم إن لم يكن حجة فعمرة» وهذا يدلّ على وجوب التعيين عند الإحرام، ولذلك ربّما يشترط أنّه إذا لم يكن حجة فعمرة.

وسيوافيك ما هو الكلام الحاسم في المقام، فانتظر.


1 . الوسائل: ج 9، الباب21 من أبواب الإحرام ، الحديث2.


صفحه350

 

حجّة القائل بعدم الوجوب

استدلّ القائل بعدم وجوب قصد أحد العنوانين بوجوه:

الأوّل: انّ النسكين (العمرة والحجّ) غايتان للإحرام غير داخلين في حقيقته ولا تختلف حقيقة الإحرام نوعاً ولا صنفاً باختلاف غاياته، فالأصل عدم وجوب التعيين كما هو الحال في غايات الوضوء، حيث لا يعتبر نيتها عند التوضّؤ.

الثاني: انّ أخبار التعيين مبنية على الغالب أو الفضل وكذا الاشتراط.(1)

يلاحظ على الوجهين: أمّا الأوّل: فإنّ قياس الإحرام بالوضوء قياس مع الفارق فإنّه أمر عباديّ أو تقرّبي في نفسه ولا تتوقف عباديته أو مقربيته على تعيين الغاية، بخلاف الإحرام فإنّه جزء للعبادة، ولا يتعين للجزئية إلاّ بتبعية الكل، والمفروض أنّه لم ينو الكل.

وأمّا الثاني: فهو خلاف المتبادر، مع تضافر الأمر به.

الثالث: ما ذكره العلاّمة في «التذكرة» قائلاً بأنّ الإحرام بالحجّ يخالف غيره من إحرام سائر العبادات، لأنّه لا يخرج من الحجّ بالفساد (بخلاف الصلاة). وإذا عقد(في الحجّ) عن غيره، أو تطوعاً وعليه فرضه، وقع عن فرضه، فجاز أن ينعقد مطلقاً (ثانياً).(2)


1 . كشف اللثام: 5/255.

2 . التذكرة:7/234.


صفحه351

أقول: إنّ إمكان إبطال الصلاة بالمنافيات وعدم إمكان إبطال الحجّ بها، لا صلة له بالمقام، أي عدم لزوم قصد العنوان في الحجّ ولزومه في الصلاة، والاختلاف في الأحكام في مورد لا يكون مؤثراً فيما نحن فيه.

الرابع: ما رواه الفريقان من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من المدينة لا يُسمّي حجّاً ولا عمرة بل ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان، منهم أهلّ ولم يكن معه هدي، أن يجعلوها عمرة.(1)

يلاحظ عليه: أمّا أصحابه فقد كانوا أهلّوا بالحجّ تبعاً للرسم الرائج في الجاهلية من تفكيك العمرة عن الحج، فأحرم كلّهم للحجّ، حتّى أنّهم طافوا وسعوا قبل النزول إلى عرفات بعنوان الحجّ وتقديم بعض أجزائه،فعند ذاك نزل جبرئيل والنبي على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلاّ سائق هدي، فقال رجل: أنُحلُّ ولم نفرغ من مناسكنا؟!(2)

وأمّا ما ذكره من خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون أن يسمّي حجّاً ولا عمرة، فهو غير صحيح، لأنّه أحرم حج قران وساق الهدي، وكذلك أمر علياً أيضاً بعدم الإحلال لأنّه أهلَّ بإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

الخامس: أنّ الشكّ في المقام شكّ في التكليف وفي وجوب التعيين ومقتضى الأصل عدم وجوبه وبراءة الذمة.

يلاحظ عليه: أنّ الأصل دليل حيث لا دليل، وقد عرفت الدليل على لزوم التعيين .


1 . لاحظ التذكرة:7/233; سنن البيهقي:5/6.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.


صفحه352

ثمّ إنّ صاحب العروة أشار إلى فرعين:

1. كفاية التعيين الإجمالي ولو بأن ينوي الإحرام لما سيعيّنه.

2. ما لو نوى مردداً مع إيكال التعيين إلى ما بعد، فقال بالصحة في الأوّل والبطلان في الباقي.

والظاهر أنّ الفرق بينهما غير ظاهر، والفرعان ينبعان من مصدر واحد، لأنّه بعدُ لم يعين فيكون مبهماً في الواقع، وأشار إلى ما ذكرنا بعض المعلّقين قائلاً: الفرق بينه و بين الفرض الآخر مشكل، نعم ذكر المحقّق الخوئي شيئاً وربما يكون فارقاً حيث قال: باعتبار أنّ المنوي معين في علم اللّه، فيكون إشارة إليه.(1) فلو صحّ ذلك لصحّ في الفرض الآخر.

في صلاحية الظروف لتعيين كون الإحرام للعمرة أو الحج

ثمّ إنّ محط البحث في لزوم تعيين كون الإحرام للعمرة أو الحجّ، ما صلحت الظروف لكلّ واحد منهما ، كما إذا أتى بحجة الإسلام في السنة السابقة مثلاً وصح أن يتمتع، أو يفرد ويقرن، وأمّا إذا لم يصلح إلاّ لواحد كما إذا لم يحجّ أصلاً، فبما أنّ الزمان لا يصلح إلاّ للعمرة في المتمتع، أو للحجّ كما في المفرد والقارن فهو متعين واقعاً، وليس له إلاّ قصد ما هو الوظيفة، لا قصد الجامع، لأنّه ليس بمحبوب. ونظيره ما إذا كان الإحرام في غير أشهر الحجّ، فإنّ الزمان لا يصلح إلاّ للعمرة المفردة. والجامع غير مطلوب إلاّ في ضمن الفرد المعين.


1 . هامش العروة:520.


صفحه353

 

كلام حاسم

إنّ السيد المحقّق البروجردي كان يقول بأنّ كلّ عنوان وقع تحت الأمر، فهو ظاهر في لزوم قصده، كعنوان الظهر والعصر والأداء والقضاء، وعلى ضوء ما ذكره، فكلّ من العناوين التالية: العمرة والحجّ بأنواعه: التمتع والقران والإفراد وقعت تحت الأمر، كما هو ظاهر لمن راجع الأخبار، وليست هذه العناوين، عناوين مشيرة إلى ذات العمل، حتّى يكفي نفس القيام بالعمل من دون قصد عنوانه.

فالقول بلزوم القصد والتعيين من أوّل الأمر في الموردين لا يخلو من قوّة.

ومنه يظهر حال الأُمور التالية:

1. عنوان حجة الإسلام، إذ يكفي فيه، قصد التمتع أو أحد قسيميه من دون حاجة إلى قصد عنوان آخر.

2. كونه لنفسه أو لغيره إذا صلح الزمان لكلّ من العملين، فالظاهر كفاية قصد الجامع، لأنّ الجامع أمر مطلوب ومحبوب، وكفاية التعيين بعده.

3. إذا وجب عليه كلا الحجين حجة الإسلام والحج النذري إذا كان فورياً فهل يجب التعيين؟ والظاهر عدم إمكان تصوير مورد يصلح لكلا العملين، فإنّ التأثير للسبب المتقدم، فلو نذر، ثم استطاع فيقدم الحجّ النذري على غيره، كما أنّه إذا انعكس، عكس.


صفحه354

4. إذا اجتمع الأمر الندبي والوجوبي، فلا شكّ في تقدم الثاني، لما قلنا في محله من أنّ الأصل في امتثال الأمر هو الفوريّة والتأخير يحتاج إلى الدليل، إلاّ إذا كان الواجب محدداً بزمان متأخّر.

إلى هنا تبيّن حكم الأُمور الثلاثة، وأمّا الأمر الرابع ـ أعني: قصد الوجه ـ فقد طرحه السيد الطباطبائي في المسألة التالية.

عدم وجوب قصد الوجه من الوجوب والندب

لقد حقّق في محلّه من عدم وجوب قصدهما وأنّ الواجب هو قصد الأمر أو كون العمل للّه تعالى، وأمّا قصد وجه العمل فليس على وجوبه دليل. وذلك لأنّ الواقع لا يخلو من أحد أمرين:

1. انّ قصد الوجه من القيود التي لا يصح أخذها في متعلّق الأمر العبادي، فعلى ذلك لا يصحّ التمسّك بالإطلاق اللفظي بأن يقال: إنّ متعلق أوامر العباد، مطلقة ليس فيها لهذا القيد عين ولا أثر.

2. انّ قصد الوجه ممّا لا يصحّ أخذه في متعلق الأوامر، حسب ما اختاره الشيخ الأنصاري، وتبعه المحقّق الخراساني ـ قدس الله سرهما ـ فلا يصحّ عندئذ التمسك بالإطلاق اللفظي، إذ لا يكون عدم ذكره في المتعلّق دليلاً على عدم مدخليته، لكنّه لما كان من القيود التي يغفل عنها أكثر الناس، فعلى الشارع أن يشير إليه ولو بدليل منفصل وهو أيضاً ليس بموجود، وهذا نسمّيه بالإطلاق المقامي.


صفحه355

 

لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته

لا شكّ أنّ الحجّ والصوم يشتركان في لزوم ترك أُمور، تعدّ من المفطرات في الصوم كالأكل والشرب، ومن المحرمات في الحجّ كالعقد والزينة واستعمال الطيب والنظر إلى المرآة والمراء والجدال إلى غير ذلك.

ومع ذلك كلّه فإنّ بين الأمرين فرقاً واضحاً وهو أنّه يشترط في الصوم، العزم على ترك المفطرات في مجموع النهار فيكون في كلّ جزء من أجزاء النهار مأموراً بالإمساك، فلابدّ أن يكون كلّ جزء مقترناً بالنية، فلو أفطر أو نوى استعمال المفطر يبطل صومه وإن لم يفطر لعدم استمرار نية العزم على تركه.

وهذا بخلاف الحجّ، فالمعتبر فيه ـ حسب تعبير السيد الطباطبائي ـ هوالعزم على تركها مستمراً عند الإحرام، فلو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك، بطل; وأمّا لو عزم عند الإحرام على استمرار الترك ثمّ تهاون في أثنائه فارتكب بعض المحرمات، فلا يكون الحجّ باطلاً لعدم اشتراط استدامة النية في الحجّ دون الصوم.

وبعبارة أُخرى: إنّ الصوم عبارة عن نية الإمساك في كلّ جزء جزء من أجزاء الزمان، فلو أفطر في جزء فقد فات منه الصوم لعدم نية الإمساك في جزء من أجزاء الزمان; بخلاف الحجّ، فإنّه يكفي العزم على تركها مستمراً عند الإحرام فقط والمفروض تحقّقه ولا يعتبر استمرار العزم على ترك المحرمات، وبعبارة أُخرى: يعتبر في حدوثه، لا في بقائه.


صفحه356

هذا هو الّذي قصده السيد الطباطبائي (رحمه الله) ، وعلى ذلك فالواجب هو العزم على تركها مستمراً عند الإحرام لا استمرار العزم على ترك المحرمات.

ويترتّب على ذلك أنّه لو كان عازماً على ارتكاب المحرم من أوّل الأمر كالاستظلال، يبطل إحرامه، لأنّ الإحرام هو العزم على ترك المحرمات والمفروض أنّه لم يكن كذلك.

وأمّا إذا كان عازماً على الترك مستمراً عند الإحرام لكن بدا له في ثنايا العمل الاستظلال أو التزين، فهو لا يبطل الحجّ وإنّما تجب الكفّارة. وكأنّه كالبيع، فلو عدل البائع بعد الإنشاء والقبول والتفرق فلا يؤثر في البيع.

إنّ ما ذكره اعتبار العزم الاستمراري، حدوثاً لا بقاءً يتم على أكثر الوجوه المذكورة في تفسير الإحرام، سواء قلنا بأنّه مركّب من أُمور ـ منها النيّة ـ على فرض توسيع متعلّقها إلى التروك وعدم حصره في الأُمور الأربعة المذكورة في كلام العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى»، أم قلنا بأنّه من مقولة «توطين النفس على ترك المنهيات» فيكفي التوطين حدوثاً لا بقاءً.

أو قلنا بمقالة السيد الحكيم وأنّه صفة خاصة اعتبارية تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرمات أو نية ترك المحرمات، فيكفي الالتزام الحدوثي، أمّا على القول بأنّ التلبية سبب الإحرام وعلته ـ كما عليه المحقّق الخوئي ـ أو بما قلنا بأنّه عبارة عن الدخول في العمرة أو التمتع، فالالتزام بالتروك من أحكام الإحرام لا من مقوماتها فلا يضرّ حتّى ولو كان قاصداً لعدم الترك من أوّل الأمر.


صفحه357

والحاصل: أنّه إذا كان الإحرام عبارة عن التلبية بنية الدخول في العمل الّذي له أحكام. فلا يبطل الحجّ حتّى ولو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك، لأنّ ترك المحرمات ليس من مقومات الإحرام، بل من أحكامه.فالعزم على عدم العمل بالأحكام غير العزم على ترك الإحرام.

والحاصل: أنّ المتبادر من الروايات أنّ الإحرام هو التلبية بنية الدخول في عمل العمرة أو الحجّ، وهذا متحقق وله آثار قد يمتثلها المكلف وأُخرى يخالفها، على أنّ نشوء العزم القطعي بالنسبة إلى كلّ واحد من المحظورات ربّما لا يتمشّى من كلّ زائر من أوّل الأمر.

لو نسي المحرم ما عيّنه من حج أو عمرة

المسألة معنونة عند الفريقين، وهذا يعرب عن وجود الابتلاء بها ،وفيها أقوال نستعرضها فيما يلي:

1. يجعله عمرة

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا أحرم فنسي، فإن عرف أنّه أحرم بشيئين ولم يعلم ما هما جعلهما عمرة; وإن نسي فلم يعلم بماذا أحرم منهما، أو لم يعلم هل بهما أو بأحدهما، مثل ذلك جعله عمرة ويتمتع .

واستدلّ عليه: بأنّه إن كان الإحرام بالحج فقد بيّنا أنّه يجوز له أن يفسخه إلى عمرة يتمتع بها، وإن كان بالعمرة فقد صحّت العمرة على الوجهين، وإذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على إتيان أفعال العمرة،


صفحه358

فلهذا قلنا: يجعلها عمرة على كلّ حال.(1) وما ذكره من العدول والفسخ فقد ذكره في المسألة 37: من أنّه من أحرم بالحجّ ودخل مكة جاز أن يفسخه ويجعله عمرة ويتمتع بها، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: هذا منسوخ. دليلنا: إجماع الفرقة والأخبار التي رويناها، وأيضاً لا خلاف أنّ ما قلناه هو الذي أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه وقال لهم: «من لم يسق هدياً فليحل وليجعلها عمرة» وروى ذلك جابر وغيره بلا خلاف في ذلك .

وحاصل كلامه: أنّه إن أحرم بنية التمتع، فيتعين في العمرة، وإن أحرم بنية حجّ الإفراد، فقد ثبت أنّه يجوز لمن نوى الإفراد إذا ورد مكة أن يعدل إلى عمرة التمتع .

وما ذكره متين ولكنّه خاص بصورة واحدة، وهي ما إذا أحرم في أشهر الحجّ وتردد بين عمرة التمتع وحجّ الإفراد.

واختاره في التحرير وقال: لو أحرم بنسك ثمّ نسيه... وفي الخلاف جعل ذلك عمرة وهو حسن.(2)

واستحسنه في «المنتهى» أيضاً ونقل دليل الشيخ في «الخلاف».(3)

وهو خيرة أحمد قال الخرقي في متن المغني: وإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة.(4)


1 . الخلاف:2/290، المسألة68.

2 . تحرير الأحكام:1/569.

3 . المنتهى:10/222، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.

4 . المغني:3/252.


صفحه359

 

2. يتخير بين جعله عمرة أو حجاً

قال في «المبسوط»: ومن أحرم ونسي بماذا أحرم كان بالخيار إن شاء حجّ وإن شاء اعتمر، لأنّه لو ذكر أنّه أحرم بالحجّ جاز له أن يفسخ ويجعله عمرة على ما قدّمناه.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التعليل لا يثبت التخيير في عامة الصور، وذلك لأنّه لو أحرم للحجّ جاز له العدول إلى عمرة التمتع ـ حسب ما مرّ عن الخلاف ـ وأمّا إذا أحرم للعمرة فلا يجوز له العدول إلى حجّ الإفراد فكيف يكون مخيّراً مطلقاً؟!

وقال في «الشرائع»: ولو نسي بماذا أحرم، كان مخيراً بين الحجّ والعمرة، إذا لم يلزمه أحدهما.(2)

وقال في شرح المغني: إذا أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف فله صرفه إلى أي الأنساك شاء، فإنّه إن صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد أصاب، وإن كان حجّاً مفرداً أو قراناً فله فسخهما إلى العمرة على ما سنذكره.(3)

ولا يخفى قصور الدليل من إثبات التخيير، لأنّه لو أحرم لحج الإفراد، جاز له العدول إلى عمرة التمتّع، بخلاف العكس.


1 . المبسوط:1/317.

2 . شرائع الإسلام:1/245.

3 . المغني:3/252.


صفحه360

 

3. يخير إذا لم يلزمه أحدهما

ذهب المحقّق إلى أنّه مخيّر بينهما إذا لم يلزمه أحدهما، قال: ولو نسي بماذا أحرم كان مخيراً بين الحجّ والعمرة إذا لم يلزمه أحدهما.

وفي «القواعد»: ولو نسي ما عينه تخيّر إذا لم يلزمه أحدهما.(1)

وقال في «الجواهر» بعد نقل عبارة «الشرائع»:«وإلاّ صرف إليه»: كما صرح به الفاضل والشهيدان وغيرهم، لأنّه كان له الإحرام بأيّهما شاء إذا لم يتعين عليه أحدهما، فله صرف إحرامه إلى أيّهما شاء، لعدم الرجحان وعدم جواز الإحلال بدون النسك إلاّ إذا صد أو أُحصر، ولا جمع بين النسكين في إحرام، أمّا إذا تعين عليه أحدهما صرف إليه، لأنّ الظاهر من حال المكلف الإتيان بما هو فرضه خصوصاً مع العزم المتقدم على الإتيان بذلك الواجب.(2)

يلاحظ عليه: أنّ عدم لزوم أحدهما لا يكفي في الحكم بالتخيير، بل يجب مع ذلك صلاحية الزمان لكلا الأمرين، ولذلك يجب التفصيل الآتي.

4. يتخير لو لم يلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عنهما

الفرق بين هذا القول، والقول الثالث، أنّ السابق منهما، اكتفى في نفي


1 . القواعد:1/419.

2 . الجواهر:18/213.


صفحه361

التخيير، بقيد واحد، وهو إذا لزمه أحدهما، وأمّا هذا القول فهو يُقيّد التخيير بقيدين:

أ. إذا لم يلزمه أحدهما.

ب. وصحّ الإحرام عن كلا الأمرين.

وحاصل هذا التفصيل:

1. إذا تعيّن أحد الأمرين من العمرة والحجّ فيقدم المتعيّن، لأنّ الظاهر من حال المكلّف الأخذ بما هو الواجب.

2. إذا لم يلزمه أحدهما وكان الزمان صالحاً لأحد الأمرين كالعمرة المفردة في غير أشهر الحجّ، فيجعله لما يصح.

3. إذا لم يلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عن كلا الأمرين، فهو مخيّر بين الأمرين.

5. تجديد النيّة

وهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي حيث قال: لو نسي ما عينه من حجّ أو عمرة وجب عليه التجديد.

وجهه هو بطلان إحرامه لإجمال المكلّف به وعدم الطريق إلى امتثاله ولو بالاحتياط بفعل كلّ محتمل.(1)

وما ذكره السيد الطباطبائي هو الموافق للقاعدة بشرط أن لا يتمكّن من


1 . المستمسك:11/367.


صفحه362

الامتثال الإجمالي، وإلاّ فهو مقدّم على تجديد النية.

وبعبارة أُخرى: أنّ القول بالتجديد عبارة أُخرى عن الحكم ببطلان الإحرام الأوّل، فلا يحكم ببطلانه إذا لم يتمكّن من الامتثال التفصيلي أو الإجمالي، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى التجديد. وإليك بعض الأمثلة في ذلك المجال.

1. إذا تردد بين نية حجّ الإفراد ونية العمرة المفردة فالامتثال الإجمالي ممكن حيث يذهب إلى المواقف ثمّ يرجع إلى مكّة فيأتي بأعمال الحجّ بنية المردد بين الحجّ والعمرة، فإنّ أعمال الحجّ في مكة مشتركة بينه و بين العمرة كالطواف وصلاته والسعي.

2. إذا تردّد بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع يتم أعمال العمرة بقصد ما نواه وقصّر وأحلّ، لأصالة البراءة من وجوب الحجّ بعدها وإن أراد الاحتياط يأتي بأعمال الحجّ رجاءً.

فتلخص من ذلك أنّه لو أمكن الامتثال الإجمالي فهو المقدّم، وإلاّ فيحكم عليه بالبطلان.

نعم إذا لم يمكن الامتثال الإجمالي ودار الأمر بين الباطل والصحيح فتصل النوبة إلى بطلان الإحرام الأوّل وتجديد النية مثلاً.

3. إذا أحرم في غير أشهر الحجّ ثمّ شكّ في أنّ إحرامه كان للعمرة المفردة ليكون إحرامه صحيحاً أو للحجّ فيكون فاسداً، ففي هذا يحكم ببطلان الإحرام ولا يمكن تصحيحه بإجراء أصالة الصحة في العمل، لأنّ


صفحه363

جريانها فرض إحراز عنوان العمل الّذي يوصف بالصحّة والبطلان، كما إذا باع وشكّ في أنّه كان ربوياً أو لا فيحكم بالصحّة، وأمّا إذا كان العنوان مشكوكاً، كما إذا صدر منه فعل وتردد بين كونه بيعاً أو قماراً، فلا تجري أصالة الصحّة، لعدم إحراز العنوان، وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ أحد العنوانين (عمرة التمتع) محكوم بالصحة، والآخر ـ أعني: الحجّ ـ محكوم بالبطلان، ومع عدم إحراز العنوان فلا مجرى لأصالة الصحّة. فيصحّ قول السيد الطباطبائي بتجديد نية الإحرام.

لا يصحّ الإحرام بنية واحدة للحج والعمرة

هل المراد من الاكتفاء بالنية الواحدة للحجّ والعمرة هو عدم التحلّل بينهما الذي كان يرومه الخليفة الثاني، قائلاً بأنّه يكره أن يراهم معرسين بهن في الأراك ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم(1) ، أو المراد به هو الاكتفاء بنية واحدة وإحرام واحد لعملين مختلفين وإن كان بينهما فصل وتحلل؟ الظاهر هو الثاني وانّ محور البحث هو وحدة النية ، لا ما ربّما يتبعه من عدم الإحلال بين العملين، وربما يظهر من كلمات العلاّمة في «المختلف» انّ النظر إلى وحدة النية وما يتبعها، من عدم الإحلال بينهما .(2)

ثمّ لا يخفى أنّ تعبير «الشرائع» أفضل من تعبير صاحب العروة، قال فيه: «ولو أحرم بالحجّ والعمرة» فجعل محط البحث، هو وحدة الإحرام لكلا


1 . صحيح مسلم:4/45.

2 . مختلف الشيعة:4/36.


صفحه364

العملين، بخلاف السيد الطباطبائي فجعل محط البحث وحدة النية للعمرة والحجّ وجعلهما عملاً واحداً، فالمقصود واحد والاختلاف في التعبير. وعلى كلّ تقدير ففي المسألة أقوال ثلاثة:

الأوّل: بطلان النية ويجب تجديدها

إنّ الحجّ أمر عبادي توقيفي، لا يمتثل إلاّ بما بيّنه الشارع، والمبيّن إنّما هو الإحرامان لعملين، بنيّتين متعددتين، والامتثال بغير هذا الطريق يحتاج إلى دليل.

وإلى ما ذكرنا يشير صاحب المدارك بقوله:

لأنّ المنوي ـ أعني: وقوع الإحرام الواحد للحجّ والعمرة معاً ـ لم يثبت جوازه شرعاً، فيكون التعبّد به باطلاً، وغيره لم يتعلّق به النية.(1)

و على ضوء هذا لو قصد أن يكون إحرامه هذا إحراماً للحجّ والعمرة فقد شرّع أوّلاً، وما أتى بما أُمر به ثانياً، وهذا كاف في فساد العمل من غير فرق بين أشهر الحجّ التي تصحّ فيها نية الإحرام للعمرة والحجّ، وغيرها الذي لا يصحّ إلاّ الإحرام للعمرة، وقد صرّح به في «القواعد » حيث قال: ولو نوى الإحرام ولم يعيّن لا حجاً ولا عمرة أو نواهما معاً، فالأقرب البطلان وإن كان في أشهر الحجّ.(2)


1 . المدارك:7/260.

2 . القواعد:1/419.


صفحه365

 

الثاني: يصرفه إلى المتعيّن منهما إذا تعين عليه أحدهما

هذا هو القول الثاني وحاصله:

1. انّه لو تعيّن أحد الفردين يصرفه إلى المتعيّن، وذلك كما في الموردين التاليين:

أ. إذا أحرم في غير أشهر الحجّ فيصرفه إلى المتعيّن، كالعمرة المفردة.

ب. إذا أحرم في أشهر الحجّ، وعليه حجّ التمتع، فيصرفه إليه.

2. ولو لم يتعيّن عليه، كما إذا أتى بالفريضة، يتخيّر بين جعله عمرة مفردة، أو حجّاً إفرادياً، ونقله المحقّق في «الشرائع» قولاً وقال: ولو أحرم بالحجّ والعمرة وكان في أشهر الحجّ، كان مخيّراً بين الحجّ والعمرة، إذا لم يتعيّن عليه أحدهما. وإن كان في غير أشهر الحجّ تعيّن للعمرة.(1)

وقوّاه الفاضل الاصفهاني في كشفه وقال: فإنّهما إذا لم يدخلا في حقيقة الإحرام فكأنّه نوى أن يحرم ليوقع بعد ذلك النسكين وليس فيه شيء.(2) والظاهر أنّه (قدس سره) يريد تصحيح الإحرام في صورة التعيين والتخيير.

يلاحظ عليه: أنّ الإحرام من المفاهيم ذات الإضافة، فكيف يمكن أن يكون الإحرام بما هوهو عبادة فإنّ عبادية الإحرام بما يضاف إليه من العمرة والحجّ، وقد مرّ في بيان حقيقة الإحرام أنّ الإحرام عبارة عن الدخول في


1 . شرائع الإسلام:1/245.  

2 . كشف اللثام:5/257.


صفحه366

العمرة والحجّ، والإحرام جزء من أحد النسكين، وعندئذ فتصوير عباديته خارجاً عمّا يضاف إليه كما ترى.

الثالث: يصحّ في غير أشهر الحجّ و يبطل فيها

وهذا هو القول الثالث، وحاصله: أنّه لو كان في أشهر الحجّ بطل ولزم التجديد. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع» حيث قال: لو كان في أشهر الحجّ بطل ولزم التجديد، وإن كان في غيرها صحّ عمرة مفردة

ولعلّ وجهه: أنّه إذا كان الزمان غير صالح إلاّ للعمرة، يكون قصد الحجّ إلى جنب العمرة من باب الخطأ في التطبيق، فكأنّه بصدد امتثال أمر الشارع ولكنّه يتصوّر أنّه مجموع العملين بإحرام واحد، والخطأ في التطبيق غير مضر لعدم الإخلال بقصد القربة.

بخلاف ما إذا كان الزمان صالحاً لكلّ منهما، فالمنوي غير مشروع، وما هو المشروع غير منويّ، وليس هنا واقع محفوظ حتى يدخل تحت عنوان الخطأ في التطبيق. ولعل الصحّة في هذه الصورة أقوى من القول بتجديد النيّة، وإن كان الثاني أحوط.

وما ذكرنا في التصحيح إنّما يجري إذا كان جاهلاً بالحكم الشرعي، وأمّا العالم بالحكم ومع ذلك أحرم على النسكين وحاول إتيانهما بإحرام واحد، فهو مشرع والعمل مبغوض.

وأمّا تصحيح ما إذا كان الزمان صالحاً لكلا الأمرين بجعل قصد


صفحه367

الغايتين على نحو تعدد المطلوب، فهو غير تام، لخروجه عن محط البحث، لاستلزامه تعدد النيّة، وهو خلف.

لو نوى كإحرام فلان

إنّ هذه المسألة ربّما تبتلي بها العامة، فإنّ بعض الناس إذا كان مع عالم عارف بأحكام الحجّ وآدابه ينوي الإحرام كإحرام ذلك العالم، حتّى تكون النيّة والمنويّ حذوَ نيّته وإحرامه. ولذلك اعتنى الفقهاء بعنوان هذه المسألة.

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا أحرم كإحرام فلان وتعيّن له ما أحرم به، عمل عليه وإن لم يعلم حجّ متمتعاً. وقال الشافعي: يحجّ قارناً على ما يقولون في القران.(1)

وأساس البحث هو كفاية النية الإجمالية وعدمها، لكن لا ينبغي الشكّ في كفايتها، لأنّ الميزان في صحّة العبادة تمشّي القربة وتميّز المنوي في الواقع، وإمكان امتثاله، فلو كان الجميع متحقّقاً فلا وجه للشكّ في الصحّة، وعلى ذلك فللمسألة صور:

إذا أحرم بإحرام الغير فتارة لم يكن ذلك الغير محرماً في هذا الوقت.

وأُخرى كان محرماً وكان التابع واقفاً على نيّة المتبوع وكيفية إحرامه وأنّه لعمرة التمتع أو غيرها.

وأُخرى: يكون المتبوع محرماً ولكن التابع لم يكن عارفاً بكيفية إحرامه.


1 . الخلاف:2/290، المسألة67.


صفحه368

أمّا الأُولى: فلا شكّ في بطلانه، لأنّه أحرم إحراماً لا واقع له; كما أنّه لا شكّ في صحّة الثانية، لعلمه بكيفية إحرامه حينه.

إنّما الكلام في الصورة الثالثة، أي إذا أحرم وكان المتبوع محرماً ولكن التابع لم يكن عالماً بكيفية إحرامه.

فتارة تنكشف له كيفية نيته وإحرامه فيما بعد، وأُخرى تبقى على حالة الإبهام دون أن تكشف شيئاً.

وإليك دراسة الفرعين:

الفرع الأوّل: إذا كان غير عالم حين الإحرام ولكن انكشف له كيفية إحرام المتبوع فيما بعد، فالظاهر صحّته،وذلك لأنّ صحّة العبادة ـ كما تقدّم ـ رهن أُمور ثلاثة:

1. تمشّي القربة.

2. تميّز المنوي في الواقع.

3. إمكان امتثاله في ظرفه.

والجميع موجود في المقام. فخرج ما لو علم بإحرامه ولكنّه لا يتمكّن من العلم بواقع إحرامه، لعدم التمكّن من امتثاله.

هذا حسب القاعدة، وربما يستدلّ عليه بفعل الإمام علي (عليه السلام) ففي صحيح معاوية بن عمّار أنّ علياً قدم من اليمن وسأله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «وأنت يا عليّ بما أهللت؟!» قال: «قلت يا رسول اللّه: إهلالاً كإهلال


صفحه369

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كن على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي».(1)

وفي حديث الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: وأقبل علي(عليه السلام) من اليمن فوجد فاطمة (عليها السلام) قد أحلت ووجد ريح الطيب، فانطلق إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مستفتياً... فقال ]رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) [: لا تحلّ أنت، فأشركه في الهدي، وجعل له سبعاً وثلاثين، ونحر رسول اللّه ثلاثاً وستين.(2)

ولكن الاستدلال بالحديث لا يخلو من إشكال:

1. أنّ الظاهر من حديث الحلبي أنّ علياً ـ كما مرّ ـ لم يُسق الهدي وإنّما اكتفى بقوله: إهلالاً كإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن المعلوم أنّه لا يكفي في كون الإحرام إحرام قران ما لم يسق الهدي، وعندئذ يكون حكم علي (عليه السلام) حكم سائر المسلمين الذين لم يسوقوا الهدي، فكيف شارك في هدي رسول اللّه وأمره بعدم الإحلال مع أنّ وظيفته كالآخرين في الإحلال؟!

2. وجود التناقض بين رواية الحلبي ورواية معاوية بن عمّار، فإنّ الظاهر من رواية الحلبي هو أنّ علياً لم يسق الهدي، وإنّما خصّ له النبي سبعاً وثلاثين.

والظاهر من صحيحة معاوية بن عمّار أنّ علياً ساق الهدي حيث جاء فيها: «فلمّا أضاء له النهار أفاض حتّى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة، وكان


1 . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث14.


صفحه370

الهدي الّذي جاء به رسول اللّه أربعاً وستين أو ستاً وستين وجاء عليٌّ بأربعة وثلاثين أو ست وثلاثين.

فنحر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ستاً وستين ونحر عليٌّ أربعاً وثلاثين بدنة، وعلى هذا يكون إحرام علي (عليه السلام) إحرام حجّ القران بلا إشكال من دون حاجة إلى النيّة الإجمالية.

ومع ذلك ففي نفس رواية معاوية بن عمار تدافع بين الصدر والذيل، فأمّا الذيل فقد عرفت، وأمّا الصدر فقد جاء فيه: «فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كن على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي».

وهذا يعرب عن أنّ علياً لم يسق هدياً.

فالأولى الاستدلال على الصحّة بنفس القاعدة.

الفرع الثاني: إذا لم يكن عارفاً بكيفية النيّة عند الإحرام وبقي على الإبهام دون أن ينكشف واقع نيّة المتبوع. ففيه قولان:

1. البطلان، وهو خيرة صاحب العروة.

2. يتمتّع إذا كان في مقام يصحّ له العدول إلى التمتّع.

أمّا القول الثاني فهو خيرة الشيخ في «الخلاف» فقال: وإن لم يعلم حجّ متمتعاً.(1) ويؤيد ذلك ما مرّ في المحرم الناسي، فلاحظ ما ذكرناه .


1 . الخلاف:2/290.


صفحه371

 

لو وجب عليه نوع من الحج ونوى غيره

هذا الفرع يختلف عمّـا مضى في أوّل الفصل من اشتراط النيّة وأنّه لو أحرم من غير قصد أصلاً بطل، وذلك لأنّ الموضوع فيما سبق هو لمن لم ينو أصلاً، وأمّا المقام فالمفروض أنّه نوى غير المفروض عليه، وعندئذ لا يجزي عن الفرض، كما إذا نوى حجّ الإفراد مع كون المفروض عليه هو حجّ التمتّع، فلا يجزي عن الفرض، أي حجّ التمتع، وهو واضح، وأمّا وقوع ما نوى ففيه التفصيل بين ما يصحّ وقوعه عنه في هذه الحالة، كما إذا نوى العمرة المفردة في أشهر الحجّ حيث يصحّ العمرة المفردة مع أنّ الفرض هو عمرة التمتع وحجّه وما لا يصحّ وقوعه فيها كما إذا نوى الإحرام للحجّ المفرد مع وجوب حجّ التمتع عليه.

لو نوى نوعاً ونطق بغيره

وذلك لأنّ الأعمال بالنيّات، والألفاظ طريق إلى النيّة، فإذا تعلّقت النيّة بشيء وتخلّف عنه الطريق فلا يؤخذ به.

لو كان في أثناء نوع وشك في أنّه نواه

وذلك لجريان أصالة الصحّة، في ما أتى، وليس الشكّ في أصل النيّة حتّى يكون الموضوع لجريان أصالة الصحّة غير محرز.

توضيحه: إذا وجب عليه حجّ التمتّع ورأى نفسه أنّه يطوف لهذا النوع


صفحه372

من الحجّ، فلو شكّ في أنّه هل نوى حجّ التمتّع أو غيره؟ فقد اختار السيد الحكيم البطلان، قائلاً: بأنّ قاعدة التجاوز أو الصحّة إنّما تجري مع الشكّ في تحقّق ما له دخل في تمامية المعنون بعد إحراز عنوانه، والنيّة لما كانت بها قوام العنوان، فمع الشكّ فيها، يكون الشكّ في العنوان لا في المعنون.(1)

وذهب السيد الخوئي إلى الصحّة ، قائلاً: بأنّ الشكّ ليس في أصل النيّة حتّى يكون في أصل العنوان.(2)

والظاهر ما اختاره السيد الحكيم ، لأنّ أمر النيّة بما هي هي لا يكفي في إحراز العنوان، بل يجب إحراز ما يضاف إليه من الإحرام لحجّ التمتّع، والمفروض أنّه غير محرز، لاحتمال أنّه نوى غيره.

ولو صحّ ما ذكره السيد الخوئي من كفاية إحراز نية الحج، وإن لم يحرز نوع العمل، فالأولى التفصيل بين الصورتين التاليتين:

1. إذا صحّ كلا العملين منه في هذه الحالة، كما إذا تردد أنّه نوى العمرة المفردة أو حجّ التمتع مع كون الواجب عليه هو الثاني، فلا يثبت أصالة الصحّة أو قاعدة التجاوز أنّه نوى ما عليه، لأنّ نسبتها إليهما على السواء، فيجب عليه الجمع بين العملين، بجعل ما في هذه عمرة مفردة، ثمّ الإحرام لحجّ التمتع.

2. إذا لم يصحّ إلاّ أحد العملين، كما إذا تردد أنّه نوى عمرة التمتّع، أو حجّ الإفراد، فإنّ أصالة الصحّة بالنسبة إلى حج الإفراد على طرف النقيض،


1 . المستمسك:11/375.  

2 . المعتمد:2/506.


صفحه373

فيحكم بصحّة العمل وأنّ ما بيده هو الفريضة.

في استحباب التلفّظ بالنية

يستحبّ عند الإحرام التكلّم بالنية، ويدلّ عليه صحيحتا معاوية بن عمار وعبد اللّه بن سنان(1) ، وقد خلط صاحب العروة في نقلهما فأخذ شيئاً من صدر رواية عبد اللّه بن سنان وشيئاً من رواية معاوية بن عمار فصار رواية واحدة، وعلى كلّ تقدير فالأمر سهل لا خلاف فيه.

يستحب أن يشترط عند إحرامه الإحلال إذا عرض له مانع

واعلم أنّ للمصدود والمحصور في طريق الحجّ أحكاماً خاصة.

أمّا المصدود فهو مَن تلبس بالإحرام ثمّ صُدّ عن الوصول ولم يكن له طريق غير موضع الصد، أو كان له طريق وقصرت نفقته، فهو يتحلّل بالهدي ونية التحلّل، ويجوز نحره في موضع الصدّ سواء كان حلاًّ أو حرماً.

وأمّا المحصور وهو الممنوع بالمرض ،فيبعث هديه مع أصحابه ليذبحوه عنه في موضع الذبح، إذا كان قد ساق هدياً، وإلاّ بعث ثمنه، ويبقى على إحرامه إلى ذلك اليوم، فإذا حلّ الموعد يقصّر ويحلّ من كلّ شيء إلاّ النساء.(2)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الفريقين اتّفقا على استحباب الاشتراط عند


1 . الوسائل: ج 9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث 1و2.

2 . وأمّا حلّ النساء، فهو يتوقف على طوافها.


صفحه374

الإحرام بأن يشترط على اللّه أن يحلّه إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حجّ أو عمرة. وأن يتم إحرامه عمرة إذا كان للحجّ ولم يمكنه الإتيان.

قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز للمحرم أن يشترط في حال إحرامه أنّه إن عرض له عارض يُحبسه، أن يحلّ حيث حبسه من مرض، أو عدو، أو انقطاع نفقة، أو فوات وقت، وكان ذلك صحيحاً يجوز له أن يتحلل إذا عرض شيء من ذلك. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وبه قال الشافعي. وقال بعض أصحابه: إنّه لا تأثير للشرط، وليس بصحيح عندهم.

والمسألة على قول واحد في القديم، وفي الجديد على قولين، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الزهري ومالك وابن عمر: الشرط لا يفيد شيئاً، ولا يتعلّق به التحلّل. وقال أبو حنيفة: المريض له التحلّل من غير شرط، فإن شرط سقط عنه الهدي.(1) ولا يخفى أنّه نقل عن ابن عمر قولين، الظاهر أنّ قوله وابن عمر في النقل الأوّل من زيادة النساخ، لأنّه معروف بإنكار الشرط.(2)

وقال في «المغني»: يستحبّ لمن أحرم بنسك أن يشترط عند إحرامه، فيقول: إن حبسني حابس فمحلّـي حيث حبستني. وقال: ويفيد هذا الشرط شيئين:

أحدهما: إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أنّ له التحلّل.


1 . الخلاف:2/430، المسألة323.

2 . لاحظ السنن الكبرى:5/223.


صفحه375

والثاني: أنّه متى حلّ بذلك فلا دم عليه.(1)

وبذلك ظهر أنّ أصل الاشتراط أمر لا غبار عليه، وإنّما الكلام في فائدته، فقد ذكر الأصحاب له فوائد نذكرها تباعاً ثمّ ندرسها:

الأُولى: سقوط الهدي مع الإحصار والتحلل بمجرد النية، وهو خيرة المرتضى في الانتصار(2)، وابن إدريس في «السرائر».

قال في «السرائر»: قال بعض أصحابنا: لا تأثير لهذا الشرط في سقوط الدم عند الحصر والصدّ، ووجوده كعدمه. والصحيح الأوّل، وهو مذهب السيد المرتضى، وقد استدلّ على صحّة ذلك بالإجماع، وبقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب:«حجّي واشترطي وقولي: اللّهم فحلّني حيث حبستني» ولا فائدة لهذا الشرط; إلاّ التأثير فيما ذكرناه من الحكم; فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)(3). قلنا: نحمل ذلك على من لم يشترط، هذا آخر استدلال السيد المرتضى.(4)

الثانية: ما ذهب إليه المحقّق من أنّ فائدة الاشتراط هو جواز التحلّل عند الإحصار من غير تريّث إلى أن يبلغ الهدي محله، فإنّه لو لم يشترط لم يجز له التعجيل، ومعه يتحلل، ولكن لا يسقط الدم والهدي، فعليه أن يواعد أصحابه ليذبحوا عنه يوم المواعدة.(5)


1 . المغني:3/243.   

2 . الانتصار:104.

3 . البقرة:196.  

4 . السرائر:1/533.

5 . الشرائع:1/247.


صفحه376

وأمّا المصدود فيجوز له التعجيل من غير شرط اتّفاقاً، لجواز الذبح في مكان الصدّ كما مرّ في صدر البحث.

الثالثة: انّ فائدة هذا الشرط سقوط الحجّ في القابل عمّن فاته الموقفان، ذكره الشيخ في موضع من «التهذيب».(1)

وأورد عليه العلاّمة في «المنتهى» بأنّ الحجّ الفائت إن كان واجباً لم يسقط فرضه في العام المقبل بمجرّد الاشتراط،وإن لم يكن واجباً لم يجب بترك الاشتراط.(2)

الرابعة: أنّ فائدة هذا الاشتراط استحقاق الثواب بذكره في عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به وإن لم يكن له حكم مخالف لحكم غير المشترط.(3)

هذه هي الفوائد المتصورة في هذا الشرط، والقضاء الحاسم يتوقف على دراسة الروايات حتّى يتجلّى الحق، وهي تنقسم إلى طوائف:

1. سقوط الهدي والتعجيل في التحليل

قد عرفت أنّ السيد المرتضى وابن إدريس جعلا فائدة الشرط سقوط الهدي مع الإحصار والتحلّل بمجرّد النية. ويمكن الاستدلال له بصحيحتين:

1. صحيحة ذريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وأُحصر بعد ما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال:« أو ما


1 . التهذيب: 5 / 295 برقم 1001.

2 . المنتهى: 13 / 63، في حكم الفوات من مباحث المحصور.  

3 . مدارك الأحكام:7/291.


صفحه377

اشترط على ربّه قبل أن يحرم أن يُحلَّه من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه؟» فقلت: بلى قد اشترط ذلك. قال: «فليرجع إلى أهله حلاً لا إحرام عليه، إنّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط عليه» قال: فقلت: أفعليه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(1)

دلّت الرواية على التحلل بمجرّد الإحصار من غير تعرض لإنفاذ الهدي، ولو كان واجباً لذكر في مقام البيان، بعد سؤال السائل«كيف يصنع» وليس السكوت في المقام كالسكوت في سائر المقامات.

2. صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن مُحْرم انكسرت ساقه، أي شيء يكون حاله؟ وأيّ شيء عليه؟

قال(عليه السلام) :« هو حلال من كلّ شيء».

قلت: من النساء والثياب والطيب؟

قال: «نعم، من جميع ما يحرم على المحرم».

وقال: أما بلغك قول أبي عبد اللّه(عليه السلام) : «حلّني حيث حبستني، لقدرك الّذي قدّرت عليّ».(2)

ودلالة الصحيحتين على سقوط الهدي والتربّص معاً بالسكوت، إذ لو كان الهدي والتربّص واجبين لذكرهما الإمام، لأنّه في مقام البيان. وقد مرّ أنّ السكوت في المقام ليس كالسكوت في سائر المقامات بعد سؤال السائل


1 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب1 من أبواب الإحصار والصد، الحديث4.


صفحه378

عن تكليفه بقوله: «أي شيء عليه» فدلالة الصحيحين على سقوطهما لا غبار عليها.

إذا عرفت ذلك فنقول: وظيفة المحرم ـ لولا الاشتراط ـ هو بعث الهدي أو ثمنه ليذبح في يوم النحر والانتظار إلى أن يبلغ الهدي محلّه، كما قال سبحانه:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)(1) وإطلاق الآية يقتضي وجوب البعث والانتظار مطلقاً، سواء اشترط على ربّه أو لا، لكن الصحيحتين أخصّ مضموناً من الآية حيث دلّتا على سقوط الهدي عند الاشتراط، فيقيد إطلاق الآية بهما، وقد أفتى بذلك ـ مضافاً إلى ما عرفت من السيد وابن إدريس ـ لفيف من العلماء كما سيوافيك.

إذا عرفت ذلك فإنّ مقتضى قوله سبحانه: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) هو أنّ المحصر يقوم بأمرين:

1. بعث الهدي إلى محلّه.

2. المواعدة مع من بعث الهدي معه أن يذبحه في وقت كذا، حتى يخرج من الإحرام عنده بالحلق أو التقصير.

وإطلاق الآية يعمّ المشترط وغيره، فيقيّد إطلاقها بالصحيحين فلا يجب البعث ولا التربّص، بل يتحلّل بمجرّد الحصر أو مع نيّة التحلل. وهذا


1 . البقرة:196.


صفحه379

القول هو الظاهر من السيد المرتضى وابن إدريس كما تقدّم.

واختاره ابن سعيد، قال: والمحصر المريض إن شرط على ربّه، أحلّ بلا هدي. (1) فهو صريح في سقوط كلا الأمرين: بعث الهدي والتربّص إلى يوم منى، لأنّه إذا سقط الهدي، لا معنى للتربّص.

نعم يظهر من العلاّمة سقوط الهدي، دون الانتظار قال: ولو اشترط على ربّه جاز له أن يحل وقت بلوغ الهدي إلى محلّه وهو يوم العيد إلاّ في النساء، من دون إنفاذ هدي....(2)

والحقّ أنّ التفكيك بين الهدي والصبر إلى يوم النحر بسقوط الأوّل دون الثاني لا يساعده الذوق السليم ولا مفاد الصحيحين، لما عرفت من أنّ دلالتهما بالسكوت، وهو بالنسبة إلى الأمرين سواء.

نعم أمام الاستدلال بهما على سقوط الأمرين إشكالان:

أ. مشكلة التعارض.

ب. مشكلة تقييد إطلاق الكتاب بالخبر الواحد.

وإليك بيانهما:

الف. مشكلة التعارض

يظهر من صحيحة زرارة ومعتبرة حمزة بن حمران أنّه لا تأثير للاشتراط فلو طرأ الحصر فالمحصر، في حلّ اشترط أم لم يشترط، فإذا لم


1 . الجامع للشرائع:222.  

2 . التحرير:2/81، المسألة2515.


صفحه380

يكن له تأثير يكون المرجع هو إطلاق الكتاب، أعني: فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي...» وإليك الحديثين:

1. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هو حل إذا حبسه، اشترط أم لم يشترط».(1)

2. معتبرة حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول: حلّني حيث حبستني؟ قال: «هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل».(2)

ويرد على الأوّل: انّ السؤال غير مذكور في الأوّل ربّما يحتمل أنّه راجع إلى الاعتكاف. وعلى الثاني، بأنّ حمزة مختلف فيه.

و يرد على الإشكال الأوّل: بأنّ التعبير الرائج في بيان الاشتراط في الحجّ، هو لفظة الحبس ففي صحيحة أبي الصباح الكناني: «أن حلّني حيث حبستني».(3)

وفي معتبرة فضيل بن يسار : «أن يحلّه حيث حبسه».(4)

وفي «قرب الاسناد»: «فحلّني حيث حبستني».(5) إلى غير ذلك من الروايات.(6)


1 . الوسائل: ج 9، الباب25 من أبواب الإحرام، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب25 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث1.

4 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

5 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث 3.

6 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث 1، 2.


صفحه381

وأمّا الاعتكاف فالرائج فيه قوله: أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى.(1)

وأقصى ما يمكن أنّ التعبير الأخير مشترك بين الشرط في الحجّ والاعتكاف، وأمّا الحبس فهو مختص بالحجّ والوارد في الروايات هو ذاك اللفظ.

ويرد على الإشكال الثاني بأنّه وردت روايات في جلالته وأكثرها وإن كانت ضعيفة السند لكن في المعتبرة منها كفاية.(2)

والأولى أن يجاب عنهما بما في المدارك بقوله: إنّ أقصى ما يستفاد من الرواية ثبوت التحلّل مع الحبس في الحالين، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك تساويهما من كلّ وجه، فيجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط ولزومه بدونه.(3)

توضيحه: أنّ المطلوب في المقام أمران:

1. التحلّل، 2. سقوط الهدي.

والأمر الأوّل يحصل بنفس الحصر اشترط أم لم يشترط.

وأمّا الأمر الثاني، فلا يحصل إلاّ بالاشتراط.

فلا منافاة بين الطائفتين، فالطائفة الأُولى تركّز على سقوط الهدي ـ بعد


1 . الوسائل: ج 7، الباب9 من أبواب الاعتكاف، الحديث2.

2 . معجم رجال الحديث:6/260.

3 . المدارك:7/292.


صفحه382

تسليم التحلل ـ و الطائفة الثانية تركّز على التحلل بالحصر، اشترط أم لم يشترط.

بعبارة أُخرى وهو: انّ للحل في قوله: «هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل» أثرين:

1. الحلّ في إتمام العمل.

2. الحلّ من المحظورات والمحرمات.

وصحيحة زرارة ومعتبرة حمزة بن حمران ناظرتان إلى الحلّ من إتمام العمل، لا الحلّ من المحظورات، بخلاف الأُوليين، فهما ناظرتان إلى الحلّ من محظورات الإحرام، لأنّ القاعدة في الحلّ من المحظورات هو سوق الهدي وبلوغه محله، وهو هنا ساقط فيكون محلاً من المحظورات أيضاً.

ب. مشكلة تقييد الكتاب بالخبر الواحد

إنّ تخصيص الآية الكريمة أو تقييدها بالخبر الواحد أمر مشكل، لأنّ الآية ظاهرة في أنّ الحلّ عن المحظورات لا يحصل في المحصور إلاّ ببلوغ الهدي محلّه، فتقييدها أو تخصيصها بمن اشترط الحلّ عند الإحصار بالخبر الواحد أمر لا يساعده الدليل، إذ ليس لنا في حجّية الخبر الواحد إطلاق نأخذ به في المقام أيضاً، بل الدليل هو بناء العقلاء وهو قاصر عن الشمول للمورد، فإنّ للقرآن عظمة وكرامة لا يُعدل عنه إلاّ بدليل مثله.

فإن قلت: ما الفرق بين رفع إجمال الآية بالخبر الواحد حيث إنّه حجّة فيه كما هو الحال في أجزاء الصلاة، وبين تقييدها أو تخصيصها.


صفحه383

قلت: الفرق واضح، فإنّ الآية في القسم الأوّل ساكتة وفاقدة للدلالة، بخلافها في القسم الثاني فإنّها بإطلاقها وعمومها تدلّ على سعة الحكم، والخبر الواحد يخالفه فيها.

2. تعجيل التحليل دون سقوط الهدي

إنّ فائدة الاشتراط هو التعجيل في التحلّل دون سقوط الهدي(1) ، فإنّ الواجب عليه لولا الاشتراط أمران:

أ. بعث الهدي.

ب. الانتظار إلى بلوغه محله.

وأمّا على الاشتراط فيبعث الهدي أو ثمنه لكن لا يجب عليه الانتظار إلى يوم النحر، وهو خيرة لفيف من الفقهاء. وهذا الأثر يختص بالمحصور دون المصدود، لأنّه يتحلّل بنفس الصدّ وذبح الهدي في نفس المحلّ، كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما صدّ عن الدخول في الحرم من جانب قريش في السنة السادسة من الهجرة.

قال الشيخ:ومتى شرط في حال الإحرام أن يحلّه حيث حبسه صحّ ذلك، ويجوز له التحلّل ـ إلى أن قال: ـ فإذا حصل الشرط فلابدّ من الهدي لعموم الآية.(2)


1 . الظاهر ـ كما يدلّ عليه دليل القائل ـ أنّ المراد من عدم سقوط الهدي، هو الأعمّ من بعثه، أو نحره في المكان الذي مرض فيه، فليتدبّر.

2 . المبسوط:1/334.


صفحه384

وقال في «الخلاف»: إذا شرط على ربه في حال الإحرام ثمّ حصل الشرط وأراد التحلّل فلابدّ من نيّة التحلل ولابدّ من الهدي.(1)

وقد عرفت أنّه خيرة «الشرائع» واختاره في «الجواهر» ويدلّ على تخصيص الحكم بالمحصر في الرواية فإنّ المصدود يجوز له التعجيل من غير شرط اتفاقاً.(2)

استدلّ القائل بعدم سقوط الهدي بروايتين:

الأُولى : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «إنّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق، فبلغ علياً (عليه السلام)ذلك وهو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه في السقيا، وهو مريض بها. فقال: يا بني ما تشتكي؟ فقال: اشتكي رأسي، فدعا علي (عليه السلام) ببدنة فنحرها، وحلق رأسه،ورده إلى المدينة، فلمّا برأ من وجعه اعتمر».

فقلت: أرأيت حين برأ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة أحلّ له النساء؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة». قلت: فما بال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجع إلى المدينة حلّ له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال: «ليسا سواء كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مصدوداً والحسين (عليه السلام)محصوراً».(3)


1 . الخلاف:2/430.

2 . المسالك2/242.

3 . الوسائل: ج 9، الباب1 من أبواب الإحصار والصد، الحديث3. وللحديث صدر، لاحظ الكافي:4/370.


صفحه385

والسقيا موضع بين مسجد الشجرة والجحفة، بينهما و بين الجحفة تسعة عشر ميلاً.

وجه الاستدلال: أنّ الشرط أمر مستحبّ لا يتركه الإمام بلا جهة، والظاهر أنّ الإمام مرض بعد الإحرام لوجوه:

1. انّ الإمام «حلق رأسه وردّه إلى المدينة».

2. ما في صدر الحديث الذي حذفه صاحب الوسائل ونقله في «الكافي»، إذ فيه:«وإن كان مرض في الطريق بعدما أحرم».

3. انّ القيد «بعد الإحرام» مأخوذ في مفهومي الحصر والصد وقد وردا في آخر الرواية.

يرد على الاستدلال وجوه:

أوّلاً : بأنّ الفعل (نحر عليّ، البُدْنة) فاقد للظهور فإنّه يحتمل أن يكون نحر البدنة بعنوان الهدي الواجب، كما يحتمل أن تكون صدقة مستحبة لدفع البلاء عن ولده عليهما السلام واقترانه بالنحر«فدعا علي ببدنة فنحرها وحلق رأسه»، وإن كان يعطي ظهوراً ما بكون البدنة هو الهدي الواجب على المحصور، لكنّه ظهور ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.

ثانياً: لم يثبت استحباب الاشتراط استحباباً نفسياً حتّى لا يتركه الإمام، إذ يحتمل أن يكون الاشتراط لأجل التسهيل، فالروايات الدالة على الاشتراط، إنّما وردت لأجل تعليم الناس أسهلَ الطريقين لا أنّه مستحبّ ذاتاً.

ثالثاً: لو فرضنا أنّه مستحب في نفسه، لا دليل على أنّ الإمام يعمل


صفحه386

بجميع المستحبات، إذ ربما يتركه تعليماً للناس بأنّه ليس بواجب.

رابعاً: أنّ الكلام في وجوب الهدي وسقوطه فيما إذا لم يسق المعتمر الهدي، وأمّا إذا ساق فلا يسقط ولا يحل إلاّ بعد بلوغ الهدي محله. والظاهر من رواية رفاعة بن موسى أنّ الحسين (عليه السلام) هو الذي ساق الهدي....

روى الصدوق باسناده عن رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خرج الحسين (عليه السلام) معتمراً وقد ساق بدنة حتّى انتهى إلى السقيا فبرسم، فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه، ثمّ أقبل حتّى جاء فضرب الباب، فقال علي (عليه السلام): ابني وربّ الكعبة افتحوا له، وكانوا قد حموه الماء فأكبّ عليه فشرب ثمّ اعتمر بعد».(1)

ومع وجود التعارض بين النقلين لا يمكن الاعتماد على النقل الأوّل، واحتمال تعدد الواقعة بعيد جدّاً مع وحدة الخصوصيات.

ويرد على النقل الثاني أنّ البُدنة التي ساقها الإمام لم تكن لها صلة لا بالعمرة ولا بحجّ التمتع، إذ لا يُساق فيهما الهدي فيحمل على أنّه كان من باب الاتّفاق.

خامساً: انّ مورد الرواية هو العمرة المفردة، وعطف العمرة المتمتع بها عليه مبني على وحدة حكم العمرتين.

وسادساً: فإنّ الظاهر من الروايتين: أنّ المعتمر إذا أُحصر ينحر في


1 . الوسائل: ج 9، الباب6 من أبواب الإحصار والصد، الحديث2. البرسام التهاب في الحجاب الذي بين الكبد والقلب.


صفحه387

مكانه ويتحلّل من دون حاجة إلى بعث الهدي إلى محله، ولما كان ذلك مخالفاً للآية الكريمة: (حتّى يَبْلُغَ الهَدي محلّه) حمله صاحب الجواهر «على البعث للنحر في محله» ثمّ الحلق، ثمّ استبعده.(1)

وهذا يؤيد أنّ نحر البدنة كان صدقة مستحبة ولم يكن جزء العمل، ولا الغاية منه التحلّل.

الثانية: خبر عامر بن عبد اللّه بن جذاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في رجل خرج معتمراً فاعتلّ في بعض الطريق وهو محرم، قال: فقال: «ينحر بدنة، يحلق رأسه ويرجع إلى أهله ولا يقرب النساء».(2)

فقوله: «ينحر بدنة» دليل على عدم سقوط الهدي.

وقوله: «يحلق الرأس» دليل على التحلل.

وهذه الرواية لا يحتجّ بها، لورود روايات ذامّة في حقّ «عامر بن عبد اللّه» نقلها الكشي والكليني.

فتلخص ممّا ذكر أنّ الفائدة الثانية لا يوجد دليل صالح عليها.

ثمّ إنّ الاختلاف في الهدي يختصّ بالعمرة المفردة، والعمرة المتمتّع بها، وأمّا القارن الذي ساق الهدي فهو يبعث بلا كلام لصحيح محمد بن مسلم ورفاعة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) : القارن يُحصر وقد قال واشترط فحِلَّني حيث حبستني، قال: «يبعث بهديه».(3)


1 . الجواهر:18/262.

2 . الجامع للشرائع :221، نقله عن مشيخة ابن محبوب.

3 . الوسائل: ج 9، الباب4 من أبواب الإحصار والصد، الحديث1.


صفحه388

 

3. سقوط الحجّ من قابل

إنّ فائدة هذا الشرط، سقوط الحجّ من قابل عمّن فاته الوقت ذكره الشيخ في موضع من «التهذيب»(1)واستدلّ عليه بروايات:

الأُولى: صحيح ضريس بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعاً بالعمرة إلى الحجّ فلم يبلغ مكّة إلاّ يوم النحر، فقال: «يقيم على إحرامه، ويقطع التلبية حين يدخل مكّة، فيطوف، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه، وينصرف إلى أهله إن شاء» وقال: «هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه، فإن لم يكن اشترط فإنّ عليه الحجّ من قابل».(2)

وأشكل عليه بوجهين:

1. انّ الحجّ الفائت إن كان واجباً لم يسقط فرضه في العام المقبل بمجرّد الاشتراط، وإن لم يكن واجباً لم يجب بترك الاشتراط.

لا يخفى عليك جودة الإشكال، نعم أفتى به ابن سعيد في جامعه وقال بعد عنوان المسألة: فإذا برأ من وجعه اعتمر إن كان لم يشترط على ربّه في إحرامه، وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلاّ أن يشاء فيعتمر.(3)

2. انّه أجنبي عمّا نحن فيه، لأنّ موضوع البحث هو المحصور الممنوع


1 . التهذيب:5/295برقم 1001.

2 . الوسائل: ج 10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2.

3 . الجامع للشرائع:222ـ 223.


صفحه389

عن الإتمام بمرض، والوارد في الرواية، هو من لم يدرك الموقفين لضيق الوقت، وتأثير الشرط في السقوط في الثاني لا يكون دليلاً على سقوطه في المحصور.

يلاحظ عليه: بأنّ ظاهر التعليل أنّ السبب لسقوط الحجّ، هو اشتراطه، كما هو السبب للتحليل، وفوات الموقفين، مورد التعليل لا جزء منه، فإذا قيل: حرمت الخمر لإسكارها، يكون المتبادر انّ الإسكار تمام العلّة للحرمة، لا إسكار الخمر.

الثانية: صحيح ذريح المحاربي المتقدم وفيه: فقلت: بلى قد اشترط ذلك، قال: «فليرجع إلى أهله حلاً لا إحرام عليه انّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط عليه» قال: فقلت: أفعليه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(1)

الثالثة: ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) ; ورفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهما قالا: القارن يحصر وقد قال واشترط: فحلني حيث حبستني، قال: «يبعث بهديه» قلنا: هل يتمتع في قابل؟ قال: «لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه».(2)

وحصيلة هذه الروايات هو عدم وجوب الإعادة.

ثمّ إنّ هنا روايات تعارض ذلك، وتدلّ على وجوب الحجّ من قابل:

1. ما رواه رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشترط


1 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب4 من أبواب الإحصار والصد، الحديث1.


صفحه390

وهو ينوي المتعة فيحصر هل يجزيه أن لا يحجّ من قابل؟ قال: «يحج من قابل. والحاج مثل ذلك إذا أحصر».(1)

2. ما رواه حمزة بن حمران أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول:حِلَّني حيث حبستني؟ فقال:«هو حِلّ حيث حبسه، قال أو لم يقل، ولا يُسقط الاشتراطُ عنه الحجّ من قابل».(2)

3. ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحجّ أن يحله حيث حبسه أعليه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم».(3)

4. ما رواه أبو الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحجّ كيف يشترط؟ قال: «يقول حين يريد أن يُحرم: أن حلني حيث حبستني فإن حبستني فهي عمرة». فقلت له: فعليه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم». و قال صفوان: قد روى هذه الرواية عدّة من أصحابنا كلّهم يقول: إنّ عليه الحجّ من قابل.(4)

أقول: يمكن الجمع بين الطائفتين، بحمل الطائفة الثانية على من استقرّ عليه الحجّ أو بقيت استطاعته إلى العام القابل فيجب عليه الحجّ، وحمل الطائفة الأُولى على من لم يستقر عليه الحجّ ولم تبق له الاستطاعة إلى العام القابل، أو كان قد أتى بالحجّ الواجب سابقاً، فلو صحّ هذا الجمع فهو، وإلاّ


1 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث2 .

2 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث 3.

3 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث 4.

4 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.


صفحه391

فالترجيح مع الطائفة الثانية لوجهين:

1. كونها موافقة للكتاب فإنّ الحجّ الواجب لا يسقط إلاّ بالامتثال.

2. كون الطائفة الثانية هي المشهورة بين الأصحاب، وقد مرّ قول صفوان أنّ رواية الإعادة من قابل قد رواها عدّة من أصحابنا كلّهم يقول: إنّ عليه الحجّ من قابل.

4. استحقاق الثواب

ربّما يقال بأنّ فائدة الاشتراط استحقاق الثواب بذكره في عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به واختاره صاحب العروة تبعاً لغيره.قال في «المسالك» : أمّا سقوط الهدي فمخصوص بغير السائق، إذ لو كان قد ساق هدياً لم يسقط. وأمّا تعجيل التحلّل فمخصوص بالمحصر دون المصدود، واستحباب الاشتراط ثابت لجميع أفراد الحاج. ومن الجائز كونه تعبّداً، أو دعاءً مأموراً به يترتّب على فعله الثواب.(1)

قد تلخّص من هذا البحث الضافي انّ المتيقّن هو الوجه الرابع، وأمّا الفوائد الثلاثة الباقية فأقواها هي الفائدة الأُولى، لولا ما فيه من تقييد الكتاب بالخبر الواحد.

وكان الأولى للسيد الطباطبائي وغيره تأخير هذا البحث إلى فصل الإحصار والصدّ، فإنّ القضاء الحاسم في فائدة الاشتراط يتوقّف على دراسة أحكام الموضوعين، على وجه الاستقصاء، وبدونها يكون البحث غير ناضج.


1 . مسالك الأفهام:2/243.


صفحه392


صفحه393

الرسالة السادسة والأربعون

   

الربح في المضاربة


صفحه394


صفحه395

إنّ الربح من أركان المضاربة، فالغاية من تشريعها هو الاسترباح، فيقع الكلام حوله في أُمور:

الأوّل: للعامل حصّة من الربح لا أُجرة المثل:

إذا كان رأس المال من المالك والعمل من العامل فهناك شركة بين المال والعمل، فالذي يقابل العمل هو حصة من الربح حسب ما اتفقا عليه، ولا تقابله أُجرة المثل أبداً، وليس للمالك الخيار بين إعطاء حصة من الربح حسب الاشتراط أو أُجرة المثل، بل ليس له إلاّ العمل على الاتّفاق والاشتراط، ودفع حصّة العامل من الربح، وعليه جمهور الفقهاء من الطائفتين، بل هو قول جميع المسلمين كما في الروضة إلاّ قليلاً من أصحابنا كما في المسالك والكفاية وإلاّ شواذاً من أصحابنا كما في المفاتيح وعليه الإجماع كما في السرائر، وهو المشهور كما في المهذب البارع والمقتصر، والمشهور المفتى به كما في التنقيح. (1)

نعم، خالف المفيد والشيخ الطوسي وأبو الصلاح وسلار، ولم نجد مخالفاً غير هؤلاء الأربعة. قال المفيد: وإذا دفع الإنسان إلى تاجر مالاً ليتّجر به


1 . مفتاح الكرامة: 7/487.


صفحه396

على أنّ الربح بينه وبينه، لم ينعقد بذلك بينهما شركة، وكان له أُجرة مثله في تجارته.(1)

وظاهره أنّ المضاربة عنده عقد فاسد، بشهادة قوله: لم ينعقد بذلك بينهما شركة، فيرجع في مقابل العمل إلى أُجرة المثل كما هو الحال في الإجارة الفاسدة، فإنّ للأجير عندئذ أُجرة المثل، ولم نقف لحدّ الآن على دليله على فساد المضاربة مع تضافر الروايات على صحّتها وتطابق السيرة على العمل بها.

قال الشيخ: ... وأعطاه المال ليضارب له به، كان للمضارب أُجرة المثل. وكان الربح لصاحب المال والخسران عليه، وقد روي أنّه يكون للمضارب من الربح مقدار ما وقع الشرط عليه من نصف أو ربع أو أقل أو أكثر، وإن كان خسراناً فعلى صاحب المال. (2)

ولا يمكن حمل كلام الشيخ على المضاربة الفاسدة بشهادة أنّه قال: وقد روي أنّه: «يكون للمضارب من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه» ومن المعلوم أنّ الروايات وردت في مورد المضاربة الصحيحة، ولم يعلم لحدّ الآن كيف ترك الشيخ العمل بما رواه هو وغيره في مسانيدهم، فإنّ روايات الباب مطبقة على أنّ العامل ينتفع بحصّة من الربح لا بأُجرة المثل، ومع ذلك فقد أفتى في بعض الموارد على خلافه، وقال: ومتى اشترى المضارب مملوكاً، فكان أباه أو ولده، فإنّه يقوّم عليه، فإن زاد ثمنه على ما اشتراه انعتق منه بحساب ما يصيبه من الربح.(3)


1 . المقنعة: 632.  

2 . النهاية: 428.  

3 . النهاية: 430.


صفحه397

وقال أبو الصلاح: وإمضاء شرطها أفضل، فإن تنازعا فللمضارب أُجرة مثله. (1) وقوله صريح في أنّ للمالك الخيار في نقض العقد، ودفع أُجرة المثل، ولكن العمل بالعقد أفضل، وهو عجيب.

وقال سلاّر: والمضاربة أن يسافر رجل بمال رجل فله أُجرة مثله ولا ضمان عليه.(2)

وعلى كلّ تقدير فهذا القول وإن صدر من المشايخ العظام، قول شاذ في مقابل إطباق الفقهاء وسيرة المسلمين على أنّ العامل ينتفع بحصة من الربح لا بأُجرة المثل. فلاحظ الباب الثاني من أبواب أحكام المضاربة وغيره ونحن في غنى عن سرد الروايات.

الثاني: تعيين حصة العامل والمالك :

ومن شروط صحة المضاربة تعيين حصة العامل، قال العلاّمة: ومن الشروط أن تكون الحصة لكل منهما معلومة. (3)

وقال الخرقي في متن المغني: ومن شرط صحة المضاربة، تقدير نصيب العامل لأنّه يستحقه بالشرط فلم يقدر إلاّ به، ولو قال: خذ هذا المال مضاربة ولم يسمّ للعامل شيئاً من الربح، فالربح كلّه لربّ المال، والوضيعة عليه، وللعامل أُجرة مثله .(4)

وعلّله المحقق الأردبيلي بأنّ عدم التعيين مستلزم للجهل الموجب


1 . الكافي: 347.   

2 . المراسم: 182.

3 . التذكرة: 17 / 54، في شرائط الربح، كتاب القراض، تحقيق مؤسسة آل البيت، قم .

4 . المغني: 5/142.


صفحه398

للبطلان، ويمكن أن يقال: إنّ الغاية من المضاربة هو تملّك كل واحد من المالك والعامل حصّة من الربح، والمملوك يجب أن يكون متعيّناً، والمبهم والمردّد بين الثلث والربح وغيرهما لايكون مملوكاً، مضافاً إلى ما ذكر من حديث الغرر، والرجوع الى أُجرة المثل خلاف مقتضى المضاربة، وإنّما يرجع إليها إذا فسدت والمقصود في المقام هو تحديد المضاربة الصحيحة.

إذا جعل لأحدهما شيئاً معيّناً والباقي بينهما :

ولو شرط لأحدهما شيئاً معيناً، والباقي بينهما، بأن يقول المالك: لي من الربح عشرة دنانير وما بقي بالمناصفة، فقد حكم المحقّق بأنّه يفسد وعلّله بعدم الوثوق بحصول الزيادة، فلا تتحقّق الشركة، وقال العلاّمة: ويشترط في الربح الشياع، فلو شرط إخراج معيّن من الربح والباقي للشركة بطل.

وعلّله المحقق الأردبيلي بقوله: يشترط كون كلّ جزء جزءاً مشتركاً، وكأنّه لاخلاف في هذا الشرط، وكونه داخلاً في مفهوم المضاربة (1).

وعلّله في الجواهر: بعدم ثبوت مايدلّ على الصحة في الفرض ضرورة اقتصار النص والفتوى على صحّة المشتمل على اشتراك جميع الربح بينهما على جهة الإشاعة بنحو النصف والثلث والربع، وما يؤدّي مؤدّاها، ومنهما ينقدح الشك في تناول الإطلاقات له، هذا مع قطع النظر عن ظهور النصوص في البطلان ولو لظهورها في اعتبار الشركة الإشاعية في جميع الربح، فضلاً عن صريح الفتاوى فحينئذ يبطل القراض، وإن وثق بالزيادة لعدم اشتراك


1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/250 ـ 251.


صفحه399

جميع الربح بينهما حينئذ بعد اختصاص أحدهما بشيء معيّن منه. (1)

يلاحظ على ما ذكره المحقق: أنّه ربّما يحصل الوثوق بأنّ الشركة ستربح أكثر بكثير ممّا شرط لأحدهما معيّناً، نعم يتم ما ذكره فيما إذا لم يحصل الوثوق وهو خلاف الفرض.

ويلاحظ على ما ذكره صاحب مجمع الفائدة وصاحب الجواهر من اعتبار الشركة الإشاعية في جميع الربح في حقيقة المضاربة: بأنّه دعوى بلا دليل، فإنّ المعتبر في المضاربة هو أن يكون لكلّ من المالك والعامل سهم من الربح مقابل البضاعة حيث لا يكون للعامل فيها سهم ومقابل القرض حيث لا يكون للمالك فيه سهم، بخلاف المضاربة، فإنّ لكل واحد سهماً من الربح، والمفروض تحقّق ذلك ولو بالإشاعة في غير ما عيّن، وإن شئت قلت: إنّ إخراج عشرة دنانير من الربح يرجع إلى استثناء خمسة دنانير من الإشاعة فكأنّه قال: الربح بينهما مشاع إلاّ في خمسة دنانير.

والعجب أنّ السيد الطباطبائي أفتى في المقام ببطلان المضاربة، وقال: فلو جعل لأحدهما مقداراً معيّناً والبقية للآخر، أو البقية مشتركة بينهما لم يصح، مع أنّه أفتى في المساقاة بخلاف ذلك. (2)

وحاصل الكلام: أنّ إطلاق العقد يقتضي المشاركة بالإشاعة في كل


1 . الجواهر: 26/367.

2 . انظر العروة الوثقى: 2 / 736 ـ 737، كتاب المساقاة، في شرائط المساقاة، قال: التاسع وكذا لو اشترط اختصاص أحدهما بأشجار معلومة والاشتراك في البقية. أو اشترط لأحدهما مقدار معيّـن مع الاشتراك في البقيّة إذا علم كون الثمر أزيد من ذلك المقدار وأنّه تبقى بقية.


صفحه400

جزء جزء من الربح، وهو لايمنع عن تقييد الإطلاق بتخصيص شيء معيّن من الربح للمالك أو العامل والاشتراك بالإشاعة في البقية، وليست الإشاعة في كل جزء، جزء من مقومات المضاربة وحدودها العرفية حتى يكون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، وبذلك تظهر صحّة قسم آخر وهو أن يجعل لأحدهما مقداراً معيّناً والبقية للآخر، لما ذكرنا من أنّ الإشاعة من مقتضيات مطلق المضاربة وإطلاق العقد، لا من مقومات حقيقتها، وعلى ذلك فكل شرط لم يكن مخالفاً لمقتضى العقد أو حكم الكتاب والسنّة، أو لم يكن غررياً ولا ربوياً ونحوهما، يكون نافذاً بحكم أدلّة الشروط وإطلاقات وجوب الوفاء بالعقد.

إذا جعل جزءاً من الربح لأجنبي:

إذا شرط جزء من الربح لأجنبي عنهما أو لعبد واحد منهما فهل يصح أو لا؟ أقوال، وإليك صور المسألة:

1ـ أن يجعل جزء من الربح لأجنبي عنهما، ولكن كان له عمل مخصوص في المضاربة بأن يحمل لهم المتاع إلى السوق، أو أن يدلّل عليه، ونحوه من الأعمال الجزئية المضبوطة، فلو أطلق عليه الأجنبي عند ذاك، فلأجل أنّ العامل عبارة عمّن كان قائماً بجميع الأعمال، لا ما ينحصر عمله في الحمل والنقل أو في المحاسبة ونحوهما، فالظاهر صحّته لأنّ الأجنبي لا يعمل تبرّعاً بل لغاية الأُجرة فيكون من مؤونة التجارة فلا فرق بين أن يقدّر أُجرته بشيء معيّن أو تكون أُجرته سهماً من الربح، اللّهمّ إلاّ أن يقال إذا كان


صفحه401

الأجنبيّ خارجاً عن طرف المضاربة يكون أجيراً يجب أن تكون أُجرته معيّنة ولا تصحّ أن تكون سهماً من الربح لاحتمال عدمه.

2 ـ أن يجعل جزء لأجنبيّ من غير أن يُشترط عليه عمل متعلّق بالتجارة، قال الخرقي في متن المغني: وإذا شرطا جزءاً من الربح لغير العامل نظر، فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبديهما صحّ وكان ذلك مشروطاً لسيده، فإذا جعلا الربح بينهما وبين عبديهما أثلاثاً كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث، وإن شرطاه لأجنبي أو لولد أحدهما أو امرأته أو قريبه وشرطا عليه عملاً مع العامل صحّ وكانا عاملين، وإن لم يشترطا عليه عملاً لم تصحّ المضاربة وبهذا قال الشافعي، وحكي عن أصحاب الرأي أنّه يصح، إلى أن قال: إنّ ربّ المال يستحقّ الربح بحكم الأصل، والأجنبي لايستحقّ شيئاً، لأنّه إنّما يستحق الربح بمال أو عمل، وليس هذا واحداً منهما، فما شرط لايستحقه فيرجع إلى ربّ المال كما لو ترك ذكره. (1)

والمستفاد من هذه الكلمات:

إنّ الثابت من القراض ما كان تمام الربح فيه مشتركاً بين المالك والعامل، واشتراك شخص ثالث في الربح يحتاج إلى دليل، وإليه يرجع ما نقلناه عن الخرقي.

يلاحظ عليه: أنّ مقتضى إطلاق العقد كون تمام الربح بينهما وهذا الأثر لا ينفك عنه ما دام العقد مطلقاً، فإذا قُيّد، يؤخذ بالتقييد ما لم يكن القيد مخالفاً لمقتضى العقد، أو مخالفاً للكتاب والسنّة، وانحصار الربح فيهما ليس


1 . المغني: 5/146.


صفحه402

من مقومات المضاربة عرفاً ولأجله لايعدّ شركة الدولة بمقدار الضريبة مخالفاً للمقتضى، والشاهد على ذلك أنّ العرف لا يراه مناقضاً لمفهوم المضاربة، وهذا بخلاف ما إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة، حيث يرى اشتراط عدم الثمن والأُجرة مخالفاً لمفهومهما.

وهناك وجه آخر للبطلان ذكره المحقق الخوئي (قدس سره)من أنّه من قبيل تمليك المعدوم وليس لدينا عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك. (1)

يلاحظ عليه: بأنّه لو كان من قبيل تمليك المعدوم لَعمَّ الإشكال للعامل فكيف يملك النصف للعامل مع أنّه غير موجود؟ والحلّ أنّ التمليك صحيح لوجود المقتضى، وإن لم يكن الربح موجوداً بالفعل. وإن شئت قلت: إنّه من قبيل التمليك المشروط وليس أمراً غريباً وكم له من نظير، وذلك كما في نذر النتيجة فإذا قال: لو أنتجت شاتي هذه توأمين فهما وقف للّه أو نذر لزوار ضريح الإمام، فالتمليك فعليّ مع أنّ المملوك غير موجود، ويكفي في التصحيح وجود المقتضى أو الاشتراط: أي إن أنتجت.

وهناك وجه ثالث وهو: أنّ مقتضى القاعدة تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكية وإنّما خرجنا عنها في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاص، وحيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلاً لا محالة، بعد أن لم يكن له شيء من رأس المال أو العمل (2) وهو أيضاً محتمل كلام الخرقي.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح ولكنّه من آثار المضاربة المطلقة، لا


1 . مباني العروة الوثقى: 3/28.

2 . مباني العروة: 3/27.


صفحه403

مطلق المضاربة فلا مانع من تقييد الإطلاق بالشرط فيكون واجب الوفاء حسب الإطلاقات، والعمومات، فالربح تابع للمال، ولكنّه ليس على نحو لا يقبل الانفكاك بالاشتراط بدليل انفكاكه في مورد العامل، والحاصل أنّ كون الربح تابعاً للمال من قبيل المقتضي لا العلة التامّة.

ومنه تظهر حال ما إذا جعل سهم لعبد المالك، فلو قلنا بأنّه لايملك شيئاً فيكون راجعاً إلى سيّده.وإن قلنا بأنّه يملك، فيدخل فيما إذا جعل سهم للأجنبي.

***

الثالث: كون المال بيد العامل:

قال العلاّمة في «التحرير»: يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل، ولو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح، وقال في القواعد: يشترط أن يكون مسلّماً في يد العامل، فلو شرط المالك أن تكون يده عليه لم يصح، أمّا لو شرط أن يكون مشاركاً في اليد أو يراجعه في التصرّف أو يراجع مشرفه، فالأقرب الجواز. (1)

وقال في «التذكرة»: لو شرط المالك أن يكون الكيس في يده يوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئاً جاز، وهو أوفق بأُصول المذهب لأنّه شرط سائغ لا يخالف كتاباً ولا سنّة وأنّه لو لم يشرع لزم تضرّر صاحب المال، إمّا


1 . مفتاح الكرامة: 7/446. (قسم المتن) .


صفحه404

بترك التجارة أو تسليم ماله إلى الخائن وكلاهما ضرر.

والتحقيق أن يقال: إنّ طبع المضاربة يقتضي أن يكون المال في يد العامل يتقلّب فيه على حسب المصلحة. غير أنّ ذلك مقتضى إطلاق العقد، لا مطلق عقد المضاربة، فلا مانع من أن يشترط أن يكون المال في يد المالك بحيث لايكون مانعاً عن التجارة، أو اختلالها.

وما ربما يقال من انتفاء المضاربة مع عدم استقلال العامل بالمال، منظور فيه لأنّ المعتبر عرفاً هو تمكّن المضارب من التجارة على أيّ نحو شاء، فلو استلزم كون المال بيد المالك عدم تمكّنه منها صحّ ما ذكر، وإلاّ فلا وجه للاشتراط مع صدق المضاربة. قال السيد العاملي: إنّ وضع المضاربة ومشروعيتها على أن يكون المال في يد العامل، كما أنّ وضع الشركة على أن يكون الربح تابعاً لرأس المال وليس ذلك شرطاً فيهما، لكن إذا اشترط في المضاربة أن يكون في يد المالك جاز، كما إذا اشترط التفاوت في الشركة فإنّه يجوز. (1)

تعدد العامل مع وحدة المالك (2) :

لو تعدّد العامل مع وحدة المالك خصوصاً فيما إذا كان المال كثيراً لايقوم بحقّه شخص واحد يصح أن يقول: «ضاربتكما بهذا المال، ولكما النصف»، والدليل على الجواز السيرة وإطلاق الأدلة.


1 . مفتاح الكرامة: 7/446. (قسم المتن) .

2 . البحث عن هذه المسألة وما يليها في هذا الفصل استطراديّ فلاحظ.


صفحه405

ثم إنّ مال كل منهما إمّا أن يكون متميزاً أو لا، فعلى الأوّل تكون مضاربتين مستقلّتين، وإن كان الإنشاء واحداً لكلّ حكمه بخلاف ما إذا كان غير متميز، فإنّه مضاربة واحدة، قائمة بعاملين، لها حكمها الواحد.

وعلى هذا لو اتّفق فسخ المضاربة بفاسخ قهري أو اختياري وكان أحدهما قد عمل وربح والآخر بعدُ لم يعمل أو لم يربح، ففيما إذا كان المال متميزاً، فالربح بين العامل والمالك ولا صلة له للعامل الآخر الذي لم يعمل أو عمل ولم يربح، بخلاف ما إذا كان غير متميز فلو ربح أحدهما يستحق الآخر حصته، وإن لم يكن له عمل أو ربح، وهذا كما إذا كان متجر كبير، يتصدّى أحدهما للحبوب شراءً وبيعاً، والآخر للألبسة كذلك، فربح أحدهما دون الآخر مع كون رأس المال مشاعاً فيقسّم الربح الحاصل بين العاملين والمالك أثلاثاً مثلاً.

ثم إنّه يجوز أن يفضِّلَ المالك أحدهما على الآخر، وإن كان عملهما سواء، أو كان مختلفاً وذلك واضح فيما إذا كان المال متميزاً فيقارض أحدهما بنصف الربح والآخر بثلث الربح، ومثله ما إذا كان غير متميز وذلك للسيرة وإطلاق الأدلّة، لأنّ الربح أوّلاً بالذات للمالك فله أن يخصّ أحدهما بشيء أزيد، خصوصاً إذا كان أحدهما أليق من الآخر والمضاربة في صورة عدم تميّز المال وإن كانت واحدة لكن لا دليل على التسوية في الربح مع الاستواء في العمل، وما هو الركن أن يكون للعامل حصة من الربح، وأمّا استواء العاملين في الربح، فلا، وكون القبول واحداً قائماً بهما لايستلزم تسوية القابلين في الربح.


صفحه406

 

تعدّد المالك ووحدة العامل :

فكما جاز وحدة المالك وتعدّد العامل، يجوز العكس فيجوز تعدّد المالك وتوحّد العامل، سواء كان المال مشاعاً من أوّل الأمر، أو متميزاً لكن أجاز المالك أن يخلط المال ويحصل الشركة بينهما، وأمّا إذا كان متميزاً وغير مخلوط فهو خارج عن موضوع البحث، يقول السيد الطباطبائي: وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال بأن يكون مال كل منهما ممتازاً وقارضاً واحداً مع الإذن في الخلط (1). وجه الجواز، إطلاق الأدلة والسيرة، ثم إنّ الاختلاف في تقسيم الربح في المقام يتصوّر على وجهين:

1 ـ الاختلاف في جانب العامل، بأن يضاربه أحد المالكين بالنصف والآخر بالثلث والربع. وبالتالي يكون سهم المالكين مختلفاً ناشئاً من اختلاف سهم العامل، لا ابتداءً، بخلاف الشقّ: التالي فإنّ سهمهما يكون مختلفاً من بدء العقد.

2 ـ الاختلاف في جانب المالك، كما إذا قارضا واحداً واشترطا نصف الربح له ولكن تفاضل المالكان في النصف الآخر، بأن جعل لأحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في مقدار رأس المال، أو تساويا في الباقي مع تفاوتهما فيه.

أمّا الأوّل، فلا إشكال فيه، لأنّ لكل شريك ولاية على حصته فكأنّ أحد


1 . العروة الوثقى: 2 / 656، كتاب المضاربة، المسألة 27.


صفحه407

الشريكين قال للعامل: اتّجر بحصّتي ولك النصف، وقال الآخر: اتّجر بحصتي ولك الثلث، وإن شئت قلت: إنّ العقد الواحد ينحلّ إلى عقدين حكماً، فلكل عقد حكمه، وتكون نتيجة ذلك بعد إخراج سهم ربح العامل، هو تفاضل سهم المالكين، لأنّ النماء تابع للعين، فنصف الربح راجع إلى ذلك المالك، والنصف الآخر إلى المالك الآخر غاية الأمر أخرج كلٌّ عن ملكه ماعيّنه للعامل من الربح، فيؤدي أحدهما من الربح المختص بماله النصف للعامل، والآخر الثلثين من الربح المختص به وبالتالي يحصل التفاضل بين المالكين. قال السيد الطباطبائي (قدس سره): فإن كان من قصدهما كون ذلك للنقص على العامل بالنسبة إلى صاحب الزيادة بأن يكون، كأنّه اشترط على العامل في العمل بماله، أقلّ مما شرطه الآخر له كأن اشترط هو للعامل، ثلث ربح حصته، وشرط له صاحب النقيصة ثلثي ربح حصته مثلاً مع تساويهما في المال فهو صحيح. (1) فقد تسلّم أنّه لو كان هناك نقص على العامل، ينتفع به صاحب الشرط، لا الشريكان.

إنّما الكلام في الصورة الثانية أي فيما إذا كان الاختلاف ناشئاً من اتفاق المالكين على التفاضل فرضيا على أن يكون النصف الآخر من الربح بينهما أثلاثاً مع تساويهما في مقدار رأس المال أو أنصافاً مع اختلافهما فيه. ومنشأ الإشكال أمران:

1 ـ إنّ التفاضل على خلاف مقتضى الشركة فإنّ مقتضاها عدم التفاضل في الربح إذا تساويا في مقدار رأس المال.


1 . العروة الوثقى: 2 / 656، كتاب المضاربة، المسألة: 28.


صفحه408

2 ـ إنّه على خلاف مقتضى السنّة، لأنّـها دلّت على تبعية النماء للعين في الملك فربح مال كلّ أحد، له.

واشتراطه لغيره جزءاً أو كلاًّ يحتاج إلى الدليل وتصحيحه بأدلّة الشروط غير صحيح، لأنّها غير مشرّعة وإنّما ينفذ بها كلّ شرط شرعي في نفسه، فما لم يكن سائِغاً بنفسه لايكون سائغاً بالشرط ولذا لم يلتزموا بصحة هذا الشرط في غير الشركة والمضاربة، كما لو باع متاعه لشخص على أن يكون ربحه من تجارته الأُخرى له على نحو شرط النتيجة. (1)

يلاحظ على الأوّل: وجود الفرق الواضح بين كون أحد الشريكين صفر اليد وكونه أقل نصيباً من الآخر، فالأوّل يخالف مقتضى العقد، دون الآخر.

والميزان في تمييز خلاف المقتضى عن عدمه، ظهور التناقض عند العرف بعد الاشتراط كما إذا قال: بعت بلا ثمن. أو قال: آجرت بلا أُجرة وليس المقام كذلك، فلو قالا: ضاربنا واحداً، واتفقا على أن يكون سهم أحدهما من الربح أكثر من سهم الآخر لغرض من الأغراض فلا يعدّ مناقضاً.

وأُجيب عن الثاني، بالتفريق بين كون الحكم فعلياً من جميع الجهات فلا يمكن تغييره بالشرط وغيره، وكونه اقتضائياً وحينئذ لا مانع من اشتراط التفاضل لا في عقد الشركة ولا في غيره من العقود فيصح أن يشترط في المبيع التفاضل في النماء للمال المشترك، لأنّ تبعيته للمال حكم اقتضائي قابل للتغيير بالاشتراط في العقد.


1 . مستند العروة: 3/90.


صفحه409

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على ما فسّره الشيخ: الشرط المخالف وغيره بتقسيم الأحكام على قسمين: فعلي واقتضائي، والأوّل منهما لايتطرق إليه التبدل أبداً لابالشرط ولابالنذر كالواجبات والمحرّمات، بخلاف المباحات وأُختيها، فإنّـها يتطرق إليها التغيير بطرو عناوين ثانوية، ثم مثّل لذلك بأمثلة.

ولكنّه غير تام، وذلك لأنّ الأحكام الشرعية فعلية مطلقاً لايتطرق إليها التبدّل والتغيّر مطلقاً، وليس فيما بأيدينا من الأدلة مايدل على تقسيم الأحكام إلى فعلية واقتضائية، وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان: «المسلمون عند شروطهم إلاّ كل شرط خالف كتاب اللّه عزّ وجلّ فلا يجوز». (1) كيف وإنّ الإمام جعل اشتراط ترك التسري والتزوّج على الزوجة خلاف شرط اللّه.

وعلى ذلك، فلو دلّت السنّة على تبعية الربح للمال لا يمكن التجاوز عنه إلاّ بدليل كما في المضاربة حيث يكون العامل شريكاً لربّ المال من حين ظهور الثمرة.

ما هو الميزان للشرط المخالف والموافق؟

قد أوضحنا حال الأمرين عند البحث عن الشروط في ذيل الخيارات، وقلنا بأنّه ليس للتكليفين الإلزاميين ـ أي الوجـوب والحرمـة ـ إلاّ حالة واحدة فلو كان الشرط موجباً أو منتهياً إلى ترك الواجب أو ارتكاب الحرام فهو مخالف للكتاب والسنّة. إنّما الكلام في غير الإلزاميين فله صورتان:

1 ـ أن يكون الاشتراط تدخّلاً في مجال التشريع، كأن يلتزما بحرمة ما


1 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث2. ولاحظ أحاديث الباب.


صفحه410

أباحه اللّه في كتابه وسنّة نبيه كحق التسري والتزوّج بامرأة أُخرى، بأن لايكون له ذلك الحق المشروع، فهذا من قبيل تحريم الحلال.

2 ـ أن يطلب منه العمل بأحد طرفي المباح ويتّفقا على ذلك، بلا تدخّل في مجال التشريع من الحكم والحق، فالشارط والمشروط عليه يتفقان على كون التسري حقاً للزوج ومباحاً من جانب الشارع، لكن يطلب الشارط أن يختار المشروط عليه أحد طرفي المباح كالفعل، أو الترك ومثل هذا لا يعد مخالفاً للكتاب والسنّة، وإلاّ لعاد جميع الشروط مخالفاً، مثلاً إذا باع داره واشترط على المشتري خياطة ثوب له فالخياطة بالذات مباحة يجوز له فعلها وتركها، ولكنّها بعد الاشتراط تصبح لازمة، ولا يعد مثل ذلك إيجاباً للمباح لأنّ الطرفين يتفقان على الحكم الشرعي وإنّما يتفقان على أنّ المشروط عليه، يختار من الطرفين جانب الفعل، لا الترك.

وعلى ضوء هذا تبيّن ما هو المخالف للشرع، فلو شرط كون الشريك مالكاً لجزء من سهم الشريك الآخر بظهوره من دون تمليك منه بل يملك بنفس هذا الاشتراط، فهذا مخالف للسنّة. نعم، لو كان الاشتراط على نحو شرط الفعل بأن يشترط تمليك أحد الشريكين قسماً من ربحه للآخر، فهو صحيح.

وبعبارة أُخرى: شرط النتيجة مخالف للسنّة دون شرط الفعل لكن الثاني يتصوّر بوجهين:

1 ـ أن يكون المشترِط هو العامل كأن يشترط على أحد الشريكين


صفحه411

ويقول: لا أُضارب بسهمك إلاّ أن تملك جزءاً من الربح الحاصل للشريك الآخر، ويطلب منه فعل ذلك، من دون تدخّل في حكم الشارع بكون الربح بالظهور للشريكين على نحو التساوي بل يشترط عليه أن يملِّك جزءاً منه للآخر، ولايلزم أن تكون فائدة الشرط عائدة إلى المشترط، بل يمكن أن يكون له غرض من الشرط وهذا هو الذي استند إليه صاحب المستمسك وأوضح حاله. لكن يلاحظ بأنّه خروج عن محطّ البحث. لأنّ مفروضه أنّ التفاضل مستند إلى اشتراط المالكين في عقد المضاربة لا إلى العامل.

2 ـ أن يشترط أحد المالكين على الآخر التفاضل في الربح، في نفس عقد المضاربة على نحو شرط الفعل، فهو وإن كان جائزاً في نفسه لكن نفس عقد المضاربة لايصححه، لأنّ العقد بين كل من المالكين والعامل لابين المالكين، والمالكان عند العقد مع العامل يقعان في طرف الإيجاب والعامل في طرف القبول، والشرط في كل عقد إمّا من الموجب على القابل، أو من القابل على الموجب، ولم يعهد الشرط من الموجب على الموجب (1)ولأجل ذلك لامحيص في مقام التصحيح من تمهيد شركة عقدية بين المالكين قبل عقد المضاربة ثم إيقاع المضاربة عليه، بأن يتفق الشريكان على أن يضاربا عاملاً بشرط أن يتفاضلا في الربح.

وبعبارة أُخرى: اتّفقا قبل عقد المضاربة على أن يضاربا في المستقبل


1 . وإلى ذلك الإشكال يشير المحقق البروجردي في تعليقته ويقول: الشركة بين المالكين، ليست شركة عقدية، حتى يقال بصحة اشتراط الزيادة فيها على القول بها هناك، وإنّما يكون العقد هنا، بين كل من المالكين والعامل، لابين المالكين.


صفحه412

بشرط أن يملِّك أحد المالكين جزءاً من ربحه للمالك الآخر إذا ظهر الربح، وهذا لا إشكال فيه.

وإلى هذا التصحيح يشير بعض المحشّين للعروة بقوله: الظاهر توقّف الصحة هنا أيضاً على إيقاع عقد الشركة أوّلاً بين المالكين، متضمّناً لما ذكر من شرط التساوي أو التفاضل في الربح الحاصل لهما مع إيقاع عقد المضاربة بينهما، والعامل. ولايجوز الاكتفاء بعقد المضاربة وحده، واشتراط التساوي أو التفاضل المذكور في ضمنه. فتلخّص من هذا البحث الضافي، الأُمور التالية:

1 ـ أنّ المساواة في الربح ليست من مقتضى الشركة، حتى يكون التفاضل على خلاف مقتضى العقد.

2 ـ أنّ تبعية النماء للعين حكم فعلي، وليس حكماً اقتضائياً قابلاً للتغيّر بالنذر والشرط، وأنّ الأحكام واجباتها ومحرماتها ومستحباتها ومكروهاتها ومباحاتها لا يتطرق إليها التغيّر بالعناوين الثانوية، فما عن الشيخ من التفريق بين الواجبات والمحرمات والثلاثة الأخيرة بتصوير الأُوليين فعليّتين من جميع الجهات، غير قابل للتغيّر بخلاف الثلاثة الأخيرة، فإنّها أحكام اقتضائية قابلة للتغيّر غير تام. لما قلنا في محلّه من أنّ الإمام عدّ ترك التزوّج والتسري مع كونهما من المباحات، مخالفاً للسنّة في الروايات، وكذا كون الولاء لغير المعتق.

3 ـ أنّ الطريق الواضح للتعرّف على الشرط المخالف للكتاب والسنّة،


صفحه413

أنّه إذا كانت الغاية من الشرط هو التدخل في مجال التشريع، حتى في المباحات والمكروهات فكيف المحرمات والواجبات، فيجعل المباح حراماً والتزوّج والتسري محظوراً فهذا على خلاف الكتاب والسنّة، وأمّا إذا كانت الغاية من الشرط طلب أحد طرفي المباح منه، بأن يختار من المباح الفعلَ أو التركَ مع الالتزام بكون العمل مباحاً متساوي الطرفين في الشرع فهذا لا يكون على خلاف الكتاب والسنّة.

4 ـ وعلى ضوء هذا فلو كان المبدأ للتفاضل هو العامل، بأن يشترط العامل على أحد المالكين بأنّه لا يقبل المضاربة إلاّ بأن يدفع جزءاً من ربحه إليه، فهذا جائز ونافذ، ولكنّه خارج عن محل البحث، نعم لو شرط على نحو شرط النتيجة بأن يكون جزء من ربحه، للمالك الآخر بلا سبب سوى نفس هذا الشرط فهو على خلاف الكتاب والسنّة.

وأمّا إذا كان مبدأ الاختلاف هو نفس المالكين، فبما أنّهما طرفا الإيجاب، والعامل هو القابل فلا يدور الشرط إلاّ منهما إليه، أو منه إليهما، ولايصح من أحدهما على الآخر مع كون موقف كلّ، موجباً.

لكن، لو اتفقا على شركة عقدية قبل المضاربة، وتقبّلا بأن يدفع أحد الشريكين جزءاً من ربحه الحاصل بالمضاربة التي سيعقدانها مع العامل ثم يعقدان المضاربة على هذا الشرط فلا إشكال.

نعم، لو كان الشرط في العقد المتقدّم على المضاربة على نحو شرط النتيجة فهو باطل، وذلك لأنّه على خلاف السنّة، لأنّ الربح ونماء كل عين


صفحه414

يرجع إلى صاحب العين إلاّ أن يكون هناك سبب مخرج غير الشرط، والشرط لايكون مشرعاً.

هذا هو تفصيل المرام في هذه المسألة وقد أطنبنا الكلام وليعذرني إخواني.

القراض في مرض الموت

ولو دفع قراضاً في مرض الموت، وشرط ربحاً، صحّ وملك العامل الحصة ويعد القراض من منجزات المريض وهو صحيح، ولا إشكال فيما إذا كانت الحصة معادلة لأُجرة المثل. وقد جرّ المريض بعمله هذا ربحاً للوارث، إنّما الكلام فيما إذا كانت الحصة أزيد من أُجرة المثل. فإن قلنا بأنّ تبرعات المريض تخرج من الأصل كما هو المشهور فلا إشكال أيضاً. وأمّا إذا قلنا بأنّها من الثلث، فهل يخرج ما زاد عن أُجرة المثل عن ثلث الميت أو لا ؟ فلو زاد عن الثلث توقّف على إجازة الوارث؟ وجهان:

لايخرج، لأنّ الربح أمر معدوم متوقّع الحصول وليس مالاً للمريض، بل هو على تقدير حصوله أمر جديد يحصل بسعي العامل، ويحدث على ملكه بعد العقد فلم يكن للوارث فيه اعتراض، وبذلك افترق عن مثل نماء الدابة والشجرة.(1)

ويخرج من الثلث لأنّه وإن لم يكن موجوداً لكنّه بما أنّه مال المالك فتمليكه محاباة تضييع على الوارث كما إذا آجر ملكه بأقل من أُجرة المثل


1 . الجواهر: 26/372.


صفحه415

وإن لم تكن المنافع موجودة وإنّما يستوفيها الأجير في ظرف حصولها، وكذا لو ساقى أو زارع الفلاح بأكثر من الحصة المتعارفة فإنّ ذلك كلّه إضرار عرفاً بمال الوارث. (1)

والثاني هو الأوجه، وذلك لأنّ المنفعة وإن لم تكن موجودة، لكن المقتضي والمنشأ وهو مال القراض موجود فتسليمه إليها ليقارض بحصة أُزيد من أُجرة المثل يعدّ محاباة. خصوصاً إذا كانت المنفعة بمرحلة قريبة من الفعلية. وإلى ما ذكر يشير المحقق الأردبيلي: «وإن كان الربح أكثر من أُجرة المثل، وفي المساقاة والمزارعة بحث وفي الفرق تأمّل». (2)

الإقرار بالربح ثم الرجوع عنه

قال المحقق: ولو قال العامل: ربحت كذا ورجع، لم يقبل رجوعه وكذا لو ادّعى الغلط، أمّا لو قال: ثم خسرت، أو قال: ثم تلف الربح، قُبِل (3)، وقال العلاّمة في القواعد: ولو قال العامل: ما ربحت شيئاً أو ربحت ألفاً ثم خسرت أو تلف الربح قبل، بخلاف ما لو قال: غلطت أو نسيت. (4)

وقال العلاّمة في الإرشاد: لو ادّعى الغلط في الإخبار بالربح أو بقدره ضمن، أمّا لو قال: ربحت ثم خسرت، أو تلف المال بعد الربح، قبل. (5)


1 . المستمسك: 12/438. وقريب منه في مستند العروة: 3/206.

2 . مجمع الفائدة: 10/255.

3 . الجواهر: 26/372 (قسم المتن) .

4 . مفتاح الكرامة: 7/518 (قسم المتن) .

5 . الإرشاد: 1/436.


صفحه416

وقال المحقق الأردبيلي: «لو أخبر بالربح مجملاً أو عيّن قدره أم لا. ثم قال: غلطت، وما ربحت شيئاً أو غلطت في تعيين المقدار فإنّه كان أقل من ذلك، فيؤخذ بإقراره، ولايسمع الرجوع لأدائه إلى بطلان الأقارير، وعدم سماع الرجوع كسائر الأقارير، فلا فرق في ذلك بين إظهار وجه يمكن، أم لا بحسب الظاهر... ـ إلى أن قال: ـ أمّا لو ادّعى الخسران بعد أن اعترف بالربح، أو تلف المال بعده وأمكن ذلك قُبل، لأنّه أمين من غير ظهور خيانته، وقال: ما يمكن فيقبل كما في غير هذه الصورة وسائر من كان أميناً». (1)

ونقل هذا التفصيل عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد والروض والمسالك والكفاية. (2)

أمّا قبوله في الصورة الثانية أي فيما لو ذكر بعد الإقرار، الخسران أو تلف الربح، فله حالتان: إمّا أن يذكر الخسران والتلف بعد الإقرار بالربح، بلا فصل، أو يذكر بعده مع الفصل بيوم أو شهر.

أمّا الحالة الأُولى، فوجه القبول أنَّ للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من القيود فلا يؤخذ بالإقرار مالم يفرغ من كلامه.

وأمّا الحالة الثانية، فلأنّه أمين يصدق بالنسبة إلى كلا الأمرين، نعم إذا شهدت القرائن على الكذب، فلا يقبل منه إلاّ باليمين، ولأجل ذلك قيّده بعض محشي العروة بقوله: إذا لم يكن متّهماً.

إنّما الكلام في الصورة الأُولى، أعني: ما إذا أقرّ بالربح ثم رجع كما قال


1 . مجمع الفائدة: 10/256.  

2 . مفتاح الكرامة: 7/518.


صفحه417

المحقق: ثم رجع، أو ادّعى الغلط. ففي القسم الأوّل أي الرجوع: فالحق هو عدم القبول، لأنّه مصداق «لاإنكار بعد الإقرار» إذا كان المراد من الرجوع هو نفي الإقرار السا