welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : رسائل فقهية - ج2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

رسائل فقهية - ج2

صفحه1

2


صفحه2

حضرة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ـ

      رسائل فقهية / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1429 ق . = 1387 .

      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 306 - 5 (دوره)

ISBN 978 - 964 - 357 - 339 - 3 (ج. 2)

      كتابنامه به صورت زير نويس.

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا

      1 . فقه جعفرى ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.

5ر 2س/ 5/183 BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … رسائل فقهية

الجزء:    …الثاني

المؤلف:   … آية الله العظمى جعفر السبحاني

الطبعة:   … الأُولى ـ 1429 هـ . ق

عدد النسخ :   … 1500 نسخة

المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)

التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

مركز التوزيع

قم المقدسة

ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد

?7745457 ; 09121519271

http://www.imamsadiq.org


صفحه3


صفحه4


صفحه5


صفحه6


صفحه7

   

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعلهم أحد الثقلين اللذين أُنيط بهم الهداية وأكمل بهم السعادة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي، فإن تمسكتم بهما فلن تضلّوا أبداً».

أمّا بعد; فإن الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة فريضة القلوب والشريعة فريضة الجوارح، فلكل واجب محرّر في محله، فانطلاقاً من هذا الأصل قمنا بتأليف رسائل مختصرة ومفصلة حول الشريعة في المسائل الّتي تبتلي بها العامّة أو يسأل الفقيه عنها.

وهذا هو الجزء الثاني من تلك السلسلة يحتوي على الرسائل التالية:

الرسالة السابعة عشرة: تفسير الوطنين الأصلي والاتخاذي.

الرسالة الثامنة عشرة: إتمام الصلاة في الأماكن الأربعة.

الرسالة التاسعة عشرة: أقسام الصوم .

الرسالة العشرون: في الأجناس الّتي تتعلق بها الزكاة.

الرسالة الحادية والعشرون: في شرطية السوم دون اعتبار عدم العمل.

الرسالة الثانية والعشرون: الخمس في زمان الغيبة.

الرسالة الثالثة والعشرون: المؤونة لغة واصطلاحاً.

الرسالة الرابعة والعشرون: صلاة الطواف ومكانها.

الرسالة الخامسة والعشرون: حقيقة الإحرام في كلمات الفقهاء.


صفحه8

الرسالة السادسة والعشرون: المطاف بين السعة والضيق.

الرسالة السابعة والعشرون: في عقد المضاربة وأحكامه.

الرسالة الثامنة والعشرون: في مال القراض.

الرسالة التاسعة والعشرون: الرضاع.

الرسالة الثلاثون: الكفاءة في النكاح ولواحقها.

الرسالة الحادية والثلاثون: في حكم المفقود عنها زوجها.

الرسالة الثانية والثلاثون: الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات في مجلس واحد.

الرسالة الثالثة والثلاثون: المسلم يرث الكافر دون العكس.

الرسالة الرابعة والثلاثون: إرث الزوج والزوجة.

الرسالة الخامسة والثلاثون: عمل القاضي بعلمه.

الرسالة السادسة والثلاثون: العاقلة وأحكامها.

وهذه الرسائل إمّا أُلّفت على وجه الاستقلال، أو استلت من مؤلّفاتي الفقهية.

وفي الختام نرجو من القرّاء الكرام إيقافنا على مواضع الغفلة والزلة، فإنّ العصمة لله ومن عصمه الله، وعلى الله توكلت وإليه أُنيب.

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

25 شعبان ـ 1429 هـ


صفحه9

الرسالة السابعة عشرة

تفسير الوطنين الأصلي

والاتخاذي


صفحه10

صفحه11

تفسير الوطنين الأصلي والاتخاذي   

إنّ الوطن بما له من المعنى العرفي يتحقّق بأحد أمرين:

1. كون البلدة مسقط رأسه ومحلّ تولّده ونشئه ونموّه، فهذا ما يسمّى بالوطن الأصلي، فكلّما خرج الإنسان عنه، عاد إليه.

2. اتخاذها وطناً ثانياً لإلجاء الظروف الانتقال من الوطن الأصلي، إلى إلقاء الرحل فيها، لعوامل اقتصادية أو سياسية أو صحيّة، بحيث يصدق عليه أنّه أعدّه مقراً لنفسه، وهذا ما يسمّى وطناً اتخاذياً، وقد شاعت الهجرة بين الشعوب بعد ظهور الحضارة الصناعية، لسهولة الانتقال مع الأثقال من بلد إلى بلد آخر لطلب المال والمقام.

ولا يعتبر في صدق الوطن الاتخاذي، إلاّ اتخاذه مقراً ومسكناً بلا تقييده بمدة محددة، بل يصدق مع التقييد أيضاً إذا كانت مدّة الاستقرار كثيرة كعشر سنين أو أزيد بشرط أن يُحقّق لوازم الاستقرار وشؤون الاستيطان كالانتقال مع الأهل والعيال إليه، والاشتغال بالتجارة أو العمل في المصانع والمزارع على وجه يتجلى المحلُّ في نظر العرف كونه مسكناً ومستقراً له، وهذا يختلف حسب اختلاف الأشخاص في الشؤون الاجتماعية، فالعامل في بلد إذا انتقل إلى بلد آخر واشتغل بنفس العمل في مصنع من المصانع صدق انّه اتّخذه مقرّاً ومسكناً، بخلاف التاجر فلا يصدق إلاّ إذا مارس نفس


صفحه12

ما كان يمارسه في البلد الأوّل عن طريق إنشاء متجر يضمّ إلى نفسه كاتباً ومحاسباً إلى غير ذلك من الشؤون. يقول السيد الطباطبائي: إنّ الصدق المذكور يختلف حسب الأشخاص والخصوصيات فربما يصدق بالإقامة فيه بعد القصد المزبور شهراً أو أقلّ فلا يشترط الإقامة ستة أشهر.

ولا يشترط في صدقه، كونه مالكاً لدار أو دكان، بل يكفي اتخاذه مسكناً ومقراً ولو بالإيجار، والسائد على المهاجرين هو الإيجار، لا التملك.

والحاصل: أنّه لا يشترط في صدق الوطن العرفي، سوى اتخاذه مقراً ومسكناً لنفسه وعياله وأولاده بحيث لو سئل عن مسكنه، لأجاب أسكن البلد الفلاني، سواء اقترن بنية الدوام أو لا، بشرط أن تكون المدّة في الصورة الثانية طويلة تصوّر المسكن في نظر العرف أنّه وطن، سواء كان له ملك أو لا.

إذا كان له دار أثناء الطريق

وبذلك تعلم حال ما لو كان له وراء دار إقامته منزل آخر، فهل العبور عليه يكون قاطعاً للسفر ويتم فيه الصلاة، أو لا؟ الظاهر انّه تختلف حاله حسب اختلاف كيفية إقامة الإنسان، فربما يتخذه مقراً لنفسه ليقضي أيام العطلة فيه فيجهّزه بأثاث البيت، بحيث كلما نزل فيه يرى نفسه مستقراً، لا مسافراً ولو ضمّ إليه أمراً وهو أن يتزوج امرأة ويسكنها فيه بحيث كلما حل فيه، فكأنّه حل في وطنه، ففي مثله يتم ويصوم وإن كان أقل من عشرة، وربما لا تكون إقامته بهذه المثابة بل ربما يحل فيه، يوماً وأياماً ثمّ يتركه، وتكون الإقامة فيه كالإقامة في الفندق في أيام الصيف ففي مثله يقصر ويفطر.


صفحه13

والحاصل: أنّ الحكم بالخروج عن كونه مسافراً وعدمه تابع لكيفية إقامته فيه من حيث الكمية والكيفية، ولذلك يختلف قضاء العرف حسب اختلاف الإقامة فيه والشؤون المتواجدة فيه المعربة عن الاستيطان وعدمه. ثمّ إنّ الحكم بالإتمام في الوطنين فرع عدم إعراضه عنهما، ولو أعرض عاد كسائر الأمكنة التي تقصر فيه الصلاة.

الوطن الشرعي

نسب إلى المشهور قسم ثالث من الوطن وراء الأصلي والاتخاذي سمّوه بالوطن الشرعي، وحاصله: أنّه إذا كان له في بلد أو قرية ملك قد سكن فيه بعد اتخاذه وطناً ـ ستة أشهر ـ يتم إن دخل فيه وإن أعرض عنه إلى أن يزول ملكه، وهذا هو المشهور بالوطن الشرعي، حيث يُغاير القسمين الآخرين في النتيجة، وهي عدم إضرار الإعراض عنه مادام له ملك، والمقوم له الأُمور التالية:

1. أن يتخذ القرية أو البلد وطناً.

2. أن يكون له فيه ملك.

3. أن يكون الملك قابلاً للسكنى فلا يكفي كونه مالكاً للنخلة.

4. أن يسكن فيه بمدّة ستة أشهر بقصد التوطّن.

فمادام كونه مالكاً له لا يزول عنه حكم الوطنية وإن أعرض، فلو مرّ عليه يتم، ولو سافر إليه من البلد الجديد الذي اتخذه وطناً يُتم، وقد نسب إلى المشهور.


صفحه14

وربما يفسر الوطن الشرعي بوجه آخر وهو المكان الذي أقام
فيه الإنسان ستة أشهر متوالية أو متفرقة مع وجود ملك له فيه، سواء اتخذه مقراً له أو لا، وسواء كان وطنه الأصلي أو لا، وسواء كان لتحصيل العلم أو لغيره.

ولعلّ التفسير الثاني أكثر انطباقاً للأقوال التي ستمر عليك.

والفرق بين التفسيرين واضح، فانّ التفسير الأوّل مبني على اتّخاذه مقراً دائماً ثمّ أعرض، فيكون الوطن الشرعي وليد الوطن الاتخاذيّ غالباً إذا أعرض عنه بعد تحقّق الأمرين:

1. إقامة ستة أشهر.

2. فيه منزل يملكه، بخلاف الثاني حيث يكفي صرف الإقامة في المكان مع وجود ملك وإن كانت من أوّل الأمر بصورة مؤقتة، فلو أنّ إنساناً هاجر إلى بلدة طهران لإنجاز عمل يستغرق ستة أشهر، فأقام فيها تلك المدة وتملك داراً، ثمّ رجع إلى وطنه، فهو يتم إلى آخر عمره كلما حلّ في طهران أو مرّ عليها مادام الملك باقياً.

و ربما يفسر بوجه ثالث أي الوطن الأصلي الذي نشأ فيه بعد إعراضه عنه، وقد ترك فيه ملكاً وأقام المدة أو أزيد وقد ذكر التفاسير الثلاثة، المحقّق النراقي في المستند.(1)

والحاصل: أنّ الوطن الشرعي فُسّر بوجوه ثلاثة:


1 . المستند:1/565.


صفحه15

1. الوطن الأصلي الذي أعرض عنه، فإذا كان له منزل أو ملك فيه، يتم متى دخله.

2. الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه مع الشرطين. وهذا خيرة صاحب الجواهر.

3. أو المحل الذي أقام فيه ستة أشهر. وهو خيرة شيخنا الأنصاري.

وأمّا أهل السنّة فلم نعثر على نص لهم في «بداية المجتهد»، ولا في «الهداية» للمرغيناني. نعم قال ابن قدامة في «المغني»: قال الزهري: إذا مرّ بمزرعة له أتم. وقال مالك: إذا مرّ بقرية فيها أهله أو ماله أتم، إذا أراد أن يقيم بها يوماً وليلة.

وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر مالم يجمع على إقامة أربع، لأنّه مسافر لم يجمع على أربع.

وقال ابن عباس: إذا قدمت على أهل لك أو مال فصلّ صلاة المقيم.(1)

إنّ الوطن الشرعي بأحد التفاسير الثلاثة لم نعثر عليه في الكتب التالية:

1. فقه الرضا ; 2 و 3. المقنع والهداية للصدوق; 4. المقنعة للمفيد; 5. جمل العلم والعمل للمرتضى; 6و 7.الخلاف والاقتصاد للطوسي; 8. الكافي للحلبي; 9و10. جواهر الفقه والمهذب لابن البراج; 11. فقه القرآن للراوندي; 12. الغنية لابن زهرة; 13. إشارة السبَق للحلبي;14. الجامع لابن سعيد; 15. اللمعة للشهيد الأوّل.


1 . المغني:2/136.


صفحه16

نعم تعرض له قليل من المتقدّمين والمتأخّرين:

1. قال الصدوق ـ بعدما نقل خبر إسماعيل بن الفضل ـ : قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة أيّام، ومتى لم يرد المقام بها عشرة أيّام قصر إلاّ أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر. فإن كان كذلك، أتم متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع.(1)

وظاهره عدم الإعراض وانّه يسكنه كلّ سنة ستة أشهر وكلامه أخص ممّا نسب إلى المشهور وناظر إلى بيان حكم ذي الوطنين .

2. قال الشيخ في النهاية: ومن خرج إلى ضيعة له، وكان له فيها موضع ينزل ويستوطنه وجب عليه الإتمام، فإن لم يكن له فيها مسكن وجب عليه التقصير.(2)

وظاهره هو أنّه يستوطنه ولو بصورة كونه ذا وطنين وليس فيه من الإقامة بمقدار ستة أشهر أثر.

3. قال ابن البراج في الكامل: من كانت له قرية له فيها موضع يستوطنه، وينزل به وخرج إليها وكانت عدّة فراسخ سفره ـ على ما قدمناه ـ فعليه التمام.(3)


1 . الفقيه:1/451 برقم 1307، باب الصلاة في السفر. وما ذكره الصدوق في تفسير الصحيحة هو الذي سوف نقوّيه في بحوثنا القادمة من حملها على من له وطنان، فلا تغفل.

2 . النهاية: 124، باب الصلاة في السفر.

3 . نقله عنه العلاّمة في المختلف: 2/561.


صفحه17

وكلامه ظاهر في مَن كان له وطنان، تارة يستوطن الضيعة، وأُخرى في البلد الآخر.

نعم تجده صريحاً في المصادر التالية:

4. قال ابن حمزة: إن بلغ سفره مسافة التقصير إن مرّ بضيعة له فيها مسكن نزل به ستة أشهر فصاعداً أتم، وإن لم يكن فقصر.(1)

5. قال ابن إدريس: من نزل في سفره قرية أو مدينة وله فيها منزل مملوك قد استوطنه ستة أشهر أتم، وإن لم يقم المدة التي يجب على المسافر الإتمام، أو لم ينو المقام عشرة أيام.(2)

6. وقال الكيدري: إذا مرّ في طريقه بضيعة له أو ملك له أو حيث له فيه قرابة، فنزل ثمّ طرح ولم ينو المقام، فإن كان قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً تمّم وإلاّ قصر.(3)

7. قال المحقّق: الوطن الذي يتم فيه هو كلّ موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً، متوالية كانت أو متفرقة.(4)

8. وقال أيضاً: (الشرط) الثاني: أن لا يقطع السفر بعزم الإقامة، فلو عزم مسافة وله في أثنائها منزل قد استوطنه ستة أشهر، أو عزم في أثنائها إقامة عشرة أيّام أتم.(5)

9. وقال العلاّمة في القواعد: وكذا ـ أي يتم ـ لو كان له في الأثناء ملك


1 . الوسيلة: 109. 

2 . السرائر:1/331.

3 . إصباح الشيعة:93.  

4 . الشرائع:1/123.

5 . المختصر النافع: 51.


صفحه18

قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(1)

10. وقال في إرشاد الأذهان: (الشرط) الثالث: عدم قطع السفر بنية الإقامة عشرة فمازاد في الأثناء أو بوصوله بلداً له فيه ملك استوطنه ستة أشهر فصاعداً.(2)

11. وقال الشهيد في الدروس: (الشرط) السادس: عدم وصوله إلى منزل له فيه ملك واستيطان ستة أشهر ولو متفرقة.(3)

12. وقال في البيان: (الشرط) الرابع: لا يمرّعلى بلد له فيه منزل استوطنه ستة أشهر.(4)

13. وقال المحقّق الثاني: (الشرط) الثالث: استمرار القصد، فلو نوى الإقامة في الأثناء عشرة أيّام أتم وإن بقى العزم، وكذا لو كان له في الأثناء ملك قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(5)

هذه كلمات أكابر الأصحاب من القرن الثالث إلى العاشر، وبذلك يعلم مقدار الشهرة الواردة في كلماتهم، وقد عرفت أنّ المعنون في كلام الصدوق والشيخ وابن البراج لا يمتَّ إلى الوطن الشرعي بصلة، بل كلامهم في مَن كان ذا وطنين وعليه حملوا صحيحة ابن بزيع الآتية. وأمّا المتأخرون فلا يهمنا ذكر كلماتهم غير أنّ السيد الطباطبائي يقول: المشهور على أنّه بحكم الوطن العرفي وإن أعرض عنه إلى غيره ويسمّونه بالوطن الشرعي ويوجبون عليه


1 . القواعد: 1 / 325. لاحظ إيضاح الفوائد في شرح القواعد، قسم المتن:1/162.

2 . إرشاد الأذهان:1/275. 

3 . الدروس:1/211.

4 . البيان:1/156، الطبعة الحجرية.

5 . جامع المقاصد:2/511.


صفحه19

التمام ـ إذا مرّعليه ـ مادام بقاء ملكه فيه، لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض فالوطن الشرعي غير ثابت. وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه فيجمع بين القصر والتمام إذا مرّعليه ولم ينو إقامة عشرة أيّام، بل الأحوط الجمع إذاكان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسكنى وبقى فيه بقصد التوطّن ستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن يسكنه بقصد التوطّن بل بقصد التجارة مثلاً.

وقد وافقه أكثر المعلِّقين على العروة إلاّ السيد المحقّق الخوئي فقال في تعليقته: ما ذكره المشهور من ثبوت الوطن الشرعي هوالصحيح، وإنّما يتحقّق بوجود منزل مملوك له في محل قد سكنه ستة أشهر متصلة عن قصد ونية، فإذا تحقّق ذلك أتم المسافر صلاته كلما دخله إلاّ أن يزول ملكه.(1)

إذا وقفت على الأقوال فلندرس الروايات الواردة في المقام.

إنّ الروايات على أصناف أربعة ـ وإن جعلها صاحب الحدائق ثلاث عشرة طائفة ـ :

1. ما يدل على أنّ النزول في أرض أو المرور عليها للإنسان فيها ملك، قاطع للسفر ويكفي أن يكون له فيها نخلة، من غير فرق بين الاستيطان وعدمه وقصد العشرة وعدمه، فتمام الموضوع، للإتمام، كون الإنسان مالكاً لشيء فيها فقط، وقد ورد فيه أربع روايات.

2. ما يدل على أنّ مثل ذلك لا يكون قاطعاً للسفر وموجباً للإتمام، إلاّ


1 . العروة الوثقى: 2 / 141 ، فصل في قواطع السفر تعليقة المسألة الأُولى.


صفحه20

إذا قصد إقامة عشرة أيّام فليس لكون المصلّي مالكاً لشيء أي تأثير في الإتمام، بل هو وغير المالك سواء وقد ورد فيه روايتان.

3. ما يدلّ على أنّ الملاك هو الاستيطان وعدمه، لا كون المصلّي مالكاً للشيء وعدمه فلا يكون المرور على الضيعة قاطعاً إلاّ إذا استوطنه، وقد وردت فيه روايتان إحداهما عن علي بن يقطين بأسانيد خمسة، والأُخرى عن حماد بن عثمان عن الحلبي، كما سيوافيك.

وهذا الصنف يمكن أن يكون شاهد جمع بين الصنفين الأوّلين المختلفين من حمل الإتمام على صورة الاستيطان، والقصر على صورة عدمه.

4. ما يدعم مفاد الصنف الثالث إلاّ أنّه يفسّر الاستيطان بأن يكون للإنسان منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيه متى دخله. وتدل عليه رواية واحدة وهي صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن (عليه السلام)، ولولا هذه الرواية لم يكن أي خلاف في أنّ الوطن ينقسم إلى أصلي واتخاذي من دون توهم وطن ثالث باسم الوطن الشرعي.

و إليك نقلها بأصنافها الأربعة:

الأوّل: ما يدل على أنّ المرور على الملك ضيعة كان أو داراً قاطع للسفر من دون أن يقيد باتخاذه وطناً بل يكتفى بنفس الملك:

1. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض، وإنّما ينزل قراه وضيعته، قال:


صفحه21

«إذا نزلت قراك وضيعتك(1) فأتمّ الصلاةَ، وإذا كنت في غير أرضك فقصر».(2)

والشاهد في قوله: «و ضيعتك» فإنّ ملكية الضيعة لا تلازم اتخاذها وطناً، بخلاف قوله: «قراه» فإنّ انتساب القرية إلى الإنسان فرع كونه متوطناً فيها، في فترة سواء أعرض عنها أم لا.

2. ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها. قال: «يتم الصلاة ولو لم يكن له إلاّ نخلة واحدة ولا يقصر، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها».(3)

3. ما رواه الشيخ بسنده عن عمران بن محمد قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): جعلتُ فداك انّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً ـ خمسة فراسخ ـ فربما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأُتمّ الصلاة أم أُقصِّر؟ فقال: قصِّر في الطريق وأتمَّ في الضيعة.(4)

4. روى الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الرجل يخرج إلى ضيعته فيقيم اليوم واليومين والثلاثة، أيقصّر أم يتم؟ قال: «يتم الصلاة، كلما أتى ضيعة من ضياعه».(5)


1 . كذا نقله الشيخ في «التهذيب» و «الاستبصار»، و رواه الصدوق«و أرضك». لاحظ جامع أحاديث الشيعة: الجزء 7، برقم 11573.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5 .

4 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14 .

5 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.


صفحه22

ورواه عبد اللّه بن جعفر في «قرب الإسناد»، وذكره صاحب الوسائل برقم (18) .

و مقتضى هذه الروايات أنّ المرور على الملك والنزول فيه قاطع للسفر.

***

الثاني: ما يدل على خلاف مفاد هذا الصنف وأنّ الملاك هو قصد الإقامة وعدمه:

1. روى الكليني عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من أتى ضيعته ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصر، وإن أراد المقام عشرة أيّام أتم الصلاة».(1)

2. روى الكليني عن موسى بن حمزة بن بزيع قال: قلت لأبي الحسن: جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أُريد بغداد فأُقيم في تلك الضيعة أقصر أو أتم؟ فقال: «إن لم تنو المقام عشرة أيّام فقصّر».(2)

***

الثالث: ما يفصل بين صورة الاستيطان وغيرها، وفيه حديثان:

1. ما رواه الصدوق عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)أنّه قال: «كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير». (3) وقد روي هذا


1 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.

3 . الوسائل: ج 5، الباب 14من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


صفحه23

المضمون عن علي بن يقطين بطرق مختلفة يستظهر منها أنّ الجميع رواية واحدة لها أسانيد كثيرة.(1)

2. ما رواه حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصّر؟ قال: «يقصّر إنما هو المنزل الذي توطّنه».(2)

***

وقد تقدم أنّه يمكن الجمع بين هذه الصنوف بجعل الصنف الثالث شاهداً على ما هوالمراد من الصنفين المتقدمين، وأنّ الأمر بالإتمام في الصنف الأوّل محمول على صورة الاستيطان والأمر بالقصر في الصنف الثاني محمول على عدمه.

فهذه الروايات لا توجد أي مشكلة فقهية بالنسبة إلى ما تقدم من المسائل.

***

الرابع: ما يدعم مضمون الصنف الثالث لكنه يعود فيفسر الاستيطان بشكل خاص، وهذا هو الذي صار منشأ للقول بالوطن الثالث المسمّى بالوطن الشرعي وليست المشكلة إلاّ في هذه الرواية:


1 . أُنظر الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1،6، 7، 9، 10. وما في الرواية التاسعة من التفريق بين قوله: «قد سكنه» و «ما لم يسكنه» محمول على عدم الإعراض بقرينة سائر ما روى عنه من التفصيل بين الاستيطان وعدمه، و بعبارة أُخرى: كناية عن كونه مستوطناً أو لا.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


صفحه24

روى الشيخ بسند صحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: «لا بأس مالم ينو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه»، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها». قال: وأخبرني محمد بن إسماعيل أنّه صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته. قال أحمد: أخبرني علي بن إسحاق بن سعد وأحمد بن محمد جميعاً انّ ضيعته التي قصّر فيها الحمراء.

ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع مثله إلى قوله: متى دخلها.(1)

و المهم دراسة الرواية وتحليل مفهومها، وللأعلام حول الصحيحة كلمات بين ما تحاول تطبيقها على الوطن الشرعي، أو إرجاعها إلى الوطن العرفي; فلنذكر بعض ما أُفيد في المقام:

1. الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي، هو الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه بعدما أقام فيه ستة أشهر وله فيه ملك، هذا هو الذي أيّده صاحب الجواهر، فالظاهر منه في رسالته العملية باسم «نجاة العباد» انّه يشترط في ثبوت الوطن الشرعي تحقّق أُمور ثلاثة:

1. اتّخاذه محلاً على الدوام.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


صفحه25

2. أن يكون له ملك.

3. يسكنه ستة أشهر.

وإليك عبارته: الوطن هو المكان الذي يتخذه الإنسان مقرّاً ومحلاً له على الدوام مستمِّراً على ذلك، غير عادل عنه من غير فرق بين ما نشأ فيه وما استجدّه، ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصولَ ملك له فيه، ولا إقامة ستة أشهر ـ إلى أن قال: ـ نعم يجري عليه حكم الوطن مادام متخذاً كذلك، أمّا إذا عدل عنه إلى غيره ولم يكن له فيه ملك، زال عنه حكم الوطنية، فإن كان له فيه ملك قد جلس فيه حال الاتخاذ المزبور، لاتخاذه مقرّاً على الدوام ستة أشهر، ولو متفرقة جرى عليه حكم الوطنية على الأقوى مادام مالكاً، فلو أخرجه عن ملكه خرج عن حكم الوطن....(1)

ومحصل كلامه: أنّ الوطن الشرعي غالباً وليدُ الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه، لكن بعد حصول القيدين في حال اتخاذه وطناً، وهو الإقامة ستة أشهر في منزل يملكه.

ولعلّه (قدس سره) استظهر ما أفاده من الصحيحة والدالّ على القيد الأوّل قوله: «يستوطنه» وعلى الثاني قوله: «منزل»، وعلى الثالث قوله: «يقيم ستة أشهر».

يلاحظ عليه بأُمور:

1. انّ استظهار نية الدوام من جملة: «يستوطنه» في الصحيحة لا شاهد


1 . نجاة العباد:152. وعليها تعليقات العلمين: المجدّد الشيرازي و المحقّق الآشتياني ـ قدّس سرّهماـ .


صفحه26

له لغة ولا عرفاً وقد عرفتَ كفاية كون الإقامة غير محدَّدة.

2. انّ استفادة شرطية الملك منها غير واضح، لأنّه جاء ذكر المنزل في كلا الموردين، أعني قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» وقوله: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه» توطئةً للاستيطان في الفقرة الأُولى، وتمهيداً للإقامة في الفقرة الثانية، فلم يبق مايكون دخيلاً في تحقّق الاستيطان إلاّ إقامة ستة أشهر، وسيوافيك وجهه عند ذكر الاحتمال الثالث، وعلى ذلك لا صلة للصحيحة بالوطن الشرعي الذي يدّعيه صاحب الجواهر، لأنّه مبني على أُمور ثلاثة ولم يثبت شرطية الأوّلين.

3. انّ ما ذكره من حمل الرواية على المُعْرِض عن الوطن الاتخاذي ينافيه قوله: «يستوطنه» و«يقيم» فانّ ظاهرهما كونه مستوطناًو مقيماً فيه لا معرضاً عنه.

2. مطلق من أقام في مكان ستة أشهر

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي عبارة عن المحل الذي أقام فيه ستة أشهر مع كونه مالكاً للمنزل فيتم فيه كلما دخلَ أو مرّعليه، وهو خيرة شيخنا الأنصاري، ولا يشترط في تفسيره كون إقامته مدّة ستة أشهر مقروناً بنية الدوام، بل من أقام تلك المدة ولو محدَّداً بها لكفى وحاصل ما أفاده مع إغلاق في كلامه:

إنّ قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» بمعنى اتخاذه المنزلَ وطناً فهل المراد اتخاذه وطناً في الماضي أو في الحال أو في المستقبل؟


صفحه27

لا سبيل إلى الثاني، لأنّ التلبس بالاتخاذ ليس أمراً تدريجياً حتى يصدق التلبس بانقضاء شيء منه وبقاء شيء آخر منه.

كما لا سبيل إلى الثالث، لأنّ من ليس له منزل اتخذه وطناً وإنّما يتخذه بعد ذلك لا يمكن أن يكون سبباً للإتمام بالفعل فانحصر المرادُ بالماضي أي استوطن وأقام في المنزل الذي يملكه ستة أشهر، فهو يكفي في الإتمام مادام العمر بشرط أن لا يزول ملكه.

ثمّ إنّ اتخاذ المنزل وطناً وإن كان ظاهراً في الاتخاذ الدائمي لكن في نفس الصحيحة قرينة على أنّ المراد غيره، لأنّ مفروض السائل عبور الرجل إلى الضيعة فكيف يحمل على الاستيطان الدائمي؟ فينحصر المراد منه في أنّ كلّ مكان أقام الرجل فيه ستة أشهر مع كونه ذا منزل يملكه فيه فهو في حكم الوطن الأصلي والوطن الاتخاذي الدائمي.

وأمّا استعمال المضارع في المقام: أي «يستوطنه» و«يقيم» فإنّما هو بحسب فرض المسألة لا بحسب تحقّق المبدأ للموضوع ومثله في غاية الكثرة، فانّ المفروض قد يعبّر عنه بالماضي (رجل صلّى) وقد يعبّـر عنها بالمستقبل (رجل يصلّي) مع كون الحكم موقوفاً على تحقّق المبدأ.(1)

يلاحظ عليه: أنّ حاصل ما ذكره في تفسير الحديث انّ قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه» بمعنى استوطنه، وأقام فيه ولو مرة واحدة، لكنّه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلاّ بدليل، وذلك لوجهين:


1 . كتاب الصلاة: 420، الطبعة الحجرية.


صفحه28

ألف. أنّ المتبادر من الحديث أنّ الاستيطان والإقامة بستة أشهر وصف فعلي له، متلبّس به فعلاً، لا انّه تلبّس به سابقاً.

ب. انّ صيغة المضارع بحكم دلالته على التجدّد والاستمرار تدل على ثبوت تلك النسبة له مستمراً في كلّ سنة.

3. الحديث ناظر لذي الوطنين

إنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع كوفي والكوفة سواد العراق، تتواجد في أطرافها الضياع والمزارع والحدائق، وكان أصحاب المُكْنة يتملكون ضياعاًو في الوقت نفسه يقطنون الكوفة، ولكن يذهبون بين فترة وأُخرى إلى مزارعهم وضياعهم للترويح تارة، وحيازة المحصول ثانياً، وبما أنّ الراوي ومن كان مثله كان يسافر إلى ضيعته كثيراً ويظهر من ذيل الرواية انّه كانت له ضيعة باسم «الحمراء» سأل الإمام عن الصلاة فيها؟ فأجاب الإمام، بأنّها وغيرها سواء يُقصر فيها الصلاة مالم ينو مقام عشرة أيّام.و لو كان الإمام مقتصراً بكلامه هذا كان السائل مقتنعاً بالجواب، عارفاً بواجبه.

لكن لما أضاف الإمام إلى كلامه قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» صار هذا سبباً لسؤال السائل أنّه كيف يمكن له أن يستوطن الضيعة مع أنّه مستوطن في الكوفة؟(1) فأجاب الإمام بأنّه يمكن تصويره إذا كان ذا وطنين يقيم ستة أشهر في الضيعة، وستة أُخرى في الكوفة.


1 . لاحظ ذيل الرواية يصرّح بأنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته.


صفحه29

والدليل على ذلك:

هو أنّ قوله: «يستوطنه»، أو «يقيم» ظاهر في كونه كذلك بالفعل ومتلبساً بالمادة كذلك ومقتضى دلالة فعل المضارع على التلبس والتجدّد، كونه مقيماً كذلك في كلّ سنة لا أنّه تلبس به مرّة واحدة وترك الضيعة وبدا له أن ينزل أو يمرّ عليها، فإنّ كلّ ذلك مخالف لصيغة المضارع لدلالتها على تجدد المبدأ، وكونه متلبساً به بالفعل وأين هو ممن دخل منزلاً أقام فيه في سالف الأيام ستة أشهر إلاّ إذا قلنا بأنّ الفعلين المضارعين بمعنى الماضي وهو كما ترى.

وعليه تكون الرواية بصدد بيان حكم ذي الوطنين، وهذا هو الظاهر من الصدوق في الفقيه في تفسير الرواية كما أومأنا إليه عند نقل عبارته.

قال الفيض: ظاهر هذا الحديث، اعتبار تكرر إقامة ستة أشهر في الاستيطان كما يستفاد من صيغة المضارع الدالة على التجدّد في الموضعين، وبمضمونه أفتى في الفقيه وهو أصحّ ما ورد في هذا الباب وبه يجمع بين الأخبار المتعارضة فيه، بحمل مطلقها على مقيدها بأحد القيدين، إمّا عزم إقامة عشرة، وإمّا الاستيطان كما فعله في الفقيه والتهذيبين.(1)

وهل يشترط أن يكون الاستيطان في الملك الشخصي كما عليه الفيض حيث قال: ويستفاد من إضافة الضيعة إلى صاحبها في جميع الأخبار اعتبار الملك؟ الظاهر لا ويكفي الإيجار لأنّ «المنزل» في الفقرتين لأجل التمهيد لقوله«يستوطن» أو «يقيم» والمقياس كونه مقيماً ستة أشهر في ضيعته.


1 . الوافي: 5/162، ط مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) .


صفحه30

فإن قلت: فعلى هذا التفسير تكون الرواية راجعة إلى تفسير الوطن العرفي، مع أنّ السائل، أعني: محمد بن إسماعيل بن بزيع، أرفع من أن يجهل معنى هذا النوع من الوطن.

قلت: لا غرو في أن يكون هذا النوع من الوطن أمراً غير ظاهر لابن بزيع، وهو أن يكون الرجل ذا وطنين، وهو يعيش بين وطن صيفي ووطن شتوي.

و على هذا فترجع الرواية إلى بيان حكم ذي الوطنين، وإنّ من كان له وطنان يُقيم في كلّ ستة أشهر، فهو يتم في كلاهما إذا دخل فيهما ولو لم يقصد إقامة العشرة.

وقد عرفت أنّ الصدوق في «الفقيه» فسر الرواية بهذا النحو. وعليه تعبير الشيخ في النهاية، وابن البراج في المهذب، واختاره جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك(1) والمجلسي الأوّل(2).

وقد عرفت عبارة شيخنا الفيض في الوافي.

و بذلك ظهر الفرق بين قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه ستة أشهر» فالمراد من الأوّل هو قصد التوطن في الضيعة مقيّداً بالدوام أو مجرداً عن الحد على ما قويناه; كما أنّ المراد من الثاني، ما يتحقّق به الاستيطان، لمن كان له وطن.


1 . مدارك الأحكام: 4/444، كتاب الصلاة.

2 . ملاذ الأخيار:5/392، باب الصلاة في السفر.


صفحه31

 

مدخلية القيود وعدمها

قد وردت في الرواية قيود ثلاثة:

1. كونه مالكاً للضيعة.

2. كونه مالكاً للمنزل.

3. مقيماً فيه ستة أشهر.

فلو قلنا بأنّ الصحيحة كافلة لتفسير الوطن الشرعي بكلا التفسيرين، فلا محيص عن اعتبار جميع القيود الواردة فيها وما تنصرف إليه، ككون الإقامة فيها ستة أشهر متوالية لا متفرقة، لأنّ المتبادر في كلّ مورد أُخذت المدةُ موضوعاً للأحكام، كشهر أو شهرين هو التوالي. فلأجل ذلك يجب على صاحب الجواهر، وشيخنا الأنصاري ـ اللّذين حملا الرواية على الوطن الشرعي غير المألوف لدى العرف ـ الأخذُ بعامة القيود الواردة والمتبادرة من لفظ الرواية.

وعلى ما ذكرنا، من أنّها ليست بصدد بيان أمر تعبدي، بل بصدد بيان مصداق للوطن العرفي، الذي كان الراوي غافلاً عنه وقت المخاطبة، وهو أن يقسِّم الرجل فصولَ سنته إلى قسمين، فيقيمَ ستة أشهر في البلد والستة الأُخرى في الضيعة، فيكون ذا وطنين، يُلغى من القيود ما يكون العرف مساعداً لإلغائه، ويحمل ذكر القيود لغاية أُخرى من كونها تمهيداً، وتوطئة للإقامة (كالمنزل) أو كونه الأصل في تقسيم السنة كستة أشهر، ولندرس القيود، حسب تفسيرنا:


صفحه32

 

ألف. ملكية الضيعة والمنزل

إذا كانت الصحيحة بصدد بيان الوطن العرفي، فيكون المقياس صدقه، وعليه فالإتمام يدور مدار كونه مستوطناً في المحل الثاني كاستيطانه في المحل الأوّل، سواء كان مالكاً للضيعة والمنزل أو لا، فلو انّ إنساناً يقسم فصول السنة إلى قسمين، فيقيم ستة أشهر في العاصمة والستة الثانية في مدينة قم، وفي الوقت نفسه قد وطن نفسه على الاستمرار على هذا النوع من الإقامة، فهو يتم في كلا الموردين وإن لم يملك ضيعة، ولا منزلاً، ولو افترضنا انّه يسكن العاصمة، ولكنّه يتولى الضيعة الموقوفة للأُمور الخيرية، ولا يتمشى أمرها إلاّ بالإقامة فيها ستة أشهر في كلّ سنة، فهو يتم في كلا المكانين، وإن لم يملك شيئاً، ولو كان مالكاً للضيعة، ولكنّه يقيم تحت الخيام وفي الأكواخ، فالحكم في الجميع واحد وهو الإتمام.

ب. مدخلية المدة المعيّنة

إذا قلنا بأنّ الرواية بصدد بيان أمر تعبدي، لم يكن محيص عن الأخذ بمدخلية المدّة المذكورة، فلو نقص يوم فضلاً عن أيّام لم يتحقّق الوطن الشرعي، على كلا التفسيرين، وأمّا لو قلنا بأنّه لبيان الفرد الخفي على الراوي من مصاديق الوطن العرفي، فالمدار صدق الاستيطان العرفي في الضيعة وإنّما حدّد في الصحيحة بالستة لأنّها الأصل في تقسيم السنة، وإلاّ فالوطن الثاني يحصل بالإقامة فيه في كل سنة مدّة معتداً بها، كما سيوافيك بيانه في المسألة الآتية.


صفحه33

نعم هنا سؤال ربما يختلج بالبال وهو انّه إذا كانت الرواية متعرضة لبيان الوطن العرفي، فقد مضى انّه لا يشترط في صدقه سوى نيّة الإقامة دائماً
أو بلا قيد مع البقاء فيه أيّاماً قلائل، بحيث يصدق أنّه يسكن البلد الكذائي، ومع ذلك نرى في المقام عدم الاكتفاء بمجرّد النيّة المرفق بالبقاء فيه أيّاماً قلائل.

والجواب عنه واضح إذ لا فرق بين البلد المستجدّ ، والوطن الثاني غير أنّه تعتبر في الأوّل نية الدوام أو نية الإقامة المجرّدة عن التحديد، وفي المقام تكفي نيّة إقامة ستة أشهر، بل أقلّ في كلّ سنة، مع مرور أيّام قلائل يصدق انّه يسكن في محل كذا، ولعلّ العرف يساعد في صدقه إذا استعدّ للإقامة فيه في كلّ سنة، ستة أشهر أو خمسة أشهر أو أربعة، والذي يكشف عن أنّ الصحيحة بصدد بيان حكم الوطن الثاني هو أنّ الإمام علّق الحكم بالإتمام على الاستيطان في الطائفة الثالثة من الروايات ; ففي رواية علي بن يقطين المنقولة بأسانيد مختلفة قال: كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك أن تتم فيه.(1)

وفي رواية حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: «يقصّر إنّما هو المنزل الذي توطنه».(2)


1 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


صفحه34

ج. اشتراط التوالي وعدمه

إذا قلنا بأنّ الحديث بصدد بيان الوطن الشرعي، فلا محيص عن اعتبار التوالي لكونه المتبادر عن كل مدّة أُخذت موضوعاً للحكم الشرعي كشهر أو شهرين، وأمّا إذا قلنا بأنّها بصدد بيان الوطن العرفي فالمدار الصدق العرفي فلا عبرة بالستة فضلاً عن البحث عن التوالي والتفريق، فهو يتم وإن كان يسافر على رأس تسعة أيّام، واللّه العالم.

***

تعدّد الأوطان المستجدّة

قد عرفت أنّ الصحيحة بصدد بيان الوطن الثاني المستجد، وانّ ذكر إقامة ستة أشهر لأجل كونها الأصل في تقسيم السنة، أو انّ رعاية الضيعة وحيازة ثمراتها، لا تنفك عن إقامة ستة أشهر وإلاّ فيكفي في تحقّق الاستيطان، العزم على الإقامة في كلّ سنة مدة معتدّاً بها، وبذلك تظهر صحّة ما أفاده السيد الطباطبائي حيث قال: يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبداً من كلّ منهما مقدار من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً، كلّواحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستة أشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة أيضاً بل لا يبعد الأزيد إذا ساعد العرف في صدق الاستيطان عليه.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي تضاربت فيها كلمات الأصحاب واللّه العالم.


صفحه35

 

تبعية الولد للوالد

قال السيد الطباطبائي: لا يبعد أن يكون الولد تابعاً لأبويه أو أحدهما في الوطن مالم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وإن لم يلتفت بعدَ بلوغه إلى التوطن فيه أبداً، فيعد وطنُهما وطناً له أيضاً إلاّ إذا قصد الإعراض.

أقول: للمسألة صور:

1. تبعية الولد للوالدين قبل البلوغ، سواء كان الوطن للوالدين أصلياً أو وطناً مستجدّاً، كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي واتخذا مكاناً آخر وطناً لأنفسهما وهو معهما قبل بلوغه.

2. تلك الصورة ولكن صار الولد بالغاً على هذه الحالة ولم يُعْرِض.

3. تلك الصورة ولكن إذا بلغ أعرض.

4. إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطّنا فيها والولد معهما مع كونه بالغاً.

أمّا الصورتان الأُوليان فلا شكّ في تبعية الولد للوالد إمّا لأنّ للولد قصداً ارتكازياً نابعاً من التبعية لوالديه من غير فرق بين البلوغ وبعده، وإمّا لأنّ العرف يعد وطنهما وطناً له لأجل التبعية وعدم التفكيك وإن لم يكن له قصد من غير فرق بين البلوغ وبعده.

وأمّا الصورة الثالثة فبما انّه مكلّف مستقل فلقصده من البقاء أو الإعراض أثر شرعي يترتب عليه، ولأجل ذلك لو أعرض يخرج عن كونه وطناً.


صفحه36

وأمّا الصورة الرابعة فبما أنّه مكلّف مثل الوالدين، فلا يصدق عليه أنّه وطنه إلاّ مع قصده بنفسه وإن كان قصده نابعاً عن قصد والديه.

هذا ما يرجع إلى تفسير كلام السيد الطباطبائي، وهناك أمر آخر وهو انّه لا مجال لهذا التفصيل في الولد لما عرفت أنّ الإتمام لا يدور على عنوان الوطنية، بل يكفي في ذلك كون الإنسان غير مسافر، ومن المعلوم أنّ الولد تابع للوالدين إذا توطّنا ومعه لا يصدق عليه أنّه مسافر، سواء صدق أنّه وطنه أم لا.

وبذلك يعلم وجوب الإتمام في جميع الصور إلاّ إذا أعرض بعد بلوغه، وهو أن يخرج عن مقرّهما بقصد عدم القرار فيه، فإذا رجع إلى مقره السابق يقصر.

وليعلم أنّ الأسباب الموجبة للتمام ثلاثة:

1. التوطّن.

2. نية الإقامة في محلّ مدّة طويلة يخرجه عن كونه مسافراً.

3. الإقامة عشرة أيّام في محلّ.

وقد احتمل المحقّق الخوئي أنّ الحكم بالإتمام على الأعراب لعدم كونهم مسافرين في البادية وإن لم يكونوا متوطّنين، لأنّ المفروض أنّ بيوتهم معهم، ولا مقيمين عشرة أيّام لما عرفت انّهم يقيمون في البادية مدّة طويلة، فليس الوجه إلاّ كونهم غير مسافرين.


صفحه37

 

يزول حكم الوطنية بالإعراض

إذا أعرض عن وطنه وخرج، يزول عنوان الوطنية، لما عرفت من أنّه عبارة عن أخذ المكان مقراً دائماً أو بلا ترديد وهو لا يجتمع معهما. نعم لا بشرط أن يتخذ وطناً، وقد مرّت أقسامه فلاحظ.

نعم لو اتخذ مقراً موقتاً، بحيث يأوي إليه كلما خرج، فهو يتم لا بملاك أنّه وطن، بل بملاك أنّه غير مسافر كما هو الحال في الأعراب الذين بيوتهم معهم. خلافاً للسيد الحكيم حيث قسّم الوطن إلى شخصي وهو المتعارف، ونوعي وهو بيوت الأعراب، ومنه من أعرض عن وطنه ولم يتخذ بعد وطناً آخر، لكن اتّخذ مكاناً مقراً لنفسه يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج، ولعلّ ما ذكرناه أظهر عرفاً.

لا يشترط في الوطن إباحة المكان

لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه فلو غصب في بلد وأراد السكنى فيهما أبداً يكون وطناًله، وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراماً من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام، أو كان منهيّاً عنه من أحد والديه ونحو ذلك، والدليل عليه أنّ العنوان أمر عرفي، يتبع حدّنظر العرف، نعم للشارع التصرف في حكمه بأن لا يترتب على مثل هذا المتوطن حكم الإتمام وهو غير التصرف في مفهوم الوطن.


صفحه38

 

حكم التردّد بعد العزم على التوطّن

إذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبداً. فإنّ للمسألة صوراً:

1. إذا تردّد في الوطن المستجدّ قبل أن يصدق عليه الوطن، كما إذا نوى الإقامة دائماً أو بلا تحديد، ولكن تردّد قبل أن يسكن فيه أيّاماً يصدق في حقّه أنّه ساكن في بلد كذا.

2. إذا تردّد في الوطن المستجدّ بعد الصدق.

3. إذا تردّد في الوطن الأصلي.

فقد حكم السيد الطباطبائي (قدس سره) بزوال الحكم من الصورتين واستشكل في الثالث وقال: ففي زوال حكمه قبل الخروج والإعراض، إشكال لاحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم.

أمّا الأُولى: فلأنّ القصد كما هو معتبر حدوثاً معتبر بقاءً، وعلى ذلك فلو تردّد قبل أن يصدق عليه الوطن زال حكم الوطنية وإن لم يتحقق الإعراض والخروج.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الزوال فرع صدق الوطنية والمفروض أنّه لم يتحقّق إلاّ أن يكون إطلاق الزوال لأجل وجود المقتضي وهو القصد حدوثاً مع البقاء فيه يوماً أو أيّاماً.

ثانياً: ما هو المراد من زوال الحكم؟ هل المراد هو انّه يقصر بعدما تردّد، وإن لم يعرض ولم يخرج فهو كما ترى، لأنّه وإن زال عنه عنوان التوطّن لكن لا يصدق عليه أنّه مسافر، وقد علمت أنّ الإتمام لا يدور مدار


صفحه39

صدق الوطن، بل هو أعمّ منه وقد سبق انّ أسباب الإتمام ثلاثة: الوطن، عدم كونه مسافراً، إقامة عشرة، وإن شئت أضف إليها، رابعاً: وهو الإقامة في بلد متردّداً ثلاثين يوماً.

وإن أراد أنّه يقصر إذا خرج منه إلى حدّ المسافة ثمّ رجع، وهو أيضاً مورد إشكال، فإنّه مالم يعرض ولم يخرج لا يصدق عليه أنّه مسافر.

وبالجملة: لا أرى لصدق الوطنية وعدمها أثراً في ذلك.

وأمّا الثانية: أعني إذا حصل التردّد بعد تحقّق الصدق المذكور فقد ذكر أنّه يزول عنه الحكم في المستجد لنفس الوجه المذكور في الأُولى.

ويرد عليه ما أوردناه على الصورة الأُولى، فإنّه لا أثر لصدق الوطنية وعدمها، إذ هو يتم ما لم يخرج منها، بل ولو خرج وعاد إلى محل الإقامة وهو متردّد بعدُ إذ لا يصدق عليه أنّه مسافر.

وأمّا الثالثة: فقد استشكل فيه السيّد الطباطبائي في زوال حكمه قبل الخروج والإعراض، قائلاً باحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم فحكم بالجمع بين الحكمين.

فيرد عليه: أنّ التردّد لا يزيل عنوان الوطن الأصلي فضلاً عن زوال حكمه فهو يتم فيه مادام متردّداً قبل الخروج، بل ولو خرج وعاد إلى الوطن.

ومنه يعلم أنّ الإعراض بمجرده مثل التردّد لا يسلب حكم الوطنية أي الإتمام في جميع الصور، فهو يتم مع الإعراض لأجل أنّه غير مسافر مادام هو فيه. نعم، لو أعرض وهاجر تزول الوطنية وحكمها ولو عاد يقصر.


صفحه40

 

اعتبار قصد التأبيد في صدق الوطنية

قال السيد الطباطبائي: ظاهر كلمات العلماءـ رضوان اللّه عليهم ـ اعتبار قصد التوطّن أبداً في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك. والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.

أقول: إذا اتخذ محلاً للإقامة فله صور:

الأُولى: أن يتوطّن فيه بقصد التأبيد.

الثانية: أن يقصد الإقامة بلا تحديد لا بالتوقيت ولا بالتأبيد.

الثالثة: أن يعزم على السكنى محدّداً بسنة أو أربع سنوات أو ثلاثين سنة.

فقد تعرفت أنّ الوطن يصدق على القسمين الأوّلين وليس عن التأبيد في كلمات اللغويين أثر إنّما الكلام فيما إذا كان محدّداً بسنة أو سنين، فالظاهر عدم صدقه إذا كان محدداً ولكن لا تترتب ثمرة عليه لما عرفت من أنّ الإتمام لا يدور مدار صدق الوطن، بل يكفي كون الرجل فيه غير مسافر، ولأجل ذلك لو سكن إنسان في بلدة مع علائقه من زوجة وأولاد ورتب لوازم المعيشة وشؤونها، لا يصدق عليه أنّه مسافر وإن عزم على مغادرته بعد أربع سنوات، فلأجل ذلك لو خرج وعاد، فقد عاد إلى مقره.

فلا أرى لهذا البحث ثمرة.


صفحه41

الرسالة الثامنة عشرة

إتمام الصلاة

في الأماكن الأربعة


صفحه42

صفحه43

اتّفقت الإمامية على أنّ القصر عزيمة على المسافر إلاّ الصلاة في الأماكن الأربعة، أعني: المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومسجد الكوفة والحائر الحسيني ، ففيها اختلاف وأقوال:

1. التخيير بين القصر والإتمام مع كون الإتمام أفضل. وهو خيرة الأكثر.

2. تعيّن القصر وعدم جواز الإتمام. وهو خيرة الصدوق في الفقيه.(1)وحمل ما دلّ على جواز الإتمام على ما إذا قصد العشرة، وتبعه ابن البراج في المهذب(2)، وحكاه في الجواهر (3) عن المحقّق البهبهاني وبحر العلوم ـ قدّس سرّهما ـ.

3. تعيّن الإتمام، وهو خيرة السيّد المرتضى في جمل العلم والعمل(4)، وابن الجنيد على ما نقله العلاّمة عنه في المختلف.(5)

4. ما نقله ابن إدريس(6) عن السيد المرتضى من أنّه قال باستحباب الإتمام في السفر عند مشهد كلّ إمام.


1 . الفقيه: 1/442، ذيل الحديث 1283.

2 . المهذب:1/110.   

3 . الجواهر: 14 / 330 .

4 . جمل العلم والعمل المطبوع في ضمن رسائل الشريف المرتضى: 47.

5 . المختلف:3/135.

6 . السرائر: 1/342.


صفحه44

5. اختصاص الحكم بالتخيير بالحرمين الشريفين وهو مختار صاحب المدارك.(1)

و إليك نقل نبذ من كلماتهم:

1. قال الشيخ: يستحب الإتمام في أربعة مواضع: مكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر على ساكنه السلام، ولم يخص أحد من الفقهاء موضعاً باستحباب الإتمام فيه، دليلنا إجماع الفرقة المحقّة وذكر رواية حماد بن عيسى.(2)

2. وقال في النهاية: ويستحب الإتمام في مواطن أربعة في السفر بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر ـ إلى أن قال: ـ ولو أنّ إنساناً قصّر في هذه المواطن كلّها لم يكن عليه شيء إلاّ أنّ الأفضل ما قدمناه.(3)

وقال ابن إدريس: ويستحب الإتمام في مواطن في السفر: في نفس المسجد الحرام، وفي نفس المدينة، وفي مسجد الكوفة، والحائر على متضمّنه السلام ـ إلى أن قال: ـ وذهب السيد المرتضى إلى استحباب الإتمام في السفر عند قبر كلّ إمام من أئمّة الهدى، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز التقصير في حال السفر في هذه المواضع، وما اخترناه هو الأظهر بين الطائفة وعليه عملهم وفتواهم.(4) ولعلّ المراد من البعض هو الصدوق وابن البراج،


1 . المدارك: 4/468.

2 . الخلاف: 1 / 576 ، كتاب الصلاة، المسألة 330.

3 . النهاية: 124.

4 . السرائر: 1/343.


صفحه45

وقد عرفت انّ ظاهر عبارة السيد في جمل العلم والعمل، وظاهر المحكي عن ابن الجنيد، هو لزوم الإتمام.

ثمّ إنّ الظاهر من صحيح علي بن مهزيار، ورواية سعد بن عبد اللّه أنّ الاختلاف في جواز الإتمام وعدمه كان موجوداً بين أصحاب الأئمة يوم ذاك وانّ سعداً وصفوان وابن أبي عمير كانوا يقصرون. (1) وانّ عليّ بن مهزيار كان يتم، ولكن أشار إليه فقهاء الأصحاب إلى التقصير وعندئذ ضاق بذلك ذرعاً(2)، إلى أن كتب إلى الإمام فوافاه الجواب بما يأتي.

وتحقيق المسألة يتوقف على الكلام في مقامين في إثبات أصل الحكم أوّلاً، وتحديد الموضوع ثانياً. وإليك الكلام في الأوّل منهما:

المقام الأوّل: في إثبات جواز الإتمام

دلّت الروايات المستفيضة على جواز الإتمام في الأماكن الأربعة أو تعيّنه، بألسنة مختلفة:

أ. الإتمام من مخزون علم اللّه سبحانه

1. صحيح حماد بن عيسى قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه، وحرم رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين بن علي». وقد ورد هذا المضمون في غير واحد


1 . كامل الزيارات: 248، الباب 18، الحديث 7.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أ بواب صلاة المسافر، الحديث 4.


صفحه46

من الروايات. (1) ولو كان الإتمام فيها من العلم المخزون فلا يصحّ تقييد روايات الإتمام بالإقامة عشرة، إذ عند ذاك لا يكون هناك فرق بينها وبين غيرها.

ب. كثرة السؤال عن المسألة

إنّ كثرة السؤال عن حكم المسألة دليل على صدور الحكم بجواز الإتمام عنهم (عليهم السلام)وإلاّ فلا يخطر ببال أحد، أنّ الإتمام في الأماكن الأربعة مستثنى عن كون القصر عزيمة. من غير فرق بين الجواب بالجواز أو عدمه، لأنّ ملاك الاستدلال هو نفس السؤال، وهذا الصنف من الروايات كثير نقتصر ببعض ما أُجيب فيه بالجواز:

1. صحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن التمام بمكة والمدينة فقال: « أتم وإن لم تصل فيهما إلاّ صلاة واحدة».(2)

2. خبر عمر بن رياح قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أقدم مكة أُتم أم أُقصّر؟ قال: «أتم».(3)

3. وخبره الآخر، قال: قلت: وأمرّ على المدينة فأتمّ الصلاة أو أُقصّر قال: «أتم».(4)

وبما أنّ الأمر في مقام توهم الحظر فلا يستفاد منه الوجوب، بل يحمل


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 2، 20، 26. والأخير مرسلة الصدوق، و لعلّها ليست برواية مستقلة، بل ترجع إلى و احدة من الثلاثة.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5 .

3 ـ 4 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8 ، 9 .


صفحه47

على الجواز فلا ينافي ما دلّ على التخيير.

4. صحيح علي بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الصلاة بمكة قال: «من شاء أ تم، ومن شاء قصّر».(1)

5. خبر عمران بن حمران قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أُقصّر في المسجد الحرام أو أتم؟قال: «إن قصّرت فلك، وإن أتممت فهو خير».(2)

ج. عرض الصنفين من الروايات على الإمام وترجيح الإتمام

إنّ علي بن مهزيار عرض الصنفين من الأخبار الآمرة بالإتمام والتقصير على أبي جعفر الثاني(عليه السلام) فأمر الإمام بأخذ ما يأمر بالإتمام رواه الكليني والشيخ، والمنقول في الوسائل مضطرب، ونحن ننقل الرواية عن الكافي. قال كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك(عليهم السلام) في الإتمام والتقصير في الحرمين فمنها أن يُتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها أن يقصّر مالم ينو مقام عشرة أيّام، ولم أزل على الإتمام فيها إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا، فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا عليّ بالتقصير إذ كنت لا أنوي مقام عشرة أيّام فصرتُ إلى التقصير وقد ضُقتُ بذلك حتى أعرف رأيك.

فكتب إليّ بخطه: «قد علمت ـ يرحمك اللّه ـ فضلَ الصلاة في الحرمين على غيرهما، فإنّي أُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيهما الصلاة».(3)


1 و 2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10 ، 11. وبهذا المضمون الحديث: 12، 16، 17، 18، 19، 28، 30، 31 .

3 . الكافي: 4/525; الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


صفحه48

د. جواز الإتمام موجب للجمع بين الروايات

إنّ روايات الباب على أصناف ثلاثة:

منها: ما يظهر منه تعيّن الإتمام كما هو الظاهر من كون الإتمام من الأمر المذخور، وقد أشار إليه علي بن مهزيار بقوله: «أن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة». ورواه عبد الرحمن بن الحجاج أيضاً قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن التمام بمكة والمدينة فقال: « أتم وإن لم تصلِّ فيهما إلاّ صلاة واحدة».(1)

ومنها: ما يدلّ على تعين التقصير، كما سيوافيك وقد اعتمد عليه من قال بوجوب التقصير كالصدوق وابن البراج.

ومنها: ما يدلّ على التخيير ففي صحيح علي بن يقطين، عن أبي الحسن(عليه السلام) في الصلاة بمكة، قال: «من شاء أتم، ومن شاء قصر».(2)

و عند ذلك فروايات التخيير شاهدة للجمع بينهما وإن كان الإتمام أفضل.

هذه هي الوجوه التي يمكن بها، دعم القول المشهور من عصر الشيخ إلى يومنا هذا، ومع ذلك كلّه فيمكن الاستدلال على قول الصدوق بالوجوه التالية:

حجّة القول بالقصر

يمكن الاستدلال على تعيّن القصر بوجوه:


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، ولاحظ الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10. ولاحظ الحديث 11و16.


صفحه49

الأوّل: الظاهر من رواية علي بن مهزيار الماضية(1)، ومن صحيحة سعد بن عبد اللّه الآتية، انّ الشهرة الفتوائية بين قدماء الأصحاب أي بطانة علوم العترة، كانت على القصر. روى سعد بن عبد اللّه قال: سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد: مكة والمدينة والكوفة وقبر الحسين(عليه السلام)والذي رُويَ فيها فقال: أنا أُقصر، وكان صفوان يقصر، وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون.(2) ولا يخفى أنّ لسان صحيحة سعد، هو عدم جواز الإتمام وما نقل عن العلاّمة المجلسي في كتاب البحار بأنّه لا ينافي التخيير فإنّهم اختاروا هذا الفرد، غير تام، إذ لو كان جائزاً وكان أفضل الأفراد، فما هو الوجه في اتّفاقهم على تقديم المرجوح على الراجح.

يلاحظ عليه: أنّ الشهرة الفتوائية وإن كانت محقّقة في المقام ولكنّها إنّما توهن إذا كانت غير مردودة، وقد عرض علي بن مهزيار فتوى فقهاء الأصحاب على الإمام، ولم يوافقها وقال: «فأنا أُحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر وتكثِّر فيهما من الصلاة» كما مرّ.

وتوهم أنّ الشهرة الفتوائية على القصر تختص بالحرمين دون جامع الكوفة والحائر، لعدم ذكرهما في رواية علي بن مهزيار، مدفوع بورودهما في صحيح حماد ورواية سعد بن عبد اللّه فالجميع محكوم بحكم واحد جوازاً ومنعاً.

الثاني: الروايات الآمرة بالتقصير الدالّة على لزوم التقصير مالم يعزم


1 . المستدرك: ج 6، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.

2 . المستدرك: ج 6، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.


صفحه50

على إقامة عشرة، وهي روايات مستفيضة نذكر بعضها:

1. صحيحة معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: «لا تُتِمَّ حتى تجمع على مقام عشرة أيّام».(1)

2. صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو تمام ؟ قال: «قصّـر مالم تعزم على مقام عشرة أيّام».(2)

3. خبر محمد بن إبراهيم الحضيني قال: استأمرت أبا جعفر في الإتمام والتقصير قال: «إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام وأتم الصلاة...».(3)

ولا يصحّ حملها على بيان أحد فردي التخيير، وذلك لأنّها تنهى عن الفرد الآخر كما في صحيحة معاوية بن وهب كما لا يصح حملها على التقيّة، لأنّ أبا حنيفة كان قائلاً بالتقصير، وأمّا غيره فقائلون بالتخيير، فكان جواز التقصير أمراً مجمعاً عليه.

الثالث: ما يدل على أنّ الأمر بالإتمام كان لدفع المفسدة. روى معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): مكة والمدينة كسائر البلدان؟ قال: «نعم». قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنّك قلت لهم: أتموا بالمدينة لخمس، فقال: «إنّ أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة،


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 34 .

2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 32 .

3 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 15. ولاحظ الحديث 33، ولاحظ رواية أبي ولاد الحناط في الباب 18 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث 1.


صفحه51

فكرهت ذلك لهم، فلهذا قلته».(1)

ولعلّ الأصحاب كانوا مقصرين وإمام المسجد كان متمّـاً، فكانوا لا يأتمون بالمتم لوجود الاختلاف بين صلاتي الإمام والمأموم فيصلّون ويخرجون من المسجد حينما كان الناس يدخلون إلى المسجد، فأمرهم بالإتمام لكي يبقوا في المسجد ويأتموا بالمتم.

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به لهذا القول.

و لكن الظاهر عدم وجود جمع دلالي بين الصنفين، وذلك لأنّ حمل روايات التقصير على بيان أحد فردي التخيير، كما ارتكبه الشيخ الطوسي لا يتم مع النهي عن الإتمام حسب ما مرّ من رواية معاوية بن وهب وابن بزيع وغيرهما، بل لا يتم في مثل رواية علي بن حديد الصريحة في نفي الإتمام إلاّ إذا قصد العشرة.(2)

كما أنّ حمل ما دلّ على الإتمام على صورة عزم العشرة لا يتم مع الأمر بالتقصير، وإن كانت صلاة واحدة.(3) وهذا يُعرِب عن وهن أيّ جمع دلاليّ فلابدّ من إعمال المرجحات، ولكن الترجيح مع ما دلّ على جواز الاتمام وذلك:

أوّلاً: ما دلّ على جواز الإتمام (بعد حمل ما يدل على تعيّنه على


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 27. وهو متحد مع الحديث 34.

2 . الوسائل : ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 33.

3 . الوسائل : ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.


صفحه52

الجواز لكونه وارداً في مقام توهم الحظر) أكثر عدداً ممّا دلّ على تعيّن القصر، وقد أنهاها المحدّث البحراني إلى خمس وعشرين رواية .(1)

وقد جمع الشيخ الحر العاملي روايات المسألة في البابين الخامس والعشرين والسادس والعشرين.

وثانياً: أنّ بعض الأخبار يدلّ على أنّ الأمر بالتقصير كان من باب إخفاء الحقّ عن بعض الشيعة الذين لا يتحمّلون علوم الأئمّة (عليهم السلام) كما في خبر أبي شبل قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أزور قبر الحسين؟ قال: «نعم، زر الطيب وأتم الصلاة عنده». قلت: بعض أصحابنا يرى التقصير؟ قال: «إنّما يفعل ذلك الضعفة من الناس».(2)

والمراد من الضعفة، هم ضعفة العقول والأفهام، الذين ليس لهم استعداد تحمل العلم المخزون لا الضعفة من حيث الطاقة، إذ لو كان كذلك لكان أن يوجَّه الأمرُ بالتقصير إلى الشيوخ والمرضى، لا إلى الجميع.

والحاصل: ليس كلّ شيعي صالحاً لأن يباح له بكلّ ما لدى الأئمّة من الأحكام المخزونة، ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام وآباءه كلّ ما وردوا مكة المكرمة استتروا عن الناس لأجل الإتمام. روى عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّ هشاماً روى عنك انّك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس؟ قال(عليه السلام): «لا، كنتُ أنا ومَن مضى من آبائي إذا


1 . الحدائق:11/438ـ 447.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.


صفحه53

وردنا مكة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس».(1)

والحاصل: أنّ عبد الرحمن بن الحجاج تصوّر أنّ الأمر بالإتمام لأجل المجاراة مع أهل المسجد المتمين كما هوالمتبادر من قوله: «و ذلك لأجل الناس» فردّ الإمام ذلك وقال: ليس الأمر كذلك، وإنّما أمرته بحكم واقعي وإن كان لا يتحمله غالب الشيعة، ولأجل ذلك إذا وردنا الحرم الشريف نستتر من الناس ونتم بعيداً عن أنظارهم، وهذا حكم لا يبوح به الإمام إلاّ للأخصاء.

والحاصل انّ الشيعة يوم ذاك كانوا مختمرين في وجوب القصر وحرمة الإتمام، فتجويز الإتمام للمسافر في أماكن خاصة ربما كان يثير السؤالَ والبحثَ، وصار ذلك سبباً للإفتاء بتعين القصر لكثير منهم لا لجميعهم.

و ممّن حقّق الروايات وفسره على النحو الماضي شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري ـ قدّس اللّه سرّه ـ حيث أورد على نفسه بأنّه لا يصحّ حمل أخبار تعيّن التقصير على التقية حيث إنّ جمعاً من المخالفين ذهبوا إلى التخيير بين القصر والإتمام، فأجاب بأنّ المقصود من التقية في هذا المقام إظهار عدم خصوصية لهذه الأمكنة الشريفة وإخفاء العلم المخزون وانّ هذه الأمكنة كسائر البلاد.(2)

بقي هنا تحليل الدليل الثالث وهو أنّ الأمر بالإتمام كان لدفع المفسدة كما هو اللائح من رواية معاوية بن وهب، فلا مانع من أن يكون للإتمام في


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الصلاة: 447.


صفحه54

الحرم الشريف سببان: أحدهما: كون جواز الإتمام حكماً واقعياً فيه وفي نظائره وكان الإمام يبوح به لبعض أصحابه كهشام وغيره، وثانيهما: دفع المفسدة كما أشار إليه الإمام من أنّهم كانوا يخرجون من المسجد حال وفود الناس إليه، فخروجهم عند ذاك كان مورِثاً للفتنة بمعنى أنّ أصحاب الأئمّة لا يعتنون بصلاتهم، فأمرهم بالإتمام حتى يقطع العذر لهم حيث كان عذرهم لعدم الاقتداء بأنّهم مقصرون، وأهل المسجد متمون.

إلى هنا تبيّن أنّ الترجيح مع ما دلّ على جواز الإتمام وكونه أفضل.

دليل القول الثالث

ذهب المرتضى إلى تعيّن الإتمام، ولعلّه اعتمد على ما دلّ على الإتمام ولو كانت صلاة واحدة.(1) ولكن الدلالة غير تامة، لأنّ الأمر ورد في مقام توهم الحظر، فلا يفيد سوى الجواز، مضافاً إلى تضافر التخيير وجواز الإتمام.

دليل القول الرابع

ذهب صاحب المدارك إلى اختصاص الجواز بالحرمين الشريفين قائلاً بأنّ الأخبار الواردة في غيرهما ضعاف فالتقصير في الغير أقرب للبراءة والتقصير فرض المسافر.


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5 . ولاحظ الحديث 9 حيث سئل عن صورة المرور على المدينة.


صفحه55

يلاحظ عليه: بأنّ صحيح حماد بن عيسى(1) يدلّ على الجواز في الأماكن الأربعة، وفي سنده الحسن بن النعمان وهو ثقة كما ذكره النجاشي، أضف إليه حديث سعد بن عبد اللّه القمي الذي رواه ابن قولويه في كامل الزيارات.(2)

المقام الثاني: في تحقيق المكان الذي يستحب فيه الإتمام

يقع الكلام تارة في الحرمين الشريفين، وأُخرى في مسجد الكوفة، وثالثة في الحائر الشريف، وإليك الكلام في كلّ واحد:

الأوّل: في الحرمين الشريفين:

وللأصحاب في المقام أقوال ثلاثة:

1. الاقتصار على المسجدين. وهو خيرة ابن إدريس في السرائر،(3)والعلاّمة في المختلف،(4) والشهيدين في اللمعة وشرحها(5).

إسراء الحكم إلى البلدين. نسبه في الحدائق إلى المشهور.

اسراؤه إلى الحرم الذي نسب إلى الشيخ في التهذيب حيث قال: ويستحبّ إتمام الصلاة في الحرمين، فإنّ فيه فضلاً كثيراً، ثمّ قال: ومن حصل


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.

2 . كامل الزيارات: 248، الباب 81، الحديث 7، ط النجف الأشرف.

3 . السرائر: 1/343.

4 . المختلف: 3/138، مؤسسة النشر الإسلامي.

5 . اللمعة الدمشقية: 1/375.


صفحه56

بعرفات فلا يجوز له الإتمام على حال.(1)

و لنذكر بعض النصوص:

قال الشيخ في النهاية: ويستحب الإتمام في أربعة مواطن في السفر بمكة، والمدينة، ومسجد الكوفة، والحائر على ساكنه السلام. وقد رويت رواية بلفظة أُخرى وهو: أن يُتمّ الصلاة في حرم اللّه، وفي حرم رسوله، وفي حرم أمير المؤمنين، وفي حرم الحسين (عليهم السلام). وعلى هذه الرواية جاز التمام خارج المسجد بالكوفة، وعلى الرواية الأُولى لم يجز إلاّ في نفس المسجد.(2)

2. وقال ابن إدريس: ويستحب الإتمام في أربعة مواطن في السفر: في نفس مسجد الحرام، وفي نفس مسجد المدينة، وفي مسجد الكوفة، والحائر على متضمّنه السلام.(3)

3. وقال المحقّق: وأمّا القصر فإنّه عزيمة: إلاّ في أحد المواطن الأربعة: مكة، والمدينة، والمسجد الجامع بالكوفة، والحائر، فإنّه مخيّر. (4)

أقول: إنّ اختلاف الفتاوى لأجل اختلاف لسان الروايات بالنحو التالي:

1. الحرمان أوحرم اللّه وحرم رسوله، وقد ورد هذا العنوان في ما يناهز عشرة أحاديث، أربعة منها صحاح.

2. مكة والمدينة، وقد ورد في ما يناهز ستة أحاديث: وفيها صحيحان أو أكثر.


1 . التهذيب: 5/425 و 432. 

2 . النهاية: 124.

3 . السرائر: 1/342. 

4 . الشرائع: 1/103.


صفحه57

3. المسجدان، وقد ورد في ما يناهز ثلاثة أحاديث: كلّها أخبار.

لا وجه للاعتماد على لسان الصنف الأوّل بعد تفسير الحرمين بالبلدين في الصنف الثاني. نعم ورد البلدان في غير واحد من الروايات في سؤال السائل، وهو لا يصلح دليلاً على التقييد، والصالح عبارة عمّا يلي:

1. صحيحة مسمع، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال لي: « إذا دخلتَ مكة فأتم يوم تدخل».(1)

2. ما رواه صاحب كامل الزيارات عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر».(2)

يلاحظ على هذا: أنّه يحتمل أن يكون متحداً مع ما رواه الشيخ في التهذيب بسنده عن علي بن مهزيار وأبي علي بن راشد جميعاً، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال: «من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن: حرم اللّه، وحرم رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحرم أمير المؤمنين(عليه السلام)، وحرم الحسين بن علي(عليه السلام)». (3) وفيه مكان البلدين، حرم اللّه وحرم رسوله، ويحتمل سقوط لفظة «عن بعض أصحابنا» عن آخر السند، لأنّ حماد بن عيسى لم يرو عن أبي عبد اللّه بلا واسطة إلاّ عشرين حديثاً.

و قد سمع منه سبعين حديثاً لكن ترك الخمسين لأجل دخول الشكّ على نفسه، فاقتصر على العشرين، وقد توفّي في الجحفة سنة 209 أو 208


1 ـ 3 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7، 29، 1.


صفحه58

وله من العمر نيف وتسعون.(1) فسقوط الواسطة أقوى وعندئذ لا يمكن الاعتماد بالمتن الذي ورد في كامل الزيارات، لأنّه لم يصدر من الإمام إلاّ نصّ واحد وهو مردّد بين الحرمين أو البلدين.

3. ما رواه علي بن مهزيار: فقال: فقلت: أيّ شيء تعني بالحرمين؟ فقال: «مكة والمدينة».(2) واحتمال أنّ سؤاله عن الحرمين ليس لأجل تحديدهما، بل لتعيين المراد منهما لاحتمال أن يكون المراد منهما، غير مكة والمدينة، كحرم أمير المؤمنين والحسين(عليهما السلام)، مدفوع بما في صدر الرواية، أعني قوله: «إنّ الرواية اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين» ـ إلى أن قال: ـ ولم أزل على الإتمام فيها إلى أن صدرنا في حجّنا في عامنا هذا. وهذا دليل على أنّ مراده منهما هو المكانان المعروفان وانّ السؤال للتحديد، لا لتعيين المراد. على أنّ لفظ الحرمين من الألفاظ الدارجة في ألسن المسلمين، ومن البعيد أن لا يعرفه فقيه مثل ابن مهزيار أو يحملهما على غيرهما مع أنّه جاء في الذكر الحكيم (حرماً آمناً)(3)، كما
جاء: (المسجد الحرام)(4) و (المشعر الحرام)(5) و (الشهر الحرام)(6)
و(البيت الحرام)(7)، كل ذلك يعرب عن انصراف «الحرم» إلى الحرم المعهود بين المسلمين.


1 . رجال النجاشي:1/337 برقم 368.

2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.

3 . القصص: 57.  

4 . البقرة: 144.

5 . البقرة: 198. 

6 . المائدة: 97.

7 . المائدة: 2.


صفحه59

و الرواية الأُولى والثالثة تصلحان لتحديد الحرمين بالبلدين، ولعلّ لفظ الحرمين يوم ذاك كان منصرفاً إليهما.و توهم انّه لا وجه للتفسير وتقييد المطلق (الحرم) بالمقيد، وذلك لعدم إحراز وحدة الحكم لجواز أن يكون للاستحباب مراتب مختلفة، فالإتمام في المسجد آكد من البلد، وفيه أفضل من الحرم، مدفوع لأنّ المتبادر من المجموع انّ هنا حكماً واحداً ذا مرتبة واحدة وله موضوع واحد، لا انّ هنا أحكاماً متفاضلة لها موضوعات متعددة، وعلى ذلك لاوجه للتوقف في التحديد.

و قد ذكرنا في محله انّ ملاك حمل المطلق على المقيد، فرع وجود التعارض والتخالف بينهما وهو فرع وحدة الحكم، وإلاّ فلا مانع من أن يكون هناك حكمان مختلفان موضوعاً. والظاهر انّ الشرط محرز، وانّ هنا حكماً واحداً وهو جواز الإتمام وكونه أفضل والاختلاف في سعة الموضوع وضيقه، فلا محيص من الحمل.

ما تضمّن التعبير بالمسجد

جاء في غير واحد من الروايات، التعبير بالمسجد وهو مثل الصنف السابق، فتارة جاء التعبير في كلام الراوي، وأُخرى في كلام الإمام، والذي يصلح للاستدلال هو ما جاء في كلام نفس الإمام، ولنقتصر عليه، ولنشير إلى غيره في الهامش.(1)

1. خبر عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11و 28.


صفحه60

«تُتمّ الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين(عليه السلام)».(1)

2. مرسلة إبراهيم بن أبي البلاد، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، وعند قبر الحسين(عليه السلام) ».(2)

3. مرسلة حذيفة بن منصور، عمّن سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «تتم الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين (عليه السلام)». (3)

4. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «تتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين (عليه السلام)» .(4)

فالقائل بالقول الثالث جعله مقيداً لما دلّ على كون الموضوع هو البلدين، ويؤيّده أمران:

ألف. انّ المتعارف للمسافر هو إقامة الصلاة في المسجد دون البيوت، وهذا يكون قرينة على أنّ المراد من البلدين هو المسجدان اعتماداً على السيرة فتصلح للقرينية.

ب. انّ التمسك بإطلاق البلدين فرع كون الروايات الواردة في مقام


1 و 2 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 22.

3 و 4 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 23، 25.


صفحه61

البيان مع أنّها بصدد بيان أصل الحكم دون التحديد.

هذا غاية ما يمكن أن يذكر في تأييد القول الثالث، ومع ذلك كلّه فالقول الثاني لا يخلو من قوّة وذلك لوجوه:

1. وجود الروايات الصحيحة في الصنف الثاني دون الصنف الثالث، والقول بعدم كونها واردة في مقام البيان لو صحّ في بعضها غير صحيح في صحيح ابن مهزيار حيث ورد فيه فقلت: أيّ شيء تعني بالحرمين ؟ فقال: مكة والمدينة.

2. روى عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن(عليه السلام) من أنّه قال: «كنت أنا ومن مضى من آبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس».(1) ولعلّ الاستتار بمعنى إقامة الصلاة في خارج المسجد.

3. ما جاء في باب الاعتكاف من صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «المعتكف بمكة يصلّي في أيّ بيوتها شاء، سواء عليه صلّى في المسجد أو في بيوتها».(2)

4. انّ ذكر المسجد لمزيد الشرف ولأجل كونه الغالب، وإلاّ فالموضوع أوسع.

ولعلّ الوجه الثاني أقوى وإن كان الثالث أحوط، ولأجل ذلك يقول السيد الطباطبائي: فلا يبعد كون المدار على البلدان الأربعة، وهو مكة


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.


صفحه62

والمدينة والكوفة وكربلاء، وإن استبعده السيد الخوئي في الأخيرين واستشكله السيد الحكيم واحتاط بعضهم مطلقاً.

وعلى فرض اختصاصه بالمسجد هل يختص الحكم بالقسم الأصلي من المسجد في عصر الرسول، أو يعمّ الزيادات الحاصلة بعد عصر الرسول إلى زمن صدور الروايات، أو يعم ما حدث أخيراً في عصر العثمانيين والسعوديين؟

روى الطبري في حوادث عام (188هـ): قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجرة رسول اللّه وأن يوسِّعه من قبلته وسائر نواحيه باشتراء الأملاك المحيطة به.(1) فقام بعملية التوسعة في العام المزبور أيّام إمامة علي بن الحسين السجاد(عليهما السلام)والرواية الآمرة بالإتمام صدرت عن الإمام الصادق (عليه السلام) بعد وفاة أبيه عام 114هـ ، وليس فيها أيّ إشارة إلى اختصاص الحكم بالقسم الأصلي في عصر الرسول، ولعلّ هذا دليل على أنّ المعيار هو الصدق العرفي وإن توسع عَبْر الأجيال.و اللّه العالم.

الثاني: تحديد موضوع الجواز في الكوفة

وهل التخيير يختص بالمسجد أو يعمّ البلد، بل الحرم؟ فالظاهر أنّ الأقوال ثلاثة:

1. قال الشيخ: وقد روي الإتمام في حرم اللّه وحرم الرسول، وحرم أمير المؤمنين وحرم الحسين. فعلى هذه الرواية يجوز الإتمام خارجَ


1 . تاريخ الطبري: 5/222; و تاريخ ابن كثير: 8/65.


صفحه63

المسجد بالكوفة وبالنجف، وعلى الرواية الأُولى لا يجوز إلاّ في نفس المسجد، ولو قصر في هذه المواضع كلّها كان جائزاً.(1)

2. نقل المحقّق الأردبيلي عن الشيخ أنّه قال: إذا ثبت الاستحباب في الحرمين من غير اختصاص بالمسجد يكون الحكم كذلك في الكوفة لعدم القائل بالفرق، وهو مذهب المصنف في المنتهى وجماعة.(2)

3. وقال المحقّق في المعتبر: ينبغي أن ينزل الخبر المتضمن لحرم أمير المؤمنين (عليه السلام)، على مسجد الكوفة أخذاً بالمتيقن.(3) ويظهر من الشيخ في المبسوط انّ الموضوع أوسع من المسجد والبلد وانّه يجوز الإتمام في الغري.

و على هذا فالأقوال ثلاثة، وقد اختلف التعبير عن مكان الجواز في النصوص، فتضمن في بعضها التعبير بحرم أمير المؤمنين.(4) والبعض الآخر التعبير بالكوفة.(5) وفي البعض الثالث منها بالمسجد.(6) والتعابير بأقسامها الثلاثة واردة في كلامهم، فيأتي هنا احتمالان:

1. انّ الموضوع أعمّ من البلدة والمسجد ولا داعي للتقييد، لاحتمال تعدد الأحكام باختلاف مراتب الفضيلة في المواضع الثلاثة، فتأمل.


1 . المبسوط: 1/141.

2 . مجمع الفائدة:3/426.

3 . المعتبر: 1/254، الطبعة الأُولى.

4 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 24.

5 . المصدرنفسه ، الحديث 13.

6 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 23، 25، 26، 29.


صفحه64

2. الحكم مختص بالمسجد لأنّ التعبير به أكثر، واعتياد إقامة الصلاة في المساجد ربما سوّغ تعليق الحكم على الأعمّ، ولأجل ذلك صار الثاني أقوى وأحوط، وحكي أنّ مسجد الكوفة كان أوسع من الموجود فعلاً، وبما أنّه لم يثبت، فالأحوط هو الاقتصار على الموجود.

الثالث: تحديد الجواز في الحائر

وقد اختلفت الروايات في التعبير عن الموضوع هي بين معبر بلفظ الحرم(1)، إلى آخر بلفظ الحائر(2)، إلى ثالث بالقبر.(3)

أمّا لفظ الحرم فقد روى المجلسي في تقدير الحرم روايات مختلفة من أنّه فرسخ من كلّ جانب، أو خمسة فراسخ من أربعة جوانب.(4) ولكن الروايات ضعاف لا يعتمد عليها ولذلك صار الحرم مجملاً، والمرجع إلى اللفظين الأخيرين: الحائر وقبر الحسين (عليه السلام).

أمّا الأوّل فقد فسّره ابن إدريس أنّه ما دار سور المشهد والمسجد عليه قال: لأنّ ذلك هو الحائر حقيقة، لأنّ الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار فيه الماء.(5)


1 . الوسائل: ج 5 ، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 14، 23، 24، 25.

2 . المصدر نفسه: الحديث 26، 29.

3 . المصدر نفسه: الحديث 13و 22، و قد جاء التعبير بقبر الحسين في باب جواز التطوع للمسافر عند قبر الحسين، لاحظ الباب 26، الحديث 1.

4 . البحار:101/106، الباب 15 في الحائر و فضله...، ح25ـ ح28. و راجع بقية روايات الباب.

5 . البحار: 101/117.


صفحه65

ونقل المجلسي عن الشهيد في الذكرى أنّ في هذا الموضع حار الماء لمّا أمر المتوكل لعنه اللّه بإطلاقه على قبر الحسين(عليه السلام) ليعفيه، فكان لا يبلغه.(1)

و مع ذلك فيحتمل أن يراد منه مقدار ما يقع تحت القبة الشريفة ويحتمل أن يراد الروضة المقدسة من الرواق والمقتل والمسجد والمخزن، ويحتمل أن يضاف إليه الصحن، ولأجل عدم دليل واضح على التعيين، فليكتف بالقدر المتيقن، وهو ما يقع تحت القبة السامية، أو أوسع منها بقليل.

إذا كان بدن المصلّي داخلاً في الأما كن

إذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير وبعضه خارجاً، كما إذا كان نصف قدميه داخلاً في المسجد، والنصف الآخر خارجاً، لا يجوز له التمام لعدم دخوله في الأدلّة. نعم لو كان في منتهى الخط في جانب القبلة وكانت قدماه داخلتين إلاّ أنّ بعض بدنه يخرج حال الركوع والسجود، ولكنّه يتأخر حالهما حتى يدخل تمام البدن في المسجد، يدخل في موضوع الدليل.

عدم لحوق الصوم بالصلاة في الأما كن الأربعة

لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور فلا يصحّ له الصوم، إلاّ إذا نوى الإقامة، أو بقى متردّداً ثلاثين يوماً.


1 . البحار: 101/117.


صفحه66

وجهه: ـ مضافاً إلى عدم الخلاف ـ وجود الدليل في الصلاة دون الصوم، بل يظهر من صحيح عثمان بن عيسى اختصاص الحكم بها، حيث إنّ السائل سأل عن الأمرين فأجاب الإمام بالجواز في خصوص الصلاة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين، فقال: «أتمها ولو صلاة واحدة».(1) وما في بعض النسخ من تثنية الضمير(2) لا يتلاءم مع قوله: «و لو صلاة واحدة».

ومثله في الدلالة على الاختصاص صحيح البزنطي حيث دلّ على عدم جواز الصوم تطوعاً في مكة والمدينة في حال السفر، ولو كان جائزاً وكان أفضل من الإفطار لما منع من الصيام، قال: سألت أبا الحسن عن الصيام بمكة والمدينة ونحن في سفر، فقال: «فريضة؟» فقلت: لا ولكنّه تطوع كما يُتطوعُ بالصلاة قال: فقال: « تقول اليوم وغداً؟! » فقلت: نعم، فقال: «لا تصم».(3)

وقد استدل صاحب الحدائق به وقال: إنّ المنع عن التطوع مستلزم للمنع عن الواجب بطريق أولى.(4)

يلاحظ عليه: أنّه وإن كان صحيحاً في نفسه بدليل أنّه ربما يجوز الصوم المستحب في السفر دون الواجب، فإذا منع المستحب كان الواجب ممنوعاً بطريق أولى، ولكن ظاهر النصّ خلاف هذا الأمر المسلّم حيث سأله الإمام


1 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.

2 . حكاه المحدث البحراني في حدائقه:11/466.

3 . الوسائل: ج 7، الباب 12 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث2.

4 . الحدائق:11/466.


صفحه67

وقال: «أفريضة؟ فقلت: لا ولكنّه تطوع كما يتطوع بالصلاة» وكأنّ ظاهره انّه لو كان فريضة لكان سائغاً، فلو كانت الفريضة مثل المندوب في الحكم الوارد في الرواية لما كانَ وجه للسؤال وإنّما يوجّه السؤال، إذا كان حكم الأوّل مغائراً مع الثاني بأن يجوز في الفريضة دون الندب.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: المقصود من الفريضة هو الواجب بالعرض كالمنذور في السفر، فلا صلة لها بالواجب بالذات، فجواز الصوم في المنذور لا يكون دليلاً على جوازه في الواجب بالذات، فعندئذ يصحح استدلال صاحب الحدائق.

بقي الكلام في الملازمة الواردة في صحيح معاوية بن وهب حيث قال: إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت.(1) فيمكن أن يقال انّ مفهوم الجملة الأُولى هو الملازمة بين الإتمام والصيام وأنّه إذا لم تقصر فلا تفطر، فيلزم ذلك أنّه إذا أتم الصلاة ولو بعنوان عرضي، لصح منه الصوم.

يلاحظ عليه: أنّ الراوي، سأل مرة عن الصلاة وأجاب الإمام بأنّه يتم عند قصد العشرة، ويقصر في غيره إلى شهر، فإذا تم الشهر، يتم. ثمّ سأل عن الصيام فأجاب الإمام بنفس هذا الجواب، ثمّ عاد فأعطى ضابطة كلية وهي انّ الصلاة والصوم يرتضعان من ثدي واحد وانّ الموضوع في التقصير والإتمام، والصوم والإفطار واحد، وانّك إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت.


1 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.


صفحه68

وبذلك يظهر انّ مركز التسوية، هو ما سبق بمعنى انّ موضوعها واحد، وإنّ ناوي العشرة يتم ويصوم وغيره يقصر ويفطر، وأمّا الخارج عن هذا الإطار، كما إذا أتم لا لقصد العشرة بل لخصوصية في المكان، فخارج عن مورد التسوية فلا يكون جواز الإتمام دليلاً على جواز الصيام لخروجه عمّا هو هدف الرواية من التسوية فلاحظ.

التخيير في هذه الأماكن استمراري

كون التخيير استمرارياً يتصور على وجوه:

1. أن يتم يوماً ويقصر يوماً آخر.

2. أن يقصد القصر فيعدل إلى التمام، أو بالعكس مالم يتجاوز محلّ العدول.

3. أن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأوّل، فإذا تشهد، ينوى التمام أو يقصر.

4. أن ينوي القصر ولكنّه أتمّ غفلة من غير التفات إلى القصر والتمام، كما إذا اقتدى بإمام يتم فخرج معه عن الصلاة.

5. أن ينوي القصر لكن أتم بزعم انّ الرابعة هي الثانية.

6. أو ينوي التمام فقصر غفلة بزعم انّ الركعة الثانية هي الرابعة.

وجه الصحّة في الثلاثة الأُولى: وهو اتّحاد الصلاتين في الطبيعة، وإنّما الاختلاف في القصر والطول، وإن شئت قلت: الاختلاف في الكيفية، أوّلاً


صفحه69

ووحدة الأمر ثانياً، فكلّ من الحاضر والمسافر يقصد امتثال قوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) ، غير أنّ الدليل الخارجي دلّ على أنّ الحاضر، يأتي بالفرد الطويل والآخر بالفرد القصير، فإلى أين انتهى الأمر، فقد امتثل، شريطة عدم التجاوز عن محلّ العدول.

وأمّا صحّة الوجوه الثلاثة الأخيرة:

ففي الرابع أتى بالركعتين الأخيرتين بلا قصد، لكن يكفي كون الأمر وأصل العمل مقصودين غاية الأمر فات منه قصد التمام والقصر، وقد قلنا في محلّه من أنّهما ليسا من العناوين القصدية. وصرّح به المحقق في المعتبر وتبعه الأردبيلي وقال: الظاهر عدم وجوب نيّة الإتمام والقصر فيها وعدم دليل يقتضيها.(1)

وفي الخامس أتى بالركعتين الأخيرتين بنية القصر بزعم انّهما الأُوليان، والاشتباه في وصفها لا يضر بعد كونه قاصداً لامتثال الأمر الواقعي، غاية الأمر يزعم انّه يمتثل الأمر الواقعي بالفرد القصير، مع أنّه في الواقع يمتثله بالفرد التام.

ومنه يظهر حال السادس، فيزعم انّه يمتثل الأمر الواقعي بالفرد التام مع أنّه يمتثله بالفرد القصير والخطأ في التطبيق غير مخل بعد كون المقصود هو امتثال الأمر الواقعي.

***


1 . مجمع الفائدة:3/427.


صفحه70

 

التسبيح ثلاثون مرّة

يستحب أن يقول عقيب كلّ صلاة مقصورة ثلاثين مرّة سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر.

وقد ورد في المقام حديثان(1) أحدهما عن سليمان بن حفص المروزي ولم يوثّق، والآخر عن رجاء بن أبي الضحاك انّه صحب الرضا وكان مأموراً لجلبه إلى خراسان والاعتماد عليهما في مقام الإفتاء مشكل. نعم ورد استحبابه عقيب كلّ فريضة من غير فرق بين المقصورة وغيرها، إلاّ أنّ الكلام تكرارها مرّتين، مرّة من باب التعقيب، ومرّة من حيث بدليّتها عن الركعتين الساقطتين.

مسائل

بقيت هنا مسائل لم يتعرض لها صاحب العروة، وقد تعرض لها المحقّق الأردبيلي والمحدث البحراني ونحن نقتفي أثرهما:

الأُولى: جواز التنفّل بالرواتب في الأماكن

يظهر من الشهيد والمحقّق الأردبيلي وبعض من تأخر عنهما جواز التنفّل بالرواتب، وقال: الظاهر استحباب فعل النافلة الساقطة فيها، لأنّ


1 . الوسائل: ج 5، الباب 24 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 2.


صفحه71

المعلوم سقوطها بوجوب القصر وليس بمعلوم في غيره فيبقى للأصل، ولشرف البقعة والتحريض والترغيب على كثرة الصلاة فيها، ولما في بعض الأخبار من أنّ زيادة الصلاة خير، وزيادة الخير خير، وصلِّ النافلة ما شئت، وغير ذلك، فافهم. ولا فرق في الجواز بين اختيار القصروالإتمام، صرّح بما ذكرناه في الذكرى.(1)

وفي كلامه إشارة إلى وجوه من الاستدلال:

1. إطلاق أدلّة الرواتب يقتضي التطوع بها في الحضر والسفر خرجت منه صورة واحدة وهي ما إذا وجب القصر، وبقي الباقي تحته.

2. شرف البقعة.

3. ما ورد في الروايات من أكثار الصلاة بألسن مختلفة.

يلاحظ على الأوّل: بأنّ ما دلّ على سقوط النوافل وإن كان ظاهراً فيما إذا تعين القصر حيث ورد الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء(2)، إلاّ أنّ الشكّ في وجود الإطلاق في أدلّة النوافل حتى يعم السفر والحضر، فلاحظ.

ويلاحظ على الثاني: أنّ شرف البقعة لا يكون دليلاً، وإلاّ فالمسجد الأقصى له من الشرف مالا يخفى، فلا يجوز فيه الإتمام ولا التنفّل.

وأمّا الروايات فقد ورد في صحيح علي بن مهزيار: «فأنا أُحب لك إذا


1 . مجمع الفائدة:3/427.

2 . الوسائل: ج 5، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 2.


صفحه72

دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيهما من الصلاة».(1)

كما ورد في رواية إبراهيم بن شيبة: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يحب إكثار الصلاة في الحرمين، فأكثر فيهما وأتم».(2) ومن المعلوم أنّهما ليسا ظاهرين في التنفّل بالرواتب، بل الظاهر الإكثار بالتنفّل المطلق.

وأمّا ما أورده صاحب الوسائل في الباب 26، فإليك بعض ما يمكن الاستظهار منه:

1. روى علي بن أبي حمزة: سألت العبد الصالح (عليه السلام) ... قلت: وما ترى في الصلاة عنده (قبر الحسين) وأنا مقصر؟ قال: «صلّ في المسجد الحرام ما شئت تطوعاً...». وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين (عليه السلام) ومشاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والحرمين تطوعاً ونحن نقصر فقال: «نعم ما قدرت عليه».(3)

2. روى ابن أبي عمير، عن أبي الحسن قال: سألته عن التطوّع عند قبر الحسين(عليه السلام)وبمكة والمدينةو أنا مقصّر؟ فقال: «تطوع عنده وأنت مقصر ما شئت».(4)

و يقرب من هذين ما ورد في رواية صفوان(5) وإسحاق بن عمّار.(6)

ولعلّ السؤال عن الصلاة بالنهار، في الرواية الأُولى، وتصريح الراوي بأنّه مقصر، ربما يعطيان ظهوراً لها في أنّ مورد السؤال هو التنفّل بالرواتب، وإلاّ فلو كان السؤال عن مطلق التنفّل، فما معنى تقييد الصلاة بالنهار، وكون


1 و 2 . الوسائل: ج 5، الباب 25 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4و18.

3 ـ 6 . الوسائل: ج 5 ، الباب 26 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1،2،4، 5.


صفحه73

المتطوع، مقصراً، فإذا جاز التطوع بالرواتب في حال القصر، فيجوز في حال الإتمام بطريق أولى.

نعم احتاط صاحب الحدائق فيما إذا كان مقصراً حيث قال: الأحوط ترك الراتبة النهارية مع اختيار القصر، لعدم صراحة هذه الأخبار (مع غض الطرف عمّا في أسانيدها) في جوازها على التعيين، وعدم تبادرها من حاق ألفاظها على اليقين، ودخولها في مطلق التطوع معارض بما دلّ على سقوطها على الخصوص.(1)

أقول: إنّ مورد الروايات هو ما إذا قصّر، فإذا لم يكن لها ظهور في الرواتب، تبقى تحت المنع مطلقاً وإن أتم، إذ ليس لنا دليل بالخصوص على الجواز في صورة الإتمام، وإنّما قلنا به لأجل الأولوية، فإذا سقط الحكم في الأصل لم يبق دليل على الفرع بوجه أولى.

وأمّا الاستدلال على الجواز برواية أبي يحيى الحناط، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بُنيّ لو صلحتْ النافلة في السفر تمّت الفريضة». (2) فقاصر الدلالة لما سبق من أنّها تدل على الملازمة بين جواز النافلة وتمامية الصلاة، لا على العكس كما هو المفروض في المقام، حيث نريد أن نستنتج من تماميتها، جواز الرواتب وقد مرّ.

***


1 . الحدائق: 11/468.

2 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث4.


صفحه74

 

الثانية: إذا فاتته فريضة

إذا فاتته الفريضة في تلك الأماكن، فهل يتخير أيضاً في قضائها بين الإتمام والقصر أو لا، سواء قضاها فيها أو في خارجها؟ وجهان:

نعم لو فاتته في خارجها وأراد قضاءها فيها ليس له التخيير، بل يتبع كيفية ما فات منه، حضراً أو سفراً. الظاهر عدم التخيير لوجهين:

الأوّل: انّ القول به فرع أن يكون الفائت هو الصلاة المخير في امتثالها بين التمام والقصر، ولا يتحقّق إلاّ بالقول بأوسعية الموضوع من المسجد، وإلاّ فلو قلنا باختصاص التخيير بالمسجد، وفاتت منه الصلاة وهو في البلد، فلم يَفت منه إلاّ القصر، وكونه قادراً على الإتيان بها تماماً بالذهاب إلى المسجد، لا يكون مصححاً للقول بأنّ الفائت هو المخير إلاّ إذا فاتت منه وهو في المسجد.

وثانياً: سلّمنا ولكن الفائت منه هو القصر، لأنّه بضيق الوقت يتعيّن عليه الامتثال بالقصر، لا بالتمام، وسيوافيك أنّ قاعدة «من أدرك»، منحصرة بالمضطر، ولا تعم المختار، فليس له أن يجعل نفسه مضطراً بالإتيان بها تماماً، حتى يقال: إنّ الفائت بهذا الاعتبار هو التمام.

نعم لو قلنا بمقالة المحقّق الهمداني في المسألة السابقة من أنّ من كان مسافراً في بعض الوقت وحاضراً في البعض الآخر، وفاتت منه الصلاة، أنّه يتخير في القضاء بين التمام والقصر، لأنّ الفائت هو الجامع بين القصر


صفحه75

والإتمام، لصحّ القول بالتخيير في المقام أيضاً، لكنّك قد عرفت ضعفه.

***

الثالثة: لو كانت في ذمّته صلاةُ قضاء

لو كانت في ذمّته صلاة قضاء، فعلى القول بالمواسعة، يصحّ القول بالتخيير فيما يصلّي أداءً، وأمّا على القول بالمضايقة، فكذلك، لأنّه امتثال للواجب بالفرد الأفضل، فهو ـ مع كونه أفضل ـ مصداق للواجب وليس متنفّلاً حتى يصادمه القول بالمضايقة، وقد أوضحنا في البحوث الأُصولية أنّ المشخّصات الفردية المستحبة، ليست أُموراً مستحبة في الواجب، بل هي كنفس الطبيعة، تتّصف بالوجوب.

***

الرابعة: إذا ضاق الوقت

لو ضاق الوقت إلاّ عن أربع ركعات وعليه الظهر والعصر، فلا يصحّ الإتيان بالظهر تماماً لوقوع بعضه في الوقت المختص العصر، بل يأتي بها قصراً، إنّما الكلام في جواز الإتيان بالعصر تماماً، أو يتعيّن عليه القصر، ربما يقال بالأوّل اعتماداً على عموم قوله: «مَن أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعاً».(1)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 30 من أبواب مواقيت الصلاة، و النصّ المذكور في المتن، هو ما رواه المحقّق في المعتبر كما مرّ.


صفحه76

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من قوله: «مَن أدرك» هو المضطر، لا المختار الذي يحتال ليجعل نفسه مضطراً كما في المقام، وإن شئت قلت: إنّ الحكم لا يُثبت موضوعه، وإنّما يترتب الحكم للموضوع الثابت قبله.


صفحه77

الرسالة التاسعة عشرة

أقسام الصوم


صفحه78

صفحه79

أقسام الصوم   

أقسام الصوم أربعة: واجب، وندب، ومكروه كراهة عبادة، ومحظور.

الصوم الواجب

والواجب أقسام: صوم شهر رمضان، وصوم الكفّارة، وصوم القضاء، وصوم بدل الهدي في حجّ التمتع، وصوم النذر والعهد واليمين والملتزم بشرط أو إجارة، وصوم اليوم الثالث من أيّام الاعتكاف.

الصوم المندوب

وأمّا المندوب منه فأقسام:

منها ما لا يختصّ بسبب مخصوص ولا زمان معيّن، كصوم أيّام السنة عدا ما استثني من العيدين وأيّام التشريق لمن كان بمنى، فقد وردت الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو ومحبوبيّته وفوائده، ويكفي فيه ما ورد في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أُجازي به، وما ورد من أنّ الصوم جنّة من النار، وأنّ نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح وعمله متقبّل ودعاءه مستجاب، ونعم ما قال بعض العلماء من أنّه لو لم يكن في الصوم إلاّ الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيميّة إلى ذروة التشبّه بالملائكة الروحانيّة لكفى


صفحه80

به فضلاً ومنقبة وشرفاً.

ومنها ما يختص بسبب مخصوص، وهي كثيرة مذكورة في كتب الأدعية.

و منّها ما يختص بوقت معيّن، وهو في مواضع:

منها ـ وهو آكدها ـ : صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر فقد ورد أنّه يعادل صوم الدهر ويذهب بوحر الصدر، وأفضل كيفيّاته ما عن المشهور، ويدلّ عليه جملة من الأخبار هو أن يصوم أوّل خميس من الشهر وآخر خميس منه وأوّل أربعاء في العشر الثاني. ومن تركه يستحبّ له قضاؤه، ومع العجز عن صومه لكبر ونحوه يستحبّ أن يتصدّق عن كلّ يوم بمدّ من طعام أو بدرهم.

ومنها: صوم أيّام البيض من كلّ شهر، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر على الأصحّ المشهور، وعن العمّاني أنّها الثلاثة المتقدّمة.

ومنها: صوم يوم مولد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو السابع عشر من ربيع الأوّل على الأصحّ، وعن الكلينيّ أنّه الثاني عشر منه.

ومنها: صوم يوم الغدير، وهو الثامن عشر من ذي الحجّة.

ومنها: صوم يوم مبعث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو السابع والعشرون من رجب.

ومنها: يوم دحو الأرض من تحت الكعبة، وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة.

ومنها: يوم عرفة لمن لا يضعّفه الصوم عن الدعاء.


صفحه81

ومنها: يوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجّة.

ومنها: كل خميس و جمعة معاً أو الجمعة فقط.

ومنها: أوّل ذي الحجّة بل كلّ يوم من التسع فيه.

ومنها: يوم النيروز .

ومنها: صوم رجب وشعبان كلاً أو بعضاً ولو يوماً من كلّ منهما.

ومنها: أوّل يوم من المحرّم وثالثه وسابعه.

ومنها: التاسع والعشرون من ذي القعدة .

ومنها: صوم ستّه أيّام بعد عيد الفطر بثلاثة أيّام أحدها العيد .

ومنها: يوم النصف من جمادى الأُولى.

أحكام الصوم المستحب

المسألة 1: لا يجب إتمام صوم التطوّع بالشروع فيه، بل يجوز له الإفطار إلى الغروب وإن كان يكره بعد الزوال.

المسألة 2: يستحبّ للصائم تطوعاً قطع الصوم إذا دعاه أخوه المؤمن إلى الطعام ، بل قيل بكراهته حينئذ.

الصوم المكروه

وأمّا المكروه منه: بمعنى قلّة الثواب، ففي مواضع أيضاً.

منها: صوم عاشوراء.


صفحه82

ومنها: صوم عرفة لمن خاف أن يضعّفه عن الدعاء الّذي هو أفضل من الصوم، وكذا مع الشكّ في هلال ذي الحجّة خوفاً من أن يكون يوم العيد.

ومنها: صوم الضيف بدون إذن مضيفه، والأحوط تركه مع نهيه، بل الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضاً .

ومنها: صوم الولد بدون إذن والده، بل الأحوط تركه خصوصاً مع النهي بل يحرم إذا كان إيذاء له من حيث شفقته عليه، والظاهر جريان الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجدّ والأولى مراعاة إذن الوالدة ومع كونه إيذاء لها يحرم كما في الوالد.

الصوم المحظور

وأمّا المحظور منه: ففي مواضع أيضاً :

أحدها: صوم العيدين: الفطر والأضحى، وإن كان عن كفّارة القتل في أشهر الحرم، والقول بجوازه للقاتل شاذّ، والرواية الدالّة عليه ضعيفة سنداً ودلالة.

الثاني: صوم أيّام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجّة لمن كان بمنى، ولا فرق على الأقوى بين الناسك وغيره.

الثالث: صوم يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان بنيّة أنّه من رمضان، وأمّا بنيّة أنّه من شعبان فلا مانع منه كما مرّ.

الرابع: صوم وفاء نذر المعصية بأن ينذر الصوم إذا تمكّن من الحرام الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسّره ، وأمّا إذا


صفحه83

كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به، نعم يلحق بالأوّل في الحرمة ما إذا نذر الصوم زجراً عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها.

الخامس: صوم الصمت بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيّته من قيود صومه، وأمّا إذا لم يجعله قيداً وإن صمت فلا بأس به، بل وإن كان في حال النيّة بانياً على ذلك إذا لم يجعل الكلام جزءاً من المفطرات وتركه قيداً في صومه.

السادس: صوم الوصال وهو صوم يوم وليلة إلى السحر أو صوم يومين بلا إفطار في البين، وأمّا لو أخّر الإفطار إلى السحر أو إلى اللّيلة الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءاً من الصوم فلا بأس به وإن كان الأحوط عدم التأخير إلى السحر مطلقاً .

السابع: صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج والأحوط تركه بلا إذن منه، بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه.

الثامن: صوم المملوك مع المزاحمة لحقّ المولى، والأحوط تركه من دون إذنه بل لا يترك الاحتياط مع نهيه.

التاسع: صوم الولد مع كونه موجباً لتألّم الوالدين وأذيّتهما.

العاشر: صوم المريض ومن كان يضرّه الصوم.

الحادي عشر: صوم المسافر إلاّ في الصور المستثناة على ما مرّ.

الثاني عشر: صوم الدهر حتّى العيدين على ما في الخبر، وإن كان يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث هو.


صفحه84

 

في المواضع الّتي يستحب فيها الإمساك

يستحبّ الإمساك تأدّباً في شهر رمضان وإن لم يكن صوماً في مواضع:

أحدها: المسافر إذا ورد أهله أو محلّ الإقامة بعد الزوال مطلقاً أو قبله وقد أفطر، وأما إذا ورد قبله ولم يفطر فقد مرّ أنّه يجب عليه الصوم.

الثاني: المريض إذا برئ في أثناء النهار وقد أفطر، وكذا لو لم يفطر إذا كان بعد الزوال بل قبله أيضاً على ما مرّ من عدم صحّة صومه وإن كان الأحوط تجديد النيّة والإتمام ثمّ القضاء.

الثالث: الحائض والنفساء إذا طهرتا في أثناء النهار .

الرابع: الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا.

الخامس: الصبيّ إذا بلغ في أثناء النهار .

السادس: المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه.

هذه أقسام الصوم الأربعة، وهي واضحة لورود النصوص في أكثرها. والمهم في المقام دراسة بعض أقسام الصوم المكروه والمحظور، أعني:

1. صوم يوم عاشوراء.

2. صوم الضيف بدون إذن مضيّفه.

3. صوم الزوجة مع المزاحمة لحقّ الزوج أو مع نهيه وإن لم يكن مزاحماً لحقّه.


صفحه85

4. صوم الولد بدون إذن والده أو مع نهيه عنه.

1. صوم يوم عاشوراء

اختلفت كلمة الأصحاب تبعاً للروايات في حكم صوم يوم عاشوراء إلى أقوال:

1. استحباب صومه على وجه الحزن. و هو خيرة الشيخ في الاستبصار، حيث قال: إنّ من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد (عليهم السلام) والجزع لما حلّ بعترته فقد أصاب، و من صامه على ما يعتقده مخالفونا من الفضل في صومه والتبرّك به، و الاعتقاد ببركته وسعادته فقد أثم و أخطأ. (1)

و تبعه ابن زهرة و قال في فصل الصوم المندوب: وصوم عاشوراء على وجه الحزن.(2)

وعليه المحقق حيث قال: وصوم يوم عاشوراء على وجه الحزن.

وظاهر كلامهم هو الصوم الكامل مع النية اللازمة; وما في «المسالك» من أنّه ليس صوماً معتبراً شرعاً، بل هو إمساك بدون نيّة(3)، ليس في محلّه.

2. انّه مكروه وعليه صاحب العروة وغيره.

3. انّه محظور و ممنوع وعليه صاحب الحدائق، حيث إنّه بعد نقل


1 . الاستبصار:2/135 ـ 136.

2 . الغنية:1/148.

3 . المسالك:2/78.


صفحه86

قسم من الأخبار الماضية قال: لا يخفى ما في هذه الأخبار من الظهور والصراحة في تحريم صوم هذا اليوم مطلقاً، وإنّ صومه كان في صدر الإسلام ثمّ نُسخ بنزول شهر رمضان.(1)

ولم نعثر على من يقول باستحبابه على وجه الإطلاق، وإن كان اللائح من بعض الروايات انّه مستحب لذلك، غير أنّ الشيخ لأجل الجمع بين الروايات، قيّده بقوله:

«على وجه الحزن» ونقله عن شيخه المفيد. وعلى كلّ تقدير، فالمهم دراسة ما ورد في الروايات:

استحباب صومه

يدلّ على استحباب صومه صحيحة عبد اللّه بن ميمون القدّاح (2)، وموثّقتا إسماعيل بن أبي همّام(3)، و مسعدة بن صدقة.(4)

ففي الأُولى قال: «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة».

وفي الثانية: «صام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء ». وقريبة منها الثالثة.

المنع عن صومه

دلّ غير واحد من الروايات التي يبلغ عددها إلى سبع على المنع:

1. رواية زرارة، عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) قالا: «لا تصم في


1 . الحدائق:13/375.

2 ـ 4 . الوسائل: ج 7، الباب 20 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 3، 1، 2.


صفحه87

يوم عاشوراء، ولا عرفة بمكة، ولا بالمدينة ولا في وطنك ولا في مصر من الأمصار».(1)

والرواية ضعيفة بـ«ياسين» الضرير الذي لم يوثّق . و أمّا نوح بن شعيب فقد نقل الشيخ في رجاله عن الفضل بن شاذان: انّه كان فقيهاً، عالماً صالحاً مرضياً. مضافاً إلى ما في متنه من النهي عن صوم عرفة مطلقاً مع أنّه مستحب و قد صامه الإمام.(2)

2. رواية الحسين بن أبي غندر، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ... قلت: فصوم عاشوراء؟ قال: «ذلك يوم قتل فيه الحسين فإن كنت شامتاً فصم».(3)

وفي السند: الحسين بن إبراهيم القزويني وهو مجهول، ومحمد بن وهبان البصري له رواية في التهذيب، عن علي بن حبشي قال الطوسي: له كتاب، عن العباس بن محمد بن الحسين المجهول، ومثل هذه الرواية لا تصلح للاستدلال.

3. صحيحة زرارة و محمد بن مسلم جميعاً أنّهما سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء؟ قال: «كان صومه قبل صوم شهر رمضان ، فلمّا نزل شهر رمضان تُرك».(4) وهو لا يدل على الحرمة ، بل يدل على أنّ الناس تركوا صومه لوجود الأفضل منه، أعني: صيام شهر رمضان.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 6.

2 . الوسائل: ج 7، الباب 23 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

3 و 4 . الوسائل: ج 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث7، 1.


صفحه88

بقيت هنا روايات أربع(1) رواها الكليني عن الحسن بن علي الهاشمي باسناد مختلفة، وقد تلقّاها المحقّق الخوئي رواية واحدة، لأنّ الكليني نقل الجميع عن الهاشمي. لكنّه غير تام، لأنّ الميزان في توحيد الرواية هو وحدة الراوي عن الإمام في الجميع ، لا توسّط شخص واحد في أسناد الجميع، مع اختلاف الأسانيد منه إلى الإمام، والأولى أن يستدلّ عليها بوحدة المضمون وهي غير بعيدة كما هو واضح لمن لاحظها.

لكن الجميع ضعيف. أمّا الحسين بن علي الهاشمي الوارد في الجميع كما في الوسائل، أو الحسن كما في الكافي، فلم يرد في حقّه سوى انّ له عشر روايات.

ثمّ إنّ الأُولى منها ضعيفة بمحمد بن سنان، والثالثة بزيد النرسي، و أمّا الرابعة فقد ورد فيه نجبة وهو مهمل في الرجال بل مجهول. فالأظهر تقديم ما دلّ على الاستحباب على ما دلّ على الحظر. ومحط الكلام في صومه بما هو هو، و أمّا صومه بعنوان التبرك و الفرح والسرور فلا شكّ في حرمته، لأنّه عين النصب والعداء وهو بمنزلة الكفر، ولعلّ النهي الوارد في الروايات الأربع لحسن بن علي الهاشمي ناظر إلى هذا النوع من الصوم، وهو غير بعيد بالنسبة إلى الأجواء السائدة في زمن صدور الروايات.

وأمّا ما رواه الشيخ في المصباح عن عبداللّه بن سنان قال:

دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) يوم عاشوراء، ودموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت: مِمَّ بكاؤك؟ فقال: «أفي غفلة أنت؟! أما علمت أنّ


1 . الوسائل: ج 7، الباب 21 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 2، 3، 4، 5.


صفحه89

الحسين (عليه السلام) أُصيب في مثل هذا اليوم؟!».

فقلت: ما قولك في صومه؟ فقال لي: «صمه من غير تبييت، وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملا، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ...».(1)

وهذا الحديث نقله الشيخ في مصباحه، عن عبد اللّه بن سنان، وسند الشيخ في الفهرست صحيح بالنسبة إلى كتبه، ولكن لم يدل دليل على أنّه نقل هذا الحديث من كتاب ابن سنان كما قيل.

ولا يخفى بُعد هذا الاحتمال، والأولى أن يجاب بأنّ القدر المتيقّن من المنع من الحديث هو الصوم الكامل على النحو الذي كان الناس يصومون يوم ذاك من إظهار الفرح والسرور دون أن يعلموا أصله وانّ ذلك بدعة من بِدَع آل أُمية، وبما أنّ الناس كانوا يتظاهرون بهذا النوع من الصوم، صار الصوم في تلك الظروف مكروهاً أو ممنوعاً لئلاّ يتشبه موالي آل البيت بعمل معاديهم، وأمّا إذا خلت الظروف عن هذه العناوين الثانوية، فاستحبابه باق بحاله.

وبذلك تقدر على الجمع بين الروايات المجوزة كالثلاثة الأُوَل، والروايات السبعة الناهية، فالمجوزة ناظرة إلى صوم ذلك اليوم بما هو هو من دون أن يكون هناك أيّ قصد للفرح والتبرّك، وأمّا المانعة فهي ناظرة إمّا إلى


1 . الوسائل: ج 7، الباب 20، من أبواب الصوم المندوب، الحديث 7.


صفحه90

الصوم المقرون بما يرتكبه أجلاف الناس من إظهار الفرح والتيمّن عالماً أو جاهلاً، أو إلى الصوم المجرّد عن هذا القصد، لكن الصائم يعيش في أجواء ينتزع من صومه التشبّه بهم، فيحرم في كلتا الصورتين. وما ذكرنا من الجمع أوضح من الجمع الذي ذكره الشيخ وتبعه المحقّق، كما لا يخفى.

***

2. صوم الضيف بدون إذن مضيّفه

اختلفت كلماتهم في صوم الضيف بدون إذن مضيِّفه على أقوال، فمن قائل بالتحريم مطلقاً، كما هو الظاهر من المحقّق في «المعتبر»(1)
و«النافع»(2). إلى آخر قائل بالكراهة كذلك كما هو الظاهر من العلاّمة في «المنتهى».(2) إلى ثالث مفصِّل بين النهي فيحرم وإلاّ فيكره. وهو الظاهر من المحقّق في «الشرائع» قال في عداد الصوم المكروه: صوم الضيف نافلة من دون إذن مضيّفه، والأظهر أنّه لا ينعقد مع النهي .(3)

لكن المذهب المشهور هو الكراهة مطلقاً، ويدلّ عليه ما يلي:

1. ما رواه الصدوق باسناده، عن الفضيل بن يسار ،عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)(أبي جعفر) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): « إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلاّ بإذنهم، لئلاّ يعملوا الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلاّ بإذن


1 . المعتبر:2/712.   2 . النافع: 1 / 71، ط مصر.

2 . المنتهى: 9 / 386، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424 هـ .

3 . الجواهر:17/116ـ 117، قسم المتن.


صفحه91

الضيف لئلاّ يحتشم فيشتهي الطعام فيتركه لهم (لمكانهم)».(1)

وطريق الصدوق إلى الفضيل لا يخلو من اعتبار، والمناقشة فيه لأجل وقوع محمد بن موسى المتوكّل، وعلي بن الحسين السعد آبادي، ليست بتامة. أمّا الأوّل فقد أكثر الصدوق عنه الرواية وذكره في طرقه إلى الكتب في 48 مورداً وليس الغرض من ذكره في أمثال المقام إلاّ إضفاء الاعتبار للكتاب وهو فرع كون من رواه عنه ثقة، مضافاً إلى أنّ ابن طاووس ادّعى في كتاب فلاح السائل (الفصل 19 من فضل صلاة الظهر) الاتفاق على وثاقته فالرجل معتمد عليه.

وأمّا الثاني فقد كان معلّم أبي غالب الزراري، ومن مشايخ ابن قولويه الذين يروي عنهم بلا واسطة، وقد قلنا في كتابنا «كليات في علم الرجال»: إنّ القدر المتيقّن من عبارته في ديباجة كتابه «كامل الزيارات» أعني قوله:ولكن ما وقع لنا من جملة الثقات من أصحابنا (رحمهم اللّه برحمته) هو مشايخه الذين روى عنهم مباشرة وبلا واسطة منهم علي بن الحسين السعد آبادي. فالرواية صالحة للاحتجاج.

وأمّا الدلالة فيستفاد منها الكراهة بوجهين:

1. التعليل فإنّه ظاهر في الكراهة خصوصاً مع ملاحظة ما رتّب عليه، أعني قوله:«ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلاّ بإذن الضيف» المتضمّن لحكم عكس المسألة إذ لم يقل أحد بشرطية الإذن فيه، وهذا قرينة قطعية على أنّ قوله:«لا ينبغي للضيف أن يصوم» في أصل المسألة للكراهة وما في الحدائق


1 . الوسائل: ج 7، الباب 9 من أبواب الصوم المكروه، الحديث 1. و قوله: يحتشم: يخجل.


صفحه92

من أنّ قولهم: «لا ينبغي» مشترك بين التحريم والكراهة.(1) على فرض قبوله ، لا يضرّ بالمقام.

2. ما رواه الصدوق باسناده عن نشيط بن صالح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): « من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعاً إلاّ بإذن صاحبه ـ إلى أن قال: ـ وإلاّ كان الضيف جاهلاً».(2)

لكن الصدوق لم يذكر اسناده إلى نشيط بن صالح في مشيخة الفقيه، وأمّا كونه في نفسه فقد وصفه النجاشي بقوله: «ثقة، له كتاب»، ولذلك أصبحت الرواية كالمرسلة.

نعم رواه الكليني والصدوق أيضاً في العلل بسند فيه أحمد بن هلال الذي خرج التوقيع على لعنه . وعلى فرض صحته فالدلالة قاصرة ،لأنّ المراد الجهل بالأدب الإسلامي، فإنّ الإسلام قرّر الاستئذان لمصلحة مرّت في الرواية الأُولى ، فيكون صومه بلا إذن مكروهاً.

3. روى الصدوق باسناده عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه جميعاً عن الصادق، عن آبائه : من وصية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام) : «ولا يصوم الضيف تطوعاً إلاّ بإذن صاحبه».(3) وفي سند الصدوق إلى الرجلين عدّة مجاهيل، وعلى فرض الصحة يحمل على الكراهة بقرينة ما سبق.

4. روى الصدوق باسناده، عن الزهري ،عن علي بن الحسين في حديث قال: «الضيف لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن صاحبه»(4)، مضافاً إلى أنّ


1 . الحدائق:13/203.

2 و 3 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 2، 4 .

4 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم والمكروه، الحديث 1 .


صفحه93

طريق الصدوق إلى الزهري في الفقيه ضعيف.

والحقّ أنّ هذه الروايات بين ضعيف في الدلالة، و ضعيف في السند، لا تنهض لإثبات التحريم وإن مال صاحب الحدائق(1) إلى الحرمة واستظهرها من المحدّث الكاشاني في «الوافي» من عنوان الباب حيث قال: بأنّه من لا يجوز له صيام التطوع.

3. صوم الزوجة بدون إذن زوجها

لا شكّ أنّه لا يصحّ صوم الزوجة إذا زاحم حقّ الزوج في غير الواجب، إنّما الكلام في الصوم تطوّعاً، فقد نقل صاحب الحدائق عن المحقّق في «المعتبر» أنّه قال: لا خلاف في توقّف صحة صومها على إذن الزوج، وقال: إنّه موضع وفاق.(2) وقد احتاط المصنّف في صورة عدم الإذن، فكيف مع النهي عنه؟! وأمضاه العلمان الحكيم والخوئي في تعليقتهما، ولعلّ هناك فرقاً واضحاً بين الضيف والزوجة ولا يلزم من القول بالكراهة في الأوّل، القول به في الثانية خصوصاً إذا صحّ الدليل، أعني:

صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس للمرأة أن تصوم تطوعاً إلاّ بإذن زوجها». (3) ويؤيّده مرسلة القاسم بن عروة (4) وخبر العزرمي.(5)


1 . الحدائق: 13/203.

2 . الحدائق: 13/205.

3 ـ 5 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 1، 2، 4 .


صفحه94

ولكن لو صحّ ما رواه صاحب الوسائل عن كتاب علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن المرأة تصوم تطوعاً بغير إذن زوجها ؟ قال: «لا بأس»(1) ، وجب حمل ما دل على المنع على الكراهة.

هذا وقد ورد المنع أيضاً في رواية الزهري (2)، و هشام بن الحكم(3) ووصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ (عليه السلام)(4).

ولأجل تضافر المنع وصحّة سند بعضه، فالأحوط أن لا تصوم إلاّ بإذن منه.

4. صوم الولد بدون إذن الوالد

المشهور في حكم الولد الكراهة. وهو خيرة المحدّث الكاشاني في المفاتيح، ولكن المحكي عن المحقّق في النافع والعلاّمة في الإرشاد، هو عدم الصحّة، واستقربه الشهيد واختاره صاحب الحدائق.(5)

وقد ورد المنع عنه في خبر هشام بن الحكم الذي قد عرفت ضعف سنده وفيه: «ومن برّ الولد بأبويه أن لا يصوم تطوّعاً إلاّ بإذن أبويه وأمرهما، وإلاّ كان الولد عاقاً» والخبر لا يصلح للاحتجاج، فالأظهر هو الجواز و إن كان موجباً لتأذّيهما، لما سيوافيك في كتاب الاعتكاف من أنّ الواجب على الولد، حسن المعاشرة والمصاحبة فيما يرجع إليهما، وأمّا فيما يرجع إلى حياة الولد في نفسه إذا كان حلالاً أو مستحباً فنهيهما لا يوجب عقوقاً. واللّه العالم.


1 . الوسائل: ج 7، الباب 8 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث 5 .

2 ـ 4 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب الصوم المحرم و المكروه، الحديث1، 2، 4 .

5 . الحدائق: 13/ 203.


صفحه95

الرسالة العشرون

في الأجناس

التي تتعلّق بها الزكاة


صفحه96

صفحه97

في الأجناس الّتي تتعلّق بها الزكاة   

تجب الزكاة في تسعة أشياء:

الأنعام الثلاثة وهي: الإبل، والبقر، والغنم.

والنقدين، وهما: الذهب والفضة.

والغلاّت الأربع وهي: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. ولا تجب فيما عدا ذلك على الأصحّ.

إنّ البحث في الأجناس التي تتعلّق بها الزكاة، هو بيت القصيد في هذا الباب.

فإنّ المشهور وإن ذهب إلى وجوبها في الأجناس التسعة، لكن يوجد القول بكون الموضوع أوسع من التسعة كما سيوافيك.

أضف إلى ذلك ما ورد من تعلّقها بأزيد من التسعة على ما سيأتي.

على أنّ تعلّقها بالحنطة والشعير، وعدم تعلّقها بالأُرز ونحوه، ممّا يثير العجب فلو ثبت الاختصاص ـ كما هو كذلك ـ بالتسعة، ففي عدم تعلّقها بالأُرز والذرّة، حكمة خفية علينا.

انّ وجوب الزكاة فيما ذكر مما اتّفقت عليه كلمة فقهاء الإسلام، إنّما الكلام فيما وراءها وممّن نقل الاتّفاق من أصحابنا: العلاّمة الحلّي في


صفحه98

«التذكرة»، ومن غيرهم ابن رشد.

فقال الأوّل: قد أجمع المسلمون على إيجاب الزكاة في تسعة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.(1)

وقال الثاني: أمّا ماتجب فيه الزكاة من الأموال فإنّهم اتّفقوا منهاعلى أشياء، واختلفوا في أشياء.

أمّا ما اتّفقوا :فصنفان من المعدن: الذهب والفضة، اللتين ليستا بحليّ; وثلاثة أصناف من الحيوان: الإبل والبقر والغنم; وصنفان من الحبوب: الحنطة والشعير; وصنفان من الثمر: التمر والزبيب. (2)

فالوجوب في التسعة ليس مورد خلاف. ولذلك وصف صاحب الجواهر الوجوب فيها من ضروريات الفقه، إن لم يكن من ضروريات الدين والنصوص به متواترة، كتواترها من أنّه لا تجب فيما عدا ذلك.(3)

ولعلّ الضرورة في جانب الإثبات، أي الوجوب في التسعة لا في جانب النفي أي عدم وجوبها في غيرها وإن وردت فيه أيضاً أخبار مستفيضة.

وقد ورد التصريح بعدد التسعة في أكثر الكلمات نذكر منها ما يلي:

1. قال الصدوق في «المقنع» : اعلم أنّ الزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة،


1 . التذكرة:5/43.  

2 . بداية المجتهد:242.

3 . الجواهر:15/65.


صفحه99

وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك.(1)

2. قال المفيد: والزكاة إنّما يجب جميعها في تسعة أشياء خصّها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بفريضتها فيها، وهي: الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم; وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك.(2)

3. وقال السيد المرتضى: وممّا ظن انفراد الإمامية به، القول بأنّ الزكاة لا تجب إلاّ في تسعة أصناف: الدنانير، والدراهم، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم; ولا زكاة فيما عدا ذلك. وباقي الفقهاء يخالفونهم في ذلك.(3)

4. وقال الشيخ في «النهاية»: الذي تجب فيه الزكاة فرضاً لازماً تسعة أشياء.(4)

ثمّ ذكر أسماء التسعة على غرار ما مرّ في كلمات الآخرين، ولم يذكر في الخلاف عدد التسعة، لكن نفى في ضمن مسائل، الزكاة عن غيرها، فقال مثلاً: لا زكاة في الزيتون، أو لا زكاة في العسل، أو لا زكاة في مال التجارة.(5)

5. وقال الديلمي: تجب الزكاة في الأشياء التسعة، وانّه لا تجب في غيرها....(6)

6. وقال ابن البرّاج: الذي تجب فيه الزكاة تسعة أشياء، وهي: الذهب،


1 . المقنع:155. 

2 . المقنعة:234.

3 . الانتصار:207.  

4 . النهاية: 175.

5 . الخلاف: 2 / 64 ، 91 وغيرهما.

6 . المراسم: 127، ط بيروت.


صفحه100

والفضة، والإبل، والغنم، والبقر، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.(1)

7. وقال ابن حمزة: ما تجب فيه الزكاة من الأموال تسعة أشياء: ثمّ ذكرها على غرار ما سبق ذكرها من غيره.(2)

8. وقال ابن زهرة: فزكاة الأموال تجب في تسعة أشياء.(3)

9. وقال ابن إدريس: فأمّا الذي تجب فيه الزكاة فتسعة أشياء.(4) ثمّ ذكرها على غرار السابقين.

10. وقال الكيدري: وزكاة الأموال تجب في تسعة أشياء: الذهب، والفضة، والخارج من الأرض من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي الإبل، والغنم، والبقر; ولا تجب في ما عدا ذلك.(5)

11. قال المحقّق : تجب في الأنعام، والبقر، والغنم، وفي الحجرين: الذهب والفضة، وفي الغلات الأربع: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب; ولا تجب في غير ذلك. وهو مذهب علمائنا من غير ابن الجنيد; وبه قال الحسن، وابن سيرين، والحسن بن صالح بن حي، وابن أبي ليلى، وإحدى الروايتين عن أحمد.(6)

12. وقال ابن سعيد: لا تجب الزكاة إلاّ في الذهب، والفضة ، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، و الإبل، والبقر، والغنم.(7)


1 . المهذب:1/159.  

2 . الوسيلة:122.

3 . الغنية:2/114.  

4 . السرائر:1/428.

5 . إصباح الشيعة:107.

6 . المعتبر:2/493.

7 . الجامع للشرائع:125.


صفحه101

13. وقال العلاّمة: تجب الزكاة في تسعة أصناف، هي: أنعام، وأثمان، وأثمار. وقد اتّفق علماء الإسلام على وجوب الزكاة في هذه الأصناف، ولا تجب في غيرها. وذهب إليه علماؤنا أجمع; وبه قال: ابن عمر، و موسى بن طلحة، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح بن حي، و ابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبو عبيدة، وأحمد في إحدى الروايتين.(1)

14. وفي الختام ذكر العلاّمة في «المختلف»، اختلاف ابن الجنيد، مع غيره في مواضع:

الف: تؤخذ الزكاة في أرض العُشْر من كلّ ما دخل القفيز من حنطة وشعير، وسمسم، وأَرز، ودخن، و ذرة، وعدس، وسلت، وسائر الحبوب، ومن التمر والزبيب.

ب: أوجب ابن الجنيد الزكاة في الزيتون والزيت إذا كانا في الأرض العشرية.

ج: أوجب ابن الجنيد الزكاة في العسل المأخوذ من أرض العشر.

د: اختلف علماؤنا في مال التجارة على قولين، فالأكثر قالوا بالاستحباب، وآخرون قالوا بالوجوب.(2)

ويظهر ممّا رواه الكليني في ذيل حديث أبي بكر الحضرمي عن يونس


1 . المنتهى:8 / 37، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1423 هـ .

2 . مختلف الشيعة: 3 / 195، 197، 191.


صفحه102

بن عبد الرحمن انّ رسول اللّه وضعها و سنّها في أوّل نبوته على تسعة أشياء، ثمّ وضعها على جميع الحبوب.(1)

وأمّا أقوال أهل السنّة فقال ابن قدامة:

قال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمر إلاّ التمر والزبيب، ولا في حبّ إلاّ ما كان قوتاً في حالة الاختيار لذلك، إلاّ في الزيتون على اختلاف، وحكي عن أحمد إلا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وهذا قول ابن عمر و موسى بن طلحة والحسن وابن سيرين والشعبي والحسن بن صالح و ابن أبي ليلى و ابن المبارك وأبي عبيد، والسلت نوع من الشعير، ووافقهم إبراهيم وزاد الذرة، ووافقهم ابن عباس و زاد الزيتون، لأنّ ما عدا هذا لا نصّ فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه ولا المجمع عليه فيبقى على الأصل.

وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو أنّه قال: إنّما سنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.

وفي رواية عن أبيه، عن جدّه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «والعشر في التمر والزبيب والحنطة والشعير».

وعن موسى بن طلحة، عن عمر أنّه قال: إنّما سن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة في هذه الأربعة : الحنطة والشعير والتمر والزبيب.

وعن أبي بردة، عن أبي موسى و معاذ أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعثهما إلى


1 . الوسائل: ج 6، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث5، لاحظ التعليقة.


صفحه103

اليمن يعلّمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلاّ من هذه الأربعة: الحنطة والشعير و التمر والزبيب. رواهن كلّهن الدار قطني ولأنّ غير هذه الأربعة لا نصّ فيها ولا إجماع ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها وكثرة نفعها ووجودها، فلم يصح قياسه عليها ولا إلحاقه بها فيبقى على الأصل.

وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في كلّ ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلاّ الحطب والقصب والحشيش، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فيما سقت السماء العشر» وهذا عام، و لأنّ هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب.(1)

أمّا القول المشهور فرواه فضلاء أصحاب الصادقين والكاظمين من الثقات وغيرهم وتنتهي اسنادها إلى:1. زرارة، 2. محمد بن مسلم، 3. أبي بصير، 4. بريد بن معاوية العجلي، 5. الفضيل بن يسار، 6. عبد اللّه بن سنان، 7. البلخي، 8. جميل بن درّاج، 9. أبو سعيد القمّـاط ولعلّ المراد هو خالد بن سعيد الذي لم يوثّق، 10. الحسن بن شهاب الدين ، له في التهذيبين روايات يروي عنه جعفر بن بشر الذي لا يروي إلاّ عن ثقة، 11. أبو بكر الحضرمي، 12. مسعدة بن صدقة، 13. علي بن جعفر، 14. الفضل بن شاذان،15. بكير بن أعين. ولو ادّعي التواتر فإنّما هو بالنسبة إلى ما ينتهي إليه الاسناد، ولعلّه كذلك إلى أن يصل السند إلى أرباب الكتب.

فخلاصة القول: إنّ في المقام روايات تحصر الوجوب في التسعة، مع ذكر عفو رسول الله عن غيرها، وروايات تحصر الوجوب فيها دون أن تذكر


1 . المغني:2/549ـ 550.


صفحه104

عفو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن غيرها، و قد ورد بالمضمون الأوّل إحدى عشرة رواية(1)، وبالمضمون الثاني اثنتان(2) فلاحظ، وهناك طائفة ترد القول بتعلّقها بغير التسعة، ويكذبها.(3)

وبذلك أصبحت الروايات الدالّة على الحصر، على طوائف ثلاث:

1. ما يحصر ويذكر عفو رسول الله .

2. ما يحصر ولا يذكر منه شيئاً.

3. ما يحصر ويرد قول من قال بوجوبها بغيرها.

وهانحن نذكر من كلّ طائفة حديثين:

الف : ما يدلّ على الحصر مع ذكر العفو

1. روى ابن سنان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : لما أُنزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ِبها) فأمر رسول الله مناديه فنادى في الناس : إنّ الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض الله عليكم من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى فيهم بذلك في شهر رمضان، وعفا عمّا سوى ذلك.(4)


1 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1، 3، 4، 5، 8، 10، 11، 12، 13، 16، 17.

2 . المصدر نفسه، الحديث 2، 9.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3، 12.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1.


صفحه105

2. روى حريز، عن زرارة، و محمد بن مسلم، وأبي بصير، و بريد بن معاوية العجلي والفضيل بن يسار كلّهم، عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام)قالا: «فرض الله عزّ وجلّ الزكاة مع الصلاة في الأموال، وسنَّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تسعة أشياء، وعفا عمّا سواهنّ، في الذهب والفضة، والإبل والبقر والغنم، والحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وعفا رسول الله عمّا سوى ذلك.(1)

ثمّ إنّ الظاهر انّ غرض الإمام من نقل فعل رسول الله، هو بيان الحكم الشرعي المستمر إلى يوم القيامة مستنداً إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ويؤيّد ذلك أنّه (عليه السلام) يندد بقول مَن يزعم أنّ موضوع الزكاة هو أوسع من التسعة، مستنداً إلى عفو الرسول، ولا يتم الردّ إلاّ إذا كانت الغاية من نقل عمل الرسول هو بيان الحكم الفعلي.

ب: ما يدلّ على الحصر من دون التعرض للعفو

1. روى الفضيل بن شاذان عن الرضا (في حديث) قال: والزكاة على تسعة أشياء: على الحنطة والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم، والذهب والفضة.(2)

2. روى زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صدقات الأموال، فقال: «في تسعة أشياء ليس من غيرها شيء: في الذهب، والفضة، والحنطة،


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2 .


صفحه106

والشعير، والتمر، والزبيب، والإبل، والبقر، والغنم السائمة وهي الراعية، وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة الأصناف شيء، وكلّ شيء كان من هذه الثلاثة الأصناف فليس فيه شيء حتى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج».(1)

ج: ما يردّ القول بتعلّقها بغير التسعة

1. روى أبو سعيد القمّاط، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام) انّه سئل عن الزكاة؟ فقال: «وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الزكاة على تسعة وعفا عمّا سوى ذلك: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والإبل» فقال السائل: والذرة، فغضب (عليه السلام) ، ثمّ قال: «كان والله على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)السماسم والذرة والدخن وجميع ذلك» فقال:إنّهم يقولون: إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما وضع على تسعة لما لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب وقال: «كذبوا، فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان، ولا والله ما أعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».(2)

2. روى محمد بن جعفر الطيار قال :سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمّا تجب فيه الزكاة؟ فقال: في تسعة أشياء : الذهب والفضة، والحنطة والشعير والتمر


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9. ولاحظ الباب 9، الحديث9.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3.


صفحه107

والزبيب، والإبل والبقر والغنم، وعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا سوى ذلك» فقلت:أصلحك الله فإنّ عندنا حباً كثيراً، قال: فقال: «وما هو؟» قلت: الأُرز، قال: «نعم ما أكثره»، فقلت: أفيه الزكاة؟ فزبرني، قال: ثمّ قال:« أقول لك: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي: إنّ عندنا حبّاً كثيراً، أفيه الزكاة؟!».(1)

هذه كلّها حول ما دلّ على انحصار الزكاة في التسعة، وقد عرفت أنّها على أقسام ثلاثة، وأمّا ما يعارضها فإليك بيانه.

الأخبار المعارضة

وهناك روايات تدلّ على أنّ موضوع الزكاة أوسع من التسعة تنتهي اسنادها إلى زرارة ومحمد بن مسلم وأبي مريم ومحمد بن إسماعيل وأبي بصير، والعجب انّ بعض هؤلاء كزرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير ممّن نقلوا ما دلّ على الحصر على التسعة كما مرّ.

ثمّ إنّ ما يدلّ على أنّ الموضوع أوسع على أصناف:

الأوّل: انّ الموضوع هو كلّما يكال ففيه الزكاة، وقد ورد بهذا المضمون روايات أربع (وراء رواية علي بن مهزيار التي سنرجع إليها).

1. روى زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): في الذرة شيء؟ فقال لي: «الذرة والعدس والسلت والحبوب فيها مثل ما في الحنطة والشعير، وكلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق التي يجب فيها الزكاة فعليه فيه الزكاة».(2)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث12.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 10، ولاحظ الحديث 3، 7.


صفحه108

2. روى محمد بن إسماعيل قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): إنّ لنا الرطبة وأُرزاً، فما الذي علينا فيها؟ فقال: «أمّا الرطبة فليس عليك فيها شيء، وأمّا الأُرز فما سقت السماء، العشر، وما سقي بالدلو فنصف العُشر من كلّ ما كِلْتَ بالصاع، أو قال: وكيل بالمكيال».(1)

الثاني: ما يظهر منه أنّ الموضوع هو الحبوب، ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألته عن الحبوب ما يزكّى منها؟ قال(عليه السلام) : «البرّوالشعير والذرة والدخن والأُرز والسلت والعدس والسمسم، كلّ هذا يزكّى وأشباهه».(2)

الثالث: ما يظهر انّ الموضوع «ما أنبتت الأرض » روى زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) : كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة، و قال:جعل رسول الله الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض إلاّ ما كان في الخضر والبقول، و كلّ شيء يفسد من يومه».(3)

يمكن إرجاع الضابطة الثالثة إلى الأُولى: حيث إنّ الإمام عرّف الموضوع بقوله: «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق...» ثمّ نقل فعل رسول الله ...، ومن المعلوم أنّ قول الإمام أصرح في بيان الموضوع من فعل الرسول.

وأمّا الثانية فلم يرد الحبوب إلاّ في كلام الراوي، فلو كان الموضوع هو الحبوب كان الأظهر أن يقول في الحبوب كلّها زكاة من دون حاجة إلى عدّها ، فالأظهر أنّ الموضوع هو ما يكال، فلو كان ممّا يوزن لا ممّا يكال وبلغ


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2، ولاحظ الحديث 3، 7.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 4.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.


صفحه109

النصاب كورق السدر والآس، فهل فيهما الزكاة أو لا، وجهان، والأظهر الإلحاق.

الرابع: ما يظهر ممّا كتب الإمام أبو الحسن الهادي (عليه السلام) إلى عبد الله بن محمد، تصويب كلا القولين و رواه الكليني، وقطّعه صاحب الوسائل في البابين 8و9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ونحن ننقله من «الكافي»:

عن عليّ بن مهزيار قال: قرأت في كتاب عبد الله بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك، روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والذهب والفضّة، والغنم والبقر والإبل. وعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّا سوى ذلك»; فقال له القائل: عندنا شيء كثير يكون أضعاف ذلك، فقال: وما هو؟ فقال له: الارز، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : «أقول لك: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك وتقول: عندنا أرز وعندنا ذرة، وقد كانت الذرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».

فوقّع (عليه السلام) :«كذلك هو، والزكاة على كلّ ما كيل بالصاع».

وكتب عبد الله: وروى غير هذا الرجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه سأله عن الحبوب فقال: وما هي؟ فقال: السمسم والارز والدخن، وكلّ هذا غلّة كالحنطة والشعير، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) : «في الحبوب كلّها زكاة».

وروى أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب، قال: فأخبرني جعلت فداك هل على


صفحه110

هذا الأُرز و ما أشبهه من الحبوب الحمّص والعدس زكاة؟ فوقّع (عليه السلام) : «صدقوا الزكاة في كلّ شيء ِكيل».(1)

إنّ هذه الرواية تشهد على صدق كلتا الطائفتين وصدورهما من الإمام، حيث إنّ الراوي في المكاتبة الأُولى يحكي عمّا روى عن أبي عبد الله من أنّ رسول الله وضع الزكاة على تسعة وعفا عمّا سواها، فيصدقه الإمام بقوله: «كذلك هو»، و في الوقت يعقبه فوراً بقوله: «والزكاة على ما كيل بالصاع» فيجمع بين القولين، ويصدق القول الأوّل، مع صحّة القول الثاني أيضاً.

كما أنّه يحكي في المكاتبة الثانية عن أبي عبد الله أنّه قال: كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ثمّ يسأل الإمام عن الحبوب الحمص والعدس، فيجيب الإمام: «صدقوا الزكاة في كلّ شيء كِيل» و ما معنى الجمع بين القول بالاختصاص والقول بالتوسعة؟

هذه هي روايات الباب، وقد عرفت أقسامها، وقد اختلفت كلمة الأصحاب في الجمع بينها، فهناك وجوه من الجمع نشير إليها:

الأوّل: ما يظهر من يونس بن عبد الرحمن و ربما يعبر عنه بـ«يونس » مولى علي بن يقطين و قد روى بعنوان «يونس بن عبد الرحمن» حوالي 263 حديثاً، فقد روى الكليني عنه و قال: قال يونس: معنى قوله: إنّ الزكاة في تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك إنّما كان ذلك في أوّل النبوة كما كانت الصلاة ركعتين ثمّ زاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيها سبع ركعات، وكذلك الزكاة


1 . الكافي: 3/510 ح3و4.


صفحه111

وضعها وسنّها أوّل نبوته على تسعة أشياء ثمّ وضعها على جميع الحبوب.(1)

و لعل إلى ذلك يشير ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) :«... جعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض إلاّ ما كان في الخضر والبقول، وكلّ شيء يفسد من يومه».(2)

وحاصله: أنّ تشريع كلا الأمرين كان في عصر الرسول، فهو الذي حصره أوّلاً في التسعة وعفا عن غيره، ثمّ وضعها على جميع الحبوب.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكر، يضاد مضمون روايات العفو التي هي ظاهرة في بقاء العفو إلى رحيله، وإلاّ فلو كان العفو مختصاً بفترة خاصة من حياته، لما صحّ الاحتجاج بعفوه على حكم الأجيال الآتية، مع أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قد احتجّوا بها على معاصريهم ومن يأتي بعدهم.

وثانياً: أنّ الطائفة الثالثة ـ كما مرّت ـ ترد أصل النسبة، ففي مرسلة القمّاط عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «كذبوا، فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان، ولاوالله ما أعرف شيئاً عليه الزكاة غير هذا».(3)

و في رواية محمد الطيار عن أبي عبداللّه(عليه السلام): «أقول لك إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي إنّ عندنا حباً كثيراً».(4)


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 5، قسم التعليقة، وقد حذف صاحب الوسائل ما نقل الكليني عن يونس ونقله محقّق الكتاب في التعليقة.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 3.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 12.


صفحه112

نعم في سند كلتا الروايتين ضعف، إذ الأُولى مرسلة، والثانية مشتملة على مجهول، أعني: محمداً الطيّار، نعم مضمون الحديث موجود في ما رواه علي بن مهزيار.

***

الثاني: حمل ما دلّ على الزكاة في غير التسعة على الاستحباب، وهو الذي اختاره المفيد في «المقنعة» والشيخ الطوسي في «التهذيب».

قال الأوّل: وتزكّى سائر الحبوب ممّا أنبتت الأرض فدخل القفيز والمكيال بالعشر ونصف العشر كالحنطة والشعير سنّة مؤكّدة دون فريضة واجبة، وذلك انّه قد ورد في زكاة سائر الحبوب آثار عن الصادقين(عليهم السلام) مع ما ورد عنهم في حصرها في التسعة، وقد ثبت أنّ أخبارهم لا تناقض، فلم يكن لنا طريق إلى الجمع بينها إلاّ إثبات الفرض فيما أجمعوا على وجوبه وحمل ما اختلفوا منه مع عدم التأكيد في الأمر به على السنّة المؤكدة.(1)

وقال الشيخ ـ بعد نقل ما رواه محمد بن مسلم، وأبو مريم الدالّين على وجوب الزكاة في سائر الحبوب ـ : وما يجري مجراهما ممّا يتضمن وجوب الزكاة عليه فإنّها محمولة على الندب والاستحباب دون الفرض والإيجاب، وإنّما قلنا ذلك لئلاّ تتناقض الأخبار.(2)

وأورد عليه صاحب الحدائق: بأنّه لو كان ما يدّعونه حقّاً من أنّ أخبار


1 . المقنعة: 244، باب حكم الحبوب بأسرها في الزكاة.

2 . التهذيب:4/3، باب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 7.


صفحه113

الوجوب إنّما خرجت عنهم (عليهم السلام) مراداً بها الاستحباب، وانّه لا تناقض ولا تدافع بين الأخبار في هذا الباب، لما خفي هذا المعنى على أصحاب الأئمّة المعاصرين لهم، ولما احتاجوا إلى عرض هذه الأخبار المنقولة عن المتقدمين، على المتأخرين عنهم (كما في رواية علي بن مهزيار).(1)

والحقّ معه، فإنّ الممعن في الروايات يرى بينها تدافعاً ظاهراً، فإنّ قوله: «وليس فيما أنبتت الأرض شيء إلاّ في هذه الأربعة أشياء»(2)، أو قوله:«ليس في شيء أَنبتت الأرض من الارز والذرّة والدخن والحمص والعدس وسائر الحبوب والفواكه غير هذه الأربعة الأصناف»(3)، يضاد مع ما دلّ على أنّ «كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة».(4)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي استوجه كلام صاحب الحدائق، وانّ روايات الباب من المتناقضين في نظر العرف بحيث لا قرينية لإحداهما على الأُخرى، لكنّه عدل عمّا ذكره وقال: «غير أنّ هناك رواية واحدة من أجلها نحكم بالاستحباب، وهي صحيحة علي بن مهزيار، ثمّ ذكر الرواية الماضية» وقال : فإنّ تصديق الإمام لتلك الروايات المتعارضة المروية عن الصادق (عليه السلام)ليس له وجه صحيح عدا إرادة الاستحباب فيما عدا التسع، وإلاّ فلا يمكن في مثله الحمل على التقية بالضرورة، إذ لا معنى للتقية في تصديق الخبرين


1 . الحدائق: 12/109.

2 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 8 .

3 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 9.

4 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ، الحديث 3.


صفحه114

المتعارضين (إذ يكفي في رفعها، نقل أحدهما الموافق للتقيّة).(1)

يلاحظ عليه: أنّ أثر التقية ظاهر في الرواية، إذ لو كان الإمام بصدد بيان أنّ الواجب هو التسعة وماعداها مستحب، كان في وسعه بيان ذلك بأوضح العبارات لا بالنحو الوارد في المكاتبة.

توضيح ذلك: أنّ الرواية تشتمل على مكاتبتين:

ففي المكاتبة الأُولى حكى الراوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ، وضع الزكاة على التسعة وعفو رسول الله عمّا سواها، وضمّ إليه ما دار بينه (عليه السلام) و بين شخص آخر، حيث طرح الأُرز على أمل أن تكون فيها الزكاة، لكن الإمام لم يعجبه كلامه وقال: «أقول لك: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع الزكاة على تسعة أشياء وعفا عمّا سوى ذلك وتقول عندنا أُرز...».

هذا هو الذي كتبه عبد الله بن محمد إلى الإمام أبي الحسن الهادي(عليه السلام)فأجاب الإمام بجملتين:

الف: «كذلك هو» : أي ما نقلت من الحديث عن الإمام الصادق صحيح حتى الحوار الذي دار بينه و بين شخص آخر.

ب: والزكاة على كلّ ما كيل بالصاع: أي مع أنّ الأوّل صحيح لكن موضوع الزكاة أوسع من التسعة.

هذا هو الجواب الذي كتبه الإمام، فلو كان الهدف من تصديق المتناقضين هو كون الزكاة في الأُولى واجبة وفي مطلق الحبوب مستحبة كان


1 . مستند العروة:1/141ـ142، كتاب الزكاة.


صفحه115

في وسعه أن يبيّنه بلفظ قالع للشبهة ورافع للحيرة، مع أنّه اقتصر بتصديق المتناقضين، وهذا يعرب عن أنّ الإمام كان بصدد بيان أمر آخر.

وفي المكاتبة الثانية ، حكى الراوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) خلاف ما حكاه عنه في المكاتبة الأُولى حيث نقل عنه أنّه قال في الحبوب كلّها زكاة، وانّ كلّ ما دخل القفيز فهو في حكم الغلاّت الأربع، فعندئذ صدّقه الإمام ووقع: صدقوا، الزكاة في كلّ شيء.

وهذا النوع من الجواب (تصديق المتناقضين في الأُولى) واختيار أحد المتناقضين في الثاني، لا يكون دليلاً على ما استفاده المحقّق الخوئي، من الوجوب في التسعة والاستحباب في غيرها.

بل الحقّ انّ هذا النوع من التكلّم من أفصح الناس وأبلغهم، دليل على اقتران ظرف الجواب بمحذور أو محاذير دفعته إلى هذا النوع من التكلّم المحفوف بالإجمال.

وقد أشار صاحب الحدائق إلى بعض ما ذكرنا فقال:«فلو لم يحمل كلامه على التقية للزم التناقض بين الكلامين، ولو كان الاستحباب مراداً لما خفي على أصحاب الأئمّة المعاصرين لهم، ولما احتاجوا إلى عرض هذه الأخبار على الإمام، و مع تسليم الخفاء عليهم كان الأظهر في الجواب أن يقال: إنّ المراد ممّا ظاهره الوجوب، الاستحباب لا انّه يقرّالسائل على الحصر على التسعة، ومع هذا يوجب عليه إخراج الزكاة فيما عداها.(1)


1 . الحدائق:12/109.


صفحه116

الثالث: حمل ما دلّ على سعة الموضوع على التقية، وأوّل من أشار إليه، هو السيد المرتضى في« الانتصار» حيث إنّه بعد ما نقل الخلاف عن يونس بن عبدالرحمن وابن الجنيد قال: والأخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طريق الشيعة الإمامية معارضة بأظهر وأكثر وأقوى منها ويمكن حملها بعد ذلك على أنّها خرجت مخرج التقية، فإنّ الأكثر من مخالفي الإمامية يذهبون إلى أنّ الزكاة واجبة في الأصناف كلّها.(1)

وممّن أيّد خروج هذه الأخبار مخرج التقيّة صاحب الحدائق حيث قال: الأظهر عندي حمل هذه الأخبار الأخيرة على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كلّ بلية، فإنّ القول بوجوب الزكاة في هذه الأشياء مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف وأحمد كما نقل في «المنتهى».(2)

ويؤيد الحمل على التقية روايات:

1. ما في مرسلة القمّاط(3) من قوله ، فقال : إنّهم يقولون إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما وضع على تسعة لمّا لم يكن بحضرته غير ذلك؟ فغضب وقال: «كذبوا فهل يكون العفو إلاّ عن شيء قد كان» فهو ظاهر في أنّ القول بالتعلّق بمطلق الحبوب كان قولاً مشهوراً عند السنّة.

2. ما روي من التأكيد على عدم التعلّق كما في صحيح زرارة قال:


1 . الانتصار: 210، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

2 . الحدائق:12/108.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3.


صفحه117

سألت أبا جعفر عن صدقات الأموال؟ فقال: «في تسعة أشياء، ليس في غيرها شيء».(1)

وخبر الطيّار حيث إنّ السائل عند ما سأل عن الزكاة من الأُرز، فنهره الإمام وزبره وقال: «أقول لك إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عفا عمّا سوى ذلك وتقول لي إنّ عندنا حبّاً كثيراً أفيه الزكاة؟!».(2)

وسند الرواية وإن كان غير صحيح، لكن مضمونها موجود في رواية علي بن مهزيار(3)، وبذلك يصير خبراً معتبراً.

إلى غير ذلك من الروايات التي تصلح لأن تكون قرينة على صدور الطائفة الأُخرى من باب التقيّة.

في ما يستحبّ إخراج الزكاة منه

أحدها: الحبوب ممّا يكال أو يوزن، كالأُرز، والحمص، والماش، والعدس، ونحوها .

و كذا الثمار كالتفاح، و المشمش، و نحوهما .

دون الخضر و البقول كالقثّ و الباذنجان، و الخيار، و البطيخ، و نحوها.

الثاني: مال التجارة على الأصحّ.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 12.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.


صفحه118

الثالث: الخيل الأُناث دون الذكور، و دون البغال والحمير والرقيق.

الرابع: الأملاك والعقارات التي يراد منها الاستنماء، كالبستان، والخان، والدكّان، ونحوها.

أمّا الحبوب فقد عرفت حال ما دلّ على الزكاة فيها وانّها وردت تقية، فكيف يمكن الحكم فيها بالاستحباب؟ إلاّ من باب الصدقة المطلقة.

وأمّا الثمار: فقد ذكر التفاح والمشمش ونحوهما ممّا لها إمكان البقاء، فإنّ الأوّل إذا جُني قبل نضوجه يبقى مدّة مديدة، والثاني يبقى بالتجفيف، إنّما الكلام في وجود الدليل على تعلّق الزكاة بالثمار، والفواكه، فإنّ العناوين الواردة في روايات الطائفة الثانية الموسِّعة لموضوع الزكاة لا يتجاوز عن الأُمور التالية:

1. الحبوب.

2. كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة.(1)

3. كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة والشعير والتمر والزبيب.(2)

4. الصدقة في كلّ شيء ممّا أنبتت الأرض.

5. الخضر.

أمّا الأوّل فالثمار ليست منها قطعاً.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث3، 1، 6.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.


صفحه119

وأمّا الثاني والثالث، فالثمار تباع بالوزن أو بالعدّ، أو بالمشاهدة لا بالكيل مطلقاً الذي منه القفيز.

وأمّا الرابع فالمتبادر «ممّا أنبتت» هو الحرث، لا الأشجار فثمرة الأرض هي نباتها وثمرة الشجر، هي الفواكه فلا يطلق على ثمار الأشجار أنّه ممّا أنبتت الأرض وإن كان حسب الدقة ممّا أنبتته الأرض، ولذلك عطف الإمام في صحيحة زرارة «الفواكه»، على ما أنبتته الأرض، مشعراً بمغايرتهما وقال: «ليس في شيء أنبتت الأرض من الأُرز والذرّة، والدخن والحمص، والعدس وسائر الحبوب والفواكه...».(1) بناءً على عطف الفواكه على «شيء».

وفي صحيحة أُخرى له: «جعل رسول الله الصدقة في كلّ شيء أنبتت الأرض، إلاّ ما كان من الخضر والبقول وكلّ شيء يفسد من يومه». (2) فإنّ الاستنباط ظاهر في كون المستثنى منه، من سنخه وهو الحرث والنبات النابت من الأرض الموضوع عليها أو المرتفع عنها بقليل.

نعم ورد في روايتين (3)، عدّ الحنطة والشعير والزبيب والتمر ممّا أنبتت الأرض، لكن الإطلاق من باب التغليب، أي وصف الثمرتين بما يوصف به الأصفران من كونهما من نبات الأرض.

فما جنح إليه الفقيه الهمداني من أنّه لا يبعد دعوى خروج ثمر الأشجار


1 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 9.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 6.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما تجب فيه الـزكاة، الحديـث 14; والبـاب 9 منـه ، الحديث 8.


صفحه120

عن منصرف إطلاق ما أنبتته الأرض متين(1)، ودعوى شموله لها، (2) غير واضح.

فتبيّن أنّه لا دليل على وجوب الزكاة أو استحبابه في الثمار.

وأمّا الخضر، فلا يطلق على ثمار الأشجار، وعلى فرض الإطلاق فهو منصرف عن الثمار.

إلى هنا تبين حكم الحبوب والثمار، بقي حكم الخضر بما هوهو من غير تقييد بالثمار، فنقول:

قد تضافرت الروايات على عدمها في الخضر ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)أنّه سئل عن الخضر فيها زكاة وإن بيعت بالمال العظيم؟ فقال: «لا، حتى يحول عليه الحول».(3) والضمير يرجع إلى المال العظيم أي النقدين.

***

الثاني: أعني استحباب الزكاة في التجارة، فقد تكلّمنا فيه في الفصل الخامس المختص بما يستحب فيه الزكاة فراجع.(4)

الثالث: استحباب الزكاة في الخيل الإناث دون الذكور، روى محمد بن


1 . مصباح الفقيه: 13 / 111، كتاب الزكاة.

2 . مستند العروة: 1 / 142، كتاب الزكاة.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.

4 . راجع الزكاة في الشريعة الإسلامية: 1 / 493 .


صفحه121

مسلم وزرارة عنهما (عليهما السلام) قالا:«وضع أمير المؤمنين (عليه السلام) على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».(1)

والعتاق جمع العتيق، و المراد به كريم الأصل وهو ما كان أبواه عربيين، والبرذون ـ بكسر الباء ـ خلافه.

ولأجله يذم الشاعر: «برذون» أبا عصام بأنّه ليس فرساً، وإنّما هو حمار دق باللّجام ويقول:

كإن برذون أبا عصـام *** زيد، حمار دُقَّ باللجام

وروى زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) هل في البغال شيء؟ فقال: «لا» فقلت: فكيف صار على الخيل ولم يصر على البغال؟ فقال: «لأنّ البغال لا تلقح والخيل الإناث ينتجن وليس على الخيل الذكور شيء». قال: قلت: فما في الحمير؟ فقال: ليس فيها شيء. قال: قلت: هل على الفرس أو البعير يكون للرجل يركبهما شيء؟ فقال: «لا، ليس على ما يعلف شيء ،إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، فأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء». (2)

أقول: المرج ـ بالجيم ـ : المرعى.

وإنّما حملت هاتان الروايتان على الاستحباب مع أنّ ظاهرهما الوجوب لما تقدّم من انتفاء الوجوب عن ما سوى الأصناف التسعة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 16 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.


صفحه122

واحتمل بعضهم انّ هذه الزكاة كانت تؤخذ في عصر الإمام علي (عليه السلام)من أموال المجوس يومئذ جزية أو عوضاً عن انتفاعهم بمراعي المسلمين. وظاهر الخبر الثاني يدفعه كما نبّه بذلك في الحدائق.(1)

***

الرابع: الأملاك والعقارات التي يراد منها الاستنماء كالبستان والدكان ونحوها. وليس له دليل صالح وإلحاقه بالتجارة غير معلوم، لأنّها عبارة عن تبادل الأموال بعقود مختلفة من البيع، والإجارة، والرهن والجعالة، وأمّا المقام فالأموال ثابتة ويراد منها الاستنماء والاستغلال.


1 . الحدائق: 12/152.


صفحه123

الرسالة الحادية والعشرون

في شرطية السوم

دون اعتبار عدم العمل


صفحه124

صفحه125

في شرطية السوم دون اعتبار عدم العمل   

الحمدلله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد النبيين ، وآله الطاهرين، وأصحابه المنتجبين إلى يوم الدين.

أمّا بعد، فالذي دعاني إلى تأليف هذه الرسالة ـ بعد ما انتهيت من إلقاء محاضرات في مسائل الزكاة ـ هو وقوفي على فتوى لبعض أعاظم العصر وأجلاّئه ـ دام ظله الوارف ـ تدور حول إلغاء شرطية السوم في تعلّق الزكاة بالأنعام الثلاثة والاقتصار بمانعية العمل، فصارت النتيجة هو تعلّق الزكاة بالأنعام الثلاثة مطلقاً سائمة كانت أم معلوفة إلاّ إذا كانت عوامل فلا تتعلق بها، ومن المعلوم أنّ العمل من خصائص الإبل والبقر فقط، فتكون النتيجة وجوب الزكاة في الغنم بكلا قسميه، وهكذا الإبل والبقر مطلقاً إلاّ إذا كانا عوامل.

فاغتنمت الفرصة لدراسة الموضوع بنظرة ثاقبة وجرّدت نفسي عمّا اخترته في السابق من الرأي، فإنّ الحقّ هو منشودي الأعلى، ومقصودي الأسنى، سواء أوافق نظري السابق أم خالفه، فالحقّ أحقّ أن يتبع أينما وجد، وكتبت حصيلة دراستي وتفكيري في الموضوع، وقدمته إلى سدنته، عسى أن يقع موضع القبول. وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً ثلاثة:


صفحه126

 

الأوّل: اقتصار المتقدمين على شرط واحد

يظهر من كلمات غير واحد من الفقهاء المتأخرين أنّه يشترط في تعلق الزكاة بالأنعام أُمور أربعة:

1. النصاب، 2. الحول، 3. السوم، 4. عدم العمل.

وعلى هذا فالسوم، وعدم العمل شرطان مستقلان ولكن المتقدمين من أصحابنا اقتصروا على شرط واحد وهو السوم فقالوا بشرطية السوم وعدم تعلق الزكاة بالمعلوفة، من دون أن يخوضوا في الشرط الرابع، وعلى هذا فالزكاة تتعلق بالأنعام الثلاثة إذا كانت سائمة، لا معلوفة وأمّا العوامل، فعدم تعلقها بها ليس لأجل كون العمل بما هوهو مانعاً من التعلق، بل لأجل كونه ملازماً للتعليف في المعاطن وغيرها، وذلك لأنّ الماشية على قسمين والغرض منها أحد أمرين:

1. الدرّ والنسل، فمثلها تُرسَل إلى الصحراء للرعي ولا تُربط في المِعْلَف وربما لا يراها المالك عدّة شهور.

2. ما يقصد به العمل، كالركوب، والنضح ونقل الأمتعة، فمثلها تُربط في المعاطن وتُعلف لتكون في متناول المالك متى شاء و يندر فيها السوم، ويغلب عليه التعليف، فلو استثنيت العوامل فلأجل كونها فاقدة للشرط أي السوم، لما عرفت من الملازمة العرفية بين العمل والتعليف، لا لكون العمل بما هوهو مانعاً.


صفحه127

هذا ما يستفاد من كلمات المتقدمين المقتصرين على شرط واحد وهو السوم، من دون أن يذكروا العمل ولنستعرض نماذج من نصوصهم:

1. قال المفيد (336ـ 413 هـ): فأمّا الأنعام فإنّما تجب الزكاة فيها على السائمة إذا حال عليها الحول.

وقال في باب «حكم الخيل في الزكاة» وتُزكّى العتاق الإناث السائمة والبراذين السائمة سنة غير فريضة، لما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)أنّه وضع على الخيل العتاق، والإناث السائمة عن كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين السائمة الإناث، في كلّ عام ديناراً.(1)

2. وقال الشيخ الطوسي (385ـ 460 هـ) في «النهاية»: وأمّا الإبل والبقر والغنم فليس في شيء منها زكاة إلاّ إذا كانت سائمة ويكون قد حال عليها الحول فصاعداً، فأمّا المعلوفة منها فليس في شيء منها زكاة على حال ـ إلى أن قال : ـ وأمّا الخيل ففيها الزكاة مستحبة إذا كانت سائمة، فإذا كانت معلوفة فليس فيها شيء.(2)

3. وقال في «المبسوط »: شرائط وجوب زكاة الإبل أربعة: الملك والنصاب والسوم وحؤول الحول.(3)

4. وقال سلار (المتوفّى 463 هـ) عند بيان الشروط .

أحدها السوم، والثاني التأنيث، وكلاهما يعتبر في النعم. ولا تجب في


1 . المقنعة:246.  

2 . النهاية:177.

3 . المبسوط:1/191.


صفحه128

المعلوفة زكاة ولا في الذكورة، بالغاً ما بلغت. (1) وما ذكره من اشتراط الأُنوثة لم يوافقه أحد، وفي رواية ابن أبي عمير إلماع إلى اشتراط الأُنوثة في خصوص الإبل وسيوافيك الكلام فيها، قال: كان علي (عليه السلام)لا يأخذ من جمال العمل صدقة، كأنّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليها.(2)

5. وقال ابن البراج (400ـ 481 هـ ): «ليس تجب زكاة الإبل إلاّ بشروط: الملك، والسوم، والنصاب، وحلول الحول» وذكر نفس هذه الشروط في زكاة البقر والغنم.(3)

6. وقال ابن زهرة (511ـ 585 هـ): وشرائط وجوبها في الأصناف الثلاثة من المواشي أربعة: الملك، والحول، والسوم، وبلوغ النصاب.(4)

7. وقال ابن إدريس(539ـ 598 هـ) : لا تجب الزكاة في الإبل إلاّ بشروط أربعة: الملك والنصاب والسوم وحؤول الحول، وكذلك في البقر والغنم. ثمّ قال: الأظهر أن يزاد في شروط الإبل والبقر، والغنم شرطان آخران، هما: إمكان التصرف بلا خلاف بين أصحابنا، وكمال العقل.(5)

8. وقال الكيدري (المتوفّى 600 هـ) في الأصناف الثلاثة من المواشي أربعة شروط: الملك والحول والسوم وبلوغ النصاب.(6)


1 . المراسم العلوية:139.

2 . الوسائل: ج6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث4.

3 . المهذب:1/161، 163، 164.    

4 . الغنية:119.

5 . السرائر:1/432.

6 . إصباح الشيعة: 108، كتاب الزكاة، في شرائط وجوبها.


صفحه129

9. وقال ابن سعيد الحلي (601ـ 690 هـ): وأمّا الإبل فشروط الزكاة فيها الملك والسوم والحول ثمّ قال: وأمّا البقر فشروط الزكاة فيها مثل شروط الإبل، إلى أن قال: وأمّا الغنم فشروط الزكاة فيها مثل الإبل والبقر.(1)

هذه تسعة نصوص من نصوص فقهائنا القدامى الذين اقتصروا على شرط واحد وهو السوم ولم يذكروا عن مانعية العمل شيئاً.

وبما أنّ سيرة قسم منهم هو الاقتصار على الفقه المنصوص يمكن القول بأنّ المشهور عند أصحاب الأئمة هو شرطية السوم ومانعية التعليف، وأمّا عدم كون الماشية عاملة فليس شرطاً مستقلاً وإنّما هو لأجل الملازمة العرفية بين العمل و التعليف، إذ قلّما يتّفق أن تكون الإبل والبقر عاملة ومع ذلك سائمة، فإنّ العمل يستوجب أن تكون الماشية تحت متناول المالك وفي حظيرته لا بعيدة عنه، سائمة في الصحراء.

نعم يظهر من الشيخ في الخلاف والمحقق في الشرائع أنّ عدم العمل شرط برأسه وراء كون السوم شرطاً. قال في الخلاف: لا تجب الزكاة في الماشية حتّى تكون سائمة للدر والنسل، فإن كانت سائمة للانتفاع بظهرها وعملها فلا زكاة فيها.(2) ترى أنّه عدّ العمل مانعاً من تعلّق الزكاة مع كون الماشية سائمة.

وقال في الشرائع: الشرط الثاني السوم ـ إلى أن قال: ـ الشرط الرابع: أن لا تكون عوامل، فإنّه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة.(3)


1 . الجامع للشرائع:126ـ 129.  

2 . الخلاف:2 / 51 ، كتاب الزكاة، المسألة 61.

3 . الشرائع:1/110.


صفحه130

وقال في الجواهر بعد قول المحقّق «فإنّه ليس في العوامل زكاة ولو كانت سائمة» قال: بلا خلاف أجده بل الإجماع بقسميه عليه.(1)

أقول: لو كان مصبّ الإجماع عدم تعلقها بالعوامل فهو صحيح، لما عرفت من الملازمة العادية بين العمل و التعليف، وأمّا لو كان مصبّه عدم تعلّقها بها وإن كانت سائمة، فهو كما ترى ضرورة خلو كلمات الأصحاب إلى عصر المحقق من هذا الشرط إلاّ ماعرفت من الخلاف.

هذا وأمّا موقف أهل السنّة من هذين الشرطين فإليك بيانه:

الثاني: موقف فقهاء السنّة من الشرطين

1. قال الخرقي في مختصره: «وليس فيما دون خمس من الإبل سائمة صدقة».

2. وقال: «وفي ذكر السائمة احتراز من المعلوفة والعوامل فإنّه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك في الإبل النواضح والمعلوفة، الزكاة لعموم قوله(عليه السلام): «في كلّ خمس شاة».(2) ترى أنّه جعل قيد السائمة احترازاً عن العوامل، للملازمة العرفية بينها و بين العاملة، وعلى ذلك يكون عطف العوامل على المعلوفة من قبيل عطف الخاص على العام.

3. وقال في الخلاف: وقال مالك: تجب في النعم الزكاة سائمة كانت أو غير سائمة، فاعتبر الجنس. قال أبو عبيد: وما علمت أحداً قال بهذا قبل مالك.


1 . الجواهر:15/120.  

2 . المغني:2/441.


صفحه131

وقال الثوري مثل قول أبي عبيد، الحكاية.(1)

الثالث: دراسة الروايات الواردة في المقام

قد عرفت أنّ المتقدمين من الأصحاب ذهبوا إلى أنّ هنا شرطاً واحداً وهو السوم ولا يجب في غير السائمة، نعم ظهر القول بتعدد الشرط منذ عصر المحقّق ومن تلاه، كما عرفت اتّفاق فقهاء السنة على شرطية السوم في التعلق، وأنّه لم يقل بتعلّقها بالمعلوفة إلاّ مالك وقد تبع مشايخه كربيعة ومكحول و قتادة.

ثم هل المتبادر من الروايات توفر شرط واحد وهو السوم، أو توفر شرطين وهما وراء السوم، عدم كونها عاملة؟ وهذا ما ندرسه تالياً.

إذا عرفت ذلك فلنذكر الروايات:

1. صحيحة الفضلاء الخمسة: زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وبريد العجلي والفضيل عن أبي جعفر و أبي عبد الله(عليهما السلام)في حديث زكاة الإبل، قال:

«وليس على العوامل شيء إنّما ذلك على السائمة الراعية».(2)

2. صحيحة الفضلاء الخمسة: عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام)في حديث زكاة البقر، قال:


1 . الخلاف: 2 / 52 ، كتاب الزكاة، المسألة 61.

2 . الوسائل: ج 6، الباب8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


صفحه132

«ولا على العوامل شيء إنّما الصدقة على السائمة الراعية».(1)

3. صحيحة الفضلاء الخمسة: عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)قالا:

«ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء إنّما الصدقات على السائمة الراعية».(2)

أقول: الحديث الأوّل كان حول الإبل، والحديث الثاني كان حول البقر، والحديث الثالث حول كليهما حيث جمع بين الإبل والبقر، فهل الجمع من الإمام فيكون حديثاً ثالثاً أو من الفضلاء فلا يكون حديثاً مستقلاً ؟

والذي يهمّنا في هذه الأحاديث الثلاثة هو بيان أمرين:

الأوّل: انّ الإمام جعل السائمة في مقابل العوامل، وما ذلك إلاّ لأجل أن الغالب عليها هو عدم السوم، فلو لم تكن الزكاة دائرة مدار السوم وعدمه فلا معنى للتقابل.

الثاني: انّ الإمام جعل الضابطة في آخر الحديث هو السوم و قال: «إنّما ذلك على السائمة الراعية»، وهذا يدلّ على أنّ الميزان هو السوم.

4. ويقرب من هذا صحيحة زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)هل على الفرس والبعير يكون للرجل يركبها شيء؟ فقال: لا، ليس على ما يعلف شيء إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها، عامها الذي يقتنيها فيه الرجل، وأمّا ما سوى ذلك فليس فيه شيء.(3)


1 و 2 . الوسائل: ج 6، الباب8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 2، 5.

3 . الوسائل: ج 6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3 .


صفحه133

وجه الدلالة على أنّ الشرط هو السوم وانّ عدم تعلّق الزكاة بالعامل لأجل الملازمة بينها و بين التعليف، هو أنّ السائل سأل عن الفرس و البعير المركوبين، وأجاب الإمام بأنّه ليس على ما يُعلف شيء و إنّما الصدقة على السائمة، فلو كان للعمل موضوعية ومانعية لكان على الإمام أن يجيب بأنّه ليس على المركوب شيء ولكنّه(عليه السلام)يجيبه بأنّه «ليس على ما يعلف شيء»، وهذا دليل على أنّ عدم تعلّقها بالمركوب لأجل كونها معلوفة لا عاملة.

ثمّ إنّ الإمام أشار إلى الضابطة الكلية وقال: «إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها» ومن المعلوم أنّ السائمة المرسلة في المرج لا تعد للركوب ولا للنضح ولا للنقل إذ تكون خارجة عن متناول يد المالك حتّى يستعملها في هذه الموارد.

نعم ربما يتبادر من بعض الروايات التالية كون العمل مانعاً عن تعلق الزكاة برأسه وإن كانت الماشية سائمة .

5. ما رواه ابن أبي عمير في حديث قال: كان علي (عليه السلام)لا يأخذ من جمال العمل صدقة، كأنّه لم يحب أن يؤخذ من الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليها.(1)

يلاحظ عليه : بأنّ لفظ الإمام ينتهي عند قوله:«لا يأخذ من جمال العمل صدقة» وليس في كلامه إشارة إلى ما هو السبب من عدم الأخذ فهل هو التعليف كما استظهرناه، أو لكون العمل مانعاً مستقلاً؟

وأمّا ما ذكره ابن أبي عمير من قوله: «كأنّه لم يحب أن يؤخذ من


1 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 4 .


صفحه134

الذكورة شيء، لأنّه ظهر يحمل عليها» فهو استنباط شخصي من الراوي من شرطية الأُنوثة، ومانعية العمل.

6. موثقة زرارة عن أحدهما قال: «ليس في شيء من الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم.

وكلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل فليس فيها شيء».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث على المطلوب أدل، لأنّه يقسم الأنعام إلى أقسام ثلاثة:

1. السائمة في الصحراء المرسلة في مرجها، وهذا هو المراد من قوله: «الإبل والبقر والغنم».

2. الدواجن و الأنعام الأهلية التي تُربّى في المنازل.

3. العوامل التي تُعلف عليها في المعطِن والمِعْلف وعدم التعلق بالأخيرين لكونها معلوفة .

هذه روايات الباب التي يمكن أن تكون مستنداً لأحد الرأيين.

نعم هناك روايات تدلّ على تعلق الزكاة بالعوامل وقد رواها إسحاق بن عمّار.(2) وقد حملها الشيخ على الاستحباب فلاحظ.

هذا دراسة ما رواه صاحب الوسائل، وأمّا ما ورد في غيرها فهو أيضاً


1 . الوسائل: ج 6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث7 .

2 . الوسائل: ج 6، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 8 .


صفحه135

يدعم موقفنا في المسألة، وأنّ هنا شرطاً واحداً وهو السوم.

روى القاضي النعمان (المتوفّى 363 هـ) عن جعفر بن محمد انّه قال: الزكاة في الإبل والبقر والغنم السائمة يعني الراعية.(1)

ثمّ لو غضضنا النظر عن كلّ ذلك، فنقول: إنّ العمل يتصوّر في الإبل والبقر فلو قلنا بمانعية العمل فإنّما يمنع في خصوصهما، وأمّا الغنم فالموضوع فيه منتف ويرجع فيه إلى ما تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من قولهم: «في أربعين من الغنم السائمة شاة» على القول بمفهوم الوصف.

قال المحقّق الأردبيلي (المتوفّى 993 هـ): وما رأيت في أخبارنا في الغنم شيئاً بخصوصه لعلّ العمومات (مثل قولهم(عليهم السلام): إنّ الصدقات على السائمة الراعية) المذكورة تشمله، لأنّ الاعتبار باللفظ ولا يخصصه خصوص السبب كما ثبت في الأُصول، والإجماع وعدم القول بالواسطة ورواية العامة تؤيده.(2)

ومقصوده من رواية العامة ما رواه أبو داود في سننه عن كتاب النبي الذي بعث مصدقه به وفيه: «وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة».(3)

والعجب انّ المحقّق الأردبيلي لم يقف على الحديث الوارد من طرقنا في خصوص الغنم السائمة وهي موثقة زرارة، قال: سألت أبا جعفر عن


1 و 2 . مجمع الفائدة والبرهان:4/54.

3 . سنن أبي داود:2/97، باب زكاة السائمة برقم1567; صحيح البخاري:2/146; سنن الدارقطني: 2 / 114 ; وسنن البيهقي:4/100.


صفحه136

صدقات الأموال، فقال: «في تسعة أشياء ليس في غيرها شيء: في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والإبل والبقر والغنم السائمة هي الراعية، وليس في شيء من الحيوان غير هذه الثلاثة أصناف شيء، وكلّ شيء كان من هذه الثلاثة أصناف فليس فيه شيء حتّى يحول عليه الحول منه يوم ينتج».(1)

والسند موثق لوجود علي بن الحسن بن فضال في السند.

إلى هنا تبين أنّ الإمعان في الروايات يثبت بأنّه ليس هنا إلاّ شرطاً واحداً وهو السوم، وأنّ العمل ليس بمانع وإنّما يمنع لأجل كونه معلوفاً غالباً.

وعلى فرض التسليم فالعمل إنّما يمنع في الإبل والبقر وإن كانت سائمة وأمّا الغنم فمقتضى ما دلّ على شرطية السوم مطلقاً وخصوص الموثقة هو التفصيل بين السائمة والمعلوفة، فتتعلق الزكاة بالأُولى دون الثانية.

إذا عرفت ما ذكرنا من الأُمور الثلاثة فحان دراسة الدليل والوجوه المؤيّدة التي تمسك بها بعض الأعاظم على إنكار شرطية السوم والأخذ بمانعية العمل بما هوهو، وهي وجوه ستة مع وجه سابع أسماه احتياطاً نذكرها واحداً تلو الآخر.

دراسة دليل بعض الأعاظم و الوجوه المؤيّدة

1. قال ـ مُدَّت ظلاله الوارفة ـ في اشتراط السوم إشكال قوي وإن كان


1 . الوسائل: ج 7، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه، الحديث9.


صفحه137

ظاهرَ الأصحاب، لظهور روايات الباب في اشتراط أن لا تكون عوامل.

وأمّا كونها سائمة فهو من اللوازم القهرية لعدم كونها عوامل لعدم الداعي إلى إبقائها في حظائرها حينئذ عادة بل تسرح في مرجها وتساق إذا ساعدت الظروف، وهذا المقدار غير كاف في إثبات الاشتراط ويؤيد ما ذكرناه أُمور:

1. عدم ذكر هذا الشرط في صحيحة الفضلاء في الغنم، بل ذكر في الإبل والبقر فقط.

2. عدم ذكر المعلوفة مستقلة في الروايات بل انضمنت إلى العوامل.

3. ابتدأ حول السخال من حين النتاج مع أنّها ليست بسائمة.

4. عدم الأكولة من النصاب مع أنّها معلوفة غالباً.

5. عدم وقوع السؤال عن المعلوفة وغيرها في آداب المصدِّق.

6. خروج غالب الأنعام من حكم الزكاة بناءً على اشتراطها.

فالأحوط الزكاة في المعلوفة أيضاً والظاهر انّ مستند المجمعين أيضاً الروايات السابقة التي لا تدلّ على مختارهم.(1)

فلندرسها واحداً تلو الآخر.

أمّا الدليل فقد ادّعي فيه ظهور روايات الباب في اشتراط عدم كونها عوامل وأمّا كونها سائمة فهي من اللوازم القهرية لعدم العمل.


1 . تعليقات على العروة الوثقى:330.


صفحه138

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الموضوع لعدم تعلّق الزكاة هو عدم العمل فاللازم في مقام الإجابة، هو التركيز على عدم العمل من دون حاجة إلى ذكر السوم مع أنّا نرى أنّ الأمر على العكس ففي الروايات الثلاثة الأُول يقول الإمام: «وليس على العوامل شيء إنّما ذلك على السائمة الراعية»، فإذا كان العمل مانعاً من تعلق الزكاة من دون مدخلية للسوم والعلف في تعلقها فذكر الضابطة، أعني قوله : «وإنّما الصدقة على السائمة الراعية» يُصبح أمراً لغواً وإن كان عدم العمل يلازم السوم في المرج.

وإن شئت قلت: إذا كان تمام الموضوع للتعلّق هو عدم العمل فكان اللازم في مقام الإجابة أن يركِّز الإمام على ما هو الموضوع للتعلّق مع أنّا نرى أنّ الإمام يتجاوز عن ذلك ويعطي ضابطة كلية ويقول: إنّما الصدقة على السائمة الراعية، فهذا يدلّ على أنّ الأمر على العكس وأنّ الميزان هو السوم وانّ عدم التعلق بالعوامل لأجل كونها معلوفة غالباً.

وأوضح من ذلك صحيحة زرارة، فإنّ الراوي فيها يسأل عن الفرس و البعير المركوبين، والإمام مكان التركيز على عدم تعلّقه بالمركوب يجيب بقوله: «ليس على ما يعلف شيء، إنّما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها»، فالسؤال إنّما هو عن العوامل ولكن الإجابة بالتعليف وعدمه. وهذا يشهد على أنّ المحور السوم والتعليف لا الركوب وعدمه. وأمّا ما ذكره من المؤيدات فإليك تحليلها.

ثمّ إنّه دام ظله أيّد مقاله بأُمور ستة:


صفحه139

 

المؤيّد الأوّل: عدم ذكر السوم في صحيحة الفضلاء في الغنم،
بل ذكر في الإبل والبقر فقط .

يلاحظ عليه: بأنّ لفضلاء أصحاب الصادقين روايات ثلاث:

الأُولى: ما صدرت الرواية بنفس الإبل واتّخذته موضوعاً للبحث حوله، فقالا: في صدقة الإبل: في كلّ خمس شاة إلى أن تبلغ خمساً وعشرين فإذا بلغت ذلك، ففيها ابنة مخاض ـ إلى أن قالا بعد ذكر اثني عشر نصاباً للإبل ـ : «وليس على النيّف شيء، ولا على الكسور شيء، وليس على العوامل شيء، إنّما ذلك على السائمة الراعية».(1)

الثانية: ما اتخذت البقرة موضوعاً لبيان أحكامها، قالا: «في البقر في كلّ ثلاثين بقرة تبيع حولي وليس في أقل من ذلك شيء، وفي أربعين بقرة، بقرة مسنّة ـ وبعد ما أنهيا الكلام في نصاب البقر ـ قالا: وليس على النيف شيء، ولا على الكسور شيء ولا على العوامل شيء، إنّما الصدقة على السائمة الراعية».(2)

الثالثة: ما اتخذت الإبل والبقر معاً موضوعاً، فقالا: «ليس على العوامل من الإبل والبقر شيء إنّما الصدقات على السائمة الراعية».(3)

وقد نقل صاحب الوسائل الروايتين الأُوليين بتلخيص كثير واقتصر


1 . التهذيب: 4 / 22 ، باب زكاة الإبل، الحديث4.

2 . التهذيب: 4 / 24 ، باب زكاة البقر، الحديث1.

3 . التهذيب: 4 / 41 ، باب وقت الزكاة، الحديث15.


صفحه140

على ما يهم الباب ثمّ نقل الثالثة.(1) وقد سبق منّا انّ الحديث الثالث ليس حديثاً مستقلاً بل جمع بين الحديثين إمّا من الإمام أو من الرواة.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ عدم ذكر هذا الشرط في الغنم في صحيحة الفضلاء لأجل أنّ الموضوع في الأُولى من بدء الحديث إلى ختامه هو بيان نصاب الإبل، وفي الثانية هو البقر لا نصاب الغنم، وقد انجرّ كلامه بعد بيان الانصاب إلى ذكر أُمور يرتبط بهما وهو العوامل، فعدم مجيء هذا الشرط في الغنم في الصحيحة لأجل كون البحث فيهما مركزاً على الإبل والبقر، وما يختصّ بهما من العمل فلا يعدّ عدم الذكر دليلاً على عدم الاشتراط.

أضف إلى ذلك أنّك قد عرفت أنّ الإمام قد صرّح في الغنم بشرطية السوم ففي موثقة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «والغنم السائمة وهي الراعية».(2)

فبعد هذا التصريح في خصوص الغنم تكون النتيجة التصريح بشرطية السوم في الأنعام الثلاثة الإبل والبقر في صحيحة الفضلاء باعتراف المستدلّ والغنم في موثقة زرارة.

المؤيّد الثاني: عدم ذكر المعلوفة مستقلة في الروايات بل منضمّة إلى العوامل

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو السائمة وقد ركز الإمام على بيانها في صحيحة الفضلاء، فقال في المواضع الثلاثة: «إنّما الصدقة على السائمة


1 . لاحظ الوسائل: ج 7، الباب7 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1، 2 ، 5.

2 . الوسائل: ج 6، الباب8 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث9.


صفحه141

الراعية» على وجه الحصر، وهذا يدلّ على عدم الصدقة في المعلوفة تارة لأجل الحصر بـ «إنّما»، وأُخرى لأجل دلالة الوصف «السائمة الراعية»، وهذا يكفي في بيان الحكم.

وبعبارة أُخرى: فالواجب هو التصريح بموضوع الوجوب وهي السائمة، وأمّا التصريح بموضوع عدم الوجوب فلا ملزم له، وعلى فرض تسليم الالزام يكفي الإشارة إليه بأداة الحصر أولا و مفهوم الوصفين (السائمة، الراعية) ثانياً.

المؤيّد الثالث: ابتدأ حول السخال من حين النتاج مع أنّها ليست بسائمة

المراد من السخلة في المقام ولد الأنعام الثلاثة مطلقاً ولو مجازاً، فقد اتفقت كلمتهم على أنّ السخال لا تعد مع الأُمهات، بل لكلّ منهما حول بانفراده وقد وصفه في الجواهر بقوله: بلا خلاف أجده بل الإجماع في محكي الخلاف و المنتهى والانتصار وغيرها عليه. مضافاً إلى ظهوره من النصوص السابقة في مسألة ابتداء حولها.

إنّما الكلام في مبدأ حولها، فهل المبدأ حين النتاج والولادة، أو بعد استغنائها بالرعي؟ فيه قولان: أحدهما: إنّ المبدأ هو وقت النتاج، مستدلاً بموثقة زرارة قال: عن أحدهما (عليهما السلام): «ليس في الحيوان زكاة غير هذه الأصناف الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، وكلّ شيء من هذه الأصناف من الدواجن والعوامل فليس فيها شيء، و ما كان من هذه الأصناف فليس فيها


صفحه142

شيء حتّى يحول عليها الحول منذ يوم تُنتج».(1)

يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ السند يشتمل على فطحيين هما: علي بن الحسن في صدر السند، وعبد الله بن بكير في أثنائه.

وثانياً: أنّ الرواية نقلها الشيخ بسند آخر عن زرارة مجردة عن الذيل(منذ يوم تنتج) قال: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ليس في صغار الإبل والبقر والغنم شيء إلاّ ما حال عليه الحول عند الرجل، وليس في أولادها شيء حتّى يحول عليه الحول».(2)

وثالثاً: لو افترضنا العمل بالرواية فنقول: إنّ السخلة قبل التمكن من الرعي ليست بسائمة ولا معلوفة، فلو دلّ الدليل على اشتراط السائمة فإنّما يدلّ على ما إذا كان الحيوان قابلاً للسوم والتعليف والسخلة التي تعيش بلبن الأُمّ لا سائمة ولا معلوفة فلا يضرّ عدّها من النصاب باشتراط السوم في تعلق الزكاة، لأنّ الشرط مختص بما يقدر عليه دون مالا يقدر.

رابعاً: أنّ الموضوع هي السائمة فإذا كان أيّام الرضاع أيّاماً قليلة فبالاستغناء عن الرضاع إذا أرسلت إلى الرعي في الصحراء يصدق عليها أنّها سائمة.

يقول المحقّق الأردبيلي: الاعتبار بالتسمية وليس في الأخبار اعتبار طول السنة صريحاً، وقد مرّ أنّ المعتبر هو التسمية، وليس ذلك ببعيد لأنّها


1 . الوسائل: ج 6، الباب9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث4.

2 . التهذيب: 4 / 42 ، باب وقت الزكاة، الحديث20; الوسائل: ج 6، الباب9 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث5.


صفحه143

غير معلوفة يقيناً، وانّ زمان الرضاع الذي لا ترعى أيضاً قليل، وانّ السوم والعلف إنّما يعتبر في زمان يصلح لذلك، فالظاهر صدق الاسم.(1)

هذا كلّه على فرض العمل بالرواية، غير أنّ لفيفاً من المحقّقين، كالمحقّق والعلاّمة وأكثر المتأخّرين طرحوا الرواية وقالوا بأنّ ابتداء الحول من حين استغناء السخال عن اللبن بالرعي.

يقول العلاّمة: ولا تعد السخال إلاّ بعد استغنائها بالرعي.(2)

وقال في المختلف: لا تعد السخال مع الأُمّهات بل لها حول بانفرادها، وهل يعتبر الحول من حين الانتاج أو من حين السوم؟ الأقرب الثاني، والمشهور الأوّل. لنا: انّ الشرط السوم فلا تعد قبله، وقد ورد في صحيحة الفضلاء إنّما الصدقات على السائمة الراعية.

ثمّ ذكر احتجاج الشيخ وابن الجنيد وأتباعهما بموثقة زرارة، وأجاب عنه بقوله:

1. المنع من صحّة السند.

2. وبأنّ كون الحول غاية فإنّه لا ينافي ثبوت غاية أُخرى للحديث الصحيح الذي ذكرناه (يريد صحيحة الفضلاء).(3)

فظهر من ذلك أنّ المسألة مورد اختلاف، وعلى فرض العمل بالرواية


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/60.

2 . مجمع الفائدة والبرهان ، قسم المتن:4/58.

3 . مختلف الشيعة:3/168.


صفحه144

لا ينافي اشتراط السوم، لأنّ الشرط راجع إلى الحيوان القابل للتعليف والسوم أوّلاً، وقلة الزمان الفاصل يكفي في صدق السائمة ثانياً.

المؤيّد الرابع: عدّ الأكولة من النصاب مع أنّها معلوفة غالباً

يلاحظ عليه : أنّ المؤيد مخدوش صغرى وكبرى.

أمّا الصغرى فإنّ الأكولة تفسر تارة بالشاة التي تعزل للأكل وتُسمَّن، ويكره للمصدِّق أخذها.(1) وأُخرى بالتي ترعى للأكل.(2) و مع ذلك فكيف يفسر بالأوّل؟

وأمّا الكبرى فليس بمورد اتفاق قال العلاّمة في الإرشاد: ولا تعد الأكولة ولا فحل الضراب من النصاب مستدلاً بصحيحة عبد الرحمن بن حجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: ليس في الأكيلة ولا في الربى التي تربي اثنين ولا شاة لبن ولا فحل الغنم صدقة.(3)

وأمّا من قال بعدّها من النصاب فقد حمل قوله: «ليس في الأكيلة» على عدم الأخذ لا على عدم العدّ مستدلاً بموثقة سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا تؤخذ الأكولة الكبيرة من الشاة تكون في الغنم ولا والدة ولا كبش الفحل».(4) ولا منافاة بين الحديثين حتّى يحمل الأوّل على الثاني، فالأكولة لا تعد ولا تؤخذ .


1 و 2 . تاج العروس: 14 / 23، مادة «أكل» .

3 . مجمع الفائدة، قسم المتن: 4/58.

4 . الوسائل: ج 6، الباب10 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث2.


صفحه145

وحصيلة الكلام: أنّ الروايات تضافرت من قبل الفريقين على شرطية السوم في تعلق الزكاة، فرفع اليد عن الإطلاقات المتضافرة في كتب الفريقين بهذين الفرعين اللّذين وقع فيهما النقاش أمر غير تام، بل الأولى التمسك بالمطلقات المتضافرة والقضاء في هذا الفرع بمقتضاها.

المؤيّد الخامس: عدم وقوع السؤال عن المعلوفة وغيرها في آداب المصدق

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّه ورد آداب المصدق في روايتين.

إحداهما: ما رواه الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية ، قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «بعث أمير المؤمنين مصدقاً من الكوفة إلى باديتها، فقال له: يا عبد الله انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له...».(1)

الثانية: ما رواه الشيخ الحر العاملي عن «نهج البلاغة» عن أمير المؤمنين (عليه السلام)في وصية كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات: «انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعنّ مسلماً ...».(2)

لكن عدم الورود لا يعدّ دليلاً على عدم الاعتبار ضرورة أنّ موقع الروايتين بيان آداب المصدق لا بيان ما تجب فيه الزكاة، فالمحور فيهما ما يمت إلى المصدّق بصلة، فلو لم يذكر فيه السائمة ولا المعلوفة فلأجل عدم الحاجة إلى ذكرهما، إذ المقام، مقام بيان وظيفة المصدق، ولأجل ذلك لم


1 . الوسائل: ج 6، الباب14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 6، الباب14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 7.


صفحه146

يذكر فيه سائر الشروط كالنصاب ولا حولان الحول ولا الملك ولا العقل ولا سائر الشرائط.

وثانياً: أنّ في الرواية إيعازاً إلى أنّ مورد الصدقة هي السائمة حيث يقول:«بعث أمير المؤمنين مصدقاً من الكوفة إلى باديتها» والسائد على البادية هو الرعي في الصحراء لا التعليف، وفيما نقله عن «نهج البلاغة» إلماع إلى ذلك أيضاً حيث قال: «فإذا قدمت إلى الحيّ فأنزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم». و هذا يعرب عن كون الأنعام سائمة، لأنّ المعلوف يكون حول الحيّ لا البعيد عنه كالنقطة التي فيها الماء وربما يكون بين الماء والحي مسافة لا يستهان بها.

ونضيف على ذلك ما ذكرناه في المؤيدين السابقين من أنّ الضابطة هو رد المتشابه إلى المحكم، وقد تضافرت الروايات على شرطية السوم فلا يصحّ رفع اليد عنها بهذه الوجوه التي هي أشبه بالاستئناس لا الاستدلال.

المؤيد السادس: خروج غالب الأنعام من حكم الزكاة بناء على اشتراطها

يلاحظ عليه: بأنّ شرطية السوم لا توجب خروج أكثر الأنعام عن مصبّ الحكم، وذلك لأنّ الحكم مترتب على السائمة لا السوم، فإنّ الغنم إذا سامت إلى حد يصدق عليها عرفاً أنّها سائمة، فكما يصدق عليها في حال السوم انّها سائمة فكذلك حال اشتغالها بالاعتلاف يصدق عليها أنّها سائمة إلاّ أن يبلغ الاعتلاف حدّاً يصدق أنّها غير سائمة، والحدّ الموجب مصدق


صفحه147

السائمة والمعلوفة موكول إلى العرف.

إنّ صدق عنوان السائمة والمعلوفة كصدق عنوان النجار والخباز، فكما أنّ عدم مزاولة النجارة والخبازة لمدة قصيرة لا يضرّ بصدق العنوان، فهكذا الحال في السائمة والمعلوفة فتعليف السائمة لمدة قصيرة لا يخرجها عن صدق عنوان السائمة ومثلها المعلوفة، فإنّ رعيها في المراتع أياماً معدودة لا يخرجها عن صدق عنوان المعلوفة، فكأنّ المالك يقسم الماشية إلى قسمين:

قسم منها خاص للرعي في الصحراء للدرّ والنسل ولا يرجعها إلى المعلف إلاّ لغاية خاصة كالبرد وغيره، وقسم منها معدّة للتعليف في المعلف ولا يرسلها إليه إلاّ لغاية خاصة.

فمادامت الماشية تحمل أحد هذين العنوانين: من شأنها الرعي في المرج أو من شأنها التعليف في المعلف يترتب على كلّ منها حكمه الخاص.

وعلى ضوء ذلك فالتعليف يوماً أو أُسبوعاً أو شهراً أو أكثر لأجل مانع كالبرد وغيره لا يضر بالتسمية إذا كانت الأنعام معدّة للسوم في الصحراء للدرّ والنسل وعلى ذلك فلا يخرج أغلب الأنعام من حكم الزكاة.

ثمّ إنّه ـ دام ظله ـ ذكر أنّ الأحوط إيجاب الزكاة في المعلوفة أيضاً، وهو أمر عجيب، لأنّ الأمر دائر بين محذورين، فإنّ إيجاب الزكاة وإن كان لصالح الفقراء ولكنّه لا ينفك عن إلحاق الضرر بالمالك.

وهذا كإيجاب الزكاة على مال اليتيم والمجنون أخذاً بالاحتياط، وقد


صفحه148

قلنا في محله: إنّ الأمر دائر بين المحذورين، فالمرجع في المقام هو البراءة لا الاحتياط، كما أنّ المتعيّن هو الأخذ بما هو المشهور بين الفريقين، والصفح عمّا تفرّد مالك، تبعاً لشيوخه الثلاثة: مكحول وربيعة وقتادة.(1)

هذا ما جاد به اليراع وسنحت به الفرصة قدَّمته إلى سماحته (دام ظله الوارف) أملاً أن يبدي نظره السامي فيما حرّرت.


1 . المدونة الكبرى لفتاوى مالك:1/313; المغني:2/456.


صفحه149

الرسالة الثانية والعشرون

الخمس في زمان الغيبة


صفحه150

صفحه151

هذه المسألة من المسائل الهامّة التي لم يرد فيها نصٌّ فأوجد حيرة بين الفقهاء بعد الغيبة إلى عصر شيخ الفقهاء صاحب الجواهر، ويقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في مصرف الخمس.

الثاني: في من يتصدّى لصرفه في مصرفه.

المقام الأوّل: في مصرف الخمس

فقد نقل الشيخ في النهاية أقوالاً في التصرّف بالخمس في عصر الغيبة وكلّها تشعر بعدم النص والإجماع في المسألة، وقد أنهاها صاحب الحدائق(1) فبلغت أربعة عشر قولاً، وأضاف إليها صاحب الجواهر قولين ثانيهما هو المتعيّن كما سيوافيك.

قال الشيخ: وما يستحقّونه من الأخماس في الكنوز وغيرها في حال الغيبة، فقد اختلف قول أصحابنا فيه وليس فيه نصّ معيّن إلاّ أنّ كلّ واحد منهم قال قولاً يقتضيه الاحتياط.

فقال بعضهم: إنّه جار في حال الاستتار مجرى ما أُبيح لنا من المناكح والمتاجر.


1 . الحدائق الناضرة:12/437ـ 444.


صفحه152

وقال قوم: إنّه يجب حفظه مادام الإنسان حيّاً فإذا حضرته الوفاة، وصّى به إلى من يثق به من إخوانه المؤمنين ليسلّمه إلى صاحب الأمر إذا ظهر أو يوصي به إليه إلى أن يصل إلى صاحب الأمر.

وقال قوم: يجب أن يُقسم الخمس ستة أقسام: فثلاثة أقسام للإمام يدفن أو يودع عند من يوثق بأمانته، والثلاثة الأُخرى يفرّق على مستحقيه من أيتام آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم، إلى أن قال:

ولو أنّ إنساناً استعمل الاحتياط، وعمل على أحد الأقوال المقدّم ذكرها من الدفن أو الوصاية لم يكن مأثوماً، وأمّا التصرّف فيه على ما تضمنه القول الأوّل فهو ضدّ الاحتياط، والأولى اجتنابه حسب ما قدّمناه.(1)

وإذا كان القول بتحليل الخمس مطلقاً، كالمناكح و المساكن والمتاجر ضد الاحتياط فالقول بالدفن خصوصاً في هذه الأيّام إضاعة للمال، كما أنّ الوصاية تعريض له للتلف والضياع. وبما ذكرنا يظهر أنّ أكثر ما ذكره صاحب الحدائق من الأقوال من الأُمور التي يقطع الفقيه بعدم رضا صاحب الخمس بصرفه فيه، ومن حاول الوقوف على هذه الآراء على وجه التفصيل فليرجع إليه والذي يمكن أن يطرح من الأقوال الهائلة عبارة عن الأقوال التالية:

1. سقوط حقّه (عليه السلام) دون حقوق الأصناف الثلاثة

وهو خيرة المحدّثين: الكاشاني والبحراني مع تفاوت يسير بينهما، فالأوّل منهما قائل بتحليل حصّة الإمام مطلقاً في الحضور والغيبة، بخلاف


1 . النهاية:200ـ 201.


صفحه153

الثاني فإنّه يخص الحلّية بعصر الغيبة فقط.

قال: أمّا حال الغيبة فالظاهر عندي هو صرف حصّة الأصناف عليهم، كما عليه جمهور أصحابنا في ما مضى من نقل أقوالهم عملاً بما دلّ على ذلك من الآية والأخبار المتقدمة في القسم الأوّل المؤكّدة بالأخبار المذكورة في القسم الثاني فيجب إيصالها إليهم لعدم المانع من ذلك، وأمّا حقّه(عليه السلام)فالظاهر تحليله للشيعة للتوقيع عن صاحب الزمان(عليه السلام) المتقدّم في أخبار القسم الثالث ، والاحتياط صرفه على السادة المستحقين.(1)

يلاحظ عليه: أنّه فرع القول بالتحليل مطلقاً أو في حصّته(عليه السلام)، وسيوافيك الكلام في التحليل، وأنّه يختص بالأُمور الثلاثة: المناكح والمساكن والمتاجر التي يستولى عليها من طريق الحرب.

2. صرف حقّه في تتميم مؤونة الأصناف الثلاثة

وهو الذي جعله المحدّث البحراني، الأحوط.

وحاصل هذا القول هو أنّه يصرف سهم الأصناف في حقّهم ويصرف سهم الإمام في تتميم مؤونتهم، واستدل عليه بمرسلتي حمّاد بن عيسى وأحمد بن محمد.(2) وإلى هذا القول أشار صاحب الجواهر بقوله: والأحوط له الاقتصار على السادة مادام لم يكفهم النصف الآخر.


1 . الحدائق: 12/448.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 1، 2.


صفحه154

يلاحظ عليه: أنّ اللائح من المرسلتين أنّ الإمام يقوم بذلك عند بسط اليد، حيث تبيّن أنّ الأوّل وظيفة الوالي ويقول: «فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق عمن عنده بقدر ما يستغنون به» وأقصى ما يمكن أن يقال أنّه ثابت للوالي بالحقّ. وأمّا أنّه كذلك في كلّ زمان، حتى في الزمان الفاقد للوالي المبسوطة يده، فلا، إذ ربّما يكون صرفه في مواضع أُخرى أرجح من التتميم.

أضف إلى ذلك إذا كانت الزكاة كافية لرفع حوائج غير بني هاشم من الأصناف الثمانية، فكيف لا يكون سهم الأصناف الثلاثة كافياً لرفع حاجاتهم الدنيوية مع أنّ عدد بني هاشم بالنسبة إلى الأصناف الثمانية قليل جدّاً، خصوصاً أنّه يجوز للسادة دفع زكاتهم إلى السادة من بني هاشم، فيكون المقرّر لمؤونتهم وافياً بحوائجهم فقلّما يتّفـق ـ إذا كان هناك نظم ـ الاحتياج إلى صرف سهمه في تتميم مؤونتهم، فيبقى الكلام في مصرفه عندئذ .

3. صرف حصّته في مواليه

وحاصله: لزوم صرف حصّة الأصناف فيهم، وصرف سهم الإمام في رفع حوائج مواليهم.(1) فيمكن الاستدلال عليه بمرسلة الصدوق، قال الصادق(عليه السلام) : «من لم يقدر على صلتنا فيلصل صالحي موالينا يكتب له ثواب صلتنا».(2)


1 . الجواهر:16/177.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 50 من أبواب الصدقة، الحديث 3.


صفحه155

وفي رواية محمد بن يزيد، عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) قال: «من لم يستطع أن يصلنا فليصل فقراء شيعتنا».(1) ولعلّهما ظاهرتان في الصلات المندوبة.

4. يتصدّق به عن جانب الإمام

وحاصل هذا القول: إنّه يعامل معها، معاملة المجهول مالكه باعتبار تعذّر الوصول إليه روحي له الفداء، إذ معرفة المالك باسمه ونسبه دون شخصه لا تجدي، بل لعلّ حكمه حكم مجهول المالك باعتبار تعذّر الوصول إليه للجهل به فيتصدّق به حينئذ، ويكون ذلك وصولاً إليه على حسب غيره من الأموال التي يمتنع إيصالها إلى أصحابها.(2)

يلاحظ عليه: أنّه يصحّ إذا كان المال، ملكاً لشخصه، فالتصدّق يكون من إحدى الطرق إلى وصول المال إليه، ولكنّه مالك له بما أنّه إمام وحاكم ومدير للمجتمع وحيثيّة الإمامة قيد تقييدي، وعلى هذا لا يكون التصدّق طريقاً موصلاً للمال إلى صاحبه

وقد روى أبو علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(3)


1 . الوسائل: ج 10، الباب 97 من أبواب المزار، الحديث 5.

2 . الجواهر:16/177.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.


صفحه156

 

5. تصرف فيما فيه رضاه

هذا القول ممّا أبدعه صاحب الجواهر هو صرفه فيما نعلم أنّه راض بصرفه فيه، قال (قدس سره): حسن الظن برأفة مولانا صاحب الزمان ـ روحي له الفداء ـ يقتضي بعدم مؤاخذتنا في صرفه على المهم من مصارف الأصناف الثلاثة الذين هم عياله في الحقيقة، بل ولا في صرفه في غير ذلك من مصارف غيرهم ممّا يرجح على بعضها.(1)

وحاصله: أنّه لو كان صاحب الأمر ظاهراً بين الناس، مبسوط اليد، وكانت الأسهم الستة مجتمعة عنده، فلا شكّ أنّه يقوم برفع حاجات الأصناف الثلاثة لكونهم محرومين من الزكاة التي عدّت في الروايات من أوساخ أيدي الناس، وقد عرفت أنّ الخمس أزيد بمراتب ممّا يصرف في حقّهم، كما يقوم بصرفه في ترويج الشريعة، في كلّ عصر بما يلائمه ويناسبه، فتأسيس الحوزات العلمية ذكوراً ونساء، وتربية الطلاب وبعثهم إلى الأكناف لتعليم الناس وإرشادهم ونشر الكتب المفيدة على أصعدة مختلفة، ككبح جماح الكفر والإلحاد، ونشر مفاهيم الإسلام وتعاليمه وكلّ أمر يعدّترويجاً للشريعة وإقامة للدين، وسبباً لإقبال الناس إلى الحقّ وابتعادهم عن الباطل ـ كلّ ذلك ـ من الأُمور التي نعلم جزماً بكونها مطلوبة عنده، ونعلم أنّه(عليه السلام)راض لصرف حصّته كذلك.

وهذا النوع من الأمر لا يمكن أن يحد بحدّ خاص حيث تختلف صور


1 . الجواهر:16/177.


صفحه157

قيامه به حسب اختلاف الأزمان وعبْر الأجيال فبناء المساجد والحسينيات، وتعمير المدارس وتأسيسها لغاية نشر الدين من الأُمور التي لا شكّ في رضاه في صرفه فيها خصوصاً إذا توقف بناؤها على صرف سهم الإمام.

هذا كلّه في مصرفه وقد علمت ما هو الحقّ بعد ثبوت عدم تحليله كما سيوافيك.

المقام الثاني: في المتصدي للصرف

الكلام في هذا المقام بعد تعيين المصرف، في بيان من يتصدى لصرف سهم الإمام أو السادة في محلّه، فقد ذهب جماعة منهم السيد الطباطبائي في المتن إلى أنّ أمره في زمان الغيبة راجع إلى نائبه وهو المجتهد الجامع للشرائط فلابدّ من الإيصال إليه أو الدفع إلى المستحقّين بإذنه.

وفي مقابل ذلك من يقول بأنّه إذا أحرز رضاه(عليه السلام) لصرفه في جهة معيّنة جاز للمالك تولّي ذلك بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم الشرعي.

قال المحقّق بعد ما جعل الأقرب صرف حصّته في الأصناف الموجودين:يجب أن يتولّى صرف حصّة الإمام في الأصناف الموجودين، مَنْ إليه الحكم بحقّ النيابة كما يتولى أداء ما يجب على الغائب.(1)

وقال العلاّمة المجلسي: وأكثر العلماء قد صرّحوا بأنّ صاحب الخمس لو تولّى دفع حصّة الإمام(عليه السلام) لم تبرأ ذمّته بل يجب عليه دفعها إلى الحاكم،


1 . الشرائع:1/138.


صفحه158

وظنّي أنّ هذا الحكم جار في جميع الخمس.(1)

وفي مقابله ما ذهب إليه المفيد من جواز صرفه لمن في يده: قال: إذا فقد إمام الحقّ ووصل إلى الإنسان ما يجب فيه الخمس، فيخرجه إلى يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم ليوفر قسط ولد أبي طالب(عليه السلام) لعدول الجمهور عن صلتهم. ولمجيء الرواية عن أئمّة الهدى بتوفير ما يستحقّونه من الخمس في هذا الوقت على فقراء أهلهم وأيتامهم وأبناء سبيلهم.

ومال إليه صاحب الحدائق: انّا لم نقف له على دليل، وغاية ما يستفاد من الأخبار نيابته بالنسبة إلى الترافع إليه والأخذ بحكمه وفتاواه، وأمّا دفع الأموال إليه فلم أقف له على دليل لا عموماً ولا خصوصاً، وقياسه على النوّاب الذين ينوبونهم (عليهم السلام)حال وجودهم لذلك أو لما هو أعمّ منه لا دليل عليه.(2)

وقد بنى بعضهم المسألة على إحراز الرضا حيث قال: يتبع هذا ما عليه المالك من الوجدان ولا يصل الأمر إلى البرهان، فإن كان قد وجد من نفسه ـ فيما بينه و بين ربّه ـ أنّه قد أحرز رضا الإمام (عليه السلام) بالتصرف الكذائي بحيث كان قاطعاً أو مطمئناً به فلا إشكال ولا حاجة معه إلى المراجعة، وأمّا إذا لم يجد من نفسه هذا الإحراز، بل انقدح في ذهنه احتمال أن يكون هذا الصرف منوطاً بإذن نائب الإمام في عصر الغيبة كما كان منوطاً بإذنه في عصر الحضور ولم يتمكّن من دفع هذا الاحتمال، كان اللازم مراجعة الحاكم.

يلاحظ عليه: ليس الكلام في وظيفة العامي، حتى يكون الميزان إحراز


1 . لاحظ الحدائق: 12/468.  

2 . الحدائق: 12/470.


صفحه159

رضاه، بل الكلام في مقتضى الأدلّة لدى المجتهد، فإذا أفتى بواحد من الوجهين فلا تصل النوبة إلى وجدانه.

أقول: مقتضى الأدلّة هو مراجعة الحاكم الشرعي للدليل الآتي.

إنّ الخمس ليس ملكاً شخصياً للإمام بل ملك له بما أنّه قائم بأمر الإمامة والزعامة، كما هو صريح صحيح أبي علي بن راشد قال : قلت لأبي الحسن الثالث: إنّا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام) عندنا فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(1)

فإذا كان الخمس راجعاً لمقام الإمامة وليس منصبها أمراً قابلاً للتعطيل، فالشاغل لمنصبه في عصر الغيبة، إنّما هو الفقيه العارف بالكتاب والسنّة، فكيف يكون نائباً عنه في شؤون الإمامة ولا يكون نائباً عنه في المال الخاص به؟

ويؤيد ما ذكرنا أنّ الأموال في عصر الحضور كانت تجلب إليهم ، بما أنّهم كانوا هم القائمين لوظائف الإمامة في عصرهم، فمقتضى النيابة كونه كذلك في غيبتهم، واحتمال اختصاص ذلك بعصر الحضور ينافي القول باستمرار وظائف الإمامة وإن انقطعت الإمامة.

أضف إلى ذلك أنّ تولّي أرباب الأموال لتقسيم الخمس يستلزم الهرج، من دون أن يصرف المال في مواقعها ومصالح الإمامة.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.


صفحه160

نعم ما ذكر من الوجه لا يأتي في سهم السادة، إذ ليس لسهامهم صلة بمقام الإمامة. فيجوز لربّ المال تخميس ماله ودفع الشطر التالي إلى أصحابه.

وأمّا إذا قلنا بأنّ جميع السهام راجع إلى مقام الإمامة والولاية العامة لإدارة الشؤون الدينيّة وأنّ إدارة معيشة الأصناف الثلاثة من وظائف مقام الإمامة، فكان وجوب الاستئذان قويّاً في جميع الأسهم، وهذا ما احتمله صاحب الجواهر في نهاية المسألة الرابعة للمحقّق وقال: لولا وحشة الانفراد عن ظاهر اتفاق الأصحاب لأمكن دعوى ظهور الأخبار في أنّ الخمس جميعه للإمام(عليه السلام) وإن كان يجب عليه الإنفاق منه على الأصناف الثلاثة الذين هم عياله، ولذا لو زاد كان له(عليه السلام)ولو نقص كان الإتمام عليه من نصيبه، وحلّلوا منه من أرادوا.(1)

وبذلك يظهر قوة إفادة السيد الطباطبائي في آخر المسألة حيث قال: وأمّا النصيب الآخر للأصناف الثلاثة فيجوز للمالك دفعه إليهم بنفسه لكن الأحوط منه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه، لأنّه أعرف بمواقعه والمرجّحات الّتي ينبغي ملاحظتها، والأولى أن يقول: إنّ الجميع ملك لمقام الإمامة وإدارة الأصناف من شؤونهم.

في نقل الخمس من بلاد إلى غيره

المراد من النقل نقل نفس الخمس ، إمّا لولايته على الإفراز كما هو


1 . الجواهر:16/155.


صفحه161

الحقّ ـ لأنّ الخطاب بالأداء ، يلازم جواز الإفراز للمؤدّي ـ أو لتحقق الإفراز بالحاكم الشرعي دون التقسيم، وعلى كلّ تقدير فقد أفتى بوجوب النقل في صورتي عدم التمكّن من الحفظ أو عدم توقع المستحق، مع عدم الضمان عليه، أمّا الوجوب، فلوجوب إيصال مال الغير إليه، وأمّا عدم الضمان فلأنّ الوجوب ينافي الضمان، إلاّ إذا كان مقصّراً، كما في مورد الغاصب. ويمكن الاستدلال بما رواه الصدوق بسند صحيح عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا أخرج الرجل الزكاة من ماله ثمّ سمّاها لقوم، فضاعت، أو أرسل بها إليهم فضاعت فلا شيء عليه».(1) وفي رواية محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): رجل بعث بزكاة مال لتقسّم فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها إليه فهو لها ضامن حتى يدفعها، وإن لم يجد لها من يدفعها إليه ، فبعث بها إلى أهلها فليس عليه ضمان، لأنّها قد خرجت من يده».(2) وتحمل الأُولى على ما إذا لم يكن المستحق موجوداً.

إنّما الكلام في غير هاتين الصورتين كما إذا كان المستحق موجوداً أو متوقعاً فيقع الكلام في أُمور:

1. جوازه تكليفاً.

2. إجزاؤه إذا نقله وصرفه في غير مكانه.

3. ضمانه لو تلف.

أمّا جواز النقل في المقام والزكاة، فقد قال السيد الطباطبائي في كتاب


1 و 2 . الوسائل: ج 6، الباب 39 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 3و1.


صفحه162

الزكاة: الأقوى جواز النقل إلى البلد الآخر ولو مع وجود المستحق في البلد، وإن كان الأحوط عدمه كما أفتى به جماعة، ولكن الظاهر الإجزاء لو نقل على هذا القول أيضاً.(1)

قال المحقّق: لا يحلّ حمل الخمس إلى غير بلده مع وجود المستحق، ولو حمل والحال هذه ضمن، ويجوز مع عدمه.(2)

وقال الشهيد الثاني في شرح العبارة: الأصح جواز الحمل مطلقاً لما مرّ في الزكاة خصوصاً مع طلب المساواة بين المستحقين.(3) واختار المحدّث البحراني عدم الجواز في الزكاة والخمس معاً.

ويمكن استظهار عدم الجواز، من كونه منافياً للفورية، ومستلزماً لمنع المستحق عن حقّه في بلد الخمس، وموجب لتعريض المال على التلف، والجميع منظور فيه إذ لم يدلّ دليل على الفورية، بل لا يجوز التساهل والتسامح وربّما يكون إيصاله إلى المستحقّ في المكان المنقول إليه أقرب، وليس المستحق خصوص الموجودين في البلد بل العناوين الثلاثة، ونسبة القريب والبعيد إليه سواء، وضمان الناقل يصونه عن كونه معرضاً للتلف.

في إذن الفقيه بنقل الخمس

قد عرفت أنّ الضمان، ينافي الوجوب إلاّ إذا كان مقصِّراً، وعلى ضوء ذلك فلو طلبه الحاكم وحكم بالنقل إلى مكان آخر فلا ضمان عليه، ومثله ما


1 . العروة الوثقى: 2 / 326 ، كتاب الزكاة، فصل في بقية أحكام الزكاة، المسألة الحادية عشرة.

2 . الشرائع : 1/183.  

3 . المسالك: 1/472.


صفحه163

لو وكّله في قبضه عنه بالولاية العامة ثمّ أذن في نقله، لأنّ قبضه عندئذ كقبض الولي، أو المستحق، ويعد إيصالاً إلى محلّه.

إنّما الكلام إذا أذن بلا إلزام، فهل الإذن يخرج يده عن كونها يد ضمان مثل ما إذا نقل مال الغير بإذنه، فضاع في الطريق أو لا؟ بل أقصاه أنّه يكون مأذوناً في النقل ولا يحرم النقل، وولاية الحاكم على الخمس ليس كولاية الإنسان على ماله الشخصي حتى يستدل بعدم الضمان فيه بالإذن، على عدمه هناك، إذ ليس للحاكم التقلّب فيه كيف ما شاء بخلاف المال الشخصي، فللمالك التصرّف فيه كيف ما شاء، والأقوى الأوّل، وإن كان الثاني أحوط.

في مؤونة النقل

مؤونة النقل على الناقل في صورة الجواز، ومن الخمس في صورة الوجوب.

أمّا الأوّل، لإمكان الدفع في البلد وعدم الملزم إلى النقل، فإقدامه بالنقل من دون ملزم، التزام بتحمّل مؤونته. وبعبارة أُخرى: إذا أمكن إيصال المال بتمامه إلى صاحبه، فلا مسوّغ لإيصاله بطريق موجب لنقص المال إلاّ أن يقوم بترميمه.

وأمّا الثاني، فلأنّ إلزام صاحب المال بدفع أُجرة النقل، يحتاج إلى الدليل، بعد كون المال للغير والنقل لصالحه.

فإن قلت: إذا كان الإيصال واجباً فيكون ما يتوقّف عليه واجباً.


صفحه164

قلت: الواجب هو الأداء ورفع المانع عن تحقّقه، وأمّا الإيصال فلا، فعلى الولي الحاكم أو المستحق قطع الطريق وأخذ الحقّ.

وبالجملة: إيراد النقص على الخمس في الصورة الأُولى، أو تكليف صاحب المال بشيء وراء ما وجب عليه، يحتاج إلى الدليل.

لو كان له مال آخر في بلد آخر

ليس من النقل لو كان له مال في بلد آخر فدفعه فيه للمستحقّ عوضاً عن الّذي عليه في بلده، و كذا لو كان له دين في ذمّة شخص في بلد آخر فاحتسبه خمساً و كذا لو نقل قدر الخمس من ماله إلى بلد آخر فدفعه عوضاً عنه.

إذا قلنا بحرمة النقل فجوازه في المقام إمّا لعدم تحقّقه كما في الصورتين الأُوليين أصلاً، أو تحققه لكن لغير الخمس، غاية الأمر يؤدى الخمس منه.

هذا إذا قلنا بتعلّق الحرمة بعنوان النقل وأمّا إذا قلنا بحرمته لأجل أنّه إضاعة لحقّ المستحقين في بلد الخمس، أو لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر، فملاك الحرمة موجود في الصور الثلاث، والذي يسهل الأمر عدم الدليل على حرمة النقل.


صفحه165

 

في براءة ذمّة الدافع

قد سبق هنا أنّ للمالك ولاية العزل لأنّه المخاطب بالأداء ويلازم عرفاً الولاية له، فإذا عزله وقبض المستحق أو وليه الحاكم، فقد برأت ذمّته إنّما الكلام في العزل، فقال صاحب العروة فيه: «وفي تشخيصه بالعزل إشكال».

لا شكّ في أنّ ذمة المالك تبرأ بقبض المستحق أو الحاكم، إنّما الكلام في تعيّنه للخمس بمجرد عزله بحيث لو تلف بدون تعدّ وتفريط، لا يكون ضامناً ويصير بمنزلة التلف في يد المستحق.

مقتضى القاعدة، هو عدم التعيّن، كالدين فلا تبرأ الذمة إلاّ بقبض الدائن أو وكيله، ومثله المقام فلا تبرأ الذمة بمجرد العزل وأمّا عزل الموالي، الخمس وبعثه إلى الإمام، فلا يدل على تعيّنه له قبل القبض، لأنّ المفروض أنّ بعث الخمس إليهم (عليهم السلام)كان مقروناً بالقبض والقبول، فلا يدل التعيّن هناك على التعيّن في المقام وأمّا جواز نقل الخمس، فلا يدلّ على التعيّـن ولذا قلنا بضمانه إذا نقله مع وجود المستحق.

وأمّا بالنظر إلى الروايات الواردة في باب الزكاة، وكون الخمس بدلاً منها، فالحقّ جواز العزل وتعيّن المعزول له.

روى يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): زكاتي تحلّ عليّ في شهر أيصلح لي أن أحبس منها شيئاً مخافة أن يجيئني من يسألني (يكون عندي عدّة)؟ فقال: «إذا حال الحول فأخرجها من مالك لا تخلطها بشيء ثمّ


صفحه166

أعطها كيف شئت». قال: قلت: فإن أنا كتبتُها وأثبتُّها يستقيم لي؟ قال: «نعم لا يضرّك».(1)

روى علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عن الزكاة تجب عليّ في مواضع لا تمكنني أن أُؤدّيها قال: «اعزلها، فإن اتّجرت بها فأنت لها ضامن ولها الربح وإن تَوِيَتْ في حال ما عزلتها، من غير أن تشغلها في تجارة فليس عليك شيء، فإن لم تعزلها فاتّجرت بها في جملة مالك فلها بقسطها من الربح ولا وضيعة عليها».(2)

إذا عرفت ذلك نقول: الناظر في الروايات يقف على أنّ المالك بما هو الشريك الأكبر له ولاية التقسيم وإخراج الخمس في أيّ جزء من أجزاء ماله ما يشاء وليس للحاكم ولا للمستحق إلزامه فالإعطاء من مال خاص، كما أنّ له الولاية في الإيصال وأمّا تعينه قبل قبض المستحق بحيث لو تلف بلا تعد وتفريط لا يكون ضامناً، فيتوقف على إلغاء الخصوصية وعطف الخمس على الزكاة وليس ببعيد. وإن أبيت وقلت بالضمان قبل قبض المستحق، فالظاهر ترتب جميع آثار الإفراز إلاّ الضمان، ولو اتّجر به يكون الربح للمستحق لا للمالك.


1 و 2 . الوسائل: ج 6، الباب 52 من أبواب مستحق الزكاة، الحديث 2و3; ولاحظ الباب 53.


صفحه167

 

إذا كان له في ذمّة المستحق دين

يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو واقع الاحتساب؟

ليس الاحتساب من قبيل الإبراء، إذ هو عبارة عن غضّ النظر عن الدين بلا عوض، بخلاف المقام فإنّه مشتمل عليه إذ بالاحتساب تبرأ ذمّةُ المستحق المديون، كما تبرأ ذمّة المالك عن الخمس.

كما أنّه ليس من قبيل التمليك لأنّه يتوقف على القبول وهو منتف في بعض الصور.

بل الاحتساب يدور بين أحد أمرين:

1. إنّه من قبيل تبديل ما في ذمّة المديون إلى الخمس لولايته عليه، كولايته على التقسيم والإفراز والانضاض.

2. من قبيل تقاص ما في يده عمّا في ذمّة المستحق، وهو الظاهر من الرواية التي يرويها سماعة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير، يريد أن يعطيه من الزكاة، فقال: «إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار، أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملاً يتقلب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه فلا بأس أن يقاصّه بما أراد، أن يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها فإن لم يكن عند الفقير


صفحه168

وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئاً فيعطيه من زكاته ولا يقاصه شيء من الزكاة».(1)

وقوله: «أو يحتسب» يحتمل أن يكون عطف تفسير للتقاص، بشهادة أنّه اقتصر في الشق المقابل بقوله: «ولا يقاصه شيء من الزكاة» ولم يزد عليه قوله: «ولا يحتسب بها» فالاحتساب أشبه بالتقاصّ.

الثاني: في جواز الاحتساب

إنّ الاحتساب أمر عقلائي رائج بين الناس في الأُمور الماليّة، والزكاة والخمس وإن كانا من الأُمور القربيّة، لكن بما أنّه لم يرد في كيفية أدائهما نص خاص، يُتَّبع ما هو الرائج ما لم يكن منع من الشارع. أضف إلى ذلك أنّ الغرض من فرض الخمس هو إغناء الفقير وسدّ خلّته ورفع حاجته، وحلّ مشاكله في الحياة، وهو حاصل بالاحتساب ولذلك تضافرت الروايات على الجواز في باب الزكاة وتوقف بعضهم في إسرائه إلى باب الخمس ظنّاً بأنّه قياس غير تام لمساعدة العرف على إلغاء الخصوصية .

ثمّ إنّ السيد الحكيم أشكل في هذا الأمر العرفي وقال ما هذا حاصله:

الظاهر من الاحتساب أنّه إيقاع لا تمليك، فجوازه يتوقّف على أُمور:

1. كون اللام في آية الخمس لبيان المصرف لكفاية إبراء الذمة في المصرف لكن كون اللام للمصرف، خلاف الظاهر .


1 . الوسائل: ج 6، الباب 46 من أبواب مستحق الزكاة ، الحديث 3.


صفحه169

2. أن تكون اللام للملك، لكن المالك طبيعة الفقير، والمالك والفقيه بحسب ولايته على المال الذي ليس له مالك معيّن، يصرفه في مصالح الطبيعة، ومن المصالح إبراء ذمّة بعض أفراد الطبيعة. وفيه أنّ ثبوت هذه الولاية المطلقة لا دليل عليه وإنّما الثابت هو الولاية على تطبيق الكلي على الفرد، ودفع ماله إليه، لا الولاية على صرف المال في مطلق مصالح الطبيعة ومنها إبراء الذمة لبعض أفرادها.

3. البناء على صحّة عزل الخمس في المال الذي في ذمّة الفقير وبعد تطبيق المستحق عليه، يسقط قهراً. وفيه أنّ عزل الخمس في المال الخارجي محلّ إشكال، فضلاً عمّا في الذمّة، ومن ذلك يظهر الإشكال في جواز الاحتساب في هذا القسم من الخمس، نعم لا يبعد ذلك في سهم الإمام(عليه السلام)للعلم برضاه، وقاعدة إلحاق الخمس بالزكاة لا دليل عليها.(1)

والوجوه المذكورة لا تخلو عن نظر.

1. قد عرفت أنّ الاحتساب ليس إيقاعاً، أي إبراءً، لأنّه إنّما يتصوّر إذا لم يكن هناك عوض والمقام غير خال عن العوض.

2. إنّ الأصناف الثلاثة من قبيل المصارف، بشهادة حذف اللام الموجودة في الأفراد المتقدّمة عليها، والذهن العرفي لا يساعده.

3. انّ تحديد ولاية المالك والفقيه بتطبيق الكلي على الفرد، دون صرف المال في مطلق مصالح الطبيعة ومنها إبراء الذمة لبعض أفرادها لا


1 . المستمسك:9/589.


صفحه170

يخلو عن خفاء، إذ المقام أيضاً من قبيل تطبيق الكلي على الفرد، ولو كان هناك اختلاف، فإنّما هو في كيفية الأداء وإلاّ فكلّي الفقير طُبِّق على الفقير المديون.

4. قد عرفت أنّ الأمر بالأداء يلازم عرفاً الولاية على التقسيم والإيصال غاية الأمر يكون ضامناً إلى أن يقبضه المستحق، وهذه الأُمور كلّها موجودة في المقام.

5. إذا كان العلم برضا الإمام(عليه السلام) كافياً في الاحتساب فليكن العلم برضاه به في مورد الأصناف الثلاثة كافياً، خصوصاً إذا قلنا بأنّ أمر الخمس كلّه بيده.

فخرجنا بهذه النتيجة ; كفاية الاحتساب مثل باب الزكاة.

دفع العوض نقداً أو عروضاً

إذا أراد المالك أن يدفع العوض نقداً أو عروضاً لا يعتبر فيه رضى المستحقّ أو المجتهد بالنسبة إلى حصّة الإمام(عليه السلام) و إن كانت العين التي فيها الخمس موجودة، لكن الأولى اعتبار رضاه خصوصاً في حصّة الإمام(عليه السلام).

وذلك لأنّ أداء الخمس ليس من قبيل المعاوضة حتى يتوقف على رضا الطرفين، وما دلّ على جواز أدائه بالنقد، دلّ عليه غير مقيدة برضا المستحق، نعم في ولاية المالك على الدفع من غير النقدين كلام مرّ وقلنا بالجواز إذا كان الجنس رافعاً لحاجة المستحق كالنقد.

ثمّ إنّ القول بجواز الدفع بالنقد والعروض، لا ينافي كون تعلّق الخمس


صفحه171

من باب الإشاعة أو الكلّي في المعيّن، أو كتعلّق الحقّ، لأنّ للمالك ، الولاية على التقسيم والانضاض وفكّ العين عن الحق. نعم يكون ما ذكر على القول بتعلّقه بالمالية السيّالة أوضح.

في ردّ الخمس على صاحبه

قال صاحب العروة (قدس سره) في كتاب الزكاة: السادسة عشرة: لا يجوز للفقير ولا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثمّ الردّ عليه المسمّى بالفارسية بـ «دست گردان» أو المصالحة معه بشيء يسير أو قبول شيء منه بأزيد من قيمته أو نحو ذلك، فإنّ كلّ ذلك حيل في تفويت حقّ الفقراء، وكذا بالنسبة إلى الخمس والمظالم ونحوهما.

نعم لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما مبلغ كثير، وصار فقيراً لا يمكنه أداؤها وأراد أن يتوب إلى الله، لا بأس بتفريغ ذمّته بأحد الوجوه المذكورة ـ و مع ذلك إذا كان مرجو التمكّن بعد ذلك ـ الأولى أن يشترط عليه أداؤها بتمامها عنده.(1)

أقول: إنّ للحاكم الولاية على الزكاة والخمس لكن في إطار مصالح المستحقين فلا يجوز له فعل ما فيه إضاعة حقهم، وأمّا سائر الأصناف فليست لهم أيّة ولاية، غاية الأمر، لهم بذل ما أخذوه للآخرين بعنوان الزكاة أو الخمس في حدّ شأنهم، لا ما إذا كان فوقه. إذا علمت ذلك فنقول: للمسألة صور مختلفة:


1 . العروة الوثقى: 2 / 345 ، كتاب الزكاة، الفصل الختامي، المسألة 16.


صفحه172

1. إذا كان الدفع بصورة الإقراض، مثلاً لو كان عليه مائة دينار، ولا يملك فعلاً إلاّ عشرة، فيدفعها إلى الحاكم، ثمّ يقرضها الحاكم له و يتكرّر دفع الخمس من جانب المالك عشر مرّات، والإقراض من جانب الحاكم تسعة، وهذا جائز، لولاية الحاكم على التصرف بما فيه مصالح المستحقين، إذ المفروض عدم تمكّنه إلاّ بأداء عشرة دنانير و المفروض قبضها نهاية، غاية الأمر صار المالك مديوناً للحاكم، وهذا هو المعروف بـ «دست گردان».

2. أن يأخذ الخمس، ثمّ يهبه إلى المالك وكانت الهبة وفق شأن الحاكم أو الفقير، فتبرأ ذمّته.

3. نفس الصورة وتكون فوق شأنهما على وجه يعدّ ضياعاً لحقّ المستحق فلا يجوز.

فإن قلت: إنّ المستحق بعد القبض يكون مالكاً له فيكون مسلّطاً على ماله يصرفه حيث شاء.

قلت: هو مالك لما قبض بشرط صرفه فيما يحتاج إليه في حياته حسب شؤونه، لا الخارج عن هذا الإطار وردّ المأخوذ إلى المالك، صرف له، في غير ما عيّن للصرف فيه.

وبذلك يعلم ما في كلام الماتن حيث استثنى ما إذا كان عليه مبلغ كبير ولم يقدر على أدائه بأن صار معسراً وأراد تفريغ ذمّته فأفتى بأنّه لا مانع منه إذا رضى المستحق بذلك، وذلك لأنّه ليس للمستحق تلك الولاية، بل له صلاحية الأخذ والصرف فيما يرفع به حاجته، وأمّا إفراغ ذمّة المالك بالنحو


صفحه173

المزبور فليس له ذلك الأمر، بل المالك يبقى مديوناً للسادة كسائر ديونه لكن لا يجبر بل ينظر إلى الميسرة.

4. أن يصالح الشيء الكثير بشيء يسير، فلا يجوز لما ذكر.

5. أن يقبل المستحق شيئاً بأزيد من قيمته الواقعية، فلا يجوز أيضاً.

وبالإحاطة بالصور، يظهر ما هو الصحيح عن غيره الوارد في المتن.

إذا انتقل إلى الشخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد وجوبه

المسألة من عويصات المسائل الفقهية ، لتضارب الروايات والأقوال فيها، وقد طلبت من السيد الإمام الخميني (قدس سره) أبّان شبابي وأيّام دراستي عليه أن يطرح لي مسائل عويصة لأقوم بدراستها وتحليلها، فأدلى بمسائل عشر، منها هذه المسألة، فشكر الله مساعي علمائنا ، قدّس الله أسرارهم.

وقبل الخوض في دراسة الروايات نذكر أُموراً:

الأوّل: ما يدل على وجوب الخمس مطلقاً

إنّ وجوب الخمس في الغنائم من الأحكام الضرورية في الإسلام، كما أنّ وجوبه في غيرها أيضاً من ضروريات مذهب الشيعة وفقههم. فلا يمكن نفيه في برهة من الزمان في خصوص الغنائم أو غيرها إلاّ بدليل قاطع يصلح للتحليل والترخيص من دون أن يتطرّق النسخ إلى الحكم القطعي.

ويدلّ على ثبوت الخمس في عصر الحضور والغيبة ما يلي:


صفحه174

قوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَإنَّ للّهِ خُمُسهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُربى...)فالآية ناطقة بوجوبه في الغنيمة، بل في كل ما يغنمه الإنسان ويفوز به وليست الآية خاصة بالمشافهين، بل الكتاب حجّة الله الكبرى على المسلمين عبر القرون إلى يوم القيامة.

1. ما رواه أبو بصير، عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث: «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».(1)

2. ما رواه هو أيضاً عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره الله، اشترى ما لا يحلّ له».(2)

3. ما رواه عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إنّي لآخذ من أحدكم الدرهم وإنّي لمن أكثر أهل المدينة مالاً ما أُريد لذلك إلاّ أن تطهروا».(3)

4. ما رواه هو أيضاً، عن أبي جعفر(عليه السلام) : «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله فإنّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا».(4)

5. ما رواه حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».(5)

6. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال في الرجل من أصحابنا


1 ـ 3 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4، 5، 3.

4 ـ 5 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 و 6.


صفحه175

يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدّي خمساً ويطيب له».(1)

7. ما رواه سماعة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(2)

8. ما رواه علي بن مهزيار في حديث: «فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليُوصل إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقة فليتعمد لإيصاله ولو بعد حين».(3)

9. ما رواه أبو بصير قال: قلت: ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال: «من أكل من مال اليتيم درهماً، ونحن اليتيم».(4)

10. ما رواه محمّد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا(عليه السلام)فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودّة بألسنتكم وتزوون عنّا حقاً جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس، لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ».(5)

ولنقتصر بهذه العشرة الكاملة، وإلاّ فما دلّ على وجوب الخمس وعدم سقوطه في العصرين أكثر ممّا ذكرنا.


1 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8 .

2 و 3 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6، 5.

4 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 5.

5 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 3.


صفحه176

 

الثاني : استثناء الأُمور الثلاثة

قد اشتهر في ألسن الفقهاء إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة، وقد حكي أنّ المفيد خصّ الإباحة بالمناكح، ولكن الظاهر منه هو التعميم.(1) وعمّمها بعضهم إلى المساكن والمتاجر; كالشيخ في النهاية(2)،
والمحقّق في الشرائع(3)، والعلاّمة في التذكرة(4)، والمنتهى.(5) ومنهم من
أنكر التحليل رأساً; كابن الجنيد،(6) وأبي الصلاح،(7) ولا حاجة لنقل
كلماتهم. والعجب أنّه ليس في النصوص المتوفرة عندنا ما يدل على استثناء هذه الثلاثة سوى ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في الغوالي مرسلاً عن الصادق(عليه السلام)فقيل له: يابن رسول الله ما حال شيعتكم فيما خصّكم الله به إذا غاب غائبكم؟ واستتر قائمكم فقال(عليه السلام) : «ما أنصفناهم إن أخذناهم، ولا أحببناهم إن عاقبناهم، بل نبيح لهم المساكن لتصح عبادتهم، ونبيح لهم المناكح لتطيب ولادتهم، ونبيح لهم المتاجر ليزكّوا أموالهم».(8)

والرواية مرسلة وليست منجبرة، وقد عرفت الاختلاف.

ثمّ إنّ المتعرضين للمسألة، اختلفوا في تفسيرها اختلافاً عجيباً، نقله


1 . المقنعة:282ـ 283، وقد نقل رواية يونس بن يعقوب; لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

2 . النهاية: 200.   

3 . الشرائع: 1/137.  

4 . التذكرة: 1 / 254.

5 . المنتهى: 8 / 574، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1423 هـ .

6 . مختلف الشيعة: 3/340. 

7 . الكافي: 174.

8 . المستدرك: 7، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 3.


صفحه177

الشهيدان في الدروس،(1) والمسالك(2)، والبحراني في الحدائق.(3)

ولا بأس بنقل ما في المسالك فإنّه مفيد مع إيجازه، قال: المراد بالمناكح، السراري المغنومة من أهل الحرب في حالة الغيبة، فإنّه يباح لنا شراؤها ووطؤها وإن كانت بأجمعها للإمام(عليه السلام)على ما مرّ، أو بعضها على القول الآخر. وربّما فُسِّرت بالزوجات والسراري التي يشتريها من كسبه الذي يجب فيه الخمس، فانّه حينئذ لا يجب إخراج خمس الثمن والمهر. وهذا التفسير راجع إلى المؤونة المستثناة وقد تقدم الكلام فيها، وأنّه مشروط بحصول الشراء والتزويج في عام الربح، وكون ذلك لائقاً بحاله.

والمراد بالمساكن ما يتّخذه منها في الأرض المختصة به(عليه السلام)، كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال، وهو مبني على عدم إباحة مطلق الأنفال حالة الغيبة، وفسِّرت أيضاً بما يشتريه من المساكن بمال يجب فيه الخمس كالمكاسب، وهو راجع إلى المؤونة أيضاً كما مرّ.

وبالمتاجر ما يشتري من الغنائم المأخوذة من أهل الحرب حالة الغيبة، وإن كانت بأسرها أو بعضها للإمام(عليه السلام)، أو ما يشترى ممّن لا يعتقد الخمس كالمخالف مع وجوب الخمس فيها. وقد علل إباحة هذه الثلاثة في الأخبار(4) بطيب الولادة وصحّة الصلاة وحلّ المال.

ولا جدوى في دراسة التفاسير المختلفة المذكورة لهذه العناوين


1 . الدروس: 1/263.

2 . المسالك: 1/575.  

3 . الحدائق: 12/444.

4 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال.


صفحه178

الثلاثة بعد عدم ورود دليل صحيح على استثنائها بالخصوص ، فالأولى عطف عنان الكلام إلى دراسة الروايات الواردة حول تحليل الخمس، التي تعارض ما سبق في الأدلّة القاطعة.

الثالث: تقسيم الأخبار الواردة في المقام

إنّ صاحب الحدائق ـ بعد ما وصف المسألة بأنّها من أُمّهات المسائل، ومعضلات المشاكل، وقد اضطربت فيها أفهام الأعلام، وزلّت فيها أقدام الأقلام، ودحضت فيها حجج أقوام، واتسعت فيها دائرة النقض والإبرام ـ ذكر أنّه باسط فيها القول إن شاء الله تعالى بما لم يَسْبِق له سابق في المقام، ولا حام حوله أحد من فقهائنا الكرام، وأنّ الكلام في المسألة يقتضي بسطه في مقامات ثلاثة، وجعل محور كلامه في المقام الأوّل، تقسيم الأخبار على أربعة أقسام:

1. ما يدل على وجوب إخراج الخمس مطلقاً في غيبة الإمام أو حضوره في أيّ نوع كان من أنواع الخمس.

2. ما يدل على الوجوب والتشديد في إخراجه وعدم الإباحة.

3. ما يدل على التحليل والإباحة مطلقاً، وهي أخبار مستفيضة متكاثرة.

4. ما دلّ على أنّ الأرض وما خرج منها للإمام.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القسم الأوّل ليس في مقام البيان بل هو بصدد بيان ما


1 . الحدائق: 12/419ـ 427.


صفحه179

يجب فيه الخمس، وأمّا أنّه واجب في جميع الظروف أو لا، فليس ناظراً إليه، ومثله القسم الرابع فانّه خارج عن الموضوع، بقي الكلام في القسمين المتوسطين، وقد تعرّفت على مقدار كثير من الروايات الدالة على وجوب الخمس مطلقاً غير مقيّد بزمان خاص، واللازم لنا عندئذ هو التركيز على تفسير روايات القسم الثالث، فنقول: إنّه على أصناف:

الأوّل: التحليل لعسر السائل

هناك لفيف من الروايات يدلّ على أنّ ملاك التحليل هو عسر السائل، وكثرة ورود الظلم على الشيعة من جانب المخالفين، فاقتضت الرأفة ردّ الخمس إليهم أو تحليله لهم، وهذا الحكم باق إلى يومنا هذا، فلنذكر من هذا القسم ما يلي:

1. روى الصدوق في الفقيه بطريق صحيح عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله(عليه السلام) فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال: جعلت فداك، يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعرف أنّ حقّك فيها ثابت وأنّا عن ذلك مقصرون فقال أبو عبدالله: «ما أنصفناكم إن كلّفناكم ذلك اليوم».(1)

وقد حمل المحقّق الخوئي الرواية على الأموال التي تقع في الأيدي، أي تنتقل من الغير كالمخالف بشراء ونحوه وأنّه لا يجب على الآخذ ومن انتقل إليه إعطاء الخمس وأنّهم (عليهم السلام)حلّلوا ذلك لشيعتهم.(2)


1 . الوسائل:ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6.

2 . مستند العروة:346، كتاب الخمس.


صفحه180

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يصحّ في لفظة «الأموال» دون الأرباح بل «تجارات»، فإنّ الظاهر كون الرجل تاجراً يربح في تجارته والسؤال ناظر إلى ربحه وليست الرواية ناظرة إلى خصوص انتقال أموال من الغير ممن لا يعتقد بالخمس.

وثانياً: لو كان وجه التحليل ما ذكره، كان التعليل بقوله:«ما أنصفناكم إن كلّفناكم» أمراً لغواً، لأنّه محلّل سواء كان من وقع في أيديه متمكّناً أم غير متمكن.

2. ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر(عليه السلام) من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه، من الخمس فكتب بخطّه: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حل».(1)

الثاني: تحليل المناكح من الغنائم

هناك روايات ترجع إلى تحليل المناكح التي ربّما تقع في أيدي الشيعة، إمّا لمشاركتهم في الحروب، أو اشترائها من المخالفين الذين لا يؤدّون أخماسهم، وما ذاك إلاّ لتطيب ولادتهم، نظير:

3. ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)حلّلهم من الخمس ـ يعني الشيعة ـ لتطيب ولادتهم».(2)


1 . الوسائل:ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 2; ولاحظ أيضاً، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث8.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 15.


صفحه181

4. ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: «إنّ أشدّ ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا ربّ خمسي، قد طيّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا أولادهم».(1) ولعلّ الروايتين متحدتان مع ما يأتي برقم 11.

5. ما رواه الشيخ عن ضريس الكناسي قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): «أتدري من أين دخل على الناس الزنا؟» فقلت: لا أدري، فقال: «من قبل خمسنا أهل البيت إلاّ لشيعتنا الأطيبين، فإنّه محلّل لهم ولميلادهم».(2)

6. ما رواه الشيخ عن الفضيل قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام) :«قال أمير المؤمنين(عليه السلام)لفاطمه (عليها السلام)أحلّي نصيبك من الفيء لآباء شيعتنا ليطيبوا» ثمّ قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إنّا أحللنا أُمّهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا». ويحتمل وحدته مع ما مرّ برقم (3) المروي عن علي(عليه السلام).(3)

7. ما ورد في التوقيع الرفيع: «وأمّا المتلبسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئاً فأكله فإنّما يأكل النيران، وأمّا الخمس فقد أُبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى أن يظهر أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث».(4)

إنّ بيع السراري ونكاحهن واستيلادهنّ كان أمراً رائجاً بين المسلمين ولا يطيب النكاح والاستيلاد مع كون خمسهنّ لأصحابه، وكانت الشيعة يوم


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 5.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 3 .

3 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 10 .

4 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 16.


صفحه182

ذاك مبتلية بهذا الأمر الرائج بيعاً ونكاحاً واستيلاداً فأباحوا (عليهم السلام) حقّهم فيهنّ لتطيب ولادتهم، ولا صلة لها بتحليل سائر ما يتعلّق به الخمس، وهذه الروايات صريحة في ذلك، ويحتمل أن يكون المحلّل في كلامه ـ عجّل الله فرجه الشريف ـ أعمّ من المناكح، بل يعمّ كلّ الغنائم الحربية التي ربّما تقع بيد الشيعة، فتكون متّحدة مع ما يأتي من الصنف الثالث.

الثالث: الأموال المنتقلة من الغير إلى الشيعة من المتاجر والغنائم وغيرهما

هناك لفيف من الروايات التي تدل على حلّية خمس الأموال التي تنتقل إلى الشيعة من المخالفين غير المعتقدين له من غير فرق بين المناكح والمساكن والمتاجر وغيرها، فقد أحلّوه فيها، ويدلّ عليه ما يلي:

8. ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أحمد بن عائذ، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال رجل وأنا حاضر حلّل لي الفروج، ففزع أبو عبد الله(عليه السلام)، فقال له رجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يزوّجها أو ميراثاً يصيبه أو تجارة أو شيئاً أُعطيه، فقال:« هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، والميّت منهم والحي، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال».(1)وظهور الرواية في المال المنتقل إليه بشراء ونحوه لا ينكر، ولو كان الراوي مقتصراً بالإماء لكان داخلاً في القسم الثاني لكن التوسع في كلام مصاحب


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 4.


صفحه183

السائل، صار سبباً لعدّه من هذا القسم.

9. ما رواه في الكافي عن أبي حمزة، عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث قال: «إنّ الله جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء...، إلى أن قال: فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرّمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا».(1) ويصلح لصاحب الحدائق أن يجعل هذه الرواية شاهدة لمختاره من اختصاص الحلّ بسهم الإمام . ويأتي الكلام فيه.

10. ما رواه في الكافي، عن عبد العزيز بن نافع قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام)و قال: إنّ أبي كان ممن سباه بنو أُميّة، وقد علمت أنّ بني أُميّة لم يكن لهم أن يحرّموا ولا يحلِّلوا ولم يكن لهم ممّا بأيديهم قليل ولا كثير وإنّما ذلك لكم ـ إلى أن قال: ـ فقال أبو عبد الله له: «أنت في حلّ ممّا كان من ذلك، و كل من كان في مثل حالك من ورائي فهو في حلّ من ذلك».(2)

11. ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير، وزرارة، و محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنّهم لم يؤدوا إلينا حقّنا ألا وإنّ شيعتنا من ذلك وأبناءهم في حلّ»(3) وذكر «البطون» شاهد على أن موضوع التحليل هو الأعم.

12. ما في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليهم السلام)أنّه قال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):« قد علمت يا رسول الله ، أنّه سيكون بعدك ملك عضوض، وجبر فيستولى على خمسي من السبي والغنائم


1 و 2 و 3 . الوسائل: ج 6 ، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 19، 18، 1 .


صفحه184

ويبيعونه ولا يحلّ لمشتريه لأنّ نصيبي فيه، قد وهبت نصيبي منه لكلّ من ملك شيئاً من ذلك من شيعتي لتحلّ لهم منافعهم من مأكل ومشرب ولتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام...».(1)

والحديث على فرض صحّته نصّ في تحليل خمس الغنائم التي تنتقل إلى الشيعة.

13. ما رواه الصدوق في الفقيه، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «الناس كلّهم يعيشون في فضل مظلمتنا إلاّ أنّا أحللنا شيعتنا من ذلك».(2)

الظاهر أنّ المقصود خمس الغنائم، وما كانوا يأخذون من الخراج والمقاسمة، يبيعونها من الناس، فإنّهم يوم ذاك كانوا مبتلين بهذه المظالم، وأين هو من أرباح المكاسب، التي كان عامّة الناس جاهلين بحكمها حتّى الشيعة؟!

14. ما رواه الشيخ عن الحارث بن المغيرة النصري... ثمّ قال «نجيّة» : جعلت فداك ما تقول في فلان و فلان؟ قال: «يا نجية إنّ لنا الخمس في كتاب الله ولنا الأنفال ولنا صفو المال، وهما والله أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب الله، وأوّل من حمل الناس على رقابنا»(3) والمراد، هو الغنائم بقرينة أنّ الرجلين حالا بين خمس الغنائم وبين أهل البيت عند تسلّم زمام الخلافة.

15. ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعته


1 . الوسائل: ج 6 ، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 20، 7، 14 .


صفحه185

يقول (عليه السلام): «من أحللنا له شيئاً أصابه من أعمال الظالمين فهو له حلال، وما حرّمناه من ذلك فهو حرام».(1) والحديث راجع إلى أموال الظالمين، وكانوا يوم ذاك يستمدّون في تمويل عمّالهم من جباية الزكاة، والغنائم الحربية وغلّة الأراضي المفتوحة عنوة، فيختص التحليل بهذه المواضع ولا يعمّ غيرها.

16. ما رواه الحكم بن علباء الأسدي، قال: دخلت على أبي جعفر(عليه السلام)فقلت له: إنّي ولّيت البحرين فأصبت بها مالاً كثيراً، واشتريت متاعاً، واشتريت رقيقاً واشتريت أُمّهات أولاد، وولد لي وانفقت، وهذا خمس ذلك المال وهو أُمّهات أولادي ونسائي وقد أتيتك به. فقال: «أما إنّه كلّه لنا وقد قبلت ما جئت به، وقد حللتك من أُمّهات أولادك ونسائك وما أنفقت».(2)

والحديث ظاهر في الغنائم الحربية بشهادة أنّه قال: «أما إنّه كلّه لنا» حيث إنّ الغزو بلا إذن من الإمام من الأنفال، أضف إلى ذلك أنّ الإمام قبل ما قدّم، وحلل ما لم يأت به، فهو على خلاف المقصود أدلّ.

الرابع: التحليل لشخص خاص

هناك ما يدل على أنّ الإمام حلّل الخمس لشخص وهو:

17. صحيح أبي سيّار «مسمع بن عبد الملك» قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي كنت ولّيت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها، وهي


1 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 4.

2 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 13.


صفحه186

حقك الذي جعل الله تعالى لك في أموالنا ـ إلى أن قال: ـ «يا أبا سيّار قد طيّبناه لك وحلّلناك منه فضمّ إليك مالك وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلّلون».(1) وصدر الحديث راجع إلى خمس الغوص أو الربح الحاصل من تجارته، وذيل الحديث يدلّ على تحليل غلة الأراضي المفتوحة عنوة، للشيعة لا تحليل مطلق الخمس.

الخامس: كون التحليل مختصاً بعصر أبي جعفر (عليه السلام)

وهنا رواية تدل على أنّ أبا جعفر (عليه السلام)حلّل الخمس بوجه مطلق وهو:

18. ما رواه حكيم مؤذن بني عيس عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: (واعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَإنّ للهِ خُمُسهُ وَللرَّسُولِ)قال: «هي الإفادة يوماً بيوم، إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا في ذلك في حلّ ليزكوا».(2) ولعلّ التحليل العام كان خاصّاً بأبي جعفر(عليه السلام)، ولأجل ذلك نسبه إليه دون نفسه.

وحصيلة الكلام ، أنّ أحاديث التحليل ترجع إلى أحد الأُمور التالية:

أ. كون المحلّل ، قليل المال أو مهضوم الحقّ.

ب. تحليل مناكح الإماء، لتطيب ولادة أولادهم.

ج. تحليل ما وقع بأيدي الشيعة من الأموال التي لم يخرج خمسها.

د. التحليل لشخص خاص.

هـ. كون التحليل مختصّاً بأبي جعفر(عليه السلام).


1 و 2 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12و 8 .


صفحه187

وأمّا ما رواه معاذ بن كثير بيّاع الأكيسة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «موسّع على شيعتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتى يأتوه به ويستعين به (على عدوه)».(1) فهو على خلاف المطلوب أدلّ، لأنّ المفروض عدم إمكان إيصال الخمس أو مطلق الواجبات المالية إلى الإمام (عليه السلام)وعندئذ يصرف في مصالح الشيعة، ولا يصحّ عند قيام الدولة الحقّة، أو وجود نائبه العام صاحب الولاية في غيبته.

إكمال

ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي، حمل جميع الروايات على المال المنتقل إلى الشيعة الذي لم يخرج خمسه، واستند على ذلك بحديثي يونس بن يعقوب(2) وسالم بن مكرم(3). وقد عرفت الإشكال في الحديث الأوّل، وأنّ التحليل لأجل عسر حال السائل لا كون المال منتقلاً من الغير، نعم لا بأس بحمل الثاني عليه، لكنّه لا يكون دليلاً على تفسير جميع الروايات بنمط واحد، بعد كونها ظاهرة في أمر آخر.

كما أنّ صاحب الحدائق جمع بين الروايات بأنّ الساقط نصف الخمس، وأمّا النصف الآخر ، أعني: حقّ السادة، فلابدّ من دفعه إليهم مستشهداً على ذلك بما مرّ في صحيح ابن مهزيار: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حلّ»(4) وعلى فرض تسليم دلالة الحديث على خصوص حقّه ولم


1 . الوسائل: ج 6، الباب 4من أبواب الأنفال، الحديث 11.

2 و 3 . مر الحديثان برقم 1و 8.

4 . مرّ برقم 2 ولاحظ ما مرّ برقم 9.


صفحه188

نقل أنّ المراد مجموع الخمس لكون أمره بيده فالمجموع حقّه ، إنّ التحليل خاص بالمحتاجين والمعوزين.

إنّ تحليل الخمس في الأموال المنتقلة إلى الشيعة هل يختص بأموال غير المعتقدين بالخمس، أو يعمّ الشيعة المعتقدين به، ولكن يبيعون الأموال بدون تخميس؟ والقدر المتيقن هو الأوّل، وهو مصب الروايات والمتفاهم بقرينة التركيز على لفظة الشيعة، الدال على أنّ المقابل غيرهم، وأمّا إسراء التحليل حتى بالنسبة إلى تجّار الشيعة الذين يتّجرون ولا يخرجون تساهلاً، فغير داخل تحت الروايات.

وبذلك يعلم وجوب تخميس أموالهم الموروثة، قبل التقسيم لكونه داخلاً تحت قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصونَ بها أَوْ دَيْن)(1) وبالورثة إنّما يملكون ما وراءهما، سواء كانت الأموال موجودة أو تالفة والخمس متعلّقاً بالذمّة.


1 . النساء:11.


صفحه189

الرسالة الثالثة والعشرون

المؤونة لغة واصطلاحاً


صفحه190

صفحه191

المؤونة لغة واصطلاحاً   

قد تضافرت الروايات والفتاوى على عدم تعلّق الخمس بالمؤونة، والكلام في المقام في تحديدها وأنّ رأس المال هل هو من المؤونة أو لا؟ وتحقيق المطلب فيه وفي نظائره يتوقف على البحث في أُمور:

1. المؤونة في اللغة

قد ورد لفظ «المؤونة» في غير واحد من الروايات كما ستوافيك، وهل هو أجوف واوي كما يظهر من ابن فارس حيث قال: «مؤن» الميم والواو والنون وهي المُؤن التي تمون عيالك، أي تقوم بكفايتهم وتتحمل مؤنتهم، والأصل موُنة بغير همزة.(1) وعلى ذلك فالفعل «مان، يمون، مؤنة».

أو مهموز العين كما يظهر من القاموس حيث قال: «مأن» بالهمزة وقال: مأن القوم: احتمل مؤنتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز فالفعل «مانهم».

وقال: من ذاك الباب أيضاً: التموّن، كثرة النفقة على العيال، ومأنه: قام بكفايته فهو مموِّن.(2)

وجعله في «اللسان» من كلا البابين وقال: مأن القوم ومأنهم، قام عليهم،


1 . المقاييس:5/286.

2 . القاموس المحيط:4/269 و 273 مادة «المأنة» و «التموّن».


صفحه192

ورجّح كونها في الأصل مهموزة.(1)

2. المؤونة في الروايات

قد ورد في غير واحد من الروايات عدم تعلّق الخمس بالمؤونة، وهي تطلق ويراد منها تارة مؤونة تحصيل الربح مثل ما يصرفه الإنسان في استخراج المعدن والكنز والغوص وما يبذله في طريق التجارة من النفقات، وأُخرى مؤونة سنة الإنسان وعياله ونفقاته ممّا به قوام حياته ومعاشه.

أمّا الأوّل فهو أمر واضح ولا إجمال فيه ولا يصدق الربح بدون استثنائها، وأمّا الثاني فهو أيضاً مسلم إجماعاً ونصّاً، إنّما الكلام في تحديدها، ولنذكر بعض الروايات:

1. عن علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام)عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزَكّي، فأخذ منه العُشر عَشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع(عليه السلام): «لي منه الخمس ممّا يفضل عن مؤونته».(2)

والضمير في قوله: «لي منه» يرجع إلى قوله: «ستّون كرّاً» والمراد مؤونة سنته، والرواية دالة على أنّ ما يصرف في عمارة الضيعة ـ ولو لأجل تحصيل الربح في غير سنة الربح ـ مستثنى من الخمس، حيث إنّ ما صرفه في عمارة


1 . لسان العرب:13/369; مادة «مأن».

2 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .


صفحه193

الضيعة يرجع إلى غير سنة الربح.

2. عن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد (الثقة) قلت له: ...ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم.(1) و المراد به بقرينة ضمير الجمع مؤونة الرجل والعيال.

3. وفي مكاتبة الهمداني التي قرأها علي بن مهزيار الواردة في حاصل الضيعة وأنّ عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وخراج السلطان.(2)

4. وفي مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي جعفر(عليه السلام): « ...فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك».(3)

نعم ورد في مكاتبة البزنطي إلى أبي جعفر(عليه السلام): الخمس أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب:« بعد المؤونة».(4) كما ورد في توقعيات الرضا (عليه السلام) إلى إبراهيم بن محمّد الهمداني أنّ الخمس بعد المؤونة، وهي مردّدة بين مؤونة التحصيل ومؤونة السنة.(5) ولعلّ ما حكاه محمّد بن الحسن الأشعري من كتابه لبعض أصحابنا، إلى أبي جعفر (عليه السلام)، وقد جاء فيه: «الخمس بعد المؤونة» هو نفس رواية البزنطي، والاحتجاج بهما أو بها فرع


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 .

2 و 3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.

4 و 5 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.


صفحه194

وجود الإطلاق في لفظ المؤونة وعدم انصرافها في ذلك العصر إلى ما ينفق في تحصيل الربح.

3. المراد مؤونة السنة

المتبادر من المؤونة هو مؤونة السنة، وهو صريح كلمات الفقهاء، قال الشيخ: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤونة الرجل لنفسه ومؤونة عياله سنة.(1)

وقال ابن إدريس:ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور بعد أخذها، ولا يعتبر مؤن السنة بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت تحتاج إلى ذلك.(2)

أقول: وقع لفظ السنة والعام في رواية علي بن مهزيار، قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول».

وقال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».

وقال: «فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته».(3)


1 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.

2 . السرائر: 1/489، كتاب الخمس.

3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


صفحه195

وقد قارن المؤونة بخراج السلطان الذي يؤخذ كلّ سنة في رواية إبراهيم الهمداني.(1)

ولأجل هذه التعابير حمل الفقهاء، المؤونة على مؤونة السنة ولو أُريد ذلك فهو، وإلاّ فإرادة غيرها تحتاج إلى قرينة.

4. الآراء في تحديد المؤونة

ما هو المراد من المؤونة المستثناة؟ وقد عرفت أنّ القاموس فسرها بالقوت، ومن المعلوم أنّه تفسير بأظهر الأفراد، فالمستثنى لا يختص بما يأكل بل يعمّ الملبس والمسكن ، ولذلك عمّمها في ذيل كلامه بـ «ما قام بكفايته»، وبما أنّ الفرّاء فسره بالتعب والشدّة، والمازني بما ثقل على الإنسان ـ كما في اللسان ـ يكون المقصود: ما ينفقه الإنسان في سبيل حياته ويُحصِّله بتعب وشدّة، ثمّ أطلق على كلّ ما ينفقه في هذا الطريق من دون اعتبار تعب والقدر المتيقن ما ينفقه في مأكل نفسه وعياله، وملبسهم ومسكنهم وما يتوقف عليه قوام نظام معاده ومعاشه. فيدخل في الأوّل ما ينفقه في طريق واجباته، كما يدخل في الثاني، ما ينفقه في مأكله وملبسه ومسكنه وما يُنفقه في طريق الفرائض العرفية هذا هو القدر المتيقن.

ولكن الظاهر من الشيخ الأعظم هو كون النفقة أوسع من ذلك، قال الشيخ الأعظم في تفسيرها: ما يحتاج إليه الشخص في إقامة نظام معاده ومعاشه، ولو على وجه التكميل، غير الخارج عن المتعارف بالنسبة إلى مثله


1 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.


صفحه196

من حيث الغنى والشرف، فمثل الضيافات والهبات ممّا يتعلّق بالدنيا، ومثل الزيارات والصدقات والإحسانات داخل في المؤونة بشرط عدم خروج ذلك من متعارف أمثاله.(1)

والأوّل أحوط والثاني أقوى.

ويدخل في ذلك ما لا يصرف ويبقى طيلة سنين، كالسجاجيد والأواني وما شابههما.

إنّما الكلام في إخراج رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به، فهل يجب إخراج خمسه ثمّ الاتّجار به أو لا؟ فيه وجوه:

1. تعلّقه مطلقاً.

2. عدم تعلّقه به كذلك.

3. التفصيل بين ما كان في نفسه محتاجاً إليه بحيث لولاه عاد فقيراً أو شاغلاً بشغل يعدّ نقصاً له فلا يتعلّق به.

وأمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان قادراً على المعيشة من طرق أُخرى مناسبة لشأنه كالتعليم والخياطة والطبابة، فيتعلّق به.

4. التفصيل بين رأس مال يعادل مؤونة سنته وبين الزائد عليه، فلا خمس في خصوص الأوّل.

وجه الأوّل: واضح لأنّ المتفاهم من «المؤونة» ما يصرف و ينفق في


1 . كتاب الخمس: 92.


صفحه197

ضروريات الحياة أو كمالاته، وأمّا رأس المال فهو وسيلة لتحصيل المؤونة وما يصرف، فلا تشمله الأدلّة، وقد عرفت من أصحاب المعاجم أنّه إذا كان من باب «مأن، يمون» يكون بمعنى «صرف، يصرف» أو «أنفق، ينفق» وقال في القاموس: التموّن عبارة عن كثرة النفقة على العيال، فكأنّه أخذ في مفهومه، الصرف، ورأس المال ليس كذلك.

وبعبارة أُخرى: أنّ رأس المال إنّما يكون محتاجاً إليه في السنة اللاحقة، وأمّا سنة الربح فهو حاصل لديه غير محتاج إلى رأس مال آخر.

وجه الثاني: أنّ تخصيص المؤونة بما يصرف ينافي عدّ الأواني والسجاجيد والشجرة المثمرة والبقرة إذا احتاج إلى ثمرتها ولبنها، من المؤونة. وعلى ذلك فكلّ ما يكون قواماً للحياة سواء كان ممّا يصرف أو سبباً لتحصيله، فهو من المؤونة.

ولا يخفى وجود الفرق بين المقام والأمثلة المعدودة منها، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه، فصرف الأواني والسجاجيد باستعمالهما حتى تندرس، ولمّا كان الثمر و اللبن معددوين من أجزاء الشجرة والبقرة فالاستفادة منهما نوع إهلاك لهما تدريجاً بمرور الزمن، وهذا بخلاف المقام إذ الاسترباح بالاتجار مع حفظ رأس المال لا يعدُّ صرفاً له ونوع إهلاك له.

وجه الثالث: وهو خيرة أكثر الأعاظم، هو أنّه إذا كان محتاجاً إلى رأس المال بحيث لولاه لوجب الاشتغال بشغل لا يناسب شأنه أو تأمين حياته بالصدقات والمبرّات، فيصير عندئذ كحُليّ المرأة والسجاجيد والأواني المحتاج إليها.


صفحه198

والحاصل ، وجود الفرق بين ما إذا كان الاحتياج إليه لتحصيل المؤونة فقط مع تمكّنه من تحصيلها بطرق أُخرى ملائمة لشأنه، وبين انحصار الطريق بالاتجار برأس المال بحيث لولاه لعاد فقيراً أو مشتغلاً بشغل لا يلائم، نعم لو كان أداء الخمس غير مخلّ بالاتجار بالباقي، يجب عليه الخمس بلا كلام.

وجه الرابع: إذا استفاد الرجل في أوّل السنة مقدار 360 ديناراً وفرضنا أنّ مؤونته كلّ يوم دينار واحد ولكن صرفه في المؤونة كما يمكن بصرفه كلّ يوم ديناراً، يمكن باشترائه سيارة ليعيش بأُجرتها كلّ يوم ديناراً، وعلى ذلك فهو محتاج إلى صرف ذلك المبلغ بأحد الوجهين فلا موجب لتعين الأوّل، والخمس يتعلّق بمازاد على الحاجة.(1)

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يتم إذا حصل مثل ذلك الربح في بدايات السنة، فيقال: إنّ المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، فهو مخيّر بين أحد الأمرين ولا موجب لتعيّن الأوّل. وأمّا إذا حصل في أواخر السنة، فلا يتم، بل يتعلّق الخمس بما بقي من مثل ذلك الربح.

والنزاع في التعلّق وعدمه يدور حول تفسير المؤونة المستثناة، وهل هي تختص بما يصرف وينفق أو يعمّه؟ وما يتوقّف عليه تحصيل ما يصرف وينفق فعلى الأوّل يتعلّق به دون الثاني، ويمكن استظهار الوجه الثاني بوجوه:

1. ما رواه علي بن محمّد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن


1 . مستند العروة الوثقى: 246، كتاب الخمس.


صفحه199

الثالث(عليه السلام)عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ، ما يزكّي، فأخذ منه العُشر، عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستّون كرّاً ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع (عليه السلام): «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».(1)

فقد فرض الراوي عدم تعلّقه على ما صرفه في عمارة الضيعة، والظاهر من الجواب بحكم السكوت عدم تعلّقه به حيث لم يردّ عليه، وأجاب بأنّه يتعلّق على الستين كرّاً بعد استثناء مؤونة الرجل، وليس الصرف في عمارة الضيعة ممّا ينفق بل ممّا يتوقف عليه تحصيله.

وبعبارة أُخرى: هذا المقدار ليس نفس المؤونة، بل ممّا يتوقف عليه تحصيلها.

2. ما في صحيحة أبي علي بن راشد، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده، فقال:« إذا أمكنهم بعد مؤونتهم».(2) حيث إنّ الإمام لم يتعرّض لخمس ما يتّجر به، وخمس أدوات الصناعة بل سكت عنه.

3. الاستئناس بما يصرفه في الملبس والمسكن والأواني والحلي لزوجته والخاتم لنفسه، فإنّ الجميع من باب واحد، وهو أنّه ليس فيه إتلاف العين وصرف المال، بل إبقاؤه إمّا بنفسه كما في رأس المال، أو إبقاؤه بصورة أُخرى ويجمع الكل توقّف المعيشة عليه من غير فرق بين أن يقدر على شغل آخر، لا يتوقف على وجود رأس المال وما لا يقدر، لأنّ المحتاج إليه


1 و 2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.


صفحه200

هو الجامع بين الاكتساب برأس المال، أو الاشتغال بشغل غير موقوف عليه، وتعيين الثاني يتوقف على دليل.

نعم لو كان له مال آخر يصلح لأن يتّجر به، فلا وجه لإخراج رأس مال آخر عن تحت أدلّة الخمس.

فقد ظهر ممّا ذكر عدم اختصاص المؤونة بما يصرف و ينفق بل يعمّ ما يتوقف عليه تحصيل ما يُنْفَق، كرأس المال، وأدوات الإنتاج. وبالجملة ما يتوقف عليه نظام معاشه ويكون محتاجاً إليه بالفعل، ويعدُّ وسيلة لتحصيل ما ينفقه، فهو مؤونة. وبالجملة «رأس المال» برزخ بين صرف الربح وإفنائه، وبين حفظه وإيداعه في «المصرف» خوفاً من الضياع، فهو لا من قبيل الأوّل ولا من الثاني، ولكنّه وسيلة ومقدمة لتحصيل ما ينفقه فهو في نظر العرف مؤونة.

ولو استطاع تحصيل ما ينفق من عمل آخر كالخياطة والكتابة، يكون المحتاج إليه هو الجامع بين العمل، والاتجار برأس المال فلا دليل على تعيّن الأوّل بل هو مخيّر بين العملين.

وأولى منه إذا كان محتاجاً في إعاشة سنته أوحفظ مقامه إلى تجارة متقومة بمجموعه بحيث إذا أخرج خمسه لزم التنزل إلى كسب لا يفي بمؤونته أو لا يليق بمقامه وشأنه.

نعم لو كان المخصص مجملاً وشكّ الفقيه في صدقه على مثل رأس المال، فالمرجع عموم العام، لعدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام، كما حقق في محلّه.


صفحه201

 

5. ما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية

هل تعمّ المؤونة لما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية، كصرف الربح في غرس الأشجار، وتسطيح الأرض وإصلاحها ليستغلّها في السنين الآتية ويعيش على فوائدها ومنافعها، أو لا لعدم الحاجة إليه بالفعل؟

الظاهر من الشيخ هو التعميم، قال:والظاهر أنّه لا يشترط التمكّن من تحصيل الربح منه بالفعل، فيجوز صرف شيء من الربح في غرس الأشجار لينتفع بثمرها ولو بعد سنين، وكذلك اقتناء إناث أولاد الأنعام لذلك.(1)

ويمكن الاستشهاد عليه برواية ابن شجاع النيسابوري كما مرّ.

6. ادّخار الربح لشراء الدار بعد سنين

إذا لم تكن له دار واحتاج إلى شراء دار، ولا يتمكّن من شرائها بالربح الحاصل في سنة واحدة، بل يتوقف على جمع أرباح سنين، فهل تحسب من المؤونة أو لا؟الظاهر هو الثاني وإنّما يحسب من المؤونة إذا أمكن رفع الحاجة بأحد الأمرين: صرف العين أو صرف المنافع، والمفروض عدم وفاء ربح السنة الأُولى لشراء المسكن، بل لا محيص عن صرف العين بالإيجار إلى سنتين أو سنين، وهذا بخلاف رأس المال، بأنّ المحتاج إليه فيه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، ولاموجب لتعيّن الأوّل.


1 . كتاب الخمس: 201.


صفحه202

 

7. بيع داره التي اشتراها في السنين السابقة

لو باع داره التي اشتراها في السنين السابقة وقبض ثمنها فلا يخلو عن صورتين:

إمّا أن يشتري بثمنه داراً، أو لا.

أمّا الصورة الأُولى، فلا يتعلّق به الخمس، وذلك لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين شراء دار أو إيجارها، ولا وجه لتعيّن الثاني، بل هو مخيّر بين الصرف في الأوّل، وإعطاء الخمس، ومنه يعلم حكم الصورة الثانية.

في مبدأ السنة الّتي يجب الخمس فيها

لما كان الخمس متعلّقاً بما زاد على مؤونة السنة، وقع الكلام في مبدئها، والأقوال أربعة:

1. الشروع بالاكتساب.

2. ظهور الربح وحصوله.

3. الفرق بين الاكتساب، والفائدة الاتفاقية، فالمبدأ في الأوّل، هو الشروع في الاكتساب; وفي الثاني حصول الربح، من غير فرق بين الاكتساب المقارن لحصول الربح من أوّل يومه، أو عدمه، أعني: ما لا يربح إلاّ بعد فترة.

4. الفرق بين التجارة والصناعة، فالمبدأ هو حال الشروع بهما وبين الزراعة والغرس وتربية الأنعام، فالمبدأ هو حصول الربح.


صفحه203

هذه هي الوجوه المحتملة.

وعلى هذا فلو شرع في الكسب في محرّم الحرام، وربح في شهر رجب، فعلى القول بكون المبدأ هو الشروع تُسْتثنى مؤونةُ بين الشهرين من ذاك الربح وتتم سنة الربح في آخر ذي الحجة، ولكن على القول بكون المبدأ هو حصول الربح لا تستثنى وتتم سنة الربح في آخر جمادى الآخرة وتستثنى مؤونة النصف الأخير منه.

أمّا الأوّل: فهو خيرة الدروس والحدائق والشيخ الأعظم.

قال في الدروس(1) كما قال في الحدائق: ولا يعتبر الحول في كلّ تكسّب، بل مبدأ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تمّ الحول، خمّس ما بقي عنده.(2)

وقال الشيخ الأعظم: ومبدأ السنة من حين ظهور الربح ـ كما صرّح ـ أو التكسّب.(3)

وجهه أنّ المتعارف بين العقلاء في عام الربح والمؤونة المستثناة هو عام الشروع في العمل كما هو الحال قطعاً في الصنائع المبنيّ ربحُها على التجدّد يوماً فيوماً، أو ساعة بعد أُخرى، تنزيلاً لها باعتبار إحرازها قوّة، منزلة الربح الواحد الحاصل في أوّل السنة.(4)

يلاحظ عليه: أنّه يتم في مثل ما يتجدّد ربحه يوماً فيوماً لا في مطلق


1 . الدروس: 1/259، كتاب الخمس. 

2 . الحدائق:12/354.

3 . رسالة الخمس:201.  

4 . الجواهر:16/81.


صفحه204

الاكتساب، فلا وجه لاحتساب المؤونة السابقة على حصول الربح، مع فرض تأخّر حصوله عن أوّل زمان التكسّب، إذ هو حينئذ كالزمان السابق على التكسّب.(1) ولذلك فصّل صاحب العروة بينه وبين ما لا يحصل بالاكتساب من الفوائد، فإنّ مبدأ عامه زمان حصوله، لأنّ نسبته إلى الأزمنة السابقة سواء، وبذلك يظهر وجه القول الثالث الذي هو خيرة صاحب العروة (قدس سره) .

وأمّا الثاني: فهو خيرة المسالك والروضة والمدارك والكفاية والجواهر، قال في المسالك: يجب في الأرباح فيما علم زيادتُها عن المؤونة المعتادة من حين ظهور الربح، ولكن الوجوب موسّع طول الحول من حين ظهور الربح، احتياطاً للمكلّف باحتمال زيادة مؤونته بتجدّد ولد ومملوك وزوجة وضيف غير معتاد وغرامة لا يعلمها وخسارة في تجارة، ونحو ذلك.(2)

وقال في الروضة: والمراد بالمؤونة هنا مؤونة السنة ومبدؤها ظهور الربح.(2)

وقال في المدارك : ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شيء من الربح ثمّ احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك الحول كان حسناً(4) .

وعلّله في الجواهر: بأنّ المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤونة السنة من أوّل حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس.


1 . الجواهر:16/81 .   2 . المسالك:1/468.

2 . الروضة البهيّة:1/182.   4 . المدارك:5/391.


صفحه205

وما ذكره في الجواهر من كون الخطاب بالخمس بعد ظهور الربح
هو المعتمد، فما لم يربح لا موضوع للأمر بالتخميس، ولا لقوله(عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة» وإنّما يتوجّه الخطاب بالتخميس، وبعده الخطاب
بأنّه يتعلّق بالفاضل عن المؤونة إذا ربح لا قبله، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من إخراج مؤونة السنة هو عام حصول الربح وظهوره لا من عام الشروع.

وإن شئت قلت: إنّ الخمس يتعلّق بمال المغتنم، لا الشارع بالكسب ولا من جعل نفسه في مهبِّ الغنم وإن لم يصل إليه، فلا معنى لتعلّقه بمن لم يغنم كما هو لازم قول القائل: بأنّ المراد عام الاكتساب. فإنّ تجويز استثناء المؤونة التي صرفها في الفصول التي لم يربح فيها من الربح الحاصل في الفصول الأُخرى فرع توجّه الخطاب بالتخميس في عام الشروع حتّى يصحّ خطاب الاستثناء، مع أنّ المفروض تأخّر الخطاب إلى زمان ظهور الربح، وهذان لا يجتمعان.

وأمّا إخراج المؤن المصروفة لحصول الربح وإن كانت قبله فلأجل عدم صدقه لو لم يتفاضل الربح عليها، فلو كان الربح مساوياً لها أو كان أقلّ لا يصدق عليه أنّه اغتنم، وقد مرّ توضيحه.

وربّما يؤيد المختار بوجهين:

1. إنّ عدم بيان مبدأ السنة مع كون المتكلّم في مقام البيان يقتضي الحمل على عام حصول الربح، لأنّ تعيّن زمان ظهور الربح يصلح لأن يكون


صفحه206

قرينة على تعيّن المبدأ وليس ما يصلح لتعيينه سواه، فيتعين أن يكون الاعتماد عليه.(1)

2. لزوم التفكيك في مبدأ العام بين الفوائد، إذ لا ريب أنّ مبدأ العام بالنسبة إلى الفوائد غير الحاصلة بالكسب أوّل زمان حصول الفائدة والخطاب لا يقبل التفكيك.

يلاحظ على الأوّل: أنّه لا وجه لكون مقتضى الإطلاق المقامي ما ذكره مع قطع النظر عمّا ذكر صاحب الجواهر، من توجّه الخطاب بعد حصول الربح، فليس هو دليلاً بحياله بدونه.

يلاحظ على الثاني: بأنّ القول بالتفصيل ليس تفكيكاً في مفهوم عام الربح، وإنّما هو تفكيك في مصداقه، ولا مانع منه، فعام ربح كلّ شيء بحسبه، فعام ربح التجارة والصناعة ممّا يحصل الربح فيه متدرجاً غالباً، هو عام الشروع، وعام ربح الزراعة أو ما يحصل من طريق الاكتساب من الجوائز والميراث غير المحتسب هوعام ظهور الربح.

وبما ذكرنا علم أنّ الشارع تلقّى أرباح السنة غنيمة واستثنى منه ما يصرف في تحصيل الربح أو في حوائج الإنسان، وبكلمة جامعة ما يجلب به الربح، أو يُدفع به الضرّ.

وهل يجب عليه، أن يجعل مبدأها، مبدأ السنة القمرية أو الشّمسية، أو له الخيار في اتخاذ أيّ شهر مبدأً إلى أن يمضي عليه اثنا عشر شهراً؟ الظاهر


1 . المستمسك:9/536.


صفحه207

هو الثاني.والميزان طبيعة السنة، لا السنة المعيّنة.

كما أنّه لا فرق بين السنة القمرية أو الشمسية الهجريّة أو الميلاديّة كما هو مقتضى الإطلاق، على أنّ الضياع والغلاّت الواردة في صحيحة ابن مهزيار، تناسب الشهور الشمسية، فظهور الربح فيها إنّما هو بانتهاء الصيف الذي يحصد الزرع، ويصفّى الحبّة ويباع وينضاض الربح.

في معاني أُخرى للمؤونة

قد تطلق المؤونة ويراد منها ما يبذل في طريق تحصيل الربح كأُجرة السيارة والدكان وحقوق الموظفين والدلال وغيرها ممّا يتوقف عليه تحصيل الربح، ولا كلام في عدم تعلّقه به لعدم صدق الاسترباح إذا كان ما صرفه في سبيل تحصيله مساوياً لما استفاده، بل يعدّ في العرف خاسراً ومضيّعاً للوقت ورأس المال.

وقد تطلق ويراد منها ما يصرف في معاش نفسه وعائلته سواء كانت واجبة النفقة أم لا، وقيده صاحب العروة(رحمه الله) بقوله:«بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة» وجه التقييد انصرافها إلى المتعارف بحسب شؤونه وخصوصيات حياته، فلو كان الميزان هذا فهو، وإلاّ لوجب البيان، كما هو كذلك في الإنفاق على الزوجة وكلّ من وجب الإنفاق عليه، فالكل مكلّف بما يليق بشأنه، والإسراف والتوسع والتقتير يلاحظ بحسب حاله، وهو يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد ومنزلتهم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَلا تَجْعَلْ


صفحه208

يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطها كُلّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (1)وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يسرفُوا وَلَمْ يقْتروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قواماً)(2) غير أنّ القوام ونحوه يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد إذ رُبّ فعل يعدّ بالنسبة إلى أحد تقتيراً ولا يعدّ بالنسبة إلى فرد آخر كذلك، قال
سبحانه: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوان الشَّياطين) (3)، وقال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين) (4)، وقال:
(وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّار الآخرَة وَلا تَنْس نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْك وَلا تَبْغ الْفَساد فِي الأَرْض إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين).(5)

هذه الآيات تهدف إلى أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل، وفي الروايات الإسلامية تصريحات بذلك، فلنكتف بهذا المقدار وهذا التفصيل حاكم على جميع الأُمور من المستحبّات الشرعية والأفعال القربيّة.

نعم استشكل فيه صاحب مستند العروة، وقال: الظاهر عدم صحّة التفصيل وأنّه لا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر، فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل الله ذخراً لآخرته لينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤونة لاحتياج الكل إلى الجنّة ولا يعدّ ذلك من الإسراف والتبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدس بذلك.(6)


1 . الإسراء:29.  

2 . الفرقان:67.

3 . الإسراء:26ـ27.  

4 . الأعراف:31.

5 . القصص:77.   

6 . مستند العروة:250 ، كتاب الخمس.


صفحه209

ولكن ظاهر الآية يصادمه حيث يقيد الإنفاق الذي هو أمر مستحب بالقوام وينهى عن الإسراف في الإنفاق والتقتير، والظاهر من الآيات والروايات أنّ الاقتصاد في العبادات والمعاملات هو المرضيّ.

في أقسام المؤونة

إنّ المؤونة على قسمين، تارة لا تبقى عينه مع الصرف كالمأكول، وأُخرى تبقى معه كالأواني والسجاجيد، فلا يجب الخمس بعد مضيّ السنة، وهذا القسم على قسمين، تارة تبقى عينه مع بقاء الحاجة إليها كما في المثالين وأُخرى مع انتفائها عنها كحليّ النساء وسيجيء من صاحب العروة التعرّض للقسم الثاني منه، أمّا الأوّل فلأنّه بعد ما صرف الربح في شراء الأواني واستمرّت الحاجة إليها يعدُّ من المؤونة، ورفع الحاجة عنهما بالإيجار مع كونه على خلاف المتعارف، فيه نوع حرج وعسر، فهو بهذه الصورة داخل في المستثنى.

وهناك بيان آخر لبعض المحقّقين، وهو: أنّ موضوع الخمس هو الفائدة، ولا يطلق بعد مضيّ السنة أنّه استفاد مع بقاء الحاجة، بل مع الاستغناء عنها كالحليّ للنساء، أو بعض الكتب لأهل العلم، فليس هناك إفادة جديدة وفائدة حادثة.

كما سيوافيك عند تعرّض صاحب العروة لحكم القسم الثاني: أعني: ما إذا صرف الربح في مورد الحاجة، لكن استغنى عنه بعد.


صفحه210

 

في جواز إخراج المؤونة من الربح

لا شكّ في جواز صرف الربح في المؤونة إذا لم يملك شيئاً سواه، كما أنّه لا شكّ في جواز إخراج المؤونة ممّا يملك سوى الربح، إنّما الكلام إذا كان له مال آخر لا يحتاج إليه وادّخره لهدف آخر، فهل يجوز صرف الربح في المؤونة مع وجود مال زائد له أو لا؟

الأقوال ثلاثة: عدم جواز إخراجها منه، وجواز إخراجها، والتوزيع. ثمّ إنّ المال الآخر إمّا أن يكون محتاجاً إليه من كسبه وتجارته كرأس المال أو لا، وعلى الثاني، إمّا أن يكون ممّا جرت العادة على صرف الزائد في المؤونة كالأقوات والثمار الباقية من السنة الماضية أو لا، كالضياع والعقار والزائد من رأس المال.

وعلى كلّ تقدير ، فالكلام تارة في إخراج المؤونة من الربح وصرفه فيها حتى لا يتعلّق بمقدارها مع كونه مالكاً لمال لا خمس فيه، وأُخرى في احتساب مايجده من المؤونة حتى يضع قيمتَه من الربح.

والكلام في المقام في القسم الأوّل، أعني: جواز إخراج المؤونة من الربح حتى لا يتعلّق بمقدارها الخمس، أو عدمه بحيث لو أخرج يتعلّق به الخمس ، أو التوزيع.

وأمّا الكلام في القسم الثاني، أعني: احتساب ما يجده من المؤونة لغاية وضع قيمته من الربح فسيأتي التعرّض له في كلام صاحب العروة، أعني


صفحه211

قوله: «ولو كان عنده عبد أو جارية» إذا عرفت ذلك فنقول:

قد استدل للقول بعدم جواز الإخراج من الربح بما ذكره الشهيد الثاني بقوله: ولو كان له مال آخر لا خمس فيه إمّا لكونه مخمساً أو لانتقاله إليه بسبب لا يوجب الخمس به، كالميراث، والهبة، والهدية والمهر، وعوض الخلع فالمؤونة مأخوذة منه في وجه وعن الأرباح في آخر، والأوّل أحوط، والأعدل احتسابها منهما بالنسبة، فلو كانت المؤونة مائة، والأرباح مائتين، والمال الآخر ثلاثمائة مثلاً بسطت المؤونة عليهما أخماساً، فيسقط من الأرباح خمسها، ويخمّس الباقي وهو مائة وستون وهكذا.(1)

وقال المحقّق الأردبيلي: لو كان عنده ما يموّن به من الأموال التي تصرف في المؤونة عادة (فالظاهر عدم اعتبارها ممّا فيه الخمس)(2) بل يجب الخمس من الكلّ لأنّه : 1. أحوط، 2. ولعموم أدلّة الخمس، 3. وعدم وضوح صحّة دليل المؤونة، وثبوت اعتبار المؤونة على تقدير الاحتياج بالإجماع ، 4. ونفي الضرر، وحمل الأخبار عليه وتبادر الاحتياج من بعد المؤونة «الواقع في الخبر»، 5. ولأنّه يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها أصلاً، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعاتهم والأكابر من التجّار والزرّاع، وهو مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة، ويحتمل التقسيط، ولكنّه غير مفهوم من الأخبار، إلاّ أنّه أحوط بالنسبة إلى إخراجها من الأرباح بالكلّية.(3)


1 . المسالك: 1/465.  

2 . ما بين القوسين مجمل، فتأمّل.

3 . مجمع الفائدة:4/318.


صفحه212

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا وجه للتمسّك بالاحتياط بعد وجود الدليل على أحد القولين.

وثانياً: أنّ القول بعدم صحّة دليل (خروج) المؤونة غير تام، وقد عرفت وجود روايات صحيحة، وبذلك يظهر عدم تمامية ما فرّع عليه من ثبوت خروج المؤونة بالإجماع.

وثالثاً: أنّ نفي الضرر من جانب أصحاب الخمس معارض بنفيه عن المكتسب.

والمهم في المقام أنّ المقام من مصاديق التمسّك بإطلاق المخصص، أعني: الخمس بعد المؤونة الذي يشمل ما لو كان له مال، وليس من مصاديق التمسّك بإطلاق العام، أعني: آية الخمس وغيرها.

ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّ لازمه عدم تعلّق الخمس على أرباح التجارة، غير تام، لأنّ مؤونتهم وإن كانت كبيرة إلاّ أنّ أرباحهم غالباً أكثر من مؤونتهم.

وبذلك يظهر وجه القول الثالث وهوإطلاق أدلّة المخصص، وادّعاء انصرافه إلى صورة الحاجة صحيحة لو أُريدت الحاجة النوعية، وهو حاصل، وإن أُريدت الحاجة الشخصية إلى صرف الربح وإن لا يملك الإنسان سواه فلا وجه له.

وبذلك تبيّن وجه القول الثاني وهو جواز إخراج المؤونة من الربح أخذاً بإطلاق الصحيحة.

هذا كلّه إذا كان الربح غير مخلوط مع سائر الأموال، وأمّا إذا كان مخلوطاً


صفحه213

كما هو الغالب، فالحكم كذلك أيضاً، لأنّ سيرة العقلاء خلط الأموال بعضها مع بعض.

وقوله(عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة» وارد في هذه الظروف، فتكون النتيجة وضع ما صرفه في المؤونة عمّا استحصله ربحاً ثمّ إخراج الخمس من الربح الباقي. هذا كلّه حول القسم الأوّل، أعني: جواز الإخراج من الربح مع كونه مالكاً لما يمكن صرفه في المؤونة.

وأمّا الكلام في احتساب ما يملكه من المؤونة لغاية وضع قيمته من الربح، وهذا هو الذي أشار إليه في آخر كلامه، فالظاهر عدم صحّة الاحتساب، لأنّ الظاهر أنّ المراد من المؤونة في الصحيحة هو المؤونة الفعلية لا التقديرية بحيث لو لم يكن واجداً كان من المؤونة.

وإن شئت قلت: المراد نفس المؤونة، أي ما يصرف وينفق في سبيل الحياة لا مقدارها، فالخمس بعد نفس المؤونة المصروفة لا مقدارها حتى يصحّ له وضع قيمة الشيء عن الربح. نعم يجوز له صرف الربح في تحصيل ما يجده ثانياً كاستخدام خادم ثان إذا لم يعدّ إسرافاً وتبذيراً.

وبذلك يعلم أنّ الحقّ هو التفصيل في جميع صور المسألة، وهو أنّه يجوز صرف الربح في اشتراء مثل ما يجده في البيت من الأثاث والأقوات، بل وحتى الدار وإن كان واجداً لها ميراثاً إذا كان مناسباً لشأنه، ولا يجوز احتساب قيمة ما يجده من المؤونة ووضعها من الربح.


صفحه214

 

الزائد على المؤونة بسبب التقتير

يجب الخمس فيما قتّر على نفسه وبقي زائداً على المؤونة، وذلك لما ذكرنا من أنّ المراد من المؤونة الفعلية لا التقديرية، أي لو لم يكن مقتّراً لصرفه وأنفقه. وبعبارة أُخرى: المراد ما يصرف لا مقدار ما يصرف.

ولكن ظاهر عبارة العلاّمة في «التذكرة» أنّه لو قتّر يحسب له قال: بعد إخراج مؤونة السنة له ولعياله على الاقتصاد من غير إسراف ولا تقتير .(1)ولعلّ وجهه حمل المؤونة على مقدارها، سواء أسرف أم قتر.

ووافقه الشهيد في المسالك قال: فإن أسرف حسب عليه ما زاد، وإن قتر حسب له ما نقص.(2)

الاقتراض للمؤونة من بداية السنة

المسألة مبنية على ما سبق ، وهو أنّ مبدأ السنة هل هو مبدأ الشروع في الاكتساب أو مبدأ حصول الفائدة؟ فلو قلنا بالأوّل، صحّ وضع مقداره من الربح; وأمّا إذا قلنا بالثاني، فلا وجه لوضع ما صرفه من رأس المال في مؤونته، إذ لا يعدّ المصروف من مؤونة سنة الربح، وهذا فيما إذا صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح وأمّا إذا استدان فالكلام فيه كالكلام في الدين السابق على عام الربح، وقد فصّل صاحب العروة الكلام فيه في


1 . تذكرة الفقهاء: 5 / 420 . 

2 . المسالك: 1/464.


صفحه215

المسألة (71) وقال بأنّه إذا لم يتمكّن من أدائه يُعدّ الأداء والإخراج من مؤونة ذاك العام.

ولكن التحقيق أنّ أداء الدين المطالب يعدّ من مؤونة السنة التي أدّى فيها دينه وإن كان السبب سابقاً من استدانة أو إتلاف أو قتل، لكن المسبب، أعني: لزوم إخراج ذمّته منه، متحقّق بالفعل كلزوم إطعام نفسه وعياله.

لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة

لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به ـ مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها ـ فالأقوى عدم الخمس فيها، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط إخراج الخمس منها، وكذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.

أمّا الأوّل ، أعني: ما لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة وليس من شأنه البقاء فلأجل تبيّن الخلاف، وانكشاف أنّه لم يكن مؤونة وإنّما تخيّل حاجته إليه ولا وجه للاستصحاب موضوعياً كان أو حكمياً بعد انكشاف الخلاف فيشمله الإطلاق.

وأمّا الثاني: إذا بقي ما كان مؤونة من السنة السابقة إلى اللاحقة كالأواني والألبسة والفرش، فهل يجب فيها الخمس، أو لا؟ وجهان مبنيان على استظهارين من قوله(عليه السلام):«الخمس بعد المؤونة» فإن قلنا بأنّ المتبادر منه هو


صفحه216

أنّ وصف الشيء بالمؤونة في فترة من الفترات كاف في عدم تعلّقه به، وإن خرج عن المؤونة في أثناء السنة أو بعد انتهائها كما لو احتاج إلى شراء بعض الأعيان في بعض الشهور واستغنى عنه بقية السنة، فلا يتعلّق بها الخمس بعد انتهاء السنة.

وإن قلنا بأنّ الخارج ما يعدّ من مؤونة السنة مادام كونه من مؤونتها، فلو خرجت السنة وبقيت عينها لم يصدق عليها أنّها من مؤونة السنة التي ربح فيها، بل هو بعد خروج السنة يعدّ غنماً وفائدة.

أقول: الظاهر عدم وجوب الخمس، لأنّ ما هو المؤونة في سنة الربح في مثل الدور والثياب والألبسة عبارة عمّا لا تفنى بانتهاء السنة، بل المؤونة في سنة الربح في مثل تلك الأشياء هي الأعيان التي تبقى سنين ولا تفنى بانتهائها، فهذه اللوازم بهذه الخصوصية تعدّ مؤونة لسنة الربح، وقد خرج عن تحت العام، وبقاؤها بعد انتهاء سنة الربح لا يخرجها عن كونها مؤونة لسنة الربح، فهذه الأشياء بهذه الخصوصية مؤونة السنة، وهي لا تنقلب عمّا هي عليها.

وبالجملة: كون الشيء مؤونة لسنة الربح على قسمين: قسم يكون مؤونة بوجوده المؤقّت كالأقوات، وقسم يكون مؤونة لها ومن شأنه البقاء مدّة تزيد على السنة فهو بهذا الوصف خرج عن تحت العام فلا معنى لتعلّقه به بعد انتهاء السنة.

وإن شئت قلت: إذا أحسّ الإنسان بحاجة إلى اللباس والفرش في سنة من السنين لا يقوم بابتياع ما يسدّ حاجته في تلك السنة خاصة، بل يقوم


صفحه217

بابتياع ما من شأنه أن يسدّ حاجته سنين متمادية، هذه هي طبيعة الإنسان وخاصة تلك اللوازم، فإذا خوطب هذا الإنسان بقوله(عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة» يحكم على تلك اللوازم بالخروج عن تحت أدلّة الخمس إلى الأبد، قائلاً: بأنّـها من مصاديق مؤونة سنة الربح. ولا يلتفت إلى أنّها خرجت عن كونها مؤونة السنة بانتهاء السنة وبقاء تلك اللوازم، لما عرفت أنّ هذه الأُمور بتلك الخصوصية عُدّت من مؤونة سنة الربح لا بخصوصية كونها مؤقتة بالسنة.

وعلى ذلك فالمرجع هو عموم أو إطلاق الخمس بعد المؤونة من دون حاجة إلى استصحاب حكم المخصص .

هذا إذا خرجنا بهذه النتيجة، وإن شككنا بين النظرين فالاستصحاب بعدم تعلّقه بها هو المحكّم، وذلك لأنّه كما يحتمل أن يكون الحكم دائراً مدار كونه مؤونة السنة، كذلك يحتمل أن يكون دائراً مدار صدق المؤونة في فترة من الفترات وإن خرجت عن كونها مؤونة بعدها.

وبعبارة أُخرى: يحتمل أن يكون الموضوع هو صدق المؤونة حدوثاً وبقاءً في الحكم، كما يحتمل أن يكون الموضوع صدقها حدوثاً لا بقاء، وهذا الاحتمال كاف في استصحاب عدم تعلّق الخمس به، نظير ذلك: «الماء المتغير الذي زال تغيّره بنفسه» ومنشأ الشكّ هو احتمال أن يكون الحكم دائراً مدار التغير حدوثاً وبقاءً أو يكون الحكم دائراً مدار حدوثها آناً ما، ويكفي حدوثه كذلك في بقائها إلى الأبد، ومع هذا التردّد يصحّ استصحاب الحكم الشرعي لكون الترديد بين الأمرين موجباً لحدوث الشكّ في البقاء.


صفحه218

فإن قلت: كيف يتمسك باستصحاب حكم المخصص، مع أنّ الإطلاق الأحوالي للعام (لا الأفرادي لخروج الفرد عن تحته أثناء السنة قطعاً) حاكم على وجوب الخمس؟

قلت: إنّ الإطلاق الأحوالي تابع للإطلاق الأفرادي، فإذا خرج المورد عن تحت العام خروجاً أفرادياً فلا يبقى موضوع للإطلاق الأحوالي حتى يعمّ العام صورة الاستغناء عنه.

وبذلك يظهر حكم الصورة الثالثة، أعني: ما إذا خرج عن كونها مؤونة حتى في السنة اللاحقة كحليّ النساء إذا جاز وقت لبسهن، فالحلي الخارج عن تحت الإطلاقات لم يكن إلاّ حليّاً قابلاً للبقاء بعد السنة أو السنين فهي بهذه الخصوصية الذاتية خرجت وعُدَّت من مؤونة سنة الربح فلا يضرّ خروجها عن المؤونة على الإطلاق.

أضف إلى ذلك أنّ العام، أعني قوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء)، ليس إلاّ عاماً أفرادياً لا زمان فيه، فإذا خرجت منه الألبسة أو الحُليّ في ظرف من الظروف، فالمحكّم هو إطلاق دليل المخصص إن كان، وإلاّ فعلى الاستصحاب إذ لا يعدّ بقاء الحكم في الزمان الثاني تخصيصاً جديداً، فلو خرج الفرد سنة أو سنتين أوإلى آخر العمر لم يلزم أكثر من تقييد أو تخصيص واحد.

وهناك وجه آخر لعدم التعلّق وهو عدم صدق الغنم، لا في القسم الثاني ـ أعني: الأواني والألبسة ـ ولا في القسم الثالث كحليّ النساء، لأنّ الغنم تجدد


صفحه219

فائدة لم تكن موجودة. لا ما كان موجوداً ومحتاجاً إليه غير أنّه استغنى عنه، وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم من أنّه إذا خرج عن كونه مؤونة قبل آخر السنة بمدة فهو لا ريب في صدق الفائدة عليه حينئذ وليس هو مؤونة، فيجب الخمس فيه.(1)

موت المكتسب في أثناء الحول

إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤونة في باقيه، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.

لأنّ المدار على المؤونة الفعلية لا التقديرية، وأنّه لو كان حيّاً يموّن مقداراً خاصّاً.

وإن شئت قلت: لا موضوع للمؤونة بعد موت الرابح.

عدم حصول الربح في تلك السنة

إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤونتها من ربح السنة اللاحقة.

لانصراف الدليل إلى مؤونة الاكتساب أو الربح لا مطلق السنة، نعم لو استدان لمؤونة تلك السنة وحصل له الربح في السنة اللاحقة جاز أداؤه من ربحها ولا يتعلّق به الخمس، لأنّ أداء الدين المطالب يُعدّ من المؤونة حين الأداء .


1 . المستمسك:9/544.


صفحه220

 

مصارف الحج من مؤونة عام الاستطاعة

قد عرفت أنّ مدار صدق المؤونة هو الصرف والإنفاق، وعلى ذلك فمصارف الحجّ من مؤونة عام الإتيان به، فلو لم يأت به قصوراً أو تقصيراً يتعلّق به الخمس، ويعلم من التفصيل في المسألة أنّ الميزان عام الإتيان لا عام الاستطاعة.

ثمّ إنّ الصور المستخرجة من المسألة أربع:

الأُولى: إذا ربح واستطاع أثناء السنة وتمكّن من العمل وحجّ، يعدّ ما صرفه في ذلك العام من المؤونة بل هو من أوضح مصاديقها مع الإيجاب الشرعي.

الثانية: إذا ربح واستطاع ولم يتمكن من السير عن عذر حتى انقضى العام، وجب عليه خمس ذلك الربح، لأنّ عدم التمكّن كاشف عن عدم الوجوب عليه وأنّه لم يكن هناك موضوع للمؤونة، فحينئذ إن بقيت الاستطاعة إلى السنة التالية وجب وإلاّ سقط.

هذا ممّا لا غبار عليه إنّما الكلام فيما إذا سجّل اسمه في إدارة الحجّ ودفع الثمن، ولكنّها تقوم بنقل الحجاج، بالتدريج، فخرج اسمه في غير سنة الربح، فهل يجب عليه خمس ذلك الثمن أو لا؟ الظاهر، لا، ـ خلافاً للمشايخ ـ للفرق بينه و بين الصورة الثانية، إذ المفروض أنّه صرفه وليس بيده شيء حتى يخمس، والتخميس متفرع على فسخ ما عقده مع إدارة شؤون الحجّاج


صفحه221

واسترجاع الثمن ولا دليل على لزومه، والحكم ـ لزوم التخميس ـ لا يثبت موضوعه أي استرجاع ما دفعه، وتملّكه، و المقام نظير ما يشتري الإنسان أشياء لتجهيز زواج بنته، والجامع هو أنّ الصرف يجعله من المؤونة.

الثالثة: تلك الصورة ولكنّه تمكّن وعصى وانقضى الحول، فيجب أداء خمسه، لعدم صرفه في أداء الواجب، فلا يكون مصداقاً للمؤونة، وهذا نظير ما إذا قتّر على نفسه ولم ينفق، فقد مضى تعلّقه به وأنّه لا يحسب له كما بيّنه في المسألة الخامسة والستين ـ و مع ذلك ـ فقد أفتى بعدم الاحتساب فيها، ولكنّه احتاط هنا، وذلك لتصوّر أنّ الأمر الشرعي بالإنفاق في المقام وإن لم ينفق ربّما يدخله تحت المؤنة، بخلاف ما إذا قتّر إذ ليس هناك أمر به، ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المدار في صدقها هو الصرف والإنفاق والمفروض عدمه فيهما.

وأمّا وجوب الحجّ في العام القابل فلا شكّ في وجوبه إذا بقي على الاستطاعة مع أداء الخمس، وأمّا إذا خرج عنها بأداء الخمس فيجب عليه الحجّ متسكّعاً لسقوط شرطية القدرة الشرعية لأجل العصيان وكفاية القدرة العقلية.

الرابعة: لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق عام الاستطاعة لعدم صدقها عليه، وإنّما الكلام في المقدار المتمم لها في تلك السنة فيجري فيه أحكام الصور الثلاث أيضاً.

أ. إذا تمكّن من المسير وسار فلا يتعلّق به لكونه من أظهر مصاديق المؤونة.


صفحه222

ب. إذا تمكّن ولم يسر عصياناً وجب إخراج الخمس في المقدار المتمم حسب ما مرّ فيما إذا استطاع في عام واحد ويجب الحجّ متسكعاً لوخرج عن الاستطاعة بأدائه.

ج. إذا لم يتمكّن وجب إخراج الخمس دون الحجّ لكشف عدم التمكن، عن عدم وجوبه.

هل أداء الدين من المؤونة؟

إنّ الدَيْن إذا كان دين عام الربح فهو من المؤونة، وإذا كان للعام السابق على عام الربح فليس منها إلاّ إذا كان غير متمكن من أدائه إلى عام الربح.

وبما أنّ الخارج من تحت العموم هو المؤونة، فالبحث مركّز على أنّ الدين هل هو من المؤونة أو لا؟ مع العلم بأنّه لا خصوصية للدين والملاك صدقها، وعلى ضوء ذلك فنقول: الدين إمّا أن يكون لعام الربح، أو للعام السابق عليه، أو للعام اللاحق ولا شق رابع له، فيبحث عن أحكام الشقوق الثلاثة.

أ. دين عام الربح

إنّ لدين عام الربح صوراً:

1. إذا استدان لمؤونة سنة الربح من المأكل والملبس والمسكن لتأمين مصارف الكسب من أُجرة العمّـال والدلال فالكلّ من المؤونة، وسيوافيك عند البحث عن قول صاحب العروة في تلك المسألة«وإذا لم يؤد دينه حتى


صفحه223

انقضى العام...» أنّ مقدار الدين هنا مؤونة، سواء وفي تلك السنة أم لم يف، لانطباق الضابطة، أعني: الحاجة والصرف حيث صرفه مشروطاً بردّ العوض، فصرف الدين كصرف عوضه، وعلى هذا فالمؤونة هنا هو مقدار الدين لا وفاؤه وأداؤه، مضافاً إلى أنّ الرائج هو تأمين المؤونة بوجوه مختلفة، تارة برأس المال، وأُخرى بالأرباح، وثالثة بسائر الأموال، ورابعة بالاستدانة حسَب الظروف المختلفة للمكتسب.

2. إذا حصل الدين بإتلاف أو جناية، فلا شكّ أنّه من مؤونة سنة الربح إذا أدّاه، وأمّا إذا لم يؤدِّه فالظاهر أنّه من مؤونة سنة الأداء، والفرق بين القسمين أنّ العرف لا يصف ما استحصله بالغُنْم ما لم يضع مؤونة الحياة ومؤونة نفس الكسب عنه، ولأجل ذلك كان مقدار الدين هنا من المؤونة بخلاف ما إذا جنى أو أتلف، فبما أنّه أمر منفصل عن نفس الكسب فلو أدّاه يحسب من المؤونة ويوضع من الربح بخلاف ما إذا لم يؤده.

3. إذا استدان لشراء ضيعة أو مسكن أو فرش من دون حاجة إليها مع بقاء عينها إلى آخر السنة فلا يحسب من المؤونة لعدم الحاجة إليها، فهو من قبيل تكثير المال والثروة ولو وضعه من الربح ينتقل الخمس إلى بدله، أعني: الأعيان المشتراة، فليس مثل ذلك الدين من مؤونة سنة الربح ولا من مؤونة سنة الأداء.

نعم إنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية لكنّه لا يوجب إلاّ جواز صرف الربح في أدائه لا وضع ما صرف فيه، خصوصاً بعد صدق الغنيمة على الأعيان المشتراة من غير فرق بين وجود مال آخر وراء الربح يصلح لأداء الدين منه أولا.


صفحه224

4. تلك الصورة، لكن مع تلف الأعيان المشتراة في أثناء السنة وكان الاشتراء للاقتناء لا للتجارة وإلاّ فلها أحكام خاصّة، فلا شكّ أنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية ويحسب من المؤونة بشرطين:1. أن لا يكون له مال آخر، 2. أن يصرف الربح في أداء الدين فليس نفس الدين في المقام من المؤونة بل أداؤه مع الشرط.(1)

وهذا نظير أرش الجناية وقيمة الإتلاف فإنّما يحسب من المؤونة إذا قام بالأداء وإلاّ فلا يعدّ من المؤونة، وقد عرفت حكم العرف بالفرق بين الاستدانة للملبس والمأكل وبين سائر الموارد، ففي الأوّل لا تصدق الغنيمة إلاّ بوضع ما استدان في ذلك السبيل بخلاف ما إذا صار مديوناً بأسباب اختيارية كشراء أعيان ـ وإن تلفت لا باختيار ـ أو أسباب قهرية فالمؤونة هناك هي الأداء لا التقدير.

والحاصل : أنّه فرق بين الاستدانة للمؤونة في عام الربح وبين صيرورته مديوناً، للجناية والإتلاف في ذاك العام، ففي الأوّل نفس الدين من المؤونة بخلاف القسم الآخر، فالمؤونة فيه هو الأداء والوفاء ولو لم يتحقق لا يكون مؤونة.

نعم أقصى ما يمكن أن يقال في القسم الأوّل، إنّ الدين من المؤونة ولكن مشروطاً بعدم الإبراء، فلو أبرأ كشف عن عدم كونه مؤونة.


1 . ولا ينافي ذلك ما يأتي في المسألة الثالثة والسبعين من العروة من أنّ تلف غير رأس المال لا يجبر بالربح، للفرق الواضح بينه و بين المقام، لأنّ التالف في المقام دين مطالب وليس له مال آخر بخلاف تلف متاع البيت الذي لا يعدّ من رأس المال.


صفحه225

 

ب. الدين السابق على عام الربح

أمّا الدين السابق على عام الربح فله صور:

1. إذا استدان في عام سابق عليه وكانت الغاية صرفه في مؤونة عام الربح وصرفه فيه فيكون من مؤونته .

2. إذا استدان لابتياع مسكن أو ملبس يسكنه أو يلبسه في كلا العامين فهو من مؤونة عام الربح، لأنّه محتاج إليه في كلّ عام من غير فرق بين قدرته على أدائه أم لا.

3. إذا استدان لابتياع بضاعة وبقيت إلى العام اللاحق ولم يكن مورد الحاجة، وبما أنّ الغاية هو الاقتناء وتكثير الثروة فلا يعدّ من المؤونة مطلقاً أدّاه من ربح العام اللاحق أم لم يؤدّه، ولو أدّاه من الربح ينتقل الخمس إلى مقابله كما هو الحال في تصرّف التاجر في الأرباح فيتصرّف فيها بالبيع والشراء طول السنة مرّات، فيستقرّ الخمس في البدل المقابل.

4. هذه الصورة مع عدم بقاء العين، فهل يعدُّ الأداء من المؤونة، أو يفصّل بين كونه متمكّناً منه في السابق وعدمه، أو بين تمكّنه من مال آخر يمكن أداء الدين به وعدمه، الحقّ هو الأخير، وأمّا التفصيل بين تمكّنه حين الاشتراء وعدمه فليس له أيّ دخل في عدّه من مؤونة عام الربح، لأنّ العام الذي اشترى فيه مضى وانتهى وقد تلفت العين فتمكّنه منه في ذاك الوقت لا يؤثر في عدّه من المؤونة في العام اللاحق وإنّما المؤثّر تمكّنه في العام


صفحه226

اللاحق من أدائه من مال آخر أو لا. فعلى الأوّل ، فالأداء وإن كان من الأغراض العقلائيّة لكنّه ليس متعيّناً أداؤه من الربح، إذ نسبة الدين إلى الربح والأموال الأُخر سواسية والمفروض أنّ الدين سبق على عام الربح، فلا يتبادر من قوله(عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة» كون أداء الدين منها مطلقاً، إلاّ إذا كان غير متمكن من الأداء فيعدّ حفظ العِرْض من المؤونة، ولو كان السبب سابقاً.

5. إذا استدان للصرف في مؤونة السنة السابقة ولم يربح فيها إلاّ أنّه ربح في السنة اللاحقة فنفس الدين وإن لم يكن مؤونة لذاك العام إلاّ أنّ أداءه من المؤونة لأنّه من أعلى الأغراض العقلائية.

والكلام فيه كالكلام في الشق الرابع، وحاصله أنّ نفس دين العام السابق لا يعدّ مؤونة بالنسبة إلى عام الربح، بخلاف دين نفس عام الربح فإنّ نفسه تعدّ مؤونة لما عرفت من جريان السيرة على رفع الحاجة من الربح ورأس المال والدين ثمّ الحكم بأنّه مغتنم أو لا، ولأجل ذلك لا يعدّ من المؤونة إلاّ إذا أدّاه.

وبذلك يعلم حال قول صاحب العروة: «وإذا لم يؤدّ فيه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي» فإنّ ذلك إنّما يصحّ في غير ما يعدّنفس الدين مؤونة، وأمّا فيه فنفس الدين مؤونة أدّى أو لا، غاية الأمر مشروط بعدم الإبراء.

وأمّا قوله:«وكذا الكلام في النذور والكفّارات».


صفحه227

فما يبرّ به نذره ويقوم بواجب الكفارة إنّما يعدّ مؤونة إذا قام بصرفه وأدّى، لا في غيره فهو من مؤونة سنة الوفاء بالنذر وإنجاز الكفّارات لا سنة الربح.

ج: الدين اللاحق لعام الربح

إذا استدان، لمؤونة العام اللاحق فلا يوضع من ربح العام السابق لتعلّق الخمس بالربح كلّه ولا صلة للاستدانة للعام اللاحق بهذا الربح.


صفحه228

صفحه229

الرسالة الرابعة والعشرون

صلاة الطواف ومكانها


صفحه230

صفحه231

صلاة الطواف ومكانها   

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أما بعد، فهذه رسالة وضعتها في مكان صلاة الطواف، الّذي صار موضع بحث ونقاش عند الزحام، فنقول:

صلاة الطواف ومكانها

اتّفق الفقهاء على وجوب ركعتين بعد الطواف في العمرة والحجّ إلاّ ما يحكي عن الشافعي في أحد قوليه.(1) والكلام في المقام في مكانها عند الزحام وغيره. والأصل في ذلك قوله سبحانه:(واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّىً)أي اتّخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلّون فيه. والمعروف حسب النصوص والروايات وكلمات العلماء أنّ المقام ـ الّذي هو موضع وقوف إبراهيم (عليه السلام) عند بنائه للبيت ـ هو صخرة على شكل مكعب متساوي الأضلاع، وطول الضلع ذراع واحد بذراع اليد، أي ما يساوي 50 سانتيمتراً تقريباً، وهذا المقدار لا يتسع لأداء الصلاة، لأنّ ما يشغله المصلّي المستوي الخلقة ـ عادة ـ من المساحة الكافية لوقوفه وركوعه وسجوده وجلوسه هو


1 . الخلاف:2/327.


صفحه232

50 سم عرضاً في 100 سم طولاً، وأين هذا من مساحة الحجر؟(1) فيقع الكلام في تفسير الآية وسوف يوافيك معناه.

إنّ تعبير المحقّق: «يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام» أثار بحثاً بين الشُّراح قال في «المدارك»: إنّه غير جيّد، أمّا لو قلنا بأنّ المقام نفس العمود الصخري فواضح، وأمّا إن أُريد به مجموع البناء الّذي حوله فلأنّه لا يتعيّن وقوع الصلاة فيه قطعاً.(2) وقريب منه في «المستند».(3)

يرد على الاحتمال الثاني: أنّ البناء كان أمراً مستحدثاً ولم يكن في عصر الرسول حين نزول الآية حتّى تفسر به. وقد أُزيل في السنين الأخيرة وكان موجوداً إلى أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعني: سنة 1381 هـ ، وقد صلّيت فيه مراراً.

وقد وافقه صاحب الجواهر فقال: إنّ تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذ القطع بأنّ الصخرة الّتي فيها أثر قدمي إبراهيم لا يصلّى عليها.(4)

ثمّ إنّ بعض المفسرين من أهل السنّة حاول حفظ ظهور الآية وهو انّ كون الصلاة في المقام حقيقة فقال: المراد من مقام إبراهيم هو عرفة والمزدلفة والجمار، لأنّه قام في هذه المواضع وسعى فيها، وعن النخعي الحرم كلّه مقام إبراهيم.(5)


1 . مبادئ علم الفقه:3/210.   

2 . المدارك:8/141.

3 . المستند:12/139.  

4 . الجواهر:19/318.

5 . الكشاف:1/287.


صفحه233

واحتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، ولكنّه محجوج بفعل النبي حيث إنّه بعد ما طاف سبعة أشواط أتى إلى المقام فصلاّهما، وتلا قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)، فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة وهنا مكانها.(1)

وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر في بيان حج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ثلاثاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم وقرأ(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً).(2)

توضيح مفاد الآية

المهم هو توضيح مفاد الآية فهناك فرق بين قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهيم مصلّى» و قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً). وإنّما يلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمكّن من الصلاة في المقام الّذي هو الصخرة.

وأمّا الثاني فقد ذكروا في الجار «من» احتمالات من كونها للتبعيض، أو بمعنى في، أو للابتداء، أو بمعنى عند. والأولى الرجوع إلى الآيات الّتي ورد فيها هذا النوع من التركيب حتّى يتعيّن أحد الاحتمالات.

قال سبحانه: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً).(3)


1 . سنن الترمذي:3/211 رقم الحديث856; سنن النسائي:5/235.

2 . صحيح مسلم:4/40ـ41، باب حجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

3 . النحل:68.


صفحه234

وقال سبحانه: (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً).(1)

هذا كلّه في مورد المكان، وأمّا في غيره فمثل قوله سبحانه:

(لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).(2)

(ولاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً).(3)

(تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً).(4)

ومثّل في «الجواهر» وقال: «اتّخذت من فلان صديقاً ناصحاً، ووهب الله لي من فلان أخاً مشفقاً».(5)

ترى في هذه الموارد أنّ شيئاً عامّاً يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد الله نصيباً، إلى غير ذلك.

فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من المقام ما يجاوره ويقاربه تسمية لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جزءاً من هذا المقام المجازيّ مصلّىً يصلّي فيه، وإطلاق الآية يعمّ الخلف وما حوله من اليمين واليسار. ولا يختصّ مفاده بالخلف، لأنّ المقام حسب ما استظهرناه هو المكان المتّسع قرب المقام الحقيقي، المسوِّغ لتسمية ذلك


1 . الأعراف:74.  

2 . النساء:118.

3 . النساء:89.  

4 . النحل:67.

5 . الجواهر:19/319.


صفحه235

المكان مقاماً أيضاً، فالموضوع هو الصلاة قربه.

فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أُطلق وأُريد منه ما يجاوره ويليه، وأنّ «من» تبعيضية لا غير، وسائر الاحتمالات الأُخرى غير تامّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا فاللازم هو التصرف في لفظ «المقام» على ما عرفت، وأمّا التصرف في الجار، أعني: «من» ، وجعله تارة بمعنى«في»، وأُخرى بمعنى «عند»، فغير وجيه.

وذلك لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مكان «في» أو «عند» ـ على فرض صحّته ـ لا يسوّغ تفسير الآية بهما، لأنّ مادة الفعل «الأخذ» لا يتعدى لا بـ«في» و لا بـ«عند»، ولو فرض صحة استعماله فهو استعمال شاذ، لا يحمل عليه الذكر الحكيم.

هذا هو مفاد الآية فإن دلّت الروايات على أوسع من الآية أو أضيق منه، نأخذه، وإلاّ فمفاد الآية هو المتّبع.

وسيوافيك أنّ المستفاد من الروايات كفاية إتيان الصلاة قريباً من المقام. من غير فرق بين الخلف وأحد الجانبين، فما دام يصدق على العمل كونه «عنده» فهو مسقط للفريضة، وأمّا التركيز على كونها خلف المقام كما في طائفة من الروايات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على تقديم الصلاة على المقام ولزوم تأخّرها عنه، لا بلزوم كونها خلفه لا جنبه، وهو يصدق مع إتيانها يميناً ويساراً وخلفاً.


صفحه236

 

العناوين الواردة في كلمات الفقهاء

إذا عرفت ذلك فلنذكر العناوين الواردة في كلمات فقهائنا ثمّ ما هو الوارد في لسان الروايات.

أمّا الأُولى: فقد اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن موضع الصلاة على الشكل التالي:

1. الصلاة في المقام.

2. الصلاة خلف المقام.

3. الصلاة عند المقام.

أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه كثير من الفقهاء.

قال المحقّق في «الشرائع»: يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام.(1)

وقال العلاّمة: وتجبان ـ الركعتان ـ في الواجب بعده في مقام إبراهيم(عليه السلام)حيث هو الآن ولا يجوز في غيره.(2)

وأمّا الثاني: أي خلف المقام، فقال ابن الجنيد: ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم، وكذا قال ابن أبي عقيل.(3)


1 . الشرائع:1/268.  

2 . قواعد الأحكام:1/427.

3 . المختلف:4/201.


صفحه237

وبذلك عبّر الشهيد في «الروضة»(1)، والأردبيلي في «مجمع
الفائدة»(2)، والبحراني في «الحدائق».(3)

وأمّا الثالث: أي عند المقام فقال ابن البراج: والصلاة ـ ركعتا الطواف ـ عند مقام إبراهيم.(4)

والظاهر أنّ الجميع يرشد إلى معنى واحد وهو الصلاة قرب مقام إبراهيم، ولذلك نرى أنّ الصدوق بعدما قال: ثمّ ائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين قال: واجعله أمامك.(5)

هذا كلّه ناظر إلى كلمات الفقهاء.

وأمّا النصوص الواردة في تحديد موضع صلاة الطواف فهي على طوائف، وتتلخّص في العناوين التالية:

1. خلف المقام.

2. جعل المقام إماماً.

3. في المقام.

4. عند المقام.

والظاهر رجوع العنوان الثاني إلى الأوّل فإنّ من جعل المقام إماماً، يقع خلف المقام فليس هذا عنواناً جديداً . ففي صحيحة معاوية بن عمار قال:


1 . الروضة البهية:2/250.  

2 . مجمع الفائدة:7/87.

3 . الحدائق:16/135.  

4 . المهذب:1/231.

5 . الهداية:58.


صفحه238

قال أبو عبد الله(عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله إماماً».(1) ومعنى ذلك لا تتقدّم عليه وكن خلفه. ولا فرق بين خلفه أو يمينه ويساره ما لم يكن متقدماً عليه .

ولنقتصر بنقل ما يدلّ على لزوم الإتيان بها في موقع خاص من
هذه المواقع، على نحو ينفي في بدء النظر جواز إتيانها في موقع آخر،
فتكون النتيجة وجود المنافاة بين الروايات. وأمّا ما يدلّ على الجواز في بعض هذه المواقع، كفعل النبي أو الإمام الّذي لا يستفاد منه التعيّن، أو ما لا يدلّ على المطلوب، لكون الرواية في مقام بيان أمر آخر فنتركه للقارئ الكريم.

الطائفة الأُولى: تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام

1. صحيحة معاوية بن عمار الماضية قال:«فائت مقام إبراهيم(عليه السلام) فصلّ ركعتين، واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) وفي الثانية (قُلْ يَا أَيُّهَا الكافِرُونَ)، ثمّ تشهد واحمد الله واثن عليه، وصلّ على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واسأله أن يتقبّل منك».(2)

وقد مرّ أنّ مفاد الحديث هو إتيان الصلاة خلف المقام، والأمر ظاهر في التعيّـن، واشتمال الرواية على قسم من المندوبات لا يضرّ بظهورها فيه، إذ المتبع هو الظهور ما لم يدلّ دليل على الخلاف.


1 . الوسائل: ج 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث3.


صفحه239

2. مرسلة صفوان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام، لقول الله عزّ وجلّ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً)، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة».(1)

ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه (خلف المقام)، غير واضحة لنا.

3. خبر أبي عبد الله الأبزاري قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحِجر، قال: «يعيدهما خلف المقام، لأنّ الله تعالى يقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً) عنى بذلك ركعتي طواف الفريضة».(2)

ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه غير واضحة لنا.

4. معتبرة سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه(عليه السلام) قال: «إذا حجّ الرجل فدخل مكّة متمتّعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام)وسعى بن الصفا والمروة وقصّر، فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً وصلاة».(3) ودلالته بظاهره على لزوم إتيانها خلف المقام لا غبار عليها.


1 . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث2.

3 . الوسائل: ج 9، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث7.


صفحه240

5. مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «يصلّي الرجل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام».(1)

6. صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إنّما نسك الّذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحجّ».(2)

ودلالته على لزوم الإتيان بها خلفه في التمتع، لأجل اشتراك الأقسام: التمتع، والقران والإفراد في الحكم إلاّ ما خرج.

7. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) في تعريف المتعة؟ فقال: «يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحل...».(3)

فالحديث في مقام بيان مقدّمات حجّ التمتع، وأنّ منها الصلاة خلف المقام.

ولعلّ هذا المقدار من النصوص كاف والروايات أكثر ممّا نقلت، وإنّما تركت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعيين. وسيوافيك أنّ التأكيد على الصلاة خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاة بين البيت والمقام.فانتظر.


1 . الوسائل: ج 9، الباب 1 من أبواب الطواف، الحديث9.

2 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب5 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.


صفحه241

 

الطائفة الثانية: وجوب إتيان الصلاة عند المقام

هناك روايات تدلّ على لزوم الإتيان بها «عند المقام» نذكر منها ما يلي:

1. حديث جميل بن دراج، عن أحدهما(عليهما السلام) أنّ الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي.(1)

2. صحيح أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم وقد قضت طوافها».(2)

3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحج، وهو طواف النساء».(3)

4. صحيحه الأُخر في بيان ما يعتبر في حجّ التمتع عن أبي عبد الله(عليه السلام): «على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف ـ إلى أن قال: ـ و ركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».(4)

5. صحيحه الثالث قال:«المفرد للحج عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام)».(5)


1 . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث3.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث2.

3 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.

4 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث8.

5 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث13.


صفحه242

والأحاديث الثلاثة لابن عمار، بصدد بيان أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة: القران، والتمتع والإفراد، ومن أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة، هي الصلاة عند المقام.

6. موثّقة سماعة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ـ إلى أن قال: ـ فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكّة ولا يقطع التلبية حتّى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام) ...».(1)

إلى غير ذلك من الأحاديث المبثوثة في أبواب أقسام الحج والطواف.

الطائفة الثالثة: الصلاة في المقام

وهناك ما يدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاة في المقام.

1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سُئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين ـ إلى أن قال: ـ و يرجع إلى المقام فيصلّي ركعتين».(2) أي فيه.

2. خبر أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما».(3) أي فيه.


1 . الوسائل: ج 8 ، الباب8 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث5.

3 . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث12.


صفحه243

3. وفي صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام): «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين».(1) أي فيه.

الجمع الدلالي بين الروايات

هذه عمدة الروايات الواردة، وقد مرّ أنّ ما ذكر بلفظ «الأمام» يريد به كون المصلّـى خلف المقام، وأمّا الصنف الأخير، الدال على الإتيان بها في المقام، فقد مرّ أنّ الصلاة فيه غير ممكنة فلابدّ أن يراد به حول المقام ، فلم يبق من العناوين إلاّ العنوانان التاليان:

1. خلف المقام.

2. عند المقام.

وأمّا الجمع بينهما فهو: أنّ التأكيد على الإتيان بها خلف المقام، لغاية نفي التقدّم على المقام، كما إذا صلّى بين البيت و المقام على نحو يكون المقام خلفه، ولعلّ الإصرار على ذلك هو اشتهار أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت ثمّ أتى به إلى المكان المعهود، فكان ذلك سبباً لإتيان الصلاة قبل المقام، فتأكيد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على الإتيان بالصلاة وراء المقام ، كان رداً لتلك الفكرة، ويشهد على هذا صحيح إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: للرضا(عليه السلام): أُصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول الله، قال: «حيث هو الساعة».(2)


1 . الوسائل: ج 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث1.

2 . الوسائل: ج 9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث1.


صفحه244

وفي صحيح محمد بن مسلم: «كان الناس على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم».(1)

وحاصل الكلام: كان المعروف في عصر صدور الروايات، أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت، وكان ذلك سبباً، لتوهم جواز الإتيان بالصلاة بين البيت والمقام اليوم، فعمد أئمّة أهل البيت برد الوهم والتأكيد على إتيانها خلف المقام، وجعله أمامه لا خلفه، وعند ذلك يكون الموضوع «كون الصلاة عند المقام» أي حوله. وهو يصدق على الصلاة خلفه أو أحد جانبيه.

والحاصل: كما أنّ للآيات شأنَ نزول، كذلك للروايات أيضاً سبب صدور، وبالرجوع إليه يرتفع الإبهام عن وجوبها.

وعلى ضوء ذلك، فيمكن أن يقال: إنّ سبب التركيز على وقوع الصلاة خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفيّة في مقابل اليمين واليسار، بل التركيز لأجل نفي التقدّم، ولذلك أمر الإمام أن يجعل المقام إماماً، أي لا يتقدّم عليه.

فيكون الموضوع حسب الآية والروايات «الصلاة عند المقام ولديه» سواء كان خلف المقام أو اليمين واليسار، لكن بشرط عدم التقدّم عليه.

وأمّا على مختار الأصحاب من التركيز على شرطية الخلف وعدم كفاية الصلاة في أحد الجانبين فالموضوع عندهم مركب من أمرين:

1. كون الصلاة خلف المقام.


1 . الوسائل: ج 9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.


صفحه245

2. كون الصلاة عند المقام.

وعلى ذلك لو صدق كون الصلاة خلف المقام ولم يصدق كونها عنده، فلا يكفي ذلك، كما إذا صلّى خلف المقام لكن بعيداً عنه.

كما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا يكفي، كما إذا صلّى في أحد الجانبين: اليمين واليسار.

نعم ورد في خبر أبي بلال المكّي، قال: رأيت أبا عبد الله(عليه السلام) طاف بالبيت ثمّ صلّى فيما بين الباب والحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحداً منكم صلّى في هذا الموضع، فقال: «هذا المكان الّذي تيب على آدم فيه».(1)

فلو كان المراد من الباب باب الكعبة كما هو الظاهر، لزم أن يكون الإمام صلّى الركعتين والمقام خلفه لا أمامه.

واحتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذياً بين الباب والحجر الأسود غير صحيح، لأنّ هذا لا يثير تعجّب الراوي، إذ يكون عملاً عاديّاً.

كما أنّ حمل الصلاة على التطوّع غير صحيح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى في الموضع الّذي صلّى فيه لأجل طوافه بالبيت حيث قال: طاف بالبيت ثمّ صلّى فيه. فالرواية لا يُحتج بها، لأنّها معرض عنها.

اللّهمّ إلاّ أن يحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فيجوز إتيان


1 . الوسائل:ج 9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث3.


صفحه246

صلاته من حيث شاء ويدل عليه خبر زرارة.(1)

ومن ذلك يعرف النظر في بعض الكلمات على ما عرفت، وأنّه ليس للخلفية موضوعية وانّما الموضوعية لعند المقام ولديه.

حكم الصلاة عند الزحام

ما ذكرنا من الحفاظ على عنوان «العندّية» فقط أو «الخلفيّة» و «العندّية» راجع إلى حال الاختيار وعدم الزحام، وأمّا عند كثرة الطائفين فكثيراً ما يكون «خلف المقام » مطافاً للطائفين فيأتون زرافات ووحداناً ، والمصلّون من الشيعة خلف المقام بين قائم وراكع وساجد، وعند ذلك يقع التدافع وتثور ثورة الطائفين من جانب ومنع المصلّين من جانب آخر، وينتهي الأمر إلى الجدال الممنوع في الحجّ فما هو الواجب في هذه الحالة؟

وبما أنّ المسألة ليست حديثة الابتلاء، بل لها جذور في تاريخ الحجّ، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، وقد اختلفت كلمتهم في هذا الموضع بالنحو التالي:

1. مخيّر بين وراء المقام أو أحد جانبيه

قال المحقّق: فإن منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبيه.(2)


1 . الوسائل:ج 9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث1.

2 . شرائع الإسلام:1/268.


صفحه247

 

2. تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان

قال صاحب الرياض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان.(1)

3 . تحرّي الأقرب فالأقرب

واختار الفاضل الاصبهاني تحرّي القرب منه ما أمكن، وإذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضرورة.(2)

وعلى كلّ تقدير: يقع الكلام تارة في حكمها من حيث القواعد، وأُخرى من حيث النصوص.

أمّا مقتضى القواعد فهناك احتمالان:

أ. سقوط وجوب الصلاة عند تعذّر الشرط.

ب. سقوط وصف «العندية» أو «الخلفية» لا نفس الصلاة.

أمّا الأوّل: فهو ضعيف جدّاً بشهادة أنّه لو نسي صلاة الطواف يقضيها أينما تذكر إذا شق عليه الرجوع، وإلاّ يرجع فيصلّي في المقام كما سيوافيك.

بقي الثاني: ولكن سقوط «العنديّة» على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غير صحيح، بل يتربّص إلى الحدّ الّذي لا يفوت معه الموالاة بين الصلاة والسعي.


1 . رياض المسائل:6/540.

2 . كشف اللثام:5/449.


صفحه248

فإذا لم يسقط الواجب ولم يتمكّن من الصلاة عند المقام حتّى بعد الصبر والتربّص يلزم ـ على المختار عندنا ـ عليه الصلاة في كلّ نقطة
أقرب إلى المقام بشرط أن لا يتقدّم عليه، من غير فرق بين الخلف والجانبين، بل الموضوع هو حفظ «العنديّة» مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك ينزل ما روي عن حسين بن عثمان بسندين: أحدهما نقيّ والآخر غير نقيّ.

أمّا الأوّل، فقد رواه الكليني في «الكافي» و قال: رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام)يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد.

وأمّا الثاني فقد رواه الشيخ وقال: رأيت أبا الحسن(عليه السلام) يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس.(1)

والتعبير في كليهما واحد غير وجود التصريح بالسبب في رواية «التهذيب» دون «الكافي»، وما ذكر فيه السبب، وإن كان ضعيف السند، لكن وحدة المتن يكشف عن صدق الراوي في الحديث، ومن البعيد أن يزيد من جانبه شيئاً.

وبذلك يعلم أنّ ابتعاد الإمام(عليه السلام) عن نفس المقام لأجل كثرة الناس، وأمّا انتخابه قريباً من ظلال المسجد وفي الوقت نفسه حيال المقام لأجل أنّه كان في ذلك الوقت أقرب من سائر الأمكنة.


1 . الوسائل: ج 9، الباب75 من أبواب الطواف، الحديث1و2.


صفحه249

هذا على المختار، وأمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعاية أمرين: الخلفية والعنديّة ، فقد فصّلوا في ذلك كالتالي:

ففي نجاة العباد: يختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، وإلاّ فيختار أحد الجانبين، وإلاّ فحيث يشاء مع رعاية الأقرب إلى الخلف.(1)

وأمّا صاحب العروة فقد أخذ «خلف المقام» محوراً ـ مثل الأصحاب ـ لكن فصّل بوجه أدق، قال:

1. تقدّم الصلاة في الخلف على الصلاة في الجانبين، مادام يصدق عليه كونها عنده.

2. لو كان الابتعاد عن المقام كثيراً على نحو لا يصدق عليها الصلاة خلف المقام بخلاف الصلاة في أحد الجانبين يقدّم الثاني على الخلف.

3. لو لم يتمكن من الصلاة عند المقام مطلقاً، سواء صلّى خلف المقام أو أحدهما، يختار الأقرب إلى المقام من الخلف وأحد الجانبين.

4. ولو تساويا في القرب واشتركا في عدم صدق الصلاة عند المقام، يقدّم الخلف على أحدهما.

5. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن يفقد الجميع: الصلاة خلف المقام والجانبين وصف كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.

ولكن الأحوط بعد الإتيان بالصلاة في الخلف، الاحتياط بإتيان صلاة أُخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.


1 . نجاة العباد:33.


صفحه250

وأخيراً احتاط بإتيان الصلاة خلف المقام إذا تمكّن من الفرد الاختياري، أعني: الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.

أرى أنّ هذا التفصيل في «نجاة العباد» والمتن، مبني على إعطاء الأصالة للصلاة خلف المقام، وأمّا على ما قلناه فالميزان هو الصلاة عند المقام مهما أمكن وإلاّ فالأقرب والأقرب إليه.


صفحه251

الرسالة الخامسة والعشرون

حقيقة الإحرام في كلمات الفقهاء


صفحه252

صفحه253

حقيقة الإحرام في كلمات الفقهاء   

تحقيق المقام يتوقّف على البحث في أمرين:

1. الإحرام في كلمات أهل اللغة وأصحاب المعاجم.

2. ما هي حقيقة الإحرام في لسان الأصحاب، وما هو المستفاد من الروايات؟

وإليك الكلام فيهما:

الأوّل: الإحرام في كلمات أهل اللغة وأصحاب المعاجم

قال الفيومي: الحُرمة ـ بالضم ـ : ما لا يحلّ انتهاكه، وهذه اسم من الاحترام مثل الفُرقة من الافتراق، والجمع حرمات، مثل «غُرفة»: «غُرفات» ، وشهرُ حرام وجمعه حُرم ، بضمتين ، ـ إلى أن يقول: ـ وأحرم الشخص: نوى الدخول في حجّ أو عمرة، ومعناه أدخل نفسه في شيء حرم عليه ما كان حلالاً له، وهذا كما يقال: أنجْد إذا أتى نجداً، وأتْهَم إذا أتى تهامة ـ ثم قال: ـ أحرم: دخل الحرم، وأحرم: دخل في الشهر الحرام.(1)

والإمعان في كلامه يفيد أنّ المعنى الأصلي للإحرام هو نية الدخول في


1 . المصباح المنير: 162، مادة «حرم».


صفحه254

حجّ أو عمرة، ولازمه، إدخال نفسه في شيء حرّم عليه ما كان حلالاً، لا أنّه المعنى الأصلي للإحرام، فلاحظ.

الثاني: ما هي حقيقة الإحرام؟

ما هي حقيقة الإحرام؟ فهل هو نقل لفظه من المعنى اللغوي ـ الذي صرّح به المصباح (نوى الدخول في حجّ أو عمرة) إلى معنى آخر ـ أو لا؟

الظاهر من كلمات أكثر الأصحاب ذلك ، ولنشر إلى آراء السنّة في حقيقة الإحرام أوّلاً، ثمّ إلى آراء الأصحاب ثانياً، فنقول:

الإحرام عند الحنفية هو الدخول في حرمات مخصوصة، غير أنّه لا يتحقّق شرعاً إلاّ بالنية مع الذكر أو الخصوصية.

والمراد بالدخول في حرمات مخصوصة: التزام الحرمات، والمراد بالذكر التلبية ونحوها ممّا فيه تعظيم الله تعالى.

والمراد بالخصوصية ما يقوم مقام التلبية من سوق الهدي، أو تقليد البدن.

وأمّا الإحرام عند المذاهب الثلاثة الباقية فهو نية الدخول في حرمات الحجّ والعمرة.(1)

والظاهر عدم وجود الفرق الجوهري بين التعريفين، فالنية المذكورة في تعريف الثلاثة شرط عند الحنفية أيضاً، كما صرحوا به، والظاهر أنّ مراد


1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:2/128، مادة «إحرام».


صفحه255

الحنفية من حرمات مخصوصة، هو حرمات الحجّ والعمرة.

هذا كلّه عند السنّة، وأمّا أصحابنا فقد اختلفت كلماتهم في تعريف الإحرام نذكرها تباعاً.

1. الإحرام أمر مركب من أُمور ثلاثة

يظهر من كلمات المحقّق في «الشرائع» والعلاّمة في غير واحد من كتبه: انّ الإحرام أمر مركب من أُمور ثلاثة:1. النيّة، 2. التلبيات الأربع، 3. لبس ثوبي الإحرام .

ثمّ إنّ متعلق النية عبارة عن الأُمور الأربعة، أعني: ما يُحرم به من حجّ أو عمرة متقرباً، ونوعه من تمتع وقران أو إفراد، وصفته من وجوب أو ندب، وما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها.(1)

وعلى هذا فالإحرام أمر مركب من أُمور ثلاثة، وللجزء الأوّل منها ـ أعني: النيّة ـ متعلّقات أربعة، وبه صرّح العلاّمة في غير واحد من كتبه.

قال في «المختلف»: الإحرام ماهية مركبة من النية والتلبيـة ولبس الثوبين.(2)

وقال في «التذكرة»: واجبات الإحرام ثلاثة: النية والتلبيات الأربع، ولُبس ثوبي الإحرام ـ إلى أن قال: ـ والواجب في النية أن يقصد بقلبه إلى


1 . شرائع الإسلام: 1 / 245.

2 . مختلف الشيعة: 4 / 43.


صفحه256

أُمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة. إلى آخر ما ذكره المحقّق في «الشرائع». (1)

وقد فسّره في «المنتهى» بنفس عبارة «التذكرة».(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ نسبة الإحرام إلى هذه الأُمور الثلاثة لا يخلو من أحد وجهين:

1. أن يكون من قبيل المحصَّل إلى المحصِّل والمسبَّب إلى المسبِّب، فعندئذ تتعلّق به النية، لكونه وراء الثلاثة التي منها النية لكن لازمه وجوب الاحتياط في ما إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للمحصِّل وهو كما ترى.

2. أن يكون من قبيل العنوان المشير، والجمع في التعبير ، كما هو حال العشرة بالنسبة إلى الأفراد الواقعة تحتها، وحال الصلاة بالنسبة إلى الأفعال والأقوال، فعند ذاك، إذا شك في جزئية شيء أو شرطيته فالمرجع هو البراءة العقلية والشرعية، لكن لا تتعلّق به النية، إذ ليس الإحرام أمراً زائداً على الأجزاء الثلاثة التي منها النية، مع اتّفاقهم على أنّ الإحرام أمر قصدي، يعتبر فيه النية، فتأمّل.

وبذلك يعلم النظر فيما أفاده بعض الأعاظم حيث أوّل كلمات القدماء الظاهرة في أنّ الأُمور الثلاثة هي الإحرام قائلاً بأنّ وجوب تلك الأُمور، في الإحرام لا يلازم كونه عبارة عن تلك الأُمور لا غير، بل يدلّ على أنّ الإحرام


1 . تذكرة الفقهاء: 7 / 231.

2 . منتهى المطلب: 10 / 215 ـ 216، ط . مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424 هـ .


صفحه257

بأي معنى كان، لا يصح بدونها.(1)

وجه النظر واضح، إذ لو كان الإحرام أمراً غير الأُمور الثلاثة فلا تخلو الحال من أحد الوجهين اللّذين عرفت وجه الإشكال فيهما.

وثانياً: لم يظهر الاتفاق من القدماء على تفسير صاحب الشرائع وابن أُخته العلاّمة ـ أعلى الله مقامهما ـ من الأُمور الثلاثة، فقد قال في «المدارك»: اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقة الإحرام، فذكر العلاّمة في «المختلف» في مسألة تأخير الإحرام عن الميقات: أنّ الإحرام ماهية مركبة من النية والتلبية ولبس الثوبين.

وحكى الشهيد في الشرح عن ابن إدريس أنّه جعل الإحرام عبارة عن النية والتلبية ولا مدخل للتجرد ولبس الثوبين فيه.

وعن ظاهر «المبسوط» و«الجمل» أنّه جعله أمراً واحداً بسيطاً وهو النية.(2)

وثالثاً: أنّه لم يدلّ دليل على وجوب بعض متعلّقات النية كقصد الوجه من كونه واجباً أو مندوباً، كما حقّق في محله، كما لم يدل دليل على لزوم قصد كونه حجة الإسلام، إذا لم تكن ذمّته مشغولة بحجّ آخر، فليس ذلك العنوان، كعنواني الظهر والعصر ممّا يجب قصده ، فإذا كان الرجل مستطيعاً ولم يحج من ذي قبل ونوى العمرة والحج، كفى ذلك، إذ الواجب عليه في


1 . كتاب الحج:1/216.

2 . مدارك الأحكام: 7 / 239.


صفحه258

هذه الحالة ليس إلاّ واقع حجّة الإسلام بأحد أقسامها الثلاثة.

2. توطين النفس على ترك المنهيات

الإحرام عبارة عن توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمناسك، وهذا القول هو الذي حكاه صاحب المدارك عن الشهيد ، قال: وكنت قد ذكرت في رسالة أنّ الإحرام هو توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة إلى أن يأتي بالمناسك، والتلبية هي الرابطة لذلك التوطين، نسبتها إليه كنسبة التحريمة إلى الصلاة.(1)

و نسبه المحقق الخوئي إلى الشيخ الأنصاري، بل إلى المشهور، ولذلك ذكروا أنّه لو بنى على ارتكاب شيء من المحرمات، بطل إحرامه لعدم كونه قاصداً للإحرام.(2)

وربما يؤيد ذلك بما في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله(عليه السلام)من أنّ المحرم يقول: «أحرم لك شعري و بشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة».(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ كثيراً من الناس، يحرمون ولا يدور ببالهم، توطين النفس على ترك محظورات الإحرام من غير فرق بين العالم بها تفصيلاً، أو إجمالاً أو الجاهل بها.


1 . مدارك الأحكام: 7 / 239.   2 . المعتمد:2/477.

2 . الوسائل: ج 9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث1.


صفحه259

وأمّا صحيح معاوية بن عمار، فهو دعاء قبل الإحرام، ولذلك يقول في ذيله: «ثمّ قم ـ بعد الدعاء المذكور ـ فامش هنيهة فإذا استوت بك الأرض، ماشياً كنت أو راكباً فلبّ»، فالإحرام يتحقّق بالتلبية، وبها تحرم الأُمور المذكورة، وكأنّه قبل الإحرام يتذكر ما يحرم عليه بالتلبية، فتحريم الأُمور المذكورة من آثار الإحرام وأحكامه لا حقيقته.

وثانياً: أنّه ليس في الروايات أثر من هذا التوطين، فلاحظ أحاديث الباب17 من أبواب الإحرام لا تجد فيها أثراً منه، نظير:

1. خبر أبي الصلاح مولى بسام الصيرفي قال: أردت الإحرام بالمتعة فقلت لأبي عبد الله(عليه السلام):كيف أقول؟ قال: «تقول: «اللّهم إنّي أُريد التمتع بالعمرة إلى الحجّ، على كتابك وسنّة نبيّك».(1)

2. صحيح يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)فقلت: كيف ترى أن أُهلّ (أي أحرم)؟ فقال: «إن شئت سمّيت، وإن شئت لم تسمّ شيئاً» فقلت له :كيف تصنع أنت؟ قال: «أجمعهما فأقول: لبيك بحجة وعمرة معاً لبيك».(2)

ولو كانت حقيقة الإحرام هي التوطين لجاء ذكره فيهما خصوصاً في الرواية الأُولى.

وربّما يورد على هذا القول باستلزامه الدور قائلاً: بأنّه لا يعقل أخذ


1 . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام، الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام، الحديث 3.


صفحه260

هذه المنهيات والمحرمات في معنى الإحرام وإلاّ لزم الدور، لأنّ حرمة هذه المحرمات متوقّفة على الإحرام، هذا من جانب، ومن جانب آخر كون الإحرام متوقّفاً على حرمة المحرمات، وبعبارة أُخرى: صيرورته محرماً تتوقّف على كون المحرمات محرمة عليه وتحريمها متوقف على كونه محرماً.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الإحرام وتوطين النفس على تحريم المنهيات، يتوقّف على تحريم هذه الأُمور في لسان الدليل.

وإن شئت قلت: يتوقّف على التحريم الإنشائي، لأنّ الحكم الشرعي لا يوصف بالفعلية إلاّ بعد وجود الموضوع، أي كون الشخص محرماً. والمفروض أنّه مريد للإحرام، لا متلبس به، والتحريم الفعلي يتوقف على الإحرام وتوطين النفس وإعلامه بالتلبية.

3. إدخال نفسه في حرمة الله بسبب التلبية

الإحرام عبارة عن إدخال النفس في حرمة الله، غاية الأمر إنّما يدخل في حرمة الله بسبب التلبية، فما لم يلبّ لم يدخل في الإحرام وفي حرمة الله، كما أنّه إذا لم يكبّر لم يدخل في الصلاة، وإذا كبّر حرمت عليه منافيات الصلاة، وفي المقام تحرم عليه الأُمور المعهودة إذا لبّى، ولا يتحلّل من ذلك إلاّ بالتقصير في العمرة والسعي في الحجّ.

وبعبارة أُخرى: الإحرام شيء مترتّب على التلبية لا أنّه نفس التلبية،


1 . المعتمد:2/483.


صفحه261

ولذا يعبّر عنها بتلبية الإحرام، ولا مدخل في هذه الحرمة الإلهية إلاّ بالتلبية.

والحاصل: انّ الإحرام أمر اعتباري تترتّب عليه هذه الأُمور بسبب التلبية، فحال الحجّ بعينه، حال الصلاة في كون التكبيرة أوّل جزء من أجزائها وبها يدخل في الصلاة ، وكذلك التلبية فإنّها أوّل جزء من أجزاء الحجّ وبها يدخل في تلك الحرمة الإلهية، كما في النصّ الدالّ على أنّ الذي يوجب الإحرام ثلاثة: التلبية، والإشعار، والتقليد.(1)

وحاصل كلامه ـ بعد الغض عن التهافت ـ هو أنّ الإحرام أمر مسببيّ، يحصل بسبب التلبية، وله آثار بعدها.

ثمّ إنّ القائل استشهد لما ذكره بروايات:

1. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد فقم وامش هنيهة، فإذا استوت بك الأرض ـ ماشياً كنت أو راكباً ـ فلبّ».(2)

2. صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا صلّيت عند الشجرة فلا تلبّ حتّى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش».(3)

3. صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «إنّ رسول الله لم يكن يلبّي حتّى يأتي البيداء».(4) إلى غير ذلك من الروايات


1 . المعتمد:2/483.

2 . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث2 .

3 . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث 4.

4 . الوسائل: ج 9، الباب34 من أبواب الإحرام، الحديث 5.


صفحه262

الدالّة على أنّ مفتاح الإحرام هو التلبية كتكبيرة الإحرام في الصلاة، ويؤيد ذلك أيضاً أمران:

الف. ما دلّ على جواز المواقعة بعد دخول المسجد والصلاة فيه، ولبس الثوبين، وقبل التلبية. (1)

ب. ما سيوافيك من أنّ الإشعار والتقليد يقومان مقام التلبية.(2)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ مفتاح الإحرام والدخول في عمل العمرة، هو التلبية، فما لم يُلبّ لا ينعقد الإحرام، فمع أنّها جزء من العمرة فهي مفتاح لها، كتكبيرة الإحرام، ومثل هذا العمل يتحقّق بلا نية.

فإن قلت: إذا كان الإحرام غير متحقّق إلاّ بالتلبية فبماذا تفسر قول الراوي قال كتبت إلى أبي إبراهيم(عليه السلام): رجل دخل مسجد الشجرة فصلّى وأحرم وخرج من المسجد، فبدا له قبل أن يلبّي أن ينقض ذلك بمواقعة النساء... .(3)

قلت: هو محمول على مجاز المشارفة، أي تهيأ للإحرام، كما أنّ الحال هو كذلك في بعض الروايات السابقة.

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ ما استدلّ به من الروايات لا يدلّ إلاّ على أنّ مفتاح الإحرام هو التلبية، وأنّ الحاج ما لم يُلبّ لا يحرم عليه شيءٌ من


1 . راجع الوسائل: ج 9، الباب14 من أبواب الإحرام.

2 . الوسائل: ج 8، الباب12 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 9، 20، 21.

3 . الوسائل: ج 9، الباب14 من أبواب الإحرام، الحديث 12.


صفحه263

المحظورات، وأمّا أنّ حقيقة الإحرام عبارة عن إدخال النفس في حرمة الله فلا يستفاد من هذه الروايات. وبعبارة أُخرى: أنّ ما أفاده أنّ التلبية سبب والإحرام أمر اعتباري يتولد من التلبية أمر لا يستفاد ممّا أورده من الأحاديث.

نعم لو أراد من «إدخال النفس في حرمة الله» مصداق الحرمة ـ أعني: العمرة والحج ـ لرجع إلى الوجه السادس الذي هو مختارنا، وعندئذ يلاحظ عليه: لماذا عدل عن التعبير الواضح إلى التعبير المعقّد؟

وثانياً: لو كان الإحرام أمراً اعتبارياً متحصلاً من التلبية التي نسبتها إليه نسبة المحصِّل إلى المحصَّل، يلزم الاحتياط في كلّ ما شك في جزئية شيء أو شرطيته للإحرام، وهو كما ترى.

4. الإحرام أمر إنشائي يوجد بتحريم المحرمات

إنّ الإحرام صفة خاصّة تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرّمات أو نيّة ترك المحرّمات، فيكون الالتزام سبباً لإنشاء الإحرام وحصوله، نظير سائر المفاهيم الإيقاعية التي إيقاعها بالالتزام، لا أنّه نفس الإحرام، كما أنّه ليس نفس الترك.(1)

وهو أيضاً خيرة بعض الأساطين على ما في تقريرات درسه حيث قال: إنّ الإحرام أمر إنشائي يوجده المحرم بتحريم المحرمات على نفسه، وإن كان لا يؤثر في التحريم قبل التلبية، كما هو المستفاد من المحقّق في «الشرائع».


1 . المستمسك:1/361.


صفحه264

ثمّ إنّه (قدس سره) ذكر كلام المحقّق في «الشرائع» في إحرام الحجّ حيث جاء فيه:«ثمّ ينشئ إحراماً آخر للحج من مكة». وهو ظاهر في أنّ الإحرام أمر إنشائي، وعبر بذلك في التحرير والسرائر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الإنشاء يحتاج إلى سبب، فما هو السبب؟ فإن كان السبب هو الالتزام القلبي بتحريم المحظورات ـ كما هو ظاهر كلامهما ـ فهو ممنوع، لأنّ الإنشاء يحتاج إلى سبب إمّا فعلي ـ كما في المعاطاة ـ أو قولي، والمفروض عدمهما، ولو قيل: إنّ السبب هو التلبية، فهو ليس بتام، لأنّها ليست سبباً عرفياً لتحريم المحرمات، بل هو إجابة لدعوة إبراهيم الخليل(عليه السلام)القريب والبعيد إلى زيارة البيت الحرام حيث إنّه سبحانه يخاطب إبراهيم بقوله: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجّ يأتُوكَ رِجالاً وَعلى كُلّ ضامر يأتين مِنْ كُلّ فَجّ عَميق).(2)

وأمّا ما استدل به من كلام «الشرائع» فالظاهر أنّ مراده من الإنشاء هو نفس الإحرام، أي يحرم إحراماً آخر وراء الإحرام للعمرة. لا أنّ الإحرام من الأُمور الإنشائية مقابل الأُمور الواقعية التي يحكى عنها بالألفاظ، وعلى فرض صحّة إنشاء الأُمور النفسية بالالتزام فهو أمر نفسي عقلي غير مطروح لأكثر المحرمين.


1 . كتاب الحج للسيد الگلپايگاني: 246.

2 . الحج:27.


صفحه265

 

5. الإحرام حالة تمنع عن فعل شيء من المحظورات

عرّف الشيخ جعفر كاشف الغطاء الإحرام بقوله: هو عبارة عن حالة تمنع عن فعل شيء من المحرّمات المعلومة، ولعلّ حقيقة الصوم كذلك، فهما عبارة عن المحبوسية عن الأُمور المعلومة، فيكونان غير القصد، والترك، والكف، والتوطين، فلا يدخلان في الأفعال، ولا الأعدام، بل هما حالتان متفرعتان عليها، ولا يجب على المكلّفين من العلماء فضلاً عن الأعوام الاهتداء إلى معرفة الحقيقة، وإلاّ للَزم بطلان عبادة أكثر العلماء وجميع الأعوام.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه لو كانت حقيقة الإحرام هو ما ذكره، يجب تحصيل تلك الحالة عند الإحرام، لأنّ الأمر بالإحرام أمر به بما له من الواقعية مع أنّه اعترف بأنّ العلماء فضلاً عن العوام لا يهتدون إلى تلك الحقيقة حتّى يحصّلونها، فأي فائدة في جعل شيء موضوعاً للحكم مع عدم اهتداء أغلب المكلّفين إليه، ويرد عليه مثل ذلك في تعريف حقيقة الصوم.

6. الإحرام هو الدخول في العمرة أو الحجّ لا غير

الظاهر كما هو اللائح من معاجم اللغة أنّ الإحرام عبارة عن الدخول في العمرة والحج، وإنّما أُطلق عليه الإحرام لكون المدخول من حرمات الله.

وتبيين ذلك رهن بيان أمرين:


1 . كشف الغطاء:4/521ـ522.


صفحه266

1. الحرمة لغة، ما لا يجوز انتهاكه ووجبت رعايته، قال سبحانه في سورة الحج بعد ذكر مناسكه:(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ* ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْـرٌ لَهُ عِنْدَ
رَبِّهِ
).(1)

قال الطبرسي: (ثم ليقضوا تفثهم) أي ليزيلوا شعث الإحرام من تقليم ظفر وأخذ شعر، (وليوفوا نذورهم) بإنجاز ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، (ليطوفوا بالبيت العتيق)والبيت العتيق هو الكعبة، (ومن يعظم حرمات الله...)والحرمات ما لا يحلّ انتهاكه، واختار أكثر المفسرين في معنى الحرمات هنا: انّها المناسك لدلالة ما يتصل بها من الآيات على ذلك. وقيل معناها: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام.(2)

واللفظ يدلّ على أنّ كلّ شيء له مكانة عند الله يجب رعايته ، فهو الحرمة من غير فرق بين الأعمال كالمناسك، أو غيرها كالبيت والشهر والمسجد الحرام.

2. وجود الفرق الواضح بين التحريم والإحرام كالفرق بين قوله «حرّم» و«أحرم».

أمّا الأوّل، فهو عبارة عن المنع عن الشيء ، كقوله سبحانه: (كلُّ الطَّعام


1 . الحج:29ـ 30.

2 . مجمع البيان:4/82ـ 83، ولاحظ أيضاً: ج 1 / 287 ، تفسير قوله سبحانه: (وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ)البقرة:194 .


صفحه267

كانَ حِلاً لِبَني إسرائيلَ إلاّ ما حَرَّمَ إسرائيلُ على نفسه)(1) حيث حرّم يعقوب بعض الأطعمة على نفسه وفاء للنذر.(2)

وأمّا الثاني ـ أي أحرم ـ فهو عبارة عن الدخول في شيء له منزلة وكرامة لا تهتك، فتارة يكون المدخول فيه مكاناً له حرمة يقال: أحرم: دخل الحرم، وأُخرى يكون زماناً كذلك فيقال: أحرم: دخل الشهر الحرام، وثالثة يكون عملاً له حرمة يقال: أحرم: دخل العمرة والحج، والميزان في صدق الإحرام كون المدخول فيه شيئاً يحرم انتهاكه، وبما أنّ المدخول فيه في المقام هو العمل ـ لا المكان ولا الزمان ـ يكون معنى «أحرم» أنّه دخل العمرة والحجّ اللّذين لهما ذاك الشأن، وقد مرّ عن الفيومي أنّه فسر قوله: أحرم الشخص: نوى الدخول في حج أو عمرة، ومثله ابن منظور في «اللسان». نعم لا يتحقّق الدخول في العمرة أو الحجّ إلاّ عن طريق خاص وهو التلبية، فكأنّها مفتاح الدخول في هذا العمل الذي هو من محرّمات الله سبحانه.

وفي بعض الروايات ما يدل عليه، نظير: صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث وصف حجّ النبي في حديث مبسوط وقال: «ثمّ خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلّى فيه الظهر، وعزم بالحجّ مفرداً وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوّل، فصف الناس له سماطين، فلبّى بالحجّ مفرداً، وساق الهدي».(3) فقد بيّن الإمام إحرام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالجملتين:


1 . آل عمران:93.   

2 . مجمع البيان:1/475.

3 . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.


صفحه268

1. عزم بالحجّ، وفي بعض النسخ: أحرم بالحجّ.

2. فلبّى بالحجّ مفرداً.

وبما أنّ «العزم» يتعدّى بنفسه يقال: عزمت الأمر، فلعل الصحيح هو الثاني، أي أحرم بالحجّ، أي دخل الحجّ الذي هو من حرم الله، فليس للإحرام واقعية سوى الدخول في واحدة من الحرمتين : العمرة والحجّ، بطريق خاص وهو التلبية، وبما انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لبّى في البيداء، يحمل قوله: «أحرم بالحجّ» على مجاز المشارفة.

هذا هو حقيقة الإحرام، ومع ذلك يستحبّ معه أن يقول: أحرم لك شعري و بشري ولحمي ودمي وعظامي ومخّي وعصبي من النساء والثياب والطيب.(1) والجميع من أحكام الإحرام ولوازمه، لا أنّها حقيقته.


1 . الوسائل: ج 8، الباب16 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 1 .


صفحه269

الرسالة السادسة والعشرون

المطاف بين السعة والضيق


صفحه270

صفحه271

المطاف بين السعة والضيق   

كان الحجيج في الأزمان المنصرمة يُعدّون بالأُلوف حيث لا يتجاوز عددهم مائة ألف حاج في أغلب السنين، ولم تكن آنذاك أية مشكلة باسم الازدحام في المطاف، إلاّ حين استلام الحجر الأسود، غير أن تطور وسائل النقل البحرية والبرية والجوية جعل هذا العدد يتضاعف كثيراً في كلّ سنة إلى أكثر من ميلوني حاج.

هذا وانّ عدد الحجاج في هذه السنة ـ 1425هـ ـ حسب وكالة الأنباء للمؤتمر الإسلامي في اليوم الثامن من ذي الحجة الحـرام ـ بلـغ مليونين ومائتي وخمسين ألف (000،250،2 ألف) ، وكان عدد الحجاج الوافـدين من سائر الأقطار يبلغ مليوناً وسبعمائة وخمسين ألف (000،750،1) ، وهذا يعرب عن أن تطور وسـائل المواصلات صار سبباً لتزايد عدد الوافدين إلى البيت الحرام.

وعلى ضوء ذلك، فإنّ عدد الحجاج سوف يشهد تزايداً ملحوظاً في المستقبل.

هذا من جانب ومن جانب آخر المشهور عند فقهاء الشيعة هو أنّ المطاف عبارة عمّا بين البيت والمقام، وهو لا يزيد على 12متراً أو 26ذراعاً ونصف ذراع. ومن المعلوم أنّ طواف هذا العدد الهائل من الحجاج في هذه


صفحه272

المسافة الضيقة يوجب ازدحاماً وحرجاً كثيراً في أشهر الحج خصوصاً في الشهر الأخير.

وأشكل من ذلك تحديد المطاف خلف جدار حجر إسماعيل بثلاثة أمتار.

ومن المعلوم أنّ هذا التضييق يوجب العسر والحرج والزحام للشيعة الإمامية.

وهذا ما يلمسه كلّ من يحج في هذه السنوات ويعاني من هذه المشكلة.

وأمّا أهل السنّة فهم في يسر حيث جعلوا ساحة المسجد كلّها مطافاً للحاج حتى تحت الأروقة والسقائف، بل قالوا لو وسع المسجد إلى الحل لكان الجميع مطافاً ، كما سيوافيك.

ولذلك نطرح هاتين المسألتين على صعيد التحقيق.


صفحه273

 

المسألة الأُولى

في تحديد المطاف في الجوانب الثلاثة

ذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى أنّ المطاف هو المسافة الفاصلة بين البيت والمقام الموجود حالياً ونص بذلك جلّ فقهائهم، وستوافيك كلماتهم.

وهناك قولان آخران:

1. جواز الطواف خارج المقام اختياراً على كراهة، وهو خيرة الصدوق والمحقّق الأردبيلي على وجه.

2. جواز إدخال المقام في الطواف في حالة الضرورة، وهو خيرة ابن الجنيد والعلاّمة في «التذكرة». فعلينا دراسة أدلة الأقوال بعد ذكر نصوص من أقوال الفقهاء.

القول الأوّل: المطاف هو الحدّ الفاصل بين الحدّين

تقدّم أنّ المشهور بين فقهائنا أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين البيت والمقام، وتجد النص على ذلك في أغلب الكتب الفقهية، وإليك منها ما يلي:

1. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا تباعد من البيت حتى يطوف بالسقاية وزمزم لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه.(1)


1 . الخلاف:2/324، المسألة 133.


صفحه274

2. وقال في «المبسوط»: وينبغي أن يكون طوافه فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام وتباعد عنه لم يصحّ طوافه.(1)

3. وقال في «النهاية»: وينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام أو تباعد عنه لم يكن طوافه شيئاً.(2)

وذيل العبارة في الكتابين يدلّ على أنّ مراده من قوله: «ينبغي» هو الوجوب.

4. وقال ابن البراج : ويجب أن يكون طوافه بين المقام والبيت.(3)

5. وقال ابن زهرة: والواجب في الطواف النية ـ إلى أن قال: ـ وأن يكون، بين البيت والمقام فمن ترك شيئاً من ذلك لم يجزه الطواف.(4)

6. وقال ابن إدريس: ينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين مقام إبراهيم(عليه السلام) والبيت يُخرج المقام في طوافه، ويدخل الحجر في طوافه، ويجعل الكعبة في شماله، فمتى أخلّ بهذه الكيفية أو نسي منها بطل طوافه.(5)

7. وقال العلاّمة: يجب عندنا أن يكون الطواف بين البيت والمقام ويدخل الحجر في طوافه، فلو طاف في المسجد خلف المقام لم يصحّ طوافه، لأنّه خرج بالتباعد عن القدر الواجب فلم يكن مجزئاً.

وقال الشافعي: لا بأس بالحائل بين الطائف والبيت كالسقاية والسواري


1 . المبسوط:1/357.  

2 . النهاية:237.

3 . المهذب:1/233.  

4 . الغنية:172.

5 . السرائر:1/572.


صفحه275

ولا بكونه في آخر باب المسجد وتحت السقف، وعلى الأروقة والسطوح إذا كان البيت أرفع بناءً على ما هو اليوم، فإن جعل سقف المسجد أعلاه لم يجز الطواف على سطحه... إلى أن قال: ولو اتّسعت خطة المسجد اتّسع المطاف، وقد جعلته العباسية أوسع ممّا كان في عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

8. وقال في «المنتهى»: ويجب أن يكون ] الطواف [ بين البيت والمقام.(2)

9. وقال في «المدارك»: وأمّا أنّه يعتبر كون الطواف واقعاً بين البيت والمقام بمعنى كونه في المحل الخارج عن جميع البيت والداخل عن جميع المقام، فهو المعروف من مذهب الأصحاب.(3)

10. وقال في «الجواهر»: لا خلاف معتد به أجده في وجوب كون الطواف بينه و بين البيت، بل عن الغنية الإجماع عليه.(4)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يقف عليها المتتبع في الكتب.

نعم المطاف عند فقهاء السنّة أوسع بكثير، كما مرّ عن العلاّمة في «التذكرة». و في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، فلو طاف من وراء مقام إبراهيم(عليه السلام) أو من وراء حائل كمنبر أو غيره كالأعمدة أو على سطح المسجد الحرام أجزأه، لأنّه قد حصل حول البيت مادام ضمن المسجد وإن


1 . التذكرة:8/93ـ 94.

2 . منتهى المطلب: 10 / 320، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424 هـ .

3 . المدارك:8/130.   4 . الجواهر:19/295.


صفحه276

وسع المسجد ومهما توسع ما لم يبلغ الحلّ عند الجمهور، لكن خصّت المالكية الطواف بالسقائف بصورة الزحام.(1)

والمعروف أنّ المسافة بين «شاذروان» البيت والمقام هي ستة وعشرون ذراعاً ونصف ذراع، وأمّا حسب المتر فالحدّ الفاصل 12 متراً.

وكيف كان فهذا هو القول المعروف بين الأصحاب والدليل الوحيد ـ مضافاً إلى الشهرة ـ صحيحة محمد بن مسلم حسب ما رواه الكليني، قال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي من خرج منه لم يكن طائفاً بالبيت; قال: «كان الناس على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام والبيت، فكان الحدُّ موضعَ المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ، ولا طواف له».(2)

والاستدلال بالرواية فرع صحّة السند وإتقان الدلالة.

أمّا الأوّل فرجال السند كلّهم ثقات سوى «ياسين الضرير» فإنّه لم يوثق، بل هو مهمل من ذلك الجانب، والرجل إماميٌّ بشهادة عنوان النجاشي له في رجاله.(3)


1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:29/127.

2 . الوسائل: ج 9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.

3 . رجال النجاشي: 2 / 432 برقم 1228.


صفحه277

وعناية المشايخ بذكره وذكر كتابه، واستحصال السند إليه تعرب عن صلاحية كتابه للاحتجاج. وقد ذكر النجاشي سنده إلى كتابه.

وأمّا إتقان الدلالة، فالدلالة واضحة.

إنّما الإشكال في بعض المضمون حيث دلّت على أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصار بعده في المكان الّذي هو فيه اليوم ويؤيده ما نقل عن الطبري: أنّ قريشاً في الجاهلية، كانت قد ألصقته بالبيت خوفاً عليه من السيول، واستمر كذلك في عهد النبي وعهد أبي بكر، فلمّـا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي، الّذي هو مكانه في زمان الخليل (عليه السلام) .(1)

ولكن فيما ذكره الطبري ملاحظة واضحة، إذ لو كان الأمر كما ذكره الطبري فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أولى بأن يأتي به إلى مكانه اليوم، فلماذا لم ينقله حتّى قام عمر بذلك؟! والمذكور في بعض التواريخ أنّ المقام كان موجوداً في محلّه الّذي هو الآن فيه، في عصر النبي وفترة بعد رحيله.

قال أبو الوليد محمد الأزرقي (المتوفّى قريباً من عام 222هـ) في كتابه «أخبار مكة وما فيها من الآثار»:حدّثني جدّي قال: حدّثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الّذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتّى قدم عمر فردّه بمحضر الناس.(2)


1 . الجواهر:19/296.  

2 . أخبار مكة:2/35.


صفحه278

وقال أيضاً:... حتّى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب يقال له: سيل أُم نهشل، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتّى وجد بأسفل مكة، فأُتي به فربط إلى أستار الكعبة في وجهها، وكُتب في ذلك إلى عمر، فأقبل عمر فدخل بعُمرة في شهر رمضان وقد غُبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبداً عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط، وهو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي، وأرسل إليها، فأُتي بها فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم، فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّـا استثبت ذلك عمر وحقّ عنده أمر به فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثمّ حوله فهو في مكانه هذا إلى اليوم.(1)

وما ذكره الأزرقي هو الأوفق بالقبول، لأنّ المقام هو العمود من الصخر الّذي كان إبراهيم(عليه السلام) يصعد عليه عند بنائه البيت، فلو كان هذا متّصلاً بالبيت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان على الزائرين الصلاة وراءه وهي تزاحم طواف الطائفين، والروايات في المورد متعارضة، تحتاج إلى فحص أكيد يوصل إلى رأي حاسم، وعلى أي تقدير، فيجب علينا الطواف بين البيت والمقام الموجود حالياً برواية محمد بن مسلم الماضية، وضعف السند منجبر بعمل المشهور.


1 . نفس المصدر: 2/ 33 ـ 34 .


صفحه279

 

قولان آخران في المطاف

قد تقدّم أنّ في تحديد المطاف قولين آخرين، وإليك دراستهما:

الأوّل: جواز الطواف خارج المقام اختياراً على كراهة، وقد اختاره قليل من الفقهاء، منهم:

1. الصدوق في «الفقيه» حيث روى بسند صحيح عن أبان بن عثمان، عن محمد بن علي الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الطواف خلف المقام، قال:«ما أحب ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بُدّاً»(1). بناء على أنّ الصدوق يُفتي بكلّ ما نقله في الفقيه، لما صرّح به في أوّل الكتاب.

فلو قلنا بأنّ قوله(عليه السلام): «ما أحب ذلك» ظاهر في الكراهة، وهي تزول مع الضرورة، ويكون دليلاً على أنّ الصدوق ممّن يجوِّز الطواف خارج المقام اختياراً وإن كان مكروهاً، وتزول الكراهة في الضرورة.

2. وقال المحقّق الأردبيلي بعد نقل الرواية المذكورة: فإنّها ظاهرة في الجواز خلف المقام على سبيل الكراهة، وتزول مع الضرورة، ولكن قال في «المنتهى»: وهي تدلّ على ذلك مع الضرورة والزحام وشبهه.

وأنت تعلم أنّ دلالتها على ما قلناه(جواز الطواف خلف المقام اختياراً) أظهر إلاّ أن يقال: إنّه لا قائل به فيحمل على ما قاله في «المنتهى» على أنّ


1 . الفقيه:2/399، الباب219، ما جاء في الطواف خلف المقام.


صفحه280

«أبان» الظاهر أنّه ابن عثمان، وفيه قول فلا يقبل منه ما ينفرد به.(1)

يلاحظ عليه: أنّ أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع، وقد اتّفقوا على وثاقة هؤلاء.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الصدوق والأردبيلي ـ على وجه ـ ذهبا إلى جواز الطواف خلف المقام اختياراً.

الثاني: اختصاص الجواز بصورة الضرورة والزحام، وعليه ابن الجنيد والعلاّمة في بعض كتبه، وإليك قوليهما:

1. قال العلاّمة في «التذكرة» بعد ما نقل خبر الفقيه: وهو يعطي الجواز مع الحاجة كالزحام.(2)

2. وقال في «المختلف»: المشهور انّه لا يجوز إدخال المقام في الطواف، وقال ابن الجنيد: يطوف الطائف بين البيت والمقام الآن، وقدره من كلّ جانب، فإن اضطر أن يطوف خارج المقام أجزأه.(3)

وهذا القول هو الأقوى، و يدلّ عليه مضافاً إلى صحيح الحلبي :

انّه سبحانه يأمر مجموع الحجيج الحاضرين في المسجد بالطواف بقوله: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبيت العَتيق)(4) هذا من جانب.


1 . مجمع الفائدة والبرهان:7/87.

2 . التذكرة:8/93.

3 . المختلف:4/183.

4 . الحج:29.


صفحه281

ومن جانب آخر يقول سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(1)

فمقتضى دعوة الحاضرين في المسجد إلى الطواف مع رعاية عدم تسبب الحرج هو كون المطاف في هذه الظروف أوسع من الحدّ المذكور مع ملاحظة الأقرب فالأقرب. بمعنى اتصال الطائف خارج المقام بالطائفين داخل المطاف.

وربما يقال بإيجاب الاستنابة، عند عدم الاستطاعة أو إذا كان حرجيّاً.

يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الابتلاء في مورد واحد صحّ ما احتمل، وإلاّ فلو كان ممّا تبتلي به العامّة، فنفس الاستنابة تكون حرجية، فكيف الطواف نفسه.


1 . الحج:78.


صفحه282

 

المسألة الثانية

حدّ المطاف خلف حجر إسماعيل (عليه السلام)

هذه هي المسألة الثانية التي ألمعنا إليها.

وإليك توضيحها:

قد تقدم أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين الكعبة ومقام إبراهيم(عليه السلام)، وقد حدّد بستة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع، وهو يقرب من 12 متراً، فعلى الطائف ألاّ يخرج عن هذا الحدّ إلاّ عند الضرورة كما قلنا.

واتّفقوا على أنّ مبدأ هذا الحدّ في الأضلاع الثلاثة هو جدار الكعبة.

وإنّما الكلام في الضلع الذي يتصل به حجر إسماعيل فهل يُحسب الحد الفاصل من جدار الكعبة كما هو المشهور عند أكثر فقهائنا; أو يحسب من جدار الحجر إلى نهاية 12متراً، كما عليه لفيف من المتقدمين والمعاصرين؟

فلو قلنا بالاحتمال الأوّل يكون مقدار المسافة للطواف نحو ثلاثة أمتار وهو يسبّب الحرج في أكثر الأوقات، وأكثر ممّا سبق، إذ لازم ذلك أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة هو 12متراً وفي الضلع المتصل بـ«حجر إسماعيل» 3 أمتار.


صفحه283

وأمّا لو قلنا بالاحتمال الثاني، فبما أنّ مبدأ المسافة هو خارج الحجر يكون المطاف نظير سائر الأضلاع، وبذلك يزول الحرج في غالب الأوقات غير أيّام الحجّ.

إنّما الكلام في استظهار أحد القولين من معتبرة محمد بن مسلم الماضية.

أقول: إنّ الرواية في النظرة الأُولى تحتمل أحد معنيين ولا يتعيّن المقصود النهائي إلاّ في الإمعان في الغرض الّذي سيقت له، وإليك الاحتمالين:

1. إنّ الرواية بصدد بيان حدي المسافة، ويكون غرضها مصروفاً إلى بيان المبدأ والمنتهى.

2. إنّ الرواية بصدد بيان مقدار المسافة الّتي يطوف فيها الطائف بحيث لو خرج عنها في جانب المقام لبطل طوافه. وإنّما ذكر المبدأ ليتيسّر له ذكر المسافة الّتي لو خرج عنها الطائف لبطل طوافه.

فإذا كان المقصود هو الأوّل، لكانت الرواية مؤيدة للقول المشهور، غير أنّ القرائن المتوفرة تشهد بأنّ الغرض هو بيان مقدار المسافة الّتي لا يجوز الخروج عنها، وأمّا المبدأ فهو وإن تعرضت له الرواية بقوله (عليه السلام): «قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها» إلاّ أنّه لم تصبَّ اهتمامها عليه، وإنّما جاء ذكره ليكون مقدّمة لبيان حدّ المسافة الّتي لا يجوز للطائف الخروج عنها، لا لبيان الحدّ حتّى من الجانب الذي يُبدأ منه.


صفحه284

لكن القرائن تشهد بأنّ الغرض هو بيان مقدار المسافة لا بيان مبدأ المسافة، وإليك القرائن:

أ. نفس سؤال الراوي حيث ركّز على الحدّ الّذي لا يجوز الخروج عنه، وقال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي «من خرج عنه» لم يكن طائفاً بالبيت، فلابدّ أن يكون الجواب ناظراً إلى تلك الجهة أي بيان الحدّ الّذي لا يجوز الخروج عنه، والخروج يتحقّق من جانب المقام، لا من جانب البيت.

ب. انّ الإمام(عليه السلام) بيّن كيفية طواف الناس أيّام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالبيت والمقام، ثمّ بيّن انقلاب الأمر بعده حتّى صار الناس يطوفون بين البيت والمقام. ثمّ يؤكد بأنّ ذلك لا يؤثر في تغيير الحدّ بقوله:«فكان الحد، موضعَ المقام اليوم فمن جازه فليس بطائف» فهذه التعابير تشير كلّها إلى أنّ المقصود الأصلي في الرواية هو بيان المسافة الّتي يطاف فيها ولا يجوز الخروج عنها، وإنّ نقل المقام في العهود السابقة لا يؤثر في ذلك.

ج. «فالحدّ قبل اليوم واليوم واحد، قدر ما بين المقام وبين البيت» وهو ظاهر في أنّ تغيير مكان المقام لا يؤثر في تحديد المسافة ومقدارها فهي في جميع الظروف واحدة لا تتغير، وإن ذُكر المبدأ «بين البيت» فلأجل أن يتيسّر له بيان حدّ المسافة الّتي لا يجوز الخروج عنه.

ولقد لخّص العلاّمة المجلسي مفاد الحديث بقوله: والحاصل أنّ المعتبر دائماً مقدار، بين الموضع الّذي فيه المقام الآن وبين البيت، سواء أكان المقام فيه أم لم يكن.(1)


1 . ملاذ الأخيار:7/393.


صفحه285

وعلى ضوء ما ذكرنا فالرواية تركّز على بيان الحدّ الفاصل الّذي لا يجوز الخروج عنه في عامة الجوانب لا على مبدئه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كانت الرواية ظاهرة في تبيين المسافة الّتي يسلكها الطائف، فيجب الأخذ بها في عامة الجوانب.

لكن الأخذ به واضح في الأضلاع الثلاثة، وإنّما الكلام في الأخذ به في الضلع المتصل بحجر إسماعيل، فهو يتحقق بأحد أمرين:

الأوّل: أن يكون الحجر جزءاً من المسافة والمطاف، فيجوز للطائف سلوكه.

الثاني: ألاّ يكون الحجر جزءاً منها بل خارجاً.

وبما أنّ الروايات المتضافرة أبطلت الاحتمال الأوّل يتعيّن الاحتمال الثاني فيكون المبدأ خارج الحجر إلى نهاية اثني عشر متراً.

ثمّ إنّ المشهور وإن ذهب إلى أنّ المبدأ هو البيت في ذلك الضلع الخاص، غير أنّ جماعة من الفقهاء اختاروا ما ذكرناه، وإليك مقتطفات من كلماتهم:

1. قال الشهيد الثاني في «الروضة»: وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن جعلناه خارجاً من البيت.(1)

2. وقال أيضاً في «المسالك»: وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع


1 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:2/249.


صفحه286

الجهات فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه.

ثمّ إنّه (قدس سره) تردد فيما ذكر وقال: مع احتمال احتسابه(الحجر) منها على القول بخروجه وإن لم يجز سلوكه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية جواز السلوك في المسافة المحدّدة في عامة الجوانب، فلو كان الحجر جزءاً من المسافة جاز السلوك فيه، مع تضافر الروايات على المنع.

3. وقال سبطه في «المدارك»: وقد قطع الأصحاب أنّه يجب مراعاة قدر ما بين البيت والمقام من جميع الجهات، وفي رواية محمد بن مسلم دلالة عليه، وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن كان خارجاً من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوباً من المسافة.(2)

4. وقال المحقّق السبزواري في «الذخيرة»: وقد ذكر جماعة من المتأخّرين أنّه يحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، ومنهم من قال: وإن كان خارجاً من البيت، ومنهم من علّله بوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.(3)

5. ما نقله المحقّق النراقي عن جماعة من المتأخّرين.(4)


1 . مسالك الأفهام:2/333.

2 . مدارك الأحكام:8/131.

3 . ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد:628.

4 . مستند الشيعة:12/76.


صفحه287

6. وقال في «الجواهر»: نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بناءً على أنّه من البيت، بل في «المدارك» وغيرها، وإن قلنا بخروجه عنه لوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.(1) وإن استشكل في ما ذكره وزعم أنّه خلاف ظاهر الخبر.

ويؤيد ذلك أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) طاف في عمرة القضاء مع أصحابه الذين صدّهم المشركون في العام الماضي، فهل يمكن أن يطوف هذا الجمّ الغفير في مسافة قليلة لا تتجاوز عن ثلاثة أمتار؟

قال ابن هشام: ثمّ استلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتّى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتّى يستلم الركن الأسود، ثمّ هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها.(2)

وقد شارك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عام الحديبية حوالي 700 رجل، ولما صُدُّوا في ذلك العام، قضوا عمرتهم في السنة القادمة، والظاهر أنّهم شاركوا في القضاء بلا استثناء.

قال ابن إسحاق: خرج معه المسلمون ممّن كان صدّ معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلمّا سمع به أهل مكة خرجوا عنها.(3)

ومن المعلوم أنّ طواف هؤلاء في زمان قليل في تلك المسافة الضيّقة،


1 . الجواهر:19/298.

2 . السيرة النبوية:2/371، عمرة القضاء.

3 . السيرة النبوية:2/370.


صفحه288

لا يخلو من حرج ولو كان واجباً لنصّ عليه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المطاف من جانب الحجر أوسع ويساوي في السعة سائر الجوانب، فتدبّر.

أضف إلى ذلك: أنّه لو كان المطاف في الضلع المتصل بالحِجر، ثلاثة أمتار لأوجب ذلك الزحام الشديد في عامّة الأعصار وانتهى إلى طرح السؤال على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، مع أنّا لا نرى أي سؤال قد طرح حوله.


صفحه289

الرسالة السابعة والعشرون

في عقد المضاربة وأحكامه


صفحه290

صفحه291

عقد المضاربة وأحكامه   

يشترط في عقد المضاربة كل مايشترط في سائر العقود كالبيع والإجارة والعارية والوديعة، من الموالاة بين الإيجاب والقبول، والتنجيز، وغيرهما من الشرائط، فلا حاجة للبحث عنها، ويكفي في المقام كل فعل أو قول دال على اتفاق الطرفين على كون المال من أحدهما والعمل من الآخر، والربح لهما، ويكفي أن يقول: ضاربتك على كذا، ويقول الآخر: قبلت.

هذا إذا كان الإنشاء باللفظ، وأمّا إذا كان بالفعل، فيكفي أن يتقاولا حول اتّفاقهما ثم يقوم صاحب المال بدفع المال إلى العامل ويقبله العامل مبنيّاً على المقاولة المتقدمة، وعند ذلك يكون الإيجاب والقبول بالفعل والعمل، ولعلّ ماسبق من صاحبي الجواهر والعروة الوثقى من تعريفها بالدفع، ناظر إلى هذه الصورة، وإلاّ فالدفع أشبه بالوفاء بالمضاربة كتسليم البيع وتسلّم الثمن اللّذين يعدّان تجسيداً للوفاء بالبيع، إذا سبقهما الإنشاء.

المضاربة عقد جائز أو لازم؟

نعم يبقى هنا بحث، وهو أنّ المضاربة هل هي عقد جائز أو لازم ؟ يظهر من التتبع في كلمات الفقهاء من الفريقين اتّفاقهم على الجواز. وإليك نماذج من كلماتهم.


صفحه292

قال الشيخ: «وصاحب المال متى أراد أن يأخذ ماله من مضاربه كان له ذلك ولم يكن للمضارب الامتناع عليه من ذلك، وكان له أُجرة المثل إلى ذلك الوقت». (1)

وقال ابن البراج: «والقراض من العقود الجائزة في الشريعة بغير خلاف». (2)

وقال ابن حمزة: «وهو عقد جائز بين الطرفين». (3)

وقال ابن إدريس: «والمضاربة عقد جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخه متى شاء». (4)

وقال المحقّق: «وهو جائز من الطرفين. لكل واحد منهما فسخه سواء نضّ المال أو كان به عروض». (5) إلى غير ذلك من العبارات المتقاربة الحاكية عن اتفاقهم على الجواز.

وقال ابن رشد: «أجمع العلماء على أنّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأنّ لكل واحد منهما فسخه مالم يشرع العامل في القراض، واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم وهو عقد يورث فإن مات وكان للمقارض بنون أُمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أُمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث، فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر،


1 . النهاية: 429.  

2 . المهذب: 1/460.

3 . الوسيلة: 264.  

4 . السرائر: 2/409.

5 . الجواهر: 26/340 (قسم المتن) .


صفحه293

ورآه من العقود الموروثة، والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل». (1)

وقال ابن قدامة: «والمضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما، أيّهما كان وبموته وجنونه والحجر عليه لسفه، لأنّه متصرّف في مال غيره بإذنه فهو كالوكيل، ولا فرق بين ما قبل التصرّف وبعده». (2)

ثم إنّه ظهر مّما ذكرنا من كلماتهم معنى الجواز، وهو جواز الفسخ بمعنى أنّه يجوز للمالك الرجوع عن الإذن في التصرّف في ماله وللعامل الامتناع عن العمل في أي وقت كان، وأمّا ما عيّناه للمال وللعمل من الربح فلا يجوز فسخه والرجوع إلى أُجرة المثل بعد ظهور الربح.

والحاصل: أنّ جواز العقد يؤثر في بقائه في المستقبل وعدم بقائه في المستقبل ولا يؤثر في هدم ما بنيا عليه.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الدليل على الجواز عدم الخلاف في المسألة. يقول صاحب الجواهر: «الإجماع بقسميه عليه وهو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم». (3)

ولكن القائلين بالجواز على أنّه إذا فسخ أحدهما فلو ربحت يشتركان في الربح وإلاّ فللعامل أُجرة المثل سواء كان الفاسخ هو المالك أو العامل نفسه، وربما يتخيّل أنّه إذا كان الفاسخ هو العامل، فليس له أُجرة المثل لإقدام


1 . بداية المجتهد: 2/240.  

2 . المغني: 5/179.

3 . الجواهر: 26/340.


صفحه294

العامل عليه بمعرفته جواز العقد وإمكان فسخه قبل ظهور الربح.

يلاحظ عليه: أنّ الإقدام مع المعرفة بجواز العقد، شيء، والإقدام على التبرّع شيء آخر، فالأوّل لايلازم الثاني، وعلى كل تقدير يجب جبر عمل الساعي عند الفسخ بأُجرة المثل.

ويمكن أن يكون وجه الاتفاق على جوازه هو أنّ المضاربة والوكالة يرتضعان من ثدي واحد، وكلاهما من العقود الإذنية القائمة بالإذن. فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الحكم، وهذا هو معنى جواز العقد ومثلهما العارية والوديعة وما أشبههما، فالعقود القائمة بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلاّ إذا ارتفع الإذن بالفسخ.

ولكن عدّ المضاربة من العقود الإذنية، لايخلو عن إشكال، لو لم نقل إنّه من العقود اللازمة وأنّه من مصاديق الشركة، غاية الأمر الشركة بين العمل والمال، وإنّ العمل في المقام هو الاتجار وفي المزارعة والمساقاة هو الزرع والسقي. فالقول باللزوم هو الأقوى والإجماع ليس على نحو يكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا، ولعل مستندهم هو تصوّر كونها من العقود الإذنية. نضيف إلى ماذكرنا مايلي:

1 ـ ما الفرق بينها وبين المزارعة والمساقاة حيث صرّحوا باللزوم فيهما؟ وقالوا: المزارعة من العقود اللازمة ولاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو بخيار الاشتراط، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما.


صفحه295

وقالوا في المساقاة: إنّها لازمة لاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان.

نعم لو كانت المضاربة خالية عن الأجل وقلنا بصحّة مثلها، لامحيص عن كونها جائزة، لأنّ معنى لزومها، في هذه الصورة أن يكون مال الغير في يد العامل دائماً ولايجوز له استرجاعه، كما أنّ معناه في جانب العامل أن يكون هو مادام العمر في خدمة رب المال ولايجوز له التحرّر.

هل المضاربة المؤجلة لازمة أو جائزة ؟

2 ـ الكلام في المضاربة المعمولة التي لاتنفك عن الأجل، فهل هي لازمة أو جائزة؟ يظهر من الأصحاب الجواز، ولكن يمكن تقريب اللزوم بالبيان التالي وهو:

الف ـ أنّ الأصل في العقود هو اللزوم كما هو الأصل المحقّق في باب المعاملات، والجواز يحتاج إلى الدليل، وأمّا الاتفاق فالقدر المتيقّن منه، هو ما إذا كان مطلقاً لا مؤجّلاً بأجل، وعلى فرض إطلاقه فإنّ الإجماع هنا إجماع على القاعدة، لأنّهم جعلوها من فروع الوكالة في التصرّف في مال الغير فعطفوها عليها، ومثل هذا الإجماع لايكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا. وذلك لعدم الدليل على الفرعية فضلاً عن وجود دليل واصل إليهم.

ب ـ أنّ المصلحة الهامة المترتّبة على المضاربة من خروج الأموال من الكنوز والصناديق وانجذاب العمال إلى العمل لاتتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ثقة بين الطرفين، حيث يثق رب المال بأنّ العامل يعمل بماله إلى مدة محدّدة،


صفحه296

ويثق العامل بأنّ رب المال لايفسخ العقد، وإلاّ فلو كان جائزاً في المدة المحددة وكان لكلّ فسخ العقد، فلا تبقى ثقة للطرفين، فلا يقومان بها ويكون تشريع المضاربة تشريعاً عاطلاً قليل الفائدة.

ج ـ أنّ المضاربة في العرف معاملة لازمة وهي تكشف عن كونها كذلك شرعاً، وقد ذكر الشيخ الأنصاري في المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع بأنّه يستكشف من الصحة العرفية، الصحة الشرعية (1) وعليه يستكشف من اللزوم العرفي، كونها كذلك شرعاً، فالأقوى هو كونها عقداً لازماً إذا كان محدداً. نعم يجوز للطرفين التفاسخ والإقالة كما هو شأن كل عقد لازم.

إذا شرط عدم الفسخ في المدة المضروبة

إذا قلنا بأنّ المضاربة المطلقة، والمحدّدة بالمدّة كلتاهما جائزتان، فهل يمكن علاج جوازها باشتراط عدم الفسخ فيها حتى تصير المضاربة لازمة بالعرض أو لا؟ فله صورتان:

الأُولى: أن يشترط على المالك أو العامل أن لايملكا الفسخ، أو لا يكون لهما حق الفسخ، فلا شك أنّ هذا النوع من الشرط باطل. إنّما الكلام في
وجه البطلان فربما يقال ـ كما عليه المحقّق في الشرائع ـ : إنّه مناف
لمقتضى العقد (2)، وتبعه السيّد الطباطبائي في العروة (3)، وإن عدل عنه


1 . المكاسب: 80.

2 . شرائع الإسلام: 2 / 137، كتاب المضاربة، في العقد .

3 . العروة الوثقى: 2 / 643، كتاب المضاربة المسألة 2.


صفحه297

بأنّه مناف لإطلاق العقد لا لمقتضاه.

والظاهر أنّه ليس مخالفاً لمقتضاه فلا حاجة إلى الإجابة عنه بما
ذكر، لأنّ مقتضى المضاربة نظير كون الربح بينهما أو كون المال من أحدهما والعمل من الآخر، فكل شرط خالف ذلك فهو مخالف لمقتضى العقد، ونظيره في غير باب المضاربة ما إذا باع بلا ثمن، أو آجر بلا أُجرة أو
نكح امرأة بشرط أن لايتمتع بها أصلاً، فإنّ كل ذلك مناف لمقتضى العقد،
وأمّا اللزوم والجواز في المضاربة وغيرها فليس من مقتضيات العقد. بل
من أحكامه، فلا يصحّ عدُّ مثل هذا الشرط منافياً لمقتضى العقد. بل الحق
أنّه مخالف للشريعة. وبعبارة أُخرى: مخالف للكتاب والسنّة، فإنّ الإجماعات العديدة كاشفة عن وجود نص في المقام دال على أنّ كلاًّ من العامل
والمالك يملك الفسخ، فاشتراط عدمه شرط على خلاف حكم الشريعة المقدّسة.

الثانية: أن لا يدخل في مجال التشريع ولا يسلب عن الطرفين ملكية الفسخ، والقدرة على هدم العقد بل مع الاعتراف بهذا الحق الشرعي، يشترط عليه أمراً وهو أن لايفسخ في الأجل المضروب في العقد، وبعبارة أُخرى يلتزم بأن لايستفيد من هذا الحق في المدة المضروبة أو يأخذ من هذا المباح بأحد الطرفين وهو عدم الفسخ، وهذا النوع من الاشتراط ليس مخالفاً لمقتضى العقد ولا مخالفاً لحكم الشرع، وإلاّ فلو كان مثل هذا الشرط على


صفحه298

خلاف الكتاب والسنّة لأصبحت جميع الشروط كذلك، لأنّ الشرط مباح في حد نفسه وللمشروط عليه فعله وتركه، ولكنّه بعد الاشتراط لامحيص له عن الإنجاز، فلو باع داره وشرط على المشتري خياطة الثوب، تلزم عليه الخياطة عملاً بالآية الكريمة: (وأوفوا بالعقود) وليس لأحد أن يعترض ويقول إنّ هذا الشرط مخالف للشريعة، لأنّه كان فيها مختاراً بين الفعل والترك والآن أصبح وهي لازمة عليه.

وعلى ذلك فيمكن أن يتوسّل المضارب ورب المال للوصول إلى الغاية المقصودة بهذا النوع من الاشتراط، وبذلك تعلم صحة الشرط، وليس معناه جعل الجائز لازماً، بل العقد باق على ما كان عليه، وإنّما اللازم هو أن يفي بالشرط الذي التزم به من الفعل والترك.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد المحقّق البروجردي (قدس سره) في تعليقته على العروة الوثقى من القول ببطلان الشرط قائلاً بأنّه ليس لزومها وعدم فسخها بأي معنى كان مّما يقبل الاشتراط، وذلك لما عرفت من أنّ الهدف ليس اشتراط لزوم عقد المضاربة، بل الغاية شرط فعل على المشروط عليه المنتهي إلى تحديده في مجال فسخ العقد، وأين هذا من اشتراط لزوم عقد المضاربة.


صفحه299

 

الشرط في العقد الجائز جائز :

ربما يقال بأنّه لو سلّمنا صحة الشرط لكنّه لاينتج المطلوب، لأنّ الشرط جزء من العقد، وليس له حكم زائد على العقد نفسه، فإذا كان العقد جائزاً، فالشرط (عدم الفسخ) يكون جائزاً.

هذا ماذكره الشهيد الثاني في المسالك وقال: القراض من العقود الجائزة لايلزم الوفاء بها فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقدها، لأنّ الشرط كالجزء من العقد فلا يزيد عليه.

وبعبارة أُخرى أنّ العمل بالشرط إنّما يجب لو كان العقد موجوداً فإذا رُفِعَ العقد بالفسخ فلا متبوع حتى يجب العمل بالتابع، وبعبارة ثالثة: الوجوب المشروط لايقتضي وجود شرطه فينتج: أنّ الشروط في العقود غير اللازمة غير لازمة الوفاء.

تحليل ماذكره صاحب المسالك :

أقول: يجب علينا توضيح مفاد القاعدة أوّلاً، ثم الإجابة عن إشكال صاحب المسالك ثانياً فنقول:

إنّ للضابطة المعروفة: «الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء» تفسيرين:

الأوّل: ما ذكره صاحب الجواهر وهو: أنّ الشرط الوارد في ضمن العقد


صفحه300

الجائز لايلزم الوفاء به حتى مع عدم فسخ العقد، يقول: المراد عدم وجوب الوفاء به، وإن لم يفسخ العقد وأمّا الاستدلال على الوجوب بقوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) فغير تام لظهور الأمر فيها بالوجوب المطلق فيتعيّن حملها على العقود اللازمة وتخرج منها العقود الجائزة، كما أنّ الاستدلال بالنبوي، أعني: «المؤمنون عند شروطهم» غير تام، لأنّ المراد منه بيان صحة أصل الاشتراط، وأمّا اللزوم وعدمه فيتبع العقد الذي تضمّن الشرط فإن كان لازماً وجب الوفاء بالشرط لكونه حينئذ من توابع العقد، وإلاّ لم يجب، بل يكون حينئذ شبيه الوعد. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الآية تعمّ العقود اللازمة والجائزة لكن مادام الموضوع (العقد) موجوداً، لأنّ شأن كل حكم مطلق، مقيّد بوجود الموضوع لبّاً، وليست الآية مطلقة حتى مع قطع النظر عن وجود الموضوع، فبالنظر إلى وجود الموضوع يجب العمل بالشروط، في ضمني العقد اللازم أو الجائز.

وأمّا النبوي فما ذكره في غاية البعد، بل مفاد الحديث عدم انفكاك المؤمنين عن شروطهم وأنّ المؤمن وشرطه توأمان لاينفكان، وهذا هو معنى اللزوم.

الثاني: ما هو المشهور، وهو أنّه يجب الوفاء به مادام العقد موجوداً، نعم لو فسخها سقط الوجوب، فمع وجود الموضوع يلزم العمل بالشرط إلاّ إذا رفع الموضوع، وهذا كقولنا: يجب الوضوء والركوع والسجود في


1 . جواهر الكلام: 26/343.


صفحه301

النوافل، أي مادامت الصلاة، مفروضة الوجود، فهي لاتنفك عنها، وإن كان للمكلّف تركها من رأس.

هذا هو الذي اختاره المشهور وبه صرّح السيد الطباطبائي في عروته. (1)

هذا هو معنى القاعدة، وأمّا الإجابة عن إشكال المسالك ـ بعد توضيح مفاد القاعدة ـ فبالبيان التالي:

استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطة:

قد وقفت على معنى الضابطة وأنّ الشرط في العقود الجائزة لازم الوفاء مالم يفسخ، ولكن هناك قسم من الشروط مستثنى من الضابطة، بل يجب الوفاء به مطلقاً وليس مقيّداً بعدم الفسخ وتوضيحه:

أنّ الشروط المأخوذة في العقود على قسمين:

1 ـ مايرجع إلى طلب فعل من المشروط عليه كخياطة ثوب أو بناء دار فمثل هذا يرجع في البيع والإجارة وأمثالهما إلى كونه تابعاً للثمن أو المثمن، أو العين المستأجرة أو أُجرتها، وعليه يبتني النزاع المعروف هل يقسط الثمن على الشروط أو لا؟

2 ـ ما لا يرجع إلى شيء منهما وإنّما يرجع إلى تحديد اختيار المشروط عليه من غير نظر إلى كونه تبعاً لشيء من أركان العقد، كما إذا باع


1 . العروة الوثقى: 2 / 643، كتاب المضاربة، المسألة2.


صفحه302

شيئاً مع خيار الفسخ للمشتري ولكن يشترط عليه أنّه لو فسخ يجب عليه دفع ألف دينار إلى البائع، فالغرض من هذا النوع من الشرط هو تحديد خيار المشتري حتى لايبادر بالفسخ إلاّ عن فكر وتدبر فيما يستتبعه الفسخ من الغرامة المعلومة، ولأجل ذلك يتنزل احتمال إقدامه للفسخ إلى درجة نازلة عكس ما إذا لم تجعل عليه تلك الغرامة.

ومثله المقام، فإنّ اشتراط عدم الفسخ على المشروط عليه إنّما هو لتحديد خياره حتى لايبادر بالفسخ أثناء المدة المؤجلة حتى يحصل للشارط ثقة بأنّ المشروط عليه يستمر على العهد والعقد.

أمّا الشق الأوّل فهو داخل في الضابطة المعروفة وأنّه يتلوّن بلون العقد، فلو كان العقد لازماً فيكون الشرط لازم الوفاء مثله، فبما أنّه لايجوز له نقض العقد، لايجوز له نقض الشرط وعدم الوفاء به، فالعقد والشرط يمشيان جنباً إلى جنب ولو كان العقد جائزاً يكون حكمه حكم العقد، فإذا كان أصل العقد كالعارية جائزاً فالخياطة التابعة للعقد تكون جائزة.

وأمّا القسم الثاني فهو يستقل في الحكم عن العقد وذلك لأنّ صحّة هذا النوع من الشرط تلازم لزومه وعدم تبعيته للعقد، لأنّ صحة هذا القسم من الشرط لغاية خاصة لاتتحقّق إلاّ بلزومه، ومع ذلك فالنتيجة في المثالين مختلفة.

ففي المورد الأوّل يصح الفسخ ولكن لايبطل الشرط، فإذا فسخ وجب دفع الغرامة وليس له أن يعتذر ويقول بأنّ الشرط ـ دفع الغرامة ـ تابع


صفحه303

للمشروط أي العقد، فإذا ارتفع بالفسخ وارتفع العمل به، ارتفع الشرط ووجوب العمل به، وذلك لأنّه لو كان هذا النوع من الشرط تابعاً في وجوب الوفاء لوجود العقد تلزم لغويته وعدم حصول الغاية المطلوبة منه، فإنّ الغاية هو إيقاف المشروط عليه عن الإقدام على الفسخ على حد ممكن، فلو لم يجب العمل به بعد الفسخ بحجة أنّه لازم العمل مادام العقد موجوداً، لزمت لغويته، ولأجل ذلك يتخذ الشرط لنفسه وجوباً مستقلاً سواء كان العقد موجوداً أو لا.

وفي المثال الثاني لايصحّ الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، فإنّ اشتراط عدم الفسخ لغاية طلب الثقة، وهذا لايتحقّق إلاّ بعد كونه محكوماً باللزوم مستقلاً غير تابع للعقد، وإلاّ لغى الشرط وارتفعت الغاية.

فتلخص من ذلك أنّ الشروط على قسمين: شرط يجب العمل به مادام العقد موجوداً، وهو مايرجع مثلاً إلى العين أو الثمن، وشرط يجب العمل به مطلقاً لامقيّداً بوجود العقد وتختلف نتيجته حسب اختلاف الموارد واختلاف الغاية الداعية إلى جعل الشرط في العقد، فتارة يصح الفسخ ولايبطل الشرط، وأُخرى لايصح الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، ولعلّه إلى ماذكرنا يشير السيد الطباطبائي في العروة بعد تفسير الضابطة في ـ الشروط تابعة للعقود ـ بقوله: وهذا يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ مثل المقام فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد(1).


1 . العروة الوثقى: 2 / 643، كتاب المضاربة، المسألة2.


صفحه304

 

محاولة أُخرى لمنع المشروط عليه عن الفسخ :

ثمّ إنّ هناك محاولة أُخرى وهو اشتراط عدم فسخها في ضمن عقد آخر، وإلى ذلك يشير السيد الطباطبائي في العروة الوثقى ويقول: «ولو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة الشرط ولزومه» أمّا الصحة فلما عرفت من أنّ الشرط ليس جعل الجائز لازماً، أو سلب حق الفسخ عن المشروط عليه، وإنّما هو طلب فعل شيء أو ترك منه، أي التزامه باختيار أحد طرفي المباح، وليس مثل هذا مخالفاً للكتاب والسنّة ولا لحكم الشارع بجواز المضاربة.

وأمّا اللزوم فلأنّه ـ بعد الاشتراط ـ يكون جزءاً من العقد اللازم فيجب الوفاء به.

ومنه يظهر أنّه لو شرط في عقد مضاربة، عدم فسخ مضاربة أُخرى سابقة صحّ ووجب الوفاء به إلاّ أن تفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب، وهو داخل تحت الضابطة السابقة التي تعرّفت على معناها.

كما أنّه لو اشترط في مضاربة، مضاربة أُخرى في مال آخر أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو عدمه وجب الوفاء بالشرط مادامت المضاربة باقية وإن فسخها، سقط الوجوب أخذاً بما مرّ من أنّ الشروط لازمة الوفاء في العقود الجائزة مادام العقد باقياً.

***


صفحه305

 

المضاربة على الانتفاع من نماء المبيع:

لو شرط أنّ يشتري أصلاً يشتركان في نمائه كالشجر أو الغنم، فهل يصح ذلك أو لا ؟

قال العلاّمة في القواعد: الأقرب الفساد، لأنّ مقتضى القراض التصرّف في رأس المال. (1)

وقال المحقّق الثاني في تعليل الفساد: إنّ مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة، وليس موضع النزاع كذلك فلا يصح القراض عليه، وهو الأصح. (2)

يلاحظ على التعليل بأنّه إن أُريد منه التصرف في رأس المال إجمالاً: فقد تصرّف فيه حيث اشترى أصلاً له نماء، وإن أراد التصرّف مرّة بعد مرة، بأن يبيع بعد الشراء فهو منظور فيه، لادليل عليه إلاّ ماستقف عليه.

ويلاحظ على الثاني بأنّ الطرفين ينتفعان من ربح التجارة، فإنّه لو لم يتّجر ولم يشتر الأصل لم ينتفعا بالنماء فالنماء ربح الشراء الذي هو التجارة.

والأولى أن يقال: إنّ المضاربة عبارة عن انتفاع الطرفين بارتفاع القيمة بأن يشتري بقيمة ويبيع بقيمة أزيد، وأمّا الانتفاع عن غير ارتفاع القيمة، كالنماء مع إيقاف التجارة فليس هو من أقسام المضاربة الرائجة بين الناس، ولعلّه إلى ماذكرنا يرجع ما أفاده العلاّمة في القواعد والمحقّق الثاني في شرحها.


1 . القواعد: 2 / 335 .  

2 . جامع المقاصد: 8/78.


صفحه306

نعم لو قال: اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا، فالظاهر أنّه من أقسام المضاربة بشرط أن يكون النماء أمراً تبعياً كنمو الصوف وزيادة اللحم، لا الإنتاج الذي يعد شيئاً مستقلاً لاربحاً للتجارة فلا يبعد أن يكون النتاج للمالك.

وأضاف في الجواهر قسماً ثالثاً وقال: أو اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها شارك في النماء قطعاً. (1) لكن بشرط أن يبيعه بأزيد ممّا اشتراه فيحصل الربح، وأمّا إذا أوقف التجارة بالفسخ فلا يبعد أن يكون النماء للمالك ويكون للعامل أُجرة المثل.

ثمّ إنّه لو قلنا بعدم وقوع مثل ذلك مضاربة فهل هو صحيح أو لا ؟ قال السيد الطباطبائي: يمكن دعوى صحته للعمومات غير أنّ السيد البروجردي (قدس سره) علّق عليه بأنّ الأقوى البطلان. (2)

أمّا وجه الصحّة، فلأجل أنّ قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) يعم المتعارف وغير المتعارف ما لم يكن مخالفاً للأحكام الشرعية، ولأجل ذلك قلنا بصحة المعاملات المستحدثة في عصرنا هذا، وإن لم تكن داخلة تحت العناوين الرائجة، وفي ضوء ذلك صح عقد التأمين والشركات الحديثة، ولم نتجشّم لإدخال هذه العقود تحت العقود الرائجة كما عليه بعض المعاصرين أو أكثرهم، وبالجملة الإسلام دين عالمي يجب عليه إعطاء الحكم لكل حادث جديد وليس المتكفّل له إلاّ تلك العمومات ولا وجه لتخصيصها


1 . الجواهر: 26/344.

2 . العروة الوثقى: 2 / 645، كتاب المضاربة: المسألة3.


صفحه307

بالرائج في عصر الرسالة. وأمّا وجه البطلان، فلأجل أنّ المتعاقدين قصدا المضاربة فإذا بطلت، بطل من رأس، لأنّ ماقصد لم يقع، ومانحن بصدد تصحيحه باسم عقد مستقل لم يقصداه.

ويمكن أن يقال: إنّ البطلان بعنوان المضاربة لا يمنع عن صحته بعنوان آخر، وذلك لأنّ المطلوب للمتعاقدين هو المساهمة في الربح بأيّ طريق حصل من دون تقيّد بعنوان المضاربة، فيكون من باب تعدد المطلوب فالرضاء التقديري ـ على تقدير بطلان المضاربة ـ بالتصرّف في المال حاصل وهو كاف وله نظائر في الفقه ذكرها الشيخ في باب المعاطاة من المتاجر، فلاحظ.

تحديد عمل العامل في المضاربة :

لو اشترط على العامل أنّ لايشتري إلاّ من زيد، أو لا يبيع إلاّ من عمرو، أو لا يشتري إلاّ الثوب الفلاني أو ثمرة البستان الفلاني، سواء كان الجنس عاماً أو قليلاً أو نادراً صح الجميع، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم، بشرط أن لايؤدّي التحديد إلى تعطيل المضاربة وندرة الربح، بحيث يعد العقد عملاً لغواً غير عقلائي.

فلو شرط عليه شراء ما، لايتمكّن المضارب منه في طول السنة إلاّ مرة واحدة صح ولكن بشرط أن يكون له ربح معتد به يليق أن يضارب عليه المضارب، وإلاّ فيعد أمراً لغواً. نعم نقل ابن قدامة الخلاف عن الأئمة الأربعة. قال:


صفحه308

الشروط في المضاربة تنقسم قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لايسافر بالمال، أو أن يسافر به، أو لا يتّجر إلاّ في بلد بعينه، أو نوع بعينه، أو لا يشتري إلاّ من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان النوع ممّا يعم وجوده، أو لا يعمّ، والرجل ممّن يكثر عنده المتاع أو يقلّ، وبهذا قال أبو حنيفة.

وقال مالك والشافعي: إذا شرط أن لايشتري إلاّ من رجل بعينه أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده كالياقوت الأحمر والخيل الأبلق لم يصح، لأنّه يمنع مقصود المضاربة وهو التقليب وطلب الربح، فلم يصح كما لو اشترط أن لايبيع ويشتري إلاّ من فلان، أو أن لايبيع إلاّ بمثل ما اشترى به. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الإمامين خلطا الشرط المخالف لمقتضى العقد بالشرط المخالف لإطلاقه، والباطل هو الأوّل، كما إذا شرط أن يكون الربح كلّه للمالك لا العامل، أو شرط أن يبيع بأرخص ممّا اشترى به أو لا يبيع إلاّ ممّن اشترى منه أوّلاً، ومن المعلوم عادة أنّه لا يشتري إلا بأقل ممّا باع به، وأمّا التحديد بنوع الجنس والمشتري فليس هو على خلاف مقتضى العقد، وإنّما هو تحديد لإطلاقه، فإنّ مقتضى إطلاقه أنّ له أن يشتري ويبيع ما أراد، أو يشتري ويبيع ممّن أراد، فلا يُعَدُّ تحديد ذلك مخالفاً لمقتضاه، وإنّماهو تحديد لإطلاقه، وإلاّ يلزم بطلان كل شرط، لأنّ طبيعة الشرط هو تحديد إطلاق العقد.

روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام):


1 . المغني: 5/184.


صفحه309

«كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لايركبوا بحراً ولاينزلوا وادياً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فابلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجاز شرطه عليهم». (1)

اثنا عشر فرعاً :

1 ـ إذا تحقّقت المضاربة وصار العامل وكيلاً لصاحب المال في التجارة، ومشاركاً معه في الربح، يتبع في مايجوز وما لايجوز، ومايجب عليه وما لا يجب، متعارف الزمان والمكان في المضاربة، وليس للإسلام هناك حكم ثابت سوى تنفيذ الاتّفاق ولزوم الوفاء به، إذا لم يكن مقروناً بشيء على خلاف الشرع: وعلى ذلك فما ذكره المحقّق: «يجوز له عرض القماش والنشر والطيّ وإحرازه، وقبض الثمن وإيداعه الصندوق واستئجاره من جرت العادة باستئجاره كالدلاّل والوزان والحمال» (2) كلّها من باب المثال، وراجع إلى المتعارف في ذلك العصر وبعده، وقد تبدّلت الأوضاع الاجتماعية وتكاملت، فربّما ينحصر في زماننا واجب المضارب بالتفكير والتخطيط والاتّصال بالشركات الاقتصادية بالهاتف والتلكس، ويستخدم لغير ذلك لفيفاً من العمّال والموظفين، ولأجل ذلك يجب أن نقول بكلمة واحدة وهي: إنّه يجب على المضارب أن يقوم بما يقوم به التاجر لنفسه، ويتبع في ذلك ما هو المرسوم والرائج.

2 ـ لو استأجر فيما تتعارف مباشرته بنفسه، بالأُجرة، فهي من مال


1 . الوسائل: ج 13، كتاب المضاربة الباب1، الحديث12.

2 . الجواهر: 26/344 (قسم المتن) .


صفحه310

العامل لانصراف عقد المضاربة إلى تولّيه بنفسه، كما إذا انعكس الأمر فتولّى بنفسه مايعتاد الاستئجار له، فلو كان متبرعاً فلا أُجرة له، وإلاّ يأخذ الأُجرة من أصل المال لاحترام عمل المسلم، ويستحب لصاحب المال دفع الأُجرة إليه ولو كان متبرعاً اقتداءً بشعيب النبي (عليه السلام) فإنّ موسى (عليه السلام) كان متبرعاً في سقي غنم شعيب (عليه السلام)، ومع ذلك أرسل شعيب بنته إلى موسى (عليه السلام) وقالت: (إِنَّ أَبي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) (1).

3 ـ إذا سافر للتجارة وكان مأذوناً فيه إمّا بالتصريح أو كان الإطلاق كافياً في جواز السفر كما إذا اقتضت طبيعة التجارة السفر إلى خارج البلد، فهل نفقة السفر على المالك أو على العامل؟ أو يفصل بين مقدار مايبذله في الحضر فعلى العامل، ومايبذله خارجه فعلى المالك؟ وجوه واحتمالات، فالمتبع هو ما اتّفقا عليه في العقد وإلاّ يكون المتبع هو الحكم الرائج في زمان المضاربة ومكانها، فما في صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام)قال: «في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده، فما أنفق فمن نصيبه» (2) محمول على المتعارف في ذلك الزمان واضطرب قول الشافعي في المسألة فتارة قال: لاينفق كالحضر، وأُخرى: ينفق كمال نفقته، وثالثاً: ينفق القدر الزائد على نفقة الحضر لأجل السفر .(3) وكان على الإمام الشافعي أن يحيل الأمر ـ بعد الإحالة إلى ما اتّفقا عليه ـ إلى المتعارف، فإذا


1 . القصص : 25.

2 . الوسائل: ج 13، الباب6 من أبواب المضاربة، الحديث1: موثقة السكوني.

3 . الخلاف: 3/462، كتاب القراض، المسألة 6.


صفحه311

كان المتعارف هو البذل من أصل المال أو البذل من كيس العامل أو التفصيل بين ماينفق في الحضر والمقدار في السفر، فهو المتبع لأنّ الرائج في وقت المضاربة كالقرينة المتصلة، فيكون بمنزلة ما اتّفقا عليه، نعم لو لم يوجد متعارف، فما يعد نفقة للتجارة فهو من أصل المال دون غيره، ولكن الفرض أمر نادر.

4 ـ إذا سافر لأجل التجارة يلزم أن لايقيم إلاّ بمقدار مايتوقف عليه أمر التجارة، فلو زاد على الإقامة للتفرّج أو الزيارة والسياحة فالنفقة عليه.

5 ـ وفي كل مورد تكون النفقة على أصل المال، يُحسب عليـه وإن لم يكن ربح، ولو ربح بعد ذلك أُخذت من الربح مقدمة على حق العامل ضرورة كون ذلك كالخسارة اللاّحقة للمال التي يجب جبرها بما يتجدّد من الربح، ومع ذلك فاللازم هو العمل بما اتّفقا عليه أوّلاً، ثم الرجوع إلى ما هو الرائج، فربّما يكون الرائج الذي ينصرف إليه عقد المضاربة كون نفقات السفر على رأس المال وعدم كسرها من الربح، فهو أشبه بجعل الربح للعامل أكثر من المالك، ولأجل ذلك يجب أن نقول: المتبع ـ بعد الرجـوع إلى ما اتّفقا عليه ـ هو الرائج في كل مكان بشرط أن لايكون مخالفاً لمقتضى العقد ولا الشريعة.

6 ـ لو سافر مأذوناً وفسخ المالك المضاربة وهو في أثناء السفر؟ قال المحقق: فنفقة عوده منه خاصة. (1)


1 . الجواهر: 26/350 (قسم المتن) .


صفحه312

وعلّله في الجواهر بارتفاع وصف المضاربة الذي هو سبب استحقاق النفقة، ولا غرر بعد دخوله على العقد الجائز الذي هو معرض ذلك ونحوه.

يلاحظ عليه: أنّه لو لم يكن اتفاق من الطرفين على أحد الطرفين، أنّ السفر عمل واحد فالإذن بالسفر بمعنى أنّ المالك يتحمّل نفقة الذهاب والإياب، وفسخ المضاربة في الأثناء لايؤثّر في ذلك المعنى، لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه وتوابعه.

7 ـ هل للعامل ابتياع المعيب؟ أقول: إذا صرّح المالك بأحد الطرفين فيتبع تصريحه، وإلاّ فالمحكَّم هو المتعارف في مورد المضاربة، فربّما يكون المتعارف هو الأعم من المعيب والصحيح، وتكون الغبطة في اشتراء المعيب وبيعه، أكثر من اشتراء الصحيح والمعيب، وربّما يكون المتعارف على خلافه فلو لم يكن المتعارف، فالقدر المتيقن هو الاكتفاء بشراء الصحيح.

ولو اتفق له ـ فيما لايجوز شراء المعيب ـ شراء المعيب فعندئذ يقوم مقام المالك، فله الرد أو أخذ الأرش على ماتقتضيه المصلحة.

8 ـ هل إطلاق العقد يقتضي البيع نقداً بثمن المثل من نقد البلد أو لا ؟ يظهر من المحقّق لزوم رعاية الشروط الثلاثة في مطلق المضاربة مالم يصرّح بالخلاف، فيجب عليه:

أوّلاً: البيع نقداً لانسيئة.

وثانياً: البيع بثمن المثل لا في مقابل الجنس والعروض.

وثالثاً: البيع بنقد البلد لا الخارج عنه.


صفحه313

فلندرس القيود الثلاثة، وليعلم أنّ البحث في كل واحد فيما إذا لم يكن تصريح من المالك بأحد الطرفين، وإلاّ يكون هو المتّبع وعلى ضوء ذلك، فنقول:

القيد الأوّل: حكم البيع نسيئةً

قد استدل على الشرط الأوّل بأنّ في النسيئة من التغرير بالمال ما لا يخفى، ويعارضه أنّه ربّما تكون الغبطة في النسيئة أكثر من النقد، وربّما لايتمشّى الأمر في بعض التجارات إلاّ بالنسيئة كما في الأمتعة المستوردة من الشركات الخارجية، فإنّها تأخذ بعض الثمن مثلاً 20% نقداً والبعض الآخر بعد الوصول إلى يد المشتري وشهادة الخبراء على أنّ المبيع صحيح وليس بمعيب.

وعلى ضوء ذلك فيجب أن يكون المتّبع هو الرائج في نوع التجارة، فإن كان الرائج هو النقد كما في بيع الأمتعة الجزئية كالخبز والخضروات ومنتجات الألبان وغير ذلك فهو المتّبع. وإن كان الرائج هو الأعم كما في بيع السجاجيد والأقمشة فكذلك، وإلاّ فليكتف بالبيع نقداً لانصراف الإطلاق إليه.

ولا يعارض ذلك بما ذكره الفقهاء من أنّ الأصل في البيع هو النقد، فإنّ ماذكروه راجع إلى اختلاف البائع والمشتري، والبحث في المقام راجع إلى حكم عقد المضاربة الذي يتكفّلها العامل من قبل المالك فهل هو منصرف إلى البيع نقداً أو لا ؟ فالبابان مختلفان.


صفحه314

ثم لو باع نسيئة فيما لم يكن له إلاّ البيع نقداً، قال السيد الطباطبائي: «فإن استوفى الثمن قبل اطّلاع المالك فهو» (1) وعلّق عليه السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره) بأنّ البيع باطل إلاّ إذا أجاز المالك، فما ذكره المعلّق هو الموافق للقاعدة، لأنّ بيعه كان فضولياً فيحتاج إلى الإجازة، فاستيفاء الثمن لايخرجه عن الفضولية، ولكن ماذكره السيد الطباطبائي هو المنصوص لما ستعرف مفصلاً من أنّه إذا خالف العامل الاتفاق بينه وبين المالك فاتّجر وربح، فهو ضامن للمال، ولكن الربح بينهما.

ثم إنّه إذا اطّلع المالك قبل الاستيفاء، فإن أمضى البيع نسيئة فهو، وإلاّ فالبيع باطل، فإذا كان المبيع موجوداً فله الرجوع إلى من كانت العين عنده موجودةً، فينتزع ماله ويبطل ماترتّب عليه من البيوع.

وأمّا إذا تلف المبيع، فله الرجوع على كلّ من المشتري والعامل، فإن رجع إلى المشتري أخذ منه المثل أو القيمة، ثم إذا كانت القيمة التي دفعها إلى المالك أزيد من الثمن الذي دفعه إلى العامل يرجع إلى العامل في التفاوت، لأنّه مغرور يرجع إلى الغارّ، لأنّه رضي بالمبيع بالثمن المحدّد، والتزم بالضمان في هذا الحد، ولكن المفروض أنّه دفع إلى المالك أزيد ممّا التزم به فيرجع إلى الغارّ.

ولو رجع إلى العامل أخذ منه القيمة، فلو كان أزيد من الثمن الذي أخذه العامل من المشتري لم يرجع العامل في التفاوت إلى المشتري إلاّ إذا


1 . العروة الوثقى: 2 / 647، كتاب المضاربة، المسألة 8.


صفحه315

غرّه المشتري بنحو من الغرور، كما إذا أخبر العاملَ برضى المالك بالبيع نسيئة.

ثم إنّه إذا رضي بالبيع نسيئة، فهل العامل ضامن بالثمن الذي في ذمة المشتري أو لا ؟ ذهب إلى الأوّل المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» والشهيد في «المسالك»، ولكنه غير تام إذ أيُّ فرق بينه وبين ما أذن للبيع نسيئة من أوّل الأمر ولم يحصل من العامل مايقتضي ضمانه، وليس أمر العامل في المقام أشدّ من الغاصب إذا باع المغصوب ثم ندم فأجاز المالك ذلك ورضي بأنَّ الثمن في ذمّة المشتري أن يكون له، فينتقل الضمان من ذمّة العامل والغاصب، إلى ذمّة المشتري الذي رضي المالك بكونه في ذمّته.

اللّهمّ إلاّ أن يتمسّك بالنصوص الدالّة على ضمان العامل فيما إذا خالف تصريح المالك بإلغاء الخصوصية عن صورة التصريح، وإسرائه إلى المفهوم من الإطلاق كما في المقام.

القيد الثاني: حكم البيع بغير ثمن المثل

قد استدلّ على الشرط الثاني بلزوم التضييع بالبيع بدون ثمن المثل واحتمال الكساد في بيع العروض.

يلاحظ عليه: بأنّ الغبطة ربّما تكون بالبيع بالعروض، فإن كان هناك تصريح بأحد الطرفين فهو، وإلاّ فلو كان هناك متعارف في نوع التجارة فيتبعه العامل، نعم فيما إذا باعه بجنس لا رغبة فيه للناس ينصرف الإطلاق عنه قطعاً. وإلاّ فعليه الاكتفاء بالثمن.


صفحه316

 

القيد الثالث: حكم البيع بغير نقد البلد

وأمّا الشرط الثالث وهو البيع بنقد البلد، فالبحث فيه فيما إذا لم يكن من المالك تصريح بأحد الطرفين، ولم يكن هنا قرينة تعيّن أحد الأمرين وإلاّ فينصرف إلى ثمن البلد، نعم فيما إذا كان ثمن البلد ممّا يرغب عنه الناس لتزلزله وعدم ثباته، بل ربّما يكون البيع بغير ثمن البلد أوثق فيكون هذا قرينة على البيع بالأعم.

***

9 ـ المراد من السفر هو السفر العرفي لا الشرعي، فيشمل ما إذا كان دون المسافة الشرعية، ثم إنّه إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر ممّا ليس متعلّقاً بالتجارة فنفقته في تلك المدة على نفسه، لأنّ الإقامة حينئذ ليس لمصلحة المال، فيكون خارجاً عن منصرف عقد المضاربة.

وإن كان مقامه لما يتعلّق بالتجارة ولأمر آخر بحيث يكون كل منهما علّة مستقلّة لولا الآخر، فإن كان الأمر الآخر عارضاً في البين فلا شكّ في جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة لشمول الاتفاق على مثل هذه الإقامة.

إنّما الكلام فيما إذا كانا في عرض واحد، قال السيد الطباطبائي: ففيه وجوه: ثالثها التوزيع، وهو الأحوط في الجملة، وأحوط منه كون التمام على نفسه. (1)


1 . العروة الوثقى: 2 / 651، كتاب المضاربة، المسألة 17.


صفحه317

ولكن الأقوى جواز الإنفاق إذا لم يكن عدم الاشتغال بأمر آخر في مدّة الإقامة قيداً في الإذن في السفر أو في عقد المضاربة، فيكفي كون الإقامة لمصلحة المال.

وأمّا إذا كانت العلة مجموعهما بحيث يكون كل واحد جزءاً من الداعي، فقال السيد الطباطبائي: الظـاهر التوزيع وعليه صاحب الجواهر. (1)

ولكن الظاهر كون النفقة على العامل، وذلك لأنّه إن شمله الإذن بالمقام فالجميع على عاتق صاحب المال، وإن لم يشمله ـ كما هو المفروض ـ فلا معنى للتوزيع.

10ـ لو كان لنفسه مال غير مال القراض فهل النفقة عليه أو على المالك أو يقسّط عليهما؟

قال السيد الطباطبائي: لو تعدّد أرباب المال كأن يكون عاملاً لاثنين أو أزيد أو عاملاً لنفسه وغيره توزع النفقة، وهل هو على نسبة المالين أو على نسبة العملين ؟ قولان: (2).

11 ـ الاشتراء بعين المال أو بالذمة ، هل يتعيّن له الاشتراء بعين المال، أو يجوز له الاشتراء في ذمّته مضاربة بقصد التأدية عن مال المضاربة؟ فيه اختلاف.

قال المحقّق: «وكذا يجب أن يشتري بعين المال، ولو اشترى في الذمّة


1 . الجواهر: 26/336.

2 . العروة الوثقى: 2 / 651، كتاب المضاربة، المسألة 18.


صفحه318

لم يصح البيع إلاّ مع الإذن». (1)

وقال العلاّمة: «وإن اشترى في الذمة، لزم العامل إن أطلق الشراء ولم يجز المالك وإن ذكر المالك بطل مع عدم الإجازة». (2)

وقال في الإرشاد: «ولو اشترى في الذمة ولم يضف وقع له». (3)

وقال المحقّق الأردبيلي: «لو اشترى المضارب شيئاً في الذمّة لا بالعين المضارب بها ولم يضف العقد، لا إلى نفسه، ولا إلى المالك وقع الشراء له بحسب الظاهر، بل الباطن أيضاً، إلاّ أن يكون قاصداً غير ذلك فيعمل بمقتضاه بحسب نفس الأمر وإن عمل معه بحسب الظاهر، وإن أضاف إلى نفسه فهو له، وإن أضاف إلى المالك فيكون موقوفاً على الفضولي». (4)

وقال السيد الطباطبائي: «المشهور على ما قيل: إنّ في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال فلا يجوز الشراء في الذمة، وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك لا كلّياً في الذمة». (5)

ثمّ إنّ السيد الطباطبائي البروجردي علّق على عبارة العروة بقوله: الظاهر أنّ مرادهم بذلك هو أنّ شراءه على ذمة المالك لايصح، حتى يثبت به شيء في ذمته، ويلزم بتأديته من غير مال المضاربة إن تعذّر عطاؤه منه لا أنّ


1 . الجواهر: 26/352 (قسم المتن) .

2 . مفتاح الكرامة: 7/462 (قسم المتن) .

3 . مجمع الفائدة: 10/245. (قسم المتن) .

4 . مجمع الفائدة: 10/245. (قسم المتن) .

5 . العروة الوثقى: 2 / 648، كتاب المضاربة، المسألة 12.


صفحه319

شراءه في الذمة وتأديته من مال المضاربة غير جائز كما فهمه صاحب العروة، وقوّى خلافه.

ولعلّ بالتدبّر فيما ذكرنا من العبارات تقف على محل النزاع.

ثم إنّ أهل السنة خصّوا البحث بما إذا اشترى في الذمة وتلف مال المضاربة قبل نقد الثمن، وليس للمسألة عنوان في كتبهم بالنحو الموجود في كتبنا(1)، حتى أنّ الشيخ الطوسي عنون المسألة بالشكل التالي:

إذا دفع إليه ألفاً للقراض، فاشترى به عبداً للقراض، فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، إلى آخر ما أفاده...(2).

ويجب البحث في صور المسألة وقد جاءت بأكملها في العروة الوثقى، فنقول: إنّ للمسألة وراء الشراء بعين المال الذي هو خارج عن موضوع بحثنا، صوراً نأتي بها:

الصورة الأُولى: إذا اشترى في الذمّة، لكن بعنوان المضاربة والتأدية عن المال الموجود عنده للمالك وهذا هو الذي أشار إليه السيد بقوله: أن يشتري العامل بقصد المالك وفي ذمّته من حيث المضاربة (3)، والضمير يرجع إلى المالك ولكن محدّداً بمال المضاربة لا خارجاً عنه، فيكون مال المضاربة رهن الثمن لا غير، فلو تلف مال المضاربة لا تكون ذمّة المالك مشغولةً وإن


1 . المغني لابن قدامة: 5/183; بداية المجتهد: 2/141ـ 142.

2 . الخلاف: 3 / 467، كتاب القراض، المسألة 15.

3 . العروة الوثقى: 2 / 648، كتاب المضاربة، المسألة 12.


صفحه320

كان له مال آخر، ولا العامل مسؤولاً، وإن كان له مال آخر. ثم إنّ السيد أشار إلى صورة أُخرى ترجع إلى تلك الصورة لبّاً، وقال: «أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنّه عامل ووكيل عن المالك» وصرّح بأنّه يرجع إلى الأوّل، والحاصل أنّه لافرق بين الاشتراء في ذمّة المالك محدّداً اشتغاله بمال المضاربة، أو في ذمّته، بما أنّه وكيل من جانب المالك وعليه التأدية من المال المضروب.

فالظاهر أنّ البيع صحيح لو لم يكن هناك تصريح بالاشتراء بعين الثمن، وذلك لأنّه يصعب الشراء بعين المضاربة في كثير من الأوقات، بل أكثر المعاملات في زماننا هذا بالذمة، ثم تأدية الثمن عن طريق دفع الصك إلى البائع، فلو أراد المالك غير هذا الفرد الشائع يجب عليه التصريح، فهذا القسم صحيح، والربح بينهما مشترك، إنّما الكلام إذا فرض تلف مال المضاربة، قبل الوفاء في هذه الصورة.

فهناك أقوال بين أهل السنّة، ذكرها الشيخ في الخلاف، وإليك نقلها ونقدها:

1 ـ قال أبو حنيفة ومحمّد: يكون المبيع لربّ المال، وعليه أن يدفع إليه ألفاً غير الأوّل ليقضي به دينه ويكون الألف الأوّل والثاني قراضاً وهما معاً رأس المال.

2 ـ وقال مالك: ربّ المال بالخيار بين أن يعطيه ألفاً غير الأوّل ليقضي به الدين ويكون الألف الثاني رأس المال دون الأوّل، أو لا يدفع إليه شيئاً


صفحه321

فيكون المبيع للعامل والثمن عليه.

ونقل البويطي عن الشافعي: أنّ المبيع للعامل، والثمن عليه ولاشيء على ربّ المال. (1)

وأمّا فقهاء الشيعة فلهم قولان:

1 ـ يقع للعامل.

2 ـ يقع للمالك.

أمّا الأوّل فقد اختاره الشيخ الطوسي قال: وهو الذي يقوى في نفسي واستدلّ على مختاره بأنّه: «إذا هلك المال تحوّل الملك إلى العامل وكان الثمن عليه، لأنّ رب المال إنّما فسح للعامل في التصرّف في ألف إمّا أن يشتريه به بعنيه أو في الذمة وينقد منه ولم يدخل على أن يكون له القراض أكثر منه». (2)

وأمّا الثاني: فيظهر من التعليل الوارد في المنع عن الشراء بالذمة في المسالك، وجود التسليم على وقوعه للمالك قالوا في مقام التعليل: والشراء في الذمة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره كما في صورة تلف المضاربة قبل الوفاء. (3)

واختاره السيد الطباطبائي وقال: «وإذا فرض تلف مال المضاربة قبل


1 . الخلاف: 3 / 467 ، كتاب القراض، المسألة 15.

2 . الخلاف: 3 / 467 ، كتاب القراض، المسألة 15.

3 . المسالك: 1/295.


صفحه322

الوفاء كان في ذمة المالك يؤدّي من ماله الآخر». (1)

وإليك دراسة الأقوال:

أمّا القول الأوّل: الذي هو خيرة أبي حنيفة وتلميذه محمد بن الحسن الشيباني، ويظهر من التعليل كونه مسلّماً بين الأصحاب وهو صريح السيد الطباطبائي، فهو غير تام لما عرفت من الشيخ في الخلاف من أنّ المالك لم يفسح له في القراض أكثر من المال الذي قدّمه إليه، وأمّا الزائد عنه أي اشتغال ذمته بشيء آخر، فهو لم يأذن به لاتصريحاً ولاتلويحاً فكيف يصح له؟

أمّا القول الثاني: أعني مانقل عن «مالك» فهو بيّن الإشكال لأنّه يستلزم كون الشراء مردداً في نفس الأمر بين المالك والعامل، غاية الأمر أنّه إذا قبله المالك بدفع الثمن، يقع البيع له وإلاّ يتعلق الثمن بذمة العامل، ويقع البيع له وهو غير معقول، لأنّ البيع تبديل مال بمال، والمال الثاني بما أنّه كلّي إنّما يكون مالاً إذا أُضيف إلى ذمة معينة، وإلاّ لايسمى مالاً. والثمن الكلّي المردّد ثبوتاً بين الذمتين لايكون مالاً.

وأمّا القول الذي هو خيرة الشيخ الطوسي (2) فهو أيضاً غير تام، وما استدلّ به إنّما يفي بنفي وقوعه للمالك ولايثبت كونه للعامل، فلاحظ كلامه.

والحق أن يقال: ليس هنا تكليف لا على المالك و لاعلى العامل بنقد الثمن من غير مال المضاربة المفروض هلاكه، فإذا كان البيع مقيّداً بكونه مضاربة ولم يمكن الوفاء به بطل العقد لا لخلل في أركان العقد، بل لأجل


1 . العروة الوثقى: 2 / 648، كتاب المضاربة، المسألة 12، الوجه الثاني.

2 . وهو أوّل القولين لفقهاء الشيعة.


صفحه323

عدم إمكان الوفاء به، كما إذا باع مالاً كان يحمل بالسفينة، وغرق قبل التسليم.

هذا حسب الثبوت ولو كان المشتري واقفاً على نية العامل أو صدر التصريح من العامل عند الشراء لم يكن له طلب الثمن منهما. نعم لو لم يذكره أو لم يقف البائع على نيته، تعلّق الثمن بذمته ظاهراً وإن كان فاسداً في نفس الأمر.

***

الصورة الثانية: أن يقصد ذمّة نفسه، واشترى لنفسه ولم يقصد حين الشراء الوفاء من مال المضاربة لكن بَدا له بعد، بدفع الثمن منه.

فلا شك أنّ الشراء صحيح واقع للعامل ويكون الربح له، غاية الأمر أنّه عاص في دفع مال المضاربة عوض الثمن من غير إذن المالك.

نعم لو كان مأذوناً في الاستقراض وقصد القرض، تقع المعاملة صحيحة بلا عصيان، وهناك محاولة للسيد الحكيم (قدس سره)لتصحيح وقوع المعاملة للمالك لكن عند دفع العوض من مال المضاربة إذا قصد في ذلك الحين، الشراء من نفسه للمالك، بمال المضاربة بأنّه لما كان ولياً على الشراء للمالك، لم يحتج في شراء مال نفسه للمالك، إلى أكثر من إنشاء الإيجاب، فيقصد المعاوضة بينه وبين المالك بدفع مال المالك وفاءً عمّا في ذمّته من الثمن، فيكون إنشاء المعاوضة بالفعل، وهو دفع المال إلى البائع لابالقول وبإنشاء واحد بلا قبول. (1)


1 . المستمسك: 12/293.


صفحه324

وحاصله: أن ينوي بدفع المال من مال المالك كون المبيع له بنفس ذلك الفعل، كما هو كذلك في الولي من الطرفين كالجدّ والجدّة بالنسبة إلى الصغيرين، وعندئذ يصحّ للمالك.

***

الصورة الثالثة: أن يقصد الشراء لنفسه في ذمّته مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء حتى يكون الربح له، فقصد نفسه حيلة منه، فهناك احتمالات:

الف ـ الحكم بصحة الشراء وإن كان عاصياً في التصرف في مال المضاربة من غير إذن المالك وضامناً له بل ضامناً للبائع أيضاً، حيث إنّ الوفاء بمال الغير غير صحيح.

وبعبارة أُخرى: الصحّة لأجل تماميّة أركان العقد، وهو المبيع الشخصي وكون الثمن في الذمّة ممّن لذمّته اعتبار وهذا يكفي في الصحّة، واقتران البيع بنية إفراغ الذمة بمال حرام لايضرّ بصحة المعاملة، وهذا مثل ما إذا اشترى لنفسه في الذمّة، وكان في نيته أن يدفع الثمن من المال المغصوب، فالتصرف في المغصوب حرام، ولايضر بالمعاملة وتكون ذمته مشغولة بالثمن واقعاً لاظاهراً.

ب ـ القول ببطلان الشراء لأنّ رضا البائع مقيّد بدفع الثمن والمفروض أنّ الدفع بمال الغير غير صحيح فهو بمنزلة السارق كما ورد في بعض الأخبار من أنّ من استقرض ولم يكن قاصداً الأداء فهو سارق.


صفحه325

يلاحظ عليه: بما ذكرنا، من أنّ أركان العقد ـ أعني: المالين ـ متحقّقة وأحد المالين شخصي والآخر متقوّم بالذمة، وما يدفعه من مال المالك، وإن كان حراماً لكنّه ليس من أركان العقد وإنّما هو وفاء بالعقد، فصار وفاؤه بمال الغير حراماً ولاتسري حرمته وبطلانه إلى العقد، وأمّا ما ورد في باب الدين فهو مارواه عبدالغفار الجازي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل مات وعليه دين؟ قال: «إن كان أتى على يديه من غير فساد لم يؤاخذه الله إذا علم من نيته إلاّ من كان لايريد أن يؤدي عن أمانته، فهو بمنزلة السارق». (1)

يلاحظ على الاستدلال بالحديث: بأنّه ورد فيما إذا كان ناوياً عدم الدفع رأساً، وهذا غير ما إذا أراد الدفع بغير الوجه الشرعي، ومع ذلك فتشبيهه بالسارق كناية عن قبح عمله، لا أنّه سارق حقيقة ويجري عليه الحدّ.

ج ـ صحّة الشراء للمالك وكون قصده لنفسه لغواً، بعد أن كان بناؤه الدفع من مال المضاربة فإنّ البيع وإن كان بقصد نفسه، والثمن كلّياً في ذمته، إلاّ أنّه ينساق إلى هذا الذي يدفعه فكأنّ البيع وقع عليه، وهذا هو الذي يُنسب إلى المحقق البهبهاني.

يلاحظ عليه: أنّ العقود تابعة للقصود والمفروض أنّه اشترى لنفسه، فلا ينقلب عمّا هو عليه إلاّ بإنشاء قولي أو فعلي آخر، والدفع من مال الغير لايوجب انسياق العقد إلى الذي يدفعه وإنّما هو فعل محرم في جنب أمر


1 . الوسائل: ج 13، الباب 5 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.


صفحه326

حلال إلاّ إذا قصد عند الدفع تمليكه للمالك بنفس الدفع، كما مرّ عن السيد الحكيم (قدس سره) في الصورة الثانية، فالقول الأوّل هو الحق.

***

الصورة الرابعة: أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه وغيره وحكمه حكم الصورة الثالثة، لأنّ وقوع العقد للنفس لايحتاج إلى النية بل يكفي عدم اشترائه لغيره، بخلاف وقوعه للغير فإنّه يحتاج إلى نية الغير، وهذا مثل ما قلنا بأنّ الوجوب النفسي العيني التعييني لايحتاج إلى بيان زائد، فنفس الإنشاء يكفي في تحقق هذه العناوين بخلاف العناوين المقابلة لها فإنّها تحتاج إلى بيان آخر، وعلى ذلك فلو دفع من مال المضاربة يكون عاصياً.

***

12 ـ إذا اختلف البائع والعامل في كون الشراء لمن؟

ثم لو اختلف البائع والعامل في أنّ الشراء كان لنفسه أو لغيره، أي المالك، فقد قال المحقق في الشرائع: لو اشترى العامل في الذمة بنية أنّه للمالك لا مع الإذن منه، لاسابقاً ولا لاحقاً ولم يذكره في العقد تعلّق الثمن بذمّة العامل ظاهراً. (1)

ويمكن تعليله بوجهين:


1 . شرائع الإسلام: 2 / 138 ، كتاب المضاربة، في العقد، بتصرف .


صفحه327

الأوّل: أنّ حمل الذمة على ذمة المالك خلاف الظاهر فيحتاج إلى بيان، بخلاف ذمة النفس، فإنّه غنيّ عنه، والأصل في الفعل المنسوب إلى الفاعل كونه عن نفسه. نعم الظاهر وإن كان هو ذمّة العامل لكنّه لايثبت إلاّ بإعمال قاعدة القضاء وهو حلف البائع إذا لم يكن للعامل البيّنة، فإذا حلف يدفع الثمن من كيسه ولكن المعاملة باطلة، لأنّه قصد للمالك ولم يقع لأنّه لم يأذن، وما حكم به حسب قاعدة القضاء لم يقصد فيكون صحيحاً ظاهراً، وباطلاً باطناً.

الثاني: لو افترضنا أنّه لم يكن مأذوناً في الاشتراء في ذمّة المالك، فادّعاء الاشتراء لها يستلزم الفساد بخلاف الاشتراء لنفسه، فإنّه يلازم الصحة، فأصالة الصحة مع البائع لأنّه يدَّعي أنَّه اشترى لنفسه لا للمالك دون العامل.

وأمّا إذا كان مأذوناً في الشراء على ذمّة المالك فاختلفا فيحمل على ذمّة العامل أيضاً أخذاً بظاهر الحال، وإن كان البيع صحيحاً على كلا الفرضين، إلاّ إذا شهدت القرينة على أنّه للمالك.

نعم لو وقع الشراء منه بلا نية أنّه للمالك أو لنفسه، تعلق الثمن بذمته ظاهراً وواقعاً وكان الربح له، لما عرفت من أنّ الشراء للنفس لايحتاج إلى النية والتصريح وإنّما المحتاج خلافه.

هذه هي الفروع المختلفة التي ذكرها المحقق وغيره، اكتفينا بتوضيحها على وجه الاختصار.


صفحه328

 

تعدي المضارب عمّا رسمه المالك :

لو تعدّى المضارب عمّا رسمه المالك من الشرط والتخطيط فهل المعاملة صحيحة أو لا؟ وعلى فرض الصحة فهل العامل ضامن أو لا ؟

قال الشيخ: «ومتى تعدّى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن يكون أمره أن يصير إلى بلد بعينه فمضى إلى غيره من البلاد، أو أمره أن يشتري متاعاً بعينه فاشترى غيره، أو أمره أن يبيع نقداً فباع نسيئة، كان ضامناً للمال: إن خسر كان عليه، وإن ربح كان بينهما على ما وقع الشرط عليه». (1)

وقال ابن حمزة: «وإن عيّن له جهة التصرّف لم يكن له خلافه، فإن خالف وربح، فإنّ الربح على ما شرط وإن خسر أو تلف غرم». (2)

وقال ابن إدريس: «وإذا لم يأذن في البيع بالنسيئة أو في السفر أو أذن فيه إلى بلد معين، أو شرط أن لايتّجر إلاّ في شيء معيّن، ولايعامل إلاّ إنساناً معيّناً فخالف، لزمه الضمان بدليل إجماع أصحابنا على جميع ذلك». (3) وهو وإن لم يصرّح بصحّة العقد، لكن التصريح بالضمان كناية عنها.

وقال المحقق: «ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شيء بعينه، فابتاع غيره ضمن، ولو ربح والحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط». (4)


1 . النهاية: 428.  

2 . الوسيلة: 264.

3 . السرائر: 2/407.

4 . الجواهر: 26/353 (قسم المتن) .


صفحه329

إلى غير ذلك من كلمات فقهائنا.

وقال ابن رشد: وإذا دفع إليه المال على أن لايشتري به إلاّ بالدين، فاشترى بالنقد، أو على أن لايشتري إلاّ سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة، فاشترى غير ما أُمر به، فحكي عن ابن القاسم أنّه فصّل فقال: إن كان الفساد من جهة العقد، ردّ إلى قراض المثل، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر، ردّ إلى أُجرة المثل، والأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس، والفرق بين الأُجرة وقراض المثل أنّ الأُجرة تتعلّق بذمة ربّ المال. سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلاّ فلا شيء له. (1) وظاهره هو الصحة. إنّما الكلام في مايستحق العامل من الأُجرة فهل هو قراض المثل أو أُجرة المثل؟

وقال ابن قدامة بعد عنوان المسألة: «وإن قلنا: ليس له البيع نَسَاءً فالبيع باطل، لأنّه فعل مالم يؤذن له فيه، فأشبه البيع من الأجنبي إلاّ على الرواية التي تقول: يقف بيع الأجنبي على الإجازة فها هنا مثله، ويحتمل قول الخرقي صحّة البيع، فإنّه إنّما ذكر الضمان ولم يذكر فساد البيع وعلى كل حال يلزم العامل الضمان، لأنّ ذهاب الثمن حصل بتفريطه، فإن قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذّر استرجاعه، إمّا لتلف المبيع أو امتناع المشتري من ردّه إليه. وإن قلنا بصحته أحتمل أن يضمنه بقيمته أيضاً». (2) ويظهر منه أنّ صحة البيع غير متفق عليها.


1 . بداية المجتهد: 2/243.

2 . المغني لابن قدامة: 5/151.


صفحه330

إذا وقفت على الأقوال، فاعلم أنّه تضافرت الروايات على أنّه إذا خالف المضارب ما رسمه المالك من الشروط، تكون المعاملة صحيحة والضمان على العامل والربح بينهما، ولكن يقع الكلام في الجمع بين هذه الأحكام الثلاثة وذلك:

أوّلاً: إذا كان البيع على خلاف ما رسمه يكون فضولياً لا صحيحاً بالفعل، إذ المفروض أنّه اشترى بعنوان المضارب للمالك، ولم يشتر أو لم يبع لنفسه شيئاً، فتتوقف صحّته على الإذن الجديد ولا يكفي الإذن السابق المحدود، وظاهر الروايات هو الصحة بنفس الإذن السابق.

وثانياً: لو افترضنا صحّته: فإنّما تصحّ بعنوان المضاربة وعندئذ يتوجه السؤال، وهو أنّه: كيف يكون الربح بينهما ولكن الضمان على العامل، مع أنّ الصحة إذا كانت بعنوان المضاربة تترتّب عليها آثارها وهو كون الخسران على ربّ المال.

فتلزم دراسة الروايات ونقول: إنّـها على طوائف:

الأُولى: مايدلّ على أنّ المخالفة توجب الضمان من غير دلالة على صحّة المعاملة فضلاً عن الاشتراك في الربح، منها: صحيح رفاعة بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مضارب يقول لصاحبه: إنّ أنت أدَنته أو أكلته فأنت له ضامن؟ قال: «فهو له ضامن إذا خالف شرطه». (1) ومثله مارواه أحمد بن عيسى في نوادره.(2)


1 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أحكام المضاربة، الحديث8 .

2 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أحكام المضاربة، الحديث 12.


صفحه331

الثانية: مايدل على الصحة في أمثال مايرجع إلى السفر أو خصوصياته التي لاتعد قيوداً للمضاربة ولاينتفي الإذن بانتفائها بل تكون الغاية منها، هو التضمين مع المخالفة، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة، وينهى أن يخرج به فخرج؟ قال: «يضمن المال والربح بينهما». (1) وبهذا المضمون روايات أُخرى. (2) ولأجل ذلك لايصحّ انتزاع قاعدة كلّية شاملة لسائر موارد المخالفة حتى فيما إذا كان النهي متعلقاً بنفس المعاملة أو ببعض قيودها، وهذا بخلاف النهي عن السفر مطلقاً أو إلى جهة خاصة فإنّه متعلّق بشيء خارج عن ماهية المعاملة وقيودها وهذا النوع من النهي أشبه بما إذا نهى عن البيع بلا بسملة وتحميد، أو بلا لبس ثوب خاصّ فالنهي في الجميع يتعلّق بأمر خارجي من دون تحديد الإذن بوظائف.

الثالثة: مايدل على كلا الحكمين: الربح بينهما والضمان على العامل لكن لا إطلاق فيه بالنسبة إلى الأوّل وإن كان فيه إطلاق بالنسبة إلى الثاني، وذلك في روايات منها:

صحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعمل بالمال مضاربة؟ قال: «له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف عن شيء، ممّا أمر صاحب المال». (3) فإنّ القدر المتيقّن أنّ الاستثناء يرجع


1 . المصدر نفسه: الحديث 1 .

2 . راجع الوسائل: ج 13، الباب 1 من أحكام المضاربة، الحديث 2، 6، 10، 11.

3 . الوسائل: 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث 3 .


صفحه332

إلى كون الوضيعة عليه وأنّ المخالفة بأيّ وجه كان توجب الضمان وليس له إطلاق في جانب الربح، وأنّ المخالفة بأيّ وجه كان يوجب الشركة في الربح ويستلزم الصحة وبهذا المضمون روايات . (1)

الرابعة: مايدل على الضمان والاشتراك في الربح مع المخالفة من غير فرق بين مورد دون مورد وهو لايزيد على اثنين:

1 ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة، فيخالف ما شرط عليه ؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما». (2)

2 ـ صحيح جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى به غير الذي أمره ؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط» .(3)

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشروط المأخوذة في المضاربة على قسمين:

قسم يكون قيداً للمضاربة، ويخصِّصها بموردها كما إذا قال: اشتر به متاعاً ولاتشتر الأكفان، فإنّه يخصّ مورد المضاربة بغير الأكفان ويكون الاشتراء بما لها فضولياً قطعاً.

وقسم يذكر لأجل حفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً لها ومن دون أن يخصّها بغير مورده وذلك كالنهي عن السفر مطلقاً، أو السفر إلى مكان خاص، فإنّ روح هذه القيود تضمينية لغاية صيانة رأس


1 . الوسائل: ج 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث 3 و 4 و 7.

2 . المصدر نفسه: الحديث 5 .  

3 . المصدر نفسه: الحديث 9.


صفحه333

المال عن التلف فلو خالف، فأقصى مايترتب عليه هو الضمان، لا كون العقد فضولياً لأنّ الغاية هي الضمان، لا عدم الرضاء بالمعاملة.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الروايات بأصنافها.

أمّا الطائفة الأُولى: فليس فيها مايخالف القواعد، لأنّها واردة في خصوص الضمان لو خالف.

أمّا الطائفة الثانية: فقد عرفت أنّ الشرط فيها ليس قيداً للمضاربة حتى يخصَّها بغير مورده وإنّما هو تحديد لغاية الضمان لو خالف، لا عدم الرضاء بالعقد لو خالف، فيكون الضمان وصحة المعاملة واشتراك الربح على القاعدة.

وأمّا الطائفة الثالثة: فالإطلاق في جانب الضمان دون صحّة العقد واشتراك الربح، فيصحّ حملها على الطائفة الثانية.

بقيت الطائفة الرابعة التي يعدّ القيد فيها قيداً للمضاربة ويخصّها بغير مورده، فنقول: هناك وجوه من الحلول:

1 ـ إنّ الصحة على خلاف القاعدة فيقتصر على موردها وهو:

الف ـ المخالفة في جهة السفر.

ب ـ المخالفة في ابتياع شيء معيّن فخالف واشترى غيره، كما يظهر من المحقق في الشرائع حيث لم يذكر إلاّ هذين الموردين.

يلاحظ عليه: أنّ الصحة في المورد الأوّل، ليس على خلافها، لما


صفحه334

عرفت. نعم المخالفة في المورد الثاني كذلك.

2 ـ ماذكره صاحب الجواهر من تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الإذن في المضاربة وإرادة الضمان من الاشتراط كما يومي إليه خبر رفاعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في مضارب يقول لصاحبه: إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن، قال: «هو ضامن إذا خالف شرطه». (1)

***

انفساخ العقد بموت المالك أو العامل:

المشهور أنّ عقد المضاربة يبطل بموت المالك أو العامل، وإليك بعض الكلمات:

1 ـ قال الشيخ: «ومتى مات أحد الشريكين بطلت الشركة». (2)

2 ـ وقال المحقق: «فبموت كل منهما تبطل المضاربة لأنّها في المعنى وكالة».(3)

3 ـ وقال يحيى بن سعيد: «وموت كل منهما يبطلها». (4)

4 ـ وقال العلاّمة: «وينفسخ بموت أحدهما وجنونه». (5)


1 . الجواهر: 26/355. ومن المعلوم أنّ حديث رفاعة صحيح سنداً.

2 . النهاية: 427.

3 . الجواهر: 26/355.

4 . الجامع للشرائع: 316.

5 . القواعد: 2 / 345 ، انظر مفتاح الكرامة: 7/502 (قسم المتن) .


صفحه335

5ـ وقال في التذكرة: «يعتبر في العامل والمالك مايعتبر في الوكيل والموكل، ولا نعلم فيه خلافاً» .(1)

6ـ وقال في الإرشاد: «ويبطل بالموت منهما والخروج عن أهليّة التصرف».(2)

7 ـ ونقله العاملي: عن «التذكرة» و «جامع المقاصد» و «المسالك» و «مجمع الفائدة والبرهان» وأنّهم زادوا الإغماء والحجر عليه لسفه، وزيد في «التذكرة» و «جامع المقاصد»: الحجر على المالك للفلس، لأنّ الحجر على العامل للفلس لايخرجه عن أهلية التصرف في مال غيره بالنيابة، لأنّ المالك يخرج بعروض هذه له عن أهلية الاستنابة، والعامل عن أهليه النيابة لأنّها وكالة في المعنى. (3)

8 ـ وقال المحقق الأردبيلي في وجه البطلان: قد علم أنّه توكيل فيبطل بموت كل منهما كالوكالة، ولأنّ بالموت يخرج المال عن ملك المالك ويصير للورثة فلا يجوز التصرف بالإذن الذي كان من المورث .(4)

9 ـ وقال ابن قدامة: «وإذا مات ربّ المال قدّمنا حصة العامل على غرمائه، ولم يأخذوا شيئاً من نصيبه لأنّه يملك الربح بالظهور، فكان شريكاً فيه، وليس لرب المال شيء من نصيبه فهو كالشريك بماله ـ إلى أن قال: ـ وإن


1 . التذكرة: 2/231.

2 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.

3 . مفتاح الكرامة: 7/502.

4 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.


صفحه336

مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه صار ديناً في ذمته. (1)

فهذا النص يكشف عن أنّ المضاربة تبطل عندهم بالموت فعليه بنى ما ذكر من الفرع.

دليل بطلان المضاربة بالموت:

أمّا بطلانها بموت العامل فلأنّه كان هو المجاز، وطرف العقد، وليس هي من الحقوق حتى يرثها وارثه، وبعبارة أُخرى هو كالوكيل، فإذا مات بطلت الوكالة، وليست أمراً وراثياً لأولاد الوكيل.

وأمّا إذا مات ربّ المال، فلأجل أنّه ينتقل إلى الورثة، فيكون أمر المال بيدهم بعد الانتقال، ولعلّه هو معنى البطلان، لابمعنى عدم قابلية المضاربة للإبقاء كما سيوافيك.

توضيح ذلك: أنّ العقود على قسمين: إيجادي وإذني، ففي الأوّل يكفي الإنشاء وإيجاد الأمر الاعتباري عن اختيار، وإن ارتفع الإذن والرضا بعد الإنشاء، فالإذن آناً ما مقروناً بالإنشاء كاف في إباحة المثمن والثمن للمشتري والبائع، ومثله النكاح والإجارة، ولأجل ذلك قلنا في محله: إنّ الإجارة لاتبطل بموت المؤجر، لأنّها من العقود الإيجادية التي يكفي فيها الإذن آناً ما، لإنشاء تمليك المنفعة في مدّة معينة.

وأمّا الثاني فهو يتقوم بالإذن في التصرف ويدور مدار وجوده، فما دام


1 . المغني: 5/177.


صفحه337

الإذن باقياً في خلد العاقد، فالحكم باق وإذا ارتفع يرتفع بارتفاعه، وهذا كالعارية، والأمانة والوكالة، والهبة إلى غير ذوي الرحم فإنّ المقوّم لجواز التصرف هو الإذن الباطني، ولايحتاج إلى الإنشاء اللفظي بل يكفي إعلان الرضا بأيّ وسيلة أمكنت.

فالمضاربة من العقود الإذنية فمقوّمها الإذن، فإذا مات أو جنّ يرتفع الإذن عن خلده، وبارتفاعه يرتفع الحكم من غير فرق بين موت العامل أو المالك وإن كان الحكم في الثاني أوضح، لأنّ إذنه في التصرف مؤثر في جواز تصرف العامل في المال.

نعم هذا إذا لم يكن هناك إنشاء محدّدٌ أو مشروط بعدم الفسخ، فتصير المضاربة لازمة بالعرض فلا تنفسخ بموت المالك كما مر.

هل يمكن إبقاء المضاربة ؟

انفساخ المضاربة بموت أحد المتعاقدين في المضاربة إنّما يتمشّى في المضاربة بين شخصين، وأمّا إذا كان المضارب قانوناً هو الشركات الكبيرة ذات السهام الكثيرة، فإنّ القول بانفساخ المضاربة بموت بعض أصحاب السهام يُشلُّ أمر التجارة وربّما تتعلق رغبة الوارث ببقاء الشركة، والإعاشة من منافعها، وربّما يكون هناك التزام في بدء الأمر بعدم سحب الشركاء سهامهم في سنين محددة عن الشركة، لئلاّ يختلّ أمر التجارة، ولأجل ذلك يلزم على الفقيه، بذل الجهد لتصحيح بقاء المضاربة إذا رضي الوارث فنقول:


صفحه338

إنّ الإبقاء يتصوّر على وجهين: تارة يكون بعقد جديد مع العامل، وإن كان في تسميته إبقاء نوع مجاز.

وأُخرى إبقاؤها بالمعنى الحقيقي، أي استمرارية العمل والاتفاق على النحو الذي عقد في بدء الأمر.

أمّا الأوّل: فلا إشكال في صحته، فيصح إذا كان رأس المال ناضّاً لا ديناً ولامنفعة، ولامتاعاً على ما سيجيء من أنّه يشترط أن يكون رأس المال غير دين ولا متاع، نعم لو قلنا بصحة المضاربة بالمتاع فيكون العقد الجديد صحيحاً، وإن لم يكن المال ناضّاً، وسيوافيك الكلام في لزوم هذا
الشرط.

وأمّا الثاني: فيراد منه استمرارية العقد بلا حاجة إلى عقد جديد وإنشاء كذلك.

قال المحقق: «ولو مات ربّ المال، وبالمال متاع فأقرّه الوارث، لم يصحّ، لأنّ الأوّل بطل بالموت» (1). والظاهر من المحقق هو إرادة القسم الثاني لا الإنشاء الجديد، ومراده من البطلان، ارتفاعه اعتباراً فلا يقبل الإبقاء فليس له أيّة صحة لا فعلية ولا تأهّلية.

وعلى ذلك فلو خالفنا قول المحقّق وقلنا بالصحة على النحو الثاني أيضاً، تظهر الثمرة فيما إذا كان المال غير ناض، فلا يصح بالإنشاء الجديد، بخلاف ما لو قلنا بالصحة بالوجه الثاني، فإنّه لمّا كان مفاده استمراراً للعقد


1 . شرائع الإسلام: 2 / 140، كتاب المضاربة، في مال القراض.


صفحه339

المتحقق صحيحاً سابقاً، فلا يشترط فيه كونه ناضّاً أو عيناً، وذلك لما سيوافيك من أنّ دليل الاشتراط منصرف إلى العقد الجديد، والاتفاق الابتدائي لا في إعطاء الاستمرارية للعقد المتحقق سابقاً، غير أنّ كثيراً من محشّـي «العروة» لما لم يفرّقوا بين القسمين من حيث النتيجة علّقوا على عبارة «العروة»، أعني: «وهل يجوز لوراث المال إجازة العقد بعد موته؟» ما هذا لفظه:

لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأن تنعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز أن ينشأ بذلك ويكون إنشاءً لعقد المضاربة من الوارث، لا إنفاذاً لعقد المورث. وقال معلّق آخر: يمكن أن يقال: لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأن يعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز إنشاؤها بذلك ويكون إنشاء العقد مضاربة مستأنفة من الوارث، لا إبقاءً لعقد المورث. (1)وحاصل كلامهما: أنّ ظاهر اللفظ وإن كان إبقاء المضاربة بشكل تنفيذ ماسبق فيما يأتي ولكن يحمل على إنشاء العقد مضاربة مستأنفة، لأنّها يكفي فيها كل لفظ يدل عليها.

أقول: لو كان الإشكال عدم إيفاء اللفظ للإنشاء الجديد، كفى ما ذكروه في دفعه.

ولكن الإشكال في موضع آخر وهو أنّه يشترط في الإنشاء المستأنف كل ماذكره من الشروط في رأس المال وهذا بخلاف الإبقاء، فلا يشترط فيه


1 . التعليق الأول للسيد جمال الدين الگلپايگاني، والثاني للسيد الاصطهباناتي ـ قدّس سرّهما ـ .


صفحه340

ماذكر لانصراف الأدلة وكون القدر المتيقّن منها هو العقد الابتدائي. فإرجاع القسم الثاني إلى القسم الأوّل وإن كان يُضفي على العقد وصف الصحة، ولكن لايفي بمقصود القائل بالصحة وهو إثباتها وإن كانت بعض الشرائط غير موجودة، إذ على الإرجاع يشترط كون المال ناضّاً أو لا أقلّ عيناً، مع أنّه يمكن التصحيح مطلقاً وإن كان ديناً.

الاستدلال على عدم صحة الإبقاء :

ثم إنّ صاحب الجواهر استدلّ على عدم الصحة بالنحو التالي: «وليس هو ـ أي عقد المورث ـ فضولياً بالنسبة إلى الوارث الذي لم يكن له علقة بالمال حال العقد بوجه من الوجوه».

وتوضيح ما قال: أنّ العقد الفضولي إنّما يصح بالإجازة إذا كان المجيز مالكاً للمعقود عليه أو ذا حقّ فيه وليس الوارث بالنسبة إلى رأس المال في حياة المورِّث كذلك، فليس بمالك ولا ذي حق.

ثم إنّه خاض في النقض والإبرام ما هذا توضيحه.

فان قلت: إذا آجر البطنُ الأوّل العين الموقوفة مدّة زادت على حياتهم، فإنّ الإجارة تصح بإجازة البطن الثاني، فما الفرق بينه وبين المقام ؟

قلت: الفرق واضح بين المقامين، لتعلّق حقّ البطن اللاحق بالعين من جانب الواقف يوم الوقف، ولأجل ذلك تكون الإجارة على المدّة الزائدة في نفس الأمر لهم. وإن لم يعلم بها حال العقد بخلاف المقام الذي هو ابتداءً


صفحه341

ملك للوارث بالموت، وحينئذ فالمدار في الفضولية كونُ المعقود عليه حال العقد للغير، ولكن الفضوليّ أجرى العقد عليه، بخلاف المقام الذي هو للمالك ولكن بالموت ينتقل عنه إلى وارثه، فليس هو في عقده على ماله فضوليّاً عن الغير الذي لا مدخلية له حال العقد.

فإن قلت: ما الفرق بين المقام وبين تصرّف الموصي في ماله بأزيد من الثلث، فإنّ التنفيذ يتوقف على إجازة الوارث، مع أنّ الموصي كان مالكاً لماله ولم يكن للوارث حين الإيصاء حقّ في ماله؟

قلت: الفرق هو أنّ الوصية تصرف بعد الموت الذي هو محل تعلّق حقّ الوارث، وهذا بخلاف عقد المضاربة، فإنّه تصرّف في المال في حال حياته. (1)

هذا كلامه، ولكن الحق أنّ المعاملات أُمور عرفية يكفي في صحة الإجازة كون المال في معرض الانتقال إليه، وإن لم يكن له علقة به حال العقد، فكونه سيصير له كاف، ومرجع إجازته حينئذ إلى إبقاء ما فعله المورث، لا قبوله ولا تنفيذه، فإنّ الإجازة على أقسام: قد تكون قبولاً لما فعله الغير كما في إجازة بيع ماله فضولاً، وقد تكون راجعاً إلى إسقاط الحق كما في إجازة المرتهن لبيع الراهن، وإجازة الوارث لما زاد عن الثلث، وقد تكون إبقاءً لما فعله المالك كما في المقام. (2)

***


1 . الجواهر: 26/362 ـ 363.

2 . العروة الوثقى: 2 / 658، كتاب المضاربة، المسألة 29.


صفحه342

هذا ماذكره الأعلام في المقام، وقد عرفت في بدء البحث أنّ القول بانفساخ العقد بموت أحد المتعاقدين، يشلّ أمر التجارات الكبيرة والشركات المتشكّلة من أصحاب السهام المختلفة التي أُسِّسَتْ على البقاء والانتفاع بالمنافع طيلة سنين. وربّما تتوفر رغبة الوارث إلى استمرار الشركة والإعاشة بما تدرّ فلا عتب للفقيه إذا جاهد في طريق التصحيح فنقول: إذا تدبّرت في الأُمور التالية يسهل لك تصديق ما ذكره السيد الطباطبائي:

1 ـ إذا قلنا بعـدم اشتراط كون المال عيناً. بـل يكفـي كونـه ديناً قابلاً للتحصيل، أو قلنا ـ بعد تسليم اشتراط كونه عيناً ـ : بعدم اشتراط كونه ناضّاً بل يكفي كونه عروضاً ومتاعاً فلا حاجة إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء، إذ للوارث أن يَدخل من باب الإنشاء الجديد لعدم الفرق بين الأمرين في عدم الكلفة الزائدة.

ولو قلنا باعتبار كونه عيناً بل درهماً أو ديناراً، فإن قلنا: بعدم الفرق بين الإنشاء الجديد، والإبقاء في الشرائط، فلا حاجة أيضاً إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء لعدم الاختلاف في رعاية الشرائط.

وأمّا لو قلنا بلزوم وجود هذه الشرائط حدوثاً لا بقاءً لأنّ الدليل المهمّ لها هو الإجماع ولا إطلاق لها والقدر المتيقّن منه هو الحدوث لا البقاء، فيكون السعي لتصحيح إبقاء المضاربة أمراً مطلوباً، لعدم الحاجة إلى الشرائط فيه بخلاف العقد المستأنف.

2 ـ إنّ تفسير الانفساخ بالموت ببطلان العقد وصيرورته كالمعدوم إنّما


صفحه343

يتم فيما إذا كان عقد المضاربة مطلقاً غير محدّد بأجل، فإذا كان من العقود الإذنيّة ولم يكن محدّداً بأجل يعمّ بعد الموت يتقوّم بالإذن، فيرتفع بارتفاعه وأمّا إذا كان العقد محدّداً بأجل يمتد إلى ما بعد الموت يكون له اقتضاء البقاء إذا انضمّ إليه إذن المالك. فيكون جامعاً للشرائط ويكون معنى الانفساخ هو خروج أمر المال من يد المورّث وانتقاله إلى الوارث.

3 ـ إنّ حصـر العقد الفضولي بما إذا كان المعقود عليه حال العقد ملكاً للغير أو متعلّق حقّ للغير حين الحدوث، لا وجه له إذ لم يرد فيه نصّ حتّى يقتصر عليه بل يعمّه، وما إذا كان ملكاً أو متعلق حقّ للغير بقاءً لا حدوثاً، كما في المقام لأنّ موت المالك موجب لانتقال رأس المال إلى الورثة فصار متعلقاً للغير بقاءً لا حدوثاً، فإبقاء المضاربة متوقّف على إذن صاحبه. وهذا مثل ما إذا أعار ماله ثم باعه، فبقاء عقد العارية رهن إذن المشتري، لأنّه صار متعلقاً للغير بقاءً وإن لم يكن حدوثاً.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) فقد استقـرب عدم الصحة بوجهين:

1ـ الإجازة لا تصح إلاّ بشرطين: الأوّل: أن يكون العقد المجاز صادراً من غير الولي عليه، فلا يصح منه إلاّ بالإجازة. الثاني: أن يكون للمجيز ولاية على العقد، فإذا انتفى ذلك لم تصح الإجازة. وهذان الشرطان موجودان في الأمثلة المذكورة في الجواهر وفي المتن، أمّا فيما نحن فيه فمفقودان معاً، إذ العقد الواقع من المالك صادر من الولي عليه فيصح، ولا معنى لإجازته والإجازة الصادرة من الوارث ـ سواء كانت صادرة منه حال حياة الموروث،


صفحه344

أم بعد وفاته ـ صادرة ممن لا ولاية له على العقد. نعم إذا كانت صادرة منه بعد وفاة الموروث فهي ممن له ولاية على تجديد العقد لا على العقد نفسه، فلا معنى لتعلقها بالعقد. (1)

وجه النظر: أن ماذكره إنّما يتم إذا لوحظ العقد حدوثاً في مدة حياته، فله الولاية دون الوارث، فالشرطان غير موجودين، وأمّا إذا لوحظ بقاءً حسب التحديد الوارد في العقد فليس للمالك الولاية، بل الولاية للوارث.

2 ـ إنّ الإبقاء متعذّر، لأنّ المفروض بطلانه فكيف يمكن إبقاؤه مع أنّه غير مقصود للمجيز.

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الانفساخ في العقد المطلق يلازم البطلان، ولكنّه في العقد المحدّد بمعنى انتهاء ولايته له، وانتقال الولاية للوارث، فإذا انضمّ إليه إذنه، يكون نافذاً، لعدم القصور في العقد، إلاّ من ناحية إذن الولي والمفروض انضمامه، ثم لم يتحقّق لي معنى قوله: «مع أنّه غير مقصود للمجيز» بل مقصوده هو الإبقاء.

3 ـ إنّ المالك ركن في عقد المضاربة كالعامل، فإذا مات أحدهما بطل العقد ضرورة، كما هو في موت أحد الزوجين فلا يمكن جعل إبقائه.

يلاحظ عليه: أنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل ورأس المال، لا العامل والمالك ولذلك يصحّ، ولو لم يعرف المالك كما في المضاربة جعالة، ولأجل ذلك تبطل المضاربة بهلاك رأس المال، وهذا بخلاف الزوجين


1 . المستمسك: 12/320.


صفحه345

فإنّهما ركن، يقول سبحانه: (وَأنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ) (1) والنكاح علاقة بين الزوجين.

وعلى ضوء هذا، يلزم التفصيل بين موت العامل فتبطل المضاربة، وتحويلها لوارث العامل يحتاج إلى عقد مستأنف بخلاف المالك، إذ الركن هو المال وهو باق وإن تغيّرت إضافته من المالك إلى الورثة، فتدبّر.

***

ثم إنّ الميت إمّا هو المالك أو العامل ولكلّ صور خمس، لأنّ المال حين الموت إمّا ناضّ أو عروض، وعلى تقدير كونه ناضّاً إمّا أن يكون فيه ربح أو لا، وعلى كونه متاعاً إمّا أن يكون الربح فيه قطعياً أو مرجوّاً أو معلومَ العدم. وتظهر أحكام جميع الصور من الإمعان فيما تقدم فنقول:

أمّا إذا كان الميت، هو المالك وكان المال ناضّاً فإن ربح يُقسَّم حسب الاتفاق وليس للغرماء مزاحمة العامل في حصته، لما ستعرف من أنّه يملك الربح بالظهور فكان شريكاً للمالك. وإن لم يربح، فالمال كلّه للوارث.

وإن كان المال عروضاً فإن علم الربح بظهوره، فيشارك الوارث فيه حسب سهمه من الربح. وإن علم عدمه فالمال كلّه للوارث. وإن رجا فقد ذهب صاحب المسالك إلى أنّ للعامل بيعه، وهو كما ترى مع عدم رضاية الوارث المالك فعلاً، وقد عرفت أنّ البحث في المضاربة المطلقة، لا المحدودة بعام أو عامين الذي نفترض توفّي المالك أثناء المدّة، أو المشروط


1 . النور: 32.


صفحه346

فيها عدم الفسخ وإلاّ فله الاشتغال بالعمل. والأولى التصالح إذا كان هناك رجاء للربح.

هذه الصور الخمس فيما إذا كان الميت هو المالك.

وأمّا إذا كان الميتُ هو العامل فتأتي فيه تلك الصور أيضاً، فإن كان المال ناضّاً، رابحاً يدفع سهمه من الربح إلى وارثه. وإن لم يربح فالمال كلّه للمالك.

وإن كان المال متاعاً، فإن علم فيه الربح بظهوره يشاركه حسبَ سهمه، وإن علم عدمه يدفع المال إلى المالك، وإن كان الربح مرجوّاً ففي الجواهر أنّه ينصِّب الحاكم أميناً يبيعه، فإن ظهر فيه ربح، أوصل حصّته إلى الوارث، وإلاّ سلّم الثمن للمالك .(1) ويمكن القول بالتصالح أيضاً.


1 . الجواهر: 26/356.


صفحه347

الرسالة الثامنة والعشرون

في مال القراض


صفحه348

صفحه349

في مال القراض   

يشترط فيه عند المشهور أُمور:

الشرط الأوّل: أن يكون عيناً فلا يكفي الدين ولا المنفعة:

قال الشيخ: «ومتى كان له على غيره مال ديناً، لم يجز له أن يجعله شركة أو مضاربة إلاّ بعد أن يقبضه ثم يعطيه إيّاه إن شاء». (1)

وقال المحقق: «ومن شرطه أن يكون عيناً». (2)

وقال العلاّمة: «ولايجوز القراض على الديون، ولا نعلم فيه خلافاً» (3).

وقال أيضاً: «ولو قارض بالدين وإن كان على العامل أو بثمن مايبيعه لم تصح». (4)

ونقله في مفتاح الكرامة عن المبسوط والنافع والتحرير والمسالك والروضة والمختلف والتنقيح، وإنّه قال في الرياض: لا خلاف فيه وأنّه لم يذكره في المقنعة والمراسم والكافي والمهذّب والوسيلة والغنية والسرائر واللمعة والمفاتيح، ونقل عن الكفاية أنّه قال: وقالوا: «الظاهر التأمّل في لزوم هذا الشرط». (5)


1 . النهاية: 430.

2 . الجواهر: 26/536 (قسم المتن).

3 . تذكرة الفقهاء: 2/236.

4 . مجمع الفائدة: 10/249 (قسم المتن) .

5 . مفتاح الكرامة: 7/441.


صفحه350

وقال الأردبيلي: «فلولا الإجماع في اشتراط كونه غير دين لأمكن القول بعدمه». (1)

ويمكن الاستدلال على لزوم هذا الشرط: بأنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل والمال كما عرفت سابقاً، والدين بما هو في الذمّة ليس بمال، حتى يقع طرفاً للعلاقة، وبيع الكلّـي في الذمة سلفاً، ليس دليلاً على كونه مالاً، وإن قيل في تعريف البيع: إنّه مبادلة مال بمال. وأنّ معنى كون الشيء في الذمة هو تقبّلٌ وتعهّد من البائع على أن يدفع إلى المشتري مقداراً من الحنطة مثلاً في أجل كذا في مقابل الثمن المعيّن، وبذلك فسرنا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فليس معناه أنّ العين المغصوبة سواء كانت موجودة أو تالفة، ثابتة على ذمة صاحب اليد، بل المراد أنّ عليه مسؤولية ردّ العين أو بدلها، مثلاً أو قيمة، ونظيره الكفالة فإنها عبارة عن تقبّل مسؤولية تسليم المكفول للحاكم الشرعي.

ولو تمّ هذا البيان، فلا حاجة إلى دعوى الإجماع الذي تعرف مقدار قيمته مع عدم تعرّض لفيف من الفقهاء له، وإن لم يتمّ. بدعوى أنّ ما في الذمة مالاً، بشهادة أنّه يباع، فكفى في شرطيته مارواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة؟ قال: «لايصلح حتى تقبضه منه».(2)


1 . مجمع الفائدة: 10/235.

2 . الوسائل : ج 13، الباب5 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.


صفحه351

وقال الأردبيلي: «وهي مروية في التهذيب عن النوفلي عن السكوني وهما ليسا بموثقين، قيل في الأوّل: إنّه غلا في آخر عمره، والثاني عامّي وفي السند إبراهيم بن هاشم أيضاً، فتأمل». (1)

يلاحظ عليه: أنّه روي في الكافي أيضاً بهذا السند، والرجلان ممّن عملت برواياتهما الطائفة في غير مورد، وأمّا إبراهيم بن هاشم فهو فوق الثقة، وقد وردت في حقّه جمل تدل على أنّه فوق أن يوصف بأنّه ثقة، وإن لم يصفه أهل الرجال بالوثاقة.

ومع ذلك كلّه فلو ترك دينه في يد المديون لأن يتّجر به، فاتّجر وربح فالمعاملة صحيحة وإن لم يصدق عليه عنوان المضاربة، لما قلنا من أنّ المعاملات الصحيحة ليست بمنحصرة بما كانت رائجة في عصر الرسالة أو بعده بقليل، بل كلّ تجارة نابعة عن رضا الطرفين، إذا لم تصادم الأُصول والضوابط الشرعية، فهي صحيحة، هذا كلّه في الدين. وأمّا المنفعة، فكما إذا آجر حماماً واتّفق مع المستأجر أن يتّجر بأُجرته شهراً بعد شهر، ولعلّ عدم الصحة لأجل لزوم أن يكون رأس المال محدّداً موجوداً في ظرف العقد، والمنفعة ليست كذلك، وإنّما يتدرّج وجوداً شهراً بعد شهر.

نعم لو جعل أُجرة شهر واحد مالاً للمضاربة بعد وصوله، فلا إشكال، ويأتي فيه ماذكرناه في الدين من أنّه إذا لم تصحّ بعنوان المضاربة، تصحّ بعنوان معاملة مستقلّة.

***


1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/235.


صفحه352

 

الشرط الثاني: أن يكون من النقد:

والمقصود أن يكون دراهم ودنانير مضروبة منقوشة، هذا هو الشرط الثاني عند أكثر العلماء، قال الشيخ: «لايجوز القراض إلاّ بالأثمان التي هي الدراهم والدنانير، وبه قال أبو حنيفة، ومالك والشافعي، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شيء يتموّل، فإن كان ممّا له مِثلٌ كالحبوب والأدهان، يرجع إلى مثله حين المفاصلة، والربح بعده بينهما نصفين، وإن كان ممّا لا مثل له كالثياب والمتاع والحيوان، كان رأس المال قيمته، والربح بعد بينهما، دليلنا: أنّ ما اخترناه مجمع على جواز القراض به، وليس على جواز ما قالوه دليل.

ثم قال: «القراض بالفلوس لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي، وقال محمد: هو القياس إلاّ أنّي أُجيزه استحساناً لأنّها ثمن الأشياء في بعض البلاد، دليلنا: أنّ ما قلناه مجمع على جواز القراض به، وما ذكروه ليس عليه دليل. والاستحسان عندنا باطل».

ثم قال: لايجوز القراض بالورق المغشوش سواء كان الغشُّ أقل أو أكثر أو سواء، وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة: إن كان سواءً أو كان الغش أقلّ جاز، وإن كان الغش أكثر لم يجز، دليلنا: ما قلناه في المسألة الأُولى سواء. (1)


1 . الخلاف: 3 / 459 ـ 460 ، كتاب المضاربة، المسألة 1 ـ 3.


صفحه353

وقال القاضي: والقراض من العقود الجائزة، وليس يجوز القراض إلاّ بالأثمان من الدنانير والدراهم، ولا يجوز بغيرهما و لايصحّ بالنقرة (1) لأنّها معتبرة بالقيمة كالثياب والحيوان. (2)

وقال: لاتكون المضاربة إلاّ بالأثمان التي هي الدنانير والدراهم، وإنّما قلنا هذا لأنّه لا خلاف في أنّ ماذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك مايخالفه.... (3)

وقال ابن إدريس: ومِنْ شرط ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة أو مسلّمة إلى العامل، ولا يجوز القراض بغير الدنانير والدراهم من سائر العروض، فعلى هذا لا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش.(4)

وقال المحقق: وأن يكون دراهم أو دنانير، وفي القراض بالنقرة تردّد، ولا يصح بالفلوس ولابالورق المغشوش وكذا لايصح بالعروض. (5)

وقال ابن سعيد: إنّما يصحّ بالأثمان الخالصة من الغش بشرط ذكر حصة مشاعة من الربح معلومة. (6)

وقال العلاّمة: أن تكون من النقدين دراهم ودنانير مضروبة منقوشة عند علمائنا .(7)


1 . الفضة المذابة أو الذهب المذاب غير المسكوكين.

2 . المهذب: 1/460.  

3 . جواهر الفقه: 124.  

4 . السرائر: 2/407.

5 . الجواهر: 26/357، (قسم المتن) .  

6. الجامع للشرائع: 314.

7 . التذكرة: 17 / 18، كتاب القراض، البحث الثالث من الفصل الثاني، تحقيق مؤسسة آل البيت، قم ـ 1428 هـ .


صفحه354

وقال في الإرشاد: ولا يصح إلاّ بالأثمان الموجودة المعلومة القدر المعيّنة. (1)

وقال في القواعد: فلايصح القراض بالعروض ولا بالنقرة، ولابالفلوس ولا بالدراهم المغشوشة. (2)

وقال ابن قدامة: ولا خلاف في أنّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنّها قيم الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون من لدن النبيّ إلى زمننا من غير نكير، فأمّا العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، نصّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب، وحكاه عنه ابن المنذر، وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. (3)

إذا عرفت الأقوال فنقول: استدلّ على اشتراط كون المال درهماً أو ديناراً بوجهين:

الأوّل: الإجماع، وقد عرفت عبارة العلاّمة في التذكرة حيث نسبه إلى علمائنا.

والإمعان في كلماتهم يعرب عن أنّ الإجماع انعقد على صحّة المضاربة بالأثمان ولم ينعقد على الصحة بغيرها، لا أنّه انعقد على عدم الصحة في غير الأثمان، وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ عبارة الشيخ في الخلاف والقاضي في الجواهر، فإنّ الأوّل استدلّ في جميع المراحل الثلاث


1 . مجمع الفائدة: 10/447، (قسم المتن) .

2 . مفتاح الكرامة: 7/440، (قسم المتن) .

3 . المغني: 5/124.


صفحه355

(المضاربة بالدراهم والدنانير، المضاربة بالفلوس، المضاربة بالورق المغشوش) بأنّه لا خلاف في أنّ ما ذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك ما يخالفه. أي الإجماع منعقد على الصحة في الأُولى ولم ينعقد على الصحة في الأخيرتين، وأتى القاضي نفس العبارة في الجواهر، ويظهر ذلك أيضاً من التدبّر في عبارة ابن قدامة، وعلى ذلك فالإجماع منعقد في الجانب الإيجابي دون الجانب السلبي.

الثاني: ماذكره ابن قدامة، وأشار إليه العلاّمة أيضاً. قال الأوّل: إنّ الشركة إمّا أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها.

ولا يجوز وقوع المضاربة على أعيانها، لأنّ الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.

ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع وقد يقوّم الشيء بأكثر من قيمته ولأنّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له. ولايجوز وقوعها على أثمانها، لأنّها معدومة حال العقد ولايملكانها. (1)


1 . المغني: 5/124 ـ 125، والعبارة لم تخل من تشويش، ولم يتحقق معنى قوله: «وهذه لا مثل لها» لأنّها صادقة في القيمي لا المثلي، وأعيان العروض ليست قيمية دائمة، بل ربّما تكون مثليّة.


صفحه356

وقال العلاّمة: بأنّها لو جعلت رأس مال، لزم إمّا أخذ المالك جميع الربح أو أخذ المالك بعض رأس المال. (1)

توضيح الدليل: أنّ رأس المال إذا كان مثلياً فلا يخلو إمّا أن يكون رأس المال نفس الشيء بما هو هو، لا قيمته السوقية وقت العقد، وإمّا أن يكون قيمته.

فلو كان رأس المال نفس الشيء بما هو هو بحيث يلزم عند المفاصلة دفع العين إن كانت باقية أو مثلها إن كانت تالفة، كما إذا دفع طنّاً من الحنطة وجعلها بما هي هي رأس المال سواء كانت القيمة السوقية ثابتة عند المفاصلة أو مرتفعة أو منخفضة.

وعلى هذا لو كانت قيمتها يوم الدفع ألف درهم و ربحت المضاربة خمسمائة درهم وكانت القيمة السوقية للحنطة غير متغيرة، لا يتوجه إشكال أبداً وإنّما الإشكال في الصورة التالية:

إذا ارتفعت القيمة وصارت قيمة طن من الحنطة ألفاً وخمسمائة درهم، أو انخفضت القيمة فصار الطن منها ثمانمائة درهم، فعند المفاصلة يجب على العامل أن يدفع نفس الحنطة المعيّنة بمقدارها وأن يشتري طنّاً من السوق تارة بألف وخمسمائة درهم، وأُخرى بثمانمائة درهم، فعلى الأوّل يلزم دفع الأصل والربح إلى المالك، وهو معنى قوله: استيعاب جميع المال، وعلى الثاني يلزم أن يدفع إلى المالك بعض رأس المال أي طنّاً من الحنطة


1 . التذكرة: 17 / 19، كتاب القراض، الفصل الثاني.


صفحه357

المقوّمة بثمانمائة درهم، ويشارك العامل فيما بقي، أعني: المائتين.

هذا كله إذا كان رأس المال مثلياً وكان نفسه رأس المال، وأمّا إذا كان رأس المال قيمته السوقية يوم العقد أو كان رأس المال من الأُمور القيميّة كالأنعام، فعند ذاك لايتوجه أيّ إشكال لأنّه يجعل رأس المال قيمتها وقت العقد، فلا فرق بين تجسيم القيمة وجعله درهماً أو ديناراً، أو جعله عروضاً وتقويمَهُ بأحدهما فلا يكون ارتفاع القيمة فيما بعد أو انخفاضها مؤثراً، فلا يلزم استيعاب المالك الأصل والربح أو مشاركة العامل في بعض الأصل.

نعم يرد عليه ما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني من كلامه، أعني: «ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر ...» .

الإجابة عن الاستدلال :

هذا كلّه توضيح الاستدلال، وأمّا الدفع فهو واضح جداً، لأنّ ارتفاع قيمة المثلي أشبه بالخسران في المضاربة فكما أنّه إذا خسرت المضاربة يرجع العامل صفر اليد فهكذا في المقام، إذ يجب عليه ضمّ الربح إلى الأصل حتى يشتري العين ويدفعها إلى المالك، كما أنّ انخفاض القيمة أشبه بالاسترباح في المضاربة فإنّ اشتراء رأس المال بقيمة رخيصة كثمانمائة، يوجب استرباح العامل بربح كثير، حيث يشتري رأس المال بقيمة رخيصة، ويدفع إلى المالك.

وأما ما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني فمندفع أوّلاً بأنّ التنازع يرتفع بالمقوّم، وثانياً نختار أنّ رأس المال هو الأثمان ولا يضر كونها معدومة حال


صفحه358

العقد، بعد كونها في قوة الوجود، وستوافيك صحته.

وبذلك تقف على أنّ لتأمّل صاحب الكفاية في لزوم مراعاة هذا الشرط وجهاً، وقد صرّح المحقق الأردبيلي بالصحة في النقرة وهي الذهب أو الفضة المذابة غير المنقوشة وقال ـ بعد نقل كلام التذكرة الحاكي للإجماع ـ : بل ينبغي عدم الإشكال في الجواز لعموم أدلّة القراض وتسلّط الناس على أموالهم ولايضر عدم الإجماع (على الصحة) وكون القراض على خلاف الأصل إن سلم، فتأمّل. (1)

هذا وقد فصّل سيدنا الأُستاذ (قدس سره) بين الفضة والذهب غير المسكوكين والسبائك والعروض فقال بعدم الصحة فيها، وبالصحة في الأوراق النقدية الرائجة في البلاد (2)، ولم يعلم وجه الفرق إلاّ أن يقال: إنّ الإجماع ناظر إلى نفي الصحة في العروض والمتاع لا إلى نفي الصحة في الأوراق النقدية غير الدراهم والدنانير.

ولكن الحقّ الصحة في الجميع، فإنّ المضاربة لم تكن معاملة تأسيسية من قبل الشارع حتى نتفحّص عن قيودها وشروطها، بل هي معاملة عرفية كانت رائجة قبل الإسلام، وإنّما جاءت الشريعة لتقويم أودها، والعرف لايفرّق بين الأثمان مثل الدراهم والدنانير والسبائك والنقرة والفلوس إذا كانت المعاملة رائجة بها. حتى المغشوش إذا كان كذلك فإنّ لكل ذلك قيمة تكون هي رأس المال حقيقة، وليست المعاملات أُموراً تعبّدية يتوخّى فيها نظر الشارع في كل جزئي من جزئياتها، بل يكفي كونها صحيحة عند العرف


1 . مجمع الفائدة: 10/248.  

2 . تحرير الوسيلة: 1/ 577.


صفحه359

وعدم مخالفتها للأُصول المسلّمة الواردة في الإسلام، وبذلك تعرف صحّة ما مال إليه السيد الطباطبائي وإن عدل عنه في آخر كلامه، حيث قال:

«تأمّل بعضهم في الإجماع على عدم صحة المضاربة بالفلوس والعروض وهو في محلّه، لشمول العمومات إلاّ أن يتحقق الإجماع، وليس ببعيد، فلا يترك الاحتياط». (1)

نعم، الورق المغشوش على قسمين: تارة يكون الغش معلوماً، وأُخرى مزوّراً، فالأول لا بأس بالمعاملة به، وأمّا الثاني فيحرم المعاملة به وربّما يجب كسرها حسماً لمادّة الفساد، ففي خبر المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليَّ درهماً منها فقال: «ايش هذا؟» فقلت: ستوق. فقال: «ما الستوق؟» فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال (عليه السلام): «إكسرها فإنّه لايحل بيع هذا ولا إنفاقه»(2)

***

قال المحقق في الشرائع: لو قال: بع هذه السلعة، فإذا نضّ ثمنها فهو قراض لم يصح، لأنّ المال ليس بمملوك عند العقد (3).

أقول: إنّ للمسألة صوراً:

1 ـ أن تكون نفس السلعة رأس المال بنفسه، هذا مبني على صحة جعل العروض رأس المال في المضاربة، وقد عرفت صحته.


1 . العروة الوثقى: 2 / 639 ، كتاب المضاربة، الشرط الثاني.

2 . الوسائل: ج 12، الباب 10 من أبواب الصرف، الحديث5.

3 . الجواهر: 26/362، (قسم المتن) .


صفحه360

2 ـ أن يقصد العاقد بكلامه هذا ويوكِّل العامل في بيعها وجعل ثمنها رأس المال، بإجراء العقد عن الطرفين وكالة من جانب صاحب السلعة، وهذا أيضاً لا ريب في صحته.

3 ـ أن يقصد بذلك إجـراء العقـد بالفعـل وجعـل الثمن قراضاً عند الانضاض، فهذا هو موضوع البحث، والبحث عن هذه الصورة مبنيّ على عدم صحة جعل العروض رأس المال.

وقد استدلّ على البطلان بما يلي:

ألف: عدم دخول الثمن في ملك صاحب السلعة قبل وقوع البيع فقد جعله رأس المال مع أنّه غير مملوك.

ب ـ أنّه مجهول.

ج ـ العقد معلق. (1)

أمّا الأوّل: فلم يدل دليل على كون مال القراض مملوكاً حين العقد بل يكفي كونه مملوكاً بالقوة.

خرج من ليس له قدرة لتبديل شيء إلى الثمن المسكوك، وأمّا صاحب السلعة التي ستبدّل إلى الثمن بعد زمن قليل فهو مالك الثمن فلا وجه للبطلان، ولم يدل دليل على أنّ العقد كالعلل الطبيعية يطلب أثره بعد العقد فوراً.

وأمّا الثاني: فغير مضر إذا آل إلى العلم كما سيوافيك بيانه في الشرط


1 . الجواهر: 26/362.


صفحه361

الثالث من شروط مال المضاربة.

وأمّا الثالث: فالتعليق غير مضرّ إلاّ إذا دلّ الدليل الشرعي عليه كما في النكاح والطلاق.

فرع: إذا دفع إنسان إلى صيّاد شبكة:

إذا دفع إنسان إلى صياد شبكة، وقال له: اصطد بها فما رزق الله سبحانه من صيد فهو بيننا، فقد ذهب المشهور إلى بطلانه، قال ابن البرّاج: كان باطلاً فإن اصطاد شيئاً كان له، دون صاحب الشبكة لأنّه صيده ويكون لصاحب الشبكة أُجرة مثله. (1)

وقال ابن سعيد: وإن أعطاه شبكة ليصطاد بها بالنصف لم يصحّ، والصيد لصياده، وعليه أُجرة الشبكة، وإن أعطاه بغلاً ليستقي عليه بينهما نصفين فالماء للمستقي، وعليه أُجرة البغل، وإن سلّم إليه أرضاً ليغرسها من ماله على أنّ لكل واحد نصف ما للآخر لم يصح، والأرض لربّها، والغراس لربّه، ولربّ الأرض أن يُقرّه في أرضه بأُجرة أو يقلعه ويضمن أرشه، أو يقوم عليه فيرد قيمته. (2)

وقال المحقق: ولو دفع إلى العامل آلة الصيد كالشبكة بحصة فاصطاد كان للصائد ولكن عليه أُجرة المثل للآلة. (3)


1 . المهذب: 1/461.

2 . الجامع للشرائع: 317 ـ 318.

3 . الجواهر: 26/358، (قسم المتن) .


صفحه362

وقال العلامة: ولو دفع شبكة للصائد بحصة، فالصيد للصائد وعليه أُجرة الشبكة. (1)

وجه البطلان واضح وهو انتفاء الشرط على مبنى القوم، أعني: الأثمان المسكوكة، وعدم حصول الشركة وعدم الامتزاج.

ثم إنّ المحقق الثاني قال: إنّ البطلان مبني على أنّه لايتصوّر التوكيل في تملّك المباحات، أو أنّ العامل لم ينو بالتملك إلاّ لنفسه، فلو نوى بالحيازة الملك له ولصاحب الشبكة، وقلنا بحصول الملك بذلك، كان لكل منهما الحصة المعينة له، وعلى كل منهما للآخر من أُجرة مثل الصائد والشبكة بحسب ما أصابه من الملك.(2)

هذه كلمات القوم، ولكنّك قد عرفت أنّه لا دليل على كون المال من الأثمان المسكوكة، بل تكفي الأعيان الخارجية القابلة للتجارة، والإشكال في موضع آخر وهو أنّ المضاربة عبارة عن الانتفاع بالتجارة، أعني: ارتفاع القيمة، وليس ذلك على فرض عدم شرطية الأعيان المسكوكة من هذا القبيل.

وعلى ذلك يقع الكلام في صحة نفس العقد برأسه. أمّا تصحيحه من جانب التوكيل فهو شيء لايدور في خلد واحد من الطرفين، وإنّما الموجود في نية المتعاملين هو أن تكون الشبكة من واحد، والعمل من آخر والصيد بينهما على نسبة خاصة فيلزم على الفقيه تصحيح ما نويا أو إبطاله، وبما أنّك قد عرفت أنّه لا دليل على اختصاص وجوب الوفاء بالعقود، بالعقود


1 . قواعد الأحكام: 2 / 333 ; مفتاح الكرامة: 7/441، قسم المتن .

2 . مفتاح الكرامة: 7/441.


صفحه363

الموجودة في عصر الرسالة، فلا مانع من تصحيح نفس ذلك الاتّفاق برأسه، لكونه تجارة عن تراض وعقداً بين الطرفين ولا يصادم شيئاً من العمومات الناهية أو المطلقات المانعة، خصوصاً مع توفّر هذا النوع من العقد بين العقلاء، حيث إنّ أصحاب السيارات والسفن والقوارب يسلّمونها إلى العمال للانتفاع بها، بالشركة، ولايرونه مخالفاً لأيّ أصل من الأُصول، فالأولى تصحيح هذا النوع من العقود برأسه بما أنّه عقد عقلائي لاتخالفه الأُصول الشرعية.

الشرط الثالث: أن يكون معلوم القدر:

قد عرفت أنّه يشترط في القراض أن لايكون ديناً ويكون من الأثمان المسكوكة حسب رأي القوم، وهناك شرط ثالث ذكروه في المقام، وهو أن لا يكون رأس المال جزافاً بل يكون معلوم القدر.

1 ـ قال الشيـخ: لا يصـح القـراض إذا كان رأس المال جزافاً وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصحّ القراض ويكون القول قول العامل حين المفاصلة، وإن كان مع كل واحد منهما بيّنة، قُدِّمت بيّنة ربّ المال، دليلنا: أنّ القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي وليس في الشرع مايدل على صحة هذا القراض، فوجب بطلانه. (1)

2 ـ وقال القاضي: إذا دفع إنسان إلى غيره ثوباً وقال له: بعه فإذا حصل ثمنه فقد قارضتك عليه، كان باطلاً، لأنّ القراض لايصحّ بمال مجهول وهذا


1 . الخلاف: 3 / 469، كتاب المضاربة، المسألة 17.


صفحه364

قراض بمال مجهول لاتعرف قيمته وقت العقد. (1)

3 ـ وقال ابن حمزة: القراض الصحيح: ما اجتمع فيه شروط ثلاثة. . . وتعيين مقدار المال. (2)

4 ـ وقال ابن إدريس: ومن شرط صحة ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة مسلّمة إلى العامل (3).

5 ـ وقال المحقق: لابدّ أن يكون معلوم المقدار، ولاتكفي المشاهدة، وقيل: يصحّ مع الجهالة، ويكون القول قول العامل مع التنازع في قدره. (4).

6 ـ وقال العلاّمة: الثالث: أن يكون معلوماً فلا يصح على المجهول قدره، وفي المشاهد إشكال فإن جوّزناه فالقول قول العامل مع يمينه في قدره. (5)

ومع ذلك فليست المسألة إجماعية، بل خالف الشيخ الطوسي في المبسوط، فصرّح في آخر كلامه بصحة القراض بالمال المجهول، واستجوده في المختلف. (6)

قال ابن سعيد: فإن دفع إليه جزافاً صح، والقول قول العامل في قدره مع يمينه، وكذلك ثمن المبيع والسلم والأُجرة، وقيل: لايصح (7).


1 . المهذب: 1/460.  

2 . الوسيلة: 264.

3 . السرائر: 2/407.

4 . الجواهر: 26/358، (قسم المتن) .

5 . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .

6 . المختلف: 6/253.

7 . الجامع للشرائع: 314.


صفحه365

وقال الشهيد في اللمعة: ينبغي أن يكون رأس المال معلوماً عند العقد. (1)

وقال الأردبيلي: وأمّا دليل عدم الجواز بالمشاهد المجهول، فكأنّه الجهل، ونقل عن الشيخ قولاً بالجواز وأنّه مع الاختلاف وعدم البينة، القول قول العامل مع اليمين، بل نقل عنه قولاً بالجواز في الجزاف وإن لم يكن مشاهداً، وإنّه قوّاه في المختلف محتجّاً بالأصل وأنّ المؤمنين عند شروطهم، وإذ لا إجماع ولا دليل واضح على المنع، فالقول به لعموم الأدلة غير بعيد، وإن كان خلاف المشهور، والأحوط التعيين. (2)

هذه هي الأقوال والآراء في المسألة والآن: ينبغي ذكر صورها، فنقول:

إنّ المجهول على قسمين: قسم لا يؤول إلى علم، وقسم آخر يؤول إليه ولو بعد وقوع العقد، ونحوه.

أمّا الصورة الأُولى فالموافقة مع الصحة مشكلة لأنّ المعاملة سفهية أولاً، وخطرية ثانياً، فيشمله نهي النبي عن الغرر (3) الذي هو بمعنى الخطر، وعدم الوقوف على الربح والخسران ثالثاً الذي هو الغاية من المضاربة، من غير فرق بين المجهول المشاهد وغيره إلاّ أن يكون المشاهد كافياً في العلم بالمقدار تقريباً، بحيث لايصدق عليه كون المعاملة سفهية، أو كونها مخطورة،


1 . الروضة البهية: 4 / 220، (قسم المتن) .

2 . مجمع الفائدة: 10/248 ـ 249.

3 . الوسائل: ج 12، الباب 10 و 12 من أبواب البيع وشروطه، الحديث2و13.


صفحه366

وهو خلف الفرض. ولايكفي ارتفاع معظم الغرر، لصدق الغرر أيضاً بعد ارتفاع المعظم.

أمّا المجهول الذي يؤول إلى العلم ولو بعد ساعة أو يوم أو شهر، فلا بأس بالقول بالصحة، لكون المعاملة عقلائية والإطلاقات شاملة لها وليس الجهل المؤقت مانعاً عن الصحة لعدم الفرق عند العقلاء بين العلم من بدء الأمر أو العلم بعد مدة، من غير فرق بين أن يكون المجهول مشاهداً أو غير مشاهد، فالحق هو التفريق بين المجهول الذي لا يؤول إلى علم أو يؤول إليه لا التفريق بين المشاهد وغير المشاهد.

وأمّا تصحيح المضاربة بمال مجهول مطلقاً، بما ذكره الشيخ، من كون المرجع هو قول العامل قدراً وربحاً عند التنازع، فهو فرع كون المعاملة عقلائية وشمول الإطلاقات له، على أنّ المفروض فيما إذا لم يؤل إلى علم، فالاعتماد على قول العامل إن كان لكونه أميناً فهو يرجع إلى القسم الثاني الذي يمكن فيه تحصيل العلم، وإلاّ فالدخول في هذه المعاملة بحجّة أنّ المرجع هو العامل مع فرض كونه ليس أميناً في تعيين المقدار، معاملة سفهية وغررية، ولأجل كون المسألة ذات صورتين احتاط السيد المحقق الخوئي في المسألة وقال: على الأحوط الأولى، نعم أفتى السيد الطباطبائي في المتن باشتراط كونه معلوماً مدة ووصفاً، ولا تكفي المشاهدة وإن زال به معظم الغرر. (1)


1 . العروة الوثقى: 2/427، كتاب المضاربة، الشرط الثالث تعليقة السيد الخوئي.


صفحه367

 

الشرط الرابع: أن يكون متعيناً

قال المحقق: فلو أحضر مالين وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّهما شئت لم ينعقد بذلك قراض. (1)

قال العلاّمة: لو دفع إليه كيسين، وقال: قارضتك على أحدهما، والآخر وديعة ولم يعيّن، أو قال: قارضتك على أيّهما شئت، لم يصحّ . (2)

وقال في التذكرة: الثالث أن يكون معيناً، فلو أحضر المالك ألفين، وقال للعامل: قارضتك على إحدى هاتين الألفين، أو على أيّهما شئت، لم تصحّ لعدم التعيين. (3)

وقال الأردبيلي: كان دليل اشتراط الحضور بالمعنى المذكور هو إجماعنا فتأمّل. وقال أيضاً: عدم الجواز بأحد الألفين مثلاً كأنّه الإجماع والجهالة في الجملة، ولكن كونه مضرّاً غير ظاهر. (4)

وقال في مفتاح الكرامة: قد تُرِك اشتراط ذلك الشرط في الجميع ما عدا الكتب العشرة المذكورة، ويريد من العشرة: التحرير، جامع المقاصد، التذكرة، الإرشاد، والروض، ومجمع البرهان، والمبسوط، والمهذّب، والشرائع، والمسالك. (5)


1 . الجواهر: 26/359، (قسم المتن) .

2 . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .

3 . التذكرة: 17 / 24، كتاب القراض، الفصل الثاني.

4 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/234 و 248.

5 . مفتاح الكرامة: 7/444.


صفحه368

وقال السيد الطباطبائي: الرابع أن يكون معيّناً، فلو أحضر مالين، وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّـهما شئت، لم ينعقد إلاّ أن يعيّن ثم يوقعان العقد عليه، وقال السيد الخوئي في تعليقته: على الأحوط ولايبعد عدم اعتباره. (1)

وقد استدل في الجواهر على اعتباره بأنّ المبهم لاوجود له في الخارج وتلزم موقوفية العقد مع التخيير إلى حال وقوعه، وليس في الأدلة ـ حتى الإطلاقات ـ مايدل على مشروعية ذلك، بل لعلّ الأدلّة، قاضية بخلافه ضرورة ظهورها في سببية العقود وعدم تأخر آثارها عنها وجعل الخيار كاشفاً عن مورد العقد من أوّل الأمر، لا دليل عليه، لكونه مخالفاً للأصل ومن هنا لم يحك خلاف في البطلان حتى من القائلين بالجواز مع الجهالة. (2)

يلاحظ عليه: أنّ النكرة وإن لم تكن موجودة في الخارج، في النظرة الفلسفية لكنّها ليست كذلك في النظرة العرفية فالعرف يراها موجودة في الخارج، بشهادة أنّه يرى مفهوم أحد الكيسين منطبقاً على الخارج، وكفى في ذلك قوله سبحانه ناقلاً عن لسان شعيب النبيّ (عليه السلام): (إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إِحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَني ثَمانِـيَ حِجَج)(3) خصوصاً على القول بأنّ قوله هذا كان عقداً، لا اقتراحاً منه لموسى (عليه السلام)والمعاملات أُمور عرفية، وليست أُموراً عقلية، فإذا كان العقد أمراً عقلائياً، يكفي في صحته، شمول عمومات المضاربة إذا لم يصادم سائر الأُصول.


1 . العروة الوثقى: 2 / 640، أحكام المضاربة.

2 . الجواهر: 26/359.  

3 . القصص : 27.


صفحه369

ولامانع من أن يكون العقد جزء العلة ويتم العقد باختيار العامل أحد الكيسين، والقول بعدم انفكاك الأثر من العقد من باب قياس الأُمور الاعتبارية بالعلل التكوينية ولم يثبت كون العقد في عالم الاعتبار موثّراً تامّاً في حصول الأثر، بشهادة التمليك في الوصية في ظرف العقد، ولكنّها تحصل بعد الموت، ومثله التدبير، أعني قوله: أنت حر بعد وفاتي، والظاهر عدم اعتباره.

نعم، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً بعد العلم بمقداره ووصفه، فلو كان المال مشتركاً بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صحّ مع العلم بحصته من ثلث أو ربع، وكذا لو قال للمالك مائة دينار مثلاً، قارضتك بنصف هذا المال، صحّ.

الشرط الخامس: أن لايكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به

الغاية من المضاربة هي التجارة برأس المال، وهي المقوّمة لها، فإذا كان رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به إمّا لاشتراط المباشرة وهو عاجز عن القيام بها مباشرة، وإن كان قادراً إذا استعان فيها بالغير، أو لعجزه مطلقاً، حتى مع الاستعانة بالغير، يقع الكلام في الأُمور التالية:

1 ـ صحة العقد وبطلانه:

2 ـ على القول بالبطلان هل الربح للمالك أو العامل.

3 ـ فعلى القول بأنّ الربح للمالك فهل للعامل أُجرة المثل أو لا ؟


صفحه370

4 ـ إذا تلف فهل العامل ضامن أو لا ؟

وعلى كل تقدير فإمّا أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو المالك عالماً والعامل جاهلاً، أو بالعكس فنقول: قال المحقق: وإذا أخذ من مال القراض مايعجز عنه ضمن. (1)

أقول: أمّا الأوّل، أعني: حكم العقد، فيمكن أن يقال: إنّ القدرة على التجارة بمال المضاربة من مقوّماتها، فإذا كان عاجزاً عن القيام يبطل العقد لعدم المقوّم كما هو الحال في الاستئجار والوصاية، فلو تبيّن عجز الأجير والوصي يكشف عن بطلانه من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلاً لأنّ القدرة شرط واقعي لصحة العقد وليس العلم والجهل مؤثرين فيهما.

وأمّا الثاني فإنّ الربح تابع للأصل فإذا كان المال للمالك يتبعه الربح، من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين أو مختلفين.

وأمّا الثالث، أعني: أُجرة المثل للعامل، فلأجل احترام عمل المسلم ولكن ربّما يشترط في استحقاقها عدم كون العامل عالماً بفساد العقد سواء كان المالك عالماً أم جاهلاً، فعلم العامل وجهله يؤثران في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، وأمّا علم المالك وجهله فليسا بمؤثرين في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، فإذا كان العامل عالماً بفساد العقد ومع ذلك اتَّجر بعقد فاسد، فقد سلب احترام عمله وأقدم على بذل عمله مجاناً.


1 . الجواهر: 26/360، (قسم المتن) .


صفحه371

ولكن الحق أن يقال: إنّه لم يقدم على بذل ماله بالمجان ولم يسلب حرمة عمله، بشهادة أنّه شرط المشاركة في الربح. فالعلم بفساد العقد لايلازم سلب حرمة عمله كما هو الحال في كل عقد فاسد لم يُقدم الإنسان على بذل المال مجاناً مثل الإجارة وغيرها، نعم قوّى السيد الطباطبائي في كتاب الإجارة، عدم الضمان في صورة العلم بالبطلان فقال: «وكذا في الإجارة على الأعمال إذا كانت باطلة، يستحق العامل أُجرة المثل لعمله دون المسماة إذا كان جاهلاً، وأمّا إذا كان عالماً، فيكون هو المتبرع بعمله سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فيجب عليه ردّ الأُجرة المسمّاة أو عوضها ولايستحق أُجرة المثل. (1)

ولكن الحق، التفصيل بين ما إذا كان الفساد مستنداً إلى كون الإجارة بلا أُجرة، فبما أنّ مثل هذا فاسد ومفسد لكونه مخالفاً لمقتضى العقد، فلا يستحق الأُجرة، عالماً كان بالفساد أو لا، لأنّه هتك حرمة ماله، ومثله ما إذا جعل مال الغير أُجرة العمل مع علم الأجير له، وأمّا ما سوى ذلك، فالأقوى هو الضمان لأنّه لم يسلّطه على المنفعة مجاناً حتى يكون خارجاً عن أدلة الضمانات ولم يهتك حرمة ماله وإن علم فساده شرعاً.

وأمّا الرابع، أعني: الضمان، فالظاهر أنّه غير ضامن، لكونه من مصاديق «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فإنّ مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضموناً عليه في الباطلة، ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «صاحب الوديعة والبضاعة


1 . العروة الوثقى: 2 / 598، الفصل 3، كتاب الإجارة، المسألة 16.


صفحه372

مؤتمنان»، وقال (عليه السلام) : «ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».(1)

ثم إنّ هناك تفصيلين:

الأوّل: ما ذكره سيد مشايخنا المحقّق البروجردي من التفصيل في المسألة وحاصله: هو صحة العقد فيما يقدر، وبطلانه فيما لايقدر سواء أخذ مال القراض دفعة أو تدريجاً. قال (قدس سره) : اعتبار القدرة على العمل في تحقق المضاربة عقلاً، لتقوّمها بالمال والعمل، وعدمها (في المقام) بالنسبة إلى جميع المال لكثرته، لايوجب بطلانها، فيما يقدر عليه ويبذله من العمل في بعضه، فالأقوى صحّتها بالنسبة إلى مايقدر عليه، واستحقاق العامل فيما يعمل به، حصتَه من الربح، بل الأمر في الإجارة أيضاً كذلك، وإن كان بينهما فرق من جهة أُخرى. نعم يكون للمستأجر مع جهله خيار التبعّض.

يلاحظ عليه: أنّ هنا معاملة ومضاربة واحدة بالمال المشخص المعلوم، لا تتكثر ولا تتعدد، فكيف يصح التبعيض في الصحة فيصح فيما يقدر، ويبطل فيما لايقدر، خصوصاً فيما إذا كان مايقدر أقل بكثير ممّا لايقدر فهل يمكن هناك استكشاف رضا المالك بالعقد على الأقل الذي لاينفع؟

نعم، لو علم من قرينة خارجية أنّ هناك مطلوبين متعدّدين، فلا مانع من القول بالتبعيض في الصحة وعلى ذلك ينقلب الحكم في المواضع الأربعة فتصح المضاربة فيما يستطيع، ويكون الربح بينهما لا لخصوص المالك، ولاتكون للعامل أُجرة المثل، كما لايكون ضامناً فيما يقدر، لكونه


1 . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب كتاب العارية، الحديث6.


صفحه373

أميناً فيه ومنه يظهر النظر في ما أفاده المحقق الخوئي (قدس سره) من التصحيح في ما يقدر مطلقاً، بحجّة أنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعدّدة على أجزاء رأس المال وإن كانت بحسب الإنشاء واحدة، وحالها في ذلك حال سائر العقود، وحيث إنّ المفروض أنّ العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال، وإن كان عاجزاً عن الاتّجار بمجموعه، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس وفي جميع المال. (1)

وذلك لأنّ القول بانحلال العقد حسب أجزاء المال أمر غير عرفي، فلو ضارب الرجل بمليون ريال، فعلى الانحلال أنّ هناك مضاربات بعدد الريالات وهو كما ترى، بل الحق ملاحظة المقدور ومقايسته مع غير المقدور فإذا استكشف تعدد الرضاء، والمطلوب وأنّ المضارب راض أيضاً بالمضاربة بالقليل مع ترك الكثير، فللصحة مجال وإلاّ فلا.

وبذلك يظهر أنّ الميزان استكشاف تعدد الرضا والمطلوب سواء كان المقدار المقدور متميزاً عن غير المقدور أو لا، فما أفاده ذلك المحقق في ذيل كلامه من عدم الريب في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدور، غير واضح إذا كان رضاؤه مشروطاً بالمعاملة مع الكل، وإلاّ فتصح المعاملة مع الأقل وإن لم يكن متميزاً.

الثاني: التفصيل بين ما إذا أخذ الجميع دفعة، وما إذا أخذ مايقدر أوّلاً وما لا يقدر ثانياً، فيحكم بالبطلان إذا أخذ الجميع دفعة، وبالصحة إذا أخذ ما يستطيع معه على التجارة أوّلاً ثم أخذ ما يعجز عن التجارة به ثانياً ولكن لم


1 . مباني العروة الوثقى: 3/30.


صفحه374

يمزجه بما أخذه أولاً. حكاه في المسالك وقال: وربّما قيل: إنّه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالأوّل وإن أخذ مقدوره، ثم أخذ الزائد ولم يمزجه به ضمن الزائد خاصة. (1)

يلاحظ عليه: بما لوحظ على الأوّل، فإنّ هناك عقداً واحداً وتعهداً فارداً، فلو كان العجز من التجارة بتمامه مانعاً عن صحّة أصل المضاربة، فكل ما يأخذه من هذا المال دفعة أو تدريجاً مبنيّ على العقد الفاسد فيكون الأخذ دفعة وتدريجاً على حدّ سواء، ولو كان مانعاً عن الصحة بالنسبة إلى الزائد على القدر المستطاع فمقتضاه وإن كان هو التفصيل، لكن نسبة العجز والقدرة بالنسبة إلى ما أخذه أوّلاً وما أخذه ثانياً على حدّ سواء، لاترجيح لأحدهما على الآخر، وما ذكره السيد الطباطبائي في تقوية هذا القول بأنّ الأوّل وقع صحيحاً والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه، والمفروض عدم المزج، غير تام، وذلك لأنّ المفروض وحدة المضاربة، فليس ما أخذه بقدر المقدور متعلقاً بمضاربة مستقلة، فإذا ضمّ إليه ما لا يستطيع، تكون نسبة الجميع إلى العقد على حدّ سواء.

وبعبارة أُخرى: أنّه يأخذ المقدور وغير المقدور بنيّة العقد الواقع أوّلاً، فلاوجه لتفكيك ما أخذه أوّلاً عمّا أخذه ثانياً، خصوصاً إذا كان كل واحد ممّا أخذ مقدوراً له، وإن كان الجميع غير مقدور. اللّهمّ إلاّ إذا كانت هناك قرينة تكشف عن تعدّد المطلوب والرضاء فيصح في المقدور كما مرّ وعندئذ لافرق بين الأخذ دفعة أو تدريجاً، وحمل الأخذ الأوّل على وقوع المضاربة


1 . المسالك: 1/297.


صفحه375

معاطاة، خلاف المفروض وإلاّ فيكون في المقام مضاربتان حقيقة.

لو ضارب بما في يد الغاصب معه

ولو كان مال المضاربة في يد غاصب فإذا ضاربه المالك عليه فهل يصح العقد أو لا ؟ وعلى فرض الصحة هل يبطل الضمان أو لا ؟

أمّا صحة المضاربة، فلا إشكال فيها إذا كان مال القراض جامعاً للشرائط، وأمّا بطلان الضمان، فلأجل أنّه مع عقد المضاربة ينقلب العنوان فيصير الغاصب عاملاً أميناً معامليّاً لا أميناً تبرعياً كالودعي فيترتب عليه كل مايترتب على الأمين المعاملي، وأمّا استظهار الضمان من قوله(عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» باعتبار عدم حصول الأداء، فالجواب: أنّه منصرف إلى ما إذا كان الغاصب باقياً على غصبه لا ما إذا انقلب العنوان منه إلى عنوان آخر.

وبذلك يظهر أنّه لا وجه لما يقال من أنّه إنّما يرتفع الضمان إذا اشترى به شيئاً ودفع المال إلى البائع، ولأنّه قد قضى دينه بإذنه، وذلك لما عرفت من أنّ المضاربة تقلب اليد عن العدوانية إلى الأمانية فينقلب الحكم، وبذلك يظهر حكم الرهن إذا كان عند الغاصب ثم رضي المالك بكونه رهناً له في مقابل دينه، فإنّه يرتفع به الضمان.

لو اختلفا في قدر رأس المال

قال المحقق: لو اختلفا في قدر رأس المال فالقول قول العامل مع يمينه، لأنّه اختلاف في المقبوض. (1)


1 . الجواهر: 26/363 (قسم المتن) .


صفحه376

أقول: توضيح المسألة وتحقيقها هو أنّ لها صورتين:

1 ـ إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل وكان النزاع مركّزاً عليه فقط، قُدِّم قولُ العامل بيمينه مع عدم البيّنة، من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل، لأصالة عدم إعطائه أزيد ممّا يقوله، وأصالة براءته إذا كان تالفاً من الأزيد.

2 ـ أن يكون النزاع في مقدار رأس المال راجعاً إلى نزاع آخر وهو النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح، كما إذا علم مقدار المال الموجود فعلاً بيد العامل وأنّه ألفا دينار مثلاً، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه، لأجل الاختلاف في مقدار رأس المال، بأن يدّعي المالك أنّ رأس المال هو الألف، والألف الآخر هو الربح، فلكلّ واحد خمسمائة دينار ـ بناءً على أنّ الربح بينهما بالتناصف ـ ، وادّعى العامل أنّ رأس المال هو ثمانمائة دينار وأنّ الربح هو ألف ومائتا دينار، فلكلّ واحد ستمائة دينار، فذهب المحقق إلى أنّ القول قول العامل بيمينه، لأنّه يرجع إلى اختلاف المقبوض، وفي الواصل إليه والداخل تحت سلطانه بالتصرّف فيه، فالمالك يدّعي الأكثر والعامل الأقل، والأصل عدم دخول الزائد تحت سلطانه، فيكون هو المنكر والمالك هو المدّعي، فالقول قول المنكر لو لم يقم المدّعي البينة.

ويمكن أن يقال: إنّ ما ذكره يتمّ في الصورة الأُولى، أعني: إذا كان النزاع مركّزاً على مقدار رأس المال وكان الربح معيّناً لا نزاع فيه، وأمّا إذا كان النزاع فيه راجعاً إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود فلا، لأنّه على تقدير قلّة رأس المال يصير مقدار الربح له أكثر فيكون نصيب العامل


صفحه377

أزيد، وعلى تقدير كثرته، يكون بالعكس، ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك إلاّ بمقدار ما أقرّ به للعامل.

وبعبارة أُخرى: أنّ الاختلاف في مقدار رأس المال، واجهة لادّعاء أنّه يستحق شيئاً كثيراً من المال الموجود والمالك ينكره، وقد تسالموا على الألف، وهو يدّعي أزيد منه بمائتين والأصل عدمه.

ويظهر سرّ ذلك إذا وقفنا على أنّ المال أصله وفرعه ملك للمالك بالأصالة ومنه ينتقل إلى العامل وبما أنّ الفرع تابع للأصل والمقدار المسلّم الخارج منه هو ما تسالما عليه، فالزائد عليه يحتاج إلى الدليل. وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر بقوله: «ولأنّ الأصل مع بقاء المال يقتضي كون جميعه للمالك إلاّ ما أقرّ به للعامل».(1)

فإن قلت: إنّ الأصل عدم دفع أزيد من ثمانمائة دينار إلى العامل فيتعين الباقي للربح.

قلت: إنّ الأصل غير مفيد لأنّ تعيّن الزائد للربح ليس أثراً شرعياً لعدم دفع أزيد من ثمانمائة، بل من لوازمه العقلية. ومثله الأصل الآخر، أعني: أصالة عدم حصول الربح أزيد من مقدار ألف فيتعين الباقي كونه رأس المال، وذلك لأنّ تعيّن الباقي في كونه جزءاً لرأس المال ليس أثراً شرعياً لعدم حصول الربح الزائد بل هو لازم عقلي له.


1 . الجواهر: 26/364. لاحظ العروة الوثقى: 2 / 682 ـ 685، المسألة: 52، 60 من كتاب المضاربة.


صفحه378

إنّ ما ذكرناه مبنيّ على أنّ الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، إنّما هو مآل الدعوى ومرجعها وحاصلها فيكون المدّعي ـ على هذا ـ هو العامل. وأمّا إذا كان الميزان، هو مصبُّ الدعوى وظاهرها، فالعامل هو المنكر، والمالك هو المدّعي لموافقة قول العامل الأصل، ومخالفة قوله له فالأصل عدم كون رأس المال زائداً على ثمانمائة. وممّن تنبّه لذلك السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره) في تعليقته على العروة فعلّق على قول السيد: «هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح» قوله: «وكذا إذا رجع إليه إذا كان مصبّ الدعوى، النزاعَ في مقدار رأس المال كما هو المفروض»، ولعلّه لأجل ذلك تأمّل سيد مشايخنا البروجردي (قدس سره) في تعليقته وقال: محلّ تأمّل وإشكال.

والمرجع عندنا في باب تمييز المدّعي عن المنكر، هو العرف لا الأُصول العملية، ولا الظواهر، ولا مصب الدعوى، وعلى هذا فالعرف يتلقّى العامل مدّعياً والمالك منكراً.

نعم، إذا اختلفا في حصول الربح وعدمه فالقول قول العامل، أو اتفقا في مقدار رأس المال وادّعى العامل أنّه ربح ألف، والمالك ربح أزيد، فالقول قوله أيضاً.

وأمّا إذا اختلفا في مقدار الحصة وأنّه النصف أو الثلث، فالقول قول المالك.

***


صفحه379

الرسالة التاسعة والعشرون

الرضاع


صفحه380

صفحه381

الرضاع   

الثاني من أسباب التحريم ـ بعد النسب ـ هو الرضاع، وقد ورد به النصّ في الذكر الحكيم والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، ولا خلاف بين الأُمّة في أنّه من أسباب التحريم، وإنّما الخلاف في شروطه وفروعه.

وقد فصّلنا الكلام في هذا المجال في محاضراتنا التي ألقيناها، ولمّا قام قرّة عيني الفاضل المحقّق الشيخ حسن مكي ـ دامت إفاضاته ـ بنشر ما ألقيناه في خصوص باب الرضاع مشفوعاً برسالة «لاضرر ولاضرار» بدا لنا أن نجمل الكلام في المقام ونحيل التفصيل إلى تأليفه ورسالته، ولأجل ذلك نقتبس ممّا كتبه من أبحاثنا في الرضاع، ما يرجع إلى دليل التحريم وشروطه ونترك الباقي إلى كتابه.

وهناك سبب آخر للإيجاز في المقام وهو قلّة الابتلاء بمسائل الرضاع بعد ظهور الحليب المجفّف في العصور المتأخّرة حيث استغنت النساء عن إرضاع أولادهنّ، ولعلّ هذه الحادثة الطارئة لاتطول وسوف يرجع الإنسان إلى التغذية بلبن الأُم الذي خلقه الله سبحانه في ثديها قبل أن يخرج الطفل إلى عالم الوجود، وربّما نسمع من بعض الأطبّاء أنّ الغذاء الكامل للطفل هو لبن الأُمّ فقط ولاينوبه شيء ولكن أين الأُذن الواعية؟!


صفحه382

 

يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

قد نصّ الكتاب الكريم على أنّ الرضاع سبب لحرمة النكاح قال سبحانه: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرضاعةِ)(1). وتضافر عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» رواه المشايخ الثلاثة.(2)

وأمّا أهل السنّة فروى البخاري ومسلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة». وروى مسلم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، إلى غير ذلك من الألفاظ المتقاربة، قال البيهقي بعد نقلها: وروينا هذا المذهب من التابعين عن: القاسم بن محمّد، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والزهري.(3) وتحقيق المقام يستدعي البحث عن أُمور:

1ـ توضيح مفاد القاعدة

المتبادر من الرواية ـ بعد ملاحظة ورود قوله: (وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ... ) في ثنايا المحرّمات النسبية السبعة ـ هو أنّ المحرّم بالرضاع


1 . النساء: 23.

2 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1، 3، 4، 5و8 ; والباب8 ، الحديث 7; والباب 17، الحديث 1. إلى غير ذلك ممّا يدلّ على كونه حديثاً مستفيضاً، وهو مروي في كتبنا عن 26 طريقاً.

3 . السنن الكبرى للبيهقي:7/451.


صفحه383

هو نفس المحرّم بالنسب، والرضاع يقوم مقام النسب.

وبعبارة أُخرى: المراد من الموصول العناوين النسبية السبعة المحرّمة الواردة في الذكر الحكيم في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الأَخِ وَ بَناتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) (1). و المعنى أنّ كلّ عنوان محرّم من جهة النسب، هو بنفسه محرّم من جهة الرضاع فالأُمومة ـ
مثلاً ـ المتحققة بالنسب والمتحقّقة بالرضاع، سواء في الحكم. وعندئذ لاحاجة إلى تقدير لفظة «نظير» مع ما فيه من سقوط العبارة عن البلاغة الخاصة لكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال الشيخ الأنصاري: وإنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع والحاصل بالنسب في التحريم، صنفاً. مثلاً الأُمّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان، حصل التحريم من جهة الرضاع. ولو حصل بالرضاع ما يلازمه (العنوان) مثل أُمومة أخيه لأبويه، لم يحرم... إلى أن قال: فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب والرضاع في إيجاد التحريم، وأنّ العلاقة الرضاعية تقوم مقام العلاقة النسبية وتنزل مكانها.(2)


1 . النساء: 23.

2 . رسالة الشيخ الأعظم في الرضاع:1.


صفحه384

فلو رضع صبيّ من امرأة حرمت عليه لا على أخيه لأبويه، لأنّها أُم أخيه لأبويه بالرضاع، لا أُمّه والعنوان المحرّم في النسب هو أُمّ نفس الانسان لا «أُمّ الأخ» ولو حرّمت أُمّ الأخ في النسب، فلكونها أُمّ المحرّم عليه لا لكونها أُمّ أخيه. ولأجل ذلك لاتكون العناوين الملازمة في النسب، محرّمة في الرضاع. فأُمّ الأخ للأبوين محرّمة في النسب دون الرضاع لأنّها في الأوّل ملازمة لأُمومة نفس الإنسان المحرّم عليه، بخلاف باب الرضاع فليست ملازمة للأُمومة فيه. والأولى أن يبحث في ذلك عند البحث عن عموم المنزلة.

2ـ في عدم شمول القاعدة للمصاهرة

لاشكّ أنّ القاعدة نصّ في قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة النسبية ولكن هل يمكن أن يستفاد منها أيضاً قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة المصاهرية أو لا؟

الظاهر هو العدم، لأنّ المتبادر من الحديث قيام الرضاع مقام النسب. والنسب غير المصاهرة. قال سبحانه:(وَ هُوَ الّذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً) (1).

وعلى هذا فلو أرضعت امرأة ولدك فلاتحرم عليك أُمّها من حيث إنّها الجدّة الرضاعية لولدك، لأنّ جدّة الولد النسبي إنّما تحرم على الرجل لكونها أُمّ زوجته والزوجية هنا منتفية، ومجرّد إرضاع ولد الرجل لايصيّر المرضعة في حكم الزوجة لأنّه لايصحح مصاهرة بلا ريب.


1 . الفرقان: 54.


صفحه385

بخلاف ما لو ارضعت امرأة محرّمة عليك زوجتك الحقيقية ، لالقيام الرضاع مقام المصاهرة، بل لقيامه مقام النسب. وذلك لأنّ المحرّم حسب قوله سبحانه: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) هو أُمّ الزوجة والزوجية ثابتة هنا بلا ريب. وإنّما الكلام في ثبوت الجزء الثاني، أعني: كون المرضعة للزوجة أُمّاً لها حكماً، وهو ما يثبته الحديث بنصّ دلالته ، حيث نزّل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ الحقيقية، فقام الرضاع مقام النسب لامقام المصاهرة.

والحاصل: أنّه إذا كانت المصاهرة منتفية، ـ كما إذا أرضعت ولدك ـ فلايمكن إثبات الحرمة بالرضاع، لأنّ مفاد أدلّة نشر الحرمة به، وإلحاقه بالنسب جعل كلّ عنوان حاصل به في حكم العنوان الحاصل بالنسب لا غير. ففي المثال الأوّل الذي ذكرناه، لادليل على تنزيل مرضعة الولد مقام الزوجة حتى تحرم أُمّها على الزوج ـ باعتبار أنّها أُمّ زوجته ـ لأنّ الأُمومة محقّقة بالنسب (أُم المرضعة) والزوجية منتفية، والرضاع لايصحح مصاهرة.(1)

وهذا بخلاف ما إذا كان النسب منتفياً والمصاهرة متحقّقة، كالأُمّ الرضاعية للزوجة الحقيقية، فالزوجية حاصلة لاتحتاج إلى التنزيل، وإنّما المحتاج إليه هو الأُمومة، فتنزل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ النسبية بمقتضى الحديث. فتكون المسألة من قبيل ما إذا كان الموضوع مركّباً من جزأين، أُحرز أحدهما بالوجدان ، والآخر بالتنزيل. وتكون النتيجة حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة على الزوج كما لا يخفى.


1 . أي أنّ إرضاع امرأة ولد رجل لايجعلها زوجة له، ولو حكماً حتّى تتحقّق بذلك علاقات مصاهرية فيما بين الرجل وأنساب المرأة، ولم يدّع ذلك أحد.


صفحه386

نعم ربما يستظهر(1) من الحديث معنى أضيق ممّا ذكرناه وهو أنّ المراد بلفظ النسب، النسب الحاصل بين المحرّم والمحرّم عليه، فالرضاع حينئذ إنّما ينزّل منزلة النسب، إذا كان التنزيل بين المحرّم والمحرّم عليه، كتنزيل الأُم الرضاعية للرجل منزلة الأُم الحقيقية. لا ما إذا كان التنزيل بين غيرهما كتنزيل الأُمّ الرضاعية للزوجة، منزلة الأُمّ الحقيقية لها، فإنّ طرفي التنزيل فيه هما: الأُمّ الرضاعية للزوجة والأُمّ الحقيقية لها، وأمّا الزوج فهو خارج عن حدود التنزيل، كما هو واضح.

ولكن هذا تقييد من غير دليل، بل المراد من النسب في الحديث مطلق النسب الموجب للتحريم سواء أكان حاصلاً بين نفس المحرّم والمحرّم عليه كما مثّلناه، أم كان بين أحدهما ـ وهو الأُمّ الرضاعية للزوجة هنا ـ وطرف ثالث، وهو الزوج هنا. ولايكون التنزيل لغواً، بل تؤثر حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة ـ المنزّلة منزلة الأُمّ الحقيقية لها ـ على الزوج.

وبهذا يظهر إمكان استفادة حرمة الأُمّ الرضاعية للمزني بها، على الزاني. وحرمة أُمّ الغلام الموقب فيه وابنته وأُخته من الرضاعة ، على الموقب. لأنّ موضوع الحرمة مركّب من أمرين: الأوّل : الزنا أو الإيقاب، وهو حاصل بالوجدان. والثاني: كون المرأة أُمّاً للمزني بها أو الغلام الموقب فيه، أو بنتاً أو أُختاً له، وهذا ثابت بتنزيل الحديث الرضاعيات من الأُمّ والبنت والأُخت مكان النسبيات منهنّ فيحرمن جميعهنّ على الزاني والموقِب كحرمة النسبيات.


1 . نقله الشيخ الأعظم في أوّل رسالة الرضاع المطبوعة في ملحقات المكاسب.


صفحه387

 

3ـ ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرعية

الظاهر أنّه ليس للرضاع إلاّ معنى واحد متبادر عند الجميع(1) وعلى ذلك، فلو شكّ في كون شيء شرطاً لنشر الحرمة أو مانعاً منه، فالإطلاق هو المحكّم حتّى يثبت خلافه، كما هو الحال في سائر المفاهيم العرفية. وهذا بخلاف ما إذا قلنا إنّ له حقيقة شرعية ومصطلحاً خاصّاً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في الشرطية أو المانعية ، لعدم العلم بالموضوع له، ويعود الشكّ إلى كون المورد مصداقاً له أو لا، وهذا واضح.

وبما أنّ المختار أنّ اللفظ باق على معناه العرفي، فكلّما شكّ في كون شيء شرطاً أو مانعاً يحكم بعدمه بمقتضى الإطلاق الموجود في الأدلّة نحو قوله تعالى: (وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ)(2). نعم إذا كان المقيد دائراً بين الأقل والأكثر كتردّد كون المحرِّم هو عشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة، فالمرجع هو إطلاق الحلّ كما سيوافيك. هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكمية.

وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، مع كون مفهوم الرضاع أمراً واضحاً مبيّناً فالمرجع هو الأُصول العملية الموضوعية، أو الحكمية عند عدم الأولى.


1 . الحاصل من كلمات أهل اللغة أنّ الرضاع مطلق مصّ اللبن من الثدي بالفم فليس له معنى سوى المعنى اللغويّ.

2 . النساء: 23.


صفحه388

فإذا شكّ في كون الرضاع متحققاً بشروطه الشرعية كيفاً وكمّاً، جرت أصالة عدم تحقّق العناوين السبعة المحرّمة، على وجه لايكون مثبتاً. كما أنّه يجوز التمسّك ـ عند عدم الأصل الموضوعي ـ بالأصل الحكمي، أعني: بقاء الحلّية وجواز التزويج، كما لايخفى. وبهذا تبيّن أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو الإطلاقات، وفي الشبهات الموضوعية هو الأُصول العملية. إلى هنا تمّ مايرجع إلى أصل القاعدة، وإليك الكلام في شرائطها.


صفحه389

 

شرائط الرضاع

إذا عرفت ما قدّمناه، فاعلم أنّه يشترط في تحقّق الرضاع عرفاً أو شرعاً أُمور إليك بيانها:

الشرط الأوّل:

أن يكون اللبن عن نكاح صحيح

أقول: هكذا عنونه المحقّق (رحمه الله) في الشرائع . والمراد من النكاح هو الوطء لا العقد. وما عبّر به هو ما استحصله من الروايات ، والوارد فيها إنّما هو اشتراط كون اللبن « لبن الولادة» أو ما يقاربه.

قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: «إذا درّ لبن امرأة من غير ولادة، فأرضعت صبيّاً صغيراً، لم ينشر الحرمة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم».(1) وأشار بقوله: «أخبارهم» إلى الروايات التالية:

1ـ ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللّبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: «لا».(2)


1 . الخلاف:3/73، المسألة 22.

2 . الوسائل: ج 14، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.


صفحه390

2ـ ما رواه يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكراناً وإناثاً، أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: «لا».(1)

أضف إلى ذلك انصراف أدلّة الرضاع عمّا درّ من دون ولادة، لندرة وجوده، إذا قلنا إنّ ندرة الوجود كندرة الاستعمال من أسباب الانصراف. فإذا ثبت الانصراف صار المقام مجرىً للأُصول الموضوعية أو الحكمية القاضية بالحلّية.

اللبن عن الوطء بالشبهة

إذا حملت المرأة عن وطء بالشبهة ، فأرضعت حال الحمل أو بعد الولادة، على الخلاف، فهل هو ناشر للحرمة أو لا؟ الظاهر هو الأوّل لأنّه ملحق بالوطء الصحيح فتشمله الإطلاقات. وقد دلّ الاستقراء على مشاركة ولد الشبهة ، غيره في كثير من الأحكام من الإرث، ولزوم النفقة، ولزوم المهر على الموطوءة، والاعتداد.

ويمكن الاستدلال بما ورد عنهم(عليهم السلام)من أنّ «لكلّ قوم نكاحاً» (2) في الأنكحة الرائجة بين المجوس وغيرهم. فإذا تلقّى الشارع هذه الأنكحة الفاسدة في شرعنا، بالقبول في الظاهر، ورتّب عليها أثر النكاح الصحيح واقعاً، فيلزم تلقّي الوطء عن شبهة كالوطء عن النكاح الصحيح. والجامع


1 . المصدر نفسه: الحديث 2.

2 . الوسائل: ج 14، الباب 83 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.


صفحه391

بينهما هو الشبهة، غاية الأمر أنّ الشبهة في القسم الأوّل حكمية وفي الثاني موضوعية، وهو بمجرّده لايكون فارقاً بين الأمرين. فإذا كان إقدام الإنسان على عمل باعتقاد كونه عملاً صحيحاً، مرضياً عند الله، فلاريب أنّ الشارع يتلقّاه صحيحاً ويرتّب عليه الأثر.

وبذلك يظهر ضعف ما نقل عن الحلّي من التردّد، فتمسك بأصالة الحلّية تارة، وبمنع وجود العموم في الأدلّة، أُخرى، وعدم الدليل على عموم المنزلة ـ أي تنزيل المتولّد عن شبهة منزلة الولد الصحيح ـ ثالثة. و الكلّ ضعيف، لبطلان الأصل بعد وجود الدليل ، كما تقدّم. وشمول إطلاق قوله تعالى: (وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) للموطوءة عن شبهة لكونها أُمّاً رضاعية قطعاً. وثبوت التنزيل كما قدّمنا في قوله:«فإنّ لكلّ قوم نكاحاً» وغيره من غير فرق بين كون الشبهة من الطرفين أو من طرف واحد، كالأُمّ في المقام.


صفحه392

الشرط الثاني:

لزوم تحقّق أحد التحديدات الثلاثة

يجب أن يكون الرضاع محدداً بأحد التحديدات الثلاثة: العدد، الأثر، والزمان، وإليك التفصيل في كلّ واحد.

الأوّل: التحديد بالعدد (1)

اختلفت المذاهب الإسلامية في كمّية اللبن الناشر للحرمة على أقوال، وهي بين الجمهور لاتتجاوز الثلاثة(2):

1ـ خمس رضعات متفرّقات.

2ـ ثلاث رضعات.

3ـ الرضعة بل المصّة الواحدة ولو كانت قطرة.

قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف : «وقال الشافعي: لا يحرم إلاّ في خمس رضعات متفرّقات، فإن كان دونها لم يحرم. وبه قال ابن الزبير وعائشة وفي التابعين سعيد بن جبير، وطاووس. وفي الفقهاء أحمد، وإسحاق.

وقال قوم: قدرها ثلاث رضعات فما فوقها ، فأمّا أقلّ منها فلا ينشر


1 . سوف يأتي التحديد الثاني : التحديد بالأثر في الصفحة 406.

2 . سيأتي ذكر قول رابع لهم وهو عشر رضعات عند نقل كلام ابن رشد.


صفحه393

الحرمة. وذهب إليه زيد بن ثابت في الصحابة. وإليه ذهب أبو ثور، وأهل الظاهر.

وقال قوم: إنّ الرضعة الواحدة أو المصّة الواحدة، حتّى لو كان قطرة، تنشر الحرمة. ذهب إليه على ما رووه علي (عليه السلام)، وابن عمر، وابن عبّاس. وبه قال في الفقهاء مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابه».(1)

وقال ابن رشد:«أمّا مقدار المحرِّم من اللبن. فإنّ قوماً قالوا فيه بعدم التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه، وروى عن علي وابن مسعود، وهو قول ابن عمر وابن عبّاس، وهؤلاء يُحرِّم عندهم أيّ قدر كان. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.

وقالت طائفة بتحديد القدر المحرّم، وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق. فقالت طائفة: لا تحرّم المصّة ولا المصّتان وتحرّم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور. وقالت طائفة: المحرّم خمس رضعات، وبه قال الشافعي. وقالت طائفة: عشر رضعات».(2)

وأمّا الخاصّة: فلهم في المسألة أقوال أشهرها ثلاثة:

1ـ عشر رضعات.

2ـ خمس عشرة رضعة.


1 . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.

2 . بداية المجتهد:2/35.


صفحه394

3ـ ما أنبت اللحم وشدّ العظم.

قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: «من أصحابنا من قال: إنّ الذي يحرّم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهنّ برضاع امرأة أُخرى. ومنهم من قال:خمس عشرة رضعة وهو الأقوى أو يوم وليلة أو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إذا لم يتخلل بينهن رضاع امرأة أُخرى».(1)

وقال العلاّمة في المختلف:«ذهب المفيد وسلاّر وابن البراج وأبو الصلاح وابن حمزة إلى أنّ المحرِّم من الرضاع باعتبار العدد عشر رضعات متواليات، وهو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا، وقال الشيخ في النهاية والمبسوط وكتاب الأخبار:

لايحرم أقلّ من خمس عشرة رضعة، وقال ابن إدريس في أوّل كتاب النكاح: المحرِّم عشر رضعات متواليات. ـ إلى أن قال ـ : والذي أُفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة لأنّ العموم قد خصّصه جميع أصحابنا المحصّلين والأصل الإباحة والتحريم طارئ، فبالإجماع من الكلّ يحرم الخمس عشرة رضعة فالتمسك بالإجماع أولى وأظهر، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع... إلى أن قال:وقال ابن الجنيد: قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعاً في قدر الرضاع المحرِّم إلاّ أنّ الذي أوجبه الفقه عندي والاحتياط المرّ لنفسه: أنّ كلّ ما وقع عليه اسم رضعة وهو ما ملأت بطن الصبي إمّا بالمصّ أو بالوجور يحرّم النكاح. وقال الصدوق في المقنع: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم. و روى أنّه لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة


1 . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.


صفحه395

عشر يوماً ولياليهن ليس بينهنّ رضاع وبه كان يفتي شيخنا محمّد بن الحسن (رحمه الله)».(1)

نقول:لاريب أنّه لايكفي مسمّى الرضاع ولا الرضعة الواحدة، إجماعاً وسنّة مستفيضة، بل كتاباً أيضاً، لعدم صدق الأُمّ، الواردة في قوله سبحانه: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) ، على من أرضعت طفلاً مرّة أو مرّتين. ومثله قوله سبحانه: (وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ) بل يتوقّف صدقها على أن يرتضع الولد من لبنها مقداراً يتحقّق معه عرفاً عنوان الأُمومة وغيرها من العناوين المحرّمة، فالعرف والاعتبار متصادقان على عدم كفاية المسمّى والدفعات القليلة.

ومن هنا يظهر بطلان ما نقل عن الليث من نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم وما نقلناه عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري من التحريم بمطلق الرضاع وإن قلّ. ومن الغريب ذهاب صاحب الدعائم إلى هذا القول مستنداً إلى رواية رواها عن علي (عليه السلام)قال: وعن عليّ (عليه السلام)أنّه قال: «يحرم من الرضاع قليله وكثيره و المصّة الواحدة تحرّم». ثمّ أضاف قائلاً: «وهذا قول بيّن صوابه لمن تدبّره ووفّق لفهمه لأنّ الله عزّ وجلّ قال:(وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) ، فالرضاع يقع على القليل والكثير» الخ.(2)

ولكنّه غفل عن أنّه وإن صدق الرضاع بالقليل، لكنّه لايصدق عنوان


1 . المختلف:3/70، كتاب النكاح.

2 . دعائم الإسلام: 2 / 240، الرقم 920.


صفحه396

الأُمّ الذي هو الموضوع في الآية. خصوصاً إذا قلنا بأنّ تحقّق هذه العناوين بالإرضاع لم يكن أمراً مبتدعاً في الإسلام بل كان دارجاً قبله في عصر الجاهلية، ومن المعلوم عدم تحقّق الأُمومة عندهم بمسمّى الإرضاع.

ومنه يظهر بطلان ما نقل عن ابن الجنيد من تحديده بالرضعة الكاملة وهي ملأها بطن الصبي.

نعم روى الشيخ بإسناد صحيح عن علي بن مهزيار عن أبي الحسن (عليه السلام)أنّه كتب إليه يسأله عمّا يحرم من الرضاع؟ فكتب (عليه السلام): «قليله وكثيره حرام».(1)

وروي (2) عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لاتحل له أبداً»(3). ولكنّهما ـ مضافاً إلى الحزازة الموجودة في متنها، حيث إنّ ظاهر قوله:«قليله وكثيره حرام» أنّ نفس الرضاع قليله وكثيره حرام مع أنّ المراد أنّ قليله وكثيره «محرِّم» ـ محمولان على التقية، وقد أعرض الأصحاب عنهما، وانعقدت الشهرة على خلافهما.

وقد حمل الشيخ (رحمه الله) أوّلهما على ما إذا بلغ الحدّ الذي يحرم، فإنّ الزيادة قلّت أو كثرت تحرّم، وقال الشيخ الحرّ في الوسائل: ويمكن حمله على الكراهة وعلى تحديد كلّ رضعة فإنّه إن رضع قليلاً أو كثيراً فهي رضعة محسوبة من العدد إلى آخر كلامه وذكر في الخبر الثاني نحو ما ذكر في الأوّل.


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 10.

2 . في السند الحسين بن علوان و هو عامي لم يوثق، وعمرو بن خالد وهو إمامي مجهول.

3 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع ، الحديث 12.


صفحه397

والأقرب الحمل على التقية.

وأمّا ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عمّا يحرم من الرضاع قال: إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه ، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم، وذلك الذي يحرّم».(1)

وما أرسله ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:« الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلّع، ويتملّى وينتهي نفسه».(2)

فالظاهر أنّهما واردان في مقام تحديد كيفية الرضعة، لا تحديد الرضاع المحرِّم بها كما لايخفى.

إذا تبيّن ما ذكرنا فاعلم أنّ القول المعتمد أحد القولين:

1ـ ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة.

2ـ ما دلّ على اعتبار عشر رضعات، فإليك دراسة كلا القولين:

أ : ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة

منها: موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟فقال:«لايحرِّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات، من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها. فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو (3) جارية عشر رضعات من لبن فحل


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 1.

2 . المصدر نفسه، الحديث2.

3 . قال في الوافي:«هكذا في النسخ التي رأيناها، والصواب وجارية، بواو الجمع».


صفحه398

واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(1)

ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) في المقنع مرسلاً، قال: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم، قال: وسئل الصادق (عليه السلام)، هل لذلك حدّ؟ فقال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ».(2)

وهذه الرواية غير متحدة مع سابقتها، لأنّ السابقة مروية عن الباقر (عليه السلام)وهذه عن الصادق (عليه السلام)وإرادة المعنى الوصفي من الصادق الأعم من أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام)خلاف الاصطلاح الجاري.

ولكن هنا رواية تعارض بمنطوقها هاتين الروايتين، وهي ما رواه الشيخ عن حمّاد بن عثمان، أو غيره عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «خمس عشرة رضعة لاتحرّم».(3)

ويكفي في ردّ الرواية إرسالها بقرينة «أو غيره». وقد ذكر لها محامل منها حمل الشيخ على كون الرضعات متفرّقات من نساء شتى، واحتمل الشيخ الحرّ (رحمه الله) الحمل على الإنكار. وأمّا ما ذكره من الحمل على التقية، فهو بعيد غايته كما لايخفى.


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1. وهي موثقة بعمّار بن موسى الساباطي فإنّه فطحي لكنّه ثقة في الرواية ، قاله النجاشي والعلاّمة والشيخ في موضع من التهذيب.

2 . المصدر نفسه، الحديث 14.

3 . المصدر نفسه، الحديث6.


صفحه399

ب : ما دلّ على كفاية عشر رضعات في التحريم

وتدلّ على هذا القول صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروى الصبيّ، وينام». (1)

وهذه الرواية أوضح ما في الباب، وتدلّ بصراحتها على كفاية العشرة في التحريم بلا إشكال، ثمّ إنّ صاحب الجواهر بالغ في الإشكال عليها بوجوه متعددة: ستعرف ضعف أكثرها أو جميعها عند المناقشة.

وقد رويت هذه الرواية بصورة أُخرى عن الفضيل بن يسار، عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً»، قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربّية، أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه».(2)


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 11. رواه الشيخ في الاستبصار: 3 / 196، الحديث 709 عن محمّد بن علي بن محبوب، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن حريز، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام). ولكن الموجود فيه«المجبورة» بالجيم. واحتمل في ذيله أن يكون المراد من الحديث نفي التحريم عمّن أرضعه رضعة أو رضعتين، ثمّ استشهد بالروايات الواردة بهذا المعنى.

وأورده في التهذيب بالسند نفسه، ج7، الحديث 1305 ولكن بدل قوله«ثمّ يرضع»، قوله«قد رضع» وما في الاستبصار أصحّ. كما أنّ الموجود فيه«المجبورة» بالجيم.

2 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 7 وقد سقط من نسخة الوسائل المطبوعة «عن أبي عبد الله (عليه السلام)». رواه الشيخ في التهذيب: 7/ 324، الحديث 1334، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أيوب بن نوح، عن حريز، عن الفضيل بن يسار عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام).وقوله في الرواية: (أو أُمّ تربى) يحتمل قوياً أن يكون ترديداً من الراوي أو اختلافاً في النسخ أدرج في المتن، ويؤيّده ما نقله الصدوق كما سنذكره، وقال الشيخ في ذيل الرواية بعد إيرادها: إنّ القصد بهذه الرواية نفي التحريم عمّن يرضع رضعة أو رضعتين أو ما أشبه ذلك.


صفحه400

وسيأتي جواب هذا الاختلاف عند إيراد إشكالات صاحب الجواهر.

وهناك روايات أُخرى تدلّ على كفاية العشرة مفهوماً لامنطوقاً.

منها: ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين؟ فقال: «لايحرّم». فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: «إذا كانت متفرقة فلا».(1)

ودلالة الرواية كما ترى بالمفهوم، وهو أنّ العشر إذا كانت متوالية فإنّها تحرّم مع أنّ عمر بن يزيد نفسه روى عن أبي عبد الله (عليه السلام)أنّ الخمس عشرة رضعة لاتحرّم، كما مرّ، فكيف يمكن أن نأخذ عنه التحريم بالعشر.

ومنها: ما رواه هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان والثلاث ـ حتى بلغ العشر ـ إذا كنّ متفرقات فلابأس».(2)وقد نقله هارون بن مسلم تارة عن مسعدة كما أوردناه، وأُخرى بلا واسطة عن أبي عبد الله (عليه السلام).


1 . الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5. وقد وقع في سند الشيخ الوارد في الوسائل المطبوعة في بيروت سقط، فالراوي عن عبد الله بن سنان هو الحسن بن علي ابن بنت الياس وهو الحسن بن علي بن زياد، ثقة من وجوه الطائفة. فالرواية صحيحة. أمّا في الوسائل المطبوعة في إيران، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)فالسند كامل بدون سقط. راجع الوسائل: ج 20، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5 .

2 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 ، وكذلك الحديث 19.


صفحه401

والاستدلال به بالمفهوم كسابقه. وأورد عليه في الجواهر بأنّ الظرف فيه إذا كان متعلّقاً بالبأس المنفي، اقتضى مفهومه تحريم ما دون العشر أيضاً مع الاجتماع.(1) نعم، لايرد ما ذكره على رواية عمر بن يزيد، كما هو واضح لمن تدبّر. غير أنّ دلالة هذا أيضاً بالمفهوم الذي لايُعدِل دلالة ما يخالفه.

ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال ـ : أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: «لا». فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات.(2)

ولكن في دلالة هذه الرواية نظر، إن لم نقل إنّه على خلافه أدلّ. فإنّ الظاهر من ذيل الرواية «إنّي لم أزل أعدّ عليه حتّى بلغت عشر رضعات وهو يقول: لا».

ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة أيضاً قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير، فربّما كان الفرح والحزن الذي يجتمع فيه الرجال والنساء ، فربّما استخفت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها وبينه رضاع، وربّما استخف الرجل أن ينظر إلى ذلك، فما الذي يحرم من الرضاع ؟فقال: «ما أنبت اللحم والدم» فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: «كان يقال: عشر رضعات»، قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟ فقال: «دع ذا ـ وقال ـ : ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».(3)


1 . الجواهر:29/284.

2 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 21.

3 . المصدر نفسه، الحديث 18.


صفحه402

ولكن الرواية ظاهرة في الإعراض عن كفاية العشر فكيف تكون دليلاً عليها؟ مع أنّها لو سلّمنا دلالتها على العشر، كانت خارجة مخرج التقية وما شابهها، كما لايخفى.على أنّ عبيد هو الذي روى عن أبي عبد الله (عليه السلام):«عشر رضعات لايحرِّمن شيئاً».(1) فكيف، يمكن الاستناد إلى قوله هذا؟!

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على تحريم العشر، ولكن تعارضه روايات:

منها: صحيحة علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم وشدّ العظم». قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: «لا، لأنّه لاتنبت اللحم ولاتشدّ العظم عشر رضعات».(2)

ومنها: موثقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرّمن شيئاً».(3)

ومنها: موثقة عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «عشر رضعات لاتحرم».(4)

ومنها: موثقة زياد بن سوقة، عن أبي جعفر (عليه السلام):«... فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».(5)


1 . المصدر نفسه، الحديث 3.

2 . المصدر نفسه، الحديث 2.

3 . المصدر نفسه: الحديث 3.

4 . المصدر نفسه، الحديث 4.

5 . المصدر نفسه، الحديث 1.


صفحه403

 

القضاء بين القولين:

إنّ عمدة ما دلّ على كفاية العشر في التحريم رواية الفضيل بن يسار، كما أنّ عمدة ما دلّ على لزوم الخمس عشرة، رواية زياد بن سوقة، فاللازم استفراغ الوسع في اختيار إحداهما وطرح الأُخرى، بعد عدم إمكان الجمع العرفي.

وقد أطنب صاحب الجواهر في الإشكال على رواية الفضيل بوجوه أخرجها بها عن حيّز الحجّية:

منها: أنّها مختلفة المتن، مع حذف العشر في بعض طرقها.

يلاحظ عليه: أنّ الاختلاف غير مضرّ إذا تعلّق القصد بالمذكور، والناظر فيها بصورها المختلفة يقضي بأنّ هناك رواية واحدة نقل كلّ راو ما يتعلّق بغرضه، كما أنّ الاختلاف في المجبور، بالحاء أو الخاء أو الجيم غير مضرّ.

ومنها: أنّها متروكة الظاهر، ضرورة عدم اعتبار نوم الصبي في التحريم.

يلاحظ عليه: أنّ ذكر النوم كناية عن الرضاع التام، فإنّ نومه قرينة على شبعه لا أنّه دخيل في التحريم تعبّداً.

ومنها: عدم انحصار المحرّم في ذلك، فإنّ رضاع المتبرعة أيضاً محرّم.

يلاحظ عليه: أنّ تعليق الحرمة بما ذكر في الرواية إنّما كان لأجل التحرز عن كفاية الرضعة والرضعتين فما فوقهما ممّا دون العشر، فهي غير محرّمة،


صفحه404

بخلاف الظئر المستأجرة والخادم المشتراة والأُمّ المربيّة، فإنّ المتحقّق معهنّ غالباً هو الإرضاع بالعدد المحرّم فما فوقه.

ومنها : أنّ قوله: «ثم ترضع عشر رضعات»، إن كان مختصّاً بالظئر، كان مخالفاً للظاهر عند الخصم.

يلاحظ عليه: أنّه لامانع من الرجوع إلى الجميع باعتبار كلّ واحد. مع أنّ الموجود في النسخ«يرضع» بالياء لا بالتاء، فإذا قرأ بالمجهول أو بالمعلوم كان راجعاً إلى الصبي، وينتفي الإشكال من أصله.

ومنها: أنّ في طريقها محمّد بن سنان الذي ضعّفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري.

وفيه:، أنّ ضعفه ـ إن سلّم ـ مجبور بعمل كثير من الأصحاب، وهذه طريقة القوم وطريقة صاحب الجواهر نفسه في مسائل كثيرة، فلماذا أغمض عنها في هذا الموضع، مع أنّه كما وردت روايات في ذمّ محمّد بن سنان قد وردت أُخرى في مدحه؟ فتضعيفه محلّ نظر. وقد أوضحنا حاله في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».

والحقّ أنّ هذه الوجوه لاتصلح لإسقاطها عن الحجّية، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات التي منها الأبعدية عن قول العامة. وقد عرفت ممّا نقلناه سابقاً من كلام الشيخ في «الخلاف» وابن رشد في «بداية المجتهد»، أنّ العامة يميلون إلى جانب القلّة، فيكون الخمس عشرة أبعد عن قولهم، فالعمل به متعيّن.


صفحه405

ثمّ على فرض عدم الترجيح بين الروايات، فهل المرجع في مورد الشكّ هو آية الحلّ، أعني: قوله سبحانه:(و لَكُمْ ما وراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) (1) أو أنّ المرجع قوله سبحانه: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَةِ)(2) لصدق قوله: (أَرْضَعْنَكُمْ)على الأقلّ من خمس عشرة رضعة. الظاهر هو الأوّل لوجهين:

1ـ ما ربما يقال من عدم وجود الإطلاق في المخصص لكونه بصدد بيان أصل التشريع، ولذلك اكتفى بذكر الأُمّهات والأخوات من الرضاعة دون غيرهما. ولكنه موضع تأمّل.

2ـ على فرض التسليم، فقد قام الإجماع وتضافرت السنّة على أنّ الرضاع محرّم إذا بلغ عدد الرضعات حدّاً خاصّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فهو حجّة قطعاً في الأكثر و مشكوك الحجّية في الأقلّ ، أعني: العشر رضعات، فلايؤخذ إلاّ بما هو حجّة قطعاً، ويرجع في المشكوك إلى العمومات التي هي حجّة مطلقاً، خرج ما خرج قطعاً.(3)


1 . النساء: 24.

2 . النساء: 23.

3 . فيرجع هنا إلى عمومات الحلّ لأنّها محكمة في عمومها، وأمّا عموم (وأُمّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ) لو سلّم، وكذا عموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فإنّ موضوعه هو الرضاع الخاص وصدقه مشكوك، فلاندري هل هو العشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة ؟ الثاني متيقّن التحريم بالإجماع من الجميع والأوّل مشكوك المصداقية فلايتمسّك فيه بالعام، بل نلجأ إلى عمومات أُخرى وهي عمومات الحلّ السالمة عن أيّة شبهة.


صفحه406

 

الثاني: التحديد بالأثر

وقد تضافرت عليه الروايات ، نذكر منها ما يلي:

1ـ صحيحة حمّاد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم».(1)

2ـ ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:«لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم».(2)

3ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام)قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى وكان ذلك عِدَّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم عليه بناتهنّ كلهنّ».(3)

4ـ وصحيحته عن أبي جعفر أو أبي عبد الله (عليهما السلام) قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى فكان ذلك عدّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم بناتهنّ كلّهن».(4)

ويظهر من كثير من الروايات أنّه الأصل وأنّ التحديد بالعدد والزمان طريقان إليه، ودونك بعضها:


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.

2 . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

3 . المصدر نفسه، الحديث 3.

4 . الوسائل: ج 14، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالنكاح، الحديث 2. والظاهر اتّحادها مع الرواية السابقة إلاّ أنّ الكليني أوردهما في موضعين من كتابه مع اختلاف طفيف في المتن.


صفحه407

5ـ ما رواه علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت
ما يحرم من الرضاع؟قال: «ما أنبت اللحم وشدّ العظم». قلت: فيحرم
عشر رضعات؟قال: «لا ، لأنّه لاتنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات».(1)

6ـ ما رواه مسعدة بن زياد العبدي عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان و الثلاث حتّى بلغ العشر إذا كنّ متفرّقات فلابأس».(2)

7ـ ما عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا أهل بيت كبير... ـ إلى أن قال:ـ فمـا الذي يحرم من الرضاع ؟قال: «ما أنبت اللحم والدم»، فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟فقال: «كان يقال عشر رضعات» الحديث.(3)

8 ـ وما رواه أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال : ـ أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: «لا»، فلم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات.(4)

9ـ ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: قلت له: يحرم من


1 . الوسائل: ج 14، الباب 2، من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

2 . المصدر نفسه، الحديث 9.

3 . المصدر السابق: الحديث 18.

4 . المصدر نفسه، الحديث21.


صفحه408

الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاثة؟قال: «لا، إلاّ ما اشتدّ عليه العظم ونبت اللحم».(1)

وقد علّل في بعض الروايات شرطية امتلاء بطن الرضيع بأنّه الذي ينبت اللحم والدم.

10ـ عن ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: «إذا رضع حتى يمتلئ بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم».(2)

11ـ وروى محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع، حتّى يتضلع، ويتملى ، وينتهي نفسه».(3)

ويلوح من جميع ما أوردناه أنّ الأثر هو الأصل في التحريم، وقد جعل الشارع العدد والزمان طريقين إلى حصوله وتحقّقه.

ثمّ إنّه جعل الأثر في سبعة منها ـ أعني: الرواية الأُولى والثالثة والرابعة والسابعة والثامنة والعاشرة والحادية عشرة ـ إنبات اللحم والدم. وفي أربعة منها ـ أعني: الثانية والخامسة والسادسة والتاسعة ـ إنبات اللحم والعظم. ولايخفى أنّ الدم أسرع نباتاً من اللحم، وهو أسرع من العظم. فلو كان الميزان هو الدم، لحصل التحريم قبل أن يتحقّق الثاني والثالث. وسيأتي التوفيق بين الطائفتين.


1 . المصدر نفسه، الحديث23.

2 . المصدر نفسه، الباب 4، الحديث1.

3 . المصدر نفسه، الحديث2.


صفحه409

الثالث: التحديد بالمدّة

تضاربت الروايات أيضاً في تحديد مدّة الرضاع المحرّم، وهي على طوائف:

الأُولى: ما دلّ على أنّ المحرِّم الارتضاع حولين كاملين وهو:

1ـ ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».(1)

2ـ ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين».(2)

وظاهرهما متروك لم يذهب إليه أحد، وقد حمل الشيخ الحولين على كونهما ظرفاً للرضاع بتقدير «في» فكأنّه قال: لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد في حولين كاملين.

الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ المحرّم الارتضاع سنة، وهو:

1ـ ما رواه العلاء بن رزين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة».(3)


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8 . وأراد (عليه السلام)من التقييد بثدي واحد الإشارة إلى لزوم وقوع الكمّية المحرّمة من امرأة واحدة.

2 . المصدر نفسه، الحديث10.

3 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13.


صفحه410

قال الشيخ: «هذا نادر مخالف للأحاديث كلّها».وقد حاولوا التخلّص عن ظاهره بتوجيهات عديدة، منها التصرف في العبارة أي «من ثدي واحد سُنّة» بضم السين وتشديد النون ، وهو خلاف الظاهر. وربّما حمله البعض على التقية، وهذا غير تامّ، لأنّ العامة يميلون إلى القلّة لا إلى الكثرة.

قال صاحب الوسائل في ذيل الحديث: «يمكن حمله على التقية والحصر الإضافي بالنسبة إلى ما دون الخمس عشرة، أو بالنسبة إلى ما ارتضع من لبن فحلين وأن يكون «سنة» ظرفاً للرضاع كما يأتي في مثله ومفهومه غير مقصود».

وكيف كان لابدّ من رفع اليد عن ظاهرها لما يأتي من الأخبار ولمخالفتها إجماع الطائفة.

2ـ ما رواه الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة». (1)

وفيه ما في سابقه مع أنّه مرسل.


1 . المقنع: 330، باب ما يحرم من الرضاع ; الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 17.


صفحه411

 

الطائفة الثالثة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع مدّة مديدة

يمكن استفادة هذا المعنى من رواية الفضيل بن يسار التي تقدّمت مناقشتها متناً وسنداً، فإنّ فيها عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً» قلت: وما المخبور؟ قال: «أُمّ مربية أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك، موقوفاً عليه».(1) فانّ إرضاع كلّ من المربّية والمستأجرة والخادم لايكون مدّة قصيرة، بل المتبادر منه إرضاعه فترة طويلة من الزمن. ويؤيّده قوله في ذيل الرواية: «أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه»، فبيّن أنّه لا خصوصية فيما ذكره إلاّ من جهة كونه موقوفاً على الولد لإرضاعه.

وحيث إنّ هذه الرواية بنظرنا متّحدة مع الرواية الأُخرى التي رواها فضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)ويذيّلها: «ثمّ يرضع عشر رضعات»(2) فلا يمكن التمسك بها من دون الذيل، ولا الأخذ بما تفيده حينئذ من اعتبار المدّة الطويلة.


1 . الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 7.

2 . المصدر نفسه: الحديث 11.


صفحه412

 

الطائفة الرابعة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع

خمسة عشر يوماً ولياليهنّ

وهو ما نقله الصدوق في الهداية قال: و روي لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ، ليس بينهنّ رضاع.(1)

ولا يخفى عدم حجّيته لكونه مرسلاً.


1 . المصدر نفسه، الحديث 15. كذا في الوسائل وحمله على ما لو رضع كلّ يوم رضعة. وفي المقنع: «لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ» كما سيأتي، وفيه أيضاً: «ولايحرم الرضاع ثلاثين رضعة متفرقة». وفي الهداية: وقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، إلاّ رضاع خمس عشرة يوماً ولياليهنّ وليس بينهنّ رضاع».

ولكن قال العلاّمة في المختلف نقلاً عن الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ ليس بينهنّ رضاع». وبه كان يُفتي شيخنا محمّد بن الحسن (رحمه الله)، وأراد به شيخه ابن الوليد. ونقل عنه أيضاً الرضاع سنة.


صفحه413

 

الطائفة الخامسة:

ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع ثلاثة أيّام

وهو ما روي في الفقه الرضوي قال: «والحدّ الذي يحرم به الرضاع ـ ممّا عليه العصابة دون كلّ ما روي فإنّه مختلف ـ ما أنبت اللحم وقوي العظم، وهو رضاع ثلاثة أيّام متواليات، أو عشر رضعات متواليات (محرزات مرويات بلبن الفحل)، وقد روي مصّة ومصّتين وثلاث».(1)

ولايخفى عدم حجّية الرواية، فلا اعتماد عليها. مضافاً إلى البون الشاسع بين العلامتين ـ الثلاثة أيّام متواليات والعشر رضعات متواليات ـ كما هو واضح.

فكلّ ما تقدّم من الروايات متروك أو مؤوّل كما عرفت، مع انعقاد الإجماع على خلافه. والمعوّل عليه في تحديد المدّة ما يلي:

الطائفة السادسة: ما دلّ على اليوم والليلة، وهو:

1ـ موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات». الحديث.(2)


1 . الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام): 234.

2 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.


صفحه414

2ـ يؤيّده ما رواه الصدوق في المقنع قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم» قال: وسئل الصادق (أبو جعفر خ ل ) (عليه السلام): هل لذلك حدّ ؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعةً متواليات لايفصل بينهن».(1)

وقد ادّعى صاحب الجواهر وغيره فتوى الطائفة عليه من دون مخالف. وعليه العمل.

***

مشكلة عدم الانعكاس بين المدّة وكلّ من العدد والأثر

إنّ ظاهر الموثقة هو الاكتفاء بالمدّة في نشر الحرمة وإن لم يبلغ العدد، وهو مشكل، ضرورة لغوية التحديد بالعدد حينئذ. فالظاهر تحقّق المدّة غالباً قبل تحقّق العدد، فإنّ الطفل ـ حسب العادة ـ لايرضع في اليوم و الليلة أزيد من عشر رضعات أو اثنتي عشرة كما هو ظاهر لمن لاحظ ولده الرضيع أو استفسر عمّن له ولد رضيع. فما ذكره صاحب الجواهر معلّلاً الاكتفاء بالمدّة وإن لم يبلغ العدد بقوله:«يمكن أن يكون تحديد الشارع ملاحظاً فيه الوسط من الناس، فانّه كما اعترف به في المسالك يأتي على العدد تقريباً» لايخلو من نظر.

ولأجل هذا الإشكال التجأ الشيخ، والعلاّمة في التذكرة إلى أنّهما (أي


1 . المصدر نفسه، الحديث 14. والظاهر أنّهما رواية واحدة، خاصة مع نقلها في المقنع في نسخة عن أبي جعفر (عليه السلام).


صفحه415

اليوم والليلة أو الأثر ) لمن لم يضبط العدد، ومقتضاه عدم اعتبارهما مع العلم بالنقص عن العدد.

والحقّ أنّ عدم انعكاس العلامتين (المدّة والعدد) معضلة تحتاج إلى تدبير تام للدفاع عنها.

وأمّا عدم الانعكاس من جانب الأثر فغير مضرّ، ضرورة ندرة اتفاق حصول الأثر المحسوس قبل المدّة و العدد، فالقول بكون الأثر علامة مستقلّة، لايضرّ بكون العدد والمدّة علامتين.

على أنّ للأثر مادّة افتراق لايزاحم فيها العلامتين، وهي ما إذا تحقّق الأثر نتيجة رضاع لفترة طويلة تخلّلها رضاع من امرأة أُخرى، فإنّ الحقّ أنّه يحرم ، وإن كان بالنظر إلى العدد والمدّة غير واجد لشرائطهما.

هاهنا فروع:

الأوّل : إنّ اليوم والليلة عنوانان مشيران إلى الظرف الخاص الذي يرضع فيه الصبيّ، فلا يعتبر خصوص اليوم والليلة الحقيقيين، بل يكفي الملفّق منهما. وخاصة مع ملاحظة ما نبّه عليه الشيخ الأعظم في رسالته في المقام بما مغزاه أنّ قوله (عليه السلام): «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» ، أظهر في صدقه على الملفّق من صدق: يحرم رضاع يوم وليلة.(1)


1 . قال ; في رسالته في الرضاع الملحقة بالمكاسب، ص4: «وهل يعتبر ابتداء الرضاع في ابتداء اليوم وانتهائه في آخر الليلة أو العكس، أو يكفي الملفق لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ وجهان: أقواهما الثاني، إمّا لصدق رضاع يوم وليلة عرفاً على رضاع الملفّق، وإمّا لأنّ الرضاع في الملفّق لايكون أقلّ من رضاع يوم وليلة بل يكون مساوياً له، فلاتدلّ الرواية على انتفاء النشر به، فيبقى داخلاً تحت الإطلاقات الدالّة على النشر، والتعويل على الوجه الأوّل».


صفحه416

الثاني: إذا أطعم الرضيع في أثناء اليوم والليلة طعاماً آخر، فالظاهر كونه مضرّاً بصدق رضاع يوم وليلة، لأنّ المتبادر كون غذاؤه في ذاك الظرف هو اللبن الذي يرضعه. نعم، لايضرّ الغذاء القليل، غير المؤثر في جوعه وعطشه.

الثالث: هل المعتبر في الرضاع يوماً وليلة، رضاع نوع الأطفال الرضّع، أو المناط فيه حال شخص الطفل الراضع. الظاهر هو الثاني، سواء كان شربه اللبن أكثر من المتعارف أو أقلّ منه، لأنّ الحكم هنا تابع لموضوع نفسه.

الرابع: يشترط في نشر الحرمة بالإرضاع يوماً وليلة احتمال تأثير اللبن في شدّ العظم وإنبات اللحم. فلو فرض حصول العلم بعدم التأثير فلا نشر. لأنّ المتبادر أنّ ملاك نشر التحريم، تأثير اللبن في شدّ العظم ونبات اللحم، غاية الأمر أنّ الزمان أو العدد طريقان إليهما، فإذا علم التخلف فلا تحريم. نعم احتمال التأثير كاف ،لأنّ العلم بالأثر أمر مشكل.


صفحه417

 

الشرط الثالث:

كيفية الرضاع

يشترط في الرضاع الناشر للحرمة ، من حيث الكيفية، ثلاثة شروط:

الأوّل: أن تكون الرضعة كاملة.

الثاني: أن تكون الرضعات متوالية.

الثالث: أن يرضع من الثدي، فلايكفي الوجور.

1ـ اشتراط كمال الرضعة

أمّا اشتراط كمالية الرضعة، فيدلّ عليه مرسل ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلع ويتملى وينتهي نفسه».(1)

وخبر ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع، قال: «إذا رضع حتّى يمتلي بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يُحَرِّم».(2)

ورواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروي الصبي


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.

2 . المصدر نفسه، الحديث 1.


صفحه418

وينام».(1) فإنّ ذيلها دالّ على كون الرضعة كاملة تروي الصبي فينام. والتقليد بالنوم لمجرّد الإشارة إلى شبع الولد من اللبن.

وهل كمالية الرضعة شرط في كلّ من الأثر والعدد والمدّة أو تختص ببعضها؟

أمّا شرطيته في العدد فممّا لاريب فيه. وذلك، (مضافاً إلى انصراف دليله إلى الرضعات الكاملة)، أنّه لو كفت الناقصة للزم هدم الحدّ الذي اعتنى به الشارع وجعله حداً، فانّ لازم ذلك، الاكتفاء بخمس عشرة مصّة أو أكثر منها بقليل، وهو بمجموعه ربّما لايكاد يعادل الرضعة الواحدة ، وهذا ـ مضافاً إلى أنّه لاينبت ولايشدّ ـ رجوع إلى القول بالاكتفاء بالرضعة الواحدة، لبّاً، مع أنّ الناظر في أخبار الباب يحدس بأنّ الشارع اعتبر في نشر الحرمة بالرضاع مرتبة خاصة يتكوّن معها لحم الصبي وعظمه من لبن المرضعة، ولم يكتفِ بالإنبات والشدّ العقليين اللّذين يحصلان بالرضعة الواحدة فما فوقها.

وهذا مضافاً إلى المرسل والخبر الماضيين، فانّ القدر المتيقّن منهما هوالعدد دون الأثر، فانّه يحصل بالرضعات الناقصة إذا استمرّ الرضاع مدّة طويلة، كما لايخفى. ولايشترط فيه التضلّع و التملّي.

ومنه يظهر عدم اشتراط كمالية الرضعة في النشر بالأثر، فإنّ الملاك فيه هو شدّ العظم ونبات اللحم، وهو كما يحصل بالرضعات الكاملة، يحصل بالناقصة أيضاً على الوجه الذي ذكرناه. وأمّا الروايتان (المرسل والخبر) فقد


1 . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 11.


صفحه419

عرفت حالهما ولو أخذ بظاهرهما المتوهم للزم خلاف الواقع، فإنّ النبات لايتوقّف على الكمال.

وأمّا شرطيته في التحريم بالمدّة، فربّما يقال بالشرطيّة لأجل عدم صدق رضاع يوم وليلة بالرضعات الناقصة. ولكنّه ضعيف جداً، فإنّ الملاك في التحريم بالتقدير الزماني هو أن يعيش الطفل على لبن المرضعة ويتغذّى به. وهذا كما يحصل بالرضعات الكاملة يحصل بالناقصة أيضاً، غاية الأمر أنّ عدد الرضعات في اليوم والليلة يزيد إذا كانت الرضعات ناقصة ، وينقص إذا كانت كاملة.

وإن شئت قلت: إن كان التقدير بالزمان أمارة على حصول الغاية، أعني: الإنبات والشدّ، فلافرق بين رضاعه الرضاع الناقص أو الكامل، بعد فرض أنّ الطفل لايبقى جائعاً طوال الزمان المفروض، ولو فرض ارتضاع الصبي بعض الرضعة ثمّ اشتغل بلعب ونحوه ، ثمّ بعد فصل طويل رضع رضعة كاملة، وهكذا في جميع المدّة يصدق عليه رضاع يوم وليلة.

الميزان في كمال الرضعة

قد ذكر لحدّكمال الرضعة في كلامهم أمران: الأوّل: أن يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف. والثاني: أن يروّى الصبي ويصدر من قبل نفسه.والحدّالثاني مأخوذ من الرواية التي تقدّمت عند البحث عن شرطية كيفية الرضعة.

والظاهر رجوع الأمرين إلى شيء واحد، وأنّ الملاك شبعه من اللبن


صفحه420

بحيث لا يحتاج إلى الرضاع. وأمّا قوله (عليه السلام):«حتّى يتضلّع (أي تمتلئ أضلاعه) ويتملى وينتهي نفسه»، فمحمول على الغالب ، فإنّ هذا هو الغالب على الأطفال إذا شبعوا.

2ـ اشتراط توالي الرضعات

والأصل في اشتراط توالي الرضعات، موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل للرضاع حدّيؤخذ به؟فقال: «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها...».(1)

وهل القيد «متواليات لم يفصل بينها» راجع إلى الأخير، أو إليه وإلى الأوّل؟ وجهان.(2)

ثمّ إنّ ظاهره كون التوالي بمعنى عدم الفصل برضاع من امرأة أُخرى، وأمّا شموله الفصل بالإطعام أو إيجار اللبن فالظاهر كونه مخلاً، وإنّ قوله :«لم يفصل...» من باب المثال.

وعلى أيّ تقدير يكفي في شرطية التوالي وروده في هذه الموثقة عند التقدير بالعدد، والزمان معاً، هذا مضافاً إلى أنّ ظاهر قوله:«لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» كون الرضاع في ذلك الظرف من لبنها خاصة دون غيره، فلو


1 . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.

2 . هو وإن كان راجعاً لفظاً إلى الأخير دون الأوّل وهو الرضاع في اليوم والليلة و إلاّ ناسبه أن يقول: «متوالياً»