welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية-ج5*
تألیف :العلاّمة الحلّي*

تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية-ج5

صفحه 1

إشراف

العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني

تحرير الأحكام الشرعيّة

على مذهب الإمامية

موسوعةٌ فقهية كاملة مشحونة بالتخريج والتفريع

للإمام جمال الدين أبي منصور الحسن بن

يوسف بن المطهّر

المعروف بالعلاّمة الحلّي

(648 ـ 726 هـ )

الجزء الخامس

تحقيق

الشيخ إبراهيم البهادري


صفحه 2

علامه حلى ، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق .

تحرير الاحكام الشرعية على مذهب الاماميه / جمال الدين ابى منصور الحسن بن يوسف بن المطهر المعروف بالعلامه الحلى ; اشراف جعفر السبحانى ; تحقيق ابراهيم البهادرى .ـ قم : موسسه الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1422 ق . = 1380

ج .

فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.

بها : 30000 ريال (ج. 5) ; بهاى هر جلد متفاوت.

كتابنامه به صورت زيرنويس .

ISBN : 964 - 357 - 018 - 5 (ج. 5).

1 ـ فقه جعفرى ـ ـ قرن 8 ق . الف . سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ . ب. بهادرى ، ابراهيم ، 1325 ـ ، محقق . ج . موسسه الامام الصادق (عليه السلام). د. عنوان .

3ت8ع / 8/158BP    342 / 297

اسم الكتاب:   … تحرير الأحكام الشرعيّة / الجزء الخامس

المؤلف:   … العلاّمة الحلّي

إشراف:   … آية الله جعفر السبحاني

المحقّق:   … الشيخ إبراهيم البهادري

الطبعة:   … الأُولى ـ 1422 هـ

المطبعة:   … اعتماد ـ قم

الكمّيّة:   … 1500 نسخة

الناشر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

حقوق الطبع محفوظة للمحقّق

توزيع: مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; ساحة الشهداء

هاتف: 7745547 ـ 2925152

: info@imamsadeq.orgالبريد الإلكتروني

: http://www.imamsadeq.org/ (,net ,com)العنوان في شبكة المعلومات


صفحه 3

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مّنْهُمْ طَآئفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

التوبة: 122


صفحه 4

صفحه أ

كلمة المشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

الآن انجزتْ الآمالُ ما وعدتْ

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأفضل خليقته محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد، فغير خفيّ على الفقيه البارع انّ لعلمائنا الإمامية كتباً فقهية، وهي بين مسهبة ومقتضبة ومتوسطة، وقد أُلف كلّ، لغاية خاصة، وممن سبق إلى التأليف وفقَ هذه الأنماط الثلاثة هو الإمام الهمام علاّمة العلماء وأُستاذ الفقهاء جمال الدين أبو منصور الحسن بن يوسف بن المطهر (648ـ 726) فقد ألّف موسوعتين فقهيتين كبيرتين، هما: «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» و «تذكرة الفقهاء» وبلغ الغاية فيهما نقل الأقوال والاستدلال عليها وترجيح المختار.

كما ألّف كتابه «قواعد الأحكام» وهو دورة فقهية كاملة بين التبسيط والاقتضاب.

وألّف رسائل مختصرة في الفقه كـ«إرشاد الأذهان» و «تبصرة المتعلمين».

وقد نالت كتبه شهرة واسعة لا سيما في الأوساط العلمية، غير انّ الذي


صفحه ب

دعانا إلى كتابة هذه السطور هو التعريف بكتابه الماثل بين يديك أعني «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» الذي يتمتع بميزة خاصة وهي العناية الوافرة بالتفريع والتخريج بنحو قل نظيره، كلّ هذا في عصر راج فيه التخريج وفق المذاهب الأربعة، فانّ الاجتهاد وإن أقفل في أواسط القرن السابع(1) إلاّ انّ التفريع وفق المذاهب كان شائعاً قبل الاقفال وبعده، وقد ألف غير واحد من علماء الفريقين كتباً في هذا المضمار نذكر منها ما يلي:

1. «المغني» لعبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي (541ـ 620) وقد أسهب فيه الكلام في الفقه المقارن حسب المذاهب الأربعة ورجح رأي الحنابلة.

2. «العزيز شرح الوجيز» المعروف بالشرح الكبير تأليف عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي (المتوفّى سنة 623 هـ) مع ترجيح رأي إمامه.

3. «المجموع» لأبي زكريا محيي الدين المعروف بالنووي (631 ـ 676) وهو شرح لكتاب المهذب لأبي إسحاق الشيرازي (396ـ 476).

وهذه الكتب مشحونة بالتخريج والتفريع على مذاهب أئمتهم ولذلك أطلق على القرنين: السادس والسابع عصرا التخريج والتفريع.

وقد شاطر علماؤنا الإمامية فقهاءَ السنة في تأليف كتب تفريعية مع فارق خاص وهو انّ باب الاجتهاد كان مفتوحاً عند الإمامية ولم يكن مبنيّاً على فقه إمام خاص بخلاف تفريعاتهم فانّها لا تتعدى عن مذهب إمام معين.


1. المقريزي: الخطط: 2 / 344 .


صفحه ج

ومن الكتب التفريعية التي صنفها علمائنا الإمامية في القرنين السادس والسابع.

1. «السرائر» لمحمد بن إدريس الحلّي(543ـ 598).

2. «شرائع الإسلام» تأليف نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي المعروف بالمحقّق الحلي (602ـ 676) وكتابه هذا أفضل ما ألّف في الفقه الإمامي بلغة واضحة، فهو من أحسن المتون ترتيباً وأجمعها للفروع، كما انّ كتابه الآخر «المعتبر في شرح المختصر» كتاب رائع يعدّ من أنفس الكتب الفقهية الاستدلالية وكان السيد المحقّق البروجردي (1292ـ 1380) يذكر هذا الكتاب في دروسه الشريفة باجلال وإكبار ويقول: لم يؤلف على غراره تأليف.

3. «بشرى المحقّقين» تأليف أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس (ت673هـ) في ستة أجزاء.

4. «تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية» تأليف العلاّمة الحلي الطائر الصيت وهذا الكتاب من أجمع الكتب الفقهية للفروع عند الشيعة الإمامية، فقد خاض في عباب الفروع واستقى موادها من كتب الفريقين، وأبدى فيه رأي الإمامية حسب موازين فقههم.

وقد مرّ في تقديمنا على الكتاب في الجزء الأوّل انّ شيخنا المجيز آقا بزرگ الطهراني (1293ـ 1389) حكى عن بعضهم انّه أحصيت مسائله فبلغت أربعين ألف مسألة.(1)


1. الذريعة: 3 / 378 .


صفحه د

والحقّ انّ مسائله الرئيسية أقلّ من هذا، ولكن الفروع المندرجة تحت كل مسألة ربما تناهز ما ذكره شيخنا المجيز.

وقد استمد في جمع الفروع وتحليلها من كتاب «المبسوط» للشيخ الطوسي (ت460) و «المهذب» لابن البراج (ت 481) و «السرائر» لابن إدريس الحلي وغيرها، فعاد الكتاب موسوعة فقهية تفريعية قلّ نظيرها وقد طبع في سالف الزمان طبعة حجرية رديئة.

وها نحن نزفّ البشرى إلى فقهائنا وفقهاء الإسلام بانّ هذا التراث القيم طبع أخيراً في خمسة أجزاء بحلة قشيبة محققاً مصححّاً لا ترى فيه زيغاً ولا عوجاً مقروناً بالتخريج والتوضيح والتحقيق فيما يحتاج إليه.

ولا غرو فانّ محقّق هذا الكتاب هو الفاضل الحجّة الشيخ إبراهيم البهادري المراغي دامت افاضاته فقد كرّس حياته الغالية لإحياء التراث الإسلامي وقد قام بتحقيق وتخريج غير واحد من الكتب.

ونحن بدورنا نتقدم إليه بالشكر ونرجو له مزيداً من التوفيق والعطاء.

حرّره في قم المقدسة

جعفر السبحاني

في 20 جمادي الأُخرى

يوم ميلاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)

من شهور عام 1422 هـ


صفحه 5

كتاب الميراث

وفيه مقاصد


صفحه 6

صفحه 7

المقصد الأوّل: في أسبابه

وفيه ثلاثة مباحث :

6270. الأوّل : كان التوارث في ابتداء الإسلام بالحِلْف، فكان الرجل يقول للرجل: دمي دمك، وذمّتي ذمّتك، ومالي مالك، تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك، فيتعاقدان الحِلْف بينهما على ذلك ، فيتوارثان به دون القرابة، وذلك قوله تعالى: (والَّذينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُم فَآتُوهُم نَصيبَهُم)(1) .

ثم نسخ وصار التوارث بالإسلام والهجرة، فإذا كان للمسلم ولدٌ لم يهاجر ورثه المهاجرون دونه، وذلك قولُهُ تعالى:(والَّذينَ آمنوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مالكم مِنْ ولايتهم مِنْ شيء حتّى يهاجرُوا)(2) .

ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى: (وأُولوا الأرحامِ بعضهُمْ أولى ببعض) (3) وأنزل الله تعالى آيات التوارث .

6271. الثاني: إنّما يثبت الميراث بأمرين: نسب وسبب، ومراتب النسب ثلاث: الأولى: الأبوان والأولاد وإن نزلوا .


1 . النساء: 33 .

2 . الأنفال: 72 .

3 . الأنفال: 75 .


صفحه 8

الثانية: الإخوة وأولادهم والأجداد وإن علوا.

الثالثة: الأخوال والأعمام .

والسبب إمّا بالزوجيّة وإمّا بالولاء، ومراتب الولاء ثلاث:

ولاء العتق، وضامن الجريرة، والإمام.

6272. الثالث: لا يثبت الميراث عندنا بالتعصيب ، بل الفاضل عن ذوي الفروض لمساويهم إذا لم يكن له فرض بالقرابة كأبوين وزوج، للزوج النصفُ، وللأُم الثلثُ والباقي للأب.

ولو فقد المساوي لم يعط الأبعد، بل ردّ الفاضل على ذوي الفروض عدا الزوج والزوجة، فإنّه لا يردّ عليهما إلاّ على ما يأتي ، كأبوين وبنت وأخ، للبنت النصف ، ولكل من الأبوين السدس، والباقي يردّ عليهما وعلى البنت بالنسبة، ولا شيء للأخ.


صفحه 9

المقصد الثاني: في ميراث الأنساب

وفيه مطالب:

المطلب الأوّل : في مقادير السهام

وفيه أربعة مباحث :

6273. الأوّل: السهام ستّة : النصف ، ونصفه وهو الربع ، ونصف نصفه وهو الثمن ، والثلثان ، ونصفه وهو الثلث ، ونصف نصفه وهو السدس .

فالنصف لأربعة : سهم البنت ، والأُخت للأبوين ، أو للأب ، والزوج مع عدم الولد .

والربع لاثنين: سهم الزوج مع الولد ، والزوجة مع عدمه .

والثلثان لاثنين: البنتان فصاعداً ، والأُختان فصاعداً للأبوين أو للأب .

والثلث لاثنين: الأُمّ مع عدم الحاجب، ولما زاد على الواحد من ولد الأُمّ .


صفحه 10

والسدس لثلاثة: للأب مع الولد وللأُمّ معه ، أو مع الإخوة، وللواحد من ولد الأُمّ .

6274. الثاني: يصحّ اجتماع النّصف مع مثله، كزوج وأخت لأبوين، ومع الربع، كبنت وزوج، أو أخت لهما (1) وزوجة، ومع الثمن كزوجة وبنت، ومع الثلث، كزوج وأخوين للأُم، ومع السدس ، كبنت وأبوين .

ويصحّ اجتماع الرّبع مع الثلثين ، كزوج وبنتين، أو زوجة وأُختين للأبوين، ومع الثلث ، كزوجة وأخوين للأُمّ، ومع السّدس ، كزوج وأبوين وبنت، أو زوجة وأخ من الأُمّ وإخوة من الأبوين .

ويصحّ اجتماع الثمن مع الثلثين ، كزوجة وبنتين، ومع السّدس ، كزوجة وأبوين وولد.

ولا يجتمع النصف والثلثان لبطلان العول، بل يدخل النقص على الأُختين، ولا يجتمع الربع والثمن مع الثلث ، ولا الثلث مع السدس تسمية .(2)

6275. الثالث: العول (3) باطلٌ عندنا، لامتناع أن يجعل الله تعالى في مال ما لا يفي به، وإنّما يحصل بمزاحمة الزوج أو الزوجة، فيدخل النقص على البنت أو البنات أو الأب أو الأُخت من قبله ، (4) أو من قبل الأبوين، أو على


1 . أي الأبوين .

2 . أي بالفرض والتقدير وإن أمكن اجتماعهما بالقرابة كالثلث مع السدس ، إذا كان الوارث زوجاً وأُمّاً بلا حاجب وأباً ، فللزوج النصف ، وللأُمّ الثلث، وللأب السدس بالقرابة لا بالفرض .

3 . العول عبارة عن قصور التركة عن سهام ذوي الفروض وهو ضد التعصيب. مجمع البحرين .

4 . أي قبل الأب .


صفحه 11

الأخوات كذلك(1) دون الزوج والزوجة، ودون الأُمّ ومن يتقرّب بها.

6276. الرابع: مخرج النصف من اثنين، ونصفه أربعة، ونصف نصفه من ثمانية، ومخرج الثلثين ونصفه من ثلاثة، ومخرج نصف نصفه من ستّة.(2)

ولو اجتمعت سهام فاجعل المخرج لأقلّ المتداخلين (3)، كالنصف والثمن، فالمخرج ثمانية. ولو كانا غير متداخلين ، فخذ أقلّ عدد يخرجان منه، كالثلث والربع من اثني عشر، والثمن والثلث من أربعة وعشرين .

المطلب الثاني: في ميراث الأبوين والأولاد

وفيه أحد عشر بحثاً :

6277. الأوّل : الأب إن انفرد أخذ المال، وكذا الأُم لكن الثلث لها بالتّسمية والباقي بالرّدّ، ولو اجتمعا فللأُمّ الثلث وللأب الباقي.

ولو كان معها إخوة حجبوا الأُمّ عن الثلث إلى السّدس ، وكان الباقي للأب بشروط خمسة:


1 . أي من قبل الأب أو الأبوين .

2 . أي إذا كان في الورثة ذو فرض واحد فالمال يقسّم ابتداءً على مخرج فرضه، كما إذا كان في الفريضة نصف لا غير كزوج مع المرتبة الثانية، فأصل الفريضة اثنان .

3 . التداخل كون العدد الأكبر من مضاعفات العدد الأصغر كالستة والثلاثة، فالمخرج المشترك بين الثلث والسدس، الستّة لأنّ السدس أقلّ من الثلث ، وهكذا .


صفحه 12

العدد، وهو أن يكونوا ذكرين ، أو ذكراً وامرأتين، أو أربع نساء، فلو كانوا أقلّ من ذلك لم يحجبوا.

وانتفاء موانع الإرث، أعني: الكفر والقتل والرقّ.

ووجود الأب.

وانفصالهم، فلا يحجب الحمل .

وأن يتقرّبوا بالأبوين أو بالأب، فلو كانوا من قبل الأُمّ فلا حجب، ولا يحجب أولاد الإخوة وإن تعدّدوا ، ولا من الخناثى أقلّ من أربعة.

6278. الثاني: الابن إذا انفرد فله المال، فلو كان اثنين فصاعداً فكذلك بينهم بالسّوية .

وللبنت المنفردة النصفُ والباقي ردّ عليها ، وللبنتين فصاعداً إذا انفردن الثلثان ، والباقي لهما أولهنّ بالرّدّ .

ولو اجتمع البنون والبنات فللذّكر ضعف الأُنثى .

6279. الثالث: للأب مع الابن السّدس ، والباقي للابن ، وكذا الأُمّ، ولو اجتمعا معه فلهما السدسان والباقي للابن ، ولو كانا مع الأبناء فلهما السدسان، والباقي للأبناء بالسّوية .

وللأب مع البنت السدس، وللبنت النصف ، والباقي يردّ عليهما أرباعاً، وكذا الأُمّ معها .(1)


1 . صورة المسألة هكذا: للبنت 2/1 وللأب 6/1.

2/1 + 6/1 = 6/3 + 1 = 6/4 والباقي 6/2 ، فيقسم الباقي على نسبة سهامهم وهي أربعة فتضرب في أصل الفريضة وهي الستة تحصل أربعة وعشرون فللبنت 24/12 وللأب 24/4 والباقي 24/8 يعطى للبنت ستة وللاب اثنان . فيصير سهم الأب 24/6 = 4/1 وسهم البنت 24/18 = 4/3 .


صفحه 13

ولو اجتمعا مع البنت فلهما السدسان ، وللبنت النصف ، والباقي يردّ عليهم أخماساً ، (1) إلاّ مع الإخوة الحاجبين فيختصّ الردّ بالأب والبنت أرباعاً .

ولكلّ من الأبوين مع البنتين فصاعداً السدس ، وللبنتين فصاعداً الثلثان بالسّوية .

ولأحدهما مع البنتين فصاعداً السدس ، وللبنتين فصاعداً الثلثان بالسّوية، والباقي يردّ على أحد الأبوين وعلى البنتين أو البنات أخماساً .(2)

ولو اجتمع الأولاد الذكور والإناث مع أحد الأبوين أو معهما، فلكلّ واحد من الأبوين السّدس والباقي للأولاد للذّكر مثل حظّ الأُنثيين.

6280. الرابع: لو اجتمع أحد الأبوين مع الزوج أو الزوجة، فللزوج أو


1 . صورة المسألة هكذا: للبنت 2/1 وللأب 6/1 وللأُمّ 6/1

2/1 + 6/1 + 6/1 = 6/3 + 1 + 1 = 6/5 والباقي 6/1 يقسم على نسبة سهامهم وهي خمسة، فتضرب في أصل الفريضة تحصل ثلاثون ، للبنت 30/15 وللأب 30/5 وللأُم 30/5 والباقي 30/5 يعطى للبنت 30/3 وللأب 30/1 وللأُمّ 30/1 فيصير سهم الأب 30/6 = 5/1 وسهم الأُمّ 30/6 = 5/1 وسهم البنت 30/18 = 5/3 .

2 . صورة المسألة هكذا: للأب 6/1 وللبنتين 3/2

6/1 + 3/2 = 6/1 + 4 = 6/5 والباقي 6/1 يقسم على نسبة سهامهم وهي خمسة ، فتضرب الخمسة في السّتة تحصل ثلاثون للأب 30/5 ، وللبنتين 30/20، والباقي 30/5 ، يعطى للأب 30/1 وللبنتين 30/4 . فيصير سهم الأب 30/6 = 5/1 وسهم البنتين 30/24 = 5/4 .


صفحه 14

الزوجة نصيبهما الأعلى ، والباقي لأحد الأبوين ، فإن كان أُمّاً فلها الثلث والباقي بالردّ .

ولو اجتمع الأبوان وأحد الزّوجين ، فلأحد الزوجين نصيبه الأعلى ، وللأُمّ ثلث الأصل مع عدم الإخوة، والسّدس معهم، والباقي على التقديرين للأب.

ولو كان معهم ولد ذكر فلكلّ واحد من الأبوين السّدس ، ولأحد الزّوجين نصيبه الأدنى ، والباقي للولد الذكر إن كان واحداً، وإن كان أكثر فلهما بالسّوية.

ولو كان عوض الذكر أُنثى فلكلٍّ من الأبوين السدس، وللبنت النصف ، ولأحد الزوجين (1) نصيبُهُ الأدنى ، والباقي يردّ على البنت والأبوين أخماساً، ومع الإخوة يردّ على البنت والأب أرباعاً .

ولو اجتمع الأبوان وأحد الزوجين مع البنتين فصاعداً ، فللأبوين


1 . هكذا كان في النسختين ولكن الأصحّ: وللزوجة نصيبها الأدنى فانّ الرد يتحقّق بوجود الأبوين والبنت والزوجة، للأبوين 6/2، والبنت 2/1 والزوجة 8/1، مجموعها 6/2 + 2/1 + 8/1 = 24/8 + 12 + 3 = 24/23 والباقي 24/1 ، يرد على البنت والأبوين أخماساً مع عدم الحاجب للأُم ، فتضرب الخمسة في أصل الفريضة يصير مائة وعشرين ، للأب 120/20 وللأُم 120/20 وللبنت 120/60 وللزوجة 120/15 والباقي 120/5 يعطى للأب 120/1 وللأُم 120/1 وللبنت 120/3 .

ولو كان بدل الزوجة الزوج، يحصل العول لأنّ سهم الأبوين سدسان وسهم البنت النصف وسهم الزوج الربع 6/2 + 2/1 + 4/1 = 12/4 + 6 + 3 = 12/13 فيدخل النقص على البنت وبه صرّح في السطور الآتية فسهم الأب 12/2 وسهم الأُمّ 12/2 وسهم الزوج 12/3 والباقي 12/5 للبنت.


صفحه 15

السدسان ، ولأحد الزوجين نصيبه الأدنى ، والباقي للبنتين فصاعداً ، ودخل النقص على البنات خاصّةً .(1)

وكذا يدخل النقص على البنت مع الزوج والأبوين .

ولو اجتمع أحد الزوجين والأبوان والأولاد الذكور والإناث، فلأحد الزوجين نصيبه (2) الأدنى ، ولكلٍّ من الأبوين السّدس ، والباقي للأولاد للذّكر ضعف الأُنثى .

6281. الخامس: أولاد الأولاد يقومون مقامَ آبائهم عند عدمهم في مقاسمة الأبوين ، وفي حجبهما عن أعلى السهمين إلى أدناهما.

وشرط ابن بابويه (رحمه الله) في توريثهم عدم الأبوين، وأخذ على الفضل بن شاذان في قوله بمثل ما قلناه.(3)

ولا يرث أحد من أولاد الأولاد ذكوراً كانوا أو إناثاً مع وجود الولد للصلب ذكراً كان أو أُنثى ، ويمنعون كلَّ من يمنعه الأولاد من الأجداد والإخوة وغيرهم،


1 . للأب 6/1 وللأُمّ 6/1 وللزوج 4/1 وللبنات 3/2 ، يحصل العول 6/1 + 6/1 + 4/1 + 3/2 = 12/2 + 2 + 3 + 8 = 12/15 . فيرث الأب 12/2 ، والأُمّ 12/2 والزوج 12/3 ويدخل النقص على البنات فيصير سهمهنّ 12/5، وأمّا لو كان أحد الزوجين الزوجة فللأب 6/1 وللأُمّ 6/1 وللزوجة 8/1 وللبنات 3/2 ، فيحصل العول أيضاً 6/1 + 6/1 + 8/1 + 3/2 = 24/4 + 4 + 3 + 16 = 24/27 فيرث الأب 24/4 والأُم 24/4 والزوجة 24/3 ويدخل النقص على البنات فيصير سهمهن 24/13.

2 . في «أ»: نصيبهما .

3 . الفقيه: 4 / 196 ـ 197 ذيل الحديث 673 ، ولاحظ الكافي: 7 / 88 ذيل الحديث 4 .


صفحه 16

ويرث معهم الزّوج والزوجة نصيبهما الأدنى ويترتّبون الأقرب فالأقرب، فلا يرث البعيد من الميّت مع القريب منه.

6282. السادس: اختلف علماؤنا في كيفيّة القسمة بينهم، فالمشهور أنّ كلّ واحد منهم يأخذ نصيب من يتقرّب به، فلابن البنت الثلث مع بنت الابن، ولبنت الابن الباقي.

ولو خلّف ابن بنت لا غير ، فله النصف نصيب أُمّه والباقي يردّ عليه، ولو شاركه الأبوان نزّل معهما منزلة أُمّه في النصيب والردّ .

ولو خلّف بنت ابن لا غير فلها المال، ولو شاركها الأبوان فلهما السّدسان وللبنت الباقي.

ولو اجتمع أولادُ الابن وأولادُ البنت، فلأولاد الابن الثلثان بينهم ، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين، ولأولاد البنت الثلث كذلك، وقيل بالتساوي (1) وهو ضعيف .

ولو خلّف أولادَ بنت مع الأبوين ، فللأولاد النصفُ للّذكر مثل حظّ الأُنثيين، وللأبوين السدسان ، والباقي يردّ على الأبوين وأولاد البنت أخماساً .

ولو خلّف أولادَ بنتين فللأبوين السدسان وللأولاد الثلثان، ويأخذ كلُّ أولاد بنت نصيبَ أُمِّهم للذّكر ضِعْف الأُنثى على الأشهر ، وذهب السيّد المرتضى إلى أنّ أولاد الأولاد كآبائهم في القسمة، فلبنت الابن ثلثُ المال، ولابن البنت الثلثان لاطلاق الابن على ابن البنت، والبنت على بنت الابن


1 . حكاه الشيخ في النهاية عن بعض الأصحاب ، لاحظ النهاية: 634 ، واختاره القاضي في المهذّب: 2 / 133 .


صفحه 17

حقيقة(1) والأوّل هو الأقوى عندي، وهو اختيار الفضل (رحمه الله).(2) لكنّه أفتى في بنت ابن وابن ابن بأنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، فإن قصد مع اتّحاد أبويهما فجيّدٌ ولا مناقضة فيه ، كما ألزم به، وإلاّ توجّهت عليه المناقضة.

6283. السابع: يخصّ أكبر الأولاد الذكور من تركة أبيه بثياب جسده، وخاتمه ، وسيفه، ومصحفه، بشروط ثلاثة: أن لا يكون الولد سفيهاً، وأن لا يكون فاسدَ الاعتقاد، وأن يخلّف الميّت شيئاً سوى هذه ، فلو لم يخلّف غيرها لم يخصّ بشيء، وعلى هذا الولد قضاءُ ما على أبيه من صلاة وصيام .

ولو كان الأكبر أُثنى لم يخصّ بشيء، وحبي الأكبر من الذكور.

ولو تعدّدت هذه الأشياء، قال ابن إدريس: خصّ بما كان يعتاد لبسه ويُديمه دون ما سواه (3) وفيه نظرٌ.

6284. الثامن: هذه الأشياء لا تحتسب على الولد المخصوص بها من نصيبهِ، وتخصيصه بها واجبٌ لا مستحبّ، وخالف السيّد المرتضى (رحمه الله) في الأوّل فقال: يخصّ بها فيحتسب عليه بقيمته من سهمه ، (4) وخالف أبو الصلاح في الثاني وقال: التخصيص مستحبٌّ لا واجب (5).

6285. التاسع: لا يرث الجدّ ولا الجدّة مع الأولاد ولا أولادهم ولا مع


1 . رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة: 257 ـ 266 .

2 . حكى عنه في الكافي: 7 / 88 ، ولاحظ السرائر: 3 / 239 .

3 . السرائر: 3 / 258 .

4 . الانتصار: 582 ، المسألة 316 .

5 . الكافي في الفقه: 371 .


صفحه 18

الأبوين ، نعم يستحبّ للأبوين إطعام الجدّين سدس الأصل بشرط (1) زيادة نصيب المطعم عن السدّس ، فلو خلّف أبويه لا غير، وجدَّهُ وجدَّتَهُ من قِبَل أبيه، وجدَّهُ وجدَّتَهُ من قِبَلِ أُمّه، أطعم الأبُ الجدّين من قِبَلهِ سُدْسَ الأصل، وكذا الأُمّ استحباباً لا وجوباً .

ولو كان أحد الجدّين لا غير اختصّ بالسّدس كملاً من مطعمه .

ولو نقص (2) نصيب أحد الأبوين عن الزائد عن السدّس لم يستحبّ الطعمة من قِبَلِهِ بل من قِبَل الآخر.

فلو كان مع الأبوين والأجداد إخوةٌ يحجبون الأُمَّ عن الثلث إلى السّدس ، استحبّ للأب أن يُطعم الجدَّ أو الجدَّةَ أو هما من قِبَلِهِ سدسَ الأصل ، ولم يستحبّ للأُمّ ذلك.

ولو كان مع الأبوين والأجداد زوجٌ، استحبّ للأُمّ إطعامُ الجدّ أو الجدّة أو هما من قِبَلِها سدسَ الأصل ، وسقط أجداد الأب .

6286. العاشر: هذه الطعمة بالسويّة بين الجدّ والجدّة ، سواء كانا من الأب أو من الأُمّ .

6287. الحادي عشر: لا يُطْعَمُ الجدُّ للأب ولا الجدّةُ له إلاّ مع وجود الأب ولا الجدُّ للأُمّ ولا الجدّةُ لها إلاّ مع وجود الأُمّ .


1 . قد سقط من نسخة «ب» من قوله: «بشرط » إلى قوله: «سدس الأصل» .

2 . سقط من نسخة «ب» من قوله: «ولو نقص» إلى قوله: «إلى السدس» .


صفحه 19

المطلب الثالث: في ميراث الإخوة والأجداد

وفيه سبعة عشر بحثاً:

6288. الأوّل: هؤلاء إنّما يرثون إذا أُعدمت المرتبة الأُولى . فلا يرث أحدٌ من الإخوة ولا من الأجداد مع أحد الأبوين أو مع أحد الأولاد أو أولاد الأولاد، فإن لم يوجد أحدٌ من الأبوين ولا من الأولاد ولا من أولاد الأولاد ورث الإخوة والأجداد ويتشاركون على ما يأتي .

6289. الثاني: الأخ للأب والأُمّ إذا انفرد فله المال، ولو كان معه أخ أو إخوة تساووا فيه، وللأُخت لهما النّصف والباقي ردّ عليها. وللأُختين لهما فما زاد الثلثان بينهما أو بينهنّ بالسويّة والباقي ردّ عليهما أو عليهنّ، ولو اجتمع الإخوة والأخوات فللذّكر مثلُ حظّ الأُنثيين.

ولو فقد الإخوة والأخوات من الأبوين قام مقامهم الإخوة والأخوات من قِبل الأب خاصّةً على التفصيل الّذي قلناه، فللأخ المنفرد المال، وكذا للأخوين والإخوة بالسويّة. وللأخت النصّف والباقي ردّ عليها، وللأُختين فصاعداً الثلثان بالسّوية والباقي ردّ عليهما أو عليهنّ.

ولا يرث أحد من الإخوة والأخوات من قِبَل الأب مع أحد من الإخوة والأخوات من قِبَل الأبوين، بل المتقرب بالسّببين أولى، واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان أو أُنثى .


صفحه 20

وللأخ من الأُمّ المنفرد السدسُ والباقي له بالردّ، وكذا للأُخت، ولو اجتمع أخوان فما زاد أو أُختان فما زاد، أو اجتمع الإخوة والأخوات من قِبَلها خاصّةً تساووا في الثلث، والباقي لهم بالرّد ذكوراً كانوا، أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً.

ولو اجتمع الإخوة المتفرّقون فللمتقرّب بالأُمّ السّدس إن كان واحداً ذكراً كان أو أُنثى ، والباقي للمتقرّب بالأبوين واحداً كان أو أكثر ، ذكراً كان أو أُنثى ، أو بالتفريق ، للذّكر ضِعْف الأُنثى ، لكن لو كان المتقرّب بالأبوين أُنثى كان لها النصف، وما زاد على سهام المتقرّب بالأُمّ لها بالرّد، ولو كان اثنتين فما زاد فلهم الثلثان، والزائد بالرّد.

ولو كان المتقرّب بالأُمّ اثنين فما زاد فلهم الثلث بالسّوية ذكوراً كانوا أو إناثاً أو بالتفريق، والباقي للمتقرّب بالأبوين على ما فصّلناه ، وسقط المتقرّب بالأب ذكراً كان أو أنثى ، واحداً كان أو أكثر .

6290. الثالث: لو فقدت الكلالة من الأبوين ، واجتمعت الكلالة من الأُمّ مع الكلالة من الأب ، فإن لم يكن فاضل فلا بحث ، وإن فضل كأُخت من أُمٍّ مع أُخت من أب ، أو مع أُختين منه، أو أُختين من أُمٍّ مع أُخت من الأب ، ففي الرّد قولان :

أحدهما: أنّه مختصّ بالمتقرّب بالأب (1) لدخول النقص عليه لو دخل الزّوج أو الزوجة، ولقول الباقر (عليه السلام)في ابن أُخت لأب مع ابن أُخت لأُمّ: إنّ لابن الأُخت للأُمّ السّدس والباقي لابن الأُخت للأب(2).


1 . وهو خيرة الشيخ في النهاية: 638 ، والصدوق في الفقيه: 4 / 199 ، وابن البراج في المهذّب: 2 / 136 والمفيد في المقنعة: 712 .

2 . الوسائل: 17 / 494 الباب 7 من أبواب ميراث الإخوة والأجداد ، الحديث 1 .


صفحه 21

والثاني: أنّه يردّ على الجميع بالنسبة (1) وهو الأقوى ، والرواية في طريقها ابن فضّال .

6291. الرابع: لو اجتمع الإخوة المتفرّقون وأحد الزّوجين ، أخذ أحدُ الزوجين نصيبَهُ الأعلى ، والمتقرّب بالأُم السّدس إن كان واحداً أو الثلث إن كان أكثر ، والباقي للمتقرّب بالأبوين للذّكر مثل حظّ الأُنثيين، وسقط المتقرّب بالأب.

ولو فقد المتقرّب بالأبوين قام المتقرّب بالأب مقامَهُ على هيئته في القسمة.

6292. الخامس: للجدّ المنفرد المالُ ، سواء كان لأب أو لأُمٍّ، وكذا الجدّة ، ولو اجتمعا من طرف واحد فللذّكر ضِعْفُ الأُنثى إن كانا من قِبَلِ الأب، وإن كانا من قِبَلِ الأُمّ تساويا.

ولو اجتمع الأجدادُ الأربعة فللجدّ والجدّة من قِبَل الأب الثلثان للذّكر ضِعْفُ الأُنثى ، وللجدّ والجدّة من قِبَل الأُمّ الثلثُ بالسّوية.

ولو كان المتقرّب بالأب واحداً وكذا المتقرب بالأُمّ ، فللمتقرّب بالأُمّ الثلث ذكراً كان أو أُنثى، وللمتقرّب بالأب الثلثان ذكراً كان أو أُنثى .

ونقل ابن إدريس عن بعض علمائنا (2) أنّ للواحد من قِبَل الأُمّ جدّاً


1 . ذهب إليه ابن إدريس في السرائر: 3 / 260 ، وحكاه المصنّف عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد في المختلف: 9 / 63 .

2 . هو الصدوق في المقنع على ما حكاه المصنّف في المختلف: 9 / 43 .


صفحه 22

كان أو جدّةً السّدس والباقي للمتقرّب بالأب. (1) والمشهور الأوّل، وكذا لو تعدّد الجدّ من قِبَل الأب واتّحد الجدّ من قِبَل الأُمّ وبالعكس، فإنّ للمتقرّب بالأُمّ الثلث اتّحد أو تعدّد .

6293. السادس: لو اجتمع الأجداد وأحد الزّوجين أخذ أحدُ الزّوجين نصيبَه الأعلى، وللجدّ أو الجدّة أو هما من قِبَل الأُمّ الثلث والباقي للمتقرّب بالأب.

6294. السابع: الأجداد والإخوة يمنعون من يتقرّب بهم من الأعمام والأخوال وأولادهم، ويمنع الأجداد آباءهم وأجدادهم ، ولا يمنعون أولاد الإخوة، كما لا يمنع الإخوة وأولادهم آباءَ الأجداد وأجدادهم ، فلو خلّف الجدّ الأدنى والأبعد، كان الميراث للأدنى ، ولو خلّف الجدّ والإخوة تشاركوا ، وكذا لو خلّف الجدّ الأدنى وأولاد الإخوة تشاركوا على ما يأتي .

6295. الثامن: لو خلّف جدّ أبيه وجدّته من قِبَل أبيه، وجدّ أبيه وجدّته من قِبَل أُمّه، وجدّ أُمّه وجدّتها من قِبَل أبيها، وجدّها وجدّتها من قِبَل أُمّها، فلأجداد الأُمّ الثلث بينهم أرباعاً، ولأجداد الأب الثلثان للجدّ والجدّة من قِبَل أب الأب ثلثا الثلثين للذّكر ضِعْف الأُنثى وللجدّ والجدّة من قبل أُمّ الأب الثلث أثلاثاً . وينقسم من مائة وثمانية .(2)


1 . السرائر: 3 / 259 .

2 . شكل المسألة هكذا: أب أُم أب أُم أب أُم أب   أُم

                   أب أُم أب أُم

                                 أب                        أُم

                                          الميّت

الأجداد في المرتبة الأُولى أربعة وفي المرتبة الثانية ثمانية . ومسألة الأجداد الثمانية من ثلاثة واحد منها لأقرباء الأُمّ واثنان منها لأقرباء الأب .

فسهام أقرباء الأُمّ أربعةٌ بحكم أنّهم يقتسمون بالسويّة، وسهام أقرباء الأب تسعة، مع أنّ نصيبهم اثنان، وذلك، لأنّ نصيب والدي جدّ الميّت ضعف نصيب والدي جدّته ، ومن جانب آخر نصيب الجدّة نصف نصيب الجدّ، فيصير عدد سهام والدي جدّته ثلاثة ، ونصيب والدي جدّه ضعفه أي السّتّة ، فالمجموع تسعة، وحيث إنّ بين عدد سهام أقرباء الأُمّ (4) وأقرباء الأب (9) تبايناً ، فالمخرج المشترك بينهما (36) تضرب في أصل الفريضة يصير 108 . سهم أقرباء الأُمّ ثلث منها 108 / 3 = 36 بينهما بالسّوية 36 / 4 = 9

وسهام أقرباء الأب ثلثان منها 36 × 2 = 72 ، وعددهم تسعة 72 / 9 = 8 .

وسهام والدي جدّة الميّت ثلاثة 3 × 8 = 24 ، بينهما أثلاثاً 24 / 3 = 8 سهم الجدّة 8 × 2 = 16 سهم الجدّ.

وسهام والدي جدّ الميّت ستّة ، 6 × 8 = 48 بينهما أثلاثاً 48 / 3 = 16 سهم الجدّة 16 × 2 = 32 سهم الجدّ.


صفحه 23

ولو كان معهم أحد الزوجين أخذ نصيبه الأعلى ولأجداد الأُمّ الأربعة الثلث كملاً أرباعاً والباقي لأجداد الأب على ما بيّنّاه .(1)

6296. التاسع: قد يتّحد جدّ أبي الميّت وجدّ أُمّه، فيكون له نصيب الجدّين لو جامع الجدّ من أحدهما ويشاركه(2) الجدّ الّذي في درجته بالسّوية.

6297. العاشر: إذا اجتمعت الإخوة والأجداد كان الجد كالأخ والجدّة كالأُخت ، فإذا خلّف أخاً وأُختاً من قِبَل الأب والأُمّ ومثلهما من قِبَل الأُمّ ، وجدّاً من قِبَل الأب وجدّة من قِبَله ومثلهما من قِبَل الأُمّ ، كان الجدّ من قِبَل الأب كالأخ


1 . إن كان معهم الزوج فيضرب الحاصل (108) في (2) لأنّ سهم الزوج النصف 108 × 2 = 216 نصفها للزوج 216 / 2 = 108 ويقسّم الباقي (108) بين الأجداد بالتفصيل الماضي.

وإن كان معهم الزوجة فيضرب الحاصل (108) في (4) لأنّ سهمها الربع، 108 × 4 = 432 للزوجة ربعها 432 / 4 = 108 ، ويقسّم الباقي بين الأجداد بالتفصيل الماضي.

2 . في «ب»: تشارك .


صفحه 24

من قِبَل الأبوين، والجدّة من قِبَله كالأُخت من قِبَلِهما ، والجدّ من الأُمّ كالأخ من قِبَل الأُمّ ، والجدّة من قِبَلِها كالأُخت منها.

فللمتقرّب من الأُمّ والإخوة والأجداد الثلث بينهم أرباعاً ، والثلثان للإخوة والأجداد من قِبَلِ الأَب للذّكر ضِعْف الأُنثى .

ولو عدم الإخوة من قِبَل الأبوين ، قام الإخوة من قِبَل الأُمّ مقامهم في مقاسمة الأجداد كما في المتقرّب بالأبوين .

ولو كان هناك زوجٌ أو زوجةٌ كان له نصيبه الأعلى، وللمتقرّب بالأُمّ من الإخوة والأجداد الثلث بالسّوية ، والباقي للمتقرّب بالأبوين من الإخوة والأجداد للذّكر ضِعْف الأُنثى ، وللمتقرّب (1) بالأب وحده مع الأجداد كذلك عند عدم المتقرّب بالأبوين .

6298. الحادي عشر: الأجداد إنّما ينزلون منزلة الإخوة إذا جامعوهم وكانوا في نسبة واحدة، ولو اختلفت النسبة بأن يخلّف جدّاً لأُمّه وأخاً لأبيه أو لأبويه، فللجدّ الثلث والباقي للأخ، وكذا لو خلّف جدّةً لأُمّه مع أخ من الأبوين أو من الأب.

ولو خلّف أخاً أ وأُختاً لأُمٍّ وجدّاً أو جّدّة لأب ، كان للأخ أو الأُخت من الأُمّ السّدس والباقي لأحد الجدّين.

ولو خلّف أحد الجدّين للأُمّ وأحد الجدّين أو هما للأب مع إخوة من الأبوين أو من الأب خاصّة، فلأحد الجدّين للأُمّ الثلثُ ، والثلثان لأحد الجدّين


1 . في «أ»: أو للمتقرّب .


صفحه 25

من الأب أو لهما مع الإخوة لهما أو للأب عند عدم المتقرّب بالأبوين ، ويكون الجدّ كالأخ والجدّة كالأُخت .

ولو خلّف الجدّين من الأُمّ مع إخوة وأخوات من قِبَلها وأحد الجدّين من قِبَل الأب، فلمن تقرّب بالأُمّ من الأجداد والإخوة الثلث بينهم بالسّوية، ولأحد الجدّين للأب الباقي.

ولو خلّف الجدّين من قِبَل الأُمّ أو أحدهما وأُختاً من الأبوين ، فللجدّين أو لأحدهما من الأُمّ الثلث، وللأُخت للأبوين الباقي .

ولو كانت الأُخت من قِبَل الأب خاصّةً ففي اختصاصها بالباقي إشكال.

6299. الثاني عشر: لو عدم الجدّ الأدنى قام مقامه الأبعد في مقاسمة الإخوة، ويكون حكمه حكم الأدنى . فجدّ الأب لأبيه أو لأُمّه كالأخ من قِبَل الأب والأُمّ أو من قبل الأب، وجدّة الأب لأبيه أو لأُمّه كالأُخت من قِبَل الأبوين أو من قِبَل الأب عند عدم الأُخت من الأبوين .

وكذا البحث في جدّ الأُمّ وجدّتها من قِبَل أبيها ومن قِبَل أُمّها ، فإنّهم بمنزلة الإخوة والأخوات من قِبَل الأُمّ .

بقي هنا إشكال وهو أن يجتمع جدّ الأب أو جدّته من قِبَل أبيه وجدّه أو جدّته من قِبَل أُمّه مع الإخوة من قِبَل الأب أو من قبل الأبوين .

6300. الثالث عشر: أولاد الإخوة والأخوات يقومون مقام آبائهم عند عدمهم، ويأخذ كلٌّ منهم نصيبَ من يتقرّب به .

فإن خلّف ابن أخ لأب وأُمٍّ أو لأب، أو بنتَ أخ كذلك، فله المال،


صفحه 26

ولو اجتمعا لواحد فالمالُ لهما للذّكر ضِعْف الأُنثى، ولو كانا لاثنين في نسبة واحدة فالمالُ بينهما نصفين .

ولو كان أحدهما ولدَ أخ من الأبوين والآخرُ ولدَ أخ من الأب، سقط المتقرّب بالأب بالمتقرّب بالأبوين .

ولو كان ابن أُخت لهما أو للأب ، فله النصفُ نصيبُ أُمّه، والباقي ردّ عليه، وكذا لو كانوا أولاد جماعة لأُخت ، فلهم النصف بالتسمية والباقي بالرّد للذّكر ضِعْف الأُنثى .

ولو كانوا أولاد الأُختين فلهما الثلثان ، لأولاد كلِّ أُخت الثلثُ بينهم للذّكر ضِعَف الأُنثى، والباقي ردّ عليهم كذلك.

ولو كانوا أولادَ إخوة وأخوات فلكلّ أولاد أخ أو أُخت نصيبُ من يتقرّب به بينهم للذّكر ضِعْف الأُنثى .

ولو خلّف أولادَ أخ أو أولادَ أُخت لأُمٍّ فلهم السّدس نصيب من يتقرّبون به، والباقي يردّ عليهم ، الذّكر والأُنثى فيه سواء.

ولو كانوا أولادَ أخ وأولادَ أُخت للأُمّ، فلهم الثلث، والباقي بالردّ، لأولاد الأخ النصفُ بالسّوية واحداً كان أو أكثر، ولأولاد الأُخت النصفُ الآخرُ كذلك وإن كان واحداً.

ولو اجتمع أولادُ الإخوة المتفرّقين ، سقط أولاد الإخوة من الأب ، وكان لأولاد الإخوة من الأُمّ الثلث لكلّ ولد أخ نصيبُ أبيه، واحداً كان أو أكثر بالسّوية، ولأولاد الإخوة من الأبوين الباقي.


صفحه 27

ولو خلّف أولادَ أخ من أب وأُمٍّ وأولادَ أخ من أُمٍّ، فلأولاد الأخ من الأُمّ السدسُ بالسوية، والباقي لأولاد الأخ من الأبوين للذّكر ضِعْف الأُنثى .

ولو خلّف أولادَ أُخت لأب وأولادَ أُخت لأُمٍّ خاصّةً ، فلأولاد الأُخت من الأُمّ السدسُ بالسّويّة، ولأولاد الأُخت من الأب النصفُ للذّكر ضِعْفُ الأُنثى، وفي ردّ الباقي قولان، كما سبق في الإخوة .(1)

6301. الرابع عشر: لو دخل أحد الزّوجين على أولاد الكلالات أخذ نصيبَهُ الأعلى وسقط أولادُ كلالة الأب، وكان لأولاد كلالة الأُمّ الثلث إن كانوا أكثر من واحد، لكلٍّ نصيب من يتقرّب به بالسّوية، والسدس إن كانوا لواحد كذلك، والباقي لأولاد كلالة الأبوين، لكلّ واحد نصيبُ من يتقرّب به للذّكر ضِعْف الأُنثى ، فيدخل النقص عليهم كما يدخل على آبائهم دون المتقرّب بالأُمّ .

ولو فقد (2) أولاد كلالة الأبوين ، قام مقامهم أولادُ كلالة الأب في جميع ما تقدّم إلاّ في الرّد إذا كانوا لأُنثى .

6302. الخامس عشر: لا يرث أحدٌ من أولاد الإخوة مع الإخوة وان كثرت الوصلة.(3)

وقال الفضل بن شاذان في أخ لأُمّ وابن أخ لأب وأم: أنّ للأخ السدس والباقي لابن الأخ للأبوين لأنّه يجمع السّببين .(4)


1 . لاحظ المسألة الثالثة من ميراث الإخوة والأجداد ص 20 .

2 . في «أ»: ولو فقدوا .

3 . في «ب»: الفريضة .

4 . حكى عنه في الكافي: 7 / 107 ، والفقيه: 4 / 200 ، والمسالك: 13 / 152 ـ 153 .


صفحه 28

وهو غلط فإنّ كثرة الأسباب إنّما تعتبر مع التّساوي في الدّرجة، مع أنّه قال في ابن أخ لأب وأُمٍّ مع أخ لأب: المالُ كلُّهُ للأخ من الأب .(1)

6303. السادس عشر: الأقرب من أولاد الأخ يمنع الأبعد، فلو خلّف أولادَ أخ وأولادَ أولاد أخ ، فالمالُ لأولاد الأخ خاصّةً، سواء كانوا لأب أو لأُمّ أو لهما، وسواء كان أولادُ أولادِ الأخ لأب أو لأُمٍّ أولهما، وهكذا في مراتب التنازل.

ويمنع أولادُ الإخوة والأخوات كلَّ من يمنعه الإخوةُ والأخواتُ من الأعمام والأخوال وأولادهم، ويرث معهم الأزواجُ والأجدادُ وإن علوا كما يرثون مع الإخوة.

6304. السابع عشر: أولادُ الإخوة والأخوات وإن نزلوا ـ سواء كانوا من قِبَل أب أو من قِبَل أُمّ أو من قبلهما ـ يقاسمون الأجدادَ مع عدم الإخوة والأخوات، ويأخذون نصيبَ من يتقرّبون به.

فلو خلّف أولادَ أخ لأب وأُمٍّ وأولادَ أُخت لهما، ومثلهم من قِبَل الأُمّ وجدّاً وجدّةً من قِبَل الأب، ومثلهما من قِبَل الأُمّ، فللجدّين وكلالة الأُمّ الثلثُ، للجدّ ربعه وكذا للجدّة ، ولأولاد الأخ من الأُمّ ربع آخر، ولأولاد الأُخت من قِبَلها الربع الباقي.

وثلثا الثلثين للجدّ من الأب ولأولاد الأخ من الأبوين ، للجدّ من ذلك نصفُهُ ، والنصف الآخر لأولاد الأخ ، للذّكر ضِعْف الأُنثى، والثلث الباقي بين الجدّة وأولاد الأُخت ، للجدّة من ذلك نصفُهُ ، والنصف الآخر لأولاد الأُخت من الأبوين .


1 . حكى عنه في الكافي: 7 / 106 .


صفحه 29

ولو كان هناك زوجٌ أو زوجةٌ أخذ نصيبَهُ الأعلى ، وللجدّين من قِبَل الأُمّ ولأولاد الاخوة من قِبَلها الثلث كملاً يقسّم بينهم على ما بيّناه، والباقي للأجداد من قِبَل الأب ولأولاد الإخوة من قِبَل الأبوين، على ما فصّلناه.

ولو خلّف أولاد الأُخت للأبوين وجدّاً ، فلأولاد الأُخت الثلثُ والباقي للجدّ.(1)

المطلب الرابع: في ميراث الأعمام والأخوال

وفيه خمسة عشر بحثاً :

6305. الأوّل : هؤلاء إنّما يرثون عند عدم الآباء وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا، والإخوة وأولادهم وإن نزلوا.

فللعمّ المنفرد المال، وكذا ما زاد بالسّوية، وللعمّة المالُ أيضاً ، وكذا العمّتان والعمّات .

ولو اجتمع الذكور والإناث فللذّكر ضِعْفُ الأُنثى ، هذا إذا كانوا من قِبَل الأب والأُمّ أو من قبل الأب ، ولو كانوا من قبل الأُمّ فالذّكر والأُنثى فيه سواء.

ولو انفردت العمّة أو العمّ من قِبَل الأُمّ فالمالُ بأجمعه لها أولَهُ.

6306. الثاني: لو اجتمعت العمومة والعمّات المتفرّقون . فللمتقرّب بالأُمّ


1 . لأنّ أولاد الأُخت بمنزلة أُمِّهم ، والجدّ بمنزلة الأخ فيقسّم المال أثلاثاً.


صفحه 30

السّدس إن كان واحداً، ذكراً كان أو أُنثى ، والثلث إن كان أكثر ، الذكر والأُنثى فيه سواء، وللمتقرّب بالأبوين الباقي، واحداً كان أو أكثر ، ذكراً كان أو أُنثى ، للذّكر ضِعْف الأُنثى، وسقط المتقرّب بالأب.

6307. الثالث: العمومة من قِبَل الأب، والعمّاتُ من قِبَله يقومون مقامَ المتقرّب بالأبوين عند عدمهم، والقسمة بينهم للذّكر ضِعْف الأُنثى .

فلو خلّف عمومةً من قِبَل الأب وعمومةً من قِبَل الأُمّ ، فللمتقرّب بالأُمّ الثلثُ، الذّكر والأُنثى فيه سواء، وللعمومة من الأب الباقي ، للذّكر ضِعْف الأُنثى .

ولو كان المتقرّب بالأُمّ واحداً والمتقرّب بالأب كذلك، فللمتقرّب بالأُمّ السّدسُ ، ذكراً كان أو أُنثى، وللمتقرّب بالأب الباقي، ذكراً كان أو أُنثى .

6308. الرابع: لو اجتمع أحدُ الزوجين مع العمومة المتفرّقين ، فله نصيبُهُ الأعلى، وللمتقرّب بالأُمّ السّدسُ إن كان واحداً ، والثلث إن كان أكثر، الذّكر والأُنثى فيه سواء، والباقي للمتقرّب بالأبوين ، واحداً كان أو أكثر، للذّكر ضِعْف الأُنثى، وسقط المتقرّب بالأب .

ولو عدم المتقرّب بالأبوين ، قام المتقرّب بالأب مقامَهُ على هيئته في النقص والقسمة .

6309. الخامس: العمومةُ يمنعون من يتقرّب بهم من أولادهم ، فلا يرث ابنُ عّم وإن زادت وصلتُهُ مع عّم وإن قصرت وصلتُهُ إلاّ في مسألة إجماعيّة ، وهي ابن عمّ لأب وأُمٍّ مع عمّ لأب ، فإنّ المالَ لابن العمّ للأبوين ، وسقط العمّ للأب .

ولو تغيّرت الحال سقط هذا الحكم، فلو خلّف بنتَ عمٍّ للأبوين مع عمٍّ


صفحه 31

للأب، فالمال للعمّ خاصّةً، وكذا لو خلّف ابنَ عمٍّ للأبوين مع عمّة للأب، فالمال للعمّة دون ابن العمّ .

ولو خلّف ابنَ عمٍّ للأبوين مع عمٍّ للأب ومعهما خال، فالثلث للخال، وللعمّ الثلثان ، وسقط ابن العمّ خاصّةً.

وقال بعض المتأخرين المال للخال، لسقوط العمّ بابن العمّ، وسقوط ابن العمّ بالخال.(1) والوجه الأوّل لتغيير الصّورة .

ولو خلّف بني عمٍّ للأبوين مع عمٍّ أو أعمام للأب ، فالوجه اختصاص بني العمّ دون الأعمام .

6310. السادس: للخال المنفرد المالُ، وكذا الخالين والأخوال والخالة والخالتين والخالات، ولو اجتمع الذّكور والإناث تساووا إن كانوا من جهة واحدة، وإن تفرّقوا فللمتقرّب بالأُمّ السّدس إن كان واحداً ذكراً كان أو أُنثى، والثلثُ إن كان أكثر، الذّكر والأُنثى فيه سواء، والباقي للمتقرّب بالأبوين، ذكراً كان أو أُنثى ، واحداً كان أو أكثر، للذّكر مثل حظّ الأُنثى .

ولو فقد الخؤولة من الأبوين قام المتقرّب بالأب مقامَهُمْ ، ولهم نصيبهم كهيئتهم.

6311. السابع: لو اجتمع أحدُ الزوجين مع الخؤولة المتفرّقين فله نصيبُهُ الأعلى وللمتقرّب بالأُمّ سدسُ الثلث إن كان واحداً، وثلث الثلث إن كان أكثر،


1 . هذا قول المحقّق الفاضل سديد الدّين محمود الحمصيّ ، حكاه عنه المصنّف في المختلف: 9 / 47 ، والشهيد في المسالك: 13 / 161 وفي المسألة أقوال أُخر أنهاها في المسالك إلى أربعة، لاحظ المسالك: 13 / 160 ـ 161 .


صفحه 32

والباقي للمتقرّب بالأبوين بالسويّة وإن اختلفوا، فلو خلّفت زوجَها وخالاً من قِبَل الأُمّ وخالاً من الأبوين ، فللزّوج النّصفُ وللخال للأُمّ سدسُ الثلث، وقيل: سدس الباقي (1) ، والمتخلّف للخال من الأبوين .

ولو فقد المتقرّب بالأبوين قام المتقرّبُ بالأب مقامَهم .

6312. الثامن: لو اجتمع الأعمامُ والأخوالُ ، فللأخوال الثلث، واحداً كان أو أكثر، ذكوراً كانوا (2) أو إناثاً ، أو هما معاً، بالسّوية إذا كانوا من جهة واحدة، والباقي للأعمام واحداً كان أو أكثر، ذكوراً كانوا أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً ، للذّكر مثل حظّ الأُنثيين.

6313. التاسع: لو اجتمع الأعمامُ المتفرّقون والأخوال المتفرّقون فللمتقرّب بالأُمّ من الأخوال سدسُ الثلث إن كان واحداً، وثلث الثلث إن كانوا أكثر بالسّوية، ذكوراً كانوا أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً، وللمتقرّب بالأبوين من الأخوال الباقي، واحداً كان أو أكثر، ذكوراً كانوا أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً، وسقط المتقرّب بالأب.(3)

وللمتقرب بالأُمّ من الأعمام سدس الثلثين إن كان واحداً، وثلثه إن كان أكثر بالسّوية ، ذكوراً كانوا أو إناثاً ، أو ذكوراً وإناثاً.


1 . قال الشهيد الثاني في شرح اللمعة: 8 / 159: هذا القول نقله الشهيد في الدّروس والعلاّمة في القواعد والتحرير عن بعض الأصحاب ولم يعيّنوا قائله .

2 . في «أ»: ذكوراً كان .

3 . وفي نسخة «أ» في هذا الموضع العبارة التالية: «وللمتقرّب بالأبوين من الأعمام المتخلّف من الباقي للذّكر ضِعْف الأُنثى وسقط المتقرّب بالأب» ولكنّها في غير موضعها، ولعلّها من تصحيف الناسخ وستأتي نفس العبارة عن قريب .


صفحه 33

وللمتقرّب بالأبوين من الأعمام المتخلّف من الثلثين للذّكر ضِعْف الأُنثى، وسقط المتقرّب بالأب من الأعمام .

ولو عدم المتقرّب بالأبوين من الأعمام والأخوال، قام المتقرّب بالأب مقامَهُ.

6314. العاشر: كلُّ واحد من الأعمام الذكور والإناث ، سواء تقرّبوا بسبب واحد أو بسببين، يمنعون أولادهم وإن تقرّبوا بالسببين إلاّ المسألة الإجماعيّة وهي ابن العمّ للأبوين يمنع العمّ للأب خاصّةً.

وكلّ واحد من الأخوال الذكور والإناث ، سواء تقرّبوا بسبب واحد أو بسببين، يمنعون أولادَهُمْ وإن تقرّبوا بالسّببين مطلقاً من غير استثناء .

وكذا كلُّ واحد من الأعمام الذكور والإناث ، وإن تقرّبوا بسبب واحد، يمنعون أولادَ الأخوال وإن تقرّبوا بسببين.

وكلُّ واحد من الخؤولة ، وإن تقرّب بسبب واحد، يمنع أولادَ العمومة وإن تقربوا بالسّببين ، فلو خلّف عمّاً لأب أو لأُمٍّ أولهما، أو عمّةً كذلك مع ابن خال للأبوين ، أو بنت خالة كذلك، فالمال للعمّ خاصّةً.

وكذا لو خلّف خالاً لأب أو لأُمٍّ أو لهما مع ابن عمٍّ للأبوين، فالمال للخال خاصّةً.

وكذا لا يرث مع أولاد العمومة والعمّات وأولاد الخؤولة والخالات أحدٌ من أولاد أولادهم وإن تقرّبوا بسببين من غير استثناء أيضاً ، فابن العمّ للأب يمنع ابن ابن العمّ للأبوين ، وكذا كلُّ بطن أقرب يمنع الأبعد، وكذا يسقط ابن ابن العمّ للأبوين مع العمّ للأب.


صفحه 34

6315. الحادي عشر: لو اجتمع أحدُ الزّوجين مع العمومة والعمّات والخؤولة والخالات، أخذ نصيبَهُ الأعلى . وللخؤولة والخالات ثلث الأصل بينهم بالسّوية إن كانوا من جهة واحدة، والباقي للأعمام والعمّات .

ولو تفرّقت الخؤولة والعمومة أخذ أحدُ الزوجين نصيبَهُ الأعلى وللأخوال الثلثُ ، سدسه لمن يتقرّب بالأُمّ منهم إن كان واحداً ، والثلث إن كان أكثر، والباقي من الثلث للأخوال من قِبَل الأبوين، وسقط المتقرّب بالأب، والباقي بعد نصيب الأخوال وأحد الزّوجين للأعمام ، سدسه للمتقرّب بالأُمّ إن كان واحداً، والثلث إن كان أكثر، الذّكر والأُنثى فيه سواء، والباقي للمتقرّب بالأبوين إن كان واحداً أو أكثر، للذّكر ضِعْفُ الأُنثى، وسقط المتقرّب بالأب.

ولو عُدِم المتقرّب بالأبوين من الأعمام والأخوال قام مقامَهم المتقرّبُ بالأب بينهم على حسابهم.

6316. الثاني عشر: العمومة والعمّات والخؤولة والخالات وأولادُهُمْ وإن نزلوا ، يمنعون عمومةَ الأب وعمّاتِهِ وخؤولتَهُ وخالاتِهِ ، وعمومةَ الأُمّ وعمّاتِها وخوؤلتَها وخالاتِها.

فإن عُدمت عمومةُ الميّت وعمّاتُهُ وخؤولتُهُ وخالاتُهُ وأولادُهُمْ وإن نزلوا قام مقامَهم عمومةُ الأب وعمّاتُهُ وخؤولتُهُ وخالاتُهُ وعمومةُ الأُمّ وعمّاتُها وخؤولتُها وخالاتُها ، وأولادُهم وإن نزلوا، كلّ بطن وإن نزلت أولى من العليا، فأولادُ عمومة الأب وعمّاته وأولاد خؤولته وخالاته وأولاد عمومة الأُمّ وعماتّها وأولاد خؤولتها وخالاتها وإن نزلوا أولى من عمومة الجدّ وعمّاته وخؤولته وخالاته وعمومة الجدّة وعمّاتها وخؤولتها وخالاتها.


صفحه 35

وعمومةُ الأجداد وخؤولتُهُمْ أولى من أولادهم ، وأولادُ أولادهم وإن نزلوا أولى من عمومة جدّ الجدّ وخؤولته وهكذا.

6317. الثالث عشر: لو فَقَدَ العمومةَ وأولادَهُمْ والخؤولة وأولادَهُمْ وخلّف عمَّ الأب وعمّته وخاله وخالته وعمّ الأُمّ وعمّتها وخالها وخالتها، فالثلث لعمومة الأُمّ وخؤولتها بالسّوية أرباعاً ; قاله الشيخ .(1) والثلثان لعمومة الأب وخؤولته، ثلث الثلثين لخال الأب وخالته بالسّوية، وثلثاه لعمّه وعمّته للذّكر ضِعْف الأُنثى، ويقسم من مائة وثمانية .(2)

ولو كان في الفريضة زوجٌ أو زوجةٌ أخذ نصيبه الأعلى، والثلث للمتقرّب بالأُمّ من الأعمام والأخوال بالسّوية بينهم، والباقي للمتقرّب بالأب من الأعمام والأخوال ، ثلثه للخال والخالة بالسّوية، وثلثاه للعمّ والعمّة، للذّكر ضِعْف الأُنثى .

6318. الرابع عشر: أولاد العمومة والعمّات والخؤولة والخالات يأخذون


1 . النهاية: 657 .

2 . توضيح المسألة: المال يقسّم أوّلاً إلى ثلاثة: اثنان لأقرباء الأب ، وواحد لأقرباء الأُمّ، يقسم سهم أقرباء الأُمّ بينهم بالسّوية فعددهم أربعة .

ويجب تقسيم سهم أقرباء الأب إلى ثلاثة. واحد للخال والخالة بينهما بالسّوية ، واثنان للعمّ والعمّة بالتفاوت، للعمّ ضِعْفُ العمّة، فعددهما، ثلاثة، وعدد الخال والخالة اثنان، بين العددين المباينة ، فيضرب أحدهما في الآخر 2 × 3 = 6 ، ثمّ يضرب في الثلاثة الّتي اقتسم الثلثان بها 6 × 3 = 18

ثمّ إنّ عدد المتقرّب بالأب (18) مع المتقرّب بالأُمّ (4) متوافقان بالنصف ، فيضرب أحدهما في نصف الآخر 18 × 2 = 36 ويضرب الحال في عدد أصل الفريضة أي الثلاثة 36 × 3 = 108

فللمتقرّب بالأُمّ الثلثُ 108 / 3 = 36 يقسّم بينهم بالسويّة 36 / 4 = 9 .

وللمتقرّب بالأب الثلثان 36 × 2 = 72 ، للخال والخالة الثلث

72 / 3 = 24 ، يقسم بينهما بالسويّة 24 / 2 = 12 .

وللعمّ والعمّة 24 × 2 = 48 يقسّم بينهما أثلاثاً للعمّة 48 / 3 = 16 وللعمّ 16 × 2 = 32 .


صفحه 36

نصيبَ من يتقرّبون به، فلبني العمّ نصيب أبيهم، وكذا لبني العمّة،(1) ولبني الخال نصيبُ أبيهم، وكذا لبني الخالة، فلو خلّف أولادَ العمومة المتفرّقين وأولادَ الخؤولة المتفرّقين ، فلأولاد الخؤولة الثلثُ، سدسُهُ لأولاد الخال والخالة بالسّوية، ولو كانوا أولادَ خالين فالثلث، لكلٍّ منهم نصيبُ أبيه، وكذا لو كانوا لأكثر، والباقي من الثلث لأولاد الخؤولة من الأبوين وسقط أولاد الخؤولة من الأب.

ولو عدم أولاد الخؤولة من الأبوين ، قام مقامَهُمْ أولادُ الخؤولة من الأب، ولأولاد العمومة الثلثان، سدسُهُ لأولاد العمّ أو العمّة من قِبَل الأُمّ بالسّوية، ولو كانوا أولادَ عمّين فما زاد، فلهم الثلث، لكلٍّ منهم نصيبُ من يتقرّب به، والباقي لأولاد العمومة من الأبوين، وسقط أولاد العمومة من الأب.

ولو عدم المتقرّب بالأبوين ، قام المتقرّب بالأب مقامَهم كهيئتهم .

ولو كان هناك زوجٌ أو زوجةٌ أخذ نصيبَهُ الأعلى، وأخذ أولادُ الخؤولة الثلثَ موّفراً، وكان النقص داخلاً على أولاد العمومة كآبائهم.

6319. الخامس عشر: لو اجتمع للوارث سببان، ورث بهما إن لم يكن أحدهما مانعاً للآخر، كابن عمٍّ لأب هو ابن خال لأُمٍّ، أو ابن عمٍّ هو زوج، أو بنت عمّة(2) هي زوجة ، أو عمّ لأب هو خال لأُمٍّ .

ولو منع أحدهما الآخر، ورث من جهة المانع، كابن عمٍّ هو أخٌ ، فإنّه يرث من جهة الأُخوّة خاصّةً.


1 . سقط من نسخة «ب» من قوله: «وكذا لبني العمّة» إلى قوله: «وكذا لبني الخالة».

2 . في الشرائع «بنت عمٍّ» ولإيضاح حال الأمثلة لاحظ المسالك: 13 / 172 .


صفحه 37

المقصد الثالث: في الميراث بالسبب

وفيه مطالب :

المطلب الأوّل :

السبب قسمان: زوجية وولاء.

فالزوجيّة يثبت بها الإرث مع جميع مراتب الورّاث(1) من الأنساب وإن قربوا، ومن الأسباب، لا يمنع الزوجين مانعٌ من الإرث سوى الكفر والقتل والرّقّ.

وأمّا الولاء فلا يثبت به الإرث إلاّ مع فقد كلّ الأنساب الورّاث (2) قربوا أو بعدوا، فلو خلّف ابنَ ابن عمٍّ وإن نزل كان أولى بالميراث من المُعْتِقِ وغيرِهِ من أسباب الولاء.

ثمّ الولاء ثلاثة:


1 . في «أ»: الوارث .

2 . في «أ»: الوارث .


صفحه 38

أوّلها: ولاء العتق ، ويرث مع فقد كلّ الأنساب .

الثاني: ولاء تضمّن الجريرة، ويرث مع فقد كلّ الأنساب والمُعْتِقِ. ولا يرث مع وجود المُعْتِقِ.

الثالث: ولاء الإمامة، ويرث مع فقد كلّ الأنساب ومع فقد المُعْتِقِ وفقد ضامن الجريرة، ولا يرث مع وجود أحد من الأنساب ، ولا مع وجود المُعْتِقِ ، ولا مع ضامن الجريرة، وهل يرث مع الزوجين؟ فيه خلاف.(1)

المطلب الثاني: في ميراث الأزواج

وفيه ثمانية مباحث :

6320. الأوّل : للزوج الربعُ مع الولد، ذكراً كان أو أُنثى ، فلو خلّفت زوجَها وابنتَها فللزوج الربعُ وللبنت النصفُ والباقي ردّ على البنت خاصّةً، ولو كان معهما أحدُ الأبوين فله السّدس ، وللزوج الربعُ، وللبنت النصف ، والباقي يردّ على البنت وأحد الأبوين أرباعاً، ولا شيء للزوج من الردّ، وكذا البحث لو كان بدل الولد ولد الولد وإن نزل .

ولو لم يكن هناك ولدٌ ولا ولدُ ولد وإن نزل ، فللزّوج النصفُ، والباقي لغيره من الوراّث على ما تقدّم تفصيلُهُ .


1 . لاحظ الأقوال حول المسألة في المختلف: 9 / 57 ـ 62 .


صفحه 39

6321. الثاني: للزوجة مع الولد الثمنُ ذكراً كان أو أُنثى ، وكذا ولد الولد وإن نزل ، ولا يردّ عليها الفاضلُ لو كان المشارك بنتاً، بل على البنت خاصّةً، أو على البنت وأحد الأبوين أو هما، كما قلنا في الزوج .

ولو لم يكن هناك ولدٌ ولا ولدُ ولد وإن نزل، كان للزّوجة الربعُ والباقي لغيرها من الورّاث ، (1) ولا يردّ على الزّوجة مع وجود الوارث وإن بعد .

6322. الثالث: لو خلّفت المرأةُ زوجَها وضامنَ جريرة لا سواهما، فللزّوج النصفُ، ولضامن الجريرة الباقي، ولو خلّف الرجلُ زوجتَهُ وضامنَ جريرة لا غيرهما، فللزّوجة الربعُ، والباقي لضامن الجريرة.

أمّا لو فقد جميع الأنساب والأسباب ولم يخلّف الميّت أحداً سوى أحد الزوجين، فللزوج النصف والباقي ردّ عليه ، أمّا لو كانت زوجة ففيها أقوال :

أحدها: أنّه يردّ عليها الفاضل عن الرّبع مطلقاً .(2)

والثاني: لا يردّ مطلقاً، بل يكون الباقي بعد الربع للإمام.(3)

والثالث أنّه يردّ عليها حال غيبة الإمام لا وقت ظهوره .(4) وهو الأقوى عندي .

6323. الرابع: سهمُ الزوجة وهو الثمن مع الولد أو ولد الولد وإن نزل، والربعُ


1 . في «ب»: من الوارث .

2 . وهو خيرة المفيد في المقنعة: 691 .

3 . ذهب إليه الشيخ في النهاية: 642 ، والصدوق في المقنع: 491 ، والحلبي في الكافي في الفقه: 374 ، وابن البرّاج في المهذّب: 2 / 141 ، وسلاّر في المراسم: 222 .

4 . وهو خيره الصدوق في الفقيه: 4 / 191 ذيل الحديث 666 .


صفحه 40

مع عدمهم، ثابتٌ للواحدة ولما زاد عليها، فلو خلّف أربع زوجات وولد، فللزوجات الأربع الثمنُ بينهنّ بالسّوية، والباقي للولد.

ولو خلّف الأربع وأحدَ الأبوين خاصّةً ، فللأربع الربعُ بينهنّ بالسّوية ، والباقي لأحد الأبوين ، وكذا لو انضمّ إليهنّ غير من ذكرناه في التقديرين من الأولاد والقرابات .

6324. الخامس: الزوجة إنّما ترث ما دامت في حبالته سواء دخل بها أو لم يدخل، وكذا الزّوج. ولو طُلّقت رجعيّاً توارثا في العدّة، وإن مات أحدهما بعد العدّة ، فلا ميراث للآخر منه.

ولو طُلّقت بائناً كالمختلعة والمباراة مع عدم الرجوع في البذل في العدّة ، وكاليائسة والصّبية، وغير المدخول بها، فلا توارث بينهما، لا ترث المرأة الرّجل ولا الرّجل المرأة، سواء وقع الموت في العدّة أو بعدها، هذا في حقّ الصحيح .

أمّا المريض فإن تزوّج في حال مرض الموت، لم ترثه الزوجة إلاّ أن يدخل بها، ولو مات قبل الدخول فلا مهر لها ولا ميراث .

ولو طلّق المريض رجعيّاً توارثا في العدّة ، ولو خرجت العدّة ورثته هي ما بينها وبين سنة من حين الطلاق بشرط أن لا تتزوّج بغيره، ولا يبرأ من مرضه مدّة السّنة ، سواء تزوّج بها في الصحّة مطلقاً أو المرض مع الدخول.

ولو طلّق بائناً لم يرث هو لو ماتت في العدّة وبعدها، وترثه هي إلى سنة بالشرطين.

6325. السادس: لو طلّق الرجلُ إحدى الأربع وتزوّج أُخرى ، ثمّ اشتبهت


صفحه 41

المطلّقة بغيرها من الثلاث الأُوَل، فللأخيرة ربعُ نصيب الزوجات من الربع مع عدم الولد، والثمن معه، والمتخلّف من النصيب يقسّم بين المطلّقة والثلاث الّتي وقع الاشتباه فيها بالسّوية .

6326. السابع: الزوّجة إن كان لها من الميّت ولد، ذكراً كان أو أُنثى، ورثت الثمن من جميع ما ترك الرجل.

ولو لم يكن لها ولدٌ منه لم ترث من الأرض شيئاً ، وتُعْطى حصّتها من الأموال والأقمشة والأثاث، وتقوّم الآلات كالأخشاب والقصب والآجر واللبن من الأبنية، وتُعْطى حصّتها من قيمة ذلك.

وقيل: إنّما تُمنع من الدّور والمساكن لا غير(1).

وقال المرتضى (رحمه الله): تقوّم رقبة الأرض أيضاً وتُعْطى حصّتها من قيمتها كالأبنية (2).

والمشهور هو الأوّل ، وفي رواية: أنّها لا ترث من السلاح والدّواب شيئاً.(3) والأقرب الأوّل .

ولا فرق بين أن يكون لها ولدٌ منه قد مات أو لم تلد منه .

6327. الثامن: لو زوّج الصغيرين أبواهما أو جدّهما لأبويهما توارثا، ولو زوّجهما غيرُهما وقف العقد على رضاهما بعد البلوغ، فإن بلغا ورضيا لزم العقد


1 . القائل: هو المفيد في المقنعة: 687 .

2 . الانتصار: 585 ، المسألة 319 .

3 . الوسائل: 17 / 517 ، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 1 .


صفحه 42

وتوارثا، وإن مات أحدهما قبل البلوغ بطل العقد، سواء بلغ الآخر قبل موته وأجاز أو بعد موته، أو لم يبلغ .

ولو بلغ أحدهما رشيداً وأجاز ثمّ مات ، وبلغ الآخر بعد موته، فإن لم يرض فلا ميراث له ، وبطل العقد، وإن (1) أجاز أُحلف أنّه لم يرض للرغبة في الميراث، فإن حلف أخذ نصيبه، وإن نكل فلا ميراث له، وهل يسقط غير الميراث من توابع الزوجية كالعدّة والمهر؟ فيه نظر.

المطلب الثالث: في الميراث بالولاء بالعتق

وفيه ستّة وعشرون بحثاً :

6328. الأوّل : العتق قسمان :

واجب إمّا بأصل الشرع، كمن ملك من ينعتق عليه من الأقارب والرضاع، وإمّا بفعل المكلّف، كما في النذر واليمين والعهد والكفّارات ، وكمن مَثَلَ بعبده.(2)

وندبٌ وهو ما تبرّع المكلّف بعتقه من غير سبب موجب للعتق.

فالأوّل لا يثبت به ميراث ، والثاني قسمان: أحدهما ما يتبرّأ (3) المعتِق من


1 . في «أ»: فإن .

2 . في المصباح المنير: 2 / 260: مثلت بالقتيل مَثْلاً من بابي قتل وضرب: إذا جدعتَه، وظهرت آثارُ فعلك عليه تنكيلاً، والتشديد مبالغة .

3 . في «ب» : ما يبرأ .


صفحه 43

ضمان الجريرة فيه، وهو كالأوّل في أنّه لا يثبت به ميراث . والثاني ماليس كذلك، وبه يثبت الميراث للمنعم بشرط أن لا يخلّف العتيق وارثاً مناسباً قريباً كان أو بعيداً ذا فرض (1) أو غيره .

6329. الثاني: لو تبرّأ المتبرّع بالعتق من ضمان الجريرة لم يرث، سواء أشهد بالبراءة أو لم يُشهْد، والوجه أنّ التبرّي إنّما يؤثّر حال العتق ، فلو تبرّع بعتقه ثم بعد ذلك أسقط الضمان ، فالوجه أنّ الولاء لا يسقط .

أمّا لو شرط سقوط الضمان وقت العتق فإن الولاء يسقط إجماعاً.

6330. الثالث: المكاتب لاولاء عليه ، لأنّه اشترى نفسه من مولاه، أمّا المدبّر والموصى بعتقه فالوجهُ أنّ ولاهما للمدبِّر والموصي .

وأُمّ الولد عندنا تنعتق من نصيب ولدها، فلا ولاء لمولاها عليها، لأنّه لم يباشر عتقها، ولا للولد لأنّ النسب لا يجامع الولاء عندنا .

6331. الرابع: لو تبرّع بالعتق عن ميّت أو عن حيٍّ من غير مسألة ، فولاؤه للمعتق لا المعتق عنه، ولو أمره بالعتق عنه فعتق، فالولاء للمعتَق عنه لا المعتِق، أمّا لو أمره بالعتق عنه بعوض فعتق ، فالوجه أنّه كذلك، وكذا لو قال: أعْتِقْ عبدَك عنّي وعليّ ثمنه .

ولو قال: أعتِقْ عبدَك والثمن عليّ ، فالولاءَ للمعتِق وعلى الضامن الثمن .

6332. الخامس: لو مات العتيق ولم يخلّف وارثاً من الأنساب وإن بعد، وخلّف زوجاً أو زوجةً، كان لهما نصيبهما الأعلى ، والباقي للمنعم بالعتق .


1 . في النسختين: «إذا فرض» والصحيح ما في المتن .


صفحه 44

6333. السادس: لا يصحّ بيعُ الولاء ولا هبتُهُ ولا اشتراطُهُ في بيع، ويورّث على ما يأتي تفصيله .

6334. السابع: شرط الميراث بالولاء التبرّع بالعتق ، وعدم التبرّي من ضمان الجريرة، وعدم المناسب للعتيق وإن بعد، فإذا اجتمعت الشروط ومات العتيق ، فميراثه للمنعم إن كان واحداً ، ذكراً كان أو أُنثى، ولو كان المنعم أكثر من واحد تشاركوا في الولاء بالحصص، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، أو رجالاً ونساءً.

فإن عدم المنعم ، اختلف علماؤنا، فقال ابن بابويه: يكون الولاءُ للأولاد الذكور والإناث لأنّ الولاء كالنّسب ، (1) وبه أفتى الشيخ في الخلاف إن كان المعتِق رجلاً .(2)

وقال المفيد (رحمه الله): الولاء للأولاد الذكور دون الإناث، سواء كان المنعِمُ رجلاً أو امرأةً.(3)

وقال في النهاية: إن كان المعتق رجلاً فالولاء لأولاده الذكور خاصّةً، وإن كان امرأةً فالولاء لعَصَبَتها .(4) وهو المشهور.

6335. الثامن: يرث الولاءَ الأبوان والأولاد، ولا يشركهما أحدٌ من الأقارب ، فإن عُدِم الأولادُ قام أولادُ الأولاد مقامَهُمْ ، ويأخذ كلٌّ منهم نصيبَ من يتقرّب به، كالميراث في غير الولاء .


1 . الفقيه: 4 / 224 ذيل الحديث 712 .

2 . الخلاف: 4 / 79 و 81، المسألة 84 و 86 من كتاب الفرائض .

3 . المقنعة: 694 .

4 . النهاية: 670 .


صفحه 45

ولو عُدِمَ الأبوان والأولادُ وإن نزلوا، ورثه الإخوة والأخوات من الأبوين أو من الأب، والأجداد والجدّات من قِبَلِه، وقيل: تمنع الإناث .(1) فإن عُدِم الإخوةُ والأجدادُ ورثه الأعمام والعمّات وأولادهم الأقرب فالأقرب.

ولا يرث الولاء من يتقرّب بالأُمّ ، من الإخوة والأخوات، والأجداد والجدّات، والأخوال والخالات .

ولو فُقِد المتقرّبُ بالأب ورث الولاءَ مولى المولى، فإن عُدِم فقرابةُ مولى المولى من قِبَل الأب دون الأُمّ، فإن فقدوا فمولى مولى المولى، فإن عُدِم فقرابةُ مولى مولى المولى من قِبَل الأب دون الأُمّ ، فإن فُقِدوا فالإمامُ.

6336. التاسع: العتيق لا يرث من المنعم، فلو مات المعتِقُ ولا وارث له، فميراثه للإمام دون العتيق.

6337. العاشر: اختلف علماؤنا في أنّ النساء هل يرثن من الولاء؟ أمّا إذا قربن بالأُمّ فلا، وإن قربن بالأب فقولان، والإجماع على أنّهنّ يرثن من أعتقن أو أعتق من أعتقن أوجَرّ الولاء إليهنّ من أعتقن ، فلو مات رجلٌ وخلّف ابنَ معتقه وبنت معتقه فالميراث لابن المعتق خاصّة على أحد القولين ، وعلى الآخر للذّكر ضِعْف الأُنثى.

ولو لم يخلّف إلاّ بنت معتقه فالمال للإمام على الأوّل ولها على الثاني، وكذا لو خلّف أُمّ معتقه أو جدّة معتقه أو غيرهما.


1 . القائل هو أبو الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه: 374 ، والمفيد في المقنعة: 694 .


صفحه 46

ولو خلّف بنت معتقه وابنَ عمّ معتقه، فالمال لابن العمّ على الأوّل وللبنت على الثاني.

ولو أعتق الرّجلُ وابنته عبداً، ثمّ مات الرّجل عنها وعن ابن، ثمّ مات العبد، فللبنت النصفُ لأنّها مولاةُ مالك نصفِه، ولها على أحد القولين ثلث النصف الآخر ، والباقي وهو ثلثا النصف للابن، وعلى القول الآخر لا شيء لها في النصف الباقي، بل جميعه للابن.

ولو ماتت البنت قبل العبد، وخلّفت ابناً، ثم مات العبد ، فلابنها النصف ولأخيها النصف، وعلى القول الآخر يرث أخوها الثلث.

ولو خلّفت بنتاً، فالولاء بأجمعه لأخيها على أحد القولين، وعلى الآخر يرث الأخ الثلث.

ولو مات الابن قبل العبد وخلّف بنتاً، ثمّ مات العبد، فللبنت المعتقة النصفُ والباقي للإمام على أحد القولين ، وعلى الآخر يكون للمعتقة الثلثان، والثلث لبنت الابن.

6338. الحادي عشر: جرّ الولاء صحيح من مولى الأُمّ إلى مولى الأب ، فلو أولد العبد من معتقة ابناً، فولاء الولد لمعتق الأُمّ . فإن أعتق الأب بعد ذلك، انجرّ الولاء من معتق الأُمّ إلى معتق الأب.

فإن لم يكن مولى الأب فلعصبة مولى الأب، فإن لم يكن عصبة فلمولى عصبة مولى الأب، فإن فُقِد المولى والعصبات فلضامن الجريرة، فإن فُقِد، فالولاء للإمام ، ولا يرجع إلى مولى الأُمّ.


صفحه 47

6339. الثاني عشر: لو كانت أولاد المعتقة مماليك، فولاؤهم لمن أعتقهم ، وإن أُعتقوا حملاً مع أُمّهم، ولا ينجرّ ولاؤهم، وإنّما ينجرّ مع عدم مباشرة العتق لهم.

ولو حملت بهم بعد العتق، فولاؤهم لمولى أُمّهم إن كان أبوهم رقّاً، ولو كان حرّاً في الأصل لم يكن لمولى أُمّهم ولاء، ولو كان أبوهم معتقاً فولاؤُهم لمولى الأب.

ولو كان أبوهم قد أُعتق بعد ولادتهم انجرّ ولاؤهم من مولى أُمّهم إلى مولى الأب.

6340. الثالث عشر: لو أولد المملوك من معتقَة حرّاً فولاء الولد لمولى الأُمّ، فإن مات الأب مملوكاً وأُعتق الجدّ، قال الشيخ (رحمه الله): ينجرّ الولاء إلى معتق الجدّ لأنّه قائم مقام الأب،(1) ولو أُعتق الجدّ والأب حيّ مملوك فكذلك ينجرّ الولاء إلى معتقه، فإن أُعتق الأب بعد ذلك انجرّ الولاء من معتق الجدّ إلى معتق الأب، لأنّه أقرب.

6341. الرابع عشر: لو أعتقت مملوكاً فأعتق المملوك آخر، فميراث الأوّل للمعتقة مع عدم المناسب، وميراث الثاني للأوّل مع عدم المناسب ووجود الأوّل، فإن لم يكن الأوّل فميراث الثاني للمعتقة أيضاً لأنّها مولاة مولاه.

فإن اشترت أباها، فأعتق أبوها آخرَ، ومات الأب، ثمّ الآخر ولا وارث له، فميراث الآخر للبنت، النصفُ بالتسمية والباقي بالردّ إن قلنا إنّ النساء يرثن الولاء، وإلاّ كان الميراث لها بالولاء.(2)


1 . المبسوط: 4 / 97 .

2 . وميراث الآخر لأبيها لأنّه كان مولاه فالبنت ترث الولاء، النصف بالتسمية لأنّها واحدة والباقي بالرّد إن قلنا بوراثة النساء الولاء، وإلاّ ترث المال كلّه بالولاء ، لأنّها مولاة مولاه .


صفحه 48

6342. الخامس عشر: لو اشترت بنتا عبد من معتقة أباهما، فميراثه لهما بالتسمية والرّد ، (1) فإن ماتت إحداهما فميراثها للأُخرى بالتسمية والرّد، ولا ميراث لمُعْتِق الأُمّ لوجود المناسب .

فإن ماتت الأُخرى ولا وارث ، فالأقرب عدم الانجرار إليهما بعتق الأب، إذ لا يجتمع استحقاق الولاء بالنسب والعتق . ولو ماتتا قبل الأب ورثهما بالنسب.

6343. السادس عشر: ولاء ابن العبد من المعتَقة لمولى الأُمّ ، فإن اشترى الابن عبداً فأعتقه، فولاؤه له، فإن اشترى العتيق أب الابن فأعتقه انجرّ الولاء من مولى الأُمّ إلى مولى الأب، وكان كلٌّ من الابن (2) والعتيق الثاني مولى لصاحبه.

فإن مات الأب فميراثه لابنه، فإن مات الابن ولا نسب له فميراثه لمعتِقِ الأب، وإن مات المعتَقُ ولا نسب له، فولاؤه للابن.

ولو ماتا ولا نسب لهما، قال الشيخ: يرجع الولاء إلى مولى الأُمّ .(3) وليس بمعتمد.

6344. السابع عشر: لو اشترى أبٌ وأحدُ ولديه عبداً فأعتقاه، ثمّ مات الأب ثمّ العبد ، فللمشتري ثلاثة أرباع تركته، وللآخر الربع.

6345. الثامن عشر: لو أنكر العتيق ولدَ العتيقة وتلاعنا، فميراث الولد لمولى


1 . قال المحقّق في الشرائع: 4 / 39: لو أولد العبد بنتين من معتَقة، فاشترتا أباهما انعتق عليهما فلو مات الأب كان ميراثه لهما بالتسمية والرّد لا بالولاء.

2 . كذا في «ب» ولكن في نسخة «أ»: «الأبوين» والصحيح ما في المتن .

3 . المبسوط: 4 / 107 .


صفحه 49

الأُمّ مع عدم النسب من قِبَلها. فإن اعترف به الأبُ بعد ذلك لم يرثه ولا المنعِمُ عليه، لانقطاع الميراث من الأب ومن يتقرّب به وإن عاد النسب.

6346. التاسع عشر: لو خلّف المعتق ثلاث بنين كان الولاء بينهم بالسوّية، فإن مات أحدهم وخلّف اثنين، ثمّ مات الثاني وخلّف ثلاثة، ثمّ مات الثالث وخلّف أربعة، فالولاء بينهم أثلاثاً لكلّ قوم منهم نصيبُ أبيه ليس على عدد الرؤوس.

6347. العشرون: لو أولدت الأمةُ عبداً لمولاها فأعتقهما معاً، فولاء الولد لمعتِقِهِ . فإن أُعتق الأب بعد ذلك لم ينجرّ الولاء إليه ، لأنّ المباشر للعتق أولى .

ولو تجدّد ولد آخر قبل عتق الأب (1) كان تابعاً للأُمّ في الحرّيّة، وولاؤهُ لمعتِقِ أُمّه، فان أُعتق الأب بعد ذلك انجرّ ولاء الابن الثاني إلى معتِقِ الأب دون الأوّل .

6348. الحادي والعشرون: لو طلّق العبد الأمة طلقتين، أو خالعها ثمّ أُعتقت، ثمّ أتت بولد يمكن إلحاقُهُ به ونفيُهُ عنه، بأن يأتي لستّة أشهر فصاعداً إلى تسعة، فولاء الولد لمولى الأُمّ، فإن أُعتق الأب بعد ذلك لم ينجرّ الولاء إليه ، لجواز أن يكون موجوداً حال العتق وأن يكون معدوماً، والأصل بقاء الرّقّ، قاله الشيخ في الخلاف، (2) بناء على قاعدته من أنّ الحمل يتبع الأُمّ في العتق .

6349. الثاني والعشرون: لو جوّزنا عتقَ الكافر على ما ذهب إليه الشيخ في


1 . في «أ»: قبل العتق .

2 . لم نعثر عليه .


صفحه 50

الخلاف ، (1) كان الولاء له ولو كان العتيق مسلماً، ولو مات قبل إسلام المولى ولا وارث له، فميراثه للإمام ولا يرثه الكافر، ولو مات بعد إسلامه ورثه، ولو اسلم المولى دونه فميراثه لمولاه إذا لم يكن له وارث مسلم .

ولو سبي المولى واسترقّ ثمّ أُعتق، فعليه الولاء لمعتِقِه وله الولاء على عتيقه .

وهل يثبت لمعتق السيّد ولاء على العتيق؟ فيه احتمال ينشأ من أنّه مولى مولاه، ومن عدم الإنعام عليه.

فإن كان قد اشتراه مولاه فأعتقه فكلٌّ منهما مولى صاحبه، وكذا إن أسره مولاه فأعتقه .

ولو أسره مولاه وأجنبيٌّ فأعتقاه فالولاء بينهما نصفان، فإن مات بعد(2) المعتِق الأوّل فلشريكه نصف ماله، لأنّه مولى نصف مولاه على أحد الاحتمالين، وعلى الآخر لا شيء له لأنّه لم ينعم عليه .

ولو سبي العتيق فاشتراه رجل فأعتقه بطل ولاء الأوّل ، وانتقل الولاء إلى الثاني، لبطلان ملك الأوّل بالسبي، فالولاء التابع له أولى .

ولو أعتق المسلم كافراً صحّ على أحد الأقوال لنا وولاؤه للمسلم، فإن هرب إلى دار الحرب ثمّ أسره المسلمون قيل: لا يصحّ استرقاقه لأنّ فيه إبطال ولاء المسلم، والأقرب جواز استرقاقه عملاً بالمقتضي وهو الكفر، فإذا أُعتق


1 . الخلاف: 6 / 371 ، المسألة 12 من كتاب العتق .

2 . في «ب»: فإن مات بعده .


صفحه 51

احتمل أن يكون الولاء للثاني: لأنّ الحكمين إذا تنافيا كان الثابت هو المتأخّر كالناسخ ، وأن يكون للأوّل ، لأنّ ولاءه ثبت وهو معصوم فلا يزول بالاستيلاء كالملك.

6350. الثالث والعشرون: إنّما ينجرّ الولاء إلى مولى الأب بشروط ثلاثة:

عبوديّة الأب حين الولادة، فلو كان حرّاً في الأصل فلا ولاء على ولده، وإن كان مولى (1) ثبت الولاء على ولده لمواليه ابتداء، ولا جرّ.

وكون الأُمّ مولاةً، فلو كانت حرّةً في الأصل فأولادُها كذلك، وإن كانت أمة فولدها رقيق لسيّدها ، فإن أعتقه فولاؤه له ولا ينجرّ عنه.

وإن أعتقها المولى فأتت بولد لدون ستّة أشهر فقد مسّه الرقّ، وعُتق بالمباشرة إن قلنا إنّ الحمل تابع، وإلاّ بقي على الرقيّة.

وإن أتت به لأكثر من ستّة أشهر مع بقاء الزّوجية ، لم يحكم بمسّ الرّق ، وانجرّ الولاء، لاحتمال حدوثه بعد العتق، فلم يمسّه الرقّ ولم يحكم برقّه بالشكّ.

وإن كانت بائناً وأتت به لأكثر من مدّة الحمل من حين الفرقة ، لم يلحق بالأب ، وولاؤه لمولى أُمّه. وإن أتت به لأقلّ من ذلك، لحقه الولد وانجرّ ولاؤه.

الثالث: أن يُعتق العبد فلو مات رقّاً لم ينجرّ الولاء إجماعاً .

فإن اختلف سيّد العبد ومولى الأمة في حرّية الأب بعد موته، فالقولُ قولُ مولى الأُمّ ، لأنّ الأصل بقاء الرّق وعدم الانجرار.


1 . في «ب»: وإن كان المولى .


صفحه 52

6351. الرابع والعشرون: إذا كان أحد الزوجين (الحرّين) (1) حرّ الأصل ، فلا ولاء على ولدهما، سواء كان الأب الحرّ أعجميّاً أو عربيّاً، وسواء كان مسلماً أو ذميّاً ، أو مجهول النسب أو معلومه.

ولو تزوّج عبد بمعتقة فأولدها ولداً، فتزوّج الولد بمعتقة رجل فأولدها ولداً ، فولاء الولد الثاني لمولى أُمّ أبيه، لأنّ له الولاء على أبيه فكان له عليه، كما لو كان مولى جدّه . ولأنّ ثبوت الولاء على الأب يمنع من ثبوته لمولى الأُمّ.

ويحتمل أن يكون الولاء لمولى أُمّه ، لأنّ الولاء الثابت على أبيه من جهة أُمّه ، ومثل ذلك ثابت في حقّه .

6352. الخامس والعشرون: لو خلّف بنتَ مولاه ومولى أبيه، فإن قلنا إنّ النساء يرثن الولاء فميراثه لبنت مولاه، وإن منعناهنّ فميراثه للإمام ، لأنّه إذا ثبت عليه ولاءٌ من جهة مباشرة العتق لم يثبت عليه بإعتاق أبيه .

ولو كان له معتِقُ أب ومعتِقُ جدٍّ ولم يكن هو معتقاً ، فميراثه لمعتِقِ أبيه إن كان ابن معتقة، ثمّ لعصبة معتِقِ أبيه، ثم لمعتِق معتق أبيه . فإن لم يكن له أحد منهم فللإمام . ولا يرجع إلى معتِق جدّه.

وإن كان ابن حرّة الأصل ، فلا ولاء عليه وليس لمعتِق أبيه شيء.

6353. السادس والعشرون: لو أسلم رجلٌ على يد (2) رجل لم يرثه بذلك.

واللقيط حرّ، لا ولاء لأحد عليه، ولا الملتقَطَة.


1 . ما بين القوسين يوجد في «أ» .

2 . في «أ»: على يدي.


صفحه 53

المطلب الرابع: في باقي أقسام الولاء

وفيه خمسة مباحث :

6354. الأوّل : إذا مات ولم يخلّف نسباً وإن بعد ولا مولى نعمة، كان ميراثه لضامن الجريرة، وهو الّذي يعاقد من أعتق في كفّارة أو نذر وغيرهما من الواجبات أو من تبرّأ المتبرّع بعتقه من ضمان جريرته، أو من كان حرّاً في الأصل ولا قريب له بأن يضمن عنه جريرته وحدثه .

6355. الثاني: لا ميراث لضامن الجريرة مع القريب وإن بعد ، ولا مع مولى النعمة، ويشارك الزوج والزوجة، فيأخذان نصيبُهما الأعلى ، والباقي للضامن مع عدم النسب والمنعِم.

6356. الثالث: لو لم يخلّف مناسباً ولا منعِماً ولا ضامنَ جريرة كان ميراثه للإمام، وهو القسم الثالث من أقسام الولاء ولا يرث إلاّ مع فقد الأنساب كلّهم والمعتِقِ إن كان (1) الميّت مولى وضامن الجريرة.

6357. الرابع: إذا كان الإمام ظاهراً فميراث من لا وارث له للإمام ، يصنع به ما شاء، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام)يضعه في فقراء أهل بلده وضعفاء جيرانه تبرّعاً منه (عليه السلام)بذلك، دون أن يكون ذلك واجباً .(2)


1 . في «أ»: إذا كان .

2 . الوسائل: 17 / 554 ، الباب 5 من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث 10 ـ 11 .


صفحه 54

وإن كان غائباً حفظ له (عليه السلام)إلى حين ظهوره (عليه السلام)، فإن لم يتمكّن من إيصاله إليه ، قسّم في الفقراء والمساكين، ولا يعطى سلطان الجور منه على حال إلاّ مع التغلّب أو الخوف .

6358. الخامس: يختصّ بالإمام ما يغنمه السّريّة بغير إذنه وما يتركه المشركون فزعاً ويفارقونه من غير حرب .

أمّا ما يؤخذ صلحاً أو جزيةً، فهو للمجاهدين، ومع عدمهم لفقراء المسلمين.

وما يؤخذ سرقة من أهل الحرب في زمن الهدنة يعاد عليهم، وإن لم يكن هدنة فلآخذِهِ، وعليه الخمس فيه .

ومن مات من أهل الحرب ولا وارث له ، فميراثه للإمام .


صفحه 55

المقصد الرابع: في موانع الإرث

وفيه فصول

الفصل الأوّل : في الكفر

وفيه أحد عشر بحثاً :

6359. الأوّل : موانع الإرث ثلاثة: الكفر، والقتل ، والرّق .

فالكافر لا يرث المسلمَ سواء كان ذميّاً أو حربيّاً أو مرتدّاً، وسواء كان المسلمُ كافراً في الأصل أو لا، وسواء قرب الكافر أو بعد، وسواء خلّف المسلم وارثاً غيرَهُ أو لا .

فلو مات مسلمٌ وخلّف ولداً كافراً وقريباً مسلماً وإن بعدت قرابتُهُ ، كان ميراثُه للبعيد المسلم وان كان يقربه الكافر .

ولو لم يخلّف قريباً، وخلّف مولى نعمة فميراثه لمولى النعمة. فإن لم يكن ، فلضامن الجريرة، فإن فُقد فللإمام ، ولا يرثه الولد الكافر.


صفحه 56

ويرث المسلم الكافر أصليّاً كان أو مرتدّاً إجماعاً منّا.

6360. الثاني: لو مات الكافر الأصلىّ وله ورثة كفّار، ولا مسلم فيهم، فميراثه لهم، ولو كان له وارث مسلم وإن بعد كمولى النعمة أو ضامن الجريرة فميراثه للضامن المسلم دون ورثته الكفّار .

ولو كان الكافر مرتدّاً وله وارث مسلم وإن بعد كضامن الجريرة فميراثه للضامن ، ولا يرثه القريب الكافر، ولو لم يكن له وارث مسلم ورثه الإمام ولا شيء للكافر، وفي رواية شاذّة يرثه وارثه الكافر كالأصلي .(1)

6361. الثالث: الكفّار يتوارثون مع عدم الوارث المسلم، سواء اتّحد دينهم أو اختلف، فيرث اليهوديّ مثله ومن عداه كالنصرانيّ والمجوسيّ وعابد الوثن والشمس وغيرهم وبالعكس، ولا فرق بين أهل الذمّة وغيرهم في ذلك بل يرث الحربيّ الذمّي وبالعكس ، سواء اتّحدت الدار أو اختلفت.

6362. الرابع: المرتدّ لا يرث المسلم ويرث الكافر، ولو ارتدّ متوارثان فمات أحدهما لم يرثه الآخر بل تنتقل تركتُهُ إلى وارثه المسلم، فإن لم يكن له وارث مسلم فميراثه للإمام .

والزنديق ـ وهو الّذي يظهر الإسلام ويستسرّ (2) بالكفر، وهو المنافق ـ كالمرتدّ.

6363. الخامس: المرتدّ إن كان عن فطرة لم تُقْبل توبتُهُ ، وتُقسّم تركتُهُ من


1 . الوسائل: 17 / 385 ، الباب 6 من أبواب موانع الإرث ، الحديث 1 .

2 . في «أ»: ويستر .


صفحه 57

حين الارتداد، وتبين منه زوجتُهُ ، وتعتدّ عدّةَ الوفاة ، سواء قتل أو بقي .

وهل يتجدّد له ملك شيء كما لو استأجر؟ فيه نظر . ولو فرض دخوله انتقل إلى ورثته في ثاني الحال.

وإن كان عن غير فطرة استتيب فإن تاب ، وإلاّ قتل، وأموالُهُ باقيةٌ عليه إلى أن يُقتل أو يموت .

وتعتدّ زوجتُهُ من حين الارتداد مع الدخول عدّةَ الطلاق ، فإن رجع قَبْلَ خروج العدّة فهو أملك بها، وإن خرجت العدّة ولم يرجع، بانت منه، فإن مات في العدّة ورثته لا بعدها.

وأمّا المرتدّة فلا تُقتل وإن كانت عن فطرة بل تُحبس وتُضرب أوقات الصّلاة ، وأموالُها باقيةٌ عليها، لا تقسّم إلاّ بعد موتها، وينفسخ نكاحها من زوجها قبل الدخول، وبعده يقف على انقضاء العدّة.

6364. السادس: المسلمون يتوارثون وإن اختلفوا في المذاهب ، فالإمامىّ يرث السنّي وبالعكس ، أمّا الغلاة والخوارج فلا يرثون مسلماً.

6365. السابع: لو أسلم الكافر على ميراث قبل قسمته شارك الورثة إن ساواهم في الدّرجة، واختص بالمال أجمع دونهم إن كان أولى منهم، ولو أسلم بعد القسمة فلا شيء له.

ولو كان الوارث واحداً لا ميراث له لانتفاء مسمّى القسمة هنا، ولو لم يكن وارث سوى الإمام فأسلم ، فهو أولى من الإمام (عليه السلام)على رأي،(1) ويمنع من


1 . ذهب إليه المحقق في الشرائع: 4 / 12 .


صفحه 58

الميراث إن كان قد نقل المال إلى بيت المال على رأي ، (1) ومطلقاً على رأي(2).

ولو أسلم وقد قسّم بعضه شارك فيما لم يقسّم، وفي مشاركته فيما قسّم نظر، وكذا لو أسلم بعد نقل بعض التركة إلى بيت المال على ما اختاره بعض علمائنا.

ولو كان الوارث زوجاً أو زوجةً فأسلم الكافر، أخذ ما فضل عن نصيب الزوجيّة على إشكال، إذ هو وارث واحد، ويحتمل المشاركة مع الزوجة دون الزوج، وبالجملة الإشكال ينشأ من الرّد على الزّوجين وعدمه .(3)

6366. الثامن: المرتدّ ترثه ورثتُهُ المسلمون، ولا يصير مالُه فيئاً للمسلمين .

ولو ارتدّ الزوجان معاً لم يتوارثا، ثمّ إن كان بعد الدّخول عن غير فطرة من الرّجل وقف الفسخ على انقضاء عدّة الطلاق، فإن خرجت ولم يرجعا انفسخ النكاح، وإن رجعا فيها فهو له أملك، ولو رجع أحدهما انتظر الآخر فإن خرجت العدّة قبل عوده فلا نكاح .

ولو كان قبل الدخول، أو ارتداد الرّجل عن فطرة انفسخ النكاح في الحال.

6367. التاسع: لو مات الكافر ولا وارث له، فميراثه للإمام .

6368. العاشر: يحكم بإسلام الطفل إن كان أحدُ أبويه مسلِماً في الأصل، وكذا لو تجدّد إسلامُهُ قبل بلوغ الطفل.


1 . وهو خيرة الشيخ في المبسوط: 4 / 79 .

2 . قال في الجواهر: والقائل الشيخ في ظاهر محكيّ النهاية وابن البراج في محكيّ المهذّب بل قيل: انّه خيرة الآبي والنافع والجامع والتبصرة والمعالم . جواهر الكلام: 39 / 21 ، ولاحظ النهاية: 663 ، والمهذّب: 2 / 157 .

3 . لاحظ لمزيد التوضيح في ذلك، المسالك: 13 / 26.


صفحه 59

ولو تجدّد إسلام الأب بعد بلوغ الطفل لم يتبعه في الإسلام ، وإنّما يتبعه لو أسلم أحد الأبوين حال صغر الولد.

فإن بلغ الولد حينئذ فامتنع عن الإسلام ، قُهِرَ عليه ، فإن أصرّ كان مرتدّاً.

ولو مات الأب كافراً فأسلم الجدّ تبعه الولد أيضاً في الإسلام، وكان حكمُهُ حكمَ الأب سواء .

فإن أسلم الجدّ، والأبُ كافرٌ حيٌّ، فهل يتبع الولد الجدّ في الإسلام؟ قوّاه الشيخ (رحمه الله) (1) فعلى هذا لو مات المسلم أو الكافر وخلّف أباً وابناً صغيراً كافرين فأسلم الأب قبل القسمة شاركهم هو والابن .

6369. الحادي عشر: إذا مات الكافر وخلّف أولاداً صغاراً وابنَ أخ وابنَ أُخت مسلمين، فإن كانت أُمّ الأولاد مسلمةً تبعها الأولاد في الإسلام ، وكان ميراثه لأولاده خاصّةً، فإذا بلغوا واختاروا الكفر قُهِروا على الإسلام ، فإن امتنعوا كانوا مرتدّين، وكان ميراثهم من أبيهم لورثتهم حال ارتدادهم.

وإن كانت الأُمّ كافرةً، كان الميراث لابن الأخ وابن الأُخت المسلمين أثلاثاً.

قال الشيخ (رحمه الله): ويُنْفِقُ ابنُ الأخ ثُلْثَي النفقة على الأولاد وابن الأُخت الثلث، فإن بلغ الأولاد وأسلموا فهم أحقّ بالتركة، وإن اختاروا الكفر استقرّ ملك ابن الأخ وابن الأُخت على التركة ومُنِع الأولاد.(2) وصار في ذلك إلى رواية مالك بن أعين الصحيحة عن الباقر(عليه السلام)(3) .


1 . المبسوط: 4 / 97 .

2 . النهاية: 665 .

3 . الوسائل: 17 / 379 ، الباب 2 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1 .


صفحه 60

ومنع ابن إدريس ذلك(1) وجعل الميراث لابن الأخ وابن الأُخت المسلمين ، فإنّ الأولاد كفّارٌ كآبائهم ولا نفقة، ولو بلغ الأطفال وأسلموا لم يدفع التركة إليهم مع القسمة، وهو الوجه .

الفصل الثاني: في باقي الموانع

وفيه ستّةٌ وعشرون بحثاً:

6370. الأوّل : القاتل لا يرث المقتول إذا كان عمداً ظلماً، سواء كان القاتل أباً أو غيره، ويرثه غير القاتل وإن بعد من ذوي الأسباب أو الأنساب .

ولو لم يوجد سوى القاتل كان الميراث لبيت المال .

ولو كان القتل غير ظلم كالقتل قصاصاً، أو حدّاً، أو دفعاً عن نفسه، أو جهاداً للباغي أو الكافر، لم يمنع القاتل من الميراث.

6371. الثاني: اختلف علماؤنا في القاتل خطأ، فقال بعضهم: لا يرث كالعمد،(2) والرواية (3) به مقطوعة السند.

وقال آخرون: يرث مطلقاً (4) وهو الأشهر.


1 . السرائر: 3 / 269 .

2 . ذهب إليه ابن أبي عقيل، حكاه عنه المصنّف في المختلف: 9 / 84 .

3 . الوسائل: 17 / 392 ، الباب 9 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3 .

4 . وهو خيرة الشيخ في النهاية: 672 .


صفحه 61

وجمع المفيد (رحمه الله) بين الأخبار فقال: يرث من التركة ولا يرث من الدية،(1) وهو حسن .

والوجه إلحاق شبيه الخطأ بالخطأ، وكذا من أمره العاقل ببطّ(2) جراحة، أو قطع سلعة(3) فتلف، أو قصد مصلحة مولّيه بما له فعلُهُ من سقي دواء أو بطّ جراح فمات، والنائم ، والساقط على إنسان من غير اختيار، وسائق الدّابّة وقائدها وراكبها ، والصبيّ والمجنون إذا قتلا غيرهما.

6372. الثالث: لا فرق في العمد بين المباشرة والتسبيب، وكذا في الخطأ ، فلو شهد مع جماعة ظلماً عمداً على مورّثه فقتل لم يرثه، وإن كان خطأ ورثه من التركة، ولو شهد بحقٍّ فقتل ورثه، لأنّه سائغ.

ولو قتل أكبرُ الإخوة الثاني ثمّ الثالثُ الأصغر، ولا وارث سواهما، لم يسقط القصاص عن الأكبر، لأنّ ميراث الثاني للثالث والأصغر نصفين، فلما قتل الثالثُ الأصغرَ لم يرثه، وورثه الأكبر، فيرجع إليه نصف دم نفسه فإن أدّى الثالث إليه نصف الدية كان له قتله، وإلاّ فلا.

وأمّا الثالث فعليه القصاص للأكبر عن الأصغر ويرثه، ولو اقتصّ الأكبر أوّلاً سقط القصاص عنه، لأنّه ورثه، ويحتمل أن لا يرثه، لأنّه تعدّى باستيفاء حقّه أوّلاً .

6373. الرابع: لو قتل الولد أباه لم يرثه، فإن كان للقاتل ولدٌ ولا ولد للأب،


1 . المقنعة: 703 .

2 . بطّ الرّجلُ الجرحَ بطّاً، من باب قتل : أي شقّه . مجمع البحرين .

3 . السِّلْعَةُ ، بكسر السين: زيادة في الجسد كالغدّة وتتحرّك، إذا حركت . مجمع البحرين .


صفحه 62

ورث الجدّ، ولم يمنع من الميراث بجناية أبيه، ولو كان للقاتل ولدٌ كافرٌ منع أيضاً، وكان الميراث لولد الولد، ولو لم يكن هناك ولد ولد ولا غيره، فالميراث للإمام، فإن أسلم الكافر كان أولى به، على ما تقدّم من الخلاف.

6374. الخامس: الزّوج والزوجة يرثان من الدّية ، سواء كان القتل عمداً أو خطأ، ولا يرثان من القصاص شيئاً ، وإنّما يرثان من الدّية في العمد إذا رضي الورثة والقاتل بأدائها.

ولو لم يحصل التراضي لم يكن للزوج ولا للزوجة المطالبة بشيء من الدّية، سواء عفا الورثة عن القصاص أو اقتصّوا، أمّا لو وقع التراضي بالديّة، ثمّ عفوا عنها، كان للزوج والزوجة أخذُ نصيبها منها.

6375. السادس: يرث الدّية كلُّ مناسب ومسابب، عدا من يتقرّب بالأُمّ ، فإنّ فيهم خلافاً (1).

ولو لم يكن للمقتول وارثٌ سوى الإمام، كان له المطالبة بالقود أو الدّية مع رضى القاتل عمداً بها ، وليس له العفو .

6376. السابع: الديّة في حكم مال الميّت، يقضى منها ديونه، وينفذ منه وصاياه، سواء كان القتل عمداً إذا وقع الرضا بالدّية أو خطأً.

ولو وقع عمداً ، فاختار الدّيّانُ الدّيةَ والورثةُ القصاصَ، قدّم اختيار الورثة ، ولا يجب عليهم دفع الدّية ولا شيئاً منها.

6377. الثامن: الرقّ مانعٌ من الإرث في الوارث والموروث، فلو مات العبد


1 . لاحظ الأقوال حول المسألة في المسالك: 13 / 43 ـ 44 .


صفحه 63

فميراثه لمولاه، فإنّ العبد لا يملك ، سواء ملّكه مولاه أو لا، وسواء كان قنّاً، أو أُمّ ولد، أو مدبّراً، أو مكاتباً مشروطاً، أو مطلقاً لم يؤدّ شيئاً، وسواء كان له وارثٌ حرٌّ، أو مكاتبٌ بكتابته، أو مدبّرٌ بتدبيره أو لا.

ولو انعتق بعضه ورث مولاه نصيب الرقّية، وكان نصيب الحريّة لورثته .

ولو مات الحرّ وله وارث حرّ وآخر مملوك، فميراثه للحرّ وإن بعد، كضامن الجريرة، ولا شيء للعبد وإن قرب كالولد .

ولو كان الحرّ يتقرّب بالعبد لم يسر المنع إليه وورث، كما لو خلّف ولداً مملوكاً وللولد ولدٌ حرٌّ، فإنّ الحرّ يرث الجدّ دون المملوك.

6378. التاسع: لو أُعتق المملوك على ميراث قبل قسمته شارك، إن كان مساوياً للورثة، واختص بالمال أجمع إن كان أولى، وإن أُعتق بعد القسمة لم يكن له شيء، وكذا لو كان الوارث الحرّ واحداً لم يكن له شركة.

6379. العاشر: لو لم يخلّف الحر وارثاً سوى المملوك ، فإن كان المملوك أحد أبوي الميّت أو ولده لصلبه، اشترى من التركة من مولاه بالقيمة العدل، وأُعتق وأعطي باقي التركة، ولو امتنع مولاه من البيع أُجبر على ذلك.

وهل يفك غير الأبوين وولد الصّلب من الأنساب كالأخ والعمّ والجدّ وولد الولد وغيرهم؟

منع المفيد (رحمه الله) ذلك، (1) وهو اختيار السيد (2) وابن إدريس(3).


1 . المقنعة: 695 .

2 . الانتصار: 597 ، المسألة 328 .

3 . السرائر: 3 / 272 .


صفحه 64

وقال الشيخ: يفكّ كلّ مناسب مع فقد الأبوين والولد. (1) وبه رواية ضعيفة(2) .

قال الشيخ في النهاية: وحكم الزّوج والزوجة حكم الأقارب في وجوب الفكّ(3) . وبه رواية (4) جيّدة تدلّ على حكم الزوجة وأنّها تفكّ.

6380. الحادي عشر: لو لم يفضل من التركة شيء عن القيمة وجب الفكّ والعتق، أمّا لو قصرت فالأقوى عدم الوجوب بل ينتقل المال إلى الإمام .

وقال بعض علمائنا: يفكّ بقدر التركة، ويسعى المملوك في الباقي،(5) وليس بجيّد.

ولو كان الوارث اثنين، وقصرت التركة عنهما معاً، لم يجب شراء أحدهما وإن وفت به التركة أو فضل نصيبه عن قيمته على إشكال ، وكان الميراث للإمام.

ولو كان العبد قد انعتق بعضه ، ورث من نصيبه بقدر حريّته ومنع بقدر الرقيّة، وأُعطي باقي النصيب غيره، فإن لم يوجد سواه احتمل صرفُ الباقي إليه يأخذه بجزئه الحرّ وشراء الباقي من نصيب الرقيّة، ودفعُهُ إلى الإمام.

6381. الثاني عشر: أُمّ الولد لا ترث، وكذا المدبّر من مدبّره ولو كان وارثاً، وكذا المكاتب المشروط، والمطلق الذّي لم يُؤدّ شيئاً .


1 . النهاية: 668 .

2 . الوسائل: 17 / 404 ، الباب 20 من أبواب موانع الإرث ، الحديث 3 .

3 . النهاية: 668 .

4 . الوسائل: 17 / 406 ، الباب 20 من أبواب موانع الإرث ، في ذيل الحديث 7 .

5 . قال الشيخ في النهاية: 668: وقال بعض أصحابنا: إنّه إذا كانت التركة أقلّ من ثمن المملوك استسعي في باقيه. ولست أعرف بذلك أثراً .


صفحه 65

6382. الثالث عشر: اللعان سبب في قطع الميراث بين الزوجين، وفي سقوط نسب الولد من الأب، فلو مات الابن لم يرثه الأب ولا من يتقرّب به خاصّةً وبالعكس ، وميراثه لأُمّه ومن يتقرّب بها من الإخوة والأخوال والأجداد، ويرثه ولدُهُ وزوجه وزوجته.

فإن خلّف أُمّهُ وأولاداً فلأُمّه السدس، والباقي للأولاد للذّكر ضِعف الأُنثى، ولو لم يكن ولد فلأُمّه الثلث والباقي ردّ عليها، وفي رواية أنّ الزائد عن الثلث للإمام (1) وهي شاذّة.

ولو فقدت الأُمّ والأولاد فلإخوته وأخواته وأولادهم وأجداده من قِبَلها بالسويّة، ويترتبون الأقرب فالأقرب.

فإن فقدوا فالأخوال والخالات كذلك وأولادهم، فإن فقدوا فللإمام إن لم يكن مولى ولا ضامن جريرة(2) .

ولا يرث الأب ولا من يتقرّب بالأب، وللزّوج والزّوجة نصيبهما مع كلّ درجة، ويرث هو قرابة أُمّه، وقيل: لا يرثهم إلاّ أن يعترف به الأب (3) وليس بمعتمد.

ولو اعترف به أبوه قبل إكمال اللّعان توارثا، ولو اعترف به بعد انقضاء اللّعان لم يرثه الأب ولا من يتقرّب به، ويرثه الولد.


1 . الوسائل: 17 / 560 ، الباب 3 من أبواب ميراث الملاعنة، الحديث 3 و 4 .

2 . في «أ»: ولا ضامن الجريرة.

3 . ذهب إليه الشيخ في الاستبصار: 4 / 181 ، ذيل الحديث 682 .


صفحه 66

وهل يرث الولد من يتقرّب بالأب؟ قال أبو الصّلاح: نعم.(1) والأقربُ المنعُ، لانقطاع النسب باللعان، واختصاص الإقرار بالمقرّ.

6383. الرابع عشر: لو خلّف ابن الملاعنة أخوين: أحدهما لأب وأُمٍّ وآخر لأُمّ تساويا في الميراث، وكذا لو كانا أُختين أو بالتفريق أو ابن أُخت لهما وابن أُخت للأُمّ.

ولو خلّف أخاً وأُختاً لأبويه مع الجدّين للأُمّ تساووا، لسقوط اعتبار نسب الأب.

ولو ماتت أُمّه ولا وارث سواه، فميراثها له، ولو كان أبوان أو أحدهما فلهما السدسان والسدس للواحد والباقي له إن كان ذكراً . وان كان أُنثى فلها النصف والباقي يردّ عليها وعلى الأبوين أو أحدهما .

ولو أنكر الحمل ولاعن فولدت توأمين توارثا بالأمومة(2).

6384. الخامس عشر: ولد الزنا لا يرث أحداً من أبويه ولا من يتقرّب بهما، لانقطاع نسبه منهما، ولا يرثه أحدهما ولا من يتقرّب بهما، وميراثه لولده وزوجه وزوجته، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد وإن نزل فللإمام .

وروي: أنّ ثلث ماله لأُمّه والباقي للإمام .(3) وليس بمعتمد.

6385. السادس عشر: من تبرّأ عند السّلطان من جريرة ولده وميراثه، قال


1 . الكافي في الفقه: 375 .

2 . في «أ»: توارثا بالسويّة.

3 . ذكر الشيخ في النهاية: 680 انّ ميراث ولد الملاعنة ثُلثه لأُمّه ، والباقي لإمام المسلمين ثمّ نقل عن بعض أصحابنا انّ ميراث ولد الزنا مثل ميراث ولد الملاعنة ولعل كلام المصنّف ناظر إلى هذا القول ولكّنه قول لبعض أصحابنا وليس رواية .


صفحه 67

الشيخ (رحمه الله): يكون ميراثه لعصبة أبيه دون أبيه . (1) وليس بجيّد، والوجهُ أنّ أباه يرث دون العصبة.

6386. السابع عشر: لو مات وعليه دين مستوعب للتركة لم ينتقل إلى الوارث، وكانت على حكم مال الميّت على إشكال . أقربُهُ الانتقالُ وصيرورة التركة بمنزلة الرهن، وتظهر الفائدة في النماء المتجدّد بعد الموت.

ولو لم يكن الدّين مستوعباً انتقل إلى الورثة ما فضل، وكان مقابل الدّين باقياً على حكم مال الميّت.

6387. الثامن عشر: اشتباه تاريخ الموت في غير الغرق والهدم على أحد القولين أو حتف أنفهما مانعٌ من الإرث ، وكذا التقارن مطلقاً، فلو مات أبٌ وابنٌ حتف أنفهما، واشتبه تقدُّمُ موت أحدهما، أو علم تقارنهما في الموت ، لم يرث الأب من الابن وبالعكس، بل يرث كلاًّ منهما ورثته غير صاحبه.

6388. التاسع عشر: المفقود أو الأسير الّذي انقطع خبره لا يورث إلاّ أن يعلم موته أو تنقضي مدّة لا يمكن أن يعيش مثله إليها غالباً، وتعتبر المدّة من وقت ولادة المفقود لامن وقت غيبته .

وإذا قُضي بموته، ورثه أقاربه الموجودون وقت الحكم لا وقت الغيبة.

وأمّا ميراثه من الحاضرين فيجب التوقف في نصيبه إذا مات له قريب، ويقسّم باقي التركة، فإن بان حيّاً أخذه ، وإن علم أنّه مات بعد موت مورّثه دفع


1 . في النهاية: 682 هكذا: «العصبة أُمّه دون أبيه» لكن ما نقله المحقّق في الشرائع: 4 / 44 ، والشهيد الثاني في المسالك: 13 / 237 يوافق ما في المتن ، ويؤيّده التعليل .


صفحه 68

نصيبه من ماله إلى ورثته، وإن علم أنّه كان ميّتاً حين موت مورّثه ردّ الموقوف إلى ورثة الأوّل .

وإن مضت المدّة ولم يعلم خبره ردّ أيضاً إلى ورثة الأوّل للشك في حياته حين موت مورّثه، فلا يورث مع الشك، وكذا لو علمنا موته ولم يعلم هل مات قبل الموروث أو بعده .

وقال ابن بابويه (رحمه الله): يطلبه السّلطان أربع سنين في الأقطار، فإن لم يعرف له خبراً قسّم تركته واعتدّت زوجته .(1) وهو مذهب علمائنا في فسخ النكاح، وأمّا الميراث فالأقرب ما تقدّم، وإن كان الاحتياط في البضع أشدّ من المال لكن عارضه تضرّر المرأة بطول الغيبة.

وميراث المفقود للأحياء من ورثته يوم قسمة ماله(2) لا مَنْ مات قبل ذلك ولو بيوم .

6389. العشرون: لو كان أحد ورثة الميّت مفقوداً أُعطي كلُّ واحد من الحاضرين اليقين وتوقف الباقي حتّى يظهر أمر المفقود ، أو تمضي مدّة الانتظار.

فتعمل المسألة على أنّه حيّ، ثمّ على أنّه ميّت، ويضرب إحداهما في الأُخرى إن تباينتا أو في وفقهما إن اتّفقتا، وتجتزئ بأحدهما إن تماثلتا، وبالأكثر إن تناسبتا ،(3) ويُعطى كلُّ واحد أقلّ النّصيبين.


1 . الفقيه: 4 / 240 في ذيل الحديث 766 .

2 . في «أ»: يوم قسم ماله .

3 . إنّ النسبة بين العددين لا تخلو من حالات أربع :

المتماثلان وهما المتساويان قدراً .

والمتداخلان: كون العدد الأكبر من مضاعفات العدد الأصغر ، كما في (4 ، 8) .

والمتوافقان: العددان القابلان للقسمة على عدد صحيح بلا كسر كما في (6 و 9) فإنّهما قابلان للقسمة على عدد (3).

والمتباينان: العددان اللّذان لا مضرب مشترك بينهما كما في (3 و 4).


صفحه 69

فلو خلّف أُمّاً وبنتاً حاضرين وأباً غائباً فرض موته، فيكون للأُمّ بالفرض والرّد الربع وللبنت الباقي عنهما،(1) فأصل الفريضة أربعة، وفرض حياته، فيكون للبنت بالميراث والردّ ثلاثة الأخماس وللأُمّ خمس، وللأب آخر فيضرب خمسة في أربعة يصير عشرين فتأخذ البنت بأضرّ الأحوال اثني عشر سهماً، والأُمّ كذلك أربعة أسهم، وتوقف للأب أربعة.(2)

ولهم أن يصطلحوا على ما زاد عن نصيب المفقود فللأُمّ أن تأخذ خمسة من السّتة عشر إن رضيت البنت ، وللبنت أن تأخذ خمسة عشر من السّتة عشر إن رضيت الأُمّ .(3)

ولو كان الحاضر يرث حالة موت الغائب ، كما لو خلّف زوجةً وأخاً وولداً غائباً لم يعط شيئاً ، فيأخذ للزوجة الثمن ويوقف الباقي، فان استمرّ الاشتباه بعد


1 . في «ب»: «بهما» والضمير راجع إلى الفرض والردّ.

2 . قد مرّ أنّ نصيب البنت الواحدة مع أحد الأبوين (4/3) ومعهما (5/3) .

فأصل الفريضة على الأوّل (4) وعلى الثاني (5) ، فيضرب أحدهما في الآخر (4 × 5 = 20) وسهم البنت منها على الأوّل (20 × 4 /3 = 15) وعلى الثاني (20 × 5 /3 = 12) وسهم الأُمّ على الأوّل (20 × 4 / 1 = 5) وعلى الثاني 20 × 5 / 1 = 4 ، فيعطى لكلٍّ منهما الأقل أي (12) للبنت و (4) للأُمّ والباقي (4) للأب المفقود .

3 . يعني تصطلح البنت والأُمّ على أن يوقف سهم الغائب (4) وتأخذ أحدهما من الباقي (16) سهمها على تقدير موت الغائب ، فالأُمّ تأخذ (5) والباقي للبنت (11) أو بالعكس تأخذ البنت (15) والباقي (1) للأُمّ ، وسهم الغائب للّذي أخذ الأقلّ بعد العلم بموته.


صفحه 70

المدّة أو عرف موته قبل موت الموروث سلّم الباقي إلى الأخ وإلاّ فلا .

ولو خلّفت زوجاً وأُختين لأب وأخاً له غائباً، أُعطي الزّوج النصف والأُختان الربع.

ولو كان الغائب حاجباً غير وارث، كما لو خلّف أبويه وأخويه غائبين ففي تعجيل الحجب نظرٌ أقربُهُ التعجيلُ ، فيأخذ الأُمّ السدس، والأب الثلثين، ويؤخر السّدس للأُمّ ، لكن هنا وإن حكمنا بالحجب لكن يحكم بموتهما في حقّ الأب فلا يتعجّل له (1) السّدس المحجوب عن الأُمّ ، وحينئذ يحكم في الأخوين بالحياة بالنظر إلى طرف الأُمّ ، وبالموت بالنظر إلى طرف الأب .(2)

6390. الحادي والعشرون: الحمل يرث بشرطين:انفصاله حيّاً وإن سقط بجناية جان ، ووجوده عند الموت; فلو خلا من أحدهما كان كالمعدوم من أصله.

ولو جاء لأكثر من أقصى مدّة الحمل من حين الموت لم يرث، وإن جاء لدون ستّة أشهر من حين الموت ورث .

ولو جاء لما بين المدّتين ورث أيضاً ، لأنّ النسب يثبت ، والميراث تابع إذا كانت خالية من مولى يطأها أو زوج، فإن كان لها مولى يطأها أو زوج لم يرث، إلاّ أن يقرّ الورثة إن كان موجوداً حال الموت.


1 . ما بين المعقوفتين أخذناه من الجواهر: 39 / 69 ، نقلاً عن المصنّف .

2 . أي نحكم بموت الأخوين بالنسبة إلى الأب ، فلا يجوز له الأخذ زيادة على الثلثين، ونحكم بحياتهما في حقّ الأُمّ ، فلا يجوز لها الزيادة عن السدس، فيبقى السدس إلى حين انكشاف حالهما.


صفحه 71

ولا يشترط اتّصافه بالحياة وقت الموت، فلو مات الموروث وهو علقة أو نطفة ورث.

ويعلم حياته وقت سقوطه بأمرين: الاستهلال، والحركة البيّنة، ولو اشتبهت الحركة لم يرث، لجواز استنادها إلى اختلاج (1) أو تقلّص (2) عصب وعضلة، أمّا لو قبض أصابعه وبسطها فهو دليل الحياة.

ولو خرج نصفه فصرخ ثمّ مات وانفصل ، فالأقرب أنّه لا يرث، ولو ولدت توأمين فاستهلّ أحدهما واشتبه، فإن كانا ذكرين أو أُنثيين فلا بحث ، وإن كانا ذكراً وأُنثى ، فالوجهُ القرعةُ .

6391. الثاني والعشرون: يعزل للحمل نصيبُ ذكرين، لأنّ الغالب عدم الزائد، وكلٌّ من الذكورة والأُنوثة محتملٌ فقدّر أضرّ الأحوال. فلو خلّف معه أبوين وزوجةً، فلكلٍّ من الأبوين السّدس ، وللزوجة الثمن، فإن سقط ميّتاً أُكمل لكلٍّ منهم نصيبه.

ولو خلّف ابناً أُعطي الثلث، ولو كانت بنتاً فالخمس (3) ويتسلّط الحاضرون على ما سلّم إليهم .

ولو ادّعت المرأة الحملَ حُكِمَ بقولها، ووقف النصيب، فإن ظهر كذبها سلّم إلى باقي الورثة.


1 . اختلج العضو: أي اضطرب ومنه الاختلاج . مجمع البحرين .

2 . قَلَص وتقلّص بمعنى انزوى وانضمّ . مجمع البحرين .

3 . لو خلّف الميّت ابناً، فيقدّر للحمل سهم ابنين، ويقسّم المال أثلاثاً ، ولو خلّف بنتاً، فحيث إنّ للذّكر ضِعْف الأُنثى فالفريضة تكون من خَمسة ، وللبنت خمسها، والباقي للحمل على فرض كونه ذكرين .


صفحه 72

6392. الثالث والعشرون: الحميل هو الّذي يجلب من بلاد الشرك ويُسْتَرَقُّ ، فإذا تعارف منهم اثنان أو جماعةٌ بنسب يوجب الموارثة في شرع الإسلام، قُبِل قولُهُمْ في ذلك من غير بيّنة .

6393. الرابع والعشرون: اللّقيط إن توالى إلى إنسان يضمن جريرته وحَدَثَهُ، كان ميراثه له مع عدم النسب وضمان جريرته عليه، وإن لم يتوال أحداً فميراثه للإمام وليس لملتقطه شيء.

6394. الخامس والعشرون: المشكوك فيه هو أن يَطَأ الرّجلُ امرأتَهُ أو جاريَتَهُ، ثمّ يطأها غيرُهُ في تلك الحال، وتضع ، قال الشيخ (رحمه الله): لا ينبغي له أن يُلْحِقَهُ به لُحوقاً صحيحاً، بل ينبغي أن يُنْفِقَ عليه ، فإذا حضرتْهُ الوفاةُ، عَزَلَ له شيئاً من ماله، ولو مات الولد ، لم يكن له شيءٌ من تركته، وكانت لبيت المال، إن لم يخلف وارثاً .(1)

وقال ابن إدريس: إنّ الولد لاحقٌ بالأب ويتوارثان (2) وهو الحقُّ .

ولو وطئ اثنان جاريةً مشتركةً بينهما، فأتت بولد، أُقْرِعَ بينهما، فمن خرج اسمُهُ ، لَحِقَ به الولد، وتوارثا، وضمن للباقين من الشركاء حصصهم، فإن وطئها نفسان في طُهْر واحد، بعد انتقالها من واحد منهما إلى الآخر، كان الولدُ لاحقاً بمن عنده الجارية.

6395. السادس والعشرون: الأسير الّذي مع الكفّار يرث إجماعاً.


1 . النهاية: 681 ـ 682 .

2 . السرائر: 3 / 285 .


صفحه 73

المقصد الخامس : في اللواحق

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : في ميراث الخنثى والمشكل أمرُهُ

وفيه سبعة مباحث :

6396. الأوّل : الخنثى من له فرج الرجال والنساء، وقد وقع الإجماع على أنّه يعتبر حالُه بالمبال، فيورث من حيث يبول، فإن بال من فرج الرجال فهو رجل، وإن بال من فرج النساء فهو امرأة، فإن بال منهما، اعتبر بالسابق، فمن أيّهما سبق منه البول ورث عليه .

فإن اتّفقا اعتبر بالمتأخّر في الانقطاع، فمن أيّهما انقطع منه البول أخيراً ورث عليه .

فإن اتّفقا فهو المشكل، وقد اختلف علماؤنا فيه، فالذي اختاره المفيد(1)


1 . الإعلام (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد): 9 / 62 .


صفحه 74

والمرتضى (1) رحمهما الله أنّه تُعدّ أضلاعه، فإن اتّفق جنباه فهو أُنثى، وإن اختلفتا فهو ذكر وارتضاه ابن إدريس (2).

وقال الشيخ (رحمه الله) في أكثر كتبه يُعطى نصف سهم ذكر ونصف سهم امرأة(3) وهو الأقوى عندي.

وللشيخ قول آخر ، وهو الرّجوع إلى القرعة .(4)

6397. الثاني : الخنثى إن انفرد فله المال، وإن شاركه من نوعه غيره، فعلى ما اخترناه، تكون التركة بينهم بالسّوية وإن كثروا، وعلى القولين الآخرين من عدّ الأضلاع والقرعة فكذلك إن تساووا في الذكوريّة والأُنوثيّة، وإلاّ فللذكّر ضِعْف الأُنثى.

6398. الثالث: اختلف الفقهاء القائلون بما اخترناه في كيفيّة توريثهم إذا اجتمعوا مع الذكور والإناث أو مع أحدهما، فقال بعضهم: يجعل للأُنثى سهمان وللخنثى ثلاثة وللذكر أربعة لأنّا نجعل للأُنثى أقلّ عدد له نصف وهو اثنان، وللذّكر ضِعْف ذلك أربعة وللخنثى نصفهما .(5) وهو حسن .

وقال آخرون: يجعل مرّة ذكراً ومرّةً أُنثى ، وتقسم التركة على هذا مرّةً، وعلى هذا أُخرى ، ثمّ تضرب إحداهما في الأُخرى إن تباينتا، وفي


1 . الانتصار: 593 ـ 594 ، المسألة 325 .

2 . السرائر: 3 / 280 .

3 . النهاية: 677 ; المبسوط: 4 / 114 .

4 . الخلاف: 4 / 106 ، المسألة 116 من كتاب الفرائض .

5 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 4 / 115 .


صفحه 75

وفقهما إن اتّفقتا، ويجتزئ بإحداهما إن تماثلتا، أو بأكثرهما إن تناسبتا، ويضربهما في اثنين . ثمّ يجمع ما لكلّ واحد منهما إن تماثلتا، ويضرب ما لكلّ واحد من إحداهما في الأُخرى إن تباينتا، أو في وفقهما إن اتّفقتا، فيدفعه إليه.(1)

وهذه القسمة توافق الأُولى في بعض المواضع، وتخالفها في البعض ، كما لو اجتمع الخنثى مع ذكر وأُنثى ، فعلى العمل الأوّل يصحّ من تسعة، للخنثى الثلث، ثلاثة .(2) وعلى الثاني مسألة الذكوريّة من خمسة والأُنوثيّة من أربعة ، تضرب إحداهما في الأُخرى ، يبلغ عشرين، ثم يضرب اثنين في عشرين يبلغ أربعين ، للبنت سهم في خمسة وسهم في أربعة ، وذلك تسعة(3) وللذكر سهمان في خمسة وسهمان في أربعة وذلك ثمانية عشر، (4) وللخنثى سهم في خمسة وسهمان في أربعة وذلك ثلاثة عشر سهماً (5) وهي دون ثلث الأربعين .


1 . نسب في الجواهر هذا القول إلى جماعة وقال: «بل في محكىّ الإيضاح وتعليق الكركي على النافع والتنقيح انّه المشهور، وفي المسالك انّه أظهر بينهم» جواهر الكلام: 39 / 287 .

2 . يعني للخنثى ثلث التسعة أي (3) وللذّكر (4) وللأُنثى (2) .

3 . نصيب البنت من الأربعين على فرض أُنوثيّة الخنثى (40 / 4 = 10) وعلى فرض الذكوريّة (40 / 5 = 8) ، والحاصل (10 + 8 = 18) يعطى نصف النصيبين 18 / 2 = 9 .

4 . نصيب الابن من الأربعين على فرض الأُنوثيّة (40 / 4 = 10)  ، (10 × 2 = 20) وعلى فرض الذكوريّة (40 / 5 = 8) ، (8 × 2 = 16) والحاصل 20 + 16 = 36 ، يعطى نصف النصيبين 36 / 2 = 18 .

5 . نصيب الخنثى من الأربعين على فرض الأُنوثيّة (40 / 4 = 10) وعلى فرض الذكوريّة 40 / 5 = 8 ، (8 × 2 = 16) والحاصل 16 + 10 = 26 يعطي نصف النصيبين 26 / 2 = 13 .

فنصيبها 40 / 13 وهو أقلّ من ثلث الفريضة 3 / 1 ـ 40 / 13 = 120 / 40 ـ 39 = 120 / 1


صفحه 76

ولو لم يكن في المسألة بنت فعلى الأوّل الفريضة من سبعة وعلى الثاني من اثني عشر ، للذكر سبعة وللخنثى خمسة .(1)

ولو لم يكن في المسألة ذكر فعلى الأوّل الفريضة من خمسة وعلى الثاني من اثني عشر، للخنثى سبعة وللأُنثى خمسة .

6399. الرابع: لو اجتمع مع الزوج أو الزوجة، ضربت على الأوّل مخرج فرض أحد الزّوجين في نصيبه، ويقسم المجتمع عليهما، فلو ترك ابناً وبنتاً وخنثى وزوجةً، ضربت ثمانية في تسعة يبلغ اثنين وسبعين، للزوجة تسعة، وذلك واحد في تسعة، وللذكر ثمانية وعشرون، حصلت من ضرب أربعة في سبعة، وللخنثى أحد وعشرون حصلت من ضرب ثلاثة في سبعة، وللأُنثى أربعة عشر، حصلت من ضرب اثنين في سبعة (2).


1 . فعلى الأوّل للذكر (4) وللخنثى (3)، فالفريضة من (7) . وعلى الثاني ، على فرض الذكوريّة الفريضة من (2) وعلى فرض الأُنوثيّة من (3) والعددان متباينان فيضرب أحدهما في الآخر 2 × 3 = 6 ويضرب الحاصل في (2) ، 6 × 2 = 12 .

نصيب الخنثى على فرض الذكوريّة 12 / 2 = 6 وعلى فرض الأُنوثيّة 12 / 3 = 4 والحاصل 6 + 4 = 10 يعطى نصف النصيبين 10 / 2 = 5 .

ونصيب الذكر على فرض الذكوريّة 12 / 2 = 6 وعلى فرض الأُنوثيّة 12 / 3 = 4 ، 4 × 2 = 8 والحاصل 6 + 8 = 14 يعطى نصف النصيبين 14 / 2 = 7 .

2 . صورة المسألة هكذا: على القول الأوّل للابن 9 / 4 وللأُنثى 9 / 2 وللخنثى 9 /3، فالمسألة من تسعة، وللزوجة ثمن (8 / 1) التركة وبين (9) و (8) مباينة فيضرب أحدهما في الآخر 9 × 8 = 72 نصيب الزوجة ثمنها 72 / 8/1 = 9 والباقي (72 ـ 9 = 63) يقسّم بين الورثة على حسب سهامهم.

فلابن 9 / 4 × 63 = 28 وللأُنثى 9 / 2 × 63 = 14 وللخنثى 9 / 3 × 63 = 21 ، ويمكن تحصيل نصيب الورثة بضرب عدد كلٍّ منهم في السبعة أيضاً ، فنصيب الابن 4 × 7 = 28 ، ونصيب الأُنثى 2 × 7 = 14 ، ونصيب الخنثى 3 × 7 = 21 .

وعلى القول الثاني: نصيب الابن (40)/(18) ونصيب البنت 40 / (9) ونصيب الخنثى 40/(13) فكان عددهم (40)، وحيث كان نصيب الزوجة ثمن التركة فيضرب (40) في (8) يحصل (320) . للزوجة ثمنها 320 × 8 /1 = 40 والباقي 320 ـ 40 = 280 سهم الورثة يقسّم بينهم على حسب سهامهم، فللابن 280 × 40 / 18 = 126 ، وللبنت 280 × 40/9 = 63 ، وللخنثى 280 × 40/13 = 91 .


صفحه 77

وعلى الثاني صحّحت مسألة الخناثى، ثمّ ضربت مخرج نصيب أحد الزوجين في المسألة ، فلو وجد ابن وبنت وخنثى مع زوج، ضربت أربعة في أربعين يصير مائة وستّين ، فللزوج أربعون، وللأُنثى سبعة وعشرون، وللذكر أربعة وخمسون، وللخنثى تسعة وثلاثون .(1)

ولو اجتمع أبوان وخنثى فعلى تقدير الذكوريّة، الفريضةُ من ستّة، وعلى تقدير الأُنوثية، من خمسة تضرب إحداهما في الأُخرى تصير ثلاثين ، للخنثى تسعة عشر، وللأبوين أحد عشر.(2)


1 . ولو كان بدل الزوجة الزوج، فحيث إنّ نصيبه من التركة الربع فيضرب العدد في الأربع، فعلى الأوّل ، 9 × 4 = 36 ، سهم الزوج 36 / 4/1 = 9

والباقي 36 ـ 9 = 27 يقسم على حسب سهامهم، فللابن 27 × 9/4 = 12 وللبنت 27 × 9/2 = 6 ، وللخنثى 27 × 9/3 = 9 وعلى الثاني 40 × 4 = 160 سهم الزوج 160 / 4/1 = 40 ، والباقي 160 ـ 40 = 120 يقسم على حسب سهامهم ، فللابن 120 × 40/18 = 54 ، وللبنت 120 × 40/9 = 27 ، وللخنثى 120 × 40/13 = 39 .

2 . إنّ نصيب الأبوين على فرض الذكوريّة سدسان (6 /2) والباقي للخنثى (6/4) وعلى فرض الأُنوثيّة خُمسان ( 5 /2) والباقي للخنثى (5 /3) ، لأنّه قد مرّ في إرث الأولاد والأبوين ، أنّ للأبوين 6/2، وللبنت 2/1 ، والباقي (6/1) يردّ عليهم على نسبة سهامهم فراجع ص 13 ثم إنّ المخرجين متباينان، فيضرب أحدهما في الآخر (5 × 6 = 30) .

فنصيب الخنثى على فرض الذكوريّة 30 × 6 / 4 = 20 وعلى فرض الأُنوثية 30 × 5 / 3 = 18 والحاصل 20 + 18 = 38 فيعطى نصف النصيبين 38 / 2 = 19 .

والباقي للأبوين 30 ـ 19 = 11


صفحه 78

ولو كان معها احدهما ضربت أربعة في ستّة، فلها نصف سهم الذكر عشرة، ونصف سهم الأُنثى تسعة، وللأب خمسة .(1)

ولو كان مع الأبوين خنثيان فما زاد، فللأبوين السدسان والباقي للخنثيين.(2)

ولو كان معهما أحد الأبوين، ضربت خمسة في ستّة ، واثنين في ثلاثين، فللخناثى تسعةٌ وأربعون، وللأب أحد عشر .(3)

و لو كان مع أحد الأبوين خنثى وأُنثى ، فعلى الأول يصحّ نصيب الأُمّ(4) بضرب خمسة في ستّة يصير ثلاثين، ثم اثنين في ثلاثين لسقوط نصف الردّ، ثمّ


1 . المسألة على فرض الذكوريّة من ستّة، لأنّ سهم أحد الأبوين (6 /1) والباقي للخنثى (6 /5)، وعلى فرض الأُنوثيّة من أربعة، لأنّ سهم أحد الأبوين (6 /1) والخنثى (2 /1) والباقي يردّ عليهما بنسبة السهام، وقد مرّ في إرث الأولاد والأبوين ، أنّ الحاصل ، سهم أحدهما (4 /1) والبنت (4 /3) ، فيضرب أحدهما في الآخر (6 × 4 = 24).

سهم الخنثى على تقدير الذكوريّة (24 × 6 /5 = 20) وعلى تقدير الأُنوثيّة (24 × 4 /3 = 18) والحاصل (20 + 18 = 38) يعطى نصف النصيبين (38 / 2 = 19) والباقي لأحدهما (24 ـ 19 = 5).

2 . لأنّه لو كانتا ذكرين فلهما ما زاد على السدسين ، وإن كانتا أُنثيين فلهما الثلثان .

3 . إنّ سهم أحد الأبوين على فرض الذكورية (6 /1) والباقي للخنثيين (6 / 5) ، وعلى فرض الأُنوثيّة أنّ لأحدهما (6 /1) ولهما (6 /4) والباقي يردّ عليهما على نسبة سهامهم، فيصير سهم أحدهما (5 /1) وسهمهما (5 /4) ، فالمسألة على الذكوريّة من ستّة وعلى الأُنوثية من خمسة، يضرب أحدهما في الآخر (5 × 6 = 30) ثمّ المجتمع في (2)  ، (30 × 2 = 60) ، سهم الخناثى على الذكوريّة 60 × 6 /5 = 50 ، وعلى الأُنوثيّة 60 × 5 /4 = 48 ، يعطى نصف المجموع 50 + 48 = 98 / 2 = 49 والباقي 60 ـ 49 = 11 لأحدهما .

4 . هكذا في النسختين ، والصحيح «أحدهما» .


صفحه 79

يضرب خمسة سهام الخنثى والأُنثى في ستّين، فللأب (1) خمسة وخمسون، وللأُنثى ثمانية وتسعون، والباقي للخنثى .(2)

وعلى الثاني تضرب خمسة على تقدير الأُنوثيّة في ستّة ، ثمّ اثنين في المجتمع ، لسقوط نصف ردّ الأب، ولا يحصل في المجتمع الثلث ، فيضرب ثلاثة في ستّين يبلغ مائةً وثمانين، للأب بالفرض ونصف الردّ ثلاثٌ وثلاثون، وللخنثى ستّةٌ وثمانون، وللأُنثى أحدٌ وستّون.(3)


1 . هكذا في النسختين والصحيح «أحدهما» حفظاً لانسجام العبارة.

2 . اعلم أنّ نصيب أحد الأبوين (6 /1) من الفريضة لو لم يردّ عليه شيء ، ونصيب البنتين (3 /2) من الفريضة، فعدد الفريضة (6) . فعلى تقدير كون الوارث أحدهما مع البنتين يصير حاصل سهامهم 6 /1 + 3 /2 = 6 /1 + 4 = 6 /5 والباقي يردّ على نسبة سهامهم أي (5) ، وحيث إنّ العددين (5 و 6) متباينان ، فلتصحيح الفريضة يضرب أحدهما في الآخر (6 × 5 = 30) فيردّ على أحدهما (30 / 1) وعلى البنتين (30 /4) والفريضة من (30) ولمّا كان أحد الورثة خنثى ولها نصف نصيب الأُنثى والذكر ، فيسقط نصف الردّ ويبقى نصفه الآخر 30/1 / 2 = 60/1 فلابدّ لتصحيح الفريضة ارتقائها إلى (60) . ثم يضرب في مسألة الأُنثى والخنثى 60 × 5 = 300 ، نصيب أحدهما بالفرض 300 × 6/1 = 50 وبالردّ 300 × 60/1 = 5 والمجموع 50 + 5 = 55 ، والباقي 300 ـ 55 = 245 يقسّم بين الأُنثى والخنثى أخماساً ، للأُنثى سهمان وللخنثى ثلاثة سهام، 245 / 5 = 49 ، 49 × 2 = 98 سهم الأُنثى، 49 × 3 = 147 سهم الخنثى .

3 . إنّ نصيب أحدهما على فرض الأُنوثيّة مع الردّ (5 /1) من الفريضة، فيكون العدد خمساً، وعلى فرض الذكوريّة نصيبه (6/1) فالفريضة من ستّة، وبين العددين (5 و 6) التباين فلا بدّ من ضربهما 6 × 5 = 30 .

وقد مرّ في الحاشية السابّقة سقوط نصف الردّ بتوضيح منّا، فلابدَّ من ارتقاء الفريضة من ثلاثين إلى ستيّن لتصحيح الفريضة.

وحيث إنّ سهم الخنثى على فرض ذكوريّتها وضعْف الأُنثى فما يبقى بعد نصيب أحد الأبوين يقسّم بينهما أثلاثاً، فنضرب الستين في ثلاثة لتصحيح نصيبهم 60 × 3 = 180 .

نصيب أحدهما بالفرض 180 × 6 /1 = 30 وبالردّ 180 × 60 /1 = 3 والحاصل 30 + 3 = 33 .

ثمّ إذا فرضنا الخنثى أُنثى فلهما (5 /4) من الفريضة 180 × 5 /4 = 144، وللبنت نصفها 144 × 2 /1 = 72، وللخنثى نصفها الآخر (72).

وعلى فرض ذكوريّة الخنثى فلهما (6 /5) من الفريضة 180 × 6 /5 = 150، للبنت ثلثها 150 × 3 /1 = 50، وللخنثى ثلثاها 150 × 3 /2 = 100، فيعطى للأُنثى النصيبين (72 + 50) × 2 /1 = 61 وللخنثى كذلك (72 + 100 / 2 = 86 .


صفحه 80

6400. الخامس: لو كان الإخوة أو الأعمام خناثى ، عمل فيهم كما ذكر في الأولاد، فلو خلّف أخاً ذكراً وأُختاً وولدَ أب خنثى ، فعلى تقدير الذكوريّة، الفريضةُ من خمسة، وعلى تقدير الأُنوثيّة ، الفريضةُ من أربعة فتضرب إحداهما في الأُخرى ، ثم اثنين في المجتمع ، ويعمل كما تقدّم في الأولاد .(1)

ولو كانت الإخوة من قِبَل الأُمّ لم يحتج إلى حساب ، لتساوي الذكور والإناث، وكذا الأخوال .

وأمّا كون الخنثى (2) أبا أو جدّاً ففيه بُعْدٌ، إذ الولادة تُظْهر أمرَهُ إلاّ أن ينظر إلى ما روي عن شريح في امرأة أولدت وولدت .(3)


1 . صورة المسألة هكذا، أخ وأُخت وخنثى، فعلى فرض الذكوريّة فالفريضة من (5) وعلى فرض الأُنوثيّة من (4). والعددان متباينان (4 × 5 = 20) يضرب في الاثنين مسألة الخنثى 20 × 2 = 40 .

للخنثى على فرض الذكوريّة 40 × 5 /2 = 16 وعلى فرض الأُنوثيّة 40 × 4 /1 = 10 ، يعطى نصفهما (16 + 10) × 2 /1 = 13 .

للأخ على فرض الذكورية 40 × 5 /2 = 16 ، وعلى فرض الأنوثية 40 × 4 /2 = 20 ، يعطى نصفهما (16 + 20) × 2 /1 = 18 .

وللأُخت على فرض الذكورية 40 × 5 /1 = 8 وعلى فرض الأُنوثية 40 × 4 /1 = 10 ، يعطى نصفهما (10 + 8) × 2 /1 = 9 .

2 . في «أ»: «الأنثى» والصحيح ما في المتن . قال المحقق في الشرائع: 4 / 47: وفي كون الآباء أو الأجداد خناثى بُعْدٌ، لأنّ الولادة تكشف عن حال الخنثى .

3 . الوسائل: 17 / 575 ، الباب 2 من أبواب ميراث الخنثى ، الحديث 3 .


صفحه 81

قال الشيخ (رحمه الله): ولو كان الخنثى زوجاً أو زوجةً فله نصف ميراث الزّوج ونصف ميراث الزوجة (1).

6401. السادس: من فقد الفرجين ـ كما نُقِلَ عن شخص وُجِدَ ليس له في قُبُلِهِ إلاّ لحمة ناتئة كالرّبوة يرشح البول منها رشحاً ، وليس له قُبُلٌ، وعن آخر ليس له إلاّ مخرج واحد بين المخرجين، منه يتغوّط ، ومنه يبول، وعن آخر ليس له مخرج لا قُبُلٌ، ولا دبر وإنّما يتقايأ ما يأكله و ما يشربه ـ فإنّه يرث بالقرعة، بأن تكتب على سهم عبدَ الله ، وعلى سهم آخر أمةَ الله، وتمزجهما بالرقاع المبهمة، وتسترها عن نظرك وتدعو اللهَ تعالى فتقول :

اللّهم أنت الله لا إله إلاّ أنت عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، بَيِّن لنا أمرَ هذا المولود حتّى يورث ما فرضت له في كتابك.(2)

ثمّ تخرج سهماً، فتعمل على ما خرج .

6402. السابع: من له رأسان وبدنان على حقو واحد، يوقظ أحدهما بعد نومه، فإن انتبها معاً فهما واحد، وان انتبه أحدهما خاصّةً فهما اثنان ، يرث نصيب شخصين .


1 . المبسوط: 4 / 117 .

2 . لاحظ الوسائل: 17 / 580 ، الباب 4 من أبواب ميراث الخنثى ، الحديث 2 .


صفحه 82

الفصل الثاني: في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم

وفيه ستّة مباحث :

6403. الأوّل : إذا غرق اثنان فما زاد، توارثوا بشروط أربعة:

أن يكون لهم أو لأحدهم مالٌ ، فإنّ التوارث إنّما يكون في المال .

وأن يكونوا ممّن يتوارثون، بأن يرث كلٌّ منهم من صاحبه، فلو لم تكن بينهم موارثة، أو كان أحدهم يرث صاحبَهُ دون العكس، لم يتوارثوا، كأخوين غرقا ولهما أولاد أو لأحدهما خاصّةً.

وأن يشتبه الحال في تقدّم موت بعضهم على بعض، فلو علم السّبق لأحدهما بعينه ورثه الآخر، ولو علم الاقتران بطل هذا الحكم أيضاً ، وورث كلُّ واحد منهم ورثة الأحياء دون صاحبه.

وأن يحصل الموت بسبب الغرق أو الهدم، فلو ماتا حتف أنفهما فلا توارث وإن اشتبه المتقدّم ، بل يرث كلّ واحد منهم وارثه الحيّ.

وهل يثبت هذا الحكم مع حصول الموت بسبب غير الغرق والهدم مما يحصل معه الاشتباه كالقتل والإحراق؟ فيه نظرٌ أقربُهُ السقوطُ، لأنّ شرط التوريث حياة الوارث بعد مورّثه، وهو غير معلوم، فلا يثبت التوريث مع الشكّ في شرطه، ولأنّ توريث كلّ واحد منهما خطأ قطعاً، لأنّ الحال لا يخلو من السبق والتقارن، وتوريث السابق والمقارن خطأ ، وإنّما صرنا إلى


صفحه 83

ذلك في الغرقى والمهدوم عليهم للإجماع المستند إلى النقل .(1)

6404. الثاني : إذا حصلت الشرائط ورث بعضهم من بعض من تِلاد ماله دون طارفه (2) وهو ما ورثه من ميّت معه على الأصحّ .

وقال المفيد (رحمه الله): يرث ممّا ورث منه أيضاً. (3) وليس بمعتمد، وإلاّ لزم التسلسل والتوريث لمن فرض حيّاً بعد موته، ولأنّه رُوي أنّه لو كان لأحدهما مال انتقل إلى من لا مال له .(4)

6405. الثالث: اختلف علماؤنا في تقديم الأقلّ نصيباً في التوريث ، فأوجبه المفيد (رحمه الله) .(5) وهو جيّدٌ على أصله .

وللشيخ (رحمه الله) قولان: أحدهما الوجوب تعبّداً ، (6) إذ الفائدة إنّما تظهر على قول المفيد . والآخر الاستحباب .(7) وهو الأقوى .

فلو غرق أب وابن، فرض موت الابن أوّلاً، فيأخذ الأب نصيبه من التركة، وينتقل عنه إلى ورثته الأحياء ، ثمّ يفرض موت الأب، فيورث الابن نصيبه منه، وينتقل عنه إلى ورثته الأحياء، ولا يرث كلُّ واحد ممّا ورث من الآخر، وكذا البحث في الزوج والزوجة.

6406. الرابع: لو غرق اثنان يتوارثان وكلّ واحد منهما أولى من ورثة الآخر


1 . لاحظ الوسائل: 17 / 589 ، أبواب ميراث الغرقى .

2 . الطارف والطريف من المال: المستحدث وهو خلاف التالد والتليد . مجمع البحرين .

3 . المقنعة: 699 .

4 . الوسائل: 17 / 590 ، الباب 2 من أبواب ميراث الغرقى ، الحديث 1 و 2 .

5 . المقنعة: 699 .

6 . المبسوط: 4 / 118 .

7 . الإيجاز (المطبوع ضمن الرسائل العشر): 276 .


صفحه 84

الأحياء ، انتقل مال كلّ واحد منهما إلى الآخر، ثمّ من الآخر إلى ورثته.

فلو غرق أب وابن، وللأب إخوة وللابن إخوة من الأُمّ، انتقل مال الأب إلى الابن، ثمّ من الابن إلى إخوة الابن، وانتقل مال الابن إلى الأب ثمّ من الأب إلى إخوة الأب.

ولو كان لكلّ واحد منهما أو لأحدهما شريكٌ في الميراث ، ورث هو والشريك، كما لو كان للأب أولادٌ أحياء، وللابن أولادٌ أيضاً ، ورث الأب من تركة الابن السّدس ، والباقي لأولاد الابن الأحياء ، وورث الولد من تركة الأب نصيبه، وكان الباقي لأولاد الوالد، وينتقل ما ورثه كلّ واحد منهما من صاحبه إلى ورثته الأحياء دون الميت.

6407. الخامس: لو غرق أخوان من درجة واحدة لم يتقدّم أحدهما على الآخر، لتساويهما في الاستحقاق، وانتقل مالُ كلِّ واحد منهما إلى الآخر، ثمّ منه إلى ورثته.

ولو لم يكن لهما وارث انتقل مالُ كلِّ واحد منهما إلى صاحبه، ومنه إلى الإمام.

ولو كان لأحدهما وارث انتقل مالُ الآخر إليه ، ثم منه إلى ورثته، وماله إلى الآخر، ثمّ منه إلى الإمام .

ولو كان لأحدهما مال، وليس للآخر شيء، انتقل مالُ ذي المال إلى الآخر، ومنه إلى ورثته، ولا شيء لورثة ذي المال .

6408. السادس: لو غرق أزيد من اثنين، وكانوا يتوارثون، كان الحكم كما تقدّم في الاثنين، بأن يفرض موت أحدهم أوّلاً فيرثه الأموات الباقون


صفحه 85

والأحياء، فيأخذ الأحياء نصيبهم، وأمّا نصيب الأموات فيقسّم على ورثتهم الأحياء دون الأموات.

فلو غرق إخوة ثلاثة لأب، ولكلّ واحد منهم أخٌ لأُمّ ، فُرِضَ موتُ أحدهم أوّلاً فتقسّم تركته على اثني عشر، للأخ من الأُمّ سهمان، ولكلّ ميّت خمسة ينتقل منه إلى أخيه لأُمّه، وكذلك يُفرض في الأخوين الباقيين فيكون لكلّ أخ من الأُمّ سهمان من اثني عشر من تركة أخيه ، وخمسة من تركة كلّ واحد من الأخوين الباقيين ، فيكمل لكلّ أخ(1) اثنا عشر سهماً (2).

ولو غرق الزوج والزوجة وابنهما وبنتاهما، وخلّف الرجل أخاً والمرأة أباً والابن زوجة وإحدى البنتين زوجاً، فيفرض موت الرّجل، وأصل تركته اثنان وثلاثون، أربعةٌ للزوجة ينتقل إلى أبيها، وأربعة عشر للابن لا ينقسم على ورثته، فتضرب وفق الأربعة مع نصيبه وهو اثنان في الفريضة تبلغ أربعةً وستّين، للزوجة ثمانية ينتقل إلى أبيها، وللابن ثمانيةٌ وعشرون منها سبعة لزوجته، والباقي إلى جدّه، وللبنت ذات الزوج أربعة عشر، للزوج منها سبعة، والباقي للجدّ، وللأُخرى أربعة عشر لجدّها .(3)


1 . في «ب»: فيكمل لكل واحد .

2 . وارث كل واحد من الاخوة: أخ للأُمّ وأخوان للأب فسهم الأوّل (6 /1) والباقي (6 /5) للأخوين وحيث لا يقسّم بينهما بلا كسر فيرتقى عدد الفريضة (6) درجتين 2 × 6 = 12 ، سهمان منها (12 /2) للأخ للأُمّ والباقي (12 /10) للأخوين للأب لكل واحد منهما (12 /5) .

ثم سهم كلّ أخ لأب من أخويه للأب (2 × 12 /5) = 12 /10 ينتقل إلى أخيه من أُمّه، فكل أخ للأُمّ يرث أوّلاً (12 /2) من صلب مال أخيه، ثمّ يرث سهم أخيه من أخويه من الأب (12/5 و 12/5) ، فالمجموع 12/2 + 5 + 5 = 12/12 .

3 . وارث الرجل: زوجته وابنه وبنتاه، فللزوجة (8/1) والباقي (8 /7) يقسّم بين الابن والبنتين أرباعاً، فترتقي الفريضة من (8) إلى (32).

للزوجة: 32 × 8 /1 = 4 ينتقل إلى أبيها .

للابن: 32 ـ 4 = 28 / 4 = 7 × 2 = 14 وحيث إنّ ورثته أُمّه وزوجته ونصيب الزوجة (4 /1) ، فالعدد لتركة الابن (4) ونصيبه من أبيه (14) بين العددين التوافق بالنصف، فيضرب وفق (4) أي (2) في أصل فريضة الرجل 32 × 2 = 64 ، فسهم زوجة الرجل يرتقى من (4) إلى (8) ينتقل إلى أبيها ، وسهم الابن من 14 إلى 28، ينتقل إلى ورثته، سهم زوجة الابن 28 × 4 /1 = 7 . والباقي 28 ـ 7 = 21 ينتقل إلى أُمّه ، ومن أُمّه إلى أب أُمّه أي جدّه.

وسهم كل بنت (14) من (64 سهم) ، وارث أحدهما زوجها وأُمّها فينتقل نصفها إلى زوجها 14 × 2 /1 = 7 والباقي إلى الأُمّ ومنه إلى أبيها أي جدّ البنت . ووارث الأُخرى أُمّها ينتقل سهمها (14) إليها ثمّ إلى أبيها أي جدّ البنت .


صفحه 86

ثمّ يفرض موت الزوجة وأصل تركتها ثمانية وأربعون، ثمانية لأبيها، واثنا عشر لزوجها، وأربعة عشر لابنها، وليس لها ربع، فيضرب اثنين في أصل الفريضة يصير ستّة وتسعين، ستّة عشر لأبيها، وأربعةٌ وعشرون لزوجها، وينتقل إلى أخيه، وثمانيةٌ وعشرون لابنها تأخذ زوجته منها سبعة، وللجدّ الباقي . وأربعة عشر للبنت ذات الزوج ينتقل منها سبعةٌ إلى زوجها، والباقي إلى جدّها، وأربعة عشر للبنت الأُخرى ، وينتقل إلى جدّها .(1)


1 . وارث المرأة زوجها وأبيها وابنها وبنتاها . فللزوج (4 /1) وللأب (6 /1) والباقي يقسّم بين الأولاد أرباعاً، وحيث إنّ بين (4 و 6) التوافق بالنصف فيضرب وفق أحدهما في الآخر 2 × 6 = 12 . وحيث إنّ سهم الأولاد يعني (7) من (12) لا ينقسم عليهم صحيحاً فتضرب الفريضة (12) في عددهم (4) ، 12 × 4 = 48 فتصير فريضة المرأة (48) ، ربعها للزوج (48 × 4 /1 = 12) ، سدسها للأب (48 × 6 /1 = 8) والباقي (28) للأولاد، فللابن (14) ولكلّ بنت (7) .

ثمّ إن وارث الابن زوجته وسهمها الربع والباقي لأبيه، فلا ينقسم سهم الابن على زوجته، فحيث إنّ بين العددين (4 و 14) التوافق بالنصف فيضرب نصف عددها في أصل الفريضة، 48 × 2 = 96 .

فيرتقي سهم الأب من (8) إلى (16) وسهم الزوج من (12) إلى (24) ، ينتقل إلى أخيه. وسهم الابن (28) ربعها لزوجته (28 × 4 /1 = 7) والباقي ينتقل إلى الجدّ ، وسهم البنت ذات الزوج (14) ينتقل نصفه إلى زوجها والباقي إلى جدّها، وأربعة عشر للأُخرى ينتقل أيضاً إلى جدّها.


صفحه 87

ثمّ يفرض موت الابن، فأصل تركته اثنا عشر، ثلاثةٌ لزوجته، وأربعةٌ لأُمّه وينتقل إلى أبيها، وخمسةٌ لأبيه وينتقل إلى أخيه .(1)

ثمّ يفرض موت البنت ذات الزوج ، فلزوجها ثلاثة من ستّة، ولأُمّها اثنان ينتقل إلى أبيها ، وسهم لأبيها ينتقل إلى أخيه .(2)

ثمّ يفرض موت البنت الأُخرى فلأُمّها الثلث، وينتقل إلى أبيها، وللأب الثلثان ، وينتقل إلى أخيه .

الفصل الثالث: في ميراث المجوس

اختلف علماؤنا في توريث المجوس على أقوال ثلاثة، فالمشهور توريثهم بالسبب الصّحيح والفاسد والنسب كذلك.

وقال المفيد (رحمه الله): يورثون بالأسباب الصحيحة دون الفاسدة، والأنساب


1 . وارث الابن أبوه وأُمُّهُ وزوجتُهُ، سهم الأُمّ الثلثُ ، وسهم الزوجة الربعُ، والعددان متباينان فيضرب أحدهما في الآخر (3 × 4 = 12) .

للزوجة 12 × 4 /1 = 3 . للأُمّ 12 × 3 /1 = 4 ينتقل إلى أبيها .

للأب الباقي (5) ينتقل إلى أخيه .

2 . إن كان وارث البنت زوجها ووالديها، فللزوج النصف وللأُمّ الثلث والباقي لأبيها، وبين العددين (2 و 3) التباين يضرب أحدهما في الآخر تصير الفريضة (6) ، للزوج 6 × 2 /1 = 3 ، وللأُمّ 6 × 3 /1 = 2 ينتقل إلى أبيها، والباقي (1) للأب ينتقل إلى أخيه .


صفحه 88

الصحيحة، والفاسدة (1) وهو اختيار الفضل بن شاذان (2) من المتقدّمين وابن إدريس (3) من المتأخرين .

وحكي عن يونس بن عبد الرّحمن أنّهم يورثون بالأنساب الصحيحة دون الفاسدة والأسباب الصحيحة دون الفاسدة .(4)

ونعني بالسبب الفاسد ما يحصل عن نكاح محرّم في شرعنا سائغ في اعتقادهم، كما لو نكح أُمّه أو أُخته فأولدها ، فالنسب والسبب فاسدان، وقول المفيد (رحمه الله) لا بأس به.

وعلى قول الشيخ (رحمه الله) (5) لو اجتمع الأمران لواحد ورث بهما كأُمٍّ هي زوجة، أو بنت هي زوجة ، لها نصيب الزوجيّة والبنتيّة أو الأُمومة، فان لم يكن سواها ردّ عليها الباقي بالنسب دون السبب، وإلاّ أخذ المشارك نصيبه، فلو كانت الأُخت زوجةً ولا ولد، فلها الربع بالزوجيّة والنصف بالأُخوّة، والباقي ردّ عليها بالأُخوّة .

ولو كان أحد الأمرين يمنع الآخر ورث من جهة المانع كأُخت هي بنت


1 . المقنعة: 699 ـ 700 ، على ما في نسخة منها، لاحظ الهامش (6) هناك، ونقله عنه المحقّق في الشرائع: 4 / 52 ، ولاحظ الجواهر: 39 / 322 .

2 . نقله عنه الكليني في الكافي: 7 / 145 ذيل الحديث 2، والمحقق في الشرائع: 4 / 52 .

3 . صريح السرائر انّهم يورثون بالأنساب والأسباب الصحيحة الّتي تجوز في شرع الإسلام ، ولا يورثون بما لا يجوز فيه على كلّ حال، فالقول بأنّ ما قاله المفيد ـ على ما نقله المصنّف عنه ـ هو خيرة ابن إدريس لا ينطبق على ما اختاره في السرائر، لاحظ السرائر: 3 / 287 ـ 288 .

4 . نقله عنه الكليني في الكافي: 7 / 145 ذيل الحديث 2 .

5 . قال الشيخ في النهاية: 683: وقال قوم: إنّهم يورثون من الجهتين معاً سواء كان ممّا يجوز في شريعة الإسلام أو لا يجوز، هذا القول عندي هو المعتمد عليه .


صفحه 89

ورثت من جهة البنتيّة دون الأُخوّة، وكذا بنت هي بنت بنت، ترث من جهة البنت، وكذا عمّة هي أُخت من أب، لها المال بالأخوّة، وكذا عمّة هي بنت عمّة، لها نصيب العمّة، وكذا أُخت هي أُمّ ترث من جهة الأُمومة.

ولو خلّف جدّة لأُمّ هي أُخت لأب ورثت نصيبهما معاً، وكذا أُخت لأُمّ وهي جدة لأب.

ولو تزوّج بنته فأولدها بنتاً ثمّ مات، فلها (1) الثلثان ، وللزوجة الثمن، والباقي ردّ عليها (2).

أمّا المسلم فلا يرث بالسبب الفاسد، فلو تزوّج من يحرم عليه نكاحُها لم يتوارثا، سواء كان التحريم مجتمعاً (3) عليه كأُمّ الرضاع، أو مختلفاً فيه كأُمّ المزنيّ بها، أو بنت المزني بها، وسواء كان الزوج معتقداً للتحليل أو التحريم .

ويرث المسلم بالنسب الصحيح والفاسد مع الشبهة، فإنّ الشبهة كالعقد الصحيح في التحاق النسب، فلو وطئ مسلم بعضَ محارمه بشبهة أو اشتراها ولمّا يعلم فوطئها فولدت له واتّفق لها مثل أنساب المجوس، فالحكم فيه مثل ما تقدّم .

وغير المجوس من الكفّار إذا تحاكموا إلينا ورّثناهم على كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بالأنساب والأسباب الصحيحين دون الفاسدين.


1 . في «أ»: «فلهما» والصحيح ما في المتن .

2 . في «أ»: «عليهما» والصحيح ما في المتن .

3 . في «ب»: مجمعاً .


صفحه 90

الفصل الرابع: في حساب الفرائض

وفيه ثلاثة مباحث :

6409. الأوّل : العددان إمّا متساويان أو مختلفان .

والمختلفان إمّا متداخلان ، وهما اللّذان يكون أحدهما جزءاً من الآخر، ولا يزيد على نصفه كالخمسة والعشرة، والخمسة والعشرين ، ويسمّيان أيضاً المتناسبين .

وإمّا متوافقان، وهما اللّذان لا يعدّ أحدهما الآخر بل يعدّهما معاً عدد ثالث أكثر من واحد، وهما المتشاركان، وذلك العدد الثالث هو مخرج الكثير المشترك فيه، كالستّة والعشرة، فإنّ الاثنين يقسّمهما جميعاً، فهما متوافقان بالنصف ، وكالتّسعة مع خمسة عشر، فإنّ الثلاثة يقسّمهما معاً، فهما متوافقان بالثلث.

وطريق معرفة ذلك أن تنقص ذلك الأقلّ من الأكثر فيبقى أكثر من الواحد، فلو أسقطت التسعة من خمسة عشر بقي ستّة، فإذا أسقطت الستة من التسعة بقي ثلاثة ، فإذا أسقطت الثلاثة من السّتة مرّتين فنيت.

ولو فضل بعد الإسقاط اثنان فالموافقة بالنصف كالعشرة والاثني عشر، ولو بقي أربعة فالموافقة بالرّبع ،(1) وهكذا إلى العشرة، ولو بقي أحد عشر فالموافقة بالجزء منهما .(2)


1 . نحو (8 و 12) و (12 و 16) .

2 . نحو (22 و 33) فإنّهما متوافقان بـ (11 /1) و (26 و 39) فإنّهما متوافقان بـ (13 /1) .


صفحه 91

وأمّا متباينان وهما اللّذان إذا أُسقط أقلّهما من الأكثر مرّة أو مراراً بقي واحدٌ كثلاثة عشر مع عشرين إذا أسقطت منها بقي سبعة، فإذا أسقطت سبعة من ثلاثة عشر بقي ستّة، فإذا أسقطت ستّة من سبعة بقي واحد.(1) وكثلاثة عشر مع ثلاثين إذا أسقطت منها مرتيّن بقي أربعة ، فإذا أسقطت ثلاثة عشر ثلاثة مرّات بقي واحدٌ، فإذا أسقطت الأربعة أربع مرات فني بها .(2)

6410. الثاني: الفريضة قد تكون وفقَ السهام، وقد تزيد، وقد تقصر .

وفي الزيادة يردّ على ذوي السهام سوى الزّوج والزوجة والأُمّ مع الإخوة وذوي السّبب الواحد مع ذوي السببين، فلو خلّف أبوين وبنتاً ، فللأبوين السدسان، وللبنت النصف، والباقي يردّ أخماساً ، ومع الحاجب أرباعاً فتضرب مخرج الرّد في أصل الفريضة وتنقسم التركة من المجتمع .(3)


1 . 20 ـ 13 = 7 ، 13 ـ 7 = 6 ، 7 ـ 6 = 1 .

2 . 30 ـ 13 = 17 ، 17 ـ 13 = 4 ، 13 ـ 4 = 9 ، 9 ـ 4 = 5 ، 5 ـ 4 = 1 ، 4 ـ 1 = 3 ، 3 ـ 1 = 2 ، 2 ـ 1 = 1 ، 1 ـ 1 = 0

3 . صورة المسألة هكذا: للأب 6 /1 ، للأُمّ 6 /1 ، للبنت 2 /1 فالمجتمع 6 /1 + 6 /1 + 2 /1 = 6 /1 + 1 + 3 = 6 /5 والباقي (6 /1) يقسّم بينهم على نسبة سهامهم، وحيث إنّ الواحد لا ينقسم على الخمسة، فيضرب (5) في (6) تصير الفريضة من (30) للأب 30/5 بالفرض و 30 /1 بالرّد ، وللأُمّ هكذا، وللبنت 30/15 بالفرض و 30 /3 بالرّد .

ولو كان للأُمّ حاجباً فالباقي يقسّم بين الأب والبنت على نسبة سهامهما، وحيث إنّ الواحد لا ينقسم على الأربعة فيضرب (4) في (6) تصير الفريضة من (24) للأب (24 /4) بالفرض و (24 /1) بالرّد، وللأُمّ (24 /4)، وللبنت (24 /12) بالفرض و (24 /3) بالرّد.


صفحه 92

ولو وجد واحد من كلالة الأُمّ مع أُخت من الأب، فالرّد أرباعاً (1) على أقوى القولين .(2)

ولو قصرت الفريضة فلا عول، وإنّما يقصر بدخول الزّوج والزوجة، كما لو خلّفت أبوين وزوجاً وبنتاً، فللزوج الربع، وللأبوين السدسان، ويدخل النقص على البنت، فتأخذ الباقي، وكذا لو كان بدل البنت ابنتين فصاعداً كان النقص داخلاً عليهنّ خاصّةً.(3)

وكذا لو خلّف زوجةً وأبوين وبنتين فصاعداً، فللأبوين السدّسان، وللزوجة الثمن. والنقص داخل على البنتين .(4)

ولو خلّف أخوين لأُمّ وأُختين فصاعداً لأب وزوجةً، فللزّوجة الربع، وللأخوين الثلث، والباقي للأُختين من قبل الأب أو من قبل الأب


1 . فرض الأُخت الواحدة 2 /1 وواحد من الكلالة 6 /1 فالفريضة من (6) فالمجتمع 2 /1 + 6 /1 = 6 /3 + 1 = 6 /4 والباقي يقسّم بينهما على نسبة سهامهم، وحيث إنّ (2) لا يقسّم على (4) فلا بدّ من ضرب (4) في أصل الفريضة (6) ، فتصير الفريضة من (24) ، للأُخت (24 /12) بالفرض و (24 /6) بالرّد ، ولواحد من كلالة الأُمّ 24/4 بالفرض و 24/2 بالرّد.

2 . القول الآخر للشيخ الطوسي (قدس سره)في النهاية: 638 ، ذهب إلى أنّه لا ردّ على كلالة الأُمّ ، وهو خيرة المصنّف أيضاً فيما مرّ .راجع البحث الثاني من المطلب الثالث في ميراث الإخوة والأجداد.

3 . فرض الزوج (4 /1) ، وفرض الأبوين (6 /2)، والمجتمع 4 /1 + 6/2 = 12 /3 + 4 = 12 /7، والباقي 12 /5 سهم البنت وهو يقصر عن النصف الّذي فرضها بمقدار (12 /1) .

4 . فرض الزوجة 8 /1 ، وفرض الأبوين 6 /2، والمجتمع 8 /1 + 6 /2 = 24 /3 + 8 = 24 /11 و الباقي 24 /13 سهم البنتين فصاعداً يقصر عن فرضهنّ 3 /2 ـ 24 /13 = 24 / 16 ـ 13 = 24 /3 .


صفحه 93

والأُمّ يدخل النقص عليهنّ دون من يتقرّب بالأُمّ خاصّة .(1)

ولو خلّفت زوجاً وأُختاً لأب أو لأب وأُمٍّ فصاعداً وأخوين فصاعداً من الأُمّ ، فللزوج النصف، وللأخوين فصاعداً من الأُمّ الثلث، وللواحد السدس، والباقي للمتقرّب بالأب أو بالأبوين يدخل النقص عليهنّ دون المتقرب بالأُمّ خاصّة .(2)

6411. الثالث: إن انقسمت الفريضة من غير كسر فلا بحث، كأُخت مع زوج، الفريضة من اثنين ، (3) وكأبوين وبنتين الفريضة من ستّة .(4)

وإن انكسرت فإمّا على فريق واحد أو أكثر :

فالأوّل إن لم يكن بين نصيبهم من التركة وعددهم وفقٌ ضربت عدد رؤوسهم في أصل المسألة ، فما بلغ صحّت منه المسألة، كأبوين وثلاث بنات، أصل الفريضة ستّةٌ وللأبوين سهمان وأربعة للبنات، ولا وفق بين الأربعة والثلاثة، فتضرب عددهنّ وهو ثلاثة في أصل الفريضة تبلغ ثمانية عشر، للأبوين ستّة ولكلّ بنت أربعة (5).


1 . فرض كلالة الأُمّ المتعدّد 3 /1 ، وفرض الزّوجة 4 /1 ، والمجتمع 3/1 + 4/1 = 12/ 4 + 3 = 12 /7 والباقي 12/5 سهم الأُختين فصاعداً من قِبَل الأب والأُمّ أو من قِبَل الأب يقصر عن فرضهنّ 3/2 ـ 12/5 = 12/8 ـ 5 = 12/3.

2 . فرض الزوج 2 /1 وفرض كلالة الأُم المتعدد 3/1 ، والمجتمع 2/1 + 3/1 = 6/3 + 2 = 6/5 والباقي (6/1) سهم الأُخت للأب يقصر عن فرضها 2/1 ـ 6/1 = 6/3 ـ 1 = 6/2 .

3 . فللزوج 2/1 وللأُخت 2/1 .

4 . للأبوين 6/2 وللبنتين 3/2 ، فالفريضة من (6) .

5 . سهم الأبوين 6/2 والباقي (6/4) للبنات، فأصل الفريضة من (6) ولكن لا ينقسم سهم البنات على عددهم (3) والعددان (3 و 4) متباينان فيضرب عددهنّ (3) في أصل الفريضة 3 × 6 = 18 ، للأبوين 18 ×6 /2 = 6 ، وللبنات 18 × 6/4 = 12 لكلّ واحد منهنّ 12 / 3 = 4 .


صفحه 94

وإن كان بين النصيب والعدد وفقٌ، فاضرب الوفق من العدد لا من النصيب، كأبوين وستّ بنات، للأبوين سهمان من ستّة وللبنات أربعة ، وهي توافق عددهنّ في النصف فتضرب نصف عددهنّ وهو ثلاثة في أصل الفريضة يبلغ ثمانية عشر .(1)

الثاني أن ينكسر على أكثر من فريق واحد، وأقسامه ثلاثة :

الأوّل: أن يوافق سهام كلّ فريق عددَ رؤوسهم بجزء فيردّ عدد كلّ فريق إلى جزء الوفق (2).


1 . سهم الأبوين 6/2 والباقي (6 /4) للبنات، فأصل الفريضة من (6) ، ولكن لا ينقسم سهمهنّ (4) على عددهنّ (6) . وبين العددين التوافق بالنصف فيضرب نصف عددهنّ في أصل الفريضة 3 × 6 = 18 ، للأبوين 18 × 6/2 = 6 ، للبنات 18 × 6/4 = 12 لكلّ واحد منهنّ 12 / 6 = 2 .

2 . كما لو كانت الورثة ستّ زوجات لمريض مات عنهنّ بعد طلاق بعضهنّ قبل الحول ، وثمانية من كلالة الأُمّ ، وعشرة من كلالة الأب، فرض كلالة الأُمّ (3 /1) والزوجات (4 /1) فالفريضة من (12).

لكلالة الأُمّ 12 × 3/1 = 4 وبين نصيبهم (4) وعددهم (8) التوافق بالربع، وللزوجات 12 × 4 /1 = 3 وبين نصيبهنّ (3) وعددهنّ (6) التوافق بالثلث ولكلالة الأب الباقي (5) وبين نصيبهم (5) وعددهم (10) التوافق بالخمس، وحيث إنّ (2) ربع (8) وثلث (6) وخُمس (10) ، فيضرب في أصل الفريضة 2 × 12 = 24 .

لكلالة الأُمّ 24 × 3 /1 = 8 ، وللزوجات 24 × 4 /1 = 6 ، ولكلالة الأب الباقي (10) ينقسم عليهم بلا كسر . وللمسألة صور أُخرى لاحظ جواهر الكلام: 39 / 344 .


صفحه 95

الثاني: أن لا يوافق أحدهم .(1)

الثالث: أن يوافق بعضهم دون الآخر ، فما وافق فيردّ عدد ذلك الفريق إلى الوفق ، ومالم يوافق فاتركه بحاله، ثمّ تنظر بعد ذلك في الأعداد :

فإن تماثلت اقتصرت على ضرب أحدها في الفريضة، كأربعة إخوة من الأبوين ومثلهم من الأُمّ ، أصل الفريضة ثلاثة لا ينقسم، تضرب أربعة في الفريضة، وهو أحد العددين .(2)

وإن تداخلت اقتصرت على ضرب الأكثر، كثلاثة إخوة من أُمٍّ وستّة لأب ، فريضتهم ثلاثة تضرب ستّة في أصل الفريضة .(3)

وإن توافقت ضربت وفق أحدهما في عدد الآخر ، ثمّ تضرب المرتفع في أصل الفريضة، كأربع زوجات وستة إخوة، الفريضة من أربعة، وحصّة الزوجات تنكسر عليهنّ، وكذا حصّة الإخوة، وبين الأربعة والستّة وفقٌ بالنصف، فتضرب


1 . كأخوين لأُمّ فرضهما (3 /1) وخمسة من الأب الباقي لهم (3 /2) ، فالفريضة من (3) وبين نصيب كل فريق وعدده (1 و 2) و (2 و 5) التباين . فيضرب أحد العددين في الآخر ثمّ المرتفع في أصل الفريضة 2 × 5 = 10 ، 10 × 3 = 30 .

لكلالة الأُمّ 30 × 3 /1 = 10 ، ولكلالة الأب 30 × 3 /2 = 20 ينقسم سهم كلّ فريق بلا انكسار. وللمسألة صور أُخرى لاحظ جواهرالكلام: 39 / 339 ـ 343 .

2 . لكلالة الأُمّ (3 /1) والباقي (3 /2) لكلالة الأبوين، فالفريضة من (3) . ثمّ بين نصيب كلّ فريق وعدده تباينٌ (1 و 4)  ، (2 و 4) لكن العددين متماثلان ، فيضرب أحدهما في أصل الفريضة 4 × 3 = 12 .

لكلالة الأُمّ 12 × 3 /1 = 4، ولكلالة الأبوين 12 × 3 /2 = 8 ينقسم عليهم بلا كسر .

3 . فرض كلالة الأُمّ (3 /1) فالفريضة من (3) ، وبين عدد كلّ فريق ونصيبه (1 و 3) (2 و 6) التّباين، لكنّ العددين متداخلان ، يضرب الأكثر في أصل الفريضة 6 × 3 = 18 .

لكلالة الأُمّ 18 × 3 /1 = 6 ، ولكلالة الأبوين 18 × 3 /2 = 12 ينقسم عليهم بلا كسر.


صفحه 96

نصف أحدهما في الآخر يبلغ اثني عشر ، ثمّ تضرب اثني عشر في الفريضة .(1)

وإن تباينت الأعداد ضربت أحدهما في الآخر ، ثمّ ضربت المجتمع في أصل الفريضة، كأخوين من أُمّ ، وخمسة من أب، تنكسر الثلاثة عليهم، ولا وفق بين أعدادهم، ولا تداخل، فتضرب اثنين في خمسة ، ثمّ المجتمع منهما في أصل الفريضة .(2)

الفصل الخامس: في المناسخات

المناسخة (3) أن يموت بعض الورثة قبل القسمة، وبطلت قسمة


1 . فرض الزوجات 4/1 والباقي (4 /3) للإخوة، فالفريضة من (4) . وبين نصيب الزوجات وعددهن (1 و 4) التباين وبين نصيب الإخوة وعددهن (3 و 6) التداخل، فيأخذ (4 و 6) وبينهما التوافق بالنصف ، فيضرب نصف أحدهما في الآخر 2 × 6 = 12 والحاصل في أصل الفريضة 12 × 4 = 48 .

للزوجات 48 × 4 /1 = 12 ، للإخوة 48 × 4 /3 = 36 ينقسم عليهم بلا كسر.

2 . فرض كلالة الأُمّ (3 /1) فالفريضة من (3) ، وبين نصيب كلّ فريق وعدده (1 و 2) و (2 و 5) التباين، وبين العددين أيضاً (2 و 5) التباين، فيضرب أحدهما في الآخر ثم الحاصل في الفريضة 2 × 5 = 10 ، 10 × 3 = 30 .

سهم كلالة الأُمّ 30 × 3 /1 = 10 ، وسهم كلالة الأب 30 × 3 /2 = 20 ينقسم عليهم بلا كسر.

3 . قال ثاني الشهيدين في المسالك: المناسخات جمع مناسخة، وهي مفاعلة من النسخ وهو النقل والتحويل، تقول: نسخت الكتاب، إذا نقلته من نسخة إلى أُخرى ، سمّيت هذه المسائل بها، لأنّ الأنصباء بموت الميّت الثاني تنسخ وتنقل من عدد إلى عدد، وكذا التصحيح ينتقل من حال إلى حال، وكذا عدد مجموع الورثة ينتقل من مقدار إلى مقدار بموت واحد منهم، وقد يطلق على الإبطال، ومنه: نسخت الشمس الظلّ، إذا أبطلته، ووجهه هنا: انّ الفرض أبطل تلك القسمة وتعلق غرضه بغيرها وإن اتّفق موافقة الثانية للأولى . المسالك: 13 / 306 .


صفحه 97

الفريضتين من أصل واحد، فإن كانت ورثة الثاني والثالث ومن بعدهم هم ورثة الأوّل على طريق ميراثهم من الميّت الأوّل، قسّمتَ مالَ الميّت الأوّل بين الباقين، كأربعة إخوة لميّت وأُختين، ثمّ مات أخ ، ثمّ مات أخ آخر، ثمّ ماتت أُختٌ، قسّمتَ مالَ الأوّل والثاني والثالث والرابع على أخوين وأُخت أخماساً، كأنّ كلَ واحد منهم لم يخلّف سوى أخوين وأُخت .

وإن كانت ورثة الثاني يرثون منه خلافَ ميراثهم من الأوّل ، أو ورثوا من الثاني ولم يرثوا من الأوّل، صَحَّحْتَ مسألة كلِّ واحد من الموتى، واستخرجتَ نصيبَ الميّت الثاني من مسألة الميّت الأوّل، ثمّ نظرت .

فإن صحّ نصيبه على مسألة صحّت المسألتان من مسألة الأوّل، كامرأة خلّفت زوجاً وأخوين لأُمٍّ وأخاً لأب ، ثمّ مات الزوج وخلّف ابناً وبنتاً، مسألة الأوّل من ستّة، للزوج ثلاثة وهي تنقسم على تركته، فتنقسم تركةُ الزوجة ستّةَ أسهم: سهمان لأخويها من أُمّها ، وسهم لأخيها من أبيها، وسهمان لابن زوجها ، وسهم لبنت زوجها .(1)

وإن لم يصحّ من مسألة الأوّل نظرت :

فإن كان بين نصيب الميّت الثاني من فريضة الأوّل والفريضة الثانية وفقٌ،


1 . فرض الزوج 2 /1 وفرض الأخوين من الأُمّ 3/1، فالفريضة من (6) للزوج 6 × 2/1 = 3 ، ينقسم على ابنه وبنته، ولكلالة الأُمّ 6 × 3/1 = 2 ، ولكلالة الأب الباقي (1) .


صفحه 98

فاضرب وفقَ الفريضة الثانية في الفريضة الأُولى، لا وفق النصيب، كأخوين من أُمّ ، ومثلهما من أب ، وزوج ، مات الزوج وخلّف ابناً وبنتين، فريضة الأوّل اثنا عشر، نصيب الزوج ستّة لا تنقسم على أربعة، وبينهما موافقة بالنصف، فتضرب جزء الوفق من الفريضة الثانية، وهو اثنان، لا الوفق من النّصيب ، في اثني عشر.(1)

وإن لم يكن بينهما وفقٌ، فاضرب الفريضةَ الثانية في الأُولى ، كزوج وأخوين من أُمٍّ وأخ لأب ، مات الزوج وخلّف ابنين وبنتاً، نصيب الزوج ثلاثة من ستّة لا تنقسم على خمسة، ولا وفق بينهما ، فاضرب الخمسة في الفريضة الأُولى .(2)

وهكذا العمل فيما زاد على اثنين. فإن انقسمت تركة الثالث من الأوّل على صحّة، وإلاّ عملت في فريضته مع الفريضتين كما عملت في فريضة الثاني مع الأوّل، وهكذا دائماً .


1 . فرض كلالة الأُمّ 3/1 ، والزوج 2/1 فأصل الفريضة من (6) ، سهم الأخوين من الأُمّ (2) ، سهم الزوج (3) ، وسهم الأخوين من الأب (1) لا ينقسم عليهما بلا كسر، فيُضرب عددهما في أصل الفريضة 2 × 6 = 12 .

نصيب الزوج منها 12 × 2 /1 = 6 ووارثه ابنه وبنتيه، عددهم (4) ، فبين نصيبه وعددهم التوافق بالنصف ، فيضرب نصف عددهم في أصل الفريضة 2 × 12 = 24 .

نصيب كلالة الأُمّ 24 × 3 /1 = 8 نصيب الزوج 24 × 2 /1 = 12 ، والباقي نصيب كلالة الأب (4) ينقسم عليهم بلا كسر.

2 . فرض كلالة الأُمّ (3 /1) ، وفرض الزوج (2 /1) ، فالفريضة من (6) . نصيب الزوج منها (6 × 2/1 = 3) لا ينقسم على ورثته، لأنّ عددهم (5) فيضرب العدد في أصل الفريضة 5 × 6 = 30 .

نصيب كلالة الأُمّ 30 × 3/1 = 10 ، ونصيب الزوج 30 × 2/1 = 15 ، ونصيب كلالة الأب (5) ينقسم عليهم بلا كسر.


صفحه 99

الفصل السادس: في قسمة التركات

مقدّمة: إذا طلبتَ أقلَّ عدد ينقسم على مختلفين فاعرف النسبة بينهما، فإن تداخلا، فالمطلوب هو أكثر منهما، ولا حاجة إلى عمل آخر .

وإن تشاركا في كسر، فالمطلوب هو الحاصل من ضرب ذلك الكسر من أحدهما في الآخر، كما إذا طلبنا عدداً ينقسم على تسعة وخمسة عشر، وقد اشتركتا في الثلث، فثلث أيّتهما ضربتَ في الأُخرى حصلت خمسة وأربعون ، وهي أقلّ عدد ينقسم عليهما.

وإن كانا متباينين فالمطلوب هو الحاصل من ضرب أحدهما في الآخر، كما إذا طلبنا أقلَّ عدد ينقسم على سبعة وعشرة، فهو سبعون، لأنّها الحاصل من ضرب أحدهما في الآخر.

وهكذا العمل إذا أردتَ أقلَ عدد ينقسم على أعداد مختلفة، فإنّك إذا عرفت العدد المنقسم على اثنين منها، ثمّ عرفت العدد المنقسم عليهما وعلى الثالث منها، ثمّ المنقسم عليها(1) وعلى الرابع، وهكذا ، فقد وجدت العدد المنقسم عليها جميعاً .

كما إذا أردت معرفة أقلّ عدد ينقسم على ثلاثة وأربعة وخمسة وستّة وثمانية، فالمنقسم على الثلاثة والأربعة اثنا عشر، لأنّهما متباينان، والمنقسم


1 . في «أ»: عليهما .


صفحه 100

عليهما وعلى الخمسة ستون، لأنهما أيضاً متباينان، والمنقسم عليها وعلى الستة أيضاً ستّون، لأنّهما متداخلان. والمنقسم عليها وعلى الثمانية مائةٌ وعشرون، لأنّهما متشاركتان في الربع، فمائة وعشرون هي أقلّ عدد ينقسم على الأعداد المذكورة.

والكسر ضربان: مفرد و مركّب ، فالمفرد كالسدس، والمركّب مضاف كنصف السّدس أو جزء من خمسة عشر هي جزء من ثلثه ، والمعطوف كالنصف والسّدس .

فمخرج الكسر المفرد هو العدد المنسوب إليه أو المسّمى له، كالسّدس مخرجه ستّة، وجزء من خمسة عشر مخرجه خمسة عشر.

ومخرج المضاف هو الحاصل من ضرب مخرج المضاف في مخرج المضاف إليه ، فمخرج نصف السدس الحاصل من ضرب اثنين مخرج النصف في ستّة مخرج السدس وهو اثنا عشر.

ومخرج المعطوف هو العدد المنقسم على المخارج كالنّصف والسّدس والعشر، فإنّ مخرج الجميع ثلاثون.

إذا عرفت هذا فإذا أردت معرفة سهام كلّ وارث من التركة، فانسب سهامَ كلِّ وارث من الفريضة، وخذ له (1) من التركة بتلك النسبة، فما كان فهو نصيبه، كزوج وأبوين، أصل الفريضة ستّة، للزوج ثلاثة، وهي نصف الفريضة، فتأخذ له من التركة نصفَها ، وللأُمّ سهمان، وهي ثلث


1 . في «ب»: وتأخذ له .


صفحه 101

الفريضة فتأخذ لها ثلثَ التركة، وللأب سهم فتأخذ له سُدْسَ التركة.

وإن شئت قسّمتَ التركة على الفريضة، فما خرج بالقسمة ضَرَبْتَهُ في سهام كلّ واحد (منهما)(1) فما بلغ فهو نصيبه، مثلاً التركة أربعة وعشرون، والفريضة ستّة كما تقدّم، تقسّم التركة على ستّة أسهم ، يخرج أربعة لكلّ سهم، يضرب الخارج وهو أربعة في سهام كلّ وارث، فالمرتفع نصيبه، فإذا ضربت أربعةً في ثلاثة سهام الزوج حصل اثنا عشر، فيكون للزوج اثنا عشر ديناراً ، ويضرب أربعة في اثنين سهام الأُمّ يكون ثمانية، فيحصل لها ثمانية دنانير، ويضرب أربعة في واحد سهم الأب يكون أربعة ، فيكون للأب أربعة دنانير.

وها هنا طريق آخر، وهو أنّ التركة إن كانت صحاحاً، فَحَرِّرْ العددَ الّذي تصحّ منه الفريضة، ثمّ خُذْ ما حصل لكلّ وارث وَاضْرِبْهُ في التركة، فما حصل فاقْسمه على العدد الّذي صححّت منه الفريضة، فما خرج فهو نصيب الوراث، كزوج وأبوين وبنت، والتركة عشرون ديناراً، أصل الفريضة اثنا عشر(2) للزوج ثلاثة تضربها في عشرين يبلغ ستّين، تقسمها على اثني


1 . ما بين القوسين يوجد في «أ»: ولعلّه زائد .

2 . فرض الزوج 4/1، وفرض الأبوين 6/2، وبين العددين (4 و 6) التوافق بالنصف ، فيضرب نصف أحدهما في الآخر 2 × 6 = 12 ، نصيب الزوج منها 12 × 4/1 = 3 ، ونصيب الأبوين 12 × 6/2 = 4، والباقي للبنت (5) . واعلم أنّ هذا الطريق متوقّف على ضرب النصيب في مقدار التركة وتقسيم الحاصل على عدد الفريضة .


صفحه 102

عشر يخرج خمسة، فيكون للزوج خمسة دنانير، وللأب سهمان يضربان في عشرين يبلغ أربعين، تقسمها على اثني عشر، يخرج ثلاثة وثلث، فيكون للأب ثلاثة دنانير وثلث دينار، وكذا للأُمّ، وللبنت خمسة، تضرب في عشرين يكون مائة تقسم على اثني عشر تخرج ثمانية وثلث فيكون للبنت ثمانية دنانير وثلث دينار .

وإن كان فيها (1) كسر فابسط التركة من جنس ذلك الكسر، بأن تضرب مخرج ذلك الكسر في التركة ثمّ تضيف الكسر إلى المرتفع، وتعمل ما عملت في الصحاح، فما اجتمع للوارث قسمته على ذلك المخرج، مثلاً . كانت التركة فيما فرضناه أوّلاً عشرين ديناراً ونصفاً ، فابسط التركة انصافاً يكون أحداً وأربعين، فاعمل فيه كما عملت في الصحاح، فما خرج لكلّ واحد من الورثة من العدد المبسوط، فاقسمه على اثنين، فما خرج نصيباً للواحد فهو نصيب الواحد من الجنس الّذي يريده، ولو كان الكسر ثلاثاً قسمت التركة على ثلاثة، وهكذا إلى العشر، تقسم على عشرة .

ولو كانت المسألة عدداً أصمّ (2) فاقسم التركة عليه، فإن بقي مالم يبلغ ديناراً فابسطه قراريط واقسمه، وإن بقي ما لا يبلغ قيراطاً، فابسطه حبّات واقسم، وإن بقي ما لا يبلغ حبّة، فابسطه أُرزات واقسمه، فإن بقي ما لا يبلغ أرزة فانسبه بالأجزاء إليها (3) ، وعليك بالتحفّظ من الغلط، فاجمع ما يحصل للوارث، فإن ساوى المجموع التركة، فالقسمة صوابٌ وإلاّ فلا .


1 . أي التركة .

2 . عدد أصمّ: أي خال من الكسور التسعة كأحد عشر وثلاثة عشر.

3 . واعلم أنّ كل دينار عشرون قيراطاً، والقيراط ثلاث حبّات، والحبّة أربع أُرزات، وليس بعد الأرزة اسم خاصّ . لاحظ الجواهر: 39 / 361 .


صفحه 103

كتاب القضاء


صفحه 104

صفحه 105

وفيه مقدّمة وفصول

أمّا المقدّمة:

ففيها أربعة مباحث :

6412. الأوّل: القضاء سائغ بالنصّ والإجماع، قال الله تعالى: (وَانِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ الله)(1).

وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّموُكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَ لا يَجِدوُا في اَنْفُسِهِمْ حَرَجَاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموُا تَسْليماً)(2) .

وذمّ من أعرض عن الحكم وقد دُعي إليه ، فقال تعالى: (وإذا دُعُوا إلى اللهِ وَرَسوُلِه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذا فَريقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) (3) .

ومدح من أجاب إليه بعد الدعاء فقال: (إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ وَرَسوُلِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ اَنْ يَقُولوُا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وأُولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(4).


1 . المائدة: 49 .

2 . النساء: 65 .

3 . النور: 48 .

4 . النور: 51 .


صفحه 106

وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً (عليه السلام)قاضياً إلى اليمن .(1)

وبعث عليّ (عليه السلام)عبد الله بن العباس قاضياً إلى البصرة(2) .

وأجمع المسلمون كافّةً على مشروعيّة نصب القضاء بين الناس والحكم بينهم .

6413. الثاني : القضاء من فروض الكفايات ، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن أخلّوا به أجمع استحقّوا بأسرهم العقاب، لما فيه من القيام بنظام العالم والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والانتصاف للمظلوم.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«إنّ اللّه لا يُقدّس أُمّةً ليس فيهم من يأخذ للضّعيف حقَّهُ» (3).

وللفوائد الحاصلة منه، تولاّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(4) والأنبياء من قبله ، فكانوا يحكمون لأُممهم .

6414. الثالث: وفي القضاء خطر عظيم وإثم كبير لمن لم تجتمع فيه الشرائط ، ودرجةُ القضاء عاليةٌ، وشروطه صعبةٌ جدّاً، ولا يتعرّض له أحدٌ حتّى يثق من نفسه بالقيام به (5) ، وإنّما يثق بذلك إذا كان عارفاً بالكتاب وناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه وندبه وإيجابه ومُحكمه ومتشابهه، عارفاً بالسنّة وناسخها ومنسوخها، عالماً باللغة، مضطلعاً بمعاني كلام العرب، بصيراً بوجوه الإعراب،


1 . السنن الكبرى: 10 / 86 .

2 . نقله الشيخ في المبسوط: 8 / 82 .

3 . السنن الكبرى: 10 / 93 ، ولاحظ نهج البلاغة الرقم 52 من الكتب .

4 . في «أ»: بولاة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).

5 . في «أ»: القيام بذلك .


صفحه 107

وَرِعاً عن محارم الله ، زاهداً في الدنيا، متوفّراً على الأعمال الصالحة، مجتنباً للذُّنوب والسّيّئات ، شديدَ الحذر من الهوى ، حريصاً على التقوى ، هذه عبارة الشيخين رحمهما الله (1) .

وروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال :

« من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين»(2).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«القضاة أربعةٌ ثلاثة منهم في النّار وواحد في الجنّة ، قاض قضى بالباطل وهو يعلم أنّه باطل، فهو في النار، وقاض قضى بالباطل وهو لا يعلم أنّه باطل ، فهو في النّار ، وقاض قضى بالحقّ وهو لا يعلم أنّه حقّ ، فهو في النار، وقاض قضى بالحقّ وهو يعلم أنّه حقّ فهو في الجنّة ».(3)

وقال الصادق (عليه السلام):

«الحكم حكمان: حكم الله عزّ وجلّ ، وحكم أهل الجاهليّة; فمن أخطأ حكم الله عزّ وجلّ حكم بحكم أهل الجاهليّة ، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فقد كفر بالله تعالى» .(4)


1 . المقنعة: 721 ، والنهاية: 337 .

2 . الوسائل: 18 / 8 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي الحديث 8 .

3 . نقله المفيد في المقنعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)ونقله في الوسائل عن أبي عبد الله (عليه السلام) .لاحظ المقنعة: 722 ; الوسائل: 18 / 11 الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6 .

4 . الوسائل: 18 / 18 ، الباب 5 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 6 .


صفحه 108

وعنه (عليه السلام):

«أيّ قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء».(1)

وعن الباقر (عليه السلام):

«من حكم في درهمين فأخطأ كفر».(2)

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال :

«يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة فمن شدّة ما يلقاه من الحساب يودّ أن لم يكن قضى بين اثنين في تمرة».(3)

6415. الرابع: القضاء قد يجب على الشخص بأن يكون من أهله ، جامعاً لشرائطه، وليس هناك غيره، فيتعيّن على الإمام نصبُهُ ، ويجب عليه القبولُ ، فإن لم يعلم الإمام بحاله وجب عليه أن يأتي الإمام ويعرّفه نفسه، ليولّيه القضاء.

أمّا لو كان هناك غيره ممّن جمع الشرائط، فإنّه يجب على كلّ واحد منهم على الكفاية على ما تقدّم، ولو عيّن الإمام أحدهم تعيّن ووجب عليه، وقال الشيخ في المبسوط: لا يجب (4) .

ثمّ إن لم يكن له كفاية استحبّ له أن يليه لما فيه من طلب رزق مباح على فعل طاعة، وهو أولى من طلبه على فعل مباح وإن كان ذا كفاية ، فإن كان مشهوراً بالعلم معروفاً به، يقصده الناس ويستفتونه ويتعلّمون منه، فالمستحبّ


1 . الوسائل: 18 / 18 ، الباب 5 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 4 .

2 . الوسائل: 18 / 18، الباب 5 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5 .

3 . السنن الكبرى: 10 / 96 ، ورواه الشيخ في المبسوط: 8 / 82 .

4 . المبسوط: 8 / 82 .


صفحه 109

له الترك ، لأنّ التدريس والتعليم طاعةٌ وعبادةٌ مع السلامة وأمن من ضرر القضاء وإن كان خامل الذكر لا يعرف علمه، ولا يعلم فضله، ولا ينتفع الناس بعلمه ، استحبّ له التوليةُ، ليدلّ على نفسه، ويظهر فضله ، وينتفع الناس به ، وليس له بذل المال على ذلك، وما ذكرناه نحن أوّلاً أقرب .

وأمّا الجاهل بالأحكام الشرعية ومأخذها فانّه يُحرم عليه التولية وان كان ثقةً مأموناً، وكذا العالم بالأحكام وطرقها القادر على استنباط المسائل من مظانّها إذا كان فاسقاً ، ولا ينفذ أحكام أحدهما .

الفصل الأوّل: في التولية والعزل

وفيه سبعة عشر بحثاً :

6416. الأوّل : قد بيّنا استحباب تولّي القضاء لمن يثق من نفسه القيام بشرائطه، ويجب على الكفاية وإذا علم الإمام خلوّ بلد عن قاض وجب عليه نصب قاض به ، فإن منعوه (1) أهل البلد أثموا وحلّ قتالهم طلباً للإجابة، لاحتياج أهل كلّ بلد إلى حاكم يفصل قضاياهم ، ولا يمكنهم المضيّ إلى بلد الإمام ، ومن يمكنه (2) ذلك فربّما شقّ عليه ، فوجب اغناؤهم عنه.

وعلى الإمام البحث والسؤال لأهل المعرفة بأحوال الناس إن لم يعرف من


1 . في «أ»: فإن امتنعوه .

2 . في «أ»: ومن تمكّنه .


صفحه 110

يصلح للقضاء، فإن ذكر له رجل لا يعرفه أحضره وسأله، فإذا عرف اجتماع شرائط الحكم فيه ولاّه ، وإلاّ طلب غيره .

ولو امتنع الجامع للشرائط لم يجبر مع وجود مثله إلاّ ان يلزمه الإمام فيجب عليه .

6417. الثاني: يشترط في القاضي البلُوغُ والعقلُ والإيمانُ والعدالةُ وطهارةُ المولد والعلمُ والذكورةُ والحرّيةُ على إشكال ، والبصر كذلك، والمعرفة بالكتابة على تردّد ، فلا ينعقد القضاء للصبيّ وإن كان مراهقاً، ولا للمجنون سواء كان جنونه مطبقاً أو أدواراً، ولا لغير المؤمن ، لأنّه ليس أهلاً للأمانة، ولا للفاسق لذلك أيضاً ، ولا لولد الزّنا لنقصه وعدم صلاحيّته للإمامة وعدم قبول شهادته في الأشياء الجليلة، ولا لغير العالم المستقلّ بأهليّة الفتوى البالغ رتبةَ الاجتهاد.

ويشترط في معرفة الأحكام العلم بستّة أشياء: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والاختلاف، والقياس ، ولسان العرب .

أمّا الكتاب فيحتاج في معرفته إلى عشرة أشياء: الخاصّ ، والعامّ ، والمقيّد، والمطلق، والمحكم ، والمتشابه، والمجمل، والمبيّن، والناسخ ، والمنسوخ، لا في الكتاب أجمع بل في الآيات المتعلّقة بالأحكام ، وهي نحو من خمسمائة آية.

وأمّا السنّة فيحتاج إلى معرفة ما يتعلّق منها بالأحكام ، دون سائر الأخبار ، ويفتقر إلى أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب وزيادة معرفة التواتر، والآحاد ، والمرسل ، والمتّصل ، والمسند، والمنقطع، والصحيح، والضعيف ، ويحتاج إلى معرفة المجمع عليه والمختلف فيه، وشرائط الإجماع.


صفحه 111

وأمّا القياس فقد أجمع علماؤنا على أنّه ليس بحّجة في الأحكام إلاّ ما نصّ على علّته، فإنّ في هذا النوع من القياس خلافاً، والأقرب عندي العملُ به ، فعلى هذا يجب أن يكون عارفاً بكيفية شرايطه والاستنباط منه .

ويجب أن يعرف من النّحو واللّغة والتصريف ما يتعلّق بالأحكام من الآيات والأخبار الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمة المعصومين(عليهم السلام).

ويجب أن يعرف شرائط الاستدلال وكيفيّة تركيبُ البراهين والترجيح وشرائطه، ولا يشرط في ذلك البلوغ إلى الغاية، فإنّ حصول ذلك متعذّر في أكثر الحكّام، بل المعتبر أُصول الأحكام بحيث يتمكّن من الاستنباط واستخراج ما يرد عليه من الفروع ، فإنّ المسائل الفرعيّة فرّعها المجتهدون في كتبهم ، فلا يكون شرطاً في الاجتهاد.

وهل يتجزّى الاجتهاد أم لا؟ الأقربُ نعم، لما روي عن الصادق (عليه السلام)انّه قال :

«إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا ، (1) فاجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه».(2)

نعم يشترط أن يكون عارفاً بجميع ما وليه ، ولا يكفيه فتوى العلماء.

6418. الثالث: لا ينعقد القضاء للمرأة في الحدود وغيرها، ولا للعبد، لأنّ


1 . في المصدر «من قضايانا».

2 . الوسائل: 18 / 4 ، الباب 1 من صفات القاضي ، الحديث 5 .


صفحه 112

القضاء من المناصب الجليلة، فلا يليق به، وحكم المدبّر والمكاتب المطلق وإن أدّى شيئاً من مال الكتابة وتحررّ بعضُه حكم القنّ ، وفيه نظر.

وأمّا الأعمى، فالّذي ذكره الشيخ (رحمه الله) أنّه لا ينعقد قضاؤه، لعدم تمييزه بين المقرّ والمقرّ له ، وما يكتبه كاتبه بين يديه .(1) وهو حسن .

وهل ينعقد قضاء الأُمّي؟ فيه نظر ، ينشأ من شدّة الحاجة إلى الضبط الّذي لا يتيسر بغير الكتابة ، ومن كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في أوّل أمره خالياً عن الكتابة، وهو سيّد الحكّام ، (2) والأقربُ الاشتراطُ، وقوّة التمييز في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يحصل لأحد غيره .

والأقرب انعقادُ القضاء للأخرس والأصمّ .

6419. الرابع: ينبغي أن يكون الحاكم قويّاً من غير عنف ، ليناً من غير ضعف، لئلاّ يطمع القويّ في باطله ، ولا ييأس (3) الضعيف من عدله، حليماً ، بصيراً بمزايا الأمور، (4) ذا فطنة وقّادة، لا يؤتى من غفلة، ضابطاً ، صحيح السمع، قويّ البصر والبصيرة، عارفاً بلغات أهل ولايته، شديد العفّة ، كثير الورع، نزهاً بعيداً من الطمع، صادق اللّهجة، ذا رأي سديد ، ليس بجبّار ولا عسوف ، فقد روي عن


1 . المبسوط: 8 / 101 .

2 . قال الشيخ في المبسوط: 8 / 120: والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عندنا كان يُحسن الكتابة بعد النبوّة ، وانّما لم يحسنها قبل البعثة .

وقال الشهيد الثاني (قدس سره)بعد نقل كلام الشيخ من المبسوط: «والأظهر خلافه». لاحظ المسالك: 13 / 329. وقد بسط شيخنا السبحاني الكلام في ذلك الموضوع في كتاب «مفاهيم القرآن» الجزء الثالث فلاحظ .

3 . في «أ»: ولا يئس .

4 . في «أ»: «بصيراً مميّزاً بالأمور» ولعلّه مصحّفٌ .


صفحه 113

عليّ (عليه السلام)انّه قال: «لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتّى يكون فيه خمس خصال: عفيف ، حليم ، عالم بما كان قبله، يستشير ذوي الألباب ، لا يخاف في الله لومةَ لائم».(1)

ويجوز له أن يحضر الولائم ، لما فيها من الترغيب ، فإن كثرت ولم يتمكّن من الجميع ترك الجميع، ولا يخصّص أحداً بالحضور إلاّ أن يكون في أحدها (2) ما يمنعه كالمنكر أو يكون بعيداً .

وله عيادة المرضى ، وشهادة الجنائز، وإيتان القادم، وزيارة الإخوان والصالحين .

6420. الخامس: لا تجوز الولاية إلاّ من الإمام المعصوم أو من فوّض إليه الإمام، ثمّ الإمام إن كان ظاهراً كان أمر التولية إليه ، ولا يجوز لغيره تولية أحد القضاءَ إلاّ بإذنه .

ولو استقضى أهل البلد قاضياً وتحاكموا إليه لم ينفذ حكمه، ولم تثبت ولايته، ولو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة وترافعا إليه فحكم ، لم يلزمهما الحكم، وإن كان غائباً نفذ قضاء الفقيه المأمون من فقهاء أهل البيت(عليهم السلام)الجامع لشرائط الفتوى ، لقول الصادق (عليه السلام):

«فاجعلوهُ قاضياً فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه »(3).


1 . نقله البهوتي في كشّاف القناع: 6 / 310 ـ باب آداب القاضي ـ و ابن قدامة في المغني: 11 / 385 ، والشرح الكبير: 11 / 375 و 394 .

2 . الضمير يرجع إلى «الولائم» .

3 . الوسائل: 18 / 4 ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5 .


صفحه 114

«ولا يجوز العدول عنه إلى قضاة الجور ، فمن عدل إليهم كان فاسقاً مأثوماً» .

لما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام)قال:

«أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله تعالى فقد شركه في الإثم».(1)

وفي الصحيح عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام)انّه قال:

«أيّما رجل كان بينه وبين أخ مماراة في حقّ فدعاه إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه وبينه فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الّذين قال الله عزوجلّ:(أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُريدوُنَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطَّاغوُتِ وَقَدْ أُمِروُا أَنْ يكْفُرُوا بِهِ)(2) .(3)

6421. السادس: إذا ولي من يتعيّن عليه القضاء، فإن كان ذا كفاية حرم عليه أخذ الرزق على القضاء ، لأنّه يؤدّي فرضاً، ولما رواه عبد الله بن سنان في الصّحيح قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام)عن قاض بين قريتين يأخذ من السُّلطان على القضاء الرزقَ، فقال:

«ذلك سحت» .(4)


1 . الوسائل: 18 / 2 ـ 3 ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 1 .

2 . النساء: 59 .

3 . الفقيه: 3 / 3 ، الباب 1 من أبواب القضاء، برقم 5 ; والوسائل: 18 / 3 ، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 2 .

4 . الوسائل: 18 / 161 ـ 162 ، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1 .


صفحه 115

وإن لم يكن ذا كفاية جاز له أخذ الرزق عليه، لأنّ بيت المال للمصالح، وهذا من أعظمها.

وإن لم يتعيّن عليه القضاء ، وكان ممّن يجوز له القضاء، فإن كان ذا كفاية استحبّ له أخذ الرزق وإن أخذ جاز، وإن لم يكن ذا كفاية جاز له أخذ الرزق عليه إجماعاً .

أمّا أخذ الأُجرة عليه ، فإنّه حرام بالإجماع، سواء تعيّن عليه أو لم يتعيّن، وسواء كان ذا كفاية أو لا .

وليس له أَخْذُ الجُعْل من المتحاكمين، سواء كان القضاء متعيّناً عليه أو لا، وسواء كان محتاجاً أو لا .

وكذا لا يجوز للشاهد أخذ الأُجرة على الشهادة تحمّلاً وأداءً ، سواء تعيّن عليه أو لا ، وسواء كان محتاجاً أو لا ، وكذا المؤذّن .

نعم يُجوز للشاهد والمؤذّن إذا كانا محتاجين أخذ الرزق من بيت المال، وكذا يجوز للقاسم وكاتب القاضي والمترجِم وصاحب الديوان ووالي بيت المال ومن يكيل للنّاس ويزن وينتقد ويعلّم القرآن والآداب أخذُ الرزق من بيت المال .

أمّا الرشوة فانّها حرام على آخذها ويأثم الدافع لها إن توصّل بها إلى الحكم بالباطل، ولو توصّل إلى الحقّ لم يأثم ، ويأثم المرتشي على التقديرين ، ويجب عليه دفع الرشوة إلى صاحبها، سواء حكم له أو عليه ، ولو تلفت ضمنها.

أمّا الهديّة فإن كانت ممّن له عادة بقبول الهديّة منه، فلا بأس ، إلاّ أن


صفحه 116

يفعل ذلك لأجل الحكم ، فتحرم ، وإن كانت ممّن لا عادة له بالإهداء فالوجه تحريمها، لأنّه كالرشوة.

6422. السابع: إذا وُجد اثنان متساويان في الشرائط، تخيّر الإمامُ في نصب أيّهما شاء، إن تساويا في الفضيلة، ولو تفاوتا فيها بأن يكون أحدهما أفضل من صاحبه أو أزهد منه، فالوجهُ وجوبُ تقديم الفاضل على المفضول، ويحتمل جواز تقديم المفضول، لأن نقصه ينجبر بنظر الإمام بخلاف الرئاسة العامّة .

6423. الثامن: إذا أذن الإمام له في الاستخلاف جاز، وإن منعه لم يجز له الاستنابة ، وإن أطلق ، فإن كان هناك أمارةٌ تدلّ على تسويغ الاستنابة جازت، وإلاّ فلا ، كما لو اتّسعت الولاية، والعادة قاضية بكثرة النواب فيها وعجزت اليدُ الواحدةُ عنها.

6424. التاسع: ولاية القضاء تتجزّأ (فيه)(1) فلو استنابه في الحكم بين الرجال خاصّةً، لم يكن له الحكم بين النساء، ولا بينهنّ وبين الرجال، وبالعكس، وكذا لو استنابه في القضاء في الأموال دون النفوس ، أو بالعكس ، لم تعمّ الولاية، ولو استثنى شخصاً عن ولايته سقطت عنه .

6425. العاشر: يجوز نصب قاضيين في بلد واحد، بأن يخص كلّ واحد منهما بطرف، ولو أثبت لكلّ واحد منهما الاستقلالَ في جميع البلد، فالأقربُ الجوازُ ، ولو نصبهما على أن لا يستقلّ أحدهما دون الآخر ، لم يجز، لكثرة الاختلاف في الاجتهاد ، فيؤدّي إلى بقاء الخصومات .


1 . ما بين القوسين يوجد في «أ».


صفحه 117

6426. الحادي عشر: لا تجوز تولية من لا يصلح للقضاء ، وإن اقتضت المصلحةُ توليَتهُ ففي انعقاد ولايته نظرٌ، أقربُهُ المنعُ ، وتولية عليّ (عليه السلام)لمن لا يرتضيه ليس بحجةٍّ ، لأنّه كان يشاركه فيما ينفذه ، فيكون هو الحاكم في تلك الواقعة بالحقيقة(1) .

6427. الثاني عشر: إذا استخلف القاضي نائباً شرط فيه ما يشترط في القاضي من بلوغ رتبة الاجتهاد إلاّ أن يخصّه بالنظر في التزكية، وتعيين الشهود ، وسماع البيّنة ، فالوجهُ اشتراط علمه بما يحتاج إليه في ذلك دون اشتراط منصب الاجتهاد، وليس له أن يشترط على النائب الحكم بخلاف اجتهاده أو بخلاف اعتقاده .

6428. الثالث عشر: لا ينفذ حكم من لا تقبل شهادته على المحكوم عليه ، كالولد على الوالد ، والعبد على المولى، والعدوّ على عدوّه، وإن كان بالبيّنة ، لأنّ له الاستقصاء في دقائق أداء الشهادة والردّ بالتهمة ، وله التسامح .

ولو تولّى وصيّ اليتيم القضاءَ فهل يقضي له؟ فيه نظرٌ، ينشأ من كونه خصماً في حقّه كما في حقّ نفسه، ومن أنّ كلَّ قاض فهو وليّ الأيتام .

6429. الرابع عشر: إذا ولاّه الإمام قضاءَ بلد، فإن كان نائياً بعيداً لا يشيع خبرُ توليته إليهم سيّر الإمام معه شاهدين، وأشهدهما على نفسه بالتولية، وكذا لو كان البلد قريباً ولم يستفض خبره ، أمّا لو كان البلد قريباً يمكن استفاضة الخبر إليه ، فإنّه تثبت ولايته بالاشتهار والاستفاضة، وكذا يثبت بالاستفاضة النسب، والملك


1 . كما ورد لمّا ولّى عليّ (عليه السلام)شريحاً القضاء (شرط عليه أن لا ينفذ القضاء حتّى يعرضه عليه) ، لاحظ الوسائل: 18 / 6 ، الباب 1 من أبواب صفات القاضى، الحديث 1 .


صفحه 118

المطلق، والموت، والنكاح، والوقف، والعتق، ولا تثبت الولاية بدون هذين الشيئين، ولا يجب على أهل البلد قبول قوله المجّرد عن أحدهما، وإن شهدت له الأمارات المفيدة للظنّ.

6430. الخامس عشر: إذا حدث بالقاضي ما يمنع الانعقاد، انعزل وإن لم يشهد الإمام بعزله، كالجنون والفسق والنسيان، ولو جنّ ثمّ أفاق لم تعد ولايته، ولا ينعزل بالسهو السّريع زوالُهُ مع تمكّنه من الضبط، ولو حكم من عرض له المانع لم ينفذ حكمه، وإن لم يعزله الإمام .

ولو لم يحدث به مانعٌ لكن رأى الإمام تولية غيره أولى، أو كان عزله مصلحةً، كان له عزله تحصيلاً للمصلحة الزائدة، ولو لم يكن هناك مصلحة زائدة، ولا حضر من هو أولى منه، ففي جوار عزله اقتراحاً نظرٌ، أقربُهُ الجوازُ، لأنّها ولاية تثبت بنظر الإمام، فيتّبع (1) اختيار المنوب .

ولو حصلت ريبةٌ عند الإمام من القاضي، جاز له عزله وكفاه غلبة الظنّ في ذلك .

وكلّ موضع يجُوز عزله مع جواز إبقائه، هل ينعزل بالعزل أو يتوقّف على سماعه؟ الأقربُ الثاني، لما فيه من الضرر.

ولو كتب إليه: إذا قرأتَ كتابي هذا، فأنت معزولٌ، انعزل مع قراءته أو القراءة عليه .

6431. السّادس عشر: إذا مات الإمام انعزل القضاة أجمع، وهو أحد قولي


1 . في «ب»: فينبغي .


صفحه 119

الشيخ (رحمه الله) (1) ولو مات القاضي الأصلي، ففي انعزال نائبه نظرٌ، وإذا عزله الإمام بعد سماع البيّنة ثمّ ولّى وجبت الاستعادة، ولو خرج من ولايته ثمّ عاد لم يحتج إلى الاستعادة.

6432. السّابع عشر: إذا اتّفق في البلد فقيهان في حال غيبة الإمام (عليه السلام)وكلٌّ منهما له أهليّة الفتوى والحكم، كان الخيار للمدّعي في رفعه إلى من شاء منهما، وكذا لو تعدّدوا، ولو رضيا بالفقيهين واختلف الفقيهان، نفذ حكم الأعلم الأزهد، لما رواه داود بن الحصين عن الصادق (عليه السلام)في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلافٌ، فرضيا بالعدلين، واختلف (2) العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضى الحكم؟

قال: «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا، وأورعهما، فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الآخر»(3).

وعن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام)قال قلت: في رجلين اختار كلّ واحد منهما رجلاً فرضيا أن يكونا النّاظِرَيْنِ في حقّهما، فاختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثنا؟

قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

قال: قلت: فإنّهما عدلان، مرضيّان عند أصحابنا، ليس يتفاضل واحدٌ منهما على صاحبه؟


1 . ذهب إليه في المبسوط: 8 / 127 .

2 . في المصدر: فاختلف .

3 . الفقيه: 3 / 5، برقم 17، والوسائل: 18 / 80 الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 .


صفحه 120

قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشّاذ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه حكمنا لاريب فيه، وإنّما الأُمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فمتّبعٌ، وأمر بيّن غيّهُ فمتجنبٌ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله عزوجلّ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«حلال بيّنٌ، وحرام بيّنٌ، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم».

قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر فما وافق حكمُهُ الكتابَ والسّنَةَ وخالف العّامّة أخذ به.

قلت: جُعِلْتُ فداك وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لها بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: بما يخالف العامّة، فإنّ فيه الرشاد .

قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعاً؟

قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم، فيترك ويؤخذ بالآخر .

قلت: فإن وافق حكّامهم وقضاتهم الخبران جميعاً؟

قال: إذا كان كذلك فارجه حتّى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في المهلكات .(1)


1 . الفقيه: 3 / 5 ـ 6، برقم 18 نقلناها عن الفقيه، لأنّ صاحبُ الوسائل جزّأها ونقلها في مواضع مختلفة. لاحظ الوسائل: 18 / 75، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 .


صفحه 121

الفصل الثاني: في الآداب

وفيه أحد عشر بحثاً:

6433. الأوّل: يستحبّ للقاضي إذا ورد إلى بلد ولايته ولا يعرف أحداً فيه أن يبحث عمّن يثق به في ذلك البلد ليسأله عن أحوال ذلك البلد، ويتعرّف منه ما يحتاج إلى معرفته، ويسأل عن العلماء فيه وأهل الفضل والعدالة والصلاح وسائر ما يحتاج إلى معرفته، ثمّ يقصد الجامع فيصلّي فيه ركعتين ويسأل الله تعالى التوفيق والعصمة والإعانة له، ويبعث منادياً ينادي أنّ فلاناً قدم عليكم قاضياً فاجتمعوا لقراءة عهده في وقت كذا، وينصرف إلى منزله الّذي أُعدّ له، ويستحبّ أن يكون وسط البلد، ليتساوى ورود أهله إليه، فإذا اجتمعوا قرأ العهد عليهم، ثمّ يواعدهم ليوم يجلس فيه للقضاء .

6434. الثاني: يستحبّ أن يجلس للقضاء في موضع بارز كرحبة أو فضاء، ليسهل الوصول إليه، وان حكم في المسجد صلّى فيه ركعتين عند دخوله تحيّةً، ويجلس مستدبر القبلة، ليكون وجه الخصوم إليها، وقيل (1): يستقبل القبلة لقوله(عليه السلام): خير المجالس ما استقبل به القبلة. (2) ولا يكره الحكم نادراً في


1 . القائل هو الشيخ في المبسوط: 8 / 90، والقاضي في المهذب 2: 595 .

2 . الوسائل: 8 / 475، الباب 76 من أبواب أحكام العشرة الحديث 3، ونقله الشيخ في المبسوط: 8 / 90، والشهيد في المسالك: 13 / 367 .


صفحه 122

المسجد، وهل يكره دائماً؟ قيل: لا، لقضاء عليّ (عليه السلام)بجامع الكوفة (1).

ويكره اتّخاذ حاجب وقت الحكم .

6435. الثالث: إذا جلس للحكم يستحبّ له أن يكون على أكمل حال وأعدلها، ولا يجلس على التراب ولا على بارية المسجد، ويكون عليه سكينة ووقار، ولا يستعمل الانقباض المانع عن النطق بالحجّة، ولا اللين المخوف معه جرأة الخصوم، وله أن ينتهر الخصم إذا التوى، ويصيح عليه، ويعزّره إن استحقّ التعزير، وان حصلت منه إساءة أدب كقوله: حكمت عليّ بغير الحقّ أو ارتشيت، فله التأديب والعفو .

6436. الرابع: يستحبّ أن يجلس وهو خال من الغضب، والجوع الشديد، والعطش، والفرح الشديد، والحزن الكثير، والهمّ العظيم، والوجع المولم، ومدافعة أحد الأخبثين، والنُّعاس، والغّم، ليكون أجمع لقلبه، واحضر لذهنه، وأبلغ في تفطّنه، وأكثر لتيقّظه.

ولو قضى والحال هذه، نفذ حكمه إن كان حقاً .

6437. الخامس: يستحبّ إذا ورد البلد أن يبدأ أوّلاً يأخذ ما في يد الحاكم المعزول من الحجج والقضايا المودعة عنده، ويأخذ الودائع الّتي أودعت لأجل الحكم، ثمّ يسأل عن أهل السّجن ويبعث ثقةً يكتب اسم كلّ محبوس وسبب حبسه، واسم غريمه، ثمّ ينادي ثلاثة أيّام بأنّ القاضي ينظر في أمر المحبوسين يوم كذا، فإذا كان يوم المواعدة ترك الرقاع بين يديه، ثمّ أخذ رقعة ونظر إلى اسم


1 . ذهب إليه الشيخ في الخلاف: 6 / 210، المسألة 3 من كتاب آداب القضاء .


صفحه 123

المحبوس، وطلب خصمه، فإذا حضر أخرج المحبوس من السجن، ونظر بينه وبين غريمه، ولا يسأل الغريم عن سبب الحبس، لأنّ الظاهر أنّ الحاكم إنّما حبسه بحقٍّ، ثمّ يسأل المحبوس عن ذلك، فإن قال: حبسني بحقٍّ له حال أنا مليء به، قال له الحاكم: أخرج إليه منه، وإلاّ رددتك إلى السجن.

وإن قال: أنا معسر به، سأل خصمه، فإن صدّقه أطلقه، وإن كذّبه وكان الحقّ مالاً، طلب من المحبوس البيّنة بالإعسار، وكذا لو عُرِفَ له مالٌ وادّعى تلفه، وإن لم يُعْرف له أصلُ مال، ولا كانت الدعوى مالاً، طلب البيّنة من الغريم، فإن فقدها أحلف المحبوس على الإعسار وأُطلق .

وإن أقام الغريم بيّنةً بأنّ له مالاً افتقر إلى تعيينه، فإن صدّقها طولب بالحقّ، وإن قال: إنّ هذا المال في يدي لغيري، سئل عن التعيين، فإن كذّبه المقرّ له، طولب بالحقّ، فإن صدّقه احتمل القبولُ، لأنّ البيّنة شهدت بالملك لمن لا يدّعيه، وعدمُ القبول ، فيقضى الدّين من المال، لأنّ البيّنة شهدت لصاحب إليد بالملك، فتضمّنت شهادتها وجوبَ القضاء منه، ولا يلزم من سقوط الشهادة في حقّ نفسه لإنكاره سقوطُها فيما تضمّنته ، (1) ولأنّه متّهم في إقراره لغيره .

ولو لم يظهر للمحبوس غريم ، وقال: حبسني الحاكم ظلماً ، أشاع أمرَهُ ، فإن لم يظهر له خصم أطلقه، قال الشيخ: بعد إحلافه (2).

وفي مدةّ الإشاعة لا يحبس ولا يطلق بل يراقبه ، والأقربُ أنّه لا يطالب بكفيل ببدنه .


1 . في «أ»: تضمّنه .

2 . المبسوط: 8 / 95 .


صفحه 124

ولو ظهر خصم وادّعى أنّ الحاكم حبسه لأجله ، وصدّقه ، فالحكم كما تقدّم ، وإن أنكر المحبوس، فإن أقام المدّعي بيّنةً أنّه خصمه وأنّه حبسه، حكم عليه ، وإن لم تكن معه بيّنة أطلقه بعد الإحلاف ، لأنّه لا خصم له .

ثمّ يسأل عن الأوصياء على الأيتام والمجانين، والمساكين ، ويعتمد معهم ما يجب من تضمين أو إنفاذ أو إسقاطِ ولاية، لبلوغ اليتيم ورشد المجنون، أو ظهور خيانة(1) أو ضمّ مشارك إن عجز الوصيّ ، فإنّ الصّغير والمجنون لا قول لهما، والمساكين لا يتعيّن الأخذ منهم .

فإذا حضر الوصيّ عنده، فإن كان الحاكم قبله أنفذ وصيّته لم يعزله، لأنّ الحاكم لم يعزله وما أنفذ وصيّته إلاّ بعد معرفته بالصّلاحيّة في الظاهر، ولكن يراعيه، فإن تغيّرت حاله بفسق، عزله، وإن كان يعجز أضاف إليه آخر .

وإن كان الأوّل لم يُنفذ وصيّته ، نظر فيه ، فإن كان أميناً قويّاً أقرّه ، وإن كان ضعيفاً ضمّ إليه غيره، وإن كان فاسقاً عزله، واستبدل به غيره .

فإن كان الوصيّ قد تصرّف ، وفرّق الثلث حال فسقه، فإن كان أهل الثلث بالغين عاقلين معيّنين، وقعت التفرقة موقعها، لأنّهم قبضوا حقوقهم ، وإن كانوا غير معيّنين كالفقراء والمساكين، قال الشيخ (رحمه الله): عليه الضمان ، لأنّه ليس له التصرّف (2) ويحتمل عدم الضّمان ، لأنّه أوصله إلى أهله ، وكذا إن فرّق الوصيّة غير الموصى إليه بتفريقها، والأقربُ ما قاله الشيخ (رحمه الله) .

أمّا لو تصرّف في مال الوقف على المساجد والمشاهد والمصالح مَنْ


1 . في «أ»: أو ظهور جنايته .

2 . المبسوط: 8 / 95 ـ 96 .


صفحه 125

ليس له أهليّة الحكم، فإنّه يكون ضامناً، وإن كان قد صرفه في وجهه إذا لم يكن الواقف ولا الحاكم جعلا له النظر فيه .

6438. السّادس: ينظر في أُمناء الحكم، وهو من ردّ الحاكم إليه النظرَ في أمر الأطفال وحفظ أموالهم ، وأموال المجانين، وتفرقة الوصايا الّتي لم يعيّن لها وصيّ، والحافظون لأموال الناس من وديعة أو مال محجور عليه ، فإن كانوا صالحين لذلك(1) أقرّهم ، وإلاّ استبدل بهم إن فسقوا وضمّ إليه غيرهم إن عجزوا.

ثمّ ينظر في اللقطة والضّوالّ الّتي تحت نظر الحاكم، فيبيع ما يخشى تلفه، وما تقتضيه المصلحة، كالمحتاج إلى نفقة تستوعب قيمته، ويحفظ ثمنها لأربابها، ويحفظ مثلَ الأثمان والجواهر على أربابها ، ليدفع (2) إليهم إن ظهروا.

6439. السّابع: ينبغي للحاكم أن يحاضر أهل العلم ، وأن يشهد حكمه من(3) يثق بفطنته منهم ، بحيث إن أخطأ بيّن له الصواب، ويخاوضهم(4) في الأُمور المشتبهة ليظهر له الصواب بالمباحثة، ولا يجوز له التقليد، بل الفائدة في محاضرة العلماء استخراج الأدلّة والتعرّف للحقّ بالاجتهاد .

ولا يجوزُ له أن يحكم بقول غيره، سواء ظهر الحقّ في خلافه أو لا، وسواء ضاق الوقت أو لا، وكذلك ليس للمفتي أن يفتي بالتقليد .

ولو أخطأ الحاكم فأتلف لم يضمن، وكان على بيت المال.


1 . في «أ»: كذلك .

2 . في «ب»: لتدفع .

3 . في «أ»: ممّن .

4 . في مجمع البحرين: يقال: خاض الناس في الحديث وتخاوضوا: أي تفاوضوا فيه .


صفحه 126

6440. الثامن: وينبغي أن يحضر مجلسه شهود ليستوفي بهم الحقوق ويثبت بهم الحج، بحيث إن أقرّ غريمٌ شهدوا عليه، وكذا إن حكم أشهدهم بحكمه .

ولو تعدّى أحد الغريمين الصّواب عرّفه الحقّ برفق ، فإن عاد زجره، وإن احتاج إلى التأديب أدّبه ، وإذا اتّضح له الحكم حكم.

ويستحبّ أن يرغبهما في الصلح، فإن اشتبه صبر حتّى يظهر الحق له، ولا يحكم بدونه، ولو صالحهما ورضيا جاز وإن لم يظهر له الحق، وإذا اجتهد فظهر له الصواب وجب أن يحكم بما أدّاه اجتهادُهُ، فإن تغيّر اجتهاده قبل الحكم، حَكَمَ بما تغيّر اجتهادُهُ إليه ، ولا يجوزُ له أن يحكم بالاجتهاد الأوّل ، لأنّه يعتقد بطلانه .

6441. التاسع: حكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته ، فلو حكم بعقد أو فسخ أو طلاق نفذ حكمه ظاهراً لا باطناً، فلو تعمّد رجلان، وشهدا على آخر بطلاق زوجته، ففرقّ الحاكم بينهما، لم يجز لأحد الشاهدين نكاحُها .

ولو ادّعى رجل نكاحَ امرأة، وأقام شاهدي زور، فحكم الحاكم ، لم تحلّ له ولم تصر زوجته .

ولو استأجرت امرأةٌ شاهدي زور، فشهدا لها بطلاق زوجها، وهما يعلمان كذبهما وتزويرهما، فحكم الحاكم بالطّلاق لم يحلّ لها أن تتزوّج ، ولم يحلّ لأحد الشاهدين نكاحها.

وإذا قام شاهدي زور بنكاح امرأة وهو يعلم كذبهما لم تحلّ له، ولزمها في الظاهر، وعليها أن تمتنع ما أمكنها، فإن أكرهها فالإثم عليه دونها، فان وطئها الرجل فعليه الحدّ إن لم يعتقد الإباحة.


صفحه 127

وهل يحلّ لها أن تتزوّج بغيره؟ الوجهُ ذلك غير أنّه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء ، بل يحرم على المحقّ ما دام الآخر حاضراً عندها، فإذا غاب الزوج الظاهر جاز للآخر الوطء .

6442. العاشر: يكره للحاكم أن يشتري أو يبيع لنفسه، بل ينبغي له أن يولّي غيره ذلك ، ولا ينبغي أن يكون الوكيل معروفاً، لأنّه يستحي منه أو يخاف فيحابى ، فيكون مرتشياً بقدر المسامحة، ولو احتاج إلى المباشرة ولم يجد من يكفيه جاز من غير كراهة.

وكذا يكره أن يرتّب قوماً بأعيانهم للشهادة دون غيرهم، وقيل: يحرمُ لما في ذلك من المشقّة ولاستواء العدول في القبول ، فلا تخصيص .(1)

6443. الحادي عشر: ينبغي للحاكم أن يتّخذ كاتباً، ويجب أن يكون عاقلاً ، بالغاً، مُسلماً ، عدلاً، بصيراً ، ويكفي الواحد .

وأن يتّخذ مترجمين، ولا يكفي الواحد، ويشترط عدالتهما، ويكفي الاثنان وإن ترجما عن الزنا، ويعتبر في الترجمة لفظ الشهادة.

ولو كان القاضي أصمّ ، وجب أن يتّخذ مسمعاً(2) وفي اشتراط العدد نظرٌ ينشأ من مساواته للمترجم، فإنّه ينتقل عين اللفظ، كما أنّ المترجم ينقل معناه، ومن وقوع الفرق بينهما ، فان المسمع لو غيّر اللفظ لعرف الخصمان والحاضرون، بخلاف المترجم ، نعم لو كان الخصمان أصمّين وجب العدد، لجواز غفلة الحاضرين فإن اشترطنا (3) العدد فالأقربُ عدمُ اشتراط لفظ


1 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 111 .

2 . في «أ»: مستمعاً .

3 . في «ب»: فإن شرطنا .


صفحه 128

الشهادة، وإن لم يشترط فلا يراعى لفظ الشهادة، لأنّه يسلك بها مسلك الرواية.

وإذا شرطنا العدد في المسمع (1) ، فلابدّ من رجلين وإن كانت الخصومة في مال، وكذا في الشهادة على الوكالة بالمال، لأنّ المشهود عليه ليس بمال في نفسه، والأقربُ أنّ أُجرة المسمع (2) على بيت المال لا على الخصمين .

الفصل الثالث: في وظائف الحكم

وفيه عشرون بحثاً :

6444. الأوّل : إذا دخل الخصمان ، عَدَلَ بينهما في الكلام ، والسّلام، والجلوس ، والنظر، والإنصات والعدل في الحكم .

وانّما تجب التسوية مع التساوي في الإسلام والكفر، ولو كان أحدهما مسلماً، جاز أن يكون الذمّي قائماً والمسلم قاعداً، أو أعلى منزلاً.

ولا يُضيف أحدُ الخصمين إلاّ ومعه الآخر .

ولا يجوز له أن يلقّن أحدَ الخصمين ما فيه ضرر على خصمه، مثل أن يريد الإقرارَ فيلقّنه الإنكار، أو اليمينَ فيلقّنه النكول، أو النكولَ فيجرّئه على اليمين، أو يحسّ من الشاهد بالتوقّف ، فيحرضّه على الشهادة، أو يكون مُقْدِماً


1 . في «أ»: في المستمع .

2 . في «أ»: أُجرة المستمع .


صفحه 129

على الشهادة فيزهّده عنها، أو يأمر أحدَ الخصمين بالكلام، لأنه نصب (1) لسدّ باب المنازعة .

ولو سكت الخصمان ، استحبّ ان يقول لهما: تكلّما ، أو: ليتكلّم المدّعي . ولو احتشماه أمر من يقول ذلك(2) .

ولا يواجه بالخطاب أحدهما.

ويكره للحاكم أن يشفع في إسقاط أو إبطال .

6445. الثاني: إذا ورد الخصوم مترتّبين، بدأ بالأوّل فالأوّل ، فإن وردوا جميعاً، أقرع بينهم ، فإذا خرجت القرعة للخصمين، حكم بينهما، وان حكم بين شخص وخصمه ، فقال: لي دعوى أُخرى مع هذا الخصم، أو مع غيره ، لم يسمع منه، ويقال له: اجلس حتّى إذا لم يبق أحدٌ من الحاضرين ، نظرت في دعواك الأُخرى ، فإذا فرغ الكلّ فقال الأخير، بعد فصل خصومته: لي دعوى أُخرى لم يسمع منه حتّى يسمع دعوى الأوّل للثانية ثمّ يسمع دعواه .

وإن ادّعى المدّعى عليه على المدّعي حكم بينهما، لأنّا إنّما نعتبر الأوّل فالأوّل في المدّعي لا في المدّعى عليه، وإذا تقدّم الثاني فادّعى على المدّعي الأوّل أو المدّعى عليه الأوّل حكم بينهما.

ولو كثر الواردون دفعةً كتب أسماءهم في رقاع ووضعها بين يديه، وأخذ رقعةً رقعة فينظر في أمر صاحبها وخصمه.


1 . في «أ»: نصبه .

2 . وفي الشرائع: 4 / 81: «ولو أحسّ منهما باحتشامه أمر من يقول ذلك» وهذا أوضح . قال الطريحي: الاحتشام ، هو افتعال من الحِشمة ـ بالكسر ـ بمعنى الانقباض والاستحياء . مجمع البحرين .


صفحه 130

ولو حضر مسافرون ومقيمون، فهما سواء ما لم يستضر المسافرون ، فيقدّمون.

ولو قطع المدّعى عليه دعوى المدّعي بدعوى، لم تسمع حتّى تنتهي الحكومة، ثمّ يستأنف الدعوى.

6446. الثالث: إذا حضر الخصمان فسبق أحدهما بالدعوى ثم ادّعى الآخر يسكته الحاكم حتّى تنتهي الحكومة مع المدّعي ، ولو ادّعيا معاً دفعةً واحدةً، سمع من الّذي عن يمين صاحبه .

ولو ازدحموا على المفتي والمدرّس فالحكم بالسّبق، فإن تساووا أقرع إلاّ إذا كان ما يطلب منه من العلم غيرواجب، فإليه الاختيار.

6447. الرابع: الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وأمّا غيره من القضاة، فإنّه كذلك في حقوق الناس، والأقوى القضاء بالعلم أيضاً في حقّ الله تعالى، ولا يجوز أن يحكم بالظّنّ الّذي لا يستند إلى البيّنة.

ولا يشترط في العلم حصُولُه في زمانِ ولايته أو مكان ولايته، بل يحكم به كيف حصل.

ولو رأى الحاكم خطّه إنّي قضيت على فلان بكذا، لم يجب له إمضاؤه إلاّ أن يذكر الواقعة بحدودها، وكذا الشهادة، وإن علم أنّه لا يزور عليه .

ولو نسخ الشهادة وحفظ المكتوب عنده(1) وأمن التّزوير لم يجز له الإقامة مالم يذكر الشهادة.


1 . هكذا في «أ»: ولكن في «ب»: ولو نسخ الشهادة من حفظه المكتوب عنده .


صفحه 131

أمّا رواية الأحاديث ، فإنّه لا يعتمد فيها على مجرّد الخطّ إن أمكن التحريف ، لكن إن صحّح النسخة، وحفظها بنفسه ، وأمن التغيير، فالأقرب جواز الرواية .

وفي كلّ صورة يجوز للحاكم الحكمُ فيها ، فإنّه يجوز أن يحكم من غير حضور شاهد يشهد الحكم.

6448. الخامس: إذا انتفى علمُ الحاكم بالدّعوى، طلب البيّنة، فإن عَرَفَ عدالتَها حكم، وإن عرف الفسقَ أطرح، وإن جهل الأمرين بَحَثَ عنهما، وطلب التزكية وإن عرف إسلامَ الشاهدْين.

ولا يجُوز له التعويل في الشهادة على حسن الظاهر، بل لا يحكم إلاّ بعد الخبرة البَاطنة بحال الشاهدين .

ولو حكم بالظاهر من حال العدالة، ثمّ تبيّن فسقهما(1) وقت الحكم ، نقض الحكم .

ولو لم يعرف الحاكم العدالةَ، فالتمس المدّعي حبس المنكر ليعدلهما، قال الشيخ (رحمه الله): له ذلك لقيام البيّنة بما ادّعاه (2) وليس بجيّد، لما فيه من تعجيل العقوبة قبل ثبوت السبب.

6449. السّادس: يستحبّ السؤال عن التزكية سرّاً، فإنّه أبعد من التهمة، لجواز أن يتوسّل الشاهد إلى الاستمالة(3) والتعرّف إلى المزكّي بحسن الحال، ثمّ يشافه القاضي المزكّي ظاهراً في آخر الأمر.


1 . وفي «أ»: من حاله العدالة ثمّ تبيّن فسقهما .

2 . المبسوط: 8 / 93 ـ 94 .

3 . في «ب»: إلى الاستحالة .


صفحه 132

وينبغي أن يكون للقاضي جماعة من المزكّين أخفياء لا يعرفُون.

6450. السّابع: الاستزكاء حقٌ لله تعالى ، فلو سكت الخصم وجب على القاضي طلبه إلاّ أن يعلم بعدالتهما، فيحكم بعلمه ، ولو اعترف الخصم بالعدالة، حكم عليه من غير طلب المزكّي.

ولو قال: إنّهما عدلان لكنّهما زلاّ في هذه القضيّة ، فالأقربُ الحكمُ عليه، لاعترافه بالعدالة.

6451. الثامن: ينبغي للقاضي أن يعرّف المزكّي الشاهدين والخصمين ، لتجويز معرفته بعداوة بينهما.

وهل يشترط إعلامُهُ بقدر المال؟ الأقربُ أنّه ليس كذلك، لأنّه إذا زكّاه في اليسير زكّاه في الجليل، إلاّ على ما اختاره الشيخ (رحمه الله) ، من أنّ ولد الزنا تقبل شهادته في اليسير من المال مع فرض عدالته .(1)

6452. التاسع: لابدّ للمزكّي من الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة بحال الشاهد، حتّى تسوغ له تزكيته ، وتثبت مطلقةً فلا يجب ذكرُ السبب، فإنّ سبب العدالة لا ينحصر.

ويجب ذكر السّبب في الجرح، لوقوع الخلاف فيه، ولا يفتقر إلى تقادم المعرفة، بل يكفي العلم بسبب الفسق ، ولو أسند السبب إلى الزنا أو اللواط، لم يكن قذفاً .

ويجب على المزكّي أن يقول: أشهد أنّه عدلٌ مقبولُ الشهادة، أو هو عدل


1 . النهاية: 326 .


صفحه 133

لي وعليّ ، فإنّ العدل قد لا تُقْبل شهادته لغفلته، ولا يكفي أن يقول: لا أعلم منه إلاّ الخير.

وتقبل تزكيةُ الأب لولده وبالعكس، وهل يُقْبل جرحُ الولد للوالد؟ الأقربُ العدمُ.

6453. العاشر: ليس للشاهد أن يشهد بالجرح إلاّ بعد المشاهدة لسبب الفسق(1) أو أن يشيع ذلك بين الناس شياعاً موجباً للعلم، ولا يكفي الظنّ في ذلك وإن كثر المخبرون.

أمّا العدالة فيكفي فيها غلبةُ الظّنّ بانتفاء أسباب الجرح المستندة إلى تأكد الصّحبة وكثرة الملازمة والمعاملة.

ومع ثبوت العدالة يحكم بالاستمرار عليها إلى أن يظهر المنافي، وقيل (2): إن مضت مدّةٌ يمكن تغيّره فيها ، جدّد البحث عنه، ولا تقدير للمدّة بل بحسب ما يراه الحاكم .

6454. الحادي عشر: لو اختلف الشهودُ في الجرح والتعديل ، حكم بالجرح، لأنّ سببه قد يخفى عن الآخرين.

ولو تعارضت البيّنتان فيهما، قال في الخلاف: يقف الحاكم عن الحكم(3).


1 . في «أ»: بسبب الفسق .

2 . القائل هو بعض العامّة على ما صرّح عليه في الجواهر . لاحظ جواهر الكلام: 40 / 126 .

3 . الخلاف: 6 / 219 ، المسألة 12 من كتاب آداب القضاء .


صفحه 134

ولو شهد عدل بالجرح وآخران بالتعديل، حكم بالعدالة ، وله التوقّف مع الريبة، وإذا عدّله المزّكون فللقاضي التوقّف إذا انفرد بتسامع الفسق، لأنّه محلّ الرّيبة .

ويجوز للحاكم التفريقُ للشهود خصوصاً مع الرّيبة .

وإذا كان الشاهد فقيهاً فله الإصرار على كلمة واحدة ، وهو أن يقول: أعرف عدالتهما، ولا يلزمه التفصيل ، وليس للقاضي إجبارُهُ، لكن يبحث عن جهات أُخر، فلو أصرّ الشاهد وبحث القاضي، ولم تزل الريبة، وجب القضاء، وليس له القضاء مع الرّيبة قبل البحث .

6455. الثاني عشر: صفات المزكّي كصفات الشهود ويزيد أمران: العلم بالجرح والتعديل ، والخبرة الباطنة بحال الشاهد.

ولابدّ من الذكورة والعدد.

وينبغي أن يكونُ المزكّي صاحبَ عفّة ونزاهة، ذا عقل وافر بريئاً من البغضة، لئلاّ يطعن في الشهود، ولا يكون من أهل الهوى (1)والعصبيّة يميل إلى من وافقه على من خالفه .

وإذا شهد عند الحاكم بالعدالة، فله أن يقبل الشهادة من غير كشف ولا سؤال.

ولو أقام المدّعى عليه بيّنةً انّ هذين الشاهدين شهدا بهذا الحقّ عند حاكم فردّ شهادتهما بفسقهما ، بطلت شهادتهما.


1 . في «ب»: من أهل الأهواء .


صفحه 135

ويستحبّ للحاكم أن يسأل عن شهوده كلّ وقت، لأنّ الرجل ينتقل من حال إلى حال.

ولا يقبل شهادة المتوسّمين ، وهو أن يحضر مسافران يشهدان عند الحاكم، ولا يعرفهما، وعليهما سيماء الخير.

6456. الثالث عشر: ليس على الحاكم الثاني تتبّع أحكام المعزول، نعم لو ادّعى المحكوم عليه أنّ المعزول حكم عليه بالباطل، وجب النظر فيه، وكذا لو ثبت عنده ما يبطل حكم الأوّل أبطله، لا فرق في ذلك بين حقوقه تعالى وحقوق الناس.

ولو قضى الأوّل على غريم بضمان مال وأمر بحبسه ، فحضر الثاني ، نظر فإن كان الحكم موافقاً للحقّ أنفذه ، وإلاّ أبطله، سواء استند في الحكم إلى دليل قطعيٍّ أو اجتهادّي، وكذا كلّ حكم حكم به الأوّل فظهر للثاني بطلانُه، فإنّه ينقضه ، وكذا لو كان الخطأ في حكم نفسه نقضه ، ويستأنف الحكم بالصّواب.

ولو كان القاضي الأوّل لا يصلح للقضاء ، نقضت أحكامهُ أجمع ، سواء أصاب فيها أو أخطأ.

6457. الرابع عشر: لو قال المعزول بعد العزل: كنت قضيت لفلان، لم يُقْبل قوله، ولو قال قبل العزل قُبِلَ وإن لم تكن بيّنة ، لأنّه من أهل الإنشاء في الحال، أمّا لو شهد عدلان بعد العزل على قضائه ثبت ، ولو كان هو أحد العدلين لم يقبل إن قال: أشهد أنّي قضيت، ولو قال: أشهد أنّ قاضياً قضى ، ففيه نظرٌ .

6458. الخامس عشر: لو ادّعى رجلٌ على المعزول أنّه أَخَذَ منه رشوةً، رفعه إلى القاضي المنصوب ، وحكم بينهما.


صفحه 136

ولو ادّعى أنّه أخذ منه المال بشهادة فاسقين فكذلك ، فإن حضر واعترف أُلزم المال، وإن قال: لم أحكم إلاّ بشهادة عدلين، قال الشيخ (رحمه الله): يطلب منه البيّنة لاعترافه بنقل المال وادّعائه المزيل للضمان (1) وفيه نظرٌ، لأنّ الظاهر من الحكّام بذلُ الجهد(2) والاستظهار في الأحكام، فيكون القولُ قولَه مع اليمين، لادّعائه الظاهر ، ولو ادّعى مجرّد الحكم دون أخذ المال، فالوجه أنّه كالأوّل .

ولو ادّعى الأمين أنّه أخذ شيئاً أُجرةً لم يقبل تصديق المعزول له ، لكن يطالب بالزائد عن أُجرة المثل، والأقربُ أنّه لا يحلف على قدر أُجرة المثل.

ولو ادّعى على شاهدين أنّهما شهدا عليه بزور، أحضرهما الحاكم ، فإن اعترفا ألزمهما ، وإن أنكرا وأقام المدّعي بيّنةً على إقرارهما بذلك فكذلك، وإن لم يقم بيّنةً ، ففي إحلافهما نظرٌ ينشأ من كونهما منكرين، وعلى المنكر اليمين، ومن تطرّق الدعاوي في الشهادة ، (فربما منع ذلك من ردّ الشهادة)(3) وربما(4) منع ذلك من أداء الشهادة، والأوّل أقوى .

6459. السّادس عشر: إذا استعدى رجل على آخر إلى الحاكم لزمه أن يعديه ويستدعي خصمه مع حضوره ، وإن لم يحرّر الدعوى، سواء علم بينهما معاملةً أو لا، وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا.

ولو كان المستعدى عليه امرأةً برزةً (5) فكالرّجل ، وإن كانت مخدّرةً


1 . المبسوط: 8 / 103 .

2 . في «ب»: بذل المجهود .

3 . ما بين القوسين يوجد في «أ» .

4 . في «ب»: فربما.

5 . هي الّتي تبرز لقضاء حوائجها .


صفحه 137

أُمرت بالتوكيل، فإن توجّهت اليمين عليها بعث الحاكم أميناً معه شاهدان فاستحلفها ، وإن أقرّت شهدا عليها .

ويجوز أن يبعث الحاكم إلى منزلها من يقضي بينهما، فإن اعترفت للمدّعي أنّها خصمه، حكم بينهما، وإن أنكرت طلب شاهدين من أنسابهما يشهدان أنّها المدّعى عليها، ثمّ يحكم بينهما من وراء السّتر، فإن لم تكن له بيّنة التحفت بجلباب وأُخرجت من وراء الستر.

وإن كان المدّعي عليه غائباً في غير ولايته ، لم يكن له أن يعدي عليه ، وله الحكم عليه .

وإن كان في ولايته وله في بلده خليفة، أثبت الحقّ عنده ، وكتب به إلى خليفته، ولم يحضره .

وإن لم تكن هناك بيّنةٌ نفذه إلى خليفته، ليحكم بينه وبين خصمه، وإن لم يكن لهُ خليفة، وكان فيه من يصلح للقضاء ، أذن له في الحكم بينهما، وإن لم يكن له فيه من يصلح للقضاء، طولب بتحرير الدّعوى، لاحتمال ادّعاء ما ليس بحقٍّ، كالشفعة للجار ، فيلزمه المشقّة بالإحضار بغير حق بخلاف الحاضر في البلد، فإذا حرّر الدّعوى طلب خصمه بعدت المسافة أو قربت .

ولو كان حاضراً واختفى، نادى رسولُ الحاكم ثلاثاً أنّه إن لم يحضر ختم على بابه، ويجمع أهل محلّته وأشهدهم على أعذاره، فإن لم يحضر، وسأل المدّعي خَتْمَ بابِهِ ختمها، فإن لم يحضر حكم عليه ، كما يحكم على الغائب .


صفحه 138

ولو ادّعى أحد الرعية على القاضي، فإن كان هناك إمامٌ رافعه إليه ، وإن لم يكن وكان في غير ولايته، رافعه إلى قاضي تلك البقعة، وإن كان في ولايته رافعه إلى خليفته .

6460. السّابع عشر: ينبغي للحاكم أن يُفَرِّق بين الشهود ، ويستحبّ فيمن لا قوّة له أو في موضع الريبة ، أمّا إذا كان الشهود من أهل الفضل والبصيرة، فإنّه يكره للحاكم ذلك.

ولا يجوز له أن يُتَعْتِعَ الشاهدَ بأن يداخله في التلفّظ بالشهادة أو يتعقّبه، بل يصبرُ عليه حتّى يُنْهي (1) الشهادة، فإن تلعثم(2) أو تردّد لم يجز له ترغيبه بالشهادة، ولا تزهيده عنها، وكذا يحرم عليه منع الغريم عن الإقرار بحقِّ آدميّ ، ويجوز في حقّ الله تعالى كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لـ «ما عز»:

«لَعَلَّكَ قَبَّلْتَها ، لَعَلَّكَ لَمَسْتَها» (3) .

وهو يؤذن بكفّه عن الإقرار ومنعه عنه.

وله وعظ الشاهدين مع الرّيبة .

6461. الثامن عشر: لو نسي القاضي الحكم فشهد عنده عدلان بأنّه قضى ، ففي القبول نظرٌ ينشأ من إمكان رجوعه إلى العلم، لأنّه يرجع إلى فعله ، فلا يقبل فيه الظّنّ ، كالشهادة لو نسيها فشهد عنده عدلان بأنّه قد شهد، ومن قبول هذه


1 . في «أ»: ينتهي .

2 . يقال: تلعثم في الأمر: توقف فيه وتأنّى (المنجد) .

3 . مسند أحمد: 1 / 238 ، سنن أبي داود: 4 / 146 برقم 4422 ، سنن البيهقي: 8 / 226 .


صفحه 139

الشهادة لو شهدا عند غيره فكذا عنده، ولو شهدا بالحكم عند غيره أنفذه إن لم ينكر ولم يكذّبهما .

أمّا في الرواية فيجوز مع نسيان المرويّ عنه ، كما نقل عن بعضهم أنّه كان يقول: حدّثني فلان عنّي.

ولو ادّعى إنسانٌ على قاض انّك قضيت لي فأنكر، لم يكن له رفعه إلى قاض آخر، ولا يتوجّه عليه اليمين كالشاهد إذا أنكر الشهادة.

6462. التّاسع عشر: إذا اعترف الغريم فقال المقرّ له للحاكم: اشهد لي على إقراره شاهدين، لزمه ذلك، لاحتمال نسيانه.

ولو ثبت عنده حقٌّ بنكول المدّعى عليه ويمين المدّعي، وسأله المدّعي أن يشهد على نفسه لزمه.

ولو ثبتت عنده بيّنةٌ فسأله الإشهاد ، احتمل اللزوم ، لاشتمال الحكم(1) على تعديل البيّنة، وعدمُهُ إذ بالحقّ بيّنة فلا يحتاج إلى جعل بيّنة أُخرى .

ولو حلف المنكر وسأل الحاكم الإشهاد على خروجه عن العُهدة، لزمه، وفي جميع ذلك لو سأل الكتابة احتمل اللزومُ، لأنّه وثيقةٌ فهو كالإشهاد ، إذ هو مُذكّر للشاهدين ، وعدمُهُ، إذ لا اعتبار بالخطّ ، وإنّما المرجع إلى الذكر.

وإذا كتب صورة الواقعة ذكر الواقعة، وأسماء الخصمين وحالهما(2) إن لم


1 . أي لأنّ حكم القاضي مبنيّ على عدالة البيّنة الأُولى، وفي الإشهاد، إثباتٌ لتعديلها.

2 . الظاهر أنّ المراد به حليتهما .


صفحه 140

يعرفا، فإن سأل صاحبُ الحقّ الحاكمَ أن يحكم بما ثبت في المحضر الّذي نسخ فيه صورة الواقعة، لزمه الحكم به وإنفاذُهُ فيقول: حكمت له به، أو ألزمته الحقّ وأنفذت الحكم به، فإن طالبه أن يشهد له على حكمه لزمه .

ويجمع محاضر كلّ أُسبوع ووثائقه وحججه في إضبارة (1) ويكتب عليها أسبوع كذا، ويجعل محاضر الشهر في كيس ، ويكتب عليه محاضرة شهر كذا، ثمّ يجمع ما للسنة، فيكتب عليه قضايا سنة كذا، ليكون إخراج ما يحتاج إليه أسهل عند طلبه، ويكتب نسخةً أُخرى في يد المدّعي بحيث توجد إحداهما لو ضاعت الأُخرى .

وينبغي للحاكم إطلاق ثمن الكاغذ من بيت المال ، وإن لم يكن هناك فضل، أحضر الملتمس، ولا يجب على الحاكم دفع القرطاس من خاصّته ، ومع حضور الكاغذ يجب على الحاكم الكتابةُ .

6463. العشرون: يستحبّ للخصمين الجلوس بين يدي الحاكم، ولو كانا قائمين بين يديه جاز، وليس له أن يُجْلس أحدَهُما دون الآخر مع تساويهما في الإسلام والكفر.


1 . قال الفيومي: وعنده إضبارةٌ من كتب ـ بكسر الهمزة ـ : أي جماعة وهي الحزمة . المصباح المنير: 2 / 2 .


صفحه 141

الفصل الرّابع: في كيفيّة الحكم

وفيه سبعة مباحث :

6464. الأوّل : الدعوى إن كانت بوصيّة أو إقرار سُمِعَتْ وإن كانت مجهولةً، وإن كانت في غيرهما قال الشيخ (رحمه الله): لا تُسْمع إلاّ محرّرةً، فلو ادّعى شيئاً مجهولاً، لم يسمع ، لأن الحاكم يسأل المدّعى عليه ، فإن اعترف به لزمه، ولا يمكنه أن يلزمه بالمجهول .(1) وفيه نظرٌ، وعلى قوله (رحمه الله)إن كانت الدعوى أثماناً افتقر إلى ذكر الجنس والنوع والقدر، فيقول: عشرة دنانير مصريّة صحاحاً ، مثلاً وإن كانت من العروض المثليّة ضبطها بالصفات، ولا يحتاج إلى ذكر القيمة، وإن لم يكن مثليّاً وجب ذكر القيمة.

ولو كان المدّعى به تالفاً ، فإن كان مثليّا ادّعى مثله، وضبطه بالوصف ، وإن لم يكن مثليّاً ادّعى القيمة، لأنّها تجب بتلفه ، وإن ادّعى جرحاً له أرشٌ معلومٌ، صحّ ذكر الجرح وإن لم يذكر الأرش ، وإن لم يكن مقدّراً وجب ذكر الأرش .

ولو ادّعى على أبيه دَيْناً لم تسمع حتّى يدّعي موت أبيه وأنّه ترك شيئاً في يد ولده بقدر الّدين ، ولو كان فيه وفاء للبعض ، ذكر ذلك القدر، ولو جهل المدّعي تحريرَ الدّعوى فهل للقاضي تلقينه التحرير؟ فيه نظرٌ، أقربُهُ الجوازُ، لأنّ ذلك تحقيق للدّعوى.


1 . المبسوط: 8 / 156 .


صفحه 142

وهل يشترط إيراد الدّعوى بصورة الجزم أو يكفي قولُهُ: أظنّ أو أتوهّم؟ فيه نظرٌ، فإن قلنا بسماعها لم يكن له الحلف بالرّد ولا مع إقامة شاهد واحد، بل تجب البيّنة عليه أو يحلف المنكر، وليس للمنكر حينئذ الردُّ ، بل إمّا أن يحلف أو يخرج عن الحقّ، وفيه إشكالٌ.

6465. الثاني : إذا حرّر المدّعي دعواه، فللحاكم أن يسأل خصمَهُ عن الجواب، ويحتمل توقّف ذلك على التماس المدّعي ، لأنّه حقُّهُ فيتوقّف على المطالبة، والأوّلُ أقربُ، لأنّ شاهد الحال يدلّ عليه ، فإنّ إحضاره والدّعوى إنّما يراد ليسأل الحاكم الغريمَ فيقول لخصمه: ما تقول فيما يدّعيه ، أو ما عندك فيه؟ فإن أقرّ لزم الحقّ ، وإن لم يقل الحاكم: قضيتُ، بخلاف البيّنة لأنّها تتعلّق باجتهاد الحاكم، وليس للحاكم أن يحكم عليه الاّ بمسألة المدّعي ، لأنّه حقُّهُ ، فيتوقّف استيفاؤهُ على مطالبته، ويحتمل أن يحكم عليه من غير مسألة .

أمّا لو كان المدّعي جاهلاً بمطالبة الحاكم، فإنّ الحاكم يحكم عليه أو ينبّهه على ذلك، لئلاّ يضيع حقّه بجهله، فيترك المطالبة.

وكيفيّة الحكم أن يقول: قد ألزمتك ذلك، أو قضيتُ عليه، أو اخرج إليه من ماله، أو ادفعه إليه .

وإن طلب المدّعي أن يكتب الإقرار ، كتب له إن كان يعرفه بنسبه ، أو يشهد عنده شاهدانِ عدلانِ بالنسب، ولو شهد عليه بالحلية جاز وإن لم يعرف النسب .

وإن استوفى الحقّ من المحكوم عليه ، فقال للحاكم: اكتب لي محضراً بقبض الحقّ منّي لئلاّ يطالبني الخصم مرّةً أُخرى في موضع آخر، فالوجهُ وجوبُ إجابته .


صفحه 143

ولو قال: أُريد الكتاب الّذي ثبت به الحقّ، لم يلزم المدّعي دفعه إليه ، لأنّه ملكه، ولاحتمال خروج العوض مستحقّاً فيعود إلى ماله، وكذا كلّ من كان له كتاب بدين فاستوفاه، أو عقار باعه، لم يلزمه دفعُ الكتاب .

ولو ادّعى المقرّ الإعسارَ، فإن صدّقه غريمُهُ، أو ثبت بالبيّنة، أو عرف حاله، أنظر حتّى يوسر، وفي رواية: يسلم إلى غرمائه ليستعملوه أو يؤاجروه(1) .

وإن جهل حاله بحث الحاكم عنه، ثمّ إن عرف له أصل مال أو كانت الدّعوى مالاً حبس حتّى يثبت إعساره، وإن لم يعرف له أصل مال ولا كانت الدّعوى مالاً، فالقولُ قولُهُ مع اليمين.

6466. الثالث: إن أنكر الخصم وقال: لا حقّ للمدّعي عليّ، فإن كان المدّعي عارفاً بأنّه موضع المطالبة بالبيّنة ، تخيّر الحاكم بين السكوت وبين قوله: ألك بيّنة؟ وإن كان جاهلاً قال الحاكم: ذلك ، فإن قال: لا بيّنة لي ، قال له الحاكم: لك يمينه ، فإن سأل الإحلاف أحلفه الحاكم .

وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدّعي، لأنّه حقّه، فليس له استيفاؤه من غير مطالبة مستحقّه، فإن أحلفه الحاكم قبل طلب المدّعي، أو بادر الخصم فحلف، وقعت يمينه لاغيةً، وأعادها الحاكم مع مطالبة المدّعي بها.

وان أمسك المدّعي عن إحلاف المنكر، ثمّ أراد إحلافَهُ بالدّعوى المتقدّمة جاز، لأنّه يسقط حقّه منها ، وإنّما أخّرها .

وإن قال: أبرأتك من هذه اليمين، سقط حقّه منها في هذه الدّعوى ، وله أن


1 . الوسائل: 13 / 148 ، الباب 7 من أبواب أحكام الحجر، الحديث 3 .


صفحه 144

يستأنف الدّعوى ، لأنّ حقّه لا يسقط بالإبراء من اليمين، فإن استأنف الدّعوى وأنكر الخصم، فله إحلافُهُ، لأنّ هذه الدّعوى مغايرةٌ للّتي أبرأه من اليمين فيها، فإن حلف سقطت الدّعوى ، ولم يكن للمدّعي إحلافُهُ غيرها(1) في هذا المجلس ولا في غيره ، وكذا لو أبرأه من الحقّ الّذي ادّعاه .

6467. الرابع: إذا حلف المنكر عند الحاكم بسؤال المدّعي ، سقطت الدّعوى عنه، فإن عاود المطالبة أثم ولم تسمع دعواه .

ولو ظفر للغريم بمال لم يحلّ له أَخْذُ شيء منه.

ولو أقام بيّنةً بما حلف عليه المنكر لم تسمع، وقيل: يُعمل بها ما لم يشترط المنكر سقوطَ الحقّ باليمين (2) وقيل: إن نسي بيّنةً سُمِعت (3) والمرويّ الأوّل (4).

ولو أقام بعد الإحلاف شاهداً واحداً وبذل اليمين معه ، لم يكن له ذلك .

نعم لو أكذب الحالف نفسه جاز مطالبته، وحلّت مقاصّته بما يجده له ، مع امتناعه عن التسليم .

ولو ادّعى صاحبُ الحقّ أنّ الحالف أكذب نفسَهُ، فأنكر، كانت دعوى مسموعةً يطالب فيها بالبيّنة والمنكر باليمين.

6468. الخامس: لو امتنع المنكر من اليمين بعد طلب المدّعي وتوجّهها عليه،


1 . في «ب»: غير هذا .

2 . القائل هو الشيخ المفيد في المقنعة: 733 .

3 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 210 .

4 . الوسائل: 18 / 178 ، الباب 9 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1 .


صفحه 145

فلم يحلف، وردّ اليمين على المدّعي ، لزم المدّعي الحلف ، فإن حلف ثبت حقُّهُ ، وإن نكل سقطت دعواه .

وإن نكل المنكر فلم يحلف ولم يردّ، قال له الحاكم: إن حَلَفْتَ ، وإلاّ جعلتك ناكلاً ، ثلاث مرّات، استظهاراً لا وجوباً، فإن حلف برئ، وإن ردّ فكذلك .

وإن بقي على النكول قيل: يقضي عليه بالنكول (1) وقيل: يردّ اليمين على المدّعي ، فإن حلف ثبت حقّه وإن امتنع سقط (2) وهو الأقوى .

ولو بذل المنكر اليمين بعد النكول، لم يلتفت إليه .

6469. السّادس: لو قال المدّعي عند سؤال الحاكم له، ألك بيّنةٌ؟: نعم ، جاز للحاكم أن يقول له: احضرها، فإذا حضرت لم يسألها الحاكم عن شيء ما لم يلتمس المدّعي ، ومع الإقامة لا يحكم إلاّ بسؤال المدّعي وإن عرف العدالة، وبعد أن يسأل المنكر عن الجرح، فإن قال: نعم، وسأل الإنظار في إثباته ، أنظره ثلاثة أيّام، فإن أقام بينّةً بالجرح سقطت البيّنة، وعادت المنازعة، وإن تعذّر الجرح، حكم بعد سؤال المدّعي.

ولا يستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت، فيستحلف على بقاء الحقّ في ذمّته استظهاراً ، والأقربُ أنّ الصبيّ والمجنون والغائب كذلك.


1 . ذهب إليه المفيد في المقنعة: 724 ، والشيخ في النهاية: 340 .

2 . وهو خيرة الشيخ في المبسوط: 8 / 159 ; والخلاف: 6 / 290 ، المسألة 38 من كتاب الشهادات والقاضي في المهذّب: 585 ـ 586 .


صفحه 146

ويدفع الحاكم من مال الغائب قدر الحقّ بعد التكفيل للقابض .

ولو قال المدّعي: لي بيّنةٌ وهي غائبةٌ ، خيّره الحاكم بين الصبر حتّى يحضر وبين إحلاف الغريم ، ولو سأل حَبْسَهُ أو كفيلاً حتّى يحضر بيّنته لم يلزم إجابته .

ولو أقام المدّعي البيّنة، ولم تثبت عدالتها، وسأل حبسَ غريمه أو مطالبته بكفيل حتّى يثبت عدالتها، لم يكن له ذلك، أمّا لو أقام شاهداً واحداً وثبتت عدالته، وكان الحقّ لا يثبت إلاّ بشاهدين، لم يحبس الغريم أيضاً ، ولو كان  الحقّ  يثبت بشاهد ويمين، ثمّ سأل ذلك قال الشيخ: يجاب إليه لأنّه يمكنه إثبات حقّه باليمين .(1) وليس بجيّد لأنّه إلزام بحقّ لم يثبت موجبه.

ولو أقام المدّعي شاهداً واحداً، ورضي بيمين المنكر، فإن عاد قبل إحلاف المنكر فبذل اليمين ، احتمل إجابته إلى ذلك وعدمها.

6470. السابع: لو لم يُقرّ الخصم ولم يُنْكر، وسكت، فإن كان لآفة من طرش(2) أو خرس، توصّل الحاكم الى معرفة جوابه بالإشارة المفيدة لليقين، فإن افتقر إلى المترجم وجب اثنان عدلان .

وإن كان سكوته عناداً حُبس حتّى يجيب، وقيل: يقهر على الجواب (3) وقيل: بل يقول الحاكم: إمّا أن تجيب وإمّا أن أجعلك ناكلاً، وأردد اليمين على المدّعي، (4) فإن أصرّ، ردّ الحاكم اليمينَ على المدّعي، والأوّل مرويٌّ .(5)


1 . لاحظ المبسوط: 8 / 255 .

2 . الطرش: الصمم. المصباح المنير: 2 / 20 .

3 . قال في الجواهر: «وإن كنّا لم نعرف قائله» جواهر الكلام: 40 / 207 .

4 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 160 .

5 . كذا في الشرائع أيضاً، قال الشهيد الثاني: «لم نقف على روايته». المسالك: 13 / 466 .


صفحه 147

الفصل الخامس: في القضاء على الغائب

وفيه ثمان مباحث :

6471. الأوّل: يقضى على الغائب عن مجلس الحكم مطلقاً، سواء كان مسافراً أو حاضراً ـ وقيل: (1) يعتبر في الحاضر تعذّر حضوره عن مجلس الحكم ـ سواء كان للغائب وكيلٌ أو شفيعٌ أو لم يكن .

6472. الثاني: لا بدّ وأن تكون الدّعوى على الغائب معلومةً، بأن يعيّن جنسَ المال وقدرَهُ، وأن تكونُ صريحةً، بأن يقول: إنّي مطالب به، ولا يكفي قولُهُ: لي عليه كذا.

ولابدّ من أن تكون معه بيّنةٌ، ويدّعي جحودَ الغائب، فلو أقر أنّه معترفٌ لم تُسمع بينّتُهُ إلاّ لأخذ المال، ولو لم يتعرّض لجحوده، احتمل السماعُ وعدمُهُ .

ولو اشترى شيئاً فخرج مستحقّاً، والبائع غائبٌ سُمعت بيّنتُهُ وإن لم يدّع الجحود .

6473. الثالث: قد بيّنا أنّ الأقوى وجوبُ إحلاف المدّعي على الغائب مع البيّنة على بقاء الحق وعدم الإبراء والاستيفاء، ولا يجب التعرّض في اليمين لصدق الشهود.


1 . القائل هو الشيخ في المبسوط: 8 / 162 .


صفحه 148

ولو ادّعى وكيلُه على الغائب فلا يمين، ويسلّم الحقّ.

ولو ادّعى وكيلُ الغائب على الحاضر، فقال: أبرأني موكِّلُكَ الغائب أو سلّمتُ إليه، لم ينفعهُ، ويُسلِّمُ المالَ ثمّ يُثْبِتُ الإبراءَ، أو يصبر إلى أن يحلف الغائب، وإلاّ أدّى إلى تعذّر استيفاء الحقوق بالوكالة مع الغيبة، ويحتمل التوقّف لإمكان الأداء .

6474. الرّابع: إنّما يُقْضى على الغائب في حقوق الناس، كالدّيون، والعقود، والأرش، والقصاص، أمّا حقوق الله تعالى كالحدّ في الزنا واللواط وشبههما، فلا.

ولو اشتمل الحكم على الحقيّن، قُضي بالمختصّ بالناس، كغرم المال في السرقة، دون القطع فيها.

وللحاكم أن يتصرّف في المال الحاضر لليتيم الغائب عن ولايته، وله نصب قيّم في ذلك المال .

6475. الخامس: إذا سمع البيّنة فحضر الغائب قبل الحكم، عرّفه الحاكم الدّعوى والبيّنة والعدالة، فإن اعترف حكم عليه باعترافه، وإن ادّعى القضاء أو الإبراءَ أو الجرح أجّل ثلاثة أيّام ليأتي بالبيّنة على ذلك، فإن أقام البيّنة، وإلاّ حكم عليه .

وإن حضر بعد الحكم، فإن اعترف ألزمهُ، وإن أقام بينّةً بالقضاء أو الإبراء برئ، وإن جرح الشهود لم يُسمع منه حتّى يُثْبِتَهُ مقيّداً، وهو أنّ الفسق كان موجوداً حال الحكم أو قبله، لجواز تجدّده بعده .

6476. السّادس: إذا أقرّ المحكوم عليه أنّه هو المشهود عليه ألزم، وإن أنكر


صفحه 149

وكانت الشهادة بوصف تحتمل المشاركة فيه غالباً، فالقولُ قولُه مع اليمين إلاّ أن يقيم المدّعي البيّنة أنّه الغريم .

وإن كان الوصف ممّا تندر المشاركةُ فيه، لم يلتفت إلى إنكاره.

ولو ادّعى أنّ في البلد من يشاركه في الوصف أو في الاسم والنسب، كُلِّفَ بيانَهُ، فإن كان حيّاً كُلِّف إحضارهُ ويسأل، فإن اعترف أنّه الغريم أُلزم وأُطلق الأوّلُ، وإن أنكر وقف الحكم حتّى يظهر، إمّا بأن يحضر الشهود ويشهدون على العين، أو بأن يذكروا مزيّةً لأحدهما يتميّز بها عن صاحبه .

وإن كان المساوي(1) ميّتاً، فإن دلّت الحال على براءته بأن يقادم عهد موته عن الواقعة أو عن الغريم، ألزم الأوّل، وإن اشتبه، أخّر الحكم حتّى يظهر.

6477. السّابع: المحكوم به إذا كان غائباً، فإن كان دَيْناً، ميّزه بالقدر والجنس، وإن كان عقاراً ميّزه بالحدّ، أمّا ما عداهما من الأقمشة والرقيق والحيوان، احتمل الحكمُ على عينه بعد تمييزه بالصّفات النادرة الاشتراك، خصوصاً إذا عسر اجتماعها كالمحكوم عليه .

واحتمل تعلُّقُ الحكم بالقيمة، فلا يجب ذكر الصفات.

ويحتمل عدمُ الحكم، بل يسمع البيّنة ويكتب إلى القاضي الآخر ليسلّم العبد الموصوف إليه ليحمله إلى بلد الشهود ليعيّنوه بالإشارة .

ولا يجب على سيّد العبد ذلك بل يكلّف المدّعي إحضار الشهود


1 . المراد من المساوي: من يشاركه في الوصف أو في الاسم والنّسب .


صفحه 150

ليشهدوا بالعين، فإن تعذر إحضارهم، لم يجب حمل العبد إلى بلدهم ولا بيعه على من يحمله .

ولو رأى الحاكم ذلك صلاحاً جاز، فإن تلف العبد قبل الوصول أو بعده ولم يثبت دعواه، ضمن المدّعي قيمة العبد وأُجرته .

وإذا حمله الحاكم للمصلحة ألزم الغريم بكفيل ليأخذ العبد من صاحب اليد أو بالقيمة ثمّ يستردّها إن ثبت ملكه فيه .

ولو كان المحكوم عليه والعبد حاضرين إلاّ أنّ المدّعى عليه لم يحضره مجلس الحكم،(1) طولب باحضاره بعد قيام الحجّة بالصّفة، وإن عرف القاضي العبد، حَكَمَ بعلمه من دون الإحضار.

وإن أنكر وجود مثل هذا العبد في يده، طولب المدّعي بالبيّنة على أنّه في يده، فان أقام أو حلف بعد النكول، حبس إلى أن يحضره أو يدّعي التّلف، وتُؤخذ منه القيمة فإذا حضر أعاد الشهود الشهادة على العين .

ولو حلف المنكر أنّه ليس في يده هذا العبد الموصوف، ولا بيّنة، بطلت الدعوى .

ولو شهدت البيّنة أنّ العبد الّذي في يده للمدّعي، ثبت الحكم، ولا حاجة إلى الوصف .

6478. الثامن: أجمع عُلماؤنا على أنّه لا اعتبار بكتاب قاض إلى قاض، ولا يجوز العمل به، أمّا إذا حكم الحاكم، وشهد بحكمه عدلان،


1 . كما إذا كان العبد في البلد ولم يحضر مجلس الحكم .


صفحه 151

وحضرا الخصومة وكيفيّة الحكم، وأشهدهما على حكمه، ثمّ أقاما البيّنة (1) عند حاكم آخر، ثبت ذلك الحكم عند المشهود عنده (2)وأنفذ الثاني ما ثبت عنده، لا أنّه يحكم بصحّة الحكم في نفس الأمر، وإنّما يمضي ما حكم به الأوّل لتنقطع الخصومة.

وإن لم يحضر الشاهدان الحكومة، بل حكى القاضي لهما وأشهدهما على حُكمه، ففي القبُول نظرٌ، وكذا الإشكال لو أخبر الحاكم حاكماً آخر بأنّه ثبت عنده كذا، وأنّه حكم به، أمّا لو أخبره أنه ثبت عنده ولم يُخْبِرْه بالحكم، فإنّه لا يُنْفذه قطعاً.

ولا اعتبار بالكتابة، سواء كان الكتاب مختوماً أو لا.

ولو تغيّرت حالُ الأوّل بموت أو عزل، لم يقدح ذلك في العمل بحكمه، أمّا لو تغيّرت بفسق فإنّه لا اعتبار بحكمه، وما سبق إنفاد حكمه على فسقه يقرّ عليه .

ولا اعتبار بتغيّر المكتوب إليه، فلو حكم وشهد بحكمه عدلان، وكتب صورةَ الحكم إلى آخر فتغيّرت حالُ الثاني، لم يبطل حكم الأوّل، وجاز لكلّ من ثبت عنده حكمُهُ بشهادة الشاهدين إنفاذُ ما حكم به .

ولو شهد الشاهدان بتفصيل الحكم بخلاف ما في الكتاب جاز، لأنّه لا


1 . أي أقاما الشهادة من أنّ هذا كتاب فلان القاضي إليك أشهدنا على نفسه بما فيه، لأنّه قد يكون كتابه غير الّذي أشهدهما عليه. ولاحظ المبسوط: 8 / 123 ـ 124 .

2 . في هامش «أ»: عند المشهود .


صفحه 152

عبرة بالكتاب، نعم لو حدث للقاضي الثاني الريبة، توقّف في الحكم.

ولو قال القاضي: اشهدا بأنّ ما في هذا الكتاب خطّي لم يكف، وكذا لو قال: ما في الكتاب حكمي، نعم لو قرأهُ عليهما، وفصّل لهما ما فيه، وحضرا الخصومةَ والحكمَ، جازَ لهما الشهادة، فيكون المعتبر حينئذ ما علماه لا ما في الكتاب .

ولو قال المقرّ له (1): اشهد عليّ بما في القبالة فأنا عالم به، ففي الاكتفاء به نظرٌ، فإن قلنا به فلابدّ وأن يحفظ الشاهد القبالة أو ما فيها .

وإذا كتب الأوّل فليذكر في الكتاب اسم المحكوم عليه واسم أبيه وجدّه وحليته(2)، بحيث يتميّز عن غيره، فان أنكر المأخوذُ كونَهُ مسمّى بذلك الاسم، حلف وانصرف القضاء عنه، وإن نكل حلف المدّعي، وتوجّه الحكم عليه .

ولو لم يحلف على نفي الاسم بل على أنّه لا يلزمني شيءٌ، لم يُقْبل.

ولو قصر القاضي فكتب: إنّي حكمت على جعفر بن محمّد، فالحكم باطلٌ، حتّى لو أقرّ رجل بأنّه جعفر بن محمّد وأنّه المقصود بالكتاب، ولكن أنكر الحقّ، لم يلزمه شيء بالقضاء المبهم.

ولو لم يحكم الأوّل ولكن اقتصر على سماع البيّنة، لم يفد شيئاً، وافتقر الثاني إلى سماع البيّنة أيضاً .


1 . في «ب»: المقرّ .

2 . في «ب»: وتحلّيه .


صفحه 153

الفصل السّادس: في الدعاوى والبيّنات

مدار هذا الفصل على خمسة مطالب: الدّعوى، والجواب، واليمين، والنكول، والبيّنة.

المطلب الأوّل: في الدعوى

وفيه عشرة مباحث :

6479. الأوّل: من كان له عين في يد غيره، كان له انتزاعُها ولو قهراً مالم تحصل فتنة، ولا يفتقر إلى إذن الحاكم .

أمّا العقوبة فيقف استيفاؤها على إذن الحاكم.

وأمّا الدَّيْن فإن كان الغريم مقّراً به باذلاً له، لم يكن لصاحبه الأخذ من دون إذن الغريم أو الحاكم، لأنّ الغريم مخيّر في جهة القضاء، فلا يتعيّن الحقّ إلاّ بتعيّنه أو تعيين الحاكم مع غيبته .

ولو كان الغريم معترفاً مماطلاً، أو جاحداً، أو هناك(1) بيّنةٌ يثبت عند الحاكم، والوصول إليه ممكن، ففي جواز الأخذ من دون الحاكم تردّدٌ ينشأ من جواز الاقتصاص مطلقاً، ومن كون التعيين منوطاً بنظر الغريم أو الحاكم، ونصّ الشيخ (رحمه الله) على الجواز (2) .


1 . في «أ»: وهناك .

2 . الخلاف: 6 / 355، المسألة 28 من كتاب الدعاوي والبيّنات; المبسوط: 8 / 311 .


صفحه 154

ولو كان جاحداً ولا بيّنة هناك، أو تعذّر الوصول إلى الحاكم، ووجد الغريم من جنس ماله، جاز له الأخذ مستقلاًّ بقدر حقّه، سواء كان المال وديعةً عنده أو لا، ومنع الشيخ (رحمه الله) من الأخذ من الوديعة (1) والوجهُ الكراهيةُ .

ولو كان المال من غير الجنس جاز أن يأخذ بقدر حقّه بعد التقويم بالقيمة العدل، ولا اعتبار حينئذ برضا المالك.

وإذا أخذ ما يساوي دينَهُ باعه وقبض الدين من الثمن، وكان كالوكيل عن المالك.

فإن تلفت العين قبل البيع، قال الشيخ (رضي الله عنه): الأليق بمذهبنا عدم الضمان(2) وهو وجه، ويحتمل الضمان، لأنّه قبضٌ لم يأذن فيه المالك فيتقاصّان حينئذ، وليس له الانتفاع قبل البيع، وعليه المبادرة إلى البيع، فلو قصّر ونقصت القيمة ضمن النقصان، ولا يضمن ما ينقص قبل التقصير .

ولو أخذ ما يزيد على مقدار حقّه فهو من ضمانه، إلاّ مع التعذّر، بأن يكون حقّه مائة ولم يجد سوى سيف يساوي مائتين أو جارية كذلك، فالأقربُ هنا عدمُ الضمان، وكذا لو احتاج الى نقب جداره، فالأقربُ أنّه لا يضمن النقب، لاحتياجه إليه .

ولو كان حقّه صحاحاً فوجد المكسور، جاز أن يتملّك ويرضى به، ولو كان بالعكس، فليس له التملّك ولا البيع بالمكسور مع التفاضل، للربا، بل يبيعه بالدنانير، ويشتري بها من الدراهم قدر حقّه .


1 . النهاية: 307 .

2 . المبسوط: 8 / 311 .


صفحه 155

ولو استحقّ كلُّ واحد منهما على صاحبه ما لا يحصل التقاصّ فيه إلاّ بالتراضي فجحد أحدهما فللآخر أن يجحد.

6480. الثاني: المدّعي هو الّذي يُخلّى وسكوتهُ، (1) وقيل: الّذي يدّعي خلافَ الظاهر، أو خلاف الأصل(2) .

وتظهر الفائدة في الزوجين إذا أسلما قبل الدخول، وادّعى الزّوج المعيّة في الإسلام ، ليدوم النكاح، وادّعت المرأة التّعاقبَ.

فإن عرّفنا المدّعي بالأوّل، فالمدّعي هنا المرأة، لأنّ الزوج لا يخلّى وسكوتَه.

وإن عرّفناه بالثاني، فالمدّعي الزوج، لأنّه الّذي يدّعي خلافَ الظاهر، فإنّ الاصطحاب نادرٌ، والجليّ هو التعاقب في الإسلام.

إذا عرفت هذا فالمنكر في مقابلته .

6481. الثالث: يشترط في المدّعي البلوغُ، وكمالُ العقل، وأن يدّعي لنفسه، أو لمن له ولاية الدعوى عنه، بأن يكون وكيلا أو وصيّاً أو وليّاً أو حاكماً أو أمينه، وأن يدّعي ما يصحّ تملّكه له أو لمن يدّعي عنه.

فلو ادّعى الصغير أو المجنون أو من لا ولاية له عليه، أو ادّعى خمراً أو خنزيراً وكان مسلماً، لم تُسمع دعواه.

ولابدّ من صحّة الدّعوى، فلو ادّعى أنّ له عليه شيئاً، لم تُسْمع.

ولو قال: وهب منّي لم يسمع حتّى يدّعي القبض، وكذا لو قال: وقف عليّ أو رهن عندي إن قلنا باشتراط القبض في الرهن.


1 . أي لو ترك إقامة الدّعوى، لانتهى الأمر.

2 . كما في الشرائع: 4 / 106. ولاحظ الأقوال حول المدّعي والمنكر في الجواهر: 40 / 374 .


صفحه 156

ولو ادّعى البيع افتقر إلى أن يقول: ويلزمه التسليم إليّ، لجواز الخيار، فيحلف المنكر أنّه لا يلزمه التسليم .

6482. الرابع: لو قامت عليه البيّنة بملك أو حقٍّ، فليس له أن يُحْلِفَ المدّعي مع البيّنة مالم يقدّم دعوىً صحيحةً، كبيع أو إبراء.

ولو ادّعى فسقَ الشهود، وعلم الخصم به، أو فسق الحاكم الّذي حكم عليه، ففي السماع تردّد، ينشأ من أنّه ليس حقاً لازماً، ولا يثبت بالنكول ولا اليمين المردودة، ولأنّه يثير فساداً. ومن أنّه ينتفع به في حقّ لازم، كما لو قذف ميّتاً وطلب الوارث الحدَّ، فادّعى علمه بزناه.

ولو ادّعى الإقرار، ففي تحليف منكره إشكالٌ ينشأ من أنّ الإقرار لا يُثْبِتُ حقّاً في نفس الأمر، بل يُقْضى به ظاهراً، وليس الإقرار عينَ الحقّ، وكذا لو قال بعد قيام البيّنة قد أقرّ لي بهذا، وكذا لو توجّه اليمين على المدّعى عليه، فقال قد حلّفني عليه مرّةً، وأراد أن يحلفه عليه، ففي سماع هذه الدعاوى إشكالٌ.

ولا تسمع الدّعوى على القاضي والشاهد بالكذب، لما في ذلك من الفساد العظيم .

6483. الخامس: لو قال المنكر بعد قيام البيّنة: أمهلوني فلي بيّنةٌ رافعة حتّى أحضرها، أجّل ثلاثة أيّام .

ولو قال: أبرأني عن الحقّ، فحلفوه سُمِع، وأحلف المدّعي على عدم الإبراء قبل الاستيفاء.

ولو قال: أبرأني عن الدعوى لم تُسمع .


صفحه 157

ولو قال: أبرأني موكّلك استوفى في الحال .

6484. السادس: لا تفتقر صحّة الدعوى إلى التفصيل من كلّ وجه في نكاح ولا غيره إلاّ في دعوى القتل، لعظم خطره(1) وعدم استدراك فائته .

فلو قالت: هذا زوجي كفى في ادّعاء النكاح، وإن لم يضم إليه دعوى شيء من حقوق الزوجيّة.

ولو ادّعى البيع لم يفتقر إلى ضمّ قيد الصحّة .

ولو أنكر الزّوجية بعد ادّعائها لم يكن ذلك طلاقاً، فلو رجع سلّمت الزوجة إليه، ولو بقي على إنكاره لم تنتف الدّعوى إلاّ باليمين، فإن نكل قضي عليه بالنكول على أحد قولي علمائنا وعلى الآخر يردّ اليمين على الزوجة، فإذا حلفت ثبتت الزّوجية، وفي تمكين الزوج منها إشكالٌ ينشأ من إقراره على نفسه بتحريمها، ومن حكم الحاكم بالزوجيّة، وكذا البحث لو كان المدّعي للزوجية هو الرّجل .

6485. السابع: لو ادّعى أنّ هذه بنت أمته لم تسمع، لاحتمال أن تلدها في ملك غيره، أو حرّة ثمّ تنتقل إليه، وكذا لو قال: وَلَدَتْها في ملكي، لاحتمال أن تكون حرّةً أو ملكاً لغيره، ولو أقام بيّنة بذلك لم تسمع مالم تشهد بأنّ البنت ملكه، وكذا البحث لو قال: هذه ثمرة نخلتي، أو هذه بيضة دجاجتي .

ولو أقرّ من في يده الجارية أو الثمرة أنّ هذه بنت جاريته أو ثمرة نخلته، لم يحكم عليه لو فسّره بما ينافي الملك، أمّا لو قال: هذا الغزل من قطن فلان، أو


1 . في «ب»: لعظيم خطره .


صفحه 158

هذا الخبز من حنطته، أو هذه الدّجاجة من بيضته، فإنّه يحكم بالملك للمقرّ له.

6486. الثامن: لو ادّعى من يُباع في الأسواق الحرّيّةَ لم تُسمع منه إلاّ بالبيّنة، وكذا لو ادّعى العتقَ، أمّا لو ادّعى مجهولُ الحال الحرّيّة في الأصل، فالقولُ قولُهُ مع يمينه، ولو ادّعى الإعتاقَ كُلِّف البيّنة.

ويجوز شراء من يوُجد في أيدي الناس من العبيد بظاهر اليد خُصوصاً مع سكوت العبد، ولا يفتقر إلى الإقرار.

6487. التاسع: لو ادّعى دَيْناَ مؤجَّلاً سُمِعَتْ دعواه وإن لم يلزمه به شيء في الحال وتُسمع دعوى الاستيلاد والتدبير .

ولو سلّم ثوباً إلى دلاّل قيمتُهُ خمسة، وأمره أن يبعه بعشرة (1) فأنكر، فله أن يقول: لي عليه ثوب إن تلف فعليه خمسة، وإن باع فعشرة، وإن كان باقياً فعليه ردّه، سُمِعَتْ هذه الدّعوى مع التردّد للحاجة.

6488. العاشر: من ادّعى ما لا يد لأحد عليه، قُضي له به، لعدم المنازع، ولما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت عشرة كانوا جلوساً ووسطهم كيسٌ فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذه الكيس؟ فقالوا كلّهم: لا، فقال واحد منهم: هو لي، فلمن هو؟ قال: للّذي ادّعاه.(2)

وروى الحسن بن عليّ بن يقطين عن أمية بن عمرو عن الشعيري قال:


1 . في «ب»: لعشرة.

2 . التهذيب: 6 / 292 برقم 810، الوسائل: 18 / 200، الباب 17 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1 .


صفحه 159

سئل أبو عبد الله (عليه السلام)عن سفينة انكسرت في البحر، فأخرج بعضه بالغوص وأخرج بعضَ ما غرق فيها، فقال: أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله، الله أخرجه، وأمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم، وهم أحقّ به .(1)

قال ابن إدريس: إنّ ما أخرجه البحر فهو لأصحابه، وما تركه أصحابه آيسين منه، فهو لمن وجده، وغاص عليه، لأنّه بمنزلة المباح، كالبعير ترك في غير كلاء ولا ماء من جهد، فإنّه يكون لواجده. وادّعى الإجماع على ذلك.(2)

المطلب الثاني: في الجواب وهو إمّا إقرار أو إنكار أو سكوت

وفيه خمسة مباحث :

6489. الأوّل: لو قال المدّعى عليه: لي عن دعواك مخرجٌ، أو لفلان عليّ أكثر من مالك استهزاء، أو قال: الشهود عدول، لم يكن إقراراً.

ولو قال: لي عليك عشرة، فقال: ليس يلزمني العشرة، كفى في الإنكار، وكلِّف في اليمين انّه ليس عليه عشرة ولا شيء منها، فان اقتصر على نفي العشرة، كان ناكلاً عن اليمين فيما دون العشرة، لأنّ المدّعي للعشرة مدّع لأجزائها، فللمدّعي أن يحلف على عشرة الأشياء، نعم لو أضاف المقدار إلى عقد، بأن يقول: اشترى بعشرة، فيقول: ما اشريت بعشرة، أو تقول: نكحني بخمسين، فيحّلف أنّه لم ينكح بالخمسين، لم يكن للمدّعي هنا اليمين على الأقلّ، للتناقض .


1 . التهذيب: 6 / 297، برقم 822 ; الوسائل: 17 / 362، الباب 11 من أبواب اللقطة، الحديث 2 .

2 . السرائر: 2 / 195، باب النوادر في القضاء والأحكام .


صفحه 160

6490. الثاني: لو قال: مَزَّقْتَ ثوبي فلي عليك الأرش، كفاه أن يقول: لا يلزمني الأرش، وإن لم يتعرّض للتمزيق، لجواز أن يمزّقه ولا يلزمه الأرش، فلو أقر لطولب بالبيّنة ويتعذّر عليه، وكذا لو ادّعى عليه دَيْناً فقال: لا يستحقّ عندي شيئاً، لم يكلّف الحلف على عدم الاقتراض، لجواز الاستيفاء والإبراء.

ولو ادّعى عيناً فقال: لا يلزمني التسليم، كفى في الجواب، لجواز أن يكون رهناً أو مستأجرةً، فلو أقام المالك البيّنة بالملك، وجب التسليم، وكذا لو قال: إنّه في يدي باجارة، فالقولُ قولُ المالك مع يمينه، لا قول ذي اليد.

ولو فصّل الجواب وقال: إن ادّعيت ملكاً مطلقاً فلا يلزمني التسليم، وإن ادّعيت مرهوناً فقل حتّى أُجيب، لم يسمع.

ولو احتال فأنكر الملك (1) عقيب إنكار المدّعي الدَّيْنَ، فالوجهُ الجوازُ، كمن ظفر بغير جنس حقّه .

6491. الثالث: لو ادّعى شيئاً فقال من هو في يده: ليس لي بل هو لفلان، اندفعت الحكومة عنه، سواء أسند الملك إلى حاضر أو إلى غائب، فإن قال المدّعي: أُريد إحلافَهُ على عدم علمه بأنّ العين لي، قال الشيخ (رحمه الله): لا يحلف ولا يغرم لو نكل.(2) والوجهُ وجوبُ إحلافه، لأنّ فائدة اليمين ظاهرةٌ، وهو الغرم لو امتنع، لا القضاء بالعين لو نكل أو ردّ، لأنّه حال بين المالك ومالِهِ بإقراره لغيره.

ثمّ المقرّ له إن أنكر وقال: إنّها للمدّعي حكم له بها، وإن لم يقل ذلك،


1 . في «أ»: فأنكر المالك.

2 . المبسوط: 8 / 266 .


صفحه 161

ولكن قال: ليست لي، حفظها الحاكم، لخروجها عن ملك المقرّ، ولم تدخل في ملك المقرّ له .

ويحتمل أن يسلّم إلى المدّعي، إذ لا منازع له، وأن يترك في يد ذي اليد إلى قيام حجّة (1)، لأنّه أقرّ للثالث وبطل إقراره بردّه، فصار كأنّه لم يقرّ، والأوّل أقوى .

فإن رجع المقرّ له وقال: غلطت بل هوُ لي، ففي قبول ذلك منه إشكال .

ولو رجع المقرّ وقال: غلطت بل هو لي، فان كان في يده، فالأقربُ القبولُ، وإن لم يكن في يده، فالأقربُ العدمُ، لانتفاء سلطنة اليد، وهكذا كلّ من نفى عن نفسه شيئاً، ثمّ رجع فيه قبل أن يقرّ لغيره أو بعده، لكن المقرّ له ردّ الإقرار، فإن قلنا بقبول رجوعه، فطلب المدّعي إحلافه، فإن كان قد حلّفه أوّلاً لفائدة الغرم مع الاعتراف، لم يكن له ذلك، وإن لم يكن حلّفه أوّلاً، كان له إحلافه، رجاء أن يقرّ له .

ولو قال المقرّ له: إنّها للمدّعي سُلِّمَتْ إليه .

ولو قال: إنّها لثالث، انتقلت الحكومة إلى الثالث .

ولو كان المقرّ له غائباً، كان للمدّعي الإحلاف أيضاً للغرم، لا للقضاء بالعين لو نكل أو ردّ اليمين.

ولو أقرّ بها للمدّعي لم تسلّم إليه، لأنّه اعترف بها لغيره، وتلزمه قيمتها.


1 . في «أ»: حجّته .


صفحه 162

ولو كان مع المدّعي بيّنةٌ سمعها الحاكم، وقضى على الغائب، وكان الغائب على خصومته إذا حضر فله أن يقدح في شهوده أو يقيم بيّنةً تشهد له باعتراف المدّعي له .

ولو أقام الغائب البيّنة بأنّ العين ملكه، ففي القضاء له قولان مبنيّان على تقديم بيّنة الداخل أو الخارج .

ولو أقام ذو اليد بيّنة تشهدُ للغائب بها، سمعها الحاكم، ولم يقض بها، لأنّ البيّنة للغائب لم يدّع هو ولا وكيله، وإنّما الفائدة سقوط اليمين عن المقرّ له إذا ادّعى عليه العلم .

ولو ادّعى وكالة الغائب كان له إقامة البيّنة عن الغائب.

ولو ادّعى رهن الغائب أو إجارته، فالأقربُ سماعُ البيّنة عن الغائب بالملك، لتعلّق المقرّ بحقٍّ.

ولو أقام المقرّ البيّنة للغائب لدفع محذور اليمين عنه، ثمّ حضر الغائب، افتقر إلى إعادة البيّنة وحكم له بها، فإن أقام المدّعي بيّنةً قضى له دون بيّنة الغائب، لأنّ الغائب إذا حضر صار صاحب اليد نايباً عنه، وكان إليد للغائب فيقضى للخارج .

ولو أقام المقرّ بيّنةً بالرهن أو الإجارة، قدّمت بيّنة المدّعي أيضاً، لأنّه خارج .

ولو صدّق ذو اليد المدّعي على دعواه فأقام الغائب البيّنةَ بالملك، انتزعت من المدّعي، ولم يكن على ذي اليد غرم، لأنّ الحيلولة إنّما حصلت بالبيّنة لا


صفحه 163

بالإقرار، فإن أقرّ للغائب بعد تصديق المدّعي، لم يغرم للمدّعي، لأنّ رجوعه إلى الغائب بالبيّنة لا بالإقرار .

ولو أقرّ لمجهول ولم يعيّنه، لم تندفع الخصومة عنه، بل يطالب بالبيان أو يحلف، فإن نكل حلف المدّعي وأخذه.

ولو أقرّ لصبيّ أو مجنون، فالخصم وليّهما، ولا يحلف الوليّ، بل يطالب المدّعي بالبيّنة أو يؤخّر إلى البلوغ والرشد، ثم يحلف الصبيّ والمجنون، وكذا لو قال: هو وقف على الفقراء، اندفعت الحكومة عنه، ولم ينجع إلاّ بالبيّنة، إذ لا يمكن تحليف المنسوب إليه، نعم للمدّعي إحلافه للغرم .

6492. الرابع: لو خرج المبيع مستحقّاً بالبيّنة، فللمشتري الرجوعُ على البائع بالثمن، فإن صرّح في نزاع المدّعي بأنّه كان ملك البائع، فالوجه عدم الرّجوع، لاعترافه بكذب المدّعي وأنّه ظالم، ويحتمل الرجوع إن قال: إنّما قلت ذلك على رسم الخصومة، أمّا لو قال: إنّه ملكي، ثمّ قال اسندت ذلك إلى الشراء من البائع، فالأقربُ هنا الرجوع.

ولو ضّم إليه ادّعاء الملكيّة للبائع ، فكالأوّل.

ولو أقام بيّنةً بجارية فأحبلها ، ثمّ كذّب نفسه، فالولد حرٌّ، وعليه قيمته لمولاه، وعليه مهر الجارية.

وأمّا الجارية فيحتمل دفعها إلى الأوّل ، ودفع القيمة ، لثبوت حكم الاستيلاد لها.

6493. الخامس: إذا ادّعى على العبد، فالغريم مولاه، سواء ادّعى مالاً أو جنايةً.


صفحه 164

ولو ادّعى جناية العمد، فاعترف المولى، لم يتوجّه على العبد القصاص ، ولا يضمن المولى، وطريق التّخلص مطالبة العبد بالجواب، فإن اعترف كمولاه اقتصّ منه، وإلاّ كان للمجنيّ عليه في رقبته بقدر الجناية، وله تملّكه إن استوعبته.

المطلب الثالث: في اليمين، والنظر في أُمور

الأمر الأوّل في الكيفيّة :

وفيه سبعة مباحث :

6494. الأوّل : لا يستحلف أحدٌ إلاّ بالله تعالى، سواء كان الحالف مسلماً أو كافراً، وقيل: (1) يضمّ في يمين المجوسي إلى لفظ الجلالة ما يزيل الاحتمال، لأنه يسمّي النّورَ إلهاً .

ولا يجوز الحلف بغير أسماء الله تعالى الخاصّة به أو الغالبة عليه كالرّحمن، فلو حلّفه بالكتب المنزلة، أو الأنبياء، أو الأئمّة، أو الأماكن الشريفة، أو بشيء من الكواكب، أو بغير ذلك من مخلوقات الله تعالى، كانت لاغيةً، ولا يجوز الإحلاف بشيء من ذلك، لأنّه بدعةٌ، وكذا لا يجوز الحلف بالقرآن، ولا بالبراءة من الله تعالى ولا من رسوله، ولا من أحد من الأئمّة(عليهم السلام)، ولا من الكتب المنزلة .

ولا يجوز الحلف بالكفر ولا بالعتق ولا بالطلاق .

6495. الثاني: ينبغي للحاكم إذا توجهت اليمين على أحد أن يخوّفه بالله


1 . القائل هو الشيخ في المبسوط: 8 / 205 .


صفحه 165

تعالى، ويعظه، ويذكّره العقاب الّذي يستحقه على اليمين الكاذبة، والوعيد عليها، فإن رجع حكم عليه بمقتضى الشرع، وإن أصرّ استحلفه بالله تعالى أو بشيء من أسمائه .

ولو رأى الحاكم إحلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز .

6496. الثالث: الواجب في اليمين أن يقول: قل: والله ماله قِبَلي حقٌّ، لكن ينبغي للحاكم أن يغلّظ بالقول والزمان والمكان، وليس واجباً وإن التمسه المدّعي، ولا يُعدّ الناكل عن التغليظ ناكلاً، ولا يُقهر عليه، ولو حلف على عدم التغليظ لم يؤمر بحلّ اليمين.

فالتغليظ بالقول مثل أن يقول: قل والله الّذي لا إله الا هو، الرحّمن الرّحيم، الطالب الغالب، الضارّ النافع، المدرك المهلك، الّذي يعلم من السّرّ ما يعلمه من العلانية، ما لهذا المدّعي عليّ ما ادّعاه، ولا له قِبَلي حقٌّ منه، أو نحو ذلك من الألفاظ المشتملة على الثناء على الله تعالى .

وأمّا بالمكان، فبأن يستحلفه في المسجد أو المشهد، أو الحرم أو المواضع الّتي ترهب من الجرأة على الله تعالى .

وأمّا بالزمان، فبأن يحلفه يوم الجمعة أو العيد، وبعد العصر، وغير ذلك من الأوقات الشريفة.

ويغلّظ على الكافر بالمواقع الّتي يعتقد شرفها، والأزمنة الّتي يعظّمها ويعتقد حرمتها.

6497. الرابع: ينبغي التغليظ في الحقوق كلّها، وإن قلّت إلاّ الأموال، فلا يغلّظ فيها بما دون نصاب القطع .


صفحه 166

ولو أنكر السيّد عتق عبد قيمتُهُ دون نصاب القطع، لم يغلّظ يمينهُ، فان نكل غلظ على العبد، لأنّه يدّعي العتقَ.

ولا يغلّظ على المخدّرة بحضور الجامع، وتُعْذَرُ بالتخدّر.

6498. الخامس: لو افتقر إلى إحلاف الأخرس حلّفه بالإشارة والإيماء إلى اسم الله تعالى، ووضع يده على اسم الله تعالى في المصحف أو غيره، ويفهم يمينه على الإنكار، كما يعرف إقراره وإنكاره، وينبغي أن يحضر يمينه من له عادة بفهم(1) أغراضه وإشاراته.

وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الأخرس كيف يحلّف إذا ادّعي عليه دَيْنٌ، ولم تكن للمدّعي بيّنةٌ؟ فقال:

إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي بأخرس فادّعي عليه دَيْنٌ فأنكره، ولم تكن للمدّعي بيّنة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الحمد لله الّذي لم يخرجني من الدنيا حتّى بيّنت للأُمّة جميع ما تحتاج إليه، ثم قال إئتوني بمصحف، فأُتي به، فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه إلى السماء وأشار أنّه كتاب الله U، ثم قّال: إئتوني بوليّه، فأتوه بأخ له، فأقعده إلى جنبه، ثمّ قال: يا قنبر عليّ بدواة وصحيفة، فأتاه بهما، ثمّ قال لأخ الأخرس: قل لأخيك هذا بينك وبينه إنّه عليّ، فتقدّم إليه بذلك، ثمّ كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): والله الّذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة الرحّمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، المهلك المدرك، الّذي يعلم السّر والعلانية، إنّ فلان المدّعي ليس له قِبَل فلان بن فلان ـ أعني الأخرس ـ حقٌّ ولا طلبةٌ بوجه من الوجوه، ولا سبب


1 . في «ب»: يفهم .


صفحه 167

من الأسباب، ثمّ غسله وأمر الأخرس أن يشربه، فامتنع فألزمه الدَّيْنَ»(1) .

وهذه الرواية قضيّة في عين فلا تُعْدى، وإنّما العمل على الإشارة .

6499. السّادس: لا ينبغي للحاكم أن يحلف أحداً إلاّ في مجلس حكمه إلاّ حقّ المعذور، كالمريض، والعاجز، والمرأة المخدّرة، فيستحلف الحاكم من ينوب عنه في الاستحلاف .

وللحاكم حبسُ المرأة إذا توجّه عليها الحقُّ وامتنعَتْ مِن أدائه، كما له حبسُ الرّجال.

6500. السّابع: شرط اليمين: أن يطابق الإنكار، وان يقع بعد عرض القاضي، وأن يكون القاضي المتولّي للإحلاف عن المتخاصمين .

النظر الثاني: في الحالف

وفيه ستّة مباحث :

6501. الأوّل : يشترط فيه البلوغُ وكمالُ العقل والاختيارُ والقصدُ، وأن يتوجّه عليه دعوى صحيحة في حقّه، فلا يمين في الحدود، إذ لا مدّعي لها، وقال الشيخ (رحمه الله): لو قذفه بالزنا ولا بيّنة، فإن ادّعاه جاز أن يحلف ليثبت الحدّ على القاذف(2) وفيه نظرٌ، إذ لا يمين في حدٍّ.


1 . صحّحنا الحديث على التهذيب: 6 / 319، برقم 879 ; والفقيه: 3 / 65، برقم 218 ; ولاحظ الوسائل: 18 / 222، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .

2 . المبسوط: 8 / 215 ـ 216 .


صفحه 168

ومنكر السرقة يحلف لإسقاط الغرم، فلو نكل أو ردّ، حلف المدّعي، وثبت الغرم دون القطع، وكذا لو أقام شاهداً وحلف .

ولا يحلف القاضي والشاهد إذ نسبتُهُمْ إلى الكذب دعوى فاسدة، نعم لو ادّعى على القاضي المعزول توجّهت اليمين، ويحلف في إنكار النسب والنكاح والعتق والرجعة وغير ذلك، ممّا يتوجّه الجواب عن الدّعوى فيه .

وتثبت اليمين في حقّ كلّ مدّعى عليه، سواء كان مسلماً، أو كافراً، عدلاً، أو فاسقاً، رجلاً، أو امرأةً.

6502. الثاني: لو ادّعى الصبيّ البلوغ، صُدِّق بغير يمين مع الاحتمال، ولو قال: أنا صبيّ لم يحلف بل ينتظر بلوغُهُ .

ولو ادعى الصبيّ المشرك أنّه استنبت الشعر بالعلاج مع الاحتمال صُدّق .

6503. الثالث: لا يحلف الوصيّ على نفي الدَّيْنِ عن الميّت، لأنّه لو أقرّ لم يُقبل إقرارُهُ، وكذا لو أنكر الوكالة لم يحلف الوكيل على نفي العلم بالوكالة، لأنّه لا يؤمر بالتسليم إليه مع الاعتراف بالوكالة، وللخصم أن يحلف الوكيل على نفي العلم بأنّه ما عَزَلَه .

وهل لوكيل الخصومة إقامة البيّنة على وكالته من غير حضور الخصم؟ الأقربُ ذلك وإن كان حقّاً على الخصم، لأنّه لا يثبت حقّ نفسه .

6504. الرابع: اليمين إنما تتوجّه على المنكر، وعلى المدّعي مع ردّ المنكر، ومع الشاهد الواحد، ومع اللوث في دعوى الدم، أمّا المدّعي ولا شاهد له فلا يمين عليه، وإن ردّ المنكر أو نكل، حلف المدّعي، فإن نكل سقطت دعواه.


صفحه 169

وإن حلف المنكر فالمشهورُ سقوطُ الدّعوى عنه، سواء أقام المدّعي بيّنةً بعد ذلك أو لا، ولا تحلّ له مطالبته بعد ذلك بشيء، ولا تسمع بيّنته.

وقال المفيد(رحمه الله): إذ التمس المدّعي يمينَ المنكر فحلف له، ثم جاء المدّعي ببيّنة تشهد له بحقّه الّذي حلف (له)(1) عليه خصمه، ألزمه الحاكم الخروج منه إليه، اللّهم إلاّ أن يكون المدّعي (قد) (2) اشترط للمدّعى عليه أن يمحو عنه كتابَه عليه، أو يرضى بيمينه في إسقاط دعواه، فإن اشترط له ذلك لم تسمع له بيّنةٌ من بعد، وإن لم يشترط له ذلك سُمِعَتْ ،(3) والوجهُ الأوّل .

ولا خلاف أنّه لو اعترف المنكر بعد يمينه بالدّعوى، وندم على إنكاره، فإنّه يطالب، وإن كان قد حلف .

6505. الخامس: لا يمين على الوارث إذا ادّعي عليه بحقّ ما على مورّثه إلاّ أن يدّعي عليه العلم بموت المورث، والعلم بالحقّ، وأنّه ترك في يده مالاً، ولو ساعد المدّعي على عدم أحدها، لم يتوجّه على الوارث يمينٌ.

6506. السّادس: لو كان له بينّةٌ فأعرض عنها، وطلب إحلاف المنكر، كان له ذلك، وكذا لو قال: أسقطت البيّنة وَقَنَعْتُ باليمين، فإن رجع بعد الإحلاف لم يكن له ذلك، وإن رجع قبله، قيل: ليس له ذلك،(4) ولو قيل بأنّه يجاب إلى ذلك، كان وجهاً، وكذا البحث لو أقام شاهداً واحداً وتوجّهت عليه اليمين، فطلب إحلاف المنكر، وأعرض عن شاهده.


1 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

2 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

3 . المقنعة: 733 .

4 . لاحظ المبسوط: 8 / 190 و 210 .


صفحه 170

ولو نكل المنكر حينئذ حلف المدّعي إن قلنا بعدم القضاء بالنكول، فإن حلف ثبت حقّه وإلاّ سقط، ولو ردّ اليمين فكذلك.

6507. السّابع: لو ادّعي عليه دَيْنٌ وهو معسرٌ، جاز أن يحلف أنّه لا حقّ له، ويورّي واجباً إن عرفها .

النظر الثالث: في المحلوف عليه

وفيه سبعة مباحث :

6508. الأوّل : يجب أن يحلف على القطع والبتّ في كلّ فعل ينسبه إلى نفسه، نفياً كان أو إثباتاً، وكذا على الإثبات المنسوب إلى غيره، ولو حلف على نفي فعل الغير، حلف على نفي العلم، فيقول: لا أعلم على مورِّثي دَيْناً، ولا أعلم منه جنايةً وبيعاً، وهذا القسم في الحقيقة راجع إلى الأوّل .

6509. الثاني : لا يجوز له أن يحلف على البتّ والقطع إلاّ مع العلم، ولا تكفي غلبةُ الظّن ولا الخطّ وإن عَلِم عدَمَ التزوير عليه، ولو قيل له: قبض وكيلك، حلف على نفي العلم لا على نفي الفعل .

ولو نفى عن عبده ما يوجب أرشَ الجناية، حلف على نفي العلم أيضاً وفي نفي إتلاف بهيمته الّتي قصّر بتسريحها يجب البتُّ.

6510. الثالث: النيّة نيّة الحالف إن كان محقّاً، وإن كان مبطلاً فالنيّة نيّة المحلوف له، فلو ورّى حينئذ لم تنفعهُ التورية، وصرفت اليمين إلى ما حلّفه الحاكم عليه، ولو استثنى بالمشيئة وسمع الحاكم، استعاد اليمين منه، وإن لم يسمع لم يؤثّر الاستثناء .


صفحه 171

ولو كان الحاكم يرى الشفعة مع الكثرة، والحالف لا يرى ذلك، لم يكن له أن يحلف عند الحاكم على نفي اللزوم بتأويل اعتقاد نفسه، بل إذا ألزمه القاضي صار لازماً ظاهراً، وعليه تحليفه، وهل يلزمه باطناً؟ فيه نظرٌ، والأقربُ أنّه إن كان مجتهداً لم يلزمه، وإن كان مقلّداً ألزمه .

6511. الرابع: فائدة اليمين قطع المنازعة لا إبراء الذمّة في نفس الأمر، ولا يستبيح الحالف ما حلف عليه إذا كان مبطلاً .

6512. الخامس: لو قال المدّعي: كذب شهودي، بطلت البيّنة، وهل تبطل الدّعوى؟ فيه نظرٌ، ينشأ من عدم استلزام الإخبار بكذب الشهود الإخبارَ بكذبه في دعواه، لاحتمال إرادته أنّهم قالوا من غير علم، وهو الوجهُ، فإذا قلنا لا تبطل دعواه لو ادّعى عليه الخصم إقرارَه بكذب الشهود وأقام شاهداً، لم يكن له أن يحلف معه، إذ ليس مضمونُهُ إثبات المال بل الطعن في الشهود، وإن قلنا بالأضعف، وهو إسقاط الدّعوى، كان له أن يحلف، لأنّ المقصود إبطال الدّعوى .

ولو امتنع المنكر عن الحلف، وقال حلّفني مرّةً في هذه الواقعة، فيحلف على أنّه ما حلّفني، ففي لزوم ذلك إشكال، نعم لو أقام بيّنةً سمعت، فإن قلنا بالقبول لو ادّعى المدّعي أنّه حلّفني مرّةً على أنّي ما حلفته، فيحلف على أنّه ما حلّفني، احتمل عدم الإجابة، لأدائه إلى التّسلسل.

6513. السّادس: لو ادّعى صاحبُ النصاب إبدالَهُ في أثناء الحول أو إخراج الزّكاة أو النقصان المحتمل في الخرص، قُبِلَ من غير يمين، وكذا لو ادّعى الذّميّ الإسلام قَبْلَ الحول .


صفحه 172

ولو مات وعليه دَيْنٌ يحيط بالتركة لم ينتقل إلى الوارث، وكانت في حكم مال الميّت على ما قوّاه الشيخ (1) والأقوى عندي الانتقالُ إلى الورثة، ويتعلّق حقُّ الغرماء كالرّهن، ولو حصل نماء بعد الموت، فالأقربُ أنّه للوارث .

ولو لم يحط الدّين انتقل ما فضل عن الدّين .

وعلى التقديرين للوارث المحاكمة على ما يدّعيه لمورِّثه، لأنّه قائم مقامَهُ، فإذا ثبت له حقٌّ، تعلّق حقّ الديّان به.

6514. السّابع: لا يجوز أن يحلف إنسان ليُثْبِت مالاً لغيره، فلو ادّعى غريم الميّتِ مالاً على آخر مع شاهد، فإن حلف الوارث ثبت، وإن امتنع لم يحلف الغريم .

ولو ادّعى رهناً وأقام شاهداً أنّه للراهن، لم يكن له أن يحلف، بل إن حلف الرّاهن، تعلّق حقّ الرهانة به، وإلاّ فلا .

ولو ادّعى جماعة الورثة مالاً للميّت، وأقاموا شاهداً، حلف كلّ واحد منهم مع الشاهد، فتثبت الدّعوى بعد إحلافهم أجمع، وقسّم المدّعى بينهم على الفريضة، وإن كان وصيّةً قسّموه على حسب ما تعلّقت الوصيّة به .

ولو امتنعوا أجمع لم يحكم لهم بشيء .

ولو حلف بعضٌ وامتنع الآخرون أخذ الحالفُ قدرَ نصيبه من العين، فلم يكن للممتنع شيءٌ، ولا يشارك الحالف فيما أخذ .

ولو كان بعضهم صغيراً أو مجنوناً أُخّر نصيبه إلى بلوغه أو رشده،


1 . قال الشيخ: والأقوى عندي أن ينتقل إلى الورثة ما يفضل عن مال الغرماء، لقوله تعالى : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يوُصي بها أو دَيْن) المبسوط: 8 / 193 .


صفحه 173

فإن حلف بعد ذلك أخذ وإلاّ فلا، ولو مات قبل كماله كان لوارثه الحلفُ واستيفاء حقّه .

ولو ادّعى جماعة على واحد حقّاً واحداً، أو حقوقاً متّفقةً أو مختلفةً، فأنكر ولا بيّنة، كان لكلّ واحد منهم يمينٌ بانفراده، ولو رضي الجميع منه بيمين واحدة عن الجميع، فالوجهُ الجوازُ، ونَقَلَ ابن إدريس عن قوم كما قلناه، وعن آخرين أنّه لا يُجوز للحاكم أن يقتصر على يمين واحدة (1).

النظر الرابع: في اليمين مع الشاهد

وفيه خمسة عشر بحثاً :

6515. الأوّل : يُقْضى بالشاهد واليمين في الأموال، كالدَّيْنِ، والقرض، والغصب، وفي عقود المعاوضات، كالبيع، والصرف، والصُّلح، والمساقاة، والمزارعة، والشركة، والإجارة، والقراض، والهبة، والوصيّة له، والجناية الموجبة للدية، كالخطأ وشبيه العمد، وقتل الأب ولده، والحرّ العبدَ، وكسر العظام، والجائفة(2)، والمأمومة(3)، وبالجملة كلّ ما هو مالٌ أو المقصود منه المالُ .

وهل يُقبل في النكاح؟ إشكال أقربُهُ القبولُ في طرف المرأة دون الرّجل .

ولا يُقبل في الخلع، والطلاق، والرّجعة، والقذف، والقصاص والولاء، والوديعة عنده، والرضاع، والولادة، والعتق، والتدبير، والمكاتبة، والنسب، والوكالة، والوصيّة إليه، وعيوب النساء .


1 . السرائر: 2 / 176 ـ 177 .

2 . قال الطريحي في مجمع البحرين: الجائفة في الشجاج وهي الطعنة الّتي تبلغ الجوف .

3 . هي الشجّة الّتي بلغت أُمّ الرأس، وهي أشدّ الشجاج. مجمع البحرين .


صفحه 174

وأمّا الوقف فإن قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه، ثبت بالشاهد واليمين، وهو الأقربُ، وإلاّ فلا .

6516. الثاني : لا يجوز له أن يحلف مع الشاهد إلاّ مع العلم، ولا يخلد(1) إلى قول الشاهد وإن كان ثقة .

6517. الثالث: كلّ موضع قُبِلَ فيه الشاهد واليمين، فإنّه لا فرق فيه بين المدّعي المسلم، والكافر، والفاسق، والعدل، والرّجل، والمرأة .

6518. الرابع: لو ادّعى السرقة وأقام شاهداً، جاز أن يحلف معه لغرم المال، لا للحدّ .

ولو ادّعى أنّه رمى سهماً عمداً فقتل أخاه، ثمّ نفذ إلى أخيه الآخر فقتله خطأً، وأقام شاهداً، حلف لثبوت (2) الدّية في الخطأ، ولا يثبت العمد باليمين مع الشاهد .

6519. الخامس: يشترط في اليمين مع الشاهد ما يشترط في الأيمان من كمال الحالف، وتولّي اليمين الحاكم عن المتنازعين، ومطابقتها للدعوى، ويشترط زيادةً على ما تقدم شهادةُ الشَاهد أوّلاً وثبوت عدالته، ثمّ اليمين بعد ذلك، فلو بدأ باليمين قبل شهادة الشاهد أو قبل التعديل، لم يعتدّ بها، وافتقر إلى إعادتها بعد الشهادة والتزكية .

6520. السّادس: الأقربُ أنّ القضاء يتمّ بالشاهد واليمين لا بأحدهما منفرداً، فلو رجع الشاهد غرم النصف، ويقرب من هذا البحث في التزكية لو رجع


1 . في مجمع البحرين: أخلد إلى الدنيا: ركن إليها ولزمها .

2 . في «ب»: ليثبت .


صفحه 175

المزكّي خاصّةً، ففي الغرم له إشكالٌ، ينشأ من أنّ القضاء بالشهادة أو بها (1) مع التزكية .

6521. السّابع: لو ادّعى عبداً في يد غيره أنّه كان ملكه ثمّ أعتقه، فأنكر المتشبّث، فأقام المدّعي شاهداً، قال الشيخ (رحمه الله): يحلف مع شاهده، ويستنقذه. (2) وفيه نظرٌ، لأنّه يثبت الحرّية دون المال.

ولو قال: هذه الجارية مملوكتي، وولدها منّي، ولدت في ملكي، وأقام شاهداً، حلف معه، ويثبت ملك المستولدة،(3) ويثبت للجارية حكم أُمّ الولد باعترافه، فتنعتق عند موته من نصيب الولد ـ إن عاد إليه ـ (4)، ولا يثبت نسب الولد ولا حرّيته .

6522. الثامن: لو حلف الورثة مع شاهد واحد على دَيْن لمُورّثهم، استحقّوا، فإن نكل بعضهم استحقّ الحالف نصيبه، ولا يشاركه الناكل، وليس لولد الناكل بعد موته الحلف.

أمّا لو مات قبل النكول، فإنّ لولده أن يحلف، وهل تجب إعادة الشهادة؟ فيه إشكال .

ولو كان فيهم غائب، حلف إذا حضر من غير إعادة الشهادة، وكذا إذا بلغ الصبيّ منهم، أو عقل المجنون .


1 . في «ب»: بهما .

2 . المبسوط: 8 / 196 .

3 . أي الجارية .

4 . لم يعلم وجه هذا الشرط، ولعلّه إشارة إلى ما في المبسوط: «وعندنا يثبت ملكه لها ولا تنعتق بموته، إلاّ أن تحصل في نصيب ولدها فتنعتق عليه» المبسوط: 8 / 195 .


صفحه 176

ولو جاء الوارث الناكل بشاهد آخر فالأقرب وجوب إعادة الشهادة، لأنّها دعوى جديدة.

ولو ادّعى شخصان الوصيّة لهما، فحلف أحدهما مع الشاهد، والآخر غائب فحضر، افتقر إلى إعادة الشهادة، لأنّ ملكه منفصل، بخلاف حقوق الورثة، فإنّه إنّما ثبت (1) أوّلاً لشخص واحد وهو الميّت .

6523. التّاسع: لو حلف بعضهم مع الشاهد احتمل أخذ نصيب الغائب من يد المدّعى عليه، وعدمُهُ ولا شركة للغائب فيما أخذ الحاضر إن كانت الدّعوى دَيْناً، أمّا لو كانت عيناً وأخذ نصيبه منها بالشاهد واليمين، فإنّ الغائب إذا حضر وامتنع من اليمين، أخذ نصيبه ممّا أخذه، كما لو ادّعى الوارثان عيناً فأقرّ المتشبث لأحدهما فصالحه، كان للآخر الشركة.

ولو أقام أحدهم شاهدين انتزع نصيب المجنون والصّبي ونصيب الغائب إن كان عيناً، وفي الدّين في انتزاع نصيب الغائب، احتمالٌ .

6524. العاشر: لو ادّعى بعض الورثة انّ الميّت وقف عليهم ملكاً وعلى نسلهم، وأقاموا شاهداً واحداً، حلفوا معه، على ما اخترناه، من قبُول الشاهد واليمين في الوقف، ويُقضى لهم، فإن امتنعوا حكم بنصيب غيرهم ميراثاً للغير، وبنصيب المدعيين للوقف بالوقفيّة، لكن لا تسمع دعواهم في الوقف لو كان هناك دَيْنٌ مستوعب، ولو فضل بعد الدّين شيءٌ كان نصيب المدّعيين للوقف من الفاضل وقفاً، ونصيب الباقيين ميراثاً، وكذا ما يجب إخراجه من الوصايا.


1 . في «ب»: يثبت .


صفحه 177

ولو حلف بعض ثبت نصيب الحالف وقفاً، وكان الباقي طلقاً تُقْضى منه الديون والوصايا، والفاضل يكون ميراثاً، والحاصل من الفاضل للمدّعيين الممتنعين من اليمين يكون وقفاً.

ولو انقرض الممتنع كان للبطن الّذي يأخذ، بعده الحلف مع الشاهد، ولا يبطل امتناع الأوّل حقّهم .

ولو ادّعى أحد الثلاثة أنّ أباهم وقف عليهم وعلى أولادهم على الترتيب، وحلفوا مع شاهد واحد، ثبت الوقف، ولا يفتقر (1) البطن الثاني بعدهم إلى استئناف يمين، وكذا لو انقرضت البطون وصار إلى المصالح أو الفقراء.

ولو مات واحدٌ من الحالفين فنصيبه للباقين، لأنّه وقف ترتيب، والأقربُ أنّه لا يحتاج إلى تجديد الإحلاف، لأنّهم حلفوا أوّلاً على الجملة، ويشكل سقوط اليمين عن البطن الثاني، لأنّهم يأخذون الحقّ من الواقف، فلابدّ من التجديد، لأنّهم لا يستحقّون بيمين غيرهم.

أمّا لو قلنا انّ البطن الثاني يأخذ الحق من البطن الأوّل فإنّه لا يمين عليهم بعد إحلاف البطن الأوّل، ولو نكل البطن الأوّل فالبطن الثاني لا يستحقّون إن لم يحلفوا، فإن حلفوا استحقّوا إن قلنا إنّهم يأخذون من الواقف، وإن قلنا يأخذون من البطن الأوّل لم يحلفوا، لبطلان حقّ الأوّل بالنكول .

ولو حلف واحد ثمّ مات، فشرط الوقف (2) أن يكون للآخرين لكنّهما


1 . في «أ»: فلا يفتقر .

2 . في «أ»: فشرط الواقف .


صفحه 178

أبطلا حقّهما بالنكول، فيحتمل صرفُهُ إلى ولد الحالف، لا لتحاق الآخرين بالموتى لنكولهما(1)، وصرفُهُ إليهما، ويستحقّان بيمين الميّت، وبطلانُ الوقف، لتعذّر مصرفه .

وأمّا نصيب الناكلين فيبقى في يد المدّعى عليه، فإن قلنا يصرفه إلى الناكلين، فالأقربُ إيجاب الحلف عليهم .

ولو ادّعى الوقف على التشريك بينهم وبين أولادهم، وحلف الثلاثة، ثبت الوقف عليهم، فإذا وُلد لأحدهم ولدٌ صار الوقف أرباعاً بعد أن كان أثلاثاً، ويوقف ربعُ الطفل ونماؤُهُ، فإن بلغ وحلف استحقّ، وإن نكل قال الشيخ (رحمه الله)(2): يرجع ربعه إلى الإخوة، لأنّهم أثبتوا الوقف عليهم مالم يحصل المزاحم، وبامتناعه جرى مجرى المعدوم. وفيه نظرٌ ينشأ من اعتراف الإخوة بعدم استحقاقهم إيّاه .

ولو قال المدّعى عليه: ردّوه إليّ، فلا طالب له غيري، لم يردّ إليه، وقد انتزع من يده بحجّة.

ولو مات أحد الإخوة قبل بلوغ الطفل، عزل له الثلث من حين وفاة الميّت، لأنّ الوقف صار أثلاثاً وقد كان له الرّبع إلى حين الوفاة، فإن بلغ وحلف أخذ الجميع (3) وإن ردّ كان الرّبع إلى حين الوفاة لورثة الميّت والأخوين، والثلث من حين الوفاة للأخوين (4) وفيه إشكالٌ.


1 . في «أ»: لنكولهم .

2 . المبسوط: 8 / 201 .

3 . وهو الربع إلى حين وفاة الأخ، وتمام الثلث من حين الوفاة إلى أن حلف .

4 . لاحظ المبسوط: 8 / 201 .


صفحه 179

6525. الحادي عشر: لو ادّعى قتل العمد وأقام شاهداً، لم يحلف معه إن كان العمد موجباً للقصاص، نعم تكون شهادة الواحد لوثاً، فتحلف القسامة، ولو ادّعى قتل الخطأ، حلف مع الشاهد يميناً واحدةً .

6526. الثاني عشر: لا يقبل في الأموال امرأتين ويمين المدّعي .

6527. الثالث عشر: لو ادّعى الرّجل أنّه خالع امرأته فأنكرت، فأقام شاهداً يحلف معه لإثبات مال الفدية.

ولو ادّعت المرأة الخلع، لم يقبل بشاهد ويمين، لأنّها تقصد فسخ النكاح وليس مالاً .

6528. الرابع عشر: إذا أقام المدّعي شاهداً واحداً، خيّر بين الحلف معه، وبين إقامة شاهد آخر، وبين رفض شاهده، وإحلاف المنكر، فإن اختار الأخير وهو استحلاف المنكر، ثمّ اختار أن يستردّ ما بذله ويحلف هو، قال الشيخ(رحمه الله)(1): لم يكن له، لأنّ من بذل اليمين لخصمه لم يكن له أن يستردّها بغير رضاه، كيمين الردّ إذا بذلها المدّعى عليه للمدّعي، لم يكن له أن يستردّها إلى نفسه بغير رضاه، فإن اختار أن يقيم على ذلك ويستحلف المنكر، فإن حلف المنكر سقطت الدعوى عنه، وإن لم يحلف فقد نكل، ثمّ لا يُقْضى عليه بالنكول على أقوى القولين، ولا مع إقامة الشاهد، بل تردّ اليمين إلى المدّعي إذ ليست هذه اليمين الّتي بذلها، فإنّ هذه يمين الردّ يُقْضى بها في الأموال وغيرها، وتلك يمين مع الشاهد لا تقبل في غير الأموال.


1 . المبسوط: 8 / 210 ـ 211 .


صفحه 180

6529. الخامس عشر: لو باع زيداً وأقرّ بعين لعمرو، فادّعى خالد بها، فأقام زيدٌ شاهداً واحداً بانتقالها من خالد إليه، وصدّقه عمرو على ذلك، فالأقربُ إحلاف زيد مع شاهده، ولو امتنع أو مات، فالأقربُ إحلاف عمرو بأنّ خالداً نقلها إلى زيد ببيع أو غيره، أو أنّه أقرّ له بها .

المطلب الرابع: في النكول

وفيه تسعة مباحث :

6530. الأوّل : لا يتمّ القضاء بالنكول على أقوى القولين، بل حكم النكول ردُّ اليمين على المدّعي، وبطلانُ حقّ الناكل من اليمين، حتّى لا يعود،(1) وإنّما يبطل حقّه إذا تمّ النكول، وإنّما يتمّ إذا صرّح وقال: لا أحلف وأنا ناكل، ولو سكت بعد عرض القاضي عليه اليمينَ، عرّفه القاضي أنّه إذا عرض عليه اليمين ثلاثاً وامتنع بسكوت أو غيره، أوفى الحقّ بيمين المدّعي، فإذا فعل القاضي ذلك، وقال: قد قضيتُ بنكوله، لم يكن له الحلف بعد ذلك، وكذا لو قال للمدّعي: احلف، فهو كالقضاء بالنكول .

ولو أقبل على المدّعي بوجهه، فقال الناكل: أنا أحلف، قبل أن يقول الحاكم للمدّعي: احلف، فالأقربُ أنّ له الرّجوع ولو لم ينبّهه القاضي على حكمه، وقضى بنكوله، فقال الناكل: كنت جاهداً بحكم النكول، فالأقربُ أنّ الحكم ينفذ .


1 . في «أ» حقّ لا يعود .


صفحه 181

6531. الثاني : كلّ موضع حكمنا فيه بالنكول وأنّه ليس له الرجوع إلى اليمين، لو رضي (1) المدّعي بيمينه، فالأقربُ أنّ له ذلك .

6532. الثالث: المدّعي إن نكل عن اليمين المردودة وقال: لا أحلف، فهو كحلف المدّعى عليه، ولا يمكّن من العود إلى اليمين بعد ذلك، بل لا تسمع دعواه إلاّ ببيّنة، وإن طلب الإمهال أخّر ليتذكّر الحساب .

أمّا المنكر فإنّه لو طلب الإمهال لم يجب إليه، لأنّ الحقّ عليه، بخلاف من الحقّ له .

ولو أقام المدّعي شاهداً واحداً، وطلب الإمهال عن اليمين، أُمهل، ولو نكل لم تسمع منه اليمين ولا دعواه إلاّ ببيّنة كاملة.

وإذا حلف المدّعي فهو كإقرار الخصم لا كالبيّنة، فلا يثبت في حقّ غير الحالف .

6533. الرابع: لو مات من لا وارث له، فالإمام وارثُهُ، فان شهد له بحقٍّ شاهدٌ لم يحلف الإمام، بل يحبس المدين حتى يعترف ويؤدّي أو يحلف وينصرف .

ولو ادّعى الوصيّ على الوارث أنّ الموصيّ أوصى للفقراء، لم يحلف الوصيّ ولا الفقراء، لعدم تعيينهم، بل يحبس الوارث حتّى يحلف أو يعترف .

ولو ادّعى وصيّ الطفل دَيْناً على آخر، فأنكر ونكل، لم تردّ اليمين على الوصيّ، بل يوقف إلى أن يبلغ الطفل ويحلف .


1 . في «أ»: ولو .


صفحه 182

6534. الخامس: كلّ ما هو مالٌ أو المقصودُ منه المالُ فعلى المدّعي البيّنة، فإن عدمها حلف المدّعى عليه، فإن لم يحلف ردّ اليمين على المدّعي، فإن نكل سقطت الدّعوى، وماليس بمال ولا المقصود منه المال كالنكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، وغير ذلك يجب على المدّعي البيّنة، فإن عدمها فعلى المنكر اليمين، فإن لم يحلف لم يردّ اليمين على المدّعي، ولا يحلف أيضاً مع شاهد واحد، ويحكم له بشاهد وامرأتين .

6535. السّادس: يكفي مع الإنكار الحلف على نفي الاستحقاق، فلو ادّعى عليه غصباً أو إجارةً، فقال: لم أغصب ولم أستأجر قيل: لزمه الحلف على وفق الجواب، لأنّه لم يُجِب به إلاّ وهو قادر على اليمين عليه، وقيل: له أن يحلف على وفق الجواب وعلى نفي الاستحقاق.(1)

6536. السّابع: لو ادّعى المنكر الإبراءَ والإقباضَ انقلب مدّعياً والمدّعي منكراً، فيكفي المدّعي اليمين على بقاء الحقّ، وإن حلف على نفي ما ادّعاه الخصم كان أبلغ، وليس لازماً.

6537. الثّامن: كلّما يتوجّه الجواب عن الدّعوى فيه يتوّجه معه اليمين،(2) ويقضى على المنكر به مع النكول واليمين، كالعتق، والنكاح، والنّسب، وغير ذلك.

6538. التاسع: للمشهود عليه أن يمتنع من التسليم حتّى يشهد القابض، ولو لم يكن عليه بالحقّ شاهدٌ، قيل: لا يلزم الإشهاد، ويحتمل الوجوب حذراً من توجّه اليمين عليه مع الإنكار .


1 . أشار الشيخ إلى القولين في المبسوط: 8 / 212 .

2 . في «ب»: يتوجّه مع اليمين .


صفحه 183

ولا يجب على المدّعي دفع الحجّة مع القبض، لاحتمال خروج المقبوض مستحقّاً، ولا على البائع دفع كتاب الأصل إلى المشتري، لأنّه حجّة له على البائع الأوّل، فيرجع عليه بالثمن لو خرج المبيع مستحقّاً.

المطلبُ الخامس: في البيّنة

والنظر فيه في أمرين :

النّظر الأوّل : في الشرائط، وستأتي في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى .

النّظر الثّاني: في تصادم الدعاوي

وفيه أقسام

القسم الأوّل: في دعوى الأملاك

وفيه سبعة عشر بحثاً :

6539. الأوّل : إذا تداعيا عيناً فإن كانت يدهما عليها ولا بيّنة، قضي بها بينهما نصفين بعد أن يتحالفا، إذ كلّ واحد مدّع في النصف مدّعى عليه في النصف الآخر.

ويبدأ القاضي في الحلف بمن يراه، أو بمن تخرجه القرعة، فإن حلفا أو نكلا استقرّت العين بينهما، ويحلف كلُّ واحد منهما على النفي، فلو حلف واحدٌ ونكل الثاني، ردّت اليمين على الأوّل فيحلف على الإثبات في النصف الآخر، لأنّ هذه يمين المدّعي المردودة .


صفحه 184

أمّا لو نكل الأوّل الّذي بدأ به القاضي تحكّماً أو بالقرعة، فيعرض على الثاني، يمين النفي واليمين المردودة، والأقربُ أنّه يكتفى بيمين واحدة جامعة بين النفي والإثبات، فيحلف أنّ جميع الدار له، وليس لصاحبه فيها حقٌّ .

ولو قال: والله إنّ النصف الّذي يدّعيه ليس له فيه حقٌّ، والنّصف الآخر لي، كفاه .

ولو كانت العين في يد أحدهما، حكم بها للمتشبث مع يمينه إن التمسها الخصم، ولو نكل حلف الآخر، وقضي له بها.

ولو كانت في يد ثالث، حكم بها لمن صدّقه الثالث بعد الإحلاف من المدّعى عليه، وعلى الثالث اليمينُ لو ادّعى الخصم عليه بالملك، لفائدة الغرم مع الاعتراف لا للقضاء بالعين .

ولو قال الثالث: هي لهما قُضي بها بينهما نصفين بعد أن يحلف كلٌّ لصاحبه.

ولو كّذبهما أُقرّت في يده، وحلف لهما إن ادّعيا عليه العلم، ولا يجب عليه نسبة التملك إلى نفسه أو إلى غيره .

ولو قال المتشبت: لا أملكها أو لا أعرف صاحبها، أو هي لأحدكما ولا أعرفه عيناً، فالوجهُ التقارعُ، ويحلف من خرجت القرعةُ له، فإن نكل حلف الآخر، فإن نكلا قُسّمت بينهما.

ولو ادّعى أحدهما النّصف، فصدّقه، وادّعى الآخرُ النّصفَ الآخرَ، فكذّبه،حكم للأوّل بالنصف، وأحلف الثالث للثاني وليس للثاني إحلاف الأوّل.


صفحه 185

6540. الثاني : لو ادّعى كلّ واحد منهما جميعَ العين وأقاما بيّنتين، فإن أمكن الجمع بين البيّنتين جمع، وإن تعارضتا بأن تشهد إحداهما أنّ هذه العين لزيد، وتشهد الأُخرى أنّها بعينها لعمرو، فإن كانت العين في يدهما، قُضي بها بينهما نصفين، لأن يد كلّ واحد على النصف، وقد أقام بيّنةً، فيقضى له بما في يد غريمه، إذ البيّنة بيّنة الخارج على أقوى القولين، فلا تسمع بيّنة كلّ واحد منهما على ما في يده، بل على ما في يد خصمه .

وهل يحلف كلُّ واحد على النصف المحكوم له به، أو يكون له من غير يمين؟ الأقوى عندي الأوّل، مع احتمال الثاني .

وإن كانت في يد أحدهما، فلعلمائنا قولان:

أحدهما القضاء للخارج (1) إن شهدتا بالملك المطلق أو شهدتا بالسّبب، أو شهدت للخارج بالسبب.

ولو شهدت بالمطلق للخارج وبالسّبب لذي اليد، حكم لذي اليد، سواء كان السّبب ممّا يتكرّر كالبيع والصّناعة، أو لا يتكرّر كالنتاج، وقال ابن إدريس: يُقضى للخارج أيضاً (2) وليس بجيّد.

والثاني قولٌ آخر للشيخ (رحمه الله) (3) أنّه يقضى للمتشبّث دون الخارج، لأنّ له بيّنةً ويداً، ولأنّ علياً (عليه السلام) قضى لذي اليد دون الخارج (4).


1 . ذهب إليه الشيخ في الخلاف: 3 / 130، المسألة 217 من كتاب البيوع، وسلاّر في المراسم: 234، وابن زهرة في الغنية: قسم الفروع / 443، وابن إدريس في السرائر: 2 / 168 .

2 . السرائر: 2 / 168 .

3 . ذهب إليه في الخلاف: 6 / 342، المسألة 15 من كتاب الدعاوى والبيّنات .

4 . الوسائل: 18 / 182، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3 (... انّ أمير المؤمنين (عليه السلام)اختصم إليه رجلان في دابّة وكلاهما أقاما البيّنة أنّه انتجها، فقضى بها للّذي في يده...).


صفحه 186

وأيّ البيّنتين قدّمناها ففي استحلاف صاحبها نظرٌ، ينشأ من تساقط البيّنتين عند التّعارض، فيبقى (1) كما لو لم تقم بيّنة، ومن عدم التساقط مع رجحان إحداهما، فيحكم بالراجح، كما لو تعارض خبران، وأحدهما أرجح، فإنّه يعمل بالراجح، ويسقط الآخر، كذلك البيّنة الراجحة يعمل بها، وتسقط الأُخرى .

وإن كانت في يد ثالث قُضي لأرجح البيّنتين عدالةً، فإن تساويا قضي لأكثرهما عدداً، فإن تساويا أُقرع بينهما، فمن خرج اسمه أحلف، وقضي له، فإن امتنع من خرجت القرعة له من اليمين، أحلف الآخر وقضي له، وإن نكلا قضي به بينهما بالسّوية .

وقال في المبسوط: إن شهدتا بالملك المقيّد، قسّم بينهما، ولو شهدت إحداهما بالتّقييد والأُخرى بالإطلاق، قضي بالشهادة المقيّدة دون الأُخرى. (2) والأوّل أقربُ إلى المنقول، وإن كان الثاني ليس بعيداً من الصواب.

وعلى القول الأوّل هل يفتقر من قُضي له بكثرة العدالة أو الشهود إلى يمين؟ الأقربُ ذلك.

ولو لم يكن لأحدهما بيّنة، وقال من هي في يده: ليست لي، ولا أعرف لمن هي، احتمل القسمة والقرعة، ولابدّ من الإحلاف على التقديرين .

6541. الثالث: يتحقّق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرأتين، ولا


1 . في «ب»: فينفى .

2 . المبسوط: 8 / 258 .


صفحه 187

يتحقّق بين شاهدين وشاهد ويمين، ولا بين شاهد وامرأتين وشاهد ويمين، بل يحكم بالشاهدين وبالشاهد والمرأتين، دون الشاهد واليمين .

6542. الرابع: يحكم بالقرعة إذا كان في يد ثالث، واستوت البيّنتان عدالةً وعدداً مع يمين من خرجت له القرعة، ولا فرق في ذلك بين ما يستحيل الجمع ويقع التكاذب صريحاً، كما لو شهدت احداهما بالموت في وقت، والأُخرى بالحياة في ذلك الوقت بعينه، وبين ما لا يستحيل الجميع بل يتوهّم بتأويل، كما لو شهدتا على الملك، فإنّه يحتمل أن يكون كلّ واحد سمع وصيّةً له أو شراءه(1) أو غيره .

وكلّ موضع قضينا فيه بالقسمة، فإنما هو في موضع يمكن فرضها فيه كالأموال وإن كان لا يحكم فيها بالقسمة كالدرّة والعبد، إذ المراد بالقسمة هنا تخصيص كلّ واحد بنصف العين وإن كان النصف مشاعاً، أمّا ما لا يمكن فيها القسمة، فإنّ الحكم فيها القرعة، كما لو تداعى اثنان زوجيّة امرأة أو نسب ولد.

6543. الخامس: لو أقرّ الثالث بها لأحدهما مع تعارض البيّنتين المتساويتين عدالةً وعدداً، هل ينزّل إقراره منزلة اليد حتّى ترجّح به البيّنة إن قلنا بترجيح بيّنة ذي اليد، أو ترجّح الأُخرى إن قلنا بترجيح بيّنة الخارج؟ فيه نظرٌ، فإن قلنا إنّ إقراره ليس كاليد، فهل يرجّح به صاحب التّصديق؟ الأقربُ العدمُ، لأنّ هذه يد مستحقّة الإزالة بالبيّنتين .

6544. السّادس: إذا تساوت البيّنتان في التاريخ تعارضتا، وكذا إن أطلقتا التاريخ، أو أطلقت إحداهما وعيّنت الأُخرى، أمّا لو شهدت إحداهما على


1 . في «ب»: «أو سرّاً» ولعلّه مصحّف .


صفحه 188

الملك لزيد منذ سنة، وشهدت الأُخرى لعمرو منذ سنتين، فالأقدمُ أولى على إشكال، وإن كانت المتأخرّة قد شهدت بالسبب أيضاً .

ولو كان السبق في جانب واليد في جانب، ففي ترجيح السبق إلى اليد أو التساوي نظرٌ.

وإذا شهدت البيّنة بملكك بالأمس، ولم تتعرّض للحال، لم تُسمع، وافتقر إلى أن تقول: وهو ملكه في الحال، أو لا أعلم له مزيلاً، ولو قال: لا أدري زال أم لا، لم يُقْبل .

ولو قال: أعتقد أنّه ملكه بمجرّد الاستصحاب، فالوجهُ القبولُ، ولو شهد بأنّه أقرّ له بالأمس، ثبت الإقرار واستصحب موجب الإقرار وإن لم يتعرّض الشاهد للملك في الحال.

ولو قال المدّعى عليه: كان ملكك بالأمس، فالأقربُ انتزاعُهُ من يده، وكذا لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس، اشتراه من المدّعى عليه بالأمس، أو أقرّ له المدّعى عليه بالأمس سمع .

ولو شهد أنّه كان في يد المدّعي بالأمس قُبِل، وجعل المدّعي صاحب يد.

ولو قال: كان ملكه بالأمس اشتراه من فلان غير صاحب اليد، لم يسمع مالم يضمّ إليه أنّه ملكه في الحال، فإنّ اشتراءه من فلان لا يكون حجّة على صاحب اليد، بخلاف مالو قال: اشتراه من صاحب اليد.

ولو قيل: إنّ البيّنة لو شهدت على الملك بالأمس، قُبِلَتْ وإن لم ينضمّ أنّه ملكه في الحال، كان وجهاً، كما لو شهدت على إقراره بالأمس.


صفحه 189

6545. السّابع: البيّنة لا توجب الملك لكن تكشف عنه، ومن ضرورته التّقدُّمُ ولو بلحظة على الإقامة، فلو كان المدّعى دابّةً فنتاجها الّذي نتج(1) قبل الإقامة للمدّعى عليه، وما نتج(2) بعد الإقامة وقبل التعديل للمدّعي، والثمرة الظاهرة على الشجرة كذلك، وكذا جنين الأمة، ولا يعتبر انفصال النتاج والثمرة والجنين، بل متى تحقّق وجوده قبل الشهادة، وإن كان في بطن الدابّة أو الأمة، فهو للمدّعى عليه، لإمكان انفصاله في الملك بالوصيّة، وهذا كلّه في البيّنة المطلقة الّتي لا تتعرّض للملك السابق.

ومع هذا التقرير (3) إذا أخذ من المشتري بحجّة مطلقة رجع على البائع، ولو أخذ من المشتري رجع على الأوّل أيضاً ويحمل مطلقه إذا لم يدّع على المشتري إزالة ملكه منه على أنّ الملك سابق فيطالب البائع بالثمن.

وتعجّب بعض الفقهاء في ترك نتاج في يده حصل قبل البيّنة وبعد الشراء، ثمّ يرجع هو على البائع .

والأقرب أن يقال: لا يرجع (4) إلاّ إذا ادّعى ملك سابق على شرائه لأنّا قد بيّنا أنّ البيّنة لا تقتضي الزوال إلاّ من الوقت .

ولو ادّعى المشتري انّك أزلت الملك فأنكر، وقامت البيّنة على إزالته، فلا رجوع له .

ولو ادّعى ملكاً مطلقاً فشهد به الشاهد وذكر السبب لم يضرّ لكن لو أراد


1 . في «أ»: ينتج .

2 . في «أ»: ينتج .

3 . في «أ»: ومع هذا التقدير .

4 . في «ب»: لا يرجح .


صفحه 190

المدّعي الترجيح بالسبب وجبت إعادة الشهادة بعد دعوى السبب، لأنّ ذكر السبب قبل ادّعائه لغو .

ولو ذكر الشاهد سبباً غير السّبب الّذي ادّعاه المدّعي تناقضت الدعوى والشهادة، فلا تسمع في السّبب، والأقربُ سماعها في أصل الملك .

6546. الثامن: لعلمائنا في تقديم بيّنة ذي اليد على بيّنة الخارج أو بالعكس قولان سبقا(1) فإن قلنا بتقديم بيّنة ذي اليد فهل تسمع دعواه وبيّنته للتسجيل قبل ادّعاء الخصم؟ لا أعرف لأصحابنا نصّاً في ذلك، ومنع أكثر الجمهور منه، إذ لا بيّنة إلاّ على خصم(2)، فطريقه: أن ينصب لنفسه خصماً، والأقربُ عندي سماع بيّنته لفائدة التسجيل.

ولو كان له خصم لا بيّنة له، فأراد إقامة البيّنة لدفع اليمين عنه، فيه احتمال أنّها لا تسمع، إذ الأصل في جانبه اليمين، وإنّما يعدل إلى البيّنة حيث لا تكفيه اليمين، والوجه عندي السماع، كما تسمع بيّنة المودع وإن قدر على اليمين، وكذا للداخل إقامة البيّنة بعد إقامة المدّعي البيّنة قبل التعديل، ولو أُزيلت يده ببيّنة المدّعي ثمّ أقام بيّنةً، فإن ادّعى ملكاً مطلقاً فهو بيّنة من خارج، وإن ادّعى ملكاً مستنداً إلى ما قبل إزالة يده، وزعم غيبوبة بيّنته، فهل هي بيّنة من خارج أو داخل؟ فيه نظر ينشأ من سبق يده، وأنّه الداخل، والبيّنة تشهد له بالملك المستند إلى ذلك الزمان، ومن كون تلك اليد قد اتّصل القضاء بزوالها، أمّا لو أقام بعد القضاء باستحقاق الإزالة قبل الإزالة والتسليم، فإنّ بيّنته بيّنة داخل .


1 . لاحظ المسألة 2 من هذا الفصل ص 185.

2 . أي إلاّ على المدّعي .


صفحه 191

6547. التّاسع: لو أقام الخارج بيّنةً على الملك المطلق، وأقام الداخل بيّنةً على أنّه مِلْكُهُ، اشتراه من الخارج، قُدّمِت بيّنةُ الداخل على القولين، والأقرب أنّه تزال يده قبل إقامة البيّنة، لاعترافه للأوّل بالملك، وكذا لو ادّعى الإبراء من الدَّيْنِ، أُمر بدفع المال، فإذا أثبت الإبراءَ استعاده.

ولو كانت بيّنته (1) حاضرة سمعت قبل إزالة اليد، ولو أقرّ لغيره بملك في يده لم تسمع بعده دعواه، حتّى يدّعي تلقّى الملك من المقرّ له.

ولو أخذ منه بيّنة فجاء يدّعي مطلقاً، احتمل أن لا تسمع حتّى يذكر في الدّعوى تلقّي الملك منه، لأنّ البيّنة في حقّه كالإقرار والسماع، لأنّ المقرّ مؤاخذ بإقرار نفسه في الاستقبال، وإلاّ لم يكن للأقارير فائدة، أمّا حكم البيّنة فلا يلزم بكلّ حال.

ولو ادّعى أجنبيّ الملكَ مُطلقاً، سمع منه، إذ البيّنة المقامة على غيره ليست حجّة عليه .

6548. العاشر: الشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد، لأنّ اليد تحتمل العاريةَ والإجارةَ والملكَ، والشهادةُ بسبب الملك أولى من الشهادة بالتّصرف.

ولو ادّعى داراً في يد غيره فأنكر المتشبث، وأقام المدّعي بيّنة أنّها كانْت في يده بالأمس أو منذ سنة، قال الشيخ (رحمه الله)(2): لا تُسْمع هذه الدّعوى ولا البيّنة، سواء شهدت باليد منذ أمس أو بالملك منذ أمس، أمّا لو شهدت البيّنة بسبب يد الثاني وأسندت اليد إلى الأوّل كأن يشهد أنّه كان في يد المدّعي وأنّ المتشبث


1 . في «ب»: بيّنة .

2 . المبسوط: 8 / 269 .


صفحه 192

غصبه إيّاها أو قهره عليها، أو استاجرها منه، أو استعارها، قُضي للمدّعي للشهادة بالملك وسبب يد الثاني، بخلاف ما إذا لم يشهد بالسّبب، لأنّ اليد إذا لم يعرف سببها، دلّت على الملك ولا يزال بالمحتمل .

6549. الحادي عشر: لو ادّعى عيناً في يد غيره وأنّ الغير غصبه إيّاها، وأقام بيّنة بذلك، فادّعى آخر بأنّ المتشبّث أقرّ له بها، وأنّها ملكه، وأقاما بيّنة بذلك، حُكم لبيّنة المغصوب منه، لأنّها شهدت بالملك وسبب يد الثاني، والّتي شهدت بالإقرار لا تعارض هذه البيّنة، لأنّه ظهر أنّ الإقرار كان بعين مغصوبة، فلا ينفذ إقراره ولا يغرم المدّعى عليه للمقرّ له، لأنّه لم يحل بينه وبين ملكه، وانّما الحائل البيّنة .

6550. الثاني عشر: لو تداعيا شاةً مذبوحةً وفي يد كلّ واحد منهما بعضُها منفصلاً، ولا بيّنة، قُضي لكلّ واحد بما في يده بعد الإحلاف، ولو أقاما بيّنتين حكم لكل واحد بما في يد الآخر إن قلنا بتقديم بيّنة الخارج، وإلاّ فكالأوّل .

ولو كان في يد كلّ واحد منهما شاةٌ، فادّعى كلّ واحد منهما الشّاة الّتي في يد صاحبه ولا بيّنة، تحالفا وكانت الشاة الّتي في يد كلّ واحد لصاحبها، ولو أقاما بيّنتين، فلكل واحد الشّاةُ الّتي في يد صاحبه ولا تعارض بينهما .

ولو ادّعى كّل واحد منهما أنّ الشاتين له دون صاحبه، وأقاما بيّنتين، تعارضتا وقُضي لكل واحد بما في يد غريمه إن قلنا ببيّنة الخارج .

6551. الثالث عشر: إذا ادّعى عيناً في يد زيد وأقام بها بيّنة، فحَكَمَ له بها حاكمٌ، ثمّ ادّعاها الأوّل على زيد وأقام بها بيّنةً، فإن قدمنا بيّنةَ الخارج لم تُسمع بينّة الأوّل، لتقديم بيّنة زيد، وإن قدّمنا بيّنة الداخل، نظر في الحكم كيف وقع،


صفحه 193

فإن كان قد حكم بها لزيد، لأنّ الأوّل لا بيّنةَ له، ردّت إلى الأوّل، لقيام البيّنة له واليد، وإن حكم بها لأنّ الحاكم يرى تقديم بيّنة الخارج، لم ينقض حكمه، لأنّه يسوغ فيه الاجتهاد وكذا لا ينقض لو جهل الحال .

فإن جاء ثالثٌ فادّعاها، وأقام بها بيّنةً، فبيّنتُهُ وبيّنةُ زيد متعارضتان، ولا يحتاج زيد إلى إقامة بيّنة، لأنّها شهدت له مرّةً، فلم يحتج إلى إعادتها حالةَ التّنازع.

6552. الرابع عشر: لو ادّعى حيواناً وأقام بيّنةً أنّه ملكه منذ سنة، فدلّت سنّه(1) على أقلّ من ذلك قطعاً، سقطت البيّنة، لتحقّق كذبها وكذا لو شهدت أنّه أُنتج(2) في يده منذ سنة، فدلّت سنّه على أكثر من ذلك قطعاً.

ولو ادّعى رقيّة صغير السّنّ مجهول النسب، وهو في يده، قُضي له بذلك ظاهراً، فإن بلغ وادّعى الحرّية لم تقبل دعواه، للحكم برقيّته أوّلاً، ولو ادّعى أجنبيّ نسبَهُ، فالأقرب القبولُ، ولا تزال يد مدّعي الرقية عنه، وكذا لو ادّعاه اثنان وهو في يدهما.

ولو كان كبيراً وأنكر، فالقولُ قولُهُ، لأنّ الأصل الحرّية، ولو ادّعى اثنان رقيّته، فاعترف لهما، قُضي به لهما، وإن اعترف لأحدهما، كان مملوكاً له دون الآخر.

6553. الخامس عشر: لو ادّعى داراً في يد زيد، وادّعى عمرو نصفَها، وأقاما البيّنة، فلمدّعي الجميع النّصفُ بغير مزاحم، ويتقارعان في النّصف الآخر،


1 . في «أ»: «بيّنته» ولعّله مصّحفٌ بقرينة قوله «قطعاً» ولاحظ أيضاً: المبسوط: 8 / 294 .

2 . في «أ»: أنّه له نتج .


صفحه 194

فيحكم به لمن تخرجه القرعة بعد إحلافه، فإن امتنع من اليمين أحلف الآخر، فإن امتنعا، قسّم النصف بالسوية، فيصير لمدّعي الجميع ثلاثة الأرباع ولمدّعي النصف الربع .

ولو أنكرهما مَن العين في يده، وكان لأحدهما بيّنة، حكم له، وإن أقاما بيّنةً أُخذت من يده وحُكم للأرجح في العدالة والعدد، فإن تساويا أُقرع .

ولو أقرّ بها لأحدهما، فهل يكون المقرّ له كصاحب اليد من حيث إنّ المتشبّث مقرٌ بأنّ يده نائبة عنه؟ الوجهُ ذلك.

ولو كانت في يدهما ولا بيّنة، قُضي لهما بها بالسّوية، وعلى مدّعي النّصف اليمين للمستوعب، ولا يمين على المستوعب .

ولو أقام كلٌّ منهما بيّنةً، قُضي للمستوعب بالنصف الّذي لا منازعة فيه، وتعارضت البيّنتان في النصف الآخر، فإن حكمنا للخارج، قُضي به للمستوعب أيضاً، وإن قدّمنا بيّنةَ الداخل، فهو لمدّعي النّصف، فاستقرّت بينهما.

ولو كانت في يد ثلاثة فادّعى أحدهما النصف والآخر الثلث والثالث السّدس فيد كلّ واحد على الثلث لكنّهم تصادفوا في كيفيّة التملّك، ولا تعارض، ويفضل في يد صاحب السدس سدس آخر لمدّعي النصف، وكذا لو قامت لهم البيّنة بذلك.

6554. السّادس عشر: لو كانت الدار في يد ثلاثة، فادّعى أحدهم الجميعَ، والثاني النصفَ، والثالثُ الثلثَ ولا بيّنة، قُضي لكّل واحد بما في يده وهو الثلث، ويحلف مدّعي النّصف والثلث للمستوعب، ومدّعي الثلث والمستوعب


صفحه 195

لمُدعي النّصف، وليس لمدّعي الثلث يمين على أحد، لأنّ حقَّه بأجمعه في يده.

وإن كان لأحدهم بيّنةٌ، فإن كان هو مدّعي الكلّ أخذ الجميع، وإن كان مدّعي النصف أخذه، وقسّم الباقي بين الآخرين نصفين، لصاحب الكلّ السدسُ بغير يمين، ويحلف على نصف السُّدْس، ويحلف الآخر على الرّبع الّذي يأخذه جميعه، وإن كان مدّعي الثلث أخذه والباقي بين الآخرين نصفين، لمدّعي الكلّ السُّدسُ بغير يمين، ويحلف على السُّدس الآخر، ويحلف الآخر على جميع ما يأخذه (1) .

ولو أقام كلُّ واحد بيّنةً، فإن حكمنا ببيّنة الداخل، فالحكم كما لو لم تكن بيّنةٌ، لأنّ لكلّ واحد بيّنةً ويداً على الثلث، وإن قدّمنا بيّنة الخارج سقطت بيّنةُ صاحب الثلث، لأنّها داخلة، وللمستوعب الربع ممّا في يده بغير منازع، والثلث الّذي في يد مدّعي النّصف، لقيام البيّنة للمستوعب به، والرّبع ممّا في يد مدّعي الثلث، إذ لا ينازعه فيه سوى مدّعي الثلث وهو داخل، وبقي نصف السُّدس في يد مدّعي الثلث، (2) يقرع بين المستوعب ومدّعي النّصف، لتصادم البيّنتين فيه، ويحلف من تخرجه القرعة، ويقضى له، فإن امتنع أحلف الآخر، فإن امتنعا قسّم بينهما نصفين، وبقي نصف السّدس في يد المستوعب لمدّعي النّصف، فيحصل للمستوعب عشرةٌ ونصفٌ من اثني عشر، ولمدّعي النصف واحدٌ ونصفٌ .

ولو كانت في يد غيرهم واعترف أنّه لا يملكها، ولا بيّنة، فالنّصف لمدّعي


1 . في «ب»: أخذه .

2 . في «ب»: «السّدس» بدل «الثلث» ولعلّه مصحّف .


صفحه 196

الكلّ، لعدم المنازع، ويقرع بينهم في النّصف الباقي، فإن خرجت لصاحب الكلّ أو لصاحب النصف حلف، وإن خرجت لصاحب الثلث، حلف وأخذ الثلث، ثمّ يقرع بين الآخرين في السّدس، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذ.

ولو أقام كلُّ واحد بيّنةً، فالنصف لمدّعي الكلّ لعدم المنازع، والسدس الزائد يتنازعه مدّعي الكلّ ومدّعي النصف والثلث يدّعيه الثلاثة، وقد تعارضت البيّنات فيه، فيترجّح بالأعدل (1) والأكثر في العدد، ومع التساوي يعمل بالقرعة، ويحلف من خرجت القرعة له من مدّعي النصف ومدّعي الكلّ، فإن نكل، حلف الآخر وإن نكلا، قسّم بينهما، ويتقارع الثلاثة في الثلث، فحلف (2) من خرجت القرعة له، فإن نكل أحلف الآخران، وقسّم بينهما، فإن نكلا قسّم الثلث أثلاثاً.

ولو حلف أحدهما ونكل الآخر، فهو للحالف، ويصحّ (3) من ستة وثلاثين، لمدّعي الكلّ النّصفُ ونصفُ السّدس وثلثُ الثلث، ولمدّعي النّصف نصفُ السّدِس وثلثُ الثلثِ، ولمدّعي الثلث ثلثُ الثلثِ.

ويحتمل قسمة العين (4) على حسب العول، لصاحب الكلّ ستّة، ولصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث سهمان، فيصّح من أحد عشر سهماً، لكن أصحابنا على الأوّل.

6555. السّابع عشر: لو كانت الدار في يد أربعة، فادّعى أحدهم الجميعَ، والثاني الثلثين، والثالث النصفَ، والرابع الثلثَ، ففي يد كلّ واحد


1 . في «أ»: في الأعدل .

2 . في «ب»: ويحلف .

3 . في «ب»: ويصنع .

4 . في «أ»: قيمة العين .


صفحه 197

الرّبعُ، فإن لم تكن بيّنةٌ، قُضي لكلّ واحد بما في يده، وأحلفنا كلاًّ منهم لصاحبه .

ولو أقام كلُّ واحد بيّنةً بما ادّعاه، فإن قضينا ببيّنة الداخل فكذلك يقسّم أرباعاً، وإن قضينا ببيّنة الخارج سقط اعتبار بيّنة كلّ واحد بالنظر إلى ما في يده، وتكون ثمرتها فيما يدّعيه ممّا في يد غيره، فيجمع بين كلّ ثلاثة على ما في يد الرابع، ويؤخذ منه، ويحكم فيه بالقرعة واليمين، ومع الامتناع من الحلف يحلف الآخر، وإن امتنعُوا قسّم بينهم، فيصحّ من اثنين وسبعين، فيخلص لمدّعي الجميع ممّا في يد الثاني نصفُهُ ونصفُ تُسْعه، وهو عشرة من ثمانية عشر بغير منازع سواه، وهو داخل، والثالث يدّعي ثلث ما في يده، وهو ستّةٌ، فيقارع(1) المستوعب، ويحكم للخارج بالقرعة مع اليمين، فإن امتنع أحلف الآخر، وإن نكلا معاً قسّم بين المستوعبِ والثالثِ .

والرابع يدّعي تُسع ما في يده وهواثنان يقارع المستوعب فيهما، ويأخذه من تخرجه القرعة بعد اليمين، فإن امتنع حلف الآخر، فإن امتنعا قسّم بينهما ويخلص للمستوعب ممّا في يد الثالث ستّةٌ لا يدّعيها سوى الثالث وهو داخل، فيحكم بها للمستوعب.

والثاني يدّعي ممّا في يد الثالث خمسة أتساعه وهو عشرة(2) فيقارع(3) المستوعب، ويحكم للخارج بعد اليمين، فإن امتنع حلف الآخر، فإن امتنعا قسمّ بينهما.


1 . في «أ»: فينازغ .

2 . كذا في «أ» ولكن في «ب»: والثاني يدّعي ممّا في يد الثالث عشرة.

3 . في «أ»: فينازع .


صفحه 198

والرابع يدّعي ممّا في يد الثالث اثنين، فيقارع المستوعب (1) ويحكم للخارج بعد اليمين، فإن امتنع حلف الآخر، فإن امتنعا، قسّم بينهما ويخلص للمستوعب ممّا في يد الرابع، اثنان لا يدّعيهما (2) سوى الرابع. وهو داخل، فيحكم بها للمستوعب .

والثاني يدّعي منها عشرة، فيقارع المستوعب، ويحلف الخارج بالقرعة، فان امتنع حلف الآخر وحكم له، فإن امتنعا قسّم بينهما.

والثالث يدّعي منها ستةً، فيقارع المستوعب ويحكم للخارج بعد اليمين، فإن نكل حلف الآخر، فإن امتنعا قسّم بينهما، ويؤخذ جميع ما في يد المستوعب، لأنّه داخل والثلاثة الأُخر خارجة، فالثاني يدّعي منه عشرة، والثالث يدّعي ستّةً، والرابع يدّعي اثنين، فيحكم لهم بذلك، فقد حصل للمستوعب ستةٌ وثلاثون، وللثاني عشرون وللثالث اثنا عشر، وللرّابع أربعة، وذلك مع امتناع الخارج بالقرعة عن اليمين ومقارعته.

وعلى الحكم بالعول يحصل للمستوعب ستّةٌ، وللثاني أربعةٌ، وللثالث ثلاثةٌ، وللرابع سهمان.

ولو كانت في يد خامس لايدّعيها، وأقام كلّ واحد بيّنةً، خلص لصاحب الكلّ الثلثُ بغير منازع، وتتعارض بيّنته وبيّنة مدّعي الثلثين في السدس، فيقارعان فيه، ويحكم به لمن تخرجه القرعة بعد اليمين فإن امتنع أحلف الآخر، فإن نكل قسّم بينهما، ثم تتعارض بيّنة مدّعي الجميع ومدّعي الثلثين ومدّعي


1 . كذا في «ب» ولكن في «أ»: فينازع المستوعب .

2 . في «ب»: لا يدّعيها .


صفحه 199

النصف في سدس آخر، فيقرع بينهم فيه، ويحكم به للخارج بالقرعة بعد الإحلاف، فإن امتنع أحلف الآخران، وقسّم بينهما، فإن نكلا قسّم بين الثلاثة، ثمّ يقع التعارض بين البيّنات الأربع في الثلث، فيقرع بينهم، ويخصّ به من تخرجه القرعة بعد الإحلاف، فإن نكل أحلف الثلاثة، (1) فإن نكلوا أجمع، قسّم الثلث بينهم أرباعاً، فيصحّ من ستّة وثلاثين، لمدّعي الكلّ عشرون، ولمدّعي الثلثين ثمانيةٌ، ولمدّعي النصف خمسةٌ، ولمدّعي الثلث ثلاثةٌ، وكذا البحث لو لم يكن لأحدهم بيّنةٌ .

القسم الثاني: في الاختلاف في العقود

وفيه أربعة عشر بحثاً:

6556. الأوّل : لو تداعيا عيناً في يد زيد، فقال كلّ واحد منهما: هذه العين لي اشتريتها من زيد بمائة ونقدتهُ الثمن، فإن لم تكن لأحدهما بيّنةٌ، فإن أنكرهما، حلف لكلّ واحد منهما، وكانت العين له، وإن أقرّ بها لأحدهما، سلّمت إليه وحلف للآخر، وإن أقرّ لكلّ واحد منهما بنصفها، سلّمت إليهما، وحلف لكلّ واحد منهما على نصفها.

ولو قال: لا أعلم لمن هي منكما تقارعا وقُضي بها لمن تخرجَه القرعة بعد اليمين .

ولو حلف المتشبّث أنّها لأحدهما، سلّمت إليه، فإن أقرّ بها للآخر أغرم له.


1 . في «ب»: أحلف الثلاث .


صفحه 200

ولو أقام كلُّ واحد بيّنةً، فإن كانتا مؤرّختين، فإن اختلفتا (1) في التاريخ كأن تشهد إحداهما بالشراء في شعبان والأُخرى في رمضان، حكم بها للأوّل، وكان البيع الثاني باطلاً، لأنّه باع ما لا يملكه، ويطالب بردّ الثمن، إذ لا تعارض فيه .

وإن اتّفقتا في التاريخ أو كانتا مطلقتين، أو إحدهما مُطلقة والأُخرى مؤرخة تعارضتا، لتعذّر الجمع، ثمّ نظر فإن كانت العين في يد أحدهما، حكم لذي اليد على رأي، وللخارج على رأي، وإن كانت في يد البائع لم يلتفت إلى إنكاره ولا إلى اعترافه، بل يحكم بالقرعة مع تساوي البيّنتين عدالةً وعدداً، فمن خرجت له حلف وأخذ، وإلاّ حلف الآخر .

ولو نكلا قسّمت بينهما، ويرجع كلٌّ منهما بنصف الثمن، والأقرب أنّ لكلٍّ منهما الفسخ لتبعّض الصفقة قبل القبض .

ولو فسخ أحدهما كان للآخر أَخْذُ الجميع، لعدم المزاحم، ولو امتنع أُجبر على الأخذ، وكلّ من لم يسلّم له من العين شيء إمّا بقرعة أو قسمة، فإنّه يرجع إلى الثمن، إذ لا تضادّ في اجتماع الثمنين.

6557. الثاني: لو ادّعى أحدهما أنّه اشترى العين من زيد بمائة، وادّعى الآخر أنّه اشتراها من عمرو بمائة، وأقام كلٌّ منهما بيّنةً بدعواه، فإن كانت العين في يد أحدهما قُدّمت بيّنةُ الخارج أو الداخل على اختلاف الرّأيين، ويرجع الآخر على بائعه بالثّمن، وإن كانت في يدهما، قسّمت بينهما، لأنّ لكلّ واحد بيّنةً ويداً، فيحكم إمّا للداخل أو للخارج، فعلى كلّ واحد من التقديرين يستقرّ بينهما، ويرجع كلٌّ منهما على بائعه بنصف الثمن .


1 . في «أ»: واختلفتا.


صفحه 201

ولو كانت في يد أحد البائعين وتساوت البيّنتان عدالةً وعدداً، أُقرع بينهما، ويحلف الخارج بالقرعة ويحكم له، فإن نكل أحلف الآخر، ولو نكلا قسّم المبيع بينهما، ورجع كلّ منهما على بائعه بنصف الثمن، ولهما الفسخ والرجوع بالثمنين.

ولو فسخ أحدهما جاز، ولم يكن للآخر أَخْذُ الجميع، لأنّ النصف الآخر لم يرجع إلى بائعه .

ولو ادّعى كلُّ واحد منهما أنّه اشترى العينَ من بائعه، وأنّها ملكه، وأقاما البيّنتين بذلك، وتساويا عدالةً وعدداً، أُقرع بينهما، وحكم لمن تخرجه القرعة بعد يمينه، فإن نكل أحلف الآخر، ولو نكلا قسّمت العينُ بينهما، وليس لأحدهما الرجوعُ على بائعه بشيء إن كانا قد اعترفا بقبض السلعة من البائع، لاعترافه بسقوط الضمان عن البائع .

ولو ادّعى كلّ واحد من الاثنين على المتشبّث بأنّه غصب العين منه، وأقاما بيّنةً، فإن اتّفقتا في التاريخ، أو كانتا مطلقتين، أو إحداهما، تعارضتا، وإن تقدّم تاريخ إحداهما، فالأقربُ الترجيحُ بالسبق .

ولو شهدت البيّنةُ بأنّه أقرّ بغصبه من كلّ واحد منهما، لزمه دفعه إلى الّذي أقرّ له به أوّلاً، ويغرم قيمته للآخر.

6558. الثالث: لو ادّعى اثنان أنّ زيداً اشترى من كلٍّ منهما العينَ الّتي في يده، وأقاما بيّنةً، فان اعترف لأحدهما، قُضي عليه بالثمن، وكذا إن اعترف لهما، قُضي عليه بالثمنين .

ولو أنكر، فإن كان التاريخ مختلفاً أو مطلقاً أو كان أحدهما مطلقاً والآخر


صفحه 202

معيّناً، ثبت العقدانِ، ولزمه الثمنان، لإمكان أن يشتري من أحدهما ثمّ يملكها الآخر فيشتريها منه، ومهما أمكن الجمع بين البيّنتين وجب، بخلاف ما لو كان البائع واحداً والمشتري اثنين، فأقام أحدهما بالشراء في شعبان والآخر بالشراء في رمضان، لأنّه إذا ثبت الملك للأوّل لم يبطله بأن يبعه الثّانيَ مرّةً ثانيةً.

أمّا هاهنا فإنّ شراءه من كلّ واحد منهما يبطل ملكه، لأنّه لا يجوز أن يشتري ملكَ نفسه، ويمكن أن يبيع البائع ماليس له .

وإن كان التاريخ واحداً تحقّق التعارض، لامتناع كون الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، وامتناع إيقاع عقدين في زمان واحد، فيحكم بالقرعة، فمن خرجت له القرعة أحلف، وقضى له بالثمن، ويحلف للآخر (1) ويبرأ، ولو امتنعا من اليمين قسّم الثمن بينهما.

6559. الرابع: لو ادّعى شراء عبد في يد زيد منه، وادّعى العبدُ العتقَ من زيد، ولا بيّنة لهما، فإن أنكرهما حلف لهما، والعبد له، وإن أقرّ لأحدهما ثبت ما أقرّ به، ويحلف للآخر، فإن أقام أحدهما بيّنةً بما ادّعاه ثبت، ولو أقاما بيّنتين، قدّم أسبقهما تاريخاً، وبطل الآخر.

وإن اتّفقتا في التاريخ، أو كانتا مطلقتين أو إحداهما، تعارضتا، فإن كان في يد المشتري قدّمت بيّنته إن قلنا بتقديم بيّنة الداخل، وإلاّ بيّنة العبد إن قلنا بتقديم بيّنة الخارج .

ولو كان في يد المولى أقرع، وحلف الخارج بالقرعة، وحكم له، فإن امتنع أحلف الآخر، وحكم له، فإن نكلا قسّم نصفين، فصار نصفه حرّاً ونصفه رقّاً


1 . في «أ»: «ويحلف الآخر» وهو مصحّف .


صفحه 203

للمشتري، ويرجع بنصف الثمن، فإن فسخ لتبعيض الصفقة، عُتِقَ كلُّهُ، وإن اختار الإمساكَ قُوِّم على البائع وسرى العتق إلى جميعه، لقيام البيّنة عليه بمباشرة العتق مختاراً، وقد ثبت العتق في نصفه بشهادتهما.

6560. الخامس: إذا ادّعى عيناً في يد زيد وأنّه اشتراها من عمرو بثمن نقده إيّاه، أو أنّ عمراً وهبه تلك الدار، لم تقبل بيّنتُهُ حتّى تشهد أنّ عمراً باعه إيّاها أو وهبها له وهي ملكه، أو تشهد أنّها ملك المدّعي اشتراها من عمرو، أو تشهد بأنّه باعها أو وهبها له وسلّمها إليه، فإنّ مجرّد الهبة والشراء لا يعارض اليد المعلومة، لأنّ الإنسان قد يبيع أو يهب ما لا يملك .

أمّا إذا شهدت بالملك للبائع، أو المشتري، أو بالتسليم، فإنّه يحكم به للمدّعي، لأنّهم شهدوا بتقديم اليد أو بالملك.

6561. السّادس: لو كانت في يده صغيرةٌ فادّعى نكاحها لم يقبل إلا ببيّنة، ولا يخلّى بينه وبينها، ولو ادّعى رقيّتها قُبل .

6562. السّابع: لو ادّعى ملكَ عين وأقام بيّنةً (به) (1)، وادّعى آخرُ أنّه باعها منه أو وهبها إيّاه، أو وقفها عليه، أو ادّعت امرأته أنّه أصدقها إيّاها، وأقام بذلك، بيّنةً، قُضي له بها، لأنّ البيّنة المتأخّرة شهدت بأمر خفّي عن الأوّل .

ولو ادّعى ملكَ عين في يد الآخر، فادّعى المتشبثُ أنّها في يده منذ سنين، وأقام بيّنة، فهي لمدّعي الملك، لإمكان أن يكون ملك زيد في يد عمرو .

6563. الثّامن: لو ادّعى أنّه آجره الدّابة الّتي في يده، وادّعى آخر أنّه أودعه إيّاها ولا بيّنة، حكم لمن يصدّقه المتشبث .


1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .


صفحه 204

ولو أقام كلٌ منهما بيّنةً بدعواه (1) تحقّق التعارض، وعمل بالقرعة مع تساوي البيّنتين عدداً وعدالةً .

6564. التّاسع: لو شهد اثنان على إقراره بألف لزيد، وشهد أحدهما أنّه قضاه، ثبت الإقرارُ، فإن حلف مع شاهد القضاء ثبت، وإلاّ حلف المقرّ له أنّه لم يقبضه، وثبت له الألف، وهل يكون ذلك تكذيباً لشاهده؟ فيه نظرٌ، الأقربُ أنّه تكذيبٌ.

فإن كان ذلك بعد الحكم بشهادته بالإقرار لم يؤثّر في ثبوت الإقرار، وإن كان قبل الحكم، فالوجهُ أنّه إن حلف مع الشاهد الآخر على دعواه بالإقرار ثبت، وإلاّ فلا .

ولو شهد أحدهما أنّ له عليه ألفاً، وشهد الآخر أنّه قضاه ألفاً، لم يثبت عليه الألف، لأنّ شاهد القضاء لم يشهد عليه بالألف إلاّ ضمناً، لأنّ شهادته تضمّنت أنّها كانت عليه، والشهادة لا تقبل الاّ صريحةً.

6565. العاشر: لو ادّعى عليه ألفاً قرضاً، فقال المدّعى عليه: لا يستحق عليّ شيئاً، فأقام بيّنةً بالقرض، وأقام المدّعى عليه بيّنةً بالقضاء لألف، ولم يعرف التاريخ، برئ بالقضاء، لأنّه لم يثبت عليه إلاّ ألفٌ واحدة ، وإنّما يكون القضاء لما عليه، فيصرف القضاء إلى الألف الثابتة .

أمّا لو قال: ما أقرضتني، ثمّ أقام بيّنةً بالقضاء، لم تقبل بينّتُهُ، لأنّه بإنكاره القرض تعيّن صرفها إلى قضاء غيره .

ولو شهدت بيّنةُ القضاء بقضاء الألف الّتي ادّعاها المدّعي، فالأقربُ أنّها لا تسمع، لأنّه مكذّب لبيّنته بإنكاره القرضَ، ولو لم ينكر القرض، إلاّ أنّ بيّنة القضاء


1 . في «أ»: ولو كان لكلّ منهما بيّنة بدعواه .


صفحه 205

كانت مؤرّخةً بتاريخ سابق على القرض، لم يصرف القضاء إلى القرض، لأنّ القضاء بعد الوجود.

ولو شهد عليه اثنان بالإقرار لزيد بدَيْن، وشهد آخران بإبراء زيد للمقرّ من كلّ حقٍّ، فإن اتّحد التاريخ، حكم بالإبراء، وإن تقدّم تاريخ أحدهما، حكم بالمتأخّر، ولو اطلقتا التاريخ فالأقربُ القرعةُ.

6566. الحادي عشر: لو اختلف المتؤاجران في قدر الأُجرة، بأن يتّفقا على استئجار الدار «شعبان» لكن يقول المالك: بمائتي درهم، ويقول المستأجر: بمائة درهم، أو في جنسها، بأن يقول المالك: بمائة دينار، ويقول المستأجر: بمائة درهم، أو في المدّة، بأن يدّعي المالك الإجارة «شعبان» بمائة درهم، فيقول المستأجر: «شعبان» و «رمضان» بمائة درهم، أو في قدر العين، فيقول المالك: آجرتك هذا البيت من الدار «شعبان» بمائة، فيقول المستأجر: بل الدار بأجمعها بمائة، فإن لم تكن بيّنة وكان الاختلاف بعد مضيّ المدّة، قال الشيخ (رحمه الله)(1): سقط المسمّى ووجب على المستأجر أُجرة المثل لهلاك المنفعة في يده فتعذّر ردها .

وإن تخالفا عقيب العقد انفسخ العقد، ورجعت الدار إلى مالكها، ولا أُجرة إلى المستأجر، وإن كان في الأثناء انفسخ المتخلّف، وعلى المستأجر أُجرة المثل عمّا مضى، ويأخذ المتخلّف من أُجرة المدّة الباقية، وتردّ العين (2) إلى المالك هذا مع عدم البيّنة .

ولو أقام أحدهما بيّنةً حكم بها، ولو أقام كلُّ واحد بيّنةً، فإن اتّحد التاريخ


1 . المبسوط: 3 / 265 ـ 266، كتاب المزارعة .

2 . في «ب»: ويردّ العين .


صفحه 206

بأن تشهد إحداهما أنّه آجرهُ عند غروب الشمس يوم كذا، وتشهد الأُخرى بالإجارة عند ذلك الوقت، أو أطلقتا بأن شهدت إحداهما أنّه آجره شهر رمضان بكذا والأُخرى انّه آجره شهر رمضان بكذا أيضاً، أو شهدت إحداهما مطلقةً والأُخرى مقيّدةً، فالحكم في الثلاثة واحدٌ وحينئذ يحكم بالتعارض فيقرع ويحكم لمن تخرجهُ القرعة مع يمينه.

ولو اختلف التاريخ بأن شهدت إحداهما أنّه آجره الدار مع غروب الشمس يوم كذا بدينار، وشهدت الأُخرى أنّه آجره البيت عند طلوع الشمس في ذلك اليوم بعينه بدينار، فلا تعارض، فإن سبقت بيّنة المستأجر أنّه استأجر الدار أجمع شهر رمضان بدينار، ثبت مدّعاه وبطلت بيّنةُ الموجر، لأنّ البيت داخل في عقد المستأجر، فيكون العقد الثاني باطلاً، وإن سبقت بيّنةُ الموجر أنّه آجره البيت بدينار صحّ، فإذا استاجر الدار كلّها بعد ذلك، كان العقد على البيت باطلاً، وفيما بقي من الدار يكون صحيحاً عندنا، هذا خلاصة ما ذكره الشيخ(رحمه الله) .(1)

ويحتمل أن يقال: إذا اختلفا في قدر الأُجرة، فأقاما بيّنةً، واتّحد التاريخ يقضى ببيّنة الموجر، لأنّ القولَ قولُ المستأجر مع عدم البيّنة، لأنّه اختلافٌ على ما في ذمّة المستأجر، فالقولُ قولُهُ مع يمينه، فتكون البيّنة من طرف المدّعي وهو الموجر.

أمّا لو كان الاختلاف في قدر المستأجر بأن يقول المالك: آجرتك البيت بعشرة، فيقول المستأجر: بل الدار بعشرة، وأقاما بيّنةً، فالأقربُ القرعة.

وقيل: القولُ قولُ الموجر، والوجه ما قال الشيخ (رحمه الله)من استعمال القرعة، لأنّ كلاًّ منهما مدّع، فإن اتّفق تاريخ البينتين أو أطلقتا أو إحداهما تعارضتا، وإن


1 . المبسوط: 8 / 263 ـ 264 .


صفحه 207

اختلف التاريخ يحكم للسابق، لكن إن كان السابق بيّنة البيت حكم بإجارة البيت بأُجرته، وهو الدينار، وبإجارة بقيّة الدار بالنّسبة من الدنيار.

6567. الثّاني عشر: لو اختلف المتؤاجران في شيء من الدار، فإن كان ممّا ينقل ويحول، كالأثاث وشبهها، فهي للمستأجر، لجريان العادة بخلوّ الدار المستأجرة من الأقمشة، وإن كان ممّا يتبع الدار في البيع، كالأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة، والرّفوف المسمّرة، فهو للمالك ولو أشكل الحال كالرفوف الموضوعة مقابل المسمّرة والمصراع للباب المقلوع، فالوجه أنّه للمستأجر مع اليمين، لأن يده عليه .

ولو اختلف النّجار وصاحب الدار في القدوم والمنشار وآلة النجارة حكم لذي اليد، وهو النّجار مع اليمين.

ولو كان في الدكان نّجار وعطّار فاختلفا فيما فيه، احتمل الحكم لكلّ واحد بآلة صناعته.

6568. الثالث عشر: لو اختلف الزوجان في متاع البيت، قُضي لمن قامت له البيّنة، ولو لم تكن بيّنةٌ، فيد كٌلِّ واحد منهما على النصف، فيحلف لصاحبه، ويكون بينهما بالسّوية، سواء كان ممّا يختصّ الرّجال (1) أو النساء، أو يصلح لهما، وسواء كانت الدار لهما أو لأحدهما، وسواء كانت الزوجيّةُ باقيةً بينهما أو زائلةً، وسواء تنازع الزوجان أو الوارث اختاره الشيخ (رحمه الله) في المبسوط (2) وقال في الاستبصار(3): يحكم بجميع المتاع للمرئة لأنّها تأتي بالمتاع من


1 . في الشرائع «يخصّ الرجال» شرائع الإسلام: 4 / 119 .

2 . المبسوط: 8 / 310 .

3 . الاستبصار: 3 / 44 ـ 47، باب اختلاف الرجل والمرأة في متاع البيت .


صفحه 208

أهلها، وقال في الخلاف(1) : ما يصلح للرجال للرّجل، وما يصلح للنساء للمرأة، وما يصلح لهما يقسّم بينهما، واختاره ابن إدريس .(2)وهو الأقوى عندي.

ولو ادّعى أبو الميّتة أنّه أعارها بعضَ ما في يدها من متاع وغيره، كان كغيره إن أقام بيّنةً، حكم له بدعواه، وإلاّ فلا، وفي رواية (3): يفرّق بين الأب وغيره، فيصدّق الأب دون غيره، وليست وجهاً.

6569. الرابع عشر: لو تداعيا زوجيّة امرأة فصدّقت أحدهما، حكم له .

القسم الثالث: في الاختلاف في المواريث والوصايا والنسب

وفيه أربعة عشر بحثاً:

6570. الأوّل : لو مات المُسلم عن ولدين ادّعى أحدهما إسلامَه قبل موت أبيه وصدّقه الآخر، ثمّ ادّعى الآخر ذلك فكذّبه الأوّل، فالقولُ قولُ الأوّل مع يمينه على نفي العلم، فيحلف أنّه لا يعلم أنّ أخاه أسلم قبل موت أبيه، ويأخذ التركة، وكذا لو كانا مملوكين فأعتقا، واتّفقا على سبق عتق أحدهما على الموت، واختلفا في سبق عتق الآخر .

ولو اتّفقا على وقت إسلامهما واختلفا في وقت موت أبيهما، بأن يكون أحدهما أسلم في شعبان والآخر في غرّة شوّال، وادّعى المتأخّر موتَ الأبِ في شوّال وادّعى المتقدّم موتَهُ في رمضان، قُدِّم قولُ المتأخّر مع يمينه، لأنّ الأصل بقاء الحياة، وكانت التركة بينهما.


1 . الخلاف: 6 / 352، المسألة 27 من كتاب الدعاوى والبيّنات .

2 . السرائر: 2 / 193 ـ 194 .

3 . الوسائل: 18 / 213، الباب 23 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1 .


صفحه 209

ولو ادّعى أحدُ الورثة تقدّم إسلامه على القسمة، وأنكر الورثة ذلك، فالقولُ قولُ الورثة، ولو اتّفقوا على إسلامه في وقت، وادّعى غيرُهُ من الورثة سَبْقَ القسمّة وأنكر، فالقولُ قولهُ مع يمينه.

6571. الثاني : لو ماتت امرأةٌ ووَلَدُها، وخلفّت زوجَها وأخاها، فادّعى الزّوجُ سَبْقَ موتِ الزوجة على موت الولد، وادّعى الأخُ سَبْقَ موت الولد، فإن أقام أحدهما بيّنةً، حكم بها، وإن لم تكن هناك بيّنةٌ، فالقولُ قولُ الأخ مع يمينه في نصيبه من مال أُخته، لأنّ الميراث لا يتحقّق إلاّ مع تيقّن حياة الوارث، والقولُ قولُ الزوج مع يمينه في مال ابنه كذلك أيضاً، فلا ترث الأُمُّ من الولد ولا الولد من الأُمّ، ويحكم بتركة الابن للزوج بأجمعها وتركة الزّوجة(1) بين الأخ والزوج نصفين .

6572. الثالث: لو ادّعى الابن أنّ هذا العين ميراث من أبيه، وادّعت الزوجة أنّ الأب أصدقها إيّاها، وأقاما بيّنةً، حكم بها للمرأة، ولا تعارض، لأنّ بيّنة الزوجة شهدت بما يمكن خفاؤه عن بيّنة الولد، وكذا لو ادّعى أجنبي أنّ هذا العين باعها الموروث منه، وادّعى الوارث أنّها تركةٌ.

6573. الرابع: لو ادّعى أنّ العين الّتي في يد زيد له ولأخيه إرثاً عن أبيهما، وأقام بيّنةً، فإن كانت كاملةً، وهي ذات الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة،(2) وشهدت بأنّها لا تعلم وارثاً غيرهما، سُلِّمَ إلى المدّعي النصفُ، وكان الباقي في يد المتشبث، أو ينتزعه الحاكم، ويسلّم إلى الثقة، ولا يطالَبُ المدّعي بيمين على نفي الوارث غيرهما، ولا يضامن لما يقبضه .


1 . في «ب»: وبتركة الزوجة .

2 . في الشرائع: 4 / 120 «ونعني بالكاملة: ذات المعرفة المتقادمة والخبرة الباطنة» .


صفحه 210

وان لم تكن البيّنةُ كاملةً، وشهدت بأنّها لا تعلم أنّ له وارثاً غيرهما، أو كانت من أهل الخبرة ولم تقل أنّا لا نعلم له وارثاً غيرهما، أُخِّرَ التسليم حتّى يبحث الحاكم عن الوارث، ويستقصي في البحث حتّى يغلب ظنّه أنّه لو كان وارث لظهر أمرُهُ، ويسلّم إلى الحاضر نصيبه ويضمّنه استظهاراً.

ولو كان ذا فرض أُعطي مع اليقين بانتفاء الوارث نصيبه كملاً(1) ومع عدم اليقين يُعْطيه أقلّ النصيبين، فيعطى الزوج الرّبع والزوجة ربع الثمن معجّلاً من غير ضمين، فإذا بحث الحاكم ولم يظهر وارث آخر سلّم إليه باقي الحصّة مع الضمين .

ولو كان الوارث ممّن يحجب غيره (2) كالأخ، فإن أقام البيّنة الكاملة أُعطي المال، وإن أقام بيّنةً غيرَ كاملة أُعطي بعد البحث والاستظهار بالضّمين.(3)

ولو قالت البيّنة: لا نعرف له وارثاً في غير هذا البلد، لم يدفع إليه، كما لو قالت: لا نعرف له وارثاً في هذه المحلّة .

6574. الخامس: لو أوصى بعتق عبده إن قُتِلَ، فادّعى العبد القتلَ، وأقام بيّنةً، وادّعى الوارث موتَهُ حتف أنفه، وأقاموا البيّنة على وجه لا يمكن الجمع بينهما، بأن تدّعي بيّنةُ الموت أنّهم شاهدوا خروج روحه حتفَ أنفه، فالوجهُ التعارُض، ويحكم بالقرعة.

ولو أوصى بعتق غانم إن مات في رمضان وبعتق سالم إن مات في شوّال،


1 . في «ب»: كلاًّ .

2 . في «ب»: يحجبه غيره .

3 . في «أ»: والضمين .


صفحه 211

فأقام غانمٌ البيّنةَ بموته في رمضان، وأقام سالمٌ البيّنةَ بموته في شوّال، فالوجه التعارضُ، ويحتمل تقديم بيّنة رمضان، لأنّ معها زيادة.

ولو أوصى بعتق غانم إن مات في مرضه وبعتق سالم إن برئ منه، وأقام كلٌّ منهما البيّنةَ بما ادّعاه، تعارضت البيّنتان، وحكم بالقرعة.

6575. السّادس: إذا ادّعى كلٌّ من العبدين عتقَ مولاه المريض، وقيمته الثلث، وأقاما بيّنتين، أُقرع مع عدم المعرفة بالسابق، أو مع العلم بالاقتران، ولو كانت قيمة أحدهما السدس، وخرجت القرعة له عُتِقَ، وعُتِقَ من الآخر نصفُهُ لتكملة الثلث.

6576. السّابع: لو شهد عدلان أنّ الميّت أَعْتق غانماً، وقيمتُهُ الثلثُ، وشهد وارثان أنّه أَعْتق سالماً، وهو ثلث، فإن أخرجنا المنجّزات من الأصل، عُتِقا، وإلاّ أُقرع، إن لم نعرف السّابق، أو عرفنا الاقتران، ولو وقعت القرعة على من هو أقلّ من الثلث، أُعتق من الآخر تكملة الثلث، وإن وقعت على الأزيد من الثلث، صحّ فيه عتق المساوي للثلث، وبطل الزائد .

ولو عرف السابق صحّ عِتْقُهُ، وبطل عِتْقُ الآخر .

ولو شهد العدلان أنّه أوصى بعتق غانم، وشهد الوارثان بأنّه رجع عن عتقه وأعتق سالماً، بعد موته، وقيمةُ كُلِّ واحد الثلثُ، احتمل القبولُ من الوارث حيث انتفت التهمة بالرجوع إلى البدل، ولو كان سالم سدس المال، صار متّهماً، فيعتق غانم بالشهادة، ويعتق سالم بالإقرار .

ولو شهد العدلان بالوصيّة لزيد وعدلان من الورثة بالرجوع، وأنّه


صفحه 212

أوصى لعمرو: قال الشيخ: تقبل شهادةُ الرجوع، لأنّهما لا يجرّان نفعاً(1) .

وفيه نظرٌ، من حيث إنّ المال يؤخذ من يدهما فهما غريما المدّعي وعندي في ذلك كلّه إشكال ينشأ من التّهمة الحاصلة لسبب شهادة الورثة.

6577. الثامن: لو شهد شاهدان بالوصيّة لزيد وشهد شاهد بالرجوع وأنّه أوصى لعمرو، كان لعمرو أن يحلف مع شاهده، لأنّها شهادةٌ منفردةٌ لا تعارض الأولى .

ولو شهدت بيّنةٌ بأنّه أوصى لزيد بالسدس، وشهدت أُخرى بأنّه أوصى لبكر بالسّدس، وشهدت ثالثةٌ بأنّه رجع عن إحدى الوصيّتين، فإن أبطلنا الرجوعَ المُبْهَمَ، سُلِّمَ إلى كلّ واحد سدسٌ، وإن قلنا بالصّحة، فالوجهُ القرعةُ، وقال الشيخ(رحمه الله): لا يُقبل الرجوعُ لعدم التعيين، فهي كما لو شهدت بدار لزيد أو عمرو(2) وفيه نظرٌ.

6578. التّاسع: إذا وطئ المرأةَ اثنان في طهر واحد وطئاً يلحق به النسب، بأن تكون مشتبهةً عليهما، أو زوجةً لأحدهما ومشتبهةً على الآخر، أو يعقد الاثنان عقداً فاسداً توهماً للحلّ به، ثمّ تأتي الولد لستّة أشهر فصاعداً إلى أقصى مدّة الحمل، حصل الاشتباه في الإلحاق، فعندنا يحكم بالقرعة، فمن خرجت له أُلحق به النسب، سواء كان الواطئان مسلمين، أو عبدين، أو بالضدّ، أو مختلفين فى الإسلام والكفر والحرّيّة والرّق، وسواء كانا أجنبيين أو أحدهما أباً للآخر، وسواء أقام كلُّ واحد منهما بينّة أو لم يُقم أحدهما بيّنةً،


1 . المبسوط: 8 / 251 ـ 252 .

2 . المبسوط: 8 / 253 .


صفحه 213

ولو أقام أحدهما دون الآخر، حكم لصاحب البيّنة والنسب بالفراش المنفرد والدّعوى المنفردة وبالفراش (1) المشترك والدّعوى المشتركة، ويقضى فيه بالبيّنة ومع عدمها بالقرعة ولا اعتبار بالقافة(2) ولا يجوز الالحاق بمن يلحقه القيّاف .

6579. العاشر: لو شهد شاهدان أنّه أوصى لزيد بثلث ماله، وشهد ثالث أنّه أوصى لعمرو بثلث ماله، فالشاهدان أقوى ولا يعارضهما الشاهد واليمين، فيحكم لزيد بالثلث، وتقف وصيّة عمرو على الإجازة، وقد يلوح من كلام الشيخ في بعض المواضع التعارض بين الشاهدين والشاهد واليمين.(3) فعلى هذا يحلف عمروٌ مع شاهده، ويُقرع بينهما إن جهل السابق، ويقسّم مع التقارن .

أمّا لو شهد الثالث بأنّه رجع عن وصيّته لزيد ووصّى لعمرو بثلثه، فإنّه لا تعارض بينهما، ويحلف عمروٌ مع شاهده، والفرقُ تقابل البيّنتين في الأُولى، فقدّمت الأقوى منهما وعدم التقابل في الثانية .

6580. الحادي عشر: لو ادّعى الورثةُ أنّ الميّت طلّق الزّوجة قبل موته، فأنكرت، فالقولُ قولُها مع اليمين، فإن اعترفت بالطلاق وانقضاء العدّة وادّعت أنّه راجعها، فالقولُ قولُ الورثة، وان اختلفوا في انقضاء العدّة فالقولُ قولُها في عدم الانقضاء .

6581. الثّاني عشر: لو أقّر اثنان من أهل الحرب بنسب يوجب التوارث، ثبت


1 . في «ب»: والدعوى المنفردة بالفراش المشترك.

2 . في «ب»: بالقيافة .

3 . المبسوط: 8 / 253 ـ 254 .


صفحه 214

نسبهم، ولو سبباً، فإن قامت البيّنة من المسلمين بذلك فكذلك، ولا تقبل شهادة الكفّار في ذلك، وإن لم تقم البيّنة لم يقبل إقرارهم.

ولو أعتقوا تبرّعاً فكذلك، لما فيه من الضرر على المعتق بتفويت الإرث بالولاء، ولو صدّقهما معتقهما قُبِلَ، وإن لم يصدّقهما فميراث كلّ واحد منهما لمعتقه، والأقربُ عندي القبولُ مع العتق.

6582. الثالث عشر: قال الشيخ (رحمه الله) لو أقام العبد شاهدين بالعتق، وافتقر إلى البحث عن عدالتهما، وسأل التفريق حتّى تثبت العدالة فرّق، قال: وكذا لو أقام مدّعي المال شاهداً واحداً وادّعى أنّ له شاهداً آخر وسأل حبس الغريم إلى ان يقيمه أُجيب إلى ذلك، لأنّه متمكّن من إثبات حقّه باليمين (1) وفيه نظرٌ، من حيث إنّه تعجيلٌ للعقوبة قبل ثبوت الحقّ.

6583. الرابع عشر: لو شهد اثنان أنّ هذا ابن الميّت، ولا نعلم له وارثاً سواه، وشهد آخران أنّ هذا الآخر ابن الميّت، ولا نعلم له وارثاً سواه، فلا تعارض بينهما، وثبت نسب الغلامين، ويكون الإرث بينهما، ولا فرق بين أن تكون البيّنة كاملةً أو لا، لجواز أن يعلم كلٌّ من الشاهدين ما لم يعلمه الآخر .


1 . المبسوط: 8 / 254 ـ 255 .


صفحه 215

الفصل السابع: في القسمة

وفيه مطالب

المطلب الأوّل: في أركانها وهي اثنان: القاسم والمقسوم

وفيه تسعة مباحث :

6584. الأوّل : يستحبّ للإمام أن ينصب قاسماً، وليس بلازم، ولو نصب قاسماً جاز أن يقسم الخصمان، ويقاسم غيره .

6585. الثاني : يشترط في القاسم المنصوب من قِبَل الإمام البلوغُ، وكمالُ العقل، والإيمانُ، والعدالةُ، والمعرفةُ بالحساب، لأنّ عمله متعلّق به، فهو كالفقه في الحاكم، ولا يشترط الحريّة، فلو كان عبداً جاز.

ولا يشترط ذلك في القاسم الّذي يتراضى به الخصمان، فلو تراضيا بقسمة الكافر جاز، كما لو تراضيا بالقسمة بأنفسهما.

6586. الثالث: القسمة إن اشتملت على الردّ وجب العدد في القاسم المنصوب من قِبَل الإمام، وهو عدلان، لاشتمالها على التّقويم (1) ولو رضي الشريكان بواحد جاز، وإن لم يكن في القسمة ردٌّ كفى الواحد، والمقوّم يشترط


1 . كذا في «ب» ولكن في «أ»: «لأنّ لاشتمالها» ولعلّه مصحّف .


صفحه 216

فيه العددُ وليس للقاضي أن يقضي بالتقويم ببصيرة نفسه، وإن جوّزنا القضاء بالعلم، لأنّه تخمين، ويحكم بالعدالة ببصيرة نفسه، قال الشيخ (رحمه الله): والأحوط أنّه لابدّ من خارصين .(1)

6587. الرابع: القاسم إن كان من قِبَلِ الحاكم وعدّل السهامَ وأقرع، كانت القرعة حكماً تلزم القسمة به، وإن نصبه الشريكان لم تلزم القسمة بالتعديل والقرعة، بل لابدّ من رضاهما بعد القرعة، وكذا لو اقتسما بأنفسهما وأقرعا لم تلزم القسمة إلاّ بتراضيهما بعد القرعة، لأنّه لا حاكم بينهما ولا من يقوم مقامه .

6588. الخامس: ويُخْرِجُ الإمامُ للقاسم رِزْقَهُ من بيت المال، لأنّه من المصالح، وقد اتّخذ عليٌّ(عليه السلام) قاسماً وجعل له رزقاً في بيت المال، فإن لم يكن هناك إمامٌ، أو كان وضاق بيتُ المال عن رزق القاسم، كانت أُجرتُهُ على المتقاسمين، ثمّ إنْ استأجره كلُّ واحد منهم ليقسّم نصيبه بأُجرة معيّنة جاز، فإن استأجروه جميعاً في عقد واحد بأُجرة معيّنة عن الجميع، وأبهموا نصيب كلّ واحد منهم من الأُجرة، لزم كلَّ واحد منهم من المعيّن بقدر نصيبه من المقسوم، وكذا لو لم يقدّروا أُجرة(2) كان له عليهم أُجرة المثل بالحِصص لا على عدد الرؤوس بالسّوية.

وليس لواحد أن ينفرد باستئجاره دون إذن الشريك، لأنّ تردّده في الملك المشترك ممنوعٌ دون الاذن، فيكون العمل ممنوعاً، والإجارة فاسدة، بل يعقد واحدٌ بإذن الآخرين، أو الوكيل بإذن جميعهم .


1 . المبسوط: 8 / 134 .

2 . في «أ»: الأجرة.


صفحه 217

وإن كان الشريك طفلاً فطلب وليّهُ القسمةَ ولا غبطة منعه القاضي، وإن كان هناك غبطةٌ وجب عليه دفع نصيبه من الأُجرة من مال الطفل، ولو طلب الشريك القسمة ولا غبطة، فالوجهُ وجوبُ الحصّة من الأُجرة على وليّ الطفل من مال الطفل .

6589. السّادس: المقسومُ إمّا متساوي الأجزاء، كالحبوب، والأدهان، والخلول، (1) والألبان، أو متفاوت الأجزاء، كالعقار، والأشجار. فالأوّل إن طلب أحدُ الشريكين القسمةَ فيه، أُجيب إليها، فإن امتنع شريكُهُ أُجبر سواء قلّت أو كثرت، ويقسّم كيلاً ووزناً، متساوياً ومتفاضلاً، ربويّاً كان أو غيره .

ولو قسّماه بقسمين، ولم يعلما قدر كلّ واحد من القسمين، لكن تراضيا على أن يأخذ أحدُهُما أحدَ القسمين، والآخرُ يأخذ الثاني جاز، لأنّ القسمة تمييز حقٍّ لا بيع عندنا.

وأمّا الثاني فإن انتفى الضرر مع القسمة، أُجبر الممتنعُ عليها، وإن تضرّر الشريكان بالقسمة، كما في الحمامات والعضائد (2) الضيّقة والجواهر، فلا يجبر الممتنع على القسمة .

وإن تضرّر أحدُ الشريكين دون الآخر، فإن طلب المتضرّرُ القسمةَ أُجبر الممتنع عليها، وإن طلبها الآخرُ غيرُ المتضرّر لم يُجبر المتضرّرُ عليها.

6590. السّابع: الضّرر المانع من الإجبار على القسمة، للشيخ (رحمه الله) فيه قولان:


1 . قال الفيومي: الخلّ معروف والجمع خلول مثل فلس وفلوس، سمّي بذلك لأنّه اختلّ منه طعم الحلاوة. المصباح المنير: 1 / 219 .

2 . قال الفيومي: العِضادة بالكسر: جانب العتبة من الباب. المصباح المنير: 2 / 75 .


صفحه 218

أحدُهما عدم الانتفاع بالنّصيب بعد القسمة، والثاني نقصان القسمة . (1) وهو الاقوى عندي .

6591. الثّامن: القسمةُ إن لم تشتمل على ضرر ولا ردٍّ أُجبر الممتنع عليها، وتُسمّى قسمةَ إجبار، وإن اشتملت على أحدهما لم يُجْبر أحد الشريكين عليها، وتُسمّى قسمةَ تراض.

ولو تضمّنت القسمةُ إتلافَ العين، واتفقا عليها منعهما الحاكمُ، لما فيه من إضاعة المال .

6592. التّاسع: لو كانا شريكين في أنواع كلُّ واحد منها متساوي الأجزاء، كحنطة، وشعير، وتمر، وزبيب، فطلب أحدهما قسمة كلِّ نوع على حدته، أُجبر الممتنع، وإن طلب قسمتها أعياناً بالقيمة، لم يُجْبر الممتنع، والثوب إن نقصت قيمته بالقطع، لم يُجبر الممتنع على قسمته، وإن لم ينقص قُسّم .

وتقسّم الثياب والعبيد بعد التعديل بالقيمة قسمةَ إجبار، ولو كان بينهما ثيابٌ، أو حيوانٌ، أو أوان، فاتّفقا على قسمتها جاز، سواء اتّفقا على قسمة كلّ جنس، أو على قسمتها أعياناً بالقيمة، ولو طلب أحدهما قسمةَ كلِّ نوع على حدته، وطلب الآخرُ قسمته أعياناً بالقيمة، قُدِّم قولُ من طَلَبَ قسمةَ كلِّ نوع على حدته مع إمكانه، وإن طلب أحدُهما القسمةَ وامتنع الآخر، وكان ممّا لا تمكن قسمته إلاّ بأَخْذ عوض عنه من غير جنسه، أو قطع ثوب في قطعه نقصٌ، لم يُجْبر الممتنع.


1 . اختارهما الشيخ في المبسوط: 8 / 135، واختار الأوّل في الخلاف. لاحظ الخلاف: 6 / 229،المسألة 27 من كتاب آداب القضاء.


صفحه 219

المطلب الثّاني: في كيفية القسمة

وفيه عشرة مباحث:

6593. الأوّل : أنواع القسمة ثلاثةٌ: إفرازٌ، وتعديلٌ، وردٌّ .

القسمة الأُولى قسمةُ الإفراز، وهي تقع في متساوي الأجزاء، كالثوب الواحد، والعرصة الواحدة المتساوية، والمكيلات، والموزونات، وهذه القسمة يُجْبر الممتنع عليها مع طلب الآخر بشرط أن تبقى الحصص بعد القسمة منتفعاً بها المنفعة الّتي كانت .

ولو كان الحمّام كبيراً تبقى المنفعة به عند إحداث مستوقد آخر وبئر أُخرى، فالأقرب الإجبارُ، ولو ملك عُشْرَ دار، وهو لا يصلح السكنى منفرداً، فطلب شريكه القسمة، لمُ يُجبر المالك، ولو طلب المالك لغرض صحيح أُجيب، فلو باع صاحبُ الأقلّ كان لصاحب الأكثر الشفعةُ دون العكس، لأنّ انتفاء القسمة مستلزمٌ لانتفاء الشفعة، لأنّ الشفعة لدفع ضرر مؤنة القسمة.

الثانية: قسمةُ التعديل، مثل أن يكون بين شخصين عبدان متساويا القيمة، فعندنا يُجبر الممتنع على القسمة، ولو كان لهما ثلاثة أعبُد قيمةُ عبد مساويةٌ لقيمة العبدين، قسّمت بينهما.

ولو كان لهما عبدٌ وجوهرةٌ متساويا القيمة، فالأقربُ عدمُ الإجبار على القسمة بعد التعديل، لاختلاف الأغراض باختلاف الأعيان .

ولو كان بينهما قِطَعٌ من الأرض متباينة، وآحادُها تقبل قسمةَ الإفراز، لم يُجْبر على قسمة التعديل بالقيمة.


صفحه 220

الثالثة: قسمةُ الردّ، بأن يكون لهما عبدان قيمةُ أحدهما ستّةٌ والآخر عشرةٌ، فإذا ردّ أحدهما للآخر دينارين، استويا، لم يُجْبر أحدهما عليه، ولو طلب أحدهما أن يأخذ الأدونَ وخمس الأعلى ليتخلّص في أحد العبدين عن الشركة، فالأقرب أنّه لا يُجبر، لعدم انقطاع الشركة .

6594. الثاني : لو كانت لثلاثة دارٌ لأحدهم نصفُها، ولكلّ من الآخرين ربعُها، وإذا قسمت أرباعاً استضرّ الآخران، وإن قسّمت نصفين لم يستضرّ أحد، فطلب صاحب النصف القسمة، أُجبر كلٌّ من الآخرين، فيأخذ نصفَهُ، ويأخذ الآخران النّصفَ، يكوُن مشتركاً بينهما.

ويحتمل أن لا تجب الإجابةُ، لعدم فائدة القسمة في حقّهما، وهي تمييزُ حقِّ كلِّ واحد منهما.

6595. الثالث: لو كانت بينهما دارٌ ذاتُ علو وسفل، فطلب أحدهما قسمتها، بحيث تحصل لكلِّ منهما حصّتُهُ من العلو والسّفل بالتعديل وأمكن، أُجبر الممتنع، ولو حصل ضررٌ لم يجبر، ولو طلب قسمة السّفل بانفراده والعلو بانفراده، لم يُجْبر الآخرُ، وكذا لو طلب أخذ السّفل بانفراده والآخر لشريكه.

6596. الرابع: لو كان لهما دار كبيرة أو خان كبيرٌ، فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ضرر، أُجبر الممتنع على القسمة، ويفرد بعضُ المساكن عن بعض، وإن كثرت (1) المساكن .

ولو كان بينهما داران أو خانان، فطلب أحدهما جميع نصيبه في إحدى


1 . في «أ»: وإن كبرت .


صفحه 221

الدّارين أو أحد الخانين، ويجعل الباقي نصيباً لشريكه، لم يُجْبر الممتنع، سواء كانا متجاورين أو متباعدين، وسواء كانت إحدى الدارين حُجرةً للأُخرى أو لا.(1)

6597. الخامس: لو كان بينهما أرض وزرع، فطلب أحدهما قسمةَ الأرض خاصّةً أُجبر الممتنع، وإن طلب قسمةَ الزرع خاصّةً، فكذلك إن ظهر، وإن كان بذراً لم يظهر لم يُجبْر، ولو طلب قسمة كلّ واحد منهما على حدته أُجبر الآخر، ولو طلب قسمةَ الأرض والزرع بعضاً في بعض لم يُجبر الآخرُ، لأنّ الزرع كالمتاع ليس من أجزاء الأرض .

6598. السّادس: لو كان بينهما أرضٌ واحدةٌ لا ضرر في قسمتها، أُجبر الممتنع، سواء كانت فارغةً أو مشغولةً بشجر أو بناء، فإن كان فيها نخل وكرم وشجر مختلف الأجناس، قسّمت كالدار الواسعة بعضاً في بعض، ولو طلب قسمةَ كلِّ عين على حدتها، فالأقربُ أنّه لا يُجبر الآخر، لاشتماله على الضرر .

ولو كان بينهما قرحان(2) متعدّدة وطلب أحدهما قسمتها بعضاً في بعض، لم يُجْبر الممتنع، ولو طلب قسمة كلّ قراح بانفراده أُجبر الآخر، وكذا الحبوب المختلفة.

ويقسّم القراح الواحد وإن اختلفت أشجار أقطاعه.


1 . ردٌّ على فتوى أبي حنيفة حيث ذهب إلى انّه يجبر إن كانت إحدى الدارين حجرةً للأُخرى. لاحظ العزيز شرح الوجيز للرافعي: 12 / 554 .

2 . قال فى مفتاح الكرامة: 10 / 204: القرحان جمع كثرة، فإن كان بكسر الفاء، كان واحده «قُراح» بضمّ الفاء، كغلام وغِلمان، وغراب وغِربان فيكون مطّرداً، وإن كان بضمّ الفاء كان مفرده أيضاً بضمّها، لكنّه قليل غير مطّرد، كزُقاق وزُقان.

وقال الفقهاء: إنّ القراح الأرض الخالية من البناء والماء والشجر، لكنّ الشيخ في المبسوط صرّح بأنّ القراح ما يكون فيه أشجار. ولعلّه فى الأصل كما ذكروه، وصار عرفاً لما ذكر .


صفحه 222

ولا تقسّم الدكاكين المتجاورة بعضها في بعض قسمة إجبار، لأنّها أملاكٌ متعدّدة يقصد كلّ واحد منها بالسكنى منفرداً، فهي كالأقرحة المتعدّدة .

ولو كانت الأرض ثلاثين جريباً، قيمةُ عشرة منها كقيمة عشرين، أُجبر الممتنع من القسمة عليها.

ولو كان بينهما أرض قيمتها مائة، في أحد نصفيها (1) بئر قيمتها مائة، وفي النصف الآخر شجرةٌ قيمتها مائة، عُدِّلَتْ بالقيمة، وجُعلت البئر مع أحد النصفين، والشجرة مع الآخر .

ولو كانت بين ثلاثة لم تجب القسمة، لأنّ البئر تخلص لأحدهم، والشجرة للثاني، والأرض للثالث، وذلك ممّا لا نفع فيه .

ولو كانت قيمة الأرض أكثر من مائة، بحيث يأخذ بعضُ الشركاء سهمه منها ويبقى منها شيء مع البئر والشجرة يُنتفع به، وجبت القسمة، بأن تكون قيمة الأرض مائتين وخمسين، فيبلغ الجميع أربعمائة وخمسين، فيجعل كلّ مائة وخمسين نصيباً فيضمّ (2) إلى البئر خمسين وإلى الشجرة خمسين ويتقارعان.

ولو كانت الأرض لاثنين، وأرادا قسمة البئر والشجرة دون الأرض، لم تكن قسمة إجبار، وكذا الأرض ذات الشجر(3) إذا اقتسما الشجر(4) دون الأرض أو بالعكس لم تكن قسمة إجبار، ولو اقتسماها بشجرها، كانت قسمة إجبار، لأنّ الشجر يدخل في الأرض، فيصير الجميع كالشيء الواحد، ولهذا وجبت فيه الشفعة إذا بيع مع الأرض .


1 . في «ب»: في أحد نصفها .

2 . في «ب»: فيضمّه .

3 . في «أ»: الشجرة .

4 . في «أ»: الشجرة .


صفحه 223

6599. السّابع: القسمةُ عندنا تميّز حقٍّ عن غيره، وليست بيعاً، نعم لو اشتملت على الردّ تضمّنت معاوضةً في القدر الّذي يقابله العوض، وإن لم يكن بيعاً على الحقيقة، فيجوز فصلُ الوقف عن الطلق، أمّا فصل الوقف عن الوقف فلا يجوز، لأنّه كالتغيير لشرط الوقف (1)، ولو أشرف على الهلاك واقتضت المصلحةُ قسمتَهُ، فالوجهُ الجوازُ، كما أجزنا البيع حينئذ، ولو قيل بقسمة الوقف بعضه من بعض مطلقاً أمكن، إذ القسمةُ ليست بيعاً، والأقرب عدمُ جوازها، إذ البطن الثاني يأخذ الوقف عن الواقف، ولا يلزمه ما فعل البطن الأوّل .

ولو تعدّد الواقفُ والموقوفُ عليه، فالأقربُ جوازُ القسمة .

6600. الثامن: يشترط في قسمة الرضا، التراضي بعد القرعة، ولابدّ فيه من اللفظ، نحو «رضيت» وما أدّى معناه، ولا يكفي السكوُتُ، أمّا قسمة الإجبار فلا يشترط فيها الرضا بعد القرعة، لأنّ قرعةَ قاسمِ الحاكم بمنزلة حكمه.

ولا يفتقر في قسمة التّراضي إلى قوله: رضيت بالقسمة، أو قاسمتك بل يكفي رضيت بذلك.

6601. التّاسع: القسمة إن وقعت في ذوات الأمثال، جازت التسوية بالوزن والكيل، وإن كانت في عرصة متساوية الأجزاء، فالتسوية بالمساحة، وتبسط على أقلّ الحصص، بأن يقسّم أسداساً إذا كان لأحدهم النصف، وللثاني الثلث، وللآخر السدس، ولو افتقر إلى التعديل بالقيمة عدّل كذلك، ثمّ يكتب أسماء الملاّك على ثلاث رقاع، ويُدرجها في بنادق من طين أو شمع متساوية،


1 . في «ب»: كالتغيّر بشرط الواقف .


صفحه 224

ويسلّمها إلى من لم يشاهد ذلك، فيُخرج واحدةً، ويقف القسّام على الطرف، فإن خرج اسم صاحب النصف أعطاه الجزءَ الأوّل والثاني والثالث، ثمّ يُخرِج اسم صاحب الثلث أعطاه الرابعَ والخامسَ،، وتعيّن السادس لصاحب السدس وإن خرج اسم صاحب السدس، أعطاه الرابع، وتعيّن الآخران لصاحب الثلث، وتعيين (1) ما منه ابتداء التسليم إلى اختيار القسّام، فيقف على أيّ طرف شاء، ولا يخرج في هذه على السهام بل على الأسماء، وكما صوّرناه، لئلاّ يؤدّي إلى تفرّق السهام، وهو ضررٌ.

أمّا لو كان الملكُ لاثنين نصفين، فإنّ القاسم يُخرج إن شاء على السّهام، كما قلناه، وإن شاء على الأسماء، بأن يكتب كلّ نصف في رقعة، ويميز كلّ نصف بما لا يشاركه فيه الآخر، ويستر الرقعتين، ثمّ يأمر من لم يطّلع على الصورة بإخراج إحداهما على اسم أحد المتقاسمين، فما خرج فله، والباقي للآخر .

6602. العاشر: الأجزاء إن كانت متساوية قيمةً، والأنصباء متساوية، بأن تكون الأرض لستّة وأجزاؤها متساوية، فإنّها تقسّم ستّة أجزاء، ثمّ تكتب ستّةُ رقاع متساوية، في كلّ واحدة اسم واحد، ثم يقال للمُخْرِج: أَخْرِجْ واحدةً على هذا السهم، فمن خرج اسمه كان السهم له، ثمّ يُخرج أُخرى على سهم آخر، حتّى يبقى الأخير، وإن كتب في الرّقاع أسماءَ السهام، كتب في رقعة الأوّلَ وفي أُخرى الثّاني، وهكذا، ثمّ يُخرج الرقعة على واحد بعينه، فما خرج في الرقعة من السهم كان له، وهكذا .


1 . في «أ»: وتعيّن .


صفحه 225

وإن تساوت الأنصباء واختلفت القيمةُ (1) عدّلت الأرض بالقيمة، وتجعل ستّة أجزاء، ولا اعتبار بالمساحة (2) فيجوز أن يكون أحد النصيبين جريباً، والآخر اثنين إذا تساوت قيمتهما، ثمّ يخرج القرعة على ما سبق.

وإن تساوت الأجزاء واختلفت الأنصباء، جعلت سهاماً بقدر أقلّها، وكتب ثلاثة رقاع بأسمائهم، ثمّ يخرج، فإن خرج صاحب النصف كان له الأوّلُ والثاني والثالثُ، ثمّ يخرج أُخرى، فإن خرج صاحب الثلث، فله الرابعُ والخامس، ويبقى السادس لصاحب السدس، ولو خرجت رقعةُ صاحبِ الثلث أوّلاً، فله الأوّل والثاني، ثمّ إن خرجت رقعةُ صاحبِ النصف، فله الثالثُ والرابعُ والخامسُ، وإن خرجت رقعةُ صاحب السّدس، فله الثالثُ، ويبقى الباقي لصاحب النصف .

ولو اختلفت الأنصباء والقيمة، عَدَّلَ القاسِمُ السهامَ، وجَعَلها ستّةَ أجزاء، ثمّ فعل في الرقاع كما تقدّم.

ولو افتقرت القسمة إلى الردّ، بأن يكون في حصّة أحدهما بناءٌ أو شجرٌ لم يُجْبر أحد عليها، لأنّها نوعُ معاوضة، والمعاوضةُ لا يُجْبر عليها.

فإن اتّفقا على الرّد، وعُدّلت السّهام، لم يلزم بنفس القرعة، بل لابدّ من الرضا بعدها، لأنّ كلَّ واحد منهما(3) لا يعلم حصولَ العوض له.


1 . في «أ»: واخلفت القسمة .

2 . في «أ»: «والاعتبار» ولعلّه مصحّف .

3 . في «أ»: منها .


صفحه 226

المطلب الثالث: في الأحكام

وفيه اثنا عشر بحثاً :

6603. الأوّل : الأقربُ قبولُ شهادة القاسم إن لم يكن بأُجرة، ولو كان بأُجرة حصلت التهمة، فلا تقبل شهادته حينئذ، لأنّه يوجب الأُجرة لنفسه .

6604. الثاني : لو ادّعى أحدُ الشريكين الغلطَ في القسمة، وأنّه (1) أُعطي دون حقّه، وأنكر الآخرُ، فالقولُ قولُ المنكر مع يمينه، ولا تقبل دعوى المدّعي إلاّ بالبيّنة، وإن أقام شاهدين على الغلط، نقضت القسمة وأُعيدت، وإن لم يكن هناك بيّنة كان له إحلاف الشريك، سواء كانت القسمة تلزم بالقرعة أو تتوقّف على التراضي، كما لو اقتسما بأنفسهما، فإنّه تُسمع دعواه، ويحلف خصمه أيضاً مع عدم البيّنة .

وعلى كلّ تقدير فليس له إحلاف قاسم القاضي على عدم الغلط، لأنّه حاكمٌ، ولو حلف بعضُ الشركاء ونكل الباقون، أحلف مدّعي الغلط، وأفادت يمينُهُ نَقْضَ القسمة في حقّ الناكلين دون الحالفين.

6605. الثالث: لو اقتسما ثمّ ظهر استحقاقُ البعض للغير، فإن كان معيّناً في نصيب أحدهما، بطلت القسمةُ، ولا يتخيّر من ظهر الاستحقاق في يده بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقّه، ولو كان المستحقّ في نصيبهما مشاعاً على السواء، لم تبطل القسمة، لأنّ ما يبقى لكلّ واحد منهما بعد المستحقّ قدر حقّه، نعم لو تضرّر أحدهما بالمستحقّ أكثر مثل أن يسدّ طريقه، أو مجرى مائه، أو ضوئه، ونحوه، بطلت القسمةُ، لأنّه يمنع التعديل .


1 . في «أ»: فإن .


صفحه 227

ولو كان المستحقّ في نصيب أحدهما أكثر بطلت أيضاً، ولو كان المستحقّ مشاعاً في نصيبهما بطلت القسمة، لأن الثالث شريكٌ، فلابدّ من رضاه بالقسمة، وللشيخ (رحمه الله)قولٌ آخر: أنّه لا يبطل فيما زاد على المستحقّ(1) والأوّلُ أجودُ، ولا فرق في ذلك بين أن يعلما حالَ القسمة أو أحدهما بالمستحقّ وبين أن لا يعلما.

6606. الرابع: لو ظهر في نصيب أحدهما عيبٌ لم يعلمه قبل القسمة، كان له فسخ القسمة، أو الرجوع بالأرش كالبيع، ويحتمل بطلان القسمة، لأنّ التعديل شرطٌ فيها ولو يُوجد بخلاف البيع.

6607. الخامس: لو بنى أحدهما في نصيبه أو غرس، ثمّ ظهر استحقاق ذلك النصيب، فنقض بناءه وقلع غرسه، لم يرجع على الشريك بشيء من البناء والغرس، وأبطلت القسمة، لأنّ القسمة عندنا ليست بيعاً فلم يغرّه الشريك ولم ينتقل إليه من جهته ببيع، وإنّما أفرز حقّه، فلم يضمن له ما غرم فيه .

ولو كان البناء سابقاً للأوّل قبل الشريكين، ثمّ ظهر الاستحقاق، فالبناء للمالك، فان كان من وصل إليه دفع عوضاً عنه إلى شريكه، كان له الرُّجوع بالعوض .

6608. السّادس: إذا اقتسم الورثةُ التركةَ ثمّ ظهر دَيْنٌ على الميّت لا وفاء له إلاّ فيما اقتسموه، لم تبطل القسمةُ لكن إن أقام الورثة (2) بالدين، فالقسمة بحالها، وان امتنعوا نقضت القسمة وبيعت التركة في الدّين ولو أجاب أحدُهُمْ وامتنع


1 . المبسوط: 8 / 142 .

2 . في «أ»: قاسم الورثة .


صفحه 228

الآخرُ بيِع نصيبُ الممتنع خاصّةً، وبقي نصيب المجيب بحاله ولو كان هناك وصيّة لا بجزء من المقسوم، فالبحث فيه كما في الدَّيْنِ، كما لو أوصى بمائة دينار ولم يعيّن المال، ولو كان بجزء من المقسوم فالبحث فيه كما لو ظهر البعضُ مستحقّاً على ما تقّدم من التفصيل .

6609. السّابع: لو طلب أحدُ الشريكين من الآخر المهاياةَ من غير قسمة، إمّا في الأجزاء، بأن يجعل لأحدهما بعض الدار يسكنه، أو بعض الأرض يزرعه، والباقي لشريكه، أو في المدّة، بأن يسكن أحدهما الدار سنةً، أو يزرع الأرض سنةً، والآخر سنةً، لم يجبر الممتنع، نعم لو اتّفقا عليها جاز، ولا يلزم، بل لكلٍّ منهما فسخها .

ولو طلب أحدهما القسمةَ كان له ذلك، وانتقضت المهاياةُ.

6610. الثّامن: إذا طلب الشريكان القسمةَ من الحاكم، فإن عرف الحاكم الملكَ لهما بنفسه أو بالبيّنة، أجابهما إلى ذلك، وإن لم يعرف ولم تقم عنده بيّنةٌ، وكانت يدهما عليه ولا منازع، فللشيخ قولان :

أحدهما: أنّه لا يُقَسِّمُ(1) لأنّها قد يكون لغيرهم، فإذا قسّمها سلّط كلَّ واحد على نصيبه، وثبت له ذلك بالحكم.

والثّاني أنّه يقسّم، (2) لأنّ اليد تقضي بالملكيّة ظاهراً.


1 . نسبه في الشرائع إلى المبسوط ولكنّ الموجود فيه: «أنّ الأوّل أقوى» والظاهر أنّ المراد من الأوّل: «أنّه يقسّم» لاحظ شرائع الإسلام: 4 / 102 ; والمبسوط: 8 / 148 .

2 . الخلاف: 6 / 232، المسألة 30 من كتاب آداب القضاء .


صفحه 229

6611. التّاسع: إذا اتّفق الشريكان على المهاياة، فرجع أحدهما قبل استيفاء نوبته، فله ذلك، فإن استوفى ثمّ رجع جاز أيضاً، لكن يغرم أُجرة ما انفرد به .

6612. العاشر: لو كان في دار سطحان يجرى ماء أحدهما على الآخر، فاقتسما، فمنع الشريك الآخر من جريان ماء سطحه على سطح الآخر الحاصل له بالقسمة، فإن كان بينهما شرط أنّه يردّ الماء، فله المنعُ، وإن لم يشترط فالأقربُ أنّه ليس له ذلك لأنّهما اقتسما الدار وأطلقا، فاقتضى ذلك أن يملك كلُّ واحد حصّتَهُ بحقوقها، كما لو اشتراها بحقوقها، ومن حقّها جريانُ مائها فيما كان يجري إليه معتاداً له .

6613. الحادي عشر: لو اقتسما داراً فحصلت الطريق في نصيب أحدهما، وكان لنصيب الآخر مَنْفذٌ يستطرق منه، صحّت القسمةُ، وإن لم يكن له منفذٌ، بطلت، ولو علم أنّه لا طريق له، ورضي به صحّت القسمةُ .

6614. الثاني عشر: يجوز للأب والجدّ والوصيّ والحاكم وأمينه قسمةُ مال الطفل والمجنون، ويجوز لهم قسمةُ التراضي من غير زيادة في العوض، وكذا يجوز للوكيل العامّ القسمةُ مع المصلحة لموكِّلِهِ .


صفحه 230

الفصل الثّامن: في نوادر القضايا والأحكام

رَوى أبو شُعَيْب المحاملي عن الرِّفاعي قال: سألتُ أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجل قَبَّلَ رجلاً يحفِرُ له بئراً عشر قامات بعشرة دراهم، فَحَفَرَ له قامةً، ثمّ عَجَزَ، قال: تُقسم عشرةٌ على خمسة وخمسين جزءاً، فما أصاب واحداً فهو للقامة الأُولى، والاثنينِ للاثنين، والثلاثة للثلاثة، وعلى هذه الحساب إلى عشرة(1).

والوجهُ حملُ هذه الرواية على موضع ينقسم فيه أُجرة المثل على هذا الحساب، ولا استبعاد في ذلك.

وروى حمّاد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي بعبد لذمّي قد أسلم، فقال: اذهبوا، فبيِعوُه من المسلمين، وادفعوا ثمنَهُ إلى صاحبه، ولا تُقِرّوه عنده. (2)

ورَوى حريز عن أبي عبيدة (زياد بن عيسى الحذاء)(3) قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام)وأبي عبد الله(عليه السلام): رجلٌ دفع إلى رجل ألفَ درهم يخلّطها بماله، ويتّجر بها، قال: فلمّا طلبها منه، قال: ذهب المال، وكان لغيره معه مثلُها، ومال كثيرٌ لغير واحد، فقال: كيف صنع أُولئك؟ قال: أخذوا أموالَهُمْ، فقال أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام) جميعاً: يرجع عليه بماله، ويرجع هو على أُولئك بما أخذوا (4) .


1 . التهذيب: 6 / 287، رقم الحديث 794 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

2 . التهذيب: 6 / 287، رقم الحديث 795 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

3 . ما بين القوسين ليس بموجود في المصدر .

4 . التهذيب: 6 / 288، رقم الحديث 799 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .


صفحه 231

وتحمل هذه الرواية على أنّ العامل مزج مالَ الأوّل بغيره(1) بغير إذنه، ففرّط، وأمّا أرباب الأموال الباقية فقد كانوا أذنوا في المزج .

محمد بن إسماعيل عن جعفر بن عيسى قال: كتبتُ إلى أبي الحسن (عليه السلام): جُعِلتُ فداك، المرأةُ تموت فيدّعي أبوها أنّه أعارها بعضَ ما كان عندها من متاع وخَدَم، أتُقْبَلُ دعواه بلا بيّنة، أم لا تُقْبل دعواه إلاّ ببيّنة؟ فكتب إليه: يجوز بلا بيّنة. قال: وكتبتُ إليه: إن ادّعى زوج (المرأة)(2)الميّتة، وأبو زوجِها وأُمُّ زوجِها مِن متاعها أو خَدَمِها مثلَ الّذي ادّعى أبوها من عارية بعضِ المتاع أو الخَدَم، أيكونون بمنزلة الأبِ في الدّعوى؟ فكتب: لا (3) .

وهذه الرواية محمولةٌ على الظاهر من أنّ المرأة تأتي بالمتاع من بيت أهلها، وحَمَلَ ابنُ إدريس قوله (عليه السلام): «يجوزُ بلا بيّنة» على الاستفهام تارةً، وأَسْقَطَ الإمام (عليه السلام) حَرْفَهُ، وعلى الإنكار لمن يرى عطيّة ذلك بغير بيّنة أُخرى (4) وتتّمة الخبر تُنافي ذلك .

محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن يزيد بن إسحاق عن هارون بن حمزة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل استأجر أجيراً، فلم يأمن أحدُهما صاحبَهُ، فوضع الأجر على يد رجل ثالث فهلك ذلك الرّجل ولم يدَع وفاءً، واستهلك (5) الأجرُ، فقال: المستأجرُ ضامنٌ لأُجرة الأجير حتّى يقضي، إلاّ أن


1 . في «أ»: مزج مال الأوّل لغيره .

2 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

3 . التهذيب: 6 / 289، رقم الحديث 800 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

4 . السرائر: 2 / 189 قال: ويحتمل أيضاً أنّه أراد بذلك التهجين والذّم لمن يرى عطيّة ذلك بغير بيّنة، بل بمجرّد دعوى الأب .

5 . كذا في المصدر: ولكن في النسختين «فاستهلك».


صفحه 232

يكون الأجير دعاه إلى ذلك، فرضي بالرّجل، فإن فعل، فحقّه حيث وضعه ورضي به (1) .

محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)بردّ الحبيس(2) وإنفاذ المواريث .

يونس بن عبد الرحمّن عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: قلت: عشرةٌ كانوا جلوساً، ووسطُهُمْ كيسٌ فيه ألفُ درهم، فسأَل بعضُهم بعضاً: ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلُّهُمْ: لا، فقال واحدٌ منهم: هو لي، فَلِمَنْ هو؟ قال: للّذي ادّعاه (3).

محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب عن الحسن بن مسكين عن رفاعة النّخّاس عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: إذا طلّق الرجّل امرأتَهُ وفي بيتها متاعٌ، فلها ما يكون للنساء، وما يكون للرّجال والنساء قسّم بينهما، وإذا طلّق الرّجل المرأةَ، فادّعت أنّ المتاع لها، وادّعى أنّ المتاع له، كان له ما للرّجال، ولها ما للنساء (4) .

عليّ بن محمّد القاسانيّ عن القاسم بن محمّد عن سليمانَ بنِ


1 . التهذيب: 6 / 289، رقم الحديث 801 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

2 . نقل ابن إدريس أنّه سأله الشيخ محمود الحمصي عن معنى هذا الحديث فشرحه له وقال: الحبيس معناه الملك المحبوس على بني آدم من بعضنا على بعض مدّة حياة الحابس، دون حياة المحبوس عليه، فإذا مات الحابس، فانّ الملك المحبوس يكون ميراثاً لورثة الحابس، وينحلّ حبسه على المحبوس عليه، فقضى عليه السلام بردّه إلى ملك الورثة... وأنفذ المواريث فيه على ما تقتضيه شريعة الإسلام. السرائر: 2 / 190 .

3 . الوسائل: 13 / 328، الباب 5 من كتاب السكنى والحبس، الحديث 1 ; والتهذيب: 6 / 291 ـ 292، رقم الحديث 806 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

4 . الوسائل: 17 / 525، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4 .


صفحه 233

داود المنْقَريّ عن عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْديّ(1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عمّن أَخَذَ أرضاً بغير حقِّها وبنى فيها، قال: يُرفع بناؤه وتُسلم التربةُ إلى صاحبها، ليس لعرق ظالم حقٌّ، ثمّ قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أَخَذَ أَرْضاً بغير حقٍّ كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر(2).

عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عن ابيه عن علي(عليه السلام) انّه قضى في رجلين اختصما في خُصٍّ، فقال: إنّ الخُصَّ للّذي إليه القمط (3) .

و القمط هو الحبل، والخّص: الطُّنُّ الّذي يكون في السواد بين الدور، فكان من إليه الحبل و هو أولى من صاحبه .

الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أُميّة بن عمرو، عن الشعيري، قال: سُئل أبو عبد الله (عليه السلام)عن سفينة انكسرَتْ في البحر، فأُخْرج بعضهُ(4)بالغوص وأَخْرج البحرُ بعضَ ما غرق فيها، فقال: أمّا ما أخرجه البحرُ فهو لأهله، اللهُ أَخْرجه، وأمّا ما أُخرج بالغوص، فهو لهُمْ، وهم أحقُّ به(5) .

محمد بن أبي عمير عن جميل بن دَرّاج عن جماعة من أصحابنا


1 . قال ابن إدريس: الدراورديّ منسوب إلى دار بجرد، هكذا ذكره ابن قتيبة والزجاج. وقال غيرهما: هو منسوب إلى دراورد، قرية بخراسان .

2 . التهذيب: 6 / 294، رقم الحديث 819 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ ; والوسائل: 17 / 311، الباب 3 من أبواب الغصب، الحديث 1 و 2 .

3 . الوسائل: 13 / 173، الباب 14 من كتاب الصلح، الحديث 2 .

4 . في الوسائل : بعضها .

5 . الوسائل: 17 / 362، الباب 11 من أبواب، اللقطة، الحديث 2 ; والتهذيب: 6 / 295، رقم الحديث 822 .


صفحه 234

عنهما (عليهما السلام)، قال: الغائب يُقْضى عليه إذا قامت عليه البيّنةُ، ويُباع مالُهُ ويُقْضى عنه دَيْنُهُ وهو غائبٌ، ويكون الغائب على حجّته إذا قَدِمَ، قال: ولا يُدْفع المالُ إلى الّذي أقام البيّنةَ إلاّ بكفلاء(1) .

محمد بن يحيى الخزّاز، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، أنّ عليّاً (عليه السلام)كان يُفَلِّسُ الرّجلَ إذا التوى (2) على غُرَمائه، ثمّ يأمر به، فيقسّم ماله بينهم بالحِصَص، فإن أبى، باعه فقسّمه بينهُم، يعني: ماله (3) .

عنه عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، أنّ عليّاً (عليه السلام)كان يحبس في الدين، فإذا تبيّن له إفلاسٌ وحاجةٌ خلّى سبيلَهُ حتّى يستفيدَ مالاً(4) .

وروى السّكونُي عن أبي عبد الله عن أبيه عن عليّ (عليه السلام): أنّ امرأةً استَعْدَتْ على زوجها أنّه لا يُنْفِقُ عليها، وكان زوجُها مُعسِراً، فأبى أن يحبِسَهُ، وقال: إنّ مع العُسْر يُسراً(5) .

عنه عن جعفر عن أبيه أنّ عليّاً (عليه السلام)كان يحبس في الدَّيْنِ، ثمّ ينظُر، فإن كان له مالٌ أعطى الغرماءَ، وإن لم يكن له مالٌ، دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم إن شئتم واجِروُهُ، وإن شئتم استعملوه. وذكر الحديث (6) .


1 . الوسائل: 18 / 216، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .

2 . قال الحلّي: معنى التوى: أي دافع ومطل. السرائر: 2 / 196 .

3 . الوسائل: 13 / 146، الباب 6 من كتاب الحجر، الحديث 1 .

4 . الوسائل: 13 / 148، الباب 7 من كتاب الحجر، الحديث 1 .

5 . الوسائل: 13 / 148، الباب 7 من كتاب الحجر، الحديث 2 .

6 . الوسائل: 13 / 148، الباب 7 من كتاب الحجر، الحديث 3. قال ابن إدريس بعد نقل الحديث: «هذا الخبر غير صحيح ولا مستقيم، لأنّه مخالف لأصول مذهبنا ومضاد لتنزيل الكتاب، قال تعالى: (واِنْ كانَ ذَوُ عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَة) البقرة: 280 . السرائر: 2 / 196 .


صفحه 235

وهذه الرواية ضعيفةُ السّند، فلا تعويل عليها .

وروى أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: إنّ الحاكم إذا أتاه أهلُ التوراة وأهلُ الإنجيل يتحاكمون إليه، كان ذلك إليه، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء تركهم(1).

وروى طلحة بن زيد والسّكوني جميعاً عن جعفر عن أبيه (عليه السلام)عن عليّ (عليه السلام)أنّه كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حدٍّ ولا غيره حتّى وُلِّيَتْ بنوأُميّة فأجازوا بالبيّنات (2) .

وروى هارون بن حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: قلت: رجلان من أهل الكتاب نصرانيّان، أو يهوديّان كان بينها خصومة، فقضى بينهما حاكمٌ من حكّامهما بجور، فأبى الّذي قُضي عليه أن يَقْبَلَ، وسأل أن يردّ إلى حَكَمِ المسلمين، قال يُردّ إلى حَكَم المسلمين (3) .

وروى حريز عن محمّد بن مسلم و زرارة عنهما جميعاً قال(4): لا يحلف أحدٌ عند قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على أقلّ ممّا يجب فيه القطع (5) .

وروى عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال:


1 . الوسائل: 18 / 218، الباب 27 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1 .

2 . التهذيب: 6 / 300، رقم الحديث 840 ـ 841 ، ولاحظ الوسائل: 18 / 218، الباب 28 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1 .

3 . الوسائل: 18 / 218، الباب 27 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2 .

4 . في المصدر: قالا .

5 . الوسائل: 18 / 219، الباب 29 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 1. قال الحلّي بعد نقل الحديث: هذا على التغليظ، فانّ الحاكم لا يلزمه أن يحلف هناك إلاّ إذا كانت الدعوى مقدار ربع دينار، فإن كان أقلّ فلا يلزمه أن يحلف هناك. السرائر: 2 / 198 .


صفحه 236

قلت له: جُعِلْتُ فدِاك في كَمْ تُجْرى الأحكامُ على الصّبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال: وإن لم يحتلم، فإنّ الأحكام تجري عليه (1) .

وروى أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجل، دَبَّرَ غلامَهُ، وعليه دَيْنٌ، فراراً من الدَّيْنِ، قال: لا تدبير له، وإن كان دَبَّرَه في صحّة منه وسلامة، فلا سبيل للدُّيّان عليه (2) .

ويحمل الحكم الثاني على من نذر التدبير وأوجبه، لأنّه بدون النذر وصيّةٌ متأخّرة عن الدّين.

وروى غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه: أنّ عليّاً(عليه السلام)كان يقول: لا ضمان على صاحب الحمّام فيما ذهب من الثياب، لأنّه إنّما أخذ الجُعْلَ على الحمّام ولم يأخذ على الثياب (3).

وروى عبد الرحمن بن سَيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)أنّه قال: على الإمام أن يُخْرج المحبسين في الدَيّنِ يومَ الجمعة إلى الجمعة، ويوم العيد إلى العيد فيرسل معهم، فإذا قضوا الصلاةَ والعيد ردّهم إلى السّجن(4) .


1 . التهذيب: 6 / 310 رقم الحديث 856 ; الوسائل: 13 / 432، الباب 45 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 3 .

2 . التهذيب: 6 / 311، رقم الحديث 858 ; الوسائل: 16 / 79، الباب 9 من أبواب كتاب التدبير، الحديث 2 .

3 . الوسائل: 18 / 220، الباب 30 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 2 .

4 . التهذيب: 6 / 319، رقم الحديث 877 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ ولاحظ الوسائل: 18 / 221، الباب 32 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2 .


صفحه 237

وروى ابن أُذينة عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: كان عليّ (عليه السلام)لا يحبس في السّجن إلاّ ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال اليتيم، ومن أُئتمن على أمانة فذهب بها، وإن وَجَدَ له شيئاً باعه، غائباً كان أو شاهداً(1) .

وحمل الشيخ (رحمه الله) هذا الحديث على أنّه ما كان يحبس أحداً على وجه العقوبة إلاّ الثلاثة، أو ما كان يحبس الحبس المخصوص إلاّ المذكورين، فأمّا غيرهم من الغرماء وغيرهم فإنّه كان يحبسهُم على غير ذلك الوجه (2) .

أحمد بن محمد عن ابن محبوب، عن عبد الرّحمن بن الحجّاج قال: سمعت ابن أبي ليلى يحدِّث أصحابه، قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام)بين رجلين اصطحبا في سفر، فلمّا أرادا الغذاءَ أخرج أحدهما من زاده خمسةَ أرغفة، وأخرج الآخر ثلاثة أرغفة، فمرّ بهما عابر سبيل، فدعواه إلى طعامهما، فأكل الرجلُ معهما حتّى لم يبق شيءٌ، فلمّا فرغوا أعطاهما العابر بهما ثمانيةَ دراهم ثوابَ ما أكل من طعامهما، فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحبِ الخمسة أرغفة: اقسمها نصفين بيني وبينك، وقال صاحب الخمسة: لا، بل يأخذ كلُّ واحد منّا من الدراهم على عدد ما أخرج من الزاد.

قال: فأتيا أمير المؤمنين (عليه السلام)في ذلك، فلمّا سمع مقالتهما قال لهما: اصطلحا فإنّ قضيّتكما دنيّة، فقالا: اقض بيننا بالحقّ، قال: فأعطى صاحب الخمسة أرغفةً سبعةَ دراهم، وأعطى صاحبَ الثلاثة ارغفةً درهماً، وقال لهما:


1 . التهذيب: 6 / 299، رقم الحديث 836 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

2 . النهاية: 353، ولاحظ التهذيب: 6 / 300، ذيل الحديث 838 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .


صفحه 238

أليس أخرج أحدكما خمسةَ أرغفة وأخرج الآخر ثلاثة؟ قالا: نعم، قال: أليس أكل معكما ضيفكما مثل ما أكلتما؟ قالا: نعم، قال: أليس كلّ واحد منكما أكل ثلاثة أرغفة غير ثلث؟ قالا: نعم، قال: أليس أكلتَ أنت يا صاحب الثلاثة ثلاثةَ أرغفة غير ثلث؟ وأكلت أنت يا صاحب الخمسة ثلاثةَ أرغفة غير ثلث؟ وأكل الضيفُ ثلاثةَ أرغفة غير ثلث؟ أليس بقي لك يا صاحب الثلاثة ثلث رغيف من زادك؟ وبقي لك يا صاحبَ الخمسة رغيفان وثلث وأكلت ثلاثة غير ثلث؟ فأعطاهما لكلّ ثلث رغيف درهماً، فأعطى صاحب الرغيفين وثلث سبعة (دراهم)(1) وأعطى صاحب الثّلث رغيف درهماً (2) .

سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير عن حمّاد، عن عاصم قال: حدّثني مولى لسلمان عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليّاً (عليه السلام)يقول: يا أيّها الناس اتّقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تَعْلمون، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قال قولاً آل منه إلى غيره، وقد قال قولاً من وضعه غير موضعه كذب عليه، فقام عبيدة وعلقمة والأسود وأُناس معهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف؟ قال: يُسأل عن ذلك علماء آل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) (3).

أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)قال: يجب على الإمام أن يحبس الفسّاقَ من العلماء، والجُهّالَ من الأطبّاء، والمفاليسَ من


1 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

2 . الوسائل: 18 / 209 ـ 210، الباب 21 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 5; التهذيب: 6 / 290،رقم الحديث 805 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ـ .

3 . الوسائل: 18 / 13، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 19 .


صفحه 239

الأكرياء، وقال (عليه السلام): حَبْسُ الامام بعد الحدّ ظلمٌ. (1)

محمّد بن علي بن محبوب عن محمد بن عيسى عن صفوان عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دَيْن أو ميراث فيتحاكمان إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ فقال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت (المنهيّ عنه) (2) وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله تعالى أن يكفر به، قال الله تعالى: (يُريدُونَ أنْ يتَحَاكمُوا اِلىَ الطّاغوُتِ وقد أُمرُوا أَنْ يَكْفُروُا بِه)(3) فقال: فكيف يصنعان (وقد اختلفا) ؟(4) فقال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلتُهُ عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما بحكم الله تعالى استخفّ وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، فهو على حدّ الشرك بالله.

قلت: فإنّ كلّ واحد منهما اختار رجلاً وكلاهما اختلفا في حديثنا؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلُهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا، ليس يتفاضل كلُّ واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر ما كان من روايتهما في ذلك الّذي حكما


1 . الوسائل: 18 / 221، الباب 32 من أبواب كيفيّة الحكم، الحديث 3 .

2 . ما بين القوسين ليس بموجود في المصدر .

3 . النساء: 60 .

4 . ما بين القوسين ليس بموجود في المصدر .


صفحه 240

المجمع عليه أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأُمور ثلاثةٌ: أمرٌ بيّنٌ رشدُهُ فمتّبعٌ، وأمرٌ بيّن غيُّهُ فيجتنب، وأمرٌ مشكلٌ يردّ حكمه إلى الله عز وجل وإلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حلالٌ بيّنٌ، وحرامٌ بيّنٌ، وشبهاتٌ بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات، وهلك من حيث لا يعلم .

قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فيما وافق حكمه حكم الكتاب والسّنة، وخالف العامّة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكمَ الكتاب والسنّة ووافق العامّةَ.

قلت: جُعِلْتُ فداك، أرأيت أنّ المفتيين غُبِّي عليهما معرفة حكمه(1) من كتاب وسنّة، ووجدنا أحدَ الخبرين موافقاً للعامّة والآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين نأخذ؟ قال: بما خالف العامّة، فإنّ فيه الرّشاد .

قلت: جُعِلْتُ فداك فإن وافقهما الخبران؟ (جميعاً) (2) قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكامّهم الخبرين جميعاً؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتّى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات(3) .


1 . كذا في التهذيب ولكن في الرسائل: «أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه» .

2 . ما بين القوسين يوجد في المصدر

3 . التهذيب: 6 / 301 ـ 303، رقم الحديث 845 ـ باب من الزيادات في القضاء والأحكام ; الكافي: 1 / 67 ـ 68 ـ كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث برقم 10 ـ ولاحظ الوسائل: 18 / 3، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، والباب 9، الحديث 1 .


صفحه 241

كتاب الشهادات


صفحه 242

صفحه 243

وفيه فصول

الفصل الأوّل: في صفات الشاهد

يشترط في الشاهد ستّةٌ: البلوغُ، والعقلُ والإيمانُ والعدالةُ وطهارةُ المولد، وانتفاءُ التهمة، فهاهنا(1) مطالب.

المطلب الأوّل: البلوغُ

وهو شرط في قبول الشهادة، فلا تُقبل شهادة الصبىّ إلاّ إذا بلغ عشر سنين، فتُقبل شهادتهم في الجراح، والقصاص، بشرطين آخرين: عدم تفرّقهم قبل الشهادة، واجتماعهم على المباح، فلو تفرّقوا عن الحالة الّتي تجارحوا عليها، لم تقبل شهادتهم، وفي رواية: يُؤخذ بأوّل كلامهم (2) وقيل: تُقبل شهادتُهُمْ إذا بلغوا العشر مطلقاً(3) وليس بجيّد، بل الأولى الاقتصار على قبولهم


1 . في «ب»: فهنا .

2 . الوسائل: 18 / 252، الباب 22 من أبواب الشهادات، الحديث 1 و 2 .

3 . قال المحقق في الشرائع: 4 / 125: وقيل: تقبل مطلقاً إذا بلغ عشراً وهو متروكٌ قال في الجواهر: 41 / 9 بعد كلام الشرائع: «بل اعترف غير واحد بعدم معرفة القائل به». وقال الشهيد الثاني في المسالك: 14 / 157: لم يظهر قائله، وقال صاحب كشف الرموز: انّه الشيخ في النهاية، وهو وهمٌ.


صفحه 244

في الشجاج والقصاص فيما دون النفس بالشرطين ولا تُقبل شهادة الصّبايا وإن كثرن.

المطلب الثّاني: العقلُ

فلا تُقبل شهادةُ المجنون إجماعاً، سواء ذهب عقله بجنون أو سكر، ولو كان الجنون يتناوله أدواراً، وشهد حال إفاقته، وأقامها حالَ الإفاقة، قُبِلَتْ شهادتُهُ بعد الاستظهار بمعرفة تفطّنه حال التّحمّل والأداء، فلو ارتاب الحاكمُ طرحها.

وتردّ شهادةُ المغفّل الّذي في طبيعته البُلهُ بحيث لا يتفطنّ لتفاصيل الأشياء، إلاّ أن يعلم الحاكمُ عدمَ غفلته فيما شهد به، إذا كان المشهودُ به ممّا لا يسهو فيه .

ولو كان الشاهد يعرض له السهو غالباً، استظهر الحاكم في التفتيش عن حاله حتّى يغلب على ظنّ الحاكم صدقه وتنبّهه .(1)

المطلب الثالث: الإيمانُ

وفيه ستّة مباحث :

6615. الأوّل : لا تُقبل شهادة الكفّار مطلقاً إلاّ في الوصيّة على ما يأتي، ولا تقبل في غير ذلك على أحد من المسلمين إجماعاً، وهل تُقبل شهادتهم على


1 . في «ب»: وتنبيهه .


صفحه 245

أمثالهم؟ الأصحُّ المنعُ، وقيل (1): تُقبل شهادة الذمّي على الذمّي إذا تساويا في العقيدة، فتُقبل شهادة اليهوديّ على مثله لا غير، والنصرانيّ على مثله لا غير، وبالجملة كلّ ملّة تُقْبل على ملّتهم، والرواية به ضعيفة في طريقها سماعة(2) وأفتى بها الشيخ (رحمه الله)في النهاية(3) وروى ابن بابويه عن عبيد الله بن عليّ الحلبي عن الصادق (عليه السلام)تجوز شهادة أهل الذمّة على غير أهل ملتهم.(4)

إذا عرفت هذا فعندنا كما لا تقبل شهاداتهم على أمثالهم، كذا لا تُقبل لأمثالهم، والشيخ (رحمه الله) أفتى بقبول شهادتهم لأمثالهم، كما أفتى بقبول شهادتهم عليهم.

6616. الثاني : تُقبل شهادةُ أهل الذمّة خاصّةً في الوصّية بالمال لا غير، بشرط عدم العدول من المسلمين، ولا تُقبل شهادتهم بالوصيّة في الولاية، ولا يشترط السفر والغربة، وبالاشتراط روايةٌ مطّرحة(5) وقال الشيخ (رحمه الله) في المبسوط: لا خلاف أنّ شهادة أهل الذمّة لا تُقْبل على المسلم إلاّ ما يتفرّد به أصحابنا في الوصيّة خاصّةً في حال السفر عند عدم المسلم (6) وقول الشيخ (رضي الله عنه) هنا يوهم اشتراط السفر.


1 . القائل الشيخ في النهاية: 334 .

2 . الوسائل: 18 / 284، الباب 38 من أبواب الشهادات، الحديث 2 .

3 . النهاية: 334، باب شهادة من خالف الإسلام .

4 . الفقيه: 3 / 29، رقم الحديث 19، الوسائل: 18 / 287، الباب 40 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

5 . الوسائل: 13 / 392، الباب 20 من أبواب الوصايا، الحديث 7. ويمكن حمل الرواية على الغالب .

6 . المبسوط: 8 / 187 .


صفحه 246

6617. الثالث : لا يشترط عدم الفسّاق من المسلمين، فلو وجد فُسّاق المسلمين وشهدوا، لم تُقْبل، ولو شهد أهلُ الذمّة قُبِلت، ويشترط في أهل الذمّة الصلاح في مذهبهم، لأنّ فاسق المسلمين غيرُ مقبول، فالأولى منع فاسق غيرهم.

6618. الرابع: الأقربُ إحلاف الشاهدين من أهل الذمّة بعد العصر أنّهما ما خانا ولا كتما، ولا اشتريا به ثمناً، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنّا إذاً لمن الآثمين، على ما تضمّنته الآية (1) ولم أقف فيه لعلمائنا على قول .

6619. الخامس: يثبت الإيمان بمعرفة الحاكم، أو قيام البيّنة، أو الإقرار .

6620. السّادس: لا تقبل شهادة المخالف للحقّ من أيّ فِرَق الإسلام كان، سواء صار إلى ما اعتقده بشبهة أو لا، وإنّما تُقبل شهادةُ المؤمن خاصّةً .

المطلب الرابع: العدالة

وفيه ثلاثة عشر بحثاً:

6621. الأوّل : العدالة شرطٌ في قبول الشهادة، فلا تقبل شهادةُ الفاسق إجماعاً، قال الله تعالى: (إنْ جائَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَاً فتَبَيَّنوا)(2) .

والعدالة كيفيّةٌ راسخة في النفس تبعث على ملازمة التّقوى والمروّة،


1 . النساء: 106 .

2 . الحجرات: 6 .


صفحه 247

وتحصل بالامتناع عن الكبائر، وعن الإصرار على الصغائر أو الإكثار منها.(1)

والمراد بالكبائر: كلّما توعّد الله تعالى عليه بالنار، كالزنا، والقتل، واللواط، وغصب الأموال المعصومة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، والرّبا، وقذف المحصنات المؤمنات .

وأمّا الصّغائر فإن داوم عليها، أو وقعت منه في أكثر الأحوال، رُدَّتْ شهادتُهُ إجماعاً، ولو وقعت منه ندرة قال الشيخ (رحمه الله) (2): لا يقدح في العدالة، لعدم الانفكاك منها إلاّ فيما يقلّ، فلو شرطنا عدمها أجمع، أفضى إلى أن لا تُقْبل شهادةُ أحد بالإطلاق، وذلك ضرر عظيم. ومنع ابن إدريس ذلك، والتجأ في التخلّص عن الإلزام إلى التوبة الّتي يمكن فعلُها لكلّ أحد في كلّ وقت .(3)


1 . قال ثاني الشهيدين في المسالك:

... انّما الكلام في أنّ هل هي كلّها كبائر، أم تنقسم إلى كبائر وصغائر؟

وقد اختلف الأصحاب وغيرهم في ذلك، فذهب جماعة منهم المفيد وابن البراج وأبو الصلاح وابن إدريس والطبرسي ـ بل نسبه في التفسير إلى أصحابنا مطلقاً ـ إلى الأوّل، نظراً إلى اشتراكها في مخالفة أمره تعالى ونهيه، وجعلوا الوصف بالكبر والصغر إضافيّاً، فالقُبْلةُ المحرّمة صغيرةٌ بالنسبة إلى الزنا وكبيرة بالنسبة إلى النظر، وكذلك غصب الدرهم كبيرةٌ بالنسبة إلى غصب اللقمة وصغيرة بالإضافة إلى غصب الدينار، وهكذا .

وذهب المصنّف (رضي الله عنه) وأكثر المتأخرين إلى الثاني، عملاً بظاهر قوله تعالى (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نْكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيئآتِكُمْ)(النساء: 31) دلّ بمفهومه على أنّ اجتناب بعض الذنوب ـ وهي الكبائر ـ يكفّر السيّئات، وهو يقتضي كونها غير كبائر، وقال تعالى: (الَّذينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائرَ الإِثْمِ وَاْلفَواحِش) (النجم: 32) مدحهم على اجتناب الكبائر من غير أن يضايقهم في الصغائر، وفي الحديث: «انّ الأعمال الصالحة تكفّر الصغائر». مسالك الأفهام: 14 / 166 ـ 167 .

2 . المبسوط: 8 / 217 .

3 . السرائر: 2 / 118 .


صفحه 248

6622. الثاني : لا يقدح في العدالة ترك المندوبات أجمع وإن كان مصرّاً على تركها إلاّ أن يؤذن ذلك بالتهاون بالسّنن.

6623. الثّالث: المخالف من المؤمنين في الفروع لا ترّد شهاداته إذا لم يخالف الإجماع، ولا يفسق وإن كان مخطئاً في اجتهاده، وأمّا المخالف في شيء من أُصول العقيدة، فإنّ شهادته تُردّ، وإن كان مسلماً، سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد، وسواء خالف إجماع المسلمين وما علم ثبوته من الدّين ضرورةً أو لا .

والمسائل الأُصوليّة الّتي تُردّ الشهادة بمخالفتها كُلّما يتعلّق بالتوحيد، وما يجوز عليه تعالى من الصفات، وما يستحيل عليه، والعدل، والنبوّة، والإمامة.

أمّا الصفات الّتي لا مدخل لها في العقيدة، مثل المعاني، والأحوال، والإثبات والنفي، وما شابه ذلك، من فروع علم الكلام، فلا تردّ شهادة المخطىء فيها .

6624. الرابع: العدل هو الّذي تعتدل أحواله في دينه وأفعاله، أمّا الدّين فأن لا يرتكب كبيرةً ولا يصرّ على صغيرة، ولا يخلّ بشيء(1) من الواجبات، ولا يترك جميع المندوبات، بحيث يعلم منه التهاون بالسّنن .

وأمّا الأفعال فيجتنب الأُمور الدنيّة، كالأكل في السّوق للفقيه دائماً مع عدم المبالاة، وكشف ما جرت العادة بتغطيته من بدنه، والاستهزاء به، بحيث يضحك الناس، أو يحدّث الناس بمباضعة أهله ونحو ذلك، ممّا يدلّ على رذيلة ودناءة.


1 . في «ب»: لشيء .


صفحه 249

وأمّا الصّنائع فلا يردّ أحد من أربابها وإن كانت مكروهةً أو دنيّةً، كالحياكة، والحجامة، ولو بلغت في الدناءة كالزبّال والوقّاد، مع الوثوق بتقواه، ولو كانت الصّنعة محرمّةً ردّت شهادته، كصانع المزمار والطنبور.

6625. الخامس: القاذف إن كان زوجاً فبيّن قذفَهُ بالشهود، أو اللعان، أو الإقرار، أو كان أجنبياً فبيّنه بالبيّنة أو الإقرار، لم يتعلّق بقذفه فسقٌ ولا حدٌّ ولا ردُّ شهادة، وإن لم يبيّن وجب الحدُّ، وحكم بفسقه، وردّت شهادتُهُ .

ولو تاب القاذفُ لم يسقط الحدّ، وزال الفسق إجماعاً، وقُبِلَتْ شهادتُهُ، سواء جلد أو لم يجلد .

وحدّ التوبة أن يكذب نفسه إن كان كاذباً بمحضر من الناس، ويُخَطِّىء نفسه إن كان صادقاً، وقيل: يكذب نفسه مطلقاً، ثمّ إن كان صادقاً ورّى باطناً(1) والأوّل أقربُ، والثاني مرويٌّ(2) وإن كان ليس بعيداً من الصواب، لأنّه تعالى سمّى القاذف كاذباً إذا لم يأت بأربعة شهداء على الإطلاق (3)، لأنّه كذب في حكم الله وإن كان صادقاً .

والأقربُ الاكتفاءُ بالتوبة وعدم اشتراط إصلاح العمل، لقوله (عليه السلام): التوبة تجبُّ ما قبلها (4) والتائب من الّذنب كمن لا ذنب له .(5) ولأنّ المغفرة تحصل


1 . لاحظ: النهاية: 326 ; إصباح الشيعة: 529 ; غنية النزوع: 440 .

2 . الوسائل: 18 / 282 ـ 283، الباب 36 و 37 من أبواب الشهادات .

3 . النور: 13 .

4 . مستدرك الوسائل: 12 / 129، الباب 86 من أبواب جهاد النفس، الحديث 12، ونقله ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة: 13 / 6 و الشيخ في الخلاف: 5 / 469، المسألة 13 من كتاب قطّاع الطريق .

5 . الكافي: 2 / 435 ، كتاب الإيمان والكفر، باب التوبة، الحديث 9 (عن أبي جعفر (عليه السلام)).


صفحه 250

بالتّوبة، والإصلاحُ المعطوف على التوبة(1) يُحْتمل أن يكونَ المرادُ به التوبة، وعطف لتغاير اللّفظين.

والقاذف في الشتم تُردّ شهادتُهُ وروايتُهُ حتّى يتوب.

والشاهد بالزنا إذا لم يُكْمِل البيّنةَ يُحَدُّ، ولا تُقبلُ روايتُهُ وشهادتُهُ، ويفسق حتّى يتوبَ، بأن يقول: ندمت على ما كان منّي، ولا أعودُ إلى ما اتّهم فيه .

والتوبةُ إن كانت عن معصية لا تُوجب عليه حقّاً، كشرب خمر، وكذب وزناً، فالتوبةُ منه النّدمُ والعزمُ على أن لا يعود، وقيل: لا يشترط الثانيّ وإن أوجبت حقاً لله تعالى أو لآدمي، كمنع الزكاة وغصب المال، فالتوبةُ منه بما تقدّم وأداء لحقٍّ، أو مثله، أو قيمته مع العجز، فإن عجز عن ذلك نوى ردَّه متى قدر عليه، وان كان عليه حقُّ قصاص أو قذف، اشترط في التوبة تمكين نفسه ليصل المستحقّ إلى حقّه، وإن كان عليه حدّ الله كزنا أو شرب مسكر، فالندمُ والعزمُ على ترك العود كافيان في التوبة ولا يشترط الإقرار به ولا تمكين نفسه للإمام، بل ينبغي ستره وترك الإقرار به، سواء اشتهر ذلك عنه أو لا .

وإن كان مبتدعاً، فتوبتُهُ الاعترافُ بالبدعة، والرجوع عنها، واعتقاد ضدّ ما كان يعتقد منها.

6626. السّادس: اللّعب بآلات القمار كلّها حرامٌ، كالنّرد، والشطرنج، والأربعة عشر، وغير ذلك، يفسق فاعلُهُ، وتردّ شهادتُهُ، إلاّ أن يتوب، سواء قصد الحذق، أو اللّهو، أو القمار، وهو المشتمل على العوض، وسواء اعتقد تحريمه أو لا .


1 . النور: 5 .


صفحه 251

6627. السّابع: العودُ، والزَّمرُ، والصنجُ، والطنبورُ، والمعزفةُ، والرّبابُ، والقضيب وغيرُ ذلك من جميع آلات اللّهو، حرامٌ يُفسق فاعلُهُ ومستمعُهُ، أمّا الدّف فيكرهُ في الإملاك (1) والختان خاصّةً، ويحرم في غيرهما.

6628. الثّامن: شارب المسْكر تُردّ شهادتُهُ، ويفسق، سواء كان خمراً أو نبيذاً، أو بتعاً أو فضخاً، وكذا الفقّاع والعصير إذا غلى من نفسه أو بالنار، وإن لم يُسْكر، إلاّ أن يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وسواء شرب قليلاً من ذلك كلّه أو كثيراً، مقتعداً للتحريم أو لا، ولا يحرم غير العصير من التمر أو البسر ما لم يُسْكر، ويجوز اتّخاذ الخمر للتخليل .

6629. التّاسع: الغناء حرامٌ، وهو مدّ الصّوت المشتمل على الترجيع المُطْرِب، يفسق فاعله، وتُردّ شهادته به، سواء كان في شعر أو قرآن، وكذا مستمعُهُ، سواء اعتقد إباحته أو تحريمه .

ولا بأس بالحداء، وهو الإنشاد الّذي تساق به الإبل، يجوز فعلُهُ واستماعُهُ، وكذا نشيد الأعراب وساير انواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حدّ الغناء .

6630. العاشر: الشعرُ الكذبُ حرامٌ، وكذا هجاء المؤمنين، والتشبيب بامرأة معروفة غير محلّلة، يفسق فاعله به، وتُردّ شهادته، ولا بأس بما عدا ذلك، لكن يكره الإكثار فيه .

6631. الحادي عشر: الحسد حرامٌ، وكذا بغضة المؤمن، والتظاهر بذلك قادحٌ في العدالة.

6632. الثاني عشر: لبس الحرير المحض للرّجال حرامٌ في غير الحرب، تردّ


1 . في مجمع البحرين: المِلاك، بكسر الميم والإملاك: التزويج وعقد النكاح .


صفحه 252

به الشهادة ولا بأس بالافتراش له على إشكال، وكذا لبس كلّ محرّم كالتختم بالذّهب، والتحلّي به للرّجال.

6633. الثالث عشر: يجوز اتّخاذ الحمام للأُنس بها والاستفراخ وحمل الكتب، ويكره للتّطيير والفرجة، والرهان عليها قمارٌ، يفسق فاعله .

وأمّا المسابقة المشروعة بالخيل وغيرها من الحيوانات المشروع فيها عقد الرهان، فإنّها جائزةٌ، وكذا المناضلة بالنشاب والحراب (1)والسيوف .

المطلب الخامس: انتفاء التهمة

وفيه ستة مباحث :

6634. الأوّل : كلّ من يجرّ بشهادته نفعاً أو يستدفع بها ضرراً تُردّ شهادته تلك وإن كان عدلاً، فلو شهد على من جرح مورِّثه ردت شهادته، لأنّ بدل الجرح وهو المال، يحصل له بالإرث، والجرح سبب للموت المفضي إلى الإرث .

أمّا لو شهد في مرض موت مورِّثه له بمال، أو شهد لمورِّثه المجروح بمال، قُبِلَتْ شهادتُهُ .

ولو شهد اثنان من العاقلة بجرح شهود قتل الخطأ، رُدّت شهادتهما وإن كانا فقيرين أو بعيدين، لاحتمال يسارهما وموت من هو أقرب منهما، مع احتمال القبول منهما(2) .


1 . في مجمع البحرين: الحَرْبة كالرّمح تجمع على حِراب .

2 . في «أ» «فيهما». قال الشيخ في المبسوط: 8 / 218: والدافع عن نفسه هو أن تقدم البيّنة على رجل بقتل الخطأ، فشهد اثنان من عاقلة الجاني، فَجَرَحَ الشهودَ فلا تقبل الشهادة .


صفحه 253

ولو خلّف اثنين، فشهد أحدهما على الآخر بألف درهم دين على المورِّث، قُبِلَتْ هذه الشهادة، لأنّه لا يجب عند الانفراد بالإقرار إلاّ حصّة المقرّ، فلا يستدفع بهذه الشهادة ضرراً.

ولو شهد الرّجلان بوصيّته لهما من تركته، فشهد الشاهدان أيضاً بوصيّته فيها، قُبِلت الشهادات.

ولو شهد بعض الرفقاء لبعض على قاطع الطريق، لم تُقْبل، للتهمة، ولو قالوا: عرضوُا لنا وأخذوا اولئك، سُمِعَتْ .

ولو شهد غرماء المفلّس أو الميّت لهما بدين أو عين، لم تسمع شهادتهم، وتقبل لو شهدوا لغريم حيّ غير مجحور عليه، وإن كان معسراً .

ولا تُقبل شهادة الشفيع ببيع شقص له فيه شفعة (1) ولا شهادةُ السيّد لعبده المأذون له في التجارة، ولا لمكاتبه، ولا شهادةُ أحد الشفيعين على الآخر بإسقاط شفعته (2) إن جوّزنا الشفعة مع الكثرة، ولا شهادةُ بعض غرماء المفلّس على بعضهم بإسقاط دَينه واستيفائه .

ولا تُقبل شهادة الشريك (لِشريكه) (3) فيما هو شريكٌ فيه، ولا شهادةُ الوصيّ فيما هو وصيٌّ فيه، ولا شهادةُ الوكيل لموكّله، ولا شهادةُ الوكيل والوصيّ بجرح شهود المدّعي على الموكّل أو الموصي.

وتُقبل شهادةُ الشريك لشريكه فيما ليس شريكاً فيه، وكذا الوكيل لموكّله


1 . في «ب»: الشفعة.

2 . في «أ»: باسقاطه شفعته .

3 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .


صفحه 254

فيما ليس وكيلاً فيه، والوارث بالجرح بعد الاندمال، وشهادةُ أحد الشفيعين على الآخر بإسقاط شفعته بعد أن أسقط الشاهد شفعته، ونحو ذلك ممّا تنتفي فيه التّهمة .

6635. الثاني : العداوة الدينيّة لا تمنع قبول الشهادة على عدّوه، فإنّ المسلم يشهد على الكافر، أمّا الدنيويّة فإنّها تمنع القبول، سواء تضمّنت الفسق أو لا، وسواء كانت العداوةُ ظاهرةً موروثةً أو مكتسبةً .

وتتحقّق العداوةُ: بأن يعلم أنّ كلَّ واحد منهما يفرح بمساءة صاحبه ويغمّ بمسرّته، ويبغي الشرّ له، وهذا القدر لا يوجب فسقاً، وتردّ به الشهادة، أو يقع بينهما تقاذف، ولو عرف ذلك من أحدهما، رُدّت شهادتُهُ خاصّةً.

ولو شهد على رجل بحقٍّ فقذفه المشهود عليه، لم تُردّ شهادتُهُ بذلك.

وتُقْبل شهادة العدّو لعدّوه، لانتفاء التهمة.

6636. الثالث : النسبّ وإن قرب لا يمنع قبول الشهادة، فتُقْبل شهادةُ الأب لولده وعليه، والولد لوالده، والأخ لأخيه وعليه .

ولا تُقبل شهادة الولد على والده على الأشهر، سواء شهد بمال أو بحق متعلّق ببدنه، كالقصاص والحدّ.

ولا فرق بين الأب الأدنى والأبعد على إشكال.

وتُقبل شهادة الأب من الرضاعة لابنه وبالعكس (وشهادته عليه وبالعكس)(1) .


1 . ما بين القوسين يوجد في «أ» .


صفحه 255

وتُقْبل شهادةُ كلٍّ من الزّوجين لصاحبه، لكن شرط أصحابنا(1) في قبول شهادة الزّوجة لزوجها انضمامها إلى غيرها من أهل العدالة، وشرط آخرون(2) ذلك في الزّوج أيضاً وليس بجيّد، وتظهر الفائدة فيما تُقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين وشهادة المرأة في الوصية.

وتُقْبل شهادة الصديق لصديقه، وإن تأكّدت الصّحبة والملاطفة، وتُقْبل شهادةُ الأخ لأخيه وإن كان منقطعاً إليه في صلته وبرّه.

6637. الرابع: تُردّ شهادةُ السائل في كفّه، لأنّه يسخط إذا مُنِعَ، إذا كان معتاداً، ولو وقع منه ذلك ندرةً للحاجة لم يمنع قبول الشهادة.

ولا تُقبل شهادةُ الطفيلي، وهو الّذي يأتي طعامَ النّاس من غير دعوة، ولو لم يتكرّر ذلك منه قُبِلَتْ شهادتُهُ، ومن سأل من غير أن تحلّ له المسألة رُدّت شهادتُهُ .

وتُقبل شهادةُ من يأخذ الصّدقة إذا كان من أهلها، ولو لم يكن من أهلها رُدَّتْ شهادتُهُ .

6638. الخامس: تُقبل شهادةُ البدويّ على من هو من أهل القرية، سواء في ذلك الجراح وغيره .

وتُقبل شهادة أهل القرى على أهل البادية مع اجتماع الشرائط.

وتُقبل شهادة الأجير والضيف وإن حصل لهما ميلٌ إلى


1 . ومنهم المحقّق في الشرائع: 4 / 130 .

2 . ومنهم الشيخ الطوسي في النهاية: 330 .


صفحه 256

المستأجر والمضيف، لأنّ العدالة تمنع من إقدامهما على الباطل.

6639. السّادس: التبرّع بالشهادة قبل سؤال الحاكم، يقتضي التهمة، فلا تُقبل شهادتُهُ، سواء شهد قبل الدّعوى، أو بعدها قبل الاستشهاد، نعم هذا الرّد لا يقتضي الفسق، هذا في حقوق الناس، أمّا في حقّه تعالى، أو الشهادة للمصالح العامّة، كالوقف على القناطر وشبهه، فالأقربُ أنّ التبرّع لا يمنع الشهادة، إذ لا مدّعي لها.

ولو اختفى الشاهد في زاوية أو من جدار حتّى ينطق المشهود عليه مسترسلاً، فشهد عليه سُمعت شهادتُهُ، ولا يحمل ذلك على جرحه على الشهادة، لأنّ الحاجة قد تدعو إلى ذلك.

المطلب السادس: طهارة المولد

يشترط في الشاهد طهارةُ المولد عند أكثر علمائنا، فلا تُقْبل شهادةُ ولد الزنا، وقال الشيخ (رحمه الله): تُقبل شهادتُهُ في الشيء اليسير مع تمسّكه بالصّلاح ،(1) وليس بجيّد، ولو جهل حالُهُ قُبِلَتْ شهادتُهُ وإن قذفه بعضُ الناس بذلك.


1 . النهاية: 326 .


صفحه 257

الفصل الثاني: فيما ظُنَّ أنّه شرطٌ وليس كذلك

وفيه أحد عشر بحثاً:

6640. الأوّل : الحريّةُ ليست شرطاً مُطلقاً، فتُقْبل شهادة المملوك لسيّده ولغير سيّده وعلى غير سيّده، ولا تُقبل شهادته على سيّده، وقيل: بالمنع مطلقاً اختاره ابن الجُنيد، وقيل: تقبل مطلقاً (1) والأظهر ما قلناه، ولو أُعتق قُبِلَتْ شهادتُهُ مطلقاً.

6641. الثاني : حكم المدّبر والمكاتب المطلق الّذي لم يؤدّ شيئاً والمشروط مطلقاً وأُمّ الولد حكمُ القنِّ .

أمّا المطلق إذا أدّى من مال الكتابة شيئاً، فقد قال الشيخ (رحمه الله): تُقْبل على مولاه بقدر ما تحررّ منه (2) والأجودُ المنعُ.

6642. الثالث : لا فرق في قبول شهادة العبد بين الحدّ والقصاص وغيرهما، بل قولُهُ مقبولٌ في الجميع إذا جمع شرائط القبول .

والأمةُ كالحرّة، تُقبل شهادتها فيما فيه تُقبل فيه شهادة النّساء، إلاّ على سيّدها .

6643. الرابع: لو أشهد السيّد عبدين له على أنّ حمل الأمة منه، ثمّ مات،


1 . ذهب إليه يحيى بن سعيد الحلّي في الجامع للشرائع: 540 .

2 . النهاية: 331 .


صفحه 258

فشهدا بذلك، فرّدَّتْ شهادتُهُما، وحاز الميراث غيره، ثمّ أعتقهما فأعادا الشهادة، قُبِلَتْ ورجعا في الرقّ، فإن شهدا أوّلاً بأنّ مولاهما كان قد أعتقهما، كره للولد تملّكُهُما، لأنّهما أحيا حقَّهُ .

6644. الخامس: تُقبل شهادةُ الأعمى فيما لا يحتاج فيه إلى المشاهدة، كالإقرار والبيع وغيره من العقود إذا عرف صوتَ المتلفّظ معرفةً لا يعتريه فيها شكٌ، أو عَرَّفَهُ عنده عدلان.

ولو تحمّل الشهادة وهو بصيرٌ ثمّ عمي جاز أن يشهد، وقُبِلَتْ شهادتُهُ إذا عرف المشهودَ عليه باسمه ونسبه، أو عرّفه عنده عدلان .

ولو شهد عند الحاكم ثمّ عمي، قَبْلَ الحكم، حَكَمَ الحاكمُ بشهادته، ولا تُقْبل شهادتُهُ فيما يفتقر فيه إلى الرؤية، كالزنا، إلاّ أن يشهد قَبْل العمى ثمّ يقيم الشهادةَ بعد العمى، فانّها تُقْبل.

ولو شهد على من لا يعرفه قبل عماه فمسكه بيده، ثمّ عمي، جاز أن يشهد على المقبوض بعينه قطعاً.

وتُقْبل شهادةُ الأعمى إذا ترجم للحاكم عبارةَ من يُقرُّ عند الحاكم.

6645. السّادس: تُقْبل شهادةُ الأخرس تحمّلاً وأداءً إذا عرف الحاكم من إشارته ما يشهد به، فإن جهلها الحاكم اعتمد على مترجمين ممّن يعرف إشارته، ولا يكفي الواحد، ولا يكون المترجمان شاهدي فرع على شهادة الأخرس، بل يثبت الحكم بشهادة الأخرس أصلاً لا بشهادة المترجمين فرعاً.

ولو شهد الناطق بالايماء والإشارة من غير عذر لم تُقْبل .

6646. السّابع: تُقبل شهادةُ الأصمّ وقد رُوي أنّه يؤخذ بأوّل قوله، ولا


صفحه 259

يؤخذ بثانيه.(1) وكذا تُقبل شهادة ذوي الآفات والعاهات في الخلق إذا كانوا من أهل العدالة.

6647. الثّامن: لا يشترط في الشهادة أمرُ المشهود عليه بها، فلو سمع الشاهد إقرارَ المقرّ، شهد عليه وإن لم يأمره بالشهادة عليه، ولا فرق في ذلك بين الأقوال والأفعال .

ولو حضر الشاهدان حساباً، وشرط المتحاسبان عليهما أن لا يحفظا عليهما، كان للشاهدين أن يشهدا بما سمعا.

وتُقْبل شهادةُ المستخفي إذا كان عدلاً، وهو الّذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليسمع إقراره، ولا يعلم به، سواء كان المشهود عليه ضعيفاً أو لا .

6648. التّاسع: من فعل شيئاً من الفروع مختلفاً فيه معتقداً إباحته لم تُردّ شهادتُهُ، سواء وافقه الحاكم في ذلك الاعتقاد أو لا، ولو فعل ما اجتمعت إلاماميّة على تحريمه، أو ترك ما أوجبت الإماميّةُ فعلَهُ، لم تُقبل شهادتُهُ وإن وافق غيرهم من المسلمين .

وإن فعل الفرع المختلف فيه بين الإماميّة معتقداً تحريمه، ردّت شهادتُهُ وإن اعتقد الحاكم إباحته .

6649. العاشر: لا يشترط في الشاهد استجماع شرائط الشهادة وقت التحمّل، فلو شهد الصغير أو الكافر أو الفاسق المتظاهر بفسقه على شيء، ثم زال المانع، وأقاموا تلك الشهادة، قُبِلَتْ .

ولو أقام الصبيّ أو الكافر الشهادةَ فرُدّت، ثمّ أعادها بعد الكمال قُبِلَتْ،


1 . الوسائل: 18 / 296، الباب 42 من أبواب الشهادات، الحديث 3 .


صفحه 260

وكذا الفاسق إذا أقام بالشهادة حال فسقه المعلن به، ثمّ تاب وأعاد الشهادة، سُمِعَتْ .

أمّا الفاسق المستتر بفسقه إذا أقام الشهادةَ فردّت، ثمّ تاب وأعادها، فالأقربُ أيضاً القبولُ وإن احتمل العدم بسبب التّهمة الحاصلة من شاهد حاله، وهو إرادة إصلاح ظاهره.

ولو تاب المشهور بالفسق لتُقْبل شهادتُهُ، فالأقربُ عدمُ القبول حتّى يستمرّ حاله على الصّلاح، وقال الشيخ (رحمه الله)يجوز أن يقول: تب أقبل شهادتك(1) وارتضاه ابن إدريس (2).

ولو أقام العبد الشهادةَ على مولاه فردّت، ثمّ أعتق فأعادها، قُبِلَتْ، وكذا لو شهد الولد على والده فردّت، ثمّ أقامها بعد موت الأب قُبِلَتْ، ولابدّ في القبول من إعادة الشهادة، ولا تكفي الإقامة أوّلاً، لأنّها مردودةٌ.

ولو شهد السيّد لمكاتبه أو الوارث لمورّثه بالجرح قبل الاندمال، فردّت شهادته، ثمّ أعتق المكاتب واندمل الجرح، وأعاد تلك الشهادة، قُبِلَتْ، وكذا كلُّ شهادة مردودة للتهمة أو لعدم الأهليّة إذا أُعيدت بعد زوال التهمة أو حصول الأهليّة .

6650. الحادي عشر: تُقْبَلُ شهادةُ الوصيّ على من هو وصيّ عليه، وكذا شهادتُهُ له فيما لا ولايةَ له عليه فيه ولا تصرّفَ، ولا يجرّ بشهادته نفعاً، مثل أن يبقى المال للثلث الموصى به له بسبب شهادة الوصيّ .


1 . المبسوط: 8 / 179، قال: ويجوز للإمام عندنا أن يقول: تب أقبل شهادتك.

2 . السرائر: 2 / 117 .


صفحه 261

وتُقبل شهادته مع اليمين فيما تُقبل فيه شهادةُ الواحد واليمين وقال الشيخ (رحمه الله): تُقْبَلُ شهادةُ الوصيّ على من هو وصيّ له، غيرَ أنّ ما يشهد به عليه يحتاج أن يكون معه غيرُهُ من أهل العدالة، ثمّ يحلّف الخصم على ما يدّعيه، وما يشهد له مع غيره من أهل العدالة لا يجب مع ذلك يمين .(1)

فإن قصد (رحمه الله) اشتراطَ الشاهد الآخر عيناً، فهو ممنوعٌ، وإن قصد اشتراطَهُ لا عيناً بل ما يقوم اليمين مقامه فهو جيّدٌ، وأمّا الإحلاف إذا شهد على الموصي فلأنّها شهادة على الميّت .

الفصل الثالث: في مستند الشهادة

وفيه أحد عشر بحثاً :

6651. الأوّل : لا يجوز للشاهد أن يشهد الاّ مع العلم قال الله تعالى: (وَلا تقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(2) وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الشهادة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع (3).

ثمّ الشهادة إمّا على فعل أو قول، فالأوّل يفتقر فيه إلى حاسّة الإبصار، والثاني إليها وإلى حاسّة السمع.


1 . النهاية: 326 .

2 . الإسراء: 36 .

3 . الوسائل: 18 / 251، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 3، وعوالي اللآلي: 3 / 528، ومستدرك الوسائل: 17 / 422، الباب 15 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 2 .


صفحه 262

ولو تحقّق الأعمى استنادَ القول إلى شخص معيّن، وعلم ذلك يقيناً، كفت حاسّة السمع، وقُبِلَتْ شهادتُهُ .

وتُقبل شهادةُ الأصمّ على الأفعال، كالغصب، والسرقة، والقتل، والرّضاع، والولادة، والزّنا، واللواط، ومن لا يعرف نسبه فلابدّ من الشهادة على عينه، فإن مات أُحضر مجلس الحكم، فإن دفن لم ينبش، وقد تعذّرت الشهادة عليه .

6652. الثّاني: لو شهد على من لا يعرفه، لم يجز له التحمّل على النسب، بل يشهد على تلك العين، ولو شهد عنده عدلان بالنسب، شهد عليه مستنداً إلى شهادة المعرّفين بالتعريف، فيقول: أشهد على فلان بتعريف فلان وفلان، ولا يكون في الإقرار شاهد فرع.

6653. الثالث : النكاح، والبيع، والشراء، والصلح، والإجارة، وغيرها من العقود يفتقر إلى حاسّة السمّع لفهم اللّفظ، وإلى البصر لمعرفة اللاّفظ، إلاّ أن يعلم استنادَ الصوت إلى شخص معيّن يعرفه قطعاً.

6654. الرابع: يكفي في النسب، والموت، والملك المطلق، والوقف، والنكاح، والولاية، والولاء، والعتق، الاستفاضةُ بين الناس، فإذا اشتهر بين الناس أنّ هذا هُو ابن فلان، شهد بذلك لأنّ ثبوت النسب إنّما هو من جهة الظاهر وكذلك الموت، لتعذّر مشاهدة الميّت في أكثر الأوقات للشهود، وكذلك الملك المطلق، إذا سمع من الناس أنّ هذه الدار لفلان شهد بذلك، فإنّ الملك المطلق لا يمكن الشهادة عليه بالقطع، والوقف لو لم يسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف على تطاول الأزمنة، لتعذّر بقاء الشهود.

والشهادّة الثالثة عندنا لا تُسمع، وهي تزاد للتأييد.


صفحه 263

والنكاح يثبت بالاستفاضة فإنّا نعلم أنّ خديجة زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما نقضي بأنّها أُمّ فاطمة (عليها السلام).

والتواتر هنا بعيدٌ، لأنّ شرطه استواء الطرفين (1) والواسطة والطبقات الوُسطى، والمتّصلة بنا وإن بلغت التواتر، لكنّ الأُولى غير متواتر، لأن شرط التواتر الاستناد إلى الحسّ، والظاهر أنّ المخبرين أوّلاً لم يُخْبِروا عن المشاهدة، بل عن السماع، وإذا اشتهر بين الناس أنّ الإمام ولّى قاضياً بلداً ثبتت ولايتُهُ .

6655. الخامس: الأقربُ اشتراط إخبار جماعة يثمر قولُهُم العلمَ فيما يكفي فيه الاستفاضة، ولا يكفي شاهدان عدلان، وقال الشيخ (رحمه الله): يكفي فيه ذلك، (2) فلو شهد عدلان بالنّسب أو بما تقدّم صار السامع متحمّلاً وشاهدَ أصل لا شاهد على شهادتهما، لأنّ ثمرة الاستفاضة الظّن، وهو يحصل بهما، قال (رحمه الله): ولو سمعه يقول: عن الكبير: هذا ابني، وهو ساكتٌ مع سماع الولد، أو سمعه يقول: هذا أبي وسكت الأبُ مع سماعه، شهد بالنسب، لأنّ سكوته يدلّ على الرضا (3) وفيه نظر .

6656. السّادس: الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب إلاّ أن يكون ممّا يثبت بالاستفاضة، فلو سمع مستفيضاً أنّ هذا ملك زيد ورثه عن أبيه الميّت، شهد


1 . إشارة إلى ما ذكروه في علم الدارية في شروط التواتر منها: استواء الطرفين والوسط، بمعنى أن يبلغ كل واحد من الطبقات حدّ الكثرة بحيث يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب وذلك فيما لو حصل هناك أكثر من طبقة. لاحظ المستصفى: 1 / 134، القوانين: 1 / 424 .

2 . المبسوط: 8 / 180 .

3 . المبسوط: 8 / 180 ـ 181 .


صفحه 264

بالملك وسببِهِ، ولو سمع مستفيضاً أنّ هذا الملك لزيد اشتراه عن عمرو، شهد بالملك لا بالبيع، وكذا لا يشهد بالهبة، والاستغنام، والاستئجار بالافاضة .

ولو شهد بالملك والبيع، مستنداً إلى الاستفاضة، سُمِعَ قولُهُ في الملك خاصّةً دون السّبب .

6657. السّابع: يكفي في الشهادة بالملك الاستفاضةُ مجرّدةً عن مشاهدة التصرّف وبالعكس، فلو شاهد إنساناً يتصرّف في الملك بالبناء والهدم من غير معارض، جاز له أن يشهد بالملك مستنداً إلى التصرّف مطلقاً، وكذا لو شاهد الدار في يد، جار له أن يشهد باليد قطعاً، والأقربُ جوازُ الشهادة له بالملك أيضاً، لأنّ اليد قاضيةٌ بذلك.

وقيل: (1) ليس له ذلك، وإلاّ لم تسمع دعوى من يقول: الدار الّتي في يد هذا لي، كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي. وليس بجيّد، لأنّ دلالة اليد ظاهرة، ويجوز الصرف عن الظاهر، ولأنّا نسمع قوله: «الدار التي في تصرّف هذا لي» مع الحكم بالملكيّة هناك .

6658. الثّامن: لو كان لواحد يدٌ ولآخر سماعٌ مستفيضٌ، رُجّحت اليدُ، لأنّ السّماع قد يحتمل إضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك وغيره، فلا تزال اليد المعلومة بالمحتمل .

6659. التاسع: نعني بالتصرّف القاضي بالملكيّة تصرّفَ الملاّك، كالبناء، والهدم، والبيع، والرهن، أمّا مجرّد الإجارة وإن تكرّرت ففيه احتمالٌ،


1 . القائل هو المحقّقُ في الشرائع: 4 / 134، وصحّحنا العبارة على وفق الشرائع .


صفحه 265

إذ قد يصدر من المستأجر مدّة طويلة، مع أنّ الأقرب الشهادة بالملكيّة .

والإعسار تجُوز الشهادة به مع الخبرة بالباطن وشهادة القرائن، كالصبر على الضّرّ والجوع في الخلوة.

وتقبل شهادة الأعمى مستنداً إلى الاستفاضة فيما يثبت فيه الاستفاضة .

6660. العاشر: لو شهد عدلان أنّ فلاناً مات، وخلّف من الورثة فلاناً وفلاناً، لا نعلم له وارثاً غيرهما، قُبِلَتُ شهادتُهُما وإن لم يبّينا أنّه لا وارث له سواهما، لعدم الاطّلاع عليه، فيكفي فيه الظاهر، مع اعتضاده بالأصل، هذا إن كانا من أهل الخبرة الباطنة، وإن لم يكونا من أهل الخبرة الباطنة، بَحَثَ الحاكمُ عن وارث آخر، فإن لم يظهر، سَلَّمَ التركةَ إليهما بعد الاستظهار بالتضمين (1).

ولو قالا: لا نعلم له وارثاً بهذه البلدة، أو بأرض كذا، لم تُقبل، مع احتمال القبول .

6661. احد عشر: لا يجوز أن يشهد إلاّ مع الذكر وإن وجد خطّه مكتوباً وعلم عدم التزوير (عليه)(2) وإن كان خطّه محفوظاً عنده، وسواء أقام غيره من العدول الشهادة أو لم يُقم، خلافاً لبعض علمائنا، حيث جوّز إقامة الشهادة بما يجده بخطّه مكتوباً إذا أقام غيره الشهادة .(3)


1 . في «ب»: بالضمين .

2 . ما بين القوسين يوجد في «أ» .

3 . ذهب إليه الشيخ في النهاية: 329 ـ 330 .


صفحه 266

الفصل الرابع: في تفصيل الحقوق

وفيه خمسة مباحث :

6662. الأوّل : الحقوق قسمان: أحدهما حقّ الله تعالى، والآخر حقٌّ لآدميّ .

أمّا حقّ الله تعالى، فمنه الزنا، ولا يثبت إلاّ بأربعة رجال، أو بثلاثة رجال وامرأتين، أو برجلين وأربع نساء، لكن الأخير يجب به الجلد لا الرجم، ويجب بالأوّلين الحدّان معاً، وإن شهد رجل وستّ نساء أو أكثر لم تُقْبل، ووجب جلد القاذف عليهم، وكذا لو شهد ما دون الأربعة منفردين عن النساء، أو شهد النساء، فإنّه لا يثبت، ويجب حدّ القذف على الشهود .

ومنه اللواطُ والسّحقُ، وإنّما يثبت كلٌّ منهما بأربعة رجال خاصّةً، فلو شهد ما دون الأربعة، حُدُّوا للفرية، ولا تُقبْل فيه شهادةُ النساء وإن كثرن وإن ضممن إلى الرجال مطلقاً، بخلاف الزنا .

وأمّا إتيان البهائم فالأقربُ ثبوته بشاهدين رجلين، ولا يثبت بشهادة النساء منفردين ولا منضمّين .

وأمّا باقي حقوق الله تعالى، كالسرقة، وشرب الخمر، والرّدّة، فلا يثبت إلاّ بشاهدين، ولا يثبت بشاهد وامرأتين، ولا بشاهد ويمين، ولا بشهادة النساء وإن كثرن .


صفحه 267

وفي إلحاق الإقرار بالزنا بغيره من الإقرارات بالحقوق في قبول الشاهدين فيه أو بالأصل في اشتراط الأربعة فيه، خلافٌ، والأقربُ الأوّلُ، وعلى القولين فلا تُقبل فيه شهادةُ رجل وامرأتين .

6663. الثّاني: حقوق الآدميّ ثلاثةٌ:

منها ما لا يثبت إلاّ بشاهدين، وهو الطلاق، والخلع، والوكالة، والوصيّة إليه، والنّسب، ورؤية الأهلّة، والرّجعة، والجناية الموجبة للقود، والعتق، والنكاح، والقصاص، والبلوغ، والولاء، والعدّة، والجرح والتعديل، والعفو عن القصاص، وبالجملة كلُّ ما لا يكون مالاً ولا المقصود منه المال، ويطّلع عليه الرّجال .

ويمكن القولُ بثبوت النكاح، والعتق، والقصاص، بشاهدين، وشاهد وامرأتين .

ومنها ما يثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين، وهو الدّيونُ، والأموالُ، كالقرض، والقراض، والغصب، وحقوق الأموال، كالأجل، والخيار، والشفعة، والإجارة، وقتل الخطأ، وكلّ جرح لا يوجب إلاّ المال، كالمأمومة، والجائفة، وكلّ عمد لا يوجُب القصاص، كقتل السيّدِ العبدَ، والمسلمِ الكافِرَ، والابِ ولدَهُ، وكلّ عقود المعاوضات، كالبيع، والسّلم، والصّلح، والإجارات، والمساقاة، والرهن، والوصيّة له، وكذا فسخ العقود، وقبض نجوم الكتابة، إلاّ النّجم الأخير، لترتّب العتق عليه، فإن أجزنا في العتق شاهداً وامرأتين قُبِلَ، وإلاّ فلا .

ولو شهد على السرقة رجلٌ وامرأتان يثبت المال دون العقوبة.


صفحه 268

ولو شهد بالنكاح رجل وامرأتان ، فإن قبلنا(1) فيه شهادة الواحد والمرأتين، فلا بحث، وإلاّ ثبت المهر دون النكاح، وفي الوقف إشكالٌ، والأقربُ ثبوته بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين .

ومنها ما يثبت بالرجال والنساء منفردات ومنضمّات، وهو الولادة، والاستهلال، وعيوب النساء الباطنة، والأقربُ قبولُ شهادة النساء منفردات في الرضاع، وإن كان الأكثر قد منع من قبولها .

6664. الثّالث: تُقبل شهادة امرأتين مع رجل في الدّيون والأموال، وشهادة امرأتين مع اليمين، ولا تُقبْل فيه شهادة النّساء وإن كثرن، إلا مع رجل أو يمين .

وتُقبل شهادةُ المرأة الواحدة في ربع ميراث المستهلّ، وفي ربع الوصيّة، وشهادة امرأتين في النصف وثلث في ثلاثة أرباع وأربع في الجميع، ولا تفتقر في الواحدة إلى يمين، لثبوت الربع، ولا في الاثنتين، لثبوت النصف، ولو طلب الموصى له الجميعَ، وأقام امرأتين، جاز له أن يحلف، ويأخذ الجميعَ، وإن لم يحلف ثبت له النصف.

وكلّ موضع تُقبل فيه شهادةُ النساء، لا تثبت بأقلّ من أربع، وقال المفيد (رحمه الله)تُقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين فيما لا يراه الرجال، كالعذرة، وعيوب النساء، والنفاس، والحيض، والولادة، والاستهلال، والرضاع، وإذا لم يوجد على ذلك إلاّ شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه(2) .


1 . في «ب»: فإن قلنا .

2 . المقنعة: 727 .


صفحه 269

ويشترط فيهنّ ما يشترط في الرجال من العدالة وغيرها ممّا سبق .

ولو شهد أربعة بالزنا قُبُلاً، فشهد أربعُ نساء بالبكارة، دُرىء عنها الحدّ، وفي حدّ الشهود قولان، أقربُهُما السقوطُ .

6665. الرابع: ليست الشهادة شرطاً في شيء، فلو تعاقدا عقداً ولا شاهد فيه، صحّ سواء كان نكاحاً أو غيره، إلاّ في الطلاق، فلا يقع إلاّ مع شهادة عدلين .

وتستحب الشهادة في النكاح، والرجعة، والبيع .

6666. الخامس: الأقربُ وجوبُ التحمّل للشّهادة على من له أهليّة الشهادة، وقيل: لا يجب (1)، والأوّل مرويّ (2) .

ولا يجب على الأعيان قطعاً، بل على الكفاية، فإن قام به غيره، سقط عنه بشرط أن يكون ذلك الغيرُ ممّن يقوم به الحجّة، وإن لم يقم به غيره، تعيّن عليه .

وأمّا الأداءُ، فإنّه كالتحمّل في وجوبه على الكفاية إجماعاً، فإن قام غيرهُ، سقط عنه، وإلاّ تعيّن عليه الاداءُ، إلاّ أن تكون الشهادة مضّرةً ضرراً غير مستحقّ، فلا يجب عليه الأداءُ (وإن لم يكن غيره .

ومن علم شيئاً من الأشياء ولم يكن قد أشهد عليه، ثمّ دُعي إلى أن يشهد، فالواجب عليه الأداء على الكفاية) (3).

ولو عدم الشهود إلاّ اثنان تعيّن عليهما وجُوبُ التحمّل ووجوبُ الأداء، إلاّ


1 . القائل هو ابن إدريس في السرائر: 2 / 125 ـ 126 .

2 . الوسائل: 18 / 225، الباب 1 من أبواب الشهادات .

3 . ما بين القوسين سقط من نسخة «أ» .


صفحه 270

أن تكون الشهادة مضرّةً بهما ضرراً غير مستحقٍّ فلا يجب عليهما التحمّل، ولو تحمّلا حالة انتفاء الضرّر، ثمّ خافا من الاداء، سقط الأداءُ عنهما.

وقد روي: أنّه يكره للمؤمن أن يشهد لمخالف له في الاعتقاد، لئلاّ يلزمَهُ الإقامة، فربّما رُدَّتْ شهادتُه، فيكون قد أَذَلَّ نفسه (1).

الفصل الخامس: في اللواحق

وفيه ستّةٌ وعشرون بحثاً :

6667. الأوّل : إذا حكم الحاكم ثمّ ظهر في الشهود ما يمنع القبولَ، فإن كان متجدّداً بعد الحكم، لم يقدح، وإن كان سابقاً على إقامة الشهادة، وخفي على الحاكم، نقض الحكم.

6668. الثاني : لو شهدا و لم يحكم، ثمّ ماتا قبل الحكم، حَكَمَ بشهادتهما، وكذا لو شهدا ولم يزكّيا ثمّ ماتا قبل التزكية، زكّيا بعد الموت وحكم .

ولو شهدا ثمّ فسقا قبل الحكم، حكم بشهادتهما، لأنّ المعتبر العدالة عند الإقامة، وكذا لو كفرا.

ولو كان حقّاً لله تعالى كحدّ الزنا، لم يحكم، لبنائه على التّخفيف، والأقربُ في حدّ القذف والقصاص الحكمُ لتعلّق حقّ الآدميّ به، أمّا السّرقة فيحكم بالمال دون القطع، ولو حدث ذلك بعد الحكم لم ينقض.


1 . وما ذكره نصّ عبارة الشيخ في النهاية: 329، ولم نعثر على الرواية في الجوامع الحديثيّة .


صفحه 271

ولو كان حدّاً لله تعالى، وحكم وتجدّد الفسق قبل الاستيفاء، لم يستوف، وإن كان مالاً استوفى .

ولو شهدا ثمّ جنّا، أو عمياً فيما يشترط فيه البصر، حكم بشهادتهما، كما لو ماتا، سواء كان المشهود به حدّاً أو غيره .

6669. الثّالث: لو شهدا لمن يرثانه، فمات قبل الحكم، فانتقل المشهود به إليهما، لم يحكم بشهادتهما.

6670. الرابع: لو حكم الحاكم بشهادة الشاهدين، فقامت بيّنةٌ بالجرح مطلقاً(1) لم ينقض الحكم، لإمكان تجدّد الفسق بعد الحكم، ولو شهدا به موقّتاً، وكان متأخّراً فكذلك، وإن كان متقدّماً على الشهادة، نقض، ولو كان بعد الشهادة وقَبْلَ الحكم، لم ينقض، بل يحكم بالشهادة إلاّ في حدّ الله تعالى .

وإذا نقض الحكم، فإن كان قتلاً أو جرحاً فلا قود، والدّيةُ في بيت المال .

ولو كان المباشر للقصاص هو الوليّ، فالوجهُ أنّه لا يضمن إن كان قد اقتَصَّ بحكم الحاكم وإذنه .

ولو باشر بعد الحكم قبل الإذن ضمن الدية، ولو كان المشهود به مالاً فانّه يستعاد إن كانت العينُ باقيةً، وإن كانت تالفةً، فعلى المشهود له، لأنّه ضمن بالقبض، بخلاف القصاص .

ولو كان مُعْسراً، قال الشيخ (رحمه الله): يضمن الإمام، ويرجع به على المحكوم


1 . في المسالك: 14 / 311: «فإن كانت الشهادة بالجرح مطلقةً أي غير معينّة بوقت الجرح...» .


صفحه 272

له(1) مع يساره(2) وفيه نظرٌ لاستقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده .

6671. الخامس: لو ثبت أنّهم شهدُوا بالزّور، نقض الحكم واستعيد المال، فإن تعذّر، غُرِّمَ الشهود، ولو كان قتلاً ثبت القصاص على الشهود، وكان حكمهم حكم الشهود إذا رجعوا عن الشهادة واعترفوا بالعمد في الكذب.

ولو باشر الوليّ القصاصَ واعترف بالتزوير، سقط الضمان عن الشهود، وكان القصاص على الوليّ .

6672. السّادس: الحقّ إن كان لآدميٍّ معيّن، كالمال، والنكاح، والعقود، والعقوبات، كالقصاص، وحدّ القذف، لم تسمع الشهادّة فيه إلاّ بعد الدعوى، لأنّ الشهادة حقُّ الآدميّ (3) فلا يُستوفى إلاّ بعد مطالبته وإذنه، وإن كان حقّاً لآدميٍّ غيرِ معيّن، كالوقف على الفقراء والمساجد والمقابر المسبّلة، أو الوصية بشيء(4) عن ذلك، أو كان حقّاً لله تعالى، كحدّ الزنا، والزكاة، والكفّارة، لم تفتقر الشهادةُ إلى تقدّم الدّعوى في ذلك كلّه .

ولو شهد اثنان بعتق عبد أو أمة ابتداءً، ثبت ذلك، سواء صدّقهما المشهود بعتقه أو لم يصدّقهما .

6673. السّابع: لو كان عند الشّاهد شهادةٌ لآدميّ، فإن كان صاحبها عالماً بها، لم يجب على الشاهد اداؤُها إلاّ بعد أن يسأله صاحبُها، وإن لم يكن عالماً بها،


1 . في النسختين: «على المحكوم عليه» والصحيح ما أثبتناه لاحظ الشرائع: 4 / 313 ـ 314 .

2 . المبسوط: 8 / 250 .

3 . في «ب» حقّ لآدميٍّ .

4 . في «ب»: لشيء .


صفحه 273

فإن علم أنّ حقَّه يثبت بدون شهادته، لم يجب عليه إعلامُهُ، وإن لم يثبت حقُّهُ إلاّ بشهادته، وجب على الشاهد أن يعرف صاحب الشهادة (ليستشهده)(1) عند الحاكم .

6674. الثامن: يعتبر لفظ الشهادة في الأداء، فيقول: أشهد بكذا، ولو قال: أعلم، أو أعرف، أو أتيقّن، أو أُخبر عن علم أو حقٍّ(2) لم يسمع .

6675. التاسع: لو شهدت امرأةٌ بالوصيّة بالمال يثبت الربعُ، على ما تقدّم، ولو شهدت بالولادة (3) لم تقبل .

ولو شهدت اثنتان بالوصيّة بالمال، ثبت النصف على ما بيّناه .

ولو شهد رجلٌ واحدٌ، ففي الحاقة بالمرأة أو بالمرأتين نظرٌ، وكذا البحث في ميراث المستهلّ .

وتُقبل شهادة النساء في ولادة الزوجات والمطلقّات .

6676. العّاشر: يثبت الإعسار بشهادة عدلين، ولا يفتقر إلى ثالث .

6677. احد عشر: يشترط في قبول الشهادة موافقتُها لدعوى المدّعي، فإذا ادّعى المدّعي سمع الحاكم دعواه، ثمّ استشهد شاهدين، فإن اتفّقا في الشهادة، ووافقت شهادتُهُما دعواه، سمعها، وحكم بها، وإن خالفت الشهادةُ الدّعوى، أو اختلفت الشهادتان، طرحها .

6678. الثّاني عشر: لو شهد اثنان من الأربعة في الزنا أنّه زنى في هذا البيت،


1 . ما بين القوسين يوجد في «ب» .

2 . في «ب»: أو أحقّ .

3 . في «ب»: بالولاية .


صفحه 274

أو في وقت الغداة، أو على هيئة مخصوصة، وشهد آخران بالزنا على غير تلك الهيئة، أو في غير ذلك الوقت، أو غير ذلك المكان، سقطت الشهادةُ، وحدّوا أجمع للفرية، وكذا كلُّ شهادة على فعلين، مثل أن يشهد اثنان أنّه زنى بامرأة، وآخران أنّه زنى بأُخرى .

ولو شهد اثنان أنّه زنى بها في زاوية بيت، وآخران أنّه زنى بها في زاوية منه أُخرى، حُدّوا أجمع، للفرية، وسقطت الشهادة، سواء تقاربت الزاويتان أو تباعدتا .

6679. الثّالث عشر: يشترط في قبول الشهادة توارد الشاهدين على المعنى الواحد، فإن اتّفقا معنى، حكم بشهادتهما، وإن اختلفا لفظاً، مثل أن يقول أحدهما: إنّه غضب، ويشهد الآخر انّه انتزع قهراً ظلماً، أمّا لو اختلفا معنى، فإنّه لا يثبت بشهادتهما، مثل أن يشهد أحدهما بالبيع، ويشهد الآخر بالإقرار بالبيع، فإنّهما أمران مختلفان، فإن حلف مع أحدهما ثبت ما حلف عليه، وإلاّ فلا .

6680. الرابع عشر: إذا كانت الشهادة على فعل، واختلف الشاهدان في زمانه، (1) أو مكانه، أو صفة له تدلّ على تغاير الفعلين، لم تكمل شهادتهما، مثل أن يشهد أحدهما أنّه غصبه ديناراً يوم السّبت، ويشهد الآخر أنّه غصبه ديناراً يوم الجمعة، أو يشهد أحدهما أنّه غصبه ديناراً في الدار، ويشهد الآخر أنّه غصبه في السوق، أو يشهد أحدهما أنّه غصبه ديناراً مصريّاً، ويشهد الآخر انه غصبه ديناراً بغداديّاً، لأنّ الفعلين متغايران، ولم يشهد بكلّ واحد منهما سوى شاهد واحد.


1 . في «ب»: في زمنه .


صفحه 275

ولو شهد بكلّ فعل شاهدان، واختلفا في المكان، أو الزمان، أو الصّفة ثبتا جميعاً، لشهادة (1) البيّنة العادلة لكلّ واحد منهما، بحيث لو انفردت ثبت الحقُّ، وشهادة الأُخرى لا تعارضها، لإمكان الجمع بينهما، إلاّ أن يحصل التعارض إمّا بأن يكون الفعل ممّا لا يمكن تكرّره، كقتل رجل بعينه فتتعارض البيّنتان، لعلمنا بكذب إحداهما، أو بأن يحصل التنافي في الفعل، مثل أن يشهد اثنان أنّه سرق وقت الزوال كبشاً أبيضَ في موضع كذا، وشهد اثنان بأنّه سرق في ذلك الوقت بعينه كبشاً أسودَ في موضع آخر، لا يمكن حصوله فيهما دفعةً واحدةً، فإن ادّعى المشهود له الأمرين المتنافيين لم تقبل دعواه، ولا تُسمع بيّنتُه، وإن ادّعى أحدهما ثبت له ما ادّعاه .

ولو شهد اثنان أنّه سرق مع الزّوال كبشاً أسود، وشهد آخر أنّه سرق مع الزوال كبشاً أبيضَ، أو شهد اثنان أنّه سرق هذا الكبش غُدْوةً، وشهد آخران أنّه سرقه عشيّاً، لم يتعارضا، لإمكان أن يسرق عند الزوال كبشين أبيض وأسود، فيشهد كلُّ بيّنة بأحدهما، ويمكن أن يسرق كبشاً غدوةً، ثمّ يعود إلى صاحبه أو غيره فيسرقه عشيّاً، فإن ادّعاهما المشهود له ثبتا له في الصورة الأولى، وفي الصورة الثانية كبش المشهود به حسب، وإن لم يدّع المشهود له سوى أحد الكبشين، ثبت له، ولم يثبت له الآخر .

6681. الخامس عشر: لو شهد أحدهما أنّه سرق ديناراً، وشهد الآخر أنّه سرق درهماً، لم يثبت، لكن له أن يحلف مع أحدهما ومع كلّ واحد منهما، فإن حلف مع أحدهما ثبت له الغرم فيما حلف عليه، وإن حلف مع كلّ واحد


1 . في «أ»: بشهادة .


صفحه 276

منهما، ثبت الدينار والدرهم، ولا يثبت القطعُ، لأنّ الحدّ لا يثبت باليمين .

ولو شهد اثنان أنّه سرق ثوباً أبيض غدوةً، وشهد آخران أنّه سرقه بعينه على وجه لا يمكن الجمع بينهما، ثبت التعارض، فيسقط القطعُ للشّبهة، ولا يسقط الغرم .

6682. السّادس عشر: لو شهد أحدهما أنّه باع هذا الثوب منه بدينار، وشهد الآخر أنّه باعه منه في ذلك الوقت بدينارين، لم يثبتا، وكان له المطالبة بأيّهما شاء مع اليمين، ولا تعارض، لأنّ التعارض إنّما يكون بين البيّنتين الكاملتين، ولو شهد له مع كلّ واحد شاهدٌ آخر، ثبت الديناران، وكذا لو شهد أحدهما أنّه باع اليوم وشهد الآخر أنّه باع أمس، أو شهد أحدهما أنّه طلّقها أمس بمحضر من شاهدين، وشهد الآخر أنّه طلقّها اليوم بمحضر من شاهدين، لم تكمل الشهادة، لأنّ كلّ واحد من البيع والطلاق، لم يشهد به إلاّ واحدٌ، فكان كما لو شهدا بالغصب في وقتين .

ويحتمل القبولُ، لأنّ المشهود به شيءٌ واحدٌ، يجوز أن يُعادَ مرّةً بعد أُخرى، فيكون واحداً، فاختلافهما في الوقت ليس باختلاف فيه، والأوّلُ أقربُ .

6683. السّابع عشر: لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بقتل، أو دَيْن، أو غصب ببغداد يوم الخميس، ويشهد الآخر أنّه أقرّ بذلك بعينه يوم السّبت بالكوفة، فإن لم يتعارضا كملت الشهادة، وثبت المقرّ به، وإن تعارضا بأن يكون الزمان واحداً مع تباعد الأمكنة، أو يكون مختلفاً ولا يفي الزمانُ المتخلّلُ بينهما للسفر من أحد البلدين إلى الآخر، لم يكملا، وحلف مع أحدهما يميناً لإثبات حقّه، وكذا لو شهد أحدهما أنّه أقرّ عنده بأنّه قتله يوم الخميس، وشهد الآخر أنّه أقرّ عنده أنّه


صفحه 277

قتله يوم الجمعة، فإنّ التعارض متحقّقٌ، كما شهد أحدهما أنّه أقرّ عنده أنّه غصبه ثوباً، وشهد الآخر أنّه أقرّ عنده أنّه غصبه ديناراً، وكذا لو شهد أحدهما بالقذف غدوةً، والآخر عشيّةً، أو بالقتل كذلك، لم يحكم بشهادتهما، لأنّها شهادةٌ على فعلين .

6684. الثّامن عشر: لو شهد أحدهما بالإقرار بألف، والآخر بألفين، ثبت الألفُ بهما، والآخر بانضمام اليمين، ولو شهد بكلّ واحد شاهدان، ثبت الألفُ بشهادة الجميع، والألف الآخر بشهادة اثنين وكذا لو شهد أحدهما أنّه سرق ثوباً قيمتُهُ دينارٌ، وشهد الآخر أنّه سرقه وقيمتُهُ ديناران، ثبت الدينار بشهادتهما، والآخر بالشاهد واليمين، ولو شهد بكلّ صُورة شاهدان، ثبت الدّينار بشهادة الجميع، والآخر بشاهدين (1).

6685. التاسع عشر: لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بالعربيّة، والآخر أنّه أقرّ بالعجميّة، قُبِلَ، لأنّه إخبارٌ عن شيء واحد، وكذا لو شهد احدهما أنّه أقرّ بدينار يوم الخميس بدمشق، وأقرّ الآخر أنّه أقرّ به يوم الجمعة بمصر، قُبِلَ، وكذا لو شهد أحدهما أنّه أقرّ أنّه قتله أو غصبه كذا يوم الخميس بمصر، وشهد الآخر أنّه أقرّ أنّه قتله أو غصبه كذا يوم الجمعة بدمشق، قُبِلَ، لأنّ المقرّ به واحدٌ وقد شهد اثنان بالإقرار به ، فكملت شهادتهما، كما لو كان الإقرار بهما واحداً، فإنّ جمع الشّهود لسماع الشهادة متعذّرٌ، بخلاف ما لو كان الإقرار بفعلين مختلفين، مثل أن يقول أحدهما: أشهد أنّه أقرّ أنّه قتله يوم الخميس، وقال الآخر: أشهد أنّه أقرّ أنّه قتله يوم الجمعة، أو قال أحدهما: أشهد أنّه أقرّ أنّه قذفه بالعربيّة، وقال الآخر:


1 . في «ب»: «بالشاهدين» وفي الشرائع: 4 / 142 «والآخر بشهادة الشاهدين بهما» .


صفحه 278

أشهد أنّه أقرّ أنّه قذفه بالعجميّة، فإنّ الشهادة غير كاملة، وكذا لو شهد أحدهما أنّه تزوّجها أمس، وشهد الآخر أنّه تزوّجها اليوم، لم تثبت الشهادة .

6686. العشرون: لو شهد أحدهما أنّه غصب هذا العبد، وشهد الآخر أنّه أقرّ بغصبه، لم تكمل الشهادة .

ولو شهد أحدهما أنّه غصب هذا العبد من زيد، أو أنّه أقرّ بغصبه منه، وشهد الآخر أنّه ملك زيد، لم تكمل شهادتهما .

6687. الواحد والعشرون: لو شهد أحدهما بالإقرار بألف، والآخر بالإقرار بألفين، ثبت الألفُ بشهادتهما على ما تقدّم، هذا إن أطلقا الشهادةَ ولم تختلف الأسبابُ والصفاتُ، فإن اختلفت بأن يشهدَ أحدهما بألف من قرض، ويشهد الآخر بخمسمائة من ثمن مبيع، أو يشهد أحدهما بألف بيض، والآخر بخمسمائة سود(1) أو يشهد أحدهما بألف دينار، والآخر بخمسائة درهم، لم تكمل البيّنة، وكان له أن يحلف مع كلّ واحد منهما، ويستحقهما .

ولو شهد له شاهدان بألف، وشاهدان آخران بخمسمائة، ولم تختلف الأسباب أو الصفات ،(2) دخلت الخمسمائة في الألف، ووجبت له الألف بالأربعة. ولو اختلفت الأسبابُ أو الصفاتُ، وجب له الحقّان، ولم يدخل أحدهما في الآخر.

6688. الثاني والعشرون: لو أنكر العدل أن يكون شاهداً، ثمّ شهد بعد ذلك،


1 . في «أ»: سواد .

2 . في «ب»: ولم تختلف الأسباب ولا الصفات .


صفحه 279

وقال: كنت نسيتها، قُبِلَتْ شهادتُهُ، لأنّه يجوز أن يكون قد نسيها، وحينئذ فلا شهادة عنده، فلا يكذب مع إمكان صدقه .

6689. الثّالث والعشرون: لو ادّعى، فطلب الحاكم منه البيّنة، فقال: لا بيّنة لي، ثم أتى بعد ذلك ببيّنة، فالأقربُ القبولُ، لجواز أن ينسى، أو يكون الشاهدان قد سمعا إقرار الغريم، وصاحب الحقّ لا يعلم .

ويحتمل التفصيلُ، وهو عدم السّماع إن كان الإشهاد قد تولاّه بنفسه، لأنّه كذّبها، والقبولُ إن تولاّه وكيلُه، أو شهد من غير علمه، وكذا البحث لو قال: كلّ بيّنة لي زورٌ.

أمّا لو قال: لا أعلم انّ لي بيّنةً، ثمّ أقام البيّنة، سُمِعَتْ منه قطعاً.

6690. الرابع والعشرون: لو اختلف في الشجّة هل هي موضحة أم لا، وافتقر إلى العارف كالطبيب يعتبرها، لم يكف الواحد، وكذا لو اختلف (1) في مرض لا يعرفه إلاّ الأطبّاء، أو في داء الدّابّة الّذي (2) لا يعرفهُ إلاّ البيطار .

6691. الخامس والعشرون: لو أشهده بألف، فطلب صاحبُ الحقّ أن يشهد له بمائة مثلاً، فالأقربُ جوازُ ذلك، لأنّ الاعتراف بالألف يستلزمه الاعتراف بالمائة.

6692. السّادس والعشرون: يجوز أن يشهد الإنسان على مبيع (3) وإن لم يعرفه ولا عرف حدوده، ولا موضعه إذا عرف المتبايعان ذلك، ويكون شاهداً على إقرارهما بوصف المبيع .


1 . في «ب»: لو اختلفا .

2 . في «ب»: الّتي .

3 . في «ب»: على المبيع .


صفحه 280

الفصل السادس: في الشهادة على الشهادة

وفيه عشرة مباحث :

6693. الأوّل : تُقْبَلُ الشّهادةُ على الشّهادة في حقوق النّاس، سواء كانت عقوبةً، كالقصاص، أو غيرَ عقوبة، كالطلاق، والغصب، والعتق، والنّسب، أو مالاً، كالقرض، والدّين، والقراض، وعقود المعاوضات، كالبيع، والإجارة، والصلح، أو ما لا يطلع عليه الرّجال غالباً، كعيوب النساء، والولادة، والاستهلال .

ولا تُقْبَلُ في الحدود مطلقاً، سواء كانت لله تعالى محضاً، كحدّ الزّنا، واللّواط، والسّحق، أو مشتركةً، كالقذف، وحدّ السّرقة، على خلاف فيهما .

6694. الثاني : لا يجوزُ تحمّل الشهادة إلاّ إذا قال الشاهد: اشهد على شهادتي، أو يسمعه وقد شهد بين يدي حاكم، فله أن يشهد على شهادته وإن لم يشهده .

ولو قال في غير مجلس القضاء: لفلان على فلان حقّ كذا وأنا شاهد به بسبب كذا، مثل ثمن مبيع، أو أرش جناية، أو غير ذلك، ففي جواز شهادة الفرع به إشكالٌ.

أمّا لو لم يذكر شاهدُ الأصل السبب، فإنّه ليس للفرع أن يشهد قطعاً، لأنّ الإنسان يتساهل في غير مجلس الحكم.

ولو سمعه يقول: أشهد أنّ لفلان كذا شهادة مثبوتة عندي لا أتمارى فيها،


صفحه 281

فالأقربُ جوازُ الشهادة على شهادته، وكذا لو سمعه يسترعي شاهداً آخر .

أمّا لو قال: أنا أشهد بكذا، فليس للشاهد أن يتحمّل، لجواز إرادة الوعدة .

6695. الثالث: إذا قال شاهد الأصل: اشهد على شهادتي أنّني أشهد بكذا، كان أعلى مراتب الاسترعاء، وللفرع أن يقول: أشهدني على شهادته .

ولو سمعه يشهد عند الحاكم، فهو دون الأول (1) وأدون منهما أن يسمعه يشهد جزماً لا عند الحاكم وفيهما، ليس للفرع أن يقول: أشهدني، بل يقول: أشهد أنّ فلاناً شهد عند الحاكم بكذا، أو أشهد أنّ فلاناً شهد بكذا بسبب كذا.

6696. الرابع: يجب أن يشهد على كلّ شاهد شاهدان، إذ المراد إثبات شهادة الأصل، وإنّما يتحقّق باثنين، ولو شهد اثنان على كلّ واحد من شاهدي الأصل جاز، وكذا لو شهد اثنان على شاهد الأصل (2) وأحدُ الاثنين وثالثٌ على شهادة الأصل الآخر، أو شهد شاهد أصل وهو مع آخر على شهادة أصل آخر، أو شهد اثنان على جماعة، بأن يشهد الاثنان على شهادة كلّ واحد منهم، أو شهد اثنان على شهادة رجل وامرأتين، أو شهدا على شهادة أربع نساء فيما تُقْبل فيه شهادةُ النساء منفردات .

ولو شهد واحد فرع على شاهد أصل، وشهد آخر غير الأوّل على شهادة أصل آخر، لم تُقبل .

ولا يشترط أن يشهد على شاهدي الاصل أربعةٌ، بحيث يكون الاثنان


1 . في «أ»: الأولى .

2 . في «ب»: شاهد أصل .


صفحه 282

على أحدهما مغايرين للاثنين على الآخر، بل يجوز أن يشهد اثنان على الأصلين، بحيث يكونُ كلُّ واحد من الفرعين يشهد على كلّ واحد من الأصلين.

ولو شهد بالحقّ شاهدُ أصل، وشاهدا فرع يشهدان على أصل آخر جاز.

6697. الخامس: انّما تُقبل شهادة الفرع بشروط ثلاثة:

الأوّل: تعذّرُ شهادةِ الأصل، إمّا بموت، أو مرض، أو حبس، أو خوف من سلطان أو غيره، أو غيبة، فلو تمكّن شاهد الأصل من الحضور، لم تسمع شهادة الفرع، ولا تقدير للغيبة، بل ضابطها اعتبارُ المشقّة على شاهد الأصل في حضوره، ولا تُشترط مسافةُ القصر .

الثاني: أن يتحقّق شروط الشهادة من العدالة وغيرها في كلّ واحد من شهود الأصل والفرع، ولو عدّل شهود الفرع شهود الأصل جاز، وإن لم يشهدا بعدالتهما جاز أيضاً، لكن يتولّى الحاكم ذلك، فإن عرف عدالتهما حكم، وإلاّ بحث عنهما .

ولابدّ من استمرار هذا الشرط ووجود العدالة في الجميع إلى انقضاء الحكم، ويعتبر هاهنا (1) عدالة شاهدي الأصل عند الاسترعاء وإن لم يكن وقت الحكم، واستمرارها إلى وقت الحكم، فلو طرىء الفسق، أو الرّدّة، أو العداوة على شاهدي الأصل، امتنع شهادة الفرع (2) وكذا لو طرأت العبوديّة للمشهود عليه .

ولا يمنع طريان العمى فيما يشترط فيه الرؤية، ولو مات شهودّ الأصل أو


1 . في «ب»: هنا .

2 . في «أ»: امتنع شاهد .


صفحه 283

الفرع لم يمنع الحكم، وكذا لو مات شهودُ الأصل قبل أداء الفرع شهادتهم، وكذا لو جنوا.

الثالث: أن يعيّنا شاهدي الأصل ويسّمياهما، فلو لم يسّمياهما لم تُقبل شهادتهما وإن عدّلاهما.

6698. السّادس: لو شهد شاهدا فرع، وأنكر شاهدُ الأصل الفرعَ، (1) قال الشيخ (رحمه الله): تُقبل شهادةُ أعدلهما، فإن تساويا طرحت شهادةُ الفرع (2) وقال ابن بابويه في رسالته: تُقبل شهادةُ الثّاني، ويُطرح إنكار الأصل مع التّساوي في العدالة (3) .

وكلاهما ليس بجيّد، بل الأولى طرح شهادة الفرع، لأنّ الأصل إن صدق كذب الفرع، وإلاّ كذب الأصل، وعلى كلا التقديرين تبطل شهادةُ الفرع، وتحمل الرواية (4) الّتي أفتى بها الشيخ (رحمه الله) على ما لو قال الأصل: لا أعلم .

6699. السّابع: لو شهد الفرعانِ ثمّ حضر شاهدُ الأصل، فإن كان الحكم، لم يقدح في الحكم، وافقا أو خالفا، وإن كان قبله سقط اعتبار الفرع، وكان الاعتبار بشاهد الأصل .

6700. الثّامن: الأقربُ عدمُ قبولِ شهادة النساء على الشهادة مطلقاً، سواء كان المشهود به ممّا تُقبل فيه شهادةُ النساء منفردات، كالعيوب الباطنة، والاستهلال،


1 . في «ب»: فأنكر الأصل .

2 . النهاية: 329 .

3 . فقه الرضا (عليه السلام): 261 ونقله عنه الحلّي في السرائر: 2 / 127، والمصنف في المختلف: 8 / 525 .

4 . الوسائل: 18 / 300، الباب 46 من أبواب الشهادات، الحديث 3. وفيه «ولو كان أعدلهما واحداً لم تجز شهادته» والظاهر طروءُ التصحيف إلى متن الحديث، ونقله الشهيد في المسالك هكذا «ولو كانت عدالتهما واحدةً لم تجز الشهادة» لاحظ المسالك: 14 / 280 .


صفحه 284

والوصيّة، أو لا تقبل، وسواء كان شاهد الأصل من النساء أو من الرّجال .

6701. التاسع: لو أقرّ بالزنا بالعمة، أو الخالة، أو بوطء البهيمة، أو باللواط، ثبت بشاهدين، وقُبِلَ في ذلك الشهادةُ على الشهادة، ولا يثبت الحدّ ولا التعزير بذلك، بل انتشارُ حرمة النكاح، وتحريمُ أكلِ الدّابّة، ووجوب بيعها في بلد الغربة.

6702. العاشر: ليس على الفروع أن يشهدوا على صدق شهود الأصل .

الفصل السّابع: في الرجوع

وفيه سبعةٌ وعشرون بحثاً :

6703. الأوّل : إذا رجع الشهودُ أو بعضُهُمْ قبل الحكم، لم يحكم، سواء شهدوا بحّد، أو مال، أو حقٍّ .

ولو رجعُوا بعد الحكم والاستيفاء وتلف المحكوم به، لم ينقض الحكم، وضمن الشهود، ولو رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء فإن كان حدّاً، نقض الحكم، سواء كان للّه تعالى أو لآدمي، لأنّ رجوعَهم شبهةٌ، فيدرأ الحدّ لها.

وإن كان مالاً ـ عيناً أو ديناً ـ لم ينقض ، سواء سلّم العين الى المشهود له أو لا، وسواء كانت العين باقيةً أو لا، وغرم الشهود ما شهدوا به .

وقال الشيخ في النهاية : إذا كان الشيء قائماً بعينه، رُدَّ على صاحبه ولم يغرم الشاهدان (1) وليس بمعتمد.


1 . النهاية : 336 .


صفحه 285

6704. الثاني: لو شهد أربعة بالزنا ثمّ رجعُوا حُدّوا، فإن قالوا: «غلطنا» فالأقربُ وجوبُ الحدّ للفرية أيضاً، ولو لم يصرّحوا بالرّجوع ، بل قالوا للحاكم: توقّف ، ثمّ عادوا وقالوا: اقض، فالأقربُ جوازُ القضاء، وهل تجب إعادةُ الشّهادة؟ الأقربُ الوجوبُ .

6705. الثالث: لو شهد اثنان بالقتل أو الجرح، فاستوفى الحاكم بعد التعديل، ثمّ رجعا، فإن قالا: تعمّدنا اقتُصّ منهما، وإن قالا: أخطأنا كان عليهما الدية.

وإن قال أحدهما: تعمّدتُ وقال الآخر: أخطأت اقتُصّ من العامد، وأخذ نصف الدّية من المخطىء .

وإذا اعترفا معاً بالعمد، فللوليّ قتلهما وردّ الفاضل عن دية صاحبه، وله قتلُ البعض وردّ الآخر قدرَ جنايته.

ولو رجع وليّ القصاص ـ وكان هو المباشر ـ واعترف بالتزوير، فعليه القصاص، فإن رجع الشاهدان أيضاً، فهل الشاهدان كالممسك (1)أو كالشريك؟ الأقربُ الأوّلُ، لأنّ المباشر أولى من السبب.

ولو رجع المزكّي، فالأقربُ أنّه كالشريك، لكن لا يجب فيه القتل بل الدّية على إشكال .

ولو قال الشاهد: تعمّدت، ولكن ما علمت انّه يقتل بقولي، فالأقربُ القصاصُ، وكذا لو ضربه ضرباً يقتل به المريض دون الصّحيح، فإنّه يجب القصاص.


1. في «ب»: كالمتمسك.


صفحه 286

6706. الرابع: لو قال أحد شهود الزنا بعد الرّجم: تعمّدّتُ، فإن صدّقه الباقون، كان للوليّ قتلُ الجميع، ويردّ ما فضل عن دية المرجوم.

وإن شاء قتل واحداً، ويردّ الباقون بقدر جنايتهم على المقتول .

وإن شاء قتل أكثر من واحد بعد أن يردّ ما فضل عن دية صاحبه، ويكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين .

ولو لم يرجع الباقون، نفذ إقرار من رجع في حقّ نفسه خاصّةً، فإن اختار الوليّ قتلَهُ قَتَلَه، وأدّى الوليّ إليه ثلاثة أرباع الدية، وان اختار أخْذَ الدية منه، كان عليه الرّبع، وكذا لو قال: أخطأتُ.

وفي النهاية: إن قال: تعمّدتُ، قُتِلَ، وأدّى الثلاثةُ إليه ثلاثة أرباع الدّية، قال: وإن رجع اثنان وقالا: أُوْهِمْنا، أُلزما نصفَ الدية، وإن قالا: تعمّدنا، كان للوليّ قتلُهُما، ويؤدّي إلى ورثتهما ديةً كاملةً بالسويّة بينهما، ويؤدّي الشاهدان الآخران على ورثتهما (أيضاً) (1) نصفَ الدية، وإن اختار الوليّ قَتْلَ واحد (منهما)(2)، قَتَلَه، وأدّى الآخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثةَ أرباع ديته (3) والحق ما قلناه نحن أوّلاً .

6707. الخامس: لو شهدا بطلاق امرأة، ثمّ رجعا، أو رجع أحدهما قبل الحكم، بطلت شهادتهما، وبقيت على الزوجيّة، وإن رجعا بعد الحكم، فإن كان ذلك قبل الدخول، ضمنا نصفَ المهر المسمّى للزوج، وإن كان بعد الدخول لم يضمنا


1. ما بين القوسين يوجد في المصدر .

2. ما بين القوسين يوجد في المصدر .

3. النهاية: 335 .


صفحه 287

شيئاً، قالابن إدريس: لأن الأصل براءة الذّمة، وليس خروج البضع عن ملك الزوج له قيمة، كما لو أتلفا عليه ما لا قيمة له، فلا يلزمهما الضمان، وأمّا (1) قبل الدّخول فيلزمه نصف المهر، فيجب أن يغرماه له، لأنّهما غرماه إيّاه، وأتلفاه بشهادتهما .(2)

وقال الشيخ (رحمه الله) في النهاية: لو شهدا بالطلاق على رجل فاعْتدَّتْ، وتزوَّجَتْ ثمّ دُخِلَ بها، ثمّ رجعا، وجب عليهما الحدُّ، وضَمِنا المهرَ للزوج الثاني، وترجِعُ المرأَةُ إلى الأوّل بعد الاستبراء بعدّة من الثّاني (3).

ومقصود الشيخ (رحمه الله) بوجوب الحدّ، إنّما هو التعزير بشهادتهما بالزّور وأمّا الرّجوع إلى الأوّل فليس بجيّد، وأمّا إلزامُهُما بالمهر للثاني، فهو بناء على نقض الحكم، وليس بمعتمد.

وقوّى في المبسوط (4) عدمَ التضمين مع الدخول، لأنّ الأصلَ براءةُ الذّمة ويضمن نصف المسمّى إن كان قبله، ثمّ قال: ومنهم من قال: إن كان المهر مقبوضاً، لزمهما كمالُ المهر، وإن لم يكن مقبوضاً، لزمهما نصفُهُ، لأنّه إذا كان مقبوضاً لا يردّ منه شيئاً، لاعترافه لها به لبقاء الزوجيّة بينهما، فلمّا حيل بينهما، رجع بالجميع عليهما، وليس كذلك إذا كان قبل القبض، لأنّه لا يلزمه إلاّ إقباض نصفه، فلهذا رجع بالنصف عليهما، قال: وهذا قويٌّ (5).

وعندي في هذه المسألة إشكالٌ، ينشأ من كون الرّجوع إنّما يثبت على


1. كذا في المصدر ولكن في النسختين «لم يلزمها ضمان أمّا».

2. السرائر: 2 / 145 .

3 . النهاية: 336 .

4. المبسوط: 8 / 247 .

5 . المبسوط: 8 / 247 ـ 248 .


صفحه 288

الشاهد فيما يتلفه بشهادته ووجوبُ نصف المهر قبل الدخول، أو المهر بعده لم يُتْلِفْ من الزوج شيئاً، لأنّه واجبٌ عليه سواء طلّق أو لم يُطلِّق، والحاصل أَنّ بشهادتهما بالطّلاق قبل الدخول لم يُتْلِفا نصفَ المهر، لأنّه واجب عليه بالعقد، وبعد الدّخول لم يُتْلِفا المهرَ لاستقراره في ذمته بالدخول، وإنّما أتلفا بشهادتهما البضع عليه، فيجب عليهما ضمانُهُ، وإنّما يضمن بمهر المثل، فيجب مهر المثل مع الدخول، لأنّهما أتلفا البضعَ عليه، ونصفه قبل الدّخول، لأنّه إنّما ملك نصف البضع، ولهذا إنّما يجب عليه نصفُ المهر .

ويحتمل ما ذكرناه أوّلاً، من تضمين نصف المسمّى إن كان قبل الدخول، لأنّهما ألزماه للزوج بشهادتهما، وقرّراه عليه، وكان بمعرض (1) السقوط بالرّدة والفسخ من قبلها، وعدمِ التّضمين(2) إن كان بعد الدخول، لأنّ المهر تقرّر عليه بالدّخول، فلم يقرّرا عليه شيئاً، والبضع غير متقوم به، فانّها لو ارتدَّتْ، أو أَسْلَمَتْ، أو قَتَلَتْ نَفْسَها، أو فَسَخَتْ نِكاحَها قبلَ الدخول برضاع من ينفسخ به نكاحُها، لم يغرم شيئاً، وهذا هو الأقوى عندي .

6708. السّادس: لو شهدا على امرأة بنكاح، فحكم به الحاكم، ثم رجعا، فإن طلّقها الزّوجُ قبلَ دخوله بها، لم يغرما شيئاً، لأنّهما لم يفوّتا عليها شيئاً، وإن دخل بها وكان الصّداق المسمّى بقدر مهر المثل أو أكثر منه، ووصل إليها، فلا شيء عليهما، لأنّها أخَذَتْ عوَض ما فوّتاه عليها، وإن كان دونه، فعليهما ما بينهما، وإن لم يصل إليها فعليهما ضمان مهر مثلها، لأنّه عوضُ ما فوّتاه عليها.


1. في «ب»: وكان بعرض .

2. عطف على قوله «من تضمين» أي يحتمل عدم التضمين .


صفحه 289

6709. السّابع: لو شهدا بعتق عبد أو أمة فحكم به الحاكم، ثمّ رجعا، ضمنا القيمة، سواء تعمّدا أو أخطآ، لأنّهما أتلفاه بشهادتهما .

ولو شهدا بكتابة عبده ثمّ رجعا، فإن عجز ورُدَّ في الرّقّ، فلا شيء عليهما، ويحتمل أن يقال: عليهما ضمانُ أُجرة مدّة الحيلولة إن ثبتت، وإن أدّى وعُتِقَ، فالوجهُ الرّجوعُ بجميع القيمة، لأنّ ما أدّاه كان من كسبهِ الّذي يملكه السيّد، ولو طلب تغريمهما قبل انكشاف الحال، فالوجهُ أنّه يغرمهما ما بين قيمته سليماً ومكاتباً .

ولو شهدا باستيلاد أمته ثمّ رجعا، فالوجهُ أنّه يرجع عليهما بما نَقَصْتها الشهادةُ من قيمتها.

وإن شهدا بطلاق رجعيٍّ، فالوجهُ أنَّه لا يرجع بشيء إن قلنا بالرجوع فيما إذا رجعا بعد الدخول، لأنَّه قد كان متمكِّناً من تلافي ما شهدا به بالرجعة، فالبينونة حَصَلَتْ باختياره.

6710. الثّامن: لو شهدا بمال ثمّ رجعا بعد الحكم، غرما ما شهدا به للمحكوم عليه، ولا يرجع به على المحكومُ له، سواء كان المال قائماً أو تالفاً، لأنّهما حالا بينه وبين ملكه، فلزمهما الضمان ولأنّهما سببا الإتلاف (1) بشهادة الزور، فضمنا، وهو أحد قولي الشيخ (رحمه الله) (2) وله قولُ آخر انّهما يغرمان إن كان المال تالفاً، وإن كان باقياً بعينه رُدَّ على صاحبه ولم يغرما شيئاً (3) وليس بجيّد .

وإن رجعا أو أحدهما قبل الحكم، بطلت الشهادة، ولم يغرما شيئاً إجماعاً .


1. في «أ»: سبب الإتلاف .

2 . المبسوط: 8 / 248 .

3. ذهب إليه الشيخ في النهاية: 336 .


صفحه 290

ولو رجعا بعد الحكم قبل الاستيفاء، فالحكم فيه كالحكم فيما لو رجعا بعد الاستيفاء، لا ينقض الحكم، بل يستوفي المحكومُ له المالَ من المحكوم عليه، ويرجع المحكومُ عليه بما غرمه على الشاهدين.

ولو اصطلح المحكومُ عليه والمحكومُ له عن الحقّ الثابت بالشاهدين بشيء، رجع المحكومُ عليه على الشاهدين بأقّل الأمرين، ولو أبرأه المحكومُ له، لم يرجع على الشاهدين بشيء .

6711. التاسع: لو رجع أحد الشاهدين وحده، لم يحكم الحاكم إن كان رجوعُهُ قبلَ الحكم، وإن رجع بعد الحكم قبلَ الاستيفاء في الحدود، لم يستوف الحاكم، وإن رجع بعد الاستيفاء، لزمه حكمُ إقراره وحده، فإن أقرّ بما يوجب القصاص وجب عليه، وإن أقرّ بالخطأ، وجب عليه نصيبُهُ من الدّية، وإن كان مالاً غرم نصفه .

ولم كان الشهود أكثر من اثنين في الحقوق الماليّة أو القصاص، أو أزيد من أربعة في الزنا، فرجع الزائد قبل الحكم والاستيفاء، لم يمنع ذلك الحكمَ ولا الاستيفاء، وإن رجع بعد الاستيفاء أو بعد الحكم خاصّةً، ضمن نصيبه، ويحتمل عدم الرجوع، فعلى الأوّل لو شهد أربعةٌ بالقصاص، فرجع واحدٌ منهم، فإن قال: تعمّدتُ، اقتُصَّ منه، ورَدَّ عليه الوليّ ثلاثةَ أرباع الدية، وإن قال: أخطأت، أُغرم ربع الدية،


صفحه 291

وإن رجع اثنان لزمهما النصف، وإن رجع ثلاثةٌ لزمهم ثلاثةُ أرباع .

وإن شهد ستّةٌ بالزنا، فرجع واحدٌ، ضمن السُّدُسَ، وإن رجع اثنان، ضمنا الثلثَ، وعلى القول الثاني(1) لاضمان عليهما، ولو رجع ثلاثةٌ، فعليهم ربعُ الدية، وإن رجع أربعةٌ، فعليهم النصف، وإن رجع خمسةٌ، فعليهم ثلاثة أرباعها، وإن رجع السّتّةُ، فعلى كلّ واحد السدسُ.

ولو شهد ثلاثةٌ بالمال، فرجع أحدهم، فعلى القول الأوّل (2) يضمن الثلث، وعلى الثاني لا شيء عليه، ولا خلاف أنّه لو رجع الثلاثة دفعةً، فإنّ كلَّ واحد يغرم الثلث.

6712. العاشر: لو حكم بشهادة رجل وامرأتين، فرجع الرجل، ضمن النّصف، ولو رجعت امرأةٌ ضمنت الرّبع، ولو رجعوا أجمع ضمن الرجلُ النصفَ وكلُّ امراة الربّعَ .

ولو شهد رجلٌ وعشرُ نسوة فرجعوا أجمع، ضمن الرجلُ السّدسَ وكلُّ امرأةِ نصفَ السدس، ولو رجع الرّجلُ خاصّةً، ضمن السدسَ على الأول وعلى الثاني النصفَ، ولو رجع ثمانٌ من النسوة خاصّةً، فعلى الأوّل عليهنّ بقدر نصيبهنّ من الشهادة لو رجعوا أجمع، وعلى الثاني لا شيء عليهنّ.

ولو شهد أربعةٌ بأربعمائة، فحكم الحاكم، ثمّ رجع واحدٌ عن مائة، وآخر عن مائتين، والثالث عن ثلاثمائة، والرابع عن أربعمائة، فعلى الأوّل على كلّ واحد ممّا رجع عنه بقسطه، فعلى الأوّل خمسةٌ وعشرون، وعلى الثاني خمسون، وعلى الثالث خمسةٌ وسبعون، وعلى الرابع مائةٌ، لاعتراف كلٍّ منهم بتفويت ربع ما رجع عنه، وعلى الثاني يلزمُ الراجعَ عن ثلاثمائة وأربعمائة خمسون، لانّ المائتين الّتي رجعا عنهما، قد بقي بها شاهدان.(3)

6713. الحادي عشر: لو شهد أربعةٌ بالزنا واثنان بالإحصان، فرجم، ثمّ رجعوا


1. في «ب»: وعلى الثاني.

2 . في «ب»: فعلى الأول .

3 . في «أ»: قد بقي بهما .


صفحه 292

أجمع، ضمنوا له أجمع، لأن القتل حصل بمجموع الشهادتين، فيجب الغرم على الجميع، كما لو شهدوا أجمع بالزنا، وهل يُوَزَّعُ على عدد الرّؤوس، أو يكون على شهود الزنا النصف، وعلى شهود الإحصان النصف؟ فيه احتمال، لأنّهما حزبان فلكلّ حزب نصفٌ، ويحتمل سقوط الضّمان عن شهود الإحصان، لأنّهم شهدوا بالشّرط دون السبّب، والسّبب للقتل (1) إنّما هو الزّنا، فيضمن شهودُهُ خاصّةً .

ولو شهد أربعةٌ بالزنا واثنان منهم بالإحصان، ثمّ رجعوا بعد الرّجم عن الشهادتين، فإن قلنا بالتشريك بين شهود الزنا والإحصان، يحتمل أن يكون على شاهدي الإحصان الثلثان، ثلثٌ بشهادة الزنا، وثلثٌ بالإحصان وعلى الآخرين الثلث على التقدير الأوّل، وعلى الثاني يجب على شاهدي الإحصان نصف الدية بشهادة الإحصان لأنّهما حزبٌ وربعٌ بشهادة الزنا، وعلى الآخرين ربعٌ آخر، ويحتمل وجوبُ نصف الديّة على شاهدي الإحصان بالشهادتين معاً، والنّصف على الآخرين بشهادة الزنا، لأنّ الدّية تقسّط على عدد الرّؤوس لا على قدر الجناية، كما لو جرحه واحدٌ جرحاً وآخر جرحين وسرى الجميع .

6714. الثاني عشر: لو شهدا بالسّرقة فقطع المشهودُ عليه، ثمّ رجعا، فإن قالا: أوهمنا، غرما دية اليد، وإن قالا: تعمَّدْنا، فللوليّ قطعُهُما ورَدُّ دية يد عليهما، وقطعُ يدِ واحد ويرّد الآخر نصفَ دية اليد على المقطوع .

ولو قالا: أوهمنا وأتيا بآخر وقالا: إنّ السّارق هذا، غرما دية يد الأوّل، ولم يُقْبل قولُهما على الثاني، لعدم ضبطهما.


1 . في «ب»: «لأنّهم شهدوا بالشرط دون السبب للقتل» والصحيح ما في المتن .


صفحه 293

6715. الثّالث عشر: لو شهدا أنّه أعتَقَ هذا العبد على ضمان مائة درهم، وقيمة البعد مائتان، فَحَكَمَ الحاكمُ بشهادتهما، ثمّ رجعا، رجع المولى على الشاهدين بمائة، لأنّها تمام القيمة، ورجع الضامن بالمائة الّتي شهدا بضمانها، وكذا لو شهدا بطلاق امرأة على رجل قَبْلَ الدخول على مائة ونصف المسمّى مائتان، غير ما للزوج مائةً، لأنهما فوّتاها بشهادتهما المرجوع عنها.

ولو شهدا على رجل بنكاح امرأة بصداق معيّن، وشهد آخران بدخوله بها، ثمّ رجعوا أجمع بعد الحكم بالصداق، احتُمِلَ وجوبُ الضّمان أجمع على شاهدي النكاح، لأنّهما ألزماه المسمّى، ووجوبُ نصفهِ عليهما والنصف الآخر على شاهدي الدخول، لأنّهما قرّراه وشاهدا النكاح أوجباه، فقسّم بينهم أرباعاً، ولو شهد حينئذ بالطّلاق شاهدان ثمّ رجعا، لم يلزمهما شيءٌ، لأنّهما لم يُتْلِفا عليه شيئاً يدّعيه، ولا أوجبا عليه ما ليس بواجب.

6716. الرابع عشر: لو شهد شاهدا فرع على شاهدي أصل، فحكم الحاكم بشهادتهما، ثمّ رجع شاهدا الفرع، ضمنا، ويحتمل عدمُ الضّمان إن شهد بعد رجوعهما شاهدا الأصل .

ولو رجع شاهدا الأصل وحدهما، لزمهما الضمان، لثبوت الحقّ بشهادتهما، ولهذا اعتبرنا تعديلهما، ويحتمل عدم الضمان، لأنّ الحكمَ تعلّق بشهادة شاهدي الفرع، لأنّهما جعلا شهادة شاهدي الأصل شهادةً، فلم يلزم شاهدي الأصل ضمانٌ، لعدم تعلّق الحكم بشهادتهما، والأوّلُ أقربُ.

ولو حكم الحاكم بشهادة شاهدي الفرع عليهما، ولم يرجع شاهدا الأصلِ، لكن كذّبا شاهدي الفرع في الشهادة عليهما، أو قالا: نحن لا نشهد بذلك، لم


صفحه 294

ينقض الحكم، ولم يتعلّق الضمان بأحد، بخلاف ما لو رجع شاهدا الأصلِ، بأن قالا: شهدنا غلطاً، أو تعمّدنا التزوير.

6717. الخامس عشر: لو حكم الحاكم بشهادة رجل ويمين، فرجع الشّاهدُ، احتُمِلَ إيجابُ النّصف عليه، لأنّه إحدى حجّتي المدّعي، وإيجابُ الجميع، لأنّ اليمين قولُ الخصم، و قول الخصم ليس حجّة على خصمه، وإنّما هي شرط الحكم، فجرت مجرى مطالبته الحاكمَ بالحكم، ولأنّ كونها حجّةً إنّما تحصل بشهادة الشاهد، ولهذا لم يجز تقديمها على الشهادة .

6718. السّادس عشر: لو شهدا بتعريف اثنين، فحكم الحاكم، ثمّ رجع المعرّفان، غرما ما شهدا به الشاهدان، لأنّ الحكم ثبت بهما، وهل يجريان مجرى شاهدي الأصل لو رجعا في تضمين الجميع، أو مجرى الشاهد الواحد فيضمنان النصف؟ فيه نظرٌ، أمّا لو أنكر المعرِّفان التعريفَ عند الشاهدين، فلا ضمان .

6719. السّابع عشر: لو شهد اثنان وزكّاهما اثنان، فحكم الحاكم، ثمّ رجع المزكّيان، ضمنا ما حكم به الحاكم، وهل يجب الجميع أو النصف؟ احتمالٌ سَبَقَ في المعرِّفين .

ولو رجع أحدهما ضمن بقدر نصيبه، ويحتمل عدمُ الرجوع إذا أمكن التعديل بعد الرجوع بغيرهما(1) وكذا في التعريف .

6720. الثّامن عشر: إذا رجعوا عن الشهادة بعد الحكم، وقالوا: تعمَّدْنا، وجب عليهم القصاصُ في القتل والجرح، ولا تعزير، ولو كانت الشهادة بمال


1 . في «ب»: ويحتمل عدم الرجوع بغيرهما .


صفحه 295

عُزِّروا وغرموا، ويحتمل عدم التعزير، لأنّ رجوعهم توبةٌ، ولو قالوا: أخطأنا، لم يعزّروا ويغرموا .

6721. التاسع عشر: لو أنكر الشاهدانِ الشهادةَ عند الحاكم المعزول، لم يغرما شيئاً، ولو أنكرا الشهادةَ عند المنصوب غرما، لأنّه كالرجوع، ولو رجعوا ضمنوا في الحالين، ولا يغرم الحاكم المعزول، لأنّ الأصلَ صحّةُ حكمِهِ.

ولو رجع الحاكم عن حكمه بعد الاستيفاء، لزمه الضّمان، سواء اعترف بالعمد في الحكم بالباطل أو بالخطأ، وسواء كان معزولاً أو لم يكن، أمّا لو ثبت خطاؤُهُ في الحكم بالقصاص أو القتل، فإنّ الضمان على بيت المال .

6722. العشرون: حكم الحاكم يتبع للشهادة، فإن كانت مُحِقَّةً نَفَذَ الحكمُ باطناً وظاهراً، وإلاّ نفذ ظاهراً، ولا يستبيح(1) المشهود له ما يحكم به الحاكم مع علمه بالغلط، ويباح له مع العلم بصحّة الشهادة أو الجهل بحالها.

6723. الواحد والعشرون: إذا حكم بشهادة اثنين في قطع أو قتل، وأنفذ ذلك، ثمّ ظهر كفرهما أو فسقهما، لم يجب على الشاهدين ضمانٌ، بخلاف الرجوع عن الشهادة، فإنّ الراجعَ معترفٌ بكذبه، ويضمن الحاكم لحكمه بشهادة من لا تجوز شهادتُهُ، ولا قصاص لأنّه مخطىء.

وتجب الدّيةُ، ومحلُّها بيتُ المال، لأنّه نائبٌ عن المسلمين ووكيلُهُمْ، وخطأ الوكيل في حقّ موكلّه عليه، ولا يجب على عاقلة الإمام، وسواء تولّى الحاكم ذلك بنفسه أو أمر من تولاّه وإن كان الوليّ، لأنّه سلّطه، والوليّ يدّعي أنّه حقُّهُ.


1 . في «ب»: ولا تبيح .


صفحه 296

6724. الثّاني والعشرون: لو شهد أربعةٌ بالزنا فزكّاهم اثنان، فرجم المشهود عليه، ثمّ بان أنّ الشّهود فسقةٌ وكفرةٌ، فلا ضمان على الشهود، لعدم اليقين بكذبهم، وهل يضمن المزكّيان أو الحاكم؟ فيه تردُّدٌ، ينشأ من كون شهادة المزّكي شرطاً لا سبباً، ومن كونهما شَهِدا بالزور شهادةً أفضت إلى قتله.

ولو تبيّن فسقُ المزكّيين، فالضمان على بيت المال، لأنّ التفريط من الحاكم.

أمّا لو فرّط الحاكمُ في البحث عن عدالة الشاهدين، أو عن عدالة المزكّيين، فالضمان عليه في ماله.

ولو جلد الحاكم إنساناً بشهادة شهود، ثمّ بانَ فسقُهُمْ أو كِذْبُهُمْ، فعلى الإمام الضمانُ من بيت المال، لما حصل من أثر الضرب.

ولو ظهر فسقُ الشاهدين سابقاً على الشهادة بالمال بعد الحكم، نقض الحكم، ولم يغرم الشاهدان .

6725. الثالث والعشرون: لو ادّعى المشهودُ عليه فسقَ الشاهدين، سُمِعَتْ دعواه قبل الحكم عليه وبعده، ولو أقام بيّنةً بالفسق سمعت بيّنته، سواء كان الحاكم عليه، هو المدّعى عنده بالفسق أو غيره(1)، فانّ الحاكم إذا شهد عنده اثنان بفسق شاهدي الحقّ عند غيره، نَقَضَ حكم ذلك الغير .

ولو قامت البيّنةُ أنّ الحاكم الآخر حكم بشهادة عبدين، فإن كان الّذي حكم بشهادتهما يعتقد الحكم بشهادة العبيد، لم ينقض حكمه لأنّه حكم


1 . أي سواء كان الحاكم ـ عند قيام البيّنة بالفسق ـ نفس الحاكم السابق أو غيره، ويوضح ذلك تعليله في قوله «فإنّ الحاكم...» .


صفحه 297

باجتهاده في مسألة اجتهاديّة، وإن كان ممّن لا يعتقد ذلك، نَقَضَهُ، لأنّ الحاكم به يعتقد بطلانه .

6726. الرابع والعشرون: شهادةُ الزور من الكبائر العظام، رُوي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال :

«عُدِّلَت شهادةُ الزور الشرك بالله، ثلاث مرّات ثم قرأ: (فَاجْتَنِبوُا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبوُا قَوْلَ الزُّورِ)(1).(2)

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متّكئاً فجلس فقال: «ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور» .

فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت. (3)

وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لا ينقضي كلامُ شاهدِ الزور بين يدي الحاكم حتّى يتبوّأ مقعده من النار وكذلك من كتم الشهادة »(4).

وعن الباقر (عليه السلام) :


1 . الحج: 30 .

2 . سنن أبي داود: 3 / 305 ـ 306 برقم 3599، مستدرك الوسائل: 17 / 416، الباب 6 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 10 .

3 . مستدرك الوسائل: 17 / 416، الباب 6 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 11، مسند أحمد:4 / 178 .

4 . الفقيه: 3 / 36، برقم 122، ولاحظ الوسائل: 18 / 237، الباب 9 من أبواب الشهادات، الحديث 4 .


صفحه 298

«ما من رجل يشهد شهادة زور على مسلم ليقطع ماله إلاّ كتب الله له مكانه صكّاً(1) إلى النار»(2).

ويجب تعزير شاهد الزور بما يراه الامام رادعاً له ولغيره في مستقبل الوقت، وإشهارُهُ(3) بين قبيلته ليعرف حاله، وكان عليّ (عليه السلام) إذا أخذ شاهد زور، فإن كان غريباً بعث به إلى حيّه، وإن كان سوقيّاً، بعث به إلى سوقهم، ثمّ يطيف به، ثمّ يحبسه أيّاماً، ثمّ يخلّي سبيلَهُ .

وعن الصادق (عليه السلام) قال :

«شهوُد الزورُ يُجلدون حدّاً، (و)(4) ليس له وقتٌ، ذلك إلى الإمام، ويطاف بهم حتّى يعرفوا ولا يعودوا قال: قلت: فإن تابوا وأصلحوُا تُقْبَلُ شهادتُهُمْ بعد ؟

فقال(5):

«إذا تابوا تاب الله عليهم، وقبلت شهادتهم بعد »(6).

أمّا مّا لو تعارضت البيّنتان، أو ظهر فسقُ الشاهد أو غلطُهُ في شهادته، فلا يؤدّب به، لأنّ الفاسق قد يصدق، والتعارض لا يعلم به كذبُ إحدى البيّنتين بعينها، والغلط قد يعرض للصادق العدل .


1 . في مجمع البحرين بعد نقل الحديث: الصّكّ بتشديد الكاف: كتاب كالسجل يكتب في المعاملات .

2 . الفقيه: 3 / 36، برقم 123. والوسائل: 18 / 236، الباب 9 من أبواب الشهادات، الحديث 2 .

3 . في «أ»: واشتهاره .

4 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

5 . في المصدر: قال .

6 . الوسائل: 18 / 243 ـ 244، الباب 15 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .


صفحه 299

6727. الخامس والعشرون: إذا علم أنّ الشاهدين شهدا بالزور، ظهر بطلانُ الحكم، ووجب نقضُهُ، فإن كان مالاً رُدَّ إلى صاحبه، وإن كان إتلافاً فعلى الشاهدين ضمانُهُ، ولو ثبت ذلك بإقرارهما على أنفسهما من غير موافقة الحاكم(1)، كان ذلك رجوعاً منهما عن الشهادة، وقد تقدّم حكمُهُ .

6728. السادس والعشرون: إذا تاب شاهدُ الزور، ومَضَتْ مدّةٌ تظهر فيها التوبة والنّدمُ، وظهر صدقُهُ فيها وعدالته، قُبِلَتْ شهادتُهُ بعد ذلك .

6729. السّابع والعشرون: إذا غيّر العدلُ شهادتَهُ بحضرة الحاكم، فزاد فيها أو نقص قَبْلَ الحكمِ بشهادة الأُولى، احتمل القبولُ، لأنّها شهادةٌ من عدل غيرِ متّهم لم يرجع عنها، فيجب الحكم بها، والعدمُ لأنّ كلَّ واحدة منهما تردّ الأُخرى وتضادّها، والأوّل مرجوعٌ عنها والثانية غير موثوق بها، لأنّها من شاهد أقرّ بغلطه، ولا يؤخذ بأوّل قوليه، وذلك مثل أن يشهد بمائة، ثمّ يقول: بل هي مائةٌ وخمسون، أو يقول: بل هي سبعون .

ولو شهد بمائة، ثمّ قال قبل الحكم: قضاه منها خمسين، احتمل الوجهين أيضاً .

أمّا لو شهد أنّه أقرضه مائةً، ثمّ قال: قضاه منه خمسين، فإنّ شهادته تُقْبل في باقي مائة، وجها واحداً .


1 . والظاهر «المحكوم له» بدل «الحاكم» .


صفحه 300

صفحه 301

كتاب الحدود

وفيه مقاصد


صفحه 302

صفحه 303

المقصد الأوّل: في حدّ الزنا

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في موجبه

وفيه ثلاثة عشر بحثاً :

6730. الأوّل : الزّنا موجبٌ للحدّ، ونعني به إيلاج ذكر الإنسان في فرج امرأة قبل أو دبر محرّمةً عليه من غير عقد ولا شبهة عقد ولا ملك، ويكفي في تحقّقه غيبوبة الحشفة في القبل أو الدّبر .

ويشترط في إيجاب الحدّ العلمُ بالتحريم، والاختيار، والبلوغ، فلو انتفى العلم بالتحريم، أو أُكره على الزّنا، أو كان صبيّاً، لم يجب الحدّ.

ويشترط في الرجم زيادةً على ما تقدّم الإحصانُ .

6731. الثاني : لو تزوّج من يحرم عليه نكاحُها، كالأُمّ، والبنت، والأخت، والمرضعة، وذات البعل، والمعتدّة، وزوجة الأب أو الابن، كان العقدُ باطلاً بالإجماع، فإن وطئها مع علمه بالتحريم، وجب عليه الحدّ ولا يكون العقد


صفحه 304

وحده شبهةً في سقوط الحدّ،(1) ولو وطىء جاهلاً بالتحريم سقط الحدّ، وهكذا كلُّ نكاح أُجمع على بطلانه، كالخامسة، والمطلّقة ثلاثاً .

أمّا النكاح المختلف فيه، كالمجوسيّة، فإنّه لا حدّ فيه، وكذا كلّ نكاح توهّم الواطىء الحلَّ فيه.

ولو استأجرها للوطي، وجب الحدّ، ولم يسقط به، إلاّ أن يتوهّم الحلَّ به.

ولو وجد على فراشه امرأةً، فظنّها (2) زوجته، فوطئها، أو زفَّت إليه غيرُ زوجته، فوطئها ظنّاً أنّها زوجته، أو تشبَّهَتْ عليه غيرُ زوجته بها، أو دعا زوجتَهُ أو جاريتَهُ فجاءَتْهُ غيرُها، فظنّها المدعّوةَ، فوطئها، أو اشتبه عليه لعماه، سقط الحدُّ.

6732. الثالث : إذا تشبَّهَت الأجنبيةُ بزوجته، فوطئها مع الاشتباه، حُدَّتْ هي خاصةً، وفي رواية: يقام عليها الحدّ جهراً، وعليه سرّاً (3) وهي متروكة.

6733. الرابع: لو أباحَتْهُ الوطء، فتوّهم الحلَّ، سقط الحدّ، ولو لم يشتبه لم يسقط، ولو أُكره على الزنا سقط الحدّ .

والإكراه يتحقّق في طرف الزّوجة، وفي تحقّقه في طرف الرجّل إشكالٌ، أقربُهُ الثبوتُ، لأنّ التخويف بترك الفعل، والفعل لا يخاف منه، فلا يمنع الانتشار، ويثبت للمكرهة على الواطئ مهرُ مثل نسائها .


1 . ردّ على أبي حنيفة حيث قال: اسم العقد يمنع من وجوب الحدّ، وإذا وطىء أُمَّهُ، أو أُختَهُ، أو معتدّةً، بعقد نكاح لم يجب الحدّ على واحد منهما. لاحظ الحاوي الكبير: 13 / 217 .

2 . في «أ»: وظنّها .

3 . الوسائل: 18 / 409، الباب 38 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1 .


صفحه 305

6734. الخامس: لو وطىء جاريةً مشتركةً بينه وبين غيره، فإن توهّم الحلّ فلا حدّ، وإن كان عالماً بالتحريم، سقط عنه بقدر نصيبه، وحُدَّ بنسبة نصيب الشريك.

ولو اشترى أُمَّهُ أو أُخْتَهُ من الرضاع، ففي العتق قولان، فإن قلنا بالعدم، لم يبح له وطؤها، فإن وطىء مع الشبهة فلا حدّ، وإن وطىء مع علمه بالتحريم وجب الحدّ، وكذا لو اشترى من ينعتق عليه .

ولو وطىء جاريةَ غيره بغير إذنه، حُدَّ مع العلم بالتحريم لا مع الشبهة.

6735. السّادس: الإحصان الّذي يجب به الرجم إنمّا يتحقّق للبالغ العاقل الحرّ الواطىء لفرج مملوك بالعقد الدائم الصحيح، أو الملك المتمكّن منه، بحيث يغدو عليه ويروح.

فالبلوغ شرطٌ إجماعاً، فلو وطىء الصبيّ زوجته ثمّ بلغ، لم يكن محصناً.

وأمّا العقل، فالّذي اختاره الشيخان(رحمهما الله) عدمُ اشتراطه، فلو وطىء المجنون زوجتَهُ ثمّ عقل كان محصناً، ولو وطىء المجنون عاقلةً وجب عليه الحدّ رجماً كان أو غيره عندهما.(1) والحقُ خلافُهُ .

والحريّةُ شرط إجماعاً، فلو وطىء العبد ثمّ عُتق، لم يكن محصناً حتّى يطأ في حال حريّته، سواء كانت تحته حرّةٌ أو أمةٌ.

والوطء لابدّ منه، فلو عقد البالغ الحرّ على امرأة ولم يدخل بها، ثم زنى لم يكن محصناً، ولا رجم عليه .


1 . المقنعة: 779، النهاية: 696 .


صفحه 306

ودوامُ العقد شرطٌ، فلو وطىء متمتّعاً بها، لم يكن محُصناً، وملك اليمين يحصن كالزّوجة ولو وطىء زوجته أو مملوكته، ثمّ غاب بحيث لا يتمكّن من الغدّو عليه والرّواح، خرج عن الإحصان، أمّا لو غاب دون ذلك بحيث يتمكّن من الغدوّ عليه والرّواح، فإنّه محصنٌ.

ولو كان حاضراً في بلدها إلاّ أنّه ممنوع منها بحبس وشبهه، لم يكن مُحصناً.

ولابدّ من كون العقد صحيحاً، فلو وطىء في نكاح فاسد لم يكن محصناً.

6736. السّابع: إحصان المرأة كإحصان الرّجل سواء، لكن يعتبر في طرفها كمال العقل إجماعاً، فلا رجم ولا حدّ على مجنونة زنى بها عاقلٌ حال جنونها وإن كانت مُحصنةً.

6737. الثّامن: لا يشترط الإسلام في الإحصان، فالذّميّان محصنان، ولو كانت زوجةُ المسلم ذميّةً تحصّنا معاً.

6738. التاسع: لو طلّق زوجته بائناً، خرجت عن الإحصان، وكذا الزوج، ولو راجع المخالعُ لم يجب عليه الرجم إلاّ بعد الوطء في الرّجعة.

ولو أعتق المملوك(1) أو المكاتب لم يجب الرّجم إلاّ أن يجامعا بعد العتق.

ولو طلّق الرجّل زوجتَهُ رجعيّاً لم يخرجا عن الإحصان، فإن تزوّجت بغيره عالمةً بالتحريم، كان عليها الحدّ تاماً، وكذا الزوج إن علم التحريم والعدّة،


1 . في «أ»: المملوكة .


صفحه 307

ولو جهل أحُدهما فلا حدّ، ولو علم أحدُهما خاصّةً اختُّص بالحدّ التام دون الجاهل، وتُقبل دعوى الجهالة من أيّهما كان مع الإمكان .

6739. العاشر: المرتدّ إن كان عن فطرة خرج عن الإحصان، لتحريم الزوجة عليه مؤبّداً، وإن كان عن غير فطرة، لم يخرج عن الإحصان، لإمكان رجعته إلى الزوجة بالعود إلى الإسلام في العدّة، فلو أسلم بعد ذلك كان محصناً، ولو نقض الذّمي العهدَ ولَحِقَ بدار الحرب بعد إحصانه فَسُبِي واسترقّ، ثمّ أُعْتق، خرج عن الإحصان.

6740. الحادي عشر: لو زنى وله زوجةٌ، له منها ولدٌ، فقال: ما وطئتُها، لم يرجم، ولو كان لامرأة ولدٌ من زوج، فأنكرَتْ وطْأَهُ لها، لم يثبت إحصانها، لأن الولد يلحق بإمكان الوطءِ، والإحصان يعتبر فيه تحقُّقُهُ قطعاً وإذا شهدت بيّنة الإحصان بالدخول كفى، فلا يفتقر إلى لفظ المجامعة والمباضعة، إلاّ أن يشتبه عليهما الدخول بالخلوة(1) ولو قالا: جامعها، أو وطئها أو ما أشبهه، ثبت الإحصان، دون «باشرها» و «مسّها» و «أتاها» و «أصابها» لاحتماله غير الوطء.

6741. الثاني عشر: لو جلد الزاني على أنّه بكرٌ فبان محصناً، رجم إلاّ أن يتوب.

6742. الثّالث عشر: إذا ادّعى الواطىء والموطوءة الزوجيّةَ، سقط الحدّ، ولا يكلّف المدّعي بيّنةً ولا يميناً، وكذا لو ادّعى ما يصلح شبهةً بالنسبة إليه .

والأعمى يحدّ حدّاً كاملاً، فإن ادّعى الشبهة، قُبِلَ مع الاحتمال.


1 . في «ب»: بالدخول الخلوة.


صفحه 308

الفصل الثاني: فيما يثبت به الزنا

وهو قسمان :

القسم الأوّل: البيّنة

وفيه اثنا عشر بحثاً :

6743. الأوّل : إنّما يثبت الزنا بأمرين: البيّنة والإقرار، ويشترط في البيّنة شهادةُ أربعة رجال، فيجب معه الرّجم بشرط الإحصان، والجلد مع عدمه، وكذا لو شهد به ثلاثة رجال وامرأتان.

ولو شهد به رجلان وأربع نسوة، ثبت الزنا، ولم يجب الرّجم، بل الجلد وإن كان الزاني محصناً، ولو شهد رجلٌ وستُّ نساء فما زاد، لم يثبت، ووجب عليهم حدُّ الفرية.

ولا يثبت بشهادة النّساء منفردات وبما دون الأربع من الرجال، والخناثى حكمهم حكم النساء في الشهادة.

6744. الثاني : يشترط في الشهود اتّفاقُهُم في الشهادة بالمعاينة لإيلاج في الفرج كالميل في المُكْحُلَة، (1) فلو شهد بعضٌ بالمعاينة وبعضٌ لا بها، حُدّوا أجمع للفرية، وكذا لو شهدوا بالزّنا ولم يعاينوا الإيلاجَ، حُدُّوا للفرية، ولا حدّ


1 . في مجمع البحرين: المُكْحُلَة بضمتّين: وعاء الكُحْل .


صفحه 309

على المشهود عليه، نعم لو لم يشهدوا بالزنا بل شهدوا بالمضاجعة، أو المعانقة، أو الإصابة فيما دون الفرج، سُمِعَتْ شهادتُهُمْ ووجب على المشهود عليه التعزير.

6745. الثّالث: يشترط في شهادتهم بالزنا أن يقولوا: وطئها من غير عقد ولا شبهة عقد ولا ملك، ويكفي أن يقولوا: لا نعلم بينهما سَبَبَ التحليل، ولا يشترط في شهادتهم العلمُ بالنفي .

6746. الرابع: يشترط اتّفاقُ الشهود في القول الواحد، والزمان الواحد، والمكان الواحد، فلو شهد بعضٌ بالوطء قُبُلاً، أو في ضحوة النهار، أو في زاوية معيّنة، وشهد الباقون بخلاف ذلك، لم يثبت وحُدّوا أجمع للفرية.

ولو شهد اثنان بأنّه أكرهها، وآخران بالمطاوعة، سقط الحدّ عنها، وهل يثبت على الزاني؟ وجهان: أحدهما السقوطُ، لعدم كمال البيّنة على فعل واحد، فإنّ فعلَ المطاوعة غيرُ فعلِ المكرهة، فهما فعلان، ولم يكمل على كلّ واحد أربعةٌ، والثاني وجوب الحدّ لاتّفاق الأربعة على زناه، والاختلاف إنّما هو في فعلها لا فعله .

ولو شهد اثنان بالزنا في زاوية بيت، وشهد اثنان بالزنا في زاوية أُخرى، لم يثبت الزنا على ما قلناه، سواء تباعدت الزاويتان أو تقاربتا، وكذا لو اختلفا في الزمان المتقارب والمتباعد.

ولو شهد اثنان أنّه زنى بها في قميص أبيض، وآخران في أحمر، أو اثنان أنّه زنى في ثوب كتّان، وآخران في ثوب خّز، ففي كمال الشهادة إشكالٌ.

6747. الخامس: يشترط في إقامتهم للشهادة دفعةٌ أو اجتماعُهُم لأدائها، فلو


صفحه 310

شهد بعضٌ قبل مجيء الباقين حُدُّوا للقذف، ولم ينتظر إتمام الشهادة، لأنّه لا تأخير في حدٍّ، نعم يستحبّ للحاكم تفريقُ الشّهود في الإقامة بعد الاجتماع، وليس واجباً .

ولا يشترط اجتماعهم حالَ مجيئهم، فلو جاءوا متفرّقين واحداً بعد واحد، واجتمعوا في مجلس واحد، ثمّ أقاموا الشهادةَ، ثبت الزّنا .

6748. السّادس: لا يقدح تقادمُ الزّنا في الشهادة، فلو شهدوا بزنا قديم وجب الحدّ، وكذا الإقرار بالقديم يوجب الحدَّ، ولا يسقط الحدّ إذا شهدوا بالزنا فصدّقهم المشهود عليه .

ولو أقرّ مرّةً أو دون الأربع، لم يمنع ذلك سماع البيّنة والعمل بها، ولو تمّت البيّنةُ عليه وأقرّ على نفسه إقراراً تامّاً، ثم رجع عن إقراره، لم يسقط عنه الحدّ برجوعه، وكذا لا تسقط الشهادةُ بتكذيبه .

ولو شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البيّنةُ، ولم يجب الحدّ.

6749. السّابع: لو تاب قبل قيام البيّنة، سقط عنه الحدّ ولو تاب بعد قيامها لم يسقط، جلداً كان أو رجماً، ولو تاب بعد الإقرار تخيّر الإمام بين إقامته الحدّ عليه وعدمها، رجماً كان أو جلداً.

ولو أقرّ بما يوجب الرّجمَ ثمّ أنكر، سقط الرّجم، ولو أنكر حدّاً اعترف به غير الرجم، لم يسقط بالإنكار.

6750. الثّامن: لو شهد الأربعة ثمّ غابوا أو ماتوا، حَكَمَ الحاكمُ، وأقام الحدَّ، وتجوز الشهادةُ بالحدّ من غير مدّع، ويستحبّ لمن شهد بالزنا عدمُ الإقامة، وإذا


صفحه 311

لم تكمل شهودُ الزنا، وجب عليهم الحدّ، وكذا لو كملوا أربعة غير مرضيّين كالعميان والفسّاق .

ولو رجع واحدٌ منهم عن الشهادة حُدَّ خاصّةً، ولا يجب على الثلاثة، ولو رجعوا أجمع حُدّوا .

6751. التّاسع: لو شهد أربعةٌ بالزنا قبلاً، فادّعتِ البكارةَ، وشهد لها أربع نسوة بها، سقط عنها الحدُّ، وفي حدّ الشهود قولان: الأقربُ السقوطُ، لكمال النصاب مع احتمال صدقهم، لإمكان عود البكارة بعد الوطء، وكان ذلك شبهةً، ولو شهدن بأنّها رتقاء، أو ثبت أنّ الرّجلَ مجبوبٌ، فالأقربُ ثبوتُ الحدّ عليهم للعلم بكذبهم (1) .

6752. العاشر: لو شهد أربعةٌ على رجل بالزنا بامرأة، وشهد أربعةٌ أُخرى على الشهود أنّهم الّذين زنوا بها، فالأقرب ثبوتُ الحدّ على الأوّلين، للزّنا والقذف.

لو شهدوا بالزّنا دبراً لم يُقبل أقلّ من أربعة، ولا يكفي فيه اثنان، أمّا ما ليس بوطء في الفرجين ـ كما لو شهدوا بالتّفخيذ وشبهه ممّا يوجب التعزير ـ فإنّه يكفي فيه شاهدان .

6753. الحادي عشر: يجب على الحاكم إقامةُ حدودِ الله تعالى بعلمه، أمّا حقوقُ النّاس فتقف إقامَتُها على المطالبة، حدّاً كان أو تعزيراً، ويحكم بعلمه فيها أيضاً .


1 . كذا في «أ» ولكن في «ب»: «فالأقرب ثبوت الحدّ على الأولين للزنا والقذف عليهم للعلم بكذبهم» والصحيح ما في المتن .


صفحه 312

وللسيّد إقامةُ الحدّ على عبده وجاريته، وللأبِ إقامةُ الحدّ على ولده، وللزّوج إقامةُ الحدّ على زوجته بعلمهم.

6754. الثّاني عشر: لو حبلت امرأةٌ لا زوج لها ولا مولى، لم يقم عليها الحدّ، ولا تُسأل عن ذلك، فإن سُئلت وادّعتِ الإكراهَ، أو الوطءَ بالشبهة، أو لم تعترف بالزنا، فلا حدّ .

ولو استأجر امراةً لعمل شيء فزنا بها، أو استأجرها ليزني بها وفعل ذلك ، أو زنى بامرأة ثمّ تزوّجها، وجب عليهما الحدُّ(1).

ولو وطىء امرأةً له عليها القصاصُ وجب عليه الحدّ.

القسم الثّاني: الإقرار

وفيه اثنا عشر بحثاً:

6755. الأوّل : إنّما يثبت الزنا بالإقرار أربع مرّات، فلو أقرّ أقلّ منها لم يجب الحدّ، ووجب التعزير.

ويشترط في الإقرار بلوغُ المقرّ ورشدُهُ واختيارُهُ وحرّيتُهُ، ولو كان يعتوره الجنونُ فأقرّ حال إفاقته أنّه زنى وهو مفيقٌ، أو قامت عليه بيّنةٌ بذلك، حُدّ وان أقرّ حال إفاقته ولم يُضفه إلى حال إفاقته، أو قامت عليه البيّنةُ بالزنا، ولم تُضفه إلى حال إفاقته، فلا حدّ، لاحتمال وجوده حالَ جنونه.


1 . ردٌّ على أبي حنيفة حيث قال: لا حدَّ عليهما في هذه المواضع، لأنّ ملكه لمنفعتها شبهة دارئة للحد، ولا يحدّ بوطء امرأة هو مالك لها. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 194، والحاوي الكبير: 13 / 218 ـ 219 .


صفحه 313

6756. الثاني : النائم كالمجنون، فلو زنى بنائمة، أو استدخلت امرأةٌ ذكرَ نائم، فلا حدّ عليه، ولو أقرّ حال نومه لم يلتفت إليه ولو أقرّ حال يقظته بزنا أضافه إلى نومه، سقط عنه الحدّ .

أمّا السكران فإن أقرّ حال سكره لم يلتفت، ولو زنى وهو سكران لم يجب الحدّ.

6757. الثّالث: يشترط في المقرّ إمكان صدور الفعل عنه، فلو أقرّ المجبوب بالزنا، فلا حدّ، وكذا لو قامت به البيّنة، للعلم بكذبها، أمّا الخصيّ أو العنّين لو أقرّا فإنّهما يحدّان، وكذا الشيخ الكبير، لإمكانه في طرفه وإن بعد .

6758. الرابع: لو أُكره على الإقرار بالزنا لم يثبت، ولا يحدّ إجماعاً والحرّيّةُ شرط، فلو أقرّ العبد بالزنا، لم يُقْبل منه، نعم لو صدّقه مولاه، وجب الحدّ، وحكمُ المدبّر وأُمّ الولد ومن عُتِق أكثرُهُ، حكمُ الرِّقِ، ولا يثبت الزنا بإقرارهم، ويثبت عليهم أجمع بالبيّنة .

6759. الخامس: قال الشيخ(رحمه الله) في الخلاف(1) والمبسوط(2): يتشرط تعدّد المجالس، فلو أقرّ أربعاً في مجلس واحد لم يُقْبل، وعندي فيه نظرٌ، والأقربُ القبولُ .

ويستوي الرجلُ والمرأةُ في كلِّ ما تقدّم من الإقرار وعدده، وكذا الخنثى والبكر والثيّب .

6760. السّادس: يعتبر في صحّة الإقرار ذكرُ حقيقةِ الفعل لتزول الشبهات،


1 . الخلاف: 5 / 377، المسألة 16 من كتاب الحدود .

2 . المبسوط: 8 / 4 .


صفحه 314

فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لماعز: لعلّك قبّلت أو غمزت أو نظرت، قال: لا، قال: أفنِكْتَها؟ ـ لا يكنّي ـ قال: نعم، قال: حتّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المِرْوَدُ في المكحلة، والرِّشا في البئر؟ قال: نعم، قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرّجل من امرأته حلالاً(1)، فعند ذلك أمر برجمه .

والأخرس إن فُهِمَتْ إشارتُهُ، قامت مقامَ النطق، وإن لم تفهم إشارتُهُ، لم يتصوّر منه إقرارٌ، ولو قامت عليه البيّنة بالزنا حُدَّ.

6761. السّابع: لو أقرّ أنّه زنى بامرأة أربع مرّات فكذّبته، فعليه الحدّ دونها.

ولو أقرّ أنّه وطىء امرأةً، وادّعى أنّها امرأته، فأنكرت المرأةُ الزوجيّة، فان لم تُقرّ المرأةُ بالوطء، فلا حدّ عليه، لعدم إقراره بالزنا، ولا مهر لها، لأنّها لا تدّعيه، وإن اعترفت بوطئه لها، وأقرتّ بأنّه زنى بها مطاوعةً، فلا مهر عليه أيضاً، ولا حدّ على أحدهما إلاّ أن يقرّ أربع مرّات، وإن ادّعت الإكراه أو اشتبه عليها، فعليه المهر، لاعترافه بسببه، ولا حدّ على أحدهما.

ولو قال: زنيت بفلانة لم يثبت الزنا في طرفه حتّى يقرّ أربعاً، وهل يثبت القذف للمرأة؟ فيه إشكالٌ.

6762. الثّامن: لو أقرّ بحد ولم يبيّنه لم يطالب بالبيان، وضُرِب حتّى ينهي عن نفسه، قيل: ولا يتجاوز المائة ولا ينقص عن ثمانين(2) وهو جيّد في طرف الكثرة لا القلّة .


1 . سنن أبي داود: 4 / 145 ـ 148 ; سنن البيهقي: 8 / 227 .

2 . القائل هو الحلّي في السرائر: 3 / 455 ـ 456 .


صفحه 315

وفي التقبيل، والمضاجعة في إزار واحد، والمعانقة، التعزيرُ.

6763. التّاسع: يستحبّ للحاكم التعريضُ بالرّجوع للمقرّ بالزنا إذا تَمَّ والوقوف عن إتمامه إذا لم يتمّ ، فإن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أعرض عن ماعز حين أقرّ عنده، ثمّ جاءه من الناحية الأُخرى فأعرض عنه، حتّى تمّم إقراره أربعاً، ثمّ قال: «لعلّك قبّلتَ، لعلّك لمستَ»(1) وقال للّذي أقرّ بالسرقة عنده: «ما إخالُك فعلتَ»(2).

ويكره لمن علم حاله أن يحثّه على الإقرار فقد رُوي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لهزال وقد كان قال لماعز: بادر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن ينزل فيك قرآنٌ: «ألا سترته بثوبك كان خيراً لك» .(3)

6764. العاشر: تُقبل شهادةُ الأربعة على الزّاني والزانية، ولا يفتقر في ذلك إلى زيادة، وكذا تُقبل شهادةُ الأربعة على أكثر من اثنين .

ولا يشترط حضورُ الشهود عند إقامة الحدّ، فإن ماتوا أو غابُوا لا فراراً أقيم الحدّ.

ويجب على الشهود الحضور موضع الرجّم، لوجوب بدأتهم به، خلافاً للشيخ (رحمه الله) .(4)

6765. الحادي عشر: لو شهد أربعةٌ والزوجُ أحدُهُمْ، فيه روايتان: إحداهما


1 . العزيز شرح الوجيز للرافعي: 11 / 151 .

2 . سنن ابن ماجة: 2 / 866 برقم 2597 .

3 . سنن أبي داود: 4 / 134 ـ باب في الستر على أهل الحدود ـ برقم 4377; الحاوي الكبير:

13 / 211 .

4 . الخلاف: 5 / 376، المسألة 14 من كتاب الحدود .


صفحه 316

ثبوتُ الحدّ على الزوجة (1) والثانية سقوطه عنها وثبوت حدّ القذف في طرف الشهود وللزوج خاصّةً إسقاط حدّه باللعان(2) وجمع الشيخ (رحمه الله) بينهما بحمل الأولى على ما إذا لم يسبق من الزوج قذف مع حصول باقي الشرائط، والثانية على ما إذا سبق قذفُ الزوج أو اختلّ بعضُ شرائط الشهادة (3) وهو حسنٌ.

6766. الثّاني عشر: إذا شهد أربعةٌ فرُدَّتْ شهادةُ بعضهم، فإن رُدَّتْ بأمر ظاهر، من تظاهر فسق أو كفر لا يخفى عن أحد، حُدَّ الأربعة للفرية، وإن رُدَّتْ بأمر خفيّ، كفسق خفيّ لا يطّلع عليه أكثرُ النّاس، حُدَّ المردود شهادته خاصة .

الفصل الثالث: في الحد

وفيه اثنان وعشرون بحثاً:

6767. الأوّل : كان الحدّ في ابتداء الإسلام للثيّب الحبس حتّى يموت، وللبكر أن يوبّخ عليه ويؤذى بالكلام حتّى يتوب، ثم نسخ برجم الثيّب وجلد البكر.

وأقسام الحدّ خمسةٌ: قتلٌ، ورجمٌ، وجلدٌ، و جلدٌ و رجم معاً، وجلدٌ وجزٌّ وتغريبٌ.

والقتلُ يجب على من زنى بذات محرم، كالأُمّ، والبنت، والأُخت، وبنت


1 . الوسائل: 15 / 606، الباب 12 من أبواب اللعان، الحديث 1 .

2 . الوسائل: 15 / 606 الباب 12 من أبواب اللعان، الحديث 2 .

3 . النهاية: 690، ولاحظ الاستبصار: 3 / 36 ذيل الحديث 119 .


صفحه 317

الأخ، والعمّة، والخالة، والزاني بامرأة أبيه، والذّمّيّ إذا زنى بمسلمة، والزاني بامرأة مُكرِهاً لها.

سواء كان أحد هؤلاء محصناً أو غير محصن، وسواء كان مسلماً أو كافراً، وسواء كان شابّاً أو شيخاً، وحرّاً كان أو عبداً، ولو أسلم الذمّي الزّاني بالمسلمة قُتِل أيضاً، وأمّا المسلمة فإنّها تحدّ بالرجم أو الجلد على ما تستحقّه.

وقال ابن إدريس : إنّ هؤلاء إن كانوا محصنين جلدوا ثمّ رُجموا، وإن كانوا غير محصنين جلدوا، ثمّ قتلوا بغير الرّجم، جمعاً بين الأدلّة .(1) وفي الرواية: يُضرب بالسيف (2) وكذا المرأة إلاّ المكرَهَة .

6768. الثاني : الرجم خاصّةً يجب على الشابّ والشابّة إذا كانا محصنين، ولو كان أحدهما محصناً دون الآخر، رُجم المحصن دون صاحبه وقال ابن إدريس: يجب عليه الجلد أوّلاً ثمّ الرّجم(3)، وهو المشهورُ، اختاره السيّد المرتضى (4) والمفيد(5) واختاره الشيخ (رحمه الله) في التبيان (6)والأوّلُ قولُهُ في النهاية .(7)

6769. الثالث : الجلد والرّجم معاً يجبان على الشيخ والشيخة إذا كان


1 . السرائر: 3 / 438.

2 . الوسائل: 18 / 385، الباب 19 من أبواب حد الزنا، الحديث 1 .

3 . السرائر: 3 / 438 ـ 439 .

4 . الانتصار: 516، المسألة 284 ـ حيث أطلق القول بوجوبهما على المحصن ـ .

5 . المقنعة: 775 .

6 . التبيان: 7 / 405 في تفسير الآية الثانية من سورة النور .

7 . النهاية: 693 .


صفحه 318

محصنين إجماعاً يبدأ بالجلد أوّلاً ثمّ الرّجم، والجلد مائة جلدة، ولو كان أحدهما محصناً اختُصَّ بالحدّين، وجلد الآخر خاصّةً، وروي أنّ من يجب عليه الحدّان، يجلد مائة ثم يترك حتّى يبرأ جلده، ثمّ يرجم.(1)

6770. الرابع: إنّما يجب الرّجم على المحصن بشرط أن يزني ببالغة عاقلة، فلو زنى البالغُ المحصنُ بالصبيّة غير البالغة أو بالمجنونة، لم يجب الرّجم، سواء كان شابّاً أو شيخاً، بل يجلد مائة، أمّا المرأة المحصنة فإذا زنى بها الصبيّ، فإنّه يجب عليها الجلد خاصّةً دون الرّجم، ولو زنى المجنون بها وجب عليها الحدّ تامّاً، وفي ثبوته في طرف المجنون قولان، أقربُهُما السقوطُ.

6771. الخامس: الجلد خاصّةً يجب على الزاني غير المحصن إذا لم يكن قد أملك، سواء كان شابّاً أو شيخاً، وكذا المرأة، وقيل: يجب على الرّجل الجلد والتغريب وجزُّ الشعر(2) والمشهورُ الأوّلُ.

6772. السّادس: الجلد والتغريب والجزّ يجب على البكر الحّر الذّكر غير المحصن، والمراد بالبكر هو الّذي أَمْلَكَ ولم يدخل، فإنّه يجب عليه جلد مائة ويُجَزّ رأسُهُ ويُغَرَّبُ عن مصره إلى غيره سنةً، ولا جزّ على المرأة ولا تغريب، بل تجلد مائةً لا غير، والمملوك لا جزّ عليه ولا تغريب أيضاً، بل يجلد خمسين.

6773. السّابع: إذا اجتمع الجلد والرّجم بُدئ بالجلد ثمّ الرّجم، وفي تركه حتّى يبرأ جلده قولان نشآ من قصد الإتلاف وتأكيد الزّجر.


1 . لاحظ الوسائل: 18 / 322، الباب 13 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 6، ولاحظ النهاية للشيخ الطوسي: 699 .

2 . ذهب إليه المحقق في الشرائع: 4 / 155 .


صفحه 319

وكلّ حدّين اجتمعا ويفوت أحدهما بالآخر، فإنّه يبدأ أوّلاً بما لا يفوت معه الآخر.

6774. الثّامن: يجلد الزاني مجرّداً من ثيابه، وقال الشيخ (رحمه الله): يجلد على الحال الّتي وُجِدَ عليها قائماً أشدّ الضرب (1) وروي متوسّطاً(2)والأوّلُ أقوى، لقوله تعالى (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهمِا رَأفَةٌ في دينِ اللهِ)(3) ويفرّق الجلد على جسده ويتّقى وجهه ورأسه وفرجه، أمّا المرأة فإنّها تُضْرب جالسةً قدرُ بِطَتْ عليها ثيابها.

6775. التاسع: يدفن المرجومُ إلى حقويه والمرأةُ إلى صدرها، ويرجم بالحجار الصّغار، لئلاّ يتلف سريعاً، من ورائه، ويتقّى وجهه إلى أن يموت، ثمّ يدفن المرجوم بعد الصلاة عليه، ويؤمر قبل رجمه بالاغتسال.

6776. العاشر: لو فرّ الرجل أو المرأة من الحفيرة، فإن ثبت الزنا بالبيّنة أُعيد، وإن ثبت بالإقرار فقولان:

أحدهما أنّه لا يعاد مطلقاً، وهو اختيار المفيد(4) .

والثاني أنّه لا يعاد إن أصابه شيءٌ من الحجارة، وإن لم يصبه الحجر أُعيد، اختاره الشيخ . (5) ولو فرّ من يجب عليه الجلد أُعيد مطلقاً.

6777. الحادي عشر: الزنا إن ثبت بالشهود كان أوّل من رجمه الشهود وجوباً،


1 . النهاية: 700 .

2 . الوسائل: 18 / 370، الباب 11 من أبواب حدّ الزّنا، الحديث 6 .

3 . النور: 2. وفي النسختين: (ولا تأخذكم بهما رأفةٌ) .

4 . المقنعة: 775 .

5 . النهاية: 700 .


صفحه 320

ثمّ يرجمه الإمام، ثمّ يرجم الناس، وإن ثبت بالإقرار، بدأ الإمام بالرّجم، ثمّ يرجم الحاضرون.

وينبغي إعلام النّاس بذلك ليتوفّروا على حضوره، وهل يجب حضورُ طائفة إقامة الحدّ، أو يستحبّ؟ قولان(1) وفي أقلّ عدد الطائفة أقوالٌ: قيل: واحد(2) وقيل: عشرةٌ(3) وقيل: ثلاثةٌ(4).

ولا يرجمه مَنْ لِلّهِ تعالى في قِبَلِهِ حدٌّ، وهل على الكراهية أو التحريم؟ نظرٌ.(5)

6778. الثّاني عشر: لو عاد البكر من التغريب قبل الحول أُعيد تغريبه حتّى يكمل الحول مسافراً، ويبني على ما مضى، وينبغي أن يُغَرّب عن بلده أو قريته إلى موضع آخر حسب ما يراه الإمام، وليس للمسافة حدٌّ محدودٌ، فلو غرّبه إلى ما دون مسافة القصر جاز، ولا يحبس في البلد الّذي ينفى إليه، (6) فإن زنى الغريب، غُرِّبَ إلى بلد غير وطنه، وإن زنى في البلد الّذي غُرِّب إليه، غُرِّب منه إلى غير البلد الّذي غُرِّب منه .


1 . أمّا القول بالوجوب فذهب إليه المفيد في المقنعة: 780 ; والحلّي في السرائر: 3 / 453 والحلبي في الكافي في الفقه: 406، وابن حمزة في الوسيلة: 412 .وأمّا الاستحباب فهو خيرة المحقّق في الشرائع: 4 / 157; والشيخ في النهاية: 701 ; والمبسوط: 8 / 8 ; والخلاف 5 / 374، المسألة 11 من كتاب الحدود .

2 . القائل الشيخ في النهاية: 701 ; والمحقق في الشرائع: 4 / 157 ; واختاره المصنّف في القواعد: 3 / 530.

3 . اختاره الشيخ في الخلاف: 5 / 374، المسألة 11 من كتاب الحدود.

4 . هو خيرة الحلّي في السرائر: 3 / 454 .

5 . لاحظ مسالك الأفهام: 14 / 388 في الوقوف على وجه النظرين.

6 . في «ب»: نفي .


صفحه 321

6779. الثالث عشر: المملوك إذا زنى جلد خمسين جلدةً، محصناً كان أو غير محُصن، ذكراً كان أو أُنثى، ولا جزّ على أحدهما ولا تغريب .

ولو زنى عبد ثمّ عُتِقَ، حُدّ حدَّ العبيد، لأنّه إنّما يُستْوفى الحدَّ الّذي وجب عليه، ولو زنى الذّمي الحرّ، ثمّ لحق بدار الحرب، ثمّ استرقّ، حُدَّ حدَّ الأحرار.

ولو كان أحد الزّانيين حرّاً والآخر مملوكاً، حُدَّ كلُّ واحد منهما حدَّه، وكذا لو زنى بكر بثيّب حُدَّ كلُّ واحد منهما حدَّهُ، ولو زنى بعد العتق وقبل العلم به، حُدَّ حدَّ الأحرار، ولو أُقيم عليه حدُّ العبد قبل العلم بالحرّية تمّم عليه حدّ الأحرار ، ولو عفا السيّد عن عبده، لم يسقط الحدّ عنه.

وللسيّد إقامةُ الجلد(1) على المملوك ذكراً كان أو أُنثى وكذا المملوكة، سواء كانت مزوّجةً أو غيرَ مزوّجة، وسواء ثبت بالبيّنة أو الإقرار أو العلم، ولا يفتقر في ذلك إلى إذن الإمام، وكذا حدّ شرب الخمر، وقطع السرقة، وقتل الرّدّة.

ولو كان العبد مشتركاً، لم يكن لأحدهما الإقامة، بل يجتمعان على ذلك، ولو انعتق بعضُهُ، لم يكن للمولى حدُّهُ ولا الأمة المرهونة ولا المستأجرة.

وللمولى سماع البيّنة والجرح والتعديل .


1 . لقد أشار من قوله هنا «إقامة الجلد» إلى قوله «ويشترط أن يكون المولى ثقة» إلى الشروط الأربعة أعني: 1 ـ إقامة الجلد، لا الرجم، 2 ـ أن يكون ملكاً طلقاً، 3 ـ للمولى المقدرة على سماع البيّنة والجرح والتعديل، 4 ـ عارفاً بالأحكام .


صفحه 322

ويشترط أن يكون المولى ثقةً عارفاً بقدر الحدود، فإن كان قويّاً في نفسه فله إقامته بنفسه، وإن كان ضعيفاً أقام عوضه مَن يقيم الحدّ .

ولو كان السيّد فاسقاً أو مكاتباً، فالّذي قواه الشيخ (رحمه الله)جوازُ الإقامة لهما للعموم(1) ولو كان المولى صبيّاً أو مجنوناً لم يكن له الإقامة ولا لوليّهما.

ولو زنى بأمة ثمّ قتلها، فعليه الحدُّ وقيمتُها .

والمكاتبُ المشروطُ والّذي لم يؤدّ شيئاً وأمُّ الولد والمدَبّر كالقنّ، أمّا من انعتق بعضُهُ فإنّه يحدُّ من حدّ الأحرار بنسبة ما انعتق منه، ومن حدّ المماليك بنسبة ما فيه من الرقيّة، فلو عُتِقَ نصفُهُ وجب عليه خمسٌ وسبعون جلدة ولا جزّ عليه ولا تغريب ولا رجم.

6780. الرابع عشر: إذا تكرّر الزّنا من الحرّ فأُقيم عليه الحدُّ مرّتين، قُتِل في الثالثة، وقيل(2): في الرابعة، وهو أقوى، ولو تكرّر من المملوك سبعاً، وأُقيم الحدّ عليه في كلِّ مرّة، قتل في الثامنة، وقيل(3): في التاسعة، وهو أولى.

ولو تكرّر من الحرّ أو المملوك الزّنا مراراً كثيرةً، ولم يحدّ فيما بينها، لم يجب سوى حدّ واحد.

وروى أبو بصير عن الباقر(عليه السلام):


1 . أي لعموم الأخبار، لاحظ المبسوط: 8 / 12 .

2 . القائل هو الشيخ في النهاية: 694 ; والمبسوط: 8 / 11 ; والشيخ المفيد في المقنعة: 776 ; والسيد المرتضى في الانتصار: 519، المسألة 285 ; والحلبي في الكافي في الفقه: 407 ; والقاضي في المهذّب: 2 / 520 ; وابن حمزة في الوسيلة: 411 ; واختاره المصنف في المختلف: 9 / 155 ; وذهب الشيخ في الخلاف إلى أنّه يقتل في الخامسة بعد جلده أربع مرّات ; لاحظ الخلاف: 5 / 408، المسألة 55 من كتاب الحدود .

3 . القائل: الشيخ في النهاية: 695 ; والقاضي في المهذب: 2 / 520 .


صفحه 323

«إن زنى بامرأة واحدة مراراً فعليه حدٌّ واحدٌ، وإن زنى بنسوة فعليه في كلّ امرأة حدٌّ» (1).

وفي طريقها علي بن أبي حمزة، وهو ضعيفٌ.

6781. الخامس عشر: الذّمّي إذا زنى بمسلمة قُتِل مطلقاً، وإن زنى بذمّية، تخيّر الإمام بين إقامة الحدّ عليه بمقتضى شرع الإسلام، وبين دفعه إلى أهل نحلته، ليقيموا الحدَّ عليه بمقتضى اعتقادهم، ولا يتعيّن عليه الحكم بينهم، أمّا لو تحاكم المسلم والذّمّي، فإنّه يجب على الإمام الحكم بينهم، وليس له دفعُهُ إلى أهل الذّمّة.

6782. السّادس عشر: الحامل لا يُقام عليها الحدُّ ـ سواء كان جلداً أو رجماً ـ حتّى تضع وترضع الولد إن لم تحصل له مرضع، سواء كان الحمل من زنا أو غيره، ولو لم يظهر الحمل ولم تدّعه لم يؤخّر، بل تُحَدُّ في الحال، ولا اعتبار بإمكان الحمل من الزنا، نعم لو ادّعتِ الحملَ قُبِلَ قولُها.

6783. السّابع عشر: يرجم المريضُ والمستحاضةُ ولا يجلد أحدهما إذا لم يجب قتله ولا رجمه، حذراً من السراية، وينتظر بهما البرء، ولو اقتضت المصلحةُ التعجيلَ ضُرِبَ بضغث فيه مائة شمراخ، ولا يشترط وصول كلّ شمراخ إلى جسده.

ولا تؤخّر الحائض، لأنّ الحيضَ ليس بمرض.

6784. الثّامن عشر: لو زنى العاقلُ ثم جُنَّ، لم يسقط الحدُّ، بل يستوفى منه. وإن كان مجنوناً، جلداً كان أو رجماً، لرواية أبي عبيدة الصّحيحة عن الباقر(عليه السلام):


1 . الوسائل: 18 / 392، الباب 23 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1 .


صفحه 324

في رجل وجب عليه الحدّ فلم يضرب حتّى خولط، فقال: إن كان أوجب على نفسه (الحدّ) (1) وهو صحيح لا علّة به من ذهاب عقله أُقيم عليه الحدّ كائناً ما كان (2) .

وكذا لا يسقط الحدّ باعتراض الارتداد.

6785. التّاسع عشر: لا يُقام الجلد على الزاني وغيره في شدّة البرد، ولا شدّة الحرّ، ويتوخّى به في الشتاء وسط النهار، وفي الصيف طرفاه.

ولا يقام الحدّ في أرض العدوّ، لئلاّ يلحق المحدود الغيرةُ فيدخل أرضَ العدوّ.

6786. العشرون: لا يُحدّ من التجأ إلى حرم الله، أو حرم رسوله، أو أحد الأئمّة(عليهم السلام) بل يُضيّق عليه في المطعم والمشرب ليخرج ويُستوفى منه الحدّ، ولو أحدث ما يوجب الحدَّ في الحرم، حُدَّ فيه .

ولو زنى في شهر رمضان ليلاً أو نهاراً، أو في مكان شريف، أو زمان شريف، عُوقب زيادةً على الحدّ بما يراه الإمام .

6787. الواحد والعشرون: لو وجد مع امرأته رجلاً يزني بها، ساغ له قتلهما معاً، ولا إثم، وفي الظاهر يُقْتل إلاّ أن يقيم البيّنة على دعواه، أو يصدّقه الوليّ، ولو افتضّ بكراً بإصبعه، لزمه مهر نسائها، وإن كانت أمةً لزمه عُشْرُ قيمتها، وقيل: يلزمه الأرش(3) .


1 . ما بين القوسين ليس بموجود في المصدر .

2 . الوسائل: 18 / 317، الباب 9 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1 .

3 . القائل: هو الحلّي في السرائر: 3 / 449 .


صفحه 325

ولو تزوّج أمةً على حرّة مسلمة، فوطئها قبل الإذن، فعليه اثنا عشر سوطاً ونصفٌ: ثُمْنُ حدِّ الزاني (1) .

6788. الثّاني والعشرون: لا حدّ على الصّبي والصّبية إذا زنيا، بل يؤدّبا، أمّا المجنون والمجنونة فلا حدّ عليهما على الأقوى في طرف المجنون، وأمّا في طرف المجنونة فلا خلاف، ولا تأديب عليهما، وحدّ البلوغ ما رواه الشيخ (قدس سره)عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي عن حمزة بن حمران قال :

«سألت أبا جعفر (عليه السلام)متى يجب على الغلام أن يُؤْخذ بالحدود التّامّة، وتقام (عليه)(2) ويؤخذ بها؟ فقال: إذا خرج عنه اليُتْمُ وأدرك، قلت: فلذلك حدّ يعرف؟ قال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التّامّة، وأُخذ بها، وأُخِذَتْ له، قلت: فالجارية متى يجب عليها الحدودُ التّامة وأُخِذَتْ بها، وأُخِذَتْ لها؟ قال: إنّ الجارية ليست مثلَ الغلام، إنّ الجارية إذا تزوّجت ودُخِلَ بها ـ ولها تسع سنين ـ ذهب عنها اليُتْمُ، ودُفِعَ إليها مالها، وجاز أمرُها في الشراء والبيع، وأُقيمَتْ عليها الحدودُ التّامّة، وأُخذ لها وبها، قال: والغلام لا يجوز أمرُهُ في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليُتْمِ حتّى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يُشْعِرَ، أو ينبت قبل ذلك »(3) .

وفي طريقه عبدُ العزيز العبدي وفيه ضعفٌ، ونحوه ما رواه يزيد الكناسي عن الباقر(عليه السلام).(4)


1 . إنّ حدّ الزّاني هو مائة جلدة، وثُمْنُهُ اثنا عشر سوطاً ونصف .

2 . ما بين القوسين ليس بموجود في المصدر .

3 . التهذيب: 1 / 37 برقم 132 ـ الباب 1 من كتاب الحدود ـ .

4 . التهذيب: 10 / 38 برقم 132 ـ الباب 1 من كتاب الحدود ـ .


صفحه 326

خاتمة

الزنا من أعظم الكبائر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لن يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند الله عزّوجلّ من رجل قتل نبيّاً، أو هدم الكعبة الّتي جعلها الله قبلةً لعباده، أو أفرغ ماءه في امرأة حراماً»(1) .

وقال (عليه السلام):

«الزنا يورث الفقر، ويدع الدّيار بَلاقعَ»(2).

وقال (عليه السلام) :

«ما عَجّتِ الأرضُ إلى ربّها عزّوجلّ كعجيجها من ثلاث: من دم حرام يُسْفك عليها، أو اغتسال من زنا، أو النّوم عليها قبل(3) طلوع الشّمس»(4).

وعن الصّادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام)قال :


1 . الفقيه: 4 / 12، برقم 10 ـ باب ما جاء في الزنا ـ .

2 . الفقيه: 4 / 13، برقم 11 ـ باب ما جاء في الزنا. في مجمع البحرين: البلقع: الأرض القفراء الّتي لا شيء فيها. والمراد انّ الزنا يصير سبباً لفنائهم حتّى لا يبقى منهم أحدٌ على وجه الأرض.

3 . هكذا في المصدر ولكن في النسختين «إلى قبل» .

4 . الفقيه: 4 / 13، برقم 12 ـ باب ما جاء في الزنا ـ .


صفحه 327

«قال يعقوب لابنه يوسف (عليه السلام): يا بنىّ لا تزن فإنّ الطّير لو زنى لتناثر ريشُهُ»(1) .

وعن الباقر (عليه السلام)قال:

«كان فيما أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران (عليه السلام): يا موسى بن عمران من زنى زُني به ولو في العقب من بعده، يا موسى بن عمران عفّ تعفّ أهلك، يا موسى بن عمران إن أردتَ أن يكثر خير أهل بيتك فإيّاك والزنا، يا موسى بن عمران كما تدين تدان»(2).

وصعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المنبر فقال:

«ثلاثةٌ لا يكلّمهمُ اللهُ يومَ القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخ زان، وملك جبّار، ومقلّ مختال»(3) .

وسأل عبد الله بن مسعود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: أيّ الذّنب أعظم؟ فقال :

«أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك».

قال قلت: ثمّ أيّ؟ قال :

«أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك».

قال قلت: ثم أيّ؟ قال:

«أن تزني بحليلة جارك».(4)


1 . الفقيه: 4 / 13، برقم 13 ـ باب ما جاء في الزّنا ـ .

2 . الفقيه: 4 / 13، برقم 14 ـ باب ما جاء في الزّنا ـ .

3 . الفقيه: 4 / 13، برقم 15 ـ باب ما جاء في الزّنا ـ .

4 . صحيح البخاري: 9 / 2 ـ كتاب الديات ـ ; مسند أحمد بن حنبل: 1 / 380 و 431 ; تفسير نور الثقلين: 4 / 31 رقم الحديث 111 نقلاً عن صحيحي البخاري ومسلم ; كنز العمال: 16 / 46 برقم 43869. وفي هذه المصادر: «أن تزاني» وما في المتن مطابق للنسختين .


صفحه 328

صفحه 329

المقصد الثاني : في حدّ اللّواط والسّحق والقيادة

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في اللواط

وفيه عشرة مباحث :

6789. الأوّل : اللّواطُ من أعظم الكبائر، وهو عندنا أفحشُ من الزنا، ذمّه الله تعالى في عدّة مواضع، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):

«لعن الله من عمِلَ عملَ قوم لوط لعن الله من عَمِلَ عملَ قوم لوط، لعن الله من عَمِلَ عملَ قوم لوط»(1).

وروى ابن بابويه قال: يصلب اللائطِ يوم القيمة على شفير جهنّم، حتّى يفرغ الله من حساب الخلق، ثمّ يلقيه في النّار فيعذّبه بطبقة طبقة حتّى يرد إلى أسفلها ولا يخرج منها، وحرمة الدّبر أعظم من حرمة الفرج،


1 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 231 ; مسند أحمد بن حنبل: 1 / 309 .


صفحه 330

لأنّ الله عزّوجلّ أهلك أمّةً لحرمة الدّبر، ولم يُهْلِك أحداً لحرمة الفرج (1).

6790. الثاني : اللّواط هو وطء الذّكران، سواء كان بإيقاب أو بغيره، وهو قسمان:

الأوّلُ الإيقابُ، ويجب فيه القتلُ على الفاعل والمفعول، مع بلوغهما ورشدهما، سواء كانا حرّين أو عبدين، ومسلمين أو كافرين، ومحصنين أو غير محصنين، أو بالتفريق .

والثاني ما ليس فيه إيقابٌ، كالتفخيذ أو بين الأليتين، وفيه قولان: أحدهما جلد مائة مطلقاً،(2) والثاني ما اختاره الشيخ وهو الرجم إن كان محصناً، وجلد مائة إن لم يكن (3) والأوّلُ أقوى، وروي في الإيقاب الرجم مع الإحصان والجلد مع عدمه(4) والمشهور ما قدّمناه .

6791. الثّالث: لا فرق في قسمي اللّواط بين الحرّ والعبد، والمسلم والكافر، والمحصن وغيره، خلافاً للشيخ في المحصن مع عدم الايقاب (5) ولو لاط البالغ بالصّبيّ فأوقبه، قُتِلَ البالغ وأُدِّب الصّبيّ، وكذا لو لاط بمجنون، ولو لاط


1 . مستدرك الوسائل: 14 / 342، الباب 15 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 4 (عن فقه الرضا (عليه السلام)) باختلاف قليل. ولاحظ المقنع: 430 .

2 . وهو خيرة المفيد في المقنعة: 785 ; وسلاّر في المراسم: 253 ; والحلبي في الكافي في الفقه: 408 ; والحلّي في السرائر: 3 / 458، والسيد المرتضى في الانتصار: 510، المسألة 278 .

3 . النهاية: 704 ; والتهذيب: 10 / 55 في ذيل الحديث 203، وهو خيرة ابن البراج في المهذّب: 2 / 530 .

4 . لاحظ الوسائل: 18 / 418، الباب 1 من أبواب حدّ اللّواط .

5 . النهاية: 704 .


صفحه 331

بعبد قتلا مع الإيقاب، وجلدا مع عدمه، سواء كان العبد ملكه أو غير ملكه، ولو ادّعى العبد الإكراه دُرِئَ عنه الحدُّ دون مولاه.

6792. الرابع: لو لاط المجنونُ بعاقل، حُدَّ العاقل قَتْلاً مع الإيقاب، وجلداً مع عدمه، وهل يثبت في طرف المجنون؟ الأقربُ من القولين السقوطُ.

ولو لاط الذّمّي بالمسلم، قُتل مطلقاً، سواء أوقب أو لم يوقب، ولو لاط بمثله تخيّر الإمام بين إقامة الحدّ عليهم بموجب شرع الإسلام، وبين دفعهم إلى أهل نحلتهم ليقيموا الحدَّ عليهم بمقتضى شرعهم.

6793. الخامس: حدُّ الإيقاب القتلُ، ويتخيّر الإمام في قتله بين ضربه بالسّيف، وتحريقه، ورجمه، وإلقائه من شاهق، وإلقاء جدار عليه، ولو قتله بغير النار جاز له إحراقه بعد ذلك بالنار.

6794. السّادس: لو تكرّر الفعل من اللائط بغير الإيقاب فحدّ مرتين، قُتِلَ في الثالثة، وقيل: في الرابعة(1) وهو أقربُ، ولو لم يحد لم يجب سوى الجلد مائة وإن تكرّر منه كثيراً.

6795. السّابع: المجتمعان في إزار واحد مجرّدين، وليس بينهما رحم، يعزّران من ثلاثين سوطاً إلى تسعة وتسعين، فإن تكرّر منهما ذلك ثلاث مرّات، وتخلّل التعزير، حُدّا في الثّالثة.

6796. الثّامن: يثبت اللواط ـ سواء كان بإيقاب أو بدون إيقاب ـ بالأقرار أربع مرّات أو شهادة أربع رجال بالمعاينة، ويشترط في المقرّ البلوغُ،


1 . ذهب إليه الأكثر، لاحظ تعليقتنا ذيل المسألة 14 من الفصل الثالث في حدّ الزنا.


صفحه 332

والعقلُ، والحرّيّةُ، والاختيار، سواء كان فاعلاً أو مفعولاً، فإن أقرّ دون الأربع، عُزِّرَ ولم يُحَدّ .

ولو شهد دون أربعة رجال، حُدُّوا للفرية، ولم يثبت على المشهود عليه حدٌّ ولا تعزيرٌ.

ولا تقُبْل فيه شهادةُ النّساء منفردات ولا منضمّات.

ويحكم الحاكم بعلمه إماماً كان أو غيرَهُ على الأقوى.

6797. التاسع: إذا تاب اللائط قبل قيام البيّنة، سقط الحدّ، وإن تاب بعده لم يسقط، ولو تاب بعد إقراره أربعاً، تخيّر الإمام في العفو والاستيفاء، ولو تاب ثمّ أقرّ، فلا حدَّ عليه ولا تعزيرَ.

6798. العاشر: التقبيل للغلام بشهوة حرامٌ، فقد روي:

«أنّ من قبّلَ غلاماً بشهوة، لَعَنَتْهُ مَلائكةُ السماء، وملائكةُ الأرض، وملائكةُ الرّحمة، وملائكةُ الغضب، وأعدّ له جهنم وساءت مصيراً»(1).

وفي حديث آخر:

«من قبلّ غلاماً بشهوة ألجمه الله يومَ القيامة بلجام من نار» (2).

إذا ثبت هذا فإذا قبّل غلاماً ليس له بمحرم بشهوة، عُزِّرَ بحسب ما يراه الإمام .


1 . مستدرك الوسائل: 14 / 351، الباب 18 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 3 .

2 . الوسائل: 14 / 257، الباب 21 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 1 .


صفحه 333

الفصل الثاني: في السّحق

وفيه تسعة مباحث:

6799. الأوّل : السّحق هو دلك فرج امرأة بفرج أُخرى، وهو محرّم بالإجماع، رُوِي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال:

«إذا أتت المرأة المرأةَ، فهما زانيتان»(1).

وروى هشام وحفص بن البختري: أنّه دخل نسوةٌ على أبي عبد الله (عليه السلام)فسألته امرأةٌ منهنَّ عن السّحق، فقال: حدُّها حدّ الزاني، فقالت المرأةُ: ما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن، فقال: بلى، فقالت: أين هو ؟(2) قال: هنَّ أصحاب الرسّ».(3)

6800. الثاني : حدّ السّحق جلد مائة، حرّةً كانت أو أمةً، مسلمةً كانت أو كافرةً، محصنةً كانت، أو غيرَ محصنة، فاعلةً كانت، أو مفعوُلةً، وقال الشيخ (قدس سره): ان كانت محصنةً رُجمَتْ، وإن كانت غير مِحصنة حُدَّتْ مائةَ سوط. (4) والأقربُ الأوّلُ.


1 . السنن الكبرى للبيهقي: 8 / 233 ; كنز العمال: 5 / 335 برقم 13103 .

2 . في المصدر: «وأين هنّ» .

3 . الوسائل: 18 / 424، الباب 1 من أبواب حد السحق، الحديث 1 .

4 . النهاية: 706 .


صفحه 334

6801. الثّالث: إذا تكرّرتِ المساحقةُ مع إقامة الحدّ ثلاثاً، قُتلت في الرابعة، ولو تكرّرت ولم يقم الحدّ، فحدٌّ واحدٌ.

6802. الرابع: إذا تابتِ المساحقة قبلَ قيام البيّنة، سقط الحدّ، وإن تابت بعد قيام البيّنة لم يسقط، ولو تابت قبل الإقرار سقط، ولو تابت بعده، تخيّر الإمامُ بين إقامة الحدّ وإسقاطه.

6803. الخامس: تُعزَّرُ الأجنبيّتان إذا وجدتا تحتَ إزار واحد مجرّدتين بما دون الحدّ، فإن تكرّر الفعل والتعزير مرّتين أُقيم الحدّ عليهما في الثالثة، فإن عادتا، قال الشيخ (قدس سره): قُتِلَتا (1) والأقربُ التعزير.

6804. السّادس: لو وطىء زوجتَهُ فساحقَتْ بكراً فحملت، قال الشيخ (قدس سره): وجب على المرأة الرّجمُ، وعلى الجارية إذا وضَعَتْ جلد مائة، وأُلْحِقَ الولدُ بالرّجل، وأُلْزِمَتِ المرأةُ المهرَ للجارية (2) وأنكر ابن إدريس الرَّجْمَ وإلحاقَ الولد، لأنّه غيرُ مولود على فراشه، وإيجابَ المهر، لأنّ المرأة مطاوعةٌ(3) أمّا إنكار الرّجم فجيّدٌ، لأن الأقربَ في حدّ السحق جلد مائة مطلقاً، سواء كانت محصنةً أو غيرَ محصنة.

وأمّا إنكارُهُ لإلحاق الولد فليس بجيّد، لأنّه ماء غير زان، وقد تخلّق منه الولد، فيلحق به .

وأمّا إنكارُهُ المهرَ، فليس بجيّد أيضاً، لأنّها سببٌ في إذهاب العذرة، وديتُها


1 . النهاية: 707 .

2 . النهاية: 707 .

3 . السرائر: 3 / 465 .


صفحه 335

مهرُ نسائها، وليست كالزّانية المطاوعة، لأنّ الزانية أذِنَتْه في الافتضاض، بخلاف هذه .

6805. السّابع: لا كفالة في حدٍّ، ولا تأخيرَ فيه مع الإمكان وانتفاءِ الضّرر بإقامته، ولا شفاعةَ في إسقاطه.

6806. الثّامن: إنّما يثبت السحق بشهادة أربعة رجال عدول، ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمّات وإن كثرن، أو الإقرار من البالغة الرشيدة الحرّة المختارة أربع مرّات.

6807. التاسع: لو ساحقت المرأةُ جاريتَها وجب على كلّ واحدة منهما مائةُ سوط، ولا ينتصف في حقّ الأمةِ، لأنّ الحرّةَ والأمةَ سواء في حدّ السّحق، ولو ادّعت الجاريةُ الإكراهَ، قُبِلَ منها.

والمجنونة إذا ساحقَتْ لم يجب عليها الحدُّ، سواء كانَتْ فاعلةً أو مفعولةً، وقال الشيخ (قدس سره) : تُحَدُّ الفاعلةُ المجنونةُ دونَ المفعولة المجنونة (1) وليس بجيّد.

ولو ساحقت المسلِمةُ الكافرةَ، حُدَّتْ كلُّ واحدة منهما.

ولو تساحقت الذمّيتان تخيّر الإمامُ في إقامة الحدّ عليهما بمقتضى شرع الإسلام، وفي دفعهما إلى أهل ملّتهما.

ولو ساحقت(2) البالغةُ الصبيّةَ حُدَّت البالغةُ كملاً، وأُدِّبَتِ الصبيّةُ.

ولو تساحقت الصّبيّتان، اُدِّبَتا .


1 . النهاية: 706 والكلام منقول بالمعنى .

2 . كذا في «ب» ولكن في «أ»: تساحقت .


صفحه 336

الفصل الثالث: في القيادة

القوّادُ هو الجامع بين الرّجال والنّساء للزّنا، أو بين الرّجال والرّجال للّواط، وحدُّهُ ثلاثةُ أرباع حدِّ الزاني: خمسةٌ وسبعون سوطاً، قال الشيخ (قدس سره): ويُحلقُ رأسُهُ ويُشَهَّرُ في البلد، ويُنْفى عنه إلى غيره من الأمصار (1) من غير حدٍّ لمدّة نفيه، سواء كان حرّاً أو عبداً مسلماً كان أو كافراً.

وقال المفيد(قدس سره)بذلك إلاّ النفي، فإنّه لم يوجبهُ بالمرّة الأُولى بل بالثّانية(2) .

أمّا المرأةُ فإذا فعلَتْ ذلك، فإنّها تضرب العدد المذكور، ولا يُحلق رأسها ولا تُشَهّرُ ولا تُنفى.

وتثبت بشهادة عدلين أو الإقرار مرّتين.

ويشترط في المقرّ البلوغُ، والعقلُ، والحرّيّةُ، والاختيارُ، والقصدُ ولو أقرّ مرّةً واحدةً عُزِّرَ.

ومن رمى غيرَهُ بالقيادة، كان عليه التعزيرُ بما دون حدّ الفرية .


1 . النهاية: 710 .

2 . المقنعة: 791 .


صفحه 337

المقصد الثالث : في وطء الأموات والبهائم وما يتبع ذلك

وفيه ثمانية مباحث :

6808. الأوّل : مَنْ وطىء امرأةً ميّتةً، كان حكمُهُ حكمَ من وطىء الحيّةَ، في تعلّق الإثم والحدّ واعتبار الإحصان وعدمه، فلو كانت أجنبيّةً، ولا شبهةَ هناك وكان الرّجلُ مُحصناً، رُجم، وإن كان شيخاً جُلِد أوّلاً ثم رُجِمَ، وإن كان مملِكاً(1) جُلِد مائةً وحُلِّق رأسُهُ ونُفِي، وإن لم يكن مملِكاً، جلد خاصّةً، وحكمهُ حكمُ الزّاني بالحيّة من غير فرق، إلاّ أنّه هنا تغلظ عليه العقوبة، لانتهاكه حرمةَ الأموات بما يراه الإمام، ولو كانت الميّتةُ زوجتَهُ أو أمتَهُ، عُزِّرَ وسقط الحدّ للشبهة.

6809. الثاني : يثبت الزنا بالميّتة بشاهدين أو الإقرار مرّتين من العاقل المختار الحرّ، قاله الشيخ (قدس سره)(2)، لأنّها شهادةٌ على واحد بخلاف الزّنا بالحيّة، واختار ابن إدريس أنّه لا يثبت إلاّ بشهادة أربعة رجال أو الإقرار أربع مرّات،(3) لأنّه زناً، ولأنّ شهادة الواحد قذف فلا يندفع الحدّ إلاّ بتكميله الأربعة ،(4) وهو أقربُ.


1 . أي عاقداً ولم يدخل بعدُ .

2 . النهاية: 708 .

3 . السرائر: 3 / 468 .

4 . في «أ»: بتكملة الأربعة.


صفحه 338

6810. الثّالث: حكمُ المتلوِّط بالأموات حكمُ المتلوِّط بالأحياء، إلاّ أنّ العقوبة هنا أغلظ، فلوحدُّ بغير القتل عُزِّر زيادةً على الحدّ بما يراه أردع.

6811. الرابع: إذا وطىء بهيمةً وكان بالغاً رشيداً عُزِّر بما يراه الإمام .

وروي: أنّه يقتل (1) .

وفي رواية: يحدّ (2) وفي أُخرى: يضربُ خمسةً وعشرين سوطاً(3) .

ثمّ ينظر في الدّابّة فإن كانت مأكولة اللّحم، كالشّاة والبقرة، حرم لحُمها ولبنُها ولحُم نسلها، ووجب ذبُحها وإحراقُها بالنار، ويغرم ثمنها لمالكها ان لم تكن له.

وإن كانت غيرَ مأكولة اللحم بالعادة، كالخيل والبغال والحمير، فإنّها وإن كانت مذكّاةً إلاّ أنّ المقصود منها الظَّهْر، أو كانت محرّمةً بالشرع، لم تذبح، بل يغرم الواطىء ثمنها لصاحبها إن لم تكن له، ثمّ تخرج من البلد الّذي وقعت فيه تلك الجنايةُ وتُباع في غيره .

قال المفيد (قدس سره): ثمّ يتصدّق بثمنها الّذي بيعت به(4) وقيل: يعاد على الغارم .(5)

ولو كانت الدّابّة له، بِيعت في غير البلد، ودفع الثمن إليه عند بعض علمائنا.(6) وتصدّق به عند آخرين .(7)


1 . الوسائل: 18 / 572، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث 6 .

2 . الوسائل: 18 / 572، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث 8 .

3 . الوسائل: 18 / 570، الباب 1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث 1 .

4 . المقنعة: 790 .

5 . ذهب إليه الحلّي في السرائر: 3 / 468 .

6 . كابن إدريس في السرائر: 3 / 469 .

7 . منهم الشيخ المفيد في المقنعة: 790 .


صفحه 339

6812. الخامس: وجوبُ ذبح المأكولة تعبّداً أو احترازاً من شياع نسلها، وإحراقها لئلاّ يشتبهُ لحُمها بالمحلّلة، وأمّا بيعُ غير المأكولة، فإمّا تعبّداً أو لئلاّ يعيّر الواطىء بها.

6813. السّادس: يثبت هذا الفعل بشهادة رجلين عدلين، ولا يثبت بشهادة النّساء انفردن أو انضممن إلى الرّجال، ويثبت أيضاً بالإقرار ولو مرّةً واحدةً إن كانت الدّابة له، وإن كانت لغيره يثبت التعزير خاصّةً دون ذبح دابّة الغير، وإخراجها من بلدها، وقال بعض علمائنا يثبت بالإقرار مرّتين لا مرّةً واحدةً (1) وليس بجيّد.

ولو تكرّر التّعزير ثلاثاً لتكرّر الفعل، قُتِلَ في الرابعة، وقال ابن إدريس: في الثالثة .(2)

6814. السّابع: لو اشتبهت الموطوءة بغيرها، قسم ما وقع فيه الاشتباهُ قسمين، وأُقرع بينهما، فما وقعت القرعةُ عليه، قسم من رأس بقسمين، وأُقرع بينهما، وهكذا إلى أن لا تبقى إلاّ واحدة، فتُؤْخذ ويُصْنع بها ما يجبُ من إحراق أو بيع، وليس ذلك على جهة العقوبة لها، بل لما تقدّم من الفائدة أو المصلحة اللطفيّة.

6815. الثّامن: من استمنى بيده حتّى أنزل، عُزِّر بما يراه الإمام، وروي:

«أنّ عليّاً (عليه السلام) ضرب يده حتّى احمرَّتْ، وزوّجه من بيت المال» (3) .


1 . ذهب إليه الحلّي في السرائر: 3 / 470 .

2 . السرائر: 3 / 470 .

3 . الوسائل: 18 / 574، الباب 3 من أبواب نكاح البهائم، الحديث 1 .


صفحه 340

ويثبت الاستمناءُ بشهادة عدلين أو الإقرار ولو مرّةً، وقيل: إنّما يثبت بالإقرار مرّتين لا مرّةً واحدةً (1) وليس بمعتمد.


1 . هو خيرة الحلّي في السرائر: 3 / 471 .


صفحه 341

المقصد الرابع : في حدّ المسكر والفقاع

وفيه عشرون بحثاً :

6816. الأوّل: الخمر حرامٌ بالنّص والإجماع، قال الله تعالى:(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبّي الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ والإثْمَ)(1) وهو الخمر، قال تعالى (يِسَئَلُونَكَ عَنِ اْلَخْمرِ وَاْلَمْيِسرِ قُلْ فيهِما إِثمٌ كَبيرٌ)(2) وقال الله تعالى: (يا اَيُهّاَ الَّذينَ آمَنُو إِنَّما اْلَخْمرُ وَاْلَمْيسِرُ ـ إلى قوله ـ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(3) وفيه عشرة أدلّة على التحريم .

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«كلّ شراب مسكر فهو حرامٌ» (4).

وقال (عليه السلام):


1 . الأعراف: 33 .

2 . البقرة: 219 .

3 . المائدة: 90 ـ 91 وفي الآيتين عشرة أدلّة على تحريم الخمر فصّلها الشيخ في المبسوط: 8 / 57 ـ 58 .

4 . سنن البيهقي: 8 / 291. ولاحظ الوسائل: 17 / 264 ـ 265، الباب 15 من أبواب الاشربة المحرّمة .


صفحه 342

«الخمر شرّ الخبائث، من شربها لم يقبل الله صلاته أربعين يوماً، فإن مات وهي في بطنه مات ميتةً جاهليّةً»(1).

ولعن في الخمر عشرة فقال :

«لعن الله الخمرَ، وعاصرَها، ومعتصرَها، وبائعَها، ومشتريها، وحاملَها، والمحمولَةَ إليه، وساقيها، وشاربَها، وآكلَ ثمنها»(2).

وروى ابن بابويه قال: حرّم رسول الله كلَّ شراب مسكر، ولعن الخمرَ وغارسَها، وحارسَها، وحاملها، والمحمولةَ إليه، وبائعَها، ومشتريها، وآكلَ ثمنها، وساقيها، وعاصرها، وشاربها(3) .

وروي: «أنّ شارب الخمر كعابد الوثن» (4) .

وقال الصادق (عليه السلام):

«لا تجالسوا شُرّاب الخمر فانّ اللعنة إذا نَزَلَتْ عَّمَتْ مَنْ في المجلس »(5).

وقال (عليه السلام):

«شارب الخمر إن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه، وإن


1 . نقله الشيخ في المبسوط: 8 / 58 ; والحلّي في السرائر: 3 / 473 .

2 . الوسائل: 17 / 300 ـ 301، الباب 34 من أبواب الأشربة المحَرّمة .

3 . الفقيه: 4 / 40، في ذيل الحديث 131 .

4 . مستدرك الوسائل: 17 / 47، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 13، ولاحظ الوسائل: 17 / 255، الباب 13 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 12 .

5 . الفقيه: 4 / 41، رقم الحديث 132 .


صفحه 343

شهد فلا تزكّوه، وان خطب إليكم فلا تزوِّجوه، فإنّ من زوّج ابنَتَهُ شاربَ خمر فكأنّما اقادها الى النار (1)، ومن زَوَّجَ ابْنَتَهُ مخالفاً له على دينه، فقد قطع رَحِمَها، ومن ائتمن شارب خمر لم يكن له على الله تبارك وتعالى ضمان»(2).

والأحاديث في ذلك كثيرة.

6817. الثّاني: يجب الحدّ بتناول المسكر والفقّاع من العالم بالتّحريم، المختار في التناول، العالم بالمسكر، البالغ الرشيد، سواء تناول بشرب، أو اصطباغ، (3) أو مَزَجَهُ بالغذاء والدواء، وكيف كان .

والمراد بالمسكر هنا ما من شأنه أن يُسْكِرَ، سواء أسكر أو لا لقلّته، فإنّ القطرة يجب بتناولها الحدُّ، كما يجب بتناول الكثير، وسواء كان المُسْكِرُ خمراً ـ وهو المعتصر من العنب ـ أو نَقيعاً ـ وهو المتّخذ من الزبيب، أو بِتْعاً ـ وهو المتّخذ من العسل ـ أو مزراً ـ وهو المتّخذ من الشعير أو الحنطة أو الذّرّة ـ أو نبيذاً ـ وهو المتّخذ من التمر ـ وكذا المعمول من جنسين فما زاد .

6818. الثالث: العصير من العنب إذا غلا حرم، وكان حكمُهُ حُكْمَ الخمر في تعلّق الحدّ بتناوله، سواء غلى من نفسه أو بالنّار، وحدُّ الغليان أن ينقلب أسفلُهُ أعلاه وإن لم يقذف بالزبد، ويستمرّ تحريمُهُ إلى أن يذهب،


1 . وفي بعض الأحاديث «الى الزنا» كما في «ب» .

2 . الفقيه: 4 / 41، رقم الحديث 133، الوسائل: 17 / 249، الباب 11 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 7 .

3 . في مجمع البحرين: الصِّبغ بكسر الصاد: ما يُصبغ به من الأدام، أي يغمس فيه الخبز ويؤكل، ويختصّ بكلّ أدام مائع كالخل ونحوه .


صفحه 344

ثلثَاه، أو ينقلب خلاًّ، ولا يحرمُ بمرور ثلاثة أيّام عليه إذا لم يغل.

أمّا غير عصير العنب فإنّما يحرم إذا حصلت فيه الشّدّة المسكرة .

والتّمرُ إذا غلى ولم يبلغ حدَّ الإسكار، فالأقربُ بقاؤه على التّحليل حتّى يبلغ الشّدّة المسكرة، وكذا الزبيب إذا نقع بالماء فغلى من نفسه أو بالنار.

6819. الرابع: حُكْمُ الفقّاع حُكْمُ المسكر في التحريم والحدّ بالتّناول شرباً أو اصطباغاً، وتداوياً، مع الاختيار، والعلم بالتحريم، والبلوغ، والرّشد، وليس بمسكر وإنّما أجمع أصحابنا كافّةً على إلحاقه بالمسكر في أحكامه أجمع.

6820. الخامس: لا حدّ على من أُكره على الشّرب، سواء خُوِّفَ حتّى شرب، أو وُجِرَ في حلقه، ولا على من جهل التحريم أو جهل المشروب .

ويثبت الحدُّ على من شربه في دواء كالتّرياق، أو يتناوله بغير الشرب وإن قصد الدواء ما لم يبلغ التلف، على ما سبق البحث فيه .

6821. السّادس: يثبت هذا الفعل بشهادة عدلين ذكرين، أو الإقرار مرّتين، ولا تكفي المرّةُ الواحدةُ، ولا يفتقر مع الإقرار إلى وجود الرّائحة، ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمّات.

ولو شهدا بشربها، أو شهد أحدهما بشربها والآخر بقيئها، أو شهدا بقيئها، ثبت الحدّ .

ولو ادّعى الإكراهَ أو الجهلَ بالتحريم مع إمكانه أو بالمسكر، قُبِلَ منه.

ويشترط صدورُ الإقرار من البالغ العاقل الحرّ المختار.


صفحه 345

6822. السّابع: حدُّ المسكر ثمانون جلدة، سواء شربه، أو تناوله بغير الشرب، وسواء شرب القليلَ ولو قطرةً، أو الكثير، وسواء انفعل عنه أو لا، وسواء كان المتناولُ رجلاً أو امرأةً، حرّاً كان أو عبداً، وفي رواية: «يحدّ العبد أربعين جلدة» (1) وهي مُطَّرَحَةٌ، هذا إذا كان الشارب مُسْلِماً فإن كان كافراً وتظاهر بالشرب، أو خرج بين المسلمين سكران، جُلِد ثمانين جلدة، وإن استتر في منزله أو بيعته أو كنيسته بالشرب، ولم يخرج سكران بين المسلمين، لم يُحدّ.

6823. الثّامن: يجلد الشارب عرياناً على ظهره وكتفه، ويتّقى وجهه وفرجه، ولا يُقام الحدّ عليه حتّى يفيق، فإن تكرّر الحدّ مرتين، قُتِلَ في الثالثة، وقيل: لا يقتل حتّى يحدّ ثلاث مرّات، فيقتل في الرابعة (2).

ولو تكرّر الفعل منه ولم يحدّ كفى حدٌّ واحدٌ.

6824. التّاسع: لو شرب الخمر مستحلاًّ، قُتِلَ إن كان عن فطرة، وإن لم يكن عن فطرة استُتيبَ، فإن تاب، وإلاّ قُتِلَ، وقيل: يستتاب مطلقاً، سواء كان عن فطرة أو عن غيره، فإن تاب، وإلاّ قُتِلَ (3) والأوّل أقوى، وإذا تاب أُقيم عليه الحدّ.

ولو شرب ما عداه من المسكرات مستحلاًّ لم يقتل، لوقوع الخلاف بين المسلمين، بل يُقام الحدّ عليه، سواء شربها مستحلاًّ أو محرّماً.

ولو باع الخمر مستحلاًّ استُتيب، فإن تاب، وإلاّ قُتِل، ولو لم يكن مستحلاًّ


1 . الوسائل: 18 / 472، الباب 6 من أبواب حد المسكر، الحديث 7 .

2 . هو خيرة الشيخ في المبسوط: 8 / 59 والخلاف: 5 / 473، المسألة 1 من كتاب الأشربة، ورجّحه فخر المحقّقين في الإيضاح: 4 / 515 .

3 . ذهب إليه الشيخ في النهاية: 711 ـ 712 ; والمفيد في المقنعة: 799 ; والقاضي في المهذّب: 2 / 535 .


صفحه 346

عُزِّرَ، وما عدا الخمر إذا باعه مستحلاًّ يُستتاب، ولا يقتل مع امتناعه بل يؤدّب .

6825. العاشر: لو تاب قبل قيام البيّنة، سقط الحدُّ، وإن تاب بعدها لم يسقط، ولو ثبت الحدّ بإقراره وتاب، تخيّر الإمامُ بين الإقامة والعفو، وقيل يتحتّم هنا الاستيفاء (1) وهو أقوى.

6826. الحادي عشر: لا ينبغي للمسلم أن يجالس شرّاب شيء من المسكرات، ولا أن يجلس على مائدة يشرب عليها شيء من ذلك، خمراً كان أو غيره، وكذا الفقّاع، فمن فعل ذلك أدِّبَ حسب ما يراه الإمام.

6827. الثّاني عشر: كلّ من استحلّ شيئاً من المحرّمات المجمع على تحريمها، كالميتة، والدّم، ولحم الخنزير، والربا، كان مرتدّاً، فإن كان مولوداً على الفطرة قُتِلَ، وإلاّ استُتيب، فإن تاب وإلاّ ضُربت عنقه، وإن تناول شيئاً من ذلك محرّماً له، كان عليه التعزير، فإن عاد بعد ذلك عُزِّرَ، وغلظ عقابه، فإن تكرّر منه، فُعِلَ به كما فُعِلَ أوّلاً، ويغلظ زيادةً، فإن عاد في الرابعة قُتِلَ .

ويُعزَّرُ آكل الجرّي، والمارماهي، والزمار، ومسوخ السمك، ومسوخ البرّ، وسباع الطير، والطحال، وغير ذلك، ممّا يحرم أكلُهُ، فإن عاد ثانية عُزِّر .

قال ابن إدريس: فإن استحلّ شيئاً من ذلك قُتِلَ(2) وعندي فيه نظرٌ.

وإذا تاب من وجب عليه التعزير قَبْلَ قيام البيّنة، سقط عنه، فإن تاب بعدها لم يسقط، وإن تاب بعد الإقرار قَبْل أن يرفع إلى الحاكم، سقط الحدُّ، وإن تاب بعد إقراره عند الحاكم، أُقيم الحدُّ عليه .


1 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 4 ; والحلّي في السرائر: 3 / 478 .

2 . السرائر: 3 / 478 .


صفحه 347

6828. الثّالث عشر: لو شرب المسكرَ في شهر رمضان، أو موضع شريف أو زمان شريف، أُقيم عليه الحدُّ، وأُدِّب بعد ذلك بما يراه الإمام .

6829. الرابع عشر: من قتله الحدُّ أو التعزيرُ فلا دية له، ولا كفّارة في قتله، وقال الشيخ (رحمه الله)في المبسوط: الّذي يقتضيه مذهبنا أنّه تجب الدّية في بيت المال(1) وليس بجيّد.

ولو مات المحدودُ بالحدّ فبان فسقُ الشاهدين، كانت الدية على بيت المال، لأنّه من خطأ الحاكم (2) .

ولو أنفذ الحاكم إلى امرأة حامل لإقامة حدٍّ، فأجهضت (3) فزعاً منه، فخرج الجنين ميّتاً، فعلى الحاكم الضمانُ، ومحلّ الضمان قال الشيخ (رحمه الله): في بيت المال لانّه من خطاء الحاكم (4) وقال ابن إدريس : يكون على عاقلة الإمام، والكفّارة في ماله، واستدلّ على ذلك بقضيّة عمر بن الخطّاب حيث بعث إلى امرأة فأجهضت، وأشكل عليه الحال، فأفتاه أمير المؤمنين (عليه السلام)بوجوب الدية على العاقلة .(5) والأوّل أقوى، لأنّ عمر ليس حاكماً عنده (عليه السلام)في نفس الأمر.

ولو أمر الحاكم بضرب المحدود زيادةً على الحدّ فمات، فإن كان الحدّادُ جاهلاً، فعلى الحاكم نصفُ الدّية في ماله، لأنّه شبيه العمد، وإن كان سهواً،


1 . المبسوط: 8 / 63 .

2 . في «ب»: لأنّه من خطاء الحكّام .

3 . أي أسقطت ما في بطنها .

4 . المبسوط: 8 / 64 .

5 . السرائر: 3 / 480، ولاحظ الوسائل: 19 / 200، الباب 30 من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1 و 2 .


صفحه 348

فالنصف على بيت المال، ولو كان الحدّاد عالماً، فعليه القصاص، لأنّه مباشر للإتلاف .

ولو أمره الحاكمُ بالاقتصار على الحدّ، فزاد الحدّادُ عمداً، اقتُصَّ منه، وإن زاد سهواً، فالنّصف على عاقلته، سواء غلط في حساب الأسواط أو لا .

6830. الخامس عشر: قد بيّنا أنّ من تناول المسكر حُدَّ، سواء شربه، أو ثرد في الخمر، أو اصطبغ به، أو طبخ به لحماً فأكل من مرقته، أو لتَّ (1) به سويقاً فأكله، ولو عجن به دقيقاً، ثمّ خبزه، احتمل سقوطُ الحدّ، لأنّ النّار أكلت أجزاءَ الخمر، نعم يُعزَّر، ولو قلنا بحدّه كان قويّاً .

ولو احتقن بالخمر لم يُحدّ، لأنّه لم يشرب ولم يأكل، ولو أسعط (2) به حُدَّ، لأنّه وصل إلى باطنه من حلقه .

ولو شربها مُكْرَهاً لم يحدّ، ولو اضطرّ إليها، بأن لم يجد دافعاً للغصّة سواها، وكذا لو خاف التلف من العطش، وليس له التّداوي بها.

6831. السّادس عشر: لا يكفي في الحدّ وجودُ الرائحة في فيه، لاحتمال المضمضة والإكراه وشرب ما يحصل به مثل تلك الرائحة، كرُبّ التفّاح .

ولو وجد سكران أو تقيّأ، فالأقربُ سقوطُ الحدّ، لاحتمال الإكراه والجهل، ولا ينسحب ذلك على إذا ما شهد واحد بشربها وآخر بقيئها .

وإذا شهد العدلان بأنّه شرب مسكراً، حُدّ ولا يحتاجان إلى بيان نوعه ولا


1 . في مجمع البحرين: اللّتُّ: هو إلزاق الشيء بالشيء وخلط بعضه في بعض، دقيق ملتوت بالزيت أي مخلوط به .

2 . في مجمع البحرين: سعطه الدواء كمنعه ونصره: أدخله في أنفه .


صفحه 349

إلى ذكر عدم الإكراه أو ذكر علمه بأنّه مسكر، لأن الظاهرَ الاختيارُ والعلمُ.

6832. السّابع عشر: إذا زاد على الحدّ، فعليه نصف الضمان، ولا تقسط الدّيةُ على الأسواط.

6833. الثّامن عشر: يُضْرَب الشارب قائماً، ليأخذ كلُّ عضو منه حصّتَهُ من الضرب، ويُتّقى وجهُهُ وفرجُهُ ورأسُهُ، لأنّها مقاتل، ويكثر من الضرب في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين، ولا يمدّ ولا يربط، ويضرب بالسّوط، ولا يقوم مقامه الأيدي والنّعال.(1)

وتضرب المرأةُ جالسةً وقد ربطت عليها ثيابها، لئلاّ تنكشف .

ولا يقام الحدّ في المساجد.

6834. التاسع عشر: إذا انقلب الخمر خلاًّ حلّت، سواء انقلبت بعلاج أو من قِبَل نفسها، وسواء عولجت بإلقاء شيء فيها، أو بنقلها من الشمس إلى الظّلّ وبالعكس .

6835. العشرون: التعزير يكون بالضرب، أو الحبس، أو التوبيخ، أو بما يراه الإمام ،(2) وليس فيه قطع شيء منه، ولا جرحه، ولا أخذ ما له .

والتعزيرُ فيما يسوغ فيه التعزيرُ واجبٌ، ولا يجب ضمانُهُ لو تلف بالتعزير السائغ.


1 . ردّ لما نقل عن بعض فقهاء أهل السنّة من أنّه يقام الحدّ بالأيدي والنعال وأطراف الثياب. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 337 .

2 . كذا في «أ»: ولكن في «ب»: أو التوبيخ بما يراه الإمام .


صفحه 350

صفحه 351

المقصد الخامس : في حدّ السّرقة

وفيه فصول:

الفصل الأوّل: في السّارق

وفيه أربعة عشر بحثاً :

6836. الأوّل: يشترط في السارق البلوغُ، والعقلُ، وارتفاعُ الشبهةِ والشركةِ، وهتكُ الحرزِ، والإخراجُ سرّاً، وانتفاءُ الأُبوّة والعبوديّة، فلو سرق الطفل لم يحدّ، ويؤدّب، وإن تكررّت سرقته، قال في النهاية: يعفى عنه أوّل مرّة، فإن عاد أُدِّبَ، فإن عاد حُكَّتْ أناملُهُ حتّى تدمى، فإن عاد قُطِعَتْ أناملُهُ، فإن عاد قُطِع كما يُقْطع الرجُل ،(1) للرّواية (2).

ولو سرق المجنون لم يجب الحدُّ لسقوط التكليف عنه، قيل (3): ويؤدّب.


1 . النهاية: 716 .

2 . بل الروايات، لاحظ الوسائل: 18 / 522، الباب 28 من أبواب حدّ السرقة .

3 . القائل هو المحقّق في الشرائع: 4 / 172 .


صفحه 352

6837. الثّاني: يشترط في الحدّ ارتفاعُ الشبهة، فلو توهّم الملك في المسروق، فبان غير مالك، سقط الحدّ، وكذا لو كان المال مشتركاً وأخذ منه ما يظنّ أنّه قدر نصيبه، فبان أنّه أخذ زيادةً عليه بقدر النّصاب .

6838. الثّالث: يشترط ارتفاعُ الشركة، فلو سرق الشريك من المال المشترك بقدر نصيبه، حُمِلَ على قسمة فاسدة، ولم يقطع، وإن زاد بقدر النصاب قطع.

ولو سرق من مال الغنيمة ما يزيد عن نصيبه بقدر النصاب قطع، وإلاّ فلا، وفي رواية: لا قطع مطلقاً.(1)

6839. الرابع: يشترط في الحدّ هتك الحِرز منفرداً أو مشاركاً، فلو هتك غيرُهُ وأخرج هو، فلا قطع على أحدهما، ولو لم يكن المال محرزاً لم يجب القطع، والحِرْزُ لم ينصّ الشارعُ على تعيينه، وإنّما ردّهم فيه إلى العرف فكلّ ما عُدَّ في العرف حِرْزاً، فهو حرزٌ، كالمُحْرَزِ بَقُفْل، أو غلق، أو دَفن .

وقال الشيخ (رحمه الله): إنّه كلُّ موضع ليس لغير مالكه الدّخولُ إليه إلاّ بإذنه (2) وهو يختلف باختلاف الأموال، فالذّهبُ والفضّةُ والجواهرُ تُحْرز في صندوق مقفّل، أو بيت مغلق، والإبلُ في الساحة والرحبة بشرط أن يكون عليها حائط وغلق، والثيابُ في الدّار والدّكان، والضابط في ذلك ما قدّمناه من القفل والغلق والدّفن .

6840. الخامس: يشترط أن يخرج المتاع بنفسه أو مشاركاً، سواء باشر


1 . الوسائل: 18 / الباب 12 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3 ولاحظ الباب 24 من هذه الأبواب الحديث 1 .

2 . المبسوط: 8 / 22 .


صفحه 353

الإخراجَ أو أخرجه بالسّبب، بأن يشدّه بالحبل ثمّ يجذبه من خارج الحرز(1) أو يضعه على دابّة، أو على جناح طائر من شأنه العودُ إليه، أو يأمر صبيّاً غير مميّز بإخراجه، لأنّه كالآلة، أمّا لو كان مميّزاً فإنّه ليس كالآلة، فلا قطع على الآمر ولا على الصبيّ، لعدم التكليف .

ولو اشترك رجلان في النّقب، ودخل أحدهما فأخرج المتاعَ وحده، أو أخذه وناوله الآخر خارجاً من الحرز، أو رمى به إلى خارج الحرز فأخذه الآخر، فالقطع على الدّاخل وحده.

6841. السّادس: يشترط انتفاءُ الأُبوةِ، فلا يقطعُ الأب لو سرق من مال ولده وإن نزل، ويقطع الولد لو سرق من مال والده، وكذا تقطع الأُمُّ وإن علت إذا سرقت من مال الولد وبالعكس، وكذا جميع الأقارب يثبت الحدُّ عليهم وإن كانوا ذوي رحم يحرم بينهم التّناكُحُ.

6842. السّابع: يشترط انتفاءُ العبوديّة للمالك، فلا قطع على العبد لو سرق من مال مولاه، والمدبَّرُ وأُمُّ الولد والمكاتبُ المشروطُ كالقنِّ، وكذا المطلق وإن تحرّر بعضُهُ، ويقطع هؤلاء كلُّهُمْ إذا سرقوا من غير المالك ولا يقطع المولى لو سرق من مال مكاتبه .

6843. الثّامن: يشترط أن يأخذ سرّاً، فلو هتك الحرز ظاهراً قهراً وأخذ المال لم يقطع، وإنّما يقطع إذا أخذ المال على وجه الخفية والاستتار، ولا يُقطع المستأمَنُ لو خان، ولا المختطفُ، ولا المستلبُ، ولا المختلُسُ، ولا جاحدُ العاريةِ، ولا جاحدُ الوديعةِ وغيرِهما من الأمانات.


1 . كذا في «ب» ولكن في «أ»: ثمّ يأخذ به من خارج الحرز.


صفحه 354

6844. التاسع: لا فرق بين أن يكون السارق مُسْلِماً أو كافراً، حرّاً أو عبداً، ذكراً أو أُنثى، فيُقْطع كلُّ واحد منهم.

ويُقطع الآبِقُ إذا سرق من غير مال سيّده، ولا يُقْطع بسرقة نفسه، لأنّه لا قطع على العبد إذا سرق من مال مولاه .

والحربيّ إذا دخل مستأمناً إلينا فسرق قُطِع، ويُقطع المرتدُّ إذا سرق وكذا يُقطع المسلم إذا سرق من مال الذّمّي وبالعكس، ولا يُقطع المرتدُّ إذا سرق من مال الحربيّ، ولا يُقْطع عبد الغنيمة اذا سرق منها ،بل يُؤدّب .

6845. العاشر: لا يُقطع الرّاهن إذا سرق الرهنَ من المرتهن، وإن استحقّ المرتهنُ إمساكَهُ، ولا المُوجر إذا سرق العينَ المستأجَرَةَ من المستأجر .

ويقطع المسلم إذا سرق من بيت المال، إلاّ أن يكون له فيه حقٌّ، فيقطع إن سرق أكثر من حقّه بقدر النصاب، وكذا لو سرق مِن الغنيمة مَنْ يستحقّ الخمسَ قبل إخراج الخمس، أو سرق أبو الغانم أو سيّدُهُ .

6846. الحادي عشر: الأجير إن سرق من مال الموجر وقد أحرز عنه، قُطِعَ، وفي رواية: لا يقطع (1) وهي محمولة على حالة الاستئمان.

وفي الضّيف قولان: أحدهما لا قطع عليه مطلقاً(2) وهو المرويّ (3)


1 . الوسائل: 18 / 505، الباب 14 من أبواب حدّ السّرقة، أحاديث الباب .

2 . ذهب إليه الشيخ في النهاية: 717 ; والحلّي في السرائر: 3 / 488 .

3 . الوسائل: 18 / 508، الباب 17 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1، ولاحظ الحديث 5 من الباب 14 من هذه الأبواب .


صفحه 355

والآخر يُقْطع إن أحرز من دونه، وهو أقوى، وسواء منعه المضيّف قِراه (1) فسرق بقدره، أو لم يمنعه.

ولو أضاف الضّيف ضيفاً فسرق الثاني قُطِع .

6847. الثاني عشر: إذا سرق أحدُ الزّوجين من صاحبه وكان قد أحرز دونه بقفل أو غلق أو دفن، قطع، وإن لم يحرز من دونه فلا قطع .

6848. الثالث عشر: إذا أحرز المضارِبُ مالَ المضاربة، أو أحرز المودعُ مالَ الوديعة، أو المستعيرُ العاريةَ، أو الوكيلُ المالَ الموكَّلَ فيه، فسرقه أجنبيّ قُطِعَ، لأنّه ينوب منابَ المالك في الإحراز.

ولو غصب عيناً أو سرقها وأحرزها، فسرقها سارقٌ، لم يجب عليه القطعُ، ويحتمل القطع.

ولو سرق نصاباً أو غصبه، وأحرزه فهتك المالكُ الحِرْزَ، وأَخَذَ مالَهُ، فلا قطع فيه إجماعاً، ولو سرق غير ماله، فإن اشتبه عليه بماله، أو اشتبه عليه فظنّ أنّ هتك الحرز بالنسبة إلى ماله يُسوِّغُ له غيرَ ماله، لم يقطع، وإن لم يشتبه قُطِع على إشكال، من حيث تمكن الشبهة باعتبار أنّ له هتك هذا الحرز، وأخذ مال السّارق مع عدم عينه، وكذا البحث لو أخذ ماله وأخذ من غيره بقدر النّصاب متميّزاً عن ماله، وإن لم يكن متميّزاً عن ماله فلا قطع عليه، ولو سرق منه مالاً آخر من غير الحرز الّذي فيه مالُهُ، أو كان له دَيْنٌ على إنسان فسرق من ماله قدر دينه من حرزه، فإن كان الغاصب أو الغريم باذلاً لما عليه، أو قدر المالكُ على أخذ ماله


1 . القِرى: الضيافة، وفيه ردٌّ على ما قاله بعض أهل السنة من التفصيل بين منع المضيّف قِرى الضيف فلا يقطع وعدمه فيقطع. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 257 .


صفحه 356

فتركه، وسرق مال الغاصب أو الغريم، قُطِع لانتفاء الشبهةِ، وإن عجز، فلا قطع.

6849. الرابع عشر: لو أخرج المتاعَ فقال صاحب المنزل: سرقتَهُ، وقال الآخذُ: وَهَبْتَنيه أو أذنت لي في إخراجه، فلا حدّ، والقولُ قولُ صاحب المنزل في بقاء المال عليه مع يمينه، وكذا لو قال الآخذ: المالُ لي، وأنكر صاحب المنزل، فالقولُ قولُه مع يمينه، ويغرم المخرج، ولا قطع للشّبهة.

الفصل الثاني: في المسروق

وفيه أربعة عشر بحثاً:

6850. الأوّل : لا قطع إلاّ فيما بلغ ربعَ دينار، ذهباً، خالصاً، مضروباً عليه بسكّة المعاملة، أو ما بلغ قيمته ذلك قطعاً، لا باجتهاد المقوِّم، ولا قطع فيما دون ذلك وإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم، ولا يشترط بلوغ دينار أو عشرة دراهم(1) .

ولو كان فيه غِشٌّ أو تبر يحتاج إلى تصفيته، لم يجب القطع حتّى يبلغ ما فيه من الذّهب ربعَ دينار.

ولو سرق ربعَ دينار قراضةً أو تبراً خالصاً، أو حليّاً ونقص عن ربع دينار خالصاً، فلا قطع، ولو بلغ ربعَ دينار خالصاً، ونقص عن ربع دينار مضروب، فلا قطع، وقوّى الشيخ (رحمه الله) عدم اشتراط الضرب(2) .


1 . ردٌّ على عطاء و أبي حنيفة حيث قالا: لا تقطع اليد إلاّ في دينار أو عشرة دراهم. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 242 ـ 243 .

2 . المبسوط: 8 / 19 .


صفحه 357

ويقطع في خاتم وزنُهُ سدسُ دينار، وقيمتُهُ ربعٌ، والدينارُ هو المثقال من مثاقيل الناس الآن لم يتغيّر .

6851. الثّاني: يشترط في المسروق الماليّةُ، فلو سرق ماليس بمال كالحرّ، فلا قطع فيه، صغيراً كان أو كبيراً، بل يقطع إذا سرق حرّاً صغيراً وباعه، ليرتدع وينزجر هو وغيرُهُ في المستقبل،(1) ولو كان (2) على الحرّ ثياب أو حليّ بقدر النّصاب .

ولو سرق عبداً صغيراً فعليه القطع، ولو كان كبيراً نائماً أو مجنوناً أو أعجميّاً لا يميّز سيدّهَ عن غيره في الطاعة، قُطِع سارقُهُ، لأنّه كالصّغير، ولو كان كبيراً مميّزاً فلا قطع.

ولو كانت المجنونة أو النائمة أمَّ ولد قُطِع سارقُها كالقنّ، وكذا المدبّر والمكاتب المشروط.

ولو سرق من مال المكاتب، قُطِعَ إن لم يكن سيّدَهُ، ولو سرق نفس المكاتب فلا قطع عليه، لأنّ ملك سيّده ليس بتامٍّ عليه، فإنّه لا يملك منافِعَهُ ولا استخدامَهُ ولا أَخْذَ أرشِ الجناية عليه.

6852. الثالث: كلّ ما يُعدّ مالاً يُقْطع سارقُهُ، سواء كان طعاماً، أو ثياباً، أو حيواناً، أو أحجاراً، أو صيداً، (3) أو نورةً، أو زرنيخاً، وسواء كان الطعام رطباً يسرع الفساد إليه كالفاكهة والطبائخ أو لا،(4) وكذا يُقْطع لو سرق ما كان أصلُهُ


1 . يقطع لغاية العبرة، حتّى لا يقوم به غيره لا من حيث سرقته للمال .

2 . وصليّة راجعة إلى قوله «فلا قطع» وإن كان على الحرّ...

3 . في «أ»: أو عبداً .

4 . ردٌّ على الحنفيّة حيث قالوا: لا قطع على سارق الطعام الرطب الّذي يتسارع إليه الفساد. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 247 ـ 248 .


صفحه 358

مباحاً في دار الإسلام، كالصيّد والخشب، وإن لم يكن ساجاً ولا أبنوساً (1) ولا صندلاً ولا قنا(2) ولا معمولاً من الخشب، وكذا يُقْطع لو سرق النّورةَ، والجصَّ، والزرنيخَ، والملحَ، والحجارةَ، واللّبنَ، والفخّارَ، والزّجاج، والقرونَ.

لو سرق ماء محرزاً فبلغت قيمتُهُ النّصابَ قطع، وكذا التّراب، والطين الأرمني، وغيره .

ويُقْطَعُ سارقُ المصحف.

ولو سرق عيناً موقوفةً، فإن قلنا بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه، قُطِعَ، وإلاّ فلا .

وفي الطّير، وحجارة الرّخام رواية (3) بسقوط الحدّ.

6853. الرابع: يشترط في الحدّ أَخْذُ المسروق من حرز، فلا قطع على من سرق من الأرحية، والحمّامات، والمواضع المأذون في غشيانها كالمساجد.

وهل يصيرُ حرزاً بمراعاة المالك لها؟

قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف (4) والمبسوط(5): نعم ومنع ابن إدريس من ذلك (6) ويلوح من كلامه في النهاية المنع، فإنّه قال: فأمّا المواضع الّتي يطرُقُها


1 . الأبنوس: شجر من فصيلة الابنوسيّات، يعيش في البلدان الحارّة، خشبه ثمينٌ، أسود اللون. المنجد.

2 . القنا بالقصر جمع القناة وهي الرّمح. مجمع البحرين .

3 . الوسائل: 18 / 516، الباب 22 و 23 من أبواب حد السّرقة.

4 . الخلاف: 5 / 420، المسألة 6 من كتاب السرقة .

5 . المبسوط: 8 / 24 و 36 .

6 . السرائر: 3 / 502 .


صفحه 359

النّاسُ كلُّهُمْ، وليس يختصُّ بواحد دونَ غيرِهِ، فليسَتْ حِرْزاً، كالخانات والحمّامات والمساجدِ والأرحيةِ وما أشبه ذلك من المواضع، فإن كان الشّيء في أحد هذه المواضع مدفوناً، أو مقفَّلاً عليه، فسرقه إنسان، كان عليه القطع، لأنّه بالقُفْل والدّفن قد أحرزه .(1)

6854. الخامس: يشترط في القطع السرقةُ من حرز، فلا بدّ من الشرطين: السرقة والحرز، فلو سرق من غير حرز، أو انتهب من حرز فلا قطع، والأقوى عندي ما اختاره ابن إدريس، وهو أنّ الحرز واحدٌ في جميع الأموال، وقال الشيخ (رحمه الله): إنّه يخلتف فما كان حرزاً لمثله ففيه القطعُ، وما لم يكن حرزاً لمثله في العرف فلا قطع، فحرزُ البقل والخضروات في دكّان من وراء شَريجة(2) يغلق أو يُقفل عليها، وحِرزُ الذّهب الفضّة والجوهر والثّياب، في الأماكن الحريزة في الدّور الحريزة، وتحت الأغلاق الوثيقة، وكذا الدّكاكين والخانات الحريزة، فمن جعل الجوهر في دكّان البقل، تحت شريجة (قصب)(3) فقد ضيّع ماله (4) ثمّ قوّى الشيخ بعد هذا ما اخترناه من تساوي الحرز بالنسبة إلى الجميع.(5)

6855. السّادس: قال الشيخ (رحمه الله): الإبل إذا كانت راعيةً، فحرزها بنظر الرّاعي إليها مراعياً لجميعها، بأن يكون على نشز مثلاً أو على موضع مستو من الأرض، ولو كان خلف جبل ينظر إلى البعض خاصّةً، لم يكن الآخرُ محرزاً، وإن كانت


1 . النهاية: 714 ـ 715 .

2 . في مجمع البحرين: الشريجة ككريمة: ما يضمّ من القصب يجعل على الحوانيت، وشيء ينسج من سعف النخل ونحوه يحمل فيه البطيخ ونحوه .

3 . ما بين القوسين أثبتناه من المصدر .

4 . المبسوط: 8 / 22 .

5 . المبسوط: 8 / 22 .


صفحه 360

باركةً، فحرزُها نظرُ المالك أو الّذي (1) هي في يده، وإن لم يكن ناظراً إليها، فإنّما تكون محرزةً بشرطين: أن تكون معقولةً، وأن يكون معها وإن كان نائماً، فإن لم تكن معقولةً، أو كانت وليس عندها، لم تكن محرزةً، وإن كانت مقطرةً، فإن كان سائقاً ينظر إليها، فهي مُحرزةٌ، وإن كان قائداً فإنّما تكون في حرز(2) بشرطين: كونه بحيث إذا التفتَ إليها شاهدها أجمع، وكثرة الالتفات إليها والمراعاة، قال: وكلّ موضع هي في حرز بالنسبة إليه، فالمتاعُ المحمولُ عليها في حرز أيضاً، فإن سرق الجملَ وحِمْلَهُ، قُطِعَ، فإن كان صاحبُهُ نائماً عليه، فلا قطع، لعدم خروج يد المالك عنه .(3)

6856. السّابع: لو كان معه ثوب ففرشه ونام عليه، أو اتّكأ إليه، أو توسّده، فهوُ في حرز في أيّ موضع كان في بلد أو بادية، قال الشيخ (رحمه الله): فإن تَدَحْرَجَ عن الثوب زال الحرز، وإن كان بين يديه متاعٌ كالثياب بين يدي البزّاز، فحرزها النظر إليها، فإن سرق من بين يديه وهو ينظر إليه، ففيه القطع، وإن سها أو نام عنه زال الحرزُ(4) وعندي في ذلك كلّه نظرٌ.

6857. الثّامن: إذا ضرب فسطاطاً أو خيمةً، وشدّ الأطناب، وجَعَلَ متاعَهُ فيها، فإن لم يكن معها، فليست في حرز، وإن كان معها نائماً أو غيرَ نائم قال الشيخ: فهو وما فيها في حرز، فإن سرق (سارق)(5) قطعةً منها فبلغ نصاباً، أو سرق من جوفها، ففيه القطعُ، لأنّ الخيمة حرزٌ لما فيها، وكلّ ما كان حرزاً لما فيه، فهو حرزٌ في نفسه (6) وعندي في ذلك نظرٌ.


1 . في «ب»: والّذي .

2 . في «أ»: في حرزه .

3 . المبسوط: 8 / 23 .

4 . المبسوط: 8 / 24 .

5 . ما بين القوسين يوجد في المصدر .

6 . المبسوط: 8 / 24 .


صفحه 361

قال الشيخ (رحمه الله) البيوتُ إن كانت في برّية، أو في البساتين، أو الرباطات في الطّرق، فليست حرزاً ما لم يكن صاحبها فيها، سواء أُغلقت أبوابها أو لم تُغْلق، لأنّ النّاس لا يعدّون مثل هذه حرزاً مع الغيبة، وإن كان صاحبها فيها، وأغلق البابَ، فهي حرزٌ نام أو لم ينم، وإن كانت في بلد أو قرية، فهي حرزٌ مع الإغلاق، وإن لم يكن صاحبها فيها.

وأمّا الدور والمنازل، فإن كان بابُ الدّار مغلقاً، فكلّ ما فيها وفي خزائنها في حرز، وإن كان بابُ الدّار مفتوحاً، وأبواب الخزائن مفتّحةً، فلا حرز، وإن كان بابُ الدّار مفتوحاً، وبابُ الخزانة مغلقاً، فما في الخزائن في حرز، وما في الدّار في غير حرز، وإن كان المالك فيها وبابُ الدّار مفتوحاً، فإن كان المالك مراعياً لما فيها فهي في حرز، وإلاّ فلا .

وآجُرّ (1) الحائط في حرز، وكذا بابُ الدّار المنصوب، سواء كان مغلقاً أو مفتوحاً .

وأمّا باب الخزانة، فإن كانت الدار مغلقةً فهي في حرز، وإن كانت مفتوحةً، فإن كان بابُ الخزانة مغلقاً، فهي في حرز، وإلاّ فلا، فحلقةُ بابِ الدّار المسمّرة فيها في حرز، فإن بلغت نصاباً فعلى قالعها القطعُ. هذا خلاصةُ ما ذكره (رحمه الله)(2) .

وينبغي أن يشترط عدم الزحام الشّاغل للحسّ عن حفظ المتاع، والملحوظ بعين الضّعيف في الصّحراء ليس محرزاً إذا كان لا يبالي به، والمحفوظ في قلعة محكمة إذا لم يكن ملحوظاً، ليس محرزاً .


1 . الآجُرّ بالمدّ والتشديد أشهر من التخفيف: اللبن إذا طبخ، والواحدة آجُرّة وهو معرّب. مجمع البحرين .

2 . المبسوط: 8 / 24 ـ 25 .


صفحه 362

ولو ادّعى السّارق أنّ المالك نام وضيّع، سقط القطع بمجرّد دعواه.

والغنم محرزةٌ بإشراف الرّاعي عليها عند الشيخّ (1) وفيه نظرٌ.

6858. العاشر: قال الشيخ (رحمه الله): يُقْطع سارقُ ستارة الكعبة (2) وفيه نظر لتساوي الناس في الانتساب إليها، ولو أخرج من البيت إلى صحن الخان شيئاً، قُطِعَ، لأنّه أخرجه من حرز إلى غير حرز وإن كان بابُ الخان (3) مغلقاً، لاشتراك الناس في الصّحن، ولو انفرد بالدّار، فإن كان بابُ البيت والدّار مفتوحين، أو مغلقين، اوكان بابُ البيت مفتوحاً وبابُ الدّار مغلقاً، فلا قطع، ولو انعكس الأخير قُطع.

ولو نقله من زاوية من الحرز إلى زاوية أُخرى، فلا قطع، أمّا لو أخرجه من بيت مغلق إلى بيت آخر مغلق، وكانت بابُ الدار الّتي استطرقها مفتوحةً، فالأقربُ القطعُ، ولو أخرجه من الصّندوق المقفّل إلى البيت المغلق أو الدّار المغلقة، فلا قطع.

6859. الحادي عشر: لا قطع على من سرق من الجيب أو الكمّ الظاهرين، ويقطع لو كانا باطنين، ولو سرق ثمرةً على شجرها لم يقطع، ولو أُحرزت فسرقها بعد الإحراز قطع.

وروي عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال:


1 . المبسوط: 8 / 23 ـ 24 .

2 . المبسوط: 8 / 33 ; الخلاف: 5 / 429، المسألة 22 من كتاب السّرقة.

3 . في «ب»: باب البيت .


صفحه 363

«لا قطع على من سرق مأكولاً في عام مجاعة».(1)

ولو استحفظ رجلٌ آخر متاعه في المسجد فسرق، فإن كان قد فرّط في مراعاته ونظره إليه، فعليه الغرم إن كان قد التزم حِفْظه، وإن لم يلتزم ولم يجبه إلى ما سأله، لكن سكت، لم يلزم غرمٌ ولا قطع على السارق في الموضعين، وإن حفظ المتاع بنظره إليه فسرق، فلا غرم عليه، وعلى السارق القطع على ما اختاره الشيخ .(2)

ولو هدم الحائط فلا قطع على من سرق الآجُرَّ منه، وكذا لو هدم السارقُ الحائطَ ولم يأخذه، فلا قطع، كما لو أتلف المتاعَ في الحرز.

ولو كانت الدّار في الصحراء لا حافظ فيها، لم يكن حائطها محرزاً .

ولو سرق بابَ مسجد منصوباً، أو بابَ الكعبة المنصوب، فيجب على قول الشيخ (رحمه الله)القطعُ (3) وفيه نظرٌ، أقربُهُ العدمُ.

6860. الثّاني عشر: لو آجر بيتاً ثمّ نقبَهُ وسرق مالَ المستأجر، قطع، وكذا لو أعار بيتاً ثمّ نقبَهُ وأخذ مالَ المستعير.

ولو غصب بيتاً فأحرز فيه مالَهُ، فسرقه منه أجنبيٌّ أو المغصوبُ منه، فلا قطع.

6861. الثّالث عشر: النبّاش إذا سرق الكفن قطع، سواء كان القبر في برّيّة ضائعة(4) أو في بيت محروس، أو من مقابر البلاد .


1 . الوسائل: 18 / 520، الباب 25 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 3 .

2 . لاحظ المبسوط: 8 / 24 و 36 ; الخلاف: 5 / 420، المسألة 6 من كتاب السرقة.

3 . المبسوط: 8 / 25 .

4 . أي برّيّة مهملة ليس حولها عمارة. لاحظ العزيز شرح الوجيز للرافعي: 11 / 204 ـ 205 .


صفحه 364

والمُطالِبُ بالقطع الوارثُ وإن كان الكفن من متبرّع، لأنّه ملّكه، ولهذا لو أكل الميّتَ سَبَعٌ أو أخذه سيلٌ، كان الكفن للوارث.

ولابدّ من إخراج الكفن، فلو أخرجه من اللحد، ووضعه في القبر فلا قطع.

والكفن الّذي يُقطع بسرقته ما كان مشروعاً، وهو خمسةُ أثواب للرجل وسبعةٌ للمرأة، الواجب والندب، والعمامة للرّجل والقناع للمرأة ليسا من الكفن، وكذا ما يلبس الرّجل أو المرأة زيادةً على ما ذكرنا، فلا يقطع بأخذه وإن بلغ نصاباً.

ولو ترك في تابوت فسرق التابوت، أو ترك معه ذهباً أو فضّةً أو جواهر، لم يقطع بشيء منها.

ولا يفتقر الحاكم في قطع النّبّاش إلى مطالبة الوارث إن قلنا إنّه يقطع زجراً.

وهل يشترط بلوغُ قيمة الكفن النصاب؟ قيل: نعم(1) وقيل: يشترط في المرّة الأولى، دون الثانية والثالثة (2) وقيل: لا يشترط، (3)والأقربُ الأوّلُ.

ولو نبش ولم يأخذ عُزِّر، فإن تكرّر منه الفعل وفات السلطان، جاز له قتله، ليرتدع غيره عن مثله .

6862. الرابع عشر: لو سرق ما يتوّهم أنّه لا يبلغ النّصاب وكان بالغاً، قطع،


1 . القائل هو المفيد في المقنعة: 804 ; وسلاّر في المراسم: 258 ; والحلبي في الكافي في الفقه: 412 ; وابن زهرة في الغنية: قسم الفروع: 434 ; وابن حمزة في الوسيلة: 423 ; والكيدري في اصباح الشيعة: 524 .

2 . هذا القول اختاره ابن إدريس في أوّل كلامه إلاّ انّه رجع عنه. لاحظ السرائر: 3 / 512 و 514 .

3 . ذهب إليه الشيخ في النهاية: 722 ; والقاضي في المهذّب: 2 / 542 .


صفحه 365

فلو سرق دنانير ظَنَّها فلوساً لا يبلغ نصاباً، قطع، ولو سرق قميصاً قيمتُهُ دون النّصاب، لكن في جيبه دينارٌ لا يعرف به، فالأقربُ القطعُ.

الفصل الثالث: في الحجّة

وفيه ثمانية مباحث :

6863. الأوّل: وهي إمّا بالإقرار أو البيّنة، ويشترط في الإقرار صدورُهُ عن البالغ، العاقل، الحرّ، المختار، فلا عبرة بإقرار الصبيّ، ولا المجنون، ولا المكره، ولا يجب على العبد القطعُ بإقراره، فإن صدّقه المولى، فالأولى القطعُ، ولا يكفي إقرارُ المولى دون اعتراف العبد، بل يكون المولى شاهداً واحداً إن كان عدلاً.

6864. الثّاني: لو أقرّ المكرَهُ لم ينفذ إقراره لا في القطع ولا في الغرم، فلو اتّهم بالسرقة فأنكر، فَضُربَ واعترف، ثمّ ردّ السرقة بعينها، قال الشيخ (رحمه الله): يُقْطع(1)، وقيل: لا يقطع لاحتمال كون المال في يده من غير جهة السرقة (2) وهو جيّدٌ.

6865. الثّالث: يشترط في الإقرار العددُ، وهو صدوره من أهله مرّتين،


1 . النهاية: 718 .

2 . ذهب إليه الحلّي في السرائر: 3 / 490 .


صفحه 366

فلا قطع لو أقرّ مرّةً واحدةً، بل يجب الغرم في المال خاصّةً، ولو أقرّ مرّةً ورجع، لم يقطع، لأنّه لا يجب بالمرّة القطعُ من دون الرجوع، فمعه أولى، ويجب غرمُ المال، ولا يقبل الرجوع فيه .

ولو أقرّ مرّتين ورجع، وجب غرم المال إجماعاً، وهل يقطع؟ قال الشيخ: لا (1) وابن إدريس أوجب القطع.(2)

6866. الرابع: يثبت القطع بشهادة عدلين، ولا يثبت بشهادة الواحد، نعم يحلف صاحب المال مع شاهده، ويأخذ المالَ، ويسقط القطع، ولو شهد رجلٌ وامرأتان ثبت المال، ولا قطع أيضاً، ولو ادّعى عليه السرقة فأنكر، كان له إحلافُه في المال، فإن ردّ اليمين على المدّعي أحلف للمال لا للقطع.

ولو ادّعى عليه الزنا بجاريته بالإكراه، كان له الإحلافُ لإسقاط العقر(3) فإن ردّ اليمين، كان له أن يحلف ويثبت العقر لا الحدّ.

6867. الخامس: لو قامت البيّنة بالسرقة من غير مرافعة المالك، لم يقطع، وإنّما القطع موقوف على مطالبة المالك، فلو لم يرافعه لم يرفعه الإمام وإن قامت البيّنة، ولو وهبه المسروقُ سقط الحدّ، وكذا لو عفا عن القطع، فأمّا بعد المرافعة فلا يسقط بهبة ولا عفو .

ولو سرق مالاًفملكه قبل المرافعة، سقط الحدّ، ولو ملكه بعد المرافعة لم يسقط.


1 . النهاية: 718 .

2 . السرائر: 3 / 490 ـ 491 .

3 . في مجمع البحرين: العُقْر بالضم: دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها، ثمّ كثر ذلك حتّى استعمل في المهر.


صفحه 367

6868. السّادس: لا تُسمع البيّنة على السّرقة مطلقاً، بل لابدّ فيه من التفصيل لما فيه من اشتراط الحرز والنصاب، وقد يخفى مثل هذا على أكثر الناس، وكذا شهادة الزنا، أمّا القذف المطلق فموجب للحدّ.

وإذا قامت شهادة حسبة على السرقة في غيبة المالك، سمع الحاكم لكن لا يقطع إلاّ أن يرافعه المالك، ولو قامت بيّنة الحسبة في الزنا بجارية، حدّ دون حضور المالك، وإذا حضر المالك بعد شهادة الحسبة وطلب، قطع من غير استئناف للشهادة.

6869. السّابع: لو ادّعى السّارق الملك بعد البيّنة، اندفع القطعُ عنه وإن لم يكذب الشاهد، مثل أن يقول: كان قد وهب منّي قبل السرقة، والشاهد اعتمد على الظاهر وإن نفى أصل ملك المسروق منه، ولو شهدت البيّنة بالملك، قُطع وإلاّ فلا.

6870. الثّامن: يشترط في الشهادة على السّرقة معرفةُ الشاهدين بملك المسروق منه العينَ المسروقة، وإقرار السّارق (1) له بالملك، فلو شاهدوه قد (2) نقب وأخذ المال ولم يعلموا أنّه للمسروق منه، وتناكر المسروقُ منه والسارقُ في الملك، فلا قطع، وكذا يشترط مشاهدتهم له وقد هتك الحرزَ أو اعترف عندهم بذلك.


1 . كذا في «ب» ولكن في «أ»: أو إقرار السارق .

2 . في «أ»: فلو شاهدوه وقد .


صفحه 368

الفصل الرّابع: في الحدّ

وفيه سبعة مباحث :

6871. الأوّل : إذا سرق البالغُ العاقلُ النصابَ، وجب عليه ردُّ المال، وقطع يده اليمنى، والمراد باليد هنا الأصابعُ الأربعُ، ويترك له الرّاحةُ والإبهامُ،ولا يقطع من الكوع، فإن سرق ثانيةً، قُطعت رجلُه اليُسْرى من مفصل القدم، ويُتْرك له العقبْ يعتمد عليها في الصّلاة، فإن سرق ثالثةً حُبِسَ دائماً يخلد في السّجن، فإن سرق في السّجن من حرز النّصابَ بعد ذلك، قُتل .

ولو تكرّرت السرقةُ ولم يُقْطع، كفى قطعٌ واحدٌ.

6872. الثاني : لو سرق من جماعة ورُفع إلى الإمام، تداخلت الحدودُ، ووجب قطعُ اليمنى لا غير، سواء جاءوا به مجتمعين أو متفرّقين، أمّا لو سرق فقُطع، ثمّ سرق ثانياً قُطع ثانياً سواء سرق مِن الّذي سرق منه أوّلاً أو من غيره، وسواء سرق تلك العينَ الّتي قُطِعَ بها أو غيرَها .

6873. الثالث: إذا سرق وكانت يمينُهُ شلاّء قُطعت، ولا يُقْطع يسراه، ولو كانت اليسار شلاّء، أو كانتا شلاّءيْنِ، قُطِعَت اليمنى، ولو لم يكن له يسار قُطِعت أيضاً، وفي رواية: لا يقطع (1) والوجهُ الأوّلُ .


1 . الوسائل: 18 / 502، الباب 11 من أبواب حدّ السّرقة، الحديث 3 .


صفحه 369

ولو كانت له يمينٌ حين السّرقة فذهبت، لم يقطع اليسار، ولو سرق ولا يمين له، قال في النهاية: قُطِعَتْ يسارُهُ (1) وفي المبسوط: ينتقل إلى رجله (2) ولو لم يكن له يسارٌ، قُطِعت رجلُهُ اليسرى .

ولو سرق ولا يد له ولا رجل، حُبِس (3)، وفي الجميع إشكالٌ ينشأ من تعلّق الحدّ بعضو، فلا ينتقل إلى غيره .

وقال في النهاية: إذا لم يكن له اليمنى، فإن كانت قُطِعَتْ في قصاص أو غير ذلك، وكانت له اليُسرى، قُطِعَتِ اليُسْرى، فإن لم تكن له أيضاً اليُسْرى، قُطِعَتْ رجل اليمنى، فإن لم يكن له رِجْلٌ، لم يكن عليه أكثرُ من الحبس(4) .

وقال الشيخ في المسائل الحلبيّة: المقطوع اليدين والرِّجْلَيْنِ إذا سرق ما يوجب القطعَ، وجب أن نقول: الإمامُ مخيّرٌ في تأديبه وتعزيره، أيّ نوع أراد يفعلُ، لأنّه لا دليل على شيء بعينه، وإن قلنا يجب أن يحبس أبداً، لانتفاء إمكان القطع، وغيرُهُ ليس بممكن، ولا يمكن إسقاط الحدود، كان قويّاً.(5)

واختار ابن إدريس التعزير .(6)

6874. الرابع: لو تاب قبل ثبوت الحدّ، سقط القطعُ دون الغرم، ولو تاب بعد قيام البيّنة، وجب القطعُ، ولم تُقْبل توبتُهُ في إسقاط القطع، فلو تاب بعد الإقرار


1 . النهاية: 717 .

2 . المبسوط: 8 / 39 .

3 . لاحظ النهاية: 718 .

4 . النهاية: 717 .

5 . نقله الحلّي في السرائر: 3 / 489. ولم نعثر على هذه المسائل .

6 . السرائر: 3 / 490 .


صفحه 370

دفعتين، قال الشيخ (رحمه الله): يتخيّر الإمام في العفو والاستيفاء (1) ومنع ابن إدريس وأوجب القطع.(2)

6875. الخامس: إذا أُريد قطعُ السارق أُجلس وضبط لئلاّ يتحرّك فيجني على نفسه، وتُشدّ يده بحبل وتُمدّ حتّى تَبِينَ مفاصلُ الأصابع، ويوضع على أصلها سكّينٌ حادّة، ويدقّ من فوقه دقّة واحدة، حتّى ينقطع، أو يقطع بآلة حادّة يمدّ عليها مدّة واحدة، ولا يكرّر القطع فيعذّبه، فإذا قُطِعت الأصابعُ استحبّ حسم اليد بالزّيت المغليّ، فيجعل اليد فيه حتّى ينحسم خروج الدّم، وتنسدّ أفواه العروق.

فإذا قطعت أصابعُهُ، قال الشيخ (رحمه الله): تُعلّق في عنقه ساعةً، لأنّه أردع (3).

ولا ينبغي إقامة الحدّ في حرٍّ أو برد، ولو فعل ذلك جاز، ولو مات بالسراية فلا ضمان وإن كان في الحرّ أو البرد .

6876. السّادس: لو كانت له إصبعٌ زائدةٌ، فإن كانت خارجةً عن الأربع، بقيت(4) على حالها، وان كانت ملتصقةً بإحداها، فالأقربُ تركُ قطع الأصليّة إذا لم يمكن إبقاءُ الزائدة إلاّ بها، ولو أمكن قطعُ بعض الأصليّة قُطِع .

ولو كانت يدُهُ ناقصةً إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثاً اكتفينا بقطع الباقي، ولا يتعدّى القطعُ إلى الإبهام ولا إلى زائدة في سمت الأربع، ولو لم يكن له إلاّ الكفّ فعلى قول الشيخ (رحمه الله)ينتقل إلى اليسار .(5)


1 . النهاية: 718 .

2 . السرائر: 3 / 491 ـ 492 .

3 . المبسوط: 8 / 36 .

4 . في «أ»: ثبت .

5 . لاحظ النهاية: 717 .


صفحه 371

6877. السّابع: لو سبق الحدّاد فقطع اليسرى عمداً، فالقصاصُ عليه، والقطعُ باق، وإن غلط، فالأقربُ وجوبُ الدية عليه وبقاء الحدّ، وفي رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام): إنّ عليّاً قال:

«لا تُقطع يمينُهُ وقد قُطِعَتْ شماله».(1)

ولو كان على مِعْصم (2) واحد كفّان، قُطِعَتْ أصابعُ الأصليّة.

الفصل الخامس: في اللواحق

وفيه خمسة عشر بحثاً:

6878. الأوّل : يشترط في القطع إخراجُ النّصابِ من الحرز، سواء حمله إلى منزله أو تركه خارجاً من الحرز، وسواء أخرجه بمباشرة أو رمى به إلى خارج الحرز، أو شدّ فيه حبلاً، ثمّ خرج،(3) فمدّه به، أو شدّه على بهيمة ثمّ ساقها به، أو تركه في نهر جار فخرج به، ففي هذا كلّه يجب القطع، وسواء دخل الحرز فأخرجه، أو نقبه ثمّ أدخل إليه يدَه أو عصاً فاجتذبه، سواء كان البيت صغيراً لا يمكنه دخولُهُ، أو كبيراً .

ولو رمى المتاع فأطارته الرّيح فأَخرَجَتْهُ، فعليه القطع، لأنّ ابتداء الفعل منه، كما قلنا في الماء .


1 . الوسائل: 18 / 496، الباب 6 من أبواب حدّ السّرقة، الحديث 1 .

2 . المِعْصَم وزان مِقود: موضع السوار من السّاعد. المصباح المنير: 2 / 74 .

3 . في «أ»: ثمّ أخرج .


صفحه 372

ولو ترك المتاعَ على دابّة فخرجت بنفسها من غير سوق، أو ترك المتاعَ في ماء راكد فانفتح فخرج المتاع، أو على حائط في الحرز فأطارَتْهُ الريحُ، فالأقربُ سقوطُ القطعِ.

ولو دخل حرزاً فاحتلب لبناً من ماشية وأخرجه، قُطِعَ، ولو شربه في الحرز، أو شرب منه ما ينقص النّصاب فلا قطع .

6879. الثّاني: لو نقب وأخذ النّصاب، وأحدث منه حدثاً ينقص به قيمته عن النصاب، ثمّ أخرجه، فلا قطع، كما لو خرق الثوب أو ذبح الشّاة فنقصت القيمة عن ربع دينار، ولو نقصت القيمة في الثوب بالشّقّ وفي الشاة بالذّبح، ولم ينقص عن النّصاب، ثمّ أخرجهما وقيمتهما بعد الشّق والذّبح نصابٌ، قُطِع.

ولو ابتلع جوهرةً قيمتُها النّصابُ، وتعذّر إخراجُها بعد خروجه، سقط القطع، لأنّه كالتالف ولو خرجت حينئذ، ولا يسقط الظمان على التقديرين، ولو كان خروجُها ممّا لا يتعذّر بالنّظر إلى عادته قُطع، لأنّه كالإيداع في الوعاء.

ولو تطيّب في الحرز بطيب، وخرج ولم يبق عليه من الطّيب ما إذا جمع كان نصاباً، فلا قطع، وإن بلغ وجب القطعُ.

ولو سحب منديلاً أو عمامةً أو خشبةً، وخرج ببعضه إلى خارج الحرز (وبقي الباقي في الحرز)(1) فلا قطع، سواء كان الخارج بقدر النّصاب أو أقلّ.

6880. الثالث: لا يشترط إخراجُ النّصاب دفعةً على الأقوى، فلو أخرجه في دفعات، فالأقربُ وجوبُ الحدّ إن لم يتخلّل اطّلاع المالك، ولم يطل الزمان


1 . ما بين القوسين يوجد في «أ» .


صفحه 373

بحيث لا يسمّى سرقة واحدة، كما لو أخرجه في ليلتين، وإخراجُ البُرّ شيئاً فشيئاً على الفواصل في حكم الدّفعة، وكذا جرّ المنديل شيئاً فشيئاً .

ولو جمع من البذر المبثوث في الأرض المحرزةِ ما يبلغ نصاباً قُطِعَ، ولو أخرج نصاباً من حرزين، فلا قطع إلاّ أن يكونا في دار واحدة.

6881. الرّابع: لو اشترك نفسان فما زاد في سرقة، فإن بلغ نصيبُ كلّ واحد منهم نصاباً، وجب القطعُ عليهم أجمع، ولو قصر فلا قطع، وهو أقوى قولي الشيخ (رحمه الله) (1) وفي النهاية: إذا سرق نفسان فصاعداً ما قيمتُهُ ربعُ دينار، وجب عليهما القطعُ(2) .

ولو سرق الاثنان ما يبلغ قيمتُهُ نصفَ دينار قُطِعا، ولو كان احدهما ممّن لا قطع عليه كأبي المسروق منه، قُطِعَ الآخر.

ولو أقرّ بمشاركة سارق فأنكر الآخر، قُطِعَ المقرُّ خاصّةً.

6882. الخامس: لو هتك الحرزَ جماعةٌ ودخلوا، فأخرج بعضُهُمُ المتاعَ اختُصّ بالقطع، ولا قطع على الآخرين، سواء كان نصيبُ كلِّ واحد نصاباً أو أقلّ، ولو أخرج أحدهما دونَ النصاب، والآخرُ أكثر من النصاب، فكمل النّصابَيْنِ، فالقطعُ على الآخر خاصّةً، دون من أخرج الأقلَّ، ولو أخرج أحدهما دونَ النصاب، والآخرُ نصاباً تامّاً، فالحدُّ على من أخرج النصاب وحده.

ولو دخلا داراً أحدهما في سفلها جمع المتاع وشدّه بحبل، والآخرُ في


1 . ذهب إليه في الخلاف: 5 / 420، المسألة 8 من كتاب السرقة .

2 . النهاية: 718 ـ 719 .


صفحه 374

علوّها مدّ الحبل فرمى به وراء الدار، فالقطعُ على المُخْرِجِ خاصّةً إن كان قد هتك الحرز، وإلاّ فلا قطع عليهما.

وكذا لو نقبا نقباً، وقرّبه أحدهما من النقب وأدخل الخارجُ يدَهُ فأخرجه، فالقطعُ على المُخْرِجِ .

وكذا لو وضعها الداخلُ في وسط البيت، وأخرجها الخارجُ، فالقطعُ على المُخْرِجِ .

وقال في المبسوط: لا قطع على أحدهما، لأنّ كلَّ واحد منهما لم يخرجه عن كمال الحرز(1) .

ولو نقب أحدهما وحده، ودخل الآخر وحده فأخرج المتاعَ، فلا قطع على أحدهما، لأنّ الأوّل لم يسرق، والثاني لم يهتك، وكذا لو نقب رجلٌ وأمر غيره فأخرج المتاعَ وإن كان المأمور صبيّاً مميّزاً، وإن لم يكن مميّزاً قُطِعَ الآمِرُ.

ولو اشتركا في النقب، ودخل أحدهما فأخرج المتاعَ وحده، أو أخذه وناوله للآخر خارجاً من الحرز، أو رمى به إلى خارج الحرز، فأخذ الآخرُ، فالقطعُ على الداخل وحده.

6883. السّادس: قطع السارق موقوفٌ على مطالبة المسروق منه، على ما تقدّم، فلو سرق وقال: سرقت ملكي سقط القطع بالدّعوى، لأنّه صار خصماً في المال، فلا يقطع بحلف غيره، ولو قال المسروق منه: هو لك فأنكر، فلا قطع،


1 . المبسوط: 8 / 26 ـ 27 .


صفحه 375

ولو قال السارق: هو ملك شريكي(1) في السرقة، فلا قطع، وإن أنكر شريكه، ويقطع المنكر.

ولو قال العبدُ السارقُ: هو ملك سيّدي فلا قطع، وإن كذّبه السيّد.

ولو أخرج المالَ وأعاده إلى الحرز قيل: لا يسقط القطع، لوجود السبب(2) وفيه نظرٌ من حيث إنّ القطع موقوفٌ على المرافعة، فإذا دفعه إلى صاحبه لم يبق له مطالبة.

ولو سرق مالاً فملكه قبل المرافعة، سقط الحدّ، ولو ملكه بعدها لم يسقط، أمّا لو أقرّ المسروق منه انّ العين كانت ملكاً للسّارق، أو قامت له به بيّنةٌ، أو أنّ له فيه شبهة، أو أنّ المالك أذن له في أخذها لم يقطع، ولو أقرّ له بالعين سقط، لأنّ إقراره يدلّ على تقدّم ملكه.

ولو أخرجها وقيمتُها النصابُ، فلم يقطع حتّى نقصت قيمتُها، قُطِع.

6884. السّابع: يجب على السارق ردُّ العينِ، وإن تلفَتْ وجب عليها المثلُ أو القيمةُ إن لم يكن لها مثلٌ، أو كان وتعذّر، وإن نقصت فعليه أرش النّقصانِ، ولو مات صاحبُها دُفِعَتْ إلى ورثته، وإن لم يكن وارثٌ فإلى الإمام.

ولا يسقط الغرم بالقطع، وكذا لا يسقط القطع بالغرم، سواء كان السّارق موسراً أو مُعْسِراً ولو سرق مرّات كثيرة وقطع، غرم الجميع والأخيرة أيضاً (3) .


1 . في «ب»: ملك شريك .

2 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 29 .

3 . ردٌّ على أبي حنيفة حيث قال: لو سرق مرّات ثمّ قطع، يغرم الكلّ إلاّ الأخيرة. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 279 .


صفحه 376

ولو صبغه السارق فزادت قيمتُهُ، وجب ردُّهُ والقطعُ معاً.

6885. الثّامن: لو سرق ولم يقدر عليه، ثمّ سرق ثانيةً، قُطِعَ بالأُولى لا بالأخيرة، وغرم المالين معاً، ولو قامت الحجّة بالسّرقة، ثمّ أَمْسَكْ حتّى قُطِع، ثمّ شهدت عليه بالأُخرى، قال في النهاية: قُطِعَتْ يده بالأولى و رِجْلُهُ بالثّانية(1). ومنع من القطع الثاني بعضُ علمائنا (2) وهو حسنٌ .

6886. التاسع: يشترط في المالِ المسروقِ الحرمةُ، فلا قطع على من سرق خمراً أو خنزيراً من مسلُم أو ذّمّي، ولا على سارق الطنبور والملاهي وأواني الذّهب والفضّة الّتي يجوز كسرها إذا قصد السارق بإخراجه الكسرَ، وإن قصد السرقةَ، ورضاضُها نصابٌ قُطِعَ، ويُصدّقُ في قصده.

ومن الشبهة المؤثّرة ظنُّ السارق ملك المسروق، أو ملك الحرز، أو كون المسروق ملكَ ولدِهِ.

وليس من الشّبهة كونُ الشيء مباحَ الأصل، كالحطب ولا كونُهُ رطباً، كالفواكه، ولا كونُهُ متعرِّضاً(3) للفساد، كالمرَقَةِ والشَمع المشِتعل وإن كان حقّاً يعتقده (4) .

6887. العاشر: إذا نقب أو فتح الباب المغلق فقد تحقّقت السّرقةُ، وكذا لو صعد على الحائط الممتنع ونزل منه إلى الدار، فإن نقب منه، وعاد للإخراج ليلةً أُخرى، قُطِع إلاّ ان يطّلع المالك ويهمل.


1 . النهاية: 719 .

2 . لاحظ السرائر: 3 / 494 .

3 . في «أ»: معرضاً.

4 . في «ب»: خفياً يعتقده .


صفحه 377

ولو أخرج شاةً فتبعها سخلُها أو غيرُهُ، فلا قطع في التابع.

ولو حمل حرّاً ومعه ثيابُهُ فلا قطع في الثياب، وفيه نظرٌ إلاّ أن يكون ضعيفاً، فيضمنها ولا قطع لأنّه ليس بسارق.

6888. الحادي عشر: يستوي في القطع الحرُّ والعبدُ، والأمةُ، والحرّةُ، والمسلمُ، والذّمّي، والحربّي، والمعاهد، ويستوي في القطع من الذّمي قهراً إذا سرق مالَ مسلم، وإن سرق مال ذّمي فإذا ترافعوا إلينا.

6889. الثّاني عشر: ينبغي للحاكم التعريضُ بالإشارة على السّارق بالإنكار، فيقول: ما أظنُّكّ سرقتَ.

6890. الثّالث عشر: لو سرق صليباً من ذهب أو فضّة يبلغ ربعَ دينار، قطع، وكذا لو سرق إناءً معدّاً لحمل الخمر، لأنّ الإناء لا تحريم فيه، وإنّما يحرم عليه نيّتُهُ وقصدُهُ، فكان كما لو سرق سكّيناً معدّةً لقطع الطريق.

ولو سرق إناءً فيه خمرٌ تبلغ قيمتُهُ النّصابَ قطع، ويقطع من سرق من بيت المال.

6891. الرابع عشر: لو اختلف الشّاهدان في الزمانِ، فقال أحدهما: سرق يومَ الخميس، والآخرُ: سرق يومَ الجمعة، أو المكانِ، فقال أحدهما: سرق من هذا البيت المالَ، وقال الآخر: من بيت آخر، أو العينِ(1)، فقال أحدهما: سرق ثوباً، وقال الآخر: آنيةً، فلا قطع .

ولو قال أحدهما: سرق ثوباً أبْيَضَ، وقال الآخر: ثوباً أسْوَدَ، أو قال


1 . عطف على قول «في الزمان» أي اختلفا في الزّمان أو المكان أو العين .


صفحه 378

أحدهما: سرق هرويّاً، والآخر: مرويّاً، لم يقطع، وكذا لو قال أحدهما: ثوراً، والآخر: بقرةً .

6892. الخامس عشر: لو كان النّصاب مشتركاً بين اثنين فما زاد، قطع سارقه، فلو أقرّ أنّه سرق منهما نصاباً، فصدّقه أحدهما دون الآخر، لم يقطع، وإن وافقاه قُطِع.

ولو حضر أحدهما فطالب، ولم يطالب الآخر، لم يُقْطع.


صفحه 379

المقصد السّادس : في حدّ المحارب

وفيه واحدٌ وعشرون بحثاً :

6893. الأوّل : المحاربُ مَن جَرَّدَ السّلاح لإخافة النّاس في بَر أو بحر، ليلاً كان أو نهاراً، في مصر وغيره، وسواء كان في العمران أو في البراري والصحاري، وعلى كلّ حال وهل يشترط كونُهُ من أهل الرّيبة (1) الظاهرُ من كلامه في النهاية الاشتراطُ (2) والوجهُ المنعُ إذا عرف أنّه قصد الإخافةَ، سواء كان المحارِبُ ذكراً أو أُنثى، خلافاً لابن إدريس (3) ثم رجع إلى ما قلناه (4) .


1 . أي المتّهم بالإخلال في المجتمع، وهذا ما يعبّر عنه في بعض الكتب بالأشقياءِ وفي الدّر المنضود: 3 / 225 تقريراً لدروس السيّد الفقيه الگلپايگاني (قدس سره)«المراد من كونه من أهل الريبة: كونه بحيث يحتمل في حقّه ذلك بأن كان من قبل من أهل الشّر والفساد، في قبال من كان من الصلاح والسّداد على حال لا يحتمل في حقّه ذلك.

وحيث إنّ المراد من المحارب هنا ليس كلّ من أتى بحرام وارتكب معصية، بل المراد كما تقدّم هو من حارب المسلمين فقد أُطلق عليه المحارب لله ورسوله تعظيماً للفعل، فمن قال باعتبار الريبة لعلّه يقول به باعتبار دخل ذلك في صدق عنوانه، وأنّه إذا كانت له سابقة في الشّرارة والفساد فإنّه يوجب كونه محارباً».

2 . النهاية: 720 .

3 . السرائر: 3 / 508 .

4 . السرائر: 3 / 510 .


صفحه 380

وهل يثبت لمن جرّد السلاح مع ضعفه عن الإخافة؟ فيه نظرٌ، أقربُهُ الثبوتُ، ويكتفي بقصده (1) .

ولا يثبت هذا الحكم للطّليع ولا للرِّدْء(2)، وإنّما يثبت لمن باشر الفعل، فأمّا من حضر منهم و (3) كثّر، أو هيّب، أو كان ردءاً أو معاوناً، فإنّما يُعزّر ويحبس، ولا يكون محارباً .

6894. الثاني : اللّصّ محاربٌ فإذا دخل داراً متغلّباً كان لصاحبها محاربتُهُ، فإن أدّى الدفع إلى قتله ضاع دمُهُ، ولا يضمنه الدافعُ، ولو جنى اللّصّ عليه ضمن، ويجوز الكفّ عنه، ولو أراد نفس صاحب المنزل وجب الدفع، وحرم الاستسلامُ، فإن عجز عن المقاومة، وأمكن الهرب، أو الصيّاح وجب .

6895. الثالث : تثبت المحاربة بشهادة رجلين عدلين وبالإقرار ولو مرّةً واحدةً، ولا تُقبل شهادةُ النساء منفردات ولا منضمّات.

ولو شهد بعضُ اللّصوص على بعض، لم تقبل، وكذا لا تُقْبل شهادةُ المأخوذين بَعْضِهِمْ لبعض، وتُقبل للرفقة بأن يقولوا عرضوا لنا وأخذوا هؤلاء(4)، ولو أضافوا أنفسَهُمْ لم تقبل، مثل أن يقولوا أخذوا مالَ هؤلاء ومالَنا.


1 . في «أ»: ويكفى في قصده .

2 . قال ثاني الشّهيدين: الطليع هو الّذي يرقب له من يمرّ بالطّريق ونحوه فيعلمه به، أو يرقب من يخاف عليه منه فيحذّره منه، والرِّدْءُ ـ بكسر الراء وسكون الدّال المهملة فالهمزة ـ : هو المعين له فيما يحتاج إليه، من غير أن يباشر متعلّق المحاربة، وإلاّ يكون محارباً. المسالك: 15 / 7 .

3 . زيادة يقتضيها السّياق .

4 . في المبسوط: 8 / 54 مكان العبارة: «فإن شهدا فقالا: هؤلاء عرضوا لنا وقطعوا الطريق على غيرنا قبلت الشهادة، لأنّ العداوة ما ظهرت بالتّعرض لهم.


صفحه 381

6896. الرابع: اختلف علماؤنا في حدّ المحارب على قولين: فالمفيد (رحمه الله) (1) وابن إدريس (2) خيّرا الإمامَ بين القتل، والصلب، والقطع مخالفاً، والنّفي مطلقاً إلاّ أن يقتل، فيتحتّم القتل.

وقال الشيخ: بالتفصيل (3): فإن كان قد قَتَلَ ـ ولو عفا وليّ الدمَ ـ قَتَلَهُ الإمامُ، ولو قَتَلَ وأَخَذَ المالَ استُعيد منه، وقُطِعَتْ يده اليمنى ورِجْلُهُ اليسرى، ثمّ قُتِل وصُلِب، وإن أَخَذَ المالَ ولم يَقْتُلْ، قُطِعَ مُخالفاً ونُفي، ولو خرج ولم يأخذ المالَ، اقتُصّ منه ونُفي ولو اقتصر على شهر السّلاح والإخافة نُفي لا غير، عملا بروايات(4) والأصحُّ الأوّلُ، عملاً بنصّ القرآن في التخيير (5) وبراوية جميل بن درّاج الحسنة عن الصادق (عليه السلام).(6)

6897. الخامس: المحارب إن قَتَلَ يُقْتل مطلقاً، سواء كان المقتول مكافئاً أو غير مكافئ، كالمسلم بالكافر، والحرّ بالعبد، والأب بالولد، فإن عفا وليّ الدّم قُتِل حدّاً.

ويُصلب المحارب إذا اختار الإمامُ صلبه حيّاً، على ما ذهبنا إليه من التّخيير، وعلى قول الشيخ (رحمه الله) يصلبه مقتولاً، ولا يُتْرك على خشبة أكثر من ثلاثة أيّام، ثمّ ينزّل ويُغسّل، ويكُفّن، ويُصلّى عليه، ويدفن، ومن لا يُصلب إلاّ بعد القتل، يُؤْمر بالغسل قَبْلَ القتل، ثمّ لا يجب تغسيلُهُ ثانياً.


1 . المقنعة: 804 .

2 . السرائر: 3 / 507 .

3 . النهاية: 720 .

4 . لاحظ الوسائل: 18 / 532، الباب 1 من أبواب حد المحارب، الحديث 1 و 54 .

5 . المائدة: 33 .

6 . الوسائل: 18 / 533، الباب 1 من أبواب حد السّرقة، الحديث 3 .


صفحه 382

6898. السّادس: إذا قتل المحاربُ غيرَهُ طلباً للمال، تَحَتَّمَ قَتْلُهُ قوداً إن كان مكافئاً، وحدّاً إن لم يكن مكافئاً، أو عفا وليّ الدّم، ولو قتل لا لطلب المال فهو كقتل العمد، أَمْرُهُ إلى الوليّ، يسقط قتلُهُ بعفوه، ولو جرح طلباً للمال، فالقصاص إلى الوليّ، فإن عفا الوليّ، فالأقربُ السقوطُ.

6899. السّابع: يُنفى المحاربُ عن بلده وعن كلّ بلد يقصده، ويكتب إلى كلّ بلد يدخله بالمنع من مبايعته ومعاملته إلى أن يتوب، فإن قصد بلادَ الشرك لم يمكّن من الدخول إليها، فإن مكّنوه قُوتِلوا حتّى يخرجوه.

6900. الثّامن: إذا تاب المحاربُ قَبل القدرة عليه، سقط الحدُّ دونَ القصاص في النّفس والجراح، ودون أخذ المال، ولو تاب بعد الظّفر به لم يسقط الحدُّ ولا القصاصُ ولا ضمان المال .

6901. التاسع: لا يعتبر في قطع المحارب أَخْذُ النّصاب، خلافاً للشيخ في بعض كتبه (1) ولا أَخْذُهُ من حرز، وهذا إنّما تظهر فائدتُهُ على ما ذهب إليه الشيخ، أمّا عندنا فلا، فإنّه يجوز قطعه وإن لم يأخذ المالَ.

6902. العاشر: يُبْدأ في قطع المحارب بيده اليمنى، ثمّ يُقْطع رجلُهُ اليُسْرى بعد أن تحسم يده، وتُحْسم اليُسْرى أيضاً، ولو لم تحسم في الموضعين جاز، ويوالى بين القطعين بعد الحسم.

لو فقد أحد العضوين قَطَعْنا الآخر، ولم يُنْتقل إلى غيره، قال الشيخ (رحمه الله): إذا كان الطرفان معدومين، قطعنا يدَهُ اليُسرى ورجلَهُ اليمنى .(2)


1 . ذهب إليه الشيخ في الخلاف: 5 / 464، المسألة 7 من كتاب قطّاع الطريق .

2 . المبسوط: 8 / 49 .


صفحه 383

6903. الحادي عشر: لو مات المحارب بعد أن قَتَلَ أُخذت الدّيةُ من تركته، وان قتل جماعةً اشتركوا في قتله، فإن قُتِلَ بأحدهم كان للآخرينَ الدّيةُ، ولو عفا الوليّ على مال، قُتِلَ حَدّاً، وأُخذت الدّيةُ من تركته إن اختار المحارِبُ الصلح عليها .

والجرح السّاري يوجب قتلاً متحتّماً(1) .

ومن استُحقّ يسارُه بالقصاص، ويمينُهُ بالسرقة، قدّم القصاص، ثمّ يُمهلُ حتّى يندمل، ثمّ يقطع للسّرقة، ولو اسْتُحِقَّ يمينُهُ للقصاص، ثمّ قَطَعَ الطّريقَ، قُطِعَتْ يمينُهُ للقصاص، وقُطِعَتْ رِجْلُه من غير مُهْلَة .

6904. الثّاني عشر: إذا اجتمعَتْ حدودٌ مختلفةٌ، كالقذف، والقطع، والقتل، بُدئ بالجلد، ثمّ القطع، ثمّ القتل، ولا يسقط ما دون القتل باستحقاق القتل، ولو أَخَّر مستحقُّ الطرف حقّه، استوفي الجلد، ثمّ قتل.

ولوكانت الحدودُ لله تعالى بُدئ بما لا يفوت معه الآخرُ.

6905. الثالث عشر: الخنّاق يُقْتل ويُسْتعاد منه ما أخذ.

ومن بَنَّجَ غيرَهُ أو أسكره بشيء احتال عليه، ثمّ أخذ مالَهُ، عُوقِبَ وأُدِّب، واستُعيد منه ما أخذه، وإن جنى البنج أ والإسكار عليه ضمن الجناية، ولا قطع عليه .

والمحتالُ على أموال النّاس بالمكر والخديعةِ وتزويرِ الكُتُبِ والرسائلِ


1 . والمراد أنّه إذا جرح قاطع الطريق جُرحاً سارياً منتهياً إلى قتل المجروح يحكم عليه بأنّه قاتل.


صفحه 384

الكاذبةِ وشهادةِ الزّور وغير ذلك، يُعَزّرُ ويُعاقب بما يراه الإمام رادِعاً، ويغرم ما أخذه ويُشهَّرُ، ولا قطع عليه .

والمستلب الّذي يسلب الشّيءَ ظاهراً لا قاهراً من الطّرقات من غير اشتهار سلاح ولا قهر، يُعاقَب ويُضرب ضرباً وجيعاًويُستعاد منه ما أخذ، ولا قطع عليه، والمختلس كذلك.

6906. الرّابع عشر: لا فرق في السّلاح بين السّيف وغيره، ولو لم يكن سلاح لم يكن محارباً، ولو عرض للمارّة بالعصا والحجارة، فالأقربُ أنّه يكون محارباً.

ولو كان المحاربون جماعةً، وفيهم صبيٌّ أو مجنونٌ أو والدٌ لمن قتلوه، سقط القتل قصاصاً وحدّاً عن الصبيّ والمجنون، وقصاصاً خاصّةً عن الأب، ولم يسقط القتل في حقّ الباقين، ويضمن الصبيّ والمجنون ما أخذاه من المال، وديةُ قتلهما على عاقلتهما.

6907. الخامس عشر: للإنسان أن يدفع عن نفسه وحريمِهِ ومالِهِ وإن قلّ، ولو قدر على الدّفع عن غيره، فالأقوى الوجوبُ مع أمن الضّرر، ويجب اعتماد الأسهل، فإن اندفع الخصمُ بالكلام اقتصر عليه، ولو لم يندفع فله ضربه بأسهل ما يعلم أنّه يندفع به، ويحرم عليه حينئذ التّخطّي إلى الأصعب، فإذا ذهب مولّياً لم يكن له قتلُهُ ولا ضربُهُ ولا إتباعه، ولو افتقر في الضّرب إلى العصا ساغ له، فإن لم يكف جاز بالسّلاح، ويذهب دمُهُ هدراً، سواء كان جرحاً أو قتلاً، وسواء كان الدّافع حرّاً أو عبداً، وكذا المدفوع.

ولو قُتِلَ الدافعُ كان شهيداً وضمنه المدفوع، ولو ضربه الدّافع فعطّله لم يكن له أن يثني عليه .


صفحه 385

ولا يبدأ الدّافع ما لم يتحقّق قصدُهُ إليه، وله دفعُهُ ما دام مُقْبِلاَ، فإذا أدبر كفّ عنه، ولو ضربه مُقْبِلاً فقطع يدَهُ، فلا ضمان عليه في الجراح ولا في السراية، فان ولّى فضربه فقطع رِجْلَه، فالرِّجْلُ مضمُونةٌ بالقصاص، أو الدية إن اندملَتْ، ولو سرت الأُولى فلا ضمان فيها، ولو اندملت الأُولى وسرت الثانية، ثبت القصاص في النفس، ولو سرتا معاً ثبت القصاص بعد ردّ نصف الدّية، فإن عاد المدفوع بعد قطع العضوين فقطع الدّافعُ يدَهُ الثّانية، فاليدان غير مضمونتين، ولو سرى الجميع قال في المبسوط (1): عليه ثلث الدية إن تراضيا، وإن اقتصّ الوليّ جاز له ذلك إذا ردّ ثلثي الدّية، والوجهُ عندي أنّ عليه نصف الدية، لأنّ الجرحين من واحد فصار كما لو جرحه واحدٌ مائة والآخر جرحاً واحداً، ثمّ سرى الجميع، فإنّ الدّية عليهما بالسّوية.

قال الشيخ (رحمه الله): ولو قطع يدهُ ثمّ رِجْلَهُ مقبلاً ويدَه الأُخرى مدبِراً، وسرى الجميع، فعليه نصف الدية(2) فإن طلب الوليّ القصاصَ كان له ذلك بعد ردّ نصف الدية.

ولو لم يمكنه الدفع إلاّ بالقتل، أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يقتله، فله ضربه بما يقتله، أو يقطع طرفه، وما أتلفه فهو هدرٌ.

6908. السّادس عشر: كلُّ من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه، فحكمه ما ذكرنا فيمن يريد دخولَ المنزل في الدفع بالأسهل فالأسهل، فإن كان بينه وبينهم


1 . المبسوط: 8 / 76 ـ كتاب الدفع عن النّفس .

2 . كذا في الشرائع: 4 / 190، ولكن في المبسوط: 8 / 76 «فإن قطع يده مقبلاً وأقام على إقباله فقطع الأُخرى، ثمّ ولّى فقطع رجله ثمّ سرى إلى نفسه فمات، كان عليه نصف الدّية».


صفحه 386

نهرٌ كبيرٌ أو خندقٌ، أو حصنٌ، لا يقدرون على اقتحامه، لم يكن له رميهم، ولو لم يمكن إلاّ بقتالهم، فله قتالُهُمْ وقتلُهُمْ.

6909. السّابع عشر: للمرأة أن تدافع عن نفسها ومالها وفرجها، وكذا للغلام، ويجب عليهما الدّفاع عن الجماع، وأن لا يُمكِّنا غيرَهُما من الفعل بهما، فإن خافا على أنفسهما القتلَ، ولم يندفع الخصم إلاّ بالتمكين، ساغ لهما ذلك، وكان لهما قتله بعد ذلك.

6910. الثّامن عشر: لو وجد مع زوجته أو مملوكته أو غلامه من ينال دون الجماع، فله دفعه، فإن امتنع فهو هدر.

ولو وجد رجلاً يزني بامرأته، فله قتلهما، ولو قتل رجلاًوادّعى أنّه وجده مع زوجته، فأنكر الوليّ، فالقولُ قولُ المنكر مع يمينه، والأقربُ الاكتفاء بالشاهدين، لأنّ البيّنة تشهد على وجوده مع المرأة لا على الزّنا.

ولو قتل رجلاً فادّعى الهجومَ على منزله وعدم التمكّن من دفعه إلاّ بالقتل، فعليه القود إلاّ مع البيّنة، فإن شهدت البيّنة أنّهم رأوا المقتولَ مُقْبِلاً إليه بسلاح مشهور فضربه هذا فقد هدر دمه، وإن شهدوا أنّه كان داخلاً دارَهُ ولم يذكروا سلاحاً، أو ذكروا سلاحاً غير مشهور لم يسقط القود بذلك.

ولو تجارح اثنان وادّعى كلٌّ منهما دفعَ صاحبِهِ عن نفسه، حلف كلٌّ منهما على إبطال دعوى صاحبه، وضمن ما جرحَهُ.

6911. التّاسع عشر: من اطّلع على قوم، فلهم زجرُهُ، فإن أصرّ كان لهم


صفحه 387

رميُهُ بحصاة أو عود، فان جنى الرّمي فهدر، ولو بدروه بالرّمي من غير زجر، ضمنوه، وإن كان المطّلعُ رحماً لصاحب المنزل، كان لهم زجرُهُ، ولو رموه بعد الزّجر ولم ينزجر ضمنوا.

أمّا لو كان بعضُ النساء مجرّدةً، جاز رميه مع عدم الانزجار بالزجر، لأنّه ليس للمحرم هذا الاطّلاع .

6912. العشرون: لو كان المطّلع أعمى لم يجز رميُهُ، لأنّه لا يرى شيئاً، ولو كان إنسانٌ عارياً في طريق، لم يكن له رمي من نظر إليه، ولو زجره فلم ينزجر، ففي جواز الرّمي نظرٌ.

ولو كان باب المنزل مفتوحاً، فاطّلع فيه مطّلع، جاز زجرُهُ، فإن لم ينزجر فلصاحب المنزل رميُهُ، وكذا لو كان في الباب ثقبٌ أوسع (1).

ولو اطّلع فزجره فلم ينزجر فرماه، فقال: لم أقصد الاطّلاعَ،لم يضمنه، وليس لصاحب الدّار رمي الناظر بما يقتله .

ولو لم يندفع النّاظر بالرّمي بالشيء اليسير، انتقل إلى ما هو أكبر منه، وهكذا حتّى يأتي (2) على نفسه، وسواء كان الناظر في الطريق أو ملك نفسه .

6913. الواحد والعشرون: للإنسان دفعُ الدّابّة الصائلة عن نفسه، فلو تَلَفَتْ بالدّفع، فلا ضمان، فلو لم تندفع إلاّ بالقتل، جاز قتلُها، ولا ضمان، ولو قتل المحرمُ صيداً لصيالته لم يضمنه، ولو قتله ليأكله في المخمصة، ضمنه .


1 . في «ب»: نقب أوسع .

2 . في «ب»: حتّى تأتي .


صفحه 388

ولو قتل الإنسان آخر لصيالته لم يضمنه، ولو قتله ليأكله في المخمصة وكان محقونَ الدّم، فعليه القصاص.

ولو عَضَّ يدَ غيرِهِ، فجذب المعضوضُ يده فوقعت أسنانُ العاضّ، فلا ضمان، سواء كان المعضوض ظالماً أو مظلوماً، لأنّ العضّ محرّم إلاّ أن يكون مباحاً له، مثل أن يمسكه في موضع يتضرّر بإمساكه، أو يعضّ يده، ونحو ذلك ممّا لا يمكن التخلص من ضرره إلاّ بالعضّ، فيكون الجاذب ضامناً لأسنانه، ولو عضّ أحدهما يدَ الآخر وافتقر المعضوضُ في التخلّص إلى أن يعضّ العاضَّ، فله عضُّهُ، ويضمن الظّالم منهما ما تلف من المظلوم، وما تلف من الظّالم كان هدراً، ويجب على المعضوضِ تخليصُ يده بالأسهل، فإن احتاج إلى الأصعب، انتقل إليه، فإن افتقر إلى اللّكم (1) أو الجرح جاز، ولو تعذّر ذلك، جاز أن يبعجه (2) بسكين أو خنجر، فإن انتقل إلى الأشقّ مع التخليص بالأسهل، كان ضامناً.

والأقربُ جوازُ جذبِ يدِهِ (3) وإن سقط الأسنان مطلقاً، لأنّ جذبَ يده مجردُّ تخليص ليده، وما حصل من سقوط الأسنان حصل ضرورةً للتخلّص الجائز .(4)


1 . اللَّكْمُ: الضرب باليد مجموعةً، وقيل: هو اللَّكْزُ في الصّدر والدّفع. لسان العرب: 12 / 323 .

2 . في مجمع البحرين: بَعَجَ بطنه بالسكين بعجاً: إذا شقّه .

3 . في «أ»: تجويز جذب يده .

4 . في «ب»: ضرورة التّخلص الجائز.


صفحه 389

المقصد السّابع : في حدّ الرّدة

وفيه سبعةٌ وعشرون بحثاً :

6914. الأوّل : المرتدّ عن الإسلام هو الراجع عنه إلى الكفر، وهو قسمان :

مَنْ وُلد على فطرة الإسلام، وهو المرتدّ عن فطرة، وهذا لا يُسْتتاب، ولا تُقْبَلُ توبتُه لو تاب، بل يجب قتلُهُ في الحال، وتبين زوجتُهُ حالَ ارتداده، وتعتدّ عدّةَ الوفاة، وتقسّم أموالُهُ بين وُرّاثه(1) وإن التحق بدار الحرب، أو هرب من الإمام بحيث لا يقدر عليه، أو اعتصم بما يحول بينه وبينه .

6915. الثاني : مَنْ أسلم عن كفر ثم ارتدّ، فهذا يُسْتتابُ، فإن امتنع من العود إلى الإسلام، قُتِلَ، وتجب استتابتُهُ .

وفي قدر استتابته قولان: أحدهما: ثلاثة أيّام، للرواية (2) والثاني: القدر الّذي يمكن معه الرجوعُ (3) ولا تزول عنه أملاكه بارتداده، ولا بامتناعه من التّوبة، ولا بالتحاقه بدار الكفر، بل بالقتل خاصّةً.


1 . في «أ»: بين وارثه .

2 . لاحظ الوسائل: 18 / 548، الباب 3 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 5 .

3 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 7 / 282 ـ 283 .


صفحه 390

نعم ينفسخ النّكاح بينه وبين زوجته من حين الارتداد، وتعتدّ عدّةَ الطّلاق، فإن انقضت العدّةُ ولم يرجع، بانت منه، وإن رجع في اثناء العدّة، فهو أولى بها، وتُقْضى ديونُهُ من أمواله، وتُؤدّى الحقوقُ الواجبةُ عليه، كنفقة الزّوجات والأقارب مادام حيّاً، فإذا قُتِلَ سقطت النّفقةُ، وقُضيت الدّيونُ الثّابتة عليه .

6916. الثاني: يُشْترط في المرتدّ البلوغُ، والعقلُ، والاختيارُ، فلا اعتبار بردّة الصبيّ بل يؤدّب، ولا المجنونِ والمغمى عليه، والسكرانُ كالمجنونِ، ولا اعتبار بالمكرَهِ، فلو نطق بالكفر كان لغواً، ولو ادّعى الإكراهَ وظهرت الأمارةُ، قُبِلَ منه.

ولو شهد شاهدان على ردّته، فقال: كذبا، لم يُسْمع، ولو قال: كنتُ مُكْرَهاً، صُدِّقَ مع الأمارات، ولو نقل الشاهدُ لفظَهُ فقال: صدق ولكنّي كنتُ مُكْرَهاً، قُبِلَ، إذ لا تكذيب فيه، بخلاف ما إذا شهد بالرّدّة، فإنّ الإكراه ينفي (1) الرّدة دون اللّفظ.

6917. الثالث: المرتدّةُ عن الإسلام لا تُقْتل، سواء ارتدَّتْ عن فطرة أو لا، بل تُحبس دائماً، وتُضْربُ أوقات الصّلوات، ولو تابت فالوجهُ قبولُ توبتها، وسقوطُ ذلك عنها وإن كانت عن فطرة.

6918. الرّابع: المرتدّ عن غير فطرة إذا قُتِلَ أو مات، كانت تركتُهُ لورثته المسلمين، فإن لم يكن له وراثٌ مسلمٌ، فهو للإمام، وأولادُهُ الأصاغرُ بحكم المسلمين، فإن بلغوا مسلمينِ فلا بحث، وإن اختاروا الكفرَ استُتيبوا، فإن تابوا، وإلاّ قُتِلوا، سواء وَلَّدَهُمْ قبلَ الإسلام أو بعده، أمّا لو وَلَّدَهُمْ حالَ ارتداده، فإن


1 . في «أ»: ينافي .


صفحه 391

كانت الأُمُّ مسلمةً، كانوا بحكمها، كما قلنا في الأب، وإن كانت مرتدّةً أو كافرةً، والحمل بعد ارتدادهما، فالاولادُ بحكمهما.

وهل يجوز استرقاقُهُمْ؟ تردّد الشيّخ، فتارةً جوّزه، لأنّهُمُ كَفَرَةٌ وُلِدوا بين كافرين (1) وتارةً مَنَعَ، لأنّ الأب لا يسترقّ للحرمة بالإسلام فكذا الولد .(2)

6919. الخامس: إذا وُلد للمرتدّ عن غير فطرة ولدٌ، وكان الحمل به حال ارتداد أبويه، فقد قلنا انّه كافرٌ، فإن قتله قاتل مسلم، لم يُقْتل به، أمّا لو وُلِد الولدُ حالَ إسلام الأب أو قبله، أو كانت الأُمُّ مُسلمةً، فإنّ الولد كالمسلم، فإن قتله مسلمٌ قبل وصفه الكفرَ، قُتِلَ به، سواء قتله قبل بلوغه أو بعده .

6920. السّادس: يحجر الحاكم على أموال المرتدّ عن غير فطرة، لئلاّ يتصرّفَ فيها بالإتلاف، فإن رجع فهو أحقّ بها، وإن التحق بدار الحرب، بقيت محفوظةً، أو بيع ما يخشى تلفُهُ، فإن رجع إلى الاسلام فهو أحقُّ بها، وإن مات انتقلت إلى ورثته المسلمين، ولا تقسّم بينهم ما دام الأبُ باقياً .

وهل يحصل الحجر بمجرّد الرّدة أو بضرب الحاكم؟ فيه نظرٌ.

6921. السّابع: إذا تكرّر الارتدادُ عن غير فطرة، قال الشيخ (رحمه الله): يُقْتل في الرابعة، قال: وروى أصحابُنا أنّه يقتل في الثالثة.(3)


1 . ذهب إليه الشيخ في الخلاف: 5 / 360، المسألة 11 من كتاب المرتدّ ; والمبسوط: 7 / 286 .

2 . واختاره الشيخ في المبسوط أيضاً: 8 / 71 ـ كتاب قتال أهل الرّدة ـ ولا يخفى أنّ للشيخ قولاً ثالثاً في كتاب قتال أهل الرّدة من الخلاف: 5 / 501، المسألة 1 .

3 . المبسوط: 8 / 74، ويريد من الرواية إمّا صحيحة يونس (الوسائل: 18 / 313، الباب 5 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1)، أو رواية جميل بن درّاج (الوسائل: 18 / 547، الباب 3 من أبواب حدّ المرتدّ، الحديث 3) وتمام الحديث في التهذيب: 10 / 137 برقم 544 .


صفحه 392

6922. الثّامن: الزّنديق ـ وهو الّذي يظهر الإيمانَ ويبطن الكفر ـ يُقتل بالإجماع .

6923. التّاسع: الكافر إذا أُكره على الإسلام حُكِمَ بصحّة إسلامه إن كان ممّن لا يقرّ على دينه، وإن كان ممّن يقرّ على دينه، لم يصحّ إسلامه مُكْرَهاً.

6924. العاشر: قال الشيخ (رحمه الله) في المبسوط: السكّران يُحْكم بإسلامه وارتدادِهِ (1) ففيه نظرٌ، والأقربُ المنعُ إذا لم يكن مميّزاً، وهو (2)اختيارُهُ في الخلاف (3).

ولو جُنّ بعد ردّته لم يُقْتل، لأنّ جواز القتل مشروطٌ بامتناع قبوله من التوبة، ولا حكم لامتناع المجنون، أمّا لو كان الارتداد عن فطرة، فإنّ الوجه أنّه يُقْتل .

6925. الحادي عشر: المرتدّ إذا أتلف على مسلم مالاً في دار الحرب أو دارِ الإسلام حالةَ الحرب أو بعد انقضائها، ضمن، والوجهُ أنّ الحربيّ كذلك.

ولو قَتَلَ المرتدُّ مسلِماً عمداً، فللوليّ قتلُهُ قصاصاً، ويسقط قتلُ الرّدّة، وإن عفا على مال أو عفا مطلقاً، قُتِلَ بالرّدّة.

ولو قَتَلَ خطأً، كانت الدّيةُ في ماله مخفّفة مؤجّلةً، لأنّه لا عاقلة له، فإن قُتِلَ أو مات حلّت، كالدَّيْنِ المؤجّل.

6926. الثاني عشر: لو تزوّج المرتدُّ لم يصحّ، سواء تزوّج بمسلمة أو كافرة، وتسقط ولايتُهُ في النكاح، فلو زوّج ابنَتَه المسلمةَ لم يصحّ، وفي سقوط


1 . المبسوط: 8 / 74 .

2 . أي المنع .

3 . الخلاف: 5 / 504، المسألة 5 من كتاب قتال أهل الرّدّة.


صفحه 393

ولايته عن تزويج أمته نظرٌ، أقربُهُ عدمُ السّقوط، فله أن يزوّجها، وإن كانت مسلمةً على إشكال.

وإذا دخل بزوجته المسلمة بعد أن تزوّجها مرتدّاً، فإن كانت عالمةً بالتحريم، فلا مهر لها، وإلاّ ثبت لها المهرُ، وفرِّق بينهما.

6927. الثالث عشر: لو تاب المرتدّ، فقتله مَنْ يعتقد بقاءه على الرّدّة، قال الشيخ: يثبت القود، لوجود المقتضي وهو قتل المسلم ظلماً(1)وفيه إشكالٌ من حيث عدم القصد إلى قتل المسلم .

6928. الرّابع عشر: إذا نقض الذّمي العهدَ، ولحق بدار الحرب، فأموالُهُ باقيةٌ على الأمان، فإن قُتِلَ أو مات ورثه الكافر الذّمّي والحربيّ، فإن كان الوارث ذميّاً فمالُهُ باق على الأمان، وإن كان حربيّاً زال الأمانُ عنه .

وأولادُهُ الصّغارُ باقون على الذّمّة، فإذا بلغوا خُيِّروا بين عقد الجزية لهم، وبين الانصراف إلى مأمنهم، ثمّ يصيرون حَرْباً .(2)

6929. الخامس عشر: كلمةُ الإسلام أن يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسولُ الله، ولا تجب زيادةُ «أبرأُ(3) من كلِّ دين غير الإسلام» لأنّه تأكيدٌ .

ولو كان مقرّاً بالله سبحانه وبالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن اعتقد عدمَ عموم نبوّته، أو أنّه لم يُوجَدْ بعدُ، بيَّنَ له وأرشد إلى أن يظهر له الحقّ .

6930. السّادس عشر: لو ارتدّ المجنونُ لم يكن لارتداده حكمٌ، بل هو باق على إسلامه، فلو قتله مسلمٌ ضمنه.


1 . المبسوط: 8 / 72 ; الخلاف: 5 / 503، المسألة 3 من كتاب قتال أهل الرّدّة .

2 . في أكثر النسخ: «حربيّاً» وفي لسان العرب: 3 / 100 «ذهب بعضهم إلى انّه يعني لفظة حَرْب جمع حارِب أو مُحارِب، على حذف الزائد» .

3 . في «ب»: إبراء .


صفحه 394

6931. السّابع عشر: يُقْتل المرتدّ بالسيف، ولا يجب إحراقُهُ بالنار، والقتل إلى الإمام، والأقربُ أنّ للمولى قتل عبده بالرّدّة، ولو قتله مسلمٌ أخطأ ولا قود عليه ولا دية.

6932. الثّامن عشر: تصرّفات المرتدّ عن فطرة في ماله بالبيعِ والهبةِ والعتقِ والتدبيرِ باطلةٌ، أمّا المرتدّ عن غير فطرة، فالأقربُ أنّه موقوفٌ، فإن رجع إلى الإسلام تبيّنّا الصحّة، وإن قُتِلَ أو ماتَ بطلَ تصرُّفُهُ، أمّا لو تصرّف بعد حجر الحاكم عليه، فإنّه باطلٌ.

ولو وُجِدَ للمرتد عن غير فطرة سببٌ يقتضي الملك كالصّيدِ والاحتشاشِ والاتّهابِ وإيجار نفسه، خاصّةً اومشتركةً، ثبت الملك له .

وأمّا المرتدّ عن فطرة، فالوجُه أنّه لا يدخل في ملكه، ويحتمل الدّخولُ، ثم ينتقل إلى الوارث .

6933. التاسع عشر: الرّدّةُ قَطْعُ الإسلام من المكلّف، إمّا بالفعل كالسّجود للصّنم، وعبادةِ الشّمس، وإلقاءِ المصحف في القاذورات، وكلّ فعل صريح في الاستهزاء، وإمّا بالقول عناداً أو استهزاءً أو اعتقاداً.

وكلُّ من اعتقد حلَّ شيء أُجْمع على تحريمه من غير شبهة، فهو مرتدٌّ.

أمّا الجاهل فلا يحكم بارتداده حتّى يعرف ذلك ويزول عنه الشبهة، ويستحلّه بعد ذلك، فإن تاب، وإلاّ ضُرِبَتْ عنقُهُ، أمّا لو أكل لحمَ خنزير، أو ميتة، أو شرب الخمر لم يحكم بارتداده بمجرّد ذلك، لإمكان أن يفعل محرّماً.

6934. العشرون: لو صلّى بعد ارتداده، لم يحكم بعوده إلى الإسلام بمجرّد


صفحه 395

ذلك، سواء فعل ذلك في دار الحرب أو دار الإسلام، وسواء صلّى جماعةً أو فُرادى .

وإذا ثبتت ردّتُهُ بالبيّنة أو غيرها فشهد الشهادتين، كفى في إسلامه.

ولو كان كفره بعُموم البعثة، لم يثبت إسلامُهُ حتّى يشهد أنّ محمّداً رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جميع الخلائق (1) أو يتبرّأ من كلّ دين غير الإسلام.

وإن اعتقد أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)مبعوثٌ لكن زعم أنّه غير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لزمه مع كلمة الشهادتين الإقرارُ بأنّ هذا المبعوث هو رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كفر بجحود فرض، لم يحكم بإسلامه حتّى يُقرّ بما جحده، والأقربُ عدمُ وجوبِ إعادة الشّهادتين.

وكذا إن جحد نبيّاً من أنبياء الله تعالى الّذين أخبر الله تعالى عنهم، أو كتاباً مِنْ كتبه، أو مَلَكاً من ملائكته، أو استباح محرّماً، فلابدّ في رجوعه من الإقرار بما جحده.

وأمّا الكافر بجحد (2) الدّين من أصله، فإنّ إسلامه يحصل بالشّهادتين، ولو لم يعتقد التّوحيدَ افتقر إلى الشّهادة به، وإن اعتقده كفاه الشّهادة بالرّسالة.

ولو قال الكافر: أنا مسلمٌ أو مُؤْمنٌ، فالأقربُ الاكتفاءُ بذلك، ولو شهد الكافر بالشّهادتين، ثمّ قال: لم أرد الإسلام، فقد صار مرتدّاً، ويُجْبر على الإسلام، ويحتمل عدمُ الإجبار.

6935. الحادي والعشرون: لو أُكْرِهَ المسلمُ على الكفر فأتى بكلمة الكفر،


1 . في «ب»: إلى جميع الخلق .

2 . في النسختين: «يجحد». والصحيح ما أثبتناه .


صفحه 396

لم يحكم بكفره، ولا تبين منه امرأتُهُ، ويُغسّل لو مات، ويُصَلّى عليه(1)، فإذا زال الإكراه عنه، فالوجهُ عدمُ تكليفه بإظهار إسلامه.

ولو أظهر الكفرَ بعد زوال الإكراه عنه، فالوجهُ أنّه يُحْكم بكفره حين زوال الإكراه.

6936. الثّاني والعشرون: لو وجب على المسلم حدٌّ، ثمّ ارتدّ، ثمّ أسلم، لم يسقط عنه الحدُّ، وكذا جميع الحقوق والجنايات تثبت عليه، سواء لَحِقَ بدار الكفر أو لا، وسواء أسلم أو لا .

6937. الثّالث والعشرون: من سبّ الله تعالى كَفَرَ، وكذا من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته، أو برسله، أو كُتُبه، سواء فعل ذلك على سبيل الجدّ أو الهزل، وكذا من سبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أحد الائمّة(عليهم السلام)، وجاز لسامعه قتلُهُ مالم يخف الضّرر على نفسه أو ماله أو بعض المؤمنين.

6938. الرّابع والعشرون: من ادّعى النبوّةَ، وجب قتلُهُ، وكذا مَنْ صَدَّقَ مَنْ ادّعاها، وكذا مَنْ قال: لا أدري محمّد بن عبد الله صادقٌ أو لا، وكان على ظاهر الإسلام .

6939. الخامس والعشرون: السّحر عقد ورقى وكلامٌ يتكلّم به، أو يعمل شيئاً يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له ، وقد يحصل به القتلُ، والمرضُ، والتفريقُ بين الرّجل والمرأة، وبغضُ أحدهما لصاحبه، ومحبّة أحد الشخصين للآخر.


1 . ناظر إلى ردّ فتوى محمد بن الحسن الشيباني حيث قال: هو كافرٌ في الظاهر تبين منه امرأته ولا يغسّل ولا يصلّى عليه. لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 105 .


صفحه 397

وهل له حقيقة ام لا؟ فيه نظرٌ، فمن عمل بالسحر قُتِلَ إن كان مسلماً، وأُدِّب إن كان كافراً من غير أن يُقْتل، والأقربُ أنّه لا يكفر بتعلّمه وتعليمه محرّماً، ولو استحلّه فالوجهُ الكُفْرُ.

والسحّر الّذي يجب به القتلُ هو ما يُعدّ في العرف سحراً، كما نقل الأموي(1) في مغازيه: أنّ النّجاشي دعا السواحر فنفخن في إحليل عمارة بن الوليد فهام مع الوحش، فلم يزل معها إلى امارة عمر بن الخطاب فأمسكه إنسانٌ، فقال: خلّني وإلاّ متُّ، فلم يخلّه فمات من ساعته، وقيل: إنّ ساحرة أخذها بعضُ الأُمراء، فجاء زوجها كالهائم فقال: قولوا لها تحلّ عنّي، فقالت: ائتوني بخيوط وباب فأتوها بذلك، فجلست على الباب، وجَعَلَتْ تعقد، فطار بها البابُ فلم يقدروا عليها (2) وأمثال ذلك.

فأمّا الّذي يعزم على المصروع، ويزعم أنّه يجمع الجنّ ويأمرها فتطيعه، فلا يتعلّق به حكم السّاحر، والّذي يحلّ السّحر بشيء من القرآن أو الذّكر والإقسام، فلا بأس به، وإن كان بالسّحر حرم على إشكال.

6940. السّادس والعشرون: تثبت الردّة بشهادة شاهدين عدلين ذكرين، أو الإقرار مرّةً ولا تثبت بشهادة النّساء انضممن أو انفردن.

وينبغي للحاكم أن يستظهر في سماع الشّهادة، فلا يقبل فيها الإطلاق، بل لابدّ من التفصيل، لاختلاف المذاهب في التكفير.


1 . الظاهر انّه الوليد بن مسلم الأموي الدمشقي ولد سنة 119 وتوفي سنة 195 هـ ونقل انّ له سبعين تصنيفاً في الحديث والتاريخ والسنن ومنها «المغازي» لاحظ الأعلام للزّركلي: 8 / 122.

2 . لاحظ المغني لابن قدامة: 10 / 117 .


صفحه 398

6941. السّابع والعشرون: كلّ من فعل محرّماً، أو ترك واجباً، فللإمام تعزيرُهُ بما لا يبلغ الحدّ، وكميّتُهُ منوطةٌ بنظر الإمام، ويختلف باختلاف أحوال الجناة، ولا يبلغ حدّ الحرّ في الحرّ، ولا حدّ العبد في العبد، ففي الحرّ من سوط إلى تسعة وتسعين، وفي العبد إلى تسعة وأربعين.

وكلّما فيه التعزير من حقوق الله تعالى يثبت بشاهدين أو الإقرار مرّتين، ويعزّر من قذف أمته أو عبده كالأجنبيّ .

ويكره أن يزاد في تأديب الصّبي على عشرة أسواط، وكذا المملوك، فإن ضرب عبده في غير حدٍّ حَدّاً استُحبّ له عتقُهُ .


صفحه 399

المقصد الثامن : في حدّ القذف

وفيه مطالب :

المطلب الأوّل: في القذف

وفيه تسعة مباحث :

6942. الأوّل : القذف الموجب للحدّ هو الرّمي بالزنا، أو اللّواط، أو النيك، أو إيلاج الحشفة، مع الوصف بالتحريم، مثل: أنت زان، أو لائطٌ، أو زنيتَ، أو ليط بك، أو زنيت أو لطت، أو يا زان، أو يا لائط أو يا منكوحاً في دبره، وما يؤدّي هذا المعنى صريحاً، مع معرفة القائل بموضوع اللفظّ بأيّ لغة كان.

6943. الثاني : لو قال لولده الّذي اعترف به: لَسْتَ ولدي، وجب عليه حدّ القذف، وكذا لو قال : لست لأبيك، أو زَنَتْ بك أُمُّك، أو ابن الزانية .

ولا حدّ بالتعريض والكناية، كقوله للقرشي: يا نبطيّ، ولو أراد به الزّنا، فهو قذفٌ، ويصدّق في قصده ويُعزّر، وكذا لو قال: يا ابن الحلال أو أنا لست بزان.


صفحه 400

6944. الثّالث: لو قال: زنى فرجُك، فهو قذفٌ، ولو قال لامرأته: زنيتُ بِكِ، فهو إقرارٌ وقذفٌ أما الإقرار فإن أكمله أربعاً حُدَّ وإلاّ عُزِّر، وأمّا القذف فيوجب الحدّ بأوّل مرّة وإن كان يحتمل غير القذف، لإمكان تفسيره بالإكراه، لكنّ الظّاهر القذف .

ولو قال لزوجته: يا زانية، فقالت: زنيتُ بك، فإن أرادَتْ زنا قبل النكاح، سقط حدُّ القذف عن الزّوج، ووجب عليها حدُّ القذف له وحدُّ الزّنا إن أقرّت أربعاً، وإن قالت: قصدت نفي الزّنا، قُبِلَ قولُها وحُدَّ الزّوجُ للقذف.

6945. الرابع: لو قال: يا زانية، فقالت: أنت أزنى منّي، فهو قاذفٌ، وفي طرفها احتمالٌ .

ولو قال للولد المنفيّ باللّعان: لَسْتَ من الملاعن، فهو قاذفٌ إن أراد تصديق الزّوج، وإن أراد النفيّ الشرعيّ، فليس بقاذف.

ولو قال للقرشيّ: لست من قريش، ثمّ قال: أردتُ أنّ واحدةً من أُمّهاته زَنَتْ، فليس بقاذف، لأنّه لم يعيّن تلك الواحدة، بل يجب به التّعزيرُ .

6946. الخامس: لو قال: زَنَتْ بك أُمُّك، أو يا بن الزانية، فهو قذفٌ للأُمّ، ولو قال: زنى بك أبوك، أو يا بن الزاني، فهو قذفٌ لأبيه.

ولو قال: يابن الزّانيين، فهو قذفٌ للأبوين.

ولو قال: وُلِدْتَ من الزّنا، قال الشيخ: يكون قذفاً للأُمّ (1) وفيه


1 . النهاية: 723 .


صفحه 401

نظرٌ، لاحتمال انفراد الأب بالزّنا أو الأُمّ، ولا يثبت الحدُّ مع الاحتمال، فلا يحدّ لأحدهما(1) .

ولو قال: ولدَتْك أُمُّك من الزّنا، فالاحتمالُ هنا أضعفُ، وكان قذفاً للأُمّ.

ولو قال: يا زوج الزانية، أو يا أخا الزّانية، أو يا أبا الزانية، أو يا ابن الزّانية، فالقذف هنا للمنسوب إليها لا للمواجه، فإن كان الولد كافراً، والأُمّ مسلمة، أو الأب، وجب الحدُّ لهما مع النسبة إليهما.

ولو قال للمسلم: يابن الزّانية، وكانت الأُمُّ كافرةً، أو أمةً، قال في النهاية يجب الحدّ لحرمة الولد(2) والأشبهُ التعزيرُ.

6947. السّادس: لو قال: زنيت بفلان، أو لطت به، وجب عليه حدٌّ للمواجه، وفي المنسوب إليه إشكالٌ، قال الشيخ (رحمه الله): يجب، لأنّه فعلٌ واحدٌ متى كذب في أحدهما كذب في الآخر (3)، ويحتمل العدمُ ومنعُ الوحدة، لأنّ موجب الحدّ في الفاعل الأثرُ وفي المنفعل التّأثّرُ، وهما متغايران، فلعلّ أحدهما كان مكرهاً.

6948. السّابع: لو قال لابن الملاعنة: يابن الزّانية، وجب الحدُّ، ولا يجب لو قال لابنُ المحدودة قبل التّوبة، أمّا لو قال بعد التّوبة، ثبت الحدّ .

6949. الثّامن: لو قال: يا ديوّث، أو يا كشخان، أو يا قرنان، أو يا قرطبان، وكان عارفاً بموضوع اللّفظة في عرف المستعملين (4) وأنّها تفيد القذف،


1 . كذا في «ب»: ولكن في «أ»: فلا يحدّ لاحتمالهما بهما.

2 . النهاية: 725 .

3 . النهاية: 725 ; المبسوط: 8 / 16 .

4 . في «ب»: في عرف المستعمل .


صفحه 402

وجب الحدّ، وإن لم يعرف قائُلها فائدتَها فلا حدّ، ويعزّر إن قصد بها الأذى .

وقيل (1): الدّيّوثُ هو الّذي يُدخل الرّجالَ على امرأته .

وقال ثعلب (2): القرطبان الّذي يرضى أن يُدْخِلَ الرّجالَ على نسائه، وقال: القرنان والكشخان لم أرهما في كلام العرب ومعناه عند العامّة مثل معنى الديّوث أو قريب منه .

وقيل (3): القرنان من له بناتٌ، والكشخان من له أخواتٌ، والقوّاد السمسار في الزنا، والقذف به يوجب التّعزير .

6950. التاسع: كلّ تعريض يكرهه المواجه ولا يفيد القذف وضعاً ولا عرفاً يوجب التعزير لا الحدّ، كقوله: أنت ولد حرام، أو حملَتْ بك أمُّك في حيضها، أو يا فاسق، أو يا شارب الخمر، والمقول له متظاهر بالسِّتر، أو قال لزوجته: لم أجدكِ عذراء.

ولو قال: يا خنزير، أو يا رقيع(4)، أو يا وضيع، أو يا خسيس، أو يا كلب، أو يا مسخ، أو غير ذلك، وكان المقول له مستحقّاً للاستخفاف، فلا حدّ عليه ولا تعزير، وإن لم يكن مستحقّاً لذلك عُزِّر، وكذا لو عيّره بشيء من بلاء الله تعالى، أو أظهر ما هو مستورٌ منه، كقوله: يا أجذم، أو يا أبرص، أو يا أعمى، أو يا أعور.


1 . القائل هو إبراهيم الحربيّ على ما نقله عنه ابن قدامة في المغني: 10 / 214 .

2 . أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي الشيباني المعروف بـ «ثعلب»، قيل: سمّي به لأنّه إذا سئل عن مسألة أجاب من هاهنا وهاهنا، فشبّهوه بثعلب إذا أغار، كان إمام الكوفيّين في النحو واللّغة، قرأ على ابن الأعرابي، مات سنة 291 هـ ; لاحظ تاريخ بغداد: 5 / 204 ; والكنى والألقاب: 2 / 117 ; والمغني لابن قدامة: 10 / 214 .

3 . نقله ابن قدامة في المغني عن خالد بن يزيد عن أبيه، والمراد انّه يدخل الرجال عليهنّ. لاحظ المغني: 10 / 214 .

4 . في مجمع البحرين: يقال للواهي العقل رقيعٌ، تشبيهاً بالثوب الخلق، كأنّه رقع .


صفحه 403

ولو قذف رجلٌ آخر، فقال ثالثٌ للقاذف: صدقتَ، فالأقربُ استحقاقُ التّعزير دون الحدّ .

ولو قال: أَخْبَرَني فلانٌ أنّك زنيتَ، لم يكن قاذفاً، سواء صدّقه المخبرُ أو كذبه وعليه التعزيرُ وإن صدّقه المُخبر.

ولو قال: مَنْ رماني فهو ابن الزانية، فرماه رجلٌ، فلا حدّ عليه إجماعاً ، وكذا لو اختلف رجلان في شيء، فقال أحدهما: الكاذب هو ابن الزانية، فلا حدّ، لأنّه لم يعيّن أحداً.

المطلب الثاني: في القاذف

وفيه خمسة مباحث :

6951. الأوّل : يعتبر في القاذف البلوغُ، والعقلُ، والاختيارُ إجماعاً، فلو قذف الصبيُّ بالغاً لم يحدّ بل يعزّر، وكذا لو قذف المجنونُ الكاملَ، ولو أُكره البالغُ على القذف، فلا حدّ ولا تعزير .

6952. الثّاني: لا فرق بين أن يكون القاذفُ في دار الحرب أو في دار الإسلام، فإنّ الحدّ الكامل يجب عليه في الدّارين .

6953. الثّالث: هل يشترط في الحدّ الكامل الحريّةُ؟ الأشهرُ عدمُ الاشتراط، فلو قذف العبدُ العاقلُ حرّاً مُحصناً، وجب عليه ثمانون كالحرّ، وقيل:


صفحه 404

عليه نصفُ الحدّ (1) والأوّل أقوى، لعموم الآية .(2)

6954. الرابع: لا فرق في القاذف بين الذّكر والأُنثى، والمسلم والكافر .

6955. الخامس: لو ادّعى المقذوفُ حريّة القاذف، فأنكر القاذف، فعلى قولنا لا فائدة، لوجوب الحدّ عليه كملاً، أمّا على القول الآخر، فالقولُ قولُ القاذف، لأنّه شبهةٌ .

المطلب الثالث: في المقذوف

وفيه أربعة مباحث :

6956. الأوّل : يشترط في المقذوف البلوغُ، وكمالُ العقل، والحريّةُ، والإسلامُ، والعفّةُ عن الزنا، ويُقال لجامع هذه الصفات المحصنُ، وهو لفظٌ مشترك بين معان أربعة وردَتْ في الكتاب العزيز:

أحدها: هذا، قال تعالى: (وَالَّذينَ يَرْمُونَ اْلمـُحْصَناتِ)(3).

الثاني: المزَّوجات، قال تعالى: (وَاْلمـُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)(4) (مُحْصَنات غَيْرَ مُسافِحات)(5) .


1 . ذهب إليه الشيخ في المبسوط: 8 / 16 .

2 . إشارة إلى قوله تعالى (والّذين يرمون المحصنات...) النور: 4 .

3 . النور: 4 .

4 . النساء: 24 .

5 . النساء: 25 .


صفحه 405

الثالث: الحرائر، قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ اْلمـُحْصَناتِ)(1) (وَاْلمـُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَاْلمـُحْصَناتُ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ)(2) (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى اْلمـُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ)(3).

الرابع: الإسلامُ، قال تعالى: (فَإذا أُحْصِنَّ)(4) قال ابن مسعود: إحصانها إسلامها(5) .

إذا ثبت هذا فمن قذف محصناً بالمعنى الأوّل، وجب بقذفه الحدُّ، ومن قذف فاقدَها أو فاقد بعضها، فلا حدّ، بل يجب عليه التعزير .

6957. الثّاني: لو كان المقذوف صبيّاً حرّاً، أو بالغاً مملوكاً، أو حرّاً بالغاً كافراً، أو حرّاً بالغاً مسلماً متظاهراً بالزّنا، فلا حدّ، بل فيه التعزير بحسب ما يراه الإمام في ذلك كلّه، سواء كان القاذف جامعاً لها أو لا.

6958. الثّالث: لو قذف الأبُ ولدهَ المحصن وإن نزل، لم يحدّ كاملاً، بل عُزِّر، ولو قذف الزوجُ زوجتَهُ حُدّ كملاً، فإن كانت ميتةً كان لورثتها المطالبة بالحدّ كم