welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الحديث النبوي بين الرواية والدراية*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحديث النبوي بين الرواية والدراية
الحديث النبوي بين
الرواية والدراية

دراسة موضوعية منهجية لأحاديث أربعين صحابياً
على ضوء
الكتاب ، السنّة ، العقل ، اتفاق الأُمّة، والتاريخ

تأليف
العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني


(5)
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي تواترت نعماوَه، واستفاضت آلاوَه، والصلاة والسّلام على سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، صلاة موصولة، لا مقطوعة، إلى يوم الدين.
إنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للعقيدة والشريعة، ولذلك عكف المسلمون على جمع ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من قول أو فعل أو تقرير بنحو لا مثيل له في الاَُمم السابقة، وقد استأثرت السنّة بأهمية بالغة عند المسلمين، حدت بهم إلى تأسيس علوم بُغية فهم كتاب اللّه وسنة نبيّه. هذا من جانب.
ومن جانب آخر قد دسّ فيها أحاديث كثيرة مكذوبة وموضوعة من قبل أصحاب الاَهواء ورجال العيث والفساد.
وقد صار ما ذكرنا سبباً لوضع ضوابط لتمييز الصحيح منها عن السقيم، وألّف الباحثون في ذلك المضمار مصنفات عديدة أثْرت المكتبة الاِسلامية. شكر اللّه مساعيهم الجميلة.
وقد نهجوا سبيل النقاش في مسانيد الحديث ورجاله، وخرجوا بنتائج باهرة، ففرزوا الموضوعات والمندسّات عن غيرهما، وصار التوفيق حليفاً لهم إلى حدّ.

(6)
ولكن ثمة طريق آخر فاتهم سلوكه، وهو عرض مفاد الحديث ومضمونه على ضوابط رصينة حتى يتميز بها الحق من الباطل والصحيح عن الزائف، وهذه الضوابط عبارة عن الاَُمور التالية:
1. الكتاب العزيز.
2. السنّة المتواترة أو المستفيضة .
3. العقل الحصيف.
4. ما اتفق عليه المسلمون .
5. التاريخ الصحيح .
فيعرض الحديث على هذه الضوابط التي لا يستريب فيها أي مسلم واع، فإذا لم يخالفها نأخذ به إذا كان جامعاً لسائر الشرائط (1) وإذا خالفها نطرحه وإن كان سنده نقياً.
هذا هوالمقياس لتمييز الصحيح عن السقيم، وإن كان الاِمعان في الاَسانيد أيضاً طريقاً آخر لنيل تلك الغاية.
ولكن المحدّثين سلكوا النهج الاَوّل دون الثاني.
ونحن بفضل اللّه سبحانه و تعالى نسلك الطريق الثاني، ونتناول بالبحث روايات أربعين صحابياً على ضوء الضوابط السابقة، ليكون نموذجاً لما اخترناه بغية فتح الباب على مصراعيه في وجه الآخرين.
نعم نختار من كلّ صحابي قسماً من رواياته لا كلّها، كما نذكر قسماً من روائع رواياته التي رويت عنه.

1 . نعم يكفي في حجية الحديث كونه غير مخالف للا َُمور القطعية ، كما سيوافيك بيانه.

(7)
وثمة نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّه لانحمِّل سُقم الروايات على عاتق الصحابي الذي رويت عنه أو التابعي الذي روى عنه، بل نركز على أنّالرواية سقيمة، وأمّا من تولّى كِبْره فهو أمر غير مطروح في هذا المقام إلاّ في موارد خاصّة.
وفي خاتمة المطاف أودُّ أن أُشير إلى أنّنا راعينا ـ في دراسة سيرة الصحابة والاَحاديث التي نقلت عنهم ـ ترتيب أسمائهم حسب وفياتهم.
وحيث إنّ طائفة كبيرة من الاَحاديث الضعيفة أو الموضوعة رُويت عن غير واحد منهم، فقد أوجب ذلك تكراراً في دراسة بعض الروايات، نظير:
نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا، الشوَم في المرأة، بول النبي قائماً، سلطان إبليس على النبي في حال صلاته، طواف النبي على نسائه في ليلة و احدة، وضع الربّ رجله في نار جهنم، أو انّه سبحانه ليس بأعور، إلى غير ذلك من الاَحاديث. ولذلك بسطنا الكلام في كلٍّ منها عند ترجمة واحد منهم، وأوجزنا الكلام عند ترجمة الآخرين.
ولا ندّعي انّنا استوفينا البحث في أكثر الروايات الموضوعة، فضلاً عن جميعها، وانّما قدّمنا للقارىَ الكريم أنموذجاً من تلك الروايات التي عزيت إلى أربعين صحابياً، عسى أن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة من قبل الباحثين في هذا المضمار.
ولنذكر قبل الدخول في المقصود عدة أُمور تمهّد السبيل لفهم ما نصبو إليه. واللّه من وراء القصد.
جعفر السبحاني


(8)

(9)

1
مكانة السنّة النبوية

السنّة في اللّغة الطريقة، وفي الاصطلاح ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من: قول أو فعل أو تقرير. وهي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء أكان منقولاً باللفظ أم منقولاً بالمعنى، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الاَُمم، واهتمّ المسلمون بنقل ما أُثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحرّوا في نقله الدقة، وكفى في كونها من مصادر العقيدة والتشريع قوله سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى) (النجم|3 ـ 4) والآية وإن كانت ناظرة إلى الوحي القرآني لكن قوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى) غير قابل للتخصيص، فهي قاعدة كلية في كلّ ما يصدر منه ويصدق عليه أنّه مما نطق به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال سبحانه: (وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعلّمَكَ ما لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113) والمراد من الفضل العظيم، الذي أُشير إليه في ذيل الآية هو علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة قوله:(وَعلَّمك ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم) .
إلى غير ذلك من الآيات التي تبعث المسلمين إلى اقتفاء أثر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، مثل

(10)
قوله سبحانه: (ما آتاكُمُ الرَّسُوُل فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر|7) بناء على أنّ المراد من قوله (آتاكُم) ـ بقرينة (ما نَهاكُمْ عنه)ـ خلاف «ما نهاكم»، لا ما آتاكم من الغنائم.
إنّ السنّة هي المبيِّنة للقرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (النحل|44).
اتفقت الاَُمّة الاِسلامية على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الثاني بعد الكتاب، بل ذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنّ جميع ما يحتاج إليه الناس موجود في الكتاب والسنّة.
قال الاِمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً، وجعل عليه دليلاً ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً». (1)
وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : «ما من شيء إلاّ فيه كتاب أو سنّة». (2)
إنّ السنّة النبوية تكون تارة ناظرة إلى القرآن الكريم فتُبيّن مجملاته كالزكاة والصلاة والصوم، أو تخصص عموماته، أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون ناظرة إلى بيان العقيدة والشريعة فحسب، وفي كلا القسمين تكون الصياغة والتعبير للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن المحتوى والمضمون وحي من اللّه سبحانه ولذلك تُعدُّ السنّة عِدْلاً للقرآن الكريم، فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفيّة لا تُعْلم إلاّ من قبل الرسولص، فهو المبيِّن لحقائقها، وشروطها وموانعها، وقد صلّـى (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي» وبذلك رفع الاِجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها باب الزكاة والحجّ وغيرها من أبواب الفقه.

1 . الكليني: الكافي: 1|95، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2و4.
2 . الكليني: الكافي: 1|95، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 2و4.

(11)
فالسنّة النبوية هي المصدر الاَصيل ـ كالقرآن ـ للتشريع ولا غنى لفقيه أو محدّث عنها، و من قال«حسبنا كتاب اللّه» فإنّما قاله بلسانه وأنكره بجنانه، إذ هو يعلم انّ كتاب اللّه وحده غير وافٍ بالتشريع، وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تفنيد هذه المزعمة بقوله في حديث الاَريكة الذي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد بصور مختلفة.
أخرج ابن ماجة بسنده عن المقدام أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يوشك الرجل متّكئاً على أريكته، يحدِّث بحديث من حديثي ، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عزّوجلّ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه،وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه.
ألا، وإنّ ما حرّم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ما حرّم اللّه».(1)
وقال ابن حزم: لو انّ امرأً قال: لا نأخذ إلاّ ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الا َُمّة ... وقائل هذا: كافر مشرك حلال الدم والمال. (2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي أغنانا عن نقلها وضوح الموضوع واتفاق المسلمين عليه و إنّما اللازم طرح سائر ما يمتُّ إلى السنّة النبوية بصلة.


1 . سنن ابن ماجة:1|6 برقم 12، باب تعظيم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والتغليظ على من عارضه؛ مسند أحمد:4|131؛ و سنن أبي داود:4|200 برقم 4604، باب في لزوم السنة، وفيه مكان «الرجل»: «رجل شبعان» ؛ و سنن الترمذي: 5|37 برقم 2663، الباب 10؛ إلى غير ذلك.
2 . الاحكام في أُصول الاحكام:1|208.

(12)

2
اهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتدوين الحديث

قد اشتهر بين المحدّثين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن تدوين الحديث وكتابته لعلل سيوافيك شرحها وتحليلها. ولكن الشهرة في غير محلّها، وقد قيل: كم شهرة لا أصل لها، بل الصحيح هو انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر في غير مرّة بتدوين حديثه وكتابته، وإليك نماذج منها:
1. ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل(شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين، ألا وانّها لم تحلّ لاَحد قبلي ولم تحلّ لاَحد بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن.
فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لاَبي فلان ـ إلى أن قال: ـ كتب له هذه الخطبة. (1)
2. أخرج البخاري باسناده عن وهب بن منبه عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد أكثر حديثاً عنه مني إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب. (2)

1 . صحيح البخاري: 1|29ـ30، باب كتابة العلم، الحديث 112.
2 . المصدر نفسه: 1|30، باب كتابة العلم، الحديث 113.

(13)
3. ما أخرجه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:
لمّا اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».
قال عمر: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع.
فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. (1)
4. أخرج أبو داود في سننه عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كلّ شيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب و الرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حقّ». (2)
5. أخرج الترمذي في سننه عن أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي ،فقال:يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني و لا أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «استعن بيمينك» وأومأ بيده للخط. (3)
6. أخرج الخطيب البغدادي عن رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، ونحن نتحدث، فقال: «ما تحدّثون؟».

1 . صحيح البخاري: 1|30، باب كتابة العلم.
2 . سنن أبي داود:3|318 برقم 3646، باب في كتاب العلم؛ ومسند أحمد:2|162؛ سنن الدارمي : 1|125، باب من رخّص في كتابة العلم.
3 . سنن الترمذي: 5|39 برقم 2666.

(14)
فقلنا: نتحدث عنك يا رسول اللّه.
قال: «تحدّثوا، وليتبوّأ من كذّب عليّ مقعداً من جهنم».
ومضى (صلى الله عليه وآله وسلم) لحاجته، ونكس القوم روَوسهم...، فقال: «ما شأنكم؟ ألا تحدّثون؟».
قالوا: الذي سمعنا منك، يا رسول اللّه.
قال: «إنّي لم أرد ذلك، إنّما أردت من تعمد ذلك»، قال:فتحدثنا.
قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّا نسمع منك أشياء، فنكتبها.
قال: «اكتبوا ولا حرج». (1)
ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرب عن موقفه حيال كتابة الحديث بفعله حيث كتب إلى عمّاله وغيرهم كُتباً تتعلق بالاَُمور الدينية، وقد حفظها التاريخ في طياته وإليك الاِشارة إلى بعضها:
1. كتابه إلى عمرو بن حزم الاَنصاري عامله على اليمن. (2)
2. كتابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وقومه في حضرموت. (3)
3. كتاب في الزكاة والديات وكان عند أبي بكر. (4)
إلى غير ذلك من الكتب المتعلقة بالاَُمور الدينية، مضافاً إلى كتاباته ومواثيقه وعهوده مع شيوخ القبائل كما سيوافيك بيانها.
ولعلّ هذا المقدار يفي بإثبات الاَهمية التي أولاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابة حديثه.

1 . تقييد العلم: 72 و73.
2 . دلائل النبوة للبيهقي:5|413.
3 . طبقات ابن سعد: 1|287.
4 . صحيح البخاري كما في فتح الباري: 3|317 وفيه: انّ أبا بكر كتب له (لاَنس) هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللّه على المسلمين...»والظاهر انّ الكتاب كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد احتفظ به أبو بكر، فكتب عنه عندما بعث أنس بن مالك إلى البحرين.

(15)
وقد قام لفيف من الصحابة بكتابة الحديث في عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده، نشير إلى طائفة منهم:
1. أنس بن مالك.
روى يزيد الرقاشي، قال: كنّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك القى إلينا بمخلاة أو أتانا بمخال، فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديث كتبتها عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أو سمعتها من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتبتها وعرضتها. (1)
2. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، له صحيفة مشهورة ذكرها ابن سعد. (2)
وقد أورد مسلم شيئاً من تلك الصحيفة في كتاب الحج من صحيحه. (3)
3. معاذ بن جبل كان لديه كتاب يحتوى على أحاديث. (4)
4. حنظلة بن ربيع الكاتب.
قال الشيخ الطوسي: روى كتاباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . (5)
5. أبو رافع المدني، كان يملي على ابن عباس الحديث فيكتبه (6) وهو مصنف كتاب السنن والاَحكام والقضايا. (7)
إلى غير هوَلاء من الشخصيات الاِسلامية المعدودة من الصحابة، فقد كتبوا كتباً ودوّنوا صحفاً واحتفظوا بها في عهد الرسولوبعده، وإن كانت تلك الصحف صحفاً غير مرتبة ولا منظمة، بل كانت أشبه بالمسانيد.
هذا كلّه من طرق أهل السنّة.

1 . محاسن الاصطلاح: 297، كما في تدوين السنة الشريفة: 210.
2 . الطبقات الكبرى:5|467.
3 . صحيح مسلم: 4|38ـ43 باب حجّة النبي من كتاب الحجّ.
4 . حلية الاَولياء:1|240.
5 . الفهرست: 91.
6 . تقييد العلم: 91ـ92.
7 . رجال النجاشي: 2.

(16)
وأمّا ما روي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، فحدث عنه ولا حرج، فقد دلت الاَخبار على أنّ عليّاً كان من السبّاقين في تدوين السنّة النبوية في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد كتب ما أملاه عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيفة عرفت بكتاب علي (عليه السلام) تارة، وبالجامعة أُخرى، وقد ورث هذه الصحيفة أبناوَه واحد تلو الآخر وكانوا يعتمدون عليها ويُفتون على ضوء ما يجدون فيها، وإليك بعض ما أثر عنهم (عليهم السلام) :
1. قال الاِمام الباقر (عليه السلام) لاَحد أصحابه ـ أعني حُمران بن أعين ـ وهو يشير إلى بيت كبير: «يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لو وُلّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لن نعدو ما فيها».
2. قال الاِمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ».
3. قال الاِمام الصادق (عليه السلام) عند ما سئل عن الجامعة: «فيها كلّما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلاّفيها حتى أرش الخدش».
4. وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) أيضاً، وهو يعرف كتاب علىٍّ: «طوله سبعون ذراعاً، إملاء رسول اللّه من فلق فيه، وخطّ علي بن أبي طالب «عليه السلام» بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، حتى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة.
5. ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخطّ عليّ (عليه السلام) بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى أرش الخدش».(1)


1 . وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاَثر حول صحيفة الاِمام عليّ (عليه السلام) في موسوعته بحار الاَنوار:26|18ـ66، تحت عنوان باب «جهات علومهم وما عندهم من الكتب»، فلاحظ الحديث 12، 1، 10، 30.

(17)

3
المنع الشرعي عن كتابة الحديث؟!

قد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وظهر مما تقدم أنّ الرسول أولى عناية فائقة بكتابة الحديث وقام بكتابته عن طريق كُتّابه، وتبعه لفيف من أصحابه فألّفوا صحائف ورسائل في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كانت مختصرة وغير منظمة، لكنّها شكلت اللبنات الا َُولى لتدوين الحديث في القرن الثاني.
وربما يُتَخيل انّه كان هناك منع شرعي عن كتابة الحديث استناداً إلى الاَحاديث التالية:
حديث أبي سعيد الخدري
1. أخرج أحمد، عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه». (1)
2. وأخرج أيضاً بهذا السند عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكتبوا عني شيئاً، فمن كتب عني شيئاً فليمحه». (2)
وقد رواه الخطيب بصور مختلفة (3) كلّها تنتهي إلى زيد بن أسلم، عن عطاء

1 . مسند أحمد: 3|12 ولاحظ تقييد العلم: 29و 30.
2 . مسند أحمد: 3|12 ولاحظ تقييد العلم: 29و 30.
3 . تقييد العلم:29.

(18)
ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري. وهو يكشف عن أنّ الحديث مضطرب المتن لوجود الاختلاف في مضامينه وصوره.
وقد اقتصرنا على الصورتين الماضيتين اللّتين رواهما أحمد في مسنده.
ولا يُحتج بمثل هذا الحديث في مقابل الاَحاديث السابقة الدالة على رجحان الكتابة، مضافاً إلى ما رواه الذهبي في حقّ «زيد بن أسلم» قال: روي عن حماد بن زيد، قال: قدمت المدينة وهم يتكلّمون في زيد بن أسلم، فقال لي عبيد اللّه بن عمر: ما نعلم به بأساً إلاّ أنّه يفسّر القرآن برأيه. (1)
3. وهناك حديث آخر لاَبي سعيد، أخرجه الخطيب عن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: استأذنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أكتب الحديث، فأبى أن يأذن لي. (2)
والحديث ضعيف بعبد الرحمان.
قال يحيى بن معين: بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء.
وروى عثمان الدارمي عن يحيى: ضعيف.
وقال البخاري: عبد الرحمان ضعّفه عليّ جداً.
وقال النسائي: ضعيف. إلى آخر ما ذكر. (3)
ورواه الدارمي عن نفس زيد بن أسلم. (4)
وقد ورد سفيان بن عيينة في جميع أسانيد الحديث الاَخير ، وهو معروف

1 . ميزان الاعتدال: 2|98 برقم 2989.
2 . تقييد العلم:32.
3 . ميزان الاعتدال: 2|564 برقم 4868.
4 . سنن الدارمي:1|119، باب من لم ير كتابة الحديث.

(19)
بالتدليس. وأمارة التدليس في المقام واضحة، لاَنّه رواه تارة عن زيد بن أسلم وأُخرى عن ابنه عبد الرحمان.
حديث أبي هريرة
1. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: «ما هذا تكتبون؟».
فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا ما نسمع، فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه؟ امحضوا كتاب اللّه أو خلصوه»، قال: فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدث عنك؟ قال: «نعم، تحدثوا عنّي ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»، قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: «نعم، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدّثون عنهم بشيء إلاّوقد كان فيهم أعجب منه». (1)
2. وأخرج الخطيب، عن عبد الرحمان بن زيد بنفس السند السابق، عن أبي هريرة، قال: خرج علينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن نكتب الاَحاديث، فقال: «ما هذا الذي تكتبون؟».
قلنا: أحاديث سمعناها منك.
قال: «أكتاباً غيركتاب اللّه تريدون، ما أضلَّ الاَُمم من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكتب مع كتاب اللّه».

1 . مسند أحمد:3|12.

(20)
قال أبو هريرة فقلت: أنتحدث عنك يا رسول اللّه؟
قال:« نعم تحدثوا عني ولا حرج، فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». (1)
3. أخرج الخطيب بنفس السند عن أبي هريرة قال: بلغ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» انّ ناساً قد كتبوا حديثه، فصعد المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: ما هذه الكتب التي بلغني أنّكم قد كتبتم إنّما أنا بشر، من كان عنده منها شيء فليأت به، فجمعناها «فأخرجت»[كذاج ، فقلنا: يا رسول اللّه نتحدث عنك؟ قال: تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمداً، فليتبوّأ مقعده من النار. (2)
وهذه الاَحاديث المنتهية إلى أبي هريرة لا يحتج بها.
أوّلاً: لوقوع «عبد الرحمان بن زيد بن أسلم» في جميع الاَسانيد وقد عرفت حاله.
ثانياً: وجود الاختلاف في المضامين كما هو واضح عند المقارنة.
ثالثاً: تعارضها بما سبق من الروايات المتضافرة الدالة على خلافها.

حديث زيد بن ثابت

أخرج الخطيب البغدادي باسناده إلى كثير ابن زيد عن المطلب بن عبد اللّه ابن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه. (3)
وقد رواه الخطيب بسندين ينتهيان إلى كثير بن زيد.
قال الذهبي: قال أبو زرعة: صدوق، فيه لين.
وقال النسائي: ضعيف.

1 . تقييد العلم: 33، 34، 35.
2 . تقييد العلم: 33، 34، 35.
3 . تقييد العلم: 33، 34، 35.

(21)
وقال ابن المديني: صالح، وليس بقوي. (1)
وقد أخرج الخطيب روايات أُخرى لا تنتهي إلى الرسول وإنّما تحكي عمل بعض الصحابة والتابعين من محو الكتابة.
هذه هي المناقشات في سند الرواية ومضامينها، وهناك أمر آخر وهو انّ هذه الروايات لا يساعدها الذكر الحكيم أوّلاً ، وتخالف السنة القولية و الفعلية ثانياً، والتاريخ الصحيح ثالثاً.
أمّا عدم مساعدة الكتاب فلانّه سبحانه اهتم بكتابة الدين اهتماماً بالغاً، وقال: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسمَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِوَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْيَكْتُبَ كَما عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ) ثمّ عاد وأكّد على الموَمنين أن لا يسأموا من الكتابة، فقال سبحانه: (وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبيراً إِلى أَجَلِهِ).
فإذا كان الدَّين بهذه المنزلة من الاَهمية، فكيف بأقوال النبيوأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجية وبرهاناً؟
وثمة كلمة قيمة للخطيب البغدادي نأتي بنصِّها، قال: «وقد أدّب اللّه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين فقال عزّوجلّ: (وَلا تسأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذِلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا) (2)
فلما أمر اللّه تعالى بكتابة الدين حفظاً له واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدّين أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه (3)

1 . ميزان الاعتدال: 3|404 برقم 6938.
2 . البقرة: 282.
3 . تقييد العلم: 70 ـ 71 ولكلامه صلة: فراجع.

(22)
وأمّا مخالفتها للسنّة القولية والفعلية، فكما عرفت ممّا مضى من الروايات.
وأمّا مخالفتها للتاريخ الصحيح فلما ثبت من أنّ الخليفة لمّا حاول كتابة الحديث استشار أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلو كان هناك حظر من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما في هذه الروايات لم يبق موضوع للاستشارة، ولما صحّ للاَصحاب أن يشيروا إلى الخليفة بالكتابة.
أخرج الخطيب البغدادي باسناده عن عروة بن الزبير : انّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا أُلبس كتاب اللّه بشيء أبداً.(1)
وأخرج أيضاً بالاسناد عن القاسم بن محمد: انّ عمر بن الخطاب بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس انّه قد بلغني انّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّأتاني به فأرى فيه رأيي.
قال: فظنوا انّه يريد ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب. (2)
كل ذلك يدل على أنّالحظر الشرعي أُسطورة تاريخية صنعتها يد الجعل تبريراً لاَعمال الخلفاء حيث قاموا بوجه تدوين الحديث ونشره والتحدّث به كما سيوافيك بيانه، و مرّت الاِشارة إليه آنفاً.


1 . تقييد العلم: 49و 52.
2 . تقييد العلم: 49و 52.

(23)

4
العلل المزعومة لقلة الاهتمام بالتدوين

قد عرفت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتمّ بكتابة حديثه ورغّب إليها، وانّ لفيفاً من الصحابة قاموا بتدوين صحف وكتب ورسائل حول حديثه وحفظوا بها سنّة الرسول في عصره وبعده، فصارت كالنواة لعصر التدوين.
كما أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم لم يعيروا أهمية لمنع كتابة الحديث، وقد دونوا كتباً ورسائل في عصر الرسول وبعده.
ولكن هنا نكتة جديرة بالاِشارة، وهي انّ المسلمين لم يبذلوا عناية كافية بتدوين الحديث، وكان المترقب منهم ـ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ هو بذل المزيد من العناية بذلك في كلّعصر، وتشكيل حلقات الدراسة والمذاكرة في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وخارجه كما شكّلوه في القرن الثاني.
وبذلك تعرّض تدوين الحديث لنكسة عرقلت خطاه .
فيقع الكلام في بيان ما هو السبب من وراء هذه النكسة؟ فقد ذكروا لها مبرّرات، وسنقوم بدراستها على وجه الاِيجاز.

الاَوّل: الاحتراز عن المضاهاة بكتاب اللّه تعالى

إنّ عدم الاهتمام بتدوين الحديث كان لغاية مقدسة وهي عدم اختلاط الحديث بالقرآن الكريم، فلذلك انصبَّ اهتمام المسلمين على تدوين القرآن ،

(24)
دون تدوين الحديث وذلك لئلا يختلطا.
قال الخطيب: قد ثبت انّكراهة من كره الكتاب من الصدر الاَوّل إنّما هي لئلا يضاهىَ بكتاب اللّه تعالى غيره...ونُهي عن كتب العلم في صدر الاِسلام وجِدّته، لقلة الفقهاء في ذلك الوقت والمميزين بين الوحي وغيره، لاَنّ أكثر الاَعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يُوَمن أن يُلْحِقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنّما اشتملت عليه كلام الرحمن. (1)
أقول: هذا الوجه مخدوش جداً وأشبه بدفع الفاسد بالاَفسد، وبالاعتذار الاَقبح، من الذنب القبيح، وذلك لاَنّ القرآن الكريم أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما بلغ غيره من الفصاحة بمكان، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد، قال سبحانه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا القُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الاِسراء|88).
ومعنى هذا الاعتذار انّ كلام الرسول كان بنحو ربما لا يُميّز عن كلام ربِّ العزة، فيتصوره العرب الاَقحاح ـ الذين يخاطبهم القرآن بالآية الكريمة ـ انّه من القرآن الكريم.
وبعبارة أُخرى: انّ المراد من المضاهاة ـ كما عبرّ بها الخطيب، أو الاختلاط بالقرآن كما عبّر به غيره (2) ـ إمّا هي المضاهاة الصورية، أو المضاهاة الواقعية الجوهرية.
أمّا الاَُولى فيكفي في دفعها أن يكتب كلٌ على حدة، فيكون لكلّ موضع

1 . تقييد العلم: 57.
2 . وهو الظاهر من حديث أبي هريرة حيث روى: امحضوا كتاب اللّه. ومعناه المنع عن تدوين الحديث مع القرآن.

(25)
خاص وهو أمر سهل.
وأمّا الثانية فهي غيرممكنة وذلك لاَنّ للقرآن بلاغة تختص به ويتميز بها عن غيره مهما بلغ الغير من البلاغة والفصاحة بمكان، فلا تحصل المضاهاة مهما اختلطا.
على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتكلم بأُسلوب متعارف بين الناس في مقام التحديث، فلم يكن أيّ تشابه بين الحديث والقرآن حتى يحصل الاختلاط.

الثاني: عدم الاشتغال عن القرآن

وهذا هو العذر الثاني، وحاصله انّه لم يُدون الحديث النبوي لئلاّ يشتغل المسلمون عن القرآن بسواه أو «مخافة أن ينصرف الناس عن القرآن إلى سنته وسيرته وينظروا إليهما كما ينظرون إلى القرآن ، وعلى مرور الزمن تحلّ محله كما حلّت أقوال المسيح وسيرته محل الاِنجيل الذي أنزله اللّه عليه». (1)
ولعلّه إلى ذلك الوجه يشير قول عمر على ما أخرجه الخطيب بقوله: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار اللّه شهراً، ثمّ أصبح وقد عزم له، فقال: ذكرت قوماً كتبوا كتاباً، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه. (2)
أقول: إذا كان الاشتغال بالحديث سبباً للاِعراض عن القرآن فالاشتغال بسائر العلوم الطبيعية والرياضية والاَدبية أولى بأن تكون موجبة للاِعراض عنه، وذلك لاَنّ الصلة الموجودة بين القرآن والحديث ليست موجودة بينه وبين سائر العلوم، أفيصح لعالم واع أن يفتي بتحريم الاشتغال بمطلق العلوم بذريعة انّ

1 . انظر تقييد العلم: 57 ولاحظ علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح: 20.
2 . هاشم معروف الحسني، الموضوعات في الآثار والاخبار : 19.ويظهر من كلامه انّه رضي بذلك العذر.

(26)
الاشتغال بها موجب للاِعراض عن القرآن؟!
وأمّا قياس الاشتغال بالحديث باشتغال أهل الكتاب بغير كتاب اللّه تعالى فهو قياس مع الفارق، لاَنّ الاشتغال بحديث يُقيّد مطلقاته، ويبيّن مفاهيمه، ويوضح أسباب نزوله، إلى غير ذلك من الحقائق الكامنة في الحديث، اشتغال ـ في الواقع ـ بالقرآن، وهذا بخلاف اشتغال أهل الكتاب بغير التوراة والاِنجيل، فقد اشتغلوا بما كان على طرف النقيض ممّا نزل على أنبيائهم.
على أنّ التجربة أثبتت خلاف ذلك، لاَنّ المسلمين اشتغلوا منذ أوائل القرن الثاني بتدوين الحديث بجد ومثابرة، ولم يُشغلهم عن القرآن وحفظه أيّ شاغل.

الثالث: قلّة من يجيد القراءة والكتابة

وهذا الوجه يهدف إلى القول بأنّ الاَُمّية السائدة في الجزيرة العربية عاقتهم عن كتابة الحديث، وأعانهم على ذلك سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، وقد أشار إليه الخطيب. (1)
قال ابن قتيبة: كان الصحابة أُميين لا يكتب منهم إلاّالواحد والاثنان وإذا كتب لم يُتقن ولم يُصب التهجي. (2)
أقول: إنّ ما ذكر من الفرض باطل جداً فإنّ الاَُمية لم تمنع من كتابة القرآن الكريم وتدوينه، فكيف تمنع عن كتابة الحديث؟ فهوَلاء الكُتّاب الذين بلغ عددهم نحواً من سبعة عشر كاتباً كان في وسعهم القيام بكتابة الحديث النبوي، وقد ثبت في التاريخ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حريصاً على مكافحة الاَُمية التي كانت

1 . تقييد العلم: 57؛ وعبّر عنه بقلّة الفقهاء، ولعلّ مراده ما ذكرناه.
2 . تأويل مختلف الحديث: 287.

(27)
متفشية بين العرب في مطلع فجر الاِسلام، وقد فرض على كلّأسير كان يحسن القراءة والكتابة تعليم عشرة من الاَُميين كفدية له في مقابل الفدية النقدية التي فرضها يوم بدر على الاَسرى في حين انّه كان أحوج ما يكون إلى المال في تلك الفترة من تاريخ الاِسلام. (1)
ثمّ إنّ النهي عن كتابة الحديث دال على إمكانها وكثرة من يمارسها، وإلاّلعاد النهي لغواً والتأكيد على المنع عبثاً.
وبالجملة هذه فروض ذهنية لا تنطبق على الواقع، وهناك فرض رابع ربما يكون هو السبب الحقيقي من وراء عدم بذل العناية بكتابة الحديث، وقد أوضحناه في موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل» (2) ولنأت في المقام بصورة واضحة مقرونة بالشواهد.

الرابع: حظر التدوين لدافع سياسي

الظاهر انّ السبب الواقعي لعدم الاهتمام بالكتابة، هو نهي الخلفاء عنها لدافع سياسي، وقد حظي هذا الدافع من الاَهمية بمكان حتى انّ عمر ابن الخطاب، قال لقرظة بن كعب: جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(3)
ولما نهض عمر بأعباء الخلافة نهى عن كتابة الحديث، وكتب إلى الآفاق: انّ من كتب حديثاً فليمحه (4) ثمّ نهى عن التحدّث فتركت عدة من الصحابة

1 . السيرة الحلبية:2|193، دار احياء التراث العربي.
2 . بحوث في الملل والنحل:1|68ـ72.
3 . الحاكم النيسابوري: المستدرك:1|102.
4 . تقييد العلم:53؛ و كنز العمال:10|292 برقم 29476.

(28)
الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
وأغلب الظن انّ الوجه في منع تدوين الحديث ونشره ومدارسته ومذاكرته وكتابته بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نفس الوجه الذي منع من كتابة الصحيفة يوم الخميس عند احتضار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته وبعدها لم تتغير، وقد مضى حديث ابن عباس في ذلك (2)
وثمة سوَال يطرح نفسه وهو ماذا كان يريد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة وصيته؟ فلو عُلم ذلك، لعُلم وجه المنع عن كتابة وصيته، كما عُلم أيضاً وجه المنع عن تدوين سنته بعد رحيله.
فنقول: لم يكن هدف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ دعم موقفه من الوصية وتعيين الخليفة بعده، ويعلم هذا من مقارنة هذا الحديث الذي نقله ابن عباس مع حديث الثقلين المتفق عليه بين محدّثي السنّة والشيعة.
وذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في شأن الكتاب الذي مُنع عن كتابته: إئتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده.
وقد جاءت هذه العبارة بعينها في حديث الثقلين، إذ يقول فيهص: إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب اللّه وعترتي.
فالتشابه الموجود بين الحديثين يعرب عمّا كان يهدفه النبيمن وراء طلب الدواة والصحيفة، وكان الهدف دعم مفاد حديث الثقلين وتعزيز ولاية الاِمام علي (عليه السلام) وتعيين الخليفة، فقد وقف بعض الحاضرين في المجلس على أنّوصية النبيستشكّل خطراً على مصالحهم، فمنعوا عن كتابة الحديث لئلا يرد نصّمكتوب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على خليفة واحد بعينه.

1 . راجع مستدرك الحاكم: 1|102.
2 . لاحظ ص 13.

(29)
يقول: سفيان بن عيينة: أراد أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم الاختلاف (1)
وهذا الوجه نفسه صار سبباً لمنع تدوين الحديث بعد رحيله لما في أحاديث الرسول من التركيز على ولاية علي (عليه السلام) ، فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ ان صدّع بالدعوة وأجهر بها، نص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتى، فقدعرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقولهص: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي يوم الاَحزاب بقولهص: «ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».
وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك عليّاً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي».
إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غدير خم، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».
إلى غير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثيرمن الصحابة فوعوها.
فكتابة حديث رسول اللّه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ماأثر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ أوّل الموَمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس ضبط ما أثر ، أمراً يلائم ذوق الذين منعوا عن الكتابة.
إنّ هذا الوجه هو الذي اخترناه في سالف الزمان، وقد ذكر المحقّق السيد محمد رضا الجلالي (حفظه اللّه) شواهد تاريخية تدعم الموضوع، وتثبت انّ هذا

1 . ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 1|169.

(30)
الوجه هو القول الفصل.
ومن جملة تلك الشواهد التاريخية:
1. جاء علقمة بكتاب من مكة ـ أو اليمن ـ صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت، بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاستأذنا على عبد اللّه[بن مسعود]، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة.
قال: فدعا الجارية، ثمّ دعا بطست فيها ماء.
فقلنا له: يا أبا عبد الرحمان، أنظر فيها، فانّ فيها أحاديث حساناً، قال:فجعل يميثها فيها، ويقول: (نَحْنُ نقصُّ عليكَ أَحْسَنَ الْقصص بِما أَوحَيْنا إليكَ هذا القُرآن) . القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه (1)
إنّ الصحيفة المعرضة للابادة ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ، وكأنّ الراوي اعتنى بهذه النقطة، فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت، وليلفت نظر عبد اللّه بن مسعود إلى أنّهم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولكن عبد اللّه لم يعر اهتماماً وأباد الصحيفة.
والتبريرات المذكورة لمنع التدوين لا يجري شيء منها هنا، فلا اختلاط لما في الصحيفة بالقرآن ولا الاشتغال بأحاديث في صحيفة، تلهي عن القرآن، و مع ذلك فانّ عبد اللّه بن مسعود أباد الصحيفة لما فيها ما يرجع إلى أهل البيت، بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وان برّر عمله بانّ الاشتغال بالحديث هو اشتغال بما سوى القرآن، ولكن هذا التبرير كان واجهة لما ارتكب، وفي الواقع كان المحتوى يسلب الشرعية عن السلطة الحاكمة وينافي سياستها القائمة، لاَنّ الاَحاديث النبوية الواردة في أهل البيت (عليهم السلام) إنّما تدل على فضلهم وتوَكد على خلافتهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجعلهم

1 . تقييد العلم: 54 وقد رواه بأسانيد وصور مختلفة تشترك الجميع في غسل الصحيفة التي فيها أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(31)
قرناء للقرآن ليكونوا هم وهو خليفتين له من بعده. وكان عبد اللّه بن مسعود من حماة السلطة الحاكمة إلى عصر الخليفتين الاَوّلين (1) وإن تراجع عن موقفه في عصر الخليفة الثالث كما سيوافيك عند ترجمته وسيرته.
2. أخرج ابن كثير عن عمر انّه قال: أقلّوا الرواية عن رسول اللّه إلاّفيما يعمل به. (2)
فإذا كان التحديث بحديث رسول اللّه موجباً للاشتغال به عن القرآن أو غير ذلك، فلماذا جوز التحديث في الفرائض والاَحكام دون غيره؟ أو ليس ذلك قرينة على أنّ الحديث في الاَحكام لا يمس كيان السلطة، بخلاف التحديث في غيرها خصوصاً فيما يرجع إلى الفضائل والمناقب.
3. ما روى من انّخالد القسري ـ أحد ولاة بني أُمية ـ طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة، فقال الكاتب: فانّه يمرّ بي الشيء من سير علي بن أبي طالب، فأذكره؟
فقال خالد: لا، إلاّأن تراه في قعر الجحيم. (3)
فالحديث يكشف عن أنّ هذا هو السبب الرئيسي لمنع تدوين الحديث، فلم يكن تدوين الحديث منفكّاً عما ورد في عليٍّ وأهل بيته من الفضائل.
4. روى الزبير بن بكار بسنده عن عبد الرحمان بن يزيد، قال: قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجاً، سنة 82 هـ وهو ولي عهد، فمرّبالمدينة فدخل عليه الناس، فسلّموا عليه وركب إلى مشاهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التي صلّـى فيها، وحيث أُصيب أصحابه بأُحد، ومعه أبان بن عثمان، وعمرو بن عثمان، وأبوبكر بن عبد

1 . انظر تدوين السنة: 412ـ 413.
2 . البداية والنهاية: 8|110.
3 . الاغاني: 22|15.

(32)
اللّه، فأتوا به قُباء، ومسجد الفضيخ ومشربة أُمّ إبراهيم، وأُحد، وكل ذلك يسألهم؟ ويخبرونه عما كان.
ثمّ أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومغازيه.
فقال أبان: هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أثق به.
فأمر بنسخها والقي فيها إلى عشرة من الكُتّاب، فكتبوها في رقٍّ فلما صارت إليه، نظر فإذا فيها ذكر الاَنصار في العقبتين،وذكر الاَنصار في بدر.
فقال: ما كنت أرى لهوَلاء القوم هذا الفضل، فأمّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم، وأمّا أن يكونوا ليس هكذا.
فقال أبان بن عثمان: أيّها الاَمير لا يمنعنا ما صنعوا...أن نقول بالحقّ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا.
قال سليمان: ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتّى أذكره لاَمير الموَمنين لعله يخالفه، فأمر بذلك الكتاب فخُرق، وقال: أسأل أمير الموَمنين إذا رجعت، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.
فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان.
فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تُقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل؟ تُعرِّف أهل الشام أُموراً لا نريد أن يعرفوها.
قال سليمان: فلذلك ـ يا أمير الموَمنين ـ أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى استطلع رأي أمير الموَمنين، فصوب رأيه. (1)

1 . الموفقيات للزبير بن بكار : 222ـ 223.

(33)
قال المحقق السيد الجلالي: فإذا كانوا لا يتحملون ذكر فضل الاَنصار، فكيف يتحملون ذكر فضل أهل البيت، وسيدهم أمير الموَمنين «عليه السلام»؟!(1)
***

عدم التدوين ومضاعفاته

وعلى أية حال فسواء كانت العلة ما ذكرنا أو غيره، فقد استمر الحظر إلى عهد الخليفة الاَموي عمر بن عبد العزيز (99ـ101هـ) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة «انظر ما كان من حديث رسول اللّه فاكتبه، فانّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلاّ حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فانّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (2)
ومع هذا الاِصرار الاَكيد من قبل الخليفة، ألا أنّ رواسب الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر به، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلاّصحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الاَمويين وقامت دولة العباسيين،وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدثون في سنة 143هـ بتدوين الحديث وفي ذلك، قال الذهبي:
«وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة،

1 . محمد رضا الجلالي، تدوين السنة الشريفة: 420.
2 . صحيح البخاري:1|27 باب كيف يقبض العلم من كتاب العلم.

(34)
والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن،وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأي إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (1)
إلى هنا اتضح انّالسنّة النبوية لم تستأثر بالاهتمام في عصر الخلفاء والاَمويين وأوائل العصر العباسي إلى خلافة المنصور حيث أمر بتدوين السنة وتبويبها، نعم قام المحدثون بالتدوين في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى واندرس العلم وأبيد الصحابة ومعظم التابعين، فلم يبق منهم إلاّصبابة كصبابة الاِناء، فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث. يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام ، واتسعت البلاد وتفرّقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري انّها الاَصل، فانّ الخاطر يغفل والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى. (2)


1 . تاريخ الخلفاء للسيوطي: 261.
2 . جامع الاَُصول: 1|40.

(35)

5
تمحيص السنّة النبوية

قد تبيّنت منزلة السنّة النبويّة ومكانتها، فلابدّ من إلفات نظر القارىَ الكريم إلى أنّ تمتعها بهذه الدرجة من الاَهمية، مردّها إلى السنة الواقعية من قول النبي وفعله وتقريره لا كل ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة تلك النسبة.
وربما يقال: إنّ السنة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي أوَ يصح لبشر خاطىَ أن يمحِّص الحقّ المحض؟!
ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنة النبوية الواقعية فوق التمحيص ، ولكن النقطة الجديرة بالذكر هي انّ السنّة الواردة، المتبلورة في الصحاح والمسانيد، هي بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من ينقل عن لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثقة، وعلى فرض كونه ثقة فليس بمصون عن الخطأ والنسيان.
فتمحيص السنة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يُطلب من وراء ذلك، إحقاق الحقّ وإبطال الباطل ولا ينبغي إضفاء طابع القداسة والصحة على كتاب غير كتاب اللّه سبحانه، وغيره ـ وإن بلغ من الاِتقان بمكان ـ خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.
وثمة كلام قيم للاِمام أبي حنيفة بيّن فيه انّ تكذيب الحديث لا يلازم تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما يراد به تكذيب الراوي، قال:

(36)
أُكذِّب هوَلاء ولا يكون تكذيبي لهوَلاء وردِّي عليهم تكذيباً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إنّما يكون التكذيب لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول الرجل: أنا مكذب لقول نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . فأما إذا قال الرجل: أنا موَمن بكلّ شيء تكلّم به النبي ، غير انّ النبي لا يتكلم بالجور ولا يخالف القرآن، فانّهذا القول منه هو التصديق بالنبي وبالقرآن وتنزيه له من الخلاف على القرآن، ولو خالف النبي القرآن وتقوّل على اللّه بغير الحقّ، لم يدعه اللّه حتى يأخذه باليمين ويقطع منه الوتين. (1)
وبعبارة أُخرى: اتّفق المسلمون في الكبرى، وهي انّ السنّة النبوية حجّة بلا كلام، ولو كان ثمة نقاش فإنّما هو في الصغرى، أي أنّ هذا الحديث المنقول إلينا هل هو من كلام الرسول أو لا، فالتمحيص ناظر إلى السنة الحاكية التي تتداولها الاَلسن خلف عن سلف.
وأمّا السنّة الواقعية المحكية القائمة بنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يتردد أيّ ذي مسكة في حجيتها، فالتشكيك فيها إلحاد وكفر بالرسالة بلا ريب، وموجب للخروج عن الدين وليس التمحيص بالمعنى الذي ذكرناه بأمر غريب فانّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي أخبر عن وجود الكذّابة في عصره كما سيوافيك.

التمحيص ، لماذا؟

إنّ هناك أسباباً كثيرة تبعث الباحث إلى التمحيص ونقد الحديث النبوي بالمعنى الذي مرّ، نشير إلى بعضها.

السبب الاَوّل: رواج الكذب على رسول اللّه

(صلى الله عليه وآله وسلم)
قد راج الكذب على لسان رسول اللّه في حياته وبعد رحيله، وقد تنبّأ به

1 . الاِمام أبو حنيفة، العالم والمتعلم: 100.

(37)
في حديث متضافر أو متواتر وقال: «من تعمّد عليّكذباً فليتبوأ مقعده من النار».
وهذا ليس أمراً مستغرباً، فإذا استقرأ الباحث تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره يتضح له بسهولة وجود أرضية خصبة لجعل الحديث على لسان رسول الاِسلام ، وذلك لاَنّ حديثاً لم يهتمّ بكتابته طوال قرن ونصف، كيف يكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كلّ غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول؟! نحن لا ننكر انّ العلماء والمحدثين قاموا بواجبهم الديني تجاه السنة النبوية وكابدوا وتحملوا المشاق في تمحيص السنة الواقعية عما ألصق بها، لكن التمحيص الحقيقي من أشق الاَُمور بعد هذه الحيلولة الطويلة.
وكلما بعد الناس من عصر الرسول ازداد عدد الاَحاديث حتى أنّ الاِمام البخاري أخرج صحيحه عن ستمائة ألف حديث . (1)
وانّ أبا داود قد أورد في سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من 500 ألف حديث. (2)
كما انّ مسلم أورد في صحيحه أربعة آلاف حديث مع حذف المكررات انتخبها من 300 ألف حديث. (3) ذكر الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده قرابة ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث. (4) ولاَجل ذلك نرى أنّ قمة هرم الاَحاديث تتصل بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخرة، فكلما قربنا من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 1|29.
2 . سنن أبي داود، قسم المقدمة:10.
3 . تذكرة الحفاظ للذهبي: 2|589.
4 . تذكرة الحفاظ:2|431 برقم 438.

(38)
نجد قلة الحديث عنه والعكس بالعكس، وهذا يعرب عن أنّالاَحاديث عالت حسب وضع الوضاعين وكذب الكذابين.
إنّ ظاهرة التمحيص لم تكن أمراً متأخراً عن عصر الصحابة بل نجد جذورها في عصرهم، مثلاً.
لقد شاع بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مسألة إمكان روَية اللّه، وانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) رآه في معراجه حتى انّ مسروقاً، سأل عائشة عن هذه المسألة عند ما سمع قولها: ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ، فقد أعظم على اللّه الفرية.
قال مسروق: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: يا أُمّ الموَمنين: انظريني ولا تعجليني، ألم يقل اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرآهُ بِالاَُفُقِ المُبين) (التكوير|23)، (ولَقد رآه نَزْلَة أُخرى) (النجم|13) . فقالت: أنا أوّل هذه الاَُمّة سأل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطاً من السماء سادّاً عظمُ خلقه ما بين السماء إلى الاَرض.
فقالت: أو لم تسمع انّ اللّه يقول:( لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الخَبير ) (الاَنعام|103) أو لم تسمع انّ اللّه يقول:(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمهُ اللّهُ إِلاّوَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فيُوحِىَ بإذنهِ ما يَشاءُ انّهُ عَليٌّ حَكيمٌ) (الشورى|51)، قالت: و من زعم ان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتم شيئاًمن كتاب اللّه، فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول: (يا أَيُّها الرََّّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْفَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)(المائدة|67) قالت: ومن زعم انّه يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على اللّه الفرية، واللّه يقول:(قُل لا يعلم من في السماوات والاََرض الغيب إلاّ اللّه)(النمل|65). (1)

1 . صحيح مسلم:1|110، باب معنى قول اللّه عزّ وجلّ: (وَلَقَدْرَآهُ نَزْلَة أُخرى) .وفي استنتاج نفي علم الغيب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالآية تأمل واضح.

(39)
فالكذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الاَسباب للزوم إعمال التمحيص في السنّة الحاكية من دون أي نقاش وجدل في السنة المحكية، فانّ النقاش فيها كفر وإلحاد.

السبب الثاني: فسح المجال للاَحبار والرهبان

لقد مني الاِسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث و نشره بخسائر فادحة، حيث أوجد الحظر أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية وسخافات مسيحية وأساطير مجوسية من جانب علمائهم، فقد افتعلوا أحاديث كثيرة وبثّوها بين المسلمين كحقائق راهنة وتلقاها السُذَّج من المحدثين بالقبول.
يقول الشهرستاني: زادت المشبهة في الاَخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع. (1)
يقول ابن خلدون عند البحث في التفسير النقلي وانّه يشتمل على الغث والسمين والمردود: إنّ السبب في ذلك انّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوق إليه النفوسُ البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم وهم أهل التوراة من اليهود و من تبع دينهم من النصارى ... مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عندهم ... وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كما قلنا عن أهل التوراة ... . (2)

1 . الملل والنحل، للشهرستاني: 1|106.
2 . مقدمة ابن خلدون: 439.

(40)
يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحماد بن سلمة، وقد دسَّ في كتب حماد بن سلمة. (1)
ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا انّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حماد، عن قتادة، عن عكرمة ،عن ابن عباس مرفوعاً: «رأيت ربّي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء» و في رواية أُخرى:«انّمحمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد دون ستر ، من لوَلوَ قدميه أو رجليه في خضرة». (2)
وهذه الاَساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة أمثال ابن أبي العوجاء، فقد دسّوها في كتب المحدثين .
قال ابن الجوزي: ولما لم يُمكَّن أحدٌ منهم أن يُدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وينقصون ويبدلون ويضعون عليه ما لم يقل (3).

السبب الثالث: التجارة بالحديث

إنّ في تاريخ الحديث الاِسلامي أُناساً عُرفوا بالوضع والكذب، وكانت الغاية من بث هذه الاَحاديث، هو الطمع بالدنيا والازدلاف إلى أهلها و الانتصار للاَهواء والعقائد المدخولة، وقد جمع العلاّمة الاَميني سبعمائة رجل من هذه الزمرة كانوا يكذبون على رسول اللّه لهذه الغاية أو لغايات أُخرى. (4) وإليك بعض النماذج:

1 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|37، طبع بيروت.
2 . ميزان الاعتدال: 1|593.
3 . ابن الجوزي: الموضوعات: 1|31.
4 . الغدير: 5|275.

(41)
1. أخرج الحافظ عبد الرحمان بن الجوزي عن أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: قُدم على المهدي بعشرة محدثين فيهم «غياث بن إبراهيم» و كان المهدي يحب الحمام، فقال لغيات: حدّث أمير الموَمنين، فحدّثه بحديث أبي هريرة: «لا سبق إلاّفي خفّ أو حافر أونصل، وزاد فيه: أو جناح، فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم.
فلما قام ، قال المهدي: أشهد أنّ قفاك قفا كذّاب على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ،وإنّما استجلبت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت. (1)
2. نقل ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر: روي أنّمعاوية بذل لسمرة ابن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قُولُهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصام* وَاذا تَولّى سَعى فِي الاََرْضِ لِيُفسِدَ فِيها وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسْلَ واللّهُ لا يُحِبُّ الفَساد)، وانّالآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف، فقبل وروى ذلك. (2)
أخرج ابن الجوزي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ انّه قال: لا يصح عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء.
وأخرج أيضاً عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل انّه قال: سألت أبي فقلت: ما تقول في علي ومعاوية؟ فأطرق ثمّ قال: «إيش» أقول فيهما؟ انّ عليّاً «عليه السلام» كان كثير الاَعداء، ففتش أعداوَه له عيباً، فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله

1 . الموضوعات:3|78، باب السبق بالحمام.
2 . ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 4|73.

(42)
فأطروه كياداً منهم له. (1)
أخرج مسلم في صحيحه، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال ابن أبي عتّاب: فلقيت أنا محمّد بن يحيى بن سعيد القطّان فسألته عنه، فقال عن أبيه: لم نر أهل الخير في شيء أكذب منهم في الحديث.
قال مسلم: يقول يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب. (2)
وكم في ثنايا التاريخ والسير شواهد على المقام وقد اقتصرنا على ما ذكر، لاَنّ الغرض هو الايعاز، لا التبسّط، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانه. (3)

السبب الرابع: وضع الحديث لنصرة المذهب

انتشرت ظاهرة الجعل بين طائفة عرفوا بالزهد و الورع، وصاروا يتقربون به إلى اللّه سبحانه إذا كان في الكذب نصرة للمذهب، وقد مرّ قول يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. (4)
وقال القرطبي: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الاَحاديث الكاذبة والاَخبار الباطلة في فضل سور القرآن وغير ذلك من فضائل الاَعمال وقد ارتكبها جماعة كثيرة فوضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الاَعمال، كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد اللّه الجويباري وغيرهم، قيل لاَبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إنّي

1 . الموضوعات:2|24.
2 . صحيح مسلم: 1|13ـ14، المقدمة.
3 . انظر الغدير: 5|208ـ 378 تجد في طياته شواهد.
4 . مرّ مصدره ولاحظ أيضاً تاريخ بغداد: 2|98.

(43)
رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. (1)
وثمة أُناس افتعلوا أكاذيب على لسان رسول اللّه في مناقب أئمّتهم، فهناك مناقب حيكت في حق أبي حنيفة. (2)
كما أنّ هناك جماعة حاكوا مناقب لاَئمّة آخرين، فذكروا في حقّ الاِمام الشافعي انّ رسول اللّه، قال: عالم قريش يملىَ طباق الاَرض علماً. وحملوه على محمد ابن إدريس امام الشافعية. (3)
وأتت المالكية بروايات موضوعة على لسان رسول اللّه، قالوا: انّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: يكاد الناس يضربون أكباد الاِبل، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة، وطبقوه على مالك بن أنس. (4)
وللحنابلة هناك روايات حول إمامهم أخرجها ابن الجوزي في مناقب أحمد فلاحظ. (5)
وكأنّالنبي تنبأ بأنّ الاَُمّة الاِسلامية ستفترق إلى مذاهب أربعة فقهية في ثالث القرون وبعدها، فأخذ بتعريفهم وتبجيلهم، مع أنّ في الاَُمّة الاِسلامية من هم، أعلم منهم وأبصر بالكتاب و السنّة.
وربما تدفع العصبية أصحابها إلى وضع حديث في حقّ إمام مذهبهم وإطرائه والحط من شأن إمام مذهب آخر، فروي عن أبي هريرة انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يكون في أُمّتي رجل يقال له محمد بن إدريس (الاِمام الشافعي)أضرّ على أُمّتي من إبليس، ويكون في أُمّتي رجل يقال له أبو حنيفة هو

1 . القرطبي، التذكار: 155.
2 . انظر تاريخ بغداد: 2|289.
3 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
4 . ابن الحوت، أسنى المطالب: 14.
5 . مناقب أحمد: 455.

(44)
سراج أُمّتي، هو سراج أُمّتي. (1)
فلنختم المقال بنقل ما ذكره القاضي عياض حول أسباب الوضع :

أسباب أُخرى للوضع

أمّا أسباب الوضع فكثيرة، وقد ذكر قسماًمنها النووي في شرح صحيح مسلم نقله عن القاضي عياض، وإليك نصه:
الكذابون ضربان: أحدهما ضرب عرفوا بالكذب في حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أنواع:
منهم: من يضع عليه ما لم يقله أصلاً إمّا ترفعاً واستخفافاً كالزنادقة وأشباههم ممن لم يرج للدين وقاراً، وإمّا حسبة بزعمهم وتديناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الاَحاديث في الفضائل والرغائب، وامّا إغراباً وسمعة كفسقة المحدّثين، وإمّا تعصباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصبي المذاهب، وإمّا اتّباعاً لهوى أهل الدنيا فيما أرادوه وطلب العذر لهم فيما أتوه. وقد تعيّن جماعة من كلّطبقة من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلم الرجال.
ومنهم: من لا يضع متن الحديث، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً صحيحاً مشهوراً.
ومنهم: من يقلب الاَسانيد أو يزيد فيها ويعتمد ذلك إمّا للاِعراب على غيره، وإمّا لرفع الجهالة عن نفسه.
ومنهم: من يكذب فيدّعي سماع مالم يسمع، ولقاء من لم يلق، ويحدّث بأحاديثهم الصحيحة عنهم.
ومنهم: من يعمد إلى كلام الصحابة وغيرهم وحِكَم العرب والحكماء

1 . الموضوعات:2|48.

(45)
فينسبها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
هذه الاَسباب الاَربعة وغيرها تبعث الباحث إلى إعمال التمحيص والنظر في كلّ ما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعزي إليه، وعدم الاقتناع بتسمية كتاب صحيحاً والتقوّل بأنّه أصحّ الكتب بعد القرآن.
فلنقتصر على هذه الاَسباب ونترك سائر الاَسباب إلى مجال آخر.

6
طرق التمحيص

إذا وقفت على ضرورة إعمال التمحيص في السنّة المنسوبة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلندرس طرقه.
إنّ الطريق الواضح الدارج بين الباحثين في السنّة النبوية هي دراستها على ضوء أسانيد الحديث، فإذا صحّ السند وكان جامعاً للضوابط المقررة في علم الدراية استقبلوه برحابة صدر ويصفونه بالصحيح.
وقد اتّفق المحدّثون على أنّ الاِمام البخاري و مسلم ألّفا صحيحيهما على ذلك الغرار، فلم يخرجا إلاّ الحديث الصحيح على اختلاف طفيف بين البخاري ومسلم في الشروط التي قرّراها للصحّة، حكى ابن الجوزي عن الحاكم النيسابوري: انّ الاَحاديث على ستة أقسام: القسم الاَوّل: ما اتّفق على صحّته وكان أبو عبد اللّه البخاري أوّل من [خرّجج من الصحاح ثمّتبعه مسلم، وكان

1 . شرح صحيح مسلم للنووي، نقله عن القاضي عياض كما في تاريخ التشريع الاِسلامي للشيخ محمد الخضري: 100، 101.

(46)
مرادهما، الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول اللّه ولذلك الصحابي راويان ثقتان عنه، ثمّ يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان عنه،ثمّ يرويه عنه من أتباع التابعين، الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقاة، ثمّ يكون شيخ البخاري حافظاً متقناً، فهذه الدرجة العليا.(1)
ولكن الاقتصار في وصف الحديث بالصحّة على وثاقة الراوي وتعاصره مع المرويّ عنه وثبوت نقله عنه، لا يكفي في الركون إليه بل يُشترط فيه وراء عدالة الراوي واتصال السند وضبط الراوي أمر آخر وهو عدم الشذوذ، وإن شئت قلت عدم الاشتمال على العلة القادحة وإلاّفلا يسمن ولا يغني من جوع.
والعجب انّ أكثر المحدّثين التزموا بالشروط الثلاثة الاَُولى ولم يلتزموا بالشرط الرابع مع أنّ الشذوذ والعلة في المضمون يوَدي إلى عدم الوثوق بالحديث وإن صحّ السند. وسيوافيك انّ المنهج الذي نهجناه في مجال التمحيص من شُعَب هذا الشرط، فتربّص حتى حين .
يقول الاِمام أحمد: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا سمعتم الحديث عنّي، تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم قريب، فأنا أولاكم به؛ وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون انّه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه. (2)
فعلى الباحث رعاية جميع الشروط المقررة للصحّة في الحديث، إذ الاقتصار على عدالة الراوي وتعاصره وضبطه لا يورث الاطمئنان والوثوق بالحديث إذا كان المضمون شاذاً ومشتملاً على العلة.
يقول الحافظ الحاكم النيسابوري: وإنّما يُعلّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فانّ حديث المجروح ساقط واه، وعلّة الحديث، يكثر في

1 . الموضوعات: 1|32،وقد علّق محقق الكتاب على المنقول بشيء، فلاحظ.
2 . مسند أحمد: 5|425.

(47)
أحاديث الثقات ان يحدِّثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولاً، والحجّة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير...». (1)
وقال الحافظ ابن الجوزي في «دفع شبه التشبيه»: اعلم انّ للاَحاديث دقائق وآفات لا يعرفها إلاّ العلماء الفقهاء، تارة في نظمها وتارة في كشف معناها.(2)
وعلى كلّ تقدير فقد دعت هذه الاَسباب ونظائرها كثيراً من المحقّقين إلى تمحيص السنة النبوية بطرق خاصة يجمعها دراسة السند إرسالاً واسناداً، صحة وضعفاً، وهناك ألوان للتأليف في هذا المضمار:

أ . جمع الاَخبار الضعاف والموضوعات

قد قام غير واحد من الباحثين بالتأليف على هذا النمط نذكر منهم ما يلي:
1. «الموضوعات» لموَلفه أبي الفرج عبد الرحمان بن علي بن محمد الجوزي(510 ـ 597هـ)طبع مرّتين في ثلاثة أجزاء.
قال ابن الحوزي: لما لم يتمكّن أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في حديث رسول اللّه، ويضعون عليه ما لم يقل، فأنشأ اللّه علماء يذبّون عن النقل، ويوضّحون الصحيح،ويفضحون القبيح، وما يخلي اللّه منهم عصراً من الاَعصار، غير انّ هذا الضرب قد قلّ في هذا الزمان فصار أعز من عنقاء مغرب.
وقد كانــوا إذا عُـدُّوا قليـــلاً * فقد صاروا أعزّ من القليل (3)
2. المقاصد الحسنة في كثير من الاَحاديث المشتهرة على الاَلسنة: للشيخ أبي

1 . الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث: 112.
2 . ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: 143.
3 . لاحظ سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة:1|6.

(48)
عبد اللّه محمد بن عبد الرحمان السخاوي(المتوفّى سنة 902هـ) رتّبه على حروف أوائل الاَحاديث.
3. اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: للاِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي(848 ـ 911 هـ) وقد طبع في جزءين.
يقول في مقدمته: إنّ من مهمات الدين التنبيه على ما وضع من الحديث واختلق على سيّد المرسلينص وصحابته أجمعين، إلى أن قال: ثمّ بدا لي في هذه السنة وهي سنة 905 استئناف التعقبات على وجه مبسوط ،وإلحاق موضوعات كثيرة فاتت أبا الفرج فلم يذكرها. (1)
4. تمييز الطيب من الخبيث مما يدور على ألسنة الناس من الحديث: لعبد الرحمان بن علي الشيباني الشافعي(866 ـ 944هـ) المعروف بالدِّيبع(بكسر الدال وسكون الياء و فتح الباء)ذكر انّه رأى المقاصد كتاباً حسناً لكنّه بالغ في تطويله فجرّده و تتبع في جميع ما ذكره من التصحيح والتمريض وترك من وراءه وجعله على الحروف أيضاً وزاد فيه زيادات مميزة، بقلت.
5. سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة: تأليف محمد ناصر الدين الالباني المعاصر في خمسة أجزاء، كل جزء يشتمل على خمسمائة حديث تكلم على أسانيدها ويحكم عليها بالضعف أو النكارة أو الوضع أو البطلان، وأحاديث تلك الاَجزاء هي أحاديث الجامع الصغير للاِمام السيوطي قام بتغيير ترتيبها والكلام على أسانيدها ونقل كلام العلماء في ذلك، والعجب انّه قد تناقض في كلامه عليها.
وممّا يوَسف له أنّ الالباني ليس منصفاً في قضائه حيث يميل إلى القول بالتجسيم وإنكار فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ويظهر ذلك بوضوح من خلال كتابه هذا.

1 . اللآلىَ المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة: 1|2ـ3، طبع دار المعرفة، بيروت.

(49)

ب. ضعاف السنن الاَربعة وصحاحها:

وهي عبارة عن ثمانية كتب بالنحو التالي:
1. صحيح سنن الترمذي (3) مجلدات.
2. ضعيف سنن الترمذي مجلد واحد.
3. صحيح سنن النسائي (3) مجلدات.
4. ضعيف سنن النسائي مجلد واحد.
5. صحيح سنن أبي داود (3) مجلدات.
6. ضعيف سنن أبي داود مجلد واحد.
7. صحيح سنن ابن ماجة مجلدان.
8. ضعيف سنن ابن ماجة مجلد واحد.
وعمل الالباني في هذه الكتب انّه جاء إلى كل كتاب من كتب السنن الاَربعة المشهورة وحصر الاَحاديث الصحيحة فيها فأخرجها في كتاب، كما حصر الاَحاديث الضعيفة بنظره وأخرجها في كتاب مستقل آخر. ونحن نوافقه أنّ في تلك الكتب أحاديث صحيحة وأُخرى ضعيفة، لكن لا نوافقه على تصحيح بعض الاَحاديث وتضعيف بعضها الآخر.

ج. تخريج أحاديث كتاب خاص

وثمة نمط آخر في التأليف في هذا المضمار، وهو تبيين حال الاَحاديث الواردة في كتاب فقهي أو كلامي أو أخلاقي نظير:
1. نص الراية لاَحاديث الهداية: للحافظ الذيلعي.
2. المغني عن حمل الاَسفار في الاَسفار في تخريج ما في الاحياء من الاَخبار: للحافظ العراقي.

(50)

3. تلخيص الخير في تحريم أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني.

4. تخريج أحاديث الكشاف: للعسقلاني أيضاً.
لا شكّ انّ كلّ من وقف على ما بذله هوَلاء الاَقطاب من الجهود في تمحيص السنة النبوية من الموضوعات والمندسّات والمحرّمات يُثمِّن جهودهم ويقدِّر عملهم، ومع ذلك فلم يحقِّقوا الغاية المنشودة من وراء تلك التصانيف، وقد اشتملت الصحاح والمسانيد على روايات تخالف الكتاب العزيز، والسنة النبوية، والتاريخ الصحيح، والعقل الحصيف، وجعلوها في عداد الصحاح يُحتجُّ بها في مجالي العقيدة و الشريعة.
والذي عاقهم عن الوصول إلى تلك الغاية المنشودة أمران:
الاَوّل: انّهم اقتصروا في مقام التمحيص على دراسة الاَسانيد، فصحّحُوا الاَسانيد أو ضعّفوها، وخرجوا بنتائج باهرة ووصفوا كثيراً من الروايات بالضعف والوضع.
انّهم اقتصروا على مناقشة الاَسانيد ولم يهتموا بمناقشة المضامين وتطبيقها على الضوابط القطعية التي لا مناص لمسلم عن الاَخذ بها، فلو انّهم سلكوا ذلك الطريق منضمّاً إلى الطريق الآخر لنالوا الغاية المنشودة.
وهذا هو الطريق الذي سلكناه في هذا الكتاب كما سيوافيك شرحه.
الثاني: انّهم ناقشوا الاَسانيد إلى التابعين بجد وحماس، ولكنّهم جعلوا عدالة الصحابي هي الاَصل، سواء أكان معلوم الحال أم مجهولها، فأضفوا على جميع الصحابة هالة من القداسة وجعلوهم في منأى عن النقد بحيث لا يصحّ التعرض لهم وإن صدر عنهم ما صدر، ولا يتسرب الشكّ إليهم، ولا يتسع المجال لتجريحهم.

(51)
والعجب انّهم مع ادّعاء الاِجماع على قداسة الصحابة، وانّهم فوق مستوى الجرح والتعديل، رووا عشرات الاَحاديث التي اختارها أصحاب الصحاح حول ارتداد الصحابة عن الدين والتمرّد على أُصوله ومبادئه على نحو لا يدع مجالاً للريب في أنّهم كانوا كسائر الناس فيهم الصالح والطالح، والمنافق والموَمن، إلى غير ذلك من الاَصناف التي يقف عليها المتتبع لآيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهذا أمر عجيب جداً.
وهذان الاَمران (الاقتصار على مناقشة الاَسانيد دون المضامين، وتحديدها إلى التابعين دون الصحابة) صارا سبباً لاِضفاء الصحّة على كثير من الاِسرائيليات التي تسرّبت إلى الصحاح عن طريق بعض الصحابة الذين كانوا عيالاً على مائدة كعب الاَحبار ومن كان على مشربه، بحجة انّكلّصحابي عادل، وانّهم لا يخضعون للجرح والتعديل، ولو انّهم سلكوا ذينك الطريقين مع ما بذلوا من الجهود في تصحيح الاَسانيد وتضعيفها والوقوف على ثقات الرجال وضعافهم، لاَصبحت السنّة النبوية بين المسلمين خالصة من كلّ شائبة ونقيّة عن كل شين.
ومن المغالاة في القول ما ذكره ابن الاَثير حيث قال: الصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فانّهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح، لاَنّ اللّه عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا يحتاج لذكره. (1)
أقول: إنّه سبحانه مدح لفيفاً من الصحابة في قسم من آياته وفي الوقت نفسه تحامل على قسم منهم، فقال سبحانه:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)(الحجرات|6) وليس الفاسق إلاّ أحد الصحابة، وهو الوليد بن عقبة أو صحابي آخر مثله، وقال سبحانه:(وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَوْلَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) (الجمعة|11).

1 . أُسد الغابة:1|3.

(52)
وقال سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِالْمَدِينَةِ مَردُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(التوبة|101).
وهوَلاء المنافقون كانوا مندسين بين الصحابة لا يعرف المنافق من الموَمن، ومع ذلك فكيف يمكن الحكم بعدالة الجميع بحجّة انّه سبحانه مدح لفيفاً منهم في بيعة الرضوان قال سبحانه: (لَقَدْرَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُوَْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة) (الفتح|18)مع أنّه لم يكن يتجاوز عدد الحاضرين في بيعة الرضوان عن ألف وثمانمائة (1) ؟! فكيف يمكن الحكم على عدالة جميع من رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وآمن به من أوّل البعثة إلى أن لقى ربّه، بحجة انّاللّه سبحانه قد رضي عن جمع منهم مع أنّ نسبتهم إلى جميع الصحابة نسبة الاثنين إلى المائة؟!
وأغرب ممّا ذكره ابن حجر، ما أسنده الخطيب إلى أبي زرعة الرازي، قال:
إذا رأيت الرجل ينقص أحداً من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاعلم انّه زنديق، وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهوَلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة. (2)
أقول: يلاحظ عليه بأمرين:
الاَوّل: انّ الصحابة والتابعين فيما ذكره سواء والتابعون كالصحابة في أنّالكتاب والسنة قد وصلا إلينا عن طريقهما، فكيف يخضع التابعون للجرح والتعديل دون الصحابة؟!
الثاني: انّ الغاية من وراء الفحص عن عدالة الصحابة هي التعرف على الصالحين والطالحين والموَمنين والمنافقين والمتثبّتين في طريق الدين والمشرفين على الارتداد (3) حتى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء والموَمنين والمتثبتين والتجنب

1 . السيرة النبوية: 2|309؛ مجمع البيان:2|288.
2 . الاصابة:1|10.
3 . لاحظ آل عمران: 154.

(53)
عن غيرهم، فلو قام الرجل بعبء التحقيق لما كان عليه لوم فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف الذكر:«إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه وتقواه حتى يأخذ دينه من الخِيَرة الصادقين، ويحترز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين» لكان أحسن وأولى.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة، وانّه يريد جرح شهود المسلمين لاِبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلاّالآلاف الموَلفة من أصحابه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين قائماً بهذا الصنف من المجروحين «ما هكذا تورد يا سعد الاِبل».

7
منهجنا في تمحيص السنّة

قد عرفت أنّ منهج تلك الثلة من المحقّقين في الحكم على الاَحاديث بالصحة أو السقم هو الاَُصول المسلمة في علم أُصول الحديث، ومصطلحه، يعتمدون غالباً على الاَسانيد دون المضامين وعلى تنصيص علماء الرجال كوثاقة الراوي وضعفه، وربما يتعرضون لنكارة المتن وغرابته ولا يخرجون عن تلك الضوابط والقواعد الرائجة في مختلف العصور.
لكنّ هناك منهجاً علمياً آخر قلّالالتفات إليه من قبل نقاد الحديث، وهو عبارة عن عرض الحديث على الكتاب أوّلاً، والسنة المتواترة أو المستفيضة التي تلقّاها الاعلام وجهابذة الحديث بالقبول ثانياً، والعقل الحصيف الذي به عرفنا اللّه سبحانه وأنبياءه وخلفاءه ثالثاً، والتاريخ الصحيح رابعاً، واتّفاق الاَُمّة خامساً.

(54)
فلو وجدنا الحديث مخالفاً لواحد من تلك الحجج القطعية، لَحكمنا عليه بالوضع أو الدسّ أو الضعف حسب اختلاف مراتب المخالفة.
وممّا يجب إلفات الاَنظار إليه هو انّه لا يشترط في ثبوت الحديث كونه موافقاً لهذه الضوابط بل يشترط عدم مخالفته لها، فبالمخالفة يسقط الحديث عن الحجّية، ولاِيضاح الحال نذكر لكلّ من هذه الضوابط مثالاً أو مثالين:

الاَوّل: عرض الحديث على الكتاب

القرآن الكريم هو المرجع الاَوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد عرّف نفسه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(النحل|89).
والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما ينسب إلى العقيدة والشريعة من طرق الروايات.
كما انّه سبحانه عرّّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب السماويّة (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه) (المائدة|48).
فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما ينسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.
وعلى ضوء ذلك فالمعيار الاَوّل لتمييز الباطل عن الصحيح هو مخالفة الكتاب وعدمها، فإذا كان الخبر المروي بسند صحيح مخالفاً لنص القرآن يُضرب به عرض الجدار إلاّإذا كان ناسخاً للحكم الشرعي الوارد في القرآن، ومن المعلوم انّ النسخ محدّد بموارد خاصة ولا يقبل فيه إلاّ إذا كان الخبر متواتراً حتى يُصبح

(55)
ناسخاً للقرآن وإلاّفلا يترك الوحي القطعي بالخبر الواحد.
أخرج الرازي في تفسيره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: إذا رُوي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فأقبلوه، وإلاّفردّوه.(1)
وقد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت لزوم عرض الحديث على الكتاب عند الشكّ في الصحّة أو عند تعارض الخبرين.
روى الحرّ العاملي في وسائله باسناده عن السكوني قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ على كلّحق حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه».
وروى أيوب بن الحرّ، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ شيء لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (2)
والمراد من عرض الحديث على الكتاب هو إحراز عدم المخالفة لا الموافقة، إذ ليست الثانية شرطاً في حجّية الحديث وإنّما المخالفة مسقطة له عن الحجّية، وعلى ذلك يكون الشرط عدم المخالفة للكتاب وليس المراد منها، هي المخالفة بنحو العموم والخصوص أو الاِطلاق والتقييد فانّ مثل هذه المخالفة أمر رائج في التشريع بل المراد المخالفة المطلقة كما يتضح ممّا نذكره من النموذجين:

1. تعذيب الميت ببكاء أهله

أخرج مسلم عن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: الميت يُعذَّب في قبره بما نيح عليه.

1 . التفسير الكبير : 3|259 ، طبع سنة 1308 هـ .
2 . وسائل الشيعة:18|78، كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، و 14.

(56)
وأخرج أيضاً عن ابن عمر انّه لما طعن عمر أُغمي عليه فصيح عليه، فلمّـا أفاق، قال: أما علمتم انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّالميت ليعذب ببكاء الحي. (1)
هذه الرواية وإن رواها مسلم بطرق مختلفة لكنّها مرفوضة جداً لاَنّـها تخالف صريح القرآن.
قال سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).
وقال سبحانه: (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَو كانَ ذا قُربى) (فاطر|18).
فكيف يمكن أن نقبل انّ الميت البريء، يُعذَّب بفعل الغير وهو شيء يرفضه العقل والفطرة وقيل:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم * فكأنّنـــي سبـّابة المتنــدّم
ولاَجل ذلك ردّت السيدة عائشة هذه الرواية.
أخرج مسلم أيضاً: انّها قالت: لا واللّه ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قط، إنّ الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنّه قال: إنّ الكافر يزيده اللّه ببكاء أهله عذاباً وانّ اللّه لهو أضحك و أبكى ( ولا تَزر وازرة وزر أُخرى...) إلى أن قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنّكم لتحدثونني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطىَ. (2)
وهذه الرواية وإن دفعت بعض الاِشكال ولكنّها لم تقلعه، لاَنّ مقتضى الآية هو العموم وهو انّالاِنسان لا يعذب بفعل غيره سواء أكان مسلماً أو كافراً لعمومية العلة (لا تَزر وازرة وزر أُخرى) مع سعة حكم العقل بقبح عقاب البريء بذنب الآخر .
والصحيح في ذلك ما رواه حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال:

1 . صحيح مسلم:3|41، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح مسلم:3|43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

(57)
ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب. (1) أي يعذب بأعماله التي اقترفها في حال حياته.

2. الاحتجاج بالقدر

أخرج البخاري في أبواب التهجد بالليل عن الزهري قال: أخبرني علي بن الحسين انّ الحسين بن علي أخبره انّعلي بن أبي طالب قال: إنّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) طرقه وفاطمة بنت النبي (عليه السلام) ، فقال لهم: ألا تصلون.
فقال علي: فقلت يا رسول اللّه: «أنفسنا بيد اللّه»فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئاً، ثمّ سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: ( وكانَ الاِنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلاً ) . (2)
والحديث موضوع على لسان أئمّة أهل البيت وقد تولّى كبره أحد من ورد في الاسناد وذلك:
أوّلاً: انّ الاحتجاج بالقدر وتبرير العقائد الفاسدة والاَعمال السيئة به من سيرة المشركين، وقد نقل القرآن الكريم عنهم ذلك وقال:
(سَيَقُولُ الّذينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباوَُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسنا قُلْهَلْعِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّالظنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّتَخْرُصُونَ) (الاَنعام|148).

1 . صحيح مسلم:3|44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.
2 . صحيح البخاري:9|106، باب قوله تعالى (وكان الانسان أكثر شيء جدلاً) من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة. والآية 54 من سورة الكهف.

(58)
وأشار إليها في آية أُخرى أيضاً قال سبحانه:(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِما لا تَعْلَمُونَ) (الاَعراف|28). وليس مرادهم من قولهم :(وَاللّهُ أَمَرَنا بِها) سوى انّه سبحانه قدّر ذلك ولازمه الاَمر به فليس لنا المحيص عن السير وراء التقدير.
وقد كان عرب الجاهلية على تلك العقيدة وبقيت رواسبه إلى عهد الرسالة وبعده، روى عبد اللّه بن عمر انّه جاء رجل إلى أبي بكر، فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّر عليّ ثمّ يعذبني، قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك. (1)
لقد كان استغراب الرجل في محله إذا كان التقدير ملازماً لسلب الاختيار عن الاِنسان، لذلك قال: «فانّ اللّه قدر عليّثمّ يعذبني» و لما عجز الخليفة عن الاِجابة بمنطق الاستدلال توسل بمنطق القوة وانّه لو كان هنا رجل لاَمره أن يجأ أنفه.
لا شكّ انّ القضاء والقدر من تعاليم القرآن ومن العقائد الاِسلامية، لكن لا على وجه يسلب الاختيار عن الاِنسان ويجعله مكتوف الاَيدي على صعيد الحياة.
وما جاء في الرواية من الاجابة، إنّما يحتج به المشرك لا إمام المسلمين والذي تربى في احضان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ نعومة أظفاره.
ثانياً: لو افترضنا انّ الاِمام وزوجه فاتت عنهما صلاة الليل لغلبة النعاس عليهما، فعندما يطرق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بابهما تحنناً وتلطفاً، فمقتضى أدب أهل البيت (عليهم السلام) أن يواجها أباهما بالشكر والامتنان لا بمجادلة وكلمة لاذعة، ولا بإلقاء المسوَولية على عاتق مقدِّر الاَقدار .

1 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:95.

(59)
ثالثاً: كيف ينقل الراوي حديث ترك التهجد والتنفل بنافلة الليل مع أنّ عليّاً كان أحد عبّاد زمانه، فمنه تعلّم الآخرون التهجد والتجافي عن المضاجع آناء الليل؟!
قال ابن أبي الحديد: وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل، وملازمة الاَوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصّفين ليلة الهرير، فيصلّي عليه ورده، والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته! وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.
وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله،وما يتضمّنه من الخضوع لهيبته، و الخشوع لعزته والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص، وفهمت من أيّقلب خرجت، وعلى أيّ لسان جرت!
وقيل لعلي بن الحسين (عليهما السلام) وكان أعبد أهل زمانه: أين عبادتك من عبادة جَدّك؟ قال: عبادتي عند عبادة جدّي، كعبادة جدّي عند عبادة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
والحق ما رواه أنس «انّ النبيّ كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت (إنَّما يُريدُ اللّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا) (2).

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1|27.
2 . لاحظ في الوقوف على مصادر الرواية : تفسير الطبري: 22|5 ـ 7 ، والدر المنثور: 5|198ـ 199.

(60)

الثاني: عرض الحديث على السنّة المتواترة

إنّالسنّة المتواترة كالكتاب العزيز كلاهما قطعيان بَيدَ انّ الكتاب وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها لا بلفظها. فتكون معياراً لتميز الحقّ عن الباطل، وقد مرّ في حديث أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) انّه قال: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة.
وفي رواية عمر بن حنظلة عن الاِمام الصادق (عليه السلام) في الخبرين المتعارضين انّه ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة فيوَخذ به.
وروى ابن أبي يعفور عن الاِمام الصادق (عليه السلام) : قال: سألته عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به، قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به. (1)
والمراد من عرض الحديث على السنة المتواترة ليس هو إحراز موافقته لها، بل إحراز عدم مخالفته لها لكون المخالفة مسقطة للحجية.
فالسنة المتواترة أو المستفيضة كالقرآن الكريم فلو ورد حديث يخالفها لا يوَخذ به بالملاك الذي ذكرناه في الكتاب.
نعم لا تشترط الموافقة، وإليك المثال:
أخرج أحمد في مسنده عن وهب بن كيسان مولى ابن الزبير، قال: سمعت عبد اللّه بن الزبير في يوم العيد يقول، حين صلّى قبل الخطبة ثمّ قام يخطب الناس:
[فيجيب على اعتراض الناس بتقديم الصلاة على الخطبتينج بقوله: كلاًّ

1 . وسائل الشيعة:18، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 1و11.

(61)
سنّة اللّه وسنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (1)
فإنّ السنة المتواترة عند الفريقين هو تقديمهما عليها، ولم يرو عن أحد من أنّ الرسول قدَّم صلاة الجمعة عليهما.

الثالث: عرض الحديث على العقل الحصيف

لقد احتلّ العقل مكانة رفيعة في الاِسلام وليس المراد من العقل، الاَساليب والاستدلالات العقلية التي يختص فهمها بأصحاب الفكر والحكمة، وإنّما المراد ما اتّفق عليه جميع العقلاء إذا تجرّدوا عن كل النزعات والرواسب والخلفيات نظير حكم العقل بحاجة كل ظاهرة إلى علة، وامتناع الدور والتسلسل وحسن العدل وقبح الظلم، وعلى تلك الاَحكام العقلية يدور رحى العقيدة والشريعة فلو لم يعترف أحد بها لانسدّ باب اثبات الصانع على وجهه كما ينسد عليه إثبات الشرائع السماوية وانّها من جانب اللّه سبحانه.
قال سبحانه: (فَبَشِّر عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئكَ الّذينَ هَداهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب) (الزمر|17ـ 18).
فالمراد من القول الاَحسن، الواجب الاتّباع هو ما يدركه الاِنسان من صميم ذاته ونداء ضميره ووجدانه، ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه يذكر في فواصل الآيات ويقول:(لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلُون) (البقرة|164) ويقول: (أَفَلا تَعْقِلُون) (البقرة|44و76) ويقول:(وَما يَعْقِلُها إِلاّ العالِمُون) (العنكبوت|43) ويقول أيضاً: (إِنَّ في ذلِكَ لذِكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أو ألقى السَّمعَ وهُوَ شَهِيد)(ق|37).

1 . مسند أحمد بن حنبل: 4|4.

(62)
إنّ المتكلّمين من الاِمامية والمعتزلة وإن اختلفوا مع الاَشاعرة في مسألة تحسين العقل وتقبيحه، لكن مع غض النظر عن هذا الجدال العقيم، نرى أنّ القرآن العظيم يحتج بالعقل الصريح و يقول:(إِنَّ لِلْمُتَّقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعيمِ * أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فيهِ لَما تَخَيّرون) (القلم|34ـ 38).
وفي آية أُخرى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّار ) (ص|28).
قال سبحانه: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُبِالْفَحْشاء) (الاَعراف|28).
وقال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: (قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُون * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهمْ فَقالُوا إِنّكُمْ أَنْتُمُ الظالِمُون) (الاَنبياء|63 ـ 64).
فهذه الآيات كلّها تدلّ على أنّ منطق العقل حجّة قطعية بين اللّه سبحانه وعباده، وهو سبحانه يحتج به عليهم حتّى أنّ عبدة الاَوثان لما أُفحِمُوا أمام منطق إبراهيم المتين، أذعنوا بفشل رأيهم، ورجعوا إلى وجدانهم، ووصفوا أنفسهم بالظلم والتعدي.
فمنطق العقل القطعي يعد مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولتصحيح ما يعزى إلى منطق الوحي وما لا يعزى إليه.
وعلى ضوء ذلك فالروايات الصريحة في إثبات الجهة للّه تبارك وتعالى، وفي إثبات الجبر و سلب الحرية والاختيار عن الاِنسان فيما يناط به الاِيمان والكفر كلّها تخالف العقل الحصيف الذي به عُرف اللّه سبحانه وأنبياوَه ورسله.
فالاِنسان المسيّر غير مسوَول عن عمله وتصرفاته في قضاء العقل، مع أنّه

(63)
مسوَول في كتاب اللّه تبارك وتعالى فلا يجتمعان.
كما أنّ الموجود في جهة، موجود محدود، والمحدود من آثار الاِمكان وهو سبحانه منزه عنه وعن آثاره.
وأظهر من ذلك ما رواه غير واحد من أصحاب الصحاح من أنّه سبحانه يُرى في الآخرة بنفس العين الحاسة مع أنّ هذه الروَية مستحيلة عقلاً، لاَنّ المرئي لا يرى إلاّ في جهة، وقد قلنا بامتناع الجهة له، كما المرئي منه سبحانه يوم القيامة لا يخلو إمّا أن يكون بعضه أو كله.
فالاَوّل يثبت له جزءاً والثاني يلازم كونه سبحانه محاطاً مع أنّه محيط.
والعجب انّ بعض المقتصرين على الضوابط المقررة في علم الحديث بغية تمييز الصحيح عن السقيم يتبجّح عند نقد روايات العقل، و يقول:
ومما يحسن التنبيه عليه انّ كلّ ما ورد في فضل العقل من الاَحاديث لا يصحّ منها شيء، وهي تدور بين الضعف والوضع وقد تتبعت ما أورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه «العقل وفضله» فوجدتها كما ذكرت لا يصحّ منها شيء، ثمّ نقل عن ابن قيم الجوزيّة قوله أحاديث العقل كلّها كذب.
وأوّل حديث نقده ذلك البعض هو حديث «الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له».
وذكر في موضع آخر بأنّ رواية: «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له» موضوعة. (1)
أقول: إنّ الغاية من وراء تضعيف أحاديث العقل(وإن كانت حجيته مستغنية عن هذه الاَحاديث، ويكفي فيها انّ الذكر الحكيم ذكره خمسين مرّة

1 . الالباني، سلسلة الاَحاديث الضعيفة والموضوعة، ص 13 وص 370.

(64)
بصيغ مختلفة) هي التساهل أمام الروايات الدالة على أنّ الاِنسان مسيّر ، والقضاء والقدر حاكم على مصيره وتصرفاته، وليس له أي اختيار في انتخاب ما ينوط به الاِيمان والكفر.
أو التساهل أمام الروايات الهائلة المدسوسة في الاَحاديث الاِسلامية من قبل مستسلمة أهل الكتاب، الدالة على التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة.
إنّ المتبجحين برفض العقل كابن تيمية والذهبي وابن قيم الجوزية ومن حذا حذوهم كمحمد بن عبد الوهاب وأخيراً الشيخ الالباني، قد اتخذوا لاَنفسهم موقفاً مسبقاً في مجال أخذ الحديث ورفضه، فالمعيار عندهم هو اتّباع السلف ومخالفة الخلف أخذاً بقول الشاعر:
وكلّ خير في اتّبـاع من سلــف * وكلّ شرّ في ابتداع من خلف (1)
وكلامهم هذا نظير ما حكاه سبحانه عن المشركين قال: (... قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (البقرة|170).
فإذا كان هذا هو المعيار فأكثر المحدثين ـ المغترّين بروايات مستسلمة أهل الكتاب ككعب الاَحبار وتميم الداري ووهب بن منبه وغيرهم ممّن بثوا في الاَوساط الاِسلامية الاسرائيليات والمسيحيات ـ كانوا هم القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ومن كان هوَلاء أئمّته فأولى أن يتبجح برفض العقل.

1 . المصدر السابق: 117.

(65)

الرابع: عرض الحديث على التاريخ الصحيح

إنّ التاريخ الصحيح الّذي اتّفق عليه أعلامُالمسلمين وأهلُالسير والتاريخ أحد المعايير لتمييز الصحيح عن السقيم، ولنعرض نموذجين.
1. أخرج البخاري في باب تزويج الصغار من الكبار من كتاب النكاح عن عروة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنّما أنا أخوك. فقال: أنت أخي في دين اللّه و كتابه، وهي لي حلال. (1)
وأخرج أيضاً في باب الفضائل عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: ...ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوَّة الاِسلام ومودّته لا يَبْقَين في المسجد باب إلاّ سدّ إلاّباب أبي بكر. (2)
وأخرج أيضاً عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو كنت متخذاً من أُمّتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخي و صاحبي. (3)
إنّ التاريخ الصحيح يدل على سقم الرواية الاَُولى، لاَنّه ماذا أراد أبو بكر من كلامه ـ عند ما خطب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة ـ وقال: «إنّما أنا أخوك» ؟
فإن أراد الاَُخوة النّسبية فهي واضحة البطلان.
وإن أراد الاَُخوة الاِسلامية المتجلية في قوله سبحانه: (إِنّما الموَمنونَ إِخْوَة) (الحجرات|10) فهذه غير مانعة من النكاح، لاَنّ الاخوة الدينية العامة لا تمنع من التزويج، و إلاّ يلزم عدم صحّة نكاح المسلمين قاطبة كما هو واضح.
فانحصر المراد منها، بالاخوة الخاصة الواردة في الرواية الثالثة: «ولكن أخي

1 . صحيح البخاري: 7|5، باب تزويج الصغار والكبار، من كتاب النكاح.
2 . صحيح البخاري: 5|4، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو كنت متخذاً خليلاً.
3 . صحيح البخاري: 5|4، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لو كنت متخذاً خليلاً.

(66)
وصاحبي»، ومن الواضح انّها لم تتحقق إلاّ في المدينة المنورة بشهادة ذيل الحديث بأنّه «لا يبقين في المسجد باب إلاّ سدّ، إلاّ باب أبي بكر».
فإذاً كيف يخطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عائشة في مكة المكرمة قبل الهجرة ويعتذر هو بالاخوة الخاصة المتحققة في المدينة، فالتاريخ يشهد على وضع الرواية الاَُولى وكذبها، وليست هذه الرواية فريدة من نوعها، بل حيكت على منوالها رواية أُخرى أيضاً أخرجها ابن الجوزي في كتابه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال:
لما دخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة مهاجراً من مكة أشعث أغبر أكثر عليه اليهود المسائل والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجيبهم جواباً متداركاً بإذن اللّه عزّ وجلّ، وكانت خديجة قد ماتت بمكة، فلما ان دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة واستوطنها طلب التزويج، فقال لهم:
أنكحوني، فآتاه جبريل (عليه السلام) بخرقة من الجنة طولها ذراعين في عرض شبر، فيها صورة لم ير الراوَون أحسن منها، فنشرها جبريل، وقال: يا محمد إنّ اللّه تعالى يقول لك: أن تزوج على هذه الصورة، فقال له النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : أنا من أين لي مثل هذه الصورة يا جبريل؟
فقال له جبريل: إنّ اللّه يقول لك تزوج ابنة أبي بكر الصديق.
فمضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى منزل أبي بكر فقرع الباب، ثمّ قال: يا أبا بكر إنّ اللّه أمرني أن أُصاهرك، وكان له ثلاث بنات فعرضهن على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه أمرني أن أتزوج بهذه الجارية، وهي عائشة، فتزوجها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الخطيب: رجاله كلّهم ثقات غير محمد بن الحسن ونراه مما صنعت يداه.
وأعقبه ابن الجوزي بقوله: ما أبعد الذي وضعه عن العلم، فإنّ رسول اللّه ثلاث بنات، ما كان له غير (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج عائشة وهو بمكة ولم يكن لاَبي بكر حينئذٍ

(67)
أسماء وعائشة وإنّما جاءته بنت بعد وفاته يقال لها أُمّ كلثوم. (1)
2. أخرج مسلم في صحيحه، في فضائل الصحابة، عن ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي: يا نبي اللّه ثلاث اعطنيهنّ؟
قال: نعم.
قال: عندي أحسن العرب وأجمله أُمّحبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها؟
قال: نعم.
قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك؟
قال: نعم.
قال: وتوَمّرني حتى أُقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟ قال: نعم.
قال أبو زميل: ولولا انّه طلب ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أعطاه ذلك، لاَنّه لم يكن يسأل شيئاً إلاّ قال: نعم. (2)
أقول: لا يشك أي باحث متضلع في التاريخ الاِسلامي انّ الحديث موضوع من قبل سماسرة الاَهواء وأذناب البيت الاَموي الذين كانوا يحملون نزعات أموية، وذلك لاتّفاق المسلمين على أنّ النبيتزوج بأُمّ حبيبة قبل فتح مكة، وانّ أبا سفيان دخل المدينة بغية لقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل إسلامه وكانت أُمّحبيبة زوجته، وإنّما استسلم أبو سفيان بعد ما اجتثت جذور الشرك في جزيرة العرب وفتحت معاقله.
حكى ابن هشام في ذكر الاَسباب التي دعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المسير نحو مكة في شهر رمضان سنة 8 هـ وقال: ثمّ خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . ابن الجوزي، كتاب الموضوعات:2|8.
2 . صحيح مسلم: 7|171، باب فضائل أبي سفيان بن حرب.

(68)
المدينة، فدخل على ابنته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول اللّه طوته عنه ، فقال: يا بُنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟
قالت: بل هو فراش رسول اللّه وأنت رجل مشرك نجس ولم أحب أن تجلس على فراش رسول اللّه. (1)
وقد اتّفق كُتّاب السير على أنّ أُمّ حبيبة أسلمت في مكة المكرمة قبل الهجرة، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، وذكرها ابن هشام من المهاجرات إلى الحبشة.
قال ابن هشام: ومن بني أُميّة عبيد اللّه بن جحش بن رئاب الاَسدي حليف بني أُميّة ابن عبد شمس معه امرأته أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فلما قدم عبيد اللّه أرض الحبشة تنصّر بها وفارق الاِسلام ومات هناك نصرانياً، فخلف رسول اللّه على امرأته من بعده أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. (2)
ثمّ إنّ ابن حزم ممّن تنبه إلى الاشكال في الرواية وقال: والآفة فيه من عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل.
وأنكر الشيخ أبو عمرو بن صلاح على ابن حزم، فقال: لا نعلم أحداً من أئمّة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما، ثمّ حاول أن يصحح مضمون الحديث بأنّ أبا سفيان سأل تجديد عقد النكاح تطييباً لقلبه، لاَنّه كان ربما يرى عليها غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنّه ظن ان إسلام الاَب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد. (3)

1 . سيرة ابن هشام:2|396، وغيرها من المصادر المتوفّرة.
2 . سيرة ابن هشام:2|362.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي: 16|296.

(69)
يلاحظ عليه : أنّ عكرمة بن عمار مختلف فيه، وقد ذكر الذهبي أقوال العلماء في حقّه. (1)
ولكن الكلام في التأويل الذي ارتكبه ابن الصلاح بغية تصحيح الرواية، ولو ارتكبه غيره لرُمي بالجهمية، وأين أبو سفيان من هذه الدرجة من التقوى التي يصوّرها لنا ابن الصلاح؟! وها نحن نذكر نبذة مختصرة عن سيرته في أُخريات حياته ليتضح مدى تمسكه بالاِسلام وإيمانه به.
قال أحمد بن عبد العزيز : وحدّثني المغيرة بن محمد المهلبيّ، انّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت! أنفق ولا تكن كأبي حجر، وتداولوها يا بني أُمية تداول الولدان الكرة، فواللّه ما من جنَّة ولا نار و كان الزبير حاضراً، فقال عثمان لاَبي سفيان: اعزب فقال: يا بنيَّ أهاهنا أحد؟! قال الزبير: نعم واللّه لا كتمتها عليك. (2) ِ فمن كان منكراً للبعث بعد ما أسلم سنين، فهل يصحّ وصفه بما ذكره ابن الصلاح؟!

الخامس: عرض الحديث على اتّفاق الاَُمّة

إنّ اتّفاق الاَُمّة على حكم من الاَحكام دليل قطعي عليه دون فرق بين المنهج الشيعي أو السنّي.
وعلى ضوء ذلك فلو ورد حديث يخالف المتفق عليه بين الاَُمّة فيحكم عليه بالدس والوضع، ولنضرب مثالاً:
أخرج الطحاوي في مشكل الآثار عن طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أنس، قال: مطرت السماء برداً، فقال لنا أبو طلحة: ناولوني من هذا البرد، فجعل

1 . سير أعلام النبلاء:7|134 برقم 49.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:2|45.

(70)
يأكل وهو صائم وذلك في رمضان! فقلت: أتأكل وأنت صائم؟ فقال: إنّما هو برد نزل من السماء نطهَّر به بطوننا وانّه ليس بطعام ولا بشراب! فأتيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرته بذلك.
فقال: خذها عن عمك. (1)
إنّ اتّفاق الاَُمة على أنّ مطلق الاَكل والشرب مبطل للصوم يكفي في الحكم على هذا الحديث بالوضع والدس.
ولاَجل ذلك نرى أنّ السيوطي أورده في ذيل الاَحاديث الموضوعة، ص 116. وضعفه الطحاوي في مشكل الآثار بوجود علي بن زيد في سنده وانّه ليس من أهل التثبيت (2)

8
لا كتاب صحيح سوى القرآن الكريم

ثمّ إنّ المشكلة تكمن في أنّ المحدّثين والباحثين وصفوا جامع البخاري ومسلم بالصحيحين وحكموا بصحّة كلّ ما جاء فيهما من الاَحاديث، فعاق ذلك كثيراً من المحقّقين عن الفحص والتنقيب بما جاء فيهما من الروايات المخالفة للكتاب والسنّة والعقل، ولاَجل ذلك بقي الكتابان في منأى عن التحقيق بخلاف السنن الاَربع الباقية من الاَُصول الستة، فقد تطرق إليها التحقيق منذ زمن بعيد.
كيف يحكم بأنّ كلّ ما في البخاري صحيح مع أنّه أورد فيه الاَحاديث

1 . مشكل الآثار:2|238 برقم 1983.
2 . المصدر نفسه.

(71)
المعلّقة، مرفوعة وموقوفة، وإن اعتذر عنه ابن حجر في مقدمة فتح الباري. (1)
وقد رُمي ثمانون رجلاً ممّن أخرج عنهم البخاري بالضعف، كما رُمي مائة وستون رجلاً ممن أخرج منهم مسلم به أيضاً. (2)
نعم حاول ابن حجر عقد فصلاً خاصاً (3) في الذبِّ عن ضعفهم، إلا أنّ محاولته باءت بالفشل.
والعجب انّ الاِمام البخاري، احتجّ بمثل مروان بن الحكم، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم ولم يرو عن الاِمام الصادق «عليه السلام» .
أمّا الاَوّل فهو الوزغ ابن الوزغ، اللعين ابن اللعين على لسان رسول رب العالمين، وأمّا الثاني فهو الخارجي المعروف الذي أثنى على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، وأمّا الثالث فكان ينتقص عليّاً وينال منه، و مع ذلك لم نجد في صحيح البخاري رواية عن الاِمام الصادق ونعم ما قال القائل:
قضية أشبه بالمرزئة * هذا البخاري إمام الفئة
بالصادق الصدّيق ما احتجّ في * صحيحه واحتجّ بالمرجئة
ومثل عمران بن حطان أو * مروان وابن المرأة المخطئة
مشكلة ذات عوار إلى * حيرة أرباب النهى ملجئة
انّ الاِمام الصادق المجتبى * بفضله الآي أتت منبئة
أجلّ من في عصره رتبة * لم يقترف في عمره سيّئة (4)

1 . هدية الساري مقدمة فتح الباري، ص 17، ط . دار المعرفة.
2 . المصدر نفسه، ص 11.
3 . المصدر نفسه، ص 456 ـ 464.
4 . السيد محمد بن عقيل: النصائح الكافية: 119. ط بيروت.

(72)
وسيتضح مدى صحة قولهم: «كل ما في الصحيحين، صحيح».
نعم أوّل من تجرّأ من السنّة على التحقيق في الصحيحين هو الحافظ ابن الجوزي حيث ألّف كتاباً باسم مشكل الصحيحين أو مشكل الصحاح، و لم يزل مخطوطاً في أربعة أجزاء، فلو قام باحث موضوعي بنشر هذا السفر الجليل لخدم السنّة النبوية.
وحكى العلاّمة المحقّق الشيخ حسن السقاف انّ شيخه السيد الاِمام أبا الفضل الغماري صنف كتاباً في هذه المسألة وسماه «الفوائد المقصودة في الاَحاديث الشاذة المردودة».
وقد قام شيخ مشايخنا الشيخ فتح اللّه النمازي الاصفهاني ـ المشهور بشيخ الشريعة (1266ـ 1339هـ) بنقد الصحاح، فألف كتاباً باسم «القول الصراح في نقد الصحاح» (1) ، غير انّه لم يُوفّق لاِتمامه.
كما ألّف سيد الطائفة، شرف الدين العاملي (1290ـ 1377هـ) كتاباً باسم «أبو هريرة» بحث فيه عن سيرته ورواياته في الصحيحين وغيرهما بحثاً أضاء الطريق لمن بعده.
وأخيراً ألّف الشيخ المجاهد محمد الغزالي كتابه «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم» وقد سلك في نقل الاَحاديث قريباً مما سلكناه في هذا الكتاب، وقد أثار ضجّة المتحجرين لما اعتادوه من العكوف على كلّحديث عكف عليه السلف.
كما قام غير واحد من علمائنا بتمحيص ما روي عن أئمّة أهل البيت من الاَحاديث نذكر منهم على سبيل المثال:

1 . نحتفظ منه بنسخة مخطوطة في مكتبة موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام) عسى أن يقوم الباحثون بنشرها.

(73)
1. الاَخبار الدخيلة: تأليف المحقّق محمد تقي التستري (1320ـ 1415هـ) وقد طبع وانتشر.
2. الموضوعات في الآثار والاَخبار : تأليف المحقّق هاشم معروف الحسني.
ولسنا في هذا المقام بصدد دراسة أحد الصحاح والمسانيد، أو دراسة جميع روايات راو واحد فقط، بل بصدد دراسة أحاديث ثلة من الصحابة تربو على أربعين صحابياً، بعد ذكر نبذة مختصرة من سيرته، ونماذج من روائع حديثه.
ولا نعني بروائع الاَحاديث، كونها صحيحة سنداً بل ربما يكون سندها غير نقيّ لكن مضمون الحديث يدعمه الكتاب أو السنة والقرائن والمفاهيم العامة الاِسلامية.
كما لا تعني هذه الدراسة القدحَ بذلك الصحابي، بل تعني وجود الاِشكال والعلّة في الرواية سواء أكان منشوَها هو ذلك الصحابي أو الذين رووا عنه وعزوه إليه، والمطلوب هو نقد المضمون والمحتوى دون أن نحمِّل المسوَولية على عاتق أحد إلاّ في موارد شاذّة.
وهذه الدراسة هي خدمةمتواضعة للحديث النبوي، نرجو أن تنال القبول وأن ينتفع بها المعنيون وأن تكون فاتحة خير لمساهمات لاحقة، وندعو اللّه تعالى أن يهبنا السداد في القول، والتوفيق في العمل، ويهيّىَ لنا من أمرنا رشداً انّه نعم المولى و نعم النصير.
ونحن على ثقة بأنّ كلّ قارىَ واع ينبض قلبه حبّاً للاِسلام، سيُثمِّن الجهود التي بذلناها في سبيل تأليف هذا الكتاب، والعناء الذي تحمّلناه في هذا المضمار.
وما توفيقي إلاّ باللّه عليهِ توكلتُ وإليه أُنيب

(74)


(75)

1
معاذ بن جبل الصحابي

(20 قبل الهجرة ـ 18 هجرية)
سيرته وأحاديثه الرائعة.
أحاديثه السقيمة:
1. التجسيم في حديثه.
2. افشاء سرِّ النبي بلا إذنه.
3. السذاجة في فهم الشريعة.
4. عدم استجابة دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده في القضاء.
معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس، أبو عبد الرحمان الاَنصاري الخزرجي المدنيّ البدريّ، ولد عام 20 قبل الهجرة، شهد العقبة وهو شابّ، كما شهد بدراً والمشاهد، و روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث ناهزت 108، بعثه النبي للقضاء إلى اليمن بعد ما علّمه آداب القضاء، وتوفي في الشام عام 18 بعد الهجرة على أحد الاَقوال.
والسابر في طيات كتب الرجال يجد في حقّه كلمات تدل على مكانته الرفيعة

(76)
في القراءة ومعرفة الحلال و الحرام:
1. عن عبد اللّه بن عمر، قال: أربعة رهط لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول اللّه، قال: «خذوا القرآن من أربعة، من: ابن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة، وأُبي بن كعب، و معاذ بن جبل». (1)
2. عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً: وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، و يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسلاً ومتصلاً: «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة».
وعن أبي سعيد قال: قال رسول اللّه: «معاذ بن جبل أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه. (2) إلى غير ما ذكر من كلمات الاِطراء والثناء في حقّه المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الصحابة.
وقد نقل عنه أصحاب الصحاح والمسانيد انّه قال: لما بعثني النبي إلى اليمن، قال لي كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: قلت: أقضي بما في كتاب اللّه فإن لم يكن فبما قضى به رسول اللّه، قال: فإن لم يكن فبما قضى به الرسول؟ قال: اجتهد رأيي ولا آلو، فضرب صدري، وقال: «الحمد للّه الذي وفق رسول رسول اللّه لما يرضي رسول اللّه». (3)

1 . تهذيب التهذيب: 10|187 برقم 347 ؛ سير أعلام النبلاء: 1|445 برقم 86 يقول المعلّق على الكتاب الاَخير: أخرجه البخاري (4999) في فضائل القرآن باب القرّاء من أصحاب النبي، ومسلم (2464 ) في الفضائل، والترمذي (3812) في المناقب، وأبو نعيم في الحلية: 1|229.
2 . تهذيب التهذيب: 10|187 برقم 347 ؛ سير أعلام النبلاء: 1|446 برقم 86 .و نقل المعلق على كتاب سير اعلام النبلاء انّه أخرجه أحمد: 3|184 و 281، والترمذي (3793) في المناقب، وابن ماجة (154) في المقدمة باب فضائل خباب، و أبو نعيم في الحلية: 1|228.
3 . أخرجه من أصحاب المسانيد: أحمد في مسنده: 5|236، 242؛ و من أصحاب السنن: أبو داود برقم 3592 و 3593 في الاَقضية، والترمذي (1327) مثله (1328) في الاَحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي؟ و سيوافيك نقل أسناده مفصلاً.

(77)
هذه نبذة إجمالية عن سيرة معاذ بن جبل، والكلمة التي ذكرها النبي عند بعثه إلى اليمن للقضاء.
إنّ الوقوف على مكانة ذلك الصحابي رهن دراسة أمرين:
أ. دراسة الاَحاديث التي رواها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ب. دراسة حديث الاجتهاد الذي بلغ من الشهرة بمكان حتى اتخذه أصحاب القياس سنداً لاِعماله في استنباط الاَحكام الشرعية. وقد فسر الاِمام الشافعي الاجتهاد الوارد فيه بالقياس، كما سيوافيك تفصيله.

أحاديثه الرائعة

روى أصحاب الصحاح والسنن و المسانيد روايات عنه في شتى الموضوعات، كالاِيمان و الطهارة والجنائز والصلاة و الزكاة والصيام والنكاح والعتق و الفرائض والحدود والديات والقضاء والطب والمرض والاَدب والذكر والدعاء و القرآن والعلم والجهاد والاَمارة و المناقب والزهد والفتن وأشراط الساعة والجنة، ويناهز مجموع ما نقل عنه من الاَحاديث قرابة 108، فهو تارة ينقل نص قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُخرى فعله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وفي الوقت نفسه فإنّ قسماً من تلك الروايات هي في الواقع رواية واحدة نقلت بصور مختلفة فعدُّوها روايات متعددة كأكثر ما رواه في باب الاِيمان مثلاً حديثه المعروف «ما حقّ اللّه على العباد» رويت بصور تسع مع أنّـها في الحقيقة رواية واحدة، وعلى هذا الغرار يقلُّ عدد أحاديثه عن العدد المذكور بكثير، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:
1. عن ابن عباس انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال: إنّك تأتي قوماً أهل كتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و انّي رسول اللّه، فان هم أطاعوك لذلك فاعلمهم انّ اللّه افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة،

(78)
فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أنّ اللّه افترض عليهم صدقة في أموالهم توَخذ من أغنيائهم وتردّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإيّاك و كرائم أموالهم، و اتق دعوة المظلوم فانّها ليس بينها و بين اللّه عزّ وجلّ حجاب. (1)
2. قال: إنّ النبي قال سأنبئك بأبواب من الخير: الصوم جُنّة، والصدقة تطفىَ الخطيئة كما يطفىَ الماء النار، وقيام العبد من الليل ثمّ قرأ: (تَتَجافى جُنُوبهُمْ عَنِ المَضاجِعِ) . (2)
3. كان معاذ باليمن فارتفعوا إليه في يهودي مات، و ترك أخاً مسلماً، فقال معاذ: إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
«إنّ الاِسلام يزيد و لا ينقص» فورّثه. (3)
4. وقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الجهاد عمود الاِسلام و ذروة سنامه». (4)
إلى غير ذلك من روائع الاَحاديث التي يعلو هامتها نور النبوة و يشهد علو مضامينها على صدورها في بيت الوحي.

أحاديثه السقيمة

وقد روي عنه روايات شاذة لا تصح نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإليك دراسة قسم منها:

1.روَية اللّه في أحسن صورة

أخرج الترمذي في كتاب تفسير القرآن عن طريق مالك بن يحامر

1 . أخرجه الاِمام أحمد في مسنده:1|233.
2 . أخرجه الاِمام أحمد:5|248 والآية 16 من سورة السجدة.
3 . مسند الاِمام أحمد: 5|230 و 236.
4 . مسند الاِمام أحمد: 5|234.

(79)
السكسكيِّ، عن معاذ بن جبل (رض) قال: احتبس عنّا رسول اللّه ص ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين (1) الشمس، فخرج سريعاً فتثوّب بالصلاة، فصلّى رسول اللّهوتجوز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بصوته، قال لنا: على مصافّكم كما أنتم، ثمّ انفتل (2) إلينا، ثمّ قال: أما إنّي سأُحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إنّي قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قُدّر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت (3) فإذا أنا بربي تبارك و تعالى في أحسن صورة. فقال: يا محمَّد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثاً.
قال: فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ (4) فتجلّى لي كل شيء و عرفت، فقال: يا محمد قلت: لبيك ربِّ قال: فيم يختصم الملاَ الاَعلى قلت: في الكفارات، قال: ما هنَّ، قلت: مشي الاَقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات (5).. الخ.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. سألت محمد بن إسماعيل (يريد البخاري) عن هذا الحديث، قال: هذا حديث حسن صحيح.
ورواه الاِمام أحمد في مسنده في حديث معاذ. (6)
وللنظر في هذه الرواية ساحة رحبة.
أوّلاً: انّ المتبادر من الحديث هو انّ الصحابة كانوا على انتظار بُغية مجيَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليصلّوا معه، وما صلّوا حتى خرج إليهم رسول اللّه وقد تراءى عين

1 . في مسند أحمد: قرن الشمس.
2 . انفتل: أقبل.
3 . وفي مسند أحمد: استيقظت. والاَوّل هو الصحيح .
4 . وفي مسند أحمد: بين كتفيّ.
5 . سنن الترمذي: 5|368، كتاب تفسير القرآن برقم 3235.
6 . مسند الاِمام أحمد: 5|243 و بين المتنين اختلاف طفيف.

(80)
الشمس، ومعنى ذلك انّ الصحابة تركوا الصلاة عمداً والنبي فاتت عنه الصلاة لغلبة النعاس عليه، ولو انّ الصحابة أدّوا الصلاة قبل خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم لجاء ذكره في الحديث فهذا ما لا نحتمله في حق الصحابة فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً: انّ «التثوّب بالصلاة» المشار إليه في الحديث عبارة عن قول الموَذن في أذان صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم» و إنّما يذكر هذ الفصل من الاَذان عند إقامة الصلاة أداءً لا قضاءً، و المفروض انّ النبي أدّى صلاته قضاءً.
مضافاً إلى أنّه لم يثبت وجود التثوب بالاَذان في عهد رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، و إنّما أضيف إليه بعد رحيله، روى الاِمام مالك في موطّئه: انّالموَذن جاء إلى عمر بن الخطاب يأذنه لصلاة الصبح، فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح. (1)
والكلام في التثوب ذو شجون، وقد استوفينا البحث عنه في كتابنا «الاعتصام بالكتاب والسنّة». (2)
وثالثاً: انّه سبحانه أجلّ من أن يتجلّى لنبيه في النوم بأحسن صورة، و أن يكون له كف و أنامل لها برد، و أن يضعها بين كتفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
هب انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما ينقل ما رآه في المنام دون أن يحكي عن الواقع، و لكن هل من الصحيح أن يذكر ما رآه دون أن يعقبه بكلمة وهي: انّ ربّه أجّل من أن يوصف بتلك الاَوصاف، لئلاّ يقع السُّذَّج من الناس في ورطة التجسيم والتشبيه؟!
وأغلب الظن انّ الرواية من مجعولات مستسلمة أهل الكتاب الذين روّجوا

1 . الاِمام مالك، الموطأ، ص 78 برقم 8.
2 . الاعتصام بالكتاب والسنة، ص 48ـ 60.

(81)
مسألة التشبيه و التجسيم و دسّوها في أحاديث المسلمين. و إن رآها الترمذي حديثاً حسناً صحيحاً، أو صحّحه البخاري حسب ما نقله الترمذي.
ثمّ إنّي وقفت ـ بعد ما حرّرت ذلك ـ على كلام للمحقّق السيد حسن السقاف حول الحديث، فنأتي به موجزاً:
يقول: إنّ متن الحديث يشتمل على ألفاظ منكرة توَكد وضعه :
1. إثبات الصورة للّه تعالى، وكذلك إثبات الكفّ له ـ سبحانه وتعالى عن ذلك ـ وإنّها بقدر ما بين كتفي سيدنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
«أجمع أهل السنة على استحالة الصورة على اللّه عزّ وجلّ، كما نقل ذلك الاِجماع الشيخ الاِمام عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق (ص 332) .
وقال الشافعي : والاِجماع أكبر من الحديث المنفرد». (1)
أي إنّ الاِجماع إذا صادمه حديث آحاد أسقط الاحتجاج به، بل يدلّ ذلك على وضعه و انّه لا أصل له كما يقول الحافظ الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه(1|132).
2. إثبات الكف هنا إثبات جارحة للّه تعالى ويبعد تأويلها بالقدرة، لاَنّ قدرة اللّه عزّ وجلّ شاملة لجسد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الشريف، وإثبات أنّه وجد برد كفّ اللّه تعالى عن ذلك، بين ثدييه (صلى الله عليه وآله وسلم) يبعّد التأويل بالقدرة، ويوَكد وضع الحديث، لا سيما أنّ الحفاظ كالذهبي قالوا عنه منكَر لاَجل هذه الاَلفاظ وأشباهها.
كما أنّ تأويل قوله: في أحسن صورة، أي أحسن صورة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فيه تكلّف لا يخفى، والحديث موضوع لا يثبت. (2)

1 . سير اعلام النبلاء: 10|20 و 21، والحلية:9|105، وآداب الشافعي لابن أبي حاتم:231.
2 . ذيل دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه: 285ـ 286.

(82)
هذا إذا نظرنا إلى الحديث من جانب المضمون والتطبيق على الاَُصول القطعية، وأمّا إذا أردنا دراسة الحديث من حيث السند، فهو إذن مثل المضمون مرفوض جداً وقد نصّ على ضعف السند أبطال الحديث، فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (1|125)، والحافظ السيوطي في كتابه «اللآلي المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة» (1|31) وذكر انّ في سنده حماد بن سلمة، وقال الاِمام الحافظ البيهقي في كتابه «الاَسماء والصفات» (ص 300): «وقد روي من وجه آخر وكلّها ضعيف».
فإن قال قائل قد حسّن الترمذي الحديث، بل قد صحّحه في بعض الروايات عنه.
قلنا: هذا لا ينفع، لاَنّ الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين مضافاً إلى معارضته بتضعيف الحفاظ الذين تعرفت على أسمائهم، فقد صرّحوا بأنّ الحديث منكر و موضوع، فهو مقدَّم على تحسين الترمذي أو تصحيحه.
ولو أردنا نقل كلمات الحفاظ حول الحديث لطال بنا الكلام وهو خارج عن موضوع الكتاب. (1)

2. إفشاء سر النبي

أخرج الاِمام أحمد، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ بن جبل، قال: كنت ردف النبي فقال: هل تدري ما حقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده؟ قلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال: هل تدري ما حقّالعباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن يغفر لهم و لا يعذبهم.

1 . لاحظ رسالة «أقوال الحفاظ المنثورة لبيان وضع حديث رأيت ربي في أحسن صورة» ، تأليف حسن السقاف المطبوع في ذيل دفع شبه التشبيه.

(83)
قال معمر في حديثه: قال: قلت يا رسول اللّه ألا أُبشرِّ الناس قال: دعهم يعملوا. (1)
ورواه البخاري بنفس ذلك النص إلاّ انّه قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشّر به الناس، قال: لا تبشرهم فيتّكلوا. (2)
ورواه مسلم بنفس المضمون في باب من لقي اللّه بالاِيمان و هو غير شاك فيه. (3)
وللنظر في هذا الحديث كالحديث السابق مجال واسع، فإذا نهاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البشارة به بقوله:« دعهم يعملوا» أو بقوله:« لا تبشرهم فيتكلوا» فلِمَ أفشى سرّ النبي؟
أضف إلى ذلك انّ ما جاء به النبي لم يكن أمراً مستوراً على المسلمين بل جاء في الذكر الحكيم في قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يغْفِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِوَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء) (النساء|48).
نعم، انّ أنس بن مالك برّر إفشاء سرِّ النبي من قِبَلِ معاذ، بقوله: «وأخبر بها معاذاً عند موته تأثماً». (4)
وقال ابن حجر العسقلاني في تفسير قوله تأثماً: هو بفتح الهمزة و تشديد

1 . مسند أحمد: 5|228.
2 . صحيح البخاري: 4|28 باب اسم الفرس و الحمار من كتاب فضل الجهاد والسير، و من الطريف انّ البخاري نقل الرواية في هذا الباب (باب اسم الفرس و الحمار) و كم للبخاري من هذه الطرائف و المتصفح في صحيحه يجد انّ طائفة كبيرة من الروايات أوردها تحت عناوين لا تمت لها بصلة، و أنت إذا قارنت بين صحيح البخاري مع الكافي للكليني لوجدت انّ الثاني قد بلغ الغاية في حسن التبويب.
3 . صحيح مسلم: 1|43.
4 . صحيح البخاري: 1|44، كتاب العلم.

(84)
المثلثة المضمومة، أي خشية الوقوع في الاِثم، والمراد بالاِثم الحاصل من كتمان العلم ودلّ صنيعُ معاذ على أنّه عرف انّ النهي عن التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلاّلما كان يخبر به أصلاً أو عرف انّ النهي مقيد بالاتكال فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك فإذا زال القيد زال المقيد، و الاَوّل أوجه لكونه أخّر ذلك إلى وقت موته. (1)
وما برَّر به أنس فعل معاذ تبرير غير تام، لاَنّ نهي النبي يدور أمره بين كونه تحريمياً أو تنزيهياً، فعلى الاَوّل يكون الاِظهار موجباً للاِثم دون الكتمان، وعلى الثاني يكون الاِظهار والكتمان على حدّ سواء لكن الكتمان كان أولى من الاِظهار فلم يكن هناك أي إثم حتى يبرِّر عمله هذا بالتأثم و يفسر بالاِثم الحاصل من كتمان العلم.
هذا ما يرجع إلى كلام أنس، وأمّا ما ذكره العسقلاني من أنّ النهي كان تنزيهياً لا تحريميّاً لا يلائمه ظاهر الحديث حيث إنّ الاتكال على الايمان القلبي دون العمل أمر محظور، فلذلك يكون ما يستلزمه ـ أي الاظهار ـ منهياً عنه بالنهي التحريمي لا التنزيهي.
وأضعف من ذلك تبريره الثاني حيث قال: إنّ النهي كان مقيداً بالاتكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك.
وجه الضعف انّ معاذاً كان واقفاً على أنّ السامع سوف يبثّه بين المسلمين وفيه من يُخشى عليه من الاتكال، فلِمَ أخبره به و لم يأخذ منه عهداً أن لا يخبر به أحداً إلاّ مثله.
فرفضُ الحديث وتنزيه مقام معاذ أولى من قبوله و تبريره بهذه المبررات التي لا تُسمن ولا تغني من جوع.

1 . فتح الباري: 1|183، كتاب العلم.

(85)

3. السذاجة في فهم الشريعة

أخرج الاِمام أحمد، عن أبي ظبيان، عن معاذ بن جبل انّه لما رجع من اليمن، قال: يا رسول اللّه رأيت رجالاً باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك؟ قال: لو كنت آمراً بشراً يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها. (1)
ويظهر ممّا رواه كشف الاَستار عن زوائد البزار، انّه بعد ما رجع من الشام سجد للنبيّ، و إليك نصّه:
عن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: انّه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لاَساقفتهم وبطارقتهم ورهبانهم، ورأى اليهود يسجدون لاَحبارهم وعلمائهم وفقهائهم، فقال: لاَي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الاَنبياء، قلنا: فنحن أحقّ أن نصنع بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا قدم على نبيِّ اللّه سجد له، فقال: ما هذا يا معاذ؟! فقال: إنّي أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لاَساقفتهم (2)...إلى آخر ما ذكر.
إنّ الوثوق بهذا الحديث أمر عسير، فلو صحّ لدلّ على سذاجة الرجل في فهم الشريعة، وذلك لاَنّ السجود و إن لم يساوق العبادة، إذ ربَّ سجود لا يعد عبادة كسجود الملائكة لآدم وسجود يعقوب وأولاده ليوسف، بيد انّ السجود في عهد النبي كان رمزاً للعبادة ومجسِّداً لها ومظهراً من مظاهرها، فكيف خفيت تلك الحقيقة على ذلك الصحابي و سجد للنبي، في حين انّ الناس يرونه عبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
إنّ هذا العمل يناسب شأن الاَعرابي البعيدعن الاِسلام وتعاليمه لا لمثل

1 . مسند أحمد: 5|227 و 228 و نقله أيضاً على وجه التفصيل في 4|381.
2 . المسند الجامع: 15|235 برقم 11527، نقلاً عن كشف الاستار عن زوائد البزار: 2|175 برقم 1461.

(86)
معاذ بن جبل الذي تربّى في أحضان الرسالة.
أخرج الدارمي عن ابن بريدة عن أبيه، قال:
جاء أعرابي إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إئذن لي فلاَسجد لك، قال: لو كنت آمراً أحداً يسجد لاَحد لاَمرت المرأة تسجد لزوجها. (1)
ومن العجب انّ الدارمي نقل الحديث أيضاً عن قيس بن سعد انّه قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول اللّه أحقّ أن يُسجد له، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: انّي أتيت الحيرة... إلى آخر ما ذكر. (2)
أضف إلى ذلك كيف أخذ معاذ مثل ذلك الاَمر من النصارى حيث رآهم يسجدون للاَساقفة والرهبان والاَحبار على الرغم من انّه أعلم الاَُمة بالحلال و الحرام و اقرأ الناس للقرآن؟!

4. عدم استجابة دعاء النبي

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة، قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليت صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة: سألت اللّه عزّ وجلّ ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليّ. (3)

1 . سنن الدارمي:1|342، باب النهي أن يسجد لاَحد.
2 . سنن الدارمي: 1|341، باب النهي أن يسجد لاَحد؛ وأخرجه أيضاً أبو داود برقم 2140 وقد أسهب الثاني في نقل الحديث.
3 . مسند الاِمام أحمد: 5|240.

(87)
إنّ لاستجابة الدعاء شرائط خاصة ذكرت في كتب الاَدعية و الاَخلاق، ومن تلك الشرائط أن لا يكون الدعاء على خلاف السنن السائدة على الكون، مثلاً من دعا بالخلود لنفسه فلا تستجاب دعوته، وذلك لاَنّه سبحانه يقول: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد أَفَإِنْ مت فَهُمُ الخالِدُون) (الاَنبياء|34) وبما انّ الاختلاف في التفكير أمر ذاتي للبشر فلا يتسنّى للنبي أن يطلب من اللّه سبحانه عدم اختلاف أُمّته و وحدة كلمتهم قال سبحانه: (وَلَو شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمّةً واحدةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ لاََمْلاَََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّة وَالنّاسِ أَجْمَعين) (هود|118ـ 119).
فقد تعلقت مشيئته سبحانه في الاَزل باختلاف الناس في التفكير والعقيدة، وبما انّ الاختلاف أمر طبيعي لكافّة البشر، فبعث اللّه النبيين للقضاء بينهم، قال سبحانه: (كانَ النّاسُ أُمّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرينَ وَأنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ ليَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيه وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدى اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا لمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم)(البقرة|213).
كيف يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم، و هو القائل«افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و افترقت النصارى على إحدى أو اثنتين و سبعين فرقة و تفترق أُمّتي على ثلاث و سبعين فرقة»؟
رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. (1)
هذا ما يرجع إلى الفقرة الثالثة التي رُدَّ فيها دعاء النبي، وأمّا الفقرة الثانية

1 . المستدرك على الصحيحين: 1|128.

(88)
أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «سألته أن لا يظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها» فاقرأها ثمّ تابع الحوادث والنـوازل التي ألـمَّت بالمسلمين عبر القرون، فقد تسلط عليهم الوثنيون المغول، و الصليبيون قرابة قرنين، وفعلوا ما فعلوا، و ليست الجرائم التي اقترفها الصهاينة ببعيدة عن القارىَ الكريم.
هذه دراسة إجمالية لبعض ما روي عن ذلك الصحابي الجليل، فانّ منافاة تلك الاَحاديث مع الاَُصول المسلمة تغني الباحث عن دراسة أسانيدها. ولا يصدنا عن النقد ورود الحديث في صحيح البخاري كما هو الحال في حديث إفشاء سر النبي، أو كونه مما صححه البخاري حسب نقل الترمذي كما هو الحال في حديث التجسيم.
فإذا كان معاذ يأتي أمام العلماء برتوة، أو كان أعلم الناس بحلال اللّه وحرامه، فهو أجلّ من أن يكون ناقلاً لتلك الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
5. دراسة تحليلية حول حديث اجتهاده
روى أصحاب السنن والمسانيد انّ رسول اللّه بعثه إلى اليمن للقضاء فسأله عن أُمور أجاب عنها معاذ، وقد احتجّ أصحاب القياس بهذا الحديث على حجّيته.
وهذا الحديث قابل للمناقشة من وجهين:
الاَوّل: دراسة أسانيده، و انّه هل ورد بسند قابل للاحتجاج به أو لا ؟
الثاني: على فرض صحّة سنده، فهل يمكن الاحتجاج به على حجّية القياس أو لا ؟

(89)

دراسة أسانيد حديث الاجتهاد

احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل، والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً، وإليك بيانها:
عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص، عن معاذ:
إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟
قال: أقضي بما في كتاب اللّه.
قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟
قال: فبسنّة رسول اللّه.
قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟
قال: أجتهد رأيي، لا آلو.
قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه . (1)
وقد استدلّ به الاِمام الشافعي، فقال بعدما أفاد ـ أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة ـ: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ثمّ

1 . مسند أحمد: 5|230، وسنن الدارمي:170، وسنن أبي داود: برقم 3593، وسنن الترمذي: برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.

(90)
أجاب: هما اسمان لمعنى واحد. (1)
وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لاَنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس. (2)
وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة. (3)
وثمّة كلمات مماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.
لكنّ الحديث ضعيف سنداً، وغير تام دلالة.
أمّا السند، ففيه الاَُمور التالية:
1. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.
2. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله، ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.
3. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الاَُمور ، أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!
قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو ، حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبو ذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد الفقيه،

1 . الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
2 . الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
3 . أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.

(91)
حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي.
قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الاَوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يُدرى من هم.(1)
وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.
قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.
وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل. (2)
وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد، وبمثله لا تثبت الاَُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لاَنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا. (3)

دراسة دلالة الحديث

وأمّا الدلالة، فهي مبنيّة على مساواة الاجتهاد مع القياس أو شموله له، وهو غير ثابت، قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه

1 . ابن حزم: الاِحكام: 5|207.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال:1|439 برقم 1635.
3 . المرتضى: الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|773.

(92)
فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاوَهم أنّ إلحاق الفروع بالاَُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر ، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه. (1)
على أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الاِفتاء، لاَنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الاِفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الاِفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.
ثمّ إنّ ثمة نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فصل الخصومات، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي نصبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً، و يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما ثانياً، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات، ومع المعرفة التامّة لحال القاضي يكون السوَال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح، وستوافيك الصور الاَُخرى للرواية.
قال الفخر الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لاَنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به، والشيء الذي لا يجب أن يقضي به. (2)
على أنّ الظاهر من سيرة «معاذ» أنّه لم يكن يجتهد برأيه في الاَحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . الذريعة:2|776.
2 . الرازي: المحصول: 2|255.

(93)
روى يحيى بن الحكم أنّمعاذاً قال: بعثني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الاَربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك.
فقدمتُ، فأخبرت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمرني أن آخذ من كلّثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً. (1)
فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟
ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك به بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الاَُمّة تلقّته بالقبول. (2)
ولنا هاهنا وقفة قصيرة، وهي أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به على القياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.
يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الاَُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الاَُمّة لاَمثال هذه الاَخبار كقبولهم لمسّ الذكر ، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته. (3)
إلى هنا تمّت مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به .

1 . مسند أحمد بن حنبل:5|240؛ المسند الجامع: 15|230 برقم (11518ـ 41).
2 . الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.
3 . الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|774.

(94)

الصور الاَُخرى للحديث

إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها اختلاف كثير في المضمون، وإليك هذه الصور:
الصورة الاَُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي، قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.
وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذ إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضي به رسول اللّه. (1)
ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما هو مقرّر في محله.
كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو اعمال النظر والاستدلال في الاَُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.

1 . ابن حزم: الاِحكام: 5|208.

(95)
أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة، لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.
الصورة الثانية: عن عبد الرحمان بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال: لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه. (1)
وهي: متّصلة السند ، ولكن المتن غير ما جاء في الحديث، بل يغايره تماماً، وينفي مقالة أهل القياس.
الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية، ولعلّها منقولة بالمعنى.
قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن: بم تقضيان؟
قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به. (2)
كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لهما: بم تقضيان؟ فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أصبتما. (3)

1 . أخرجه ابن ماجة في سننه: 1|21 برقم 55.
2 . أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.
3 . الفخر الرازي: المحصول: 2|254.

(96)
وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول. (1)
والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي، ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.
نعم أخرج أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى أنّ رسول اللّهبعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (2)


1 . التحصيل من المحصول: 2|163.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 4|397.

(97)

2
أُبيّ بن كعب الاَنصاري

( ... ـ 30 هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها.
2. جزاء من تعزَّى بالجاهلية.
3. آيتان كانتا عند أُبيِّ بن كعب.
4. نسيان ما نزل في أحد من الآية.
5. أوّل من يصافحه الحقّ عمر.
أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن نجار، أبو منذر الاَنصاري النجاريّ المدنيّ، المقرىَ البدري، يكنّى أبا الطفيل.
شهد العقبة وبدراً، وجمع القرآن في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرض عليه وحفظ عنه علماً.
روي عن أنس انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لا َُبي بن كعب: إنّاللّه أمرني أن اقرأ عليك القرآن، وفي لفظ: أمرني أن اقرئك القرآن.

(98)
قال: اللّه سماني لك؟ قال: نعم، قال: وذُكرت عند ربّالعالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه.
روى عنه: عبادة بن الصامت، و ابن عباس، وعبد اللّه بن خباب، و ابنه الطفيل ابن أُبي.
وكان أُبي يكتب في الجاهلية قبل الاِسلام، و كانت الكتابة في العرب نادرة، وكان يكتب في الاِسلام الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعهده إذا عاهد، وصلحه إذا صالح، ولاَُبي في الكتب الستة نيف و ستون حديثاً، وله في مسند «بَقيّ بن مَـخْلَد» مائة و أربعة وستون حديثاً منها في البخاري ومسلم ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بسبعة.
وقد اختلفوا في تاريخ وفاته، فمن قائل بأنّه تُوفّي في خلافة عمر بن الخطاب عام 22 هـ، ولما نُعي إلى عمر، قال: اليوم مات سيد المسلمين.
ومنهم من يقول: إنّه مات في خلافة عثمان سنة 30هـ، ويرجحه ابن حجر، ويقول: هو أثبت الاَقاويل ،ويوَيده ما دار بينه و بين عثمان من الحوار في قوله سبحانه: (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونها فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرهُمْ بِعَذابٍ أَليم) (التوبة|34) وكان عثمان يقرأه بلا واو «الذين» خلافاً لاَبي فكان يقرأه «والذين» فطال الحوار بينهما، فقال أُبي غاضباً: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي، وهو يريد بأنّه لابدّ من أن تعود الواو عاطفة إلى مكانها أو ليتوصل إلى ذلك بالقوة (1). (2)
و بلغت أحاديثه في المسند الجامع 92 حديثاً. (3)
ولنذكر من روائع رواياته شيئاً ثمّ نردفها بما لا يصحّ عزوه إليه.

1 . الدر المنثور، في تفسير الآية.
2 . أُسد الغابة: 1|49؛ الطبقات الكبرى: 3|498؛ سير اعلام النبلاء: 1|389 برقم 82.
3 . المسند الجامع: 1|17 برقم 3.

(99)

روائع أحاديثه

1. أخرج عبد اللّه بن أحمد، عن ابن أبي الجوزاء ،عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بلال اجعل بين أذانك وإقامتك نَفَساً يفرغ الآكل من طعامه في مَهَل، ويقضي المتوضىَ حاجته في مهل. (1)
2. أخرج ابن ماجة، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاة الرجل وحده أربعاً وعشرين، أو خمساً وعشرين درجة. (2)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن الحسن، انّ عمر أراد أن ينهى عن متعة الحجّ، فقال له أُبي: ليس ذلك لك، قد تمتعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينهنا عن ذلك، فاضرب عن ذلك عمر ، و أراد أن ينهى عن حلل الحبرة لانّها تصبغ بالبول، فقال له أُبي: ليس ذلك لك قد لبسهنَّ النبي ولبسناهنَّ في عهده. (3)
4. أخرج ابن ماجة، عن أبي رافع، عن أُبي بن كعب، انّ النبيكان يعتكف العشر الاَواخر من رمضان، فسافر عاماً، فلما كان من العام المقبل اعتكف عشرين يوماً. (4)
5. أخرج البخاري في صحيحه عن سويد بن غفلة، قال: لقيت أُبي بن كعب... فقال: وجدت صرّة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها مائة دينار، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: عرِّفها حولاً.
فعرَّفتها حولاً فلم أجد من يعرفها، ثمّ أتيته، فقال:عرِّفها حولاً، فعرَّفتها فلم

1 . مسند أحمد: 5|143.
2 . سنن ابن ماجة: 1|259 برقم 790.
3 . مسند أحمد: 5|143.
4 . سنن ابن ماجة: 1|562 برقم 1770.

(100)
أجد، ثمّ أتيته ثلاثاً، فقال: احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلاّ فاستمتع بها ،فاستمتعت.
قال شعبة: فلقيته يعني سلمة بن كهيل بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولاً واحداً. (1)
وقد اتّفق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّه يكفي تعريفها حولاً واحداً، ولعلّ أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتعريف ثلاثة أحوال للتأكد أو لكون اللقطة ذات قيمة مالية لا يستهان بها.
وإليك بعض رواياته السقيمة التي عزيت إليه:

1. طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها

أخرج مسلم في صحيحه، عن زرّ بن حبيش، قال: سمعت أُبي بن كعب، يقول: وقيل له: إنّ عبد اللّه بن مسعود، يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبي: واللّه الذي لا إله إلاّ هو انّها لفي رمضان، و واللّه انّي لاَعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيامها، هي ليلة صبيحة 27، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. (2)
أقول: ثمّة اشكالان على الحديث:
الاَوّل: انّ من جرّب طلوع الشمس في صبيحة يوم السابع والعشرين من رمضان يرى انّـها لا تختلف عن طلوعها في صبيحة اليوم السابق واللاحق، وما ذكره ليس له واقع ملموس.

1 . صحيح البخاري: 3|126، كتاب اللقطة، الحديث الاَوّل؛ صحيح مسلم: 5|136، كتاب اللقطة.
2 . صحيح مسلم: 2|178، باب الترغيب في قيام رمضان.

(101)
الثاني: جرت سنة اللّه تبارك وتعالى على كون الشمس ذات أشعة مستنيرة تبثها في الكون و يصل إلى الاَرض مقدار ضئيل جداً منها.
وأمّا روَيتها بلا شعاع، فهي تابعة للاَوضاع الجوية، فإذا كان الجو صحواً تُرى الشمس وهي ترسل بأشعتها، بخلاف ما إذا كان ملبداً لا سيما أوان الطلوع فتراها قرصاً محمّراً.

2. جزاء من تعزّى بالجاهلية

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عثمان، عن أُبي بن كعب: انّ رجلاً اعتزى، فأعضَّه أُبىُُّّ بهن أبيه، فقالوا: ما كنت فحّاشاً، قال: إنّا أمرنا بذلك. (1)
وأخرج أيضاً عن عُتيِّ بن ضمرة، عن أُبيّ بن كعب، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: من تعزّى بعزاء الجاهلية فأعضّوه ولا تكنّوا. (2)
أقول: إنّ غاية ما كان يجب على أُبي بن كعب أن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر على النحو الذي أمر الكتاب به ، قال سبحانه: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (النحل|125) لا ما جاء في الرواية من مقابلة المنكر بمنكر أبشع منه.
ناهيك عمّـا روي من انّ سباب الموَمن فسوق. (3)
وما روى عن أُسامة بن زيد حيث قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ اللّه لا يحب كلّفاحش متفحش. (4)

1 . مسند أحمد: 5|133.
2 . مسند أحمد: 5|136.
3 . صحيح مسلم:1|58، باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر .
4 . مسند أحمد: 5|202.

(102)

3. آيتان كانتا عند أُبي بن كعب فقط

أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب، انّهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون و يملي عليهم أُبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة (ثُمَّ انصَـرفوا صَـرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأنّهُم قَومٌ لا يَفقَهون) فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن.
فقال لهم أُبي بن كعب: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقرأني بعدها آيتين (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوَْمِنينَ رَوَُوفٌ رَحِيم) إلى (وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الَعَظِيم) .
ثمّ قال: هذا آخر ما أُنزل من القرآن. (1)
ونعلق على الحديث بالقول:
أوّلاً: قد ثبت فيما سبق انّ القرآن جمع على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكيف ينسب الجمع إلى عهد الخلافة، فهذه الرواية تعارض ما تضافر من أنّ القرآن جمع على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثانياً: انّ معنى الرواية انّ بعض آيات الذكر الحكيم وصلت إلينا عن طريق الآحاد وهو أُبي بن كعب، فلولاه لم يكن لها أثر.
ثالثاً: ما ذكره يعارض ما روي عن زيد بن ثابت.
أخرج البخاري: انّ أبا بكر قال لزيد: أنت رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبع القرآن وأجمعه ـ إلى أن قال: قال زيد: فكنت أتتبع القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لقد جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنفسِكُمْ عزيز عَليهِ ما عنتّم) حتى خاتمة براءة.... (2)

1 . مسند أحمد: 5|134 والآيات 127 ـ 129 من سورة التوبة .
2 . صحيح البخاري: 6|183، باب جمع القرآن.

(103)

4. نسيان ما نزل في أحد من الآية

أخرج أحمد في «مسنده»، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنّه أُصيب يوم أُحد من الاَنصار أربعة وستون وأُصيب من المهاجرين ستة، فمثلوا بقتلاهم.
فقالت الاَنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنربينَّ (1) عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل من القوم لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فأنزل اللّه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ وَلئِن صَـبَرتُمْ لَهُوَ خَيْـرٌ للصّابِرين) .
فقال نبي اللّه: كفّوا عن القوم (2)
وفي رواية السيوطي: فقال رسول اللّه: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة (3).
نعلق على الحديث، و نقول:
إنّ المفسرين اتّفقوا ـ تبعاً للروايات ـ على أنّ قوله سبحانه: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا...) نزل في أُحد. حيث إنّ المشركين مثلوا بحمزة وأراد المسلمون أن يمثلوا بسبعين من الكافرين إذا استولوا عليهم في قبال حمزة فنزلت الآية (4)
وقد تلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعها الصحابة و مع ذلك كيف يقول القائل يوم فتح مكة: لا قريش بعد اليوم، أو ليس ذلك اجتهاداً في مقابل النص؟
ولو افترضنا انّ القائل لم يسمع كلام اللّه سبحانه ـ و إن كان الاحتمال بعيداً جداً ـ فكيف يصحّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية ثانياً في مكة المكرمة أن يقول:

1 . لنربين: لنزيدن في التمثيل بقتلاهم.
2 . مسند أحمد: 5|135، سنن الترمذي: 5|299 برقم 3129، والآية 126 من سورة النحل.
3 . السيوطي: الدر المنثور: 5|179.
4 . الدر المنثور: 5|179.

(104)
نصبر ولا نعاقب أو كفّوا عن القوم؟ أو ليس معنى ذلك انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موافقاً لنداء المنادي ولكنّه عدل عن رأيه بعد نزول الآية؟ ومعنى ذلك انّ النبي نسي مضمون الآية وصمم على استئصال شأفة قريش حتى عدل عن رأيه بعد نزول الآية مرة أُخرى، وقال: نصبر ولا نعاقب وكأنّه لولا نزول الآية لما صبر و عاقب ولما كفّ عنهم.
والرواية على افتراض الصحة نقلت مضطربة خصوصاً بالنظر إلى سائر صورها.
5. أوّل من يصافحه الحق عمر
أخرج ابن ماجة في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن أُبي بن كعب، قال:
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أوّل من يصافحه الحقُّ عمر، وأوّل من يسلّم عليه، وأوّل من يأخذ بيده فيدخله الجنّة. (1)
الحديث ظاهر انّ اللّه سبحانه أوّل من يصافح عمر بن الخطاب وهو يلازم كونه سبحانه ذا يد يصافح بها غيره، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
وإن كان الحديث كناية عن نزول الرحمة عليه قبل كلّ أحد ففي الاَُمّة من هو أفضل منه باتّفاق الفريقين فكيف يقدّم المفضول على الفاضل؟!


1 . سنن ابن ماجة: 2|39 برقم 104، قال في الزوائد: اسناده ضعيف فيه داود بن عطاء المديني وقد اتّفقوا على ضعفه وباقي رجاله ثقات،وقال السيوطي: قال الحافظ عماد الدين بن كثير في جامع المسانيد، هذا الحديث منكر جداً، وما هو أبعد من أن يكون موضوعاً.

(105)

3
العباس بن عبد المطلب الهاشمي

(54ق . هـ ـ 32هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. اللّه فوق العرش.
2. أبو طالب في النار.
هو العباس بن عبد المطلب بن هاشم عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين، وكان من أطول الرجال، وأحسنهم صورة، وأبهاهم، وأجهرهم صوتاً مع الحلم الوافر والسوَدد، وكان العباس في الجاهلية رئيساً في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية. أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه.
وكان بمكة يكتب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبار المشركين وكان من بمكة من المسلمين يتقوون به وكان لهم عوناً على إسلامهم، وأراد الهجرة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : مقامك بمكة خير، فلذلك قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر: من لقي العباس فلا يقتله، فانّه أُخرج كرهاً، و مع ذلك أُخذ منه حين الاَسر عشرون أوقية ذهباً، وأُطلق سراحه.

(106)
فقال العباس: يا رسول اللّه: إنّي كنت مسلماً، فنزل قوله سبحانه: (يا أَيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ في أَيْديكُمْ مِنَ الاَسرى إِن يَعْلَمِ اللّهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُوَْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (الاَنفال|70).
ثمّ إنّ العباس لما كثر ماله بعد إسلامه أخذ يتفاخر بهذه الآية، ويقول: أعطاني اللّه مكان العشرين أوقية في الاِسلام، عشرين عبداً كلّهم في يده مال يضرب به مع ما أرجو من مغفرة اللّه.
وممّا يدل على أنّه أسلم قبل الهجرة هو انّه حضر بيعة العقبة في أسفلها، وقال لمن حضر فيها من أهل يثرب: يا معشر الخزرج، قد دعوتم محمداً إلى ما دعوتموه، وهو من أعزّ الناس في عشيرته، يمنعه واللّه من كان منّا على قوله و من لم يكن، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، واستقلال بعداوة العرب قاطبة، فانّها سترميكم عن قوس واحدة، فارتوَوا رأيكم وائتمروا أمركم، فانّ أحسن الحديث أصدقه.
توفي سنة 32 من الهجرة وله 86 سنة.
يقول الذهبي: وله قبة عظيمة شاهقة على قبره بالبقيع. (1)
وهو من المقلين في الرواية.
جُمِعَتْ أحاديثه في المسند الجامع، فبلغت 21 رواية. (2)

1 . ومن عجيب ما وقفت عليه في سير أعلام النبلاء انّه يقول: وقد صار الملك في ذرية العباس، واستمر ذلك وتداوله تسعة وثلاثون خليفة إلى وقتنا هذا، وذلك ستمائة عام، أوّلهم السفاح وخليفة زماننا، المستكفي له الاسم المنبري والعقد والحل بيد السلطان الملك الناصر أيدهم اللّه (سير اعلام النبلاء: 2|99ـ100).
وجه التعجب هو انّ الذهبي توفي عام 748 هـ فكيف يقول (إلى وقتنا هذا و ذلك ستمائة عام) وليس في العبارة ما يفيد انّه ينقل ذلك عن غيره، وقد قضى الوثنيون من المغول على الخلافة العباسية قبل أن يولد الذهبي وذلك عام 656 من الهجرة فلاحظ.
2 . المسند الجامع: 8|122ـ137 برقم 337، وقد راجعنا في ترجمة العباس سير أعلام النبلاء: 2|78 برقم 11 ؛ أُسد الغابة:3|109.

(107)

من روائع رواياته

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، أنّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ذاق طعم الاِيمان من رضى باللّه ربّاً، وبالاِسلام ديناً و بمحمّد رسولاً ». (1)
2. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قلت: يا رسول اللّه، علّمني شيئاً أسأله اللّه عزّ وجلّ؟
قال: سل اللّه العافية، فمكثت أياماً، ثمّجئت، فقلت: يا رسول اللّه: علمني شيئاً أسأله اللّه، فقال لي: يا عباس، يا عمّ رسول اللّه: سلوا اللّه العافية في الدنيا والآخرة. (2)
هذا بعض ما روي عنه من روائع أحاديثه، وعزيت إليه أحاديث أُخرى لا تستقيم مع الضوابط السالفة الذكر.

1. اللّه فوق العرش

أخرج ابن ماجة في سننه، عن الاَحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال:كنت بالبطحاء في عصابة، وفيهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرّت به سحابة فنظر إليها. فقال ما تسمون هذه؟
قالوا: السحاب، قال: والمزن، قالوا: «والمزن»: قال:«والعنان» قال أبو بكر: قالوا: والعنان، قال: كم ترون بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري.
قال: فإنّ بينكم وبينها إمّا واحداً أو اثنين أو ثلاثاً وسبعين سنة، والسماء

1 . صحيح مسلم:1|46، باب من لقي اللّه بالاِيمان.
2 . سنن الترمذي: 5|534 برقم 3514، الباب 85.

(108)
فوقها كذلك حتى عدَّ سبع سماوات. ثمّ فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماءٍ. ثمَّ فوق ذلك ثمانية أوعال. بين أظلافهنّ ورُكَّبِهنَّ كما بين سماء إلى سماء، ثمّ على ظهورهنَّ العرش. بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء. ثمّاللّه فوق ذلك تبارك وتعالى. (1)
إنّ الحديث يخالف القرآن أوّلاً، والعقل الصريح ثانياً.
أمّا الاَوّل، انّ الذكر الحكيم يعرّفه سبحانه موجوداً منزهاً من أن يحويه زمان أو مكان قال سبحانه: (هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيم) إلى أن قال: (يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاََرْض وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما ينزل مِنَ السَّماء وَ ما يََعرجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُم وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير) (الحديد|3ـ 4).
وقال عزّ من قائل: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمسةٍ إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوََ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم)(المجادلة|7).
وما تلوناه عليك من الآيات وغيرها صريحة في أنّه سبحانه موجود فوق أن يحوطه زمان ومكان خاص بل الاَزمنة والاَمكنة إليه سواسية، فهو كائن في جميعها وهذه الكينونة لا تعني حلول ذاته في الاَمكنة و الاَزمنة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، بل المراد حضوره في الكون لاَجل قيام الاَشياء به قيام المعلول بعلته والصورة الذهنية بالنفس بل أدق و ألطف من ذلك، ومعه كيف يصحّ ما في الرواية انّ اللّه فوق العرش؟!
وممّا لا ينقضي منه العجب انّ إمام الحنابلة صار يوَول هذه الآيات بأنّ المراد إحاطة علمه بالاَشياء لا إحاطة وجوده وإلاّ يلزم أن يكون وجوده في الاَمكنة غير

1 . سنن ابن ماجة: 1|69 برقم 193. و «أوعال» جمع «وَعِل» وهو تيس الجبل وكأنّها كناية عن الملائكة بصورته، و «إظلاف» جمع «الظِلْف» للبقر والغنم، كالمحفر للفرس.

(109)
النقية والنزيهة. (1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره تأويل بلا دليل، ولو قام أحد من المعتزلة أو غيرهم بتفسير الآيات على النحو الذي ذكره إمام الحنابلة، لرُمي بالجهمية.
وأمّا الثاني فلاَنّه سبحانه هو الخالق للعرش، فأين كان قبل أن يخلق العرش؟ وإلاّيلزم قدم العرش كقدمه سبحانه و يلزم منه تعدد القديم، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

2. أبو طالب في النار

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، عن العباس ابن عبد المطلب، انّه قال: يا رسول اللّه، هل نفعتَ أبا طالب بشيء فانّه كان يحوطك ويغضب لك.
قال: نعم، هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الاَسفل من النار. (2)
إنّ الحديث يخالف الكتاب والسنّة الثابتة، وذلك لاَنّه لو افترضنا انّ أبا طالب مات مشركاً لما قبلت شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه، والمفروض انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شفّع له فأخرجه من الدرك الاَسفل إلى ضحضاح من نار، مع أنّه سبحانه يقول: (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَة* إِلاّ أَصْحابَ اليَمِين* في جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمينَ* ما سَلَكَكُمْ في سَقَر ) إلى قوله سبحانه: (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعةُ الشّافِعين) (المدثر | 38 ـ 48).

1 . وعلى ذلك جرى الحنابلة و السطحيون من الاَشاعرة. لاحظ كتاب السنة لاَحمد 47 ؛ و عون المعبود في سنن أبي داود:13|34.
2 . صحيح مسلم: 1|134ـ 135، باب شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَبي طالب.

(110)
فشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للموَمنين من أُمّته المذنبين منهم لا للمشركين، كيف وقال سبحانه: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع) (الاَنعام|70).
فالحديث موضوع على لسان أخي أبي طالب ليُغرّ الناس به.
ويكفيك في كون الحديث موضوعاً انّه سبحانه حكى انّ آل فرعون يعرضون على النار صباحاً ومساءً قبل القيامة وبعدها يُدخلون أشدّ العذاب، قال سبحانه: (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (غافر|46) و المفروض انّ أبا طالب انتقل إلى عالم البرزخ ولم تقم قيامته بعد، فكيف يدخله سبحانه في الدرك الاَسفل من النار ثمّ يخفف عنه بشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجعل في ضحضاح من نار؟! أوَ كان هو أكثر جرماً من فرعون وآله مع أنّه كان كفيلاً للنبي وناصره طيلة 42 سنة وقد لاقى في سبيل المحافظة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما لاقى من المصائب والمتاعب، التي حفظها التاريخ؟!
أضف إلى ذلك ما في السند حيث إنّ عبد الملك بن عمير اللخمي الكوفي الوارد في السند هو الذي طال عمره وساء حفظه.
قال أبو حاتم: ليس بحافظ تغيّر حفظه.
وقال أحمد: ضعيف يغلط.
وقال ابن معين: مخلط.
وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه.
وذكر الكوسج عن أحمد انّه ضعفه جداً. (1)
ثمّ إنّ الدلائل القاطعة تثبت إيمان أبي طالب، فالرواية كما هي مخالفة

1 . ميزان الاعتدال: 2|151.

(111)
للكتاب والسنّة، تخالف أيضاً التاريخ الصحيح.
يقول العلاّمة الاَميني في هذا الصدد: أمّا ما ناء به سيد الاَباطح أبو طالب سلام اللّه عليه من عمل بارّ وسعي مشكور في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكلاءته والذّب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الاَخير، فكلّها نصوص على إسلامه الصحيح وإيمانه الخالص وخضوعه للرسالة الاِلهية. (1)
كما أنّ الظاهر من الحديث انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بهذه الشفاعة وهو في الدنيا مع أنّ الظاهر من حديث آخر انّه سيقوم بها في الآخرة.
أخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر عنده عمّه أبو طالب، فقال: لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه. (2)


1 . الغدير: 7|370 بتلخيص.
2 . صحيح مسلم: 1|135، باب شفاعة النبي لاَبي طالب.

(112)

4
عبد اللّه بن مسعود

(حدود 33 ق.هـ ـ 33 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. كل سيوجّه لما خلق له 2. سبق الكتاب على الاختيار
3. أُمرنا بالسب 4. الجماع لا يبطل الصوم
5. لا عبرة بأذان بلال 6. لا عدوى ولا صفر
7. النساء يخلين المجلس لكي... 8. النساء أكثر أهل النار
عبد اللّه بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمان الهذليّ المكيّ المهاجريّ البدريّ حليف بني زهرة، كان من السابقين الاَوّلين شهد بدراً وهاجر الهجرتين، حدَّث عنه أبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وجابر وأنس ولفيف من التابعين.
يذكر هو بدايات إسلامه، ويقول: قدمتُ مكة مع عمومة لي أو أناس من قومي، نبتاع منها متاعاً، وكان في بغيتنا شراء عطر، فأرشدونا على العباس فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه، فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا، أبيض تعلوه حمرة، له وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه، أشمّ، أقنى، أذلف

(113)
أدعج العينين، برّاق الثنايا، دقيق المسربة، شثن الكفين و القدمين، كثّ اللحية عليه ثوبان أبيضان، كأنّه القمر ليلة البدر، يمشي على يمينه غلام حسن الوجه، مراهق أو محتلم، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها، حتى قصد نحو الحجر، فاستلم ثم استلم الغلام واستلمت المرأة ثمّ طاف بالبيت سبعاً، وهما يطوفان معه، ثمّ استقبل الركن، فرفع يده وكبّـر، وقام ثمّ ركع، ثمّ سجد ثمّ قام فرأينا شيئاً أنكرناه لم نكن نعرفه بمكة فأقبلنا على العباس، فقلنا: يا أبا الفضل! إنّهذا الدين حدَث فيكم أو أمر لم نكن نعرفه؟ قال: أجل واللّه ما تعرفون، هذا ابن أخي محمد ابن عبد اللّه والغلام علي بن أبي طالب، والمرأة خديجة بنت خويلد امرأته أما واللّه ما على وجه الاَرض أحد نعلمه يعبد اللّه بهذا الدين إلاّهوَلاء الثلاثة. (1)
كان ابن مسعود أوّل من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، اجتمع يوماً أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: واللّه ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطُّ فَمَنْ رجل يُسمعه، فقال عبد اللّه بن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشاهم عليك إنّما نريد رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه، فقال: دعوني فانّ اللّه سيمنعني فغدا عبد اللّه حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتهاحتى قام عند المقام، فقال رافعاً صوته: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ( الرّحمنُ* عَلَّمَ القُرآنَ) فاستقبلها فقرأ بها، فتأملوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أُم عبد، ثمّ قالوا: إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمد فقاموا فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء اللّه أن يبلغ ثمّانصرف إلى أصحابه وقد أثّروا بوجهه، فقالوا : هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء اللّه قط أهون عليَّ منهم الآن ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً، قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. (2)
وقد بعثه عمر إلى الكوفة ليعلّمهم أُمور دينهم وبعث عماراً أميراً وكتب

1 . سير اعلام النبلاء: 1|463 برقم 87.
2 . أُسد الغابة: 3|257.

(114)
إليهم: انّهما من النجباء من أصحاب محمّد من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد اللّهبن مسعود على نفسي. (1)
وكان بينه و بين عثمان مشاحة لاَنّ عثمان عزل سعد بن أبي وقاص ونصب مكانه الوليد بن عقبة، وكان مفاتيح بيت المال بيد عبد اللّه بن مسعود، وكان لا يأتمر بما يأمره الوليد بن عقبة في التصرف في أموال بيت المال إلى أن اضطر إلى التخلي عن هذا المنصب، وألقى مفاتيح بيت المال إلى الوليد بن عقبة، وقال: من غيّر غيّر اللّه ما به، ومن بدَّل أسخط اللّه عليه، وما أرى صاحبكم إلاّوقد غيّر وبدَّل، أيُعزل مثل سعد بن أبي وقاص ويُولّى الوليد وكان يتكلم بكلام لا يدعه وهو: انّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وأحسن السنن سنّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخير الهدى هدى الاَنبياء، وأشرف الحديث ذكر اللّه وخير القصص القرآن، وخير الاَُمور عواقبها، وشر الاَُمور محدثاتها ـ إلى أن قال: ـ وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى. (2)
فكتب الوليد إلى عثمان بذلك، فكتب إليه عثمان يأمره بإشخاصه فاجتمع الناس، فقالوا:أقم، ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إنّها ستكون أُمور وفتن لا أحبُّ أن أكون أوّل من فتحها، فردّ الناس وخرج إلى عثمان. (3)
وعلى أيّة حال لما مرض ابن مسعود أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان فدفن بالبقيع، وعثمان لا يعلم فلما علم غضب، وقال: سبقتموني به، فقال له عمار بن ياسر: إنّه أوصى أن لا تصلّي عليه، فتمثل الزبير:

1 . الاستيعاب: 2|315؛ الاِصابة: 2|360ـ362 برقم 4954.
2 . حلية الاَولياء:1|134ـ 139 برقم 21.
3 . سير اعلام النبلاء:1|489؛ الاِصابة: 2|360 ـ 361 برقم 4954.

(115)
لاَلفينّك بعد الموت تندبنــي وفي حياتي ما زودتني زادا (1)
توفي سنة ثلاث وثلاثين وكان عمره يوم توفي بضعاً وستين سنة.
وأخيراً اتّفقا له في الصحيحين على 64 حديثا،ً وانفرد له البخاري بإخراج21حديثاً، ومسلم بإخراج 35 حديثاً. وله عند بَقيّ بالمكرر 840 حديثاً.
وقد جُـمِعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 486 حديثاً.

فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه:

1. أخرج الاِمام أحمد في مسنده عن أبي الاَحوص عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه. (2)
2. أخرج مسلم في صحيحه عن سعد بن أياس أبي عمرو الشيباني عن عبد اللّه بن مسعود، قال: سألت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أيّ العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: برُّالوالدين، قال: قلت: ثمّ أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل اللّه فما تركت استزيده إلاّ إرعاءً عليه. (3)
3. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الاَيدي ثلاثة فيد اللّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى. (4) وفي مسند ابن خزيمة (هذه الزيادة) إلى يوم القيامة، فاستعفّ عن السوَال ما استطعت. (5)

1 . الغدير: 9|5؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد: 1|236؛ المستدرك: 3|313؛ الاستيعاب: 2|316.
2 . مسند أحمد:1|446؛ ورواه النسائي أيضاً في 7|121، باب قتال المسلم مختصراً إلى قوله وقتاله كفر .
3 . صحيح مسلم: 1|63، باب بيان كون الاِيمان باللّه تعالى أفضل الاَعمال.
4 . مسند أحمد: 1|446.
5 . لاحظ المسند الجامع: 11|586.

(116)
4. أخرج ابن ماجة عن عمرو بن مرة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو على ناقته المخضرمة بعرفات، فقال: أتدرون أيّ يوم هذا، وأيّ شهر هذا، وأيّ بلد هذا؟ قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإنّ أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا. ألا وإنّي فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الاَُمم فلا تسوِّدوا وجهي، ألا وإنّي مُسْتَنْقِذٌ أناساً، ومُسْتَنْقَذٌ منِّي أناس، فأقول: يا ربِّ أُصيحابي؟ فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (1)
في الزوائد: اسناده صحيح.
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أنّ صحبة الرسول لا تلازم العدالة، وانّه ليس كلّ صحابي عادلاً بل انّ بعضهم أحدثوا وابتدعوا على وجه مُنعوا من الدخول على الحوض مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس هذا نسيج وحده في هذا الموضوع، بل روى البخاري في كتاب الفتن نفس ذلك المضمون.
عن أبي وائل، قال: قال عبد اللّه، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض ليرفعنَّ إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربي أصحابي، يقول: لا تدري ماأحدثوا بعدك.
وروى أيضاً عن عبد الرحمان بن أبي حازم، قال: سمعت سهل بن سعد، يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم.
قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدِّثهم هذا، فقال:

1 . سنن ابن ماجة: 2|1016 برقم 3057.

(117)
هكذا سمعتَ سهلاً، فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد عن أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه، قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. (1)
5. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي الاَحوص، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه عزّوجلّ جعل حسنة ابن آدم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلاّالصوم، والصوم لي، وأنا اجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك. (2)
6. أخرج أبو داود عن ابن لعبد اللّه بن مسعود، عن ابن مسعود، قال: لا رضاع إلاّما شدّ العظم وأنبت اللحم. (3)
وروى الاِمام أحمد في مسنده عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يحرم من الرضاع إلاّما أنبت اللحم وانشر العظم. (4)
وهذا الحديث يشطب على كثير من الآراء التي تُصوِّر انّخمس رضعات أو عشر رضعات أو المص والمصتان ينشرن الحرمة، والتفصيل في محله.
7. أخرج النسائي عن أبي وائل عن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه، قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. (5)
8. أخرج الاِمام مسلم عن أبي و ائل عن عبد اللّه بن مسعود، قال: جاء

1 . صحيح البخاري: 9|46 ، كتاب الفتن.
2 . مسند أحمد:1|446.
3 . سنن أبي داود: 2|222 برقم 2059.
4 . مسند أحمد: 1|432.
5 . سنن النسائي: 6|181، باب إلحاق الولد بالفراش إذا لم ينفه صاحب الفراش.

(118)
رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه، كيف ترى في رجل أحبَّ قوماً ولما يلحق بهم، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : المرء مع من أحب. (1)
إنّ من أحبّشيئاً يتبعه ويجعله أُسوة، قال سبحانه «نقلاً عن أصحاب الجحيم» : (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان|28) وقال سبحانه: (الاََخِلاّءُ يَومَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِين) (الزخرف|67).
9. أخرج أبو داود، عن أبي وائل، عن عبد اللّه، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «الغناء ينبت النفاق في القلب». (2)
10. أخرج ابن ماجة، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». (3)
11. أخرج الترمذي، عن ربعي بن خراش، عن عبد اللّهبن مسعود قال: ثلاثة يحبهم اللّه: رجل قام من الليل يتلو كتاب اللّه، ورجل تصدَّق صدقة بيمينه يخفيها، أراه قال: من شماله، ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدوَّ. (4)
12. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الصدق برّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ العبد ليتحرّى الصدق حتى يكتب عند اللّه صدّيقاً؛ وإنّ الكذب فجور، وإنّالفجور يهدي إلى النار، وإنّالعبد ليتحرّى الكذب حتى يكتب كذاباً».(5)

1 . صحيح مسلم : 8|43، باب المرء مع من أحب، من كتاب البر والصلة والآداب.
2 . سنن أبي داود: 4|282 برقم 4927.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1420 برقم 4250.
4 . سنن الترمذي: 4|697 برقم 2567.
5 . صحيح مسلم: 8|29، باب قبح الكذب وحسن الصدق، من كتاب البر والصلة والآداب.

(119)
وله ـ رضوان اللّه عليه ـ أحاديث أُخرى يعرب شموخ مضمونها عن صحّتها، نعم عُزِّي إليه أحاديث لا تخلو عن إشكال أوإشكالات ولابدّ من دراستها على ضوء الضوابط التي ألمعنا إليها في مقدمة الكتاب. وإليك البيان:

1. كلٌّ سيوجّه لما خلق له

أخرج الاِمام أحمد، عن أبي عبيدة بن عبد اللّه، قال: قال عبد اللّه، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الاَربعون صارت علقة، ثمّمضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّه أن يسوِّي خلقه بعث إليها ملكاً، فيقول الملك الذي يليه أي ربّأذكر أم أُنثى، أشقي أم سعيد، أقصير أم طويل، أناقص أم زائد، قوته وأجله، أصحيح أم سقيم، قال: فيُكتب ذلك كلّه فقال رجل من القوم: ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ قال: اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له. (1)
إنّ مضمون الحديث لا يفترق عن الجبر قيد شعرة، ولاَجل ذلك لما سمع الحاضر كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، استغرب، وقال: «ففيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه» أي إذا كان كلّشيء مقدّراً تقديراً قطعيّاً لا يتغير ولا يتبدل، شاء الاِنسان أم لم يشأ، فما فائدة العمل والقيام بالفرائض والاجتناب عن المحرمات؟
وما أجيب به في الرواية عن السوَال، أعني قوله: «اعملوا فكلّسيوجه لما خلق له». جواب غير مقنع بل تقرير للاِشكال، فانّ محصّل الجواب انّ اللّه سبحانه قدَّر مصير كلّإنسان حيثما كان جنيناً، فكتب على جبين بعضهم السعادة، وعلى جبين الآخر الشقاء، وقد فرغ من التقدير فلا يبدل ولا يغيّر. وكل سيوجه لما خلق له.

1 . مسند أحمد: 1|374.

(120)
وأنت جد عليم بأنّه إذا فرغ سبحانه من التقدير، وكلّإنسان سيوجه لما خلق له شاء أم لم يشأ، فيكون العمل والطاعة لغواً، لاَنّ تقديره سبحانه لا يتغير ولا يبدّل ،فهو سينتهي إلى الجنة عمل أم لم يعمل، فما هو فائدة العمل كما سينتهي إلى النار، عصى أم لم يعص؟

2. سبق الكتاب على الاختيار

أخرج مسلم في صحيحه، عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود، قال: حدّثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمّه أربعين يوماً ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الرّوح ويوَمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها. (1)
قال الاِمام النووي عند شرحه لهذا الحديث:« إنّ المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه وانّتلك الدار ما بقي بينه و بين أن يصلها إلاّكمن بقي بينه و بين موضع من الاَرض ذراع.
ثمّأضاف: والمراد بهذا الحديث انّهذا قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم. ثمّإنّه من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».

1 . صحيح مسلم: 8|44 باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.

(121)
ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أومعصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلد في النار و العاصي الذي مات موحداً لا يخلد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر وانّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّمن مات على شيء حكم له به من خير أو شر إلاّ انّأصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة. (1)
أقول: لما كان الحديث بظاهره دالاً على الجبر، وانّالقدر حاكم على مصير الاِنسان شاء أم أبى، حاول النووي دفع الاِشكالات بالبيان السابق وإن لم يذكر شيئاً من الاِشكال، وما ذكره جواب غير ناجع، وإليك ما فيه من الاِشكالات:
1. انّالذراع كناية عن قرب الاِنسان من الموت، ففي هذا المجال كيف تكون التوبة أو الاِسلام ناجعاً وقد قال سبحانه: (وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِئات حَتّى إِذا حَضَرَ أَحدَهُمُ المَوتُ قالَإِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَليماً) (النساء|18).
2. ذكر: انّ المراد بهذا الحديث قد يقع في نادر من الناس لا انّه غالب فيهم، وما ذكره اجتهاد من جانبه لم يقم عليه دليل في الرواية لو لم نقل انّ المتبادر هو الغالب، حيث يقول: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة... الخ.
3. انّ ظاهر الحديث انّ الاِنسان يكون على نهج ويريد أن يستمر على ذلك النهج إلى آخر عمره ولكن الكتاب (القدر) بما انّه الحاكم الحاسم في حياة الاِنسان يسبق على إرادته ومشيئته، وبالتالي يعمل عملاً إمّا يجره إلى الجنة أو النار، فالدور للتقدير، ـ فهو الذي يدفع الاِنسان إلى عمل الخير أو الشر ـ لا للاِنسان ولا لاِرادته واختياره، وعلى ذلك فلا صلة لما ذكره النووي من تفسيره بالتوبة وغيره من انقلاب الناس من الشر إلى الخير أو من الخير إلى الشر في ظل التوبة.

1 . شرح صحيح مسلم للنووي: 16|434 ـ 435.

(122)
4.إنّ من الغريب قوله: وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي» مع انّ الوارد في المصحف قوله: (رَبَّنا وَسعتَ كُلّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلماً) (غافر|7)، مع أنّ التعليل يصح في أحد الشطرين دون الشطر الآخر، إذ فيه يكون الاَمر على العكس ويغلب غضبه رحمته.
إنّهذا الحديث كأكثر ما ورد حول القدر والجبر أحاديث استوردها مستسلمة أهل الكتاب وبثوها في الاَوساط الاِسلامية وتلقاها السُذَّج حقائق راهنة وشوّهوا بها سمعة الاِسلام لدى الاَجانب والغرباء، ولاَجل ذلك ترى أنّكثيراً من المستشرقين يعتقدون انّ الاِسلام من دعاة القول بالجبر.
5. انّ نبي الاِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح من نطق بالضاد، وهو مالك أزمة الكلام فلوكان مراده ما يذكره النووي، فله أن يقول: إنّه سبحانه سيوفقه للتوبة وعمل الخير فيصير من أهل الجنة، أو إنّه يرتكب المعاصي فيصير من أهل النار.

3. أمرنا بالسبّ

أخرج ابن خزيمة، عن أبي عثمان، قال: سمع ابن مسعود رجلاً ينشد ضالة في المسجد فغضب وسبّه، وقال له رجل: ما كنت فحاشاً يا ابن مسعود، قال: كنّا نوَمر بذلك. (1)
والحديث مكذوب على لسانه، وقد مضى انّه روى عن النبيأنّه قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (2) فكيف يسبّ موَمناً ينشد ضالته في المسجد وأقصى ما يمكن أن يكون عمله مكروهاً.

1 . مسند ابن خزيمة: 1303 كما في المسند الجامع: 11|515 برقم 9009.
2 . صحيح مسلم:1|58، باب قول النبي :سباب المسلم فسوق.

(123)

4. الجماع لا يبطل الصوم

أخرج النسائي في الكبرى، عن علقمة، عن عبد اللّه، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» خرج يوماً في رمضان ورأسه يقطر من جماع، فمضى في صومه ذلك اليوم. (1)
والرواية تخالف اتّفاق المسلمين على أنّ الجماع يبطل الصوم وتخالف بصراحة، القرآن الكريم، قال سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَعَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالآن باشِرُوهُنَّ) (البقرة|187).
أخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس، قال: كان الناس على عهد رسول اللّه إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فأختان رجل (2) نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد اللّه أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.
فقال: (علم اللّه أنَّكم كُنتُم تختانون أنفسكم ...) [الآيةج فرخص لهم ويسّـر(3).
ومع ذلك كيف نقض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحكم وهو يندّد بغيره.وتفسير الجماع في الرواية بالاحتلام في النوم، خلاف الظاهر جدّاً، وإلاّ فما معنى قوله «فمضى في صومه ذلك اليوم»؟

5. لا عبرة بأذان بلال

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: قال رسول

1 . المسند الجامع: 11|598 نقلاً عن النسائي في الكبرى عن الورقة (40ـ ب).
2 . المراد هو عمر بن الخطاب بقرينة سائر الروايات.
3 . الدر المنثور: 1|477.

(124)
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يمنعنّأحداً منكم أذان بلال( أو قال: نداء بلال) من سحوره فانّه يوَذن ( أو قال: ينادي) بليل ليُرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وقال: ليس أن يقول: هكذا وهكذا (وصوّب يده ورفعها) حتّى يقول هكذا (وفرَّج بين اصبعيه). (1)
يلاحظ عليه: أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القائل بأنّ المرء إذا عمل شيئاً أتقنه كيف ينتخب إنساناً لاِعلام الفجر وسائر الاَوقات الشرعية، لكنّه يوَذّن قبل الوقت لغايات خاصّة ،وليس كلّأحد مطلعاً على نية بلال، وانّه يأذن لغاية إرجاع القائم وإيقاظ النائم، بل ربما يتصور دخول الفجر فيصلي قبل الوقت، ويصوم قبل الفجر، وربما يحرم من تناول السحور.

6. لا عدوى ولا صفر

أخرج الترمذي في سننه، عن أبي زرعة، قال: حدّثنا صاحب لنا عن ابن مسعود، قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:لا يعدي شيء شيئاً، فقال أعرابي: يا رسول اللّه البعير الجرب الحشفة بذنبه، فتجرب الاِبل كلّها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أجرب الاَوّل؟ لا عدوى، و لا صَفَرَ، خلق اللّهكلّنفس، وكتب حياتها، ورزقها، ومصائبها. (2)
إنّ العدوى عبارة عن انتشار المرض من سقيم إلى سليم و«الصفر» داء يصفر منه الوجه وهو المعروف بـ «اليرقان».
إنّ انتشار المرض بواسطة الجراثيم سنة من سنن اللّه تبارك وتعالى وقد بنيت عليه حياة الكائنات الحية وليس القول به منافياً لكونه سبحانه هو الخالق المدبر ولا خالق ولا مدبر سواه، لاَنّ الاَسباب الكونية من جنوده سبحانه مسخَّرة

1 . صحيح مسلم: 3|129، باب بيان انّ الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، من كتاب الصيام.
2 . سنن الترمذي: 4|450 برقم 2143.والحشفة: القرحة.

(125)
بمشيته، وعلى ذلك فالقول بالعدوى والصفر يرجع حقيقته إلى أنّه سبحانه خلق العالم على تلك السنن، فلو انتشر الجرب من بعير مريض إلى سالم فقد انتشر بأمره سبحانه، ولو أخضرَّت الحقول المكتظة بالاَشجار بالماء فقد أخضرّت بأمره ومشيته، لاَنّه سبحانه جعل الماء سبباً لنمو الاَشجار واخضرارها حتى أنّه سبحانه ربما يستدل بالسنن الكونية على توحيده.ويقول: (وَفِي الاََرْض قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغيْرُصِنْوانٍ يُسقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاَُكُلِ إِنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ)(الرعد|4).
فاللّه سبحانه يستدل باختلاف الاَشجار والاَثمار وتنوعها على الرغم من وحدة التراب والماء على أنّ ثمة قدرة قاهرة مدبرة للكون، وليست العلل الطبيعية هي السبب التام لتفتّح براعم الاَزهار واخضرار الاَشجار، وإلاّيجب أن لا يحتضن العالم إلاّ نوعاً واحداً من الشجر لوحدة التراب والماء، فهذه الروايات حيكت على منوال إنكار الاَسباب الطبيعية بزعم انّ القول بها ينافي التوحيد في الخالقية، أو الربوبية.ولعل المصدر لهذه الرواية هو أبو هريرة وقد نقلها كما نقل ضدها.
أخرج البخاري، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : لا عدوى ولا صَفَرَ (1) ولا هامة (2) فقال أعرابي: يا رسول اللّه ما بال الاِبل تكون في الرَّمل كأنّها الظَّباء فيخالطها البعير الاَجرب فيجربّـها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فمن أعدى الاَوّل. (3)

1 . ما يتوهم منه حصول الدواهي في شهر صفر.
2 . هامة (بتخفيف الميم) طائر كان أهل الجاهلية يزعمون انّ روح الميت تنقلب هامة، فأبطل الاِسلام هذه الخرافة ولعل المراد منه البوم الذي يضرب به المثل في الشوَم.
3 . صحيح البخاري:7|138، باب لا هامة من كتاب الطب.

(126)
كما نقل ضد هذا الحديث فروى مسلم في صحيحه، عن أبي سلمة انّه سمع أبا هريرة فيما بعد يحدث فيقول: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يورد ممرض على مصحّ، قال أبو سلمة: يا أبا هريرة ألم تحدث انّه لا عدوى؟ قال: فأنكر حديثه الاَوّل ورطن بالحبشية. (1)
وقد تصرف البخاري في الحديث الثاني: لا توردوا الممرض على المصح، وحذف ذيل الحديث الذي رواه مسلم.

7. النساء يخلين المجلس لكي...

أخرج الدارمي، عن عبد اللّه بن حلاّم، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: رأى رسول اللّه امرأة فأعجبته، فأتى سودة وهي تصنع طيباً وعندها نساء، فأخلينه، فقضى حاجته ثمّ قال: أيّما رجل رأى مرأة تعجبه فليقم إلى أهله، فإنّمعها مثل الذي معها. (2)
إنّ الرواية مشتملة على حكمة عملية، وهي انّه إذا ثارت شهوة الرجل، فعليه أن يعالجها بحلال، وإلاّفربما ينتهي إلى الوقوع في الحرام، وقد ورد نظير ذلك على لسان الاِمام علي (عليه السلام) عندما كان واقفاً مع أصحابه فمرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال (عليه السلام) :
إنّأبصار هذه الفحول طوامح، وانّذلك سبب هَبَابها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنّما هي امرأة كامرأته (3).

1 . صحيح مسلم:7|31، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة من كتاب السلام ؛ صحيح البخاري: 7|138، باب لا عدوى من كتاب الطب.
2 . سنن الدارمي: 2|146، باب الرجل يرى المرأة فيخاف على نفسه.
3 . نهج البلاغة، من كلماته القصار، برقم 420.

(127)
ولكن الحديث الذي يرويه الدارمي يشتمل على شيء لا يصدر عن سُذَّج الناس، فضلاً عن النبي الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ملىَ بالحياء من الفرق إلى القدم، حيث قال: «فأخلينه فقضى حاجته» ، وهذا رهن أن يبوح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما في قلبه من الملامسة مع سودة، ويفهمهنَّ حتى يخلينّ المجلس له، وهذا شيء لا يليق بالموَمن فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وسيوافيك روايات كثيرة حول حياء النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» عند دراسة أحاديث أنس.

8. النساء أكثر أهل النار

أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن وائل بن مهانة، عن عبد اللّه بن مسعود: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: تصدقن يا معشر النساء ولو من حُليّكُنّ فانّكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة ليست من علية النساء، فقالت: لِمَ يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّكنّ تكثرن اللعن وتكفرنّ العشير. (1)
يلاحظ على الحديث أنّ هذا لا يناسب ما نعلم من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلق عظيم، قال سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) (القلم|4)، وقد ورد في الكتاب الكريم كيفية الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال عزّ من قائل: (ادْعُإِلى سَبِيلِرَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجادِلْهُمْ بِالّتي هِيَأَحْسَن) (النحل|125) فهذا يقتضي أن يكلمهنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنغمة ملائمة لا بقوله: فانّكن أكثر أهل النار .
ثمّ لو صحّ الحديث، وثبت انّ الرسول أخبر بأنّ أكثر أهل النار هم النساء، فهناك سوَال آخر وهو انّه كيف يكون النساء أكثر أهل النار مع أنّ الرجال أكثر

1 . مسند أحمد: 1|376. ورواه أحمد عن أبي هريرة أيضاً لاحظ 2|297.

(128)
اقترافاً للذنوب من النساء، لهيمنة الغصب والشهوة عليهم؟
ثمّ إنّ إكثار اللعن ليس إلاّ دعاء، إذا صدر في غير محلّه يكون أشبه بدعاء غير مستجاب، فكيف يكون سبباً لدخول النار و خلودها؟ كما انّ اكفار العشير ليس إلاّعدم الوقوف على حقّهم، وهو إن لم يكن مقروناً بأمر محرّم، لا يوجب الدخول في النار بل يكون أمراً قلبياً.
إنّ الحط من شأن النساء، وجعل أكثرهنّ من أهل النار لا يختص بهذا الحديث، بل ثمة مرويات حول هذا الموضوع تعكس فكرة الجاهلية في حقّ النساء، وإليك نموذجاً:
أخرج أحمد، عن عمارة بن خزيمة، قال: بينا نحن مع عمروبن العاص في حجّ أو عمرة، فقال:
بينما نحن مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الشعب إذ، قال:
انظروا هل ترون شيئاً؟ فقلنا: نرى غرباناً، فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يدخل الجنّة من النّساء إلاّ من كان منهنَّ مثل هذا الغراب في الغربان. (1)
والحديث كناية عن قلة عدد النساء في الجنة وانّه لا يدخل منهن إلاّ اليسير النادر، فكأنّه سبحانه خلق النساء للنار والرجال للجنة، تبارك وتعالى عن ذلك.


1 . مسند أحمد:4|197.

(129)

5
أبو الدرداء الاَنصاري

( ... ـ 33 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. عدم منازعة ولاة الاَمر.
2. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار.
3. الفراغ من التقدير.
4. لا يدخل الجنة موَمن بسحر.
عويمر بن مالك بن زيد بن قيس الاَنصاري الخزرجي، أُمّه محبّة بنت واقد ابن عمرو، تأخر إسلامه قليلاً وكان آخر أهل داره إسلاماً وحسن إسلامه، وكان فقيهاً عاقلاً حكيماً، آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بينه و بين سلمان الفارسي، شهد ما بعد أُحد من المشاهد وأوّل مشاهده الخندق.
ولي أبو الدرداء قضاء دمشق، وتوفي قبل أن يقتل عثمان بسنتين (1) أي سنة 33.

1 . أُسد الغابة:5|185، وفي سير اعلام النبلاء انّه توفي قبل عثمان بثلاث سنين، ونقل ابن سعد انّه توفي في الشام سنة 31هـ.

(130)
روى عنه أنس بن مالك، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، وعبد اللّه بن عمر، وابن عباس، وأبو إدريس الخولاني، وجبير بن نفير، وابن المسيب وغيرهم. (1)
أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي الدرداء انّه كان إذا حدّث الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: اللّهمّ إن لم يكن هكذا فشبِهْهُ فشَكْله. (2)
روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عدّة أحاديث، وهو معدود ممن تلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يبلغنا أبداً أنّه قرأ على غيره، وتصدر الاِقراء بدمشق في خلافة عثمان وقبل ذلك.
ويظهر ممّا ذكره أصحاب المعاجم في حقّه أنّه كان متقشفاً، غير متعمق في الدين. ويدلّ عليه أمران:
الاَوّل: نقل ابن سعد عن عمر بن مرّة: قال: سمعت شيخنا يحدّث عن أبي الدرداء، انّه قال: أُحبّ الفقر تواضعاً لربّـي، وأُحبّ الموت اشتياقاً إلى ربّـي، وأُحبّ المرض تكفيراً لخطيئتي. (3)
وقد زعم ذلك الصحابي الجليل انّ ما كان يحبه ويرجّحه، أمر تلقاه الشرع بالقبول، ولكنّ أئمّة أهل البيت والعرفاء الشامخين يرضون بما قضى لهم اللّه سبحانه من الفقر والغنى، أو الموت والحياة، والمرض والصحّة، ويطلبون رضى اللّه في كلّحال، ويترنّمون بقول العارف الحكيم السبزواري:
و بهجـة بما قضـى اللّه رضــا * وذو الرضا بما قضى ما اعترضا
قيل: للحسن بن علي (عليهما السلام) : إنّأبا ذر، يقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى،

1 . أُسد الغابة: 4|160.
2 . الطبقات الكبرى: 7|392.
3 . طبقات ابن سعد: 7|392.

(131)
والسقم أحبُّ إليَّ من الصحّة. فقال: رحم اللّه أبا ذر. أمّا أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار اللّه له، لم يتمنَّ انّه في غير الحالة التي اختارها اللّه له.(1)
الثاني: دخل سلمان بيت أبي الدرداء فإذا أُم الدرداء متبذِّلة، فقال: ما شأنك؟ قالت: إنّأخاك لا حاجة له في الدنيا، يقوم الليل ويصوم النهار، فجاء أبوالدرداء، فرحّب به وقرب إليه طعاماً، فقال له سلمان: كُل، فقال: إنّي صائم، قال: أقسمت عليك لتفطرنّ فأكل معه ثمّ بات عنده، فلما كان من الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم فمنعه سلمان، فقال: إنّ لجسدك عليك حقّاً، ولربّك عليك حقّاً، ولاَهلك عليك حقّاً. صم وأفطر، وصلّ وائتِ أهلك وأعط كلّ ذي حقٍّ حقّه.
فلما كان وجه الصبح، قال: قم الآن إن شئت، فقاما، فتوضآ، ثمّ ركعا، ثمّ خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليخبر رسول اللّه بالذي أمره سلمان، فقال له: يا أبا الدرداء، انّلجسدك عليك حقّاً، مثل ما قال لك سلمان.
وكانت له مواقف مشرقة، وهذا هو الاِمام أحمد يروي انّ أبا الدرداء لما سمع تسيير أبي ذر إلى الربذة استرجع قريباً من عشر مرات، ثمّ قال: ارتقبه واصطبر كما قيل لاَصحاب الناقة، اللّهمّ إن كذَّبوا أباذر، فانّي لا أُكذِّبه، اللّهمّ وإن اتهموه فانّي لا أتهمه، اللّهمّ وإن استغشوه، فإنّي لا استغشه.
فإنّ رسول اللّه كان يأتمنه حين لا يأتمن أحداً،ويسرّ إليه حين لا يسرّ إلى أحد.
أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو انّ أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:
ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. (2)

1 . تهذيب ابن عساكر:4|220؛ البداية والنهاية:8|39.
2 . مسند أحمد: 5|197.

(132)
وعلى أية حال فيروى له مائة وتسعة وسبعون حديثاً واتفقا له على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثمانية. (1)
وقدجُمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 113 رواية.
فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه، ثمّ نعرج إلى الاَحاديث السقيمة التي عزيت إليه.

روائع أحاديثه:

1. أخرج أبو داود في سننه، عن خليد العصري، عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس من جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنّة، من حافظ على الصّلوات الخمس على وضوئهنَّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيِّبة بها نفسه، وأدّى الاَمانة.
قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الاَمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. (2)
ولا غبار على مضمون الرواية، وقد ورد في غير واحد من الروايات وتدعمها المفاهيم العامة الواردة في الاِسلام، بيد انّتفسير الاَمانة بالغسل من الجنابة تفسير بالرأي، إلاّ أن يكون الرسول فسرها بهذا النحو، وإلاّ فأداء الاَمانة بمفهومها الكلي العام من علائم الاِيمان.
قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُركُمْ أَنْ تُوََدُّوا الاََماناتِ إِلى أَهْلِها) (النساء|58).
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ هُمْ لاََماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) (الموَمنون|8).

1 . سير اعلام النبلاء: 2|342برقم68.
2 . سنن أبي داود: 1|116 برقم 429.

(133)
وقال سبحانه: (فَإِنْ أَمِنَ بَعضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُوَدِّ الَّذي اوَْتُمِنَ أَمانَتَه)(البقرة|283).
2. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاِيمان حتى يعلم انّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. (1)
إنّ ما يصيب الاِنسان أو يخطئه على قسمين، تارة يعد من أفعاله التي يناط بها الاِيمان والكفر والثواب والعقاب، وهذا القسم من الاَفعال غير خارج عن إختياره فلو أصابه أو اخطأه فإنّما أصاب أو أخطأ باختياره فلا يصحّ أن يقال انّما أصابه لم يمكن ليخطأه أو ما أخطأه لم يكن ليصيبه، إذ معنى ذلك انّ الاِيمان والكفر والطاعة والعصيان من الاَُمور التي لم يكن للعبد فيها دور، فالموَمن لم يكن له بدّ من الاِيمان، والكافر لم يكن له بد من الكفر، والمطيع لم يكن له إلاّ الطاعة، والعاصي لم يكن له إلاّ العصيان فلم يكن في وسع المطيع، العصيانُ كما انّه لم يكن في وسع العاصي، الطاعةُ.
فالقول باللابدية في هذا النوع من الاَفعال عين الجبر وهو ينافي القرآن الكريم المنادي للاختيار والذي يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُر ) (الكهف|29).
نعم، ينطبق ما ورد في الحديث على الاَُمور الخارجة عن مجال الاختيار، فالحوادث والنوازل أُمور يواجهها الاِنسان بلا اختيار وقد قدِّر، ولم يكن محيص من التقدير، قال سبحانه: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْض وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفِي كتابٍ مِنْ قَبْلِأَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد|22).

1 . مسند أحمد: 6|441.

(134)
وقد ذكرنا غير مرّة انّ تعظيم القدر وتفخيم شأنه وجعل زمام حياة الاِنسان بيده من الاَفكار المستوردة.
3. أخرج النسائي، عن عطاء بن يسار: انّ معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن مثل هذا إلاّمثلاً بمثل. (1)
وما رواه، من الاَحكام الضرورية في الفقه الاِسلامي، وقد روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلاّمثلاً بمثل. (2)
والعجب انّ معاوية الذي ادّعى الخلافة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جهل هذا الحكم الاِسلامي أو تجاهله فباع السقاية بأكثر من وزنها.
4. أخرج أحمد في مسنده عن حمزة بن حبيب، عن أبي الدرداء،عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، انّه قال: «إنّ اللّه تصدّق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم». (3)
5. أخرج أبو داود، عن أُمّالدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ اللّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكلّ داء دواء، فتَداوَوْا ولا تَداوَوْا بحرام. (4)
6. أخرج الترمذي، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألا أُخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فانّ فساد ذات البين هي الحالقة.(5)

1 . سنن النسائي: 7|279، باب بيع الذهب بالذهب.
2 . أخرجه غير واحد من أصحاب الصحاح والسنن.
3 . مسند أحمد: 6|441.
4 . سنن أبي داود: 4|7 برقم 3874.
5 . سنن الترمذي: 4 |663 برقم 2509، ورواه أبو داود في سننه: 4|280 برقم 4919 مع تفاوت يسير .

(135)
وما رواه أبو الدرداء قد رواه الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) ، وقد ذكر في وصية لولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) :« وصلاح ذات بينكم، فإنّي قد سمعت جدكما (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إصلاح ذات البين أفضل من عامَّة الصَّلاةو الصِّيام». (1)
7. أخرج أبو داود في سننه، عن عبد اللّه بن أبي زكريا، عن أبي الدرداء، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فاحسنوا أسماءكم. (2)
8. أخرج أبو داود في سننه، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: «حبك الشيء يُعمي ويُصم». (3)
ويوَيده قوله سبحانه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاََخْسَرِينَ أَعْمالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) ( الكهف|103ـ 104).
وقال سبحانه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) (فاطر|8).
9. أخرج الترمذي في سننه، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: من ردَّ عن عرض أخيه، ردَّ اللّه عن وجهه النّار يوم القيامة. (4)
10. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :من سمع من رجل حديثاً لا يشتهي أن يذكر عنه، فهو أمانة وإن لم يستكتمه. (5)
ما نقلناه شيء من روائع أحاديثه استعرضناها كنماذج لما لم نأت به، وفي الوقت نفسه عزيت إليه روايات لا تدعمها الضوابط السالفة الذكر، ونشير إلى

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 47.
2 . سنن أبي داود: 4|287 برقم 4948.
3 . سنن أبي داود: 4|334 برقم 5130.
4 . سنن الترمذي: 4|327 برقم 1931.
5 . مسند أحمد: 6|445.

(136)
بعضها:

1. عدم منازعة ولاة الاَمر

أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بتسع :لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطِّعت أو حُرِّقت، ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمداً، ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، ولا تشربنّ الخمر فانّها مفتاح كلّ شر، وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الاَمر .... (1)
أقول: لا شكّ انّ التوحيد هو الاَصل الموحد في الشرائع السماوية ولكن يجوز الاظهار بالشرك عند التقية حفاظاً على النفس والنفيس عند الاضطرار، قال سبحانه: (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمان) (النحل|106) وقال سبحانه: (إِلاّأَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) (آل عمران|28).
وليست هذه الفقرات من الوصية شيئاً يختص بأبي الدرداء، بل هو المخاطب ولكن المضمون يرجع إلى قاطبة المسلمين، ومن الواضح جواز التظاهر بالشرك لغايات نبيلة، وقضية عمار في ذلك معروفة، فما معنى قوله: «لا تشرك باللّه شيئاً وإن قُطّعت أوحُرّقت».
وتصور انّ المراد هو الاِشراك القلبي (بأنّه لا يجوز وإن قطع أو حرق)، فهو غير تام، لاَنّ الاَمر القلبي لا يخضع للاِكراه حتى يتعلق به النهي، بل يتعلق الاِكراه ثم النهي، بالاَمر الظاهري وقد عرفت انّ التظاهر بالشرك جائز لغاية مهمة.

1 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 23 برقم 18؛ ورواه ابن ماجة في سننه :2|119 برقم 3371، وقد اكتفى بالنهي عن شرب الخمر ،كما رواه في موضع آخر: 2|1339 برقم 4034، وليس فيه قوله: «ولا تنازعنّ ولاة الاَمر» «ولا اطاعة الوالدين».

(137)
وفي الرواية فقرة أُخرى وهي قوله: « لا تنازعنّ ولاة الاَمر» فما هو المراد؟ فهل المراد هم ولاة الاَمر العدول، فالنزاع معهم خروج عليهم وهو أمر محرم.
أو المراد ولاة الاَمر الجائرون، فالخروج عليهم جائز أو واجب حسب درجات ما يترتب على ولايتهم من المفاسد، فمنازعتهم من باب الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على المسلم إذا كان جامعاً للشرائط، وقد حكى السبط الشهيد الحسين بن علي (عليهما السلام) عن جدّه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرُم اللّه، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالاِثم والعدوان، فلم يعيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله.(1)
وحصيلة الكلام انّ ما أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أبا الدرداء، وصية لعامة المسلمين وتوافق روح الاِسلام و أُصوله إلاّالفقرتين الاَخيرتين ، الا َُولى: «وإن قطعت وحرقت» ، والثانية: «لا تنازعنّ ولاة الاَمر».

2. إبليس يواجه النبي بشهاب من نار

أخرج مسلم عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء، قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعناه، يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّ قال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلمّا فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال : إنّ عدوّ اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرّات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. (2)

1 . تاريخ الطبري: 4|304 حوادث سنة 61.
2 . صحيح مسلم:2|73، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة.

(138)
وثمة تساوَلات حول الرواية؟
الاَُولى: انّ ما رواه أبو الدرداء هو نفس ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الروايتين اختلاف شاسع، وسنذكر الرواية عند دراسة ما عزيت إليه من الروايات تحت عنوان سلطان إبليس على النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .
روى أبو سعيد الخدري انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته، قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها، ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. (1)
وأنت ترى انّ الرواة تصرّفوا في الرواية فقد نقلوها بصورتين مختلفين جداً. بل بصور مختلفة، فقد رواها مسلم عن أبي هريرة بوجه يخالف كلتا الصورتين كما سيوافيك في ترجمته، كلّ ذلك يسلب الاعتماد على تلك المروّيات، وتصوّر تعدّد الواقعة بعيد جداً.
الثانية: انّ غاية ما يثبته القرآن لاِبليس هو سلطان الوسوسة وهو في حقّ غير عباده الصالحين، قال سبحانه: (إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل|99).
ثمّ ليس له سلطان على بني آدم بالضرب والاِحراق فضلاً عن أن يكون له سلطان على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بجعل شهاب من نار على وجهه.
الثالثة: انّ قوله : «أردت أخذه» يعرب عن كون الشيطان موجوداً عنصرياً قابلاً للاَخذ، ومثله لا يمكن أن يوسوس في صدور العالمين في زمان واحد.

1 . مسند أحمد: 3|82.

(139)
الرابعة: انّه سبحانه يصرح بأنّ إبليس يرى الاِنسان وهو لا يراه، قال: (إنّهُ َيراكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَروْنَهُمْ) (الاَعراف|27) ، فما معنى قوله: «ولولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة» فانّ اللعب فرع الروَية.
الخامسة: يظهر من ذيل الرواية انّ سليمان أكثر قدرة من نبينا محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن لاِبليس أي سلطان على سليمان «عليه السلام» بل كان مسخراً له، بخلاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كان بصدد وضع شهاب من نار في وجهه.

3. الفراغ من التقدير

أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، قالوا: يا رسول اللّه : أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه، أم أمر نستأنفه قال، قال: بل أمر قد فرغ منه، قالوا: فكيف بالعمل يا رسول اللّه؟ قال: كل امرىَ مهيّأ لما خلق له. (1)
وأخرج أيضاً عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :
إنّ اللّه عزّ وجلّ فرغ إلى كلِّ عبد، من خلقه، من خمس: من أجله، وعمله، ومضجعه، وأثره، ورزقه.(2)
وفي رواية إسماعيل عن أُمّ الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: فرغ اللّه إلى كلِّ عبد من خمس: من أجله، ورزقه، وأثره، وشقيٍّ أم سعيد. (3)
أقول: الفراغ من الاَمر يهدف إلى أنّ الاِنسان مسيَّر في حياته وليس بمخيّـر، وكلّ إنسان خلق لغاية خاصة أمّا النار أو الجنّة فهو مهيّأ لما خلق له، فلما كانت تلك الفكرة على طرف النقيض من بعثة الاَنبياء وإصلاح المصلحين عاد

1 . مسند أحمد: 6|441.
2 . مسند أحمد: 5|197.
3 . مسند أحمد: 5|197.

(140)
الحاضرون في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالوا : إذا كان هناك فراغ من العمل فما معنى العمل، فأُجيبوا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلّامرىَ مهيأ لما خلق له، ومن المعلوم انّالجواب لا يقلع الاِشكال، فإنّ تهيئة كلّإنسان لما خلق عبارة أُخرى عن الجبر لا الاختيار، فالكافر زُوِّد بأسباب توصله إلى النار فقط، والموَمن جهّز بأسباب أُخرى توصله إلى الجنة.
إنّ القول بالفراغ يضاد قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب) (الرعد|39) كما ينافي قوله سبحانه: (وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (الاَعراف|96).
إنّ القول بالفراغ يبعث الخيبة والحرمان لدى عامة الناس لاَنّه إذا كان الاَمر قد فرغ منه، فنحن على كلّحال إمّا إلى الجنة أو إلى النار، فما فائدة القيام بالطاعة والانتهاء عن المعصية .
وقد كافح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تلك الفكرة بطرح البداء وانّ اللّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت وليس للاِنسان مصير واحد قطعي لا يتبدل ولا يتغير وإن كان علمه سبحانه لا يتبدل ولا يتغير.
وقد ألمح إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من الروايات التي رواها جلال الدين السيوطي في تفسير قوله: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) و من أراد التفصيل فليرجع إليه (1)
وبذلك يعلم انّ ما أخرجه أحمد عن أبي الدرداء أيضاً لا يقل في الوهن عمّا نقلناه عنه.
أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء عن النبيقال:خلق اللّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرِّية بيضاء كأنّهم الدّرّ، وضرب كتفه

1 . السيوطي: الدر المنثور: 5|تفسير سورة الرعد: الآية 39.

(141)
اليسرى، فأخرج ذرِّية سوداء، كأنّهم الحمم، فقال للذي في يمينه: إلى الجنّة ولا أُبالي، وقال: للذي في كفه اليسرى إلى النار ولا أُبالي. (1)
4. لا يدخل الجنّة موَمن بسحر
أخرج أحمد عن أبي إدريس عائذ اللّه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا موَمن بسحْر، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر. (2)
والحديث قابل للنقاش من وجهين:
الاَوّل: ما هو المقصود من الاِيمان بالسحر في قوله: ولا موَمن بسحر؟ فإن أُريد انّ السحر والساحر لا يضران بالمسحور إلاّبإذن منه سبحانه، فهذا ممّا يجب الاِيمان به، فانّ تأثير كلّموَثر ومنه السحر بإذنه سبحانه، قال: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرءِوَزَوجِهِ وَما هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّه)(البقرة|102).
وإن أُريد انّالسحر والساحر إنّما يقومان بالاضرار على وجه الاستقلال فلا ريب انّ الاِيمان به شرك في الخالقية و التدبير ولكن لا يختص بتأثير السحر . بل الاِيمان بإستقلال كلّ موَثر في التأثير شرك.
الثاني: احتلّت مسألة القدر في الاَحاديث المروية في الصحاح والسنن منزلة رفيعة وصارت ملاكاً للاِيمان والكفر، والمقدار اللازم هو الاِيمان بالقضاء والقدر بنحو لا يجعل الاِنسان مسيّراً في حياته، ولا يسلب الاختيار عنه، ولا يجعله كالريشة في مهبِّ الريح.
وأظن انّ اعطاء تلك المنزلة للقدر وغضّ النظر عن الاَصل الآخر وهو اختيار الاِنسان في فعله وتركه كان لاَجل تبرير عمل السلطات الجائرة من الاَمويين والعباسيين.

1 . مسند أحمد: 6|441 وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : 2| 133، وجامع المسانيد والسنن: 5|108.
2 . مسند أحمد: 6|441 وقد سقطت جملة «لا موَمن بسحر» من المطبوع من مسند أحمد في ستة أجزاء ونقله موَلف المسند الجامع : 2| 133، وجامع المسانيد والسنن: 5|108.

(142)

6
عُبادة بن الصامت

(38ق.هـ ـ 34هـ)
راوية أقضية النبي
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه
2. اللّه ليس بأعور
3. إخراج الاَُمة جميعاً من النار يوم القيامة
عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر الاَنصاري الخزرجي، أبو الوليد، وأُمّه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان، شهد العقبة الاَُولى والثانية، وآخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بينه و بين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدراً وأُحد والمشاهد كلها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعمله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بعض الصدقات.
قال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة من الاَنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبي بن كعب، وأبو أيّوب، وأبو الدرداء.
وكان «عبادة» يُعلِّم أهل الصفَّة القرآنَ، و لما فتح المسلمون الشام أرسله

(143)
عمر ومعه معاذ بن جبل وأبو الدرداء ليعلِّموا الناس القرآن بالشام ويفقِّهوهم في الدين، وكان معاوية خالفه في شيء أنكره «عبادة» فأغلظ له معاوية في القول، فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبداً ورحل إلى المدينة. (1)
ويظهر ممّا رواه الذهبي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة انّ عثمان استرحله، بعد ما كتب معاوية إليه: «انّعبادة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فاما أن تكفَّه إليك، وإما أن أُخلّي بينه و بين الشام».
فكتب إليه: ان رحّل «عبادة» حتى ترجعه إلى داره بالمدينة.
قال: فدخل على عثمان فلم يفجأه إلاّ به وهو معه في الدار، فالتفت إليه، فقال: يا عبادة مالك ولنا؟ فقام «عبادة»بين ظهراني الناس، فقال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: سيلي أُموركم بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، ولا تضلّوا بربِّكم.
إنّ عبادة بن الصامت من الرجال الغيارى الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولا يرضخون أمام جور الجائرين.
روى الذهبي، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه انّ عبادة بن الصامت مرّت عليه قطارة، وهو بالشام تحمل الخمر، فقال: ما هذه، أزيت؟ قيل: لا، بل خمر يباع لفلان! فأخذ شفرة من السوق، فقام إليها، فلم يذر فيها راوية إلاّ بقرها ـ وأبو هريرة إذ ذاك في الشام ـ فأرسل فلان ـ يعني معاوية ـ إلى أبي هريرة، فقال: ألا تمسك عنّا أخاك عبادة، أمّا بالغدوات فيغدو إلى السوق يفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأمّا بالعشيّ فيقعد في المسجد ليس له عمل إلاّ شتم أعراضنا وعيبنا!!

1 . أُسد الغابة: 3|106.

(144)
قال: فأتاه أبو هريرة ، فقال: يا عبادة مالك ولمعاوية، ذَرْه وما حُمّل، فقال: لم تكن معنا إذ بايعنا على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف و النهي عن المنكر وألا يأخذنا في اللّه لومة لائم، فسكت أبو هريرة وكتب فلان ـ معاوية ـ إلى عثمان: إنّعبادة قد أفسد عليّ الشام. (1)
أقول: هذا هو الفرق بين صحابي مكبّ على عتبة بلاط معاوية فيسكت امام منكراته، وحمل الخمر إلى قصوره، وبين صحابيّ جليل كعبادة بن الصامت بايع رسول اللّه على السمع و الطاعة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يأخذه في اللّه لومة لائم.
والعجب انّالراوي لا يذكر اسم من يُحمل إليه الخمر ويقول يباع لفلان ويعني به معاوية بن أبي سفيان والشاهد على ذلك انّ أبا هريرة، قال: «يا عبادة مالك و لمعاوية، ذره وما حُُمل » فلولا انّالخمر يحمل إلى قصوره فما معنى هذا الكلام؟
نعم حاول معاوية أن يستر فعله القبيح، وقال: يفسد على أهل الذمة متاجرهم ملْمِحاً بذلك إلى أنّ البائع والمشتري من أهل الذمة.
قال الذهبي: كان عبادة رجلاً طوالاً جسيماً جميلاً، مات بالرملة سنة 34هـ و هو ابن 72 سنة، ونقل انّه قُبِّـر ببيت المقدس.
ساق له «بقيّ» في مسنده 181 حديثاً، وله في البخاري و مسلم ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. (2)
وله روايات رائعة نذكر منها شيئاً.

1 . سير اعلام النبلاء: 2|9ـ10 برقم 1.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|10ـ11 برقم 1.

(145)

روائع رواياته

1. أخرج الاِمام أحمد في مسنده، عن جنادة بن أبي أُمية، قال: سمعت عبادة بن الصامت، يقول:
إنّ رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: يا نبي اللّه أي العمل أفضل؟ قال: الاِيمان باللّه، والتصديق به، وجهاد في سبيله، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: السماحة والصبر، قال: أُريد أهون من ذلك يا رسول اللّه، قال: لاتتهم اللّه تبارك وتعالى في شيء قضى لك به. (1)
2. أخرج ابن ماجة، عن الصّنابحي، عن عبادة بن الصامت، انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: ما من عبد يسجد للّه سجدة إلاّ كتب اللّه له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة، فاستكثروا من السجود. (2)
3.أخرج مسلم في صحيحه، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. (3)
4. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي الاَشعث، قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلاً أن يبيعها في اعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك.
فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال:إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، و الملح بالملح، إلاّ سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فردّ الناس

1 . مسند أحمد: 5|318ـ 319.
2 . سنن ابن ماجة: 1|457 برقم 1424.
3 . صحيح مسلم: 2|9، باب وجوب قراءة الفاتحة.

(146)
ما أخذوا.
فبلغ ذلك معاوية فقام خطيباً، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه.
فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثمّ قال: لنحدثنّ بما سمعنا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن كره معاوية (أو قال و إن رغم) ما أُبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. (1)
5. أخرج أحمد عن عبادة بن نسيّ، عن عبادة بن الصامت، انّالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: الذي يقاتل فيقتل في سبيل اللّه تعالى، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّشهداء أُمّتي إذاً لقليل، القتيل في سبيل اللّه تبارك و تعالى شهيد، والمطعون شهيد، والمبطون شهيد، و المرأة تموت بجمع شهيد ـ يعنى النفساء ـ . (2)
6. أخرج أحمد في مسنده، عن المطلب، عن عبادة بن الصامت، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم، أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم. (3)
7. أخرج أحمد في مسنده عن أبي قبيل المعافريّ، عن عبادة بن الصامت، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليس من أُمّتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه. (4)

1 . صحيح مسلم: 5|44، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً.
2 . مسند أحمد: 5|315.
3 . مسند أحمد: 5|323.
4 . مسند أحمد: 5|323.

(147)
8. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : عليكم بالجهاد في سبيل اللّه تبارك وتعالى، فإنّه باب من أبواب الجنة، يذهب اللّه به الهمَّ والغمَّ. (1)
9.أخرج البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، قال:
بايعنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على السَّمع والطّاعة، في المنْشَط والمكره، أن لا ننازع الاَمر أهله، وأن نقول بالحقّ حيثما كنّا، لا نخاف في اللّه لومة لائم. (2)
10. أخرج مسلم في صحيحه ،عن أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، انّ نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
من أحبَّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن كره لقاء اللّه كره لقاءه. (3)
أقول: إنّ عبادة بن الصامت راوية أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي من جلائل رواياته غير انّ ابن ماجة فرّقها في مواضع مختلفة من سننه ولم يذكرها جملة واحدة.
نعم ذكرها عبد اللّه بن أحمد في زيادته على مسند أبيه في مكان واحد.(4)
ومن أقضيته المعروفة: أن لا ضرر ولا ضرار ، و انّه ليس لعرق ظالم حق.
اقتصرنا على هذا المقدار من روائع رواياته لطولها وضيق المجال.
وقد عزيت إليه روايات، لا تنسجم مع الضوابط الماضية.

1 . مسند أحمد: 5|319.
2 . صحيح البخاري: 9|77، باب كيف يبايع الاِمام الناس.
3 . صحيح مسلم: 8|65، باب من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه.
4 . ابن ماجة تحت رقم 2213 ،2340، 2483، 2488، 2643، 2675؛ مسند أحمد: 5|326.

(148)

1. إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه

أخرج أبو داود، عن سلمة بن المحبق، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت، قد نزلت الحدود، لو انّك وجدت مع امراتك رجلاً، كيف كنت صانعاً ؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف حتى يسكتا، أفأنا أذهب فأجمع أربعة شهداء؟! فإلى ذلك قد قضى الحاجة، فانطلقوا فاجتمعوا عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول اللّه ألم تر إلى أبي ثابت، قال: كذا وكذا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، ثمّ قال: لا، لا، أخاف أن يتتايع (1) فيها السكران والغيران. (2)
وحاصل الحديث انّ أبا ثابت قال: إنّي لو شاهدت الواقعة لقتلت ولا أصبر إلى أن أذهب فأجمع أربعة شهداء لاَنّه يلازم قضاء الحاجة والفراغ من الزنا.
فلما عُرض كلام أبي ثابت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، أي يوضع هذا السيف موضع الشهداء، ولا يحتاج إلى أن يذهب الزوج إلى جمع أربعة شهداء.
ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بداله في إمضاء عمل أبي ثابت لاَنّ تجويز قتلهنّ، ربما تكون ذريعة لقتل النساء بلا جرم، وذلك إمّا لغيرة الزوج أو غضبه.
هذا هو مفاد الحديث ومعنى ذلك انّ النبي أفتى بشيء ثمّ رجع عنه، وهذا ينافي الاَُصول المسلمة من حيث إنّه لا ينطق إلاّ عن وحي. إلاّ أن يحمل كلامه الاَوّل على المزاح والهزل في القول، و هو كما ترى ليس على ذلك الحمل قرينة.

1 . يتتايع على وزن يتتابع وزناً وهو التمادي والتهافت في الشر والفساد والمراد من «سكران»: صاحب الغيظ والغضب، يقال سكر فلان على فلان أي غضب واغتاظ، و«الغيران» بفتح العين المعجمة أي صاحب الغيرة.
2 . سنن ابن داود: 4|144 برقم 4417.

(149)
وكفى في ضعف الحديث انّ أبا داود صاحب السنن، قال: الفضل بن دلهم(الوارد في سند الحديث) ليس بالحفاظ كان قصاباً بواسط. (1)

2. اللّه ليس بأعور

أخرج أبو داود عن جنادة بن أبي أُمية، عن عبادة بن الصامت، انّه قال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي قد حدثتكم عن الدّجال، حتى خشيت أن لا تعقلوا، وإنّ مسيح الدّجال رجل قصير أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم فاعلموا انّ ربكم ليس بأعور. (2)
فانّ معنى ذلك انّ لربنا عيناً مادية ليست بعوراء، وقد عزي هذا الحديث إلى غير واحد من الصحابة كما سيأتي.

3.اخراج الاَُمّة من النار يوم القيامة

أخرج أحمد في مسنده، عن روح بن زنباع، عن عبادة بن الصامت، قال:
فقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة أصحابه، وكانوا إذا نزلوا أنزلوه أوسطهم، ففزعوا، وظنوا انّ اللّه تبارك و تعالى اختار له أصحاباً غيرهم، فإذا هم بخيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكبَّروا حين رأوه، قالوا: يا رسول اللّه أشفقنا أن يكون اللّه تبارك و تعالى، اختار لك أصحاباً غيرنا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا، بل أنتم أصحابي في الدنيا والآخرة انّ اللّه تعالى أيقظني، فقال: يا محمد إنّي لم أبعث نبياً ولا رسولاً إلاّوقد سألني مسألة أعطيتها إيّاه فاسأل يا محمّد تُعْطَ، فقلت: مسألتي شفاعة لاَُمتي يوم القيامة، فقال أبوبكر: يا رسول اللّه، وما الشفاعة؟ قال: أقول: يا ربِّ، شفاعتي التي

1 . سنن أبي داود: 4|144 برقم 4417.
2 . سنن أبي داود: 4|116 برقم 4320.

(150)
اختبأت عندك، فيقول الربّ تبارك و تعالى: نعم، فيُخرج ربي تبارك وتعالى بقية أُمتي من النار فينبذهم في الجنة. (1)
إنّ ظاهر الحديث انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يشفع لقاطبة أُمّته يوم القيامة فيخرج المحكومون بالنار عنها وينبذون في الجنة وهذا ما لا يذعن به القرآن الكريم، وذلك لاَنّ أصنافاً من الاَُمّة الاِسلامية محكومون بالخلود أو بالمكث في النار أحقاباً كالقاتل، قال سبحانه: (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَالَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْذلِكَ يَلْقَ أثاماً* يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) (الفرقان|68ـ 69).
فالخلود إمّا بمعنى المكث في النار دائماً أو كناية عن المكث فيها حقبة طويلة يصح أن يطلق عليها الخلود، ومع ذلك كيف يخرجون من النار في نفس يوم القيامة لا بعده؟
أضف إلى ذلك انّللشفاعة شروطاً أهمها وجود الصلة المعنويّة بين الشافع والمشفوع له، ومن الواضح انّ هذه الصلة ليست متوفرة في جميع الاَُمّة، فمن أحبط عمله لا تشمله الشفاعة وإن كان مسلماً.
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِبَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أن تَحْبَطَ أَعمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(الحجرات|2).
ومثله المرابي الذي عدّه سبحانه محارباً للّه، وقال:
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُوَوسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُون) (البقرة|279).

1 . مسند أحمد: 5|325.

(151)
إنّ القول بالشفاعة بهذا المعنى يورث الجرأة في الاَُمّة الاِسلامية فيتكلون عليها في نطاق العمل، بذريعة انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سيشفع للاَُمّة بأسرها حينها ستخرج من النار و تنبذ في الجنة.
أضف إلى ذلك انّ التعبير عن الدخول في الجنة بالنبذ فيها لا يخلو عن نوع تحقير للمشفوع له، وهو لا يناسب كرامته سبحانه، وكرامة نبيهص.

(152)

7
طلحة بن عبيد اللّه التيمي

(26ق. هـ ـ 36هـ )
سيرته وأحاديث الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.تأبير النخل لا يُغني عن شيء.
2. عمروبن العاص من صلحاء قريش.
طلحة بن عبيد اللّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم القرشي التيمي، وأُمه الصعبة بنت عبد اللّهبن مالك، وهو من السابقين الاَوّلين إلى الاِسلام، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة آخى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين طلحة وبين أبي أيّوب الاَنصاري، وهو أحد أصحاب الشورى، ولم يشهد بدراً وشهد أُحداً وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان وأبلى يوم أُحد بلاءً عظيماً، ووقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه و اتّقى عنه النبل بيده. (1)
وقد اتفق أصحاب المعاجم انّه كان يملك ثروة عظيمة.
نقل الذهبي عن ابن سعد، قال: كان طلحة يغلّ بالعراق أربعمائة ألف،

1 . أُسد الغابة: 3|59ـ 60.

(153)
ويغلُّ بالسراة عشرة آلاف دينار، أو أقل أو أكثر، وبالاَعراض (1) له غلات، وكان لا يدع أحداً من بني تيم عائلاً إلاّ كفاه و قضى دينه، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كلّ سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى عن فلان التيمي ثلاثين ألفاً. كما قضى عن عبد اللّه بن عامر بن كريز ثمانين ألف درهم.
قال الحميدي: كانت غلة طلحة كلّ يوم ألف وافٍ. (2)
ثمّ نقل عن الواقدي عن موسى بن طلحة انّ معاوية سأله، كم ترك أبو محمد (طلحة) من العين؟ قال: ترك الفي ألف درهم و مائتي ألف درهم و من الذهب مائتي ألف دينار. (3)
هذه الثروة المكتنزة ملكها الرجل في عصر الخلفاء في حين انّأباذر كان يجود بنفسه جوعاً في ربذة.
وقد مات علي (عليه السلام) ولم يترك من البيضاء والصفراء إلاّ سبعمائة درهم.
وقال ابن سعد نقلاً عن بنت عوف، قالت: قتل طلحة وفي يد خازنه ألفا ألف درهم، ومائتا ألف درهم، وقُوِّمت أُصوله وعقاره ثلاثين ألف ألف درهم. (4)
ولو أراد الباحث أن يجمع روَوس ما كان يملكه طلحة فعليه الرجوع إلى كتب التاريخ،والحديث عن ثروته التي اقتناه بعد رحيل الرسول خارج عن نطاق البحث، وقد أشرنا إليها في المقام ليعلم ان نكثـه لبيعة علي بن أبي طالب «عليه السلام» لم يكن إلاّ لعدم تحمّله لسيرة الاِمام في بيت المال، إذ هو القائل لمّا تصدى للخلافة.

1 . اعراض المدينة قراها التي في أوديتها.
2 . الوافي درهم وأربعة دوانق.
3 . سير اعلام النبلاء: 1|32ـ33.
4 . طبقات ابن سعد: 3|222.

(154)
«واللّه لو وجدته قد تزوّج به النساء وملك به الاِماء لرددته، فانّ في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق». (1)
إنّ الرجل نكث بيعته مع علي (عليه السلام) ، فقاد حرب الجمل على الاِمام المفترضة طاعته، امّا بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما هو الحقّ، أو باعتبار بيعة المهاجرين والاَنصار له، فندم قبل هلاكه ـ ولما ينفعه النـدم ـ فقتل عام 36هـ في جمادى الآخرة، ودفن قريباً من البصرة، وبذلك يعلم حال ما روي في حقّه من الفضائل.
وله في مسند «بَقيّ بن مَخْلَد» ثمانية وثلاثون حديثاً له حديثان متفق عليهما، وانفرد له البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة أحاديث، وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 22 حديثاً (2) وهو من المقلّين في حقل الحديث.
وله أحاديث رائعة و إن عزي إليه مالا تنطبق عليه الموازين السالفة الذكر.

روائع أحاديثه:

1. أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي سهيل بن مالك، عن أبيه انّه سمع طلحة بن عبد اللّه، يقول: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دويّصوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاِسلام.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصيام رمضان، قال: هل عليّ غيره، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر له رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» الزكاة، قال: هل عليَّ غيرها، قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص،

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 13.
2 . المسند الجامع: 7|547 برقم 320.

(155)
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أفلح ان صدق. (1)
2. أخرج أحمد، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد اللّه: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا رأى الهلال، قال: اللهمّ أهلّه علينا باليمن والاِيمان، والسلامة والاِسلام، ربي وربك اللّه. (2)
3. أخرج أحمد، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال:
قلنا: يا رسول اللّه، كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد. (3)
وقد رويت عنه روايات تخالف الضوابط المذكورة.

1. تأبير النخل لا يُغني عن شيء

أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال:
مررت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على روَوس النخل، فقال: ما يصنع هوَلاء.
فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فيتلقح.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما أظن يغني ذلك شيئاً، قال: فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّي إنّما ظننت ظنّاً فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به فإنّي لن اكذب على اللّه عزّ وجلّ. (4)

1 . صحيح البخاري: 1|14، باب الزكاة من الاِسلام؛ صحيح مسلم: 1|30، كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد: 1|162.
3 . مسند أحمد: 1|162.
4 . صحيح مسلم: 7|95، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

(156)
وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.(1)
والعجب انّمسلم النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب «أسماه» بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
نحن نعلق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارىَ.
أوّلاً: نفترض انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز و عاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ فيجيبونه انّهم «يلقحونه».
أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
ثانياً: كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النهي عن التلقيح الذي هو سنة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر|43) ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً.
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ»لاَنّ فيه تلميحاً

1 . شرح النووي على صحيح مسلم: 15|125ـ126، الباب 38، كتاب الفضائل.

(157)
إلى أنّه ـ و العياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة فسيعقبها ـ العياذ باللّه ـ جهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبسط السنن الجارية في الحياة فهل يصحّ التفوّه بذلك؟!
كيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعتذر عمّا قال، بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر، مع أنّهيقول في جواب عبد اللّه بن عمر (حيث نقل إليه اعتراض قريش عليه) «بأنّه يكتب كل شيء يسمعه من رسول اللّه، ورسول اللّه بشر يتكلّم في الغضب والرضا». مومياً باصبعه إلى فيه: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّ حق.(1)

2. عمرو بن العاص من صلحاء قريش

أخرج أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: إنّ عمرو بن العاص من صالحي قريش. (2)
ورواه الترمذي بالسند التالي: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا أبو أُسامة عن نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، قال: قال طلحة بن عبيد اللّه...الخ.
وقال الترمذي: هذا حديث إنّما نعرفه من حديث نافع بن عمر الجمحي، ونافع ثقة وليس اسناده بمتصل،وابن أبي مليكة لم يدرك طلحة.
إذا كان هذا حال السند، فيعرف به حال المضمون ولكن يكفي لنا دراسة إجمالية لسيرة عمرو بن العاص ليتبين انّه هل كان من الصالحين؟ بل الرواية

1 . سنن أبي داود: 3|318 برقم 3646.
2 . مسند أحمد: 1|161، ونقله الترمذي برقم 3845.

(158)
تخالف ما هو الثابت في التاريخ الصحيح.
وإليك هذه الوثيقة التاريخية:
لما علم معاوية انّالاَمر لم يتم له ان لم يبايعه عمرو، فقال له: يا عمرو؟ اتَّبعْني، قال: لماذا؟للآخرة؟ فواللّه ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فواللّه لا كان حتى أكون شريكك فيها.
قال: فأنت شريكي فيها، قال: فاكتب لي مصر وكورها.
فكتب له مصر وكورها وكتب في آخر الكتاب وعلى عمرو السمع والطاعة.
قال عمرو : واكتب: انّ السمع و الطاعة لا ينقصان من شرطه شيئاً.
قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا، قال عمرو: حتى تكتب.
قال: فكتب، واللّه ما يجد بُدّاً من كتابتها،... وعمرو يقول له، إنّما أُبايعك بها ديني.
وكتب عمرو إلى معاوية:
معاوي لا أُعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدُّنيا سواءٌ وإنّني * لآخذ ما تُعطي ورأسي مقنَّع (1)
ومن أراد أن يقف على شخصيته من حيث نسبه وإسلامه ودهائه، فعليه أن يطالع كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه وكلمات الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) وسائر الصحابة والتابعين ليقف على أنّه هل كان من الصلحاء أو أنّه كان بوَرة الفتن والفساد؟
وقد قام العلاّمة المحقّق عبد الحسين الاَميني بدراسة وافية لسيرته في كتابه الغدير. (2)

1 . العقد الفريد: 5|92، دار الكتب العلمية.
2 . الغدير:2|114ـ 176.

(159)

8
حذيفة بن اليمان العبسي

( ... ـ 36هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمة 2.وجوب إطاعة الجائر
3. الاقتداء بالشيخين 4. غفران اللّه لمن أمر بحرق نفسه بالنار
5. الدجال معه ماء ونار6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة
هو حذيفة بن حسل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن غطفان، أبو عبد اللّه العبسي، و اليمان لقب حسل بن جابر، وإنّما قيل له ذلك، لاَنّه أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة، وحالف بني عبد الاشهل من الاَنصار، فسماه قومه اليمان لاَنّه حالف الاَنصار وهم من اليمن.
روى عنه: ابنه أبو عبيدة، وعمر بن الخطاب، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، و زيد بن وهب وغيرهم، وهاجر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخيّره بين الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وشهد مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُحداً، وقتل أبوه بها (1) قال الواقدي: آخى رسول اللّه بين حذيفة وعمار.

1 . أُسد الغابة: 1|390ـ 391.

(160)
سئل عليّ عن حذيفة، فقال: «عَلِمَ المنافقين، وسئل عن المعضلات، فإن تسألوه تجدوه بها عالماً» ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها إلى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة. وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أسرّ إلى حذيفة أسماء المنافقين، وضبط عنه الفتن الكائنة في الاَُمة، وقد ناشده عمر، أ أنا من المنافقين؟ فقال: لا، ولا أُزكي أحداً بعدك.
قال ابن سيرين: بعث عمر حذيفة على المدائن، فَقُرِىَ عهده عليهم، فقالوا: سل ما شئت، قال: طعام آكله ، وعلف حماري هذا ـ ما دمت فيكم ـ من تبن، فأقام فيهم ما شاء اللّه ثمّكتب إليه عمر: أقدم.
فلما بلغ عمر قدومه، كمن له على الطريق، فلما رآه على الحالة التي خرج عليها، أتاه فالتزمه، وقال أنت أخي وأنا أخوك. (1)
وقد وقف حذيفة بن اليمان على المنافقين وأسمائهم عندما كان يسوق ناقة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقودها عمار بن ياسر عند الرجوع من غزوة تبوك، فبينا هم يسيرون إذ التفت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً متلثمين لحقوا به من وراء لينفّروا به ناقته، وهم يتخافتون، فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصاح بهم، وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، قائلاً: إضرب وجوه رواحلهم.
فارعبهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بصياحه بهم إرعاباً شديداً، وعرفوا بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) علم بمكرهم وموَامرتهم، فاسرعوا تاركين العقبة حتى خالطوا الناس.
يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم، وذكرتهم لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: يا رسول اللّه الا تبعث إليهم لتقتلهم؟ فأجابه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في لحن ملوَه الحنان والعاطفة:
إنّ اللّه أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن يقول الناس: إنّه دعا أُناساً من

1 . سير اعلام النبلاء: 2| 363ـ366.

(161)
قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثمّ أقبل عليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فانّ اللّه لهم بالمرصاد. (1)
مات حذيفة بالمدائن سنة 36 هـ وقد شاخ.
له في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وفي البخاري ثمانية، وفي مسلم 17 حديثاً، وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 140 حديثاً.
إنّ المترجَم صاحب السرّ وقد نقل عنه انّه قال: كان الناس يسألون رسول اللّه عن الخير وكنت أسأله الشر مخافة أن يدركني. (2)
فلاَجل ذلك نرى في أحاديثه كثرة الاِخبار عن الفتنة، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه ثمّننقل بعض ما عزي إليه من الروايات السقيمة.

روائع أحاديثه:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة في حديث قتيبة، قال: قال نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) : كل معروف صدقة.(3)
2. أخرج أحمد في مسنده ، عن أبي عبيدة بن حذيفة، عن حذيفة، قال: سأل رجل على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمسك القوم، ثمّ إنّرجلاً أعطاه فأعطى القوم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سنّ خيراً فاستنّ به، كان له أجره ومن أُجور من اتبعه غير منتقص من أُجورهم شيئاً، و من سنّشراً فاستنّ به، كان عليه وزره ومن أوزار من يتبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً. (4)

1 . المغازي للواقدي: 3|1042ـ 1045؛ مجمع البيان: 3|46؛ بحار الاَنوار: 21|247.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|365 نقلاً عن البخاري.
3 . صحيح مسلم: 3|82، باب انّ اسم الصدقة يقع على كلّنوع من المعروف.
4 . مسند أحمد: 5|387.

(162)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن عابس، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من شرط لاَخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير ذي منعة. (1)
4. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي وائل، عن حذيفة، انّه بلغه انّرجلاً ينمّ الحديث، فقال حذيفة: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا يدخل الجنة نمّام. (2)
5. أخرج أحمد في مسنده ،عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ مما أدرك الناس من أمر النبوة الاَُولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. (3)
6. أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن سيرين، عن حذيفة، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السّفهاء، أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار. (4)
ولعلّ كونه في النار لاَجل ما يترتب على تلك الاَعمال من أُمور محرمة غير محمودة العواقب.
7. أخرج أحمد في مسنده، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال:
إنّها ستكون أُمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّا ولست منهم، ولا يرد عليّ الحوض؛ ومن لم يصدِّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو منّي وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض. (5)

1 . مسند أحمد: 5|404.
2 . صحيح مسلم: 1|70، باب بيان غلظ تحريم النميمة.
3 . مسند أحمد: 5|383.
4 . سنن ابن ماجة: 1|96 برقم 259.
5 . مسند أحمد: 5|384.

(163)
8. أخرج أحمد عن أبي وائل، عن حذيفة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
ليردنّ عليَّ الحوض أقوام ليختلجون دوني فأقول ربّ أصحابي، ربّ أصحابي، فيقال لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. (1)
ويوَيده قوله سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) (التوبة|101).
ورواه مسلم بلفظ قريب منه، عن شقيق، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، ولاَنازعنَّ أقواماً ثمّ لاَغلبنَّ عليهم، فأقول: يا ربّ، أصحابي، أصحابي، فيقال: أنت لا تدري ما أحدثوا بعدك». (2)
9. أخرج الترمذي في سننه، عن زر بن حبيش، عن حذيفة، في حديث... أتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصليت معه المغرب، فصلّى حتى صلى العشاء ثمّ انفتل، فتبعته فسمع صوتي، فقال: من هذا، حذيفة؟ قلت: نعم؛ قال: ما حاجتك غفر اللّه لك ولاَُمّك، قال: إنّهذا ملك لم ينزل الاَرض قط، قبل هذه الليلة، استأذن ربّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة وانّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة. (3)
10. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد اللّه بن عكيم، قال: كنّا مع حذيفة بالمدائن فاستسقى حذيفة، فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضّة فرماه به، وقال: إنّي اخبركم انّي قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فانّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تشربوا في إناء الذّهب والفضة، ولا تلبسوا الدّيباج والحرير، فانّه لهم في الدنيا وهو لكم في

1 . مسند أحمد: 5|388.
2 . صحيح مسلم: 7|68، باب إثبات حوض نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وصفاته.
3 . سنن الترمذي: 5|660ـ 661 برقم 3781 وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده: 5|392.

(164)
الآخرة يوم القيامة. (1)
هذه بعض روائع أحاديثه، وثمة مرويات عزيت إليه ربّما لا توافق الموازين وإليك نقل بعضها:

1. نفاة القدر مجوس هذه الاَُمّة

أخرج أبو داود في سننه، عن رجل من الاَنصار، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الاَُمّة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحقّ على اللّه أن يلحقهم بالدجال. (2)
لا شكّ انّ القضاء والقدر من العقائد الاِسلامية التي لا يخفى على إنسان له أدنى إلمام بالقرآن والسنة قال سبحانه: (إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِين* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم) (الدخان|3ـ4).
والليلة المباركة هي ليلة القدر ، قال سبحانه: (إِنّا أَنْزلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْر وقد ورد في غير واحدة من الآيات انّ كل ما يصيب الاِنسان فقد قُدِّر من قبل أن يصيبه، قال سبحانه: (ما أَصابَمِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إنَّ ذلِكَ عَلى اللّهِ يَسِير ) (الحديد|22).
فمصير الاِنسان تابع لاَمرين، أحدهما: ما يصيبه من دون أن يكون له فيها دور أو إختيار، كالاَُمور الخارجة عن اختياره من موته ومرضه إلى غير ذلك.
وثانيهما: الاَفعال التي تعد ملاكاً للثواب والعقاب والتحسين والتقبيح. فليس معنى التقدير هو سلب المسوَولية والاختيار عنه، بل تقديره سبحانه، هو

1 . صحيح مسلم: 6|136، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة من كتاب اللباس والزينة.
2 . سنن أبي داود: 4|222 برقم 4691.

(165)
انّه خلق الاِنسان فاعلاً مختاراً وقدَّر أن يكون هو مصدراً للاَعمال عن اختيار.
أقول: إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في هذه الرواية وغيرها من الاَفكار التي طرحت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفرّق المسلمين إلى فرقتين.
إحداهما: فرقة تفسّر الكون وما يصدر من الاِنسان بتقديره سبحانه، و انّه لا موَثر ولا فاعل ولا سبب إلاّ اللّه سبحانه، و انّه ليس ثمة دور للفواعل الطبيعية كالنار والماء ولا لغيرهما من الفواعل العالمة والمريدة.
فالقدر بهذا المعنى هو الجبر المطلق، وقد بثتها اليهود في الاَوساط الاِسلامية، ولاَجل ذلك ذهبوا إلى أنّيد اللّه سبحانه مغلولة بعد التقدير لا يمكن له أن يبدل القدر ، قال سبحانه:(وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|64).
وقد اغترّ السُّذّج من المسلمين بهذه الاِسرائيليات، وحيكت العديد من الروايات لدعم فكرة القدر، وإعطائها حجماً أكبر ممّا تستحق، وانّها نافذة تطل على الكون والحياة الاِنسانية وما يصدر من الخير والشرّ، ومنها هذه الرواية.
ثانيهما: إثبات الاختيار للاِنسان وجعل المسوَولية على عاتقه في المجال الذي يناط به الاِيمان والكفر، والثواب والعقاب، والحسن والقبح، على وجه يجتمع مع القول بقضائه سبحانه وقدره بالبيان التالي:
إنّ تقديره سبحانه يشمل جميع العلل والفواعل، والجماد و الحيوان والاِنسان، ولكن تختلف كيفية التقدير حسب اختلاف ذوات الفواعل، فالتقدير في الفاعل الطبيعي هو أن يصدر منه الفعل جبراً بلا اختيار، ومثله ما يصدر من الحيوان، فانّه وإن كان فاعلاً شاعراً، ولكنّه فاعل غير مختار، فالتقدير فيه صدور الفعل عن شعور بلا اختيار.

(166)
ويقابلها الاِنسان فهو فاعل شاعر مختار، فتقديره سبحانه هو أن يكون مبدءاً لفعله عن شعور واختيار، مختاراً في فعله وتركه، غير مجبور على واحد من الطرفين، فاللازم الاحتفاظ بأصلين:
الاَوّل: شمولية التقدير لكلّ فاعل طبيعي وغير طبيعي، حتى لا يخرج شيء في عام الوجود عن مجال تقديره وقضائه.
الثاني: التحفظ على كون الاِنسان فاعلاً مختاراً يصدق في حقّه قوله سبحانه: (فَمَنْ شاءَ فَلْيُوَْمِنْ وَمَنْ شاءَفَلْيَكْفُر ) (الكهف|29).
فأصحاب التقدير الذين يحتلّ عندهم القدر مقاماً شامخاً، يأخذون بالاَصل الاَوّل ويذرون الاَصل الثاني، ولكن الاِنسان الواعي يأخذ بكلا الاَصلين ولا يُبطل أحدهما بالآخر.
فمن أمعن في الروايات المروية حول القضاء والقدر يستنبط انّها تروّج فكرة جبرية يهودية، بزعم انّ التقدير يخرج الاَمر عن اختياره سبحانه، واختيار فاعله فردّ عليها سبحانه بقوله: (وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا) (المائدة|46) وغيره مما ورد في تقرير كون الاِنسان فاعلاً مختاراً.

2. وجوب إطاعة الجائر

أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سلام، قال: قال حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّه إنّا كنّا بشرّ فجاء اللّه بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم.
قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم، قلوب الشياطين في جثمان انس، قال: قلت: كيف

(167)
اصنع يا رسول اللّه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للاَمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. (1)
والحديث محمول على ما إذا كان في النهوض ضدهم والتمردعليهم مفسدة كبرى، وإلاّ فالسكوت امام الظالم وإطاعة أمره تقوية شوكته ودعم لمبدأ الظلم.
وهذا يخالف القرآن الكريم: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبِع هَواهُ وَكانَأَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف|28).
وقال سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً(الاِنسان|24).
كما يخالف ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .
روى الطبري، عن الحسين بن علي (عليهما السلام) ، انّه خطب أصحابه وأصحاب الحر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّقال: أيّها الناس انّرسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه ، يعمل في عباد اللّه بالاِثم و العدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله. (2)
وهذه النصوص الرائعة الموَيدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُميّة وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت أمام ظلم الظالمين ما هي إلاّمفتعلات وضعها علماء البلاط الحاكم ومرتزقتهم بغية تحقيق مآربهم.

1 . صحيح مسلم: 6|20، باب الاَمر بلزوم الجماعة.
2 . تاريخ الطبري: 4|304 حوادث عام 61هـ وقد مرّ النص أيضاً فلاحظ .

(168)

3. لزوم الاقتداء بالشيخين

أخرج الترمذي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر.
وأخرج عنه أيضاً، قال: كنّا جلوساً عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللّذين من بعدي. وأشار إلى أبي بكر وعمر. (1)
وثمة تساوَلات وتأملات في هذه الرواية:
أوّلاً: انّ الرواية معارضة بنفس ما روي عن حذيفة في ذلك المجال، فقد أخرج الترمذي في سننه عن زاذان، عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول اللّه لو استخلفت، قال: إن أستخلف عليكم فعصيتموه عُذِّبتم، ولكن ما حدَّثكم حذيفة فصدِّقوه و ما أقراكم عبد اللّه فأقروَه.
قال الترمذي: هذا حديث حسن (2)
ثانياً: لو كان النبي أمر بالاقتداء به في حال يتنبأ عن عدم بقائه كان على الشيخين والمهاجرين في السقيفة الاستدلال بالرواية مع أنّهما لم يحتجّا بها ولا غيرهما أيضاً، بل كان الجهد منصباً على أنّ المهاجرين من عشيرة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وعشيرته أولى بالخلافة من غيرهم.
ثالثاً: انّ الحديث الثاني أيضاً مكذوب على لسان رسول اللّه ،فانّه استخلف غير مرّة استخلافاً عاماً، فتجد استخلافه في الموارد التالية:

1 . سنن الترمذي: 5|609ـ 610 برقم 3662؛ وأخرجه أيضاً ابن ماجة باللفظ الاَخير: 1|37 برقم 97 .
2 . سنن الترمذي: 5|675 برقم 3812.

(169)

أ. حديث بدء الدعوة

أخرج الطبري وغيره بسنده، عن علي بن أبي طالب، انّه لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبِين) دعا أربعين رجلاً فيهم أعمامه وعشيرته فتكلم بالكلام التالي، وقال:
يا بني عبد المطلب، إنّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم،قال: فأحجم القوم عنها جميعاً،وقلت: ... أنا يا نبي اللّه، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثمّقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)

ب. حديث المنزلة

روى أهل السير والتاريخ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خلف علي بن أبي طالب (عليه السلام) على أهله في المدينة عند توجهه إلى تبوك، فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، فلما قال ذلك المنافقون، أخذ علي بن أبي طالب (عليه السلام) سلاحه، ثمّ خرج حتى أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو نازل بالجرف، فقال: ما نشره المنافقون، فأجاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي. (2)

1 . تاريخ الطبري: 2|63ـ64 وغيره من المصادر المتوفرة.
2 . صحيح البخاري: 6|3، غزوة تبوك؛ وصحيح مسلم : 7|120، في فضائل علي؛ السيرة النبوية: 2|519 ؛ إلى غير ذلك.

(170)
ودلالة الحديث على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفاض على علي (عليه السلام) بإذن من اللّه سبحانه الخلافة، واضحة لاَنّ كلمة «منزلة» اسم جنس أُضيف إلى هارون، وهو يقتضي العموم، فيدل على أنّ كلّمقام و منصب كان ثابتاً لهارون فهو ثابت لعلي (عليه السلام) ، إلاّما استثناه، وهو النبوّة، وقد كان هارون خليفة لموسى بالضرورة.

ج. حديث الغدير

وهوحديث معروف متواتر، وحاصله انّ النبي عندما وصل إلى غدير خم من الجحفة عند منصرفه من حجّة الوداع، أمر بردّ من تقدّم من الحجاج، وحبس من تأخر عنهم، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، قام خطيباً وسط القوم على أقتاب الاِبل فقال: ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّداً عبده و رسوله، وانّ جنّته حقّ، وناره حقّ، وانّ الموت حقّ، وانّ الساعة آتية لا ريب فيها، وانّ اللّه يبعث من في القبور؟
قالوا: بلى نشهد بذلك.
قال: اللّهمّ اشهد، ثمّ قال : أيّها الناس، ألا تسمعون؟
قالوا: نعم.
قال: فانّي فرط على الحوض، فانظروني كيف تخلفوني في الثقلين.
فنادى مناد: وما الثقلان يا رسول اللّه؟
قال: الثقل الاَكبر، كتاب اللّه، والآخر الاَصغر عترتي، إنّاللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.
ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رُوَي بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون،

(171)
فقال: أيّها الناس من أولى الناس بالموَمنين من أنفسهم؟
قالوا: اللّه ورسوله أعلم.
قال: إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى الموَمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، من كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرّات ـ ثمّ قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، الاّ فليبلغ الشاهد الغائب.
ثمّ لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله:
(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي) (المائدة|3)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. (1)

4. غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت

أخرج البخاري، عن ربعي بن حراش، قال: قال عقبة لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: سمعته يقول: إنّ رجلاً حضره الموت لما آيس من الحياة أوصى أهله إذا متّ، فأجمعوا لي حطباً كثيراً، ثمّ أوْرُوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي، فخذوها فاطحنوها، فذروني في اليمِّ،في يوم حارٍ أو راح، فجمعه اللّه.
فقال له: لِـمَ فعلت؟ قال: خَشْيَتَك، فغفر له. (2)

1 . الغدير: 1|34ـ 42 قد بسط الكلام في مصادر الحديث ورواته قرناً بعد قرن.
2 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار؛وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:8|98، باب في سعة رحمة اللّه تعالى.

(172)
أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.
فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال غيره: مخالفتك يا ربّ. (1)
وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.
وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.
وفي الرواية تساوَلات
أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.
وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه (وَما قَدَرُوا اللّه حقّ قَدْرهِِ)(الاَنعام|91) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه. (2)

1 . صحيح البخاري: 4|176، حديث الغار.
2 . فتح الباري: 6|523 شرح حديث 3481.

(173)
وأنت خبير بأنّ تلك الوصية بالنحو الوارد في الرواية كاشفة عن أنّه أوصى بذلك وهو في سلامة عقله، فكيف يحمل على أنّه أوصى ذاهلاً وناسياً ؟
وانّه سبحانه وتعالى أعرف بالاِنسان من نفسه، فلماذا يأمر الاَرض بجمع رماده ثمّ يحييه ويسأله: لِـمَ فعلت ذلك ؟
ثانياً: انّ ظاهر الآيات انّ الاِنسان إذا مات فلا يرجع إلى الدنيا إلاّ لغايات خاصة، كإحياء الموتى لغاية إثبات النبوة، أو إحياء أصحاب الكهف لغاية إثبات إمكان المعاد.
قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ليعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّالسّاعَةَ لا رَيْبَفِيها) (الكهف|21) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إحياء الموتى كإحياء عزير (1) لتلك الغاية أيضاً. وأمّا إذا لم تكن ثمة غاية كإتمام الحجّة فلا يرجع إلى الدنيا، ويترك حسابه إلى الآخرة، قال سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوت قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِيُبْعَثُونَ) (الموَمنون|99ـ100).
فنخلص إلى القول: بأنّ الرواية تخالف الذكر الحكيم، مضافاً إلى أنّها أشبه بالاسرائيليات التي روّج لها مستسلمة أهل الكتاب، ثمّ نشرها السُّذّج في أوساط المسلمين دون وعي.

5. الدجال معه ماء ونار

أخرج البخاري، عن عقبة بن عمر، عن حذيفة، انّه سأله وقال: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّي سمعته يقول: إنّ مع الدجال إذا خرج ماءً وناراً، فأمّا الذي يرى الناس انّها النار فماء بارد، وأمّا الذي يرى الناس انّه ماء بارد،

1 . البقرة: 259.

(174)
فنار تحرق، فمن أدرك منكم فليقع في الذي يرى انّها نار، فانّها عذب بارد. (1)
أقول: إنّ الرواية مهما صحّ سندها فهي من الاِسرائيليات، التي لا يقام لها وزن، حتى انّ البخاري ذكرها في باب تحت عنوان ما ذكر عن بني إسرائيل.(2)
وان ذكرها في كتاب الفتن من الجزء التاسع بصورة موجزة. (3)
وذلك أوّلاً: انّ تزويد الدجال بهذه المعاجز يوَدي إلى إضلال الناس، والغاية من خلقة الاِنسان هي الهداية لا الضلالة، وسيوافيك توضيحه عند دراستنا لاَحاديث المغيرة بن شعبة.
وثانياً: انّ اختلاف المرئي في نظر الرائي رهن كون الدجال ساحراً، ويُخيِّل الشيء بصورة عكسه، وهذا أيضاً من أسباب الضلال، فلماذا سلطه سبحانه على العباد.
وأمّا تفسير ابن حجر وقوله: يجعل اللّه باطن الجنّة التي يسخرها الدجال ناراً وباطن النار جنّة. (4)
فهو تفسير بعيد لا يحمل عليه كلام أصحاب البلاغة، فالحقّ أنّ أكثر ما ورد حول الدجال إسرائيليات، لا يذعن بها العقل الحصيف، ولا يُظن لعاقل أن يصدقه، وإن كان أصل ظهور الدجال في آخر الزمان أمراً مسلّماً بين المسلمين.

1 . صحيح البخاري: 4|169، باب ما ذكر عن بني إسرائيل و9|60 باب ذكر الدجال؛ وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه: 8|195، باب ذكر الدجال وصفته ومامعه.
2 . صحيح البخاري: 4|169.
3 . صحيح البخاري: 9|60 ، باب ذكر الدجال من كتاب الفتن.
4 . فتح الباري: 13|99.

(175)

6. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة

أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تضرك الفتنة (1)
أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف عن بيعة أمير الموَمنين علي (عليه السلام) بعد أن تدافع إليها المسلمون و في طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة، (أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة|49).
وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه السلام» ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولعمر الحق، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد انقاذ محمد بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً، والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل عثمان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما بين أيديكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من

1 . سنن أبي داود: 4|216 برقم 4663.

(176)
الماشي، والماشي فيها خير من الساعي».
قالوا: فما تأمرنا، قال:« كونوا أحلاس بيوتكم». (1)
ومعنى ذلك انّ ما خاض فيه عليّ (عليه السلام) من الحروب الطاحنة ضد الناكثين والقاسطين والمارقين، كان فتنة، واللازم هو اجتنابها وهل يمكن لمسلم واع أن ينسب علياً إلى إثارة الفتنة مع انّعلياً بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الحق، والحقّ معه حيث ما دار؟! (2)

1 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4362؛ مسند أحمد: 4|408.
2 . تاريخ بغداد: 14|321؛ تفسير الرازي: 1|111 في تفسير البسملة وغيرها.

(177)

9
عقبة بن عمرو

«أبو مسعود الاَنصاري» (... ـ 40هـ )
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس
2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين
3. حب الاَصحاب وبغضهم
هو عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أُسيرة بن عُسيرة الاَنصاري، شهد ليلة العقبة وهو صغير، ولم يشهد بدراً، وشهد أُحداً، ونزل الكوفة، فلما خرج علي (عليه السلام) إلى صفين استخلفه على الكوفة ثمّ عزله عنها، فرجع أبو مسعود إلى المدينة فمات بها في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وقد انقرض عقبه فلم يبق منهم أحد. (1)
وهو من المقلِّين في الرواية، بلغت جميع رواياته في المسند الجامع إلى 36 رواية.

1 . سير أعلام النبلاء:2|493 برقم 103؛ وقيل في نسبه غير ذلك لاحظ طبقات ابن سعد: 6|16.

(178)
حدث عنه: ولده بشير، وأوس بن ضمعج، وعلقمة، وأبو وائل، وقيس بن أبي حازم، وربعي بن حراش، إلى غير ذلك.

ومن روائع رواياته:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال أبو مسعود البدريّ: كنت أضرب غلاماً لي بالسّوط، فسمعت صوتاً من خلفي: إعلم أبا مسعود، فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلمّا دنا منّي إذا هو رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، قال: فألقيت السّوط من يدي، فقال: اعلم أبا مسعود انّاللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام.
قال: فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. (1)
2. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الاَنصاري، قال:
جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنّي أُبدع بي (2) فاحملني، فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول اللّه أنا أدُلّه على من يحمله.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله. (3)
وإليك بعض ما عزي إليه ممّا لا يصح.

1. جواز الاِصغاء لغناء الجواري في العرس

أخرج النسائي، عن عامر بن سعد، قال: دخلت على قرظة بن كعب، وأبي

1 . صحيح مسلم:5|91، باب صحبة المماليك وكفارة من لطم عبده.ووصفه بالبدريّ في سند الحديث محمول على المجاز لما عرفت أنّه لم يشهد بدراً.
2 . ابدع به: أهمله وخَذَلَه.
3 . مسند أحمد: 5|272.

(179)
مسعود الاَنصاري في عرس، وإذا جوارٍ يغنين، فقلت: أنتما صاحبا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أهل بدر، يُفعل هذا عندكم؟! فقال: اجلس إن شئت فاسمع معنا، وإن شئت فاذهب، قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس. (1)
والظاهر انّ المرخص بزعمهما هو رسول اللّه، فعلى ذلك رخّص رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غناء الجواري في العرس للرجال، وهذا ما لا يصدقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية.
أمّا الكتاب فهو يأمر نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (النور|31).
وقال سبحانه: (فََلا تَخْضَعْنَ بالقَولِ فَيَطْمَعَ الّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ)(الاَحزاب|32).
فإذا كان هذا أدب الاِسلام، فكيف يرخّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للنساء أن يغنِّين لغيرهن؟! أو يُرَخِّص للرجال ما يثير الشهوة ويُميت القلب، ويحيي الغرائز الجامحة؟!
وأمّا السنة، فالرسول يفسّر الغناء: بأنّه من قبيل نفخ الشيطان في منخري المغنية. (2)
ومع ذلك فكيف يسوغ لاَُمّته أن تستمع إلى نفخ الشيطان؟!
على أنّ تجويز اللهو في العرس، يخالف ما رواه عقبة بن عامر، من انحصار جواز اللهو في ثلاثة، حيث روى عبد اللّه بن زيد الاَزرق، عن عقبة بن عامر الجهني، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ... كلّ ما يلهو به الرجل المسلم باطل، إلاّرميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ. (3)

1 . النسائي: السنن:6|135، باب اللهو والغناء عند العرس.
2 . مسند أحمد:3|449.
3 . سنن ابن ماجة: 2|940 برقم 2811؛ سنن الترمذي: 4|174 برقم 1637.

(180)

2. تعريف 36 رجلاً من المنافقين

أخرج أحمد في مسنده، عن عياض، عن أبي مسعود، قال:
خطبنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال: إنّ فيكم منافقين، فمن سمَّيتُ فليقم، ثمّ قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمّى ستة وثلاثين رجلاً، ثمّ قال: إن فيكم أو منكم، فاتقوا اللّه.
قال: فمرّ عمر على رجل ممّن سُمّي، مقنَّع، قد كان يعرفه، قال: مالك؟
قال: فحدَّثه بما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: بُعْداً لك سائر اليوم. (1)
نعلق على الحديث بالقول:
أوّلاً: انّ الظاهر من قوله سبحانه: (ومن أهل المدينةِ مَرَدُوا على النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ)(التوبة|101).
إنّ النبي لم يكن يعرف المنافقين المندسِّين بين أصحابه، وإنّما أخبره بهم اللّه سبحانه، ويظهر من قوله سبحانه: (وَلو نَشاء لاََرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَعمالَكُمْ) (محمد|30). انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما كان يعرفهم في لحن القول.
نعم عرف لفيفاً منهم عندما حاولوا اغتياله عند رجوعه من تبوك، فعرّفهم لحذيفة بن اليمان (2) وعلى هذا فكيف وقف النبي على أنّهوَلاء منافقون، إلاّأن يعرفهم من لحن القول فيعرّفهم.

1 . مسند أحمد: 5|273.
2 . مسند أحمد:5|453.

(181)
ثانياً: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمتع بأخلاق عالية، حتى وصفه اللّه سبحانه: (وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) كما وصفه بكونه رحمة للعالمين، أفيسوغ لمن يتمتع بالرأفة أن يعرّف 36 رجلاً ممّن حوله بالنفاق ويقول: «إن فيكم أو منكم فاتقوا اللّه»؟ مضافاً إلى أنّه مخالف للسياسة الحكيمة، ولذلك لم يعرّف المحاولين لاغتياله عند رجوعه من «تبوك » إلاّ لشخص أو شخصين من أصحابه: حذيفة ابن اليمان و عمّار.

3. حب الاَصحاب وبغضهم

أخرج الترمذي، عن عبد الرحمان بن زياد، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):اللّه اللّه في أصحابي، اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فيوشك أن يأخذه. (1)
إنّ هنا سوَالين:
الاَوّل: انّ ظاهر مفاد الخطاب في قوله : «لا تتخذوهم غرضاً»، هو انّ الرسول خاطب رجالاً ليسوا من أصحابه فوصّى بأصحابه أن يحسن إليهم، مع أنّ الواقع لم يكن كذلك، بل هو كان يتكلّم بين أصحابه، ولا يوجد فيهم أحد سواهم، وكان الجميع بمرأى ومسمع منهص، وعندئذٍكيف يوصي أصحابه بالمخاطبين الذين هم أصحابه، وبالتالي يوصي أصحابه بأصحابه؟!
وواضع الحديث قد غفل عن هذه النكتة، لاَنّه كان في زمان متأخر عن زمان الصحابة.
الثاني: انّ الرواية تخلق للصحابة هالة من القداسة، وتمنح لهم وصف

1 . سنن الترمذي:5|696 برقم 3862، باب 59.

(182)
العدالة، بل العصمة، على وجه لا يجوز تجريح واحد منهم، فكأنّهم فوق مستوى عامة الناس لا يتسرب الشك إلى طهارتهم ونزاهتهم من كلّعيب وشين.
مع أنّ صحيح الروايات يحكم على قسم كبير منهم بالردة والرجوع على أعقابهم القهقرى، ونكتفي في ذلك بما جمعه ابن الاَثير في كتابه في هذا المضمار، فقد نقل شيئاً كثيراً، منها:
1. روى عبد اللّه بن مسعود، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا فرطكم على الحوض، وليُرفعنَّ إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لاَناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. أخرجه البخاري ومسلم.
2. روى أنس بن مالك: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممّن صاحبني، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إليَّ اختلجوا دوني، فلاَقولنَّ: أي ربّ، أصحابي أصحابي، فليُقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
وفي رواية: ليردنّ عليّ الناس من أُمتي ـ الحديث ـ و في آخره، فأقول: «سحقاً لمن بدّل بعدي» أخرجه البخاري و مسلم.
3. روى أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثمّ يُحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدِّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري: لسمعته يزيد، فيقول: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي. أخرجه البخاري و مسلم.
وللبخاري: أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى

(183)
إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ فقال: إلى النار و اللّه.
فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم القهقرى. ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم، فقال لهم: هلمّ ، قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّه، قلت: ما شأنهم قال: إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم. فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هِمْل النعم.
ولمسلم : انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ترد عليّأُمّتي الحَوض و أنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبيّاللّه تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيما ليست لاَحد غيركم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء، وليصدَّن عنّي طائفة منكم فلا يصلون.
فأقول: يا رب، هوَلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!
5. روت عائشة، قالت: سمعت رسول اللّه، يقول ـ و هو بين ظهراني أصحابه ـ : «إنّي على الحوض أنتظر من يرد عليَّ منكم. فواللّه ليُقطعنّ دوني رجال، فلاَقولنَّ: أي ربِّ، منّي ومن أُمتي! فيقول: إنّك لا تدري ماعملوا بعدك. مازالوا يرجعون على أعقابهم . أخرجه مسلم.
6. روت أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي على الحوض، أنظر من يرد عليَّ و سيُوَخذ ناس دوني، فأقول: يا رب، مني ومن أمتي ـ و في رواية، فأقول: أصحابي ـ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ واللّه ما برحوا يرجعون على أعقابهم. أخرجه البخاري و مسلم.
7. روت أُمّ سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض. ولم أسمع ذلك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما كان يوماً من ذلك والجارية تمشطني، سمعت رسول

(184)
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أيّها الناس، فقلت للجارية، استأخري عنّي. قالت: إنّما دعا الرجال ولم يدع النساء فقلت:إنّي من الناس. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي لكم فرط على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذبُّ عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً. أخرجه مسلم.
8. روى سعيد بن المسيب انّه كان يحدّث عن أصحاب النبيقال: يرد عليّالحوض رجال من أصحابي ، فيحُلوَون عنه. فأقول: يا رب، أصحابي، فيقول: إنّك لاعلم لك بماأحدثوا بعدك. انّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى . أخرجه البخاري.
9. روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : والذي نفسي بيده، لاَذودنّ رجالاً عن حوضي. كما تذاد الغريبة من الاِبل عن الحوض. أخرجه البخاري ومسلم.
10. روى حذيفة بن اليمان: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ حوضي لاَبعد من أيلة إلى عدن. والذي نفسي بيده: لاَذودنّ عنه الرجال، كما يذود الرجل الاِبل الغريبة عن حوضه. قالوا: يا رسول اللّه، وتعرفنا؟ قال: نعم. تردون عليَّ غرّاً محجّلين من آثار الوضوء ليست لاَحد غيركم. أخرجه مسلم. (1)
وهذه الاَحاديث تعرب عن موقف محدِّثي أهل السنة بالنسبة إلى الصحابة، مع أنّهم يتجاهلون هذه الروايات، وربّما ينسبون مفادها إلى الشيعة، فأيّهما أحقّ بهذه النسبة، أهوَلاء الذين رووا تلك الروايات ودوّنوها في صحاحهم وأسموها بأصحّ الكتب بعد كتاب اللّه؟ أم الشيعة الذين يأتمون بالاِمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) الذي يصف صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: اللّهمّ وأصحاب محمّد

1 . ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 11|119ـ 123 برقم 7969ـ 7979، كتاب القيامة، الفرع الاَوّل في صفة الحوض.

(185)
خاصّة الذين أحسنوا الصّحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه (1) وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته وفارقوا الاَزواج والاَولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والاَبناء في تثبيت نُبُوَّته. (2)
والقول الحاسم في حقّ الصحابة هو ماذهبت إليه الشيعة، وهو انّهم كالتابعين ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق.
فالشيعة لا تغالي في حقّالصحابة، ولا تقدس جميع من سُمِّي بالصحابة بمجرد انّهم رووا أو سمعوا حديثه، أو عاشروه ولو زمنا طويلاً، خصوصاً الذين مارسوا الفتن في حياته، وبعد وفاته وختموا حياتهم إلى جانب معاوية وغيره ممن تستروا بالاِسلام بعد أن عجزوا عن مقاومته وباعوا ضمائرهم للشيطان.


1 . كانفوه: أعانوه.
2 . الصحيفة السجادية الجامعة:43، الدعاء رقم14، تحقيق و نشر موَسسة الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف .

(186)

10
تميم الداري

(...ـ40هـ)
سيرته وأحاديثه
أحاديثه السقيمة:
1. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدِّث عن تميم الداري
تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الفلسطيني، و«الدار» بطن من لخم، ولخم: فخذ من يعرب بن قحطان.
وفد تميم الداري سنة تسع، كان نصرانيّاً فأسلم، فحدَّث عنه النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» على المنبر بقصة الجسّاسة في أمر الدجال.
ولتميم عدة أحاديث.
حدّث عنه: ابن موهب عبد اللّه، وأنس بن مالك، وكثير بن مرّة، وعطاء بن يزيد الليثي، وزرارة بن أوفى.
قال ابن سعد: لم يزل بالمدينة حتى تحول بعد قتل عثمان إلى الشام.
وروى الزّهريّ، عن السائب بن يزيد، قال: أوّل من قصَّ تميم الداري، استأذن عمر فأذن له، فقصَّ قائماً.
والعجب انّ الخليفة أذن لتميم الداري أن يقُصّ أساطير اليهود والنصارى،

(187)
في الوقت الذي مَنَعَ عن كتابة الحديث، ونهى عن إفشائه ومذاكرته، فما هو المبرّر من حرمان المسلمين عن سماع أحاديث نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) والسماح للقصاصين في قص أساطيرهم وخرافاتهم؟!
وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الاَُمّة وأعلمهم، فكيف يحدِّث عن واحد من أفراد الاَُمّة، كتميم الداري ولم ير في متون التاريخ رواية المعصوم عن غيره.
روى خالد بن عبداللّه، عن بيان، عن وبرة، قال: رأى عمر تميماً الداري يصلي بعد العصر، فضربه بدرّته على رأسه. فقال له تميم: يا عمر، تضربني على صلاة صليتها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! قال: يا تميم، ليس كلّ الناس يعلم ما تعلم.
وأخرج ابن ماجة باسناد ضعيف، عن أبي سعد، قال: أوّل من أسرج في المساجد تميم الداري.
يقال: وجد على بلاطة قبر تميم الداري: مات سنة أربعين.
وحديثه يبلغ ثمانية عشر حديثاً، منها في صحيح مسلم حديث واحد. (1)
وجمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 11 حديثاً. (2)

روائع أحاديثه

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الدين النصيحة، قلنا: لمن، قال للّه، ولكتابه، ولرسوله، ولاَئمة

1 . سير أعلام النبلاء:2|442ـ 448 برقم 86.
2 . المسند الجامع: 3|292 ـ 298 برقم 59.

(188)
المسلمين، وعامتهم. (1)
2. أخرج أحمد في مسنده، عن زرارة بن أوفى، عن تميم الداري، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن أكملها كتبت له كاملة، وإن لم يكن أكملها، قال اللّه سبحانه لملائكته: انظروا، هل تجدون لعبدي من تطوع، فأكملوا بها ما ضيّع من فريضة، ثم الزكاة، ثمّ توَخذ الاَعمال على حسب ذلك.(2)
وقد عزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحدّث عن تميم الداري

أخرج مسلم في صحيحه، عن عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان انّه سأل فاطمة بنت قيس أُخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الاَُول[قال شراحيل لفاطمةج حدّثيني حديثاً سمعتيه من رسول اللّه لا تسنديه إلى أحد غيره.
فقالت: لئن شئت لاَفعلنّ ـ إلى أن قالت ـ سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم.
فلما قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاّه، ثمّ قال: أتدرون لِـمَ جمعتكم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

1 . صحيح مسلم:1|53، باب بيان انّه لا يدخل الجنة إلاّ الموَمنون و انّ محبة الموَمنين من الاِيمان من كتاب الاِيمان.
2 . مسند أحمد:4|103.

(189)
قال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لاَنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدّثكم عن مسيح الدجال.
حدثني انّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجُذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم ارفوَا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلبُ كثيرُ الشّعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر.
فقالوا: ويلك ما أنت؟
فقالت: أنا الجسّاسة.
قالوا: وما الجسّاسة؟
قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدّير، فانّه إلى خبركم بالاَشواق.
قال: لما سمّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة.
قال: فانطلقنا سراعاً، حتى دخلنا الدّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قطُّ خلقاً وأشدّه وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد.
قلنا: ويلك ما أنت؟
قال: قد قدرتم على خبري فاخبروني ما أنتم؟
قالوا: نحن أُناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهراً، ثمّ ارفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشَّعر لا يُدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر.
فقلنا: ويلك ما أنتِ؟

(190)
فقالت: أنا الجساسة.
قلنا: وما الجساسة؟
قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالاَشواق، فاقبلنا إليك سراعاً و فزعنا منها، ولم نأمن من أن تكون شيطانة.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان.
قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟
قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟
قلنا له: نعم.
قال: أما إنّه يوشك أن لا تثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.
قلنا : عن أي شأنها تستخبر؟
قال: هل فيها ماء؟
قالوا: هي كثيرة الماء.
قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زُغر.
قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟
قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الاَُميّين ما فعل؟
قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم.

(191)
قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه انّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال لهم: قد كان ذلك، قلنا: نعم، قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإنّي مخبركم عني، انّي أنا المسيح، وانّي أوشك أن يوَذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الاَرض فلا أدع قرية إلاّهبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليَّ كلتاهما كلّما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدُّني عنها، وانّ على كلّنقب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة يعني المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك، فقال الناس: نعم، فانّه أعجبني حديث تميم انّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، إلاّانّه في بحر الشام أوبحر اليمن بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق.
قالت: فحفطت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)
وفي الحديث أمارات كثيرة على الدّس و الوضع، ونحن نقتصر منها على أمرين:
الاَوّل: انّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم الاَُمّة وأفضلهم ولا يدانيه أحد في ذلك، الذي قال عنه سبحانه:(وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النساء|113).
فإذا كان هو أعلم الاَُمّة، فكتابه هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، كما

1 . صحيح مسلم:8|203ـ 205، باب في خروج الدجال ومكثه في الاَرض من كتاب الفتن وأشراط الساعة.

(192)
قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (المائدة|48).
فإذا كان الاَمر كذلك، فما هي الحاجة للحصول على تأييد تميم الداري بصحة كلامه؟! وهذا يحط من شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه المنزل.
فتميم الداري أحوج إلى تأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الثاني: انّهذه الجزيرة التي حدث عنها تميم الداري في أي مكان من الاَرض تقع؟ فعلماء الجغرافية قد مسحوا الاَرض مسحاً دقيقاً فلم يعثروا على مثل تلك الجزيرة.
مضافاً إلى مافي متن الحديث من أُمور خرافية لا يستحسنها إلاّ السُّذّج من الناس.


(193)

11
أبو موسى الاَشعري

(...ـ42هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. صحابي أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
2. أهل الكتاب لهم أجران.3. التجسيم في أحاديثه
4. الفداء في أحاديثه 5. الميت يعذّب ببكاء الحيّ
6. القعود خير من القيام 7. الاِرجاء في حديثه
هو عبد اللّه بن قيس بن سليم، قحطاني، أسلم بمكة، ويقال هاجر إلى أرض الحبشة، ثمّ قدم مع أهل السفينتين ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر؛ وربّما يقال قد أسلم بمكة قديماً ثمّ رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الاَشعريين على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين جعفر وأصحابه من أرض الحبشة ووافقوا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر. (1)
والثاني هو الصواب، فانّ ابن إسحاق والواقدي وغيرهما لم يذكراه من

1 . ابن سعد: الطبقات الكبرى:4|105.

(194)
مهاجرة الحبشة، وعلى أية حال، كان عامل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على زبيد وعدن، واستعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة الجرّاح في الشام، ولما قُتل عمر كان أبو موسى على البصرة فأقرّه عثمان عليها ثمّ عزله، واستعمل بعده ابن عامر، فسار من البصرة إلى الكوفة فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص وطلبوا من عثمان أن يستعمله عليهم، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان (1) فأقره الاِمام علي (عليه السلام) ثمّ عزله.
ولما نكثت طائفة بيعة الاِمام علي (عليه السلام) وعلى رأسهم طلحة والزبير وعائشة، وجعلوا البصرة قاعدة لجيشهم، سار الاِمام نحوهم ليُطفىَ نار الفتنة، وبعث بكتاب إلى أبي موسى الاَشعري ليقرأه على الناس ويستنفرهم إلى نصرته.
ذكر الطبري انّ الاِمام كتب إلى أبي موسى: انّي وجهت هاشم بن عتبة ليُنهض من قبلك من المسلمين إليّ، فأشخص الناس فإنّـي لم أوّلك الذي أنت به، إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ.
فدعا أبو موسى، السائب بن مالك الاَشعري، فقال له: ما ترى؟قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنّي لا أرى ذلك، فكتب هاشم بن عُتبَة إلى علي (عليه السلام) : أنّه قد قدمتُ على رجل غالٍمشاقٍ ظاهر الغل و الشنآن.
وبعث بالكتاب مع المحل بن خليفة الطائي، ولمّا وصل الكتاب إلى الاِمام ووقف على تثبيطه عزائم الناس، بعث ابنه الحسن بن علي و عمار بن ياسر يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الاَنصاري أميراً على الكوفة، وكتب معه إلى أبي موسى أمّا بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الاَمر الذي لم يجعل اللّه عزّ وجلّ لك منه نصيباً، سيمنعك مِنْ ردّ أمري، وقد بعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر، فاعتزِل

1 . الجزري: أُسد الغابة: 3|246.

(195)
عملنا مذموماً مدحوراً. (1)
لقد واجه الاِمام بعد وقعة الجمل، واقعة صفين التي أشعل نائرتها القاسطون، وحمل رايتها معاوية بن أبي سفيان، فدارت بين علي والقاسطين حرب طاحنة كاد النصر أن يكون حليف علي وعساكره لولا الفتنة التي أثارها عمرو بن العاص، فرفعوا المصاحف على الاَسنَّة، ونادوا يا معشر العرب، اللّه اللّه في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والاَتراك وأهل فارس غداً إذا فُنيتمُ، اللّه اللّه في دينكم هذا كتاب اللّه بيننا وبينكم.
وقد أثَّرت تلك المكيدة على همم كثير من قُوّاد جيش علي «عليه السلام» ، فألزموا علياً على إيقاف الحرب والخضوع إلى حكم القرآن.
فانتهى الاَمر إلى أن ينتخب كلّ من الطائفتين رجلاً، يتدارسا الموقف ويُحييا ما أحيا القرآن و يُميتا ما أمات القرآن، وقد قبل الاِمام التحكيم على مضض شديد لم يكن له بدّ من القبول، وقد بلغ القوم في قلة الحياء وشكاسة الخُلْق بمكان انّهم فرضوا التحكيم عليه وفرضوا أيضاً أن يكون الحَكَم من جانبه هو أبا موسى الاَشعري فامتنع الاِمام، وقال: إنّي لا أرضى بأبي موسى ولا أرى بأن أُولِّيه، فقال الاَشعث وزمرته: إنّا لا نرضى إلاّبه، فلم ير الاِمام بداً إلاّ النزول على رأيهم، فتم الاِتفاق عليه من جانبه، وعلى عمرو بن العاص من جانب معاوية غير انّ أبا موسى كما تنبأ به الاِمام علي (عليه السلام) انخدع بالمكيدة التي حاكها له عمرو بن العاص، فخلع عليّاً عن الخلافة على أن يخلع عمرو بن العاص معاوية عن الحكم، لكن عمرو بن العاص خالف الشرط المتّفق عليه بينهما، فقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبِّت صاحبي معاوية، فانّه وليُّ عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وأحقّ الناس بمقامه.

1 . تاريخ الطبري:3|512.

(196)
فقال أبو موسى لعمرو: مالك لا وفقك اللّه غدرت وفجرت، إنّما مثلك مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.
قال عمرو: إنّ مثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً. (1)
وبذلك تمت المكيدة لصالح معاوية.
هذه هي سيرة الرجل على وجه الاِجمال، ولم يُر بعد مسألة التحكيم له أيُّ نشاط يُذكر، وقد مات بمكة عام 42هـ وقيل 44 هـ. وقيل غير ذلك .
اتّفق أهل السير على أنّ أبا موسى كان رجلاً ساذجاً غير فطن، كان علي (عليه السلام) واقفاً على سذاجته، وقال لما بعثه عن كُره: «وكأنّي به وقد خُدع».
فقال رجل للاِمام (عليه السلام) :فلِمَ توجِّهه وأنت تعلم انّه مخدوع، فأجاب الاِمام: يا بُنيّ لو عمل اللّه في خلقه بعلمه، ما احتج عليهم بالرسل. (2)
وربما يتصور انّ أبا موسى خلع عليّاً لانخداعه بمكر نظيره عمرو بن العاص، ولكن مع الاِذعان بذلك كان ثمة عامل آخر أثَّر في عقد الاتّفاق مع نظيره على عزل الاِمام ومعاوية عن الخلافة، وهو انّ الاِمام لمّا وقف على خذلانه وتثبيطه عزائم الناس عن الجهاد، عزله ونصب مكانه عاملاً آخر، فلم يزل أبو موسى في حرج من هذا الموقف الذي ترك مضاعفات سلبية في نفسه، فحفّزه على عزل الاِمام الذي اتّفق المهاجرون والاَنصار على إمامته وخلافته، إلاّنزراً يسيراً لا يتجاوز عددُهم عددَ الاَصابع.
لما بلغ علياً ما جرى بين الحكمين من الحكم على خلاف كتاب اللّه وسنّة رسوله، وغدر عمرو بن العاص، وانخداع أبي موسى، قام خطيباً، رافضاً ما حكم

1 . تاريخ الطبري: 5| 38، طبعة موَسسة عز الدين.
2 . ابن شهر آشوب، المناقب: 2|261، طبعة قم.

(197)
به الحكمان الجائران، وقال:
«الحمد للّه، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، ليس معه إله غيره، وأنّ محمّداً عبده ورسولهص.
أمّا بعد؛ فإنّ معصية الناصح، الشفيق العالم، المجرِّب، تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، لو كان يطاع لقصير أمرٌ، فأبيتم عليَّ اباء المخالفين الجفاة، والمنابذين العصاة، حتّى ارتاب الناصح بنصحه، وضنَّ الزنْد بقدْحه، فكنت أنا وإياكم كما قال أخو هوازن:
أمرتكم أمــري بمنعــرج اللّوى * فلم تستبينوا النصح إلاّ ضحى الغد(1)
صدق الاِمام، إنّ من الخطب الفادح، والحدث الجليل، خلع صدّيق الاَُمّة، وأوّل من آمن برسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدّق به، وبات في فراشه، دفعاً لريب المنون عنه، وجاهد في سبيل اللّه بنفسه ونفيسه، وشهد المعارك كلها إلاّ تبوك، بأمر النبي ، إلى غير ذلك من فضائل ومناقب ومآثر جمّة اعترف بها الصديق والعدو والقريب والبعيد.
إنّ من المصائب العظام نصب معاوية بن أبي سفيان الطليق ابن الطليق، ابن آكلة الاَكباد، للخلافة والزعامة الاِسلامية، وأنّى هو من الاِسلام، وهو ثمرة الشجرة الخبيثة الملعونة في القرآن، أو ليس هذا من أدهى الدواهي؟ ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يصف تلك الحادثة المريرة، بالخطب الفادح والحدث الجليل.
هذه سيرة الرجل على وجه الاِجمال، التي هي مقدمة لدراسة ما روي عنه وعزِّى إليه، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه التي تشهد الموازين على صحّتها.

1 . نهج البلاغة، الخطبة 35.

(198)

روائع أحاديثه

1. أخرج الشيخان، عن أبي بردة (ابن أبي موسى) عن أبي موسى، قال: قلت: يا رسول اللّه أيّ الاِسلام أفضل؟قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.(1)
2. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فقد أذنت، وإن أبت لم تكره. (2)
3. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبيه (أبو موسى)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا نكاح إلاّ بولي. (3)
4. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : الموَمن للموَمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً. (4)
5. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أطعموا الجائع، وفكُّوا العاني، وعوِّدوا المريض.(5)
6. أخرج الترمذي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلّكم راع وكلّكم مسوَول عن رعيته. (6)
7. أخرج الاِمام أحمد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُعطيت خمساً: بعثت إلى الاَحمر والاَسود، وجعلت لي الاَرض طهوراً

1 . صحيح مسلم:1|48، باب تفاضل الاِسلام؛ صحيح البخاري: 1|10، باب أي الاِسلام أفضل.
2 . مسند أحمد:4|394.
3 . مسند أحمد:4|394.
4 . مسند أحمد:4|404.
5 . مسند أحمد:4|394.
6 . سنن الترمذي: 4|208 برقم 1705.

(199)
ومسجداً، وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحلّ لمن كان قبلي، ونُصرت بالرعب شهراً، وأُعطيت الشفاعة. وليس من نبي إلاّ وقد سأل شفاعة، وانّي أخبأت شفاعتي ثمّ جعلتها لمن مات من أُمّتي لمن لم يشرك باللّه شيئاً. (1)
هذه نماذج من روائع أحاديثه ذكرناها ليكون القارىَ على بصيرة من منزلة الرجل في نقله للحديث، وفي مقابلها روايات، رويت عنه، فيها شذوذ وعلل، لا يصحّ لباحث قبولها ونسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك بعضها:

1. صحابيّ أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


أخرج أحمد، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه قال: أتيت النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ومعي نفر من قومي، فقال:أبشروا وبشّروا من وراءكم انّه من شهد أن لا إله إلاّ اللّه صادقاً بها دخل الجنّة. فخرجنا من عند النبي نبشّر الناس، فاستقبلنا عمر بن الخطاب فرجع بنا إلى رسول اللّه، فقال عمر: يا رسول اللّه إذاً يتّكل الناس، قال: فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) . (2)
ولنا مع هذا الحديث وقفة قصيرة هي:
أوّلا: انّه معارض بما رواه معاذ بن جبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول اللّه وسعديك، قال: لا يشهد عبد ان لا إله إلاّ اللّه ثمّ يموت على ذلك إلاّ دخل الجنّة، قال: أفلا أحدِّث الناس؟ قال: لا ، إنّي أخشى أن يتّكلوا عليه. (3)
فالمعارضة بين الحديثين واضحة، فإنّ الاَوّل يدلّ على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بنشر الحديث، والثاني يدل على أنّه أمر بكتمه.

1 . مسند أحمد:4|416.
2 . مسند أحمد:4|402.
3 . مسند أحمد:4|230.

(200)
وثانياً: انّ الحديث الثاني، الذي رواه معاذ يدل على أنّ النبي كان واقفاً على العلة دون حاجة إلى أن يخبره أحد بذلك.
وثالثاً: انّ الحديث الاَوّل يدل على أنّ عمر كان أعرف بالمصلحة من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّ هذا الحديث يترك أثراً سلبياً في قلوب الموَمنين، فلذلك لمّا أخبره عمر، سكت الرسول.
والحقّ انّ الحديثين لا يخلوان عن شذوذ وعلّة، وقد سبق الذكر الحكيم بالتصريح بذلك .قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلك)(النساء|116) وقال: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِعَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقاب) (الرعد|6).

2. أهل الكتاب لهم أجران

أخرج البخاري، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه: ثلاثة لهم أجران، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وآمن بمحمد. (1)
إنّ الاِيمان بالرسل والنبي الخاتم ليس من خصائص من كان من أهل الكتاب ثمّ أسلم، بل كلّ من أسلم بلسانه وقلبه وآمن بالرسول، فقد آمن بمن قبله من الرسل، قال سبحانه:(آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُوَْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصِير ) (البقرة|285).
نعم لو كان تعدد الاَجر لاَجل ترتّب أحد الاِيمانين على الآخر كان لما ذكر وجه، ولكن الاَجر على نفس الاِيمان وسعة متعلقه، لا على ترتّب أحدهما على الآخر. وإلاّ يلزم أن يكون لمن كان يهودياً فتنصّر ثمّ أسلم، أُجور ثلاثة.

1 . صحيح البخاري: 1|35، باب تعليم الرجل أمته وأهله.

(201)

3. التجسيم في أحاديثه

ظهر التجسيم والتشبيه في المروّيات عنه نذكر منها ما يلي:
الحديث الاَوّل: أخرج مسلم، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمس كلمات فقال: إنّاللّه عزّوجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر:(حجابه) النار ـ لو كشفه لاَحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه. (1)
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالسُّبُحاتُ (بضم السين والباء ورفع التاء في آخره) جمع سُبحة، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاوَه.
وأمّا الحجاب (الذي يشير إلى قوله: حجابه النور أو النار) فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للاَجسام المحدودة، واللّه تعالى منزّه عن الجسم والحد.والمراد هنا المانع من روَيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لاَنّهما يمنعان من الاِدراك في العادة لشعاعها.
والمراد من الوجه الذات، والمراد بـ «ما انتهى إليه بصره من خلقه» جميع المخلوقات، لاَنّ بصره سبحانه و تعالى محيط بجميع الكائنات. ولفظة «من» لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من روَيته وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلّـى لخلقه لاَحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. (2)

1 . صحيح مسلم:1|111، باب في قوله (عليه السلام) : إنّ اللّه لا ينام و في قوله: حجابه النور لو كشفه لاَحرق سُبُحاتُ وجهه.
2 . النووي: شرح مسلم: 3|17.

(202)
ولنا مع هذا الحديث وتفسيره وقفة:
أوّلاً: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يكلّم الناس على قدر عقولهم شأن كلّنبي، فهذه التأويلات التي ارتكبها الشارح مفاهيم لا يقف عليها إلاّ من توغّل في العلوم العقلية، وليس المخاطب إلاّ نظراء أبي موسى، فأين هوَلاء من هذه التأويلات؟!
ثانياً: انّ السُّبحة في اللغة تعني الدعاء، قال في اللسان : سميت الصلاة تسبيحاً، لاَنّ التسبيح تعظيم للّه وتنزيهه عن كلّ سوء (1) وتفسيره بنور اللّه ووجهه وبهائه شيء لا تدل عليها مادة الكلمة، وإنّما جرّهم إلى ذلك التفسير لاَجل جعل الرواية ذات مفهوم صحيح.
ونقل ابن الجوزي عن أبي عبيدة: لم نسمع السُّبُحات إلاّ في هذا الحديث. (2)
ويظهر من المقاييس: انّه ليس لتلك المادة إلاّ معنيان، أحدهما جنس من العبادة والآخر جنس من السعي، فالاَوّل السُّبحة ومن هذا الباب التسبيح، وهو تنزيه اللّه جلّ ثناوَه عن كلّ سوء، وعلى ذلك فتفسير السبحة بالاَنوار لا دليل عليه في اللغة. (3)
ثالثاً: انّ المتبادر من قوله من خلقه انّ «من» للتبعيض بشهادة قوله: «انتهى إليه بصره» فيكون خلقه أوسع من نور بصره.
وأنت إذا عرضت هذا الحديث على عربي صميم لم يشب ذهنه بهذه المعارف، لفسَّر الحديث على وجه يلازم التجسيم، وليس في الحديث قرينة على التأويل، وإلاّ لكان التأويل مقدماً على غيره.

1 . لسان العرب:2، مادة سبح.
2 . ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه: 202.
3 . المقاييس:5|125.

(203)
الحديث الثاني: أخرج الاِمام أحمد، عن أبي موسى الاَشعري: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يجمع اللّه عزّوجلّ الاَُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا للّه عزّوجلّ أن يصدع بين خلقه مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يُقحمونهم النار، ثمّ يأتينا ربّنا عزّ وجلّ، ونحن على مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربّنا عزّ وجلّ، قال: فيقول: وهل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟ فيقولون: نعم انّه لا عدل له، فيتجلّى لنا ضاحكاً، فيقول: أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً. (1)
ورواه مسلم في صحيحه، باب معرفة طريق الروَية، بغير هذا اللفظ عن أبي هريرة. (2)
وهذا الحديث يثير تساوَلات كثيرة.
الاَوّل: إنّ لازم قوله: «مثّل لكلّ قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتّى يقحمونهم النار ثمّ يأتينا ربّنا عزّوجلّ» عدم وجود أيّ موحد يوَمن باللّه الواحد وينكر عبادة الاَوثان في الاَُمم السالفة، وهذا على خلاف الضرورة وصريح القرآن الكريم، فها هو يقول في حقّ نوح: (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّقَلِيلٌ) (هود|40) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجود الصالحين في الاَُمم السالفة.
الثاني: انّ قوله: «ثم يأتينا ربّنا ونحن على مكان رفيع» حاك عن ثبوت الحركة للّه سبحانه، بشهادة قوله: ونحن على مكان رفيع.
الثالث: انّ قوله: «من أنتم؟» أو قوله:«ما تنتظرون؟» أو قوله:«وهل تعرفونه ان رأيتموه؟» حاك عن تكلّمه سبحانه تكلّماً حسياً.

1 . مسند أحمد:4|407 ـ 408.
2 . صحيح مسلم:1|112، باب معرفة طريق الروَية.

(204)
الرابع: انّه سبحانه يسألهم عن أنّهم هل يعرفون ربّهم، وهم يجيبون بقولهم: نعم، ثمّ يسألهم عن السمات التي يعرفون بها ربّهم، ويقول: «كيف تعرفونه ولم تروه؟» فيجيبون بسمة كلّية لا صلة لها بمعرفة الربّ معرفة شخصية، حيث يقولون«نعم انّه لا عدل له» فانّ وصفه بعدم العدل والندّ له، لا يكون علامة وسمة للمعرفة الشخصية.
الخامس: انّ قوله فيتجلّـى لنا ضاحكاً، صريح في الجسم والجسمانية، وانّ له سبحانه ضحكاً حسياً.
السادس: انّ قوله: «أبشروا أيّها المسلمون، فانّه ليس منكم أحد إلاّ جعلت مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً، ينافي قوله سبحانه: (فَاليَوم لا يُوَخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا) (الحديد|15) والآية وإن كانت تخاطب المنافقين والكافرين، ولكن المورد غير مخصص، فانّ عدم أخذ الفدية لاَجل انّه يخالف عدله سبحانه.
وبعبارة أُخرى: انّ اليهود والنصارى إن كانوا مستحقين للدخول في النار، فهم يدخلونها لاَعمالهم الشريرة، لا لاَن يحلّوا مكان المسلمين، وإن لم يكونوا مستحقين للدخول في النار فملء الجحيم بهم يستلزم أخذ البريء بجرم المذنب واللّه سبحانه يقول: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الاَنعام|164).
وبمقارنة هذا الحديث مع ما رواه أبو هريرة في هذا المجال، يعلم مدى الاختلاف الفاحش بين الروايتين، والظاهر انّهما رواية واحدة نقلت بصورتين مختلفتين.
أخرج مسلم عن أبي هريرة انّه قال: كذلك يجمع اللّه الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع

(205)
من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاَُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم. (1)
فبالمقارنة بين الحديثين يعلم مدى التحريف الطارىَ على الرواية من أحد الجانبين، مثلاً انّ الرواية الاَُولى: (رواية أبي موسى) تصرّح بأنّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين حيث قال: «فنقول نحن المسلمون» ويتجلى لهم، امّا الرواية الثانية (رواية أبي هريرة) فاللّه سبحانه يتكلّم مع المسلمين مع ما فيهم من المنافقين ويتجلّى للجميع.
وعلى كلّ تقدير سواء أكانتا رواية واحدة، أو كانتا روايتين فكلتاهما من الروايات المدسوسةمن قِبل أهل الجعل والوضع و التحريف.

4. الفداء في أحاديثه

إنّ مسألة الفداء، أي أخذ شخص محل شخص آخر يوم القيامة، فكرة يهودية ومسيحية تسرّبت إلى أحاديث أبي موسى الاَشعري، وقد اتضح ذلك من خلال استعراض الرواية السابقة، وثمة روايات أُخرى نقلها مسلم عنه نأتي بنصها:
1. روى مسلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : إذا كان يوم القيامة دفع اللّه عزّوجلّ إلى كلّ مسلم يهوديّاً أو نصرانيّاً، فيقول:

1 . صحيح مسلم:1|113، باب معرفة طريق الروَية.

(206)
هذا فكاكك من النار. (1)
2. أخرج مسلم، عن عون وسعيد بن أبي بردة، انّهما شهدا أبا بردة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يموت رجل مسلم إلاّ أدخل اللّه مكانه النار يهوديّاً أو نصرانيّاً، قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز باللّه الذي لا إله إلاّهو ثلاث مرّات أنّ أباه حدثه عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: فحلف له. (2)
3. أخرج مسلم، عن أبي بردة ،عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: يجيىَ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللّه لهم ويضعها على اليهود والنصارى، فيما أحسب أنّه قال: أبو روح لا أدري ممن الشك، قال أبو بردة: فحدثت به عمر بن عبد العزيز، فقال: أبوك حدثك هذا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قلت: نعم. (3)
يظهر من الرواية الاَخيرة انّ عمر بن عبد العزيز وغيره كانوا شاكين في صحّة هذا الحديث مهما صحّ سنده.
نعم تعجّب أبو روح «وقال: لا أدري ممن الشك» أقول منشأ الشك هو انّ هذه الروايات مخالفة للذكر الحكيم كما أوعزنا إليه ولاَنّ الناس يجزون بأعمالهم لا بأعمال غيرهم قال سبحانه:(وما تُجْزَوْنَ إلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (الصافات|39) قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوماً لا يجزي والِدٌ عَنْ وَلَدِه وَ لا مَولُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ وَالِدِه شَيئاً) (لقمان|33).
وقال سبحانه: (فَالْيَومَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَونَ إِلاّما كُنْتُمْ تَعْمَلُون)(يس|54) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ كلّ إنسان مرهون بعمله.

1 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.
2 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.
3 . صحيح مسلم:8|104 ـ 105، باب قبول توبة القاتل.

(207)

5. الميت يُعذب ببكاء الحي

أخرج أحمد، عن ابن أبي موسى الاَشعري ،عن أبيه: انّالنبيقال: الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: وا عضداه، وا ناصراه وا كاسباه، جُبذّ (1) . الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها، أنت كاسبها، فقلت سبحان اللّه: يقول اللّه عزّ وجلّ: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرْى) ، فقال: ويحك أحدثك عن أبي موسى عن رسول اللّه، وتقول هذا، فأيّنا كذّب؟! فواللّه ما كذبت على أبي موسى ولا كذب أبو موسى على رسول اللّه. (2)
وأخرجه الترمذي عن أبي موسى الاَشعري انّ رسول اللّه، قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول واجبلاه، واسيداه، أو نحو ذلك، إلاّ وكّل به ملكان يلهزانه (3) أهكذا كنت.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. (4)
وأخرجه ابن ماجة في سننه. (5)
وكفى في وهن الحديث وشذوذه انّ السامع أدرك بفطرته انّه يخالف نداء الذكر الحكيم، غير انّ الذي صدّه عن التكذيب هو كون الرواية منسوبة إلى أبي موسى، عن طريق ولده، ولكن لم يعرف انّ كتاب اللّه فوق كلّ شيء، و هو المعيار لتمييز الحقّ عن الباطل.

1 . جبذ أي قطع.
2 . مسند أحمد:4|414.
3 . يقال لهز فلاناً أي لكزه، وقيل ضربه بجمع كفه في اللهزمة والرقبة.
4 . سنن الترمذي:3|327 برقم 1003.
5 . سنن ابن ماجة: 1|508 برقم 1594 وفيه مكان يلهز، يتعتع.

(208)
وقد مضى انّ السيدة عائشة كذَّبت الرواية، وقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمان سمع شيئاً فلم يحفظه، إنّما مرّت على رسول اللّه جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنّه ليعذّب . (1)

6. القعود خير من القيام

أخرج أبو داود، عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّبين أيديكم فتناً كقِطَع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً و يمسي كافراً و يمسي موَمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «كونوا أحلاس بيوتكم». (2)
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تفسير الحديث: هذه الفتنة هي الفتن التي لا يظهر وجهها ولا يعلم طريق الحقّ فيها، بل هي ملتبسة فهذه يجتنبها الموَمن ويبتعد عنها بأيّ ملجأ و من هذا الباب قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غُنم يتبع بها شعف الجبال مواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن». (3)
أقول: أين الفتنة الواردة في الرواية من الاقتداء بإمام أصفقت الصحابة من المهاجرين والاَنصار على بيعته، وقدّموه إماماً للمسلمين، فهل يتصور أن يكون القاعد فيها أفضل من القائم؟!
إنّ أبا موسى مما خذل علياً وثبّط عزيمة الناس عن المشاركة في قتال

1 . صحيح مسلم: 3|44، باب البكاء على الميت.
2 . سنن أبي داود: 4|101 برقم 4262. وأخرجه أحمد في مسنده:4|408.
3 . أُمّ مالك الخالدي، بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة، ص 235.

(209)
الناكثين، التي أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ الاِمام سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين (1) .وقد تمسك أبو موسى بهذا الحديث ولم يشارك مع علي (عليه السلام) في القتال، ولكنّه شارك مع عمرو بن العاص في عزل علي (عليه السلام) عملاً بهذا الحديث، لكن من أين علم انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد بكلامه حرب الناكثين، وقد قامت بعده فتن وحروب ولم يكن حرب الجمل أوّل حرب دارت بين المسلمين؟!
على أنّ قوله: «كونوا أحلاس بيوتكم»ينافي الذكر الحكيم فانّه يأمر بالاِصلاح قال سبحانه: (وَإِنْطائِفَتانِ مِنَ المُوَْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحداهُما عَلى الاَُخرى فَقاتِلُوا الَّتي تَبغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّه فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْل وَأَقْسِطُوا إِن اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين) (الحجرات|9).
فاللّه سبحانه يأمربالاِصلاح أوّلاً ثمّ قتال الفئة الباغية، فكيف يأمر النبي بالانعزال والانزواء؟! فالتبرير الذي برّر به عمله غير مجدٍ.

7. الاِرجاء في حديثه

أخرج أبو داود، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أُمّتي هذه أُمّة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن و الزلازل والقتل. (2)
أقول: إنّ فكرة الاِرجاء وإن ظهرت في أواخر القرن الاَوّل، فادّعت المرجئة أنّ الاِيمان عبارة عن الاِقرار بالقول واللسان وإن لم يكن مرافقاً للعمل، فأخذوا من الاِيمان جانب القول وتركوا جانب العمل، فكأنّهم قدّموا الاَوّل وأخّروا الثاني واشتهروا بمقولتهم «لا تضر مع الاِيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة».

1 . تاريخ ابن عساكر:5|41؛ تاريخ ابن كثير:7|306؛ كنز العمال:6|88؛ الغدير: 3|192.
2 . سنن أبي داود: 4|105 برقم 4278.

(210)
لكن الحديث يدعم تلك الفكرة فيبشِّـر الاَُمّة المرحومة بالنجاة في الآخرة، وإن كان يصيبهم في الدنيا ببعض الجزاء، ولكن كتبت النجاة على الجميع، حتى الطواغيت والمجرمين والظالمين العتاة، ومن الواضح انّالحديث مخالف للقرآن الكريم والسنّة النبوية واتّفاق المسلمين، فأين قوله سبحانه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُوَْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاوَُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) (النساء|93) وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللّهِفَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * يَومَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لاََنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة|34ـ35) إلى غير ذلك من الآيات العامة لجميع الاَفراد خصوصاً الاَُمّة المرحومة التي جاءهم نبيهم بهذه الآيات والاَحكام.


(211)

12
زيد بن ثابت الاَنصاري

(11ق. هـ ـ 45هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1.عذاب بلا ذنب.2. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.
3. حرمان بعض الورثة من الميراث.4. تحريف القرآن الكريم.
5. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم.6. العثور على آية عند خزيمة.
7.نهي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة الحديث.8.البداء المحال في الوحي.
9. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام 10. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين.
هو زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الاَنصاري الخزرجي ثمّ النجّاري، أُمّه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن النجّار، كنيته أبو سعيد، وكان عمره لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة إحدى عشرة سنة، وكان يوم بعاث ابن ست سنين، وفيها قتل أبوه واستصغره رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر فردّه، وشهد أُحداً، وقيل: لم يشهدها، وإنّما شهد الخندق أوّل مشاهده، وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك بيد زيد بن ثابت. (1)
وقد أطراه أصحاب المعاجم بأُمور وربّما ذكروا ما يخالفها.

1 . أُسد الغابة:2|221ـ 223.

(212)

1. هل كان زيدجامعاً للقرآن؟

إنّ أبا بكر قال له: أنت رجل شاب عاقل لانتَّهمُك قد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فتتبّعِ القرآن فاجمعه.
فقال زيد: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال: هو واللّه خير.
فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الاَنصاري لم أجدها مع أحد غيره (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه اللّه تعالى، ثمّ عند عمر حياته، ثمّعند حفصة بنت عمر. (1)
يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ البخاري نقل انّ القرآن جمع في عصر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحد الجامعين هو زيد بن ثابت، فروى عن أنس، قال: مات النبي ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، و معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه (2) ومعه كيف يكون جامعاً للقرآن أيضاً بعد رحيله؟!
ثانياً: لو صحّ ما في الخبر، و افترضنا أنّه لم يجمع القرآن في عهد الرسول، كان اللازم على الخليفة أبي بكر أن يترك جمع القرآن الكريم إلى عبد اللّه بن مسعود، الذي يروي البخاري عنه، انّه قال : واللّه الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب اللّه إلاّ أنا أعلم أين أُنزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب اللّه إلاّأنا أعلم فيم

1 . صحيح البخاري: 6|183، باب جمع القرآن.
2 . صحيح البخاري: 6|187، باب القراء من أصحاب النبي.

(213)
أُنزلت، ولو أعلم أحداً أعلم منّي بكتاب اللّه تبلغه الاِبل لركبت إليه. (1)
كما روى البخاري أيضاً عن مسروق: أنّه ذكر عبد اللّه بن عمرو، عبدَ اللّه بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: خذوا القرآن من أربعة من: عبد اللّه بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبي بن كعب.
كما روى أيضاً، انّه خطب عبد اللّه بن مسعود، وقال: واللّه لقد أخذت من في رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بضعاً وسبعين سورة، واللّه لقد علم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّي من أعلمهم بكتاب اللّه وما أنا بخيرهم قال شقيق: فجلست في الحِلَق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادّاً يقول غير ذلك. (2)
ومع هذه الروايات التي رواها البخاري في حق عبد اللّه بن مسعود، فمن البعيد أن يترك الخليفة ذلك المقرىَ الكبير ويلتجىَ إلى شاب أدرك من عصر الرسالة عشرة أعوام وهو بعدُ صبيّ لم يبلغ الحُلُم، ويترك عبد اللّه بن مسعود أحد السابقين في الاِسلام، أدرك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة.
كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّجمع القرآن الكريم بعد رحيل الرسولبيد زيد ابن ثابت مزعمة لا يذعن لها العقل ولا النقل.
وأعجب منه انّقاطبة المسلمين لم يحفظوا آخر آية سورة التوبة حتى زيد بن ثابت نفسه، فأخذها من أبي خزيمة أحد الصحابة.
أو ليس معنى ذلك انّالمعجزة الكبرى والسند الوثيق للاِسلام، لم يصل إلى المسلمين بطريق متواتر، بل وجده الجامع عند واحد من الصحابة فأدرجه في القرآن، وهذا إنكار لتواتر القرآن وبالتالي إنكار تلك المعجزة الكبرى.

1 . صحيح البخاري: 6|187.
2 . المصدر السابق: 6|186.

(214)
وثمة نكتة جديرة بالامعان وهي:
إنّ هذه الروايات مخالفة لحكم العقل، فانّ عظمة القرآن بنفسه، واهتمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحفظه وقراءته، واهتمام المسلمين بما يهتم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وما تستوجب تلاوة القرآن من الثواب، كل ذلك يبعثنا إلى القول بأنّ القرآن جمع في عهد الرسالة، وينافي القول بجمعه على النحو المذكور في تلك الروايات.
إنّ العقل الصريح يحكم بأنّ قائداً كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان واقفاً على أنّالقرآن دعامة دينه ومعجزة شريعته والمرجع الاَوّل للاَُمّة إلى يوم القيامة في العقيدة والشريعة، لا يمكن أن يترك القرآن في مهبّ الرياح مبعثراً بين الرقاع والاكتاف بين العسب وصدور الرجال، دون أن يجمعه في كتاب ويدونه كي يكون حجّة خالدة على مدى العصور. فمن زعم انّ الرسولمضى ولم يبذل عناية كافية في جمع القرآن وتدوينه وصيانته عن طروء الحوادث، فقد جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير معنيّ بقوام شريعته وبرهان رسالته وشوَون أُمّته.أعاذنا اللّه وإيّاكم من تلك الفكرة الخاطئة.
هذا هو موجز البحث عن المفخرة الاَُولى التي أثبتها أصحاب المعاجم لزيد بن ثابت وانّه الجامع للقرآن بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب المعدّة لهذا الغرض.

2. هل كان زيد أعلم بالفرائض؟

قد ذكر غير واحد من أصحاب المعاجم انّزيداً أفرض الصحابة وأعلمهم بالفرائض.
روى ابن سعد في طبقاته عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفرض أُمّتي زيد بن ثابت.

(215)
وروى أيضاً، انّ عمر وعثمان ما كانا يُقدِّمان على زيد بن ثابت أحداً في الفرائض، و الفتوى، والقراءة، والقضاء، كما روى عن عمر بن الخطاب، انّه قال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت. (1)
ونقل الذهبي عن الشعبي، انّه قال: غلب زيد الناس على اثنين: الفرائض والقرآن. (2)
أقول: ما نقله عن الشعبي فقد نقل عنه خلافه.
قال ابن شهر آشوب في بيان انّ علياً هو المرجع في جميع العلوم الاِسلامية، ما هذا لفظه: و منهم الفرضيون وهو أشهرهم فيها؛ ثمّ نقل عن فضائل الصحابة لاَحمد، عن طريق ابنه، انّه قال: إنّأعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، قال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي (عليه السلام) ولا أحسب منه، وقد سئل عنه وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب المرأة؟ فقال: صار ثمنها تسعاً، فلقّبت بالمسألة المنبرية.
شرح ذلك: للاَبوين السدسان، وللبنتين الثلثان، وللمرأة الثمن، عالت الفريضة فكان لها ثلاث من أربعة وعشرين ثمنها، فلمّا صارت إلى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعاً، فإنّ ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها، ويبقى أربعة وعشرون، للابنتين ستة عشر، وثمانية للاَبوين سواء، قال: هذا على الاستفهام، أو على قول القائلين بالعول، فلذا صار ثمنها تسعاً، أو سئل كيف يجيء الحكم على مذهب من يقول بالعول؟ فبيّن الجواب والحساب والقسمة والنسبة.

1 . طبقات ابن سعد: 2|359؛ ولاحظ سير اعلام النبلاء:2|431 برقم 85، وقد ناقش المعلّق في اسناد بعض تلك الروايات.
2 . سير اعلام النبلاء: 2|432.

(216)
ومنه المسألة الديناريّة. (1)
وكان ابن عباس يردّ على زيد قوله بالعول في الفرائض، فمن ذلك قوله:
إنشاء، أو قال: من شاء باهلته، إنّالذي أحصى رمل عالج عدداً أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ (2)
وللاِمام الصادق ردٌّ على ما قضى به زيد بن ثابت في مسألة، وهي: إذا ماتت امرأة وتركت زوجها وإخوة، وأُمّها وأُختاً لاَبيها؛ فمن أراد التفصيل فليرجع إلى تهذيب الاَحكام. (3)

3. كان زيد عثمانيَّ الهوى

ذكر الجزري انّزيداً كان عثمانياً، ولم يشهد مع علي شيئاً من حروبه، وكان يظهر فضل عليّ وتعظيمه، وهو من الذين لم يبايعوا علياً عند ما بايعه وجوه المهاجرين والاَنصار، وعلى الرغم من ذلك لم يكن يكتم فضائل علي (عليه السلام) ومناقبه.
روى يعقوب بن سفيان بسنده، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم خليفتي: كتاب اللّه عزّوجلّ، وعترتي أهل بيتي؛ وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. (4)
وهو أحد رواة حديث الغدير من الصحابة. (5)

1 . بحار الاَنوار: 40|159 نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب، لاحظ المناقب: 1|259.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20|25ـ 27.
3 . الطوسي: تهذيب الاَحكام: 9|291ـ 292.
4 . كتاب المعرفة والتاريخ: 1|537.
5 . الغدير: 1|37.

(217)

روائع أحاديثه

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، قال: احتجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يُصلي فيها. قال: فتتبّع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مغضباً.
فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما زال بكم صنيعكم حتّى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّخير صلاة المرء في بيته، إلاّ الصلاة المكتوبة. (1)
إنّ هذه الرواية تُعد من الاَدلة الواضحة على عدم جواز إقامة نوافل رمضان جماعة، وانّإقامتها كذلك بدعة حدثت بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد بسطنا الكلام عنها في كتابنا «البدعة». (2)
2. أخرج ابن ماجة في سننه، عن أبي هبيرة الاَنصاري، عن أبيه ، عن زيد ابن ثابت، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : نضَّر اللّه امرأً سمع مقالتي فبلّغها، فربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
زاد فيه عليّبن محمد: «ثلاث لا يُغلُّ عليهنَّ قلب امرىَ مسلم: إخلاص العمل للّه، والنصح لاَئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم. (3)
3. أخرج أحمد، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول

1 . صحيح مسلم: 2|188. باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
2 . البدعة، ص 154ـ 198.
3 . سنن ابن ماجة:1|84 برقم 230؛ مسند أحمد:5|182.

(218)
اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي تارك فيكم خليفتي، كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والاَرض، أو ما بين السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض (1)
هذه بعض رواياته الرائعة استعرضناها، فلنعطف عنان الكلام إلى ما عُزِي إليه مما يخالف الموازين السالفة الذكر.

1. عذاب بلا ذنب:

أخرج ابن ماجة في سننه، عن ابن الديلمي، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول اللّه، يقول: لو انّ اللّه عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم. ولو كان لك مثل أُحد ذهباً أو مثل جبل أُحد ذهباً تنفقه في سبيل اللّه ما قبله منك حتى توَمن بالقدر كله . فتعلم انّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وانّك إن متَّ على غير هذا دخلت النار. (2)
والحديث وإن نقل عن ثلة من الصحابة كأبي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وزيد بن ثابت، لكن يرده العقل الحصيف و الفطرة السليمة، إذ انّ هنا كلاماً مع غض النظر عن مسألة التحسين والتقبيح وهل هما عقليان أو شرعيان وهو:
إنّ الوجدان خير شاهد على قبح تعذيب البريء من أي فاعل صدر، سواء كان الفاعل هو الواجب أو الممكن، فلو لم يتمكن العقل من درك هذا المقدار من التحسين والتقبيح فلا يصحّ له القضاء في أيّ أمر يمتّ إليه بصلة.
نعم انّ السماوات والاَرض وما فيهما ملك للّه تبارك وتعالى لا ينازعه فيها أحد، فلو عذب أهلهما لا يمنعه منه شيء، ولكن هل يجوز له حسب حكمته

1 . مسند أحمد: 5|181 ـ 182.
2 . سنن ابن ماجة:1|30 برقم 77.

(219)
وعدله أن يعذب البريء، ويدخل الطفل الرضيع النار بحجة انّه ملكه؟ كلاّ.لا، إذ عندئذٍ يكون ظالماً وجائراً ويكون مناقضاً لحكمته وعدله.
وقد احتكم سبحانه في غير واحد من المسائل إلى العقل والفطرة، فقال: (أَفَنَجْعَلُالمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ) (القلم|35) ويقول سبحانه: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات كَالمُفْسِدِينَ فِي الاََرْضِأَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجّار )(ص|28) أي لا نجعلهما على حد سواء لاَنّه قبيح.
انّ المتبادر من الآيات الآمرة بالعدل والناهية عن الظلم هو انّ الاِنسان إذا رجع إلى فطرته تتجلى له تلك الحقيقة ويتميّز عنده العدل عن الظلم دون أدنى ريب، يقول سبحانه: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِوَالاِِحْسانِ وَإِيتاءِذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الفَحْشاءِوَالمُنْكَرِوَالبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل|90).
والدليل على ذلك انّ كلّ إنسان يدرك من صميم ذاته معنى العدل والظلم وغيرهما ممّا يرجع إلى محاسن الاَفعال ومساويها، ولا يصحّ الاَمر بالعدل ولا النهي عن الظلم إلاّ إذا كان الموضوع (العدل و الظلم) محدداً معروفاً للمكلّف مع قطع النظر عن التشريع، وإلاّ يلزم الخطاب بأمر لم يكن المخاطب واقفاً عليه.
فإذا شهد سبحانه على قيامه بالعدل والقسط أو شهد على نفسه بأنّه ليس بظالم ولا ظلام ولا يظلم الناس، فمعنى ذلك انّه سبحانه يصف نفسه بالعدل والظلم بالمعنى المعروف عند العقلاء قال سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنّهُ لا إِلهَ إِلاّهُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ ) (آل عمران|18)، وقال سبحانه:(ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) (آل عمران|182) وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (يونس|44).
فاللّه عادل بنفس المعنى الذي ندركه عن العدل، و ليس بظالم بنفس ذلك المعنى الذي ندركه عن الظلم، و من المعلوم انّ تعذيب أهل الاَرض والسماوات

(220)
بلا جرم وإثم ظلم يقبحه العقل، ولا يُنسب إلى اللّه سبحانه لمنافاته العدل، فكيف يصحّ أن يقال: إنّ اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذّبهم وهو غير ظالم لهم؟! بل يكون ظالماً قطعاً تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
إنّ إنكار إدراك العقل الاَُمور البديهية في مجال الحسن والقبح إعدام للعقل وإطاحة به، ومع رفضه في مجال العقائد لا يمكن أن يثبت شيء من المعارف الاِلهية، فلو أنكرنا قضاء العقل بقبح الكذب أو قبح تزويد الكاذب بالكرامات لا يصح إثبات نبوّة أيّ أحد ولو جاء بمعاجز باهرة، لاحتمال الكذب عليه وعلى مرسله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.

2. اتخاذ اليهود قبور الاَنبياء مساجد

أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ثوبان، عن زيد بن ثابت: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (1)
إنّ ظاهر الرواية يعرب انّ قاطبة اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وما هذا إلاّبسبب التكريم والتبجيل، سواء اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يصلّون فيها أو تبركاً بهم أو يسجدون على قبورهم على نحو يكون القبر مسجوداً عليه أو يسجدون لهم بحيث يكون الركوع والسجود للاَنبياء.
وعلى جميع التقادير (وإن كان التقدير الاَخير بعيداً) فعملهم ـ لو صحّ ـ يعرب عن تكريمهم لاَنبيائهم وتبجيلهم لهم. هذا هو معنى الحديث.
ومن جانب آخر إنّتاريخ اليهود حافل بقتل الاَنبياء والرسل، فكيف يمكن الجمع بين مضمون الحديث والآيات الصريحة الدالة على تحقيرهم لاَنبيائهم؟!

1 . مسند أحمد: 5|184.

(221)
قال سبحانه: (أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لاتَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُون) (البقرة|87) وقال سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقتلَهُمُ الاََنْبياءَبِغَيْرِحَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَالحَرِيق) (آل عمران|181) إلى غير ذلك من الآيات المندِّدة بعمل اليهود.
إنّهذا الحديث الذي اتخذه ابن تيمية وابن قيم الجوزيّة ومن لفّ لفّهما ذريعة إلى تحريم الصلاة عند قبور الاَنبياء، حديث لا يعتمد عليه مهما صحّ سنده، لاَنّ المضمون يخالف صريح القرآن والسيرة الثابتة عند اليهود، فانّ اليهود لم يكونوا أهل تكريم وتبجيل لاَنبيائهم، أفمن المعقول عندئذ أن يتخذوا قبورهم مصلّـى؟!وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا «الوهابية في الميزان».

3. حرمان بعض الورثة من الميراث

أخرج أحمد في مسنده عن راشد، عن زيد بن ثابت، انّه سئل عن زوج، وأُخت لام، وأب فأعطى الزوج النصف و الاَُخت النصف، فكلم في ذلك فقال: حضرت رسول اللّه قضى بذلك. (1)
أقول: لو قلنا بأنّ لفظ «وأب» معطوف على «أُخت» فالوارث في المسألة ثلاثة وهم: بين وارث ذي فرض، ووارث بالقرابة، أمّا الاَوّل فالزوج يرث النصف من المال، والاَُخت لا َُمّ ترث السدس، قال سبحانه في حقّ الزوج: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد) (النساء|12).
وقال سبحانه في حقّالاَُخت للاَُمّ : (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرأةٌ وَلَهُ أَخٌ أَو أُختٌ فَلِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُس) (النساء|12).

1 . مسند أحمد: 5|188.

(222)
وأمّا الثاني كالاَب فلو كان المورّث ذا ولد ففرضه السدس، لكنَّه خلاف المفروض وإلاّفلا فرض له في الكتاب العزيز، قال سبحانه: (ولاََبَويْهِ لِكُلّ واحِدٍ مِنْهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلاَُمّهِ الثُلُث) (النساء|11) وهو يرث ما بقي بعد إخراج سهام ذوي الفروض وعلى ضوء ذلك ففي المسألة :
يرث الزوج النصف.
والاَُخت السدس.
والباقي أي الثلث للاَب.
ومع ذلك فكيف ورّث أفرض الصحابة الزوج النصف والاَُخت النصف الآخر وحرم الاَب؟!
هذا إذا قلنا بأنّ الورثة كانوا ثلاثة، وأمّا لو قلنا بعطف لفظ الاَب على الا َُمّ وانّ المراد الا َُخت لاَب وأُم فالوارث اثنان وتقسيم التركة صحيح حسب الذكر الحكيم.
أمّا في جانب الزوج فقد عرفت، وأمّا في جانب الا َُخت فلقوله سبحانه: (إنِ امروٌَا هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصفُ ما تَرَكَ) (النساء|176) لكن يرد على الجواب بأنّ أفرض الصحابة غفل عن النص القرآني، وبرّر عمله بقضاء رسول اللّه بذلك.

4. تحريف القرآن الكريم

أخرج أحمد في مسنده عن كثير بن الصلت، قال: كان ابن العاص، وزيد ابن ثابت يكتبان المصاحف، فمرّوا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة»
فقال عمر: لمّا أنزلت هذه أتيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقلت: اكتبنيها.

(223)
قال شعبة: فكأنّه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى انّ الشيخ إذا لم يحصن جلد وانّ الشّابّإذا زنى، وقد أحصن رجم. (1)
أقول: إنّ القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الذي يتميز بأُسلوبه ومضمونه.
والعبارة المحكية عن الخليفة ـ بأنّه من القرآن الكريم ـ كلام حيك على نسق قوله سبحانه: (الزّانيةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مائةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأفَةٌ في دِينِ اللّهِ) (النور|2).
أو قوله سبحانه: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبَا نَكالاً مِنَ اللّه) (المائدة|38).
ولو افترضنا انّ زيداً سمع من رسول اللّه قوله: «الشيخ و الشيخة إذا زنيا » فلا يكون ذلك دليلاً على أنّه من القرآن الكريم، بل هو كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ألقاه لبيان حكم اللّه الشرعي.
ثمّ إنّ القول بالتحريف يخالف النصّ الصريح للذكر الحكيم، قال سبحانه: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) (الحجر|9).
وقال سبحانه: (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَمِيد) (فصلت|42) وأيُّ باطل أوضح من تطرّق الزيادة والنقيصة إلى تلك المعجزة الخالدة.
والعجب انّالذين يروون هذه الروايات الضعيفة يتهمون الشيعة بالتحريف، وفاتهم انّ العثور على رواية في هذا الصدد في كتبهم لاتكون دليلاً على العقيدة، وعلى فرض التسليم فكتب هوَلاء أيضاً تعجّ بالاَحاديث التي تدل على التحريف.

1 . مسند أحمد: 5|183؛ وانظر سنن الدارمي: 2|179، باب في حد المحصنين بالزنا.

(224)

5. عدم سجود النبي عند قراءة سورة النجم

أخرج أبو داود في سننه، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت، قال: قرأت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) النجم فلم يسجد فيها. (1)
إنّ الحديث يخالف ظاهر القرآن الكريم حيث ورد فيه السجود بصيغة الاَمر الظاهر في الوجوب، قال سبحانه: (أَفَمِنْ هذا الحَديثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سامِدُونَ * فاسجُدُوا للّهِ واعْبُدُوا) (النجم|59ـ 62).
نعم لو ثبت فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون قرينة على حمل الاَمر في الآية على استحباب السجود لكن الروايات المتضافرة دلّت على وجوبه.
أخرج البخاري، والترمذي وابن مردويه عن ابن عباس، قال: سجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والاِنس.
وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن المطلب بن أبي وداعة، قال: قرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة (والنجم) فسجد وسجد من معه.
وأخرج سعيد بن منصور، عن سبرة، قال: صلّى بنا عمر بن الخطاب الفجر، فقرأ في الركعة الاَُولى سورة يوسف، ثمّ قرأ في الثانية النجم، فسجد، ثمّ قام: فقرأ إذا زلزلت ثمّ ركع. (2)

6. العثور على آية عند خزيمة

أخرج البخاري في صحيحه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، انّ زيد بن

1 . سنن أبي داود: 2|58 برقم 1404.
2 . الدر المنثور: 7|668.

(225)
ثابت، قال: نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الاَحزاب كنت أسمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرأ بها، فلم أجدها إلاّمع خزيمة بن ثابت الاَنصاري الذي جعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شهادته شهادة رجلين، وهو قوله: (مِنَ المُوَْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْه) . (1)
قد عرفت أنّ القرآن الكريم جمع في عصر الرسالة وانّ القول بجمعه بعد رحيله يخالف العقل والنقل.
والعجب انّ القرآن الكريم الذي كان يسمعه مئات الصحابة وهم يعدون في طليعة الحفّاظ كيف نسي الجميع هذه الآية على وجه لم يجدها زيد بن ثابت إلاّ عند خزيمة بن ثابت؟! ومعنى ذلك انتهاء القرآن الكريم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخبر الواحد، وكون شهادة خزيمة تعادل شهادة رجلين لا يخرجها عن حدّ خبر الواحد.
على أنّ زيداً قد اعتمد في كتابة آخر آية من سورة البراءة على نفس ذلك الشخص، وفاته انّ تلك التشبثات لا تضفي على القرآن وصف التواتر.

7. نهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتابة الحديث

أخرج أبو داود في سننه، عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه.(2)
إنّ البحث في منع الرسول عن كتابة حديثه ذو شجون، وقد استوفينا الكلام فيه في مقدمة هذا الكتاب، فلو كان الرسول أمر بمحو ما كتب فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) أُسوة، كما

1 . صحيح البخاري: 4|19، باب قول اللّه تعالى (من الموَمنين) ؛ سنن الترمذي: 5|284ـ 285 برقم 3104.
2 . سنن أبي داود: 3|318ـ 319 برقم 3647.ورواه أحمد في مسنده:3|12 عن أبي هريرة.

(226)
قال اللّه تبارك وتعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة) (الاَحزاب|21).فلنقتد جميعاً برسول اللّه ولنحرق جميع الصحاح والمسانيد والسنن، ولم يكن أمر الرسول أمراً موَقّتاً مقطعياً وإنّما كان أمراً شمولياً عبر الزمان، أفيصح ذلك في منطق العقل؟! كيف ولو انفصلنا عن السنة لخفي علينا معالم الدين والشريعة؟!
كيف يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمحو كتابة الحديث مع أنّه كتب إلى الاَساقفة وشيوخ القبائل والروَساء كتباً ورسائل اتّفق فيها معهم على أُمور؟ وهذه الكتب كانت موجودة في أيدي الناس ولم يأمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بمحوها وإبطالها.
أمر القرآن الكريم بكتابة الدين مهما كان صغيراً أو كبيراً، أو ليس لكلامه ـ نعوذ باللّه ـ قيمة بمقدار الدين.
كلّذلك يعرب عن أنّ المنع عن كتابة الحديث كان منعاً سياسياً من جانب الخلفاء، ولم يكن له أصل دينيّ، ولذلك لما بلغ السيل الزبى، وتسرّبت كثير من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات إلى أوساط المسلمين. وقف المسلمون وفي طليعتهم عمر بن عبد العزيز على الخسارة الفادحة التي منوا بها من جرّاء ذلك، فكتب إلى أبي بكر بن حزم بضبط الحديث وتدوينه من رأس، قائلاً: انظر ما كان من حديث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (1)
والذي يوَيد كون الحديث موضوعاً على لسان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رواه ابن داود، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّ شيءٍ أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح البخاري: 1|27، باب الحرص على الحديث.

(227)
أُريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّشيء تسمعه ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاّحقّ. (1)

8. البداء المحال في الوحي

أخرج البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد الساعدي، انّه قال: رأيت مروان بن الحكم جالساً في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا انّ زيد بن ثابت أخبره انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أملى عليه:«لا يستوي القاعدون من الموَمنين والمجاهدون في سبيل اللّه».
قال: فجاءه ابن أُمّمكتوم وهو يمليها عليّ، فقال: يا رسول اللّه لو أستطيعُ الجهاد لجاهدت وكان رجلاً أعمى، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على رسوله «صلى الله عليه وآله وسلم» وفخذه على فخذي فثقلت عليَّ حتّى خفت ان ترضّ فخذي ثم سُرّيَ عنه، فأنزل اللّه عزّوجلّ ( غَيْرُ أُولِي الضَّرَر) (النساء|95). (2)
أقول: إنّ فصل الخاص عن العام، والمقيد عن المطلق أمر جائز في التشريع الاِسلامي، لاَنّالسنة الاِلهية جرت على بيان الاَحكام الشرعية بالتدريج، وهذا مما لا مشاحة فيه . إنّما الكلام في الآية المباركة التي ليست بصدد بيان الحكم الشرعي حتى يتماشى فيها الضابطة المذكورة، وإنّما هي بصدد بيان حقيقة وهي عدم استواء القاعد و المجاهد، فإذاً الموضوع امّا هو مطلق القاعد أو القاعد غير أُولي الضرر.
فلو كان الموضوع ـ في الواقع ـ هو مطلق القاعد، فلماذا أُضيف إليه قيد

1 . سنن أبي داود: 3|318 برقم 3646.
2 . صحيح البخاري: 4|24 و25 باب قول اللّه تعالى: (لا يَسْتَوي القاعِدُونَ مِنَ الموَمِنينَ) .

(228)
(غير أُولي الضرر) في المرّة الثانية، ولو كان الموضوع منذ أوّل الاَمر هو المقيد (أي لا يستوي القاعدون غير أُولي الضرر) فلماذا فصل عنه القيد في المرّة الاَُولى وضمّ إليه ثانياً ؟ ومعنى ظاهر الرواية حدوث البداء على اللّه سبحانه، وظهور ما خفي عليه وهو أمر محال، فلم يعلم وجه هذا الفصل إلاّ أن تكون الغاية تكريم ابن أُمّ مكتوم وهذا أمر بعيد، فالحكم بوضع الرواية أحسن من هذا التوجيه.
وقد زعم أبو جعفر الطحاوي انّ الاِشكال يكمن في التسوية بين القاعدين لعذر وبغير عذر.
فأجاب انّه سبحانه لم يقصد من القاعدين في الآية القاعدين بالزمانة مع النية انّهم لو أطاقوا الجهاد لجاهدوا، ولكن ذهب ذلك عن ابن أُمّ مكتوم حتى قال ما قال (1)
أقول: خفي عليه موضع الاِشكال، فانّ محله هو انّه سبحانه إمّا أراد من القاعدين عمومهم، أو خصوص غير القاعدين بالزمانة، فعلى الاَوّل يلزم البداء بإنزال القيد، وعلى الثاني يلزم تأخير القيد المتصل عن الآية وهو كما ترى.

9. الملائكة باسطوا أجنحتهم على الشام

أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن شماسة، عن زيد بن ثابت، قال:
بينا نحن عند رسول اللّه نوَلّف القرآن من الرقاع، إذ قال: طوبى للشام، قيل: ولِـمَ ذلك يا رسول اللّه؟ قال: لاَنّ ملائكة الرحمن باسطوا أجنحتها عليه.(2)

1 . مشكل الآثار: 2|154.
2 . مسند أحمد: 5|184.

(229)
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفصح من نطق بالضاد، فهو لا يتكلم اقتضاباً إلاّ أن يكون في المقام أدنى مناسبة، فلو افترضنا انّ زيداً كان يوَلف القرآن من الرقاع، ولم يكن يتكلّم مع النبيفبأيِّ مناسبة ألقى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه وأظهر فضائل الشام؟ وأغلب الظن انّ الحديث وضع في أوائل العهد الاَموي لتثبيت أركان الجهاز الحاكم.

10. ضرورة اتخاذ الخليفة من المهاجرين

أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: لما توفي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام خطباء الاَنصار فجعل منهم من يقول: يا معشر المهاجرين إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا استعمل رجلاً منكم قرن معه رجلاً منّا، فنرى أن يلي هذا الاَمر رجلان، أحدهما منكم، والآخر منّا، قال: فتتابعت خطباء الاَنصار على ذلك، قال: فقام زيد بن ثابت، فقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان من المهاجرين، وإنّما الاِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنّا أنصار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقام أبو بكر، فقال: جزاكم اللّه خيراً من حيٍّ يا معشر الاَنصار وثبّت قائلكم، ثمّقال: واللّه لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم.(1)
إنّ الخلافة كالرسالة فرع وجود موَهلات و صلاحيات توَهل الاِنسان لاَن يشغل منصَّة الخلافة ويقوم بنفس الوظائف المخوّلة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى النبوّة، وعلى ضوء ذلك فليست العناوين الطارئة كعنوان الاَنصار أو المهاجرين من الموَهلات للقيام بأعباء الخلافة، ولذلك يقول سبحانه: (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُرِسالَتَهُ ) (الاَنعام|124). فما صرح به زيد من أنّ الرسول كان من المهاجرين فليكن الاِمام منهم،من الوهن بمكان لعدم الدليل على الملازمة.

1 . مسند أحمد:5|185.

(230)
وتشهد على بطلانه هذه الوثيقة التاريخية:
لما عرّف الرسول نفسه على بني عامر الذين جاءوا إلى مكة المكرمة في موسم الحج ودعاهم إلى الاِسلام، قال له كبيرهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك أيكون لنا الاَمر من بعدك؟
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء.(1)
فعلى ذلك فمنطق المهاجرين والاَنصار في مسألة الخلافة منطق غير سديد، إذ ليست الخلافة رهن عنوان المهاجرين والاَنصار، وإنّما هي رهن ملاكات وصلاحيات لا حصر لها، قال سبحانه: (إنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوت مَلِكاً قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُوَْتَ سَعَةً مِنَ المالِقالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُوَْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة|247) فقد انطلق بنو إسرائيل من مبدئية الثراء وكثرة المال، واللّه سبحانه ردّ عليهم وجعل المعيار هو كثرة العلم والقدرة الجسمانية، وأين هذا من منطق الحاضرين في سقيفة بني ساعدة؟!


1 . ابن هشام السيرة النبوية:2|424.

(231)

13
المغيرة بن شعبة

(20ق.هــ ـ 50هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بال قائماً.
2. يعذب الميت بما يُناح عليه.
3. إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) القيامة.
4. الدجال معه جبل خبز.
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، يُكنّى أبا عبد اللّه.
روى ابن إسحاق عن عامر بن وهب، قال: خرج المغيرة في ستة من بني مالك إلى مصر تجّاراً حتى إذا كانوا ببزاق (1) عدا عليهم فذبحهم واستاق العير وأسلم.
وروى الواقدي: انّه قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليه ثياب سفره، وكان أبوبكر

1 . موضع قريب من مكة.

(232)
عنده فسأله، وقال: أمن مصر أقبلتم؟ قال: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قال: قلت: قتلتهم وأخذت اسلابهم وجئت بها إلى رسول اللّه ليخمِّسها، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمّا إسلامك فنقبله، ولا آخذ من أموالهم شيئاً، لاَنّ هذا غدر ولا خير في الغدر، فأخذني ماقرب وما بعد، وقلت: إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي. وكان قتل منهم ثلاثة عشر فبلغ ثقيفاً بالطائف فتداعوا للقتال، ثمّ أصلحوا على أن يحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.
وهذا يعرب انّه التجأ إلى الاِسلام كي يصون به نفسه عن سطوة ثقيف، وقد التقى في الحديبية مع عروة بن مسعود وهو مندوب قريش فلما عرفه عروة ، قال له: يا غدر، واللّه ما غُسِلتْ عني سوأتك إلاّ بالاَمس.
استأمره عمر على البحرين فكرهوه فعزله عمر، ثمّ ولاّه البصرة فبقي عليها ثلاث سنين واتّهم فيها بالزنا، فشهد عليه أبو بكرة ونافع ابنا الحارث وشبل بن معبد وزياد بن أبيه، لكن الاَخير عدل عن شهادته، وقال: لم أر ما قالوا لكن رأيت ريبة و سمعت نفساًعالياً. فكبّر عمر وضرب القوم إلاّ زياداً، ثمّ عزله من البصرة فولاّه الكوفة.
وقد عُدَّ من دهاة العرب الاَربعة، أعني: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه.
ومن نماذج دهائه انّه: دعا معاويةُ عمروَ بن العاص، فقال: أعنّي على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمل عليها ابنك عبد اللّه بن عمرو، قال: فنعم. فبيْناهم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة وكان معتزلاً بالطائف، فناجاه معاوية، فقال المغيرة: أتوَمِّر عمراً على الكوفة وابنه على مصر وتكون كالقاعد بين لحيي الاَسد؟

(233)
قال: فما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة، قال: فافعل.
فقال: معاوية لعمرو حين أصبح: إنّي قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلّك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوّته عن المكيدة، واعزله عن المال، قد كان قبلك عمر وعثمان فعلا ذلك، قال: نعم ما رأيت.
فدخل عليه المغيرة، فقال: إنّي أمّرتك على الجند والاَرض ثمّ ذكرتُ سنّة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلتُ.
ومن دهائه أنّ عليّاً لما دفن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ألقى المغيرة خاتمه في القبر حتى ينزل في القبر ويجعل ذلك ذريعة إلى الافتخار بأنّه آخر من عَهِدَ برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومَسَحَ كفنه، ولكن لم تنطلِ هذه الحيلة على الاِمام (عليه السلام) ، فقال له: لا يتحدث الناس انّك نزلت في قبر نبي اللّهولا يتحدثون انّ خاتمك في قبره، ونزل هو (عليه السلام) في القبر فناوله إياه.
كان المغيرة ينال في خطبته من علي (عليه السلام) وأقام خطباء ينالون منه.
قال الذهبي: مات أمير الكوفة المغيرة في سنة 50 في شعبان وله سبعون سنة، وله في الصحيحين اثنا عشر حديثاً، وانفرد له البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. هذا بعض ما يمكن أن يذكر في سيرته، وليس الرجل صاحب صحيفة بيضاء، ولنقتصر على ذلك. (1)
وقد بلغ عدد رواياته في المسند الجامع ما يربو على 58 حديثاً. (2)

1 . سير اعلام النبلاء: 3|21ـ32؛ أُسد الغابة: 4|406؛ تاريخ ابن عساكر:17|42؛ طبقات ابن سعد: 4|284 وج 6|20؛ انساب الاشراف:3|68، إلى غير ذلك من المصادر.
2 . المسند الجامع: 15|378 برقم 647.

(234)

روائع أحاديثه

1. أخرج البخاري في صحيحه، عن الورّاد، كاتب المغيرة بن شعبة، قال: أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلاّاللّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كلّشيء قدير، اللّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت. (1) ويصدقه قوله سبحانه:54321وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم) (يونس|107).
2. أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة، قال: كسفت الشمس على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم مات إبراهيم فقال الناس: كُسِفتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا اللّه.(2)
3. أخرج مسلم في صحيحه عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة، قال: فقال المغيرة: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ كذباً عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار . (3)
4. أخرج أحمد في مسنده عن رجل من ولد المغيرة بن شعبة عنه، قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المثلة. (4)
5. أخرج الترمذي في سننه، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن

1 . صحيح البخاري: 1|164، باب الذكر بعد الصلاة.
2 . صحيح البخاري: 2|34، باب الصلاة في كسوف الشمس.
3 . صحيح مسلم: 1|8، باب النهي عن الحديث بكلّما سمع.
4 . مسند أحمد: 4|246.

(235)
شعبة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من حدث عني حديثاً وهو يرى انّه كذب فهو أحد الكذّابين. (1)
هذا شيء من روائع أحاديثه، ولكن عزيت إليه أحاديث لا تصدقها الموازين السابقة، وإليك ما يلي :

1.النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بال قائماً

أخرج ابن ماجة، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» أتى سباطة (2) قوم،فبال قائماً. (3)
والرواية لو صحت فإنّما تحمل على صورة الاضطرار، فإنّ البول قائماً ينافي ما ثبت منه خلافه.
قال ابن قدامة: ويُستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، قال ابن مسعود: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً، قالت عائشة: من حدثكم انّرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلاّ قاعداً.
قال الترمذي: هذا أصحّ شيء في الباب، وقد رويت الرخصة فيه عن علي (عليه السلام) ، وعمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وسهل بن سعد، وأنس، وأبي هريرة، وعروة ، ورواه البخاري وغيره ولعلّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك لتبيين الجواز ولم يفعله إلاّمرّة واحدة، ويحتمل انّه في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه. (4)

1 . سنن الترمذي: 5|36 برقم 2662.
2 . سباطة: الكناسة.
3 . سنن ابن ماجة: 1|111 برقم 306.
4 . المغني: 1|156.

(236)
وما نقله عن عائشة فقد رواه ابن ماجة، انّها قالت: من حدَّثك انّ رسول اللّه بال قائماً فلا تُصدِّقه، أنا رأيته يبول قاعداً. (1) وروى ابن ماجة في سننه عن عمر، انّه قال: رآني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أبول قائماً. فقال: يا عمر: لا تبل قائماً، فما بلت قائماً، بَعْدُ. (2)
وروى جابر بن عبد اللّه قال: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبول قائماً. (3) وما وجّه به ابن قدامة صدوره من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه كان لتبيين الجواز وجه تافه، إذ بإمكانه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبيّنه بكلامه دون حاجة إلى بيانه بالفعل الذي يعدّ من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة، وأمّا نسبة ذلك إلى عليّ ، فالمروي عن أئمّة أهل البيت خلافه. (4)

2. يعذب الميت بمايُناح عليه

أخرج أحمد في مسنده، عن علي بن ربيعة الاَسدي، قال: مات رجل من الاَنصار يقال له قرظة بن كعب فنِيح عليه.
فخرج المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: ما بال النوح في الاِسلام أما إنّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من ينح عليه يعذّب بما يناح به عليه. (5)
قد تناولنا البحث في البكاء على الميت والنياحة عليه عند دراسة أحاديث أبي موسى الاَشعري وذكرنا فيها انّ البكاء على الميت أمر فطري نابع من صميم العاطفة الاِنسانية، ومثله غير خاضع للنهي، وإنّما المنهي عنه هو التكلّم والدعاء

1 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
2 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
3 . سنن ابن ماجة: 1|112 برقم 308ـ 309.
4 . الوسائل: الجزء 1، الباب 16 من أحكام الخلوة، الحديث 1.
5 . مسند أحمد: 4|245.

(237)
بالويل والثبور وكل ما يُسخط الرب والاعتراض على قضائه وقدره .
أخرج ابن ماجة في سننه، عن مكحول والقاسم، عن أبي امامة: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الخامشة وجهها، والشاقّة جيبها والداعية بالويل والثبور. (1)
ومعنى هذا، انّ المنهيّ عنه نظير هذه الاَعمال الخارجة عن أدب التسليم والرضا بقدره وقضائه.
وقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنياحة على حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، كما بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) على ولده إبراهيم وبكت معه الصحابة.
وما تضمنه الخبر من أنّالميت يعذب بما يناح عليه، يخالف القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى) (الاَنعام|164) فهو من قبيل أخذ البريء بجرم المذنب، والعقل الحصيف يردّه.

3.إخبار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الحوادث إلى يوم القيامة

أخرج أحمد في مسنده، عن محمد بن كعب القرظي، عن المغيرة بن شعبة، انّه قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاماً فأخبرنا بما يكون في أُمّته إلى يوم القيامة، وعاه من وعاه ونسيه من نسيه. (2)
إنّ الاِخبار عن الحوادث التي تقع في حياة الاَُمّة الاِسلامية محمول على وجه الاِجمال دون التفصيل وذكر روَوس الحوادث دون الخوض في تفاصيلها وإلاّ لاستغرق مدة مديدة ربّما لا يتسع لها عمر المتكلّم والسامع.
وعلى ذلك فهل وعى المغيرة بن شعبة من تلك الاَخبار شيئاً مفيداً لحال الاَُمّة أو كان ممن نسي الجميع؟ فلو كان ممن وعاه، فلماذا لم يخبر الاَُمّة بما سمعه

1 . سنن ابن ماجة:1|505 برقم 1585.
2 . مسند أحمد: 4|254.

(238)
ولم يُبيّـن جانباً من تلك الجوانب؟ ولو كان ممن نسيه، فهذا يعرب عن ضعف ذاكرته، حيث لم يضبط شيئاً ممّا سمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حول تلك الحوادث المهمة التي تتشوق النفس إلى معرفتها وحفظها، وعند ذاك لا يمكن الاعتماد والركون إلى جميع ما أخبر به عن النبي من أحاديث رواها عنه أصحاب الصحاح والمسانيد.
وقد نقل أيضاً عن حذيفة، انّّه قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاماً فحدثنا بما هو كائن إلى قيام الساعة، فحفظه من حفظه و نسيه من نسيه.
قال الذهبي بعد نقل الرواية في ترجمته: قلت: قد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يرتّل كلامه ويفسّره، فلعلّه قال في مجلسه ذلك ما يكتب في جزء، فذكر أكبر الكوائن، ولو ذكر أكثر ما هو كائن في الوجود لما تهيّأ أن يقوله في سنة، بل ولا في أعوام، ففكّر في هذا. (1)
وهذا التوجيه لو تمّ فإنّما يتم على رواية المغيرة بن شعبة، دون رواية حذيفة ابن اليمان الآنفة الذكر حيث خصّص الاَوّل بيانهلما يقع في أُمّته دون الثاني حيث عمّم بيانه لما هو كائن إلى قيام الساعة.

4. الدجال معه جبل خبز

أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة: ما سأل أحد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الدّجّال ما سألته، وانّه قال لي: ما يضرّك منه؟ قلت لاَنّهم يقولون: إنّه معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على اللّه من ذلك. (2)
وروى مسلم عنه انّه قال: ما سأل رسول اللّه أحد عن الدجال أكثر ممّا

1 . سير أعلام النبلاء:2|366 برقم 76.
2 . صحيح البخاري: 9|59، باب ذكر الدجال.

(239)
سألته عنه، فقال لي: أي بُنيّوما ينصبك منه انّه لن يضرك؟ قال: قلت: إنّهم يزعمون أنّ معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: هو أهون على اللّه من ذلك. (1)
لا شكّ انّاللّه سبحانه أقدرُ على ذلك وأهون عليه وانّكلّممكن بالنسبة إليه سواء فلا يتصور فيه اليسر ولا العسر إذا كان الشيء بذاته أمراً ممكناً غير ممتنع. وقال علي (عليه السلام) : «ما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف والقوي والضعيف في خلقه إلاّ سواء». (2) ولكن الكلام في أنّه هل من الممكن عقلاً و منطقاً تزويد الدجال المضلّ بتلك الكرامات الكبيرة والمعجزات الباهرة التي هي خير ذريعة لاِضلال الناس؟
وبعبارة أُخرى: انّ تزويده بتلك القُدُرات الخارقة للعادة، يوجب التفاف الناس حوله وإيمانهم به وبدعوته، وهو غير جائز ببداهة العقل إذ معنى ذلك إنّه سبحانه مهد الطريق لاِضلال الناس، وحكمته سبحانه تصدّنا عن تجويزه عليه قال سبحانه: (وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاََقاوِيل* لاََخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ* فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) (الحاقة|44ـ47).
ومفاد الآية: انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كان صاحب معاجز وكرامات باهرة فالناس بطبعهم يلتفون حوله ويرون ذلك دليلاً على اتصاله باللّه وكونه سفيراً من قبله، فلو تقوّل ـ والعياذ باللّه ـ على اللّه سبحانه والحال هذه، فمقتضى حكمته أن يأخذ منه باليمين ويقطع منه الوتين بلا تريّث وتردد.
ومع ذلك فكيف يزوّد دجال العصر الذي أخبر عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من أحاديثه بهذه القدرات الغيبية ويُمهله مدّة مديدة لاِضلال الناس ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين؟!

1 . صحيح مسلم: 6|177، باب جواز قوله لغيره يا بني.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 185.

(240)

14
جرير بن عبد اللّه البجلي

( ... ـ 51هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
روَية اللّه يوم القيامة
ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حشم بن عوف البجلي القسري، أبو عمرو، وقيل أبو عبد اللّه، من أعيان الصحابة .
حدّث عنه: أنس، وقيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وهمّام بن الحارث، وأولاده الاَربعة: المنذر، وعبيد اللّه، وإبراهيم، وأيوب، وشهر بن حوشب، وزياد بن علاقة، وحفيده أبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة.
قال الواقدي: حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قال: قدم جرير البجلي في رمضان سنة عشر ومعه من قومه خمسون ومائة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه فأسلموا.
شهد حرب القادسية ثمّ نزل الكوفة، ولما قدم أمير الموَمنين علي (عليه السلام) الكوفة

(241)
بعد وقعة الجمل، كتب إلى جرير وكان عاملاً لعثمان على همدان يدعوه إلى البيعة، فكتب إليه جرير جواب كتابه بالطاعة ثمّ أقبل إلى الكوفة فبايعه، بعثه الاِمام علي (عليه السلام) رسولاً إلى معاوية يدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المهاجرون والاَنصار من طاعته.
قال ابن عساكر: سكن جرير الكوفة، ثمّ سكن قرقيسياء، وقدم رسولاً من عليّ إلى معاوية.
توفي جرير سنة إحدى وخمسين.
ومسند جرير نحو من مائة حديث بالمكرر، اتّفق له الشيخان على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بستة. (1)
عدّ من المقلِّين في الفتيا من الصحابة، وله في المسند الجامع 57 حديثاً.(2)
وقد عزيت إليه أحاديث رائعة وأُخرى سقيمة.

فمن روائع أحاديثه:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن هلال العبسي، عن جرير بن عبد اللّه، قال:
جاء ناس من الاَعراب إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة، فحثّالناس على الصّدقة فأبطأوا عنه حتّى روَي ذلك في وجهه. قال: ثمّ إنّ رجلاً من الاَنصار جاء بصُرّة من ورق ثمّ جاء آخر، ثمّ تتابعوا

1 . سير أعلام النبلاء: 2|530 برقم 108؛ أُسد الغابة:1|279؛ الطبقات الكبرى لابن سعد: 6|22.
2 . المسند الجامع: 4|486 برقم 89.

(242)
حتى عرف السّرور في وجهه.
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من سنَّ في الاِسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أُجورهم شيء؛ و من سنّ في الاِسلام سنّة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء. (1)
2. أخرج الحميدي عن قيس بن أبي حازم، قال: قال لي جرير: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: مَنْ لا يَرْحم الناس لا يرحمه اللّه عزّوجلّ. (2)
وعزي إليه حديث لا يستقيم مع الضوابط المقررة.

روَية اللّه يوم القيامة

أخرج الحميدي في مسنده، عن قيس، قال: قال لي جرير بن عبد اللّه:
كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: أما إنّكم سترون ربّكم، كما ترون هذا، لا تضامُّون في روَيته، فمن استطاع منكم لا يغلب على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثمّ قال: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها) (طه|130). (3)
قوله: «لا تضامّون » امّا بالتخفيف بمعنى لا يحصل لكم ضيم، وبالتشديد أي لا تزاحمون.
وحاصل الحديث: انّ ثمّة فرق بين روَية الهلال وإراءته للآخرين وبين

1 . صحيح مسلم:8|61، باب من سنّ سنة حسنة أو سيئة.
2 . مسند الحميدي: 2|351برقم 802.
3 . مسند الحميدي: 2|350 برقم 799.

(243)
روَية البدر، فالاَوّل لاَجل ضآلة روَيته فهو بحاجة إلى مشاركة الناس بغية روَيته، بخلاف البدر فهو لاَجل وضوح روَيته لا يحتاج إلى تلك العناية، بل يراه كلّ الناس في محله وموضعه.
إنّ مسألة الروَية من المسائل المستوردة من اليهود الذين كانوا يصرّون على موسى أن يريهم الرب في ميقاتهم، فنزل عليهم ما نزل.
ولما كان عليّ (عليه السلام) من المنكرين للروَية والقائلين بالتنزيه، عمد مخالفوه إلى نقل روايات حول الروَية عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مقابلة له.
وقيس بن أبي حازم كان من مناوئي علي (عليه السلام) و مخالفيه.
يقول ابن حجر: وقد تكلّم أصحابنا فيه فمنهم من رفع قدره وعظّمه وجعل الحديث عنه من أصح الاسناد، ومنهم من حمل عليه، و قال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الاَحاديث على أنّها عندهم غير مناكير، وقالوا : هي غرائب. ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقالوا: كان يحمل على عليٍّ، والمشهور عنه انّه كان يقدّمُ عثمان ولذلك تجنب كثير من قدماء الكوفيين الرواية عنه. (1)
أقول: ما قيمة رواية تخالف الذكر الحكيم حيث يقول: (لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِير ) (الاَنعام|103) ويقول سبحانه مخاطباً لموسى : (لَنْ ترانِي ) (الاَعراف|143) ولفظة «لن» في لغة العرب للتأبيد، و قد تكلمنا حول الروَية في هذا الكتاب فلا نعيد.
وتخالف أيضاً العقل الصريح الذي به عرفنا اللّه سبحانه، والذي يحكم بامتناع روَيته لاستلزامها كونه جسماً أو جسمانياً، محاطاً واقعاً في جهة ومكان ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً ـ .

1 . تهذيب التهذيب: 8|388.

(244)

15
عمران بن الحصين الخزاعي

(...ـ 52هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. الميت يعذب ببكاء الحي.
2. خير القرون قرني.
3. أكثر أهل النار النساء.
4. كل ميسر لما خلق له.
عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي، يكنّى أبا نجيد، أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في سنة 7هـ، وله عدّة أحاديث، وغزا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غزوات، بعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقِّه أهلها، وكان من فضلاء الصحابة، واستقضاه عبد اللّه بن عامر على البصرة فأقام قاضياً يسيراً ثمّ استعفى فأعفاه.
روى عنه الحسن وابن سيرين.
وقال الذهبي: وكان ممّن اعتزل الفتنة، ولم يحارب مع علي «عليه السلام».
أقول: ما ذكره الذهبي شنشنة أعرفها من كلّ من يكنّ العداء لاَهل البيت (عليهم السلام) وعلى رأسهم أمير الموَمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، كيف يصف الذهبي حروب علي مع الناكثين و القاسطين والمارقين فتنة، وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بها؟!!

(245)
روى أبو أيّوب الاَنصاري، قال: أمرني رسول اللّه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع علي. (1)
روى أبو سعيد الخدري: أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، قلنا: يا رسول اللّه، أمرتنا بقتال هوَلاء، فمع من؟ قال: مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر. (2)
روى عمّار بن ياسر، قال: أمرني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (3)
قال الخطيب في تاريخه عن خليد العصري، قال: سمعت أمير الموَمنين علياً يقول يوم النهروان: أمرني رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. (4)
والروايات المروية عنه تحكي عن تعاطفه مع علي (عليه السلام) ولعلّه لم يشارك في الحروب، لعذر كالمرض كما يظهر ممّا نقله العلاّمة المجلسي في البحار.
توفي عمران سنة 52 في البصرة.
قال الذهبي: مسنده 180 حديثاً، اتّفق الشيخان له على تسعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة أحاديث، ومسلم بتسعة. (5)
وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 98 حديثاً. (6)
فلنذكر شيئاً من روائع رواياته، ثمّ نذكر ما عزي إليه وهي تخالف الاَُصول الصحيحة.

1 . الاستيعاب: 3|53.
2 . البداية و النهاية:7|317.
3 . مجمع الزوائد: 7|238.
4 . تاريخ بغداد: 8|340؛ تاريخ ابن كثير: 7|305.
5 . سير أعلام النبلاء: 2|512؛ أُسد الغابة: 4|138.
6 . المسند الجامع: 14|206ـ 281 برقم 508.

(246)

روائع رواياته:

1. أخرج مسلم في صحيحه، عن مطرّف، عن عمران بن حصين، قال: تمتّعنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم ينزل فيه القرآن، قال رجل برأيه ما شاء. (1)
وقد رواه مسلم أيضاً بطرق أُخرى عن عمران بن حصين، ومراده من «رجل» هو عمر بن الخطاب الذي نهى عنه كما رواه أحمد في مسنده. (2)
2. أخرج أحمد في مسنده عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كان له على رجل حق، فمن أخر، كان له بكلّ يومٍ صدقة. (3)
3. أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من حلف على يمين مصبورة (4) كاذباً فليتبوأ بوجهه مقعده من النار. (5)
4. أخرج النسائي في سننه، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل من أهل البصرة، قال: صحبت عمران بن حصين، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: النذر نذران، فما كان من نذر في طاعة اللّه فذلك للّه، وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية اللّه فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين.(6)
5. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين: انّ امرأة من جهينة أتت نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبيّ اللّه أصبت

1 . صحيح مسلم: 4|48،باب جواز التمتّع من كتاب الحج.
2 . مسند أحمد: 4|436.
3 . مسند أحمد: 4|442.
4 . المصبورة أي الزم بها وحبس عليها.
5 . سنن أبي داود: 3|220 برقم 3242؛ مسند أحمد:4|436.
6 . سنن النسائي: 7|28ـ 29، باب كفارة النذر.

(247)
حدّاً فأقمه عليَّ، فدعا نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وليّها، فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها، ففعل فأمر بها نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فشكَّت عليها ثيابها ثمّ أمر بها فرجمت ثمّ صلى عليها.
فقال له عمر: تصلّي عليها يا نبيّ اللّه وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للّه تعالى؟! (1)
6. أخرج أحمد، عن أبي الرجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرَّف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعد، فقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من أنعم اللّه عزّ وجلّ عليه نعمة فانّ اللّه عزّوجلّ يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه، وقال الروح ببغداد... يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. (2)
7. أخرج الدارمي في سننه، عن الحسن، عن عمران بن حصين، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: مقام الرجل في الصف في سبيل اللّه أفضل من عبادة الرجل ستين سنة. (3)
8. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا طاعة في معصية اللّه تبارك و تعالى.(4)
9. أخرج الترمذي في سننه، عن مطرِّف بن عبد اللّه عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جيشاً، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمضى في السّريّة، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح مسلم:5|130، باب من اعترف على نفسه بالزنا.
2 . مسندأحمد: 4|438.
3 . سنن الدارمي: 2|202، باب في مقام الرجل في سبيل اللّه.
4 . مسند أحمد: 4|426.

(248)
فقالوا: إذا لقينـا رسـول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرناه بما صنع عليّ، وكان المسلمون إذا رجعوا من السّفر بدأوا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسلّموا عليه، ثمّ انصرفوا إلى رحالهم، فلمّا قدمتِ السّريّةُ، سلّمـوا على النبيفقام أحد الاَربعـة، فقـال: يا رسول اللّه، ألم تر انّ علي بن أبي طالب صنع كذا و كذا، فأعرض عنه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثمّقام الثالث فقال مثل مقالته: فأعرض عنه، ثمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا. فأقبل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) والغضب يعرف في وجهه، فقال: ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ، ما تريدون من عليّ؟! إنّ عليّاً منّي، وأنا منه، وهو وليُّ كلّ موَمن بعدي. (1)
10. أخرج ابن ماجة في سننه، عن القاسم بن مهران، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ اللّه يحبُّعبده الموَمن، الفقير، المتعفف، أبا العيال. (2)
ويوَيده قوله سبحانه:(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّه لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرباً فِي الاََرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أَغْنياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ الناسَ إِلحافاً وَما تُنفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة|273).
هذه شيء من روائع رواياته وكم لها من نظير، وقد عزي إليه ما لا ينطبق عليه الموازين التي استعرضناها في صدر الكتاب فلنذكر منها شيئاً

1. الميت يعذب ببكاء الحي

أخرج أحمد في مسنده عن محمد بن سيرين، قالوا: ذكروا عند عمران بن حصين «الميت يعذب ببكاء الحي»، فقالوا: كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟ فقال

1 . سنن الترمذي:5|632 برقم3712؛ و مسند أحمد : 4|437.
2 . سنن ابن ماجة: 2|1380 برقم 4121.

(249)
عمران قد قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)
إنّ تعجّب الحاضرين أوضح دليل على أنّ الرواية مخالفة للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، وقد أثارت حفيظتهم ودفعتهم إلى القول بأنّه «كيف يعذب الميت ببكاء الحي؟»وقد ذكرنا ما هو الصحيح غير مرّة .

2. خير القرون قرني

أخرج مسلم في صحيحه، عن زهدم بن مُضرّب، سمعت عمران بن حصين يحدث انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ خيركم قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، ثمّالذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أقال رسول اللّه صبعد قرنه مرّتين أو ثلاثة، ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون،ويخونون ولا يُوَتمنون، ويَنذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السِّمن. (2)
التاريخ الصحيح لا يذعن بما جاء في الرواية، فلنضرب عن عصر الخلفاء الراشدين صفحاً، ونستعرض العهد الا َُموي الذي تسلم فيه الا َُمويون منصة الخلافة ابتداءً من معاوية بن أبي سفيان فيزيد بن معاوية فمروان بن الحكم ثم أبناوَه الاَربعة، فهل يمكن أن نعدَّ هذه الحقبة من التاريخ خير القرون، وقد قتل فيها سبط النبيالحسين بن علي (عليهما السلام) ، وأُبيحت دماء أهل المدينة وأعراض نسائهم، وحوصرت مكة وهتكت حركتها بيد الحجاج بن يوسف الثقفي، واستعبد أبناء المهاجرين والاَنصار، ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي غلمان الروم؟! إلى غير ذلك من الجرائم البشعة التي يندى لها جبين الاِنسانية.
وأنت إذا أمعنت في كتب التواريخ وجدت النصف الثاني من القرن الاَوّل

1 . مسند أحمد: 4|437.
2 . صحيح مسلم: 7|185ـ 186، باب فضل الصحابة ، ثمّ الذين يلونهم ثمّالذين يلونهم.

(250)
من أشرِّ القرون لا خير فيه، ولا في خلفائه وأُمرائه، والناس بأُمرائهم أشبه منهم بآبائهم.

3. أكثر أهل النار النساء

أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: اطّلعت في الجنّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. (1)
أقول: لو ثبت الحديث وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اطّلع من عالم الغيب على أنّ أكثر أهل النار من النساء، لاَخذنا به ، لكنّه لم يثبت، و الواقع المشهود في تاريخ البشر هو انّ نسبة وقوع المعاصي من قِبل الرجال أكثر منه عند النساء، فثمة معاصي موبقة لا يقوم بها غالباً إلاّ الرجال كاللواط والسرقة والقتل وغيرها.
أمّا النساء فيلازمن المنازل غالباً ويقمنَ بالوظائف البيتية أو العمل في المزارع والمعامل.
أضف إلى ذلك انّ المعاناة التي تلاقيها المرأة أيّام الحمل والوضع بمثابة مطهر لها من الذنوب ولو ماتت في هذا السبيل ماتت شهيدة.
روى النسائي عن عقبة بن عامر انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «والنفساء في سبيل اللّه شهيد». (2)
ومن لاحظ الروايات الواردة في هذا المجال رأى فيها قسوة ظاهرة في حقّ النساء.

1 . صحيح البخاري: 4|117، باب ماجاء في صفة الجنة.
2 . سنن النسائي: 6|37.

(251)
روى مسلم، عن عمران بن حصين، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إنّ أقل ساكني الجنة النساء. (1)
وروى أيضاً عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كنت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون إلاّ أصحاب النار فقد أُمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء.
والقضية في كلا الجانبين قابلة للنقاش، ومعنى ذلك انّه لا يدخل غني الجنة ولا يدخل رجل النار.
وروى مسلم أيضاً عن أُسامة بن زيد بن حارثة، وسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل انّهما حدثا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء. (2)
إنّ القرآن الكريم يذكر الاَموال والاَولاد من أسباب الفتنة، ويقول:(إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (التغابن|15).
ولا يذكر النساء من أسبابها وإنّما يصفهنّ بقوله: (إنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن|14).
فضرر النساء على الرجال أقل بكثير من ضرر حبّ الرئاسة والجاه والمال.

4. كل ميسّر لما خلق له

أخرج البخاري في صحيحه، عن عمران بن حصين، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قال: فلم يعمل العاملون؟

1 . صحيح مسلم: 8|88، باب أكثر أهل الجنة الفقراء.
2 . المصدر نفسه.

(252)
قال: كلّ يعمل لما خلق له، أو لما يسّـر له. (1)
أقول: لما كان مضمون الحديث يعادل الجبر، سأل السائل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقال: إذا كان كلّإنسان مسيّر إما إلى الجنة أو إلى النار فلماذا يعمل أهل الجنة مع أنّمصيرهم إليها، (فلِمَ يعمل العاملون)؟
والسوَال جيد جداً، وأمّا الجواب فليس بمقنع ولا قالع للاشكال لولم نقل انّه دعم للاشكال، حيث جاء فيه: كلّ ميسر لما خلق له ، فأهل الجنة خلقوا للجنة فيعملون لها، وأهل النار خلقوا للنار فيعملون لها.
فعنذئذٍ تثار تساوَلات:
الاَوّل: إذا كان أهل الجنّة خلقوا للجنة فهم يدخلون الجنة شاءوا أم أبوا، فما معنى التكليف والعمل؟
الثاني: إذا كان أهل النار خلقوا للنار شاءوا أم أبوا، فما هو ذنبهم في دخلوهم النار؟
وقد حاول الشارحون دفع الاِشكال فلم يأتوا بشيء مقنع .
قال ابن حجر في شرحه للحديث: وفيه قصة لاَبي الاَسود الدوَلي مع عمران، وفيه قوله له: أ يكون ذلك ظلماً ؟ فقال: لا، كلّ شيء خَلْقُ اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل.
قال عياض: أورد عمران على أبي الاَسود شبهة القدرية من تحكمهم على اللّه ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دلّعلى ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حدّ لاَهل السنة، وقوله :«كلّ شيء خلق اللّه وملكه» يشير إلى أنّ المالك الاَعلى الخالق الآمر لا يُعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء، وإنّما يعترض

1 . صحيح البخاري: 7|122، باب في القدر.

(253)
على المخلوق المأمور. (1)
ما نقله ابن حجر عن عياض مخالف للفطرة الاِنسانية التي بني عليها الدين، إذ لا شكّ انّه سبحانه هو الخالق وله التصرّف في ملكه كيفما يشاء هذا من جانب.
ومن جانب آخر انّه حكيم وحكمته تصدّه عن أن يختار الجانب الذي فيه تعذيب البريء والرضيع إلى غير ذلك من الاَعمال التي تعد ظلماً عند العقل وقبيحاً عند الجميع.
فهوَلاء ينظرون إلى سعة قدرته ويغضّون البصر عن حكمته ورأفته وعدله.
وما نقله من مناظرة أبي الاَسود الدوَلي مع عمران بن الحصين نقله الاِمام أحمد في مسنده وإليك نصه:
أخرج أحمد في مسنده عن أبي الاَسود الدوَلي، قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم،وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت : بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً. وقلت: كلّ شيء خلق اللّه وملك يده، فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، فقال لي : يرحمك اللّه. إنيّ لم أرد بما سألتك إلاّ لاَحرز عقلك.
إنّ رجلين من مزينة أتيا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالا: يا رسول اللّه، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم و مضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء

1 . فتح الباري: 11|493.

(254)
قضى عليهم و مضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ:(وَنَفْسٍ وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها). (1)
إنّ أبا الاَسود الدوَلي عالم من علماء الاَُمّة تخرّج على يدي علي بن أبي طالب وله الفضل في تدوين علم النحو برعاية الاِمام (عليه السلام) .
وعمران بن الحصين صحابي جليل نهل من نمير علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد دارت المناظرة بين تابعي وصحابي، ولكن الغلبة كانت حليف أبي الاَسود الدوَلي لاَنّه إذا كان مصير كلّ إنسان محتوماً عليه ومقضيّاً به ولم يكن للاِنسان دور فيه، فما معنى حمل مسوَوليته على عاتقه. قال سبحانه: (انَّ السَّمعَ والبَصَرَ وَالفُوَادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْوَولاً) (الاِسراء|36). وقال سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسوَُولون) (الصافات|24) وقال تعالى: (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْوَولاً) (الاَحزاب|15).
ولاَجل ذلك اعترض أبو الاَسود الدوَلي على عمران، بأنّ إنكار دور الاِنسان في مصيره يلازم كون العقاب عليه ظلماً.
فما أجاب به عمران بن الحصين: من أنّ كلّشيء خلق اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ،جواب غير مقنع، إذ لا شكّ انّ اللّه سبحانه مالك للملك والملكوت، ولا يملك إنسان شيئاً إلاّ بإذنه، ولكنّ حكمته سبحانه وعدله يصدّه عن أن يظلم عباده، وكون الدنيا وما فيها ملكاً له لا يبرّر التصرف في ملكه على خلاف العدل. أي أخذ البريء بلا جرم.
وخلاصة الكلام: انّ هنا أصلين كونه مالكاً وكونه حكيماً، فلا يتصرف في ملكه إلاّ في إطار الحكمة مع كونه قادراً على التصرف على خلافها، واللّه سبحانه لا

1 . مسند أحمد: 4|438.

(255)
يسأل عما يفعل، لاَنّه حكيم لا يفعل على خلاف حكمته، ويعود السوَال عنه سوَالاً لغواً غير مجدٍ.
ثمّ إنّ الصحابي الجليل استند ـ حسب الرواية ـ إلى قصة رجلين من مزينة وهو أيضاً غير مقنع، إذ يرد عليه ما أورد على جواب المناظر.
فرفض أمثال هذه الروايات أفضل من أخذها وتأويلها.


(256)

16
اسامة بن زيد بن حارثة

( ... ـ 54 هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد.
2. النساء أضرّ شيء على الرجال .
ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزّى بن امرىَ القيس، أبو زيد، ويقال: أبو حارثة.
استعمله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على جيش لغزو الشام، وفي الجيش، عمر و كبار الصحابة، وهو ابن حاضنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُم أيمن.
أمّر رسول اللّه أُسامة فطعنوا في إمارته، فقال: إنْ يطعنوا في إمارته فقد طعنُوا في إمارة أبيه، وأيم اللّه انّه كان خليقاً بالاِمارة.
ينقل الذهبي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، قال: رأيت أُسامة يصلّي عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فمرّ به مروان، فقال: أتصلّي عند قبر؟! وقال له قولاً قبيحاً.
فقال: يا مروان، إنّك فاحش متفحّش، وإنّي سمعت رسول اللّه، يقول: إنّ

(257)
اللّه يُبغض الفاحش المتفحّش.
حدّث عنه: أبو هريرة، وابن عباس، وأبو وائل، وأبو عثمان الهندي، وعروة ابن الزبير، وأبو سلمة وأبو سعيد المقبري، وعامر بن سعد، وأبو ظبيان، وعطاء بن أبي رباح، وابناه حسن و محمد.
وله في «مسند بَقيّ» مائة وثمانية عشر حديثاً منها في البخاري و مسلم خمسة عشر، وفي البخاري حديث و في مسلم حديثان.
قال الزهري: مات أُسامة بالجرف (1) في آخر خلافة معاوية سنة أربع وخمسين (2) ضل وبلغت أحاديثه في المسند الجامع 75 حديثاً. (3)
وقد رويت عنه روايات رائعة كما عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع رواياته

1. أخرج أحمد في مسنده، عن الزبرقان،عن أُسامة بن زيد:
«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يصلّي الظهر بالهجير ولا يكون وراءه إلاّالصف والصفان و الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل اللّه تعالى: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين) .
قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لينتهينّ رجال أو لاَحرقنّ بيوتهم. (4)
ومعنى ذلك انّ الصحابة كان يشغلهم الصفق في الاَسواق عن الحضور في

1 . الجرف موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام.
2 . أُسد الغابة: 1|64؛ طبقات ابن سعد:4|61ـ72؛ سير اعلام النبلاء:2|496.
3 . المسند الجامع: 1|99ـ141.
4 . مسند أحمد:5|206 والآية 238 من سورة البقرة.

(258)
صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويدل عليه قوله سبحانه: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) (الجمعة|11).
2. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال:
كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أنَّ صبّياً لها، أو ابناً لها في الموت.
فقال للرسول: ارجع إليها فأخبرها أنّ للّه ما أخذ وله ما أعطى، و كلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب، فعاد الرسول، فقال: إنّها قد أقسمت لتأتينّها.
قال: فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وانطلقتُ معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنّها في شنَّة ففاضت عيناه.
فقال له سعد: ما هذا يا رسول اللّه؟
قال: هذه رحمة جعلها اللّه في قلوب عباده، وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء. (1)
3. أخرج النسائي، عن أبي سعيد المقبري، قال: حدّثني أُسامة بن زيد، قال:
قلت: يا رسول اللّه، لم أرك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب و رمضان، وهو شهر ترفع فيه الاَعمال إلى ربّ العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم. (2)

1 . صحيح مسلم:3|39، باب البكاء على الميت.
2 . سنن النسائي: 4|201، صوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(259)
4. أخرج الترمذي في سننه عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك اللّه خيراً. فقد أبلغ في الثناء. (1)
وإليك ما عزيت إليه من الاَحاديث السقيمة.

1. اتخاذ اليهود قبور أنبيائهم مساجد

أخرج أحمد في مسنده، عن أُسامة بن زيد قال: قال لي رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أدْخل عليَّ أصحابي، فدخلوا عليه فكشف القناع، ثمّ قال: لعن اللّه اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد. (2)
نعلق على الحديث، ونقول:
أوّلاً: إنّ اليهود هم الذين كانوا يقتلون أنبياءهم بغير حق وقد اشتهروا بتلك الوَصْمة، قال سبحانه: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنينَ)(البقرة|91) فمن كانت شيمته قتل الاَنبياء لا يتخذُ قبورهم مساجد سواء أكانت الصلاة لاَجل التبرك بهم أو لاتخاذ قبورهم قبلة.
ثانياً: لم يكن للنصارى أنبياء حتى يقتلوهم ويتخذون قبورهم مساجد. وأمّا السيد المسيح فهو عندهم إله متجسّد وليس بنبيّ حيث قالوا: بالاَقانيم الثلاثة: إله الاَب، إله الابن ، روح القدس.
وأمّا غير المسيح لدى النصارى فليسوا بأنبياء وإنّما هم آباء التبليغ والتبشير، إلاّ أن يراد مطلق أنبياء بني إسرائيل وهو خلاف الظاهر.

1 . سنن الترمذي: 4|380 برقم 2035.
2 . مسند أحمد:5|203.

(260)

2. النساء أضرّ شيء على الرجال

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عثمان النهدي، عن أُسامة بن زيد، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء. (1)
لا يشك عاقل انّ من أسباب الفتنة هي النساء، قال سبحانه: (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَولادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن|14).
وأمّا كونهنّ أضرّ شيء على الرجال من حبّالجاه والمال والاَولاد فليس بثابت لو لم يثبت خلافه، ولذا نرى انّه سبحانه يقول: (وَاعْلَمُوا أَنَّما َأَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (الاَنفال|28) ويقول أيضاً: (إِنّما أَمْوالُكُمْ وَأَولادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم) (التغابن|15) فيذكر الاَموال والاَولاد ولا يعطف عليها النساء وهذا دليل على أنّ ضرر الاَوّلين على الرجال أكثر من ضررهنَ.
نعم : لا ننكر بأنّ الرجال ربما يُفْتنون بالنساء فيتوغلون في الفساد من أجل كسب رضاهنَ، ولكن ليس إضرارهنَ عند المقايسة بأشد من إضرار الآخرين كما هو واضح.
وأنت إذا تفحصت فيما روي عن لفيف من الصحابة حول النساء تجد انّ الروايات تتضمن تحقير النساء وأنهنَّ محط الفتنة والضلال، وكأنّ الرواة لم يطرق أسماعهم قوله سبحانه: (إنّ المسلمينَ والمسلماتِ والموَمنينَ والموَمناتِ والقانتينَ والقانتاتِ ...) (الاَحزاب | 35).

1 . صحيح مسلم: 8|89، باب أكثر أهل الجنّة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء؛ صحيح البخاري:7|8، باب ما يتقى من شوَم المرأة.

(261)

17
ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

(...ـ 54هـ)
سيرته وأحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يد بنت هبيرة.
2. دعاء النبي غير المستجاب .
3. خروج رايات سود من المشرق.
وهو ثوبان بن بجدد، وقيل: ثوبان بن حجدر، يُكنّى أبا عبد اللّه، وهو من حمير من اليمن، أصابه سباء فاشتراه رسول اللّهفأعتقه، وقال له: إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون منّا، فثبت على ولاء رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، ولم يزل معه سفراً وحضراً إلى أن توفي رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فخرج إلى الشام فنزل إلى الرملة وابتنى بها داراً وابتنى بمصر داراً وبحمص داراً، وتوفي بها سنة 54 هـ وشهد فتح مصر.
روى عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أحاديث، روى عنه: شدّاد بن أوس، وجبير بن نفير، وأبو إدريس الخولاني، وأبو سلام ممطور الحبشي، ومعدان بن طلحة، وأبو الاَشعث الصنعاني، وأبو أسماء الرحبي، وأبو الخير اليزنيّ، وغيرهم. (1)

1 . أُسد الغابة: 1|249؛ سير أعلام النبلاء:3|15 برقم 5.

(262)
وقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 64 رواية. (1)
كما نقلت عنه روايات رائعة و عزيت إليه أُخرى سقيمة.

روائع أحاديثه

1. أخرج أحمد في مسنده، عن عبد الرحمان بن ميسرة، عن ثوبان، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: استقيموا تفلحوا، وخير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلاّ موَمن. (2)
3. أخرج أحمد في مسنده، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قيل لثوبان: حدثنا عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال: لتكذبون عليّ سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، يقول: ما من مسلم يسجد للّه سجدة إلاّ رفعه اللّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة. (3)
3. أخرج أحمد عن أبي زرعة، عن ثوبان، قال: لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الراشي، والمرتشي، والرائش. (يعني الذي يمشي بينهما). (4)
4. أخرج ابن ماجة في سننه، عن عبد اللّه بن أبي الجعد، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يزيد في العمر إلاّ البرّ، ولا يردّ القدر إلاّ الدّعاء، وانّ الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها. (5)
والرواية من دلائل القول بالبداء، وهو تغيير المصير بصالح الاَعمال.
5. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

1 . المسند الجامع: 3|315ـ 353.
2 . مسند أحمد: 5|280.
3 . مسند أحمد: 5|283.
4 . مسند أحمد: 5|279.
5 . سنن ابن ماجة: 1|35 برقم 90.

(263)
من قال حين يمسي: «رضيت باللّه ربّاً وبالاِسلام ديناً، و بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً» كان حقاً على اللّه أن يرضيه. (1)
6. أخرج الترمذي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما أخاف على أُمّتي الاَئمّة المضلّين، قال: وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :لا تزال طائفة من أُمّتي على الحقّ ظاهرين لا يضرّهم من يخذلهم حتى يأتي أمر اللّه. (2)
هذه ثلّة من رواياته الرائعة ،وقد عزيت إليه طائفة أُخرى من الروايات ممّا لا تخلو من إشكال:

1. ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يدَ بنت هبيرة

أخرج النسائي في سننه، عن أبي أسماء الرحبي، انّ ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حدَّثه، قال:
جاءت بنت هبيرة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي يدها فتخ(فقال كذا في كتاب أبي، أي خواتيم ضخام) فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تشكو إليها الذي صنع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن، فدخل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والسلسلة في يدها، فقال يا فاطمة أيغرُّك أنْ يقول الناس: ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار، ثمّ خرج ولم يقعد.
فأرسلت فاطمة(عليها السلام) بالسلسلة إلى السوق ، فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً، وقال مرّة عبداً ـ و ذكر كلمة معناها ـ فأعتقته، فحُدِّث بذلك.

1 . سنن الترمذي: 5|465 برقم 3389.
2 . سنن الترمذي: 4|504 برقم 2229.

(264)
فقال: الحمد للّه الذي أنجى فاطمة من النار. (1)
أقول: ثمة تساوَلات:
أوّلاً: انّ الخواتيم التي كانت في يد بنت هبيرة ـ سواء أكانت من فضة أم من ذهب ـ لم يكن التزيّن بها محظوراً على المرأة، فكيف يعاتبها النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لا سيما إذا كان اقتناوَها لها مشروعاً كما هو المفروض؟
وثانياً: الظاهر انّ بنت هبيرة كانت بالغة بشهادة انّها كانت تتختم بخواتيم ضخام، ودخلت على فاطمة تشكو إليها ما صنع بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ،فكيف يصحّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مس يدها بالضرب مع أنّها أجنبية؟! والظاهر انّ الضرب كان بالمباشرة لا بالآلة.
ثالثاً: لو افترضنا جواز الضرب، لكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجلّ من أن يضرب يد بنت هبيرة تأدباً وترهباً، بل كان اللازم أن يأمرها بالمعروف بأُسلوب لائق.
رابعاً: انّ الحديث يدل على أنّه لما دخلت بنت هبيرة على فاطمة واشتكت عمّا صنع بها رسول اللّه، انتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت: هذه أهداها إليَّ أبو حسن ، مستظهرة بأنّ التزين بالذهب أمر حلال للمرأة وليس لاَحد الاعتراض عليك.
ومن الواضح انّ فاطمة من أهل البيت الذين طهّرهم اللّه تطهيراً، وهي أجلّ من أن تعترض على أبيها بانتزاع ما في عنقها من الذهب.
خامساً: ثمّ إنّ الحديث يتضمن انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل عليها والسلسلة في يدها، فقال: «يا فاطمة أيغرّك أن يقول الناس ابنة رسول اللّه وفي يدها سلسلة من نار».

1 . سنن النسائي: 8|158.

(265)
ثمّ خرج ولم يقعد....
وعندئذٍ يثار السوَال التالي.
إنّ السلسلة التي كانت في يدها لا تخلو عن حالتين، إمّا أن تكون ملكاً للغير غير راض بالتصرف فيها، أو ملكاً لفاطمة.
والاَوّل لا يليق أن ينسب إلى بنت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) التي يدور على رضاها وغضبها رضى رسول اللّهوغضبه.
وعلى الثاني كيف يفسّر ما ورد في الحديث«وفي يدها سلسلة من نار»وليس ما تتزيّن به المرأة من أقسام الكنز حتى تكون سلسلة من نار؟!
وأغلب الظن انّ الحديث من الموضوعات التي اختلقها الجهاز الاَموي الحاكم للحطِّ من شأن فاطمة الزهراء وبعلها .فسلام اللّه عليهما يوم ولدا ويوم استشهدا، ويوم يبعثان حيّين.

2. دعاء النبي غير المستجاب

أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
زوي لي الاَرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وانّ أُمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، و أُعطيت الكنزين الاَحمر والاَبيض، وانّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربّي، قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فانّه لا يرد وانّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا اسلّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها حتى يكون بعضهم

(266)
يُـهلك بعضاً ويُسبي بعضهم بعضاً. (1)
أقول: وقد رواه الاِمام أحمد بلفظ آخر، عن عبد اللّه بن شداد، عن معاذ بن جبل، وقد ذكرناه في ترجمة معاذ بن جبل.
ومن الواضح انّالحوادث والنوازل التي ألمّت بالمسلمين عبر التاريخ خير شاهد على أنّه سبحانه سلّط عليهم عدواً من غير أنفسهم نتيجة أعمالهم وانحرافهم، فقد بسط الوثنيون المغول نفوذهم على معظم البلاد الاِسلامية واستولوا على حاضرتها بغداد وأبادوا الحرث والنسل.
فكيف يدّعي الحديث بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أُعطي سوَله؟!

3. خروج رايات سود من المشرق

أخرج أحمد في مسنده، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
وإذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان، فأتوها فانّ فيها خليفة اللّه المهدي. (2)
ونظير ذلك ما أخرجه ابن ماجة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق ويقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ـ ثمّ ذكر شيئاً لا أحفظه ـ فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فانّه خليفة اللّه المهدي. (3)
قال في الزوائد: هذا اسناد صحيح، رجاله ثقات، ورواه الحاكم في

1 . صحيح مسلم: 8|171، باب هلاك هذه الا َُمّة بعضهم ببعض من كتاب الفتن.
2 . مسند أحمد: 5|277.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1376 برقم 4084.

(267)
المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
إنّ أمثال هذه الروايات ـ وإن رويت باسناد صحيح ـ وضعت حينما قامت الدولة العباسية التي وليها أبو العباس السفاح (108ـ 136هـ) ـ و هو أوّل خليفة عباسي يتولّى زمام الاَُمور ـ فكيف يبشِّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا الخليفة المهدي الذي خضَّب الاَرض بدماء المسلمين حتى لُقّب بالسفاح؟!
قال السيوطي: وكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء، فأطمعه في ذلك عُمّاله في المشرق والمغرب، ومن أراد الاِلمام بسيرته فليقرأ ما ذكره ابن الاَثير في تاريخه. (1)
وقد أسرف تجار الحديث وعلماء البلاط العباسي في وضع الحديث في فضل العباس وأولاده ممّا حدا بابن الجوزي أن يذكر قسماً وافراً منها في كتابه «الموضوعات» تحت العناوين التالية:
1. باب في فضل العباس وأولاده.
2. باب في عدد خلفاء بني العباس.
3. باب في زيادة ولاية بني العباس على ولاية بني أُمية.
وجاء من يحمل نزعة أموية فوضعوا روايات في غمض بني العباس، نقلها ابن الجوزي تحت ذلك العنوان، وقال في آخره: وقد روي ضد هذا. فنقل باسناده عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فإنّ فيها خليفة اللّه المهدي.
وقال هذا حديث لا أصل له، ولا نعلم أنّ الحسن (الوارد في سند الحديث) سمع من عبيدة ولا ابن عمر سمع من الحسن، قال يحيى: عمر لا شيء (2).

1 . الكامل في التاريخ، لابن الاَثير: 5|408.
2 . الموضوعات: 2|30 ـ 39.

(268)

18
سعد بن أبي وقاص

(28ق.هـ ـ 54هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة:
1. إثبات الجهة للّه سبحانه 2. الطواف أكثر من سبعة أشواط
3. الرمي بست حصيّات 4. الطيرة في المرأة والفرس والدار
5. التنديد بالشعر 6. لم يسلم أحد قبل سعد
7. دخول الامة قاطبة الجنة بشفاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
8. عمر أفظ و أغلظ من رسول اللّه 9. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً
10. اللّه ليس بأعور 11. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنة
هو سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، يكنّى أبا إسحاق، وأُمّه: حمنة بنت سفيان بن أُمية بن عبد شمس، وقيل حمنة بنت أبي سفيان بن أُمّية أسلم بعد ستة، و قيل بعد أربعة، وكان عمره عندما أسلم 17 سنة.
أحد السابقين الاَوّلين، وأحد ستة أهل الشورى، شهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلّها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبلى يوم أحد بلاءً عظيماً، و هو أوّل من أراق دماً

(269)
في سبيل اللّه، وأوّل من رمى بسهم في سبيله.
استعمله عمر بن الخطاب على الجيوش الذين سيّرهم لقتال الفرس، وكان أميرَ الجيش في معركة القادسية وجلولاء، وهو الذي فتح مدائن كسرى بالعراق، وبنى الكوفة وولي العراق ثمّ عزله، فلمّا حضرت عمرَ الوفاةُ جعله أحد أصحاب الشورى، ثمّ استعمله عثمان فولاّه الكوفة ثمّ عزله، و لما قتل عثمان لزم بيته ولم يبايع عليّاً، فلما اعتزل طمع فيه معاوية فكتب إليه يدعوه إلى أن يعينه على الطلب بدم عثمان فأجابه بالاَبيات التالية:
معاوي داوَك الداء العيّاء * وليس لما تجيَ به دواء
أيدعوني أبوحسن عليّ * فلم أردد عليه ما يشاء
وقلت له اعطني سيفاً قصيراً * تميز به العداوة والولاء
أتطمع في الذي أعيا عليّاً * على ما قد طمعت به العفاء
ليوم منه خير منك حيّاً * وميتاً أنت للمرء الفداء (1)
وما حضر سعد وقعة الجمل ولا صفين ولا التحكيم في دومة الجندل. (2)
يقول ابن مزاحم: وكان سعد بن أبي وقاص قد اعتزل عليّاً ومعاوية، فنزل على ماء لبني سليم بأرض البادية يتشوّف الاَخبار، وكان رجلاً له بأس ورأي في قريش، ولم يكن له في عليٍّ ولا معاوية هوى، فأقبل راكب يُوضِعُ من بعيد فإذا هو بابنه عمر بن سعد فقال له أبوه: مَهْيَمْ. (3)

1 . أُسد الغابة: 2|290ـ 292.
2 . سير اعلام النبلاء: 1|122.
3 . مَهْيَمْ: كلمةيمانية معناها ما أمرك وما شأنك.

(270)
فقال: يا أبي ! التقى الناس بصفين و كان بينهم ما قد بلغك حتى تفانوا، ثمّ حكّموا الحكمين: عبد اللّه بن قيس، و عمرو بن العاص، وقد حضر ناس من قريش عندهما، وأنت من أصحاب رسول اللّه و من أهل الشورى ولم تدخل في شيء ممّا تكره هذه الاَُمّة، فاحضر دومة الجندل فانّك صاحبها غداً.
فقال: هذا أمر لم أشهد أوّله فلا أشهد آخره، ولو كنت غامساً يدي في هذا الاَمر لغمستها مع عليٍّ، إلى أن قال: فلما جنّه الليل رفع صوته ليسمع ابنه:
دعوت أباك اليوم واللّه للّذي * دعاني إليه القوم والاَمر مقبل
فقلت لهم للموت أهون جرعة * من النّار فاستبقوا أخاكم أو اقتلوا
إلى أن قال:
لـو كنت يومـاً لا محـالـة وافـداً * تبعت عليـاً والهوى حيث يجعل (1)
وليس ما جاء في بيته الاَخير أوّل مرة ولا آخرها باح فيها بفضل الاِمام أمير الموَمنين، بل نرى نظائر هذه الكلمات في أحاديثه، حيث ينقل فضائل الاِمام بصدر رحب.
1. أخرج مسلم في صحيحه، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي. قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعداً، فلقيت سعداً فحدثته بما حدثني عامر، فقال: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع اصبعيه على أُذنيه فقال: نعم، وإلاّفاستكتا. (2)
ولما كانت الرواية من الدلائل الساطعة على خلافة الاِمام علي (عليه السلام) بعد

1 . وقعة صفين، ابن مزاحم: 619ـ 620.
2 . صحيح مسلم: 7|120، باب من فضائل علي بن أبي طالب (رضي اللّه عنه).

(271)
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حاول بعض المعلِّقين على صحيح مسلم أن يشكِّك في دلالتها على الخلافة وقال: والمستدل بهذا الحديث على أنّ الخلافة له بعد رسول اللّه زائغ عن منهج الصواب، فإنّ الخلافة في الاَهل في حياته لا تقتضي الخلافة في الاَُمّة بعد مماته. (1)
وقد عزب عن المعلِّق انّه لو كان المراد خصوص الخلافة في الاَهل لما احتاج إلى استثناء مقام النبوّة بقوله: «إلاّأنّه لا نبي بعدي» فانّ الاستثناء دليل على ثبوت ما كان لهارون من مقامات و مناصب لعلي إلاّالنبوة، وقد جاء في الذكر الحكيم انّه كان وزيراً لموسى وفي الوقت نفسه نبيّاً مثله.
قال سبحانه: (وَاجْعَلْلِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارونَ أَخِي) (طه|30) وقال سبحانه: (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارونَ نَبيّاً) (مريم|53) إلى غير ذلك من الآيات التي تشير بوضوح إلى مناصب هارون العامة في بني إسرائيل، والحديث المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يسمى «بحديث المنزلة» يُثبت لعلي كلّ ما كان لهارون من مناصب إلاّ النبوة، فيكون الاِمام خليفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووزيره.
2. أخرج الاِمام أحمد، عن عبد اللّه بن الرقيم الكناني، قال: خرجنا إلى المدينة زمن الجمل، فلقينا سعد بن مالك بها، فقال: أمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بسدّ الاَبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي «عليه السلام» . (2)
3. أخرج مسلم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التراب؟
فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسُبّه لاَن تكون لي واحدة منهنّأحبُّ إليَّ من حمر النعم: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في

1 . هامش صحيح مسلم: مطبعة محمد علي صبيح، القاهرة.
2 . مسند أحمد: 1|175.

(272)
بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول اللّه خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبوة بعدي.
وسمعته يقول يوم خيبر: لاَُعطينَّ الراية رجلاً يحبُّاللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.
ولما نزلت هذه الآية: (فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً و فاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هوَلاء أهلي. (1)
ورغم علمه بمواقف علي (عليه السلام) وفضائله لم يمدَّ يد البيعة إليه، نقل الطبري: انّه جيَ بسعد إلى المسجد حتى يبايع علياً فلم يبايع، وقال : لا أُبايع حتى يبايع الناس، واللّه ما عليك مني بأس، قال علي (عليه السلام) : خلُّو سبيله.(2)
والعجب انّه بعد ما سمع ما ذكره الرسول في حقّ علي (عليه السلام) يصف بيعة الناس لعليٍّ وجهاده مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فتنة.
أخرج الاِمام أحمد، عن بسر بن سعيد انّ سعد بن أبي وقاص قال عند قتل عثمان بن عفان: أشهد انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، قال: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني، قال: كن كابن آدم (3) . (4)
ارتحل الرسول إلى الرفيق الاَعلى وجابه المسلمون حوادث مرّة مروراً

1 . صحيح مسلم: 7|120، باب فضائل علي بن أبي طالب. والآية 61 من سورة آل عمران.
2 . تاريخ الطبري: 3|451.
3 . أي لا تقتله بل قل: لئن بسطت إليَّ يدك... الخ.
4 . سنن الترمذي: 4|486 برقم 2194؛ مسند أحمد: 1|185.

(273)
بالسقيفة إلى حوادث الردة إلى قتل عثمان، ورغم كل هذه الحوادث فما وجه تخصيص الحديث ببيعة الاِمام علي (عليه السلام) ـ الذي بايعه معظم الاَنصار والمهاجرين وتمت الحجة على الغائب ـ دون سائر الحوادث؟
فإذا ثبتت خلافة الخليفتين ببيعة عدّة من المهاجرين والاَنصار وخلافة الخليفة الثالث ببيعة نفر قليل من أعضاء الشورى الستة، فلماذا لا تثبت خلافة الاِمام علي (عليه السلام) ببيعة جماهير الاَنصار والمهاجرين ولم يتخلف إلاّنفر يسير من أصحاب الاَهواء والمصالح؟ (1) الرواية على فرض صحتها تنبىَ عن ظهور فتنة على نحو كلي دون أن تحددها، بحدث خاص، لكن ابن أبي وقّاص طبّقها على قتل عثمان وعلى الاَحداث التي تلته، ولذلك لم يبايع علياً «عليه السلام» ولم يشارك في الحروب التي خاضها الاِمام مع الناكثين وغيرهم.
ويظهر انّه كان حريصاً على الدنيا ومكباً عليها.
روى ابن سعد قال: انبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زبيد، عن عائشة بنت سعد قالت: أرسل أبي إلى مروان بزكاة خمسة آلاف، وترك يوم مات مائتي ألف وخمسين ألفاً.
وقال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره في قصر بناه بطرف حمراء الاَسد.
روى نوح بن يزيد، عن إبراهيم بن سعد: انّ سعداً مات وهو ابن 82 سنة في سنة 56هـ، وقيل سنة 57هـ، وقال المدائني: توفي سنة 55 وعلى قول سنة 54. (2)

1 . لاحظ تاريخ الطبري : 3|452، وقد ذكر وجه إعراض قليل من الصحابة عن بيعة علي «عليه السلام» .
2 . سيرة أعلام النبلاء: 1|122، وحمراء الاَسد موضع على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، وإليها انتهى رسول اللّه في مطاردة المشركين يوم أُحد.

(274)
قال الذهبي: روى جملة صالحة من الحديث، وله في الصحيحين 15 حديثاً، وانفرد له البخاري بخمسة أحاديث، ومسلم 18 حديثاً، وقال أيضاً: وقع له في مسند «بَقي بن مخلد» 270 حديثاً فمن ذاك في الصحيح 38 حديثاً. (1)
وقد جمعت أحاديثه في المسند الجامع فبلغت 144 رواية (2)
وعلى أية حال فهو صحابي، وله ما لسائر الصحابة من الفضل والكمال، ولا يعني ذلك براءته من كلِّ رين وشين، فلنذكر شيئاً من روائع أحاديثه.

روائع أحاديثه

1. أخرج ابن ماجة في سننه، عن محمد بن سعد، عن سعد قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. (3)
2. أخرج الترمذي في سننه، عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل انّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس، وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي.
فقال الضحاك بن قيس: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك.
فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعنا معه.(4)
وهذه الرواية حجّة على من يقلد الخليفة في إفتائه بحرمة المتعتين، متعة الحج ومتعة النساء.
وقد روى الاِمام البخاري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن عبد اللّه بن عمر، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي انّه مسح على الخفين.

1 . سير أعلام النبلاء: 1|93و124.
2 . المسند الجامع: 6|63 برقم 239.
3 . سنن ابن ماجة: 2|1300 برقم 3941.
4 . سنن الترمذي: 3|185 برقم 823.

(275)
وانّ عبد اللّه بن عمر سأل عمر عن ذلك، فقال: نعم إذاحدثك شيئاً سعدُ عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تسأل عنه غيره. (1)
وعلى ذلك فقد حدّث سعد عن حلية المتعتين فيجب على الخليفة وغيره اتّباعه.
3. أخرج الدارمي في سننه، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممّن ترك النساء، بعث إليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا عثمان: إنّي لم أوَمر بالرهبانية، أرغبتَ عن سنتي؟
قال: لا، يا رسول اللّه، قالص: إنّ من سنتي ان أُصلِّـي وأنام، وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان إنّ لاَهلك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً.
قال سعد: فواللّه لقد كان أجمع رجال من المسلمين على أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إن هو أقرّ عثمان على ما هو عليه، ان نختصي فنتبتل.(2)
4. أخرج مسلم في صحيحه ،عن خالد ،عن أبي عثمان قال: لمّا ادُّعي زياد لقيت أبا بكرة فقلت له: ما هذا الذي صنعتم؟ انّي سمعت سعد بن أبي وقاص، يقول: سَمِعَ أُذناي من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول: من ادّعى أباً في الاِسلام غير أبيه يعلم انّه غير أبيه فالجنّة عليه حرام. (3)
5. أخرج الترمذي في مسنده، عن صالح بن أبي حسان، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: إنّ اللّه طيّب، يحب الطيّب، نظيف يحبُّ النّظافة، كريم

1 . صحيح البخاري: 1|47، باب المسح على الخفين؛ مسند أحمد: 1|15.
2 . سنن الدارمي: 2|133، باب النهي عن التبتل.
3 . صحيح مسلم: 1|57، باب بيان من رغب عن أبيه وهو يعلم من كتاب الاِيمان.

(276)
يحبُّ الكرم، جواد يحبُّ الجود، فنظِّفوا ـ أُراهُ ـ قال: أفنيتكم ولاتشبَّهوا باليهود.(1)
6. أخرج ابن ماجة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خياركم من تعلَّم القرآن وعلمه، قال: وأخذ بيدي فأقعدني مقعدي هذا، أُقرىَُ. (2)
7. أخرج أحمد في مسنده، عن أبي بكر بن حفص: قال سعد: إنّي سمعت رسول اللّه، يقول: نعم الميتة، أنْ يموت الرجل دون حقّه. (3)
8. أخرج النسائي في سننه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أنّه ظن انّ له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال نبي اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّما ينصر اللّه هذه الاَُمّة بضعيفها بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم. (4)
9. أخرج أحمد في مسنده، عن ابن سعد بن أبي وقاص، قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول:
إنّ الاِيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى يومئذٍ للغرباء إذا فسد الناس، والذي نفس أبي القاسم بيده، ليأرزنَّ الاِيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها. (5)
10. أخرج أحمد في مسنده، عن عمر بن سعد عن أبيه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
عجبت للموَمن إذا أصابه خير حمد اللّه وشكر، وإن أصابته مصيبة، حمد اللّه وصبر، فالموَمن يوَجر في كلِّ أمره حتّى يوَجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته. (6)

1 . سنن الترمذي: 5|111 برقم 2799. قوله «أراه» صيغة متكلم مجهول وهو قول الراوي: أي الذي فهمت من كلامه أنّه قال.
2 . سنن ابن ماجة: 1|77 برقم 213.
3 . مسند أحمد: 1|184.
4 . سنن النسائي: 6|45.
5 . مسند أحمد: 1|184.
6 . مسند أحمد: 1|173.

(277)
إلى غير ذلك من روائع أحاديثه، وقد عزّيت إليه أحاديث سقيمة نشير إلى بعضها:

1. إثبات الجهة للّه سبحانه

أخرج عبد حميد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: لما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن يقتل من جرت عليه المواسي، و أن يقسم أموالهم وذراريهم، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لقد حكم فيهم اليوم بحكم اللّه عزّوجلَّ، الذي حكم فوق سبع سماوات». (1)
هذه الرواية بظاهرها تثبت الجهة للّه سبحانه وانّه فوق سبع سماوات، وما هذا شأنه فله جهة ومكان متحيّز فيه، وهو يلازم التجسيم ـ نعوذ باللّه ـ في حين انّه سبحانه يعرف نفسه على خلاف ما في هذه الرواية ويقول سبحانه: (هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاََرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الاََرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير ) (الحديد|3 و 4).
ويقول سبحانه: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّهُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَة إِلاّهُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوم القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم) (المجادلة|7)
فعلى ضوء هذه الآيات فاللّه سبحانه هو الموجود المحيط بجميع الممكنات

1 . مسند حميد برقم 149؛ فضائل الصحابة للنسائي برقم 119.

(278)
وهو الذي معنا أينما كنّا وما من نجوى إلاّهو مع من يناجيه، ومثله لا يكون متحيزاً فوق سبع سماوات.
نعم كونه معنا أو في كلّمكان ليس بمعنى حلوله فينا، أو في الاَشياء بل المراد إحاطته القيومية بما سواه وكونه قائماً به، وهو غير الحلول في الاَشياء.
والعجب انّ السلفية المغرورة بأمثال هذه الرواية يأوّلون هذه الآيات بأنّ المراد علمه سبحانه بالظاهر والباطن أو علمه بما يجري في مجلس النجوى وهذا هو التأويل الذي لو قام به مسلم لرُمي بالجهمية .

2. الطواف أكثر من سبعة أشواط

أخرج أحمد، عن مجاهد، عن سعد بن مالك قال: طفنا مع رسول اللّه، فمنّا من طاف سبعاً، و منّا من طاف ثمانياً، و منّا من طاف أكثر من ذلك، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :لا حرج . (1)
إنّ الحجّ عبادة جماعية شرعها اللّه سبحانه منذ عهد إبراهيم وقد حرِّفت بمرور الزمان إلى أن بعث نبي الاِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّم الناس معالم الحج في العام العاشر من الهجرة ولم يحج بعد الهجرة إلاّمرّة واحدة وان اعتمر غير مرّة وقد جاءت صفة حجّ النبي في رواية جابر بن عبد اللّه (رض) ورواه مسلم على تفصيله وفيها قال جابر: لسنا ننوي إلاّ الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمّل ثلاثاً و مشى أربعاً ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم (عليه السلام) فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّى) . (2)
فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) رمّل ثلاثاً أي أسرع في مشيه وهزَّ منكبيه من الاَشواط الثلاثة الاَُول

1 . مسند أحمد: 1|184.
2 . صحيح مسلم: 3|39، باب حجّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(279)
ومشى على عادته في الاَربعة الاَخيرة، وصار المجموع سبعة أشواط.
فإذا كان هذا طواف النبي والمسلمون وراءه، فكيف يمكن أن يطوف واحد سبعة، وآخر ثمانية، وثالث أكثر من ذلك، وكان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بصدد تعليم آداب الحج و المسلمون بصدد التعلّم؟!
فالحديث مع تضمّنه جواز الزيادة في العبادة، بعيد عن موقف المسلمين يومذاك الذين كانوا وراء النبي في اعمال الحج كما هو صريح الرواية حيث يقول: «طفنا مع رسول اللّه فمنّا من طاف سبعاً».

3. الرمي بست حصيات

أخرج النسائي في سننه، عن ابن أبي نُجيح قال: قال مجاهد: قال سعد: رجعنا في الحجة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعضنا يقول رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست فلم يعب بعضهم على بعض.
ثمّ روى عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز يقول: سألت ابن عباس عن شيء من أمر الجمار، فقال: ما أدري رماها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بست أو بسبع. (1)
روى مسلم في صحيحه، عن جابر في باب صفة حجّ النبي، قال: ثمّ سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها، كلّحصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادي. (2)
وقد تقدم انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بصدد تعليم آداب الحج وفرائضه ومحظوراته

1 . سنن النسائي: 5|275، باب عدد الحصى التي يرمى بها الجمار.
2 . صحيح مسلم: 3|42، باب حجّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

(280)
وقد حرص المسلمون على التعلم، فكيف يصح انّه رمى بعضهم بسبع، وبعضهم الآخر بست، ولا يعيب بعضهم على بعض؟
وما رواه النسائي عن ابن عباس انّه قال: ما أدري رماها رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بست أو سبع يخالف ما رواه في الباب التالي عن ابن عباس عن طريق أخيه الفضل بن العباس، قال: كنت ردف النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» فلم يزل يلبّي حتى رمى جمرة العقبة فرماهابسبع حصيات يكبر مع كلّ حصاة. (1)

4. الطيرة في المرأة والفرس والدار

أخرج أبو داود، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن مالك، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار. (2)
وأخرج أحمد في مسنده، عن سعيد بن المسيب قال: سألت سعد بن أبي وقاص، عن الطيرة؟ فانتهرني، وقال: من حدَّثك؟ فكرهت أن أحدثه من حدثني، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لا عدوى ولا طيرة ولا هام، إن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار، وإذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تَهبطوا، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه. (3)
وأخرج أيضاً، عن سعد بن أبي وقاص، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه، و إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفرّوا منه. (4)

1 . سنن النسائي: 5|275، باب التكبير مع كلّحصاة.
2 . سنن أبي داود: 3|19 برقم 3921.
3 . مسند أحمد: 1|180و186.
4 . مسند أحمد: 1|180و186.

(281)
وثمة شكوك تحوم حول تلك الروايات:
أوّلاً: انّ الرواية الاَُولى تنفي العدوى، وهي انتقال المرض من سقيم إلى سليم، فلو صحّ النفي، فلماذا يروي سعدعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في روايته الثانية والثالثة انّه أمر بأن لا يُهبط بأرض فيها الطاعون، وإذا هُبط فيها فلا يُخرج منها ؟ فانّ ذلك صريح في الاعتراف بمبدأ العدوى.لاَنّه إذا كان في أرض ليس فيها طاعون وأُخبر بوجوده في أرض أُخرى فلا يهبط فيها خوفاً من الابتلاء، كما انّه إذا كان في أرض فيها طاعون فلا يخرج منها لئلا ينقل المرض معه إلى أرض أُخرى، وهو نفس القول بالعدوى.
وبالتالي فقد عزي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق سعد قولين متناقضين.
ثانياً: انّ الذكر الحكيم يصف العالم بالحسن والجمال وانّه سبحانه ما خلق شيئاً إلاّ حسناً وجميلاً قال سبحانه: (رَبُّنَا الّذي أَعطَى كُلَّ شيءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى)(طه|50) وقال سبحانه: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدأَ خَلق الاِِنْسان مِنْ طين) (السجدة|7) وقال سبحانه: (وَصَوّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبات) (غافر|64) فهذه الآيات تصف فعل اللّه سبحانه وكلّ ما خلقه بالجمال، فكيف يحلّ الشوَم في المرأة والفرس والدار ؟!
إنّالشوَم والطيرة إنّما هو وليد عمل الاِنسان، فهو بفعله يجعل اليوم سعداً أو نحساً، وإلاّ فاليوم هو اليوم، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، يجريان بأمر اللّه سبحانه: (قالُوا إِنّا تَطَيّرنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرجُمَنَّكُمْ وَلَيَمسّنّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَومٌ مُسْرِفُونَ) (يس|18ـ 19).
يعني: قال أصحاب القرية لرسلهم انّا تشاءمنا بكم، فوافاهم الجواب بأنّ طائركم معكم، وانّ الذي ينبغي أن تتشاءموا به هو معكم، وهو حالة اعراضكم

(282)
عن الحق وإقبالكم على الباطل.
وعلى كلّ تقدير، فالشرّ الذي يصيب الاِنسان في داره وبعد زواجه، له سبب واقعي، لا صلة له بالدار والزوجة التي تخدم الزوج وأولاده بجدٍّ ومثابرة.
كيف يكون الشوَم في المرأة مع أنّـها إحدى الثلاث التي اختارهنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الدنيا ؟ قال:
حُبّب إليَّ من الدنيا :النساء، والطيب، وجعل قرّة عيني في الصلاة. (1)
أخرج مسلم عن عبد اللّه بن عمر ، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة. (2)
هذا هو الاِمام أبو الحسن علي الهادي (عليه السلام) يخاطب أحد أصحابه الذي كان يقول: «كفاني اللّه شرك من يوم فما أيشمك» بقوله: ترمي بذنبك من لا ذنب له، ما ذنب الاَيام حتى صرتم تتشأمون بها إذا جُوزيتم بأعمالكم فيها، ثمّ قال: إنّ اللّه هو المثيب والمعاقب، والمجازي بالاَعمال عاجلاً وآجلاً، لا تعد ولا تجعل للاَيام صنعاً في حكم اللّه. (3)

5. التنديد بالشعر

أخرج مسلم، عن محمد بن سعد، عن سعد، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: لا ََن يمتلىَ جوف أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلىَ شعراً.(4)
إنّ الشعر على نمطين:

1 . مسند أحمد: 3|128، 199، 285.
2 . صحيح مسلم: 4|187، باب استحباب نكاح البكر.
3 . الحراني، تحف العقول: 482ـ 483 بتلخيص.وسنوافيك عند دراسة أحاديث أبي هريرة انّ عائشة كذبت أمثال هذه الرواية ، لاحظ ص 308.
4 . صحيح مسلم: 7|50، باب كتاب الشعر؛ سنن الترمذي: 5|141 برقم 2852 ؛ مسند أحمد: 1|175 وفيه (حتى يريه) بدل يريه.

(283)
نمط منه لا يهدف إلاّ إلى نشر الفساد والدعارة ودعم الظلم وتوطيد أركانه إلى غير ذلك من غايات ساقطة، فصاحبه هو الذي نزل في حقّه قوله سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وادٍيَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (الشعراء|224ـ 226) فأصحاب هذا النوع من الشعر هم سماسرة الاَهواء يتبعون الهوى، و يبرمون أمراً، اليوم وينقضونه غداً، فليس لهم مآرب في الحياة إلاّ إشباع رغباتهم وميولهم الفاسدة.
ونمط آخر منه يهدف إلى بثّ الاَخلاق الحميدة وإنهاض الهمم، لبسط العدل ونشره، وكبح جماح الظلم، والدعوة إلى الحقّ بأُسلوب بديع، يمازج الاَرواح ويخالط الاَدمغة، فهذا النوع من الشعر بغية العالم، ومقصد الحكيم، ومأرب الاَخلاقي، وطلبة الاَديب، وأمنية العالم الاجتماعي، فأصحاب هذا النوع من الشعر هم الذين استثناهم اللّه سبحانه بقوله: (إِلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات وَذَكَرُوا اللّهَ كَثِيراً وَانْتَصِرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء|227).
إنّ التقدير الوافر لهذا النمط من الشعر وتكريم قائله عملٌ قام به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فانّه أوّل فاتح لهذا الباب على مصراعيه مدحاً وهجاءً باصاخته للشعراء المادحين له ولا َُسرته الكريمة، وكان يَنشد الشعر ويستنشده، ويجيز عليه ويرتاح له، ويكرم الشاعر مهما وجد في شعره هذه الغاية الوحيدة، كإرتياحه لشعر عمِّه شيخ الاَباطح أبي طالب (عليه السلام) لمّا استسقى فسُقي، قال: للّه درّ أبي طالب لو كان حياً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي (عليه السلام) قال: كأنّك أردت يا رسول اللّه قوله:
وأبيضَ يُستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للاَرامل
تلوذ به الهُلاّك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل

(284)
وكإرتياحه (صلى الله عليه وآله وسلم) لشعر كعب بن زهير لما أنشده في مسجده الشريف لاميته التي مطلعها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثـرهـا لم يفــد مكبول
فكساه النبي صبردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين. (1)
روى الحاكم النيسابوري: لما أنشد كعب قصيدته وبلغ قوله:
انّ الرسول لسيف يستضاء بــه * وصــارم من سيوف اللّه مسلــول
أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.
ويروى انّ كعباً أنشد من سيوف الهند، فقال النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» من سيوف اللّه (2) إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي قدّر فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الشعر و الشعراء، وبذلك أثبت انّ الشعر المذموم غير الشعر الممدوح، وانّه سبحانه إنّما يذم النمط الاَوّل ولو جاء في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما نقله «سعد» فإنّما يرمي إلى الصنف الاَوّل وإلاّ فالشعر في العصور الاَُولى كان سهماً في أكباد أعداء اللّه ، وخير دعاية إلى الاِسلام في كلّصقع وناحية، ولذلك كان أئمّة الدين يبذلون من مال اللّه للشعراء ما يغنيهم عن التكسب والاشتغال بغير هذه المهنة.
ولما نصب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) للخلافة والاِمامة يوم الغدير استجاز حسان ابن ثابت أن يصبّ كلامه في قالب الشعر، فلما قرأ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تزال يا حسّان موَيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. (3)

1 . الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ص 62 كما في الغدير: 2|4.
2 . مستدرك الحاكم:3|582.
3 . الفصول المختارة: 236.

(285)

6. لم يسلم أحد قبل سعد

أخرج البخاري في باب مناقب سعد، قال: عن سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص قال: ما أسلم أحد إلاّ في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإنّي لثُلُثُ الاِسلام. (1)
إنّ معنى الرواية كما ذكره ابن حجر هو انّه لم يسلم أحد قبله، ولما وقف ابن حجر على بطلانه، عاد يوَوِّل المرويّ عن سعد، ويقول: والسبب فيه انّ من كان أسلم في ابتداء الاَمر كان يخفي إسلامه، ثمّ أوضح معنى قوله وانّي لثلث الاِسلام بأنّه أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر، أو النبي وأبا بكر وقد كانت خديجة أسلمت قطعاً ولعلّه خصَّ الرجال.
وعلى أيّة حال فلم يكن سعد أوّل من أسلم لا خفاءً ولا علانية، وقد تضافرت الروايات على أنّ أوّل من أسلم هو علي بن أبي طالب، و إليك بعض ما أثر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد.
1. أخرج الحاكم في مستدركه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: أوّلكم وارداً ـ وروداً ـ على الحوض أوّلكم إسلاماً علي بن أبي طالب. (2)
كيف يكون هو أوّل من أسلم مع أنّ حديث بدء الدعوة يشهد بوضوح انّعليّاً (عليه السلام) هو أوّل من أسلم.
روى الطبري في تاريخه: انّه لما نزل قوله سبحانه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاََقْرَبينَ) دعا النبي عليّاً (عليه السلام) فقال له : يا علي إنّاللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الاَقربين، إلى أن قال: فلما جاء القوم خاطبهم بقوله: يا بني عبد المطلب إنّي قد

1 . صحيح البخاري: 5|22، باب مناقب سعد.
2 . الحاكم، المستدرك: 3|136 وصححه تاريخ بغداد: 2|81.

(286)
جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه أن أدعوكم إليه، فأيّكم يوَازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم عنها جميعاً، فقام علي (عليه السلام) ، وقال: أنا يا نبيّ اللّه فأخذ برقبته، وقال: إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. (1)
2. قال الحاكم النيسابوري: ولا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ انّ علي ابن أبي طالب (رض) أوّلهم إسلاماً. (2)
3. وقال ابن عبد البر: اتّفقوا على أنّ خديجة أوّل من آمن باللّه ورسوله وصدقه فيما جاء به ثمّ علي بعدها. (3)
4. وقال المقريزي: وأمّا علي بن أبي طالب فلم يشرك باللّه قط، وذلك انّ اللّه تعالى أراد به الخير فجعله في كفالة ابن عمه سيد المرسلين محمد، فعندما أتى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي وأخبر خديجة وصدّقت كانت هي، وعلي بن أبي طالب وزيد ابن حارثة يصلون معه... إلى أن قال: فلم يحتج عليّ(رض) أن يُدعى ولا كان مشركاً حتى يوحّد فيقال أسلم، بل كان عمره عندما أوحى اللّه إلى رسوله ثماني سنين وقيل سبع سنين، وقيل: إحدى عشر سنة، وكان مع رسول اللّه في منزله بين أهله كأحد أولاده يتبعه في جميع أحواله. (4)
روى ابن الاَثير عن أبي يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه عفيف، قال: جئت في الجاهلية إلى مكة وأنا أُريد أنْ ابتاع لاَهلي من ثيابها وعطرها، فأتيت العباس بن عبد المطلب، وكان رجلاً تاجراً، فأنا عنده جالس حيث انظر إلى

1 . تاريخ الطبري: 2|216 وللحديث مصادر كثيرة اكتفينا بما ذكر.
2 . المعرفة:22.
3 . الاستيعاب: 2|457.
4 . الامتاع: 42.

(287)
الكعبة وقد حلقت الشمس في السماء فارتفعت وذهبت إذ جاء شاب فرمى ببصره إلى السماء ثمّ قام مستقبل الكعبة، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاء غلام فقام على يمينه، ثمّ لم ألبث إلاّ يسيراً حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فسجد الشاب فسجد الغلام والمرأة، فقلت: يا عباس أمر عظيم، قال العباس: أمر عظيم تدري من هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد اللّه ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ هذا علي بن أخي، أتدري من هذه المرأة؟ هذه خديجة بنت خويلد زوجته، انّابن أخي هذا أخبرني انّ ربّه ربّالسماء والاَرض أمره بهذا الدين الذي هو عليه ولا واللّه ما على الاَرض كلّها أحد على هذا الدين غير هوَلاء الثلاثة. (1)

7. دخول الاَُمّة قاطبة الجنة بشفاعة النبيّ

أخرج أبو داود، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من مكة نريد المدينة، فلما كنّا قريباً من عَزْوَرا نزل ثمّ رفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه فدعا اللّه ساعة ثمّ خرّ ساجداً، فمكث طويلاً ثمّ قام فرفع يديه ساعة ثمّ خرّ ساجداً.
ذكره أحمد ثلاثاً: قال: «إنّي سألت ربي وشفعت لاَُمتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً شكراً لربي، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربّي لاَُمّتي، فأعطاني ثلث أُمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثمّ رفعت رأسي فسألت ربي لاَُمتي، فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجداً لربي. (2)

1 . أُسد الغابة: 3|414ـ 415؛ ورواه النسائي في خصائصه: 3؛ ولاحظ الاستيعاب: 2|559. وكان النبي يصلّي إلى الكعبة قبل الهجرة و إنّما صلّى إلى بيت المقدس في المدينة بعدها إلى سبعة عشر شهراً.
2 . سنن أبي داود: 3|90 برقم 2775.

(288)
إنّ الامعان في الآيات الواردة حول الشفاعة تثبت بأنّها حقّ خاص باللّه سبحانه يأذن لعدّة خاصّة من عباده المقربين، ولا يأذن لهم أن يشفعوا إلاّ في حقّ عدّة معينة، فقد وضع القرآن حدوداً وقيوداً في الشافع والمشفوع له.
إنّ الشفاعة في حقّ من قطعوا صلتهم باللّه سبحانه فلم يوَمنوا به أو بوحدانيته أو بقيامته ، منتفية قطعاً لا تنالهم شفاعة الاَنبياء.
قال سبحانه: (يَقُولُ الّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَد جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أو نُردُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الّذي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) (الاَعراف|53) . وقال سبحانه: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّين * حَتّى أَتانا اليَقينُ * فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعين) (المدثر|46 ـ 48).
وثمة روايات متضافرة تحدد شفاعة الاَنبياء، ومع ذلك فكيف ورد في هذه الرواية انّ الاَُمّة بقاطبتها عادلها وظالمها، تقيّها وفاجرها، صالحها وطالحها على حدّ سواء في الشفاعة، واللّه سبحانه يقبل شفاعة نبيّه في حقّهم؟!
ولا يراد من الاَُمّة في الرواية إلاّ من آمن باللّه ورسوله وإن فسق وفجر وخضب الاَرض بإراقة دماء الاَبرياء.

8. عمر أفظّ وأغلظ من رسول اللّه

أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده نسوة من قريش يكلّمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمنَ فبادرن الحجاب، فأذن له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل عمر ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يضحك.
فقال عمر: أضحك اللّه سنَّك يا رسول اللّه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): عجبت من

(289)
هوَلاء اللاتي كنَّ عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: فأنت أحقّ أن يهبن يا رسول اللّه، ثمّ قال عمر: يا عدوّات أنفسهنّ أتهبنني ولا تهبنَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟! فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اِيهاً يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قطّ إلاّ سلك فجّاً غير فجِّك». (1)
وثمة شكوك تحوم حول تلك الرواية:
أوّلاً: انّ ظاهر الرواية انّ النبي اجتمع مع نسوة من قريش وهنّ أجنبيات من دون أن يضرب ساتر بينهما، وهذا لا يليق بأن ينسب إلى موَمن فضلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويعلم ذلك من خلال بيان أمرين:
الاَمر الاَوّل: انّ التعبير بقوله: «وعنده نسوة من قريش» يعرب انّفيهنّ أجنبيات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإلاّ فلو كان المراد زوجاته لكان اللازم التعبير بالزوجات لا بنسوة من قريش.
على أنّ بعض زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكنَّ من قريش فمثل ميمونة بنت حُييّ بن أخطب كانت يهودية فأسلمت، ومارية القبطية أهديت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنجبت له إبراهيم.
وقوله يستكثرنه بمعنى انّهنّ يكثرن الكلام عنده لا أنّهن يطلبن نفقة كثيرة.
الاَمر الثاني: انّ الاجتماع كان بعد نزول آية الحجاب، بشهادة انهن ابتدرن للحجاب عندما أقبل عليهنّ عمر بن الخطاب.
ولازم هذين الاَمرين أن يجتمع النبي مع نساء أجنبيات دون أن يضرب ساتر بينهما.

1 . صحيح البخاري: 5|11، باب مناقب عمر.ونقله مسلم في صحيحه:7|115 باب فضائل عمر.

(290)
ثانياً: انّ لازم صحّة الخبر أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ والعياذ باللّه ـ فظاً غليظ القلب وإن كان أقلّ من فظاظة عمر، مع أنّه سبحانه ينفي عنه هذه التهمة، قال سبحانه: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران|159) إلاّ أن يحمل على جهل النسوة بحال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورأفته.
ثالثاً: انّ ظاهر قوله: إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً قط إلاّسلك فجّاً غير فجّك» يدل على عصمته وكونه من المخلَصين ودخوله في قوله سبحانه: (ولاَُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلاّعِبادكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ) (الحجر|39ـ40).فالشيطان عندما يلتقي مع الاَنبياء لا يسلك فجّاً غير فجّهم بل يقابلهم فيوسوس إليهم: قال سبحانه : (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطان قالَ يا آدَمُ) (طه|120) ولكنّه عندما يلتقي مع عمر، يسلك فجّاً آخر، فهل يصحّ ذلك يا تُرى؟!
وثمّة رواية أُخرى عن جابر رواها مسلم ربما تكون قرينة على تفسير الحديث السابق.
روى مسلم، عن جابر بن عبد اللّه، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد الناس جلوساً ببابه لم يوَذن لاَحد منهم، قال: فأذن لاَبي بكر ودخل، ثمّ أقبل عمر فأستأذن فأذن له فوجد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حوله نساوَه واجماً ساكتاً، قال: لاَقولنّ شيئاً أُضحك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال : يا رسول اللّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة : يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألنّرسول اللّه ما ليس عنده فقلن: واللّه لا نسأل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهنَّ شهراً أو تسعاً وعشرين ثمّ نزلت إليه هذه الآية: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاََزْواجِكَ ـ حتى بلغ ـ لِلْمُحْسناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً

(291)
عَظِيماً) (الاَحزاب|28ـ 29).
فبدأ بعائشة وقال: يا عائشة إنّي أُريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول اللّه؟فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول اللّه استشير أبويّ؟ بل أختار اللّهورسوله والدار الآخرة وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهنّ إلاّأخبرتها، انّاللّه لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسِّراً. (1)
وعلى ضوء هذا الحديث يكون المراد من نساء قريش هو زوجاته ونساوَه، ولا يكون اجتماعه اجتماعاً مع أجنبيات، ولكنّه وإن رفع الاِشكال الاَوّل لكنّه زاد في الطين بلّة، لاَنّه يصرح بأنّ كلاً من الشيخين قاما ليجآ ويضربا بنتيهما (زوجتي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ) مع أنّهما كانتا تطلبان النفقة الواجبة التي عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشهادة قولهما: (فقلن واللّه لا نسأل رسول اللّه شيئاً أبداً ليس عنده) فعند ذلك كان سوَالهما سوَالاً شرعياً، وطعن الشيخين وضربهما أمراً غير مشروع بالمرة، إلاّ أن يكون تكلمهما وضربهما لاِيجاد السرور ورفع الحزن عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثمّ إنّه ليس فيما رواه مسلم من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: إيهاً يا ابن الخطاب «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً... الخ » عين ولا أثر ولا أظن أحداً من المحدثين يتمسّك في المقام لاِثبات صحّة ما سقط في حديث مسلم بقاعدة «تقدم النقيصة على الزيادة وانّ القول بسقوط الزيادة عن رواية مسلم أولى من القول بأنّ الراوي أضاف من نفسه بلا وعي» فانّ تلك القاعدة إنّما تتمشى إذا لم تكن قرينة على العكس، فانّه من البعيد أن يقوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمدح عمر بن الخطاب وينساه الراوي، أو يمدحه وعنده من هو أفضل منه وأقدم منه إسلاماً، فانّ ذلك يعد نوع إهانة لاَبي بكر.


1 . صحيح مسلم: 4|187، باب تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلاّ بالنية.

(292)
وعلى أيّة حال فالروايتان ـ على الرغم من رواية مسلم والبخاري لهما ـ لا يخلوان من إشكالات وتساوَلات، والنفس لا تسكن لما جاء فيهما.

9. سوَال النبي من اللّه ثلاثاً

أخرج مسلم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مرّ بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه، ودعا ربّه طويلاً، ثمّ انصرف إلينا، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربّي أن لا يهلك أُمتي بالسَّنَةِ فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أُمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. (1)
هذا ما رواه مسلم عن سعد، ولكن روى الاِمام أحمد، عن معاذ بن جبل نفس الرواية بنحو آخر، قال: وجدت رسول اللّه قائماً يصلي، فقمت خلفه، فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: قلت يا رسول اللّه لقد صليتَ صلاة طويلة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت اللّه عزّ وجلّثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أُمّتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردّها عليَّ. (2)
فالنبي حسب رواية سعد سأل اللّه سبحانه الثلاثة التالية:
1. أن لا يهلك أُمّته بالسّنة، والمراد بها المجاعة العامّة التي تعم الجميع، لا أن تصيب ناحية دون أُخرى.
2. أن لا يهلكهم بالغرق.

1 . صحيح مسلم: 8|171ـ172، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.
2 . مسند أحمد: 6|317.

(293)
3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.
ولكن الثلاثة التي سألها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في رواية معاذ بن جبل (1) ، عبارة عن الاَُمور التالية: 1. أن لا يُظهر عليهم عدواً ليس منهم.
2. أن لا يهلك أُمّته غرقاً.
3. أن لا يجعل بأسهم بينهم.
فالحديثان يشتركان في الثاني والثالث دون الاَوّل.
وقد رواه مسلم أيضاً عن ثوبان بنحو آخر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي سألت ربّي لاَُمّتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ بعامّةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وانّ ربي قال: يا محمد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يرد وإنّي أعطيتك لاَُمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضاً و يسبي بعضهم بعضاً. (2)
فقد جاء في هذا الحديث السوَالان المقضيان دون الثالث، كلّ ذلك يعرب عن اضطراب الحديث في النقل ولا يصحّ الاعتماد عليه.
ثمّ إنّ ثمة تساوَلات وهي:
1. انّ النبي سأل أن لا يهلك أُمّته، فما هو المراد من هذا السوَال؟ أسأل أن لا يكون غلاء في صقع معين من نواحي الاَمصار الاِسلامية، أو المراد هو المجاعة العامة التي تُهلك الاَُمة من رأس؟

1 . لاحظ ص 86.
2 . صحيح مسلم: 8|171، باب هلاك هذه الاَُمّة بعضهم ببعض.

(294)
أمّا الاَوّل فلم يستجب دعاوَه، فما أكثر الغلاء في الاَقطار الاِسلامية لا سيما في العصر الحاضر .
وأمّا الثاني فالدعاء كان أمراً لغواً لاَنّه سبحانه وعد في الذكر الحكيم بقاء الاَُمّة الاِسلامية إلى يوم القيامة، قال سبحانه: (أَنَّ الاََرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُون) (الاَنبياء|105) وقال سبحانه: (هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة|33) وقال سبحانه: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاََرْضِكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَني لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَر بَعْدَذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ) (النور|55).
2. انّ السوَال الاَخير أي «لا يجعل بأسهم بينهم» من الاَدعية التي لا تستجاب أبداً، لاَنّه على خلاف السنن السائدة في الكون، و الاختلاف أمر طبيعي لكافة أبناء البشر، فكيف يطلب النبي من اللّه سبحانه أن لا يجعل بأسهم بينهم وهو القائل: افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة؟
رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. (1)

10. اللّه ليس بأعور

أخرج أحمد في مسنده، عن داود بن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه، عن

1 . المستدرك على الصحيحين: 1|128، وقد أشبعنا الكلام في هذا الموضوع عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل، فلاحظ.

(295)
جدّه سعد انّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه لم يكن نبي إلاّ وصف الدجال لاَُمّته، ولاَصفنّه صفة لم يصفها أحد قبلي، انّه أعور و انّ اللّه عزّ وجلّ ليس بأعور. (1)
هذا الحديث يثبت العضو للّه سبحانه، وانّ للّه عيناً، لكنّه ليس أعور، واللّه سبحانه أجلّ من التجسيم. وقد مرّ الكلام فيه عند دراسة أحاديث معاذ بن جبل.

11. عبد اللّه بن سلام من أصحاب الجنّة

أخرج مسلم عن عامر بن سعد، قال سمعت أبي يقول: ما سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لحيٍّ يمشي انّه في الجنّة إلاّلعبد اللّه بن سلام. (2)
إنّ أثر الوهن باد على هذا الخبر بوضوح لانطوائه على تناقض سافر للحديث التالي.
أخرج أبو داود في سننه، عن عبد الرحمان بن الاَخنس، انّه كان في المسجد فذكر رجل عليّاً (عليه السلام) فقام سعيد بن زيد، فقال: «أشهد على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّي سمعته وهو يقول عشرة في الجنّة: النبيّفي الجنة، وأبو بكر في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعلي في الجنّة، وطلحة في الجنّة، والزبير بن العوام في الجنّة، وسعد بن مالك في الجنّة ، و عبد الرحمان بن عوف في الجنّة ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ فسكت: قال: فقالوا: من هو؟ فقال: هو سعيد بن زيد. (3)

1 . مسند أحمد: 1|176.
2 . صحيح مسلم : 7|160، باب فضائل عبد اللّه بن سلام؛ و أخرجه أيضاً البخاري: 5|37، باب مناقب عبد اللّه بن سلام.
3 . سنن أبي داود: 4|211 برقم 4649.

(296)
وهذا التناقض بين الحديثين يجرّنا إلى القول بوضع أحد الحديثين أو كليهما، ومن البعيد أن لا يسمع سعد ما سمعه سعيد بن زيد من النبيّ في حقّ العشرة المبشرة بالجنة مع أنّه هو منهم.
أضف إلى ذلك أنّ لازم صحّة الخبر الاَوّل أن يصل عبد اللّه بن سلام اليهودي ـ الذي أسلم وبث طائفة كبيرة من الاِسرائيليات في أوساط المسلمين ـ مرتبة يتفوّق فيها على أكابر الصحابة وأعيانهم الذين ضحوا بنفسهم ونفيسهم في سبيل إعلاء كلمة اللّه.
ثمّ إنّ الذي يسيء الظن بصحة الحديث الثاني انّالناقل هو سعيد بن زيد وهو أحد تلك العشرة المبشرة.
وما أحسن ما يقال: «بأبي زوجة تمدحها أُمّها» وأقول: «بأبي راوٍ ينقل عن النبي انّه من أهل الجنّة».
إنّ طبيعة الحال تقتضي أن يدلي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في حشد كبير، يحضره أكثر العشرة المبشرة بالجنة، لا أن يدلي بكلامه هذا أمام أحدهم خاصّة، ولا يبوح هو أيضاً بما سمعه إلاّ عندما رأى نيل الناس من عليٍّ (عليه السلام) وذكره بالسوء.

(297)

19
أبو هريرة

(21ق.هـ ـ 57هـ)
سيرته و أحاديثه الرائعة
أحاديثه السقيمة
1. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. الشيطان إذا سمع الاَذان ولى....
3. وجوب الجهاد تحت راية كلّ بر و فاجر.
4. قبول التوبة مع عدم الندم.
5. النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنع من كتابة الحديث.
6. من هو خالق اللّه؟
7. انّ اللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً.
8. سليمان يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة.
9. موسى يفقأ عين ملك الموت.
10. روَية اللّه بالعين الباصرة.
11. لا تملاَ النار حتى يضع الرب رجله فيها.
12. نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا.
13. نقض سليمان حكم أبيه داود.
14. ظهور موسى عرياناً أمام الملاَ.
15. اتهام أُولو العزم من الاَنبياء بالعصيان.
16. شك الاَنبياء وتفضيل يوسف على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) .
17. نبي من الاَنبياء يحرق قرية النمل.
18. أيوب يحثي رجل جراد من ذهب في ثوبه.
19. النبي يوَذي ويجلد ويسب ويلعن من لا يستحق.
20. التلاعب بحديث بدء الدعوة.
21. إيقاع الفعل في وقت لا يسعه.
22. امة مسخت فأراً .
23. أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت
24. أبو هريرة ينسب ما سمعه عن الفضل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
25. إبراهيم يخاصم ربّه .
26. دخول امرأة في النار بسبب هرّة.
27. في إحدى جناحي الذبابة داء وشفاء.

(298)
إنّ أبا هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، اختلف الناس في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، وقد نقل الذهبي أقوالاً عشرة في اسمه ورجّح انّ اسمه عبد الرحمان بن صخر، كما نقل الاَقوال في اسم أبيه، ولا يهمُّنا التحقيق في اسمهما فقد سرد هشام [بن محمدج بن الكلبي نسب أبيه، بقوله:هو عمير بن عامر بن ذي الشرى بن طريف بن عيّان بن أبي صعب بن هُنيَّة بن سعد بن ثعلبة إلى أن ينتهي إلى نصر بن الاَزد. (1)
ويكنّى أبا هريرة لهرّة صغيرة كان مغرماً بها.
قال ابن قتيبة: إنّ أبا هريرة كان يقول: وكُنِّيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها. (2)
وأخرج ابن سعد في ترجمة أبي هريرة في الطبقات بالاسناد إليه، قال: كنت أرعى غنماً، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت إذا كان الليل وضعتها في شجرة، وإذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنّوني أبا هريرة. (3) إسلامه
اتّفقوا على أنّه أسلم بعد فتح خيبر، يقول أبو هريرة:
خرج النبي إلى خيبر وقدمت المدينة مهاجراً ،فصلّيت الصبح خلف سِباع ابن عُرفُطة ـ كان استخلفه ـ فقرأ في السجدة الاَُولى [كذاج بسورة مريم، وفي الآخرة (ويلٌ للمُطفِفين) .

1 . سير أعلام النبلاء: 2|578 برقم 126.
2 . ابن قتيبة: المعارف:158.
3 . الطبقات الكبرى لابن سعد:4|329. وقد جرت سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على تبديل الاَسماء والكُنى غير الحسنة، إلى الحسنة منهما ولكنّهص أبقى كنية أبي هريرة على حالها و لم يُغيّرها ، فما هو السرّ في ذلك؟!

(299)
فقلت: ويل لاَبي، قلّ رجل كان بأرض الاَزد، إلاّ وكان له مكيالان، مكيال لنفسه، و آخر يبخس به الناس. (1)
وعلى ذلك فقد أدرك من عهد الرسالة أربع سنين، إذا صحّ وقوع غزوة خيبر في شهر محرم الحرام، وهو بعدُ محل خلاف بين كُتّاب السيرة النبويّة. ولكن ، قال ابن أبي خالد: حدثنا قيس بن أبي حازم، قال لنا أبو هريرة: صحبت رسول اللّه ثلاث سنين. (2)
والجمع بين القولين هو انّ النبي أمّر العلاء بن الحضرمي في البحرين وبعث معه أبا هريرة موَذِّناً له، فلو لبث فيها سنة واحدة، فقد صحب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ثلاث سنين، و إن أدرك من عهد الرسالة أربع.
ويظهر مما وَصف به أرض الاَزد وما دعا به على والده بقوله: «ويل لاَبي» أنّ منبَته لم يكن منبَت خير، و قد روى هو أيضاً: انّه قال لي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ممن أنت؟ قلت: من دوس، قال: ماكنت أرى انّ في دوس أحداً فيه خير (3).

كثرة أحاديثه

يصفه الذهبي بقوله: الاِمام، الفقيه، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول اللّه، أبو هريرة الدوسي اليماني، سيد الحُفاظ الاَثبات، حمل عن النبي علماً كثيراً طيّباً مباركاً ـ لم يُلْحق في كثرته ـ و عن أُبيّ و أبي بكر و عمر و أُسامة وعائشة والفضل وبُصرة بن أبي بُصرة، وكعب الحبر.
حدَّث عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، فقيل بلغ عدد أصحابه

1 . سير أعلام النبلاء:2|589.
2 . مسند أحمد:2|475و مختصر تاريخ ابن عساكر:29|182.
3 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29|181.

(300)
ثمانمائة، ثمّ نقل عن صاحب التهذيب أسماء من له رواية عنه في كتب الاَئمّة الستة. (1)
وبلغ مسنده 5374 حديثاً، المتّفق في البخاري و مسلم منها 326، وانفرد البخاري بـ 93 حديثاً، ومسلم بـ 98 حديثاً. (2)
ولم يتفق لاَحد من الصحابة ذلك الحجم الهائل من الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى الرغم من أنّه لم يكن يكتب الحديث ولكنّه حفظ هذا العدد الهائل من الروايات عن ظهر قلب.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه همام، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: ما أحد من أصحاب رسول اللّه أكثر حديثاً عنه منّي، إلاّما كان من عبد اللّه بن عمرو، فانّه كان يكتب و كنت لا أكتب. (3)
وعلى ضوء ذلك فيلزم أن يكونا متكافئين في نقل الحديث مع أنّ المروي عن عبد اللّه بن عمرو أقل بكثير عمّا روي عن أبي هريرة .
فإذا كان المروي عن أبي هريرة 5374 حديثاً، فلازمه أن يكون المروي عن عبد اللّه بن عمرو مثل هذا أو أكثر، مع أنّ المروي عنه سبعمائة حديث، فتكون النسبة بينهما هي السُّبْع، وهذا إن دلّعلى شيء فإنّما يدل على ضعف الاعتماد على مروياته.
وقد اعتذر المعلِّق على سير أعلام النبلاء عن هذا الفارق الشاسع بين الراويتين بوجوه ضعيفة لا يُركن إليها. فمن جملة ما اعتذر به: «انّ عبد اللّه كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، فقلّت الرواية عنه» (4) وفي الوقت

1 . سير أعلام النبلاء:2|578 برقم 126.
2 . سير أعلام النبلاء:2|578 برقم 126.
3 . مختصر تاريخ ابن عساكر: 29|191.
4 . سير أعلام النبلاء: 2|599.

(301)
نفسه يذكر في الوجه الرابع ما يخالف ذلك و يقول: «إنّ عبد اللّه كان قد ظفر بالشام بحِمْل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها ويحدِّث منها، فتجنّب الاَخذ عنه لذلك كثير من أئمّة التابعين».
إنّ عناية عبد اللّه بكُتب أهل الكتاب والنظر فيها والتحديث منها يعرب عن اشتغاله بالتعليم أكثر من العبادة، أو مثلها ولو كان أبو هريرة يحسن القراءة والكتابة أو يمارسها لنقل من حِمْل ذلك الجمل ما شاء.
وعلى أية حال فقد جمعت رواياته في المسند الجامع فبلغت 2740 حديثاً. (1) ضولكن الموجود في مسند أبي هريرة تأ عمر علوش أكثر من ذلك حيث بلغ عدد أحاديثه من المسند والموقوف والمعلّق إلى 6428، وقد جمع ما روي عنه في ثلاثة أجزاء أسماه «التمام الحسن» وهو تتمة جامع المسانيد والسنن تأليف عماد الدين ابن كثير القرشي، طبع في دار الفكر، بيروت.

ملامح من شخصيته

يظهر ممّا روي عنه من الاَقوال والاَفعال انّه كان كثير الهزل، يمارس على كبر سنّه ما يمارسه الاَطفال من الاَفعال.
يقول ابن قتيبة نقلاً عن أبي رافع: كان مروان ربّما استخلف أبا هريرة على المدينة، فيركب حماراً قد شدّ عليه برذعة، وفي رأسه خلبة من ليف، فيسير فيلقى الرجل، فيقول: الطريق قد جاء الاَمير.
وربّما أتى الصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الغراب فلا يشعرون بشيء حتى

1 . انظر المسند الجامع:16 و17و18، ولكن المسند الجامع ليس بجامع لا في هذا المورد، ولا في موارد أُخر، وقد وقفنا على روايات لاَبي هريرة في الصحيحين والسنن لم تُذكر في الجامع.

(302)
يلقي نفسه بينهم و يضرب برجليه فينفر الصبيان فيفرُّون.
وربّما دعاني إلى عشائه بالليل، فيقول: دع العراق للاَمير، فانظر فإذا هو ثريدة بزيت. (1)
ونقل عن سعد بن أبي مالك القرظي، قال: أقبل أبو هريرة في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال: أوسع الطريق للاَمير. (2)

حبّه للثروة

يدل ما أثر عنه من فعل وقول انّه كان رجلاً محبّاً للمال وذاخراً له، فلنأت ببعض النماذج الدالة على ذلك:
فعن ابن المسيب، قال: كان أبو هريرة إذا أعطاه معاوية سكت، وإذا أمسك عنه تكلّم. (3)
روى إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: انّعمر قال لاَبي هريرة: كيف وجدت الاَمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، و نزعتني وقد أحببتها.وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين.
فقال: ما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً.
قال: من أين أصبتها ؟ قال: كنت أتّجر، قال: أنظر إلى رأس مالك و رزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال. (4)

صلته بالبيت الاَموي

وممّا لا يمكن إنكاره انّه كان له صلة وثيقة بالبيت الاَموي، ولذلك كان

1 . ابن قتيبة، المعارف، ص 158.
2 . أبو نعيم، حلية الاَولياء:1|384.
3 . سير أعلام النبلاء:2|615.
4 . المصدر السابق:2|617ـ 618.

(303)
ينوب مروان بن الحكم في المدينة.
يقول ثابت بن مشحل: قال: كتب الوليد إلى معاوية بموت أبي هريرة، فكتب إليه: أنظر من ترك فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم وأحسن جوارهم وافعل إليهم معروفاً فانّه كان ممن نصر عثمان و كان معه في الدار. (1)
روى عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول: حدثنا أبو القاسم الصادق المصدوق، فلا يزال يحدِّث حتى إذا سمع فتح باب المقصورة لخروج الاِمام للصلاة جلس.(2)
هذا وغيره يدل على أنّه كان عثمانيّ الهوى، أمويّ النزعة وإن كان لا يتجاهر به إلاّ انّه يعلم من أحواله، ومع ذلك ففي أحاديثه ما يظهر منه التعاطف مع الحسنين (عليهما السلام) .

دراسة الاِطراءات الواردة في حقّه

قد رويت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إطراءات عديدة في حقّ أبي هريرة، تشير إلى أنّه كان موضع اهتمام من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعلّمه من العلوم النبوية ما لم يُعلّم غيره، ودعا له أن لا ينسى ما تعلمه، فلو ثبتت تلك الروايات، فهو كما قال الذهبي: سيد الحفاظ الاَثبات، ولكن تلك الاِطراءات لم تنقل عن غير طريق أبي هريرة إلاّ القليل، فلنذكر بعض ما رواه هو:
1. روى انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك؟ قلت: أسألك أن تعلمني ممّا علّمك اللّه، فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأنّي أنظر إلى النمل يدبّ عليها فحدثني، حتى إذا

1 . الحاكم النيسابوري، المستدرك:3|508و512.
2 . الحاكم النيسابوري، المستدرك:3|508و512.

(304)
استوعبت حديثه.
قال: أجمعها فصرها إليك، فأصبحت لا أسقط حرفاً ممّا حدثني.
2. و قال يوماً: إنّكم تقولون انّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول اللّه، وتقولون ما للمهاجرين والاَنصار لا يحدّثون مثله، و إنّ إخواني المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاَسواق، وكان إخواني من الاَنصار يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرىًَ مسكيناً من مساكين الصفّة، ألزم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ملء بطني، فأحضُر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقد قال رسول اللّهفي حديث يحدِّثه يوماً:
انّه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي جميع مقالتي، ثمّ يجمع إليه ثوبه الاّ وعى ما أقول، فبسطت نمرة عليَّ، حتى إذا قضى مقالته، جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك من شيء.
3. روى الزهري، عن الاَعرج، عن أبي هريرة ،قال: قال أتزعمون انّي أكثر الرواية عن رسول اللّه ـ واللّه الموعد ـ انّي كنت امرأً مسكيناً أصحب رسول اللّه على ملءِ بطني وإنّه حدَّثنا يوماً، وقال: من يبسط ثوبه حتى أقضي مقالتي، ثمّ قبضه إليه (1) لم ينس شيئاً سمع مني، ففعلت. فوالذي سمعته منه. (2)
وقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر الاسنادين: والاسنادان جميعاً محفوظان صححهما الشيخان. (3)

1 . كذا في المصدر الصحيح ثمّ يقبضه إليه.
2 . سير أعلام النبلاء: 2|595.
3 . فتح الباري: 1|104.

(305)
وهاهنا سوَالان:
الاَوّل: لماذا خصّص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الكرامة بأبي هريرة دون سواه من أصحاب الصفة، ولا أظنُّ انّه لم يكن يوجد بينهم من هو عدل لاَبي هريرة في النيل بهذه الكرامة؟
والثاني: ما معنى انّه بسط ثوبه وأفضى النبي جميع مقالته في ثوبه ثمّهو قبضه إلى صدره فصار ما ألقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عجيناً مع روحه ونفسه فلم ينس ما سمعه أبداً؟
فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد أن يُخصِّص هذه الكرامة بأبي هريرة لكان له أن يضع يده على صدره ويدعو له كما فعل ذلك مع غيره نظير، الاِمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) . كلّهذه النصوص المنتهية إليه تجعل الاِنسان في حيرة من أمر هذا الرجل.

أبو هريرة متهم في روايته

يظهر ممّا نقله الذهبي وغيره انّ الرجل كان متهماً في روايته بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في عهد الخلافة وبعدها، وإليك بعض ما نقله في ذلك المقام.
1. أخرج غير واحد من الموَرّخين والمحدّثين، عن السائب بن يزيد انّه سمع عمر يقول لاَبي هريرة: لتتركنّالحديث عن رسول اللّه وإلاّ لاَلحقنّك بأرض الدوس. (1)
وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لاَلحقنَّك بأرض القردة. (2)
لم يكن الخليفة مانعاً عن التحديث بقلة، ولذلك كان يقول: «أقلّوا الرواية

1 . سير أعلام النبلاء: 2|601.
2 . سير أعلام النبلاء: 2|601.

(306)
عن رسول اللّه »وإنّما خالف أبا هريرة في تكثيره.
2. روى ابن عجلان أنّ أبا هريرة، كان يقول: إنّي لاَحدِّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر ، لشجّ رأسي.
3. روى الشعبي قال: حدث أبو هريرة فسرد عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام حتى ارتجَّت الاَبواب.
4. روى إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: أي واللّه يا أُمّاه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المِكْحَلةُ، ولا الدهن، قالت: لعلّه.
5. لما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحجرة النبوية وقع خصام.
قال الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللّه ما أنت وال،وانّ الوالي لغيرك، فدعه ـ يعني حين أرادوا دفن الحسن (عليه السلام) مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولكنّك تدخل فيما لا يعنيك، إنّما تريد إرضاء من هو غائب عنك ـ يعني معاوية ـ.
فأقبل عليه مروان مغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إنّ الناس قد قالوا أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما قدم قبل وفاته بيسير. (1)
6.أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أفضل الصدقة ماترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.
ويقول العبد: اطعمني واستعملني.
ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني؟
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!

1 . سير أعلام النبلاء: 2|605.

(307)
قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.(1)
ورواه الاِمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.(2)
انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيبضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّهعدل عمّا ذكره أولاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.
وبعد هذا فهل يصح توثيقه؟!
هذه النصوص تعرب عن أنّ الرجل كان متهماً في عصره، وإن كان هو يبرّر عمله بأنّ الآخرين كانوا منشغلين بالصفق في الاَسواق أو بالمرآة والمكحلة والدهن، ولكن كان في القوم من لم يكن له ذلك الشأن كعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأُبيّ بن كعب وأبي أيوب الاَنصاري وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو، إلى غير ذلك من أقطاب الحديث، الذين كان لهم شغف بنقل الحديث وضبطه وتحديثه، ومع ذلك لم يبلغ حديث أكثرهم معشار ما نقله أبو هريرة.
كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة فيحدِّث، ثمّ يقول: يا صاحب الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئاً؟
فلما قضت صلاتها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يسرد الحديث سردكم.
وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدِّث به أبو هريرة شيئاً ؟ فقال: لا، ولكنّه اجترأ، وجبُنّا.

1 . صحيح البخاري:7|62، 63، باب وجوب النفقة على الاَهل والعيال من كتاب النفقات.
2 . مسند أحمد: 2|252.

(308)
فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا. (1)
قال ابن عساكر: إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا لها: إنّ أبا هريرة يقول: إنّ الطيرة في الدار والمرأة والفرس، فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله إنّما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك.
وعن عائشة انّها قالت لاَبي هريرة: إنّك تحدّث عن رسول اللّه أشياء ما سمعتها منه؟! فقال لها مجيبا: إنّه كان يشغلك عن تلك الاَحاديث، المرآة والمُكْحُلة. (2)
هذه النصوص توقفك على حقيقة الحال وانّ الرجل كان متّهماً في روايته في عصره، ولكن القول بعدالة الصحابة حال بين المحققين والتحقيق في رواياته ومروياته، ولولا ذلك لما أخذوا بكثير ممّا عزاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

التحديث بنصف ما معه

يظهر ممّا رواه أبو هريرة انّه إنّما حدَّث بنصف ما وعاه عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وحبس النصف الآخر لاَنّ الظروف لم تساعد لبثّه.
روى البخاري، عن المقبُري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. (3)

التدليس في الحديث

قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة، يقول: كان أبو هريرة يدلّس.

1 . سير أعلام النبلاء: 2|607.
2 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29|195ـ 196.
3 . صحيح البخاري: 1|31، باب حفظ العلم من كتاب الايمان.

(309)
وذكره ابن عساكر في تاريخه والحافظ ابن كثير في البداية. (1)
ولما كانت شهادة شعبة تحطُّ من مكانة أبي هريرة عاد الذهبي ناقضاً للقاعدة، فقال:
قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فانّ تدليسهم عن صاحبٍ أكبر منهم، والصحابةكلّهم عدول.
وأنت خبير بأنّ التدليس من أسباب الضعف، فكيف صار هناك من أسباب الفخر، حيث قال: إنّتدليسهم عن صاحب أكبر منهم.
وقد أشار الحافظ ابن كثير في البداية إلى تفسير كلام شعبة، بقوله: وكان شعبة يشير بهذا إلى حديث: «من أصبح جنباً فلا صيام له» فانّه لما عوتب عليه، قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وسيوافيك عند دراسة أحاديثه انّه نسب هذا الحديث إلى الرسولص، فلمّا شهد غير واحد من الصحابيات على خلافه، قال: أخبرني به الفضل بن العباس.
وأيّ تدليس كان أعظم من ذلك؟ بل كان ينسب ما سمعه من كعب الاَحبار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهو من أسوأ التدليسات، وها نحن نوقفك على نموذج من هذا النوع من التدليس الذي كان يرتكبه أبو هريرة.
روى الطبري عن أبي نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر.
قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمّقال: وما ذاك؟ قال: زعم انّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كانّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم.

1 . انظر سير أعلام النبلاء:2|608 قسم التعليقة.

(310)
قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووضعت أُخرى غضباً ، ثمّ قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاِسلام، اللّه أجل وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك و تعالى (وَسخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائبَيْن) إنّما يعني دوَوبهما في الطاعة فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما انّهما دائبان في طاعته؟! قاتل اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه.
قال: ثمّ استرجع مراراً وأخذ عُوَيداً من الاَرض فجعل ينكته في الاَرض، فظلّ كذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّه رفع رأسه ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا: بلى رحمك اللّه.... (1)
وهذا النسج الخرافي للقصة التي حاكتها مخيّلة كعب وأضرابه، رواها أبو هريرة مباشرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
روى ابن كثير في تفسير سورة التكوير:
حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد اللّه الداناج، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمان بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه، فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟
فقال: أحدثك عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول أحسبه، قال: وما ذنبهما. (2)
ترى أنّ حديثاً واحداً يرويه رجل عن كعب، وفي الوقت نفسه يرويه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبما انّ كعباً لم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع أن ينسبه إليه وبما انّ

1 . تاريخ الطبري: 1|44.
2 . تفسير ابن كثير: 7|221، تفسير سورة التكوير.

(311)
أبا هريرة أدرك عصر الرسالة أخذ بالتدليس فنسب ما سمعه عن كعب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .وأيّ تدليس أسوأ من ذلك؟ وليس هذا إلاّ من مقولة الكذب المنافي للعدالة.
ومما يقضى منه العجب ما ذكره أبو جعفر الطحاوي لتصحيح هذا الاَثر حيث قال: إنّ الشمس والقمر كالملائكة الموكلين لاَهل النار، معذِّبان لاَهل النار لا معذَبان فيها، إذ لا ذنوب لهما (1)
يلاحظ عليه: أنّ التفسير خلاف ما فهمه المخاطبون بهذا الحديث، مضافاً إلى أنّه لا يناسب قوله «عقيران» وما العقر إلاّ لتعذيبهما.
وحيث إنّ أهل السنة ذهبوا إلى عدالة الصحابة بأجمعهم أخذوا بروايات أبي هريرة وأمثاله دون أدنى تحقيق، و إذا فتشوا عن اسناد الرواية فإنّما يفتشون عمّن ورد اسمه قبل الصحابة، فإذا وصل الكلام إليهم يكسر القلم ويُضبط اللسان فلا كلام فيهم و إن صدر عنهم ما صدر.
إنّ تقديس جميع من أسموهم بالصحابة لمجرد أنّهم رأوا الرسولص أو سمعوا حديثه أو صاحبوه ولو زمناً قصيراً ممّا لا يمكن تصديقه، لاَنّ مجرد الصحبة لا يُضفي على المصاحب ثوب القداسة ولا يخلق حوله هالة من التقديس بعد ما شهد القرآن والسنّة على كون لفيف منهم مصدراً للفتنة والفساد، وهذا هو الذكر الحكيم يصرّح ويقول:
(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِفاقِ لا تعلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)(التوبة|101).
وهوَلاء الذين مردوا على النفاق كانوا مندسّين بين الصحابة، ولم يكن عددهم قليلاً، وإلاّ لما استأثروا باهتمام بالغ من قبل القرآن الكريم في غير واحد من سوره وآياته.

1 . مشكل الآثار: 1|48.

(312)
إنّه سبحانه يصف بعض الصحابة بالفسق ويقول:(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فتَبَيَّنُوا) (الحجرات|6).
فمن هذا الفاسق الذي أخبر القرآن عنه بين صحابته؟ و ما هو إلاّ الوليد ابن عقبة الذي صاحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعواماً عديدة.
وليس الوليد نسيج وحده في هذا المضمار، بل انّ كثيراً من الصحابة تركوا النبي قائماً حينما كان يخطب للجمعة وخرجوا من المسجد طلباً لحطام الدنيا، فنزل قوله سبحانه: (فَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَـهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقين) (الجمعة|11).
أترى أنّ من يرجح اللهو وحطام الدنيا على صلاة الجمعة يكون من القدِّيسين و من العدول الذين تنبض قلوبهم بذكر اللّه ويخافون يوماً قمطريراً ؟!
ويكفي من السنة ما وردت حول ارتداد الصحابة عقب وفاة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وقد رواها البخاري في كتاب الفتن. (1)
وقد جمعها ابن الاَثير في جامعه فبلغت عشرين حديثاً فلاحظ. (2)

وفاته

توفي أبو هريرة سنة 57 وقيل 58 وهو ابن 78، قيل مات بالعقيق وحمل إلى المدينة وصلّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان و كان أميراً على المدينة لعمِّه معاوية بن أبي سفيان. (3)
وقد مضى الرجل وعزّي إليه أحاديث كثيرة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي بين صحيحةتعلو على هامّاتها سمات الصحة والاتقان، وسقيمة مخالفة لكتاب اللّه والسنّة الثابتة والعقل الحصيف، فمن أراد تنزيه السنة النبوية وتمحيصها، فعليه

1 . صحيح البخاري: 9|42، كتاب الفتن.
2 . جامع الاَُصول:10|468ـ473، باب صفة الحوض من كتاب القيامة.
3 . ابن الاَثير: أُسد الغابة:5|317، قسم الكنى.

(313)
بدراسة روايات هذا الصحابي، وكفانا موَونة ذلك ما ألّفه العالمان الكبيران أحدهما شيعي والآخر سني، فالاَوّل هو العلم المفرد المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي فقد فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الاَُمّة ونشر كتابه المعروف بـ«أبو هريرة».
وأمّا الثاني فهو الكاتب المجاهد محمود أبو رية موَلف كتاب «أبو هريرة شيخ المضيرة» فقد بلغا الغاية في دراسة رواياته.ولقد صدرنا في بعض ما ذكرناه في المقام عمّا أفاده العلمان لا سيما ما أفاده العلاّمة شرف الدين العاملي «طيب اللّه رمسه».

ولنذكر شيئاً من روائع أحاديثه

1. أخرج مسلم، عن سعيد بن المسيب انّ أبا هريرة أخبره انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّاللّه، فمن قال: لا إله إلاّاللّه عصم منّي ماله ونفسه إلاّبحقه وحسابه على اللّه.
وفي لفظ آخر عن أبي هريرة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّاللّه، ويوَمنوا بي، و بما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّبحقها، وحسابهم على اللّه. (1)
وهذه الرواية نقلت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متضافرة، نقلها غير واحد من الصحابة.
2. أخرج مسلم، عن أبي سهيل، عن أبيه ،عن أبي هريرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. (2)
3. أخرج أحمد ، عن أبي رافع، عن أبي هريرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال: للصائم فرحتان: فرحة في الدنيا عند إفطاره، وفرحة في الآخرة. (3)


1 . صحيح مسلم:1|39، باب الاَمر بقتال الناس.
2 . صحيح مسلم: 1|56، باب خصال المنافق.
3 . مسند أحمد:2|345.

(314)
4. أخرج أحمد، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : رُبّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظه من قيامه السهر. (1)
5. أخرج ابن ماجة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أعان على قتل موَمن بشطر كلمة لقي اللّه عزّ وجلّ: مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة اللّه . (2)
6. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال:المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والموَمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم. (3)
7. أخرج أحمد، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» :من سنّ سنّة ضلال اتّبع عليها، كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، و من سنّ سنّة هدى فاتّبع عليها كان له مثل أُجورهم من غير أن ينقص من أُجورهم شيء. (4)
8. أخرج الترمذي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال: إنّ الدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، إنّالدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولاَئمّة المسلمين وعامتهم. (5)
9. أخرج الترمذي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال:
سئل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أي الاَعمال أفضل، وأيّ الاَعمال خير؟ قال: إيمان باللّه

1 . مسند أحمد:2|373.
2 . سنن ابن ماجة: 2|874 برقم 2620.
3 . سنن الترمذي: 5|17 برقم 2627.
4 . مسند أحمد:2|504ـ 505.
5 . سنن الترمذي: 4|324 برقم 1926.

(315)
ورسوله، قيل: ثمّ أيّ شيء؟ قال: الجهاد سنام العمل، قيل : ثمّ أيّ شيء يا رسول اللّه؟ قال: ثمّ حجّ مبرور. (1)
10. أخرج البخاري في الاَدب المفرد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:
«إيّاكم والظلم، فانّ الظلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، فانّ اللّه لا يحب الفاحش المتفحش، وإيّاكم والشحّ، فانّه دعا مَنْ كان قبلكم، فقطعوا أرحامهم، ودعاهم فاستحلوا محارمهم. (2)
هذه طائفة من روائع رواياته، ولكن عزيت إليه روايات سقيمة لا يصحّ عزوها إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمخالفتها للمعايير العامة لصحّة الحديث التي استوفينا الكلام حولها في صدر الكتاب وإليك نزراً منها.

1. محاولة عفريت من الجن قطع صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن زياد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّعفريتاً من الجنّ جعل يفتك (3) عليَّ البارحة ليقطع عليَّ الصلاة، و انّ اللّه أمكنني منه فذعته، (4) فلقد هممت أن أربطه إلى جانب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم، ثمّ ذكرت قول أخي سليمان: ( رَبِّ اغفِرَ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لاَحَدٍ مِن بَعْدِي) فردّه اللّه خاسئاً. (5)

1 . سنن الترمذي: 4|185 برقم 1658.
2 . البخاري: الاَدب المفرد، ص 170 برقم 487.
3 . العفريت: العاتي المارد من الجن: الفتك: هو الاَخذ في غفلة وخديعة.
4 . خنقته ، وفي نقل فدعته: دفعته دفعاً شديداً.
5 . صحيح مسلم: 2|72، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والآية 35 من سورة ص .

(316)

وفي الحديث تساوَلات:

أوّلاً: انّ المنقول عن أبي هريرة يختلف مضمونه مع ما نقل عن أبي سعيد الخدري، حيث نقل عنه الاِمام أحمد:«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام فصلّى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلمّا فرغ من صلاته قال: لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي فمازلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين: الابهام والتي تليها،ولولا دعوة أخي سليمان لاَصبح مربوطاً بسارية، من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل. (1)
كما انّ مضمونه يختلف عمّا رواه نفس مسلم، عن أبي الدرداء، في ذلك المقام . قال: قام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعناه يقول: أعوذ باللّه منك، ثمّقال: ألعنك بلعنة اللّه ثلاثاً، وبسط يده كأنّه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة، قلنا: يا رسول اللّه قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، و رأيناك بسطت يدك؟ قال: إنّ عدو اللّه إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ باللّه منك ثلاث مرّات، ثم قلت: ألعنك بلعنة اللّه التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثمّ أردت أخذه، واللّه لولا دعوة أخينا سليمان لاَصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة. (2)
والظاهر وحدة الواقعة، والاختلاف في المضمون بيّن غني عن البيان، كلّذلك يسلب الاعتماد على هذه النقول مع وحدة الواقعة.
وثانياً: انّ الرواية تعرب عن أنّ لاِبليس وجنوده سلطة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث

1 . مسند أحمد:3|82.
2 . صحيح مسلم:2|73، باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة.

(317)
أخذه في غفلة وخديعة، كما يشهد عليه قوله «يفتك»، وهذا ما يكذبه الكتاب العزيز ويقول: (إنّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذينَ آمَنُوا وَعَلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُون ) (النحل|99)وحمل السلطة على خصوص الاِغواء خلاف الاِطلاق.
وثالثاً: انّ الرواية تدل على مشاهدة الناس للجن، ولذلك صمَّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يربط ذلك العفريت العاتي المارد من الجن، على سارية من سواري المسجد حتى يصبح الناس وينظروا إليه، مع أنّه خلاف القرآن الكريم، حيث يقول: (إِنَّهُ يَراكُم هُوَ وَقَبيلُهُ مِنْحَيْثُ لا تَرَونَهُمْ)(الاَعراف|27).
وحمله على غالب الناس خلاف الظاهر، وعلى فرض الصحّة فأهل المدينة من تلك الاَغلبية الذين لا يستطيعون روَية الجن.
ورابعاً: الرواية تدل على أنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرف عن عمله، لاَنّه ذكر قول أخيه سليمان :(ربِّ اغْفِر لي وَهَبْلي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لاََحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فلاَجل ذلك ردَّ اللّه ذلك الجن خاسئاً ذليلاً صاغراً مطروداً.
ولكن الآية لا تصلح أن تكون سبباً لانصرافهص، وذلك لاَنّها لا تدل على أنّ ربط الجن العاتي من خصائص سليمان، فما هو من خصائصه هو الملك المبني على قدرة قاهرة واستخدام الجن والاِنس والطير إلى غير ذلك مما جاء في الذكر الحكيم من الجنود، وأين هذا من ربط الجن العاتي بسارية من سواري المسجد في مورد واحد؟
فنفس الرواية حاكية على أنّها مندسة بين الروايات ، فنجلّ ساحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستدل بآية على أمر ليس فيها دلالة عليه.

2. الشيطان إذا سمع الاَذان ولّى ...

أخرج أحمد، عن عبد الرحمان بن يعقوب، عن أبي هريرة، قال: قال

(318)
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا سمع الشيطان الاَذان ولّى وله ضراط حتى لا يسمع الصوت. (1)
أقول: نحن لا نعلِّق على هذا الحديث شيئاً، ولكن هل للشيطان قدرة على هذا العمل الذي هو من شوَون الموجود المادي؟!
ثمّ على فرض صحته، فالاَذان ظاهرة مستمرة بين المسلمين حسب اختلاف الآفاق، والشيطان له إحاطة بالبشر فهو يواجه في كلّحين أذاناً في البلدان المختلفة، فهل يقوم بذلك العمل حسب استمرار الاَذان في بلدان المسلمين ليلاً ونهاراً ؟ لا أدري ولا المنجم يدري ولا القراء يدرون!!
إضافة إلى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إنساناً حَييّاً حسب ما ورد في الروايات، فمن البعيد أن يتفوّه بتلك الكلمة.

3. وجوب الجهاد تحت راية كلّ برّ وفاجر

أخرج أبو داود في سننه، عن مكحول، عن أبي هريرة، قال : قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :
الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برّاً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كلّمسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برّاً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر. (2)
أقول: الجهاد لا ينفك عن التصرف في الاَنفس والاَعراض والاَموال، فكيف يجب مع أمير فاجر، مع أنّه ربما يدعو إلى العيث والفساد والعصيان وقتل الاَبرياء وهتك الاَعراض وغصب الاَموال؟

1 . مسند أحمد:2|411.
2 . سنن أبي داود: 3|18 برقم 2533.

(319)
ولقائل أن يحمل الرواية على ما إذا دعا الاَمير الفاجر إلى البرّ والاِحسان، ولكنّه في غير محله، لاَنّ معرفة ذلك في ميادين الجهاد أمر صعب جداً لو لم يكن بمتعذر.
فمن مارس الجهاد في ساحات الوغى ، يعلم انّه لا يمكن لمجاهد أن يتفحص في الاَُمور المشتبهة ويأخذ بالبر ويترك خلافه. فالحقّانّ الجهاد إنّما هو مع إمام عادل لا الاَعم من البرّ والفاجر، والرواية من صنائع يد السياسة التي تبغي من وراء ذلك إضفاء المشروعية على الجهاد تحت لواء الطلقاء وأبناء البيت الاَموي.
ولكن المروي عن أئمّة أهل البيت خلاف ذلك.
قال الاِمام الرضا (عليه السلام) :والجهاد واجب مع الاِمام العادل. (1)
وقال الاِمام الصادق (عليه السلام) : إنّ القتال مع غير الاِمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. (2)
إلى غير ذلك من الروايات.

4. قبول التوبة مع عدم الندم

أخرج مسلم في صحيحه، عن عبد الرحمان بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يحكي عن ربّه عزّوجلّ، قال: ذنب عبد ذنباً، فقال: اللّهمّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذّنب، ثمّ عاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى

1 . الوسائل: 11، كتاب الجهاد، الباب 1، الحديث 24، من أبواب جهاد العدو.
2 . المصدر نفسه، الباب 12، الحديث 1، من أبواب جهاد العدو.

(320)
عبدي أذنب ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذّنب، ثمّعاد فأذنب، فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم انّ له ربّاً يغفر الذّنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك. (1)
يلاحظ عليه : أنّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة في المستقبل، وإلاّفلو لم يعزم على ترك المعاودة فهو دليل على عدم ندمه.
فإذا كان هذا حقيقة التوبة التي يصبح التائب معه كمن لا ذنب له، فلم تكن متحققة في توبة الرجل فكيف قُبلتْ توبته؟
وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة التوبة عبارة عن الندم على ما فعل من المعصية، والعزم على ترك المعاودة إليها في المستقبل، وهذا هو الذي دعا إليه الذكر الحكيم بقوله: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوبَةً نَصُوحاً) (التحريم|8).
قال الراغب: التوبة النصوح: ما يصرف صاحبه عن العودة إلى المعصية، أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منها. (2)
وعلى ذلك ففي الرواية ملاحظتان:
الاَُولى: انّالظاهر من الرواية انّ التوبة لم تكن جامعة للشرائط ومنها الندم على ما مضى، بل كان يذنب رجاء غفران الرب له من دون الندم، وهذه الفكرة من الوهن بمكان، لاَنّ الربّ إنّما يغفر الذنوب إذا تاب العاصي توبة نصوح،

1 . صحيح مسلم: 8|99، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب؛ صحيح البخاري:9|145، باب قول اللّه تعالى(يريدون أن يبدّلوا كلام اللّه).
2 . وقد تضافرت الروايات عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّ المراد من التوبة النصوح هو أن يتوب الرجل من العمل السيّء ثمّ لا يعود إليه أبداً، أخرجه السيوطي عن عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن مسعود وابن عباس، ومجاهد، وقتادة (الدر المنثور:8|227).

(321)
نابعة من الندم، على ما مضى فكيف قبلت توبته في كلّمرّة؟
الثانية: انّ قوله سبحانه: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» هو في الواقع رخصة في ارتكاب الآثام والمعاصي دون أي وازع، وحاشا للّه أن يرخّص للعبد في ارتكاب المعاصي إلى ما شاء بمجرد انّه غفار للذنوب وإن عصى وتاب إلى ما شاء اللّه.

5. النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمنع من كتابة الحديث

أخرج أحمد في مسنده، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال:
كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟
فقلنا: ما نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب اللّه؟ فقلنا: ما نسمع، فقال: اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه أو خلّصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار.
قلنا: أي رسول اللّه، أنتحدَّث عنك؟ قال: نعم، تحدَّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعده من النار. قال: فقلنا: يا رسول اللّه أنتحدَّث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم. تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فانّكم لا تحدَّثون عنهم بشيء إلاّ وقد كان فيهم أعجب منه. (1)
وفي الحديث ملاحظات:
الاَُولى: انّ هذا الحديث يعارض مع كثير ممّا يدل عن أنّ النبيرخّص في الكتابة، ونحن نذكر موجزاً ممّا وقفنا عليه، وقد مرّ أيضاً في المقدمة.

1 . مسند أحمد:3|12.

(322)
1. ما رواه البخاري، عن أبي هريرة انّخزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فركب راحلته فخطب، فقال: إنّ اللّه حبس عن مكة القتل أو الفيل (شك أبو عبد اللّه) وسلّط عليهم رسول اللّهوالموَمنين. ألا وإنّها لم تحلَّ لاَحد قبلي ولم تحلَّ لاَحد بعدي ـ إلى أن قال ـ : فجاء رجل من أهل اليمن،فقال:
اكتب لي يا رسول اللّه فقال: اكتبوا لاَبي فلان ـ إلى أن قال: ـ كتب له هذه الخطبة. (1)
2. روى البخاري، عن أبي هريرة، يقول: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلاّ ما كان من عبد اللّه بن عمرو فانّه كان يكتب ولا أكتب. (2)
3. ما رواه البخاري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال:
لما اشتدّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.
قال عمر: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغَّط، قال: قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع.
فخرج ابن عباس، يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه. (3)
4. عن عبد اللّه بن عمرو، قال: كنت أكتب كلّشيء أسمعه من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح البخاري: 1|29ـ 30، باب كتابة العلم، الحديث 112.
2 . المصدر نفسه: 1|30، باب كتابة العلم، الحديث 113.
3 . صحيح البخاري: 1|30، باب كتابة العلم.

(323)
ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأومأ باصبعه إلى فيه، وقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حق. (1)
5. ما رواه نفس أبي هريرة، قال: كان رجل من الاَنصار يجلس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع من النبي الحديث فيعجبه ولا يحفظه، فشكا ذلك إلى النبي، فقال: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك الحديث فيعجبني ولا أحفظه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : استعن بيمينك وأومأ بيده للخط. (2)
إلى غير ذلك من الروايات الحاثة على كتابة السنة قولاً وتقريراً التي هي فوق المال الذي هو زينة الحياة الدنيا، وقد أمر سبحانه أن يكتب الدين وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ ـ إلى أن قال: ـ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ)(البقرة|282).
الثانية: انّ أبا هريرة كان أُمياً لا يجيد القراءة والكتابة كما مرّفي حديث وهب بن منبه عن أخيه همام (3) فكيف يقول كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فخرج علينا، فقال: ما هذا تكتبون؟
ولاَجل ذلك سأل رسول اللّه أن يدعو له بعدم النسيان.
قال: قلت: يا رسول اللّه إنّي أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال: ابسط رداءك فبسطته فغرف بيديه، ثمّ قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئاً بعده. (4)
الثالثة: انّ الرواية تصرح بأنّ أبا هريرة ومن كان معه من الجماعة الذين كانوا

1 . سنن أبي داود:3|318برقم 3646، باب في كتاب العلم؛ مسند أحمد:2|162؛ سنن الدارمي:1|125، باب من رخَّص في كتابة العلم.
2 . سنن الترمذي:5|39برقم 2666.
3 . لاحظ ص 300 من هذا الكتاب.
4 . صحيح البخاري: 1|31، باب حفظ العلم.

(324)
يكتبون الحديث جمعوا ما كتبوا ثمّ أحرقوه بالنار، وهو معارض لما تضافر عن الخليفة الثاني من انّه أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب اللّه، وإنّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. (1)
فلو كان هناك حظر عن تدوين الحديث إلى حد فهم أبو هريرة وأضرابه انّه يجب اعدام ما كُتِب بالاحراق، لما شاور عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابة الحديث، بل منع عنها بلا تشاور، فاستخارته شهراً يدل على عدم صدور نهي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
الرابعة: انّ ظاهر قوله: «قلنا أي رسول اللّه أنتحدث عنك؟ قال: نعم تحدثوا عني ولا حرج» لا يلائم مع منعهم عن كتابة الحديث إذ أيّ فرق بين صيانة الحديث بالكتابة أو صيانته بالتحدّث، فما هو الوجه من التفريق بين الكتابة والتحديث؟
وتصور انّ كتابة الحديث يوجب اختلاطه بالقرآن فهو اعتذار بوجه أسوأ، فانّ القرآن معجزة بلفظه و معناه لا يشابهه غيره ولا يخالطه شيء، وقد مرّ تفنيده في مقدّمة الكتاب فلاحظ.
والعجب مما نقله عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه أجاز التحدّث عن بني إسرائيل، قال: تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.
كيف يجوّز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التحدّث عن بني إسرائيل مع أنّهم كانوا يحرّفون التوراة والاِنجيل، وكانوا يتاجرون بكتبهم المحرفة؟ قال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ

1 . تقييد العلم، ص 49.

(325)
يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ)(البقرة|79).
لا أدري ماذا يستفيد المجتمع الاِسلامي من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات التي لعب بها الدهر والزمان، وكانت النقلة طيلة الزمان يتاجرون بما جاء فيها ويروون ما يوافق أهواء الجهاز الحاكم؟
والحديث وُضع لجواز التحديث عن بني إسرائيل، وقد حدَّث أبو هريرة عن طريق كعب الاَحبار عنهم ـ أعاذنا اللّه من شرورهم ـ وأكثر ما يرويه أبو هريرة من القصص عن بني إسرائيل منتهية إلى أُستاذه كعب الاَحبار ـ الذي قال في حقه: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة (1) وإن صبّها في قالب الحديث عن الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .

6. من هو خالق اللّه؟

روى مسلم عن يزيد بن الاَصمّ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليسألنّكم الناس عن كلّشيء حتى يقولوا: اللّه خلق كلّشيء، فمن خلقه؟! (2)
وأخرج أيضاً عنه، قال: قال لي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا هذا اللّه، فمن خلق اللّه؟ قال: فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الاَعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللّه فمن خلق اللّه؟! فأخذ حصىً بكفه فرماهم، قال: قوموا صدق خليلي.(3)
والحديث يعرب انّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُعلِّم أبا هريرة جواب السوَال، ولذلك لما

1 . سير أعلام النبلاء: 2|600.
2 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.
3 . صحيح مسلم:1|84 ـ85، باب بيان الوسوسة في الايمان و ما يقولها من وجدها.

(326)
سأله الاَعراب أخذ حصىً بكفّه فرماهم وأمرهم بالقيام.
مع أنّ هذا بعيد عن أدب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فإنّ السوَال لائق بالبحث، لاَنّه يخطر هذا السوَال في ذهن كثير من الناس، فالمترقب من الرسول الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تنبأ عن مستقبل أبي هريرة أن يُعلّمه الجواب.
والحديث إمّا مكذوب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وعلى فرض الصحّة فهو يعرب عن عدم استعداده لتلقي الجواب.
مع أنّ الاِمام أحمد نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه علم الاَُمّة جواب هذا السوَال، فقال: قال: قال جعفر: بلغني انّ النبيقال: إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل كلّ شيء، واللّه خلق كلّ شيء، و اللّه كائن بعد كلّ شيء. (1)
ولعلّ مراده من جعفر هو جعفر بن بُر الذي روى عنه مسلم، الحديث المتقدّم في صحيحه.
والجواب في غاية المتانة، لاَنّه سبحانه ليس ظاهرة مسبوقة بالعدم، حتى يُسأل عن علّة الاِيجاد، فإذا كان واجبَ الوجود، كان موجوداً في الاَزل والاَبد، ولا يتصور له العدم حتى يُسأل عن علّة الوجود، والتفصيل في محلّه.

7. انّاللّه خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعاً

أخرج البخاري في صحيحه، عن همام، عن أبي هريرة ،عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، قال:
خلق اللّه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ( وزاد أحمد من طريق سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعاً: في سبعة أذرع عرضاً) فلمّا خلقه، قال: اذهب

1 . مسند أحمد:2|539.

(327)
فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيُّونك فانّها تحيتك وتحيَّة ذريتك.
فقال : السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللّه فزادوه «ورحمة اللّه» فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص بعدُ حتّى الآن. (1)
وفي الحديث عدّة إشكالات تسقطه عن الاعتبار وتجعله في عداد الموضوعات:
الاَوّل: انّ الظاهر انّ الضمير على صورته يرجع إلى اللّه تبارك وتعالى وهو نفس القول بالتجسيم ولا يرجع إلى آدم، إذ يكون مفاد الحديث عندئذٍ أشبه بتوضيح الواضحات، لاَنّ كلّشيء مخلوق على صورته لا على صورة غيره، وإنّما يفيد معنى جديداً وهو الاِخبار بكرامة آدم وانّه مخلوق على صورة اللّه سبحانه، إذا عاد الضمير إلى اللّه سبحانه، وعلى هذا يلزم أن يكون للّه صورة طولها ستون ذراعاً.
والذي يدل على أنّ الضمير يرجع إلى اللّه سبحانه هو ما روى نفس أبي هريرة في غير مورد.
فقد روى هذا الحديث بصور مختلفة فتارة رواه كما سمعت وأُخرى بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فانّ اللّه خلق آدم على صورته.(2)
وثالثة بأنّه إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ولا يقل قبح اللّه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فانّ اللّه خلق آدم على صورته. (3)
وربما يوَوَّل الحديث بإرجاع ضمير صورته إلى آدم نفسه لا إلى اللّه تبارك وتعالى بمعنى انّ اللّه عزّوجلّ خلقه في الجنة على صورته التي كان عليها بعد

1 . صحيح البخاري: 8|50، كتاب الاستئذان ، باب بدو السلام؛ صحيح مسلم:8|149، باب يدخل الجنة أقوام افئدتهم مثل أفئدة الطير من كتاب الجنة، ولاحظ ارشاد الساري:5|319 في باب خلق آدم وذرّيته من كتاب بدء الخلق، فقد جاء فيه: في سبعة أذرع عرضاً
2 . صحيح مسلم : 8|32، باب النهى عن ضرب الوجه من كتاب البر والصلة والآداب.
3 . البخاري: الاَدب المفرد، ص73و74 برقم 173و174.

(328)
هبوطه منها، إذ أنشأه تاماً مستوياً طوله ستون ذراعاً وعرضه سبعة أذرع لم يتغير من حال إلى حال ولم يكن مثل ذريته حتى تكون نطفة ثمّ علقة إلى أن يكون رجلاً سوياً بل خلقه دفعة واحدة على صورته التي رآها عليها بنوه في الاَرض.
ولكن التأويل باطل جداً لمخالفته ما نقلناه عنه، كما يخالف ما روي عنه مرفوعاً: خلق آدم على صورة الرحمن. (1)
كما يخالف ما روي عنه انّ موسى ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر فقال: اشربوا يا حمير، فأوحى اللّه إليه عمدت إلى خلق خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير. (2)
كلّ هذه الاَحاديث تدل على أنّ الرواية لا تقبل التأويل.
الثاني: انّه إذا كان طول آدم ستين ذراعاً فلازم تناسب أعضائه أن يكون عرضه سبعة عشر ذراعاً وسُبع الذراع، وإذا كان عرضه سبعة أذرع يجب أن يكون طوله أربعة وعشرين ذراعاً ونصف الذراع، لاَنّ عرض الاِنسان مع استواء خلقه، بقدر سبعي طوله، فما بال أبي هريرة يقول طوله 60 ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً؟! فهل كان آدم غير متناسب في خلقته مشوَّهاً في تركيبه؟!
الثالث: انّ تحية السلام إنّما شرعت في دين الاِسلام وقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ما حسدكم اليهود على شيء كما حسدوكم على السلام، فلولا اختصاصه بهذه الا َُمّة ما اختصوهم بالحسد عليه، فما بال أبي هريرة يقول في هذا الحديث: «فلما خلق اللّه آدم، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يحيونك فانّها تحيتك وتحية ذريتك».
وعلى أية حال فما رأي أُولي النظر في هذا الخبر؟ وماذا يقولون في قول أبي هريرة: ولم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن ؟ (3)

1 . إرشاد الساري: 5|319.
2 . كتاب تأويل مختلف الحديث، ص 180.
3 . عبد الحسين شرف الدين: أبو هريرة: 63ـ 66.

(329)

نظر أئمّة أهل البيت في الحديث

ذهب أئمة أهل البيت إلى أنّ الرواية محرّفة وقد نقلت بغير وجهها.
روى الصدوق باسناده عن أبي الورد بن ثمامة، عن علي (عليه السلام) قال: سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يقول لرجل: قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : مه، لا تقل هذا فإنّ اللّه خلق آدم على صورته.
قال الصدوق: تركت المشبّهة من هذا الحديث أوّله، وقالوا: إنّ اللّه خلق آدم على صورته فضلّوا في معناه وأضلّوا.
وروى أيضاً الحسين بن خالد، عن الاِمام الرضا (عليه السلام) ، قال: قلت للرضا (عليه السلام) : يابن رسول اللّه انّ الناس يروون أنّ رسول اللّه، قال: «إنّ اللّه خلق آدم على صورته» فقال (عليه السلام) : قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث، انّ رسول اللّه مرّبرجلين يتسابّان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عبد اللّه لا تقل هذا لاَخيك، فانّ اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته.(1)
وبهذا صانت أئمة أهل البيت الاَحاديث النبويّة من التحريف، و كم لمثل هذا المورد من نظير ، بمعنى أنّه يظهر الحق، إذا رجعنا إلى رواياتهم. كما في مورد «نزوله سبحانه كلّ ليلة إلى سماء الدنيا» كما سيوافيك.

8. سليمان يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة

أخرج البخاري في صحيحه، عن محمد ، عن أبي هريرة، قال:
إنّ نبي اللّه سليمان (عليه السلام) كان له ستون امرأة، فقال: لاَطوفنّ الليلة على نسائي فلتحمِلْن كلّ امرأة ولتلِدْن فارساً يُقاتِل في سبيل اللّه، فطاف على نسائه، فما

1 . الصدوق، التوحيد:152ـ153.

(330)
ولدت منهنّ إلاّ امرأة وَلدت شقَّ غلام.
قال نبي اللّه: لو كان سليمان استثنى لحملت كلّ امرأة منهنّ فولدت فارساً يقاتل في سبيل اللّه. (1)
وفي الحديث عدة تساوَلات:
1. انّ اللّه سبحانه أدّب أنبياءه فأحسن أدبهم، وهم أكثر حياءً من سائر الناس ليكونوا أسوة لغيرهم في الحياة، فهل يصح لنبي حَييٍّ أن يصرِّح أمام الملاَ العام بأنّه سيطوف علىنسائه في هذه الليلة؟!
2. انّ الذكر الحكيم يصف سليمان في آياته الكريمة بما يلي:
(وَإنّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفَى وحُسنَ مَآب) (ص|40).
(وَلَقَدْ آتَيْنا داودَ وَسُلَيمانَ عِلماً وَقالا الحَمْدُ للّهِ الَّذِي فَضّلَنا عَلى كَثِيرٍمِنْ عِبادِهِ المُوَْمِنينَ) (النمل|15).
(وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ وَقالَ يا أَيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنّ هذا لَهُوَالفَضْلُالمُبين) (النمل|16).
(فَفَهّمناها سُليمانَ وَكُلاًّ آتَينا حُكْماً وَعِلماً) (الاَنبياء|79).
(وَوَهَبْنا لِداودَ سُليمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنّهُ أَوّاب) (ص|30).
أفيصح لنبيّ قد أطراه الذكر الحكيم بما تلوناه عليك، أن يخبر بأنّ نساءه سيلدنَّ ستين فارساً ؟!
فإن علم به من طريق الغيب، فلماذا تخلّف الخبر عن المطابقة؟! وإن لم يعلم به كذلك، فكيف تفوّه بذلك بضرس قاطع؟!

1 . صحيح البخاري:9|138، باب قول اللّه إنّما قولنا لشيء من كتاب التوحيد ؛ صحيح مسلم:5|87، باب الاستثناء.

(331)
3. هل في استطاعة الاِنسان أن يطوف على ستين امرأة في ليلة واحدة كي يلدن له ستين فارساً؟ انّ هذا وإن كان في واقع الاَمر أمراً غير محال إلاّانّه بعيد جداً، وليست عظمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مقرونة بالقدرة الجنسية كي نتصور انّها مفخرة له.
نعم كانت تُعدّ مفخرة في العصر الجاهلي فانعكست في رواية أبي هريرة الذي تأثر بها ونسج الحديث على وفق مايعدّ فضيلة في تلك البيئات.

9. موسى يفقأ عين ملك الموت

أخرج مسلم في صحيحه، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال:
أُرسل ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فلما جاءه صكّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فردَّاللّه إليه عينه، وقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور ، فله بما غطَّت يده بكلِّ شعرة سنة، قال: أي ربِّ ثمّ مه؟ قال: ثمّ الموت، قال: فالآن، فسأل اللّه أن يدنيه من الاَرض المقدسة رميةً بحجرٍ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): فلو كنت ثمّلاَريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الاَحمر. (1)
أقول: ورواه البخاري في صحيحه تارة في باب من أحبّالدفن في الاَرض من كتاب الجنائز. (2)
وأُخرى في باب وفاة موسى من كتاب بدء الخلق. (3)
و قد سقط من نسخة البخاري ما نقله مسلم من قوله «ففقأ عينه» ولكن

1 . صحيح مسلم:7|99ـ100، باب من فضائل موسى.
2 . صحيح البخاري: 2|90.
3 . صحيح البخاري: 4|157.

(332)
ذيله يدل على سقوطه حيث قال : «فردّاللّه عليه عينه» إذ لو لم يُحدث موسى شيئاً من فقء العين أو نظيره لماكان لقوله: فردّ اللّه عليه عينه، وجه.
وفي الحديث دلالات متعددة على كونه موضوعاً على لسان النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» .
أمّا أوّلاً: فلاَنّه يصوّر النبي موسى (عليه السلام) كأنّه أحد الجبارين يبطش ويصكُّ ويَفْقأ العين، ويوقع بأسه حتى في ملائكة اللّه المقربين.
فلو كان الكليم ـ و العياذ باللّه ـ على هذه الدرجة الساقطة، فكيف اصطفاه اللّه من عباده وآثره بمناجاته وكتابه؟!
وثانياً: هل كان موسى (عليه السلام) يحب الدنيا على وجه، خاصَمَ ملكَ ربه، وليس هذا إلاّ من سمات أهل الدنيا خصوصاً اليهود الذين يكرهون الموت لا من صفات الاَنبياء، فانّ رغبتهم إلى لقاء اللّه أشد من رغبتهم في البقاء في الدنيا؟
قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ هادُوا إِنْزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَولياءُ للّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَوا المَوت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَلا يَتَمَنَّونَهُ أَبداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمين) (الجمعة|6ـ7).
وهذا هو الاِمام أمير الموَمنين يصف المتقين بقوله: «فلولا الاَجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين». (1)
وثالثاً: انّ الحديث يصوِّر انّموسى كان أقوى من ملك الموت ولذلك تمكّن موسى من الوقيعة به ولم يتمكن الملك من دفع العادية، وهذا عجيب جدّاً !! لاَنّه كان مأموراً بإزهاق روحه ولازم ذلك أن تفوق قوته، قوة الضارب فصار الاَمر على العكس.
ورابعاً: انّ لازم ما جاء في التوراة من (أَنَّ النفسَ بِالنَّفْسِوَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالاََنْفَ بِالاََنْفِ وَالاَُذُنَ بِالاَُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوجَ قِصاصٌ) (المائدة|45)،

1 . نهج البلاغة، الخطبة 193.

(333)
أن يقتص الملك من الكليم (عليه السلام) تحقيقاً للتشريع الذي جاء به موسى (عليه السلام) ، لكن صار الاَمر على العكس فاللّه سبحانه أكرمه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور....
وخامساً: هل ملك الموت عنصر مادي له عين مادية تُفقأ بالصك عليها ؟! هذا هو ما لا أعرفه أنا ولا الراوي يعرفه ولا القارىَ يعرفه. وكم لهذا الراوية من هذه السقطات التي جلّها حصيلة الاِسرائيليات التي بثّها بين المسلمين ويا ليت انّه لم يبث ذلك الوعاء بل يعقد عليه كما عقد على الوعاء الآخر على ما مضى في ترجمته (1).

10. روَية اللّه بالعين الباصرة

أخرج البخاري في صحيحه، عن عطاء بن يزيد الليثي، انّ أبا هريرة أخبرهما انّ الناس قالوا: يا رسول اللّه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، يا رسول اللّه، قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فانّكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر و منهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الاَُمّة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه فيقول أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أوّل من يجوز من الرسل بأُمّته....

1 . لاحظ ص 308.

(334)
هذا ما أخرجه في باب فضل السجود من كتاب الصلاة. (1)
وأخرجه أيضاً في باب «الصراط جسر جهنم» من كتاب ما جاء في الرقاق وان لا عيش إلاّ عيش الآخرة، ويختلف لفظه مع السابق وجاء فيه:
...وتبقى هذه الاَُمة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب جسر جهنم.
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : فأكون أوّل من يجيز. (2)
ورواه أيضاً مسلم عن أبي هريرة في باب معرفة طريق الروَية من كتاب الاِيمان ونذكر موضع الحاجة... فيتبع من كان يعبد الشمسَ، الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ، القمرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الاَُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّه تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا، فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا و أُمّتي أوّل من يجيز. (3)
وقد نقله مسلم عن أبي سعيد الخدري بصورة أكثر شناعة، ومماجاء فيه: انّ ناساً في زمن رسول اللّه قالوا: يا رسول اللّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم، قال: هل تضارّون في روَية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها

1 . صحيح البخاري: 1|156.
2 . صحيح البخاري: 8|118.
3 . صحيح مسلم:1|113.

(335)
سحاب؟ وهل تضارّون في روَية القمر ليلة البدر ليس فيها سحاب؟... إلى أن قال: حتى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد اللّه تعالى من برٍّ وفاجرٍ أتاهم ربّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كلّأُمّة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّه منك، لا نشرك باللّه شيئاً، مرّتين أو ثلاثاً حتى انّبعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه، إلاّ أذن اللّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلاّ جعل اللّه ظهره طبقة واحدة، كلّما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه... الحديث. (1)
وفي الحديث بعامّة صوره أمارات على الدسّ والوضع.
الاَوّل: وجود الاختلاف الفاحش بين صور الحديث، فما نقله البخاري في باب «فضل السجود» يختلف عمّا نقله هو في باب «الصراط جسر جهنم» وهو واضح لمن قابل النصين، فقد جاء في النص الثاني قوله: «فيأتيهم اللّه في غير الصورة التي يعرفون...» في حين انّ النص الاَوّل خالٍ عن هذه الاِضافة إلى غير ذلك من الاختلافات.
كما انّ ما نقله البخاري في باب «فضل السجود» يختلف مع ما نقله مسلم في صحيحه في باب «معرفة طريق الروَية».
كما انّما نقله مسلم عن أبي سعيد الخدري يختلف مع ما نقله الشيخان عن أبي هريرة إذ ليس في حديثه قوله: «ويكشف عن ساق».
وهذا الاختلاف يسلب الاعتماد على الحديث لا سيما إذا كان الراوي ممن لا يجيد القراءة والكتابة فيضع لفظاً مكان لفظ آخر.

1 . صحيح مسلم:1|115، باب معرفة طريق الروَية.

(336)
الثاني: انّ مجموع الصور تثبت الروَية بالعين الباصرة وانّ الموَمنين يرونه سبحانه كروَية أحدنا للآخر مع أنّه يستلزم أن يكون سبحانه جسماً وله جهة وآثار مادية وذلك انّ الروَية قائمة بأُمور ثمانية:
1. سلامة الحاسة، 2. المقابلة أو حكمها كما في روَية الصور المنطبعة في المرآة، 3. عدم القرب المفرط، 4. عدم البعد كذلك، 5. عدم الحجاب بين الرائي والمرئي، 6. عدم الشفافية فانّ ما لا لون له كالهواء لا يُرى، 7. قصد الروَية، 8. وقوع الضوء على المرئي وانعكاسه منه إلى العين.
فلو قلنا بأنّ هذه الشرائط ليست إلزامية بل هي تابعة لظروف خاصة، ولكن قسماً منها يعدّ مقوماً للروَية بالاَبصار، وهو كون المرئي في حيز خاص، وتحقق نوع مقابلة بين الرائي والمرئي، وعند ذلك كيف يمكن أن تتحقق الروَية من دون بعض هذه الشرائط؟ ومع تحقق هذه، يلزم أن يكون المرئيّ جسماً أو جسمانياً، تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
الثالث: ماذا