welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : حوارات عقائدية معاصرة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

حوارات عقائدية معاصرة

صفحه 1

بسم الله الرحمن الرحيم


صفحه 2

صفحه 3

حوارات عقائدية معاصرة

دراسة موضوعيـة تناقش أفكار المفتي العام للمملكـة العربيـة السعـودية الشيـخ عبـد العزيز بن باز حـول التبرّك والتـوسّل وتـرد عليهـا على ضوء القـرآن الكـريم والسنّـة النبويـة والعقـل الحصيـف

تأليف

العلاّمة المحقّق
آية اللّه العظمى جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

قم ـ ايران


صفحه 4

اسم الكتاب: حوارات عقائدية معاصرة

المؤلف: آية الله العظمى جعفر السبحاني

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة: الأُولى

التاريخ: 1429 هـ / 1387 ش

الكمّيّة: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة


صفحه 6

صفحه 7

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد وقفت على رسالة لسماحة الشيخ الجليل محمد واعظ3زاده الخراساني كتبها إلى المفتي العام للمملكة العربية السعودية: الشيخ عبد العزيز بن باز بتاريخ 11 ذي الحجة الحرام عام 1413هـ. وقد صدرت إجابة من مكتب المفتي بتاريخ 6 جمادى الأُخرى عام 1416هـ، برقم 1165/1، واشتملت الرسالة الأُولى على أمرين:

الأوّل: مسألة التبرّك والتوسّل بالنبي وبالأولياء في حياتهم ومماتهم.

الثاني: مسألة الصلح مع العدو الصهيوني الّذي أجازه الشيخ ابن باز في بعض بحوثه، إذا لم يكن بإمكان المسلمين الحرب مع هذا الكيان، استناداً إلى صلح النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع المشركين في الحديبية.


صفحه 8

ولكن المفتي أجاب عن المسألة الأُولى ولم يجب بشيء عن المسألة الثانية بتاتاً.

ثمّ إنّي قد وقفت على تعقيب على الرسالتين للأُستاذ حسن بن علي السقاف، والرسائل الثلاث منتشرة في كتيب بعنوان «التبرّك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني» نشرته دار نشر مشعر في قم، عام 1428هـ.

وقد طلب منّي بعض الأعزاء أن أُعلّق على رسالة المفتي ببعض ما يمكن اعتباره جواباً عنها، وأُبيّن موقف الشريعة الإسلامية من التبرّك والتوسّل على ضوء الكتاب والسنّة.

وقد كتبت فيما مضى رسائل وبحوثاً حولهما، والّذي يؤسفني أنّ المفتي وتلامذته ومن على منهجه يقلّدون منهج أُستاذهم محمد بن عبد الوهاب، كما أنّه قلّد أُستاذ منهجه أحمد بن تيمية. ويشهد على ذلك أنّه ملأ رسالته بكلام ابن تيمية واعتمد عليه كليّاً غاضاً الطرف عن الكثير من الردود التي دوّنها الفطاحل من علماء المسلمين في بيان نقاط الخلل في فكره ومجانبته للحقيقة.

وبما أنّ مسألة التبرّك والتوسّل قد صارت ذريعة لرمي جماهير غفيرة من المسلمين بتهمة البدعة والشرك، فلم أجد بُدّاً من إيضاح الموضوع، لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً.

وربّما يوجد في الجيل المعاصر من يؤثر الحق على التعصّب


صفحه 9

المقيت والتقليد الأعمى.

وها نحن نذكر مقاطع من كلام المفتي في رسالته المطبوعة ضمن كتيب «التبرّك والتوسّل والصلح مع العدو الصهيوني» مع ذكر رقم الصفحة، ثم نعرج عليه بالتحليل والدراسة ضمن فصول تسعة.

***


صفحه 10

1

كلام الشيخ في التبرّك بالآثار

فرّق الشيخ المفتي في رسالته بين التبرّك بما مسّ جسده (صلى الله عليه وآله وسلم)فأفتى بجوازه، وما لم يمس جسده فأفتى بأنّه بدعة لا أصل لها، فقال في (ص 40 ـ 41):

فأمّا التبرك بما مسّ جسده ـ عليه الصلاة والسلام ـ من ماء وضوء أو عرق أو شعر ونحو ذلك، فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ وأتباعهم بإحسان، لما في ذلك من الخير والبركة. وعلى هذا أقرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

فأمّا التمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك ونحوها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي فبدعة لا أصل لها والواجب تركها، لأنّ العبادات توقيفية لا يجوز منها إلاّ ما أقرّه الشرع لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».(1)


1 . صحيح مسلم:5/132، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأُمور.

صفحه 11

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه جمع في كلامه بين أمرين، فتارة وصف التبرّك بما لم يمس بدنه(صلى الله عليه وآله وسلم)بكونه بدعة لا أصل لها، وأُخرى بكونه عبادة غير واردة في الشرع، وأنّ العبادات توقيفية، مع أنّ الجمع بينهما في هذا الموضع أمر غير صحيح، لأنّ التبرك بما مس جسده الشريف، إذا لم يكن عبادة للنبي، لا يكون التبرك بما لم يمس جسده الشريف عبادة له أيضاً، بل أقصى ما يمكن أن يقال ـ حسب زعمه ـ أنّه بدعة.

وإذا كان التبرك بالآثار في حدّ ذاته شركاً وعبادة لصاحب الأثر فلا يخرج عن كونه شركاً وعبادة، سواء مسّ جسد النبي أو لم يمسّه، وذلك لأنّ الشرك شرك لا يتبدّل ولا يتغير عن واقعه بمجرد مسّ جسد المعصوم.

وثانياً: أنّ ظاهر كلامه: إنّ لجسده(صلى الله عليه وآله وسلم) تأثيراً في ذلك الشيء الّذي يتبرك به، مع أنّ هذا مخالف لأُصول أهل السنّة الذين يعتقدون بأنّه لا مؤثر في الكون إلاّ اللّه سبحانه، وأنّه ليس لشيء من الأشياء أيّ تأثير في شيء، ومنطقهم هو البيت التالي:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفـر عنـد أهل الملّة

يقول الزبيدي:كلّ من أثبت مؤثراً غير اللّه من علّة أو طبع أو ملك أو أنس أو جنّ فقد قال بمقولة المجوس.(1)


1 . إتحاف السادة:2/135.

صفحه 12

وثالثاً: أنّ البدعة تتقوّم بالقيود الآتية:

1. إدخال شيء في الدين عقيدة أو حكماً أو عملاً بزيادة أو نقيصة.

2. أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

3. أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

أمّا القيدان الأوّلان، فلا حاجة إلى البحث فيهما، إنّما الكلام في القيد الثالث، وهو أنّ مقوّم البدعة عدم وجود أصل لها في الدين، لا خصوصاً ولا عموماً.

وهذا ممّا أطبق عليه كبار أهل السنّة، قال ابن رجب: المراد بالبدعة ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة.(1)

وقال ابن حجر العسقلاني: ما أحدث وليس له أصل في الشرع يسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.(2)


1 . جامع العلوم والحكم:160.
2 . فتح الباري:5/158.

صفحه 13

وعلى ضوء ذلك إنّ التمسّح بما لم يمسّ جسده(صلى الله عليه وآله وسلم)له أصل في الدين، وأنّ المسلمين ينطلقون في جواز ذلك من مبدأين:

المبدأ الأوّل: مبدأ الحب والودّ والتعزير والتكريم، إذ لا شكّ أنّ الشرع دعا إلى حب النبي وودّه وتكريمه وتعزيره.

قال سبحانه:(قُلْ إِنْ كانَ آبَاؤكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وعَشيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَها وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقينَ).(1)

ويقول أيضاً في مدح الذين يوقّرون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويحترمونه:

(فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(2)

روى البخاري عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«فوالّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده».

وروى عن أنس قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(3)

وقد عقد مسلم باباً باسم: «باب وجوب محبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)»


1 . التوبة:24.
2 . الأعراف:157.
3 . صحيح البخاري:1/9، كتاب الإيمان، برقم 14 و15.

صفحه 14

ونقل في ذلك أحاديث عديدة.(1)

والروايات الحاثّة على حب النبي كثيرة، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى جامع الأُصول.(2)

مظاهر الحب في الحياة

إنّ للحب مظاهر متعددة في الحياة، إذ ليس الحبّ شيئاً يستقر في داخل النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرفاته، بل إنّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامح وجهه، وعلى قوله وفعله بصورة مشهودة وملموسة، ومن مظاهره:

1. الاتّباع

إنّ حبّ الرسول الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً للرسول أشدّ الحب، ومع ذلك فهو يخالفه ويرتكب ما يبغضه ولا يرضيه.

يقول سبحانه:(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ


1 . صحيح مسلم:1/49، باب وجوب محبة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . جامع الأُصول:1/239.

صفحه 15

اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ).(1)

2. حبّ ما يمتّ إليه بصلة

إنّ للحبّ مظاهر أُخرى غير الاتّباع ، في حياة المحبوب وبعد مماته، أمّا في حياته فالمحبّ يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويقضي حاجته ويدفع عنه كلّ مكروه، ويهيّئ له ما يريحه.

فإذا توفّي المحبوب، حزن عليه أشدّ الحزن، وحفظ آثاره، كما أنّه يحترم أبناءه وأقرباءه ودياره ومثواه وكلّ ما يمتّ إليه بصلة.

وعلى ضوء ذلك فمن يتمسّح بالأبواب والجدران والشبابيك في حرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يُعد عمله هذا من مظاهر حبه لرسول اللّه، فلمّا لم يتمكّن من أن يقبّل الرسول ويتمسّح به مباشرة اتّجه ليقبّل ويتمسّح بما يمتّ إليه بصلة، وهذا أمر رائج بين العقلاء وداخل في حبّ النبي وتكريمه.

ولذلك نرى أنّه سبحانه يأمرنا بتعظيم بيوت الأنبياء والأولياء ويقول:(فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ)(2).

وحينما نزلت هذه الآية على قلب سيّد المرسلين وهو(صلى الله عليه وآله وسلم)في


1 . المائدة:56.
2 . النور:36.

صفحه 16

المسجد الشريف، قام إليه رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال:«بيوت الأنبياء»، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول اللّه: أهذا البيت منها؟ مشيراً إلى بيت علي وفاطمة(عليهما السلام)، قال:«نعم ومن أفاضلها».(1)

ومن الواضح أنّ تكريم هذه البيوت لا لأجل أنّ جسد النبي أو الولي مسّ جميع أجزائها من الجدران والأبواب والشبابيك وإنّما لأجل انتمائها إلى رجال جاء ذكرهم في الآية التالية بقوله تعالى:(...يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصارُ).(2)

فكلّ ما يمتُّ إلى أولياء اللّه بصلة يكون دافع المسلم إلى لمسه وتقبيله هو حبّه لصاحبه ليس إلاّ، فإظهار هذا الحب المكنون في القلب ليس بدعة، لأنّ له أصلاً في القرآن.

المبدأ الثاني: انّ الصحابة كانوا يتبركون بكلّ ما يمتُّ إلى النبي بصلة وإن لم يمس جسده، ونذكر في ذلك قليلاً من كثير حتّى يعلم أنّ تفريق الشيخ بين ما مسّ جسده وما لم يمسّه ليس له أصل شرعي، بل هو اجتهاد خاطئ.


1 . الدر المنثور:6/303; روح المعاني:18/174.
2 . النور:36ـ 37.

صفحه 17

1. التبرك بقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الجدب

إليك بعض ما نقل:

1. عن أوس بن عبد اللّه قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاجعلوا منه كوّة إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف. قال: ففعلوا فمطرنا مطراً حتّى نبت العشب وسمنت الإبل.(1)

وروى ابن تيمية: أنّ عائشة كشفت عن قبر النبي لينزل المطر، فإنّه رحمة تنزل على قبره.(2)

ومن المعلوم أنّ التراب الّذي وارى قبره الشريف لم يمسّ جسد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يظهر سوى ظاهر قبره للسماء، فالتفصيل بين ما مس جسده، وما لم يمسه يضادّ هذا الأثر الذي روي بإسناد صحيح.

2. التبرك بالمواضع الّتي صلّى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

عقد البخاري باباً باسم «باب المساجد الّتي على طرق المدينة والمواضع الّتي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» ونقل فيه عن موسى بن عقبة،


1 . السنن للدارمي:1/43ـ 44، وقال: اسناده صحيح; اقتضاء الصراط المستقيم:338.
2 . اقتضاء الصراط المستقيم:338.

صفحه 18

قال: رأيت سالم بن عبداللّه ـ ابن عمر ـ يتحرى أماكن من الطريق فيصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي في تلك الأمكنة. ثم ذكر أسماء المساجد الّتي كان يصلّي فيها ابن عمر، ثم ابنه سالم.(1)

وعندئذ نسأل الشيخ: فما هو الوجه في المواظبة على الصلاة في مساجد صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ولماذا كان ابن عمر يداوم على الصلاة فيها؟ فهل كان جسد النبي مسّ عامّة أجزاء تلك المساجد؟! وهل بقي الرمل والتراب على حاله بعد مضي سنين طويلة من رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

كلّ ذلك يدلّ على أنّ التبرك بآثار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، سواء مسّت جسده أو لا، أمر مشروع بين الصحابة والتابعين.

3. تبرك الصحابي بقبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الزيارة

أخرج الحاكم عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم.

فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري فقال: جئت رسول


1 . صحيح البخاري:1/492، الحديث 483، باب المساجد الّتي على طرق المدينة.

صفحه 19

اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم آت الحجر، سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:«لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله».(1)

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرّجاه.

وقد أقرّه الذهبي في تلخيص المستدرك(المطبوع مع المستدرك)، فقال: صحيح.

هذا عمل الصحابي العظيم أبي أيوب الأنصاري، فقد تبرّك بوضع وجهه على القبر اتّباعاً لسنّة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وصحبه في التبرّك كما تقدّم.

وهذه فتوى الأموي طريد رسول اللّه، وابن طريده المشهور ببغض البيت الهاشمي الرفيع، والحاقد المنافق المتهاون بشأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعترض على أبي أيوب على عمله المشروع وهو يجابهه بقوله: نعم جئت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الحيّ المرزوق عند ربّه بصريح القرآن، ثم يعقبه بما يسؤوه من قوله: سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)... ،تعريضاً بما فيه من عدم الأهلية والصلاحية.


1 . المستدرك على الصحيحين:4/515; مسند أحمد:5/422. والسند في المسند صحيح، رواه عن أبي عامر عبد الملك بن عمر العقدي عن كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح.

صفحه 20

4. التبرّك بمنبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

التبرّّك بمنبر النبي كان أمراً رائجاً بين أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أقرّه أحمد بن حنبل، ففي كتاب «العلل»: سأل عبد اللّه أباه (أحمد بن حنبل) قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتبرّك بمسه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا يريد بذلك التقرّب إلى اللّه جلّ وعز؟ فقال: لا بأس بذلك.(1)

وجاء في عمدة القاري: قال شيخنا زين الدين: أخبرني الحافظ أبـو سعيـد بـن العلائي قـال: رأيـت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خطّ ابن ناصر وغيره من الحفاظ: إنّ الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك.(2)

قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية فصار يتعجّب من ذلك ويقول: عجبت، أحمد عندي جليل يقوله ]كذا[ هذا كلامه أو معنى كلامه، وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار


1 . كتاب العلل ومعرفة الرجال:2/492، الرقم 3243.
2 . عمدة القاري:9/241، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود.

صفحه 21

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.(1)

والعجب أنّ ابن تيمية أثبت ذلك في «الجواب الباهر».(2)

ومن المعلوم أنّ فتوى الإمام أحمد بجواز التبرّك بمنبر النبي بالمس لم تكن إلاّ على السيرة السائدة بين المسلمين حيث كانوا يتبركون بمنبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). ويدلّ على ذلك ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو مودود، قال: حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.(3)

وهذا العمل كان سائداً عندما كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف موجوداً. فهل كان المنبر الّذي أفتى الإمام أحمد بمسّه والتبرك به هو نفس المنبر الموجود في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)؟! أو أنّ حوادث الدهر بدّلته وجاءت بغيره؟!

والعجب أنّ محقّق كتاب «العلل ومعرفة الرجال» لمّا وقف على النص الأوّل من إمامه أحمد ورأى أنّ ذلك لا يوافق رأيه أخذ بتأويله


1 . عمدة القاري:9/241; مناقب أحمد لابن الجوزي:455; تاريخ ابن كثير:10/331.
2 . الجواب الباهر لزوّار المقابر:31.
3 . المصنف:4/121.

صفحه 22

وقال: وهذا كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف، وأمّا الآن بعدما تغيّر، لا يقال بمشروعية مسّه تبركاً به.(1)

وكأنّ القوم لمّا فوجئوا بهذا الكم الهائل من الأحاديث الدالّة على التبرك بآثار النبي من غير فرق بين مسّ جسده الشريف وغيره، أخذوا بالتأويل والتفصيل بين ما مسّ جسده وغيره، غافلين أنّهم فرّوا بذلك من المطر إلى الميزاب، فهدموا ما بنوه في مجال التوحيد حيث قالوا بأنّ مقتضى توحيد الربوبية خلع الأشياء عن التأثير، ذاتياً وتبعيّاً.

5. تبرّك ريحانة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بقبر أبيها

ذكر جمع من المؤرّخين أنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين(عليها السلام)حضرت عند قبر أبيها، وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي قائلة:

ماذا على من شم تـربـة أحمـد *** ألاّ يشمّ مدى الزمان غـواليا؟

صبـّت عليّ مصـائب لـو أنّها *** صبّت على الأيام صرن لياليا(2)


1 . العلل ومعرفة الرجال:2/492، التعليقة.
2 . رواه غير واحد من المؤرخين والمؤلّفين، منهم: القسطلاني في إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري:2/390; والسمهودي في وفاء الوفا:2/444، ونقله أيضاً في ج4/1405عن تحفة ابن عساكر.

صفحه 23

إنّ عمل السيدة الزهراء المعصومة(عليها السلام) هذا لا يدلّ إلاّ على جواز التبرّك بقبر رسول اللّه وتربته الطاهرة.

6. تبرّك الشيخين بتربة قبره

لقد أوصى الشيخان بالدفن في حجرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ليصبحا ضجيعيه في قبره الشريف، فهل النقطة الّتي دفن فيها كلّ من الشيخين مست جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، أو أنّ الشيخين اكتفيا بالانتماء بالقرب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

وهذا أمر معروف في التاريخ ومشهود لكلّ عارف لا يحتاج إلى ذكر مصدر.(1)

إلى هنا تبيّن أنّه لا فرق في التبرك بآثار النبي في كلّ ما ينتمي إليه ويمّت إليه بصلة، من غير فرق بين ما مسّ جسده الشريف وبين غيره. وهلم معي إلى دراسة بقية كلام المفتي.

***


1 . نكتفي بالقليل عن الكثير ومنه، صحيح البخاري، ج8، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، برقم 7328.

صفحه 24

2

كلام الشيخ في استلام الحجر الأسود

قال الشيخ في (ص41ـ 42): والأحاديث في ذلك كثيرة، فالواجب على المسلمين التقيد في ذلك بما شرعه اللّه كاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني، فلهذا صحّ عن عمر بن الخطاب أنّه قال لمّا قبل الحجر الأسود: إنّـي اعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّـي رأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقبلّك ما قبلتك.(1)

وبذلك يعلم أنّ استلام بقية أركان الكعبة، وبقية الجدران والأعمدة غير مشروع، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفعله ولم يرشد إليه، ولأنّ ذلك من وسائل التبرك، وهكذا الجدران والأعمدة والشبابيك وجدران الحجرة النبوية من باب أولى، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرع ذلك ولم يرشد إليه ولم يفعله أصحابه.


1 . صحيح مسلم:4/66، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.

صفحه 25

يلاحظ عليه: أنّ ما نقل عن عمر بن الخطاب، وإن كان مشهوراً لكن المظنون أنّه نقل مبتوراً، وقد روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّه بعد ما قال عمر بن الخطاب ما قال، قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): كيف يابن الخطاب، فواللّه ليبعثنّه يوم القيامة وله لسان وشفتان فيشهد لمن وافاه، وهو عين اللّه عزّوجلّ في أرضه يُبايع بها خلقُه، فقال عمر: لا أبقانا اللّه في بلد لا يكون فيه علي بن أبي طالب.(1)

وجاء في (عمدة القاري) بعد كلام عمر: قال عليٌّ: إنّه يضرّ وينفع... إلى أن قال: وإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن استلمه بالتوحيد، فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع، فقال عمر: أعوذ باللّه من قوم ليس فيهم أبو الحسن.

ونقل عن ابن عباس انّ هذا الركن الأسود هو يمين اللّه في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.(2)

ولا بأس فيما روي، لأنّه سبحانه يُنطقه كما أنّه يُنطق كل الأشياء ويُنطق جوارحنا بأعمالنا. قال سبحانه:(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قَالُوا أَنْطَقَنا اللّهُ الّذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء).(3)


1 . علل الشرائع للصدوق:426.
2 . عمدة القاري:9/240.
3 . فصلت:21.

صفحه 26

وقد روى معاوية بن عمّار عن الإمام الصادق(عليه السلام):«إذا دنوتَ من الحجر الأسود، فارفع يديك وأحمد اللّه وأثن عليه وصلّ على النبي واسأل اللّه أن يتقبل منك، ثم استلم الحجر وقبّله فإن لم تستطع أن تقبله فاستلمه بيدك، فإن لم تستطع أن تستلمه بيدك فأشر إليه، وقل:«اللهم أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدتهُ، لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقاً بكتابك وعلى سنة نبيك، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله آمنت باللّه، وكفرت بالجبت والطاغوت وباللات والعزّى وعبادة الشيطان وعبادة كلّ ندّ يُدعى من دون اللّه».(1)

ثمّ إنّ في كلام عمر بن الخطاب دليلاً واضحاً على أنّ من مسح وتبرك بشيء من دون أن يعتقد تأثير الممسوح والمستلم فيه أمر جائز، وأنّ من فعل ذلك لا يرمى بالشرك ولا بالبدعة إذا لم ينسبه إلى الدين، ولذلك فإنّ عمر بن الخطاب قبّل الحجر الأسود معتقداً بأنّه لا ينفع ولا يضرّ.

وأمّا تبرير عمله بفعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل أنّه استلم الحجر بما أنّه أحد آداب الزيارة، فلم يجد بداً من أن يذكر دليلاً لما أتى به بتلك الخصوصيّة فقال: لولا أنّي رأيت أنّ رسول اللّه قبّلك ما قبّلتك.


1 . التهذيب للطوسي:5/101، برقم 329.

صفحه 27

فعلى ضوء هذا فليس لأحد أن يمنع أحداً من تقبيل الجدران والشبابيك والأبواب للحجرة النبوية، إذا لم يعتقد فيما يقبله أي نفع ولا ضرر، ولم يجعل عمله جزءاً من الدين ولم ينسبه إلى النبي، وإنّما دفعه إلى ذلك حبه وشوقه لصاحب هذا المقام، أو أن يُمنع من استلام بقية أركان الكعبة إذا لم يكن استلامه لها بدافع أنّها تضر وتنفع ولا أنّ ذلك جزء من الدين والشريعة، بل كان الدافع حبه لهذه المواقع والمشاهد المباركة بما أنّها مطاف الملائكة ومحلّ نزول الرحمة.

***


صفحه 28

3

عبد اللّه بن عمر و تتبع آثار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الشيخ في (ص 42ـ 43): وأمّا ما نقل عن ابن عمر من تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستلامه المنبر فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر وعملهم موافق لما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة، وقد قطع عمر الشجرة الّتي بويع تحتها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحديبية لما بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفاً من الفتنة بها وسداً للذريعة.

إنّ كلامه هذا يشتمل على أمرين:

1. إنّ عبد اللّه بن عمر هو الوحيد الذي تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمنبر الّذي جلس عليه، وأنّه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

2. إنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إلى


صفحه 29

الشجرة قطعها.

وإليك الكلام في الأمر الأوّل:

يلاحظ عليه أوّلاً: إذا كان التبرّك بما مسّ جسد النبي أمراً مشروعاً وجائزاً ودارجاً بين الصحابة لم يكن عمل ابن عمر خارجاً عن هذه القاعدة حيث كان يقتصّ آثار النبي ويتتبّع ما مسّ جسده الشريف، كالمساجد الّتي صلّى فيها والمنبر الذي جلس عليه وغير ذلك، فبذلك ظهر ما في قول الشيخ:«فهذا اجتهاد منه لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي، وهم أعلم بهذا الأمر»، فإنّ عمله كان على أساس رصين دارج بين الصحابة حيث كانوا يتبرّكون بما مسّ جسده الشريف، وكان عبد اللّه بن عمر في غنى عن موافقة أبيه ولا موافقة غيره إذا كانت سيرة جمهرة الصحابة مصدِّقة لعمله.

وثانياً: نفترض أنّ عمله كان خارجاً عن تلك القاعدة، فما هو المبرّر في تقديم اجتهاد الوالد على الولد مع أنّهما مجتهدان، للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد.

وثالثاً: لو كان عمل ابن عمر بدعة أو شركاً أو ذريعة للشرك كان على الصحابة أن يمنعوه وينصّوا على ذلك أو يبدوا مخالفتهم، ولم يرد في ذلك أي ردّ ولا نقد ولا منع، بل كان سكوتهم تقريراً لعمله. ومع ذلك كيف يقول الشيخ: لم يوافقه عليه أحد؟

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، وإليك الكلام في الأمر الثاني.


صفحه 30

قصة قطع الشجرة

أمّا ما ذكره من أنّ عمر بن الخطاب لمّا بلغه أنّ بعض الناس يذهبون إليها ويصلّون عندها قطعها خوفاً من الفتنة بها وسدّاً للذريعة ، ففيه مجال للبحث والنقاش.

أمّا أوّلاً: فقد نقل هذه القصة ابن سعد في طبقاته في أحداث غزوة الحديبية عن نافع قال: كان الناس يأتون الشجرة الّتي يقال لها شجرة الرضوان فيصلّون عندها، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت.(1)

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ السند منقطع، ولم يسنده نافع إلى شيخ من مشايخه فلا يحتج بالسند المقطوع.

وثانياً: أنّ هناك دلائل واضحة على أنّ الشجرة صارت مجهولة لأصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في العام التالي، فكيف يمكن أن تعرف في عهد عمر حتّى يأتي الناس إليها ويصلّون تحتها حتّى يأمر بقطعها؟! ويدل على ذلك أمران:

1. ما رواه البخاري قال: قال ابن عمر: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منّا اثنان على الشجرة الّتي بايعنا تحتها، كانت


1 . الطبقات الكبرى:2/100، طبع دار صادر.

صفحه 31

رحمة من اللّه، فسألت نافعاً على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر.(1)

وقد علّل ابن حجر في «فتح الباري» خفاء الشجرة بقوله:إنّ الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان ثم قال: وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: «كانت رحمة من اللّه».

ثم قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله:«رحمة من اللّه» أي كانت الشجرة موضع رحمة ومحل رضوانه لنزول الرضا على المؤمنين عندها.(2)

أقول: إنّ التفسير الثاني هو الصحيح، وذلك لتأنيث الفعل فالضمير(ت) يرجع إلى الشجرة لا إلى الخفاء.

وعلى كلّ تقدير فالحديث يدلّ على خفاء الشجرة في العام التالي.

2. انّ ابن سعد ينقل أيضاً نفس هذا الموضوع ويذكر استنكار سعيد بن المسيّب قول من ادّعى بقاءها وتعرفه عليها. فروى عن طارق قال: انطلقت حاجّاً فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بيعة الرضوان; فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال: حدّثني أبي أنّه


1 . صحيح البخاري: رقم الحديث 2958، طبع دار الفكر.
2 . فتح الباري:6/89، طبع دار إحياء التراث.

صفحه 32

كان في من بايع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)تحت الشجرة، فقال: فلمّا خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. قال سعيد: إن كان أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم.(1)

فقوله: «إن كان أصحاب محمد لم يعلموها...» استنكار لادّعائهم، فإذا كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)غير عارفين بها، فالأولى أن يكون المتأخّرون غير عارفين بها!!

***


1 . الطبقات الكبرى:2/99.

صفحه 33

4

دعاء الأنبياء والأولياء

قال الشيخ في (ص 43ـ 44): وأمّا دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر، وهو الّذي كان يفعله كفار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم كما بيّن اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله سبحانه:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤنَا عَنْدَ اللّهِ)(1) فردّ عليهم سبحانه بقوله:(قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ).(2)


1 . يونس:18.
2 . يونس:18.

صفحه 34

وقال عزّ وجلّ في سورة الزمر:(فَاْعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلياءَ مَا نَعْبُدُهمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ)(1) فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة: أنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم، أو يقضون حوائجهم وإنّما أرادوا منهم أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى، فأكذبهم سبحانه وردّ عليهم قولهم بقوله سبحانه:(إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) فسماهم كذبة وكفاراً بهذا الأمر.

أقول: ما ذكره الشيخ في المقام قد سمعنا مثله من كافة من سلك مسلك ابن تيمية ويعتقد منهج تلميذه ابن عبد الوهاب. فهم جميعاً يستدلّون بهذه الآيات على أنّ دعاء الأنبياء والأولياء عبادة لهم نظير دعاء المشركين إلهتهم المزعومة حيث كان دعاؤهم لها عبادة لها.

وهذا هو بيت القصيد ومفترق الطرق بين منهج أحمد بن تيمية ومنهج الآخرين.


1 . الزمر:2ـ3.

صفحه 35

ولو بُذلت الجهود في تنقيح الأُمور التالية لقصرت الفاصلة بين المنهجين، ولكن مع الأسف انّ الشيء الّذي لم يركّزوا عليه منذ أن ظهر هذا المنهج في القرن الثامن إلى يومنا هذا، هو ما سنذكره في الأُمور التالية:

1. تعريف العبادة وتحديد معناها.

2. عرض التمسّح والتوسّل على الضابطة.

3. تحليل الآيات الّتي وقعت ذريعة لرمي التوسّل بالشرك.

ولو أُقيم مؤتمر أو أُعدّت حول هذه الأُمور على نحو يميّز الإنسان بين العبادة والتكريم ويتبيّن مبادئ الدعاء بين الفريقين لسقط عامة ما يستدلون به من الآيات على أنّ دعاء الأنبياء والأولياء والتوسل بهم شرك وبدعة، وعلى ضوء ذلك فسنركز جهدنا في شرح هذه الأُمور، مبتدئين بالأمر الأوّل:

1. تعريف العبادة وتحديد معناها

إنّ أصحاب المعاجم وإن فسروا العبادة بالخضوع والتذلّل أو الطاعة(1). لكن تفسيرها بها تفسير بالأعم وليس تعريفاً دقيقاً جامعاً مانعاً، بشهادة أنّ القرآن الكريم يحثّ بصراحة على الخضوع


1 . لاحظ: لسان العرب; مفردات الراغب; القاموس المحيط; مقاييس اللغة: مادة«عبد».

صفحه 36

للوالدين أوّلاً، ويقول سبحانه:(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرِّحْمَةِ)(1)، ويأمر الملائكة بالسجود لآدم ثانياً، ويقول: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا)(2)، ويحكي عن أنّ نبي اللّه يعقوب وزوجته وأولادهما سجدوا ليوسف ثالثاً، ويقول سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً)(3)، فالسجود من أعلى مظاهر الخضوع ومنتهاه مع أنّه لم يكن عبادة لآدم ولا ليوسف(عليهما السلام).

ومن المعلوم أنّ السجود لو كان عبادة للمسجود له فلا يخرج عن كونه عبادة بأمره سبحانه، فالعبادة عبادة سواء أمر بها أو لم يؤمر.

كلّ ذلك يدفعنا إلى تعريف العبادة تعريفاً دقيقاً حتّى تخرج هذه الموارد من تحتها.

فنقول: إنّ العبادة تتقوم بعنصرين ولا يغني أحدهما عن الآخر:

الأوّل: الاعتقاد الخاص في حق المعبود، أعني: الاعتقاد بأنّه رب أو بيده مصير العابد عاجلاً وآجلاً في تمام شؤون الحياة أو بعضها، فلو كان الخضوع والتذلّل مجرّداً عن هذا الاعتقاد لا يُعدّ


1 . الإسراء:24.
2 . البقرة:34.
3 . يوسف:100.

صفحه 37

العمل عبادة.

نعم يمكن أن يكون حراماً موجباً للعقاب لا لأنّه عبادة، بل لكونه عملاً محرّماً كسائر المحرمات، كما هو الحال في السجود في الشريعة الإسلامية لغير اللّه، إذ أنّه يحرم حتّى وإن كان عارياً عن ذلك الاعتقاد، للنهي عنه لغيره سبحانه.

الثاني: العمل الحاكي عن الخضوع، ويكفي في ذلك أبسط الخضوع إلى أعلاه، سواء أكان باللفظ و البيان أم بسائر الجوارح.

فإذا كان الخضوع نابعاً عن الاعتقاد الخاص في حق المخضوع له يوصف العمل بالعبادة.

أمّا العنصر الثاني فلم يختلف في وجوده اثنان، إنّما الكلام في مدخلية العنصر الأوّل في صدق العبادة ودخوله في واقعها، وهذا يُعلم من دراسة عبادة الموحدين والمشركين.

لم يكن الموحِّد والمشرك منفكَّيْن ـ في عبادتهما ـ عن اعتقاد خاص لمعبودهم، وهو الّذي كان يدفعهم إلى الخضوع والتذلّل، ولولاه لما سجدوا وما خضعوا وما تذلّلوا.

كان المشركون يرون أنّ العزة والذلّة والنصرة والهزيمةوما يفيد وما يضر الإنسان في حياته بيد معبوداتهم.

غير أنّ الموحّد كان يؤمن بأنّ هذه الأُمور بيد اللّه تعالى الّذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ولكن المشرك يعتقد بأنّ هذه الأُمور


صفحه 38

فوِّضت إلى آلهتهم المزعومة. وهذا ما تشرحه لنا الآيات التالية:

1. الموحد يعبد اللّه، لأنّ العزة والذلة بيده سبحانه، قال تعالى: (فَللهِ العِزَّةُ جَميعاً).(1)

ويقول:(وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ).(2)

وأمّا المشرك فهو يعبد الآلهة المزعومة باعتقاد أنّ العزة بيدها، كما يحكي عنهم سبحانه ويقول:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)(3).

2. أنّ الموحّد يعبد اللّه سبحانه، لأنّ النصر بيد اللّه سبحانه كما يقول تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكيمِ).(4)

وأمّا المشرك فهو يعبد الأصنام منطلقاً من أنّ النصر بيدهم كما يحكيه سبحانه ويقول:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).(5)

3. أنّ الموحّد يعبد اللّه سبحانه منطلقاً من أنّ الشفاعة بيد اللّه سبحانه وأنّه لا يشفع أحد إلاّ بإذنه.

قال سبحانه:(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ).(6)


1 . فاطر:10.
2 . آل عمران:26.
3 . مريم:81.
4 . آل عمران:126.
5 . يس:74.
6 . الزمر:44.

صفحه 39

ولكن المشرك يعتقد بأنّ الآلهة المزعومة تملك الشفاعة وأنّهم يشفعون لعبدتهم، ولذلك يرد سبحانه على عقيدتهم بأنّه: (مَا مِنْ شَفِيع إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).(1)

4. أنّ الموحّد يعبد اللّه سبحانه بحجّة أنّ مصدر النعم والنقم هو اللّه سبحانه، وهذا هو منطق الموحّد الّذي يحكيه سبحانه عن النبي إبراهيم الخليل(عليه السلام):(الّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُميتُني ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّينِ).(2)

إنّ إبراهيم(عليه السلام) ـ بطل التوحيد ـ ينسب إلى اللّه الواحد الأحد الأفعال التالية: الهداية، الإطعام والسقي، الشفاء من المرض، الموت والحياة، وغفران الذنوب. وبما أنّه (عليه السلام) في مقام الرد على مشركي عصره في مدينة (بابل) يظهر لنا وبجلاء ـ من خلال عنصر المقابلة ـ أنّهم كانوا يعتقدون أنّ تلك الأفعال والنعم بيد آلهتهم الباطلة، إذ بإمكانها أن تهديهم وتطعمهم وتسقيهم وتشفيهم من الأمراض وتميتهم وتحييهم و... ومن هنا خضعوا لها وعبدوها.

5. أنّ الموحّد يعتقد بأنّه ليس للّه سبحانه ند ولا مثل، لا في الذات ولا في الصفات ولا في الأفعال، وأنّ الأنبياء والأولياء عباد للّه


1 . يونس:3.
2 . الشعراء:78ـ 82.

صفحه 40

لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا موتاً، غير أنّه سبحانه أكرمهم وأعزّهم، وجعل لكلّ منهم مقاماً يستجاب دعاؤهم، وتنزل الرحمة بطلبهم.

وأمّا المشرك فهو يعتقد بأنّ الأصنام والأوثان أنداد للّه سبحانه، قال تعالى:(وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ)(1). والأنداد لغة جمع «ند» بمعنى المثل والنظير، بمعنى أنّهم يعتقدون أنّ آلهتهم تناظر اللّه وتشابهه في القدرة على القيام بالأفعال الّتي يقوم بها سبحانه من الإحياء والإماتة والرزق والشفاء والهداية وغفران الذنوب وحطّ الخطايا.

6. أنّ الموحّد يعتقد بأنّ اللّه سبحانه لا يماثله ولا يساويه ولا يدانيه شيء من المخلوقات، أخذاً بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ)، وقوله تعالى(2): (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).(3)

أمّا المشرك فهو يعبد الأصنام وينطلق من عقيدة خاصة فيها، وهي التسوية بينه سبحانه وبين الآلهة، ولمّا يتبيّن له جهله وبطلان عقيدته فسوف يظهر الندامة ويندد بآلهته ويخاطبهم يوم القيامة


1 . البقرة:165.
2 . الشورى:11.
3 . الشورى:12.

صفحه 41

بقوله:(قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ* تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلال مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمينَ)(1).

فالمراد من التسوية هي التسوية في الربوبية وتدبير العالم والشفاعة وغيرها، وحتّى ولو فُسّرت بالمساواة في العبادة فهو يلازم عقيدة خاصة في حق الأصنام وهي صفات الإلوهية، إذ لا يعبد إنسان شيئاً إلاّ ويعتقد استحقاقه لها بشيء من الأُمور الغيبية.

فالآية تنادي: أنّهم كانوا يعتقدون فيها ضرباً من المساواة للحق تعالى، تعالى اللّه عمّا يقولون.

فالموحّد والمشرك وإن كانا يصدران عن مبدأين مختلفين، ولكن الجميع يشهد بأنّ العبادة لا تنفك إلاّ عن عقيدة خاصة بالنسبة إلى المعبود، غير أنّ تلك الخصيصة عند الموحّد للّه سبحانه، ولكنّها لدى المشركين في آلهتهم وأصنامهم وأوثانهم.

وعند ذلك نخرج بالنتيجة التالية: أنّ مقوم العبادة أمران، وأنّ لها عنصرين: أحدهما يتقوّم بأعمال العابد وفعله ، والثاني يرتبط باعتقاده ومنطلقه.

وعلى ضوء ذلك فلو أردنا أن نعرّف العبادة تعريفاً جامعاً فلنا أن نقول: العبادة هي الخضوع بين يدي من يعتبره رباً. أي مالكاً


1 . الشعراء:96ـ 98.

صفحه 42

لمصير العابد في الدنيا والآخرة. فإذا اعتقد إنسان بربوبية المخضوع له فما يصدر عنه من الخضوع لفظاً وعملاً فهو عبادة، ولذلك نرى أنّ المسيح(عليه السلام)عندما يأمر بعبادة اللّه سبحانه يعلقها بعنوان الربوبية، كما حكاه عنه:(وَقَالَ الْمَسيحُ يَا بَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ).(1)

وقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ).(2)

وربّما يعتبر القرآن العبادة من شؤون الخالقية، قال سبحانه:(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْء فَاعْبُدُوهُ).(3)

فلو كان الخضوع نابعاً عن تلك العقيدة فهو عبادة للمخضوع له وإن لم يبلغ غايته. وأمّا إذا كان نابعاً عن غير تلك العقيدة مثلاً بما انّه عالم خادم للأُمّة فلا يعد عبادة وإن لم يبلغ غايته، ولنفسر ذلك بالمثال التالي:

انظر إلى نفسك فإنّه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك واحترامك له أن لا تسمح لنفسك بالجلوس أو الاضطجاع بين


1 . المائدة:72.
2 . آل عمران:51.
3 . الأنعام:102.

صفحه 43

يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، ولا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. وتقف في الصلاة قدر الفاتحة وتجلس فيها قدر التشهد وهو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيتَ له، وسرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع المتمثل في قيامك وقعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعتَ له عزّ وجلّ.

وتدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغنيك من أزمة نزلت بك وأنت معتقد فيه انّه لا يستقل بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكنّ اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء تفضّلاً منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعوّ، وأنت على ما وصفنا، فإن دعوتَه وأنت تعتقد فيه أنّه مستقل بالنفع، أو الضرّ، أو نافذ المشيئة مع اللّه لا محالة، كنت له بذلك الدعاء عابداً، وبهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّ وجلّ، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع ونفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، والمشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع، أو الضرّ ونفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، ولو على سبيل الشفاعة عنده، فانّهم يعتبرونه الربّ الأكبر ولمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيته، وبمقتضى ما لهم من


صفحه 44

الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.

وبالإمعان فيما ذكرنا يتبيّن لك صدق أمرين:

الأوّل: أنّ العنصر في صدق العبادة هو الاعتقاد بأنّ المخضوع له يتمتع بقدرة غيبية وراء القدرة العادية الموجودة في عامة الناس والّتي يقوم بها بقضاء حاجة من يعبده. وقد عرفت أنّ الفريقين الموحّدين والمشركين كانا متّفقين على ذلك، وإن كانا مختلفين في مَن يتمتّع بهذه القدرة.

الثاني: أنّ الاعتقاد بالقدرة الغيبية في المعبود هو عبارة أُخرى عن الاعتقاد بكونه ربّاً بيده مصير العابد إمّا في كلّ الأُمور كما هو الحال في عقيدة المؤمن باللّه سبحانه، أو في بعض الأُمور، كالإعزاز والإذلال والنصر والخذلان والشفاعة ومغفرة الذنوب، وغير ذلك من الأُمور، كما هو الحال في عقيدة المشرك، فكأنّ العابد على الإطلاق ينطلق من الاعتقاد بربوبية المعبود.

ويؤيد ذلك أنّ سيدنا المسيح(عليه السلام) يدعو بني إسرائيل إلى عبادة اللّه سبحانه ويقول:(يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ)(1)، وفي آية أُخرى: (إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ)(2) نرى أنّه ـ صلوات اللّه عليه ـ يعلّق الحكم على عنوان


1 . المائدة:72.
2 . آل عمران:51.

صفحه 45

الرب في كلتا الآيتين، وهو يدلّ على أنّ الموحّدين والمشركين متّفقون في هذا الأصل وهو أنّ العبادة من شؤون الربوبية، فمن كان رباً فهو مستحق للعبادة دون غيره، لكن المشرك خاطئ في الصغرى أي في الاعتقاد بربوبية معبوداته، ولذلك نرى يوسف يتكلم بلسان القوم ويصف آلهتهم بالربوبية ويقول:(أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ).(1)

إلى هنا تمّ تحديد العبادة تحديداً منطقياً معتمداً على الكتاب وما درج عليه العُبّاد في عباداتهم، سواء أكان المعبود مستحقّاً للعبادة أم غير مستحق. فهلمّ معي، نعرض ما يقوم به المسلمون في الحرمين الشريفين على الضابطة.

2. عرض التمسّح والتوسّل على الضابطة

وعلى ضوء ذلك نعرض على هذه القاعدة الأعمال الّتي يقوم بها عشاق الحرم النبوي أو الحرم المكي من التمسّح بالجدران وتقبيل الشبابيك وغير ذلك، فقد وصفها الشيخ بكونها شركاً وعبادة لغير اللّه، كما عدّ طلب الحاجات منهم ودعاءَهم كذلك.

كان على الشيخ أن يُفرّق بين أمرين ـ فهو قد رمى الجميع بسهم واحد ـ وهو هل المتبرّك والمتمسح والداعي يعتقد في الأبواب


1 . يوسف:39.

صفحه 46

والجدران والشبابيك وأركان الكعبة والنبي والأولياء قدرة غيبية خارقة للعادة يقدر بها المعبود على إنجاز حاجته، أو أنّه يتمسّح ويقبّل ويتبرّك حباً بالنبي وآثاره من دون أن يعتقد أي تأثير غيبي له فيها؟

لا أظن أنّ الشيخ يجد على أديم الأرض في الحرمين الشريفين من يقوم بهذه الأعمال، فعامة المسلمين من كلّ الطوائف لا ينطلقون إلاّ من مبدأ الحب والتكريم لا غير.

كما أنّ دعاءهم والاستغاثة بهم ليس إلاّ لأجل طلب الدعاء منهم، فهم ينطلقون بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عمّا كانوا ينطلقون في حياته، فقد أمر اللّه سبحانه المؤمنين بالتوسّل بدعاء النبي فقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً).(1)

فلو كان طلب الدعاء من النبي بعد رحيله شركاً وعبادة له يكون الطلب منه في حال حياته شركاً وعبادة له أيضاً، إذ الحياة والموت ليسا ملاكين للتوحيد والشرك، بل أقصى ما يمكن أن يقول القائل بأنّهما ملاكان للجدوى وعدمها.

وكلامنا في المقام في كون الدعوة شركاً وعدمه، وأمّا كونها


1 . النساء:64.

صفحه 47

مفيدة أو لا، فهو أمر ثان يطلب لنفسه مجالاً آخر.

3. تحليل الآيات الّتي وقعت ذريعة لرمي التوسل بالشرك

لم يزل أساتذة الشيخ من أوّلهم إلى آخرهم يستدلّون على أنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء وعلى رأسهم النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، شرك بالآيتين التاليتين:

الأُولى: قال تعالى:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ


صفحه 48

يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ).(1)

الثانية: قال تعالى: (أَلاَ للّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).(2)

أمّا الآية الأُولى فقد ذكر الشيخ في كيفية الاستدلال بها أنّ عمل المسلمين كعمل بقية المشركين، فقال: إنّ المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند اللّه وتقربهم إليه زُلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، كما بيّن اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ).(3)

يلاحظ عليه :

أوّلاً: هناك فرق بين عمل المشركين والموحّدين ، فإنّ المشركين يقومون بعملين مختلفين:

1. يعبدون أصنامهم وآلهتهم المزعومة كما قال سبحانه:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ).

2. يعتقدون بأنّ آلهتهم شفعاؤهم كما يقول: (وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ).

وهذا يدلّ على أنّ ملاك شركهم هو عبادة غير اللّه سبحانه، لا قولهم بأنّ الآلهة شفعاؤهم عند اللّه.

وعند ذلك فكيف يصحّ حمل عمل الموحّدين على المشركين؟ أفيصح أن يعطف من يعبد اللّه سبحانه على مَنْ يعبد الأصنام والأوثان بمجرد اشتراكهما في الاعتقاد بالشفعاء؟

ثانياً: أنّ المشركين كانوا يعتقدون بقدرة غيبية في أصنامهم وأوثانهم، وأنّ آلهتهم يقومون بقضاء حاجاتهم مستقلين عن اللّه سبحانه، وقد مرّت الآيات الّتي تؤكّد أنّهم كانوا يعتقدون أنّ العزة والذلة والنصر والخذلان بأيديهم، كما كانوا يعتقدون أنّهم يملكون


1 . يونس:18.
2 . الزمر:3.
3 . يونس:18.

صفحه 49

مقام الشفاعة ويشفعون لعبادهم، وأين هذا من عمل الموحّد الّذي يعتقد بأنّ العزة والذلة والنصر والخذلان والشفاعة وغيرها بيد اللّه سبحانه؟!

فمجرد اشتراكهم بالاعتقاد بالشفاعة لا يجمعهم تحت خيمة واحدة مع أنّ شفعاءهم شفعاء غير واقعيين بخلاف شفعاء الموحّدين، كالنبي ومَن نصّ الكتاب والسنّة على قبول شفاعتهم.

ومع هذين الأمرين كيف يقول الشيخ:«لم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم، وتشفي مرضاهم، وتنصرهم على عدوهم؟!».

أفيصح أن نجعل في صف واحد مَنْ يسوي بين الأصنام ورب العالمين ويصورها نداً للّه سبحانه، ومَن يعبد اللّه سبحانه ولا يرى له نداً ولا مثلاً، ويتلو كلّ يوم وليلة قوله سبحانه:(قُلِ اللّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)

وقد روى ابن هشام في سيرته أنّ عمرو بن لُحيّ كان أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون بقوله: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها،


1 . آل عمران:26.

صفحه 50

فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكّة، فنصبه وأمرَ الناس بعبادته وتعظيمه.(1)

فمع هذه القصة والآيات الّتي تلوناها عليك كيف يقول الشيخ: بأنّهم لم يعتقدوا بأنّ آلهتهم هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم؟!

وأمّا الاستدلال بقوله سبحانه:(مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ)، فهو تنديد من اللّه سبحانه بهم، ونقد لعقائدهم حيث كانوا يعتقدون بأنّ أصنامهم تضرهم وتنفعهم، لا أنّه من كلامهم ولا يعبر عن عقائدهم.

إلى هنا تم الكلام حول الآية الأُولى الّتي أوردها الشيخ وأنّها لا تصلح لإثبات مدّعاه، لو لم تكن دليلاً على خلافه.

وإليك الكلام في الآية الثانية:

يقول الشيخ في (ص43) في ذيل هذه الآية: إنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم أو يقضون حوائجهم، وإنّما أرادوا منهم أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى.

يلاحظ عليه:


1 . السيرة النبوية:1/76ـ 77.

صفحه 51

أوّلاً: أنّ قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) دليل على أنّ قولهم:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللّهِ زُلْفَى) لم يكن أمراً متّفقاً عليه وإنّما هو كلام بعضهم لا كلّهم.

فكيف يمكن أن يكون ذلك منطق عامة الوثنيين، مع أنّ قسماً كبيراً منهم إذا دُعُوا إلى عبادة اللّه أخذهم الكبر، كما يقول سبحانه:(إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(1)، فلو كان الداعي إلى عبادة الآلهة المزعومة، مجرد أنّهم يقربونهم إلى اللّه زلفى وكان التقرب إليه سبحانه هو الغاية القصوى، لما وجدوا في أنفسهم حرجاً وتكبّراً إذا دعوا إلى عبادته.

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المشركين لم يكونوا متّفقين على أنّ عبادتهم للأصنام لأجل تحصيل التقرب إلى اللّه تعالى.

ثانياً: أنّ ذيل الآية، وهو قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)يشهد بأنّ ما لهجوا به كان غطاءً لعقيدتهم الحقيقية، وانّهم كانوا يكذبون في قولهم:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقرِّبُونَا إِلَى اللّهِ زُلْفَى)، بل كانوا يعتقدون بأنّ لآلهتهم قدرة غيبية على قضاء حوائجهم، وأنّهم أرباب بيدهم مصيرهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة.


1 . الصافات:35.

صفحه 52

وبعبارة أُخرى: لمّا واجه المشركون إحتجاج الموحّدين على سفاهة عقولهم وأحلامهم في الاعتقاد بأنّ آلهتهم تضر وتنفع، حاولوا تصحيح عملهم بأنّهم لا يعبدونها عن اعتقاد بأنّ بيدها الخير والشر، وإنّما يعبدونها لأجل أمر واحد، وهو أنّ عبادة الآلهة تقرّبهم إلى اللّه زلفى فقط، وعندئذ فضحهم سبحانه وكذبهم فقال:(إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).

***


صفحه 53

5

هل الدعاء والعبادة مترادفان؟

لم نزل نسمع من الشيخ ابن باز وأساتذته ومبتكري منهجه أنّهم يستدلّون بالآيات الّتي نزلت في حق المشركين على أعمال المسلمين مع البون الشاسع بين عقيدتي الطائفتين وعملهما، ومن هذا القبيل أنّهم يستدلون بالآيات الّتي ورد فيها النهي عن دعاء غير اللّه على شرك من دعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:«يا رسول اللّه اشفع لي عند اللّه»، بتصور أنّ خطابه هذا يكون دعاءً لغير اللّه، ولأجل قلع هذه الشبهة وتفنيدها نذكر كلام الشيخ أوّلاً، ثم نذكر موقف الكتاب والسنّة في هذا الموضوع.

يقول الشيخ في (ص 44): فالواجب على مثلكم تدبّر هذا المقام وإعطاؤه ما يستحق من العناية. ويدلّ على كفرهم أيضاً بهذا الاعتقاد، قوله سبحانه:(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ


صفحه 54

الْكَافِرُونَ)(1)، فسمّاهم في هذه الآية كفّاراً وحكم عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير اللّه من الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم.

ويدلّ على ذلك أيضاً قوله سبحانه في سورة فاطر: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير* إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَااسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير).(2)

فحكم سبحانه بهذه الآية على أنّ دعاء المشركين لغير اللّه، من الأنبياء والأولياء، أو الملائكة أو الجن، أو الأصنام أو غير ذلك بأنّه شرك، والآيات في هذا المعنى لمن تدبر كتاب اللّه كثيرة.

يلاحظ عليه بالنقض أوّلاً: بأنّه لو كان مطلق الدعاء، سواء أكان المدعوّ حيّاً أم ميتاً شركاً وعبادة له، لزم أن لا يوجد على وجه البسيطة أي موحّد يعبد اللّه وحده، فإنّ الناس جميعاً يتعاونون ويدعو بعضهم بعضاً، حتّى أنّه سبحانه لم يحرم دعاء الرسول في حال حياته، وإنّما حرّم أن يكون دعاؤه مع دعاء الغير على صعيد


1 . المؤمنون:117.
2 . فاطر:13ـ 14.

صفحه 55

واحد حيث كانوا يقومون وراء الحجرات ويقولون: يا محمد أخرج، فوافاهم النهي وقال: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً).(1)

يقول ابن كثير في تفسير الآية: كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم اللّه عزّ وجلّ عن ذلك إعظاماً لنبيه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: فقولوا يا نبي اللّه يا رسول اللّه. وهكذا قال مجاهد و سعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر اللّه أن يهاب نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يبجّل وأن يعظّم وأن يسود.

وقال مقاتل في قوله: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)يقول: لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد اللّه ولكن شرّفوه يا نبي اللّه يا رسول اللّه.

وقال مالك عن زيد بن أسلم في قوله:(لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)قال: أمرهم اللّه أن يشرّفوه، هذا قول وهو الظاهر من السياق.(2)

ويقول سبحانه:(إِنَّ الّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).(3)

ولو قال القائل: إنّ دعاء الحي في انجاز الأُمور الدنيوية


1 . النور:63.
2 . تفسير ابن كثير:3/306.
3 . الحجرات:4.

صفحه 56

والأُخروية ليس بشرك، وإنّما الشرك هو دعاء الميت لأمر من الأُمور.

يلاحظ عليه: بأنّ لازم ذلك أن يكون عامة المسلمين مشركين حيث يسلّمون عليه في صلواتهم ويدعونه، وأي دعاء أوضح من قولهم: السلام عليك (أيّها النبي).

كلّ ذلك يبعثنا إلى دراسة معنى الدعاء في الآيات الّتي يستدل بها على أنّ دعاء غيره سبحانه شرك، فنقول: إنّ المراد من الدعاء فيها ليس مطلق الدعوة وإنّما المراد منه العبادة، ويشهد على ذلك أنّ المراد من الدعوة فيها هو العبادة هو قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرينَ)(1)، فالمراد من الدعوة في صدر الآية هي العبادة ولذلك ختمت الآية بلفظ العبادة.

وعلى ضوء ذلك فمعنى قوله سبحانه: (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً)(2)، أي لا تعبدوا مع اللّه أحداً، وليس للنهي عن المعيّة سبب سوى كون دعاء الغير في الآية عبادة. وبذلك تعرف مفاد سائر الآيات، فإنّ نهي المشركين عن دعوة غير اللّه سبحانه إنّما هي لأجل أنّ دعوتهم كانت عبادة للأصنام حيث كانوا يعتبرون الأصنام آلهة


1 . غافر:60.
2 . الجن:18.

صفحه 57

تملك مصير العباد كلاً أو جزءاً عاجلاً أو آجلاً، ولذلك يندد القرآن بدعائهم لأجل أنّهم عاجزون عن قضاء حوائجهم، ويقول:(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ)(1)، ويقول أيضاً:( إِنَّ الّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ).(2)

فخلاصة القول: إنّ المشركين كانوا يعتبرون أصنامهم آلهة صغاراً، وأنّ أفعال اللّه تعالى مفوضّة إليها بشكل مطلق أو بشكل جزئي، لكن طلب الشفاعة والدعاء من إنسان منحه اللّه الكرامة والمنزلة فاقد لهذه الخصائص والشروط. فأين اعتقاد المشركين في حقّ أصنامهم من اعتقاد المسلمين في حقّ أوليائهم.

وعلى ضوء ذلك فلو أردنا أن نحدد مفهوم العبادة والدعاء تحديداً منطقياً فيجب أن نقول: يوجد بين المفهومين عموم وخصوص من وجه:

1. إذا كان دعاء الغير مقروناً بالاعتقاد بأنّ له قدرة غيبية يستطيع بها قضاء حاجته فهو دعاء وفي الوقت نفسه عبادة، ففي هذا المقام يجتمعان.

وأمّا موضع الافتراق: فلو دعا صالحاً وطلب منه الدعاء،


1 . الأعراف:197.
2 . الأعراف:194.

صفحه 58

سواء أكان حياً أم ميتاً دون أن يعتقد فيه القدرة الغيبية، أو كونه لمصيره وإنجاز عمله فهو دعاء وليس بعبادة.

2. إذا كان معتقداً بأنّ المخضوع له رب ومالك يملك قضاء حاجته فخضع له بالجوارح فهو عبادة وليس دعاء.

ثمّ إنّ الشيخ بعد ذلك يستدلّ بآيتين كريمتين على أنّ دعاء غير اللّه شرك وكفر، وإليك الآيتين:

الآية الأُولى:

(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ).(1)

وقال في كيفية الاستدلال بهذه الآية على أنّ عمل المسلمين شرك: «فسمّاهم في هذه الآية كفّاراً وحكم عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير اللّه في الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم».

يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المدعوّين فإنّ المدعوّ في الآية هو الإله الّذي له ـ في عقيدة الداعي ـ قدرة التصرف في الكون أو في مصير الداعي كلاً أو جزءاً، والمدعو عند الطائفة الثانية هو العبد الصالح الّذي يستجاب دعاؤه بإذن اللّه سبحانه، فعطفُ الطائفة الثانية على الأُولى من قبيل عطف المباين على المباين وبالتالي جعل


1 . المؤمنون:117.

صفحه 59

المشرك والمسلم في صف واحد!! والشاهد على ذلك أنّه يصف مدعوّ المشركين بقوله:(إلهاً آخر لا برهان له)وهذا التعريف لا ينطبق إلاّ على مدعوّ المشركين، ولا صلة له بمدعوّ الموحدّين ويشهد على ذلك قوله سبحانه في آية أُخرى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ).(1)

وعلى ضوء ما ذكرنا فوصفهم بالكفر وعدّهم كفاراً ليس «لمجرد دعاء الغير» كما هو صريح عبارة الشيخ، بل لأجل أنّ دعاءهم نابع عن الاعتقاد بأنّ المدعوّ إله وانّ له قدرة غيبية يتصرف في الكون وبيده مصير الداعي كلاً أو جزءاً ولو في مجالي الشفاعة وغفران الذنوب، فكيف يستدل بآية لا مساس لها بعمل جمهرة المسلمين؟!

يقول ابن كثير: في تفسير هذه الآية : يقول تعالى متوعداً من أشرك به غيره وعبد معه سواء، ومخبراً أنّ من أشرك باللّه لا برهان له أي لا دليل له.(2)

الآية الثانية:

(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا


1 . النمل:64.
2 . تفسير ابن كثير:3/259.

صفحه 60

يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمير* إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير).(1)

قال الشيخ في كيفية الاستدلال: «حكم سبحانه في هذين الآيتين على أنّ دعاء المشركين لغير اللّه من الأنبياء والأولياء أو الملائكة أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك بأنّه شرك».

يلاحظ عليه: بأنّ وزان هذه الآية وزان الآية السابقة وكلتاهما تصبّان في مورد واحد وليس الموضوع «دعاء المشركين لغير اللّه» كما زعمه الشيخ وإنّما الموضوع دعاء المشركين أربابهم وآلهتهم الذين يعتقدون فيهم قدرة التأثير ويملكون شيئاً من مصير العابد، وليس الموضوع مطلق دعوة الغير حتّى فيما إذا كان العابد معتقداً بأنّ المدعو عبد صالح لا يملك شيئاً غير أنّ له مقاماً عند اللّه يستجاب ـ لأجله ـ دعاؤه بإذن اللّه تعالى.

ولذلك تركّز الآية على عجز آلهتهم وتندد باعتقادهم بأنّ هذه الآلهة والأرباب ـ على خلاف ما يزعمون ـ لا يملكون من قطمير، والقطمير عبارة عن الفوفة(أي القشرة) الّتي تكون على نواة التمر.(2)


1 . فاطر:13ـ 14.
2 . القطمير: هي القشرة الرقيقة بين النواة والتمرة، أو النكتة البيضاء في ظهرها، أو شق النواة. تاج العروس:7/407، مادة «قطمر».

صفحه 61

فكيف يستطيعون إنجاز دعوتكم وقضاء حاجتكم؟ فأين دعوة المسلمين المتوغّلين في التوحيد واستغاثتهم بالنبي في حياته ومماته، من عمل المشركين المتوغّلين في عبادة آلهتهم:(وَإِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).(1)

وإن كان الشيخ ومن على منهجه في شك ممّا أقول فليتدبّروا في كلام ابن كثير ذلك التفسير الّذي يُعد مرجعاً لأبناء جلدته، يقول: (والذين تدعون من دونه) أي من الأصنام والأنداد الّتي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقرّبين (ما يملكون من قطمير) أي لا يملكون من السماوات والأرض شيئاً (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم)يعني الآلهة الّتي تدعونها من دون اللّه لا تسمع دعاءكم لأنّها جماد لا أرواح فيها... إلى آخر ما ذكره.(2)

وقد ذكرنا أنّ لصدق العبادة مقوّمين: أحدهما يرجع إلى الاعتقاد القلبي، والآخر إلى إبراز تلك العقيدة بقول أو فعل. والمسلم والمشرك وإن كانا يشتركان في المقوم الثاني، حتّى أنّ أعمال الحجّ من الطواف والسعي والرمي والذبح كلّها أعمال تعرب عن خضوع الحاج، ولكن يفترقان في العنصر الأوّل، وقد أوضحنا ذلك فيما سبق.


1 . الزمر:45.
2 . تفسير ابن كثير:3/551.

صفحه 62

6

كلام لابن تيمية

إنّ الشيخ ابن باز ومَن على منهجه ومسلكه حتّى مشايخه يستدلّون بكلام ابن تيمية وكأنّه وحي منزل أو أنّه نبيّ مرسل، ولذلك ملأ الشيخ رسالته بكلام ابن تيمية فنقل كلاماً مفصّلاً منه، ولم يقتصر على ذلك، بل نقل مثله أيضاً من كتابه الآخر.

وأنت بالإحاطة بما أوضحناه تستطيع التمييز بين الصحيح والزائف في كلامه. ولأجل ذلك نشير إلى أنموذجين من كلامه مع تحليلهما:

الأنموذج الأوّل: قال في (ص49ـ 50): ويقولون (المتوسّلون بالنبي) إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنّا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة. ويخالفون بذلك الإجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر المسلمين، فإنّ أحداً منهم لم يطلب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك أحدٌ


صفحه 63

من أئمّة المسلمين في كتبهم، وإنّما ذكر ذلك من ذكره من متأخّري الفقهاء.

يلاحظ عليه: أنّه كيف يدّعي أنّ أحداً من المسلمين لم يطلب من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً، مع أنّ من سبر التاريخ واستعرض كتب الحديث سيجد شواهد كثيرة، والمجموع يثبت أنّ السؤال والتوسّل بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أمراً مسلماً، وإليك نماذج من ذلك:

1. روى مفتي مكة المشرّفة زيني دحلان في سيرته أنّ أبا بكر دخل حجرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعد ما توفّي ـ و قال: طبت حيّاً وميتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد من الأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً لجُدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك.(1)


1 . سيرة زيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية:3/391، طبع مصر.

صفحه 64

2. قال أمير المؤمنين علي(عليه السلام) عندما ولي غسل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللّه لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء ـ إلى أن قال : ـ بأبي أنت وأُمّي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك».(1)

3. روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبرانيّ (المتوفّى 360هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف، أنّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: إئت الميضأة فتوضأ ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين، ثمّ قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورُحْ حتّى أروحَ معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان فجاء البوّاب حتّى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كانت هذه الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتّى كلّمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكنّي شهدتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وأتاه ضريرٌ فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : فتصبر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائدٌ فقد شقّ عليّ.

فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): أئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع


1 . نهج البلاغة: الخطبة 235; شرح ابن أبي الحديد المعتزلي:13/24(رواه عن محمد بن حبيب المتوفّى 245هـ); أمالي المفيد:60.

صفحه 65

بهذه الدعوات.

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط.(1)

4. ما أخرجه الحاكم في مستدركه بسند صحيح على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي في «تلخيص المستدرك» عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر فأخذ برقبته فقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: جئت رسول اللّه ولم آت الحجر.(2)

وقد تقدّم نقله أيضاً في مسألة التبرّك.

5. ما رواه الحافظ ابن حجر في الفتح، قال: روى ابن أبي شيبة باسناد صحيح من رواية أبي صالح السمّان عن مالك الداري وكان خازن عمر قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:يا رسول اللّه استسق لأُمتك فإنّهم قد هلكوا.(3)

والسند كما وصفه ابن حجر صحيح: قال: حدثنا أبو


1 . المعجم الكبير:9/16ـ 17، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8310; المعجم الصغير :1/183ـ 184.
2 . المستدرك:4/12، باب الفتن والملاحم.
3 . فتح الباري:2/495. ولاحظ المصنف لابن أبي شيبة:7/482.

صفحه 66

معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الداري وفيه (مالك الدار) مكان (مالك الداري).

ثم قال ابن حجر: وقد روى سيف في الفتوح أنّ الرجل هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.(1)


1 . فتح الباري:2/495. أقول:ولمّا كان الحديث مرّاً على ذائقة المشرف على تحقيق« الفتح» وطبعه، علق عليه في الهامش قائلاً: بأنّ السائل مجهول وأنّ عمل الصحابة (رضي اللّه عنهم) على خلافه.
يلاحظ عليه: بأنّ محور الاستدلال ليس هو كون الرجل مجهولاً أو معلوماً أو كونه صحابياً أو تابعياً، وإنّما المحور هو سكوت الصحابة على عمله الّذي هو بمثابة إقرار ضمني على صحة عمله.
فما قاله من أنّ عمل الصحابة (رضي اللّه عنهم) على خلافه، ادّعاء بلا دليل، وما ذكرنا أو ما سنذكره أدلّ دليل على خلافه.
ثمّ إنّ المحقّق استدل على عدم جواز التوسل بالنبي بعد رحيله بأنّه لو كان جائزاً لما عدل عمر عنه ـ لمّا وقع الجدب ـ إلى الاستسقاء بالعباس، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة فعلم انّ ذلك هو الحق.
يلاحظ عليه: أنّ وجه عدوله عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عمّه ـ مضافاً إلى أنّ التوسل بالعباس كان نوعاً من التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كما هو واضح ـ هو أنّ الهدف من إخراج عم النبي إلى المصلى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة. فكأنّ المصلين يقولون: ربّنا إذا لم نكن مستحقين لنزول الرحمة، فإنّ عم النبي مستحق لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء وعندئذ تعمّ الرحمة غير العباس أيضاً. ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في المصير وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبي الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك، بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً للخليفة في المقام.

صفحه 67

6. ذكر تقي الدين السبكي في «شفاء السقام» والسمهودي في «وفاء الوفا» قالا: روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي وأساتذته ـ أنّه قال: كنتُ جالساً عند قبر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، سمعت اللّه يقول:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً)(1) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي».

ثم بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دُفنت في القاع أعظمُهُ *** فطاب من طيبهـن القـاع والأكُمُ

نفسـي الفـداء لقبـر أنت سـاكنُه *** فيه العفـافُ وفيـه الجـودُ والكَـرمُ

ثم استغفر وانصرف.(2)

ويروي أبو سعيد السمعاني، عن الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فرمى بنفسه على القبر الشريف وحثا من ترابه على رأسه وقال: «يا رسول


1 . النساء:64.
2 . وفاء الوفا:4/1361; الدرر السنية لأحمد زيني دحلان:21; شفاء السقام:62ـ 63.

صفحه 68

اللّه قلت فسمعنا قولك، ووعيتَ عن اللّه ما وعينا عنك، وكان فيما أنزله عليك: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ...) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي إلى ربي».(1)

7. أنشدت صفية بنت عبد المطلب بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في رثائه وقالت:

ألا يا رسول اللّه أنـت رجـاؤنـا *** وكنت بنا بـرّاً ولـم تـكُ جافيـا

وكنـت بنــا بَـرّاً رؤوفــاً نبيّنــا *** ليبك عليه اليوم من كان باكياً(2)

سواء أكان الصحيح «أنت رجاؤنا» أو الصحيح«كنت رجاؤنا» فإنّ الجملتين تشتركان في دعاء الميت دعاء من يرجو أن يستمر رجاؤه أيضاً بعد وفاته، وهذا يكشف انّه لم يكن معروفاً بين الصحابة انّ مثل هذا النوع من الدعاء شرك، إذ لو كان دعاؤه شركاً لما أقدمت عليه عمّة رسول اللّه (رضي اللّه عنها).

8. سأل المنصور الدوانيقي العباسي، مالك بن أنس ـ إمام المالكية ـ و هما في مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا أبا عبد اللّه أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللّه؟


1 . وفاء الوفا:2/612; الدرر السنية:21.
2 . ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري:252; مجمع الزوائد:9/36.

صفحه 69

فقال مالك: لِمَ تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعّك اللّه.(1)

وفي الختام نقول:

لا يصحّ لباحث أن يرفض هذه الروايات بمجرّد أنّها لا توافق رأي ابن تيمية ومن نهج منهجه مع أنّ فيها الصحيح والمعتبر، ومضمونها متواتر إجمالاً يعبر عن تسالم الأُمّة على جواز التوسّل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله.

ولكنّنا نتنازل ونفترض أنّ هذه الروايات أحاديث مختلقة مكذوبة على أصحابها، ومع ذلك كلّه ففي هذه الروايات الّتي يصفها المخالف بالكذب شهادة واضحة على تسالم الأُمّة على صحّة التوسّل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لو كان هذا العمل شركاً وبدعة وخروجاً عن الدين لما وضعها الوضّاعون، ولا لهج بها لسان القصاصين، لأنّ الغاية من نشر هذه الروايات إمالة قلوب الناس إلى ما يروون ويحدّثون به، ومن المعلوم أنّ تلك الغاية لا تتحقّق فيما لو كذبوا أو اختلقوا أُمور لا يقبلها الناس حسب فطرتهم ومستوى فهمهم، فلو كان المضمون شركاً لردّه السامع عند الوهلة الأُولى لمواجهة الراوي


1 . وفاء الوفا:4/1376.

صفحه 70

بالتحديث والرواية.

ومن هذه النماذج يُعلم عدم صحّة قول الشيخ:من أنّ أحداً من الصحابة لم يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئاً، بل أنّ الصحابة والتابعين طلبوا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بعد موته الشفاعة وسألوه شيئاً كثيراً على خلاف مدّعى الشيخ.

وأنت إذا أحطت بما ذكرنا من الأحاديث والآثار تقدر على تقييم ما ذكره ابن تيمية حيث قال:

إنّ مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به اللّه تعالى، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِه اللّهُ).(1)

وقد عرفت أنّ التوسل بالنبي والأئمة من أهل بيته(عليهم السلام) ليس عبادة، لعدم توفر العنصر الثاني في صدق العبادة، فكيف يقول: «أحدثوا من الشرك والعبادات». ثمّ إنّ هذه الأعمال لو افترضنا أنّ المسلمين يقومون بها بعنوان أنّها جزء من الدين، فقد أذن اللّه بها على ضوء ما تلوناه عليك من الروايات والآثار.

الأُنموذج الثاني: ثمّ إنّ الشيخ ابن باز في (ص 51ـ 52) أورد كلاماً آخر لابن تيمية نقله عن رسالته إلى أتباع الشيخ علي بن مسافر(ص 32) وممّا جاء فيها


1 . الشورى:21.

صفحه 71

قوله: والذين كانوا يدعون مع اللّه آلهة أُخرى مثل الشمس والقمر و... لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو أنّها تُنزل المطر، أو أنّها تنبت النبات، وإنّما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة أو يعبدون قبورهم ويقولون: إنّما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، ويقولون: هم شفعاؤنا عند اللّه، فأرسل اللّه رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة. قال تعالى: (قُـلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِـنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْـفَ الضُّـرِّ عَنْكُـمْ وَلا تَحْـويلاً* أُولئكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً)(1).

يلاحظ عليه: أنّ ما نقله ابن باز عن ابن تيمية أمر مستدرك لا حاجة له، لأنّه ذكره في كلامه السابق والفرع مطابق للأصل تماماً، وقد عرفت سقوط الاستدلال وذلك:

أوّلاً: وجود الفرق بين المسلمين والمشركين، فالطائفة الأُولى يوحّدون اللّه تعالى ولا يرون له ندّاً ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، بخلاف المشركين فيجعلون له (أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) ويسوون بينهم


1 . الإسراء:56ـ 57.

صفحه 72

وبين اللّه سبحانه كما مرّ، ولذلك كان دعاؤهم واستغاثتهم عبادة لآلهتهم المزعومة، بخلاف دعاء المسلمين وطلبهم الّذي هو توسّل بأفضل خليقته وطلب الدعاء منه، لأنّ له مقاماً عند اللّه لا يرد دعاؤه.

وثانياً: نسب إلى المشركين بأنّهم ما كانوا يعتقدون بأنّ آلهتهم «تخلق الخلائق، أو أنّها تنزل المطر، أو أنّها تنبت النبات».

يلاحظ عليه: بأنّ المشركين لم يكونوا على منهج واحد محدد لا ينقص ولا يزيد، بل كانوا مختلفين في درجات الشرك، فقد عرفت أنّهم كانوا يعتقدون أنّ العزة والنصر بيد آلهتهم ، كما كانوا يعتقدون بأنّ الشفاعة والمغفرة حق طبيعي لهم، وقد مرّ أنّ عمرو بن لحيّ هو الّذي أدخل الوثنية إلى مكة وجاءهم بـ«هبل» من بلاد الشام وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، وما جاء به إلاّ بعد أن رأى أنّ أهل الشام يستمطرون به عند الجدب ويستنصرون به عند الشدّة، ومع ذلك كيف يصحّ لابن تيمية أن يجمع بين الموحّدين والمشركين؟!

ثالثاً: قد تقدّم أنّ المشركين في عهد الرسالة وإن كانوا يقولون إنّما نعبدهم ليقربونا إلى اللّه زلفى، ولكنّهم كانوا كاذبين في هذا القول، وقد ذكره سبحانه في آخر الآية وقال: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ)، بل هم يعبدونها لا لمجرد التقرب إلى اللّه سبحانه، بل لاعتقادهم بالربوبية فيها، و إن كانت دائرة الربوبية تختلف


صفحه 73

حسب اختلاف دائرة الشرك.

رابعاً: أنّ الآية المباركة: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْويلاً)(1) لا تمسّ المقام أصلاً، إذ الآية صريحة بأنّهم كانوا يدعون آلهتهم لكشف الضر عنهم، واللّه سبحانه ردّهم بأنّ هؤلاء أعجز من أن ينجزوا لكم طلباتكم، وأمّا الموحّد فهو يعتقد أنّ كشف الضر بيد اللّه وأنّ قضاء الحوائج بيده لا بيد غيره، وإنّما يلتجئ إلى النبي طالباً منه الدعاء ليكشف اللّه سبحانه بدعائه الضر عنه، كما كان الصحابة يلتجئون إلى النبي في حال حياته لكي يكشف اللّه ضرهم بدعائه.

وقد امتلأت الصحاح والمسانيد بالروايات الّتي تشير إلى طلب الناس الاستسقاء من النبي والخليفة وغير ذلك.

وإن كنت في شك فيما ذكرنا حول الآية فانظر إلى ما ذكره ابن كثير حول تفسيرها، قال: يقول تعالى قل: يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير اللّه من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم فانّهم لا يملكون كشف الضر عنكم، أي بالكلية، ولا تحويلاً، أي بأن يحولوه إلى غيركم.والمعنى أنّ الّذي يقدر على ذلك هو اللّه وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر.(2)


1 . الإسراء:56.
2 . تفسير ابن كثير:3/46.

صفحه 74

وبذلك يظهر ما تهدف إليه الآية الثانية الّتي استشهد بها ابن تيمية على حرمة مطلق الدعاء، قال سبحانه:(قُلِ ادْعُوا الَّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْك وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير* وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).(1)

فالآية تندد بعمل المشركين الذين يعتقدون في أصنامهم قدرة غيبية يقضون بها حوائج عبّادهم دون أن يستمدوا من اللّه سبحانه بشيء، وبذلك رد عليهم بقوله: (لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ)كما كانوا يعتقدون أنّهم يملكون مقام الشفاعة وأنّها فوضت إليهم فرد اللّه سبحانه عليهم بقوله:(وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وأين هذا من دعاء الموحّدين الذين يعتقدون بأنّ عباد اللّه لا يملكون شيئاً في قضاء حوائجهم وإنجاز طلباتهم، وأنّه سبحانه هو قاضي الحاجات ومنجز الدعوات لا غير.

قال ابن كثير: بيّن اللّه تبارك وتعالى أنّ الإله الواحد الأحد الفرد الصمد هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ)، أي من الآلهة الّتي عبدت من دونه (لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّة فِي السَّماواتِ وَلاَ


1 . سبأ:22ـ 23.

صفحه 75

فِي الأَرْضِ)، كما قال تبارك وتعالى.(1)

فما ذكره ابن كثير هو نفس ما يعتقده الموحّدون ويتلونه كلّ يوم (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(2)

إشارة ابن تيمية إلى أُمور أربعة:

وفي(ص53ـ 54) نقل ابن باز عن ابن تيمية أُموراً أربعة، هي:

1. أنّ النبي يحقّق التوحيد ويسلمه أُمته حتّى أنّه لمّا قال له رجل: ما شاء اللّه وشئت قال: أجعلتني للّه ندّاً! قل: ما شاء اللّه وحده، وقال: لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد ولكن: ما شاء اللّه ثمّ ما شاء محمد.

2. نهى عن الحلف بغير اللّه قال: من كان حالفاً فليحلف باللّه أو فليصمت، وقال: من حلف بغير اللّه فقد أشرك.

3. لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنّما أنا عبد اللّه وقولوا عبد اللّه ورسوله.

4. ونهى النبي عن اتخاذ القبور مساجد وقال في مرض موته: «لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم


1 . تفسير ابن كثير:4/536.
2 . آل عمران:26.

صفحه 76

مساجد» ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أنّه لا يشرع بناء المساجد على القبور ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندها باطلة وذلك أنّ من أكبر أسباب عبادة الأوثان كانت تعظيم القبور بالعبادة ونحوها.

هذه أُمور أربعة ختم بها ابن تيمية كلامه، وفي كلامه ملاحظات ستمر عليك، فأقرأها بإمعان ثم اقض بوجدان الحرّ.

الأمر الأوّل: الفصل بين مشيئة اللّه ومشيئة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بـ«ثم»

إنّ مقتضى التوحيد في التدبير أو مقتضاه في الأفعال أنّ كلّ ما يحدث في الكون يكون مسبوقاً بمشيئة اللّه سبحانه وإرادته:«سبحان من لا يوجد في ملكه إلاّ ما شاءه وأراده»، قال سبحانه: (وَمَا تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ)(1).

فمشيئة الإنسان مسبوقة بمشيئة اللّه تعالى، فلذلك نهى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عن قول القائل: ما شاء اللّه وشاء محمد، وأمره بأن يقول: ما شاء اللّه ثمّ ما شاء محمد. وهذا صحيح بلا كلام. إلاّ أنّ الشيخ ومَن على منهجه اتّخذ ذلك النهي ضابطة كلية في عامّة الموارد الّتي يعطف فيها الرسول على اللّه سبحانه فيقولون بوجوب


1 . الإنسان:30.

صفحه 77

الفصل بينهما بـ«ثم» مع أنّه قياس مع الفارق أوّلاً، وعلى خلاف صريح الذكر الحكيم ثانياً.

قال سبحانه:(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ).(1)

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ).(2)

وقال سبحانه:(وَمَا نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ).(3)

وقال سبحانه: (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ).(4)

إلى غير ذلك من الآيات الّتي عطف فيها الرسول على اللّه بلا فصل.

الأمر الثاني: الحلف بغير اللّه تعالى

إنّ اللّه سبحانه أقسم في القرآن الكريم بأشياء غير ذاته يربو عددها على الأربعين نذكر منها: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الأمين، الليل، النهار، الفجر، الليالي العشر، الشفع، الوتر، الطور، الكتاب المسطور، البيت المعمور، السقف المرفوع ، البحر المسجور،


1 . النساء:13.
2 . النساء:14.
3 . التوبة:74.
4 . التوبة:59.

صفحه 78

وأخيراً فقد حلف سبحانه بعمر النبي حيث قال:(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)(1). ثمّ إنّ الغاية من الحلف بهذه الموجودات أحد أمرين:

1.حثّ الإنسان وتحفيزه للاهتمام بتلك الموجودات والتفكير فيها ودراستها وما فيها من الأسرار والقوانين، ولذلك يقول سبحانه:(قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ).(2)

2. إظهار منزلة المقسم به الّتي يتمتع بها عند اللّه سبحانه كما هو الحال في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعمره.

ثمّ إنّ وجود هذا الكم الهائل من الأقسام في القرآن يدلّ على جواز الحلف بها، خصوصاً إذا كانت الغاية هي إبراز المنزلة والفضيلة للمقسم به، فلو كان الحلف أمراً قبيحاً ومستهجناً أو كان شركاً لما حلف سبحانه بها، وعلى أقلّ تقدير يذكر شيئاً في القرآن من أنّ الحلف بها من خصائصه سبحانه.

والعجب العجاب هو أنّ المخالف بعد أن واجه هذا المنطق القويم حاول الهروب من المأزق وقال: إنّ المقسم به في هذه الأقسام هو الرب فيعود معنى قوله سبحانه:(وَالشَّمْسِ وَضُحاها)(3) هو:


1 . الحجر:72.
2 . يونس:101.
3 . الشمس:1.

صفحه 79

رب الشمس، ورب ضحاها، كما يرجع معنى الحلف بحياة النبي إلى الحلف برب حياة النبي، فيكون معنى قوله: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ) أي «لرب عَمرك انّهم...»، وليس هذا إلاّ تأويلاً بلا دليل وتفسيراً بالرأي وإخراجاً للقرآن عن ذروة البلاغة.

الحلف بغير اللّه في الصحاح

لقد ورد الحلف بغير اللّه سبحانه في كلام النبي وغيره أكثر من مرة، ونحن نذكر هنا قليلاً من هذه الموارد، ونترك الباقي للآخرين:

روى مسلم في صحيحه: جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: يا رسول اللّه، أيّ الصدقة أعظم أجراً؟

فقال: «أما وأبيك لتنبَّأنّه، أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء».(1)

وهناك حديث آخر رواه مسلم أيضاً في باب ما هو الإسلام؟ وإليك نصّه:

«جاءَ رَجلٌ إلى رَسول اللّه ـ مِن نَجد ـ يسألُ عن الإسلام، فقالَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): خَمسُ صَلوات في اليَوم واللَّيل.

فقال: هَلْ عَلَيَّ غَيرَهُنَّ؟


1 . صحيح مسلم:3/94، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.

صفحه 80

قال: لا...إلاّ أن تطوّع، وصيامُ شهرِ رمضان.

فَقال: هَل عليَّ غَيرُه؟

قال:لا... إلاّ أن تطوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.

فقال الرجلُ: هلْ عليَّ غيره؟

قال: لا... إلاّ أن تطوّع.

فأدبر الرَّجل وهو يقول: واللّه لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه.

فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أفلَحَ ـ وأبيه(1) ـ إن صدق.(2)

أو قال: دخل الجنة ـ و أبيه ـ إن صدق.(3)

وروى أحمد هذا الحديث في مسنده، وفي آخره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لهذا الرجل: «فلعمري لئن تتكلّم بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت».(4)

أمّا فقهاء المذاهب الأربعة فلم يجمعوا على حرمة الحلف بغير اللّه، فقد قال فقهاء الحنفية والشافعية بأنّه مكروه، وأمّا المالكية فإنّ لهم فيه قولين: أحدهما الحرمة، والآخر الكراهة.(5)


1 . أي: قَسَماً بأبيه: فالواو واو القَسم.
2 . صحيح مسلم:1/32، باب ما هو الإسلام.
3 . صحيح مسلم:1/32، باب ما هو الإسلام.
4 . مسند أحمد:5/225.
5 . للتفصيل راجع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة:1/75، طبع مصر.

صفحه 81

بقي الكلام فيما استدلّ به على الحرمة بحديثين:

1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :«من كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت».

2. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من حلف بغير اللّه فقد أشرك».

أمّا الحديث الأوّل: فقد حذف صدره، فقد روى أصحاب السنن أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سمع عمر وهو يقول: «وأبي» فقال: «إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت».(1)

والجواب: أنّ النهي عن الحلف بالآباء لأجل أنّهم كانوا في ذلك الزمان مشركين وعبدة للأوثان، فلم تكن لهم حرمة ولا كرامة حتّى يحلف أحدٌ بهم.

وقد جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله:«لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت»(2)، وجاء أيضاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمّهاتكم ولا بالأنداد».(3)

فاقتران «الطواغيت» و«الأنداد» بالآباء لدليل واضح على أنّ الآباء كانوا يعبدونها.

ومع وجود هذه القرائن الواضحة، كيف يمكن أن يقال بأنّ


1 . سنن ابن ماجة:1/277.
2 . سنن النسائي:7/8.
3 . مسند أحمد:2/34.

صفحه 82

النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن الحلف بالمقدّسات كالكعبة والقرآن وأولياء اللّه تعالى، مع العلم أنّ النهي خاصٌ بمورد معيّن، وأنّ النبيّ بنفسه كان يحلف بغير اللّه؟

وأمّا الحديث الثاني: أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك».

فيظهر المراد منه بنقل الرواية كاملة وهي: جاء ابنَ عُمر رجلٌ فقال:أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن احلف بربّ الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه فقال له رسول اللّه: «لا تَحلِف بأبيك، فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك» .(1)

والحديث ـ كما ترى ـ مؤلف من مقاطع، هي:

أ. جاء رجل ابن عمر، فسأله هل يحق له الحلف بالكعبة؟ فنهاه ابن عمر.

ب. انّ عمر كان يحلف بأبيه عند رسول اللّه فنهاه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك.

ج. القاعدة الكلية الّتي ذكرها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي:«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك».(2)

والقدر المتيقّن من كلام الرسول ما إذا كان المحلوف به شيئاً


1 . سنن النسائي:7/8.
2 . السنن الكبرى:10/29; مسند أحمد:1/47، 2/34، 67، 78، 125.

صفحه 83

غير مقدّس كالكافر والصنم، بشهادة انّ النبي ذكر ذلك عندما حلف عمر بأبيه الّذي كان كافراً، ولا يمكن انتزاع ضابطة كلية تعمّ الحلف بالكافر والمؤمن. ولكن ابن عمر اجتهد بأنّ قول النبيّ«مَن حلف بغير اللّه فقد أشرك» الّذي ورد في الحلف بالمشرك ـ وهو الخطّاب الذي هو والد عمر ـ اجتهد بأنّه يشمل الحلف بالمقدّسات أيضاً كالكعبة، مع العلم بأنّ كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد ورد في الحلف بالمشرك. واجتهاده حجة على نفسه لا على غيره مع العلم بخطئه في تطبيق الكبرى على غير موردها.

الأمر الثالث: نهي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن إطرائه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تُطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنّما أنا عبد اللّه، فقولوا عبد اللّه ورسوله».

ما نقله الشيخ حق لا مرية فيه، ولكن لا يوجد على أديم الأرض وتحت قبة السماء موحّد بعد ـ وصية النبي ـ يطري النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كإطراء النصارى، والكلّ يشهدون له بالرسالة والعبودية ويقولون: «أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله» فما معنى إقحام ذلك الأمر في ثنايا كلامه، فهل يريد بذلك اتّهام الموحّدين المسلمين بالشرك وأنّهم يعتقدون بإلوهية النبي الأكرم أو ربوبيته؟!


صفحه 84

الأمر الرابع: نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن اتخاذ القبور مساجد

روى البخاري في كتاب الجنائز عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(1)

في البدء لابد من دراسة الحديث من جانبين:

الأوّل: في صحّة مضمونه.

الثاني: ما هو المقصود من الحديث على فرض الصحّة؟

أمّا الأوّل: فالحديث وإن رواه البخاري، لكن ليس كلّ ما في البخاري صحيحاً قطعياً لا يمكن تطرق الخطأ إليه مع أنّه ومن روى عنه فرد غير معصوم، ولذلك نحن نشك في صحّة الحديث من جانب التاريخ وبشهادة القرآن على سيرة اليهود، وذلك لأنّ سيرة اليهود كما هو معروف هي القسوة مع الأنبياء، وأنّهم كانوا يقتلون أنبياءهم واحداً بعد الآخر فكيف يحترمون أنبياءهم ويتخذون قبورهم مساجد؟ وهذا هو القرآن الكريم يصفهم بقوله:(لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبياءَ بِغَيْرِ حَقّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريقَ* ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيدِيَكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّم لِلْعَبيدِ* الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُول حَتّى يَأْتِينَا بِقُرْبان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ


1 . صحيح البخاري:2/111.

صفحه 85

قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ).(1) كلّ ذلك يورث الشكّ في صحّة مضمونه.

وأمّا الجانب الثاني: فلو افترضنا صحة المضمون لكن التعرف على مغزى هذا الحديث يتوقّف على معرفة ما كان يقوم به اليهود والنصارى عند قبور أنبيائهم ، ذلك لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّما نهى عن القيام بما كان يقوم به اليهود والنصارى، فإذا عرفنا عملهم، عرفنا بالتبع الحرامَ المنهيّ عنه.

إنّ في الحديث احتمالات ثلاثة يُحتمل أن تكون هي المراد لا مجرد الصلاة عند قبور الأنبياء للّه سبحانه:

1. اتّخاذ قبور الأنبياء قبلة لهم يصدّهم عن التوجّه إلى القبلة الواجبة.

2. يجعلون أنبياءهم شركاء مع اللّه سبحانه في العبادة.

3. يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم بدل أن يعبدوا اللّه الواحد القهّار.

ويدلّ على أنّ المراد هو أحد هذه الاحتمالات الثلاثة ما رواه مسلم عن زوجتي النبي : أُمّ حبيبة وأُم سلمة بأنّهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل


1 . آل عمران:181ـ 183.

صفحه 86

الصالح فمات، بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك التصاوير...».(1)

فالهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إنّما كان لأجل السجود عليها وعلى القبر، بحيث يكون القبر والصورة قبلة لهم، أو كانتا كالصنم المنصوب يُعبدان ويُسجد لهما.

إنّ هذا الاحتمال ـ اللائح من الحديث ـ ينطبق مع ما عليه المسيحيون من عبادة المسيح ووضع التماثيل المجسّمة له وللسيدة مريم(عليهما السلام).

ومع هذا المعنى فلا يمكن الاستدلال بهذه الأحاديث على حرمة بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها، وإقامة الصلاة فيها من دون أن يكون في ذلك أيّ شيء يوحي بالعبودية، كما عليه المسيحيون.

قال القسطلاني: إنّما صوّر أوائلهم الصُّور ليستأنسوا بها ويتذكّروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا اللّه عند قبورهم، ثمّ خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظّمونها، فحذّر النبي عن مثل ذلك.

إلى أن يقول:


1 . صحيح مسلم:2/66، كتاب المساجد.

صفحه 87

قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، مُنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرُّك بالقرب منه ـ لا للتعظيم ولا للتوجّه إليه ـ فلا يدخل في الوعيد المذكور.(1)

وليس القسطلاني منفرداً في هذا الشرح، بل ذهب إلى ذلك السندي ـ شارح السُّنن للنسائي ـ حيث يقول:

«اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أي: قبلة للصلاة يصلّون إليها، أو بنوا مساجد عليها يصلّون فيها. ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يُفضي إلى عبادة نفس القبر.(2)

ويقول أيضاً:

يُحذّر (النبي) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتّخاذهم تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجّهون في الصلاة إليها.(3)


1 . إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:1/430. وقد مال إلى هذا المعنى ابن حجر في فتح الباري:3/208 حيث قال: إنّ النهي إنّما هو عمّا يؤدّي بالقبر إلى ما عليه أهل الكتاب، أمّا غير ذلك فلا إشكال فيه.
2 . السنن للنسائي:2/21، مطبعة الأزهر.
3 . نفس المصدر السابق.

صفحه 88

وأمّا إذا خلت الصلاة عند قبورهم عن هذه الصفة، تصبح الصلاة عند قبورهم بلا إشكال.

والمسلمون يصلّون في المسجد النبوي عبر قرون، وفيه قبر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، دون أن يتّخذه أحد منهم قبلة، أو يسجد له، أو يعبده، فما هذه الهمهمة والدمدمة حول مثوى خير البشر؟!!

فهل يريدون بذلك ـ لا سامح اللّه ـ إمحاء آثار النبوة وهدمها مع أنّ مثواه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو بيته الّذي أمر اللّه برفعه وقال: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ).(1)


1 . النور:36.

صفحه 89

7

الاستشهاد بكلام ابن القيّم

إنّ الشيخ ابن باز استشهد أوّلاً بكلام لابن تيمية، ثم استشهد مرة أُخرى بكلام تلميذه ابن القيّم، وكأنّه لم يجد بين العلماء من يدعم كلامه إلاّ هذين الشخصين، أحدهما مؤسس المنهج والثاني تلميذه، وليس في ما نقله عن الثاني في (ص 55) شيء جديد، بل لا صلة له بالموضوع، حيث قال ابن القيّم في الجواب الكافي:197ـ 198:

فالشرك في الأفعال، كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الّذي هو عين اللّه في الأرض، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها.

وأنت خبير أنّه ليس بين المسلمين مَن يسجد لغير اللّه سبحانه أو يطوف بغير بيته، وقد أفتى العلماء بحرمة السجود لغيره


صفحه 90

حتّى وإن كان احتراماً وتعظيماً، وأمّا تقبيل الأحجار فقد علمت أنّه ليس إلاّ من باب الشوق إلى الحبيب وتكريمه وتعزيره، وهي حالة فطرية يتمسّك بها بنو البشر، إذ عندما يريدون أن يبرزوا حبهم لأحد من الناس، فليس بالضرورة أن يكرموه بعينه مباشرة، بل يكتفون بتكريم ما يحيط به وينتسب إليه كالدار والجدران كما قال قيس صاحب ليلى العامرية:

أمـر على الــديار ديـار ليلـى *** أقبــل ذا الجـدار وذا الجـدارا

ومـا حـب الديار شغفن قلبي *** ولكـن حبّ مـن سكن الديارا

ثمّ إنّ ابن القيّم نقل في كلامه عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لعن اللّه زوّارات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسُّـرج».

فلو صحّ الحديث فهو منسوخ بحديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم):«قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» حسب ما نقله الحاكم في مستدركه.(1) وكذلك أكّد هذا الرأي الترمذي في سننه حيث قال بعد نقل الحديث : قد رأى بعض أهل العلم أنّ هذا كان قبل أن يرخّص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في زيارة القبور، فلمّا رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء.(2)


1 . مستدرك الحاكم:1/374.
2 . سنن الترمذي:2/259، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء.

صفحه 91

والحديث لو صحّ فهو محمول على المكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة، وما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما شابه ذلك، كما أنّ ذيله محمول على مَن أسرج بلا فائدة منه، أمّا لو أسرج سراجاً لقراءة القرآن لصاحب القبر فهو عمل مبارك كما أنّ الرواية ناظرة إلى مطلق القبور ولا صلة لها بقبر أشرف الخليقة وأولاده الطاهرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقد دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس إلى زيارة قبره وقال:«إنّ من حج ولم يزرني فقد جفاني» وهذه الرواية أخرجها غير واحد من أئمّة الحديث.

وقد أفتى الفقهاء في المذاهب الأربعة بأنّ زيارة قبر النبي من أفضل المندوبات، وأمّا الحديث المذكور فقد فصّل الكلام فيه السبكي في طرقه في «شفاء السقام». فمن أراد التوسّع والوقوف على الروايات الواردة في استحباب زيارة النبي فليرجع إلى «شفاء السقام» للسبكي(1)، ولاحظ أيضاً; «وفاء الوفا» للسمهودي، و«إحياء العلوم» للغزالي، و«شرح الشفاء» للقاضي، إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في هذا المجال.


1 . شفاء السقام:65ـ 115، الطبعة الرابعة المحقّقة.

صفحه 92

8

استنتاج الشيخ

إنّ الشيخ بعد أن نقل كلام الرجلين خرج بالنتيجة التالية قائلاً في(ص56):

يتضح لكم ولغيركم من القراء أنّ ما يفعله الجهال من الشيعة وغيرهم عند القبور من دعاء أهلها والاستغاثة بهم والنذر لهم والسجود لهم وتقبيل القبور طلباً لشفاعتهم، ونفعهم لمن قبّلها، كلّ ذلك من الشرك الأكبر لكونه عبادة لهم والعبادة حق اللّه وحده كما قال اللّه تعالى: (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً).(1)

يلاحظ عليه: أنّه نسب إلى الشيعة الأُمور التالية:

أ. دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم.


1 . النساء:36.

صفحه 93

ب. النذر لهم.

ج. السجود لهم.

د. تقبيل القبور طلباً لشفاعتهم.

ثم وصف الكل بالشرك الأكبر الّذي هو عبارة أُخرى عن الارتداد والخروج عن الدين.

أمّا الأمر الأوّل: فقد عرفت الأدلّة الكافية من أنّه لا مانع من دعاء النبي والاستغاثة به لأجل طلب الدعاء منه، لأنّ له عند اللّه مقاماً محموداً يُقبل دعاؤه وتستجاب دعوته خصوصاً إذا استغفر للمستغيث، قال سبحانه:(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً).(1)

نعم: الاستغاثة بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنّه إله ورب وبيده مصير الداعي كلاً أو جزءاً، هو عبادة له، ولكن لا يوجد بين المسلمين من يعتقد بهذا.

وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: النذر لهم ـ: فقد خفيت عن الشيخ حقيقة النذر حيث تصوّر أنّهم ينذرون للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مكان النذر للّه مع أنّهم ينذرون للّه سبحانه، وإنّما يهدون ثواب عملهم للنبي والأئمّة(عليهم السلام).


1 . النساء:64.

صفحه 94

من الأُمور الرائجة بين المسلمين أنّهم يقومون بالنذر للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ويقول الناذر: للّه عليّ إذا شفى اللّه مريضي أن أذبح شاةً للنبي، وقد زعم الشيخ أنّ النذر للنبي شرك لأنّه عبادة له، ولكنّه غفل عن مفاد الصيغة ولأجل إيضاحها نقول:

إنّ اللام في قوله: «للّه عليّ» يراد بها الغاية الّتي نتيجتها التقرب إلى اللّه سبحانه، ولكن اللام الثانية في قوله: «للنبي» للانتفاع وإهداء الثواب إليه.

وعند ذلك كيف يكون هذا القول شركاً وعبادة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونحن نرى مثل ذلك الاستعمال في الذكر الحكيم، فتارة يذكر القرآن الكريم عن أُمّ مريم قولها:(إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً)(1)، وفي الوقت نفسه يذكر في حكم الصدقات ويقول:(إِنّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكينِ).(2)

وعلى ضوء ذلك فاللام في قوله «للّه عليّ» مثل اللام في قوله: (إِنّي نَذَرْتُ لَكَ)، كما أنّ اللام في قوله «للنبي» مثلها في:(إِنّما الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَراءِ)، ولا أظن في مَن تدبّر فيما ذكرنا أن يعتبر النذر للنبي شركاً.

وقد ورد نظير ذلك فيما صحّ عن سعد أنّه سأل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)


1 . آل عمران:35.
2 . التوبة:60.

صفحه 95

قال: يا نبي اللّه انّ أُمّي افتلتت ]أي ماتت[ وأعلم أنّها لو عاشت لتصدّقت، أفإن تصدّقت عنها أينفعها ذلك؟

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): نعم.

فسأل النبي: أي الصدقة أنفع يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

قال : الماء. فحفر بئراً وقال: هذه لأُمّ سعد.(1)

فالمسلمون بعملهم هذا سعديون لا وثنيون، لا يريدون عبادة الموتى، بل يريدون إيصال الثواب إليهم كما فعل سعد.

وأمّا الأمر الثالث ـ أعني: السجود للنبي والأئمّة (عليهم السلام) ـ: فلا أقول فيه شيئاً إلاّ كونه على خلاف الواقع.

وأمّا ما ربما يشاهد من بعضهم السجود في المشاهد، فما هو إلاّ سجود للّه شكراً له لتوفيقه لزيارة النبي وخلفائه.

وقد كان المترقب من المفتي العام أن لا ينسب شيئاً إلى أُمّة كبيرة إلاّ أن يتحقّق منه بواسطة من يثق به.

وأمّا الأمر الرابع ـ أعني: تقبيل القبور طلباً لشفاعتهم أو نفعهم لمن قبلها ـ: فهو تفسير بما لا يرضى به صاحبه، إذ ليس التقبيل لغاية طلب شفاعتهم، بل لأجل التكريم والتعزير، وأمّا طلب الشفاعة فهو أمر صحيح يقوم به كلّ من يعترف بأنّ النبي


1 . سنن أبي داود:2/130برقم 1681، باب في فضل سقي الماء; السيرة الحلبية: 2/583.

صفحه 96

الأكرم هو الشفيع الأعظم، فيطلب منه الشفاعة بمعنى أنّه يطلب منه الدعاء كما كان يطلبه منه حيّاً، فإذا كان طلب الشفاعة بهذا المعنى في حالة الحياة جائزاً ولم يكن شركاً، فهو كذلك بعد رحيله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لا تختلف حقيقة الأمر بالحياة والموت.

ثمّ إنّ الشيخ رتّب على هذه الأُمور الأربعة بأنّها الشرك الأكبر، وهو استنتاج باطل لا يقوم على دليل، إذ كيف تكون هذه الأعمال عبادة لهم مع أنّ العبادة تتقوّم بعنصرين: أحدهما الاعتقاد بربوبية من يدعوه، أو يستغيث به وليس بين المسلمين من يعتقد بذلك.

وأمّا الاستشهاد بقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)(1) فهو في غير محلّه، لما عرفت من أنّه ليس كلّ تعظيم شركاً، وليس كلّ تكريم عبادة لغيره سبحانه.


1 . النساء:36.

صفحه 97

9

التوسّل بعمّ النبي

قال الشيخ في(ص58ـ 59): وأمّا توسل عمر والصحابة بدعاء العباس في الاستسقاء وهكذا توسل معاوية في الاستسقاء بدعاء يزيد بن الأسود فذلك لا بأس به لأنّه توسل بدعائهما وشفاعتهما ولا حرج في ذلك. ولهذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه: أدع اللّه لي، وذلك دليل من عمل عمر والصحابة ومعاوية على أنّه لا يتوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في الاستسقاء ولا غيره بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ولو كان ذلك جائزاً لما عدل عمر الفاروق والصحابة عن التوسل به (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى التوسل بدعاء العباس ولما عدل معاوية التوسل به (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى التوسل بيزيد بن الأسود، وهذا شيء واضح بحمد اللّه.

روى البخاري قال: كان عمر بن الخطاب إذا قُحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك


صفحه 98

بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون.(1)

والحديث صريح في أنّ عمر توسّل بذات العباس ومكانته وجعله الوسيلة بينه وبين اللّه، ولمّا كان ظاهر الحديث مخالفاً لما عليه الشيخ من تحريم التوسل بذات الشخص حاول أن يؤوّل الحديث في كلامه، وقال: بأنّ الخليفة توسّل بدعاء العباس لا بشخصه ومنزلته.

لا أظن أنّ أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف يسوّغ لنفسه أن يفسّر الحديث بما ذكره، لأنّه خلاف ما فهمه الآخرون من الحديث وخلاف القرائن الموجودة فيه.

أمّا الأمر الأوّل: فهذا هو الرجالي الكبير ابن الأثير يقول: واستسقى عمر بن الخطاب بالعباس، في عام الرّمادة لمّا اشتد القحط، فسقاهم اللّه تعالى به وأخصب الأرض، فقال عمر: هذا ـ واللّه ـ الوسيلة إلى اللّه والمكان منه.(2)

وقال حسّان الشاعر:

سأل الإمامُ وقد تتابع جـد بنا *** فسقى الغمـام بغُـرّة العبـاس


1 . صحيح البخاري:2/32، باب صلاة الاستسقاء.
2 . أُسد الغابة:3/111.

صفحه 99

عمِّ النبي وصنو والـده الـذي *** وَرث النبي بذاك دون النـاسِ

أحبى الإلهُ به البلادَ فأصبحت *** مُخضرَّة الأجنـاب بعـد اليـاس

ولمّا سُقي الناس طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين.

إنّ التأمّل في هذه القضية التاريخية والّتي ذكر بعضاً منها البخاري في صحيحه، يؤكد على أنّ من مصاديق «الوسيلة» هو التوسّل بأصحاب الجاه والمنزلة عند اللّه، حيث ينتج منه التقرّب إلى اللّه وتكريم الداعي والمتوسّل.

وأي تعبير أوضح من قوله:«هذا ـ واللّه ـ الوسيلة إلى اللّه والمكان منه».

يقول القسطلاني(المتوفّى 923هـ):

«إنّ عمر ـ لما استسقى بالعباس ـ قال: «أيّها الناس إنّ رسول اللّه كان يرى للعباس ما يرى الوَلَدُ للوالد، فاقتدوا به في عمّه واتّخذوه وسيلة إلى اللّه تعالى».

وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:


صفحه 100

بعمي سقى اللّه الحجاز وأهله *** عشـية يستسقي بشيبتـه عمر

توجه بالعباس في الجدب راغباً *** إليه فمـا إن رام حتّـى أتى المطـر

ومنـّـا رســول اللّه فينــا تـراثـــه *** فهل فوق هـذه للمفاخر مفتخر(1)

إنّ الاحتجاج بترك الصحابة عملاً من الأعمال وأنّهم مثلاً:(لم يتوسّلوا بالنبي بعد رحيله وإنّما توسّلوا بعم النبي العباس) من غرائب الكلام، إذ لم يقل أحد بأنّ ترك الصحابة فعلاً من الأفعال، دليل على حرمته، وإنّما يحتج بفعلهم على جوازه، لا بتركهم.

فإذاً فما معنى قول الشيخ بأنّ الصحابة لم يتوسّلوا بالنبي بعد رحيله، مضافاً إلى أنّهم توسّلوا به بعد رحيله كما تقدّم ذكره.

الأمر الثاني: أعني: لو كان التوسّل بالنبي ـ بعد رحيله ـ جائزاً لما عُدِل إلى التوسّل بالعباس، فقد خفي على القائل وجه المعدول وليس هو إلاّ أنّ الخليفة حاول أن يوسط بين المستسقين وربّهم إنساناً مقرباً يكون شريكهم في الحياة ومثيلهم في المصير، وأمّا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)فهو وإن كان ذا مكانة عالية، لكنّه لأجل رحيله لم يكن


1 . المواهب اللدنيّة:4/277، تحقيق صالح أحمد التاجي.

صفحه 101

(في زمان الاستسقاء) شريكهم، وكأنّ المتوسلين بالعباس يقولون بلسان الحال: ربنا وسيدنا إن لم نكن أهلاً للرحمة فعم النبي أهلاً لها، فأنزل رحمتك الواسعة لأجله، ومن المعلوم أنّ الرحمة إذا نزلت فهي ستشمل العام والخاص، ومن سأل ومن لم يسأل.

تعليم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) التوسّل بشخصه

إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الّذي علّم التوسّل بمكانه وشخصه، وذلك في الدعاء الّذي علمه للضرير، وإليك نص الحديث فليتأمل القارئ فيه، فهل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد أمر الضرير أن يتوسّل بدعاء النبي، أم أنّه قد أمره بالتوسل بشخص النبي ومقامه وشخصيته؟ ومن المعلوم أنّ شخصه ومكانته عند اللّه، محفوظة حيّاً وميتاً. وإليك الحديث:

روى أكثر من واحد من المحدثين(1) كالنسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم ـ وقد اتّفقوا على صحة الحديث ـ : أنّ


1 . انظر في مصادره:
1. سنن ابن ماجة:1/441، رقم الحديث 1385.
2. مسند أحمد:4/138.
3. مستدرك الصحيحين للحاكم:1/313، طبع الهند.
4. الجامع الصغير للسيوطي:59.
5. تلخيص المستدرك للذهبي المطبوع بهامش المستدرك.
6. التاج الجامع:1/286.

صفحه 102

رجلاً ضريراً أتى إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادع اللّه أن يعافيني.

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت وهو خير؟

قال: فادعُهُ، فأمره أن يتوضّأ فيُحسن وضوءهُ ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء:«اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد انّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهم شفّعه فيّ».

إنّ الدعاء الّذي علّمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تضمّن التوسّل بذات النبي بصراحة تامة.

فيكون ذلك دليلاً على جواز التوسّل بالذات، وقداسته محفوظة وهو حيّ عند اللّه كحياة الشهداء.

وإليك الجمل والعبارات الصريحة في المقصود:

1. اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

إنّ كلمة«نبيّك» متعلّقة بفعلين، هما: «أسألك» و «أتوجّه إليك»، والمراد من النبي نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه.

وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيك» حتّى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك، أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل، وتأويل بدون مبرّر، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا


صفحه 103

الحديث لرموه بالجهمية والقدريّة.

2. محمد نبي الرحمة

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من اللّه بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «نبيك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأوضح ما يمكن.

3. يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي

إنّ جملة «يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي» تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسه، وسيلة في دعائه، أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه(صلى الله عليه وآله وسلم).

4. شفّعه فيّ

إنّ قوله:«شفّعه فيّ» معناه يا رب اجعل النبي شفيعي، وتقبّل شفاعته في حقّي، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي، فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النّبي دعا بنفسه حتّى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاؤه في حقّي، ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقّه. وحتّى لو فرضنا أنّ معناه«تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً، إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء


صفحه 104

الرسول ولم يُنقل لفظه، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي علّمه الرسول للضرير، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء.

***

أسأل اللّه سبحانه أن ينوّر قلوبنا بنور الإيمان ويجعلنا إخواناً يسدّد بعضنا البعض الآخر، ويرزقنا فهم الدين وإخلاص العمل، والتحرّز عن الخوض في دماء المسلمين برمي البعض بالشرك تارة وبالبدعة أُخرى، وأن يكون المعيار في الدخول إلى حظيرة الإسلام والخروج عنها قول نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم):«من شهد أن لا إله إلاّ اللّه واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم».(1)

وأن نجعل نصب أعيننا قول نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما أخرج مسلم عن نافع عن ابن عمر ـ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إذا كفّر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدُهما».(2)


1 . جامع الأُصول لابن الأثير:1/158.
2 . صحيـح مسلـم :1/56، بـاب مـن قـال لأخيه المسلم يـا كافر، من كتاب الإيمان.

صفحه 105

وأخيراً أقول : إنّه ليس ممّا يرتضيه اللّه ورسوله أن يُرمى المسلمون الأخيار، الطافحة قلوبهم بأنوار التوحيد، والمفعمة أفئدتهم بحبّ اللّه ومودة رسوله، بالشرك والكفر، لا لشيء إلاّ لشبهة أو شبهات حصلت للرامين، من دون أن يحقّقوا في الأمر، أو يستمعوا إلى أدلّة الطرف الآخر، أو يعيروا الكتاب والسنّة وسيرة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين الاهتمام الكافي والعناية المناسبة اللازمة.

والحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم المقدسة

17/صفر المظفر/1428هـ

Website Security Test