welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

( 1 )

حوارات مفتوحة
مع
فضيلة الشيخ
يوسف القرضاوي

تأليف

الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني


( 2 )

( 3 )

( 4 )

السبحاني ، جعفر، 1347 ق. ـ

      حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي ; المؤلف الشيخ جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)، 1430 ق . = 1387 .

136 ص .   ISBN: 978 - 964 - 357 - 346 - 1

      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .

      1 ـ قرضاوي، يوسف، 1924 ـ م. Qardawi,Yusufـ ـ نقد وتفسير. 2. شيعة ـ ـ شبهات وردود . الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) . ب. العنوان .

9ح2س/ 5/212BP    4172 / 297

اسم الكتاب:   … حوارات مفتوحة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي

المؤلف:   … الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني

الطبعــة:   … الأُولى ـ 1430 هـ

المطبعـة:   … مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)

الكمّيّـة:   … 1100 نسخة

الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام)

الصف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصّادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة

توزيع

مكتبة التوحيد

ايران ـ قم ; سـاحة الشهداء

هاتف: 7745457 ـ 2925152

البريد الإلكترونيimamsadeq@gmail.com :

العنوان في شبكة المعلوماتwww.imamsadeq.org :


( 5 )

بسم الله الرحمن الرحيم


( 6 )

( 7 )

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله محمد وآله الطيبين الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد قال الإمام علي (عليه السلام): «اضربوا بعض الرأي على بعض حتى يتولّد منه الصواب» .(1)

وجاء في المثل المعروف: «الحقيقة بنت البحث»، وكأنّ الحقيقة وكشف الواقع وليد تقابل الآراء والأفكار، ولولا النقاش العلمي النابع من البحث عن الحقيقة لتوقّفت مسيرة العلم مكانها، ولما شيّدت أركانه وعلا مناره.

وقد تمسّك بهذا المنهج علماؤنا السابقون، وسلفنا


1 . غرر الحكم، برقم 2567 .


( 8 )

الصالح إذ كانوا يتحرّون الحقيقة بالبحث والمناقشة، وكان الوصول إليها أحبَّ لديهم من كل شيء، وأهمّ عندهم من أي أمر آخر، فهم ـ رغم ما كان يكنّ أحدهم للآخر من الاحترام والحب، والتقدير، والإكبار ـ لم يتوانوا في نقد الآراء، وتمحيص الأقوال، واستجلاء الحقائق ، بل كانوا يمضون في البحث والمناقشة والنقض والرد حتّى ترسو سفينةُ المعرفة على ساحل الحق، وتنقشع سُحُب الجهالة عن سماء الأفكار والعقائد. وفي هذا الصدد قال شيخنا الفقيه شيخ الشريعة الاصفهاني، ناقلاً عن بعض الأعلام قوله في هذا الباب:

إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعض من أعظم مزايا هذه الأُمّة التي أعظم الله بها عليهم النعمة حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين المؤدّية إلى تحريف ما فيهما، واندراس تينك الملّتين، فلم يتركوا لقائل قولاً فيه أدنى دخل إلاّ بيّنوه، ولفاعل فعلاً فيه تحريف إلاّ قوّموه، حتّى اتّضحت الآراء، وانعدمت الأهواء، ودامت الشريعة الواضحة البيضاء على امتلاء الآفاق بأضوائها، وشفاء القلوب بها من أدوائها، مأمونة من التحريف، مصونة عن التصحيف.(1)


1 . ابانة المختار: المقدّمة.


( 9 )

نعم كانت كذلك سيرة سلفنا الصالح في مجال التوصّل إلى الدقائق، وتحقيق الحقائق. ونعم ما يقول شاعر الأهرام المفلق الأُستاذ البحاثة محمد عبدالغني حسن صاحب التآليف الممتعة، في وصف العلماء وأخلاقهم:

يشتدّ في سبب الخصومة لهجة *** لكن يرقّ خليقة وطباعا

وكذلك العلماء في أخلاقهم *** يتباعدون ويلتقون سراعا

في الحق يختلفون إلاّ أنّهم *** لا يبتغون إلى الحقوق ضياعا

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة *** ويضُمّنا دينُ الهدى أتباعا

ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا

ولا غرابة، فإنّ الوقوف على الحقيقة، وإماطة الستر عن وجهها رهن النقاش العلمي، والحوار والمناظرة، فإنّ التقاء أفكار ذوي الآراء كالتقاء سلكي التيار الكهربائي: الموجب


( 10 )

والسالب الّذي يتفجّر منه النور، فكذلك نور الحقيقة يشعّ أمامنا بتبادل الفكرتين، وتعارضهما بالنفي والإيجاب، إذ طالما يُخيّل للإنسان أنّه صائب في فكره ونظره، فإذا عرضهما للبحث والنقاش وتوارد عليه النفي والإثبات، ربّما ظهر وهنه وضعفه.

نعم يجب على الباحث عن الحقيقة أن يقيّم آراءه وأفكاره في الأجواء الهادئة وبالذهنية المتحررة عن التعصب لفئة غابرة، أو فكرة حاضرة، أو رأي مسبق خال عن الدليل والبرهنة، وبهذا السبيل وحده نحافظ على رمز خلود الإسلام وبقائه، رمز كونه غضّاً طرياً في كل عصر وجيل.

ومن هذا المنطلق قمنا بدراسة بعض ما أفاده فضيلة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، في مجالي العقيدة والشريعة، في ردوده وإجاباته عن أسئلة قرّاء مجلة «الشريعة» الأُردنية (1)، أو ما سطّره يراعه في كتابه «الحلال والحرام في الإسلام» ولا شك في أنّ فضيلة الشيخ يقصد في مقالاته وخطاباته بيان ما هو الحلال والحرام في الشريعة الإسلامية


1 . قامت رئاسة تحرير مجلة «الشريعة » الأردنيّة الموقّرة بنشر بعض مناقشاتنا لفتاوى سماحة الشيخ القرضاوي على صفحات بعض أعدادها، فجزاهم الله خير الجزاء، ونقدّر لهم هذا الاهتمام الجميل ببيان الحق وخدمة للحقيقة.


( 11 )

المقدّسة، يحاول أن يزيل الشكوك والشبهات عن وجه بعض الأحكام، فجهوده من هذه الناحية جديرة بالتقدير.

ولكن تلك الرؤية لا تصدّنا عن الإيعاز إلى ما في بعض آرائه وفتاواه من خلل واشتباه ، وسنقوم بدراسته هنا على ضوء الكتاب والسنّة الشريفة، راجين منه إمعان النظر فيه، فإن وجده حقّاً فليُعلن عدوله عن رأيه السابق، وإن وجد فيه خللاً أو نقصاً فليذكّرنا به، وسنستقبل ردّه بالشكر والترحيب.

وليس هدفنا من نشر هذه الإجابات إلاّ إطلاع القرّاء الكرام من أبناء أُمّتنا الإسلامية على الوجه الآخر للقضايا والمسائل المطروحة، وهم أحرار بعد ذلك في أن يختاروا ما يرَوْن أنّه الحق، والحق أحقّ أن يُتَّبع .

والحمد لله رب العالمين

جعفرالسبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

20 ذي القعدة الحرام 1429 هـ


( 12 )

( 13 )

1

إيمان أبي طالب

على ضوء الكتاب والسنّة(1)

فضيلة الأُستاذ الجليل الشيخ يوسف القرضاوي حفظه اللّه ورعاه.

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

نسأل اللّه لكم دوام الصحّة والتوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين.

أمّا بعد; فقد وقفنا في إحدى المجلات الإسلامية على مقالة رثائية قيّمة لكم بمناسبة رحيل المفكِّر الإسلامي القـديـر الشيـخ الغـزالي (رحمه الله) تحت عنوان: «النجم الساطع».

ولقد كان الشيخ الغزالي حقاً ـ كما وصفتموه ـ العقل الذكي، والقلب النقي، وصاحب الرشد في الفكر والشجاعة في


1 . تم تحرير هذا الجواب بتاريخ 15 ذي القعدة 1417 هـ ، رداً على المحاضرة التي ألقاها الشيخ القرضاوي في قطر.


( 14 )

الحق، والغيرة على الدين فقد صدع بما يرى أنّه الحق غير آبه بما يُثيره رأيه الصريح، من انتقادات واعتراضات، لأنّه كان ـ كما قلتم ـ حرَّ الفكر والضمير، حرَّ اللسان والقلم، و لأنّه رفض الخضوع لأهواء العوام كما فعل أدعياء العلم الذين يحسبهم الناس دعاةً !!

ولقد طالعنا في نفس الوقت رسالتكم القيمة إلى الندوة الثانية للتقريب بين المذاهب الإسلامية بالرباط (12 ـ 14 ربيع الثاني 1417هـ) التي انطلقت من روح متوقّدة متطلّعة إلى عزّة المسلمين وفهم عميق ومنطقي للقرآن والسنّة.

وقد أعجبتنا فيها رؤيتكم الصائبة حولَ ما يحول دون تحقيق الوحدة الإسلامية الكبرى والتقريب بين فصائل المسلمين وطوائفهم، وأبرز ذلك فراغ نفوس المسلمين من الهموم الكبيرة والآمال العظيمة، واعتراكهم على المسائل الصغيرة والهامشية من فروع العقيدة أو الفقه، وقد كان من الواجب ـ كما قلتم فيها ـ على الدعاة والمفكّرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أُمّتهم الكبرى وليلفتوا أنظارهم وقلوبهم وعقولهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها.


( 15 )

والحق كما تفضّلتم: مشكلة المسلمين اليوم ليست في الذي يؤوِّل آيات الصفات وأحاديثها بل في من ينكر الذات والصفات الإلهية جميعاً ويدعو إلى العلمانية والإلحاد، ومشكلة المسلمين ليست في من يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤُها في الصلاة، ولا في من يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، إنّما مشكلة المسلمين في من لا ينحني يوماً للّه راكعاً ولا يخفض جبهته للّه ساجداً ولا يعرف المسجد ولا يعرفه ...

ولا ... ولا .. . انّما انّما .....

وبالتالي انّ المشكلة حقاً هي: وهن العقيدة في النفوس، وتعطيل الشريعة في الحياة، وانهيار الأخلاق في المجتمع، وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات واتّباع الشهوات، وشيوع الفاحشة، وانتشار الرشوة، وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية، وارتكاب المحرمات القطعية، وموالاة أعداء اللّه ورسوله والمؤمنين.

إنّ مشكلة المسلمين ـ كما تفضّلتم فيها ـ تتمثّل في إلغاء العقل وتجميد الفكر وتخدير الإرادة، وقتل الحرية، وإماتة الحقوق، ونسيان الواجبات، وفشوّ الأنانية، وإهمال


( 16 )

سنن اللّه في الكون والمجتمع.

وهي بالضبط وعلى التحديد كل هذا، وبخاصة ما ذكرتموه في أرقام سبعة تحت عنوان هموم سبعة أساسية.

ولقد أعجبتنا كل هذه الرؤى جملةً وتفصيلاً، وتمنينا لو كان مثل هذه الرؤية والبصيرة شائعة بين مفكّري الإسلام وعلمائه اليوم سنةً وشيعةً ومن جميع الفرق والمذاهب، وكان هناك تعاون صادق وعميق ومتواصل لحلّ هذه المشكلات ما دامت كل هذه الفرق والمذاهب متفقة على وحدانية اللّه، ورسالة النبي الخاتم محمّد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأركان الإسلام العملية، ومكارم الأخلاق، وأُمور كثيرة أُخرى تفوق الحصر، وتستعصى على العدّ والإحصاء.

وتمنّينا لو كان المسلمون يكفّون ـ إلى جانب ذلك ـ عن التراشق بسهام الاتهام فيما بينهم، ويتحرّرون من عقدة الطائفية وأساليبها الجاهلية، ويقوموا ـ بدل ذلك ـ بدراسة نقاط الخلاف والاختلاف بروح أخوية ونهج علمي، وأُسلوب رصين، ويفسحون للجميع فرصة التعبير عن مذهبه، والإدلاء بأدلّته، وبراهينه في جوّ ملؤُه رحابة الصدر واتّساع الفكر والسماحة، ويتركون إثارة ما يبعد القلوب بعضها عن


( 17 )

بعضها، ويكدر الصفو، ويفسد المودة.

***

غير أنّه بلغنا أنّكم في محاضرة لكم في «قطر» تعرضتم بسوء لشيخ الأباطح ناصر الإسلام وحامي نبيه الأكبر أبي طالب ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ الذي تكفّل رسولَ اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وآواه، وحامى عنه بعد ابتعاثه بالرسالة، وضحى في سبيل دعوته براحته، ونفسه، وبأولاده وأفلاذ كبده، كاتماً إيمانه، ومتّقياً قومه العتاة ليبقى على منصبه، من أجل أن يخدم في ظلِّه الرسولَ والرسالة، ويدفع به عنهما أذى معارضيهما، وكيدهم كما فعل مؤمن آل فرعون طوال أربعين سنة، بلا انقطاع.

فهل ترى كان حقيقاً بأن يُنكر فضله، وتُتجاهل خدمته؟ وهو الذي صرّح بصحّة الرسالة المحمدية وصدق الدعوة النبوية الخاتمة في قصائده، وأشعاره وترجم إيمانه، بالوقوف الصريح ـ هو وأبناؤه الغرّ ـ إلى جانب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث يقول:

كَذَبتُم وبيتِ اللّه نُبْزَى (1) محمّداً *** ولما نُطاعِن دونَهُ ونناضل


1 . أي نُغلَبَ عليه.


( 18 )

ونُسلِمُه حتّى نُصرَّعَ حولَهُ *** وَنَذهَل عن أبنائنا والحلائِل

لَعمري لقد كلِّفتُ وجداً بأَحمد *** وإخوته دأبَ المحبِّ المواصل

فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها *** وزَيناً لمن والاه ربُّ المشاكل (1)

فَمنْ مثلُه في الناس أيُّ مؤمَّل *** إذا قاسَهُ الحُكّام عند التفاضل

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غير طائش *** يُوالي إلهاً ليس عنه بغافِلِ

لقد علِمُوا أنَّ ابْننا لا مكذَّبٌ *** لدينا ولا يُعنى بقولِ الأَباطِل

فأصبَحَ فينا أحمدٌ في أُرومة *** تقصّـر عنه سَورةُ (2) المتطاول


1 . المشاكل: العظيمات من الا ُمور.

2 . السَورة: الشدة والبطش.


( 19 )

حَدِبْتُ بنفسي دونَه وحميته *** ودافعتُ عنه بالذُّرا (1) والكلاكل

فَأيّدَهُ ربُّ العباد بنصره *** وأظهرَ ديناً حقُّه غير باطل (2)

نقل ابن هشام في سيرته أربعة وتسعين بيتاً من هذه القصيدة، فيما أورد ابن كثير الشامي في تاريخه «اثنين وتسعين بيتاً»، وأورد أبو هفان العبدي الجامع لديوان «أبي طالب» مائة وواحداً وعشرين بيتاً منها في ذلك الديوان ولعلّها تمام القصيدة وهي في غاية العذوبة والروعة، وفي منتهى القوة والجمال، وتفوقُ في هذه الجهات كلَّ المعلّقات السبع التي كان عرب الجاهلية يفتخرون بها ويعدّونها من أرقى ما قيل في مجال الشعر.

وله وراء هذه اللامية، قصيدة أُخرى ميمّية، فهو ـ سلام اللّه عليه ـ يصرح فيها بنبوة ابن أخيه وأنّه نبي كموسى وعيسى (عليهما السلام)إذ يقول:


1 . الذرا: جمع ذروة وهي أعلى ظهر البعير.

2 . راجع السيرة النبوية: 1/272 ـ 280.


( 20 )

لِيعلم خيارُ الناس أنَّ محمّداً *** نبيٌ كموسى والمسيح بن مريم

أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمرِ اللّهِ يهدي ويعصم (1)

ونظيرها قصيدته البائيّة وفيها:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبياً كموسى خُطَّ في أوّل الكُتْبِ (2)

أفبعد هذه البلاغات والتصريحات يصحّ لإنسان واع أن يكفّر سيد الأباطح أو يشك في إيمانه؟!

وعلى فرض التسليم، فهل هذه هي واقعاً مشكلة الأُمّة الإسلامية اليوم وأنتم الأدرى بمشاكل الأُمّة، وهل التنكيل بحامي الرسول، والإيقاع به ممّا يخدم الأُمّة؟!

هل يكون أبو طالب مع كل تلكم المواقف المشرّفة ومع كل تلك المآثر الصريحة الكاشفة عن عمق إيمانه بالرسالة


1 . مجمع البيان: 7/37، الحجة: 56; مستدرك الحاكم: 2/623.

2 . مجمع البيان: 7/36. وقد نقل ابن هشام في سيرته: 1/352 خمسة عشر بيتاً من هذه القصيدة.


( 21 )

المحمديّة مشركاً، وأبو سفيان الذي أشعل حروباً وقام بمؤامرات مدة عشرين سنة وأبناؤه الذين كانوا أساس المشكلة ومبدأ الانحراف في المسار الإسلامي، مسلمين موحّدين يستحقّون كل تقدير وكل احترام منّا ؟!

وهل ترى لو كان أبو طالب والداً لغير علي (عليه السلام) كان يرى هذا الحيف من قِبَل أبناء الإسلام؟!

هلاّ كنتم يا فضلية الأُستاذ ـ وأنتم على ما أنتم عليه من مستوى رفيع ومرموق في الرؤية والبصيرة ـ على نهج زميلكم الراحل الفقيد الشيخ الغزالي ـ رحمه اللّه ـ من الصدع بالحق، وعدم الخضوع للمرويّات الباطلة.

نحن ـ وقد وقفنا على قسم من مؤلّفاتكم القيمة الزاخرة بالفكر المشرق ـ كنّا ولا نزال نأمل أن تنصفوا الحقيقة ولا تقعوا فيما وقع فيه الأوّلون من غمطها وتجاهلها والجناية عليها، وأن تكونوا المرجعَ الأمينَ لشباب هذا العصر في تصحيح التاريخ، وتنقيته من الأباطيل، ورفع الضيم والظلم عن المظلومين.

ورحم اللّه ابن أبي الحديد القائل:

ولولا أبـــو طالب وابنـه *** لما مثل الدين شخصا وقاما


( 22 )

فهذا بمكة أوى وحامى *** وذاك بيثرب ذاق الحماما

كل ذلك لو كان النبأ الواصل إلينا عن محاضرتكم صادقاً، وأرجو أن لا يكون كذلك.

***

هذا ونرسل إليكم ما قمنا به من دراسة لإيمان أبي طالب في ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ، وقد طبع ضمن دراستنا لحياة وتاريخ سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثم إنّنا انطلاقاً من ضرورة السعي لإيجاد المزيد من التفاهم والتقارب نرسل إليكم كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنّة، و حكم الأرجل في الوضوء، و الأسماء الثلاثة ، وأملنا أن تكون هذه الكتب خطوات على سبيل تحصيل التقارب بين الفقهين.

وختاماً نقول: إنّكم في رسالتكم للمؤتمر رجّحتم قول الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن، وما قوله إلاّ القول بـ «قدم القرآن» ، وكيف يكون هذا القول، هو القول الأرجح وليس القديم إلاّ اللّه سبحانه، فيكون القرآن عندئذ إلهاً ثانياً، وهو يضاد أصل التوحيد؟!


( 23 )

ولو أُريد من قِدم القرآن قدمُ علمه سبحانه فهذا أمر لا سترة عليه ولا نزاع فيه.

والجدير بالإمام أحمد الذي يأخذ العقائد من الكتاب والسنّة أن لا يخوض في هذا الموضوع بحجة أنّ الكتاب والسنّة لم يذكرا شيئاً حول قدم القرآن و حدوثه لو لم نقل انّهما تبنّيا حدوثه.

وتقبلوا في الختام أسمى تحياتنا، وأفضل تمنياتنا، وفقكم اللّه لصالح العلم والعمل، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.


( 24 )

( 25 )

2

معاوية في الميزان(1)

الأُستاذ الفاضل الشيخ يوسف القرضاوي المحترم

السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

نثمّن جهودكم العلمية وما قدّمتموه للأُمّة الإسلامية من تآليف وآثار قيمة في مختلف المجالات.

نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدكم لما يحب ويرضى ويوفّقكم لصالح الأعمال، كما نثمِّن مواقفكم الإيجابية في مسألة التقريب والوحدة بين المذاهب الإسلامية.

ولكن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى بعض الكلمات الّتي صدرت عنكم في بعض المناسبات.

1.قد طرحتم إيمان سيد الأباطح أبي طالب وقلتم إنّه مات


1 . أُرسلت هذه الرسالة بتاريخ 10 جمادى الأُولى 1424 هـ .


( 26 )

كافراً، مع أنّ أفعاله وأعماله طيلة عشر سنين في مكّة المكرمة ، وقصائده الفاخرة، تشهد على أنّه مات مؤمناً، وعاش كعيشة مؤمن آل فرعون، وقد أرسلنا إليكم رسالة حول هذا الموضوع سابقاً، وركزنا على أنّ المسألة ليست من الضروريات حتّى تطرح من على المنابر.

2. قرأنا في إحدى الصحف دفاعكم عن معاوية بن أبي سفيان في خطبة صلاة الجمعة.

ولنا أن نتساءل:

ما هي جدوى الانتصار لمعاوية في هذه الأيام الّتي تتعرض فيها الأُمّة الإسلامية إلى تحديات كبيرة وهجمات شرسة؟! ونتطلّع فيها إلى تقديم فهم صحيح للإسلام، وتصوّر واضح لمفاهيمه وأفكاره، وموقف سليم وجريء إزاء قضاياه ورجاله وشخصياته، يُتحرّى في كلّ ذلك الحق، ويُلتزم فيه بالموقف الشرعي والأخلاقي، بعيداً عن التأثيرات العاطفية، والقناعات الّتي ربما نشأت على أساس من المفاهيم المغلوطة والمعلومات المزيّفة.

هل خلا تاريخنا الإسلامي من رجال تبنّوا الإسلام شعاراً


( 27 )

وهدفاً ومنهجاً وسلوكاً، واسترخصوا الأرواح والدماء في سبيله...؟! هل خلا من هؤلاء حتّى يُعمد إلى مثل معاوية ليُبعث من بين هذا الركام الهائل من الخطايا والأخطاء من أجل أن يُبرّأ ويلمّع وجهه البشع؟!

فهذا عليّ والأهازيج باسمه *** تشقّ الفضا النائي فهاتوا معاويا

أعيدوا ابن هند إن وجدتم رُفاته *** رُفاتاً وإلاّ فانشروها مخازيا(1)

لا أدري ماذا يقتبس (جيل النصر المنشود) الّذي يسعى الأُستاذ القرضاوي إلى صُنعه، من معاوية الّذي ناوَأ الحقّ، وناجز الهدى، وأراق دماء الصالحين، وأشاع السبّ واللعن، وأدنى الانتهازيّين والنفعيّين وأصحاب القلوب المريضة الذين آثروا الحياة الدنيا على الّتي هي خير وأبقى؟!

هل يُرجى من جيل النصر المنشود إذا زُيّنت له صورة معاوية واقتدى به واقتفى آثاره، أن (تتحقّق على يديه الآمال وتستحيل الهزائم والنكسات إلى انتصارات، وينتقل من


1 . للعلاّمة الشاعر الشيخ عبد الحميد السماوي(رحمه الله).


( 28 )

الغوغائية إلى العلمية، ومن التشاحن إلى التعاون) على حدّ تعبير الدكتور القرضاوي؟!

إنّ معاوية لم يرحل عن دنياه المظلمة بالفتن والأحقاد والمكر والاستبداد حتّى ختمها بجريمة كبرى لا تُغتفر استجابة لنزعة شريرة وأهواء مُضلّة، عبّر عنها بقوله: «لولا هواي في يزيد لأبصرت طريقي».

ونحن نسأل الداعية الكبير وصاحب الروح الشفافة الأُستاذ القرضاوي: هل من الحقّ إسدال الستار على مقترف هذه الجريمة النكراء المتمثّلة بتسليط يزيد الفجور والخمور على رقاب المسلمين؟! وارتكابه تلك المجازر الوحشية بقتل ابن بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وأصحابه، وسفك دماء المسلمين في وقعة الحرّة وانتهاك حرماتهم وأعراضهم؟!

ونودّ أن نذكر هنا بعض ما ورد في حقّ قائد الفئة الباغية معاوية:

قال الذهبي: وقُتل عمار مع علي، وتبيّن للناس قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): تقتله الفئة الباغية.(1)


1 . سير أعلام النبلاء: 3/142، ترجمة معاوية برقم 25.


( 29 )

قال محقّق الكتاب المذكور: وهو حديث صحيح مشهور بل متواتر، ولمّا لم يقدر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتلَه الذين جاءُوا به، فأجابه علي(عليه السلام)بأنّ رسول اللّه إذن قتل حمزة حين أخرجه، وهذا منه إلزام مفحم لا جواب عنه، وحجة لا اعتراض عليها.

وروى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال:أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبَّ أبا التُّراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلن أسبَّه. لأن تكون لي واحدةٌ منهنّ أحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعم. سمعتُ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له، وقد خلَّفهُ في بعض مغازيه، فقال له عليّ: يا رسول اللّه، خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».

وسمعته يقول يوم خيبر: «لأعطينَّ الراية رجلاً يحبُّ اللّه ورسوله، ويحبه اللّه ورسوله»، قال: فتطاولنا لها فقال: «ادعوا لي عليّاً»، فأُتي به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح اللّه عليه.


( 30 )

ولمّا نزلت هذه الآية (فَقُلْ تَعَالَوا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ)(1) دعا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام) فقال: «اللَّهُمَّ هؤلاءِ أَهْلي».(2)

وقال ابن أبي نجيح، قال: لمّا حجّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد، فلمّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ووقع معاوية في عليّ، وشرع في سبّه، فزحف سعد ثمّ قال: أجلستني معك على سريرك ثمّ شرعت في سبّ عليّ، واللّه لأن يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس.

إلى آخر الحديث، وفيه من قول سعد: وأيم اللّه لا دخلت لك داراً ما بقيت. ونهض.(3)

لقد بدّل معاوية الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وأخذ البيعة لابنه يزيد على كره من أهل الحلّ والعقد وتحت بوارق الإرهاب وأطماع أهل الشره والشهوات، وقد حجّ في


1 . آل عمران:61.

2 . صحيح مسلم:1198، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب(عليه السلام)، الحديث 6114، دار الفكر، بيروت ـ 1424هـ .

3 . مروج الذهب:3/24; البداية والنهاية:8/83 حوادث سنة 55 هـ .


( 31 )

سنة خمسين واعتمر في رجب سنة 56 هـ ، وكانت الغاية من السفرين أخذ البيعة من المهاجرين والأنصار لولده يزيد، وقد دار بينه و بين أهل الشرف والكرامة من الجيلين كلمات يقف عليها مَن قرأ التاريخ.

ولا نذكر من ذلك شيئاً، لأنّه في متناول الجميع، وقد وقف على ذلك الأصم والأبكم حتى الغربيون!!

قال السيد محمد رشيد رضا في المنار: قال أحد كبار علماء الألمان في الاستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة:

إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا(برلين)، قيل له: لماذا؟ قال:لأنّه هو الذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب، ولولا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا، عرباً مسلمين.(1)

أليس هو الذي قتل الأبرياء من صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وغيرهم مثل حجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق


1 . تفسير المنار:11/260.


( 32 )

الخزاعي وشريك بن شداد الحضرمي وغيرهم، وقد كان أصحابه (أَشِداءُ عَلى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ).(1)

ولم يكن لهم أي ذنب سوى أنّهم كانوا من أصحاب علي (عليه السلام)ومحبيه.

وفي هذا الصدد كتب الإمام الطاهر الأبيّ الضيم الحسين بن علي سيد الشهداء (عليه السلام)رسالة إلى معاوية، قال فيها:

«ألست قاتل حُجر وأصحابه العابدين المخبتين الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟! فقتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكّدة جرأةً على اللّه واستخفافاً بعهده.

أوَ لستَ بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلتَه من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العُصم نزلت من شعف الجبال؟

أو لستَ قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد: إنّه على دين عليّ كرّم اللّه وجهه. ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان أفضل


1 . الفتح:29.


( 33 )

شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، فوضعها اللّه عنكم بنا، منّةً عليكم».(1)

نعم قام غير واحد من المغفّلين بتبرير أعماله بالاجتهاد حتّى أثبتوا له أجراً، معتمدين على القول المعروف: للمصيب أجران وللمخطئ أجرٌ واحد. وقد عزب عنه أنّ هذا لو صحّ فإنّما هو للاجتهاد المعتمد على الكتاب والسنّة الذي هو رمز بقاء الدين وسرّ خلوده لا الاجتهاد في مقابل الأدلّة الشرعية.

فوا عجباً أيُكتب الأجر لمن سنّ سب المرتضى(عليه السلام) صنو النبي وأخيه الذي لم يفارقه منذ نعومة أظفاره إلى أن التحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى؟!

وللّه درّ الشاعر المبدع الأُستاذ محمد مجذوب، القائل في قصيدته العصماء:

أين القصور أبا يزيد ولهوُها *** والصافناتُ وزهوُها والسؤددُ

أين الدهاء نحرتَ عزّته على *** أعتاب دنيا سحرها لا ينفد


1 . الإمامة والسياسة:1/160; جمهرة خطب العرب:2/255، رقم 246.


( 34 )

نازعته الدنيا ففزتَ بوِرْدها *** ثمّ انطوى كالحلم ذاك المورد

هذا ضريحك لو بصرتَ ببؤسه *** لأسالَ مدمعَكَ المصيرُ الأسود

كُتلٌ من الترب المهين بِخَرْبة *** سكر الذباب بها فراح يُعربد

حتّى المصلّى مظلم فكأنّه *** مذ كان لم يجتز به متعبّد

ما كان ضرّكَ لو كففتَ شواظها *** وسلكتَ نهج الحق وهو معبّد

ولزمتَ ظلّ أبي تراب وهو من *** في ظلّه يُرجى السداد ويُنشَد

ولعلّ في هذه الكلمات القصيرة التي هي غيض من فيض وقليل من كثير تذكرة للأُستاذ المعظم. ودمتم موفقين.


( 35 )

3

تزويج البكر وولاية الأب(1)

قرأنا في مجلة «الشريعة»(2) الغرّاء (العدد 474، ربيع الثاني 1426هـ) جواباً للفقيه المعاصر الشيخ يوسف القرضاوي عن السؤال التالي:

هل صحيح أنّ الإمام الشافعي جعل من حق الأب أن يزوّج ابنته البالغة بغير رضاها؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل يتفق هذا مع المنهج الإسلامي العام في اشتراط موافقة الفتاة المسبقة؟

وحاصل ما أجاب به سماحته هو:

أوّلاً: أنّ هنا قاعدة أساسية لا يختلف فيها اثنان وهي أنّ كلّ مجتهد يُصيب ويُخطئ، وأنّ كلّ واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلاّ المعصوم. والإمام الشافعي بشر غير معصوم.


1 . تمّت كتابة هذه المقالة بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1426 هـ .

2 . مجلة «الشريعة» تصدر في الأردن، مؤسسها المرحوم تيسير ظبيان ويرأس تحريرها بسام ظبيان.


( 36 )

ثانياً: من الإنصاف للمجتهدين أن نضع آراءهم في إطارها التاريخي، فإنّ المجتهد أعرف ببيئته وزمنه، ولا يمكن إغفال العنصر الذاتي للمجتهد.

وقد عاش الشافعي في عصر قلّما كانت تعرف فيه الفتاة عمّن يتقدّم لخطبتها شيئاً إلاّ ما يعرفه أهلها عنه، لهذا أُعطي والدُها خاصة حق تزويجها ولو بغير استئذانها.

ثمّ قال: ومن يدري لعل الشافعي لو عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم وانّها أصبحت قادرة على التمييز بين الرجال الذين يتقدمون إليها ربّما غيّر رأيه.

على هامش جواب الشيخ القرضاوي

انطلاقاً من القول المشهور: «الحقيقة بنت البحث» لنا حول هذا الجواب مناقشات نطرحها على طاولة البحث، وربّما يكون لدى الأُستاذ جواب عنها.

المناقشة الأُولى

إنّ رسالة الإسلام رسالة أبدية وكتابها القرآن الكريم خاتم الكتب، فلابدّ أن تكون هذه الشريعة بشكل يوافق فطرة الإنسان


( 37 )

ويواكب عامة الحضارات في مختلف العصور.

وقد اختلفت كلمات الفقهاء في لزوم الاستئذان وعدمه، فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على النكاح.

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: لابدّ من اعتبار رضاها، ووافقهم مالك في البكر على أحد القولين عنه.(1)

فلابدّ في تمييز ما هو الصواب من الآراء، من عرض المسألة على الكتاب والسنة، فالسنة المروية تدعم الرأي الثاني. وقد ألمح إلى هذه الروايات الأُستاذ في ثنايا جوابه.

روى أبو هريرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: لا تنكح الأيّم حتّى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتّى تُستأذن.

فقالوا: يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): كيف إذنها ؟ قال : إذا سكتت.

وروى أبو داود وابن ماجة عن ابن عباس: أنّ جارية بكر أتت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة فخيّرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).(2)


1 . بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح.

2 . لاحظ الخلاف للطوسي، كتاب النكاح ، المسألة10; بداية المجتهد:2/5، كتاب النكاح; المغني لابن قدامة:6/516.


( 38 )

والروايات المروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) تدعم القول الثاني.

روى منصور بن حازم عن الإمام الصادق(عليه السلام):«تستأمر البكر وغيرها ولا تنكح إلاّ بأمرها».(1)

إلى غير ذلك من الروايات المروية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)الّتي تؤكد شرطية إذن المرأة في نكاحها.

أضف إلى ذلك: انّ التزويج هو النواة الأُولى لتأسيس المجتمع الكبير، فهل يجوز في منطق العقل الحصيف أن يكون للأب حق التزويج من دون استئذان البنت؟ هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذا العقد ليس قصيراً، بل قد يدوم إلى خمسين سنة أو أكثر، فكيف نتصور إلزامها على هذه الحياة من دون أن تعلم أو تفكر أو تأذن فيها؟!

إنّ البيع هو إنشاء علاقة بين مالين، والنكاح إنشاء علاقة بين نفسين، واللّه سبحانه يشترط التراضي في صحة التجارة ويقول:(لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ).(2)


1 . الوسائل:14، الباب9 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.

2 . النساء:29.


( 39 )

فهل يسوغ في منطق العقل أن تكون صحة التجارة منوطة بالتراضي دون النكاح؟!

وهل البيع والتجارة أسمى وأهم من النكاح والزواج الّذي عليه يقوم المجتمع؟! كل ذلك يدل على عدم صحة ما قال به الشافعي وقبله مالك.

هذا من الجانب الفقهي ولا نطيل فيه، وقد فصّلنا الكلام فيه في كتابنا «نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء»(1) .

المناقشة الثانية

لو افترضنا انّ الحكم الإسلامي في حقّ الفتاة هو جواز تزويجها بغير إذنها وجواز إجبار الأب إياها للنكاح وإن كانت غير راضية به، كما عليه فتوى الإمام الشافعي والإمام مالك على أحد قوليه.

فلو كان التشريع على هذا الحال فكيف يمكن أن يتغير حكمه بتغير الظروف، مع أنّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة؟

وما اعتذر به الأُستاذ من وجود الثقافة والعلم عند الفتاة


1 . انظر: نظام النكاح في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء: 1 / 172 ـ 193 .


( 40 )

المعاصرة دون مثلها الّتي عاشت في عصر الشافعي، غير وجيه، لأنّ معنى ذلك أنّ التشريع الإسلامي موضوع للأُميّات والجاهلات ولا يعم المثقّفات والعارفات.

هب أنّ الأُستاذ نجح في توجيه هذه الفتوى فكيف يفسّر رأياً آخر للإمام الشافعي حول لمس المرأة الأجنبية الّذي عدّه من نواقض الوضوء؟ وإليك نص الفتوى.

وقال الشافعية: إذا لمس المتوضّئ امرأة أجنبية بدون حائل انتقض الوضوء.

وبعبارة أُخرى: مباشرة النساء من غير حائل إذا كنّ غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة، باليد كانت أو بالرجل أو بغيرهما من الجسد، عامداً أو ناسياً.(1) ومن المعلوم أنّ هذا الرأي غريب من وجهين:

1. انّه لا رصيد له من الكتاب والسنّة، فقوله سبحانه في آية الوضوء: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ)(2) كناية عن الدخول والجماع كما هو الحال في آيات الطلاق، قال سبحانه: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا


1 . الأُمّ:1/15; المبسوط:1/67; أحكام القرآن للجصاص:2/369 إلى غير ذلك من المصادر.

2 . المائدة:6.


( 41 )

لَمْ تَمَسُّوهُنَّ)(1) ، وقال:(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ)(2).

2. إنّ هذه الفتيا لا تنسجم مع كرامة المرأة ومنزلتها في الشريعة الإسلامية، حيث إنّ الذكْر العزيز قد وصف المرأة بأنّها عِدْل للزوج وأنّه يسكن إليها ، قال سبحانه: (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها).(3)

إنّ التشريع الإسلامي يعتمد في أُصوله الكلية على الفطرة البشرية ولا يتغير حكمه بتغير الزمان والمكان، فما دام هذا الإنسان موجوداً على ظهر هذا الكوكب فالحكم الشرعي يواكب فطرته ولا يشذ عنه قيد شعرة فلابدّ أن يكون مستمراً ودائماً وأبدياً.

نعم قد ثبت في محله أنّ لعنصري الزمان والمكان دوراً في الاستنباط والاجتهاد، ولكن ذلك لا يعني نسخ الأحكام وإخراجها من الساحة وإحلال حكم آخر مكانها لأجل ذينك العنصرين، بل بمعنى انّ الحضارة والتقدم قد تؤثر في الموضوع بإخراجه عن موضوع حكم وإدخاله تحت موضوع حكم آخر مع التحفظ على كلا الحكمين في موردهما ولنأت بمثال.


1 . البقرة:236.

2 . البقرة:237.

3 . الروم:21.


( 42 )

إنّ بيع الدم حرام في الفقه الإسلامي لعدم الانتفاع به في أمر محلّل، إذ كان الانتفاع ربما منحصراً في الأكل، ولكن التقدم الحضاري مكّن الطبيب من الانتفاع به انتفاعاً حلالاً وذلك في عمليات نقل الدم من إنسان لآخر محتاج إليه في المستشفيات.

المناقشة الثالثة

إنّ قول الأُستاذ بأنّ الإمام الشافعي لو كان قد عاش إلى زماننا ورأى ما وصلت إليه الفتاة من ثقافة وعلم لعلّه لو رأى ذلك لغيّر رأيه، فإنّ ذلك يدفعنا إلى التسليم بضرورة الرجوع إلى المجتهد الحي في عامة المسائل، وذلك لنفس النكتة الّتي ذكرها الأُستاذ، ذلك لأنّ فقهاء الإسلام مع الاعتراف بأنّهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى، لا فرق بين من لحق بالرفيق الأعلى منهم، ومن هو حيٌّ يُرزق. لكن المجتهد الحي أعرف بالظروف السائدة في المجتمع، وانطلاقاً من قول القائل:«الشاهد يرى ما لا يراه الغائب»، فهو يعرف مقتضيات الزمان والمكان ، على نحو لو كان الفقيه الفقيد حاضراً في هذا الزمان لربما عدل عن رأيه وأفتى بغير ما أفتى به سابقاً، وهذا ما يدفع الفقهاء إلى ترويج تقليد المجتهد الحي أو اللجنة الفقهية المتشكّلة من الأحياء وترك تقليد غيرهم بتاتاً.


( 43 )

نعم هذا الاقتراح ربّما يكون ثقيلاً على من اعتاد تقليد غير الأحياء، ولكنّه ينسجم مع الفطرة الإنسانية التي بُنيت عليها أُسس الدين الإسلامي، وليس ذلك أمراً بعيداً عن حياة البشر، فإنّ المجتمع في حاجاته يرجع إلى الأطباء والمهندسين الأحياء، لأنّهم أعرف بحاجات العصر وبالداء والدواء.

هذا بالإضافة إلى أنّه لم يدل دليل على انحصار المذاهب الفقهية في الأربعة، وقد كان المسلمون يعملون بالشريعة ولم يُولد أحد من الأئمة ولم يثبت أنّهم أعلم وأفضل من كل من جاء ولحق بهم من الفقهاء العظام ـ رضوان اللّه عليهم ـ لو لم يثبت خلافه.

إنّ مواهبه سبحانه ورحمته الواسعة لا تختص بجيل دون جيل ولا بعصر دون عصر وقد تكامل الفقه بيد عشاق الفقه في كلّ عصر، حتّى ربما صار المتأخّر، أبصر وأدق من المتقدم.

لا شكّ انّ الاستنباط الجماعي أوثق من الاستنباط الفردي، وأنا أقترح على فقهاء المذاهب في كلّ صقع، أن يشكّلوا مجمعاً فقهياً حراً يضم إلى جنبه، فقهاء كباراً من عامة البلاد، فيكون هو المرجع في المسائل الخلافية، قديمة كانت أو حادثة.


( 44 )

وبتعبير آخر: أن يدرسوا عامة المسائل الخلافية من جديد، وإذا خرج الجميع، أي الأكثر منهم برأي، يكون هو المفزع لعامة الناس، سواء أوافق أحد المذاهب الأربعة أم لا.

إنّ الجمود على فتوى إمام خاص ربما يُوقع الحجاج في حرج شديد، فإنّ بعض المذاهب: يفرض رمي الجمار باليوم العاشر من مطلع الشمس إلى دلوكها ولا يجوّز بعد الظهر بخلاف اليومين التاليين فلا يرخص فيهما صباحاً، بل يفرض أن يكون الرمي بعد الظهر.

إنّ هذا التضييق في وقت الرمي يورث حرجاً شديداً على الحجاج وينتهي إلى قتل العشرات منهم بفعل الازدحام. مع أنّ في بعض المذاهب رخصة أوسع من ذلك حيث يجوز الرمي من مطلع الشمس إلى مغربها.

هذا هو المقترح ولكنّ الموانع ربّما تحول بين الإنسان وأُمنيته.

ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه *** .....................

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته


( 45 )

4

في تسمية الولد بعبد المسيح(1)

قرأنا في قسم الفتاوى في العدد (479) من مجلة «الشريعة» الأردنية أسئلة مختلفة أجاب عنها عددٌ من الشيوخ والأساتذة ـ حفظهم اللّه تبارك وتعالى ـ. ومن تلك الأسئلة سؤال يتعلق بجواز تسمية الولد بـ (عبد المسيح) وقد أجاب عنه الشيخ يوسف القرضاوي قائلاً: هذه التسمية حرام، حرام، حرام، أعني: أنّ حرمتها مضاعفة ثلاث:

الأُولى: أنّ كل اسم معبد لغير الله تحرم التسمية به بإجماع المسلمين .

أقول: ولنا على الشق الأوّل من هذه الإجابة تعليق ينبغي التنبيه عليه ينفع في إبعاد شبهة تثار حول جواز التسمية بأسماء شاعت بين المسلمين كعبد النبي أو عبد الرسول أو غير ذلك.


1 . تم إرسال هذه المقالة في 16 ذي الحجة 1426 هـ .


( 46 )

ولو أنّ الشيخ وضّح معنى العبد في مثل هذه الأسماء لما ادّعى الإجماع على حرمته، لأنّ العبودية تطلق ويراد بها معان مختلفة ويختلف حكمها حسب اختلاف الموارد وهذا بيانه:

1. العـبودية التكوينية، وهي بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والإنسان مخلوقاً. فالعبودية إذا كانت رمزاً للمملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُـلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِى الرَّحمن عَبْداً).(1)

وقال سبحانه حاكياً عن المسيح:(إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً).(2)

2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب، وقد أمضاها الشارع تحت شرائط معينة مذكورة في الفقه.

فأمر الأُسارى ـ الذين يقعون في الأسر بيد المسلمين ـ


1 . مريم:93.

2 . مريم:30.


( 47 )

موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض، أو بأخذ مال منهم، أو استرقاقهم.

فإذا اختار الثالث فيكون الأسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى أنّ الفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والإماء».

قال سبحانه:(وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ).(1)

تجد أنّه سبحانه ينسب العبودية والإمائية إلى الذين يتملكونهم ويقول(عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ)فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.

3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.(2)

والمعنى الثالث هو المقصود من تلك الأسماء فيسمُّون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول ، وعبد الحسين أي مطيعه، وكلّ مسلم مطيع للرسول والأئمّة من بعده ولا شكّ انّه يجب إطاعة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الأمر.


1 . النور:32.

2 . لسان العرب: مادة عبد، وكذلك القاموس المحيط في نفس المادة.


( 48 )

قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ).(1)

فعرّف القرآنُ النبيَ بأنّه مطاع والمسلمين بأنّهم مطيعون، ولا عتب على الإنسان أن يبرز هذه المعاني من خلال تسمية أولاده وفلذات كبده بهذه الأسماء المقدّسة.

نعم المسمّى بعبد الرسول هو عبد للرسول وفي الوقت نفسه عبد للّه أيضاً، ولا منافاة بين النسبتين لما عرفت من أنّ العبودية في الصورة الأُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية، ولكنّها في الصورة الثانية والثالثة ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل الغالب مولى والأسير عبداً، كما جعل النبي مطاعاً وغيره عبداً أي مطيعاً، وشتّان ما بينهما وبين المعنى الأوّل، ولا أجد مسلماً على أديم الأرض يسمّي اسمَ ولده بعبد الرسول ويقصد به العبودية التكوينية للرسول، وانّما يقصد المعنى الثالث وهو كونه مطيعاً للرسول. وغاية ما يمكن أن يقال يقصد العبودية التشريفية والتنزيلية بضرب من المجاز وتشبيهاً بالعبودية الرائجة بين الموالي العرفية وعبيدهم.

***


1 . النساء:59.


( 49 )

5

في مساواة دية المرأة لدية الرجل(1)

اطلعنا على العدد 495 (آذار / 2007 م، صفر 1428 هـ) من مجلة «الشريعة» الغرّاء، ووجدنا فيه فتوى للشيخ الدكتور يوسف القرضاوي تتضمن القول بأنّ دية المرأة تساوي دية الرجل، وأنّ الحكم بأنّ دية المرأة على النصف من دية الرجل لا يسنده نص صريح من القرآن الكريم ولا من السنة المطهرة، كما لا يؤيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة، وأنّ رأيه في مساواة الديتين تعضده آراء علماء سابقين منهم صاحب المنار والشيخ محمود شلتوت والشيخ أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي.

ثم إنّه اعتذر عن فتوى العلماء في القرون السابقة بالنصف بأنَّ قتل المرأة خطأ أو شبه عمد في الأزمنة الماضية، كان من


1 . تمّ تحرير هذه الرسالة بتاريخ 17 ربيع الثاني 1428 هـ .


( 50 )

الندرة فلم تعد مشكلة حول الموضوع حتّى تستدعي اجتهاداً جديداً من العلماء.

أقول: نحن نقدر الاجتهاد الحرّ الخارج عن إطار المذاهب المعيّنة، فإنّ الاجتهاد رمز خلود الإسلام واستمرار شريعته. ولكن نؤكّد على لزوم اعتماد الاجتهاد الحر على الكتاب والسنة المطهرة والإجماع وسائر الأُصول المعتبرة وعدم الخروج عن مقتضاها قيد شعرة.

هذا وقد عادت دراسة دية الحرة المسلمة إلى الساحة لأجل أنّ طابع العصر الحاضر هو طابع العطف والحنان على النساء، بزعم أنّهنّ كنّ مهضومات الحقوق في الأدوار السابقة. فقامت مؤسسات وتشكّلت جمعيات لإحياء حقوقهن، وإخراجهن من زي الرقّية للرجال، إلى الاستقلال والحرية، وربّما يتصوّر أنّ في القول بأنّ ديتها نصف دية الرجل، هضماً لحقوقها وإضعافاً وإهانة لها.

ومع ذلك كلّه ففي المسألة دليل قاطع من السنة المطهرة وإجماع المسلمين على النصف.


( 51 )

اتّفاق الفقهاء على النصف

أمّا الإجماع فقد اتفقت كلمات الفقهاء على النصف عبر أربعة عشر قرناً ولم يخالفهم إلاّ رجلين لا اعتبار لخلافهما.

قال ابن قدامة في شرحه: قال ابن المنذر وابن عبد البرّ: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن عُليَّة والأصم أنّهما قالا: ديتها كدية الرجل لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «في النفس المؤمنة مائة من الإبل»، وهذا قول شاذ يخالف إجماع الصحابة وسنة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ في كتاب عمرو بن حزم: «دية المرأة على النصف من دية الرجل» وهي أخص ممّا ذكروه، وهما في كتاب واحد فيكون ما ذكرنا مفسِّراً ما ذكروه، ومخصصاً له.

وديّة نساء كلّ أهل دين، على النصف من دية رجالهم على ما قدّمنا في موضعه .(1)

وقال القرطبي (المتوفّى: 595 هـ): اتفقوا على أنّ دية المرأة نصف دية الرجل والنفس .(2)


1 . المغني: 9 / 531 ـ 532 .

2 . بداية المجتهد: 2 / 426 .


( 52 )

وقال شمس الدين السرخسي (المتوفّى 495 هـ): بلغنا عن علي (عليه السلام) أنّه قال في دية المرأة على النصف من دية الرجل في النفس وما دونها (الأعضاء والجراح) وبه نأخذ .(1)

ومن رجع إلى الكتب الفقهية يجد نظير هذه الكلمات فلا حاجة إلى نقل كلماتهم. والذين نلتف إليه نظر الأُستاذ أنّه لم يخالف ذلك القول في العصور الماضية إلاّ رجلان:

أحدهما: أبن عُليّة: وهو إسماعيل بن إبراهيم المصري (110 ـ 193 هـ) الّذي كان مقيماً في بغداد وولي المظالم فيها في آخر خلافة الرشيد، وكفى في سقوط رأيه أنّه سيء الأخلاق والسلوك.

وكتب له عبدالله بن مبارك أبياتاً مستهلها:

يا جاعل الدين له بازيا *** يصطاد أموال المساكين(2)

ثانيهما: أبو بكر الأصمّ عبدالرحمن بن كيسان المعتزلي صاحب المقالات في الأُصول، والمعتزلة يعتمدون على العقل أكثر ممّا يعتمدون على النقل ولذلك لا يطلق عليهم أهل السنة


1 . المبسوط للسرخسي: 26 / 79، كتاب الديات .

2 . طبقات الفقهاء: 2 / 61 .


( 53 )

في مصطلح أهل الحديث والاشاعرة .

وأي إجماع أعظم وأتقن من اتفاق الفقهاء على حكم مضى عليه قرون متمادية لم ينبس فيها أحد ببنت شفة إلاّ رجلان قد علمت حالهما والعجب أنّ الدكتور في صدر كلامه يقول: (لا يؤيده إجماع ولا قياس ولا مصلحة معتبرة). ونقرأ في آخر الخبر أنّ المعلّق قد كتب أنّ رأي الدكتور القرضاوي هذا يأتي مخالفاً لآراء الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة الشهيرة، والمذهب الظاهري والزيدي والمذهب الجعفري والمذهب الأباضي.

ولعله حاول بذلك إعطاء أهمية لهذا البحث.

هذا ما يمكن ذكره عن الإجماع، وأما السنة :

تضافر السنة على النصف

1. أخرج البيهقي بسندين في أحدهما ضعف دون الآخر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دية المرأة على النصف من دية الرجل» .(1)


1 . سنن البيهقي: 8 / 95.


( 54 )

2. أخرج البيهقي بسنده عن مكحول وعطاء قالوا: أدركنا الناس على أن دية المسلم الحرّ على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مائة من الإبل، فقوّم عمر بن الخطاب تلك الدية على أهل القرى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم، ودية الحرة المسلمة إذا كانت من أهل القرى خمسمائة دينار أو ستة آلاف درهم، فإذا كان الّذي أصابها من الأعراب فديتها خمسون من الإبل، ودية الأعرابية إذا أصابها الأعرابي خمسون من الإبل لا يُكلّف الأعرابي الذهب ولا الورق .(1)

3. أخرج البيهقي عن حمّاد عن إبراهيم، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: عقل المرأة على النصف من دية عقل الرجل من النفس وفيما دونها (2)، والمراد بإبراهيم، هو إبراهيم النخعي (المتوفّى 93 هـ) وهو لم يدرك عليّ بن أبي طالب، والسند منقطع.

4. أخرج النسائي والدارقطني، وصحّحه ابن خزيمة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «عقل المرأة مثل عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديته» (3).


1 . سنن البيهقي: 8 / 95.

2 . نفس المصدر السابق.

3 . التاج الجامع للأُصول: 3 / 11; بلوغ المرام برقم 1212 .


( 55 )

التنصيف في ديّة الأعضاء

هذا في دية النفس وهكذا الكلام في دية الأعضاء والجراحات، إذ اتفق الفقهاء على أنّ دية المرأة تساوي دية الرجل في الأُروش المقدرة إلى حدّ خاص، فإذا انتهت إليه فعلى النصف، وهذه الضابطة أمر متفق عليه، غير أنّ الاختلافِ في الحدّ الّذي إذا بلغته الدية، تكون على النصف والضابطة نفسها تؤيد الكبرى الكلّية في أنّ دية المرأة، نصف دية الرجل والاختلاف في الحدّ الّذي إذا بلغته ترجع إلى النصف لا يضرّ بها.

والمشهور أنّ المرأة تعاقل الرجل في دية الأعضاء والجراحات إلى ثلث الدّية فاذا تجاوزت الثلث رجعت إلى النصف، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها» .

وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون. قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها؟! قال: هكذا السنة.


( 56 )

قوله: «هكذا السنة» دالّ على أنّه أراد سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وإجماع الصحابة والتابعين .(1)

وقد أخرج البيهقي بسند متصل إلى زيد بن ثابت أنّه قال: جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث وما زاد فعلى النصف .(2)

ما هي المصلحة في تنصيف الدية؟

يقول الشيخ القرضاوي من أنّ التنصيف لا تؤيده مصلحة.

ولعلّه عَنْى أنّ التفريق بين الديتين تفريق بلا سبب ولا مصلحة.

ولكن هناك مصلحة نشير إليها، وهي:

إنّه لا شك في أنّ المرأة المسلمة كالرجل المسلم من حيث دورها وأهميتها في المجتمع، وليس الاختلاف في الدية دليلاً على نقصان في كرامتها، وإنّما شرعت الدية لسدّ الضرر


1 . الخلاف: 5 / 254 ـ 256، المسألة 63 .

2 . سنن البيهقي: 8 / 97، ولاحظ بقية الروايات في نفس المصدر.


( 57 )

المالي الوارد على الأُسرة بسبب قتل النفس، ومن المعلوم أنّ الضرر المالي والخلل الاقتصادي الّذي يصيب العائلة بفقد الرجل أكثر منه في حالة فقدان المرأة .

ولذلك أصبحت دية المرأة نصف دية الرجل. كل ذلك حسب طبيعة المجتمع الإسلامي الّذي حمّل الرجل مسؤولية إدارة الأُسرة والقيمومة.

وهناك شبهات وشكوك حول التنصيف تركنا التعرض لها روماً للاختصار .

وأخيراً نلفت نظر الأُستاذ إلى هذه الكلمة، وهي إن كان قد اطلع على ما لم نطلع عليه من الأدلة الشرعية الدالة على التساوي فليُدل بدليله.


( 58 )

( 59 )

6

جواب الشبهات المثارة حول الشيعة وعقائدهم (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

سماحة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي دامت بركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله تعالى أن يحفظكم رجل توحيد وتقريب بين المسلمين، ويسدد خطاكم لنشر المعارف الإسلامية الحقّة في أوساط الأُمّة الإسلامية.

قرأت البيان الصادر عنكم بتاريخ 13 من شهر رمضان عام 1429 هـ الموافق للثالث عشر من الشهر التاسع عام 2008 م ، والذي تردّون فيه على ما ذكرته وكالة مهر الإيرانية، وعلى العلمين الجليلين: السيد محمد حسين فضل الله والشيخ


1 . تمّ تحرير هذه الرسالة بتاريخ 24 رمضان المبارك 1429 هـ ، ونشرت في وسائل الإعلام المختلفة، وتمّ تسليم نسخة منها إلى الشيخ القرضاوي.


( 60 )

محمدعلي التسخيري حفظهما الله تعالى.

لا ريب أنّ البيان المذكور يحتوي على أُمور تستحق الثناء والتقدير حيث ذكرتم وبطريقة استدلالية براءة الشيعة من القول بتحريف القرآن، وموقفكم الداعم لحق إيران في امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية. فلقد اعتدنا من علمائنا الكبار النظر إلى الأُمور بأُفق رحب وروح منفتحة والإعلان عنها بشجاعة، وهذا ما شاهدناه من جنابكم هنا، بعيداً عن التقوقع الطائفي والنظر إلى الاختلافات الجزئية التي تحجب الرؤية وتؤدي إلى ضيق الأُفق.

لا شك أنّ سماحتكم من رجال التقريب والسعي إلى حفظ وحدة الكلمة، ولكم في هذا المضمار الكثير من المقالات والمحاضرات، وهذا أمر يعرفه الجميع، ولا يمكن أن نتوقع من جنابكم غير الاقتداء بشيخكم الكبير المرحوم محمود شلتوت الأمر الذي يؤدي إلى استحكام حبل التقريب.

لا ريب أنّ الاختلاف بين المسلمين يمتد بجذوره إلى مابعد رحيل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه الاختلافات قائمة حتى الساعة ولا يمكن معالجتها في يوم أو يومين أو سنة أو سنتين، وإنّما الذي نتوقعه من الرجال الكبار والشخصيات الحكيمة هو


( 61 )

التركيز والإصرار على المشتركات وعدم النظر إلى المسائل الخلافية. وطرحها في الملتقيات العلمية بعيداً عن صخب السياسة، ليتسنّى لنا حصرها في دائرة ضيقة ومحدودة.

وهنا أود أن أُذكر سماحتكم ببعض الأُمور التي أراها ضرورية:

1. تعلم سماحة الشيخ كما يعلم سائر المفكّرين أنّ الغرب والصهيونية العالمية ـ ومن أجل إبعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي ـ رفعوا ومنذ فترة طويلة شعارات ثلاثة هي:

أ. التخويف والتحذير من الإسلام.

ب. التخويف والتحذير من إيران.

ج . التخويف والتحذير من الشيعة.

ولقد عملت وسائلهم الإعلامية بكل أنواعها وبكل قوة لترسيخ ذلك في أذهان العالم الغربي، بل في أصقاع المعمورة، وكأنّ الإسلام غول يهدد البشرية والسلام العالمي!! في مثل هذه الظروف الحسّاسة لا نرى مبرراً لما قمتم به سماحة الشيخ من لقاء مع صحيفة «المصري اليوم» وما تحدثتم به بخصوص التشيع والتبشير الشيعي ـ حسب تعبيركم ـ في البلدان ذات


( 62 )

الغالبية السنية، وتحذيركم من ذلك وإطلاقكم لصفارة الإنذار!! وما هي الحصيلة التي يخرج بها القارئ(حتى لو كانت خلافاً لما تقصدونه)؟ أليس الحصيلة التي يخرج بها هي تأييد موقف المستكبرين والصهاينة وإعطاء الشرعية والمصداقية لما ينشرونه وتبلّغه وسائل إعلامهم المسمومة؟!!

2. لقد أكّدتم ـ سماحة الشيخ ـ من جهة على كون الشيعة مبتدعة، ومن جهة ثانية أكّدتم أنّ الفرقة الناجية هم أهل السنة، مستنداً في ذلك إلى الحديث المعروف:«ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة»، وهنا نسأل سماحتكم ما هي الحصيلة التي يخرج بها شاب متعصب من شباب أهل السنّة؟ أليست هي القيام بربط حزام ناسف من المتفجرات ليقوم بقتل العشرات من الشباب والأطفال والنساء من المؤمنين في مدن العراق وغيرها من البلدان الإسلامية، وهذا ما يقوم به العشرات من الشباب الأردني والسعودي والأفغاني والمغربي مستندين في عملهم هذا إلى فتاوى تكفيرية ومواقف إقصائية يقوم بها بعض الرجال المحسوبين على العلم والفتوى، حتى وصل الأمر إلى حد تقيم عائلة الانتحاري الأردني الذي فجّر نفسه في أوساط المؤمنين في مدينة الحلة العراقية مجلس عرس تتلقى فيه


( 63 )

التهاني والتبريك بتلك المناسبة!!!

سماحة الشيخ، إنّ لكلّ مقام مقالاً كما يقول الحكماء، فهل ياترى كان من المناسب في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها أُمّتنا الإسلامية والتي تتكالب فيها قوى الاستكبار العالمي على العالم الإسلامي بأسره، أن يصدر من عالم ومفكّر إسلامي ما يثير النائرة ويشعل نار الحقد والصراع في أوساط المسلمين ممّا قد يؤدي إلى الصراع الداخلي لا سامح الله؟!!!

وإذا كان كل من الإخوة السيد فضل الله والشيخ التسخيري ـ ا للّذين تربطهما بكم علاقة الود وتكن لهما مشاعر الحب والاحترام ـ لم يرتضيا الطريقة التي طرحتم فيها القضية، فإنّهما ينطلقان في واقع الأمر ممّا ذكرناه لكم من أنّ ذلك لا يليق بشأنكم وليس في صالح المسلمين أبداً.

3. اعتبرتم انتقال مجموعة من الشباب السني ـ في بعض البلدان التي يقطنها أهل السنة ـ إلى التشيع تبشيراً شيعياً وخطراً يستحق الوقوف أمامه ودق صفارة الإنذار، وانّ عدم التصدّي له يمثّل مخالفة للدين وخيانة للأمانة التي في عنقكم، ولكن في نفس الوقت غضضتم الطرف عمّا يجري في السعودية


( 64 )

والإمارات وغيرها من البلدان السنية من الحملة الشعواء التي تشن على المفكّرين الشيعة والفكر الإمامي، فما من ساعة تمر إلاّ وتجد إصداراً ـ كتاب أو رسالة ـ ينال منهم، والذي يؤسف له أنّ ما يصدر ما هو إلاّ تكرار للمكرّرات وتهم واهية لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان; أليس من اللائق بجنابكم الكريم التصدي لمثل هذه الحملة المسعورة التي تنال من طائفة كبيرة من المسلمين!! بل نجد البعض قد تمادى في غيّه وكذبه بحيث صنّف كتباً في ذم الشيعة ونسبها إلى شخصيات شيعية من أمثال المرحوم العلامة السيد العسكري وبعضها نسبوها لي شخصياً موحين للناس أنّنا من المبلّغين للمذهب الوهابي والمهاجمين للتشيع!!

وأخيراً نشر كتاب في موطنكم مصر العزيزة في نقد رأيي الفقهي حول مسألة «الصلاة خير من النوم» امتلأ الكتاب بالسب والشتم والكلام القاذع والافتراء و... وهو من تأليف علاء الدين البصير، ثم طبع هذا الكتاب مرة ثانية ضمن سلسلة «محققو الشيعة في الميزان» وأعطاه ناشروه اسم«جعفر سبحاني...لا محقق مقرب» ومن العجب أن يقدّم لهذا الكتاب أُستاذ من اساتذة جامعة الأزهر وهو الدكتور محمد عبد المنعم البري وهو


( 65 )

عميد مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، ورئيس جبهة علماء الأزهر(وقد طبع في مصر ونشر عام2007م، في مركز التنوير بالقاهرة); لا أدري هل البحث الفقهي يستحق كل هذا التحامل والتشنيع والتسقيط؟!!

4. أكّدتم في بيانكم على حديث «ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة» وهنا أود التذكير بأنّ الحديث قد ضعّفه المحقّقون في علم الحديث، وعلى فرض وجود سند معتبر للحديث فلا يصحّ الاستناد إلى حديث آحاد لإثبات مثل هذا الأصل، واعتبار اثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين من أصحاب النار وحصر أصحاب الجنة في فرقة واحدة.

إنّ مضمون الحديث يحكي عن عدم صحّته، وأنا هنا لا أتحدّث عن فرق اليهود والنصارى، بل أتساءل أين هي فرق المسلمين الأساسية التي وصلت إلى هذا الحد، وأمّا الفرق الفرعية المذكورة في كتب الملل والنحل فقد تجاوزت الحد قطعاً؟ فهل يمكن أن نجد ذلك العدد من الفرق الإساسية في كتب الملل والنحل؟! وهل يمكن اعتبار الاختلاف في مسألة واحدة مبرراً لتصنيفها فرقة مستقلة؟ إنّ فرق المسلمين الأساسية


( 66 )

لا تتجاوز عدد أصابع اليد، من هنا نرى أصحاب كتب الملل والنحل يتشبّثون بأُمور واهية لإثبات العدد المذكور ليكون دليلاً على مصداقية الحديث.

إنّ الأجدر بالإخوة أن يستندوا في عقائدهم إلى الحديث الذي رواه البخاري حيث قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ أُمّتي يدخلون الجنّة إلاّ من أبى. قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».

فقد حدد الحديث الملاك في دخول الجنة والنار في إطاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصيانه، ومن الواضح أنّ العصيان والتمرّد يصدق في حالة كون الإنسان لا يملك الحجة والدليل المعقول على عمله، وليس خفياً عليكم وعلى المفكّرين أنّ الشيعة تستند في المسائل الخلافية إلى الدليل والحجة الكافية وإن كان ذلك غير تام في نظركم.أو ليس الملاك في دخول الإنسان في حظيرة الإيمان، هو ما جاء في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال: «بني الإسلام على خمس; شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة والحج، وصوم رمضان» ، رواه الشيخان.


( 67 )

فإذا كانت أُصول الدين هي الإيمان بالله ورسوله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر، وما فيه من الحساب إلى غير ذلك فجميع المسلمين المتمسّكين بالكتاب والسنة يدخلون تحت هذه الضابطة ، فما هو الوجه لاختفاء القداسة على فرقة وإخراج فرقة أُخرى؟!

مما يجدر بالشيخ العزيز أن يقتدي بإمام أهل السنة الشيخ الأشعري حيث ألف كتاباً في الفرق الإسلامية وأدخل الجميع تحت عنوان كتابه والذي سمّاه : «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» فمنح الجميعَ الصبغةَ الإسلامية وجعل اختلافهم في الفروع فقط بشهادة قوله: «واختلاف المصلين».

يقول أحمد بن زاهر السرخسي الأشعري: لما حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري في بغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا عليّ أنّني لا أُكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنّي رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم (1). لقد أشرتم في بيانكم أنّ لدى الشيعة بدعتين:


1 . اليواقيت والجواهر للشعراني: 58.


( 68 )

الأُولى: بدعة نظرية.

الثانية: بدعة عملية.

وأود هنا الإشارة إلى تحليل تلك البدع حسب رأيكم:

الأُولى: البدع النظرية:

1. ادّعاء الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام)

لا شك أنّ أساس التشيع وعماده يقوم على الاعتقاد بأنّ المرجعية والقيادة السياسية والفكرية والعلمية بعد رحيل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هي من شؤون العترة الطاهرة وعلى رأس العترة أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولقد ثبتت الوصية له من خلال الأحاديث المتواترة أُشير هنا إلى بعضها:

1. لمّا نزل قوله سبحانه:(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(1) دعا النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم، فقال لهم: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة،


1 . الشعراء: 214.


( 69 )

وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم» . فكرر هذه الجملة ثلاث مرات، وفي كلّ مرة كان علي يقوم ويقول: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه» وفي المرة الثالثة ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على يد علي وقال في حقه على رؤوس الأشهاد:«هذا علي أخي ووصيي وخليفتي فيكم».

ولولا خوف الإطالة لأشرت إلى المصادر الكثيرة التي ذكرت هذا الحديث، ولكن اكتفي بالقول: إنّه حتى مثل محمد حسين هيكل قد نقل هذا الحديث في الطبعة الأُولى من كتابه «حياة محمد» وإن حذفت في الطبعات اللاحقة.

2. حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي»ومن المعلوم أنّ استثناء النبوة فقط يحكي عن ثبوت جميع المقامات التي كانت لهارون(عليه السلام) مثل الخلافة والوزارة.

3. حديث «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».

4. حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه». ويكفي في تواتر الحديث أن يكون قد


( 70 )

نقله 120 صحابياً وما يقرب من 90 من التابعين، كما نقله 360 عالماً سنياً.

ومع كلّ هذه الأدلة الواضحة التي استندت إليها الشيعة، فعلى أقل تقدير والحد الأدنى المتوقع منكم أن تعذروهم في موقفهم وعقيدتهم لا أن تصفوهم بالمبتدعة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تتبنّونه معاشر فقهاء السنة الأعزاء من القول: «للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد» وهنا لابدّ أن يستحق الشيعة الثواب والأجر لا الرمي بالابتداع.

قلتم في بيانكم أنّ الاختلاف في فروع الدين ومسائل العمل وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأُصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من خلاف هنا ليس أكبر ممّا بين المذاهب السنية بعضها مع بعض.

وهنا أود أن أسأل سماحتكم هل أنّ مسألة الإمامة والخلافة عند أهل السنة من الفروع أو الأُصول؟

لقد أكّد كبار علماء الأشاعرة مثل عضد الدين الإيجي في المواقف وشارحه المير سيد شريف الجرجاني وسعد الدين التفتازاني في «شرح المقاصد» وغيرهم: انّ الإمامة والخلافة من


( 71 )

فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه يجب على المسلمين إشاعة المعروف والنهي عن المنكرات، وهذا لا يتحقّق إلاّ في ظل حكومة وقدرة تستطيع إجراء الأحكام وأنّ مركز هذه القدرة والسلطة هو الإمام والخليفة الذي يجب أن يوجد في أوساط المسلمين.

وهذا من الأُمور التي يتفق عليها الشيعة والسنة، إلاّ أنّ الاختلاف وقع في طريقة تشخيص وتحديد الخليفة والإمام حيث طرحت نظريتان:

الف. تعيين الإمام يتم عن طريق شورى المهاجرين والأنصار.

ب. تعيين الإمام يتم بتنصيبه من قبل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).

لست هنا في مقام ترجيح إحدى النظريتين على الأُخرى، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف أصبحت إحدى النظريتين عين السنة والأُخرى عين البدعة؟!! والحال أنّ النظرية الأُولى لا تقوم إلاّ على السيرة الناقصة للخلفاء لا أكثر، وأمّا النظرية الثانية فتستند إلى الأدلّة المحكمة والقوية.

إنّ منطق الإنصاف يقتضي ترجيح النظرية الثانية، وعلى


( 72 )

أقل تقدير النظر إليهما نظرة واحدة لا اعتبار أصحاب النظرية الأُولى هم أهل السنة وأتباع النظرية الثانية من المبتدعة (تلك إذاً قِسْمَةٌ ضيزى)!!

وأين ذهب التسامح والعيش المشترك في الفروع؟!

الجدير بالذكر أنّ تبريركم لوصف الشيعة بالمبتدعة كان في مقابل من يقول بأنّهم كفرة لا يحل المشكلة أبداً، بل كان من الواجب عليكم أن تنصروا المظلوم وتدفعوا عنه تهمة الكفر والخروج عن الدين لا أن تبدّلوا التهمة بتهمة أُخرى، وهنا أود أن أسأل سماحة الشيخ لو أنّ شخصاً اتّهمكم بتهمة خطيرة هل تسمحون لمن يدافع عنكم أن ينفي عنكم تلك التهمة لكنّه يستبدلها بتهمة هي أقل من الأُولى؟!!

2. علم الأئمة(عليهم السلام)بالغيب

من الأُمور التي اعتبرتموها دليلاً على الابتداع هي قضية «العلم بالغيب»، وهنا أود أن أُشير إلى أنّ العلم بالغيب نوعان:

الف. علم الغيب الذاتي وغير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى، قال تعالى في كتابه الكريم:(قُلْ لا يَعْلَمُ


( 73 )

مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأرضَ الغَيْبَ إِلاّ اللّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ)(1) .

ب. علم الغيب الاكتسابي، وهذا النوع محدود أيضاً بالإذن الإلهي، وهذا النوع من الغيب يحصل لغير الله تعالى كثيراً، ولقد جاء في سورة يوسف(عليه السلام) الكثير من الإخبارات الغيبية على لسان كل من يعقوب ويوسف (عليهما السلام); وكذلك جاء في القرآن الكريم الحديث عن مصاحب موسى بقوله تعالى: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا علْماً)(2).

وقد ورد عن أمير المؤمنين أنّه لمّا أخبرَ ببعض الغُيُوب . قال لهُ رجلٌ: أُعطيتَ يا أمير المؤمنينَ(عليه السلام) علمَ الغَيبِ! فقال: «ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلُّمٌ من ذي علم».

وبما أنّ هذا النوع من العلم محدود فلا يكون هو المعنى الاصطلاحي لعلم الغيب، لأنّ المراد منه هو غير المحدود وهو من مختصات الباري تعالى.

من هنا إذا علم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بالغيب وأخبروا عن


1 . النمل:65 .

2 . الكهف: 66 .


( 74 )

المغيبات فهو من النوع الثاني الذي يحصل بإذن الله حتى للصالحين والعارفين الإلهيين الذين بذلوا عمراً طويلاً في طاعة الله تعالى والسير وفقاً لشريعة الإسلام الغرّاء.

3. عصمة العترة

من الأُمور التي اعتبرتموها من البدعة هي القول بعصمة الأئمة; وهنا أقول:

العصمة لا تعني إلاّ حالة قصوى من التقوى تحصل لدى الإنسان تمنعه من ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى، وتتجسّم أمامه آثار الذنوب ممّا يصونه عن ارتكابها. فهل من الغريب أن يطوي الإنسان مراحل الكمال الروحي حتى يصل إلى حد يعصم فيه من الذنوب وقد يصل إلى مرحلة أُخرى بحيث لا يصدر الخطأ منه؟

إنّ مريم العذراء(عليها السلام) لم تكن نبية ولكن كانت معصومة ومصونة من الذنب ولقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله:(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرَيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمين)(1) .


1 . آل عمران:42 .


( 75 )

ومن المسلم أنّ المراد من التطهير هو تطهير مريم من الذنوب والخصال المذمومة; وهنا نسأل لماذا لا يكون القول بعصمة مريم من البدعة والقول بعصمة أمير المؤمنين(عليه السلام)ـ الذي هو عدل القرآن وفقاً لحديث الثقلين ـ بدعة؟!

إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة والذي اعتبر فيه الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) العترة عدلاً للقرآن وإنّهما لن يفترقا حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، ومن الواضح أنّ مقتضى كون العترة عدلاً للقرآن الكريم أن تكون معصومة كعصمة القرآن الكريم، ولا يمكن أن يحدث بينهما أدنى افتراق أو تناف.

القول بعصمة الأئمة إذا كان غلواً فلماذا لا يكون القول بأنّ صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى، كذلك، فهل هذا التعبير صحيح بحق هذا الكتاب مع ما فيه من الشذوذ ومخالفة العقل الحصيف وغير ذلك؟!

هلا يكون حصر المذاهب في الأربعة وطرد سائر المذاهب الأُخرى في مجال العمل والقضاء غلواً مع أنّ الأُمّة الإسلامية عاشت مسلمة ولم يتولد واحد من أصحاب هذه


( 76 )

المذاهب، ولم يكن لأحد منهم عين ولا أثر؟!

ولولا الحفاظ على صفو مياه الود لبسطنا الكلام في هاتيك المواضع التي آخذتم بها الشيعة، ولكن اقتصرنا بذلك حتى ينظر الشيخ الجليل إلى الجميع بعين واحدة وفكرة خاصة.

4. سب الصحابة

الأمر الذي يدعو إلى الحيرة والعجب أن يصدر هذا الكلام من عالم من أمثالكم وإنّما الأنسب صدور هذا الكلام من الناس البعيدين عن العلم والمعرفة. فهل يمكن لطائفة كبيرة أن تحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكنها تبغض أصحابه وتشتمهم؟!! إنّ عدد أصحاب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تجاوز المائة ألف صحابي وانّ الذين ترجم لهم أصحاب الكتب الرجالية بلغ ما يقارب 15 ألف صحابي استشهد بعض منهم في معارك الرسول مثل بدر وأُحد والخندق وخيبر وغيرها، فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينال من هؤلاء العظماء؟!

ثمّ إنّ القسم الأعظم من هؤلاء الصحابة نجهل حالهم ولا نعرف عنهم شيئاً، فهل يسمح الوجدان للإنسان أن يمس أو


( 77 )

ينتقص من إنسان لا يعرف حاله؟

من هنا نقول: إنّ مسألة سب الصحابة بالمعنى الذي يتداوله عامة الناس ما هي إلاّ ذريعة يحاول البعض التمسّك بها، انّ منطق الشيعة منطق إمامهم أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي جاء في الخطبة 97 من «نهج البلاغة»، قال صلوات الله عليه:«لقد رأيت أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فما أرى أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كان بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».

إنّ شيعة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يقتفون كلام إمامهم، حيث إنّه عندما سمع بعض أصحابه وهم يسبون أهل الشام ـ أيام حرب صفين ـ خاطبهم بقوله: «إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العُذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم


( 78 )

من ضلالتهم، حتّى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به».(1)

فإذا كانت هذه عقيدة إمام الشيعة في حق الصحابة، فكيف لا تكون عقيدة شيعته فيهم كعقيدته.؟!

إنّ السب فعل الجهلة الذين لا يحفظون ألسنتهم عمّا يشينهم، ولذلك أطلب من سماحتكم أن لا تطرحوا القضية بهذه الصورة، نعم انّ الذي تعتقده الشيعة هو أنّ بعض الصحابة والذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد تعاملوا مع أهل بيت النبي بعد رحيله معاملة سيئة ومن هنا تتبرّأ الشيعة منهم لهذا السبب، وهذا ليس أمراً غريباً فهذا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يتبرّأ من عمل خالد بن الوليد ويقول:«اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد».

ولكن ألفت نظركم السامي إلى روايات الارتداد المعروفة بروايات الحوض التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم(2) كيف تفسرون هذه المأثورات عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!!


1 . نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم 206.

2 . لاحظ: صحيح البخاري: 4 / 67 و 5 / 107، كتاب المغازي.


( 79 )

الثانية: البدع العملية:

1. تجديد مأساة الحسين(عليه السلام)كل عام

أشار سماحتكم بعد ذكر البدع النظرية إلى البدع العملية واعتبرتم من ضمنها «تجديد مأساة الحسين(عليه السلام) كل عام» ولا أدري كيف أصبحت التظاهرات المليونية التي تقام لإحياء ذكرى سيدالشهداء وسبط رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وإظهار ظلامته بدعة تستحق اللوم والذم!!

لو اطّلعتم سماحة الشيخ على فلسفة الثورة الحسينية وفكرتم في أبعاد تلك الثورة لقمتم بنفس ما تقوم به الشيعة من إحياء لتلك الواقعة العظيمة، لأنّ التظاهر من أجل مواجهة الظلم ورفض التعدّي على القيم والوقوف أمام الحكومات الجائرة لابد أن يبقى حياً في أوساط الأُمّة الإسلامية، وهذا هو هدف الثورة الحسينية التي ينهل منها الأحرار في العالم مثل حركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين ضد الصهاينة الغاصبين.

من هنا يتضح سبب الاهتمام بالثورة الحسينية أكثر من الاهتمام بالمناسبات الأُخرى للأئمة، كشهادة أمير المؤمنين(عليه السلام)


( 80 )

وإن كانت تقام مراسم في تلك المناسبات أيضاً إلاّ أنّها لا ترقى في كثرتها زماناً ومكاناً لما يقام بمناسبة الثورة الحسينية، إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل رسالة تحريك وبعث لكل الأجيال التي تقع تحت الظلم والاضطهاد لتضخ فيهم دماء الغيرة والدفاع عن الدين كما فعل سيد شباب أهل الجنة في دفاعه عن دين جده المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).

كذلك تهدف مجالس العزاء لتعرية تلك الطغمة الفاسدة التي تصدت لأهل البيت وأذاقتهم ألوان العذاب والاضطهاد.

2. ما يحدث عند مزارات آل البيت من شركيات

اتهمتم في بيانكم الشيعة بممارسة الشركيات عند زيارتهم لقبور أهل البيت (عليهم السلام); لكن الجدير بكم أن تشيروا إلى مصاديق تلك الشركيات ولا تبقوا القضية عائمة، فهل أصل الزيارة شرك؟ لا شك أنّ الجواب بالنفي. وهل الدعاء وطلب الشفاعة من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) شرك؟ من المسلم كلا; لقد كان من الجدير بسماحتكم الاقتداء بإمام الأحناف الكبير، فقد روى مؤلف كتاب «فتح القدير»: انّ الإمام أبا حنيفة وقف أمام قبر النبي الشريف وأنشد قائلاً:


( 81 )

يا أكرم الثقلين يا كنز الورى *** جد لي بجودك وارضني برضاكا

أنا طامع في الجود منك ولم *** يكن لأبي حنيفة في الأنام سواكا(1)

وكأنّ أبا حنيفة اقتدى بالصحابي الجليل سواد بن قارب الذي أنشد قائلاً:

فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب

لقد جاء في بيانك انّ دعاء أهل البيت من دون الله يعد من الشركيات; عذراً سماحة الشيخ أنّ هذا المنطق هو منطق الوهابية الذين قد يستندوا أحياناً لقوله تعالى:(وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا )(2). ولكن ينبغي أن يتّضح المراد من كلمة «الدعوة» ما هو؟ هل المقصود مخاطبة غير الله؟ لا شك أنّه ليس هو المراد، لأنّ لازم ذلك تكفير جميع البشر، لأنّ الإنسان في حياته يخاطب آلاف الناس ويستعين بهم، نعم المقصود من


1 . فتح القدير: 2 / 336 .

2 . الجن:18.


( 82 )

الدعوة هنا عبادة غير الله بمعنى الخضوع والخشوع أمام موجود بعنوان كونه خالقاً ومدبراً فيكون معنى الآية «انّ المساجد لله فلا تعبدوا مع الله أحداً» ومن حسن الحظ يوجد شاهد على ذلك، وهو قوله تعالى: (وَقالَ رَبّكُم ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ انّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرين)(1).

ففي صدر الآية جاءت كلمة «ادعوني» ولكن في ذيلها جاءت كلمة «عبادتي» وهذا يحكي أنّ الدعاء الخاص بالله تعالى هو الدعاء الذي يحمل صبغة العبادة لا أي نوع من أنواع الدعاء والدعوة، وإلاّ لما وجد على وجه الأرض موحّد أبداً.

جناب الدكتور القرضاوي أنّ القرآن الكريم رسم الطريق لتمييز الموحّد من المشرك بقوله: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للهِ الْعَلِي الْكَبِيرِ )(2).

فهل ياترى أنّ جموع الشيعة وأعداد كبيرة من المصريين الذين يجتمعون عند رأس الإمام الحسين(عليه السلام) وفي مقام السيدة نفيسة والسيدة زينب(عليها السلام) ويتوسلون بهم ليقضي المولى سبحانه حوائجهم، هل هؤلاء عندكم مشركون؟! بمعنى أنّهم


1 . غافر:60.

2 . غافر: 12.


( 83 )

انحرفوا عن عبادة الله الواحد الأحد؟ أو يزداد إيمانهم بالله تعالى حينما يتواجدون في تلك الأماكن الشريفة؟ أليس هذا هو منطق التكفيريين الذي طالما انتقدتموه واعتبرتموه فكراً متطرفاً؟!

إلى هنا نمسك عنان القلم عن الجري، راجين من جنابكم الكريم تدارك ما فات ودعوة الجميع للاعتصام بحبل الله المتين والحث على وحدة الكلمة.

فالرجاء من سماحتكم، أن ترفعوا لافتة التقريب وتتدّثروا بدثاره في ظل الأُصول التي ألمح إليها رجال التقريب: وهي: الإيمان بالإله الواحد وما يستلزمه من الإيمان بالغيب والملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر وما جاء به النبي الخاتم، في الكتاب والسنة، ومااتّفق عليه المسلمون في الأُصول والفروع، إلى غير ذلك من الأُمور المشتركة بين الأُمّة الإسلامية التي لم يختلف فيها اثنان.

كما أنّ رجاء عشّاق التقريب أن تدخلوا ساحة الحوار بأدب الأُسلوب القرآني: (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين)(1).


1 . سبأ: 24 .


( 84 )

وما قرأناه في البيان ينافي كلامكم حول العولمة المنشور في مجلة «مجمع الفقه الإسلامي»، و هذا نصّه:

ولكن على الأُمّة أن تعرف أنّها مهددة إذا لم تتجمع ويكون بينها نوع من التآلف والتعاون، ولذلك نحن ندعوكم أيّها الإخوة إلى مصالحة عامة، تجمع كل قوى الأُمّة في هذه المرحلة، لا داعي للتفرقة. هناك أُناس يريدون أن يفرقوا الأُمة، هم أعداؤنا يريدون ذلك، إمّا أن يفرّقوا بينها إذا كان هناك أقليات غير إسلامية، فيثيرون هذه الأقليات، إذا كان هناك أقليات عرقية، هناك عرب وبربر وعرب وأكراد، إذا كان هناك أقليات مذهبية يكون سنة وشيعة، إذا لم يكن هذا وذاك يبقى يمينيين ويساريين، أو ثوريين ورجعيين، نحن نريد أن نجمّع كل قوى الأُمة وندعو إلى مصالحة حتى بين الحكام والعلماء، وبين الحكّام والجماعات الإسلامية، لا داعي الآن أن نفرّق بين الأُمة، الأُمّة يجب أن تكن صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً في ساعة الشدائد لا مجال للاختلاف ولا مجال للمعارك الجانبية ، يجب أن يقف الجميع صفاً واحداً.(1)


1 . مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 14، العدد14، ج4، ص 402.


( 85 )

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم

والحمد لله ربّ العالمين

«اللّهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله»

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

***

 

ردود أُخرى على سماحة الشيخ

بعد نشر رسالتنا هذه إلى الشيخ القرضاوي اطّلعنا على عدد كبير من المقالات التي ردّت على ما صرّح به، ونشير بإيجاز إلى نموذجين منها:

1. مقال بقلم نجيب الزامل، بعنوان «هل كان شيخنا القرضاوي محقّاً»، وممّا ورد فيه : أقول ـ ومن نظرة تاريخية ومنطقية في طبيعة الأديان ـ : إنّ وقفة الشيخ القرضاوي في مسألة إيران حول المذهب الشيعي وانتشاره، أفهمها من شيخ جليل سنّي يغار ويحمي مذهبه السنّي، ولست أقول لا أوافقه في وقفته، ولكنّي أفهم أنّ هذا غير مُجد، من يقيني أنّ الأديان تسري وتنتشر كما تجري المياه تحت الأرض تسقي الجذور...


( 86 )

فهي دوماً تصل، حتّى لو وافقت إيرانُ الشيخَ القرضاوي ووقعت اتفاقية معلنة أمام الدنيا أنّها لن تصدّر المذهب الشيعي للدول السنية الكبرى أو الصغرى، وحتّى لو التزمت بصرامة بذلك، فإن المذهب لن يتوقف، لأنّ انتشار الأديان والمذاهب ليس مسألة دولية .(1)

2. مقال بقلم المفكّر الإسلامي جمال البنا (2) بعنوان: «ردّاً على القرضاوي: فصل المقال فيما بين الشيعة والسنة من اتصال»(3)، وممّا جاء فيه: أعاد فضيلة الشيخ انتشار الشيعة في مناطق لم يكونوا بها من قبل إلى خطط وتكتيكات واستراتيجية إيرانية، وهذا غير صحيح، والصحيح أنّ الجماهير أرادت أن تعاقب حكامها بتأييد الشيعة، ولأنّ عدو عدوي صديقي، فليس للشعوب الإسلامية من عدو سوى إسرائيل وحاميتها أمريكا، وهاتان هما عدوتا إيران.

ثم قال: وانتقدَ الشيخُ القرضاوي ما ذهب إليه الشيعة من


1 . نشر المقال على صفحات موقع «صحيفة الاقتصادية الكويتية» بتاريخ 18 / 10 / 2008 م .

2 . وهو شقيق مؤسس حركة الأخوان المسلمين الشهيد (حسن البنا).

3 . نشر المقال على صفحات شبكة راصد الإخبارية بتاريخ 19 / 10 / 2008 م .


( 87 )

عصمة الأئمة وتقديسهم، ولكن هل انتفى هذا التقديس من الفكر السلفي السنّي؟ ألا نقول عن البخاري: أصدق كتاب بعد كتاب الله.

ألا ننكفئ على أربعة مذاهب نلتزم بكلام أئمتهم، كأنّ الله تعالى جعل الإسلام محصوراً في هذه الأربعة، فلا يمكن تصور مذهب آخر.

وماذا يعني بالله ـ تطبيقنا اليوم أحكاماً وضعها السلف الصالح منذ ألف عام؟ ألا يعد هذا تقديساً لهؤلاء الأسلاف، والرؤية بعيونهم، والحكم بعقولهم، كأن ليس لنا عقول أو رؤى؟

واستبعد الشيخ دعوة الدكتور كمال أبو المجد لإغلاق هذا الملف، ورأى أنّ ذلك فرار من المواجهة والتصدي (ولكن بالحكمة والاعتدال)، والواقع يقول إنّه لا يمكن التصدي في هذا المجال بحكمة واعتدال، وقد ذكر هو نفسه ما يؤدي إليه التصدي، فقال: «إنّ أوّل ما يقوم به الداعي إلى مذهب اعتقادي، أن يهاجم المذهب الآخر، ويبين أنّه ضلال وباطل، وأنّه ينتهي بصاحبه إلى النار، وأنّه لن ينجيه من النار إلاّ اعتناق المذهب الآخر، وهنا يجد المدعو نفسه مضطراً للدفاع، وخير وسائل الدفاع الهجوم، فيهاجم مذهب الداعي، ويدلّل على بطلان


( 88 )

أُسسه واحداً بعد الآخر».

ويقول الشيخ: «ويستطيع السُّني أن يعلن بكل اعتزاز أنّ مذهبه هو الّذي يتوافق مع تطلّعات البشرية المعاصرة إلى التحرر والمساواة دون تمييز لأسرة لها حق حكمهم بغير اختيارهم، فلا وصية لهم ملزمة من السماء، ولا أحد له حق العصمة فلا يعترض عليه».

وللشيخ الحق من هذه الناحية، ولكنه لا ينفي أنّ المذهب السُّني فيه العديد من المآخذ، سواء كانت في الفقه أو التفسير أو الحديث، وهي الركائز التي قام عليها الفكر السُّني، وكانت من العوامل التي أسهمت في تخلّف المسلمين.

ولكن هذا أمر آخر يطول، وليس هذا مكانه.

فضيلة الشيخ من رواد «فقه الأولويات»، وأُناشده أن يحكِّم هذا الفقه عند تحديد المواقف.

الشيعة يقولون لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، ويصلّون، ويصومون رمضان، ويستقبلون كعبتنا، فهم مسلمون لهم عصمة المسلم ولهم حق على بقية المسلمين، كما أنّ عليهم واجباً نحوهم.


( 89 )

ويعلم الشيخ ويسلِّم أنّنا ندخل معركة قاسية، لا ترحم، تقودها القوى الكبرى التي تتّحد ـ مهما كانت خلافاتها فيما بينها وبين بعضها ـ في عداوة العالم الإسلامي .

أفلا يدعونا هذا إلى توحيد جبهة المسلمين، التي هي جبهة واحدة، إذا سقط منها قطر تزلزلت الأقطار الأُخرى، كما يكون إيذاناً بزوال قطر ثان وقطر ثالث... الخ.

هل يعقل أن نكون كأهل بيزنطة الذين شغلوا أنفسهم في مناقشات لاهوتية والعدو يحيط بهم حتّى أسقطهم.

لقد وضع السيد رشيد رضا شعار «نتعاون فيما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه»، وتبنّى الإمام حسن البنّا هذا الشعار.

فلماذا لا نأخذ به في هذا الوقت المريج؟!

إنّ الرهان هو على المصير، أي على حياة أو موت المنطقة، فهل هناك ما هو أهم؟

أُناشدكم ألا يغلب فكركم السلفي فكركم السياسي، فلن يفيدنا الماضي ولا النظر إلى الوراء، وإنّما يفيدنا الحاضر والنظر إلى الأمام.


( 90 )

إنّ شخصاً مثل الشيخ القرضاوي في ذكائه وألمعيته ومنزلته وما يظفر به من تقدّير وما يناط به من آمال، جدير بأن يكون أمام وحدة لا فرقة، ورائد تقدم لا تخلّف، وأن يعمل للتعاون لا للتخاصم، وأن ينظر إلى الأمام ويستهدف المستقبل، لا أن ينظر للوراء ويستسلم للماضي، وهو لهذا أهلٌ، وبه جدير، والله تعالى يوفّقه ويكفل له السداد ويحقّق به وله الآمال.


( 91 )

7

جواز الاستمناء (العادة السرّية) (1)

يقول الدكتور في حديثه عن موضوع حكم الاستمناء: وقد يثور دم الغريزة في الشاب فيلجأ إلى يده يستخرج بها المني من جسده ليريح أعصابه، ويهدئ من ثورة الغريزة، وهو ما يعرف اليوم «بالعادة السرية» .

وقد حرّمها أكثر العلماء، واستدلّ الإمام مالك بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)(2).

والمستمني بيده قد ابتغى لشهوته شيئاً وراء ذلك.

وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه اعتبر المني فضلة


1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 10 شوال المكرم 1429 هـ .

2 . المؤمنون: 5 ـ 7 .


( 92 )

من فضلات الجسم فجاز إخراجه كالفصد، وهذا ما ذهب إليه وأيّده ابن حزم، وقيّد فقهاء الحنابلة الجواز بأمرين:

الأوّل: خشية الوقوع في الزنا.

والثاني: عدم استطاعة الزواج.

ويمكن أن نأخذ برأي الإمام أحمد في حالات ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام، كشاب يتعلّم أو يعمل غريباً عن وطنه، وأسباب الإغراء أمامه كثيرة، ويخشى على نفسه العنت، فلا حرج عليه أن يلجأ إلى هذه الوسيلة يطفئ بها ثوران الغريزة، على ألاّ يسرف فيها ويتّخذها ديدناً.

وأفضل من ذلك ما أرشد إليه الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)الشاب المسلم الذي يعجز من الزواج، أن يستعين بكثرة الصوم، الذي يُربي الإرادة، ويعلّم الصبر، ويقوّي ملكة التقوى ومراقبة الله تعالى في نفس المسلم وذلك حين قال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنّه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاء» كما رواه البخاري.(1)


1 . الحلال والحرام في الإسلام: 164 ـ 165، ط . القاهرة، 1396 هـ .


( 93 )

أقول: إنّ القول بحلية الاستمناء أو العادة السرية مخالف للذكر الحكيم، والشهرة المحقّقة في المذاهب الفقهية، وما عليه أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا المجال.

أمّا الذكر الحكيم، فقد نقله الشيخ في كلامه فلا حاجة إلى الإيضاح، حيث إنّه سبحانه أمر بحفظ الفروج في كلّ الحالات إلاّ بالنسبة إلى الزوجة وملك اليمين، فإذا تجاوز هاتين الحالتين واستمنى كان من العادين المتجاوزين ما أحل الله لهم إلى ما حرّمه عليهم.

وأمّا الشهرة المحققة، فقد ذهب المالكية والشافعية والزيدية إلى تحريمه، أخذاً بالحصر الوارد في القرآن الكريم. والدليل على الحصر أمران:

أ. الاستثناء: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)(1).

ب. قوله تعالى: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ).

وأمّا موقف أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فقد روى طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)أُتي برجل عبث


1 . المعارج: 30 .


( 94 )

بذكره، فضرب يده حتى احمرّت ثم زوّجه من بيت المال. (1)

وروى عمار بن موسى، عن الإمام الصادق (عليه السلام)في الرجل ينكح بهيمة؟ فقال (عليه السلام): «كلّ ما أنزل به الرجل ماءَه من هذا وشبهه فهو زنا ».(2)

إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على حرمة العمل على وجه الإطلاق.

وأمّا ما ذكره الدكتور من أنّه لا حرج أن يلجأ إلى هذه الوسيلة بحيث لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً، فعجيب جدّاً، فإنّ العادة السرية أسهل شيء للالتذاذ الجنسي، فكيف يمكن للشاب أن لا يسرف فيها ولا يتّخذها ديدناً؟!

مضافاً إلى الأضرار التي يذكرها الأطباء في من اعتاد على هذا العمل .

وأمّا ما نقله عن الإمام أحمد حيث جوّز ـ حسب نقله ـ أن يرجع إلى هذه الوسيلة ويطفأ بها ثوران الغريزة عند خشية الوقوع في الزنا فممّا لا يمكن المساعدة عليه، فلعلّ مصدر


1 . وسائل الشيعة: 18، الباب 28 من أبواب النكاح المحرم، الحديث 3 .

2 . وسائل الشيعة: 18، الباب 26 من أبواب النكاح المحرم، الحديث 1 .


( 95 )

كلامه القاعدة المعروفة: الضرورات تبيح المحظورات، ومن المعلوم أنّ مصبّ القاعدة هو ابتلاء الإنسان بها، من غير اختيار، فعندئذ يجوز الارتكاب باختيار أقل الضررين، أو أخفّ الحرامين ، كما إذا ابتلي الصائم بالعطش المهلك، فيجوز له دفع العطش بشرب الماء لحفظ حياته.

أو فيما لو توقّف نجاة الإنسان الغريق على التصرف في مال المسلم.

أو توقّفت الحياة على أكل مال الغير.

في هذه الموارد تطبق قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات» ولكن بشرط أن لا يكون الإنسان عاملاً مؤثراً في إيجاد الضرورة.

وأمّا المقام فالواجب عليه كبح النفس والاجتناب عما حرّم الله عليه.

فلوكان ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام سبباً لارتكاب الزنا بذات البعل فهل يمكن الإفتاء بجواز الاخفّ منه؟!

والطريق الأفضل هو ما أرشد إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كما نقله المجيب، وأن يذكّر عقوبة الله تبارك وتعالى على تلك المعاصي.


( 96 )

( 97 )

8

كفاية التسمية عند الأكل(1)

الذكاة الشرعية المطلوبة تتم بشروط ومنها: أن يذكر اسم الله تعالى على الذبيحة، يقول سبحانه: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)(2) .

ويقول تعالى: (وَ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ )(3)، ولا شبهة في هذا الشرط، وعلى هذا لا تحل ذبيحة الكتابي بدليل أنهم لا يسمّون عند الذبح، مضافاً إلى أنّ من الشروط كون الذابح مسلماً.

وقد ابتليت بلاد الإسلام باستيراد اللحوم من الدول الكافرة والتي نعلم بعدم حصول التسمية على الذبائح فيها، ولذا


1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 15 شوال المكرم 1429 هـ .

2 . الأنعام: 118 .

3 . الأنعام: 121 .


( 98 )

قام بعض من يحاول تسهيل الإسلام على الجيل الحاضر فأفتى بكفاية التسمية عند الأكل ممّا علم ترك التسمية عليه، وهذا ما نقله الشيخ القرضاوي والظاهرمنه رضاه به وقال: وذهب بعض العلماء إلى أن ذكر اسم الله لا بدَّ منه، ولكنه ليس من اللازم أن يكون ذلك عند الذبح، بل يجزئ عنه أن يذكره عند الأكل، فإنّه إذا سمّى عند الأكل على ما يأكله، لم يكن آكلاً لما لم يذكر اسم الله عليه.

ثم قال: وفي (صحيح البخاري) عن عائشة: أنّ قوماً حديثي عهد بجاهلية قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إن قوماً يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا؟ أنأكل منها أم لا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «اذكروا اسم الله وكلوا» .(1)

يلاحظ عليه: بأن ظاهر قوله سبحانه: (وَ لاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) هو حرمة الأكل إذا لم يذكر اسم الله عليه عند الذبح مطلقاً، سواء أذُكر اسمه تعالى عند الأكل أم لا.

فالقول بجواز الأكل لأجل كفاية التسمية عند الأكل مخالف لإطلاق الآية، بل يخالف ما اتفق عليه الفقهاء.


1 . الحلال والحرام في الإسلام: 58 .


( 99 )

وأمّا الاستدلال بحديث عائشة فيفارق مورده المقام بوجهين:

الأوّل: أنّ الذابح هناك مسلم «حديث العهد بالاسلام»، كما نجده في قوله: إن قوماً حديثي عهد بجاهلية قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ قوماً يأتوننا باللحمان لا ندري أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا، فإنّ المتبادر أنّ الآتين باللحم من أقوام السائلين كانوا حديثي العهد بالجاهلية وبالتالي فهم مسلمون.

ولكن اللحوم المستوردة حالياً من الخارج هي من ذبائح أهل الكتاب أو المشركين.

الثاني: أنّ فرض السؤال في الرواية، الشك في التسمية، فيؤكل عندئذ حملاً لعمل المسلم على الصحة، وأين هذا ممّا نحن فيه الّذي نعلم بعدم التسمية؟!

وحصيلة الكلام: أنّ فكرة تسهيل الإسلام على الجيل الحاضر فكرة جيدة، ولكن بشرط أن لا تتجاوز الحدود والأُصول.

فعلى زعماء الإسلام والمسلمين أن يقوموا بأحد أمرين:

1. دعم القطاع الزراعي لانتاج اللحوم من نفس البلاد


( 100 )

حتّى يستغنوا عن استيراد اللحوم من البلاد الأجنبية .

2. إن كان ولابد فيجب إرسال هيئات شرعية تشرف على الذباحة على أن تكون مطابقة للشروط الإسلامية .


( 101 )

9

ادّعاء تحريم الزواج المؤقت (المتعة)(1)

تكلّم الشيخ القرضاوي عن الزواج المؤقت وقال: إنّ الزواج في الإسلام عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نية العشرة المؤبدّة من الطرفين لتحقّق ثمرته النفسية التي ذكرها القرآن من السكن النفسي والمودّة والرحمة، وغايته النوعية العمرانية من استمرار التناسل وامتداد بقاء النوع الإنساني، قال تعالى: (وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَ جَعَل لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً)(2) .

أمّا زواج المتعة فهو ارتباط الرجل بامرأة لمدة يحدّدانها لقاء أجر معيّن فلا يتحقق فيه المعنى الّذي أشرنا إليه ، وقد أجازه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل أن يستقر التشريع في الإسلام، أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.


1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 20 شوال المكرّم 1429 هـ .

2 . النحل: 72 .


( 102 )

ثم أشار الشيخ إلى الظروف التي رُخّص فيها ثم حُرّم بقوله: أخرج مسلم في صحيحه عن سيرة الجهني أنّه غزا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فتح مكة فإذن لهم في متعة النساء، فلم يخرج حتّى حرّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وفي لفظ من حديثه: وأن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة.

ولكن هل هذا التحريم بات كزواج الأُمّهات والبنات، أو تحريم مثل تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير فيباح عند الضرورة وخوف العنت؟ الّذي رآه عامة الصحابة أنّه تحريم باتٌّ حاسم لا رخصة فيه بعد استقرار التشريع.

وخالفهم ابن عباس فرأى أنّها تباح للضرورة، ولمّا رأى أنّ الناس توسّعوا فيها ولم يقتصروا على موضع الضرورة أمسك عن فتياه ورجع عنها.(1)

***

أقول: شرّع الله سبحانه المتعة بصورة أنّها دواء لا غذاء، وبقيت على حلّيتها السابقة لتلك الغاية، وهذا ممّا اتّفقت عليه المذاهب الفقهية، وإنّما اختلفوا في استمرار حليتها وكونها


1 . الحلال والحرام في الإسلام: 180 ـ 181 .


( 103 )

منسوخة أو لا، فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة والتابعين على بقاء الحلية، خلافاً للمذاهب الأربعة فهي على التحريم.

ولسنا في هذه الرسالة الموجزة بصدد بيان أدلّة حلّيتها وإباحتها من الكتاب والسنة ثم بيان بقاء حلّيتها إلى يومنا هذا، فإنّ ذلك يجبرنا على التوسع في الكلام، وإنّما نعلّق على ما جاء في كلام الشيخ القرضاوي، بوجوه:

1. أخذ التأبيد في تعريف الزواج

عرف الشيخ الزواج الدائم بقوله: (عقد متين وميثاق غليظ يقوم على نيّة العشرة المؤبدة من الطرفين).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه أخذ التأبيد في تعريف الزواج وهو أوّل الكلام، فإنّ الزواج المؤقت من أقسام الزواج، وهو لا يتم أيضاً إلاّ بعقد صحيح دال على قصد الزواج جدّاً، وكل مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد لا تكون متعة حتّى مع التراضي والرغبة، ومتى تمّ العقد كان لازماً يجب الوفاء به.

وثانياً: لو كان التأبيد من مقومات الزواج فعندئذ تخرج المتعة عن تعريفه ويدخل في الزنا، إذ لا وسطية بين الزواج والزنا فيما لو كانت الزوجة حرّة. فلازم ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


( 104 )

رخّص الزنا لصحابته في الأراضي المقدسة، نعني مكة المكرمة، كما صرّح بذلك الشيخ عند إجابته ناقلاً عن سيرة الجهني أنّه غزا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في فتح مكة فإذن لهم في متعة النساء، أفيصح أن نرمي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بترخيصه الفحشاء، حيث قال سبحانه: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ سَاءَ سَبِيلاً)(1).

2. أهداف الزواج

ذكر الشيخ أنّ من أهداف الزواج; السكن النفسي والمودة، والرحمة، وهذه الأهداف تتحقّق في كلا الزواجين خصوصاً إذا كانت المدّة طويلة، فإنّ صون النفس عن الزنا والتوقّي عن اختلاط الأنساب أمر مشترك بين الزواجين، إذ يجب على المتمتع بها الاعتداد بحيضتين حتّى يبرأ رحمها، فإن كانت ذات حمل تخرج من العدّة بوضع الحمل، وإن لم تكن فتخرج بحيضتين أو طهرين.

وأمّا ما ذكره أنّ من أهداف الزواج هوالغاية النوعية العمرانية من استمرار التناسل وبقاء النوع الإنساني.

فيلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يتحقق أيضاً في الزواج المؤقت


1 . الإسراء: 32.


( 105 )

خصوصاً إذا كانت المدة طويلة .

وثانياً: أنّ الدكتور خلط علّة التشريع ومناطه بحكمته، فإنّ تكوين الأُسرة وإيجاد النسل حكمة التشريع التي لا يدور الحكم مدارها، وليست علةً له، والتي يدور الحكم مدارها، ولذلك نرى وجود الزواج الصحيح مع عدم هذه الحكمة، فالزواج صحيح في الصور التالية:

1. زواج العقيم بالمرأة الولود.

2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.

3. الزواج من المرأة اليائسة.

4. الزواج من الصغيرة.

5. زواج الشاب من الشابة مع العزم على عدم الانجاب إلى آخر العمر.

أفيصح للأُستاذ أن يشطب على هذه الأنكحة، بسبب عدم انطباق التعريف الّذي اختاره عليها؟!

وبذلك تبيّن عدم صحة قوله: فلا يتحقّق في زواج المتعة ذلك المعنى الّذي أشرنا إليه .


( 106 )

3. ادّعاؤه تحريم المتعة على التأبيد

ذكر الدكتور أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ قبل أن يستقر التشريع ـ أجازه في السفر والغزوات ثم نهى عنه وحرّمه على التأبيد.

يلاحظ عليه: أنّ الترخيص والتأبيد حسب نقل الدكتور كان في فتح مكة، وقد فُتحت مكة في السنة الثامنة من هجرته الشريفة، وتمّ أمرُ التشريع في النساء قبل سنين من ذلك حيث إنّه سبحانه شرع في بيان ما حرّم الله من النساء وما أحلّه بقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ


( 107 )

إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَات وَ لاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الُْمحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1).

وقد نزلت هذه الآيات قبل فتح مكة بسنين.

وممّا يثير العجب أنّ الأُستاذ لم يدقّق في الآية الدالّة على حلّيّة المتعة في الآيات الماضية، أعني قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)، فقد ذهب جل المفسرين إلى نزولها في زواج المتعة وإن اختلفوا في نسخها أو بقائها على الحلّية.

ولسنا بصدد بيان دلالة الآية على حكم المتعة، فإنّ ذلك يحوجنا إلى التبسط في الكلام.


1 . النساء: 23 ـ 26 .


( 108 )

4. هل أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حرّم المتعة؟

زعم الدكتور القرضاوي أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الّذي حرّم المتعة حيث قال: حتّى حرّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وفي لفظ من حديثه: انّ الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة .

أقول: كيف ينسب ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مع أنّ لفيفاً من أصحابه الكرام قد أفتوا بحلية المتعة إلى يوم القيامة، نذكر منهم ما يلي:

1. عبد اللّه بن عمر، أخرج الإمام أحمد من حديث عبد اللّه بن عمر، قال ـ وقد سئل عن متعـة النساء ـ : واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) زانين ولا مسافحين، ثمّ قال: واللّه لقد سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون وأكثر».(1)

2. عبد اللّه بن مسعود، أخرج البخاري عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لنا شيء ، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين، ثمّ قرأ علينا: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا لا


1 . مسند أحمد: 2/95.


( 109 )

تُحَرِّموا طَيّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدين) (1). (2)

3. عمران بن حصين، أخرج البخاري في صحيحه عنه، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء. (3)

4. أخرج مسلم عن ابن جريج قال: أخبرني أبوالزبير قال: سمعت جابر بن عبدالله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمر بن حريث. (4)

5. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نظرة قال: كنت عند جابر بن عبدالله فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلانهما مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما. (5)


1 . المائدة: 87.

2 . صحيح البخاري: 7/4، باب ما يكره من التبتل والخصاء، من كتاب النكاح.

3 . صحيح البخاري: 6/27، تفسير قوله تعالى: (
فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) .

4 . صحيح مسلم: 4 / 131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.

5 . صحيح مسلم: 4 / 131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.


( 110 )

هذه نماذج من الروايات الواردة عن الطبقة العليا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين كانوا يفتون بجواز المتعة ولو كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)محرماً لها لما خفي عنهم تحريمه لها، ولو علموا لما خالفوه فيها.

5. المحرِّم هو الخليفة نفسه

إنّ الدكتور وإن نسب التحريم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّه لو أمعن النظر وسبر غضون الروايات والآثار، لوقف على أنّ المحرم هو الخليفة عمر بن الخطاب لا غيره، هذا ما يلمسه كل من نظر إلى المسألة عن كثب، وقد مر عليك في الروايات السابقة نسبة التحريم إليه، وإليك المزيد:

1. قال الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام)ـ فيما أخرجه الطبري بالإسناد إليه ـ : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي».(1)

وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه، تعرب عن أنّ التحريم كان من صميم رأيه، من دون استناد إلى آية أو رواية.

2. أخرج مسلم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير


1 . تفسير الطبري: 5 / 9 .


( 111 )

قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.(1)

3. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه، فأتاه آت فقال ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثمّ نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.(2)

4. أخرج الترمذي انّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن المتعة، فقال: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟ فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد صنعها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أأمر أبي نتّبع أم أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

وهذه المأثورات تعرب عن جملة من الملاحظات نجملها بملاحظتين اثنتين:

الأُولى: انّ المتعة كانت باقية على الحل إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبقيت حلالاً في أيامه حتى نهى عنها ومنع.

و الثانية: انّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنة،


1 . صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.

2 . صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.

3 . سنن الترمذي:3/186برقم 824.


( 112 )

ومن المعلوم انّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالاجتهاد ـ حجة على نفسه لا على غيره.

وممّا يدل بوضوح على أنّ الخليفة هو المحرم ما ذكره ابن القيّم في زاد المعاد حيث قال:

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأبي بكر حتّى نهى عنهما عمر في شأن عمرو بن حريث، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج؟

قيل: الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إنّ عمر هو الّذي حرّمها ونهى عنها وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)باتّباع ما سنَّه الخلفاء الراشدون، ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح فإنّه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلّم فيه ابن معين ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أُصول الإسلام، ولو صحّ عنده لم يصبر عن إخراجه


( 113 )

والإحتجاج به، قالوا: ولو صحّ حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود حتّى يروي أنّهم فعلوها ويحتج بالآية. وأيضاً ولو صحّ لم يقل عمر أنّها كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا أنهى عنها وأُعاقب عليها، بل كان يقول: إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)حرّمها ونهى عنها. قالوا: ولو صحّ لم تفعل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقاً.(1)

إنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن يُنادى في أيّام حكمه،بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقف خوفاً من الفتنة وتفرق المسلمين. قال ابن خلكان، نقلاً عن محمد بن منصور أنّه قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جُعَل حتى تنهى عما فعله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبو بكر ؟ فأومأ أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن؟! فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس


1 . زاد المعاد: 1 / 444. وللكلام صلة جاء فيها نظر الطائفة الثانية فلاحظ.


( 114 )

وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: و ما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: و من أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّه عزّوجلّ ، وحديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال اللّه تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون ـ إلى قوله:ـ وَالّذينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّعَلى أَزواجِهم أَوْ ما مَلَكَتْ أَيمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِين* فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادون) (1) يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين. (2)

أقول: هل عزب عن ابن أكثم ـ و قد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت(عليهم السلام)ـ انّ المتعة داخلة في قوله سبحانه :(إِلاّعَلى أَزْواجِهِم) و انّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوت الزوجيّة، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد في زواج المتعة فيلحق قطعاً، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من


1 . المؤمنون: 1 ـ 7.

2 . وفيات الأعيان: 6/149 ـ 150.


( 115 )

الجهل بحكمها أو التجاهل به.

وما أقبح كلامه حيث فسر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الأوّل، أفحسب ابن أكثم أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حلّل الزنا ولو مدة قصيرة؟!

***


( 116 )

( 117 )

10

الغناء والموسيقى (1)

في الكتاب والسنّة

من المسائل التي خالف فيها الدكتور القرضاوي ما هو المشهور بين فقهاء الأُمّة هي مسألة الغناء والموسيقى حيث قال: ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس، وتطرب له القلوب، وتنعم به الآذان: الغناء... وقد أباحه الاسلام ما لم يشتمل على فحش أو خنا أو تحريض على إثم ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة.

ويستحب في المناسبات السارّة، إشاعة للسرور، وترويحاً للنفوس وذلك كأيام العيد والعرس وقدوم الغائب، وفي وقت الوليمة، والعقيقة، وعند ولادة المولود .(2)

وقال في طبعة أُخرى لكتابه هذا ما نصه: والذي أراه أن


1 . تم تحرير هذه المقالة بتاريخ 4 ذي القعدة الحرام 1429 هـ .

2 . الحلال والحرام في الإسلام: 280 .


( 118 )

الغناء في ذاته لا حرج فيه وهو داخل في جملة الطيبات التي أباحها الإسلام، وأنّ الإثم إنّما هو فيما يشتمل عليه أو يقترن به، من العوارض التي تنقله من دائرة الحل إلى الحرمة، أو الكراهة التحريمية .

وقال الدكتور في كتاب آخر له: يجب على الفقيه الذي يبحث في القضية أن يراعي هذه الآفاق كلها، ولايركز نظره على جانب واحد، وفئة واحدة، ناسياً أن إفريقيا كلها لا تستغني عن الغناء وتوابعه، وأن أوروبا كلها، بل الغرب كله يعتبرون الموسيقى ـ وخصوصاً بعض أنواع منها ـ وسيلة للسمو بالروح والوجدان .(1)

ثمّ إنّه يقول في موضع آخر : نحن اليوم نريد أن نعرض الإسلام على العالم، وأنْ تبلغ دعوته إلى الأُممّ كافة. ومنها أُمم وشعوب ترى الغناء والموسيقى والرقص والطرب جزءاً لا يتجزأ من حياتها، لا تعيش بدونه، ولا تهنأ لها حياة إذا حُرمت منه. فكيف نرغّبهم في الإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى، ونتوعدهم بالرصاص المذاب يصبُّ في آذانهم يوم القيامة، وبغيره من ألوان العذاب المهين، في حين أنّهم


1 . فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة: 7، ط. القاهرة، 2004 م .


( 119 )

يعتبرون الموسيقى غذاء الروح.(1)

وقد استدل الشيخ على فتواه بروايات تشهد متون كلها أوجلّها على أنّها مكذوبة على نبيّ العظمة والقداسة ، وسوف نرجع لمناقشتها، والكلام مركز الآن فيما وجّه به حلية الغناء والموسيقى في كتابه الثاني حيث جعل ترغيب غير المسلمين بالإسلام سبباً لتحليل الغناء والموسيقى فقال: فكيف نرغبّهم بالإسلام ونحن نحرّم عليهم الغناء والموسيقى ؟

فلو كان هذا السبب للإفتاء بالحلية فليكن أيضاً سبباً في حلية الخمر، والرقص بأنواعه حيث إنّهم يعتبرونهما من ضروريات الحياة، حتى أنّ الطبقة التي تسمّى بالآباء الروحانيين تنظر إلى الخمر بهذه النظرة.

وإنّي لمّا قرأت هذه الفتوى للشيخ القرضاوي خطر ببالي ما رواه ابن الأثير في ترجمة تميم بن جراشة حيث قال: قدمت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال: اكتبوا ما بدا لكم ثم آتوني به، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا، فأبى عليٌّ (رضي الله عنه) أن يكتب لنا،


1 . نفس المصدر: 148.


( 120 )

فسألناه خالد بن سعيد بن العاص فقال له عليّ: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أولى بأمره، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال للقارئ: «اقرأ» فلمّا انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)(1)، ثم محاها، وألقيت: علينا السكينة فما راجعناه، فلما بلغ الزنا وضع يده عليها وقال: (وَ لاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )(2)، ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(3)

حرمة الغناء في الكتاب والسنّة وأقوال الفقهاء

أقول: إنّ الغناء ممّا اتّفق أغلب فقهاء الإسلام وعلى رأسهم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على حرمته مطلقاً.

1. روى علي بن جعفر، عن أخيه الإمام الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يتعمد الغناء، يجلس إليه؟ قال: «لا» .(4)

2. وفي موثقة عبدالله بن أعين، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)


1 . البقرة: 278 .

2 . الإسراء: 32 .

3 . أُسد الغابة: 1 / 216 .

4 . وسائل الشيعة: 12، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 32 .


( 121 )

عن الغناء وقلت: إنَّهم يزعمون أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)رخَّص في أن يقال: جئناكم، جئناكم، حيُّونا، حيُّونا جئناكم؟ فقال: «كذبوا، إن الله عزوجل يقول: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)(1).

ـ ثم قال: ـ ويل لفلان ممّا يصف». رجل لم يحضر المجلس.(2)

إلى غير ذلك من الروايات التي نقلها صاحب الوسائل في موسوعته الحديثية وهي تناهز ثلاثين رواية.

وأمّا حكمه عند فقهاء السنة فقد ذهب عبدالله بن مسعود إلى تحريمه، وتابعه على ذلك جمهور علماء أهل العراق، منهم: إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وحماد بن أبي سليمان، وسفيان الثوري، والحسن البصري، والحنفية، وبعض الحنابلة.

وذهب الشافعية، والمالكية، وبعض الحنابلة إلى أنّه مكروه، فإن كان سماعه من امرأة أجنبية فهو أشد كراهة، وعلل


1 . الأنبياء: 16 ـ 18 .

2 . وسائل الشيعة: 12، الباب 99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 15 .


( 122 )

المالكية الكراهة بأنّ سماعه مخلّ بالمروءة، وعلّلها الشافعية بقولهم: لما فيه من اللهو. وعلّلها الإمام أحمد بقوله: لا يعجبني الغناء لأنّه ينبت النفاق في القلب.(1) ولعل الكراهة في كلامهم كراهة تحريمية لا تنزيهيّة.

هذه بعض الأقوال في المسألة والمهم ما جاء في الشريعة المقدّسة من المأثورات، وإليك ما دل على تحريم الغناء:

1. حديث ابن أبي أُمامة، قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تبيعوا القينات ولا تشروهن ولا تعلموهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام، وفي مثل هذا أُنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَ يَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ )(2).

أخرجه من المحدثين: أحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم.(3)


1 . انظر الموسوعة الفقهية الكويتية: 4 / 91، مادة: استماع، وقد ذكرت فيها المصادر بالتفصيل.

2 . لقمان: 6 .

3 . انظر: مسند أحمد: 5 / 252 ; سنن الترمذي: 3 / 579، برقم 1282 ; سنن ابن ماجة: 2 / 733 برقم 2168 ; مصنف ابن أبي شيبة: 6 / 309 برقم 1171 ; السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 14 .


( 123 )

وذكره عدد من المفسرين كالطبري والشوكاني وغيرهما عند تفسير هم لهذه الآية.(1)

وإطلاق الحديث يعم كلّ أقسام الغناء، سواء أكان مضمونه مثيراً للفتنة أو كان غير ذلك.

2. قال سبحانه: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَ لاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ )(2).

روي عن ابن عباس، أنّه قال: هو الغناء بلغة حِمْيَر، يقال: سمّد لنا، أي: غنّ لنا، ويقال للقينة: أسمدينا أي: ألهينا بالغناء.(3)

3. روى ابن أبي الدنيا وابن مردويه: «ما رفع أحدٌ صوته بغناء إلاّ بعث الله تعالى إليه شيطانين يجلسان على منكبيه، يضربان بأعقابهما على صدره حتى يمسك».(4)


1 . راجع التفاسير المختلفة حول هذه الآية.

2 . النجم: 59 ـ 61.

3 . جامع البيان للطبري: 2 / 82; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 17 / 80 ; ولاحظ سائر التفاسير في تفسير هذه الآية.

4 . الجامع لأحكام القرآن: 14 / 37 ; إرشاد الساري: 13 / 351 ; الدر المنثور: 6 / 506 .


( 124 )

هذا بعض ما أُثر عن النبي حول الغناء ولو نقلنا جميع ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)لربّما ناهز عدده إلى 17 حديثاً، ونعتقد أنّ في ما ذكرنا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

حرمة المعازف في السنّة

هذا كله حول الغناء، وأمّا المعازف فيكفي فيها :

أوّلاً: ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال: حدّثني أبوعامر أو أبو مالك الأشعري، واللهِ ما كَذَبني، سَمِعَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «ليكونن مِنْ أُمَّتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ، والحرير، والخمْرَ، والمعازف، ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علم تَروحُ عليهم سارحة لهم فيأتيهم رجل لحاجة، فيقولون ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله فيضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» .(1)

لا أظن أن أحداً يشك في دلالة الحديث، وهو صريح في تحريم المعازف وهي آلات الموسيقى، وذلك لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر أنّه سيكون مَن أُمّته من يستحل ما حرّم الله عليهم من الحِرَ


1 . صحيح البخاري: برقم 5268 ; فتح الباري: 10 / 55; المجموع للنووي: 20/ 241 .


( 125 )

(الفرج) ـ وهو كناية عن الزنا ـ والحرير، والخمر والمعازف، والأخير هو آلات الملاهي كالدف والعود والطبل والمزمار.

ثانياً: ما أخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إن الله حَرَّم عليكم الخمر، والميسر، والكوبة»، وقال: «كُلُّ مسكر حرام» (1).

أمّا سند الحديث فقد صحّحه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد في موضعين (2) ، والشيخ الألباني في كتابه تحريم آلات الطرب .(3)

وأمّا الدلالة: فالكوبة هي الطبل، فقد نقل ذلك ابن منظور في لسان العرب عن ابن الأعرابي، وابن دريد في الجمهرة في اللغة، والجوهري في الصحاح في اللغة، وابن فارس في مقاييس اللغة، وابن سيدة في المخصص في اللغة.(4)

ثالثاً: روى الطبراني باسناده عن عامر بن سعد البجلي قال: دخلت على أبي مسعود وأُبيّ بن كعب، وثابت بن زياد،


1 . مسند أحمد: 1 / 274 و 289 و 350 و 2 / 158، 165، 171، و 3 / 422 .

2 . انظر: مسند أحمد: 4 / 58 و 218.

3 . تحريم آلات الطرب: 56.

4 . راجع في ذلك المعاجم اللغوية، مادة «كوب».


( 126 )

وجَواري يضربن بدُفٍّ لهُنّ ويغنّين، فقلت: اتُقِرّون بذا، وأنتم أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «إنّه قد رَخَّص لنا في العرس، والبُكاء على الميّت في غير نوح».(1)

والتعبير بالترخيص في الموضعين خير شاهد على أنّ الأصل هو الحرمة في عامة الأحوال والأشخاص، غير أنّه خرج ما خرج.

ولعل فيما ذكرنا من الأدلّة كفاية لمن يطلب الحق ليتبعه.

دليل القائل بالجواز

استدلّ القائل بجواز الغناء والموسيقى بروايات في متونها من الإشكال والهوان ما يغني الفقيه عن الفحص في صحة سندها، وإليك نماذج منها:

1. أخرج الترمذي في سننه عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)جالساً فسمعنا لغطاً وصوت صبيان، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإذا حبشية تزفن ـ أي ترقص ـ والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب


1 . المعجم الكبير: 17 / 247 .


( 127 )

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعتِ؟ أما شبعتِ؟ فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر فارفضّ الناس عنها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوامن عمر، قالت: فرجعتُ .(1)

أقول: إنّ هذا الحديث مهما كان سنده صحيحاً، فلا يصح متنه ومضمونه، فالنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)أجلّ وأعلى من أن ينظر إلى هذه المناظر، وأن يدعو عائشة لذلك، وهناك كلمة للعلاّمة الأميني حول هذه الرواية، يقول: إنّ ماتحرّوه من إثبات فضيلة للخليفة الثاني يجلب الفضائح إلى ساحة النبوّة ـ تقدّست عنها ـ فأي نبي هذا يروقه النظر إلى الراقصات والاستماع لأهازيجهنّوشهود المعازف، ولا يقنعه ذلك كله حتّى يُطلع عليها حليلته عائشة، والناس ينظرون إليهما من كثب، وهو يقول لها: شبعت؟ شبعت؟ وهي تقول: لا، لعرفان منزلتها عنده، ولا تزعه أُبهة النبوّة عن أن يقف مع الصبيان للتطلّع على مشاهد اللهو شأن الذُنابى والأوباش وأهل الخلاعة والمجون، وقد


1 . سنن الترمذي: 5 / 621، برقم 3691 ; مصابيح السنة: 4 / 159، برقم 4737 ; مشكاة المصابيح: 3 / 343، برقم 1049 ; الرياض النضرة: 2 / 255 .


( 128 )

جاءت شريعته المقدّسة بتحريم كل ذلك بالكتاب والسنة الشريفة.(1)

2. عن بُريدة : خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بعض مغازيه، فلمّا انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله إنّي كنت نذرت إن ردّك الله صالحاً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن كنتِ نذرتِ فاضربي وإلاّ فلا. فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدفّ تحت إستها ثمّ قعدت عليه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إنّي كنت جالساً وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثمّ دخل عليّ وهي تضرب، ثمّ دخل عثمان وهي تضرب، فلمّا دخلتَ أنت يا عمر ألقت الدفّ !

وفي لفظ أحمد: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر .(2)

أقول: والحديث لا يحتج به لوجوه:

أوّلاً: قد نقله أحمد بن حنبل في مسنده بصور مختلفة


1 . الغدير: 8 / 99 .

2 . مسند أحمد: 6 / 485، برقم 22480 ; سنن الترمذي: 5 / 620، برقم 3690، وغيرها.


( 129 )

فتارة نقل دف الجارية على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقط، دون أن يذكر شيئاً من دخول أبي بكر وعمر وعثمان عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)(1)، وأُخرى دف الجارية مع دخول أبي بكر ثم عمر دون أن يذكر دخول علي وعثمان .(2)

ثانياً: اتّفق الفقهاء على لزوم كون المنذور أمراً راجحاً لا محرماً ولا مكروهاً فلا ينعقد النذر إذا كان المنذور مكروهاً فضلاً عن كونه حراماً.

والضرب بالدف إمّا مكروه أو حرام، فكيف أجازها النبي الضرب بالدفِّ عند رأسه؟! وقد أخرج أحمد عن أبي أمامة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «قال تبيت طائفة من أُمّتي على أكل وشرب ولهو ولعب ثمّ يصبحون قردة وخنازير ، فيُبعث على أحياء من احيائهم ريح فتنسفهم كما نسفت من كان قبلهم باستحلالهم الخمور وضربهم بالدفوف واتخاذهم القينات». (3)

على أنّ الظاهر من الحديث أنّ الضرب بالدفّ كان أمراً قبيحاً، ولذلك لمّا دخل عمر ألقت الجارية الدفَّ تحت إستها ثمّ


1 . مسند أحمد: 5 / 356 .

2 . مسند أحمد: 5 / 353 .

3 . مسند أحمد: 5/259; صحيح مسلم : 7/185، باب فضل الصحابة، أخرجه عن أبي هريرة.


( 130 )

قعدت عليه لتخفيه عن عمر، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بأن ينهاها عن ذلك الأمر القبيح ولا يسمح لها بالدفِّ على رأسه.

ثمّ إنّ ظاهر الرواية أنّ عثمان دخل وهي تضرب وجلس دون أن تمسك الجارية، وهي تخالف ما رواه ابن أبي أوفى، قال: استأذن أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجارية تضرب الدف فدخل، ثمّ استأذن عمر فدخل، ثمّ استأذن عثمان فأمسكت، قال: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عثمان رجل حييّ. (1)

وثالثاً: إن قول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر» صريح بأنّه فعل الشيطان، وتفضيل لعمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومَن حضره.

3. روى أبو نصر الطوسي في اللمع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دخل بيت عائشة فوجد فيه جاريتين تغنيان وتضربان بالدف، فلم ينههما عن ذلك، وقال عمر بن الخطاب حين غضب: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعهما يا عمر فإنّ لكل قوم عيداً ».(2)

يلاحظ على الرواية: أنّ الظاهر من كلام عمر أنّ الدف من


1 . مسند أحمد: 4/353.

2 . اللمع: 345، برقم 153 .


( 131 )

مزمار الشيطان، فيكون استعماله أمراً حراماً ومع ذلك كيف رضي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بوجوده في بيته بحجة أن لكل قوم عيداً، مع أنّ عيد المسلمين معروف ومحدّد، واحتمال أن يكون ذلك اليوم يوم عيد أمر بعيد؟! وعلى كل تقدير فلو استثني فإنّما استثني في العيد لا مطلقاً.

وأظن أنّ الراوي كان بصدد بيان فضائل الخليفة الثاني، غافلاً عن أنّ مثل هذه الروايات لا تنسجم مع قداسة ساحة النبوة وعظمتها.

ولهذا النوع من الروايات نظائر كثيرة، منها:

أخرج أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة، بينما الحبشة يلعبون عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بحرابهم، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعهم يا عمر».(1)

ولعل فيما ذكرنا حول هذا الموضوع غنى وكفاية لمن طلب الحقّ ليتّبعه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


1 . مسند أحمد: 2 / 594، برقم 8019 .

Website Security Test