welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الفكر الخالد في بيان العقائد/ج2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني *

الفكر الخالد في بيان العقائد/ج2

( 3 )

الفكر الخالد
في بيان العقائد

حوارات عقائدية بتحليل عقلي رصين، وشواهد قرآنية محكمة مستلّة من تفسير «منشور جاويد»

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

إعداد

اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

تعريب

خضر ذوالفقاري

الجزء الثاني


( 4 )

هوية الكتاب

اسم الكتاب: الفكر الخالد في بيان العقائد / ج 2

تأليف: آية الله جعفر السبحاني

إعداد: اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

تعريب: خضر آتش فراز (ذو الفقاري)

المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

الطبعة: الأُولى ـ 1425 هـ. ق / 1383 هـ . ش

الكمية: 2000 نسخة

الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)


( 5 )

الفصل الأوّل:

المعارف القرآنية


( 6 )

( 7 )

66

مفهوم الوحي في القرآن

سؤال: من المفاهيم التي لها دور فعّال في حركة الرسالة وقد ركّزت عليها الأديان التوحيدية عامة والإسلام خاصة، مفهوم الوحي، فماهي حقيقة الوحي، وما هو المراد منه؟

الجواب: من المصطلحات والمفاهيم التي وردت في القرآن الكريم مصطلح «الوحي»، وقبل أن نسلّط الأضواء على هذا المفهوم من زواية الرؤية القرآنية وما هي المجالات والأُطر التي استعمل فيها القرآن هذا المصطلح، نرى من اللازم أن نسلّط الأضواء على المعنى اللغوي لهذا المصطلح:

قال ابن فارس: «الوحي أصل يدلّ على إلقاء علم في إخفاء».(1)

وقال الراغب: «أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل«أمر وحي»، وقد يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض».(2)

وقال ابن منظور: «الوحي: الإشارة، والكتابة،والرسالة، والإلهام، والكلام


1 . مقاييس اللغة:6/93، مادة «وحى».

2 . مفردات الراغب:515، مادة «وحى».


( 8 )

الخفي، وكلّ ما ألقيته إلى غيرك».(1)

وبالأخذ بعين الاعتبار، الكلمات التي نقلناها من كبار أصحاب الاختصاص من اللغويين العرب، يمكن القول حينئذ : إنّ الوحي هو ذلك الإلقاء إلى الغير الذي يكمن فيه عنصران: الأوّل: الخفاء، والثاني: السرعة. وإذا ما أُطلق على الارتباط بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبين اللّه سبحانه وعلى عملية تلقّي الأحكام والتعاليم الإلهية مصطلح «الوحي» فإنّ هذا الإطلاق في الواقع ينطلق من هذه الحيثية، وذلك باعتبار أنّ ذلك نوع من التعليم غير الاعتيادي الخفي المقترن بالسرعة.

والذي يظهر من الشيخ المفيد(قدس سره) أنّ المقوّم لإطلاق الوحي والعنصر اللازم له هو «الخفاء في التعليم» حيث ذهب إلى أنّ الوحي هو الإعلام بخفاء، بطريق من الطرق.(2)

والحال انّ عنصر السرعة أيضاً يعدّ من مقوّمات الوحي بالإضافة إلى الخفاء.

بعد أن تعرّفنا على المعنى اللغوي لمصطلح «الوحي» ننتقل إلى الحديث عن تحليل وتحقيق المراد من الوحي في القرآن الكريم، وهنا يمكن الإشارة إلى مجموعة من المعاني التي استخدم فيها هذا المصطلح، ومنها:

الف: الإدراك الغريزي

لقد كشفت العلوم الحديثة كعلم الأحياء ـ و خاصة في مجال دراسة


1 . لسان العرب:15/379.

2 . انظر تصحيح الاعتقاد: 120، فصل في كيفية نزول الوحي.


( 9 )

الحيوانات التي تقوم على أساس غريزي ـ انّ هذه الحيوانات تقوم بفعّاليات وحركات وأعمال حيّرت العقول وأدهشت الفكر الإنساني، فعلى سبيل المثال زنابير النحل وما تقوم به من الأعمال المدهشة التي تتسم بالدقة والإتقان والتنظيم وتوزيع المهام والأدوار. وكذلك العنكبوت وما ينسجه من البيوت رغم وصفها في القرآن الكريم بأنّها أوهن البيوت فإنّها مع ذلك تتّصف بالدقة والإتقان، فإنّ كلّ هذه الأعمال نابعة من عامل داخلي ونداء غريزي.

وبعبارة أُخرى: أنّها تقوم بذلك بصورة أُتوماتيكية ومن دون الحاجة إلى تعليم خارجي، وأنّها تطوي مسيرة حياتها اعتماداً على العنصر الأوّل وهو العنصر الداخلي الغريزي.

ولا ريب أنّ هذه الأعمال ـ التي تقوم بها تلك الحيوانات والتي يعجز الإنسان عن القيام بها ـ لا يمكن أن تصدر من دون علّة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا يمكن القول إنّ هذه الحيوانات إنّما تقوم بهذه الأعمال بعد إعمال فكر وطي سلسلة من الحسابات العقلية وإجالة الفكر بين حسابات الربح والخسارة.

إذاً لابدّ من الإذعان انّ ذلك لا يكون إلاّ وليد نوع من التعليم الخفي والرمزي الذي أُلقي إلى تلك الحيوانات، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(وَأَوحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ *ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُللاً...).(1)


1 . النحل:68ـ69.


( 10 )

وعلى هذا الأساس تكون الأعمال المدهشة للنحل كالتنظيم الهندسي للخلية وتوزيع الأدوار والحراسة ومنع الزنابير المريضة من دخول الخلية والتجول بين الأزهار ومص رحيقها،وتحويلها إلى شهد لذيذ و... كلّ ذلك إنّما هو وليد العامل الغريزي.

ب: الإلهام والإلقاء في القلب

لقد استعمل مصطلح الوحي في القرآن بمعنى آخر وهو: الإلقاء إلى القلب، بمعنى أنّ الملقى إليه يصل إلى تلقّي الشيء ومعرفته من دون أن يرى الملقي أو يخضع إلى تعليمه المباشر له، وهذا التلقّي في الحقيقة معلول لعاملين، هما:

1. طهارة النفس: فقد تصل النفس في بعض الأحيان وبسبب الطهر المعنوي والسمو الروحي والمعنوي والنورانية التي تتحلّى بها، إلى مقام تكتمل فيه لياقاتها وقدراتها بحيث تكون على استعداد لتلقّي الحقائق من الموجودات النورانية والشخصيات الكاملة، بل تصل إلى درجة تلقي تلك الحقائق من الذات المقدّسة للّه سبحانه.

2. وتارة أُخرى قد تنحط النفس بحيث تصل إلى درجة من الدناءة والخسّة والوقوع في الظلمة، بحيث ترتبط حينئذ بما يسانخها من الأرواح الخبيثة وتتلقّى منها التعاليم الفاسدة والأفكار المنحطّة والمخادعة التي لا أساس لها أبداً.

وإذا ما استعملت كلمة«الوحي» في الحالتين فما ذلك إلاّ بسبب وجود ملاك الإطلاق وهو توفّر صفتي: الخفاء، والسرعة، في تلك التعاليم، والأفضل أن نطلق على القسم الأوّل عبارة «الإلهام والإشراق» وعلى القسم الثاني «الوسوسة الشيطانية».


( 11 )

ج: وحي الشريعة

إنّ الإنسان العادي قد يتوصّل إلى النتائج التي يتوخّاها من خلال الحسّ والتجربة، أو إجالة الفكر والتدبّر والاستدلال، ولكن ذلك لا يعني انحصار طرق المعرفة وسبلها بهذين الطريقين، بل هناك طريق ثالث للمعرفة يفاض على النفس من العالم العلوي يكون الهدف منه هداية المجتمع الإنساني وسوقه إلى الكمال والرقي والتعالي، وهذا ما يطلق عليه اسم «الوحي التشريعي».

والحقيقة أنّ هذا الوحي التشريعي لا يختلف من جهة الماهية والحقيقة عن القسمين السابقين، نعم النكتة الكامنة في هذا القسم هي مسألة الهداية وإرشاد الناس إلى المبدأ والمعاد. وهذه الخصيصة أخذت باعتبارها قيداً لازماً لهذا النوع من الوحي حيث قال تعالى:

(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ).(1)

وعلى هذا الأساس فإنّ الأنبياء وإن كانوا يمتلكون وسائل المعرفة كالحس والعقل ولكن شريعتهم لا تكون نتاج تلك الوسائل المعرفية، بل أنّها جميعاً تتعلّق بالعالم العلوي حيث ينزل الوحي على نفوسهم وأرواحهم وبأمر من اللّه سبحانه حاملاً رسالته وتشريعاته سبحانه، ولذلك لا يخطأون أدنى خطأ في ضبط وحفظ وإبلاغ وبيان الأحكام الإلهية.

ولذلك فكلّ محاولة لتفسير ووضع حركة الأنبياء في إطار الهداية، بأنّها وليدة الحس والعقل، أو هي نتاج الاستعداد والنبوغ الذاتي للأنبياء، لا تبعد ه عن كونها محاولة انحرافية يسير صاحبها في طريق أعوج، ومن المستحيل أن توصله محاولته تلك إلى الهدف الذي يرومه، والحقيقة أنّ السبب الذي دعا أصحاب هذا


1 . الشعراء:193ـ 194.


( 12 )

التفكير الخاطئ إلى مثل هذه المحاولات هو عدم اعتقادهم بوجود عالم خارج عالم المادة والطبيعة، فلذلك اضطروا إلى أن يضفوا على جميع الحوادث صبغة مادية وانّها نتاجات بشرية نابعة من علل مادية لا غير.

وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى طائفة من الأنبياء بقوله:

(وَجَعلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدينَ) .(1)

وحينئذ لابدّ من معرفة المراد من الوحي في هذه الآية.

إنّ أغلب المفسّرين قالوا: إنّ المراد من الوحي هنا هو الوحي التشريعي الذي ينزل على جميع الأنبياء ليبيّن لهم وظائفهم ووظائف العباد والمهام التي لابدّ من القيام بها والتي تنظم حياتهم، وعلى هذا فالآية ناظرة إلى نوع خاص من أنواع الوحي لا إلى جميعها.

نعم، بالالتفات إلى المباحث السابقة يمكن القول: إنّ للوحي معنىً واحداً لا غير، وانّه قد استعمل في القرآن الكريم في هذا المعنى الواحد، و انّ الاختلاف وقع في المتعلّق. ثمّ إنّ الملاك المجوّز لهذا الاستعمال موجود في جميع أنواع الوحي وهو: انّ الجميع تشترك في كونها نوعاً من التعليم الخفي المقترن بالسرعة، سواء كان الطرف المتلقّي هو الإنسان أو سائر الحيوانات والجمادات، وسواء كان التعليم يتعلّق بهداية الناس وإرشادهم أو لا، وسواء كان المعلم اللّه سبحانه أو غيره.(2)


1 . الأنبياء:73.

2 . منشور جاويد:10/79ـ 95.


( 13 )

67

اللّه ومسألة الهداية والضلالة

سؤال: حينما نراجع القرآن الكريم نجد أنّ هناك طائفة من الآيات تصفه بأنّه تعالى هو الهادي وانّ أمر الهداية بيده سبحانه، وفي المقابل توجد طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تصفه سبحانه بأنّه هو المضلّ، بمعنى أنّه هو الذي يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، وحينئذ يطرح السؤال التالي: كيف يتسنّى لنا توجيه تلك الآيات بحيث نصفه سبحانه بالهادي تارة والمضل تارة أُخرى؟

الجواب: انّ تحليل هذا التساؤل المهم وبيان أمر الهداية والضلالة المنسوبين إليه سبحانه لا يمكن أن يتمّ من دون جمع الآيات ودراستها بإمعان وتحليلها تحليلاً علمياً محكماً، ولكن يمكن من خلال التفريق بين نوعين من الهداية: الهداية العامة، والهداية الخاصة، ومن خلال الإمعان في معنى الهداية الخاصة يتّضح جلياً معنى الإضلال والخذلان الإلهي.

الهداية العامّة

والمراد منها أنّه سبحانه من خلال نداء الفطرة الإنسانية ودعوة العقل، وبعث الرسل والأنبياء، يمهد طريق الهداية والسعادة أمام جميع الناس، وكذلك


( 14 )

يبيّن لهم طريق الشقاء والانحراف، وقد تعلّقت الإرادة والمشيئة الإلهية بأن يقع جميع أفراد البشر تحت هذا النوع من الهداية والإرشاد، ويشهد على ذلك الكثير من الآيات المباركة كقوله تعالى:

(...قَدْجاءَكُمُ الحََقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَِِوَكِيل).(1)

فقد أشار القرآن الكريم في الآية المذكورة إلى الهداية العامة وشموليتها بقوله: (فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) وانّ هذه الهداية شاملة للجميع بحيث يتسنّى للكلّ أن يستفيدوا من تلك الوسائل الموصلة إلى الهداية، والتي تتمثل في «الفطرة والعقل وبعث الرسل» فانّه سبحانه جهّز الجميع بتلك الطاقات والإمكانات ولم يحرم منها أحداً من الناس.

الهداية الخاصة

والمراد من هذا النوع من الهداية هو الإمداد الغيبي الذي يوصل الإنسان إلى مراده بصورة أسرع، وهذا النوع خارج عن قدرات الإنسان وإمكاناته، وانّه يختص بجملة من الأفراد الذين استضاءُوا بنور الهداية العامة واستفادوا منها، الذين لم يخالفوا نداء الفطرة ودليل العقل ودعوة الرسل، وهكذا استطاعوا وضع أنفسهم تحت مصب الرحمة الإلهية، وفي طريق نسيم الهداية الربانية لينالوا السعادة القصوى والكمال المطلق، يقول سبحانه في حقّ هذه الطائفة:(وَالّذِينَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً...).(2)


1 . يونس:108.

2 . محمد:17.


( 15 )

وقال سبحانه أيضاً: (وَالّذِينَ جاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).(1)

فإذا اتّضح انّ المراد من الهداية هو تهيئة وتوفير سبل السعادة ووسائل الرشاد لمن استفاد من الهداية العامة وتثبيتهم وتسديدهم في مزالق الحياة إلى سبل النجاة. وانّ المراد من الضلالة هو منعهم وحرمانهم من هذه المواهب وخذلانهم في الحياة وإيكالهم إلى أنفسهم، من هنا نجد أنّ طائفة من آيات الذكر الحكيم التي تتعلّق بالضلالة تقول:

(وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمين...).(2)

و(كَذلِكَ يُضِلُّ اللّه مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرتابٌ).(3)

(...كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ الكافِرين).(4)

فهذه الآيات ونظائرها في القرآن الكريم كثيرة جداً حيث تبيّن وبوضوح تام العلّة والسبب في ضلال هؤلاء إذ تقول: لأنّهم ظالمون ومسرفون وكافرون ومرتابون و... فلذلك فهم ضالّون، وهذا يعني وبوضوح أنّهم لم يستفيدوا من تلك الإمكانات والمواهب التي منحهم اللّه سبحانه إيّاها في مرحلة الهداية العامة، فلذلك لم يقعوا مورداً للعناية الإلهية الخاصة ولم يشملهم ذلك اللطف وتلك الرحمة الإلهية حيث منعهم سبحانه من تلك المواهب التي أفاضها في مرحلة الهداية الخاصة، لأنّهم ـ و بسبب فسقهم وظلمهم وإسرافهم ـ لم يكونوا جديرين بهذا اللطف الإلهي الخارج عن العادة.


1 . العنكبوت:69.

2 . إبراهيم:27.

3 . غافر:34.

4 . غافر:74.


( 16 )

وحال هؤلاء كحال من يسأل عن الطريق فيرشد إليه ويقال له: اسلك هذا الطريق، فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فإنّك ستجد هناك علامة كذا، حينها تكون قد وصلت إلى مرادك ومقصودك.

فلا ريب انّ هذا الفرد إنّما يستفيد من هذا الإرشاد في حالة واحدة وهي فيما إذا سلك ذلك الطريق ووصل إلى العلامة التي أُشير إليها، وهذا يعني أنّ الوصول إلى المقصد الثاني والاستفادة من العلامة التي هي دليله لا تتمّ إلاّ بعد الاستفادة من الدليل الأوّل، وهو طي ذلك الطريق الذي وصف له. وأمّا إذا لم يستفد من الدليل الأوّل ولم يسلك ذلك الطريق، أو أنّه سار على عكس الطريق الذي رسم ووصف له، فلا ريب أنّه لا يمكن له أن يستفيد من الدليل الثاني (العلامة) ثمّ الوصول إلى مراده.

إذاً ومن خلال هذا المثال الحسّي يتّضح لنا جلياً مفاد قوله تعالى: (فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهدي مَنْ يَشاءُ)، فإنّ الآية تشير وبلا ريب إلى الهداية الخاصة، وانّ المراد من الهداية هو توفير مقدّمات السعادة والهداية الخاصة، والمراد من الضلالة قطع تلك العناية الإلهية، ولا علاقة للآية أبداً بمسألة الجبر لا من بعيد ولا من قريب.

إذا اتضّح هذا الجانب من البحث، لابدّ من الإشارة إلى عامل آخر من عوامل الضلالة الذي يتعلّق بانحراف وضلال الإنسان فقط وهو:

العامل الثاني من عوامل الضلال

إنّ القرآن الكريم يذكر ـ و في مناسبات مختلفة ـ مجموعة من العوامل التي لا تكون نتيجتها إلاّ الانحراف والضلال وإخراج الإنسان عن الصراط المستقيم


( 17 )

والطريق القويم، وإنّ معرفة هذه العوامل لمن أراد السعادة والتكامل والفوز بالرضوان تكون سبباً للصلاح والفلاح والتكامل، لأنّه صحيح أنّ تلك العوامل مهلكة وانّها سبب الانحطاط والانحراف لمن استسلم لها وأسلس لها العنان بحريته وإرادته فأهوت به في درك المهالك، إلاّ أنّ نفس تلك العوامل تكون سبباً لنجاة وهداية وتكامل المؤمنين الواعين والمنتبهين إلى خطورة الطريق ووعورة المسلك وتكون سبباً لثبات واستحكام أُسسهم الدينية والأخلاقية.

وذلك لأنّ الإنسان عندما يدرك انّ له رقيباً وعدواً يرصد حركاته وسكناته، فلا ريب أنّ هذا الإدراك وهذا الوعي لا يخلو من نفع وفائدة، لأنّ العدو سيكون السبب في معرفة الإنسان بنقاط الضعف والخلل الموجودة فيه ثمّ السعي لمعالجتها وإصلاحها.

وهكذا الكلام في المجتمع فإنّ المجتمع الذي تنتفي فيه الرقابة والمنافسة الشريفة، والمعقولة، فإنّه سيصاب لا محالة بحالة من الركود والخمول والتراجع إلى الوراء ثمّ تكون عاقبة ذلك كلّه الاندثار والإبادة.

إنّ «الشيطان» هو العدو اللدود للإنسان، وإنّ هذا العدو الذي أقسم على غواية الإنسان وإضلاله(فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعين *إِلاّ عِبادكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصين)(1) فهذا العدو الخطير ـ نفسه ـ يُعدّ سبباً لتكامل عباد اللّه المخلصين الذين عرفوه وأدركوا خططه ومكره وحبائله، وصمّموا على مواجهته وإفشال وإحباط جميع خططه وتمزيق جميع مصائده وتقطيع حبائله. وذلك لأنّ الإنسان عندما يدرك أنّ هناك عدواً خفياً يتحيّن الفرص للانقضاض عليه وإلقائه في الهلكة، حينئذ يبقى هذا الإنسان يقظاً منتبهاً يرصد ما حوله ويحاول الاستفادة


1 . ص:82ـ 83.


( 18 )

من كلّ إمكاناته واستعدادته للخلاص من هذا العدو الماكر، وحينئذ سوف تتكامل قدراته وتترسّخ أُسسه وتقوى إرادته و....

ثمّ إنّ وجود العدو بالنسبة إلى الإنسان ـ فرداً أو جماعة ـ كوجود الميكروبات التي تحفّز في داخل الإنسان عوامل المقاومة والمواجهة ثم توفر له عوامل الاستقامة والثبات، ولذلك فإنّ الإنسان الذي يسعى للعيش في فضاء خال من كلّ أنواع الميكروبات ولا يتناول من الطعام والفواكه إلاّ المعقم، فلا ريب سوف يسقط أمام أيّ حالة يتعرض فيها لهجوم الميكروبات الخفية التي لم يلتفت إليها، مثله مثل الرواتع الخضرة(1) التي تسقط أمام النسيم فضلاً عن الأعاصير، ولذلك نجد الأطباء ـ اليوم ـ ينصحون بانتهاج طريق وسط بالنسبة إلى الميكروبات للحفاظ على سلامة البدن في مقابل تعرضه لهجوم تلك الموجودات الخفية.(2)


1 . الأشجار والأعشاب الغضّة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية.

2 . منشور جاويد:3/153ـ 156.


( 19 )

68

وصف القرآن بأنّه عربي مبين

سؤال: هناك بعض الآيات التي تصف القرآن الكريم بأنّه عربي مبين، وحينئذ يطرح التساؤل التالي: إذا كان القرآن عربياً وواضحاً فما هي الحاجة ياترى إلى تفسيره وبيانه؟

الجواب: حينما أدرك المشركون عجزهم أمام القرآن الذي تحدّاهم ـ وهم سادة البلاغة ورجال الأدب في ذلك الوقت، فكّروا في الخروج من هذا المأزق الذي وقعوا فيه، ولذلك أخذوا بالبحث عن مبدأ ومنشأ القرآن الكريم، ولذلك ذكروا مجموعة من التفسيرات التي هي من وحي خيالهم الباطل حيث قالوا: إنّ محمداً قد أخذ القرآن من غلامين روميّين هما «جبر» و«يسار»(1) ومن غيرهما،ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله سبحانه:

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ).(2)


1 . انظر الكشاف:2/218.

2 . النحل:103.


( 20 )

«العجم» في اللغة هو «الإبهام»، و«الأعجمي» هو الإنسان الذي لا يفصح وإن كان عربياً، وبما أنّ العرب يجهلون اللغات الأُخرى غير العربية لذلك أطلقوا على غير العربي لفظ«العجمي»، لأنّه لا يفهم اللغة العربية بصورة صحيحة، أو أنّه لا يستطيع النطق، بصورة جيدة وصحيحة.

فإذا أخذنا بنظر الاعتبار سبب النزول هذا والذي نقله بعض المفسّرين، حينئذ يمكن القول : إنّ الهدف والغاية من هذه الآية هو الرد على هذا التوهم الباطل حيث تبيّن الآية الحقيقة التالية:

كيف يتلقّى الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا القرآن الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، والبيان،والمرونة والسلاسة والعذوبة وبلسان عربي مبين وواضح، من أُناس يجهلون اللغة ولا يعرفون من أسرارها وفنونها شيئاً، لأنّهما روميان؟!! ولو فرضنا انّهما يعرفان اللغة العربية فلا شكّ انّهما ليسا بهذا المستوى من الإدراك البلاغي وهذه القوة من الفصاحة.

وعلى هذا الأساس يكون مفاد الآية بيان انّ القرآن الكريم كلام صحيح وخطاب بليغ منزه عن أدنى خلل أو تحريف، وما كان كذلك لا يمكن أن يكون وليد فكر الغلامين «يسار» و «جبر» أو غيرهما.

ولكن النكتة الجديرة بالالتفات إليها هي انّ كون القرآن بليغاً أو فصيحاً وعارياً من التحريف والخطأ لا يلازم عدم الحاجة إلى توفير بعض المقدّمات للوصول إلى تفسيره، وانّ الحاجة إلى تلك المقدّمات التفسيرية لا تنافي كونه (عربي مبين).

وهانحن نجد في جميع أرجاء العالم أنّهم يدوّنون كتبهم الدراسية والعلمية بأُسلوب سلس وبعبارات واضحة بعيدة عن التعقيد والإبهام. ومع ذلك نجد أنّهم بحاجة في الكثير من الأحيان إلى وجود المعلم والأُستاذ.


( 21 )

وبعبارة أوضح: انّ الآية تريد الإشارة إلى نكتة مهمة وهي انّ اللّه سبحانه حينما يصف القرآن بأنّه «عربي مبين» يعني أنّ هذا القرآن وضع مطابقاً للأُسلوب العربي والقواعد العربية المحكمة وليس على طريقة الأعاجم الذي يجهلون اللغة العربية ويرصفون كلمة إلى جنب كلمة أُخرى ظناً منهم انّهم يتكلّمون اللغة العربية، بل أنّ هذا الكتاب موافق لأُسس اللغة العربية وانّه مصون وبعيد من التحريف والخطأ والإغماض والتعقيد في العبارة.

ونختم الحديث هنا بكلام لأمير المؤمنين(عليه السلام)، حينما أرسل ابن عباس للاحتجاج على الخوارج ومناظرتهم، فقال له (عليه السلام):

«لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن ذو وجوه و حمال، تقول و يقولون، و لكن حاججهم بالسنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصاً».(1)

فإنّ هذه الفقرة القيمة توضح وبجلاء انّ بعض آيات القرآن تحتمل عدّة وجوه ومحتملات،ولا يمكن معرفة المراد منها إلاّ بعد أن نطوي مجموعة من المقدّمات ولا يمكن الاكتفاء بالمعرفة ببعض الأُصول الأدبية واللغوية لرفع هذا الإبهام.

وهذا الكلام يرشدنا إلى أنّ جميع آيات الذكر الحكيم ليست من الكلام المحكم والصريح، بل يوجد فيها الكثير من المتشابه الذي يحتاج في بيانه إلى مجموعة من المقدّمات العلمية الأُخرى.(2)


1 . نهج البلاغة، الخطبة77.

2 . منشور جاويد:3/312ـ 314.


( 22 )

69

المراد من التأويل

سؤال: لقد ورد في القرآن كثيراً مصطلح «التأويل»، ما هو المراد من هذا المصطلح؟ وماذا يعني تأويل الآية؟

الجواب: يقول الراغب في مفرداته: «التفسير» يقال فيما يختص بمفردات الألفاظ.(1) والحال انّ التأويل أكثر ما يستعمل في المعاني والجمل، فقال الراغب: التأويل: من الأول، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه.(2)

قال صاحب «كشف الظنون»: قال الراغب: التفسير أعمّ من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية.

وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتاج إلاّ وجهاً واحداً، والتأويل توجيه لفظ متوجه إلى معان مختلفة إلى واحد منها بما ظهر من الأدلّة.(3)


1 . مفردات الراغب:380، مادة «فسّر» .

2 . مفردات الراغب:31، مادة «أول».

3 . كشف الظنون:1/242 بحث «علم التأويل»، و297 بحث «علم التفسير» و قد ذكر في هذين البحثين نظريات وآراء متقاربة جداً حول التفاوت والاختلاف بين التأويل والتفسير، أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.


( 23 )

ومن خلال هذه التعاريف والتعاريف الأُخرى للتأويل والتفسير يتّضح أنّ تفسير الآية لدى طائفة من المفسّرين غير تأويلها. فتوضيح الآية من جهة مفرداتها، والهيئة التركيبية وباقي الخصوصيات المتعلّقة بظاهر الآية يكون تفسيراً للآية، والحال انّ إرجاع الآية إلى المراد النهائي منها وبالاستعانة بالآيات الأُخرى والروايات وسائر الأدلّة العقلية والنقلية، يكون تأويلاً للآية.

إنّ الاتّجاه العام لدى المفسّرين في القرنين الثالث والرابع (كالطبري) في تفسيره «جامع البيان» يميلون إلى الترادف بين مصطلحي «التأويل» و«التفسير»، ولذلك نراهم يطلقون على تفسير الآية لفظ «تأويل الآية»، وهذا النوع من الاستعمال يشعر بأنّهم يذهبون إلى الترادف بين المصطلحين كما قلنا، إلاّ أنّ الاتّجاه الآخر ـ و هو اتّجاه من تأخّر عنهم من المفسّرين ـ يذهب إلى أنّ التفسير يخالف التأويل، وانّ لكلّ من المصطلحين مجاله الخاص به.

وعلى كلّ حال سواء قلنا: إنّ هذا التفصيل بين التأويل والتفسير صحيح أم لا، فإنّ المفسّرين ولقرون متمادية قد ساروا على هذا المنهج واعتبروا انّ تفسير الآية يغاير تأويلها، حيث اعتبروا التفسير هو كشف الستار وتوضيح وبيان مفردات الآية وجملها. والحال انّ التأويل هو إرجاع الآية إلى المراد النهائي منها.

ثمّ إنّ لأُستاذنا الكبير العلاّمة الطباطبائي في هذا المجال نظرية خاصة ذكرها في تفسيره للآية السابعة من سورة آل عمران.

ولا ريب انّ مصطلحي «التأويل» و «التفسير» كلاهما يستعمل ويستفاد منه لرفع الإبهام والغموض الموجود في الآية، ولكن كلّما كان الإبهام والغموض يتعلّق بمعاني مفردات الآية ومضمون الجملة أو الجمل،يطلق على هذا الرفع عنوان التفسير، وأمّا إذا كان الإبهام والغموض متعلّقاً بالمقصود النهائي من الآية


( 24 )

وناتجاً من كثرة الاحتمالات وتعدّد الوجوه المرادة من الآية، فحينئذ يطلق على عملية رفع الإبهام هنا وتعيين المحتمل النهائي أو الوجه المراد منها، لفظ التأويل.

وبعبارة أُخرى: انّ التفسير: إزاحة الستار عن معنى و مضمون مفردات وجمل الآية بنحو يتّضح فيه معنى ألفاظ وجمل الآية الواردة فيها، ومن المعلوم هنا أنّه لا يمكن القول إنّ للتفسير مرحلتين: المرحلة الأوّلية، والمرحلة النهائية، أو المراد الأوّلي والمراد النهائي، وإنّما يوجد مضمون واحد لا غير يتّضح وبصورة تامّة من خلال معرفة معاني المفردات والجمل، أو من خلال التعرّف على سبب النزول أو سياق الآيات.

والحال انّ في «التأويل» مضمون الآية ـ مفردات و جمل ـ واضح جدّاً، ولكن نفس هذا المضمون قد يكون كناية عن المراد النهائي أو يكون جسراً للعبور إلى المعنى الآخر للآية، وحينئذ تكون عملية إرجاع الآية إلى المراد والمقصود النهائي تأويلاً للآية، ويطلق على تلك العملية«تأويل الآية».(1)


1 . منشور جاويد:3/227، 229، 247، 248.


( 25 )

70

المراد من قوله:(قُل الرُّوح)

سؤال: ورد في القرآن الكريم وبالتحديد في سورة الإسراء الآية 85 قوله تعالى:

(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي...).

ما المراد من الروح هنا؟

الجواب: انّ الأحاديث والروايات الإسلامية الواردة في تفسير الآية تشير إلى أنّ المراد من الروح في الآية هو مَلَك كبير، ومن بين مجموع الروايات الاثنتي عشرة التي ذكرها صاحب تفسير «البرهان»(1) والروايات السبع التي رواها صاحب «نور الثقلين»(2) توجد رواية واحدة تفسّر الروح، بروح الإنسان.

كما أورد السيوطي في تفسير «الدرّ المنثور» روايات كثيرة لتفسير الآية من المحتمل أنّه لا توجد فيها أكثر من رواية واحدة تفسّر الروح بالروح الإنسانية والحيوانية.


1 . تفسير البرهان:2/444ـ 445.

2 . نور الثقلين:3/215ـ 219.


( 26 )

عقيدة اليهود حول جبرئيل

إنّ آيات الذكر الحكيم والروايات الصادرة لبيان سبب نزول تلك الآيات تحكي لنا أنّ المجتمع اليهودي، أو على أقلّ تقدير، انّ اليهود المعاصرين للنبي الأكرم كانوا ينظرون إلى جبرئيل(عليه السلام)نظرة عداء ويعتبرونه خصماً وعدواً لدوراً لهم ويطلقون عليه صفة ملك العذاب، كما أنّهم يعتقدون أنّ اللّه تعالى أمره بوضع النبوة في سلالة بني إسرائيل، ولكنّه وضعها في أبناء إسماعيل، ولذلك فإنّ عبارة «خان الأمين» التي ينسبها الجهلة من الكتّاب المتعصّبين إلى الشيعة ظلماً إنّما هي في الواقع عبارة هؤلاء اليهود.

وقد أشار الطبرسي إلى عداوة اليهود لجبرئيل: قال صوريا ـ أحد أحبار اليهود ـ للنبي: أي ملك يأتيك بما ينزل اللّه عليك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): جبريل. قال صوريا: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنّا بك.(1)

فأنزل اللّه سبحانه وتعالى هذه الآية في ردّ معتقدهم فقال سبحانه:

(قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجبريلَ فإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشرى لِلْمُؤْمِنينَ).(2)

وقال سبحانه أيضاً:

(مَنْ كانَ عَدُوّاً لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِريَن).(3)


1 . تفسير الفخر الرازي:1/437، ط مصر1308; مجمع البيان:1/325 ، دار المعرفة.

2 . البقرة:97.

3 . البقرة:98.


( 27 )

اتّضح جلياً من هذه الآيات أنّهم كانوا ولأسباب معينة يعتبرون «الروح الأمين»عدوّاً لهم، إلاّ أنّ القرآن الكريم يعتبره معصوماً من الزلل والخطأ ويصفه بأنّه رسول اللّه، كما أنّ القرآن يردُّ على اتّهام اليهود لجبرئيل(عليه السلام) بالخيانة بوصفه(عليه السلام)بالأمين، فيقول سبحانه:

(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ).(1)

وبالالتفات إلى هذه المقدّمات وخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار انّ اليهود الذين أثاروا التساؤل، وانّ عقيدتهم بجبرئيل كانت عقيدة خاصة، وانّ موقفهم منه سلبي، وانّه عندهم ملك العذاب الذي أخبر عن زوال مملكة بني إسرائيل على يد نبوخذنصر، وهو الذي خان في مسألة النبوة حيث نقلها من نسل بني إسرائيل إلى نسل آخر. نعم بالالتفات إلى كلّ هذه القرائن والمطالب يمكن القول انّ مرادهم من السؤال هو «الروح الأمين» حيث كانوا يسعون إلى معرفة رأي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه لعله يكون موافقاً لرأيهم فيتّخذون ذلك وسيلة للاستفادة منه. وأمّا إذا كان رأي الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً لرأيهم فانّهم في هذه الصورة يخالفونه،ولذلك نجدهم يطلبون من قريش أن يوجّهوا نفس التساؤل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن «الروح».

وعلى هذا الأساس من المستبعد أن يكون المراد من الروح هي «الروح» التي هي بداية الحياة، إضافة إلى أنّ هذا التفسير لم يرو إلاّ في رواية واحدة، وأبعد من ذلك أن يقال: انّ المقصود من السؤال هو معرفة قدم أو حدوث الروح، أي هل الروح قديمة أو حادثة؟ وذلك لأنّ هذا المفهوم من المفاهيم التي كانت بعيدة عن الذهن العربي أو اليهودي في ذلك ولم يكن ذلك هو مرادهم قطعاً.

إلى هنا اتّضح جلياً انّ المراد من «الروح» في متن السؤال هو «الروح الأمين


1 . الشعراء:193ـ 194.


( 28 )

جبرئيل»، وهنا لابدّ من العودة إلى القرآن الكريم واستنطاقه لمعرفة الجواب القرآني عن هذا التساؤل ما هو؟

وبعبارة أُخرى: لقد ثبت أنّ المراد من الروح في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) هو «الروح الأمين»، ولكن لابدّ من معرفة المراد من الجواب القرآني(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ما هو؟

يقول ابن عباس: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجبرائيل:«ما منعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟» فنزل:

(وَما نَتَنزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّك)(1).(2)

وهكذا يتّضح أنّ قوله تعالى: (قُلِالرُُّّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي) هي جواب عن تساؤلات أحبار اليهود ورهبانهم الذين حاولوا الحصول على ما يسند معتقدهم وموقفهم ضد جبرئيل(عليه السلام)، إلاّ أنّ الجواب كان رادعاً ودامغاً لهم حيث أثبت أنّ جبرئيل(عليه السلام)هو أحد رسل اللّه سبحانه الذين لا يعصونه أبداً (وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُون)، وأنّه قد سخّر كلّ وجوده لإطاعة أمره سبحانه وتنفيذ ما يوكل إليه من المهام بكلّ دقة وأمانة، وقد وصل إلى درجة من الالتزام حتى تجسّدت فيه تلك الصفات وترسّخت، كالإنسان الذي يصل من جهة العدالة والنزاهة والطهارة إلى درجة يصبح كأنّه العدل والعدالة نفسهما.(3)


1 . مريم:64.

2 . مجمع البيان:3/521.

3 . منشور جاويد:3/204ـ 211 و 215و 216.


( 29 )

71

الراسخون في العلم

سؤال: ورد في سورة آل عمران قوله تعالى: (...وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللّه وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ...).(1)

ما المراد من قوله: (الراسخون في العلم)؟ ومن هم هؤلاء الذين تعنيهم الآية أو تشملهم؟

الجواب: الرسوخ لغة بمعنى «الثبات» و«النفوذ»، و المقصود من الآية الشريفة أنّ علم الإنسان ومعارفه لها أصالتها وجذورها، ولأجل هذا التناسب أطلق القرآن الكريم على بعض علماء اليهود ـ الذين يتحلّون بسعة من العلم والمعرفة في مجال الدين ـ وصف «الراسخون في العلم»، و قال تعالى في حقّهم:

(لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمينَ الصَّلَوةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ الْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتيهِمْ أَجْراً عَظِيماً).(2)


1 . آل عمران:7.

2 . النساء:162.


( 30 )

ففي هذه الآية أُطلق هذا الوصف على طائفة من بني إسرائيل الذين لهم معرفة واسعة وشاملة بالتوراة ويعلمون بالبشارة التي وردت فيها بحقّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وصفته التي ذكرها النبي موسى(عليه السلام)في توراته.

وهذا الاستعمال للآية في علماء بني إسرائيل يفيد بأنّ الآية ذات مفهوم واسع وشامل بحيث يشمل كلّ العلماء والمفكّرين الذين لهم قدم راسخة ومعرفة أصيلة وعميقة في العلم والمعرفة.

وإذا مالاحظنا في بعض الروايات انّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) قد وصفوا أنفسهم بصفة «الراسخون في العلم»ففي حقيقة الأمر انّ ذلك من قبيل تطبيق المفهوم على المصداق الأكمل والفرد الممتاز واللامع، إذ انّ أهل البيت ـ و بلا ريب ـ هم أشهر وألمع الشخصيات الإسلامية في سماء العلم والمعرفة والفهم.

ونحن هنا نذكر كنموذج; رواية واحدة في هذا المجال، ومن أراد المزيد من الاطّلاع فعليه مراجعة المصادر التي نذكرها في الهامش.(1)

قال الإمام الصادق(عليه السلام):

«نحن الراسخون في العلم و نحن نعلم تأويله».(2)

والذين يدركون منهج أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير آيات الذكر الحكيم، يعرفون جيداً انّ منهجهم(عليهم السلام) هو تطبيق المفاهيم الكلّية على المصاديق الممتازة، أو المنسية والمهمولة، ومن الطبيعي انّ هذا ليس من باب الحصر، بل من باب التطبيق على المصاديق الممتازة كما قلنا، ولذلك يمكن تطبيق تلك المفاهيم على مصاديق أُخرى تتحلّى بالوصف الذي يوجد في المفهوم الوارد في الآية.


1 . الكافي:1/213; تفسير البرهان:1/270ـ 271; تفسير نور الثقلين:1/260ـ 265.

2 . الكافي:1/213.


( 31 )

وإذا ما أدركنا حقيقة هذا المنهج وعرفنا المراد منه، فحينئذ سوف تحلّ عقدة الكثير من الآيات الواردة في هذا المجال والتي فسّرت في أهل البيت(عليهم السلام).

وإنّ جهل بعض الكتّاب بمنهج أهل البيت(عليهم السلام)، في تفسير الآيات كان سبباً لطرح الروايات التي تطبق مفهوم«الراسخون في العلم» على أهل البيت(عليهم السلام).والحال انّ هذه الروايات من الروايات التطبيقية ـ التطبيق على الفرد الأكمل ـ للمفاهيم على مصاديقها الكاملة وليست من قبيل المنهج الحصري.

نعم هناك روايات يظهر منها الانحصار وانّ مصداق الآية منحصر في أهل البيت(عليهم السلام)فقط،ولكن يمكن الإجابة عن هذه الطائفة من الروايات: بأنّها ناظرة إلى مرتبة العلم ودرجته القصوى التي يتحلّى بها أهل البيت(عليهم السلام) والتي لا يدانيهم فيها أحدٌ من الناس.وهذا الاستعمال والحصر ليس غريباً لمن له معرفة في القرآن الكريم، فعلى سبيل المثال: نجد الأنبياء مع عظمتهم ومنزلتهم في العلم والمعرفة التي حباهم اللّه بها، ولكنّهم حينما يقارنون بين علمهم وعلمه سبحانه الغير متناهي يذعنون لتلك الحقيقة ويقولون كما قال سبحانه: (لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوب)(1).(2)


1 . المائدة:109.

2 . منشور جاويد:2/361ـ 363.


( 33 )

الفصل الثاني:

بحوث حول الإنسان


( 34 )

( 35 )

72

معرفة الإنسان

سؤال: ما هو الهدف الكامن وراء البحث في معرفة الإنسان؟

الجواب: غالباً ما تتم دراسة معرفة الإنسان وفقاً للرؤية الإسلامية بسبب إحدى حالتين:

1. انّ معرفة الإنسان تمثّل الطريق لمعرفة اللّه، وفي الحقيقة انّ طريق معرفة اللّه سبحانه يمرّ من خلال معرفة الإنسان، وهناك طائفة من النصوص تشير إلى ذلك.

وقد اعتبر القرآن الكريم الصلة بين الإنسان وبين المقام الربوبي بدرجة من القوة والاستحكام، بحيث تُعدّ الغفلة عن اللّه سبحانه سبباً لغفلة الإنسان عن نفسه ونسيان ذاته، ولقد أزاح القرآن الستار ـ و لأوّل مرة ـ عن هذه الحقيقة، حيث قال سبحانه:

(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ).(1)


1 . الحشر:19.


( 36 )

إنّ القرآن ـ وخلافاً للفكر الماركسي الذي يرى أنّ المعرفة الإلهية والعلاقات والروابط والأُسس الدينية سبب لضياع الإنسان وغربته عن نفسه وجهله بها ـ يرى أنّ الأواصر والعلاقات الدينية هي السبب الأساسي لعثور الإنسان على هويته ومعرفته بذاته وإدراكه لحقيقة وجوده، وانّ إهمال هذا الأصل وقطع هذه الأواصر وتلك العلاقات يكون سبباً للضياع والتيه وفقدان الهوية، والدليل الذي أقامه لإثبات تلك الحقيقة واضح جداً وجلي للعيان، وذلك لأنّ الإنسان باعتبار كونه معلولاً للذات الإلهية ومخلوقاً للّه سبحانه فليس له حقيقة إلاّ الارتباط والتبعية لعلّته الموجدة له، وانّ إغفال هذا الأصل وإهماله لا يعني إلاّ إهمال الإنسان لنفسه ولحقيقته، وانّ قطع هذه الآصرة ونفي هذه الرابطة تساوي نفي الإنسان لوجوده.

قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه».(1)

ولقد سألت إحدى زوجات النبي يوماً الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): متى يعرف الإنسان ربّه؟ فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله: «إذا عرف نفسه».(2)

ويقال انّ أحد العارفين قال لنظيره: أنت تقول: «إلهي عرّفني نفسك» ولكن أنا أقول: «إلهي عرّفني نفسي».(3)

ولقد نقل عن «أبو علي سينا» في رسالة «الحجج العشرة» أنّه قال:

روي عن سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب(عليه السلام) أنّه قال:«من عَرَفَ نَفْسَهُ فقد عرَف ربّه».


1 . أمالي المرتضى:2/329، ط مصر.

2 . أمالي المرتضى:2/329، ط مصر.

3 . اختلاف بين هذين النوعين من الطلب، وذلك لأنّ إحدى وسائل معرفة اللّه سبحانه هي معرفة الإنسان نفسه، فإنّ من يدعو اللّه بقوله:«إلهي عرّفني نفسك» فانّه في الحقيقة يريد أيضاً معرفة نفسه، ولذلك جاء كلام ذلك العارف: «فإنّ معرفة النفس مرقاة معرفة الرب».


( 37 )

وقال رئيس الحكماء أرسطو أيضاً: إنّ من عجز عن معرفة نفسه فهو عن معرفة ربّه أعجز، وكيف يمكن الاعتماد على معرفة مَن هو عاجز عن إدراك نفسه؟!(1)

إنّ ما نقله أبو علي سينا عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) جاء في كتاب «غرر الحكم».(2)

ولقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال في تفسير قول الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم): «اطلب العلم ولو كان في الصين»، «هو معرفة علم النفس وفيها معرفة الرب».(3)

ومن المسلّم به انّ الإمام الصادق(عليه السلام) أراد بيان الفرد الممتاز والمهم والأكثر قيمة من العلوم التي ينبغي للإنسان اكتسابها وتحليلها، إذ في الحقيقة انّ دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وحثّه على طلب العلم، تتحلّى بشمولية وسعة أكبر فلا يمكن حصرها في نوع من العلوم فقط، نعم يمكن الإشارة إلى الأهم من تلك العلوم، وهذا ما قام به الإمام الصادق(عليه السلام).

2. انّ الغرض من معرفة الإنسان هو أن تكون تلك المعرفة وسيلة لتحقيق وتوفير وتلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية، فإنّ هذه المعرفة هي المقدّمة التي منها يكون الانطلاق لتحديد ورسم الخطوط التي يسير وفقها الإنسان وتحديد الآيديولوجية التي تحدد له مسار حياته من الأُمور التي ينبغي فعلها أو لا ينبغي.

ولا يتسنّى لأي مذهب مهما كان أن يحدّد للإنسان وظائفه وتكاليفه بدون معرفة الإنسان نفسه، ولا يمكن أبداً رسم النظام الحقوقي أو السياسي، أو


1 . رسالة «انّه الحق» نقلاً عن «رسالة الحجج العشرة» لأبي علي سينا.

2 . غرر الحكم:282، طبع النجف.

3 . مصباح الشريعة وغيره.


( 38 )

الاقتصادي، أو الأُسري، أو أُسلوب ونظام الحكم ما لم تسبق كلّ ذلك معرفة الإنسان وكشف حقيقته وماهيته. فكلّ مشروع يراد له أن يحدد للإنسان مساره ويرسم له طريقه لا يمكن أن ينجح بدون تحقّق الشرط المذكور.

ومن هنا تظهر أهمية معرفة الإنسان وكشف حقيقته.

ولقد وردت الإشارة إلى تلك الحقيقة في بعض النصوص الإسلامية نشير إلى بعضها: يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):

«أَعْظَمُ الْجَهْلِ، جَهْلُ الإِنْسانِ أَمْرَ نَفْسِهِ،وَ أَعْظَمُ الْحِكْمَةِ مَعْرِفَةُ الإِنْسانِ نَفْسَهُ وَوُقُوفه عِنْدَ قَدْرِهِ ».(1)

فإنّ عبارة: «ووقوفه عند قدره» تشير إلى حقيقة مهمة وهي: انّه ينبغي أن تكون جميع القوانين والدساتير وخطط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفي جميع نواحي الحياة الأُخرى، متطابقة مع حدود قدرات وإمكانات الإنسان وميوله، فعلى سبيل المثال: إذا عرفنا انّ الإنسان يمتلك غرائز باطنية كغريزة التديّن، أو غريزة العلم والمعرفة، أو الغرائز والميول الجنسية، فلابدّ حينئذ من أن يرسم لهم منهج حياة وآيديولوجية تستطيع أن ترضي كلّ هذه الغرائز: العبادةو الدعاء، العلم والمعرفة وتلبية الغرائز الجنسية، مع الحفاظ على حالة التوازن بينها.

وفي كلام آخر لأمير المؤمنين(عليه السلام) يقول:

«الْعارِفُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَنَزَّهَها عَنْ كُلّ ما يُبَعّدُها وَيُوبِقُها» (2).(3)


1 . غرر الحكم 77.

2 . غرر الحكم 77.

3 . منشور جاويد:4/185ـ 188.


( 39 )

73

مراحل خلق الإنسان

سؤال: هل الإنسان خلق دفعة واحدة أو أنّ عملية خلق الإنسان مرّت بمراحل؟ وعلى الفرض الثاني ماهي تلك المراحل وكيف تمّت؟

الجواب: انّ من أُولى البحوث التي تطرح حول الإنسان هي مسألة مراحل خلق الإنسان وانّه كيف خلق؟ومن أيّ شيء خلق؟

ولقد أجاب القرآن الكريم ـ الذي يعتبر أصحّ مصادر الفكر الإسلامي ـ عن تلك الأسئلة وأوضح المسألة بصورة مفصّلة، وانّ المتتبّع لآيات الذكر الحكيم التي تعرّضت للبحث في هذه القضية يدرك جلياً انّ عملية خلق الإنسان قد مرّت بثلاث مراحل، وهي:

المرحلة الأُولى: التراب المتحوّل

1. التراب، 2. الطين، 3. الطين اللازب، 4. صلصال من حمأ مسنون، 5. سلالة من طين 6. صلصال كالفخار.

إنّ مجموع هذه الحالات الست المختلفة ترجع في حقيقتها إلى شيء واحد، وإنّ المادة الأساسية في كلّ هذه الحالات هي مادة واحدة، ومن أجل التعرف على


( 40 )

متون الآيات التي تتعلّق بهذه الأُمور الستة نكتفي بذكر آية واحدة لكلّ عنوان منها:

1. التراب:

(إنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).(1)

2. الطين:

(الَّذي أحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طين).(2)

انظر في هذا المجال الآية 2 من سورة الأنعام، والآية 12 من سورة الأعراف، والآية 61 من سورة الإسراء، والآيتين 71و 76 من سورة ص.

3. طين لازب:

(...إنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طين لازِب).(3)

4. صلصال من حمأ مسنون:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ صَلْصال مِنْ حَمَإ مَسْنُون).(4)

وانظر أيضاً الآيتين 28 و 33 من نفس السورة.

5. سلالة من طين:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طين).(5)


1 . آل عمران:59.

2 . السجدة:7.

3 . الصافات:11.

4 . الحجر:26.

5 . المؤمنون:12.


( 41 )

6. صلصال كالفخار:

(خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ صَلْصال كَالفَخّارِ).(1)

وفي نفس المضمون الآيات 26، 28و 33 من سورة الحجر، انّ هذه الآيات تشير إلى المادة الأُولى التي خلق منها آدم (عليه السلام)وذريته من بني الإنسان، ومن المسلّم انّ هذه الأُمور الستة ترتبط وبصورة مباشرة بالحالات المادّية لخلق الإنسان الأوّل المتمثّل في أبي البشر آدم(عليه السلام) وانّ القرآن الكريم ينسبها ـ و بنحو ما ـ إلى جميع البشر حيث يقول تعالى:

(خَلَقْناكُمْ مِنْ تُراب) أو (خَلَقْناهُمْ مِنْ طين لازِب).

ولا ريب انّ المادة الأُولى لخلق الإنسان قد مرّت بتغيّرات كيفية تمثّلت بالحالات الستة التي أشارت إليها الآيات السابقة ولم يحدث أبداً أي تغيير جوهري أو انقلاب نوعي في تلك المادة.

ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم ليس من كتب العلوم الطبيعية لكي يبحث في هذه الأُمور بصورة مفصّلة، ولكنّه ولأسباب وأهداف تربوية أشار إلى تلك التحوّلات الستة التي وقعت على المادة الأُولى لخلق الإنسان مذكّراً الإنسان بحقيقة مكوّناته لكي لا يغتر من جهة ولكي يرعوي المتكبّر ويعرف أنّه كيف قد تداركته الرحمة الإلهية ونقلته من حضيض التراب إلى أوج السمو والرفعة.

المرحلة الثانية: مرحلة التصوير

اعتبر القرآن الكريم مرحلة تصوير آدم هي المرحلة الثانية من مراحل خلق الإنسان حيث قال سبحانه:


1 . الرحمن:14.


( 42 )

(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوّرناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاّ إبْليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدينَ).(1)

ولكن لابدّ من بيان المراد من التصوير الذي تتحدّث عنه الآية والذي جاء ذكره بعد الخلق لنعرف ما هي حقيقته؟

إنّ توضيح هذا الأمر يتوقّف على بيان المراد والمقصود من الخلق الوارد في الآية، لأنّ لفظ«الخلق» يطلق تارة ويراد منه الإيجاد، وتارة أُخرى يراد منه التقدير، كما تقول العرب: «خلق الخياط الثوب»، وهذا المعنى الثاني وإن كان صحيحاً في محلّه إلاّ أنّه بالنسبة إلى هذه الآية غير صحيح، لأنّ المراد منه هو الإيجاد والخلق، والشاهد على ذلك انّه قد جاء بعد جملة (خَلَقْناكُمْ)جملة (ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ)، ومن المعلوم أنّ التصوير يناسب الخلق من المادة الأُولى ولا يناسب معنى القياس والتقدير العلمي الذي قد يصدق حتّى مع عدم وجود المادة.

وحينئذ لابدّ من معرفة المراد من التصوير ماهو؟

إنّ مفهوم التصوير هو نفس مفهوم التسوية الذي ورد في آية أُخرى حيث قال تعالى:

(وَ إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصال مِنْ حمإ مَسْنُون *فَإذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ).(2)

المرحلة الثالثة: مرحلة نفخ الروح

المرحلة الثالثة من المراحل التي مرّت بها عملية خلق الإنسان هي عملية


1 . الأعراف:11.

2 . الحجر:28ـ 29.


( 43 )

نفخ الروح أو النفس في البدن، وفي الحقيقة انّ هذه المرحلة هي أهمّ المراحل، لأنّ من خلال هذه المرحلة امتاز الإنسان عن غيره وجعلت له أفضلية على غيره، لأنّ هذه المرحلة جعلت منه موجوداً مركباً من عدّة أبعاد، فمن جهة هو موجود متعقّل مفكّر يمتلك فكراً وعقلاً يوصله إلى مصاف الملائكة، ومن جهة أُخرى جهّز بمجموعة من الغرائز والميول النفسية التي إن لم تخضع للسيطرة والموازنة والرقابة العقلية فانّها تجمح به لتلقيه في قعر الذلّ والسقوط والانحدار.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المرحلة بقوله سبحانه:

(فإذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدينَ).

وبهذا المضمون وردت الآية 72 من سورة ص.

والنكتة الجديرة بالذكر هنا والتي تنفع لرفع التوهّم الذي قد يحصل من خلال ظاهر الآية، وهي : إنّ من الثابت قطعاً أنّ اللّه سبحانه ليس بجسم ولا روح لكي ينفخ في الإنسان منها، وإنّما عبّر عنها بهذا الأُسلوب وأضافها إليه لغرض بيان عظمة الروح الإنسانية كما أضاف سبحانه الكعبة المشرّفة إليه، وقال جلّ شأنه:

(...أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ للطَّائِفينَ...)(1).(2)


1 . البقرة:125.

2 . منشور جاويد:11/18ـ 24 و ج4/199ـ 203.


( 44 )

74

كيفية خلق حوّاء

سؤال: قد عرفنا كيفية خلق آدم(عليه السلام) والمراحل التي مرّت بها عملية الخلق، والآن نطرح السؤال نفسه حول زوجته حوّاء وكيفية خلقها؟

الجواب: انّ القرآن الكريم تحدّث عن خلق زوجة آدم في آية واحدة فقط حيث قال سبحانه:

(ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجالاً كَثِيراً و نِساءً...).(1)

ونحن إذا أمعنا النظر في الآية المباركة نجد أنّه قد استعمل الحرف «من» في قوله: (خَلقَ منها)، وهذا يعني انّ حوّاء من نفس الجنس الذي خلق منه آدم(عليه السلام)، لأنّ «من» هنا لبيان الجنس بمعنى أنّ البشرية ترجع إلى أب واحد وأُم واحدة وإلى زوجين متماثلين في الخلق، وانّهما جميعاً قد خلقا من التراب.

ثمّ إذا أمعنا النظر أيضاً في عملية عطف خلق حواء على آدم يتّضح لنا انّ المراحل التي طوتها عملية خلق آدم هي بعينها قد مرّت فيها عملية خلق حواء


1 . النساء:1.


( 45 )

أيضاً، وانّ الآية تهدف إلى تحقيق مفهوم أخلاقي سام طالما انتظرته البشرية طويلاً، وهو إلغاء حالة التمييز العنصري الذي ابتليت به، ذلك التمييز الكاذب الذي يبتني على مجموعة من الأمجاد الواهية كاللغة أو اللون أو الوطن أو الزمان و...، فإذن الآية تؤكد أنّ جميع البشر يرجعون إلى أصل واحد فلا مبرر لهذا التمييز المبني على العنصر أو اللغة أو الوطن، ولا فضل ولا امتياز لأحدهما على الآخر إلاّ بالتقوى.

وقد فسّر البعض حرف الجرّ في الآية «من» قائلاً: إنّه يفيد «التبعيض» والجزئية، أي انّ حواء خلقت من جسم آدم(عليه السلام)، واعتمدوا في هذا المجال على مجموعة من الروايات الضعيفة التي لا اعتبار لها في التراث الشيعي تشير إلى أنّ حواء خلقت من الضلع الأيسر لآدم. إلاّ أنّ هذا التفسير غير صحيح لوجهين:

1. إنّ الآيات التي تحدّثت عن خلق مطلق الزوجات، قد ورد فيها نفس التعبير الذي جاء بخصوص حوّاء(عليها السلام) حيث قال سبحانه:

(وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا).(1)

وهل يوجد عاقل يدّعي أنّ كلّ رجل قد خلقت منه زوجته اعتماداً على هذا التفسير؟!

فمن الواضح أنّ مراد الآية هو انّ اللّه خلقهنّ من جنسكم أيُّها الرجال، لا أنّه خلقهنّ من أعضاء جسمكم.

2. انّ فكرة خلق حواء من ضلع آدم من الأفكار التي وردت في التوراة (2)،


1 . الروم:2. وانظر النحل:72، الشورى:11، الذاريات:49.

2 . التوراة، سفر التكوين، الفصل الثاني، الجملة21، طبع لندن، عام 1856م.


( 46 )

وهذا يدلّ وبوضوح على انّ تلك الروايات هي من الموضوعات و الإسرائيليات التي دسّت في التراث الإسلامي، هذا من جهة; ومن جهة ثانية انّ هناك العديد من الروايات والأحاديث الإسلامية التي تعارض تلك الروايات و تفنّد وتكذّب فكرة الخلق تلك المزعومة(1).(2)


1 . تفسير العياشي:1/216، الحديث7.

2 . منشور جاويد:11/109ـ 110.


( 47 )

75

كيفية تناسل أولاد آدم(عليه السلام)

سؤال: من البحوث التي وقع فيها جدل ونقاش كثير هي مسألة كيفية تناسل أولاد آدم(عليه السلام) فهل تزوّج الإخوة بالأخوات؟ أم أنّهم تزوّجوا بمخلوقات أُخرى، أم ماذا؟

الجواب: لقد ورد في هذا المجال روايات عديدة وبحث عنه كثيراً، وطال فيه البحث والجدل، وتعدّدت آراء العلماء والمفكّرين، ونحن هنا نستعرض هذه الأقوال من دون أن نبيّن مختارنا من تلك الآراء:

1. انّ البشرية تنتهي إلى آدم وحواء ولم يشاركهم فيها موجود آخر، وهذا يعني أنّ الإخوة والأخوات قد تزاوجوا فيما بينهم، والمبرر لهذا القول الضرورة، أي انّ الضرورة استمرار النسل وعدم وجود زوجة أُخرى اقتضت أن يتم الزواج بهذه الطريقة.

2. النظرية الثانية تذهب إلى أنّ الإخوة لم يتزوّجوا بالأخوات وانّما خلق اللّه لهم أزواجاً من الحور، ثمّ تناسل أبناؤهم باعتبارهم أبناء عمومة.

3. النظرية الثالثة تذهب إلى أنّ أبناء آدم قد تزوّجوا بمن تبقّى من البشر


( 48 )

الذين سبقوا آدم وحواء(عليهما السلام).

صحيح انّ النسل البشري الحاضر يرجع إلى آدم(عليه السلام)، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ آدم هو الإنسان الوحيد الذي وطأت قدماه هذه الأرض.

ولقد أورد الصدوق في «الخصال» رواية تشير إلى أنّ اللّه قد خلق في الأرض سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم... ثمّ خلق اللّه عزّ وجلّ آدم أبا هذا البشر.(1)

وبما أنّ المسألة من المسائل التي تتعلّق بما قبل التاريخ لذلك من الصعب جداً إبداء الرأي فيها وبصورة قطعية.(2)


1 . الخصال:359.

2 . منشور جاويد:11/111.


( 49 )

76

بقاء نسل الإنسان الأوّل

سؤال: هل الإنسان المعاصر هو امتداد لنفس الإنسان الأوّل أم لا؟ وإذا قلنا إنّه نفس الإنسان الأوّل وامتداد له، فكيف ياترى تمّت هذه الاستمرارية والديمومة؟

الجواب: إنّ القرآن الكريم ـ و بعد أن بيّن عملية خلق الإنسان الأوّل ـ أشار إلى أنّ هذا الإنسان هو امتداد للإنسان الأوّل، وانّ هذه الاستمرارية وبقاء النسل البشري على ما هو عليه قد تمت من خلال عملية طبيعية يصطلح عليها علمياً مسألة «التلاقح» أي التلاقح بين المادة الذكرية «الحويمن» والمادة الأُنثوية«البويضة»، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القضية في العديد من الآيات وفي سور مختلفة منها قوله سبحانه:

(...وَبدَأَ خَلْقَ الإنْسانِ مِنْ طين* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَة مِنْ ماء مَهين).(1)

وقد يستعمل القرآن لفظة «ماء» في التعبير عن مادة بقاء النسل البشري،


1 . السجدة:7ـ 8.


( 50 )

وتارة أُخرى يستعمل لفظة «النطفة».(1)

ولم يكتف القرآن الكريم في الإشارة إلى خلق الإنسان وكيفية استمراريته وديموميته، بل أشار وفي آيات مختلفة إلى مراحل التكامل التي تمرّ فيها النطفة في الرحم، وخاصة في سورة المؤمنون حيث تحدث عن هذه العملية التكاملية بصورة مفصّلة وجامعة، فقال سبحانه:

(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَة فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أنْشأناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أحْسَنُ الخالِقينَ).(2)

ولا ريب انّ هذه النظرية القرآنية لعملية التكامل الإنساني، تجعل الإنسان يشعر بالاعتزاز والفخر حينما يطّلع عليها، ولا يوجد فيها من قريب أو بعيد ما يدعو إلى الشعور بالاستياء أو الحقارة والذلّ، خلافاً لبعض المدارس الفكرية التي صوّرت عملية استمرار النسل الإنساني بصورة فيها الكثير من الاستخفاف والتصغير وإشعار الإنسان بالذلّ والهوان، حيث ذهبت إلى أنّ الإنسان الحالي قد مرّ بمجموعة من الأطوار والتحوّلات، إذ كان في بداية نشأته وليد بعض الحيوانات الدانية ثمّ تطور وبسبب عوامل بيئية و... حتى انتقل إلى مرحلة وصل فيها إلى موجود شبيه بالقردة، ثمّ بعد ذلك انتقل إلى مرحلة القردية، وفي النهاية رست به سفينة التطوّر على ما هو عليه الآن. ومن الواضح انّ هذه النظرية فيها الكثير من الإساءة لمقام الإنسان ومنزلته.


1 . انظر: الفرقان:54، السجدة:8، المرسلات:20، الطارق:6، وقد جاء في هذه الآيات لفظ «الماء»،وانظر أيضاً: النحل:4، الكهف:37، الحج:5، المؤمنون:13و14، وفاطر:11، يس:77، غافر:67، النجم:46، القيامة:37، الإنسان:2، وعبس:19.

2 . المؤمنون:14.


( 51 )

نعم، إذا كان القرآن قد أشار إلى مراحل خلق آدم ومادته الأُولى وكيفية تكامل الإنسان في الرحم، ففي الواقع انّ الغرض والهدف من هذه الإشارة هو تحقيق هدف تربوي يكون عاملاً مساعداً لتكامل الإنسان في سيره المعنوي وسموّه الروحي، فحينما يفكّر الإنسان ويمعن النظر في بدايته والمراحل التي مرّ فيها وما هو عليه الآن يخضع للّه سبحانه بكلّ وجوده وتنتفي في داخله حالة الكبرياء والعجب والخيلاء، وحينئذ يضع جبهته على الأرض ساجداً للّه سبحانه وشاكراً له على عظيم نعمائه.(1)


1 . منشور جاويد:11/30ـ 31.


( 52 )

77

الفطرة والغريزة

سؤال: من المصطلحات التي يكثر تداولها في علم الكلام وغيره من العلوم مصطلحي الفطرة والغريزة، هل هما مصطلحان يشيران إلى مفهوم واحد أم أنّ بينهما تفاوتاً و اختلافاً جوهرياً؟

الجواب: الفطرة لغة كما جاء في «لسان العرب»: ابتداء الخلقة، كما قال ابن الأثير في قوله: كلّ مولود يولد على الفطرة، قال: الفَطرُ: الابتداء والاختراع، والفِطرة منه الحالة، والمعنى أنّه يولد على نوع من الجِبلّة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنّما يعدل عنه مَن يعدل لآفة من آفات البشر والتقلييد. وقيل: معناه كلّ مولود يولد على معرفة اللّه تعالى والإقرار به، فلا تجد أحداً إلاّ وهو يقرّ بأنّ له صانعاً، وإن سمّاه بغير اسمه.(1)

وبعبارة أوضح: هي صفات الإنسان الطبيعية والغير مكتسبة، ولقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم أيضاً.(2)


1 . لسان العرب:5/58، مادة «فطر».

2 . انظر الروم:30.


( 53 )

وأمّا الغريزة في اللغة: فهي بمعنى الطبيعة والسجية. وبالرغم من أنّ كلا اللفظين يرجعان من جهة الأصل إلى معنى واحد، ولكن نجد في الأعم الأغلب تطلق «الأُمور الفطرية» على تلك السلسلة من الميول والرغبات المتعالية والسامية للإنسان مثلاً: فطرة التديّن، فطرة العدالة، وفطرة البحث والتنقيب، وغير ذلك من الميول العالية.

ويستعمل مصطلح «الغريزة» في ذلك النوع من الميول والرغبات الداخلية التي لا تتوفر على تلك الخصّيصة من السمو والتعالي. بل غالباً ما تكون ذات بُعد مشترك بين الإنسان والحيوان مثل «الميول الجنسية» و«حب النفس»، ومن هذا المنطلق نجد انّ مصطلح الغريزة يطلق غالباً على الميول الحيوانية.

كذلك يمكن أن نفرق بين المصطلحين بطريقة أُخرى وهي:

الغرائز: هي تلك السلسلة من الأُمور الطبيعية التي تنبع من سجية الإنسان وذاته ولها خلفية «فيزياوية أو كيمياوية» كالغريزة الجنسية التي لها:

1. خلفية فيزياوية: تتمثّل في الرحم والبويضة.

2. خلفية كيمياوية: أي لها أثر كيمياوي خاص بها، من قبيل الترشّحات الهرمونية.

وأمّا الميول والرغبات التي لا تمتلك أيّ خلفية كيمياوية أو فيزياوية ، كالميل إلى التديّن ومعرفة اللّه والعدالة وحب النوع، فإنّ هذه الميول لا تمتلك أبداً أي خلفية من ذلك القبيل، ولا يكون لها عضو خاص في البدن يكون مظهراً لتحريك وتحفيز تلك الميول والإحساسات الداخلية، وكذلك لا يقترن تجلّي تلك الميول والرغبات بأيّ فعل أو انفعال كيمياوي.(1)


1 . منشور جاويد:4/232ـ 233.


( 54 )

78

الإنسان وتفتح الكمالات وازدهارها

سؤال: ما هي العوامل المؤثرة في تفتّح وازدهار الكمالات؟

الجواب: انّ تفتّح وازدهار المواهب والاستعدادات الإنسانية، من المسائل المهمة في «علم معرفة الإنسان»،وذلك لأنّ كلّ إنسان يخلق وهو يحمل في داخله مجموعة من الاستعدادات والمواهب، وانّ امتيازه عن الآخرين وتفاضله يكمن في تلك المواهب التي تتفتح شيئاً فشيئاً وتحت شرائط خاصة حيث تنتقل من مرحلة القوة إلى الفعلية.

وحينئذ لابدّ من السعي لمعرفة ما هي العوامل والأسباب التي يمكنها أن تفعّل تلك الثروة الطبيعية والخزين الهائل من المواهب والقدرات والاستعدادات كي يصل الإنسان في النهاية إلى كماله الوجودي وتطوّره الحقيقي؟

لقد وضّح القرآن الكريم هذه الطرق بصورة جلية والتي منها:

1. إعمال الفكر والتأمّل في معرفة ذاته والعالم

إنّ المائز الأساسي بين الإنسان والحيوانات هو تلك القدرة العقلية والجهاز


( 55 )

الفكري، وهذا المائز هو من المميزات الأساسية والمهمة، ولأهمية الفكر والتأمّل والتدبّر في الإسراع في تطوّر الإنسان وتكامله نجد القرآن الكريم قد ذكر كلمة «العقل» في 48 مورداً، و «الفكر» 18 مرة، وكلمة «اللب» 16 مرّة، و«التدبّر» أربع مرّات، وجاءت كلمة «النهى» التي هي مرادفة للعقل مرتين، وأمّا «العلم والمعرفة» الذي هو نتاج الفكر والتعقّل والتدبّر فقد جاء بجميع مشتقاته في القرآن الكريم 779مرّة .

إنّ إحدى كمالات الإنسان الوجودية هي معرفته بسر العالم وأسرار وخفايا الخلق بنحو يتمكن من خلاله قراءة لغة الخلق وفهم كوامنه بنحو يصبح العالم بعظمته أمامه وأمام الآخرين سهل الانقياد له ومطيعاً لإرادته. وهذا بالطبع ممّا تكون له عوائد بنّاءة وفوائد جمّة في رقي الإنسان وتكامله، ولا ريب انّ ذلك لا يمكن أن يحدث إلاّ في ظل إعمال الفكر والتأمّل والتدبّر، وعلى هذا الأساس ونظراً لهذه الأهمية للسير الفكري نجد القرآن الكريم يذكر الإنسان بأنّه قد فتح عينيه على هذا العالم المترامي الأطراف وهو لا يعلم شيئاً ولا يدرك ما يحيط به من أسرار وخفايا وإمكانات هائلة ولكنّه بإعمال عقله وفكره يتوصّل إلى السر الكامن في هذا العالم الفسيح، وحينئذ لابدّ له أن يخضع للّه سبحانه وتعالى بالطاعة والشكر على هذه النعمة والموهبة التي منحها له، يقول سبحانه:

(وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَوَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)

2. معرفة العلم الباعث على الكمال

صحيح انّ القرآن الكريم قد حثّ على التفكّر والتأمّل والتعمّق وإعمال


1 . النحل:78.


( 56 )

الطاقات والقدرات في عملية تحصيل العلم والمعرفة، وفتح أمام الإنسان أبواب العلم والمعرفة، ولكنّه في آيات أُخرى يؤكّد على حقيقة أُخرى وهي أنّه ليس كلّ علم أو معرفة يُعد عاملاً لكمال الإنسان وتفتّح قدراته وطاقاته وسموّه، بل العلم الذي يحمل هذه الخصيصة والميزة هو العلم الذي يدور في إطار خاص ويخضع لشرائط معيّنة، وانّ ما قد يقال من «انّ معرفة كلّ شيء خير من عدم معرفته» غير صحيح ولا يبتني على أساس محكم، بل قد يكون في بعض الأحيان ذلك العلم ـ الذي لا يخضع لأُسس خاصّة وحسابات دقيقة ـ كالسيف القاطع بيد إنسان متوحّش.

إنّ العلوم التي تأخذ بيد الإنسان نحو الكمال والرقي هي العلوم التي تحمل صبغة إلهية ورائحة دينية، التي تصنع من الإنسان موجوداً إلهياً يشعر بالرقابة الإلهية في كلّ حركاته وسكناته ولا يعمل إلاّ ما يرضي اللّه سبحانه ويسخّر علمه وقدراته في هذا الطريق.

يقول القرآن الكريم في حقّ إبراهيم(عليه السلام):

(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ).(1)

إنّ أسباب الرشد أو نفس الرشد هو في الحقيقة عين العلم والمعرفة بنظام العالم وأسراره ثمّ الانتقال إلى عالم الملكوت وعالم الغيب، وهذه الحالة من السمو والرقي التي تحصل من ذلك العلم تبين انّ ذلك العلم والمنهج الفكري الذي اعتمده الإنسان هو العلم الباعث على الكمال والرقي. ثمّ إنّ العلم الذي يجعل الإنسان يسير في إطار معرفة ذات اللّه وصفاته وأوامره ونواهيه ومعرفة الطبيعة وأسرارها، إحدى شروطه هو أن يكون عاملاً في عروج الإنسان إلى عالم الملكوت


1 . الأنبياء:51.


( 57 )

وسوقه نحو اللّه سبحانه، وخلق حالة من الارتباط بينه و بين ربّه بحيث لا يغفل عنه أبداً.

3. اجتناب التقليد الأعمى

لم يحثّ الإسلام المسلمين على طلب العلم والفكر وكشف الأسرار الخفية لهذا العالم فقط، بل حثّهم على اجتناب التقليد الأعمى والتبعيّة اللاّمدروسة والغير موزونة والتحرّز عن كلّ ما يمت إلى ذلك بصلة.

صحيح انّ إحدى الغرائز الإنسانية وميوله هي «غريزة المحاكاة» أو «الميل إلى الانسجام» وانّ هذا الميل يلازم الإنسان في جميع مراحل الحياة وفي كافة الأدوار وخاصة في دور الطفولة حيث يلعب هذا الميل دوراً أساسياً في تكامله وتطوّره بحيث إنّ الطفل الذي يفتقد هذا الميل لا يتمكّن من تعلّم الكثير من الأُمور التي تحتاج إلى نوع من التقليد والمحاكاة كالمشي والنطق و... نعم كلّ ذلك صحيح، ولكن الاستفادة الصحيحة والانتفاع الطبيعي من هذه الغريزة يتوقّف على الاستفادة منها بصورة عقلية ومنطقية متّزنة ولا يترك الأمر لهذه الغريزة بحيث تكون هي الأساس الذي يبني عليه الإنسان حياته بنحو يؤدي إلى إلغاء دور العقل والفكر والمعرفة العقلية.

إنّ هناك طائفة من الناس حاربت العقل والفكر تعصّباً منها لطريقة وسنّة ومنهج الآباء والأجداد، واتّبعوا آباءهم تبعية عمياء واضعين في أعناقهم نير الذلّ و العبودية الناتج من ذلك الميل.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى منهج عرب الجاهلية ومنطقهم وحجتهم في عدم الخضوع للحق وقبول الدين الحنيف والرسالة المحمدية ولماذا يفضلون عبادة الأوثان على عبادة اللّه الواحد القهّار؟ فقال سبحانه حاكياً جوابهم الواهي:


( 58 )

(...إِنّا وَجَدْنا آبائَنا عَلى أُمَّة وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ) .(1)

وفي آية أُخرى:

(وَإِذا قيلَ لَهُمْ تَعالَوا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) .(2)

ثمّ إنّنا إذا ما وجدنا بعض المدارس والاتّجاهات الخاوية والواهية التي لا يدعمها العقل ولا يؤيدها الفكر قد بقيت واستمرت، ففي واقع الأمر أنّ بقاء مثل تلك الاتجاهات المذهبية الواهية معلول حالة التعصّب الأعمى، ومرهون بها، ومدين لفكرة التمسّك بمنهج وطريقة السلف من الآباء والأجداد والتعصّب لها، وهذا هو الستار الذي يحجب به الإنسان نور العقل والفكر عن نفسه ويحرمها من تلك النعمة الإلهية.(3)


1 . الزخرف:23. انظر: يونس:78، الأنبياء:58، الشعراء:74، لقمان:21.

2 . المائدة:104. انظر: البقرة:170.

3 . منشور جاويد:4/295ـ 301.


( 59 )

79

حرية الإنسان ومسألة السعادة والشقاء الذاتي

سؤال: إذا قلنا إنّ الإنسان خلق حراً وانّه مختار في أفعاله وإرادته وانّه لا يوجد ما يجبره على اختيار أيّ شيء من دون إرادته ورغبته، فكيف ياترى تنسجم تلك النظرية مع ما جاء في بعض الآيات والروايات التي تشير إلى السعادة الحتمية أو الشقاء الحتمي، والذي يعني ـ بالطبع ـ أنّ الإنسان مجبر على طي طريق خاص لا يمكنه العدول عنه؟

الجواب: إنّ الإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي أن نأتي بالآيات التي تحدّثت عن مسألة «السعادة والشقاء» و دراستها وبحثها دراسة معمّقة، ليتّضح الجواب بصورة شفافة وجلية.

ومن هذه الآيات:

1. يصنّف القرآن الكريم الناس يوم القيامة إلى صنفين حيث قال سبحانه:

(يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّبِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ).(1)

ثمّ تعرّض القرآن الكريم لبيان عاقبة ونتيجة كلّ من الطائفتين وثوابهم


1 . هود:105.


( 60 )

وجزائهم حيث قال سبحانه:

(فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خالِدينَ فِيها مادامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ* وَأَمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدينَ فِيها مَا دامتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شَاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ* فَلا تَكُ فِي مِرْيَة مِمّا يَعْبُدُ هؤلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ ءاباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص).(1)

ولا ريب انّ الآيات الكريمة ناظرة إلى بيان العاقبة الحميدة لتلك الطائفة من المؤمنين الذين أعملوا إرادتهم ـ وبحرية كاملة ـ في العمل الصالح ونيل تلك العاقبة الحميدة، بمعنى أنّ عاقبة الإنسان ـ سواء كانت حميدة أو كانت سيّئة ـ مقرونة بعمله وفعله وأنّ سعادته وشقاءه مرهونان بنوع الفعل وطبيعة العمل الذي يقوم به في هذه الحياة. ومن المعلوم أنّه لا يوجد أدنى إشارة إلى حالة الجبر أو الضغط على الإنسان لاختيار طريق محدّد.

2. الآية الثانية تشير إلى أنّ المجرمين يعلّلون سبب عاقبتهم التعيسة يوم القيامة بغلبة «الشقاء عليهم» وانّهم يعلمون بتلك العاقبة السيئة في الحياة الدنيا، ولذلك ما كان بإمكانهم الخلاص منها والنجاة من مخالب تلك النتيجة الحتمية، حيث قال سبحانه حاكياً عنهم قولهم:

(أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ* قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالّينَ) .(2)

والآن لابدّ من بيان ما هو المراد من «الشقاء الدنيوي» الذي غلب على هذه


1 . هود:106ـ 109.

2 . المؤمنون:105ـ 106.


( 61 )

الطائفة من الناس؟ إذ ممّا لا ريب فيه أنّ هؤلاء قد علّلوا تلك العاقبة السيئة بغلبة الشقوة عليهم في الحياة الدنيا. وهذا يقتضي منّا أن ندرس القضية بإمعان لنرى ماذا يعنون من الشقاء الذي غلب عليهم؟ هل انّهم يرون ذلك نتيجة طبيعية لأعمالهم التي كانوا يقومون بها، أو انّهم يرون الشقاء أمراً ذاتياً لهم وملازماً لخلقهم ووجودهم ولا علاقة له بعملهم من قريب ولا من بعيد؟

إنّ ذيل الآية الكريمة يبيّن لنا أنّهم في الواقع يعتقدون انّ هذا الشقاء أمر مكتسب وناتج عن عملهم الذي يقومون به في الحياة الدنيا وانّ عملهم هذا هو الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة البائسة والشقاء، حيث قال سبحانه:

(رَبّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ).(1)

ومن المعلوم أنّ طلبهم العودة إلى الحياة الدنيا ومنحهم الفرصة للعودة مرة أُخرى لتصحيح ما صدر منهم، واعترافهم بأنّهم إن عادوا مرّة أُخرى لنفس أعمالهم السيّئة فهم مقصّرون وظالمون، فإنّ كلّ ذلك يحكي وبوضوح تام أنّهم يرون أنّ شقاءهم وسعادتهم مرتهن بنوع العمل الذي يقومون به، وأنّه يمثّل النتيجة الطبيعية لأفعالهم، وأنّهم بإمكانهم تبديل مصيرهم حسب ما يشاءُون ويرغبون، ولو كانوا يرون أنّ عاقبتهم معلولة للشقاء الذي غلب عليهم والذي لا يمكن بحال من الأحوال تغييره وتبديله، فحينئذ يكون طلبهم العودة إلى الحياة الدنيا والتعهد بعدم العودة للعمل الباطل، لغواً لا معنى له.

لأنّ المفروض أنّ صورة الخلق في الحالتين واحدة وأنّه لا خلاف بينهم في هذا القسم، ولذلك نرى الإمام الصادق(عليه السلام)يصرّح في تفسير الآية بقوله: «بأعمالهم شقوا».(2)


1 . المؤمنون:107.

2 . توحيد الصدوق:356.


( 62 )

إلى هنا اتّضح جلياً مفاد الآيتين، وأنّ الشقاوة الذاتية التي تلازم الإنسان منذ اللحظة الأُولى لولادته ولا يمكنه الخلاص منها لا معنى لها حسب الرؤية القرآنية، وأنّ القرآن ينفي ذلك ويربط القضيتين«السعادة والشقاء» بعمل الإنسان ومنهجه الذي يعتمده في الحياة الدنيا، إن كان صالحاً فهو في الآخرة من السعداء، وإن كان عمله سيّئاً فهو في الآخرة من الأشقياء.

إذا عرفنا النظرية القرآنية في هذا المجال نعطف عنان القلم لدارسة بعض الروايات التي قد يستفاد منها ـ ظاهراً ـ الشقاوة الذاتية وكذلك السعادة، لندرسها ونرى ما ترمي إليه هذه الروايات التي منها:

1. روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الَشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمّهِ».(1)

2. «النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهَبِوَالْفِضَّةِ». (2)

إنّ الحديث الأوّل ـ على فرض التسليم بصحّة سنده ـ ناظر إلى الصفات الوراثية التي يحملها الطفل وتنتقل إليه من أبويه، لأنّ الصفات الموروثة للأطفال لا تختص بالصفات البدنية والجسمية فقط، بل تعمّ الصفات الأخلاقية كالفضائل النفسية والأخلاقية أو الرذائل النفسية; فالطفل الذي تنعقد نطفته من أبوين مريضين بدنياً وأخلاقياً لا ريب أنّه سيتأثر ومنذ اللحظة الأُولى بذلك الأمر، ويكون ذلك العامل مقدّمة أو مقدّمات لتوفير الأرضية المناسبة للشقاء والتعاسة (نعم نقول: إنّه يوفّر الأرضية المناسبة للسعادة أو الشقاء لا انّه يمثل العلّة التامة لذلك). وعلى العكس من ذلك الطفل الذي تنعقد نطفته من أبوين سالمين بدنياً وأخلاقياً فإنّه وبلا ريب ستتوفّر له الأرضية المناسبة للسعادة


1 . توحيد الصدوق:356، وروح البيان:1/104.

2 . الكافي:8/177، الحديث197; من لا يحضره الفقيه:4/380، الحديث 5821.


( 63 )

والنجاح.

إذاً فبما انّ الصفات الأخلاقية والنفسية من الأُمور التي تورث وتُعدّ بمثابة الأرضية المساعدة للشقاء أو السعادة، وليست هي العلّة التامّة لهما، فبالطبع انّ ذلك لا يستلزم حينئذ أي نوع من الجبر والحتمية التي لا تنفك عن الإنسان ولا يمكنه التخلّص منها.

وأمّا الحديث الثاني فإنّه في الواقع ناظر إلى بيان حقيقة أُخرى لا علاقة لها بالشقاء أو السعادة وهذه الحقيقة هي انّ الحديث يحاول التركيز على نقطة مهمة وهي انّ الناس يختلفون من ناحية الاستعدادات والمواهب الكمالية مثلهم مثل الذهب والفضة في الخلق، فإنّ الصفات الكامنة في الذهب غير الصفات الكامنة في الفضة وغيرها من المعادن، وأنّ كلّ مخلوق في الواقع خلق للقيام بمهمة خاصة وتنفيذ ما يراد منه بمقدار ما منح من الاستعدادات والمواهب والصفات.

وفي الختام نشير إلى الحديث المروي عن الإمام الكاظم(عليه السلام) في هذا المجال:

عن محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام) عن معنى قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعيدُمَنْ سَعِدَ في بَطْنِ أُمّهِ» فقال: «الشقي من علم اللّه وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم اللّه وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال السعداء».

قلت له: فما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عزّ وجلّ:(وَما خَلَقت الجنّ والإِنس إِلاّ ليعبدُون)، فيسّر كلاً لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى»(1).(2)


1 . توحيد الصدوق:356، الحديث3.

2 . منشور جاويد:4/385ـ 388.


( 64 )

80

حرية الإنسان ومسألة الهداية والضلال الإلهي

سؤال : إذا كان الإنسان حرّاً في مسيرته وأنّه يقف على مفترق طريقي الهداية والضلالة بحرية تامة، وأنّ زمام الأُمور بيده فله أن يختار طريق السعادة والفلاح، وله أن يختار طريق الضلال والشقاء والانحراف، فلماذا ياترى نجد الكثير من الآيات التي قد يستشم منها رائحة«الجبر»، وأنّ مصير الإنسان وعاقبته بيد اللّه سبحانه هو الذي يختار له ما يشاء، كما في الآيات التالية:

(...فيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ)(1) ،

(...وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ...)(2)،

(فَإِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي مَنْ يَشاءُ...).(3)

فإنّ ظاهر هذه الآيات المباركة أنّ مسألة الهداية والضلالة تابعة للإرادة الإلهية وانّ زمام الأُمور هنا بيد اللّه سبحانه، وأنّ الإنسان ليس حراً في مقابل الإرادة


1 . إبراهيم:4.

2 . النحل:93.

3 . فاطر:8.


( 65 )

الإلهية. أمام هذه الصراحة كيف نوجه حرية الإنسان أمام الإرادة والمشيئة الإلهية؟

الجواب: انّ بحث الهداية والضلال من وجهة نظر القرآن الكريم من البحوث المعمّقة والواسعة النطاق والمفصّلة، بحيث إنّ دراستها دراسة كاملة وشاملة تستدعي أن نأتي بجميع الآيات الواردة في هذا المجال وتسليط الضوء على جميع زوايا تلك الآيات وبيان أسرارها والنكات الكامنة فيها لنستخلص النظرية القرآنية في هذا المجال، وبما أنّ ذلك يستدعي بحثاً مفصلاً لا ينسجم مع هدف هذا الكتاب، لذلك سوف نركّز البحث على نوع واحد من الآيات وهي الآيات التي تقول: (فيضل من يشاء و يهدي من يشاء).

الحقيقة انّ الاستدلال بهذا الطيف من الآيات القرآنية لإثبات نظرية «الجبر» يُعدّ غفلة عن هدف الآيات المذكورة، والسبب في هذه الغفلة هو الخلط بين نوعين من الهداية وعدم التفكيك بينهما، وهما: «الهداية العامة» والأُخرى«الهداية الخاصة»، فإذا سلّطنا الضوء على هذين النوعين من الهداية يتّضح وبجلاء مفهوم تلك الآيات والمراد منها، وستنتفي حينئذ فكرة الجبر بالكامل.

الهداية العامّة والخاصّة

من المعلوم أنّ اللّه سبحانه هو مفيض كلّ شيء ومن الأُمور التي يفيضها «فيض الهداية» وانّ له سبحانه نوعين من الإرشاد والهداية، إحداهما عام وشامل بحيث يستوعب ويشمل جميع أفراد الإنسان، والآخر هو الفيض والإرشاد الخاص وهو الذي يشمل بعض الأفراد الذين استفادوا من الهداية العامة على أحسن وجه وأكمله، إذ لو انّ هذه الفئة من الناس لم تستغل الهداية العامة والفيض الشامل بصورة صحيحة، فحينئذ لا تصل النوبة إلى مرحلة الهداية الخاصة ولا يشملها


( 66 )

هذا الفيض أبداً.

فالهداية العامّة تتلخّص في نوعين من الهداية، هما:

الف: الهداية العامة التكوينية

والمقصود هنا انّ اللّه سبحانه خلق جميع الموجودات وبيّن لكلّ مخلوق مهمته والوظائف التي ينبغي عليه القيام بها والمسؤوليات التي لابدّ من تحمّلها. يقول سبحانه في هذا الخصوص:

(...رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) .(1)

ومن الواضح أنّ في هذا النوع من الهداية لا يوجد أدنى استثناء وتمييز وتفاضل، بل حتّى الأفعال التي تنطلق من الحالة الغريزية لبعض الحيوانات والأعمال المنظمة والموزونة التي تصدر منها معلولة لذلك النوع من الهداية، فضلاً عن الهداية الفطرية للإنسان، ففطرة كلّ إنسان تهديه إلى التوحيد ونبذ الشرك، وكذلك العقل الموهوب له المرشد إلى معالم الخير والصلاح.

ب: الهداية العامة التشريعية

إنّ المراد من الهداية التكوينية هو ذلك النوع من الإرشاد والهداية التي تنبع من داخل الإنسان وكيانه،وأمّا الهداية التشريعية فهي الهداية التي ترد على الإنسان من الخارج والتي تأخذ بيده في مواطن الخطر وترشده إلى ساحل الأمان وتوصله إلى ما يريده بيسر وطمأنينة، وفي هذا النوع من الهداية ـ لا يوجد أدنى تمييز وتفاضل ـ حالها حال الهداية التكوينية كما قلنا ـ حيث توفر السماء للإنسان


1 . طه:50.


( 67 )

كلّ وسائل الهداية والرشاد والصلاح والتي تتمثّل بما يلي:

1. الأنبياء والرسل(عليهم السلام).

2. الأولياء.

3. الكتب السماوية.

4. الأئمّة والقادة(عليهم السلام).

5. العلماء والمفكّرون.

وغير ذلك من الوسائل التي وضعها اللّه سبحانه تحت اختيار الجميع بنحو يتسنّى للجميع الاستفادة منها وأن ينهلوا من نميرها العذب على حد سواء بلا فرق وبلا تمايز.

وبسبب شمولية وعمومية هداية هذه المجاميع نراه سبحانه يصف «النبي الأكرم» و «القرآن» بأنّهما هاديان ومرشدان للأُمّة ويخاطب النبي الأكرم وبصراحة:

(...وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراط مُسْتَقيم).(1)

ويقول سبحانه واصفاً القرآن الكريم:

(إِنَّ هذا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...).(2)

إنّ العدل الإلهي يقتضي أن توفّر السماء للناس كافّة، جميع سبل الهداية والرشاد وتسهّل لهم الوصول إليها، وفهمها، كما أنّ وظيفة العباد ومهمتهم تقتضي أن يستفيد الإنسان ـ و من خلال الحرية التي منحت له ـ من جميع تلك السبل على أحسن ما يرام وأن يرغم أنف الشيطان وجنوده بالتراب، وأن يتوجّه نحو اللّه


1 . الشورى:2.

2 . الإسراء:9.


( 68 )

سبحانه مستعيناً بكلّ تلك النعم التي توفرت له، ومن المعلوم أنّ الاستفادة من تلك الطرق والوسائل لتحصيل هذا النوع من الهداية غير مشروط بأي شرط أو قيد، وانّ الإرادة والمشيئة الإلهية تعلّقت بأن تضع كلّ تلك الوسائل تحت تصرف جميع أفراد الإنسان واختيارهم.

الهداية الخاصة

إنّ هذا النوع من الهداية يختص بمجموعة وطائفة خاصة من الناس الذين تشملهم العناية الإلهية الخاصة، وهذه الطائفة ـ وكما قلنا ـ هي تلك المجموعة من عباد اللّه الذين استغلّوا الهداية العامة واستفادوا منها على أكمل وجه بحيث استنارت قلوبهم وأرواحهم بنور الهداية العامّة.

إنّ هذه الطائفة من الناس حينما استغلت الهداية العامّة ـ التكوينية والتشريعية ـ بالنحو الأكمل جعلت من نفسها محلاً مناسباً لنيل الفيض الإلهي الخاص والرعاية الإلهية الخاصة،وأن يشملها الإمداد الغيبي والتوفيق والتسديد الإلهي(الهداية الخاصة).

وهذه الحقيقة التي ذكرناها ـ وهي انّ الهداية الخاصة تشمل تلك الطائفة من الناس الذين استفادوا من الهداية العامة بأحسن وجه ـ هي من الحقائق التي بيّنها القرآن الكريم في آيات متعدّدة، حيث قال في بعضها:

(...إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ) .(1)

وفي آية أُخرى قال سبحانه:

(...اللّهُ يَجْتَبي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُوَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنيبُ) .(2)


1 . الرعد:27.

2 . الشورى:13.


( 69 )

إنّ المراد من كلمة (أناب) في الآية الأُولى و(ينيب) في الآية الثانية هو العودة والرجوع والالتفات إلى اللّه سبحانه بصورة متكرّرة، هو أنّ هذا النوع من الهداية من نصيب من أصغى لنداء العقل وخضع واستجاب لنداء المرشدين والمصلحين الإلهيين، ووضع نفسه في طريق الهداية الخاصة طالباً من اللّه سبحانه المزيد من التوفيق و السداد و الرعاية والعطف.

وإذا كان الملاك في شمول الهداية الخاصة للإنسان هو استغلاله لطرق الهداية العامّة على أكمل وجه، فإنّ الملاك في الضلال والخذلان الإلهي هو الإعراض والعصيان والتمرّد على الهداية العامّة وعدم الاستفادة منها بالنحو المطلوب.

يقول سبحانه:

(...فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الْفاسِقينَ).(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(...وَيُضِلُّ اللّهُ الظّالِمينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ ما يَشاءُ) .(2)

إنّ استفادة الجبر من قوله تعالى: (يضل من يشاء و يهدي من يشاء) مبني على تصوّر وحدة الضلالة والهداية، بمعنى انّهم تصوّروا أنّ للّه سبحانه وتعالى نوعاً واحداً من الهداية والضلالة وأنّها تختص بذلك الفريق الذي أراد اللّه له الهداية والرشاد ويُحرم منها الفريق الآخر، والحال أنّه يوجد هنا نوعان من الهداية: إحداهما عامّة، والأُخرى خاصة، وانّ الملازم للعدل الإلهي هو النوع الأوّل من الهداية، وأمّا


1 . الصف:5.

2 . إبراهيم:27.


( 70 )

النوع الثاني من الهداية (الهداية الخاصة) فهو رهين ببعض الشروط التي من أهمها شرط الاستفادة من النوع الأوّل من الهداية واستغلالها بحيث يضع الإنسان نفسه أمام الرحمة والفيض الإلهي لكي تشمله الرعاية والهداية الخاصة.

صحيح أنّ اللّه تعالى جعل كلا النوعين من الهداية في إطار مشيئته وإرادته، ولكن إرادته سبحانه ومشيئته لا تكون بدون ملاك وبلا جهة، بل ملاكها وجهتها هو وجود اللياقة والكفاءة والاستعداد اللازم في العبد الذي وصف في بعض الآيات بقوله تعالى:(أناب) و(ينيب) ولا شك أنّ الحصول على هذا الاستعداد، وتلك اللياقة لا يتسنّى لكلّ إنسان مهما كان.

ولتوضيح فكرة الهداية الخاصة بنحو أتم وبصورة أجلى وأوضح نأتي بالمثال التالي:

لنفرض أنّ مجموعة من الناس قد وقفوا على مفترق طرق وأنّهم يبحثون عن مكان خاص يريدون الوصول إليه، فأرشدهم أحد الأشخاص العارفين إلى الطريق، فتحرك قسم منهم باتجاه الطريق الذي أُرشدوا له، وبعد ذلك وصلوا إلى مفترق طرق وقاموا بنفس ما قاموا به في الحالة السابقة وأُرشدوا إلى الطريق. فإنّ هؤلاء وبلا شكّ سيصلون إلى المقصد الذي جاءوا من أجله، لأنّهم أذعنوا إلى إرشادات العارفين بالطريق وأهل الخبرة، وأمّا الطائفة التي بقيت واقفة في مكانها ـ مفترق الطرق الأوّل ـ أو أنّهم ساروا على خلاف ما أرشدوا إليه أوّلاً، فلا ريب أنّهم كلّما جدّوا في السير لا يزيدهم السير إلاّ بعداً عن الهدف الذي جاءوا من أجله«لأنّ العامل من غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزداده كثرة السير إلاّ بعداً».(1)


1 . الأُصول الأصيلة للفيض القاساني:148.


( 71 )

من هذا المثل يتّضح لنا أنّ اللّه سبحانه وضع الجميع ـ وطبقاً لمفاد الآيات ـ تحت الهداية العامة فقال سبحانه:

(إِنّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ...) .(1)

(وَهَدَيْناهُ النَّجدَيْنِ) .(2)

ثمّ شاء سبحانه أن يفيض مرّة أُخرى على الذين أدركوا الطريق واهتدوا إلى الحق واستفادوا من الهداية العامة، بفيض وعناية وهداية خاصة ليتسنّى لهم الوصول إلى قمة هرم الإنسانية، وقد عبّر سبحانه وتعالى عن تلك الحقيقة والنعمة الإلهية والفيض الرباني الخاص بقوله:

(وَالّذينَ اهْتَدَوا زادَهُمْ هُدىً...) .(3)

انطلاقاً من هذا الأصل نرى أنّ اللّه سبحانه وتعالى يعتبر الهداية إحدى ثمار ونتائج جهاد الإنسان وسعيه في طريق اللّه سبحانه حيث قال:

(وَالَّذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْديَنَّهُمْ سُبُلَنا...).(4)

هذا من جهة ومن جهة أُخرى تعلّقت المشيئة والإرادة الإلهية أن تترك المنحرفين والضالّين ـ الذين اختاروا طريق الانحراف والضلالة بإرادتهم، وحرموا أنفسهم من الاستفادة من المراتب العليا للهداية العامةـ لحالهم وهذا ما سبب ضلالهم وانحرافهم بصورة أشدّ، لأنّه كلّما توغّل الإنسان في الانحراف ازداد بعداً عن الحقّ، وهكذا كلّما خطا خطوة في طريق الانحراف فلا يزيده ذلك السير إلاّ بعداً عن الهدف الذي أراده اللّه له.


1 . الإنسان:3.

2 . البلد:10.

3 . محمد:17.

4 . العنكبوت:69.


( 72 )

إذاً صحيح أنّ اللّه(يضلّ من يشاء) ولكن مَن هم هؤلاء الذين يريد اللّه ضلالهم وعدم هدايتهم؟ القرآن المجيد يجيب عن هذا التساؤل قائلاً:

(...وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاّ الْفاسِقينَ) .(1)

وفي آية أُخرى:

(...فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ...) .(2)

نعم أنّ اللّه قادر على أن يأخذ بأعناق الجميع إلى طريق الهداية والصراط المستقيم وأن يجبرهم على طي هذا الطريق حيث يقول سبحانه:

(وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْس هُداها...) .(3)

ولكن في هذه الحالة لا يكون الإنسان إنساناً، بل يتحوّل إلى آلة ميكانيكية، لا تعمل بإرادتها ومشيئتها وإنّما عملها وحركتها تابع لإرادة العامل الفنّي المشرف عليها، فمتى شاء ضغط على زر التشغيل فتعمل ومتى شاء أطفأها، وانّها لا تملك القدرة على العصيان أو التمرّد أمام إرادة العامل القاهرة لها، وكذلك يصبح الإنسان عاجزاً أيضاً عن الصمود أمام الغرائز الكامنة فيه، ولذلك سيضطر لتكييف نفسه مع تلك الغرائز والميول وينظم حياته على أساسها حاله في ذلك حال النحل، أو دودة القز أو....

ولكن شاء اللّه تعالى أن يكون الإنسان إنساناً ومخلوقاً خاصاً له إرادته ومشيئته واختياره وحريته الكاملة التي منحها اللّه تعالى له، ليتمكّن من خلال وضعها في الموضع المناسب أن ينطلق بنفسه إلى قمة هرم الكمال والرقي الإنساني


1 . البقرة:26.

2 . الصف:5.

3 . السجدة:13.


( 73 )

والسمو المعنوي.

وفي الختام إذا أردنا أن نقرّب الفكرة بمثال عرفي يمكن لنا أن نشبه لحن وطريقة الخطاب القرآني في الآيات المذكورة، بلحن وطريقة مخاطبة المعلم لتلامذته حيث يقول لهم: أنا قد بيّنت لكم الدرس بصورة واضحة وأزلت من إمامكم كلّ حالات الغموض والإبهام الموجودة في المادة، فما بقي عليكم إلاّ المثابرة والجد والدراسة على أحسن وجه، فمن يفعل منكم ذلك فسأمنحه الدرجة الكاملة، و أُفيض عليه عطايا أُخرى حسب إرادتي ومشيئتي.

فمن الواضح هنا أنّ المعلم قد ربط مسألة الفيض على الطالب أو عدم الفيض بإرادته ولكنّه في نفس الوقت لاحظ صلاحيات الطالب ومواهبه واستعدادته ومدى استفادته من الجهود التي بذلها الأُستاذ في بيان الدرسي وتوضيحه.(1)


1 . منشور جاويد:4/378ـ 385.


( 74 )

81

الخير والشر في الإنسان

سؤال: هل الإنسان خليط من الخير والشر أم أنّه خير مطلق أو شر مطلق؟

الجواب: يوجد في خلق الإنسان وطبيعته مجموعة من الدوافع المختلفة وإذا كان يمتلك صفات من قبيل «طلب الحق» و «حب الحقيقة» و «طلب العدالة» و«إرادة الخير» ففي المقابل أيضاً توجد فيه العديد من عوامل وصفات الجذب من قبيل«الأنانية والنفعية، وطلب الجاه والثروة، والشهرة» ويستحيل أن ينظر إلى هذين العاملين الدفع والجذب بنظرة واحدة، إذ من المسلّم به انّ إحدى هاتين الخاصيتين تنبع من الروح الملكوتية والأُخرى وليدة الجانب المادي في الإنسان.

وعلى هذا الأساس يقال: انّ الإنسان مزيج وخليط من الخير والشر ومن الإيجاب والسلب.

إنّ ظاهر بعض الآيات القرآنية التي تتعلّق بخلق الإنسان تؤيد هذا النوع من التحليل البدوي، وذلك لأنّ القرآن الكريم يشير إلى نقاط الضعف والقوة لدى الإنسان ويصفه بصفات مختلفة.

وها نحن نشير إلى بعض هذه الصفات ونقاط الضعف والقوة المختلفة التي وردت في تلك الآيات:


( 75 )

1. الإنسان خليفة اللّه في الأرض:

(...إِنَّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً...) .(1)

2. اللّه كرّم بني آدم:

(وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِير مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً).(2)

إنّ هذه الآيات ونظائرها تبيّن قيمة الإنسان ونقاط القوة فيه وإنّها تقودنا إلى معرفة الجانب الملكوتي الكامن في الإنسان وانّه مركز الخير والإحسان في هذا العالم.

في مقابل هذه الآيات توجد طائفة أُخرى من الآيات التي تشير إلى نقاط الضعف والخلل في الإنسان، حيث يصف القرآن الكريم الإنسان وفي آيات متعدّدة بصفات سلبية متعدّدة، وكلّ آية تشير إلى صفة من تلك الصفات.

1. انّه مخلوق عجول:

(...وَكانَ الإِنْسانُ عَجُولاً).(3)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَل...).(4)

2. انّه مخلوق مجادل:

(...وكانَ الإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً).(5)

3. الإنسان مخلوق:«هلوع» و «جزوع» و «منوع» و هذه الصفات الثلاثة تتلخّص بصفة واحدة هي «الحرص الشديد» حيث يقول سبحانه:


1 . البقرة:30.

2 . الإسراء:70.

3 . الإسراء:11.

4 . الأنبياء:37.

5 . الكهف:54.


( 76 )

(إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً).(1)

إنّ الإمعان في هذه الأبعاد السلبية للإنسان أو حسب المصطلح صفات الشر، يثبت وبجلاء انّ هذه الصفات جميعاً لم تخلق مع الإنسان منذ نشأته الأُولى، أي أنّها لم تكن من الأُمور الملازمة لخلق الإنسان وطبيعته، بل انّ هذا الشر أو هذه الصفات السلبية في الواقع وليدة طغيان بعض الغرائز الضرورية للإنسان، وبسبب غياب القيادة الصحيحة التي تتحكّم بتلك الغرائز والميول وصلت الحالة في الإنسان إلى ما وصل إليه من هذه الصفات.

فعلى سبيل المثال«الحرص والطمع» في الإنسان وليد طبيعي لحالة طغيان غريزة«حب الذات والأنانية» وغياب عامل الموازنة والتعديل الذي يمكنه أن يهذب هذه الغرائز الجامحة.

وكذلك صفة «الجدل والمجادلة» فإنّها إحدى فروع غريزة «حب الاستطلاع» ، فإنّ هذه الغريزة أوجدت في الإنسان لتأخذ بيده إلى معرفة الحقائق وكشف الأسرار والوصول إلى الكمال العلمي ولكنّها وللأسف تتحوّل في بعض الحالات إلى حالة من الجدل والعناد بسبب مجموعة من الأغراض والأهداف غير الصحيحة بحيث تخلق من الإنسان موجوداً معانداً جدلاً، و هكذا الكلام في سائر الصفات السلبية.

والشاهد على عدم ملازمة تلك الصفات السلبية لخلق الإنسان ابتداءً وانّها في الواقع وليدة طغيان الغرائز الإنسانية، هو انّ القرآن الكريم حينما يتعرض لذكر تلك الأبعاد السلبية في شخصية الإنسان، يرفقها وعلى الفور باستثناء


1 . المعارج:19ـ21.


( 77 )

الشخصيات الصابرة وأصحاب الأعمال الصالحة والحسنة من هذه الصفات السلبية، حيث يقول تعالى:

(...إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبيرٌ) .(1)

فهذا الاستثناء شاهد صدق على عدم الملازمة بين الإنسان وبين الصفات السلبية وانّها لم تخلق مع الإنسان، لأنّ الناس في الواقع متساوون في الخلق ولا تمايز ولا تفاضل بينهم من هذه الجهة، وإنّما تحدث تلك الحالات نتيجة طغيان الغرائز كما قلنا لدى الناس غير المؤمنين باللّه سبحانه، وأمّا المؤمنون منهم الذين استقاموا أمام المحرمات وصمدوا أمام المغريات وعوامل الانحراف ومسكوا بيدهم زمام الأُمور فإنّهم مصداق لقوله سبحانه:

(إِلاّ الّذينَ آمَنُوا ... وَتَواصَوا بِالصِّبر)(2) فإنّ هؤلاء منزّهون عن هذا الطغيان الغرائزي، وإنّ غرائزهم وميولهم تسير في الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى تكامل الإنسان ورقيّه.

وبعبارة أُخرى: انّ الإنسان البعيد عن تعاليم السماء والرسالة الإلهية المفعمة بالتعاليم الروحية والمعنوية، تجمح به غرائزه لتخلق منه إنساناً «عنوداً» «لجوجاً» «ظالماً» «حريصاً»، وأمّا الذي يرتوي من معين السماء العذب وينهل من ذلك النبع الصافي ويخشى اللّه تعالى حقّ خشيته فإنّه وبلا ريب ستتحول غرائزه وميوله إلى حالة أُخرى تختلف اختلافاً جوهرياً عن سابقه، بحيث تتحول تلك الغرائز والميول إلى عوامل تأثير إيجابي وبناء في حياته ومسيرة تكامله.(3)


1 . هود:10ـ11.

2 . العصر:3.

3 . منشور جاويد:4/271ـ 278.


( 78 )

82

أفضليّة الإنسان

سؤال: لا شكّ أنّ القرآن اهتم بالإنسان اهتماماً خاصاً وأولاه عناية تامّة بحيث سلط الأضواء على جميع أبعاد حياته، فما هي ياترى منزلة ومقام الإنسان وفقاً للنظرية القرآنية؟

الجواب: لقد أذهل التطوّر التكنولوجي الغربي عقول الكثير من الناس الذين يتأثرون بالعوامل الظاهرية، إلى درجة أصبح الجيل المعاصر ينظر إلى السلف الصالح نظرة ازدراء وسخرية، أو على أقل تقدير نظرة عطف و ترحّم باعتبارهم خرجوا من هذه الدنيا ولم يتنعّموا بنعيم التطوّر التكنولوجي حيث إنّهم أصمّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم وتوجّهوا بكلّ وجودهم إلى ماوراء المادة الذي لم يزدهم شيئاً!!!

إنّ عملية التطوّر الآلي خلقت تحوّلاً عظيماً في عمليتي «التوليد» و «الاستهلاك» وسهّلت عملية «اكتناز الذهب والفضّة» و «تكديس الثروات الطائلة»، و بالنتيجة حرّكت الميول والغرائز الداخلية للإنسان بحيث طغى حس وغريزة الطمع والحرص على جميع الغرائز الأُخرى بشكل واضح.

إنّ الالتفات والاهتمام بغريزة وميل خاص على حساب الغرائز والميول


( 79 )

الأُخرى وجّه ضربة قاصمة إلى الكثير من الحدود الأخلاقية بحيث أخضع شرف الإنسان وكرامته وعزّته إلى هيمنة المادة والثروة وانّ كلّ شيء يقع تحت غطاء المادة وخيمتها، ولكن القرآن الكريم على العكس من ذلك يرى أنّ كرامة الإنسان وشرفه وعزّته تكمن في الأُمور التالية:

1. أفضلية الإنسان على جميع الموجودات

إنّ الاتجاه الفكري الذي يمكن أن يحفظ للإنسان أصالته وقيمته هو المذهب الذي يرى الإنسان موجوداً مركّباً من البدن والروح، والمادة والمعنى، والفناء والبقاء، بل يرى أنّ جميع العالم مركّب من عالمي «الملك» و «الملكوت»، وإنّ على الإنسان أن لا ينخدع بظواهر الأشياء، ويتيقّن انّ كلّ ما هو موجود في هذا العالم له صورة باطنية تختلف عن صورته الظاهرية.

إنّ هكذا مذهب واتّجاه فكري يستطيع القول وبصوت محكم عن الإنسان:

(وَلَقَدْكَرَّمْنا بَني آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثير مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضيلاً) .(1)

2. إنّ الإنسان خليفة اللّه في أرضه

(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ).(2)


1 . الإسراء:70.

2 . البقرة:30.


( 80 )

إنّ المراد من خلافة اللّه في الأرض هو أن يرسم الإنسان بوجوده وجود اللّه سبحانه، وبصفاته وكمالاته كمالات اللّه وصفاته سبحانه، وبفعله وعمله يرسم ويصور أفعال اللّه سبحانه، ويكون حينئذ مرآة للحقّ تعالى.

3. الإنسان مسجود الملائكة

إنّ من الكرامات والمنح الإلهية التي أولاها اللّه سبحانه للإنسان هو أنّه تقدّست أسماؤه قد أمر ملائكته بالسجود لآدم تكريماً وتعظيماً له حيث قال عزّ من قائل:

(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ ابْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافِرينَ).(1)

إنّ هذا الأمر الإلهي والتعظيم والتكريم لم يكن أمراً اعتباطياً ومن دون أيّ ملاك، إذ لو لم يكن آدم هو زهرة الخلق وانّه المخلوق العزيز والمختار لما وقع مورداً لهذا التعظيم والتبجيل من قبل الملائكة، بل انّ الشيء الذي أوصل آدم إلى هذا المقام السامي بحيث جعله مسجوداً للملائكة هو علمه ومعرفته بأسرار ورموز عالم الخلق، الذي عجزت الملائكة عن تحمّله والقيام به، وبسبب هذه المعرفة وهذا العلم نصّبه اللّه سبحانه وتعالى خليفة له في الأرض بحيث استطاع من خلال علمه ومعرفته أن يكون مظهر صفاته وعلمه وقدرته سبحانه.

فأيّ درّة خالصة وجوهرة ثمينة كان يمثّلها آدم(عليه السلام) بحيث لم تتردد الملائكة لحظة واحدة في السجود له بأمر اللّه ووضع جباهها على الأرض تعظيماً وتكريماً لذلك المخلوق الذي هو خليفة اللّه في أرضه.


1 . البقرة:34.


( 81 )

4. تسخير العالم له

لقد سخّر اللّه سبحانه وتعالى للإنسان جميع الموجودات السماوية والأرضية، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:

(أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً...) .(1)

وفي آية أُخرى:

(وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأَرْضِ جَميعاً مِنْهُ...).(2)

ولقد أخبر سبحانه وفي آيات كثيرة انّه قد سخّر للإنسان الشمس والقمر، والليل والنهار، وعيون الماء والبحار و... كما أشار القرآن أيضاً إلى أنّ هذا التسخير إنّما هو لعظم وأهمية منزلة الإنسان من بين جميع المخلوقات بحيث سخّرت له أعظم المخلوقات وأكبرها بنحو يستطيع الاستفادة منها ويتمكّن من استغلالها في حياته، فقال سبحانه:

(وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ).(3)

ولكن هناك نكتة جديرة بالاهتمام لكي لا يقع الإنسان في الوهم، وهي أنّ المسخّر الحقيقي لهذه الأشياء هو اللّه سبحانه وليس الإنسان هو الذي يسخّر كلّ هذه الموجودات بقدرته وإرادته وإنّما هو يستطيع استغلال ذلك التسخير


1 . لقمان:20.

2 . الجاثية:13.

3 . إبراهيم:33.


( 82 )

والاستفادة منه بالنحو الذي مكّنه اللّه تعالى وأقدره عليه.

هذه سلسلة من الملاكات والصفات التي تجعل من الإنسان أفضل المخلوقات، ونحن لم نستعرض جميع تلك الملاكات والامتيازات، بل هناك الكثير منها لم نذكرها روماً للاختصار.(1)


1 . منشور جاويد:4/240، 242، 251، 262، 270.


( 83 )

83

الإنسان موجود اجتماعي

سؤال: من المعلوم أنّ الإنسان موجود اجتماعي، وهذه المسألة من الأُمور التي بحثت في أكثر من علم حيث أُثيرت هنا عدّة تساؤلات، منها هل الإنسان موجود اجتماعي بالطبع، أم بالجبر والاضطرار، أم ماذا؟

الجواب: لا ريب أنّ الإنسان الحالي يحيا حياة اجتماعية، وانّه يحصل على ما يرومه من خلال تقسيم المهام وتوزيع الأدوار، سواء كان هذا التقسيم والتوزيع والفائدة الحاصلة منها تتم بصورة عادلة أم لا، المهم انّه يسير في حياته على هذا المنهج من الحياة الاجتماعية، ومن هنا أُثيرت الكثير من التساؤلات لتعليل ذلك الميل الإنساني نحو الحياة الاجتماعية.

فهل هو وليد الفطرة؟ أي هل الإنسان اجتماعي بالطبع بحيث إنّه خلق بنحو لا يمكن له إلاّ العيش بصورة اجتماعية، بدرجة لو خالف ذلك ولم ينضو تحت مجتمع ما فإنّه حينئذ يكون حاله كحال من يسبح عكس تيار الخلق وموازينه؟

أو انّ ذلك ـ الحياة الاجتماعية ـ مقتضى الاضطرار والجبر. وبعبارة أُخرى: انّ الإنسان مجبر على اختيار الحياة الاجتماعية، بحيث لو استطاع لوحده أن يحلّ


( 84 )

جميع مشاكله ويوفر لنفسه جميع متطلّبات ومستلزمات الحياة فانّه لا يخضع أبداً لحياة المجتمع ولا ينضوي تحت أي وجود اجتماعي، وانّه لا يوثق نفسه بوثاق وقيود المجتمع وقوانينه ومقرراته؟

أو انّ ذلك وليد مجموعة من الحسابات العقلية الدقيقة للنفع والخسارة، لأنّه رأى من خلال تلك الحسابات انّه لا يمكنه أن يعيش عيشة هانئة وبرفاهية وبعيداً عن كلّ المتاعب والمشاكل إلاّ إذا انضوى تحت خيمة المجتمع؟ وكذلك أدرك ـ وفقاً لتلك الحسابات ـ انّه ليس بإمكانه ومقدوره السيطرة على جميع القوى الطبيعية والاستفادة منها على أكمل وجه من دون العيش الجماعي، وإن كان أصل الحياة البسيطة لم يتوقف على المجتمع؟

هذه ثلاث نظريات طرحت في هذا المجال، فوفقاً للنظرية الأُولى هناك عامل داخلي يسوق الإنسان نحو الحياة الاجتماعية حالها حال الحياة الزوجية ـ بين الرجل والمرأة ـ النابعة من فطرة الإنسان وجبلته التي تسوقه إلى تشكيل مجتمع مصغّر يتمثّل في الحياة الأُسرية، بحيث تُعد حالة العزوبة والانفراد لكلّ من الذكر والأُنثى بمنزلة فقد عضو من أعضاء البدن الذي لابدّ من إعادته إلى مكانه بأسرع وقت.

وأمّا إذا قلنا بالنظرية الثانية ـ نظرية الاضطرار للحياة الاجتماعية ـ فحينئذ يكون مثل الإنسان فيها مثل المجموعة التي تضل الطريق في الصحراء ويشتدّ بها العطش ممّا يضطرها للقيام وبصورة مجتمعة بحفر بئر للوصول إلى الماء، حيث يشترك الجميع في عملية الحفر هذه لغرض إنقاذ أنفسهم من خطر الموت عطشاً.

وأمّا إذا اعتمدنا النظرية الثالثة ـ الحسابات العقلية لمقدار النفع والخسارة ـ فحينئذ يكون مثل الإنسان مثل التاجرين اللّذين يشتركان في معاملة واحدة لتدرّ


( 85 )

عليهم أكبر قدر ممكن من المنفعة.

إنّ آيات الذكر الحكيم تشهد على أحقيّة النظرية الأُولى حيث تشير إلى أنّ العيش الجماعي معجون في خلق الإنسان وطبيعته وانّها كامنة في خلقه وفطرته، ومادام الإنسان موجوداً وفطرته باقية على سلامتها فإنّه ينجذب نحو الحياة الاجتماعية، ونحن هنا نكتفي بذكر آيتين فقط من بين تلك الآيات الكثيرة:

ألف: (يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ خَبير).(1)

ففي هذه الآية المباركة إشارة واضحة إلى فلسفة الخلقة وأنّه لماذا خلق الإنسان من شعوب وقبائل متعدّدة، وهذه الفلسفة هي: كما أنّ اختلاف الألوان والأشكال والصور تكون وسيلة للتعارف، كذلك الاختلاف في الانتماء إلى القبائل والشعوب والملل المختلفة يكون سبباً لاختلاف الناس وتعارفهم، ولا يخفى علينا أنّه إذا لم يخلق الإنسان بهذه الصور المختلفة في الانتساب وتعدّد المجتمعات والطبائع، فإنّه سيكون حينئذ كمثل مصنوعات شركة واحدة لا امتياز لبعضها على البعض الآخر ولا يمكن تمييز بعضها عن البعض الآخر.

فعلى هذا الأساس تكون عملية الحياة اجتماعياً بالنسبة إلى الإنسان من الأُمور التي خلقت وأوجدت في طبعه وفطرته منذ اليوم الأوّل، حيث خلق الإنسان لتحقيق تلك الغاية، وهذا ما يعبّر عنه: (انّ الحياة الاجتماعية مقتضى خلق الإنسان وفطرته).


1 . الحجرات:13.


( 86 )

ب: (وَهُوَ الّذي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشراً فَجَعَلَهُ نَسباً وَصهراً وَكانَ رَبّكَ قَديراً).(1)

كذلك هذه الآية تشير وبوضوح إلى أنّ صلة القرابة النسبية والسببية من الأُمور التي ولدت مع الإنسان وعجنت في فطرته وخلقته، ولذلك نجد الآية الكريمة بعد أن أشارت إلى خلق الإنسان بجملة (خلق)عطفت مسألة النسب والقرابة والمصاهرة على خلق الإنسان، فقال سبحانه: (فَجَعَلهُ نَسباً وَصهراً) إذن مادامت صلة القرابة والنسب والمصاهرة، قد أخذت في خلق الإنسان ووجوده، فلازم ذلك انّ حتمية الحياة الاجتماعية قد لوحظت هي الأُخرى، وذلك لأنّ العلاقات والأواصر السببية والنسبية سبب للترابط بين الأفراد، ولا ريب انّ هذا بعينه هو مفهوم الحياة الاجتماعية لا غير.

وبالنتيجة اتّضح جليّاً انّ الحياة الاجتماعية للإنسان هي الغاية والهدف من خلقه، وانّ ذلك النوع من الحياة لا يمكن أن يكون وليد عامل آخر غير عامل الخلق والفطرة، فلا عامل الاضطرار والجبر الخارجي، ولا عامل النفع والخسارة هو الدخيل في تشكيل الحياة الاجتماعية للإنسان، بل العامل الأساسي هو العامل الداخلي الفطري الذي خلق مع الإنسان، وهو الذي يسوقه إلى مثل هذا النمط من الحياة.(2)


1 . الفرقان:54.

2 . منشور جاويد:1/315ـ 318 و 322.


( 87 )

الفصل الثالث:

علم الاجتماع


( 88 )

( 89 )

84

مستقبل البشرية

سؤال: ما هو مصير البشرية ومستقبلها؟ وما هي بالتحديد النظرية القرآنية في خصوص مستقبل العالم ومصير البشرية؟

الجواب: لقد أولى القرآن هذه المسألة اهتماماً خاصاً وأشار إليها في آيات كثيرة ووضح وبصورة تامة مستقبل البشرية وما يؤول إليه مصير العالم، فإذا ما جمعنا تلك الآيات ودرسناها دراسة شاملة وبإمعان وتأمّل فستتّضح لنا حينئذ النظرية القرآنية في هذا المجال، ولذلك سوف نستعرض هذه الآيات التي تحدّثت عن هذه المسألة في موارد مختلفة والتي يبلغ عددها عشر آيات مباركات، نذكرها تحت العناوين التي أشارت إليها.

1. وراثة الصالحين للأرض

إنّ الرؤية المستقبلية للإنسان واهتمامه بمصيره وبمستقبله يحثّانه على التعرّف على عاقبته ومصيره وما آلت إليه الأقوام والشعوب السابقة، لأنّه ومنذ بزغ فجر التاريخ الإنساني اقترن بالنزاع والخصام بين الحقّ والباطل، وانّ النصر يكون


( 90 )

حليف الحق تارة وأُخرى حليف الباطل، أي انّ الحرب كانت بينهما سجالاً وحسب التعبير القرآني:

(...وتِلكََ الأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاس...).(1)

فبالرغم من أنّ التاريخ البشري منذ ولادة الإنسان وإلى الآن يعيش حالة الصراع والسجال وتبادل النصر والهزيمة، ولكن القرآن الكريم يقطع بأنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت بأنّ العاقبة ومستقبل البشرية سيكون من نصيب الصالحين والمؤمنين الذين سيرثون الأرض وما عليها، وانّهم سيقيمون حكومة العدل والحقّ الإلهي وسيكون زمام الأُمور بأيديهم لا بيد الباطل وأهله، وانّ العالم بأسره سينضوي تحت راية الحق والعدل ولا تقوم للباطل بعد ذلك قائمة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:

(وَلََقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْدِ الذِّكْر أَنَّ الأَرْض يَرِثُها عِبادي الصّالِحُون) .(2)

وفي آية أُخرى يقول:

(وَعََدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ...) .(3)

إنّ الاستخلاف المذكور في الآية ـ سواء قلنا: إنّهم خلفاء اللّه سبحانه، أو قلنا: إنّهم خلفاء لمن سبقهم من الناس ـ يعني القيام بتدبير الأُمور وإقامة العدل الإلهي والقسط في المجتمع، وإعمار الأرض وإصلاحها.


1 . آل عمران:140.

2 . الأنبياء:105.

3 . النور:55.


( 91 )

وفي آية ثالثة هناك إشارة إلى أنّ العاقبة للمتّقين (...وَالعاقِبَةُ لِلتَّقْوى).(1)

2. استقرار رسالة اللّه في الأرض وإشاعة الأمن

لقد وعد القرآن الكريم بأنّ الإسلام سيعمّ المعمورة بأسرها وأنّ النصر النهائي حليف المسلمين، ولكنّ هذا الوعد الإلهي ـ الذي لابدّ أن يقع يوماً ما ـ لم يتحقّق حتّى هذه اللحظة، ولكن الروايات الشريفة تؤكد انّ هذا الوعد الإلهي القطعي سيتحقّق في ظروف خاصة وفي دورة تاريخية أُخرى، وهي التي يمسك فيها زمام الأُمور كلّها آخر وصي من أوصياء الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الا وهو الحجة بن الحسن الإمام المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)، وحينئذ سيملأ الأرض ـ شرقاً وغرباً ـ قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. يقول تعالى مشيراً إلى هذا الوعد الإلهي الحقّ:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولهُ بِالهُدى وَدِين الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون).(2)

وفي آية أُخرى إشارة إلى نفس هذا المضمون ولكن بعبارة أُخرى حيث عبّرت الآية عن تلك الحقيقة بأنّ نور اللّه سبحانه لن يطفأ أبداً مهما حاولوا ذلك فقال تعالى:

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّه بِأَفْواهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُون).(3)


1 . طه:132.

2 . التوبة:33; والصف:9.

3 . الصف:8.


( 92 )

3. انتصار الأنبياء

لقد بذل الأنبياء والرسل(عليهم السلام) جهوداً حثيثة ومساعي جبارة وجهاداً عظيماً في طريق نشر رسالتهم الإلهية، ولكن وبسبب الكثير من المحاولات المضادة لم يتمكّنوا من بسط تلك الرسالة على جميع أنحاء المعمورة وفي جميع أرجاء العالم، ومن بين تلك الأسباب المانعة هي أنّهم قد واجهوا في كلّ عصر الكثير من المعاندين والمخالفين الذين تصدّوا لهذه الرسالة الإلهية الحقّة فكانوا مانعاً أساسياً في طريق الأنبياء(عليهم السلام) لتحقيق هدفهم المقدّس.

ولكنّ القرآن الكريم يؤكد أنّ هذه المواجهة والمعارضة من قبل أصحاب الباطل ما هي إلاّ مواجهة مؤقتة ستؤول إلى الاندثار والانهزام، وأنّ هذا الجدار الذي بناه الطغاة وأصحاب الباطل سينهار حتماً ـ يوماً ما ـ و أنّ رسالة الأنبياء وأولياء اللّه هي التي ستحكم الأرض وتعمّ العالم بأسره.

ولقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في آيات متعدّدة منها:

(إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيَوم يَقُومُ الأَشهاد).(1)

وفي آية أُخرى أكّد القرآن الكريم أنّ المشيئة الإلهية قد تعلّقت بأنّ النصر سيكون حليف الأنبياء ورسالتهم، حيث قال سبحانه:

(وَلَقَدْسَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلين *انّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورون* وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُون) .(2)

وقال سبحانه في آية أُخرى:


1 . غافر:51.

2 . الصافات:171ـ 173.


( 93 )

(كَتَبَ اللّهُ لأَغْلَبَنَّ أَنَا وَرُسُلي...).(1)

4. انتصار الحقّ على الباطل

إنّ آيات الذكر الحكيم كما أنّها تؤكد على أنّ النظام التكويني هو نظام الخير والصلاح وانّ الخير سيتغلب على الشر قطعاً، وكذلك ترى النظام الاجتماعي المبني على الحقّ والتوحيد والعدل هو النظام المستحكم والذي ستكون له الغلبة والانتصار على النظام الباطل المبني على الشرك والجور والطغيان، وانّ العاقبة الحميدة والنصر النهائي سيكون من نصيب الصالحين والصادقين والمؤمنين حيث قال سبحانه:

(بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِق...).(2)

وفي آية أُخرى نرى القرآن الكريم يصف الحق والباطل بأجمل وصف وأدق تعبير حيث يشبّه الحق بـ«الماء» و الباطل بـ«الزبد» وانّه خلال حركة الحقّ ومسيرته الطويلة سيمتطي الباطل ظهر الحق ويعتلي على رقبته فترة وجيزة، ولكن سرعان ما تنجلي الغبرة عن زوال الباطل «الزبد» من الوجود و تنتهي وتزول كلّ آثاره من المجتمع ولم يبق في الساحة إلاّ الحقّ الذي هو كماء الحياة يبقى يسري في العروق ليبعث فيها الدفء والحياة والحركة.

يقول سبحانه:

(...أَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرض...).(3)


1 . المجادلة:21.

2 . الأنبياء:18.

3 . الرعد:17.


( 94 )

5. الإمداد الغيبي لمستقبل البشرية

يؤكّد القرآن الكريم على حقيقة مهمة وهي أنّ مصير البشرية سيؤول إلى انتصار الحقّ حتماً، وذلك لأنّه سيظهر أفراد في المجتمع يضحّون بكلّ وجودهم ويبذلون الغالي والنفيس في نصر الإسلام والحقّ وإذلال الكفر والباطل، ولذلك يحذر اللّه سبحانه البعض من الناس انّهم في حالة انحرافهم عن الطريق القويم والصراط المستقيم وارتدادهم إلى وادي الجهل والانحراف، فإنّ عملهم هذا لن يضر الإسلام والمسلمين شيئاً وانّهم لم ولن يستطيعوا محو الرسالة الإسلامية الحقّة والقضاء عليها أبداً، وانّ التاريخ البشري يشهد أنّه في كلّ عصر تظهر مجموعة من المؤمنين الذين يحبّهم اللّه ويحبّونه، علاقتهم مع المؤمنين مبنيّة على الحب والتواضع والعزة والاحترام وانّهم أعزّة على الكافرين يدافعون وبكلّ قوّة وثبات من أجل نصر الحقّ وإعلاء كلمته يقول سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينهِ فَسَوفَ يَأتِي اللّهُ بِقَوم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونهُ أَذِلّة عَلى المُؤْمِنين أَعِزَّة عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللّهِ وَلا يَخافُونَ لَومة لائِم...).(1)

وحينئذ لابدّ من ملاحظة انّ هذه الوعود الإلهية والبشارات السماوية، بحكومة العدل الإلهي وشمول الرسالة للعالم بأسره والتي لم تتحقّق حتّى هذه اللحظة، لنرى متى يتم هذا الوعد وتتحقّق تلك الأُمنية التي طالما حلم بها الأنبياء والمرسلون والصالحون؟

إنّ الروايات الإسلامية الصحيحة هي التي تحلّ لنا هذه العقدة وتكشف


1 . المائدة:54.


( 95 )

لنا حقيقة الأمر وتضع اليد على ذلك المجهول الذي طالما انتظرنا تحقّقه، وذلك في عصر ظهور المهدي المنتظر(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) .

إنّ الروايات الكثيرة قد تحدّثت وبصورة قطعية عن تطوّر البشرية وتكاملها عقلياً وفكرياً وفي مجال التطور الصناعي والتكنولوجي، كما أنّها قد تحدّثت عن شمول العدل الإلهي لجميع ربوع المعمورة، وانّ رسالة التوحيد هي التي تعم البشرية في نهاية المطاف.

وها نحن نذكر هذه الروايات بصورة مختصرة مكتفين بذكر رواية واحدة لكلّ موضوع من المواضيع التي سنذكرها.

مستقبل البشرية وفقاً للأحاديث الإسلامية

1. تكامل العقول

لا ريب أنّ لمرور الزمان والتجارب التي خاضها الإنسان خلال رحلته الطويلة ـ سواء كانت تلك التجارب حلوة أم مرّة ـ دورها الفاعل في تطوّر العقل البشري وتكامله ونمو استعدادات الإنسان وقابلياته، حيث يدرك وفي ضوء الرعاية واللطف الإلهي، انّ جميع النظريات و الآيديولوجيات والمدارس الفكرية الوضعية عاجزة عن وضع الحلول المناسبة والعلاج الناجع لحلّ معضلة الإنسان ومشاكله الاجتماعية والروحية والنفسية، ولذلك سوف يستجيب بسرعة وبدون أدنى تردّد لنداء المحرر والمنقذ العالمي الحجة ابن الحسن المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) بكلّ اطمئنان وبكلّ ارتياح واشتياق، ولذلك ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله:


( 96 )

«إذا قام قائمنا وضع اللّه يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم».(1)

2. التطور والتكامل الصناعي

من الواضح جداً انّ الثورات والتحوّلات الاجتماعية تحتاج إلى وسائل مادّية تمكّنها من النجاح والانتشار، وهذا الأمر يسير بصورة طردية مع حركة وسعة هذه الثورة، فلا ريب أنّ الثورة العالمية تحتاج إلى وسائل وأجهزة تكنولوجية متطوّرة جداً حتّى تتمكن من إيصال ندائها إلى جميع سكان العالم في أقصى الأرض شرقاً وغرباً، وانّه من دون ذلك التطوّر والتكامل الصناعي لا يمكن أن يتسنّى للثورة الاجتماعية أن تنجح في إيصال رسالتها إلى العالم بأسره. من هذا المنطلق نجد أنّ الروايات الشريفة قد أكّدت على أنّه في عصر الإمام المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) تصل حالة التطور والتكامل العلمي إلى درجة يصبح فيها العالم بحكم القرية الواحدة وانّ من يسكن في المشرق يتحدّث إلى من يسكن في المغرب ويرى صورته.

فقد ورد عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام):

«إنّ المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه بالمغرب وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق».(2)

وهناك رواية أُخرى تسلّط الضوء على تلك الحقيقة بأوضح بيان وبصورة أجلى حيث ورد فيها:

«إنّ قائمنا إذا قام مدّاللّه لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم،


1 . منتخب الأثر: 483.

2 . منتخب الأثر: 483.


( 97 )

حتّى لا يكون بينهم و بين القائم بريد، يكلّمهم فيسمعون، و ينظرون إليه وهو في مكانه».(1)

3. هيمنة الإسلام على العالم

إنّ الأحاديث والروايات الإسلامية تطبّق البشارات القرآنية والوعد الإلهي بحاكمية الإسلام وشموليته للعالم على زمان ظهور الإمام المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) حيث يقول الإمام الباقر(عليه السلام)في هذا الخصوص:

«يبلغ سلطانه المشرق و المغرب، ويظهر اللّه عزّوجلّ به دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون».(2)

4. التكامل الأخلاقي

لقد استنتجنا من خلال البحوث السابقة انّ التكامل الحقيقي رهين بالبعدين المادي والمعنوي معاً، وانّ التكامل الآحادي الجانب ـ مادياً أو معنوياً ـ لا يُعدّ تكاملاً حقيقياً.

ولذلك نجد الروايات والأحاديث الإسلامية تؤكّد على التكامل الأخلاقي في عصر ظهور الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ)، وانّ العبارة التي يجمع على نقلها كلّ المحدّثين المسلمين نقلاً عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بانّه«يَمْلأُ الأَرضَ قِسْطاً وعَدلاً» تحكي عن تلك الحقيقة التي أشرنا إليها وهي وصول الإنسان إلى درجة عالية من التكامل والرقي الأخلاقي .


1 . منتخب الأثر: 483.

2 . منتخب الأثر:292.


( 98 )

5. تعمير الأرض وإزالة الدمار

إنّ الأحاديث الإسلامية والروايات تشير إلى أنّ الإنسان سيسيطر على جميع المقدّرات وانّه سيكشف الكنوز الكامنة في أعماق الأرض، وانّه سيتمكّن من إعمار الأرض من خلال تلك الإمكانات الهائلة التي سيحصل عليها، فقد ورد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قولهم:

«وتظهر له الكنوز ولا يبقى في الأرض خراب إلاّ يعمره».(1)

وفي النتيجة انّ جميع الحسابات العقلية والاجتماعية في خصوص مستقبل البشرية تتطابق مع الرؤية القرآنية والأحاديث الواردة عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، مع فارق واحد وهو انّ هذه الآيات والروايات تحدّد وبوضوح زمان ذلك التكامل والتطور وتحصره في زمن ظهور الإمام المهدي(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف) وتعتبر انّ جميع ذلك التطوّر والتكامل مرافق لحركة وظهور الإمام(عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف).(2)


1 . منتخب الأثر:482.

2 . منشور جاويد:1/366ـ 374.


( 99 )

85

إمكانية اتّحاد الثقافات والحضارات

سؤال: هل من الممكن أن يتّحد العالم بجميع ثقافاته وحضاراته المختلفة التي لكلّ منها نمط خاص ومنهج فريد في إدارة شؤونها، تحت راية واحدة، وينضوي تحت حكومة وثقافة واحدة؟

الجواب: إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تتوقّف على بيان طبيعة المجتمع وبيان علّة الميل الإنساني نحو الحياة الاجتماعية ـ و هذا ما بحثناه سابقاً ـ فهل ياترى أنّ الإنسان يميل إلى الحياة الاجتماعية انطلاقاً من مبدأ الفطرة باعتبار أنّ العيش الجماعي معجون في خلقته وفطرته، وهذا ما تؤكّده الآيات القرآنية والروايات الإسلامية التي ذكرناها سابقاً.

فإذا كانت حياته الاجتماعية مبتنية على هذا الأصل والأساس الباطني، فإنّه وبلا أدنى شك وريب سوف يتّجه في مسيرته نحو العيش في ظل مجتمع واحد، وانّ جميع المجتمعات والوجودات ستندمج في مجتمع واحد.

وبعبارة أُخرى: إذا كان الحاكم على الإنسان هو روح الاجتماع فانّها ستلقي بظلالها على جميع نواحي حياة الإنسان بالتدريج، وحينها ـ وبلا شكّ ـ ستّتجه جميع الثقافات والحضارات المختلفة نحو الوحدة والاتّحاد وانّها وفي


( 100 )

المستقبل القريب ـ ومن خلال التكامل الثقافي وانتشار وسائل الاتصال والحديثة والمتطورة ـ ستنحو تلك الثقافات والحضارات منحاً واحداً، وستنضوي تحت خيمة واحدة في مجتمع واحد تحكمها ثقافة واحدة ورسالة واحدة، وانّ الروح التي حثّت الإنسان وأخذت بيده لتشكيل مجتمعات صغيرة ومختلفة هي نفسها تأخذ بيده نحو الانسجام ونحو تشكيل مجتمع واحد.

ولقد ذكرت ـ و كما بيّنّا ـ لتفسير علّة ميل الإنسان نحو الحياة الاجتماعية العديد من النظريات، فبعضها ذهب إلى أنّ ذلك وليد الميل نحو الاستعمار والاستغلال والمنفعة; والأُخرى ذهبت إلى أنّ ذلك وليد الحسابات العقلية والفكرية للمصلحة والمنفعة دعته إلى انتهاج ذلك الطريق، إذ أدرك وفقاً لتلك الحسابات العقلية انّه لا يتسنّى له الحياة الهانئة والطيّبة من دون أن ينظم إلى مجتمع ما، وإلاّ فإنّه يعجز بمفرده عن الاستفادة من تلك النعم واللّذات الموجودة في العالم.

ولكن النظرية الصحيحة والتي تبتني على أُسس علمية وتؤيدها الأدلّة الحسّية والعينية وكذلك تؤيّدها الآيات القرآنية والروايات الإسلامية، هي النظرية التي ترى أنّ الإنسان «اجتماعي بالطبع» أي أنّ الميل للحياة اجتماعياً مخلوق في نفس الإنسان ومودع في فطرته.

انطلاقاً من هذه النظرية فإنّ روح الحياة الاجتماعية ـ و على مرّ التاريخ ـ تسير من البساطة إلى التكامل وستصل إلى مرحلة متطوّرة ومتكاملة اجتماعياً، بحيث تندمج جميع الثقافات والحضارات والحكومات المختلفة والمجتمعات المتعدّدة في ثقافة وحضارة وحكومة واحدة، وتوجد هناك إشارات من قريب أو بعيد لذلك في القرن العشرين.

ففي الوقت الذي نرى في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي انّ الميل


( 101 )

نحو القومية والوطنية قد اشتدّ في العالم الغربي، وأنّ الكثير من المفكّرين الغربيّين قد دعوا إلى هذا النهج وجنحوا نحو هذا التفكير الاجتماعي والسياسي ودافعوا عن ذلك بقوة وتحت واجهات مختلفة، إلاّ أنّه لم تمرّ فترة طويلة إلاّ ووجدناهم قد دعوا إلى نظرية أُخرى مخالفة لسابقتها حيث مالوا للنظرية الأُممية والدعوة نحو تشكيل حكومة عالمية واحدة، وأدركوا بحسّهم الخاص أنّ هذه الحدود المصطنعة بين الدول والشعوب لابدّ أن تزول، لأنّها هي السبب الأساسي وراء اندلاع الحروب والمعارك بين الشعوب وإراقة الدماء البشرية، وأنّه لا منجي من تلك الورطة والبأساء إلاّ بالقضاء على تلك الحدود المصطنعة وإزالتها من الوجود، ووضع الناس كافة تحت راية وحكومة واحدة.

ولقد تمخّض عن الحرب العالمية الأُولى ـ التي فتكت بالعالم بأسره ـ نشوء «عصبة الأُمم» والتي شكلت من 26 عضواً ليتسنّى لهم من خلال ذلك التشكيل أن يقفوا أمام الحروب والحدّ من النزف الدموي وحلّ المشاكل العالمية من خلال الحوار والأسلوب الدبلوماسي، ولكن لم يوفّق ذلك التشكيل من تحقيق الأهداف التي أُسس من أجلها، وذلك لأنّه ومن الأساس تأسّس بصورة ناقصة وفيها الكثير من الثغرات ونقاط الخلل، ولذلك نجده لم يتمكن من الحيلولة دون نشوب الحرب العالمية الثانية.

وفي أثناء الحرب العالمية الثانية فكّر ساسة العالم ومفكّروه في تأسيس كيان أكثر فاعلية من سابقه يتحلّى بالواقعية والمتانة، ولذلك تمّ تأسيس «هيئة الأُمم المتحدة والاتّحادات الدولية»، وقد جاء في ميثاق الأُمم المتحدة الهدف من تأسيسها، ويتوقع المفكّرون السياسيون وكبار ساسة العالم أنّه من الممكن أن تتحول هيئة الأُمم المتحدة ـ التي هي في الواقع بمثابة برلمان عالمي ـ إلى مركز حكومة عالمية واحدة تعلن خلالها وحدة البشرية والمساواة بين الجميع.


( 102 )

وبالطبع نحن لا ندّعي أنّ هذه المنظمات استطاعت أن تحقّق الأهداف التي رسمتها، بل الذي نريد التأكيد عليه أنّ مثل هذه الأفكار الوحدوية تجول في ذهن الإنسان وقد يأتي اليوم الذي تتحقّق فيه تلك الأهداف.

إنّ هذه المؤسسات الدولية والمنظمات العالمية تشهد على أنّ إلغاء الوطنية والحدود الإقليمية وإدغام الجميع في مجتمع واحد، وتحويل الحكومات المتعدّدة إلى حكومة عالمية واحدة، ليس بالأمر المستحيل وغير الممكن، بل انّ ذلك ما دعا إليه بعض المفكّرين من حماة العولمة ـ في المؤتمر الذي عقد في طوكيو عام 1963م ـ حيث رسموا في البيان الصادر عن المؤتمر الخطوط العريضة لتلك الدولة والتي تتشكّل من:

1. مجلس نيابي واحد.

2. مجلس إداري عال.

3. جيش عالمي.

4. محكمة عالمية.(1)

إنّ هذا النوع من التفكير وتشكيل تلك المؤتمرات وعرض المشاريع الحدودية والعالمية يكشف أنّ هدف الأنبياء والصالحين في طريقه إلى التكوين والتشكّل، وانّ البذرة التي بذرها الأنبياء في طريقها إلى النمو والتفتّح، وانّ حكومة العدل الإلهية المتمثّلة في حكومة المهدي المنتظر والتي تدعو إلى الوحدة المقترنة بوحدة الثقافة والحضارة، هي أمر ممكن وقريب الوقوع وأنّ علاماتها تلوح في الأُفق.(2)


1 . لمزيد الاطّلاع حول هذه الخطوط العريضة وما يتعلّق بالحكومة الإسلامية راجع الجزء الثاني من مفاهيم القرآن في معالم الحكومة الإسلامية للشيخ جعفر السبحاني.

2 . منشور جاويد:1/362ـ 365.


( 103 )

86

الصدفة التاريخية ونقض قانون العلّية والمعلولية

سؤال: إذا قلنا إنّ المجتمعات محكومة بقانون وسنّة معينة، فكيف نفسّر الصدفة التاريخية؟ وهل أنّ هذه الصدفة نقض لقانون العلّية والمعلولية؟

الجواب: إنّ للصدفة معاني مختلفة ومتعددة، وكلّ معنى منها يتطلّب لنفسه حكماً خاصاً به، وهذه المعاني عبارة عن:

1. الصدفة: بمعنى وجود الشيء من دون علّة، الأعم من العلّة الطبيعية وغير الطبيعية.

وهذا المعنى للصدفة مرفوض من قبل المفكّرين والعلماء، ولا يوجد مفكّر ـ حقّاً ـ يؤمن بهذا المعنى من الصدفة.

نعم يوجد مفكّر واحد فقط أنكر قانون العلّيّة والمعلولية وهو الفيلسوف الإنجليزي «هيوم»، وأنّ الذي دعاه إلى اتّخاذ هذا الموقف هو انّه يعتقد أنّ الطريق الوحيد لإثبات العلوم هو الحس والتجربة فقط، وبما أنّ هذا القانون خارج عن مجال الحسّ والتجربة، ولا يمكن إثباته من خلالهما، فلذلك أنكر هيوم هذا القانون.(1)


1 . لمزيد الاطّلاع انظر كتاب «نظرية المعرفة» للأُستاذ آية اللّه السبحاني(دام ظله).


( 104 )

وإذا ما وجد من يصطلح على بعض التحوّلات الطبيعية أو التاريخية مصطلح «الصدفة» فليس مراده ـ قطعاً ـ انّ هذه التحوّلات قد حدثت من دون علّة، بل مراده هنا من لفظ «الصدفة» هو «الاتّفاق».

2. الصدفة: بمعنى صدور النظم والسنن عن سلسلة من العلل غير العاقلة وغير المدركة ومن دون أي محاسبات عقلية، وحسب الاصطلاح : تفسير العالم على أنّه وليد سلسلة من العلل المادية الفاقدة للشعور والإدراك.

إنّ الصدفة بهذا المعنى قبلها وتبنّاها المفكّرون الماديون ودافعوا عنها حيث إنّهم اعتقدوا أنّ النظام العالمي وليد انفجار هائل حدث في عالم المادة فأوجد حالات كثيرة من الفعل والانفعال أدّت إلى وجود العديد من النظم، ثمّ ومن خلال اجتماع تلك النظم الصغيرة، تولّد ذلك النظام العالمي المحيّر للعقول، فعلى هذا الأساس لا يكون النظام العالمي مولوداً بدون علّة وإنّما هم يسلّمون أنّه وليد علّة ما، ولكنّهم لا يفسّرون تلك العلّة بالعلّة العاقلة المدركة والواعية.

والحال أنّ التساؤل التالي يطرح نفسه وبقوة: هل ياترى يمكن لهذا العالم الواسع والبديع والعجيب المبتني على النظام من الذرة إلى المجرّة، أن يكون وليد تلك الصدفة والمادة الصمّاء؟!!

ونحن هنا لسنا بصدد الإجابة عن هذا التساؤل ولكن نقول على نحو الإجمال: إنّه يستحيل لهذه الصدف ان تولد حالة واحدة من مليارات الحالات المنظمة في العالم فضلاً عن تكوين كلّ هذا النظم.

3. الصدفة: بمعنى حدوث الظواهر الكونية أو التاريخية من خلال علّة وعامل، إلاّ أنّ هذا العامل وهذا السبب لا يخضع لقانون وضابطة كلّية عامّة، ولا يمكن اعتبار ظهور تلك الحوادث ـ بعد ذلك العامل أو السبب ـ قانوناً كلّياً


( 105 )

وقاعدة عامة.

إنّ الصدفة بهذا المعنى من المصطلحات الرائجة على ألسنة عموم الناس، مثلاً يقول: لقد صادفت في سفري إلى كربلاء صديقي فلاناً بعد سنين طويلة من الفراق، أو أنّه حفر بئراً فصادف كنزاً، أو غير ذلك من الأمثلة.

ومن المسلّم به انّ ظهور وحدوث تلك الوقائع ـ مشاهدة الصديق أو العثور على الكنز ـ تحت تلك الشروط لا يخضع لضابطة كلّية وقانون عام، بمعنى أنّه ليس كلّ من يسافر فإنّه سيلتقي لا محالة بصديق قد افتقده مدّة طويلة، أو كلّ مَن يحفر بئراً يعثر على كنز، بل هناك علل وشروط خاصة اقتضت أن يعثر في هذا البئر على الكنز، ولكن ذلك لا يمثل ـ أبداً ـ قاعدة كلّية وقانوناً عامّاً ودائماً.

وبالنتيجة هناك فرق أساسي بين عدم وجود العلّة أساساً وبين عدم عمومية وكلّية هذه العلّة، وحسب التعبير الفلسفي «انّ هذه الظاهرة ليست ملازمة لنوع العلّة» بمعنى أنّه «ليس كلّ حفر بئر يؤدي إلى العثور على الكنز» و إن كان الحفر في حالة خاصة قد أدّى إلى الوصول إلى تلك النتيجة.

وأمّا جواب الشطر الثاني من السؤال فهو:

إنّ تفسير الحوادث التاريخية من خلال الصدفة يتماشى مع التفسير الثالث للصدفة، فعلى سبيل المثال: يذكر المؤرخون في سبب نشوب الحرب العالمية الأُولى: انّ الحرب نشبت على أثر اغتيال ولي عهد النمسا، ممّا أدّى إلى إشعال فتيل الحرب في أُوروبا بأسرها ثمّ العالم، وهذا يعني أنّ حدثاً صغيراً قد وقع والذي قتل على أثره أحد الأُمراء، سبّب وقوع تلك الفاجعة العظيمة في العالم.

فهنا إطلاق الصدفة يراد منه أنّه وبسبب بعض الشروط والأسباب الخاصة


( 106 )

في المنطقة، اشتعل فتيل الحرب، وصار ذلك الحدث ذريعة لدخول الجيوش ميدان القتال وساحات الحرب واتّساع نطاقها ليشمل جميع العالم. ولكن هذا الحدث الناتج من قتل الأمير النمساوي، لا يمكن اعتباره قانوناً كلّياً وضابطة عامة لنشوب حروب عالمية، لأنّه طالما قتل أُمراء وأولياء عهد في العالم ومع ذلك لم تحدث في العالم أدنى ردّة فعل ولو يسيرة جداً، فضلاً عن حدوث تلك الفاجعة العظيمة.

وبالطبع أنّه كان يختفي وراء نشوب الحرب العديد من الأسباب والشروط الكثيرة من الاضطراب والفوضى السياسية والاقتصادية،والتضاد الفكري، التي برمّتها تمثّل الأرضية الأساسية للحدث وأنّ قتل ولي العهد لا يعدو عن كونه مثّل الفتيل والصاعق الذي فجر مخزن المتفجرات لا غير.

الصدفة التاريخية

حدّثنا التاريخ عن الكثير من الوقائع والحوادث ومصير الأُمم السالفة، التي من الممكن تفسيرها على أساس الصدفة بالمعنى الثالث، ويوجد في هذا المجال كم هائل من القصص بحيث لا يمكن الركون إليها جميعاً والاعتماد عليها، كذلك لا يمكن لنا نقل القسم الأكبر منها هنا، لأنّ ذلك خارج عن رسالة الكتاب، ولكن نكتفي بذكر قصتين منها فقط:

1.حاصر عماد الدولة الديلمي مدينتي اصفهان وفارس وأخرج منهما ممثل الخليفة وواليه. ولكن واجهته مشكلة خطيرة جداً كادت أن تخلق له أزمة حقيقية وهي نفاد الخزينة التي أعدّها للحرب والمواجهة، ولذلك أقلقه هذا الأمر جداً خوفاً من أن يشعر الجنود بخلو الخزينة ونفادها، ممّا يضطرهم إلى الاعتداء والتجاوز على أموال الناس وممتلكاتهم الأمر الذي يولّد ردة فعل لدى


( 107 )

الجماهير لا تحمد عقباها أبداً. فأخذ يفكر في الأمر جلياً ليرى ماذا يفعل لمعالجة هذه الأزمة الخطيرة، فرفع رأسه إلى سقف الدار وإذا بأفعى تخرج رأسها من فجوة ثمّ تختفي وراءها، وهكذا تكررت الحالة أكثر من مرّة، فأمر عماد الدولة الديلمي جنوده بإزالة سقف الدار ومتابعة أمر هذه الأفعى، فامتثل الجنود أوامره وتابعوا مسير الأفعى وإذا بهم يعثرون على خزين من العملة الذهبية القاجارية والتي كانت يطلق عليها لفظ (أشرفي) كان قد أعدّها حاكم الولاية السابق ليوم بؤسه وفاقته، فكانت من نصيب عماد الدولة وجيشه.

2. القصة الثانية في هذا المجال: انّ الأمير الساماني إسماعيل حينما هاجم «هراة» نفدت خزينته، ولكي لا يعتدي الجنود على أموال الناس أمر الجيش أن يعسكر خارج المدينة، فامتثل الجيش أوامره وخرجوا من دون تحديد الجهة والمكان الذي يريدون النزول بها، فإذا بهم يرون في السماء غراباً يحمل في منقاره قلادة، تابعوا الغراب وإذا به يضع تلك القلادة في بئر، فنزل الجنود إلى أسفل البئر فوجدوا صندوقاً من المجوهرات، اتّضح فيما بعد أنّ غلمان الأمير الصفاري عمرو بن ليث قد سرقوه من الخزينة أيام المحنة وألقوه في هذا المكان، ولكنّهم لم يوفّقوا لإخراجه والاستفادة منه.

إنّ هاتين القصتين وغيرهما من القصص تُعدّ من الحوادث الاستثنائية التي لا يمكن اعتبارها أساساً كليّاً للحركة والعمل، ولا يمكن أبداً بناء الحياة والتحرك السياسي أو العسكري اعتماداً على هذا النوع من الصدف، بل الأُمم والشعوب الحيّة والواعية تحل مشكلاتها على أساس التدبير والحكمة والتخطيط الدقيق، ولا تركن إلى الصدفة وظهور كرامات الأولياء والصالحين، بل تعتمد الجد والمثابرة للتغلّب على المصاعب وحلّ عقد الحياة التي


( 108 )

تواجههم، لأنّهم يدركون جيداً أنّ العالم يبتني على سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية، وانّ المجتمع الإنساني ملزم ـ لنيل مطالبه ـ أن يطرق باب تلك العلل والأسباب ويلج هذا الطريق للوصول إلى أهدافه ومقاصده.

إنّ الأنبياء العظام والأولياء الصالحين لم يركنوا في حياتهم ـ الفردية أو الاجتماعية ـ على المعجزة والكرامة، وما شابه ذلك، بل كانوا ـ بالإضافة إلى الركون إلى فضله سبحانه وكرمه ـ يعدّون العدّة لكلّ شيء، ويجدّون في العمل والمثابرة وبذل أقصى الجهود لنيل أهدافهم، وحتّى في الحالات التي تتأزّم فيها الأُمور وتبلغ القلوب الحناجر وتحبس الأنفاس في الصدور وتوصد جميع الأبواب والسبل، نجدهم (عليهم السلام) لا ينهزمون ولا ينحنون أمام تلك العواصف، بل يتوجّهون إلى ربّهم بالدعاء والتوسّل ـ التي تعد أيضاً من الأسباب الطبيعية التي ينبغي التمسّك بها ـ و لذلك يعتمدون على اللّه وعلى أنفسهم وجهودهم، ولا ينتظرون من الآخرين حلّ المشاكل والأزمات لهم انطلاقاً من المثل العربي السائد«نفس عصام سوّدت عصاما...».

إنّهم(عليهم السلام) لا يعتمدون في ساحة الجهاد والحرية والاستقلال على الصدفة، ولا يركنون إلى الأمل والتمنّي في أن تقع معجزة ما تحل لهم المشكلة. كلا أنّ ذلك لم يكن منهج الأنبياء والرسل والصالحين.

ثمّ إنّ القرآن الكريم يؤكد أنّ السعادة من نصيب الناس الذين يكون إيمانهم مقترناً بالعمل الصالح والجد والمثابرة،وليس اعتباطاً أن تتكرر جملة (إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات) ثلاث وستين مرّة، حيث تقرن الإيمان بالعمل، وكأنّ الإيمان الحقيقي هو ذلك الإيمان المستتبع للعمل والجد والنشاط.(1)


1 . منشور جاويد:1/345ـ 350.


( 109 )

87

التركيب بين أصالة الفرد وأصالة المجتمع

سؤال: كيف يتسنّى لنا أن نذهب إلى أصالة الفرد والمجتمع في آن واحد؟ وكيف يمكن التركيب بين هذين الأصلين؟

الجواب: في البدء لابدّ من الإشارة إلى نكتة مهمة وهي انّ النظرية الإسلامية تذهب إلى أصالة الفرد والمجتمع معاً، وترى أنّ لكلّ منهما واقعية وحقيقة، فلا تتبنّى النظرية الإسلامية أصالة الفرد بصورة محضة بنحو لا ترى للمجتمع أي وجود حقيقي ولا قانون ولا سنّة، ولا انّه قابل للإدراك والمعرفة، وانّ مصير الفرد متميّز مائة بالمائة عن مصير الأفراد الآخرين; وكذلك لا تتبنّى أصالة المجتمع المحضة بنحو لا وجود إلاّ للروح والشعور والإرادة الجماعية فقط، وانّ شعور الفرد ووجدانه إنّما هو نموذج للوجدان الجماعي، وانّ الفرد في هذا الخضم مسلوب الإرادة وفاقد للحرية والاختيار.

بل الإسلام تبنّى حلاً وسطاً واختار طريقاً معتدلاً بين النظريتين. فهو يرى أنّ للمجتمع وجوداً حقيقياً ومصيراً واقعياً وانّه قابل للإدراك والمعرفة. وفي نفس الوقت يرى أنّ للفرد شخصيته وحريته واختياره وإرادته، وحينئذ لابدّ من تسليط


( 110 )

الضوء على كيفية ذلك التنسيق، وكيف نتصوّر أنّ للمجتمع وجوداً خاصاً وعينية مستقلة غير وجود الفرد وعينيته واستقلاله؟

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لابدّ من أن نعرّج لبيان وتوضيح أنواع التركيب:

1. المركّب الحقيقي الكيمياوي

المراد من التركيب الحقيقي هنا هو: انّ أجزاء مركّب ما تؤثر بعضها في البعض الآخر وتنتج ظاهرة جديدة بماهية جديدة بنحو تذوب أجزاء المركب بعضها في البعض الآخر وتدغم بصورة تفقد تلك العناصر شخصيتها وآثارها الخاصة بها. فعلى سبيل المثال: التركيب بين عنصري «الكلور » و «الصوديوم» يؤدّي إلى وجود مادة جديدة هي كلوريد الصوديوم فيذوب كلّ من العنصرين ويفتقد أثره في المركب الجديد.

2. المركب الحقيقي الصناعي

إنّ التركيب الصناعي ـ الذي هو أحد أنواع التركيب الحقيقي ـ يتم من خلال الربط بين أجزاء وقطع آلة معينة بنحو إذا حدث خلل أو عطب في أحد هذه القطعات والأجزاء فإنّه سيؤثر وبصورة أُوتوماتيكية على القطعات والأجزاء الأُخرى ويوقفها عن العمل أيضاً.

نعم الفارق الأساسي بين المركب الطبيعي ـ الكيمياوي ـ والصناعي انّه في المركب الطبيعي الأجزاء تفقد ذاتها أوّلاً ثمّ تفقد أثرها وتذوب ـ ذاتاً وأثراً ـ في المركّب، ولكن في المركّب الصناعي تبقى الأجزاء محافظة على شخصيتها ووجودها ولكنّها تفقد استقلاليتها في التأثير، ولذلك نرى أنّ الأثر الحاصل في المركب


( 111 )

الصناعي هو نتيجة مجموع آثار لكلّ جزء جزء بصورة مترابطة.

فعلى سبيل المثال آلة النقل التي تنقل مجموعة من الناس من نقطة إلى أُخرى، فإنّ هذا النقل لا هو نتيجة جزء واحد من أجزاء تلك الآلة بصورة مستقلة، ولا هو نتيجة مجموع التأثيرات للأجزاء بصورة مستقلة وغير مترابطة، وإنّما هو وليد تأثير الجميع حال كونها مترابطة فيما بينها.

3. المركب الاعتباري

إنّ المراد من هذا النوع من التركيب هو التركيب الذهني والوحدة الاعتبارية المبتنية على أساس بعض الاعتبارات والملاحظات، حيث ينتج الذهن من خلال مجموعة من الأُمور المستقلة صورة جديدة ومفهوماً جديداً، مثلاً: عندما يجتمع عدد من الأفراد على مائدة واحدة في مكان واحد ينتج الذهن من هذه الحالة عنواناً مستقلاً يطلق عليه مفهوم «الضيافة»، وهكذا الأمر حينما ينظر الذهن إلى مجموعة كبيرة من الناس تخرج بمسيرة واحدة مردّدين شعاراً موحداً، فإنّ الذهن ينتج من خلال ضم الأفراد بعضها إلى البعض الآخر مفهوماً جديداً ووجوداً جديداً يطلق عليه اسم «المسيرة السياسية» مثلاً و يعدّ جميع الأفراد مجتمعاً واحداً.

بعد أن عرفنا أنواع التركيب الثلاثة ننتقل إلى النقطة الثانية وهي: معرفة المركب الاجتماعي، وانّه من أيّ أنواع التركيب المذكورة؟

تارة يتصوّر انّ التركيب الاجتماعي هو من نوع المركّب الاعتباري فيكون أفراد المجتمع حالهم حال أفراد الفوج العسكري الذي يجمعهم عنوان (الفوج)،وحينئذ تتكون له وحدة وعنوان خاص، أو انّ حال أفراد المجتمع حال


( 112 )

مجموعة من الأفراد الذين يجتمعون لغرض استماع خطبة أو محاضرة وبعد انتهاء الخطاب أو المحاضرة يتفرقون،ولا ريب أنّ هذه الاجتماعات لا تخلق وحدة حقيقية أو مركباً حقيقياً أو صناعياً، بل أقصى ما يوجد هو التركيب الذهني والفكري لا غير.

وقد يتصوّر انّ التركيب الاجتماعي هو تركيب ميكانيكي آلي، وذلك باعتبار انّ التركيب الميكانيكي أو المركب الصناعي، أحد أنواع المركّب الحقيقي وإن لم يكن طبيعياً، فالمركّب الصناعي كتركيب الماكنة التي ترتبط جميع أجزائها وقطعاتها بعضها مع البعض الآخر مع وجود فارق واحد بين المركب الطبيعي والصناعي، وهو انّه في المركب الطبيعي تفقد الأجزاء هويتها وتذوب في المركّب، ولكن في المركّب الصناعي تحتفظ الأجزاء بشخصيتها وهويتها، ولكنّها تفقد استقلاليتها أوّلاً ثمّ تفقد تأثيرها ثانياً، إذ ترتبط الأجزاء فيما بينها في المركّب الصناعي بنحو تكون آثارها مرتبطة بعضها بالآخر فأيّ تحول في أحد الأجزاء سينعكس على الأجزاء الأُخر، مثل كفّتي الميزان إذ التحوّل في أحدها يسبب التحوّل في الكفّة الثانية وبعد أن يتمّ التركيب الصناعي تظهر نتيجة وأثر خاص ليس هو عين أثر الأجزاء والقطعات بصورة مستقلة.

إنّ نفس هذا التصوّر ـ المركّب الصناعي ـ يمكن تصوّره في المركب الاجتماعي، وذلك لأنّ المجتمع يتشكّل من مؤسسات وهيئات أصلية وفرعية تمثّل مفاصل المجتمع،وترتبط هذه المؤسسات والأفراد بعضها بالبعض الآخر، بحيث يكون التغيير أو التحوّل في أي مؤسسة ـ سواء كانت ثقافية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية أو تربوية أو قضائية ـ موجباً للتحوّل والتغيير في المؤسسات الأُخرى، وبهذا تظهر إلى الوجود ظاهرة جديدة هي الحياة الاجتماعية ـ باعتبار كونها أثراً


( 113 )

قائماً في الكلّ ـ ولكن من دون أن يفقد الأفراد هويتهم وشخصيتهم الخاصة بهم.(1)

ويمكن أن نشبه التركيب الاجتماعي بأفراد المسرح الواحد، حيث إنّ قسماً منهم يقوم بدور الممثّلين والقسم الآخر يقوم بدور المشاهدين والمتفرجين، ولكنّهم باجتماعهم في مكان واحد ـ جميعاً ـ أفراد مسرح واحد بصورة أُوتوماتيكية.

الرؤية القرآنية للوحدة الاجتماعية

إنّ الرؤية القرآنية للتركيب الاجتماعي بنحو آخر، إذ يمكن القول: إنّ القرآن يرى المركب الاجتماعي من قبيل المركب الحقيقي لا الاعتباري ولا الصناعي ولا المركّب الكيمياوي، بل هو تركيب خاص لا نظير له، وإنّ العناصر التي تتّحد في المجتمع وتتركّب ليست هي هياكل الأفراد وأجسامهم، بل الذي يتّحد هو: الأفكار والعواطف والميول والرغبات، والإرادات،وبالنتيجة يكون النسيج تركيباً اقتصادياً ، سياسياً، مذهبياً تربوياً، ولا ريب أنّ هذا النسيج والمركب لا نظير له ولا مثيل، وذلك لأنّه حينما يتّحد الأفراد بطاقاتهم الفطرية والمكتسبة وينزلون إلى ساحة الحياة الاجتماعية، فإنّ كلّ واحد منهم يؤثر تأثيراً مباشراً في الجهات الروحية لبقية الأفراد، يفعل وينفعل، وحينئذ يكتسب المجتمع روحاً واحدة.

إنّ المجتمع الإنساني ـ وفقاً لقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَل) مجتمع مؤسساتي، بمعنى أنّه في الوقت الذي يكون فيها للأفراد شخصيتهم واستقلالهم، بنحو يمكن أن يقوم بعضهم ضد البعض الآخر، ولكن مع ذلك


1 . جامعة وتاريخ:17ـ18.


( 114 )

كلّه يكون الحاكم عليهم روح المجتمع الذي يمكن أن يسخر الجميع له، ويكون كلّ فرد بمنزلة الخلية في الجسم، فيكون المجتمع حينئذ موجوداً حياً له حياة وعمر وأجل معين خاصّ به، وانّ هذه الوحدة وهذه الحياة خاصة به ولا يشابهه فيها أيّ مخلوق آخر، وانّ هذه الوحدة وحدة حقيقية صرفة ولا شائبة فيها أبداً للوحدة المجازية.

إنّ النظرية القرآنية في خصوص أصالة المجتمع تشبهها بعض النظريات الاجتماعية كنظرية العالم الاجتماعي «دوركهيم» حيث يرى « أنّ للمجتمع تشخّصاً ووجوداً وحياة وأصالة» مع وجود تفاوت بين النظريتين حيث إنّه يميل كثيراً نحو أصالة المجتمع إلى حدّ يرى اعتبارية الفرد، فلا يستحقّ الاهتمام والالتفات إليه، بل ينبغي أن يلقى جانباً، ولكن الرؤية القرآنية بالإضافة إلى الاعتقاد بأصالة المجتمع ترى أنّ للفرد واقعية واستقلالاً وأصالة واختياراً، ولذلك ترى أنّ المركّب الاجتماعي مركّب حقيقي وليس طبيعياً ولا صناعياً فضلاً عن كونه اعتبارياً.

فكلّما قلنا: إنّ للمجتمع أصالة فإنّ لازم ذلك ـ و بصورة قهرية ـ أن تحفظ روح المجتمع وشخصيته ووحدته، كخلايا البدن الإنساني تموت وتتغيّر بصورة طبيعية، ولكن مع ذلك يبقى بدن الإنسان وهيكله سالماً.

خلاصة القول: إنّ الروابط والعلاقات بين أجزاء المجتمع الإنساني ليست من قبيل العلاقة بين اللاعبين، والمتفرجين في الألعاب الأُولمبية، الذين يجتمعون صباحاً وبعد إجراء سلسلة من الألعاب الرياضية ينفض الجميع ويذهب الكلّ إلى مكانه الذي جاء منه، كما أنّها ليست من قبيل أعضاء قافلة سياحية تجتمع في مكان ما لتكسب قسطاً من الراحة ثمّ ينهض


( 115 )

الجميع ليتوجّه كلّ منهم إلى الجهة التي يقصدها ولكنّه يحدث في الطريق حدث مفاجئ ومريع يؤدي إلى اجتماعهم مرّة أُخرى، بل انّ العلاقات والروابط والأواصر الاجتماعية أسمى من ذلك، إذ تحكمها روح واحدة هي روح المجتمع.

إنّ القرآن يذهب بعيداً جداً إلى أصالة المجتمع وواقعيته إلى حدّ يرى أنّ المجتمع مسؤولاً عمّا يقوم به من أعمال، وهذا ما أكّده قوله سبحانه:

(تِلْكَ أُمّةٌ قَدْخَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُون)(1).(2)


1 . البقرة:134و 141.

2 . منشور جاويد:1/331 ـ 337.


( 116 )

88

أصالة الفرد أو المجتمع

سؤال: من البحوث التي كثر تداولها في المصنّفات التي تبحث في مجال فلسفة التاريخ أو علم الاجتماع مسألة أصالة الفرد أو أصالة المجتمع، ما المراد من ذلك؟ وهل هناك بُعدٌ ثالث؟ وما هي النظرية الإسلامية في هذا المجال؟

الجواب: انّ طبيعة الحياة الاجتماعية للإنسان تقتضي أن ترتبط حياته ـ و بنحوما ـ بالمجتمع الذي يحيا فيه، ولكن البحث عن نوعية هذه العلاقة وحقيقتها وما هو شكلها؟ وقد ذكرت هنا مجموعة من النظريات المختلفة ونحن نشير هنا إليها بصورة مختصرة.

الف: أصالة الفرد

المراد من أصالة الفرد هو أنّ الحياة الاجتماعية والعيش بصورة جماعية ينبغي أن يكون بنحو لا تتوجّه إلى حياة الفرد وشؤونه الشخصية فيه أيّة ضربة، ولا تشكل الحياة الاجتماعية أيّة مزاحمة أو مضايقة لوجوده وحرّياته الفردية، وليس المجتمع ـ وفقاً لهذه النظرية ـ في الواقع إلاّ مجموعة من الأفراد، وانّ


( 117 )

العامل الأساسي والسبب الرئيسي لهذا الاجتماع وهذه العلاقات والحياة الاجتماعية هو تأمين وتلبية متطلبات وحاجات الفرد، والوصول إليها في ظل الحياة الاجتماعية لا غير.

وإذا ما أقدم الإنسان على سن سلسلة من القوانين والمقرّرات لتوفير النظام الاجتماعي والخضوع لها، فانّما يفعل ذلك لسبب أساسي وهو انّه يبغي من خلال هذه المقررات والرضوخ لها الوصول إلى مصالح أكبر ومنافع أفضل.

إذن وفقاً لهذه النظرية يكون فساد المجتمع هو في الحقيقة وليد فساد الفرد، كما أنّ إصلاح المجتمع يتحقّق من خلال إصلاح الفرد لا غير.

خلاصة القول: إنّ الفاعل والمحرك في جميع الميادين هو إرادة الفرد وميوله ورغباته ومصالحه، وانّه انّما يقوم بإنشاء نظم وقوانين ليتسنّى له من خلالها وتحت غطائها الوصول إلى مقاصده وميوله الشخصية الكبرى.

ب: أصالة المجتمع

المراد من أصالة المجتمع هنا أنّ الحياة الفردية للإنسان تابعة وخاضعة للمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، وذلك لأنّ الإنسان إذا كان خاضعاً للمحيط الطبيعي الذي يعيش فيه من عدّة جهات، فلا ريب أنّه كذلك يقع تحت قبضة المحيط الاجتماعي من عدّة جهات أيضاً.

وبعبارة أوضح: انّ الشيء الذي له تحقّق وواقعية وعينية في الخارج هو المجتمع والإنسان الاجتماعي لا الإنسان المستقلّ عن الآخرين، وانّ ما نراه في الواقع هم الناس الاجتماعيون الذين تربطهم علاقات وروابط اجتماعية ويحيون بصورة جماعية.

وبعبارة أُخرى: كما أنّ النظام الطبيعي تشكّل فيه الظواهر الطبيعية جزءاً


( 118 )

من النظام العام وليس لها استقلالية خاصة، فعلى سبيل المثال الأرض تعتبر جزءاً من المنظومة الشمسية وانّ ظواهر الأرض داخلة ضمن النظام العام لتلك المنظومة، كذلك الأمر بالنسبة إلى الإنسان فإنّ كلّ فرد من أفراد النوع الإنساني إنّما هو جزء من المجتمع وتابع له، وإذا ما كانت للفرد رؤية أو إرادة أو غنى أو ما شابه ذلك، فليس ذلك إلاّ انعكاساً لصدى المجتمع والعوامل الاجتماعية.

إنّ مثل الفرد في المجتمع الإنساني مثل الخلية في الجسم، إذ من الصحيح انّ للخلية حياة ونشوءاً وشكلاً خاصاً بها، ولكنّها في نفس الوقت تابعة وخاضعة في حالات الاعتدال والانحراف والصحّة والمرض إلى البدن التي تُعد جزءاً منه، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الفرد في المجتمع حيث إنّه يسير ويتحرك بالاتجاه الذي يسير ويتحرك فيه المجتمع.

إنّ أصحاب هذه النظرية يذهبون تارة ما إلى حدّ بعيد جداً حيث يرون أنّ الفرد تابع للمجتمع وخاضع له بدرجة مائة بالمائة، وانّه لا سبيل أمامه إلاّ الحياة ضمن إطار المجتمع، وأنّ إصلاح الفرد وسداده لا يتم، إلاّ من خلال إحداث انقلاب وتحوّل في المجتمع، فإذا ما أردنا أن نصلح الفرد فلابدّ من إحداث انقلاب في النظام الفاسد أوّلاً لكي يتسنّى لنا من خلال ذلك إصلاح الفرد.

نعم هناك نظرية ثالثة يمكن طرحها هنا. وهذه النظرية في الواقع تمثّل منهجاً معتدلاً بين النظريتين السابقتين، وهذه النظرية تؤيدها روح التعاليم الإسلامية، ويمكن أن نطلق عليها أنّها مزيج من «أصالة الفرد وأصالة المجتمع».

إنّ القرآن الكريم يؤكد أنّ للمجتمع الإنساني ـ وبالإضافة إلى البعدين المذكورين ـ بُعداً ثالثاً، وهو ما نطلق عليه اسم «البعد العالمي» أو «البعد


( 119 )

الإلهي».

وخلاصة ذلك: انّ عالم الوجود لا يقف موقف اللا مبالاة من عمل الإنسان وتصرّفاته، بل انّ عمل الإنسان وتصرفه يستدعي ردة فعل مناسبة من قبل عالم الوجود فالعمل الصالح يستدعي ردة فعل حسنة، والسيّئ ردة فعل سيّئة، فالحسنة تجزى بالحسنة والسيّئة بالسيّئة.

توضيح ذلك: أنّ جميع الاتّجاهات الفكرية، تنظر إلى العالم ـ باستثناء الإنسان وباقي الحيوانات ـ على أنّها وجودات جامدة فاقدة للشعور والإدراك، ويرون أنّ موقف العالم بالنسبة إلى الأعمال الصالحة والحسنة هو موقف اللامبالاة، فسواء قام الإنسان بالأعمال الحسنة أو اقترف الموبقات والسيّئات فلا يحدث ذلك أيّ ردة فعل من قبل الأرض ولا من قبل السماء، فلا فرق بالنسبة إلى المجتمع بين ظلم الحكام وعدوانهم واستهتارهم بالقيم وتهوّرهم وبين عدل الصالحين والطاهرين واستقامتهم.

إلاّ أنّ النظرية القرآنية على العكس من ذلك تماماً حيث يرى القرآن الكريم أنّ جميع الموجودات ذات شعور وإدراك خاص، وأنّ العالم لا يعيش حالة اللامبالاة بالنسبة إلى عمل الإنسان وتصرفاته. كما أنّ القرآن الكريم يعتقد أيضاً انّ هذا البُعد من أبعاد المجتمع غير قابل للإدراك من خلال مرآة القلب فقط، يقول سبحانه:

(...وَإِنْ مِنْ شَيء إِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسبيحَهُمْ...).(1)

ولكن ما هي كيفية هذا الإدراك والشعور، وكيفية هيمنته على العالم؟ وما هو


1 . الإسراء:44.


( 120 )

نوع العلاقة بين العمل الصالح والطالح للإنسان وردة الفعل الكونية الصالحة والسيّئة؟ انّ كلّ ذلك من الأُمور الخفية التي لا سبيل لنا لإدراكها إلاّ من خلال طريق واحد وهو الذي عبّرت عنه الآية : (الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب...)(1) وإن كانت حقيقة ذلك بالنسبة إلينا واضحة وجلية، ولكن الكلام في الكيفية ونوع العلاقة.

وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تشهد على وجود هذا البعد الثالث نذكر منها على سبيل المثال:

1. (ولَوْ أَنَّ أَهْـل القُـرى آمَنُـوا وَاتَّقَـوا لَفَتَحْنـا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون).(2)

فالآية صريحة في أنّ لأعمالنا الحسنة والسيّئة تأثيراً في فتح أبواب رحمة اللّه سبحانه وإغلاقها، وفتح وغلق بركات السماوات والأرض، كما أنّ الإنسان لم يتوصّل بالفعل إلى جميع علل وأسباب وأسرار العالم حتّى يمكنه حينئذ إنكار تأثير تلك الأعمال وعلّيتها.

يقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا كثر الزنا، كثر موت الفجأة»،ولا ريب انّ الإنسان لم يدرك حتى الآن العلاقة بين الزنا و بين الموت المفاجئ ـ أو ما يصطلح عليه علمياً السكتة القلبية أو الدماغية ـ و لا طريق للإنسان لكشف هذه الحقيقة المجهولة إلاّ من خلال الوحي الذي يقدر على إزاحة الستار عنها وكشف الحقيقة التي لم يتمكّن العلم ـ مع تطوره الفائق ـ إلى الوصول إليها،


1 . البقرة:3.

2 . الأعراف:96.


( 121 )

وليست هذه هي الحالة الوحيدة التي لم يدركها الإنسان، بل توجد الكثير من العوامل الخفية التي لها تأثيرها في حياة الإنسان ولم يتوصل إليها الإنسان ذلك المغرور بعقله وعلمه الناقص.

إذن هذا الحديث الشريف ونظائره في الروايات الكثيرة تكشف لنا انّ الحياة الاجتماعية هي حياة قائمة على أساس علاقات عضوية(1) بحيث تتأثّر المجاميع فيما بينها فعلاً وانفعالاً، وإن كان بعضها متنفّراً و متبرّماً من البعض الآخر.

2. إنّ الإسلام يؤكّد من جهة على تزكية النفس وتهذيب الأخلاق والحثّ على العبادات والطاعات الفردية والدعاء والتوسّل ويؤكد دائماً على حرية الإنسان وانتخابه واستقلاليته حيث يقول سبحانه:

(...لا يضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ...).(2)

ولا يسمح للإنسان الفرد أن يتدرّج ـ لتبرير انحرافه ـ بانحراف المجتمع وفساده وانّه تابع للمجتمع وخاضع له، ولا يسمح للإنسان أن يغفل عن تطهير نفسه وتزكيتها تحت هذه الذريعة.

إنّه سبحانه يخاطب يوم القيامة الناس الذين وقع عليهم الظلم والعدوان واستضعفوا في الأرض وتلوّثوا بقذارات المجتمع الظالم وعيوبه، بقوله سبحانه:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفينَ فِي الأرضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّه واسِعَة


1 . إنّ العلاقات العضوية تقابل العلاقات الميكانيكية، ففي النحو الأوّل من العلاقات يكون للمجتمع روح واحدة تحكمه وتهيمن عليه، ولكن في العلاقات الميكانيكية يفتقد المجتمع هذا النوع من العلاقة والرابطة وتكون العلاقة فيه مجرّد علاقة آلية لا غير.

2 . المائدة:105.


( 122 )

فَتُهاجِروا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً).(1)

إنّ هذه الآية ونظائرها تصرح بأنّ الإنسان هو الذي يصنع مصيره وتصرّح بإرادته واختياره، ولذلك لا يمكن أن نقول بأنّ شخصية الفرد تذوب وتفنى في المجتمع بصورة كاملة.

3. ولكن من جهة أُخرى نرى القرآن يؤكد أنّ العوامل الاجتماعية تؤثر في حياة الإنسان، ولذلك يدعو ويحثّ الناس لتطهير المجتمع من خلال فريضة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ويحذر الناس من فتنة خطرة تعمّ الجميع حيث يقول سبحانه:

(واتّقوا فِتنة لا تُصيبنّ الّذينَ ظلموا مِنْكُمْ خاصّة...) .(2)

كما أنّ للإمام الباقر(عليه السلام) في هذا المجال كلاماً قيّماً يُعدّ من جواهر الكلام ودرره حيث يقول(عليه السلام):

«فأنكروا بقلوبكم، وألفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم، ولا تخافوا في اللّه لومة لائم... فجاهدوهم بأبدانكم، وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً».(3)

فإذا كانت إرادة الفرد أسيرة لإرادة المجتمع وذائبة فيها، فلا معنى حينئذ لمثل هذا الطلب والحثّ على الجد والمثابرة والسعي من أجل تزكية النفس ومواجهة الظالمين والمنحرفين.

وأخيراً نؤكّد على نكتة مهمة جداً وهي انّ الاعتقاد بوجود هذا البعد


1 . النساء:97.

2 . الأنفال:25.

3 . الكافي:5/56.


( 123 )

(الثالث) في المجتمع له تأثير عجيب في إصلاح المجتمع واستقامته، فأيّ الاتجاهين الفكريّين يصلح المجتمع ويقوّمه؟ هل هو المنهج الذي يرى أنّ العالم يعيش حالة اللامبالاة وعدم الاهتمام بما يصدر من الإنسان من أفعال حسنة كانت أو سيّئة، ويرى أنّ العالم موجود أعمى وأصم ولا شعور له ولا حياة فلذلك لا يفعل ولا ينفعل بعمل الإنسان وما يصدر منه من ظلم أو عدل؟ أم انّ الذي يصلح المجتمع المنهج الفكري الذي يرى أنّ للعالم شعوراً وإدراكاً وانفعالاً وانّ كلّ عمل يصدر من الإنسان لا يفلت من قبضة العالم أبداً، بل لابدّ أن يقابل بردة فعل تتناسب مع الفعل حسنة وسيّئة صالحة وطالحة؟

وعلى هذا الأساس ووفقاً لهذه النظرية لابدّ أن يتصدّى لحكومة المجتمع وإدارة شؤونه طبقة من الناس الذين يدركون وجود هذا البعد في المجتمع وهذه العلاقات والروابط الاجتماعية لكي يتسنّى لهم سن القوانين والمقررات الصحيحة والمناسبة آخذين بنظر الاعتبار هذا العنصر الفاعل.

وبتعبير آخر: أي لا يغفلون هذا البعد حال رسمهم الخطط والبرامج الحياتية وسنّهم للقوانين التي تقوم عليها حركة المجتمع.(1)


1 . منشور جاويد:1/324ـ 331بتلخيص.


( 124 )

89

فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع

سؤال: من العلوم الإنسانية الرائجة حالياً فلسفـة التـاريخ وعلم الاجتماع، ما المقصود من هذين العلمين أوّلاً؟ومـا هي الفوارق الأساسية بين العلمين ثانياً؟

الجواب: المراد من فلسفة التاريخ هو: الاطّلاع على القوانين الكلية للمجتمع والتاريخ، والعلم بالتحولات والتطورات التي تحدث في المجتمعات من مرحلة إلى مرحلة، والعلم بالقوانين الحاكمة على تلك التحوّلات.

وإنّ أوّل من التفت إلى هذه المسألة وأزاح الستار عن تلك القوانين الكلية للتاريخ، ووضع أُسس هذا العلم، هو العالم المغربي المعروف «عبد الرحمن بن خلدون» المتوفّى عام 808هـ.ق. فقد كتب هذا الرجل موسوعة تاريخية تحت عنوان «العبر وديوان المبتدأ والخبر» في سبع مجلدات، ولكن هذه الموسوعة التاريخية لم تحظ بشهرة واسعة، ولكنّه في نفس الوقت كتب مقدمة لهذا التاريخ اشتهرت باسم «مقدمة ابن خلدون» هذه المقدّمة نالت حظاً وافراً من الشهرة في الأوساط العلمية حتّى أنّها ترجمت إلى أكثر من لغة، ثمّ جاء من


( 125 )

بعد ابن خلدون علماء ومفكّرون واصلوا المسير في هذا المجال حتّى تمّت أركان هذا العلم وظهر في الساحة كعلم مستقل له أُسسه وقوانينه.

يوجد إلى جانب هذا العلم علم آخر هو «علم الاجتماع» يقترب بنحو خاص من علم فلسفة التاريخ، ولكن يوجد تفاوت أساسي وواضح بين العلمين، فبما أنّ علم فلسفة التاريخ يدرس القوانين الكلية التي تحكم المجتمع والتاريخ، فلذلك لا محيص من مطالعة ودراسة التاريخ البشري بصورة كاملة وتامّة، ثمّ معرفة القوانين الكلّية التي تحكمه وتسيطر عليه، ولا يمكن أبداً الاكتفاء بدراسة مقطع خاص من التاريخ أو دراسة تاريخ مجتمع خاص من المجتمعات البشرية بصورة مبتورة عن التواريخ أو المجتمعات الأُخرى.

وليس الأمر كذلك في «علم الاجتماع»، إذ يكتفي العالم الاجتماعي بدراسة الحوادث والتحوّلات والمشاكل الحاكمة على مجتمع ما، إذ بإمكانه أن يأخذ مقطعاً زمانياً أو مكانياً خاصاً ويسلّط الأضواء عليه طبقاً لقوانين علم الاجتماع.

فعلى سبيل المثال: بإمكان العالم الاجتماعي دراسة المجتمع الإيراني في العصر الراهن قبل الثورة الإسلامية أو ما بعدها حيث بإمكانه أن يسلّط الأضواء على المسائل الاجتماعية والمشاكل الموجودة من قبيل مشكلة الإقطاعيّين والفلاحين، وأصحاب المصانع والعمّال، والطبقات الأُخرى من كأصحاب الشهادات ـ الدبلوم والبكالوريوس والماجستير و...ـ وكذلك مسألة العاطلين عن العمل، وغير ذلك من القضايا الاجتماعية، وأمّا دراسة العوامل المحركة للتاريخ والقوانين الكلية الحاكمة على المجتمع فإنّها من مهام


( 126 )

ومسؤوليات علم «فلسفة التاريخ».

بعد أن اتّضح لنا الفارق الأساسي بين العلمين، يلزم التعرّف على مفهوم «المجتمع» وتسليط الأضواء عليه.

إنّ أوّل بحث يطرح في المجتمع والتاريخ، هو التعرف على معنى الحياة الفردية والحياة الاجتماعية، وبعد التعرف على حقيقة هاتين الحياتين يتّضح وبصورة قهرية مفهوم «المجتمع».

إنّ الحياة الفردية في الحقيقة هي ما يقابل الحياة الاجتماعية حيث يتّخذ الإنسان لنفسه نمطاً من العيش يفتقر لجميع القوانين والسنن والبرامج وتوزيع الاحتياجات والمنافع، بنحو يتحمّل كلّ إنسان مسؤولية تلبية متطلّبات حياته بمفرده ويتحمّل مسؤولية توفير كلّ ذلك بمعزل عن الآخرين و لم يستعن بأحد من الناس في كلّ ذلك، وهكذا ينفرد لوحده بالمنافع التي يحصل عليها والثمار التي يجنيها من خلال جهوده ومثابرته.

إنّ هذا النمط من الحياة ـ وفقاً لرؤية العلماء ـ مخالف للطبيعة الإنسانية ولابدّ للإنسان عاجلاً أم آجلاً أن يفلت من هذا النمط الحياتي ويولّي وجهه صوب الحياة الاجتماعية.

ففي الحياة الاجتماعية تكون للحياة ماهية اجتماعية وانّ حياة الأفراد تتمّ على أساس تقسيم الثروة والمنافع، وانّ هذا التقسيم محكوم بسنن وقوانين لا يحق للأفراد تجاوزها ويجب عليهم العمل طبقها والالتزام بها.

إنّه في إطار التقسيم القائم على أساس الاحتياجات والمنافع تتولّد بين الأفراد وحدة في الفكر وفي الآيديولوجية والأهداف، وفي الأخلاق والطبائع والخصال، تربط الأفراد فيما بينهم بصورة أكبر بحيث تغرق الناس جميعاً في


( 127 )

نمط حياة مشتركة وتربطهم بمصير واحد كمثل ركاب السفينة الواحدة أو الطائرة واحدة الذين يشتركون في وحدة المكان، ووحدة المصير على متن الطائرة أو السفينة.

ويطلق على هذا النمط من الحياة والأفراد الذين يشكّلون هذا النوع من الحياة، اسم المجتمع.

إذاً، الأساس في الحياة الاجتماعية هو مسألة تقسيم الأعمال والمنافع، وحكومة الآداب والسنن، ووحدة الخلق والطبائع، ووحدة الأهداف والثقافة، وليس وحدة الماء والهواء والعيش في محيط جغرافي خاص.

ولا ريب أنّ الإنسان في حالة اختيار نمط الحياة الفردية لم يكن مسؤولاً تجاه الأفراد الآخرين بأيّ نحو من أنحاء المسؤولية، ولذلك يعيش حالة الاستقلال والحرية على العكس من الإنسان الذي يحيا حياة اجتماعية فإنّه مسؤول تجاه الآخرين، ولذلك نراه يفقد قسماً من حرّياته، وتكون حرّيته محدّدة بمصلحة ومنافع سائر أفراد المجتمع وانّها تكون محترمة مدى التزم الإنسان بمراعاة حقوق الآخرين.

وانطلاقاً من وحدة المصير هذه التي تحكم أفراد المجتمع، يكون التظاهر بالذنوب وارتكاب المعاصي جهراً وأمام الملأ العام من الأُمور المحظورة جداً في الإسلام وانّ قسماً من المسائل المتعلّقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتعلّق بهذا الموضوع، ولذلك نجد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يطرحها بقوله:

«إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلاّ صاحبها ،وإذا عمل بها علانية ولم يغيّر عليه أضرّت العامّة».(1)


1 . وسائل الشيعة:11/407، باب4 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.


( 128 )

فلسفة الرقابة العامّة

من هذا المنطلق تتّضح لنا فلسفة الرقابة العامة والتي أشار إليها القرآن الكريم تحت عنوان «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في عشرة موارد، ومن خلال ملاحظة وحدة الرابطة والعلاقة بين أفراد المجتمع والحكم الواحد الذي يخضع له المجتمع، لا يمكن اعتبار الرقابة العامة ـ التي تتم من خلال كافة أفراد المجتمع، ومن خلال إجراء المقررات، وتنفيذ القوانين وتطبيق العقوبات على المخالفين ـ مخالفة لقوانين وسنن الحرية والاستقلال، وذلك لأنّ الحياة الاجتماعية لا يمكن بحال من الأحوال أن تقوم من دون تلك المراقبة ومن دون تنفيذ القوانين والمقررات، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى انّ كلّ فرد حينما يختار الحياة الاجتماعية لابدّ أنّه قد اختار أيضاً تلك المقررات والقوانين التي ـ وبلا شكّ ـ سوف تحدُّ من صلاحياته واستقلاله وحريته.

ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن «الرقابة العامّة» بصورة مفصّلة، بل كان غرضنا في الواقع بيان قسم من القوانين والسنن التي تحكم المجتمع والتاريخ في القرآن الكريم.

وبسبب كون الحياة الاجتماعية هي حياة المسؤوليات والتعهّدات الاجتماعية، نجد القرآن الكريم قد أولاها أهمية خاصّة، ووضع على عاتق الإنسان المسلم الكثير من المسؤوليات والتكاليف تجاه المجتمع والتي تشكّل القسم الأكبر من سنن ومقررات الفقه الإسلامي، حتّى أنّها تفوق المقررات والقوانين والأحكام الفردية للإنسان المسلم.(1)


1 . منشور جاويد:1/312ـ 315.


( 129 )

الفصل الرابع:

الأخلاق والعرفان


( 130 )

( 131 )

90

آثار العبودية للّه

سؤال: ما هي الآثار والعوائد التي يحصل عليها عباد اللّه من خلال سلوك طريق العبودية للّه سبحانه؟

الجواب: لقد ذكر الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) للإنسان الكثير من المواهب والاستعدادات والقابليات الغريبة والعجيبة والمحيّرة، كما أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن أنّ الطريق الصحيح لكسب المعارف العميقة والبعيدة الغور والإصغاء لنداء الحق وكسب الكمالات الأُخرى يكمن في طريق واحد، وهو طريق العبودية للّه سبحانه.

وتوجد في الكتب الأخلاقية والعرفانية جملة معروفة ـ التي وللأسف غالباً ما تفسر تفسيراً غير صحيح ـ وهي:

«اَلْعُبُودِيَّةُ جَوْهَرَهٌ كُنْهُهَا الرُّبُوبِيَّةُ».

وليس المقصود من الربوبية هنا الإلوهية، لأنّ الإنسان الممكن يستحيل عليه أن يتجاوز حدود الإمكان، بل المقصود منها: التوجّه إلى اللّه وكسب الكمالات والقدرات والطاقات العليا والسامية، ونحن هنا نشير إلى الآثار البنّاءة والعجيبة والمحيّرة النابعة من طي طريق العبودية للّه سبحانه وسلوك الصراط المستقيم استناداً إلى الآيات القرآنية، والتي منها هيمنة الإنسان وسيطرته على نفسه وروحه وبدنه والعالم:


( 132 )

1. الهيمنة على النفس

إنّ النتيجة والثمرة الأُولى للعبودية هي هيمنة الإنسان على الرغبات والميول والنزعات النفسانية، ثم السيطرة على «النفس الأمّارة» وتقييدها وولاية الروح الإنسانية على النفس بحيث يصل الإنسان إلى درجة قصوى من الكمال الروحي يتمكّن من خلاله الإمساك بزمام «النفس الأمّارة» وكبح جماحها،بحيث يكون اختيارها بيده، وانّ هذه المرحلة من مراحل الكمال الإنساني يطلق عليها مصطلح «الولاية على النفس».

ولقد أشارت الآيات القرآنية إلى هذه المرحلة من مراحل التكامل البشري حيث قال سبحانه:

(...إنّ الصَّلوةََ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ...).(1)

بمعنى أنّ الصلاة تخلق في الإنسان ظاهرة وحالة يمكن للمصلّي من خلالها الابتعاد عن الذنوب والمعاصي.

كذلك يقول سبحانه:

(...كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كَما كُتَبِ عَلىَ الّذين مِنْ قَبْلِكُم لَعّلكُم تَتَّقُونَ ).(2)

إنّ الصيام نوع من العبودية والطاعة للذات الإلهية المقدّسة والذي يخلق في الإنسان ملكة التقوى والسيطرة والهيمنة على النفس والإمساك بزمامها، وحفظ النفس من السقوط في مهاوي الذنوب والخطايا، ثمّ الولاية على النفس والتغلّب على الهوى وخفّة العقل.


1 . العنكبوت:45.

2 . البقرة:183.


( 133 )

2. البصيرة الخاصة

من ثمار العبودية للّه سبحانه أن يكتسب الإنسان ـ و في ظل الصفاء الروحي والنور الإلهي ـ رؤية وبصيرة خاصة، يميّز من خلالها الحق عن الباطل وتجنّبه السقوط في المعاصي والذنوب والانحراف.

يقول سبحانه:

(يا أَيُّها الّذِينَ امَنُو إِنْ تَتَّقُوا اللّه يَجعَلْ لَكُمْ فْرقاناً...).(1)

إنّ المراد من (الفرقان) هو هذه البصيرة الخاصة والرؤية النافذة التي تجعل الإنسان يعرف الحق والباطل معرفة جيدة، وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(وَالذينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا...).(2)

3. السيطرة على الأفكار المتشتّتة

من الآمال التي يحلم بها الإنسان هو أن يتمكّن في أثناء أدائه للطقوس العبادية من السيطرة على قواه العقلية وتركيزها في مركز واحد، وهو الالتفات للّه تعالى وطرد ما سواه عن دائرة الفكر والذهن. إنّ الذين يفتقدون الحضور القلبي في أثناء العبادة وتسرح أفكارهم يميناً وشمالاً هؤلاء وبلا ريب تنقصهم الولاية والسيطرة على أفكارهم المتشتّتة والناتجة عن القوّة الخيالية، ولذلك تجدهم يقومون بأداء الصلاة وأفكارهم سارحة في حقول أُخرى وأرواحهم طائرة إلى أماكن بعيدة ومحاور أُخرى غير المحور الذي ينبغي التوجّه إليه، ولذلك تتحوّل أبدانهم أثناء الصلاة إلى مجرد هياكل مادية تتحرك حركات رياضية لا غير.


1 . الأنفال:29.

2 . العنكبوت:69.


( 134 )

وأمّا السائرون على طريق العبودية والباحثون عن الحقيقة، فإنّهم مهيمنون على كلّ أفكارهم وأحاسيسهم ومشاعرهم من خلال القدرة التكاملية التي حصلوا عليها في ظل العبودية للّه، كذلك هم مسلّطون على قواهم التخيّلية التي لا تستقر في مكان واحد وكأنّها كالطير الذي ينتقل من غصن إلى غصن ومن شجرة إلى شجرة. وانّ زمام تلك القوى بأيديهم وتحت إرادتهم ولذلك تجدهم في أثناء العبادة يتحلّون بدرجة من التمركز الفكري والحضور القلبي إلى درجة لا يغفلون عن اللّه سبحانه طرفة عين ويغرقون في الجمال والكمال الإلهي، حتّى يصلون إلى درجة من الفناء في الذات الإلهية بحيث يُسلّ النصل من بدنهم، أو يسقط ابن عزيز لهم من شاهق ولم يشعروا بألم النصل أو بصراخ النساء والأطفال واستغاثتهم لسقوط الطفل إلاّ بعد الفراغ من الصلاة.(1)

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا: والعبادة عند العارف رياضة ما لهممه وقوى نفسه المتوهّمة والمتخيّلة ليجرّها بالتعويد عن جناب الغرور إلى جناب الحق، فتصير مسالمة للسرّ الباطن حينما يستجلى الحق لا ينازعه، فيخلص السرّ إلى الشروق الساطع، ويصير ذلك ملكة مستقرة، كلّما شاء السر أطلع إلى نور الحقّ غير مزاحم من الهمم، بل مع تشييع منها له فيكون بكلّيّته منخرطاً في تلك القدس.(2)

4. خلع لباس البدن عن الروح

إنّ العلاقة بين الروح والبدن في عالم الطبيعة علاقة وثيقة ومبرمة فكلّ منهما محتاج إلى الآخر، فمن جهة نجد أنّ الروح لها «علاقة تدبيرية» بالنسبة


1 . إشارة إلى ما حدث بالنسبة إلى أمير المؤمنين وحفيده السجاد(عليهما السلام).

2 . الإشارات:2/370، النمط التاسع، تحت عنوان «تنبيه».


( 135 )

إلى البدن تحفظه من الفساد والخراب والتفسّخ وتحافظ على حيويته، ولكنّها من جهة أُخرى محتاجة إلى البدن في القيام بفعاليتها الخاصة، فالروح في الواقع تسمع و ترى و تتحرك و... بواسطة أعضاء البدن المادية كالأُذن والعين والرجل و....

ولكن مع ذلك كلّه نرى تارة أُخرى أنّ الروح تصل إلى درجة من الكمال والقدرة من خلال الطاعات والعبادات والارتباط بالحق تعالى، إلى درجة تستغني عن الحاجة إلى البدن حتّى يكون بإمكانها أن تنزع رداء البدن.

ولا ريب أنّه من الصعب والعسير جداً تصوّر ذلك الأمر وخاصة بالنسبة إلى الشباب الذين ينظرون إلى الأُمور نظرة مادية، ولكن ذلك لا يعسر على الباحثين عن الحق، إذ بإمكانهم متى شاءوا خلعوا رداء البدن المادي.

5. التصرّف في البدن

إنّ العبودية تمنح الإنسان قدرة عجيبة جداً إلى درجة تخضع البدن لإرادة وقدرة الروح وهيمنتها،ولذلك نجد الإنسان يقوم بأعمال خارقة للعادة، سواء في إطار بدنه الخاص أو بالنسبة إلى الآخرين.

ولقد أشار الإمام الصادق(عليه السلام) إلى هذا المعنى في الرواية التي رواها الحرّ العاملي في «وسائل الشيعة» حيث قال(عليه السلام):

«ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة».(1)

6. التصرّف في العالم

لا تنحصر ثمار العبادة والخضوع للّه سبحانه وتعالى في الهيمنة على


1 . وسائل الشيعة:1/38; والكافي:2/68 الحديث4.


( 136 )

البدن وإخضاعه لإرادة الإنسان، بل تمتدّ إلى عالم الطبيعة حيث يخضع ذلك العالم ـ و بإذن اللّه سبحانه ـ لإرادة الإنسان وقدراته الكمالية التي اكتسبها في ظل التقرّب إلى اللّه والاتّصال به والعبودية له. ولذلك يتمكّن الإنسان من القيام بسلسلة من المعجزات والكرامات والأُمور الخارقة للعادة، وفي الواقع يمتلك قدرة التصرف والتسلط على الأُمور التكوينية.

ويرشدنا إلى هذه الحقيقة الناصعة والقدرة العجيبة مطالعة الآيات التي تحدّثت عن العديد من أنبياء اللّه تعالى مثل: يوسف، داود، سليمان و... والأعمال العجيبة التي قاموا بها، ممّا يوضح لنا بجلاء انّ التصرّف في عالم التكوين ليس بالأمر المشكل والمعقّد بحيث نشك في قدرة أولياء اللّه الصالحين على القيام به.(1)


1 . منشور جاويد:5/172ـ 177.


( 137 )

91

الوجدان أو النداء الباطني

سؤال: ما هو الدور الذي يقوم به الوجدان في داخل الإنسان وطبيعته؟

الجواب: لقد أولى علماء النفس والباحثون النفسانيون هذه المسألة أهمية كبيرة في بحوثهم النفسية وسعوا إلى تحليل مسألة الوجدان وفقاً لبحوثهم التجريبية، وفي أثناء بحثهم عن الكثير من المسائل التي تتعلّق بذلك توصّلوا إلى الكثير من النتائج المهمّة في هذا المجال إلاّ أنّ النقطة التي نالت اهتماماً أكبر وحظّاً وافراً من البحث والتحليل هي مسألة دراسة وبيان الجذور الوجودية لمسألة الوجدان في الطبيعة البشرية. ونحن أيضاً نقتفي أثرهم ونركّز البحث على هذه المسألة، ونقدّم البحث فيها على سائر المسائل الأُخرى التي تتعلّق بالموضوع.

جذور الوجدان في الطبيعة البشرية

تشير التحاليل والاختبارات الكثيرة إلى وجود إدراك وقوّة خاصة في طبيعة الإنسان يشخّص من خلالها الأُمور الحميدة والحسنة ويميّز بين الأُمور الذميمة والسيّئة، ولقد أطلقوا على هذا النوع من الإدراك عنوان «الوجدانيات» ولقد عدّها


( 138 )

الفلاسفة المسلمون قسماً من العقل العملي.

إنّ هذه القوة الإدراكية في تشخيص الأُمور الحسنة عن السيّئة لا تحتاج إلاّ إلى تشخيص ماهية العمل أوّلاً، وفي مقام الحكم لا تحتاج إلاّ إلى محكمتها الخاصة بها، ولا تحتاج إلى قاض من الخارج ثانياً، وحينما يقال:«الوجدان هو المحكمة التي لا تحتاج إلى قاض» المقصود منه انّ الوجدان لا يحتاج إلى قاض خارج عنه، بل الوجدان مستقل في قضائه وحكمه.

لقد أثبتت التجارب انّ للوجدان جذوراً في طبيعة الإنسان وخلقته، وانّ الطفل ومنذ أوّل خطوة يخطوها على البسيطة توجد في داخله هذه القوّة وهذه الطاقة جنباً إلى جنب مع باقي الغرائز والميول والرغبات الطبيعية الأُخرى، وتأخذ هذه «القوة» أي قوة الوجدان بالتكامل والاشتداد كلّما كبر ونمت قواه الطبيعية.

وعلى هذا الأساس نعرف انّ النداء الوجداني والتحسين والثناء أو اللوم والتوبيخ والذم، لم يلق إلى الإنسان من الخارج، وحسب الاصطلاح التعليمي لا يتعلّمها الإنسان من خلال وسائل وطرق التعليم الخارجية، بل هو نداء ينبعث من داخل الإنسان وباطنه ويسمعه في أعماقه، وهو من الأُمور الفطرية التي أُودعت في طينته وخلقته والتي تسوقه إلى طريق السعادة والفلاح.

الفرق بين الوجدان الفطري والوجدان الأخلاقي

نطرح المثال التالي لتمييز النداء الفطري عن غيره وإن ظهر بمظهر الأُمور الفطرية : لا شكّ انّ نقض العهود، وخيانة الأمانة والتعدّي على حقوق


( 139 )

الآخرين، تُعدّ من الأُمور القبيحة والذميمة والمستهجنة لدى جميع الملل والأقوام والشعوب في العالم، وكلّ إنسان يدرك ذلك جيداً حينما يرجع إلى داخله ووجدانه، ولذلك يذم ويوبخ القائمين بتلك الأعمال القبيحة، انّ هذا النداء العام الذي يسمع من خلال ضمير البشر وفي كلّ بقاع العالم وبين جميع الأقوام والشعوب،لا يمكن أن يكون وليد التعليم والتربية الاجتماعية، أو الشروط والتحوّلات الاقتصادية أو نتيجة وسائل التبليغ والإرشاد، وذلك لأنّ من الواضح جداً انّ شعوب العالم المختلفة لم تخضع يوماً ما إلى نظام تربوي واحد أو سياسة مشتركة أو نمط اقتصادي خاص،بل انّها دائماً تعيش تحت شروط وحالات متفاوتة ومختلفة من الناحية الاقتصادية والسياسية والتربوية، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى نجد انّ هذا الإدراك الفطري موجود في زوايا جميع أبناء البشر على اختلاف جنسياتهم وألوانهم وأوطانهم، فالكلّ ينادي: انّ الخيانة ونقض العهود والتجاوز على حقوق الآخرين أُمور قبيحة وذميمة لا ينبغي للإنسان الاتّصاف بها، وهذا ما يكشف لنا بجلاء انّ هذا الإدراك وهذا النداء والقضاء من الأُمور الفطرية التي خلقت مع الإنسان، وانّه من المستحيل أن تتمكّن الأفكار المستوردة أو المكتسبة من عوامل خارجية أن تخلق في الإنسان تلك الظاهرة بهذه الشمولية والسعة.

في مقابل ذلك يوجد هناك الكثير من الأعمال التي تُعدّ من الأُمور القبيحة والذميمة عند أكثر الناس، ولكنّها لا تعدّ كذلك لدى طائفة أُخرى من الناس، فعلى سبيل المثال الزواج من المحارم الذي اتّفقت جميع الشرائع السماوية على تحريمه، والذي ينظر إليه أتباع الديانات السماوية نظرة اشمئزاز وتنفّر خاصة. ولكن في نفس الوقت نرى هذا العمل لا يُعدّ قبيحاً ومذموماً لدى طائفة


( 140 )

من الناس، ولو كان قبح هذا العمل فطرياً لما اختلف فيه أبناء النوع الإنساني، ولذلك يمكن القول: إنّ قبح هذا العمل لا ينبع من حالة فطرية في داخل الإنسان وإن ظهرت بمظهر الأُمور الفطرية، بل هي في الواقع وليدة النهي المتواصل والتحذيرات المتكررة التي صدرت من أصحاب الشرائع السماوية والتي أدّت إلى استحكام ونفوذ قبحها وخسّتها في أعماقنا، ولولا وجود هذا العامل التبليغي والإرشادي المتواصل والتحذير والتحريم المتكرر لما اعتبرنا تلك الأُمور من الأُمور القبيحة والمنفورة التي يستحق فاعلها الذم والتوبيخ.

من خلال هذا التوضيح يمكن القول: لتمييز هذين النوعين، لابدّ من عدّ الإدراك الأوّل من قبيل «الوجدان الفطري»، و الثاني من قبيل «الوجدان الأخلاقي».(1)


1 . منشور جاويد:14/173ـ 175.


( 141 )

92

الهجرة في القرآن

سؤال: ما هو مفهوم الهجرة من وجهة النظر القرآنية، والروايات الشريفة؟

الجواب: لقد حظيت الهجرة بأهمية خاصة في الآيات القرآنية والأحاديث الإسلامية، والمراد من الهجرة ـ كما سنبيّن ذلك ـ هو الانتقال والحركة من نقطة إلى نقطة أُخرى لينجو الإنسان بدينه ويحفظ عقائده ويتمكّن من القيام بوظائفه وتكاليفه الإلهية وطقوسه الإسلامية بحرية واطمئنان، لا الهجرة من أجل المال وكسب المقام والجاه والشهرة.

إنّ الهجرة في اللغة تعني القطع والترك، قال الخليل في كتاب «العين»: الهجر والهجران ترك ما يلزمك تعهده، ومنه اشتُقَّت هجرة المهاجرين، لأنّهم هجروا عشائرهم فتقطّعوهم في اللّه، قال الشاعر:

وأكثـر هجـر البيـت حتـى كأنّني *** مللت وما بي من ملال ولا هجر(1)

إذاً إطلاق لفظ «المهاجر» على الذي ينتقل من مكان إلى آخر، لأنّ هذا الشخص في الواقع يقطع روابطه وعلاقاته مع المكان الذي انتقل منه.


1 . كتاب العين:3/387، مادة هجر.


( 142 )

ثمّ إنّ المهاجرة يمكن أن تكون لطلب المكاسب الدنيوية ونيل المكاسب المادية وزيادة المال والثروة أو ما شابه ذلك من الأُمور المادية، فإذا ما حصل الإنسان على مراده من هجرته وانتقاله فلا ريب أنّه يكون قد حصل على الكمال المادّي الذي توخّاه من هجرته، ولكن الهجرة في المفهوم القرآني تختلف عن ذلك اختلافاً واضحاً، فإنّ القرآن يرى أنّ الهجرة في الواقع هي هجرة الجسد والروح معاً، بمعنى أنّه كما أنّ الجسد يغيّر مكانه وينتقل إلى مكان آخر، كذلك الروح تهاجر من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن العصيان والتمرد إلى الطاعة. تهاجر من الأجواء الضاغطة على إقامة الفرائض إلى أجواء مفتوحة يسمح لها أن تمارس طقوسها بحرية واختيار واطمئنان.

ففي النوع الأوّل من الهجرة يقطع الجسم أواصره وروابطه المادية مع مكان خاص كان قد ارتبط به وقامت بينهما مجموعة من العلاقات والأواصر، والحال انّ في النوع الثاني من الهجرة ليس الجسم وحده هو الذي يقطع أواصره وروابطه، بل الروح أيضاً تقطع علاقاتها وروابطها مع الوكر الضيق والمظلم والفضاء الموحش الذي تعيش فيه وتهاجر لغرض الحفاظ على دينها وإيمانها، ولكي تتمكّن أن تعبد ربّها بعيداً عن الأجواء الضاغطة وتعيش في فضاء فسيح ملؤه المعنويات والحرية العبادية وتلقي هناك رحلها بعيداً عن أعين الظالمين والمشركين، نعم سوف نتحدّث وباختصار في نهاية البحث عمّا ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «المهاجر من هجر ما حرّم اللّه عليه».(1)

من هذا المنطلق أولى القرآن الكريم والسنّة النبوية مسألة «الهجرة» عناية


1 . جامع الأُصول:1/154.


( 143 )

خاصة، حتّى أنّ لفظة «الهجرة» بجميع مشتقّاتها قد وردت في القرآن الكريم 24 مرّة هي:

(هاجروا) وردت تسع مرات.

(المهاجرين) وردت خمس مرات.

(يهاجروا) وردت ثلاث مرات.

(مهاجراً) وردت مرتين.

(يهاجر) مرة واحدة.

(هاجر) مرة واحدة.

(هاجرن) مرة واحدة.

(مهاجرات) مرة واحدة.

(تهاجروا) مرة واحدة.

وفي الغالب أنّه كلّما ذكرت كلمة «الهجرة» يتداعى إلى الذهن هجرة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكة إلى المدينة المنورة. تلك الحركة التي كانت تُعدّ منعطفاً هاماً في تاريخ الرسالة الإسلامية عامة وتاريخ الرسول الأكرم خاصة، حيث كانت لتلك الهجرة المباركة ثمارٌ عظيمة ونتائج بنّاءة ملؤها الخير والبركة والمنافع على الأُمّة، ولذلك امتازت من بين مئات حوادث ووقائع صدر الإسلام بأن اعتبرت هي مبدأ التاريخ الإسلامي.

ثمّ إنّ في الإسلام ـ بالإضافة إلى الهجرة المصطلحة ـ هجرة أُخرى وانتقال آخر مساحته القلب وهو الهجرة من الذنوب والعصيان إلى الطاعة، بمعنى أنّ الإنسان يصمّم أن لا يحوم حول الذنب وأن لا يتمرّد على الأوامر الإلهية أبداً. ولقد أشارت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة إلى هذا النوع من الهجرة، حيث


( 144 )

قال سبحانه:

(...فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبيلي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيئاتِهِمْ...).(1)

ويمكن أن يقال: إنّ الآية تشير إلى المعنى الواسع للهجرة والذي يشمل ترك الذنب والتنزّه عن التلوث بالمعاصي والرذائل النفسانية، وذلك بقرينة مقابلة قوله سبحانه:(هاجروا) مع قوله سبحانه: (اخرجوا من ديارهم) وإن كان الفخر الرازي قد فسّر الجملتين بنحو آخر حيث قال: المراد من (هاجروا) الذين خرجوا من ديارهم باختيارهم وإرادتهم، والمراد من (اخرجوا)الذين أُجبروا على ترك الديار والأوطان.

والذي يؤيد ما قلنا، الروايات التي وردت في خصوص هذا النوع من «الهجرة» حيث يسأل أحد المسلمين الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): أيّ الهجرتين أفضل؟

فأجاب(صلى الله عليه وآله وسلم):

«أن تهجر ما كره ربّك».(2)

وفي حديث ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:

«يقول الرجل هاجرت ولم يهاجر، إنّما المهاجرون الّذين يهجرون السّيئات ولم يأتوا بها».(3)

وفي بعض الروايات نقل عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:

«لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة».(4)


1 . آل عمران:195.

2 . جامع الأُصول لابن الأثير:12/262.

3 . سفينة البحار:2/697.

4 . جامع الأُصول:12/261.


( 145 )

فإنّ المراد من هذا النوع من الهجرة هو نقاء الروح والنفس وتصفيتها من كلّ أنواع القذارات والرذائل مهما كانت. وذلك بواسطة التوبة والتوجّه إلى اللّه والالتزام بمقررات الشريعة، ومن الجدير بالذكر أنّ الاهتمام بهذا النوع من الهجرة وقبولها لا يعني بحال من الأحوال نفي الهجرة بالمعنى المعروف والتي يترك فيها المؤمنون أوطانهم وديارهم وأهلهم و...من أجل اللّه سبحانه وتعالى، إذ قد يتصوّر البعض إذا كان الهدف من الهجرة الجسمانية هو العروج إلى اللّه والوصول إليه، فبالإمكان تحقيق ذلك من خلال سلوك طريق العبادة والتفكّر و التدبّر في ذات اللّه وعظمته و...، ولكن هذا التصوّر غير صحيح، إذ المفروض أنّ الإنسان لم يتمكّن من حفظ إيمانه ودينه ومعتقداته بصورة كاملة تحت ظروف قاهرة وأجواء ضاغطة،ولكنّه يستطيع أن يهاجر ويترك بلاد الكفر والشرك ليضع رحله في بلاد يحكمها الإسلام ويسمح له بإقامة شعائره الدينية بحرية واختيار، فلا شكّ انّه وفي مثل هذه الحالة لا يكفي السلوك المعنوي والتفكير والتدبّر في تحقيق الهدف النهائي للإنسان المؤمن.

ولقد ذكر الطريحي في «مجمع البحرين» في مادة «هجر» مجموعة من العبارات يظهر أنّه انتقاها من الأحاديث الشريفة حيث قال:

«والمهاجر من هاجر ما حرم اللّه عليه، والمهاجر من ترك الباطل إلى الحقّ. وفي الحديث: من دخل الإسلام طوعاً فهو مهاجر».(1)


1 . منشور جاويد:3/32، 57، 59.


( 146 )

93

التوبة النصوح

سؤال: لقد وردت في القرآن الدعوة إلى التوبة النصوح، ما هو المراد من ذلك؟

الجواب: لقد دعا القرآن الكريم المؤمنين والمسلمين إلى التوبة النصوح حيث قال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ...) .(1)

«النصح» في اللغة بمعنى الخالص، كما يطلق على العسل المصفّى من الشمع لفظ «عسل نصوح». إذا عرفنا ذلك ننتقل إلى معرفة ما هو المراد من التوبة الخالصة؟ فنقول: لعلّ المراد هو أنّ الإنسان يتوب إلى اللّه من خلال وقوفه على قبح الأفعال وخسّتها عن طريق العقل والفطرة و الشرع.

وبعبارة أُخرى: أن يكون المحرّك والباعث له على التوبة إحساسه بالعبودية للّه، وانّ توبته تنبع من تلك العين الصافية لا أنّها نتيجة التوبيخ واللوم


1 . التحريم:9.


( 147 )

والعتاب والتقريع، والخوف من العقاب الأُخروي، فلا ريب أنّ هذا النوع من التوبة ليس هو المرتبة المتكاملة التي يريدها اللّه من العبد، وإن كانت التوبة الناتجة عن الخوف من العقاب الإلهي تنجي الإنسان وتخلّصه يوم الفزع الأكبر، ولكن في الواقع توجد فاصلة كبيرة بين النوعين من الناحية التربوية والإعدادية والبنائية للإنسان.

ويوجد هناك احتمال آخر وهو: انّ «النصح» في اللغة يأتي بمعنى الإرواء والسقي والإشباع،ولذلك يقال: «نصح الغيث البلد» بمعنى سقاها وأرواها وأشبعها، وحينئذ يمكن القول: إنّ المراد من التوبة النصوح هي التوبة التي تحيي القلوب الميتة بسبب المعاصي والذنوب، وتزيل كدر النفوس وظلامها،وحينئذ تكون هذه التوبة خالصة وحقيقية.

وهناك من فسّر «التوبة النصوح» بالتوبة الصادقة.

يقول الجزري في «النهاية»: وفي حديث أُبي: سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن التوبة النصوح؟ فقال: «هي الخالصة لا يعاود بعدها الذنب»(1).(2)


1 . بحار الأنوار:6/17.

2 . منشور جاويد:8/242.


( 148 )

94

الحكمة من تشريع التوبة

سؤال: لقد دعا القرآن الكريم وحثّ المؤمنين في آيات كثيرة على التوبة والإنابة إلى اللّه سبحانه، وحينئذ يطرح السؤال التالي نفسه: ما هي الحكمة من تشريع التوبة؟ وهل ياترى أنّها تكون سبباً لجرأة الإنسان ووقاحته أم لا؟

الجواب: من المسائل المهمة في بحث التوبة هو تحليلها وبيان الحكمة من تشريعها، وذلك لأنّ القرآن قد أولى التوبة عناية فائقة حيث دعا جميع المذنبين والعاصين والمتمردين على اللّه إلى الإنابة والرجوع إليه سبحانه والندم على ما صدر منهم، فخاطب الجميع بقوله سبحانه:

(قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّاللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ).(1)

صحيح انّ الآية تحدّثت عن غفران الذنوب جميعها ولم تتحدث عن التوبة بصورة صريحة هنا، إلاّ أنّه يمكن ومن خلال الالتفات إلى المفاهيم القرآنية القول أنّ غفران الذنوب في الحقيقة يتم في ظل مجموعة من العوامل


1 . الزمر:53.


( 149 )

التي من أهمّها التوبة والندم، وانّ تأثير باقي العوامل أقلّ من تأثير التوبة والندم.

يقول سبحانه في آية أُخرى:

(...وَتُـوبُوا إِلَى اللّهِ جَميعـاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).(1)

إنّ هدف التوبة ـ بمعنى التوجّه إلى اللّه سبحانه ـ لا ينحصر في الندم على الذنب والمعصية، بل ـ و كما سنوضح ذلك لاحقاً ـ انّ عودة الأنبياء والأولياء إلى اللّه سبحانه تشملها الآية الداعية إلى العودة إلى اللّه والتوبة بصورة مطلقة والتي طرحت التوبة باعتبارها أصلاً كليّاً وعامّاً.

وبالالتفات إلى هذا الوعد والعناية الشاملة، وقع البعض في حيرة وإشكال في فهم حكمة هذا التشريع،ولذلك أطالوا التفكير في المسألة وخلصوا إلى أنّ: الإعلان عن قبول التوبة يمثّل في واقعه دعوة إلى ارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي، إذ بإمكان العباد الاتّكاء على هذا الأصل واقتراف المعاصي على أمل التوبة من الذنوب في المستقبل، لأنّ الباب مفتوح أمامهم ولا داعي إلى إلزام أنفسهم من الأوّل بالطاعات والعبادات، بل لهم أن يلتذّوا بما حرّم اللّه فترة من عمرهم ثمّ بعد ذلك يتوجّهون إلى اللّه بالتوبة والإنابة واللّه غفور رحيم.

وبالطبع انّ هذا الإشكال لا يختص بتشريع التوبة فقط، بل أنّ هذا التفكير الساذج يصدق في كلّ عمل اعتبره الإسلام سبباً وعاملاً في غفران الذنوب، فعلى سبيل المثال: إنّ المخالفين لفكرة الشفاعة تعلّقوا بنفس الإشكال المطروح، وبما أنّ بحث سر وحكمة الشفاعة يبحث في محله، نكتفي هنا في البحث عن حكمة وفلسفة تشريع «التوبة» وبالطريقة التالية:


1 . النور:31.


( 150 )

من الصفات البارزة التي وصف القرآن الكريم بها الأنبياء هي صفتي الرجاء والأمل بالوعد والرحمة الإلهية والخوف والخشية من عذابه سبحانه فهم(عليهم السلام) يعيشون بين الخوف والرجاء، ففي الوقت الذي يستشعرون حالة الخوف من عذاب البرزخ ترنوا أبصارهم إلى جنة الخلد التي وعد بها المتّقون، وقد عبّر سبحانه عن هذه الخصلة الحميدة للأنبياء والأولياء بقوله:

(...وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعينَ) .(1)

وأنت إذا لاحظت آيات الذكر الحكيم تجد أنّها دائماً تتحدّث عن البرزخ والعذاب وتقرنه بالحديث عن الجنة والنعيم الإلهي، انّ هذا التقارن يحكي أنّ مجال التربية والإصلاح وتهذيب أخلاق الإنسان وسوقه إلى اللّه وإلى الخصال الحميدة لا يتم من خلال التخويف والإنذار و التهديد فقط، بل لابدّ أن تنمّى إلى جانب ذلك حالة أُخرى وهي حالة بعث الأمل والرجاء في النفوس، ويقال للعباد: إن كان للّه سبحانه عذاب ونار فإنّ لديه أيضاً جنة ونعيماً لكي لا يحوم الإنسان حول الرذائل والقبائح وينفض عن كاهله غبارها ودنسها فيما إذا كان قد ارتكب في يوم ما شيئاً منها، ولا ييأس ولا يقنط من رحمة اللّه الواسعة، ويعيش حياته بين الرجاء والخوف.

ولقد وصف القرآن الكريم الأنبياء والرسل بأنّهم المنادون بالخوف والرجاء وبالعذاب والرحمة حيث قال سبحانه:

(كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ...) .(2)


1 . الأنبياء:9.

2 . البقرة:213.


( 151 )

إلى هنا اتّضح وبصورة إجمالية دور الأمل والرجاء في حياة الإنسان، وهذه المسألة بدرجة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، ولكن المهم هو التذكير بأنّ الوعد بقبول التوبة وتحت شروط خاصة، يُعدّ فرعاً من فروع بعث الأمل في نفس الإنسان المذنب والعاصي، والمتمرّد على القوانين الإلهية، بأن يعيد النظر في مواقفه وما ارتكبه من الذنوب والمعاصي وأن يصحّح مسيرته ويطهر سريرته وذاته ويتحوّل إلى إنسان مستقيم الطريقة مرضي الخصال وليس التوبة ـ كما تصوّرها المستشكل ـ محفزاً وباعثاً على الذنوب والتمرّد على القوانين والأحكام الإلهية، وتوضيح ذلك:

لا ريب أنّ الإنسان غير المعصوم، وخلال مسيرة حياته الطويلة وتحت ضغط طغيان وجموح الغرائز والميول النفسانية، يرتكب سلسلة من المعاصي ويقع في الكثير من المخالفات، ممّا يؤدّي إلى أن تسوّد صحيفة أعماله بالكثير من الذنوب والموبقات.

فلو فرضنا انّ هذا الإنسان الذي وصل إلى هذا الطريق المنحرف، قد وجد نفسه أمام طريق مسدود وانّ الجسور بينه و بين ربّه قد قطعت جميعاً، وانّ باب التوبة والإنابة قد أُوصد في وجهه، ولم تترك له فرصة العودة إلى الطريق القويم، ماذا تراه سيفكّر حينئذ؟ ممّا لا ريب فيه أنّه وتحت حالة اليأس هذه يفكر بأنّه لم يبق أمامه إلاّ طريق واحد، وهو استغلال ما بقي من عمره في الملذّات والاستجابة للغرائز والميول مادام يشعر بأنّه معذّب على كلّ حال، فلماذا لم يتنعّم في الدنيا على أقلّ تقدير؟ ولا ريب أيضاً أنّه لا يفكّر ولو لحظة واحدة في إصلاح نفسه، لأنّه يعلم أنّ طريق الإصلاح قد سدّ في وجهه، فعليه مواصلة طريق الموبقات.


( 152 )

ولكن الأُسلوب الصحيح أن يفتح باب التوبة أمام هذا الإنسان ليعتقد أنّ اللّه القهّار والمعذّب و المعاقب هو نفسه اللّه الغفور الرحيم(وَهُوَ الَّذي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السييِّئاتِ).

ويعتقد انّه فيما إذا قرر إصلاح نفسه والعودة إلى طريق الصالحين ومنهج المؤمنين ونفض غبار الذنوب ودنسها وتركها إلى غير رجعة، وأن لا يعصي اللّه أبداً ولا يخالف له أمراً، فإنّ اللّه سيعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن سيّئاته، وحينئذ سيكون مصيره مصير الصالحين والطاهرين، فلا ريب أنّه سيقدم على اتّخاذ قرار العودة والإنابة إلى اللّه والتوبة إلى خالقه، ويسعى إلى إصلاح نفسه ويكون من المتّقين.

إنّ شعاع الأمل هذا سيحدث في داخل الإنسان تحوّلاً عظيماً يتغيّر على أساسه نمط سلوكه ومنهجه في الحياة إذ كلّما اقترب من اللّه ابتعد عن الذنوب والمعاصي والموبقات.

ومن هنا يتّضح انّ التوبة ليست هي عامل حثّ وترغيب على المعصية كما يقال، بل هي في الحقيقة من أهمّ العوامل في تقليل نسبة الذنوب والمعاصي، وكثيراً ما يهتدي الكثير من الناس المنحرفين والمذنبين في الشطر الثاني من عمرهم ويتوجّهون نحو الطهر والنزاهة وحينها تقل نسبة الجريمة والذنوب في المجتمع.

وأنت إذا ألقيت نظرة على السجون في العالم، وشاهدت الذين حكموا بأحكام طويلة الأمد أو مدى الحياة، أو بالأعمال الشاقة، فلو افترضنا أنّ من ضمن مقررات تلك السجون: انّ السجين الذي يثبت لدى المسؤولين على السجن ندامته على ما اقترف ويصلح ذاته ويغيّر أُسلوبه في الحياة ويتحوّل إلى


( 153 )

إنسان مستقيم الطريقة، فإنّه ستشمله قوانين تخفيف العقوبة أو يطلق سراحه، فلو علم السجناء بهذه الفقرة القانونية التي تحيي في نفوسهم الأمل في العودة إلى الحياة الحرة والتخلّص من قيود السجن وقضبانه، فلا ريب أنّهم يحاولون الاستفادة من هذه الفرصة الذهبية; وأمّا إذا لم توجد مثل هذه القوانين ولم يكن لتوبة السجين وندمه أيّ أثر في تغيير مصيره، فمن الواضح أنّه لا يسعى إلى تغيير حياته في السجن، بل كثيراً ما يكون عامل إزعاج للمشرفين على السجن ويتحوّل إلى إنسان مشاكس أكثر ممّا هو عليه في السابق.

ويظهر من بعض الآيات المباركة أنّه كما أنّ التهديد بالعذاب والعقاب يمثّل أحد مرتكزات وأُسس إقامة الحجّة على العباد، كذلك الأمل والرجاء أيضاً يكون أساساً ومرتكزاً آخر لإقامة الحجة عليهم، ومن تلك الآيات قوله سبحانه:

(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَالرُّسُلِ...) .(1)

ثمّ إنّ التوهّم السابق ـ الذي يرى أنّ التوبة تعدّ بمنزلة الضوء الأخضر أمام الإنسان لارتكاب الذنوب واقتراف المعاصي ـ إنّما يصحّ ويصبغ نفسه بلون الدليل فيما إذا اعتقدنا أنّ التوبة تقبل على كلّ حال وفي جميع الشروط. ولكنّ الإمعان في المسألة يظهر لنا أنّ للتوبة شروطاً خاصة كثيراً ما تكون غير متوفّرة لدى الإنسان المذنب و العاصي، فإذا لم يطّلع الإنسان على تلك الشروط ويدرك جيداً أثرها فلا يمكنه أبداً التوبة والخضوع للقانون، بل قد يكون بعضها غير قابل للتوفّر في المستقبل.

ومن الشروط التكوينية للتوبة شرط بقاء الإنسان على قيد الحياة، ولا ريب


1 . النساء:165.


( 154 )

أنّه لا يوجد مذنب على وجه الأرض يقطع باستمرار حياته إلى الوقت الذي يقرر فيه التوبة، وحينئذ كيف يأمل في التوبة مع هذا الشك والترديد في بقاء حياته لتتسنّى له التوبة، وكيف يرتكب الذنب على أمل أن يتوب في المستقبل؟

نعم هناك بعض المجرمين يرتكبون الذنوب على أمل التوبة ولكن في الواقع انّ هؤلاء يخدعون أنفسهم بعملهم هذا، وإذا لم يكن باب التوبة مفتوحاً أمامهم فإنّهم لن يمسكوا أيديهم عن الاستمرار في الجريمة والمعصية، بل يتظاهرون بالتوبة أمام الناس.

نعم يمكن استغلال الأصل الصحيح والاستفادة منه بطريقة سلبية، ولكن ذلك لا يكون سبباً للإمساك عن تشريع هذا الأصل التربوي المهم وحرمان الناس منه تحت ذريعة استغلاله من قبل البعض.

ثمّ إنّنا لابدّ أن ننظر إلى الأُمور نظرة واقعية، وأنّ نعترف بالحقيقة وإن كانت مرّة، وهي أنّ غالبية الناس يقترفون المعاصي في حياتهم ويقترفون الذنوب و الآثام وانّ المعصومين والمنزّهين من الذنب والخطأ قليلون جداً بعدد الأصابع،وبالنتيجة نعترف بأنّ الذنوب والمعاصي لا تنفك عن الفرد والمجتمع، سواء أكان باب التوبة مفتوحاً أم أُغلق باب التوبة في وجوه المجرمين، ولا شكّ أنّه في مثل هذه الحالة يكون لفتح باب التوبة وتشريعه أثرٌ فاعل في سعادة الإنسان واستقراره لا في شقائه وتعاسته أو....

نعم إذا كان إيصاد باب التوبة عاملاً في مصونية الفرد والمجتمع عن الذنوب، أو كان فتح باب التوبة سبباً وباعثاً «للتجرّي»، ففي مثل هذه الحالة يفقد التشريع حكمته وتفقد التوبة فلسفتها.

ولكن الواقع ليس كذلك، بل الحقيقة على خلافه، وذلك لأنّ الإنسان


( 155 )

خلق وهو يحمل مجموعة من الغرائز والميول القاهرة التي قد تتغلّب على قدرة العقل وسلطانه وتجرّه إلى الهاوية، وهذه ظاهرة لا يمكن اجتنابها أو إنكارها في حياة الإنسان، وحينئذ لا يكون تشريع التوبة عاملاً مساعداً في وقوع الذنب أو كثرته وانتشاره في المجتمع، بل تعدّ التوبة نافذة أمل وبريق ضوء لتخليص الإنسان من أسر الشهوات وتخليصه من الشقاء والتعاسة.

إلى هنا اتّضح لناـ و من خلال ما ذكرنا ـ أحد الأسرار المهمة لتشريع التوبة، ومن المناسب جداً الإشارة إلى بعض الروايات التي أشارت بنحو ما إلى هذه الحكمة لتشريع التوبة:

1.عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له» ... قلت: فإن فعل ذلك مراراً، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر؟ فقال(عليه السلام):

«كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد اللّه عليه بالمغفرة، وإنّ اللّه غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات، فَإيّاكَ أَنْ تُقَنِّط المْؤْمِنينَ مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ».(1)

2. وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض كلماته القصار:

«الْفَقيهُ كُلُّ الْفَقيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ، وَلَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَوْحِ اللّهِ، وَلَمْ يُؤْمِنْهُمْ مِنْ مَكْرِ اللّهِ».(2)

ففي هذا الحديث أشار إلى عاملين من عوامل التربية، أعني: «الخشية والرجاء»، فإنّ الاكتفاء بصفة الأمل والرجاء فقط هي من صفات اليهود أو من


1 . بحارالأنوار:6/20، باب20، الحديث71.

2 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، برقم 90.


( 156 )

يسير على منهجهم، فإنّهم لا يخشون ذنوبهم وجرائمهم مهما كانت عظيمة; وأمّا الذين يعيشون حالة الخوف والخشية فقط فهؤلاء الناس يائسون والقانطون من رحمة اللّه سبحانه ولا يرون للتوبة أيّ أثر في نجاتهم وخلاصهم من العذاب الأُخروي.

3. كان الزهري عاملاً لبني أُمية فعاقب رجلاً ـ كما يروى ـ فمات الرجل في العقوبة، فخرج هائماً وتوحّش ودخل إلى غار، فطال مقامه تسع سنين، قال: وحج علي بن الحسين(عليه السلام) فأتاه الزهري فقال له علي بن الحسين(عليه السلام):

«إنّي أخافُ عَلَيْكَ مِنْ قُنُوطِكَ ما لا أَخافُ مِنْ ذَنْبِكَ فابعث بدية مسلّمة إلى أهله، وأخرج إلى أهلك ومعالم دينك»، فقال له: فرّجت عنّي يا سيدي! اللّه أعلم حيث يجعل رسالته(1).(2)


1 . بحارالأنوار:46/132،وقد نقل العلاّمة المجلسي هذه الرواية عن مناقب ابن شهر آشوب، وقد وردت هذه القصة باختلاف يسير في كتاب مجموعة ورّام.

2 . منشور جاويد:8/214ـ220.


( 157 )

95

تسويل النفس

سؤال: ما هو المراد من تسويل النفس؟

الجواب: لقد تكرّر في القرآن الكريم لفظ «تسويل النفس» والمراد منه أنّ النفس الإنسانية وتحت ضغط الميول والرغبات تزيّن للإنسان الأُمور القبيحة وتصوّرها له على أنّها حسنة،ومن هنا نرى أنّ بعض العلماء قد أثبتوا للإنسان وجود نفس باسم «النفس المسوّلة» في مقابل «النفس المطمئنّة» أو «اللوّامة» أو «الراضية» فقد خاطب يعقوب(عليه السلام) أولاده حينما ألقوا يوسف في الجب وادّعوا كذباً و زوراً أنّه قد أكله الذئب بقوله:

(...بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَميلٌ...).(1)

وكذلك نرى المصطلح في قصة السامري الذي دعا الناس إلى عبادة العجل عند غياب موسى(عليه السلام)حيث قال سبحانه حاكياً عنه قوله لموسى(عليه السلام) حينما سأله عن سبب ارتكابه هذا الفعل الشنيع والعمل المنكر الذي سعى فيه لجرّ الناس إلى الشرك والكفر:


1 . يوسف:18.


( 158 )

(...وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).(1)

وكما ورد ذلك في الآيات كذلك جاء في الروايات أيضاً فقد أخبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن مستقبل طائفة من الناس فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم،ولم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟» فقيل له: ويكون ذلك يا رسول اللّه؟! فقال: «نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟» فقيل له: يا رسول اللّه ويكون ذلك؟! قال: «نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟!».(2)

ثمّ إنّ القرآن الكريم الذي نراه يؤكّد ويصدق وجود حالة الخداع النفسي وعملية التسويل والتزيين التي تقوم بها النفس الإنسانية، يؤكد في نفس الوقت أنّ الإنسان حينما يرجع إلى وجدانه ويغوص في أعماق نفسه يطّلع على حقيقة الأمر ويعرف نفسه جيداً ويدرك بوضوح ما تنطوي عليه من خصال قبيحة، ويعترف حينئذ بخطئه وتقصيره وما صدر منه من ذنوب ومعاصي، قال سبحانه وتعالى:

(بَلِ الإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرة* وَلَو أَلْقى مَعاذِيرَه)(3) .(4)


1 . طه:96.

2 . وسائل الشيعة:11/397.

3 . القيامة:14ـ 15.

4 . منشور جاويد:3/186ـ 187.


( 159 )

96

عوامل الانحراف والضلال

سؤال: انّ الانحراف عن الطريق القويم والضلال هما من الظواهر التي قد يبتلى بها الإنسان، ولا ريب انّها وليد مجموعة من العوامل والأسباب فما هي تلك العوامل والأسباب التي تسوق الإنسان إلى ذلك المصير السيّئ؟

الجواب : تحدّث القرآن الكريم وبمناسبات مختلفة عن مجموعة من العوامل التي لا تكون نتيجتها إلاّ الضلال والانحراف والغواية، وممّا لا شكّ فيه أنّ معرفة تلك العوامل والاطّلاع عليها من قبل عباد اللّه الذين تتوق نفوسهم نحو الخير والصلاح والسعادة تعدُّ سبباً أساسياً وجوهرياً في تكامل الإنسان ورقيّه الروحي والمعنوي والأخلاقي،لأنّ هذه العوامل المضرّة والمفسدة ـ و كما قلناـ تكون سبباً لتعاسة وسوء خاتمة بعض الناس الذين تركوا زمام أُمورهم ـ وباختيارهم وإرادتهم ـ تحت تصرّف هذه العوامل بحيث تسوقهم إلى حيث تشاء ومتى تشاء، ولكن في نفس الوقت تكون تلك العوامل والأسباب بالنسبة إلى الأفراد المؤمنين والعقلاء والذين يحتاطون لأنفسهم، سبباً لتكاملهم وثباتهم ورسوخهم في العقيدة الدينية والقيم الأخلاقية.

وهذه العوامل عبارة عن:


( 160 )

1. الشيطان

لقد اعتبر القرآن الكريم في الآيات التي تحدّثت عن عوامل الضلال انّ أحد هذه العوامل هو «الشيطان» الذي يكون سبباً للانحراف، والضلال، قال سبحانه:

(كُتِبَ عَليهِ أَنّهُ مَنْ تَوَلاّهُ فَأَنَّهُ يُضِلّهُوَيَهْديهِ إِلى عَذابِ السَّعيرِ).(1)

كما أشار القرآن إلى قول الشيطان بعد أن طرد من مقامه حينما تمرّد على الأمر الإلهي ولم يسجد لآدم(عليه السلام):

(...لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً* وَ لأُضِلنَّهُمْ...).(2)

وفي آية أُخرى يخبر اللّه سبحانه عن الذين أغواهم الشيطان وأزلّهم عن الطريق حيث قال سبحانه:

(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).(3)

2. الهوى وخفة العقل

إنّ للغرائز والميول والأهواء والأحاسيس تأثيراً مهماً في بقاء واستمرار الحياة الإنسانية وديمومة النسل البشري، وإذا ما سلبت من الإنسان غرائزه وأحاسيسه فإنّه سيفنى ويندثر لا محالة ، ولكن بالرغم من أهميّة تلك الغرائز فإنّها إذا ما لم تعدّل وتوزن ويرسم لها حدودها ومدار حركتها بنحو لا يقع


1 . الحج:4.

2 . النساء:118ـ 119.

3 . يس:62.


( 161 )

الإنسان أُلعوبة ووسيلة في قبضة الغرائز والميول الجامحة، فإنّ النتيجة تكون فناء الإنسان والقضاء عليه وإبادته، يقول سبحانه:

(...وَلا تَتَّبِِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ...).(1)

إذاً ووفقاً للنظرية القرآنية انّ الّذين يضعون زمام أُمورهم في قبضة النفس والغرائز غير المهذبة وغير المتّزنة هم عبدة الهوى وأتباع الميول والغرائز حيث يقول سبحانه:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ...).(2)

وفي الواقع انّ الهوى هنا هو عين الغرائز والميول الحيوانية الجامحة والتي لا تعرف الحدود أبداً، وإذا ما رأينا الإسلام يحاول تنظيم تلك الغرائز وتعديلها ورسم الحدود لها ووضع الخطوط الحمراء التي لا يحق لأي إنسان تجاوزها انسياقاً مع الغرائز والميول، فهذا لا يعني انّ الإسلام يريد القضاء على تلك الميول والغرائز، بل هو في الواقع سعي جاد من قبل الإسلام للحفاظ على النسل البشري وبقاء وديمومة النوع الإنساني واستمرار الحياة من خلال عملية الموازنة والتعديل والتنظيم.

3. رفيق السوء

من الأُمور الفطرية للإنسان أن يبحث عن مصاحب ورفيق له يناسبه في السن والفكر والنوع، وهذا الأمر لا يمكن الردع عنه أو الوقوف أمامه بأيّ حال من الأحوال، لأنّ مواجهة الأمر الغريزي في الواقع كالسير عكس التيار الذي لا


1 . ص:26

2 . الجاثية:23.


( 162 )

تكون نتيجته إلاّ الاندحار والهزيمة، ولكن في نفس الوقت لابدّ من الإذعان أمام حقيقة واضحة وجلية، وهي أنّه ليس كلّ إنسان يليق أن يتّخذ صاحباً ورفيقاً في الحياة، لأنّ الإنسان الذي تكون صحبته سبباً للانفلات الشرعي و الأخلاقي والخروج عن حدود الإنسانية ليس جديراً بمقام الصحبة والصداقة، ولذلك نجد القرآن الكريم يصرح بهذه الحقيقة ويشير إلى شدة الحسرة والندم اللّذين يملآن نفس الإنسان حينما يواجه مصيره المشؤوم،ويتذكّر أنّ سبب تعاسته وسوء عاقبته ما هو إلاّ اختياره للصديق المنحرف، يقول سبحانه:

(وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَني اتَّخَذتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبيلاً *يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً *لَقَدْأَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعدَ إِذْ جاءَني...).(1)

ونحن إذا راجعنا التاريخ نعثر على الكثير من القصص التي تتحدّث عن صديق السوء وآثاره ودوره السلبي في حياة رفيقه، لأنّنا نعلم جيداً أنّه كثيراً ما انفرط عقد الحياة الأُسرية وتشتّتت عوائل وتمزّقت أُسر كانت مستحكمة وقوية ومنسجمة بسبب هذه الصحبة السيّئة.

4. الاقتداء والتأسّي غير المتّزن بالقادة

يعتبر القرآن الكريم من عوامل الانحراف والضلال الاقتداء والتأسّي برؤساء وقادة القبائل والعشائر، وقد أشار إلى اعتراف هؤلاء المضلّلين والمنحرفين بأنّ سبب انحرافهم وضلالهم هو الاقتداء والتأسّي غير المدروس وغير المتّزن برؤسائهم وشيوخهم:


1 . الفرقان:27ـ 29.


( 163 )

(...يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللّهَ وَأَطعنَا الرَّسولا *وَقالُوا رَبّنا انّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبرائَنا فَأَضَلُّونَا السَّبيلا)(1).

وفي آية أُخرى يشير سبحانه وتعالى إلى هذا العامل وإلى حالة التنافر واللعن التي يعيشها أصحاب الجحيم، لأنّهم يرون أنّ كلّ أُمّة هي ضحية الأُمّة السابقة والتي أطاعتها بلا وعي ولا إدراك فأوردتها الجحيم، يقول سبحانه:

(...كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّاركوا فيِها جَميعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنا هؤلاءِأَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَالنّارِ...).(2)

ففي هذه الآية عبّر عن الرؤساء والشيوخ والقادة بلفظ «أُولاهم» بمعنى طليعتهم ومقدّمة الركب وقادة القافلة.

5. الاقتداء والتأسّي بالآباء بلا وعي ولا اتّزان

لقد أولى الإسلام أهمية خاصة للآباء والأجداد والأسلاف وجعل لهم احتراماً ومنزلة كبيرين في التشريع والتقنين الإسلامي، سواء على مستوى الأفراد أو الأُسر أو المجتمع، ولكنّه في نفس الوقت حذّر من أن تصبح تلك العلاقة الباطنية والنفسية سبباً لتعطيل آلة الفكر لدى الإنسان بنحو يضع نفسه ومن دون أيّ قيد أو شرط تحت تصرف أسلافه مهما شاءوا وكيفما شاءوا.

ولذلك نرى القرآن الكريم في الوقت الذي يحثّ الإنسان على احترام أبويه وتبجيلهم وتقديرهم يذكّره أنّ لهذا الاحترام وهذه الطاعة حدوداً لا يمكن


1 . الأحزاب:66ـ 67.

2 . الأعراف:38.


( 164 )

تخطّيها وتجاوزها، وهذه الحدود هي ألاّ يدعوانه إلى الشرك باللّه أو العصيان أو اقتراف الذنوب، يقول سبحانه:

(وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاتُطِعْهُما...).(1)

كما اعتبر القرآن وفي بعض الآيات الانقياد الأعمى والتأسّي اللاّموزون بالآباء والأجداد سبباً للانحراف والضلال، ولذلك نراه سبحانه يحكي لنا حال أُولئك الأبناء الذين أطاعوا آباءهم بغير حق وتمسّكوا بركب الآباء والأجداد وعطّلوا آلة التفكير والتعقّل عندهم بقوله سبحانه:

(...إنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّة وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ* وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ في قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاّقالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمّة وَانِّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ).(2)

ولذلك انتقد القرآن الكريم هذا النوع من التفكير، بل هذا التعصّب الأعمى بقوله:

(...أَوَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُون).(3)

إنّ الإنسان الحرّ هو الإنسان الذي يمزّق كلّ حجاب يحول بينه و بين الوصول إلى الحقيقة، وإنّه يسعى نحو الوصول إلى الحقيقة التي يفضّلها على كلّ شيء ويحبّها أكثر من كلّ شيء، وإن كان يحترم ويبجّل والديه ويكنّ لهم وافر الاحترام والاعتزاز، ولكن الحقيقة والحق عنده أكثر تبجيلاً واعتزازاً واحتراماً وأحرى أن تقدّم على غيرها.


1 . لقمان:15.

2 . الزخرف:22ـ 23.

3 . المائدة:104.


( 165 )

6. زمرة من الجن والإنس

ينسب القرآن الانحراف والضلال إلى زمرة من الجن والإنس ويعتبرهما من أسباب ضلال الإنسان وانحرافه، قال تعالى:

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضّلانا مِنَ الجِنّ والإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا...) .(1)

ويحتمل أن يكون المراد من هذه الزمرة وهذه الطائفة الشياطين والرؤساء والقادة ورفاق السوء الذين يكون وجودهم سبباً لانحراف وضلال الإنسان،وحينئذ يكون المراد من هذا النوع من التبعية هو التعصّب الأعمى والطاعة العمياء التي تحدّث عنها القرآن الكريم، ولذلك حصر القرآن الكريم طاعة الوالدين في حدود خاصة بنحو لا تكون سبباً للعصيان والتمرّد على اللّه حيث قال سبحانه:

(وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما).(2)

7. المجرمون

يعتبر المجرمون من عوامل الضلال والانحراف التي تميل بالإنسان من جادة الصواب والطريق المستقيم، ولقد أفصح القرآن عن هذا العامل وعلى لسان المذنبين يوم القيامة بقوله تعالى:

(وَما أَضَلّنا إِلاَّ المُجْرِمُونَ).(3)


1 . فصلت:29.

2 . لقمان:15.

3 . الشعراء:99.


( 166 )

ومن الممكن أن يكون المراد من هذه الطائفة هم ساسة القبائل ورؤساء العشائر أو رفاق السوء، أو شخص آخر والذين تحدّثنا عنهم في الفقرات السابقة، وقلنا إنّها جميعاً تُعدّ من عوامل انحراف الإنسان وضلاله.

8. الأصنام والأوثان

من عوامل الضلال والانحراف، الأوثان والأصنام، يقول سبحانه في هذا الخصوص:

(ربِّ انَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثيراً مِنَ النّاسِ...).(1)

9. الشعور بالغنى

في الوقت الذي يكون للمال والثروة والرفاه الاقتصادي دوره الواضح والبارز في تحقيق سعادة الإنسان واستقراره، في نفس الوقت يكون وجود المال والثروة عاملاً في انحراف الإنسان وضلاله، وذلك فيما إذا شعر الإنسان أو اعتقد أنّه غني عن اللّه سبحانه ولا حاجة له بالمدد الإلهي، بل هو إنسان مستقل يعتمد على كفاءاته الذاتية وقدراته الشخصية ممّا يجعل الغنى وسيلة للطغيان ونسيان الذكر الإلهي، يقول سبحانه:

(...وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوماً بُوراً).(2)

وفي آية أُخرى يشير إلى تلك الحقيقة بصورة أُخرى حيث يقول سبحانه:

(...إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى).(3)


1 . إبراهيم:36.

2 . الفرقان:18.

3 . العلق:6ـ7.


( 167 )

10. اقتفاء أثر الأكثرية الجاهلة

اعتبر القرآن الكريم اقتفاء أثر الأكثرية الجاهلة سبباً من أسباب انحراف الإنسان وضياعه وضلاله، حيث قال سبحانه وتعالى:

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ) .(1)

يستفاد من المقطع الأخير من الآية المباركة انّه ليس كلّ تبعية للأكثرية وليس كلّ اقتفاء بالأكثرية يُعدّ سبباً للضلال، بل الذي يُعدّ كذلك هو اقتفاء أثر الأكثرية التي هي مصداق لقوله تعالى:

(إِنْ يَتَّبعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ).

هذه مجموعة من العوامل التي تكون سبباً لانحراف الإنسان وضلاله وبالطبع توجد عوامل وأسباب أُخرى تؤدّي إلى نفس النتيجة لم نذكرها هنا روماً للاختصار، فعلى سبيل المثال وجود شخصية مثل «السامري» في بني إسرائيل كانت عاملاً من عوامل الانحراف لبني إسرائيل كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم بقوله:

(...وَأَضلَّهُمُ السّامِري).(2)

هذه إشارة إجمالية لعوامل الانحراف والتي يحتاج كلّ منها إلى بحث خاص وتفصيل أكثر يمكن أن يطلب في محلّه.(3)


1 . الأنعام:116.

2 . طه:85.

3 . منشور جاويد:3/156ـ 164.


( 168 )

97

عوامل بعث الأمل في النفوس

سؤال: ما هي العوامل الفاعلة في بعث الأمل وتنمية بذرة الرجاء في نفس الإنسان؟

الجواب : إذا كان الإيمان وسعي الإنسان وكفاحه في مسيرة الإيمان يمثّل الأرضية المناسبة والتمهيد لبعث الأمل والرجاء في نفسه، فإنّ قبول شفاعة الأولياء، وشمولية الرحمة الإلهية وسعتها تُعدّ من العوامل التي تبزرع في قلب الإنسان بذور الأمل في المراحل اللاحقة، بمعنى أنّه بُعد الإيمان والسعي والكفاح المتواصل يأتي دور هذه العوامل التي أشار إليها القرآن، والتي اعتبرها تمثّل المرحلة الثانية في بعث الأمل وزرع الرجاء في الروح الإنسانية، وها نحن نشير إلى هذه العوامل:

1. المغفرة الإلهية الواسعة

إنّ العامل الأوّل لزرع الأمل في قلوب الناس المؤمنين ـ بعد السعي والجهد اللائق ـ هو الإيمان برحمة اللّه الواسعة، والتيقّن بأنّ رحمة اللّه سبحانه


( 169 )

قد سبقت غضبه.(1)

ولقد صرّح القرآن الكريم بهذا المعنى حيث قال سبحانه:

(قُلْ يا عِباديَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّاللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ).(2)

وفي آية أُخرى:

(...وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ...).(3)

إنّ هذا الصنف من الآيات وخاصة الآية الثانية يشير إلى العفو والمغفرة التي تشمل تارة ما; العباد من دون توبة، وإذا ما قيل: إنّ مراد الآية هو أنّ المغفرة لا تشمل الإنسان إلاّ إذا تحقّق شرط التوبة، نقول: إنّ هذا التصوّر غير صحيح، لأنّه حينئذ لا حاجة لقوله سبحانه:(على ظلمهم).

أضف إلى ذلك: انّ لحن الآية الأُولى بنحو لا يمكن تخصيصه وحمله على حالة التوبة فقط، وذلك لأنّ الآية لحنها لحن الحديث عن الرحمة الواسعة والمغفرة الإلهية العامّة، والآية تهدف إلى بذر الأمل في قلوب العباد، وتبعث في داخلهم نور الأمل والرجاء.

2. استغفار الملائكة

ومن الأُمور الأُخرى التي تبعث الأمل في قلوب العباد علمهم بأنّ الملائكة تستغفر اللّه لهم وتطلب منه التجاوز والصفح عن ذنوب عباده والستر عليهم وهدايتهم إلى الطريق القويم، ومن هؤلاء الملائكة الذين يدعون


1 . يا من سبقت رحمته غضبه.

2 . الزمر:53.

3 . الرعد:6.


( 170 )

ويستغفرون للمؤمنين هم حملة العرش الإلهي، يقول سبحانه:

(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرشَ وَمنْ حَولَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وََسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً وَعِلماً...).(1)

3. شفاعة الأولياء

العامل الثالث من عوامل بعث الرجاء وبثّ الأمل في النفوس هو الاعتقاد بشفاعة الأولياء، ولقد أطلق القرآن على مقام الشفاعة الذي منحه اللّه تعالى لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) عنوان «المقام المحمود» حيث قال سبحانه:

(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً).(2)

وفي آية أُخرى يشير سبحانه وتعالى أنّه سيقبل شفاعة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحدّ الذي يرضى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو إشارة إلى شمولية وسعة شفاعته(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول سبحانه:

(وَلَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى).(3)

وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه: هل الآية الأُولى التي تشير إلى سعة المغفرة واللطف الإلهي، تبعث الأمل والرجاء في نفوس العباد أكثر، أم الآية التي تتعلّق بشفاعة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

الأحاديث والروايات الواردة عن أهل بيت الوحي والرسالة تشير إلى


1 . غافر:7.

2 . الإسراء:79.

3 . الضحى:5.


( 171 )

أنّ الآية الثانية هي التي تبعث الأمل والرجاء بصورة أكثر، وإن اختار الآخرون خلاف ذلك، ولكن نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)حديثاً يؤيّد القول الأوّل.(1)

وفي الختام نشير إلى نكتة مهمة انّه بالرغم من وجود هذه الباقة العطرة والبشائر الإلهية والرحمة والمغفرة وعوامل بعث الأمل والرجاء في نفس الإنسان، إلاّ أنّه لا ينبغي للإنسان أن يخدع نفسه ويركن إلى هذه العوامل فقط ولا يحرّك ساكناً ولا يقوم بوظائفه، بل عليه أن يعمل ويكدح ويجتهد و... ثمّ يضم إلى جنب ذلك العمل الاعتماد على العوامل المذكورة، ولقد أشار أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله(عليه السلام): «إنّما العالم الذي لا يقنِّط الناس من رحمة اللّه ولا يؤمنهم من مكر اللّه»(2).(3)


1 . انظر: مجمع البيان:4/503 طبع صيدا; وإحياء العلوم:4/167.

2 . الكافي:1/36.

3 . منشور جاويد:3/200ـ 203.


( 172 )

98

النفاق والمراء

سؤال: ما المراد من مفهوم النفاق، ولماذا يطلق على الإنسان ذي الوجهين صفة المنافق؟

الجواب: انّ مصطلح «النفاق» و «المنافق» من المصطلحات العربية والتي شاع استعمالها في اللغة الفارسية بدرجة أصبح الجميع يدرك معنى ومفهوم هذه المصطلحات بصورة واضحة.

إنّ أصحاب المعاجم اللغوية يقولون: إنّ «النفاق» مأخوذ من «النافقاء» وإنّما سمّي منافقاً، لأنّه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه، يقال: قد نفق به ونافق، وله جحر آخر يقال له القاصعاء، فإذا طلب قصع فخرج من القاصعاء فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء، أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق يدخل في الإسلام ثمّ يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه.(1)

ولا شكّ انّ من أخطر وأقبح الأمراض النفسية هو الابتلاء بمرض


1 . لسان العرب:1/359، مادة نفق.


( 173 )

«النفاق»، وإنّه في الواقع يمثّل محور ومركز جميع الخبائث والقذارات الروحية والخصال الذميمة، ومن الآثار السلبية التي تخلّفها حالة النفاق في نفس الإنسان: «الحيرة» و «الضياع»، وهذه الآثار تظهر على ملامح المنافق وفي طيّات أفعاله بصورة متواصلة وجليّة أكثر من غيرها من الآثار السلبية الأُخرى الناتجة عن النفاق، وذلك لأنّ المنافق يعلم جيداً انّه ذو وجهين ولذلك يسعى جاهداً أن لا يطّلع أحدٌ من الناس على ما في داخله، وبسبب التضاد الداخلي الذي يعيشه والحيرة والضياع المتواصل التي يشعر بها تطغى عليه حالة من القلق والاضطراب والخوف، ولذلك سرعان ما يظهر كامنه وينكشف أمره.

ولقد أشار القرآن الكريم ومن خلال المثال إلى هاتين الصفتين التي تكون إحداهما وليدة الأُخرى، حيث يقول سبحانه واصفاً حال المنافق:

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا اَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ في ظُلُمات لايُبْصِرُون).(1)

ولنفرض إنسان ما يعيش في الفلاة وفي محيط مظلم جداً تحيط به الوحوش الكاسرة والسباع المفترسة والحشرات السامة، فاستوقد لنفسه ناراً ليرى من خلالها ما يحيط به ويحترز من المخاطر التي تحوم حوله، ولكنّه يفاجأ بإعصار عات يطفئ النار ويذهب بالنور الذي أوجده لنفسه، فما هي الحالة التي يعيشها حينئذ ياترى، فهل هناك أمر غير الحيرة والضياع والاضطراب والقلق؟!

إنّ حالة المنافق تشبه حالة هذا الإنسان الذي أصابه الإعصار وذهب بنوره فإنّه يعيش الحيرة والضياع والاضطراب والقلق ولا يختلف عن صاحبه أبداً، بل


1 . البقرة:17.


( 174 )

انّ اضطراب هذا الشخص وذعره وقلقه أشدّ بمراتب من قلق وذعر الإنسان الذي ليس له نور من الأوّل وانّه يعيش في ظلام دامس، كذلك حال المنافق، وذلك لأنّ نور الإسلام والإيمان قد أضاء له محيطه وكشف له دياجير الظلام وبيّن له مكامن الخطر التي تحيط به حينما آمن أوّل مرّة (ذلِكَ بِأنَّهُمْ آمَنُوا )، ولكنّه بسبب اختياره طريق النفاق والمراء واستبدال الإيمان بالكفر قصد إلى إطفاء ذلك النور وإخماد شعلته والعيش في الظلام الدامس والإصابة بالحيرة والضياع، ولذلك يكون حاله حال الإنسان الذي أصابه الإعصار وأطفأ نوره الذي أضاءه لنفسه.

إنّ هذا التفسير يعني أنّ الرغبة في الإسلام والميل إلى الإيمان بمنزلة النار المشتعلة التي تضيء الطريق، وإنّ النفاق والمراء بمنزلة الإعصار الذي يخمد تلك النار ويطفئ ذلك الضياء بنحو لا يمكن الاستفادة من ذلك الضياء لا في عالم الدنيا ولا في الآخرة.

ولذلك نرى القرآن الكريم يقول في حقّ المنافقين:

(ذلِكَ بِأنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يفْقَهُون)(1).(2)


1 . المنافقون:3.

2 . منشور جاويد:4/9و 132، 133و 171.


( 175 )

99

فلسفة التقية

سؤال: من المفاهيم التي قد يتصوّر مرادفتها للنفاق مفهوم «التقية»باعتبار انّ الرجل المتقي يشبه المنافق من جهة أنّه يحمل شعورين أووجهين مختلفين، هل يمكن تسليط الضوء على الفوارق الأساسية بين المفهومين؟

الجواب: يختلف مفهوم «التقية» عن مفهوم «النفاق» اختلافاً جوهرياً، فلم يكن مفهوم «التقية» بحال من الأحوال من مقولة «النفاق»،وبالإضافة إلى الاختلاف الجوهري والماهوي بينهما فانّهما يختلفان في الحكم (الحرمة والجواز) أيضاً.

توضيح ذلك: انّ لفظ «النفاق» في اللغة له معنى خاص(1)، وقد أطلقه القرآن ـ ولجهة المشابهة ـ على الإنسان ذي الوجهين،ولم يكن هذا المصطلح رائجاً قبل نزول القرآن الكريم.

يقول ابن منظور المصري في «لسان العرب»: وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً، وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى


1 . انظر ما نقلناه عن اللسان في ص 178.


( 176 )

المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفاً.(1)

وعلى هذا الأساس يكون استعمال لفظ «المنافق» في الإنسان«ذي الوجهين» استعمالاً قرآنياً ومصطلحاً إسلامياً، لا أنّه اصطلاح عام، وانّ القرآن أطلق ذلك على طائفة من الناس الكافرين الذين يسترون كفرهم بستار من الإيمان الظاهري حيث يقول سبحانه:

(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُونَ) .(2)

فمن الواضح انّ الآية تطلق لفظ «المنافقون» على تلك الطائفة التي تضمر الكفر وتظهر الإيمان.

ومن هنا نعلم أنّ النفاق لا يطلق على كلّ حالة يختلف فيها الظاهر عن الباطن، وكلّ حالة يظهر من صاحبها أنّه يلعب دورين ويكون ذا وجهين، بل يراد منها حالة واحدة فقط وهي فيما إذا أضمر الكفر وأظهر الإيمان، فحينئذ يقال له منافق.

ونحن إذا رجعنا إلى مصطلح «التقية» نجد الأمر على العكس من ذلك تماماً فإنّ الإنسان المتّقي يختلف موقفه اختلافاً جوهرياً عن المنافق، حيث يظهر الكفر ويضمر في داخله الإيمان ، يقول سبحانه واصفاً مؤمن آل فرعون:

(وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ...) .(3)

فهذه الآية من الآيات التي تتعلّق بموضوع التقية والتي تظهر بجلاء أنّ


1 . لسان العرب:10/359، مادة «نفق».

2 . المنافقون:10.

3 . غافر:28.


( 177 )

التقية تقع في نقطة مقابلة للنفاق، وأنّ بينهما فرقاً جوهرياً وأساسياً، إذ الإنسان المتقّي يكتم إيمانه ويظهر الكفر لأسباب وعوامل ضغط خارجية تقتضي ذلك،وأمّا المنافق فيعيش على العكس منه تماماً إذ يظهر إيمانه ويضمر في نفسه الكفر.

ومن هنا وعلى هذا الأساس نعرف وبوضوح أنّ مفهوم «التقية» يختلف عن مفهوم «النفاق» في الأهداف والأغراض أيضاً، لأنّ هدف المنافق هو إفساد المجتمع وقلب النظام الإسلامي والقضاء عليه، والحال انّ هدف الإنسان المتّقي إصلاح المجتمع أو على أقل تقدير الحفاظ على حياته وعرضه وماله أمام تهديد وضغط العوامل الخارجية التي لا يمكنه التخلّص منها إلاّ من خلال هذا الطريق.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى قصة مؤمن آل فرعون وسعيه المتواصل تحت ستار التقية للحفاظ على حياة النبي موسى (عليه السلام)، وهذا يعني أنّه كان ينسّق مع فرعون ويظهر له الكفر لتحقيق هدف أكبر وهو الحفاظ على حياة النبي موسى ومن تبعه. ولذلك نراه وكما ينقل لنا القرآن الكريم ذلك يخاطب فرعون وقومه بأُسلوب دبلوماسي يدلّ على ذكائه وإيمانه العميق وهدفه السامي:

(...أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كِذْبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ...) .(1)

فإذا كان المتّقي هدفه من إظهار الكفر الإصلاح والحفاظ على النفس والمال وسلامة المؤمنين واستقرارهم وعدم التعرض لهم من قبل الطواغيت


1 . غافر:28.


( 178 )

بالأذى والتعذيب; فإنّ المنافق على عكس ذلك يظهر التنسيق مع المؤمنين والسير في ركابهم والوقوف إلى جنبهم ظاهراً، ولكنّه يمسك بمعوله ليهدم الإسلام والمجتمع الإسلامي بطريقة خفية، ويتستّر لتحقيق هذا الهدف المشؤوم بستار الإيمان والتقوى.(1)


1 . منشور جاويد:4/21ـ 23.


( 179 )

الفصل الخامس:

المعاد


( 180 )

( 181 )

100

أدلّة إثبات المعاد

سؤال: ماهي الأدلّة التي يمكن إقامتها لإثبات مسألة المعاد؟

الجواب: لقد أثبت القرآن الكريم وبالأدلّة القطعية والمحكمة مسألة المعاد وبعث الناس بعد الممات،واعتبر ذلك من الحوادث والوقائع القطعية التي لايمكن أن تتخلّف، وقد اعتمد القرآن الطرق التالية لإثبات ذلك:

1. المعاد يمثّل رمز الخلقة.

2. هو النتيجة القطعية والوليد الطبيعي للعدل الإلهي.

3. المعاد مجلى الوعد الإلهي.

4. المعاد مظهر الرحمة الإلهية الواسعة.

5. المعاد يمثّل نهاية السير التكاملي للإنسان.

6. المعاد مظهر الربوبية الإلهية.

وها نحن نشرع في دراسة هذه الأدلّة بصورة مستقلة:


( 182 )

1. المعاد رمز الخلقة

من التساؤلات والإثارات التي تتواصل إثارتها في الفكر البشري وتلحّ على الإنسان وتلاحقه دائماً وبلا هوادة هو السؤال عن أصل الخلقة والهدف منها، وماذا أُريد منها؟

وإنّ الشيء الذي يمكن أن يبيّن الغرض من خلق العالم عامة والإنسان خاصة، وتجعل لذلك العالم هدفية وغرضاً وفهماً عقلائياً هو مسألة الاعتقاد بالمعاد بالنسبة إلى الإنسان والعالم بكلّ جزئياته وذراته، بمعنى انّ هذا العالم بكلّ محتوياته سيتحول إلى عالم آخر أكثر تكاملاً وأفضل،وكأنّ خلق الإنسان ووجوده في هذا العالم بمنزلة إعداد الأرضية المناسبة لخلق آخر أكمل، وإذا لم يكن للعالم وللخلق هذه الهدفية وهذا الخلق المجدد تصبح وبلا ريب عملية خلق الإنسان والعالم ـ بكلّ عظمته ليعيش الإنسان مقداراً من العمر القصير والسنين المعدودة ـ أمراً عبثياً لا جدوى منه ولا فائدة فيه ولا يجدي طائلاً أبداً. ويخرج حينئذ فعله سبحانه وتعالى عن الحكمة.

إنّ قسماً من آيات الذكر الحكيم تنظر إلى مسألة المعاد من هذه الزاوية، وترى أنّ خلق العالم إذا جرّد عن المعاد يفتقد الصفحة الذهبية منه ويصبح حينئذ كتاباً عبثياً لا جدوى منه. ويمكن تقسيم الآيات التي تدلّ على هذه الغاية من خلق العالم إلى طائفتين:

الطائفة الأُولى: الآيات التي ترى أنّ إنكار المعاد يلازم العبث.

الطائفة الثانية: الآيات التي تصف خلقه سبحانه للعالم وإيجاده له، بالحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل.

ونشير هنا إلى نموذجين من الطائفة الأُولى.


( 183 )

ألف: الآيات التي تدلّ على أنّ خلق الإنسان والعالم لم يكن أمراً عبثياً

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ).(1)

وفي الآية الثانية ينزّه القرآن الكريم اللّه سبحانه وتعالى من كلّ أنواع النقص حيث يقول سبحانه:

(فَتَعالَى اللّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَريمِ).(2)

وفي آيات أُخرى يقول سبحانه مؤكّداً الحقيقة السالفة:

(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبينَ* ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ *إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعينَ)(3).(4)

ب. الحقّ المطلق يلازم الهدفية لفعله سبحانه

جاء في الآيات التي ـ سنتعرض لذكرها ـ بيان كون المعاد رمز الخلقة وانّه يثبت الهدفية لفعله سبحانه ويخرجه عن اللغوية من خلال طريق آخر، وهو:

إنّ اللّه سبحانه حق مطلق لا مجال للباطل في ذاته وصفاته وأفعاله، ومن كان يتّصف بهذا الوصف الجامع والحق المطلق لابدّ أن يكون عمله ملازماً للهدفية وانّه يهدف إلى غاية حكيمة من خلقه، والتي يكون المعاد تجسيماً لقسم منها. قال سبحانه:


1 . المؤمنون:155.

2 . المؤمنون: 116.

3 . الدخان:38ـ 40.

4 . من أسماء يوم القيامة (يوم الفصل) لأنّه يفصل فيه بين الحق والباطل.


( 184 )

(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيي الْمَوتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)

فقد وصف سبحانه في هذه الآية نفسه بـ(هُوَ الحَقّ) المطلق، ثمّ أردف ذلك بقوله:(يُحيي المَوتى)وهذه إشارة واضحة إلى أنّ الحقّ المطلق لا ينفك عن إحياء الموتى والبعث يوم القيامة.

بعد هذه الإشارة لابدّ من البحث عن العلاقة بين «كونه سبحانه حقاً» و بين «المعاد يوم القيامة» لنرى ما هي هذه العلاقة؟

والجواب عن هذا السؤال: يتّضح جلياً من خلال التركيز على معنى «الحق»، وذلك لأنّ الحقّ في الواقع هو النقطة المقابلة «للباطل»،ومن الطبيعي انّ الموجود الحقّ والذي لا يتطرق إليه الباطل بشكل من الأشكال وبنحو من الأنحاء، لابدّ أن يكون أزليّاً وسرمدياً وأن تكون ذات ذلك الوجود جامعة لكلّ أنواع الكمال ومنزّهة من كلّ نقص وعيب، وهذا بدوره يلازم أن يكون العمل أو الفعل الصادر من تلك الذات منزّهاً عن النقص والعيب بكلّ أشكاله أيضاً وإلاّ خرج الوجود عن كونه حقّاً مطلقاً وتطرّق إليه الباطل حينئذ، وهذا خلاف فرض كونه حقّاً .

وبعبارة أُخرى: انّ فعل الحقّ تجلّي لصفاته، والصفات الذاتية تجلّي لذاته سبحانه، فإذا كانت ذاته سبحانه حقّاً مطلقاً ولا يتطرّق لها الباطل بأيّ نحو من الأنحاء وبوجه من الوجوه لابدّ أن يوصف سبحانه بأنّه «حكيم»، وبما أنّه حكيم لابدّ أن يكون فعله بعيداً عن العبثية ومنزّهاً عن اللغوية دائماً.

ومن خلال هذا البيان نصل إلى هذه النتيجة وهي: انّ وصفه سبحانه بأنّه


1 . الحج:6.


( 185 )

«الحق» دليل على أنّ فعله سبحانه نابع عن الحكمة والهدفية، وكما قلنا إنّ تنزيه عمله عن العبثية واللغوية لا يتحقّق إلاّ إذا اعتقدنا بالمعاد والحياة الأُخرى.

من هذا المنطلق نراه سبحانه يقول في آية أُخرى:

(وَأَنَّ السّاعَةَ آتيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ).(1)

وليست هذه الآية الوحيدة التي ترى أنّ كونه سبحانه حقاً هو الدليل الوحيد على حتمية المعاد والبعث والنشور يوم القيامة، بل توجد آيات أُخرى تشير إلى نفس الحقيقة حيث قال سبحانه وتعالى:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّاللّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبيرُ).(2)

ثمّ أشار سبحانه في الآيتين اللاحقتين إلى مسألة الحياة الأُخرى للإنسان حيث قال سبحانه:

(وَهُوَ الّذي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ).(3)

ثمّ إنّنا نرى الآية 28 من سورة لقمان تتحدّث عن المعاد ويوم القيامة حيث قال سبحانه:

(...ما خَلْقُكُمْ وَما بََعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْس واحِدَة...).

ثمّ تأتي الآية رقم 30لتصفه سبحانه بأنّه الحقّ حيث جاء فيها:

(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الحَقُّ...) .


1 . الحج:7.

2 . الحج:62.

3 . الحج:66.


( 186 )

ومن بعد ذلك تعود الآية رقم 33 للحديث عن المعاد ويوم القيامة حيث قال سبحانه:

(يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَولُودٌ هُوَ جاز عَنْ والِدِه شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا...) .

وإذا لم يوجد في القرآن الكريم إلاّ هذه الآيات بهذا النظم الرائع والترتيب المنطقي والوصف الجيد،لأذعنّا بما لا ريب فيه أنّ هذا القرآن لا يمكن أن يكون نتاج وثمرة الفكر البشري خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ذلك المحيط البعيد كلّ البعد عن أجواء العلم والمعرفة «الجزيرة العربية»، كما أنّنا ندرك جيداً ونذعن بأنّ كلّ كلمة سطّرت في هذا القرآن إنّما سطّرت على أساس حسابات دقيقة غاية في الدقة والإمعان والرصانة، ولذلك نجدها بعد أن توصفه سبحانه(بالحق) تستنتج من ذلك الحق قطعية المعاد والقيامة.

وعلى هذا الأساس نرى القرآن تارة ينطلق من فكرة كون «الحق» ملازماً للمعاد، وأُخرى ينطلق من أنّ النظام المتناسق للكون لا يمكن أن يكون خالياً من الهدفية، ولذلك لابدّ من الإذعان بالمعاد والقيامة والحياة الأُخرى.

والنتيجة: إنّ مجموع الآيات يشير إلى كون المعاد رمزاً لهدفية الخلق، وتعدّه أمراً حتمياً وواقعاً قطعياً.

2. المعاد مظهر العدل الإلهي

إنّ العمل على أساس العدل هو أحد فروع مسألة التحسين والتقبيح العقليّين، وإنّ الذين يذهبون إلى الاعتقاد بهذه النظرية في مجال العقل العملي،


( 187 )

يؤكّدون أنّ العمل وفقاً لما يستحسنه العقل والاجتناب عن كلّ ما يراه العقل قبيحاً، يُعدّ من الأُصول الكلّية الواسعة التي لا تختص بالإنسان، وانّ العقل يرى أنّ العمل «الحسن» والجميل وفي جميع الأحوال وتحت كافة الشرائط ومن أيّ فاعل مريد ومختار صدر فهو حسن وجميل، والقبيح على العكس من ذلك حيث يرون أنّ ذلك العمل قبيح ولا يفرّقون في هذا الحكم(بحكم كلّية الموضوع) بين كون الفاعل ممكناً«الإنسان» أو كونه واجباً«اللّه».

وممّا لا ريب فيه أنّه لو أطاع اللّه جميع العباد وتحوّلوا إلى أُناس محسنين وخيّرين وصالحين، فلا يستلزم ذلك أبداً وجوب إثابتهم من قبله سبحانه، وذلك لأنّهم مهما عملوا وأطاعوا وأحسنوا في حياتهم فإنّما ينطلقون في كلّ ذلك من القدرات والإمكانات التي منحها اللّه لهم ووهبها إليهم، إذ انّ جميع حركاتهم وسكناتهم وجهودهم البدنية منها والفكرية كلّها وليدة الثروة الإلهية، وهذه النقطة ممّا لا يرتاب فيها أحدٌ أدنى ارتياب. أضف إلى ذلك أنّنا لو أحصينا النعم الإلهية التي وهبها اللّه لعباده ومدى سعتها وكثرتها ـ إلى الدرجة التي يصرّح القرآن الكريم بأنّها تستعصي على العدّ والحصر ـ فحينئذ لا يبقى مجال لاستحقاق الثواب الأُخروي، وإذا ما رأينا اللّه سبحانه وتعالى قد وعد هؤلاء بالثواب فإنّما ذلك من باب الإحسان والكرم واللطف الإلهي لا غير، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا الصدد: «ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلاً منه، وتوسّعاً بما هو من المزيد أهله».(1)

في مقابل ذلك لو كان جميع العباد عاصين ومخطئين ومنحرفين ومذنبين لما وجب على اللّه تعالى عقابهم وعذابهم يوم القيامة،وذلك لأنّ العقاب والمؤاخذة


1 . نهج البلاغة، الخطبة 216، مراجعة صبحي الصالح.


( 188 )

حق للّه سبحانه وتعالى وليس من اللازم عليه أن يستوفي حقّه،إذ بإمكانه سبحانه أن يتنازل عن حقّه .

على هذا الأساس يتّضح أنّه لو كان جميع العباد صالحين أو جميعهم طالحين فلا يمكن أبداً توجيه مسألة العقاب أو الثواب الإلهي على أساس«العدل الإلهي» ولكن الناس يصنفون إلى طائفتين هما:

1. الصالحون.

2. الطالحون.

وهنا من اللازم دراسة مقتضى العدل الإلهي بخصوص هاتين الطائفتين من عباده سبحانه.

كما ذكرنا أنّ الناس في هذا العالم ومن جهة العمل بالتكاليف الإلهية ينقسمون إلى طائفتين وهنا يأتي دور العقل ليستمد العون من الأصل الكلّي في الحسن والقبح العقليين، ويحكم بأنّ المساواة بين هاتين الطائفتين على خلاف قانون«العدل»، وعلى هذا الأساس لو ساوى بينهم في العقاب بأن عاقب الجميع، أو ساوى بينهم في الجزاء بأن أثاب الجميع من دون فرق، أو أنّه على أقلّ تقدير أهمل إحسان المحسنين كما أهمل إجرام المجرمين ولم يترتّب على عملهم أدنى أثر يذكر، فلا ريب أنّه بعمله هذا وموقفه لم يَعدل بينهم، فكما أنّ معاقبة الجميع أو إثابة الجميع تُعدّ خلافاً للعدل الإلهي، كذلك الحياد والإهمال واللا مبالاة بالنسبة إلى الطائفتين الصالحة والطالحة التي تنفي أصل المعاد، يُعدّ على خلاف العدل الإلهي، والبحث هنا يتم على هذا المطلب الثالث والذي أكّد القرآن الكريم عليه أيضاً.

وبعبارة أُخرى: إذا كان بين هاتين الطائفتين فرق وامتياز في الجزاء في هذا


( 189 )

العالم، فحينئذ يرى العدل الإلهي له مظهراً، وأمّا إذا فرضنا أنّ الموقف منهما ـ باستثناء بعض الموارد ـ على حدّ سواء فمن الطبيعي أنّه ولكي يتحقّق مفهوم العدل بصورة أتمّ وطريقة أكمل لابدّ من وجود عالم آخر وحياة ثانية تكون معرضاً للعدالة الحقّة، ومن هنا يكون المعاد أمراً حتمياً وقطعياً لا يمكن أن يتخلّف بحال من الأحوال، والآن نشرع في ذكر بعض الآيات التي جاءت في هذا الإطار، وهذه الآيات يمكن تقسيمها إلى طائفتين:

الف: طائفة تنكر مسألة التساوي بين المذنبين والصالحين وتطرحها بأسلوب الاستفهام التعجبي، وترى أنّ ذلك لا ينسجم ولا يتلاءم مع العدل الإلهي.

ب: الطائفة الثانية ترى أنّ مسألة الثواب والعقاب من تبعات مسألة المعاد، وأنّ إحدى غايات الحياة الأُخروية هي منح وإعطاء الثواب أو إجراء العقاب.

ومن الآيات التي ترتبط بالطائفة الأُولى:

(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالْفُجّارِ).(1)

(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(2)

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَما يَحْكُمُونَ).(3)


1 . ص:28.

2 . القلم:35ـ 36.

3 . الجاثية:21.


( 190 )

فإذا ما أنكرت هذه الطائفة من الآيات إنكاراً شديداً مسألة المساواة بين الصالحين والطالحين في الثواب والعقاب، فإنّ الطائفة الثانية اعتبرت المعاد مقدّمة لعقاب العاصين والمجرمين وثواب المطيعين والمحسنين.

وبعبارة أُخرى: انّ آيات الطائفة الأُولى تدلّ على أنّ اللّه سبحانه يستحيل أن يساوي بين الصالحين والطالحين، ولابدّ أن يعدل بينهما، ولكن أين ومتى يقع هذا العدل؟ لم تتطرق هذه الطائفة إليه، ولكن آيات الطائفة الثانية تؤكد أنّ هذا الأصل«الثواب والعقاب» يتحقّق في فضاء ومحيط آخر، حيث قال سبحانه:

(إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَميم وَعَذابٌ أَليمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ).(1)

ويقول سبحانه:

(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَالأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا للّهِ الواحِدِ القَهّار *...يَجْزِيَ اللّهُ كُلَّ نَفْس ما كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَريعُالحِسابِ).(2)

فإنّ هذه الآيات وإن لم تتحدّث عن «العدل الإلهي» ولكن بالالتفات إلى آيات الطائفة الأُولى يمكن القول إنّ ذلك هو مقتضى العدل الإلهي.

وفي كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) إشارة إلى هذا المعنى حيث قال(عليه السلام):

«يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ فِيهِ الأَوّلينَ وَالآخرينَ لِنِقاشِ الْحِسابِ وَجَزاءِ الأَعْمالِ».(3)


1 . يونس:4.

2 . إبراهيم:48ـ51.

3 . نهج البلاغة: الخطبة 102.


( 191 )

ويقول (عليه السلام) أيضاً:

«فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إخْلاقِهِمْ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِما يُريدُهُ مِنْ مَسألَتِهِمْ عَنْ خَفايَا الأَعْمالِ وَخَبايَا الأَفْعالِ وَجَعَلَهُمْ فَريقَين أنْعَمَ عَلى هؤلاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هؤلاءِ...».(1)

3. المعاد مجلى الوعد الإلهي

هنا يمكن إقامة الدليل على حتمية المعاد بنحو يكون ذلك الدليل قائماً على أُسس شرعية وأُخرى عقلية، وهي أنّ اللّه سبحانه قد وعد في الكتب السماوية السابقة وكذلك في القرآن الكريم، بأنّه سيثيب المحسنين يوم القيامة ويعاقب العاصين، من هنا تدخل مسألة القيامة في إطار الوعد الإلهي وتعد إحدى مسائله.

وعلى هذا الأساس يحكم العقل وبصورة قطعية بأنّ الوفاء بالوعد والعمل به حسن عقلاً، وانّ خلف الوعد قبيح عقلاً ومرفوض وغير جائز قطعاً، ثمّ يستنتج العقل من ذلك انّ تحقّق المعاد يوم القيامة وإثابة المحسنين والمطيعين أمرٌ حتمي وقطعي لا يمكن أن يتخلّف.

إنّ هذا النوع من الاستدلال على حتمية يوم القيامة يختلف عن الاستدلالين السابقين اختلافاً تامّاً، وذلك لأنّ الاستدلالين السابقين مبنيان على أُسس عقلية، وانّ الآيات الواردة هنا تشير إلى حكم العقل في المسألة، سواء قلنا:«إنّ الخلق بدون المعاد عبث»، أو قلنا:«إنّ المساواة بين العباد في الثواب والعقاب على خلاف العدل الإلهي».

ولكن يكون الاستدلال على حتمية المعاد هنا قائماً على ركيزتين إحداهما


1 . نهج البلاغة: الخطبة109.


( 192 )

شرعية بمعنى أنّ اللّه إذا لم يبشر بيوم القيامة ولم يرسم حقّاً لكلّ من المطيع والعاصي و الصالح والطالح، فمن المستحيل أن يتحقّق موضوع حكم العقل «الوفاء بالوعد جميل وخلفه قبيح» ولكن بعد الالتفات إلى هذا الأصل (البشارة الإلهية بوقوع يوم القيامة والثواب والعقاب) حينئذ يحكم العقل حكماً قطعياً بحتمية وجود يوم القيامة وحتمية الثواب والعقاب.

ويمكن استنتاج هذين النوعين من الاستدلال من خلال بعض الآيات القرآنية، كما يمكن تقسيم تلك الآيات إلى طائفتين هما:

1. الآيات التي تشير إلى أصل الوعد الإلهي بوقوع القيامة والثواب والعقاب.

2. الآيات التي ترى أنّ تحقّق هذا الوعد الإلهي أمرٌ حتمي لا يقبل التخلّف أبداً.

وها نحن نذكر نماذج من هاتين الطائفتين:

القيامة وعد إلهي

قال سبحانه:

(...كَمـا بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّـا كُنّا فاعِلينَ).(1)

وقال في آية أُخرى:

(فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ).(2)


1 . الأنبياء:104.

2 . الزخرف:83 والمعارج:43.


( 193 )

ولقد وردت الإشارة إلى أنّ القيامة هي إحدى البشائر الإلهية في مواضع أُخرى.(1)

جزاء الأعمال من وعوده سبحانه

لقد ورد في قسم من الآيات البشارة بالثواب والعقاب حيث قال سبحانه في خصوص الجنة:

(وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقينَ غَيْرَ بَعيد* هذا ما تُوعَدُونَ...).(2)

وقال سبحانه:

(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوعِدُهُمْ أَجْمَعينَ).(3)

وفي آية أُخرى:

(...وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ...).(4)

إلى هنا اتّضح ثبوت أصل الوعد الإلهي من خلال آيات الذكر الحكيم، فلنتعرض لذكر الآيات التي ترى أنّ تحقّق ذلك الوعد الإلهي أمر حتمي وقطعي، أي الآيات التي تؤيد حكم العقل، ومن حسن الحظ انّ الآيات في هذا المجال كثيرة جداً نكتفي بذكر بعضها:

(رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْم لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ).(5)

ويقول سبحانه في آية أُخرى:


1 . الذاريات:60، المعارج:44، الأنبياء:103.

2 . ق: 31ـ 32.

3 . الحجر:43.

4 . هود:17.

5 . آل عمران:9.


( 194 )

(...وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ)(1).(2)

وكأنّ المتكلّمين المسلمين قد استلهموا من هذه الآيات المباركة الأمر واطّلعوا على حكم العقل من خلالها،واستدلّوا على ذلك بأصل الحكمة ووجوب الوفاء بالوعد كما يقول المحقّق الطوسي في هذا الصدد:

«وَ وُجوبُ ايفاءِ الْوَعْدِ وَالحِكْمَة يَقْتضي وُجُوب الْبَعْث».(3)

4. المعاد مظهر الرحمة الإلهية

من النكات المهمة والتي أولاها القرآن أهمية خاصة انّه ركّز على العلاقة بين المعاد وبين الرحمة الإلهية، واعتبر انّ المعاد غصن من شجرة الرحمة الإلهية، وأكّدت الآيات القرآنية على النظرة الرحمانية التي ألزم الحقّ تعالى بها نفسه والتي ينظر فيها إلى عباده من نافذة الرحمة، لذلك حشرهم يوم القيامة قال سبحانه:

(قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ قُل للّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ).(4)

وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه: كيف ياترى يكون المعاد مظهراً للرحمة الإلهية والحال انّ في ذلك اليوم تعيش طائفة كبيرة من الناس العذاب الإلهي الشديد؟! وهل يمكن أن يكون العذاب الأليم والجحيم وكون بعضهم في الدرك الأسفل من النار مظهراً للرحمة الإلهية؟


1 . آل عمران:194.

2 . انظر; الفرقان: الآية16، التوبة:111، مريم:61، الزمر:20.

3 . كشف المراد: المقصد السادس، المسألة الرابعة.

4 . الأنعام:12.


( 195 )

والجواب عن هذا التساؤل واضح: لأنّ الهدف من وراء البعث والنشور والحشر يوم القيامة هو إيصال كلّ ممكن إلى الكمال المطلوب، ونيل الرحمة الإلهية، وليصل كلّ إنسان إلى الغاية التي يتوخّاها ويطلبها من خلال أعماله الاختيارية واستعداداته الذاتية التي وهبها اللّه له، وليحيا تلك الحياة الطيبة في ذلك العالم وهو إنسان متكامل وعار عن كلّ نقص وعيب.

ولكن الإنسان الكافر هو الذي أوصد على نفسه نافذة الرحمة الإلهية من خلال غيّه وعتوه ولجاجته، ولم يستفد من الهبات والمنح الإلهية التي وهبها اللّه سبحانه له في هذا العالم، ومال بنفسه وأعرض عن طريق الحق وخرج من تحت ظلال شجرة الرحمة الإلهية.

وعلى هذا الأساس يكون ـ و بلا ريب ـ يوم القيامة قائماً على أساس الرحمة، ولكن الكافرين والمعاندين هم الذين مالوا عن مسير الرحمة وجادّتها، ومسألة القيامة والمعاد نظير مسألة الامتحان، إذ الغرض والغاية من الامتحان والاختبار إظهار ما في كنه الممتحن من الكمال على نحو لولاه لما ظهرت تلك المواهب والاستعدادات والقدرات من مرحلة القوّة إلى الفعلية، ولكن الكافر ـ ولأسباب معينة ـ لم يستغل تلك الفرصة ولم يستفد من تلك الإمكانات بالنحو الصحيح، بل استعمل قدراته الكامنة في جهة الطريق المهلك والمُخسر.

وقد تمّ التركيز في الآية التي ذكرناها على مسألتين هما:

ألف: انّ الحضور والحشر في يوم القيامة فرع من فروع الرحمة الإلهية، لا مسألة الثواب والعقاب حيث قال سبحانه:

(...لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ...) .

وكأنّ الحضور في ذلك اليوم يُعدّ بمنزلة الوثبة والقفزة نحو عالم أكمل وحياة


( 196 )

أفضل، وإذا كان الكافر قد خسر ذلك الكمال وحرم نفسه من تلك النعمة باختياره وسوء عمله، فلا يضر ذلك بكون يوم القيامة مظهراً للرحمة الإلهية.

ب: انّ جملة (...الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ...) تعدّ بمنزلة الجواب عن التساؤل الذي طرح، وعن الاستغراب الذي أُثير وانّه كيف يكون حضور المنافقين والكافرين في العذاب الإلهي والحشر يوم القيامة مظهراً للرحمة الإلهية؟! وكيف يكون الحشر فرعاً من فروع الرحمة الإلهية؟ والحال انّ ذلك اليوم يعدّ بالنسبة إليهم يوم الخسران المبين؟!

لكن الآية تؤكّد انّ خسرانهم وعذابهم وليد طبيعي لأعمالهم المنحرفة (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)، وهم الذين حرموا أنفسهم من مائدة الرحمة الإلهية، وكأنّ الحشر والجمع يوم القيامة بمثابة درس كمال للجميع،ولكن طائفة من الناس وبسبب أعمالهم وأفعالهم المسبقة حرموا أنفسهم من الاستفادة منه.

ولعلّ الآية التالية ناظرة إلى نفس الفكرة(وهي كون المعاد فرعاً من فروع الرحمة الإلهية) حيث يقول سبحانه:

(فَانْظُر إِلى آثارِ رَحْمَةِ اللّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ).(1)

انطلقت هذه الآية لإثبات المعاد يوم القيامة وإثبات إحياء الموتى من خلال إمعان النظر في الحياة الدنيا وكيف يحيي اللّه الأرض بعد موتها، ولكنّها في نفس الوقت لم تهمل النكتة الثانية وهي أنّه كما أنّ إحياء الأرض بعد موتها يقع في إطار الرحمة الإلهية ويمثل مظهراً من مظاهر رحمته سبحانه، كذلك يكون الأمر يوم القيامة، فإنّ إحياء الموتى يُعدّ أحد مظاهر الرحمة الإلهية الواسعة أيضاً، وذلك لأنّ


1 . الروم:50.


( 197 )

الذي يترتّب على إحياء الأرض هو نمو النباتات، أي ظهور استعدادتها وتحوّل قدراتها من مرحلة القوّة إلى الفعلية وتظهر ما كمن فيها من كمالات، فكما أنّ الأزهار الجميلة والفواكه اللذيذة تظهر من خلال حركة الأرض وقيامها، كذلك تظهر الأشواك والثمار المرّة حقيقتها من خلال تلك الحركة أيضاً، ولا ريب أنّ الجميع من مظاهر وآثار الرحمة الإلهية الواسعة، كذلك الأمر في مسألة إحياء الموتى، فإنّ «الإحياء» مقتضى الرحمة الإلهية وتجسّم الأعمال والثواب والعقاب، من ملازماته التي لا تنفك عنه.

فالآيتان إذاً تشيران إلى حقيقة واحدة.

5. المعاد نهاية السير التكاملي للإنسان

حينما تعرض الحكماء لذكر تعريف «الحركة» ذكروا أنّ «الحركة» تتوقّف على أُمور ستة، السادس منها «العلّة الغائيّة»، وأنّ هدفهم من إثبات تلك الواقعية للحركة ينبع من تصوّر مفهوم الحركة، وذلك لأنّ السعي والجهد يمثّلان حقيقة الحركة، وانّه تكمن في ماهية السعي والجهد الحقيقة التالية، وهي: انّ الساعي يحاول الحصول على الشيء الذي يفتقده، ولا فرق هنا بين الحركات الطبيعية أو الإرادية.

وعلى هذا الأساس يكون الإنسان ومنذ الأيام الأُولى لحياته يعيش حالة «اللاّثبات» و «اللاّ استقرار»وأنّه يخضع في كلّ لحظة إلى ظروف وشروط خاصة تسوقه نحو الكمال فيعيش ديمومة من الحركة يفتقد فيها حالة سابقة ويحصل على حالة جديدة، فالخلية الإنسانية حينما تستقر في الرحم لم تزل متحركة ومنتقلة من حالة إلى أُخرى ومن طور إلى آخر، من «علقة» إلى «مضغة» إلى ... حتى يتم إنساناً سوياً يفعل العجائب والغرائب ويقوم بالأعمال الجسام التي تعجز


( 198 )

المخلوقات الأُخرى عن القيام بها، ومع كلّ ذلك يبقى ذلك الإنسان يعيش حالة التحول والانتقال وعدم الثبات حيث يقذف دائماً في تيار الحوادث من حالة إلى أُخرى.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا البرهان الفلسفي الذي يثبت حتمية المعاد انطلاقاً من قانون «غائية الحركة»، ومن هذه الآيات التي وردت في هذا المجال:

لقد أشار القرآن الكريم وبصورة هي غاية في الدقّة والإحكام إلى المراحل التي يطويها الإنسان في مجال خلقته من «النطفة» وحتى الوصول إلى مقامات سامية، وأنّه كلّما وصل إلى مرحلة ما تركها إلى أُخرى، أرقى من سابقتها وهكذا حتى يصل إلى درجة من الكمال. يصفها اللّه تعالى بقوله:

(...ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقينَ) .(1)

ثمّ يشير سبحانه إلى مرحلتين من مراحل الإنسان التكاملية هما: مرحلتا «الموت» و «الحياة الأُخرى» حيث يقول سبحانه:

(ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) .(2)

ونحن إذا أمعنّا النظر في الآيات نجد انّه سبحانه عطف الجمل الثلاث بحرف العطف «ثم» الذي يدلّ على التعاقب والالتصاق، وهذا يعني أنّ هذه المراحل متعاقبة ومتلاحقة.

ومن مجموع الجمل تكتشف انّ النفس الإنسانية والروح الواحدة، تخضع لقانون واحد منذ اللحظات الأُولى للخلق إلى أن تصل إلى مرحلة البعث والنشور والحياة الأُخرى، وهذا القانون هو: الانتقال والتحوّل والحركة من النقص إلى


1 . المؤمنون:14.

2 . المؤمنون:15ـ16.


( 199 )

الكمال. ومن حالة «الفقدان» إلى حالة «الوجدان» ومن «القوة» إلى «الفعلية»، وبالنتيجة يصل الإنسان إلى الدرجة القصوى من كماله المطلوب في يوم القيامة وعند البعث والنشور، وبذلك يكون المعاد هو المرحلة الأخيرة في سير الإنسان التكاملي، وهذا المعنى نجد الإشارة إليه في آيات أُخرى من الذكر الحكيم حيث قال سبحانه:

(وَ أَنِّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنْثى *مِنْ نُطْفَة إِذا تُمْنى*وَ أنَّ عَلَيْهِ النَّشأَة الأُخرى).(1)

كما يمكن إدراك وتلقّف تلك الحقيقة من الآيات التي تصف يوم القيامة بالأوصاف التالية:«المنتهى» و «المستقر» و «المساق»،فكأنّها تشير إلى أنّ القيامة والمعاد هي نهاية الحركة والسعي، وانّ حياة الإنسان العاصفة بالحوادث والاضطرابات والتحولات في هذا البحر المتلاطم ستصل إلى مرحلة الاستقرار والثبات (المستقر)، وانّ مسيرة حركة هذه القافلة تساق إلى هذه الغاية المنشودة، وهي مرحلة الحياة الأُخرى وتكون نهاية سعيه إلى ربه سبحانه، ونحن هنا نشير إلى الآيات التي بيّنت تلك الحقيقة حيث قال سبحانه:

(وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى* وَ أنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى* ثُمَّ يُجْزيهُ الْجَزاءَ الأَوفى* وَ أنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى).(2)

وقال تعالى:

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمُسْتَقَرّ).(3)


1 . النجم:45ـ 47.

2 . النجم:39ـ 42.

3 . القيامة:12.


( 200 )

وقال سبحانه:

(إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذ الْمَساقُ) .(1)

وفي كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام) لمحات وإشارات إلى هذا البرهان لمن أمعن النظر فيها حيث يقول(عليه السلام):

«وَإِنَّ الْخَلْقَ لا مَقْصرَ لَهُمْ عَنِ القِيامة مُرقِلينَ(2) في مِضْمارِها إِلَيالْغايَةِ القُصْوى».(3)

6. المعاد مظهر ربوبيته سبحانه

الربّ في اللغة بمعنى الصاحب، يقال: «ربّ الدار» و «ربّ الضيعة» لصاحب الدار وصاحب الضيعة أو البستان، وفي الحقيقة انّ المقام الربوبي هو مقام تدبير المربوب وإيصاله إلى الكمال، كما أنّ مقام الخالقية يرتبط بمرحلة الإيجاد والإنشاء، فإنّ الموجود الممكن بعد أن يلبس ثوب الإيجاد والإنشاء يبقى بحاجة إلى الرعاية والتدبير والسوق نحو الكمال المنشود، وهذا هو مجال المقام الربوبي.

كما أنّ كلمة «الرب» ـ وكما بيّنّا ـ تشير إلى أنّ حقيقة الربوبية والمربوبية تتجلّى في كون الإنسان عبداً للّه سبحانه وانّ اللّه هو المالك المطلق والصاحب له، وانّ العبد هو المملوك لربه سبحانه وممّا لا ريب فيه أنّ من شأن العبد بالنسبة إلى مولاه أن يطيعه ويتّبعه في جميع أوامره بنحو تكون حركاته وسكناته جميعها مطابقة لأوامر مولاه ونواهيه.


1 . القيامة:30.

2 . أي مسرعين.

3 . نهج البلاغة: ص 151.


( 201 )

وبما أنّ العباد قد انقسموا ـ من ناحية الطاعة ـ إلى طائفتين، مطيعة وعاصية، الأمر الذي يقتضي أن يوجد يوم يجمع فيه العباد على صعيد واحد ليحاسب فيه العاصون على مخالفتهم ويُثاب فيه المطيعون على طاعتهم.

وبعبارة أُخرى: انّ الربوبية تلازم العبودية،وفي الحقيقة انّه تكمن في حقيقة العبودية المسؤولية، وإلاّ لا معنى للمسؤولية بدون المؤاخذة، والمساءلة والاستجواب عن الأعمال والأفعال، ولا شكّ انّ ذلك كلّه لا يمكن تصوّره من دون أن يكون هناك يوم يُعدّ للحساب والمساءلة والمؤاخذة، ولذلك فإنّ هذا الأمر يقتضي أن يوجد ذلك اليوم الذي تتجلّـى فيه ربوبية اللّه سبحانه، ولعلّه من هذا المنطلق جاءت كلمة «الرب» في الآية المذكورة بدل كلمة «اللّه» أو «الخالق» أو ما شابه ذلك، قال تعالى:

(يا أَيُّهَا الإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ).(1)

ولعلّه لنفس النكتة اعتبر في آية أُخرى إنكار المعاد ملازماً لإنكار الربوبية حيث قال سبحانه:

(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَولهُمْ ءَإِذا كُنّا تُراباً ءَ إِنّا لَفي خَلْق جَديد أُولئِكَ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ...)(2).

وتتّضح من خلال البيان السابق الملازمة بين إنكار المعاد وإنكار الربوبية، وذلك لأنّ الإنسان إذا سلم بأنّ له ربّاً وانّه مملوك لذلك الرب، فلا ينبغي بحال من الأحوال أن ينكر أنّه لابدّ أن يقف أمام هذا الرب والمالك للحساب والمساءلة والمؤاخذة، وإلاّ لا يمكن تصوّر مقام المالكية والربوبية والعبودية منفكّاً عن


1 . الانشقاق:6.

2 . الرعد:5.


( 202 )

المحاسبة والمؤاخذة الكاملة لعباده ومربوبه ومملوكيه.

من هنا يتحيّر الإنسان لطبيعة النظم القرآني والموازنة والمقارنة الدقيقة ويقف بإعجاب أمام ذلك البيان الدقيق، حيث يرى بأنّه لا يمكن إبدال كلمة مكان أُخرى، لأنّ أدنى تغيير أو تبدّل سوف يقلب المعنى بصورة جذرية.(1)


1 . منشور جاويد:9/31ـ 52.


( 203 )

101

شبهة الآكل والمأكول

سؤال: من الإشكالات والشبهات التي أُثيرت من قبل منكري المعاد هي الشبهة المعروفة بـ«شبهة الآكل والمأكول» فما هو الجواب الأمثل عن هذه الشبهة؟ بل كيف يمكن لنا أن نتصوّر محاسبة الإنسان بعد أن تحوّل بدنه إلى نباتات وأعشاب أو إلى موجودات أُخرى؟

الجواب: إنّ محور الإشكال قائم على أساس الفكرة التالية: إنّ الإنسان إذا تحوّل إلى طعام لإنسان آخر وأصبح جزءاً من ذلك الإنسان، سواء كان بصورة مباشرة كما إذا اتّفق أن أكل إنسان إنساناً، أو كان بصورة غير مباشرة كما لو تحوّل بدن الإنسان الميت إلى تراب ثمّ إلى نبات ثمّ تحوّل هذا النبات إلى بدن حيوان فتغذّى الإنسان بلحم ذلك الحيوان، أو أنّ الإنسان تناول ذلك النبات بصورة مباشرة، فحينئذ يطرح التساؤل عن كيفية معاد الإنسان الأوّل من جهة؟ وعن كيفية معاد الإنسان الثاني من جهة أُخرى؟

ومن الجدير هنا أن نشير إلى النكات التي يمكن أن تعالج كلّ واحدة ـ وبنحو ماـ منها جانباً من جوانب الشبهة:


( 204 )

1. لقد أثبتت البحوث العلمية أنّ بدن الإنسان بمنزلة العين الجارية، بحيث يتحوّل وفي ضوء الفعل والانفعالات الطبيعية وبصورة مستمرة من حالة إلى أُخرى، حيث تنمو أجزاء جديدة من جهة وتفنى في مقابلها أجزاء أُخرى غيرها، بل توصل العلم إلى أدق من ذلك حيث اكتشف انّ الإنسان ينزع بدنه ويبدله ببدن آخر في كلّ ثمانية أعوام من عمره، فالإنسان الذي يعمّر أربعة وستين عاماً يستبدل بدنه خلال هذه الفترة ثماني مرّات ينزع ثوباً ويرتدي ثوباً غيره حاله حال العين النابعة التي لا يقف نبعها، من هنا نعلم أنّ عملية التحوّل والتبدّل مستمرة ومتواصلة في حياة الإنسان، إلاّ أنّها تتم بصورة تدريجية وعلى امتداد فترة طويلة لا يشعر بها.

فلو فرضنا أنّ البدن الأخير أصبح طعمة لإنسان آخر، فهذا لا يعني أنّ الأبدان الأُخرى للإنسان اقترنت بالمانع، إذ من الممكن أن يبعث الإنسان وينشر يوم الحساب بأحد الأبدان الأُخرى، وحتى لو فرضنا أنّ بقية الأبدان كالبدن السادس أو السابع مثلاً تصدق فيها شبهة الآكل والمأكول، فلا شكّ أنّ بقية الأبدان ليست كذلك، إذ من المستبعد جداً أنّ جميع أبدان الإنسان نابتة من بدن إنسان آخر وانّها عرضة للإشكال المطروح.

2. لو افترضنا أنّ البدن الأخير وما تقدّمه من الأبدان قد ابتلي بنفس المصير وانّه صادف المانع وأصبح جزءاً من إنسان آخر، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن من الواضح أنّه ليس عامّة الأجزاء من كلّ بدن مأكولاً لفرد آخر، وإنّما يطرح القسم الأكبر منه خارجاً، ويبقى جزء قليل منه ضمن البدن الآخر، وعندئذ فما هو المانع أن يحشر هذا الإنسان ولو ببدن نحيف، إذ اللازم أن يبعث الإنسان بنفس البدن الدنيوي، ولا يوجد دليل شرعي يدلّ على اشتراط بعثة الإنسان بعين بدنه الدنيوي من ناحية السمن والضعف، فلو بعث الإنسان ببدن


( 205 )

نحيف فإنّه حينئذ يبعث ببدنه الأصلي مع فارق يسير جدّاً في الكمية والحجم، وهذا المقدار لا يضرّ ولا يعتبر دليلاً على التغاير الكامل.

3. لو افترضنا ـ جدلاً ـ أن تتحوّل أغلب الأجزاء من كلّ بدن إلى بدن إنسان آخر، بحيث يكون الباقي كافياً في تشكيل بدن المأكول، وحينئذ يمكن الإجابة عن ذلك بوجهين:

الف: ما المانع أن يرجع الإنسان الآكل ـ على فرض خلوه من الموانع ـ الأجزاء التي أخذها من بدن الإنسان المأكول، وحينئذ يحشر الإنسان الآكل ببدن فارغ من الموانع؟

ب: ولو فرضنا ـ وإن كان فرضاً نادراً ـ أنّ بدني الآكل والمأكول اقترنا بالمانع، على نحو لو فرضنا انّ اعادة الأجزاء المأكولة إلى صاحبها أو أصحابها لا يتقي للآكل شيئاً لكي يحشر فيه، فما المانع من إكمال البدن بالاستعانة بأجزاء ترابية وهوائية أُخرى ليتم من خلالها إكمال بدن الإنسان بصورة تامة، إذ من الواجب في الحشر وحدة البدن العرفية لا العقلية، أي بمعنى أنّه يكفي أن تصدق الإشارة إليه عرفاً أنّه البدن السابق.

ونحن إذا أمعنّا النظر في الآيات القرآنية والروايات الواردة عن الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام)، نجد أنّها تركّز على أنّ كفاية كون البدن المحشور مثل البدن الدنيوي، ولا تصرّ على أن يكون هذا البدن هو عين البدن الدنيوي بنحو لو اختلّ هذا الشرط فإنّه سيؤثر على مسألة المعاد والحشر واستحالة المعاد.

وبالطبع إذا كانت العينية متيسّرة وانّ جميع أجزاء بدن الإنسان باقية في التراب، فلا ريب أنّه لا حاجة حينئذ إلى الاستعانة بأجزاء جديدة، بل الواجب أن تحشر نفس تلك الأجزاء. وإنّما نحتاج إلى المثلية في حالة واحدة نادرة جداً، وهي


( 206 )

فيما إذا لم يبق من بدن الإنسان المأكول شيء لكي يتم إحياؤه مرّة أُخرى.

قال تعالى:

(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَليمُ).(1)

فمن الواضح أنّه قد استعمل في الآية لفظ: (مِثْلَهُمْ) لا «عينهم».

روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:

«فإذا قبضه اللّه إليه صيّر تلك الروح إلى الجنة في صورة كصورته فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا».(2)

فالآية الكريمة والرواية الشريفة تشهدان على أنّ المحور في المعاد هو حفظ صورة الإنسان بنحو يكفي أن يكون الإنسان المبعوث بهيئة الإنسان وشكله الدنيوي، ولا دليل أبداً على أنّ الإنسان يجب أن يبعث بنفس المادة التي خلق منها في الدنيا وبنفس ذراته وأجزائه الترابية.

ولابدّ من إعادة التأكيد على أنّه على فرض إمكانية حشر البدن الدنيوي من دون أي موانع، فلا دليل للعدول منه إلى مادة أُخرى جديدة.

شبهة الآكل والمأكول والعدل الإلهي

في هذا المجال تطرح الشبهة المذكورة بأُسلوب جديد وهو: إذا كان الإنسان المؤمن مأكولاً للكافر، يلزم أن يعذب المؤمن بتعذيب الكافر، أو بالعكس إذا كان المأكول كافراً فإنّه ينعم بنعيم المؤمن،وهذا خلاف العدل الإلهي.


1 . يس:81.

2 . بحار الأنوار:6/229، باب أحوال البرزخ، الحديث32.


( 207 )

ومن الواضح هنا أنّ محور الإشكال مبني على مسألة الثواب والعقاب والعدل الإلهي، والحال أنّ الإشكال في الصورة الأُولى مبني على عدم وفاء المادة لحشر كلّ إنسان على النحو الأكمل.

ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال المذكور بوجهين:

الوجه الأوّل: إذا تحوّل عضو من بدن المؤمن وأصبح جزءاً من بدن الإنسان الكافر، فحينئذ ـ و بلا ريب ـ يكون تعذيبه تعذيباً للكافر لا للمؤمن، لأنّ هذا العضو انقطعت صلته بالمأكول واندكّ في الآكل على نحو صار جزءاً منه، فتعذيبه أو تنعيمه يرجع إلى الآكل لا إلى المأكول، وهذا نظير زرع الأعضاء الرائج في الطب الحديث، فإنّ الكلية مثلاً إذا أُخذت من بدن شخص وزرعت في بدن شخص آخر بنحو التحمت مع سائر الأعضاء فتعذيبها وتنعيمها يرجع إلى البدن المنقولة له لا البدن الأوّل، وكذلك الأمر في مسألة الآكل والمأكول.

الوجه الثاني: إنّ الشبهة نابعة من التفكير المادي الذي يحصر الإنسان في اللحم والجلد والعظام والمواد الطبيعية لا غير، مع أنّ واقع الإنسان وحقيقته أعمق من ذلك وهي روحه ونفسه، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صلة الروح عن الجزء المقطوع، فلا يكون مدبّراً للنفس، فتكون الآلام واللّذات منصبّة على الآكل لا على المأكول وعلى المنقول له لا على المنقول منه.

وفي الختام نؤكّد انّ مركز الآلام و اللّذات هو الروح والنفس الإنسانية، وانّ البدن لا يتجاوز عن كونه وسيلة لإدراك الآلام واللّذات الجسدية لا أكثر، والمفروض انّ هذا العضو لا علاقة له بالبدن السابق ليؤثر في نعيمه أو عذابه.(1)


1 . منشور جاويد:9/150ـ 156.


( 208 )

102

التناسخ وأدلّة بطلانه

سؤال: ما المراد من التناسخ؟ وما هي الأدلّة والبراهين التي يمكن إقامتها على بطلانه؟

الجواب: التناسخ مأخوذ من «نسخ» والذي يستفاد من كلمات علماء اللغة حول هذا المصطلح أنّهم أخذوا في هذا المصطلح خصوصيتين، هما:

1. التحوّل والانتقال.

2. التعاقب.(1)

ومن هنا أُطلق في الشريعة على الحكم الذي يزيل حكماً آخر لفظ «النسخ»، وانّ هاتين الخصوصيتين موجودتان وبوضوح في هذا المجال، ولكن باعتبار أنّ اللفظ في المسائل الكلامية أُخذ بمعنى «التناسخ» اكتفي بذكر الخصوصية الأُولى فقط ولم تذكر الخصوصية الثانية، فإنّنا سنقول مثلاً: «إنّ


1 . قال في «أقرب الموارد»: النسخ في الأصل: النقل.

وقال الراغب في مفرداته: النسخ إزالة شيء بشيء يتعاقبه، كنسخ الشمس الظلَّ، والظلّ الشمس، والشيب الشباب.


( 209 )

التناسخ خروج النفس من بدن وانتقالها إلى بدن آخر»، فقد أخذ هنا خصوصية التحوّل والانتقال ولم تلحظ خصوصية التعاقب.

ثمّ إنّ القائلين بالتناسخ طرحوا ثلاث نظريات، وهي:

الف: التناسخ المطلق أو اللا محدود.

ب: التناسخ النزولي المحدود.

ج: التناسخ الصعودي المحدود.

إنّ هذه النظريات الثلاث جميعها تشترك ـ من جهة الإشكال ـ في كونها مضادة للمعاد ولا تنسجم معه(1)، وذلك لأنّ النوع الأوّل باطل من وجهة النظر الفلسفية ويتعارض مع المعاد تعارضاً تاماً، وأمّا النوع الثالث فإنّه غير صحيح من وجهة النظر الفلسفية فقط، وإن كان الاعتقاد به لا يتنافى مع فكرة المعاد، وكذلك الكلام في النوع الثاني فإنّه لا يتنافى مع المعاد من جميع الجهات، ولكن باعتبار أنّ


1 . وللمحقّق اللاهيجي في هذا الصدد كلام قال فيه: أمّا التناسخ فلم يقل به من الحكماء المشائين أحدٌ، ولقد كان أرسطاطاليس وأتباعه من قدماء المشّائين المسلمين من الجادِّين في إبطال نظرية التناسخ شكر اللّه سعيهم.

وفي مقابل هؤلاء كان حكماء الهند والصين وبابل من الجادّين في إمكان التناسخ، بل وقوعه أيضاً. وادّعى شيخ الإشراق وأتباعه انّ قدماء حكماء اليونان ومصر وفارس مالوا جميعاً إلى التناسخ في نفوس الأشقياء فقط، وهذه الطائفة وإن كانت مختلفة في الانتقال من النوع إلى النوع الآخر، ولكنّهم يتّفقون على خلاص النفس وتحررها في نهاية المطاف من التردّد بين الأبدان العنصرية، واتّصالها بعالم الأفلاك أو بعالم المثال. ثمّ إنّ هذا التردد في الأبدان العنصرية يُعدّ عقاباً وتعذيباً لتلك النفوس الشّريرة وفقاً لهذه النظرية.

وأمّا استمرار النفس بالتردّد في الأبدان العنصرية دائماً فهو مذهب جماعة من الذين ينكرون الحكمة والتوحيد والحشر والثواب والعقاب، وهذه النظرية تعدّ في الواقع من أدنى وأسفه نظريات التناسخ المطروحة.( گوهر مراد:472، المقالة3، الباب4 ، الفصل7 وهو باللغة الفارسية).


( 210 )

الجميع تشترك في أصل واحد وهو:«انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر» من هذه الناحية ذكرنا النوع الثالث ضمن أنواع التناسخ.

وها نحن نشرع في بيان وتوضيح الأنواع والأقسام المذكورة.

التناسخ المطلق أو اللا محدود

يراد من التناسخ هنا أنّ النفوس البشرية تخرج من بدن إلى بدن آخر على وجه الاستمرار وفي الأزمان وجميع الأفراد، فالنفوس بعد خروجها من البدن تتعلّق ببدن آخر وثالث ورابع وخامس و... وهكذا تستمر في تقمّصها الأبدان بصورة واضحة ومستمرة، ووفقاً لهذه النظرية لا يكون المعاد إلاّ عودة الأرواح إلى الأبدان الأُخرى لا غير.

وقد أُطلق على هذا النوع من التناسخ عنوان التناسخ المطلق أو اللا محدود، لشموليته لجميع الأفراد من جهة ولاستمراريته في جميع الأزمان من جهة أُخرى.

يقول شمس الدين محمد الشهرزوري(المتوفّى بعد 687هـ) في بيان هذا النوع من التناسخ:

«ومن القدماء من يقول بعدم تجرّد جميع النفوس بعد المفارقة وهم المعروفون بـ«التناسخية» فإنّهم يزعمون انّ النفوس جرمية دائمة الانتقال في الحيوانات. وهؤلاء أضعف الحكماء وأقلّهم تحصيلاً».(1)

التناسخ النزولي المحدود

إنّ أصحاب هذه النظرية يذهبون إلى فكرة مؤدّاها انّ الناس من ناحية الحكمة العملية والنظرية، على صنفين:


1 . شرح حكمة الإشراق:519، المقالة الخامس، فصل في بيان التناسخ.


( 211 )

صنف قد بلغ من الحكمة العملية والنظرية مرتبة لا تعود النفس حينها إلى هذه النشأة بعد خروجها من البدن، بل تلتحق بعالم المجردات والمفارقات، ولا مبرر لرجوعها للدنيا مرّة أُخرى، وذلك لأنّها قد بلغت الكمال المطلوب منها.

وأمّا الصنف الآخر فهو الصنف الذي لم يبلغ من ذلك الكمال العلمي والعملي إلاّ رتبة واطئة ومنزلة متدنيّة، ولم يتسنّ لتلك النفوس أن تتطهّر التطهّر الكامل من الدنس والرذائل، ولذلك اقتضت الحاجة أن تعود تلك النفوس إلى النشأة الأُولى لغرض بلوغها الكمال المطلوب من التناسخ والتقمّص حتّى تصل النفس إلى كمالها المطلوب، فإذا وصلت إليه انقطعت حالة التناسخ والتحقت النفس بالمجرّدات.

ومن الواضح أنّ هذا النوع من التناسخ ينطوي على نوعين من المحدودية،هما:

1. المحدودية من جهة الأفراد، وذلك باعتبار أنّ هذا النوع من التناسخ هو من نصيب الإنسان غير الكامل، وأمّا الإنسان الكامل فإنّه لا يبتلي بهذا المصير ولا حاجة له إليه.

2. المحدودية الثانية من جهة الزمان، بمعنى أنّ هذه المجموعة من الناس الذين عادوا إلى الحياة الدنيا وتعلّقوا بأبدان أُخرى لن يستمر التناسخ عندهم، بل سيقف عند بلوغ النفس المستنسخة الكمال المطلوب في العلم والعمل.

التناسخ الصعودي

إنّ هذه النظرية تقوم على ركيزتين، هما:

ألف: انّ النبات من بين الأجسام أكثر استعداداً من غيره من الأجسام لكسب فيض الحياة.


( 212 )

ب: انّ الإنسان له قدر أكبر من الاستعداد لإفاضة الحياة عليه والتي قد تجاوزت مراتبها النباتية والحيوانية.

فعلى أساس هذين الأصلين (استعداد النباتات ـ و لياقة الإنسان) فقد شاءت الإرادة الإلهية أن تتعلّق الحياة في سيرها التكاملي بالنبات الأقرب للحيوان، ثمّ تنتقل منه إلى عالم الحشرات ثمّ إلى عالم الحيوانات التي هي أقرب للإنسان، ثمّ بعد التكامل والوصول إلى المرحلة الفردية تقفز إلى الحياة قفزة لتستقر في الإنسان لغرض الاستكمال حيث تتدرج من الأدنى«النازل» إلى الدرجة الكاملة.(1)

وبعد أن عرفنا أقسام التناسخ والفرق بينها نذكر لتحليل هذه النظريات ونقدها مجموعة من المطالب:

1. التناسخ والمعاد

إنّ الإمعان في الأقسام الثلاثة التي ذكرناها للتناسخ يوضح وبجلاء، انّ القسم الأوّل (التناسخ المطلق) على طرف النقيض مع المعاد وانّه يتنافى معه بدرجة مائة بالمائة، وانّ القائلين بهذه النظرية لا يؤمنون بالمعاد ولو على نحو محدود جداً وعلى سبيل النموذج فقط، وذلك لأنّه وفقاً لهذه النظرية يكون الإنسان في عودة مستمرة إلى الحياة الدنيا وانّه دائماً يرجع إلى النقطة التي بدأ منها.

والحال انّ التناسخ النزولي المحدود لا يقول بالشمولية والعمومية لا على صعيد الأفراد ولا على الصعيد الزماني، بل يرى أنّ الإنسان الكامل لا يرجع إلى النشأة الدنيا منذ الانتقال الأوّل من البدن، ولذلك فله معاد منذ اليوم الأوّل لوفاته، بمعنى أنّ موتهم يكون سبباً لانتقال نفوسهم إلى عالم النور.


1 . أسرار الحكم:293ـ 294.


( 213 )

وأمّا الإنسان الناقص أو الطبقة غير المتكاملة فإنّها ترجع إلى النشأة الدنيا فترة يسيرة حتى تتكامل، وهذا يعني أنّ هذه الطائفة تفتقد المعاد لفترة محدودة فقط إلى أن تصل إلى كمالها النظري والعملي، وحينئذ ينقطع التناسخ فلا تعود إلى الدنيا وتلتحق بطائفة المتكاملين، ويكون حينئذ مصيرها المعاد وتقوم قيامتها.

وأمّا النظرية الثالثة ـ التناسخ الصعودي ـ فلا تتنافى مع القول بالمعاد أدنى منافاة.

نعم انّ نقطة الخلل في هذه النظرية هي في تبيين الخط التكاملي للإنسان حيث اعتبرت الروح الإنسانية تمرّ بدورات منفصلة ومتعدّدة حيث تنتقل من النبات إلى الحيوان إلى القرد ثمّ إلى الإنسان، والنفس وفقاً لهذه النظرية تشبه الطائر الذي يُنقل من قفص إلى قفص آخر ومن نقطة إلى نقطة أُخرى من دون أن توجد بين تلك المراتب أيّة صلة ورابطة أبداً. فإنّ للنفس في كلّ مرحلة بدناً خاصاً بها حتى تصل إلى بدن الإنسان ومنه تنفصل ويكون مصيرها إلى المعاد.

نعم إنّ القائل بهذه النظرية لو جعل مدارج الكمال متّصلة، لشكّلت هذه النظرية نقطة التقاء واضحة مع نظرية صدر المتألّهين (الحركة الجوهرية)، فإنّ النفس بناء على نظريته منذ دورها الجنيني وحتّى إلى مرحلة الإنسان تمرّ بمراحل النبات والحيوان والإنسان بنحو مستمر ومتواصل دون أن يتخلّل في الوسط انفصال وخلاء في الموضوع، وفي الختام تعرج نحو المعاد.

والخلاصة: انّ هذه النظرية وإن كانت لا تتصادم مع القول بالمعاد، إلاّ أنّها مرفوضة من وجهة النظر الفلسفية.

2. التناسخ المطلق والعناية الإلهية

نشير هنا إلى مسألتين هما:


( 214 )

الأُولى: انّ القائلين بالتناسخ المطلق أطاحوا بفكرة المعاد،زاعمين أنّ القول به يغني عن المعاد، والحال أنّ الأدلّة والبراهين الفلسفية تحتّم المعاد وتعتبره أصلاً ضرورياً، ولعلّ القائلين بهذه النظرية بسبب جهلهم بحقيقة المعاد توجّهوا صوب هذه الأساطير،واعتبروا التناسخ بديلاً طبيعياً للمعاد، والحال أنّ الأدلّة الستة لحتمية المعاد لا تعتبر هذا النوع من الرجوع هو الغاية من المعاد أبداً، وذلك لأنّ الغاية من المعاد لا تنحصر في الجزاء، ليكون القول بالتناسخ والانسجام مع الحياة السابقة مؤمّناً للعدل الإلهي، بل لحتمية وضرورة المعاد أدلّة متعدّدة لا تؤمّن ولا تتحقّق إلاّ بالقول بانتقال الإنسان إلى الحياة الأُخرى.

فطبقاً لهذه النظرية تكون القدرة الإلهية محدودة بخلق الإنسان الذي يعيش حالة متواصلة من التحوّل في عجلة التحوّلات والتقلّبات، وكأنّه سبحانه يعجز عن أن يخلق إنساناً آخر.

الثانية: انّ النفس على القول بالتناسخ المطلق لا تخلو من حالتين: إمّا أن تكون عرضاً منطبعة في البدن الأوّل قائمة به، أو تكون جوهراً لها حظ من التجرّد.

فعلى الفرض الأوّل يلزم انتقال العرض من موضوع إلى موضوع وهو أمر محال، لأنّ واقع العرض قيامه بالموضوع،وعلى فرض الانتقال تكون النفس المنطبعة في حالة الانتقال ـ الحالة الثالثة ـ بدون موضوع و تكون مستقلة.

وبعبارة أُخرى: انّ النفس المنطبعة لها ثلاث حالات:

أ. النفس في البدن الأوّل.

ب. النفس حالة الانتقال من البدن الأوّل إلى الثاني.

ج. النفس بعد الانتقال إلى البدن الثاني.

ففي الحالة الأُولى لها موضوع، وكذلك الأمر في الحالة الثالثة، إنّما الكلام في


( 215 )

الحالة الثانية(حال الانتقال) فيلزم في هذه الحالة قيام العرض بلا موضوع، وهو من الأُمور المستحيلة، وفي الحقيقة أنّ الاعتقاد بهذه الاستقلالية جمع بين النقيضين، لأنّ وجوب القيام بالغير والاستقلال هو عين الجمع بين النقيضين.

وأمّا الفرض الثاني وهو: تعلّق النفس التي لها حظ من التجرّد بالبدن استمراراً، وهذا الفرض يستلزم أن لا يصل الموجود الذي يمتلك اللياقة والاستعداد للتكامل والتعالي إلى مراده ومطلوبه أبداً، وأنّه يعيش دائماً حالة المحدودية، وذلك لأنّ التعلّق الدائم بالمادة يقتضي المحدودية، لأنّ النفس مجردة ذاتاً ومادية فعلاً. فلو كان تعلّقها بالمادة دائمياً يلزم أن يكون فعله سبحانه على خلاف عنايته من إيصال كلّ موجود إلى كماله والواقع انّ المقصود من كمال الممكن هو كماله العلمي والعملي ، فإذا كان الإنسان يعيش متنقلاً من بدن إلى بدن آخر بصورة مستمرة ودائمة، فمن المستحيل من الجهة العلمية أو العملية وانعكاس الحقائق على النفس وتنزيه النفس من الرذائل وتزينها بالفضائل، أن يصل إلى حدّ الكمال.

وبالطبع أنّ النفس في عالم الإمكان تطوي المراحل العقلية الأربعة من الهيولة إلى العقل بالملكة ثمّ إلى العقل بالفعل ثمّ تصل إلى العقل المستفاد، ولكنّها لو حصلت على التجرد التام واستقلت عن البدن بالكامل فلا شكّ انّها من ناحية الوجهة المعرفية والإدراكية للحقائق تكون أكمل، ومن هنا حبس النفس في البدن المادي بصورة دائمة على خلاف عناية الحق تعالى ولا ينسجم مع تلك العناية.(1)

والنكتة الجديرة هنا هي: انّ إبطال الشق الثاني بالنحو الذي بيّن، غير صحيح، وذلك لأنّ تعلّق النفس بالبدن لا يكون مانعاً عن سيرها وصعودها نحو


1 . شرح حكمة الإشراق:476، الأسفار:9/7.


( 216 )

الكمال، وأساساً إذا قلنا: توجد بين تعلّق النفس بالبدن وبين حكمة الحق تعالى منافاة، فإنّ هذا يستلزم أن يكون المعاد بصورة مطلقة روحانياً، أو على أقلّ تقدير يكون معاد طائفة من الكمّل روحانياً، وهذا مخالف لصريح النصوص الدينية، فإذاً لابدّ من توجيه آخر لإبطال الفرض الثاني، وهذا التوجيه هو: انّ التسليم بالفرض الثاني يتنافى تماماً مع الأدلّة القطعية التي تثبت حتمية المعاد والحشر، وتعدّ ذلك من الأُمور الضرورية، فإذا سلّمنا بتلك الأدلّة القطعية، فلا يبقى مجال حينئذ لقبول هذا الفرض الذي يرى أنّ النفس المستنسخة تتعلّق بالبدن بصورة دائمة ومستمرة.

3. التناسخ النزولي والتبعية الدائمة

قد بيّنا أنّه ووفقاً لنظرية التناسخ النزولي تكون النفوس الكاملة ـ علماً وعملاً ـ مطلقة العنان وتلتحق بالمجردات والمفارقات ولا تعود إلى الدنيا، والذي يرجع إلى هذه الدنيا النفوس الناقصة التي لم تنل حظاً وافراً من العلم والعمل. فترتبط بالمادة مرة أُخرى عن طريق الخلية النباتية أو الحيوانية أو النطفة الإنسانية.

ويكفي في نقد هذه النظرية النظر إلى حقيقة النفس الإنسانية التي تنفصل عن البدن، فلا ريب أنّ هذه النفس التي رافقت البدن أربعين عاماً مثلاً قد اكتسبت كمالاً خاصاً وتحوّل الكثير من استعدادتها إلى كمالات فعلية، ولا يشكّ أحد انّ النفس الإنسانية بعد أربعين عاماً لا يمكن قياسها بالنفس في مرحلة الطفولة، فلو فرضنا أن عادت النفس بعد أربعين عاماً إلى الدنيا وتعلّقت ببدن الجنين،فحينئذ لا تخرج النفس من أحد حالتين:

1. أن تتعلّق بذلك البدن الجديد مع المحافظة على كمالاتها وفعلياتها وتنقل


( 217 )

تلك الفعليات إلى الجنين الإنساني أو الجنين الحيواني، أو البدن الحيواني الكامل.

2. أن تتعلّق بذلك البدن بعد أن تحذف كمالاتها وفعلياتها.

أمّا الصورة الأُولى فإنّها ممتنعة ذاتاً، لأنّه يشترط أن يكون بين النفس والبدن انسجام كامل بحيث كلّما نما البدن وسار إلى الأمام تسير النفس بموازاته، فكيف يمكن أن نتصوّر انّ النفس التي رافقت البدن السابق أربعين عاماً قادرة على تدبير خلية صغيرة لا يوجد بينها و بين الروح أيّ نوع من الانسجام ؟

وبعبارة أُخرى: انّ تعلّق النفس بهكذا بدن يقتضي الجمع بين الضدين، لأنّ المفروض انّ النفس من خلال مرافقتها للبدن السابق تمتلك من الكمالات والفعليات المحيّرة، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فرض تعلّقها (بالجنين) يقتضي انّها فاقدة لتلك الكمالات والفعليات، وهذا يعني الجمع بين الضدين أو النقيضين.

وأمّا الصورة الثانية: (تعلّق النفس مع حذف الكمالات) فغير صحيح أيضاً، وذلك: لأنّ سلب تلك الكمالات إمّا أن يكون خصيصة ذاتية للنفس، أو أنّه بسبب عامل خارج عن النفس.

أمّا الفرض الأوّل(الخصيصة الذاتية) فغير ممكن، إذ معنى ذلك انّ الحركة من الكمال إلى النقص خصيصة الشيء وهو غير متصوّر.

وأمّا الفرض الثاني: فإنّه يتنافى مع العناية الإلهية ولا ينسجم معها، وذلك لأنّ العناية الإلهية تعلّقت بإرسال القوى إلى الكمال وإيصال كلّ ممكن إلى غايته المنشودة لا سلب الكمالات والفعليات عنه.

وهذا الذي ذكرناه بيان واضح لما ذكره صدر المتألّهين، وحصيلة لكلامه في «الأسفار».(1)


1 . انظر الأسفار:9/16.


( 218 )

4. التناسخ الصعودي

كما ذكرنا أنّ التناسخ الصعودي هو عبارة عن: تكامل النفس من خلال الانتقال عبر القنوات النباتية ثمّ الحيوانية ثمّ الإنسانية بنحو يكون بينها فصل حقيقي، باعتبار أنّ النبات أكثر استعداداً لقبول الحياة من الإنسان، والإنسان أجدر من باقي الأنواع ، فلابدّ أن تتعلّق النفس النباتية بالنباتات وبعد طي مدارج معينة تنتقل إلى بدن الإنسان.

ويثار حول هذه النظرية التساؤل التالي: كيف يمكن أن نتصوّر ذلك من الناحية الواقعية، لأنّ النفس إمّا أن تكون صورة منطبعة في النبات أو الحيوان أو الإنسان، أو تكون أمراً مجرداً.

فعلى الأوّل تكون للنفس هناك حالات ثلاث:

1. وجودها منطبعة في الموضوع الأوّل.

2. وجودها منطبعة في الموضوع المتأخّر.

3. حالة الانتقال من الأوّل إلى الثاني.

والإشكال يرد على الحالة الثالثة، وذلك لقيام العرض بلا موضوع.

وأمّا إذا كانت النفس موجوداً مجرداً غير قائم بالبدن وإنّما تحتاج إليه في مقام الفعل والعمل فقط، فيرد على هذه الصورة بنحو آخر وهو: كيف يمكن أن تتعلّق النفس الحيوانية في حدّها الحيواني بالبدن الإنساني، لأنّ كمال النفس الحيوانية يكمن في كونها ذات قوة شهوية وغضبية غير معدلة ولا محددة، وعدم التعديل والمحدودية يُعدُّ في الواقع كمالاً من نفس الحيوانية، لأنّ كمالها يكمن في شهوتها وغضبها، فإذا فقدت النفس الحيوانية هاتين القوتين فإنّها في الحقيقة تفقد قوتها الحقيقية وتفقد حيوانيتها وكمالها.


( 219 )

والحال انّ هاتين القوتين غير المعدّلتين لا يعدّان كمالاً للإنسان، بل لو تعلّقت النفس الحيوانية المذكورة بالبدن الإنساني فستكون عائقاً عن تكامله ورقيّه، لأنّ تكامل الإنسان يكمن في أن تكون قواه معدّلة وشهوته وغضبه محدّدة، وأمّا لو فرضنا انّ النفس الحيوانية تعلّقت بالإنسان بعد تحديدها وتعديلها فسيكون ذلك نقصاً للنفس الحيوانية وسيراً نزولياً لها، وأمّا إذا تعلّقت النفس الحيوانية بالبدن الإنساني بمالها من الخصوصيات، فهذا لا يؤدّي إلى كمال الإنسان ورقيّه، بل يؤدّي إلى انحطاطه وتسافله وخروجه عن درجة الإنسانية إلى حدّ الحيوانية.

وبالطبع انّ القائلين بهذا النوع من التناسخ، أصابوا في أصل المدّعى وأخطأوا في التصوير، إذ أنّهم عدلوا عن التكامل المتّصل ومالوا إلى القول بالتكامل المنفصل والمنقطع، وهذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين التناسخ بهذا المعنى ـ من التكامل المنفصل حيث الانتقال عبر القنوات النباتية ثمّ الحيوانية ثمّ الإنسانية ـ وبين الحركة الجوهرية التي تذهب إلى تكامل النفس بصورة متّصلة وفي بدن واحد.

وبتعبير أوضح: انّه وفقاً لهذه النظرية تمتلك النفس النباتية حالة من التعيّن ثمّ تتعلّق ببدن الحيوان بنفس تلك الخصوصيات، وهذه النفس الحيوانية تنتقل إلى بدن الإنسان وهي تحمل تعيّناتها الحيوانية من الغضب والشهوة لتطوي سيرها التكاملي في بدن الإنسان ولكن في الحقيقة انّ هذا النوع من الحركة لا يُعدّ سبباً للتكامل والرقي، بل هو موجب لانحطاط الإنسان وهبوطه إلى درجة أسفل ومرتبة أدنى، لأنّ النفس الإنسانية المشبعة بالغضب والشهوة تحوّل الإنسان إلى مخلوق مفترس وكائن متوحّش ووجود شرس لا يفهم إلاّ لغة الغضب والشهوة.

والحال انّ التكامل وفق الحركة الجوهرية يطوي مسيره التكاملي من الحالة


( 220 )

الجمادية إلى الحالة الإنسانية من دون أن تصل المراتب السابقة إلى مرحلة التعيّن والتشخّص، ومن هنا يكون سير الجماد من خلال هذا الطريق سبباً للتكامل والرقي، والحال أنّ السير حسب نظرية التناسخ يُعدُّ سبباً للجمع بين المتضادات وعاملاً للانحطاط.

فهذا النوع من التناسخ يُعدُّ أصلاً باطلاً وإن كان في حدّ ذاته لا يتنافى مع القول بالمعاد.(1)

تحليل جامع للتناسخ

إلى هنا تعرّفنا على أقسام التناسخ وبطلان كلّ قسم منها بصورة مستقلة، وقد حان الوقت للحديث عن التناسخ بصورة جامعة وإبطاله من دون الالتفات إلى خصائص كلّ قسم من أقسامه، ولقد ذكرت لإبطال التناسخ الكثير من الأدلّة، نكتفي بذكر دليلين فقط، هما:

الدليل الأوّل: تعلّق نفسين في بدن واحد

إنّ لازم القول بالتناسخ المطلق هو تعلّق نفسين في بدن واحد، واجتماع روحين في جسد واحد، وهذا البرهان يبتني على التسليم بأصلين، هما:

أ. كلّ جسم ـ الأعم من النباتي أو الحيواني أو الإنساني ـ حين يصل إلى مرحلة الاستعداد لتقبل الروح وتعلّقها به فإنّ اللّه سبحانه وتعالى يفيض عليه الروح، وذلك لأنّ المشيئة الإلهية تعلّقت بأن يوصل كلّ ممكن إلى كماله المطلوب.

ففي هذه الحالة تطلب الخلية النباتية نفساً نباتية، وتطلب النطفة الحيوانية


1 . انظر الأسفار:9/22ـ 23.


( 221 )

نفساً حيوانية ويطلب الجنين الإنساني نفساً إنسانية، ومن المحتم أنّ اللّه سبحانه يفيض تلك النفوس عليها لتتعلّق بها.

ب: إذا تعلّقت النفس الإنسانية ـ بعد الموت ـ بالجسم النباتي أو الحيواني، ففي هذه الصورة يكون للجسم والبدن الذي تعلّقت به النفس نوع تشخّص وتعيّن وحياة تتناسب مع ذلك الجسم والبدن.

ومن الواضح انّ التسليم بهاتين المقدّمتين يستلزم تعلّق نفسين في بدن واحد، إحداهما نفس ذلك البدن الذي تعلّقت به بسبب لياقته واستعداده وأُفيضت عليه من قبل اللّه سبحانه، والنفس الأُخرى هي النفس المستنسخة التي انتقلت إليه من بدن آخر.

ومن الواضح انّ اجتماع نفسين في بدن واحد باطل لوجهين:

الأوّل: انّ ذلك خلاف الوجدان، ولم يحدّثنا تاريخ البشرية الطويل عن وجود مصداق واحد لمثل هذا الإنسان الذي يحمل روحين في بدن واحد.

الثاني: يلزم من ذلك ـ من جهة الصفات النفسية ـ تكرر الصفات النفسية مثلاً لو أعلم ببزوغ الشمس أو أحبّ مخلوقاً ما، فلازمه أن يتكرر في نفسه هذا العلم وكذلك يتكرر الحبّ أو أيّ صفة أُخرى تحصل في النفس.(1)

وبعبارة أُخرى: انّ النتيجة الطبيعية لتعلّق النفسين في بدن واحد أن يمتلك الإنسان الواحد شخصيتين وتعينين وذاتين في آن واحد، ومعنى ذلك تكثّر الواحد ووحدة الكثير، وذلك لأنّ الفرد الخارجي هو إنسان كلّي ولازم الوحدة أن تكون له نفس واحدة، ولكن بناءً على نظرية التناسخ تكون له نفسان، وبالطبع هذا يعني وجود فردين من الإنسان الكلّي، وهذا هو الإشكال المعروف بوحدة المتكثّر وتكثّر


1 . انظر كشف المراد:203، انتشارات شكوري، قم.


( 222 )

الواحد.(1)

وهذا الفرض بالإضافة إلى كونه محالاً عقلاً، يوجد فيه محذور آخر، إذ يلزم منه أن يكون للإنسان في كلّ واقعة أو حادثة فكران أو علمان، وهكذا سائر الصفات النفسية الأُخرى.

الإجابة عن تساؤل

من الممكن أن يطرح التساؤل التالي: صحيح انّ الخلية النباتية أو النطفة الحيوانية أو الجنين الإنساني حينما يصل إلى مرحلة اللياقة والاستعداد لتلقّي الروح تفاض عليه الروح، ولكن في الوقت نفسه يمكن أن يكون تعلّق النفس المستنسخة مانعاً من تعلّق النفس الأُخرى، وحينئذ لا يكون ذلك الموجود ذا شخصين وذا نفسين في آن واحد؟

والجواب عن هذا التساؤل واضح، وذلك: لأنّ منع النفس المستنسخة من تعلّق النفس الجديدة في الخلية النباتية أو النطفة الحيوانية أو الجنين الإنساني، ليست أولى من العكس، بل انّ النفس النباتية أو الحيوانية أو الإنسانية التي تعلّقت بالنبات أو النطفة أو الجنين هي الأولى في منع النفس المستنسخة من التعلّق بالبدن، ومن الواضح انّ ترجيح أحدهما على الآخر ترجيح بلا مرجح.

وبعبارة أُخرى: انّ كلّ بدن من هذه الأبدان على استعداد لتقبّل نفس واحدة، ومن الواضح أنّ تعلّق كلّ نفس منهما يمنع من تعلّق الأُخرى، فلماذا ياترى نقبل مانعية النفس المستنسخة ونغض الطرف عن الأُخرى؟!


1 . الأسفار:9/9ـ 10.


( 223 )

الدليل الثاني: انعدام التنسيق والانسجام بين النفس والبدن

في الحقيقة انّ التركيب بين النفس والبدن ليس من قبيل التركيب الصناعي بين المنضدة والكرسي، أو من قبيل التركيبات الكيمياوية، بل هو تركيب أسمى وأرقى، إذ هو تركيب واقعي وحقيقي، يشكل في الحقيقة نوعاً من الوحدة بينهما و هذه الوحدة حاكمة عليهما، وبسبب هذه الوحدة الحقيقية تسير النفس سيراً متناسقاً ومنسجماً مع حركة البدن ونموه، وتكامله، ولذلك تكتسب النفس شأناً وخاصية تنسجم مع المرحلة التي يعيش فيها البدن من الرضاعة إلى الطفولة إلى الفتوة والمراهقة، مروراً بالشباب ثمّ الكهولة والشيخوخة والهرم، وفي كلّ هذه المراحل تنتقل قوى النفس من مرحلة القوّة والاستعداد إلى مرحلة الفعلية والاقتدار بما يناسب تلك المرحلة.

ففي هذه الحالة التي اكتسبت النفس كمالاتها وانتقلت استعداداتها من مرحلة القوة إلى الفعلية، كيف ياترى أن تنتقل هذه النفس بهذه الخصائص لتتعلّق بالخلية النباتية أو النطفة الحيوانية أو الجنين الإنساني؟ وكيف يمكن لها أن تنسجم وتتناسق مع ذلك البدن والمفروض انّها وصلت من ناحية الكمالات إلى حدّ الفعلية، والبدن لا يزال يعيش في المراحل الأُولى من كمالاته، بل إنّه يمتلك فقط القوّة والاستعداد للتكامل فقط؟!

ملاحظة: انّ هذا البرهان إنّما يصدق في حالة واحدة وهي فيما إذا تعلّقت النفس المتكاملة ببدن أدنى منها، أي بالبدن الذي لم تصل كمالاته واستعداداته الذاتية إلى حد الفعلية، وأمّا إذا تعلّقت ببدن متكامل قد وصلت قدراته إلى حدّ الفعلية، فحينئذ يمكنه التناسق والانسجام معها، ولا يصدق حينئذ ذلك


( 224 )

البرهان.(1)

ونذكر في الختام: انّ محور هذا البرهان قائم على انعدام الانسجام والتناسب بين الروح والبدن، والذي يصدق في أغلب صور التناسخ ولا علاقة لهذا البرهان بالبرهان السابق الذي ذكرناه في باب التناسخ النزولي، والذي قلنا إنّه يستلزم التبعية دائماً ورجوع الفعليات إلى القوّة.(2)


1 . انظر الأسفار:9/2ـ3.

2 . منشور جاويد:9/190ـ 230.


( 225 )

103

المسخ في الأُمم السابقة ومسألة التناسخ

سؤال: من التساؤلات التي قد تطرح هنا هو: انّنا إذا راجعنا القرآن الكريم نجد انّه يؤكّد مسألة مسخ بعض الأُمم السابقة إلى قردة وخنازير، فهل يعني ذلك أنّ تلك النفوس البشرية ـ المنحرفة ـ انفصلت من بدنها البشري لتستقر في بدن القرد أو الخنزير؟

ومن الآيات التي يمكن أن تدعم هذا التساؤل قوله تعالى:

(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواء السَّبيلِ).(1)

وكذلك قوله تعالى:

(فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِـرَدَةً خـاسِئينَ).(2)

الجواب: كما ذكرنا سابقاً انّ التناسخ يقوم على ركيزتين ويتقوّم بأمرين، هما:


1 . المائدة:60.

2 . الأعراف:166.


( 226 )

الف: تعدّد البدن، البدن الأوّل الذي انسلخت وخرجت منه الروح، والبدن الثاني الذي استقرت وتعلّقت به. سواء كان البدن الثاني خلية نباتية، أو نطفة حيوانية، أو جنيناً إنسانياً أو كان حيواناً كامل الخلقة.

ب: رجوع النفس إلى الوراء وانحطاطها من درجة الكمال السابقة إلى درجة الحقارة والذلّة، كما إذا تعلّقت بالخلية النباتية أو النطفة الحيوانية أو الجنين الإنساني.

ومن المعلوم أنّ كلا الشرطين غير متوفرين هنا:

أمّا الأوّل: فلعدم تعدّد البدن هنا، لأنّ البدن هو نفس البدن، إذ المفروض انّ نفس الإنسان الطاغي والمتكبّر والمتمرّد على اللّه سبحانه وأوامره، يمسخ قرداً أو خنزيراً، أي أنّ نفس الممسوخ قد تبدّلت صورته إلى صورة أُخرى، وانقلبت صورته البهية إلى صورة رديئة. وفي الواقع انّه لا يوجد هنا إلاّ بدن واحد، وانّ الذي تغيّر هو الصورة فقط.

أمّا الثاني: انحطاط النفس، فهو منتف أيضاً، لأنّه لا يوجد سير قهقري للنفس، وذلك لأنّ الهدف من المسخ هنا هو عقاب هذه الطائفة المستكبرة والعاتية، ليروا أنفسهم بصورة القردة والخنازير، والمقصود من ذلك تعذيبهم وإيلامهم وجزاؤهم جزاءً سيئاً، ولا يتحقّق هذا العذاب إلاّ إذا كانوا على نفس الدرجة من الإدراك والشعور الإنساني ليدركوا الحالة التي انقلبوا إليها، وأمّا إذا تحوّلت نفوسهم إلى نفوس حيوانية (نفس قردية أو نفس خنزيرية) فلا تدرك هذا التحوّل أبداً، ولا يكون في المسخ حينئذ أيّ تعذيب أو إيلام لهم. بل على العكس من ذلك فإنّهم يعيشون حالة الانشراح والسعادة، لأنّ النفس القردية بالنسبة للقرد كمال والنفس الخنزيرية بالنسبة للخنزير كمال.


( 227 )

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقين)(1).(2)

وكما ذكرنا أنّ الهدف من عملية المسخ هذه هو جزاؤهم وعقوبتهم ليكونوا عبرة وموعظة للآخرين وانّ الهدف الأوّل إنّما يتحقّق فيما إذا بقي الإنسان الممسوخ محافظاً على حالاته النفسية وإدراكاته الشعورية.(3)

وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة المسخ وواقعيته عبارة عن انقلاب الإنسان إلى صورة الحيوان (القرد أو الخنزير) مع التحفّظ على إنسانيته، وليس المراد منه أنّه بالإضافة إلى التحوّل والتغيّر الظاهري والمسخ في الصورة، تمسخ نفوسهم وإنسانيتهم وتتحوّل أرواحهم إلى روح قرد أو خنزير.(4)


1 . البقرة:66.

2 . الاستدلال بالآية المباركة مبني على أنّ المقصود من كلمة«ما» هو الذنوب، سواء التي تقدّمت على الاصطياد أو الذنوب التي تأخّرت عنه، والحال أنّ البعض قد ذهب إلى أنّ المقصود من كلمة «ما» هي الأُمم المعاصرة والأُمم اللاحقة، فعلى هذا الوجه لا مناص من تفسير قوله تعالى: (
نكالاً) بمعنى العبرة والموعظة، وحينئذ تكون جملة (موعظة للمتقين)تكراراً لما قبلها. انظر تفسير مجمع البيان:1/265ـ 266، ط دار المعرفة.

3 . انظر: شرح المقاصد:2/39; بحار الأنوار:58/113، ط بيروت; الميزان في تفسير القرآن:1/21.

4 . منشور جاويد:9/203ـ 205.


( 228 )

104

الفرق بين التناسخ والرجعة

سؤال: إذا ألقينا نظرة إلى الروايات التي وردت في المصادر الشيعية نجد انّ هناك طائفة منها تؤكد على رجوع مجموعة من الناس إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة، وتعد ذلك من علامات قيام الساعة، ويطلق على ذلك حسب المصطلح عنوان «الرجعة» وحينئذ يطرح التساؤل التالي: ما هو الفارق الجوهري بين القول بالرجعة وبين التناسخ مع العلم أنّ الرجعة أيضاً تعني عودة الروح إلى البدن الدنيوي مرّة أُخرى؟

الجواب: في الواقع انّ القول بالرجعة وعودة البعض إلى البدن الدنيوي تشبه عملية إعادة الحياة إلى الموتى من قبل السيد المسيح(عليه السلام) من خلال المعجزة، وهذه المعجزة يُسلّم بها جميع المسلمين وجميع أتباع الديانة المسيحية، ولم يخطر في ذهن واحد منهم بأنّ تلك الرجعة التي حصلت على يد السيد المسيح(عليه السلام) من مقولة التناسخ، بل الكلّ يرى أنّ ذلك معجزة وكرامة خصّ اللّه بها نبيّه عيسى(عليه السلام).

وعلى هذا الأساس تكون إعادة بعض الطغاة والعتاة والمجرمين والأشرار


( 229 )

وكذلك عودة من محضوا الإيمان من الصالحين كما هو مقتضى مفهوم الرجعة ولا علاقة لها من بعيد أو من قريب بمسألة التناسخ، وذلك لأنّ محور التناسخ يقوم على أساس تعدّد الأبدان أوّلاً، وانحطاط النفس ورجوعها القهقرى من مقامها الإنساني ثانياً.

ومن الواضح أنّ هذين المحذورين غير متوفّرين في مسألة إحياء الموتى، لأنّه في عملية الإحياء لا يوجد تعدّد للأبدان ولا النفس تهبط من مقامها السامي والشامخ إلى الدرجة الوضيعة، بل انّ النفس تتعلّق وترجع إلى نفس بدنها السابق الذي تركته والتي كانت لها معه درجة كاملة من الانسجام والتناسق، وعلى هذا الأساس فإنّه وفقاً لنظرية الرجعة يكون البدن واحداً، وكذلك النفس تعود إلى نفس بدنها الذي فارقته بسبب الموت، وتتعلّق به، ولذلك يكون قابلاً ومناسباً لتدبير الروح له، إذ الروح هي نفس الروح التي فارقته والتي كانت تدبره على أحسن وجه وكان بينهما تناسق وانسجام، أضف إلى ذلك انّه وفقاً لنظرية الرجعة لا تفقد النفس كمالاتها واستعداداتها بسبب العودة إلى الحياة الدنيا ، ولا يوجد أيّ تراجع للنفس عن كمالاتها لكي يقال انّ الرجعة تقتضي الحركة الارتجاعية والقهقرائية من مرتبة الفعلية إلى مرتبة القوّة أو إلى أدنى من ذلك وهو محال، بل انّ النفس تعود إلى البدن بنفس كمالاتها واستعداداتها التي تمثل الأرضية المناسبة للسعادة أو الشقاء.

من هنا اتّضح انّ الفرق بين التناسخ والرجعة فرق جوهري وانّهما مقولتان مختلفتان تماماً.(1)


1 . منشور جاويد:9/205ـ 206.


( 230 )

105

علائم القيامة

سؤال: لقد ركّزت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على بيان علامات يوم القيامة فهل يمكن تسليط الضوء على تلك العلامات وبيانها؟

الجواب: لقد ورد على لسان العلماء وتبعاً للقرآن الكريم، مسألة تحت عنوان «أشراط الساعة» و يقصدون بذلك علائم القيامة، ويمكن تقسيم تلك العلائم والأشراط إلى قسمين:

1. الحوادث التي تتحقّق قبل يوم القيامة وقبل تقويض أركان النظام السائد وفي الوقت الذي ما يزال فيه الإنسان يعيش على وجه الأرض، وغالباً ما تطلق كلمة «الأشراط» على هذا القسم من العلامات.

2. الحوادث التي تكون سبباً لتقويض النظام السائد والتي ورد التركيز عليها في السور التالية: التكوير، الانفطار، الانشقاق، والزلزلة، وهذا ما يعبر عنه بـ(مشاهد القيامة) ونحن هنا نحاول الحديث عن أشراط الساعة، ثمّ نعقبه بالحديث عن القسم الثاني إن شاء اللّه تعالى.

لقد أكّد القرآن الكريم والروايات على علائم القيامة بالمعنى الذي


( 231 )

نقصده، ونحن هنا نتعرض لبيان علامتين من تلك العلامات التي وردت في سور مختلفة من القرآن الكريم، قال تعالى:

(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْريهُمْ) .(1)

توضيح ذلك: «الأشراط» جمع «شرط» على وزن صدف بمعنى العلامة، يقول ابن منظور في «لسان العرب»: شرط ـ بفتح الراء ـ بمعنى العلامة ، وجمعه: أشراط، وأشراط الساعة: علائمها.(2)

فهذه الآية تخبر وبوضوح عن تحقّق بعض أشراط الساعة، وهنا يطرح السؤال التالي: ماهي تلك الأشراط والعلائم التي تمّ تحقّقها؟

إنّ هذه الآية وآيات أُخرى لا توضح لنا الإجابة عن هذا التساؤل، ولكنّ المفسّرين يقولون إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فسّر هذه الآية بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):

«بعثت أنا والساعة كهاتين»(3).(4)

وهنا يرد سؤال آخر وهو: كيف يمكن أن تُعدّ بعثة النبي الأكرم من علائم القيامة مع أنّنا نرى أنّ الفاصل الزماني بينهما ليس بالقليل؟!

والجواب عنه: إنّنا إذا قسنا ما بقي من عمر الدنيا بالنسبة إلى ما فني منها وعرفنا أنّ العالم تجاوز مرحلة النضوج وهو في طريقه إلى الهرم، فلا ريب أنّ العمر الأكبر قد مضى ولم يبق إلاّ شيء قليل، ومع الالتفات إلى هذه النسبة يمكن القول: إنّه لم يبق إلى قيام الساعة إلاّ شيء قليل، وحينئذ يصحّ اعتبار البعثة من


1 . محمد:18.

2 . لسان العرب:7/329، مادة «شرط».

3 . بحار الأنوار:2/263، الحديث12، و ج16/256، الحديث36.

4 . مجمع البيان:5/102.


( 232 )

علائم القيامة.

ثمّ إنّ بعض المفسّرين قد فسّر أشراط الساعة بانشقاق القمر كما في قوله تعالى:

(اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ).(1)

ومنهم من ذهب إلى تفسير ذلك بنزول القرآن الكريم الذي هو خاتم الكتب.

وعلى كلّ حال فهذه الآية تحكي وبصورة قطعية عن تحقّق بعض علائم الساعة:

(وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ).(2)

يقول المفسّرون: حينما نزلت آية: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّم)(3) ، وجد منها أهل مكة وجداً شديداً.

فقال أحد المشركين ـ ابن الزبعري ـ : خصمتك ـ واللّه ـ يا محمد، ألست تثني على عيسى خيراً، وقد عرفت أنّ النصارى يعبدون عيسى وأُمّه، أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا»، فقالت قريش: خصمك ابن الزبعري، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): قلتم الباطل أما قلت: إلاّ من استثنى اللّه وهو قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُون).(4)


1 . القمر:1.

2 . الزخرف:61.

3 . الأنبياء:98.

4 . تفسير نور الثقلين:3/459. و الآية 101 من سورة الأنبياء.


( 233 )

وقد ردّ القرآن الكريم عليهم في ضمن مجموعة من الآيات من ضمنها هذه الآية التي هي مورد بحثنا ، وهي أنّ المسيح لا يمتلك أيّ صفة من صفات الإله، بل انّ وجوده(عليه السلام) أحد أسباب وعوامل التعرّف على اقتراب الساعة.

وبالطبع انّ القراءة المشهورة للآية (عِلْم) على وزن (حلم) يفيد انّها سبب للعلم والمعرفة، وأمّا على قراءة (عَلَمْ) على وزن (سلف) فحينئذ تفيد الآية معنى العلامة، ويكون وجود المسيح (عليه السلام)علامة على تحقّق القيامة.

ولكنّ هناك بحثاً آخر وهو: متى يكون المسيح من أعلام الساعة؟ فهل المراد حين تولّده ثمّ بعثه إلى بني إسرائيل؟ أو أنّ المراد زمان آخر غير ذلك الزمان؟

الروايات الواردة في هذا المجال تقول: إنّ السيد المسيح(عليه السلام) سوف ينزل إلى الأرض حين ظهور الإمام المهدي المنتظر ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ ويقتدي به، وبذلك يكون ظهور المسيح(عليه السلام) من أشراط الساعة، وقد روى ذلك محدّثو السنّة والشيعة، حيث جاء في الحديث:

«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم».(1)

وفي الآية احتمال آخر وهو: انّ عيسى يعلم به الساعة في خلقه من غير أب وإحيائه الموتى، فيعلم به أنّ الساعة ممكنة فلا تشكّوا في الساعة ولا ترتابوا فيها البتة.(2)

وحينئذ يكون معنى الآية: انّ مجموع حياة السيد المسيح يُعدّ أحد علامات إمكان القيامة فلماذا تشكّون فيها؟ وإذا من المفكّرين في السيد المسيح(عليه السلام)، ففكّروا فيه من هذه الزاوية ومن هذه النكتة لا أن تنظروا إليه على أنّه معبود وإله


1 . جامع الأُصول:11/47، باب أشراط القيامة، الحديث7808.

2 . تفسير الميزان:18/118.


( 234 )

لكم.

والذي يؤيّد هذا التفسير قوله سبحانه: (فَلا تَمْتَرُنَّ بِها) حيث فرعت عدم الشك في القيامة على وجود السيد المسيح (عليه السلام).

وهذا التفسير لا ينافي التفسير الأوّل الذي ذكرناه، إذ لا منافاة بين أن يكون المسيح بوجوده دليلاً على إمكان القيامة وفي نفس الوقت آية من آياتها، فمع مشاهدة هذه العلامة لا ينبغي الشكّ في القيامة.

علامات القيامة في الروايات والأحاديث

لقد وردت روايات كثيرة عن طريق الفريقين تتحدّث عن أشراط وعلائم القيامة، واعتبرت سلسلة من الحوادث والتحوّلات علامة على قيام الساعة، والتي جاءت فيها عنوان «أشراط الساعة» يمكن تقسيمها إلى طائفتين:

1. الحوادث الخارقة للعادة التي تقع في النظام الكوني.

2. التحوّلات والتغيّرات التي تحدث في سلوك الناس وأفكارهم.

وبما أنّ دراسة جميع تلك الروايات(1) يحتاج إلى بحث مفصّل وشامل ولا ينسجم مع حجم الكتاب، لذلك نكتفي هنا بذكر رواية واحدة تشير إلى هذه العلامات بصورة مختصرة، وهي:

ما رواه حذيفة بن أسيد قال:

كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غرفة ونحن أسفل منه فاطّلع إلينا فقال: «ما تذكرون؟».

قلنا: الساعة. قال: «إنّ الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات:


1 . من أراد التفصيل فعليه بمراجعة: بحار الأنوار:6/206ـ209، باب أشراط الساعة، وجامع الأُصول لابن الأثير:11/47ـ 94.


( 235 )

1. خسف بالمشرق.

2. وخسف بالمغرب.

3. وخسف في جزيرة العرب.

4. والدخان.

5. والدجال.

6. ودابة الأرض.

7. ويأجوج ومأجوج.

8. وطلوع الشمس من مغربها.

9. ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس....

10. و نزول عيسى بن مريم، وريح تلقي الناس في البحر».(1)

وأمّا الروايات الحاكية عن طروء التغيّر و التبدّل على حياة الناس وأخلاقهم وسلوكهم وابتعاد الناس عن القيم الدينية وشيوع الفساد والعصيان، فهي روايات كثيرة، أشمل تلك الروايات وأجمعها ما رواه ابن عباس عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)

بعد أن تعرّفنا على النوع الأوّل من العلامات التي عبّر عنها بـ«أشراط الساعة» حان الوقت للحديث عن طائفة من الروايات التي تعتبر من العلامات الحتمية للقيامة والتي تحدث تحوّلاً في نظام الكون، وهي ما عبر عنها بـ«مشاهد القيامة».


1 . صحيح مسلم:8/179، باب في الآيات التي قبل الساعة من كتاب الفتن. وقد روى تلك الرواية المرحوم الصدوق في كتاب الخصال، ولكنّه لم يذكر العلامة العاشرة فيها. ونقل الرواية أيضاً في البحار:6/303 نقلاً عن الخصال.

2 . بحار الأنوار:6/206ـ 209.


( 236 )

الحوادث الكونية وقيام الساعة

تحدّث القرآن الكريم عن وقوع مجموعة من الحوادث الكونية التي تخبر عن انتهاء عمر الدنيا وقيام الساعة.

وهذه الحوادث العظيمة والرهيبة سوف تشمل السماء والأرض، والبحار، والجبال، والإنسان، والشمس، والنجوم و....

وبكلمة واحدة :انّ النظام السائد في العالم سينهار بأسره، وستقوم الساعة حينئذ، وسنشير إلى هذه الحوادث المهيبة بصورة مفصّلة:

حالة السماء أوان قيام الساعة

لقد استعمل القرآن الكريم في هذا المجال المصطلحات التالية: الانشقاق، الانفطار، الانفتاح، الانفراج، الانطواء، التبدّل، المور، المهل، الدخان، وردة كالدهان، الكشط، وقد وردت هذه المصطلحات في الآيات التالية:

1.(إذا السَّماءُ انْشَقَّت).(1)

2. (إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ).(2)

3. (وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبواباً).(3)

4. (وَإِذا السَّماءُ فُرِجَتْ).(4)

5. (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجلّ لِلْكُتُبِ).(5)


1 . الانشقاق:1 ، لاحظ: الحاقة:16، الفرقان:25.

2 . الانفطار:1، ولاحظ: المزمل:18.

3 . النبأ:19.

4 . المرسلات:9.

5 . الأنبياء:104.


( 237 )

6. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ).(1)

7. (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً).(2)

8.( يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمِهْلِ).(3)

9. (يَومَ تأْتِي السَّماءُ بِدُخان).(4)

10. (فَكانَتْ وَرْدَةً كالدِّهانِ).(5)

11. (وَإِذا السَّماءُ كُشِطَتْ).(6)

إلى غير ذلك من الآيات التي ترسم لنا صورة مرعبة ومذهلة عن الحوادث التي ترافق قيام الساعة والتحوّلات العجيبة التي تحدث في الكون، فالسماء التي كانت تتراءى وكأنّها سقف محفوظ تبتلي بالاضطراب و الاهتزاز العظيم الذي يحدث وتمزّق إلى قطع متناثرة، وتنشق السماء وتتموج وتأتي كالصفر المذاب، وتأتي بصورة الدخان،وغير ذلك من الصور المرعبة والمذهلة.

والنكتة الجديرة بالالتفات والإشارة هي انّنا نرى أنّ القرآن ينص على أنّ السماء في بدء الخلقة كانت من دخان، وسيؤول أمرها إليه أيضاً عند الانقضاء حيث يقول سبحانه:

(ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ...).(7)


1 . إبراهيم:48.

2 . الطور:9.

3 . المعارج:8.

4 . الدخان:10.

5 . الرحمن:37.

6 . التكوير:11.

7 . فصلت:11.


( 238 )

ثمّ قال سبحانه:

(...يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبين).(1)

فما هو المقصود والمراد من هذه الآيات؟ هذا ما يحتاج إلى بحث مستقل خارج عن إطار بحثنا هنا، فمن أراد الاطّلاع على ذلك عليه بمراجعة الكتب التفسيرية.

حالة الأرض أوان قيام الساعة

بعد أن تعرّفنا على حالة السماء أوان قيام الساعة حان الوقت للتعرف على حالة الأرض في ذلك الوقت من زاوية الرؤية القرآنية، وكيف بيّن القرآن تلك الحقيقة؟

في البدء نشير إلى المصطلحات التي استعملها القرآن الكريم في هذا المجال، وهي: الزلزلة، البروز، التبدّل، الانشقاق، الاندكاك، الرّج، المدّ، وقد وردت تلك المصطلحات في الآيات التالية:

1.(إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها).(2)

2. (يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وَتَرى الأَرْضَ بارِزَةً).(3)

3. (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْض).(4)

4. (يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً).(5)


1 . الدخان:10.

2 . الزلزلة:1.

3 . الكهف:47.

4 . إبراهيم:48.

5 . ق:44.


( 239 )

5.(إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّا).(1)

6. (إِذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً).(2)

7. (وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ).(3)

إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّـن وضع الأرض عند قيام الساعة، وكيف تتعرض الأرض لهزّة عنيفة ينهار على أثرها كلّ ما عليها من الظواهر الطبيعية وغيرها، وينكشف سطحها ويظهر ما فيه للعيان، وتنشق الأرض ويظهر من كان كامناً في أعماقها من الموتى ليحشروا في عرصات القيامة.

ومن الجدير هنا أن نشير إلى نكتتين:

النكتة الأُولى: انّ من بين المصطلحات التي ذكرت في مجال بيان وضع السماوات والأرض أوان القيامة، يوجد مصطلحان قد تكرر ذكرهما في الحالتين، وهذان المصطلحان هما: «التبدّل» و «الانشقاق» بمعنى أنّ هذين الوجودين سيصطدمان وينشقان ويتمزّقان إلى قطع متناثرة.

النكتة الثانية: كما أنّه قد ورد في بدء خلق السماوات وخاتمتها مصطلح «الدخان» كذلك ورد في بدء خلق الأرض وخاتمتها مصطلح «المدّ» حيث قال سبحانه:

(هُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ).(4)

وقال تعالى:

(وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ).(5)


1 . الفجر:21.

2 . الواقعة:4.

3 . الانشقاق:3.

4 . الرعد:3، الحجر:19، ق:7.

5 . الانشقاق:3.


( 240 )

الظواهر الأرضية أوان قيام الساعة

من الظواهر الأرضية التي عدّت من علائم القيامة وقيام الساعة: الأُولى الجبال، والثانية البحار; والنكتة في ذلك هي عظمة وأهمية هذين الموجودين، وذلك لأنّ القسم الأعظم من سطح الأرض تغطّيه المياه والبحار، وأمّا الجبال فلما تتميّز به من العظمة والهيبة والتي تقوم الآن بدور أوتاد الأرض، ولذلك فإنّه وبلا شك انّ التحوّل والتغيّر والتبدّل الذي يحدث فيهما يحكي ويخبر عن وقوع حادثة غريبة جداً وأمر عظيم وهو قيام الساعة. ولعلّه لهذه الأسباب ركّزت الكثير من الآيات على قيامة الجبال والبحار، وها نحن نشير إلى الآيات التي وردت في خصوص هاتين الظاهرتين:

البحار

لقد أخبر القرآن الكريم عن حالة البحار في اللحظات الأخيرة من عمر الدنيا في ثلاث آيات استعمل فيها مصطلحين، هما: «سجّرت»، و«فجّرت» حيث قال سبحانه:

(إِذَا البِحارُ سُجِّرَتْ).(1)

وقال تعالى:

(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).(2)

وقال تعالى في الآية الثالثة:

(وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ).(3)


1 . الانفطار:3.

2 . الطور:6.

3 . التكوير:6.


( 241 )

قال العلاّمة الطبرسي في تفسير مصطلحي «فجّرت» و «سجّرت»: أي «أُرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلأت»....

(وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ):أي «فتح ببعضها في بعض، عذبها في ملحها وملحها في عذبها فصارت بحراً واحداً».(1) فيصير الجميع بحراً واحداً على خلاف ما في هذه الدنيا.

وهذا التفسير هو الأصحّ بالنسبة إلى باقي التفاسير التي ذكرها المفسّرون للمصطلحين، والشاهد على أصحّية هذا التفسير انّ القرآن الكريم عندما يتحدّث عن خصائص البحار في هذه الدنيا يؤكّد على حقيقة انفصال الماء العذب عن الماء الأُجاج(المالح)، وانّه يوجد برزخ وفاصل بين البحرين حيث قال سبحانه:

(...هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً).(2)

وبقرينة ما جاء في ذيل الآية من قوله سبحانه:(وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً) يتّضح أنّ المراد من قوله:(مرج) ليس هو المزج والخلط، بل التقارن المكاني والتلاقي.

والشاهد على هذا المطلب أيضاً قوله تعالى في آية أُخرى:

(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ* بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ).(3)

ومن أنسب التفاسير التي ذكرت لتفسير الآية هو: انّ هذه الآية تشير إلى


1 . مجمع البيان:5/443و 449.

2 . الفرقان:53.

3 . الرحمن:19ـ20.


( 242 )

بيان عظمة الحكمة والتدبير الإلهي في خلق البحار بالنحو الذي يوفّر الأرضية المناسبة والشروط الصحيحة بنحو كامل لحياة المخلوقات الحيّة وخاصة الإنسان منها، وذلك لأنّه وفقاً لنظرية علماء الطبيعة والبيئة أنّ ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية تغمره المياه المالحة، وانّ لهذه النسبة من المياه دوراً بارزاً في تلطيف ونقاء الهواء، والأُمور الأُخرى التي تحتاج إليها حياة الموجودات الحيّة، هذا من جهة ومن جهة أُخرى انّ المياه العذبة تخزّن في أعماق الأرض وتظهر إلى السطح من خلال العيون والآبار وغير ذلك، لتوفّر الشرط المهم والعنصر الأساسي للحياة.

وهذان النوعان من المياه لا يمتزجان أبداً بنحو يتحوّل الماء المالح بأكمله إلى ماء عذب، أو يتحوّل الماء العذب بأكمله إلى ماء مالح، وذلك لأنّه على هذا الفرض تنعدم إمكانية استمرار الحياة بالنسبة للموجودات الحيّة.

أمّا إذا انتهى عمر الدنيا وانهار النظام الكوني، فحينئذ يرتفع الفاصل والحاجز بين المياه المالحة والعذبة، والذي يبيّن ويؤكد تلك الحقيقة قوله تعالى: (سُجّرت) أو (فُجّرت).(1)

حالة الجب الأوان قيام الساعة

وأمّا الجبال فقد وصف القرآن الكريم حالها في أكثر الآيات التي تحدّثت عن حالة الأرض يوم القيامة، وهذه الآيات جميعها تشير إلى صورة مرعبة عن وضع العالم في تلك اللحظات العسيرة، ومن هذه الآيات قوله تعالى:

(وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَراباً).(2)


1 . انظر الميزان:20/112.

2 . النبأ:20.


( 243 )

ومن الواضح انّ معنى السراب هو توهّم وتخيّل الماء، ولكنّه في الحقيقة أُطلق هنا في الآية بنحو من التوسّع على كلّ شيء لا حقيقة له، ولكن قد يتوهّم انّ له حقيقة، والظاهر أن ّمعنى الآية هنا انّها تريد أنّ الجبال بالرغم من عظمتها سوف تتلاشى وتندك بنحو لا يبقى من تلك الهيبة والعظمة أثر يذكر، وتنعدم تلك الموجودات وكأنّها لا حقيقة لها ولا أثر في الخارج إلاّ صورة وهمية.

ومن الآيات الأُخرى التي أشارت إلى وضع الجبال في ذلك اليوم:

(وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ).(1)

(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ).(2)

(وتَسيرُ الجِبالُ سَيْراً).(3)

ومن الأوصاف التي وصف القرآن الكريم بها الجبال في ذلك اليوم بعد وصفي السراب والسير:

1. العهن المنفوش:

(تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ).(4)

(وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ).(5)

2. النسف:

(وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ).(6)


1 . التكوير:3.

2 . الكهف:47.

3 . الطور:10.

4 . المعارج:9.

5 . القارعة:5.

6 . المرسلات:11.


( 244 )

3. الرجف: الحركة الشديدة:

(يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالجِبالُ...).(1)

4. الكثيب المهيل:

(وَكانَتِ الْجِبالُ كَثيباً مَهيلاً).(2)

5. البسّ.

6. الهباء المنبث.

كما جاء في قوله تعالى:(وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسّاً* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثّاً).(3)

7. الدك:

(وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً).(4)

نعم هذا هو مصير الجبال في نهاية عمر الدنيا، وهذه هي خاتمتها بالصورة التي بيّنتها الآيات الكريمة بعد أن كانت تلك الجبال مضرب الأمثال للثبات والصلابة والاستقامة، والتي كانت تمثل أوتاد الأرض التي تحفظها من أن تميد، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

«ووطّد بالصخور ميدان أرضه».(5)

كما أنّ القرآن قد وصفها في الدنيا بقوله:


1 . المزمل:15.

2 . المزمل:15.

3 . الواقعة:5و6.

4 . الحاقة:14.

5 . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.


( 245 )

(وَالْجِبالَ أَوتاداً).(1)

(وَالجِبالَ أَرْساها).(2)

(أَفلا يَنْظُرُونَ إِلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَت).(3)

فهذه الجبال بعظمتها وهيبتها تقلع من وجه الأرض وتسير وتكون كالسراب وتتحوّل إلى تل من التراب، أو تصبح كالعهن المنفوش، أي كالصوف المنفوش،وفي النهاية تتحوّل إلى ذرات متناثرة، في هذا الكون. أيّ صورة مهيبة ومرعبة ترسمها لنا ريشة الجلال الإلهي، بنحو يختل كلّ النظام الكوني ويعيش العالم في ظلام دامس وموحش وجمود وذبول باعث على الغم.

وبهذا يُطوى ملف الحياة الدنيا، ولكن ذلك لا يعني بوجه من الوجوه نهاية الحياة الحقيقية، بل هو في الواقع يمثّل البشارة والأمل في بداية حياة جديدة وخالدة، الحياة التي عبّر عنها القرآن الكريم بالقيامة، واعتبر تلك الحوادث العجيبة والغريبة في العالم علامات وأشراط لقرب تلك الحياة الجديدة والأبدية.(4)


1 . النبأ:7.

2 . النازعات:32.

3 . الغاشية:19.

4 . منشور جاويد:9/242ـ 268.


( 246 )

106

القيامة ومحاسبة الأعمال

سؤال: ما المقصود من المحاسبة يوم القيامة، وما هو الهدف منها؟

الجواب: من الأسماء التي أطلقها اللّه سبحانه على يوم القيامة«يوم الحساب».(1)، أي اليوم الذي يوقف فيه اللّه سبحانه عباده ليحاسبهم على ما اقترفوه من أعمال في الحياة الدنيا، وهذا الأمر بدرجة من الوضوح والتسليم به ممّا جعل الإمام علياً (عليه السلام)يعتبر التفريق بين الحياة الدنيا و الآخرة قائماً على هذا الأساس، حيث اعتبر الأُولى دار العمل والثانية دار الحساب، فقال (عليه السلام):

«واليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل».(2)

كما وردت في هذا المجال روايات كثيرة بالإضافة إلى الآيات، وقد جاءت في تلك الآيات والروايات سلسلة من العناوين الجديرة بالبحث والدراسة، لما فيها من المعاني والمفاهيم الشامخة، ولاشتمالها على البحوث المهمة التي يمكن أن تكون مفتاحاً لحلّ الكثير من الإشكالات والشبهات التي قد تثار في هذا المجال.


1 . انظر: إبراهيم:41، وسورة ص: الآيات 6و 26و 53، وسورة غافر: 27.

2 . نهج البلاغة: الخطبة42.


( 247 )

ومن هذه التساؤلات التي تثار هنا:

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

2. من المحاسب؟

وسنتناول هذين التساؤلين واحداً تلو الآخر.

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

إنّ حقيقة الحساب هي: الاطّلاع والوقوف على بعض المجهولات من خلال الاستعانة بالمعلومات المسبقة، وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة الحساب ليس إلاّ حلّ المجهولات عن طريق المعلومات.

وعلى هذا الأساس تظهر هذه الحالة على حياة الإنسان بصورة جلية باعتبار كونها أمراً واقعياً لا ينفك عن حياته، لأنّ الإنسان دائماً يعيش حالة من القلق على مستقبله ومصيره ويحاول معرفة ثمار ونتائج سعيه وجهده ومقتنياته المادية والمعنوية، ولذلك يسلك طريق الحساب والمحاسبة.

ومن هنا نعلم أنّ واقعية المحاسبة والحساب الرائجة والمتداولة بين أفراد النوع الإنساني تحمل في طياتها نوعاً من الجهل وتخفي في أعماقها نوعاً من عدم المعرفة، وبما أنّ اللّه سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ جهل، وانّ السرّ والعلن والخفاء والظهور بالنسبة إليه على حدّ سواء، فما هي الحاجة إذاً للحساب والمحاسبة ياترى، إذ بإمكانه سبحانه أن يعمل بعلمه المطلق ويثيب المحسن ويعاقب المسيء على أساس من الحكمة والعدل الذي يعيّنه هو سبحانه، وحينئذ تكون عملية إقامة محكمة للعدل والحساب والسؤال لغواً لا طائل وراءه، وبالنتيجة فإنّ هذا العمل لا يلائم الحكمة الإلهية ولا يتطابق معها؟


( 248 )

والجواب عن هذه الشبهة هو: ليس الهدف من إقامة الحساب والمحاكمة يوم القيامة (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ)(1) هو انّ اللّه سبحانه يطّلع على أعمال عباده الحسنة منها والسيّئة واستحقاق الثواب أو العقاب، من خلال طرحه سبحانه سلسلة من الأسئلة على عباده، لأنّ اللّه سبحانه ـ و كما جاء في متن السؤال ـ يعلم بكلّ شيء، ولذلك فهو غني عن إقامة المحكمة لتحقيق ذلك الغرض، بل أنّ المقصود حقيقة من وراء إقامة محكمة الحساب شيء آخر، وهو: إراءة عدله وجوده وحكمته سبحانه عند المحاسبة، وليتّضح ذلك للجميع بنحو لا يرتاب فيه أحد حتى أُولئك الذين كانوا في شكّ من ذلك في الحياة الدنيا يتّضح لهم عدله ورحمته سبحانه بنحو لم يبق لهم مجال للاعتذار أو الاعتراض.

ومن هنا يمكن القول: إنّ مسألة «الحساب» في العالم الآخر ليست بمنزلة الامتحان والابتلاء والاختبار في الحياة الدنيا والتي تجري بين العباد لكسب المعرفة والتعرّف على جوهر الأفراد وحقائقهم، أو معرفة أُمور أُخرى، بل أنّ الامتحان الإلهي له علله وأهدافه الخاصة التي منها إقامة الحجة على العباد.(2)

2. مَن المحاسب؟

دلّت الأُصول التوحيدية على أنّ جميع العلل والأسباب تنتهي إلى خالق واحد ومدبّر فرد، هو مبدأ جميع الموجودات، وهو مسبب الأسباب كلّها.

وهنا يقع الكلام في البحث التالي: من المعلوم أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد أقام النظام الدنيوي على أساس قانون العلّية والمعلولية، وانّه منح بعض مخلوقاته


1 . إبراهيم:41.

2 . ومن الطبيعي أنّ للامتحان الإلهي أهدافاً أُخرى تذكر في محلها.


( 249 )

صفة المدّبرية فقال سبحانه: (فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً)(1) ، فهل ياترى أنّ عالم الآخرة يقوم على أساس قانون العلّية والمعلولية أيضاً بنحو يمنح اللّه سبحانه بعض مخلوقاته صفة المحاسب ويوكل إليهم محاسبة العباد؟ أو أنّه سبحانه هو الذي يتكفّل بهذا الأمر الخطير والحسّاس؟

إنّ ظاهر، بل صريح بعض الآيات، انّ اللّه سبحانه هو الذي يتكفّل بعملية المحاسبة وهو المحاسب يوم القيامة، قال سبحانه:

(...فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ).(2)

وقال أيضاً:

(إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ).(3)

وفي آية أُخرى:

(إنْ حِسابُهُمْ إِلاّعَلى رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ).(4)

ويقول عزّ من قائل:

(...وَكَفى بِاللّهِ حَسيباً) .(5)

هذه الآيات صريحة في أنّ المحاسب هو اللّه سبحانه، ولكنّ هناك طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تشير إلى أنّ المحاسب في ذلك العالم هو الإنسان نفسه حيث هو يقوم بمحاسبة نفسه بنفسه من خلال قراءة كتابه بنفسه وحينئذ لا حاجة إلى محاسب آخر، يقول سبحانه:


1 . النازعات:5.

2 . الرعد:40.

3 . الغاشية:25ـ 26.

4 . الشعراء:113.

5 . النساء:6، الأحزاب:38.


( 250 )

(وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَة كِتاباً يَلْقيهُ مَنْشُوراً *اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَومَ عَلَيْكَ حَسيباً).(1)

ولكن الإمعان في الأمر يظهر لنا أنّ هذه الآيات لا تنافي الآيات الآنفة الذكر، وذلك لأنّ مفاد هذه الآية انّه تتجلّى في العالم الآخر أمام الإنسان أعماله وأفعاله التي اقترفها بصورة كتاب يبرز ويظهر أمام نظر الإنسان، بنحو يرى الإنسان واقع أفعاله التي قام بها في الحياة الدنيا بصورة لا يبقى فيها مجال لأيّ إنكار أو تخلّص أو تنصّل عن المسؤولية، ولذلك يصل الأمر بالإنسان إلى درجة يشهد هو على نفسه وعلى أعماله.

وبعبارة أُخرى: أنّ الآيات السابقة تشير إلى حقيقة جلية وهي أنّها تنفي وجود أيّ محاسب في ذلك العالم إلاّ اللّه سبحانه وتعالى وحده، وأمّا هذه الآية فإنّها تشير إلى كيفية المحاسبة التي يقوم بها اللّه سبحانه وتعالى، وانّها تكون بالنحو الذي تعرض أعمال العباد وأفعالهم أمام كلّ واحد منهم بحيث يطّلع كلّ إنسان على ما بدر منه وما صدر من أفعال، وليحكم هو بنفسه على نفسه.

حكم الروايات في هذه المسألة

لقد حظيت هذه المسألة باهتمام الرسول الأكرم وأهل بيته عليه و(عليهم السلام) فقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال، فطائفة من هذه الروايات تؤيّد الرأي الأوّل الذي ذهبت إليه الآيات الكريمة، وأنّ اللّه سبحانه هو المحاسب يوم القيامة، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في حقّ عائشة وخصومتها معه: «وأمّا فلانة


1 . الإسراء:13ـ 14.


( 251 )

فأدركها رأي (رائحة) النساء، وضِغْنٌ غلا في صدرها كمِرجَلِ القَيْنِ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ، لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأُولى، والحساب على اللّه تعالى».(1)

ولكن يظهر من بعض الروايات الأُخرى أنّ اللّه سبحانه قد أوكل أمر المحاسبة إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال:

«إذا كان يوم القيامة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا».(2)

وقد ورد في تفسير قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قال:

«إذا كان يوم القيامة جعل اللّه حساب شيعتنا إلينا».(3)

وجاء في الزيارة الجامعة الكبيرة:

«وَإِيابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ» .

ومن الملاحظ أنّ مضمون الزيارة الجامعة أوسع من مدلول الروايتين السابقتين، ولا تنافي بين ذلك وبين حصر الحساب باللّه سبحانه وتعالى، إذ ممّا لا ريب فيه أنّ قيام الأئمّة بالمحاسبة ينطلق في واقعه من امتثال الأمر الإلهي، وانّ اللّه سبحانه هو الذي أوكل إليهم القيام بهذا الأمر كما أوكل سبحانه إلى بعض مخلوقاته تدبير بعض الأُمور في الحياة الدنيا، وهذا من الأُمور المسلّمة التي نطق بها القرآن الكريم.

وعلى كلّ حال فهناك روايات مستفيضة تؤكّد المنزلة السامية والمقام


1 . نهج البلاغة، الخطبة156، ط صبحي الصالح.

2 . بحار الأنوار:7/264.

3 . بحار الأنوار:7/264.


( 252 )

الشامخ لأهل البيت(عليهم السلام) في يوم القيامة، حيث جاء في بعضها أنّهم(عليهم السلام) أصحاب الأعراف، وأصحاب الشفاعة و.... وعلى هذا الأساس من الممكن أن يوكل سبحانه إلى الأئمّة أمر محاسبة العباد جميعاً أو محاسبة بعض عباده خاصة. وبما انّ هذه المسائل من الأُمور الخارجة عن إطار حكم العقل فيها إثباتاً أو نفياً، لذلك لابدّمن الالتجاء إلى الوحي وطلب العون منه هنا، فما يثبت من خلال هذا الطريق بصورة قطعية لابدّ من الإذعان له والخضوع أمامه.(1)


1 . منشور جاويد:9/280ـ 285.


( 253 )

107

أسئلة يوم القيامة

سؤال: ما هي الأعمال التي يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة ويُسأل عنها؟

الجواب: من المسلّم به انّ السؤال يوم القيامة يكون عن أعمال العباد وانّ كلّ إنسان ينال نتيجة أعماله التي اقترفها في الحياة الدنيا، ولكنّ هناك سؤالاً يلاحق الذهن البشري دائماً، وهو: ما هي الأعمال التي يُسأل عنها؟ وما هي الأعمال التي لابدّ أن نجيب عنها؟

ولقد اهتمت الآيات الكريمة والروايات الشريفة بهذه المسألة اهتماماً كبيراً وأولتها عناية خاصة، وبيّنت لنا الجواب بطريقة خاصة.

ويمكن تقسيم الآيات الواردة في هذا المجال إلى طائفتين:

الطائفة الأُولى: الآيات التي تؤكد على أنّ الإنسان يُسأل عن عامّة أفعاله، ومن هذه الآيات المباركة:

ألف. (...وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .(1)


1 . النحل:93.


( 254 )

ب.(لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ).(1)

ج.(...ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ).(2)

د. (يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً ليُرَوْا أَعْمالَهُمْ).(3)

كذلك تدلّ على الشمول والعمومية الآيات المتعلّقة بالعقاب والثواب وجزاء الأعمال.

وأمّا الطائفة الثانية: فإنّها تدلّ على أنّ الإنسان يُسأل عن بعض الأُمور خاصة، ومنها:

ألف. النعم الإلهية

(ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعيمِ) .(4)

والسؤال هنا و إن كان عن النعم الإلهية، ولكن بالالتفات إلى أمرين: الأوّل: أنّه ورد في الآية كلمة «النعيم» الذي يشمل جميع النعم الإلهية، والثاني: انّ جميع ما يستفيد منه الإنسان في حياته يُعدّ من النعم الإلهية، إذاً على هذا الأساس يقع السؤال عن جميع أفعال الإنسان وأعماله، وذلك لأنّ كلّ عمل يقوم به الإنسان يُعدّ ـ وبنحو من الأنحاء ـ تصرّفاً في النعم الإلهية، وبالنتيجة لابدّ أن تدرج هذه الآية في ضمن الطائفة الأُولى من الآيات التي تدلّ على عمومية وشمولية السؤال.


1 . الأنبياء:23.

2 . الزمر:7.

3 . الزلزلة:6.

4 . التكاثر:8.


( 255 )

ب. القرآن الكريم(1)

(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ).(2)

ج. الشهادة

(...سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ).(3)

د. القتل من دون ذنب

(وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ).(4)

هـ. الكذب والتهمة

قال سبحانه: (...تَاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ).(5)

و. الصدق

قال سبحانه:(لِيَسْئَلَ الصّادِقينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرينَ عَذاباً أَليماً).(6)

وبالطبع أنّ تخصيص هذه الأُمور بالسؤال عنها لا ينافي السؤال عن عامّة الأفعال، وانّما ذكرت تلك الأُمور لأهميتها من باب ذكر الخاص بعد العام.

ثمّ إنّ هذا التقسيم نجده أيضاً في الروايات، فهناك طائفة من الروايات تؤكد أنّ السؤال سيكون عن جميع الأفعال والأعمال، وفي مقابلها طائفة أُخرى ترى أنّ السؤال سيكون عن بعض الأفعال المخصوصة، ونحن نذكر نماذج من


1 . انظر سورة الحجر:92ـ 93.

2 . الزخرف:44.

3 . الزخرف:19.

4 . التكوير:8ـ9.

5 . النحل:56.

6 . الأحزاب:8.


( 256 )

تلك الروايات:

قال أمير المؤمنين(عليه السلام):

«وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم».(1)

وكتب (عليه السلام) إلى بعض عمّاله الذي خانه واستولى على بيت المال وذهب به إلى الحجاز: «فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى،وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيع فيه الرجعة، ولات حين مناص».(2)

وطائفة أُخرى من الروايات تخصّص السؤال عن بعض الأُمور منها:

1. عمر الإنسان.

2. الشباب.

3. أعضاء الإنسان.

4. الثروة التي اكتنزها، وفي أيّ شيء صرفها.

5. محبة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

6. القرآن الكريم.

7. فريضة الصلاة.

8. النبوة والولاية.

وها نحن نذكر بعض النماذج من تلك الروايات التي تتعلّق بالعناوين التي ذكرناها:

ألف. روى الصدوق في «الخصال» و «الأمالي» بسنده عن موسى بن


1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، رقم7.

2 . نهج البلاغة، الخطبة41.


( 257 )

جعفر(عليه السلام)، عن آبائه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت».(1)

ب. روى أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:

«أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها».(2)

ج. روى الصفار في «بصائر الدرجات»، عن أبي شعيب الحداد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أنا أوّل قادم على اللّه، ثمّ يقدم عليّ كتاب اللّه، ثمّ يقدم عليّ أهل بيتي، ثمّ يقدم عليّ أُمّتي فيقفون فيسألهم: ما فعلتم في كتابي وأهل بيت نبيّكم».(3)

د. روى القمي في تفسيره، عن جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت: قول اللّه: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعيم) ؟ قال: «تسأل هذه الأُمّة عمّا أنعم اللّه عليهم برسول اللّه، ثمّ بأهل بيته».

هـ. رو(4)ى الصدوق في «عيون أخبار الرضا»، عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي! إنّ أوّل ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه وأنّك وليُّ المؤمنين بما جعله اللّه وجعلته لك، فمن أقرّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له».(5)


1 . البحار:7/258، باب محاسبة العباد، الحديث1. ولاحظ الأحاديث: 3، 11و 31.

2 . البحار:7/267، باب محاسبة العباد، الحديث33.

3 . البحار:7/265، باب محاسبة العباد، الحديث22.

4 . البحار:7/272، باب محاسبة العباد، الحديث39.

5 . البحار:7/272 باب محاسبة العباد، الحديث41.


( 258 )

النعم الدنيوية والسؤال عنها في لسان الروايات

من البحوث المتعلّقة بالحساب يوم القيامة والتي ذكرت في الروايات بحث النعم الإلهية الدنيوية، ويمكن تصنيف تلك الروايات إلى طوائف، هي:

1. السؤال عن جميع النعم الدنيوية، حلالها وحرامها.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا المجال:

«فِي حَلالِها حِسابٌ وَفي حَرامِها عِقابٌ».(1)

وقال أيضاً:

«اتَّقُوا اللّهَ في عِبادِهِ وَبِلادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتّى عَنِ الْبِقاعِ وَالبَهائِمِ».(2)

2. يسأل عن كلّ شيء سوى ما بذل في سبيل اللّه، قال:

«كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل اللّه».(3)

3. أنّ الإنسان لا يُسأل عن ثلاثة أُمور:

أ. لا يسأل عن الطعام الذي أكله.

ب. والثوب الذي لبسه.

ج. والزوجة الصالحة.

روى الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهنّ: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن فرجها».(4)


1 . نهج البلاغة: الخطبة82.

2 . نهج البلاغة: الخطبة167.

3 . بحار الأنوار:7/261، باب11، الحديث10.

4 . بحار الأنوار:7/265، باب11، الحديث23.


( 259 )

ونحن إذا حللنا الروايات وفسّرناها بإمعان تتّضح لنا النكات التالية:

النكتة الأُولى: انّ الرواية الثانية واضحة جداً، لأنّها تؤكد أنّ الإنسان لا يُسأل عن النعم التي تبذل في سبيل اللّه سبحانه، ولا تقع تلك النعم موضوعاً للمساءلة والعقاب والمؤاخذة.

النكتة الثانية: كذلك الأمر بالنسبة إلى الرواية الثالثة فإنّها أيضاً واضحة حيث تؤكّد أنّ بعض الأُمور لا يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وذلك لأنّ هذه الأُمور المستثناة تمثّل في الواقع اللطف والكرم الإلهي والرحمة الإلهية والتي تتوقف عليها ضرورة الحياة.

النكتة الثالثة: وحينئذ يمكن معرفة المستثنيات من عموم الرواية الأُولى الدالّة على شمولية الحساب لكلّ شيء، وهذا الشمول يمكن تصوّره في أمرين:

1. السؤال عن كلّ شيء سواء أُنفق في سبيل اللّه أو أُنفق في غير سبيل اللّه.

2. ولا فرق بين العمل الصادر من المؤمن أو من غير المؤمن.

وبما أنّ هذين القسمين قد ورد، في الروايتين الثانية والثالثة، استثناؤهما من المحاسبة والمؤاخذة والعقاب، وبالنتيجة انّ المعنى الكلّي والعام للطائفة الأُولى يخصّص بالمستثنيات الواردة في الروايات الأُخرى.(1)


1 . منشور جاويد:9/285ـ 291.


( 260 )

108

الحساب التكويني والتدويني

سؤال: ما المقصود من الحساب التكويني والتدويني؟

الجواب: انّ مصطلح «الحساب» الوارد في القرآن الكريم استعمل في معنيين هما:

1. الحساب التكويني.

2. الحساب التدويني.

الحساب التكويني

المراد من الحساب التكويني أنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق عالم الكون على أساس سلسلة من القوانين التي لاتتخلّف، وعلى أساس حسابات دقيقة لا تخطأ، كحركة الشمس والقمر وبزوغ الكواكب ومهب الرياح وهطول الأمطار واخضرار الأشجار والنباتات ونمو وتوالد الموجودات الحيّة، وبكلمة واحدة، انّ كلّ حوادث ووقائع العالم تخضع لقانون ومحاسبات دقيقة جداً.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث قال سبحانه:


( 261 )

(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبان) (1).(2)

ثمّ إنّ هذا النظام وتلك المحاسبات لا تختص بالظواهر الكونية فقط، بل انّ الحوادث والتحوّلات والوقائع التي تتعلّق بحياة الإنسان الفردية أو الاجتماعية تخضع لذلك القانون وتشملها تلك الحسابات، وهذا ما عبّر عنه في القرآن الكريم بمصطلح«سنّة اللّه».(3)

فأعمال الإنسان ـ حسنها وسيئها ـ تؤثر تأثيراً فاعلاً في مصير الإنسان على المستوى الفردي أو الاجتماعي، وتكون سبباً لانحطاطه أو تكامله، شقائه وسعادته، انهزامه ونصره و....

ثمّ إنّ هذه السنّة لا تختص بحياة الإنسان الدنيوية، بل تجري في حياته الأُخروية وفي العالم الآخر، وانّ الإنسان يحصد في عالم الآخرة ما يزرعه في هذه الدنيا «الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ»، وانّ قانون الثواب والعقاب الأُخروي ووفقاً للكثير من الآيات يقوم على هذا الأساس المتين.

فإذاً بناءً على نظرية الحساب التكويني تكون شمولية الحساب وعموميته من الأُمور البديهية والواضحة، لأنّ جميع الناس من المؤمنين والمشركين والمتّقين والمجرمين، وبالتعبير القرآني: المقربون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال كلّهم يحاسبون على أعمالهم وما اقترفوه في هذه الدنيا، وينال كلّ منهم جزاءه أو ثوابه.


1 . الرحمن:5.

2 . انظر الآيات38و 39 و 40 من سورة يس.

3 . انظر الأحزاب:38 و 62، فاطر:43، غافر:85، الفتح:23، الإسراء:77.


( 262 )

الحساب التدويني

النوع الآخر من الحساب هو الحساب التدويني، وهو النمط المعروف والرائج في أوساط العقلاء من الناس في حياتهم الاعتيادية، فلكلّ إنسان أو جماعة يقومون بعملية إحصاء ومحاسبة دقيقة لوارداتهم وصادراتهم، دخلهم ومصرفهم، ونفعهم وخسارتهم، ويبنون حياتهم على أساس نتائج تلك الحسابات.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى المحاكم وديوان المحاسبات التي تشرف على مؤسسات الدولة فانّها تخضع تلك المؤسسات والموظفين فيها إلى مراقبة ومحاسبة مالية دقيقة لتعلم جيداً انّ الأموال التي حوّلت إليهم هل صرفت في مجالاتها المخصصة لها بصورة صحيحة أم لا؟ وكذلك مراقبة النظام الإداري من ناحية وقت العمل، وكيف يقضي العاملون ساعات الدوام الإداري.

الذي يظهر أنّ الحساب في عالم الآخرة هو من قبيل الحساب التدويني ولكن بنحو ونمط آخر، بمعنى أنّ اللّه سبحانه خلق العالم وخلق الإنسان ومنحه تلك الثروة العظيمة من الحياة والنعم الوافرة ليستفيد منها ورسم لهم منهجاً وأمره بالسير على وفقه، ولذلك سيوقفه يوم القيامة أمام محكمة العدل ليحاسبه عن كلّ النعم التي وهبها له وعن حياته والمنهج الذي سار عليه. وكيف استفاد من تلك الثروة العظيمة، ويكون حسابه قائماً على أساس قانون إلهي، وتنشر صحائف الأعمال وتفتح الكتب التي دوّنت أعمال العباد حسنها وقبيحها، وهذا ما أشارت إليه الآية القرآنية الكريمة:(فَأمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ* فَسَوفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً).(1)


1 . الانشقاق:7ـ8.


( 263 )

وهناك طائفة أُخرى تتلقّى كتابها بشمالها فتكون عاقبتها الخيبة والخسران والندامة والذل والمسكنة والحياء والخجل من ذلك المصير الأسود والمشؤوم، وحينئذ تتمنّى لو أنّها لم تر صحيفة أعمالها السيئة تلك ، يقول سبحانه:

(وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَني لَمْ أُوتَ كِتابيَهْ)(1). (2)


1 . الحاقة:25.

2 . منشور جاويد:9/293ـ 298.


( 264 )

109

مواقف القيامة

سؤال: ما المقصود من مواقف يوم القيامة وعقباتها؟

الجواب: لقد أشارت الروايات إلى أنّ ليوم القيامة مواقف وعقبات متنوّعة ومختلفة يقف المجرمون والمذنبون في كلّ واحدة منها ألف سنة من سنيّ الدنيا، ولذلك لابدّ من التركيز على هذه القضية لمعرفة حقيقة ذلك.

ولابدّ من إلفات النظر إلى أنّ المتكلّمين المسلمين قد أطلقوا على هذه المواقف: مصطلح «القنطرة» تارة، ومصطلح «العقبة» تارة أُخرى، ومن الواضح أنّ المتكلّمين قد أخذوا ذلك الاصطلاح من الآيات والروايات الواردة في هذا المجال.

إنّ مصطلح «الموقف» بمعنى محل الوقوف، ومصطلح «القنطرة» بمعنى «الجسر»، ومصطلح «العقبة» بمعنى الحاجز والعائق.

يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته المعروفة لولده الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام):

«وَاعْلَمْ أَنَّ أَمامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً،الْمُخِفُّ فِيها أَحْسَنُ حالاً مِنَ الْمُثْقِلِ، وَالمُبْطِئُ عَلَيْها أَقْبَحُ حالاً مِنَ الْمُسْرِع، وَأنّ مَهْبِطَكَ


( 265 )

بِها لا مَحالَةَ إِمّا عَلى جَنَّة أَوْ عَلى نار...».(1)

مواقف القيامة من وجهة نظر المتكلّمين المسلمين

لقد مرّ بعض المتكلّمين المسلمين على هذه المسألة مروراً سريعاً وبنحو الإجمال ولم يولوها أهمية كبيرة، ولكن علمين كبيرين من أعلام الشيعة الكبار قد اهتما بهذه المسألة اهتماماً خاصاً، فكان لكلّ واحد منهما نظرية خاصة في هذا المجال، وهذان العلمان هما: «الشيخ الصدوق المتوفّى 381هـ» و« الشيخ المفيد المتوفّى 413هـ»، وهانحن نعرض هاتين النظريتين ليطّلع عليها القرّاء الكرام.

العقبات عند الشيخ الصدوق

إنّ للشيخ الصدوق(قدس سره) تفسيراً ونظرية خاصة في المجال تنطلق من منهجه الذي اعتمده في دراسة باقي المسائل، وهو منهج الاعتماد على ظواهر الآيات والروايات حيث قال(قدس سره):

اعتقادنا في العقبات التي على طريق المحشر انّ لكلّ عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض وكان قد قصّر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق اللّه فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه


1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل والوصايا، رقم 31، ط. صبحي الصالح.


( 266 )

أو برحمة تداركه نجا منها إلى عقبة أُخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كلّ عقبة فيسأل عمّا قصّر فيه من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيا حياة لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً، وسكن في جوار اللّه مع أنبيائه وحججه والصدّيقين والشهداء والصالحين من عباده، وإن حبس على عقبة فطولب بحقّ قصر فيه فلم ينجه عمل صالح قدّمه ولا أدركته من اللّه عزّ وجلّ رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم ـ نعوذ باللّه منها ـ وهذه العقبات كلّها على الصراط، اسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من بعده(عليهم السلام)، فمن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأت بها بقي فهوى، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ:(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون)، وأهم عقبة منها المرصاد وهو قول اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) .(1)

ويقول عزّ وجلّ:وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم، واسم عقبة منها الرحم، واسم عقبة منها الأمانة، واسم عقبة منها الصلاة، وباسم كلّ فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل.(2)

ولقد حذر الإمام علي(عليه السلام) الظالمين بقوله:«وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللّهُ الظّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَهو لَهُ بِالْمِرصادِعَلى مَجازِ طَريقِهِ» .(3)

وكما قلنا:إنّ نظرية المرحوم الشيخ الصدوق في خصوص «مواقف القيامة وعقباتها» في واقعها تلخيص لما ورد في الروايات في هذا المجال، وها نحن نذكر نماذج من تلك الروايات:

1. روى الصدوق في أماليه عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال:«لمّا نزلت هذه الآية:(وجيء يومئذ بجهنّم)سئل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخبرني الروح الأمين أنّ اللّه ـ لا إله غيره ـ إذا جمع الأوّلين و الآخرين أُتي بجهنّم تقاد بألف زمام....

ثمّ يوضع عليها صراط أدقّ من حدّ السيف عليه ثلاث قناطر: أمّا واحدة


1 . الحجر:14.

2 . بحار الأنوار:7/128، الحديث11.

3 . نهج البلاغة: الخطبة71.


( 267 )

فعليها الأمانة والرحم، وأمّا الأُخرى فعليها الصلاة، وأمّا الأُخرى فعليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره; فيكلّفون الممرّ عليه فتحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين جلّ وعزّ، وهو قوله تبارك وتعالى:(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) والناس على الصراط فمتعلّق، وقدم تزل، وقدم تستمسك، والملائكة حولهم ينادون: يا حليم اغفر واصفح وعد بفضلك وسلّم وسلّم، والناس يتهافتون فيها كالفراش، وإذا نجا ناج برحمة اللّه عزّ وجلّ نظر إليها فقال: الحمدللّه الذي نجّاني منك بعد أياس بمنّه وفضله، إنّ ربّنا لغفور شكور».(1)

2. روى الصدوق(قدس سره) في «ثواب الأعمال» عن الإمام الصادق(عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) أنّه قال: «قَنْطَرةٌ عَلَى الصِّراطِ لا يَجُوزُها عَبْدٌ بِمَظْلَمَة».(2)

3. روى ابن عباس في تفسير قوله:(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) قال:إنّ على جسر جهنم سبع محابس: يسأل العبد عند أوّلها عن شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحجّ، فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلاّ يقال: انظروا، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.(3)


1 . بحار الأنوار:7/125، الحديث 11و ج8/65، الباب22، ح2.

2 . بحار الأنوار:8/66.

3 . بحار الأنوار:8/64.


( 268 )

ومن الواضح أنّ ظاهر الروايات المذكورة وغيرها يدلّ على أنّ في يوم القيامة توجد مواقف وقناطر نصبت على الصراط وفي كلّ موقف من هذه المواقف يسأل الإنسان عن فريضة من الفرائض الإلهية، هذه هي نظرية الشيخ الصدوق(قدس سره).

نظرية الشيخ المفيد

من المعروف أنّ الشيخ المفيد(قدس سره) اعتمد المنهج العقلي بصورة أكثر في المباحث الكلامية، وسلك ذلك الطريق في تفسيره لتلك المسائل الكلامية، وحاصل كلامه في شرحه لكلام الصدوق(قدس سره):

إنّ المراد من العقبات هي الفرائض، فيسأل الإنسان عنها، دون أن يكون في البين جبال وعقبات يعبرها الإنسان حتّى يصل إلى الجنة أو النار، وإنّما سمّيت الفرائض بالعقبات لأنّ إطاعتها لا تخلو من صعوبة ومشقة.(1)

ثمّ أضاف(قدس سره): وليس كما ظنّه الحشوية من أنّ في الآخرة جبالاً وعقبات يحتاج الإنسان إلى قطعها ماشياً وراكباً، وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمّى بالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغيرها من الفرائض يلزم الإنسان أن يصعدها، فإن كان مقصراً في طاعة اللّه، حال ذلك بينه و بين صعودها، إذ كان الغرض في القيامة المواقفة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب، وذلك غير مفتقر إلى تسمية عقبات، وخلق جبال وتكليف قطع ذلك وتصعيبه أو تسهيله، مع أنّه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه.(2)


1 . وعلى هذا الأساس لا يمكن الجمود على ظواهر الروايات، بل حمل هذه التعابير على نحو التشبيه والتمثيل لتقريب الحقائق غير المحسوسة التي لا يمكن إدراكها.

2 . بحار الأنوار:7/129.


( 269 )

ويدلّ على صحّة ما ذكره المفيد هو أنّه سبحانه سمّى بعض الفرائض بالعقبات، فقد سمّى فك الرقبة أو الإطعام في يوم المسغبة عقبة، فقال سبحانه:

(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَة* أَوْ إِطْعامٌ في يَوْم ذي مَسْغَبَة *يَتيماً ذا مَقْرَبَة *أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة).(1)

والّذي يلاحظ المنهج القرآني يرى أنّه يعتمد كثيراً على أُسلوب التمثيل والتشبيه لبيان وتفهيم المعارف العميقة والتعاليم العالية، ومن خلال هذا المنهج يسهل على الأذهان المتوسطة إدراك وفهم تلك المفاهيم العميقة والمفاهيم العالية.

وإنّ بحث ودراسة هذه الآيات التمثيلية خارج عن مجال بحثنا هنا، وهو بحاجة إلى بحث مستقل.

وإنّ الآية المذكورة هي إحدى الآيات التمثيلية التي وردت في القرآن الكريم، حيث تشبّه لنا الحقائق غير المحسوسة بالأُمور المحسوسة، إذ انّ الجميع على علم بالجبال وقممها والسلاسل صعبة العبور ويدركون شدّة الصعاب التي تواجه الإنسان في محاولة العبور منها واجتيازها للوصول إلى الأهداف والمقاصد الدنيوية، ومن هذا المنطلق يؤكّد القرآن الكريم على حقيقة أنّ نيل المقاصد الأُخروية السامية مقرون باجتياز مجموعة من العقبات وتحمّل المشاكل والمحن، وانّ الوصول إلى الهدف متوقّف على الالتزام بالقوانين والأحكام الإلهية، وبما أنّ رعاية الأحكام الإلهية في الحقيقة تتصادم وتتضاد مع الميول والشهوات النفسية، ولذلك يكون العبور منها يشبه إلى حدّ كبير العبور واجتياز العقبات الطبيعية من الجبال والأنهار و...، ولذلك فالإنسان الذي يوفّق في الحياة الدنيا لعبور العقبات من خلال الالتزام بالقوانين الإلهية والأحكام والدساتير الشرعية بصورة كاملة،


1 . البلد:11ـ 16.


( 270 )

فإنّه بلا شكّ سوف يتجاوز العقبات في العالم الآخر، ويسهل عليه «الحساب» يوم القيامة.

والشاهد على ذلك الآيات التالية حيث يقول سبحانه:

(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ* أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ*وَالَّذينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ).(1)

وحصيلة المعنى بعد جمع الآيات الواردة في سورة البلد، هو انّ شقاء الإنسان وسعادته في الآخرة رهن عبور تلك العقبات، وما هي إلاّ فك الرقبة أو إطعام الأيتام والفقراء والمساكين والأمر بالصبر والمرحمة، إلى غير ذلك من الفرائض، فينتهي أمره إلى أن يكون من أصحاب الميمنة، كما أنّ عكسه ينتهي إلى أن يكون من أصحاب المشئمة، دون أن تكون هناك عقبات ومنعرجات صعبة العبور يؤمر أهل المحشر بطيّها وعبورها.و يدلّك على صحّة ما ذكره الشيخ المفيد أنّ طي العقبات الدنيوية رهن الكفاءات الذاتية، دون العقبات الأُخروية فإنّها رهن الإيمان والعمل الصالح، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ العقبات كناية عن العمل بالفرائض التي يتوقّف العمل بها على الصبر والإيمان الراسخ باللّه والصبر على طاعته.(2)


1 . البلد:17ـ 20.

2 . منشور جاويد:9/309ـ 316.


( 271 )

110

ميزان الأعمال

سؤال: من الأُمور التي تمّ التأكيد عليها في آيات الذكر الحكيم هو وجود ميزان للأعمال يوم القيامة ما هي حقيقة ذلك الميزان؟

الجواب: من الأُمور التي تتعلّق ببحث يوم القيامة بحث ميزان الأعمال، وأنّ أعمال العباد الحسنة والسيئة توزن ويحاسب عليها، وحينئذ يطرح الكلام الذي جاء في متن السؤال وانّه ما هي حقيقة هذا الميزان، وما هي واقعية ذلك التوزين، وبأيّ نحو تتم؟

من المسلّم به أنّه يوجد في ذلك العالم «ميزان»، وأنّ هذا الأمر من الأُمور المنصوصة، حيث أكّد الوحي وجود ذلك، كذلك اتّفقت الروايات وكلمات المتكلّمين عليه، إذاً مسألة «الميزان» من المسائل التي لا يمكن إنكارها أبداً، فلنستعرض أوّلاً الآيات الواردة في هذا المجال.

ومن الملاحظ أنّ الآيات الواردة هنا يمكن تقسيمها إلى طائفتين: طائفة منها تؤكّد أصل وجود «الميزان» و «التوزين»، والطائفة الأُخرى التي تشير إلى بيان النتيجة المترتبة على ذلك.


( 272 )

وإليك الآيات من الصنف الأوّل:

1. (وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ).(1)

فكلمة «الموازين» في الآية جمع «الميزان»، وهذا يعني أنّ الموازين تنصب يوم القيامة، وقد وصفت هذه الموازين بأنّها تمثّل وتظهر العدل والحكم الإلهي.(2)

وبالنتيجة: انّ الآية ناظرة إلى إثبات أصل وجود الميزان في يوم القيامة.

وأمّا الآيات التي تشير إلى نتيجة إقامة الموازين يوم القيامة فهي:

2. (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ) .(3)

3. (فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ* فَهُوَ في عيشَة راضِيَة* وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ* فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ) .(4)

4.(...الْوَزْنُ يَومَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) .(5)


1 . الأنبياء:47.

2 . انّ لفظ(القسط) يمكن أن يكون عطف بيان بالنسبة إلى «الموازين»، كذلك يمكن أن يكون صفة له على تقدير الإضافة لكلمة مقدّرة هي «ذوات» بمعنى أنّ الموازين ذوات القسط، وكأنّ الميزان ينقسم إلى قسمين:

ميزان يقوم على أساس العدل، وميزان يقوم على خلاف العدل، ولذلك وصف الوحي انّ هذه الموازين بالقسط لكي يذكرنا أنّ هذه الموازين علامة للقسط والعدل الإلهي.

3 . المؤمنون:102ـ 103.

4 . الرعد:6ـ9.

5 . الأعراف:8ـ9.


( 273 )

5. (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً).(1)

إلى هنا اطّلعنا على الآيات التي تشير إلى أصل وجود الميزان والنتيجة المترتّبة على نصب الموازين يوم القيامة، وحان الوقت للبحث عن حقيقة ذلك الميزان وماهيته في ذلك العالم الآخر ما هو؟

ويكون البحث في هذا المجال في محورين:

1. نظرية المفسّرين والمتكلّمين في بيان الميزان.

2. الميزان من وجهة نظر الآيات القرآنية.

الميزان يوم القيامة كموازين الدنيا

ذهبت طائفة من متكلّمي المعتزلة وقاطبة أهل الحديث إلى تفسير «الميزان» تفسيراً حرفياً وتمسّكوا بالظهور التصوّري حيث قالوا: إنّه ينصب يوم القيامة ميزان كموازين الدنيا وتوضع الأعمال الصالحة في كفّة منه و الطالحة في الكفّة الأُخرى، فيوزن، فلو رجحت كفّة الأعمال الصالحة فهو سعيد وإلاّ فهو شقي.(2)

إنّ هذا التفسير يُعدّ من قبيل التفسير الحرفي الذي يفتقر إلى الإمعان والتدبّر في المعنى، وذلك لأنّ للكلام ظهورين: ظهور تصوّري بدوي، والآخر تصديقي يدرك من خلال القرائن الحافّة بالكلام، ومن الواضح أنّ النوع الأوّل «التفسير الحرفي» لا قيمة له في مجال التفسير وتحديد المفاهيم القرآنية.

وأمّا الطائفة الثانية من المتكلّمين فقد اعترضت على هذا التفسير وأوردت


1 . الكهف:105.

2 . انظر كشف المراد:297، ط. مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).


( 274 )

عدّة إشكالات على تلك النظرية، ومن جملة تلك الإشكالات، الإشكال التالي: انّ الأعمال من مقولة الأعراض، ومن المعلوم أنّ الأعراض تفتقد الثقل فكيف توزن؟

وفي الحقيقة إذا كان الإشكال الوارد على هذه النظرية ينحصر في هذا الإشكال فقط، فهو قابل للدفع، إذ بإمكان أصحاب النظرية دفعه بأن يقولوا:

إنّ المراد هو توزين صحائف الأعمال، أو جعل الحسنات أجساماً نورانية والسيئات أجساماً ظلمانية.

ولكن في(1) الحقيقة أنّ سبب وهن النظرية وعدم ثباتها انّها في الحقيقة تمثّل نظرة سطحية وساذجة لآيات الذكر الحكيم وتعتمد اعتماداً كليّاً وواضحاً على الظهور الحرفي والتصورّي للكلام، ومن الواضح أنّ هذا المنهج لا قيمة علمية له. بل اللازم هو جمع القرائن الحافّة بالكلام وإمعان النظر في الآية والبحوث الأُخرى ثمّ الحصول على الظهور التصديقي للآية واعتماده محوراً للحكم والتفسير. ولتقريب الفكرة نستعين بذكر المثال التالي:

من المتداول على الألسن للتعبير عن الجود والسخاء أن يقال: «فلان باسط اليد ولا يغلق بابه»، ومن الواضح أنّ هذه الجملة تشتمل على ظهورين:

أ. الظهور البدوي والتصوّري وهو: كون يده المحسوسة مبسوطة لا تجمع وانّ باب بيته لا يغلق لعدد من الأسباب والعلل.

ب. الظهور التصديقي وهو: انّ هذا الإنسان كثير العطاء والسخاء والجود، وانّ بابه مفتوح للضيوف والمارة، وانّه يمد يد العون للمحتاجين والمعوزين دائماً.

ولا ريب أنّ التفسير الأوّل غير صحيح قطعاً فلابدّ من حمل الجملة على


1 . شرح المقاصد:3/223، ط. آستانه.


( 275 )

المعنى الثاني وتفسيرها وفقاً له، ولا يحق لأحد أن يدّعي أنّ هذا النوع من التفسير لا يصحّ، لأنّه نوع من التأويل الباطل، كذلك لا يصحّ لنا التهرّب من تفسير المفاهيم القرآنية والمعارف الإلهية، مثل «الميزان» و «الصراط» وأمثالها تحت ذريعة انّ هذا التفسير هو من قبيل التأويل ونصرف النظر عن الظهور التصديقي للآيات كما فعل أصحاب الحديث.

إنّ آفة تفاسير أهل الحديث تكمن في أنّهم لم يضعوا حدّاً مائزاً بين الظهور التصوّري والتصديقي . وبعبارة أُخرى: بين الظهور البدوي والاستمراري، وتمسّكوا بالظهورات التصورية التي تزول بأدنى تأمّل.

الميزان هو العدل الإلهي

بسبب الإشكالات الواردة على النظرية السابقة ذهب البعض إلى نظرية أُخرى، وهي: أنّ المراد من الميزان هو العدل الإلهي، وانّ اللّه تعالى سيقضي بين عباده بالعدل والقسط يميّز من خلالهما بين المطيعين والعاصين،والمؤمنين والكافرين. وينال كلّ واحد منهم جزاءه الذي يستحقّه.

لا شكّ أنّ اللّه تعالى يحكم يوم القيامة بين عباده بالعدل والقسط، ولكن الكلام هنا في حقيقة «الميزان» هل أنّ حقيقة الميزان تتلخّص في ذلك، أي في الحكم العدل، أم أنّ للميزان بالإضافة إلى ذلك حقيقة أُخرى يمكن إدراكها واستنباطها من آيات الذكر الحكيم؟

فالخلاصة: أنّ النظرية الأُولى باطلة قطعاً، وأنّ النظرية الثانية لا تبيّن حقيقة «الميزان» كما هي، بل تبيّن نتيجة الميزان دون أن تشير إلى واقعه، وانّه بعد ما يتم التوزين يتعامل سبحانه بالعدل والقسط، وهذا الأمر في الحقيقة يحتاج إلى وسيلة لتبيين حال العباد المطيعين والعاصين، فلابدّ قبل القضاء والتعامل من أداة تبيّن


( 276 )

حال العباد من الطاعة والعصيان، حتّى تصل النوبة إلى قضائه سبحانه.

فما هي تلك الأداة التي تكون معياراً لكثرة الطاعات أو قلّتها؟

ولبيان وإجلاء حقيقة «الميزان» في العالم الآخر لابدّ من الإشارة إلى مقدّمتين، هما:

ألف: الميزان واستعمالاته في القرآن

إنّ لفظ «الميزان » بالرغم من أنّه ليس له إلاّ معنى واحد وهو الآلة التي يوزن بها، مع ذلك كلّه وردت في القرآن الكريم له تطبيقات مختلفة منها:

1. الوسيلة التي يوزن بها المتاع

قال تعالى:(وَيا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ...)(1) .(2)

2. الانسجام والنظم السائدة

تارة يطلق لفظ الميزان على النظم السائدة في عالم الخلق والتي تكون سبباً لثباته واستقامته حيث قال سبحانه:

(وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ) .(3)

ومن الواضح أنّ قوله تعالى: (وَالسَّماءَ رَفَعَها) قرينة على أنّ المراد من «الميزان» هو منح النظام الذي قامت على أساسه السماوات والأرض، فالمنظومة


1 . هود:85.

2 . ورد في نفس المضمون; الآية 152 من سورة الأنعام، و85 من الأعراف و 84 من سورة هود و9 من الرحمن.

3 . الرحمن:7.


( 277 )

الشمسية قائمة على أساس التعادل والموازنة، ومعتمدة على قانون الجاذبية بحيث لو اختلّ ذلك القانون لانفرط عقد هذه المنظومة وغيرها من المنظومات الأُخرى.

3. الميزان هو التشريعات والقوانين العادلة

لقد أطلق القرآن الكريم لفظ «الميزان» على القوانين والتشريعات العادلة التي تقنّن حياة الإنسان وترسم له مسير حياته وتنشر العدل والقسط في المجتمع حيث قال سبحانه:

(...وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ...).(1)

فالمراد من «الميزان» بقرينة قوله تعالى: (أَنْزَلْنا) هو التشريع السماوي الذي أنزله سبحانه بإنزال كتابه، ويحتمل أن يكون المراد من «الميزان» هو قضاء العقل الحصيف، ولا شكّ أنّ ذلك منزل كباقي النعم الإلهية والرحمة الإلهية التي من ضمنها الحديد الذي عبّر عنه سبحانه بقوله:(وَأَنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَديدٌ).(2)

هذه بعض التطبيقات التي ذكرها القرآن الكريم لكلمة «الميزان».

ب. لكلّ شيء ميزان خاص به

إنّ الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم لتصف يوم القيامة ومشاهده، لها مصاديق مختلفة ومتنوعة، فبعضها لنا معرفة به في هذا العالم، ولكن ذلك لا يسمح لنا أن ندّعي أنّ مصاديقها واحدة، بمعنى أنّ ما هو موجود في الدنيا هو عينه موجود في الآخرة،ومن هذه الألفاظ كلمة «الميزان»، فإنّ لها معنى عرفياً واضحاً،


1 . الحديد:25.

2 . الحديد:25.


( 278 )

وهو الوسيلة التي يوزن بها المتاع والأشياء، ولكن هل انّ حقيقة الميزان و واقعيته تنحصر بهذا الميزان ذي الكفتين؟ أو أنّ ذلك يمثّل أحد مصاديق «الميزان» الذي ظلّ البشر ولفترة طويلة يستعمله قبل الثورة الصناعية والتطوّر العلمي حيث ظهرت مصاديق أُخرى للميزان تختلف اختلافاً جوهرياً مع الميزان السابق، فقد تطوّر العلم وأحدث وسائل للقياس والوزن بحيث توزن فيها أشياء لا يمكن بحال من الأحوال وزنها وقياسها بالميزان القديم أبداً، مثل وسائل قياس درجات الحرارة والماء والكهرباء والهاتف وضغط الدم وكيفية نبض القلب، وغير ذلك من الأُمور الدقيقة والحسّاسة جداً، بل قفز الإنسان قفزة كبيرة من خلال صناعة الحاسوب الذي استطاع من خلاله أن يزن أدق الأُمور وأخفاها وبيان الصحيح منها من الخاطئ .

على هذا الأساس يمكن القول: إنّ لكلّ شيء ميزاناً خاصاً يناسبه وليس الميزان منحصراً بماله كفّتان، وانّ الإنسان كلّما تطوّر علمياً وتكنولوجيّاً اخترع من وسائل الوزن ما تدهش العقول وجعل لكلّ شيء ميزاناً يناسبه.

ثمّ إنّنا إذا نظرنا إلى علم المنطق مثلاً نجده يُعدّ ميزاناً لتشخيص الأفكار الصحيحة والخاطئة والفصل بينهما، وكذلك القضايا البديهية والقريبة من البديهية فانّها ميزان للفصل بين الحقّ والباطل في (التصديقيات).

بناء على هذا الأصل لا يمكن تفسير «الميزان» في عالم الآخرة بما في الحياة الدنيا من وسائل «الوزن» و «القياس»، أو تفسيرها بالعدل الإلهي، بل أنّ مقتضى الاحتياط والتحرّز في بيان المعارف والمفاهيم الإسلامية أن نقول: إنّ الميزان المنصوب في يوم القيامة شيء أعظم ممّا توصل إليه العقل البشري يعلم به صالح الأشياء و طالحها والمحسن و المسيء.

فالخلاصة: انّنا نؤمن بوجود وسيلة للقياس والوزن يوم القيامة ولكنّها وسيلة


( 279 )

لها عظمتها الخاصة وأفضليتها وكمالها وإن كان الإنسان الذي لم تنفتح له الآفاق على عالم الغيب يجهل حقيقتها وكنهها ولم يتّضح له محتواها.

نماذج من موازين يوم القيامة

بعد الاعتراف بأنّنا نجهل كنه وحقيقة الميزان يوم القيامة ـ و إن كنّا نعلم بأصل وجوده ـ ولكن يمكن لنا أن نستعين بالآيات الكريمة والروايات الشريفة لتزيح لنا الستار عن جانب من تلك الحقيقة المبهمة وليتّضح لنا حقيقة الميزان يوم القيامة بنحو من الأنحاء.

1. يقول سبحانه وتعالى:

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ) .(1)

ولقد اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية وكيفية إعرابها إلى أقوال مختلفة ومتنوعة، نذكر منها ثلاثة احتمالات:

الأوّل: أنّ الوزن مصدر بمعنى التوزين، وهو مبتدأ خبره الحق، والمراد أنّ توزين الأعمال ومحاسبتها أمر حق لا سترة فيه.

الثاني: أنّ الوزن بمعنى الميزان، أي ما يوزن به، ويكون المراد أنّ ما يوزن به هو الحقّ، فالحقّ هو الذي يعرف به حقائق الأعمال عند قياسها إليه، فكلّ عمل تمتع بقسط وافر من الحقّ ثقّل الميزان عندئذ في مقابل عمل لا يتمتع بقسط من الحقّ أو يتمتع بشيء قليل فيخفّف ميزانه. فيصبح الحق مثل الثقل في الموازين


1 . الأعراف:8ـ9.


( 280 )

العرفية، غير أنّ الثقل فيها يوضع في كفّة والمتاع في كفّة أُخرى.

وأمّا الحقّ فلا يكون شيئاً منفكّاً عن العمل، بل بمقدار ما يتمتع به ترجح كفّته.

الثالث: أنّ الحقّ بمنزلة الثقل في الموازين العرفية، ويكون له تجسّم واقعي يوم القيامة، فبمطابقته وعدمها يعرف صلاح الأعمال عن غيرها.

والفرق بين الثاني والثالث واضح، فإنّ الحقّ على المعنى الثاني يكون داخلاً في جوهر الأعمال بمقدار ما يوصف به العمل من الحقّ، وأمّا الاحتمال الثالث فالحقّ بالذات هو الموجود المجسَّم يوم القيامة، ولا يعلم صلاح الأعمال عن ضدّها، إلاّ بعرضها على الحقّ المجسَّم، فبمقدار ما يشبهه ويناسبه يكون موصوفاً بالحقّ، دون ما لم يكن كذلك فيوصف بالباطل.

وهذا المعنى الثالث هو المستفاد من بعض الروايات، قال الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله: (وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ) :«هم الأنبياء والأوصياء»(1)، ولعلّ أعمال كلّ أُمّة تعرض على أنبيائهم فبالمطابقة مع أعمالهم ومخالفتها معهم يعلم كونه سعيداً أو شقياً، ويؤيد ذلك ما نقرأه في زيارة الإمام أميـرالمـؤمنيـن(عليه السلام) حيـث ورد فيها: «السَّـلامُ عَلى يَعْسُـوبِ الإِيمـانِ وَ ميـزانِ الأَعْمالِ».(2)

وكأنّ الإمام أمير المؤمنين حقّ مجسّم، فمن شابهه فهو ممّن ثقلت موازينه، ومن لم يشابهه فهو ممّن خفّت موازينه.

وإن شئت قلت: إنّ الإنسان المثالي أُسوة في الدنيا والآخرة يميّز به الحقّ


1 . بحار الأنوار:7/249، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث6.

2 . مفاتيح الجنان، الزيارة الرابعة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).


( 281 )

عن الباطل، بل الطيب عن الخبيث، وهذا أمر جار في الدنيا والآخرة.

وبذلك تقف على إتقان ما روي عن الإمام زين العابدين(عليه السلام)، وقد قال فيما كان يعظ به الناس: «ثمّ رجع القول من اللّه في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب، فقال عزّ وجلّ:(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمين).(1)

فإن قلتم: أيّها الناس، إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما عني بهذا أهل الشرك فكيف ذلك، وهو يقول:

(وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ).(2)

واعلموا عباد اللّه أنّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنّما يحشرون إلى جهنم زمراً، وإنّما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام».(3)

ويؤيد ذلك ما نقل عن الإمام السجاد(عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق».(4)

وبما أنّ حسن الخلق من أبرز صفات الأنبياء، فمن تمتّع به فهو أشبه بالأنبياء من غيره، فيكون عمله عملاً قيّماً له أثره الخاص.

نماذج من كلمات المفكّرين والعلماء

وفي ختام البحث نشير إلى بعض كلمات أصحاب الاختصاص من العلماء،


1 . الأنبياء:46.

2 . الأنبياء:47.

3 . بحار الأنوار:7/250، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد ، الحديث8.

4 . بحار الأنوار:7/249، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث7.


( 282 )

كالغزالي والفيض الكاشاني وغيرهم.

وللمحقّق الكاشاني كلام في تفسير الملكين المعروفين بمنكر ونكير يناسب ذكره في المقام لصلته بما ذكرنا، يقول:

ويخطر بالبال انّ المنكر عبارة عن جملة الأعمال المنكرة التي فعلها الإنسان في الدنيا فتمثّلتا في الآخرة بصورة مناسبة لها مأخوذ ممّا هو وصف الأفعال في الشرع، أعني: المذكور في مقابلة المعروف.

والنكير هو الإنكار لغة، ولا يبعد أن يكون الإنسان إذا رأى فعله المنكر في تلك الحال أنكره ووبّخ نفسه عليه، فتمثّل تلك الهيئة الإنكارية أو مبدؤها من النفس بمثال مناسب لتلك النشأة، فإنّ قوى النفس ومبادئ آثارها كالحواس ومبادئ اللّمم تسمّى في الشرع بالملائكة.

ثمّ إنّ هذا الإنكار من النفس لذلك المنكر يحملها على أن تلتفت إلى اعتقاداتها وتفتش عنها، أهي صحيحة حسنة حقّة أم فاسدة خبيثة باطلة؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئن قلبها، وذلك لأنّ قبول الأعمال موقوف على صحّة الاعتقاد، بل المدار في النجاة على ذلك كما هو مقرر ضروري من الدين، وإليه أُشير بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «حب علي حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغض علي سيّئة لا تنفع معها حسنة».(1)

ويقول الحكيم عبد الرزاق اللاهيجي ما هذا تعريبه: إنّ المفاهيم الكلّية ذات مصاديق مختلفة عبر الزمان، فهذا لفظ القلم كان يطلق على القلم المنحوت من القصب، ولكن تلك الخصوصية لم تؤخذ في ماهيته، ولذلك يطلق على ما إذا كان من حديد وغيره.


1 . الحقائق في محاسن الأخلاق:446.


( 283 )

ونظيره الميزان فإنّ منه ما يوزن به المتاع، ومنه ما يوزن به الوقت، ومنه ما يوزن به الأشكال الهندسية كالفرجال والمسطرة والقوس،ومنه ما يوزن به الأشعار كعلم العروض، ومنه ما يوزن به خطأ الإدراكات وصحتها كالمنطق، وعلى هذا فلا مانع من أن يكون نفس الأنبياء موازين الأعمال، فكلّ عمل يشبه أعمالهم فهو حقّ، وكلّ عمل يخالف أعمالهم فهو باطل.

فكلّ عمل عند المقايسة إلى أعمالهم يعلم كونه صالحاً أو طالحاً، صحيحاً أم فاسداً.(1)

ويؤيده الحديث التالي:

عن هشام بن سالم، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ:

(وَنَضَعُ الْمَوازينَ القِسْط لِيَوم القِيامَة فَلا تُظلم نَفسٌ شَيْئاً)؟

قال: «هم الأنبياء والأوصياء»(2).(3)


1 . گوهر مراد:478.

2 . بحار الأنوار:7/249، باب الميزان، الحديث6.

3 . منشور جاويد:9/317ـ 327.


( 284 )

111

الشهود يوم القيامة

سؤال: كلّ محكمة أو قضاء يحتاج إلى شهود، فمَن هم الشهود يوم القيامة؟

الجواب: من الواضح ـ و كما جاء في متن السؤال ـ إنّ كلّ محكمة تتطلّب وجود شهود قد حضروا الواقعة ليشهدوا لصالح هذا الطرف أو ذاك أو يشهدون ضده. وبعد أن تطوي المحكمة مجموعة من المراحل تصدر حكمها وفقاً لذلك،على هذا الأساس قامت محكمة العدل الإلهي يوم القيامة، إذ يوجد في ذلك اليوم طائفة من الشهود يشهدون على أعمال الإنسان وما اقترفه في الحياة الدنيا.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(...يَوْمَ يَقُومُ الأَشهادُ).(1)

وفي آية أُخرى يشير سبحانه إلى مضمون الشهادة حيث يقول سبحانه:


1 . غافر:51.


( 285 )

(...يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشهادُ هؤلاءِ الَّذينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ...).(1)

ويمكن تقسيم الشهود في يوم القيامة إلى طائفتين أو صنفين:

الطائفة الأُولى: الشهود مثل (اللّه والأنبياء ...).

الطائفة الثانية: أعضاء البدن.

وهنا يمكن الإشارة إلى نوع آخر من الشهود وإن كان يحتاج إلى بحث مستقل، وهذا الشاهد هو تجسّم الأعمال.

إنّ المراد من «تجسّم الأعمال» هو أنّ أعمال الإنسان الأعم من الحسنة والسيّئة تتجلّى بصورة خاصة يوم القيامة، فالأفعال الحسنة تظهر بصورة موجودات جميلة تسرّ الناظرين، والأعمال القبيحة والذنوب تظهر بصورة موجودات قبيحة المنظر كريهة الشكل والصورة، بنحو يُعدّ ذلك بنفسه نوعاً من العقاب للمجرمين والمذنبين وشاهداً على جرائمهم وذنوبهم.

ونحن هنا نستعرض الطائفة الأُولى من الشهود الذين هم من خارج الإنسان وروحه والذين تعرّض القرآن الكريم في آيات كثيرة لذكرهم.

1. اللّه جلّ جلاله

الشاهد الأوّل على سلوك الإنسان وعمله وتصرفاته هو اللّه سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافية في هذا العالم، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حيث قال سبحانه:

(...لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ).(2)


1 . هود:18.

2 . آل عمران:98.


( 286 )

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(...إِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهيدٌ).(1)

وقال تعالى أيضاً:

(...فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ) .(2)

2. الأنبياء

يؤكّد القرآن الكريم وبوضوح تام أنّه يوجد في كلّ أُمّة شهيد يشهد على أعمال تلك الأُمّة يوم القيامة حيث قال سبحانه:

(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهيداً).(3)

وقد جاء هذا المعنى في آيات أُخرى بصورة كلّية.(4)

ولقد استظهر المفسّرون أنّ المراد من الشاهد هنا هو نبيّ كلّ أُمّة، بشهادة أنّه سبحانه صرّح بأنّ السيد المسيح(عليه السلام)يكون شهيداً على أُمّته، قال تعالى:

(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّلَيُؤْمِنَنَّ بِِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهيداً).(5)

إذاً يمكن استظهار أنّ شهود كلّ أُمّة أنبياؤها.


1 . الحج:17.

2 . يونس:46.

3 . النساء:41.

4 . انظر: النحل:84و 89، القصص:75.

5 . النساء:159.


( 287 )

وهنا بحث آخر ينبغي الالتفات إليه وهو أنّ الآية السالفة الذكر قد أثبتت الشهادة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث جاء فيها: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهيداً) ، وحينئذ يقع البحث في المقصود من قوله: (عَلى هؤلاءِ )، هل هم الأنبياء أم أُممهم؟

يوجد احتمالان ذكر المرحوم الطبرسي الاحتمال الأوّل منهما ولم يتعرض لذكر الاحتمال الثاني، ويمكن القول بقرينة كلمة (هؤلاء) في قوله تعالى:(وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهيداً) انّ المراد هو أُمّة النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).

3. نبي الإسلام

لقد أوضحت الآيات السابقة انّ النبي الأكرم شاهد على أعمال أُمّته وما يصدر منهم، ولكن هناك آيات تشير إلى هذا المعنى بصورة صريحة وواضحة، ولذلك حاولنا أن نفردها في البحث هنا.

فلقد وصفت بعض الآيات الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه شاهد ومبشر، قال تعالى:

(يا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً...).(1)

فمن الممكن أن يكون المقصود من الشاهد هنا هو الشهادة على أعمال عباده يوم القيامة.

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ...).(2)

ومع الأخذ بعين الاعتبار انّ الشهادة فرع التحمّل والشهود ـ أي انّ الشهادة تتم بعد علم الشاهد بالواقعة أو الحادثة ـ ندرك أنّ الآية المباركة دليل واضح على


1 . الأحزاب:45، الفتح:8.

2 . المزمل:15.


( 288 )

سعة وشمولية علم النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) للأعمال الظاهرية والباطنية، للأُمّة الإسلامية.

4. الملائكة

الشاهد الآخر على أعمال العباد وأفعالهم، الملائكة المراقبون لأعمال العباد والذين يستنسخون عملهم ويشهدون عليهم يوم القيامة أمام محكمة العدل الإلهي، فإنّ طائفة من الملائكة مهمتهم جلب المجرمين إلى ساحة المحكمة، وطائفة من الملائكة تشهد على أعمالهم وأفعالهم، قال تعالى:

(وَجاءَتْ كُلُّ نَفْس مَعَها سائِقٌ وَشَهيدٌ *لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَة مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطائَكَ فَبَصَرُكَ الْيَومَ حَديدٌ* وَقالَ قَرينُهُ هذا مالَدَيَّ عَتيدٌ).(1)

يقول أمير المؤمنين(عليه السلام):

«سائقٌ يَسُوقُها إلى مَحْشَرِها وَشاهِدٌ يَشْهَدُعَلَيْها بِعَمَلِها».(2)

وقد وردت الإشارة إلى شهادة الملائكة في آيات أُخرى، منها قوله سبحانه:

(ما يَلْفِظُمِنْ قَول إِلاّ لَدَيْهِ رَقيبٌ عَتيدٌ).(3)

ويقول سبحانه:

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظينَ* كِراماً كاتِبينَ *يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ).(4)


1 . ق:21ـ 22.

2 . نهج البلاغة: الخطبة85.

3 . ق:18.

4 . الانفطار:10ـ 12.


( 289 )

5. الأرض

الشاهد الآخر الذي يشهد على أعمال العباد وتصرفاتهم، الأرض التي يجري عليها العمل الصالح أو الطالح، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله سبحانه:

(يَوْمَئِذ تُحَدِّثُ أَخْبارَها* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوحى لَها).(1)

لم تشر الآية إلى نوع المخبر عنه وانّ الأرض تخبر عن أيّ شيء؟ ولكن بقرينة كون الآية تتحدث عن بعث الناس يوم القيامة وانّهم سيرون أعمالهم التي اقترفوها يوم القيامة، يتّضح بجلاء أنّ إخبار الأرض يتعلّق بأعمال العباد الصالحة منها أو الطالحة، خيراً أو شراً، ولذلك أردفها مباشرة بالحديث عن ثواب الأعمال وجزائها حيث قال سبحانه:

(يَوْمَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوا أَعْمالَهُمْ* فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ) .(2)

والجدير بالذكر انّه ليس كلّ نقاط الأرض تشهد على الإنسان، بل الذي يشهد منها هو البقعة التي ارتكب الإنسان العمل عليها خيراً أم شراً، ولقد أكّدت الروايات هذا المعنى.

سأل أبو كهمس أبا عبد اللّه(عليه السلام) فقال: يصلّي الرجل نوافله في موضع أو يفرقها؟ قال(عليه السلام): «لا، بل هاهنا وهاهنا، فإنّها تشهد له يوم القيامة».(3)


1 . الزلزلة:4ـ5.

2 . الزلزلة:6ـ8.

3 . بحار الأنوار:7/318، باب16، الحديث15، وجاء في الحديث رقم 11: «والبقاع التي تشتمل عليه شهود ربه له أو عليه».


( 290 )

ولقد وردت في المصادر الحديثية روايات كثيرة في خصوص شهادة الأرض على أعمال الإنسان في يوم القيامة، وقد جاءت هذه الروايات في الأبواب المتعلّقة بالصلاة الواجبة والمستحبة،والحجّ، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و...، ولكثرتها يحتاج بحثها ودراستها إلى بحث مستقل وشامل خارج عن حدود البحث هنا، ولقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: «أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأنّه بما عمل على ظهرها تقول: عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا».(1)

ولقد أزاحت الآيات والروايات الستار عن وجه الحقيقة وأشارت إلى تلك المعارف الدقيقة في وقت كان يغط العالم فيه بسبات ويعيش الجهل المطبق وانعدام الفكر والمعرفة،وهذا شاهد صدق على أحقّية المعارف الإسلامية وانّها تنبع من عين صافية وتنزل من لدن عليم حكيم.

ولقد أشار الحكيم الرومي إلى هذه الحقيقة بأبيات رائعة استوصى مضامينها من آيات الذكرر الحكيم والروايات الشريفة.(2):

6. الزمان

إذا كانت الأرض وبشهادة الآيات القرآنية تشهد يوم القيامة بما جرى عليها من عمل وما اقترف من أفعال، كذلك الزمان ليله ونهاره يشهدان على الإنسان بما اقترف من أعمال.

روى الكليني عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ النهار إذا جاء قال يابن


1 . مجمع البيان:9ـ10/798، تفسير سورة الزلزلة.

2 . مثنوي: الدفتر الثالث باللغة الفارسيّة.


( 291 )

آدم : اعمل في يومك هذا خيراً أشهد لك به عند ربّك يوم القيامة، فإنّي لم آتك فيما مضى ولا آتك فيما بقي، وإذا جاء الليل قال مثل ذلك».(1)

كما روى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام) قال: «الليل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلاّ الثقلين: يابن آدم إنّي على ما فيّ شهيد فخذ منّي ، فإنّي لو طلعت الشمس لم تزدد فيّ حسنة ولم تستعتب فيّ من سيئة، وكذلك يقول النهار إذا أدبر الليل».(2)

7. القرآن

دلّت بعض الروايات على أنّ القرآن الكريم يظهر يوم القيامة بصورة إنسان ليشهد على الأُمّة وعلى طريقة تعاملهم معه، ويشكي إلى اللّه سبحانه وتعالى هجرهم له، وفي نفس الوقت يشهد بحق من حفظوه وصانوه واعتنوا به.

فقد روى سعد الخفاف، عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال: «...إنّه سبحانه يخاطب القرآن الكريم ويقول: يا حجّتي في الأرض... كيف رأيت عبادي؟ فيقول: منهم من صانني وحافظ عليَّ ولم يضيع شيئاً، ومنهم من ضيّعني واستخف بحقّي وكذب وأنا حجّتك على جميع خلقك،فيقول اللّه تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي وارتفاع مكاني لأُثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب ولأُعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب».(3)


1 . بحار الأنوار:7/325، الباب16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث22و 21.

2 . بحار الأنوار:7/325، الباب16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث22و 21.

3 . بحار الأنوار:7/319ـ 320، الباب16 من كتاب العدل والمعاد، الحديث16.


( 292 )

8. صحيفة الأعمال

من الشهود الذين يشهدون على الإنسان يوم القيامة صحيفة أعماله التي تحتوي على جميع أعماله الحسنة والسيّئة الخيّرة والشريرة.

ولقد أكّد القرآن الكريم وفي آيات كثيرة وجود هذه الصحيفة حيث قال سبحانه:

(...قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ).(1)

وقال تعالى في آية أُخرى:

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْويهُمْ بَلى وَرُسُلنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) .(2)

فهاتان الآيتان صريحتان في أنّ الملائكة يكتبون كلّ ما يصدر من الإنسان ويحصون عليه جميع حركاته وسكناته الظاهرة والخفيّة إلاّ أنّهما لم تتعرضا إلى مسألة الشهادة يوم القيامة، ولكن من الواضح أنّ الكتابة لابدّ أن تكون نابعة من غرض وهدف، وإلاّ لأصبح هذا التدوين وهذه الكتابة لغواً، وما هذا الغرض إلاّ لأجل الاحتجاج على الإنسان يوم القيامة فتكون الكتابة مقدّمة للاحتجاج، ولذلك نرى القرآن الكريم يصرّح في آية أُخرى:

(وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمّا فيهِ...).(3)

وفي آية أُخرى:

(...وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذ يَخْسَرُالْمُبْطِلُونَ* وَتَرى كُلَّ أُمَّة


1 . يونس:20.

2 . الزخرف:80.

3 . الكهف:49.


( 293 )

جاثِيَةً كُلُّ أُمَّة تُدْعى إِلى كِتابِها...*هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ...).(1)

والعجيب هنا أنّ هذه الصحيفة بنحو من الدقّة في تدوين وتسجيل الأعمال: دقيقها وجليلها، بل والأُمور الخفية جـداً حتّـى أنّ المجرمين يتعجّبون من هذه الدقّة، ولقد حكى لنا القرآن الكريم حالهم يوم القيامة بقوله سبحانه:

(...ما لِ هذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرةً وَلاكَبيرةً إِلاّ أَحْصاها...).(2)

وفي آية أُخرى يصرّح القرآن الكريم أنّ كلّ إنسان تعلّق صحيفة عمله في عنقه:

(وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقيهُ مَنْشُوراً).(3)

إلى هنا تمّ البحث عن الشهود الذين هم من خارج نفس الإنسان، وحان الوقت للحديث عن الشهود من داخل الإنسان.

الشهود من داخل الإنسان

إنّ المراد من هذا الصنف من الشهود هو أعضاء بدن الإنسان التي هي جزء من بدنه، أو التي ترتبط بالبدن بنحو من الأنحاء، ومن هذا الصنف:


1 . الجاثية:27ـ 29.

2 . الكهف:49.

3 . الإسراء:13.


( 294 )

الف: أعضاء البدن

من الأُمور المحيّرة والعجيبة يوم القيامة أنّ أعضاء الإنسان المجرم تشهد على جرائمها وما تقترفه من أعمال في الحياة الدنيا، بنحو لا تبقي عذراً للمجرم أو للحاضرين والناظرين.

يقول سبحانه:

(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْديهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) .(1)

وفي آية أُخرى يؤكّد القرآن الكريم أنّ لسان الإنسان يختم عليه، ويفسح المجال للأعضاء الأُخرى لتدلي بشهادتها يوم القيامة، قال تعالى:

(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) .(2)

ب: شهادة الجلود

فإذا كانت الطائفة الأُولى من الآيات أشارت إلى شهادة أعضاء بدن الإنسان، فإنّ هناك طائفة أُخرى من الآيات تشير إلى أنّ من بين الشهود يوم القيامة جلد الإنسان نفسه يشهد على عمل الإنسان حيث قال تعالى:

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حتّى إِذا ما جآءُوُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي


1 . النور:24.

2 . يس:65.


( 295 )

أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).(1)

ففي هذه الآية شهادة على أنّ الجلود تشهد على الإنسان وأعماله بصورة مطلقة، فهي تشمل كلّ ما يصدر من الإنسان من عمل، سواء صدر هذا العمل من خلال يد الإنسان أو رجله أو ...، ولكن ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد من «الجلود» هو الكناية عن «الفروج»وليس مطلق الجلود، وإنّما كنّى القرآن الكريم عن ذلك بالجلود مراعاة للأدب والخلق والتنزّه في الكلام.

ولكنّ هذا التفسير لا يقوم على أساس محكم، أضف إلى ذلك أنّ كلمة «الفروج» قد وردت في القرآن الكريم حينما جاء الحديث عن مدح المؤمنين والثناء عليهم، حيث قال تعالى:

(وَالَّذينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُونَ).(2)

بقي هنا سؤال وهو أنّ المذنبين يعترضون على خصوص شهادة الجلود ولا يعترضون على شهادة سائر الأعضاء والجوارح فما هو وجهه؟

والجواب: انّ الجلود تشهد على ما يصدر عنها بالمباشرة، بخلاف السمع والبصر فإنّها كسائر الشهود تشهد بما ارتكبه غيرها.(3)

إلى هنا اتّضح الكلام عن أصناف الشهود التي تشهد على الإنسان يوم القيامة.(4)


1 . فصلت:19ـ 21.

2 . المؤمنون:5.

3 . انظر تفسير الميزان:17/378.

4 . منشور جاويد:9/328ـ 342.


( 296 )

112

الأحوال الطارئة على الإنسان يوم القيامة

سؤال: ما هي الحالة التي يعيشها الإنسان بصورة عامة في يوم القيامة؟

الجواب: لقد ركّز القرآن الكريم على هذه المسألة في آيات كثيرة، وبيّـن الحالات المختلفة للناس الصالحين منهم والطالحين، ومن الواضح أنّ تأكيد القرآن الكريم على هذه المسألة ينبع من حكمة الباري عزّ وجلّ لتأمين الهدف النهائي للقرآن الكريم.

توضيح ذلك: انّ الهدف النهائي للقرآن الكريم ـ والذي يتّضح وبجلاء من خلال مطالعة الآيات القرآنيةـ هو توفير الأرضية المناسبة والشروط المساعدة لتكامل الإنسان الروحي والفكري وسوقه نحو الطيبات والعمل الصالح وفك أسره من قيود الشهوة والخضوع للشيطان والتبعية للأهواء والميول، ومن المعلوم أنّ الاعتقاد بوجود عالم آخر يحاسب فيه الإنسان على الصغيرة والكبيرة وتحصى عليه جميع حركاته وسكناته صغيرها وكبيرها، يكون له تأثير واضح في تنمية روح الطهارة والفضيلة في الإنسان، فإذا كان الاعتقاد بالمعاد له هذا الأثر الفعّال في التربية والطهارة والكمال، فلا ريب أنّ وصف ما يتعرّض له الإنسان وما يلاقيه


( 297 )

من الحالات يوم القيامة يكون له تأثير أكبر وفاعلية أكثر في حياته، ويكون حينئذ أكثر فائدة في تحقيق الهدف القرآني،ومن هذا المنطلق نحاول تسليط الضوء ـ وبما يسمح به المجال ـ على الآيات التي تتعلّق بهذا الموضوع ونشير إلى تفسيرها.

الأحوال الطارئة على الإنسان يوم القيامة

نشير هنا إلى نماذج من آيات الذكر الحكيم التي تسلّط الضوء على هذا البحث مع الإشارة إلى العناوين الكلّية والصفات العامة التي تتحدّث عنها، وهي:

1. لكلّ إنسان شأن يغنيه

قال تعالى في بيان هذه الحالة التي يتعرّض لها الإنسان يوم القيامة:

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخيهِ* وَأُمِّهِ وَ أَبِيهِ *وَصاحِبَتِهِ وَبَنيهِ* لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ يَومَئِذ شَأْنٌ يُغْنيهِ)(1).

2 . لا يملك إنسان لإنسان نفعاً

يقول سبحانه وتعالى حاكياً عن تلك الحقيقة:

(فَالْيَومَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْض نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ).(2)

ويقول سبحانه في آية أُخرى:


1 . عبس:34ـ 37.

2 . سبأ:42.


( 298 )

(يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْس شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذ لِلّهِ).(1)

والذي يظهر من مراجعة آيات الذكر الحكيم الأُخرى، انّ السبب في ذلك هو أنّ النظام السائد في عالم الكون سينهار بالكامل في ذلك اليوم، وسوف تنفصم كلّ العرى والعلاقات الاجتماعية والأواصر والروابط الأُسرية والسياسية وغيرها من الأواصر التي كانت حاكمة في عالم الدنيا وينتفي تأثير تلك العوامل بصورة تامة، ولقد أشار القرآن الكريم ـ و بصراحة تامة ـ إلى تلك الحقيقة بقوله:

(إِذْ تَبَرّأَ الَّذينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بهِمُ الأَسْبابُ).(2)

ومن الواضح أنّ المراد من الأسباب المنقطعة ليس هو مطلق الأسباب، بل الأسباب الدنيوية، وذلك لأنّه وبشهادة القرآن الكريم انّ الأسباب تنقسم ـ وحسب النظام العام ـ إلى أسباب صالحة ونافعة ومفيدة وإلى أسباب ضارة ومفسدة ومهلكة، فلا يجني منها الإنسان إلاّ الخيبة والخسران والهلكة.

3. ما لاينفع الإنسان

يصرّح القرآن الكريم بأنّ هناك بعض الأشياء لا تنفع الإنسان يوم القيامة، ومن تلك الأشياء:

أ. المال والثروة.

ب. الأولاد والأرحام.

قال تعالى معبراً عن تلك الحقيقة:


1 . الانفطار:19.

2 . البقرة:166.


( 299 )

(يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ).(1)

وفي موضع آخر يقول سبحانه:

(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَولادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ...).(2)

4. لا ينفع الاعتذار

أشار سبحانه و تعالى إلى هذه الحالة من حالات يوم القيامة بقوله:

(فَيَومَئِذ لا يَنْفَعُ الَّذينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ).(3)

5. العوامل النافعة يوم القيامة

لقد صرّح القرآن الكريم بعاملين أساسيّين ينفعان الإنسان يوم القيامة ويكونان له عوناً في عالم الآخرة، وهما:

الف: القلب السليم

يقول تعالى معبّراً عن أهمية هذا العامل يوم القيامة:

(إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْب سَليم).(4)

وهنا يطرح السؤال التالي: ما المراد من القلب السليم هنا؟

إنّ المراد من القلب السليم هو القلب النزيه عن الشرك الخالي من حب


1 . الشعراء:88.

2 . الممتحنة:3.

3 . الروم:57.

4 . الشعراء:89.


( 300 )

الدنيا ، فقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «هو القلب الذي سلم من حب الدنيا».

ويؤيّد ذلك قول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطيئَة».(1)

ب: الصدق

لقد أشار سبحانه إلى أهمية هذا العامل بقوله:

(قالَ اللّهُ هذا يَوْم يَنْفَعُ الصّادِقينَ صِدْقُهُمْ...).(2)

6. الأخلاّء بعضهم عدو لبعض

من النماذج الأُخرى التي تشير إلى الانقلاب الحاصل في عالم الآخرة والتحوّل الذي يطرأ على عالم الكون يوم القيامة هو أنّ الأخلاّء الذين كانت تربطهم أواصر الحبّ والإلفة والخلّة في هذا العالم يتحوّلون إلى خصوم وأعداء في الآخرة يتبرّأ بعضهم من البعض الآخر ويذم بعضهم البعض، يقول سبحانه في هذا الصدد:

(الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقينَ).(3)

7. منطق المؤمنين مع الكافرين

لقد أشار القرآن الكريم إلى المنهج الاستهزائي الذي كان يعتمده الكافرون تجاه المؤمنين في الحياة الدنيا بقوله تعالى:

(إِنَّ الَّذينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذا مَرُّوا


1 . مجمع البيان:4/194.

2 . المائدة:119.

3 . الزخرف:67.


( 301 )

بِهِمْ يَتَغامَزُونَ *وَإِذا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهينَ* وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤلاءِ لَضالُّونَ).(1)

هذا هو الأُسلوب الذي اعتمده الكافرون في الحياة الدنيا مع المؤمنين، ولكن الحالة تتغيّر في يوم القيامة وتتحوّل تحوّلاً كاملاً حيث يصبح المؤمنون يستهزئون من الكافرين ويضحكون من العاقبة السيئة والشقاء الذي ساق الكافرون أنفسهم إليه باختيارهم وبإرادتهم، وقد أكّد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله:

(فَالْيَوْمَ الَّذينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرونَ* هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ).(2)

إنّ النماذج المذكورة تشير جميعها إلى مسألة كلّية وهي أنّ الأسباب والشرائط المؤثرة في هذه الدنيا والتي يكون لها أثر فاعل في العلاقات الاجتماعية والأواصر المختلفة، والتي تعود على الإنسان بالنفع أو الخسارة والصداقة والعداء و... فإنّ جميعها ستتحوّل في عالم الآخرة إلى شكل آخر، وتحدث مقررات وشرائط جديدة تحل محلّ تلك العلاقات الزائلة .

وهناك آيات أُخرى تشير أيضاً إلى الحالات المختلفة للإنسان في يوم القيامة والتحوّل الذي يحدث وبنحو كلّي في ذلك اليوم، فهناك طائفة من الناس تعيش حالة السعادة والفرح(3)، وطائفة أُخرى تعيش الشقاء والغم(4)، وطائفة مطأطئة رؤوسها وتعيش حالة الخجل والحياء(5)، وطائفة تعيش الرضا والرفعة، وأُخرى(6)


1 . المطففين:29ـ 32.

2 . المطففين:34ـ 36.

3 . عبس: 38ـ 40 و القيامة:22ـ 25.

4 . عبس: 38ـ 40 و القيامة:22ـ 25.

5 . الغاشية:2ـ8.

6 . الغاشية:2ـ8.


( 302 )

تحشر بوجوه نظرة وبهيئة جميلة(1)، وطائفة تحشر بصورة قبيحة وبمنظر كريه(2)، وطائفة تحشر تحت عنوان أصحاب اليمين(3)، وأُخرى من أصحاب الشمال(4)، وطائفة من السابقين والمقرّبين(5)، وطائفة تؤتى كتابها بيمينها وأُخرى في شمالها(6).(7)


1 . آل عمران:102ـ 106.

2 . آل عمران:102ـ 106.

3 . الواقعة:8ـ10.

4 . الواقعة:8ـ10.

5 . الواقعة:8ـ10.

6 . الحاقة:69، الإسراء:71، الانشقاق:7ـ10.

7 . منشور جاويد:9/427ـ 430.


( 303 )

113

الجنة والنار

سؤال: من البحوث التي دار حولها الجدل بين المذاهب الإسلامية هي مسألة خلق الجنة والنار، هل هما مخلوقتان فعلاً أم انّهما ستخلقان، نرجو تسليط الضوء على هذه المسألة وبيان حقيقة الأمر في هذه المسألة الخلافية؟

الجواب: من البحوث التي تتعلّق بالجنة والنار، بحث وجودهما الفعلي، ولقد طرحت هذه القضيّة منذ زمن طويل على بساط البحث والجدل، وهذه المسألة بالرغم من كونها مسألة كلامية واعتقادية، ولكنّها في نفس الوقت بحثت من وجهة نظر قرآنية وتفسيرية، بمعنى أنّ هذه القضية يمكن أن ينظر إليها من زاوية الأدلّة العقلية وأُخرى من زاوية تفسيرية، ونحن إذا رجعنا إلى المصادر الكلامية الإسلامية يتّضح لنا وبجلاء أنّ أكثر العلماء والمفكّرين المسلمين يتبنّون الرأي القائل: «الجنة والنار مخلوقتان فعلاً، وانّهما موجودتان بالفعل».

يقول المحدّث والمتكلّم الكبير الشيخ الصدوق في هذا المجال: اعتقادنا في الجنة والنار أنّهما مخلوقتان، وأنّ النبي قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به.(1)

وقد تعرّض الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه «أوائل المقالات» إلى نقل الأقوال


1 . اعتقادات الصدوق:89.


( 304 )

في المسألة، ثمّ قال: إنّ الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان،وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع والآثار، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية، فزعم أكثر من سمّيناه انّ ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب.

ووقفوا في الوارد به من الآثار، وقال من بقي منهم بإحالة خلقهما، واختلفوا في الاعتلال فقال أبو هاشم الجبائي: إنّ ذلك محال، لأنّه لابدّ من فناء العالم قبل نشره وفناء بعض الأجسام فناء لسائرها، وقد انعقد الإجماع على أنّ اللّه تعالى لا يفني الجنة والنار.(1)

وقال العلاّمة الحلّي في «كشف المراد»: اختلف الناس في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟ فذهب جماعة إلى الأوّل وهو قول أبي علي، وذهب أبو هاشم والقاضي (عبد الجبار) إلى أنّهما غير مخلوقتين، ثمّ نقل احتجاج كلّ على رأيه.(2)

والذي يظهر من الإمعان في عبارة الشيخ المفيد التي نقلها في «أوائل المقالات» أنّه توجد في هذا المجال ثلاث نظريات هي:

ألف: انّ الجنّة والنار مخلوقتان وهو قول الأكثرية من العلماء.

ب: انّ خلقهما وتحت الشرائط الفعلية أمرٌ ممكن، ولكن لا دليل عندنا على تحقّق ذلك فعلاً، وهذه نظرية المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية.

ج: النظرية الثالثة تذهب إلى استحالة خلقهما فعلاً، وقد تبنّى هذه النظرية كلّ من أبي هاشم والقاضي عبد الجبار.


1 . أوائل المقالات:102.

2 . كشف المراد:298، ط مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).


( 305 )

والجدير بالذكر انّ هذه المسألة من المسائل التي لابدّ من اعتماد المنهج والأُسلوب النقلي لإثباتها ولابدّ من الرجوع في هذا الصدد إلى الكتاب والسنّة لاستنباط الحكم الفصل في هذه المسألة ثمّ معرفة ماذا يقصد أبو هاشم من قوله باستحالة وقوعهما، هل يريد انّ ذلك محال بالغير أو أنّه يريد الاستحالة الوقوعية؟

أدلّة القول بالخلق

إنّ مراجعة آيات الذكر الحكيم توضّح لنا وبصورة جلية انّ الجنة والنار مخلوقتان وانّهما موجودتان بالفعل، ومن هذه الآيات قوله تعالى:

1. (وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخرى *عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) .(1)

وإنّ المراد من(جَنَّةُ الْمَأْوى) هو الجنّة الموعودة،والتي عبّر عنها في آيات أُخرى بتعابير من قبيل «جنة عدن» وغير ذلك من التعابير والأوصاف، ومن الواضح أنّ الآية تؤكّد أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شاهد أمين الوحي عند «سدرة المنتهى» التي تقع إلى جنب جنة الخلد، ومن المعلوم إذا كانت الجنة غير مخلوقة بالفعل يُعتبر ذكر تلك العلامة بعيداً عن الفصاحة والبلاغة التي هي من سمات القرآن الكريم الأساسية.

2. هناك طائفة من آيات الذكر الحكيم تصف الجنة والنار بالإعداد، وانّ الجنّة أُعدّت للمتّقين، والنار أُعدّت للكافرين، وهذا شاهد على وجودهما الفعلي حال الحكاية،ومن هذه الآيات قوله تعالى:

(...أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ).(2)


1 . النجم:13ـ 15.

2 . آل عمران:133.


( 306 )

وقال تعالى:

(...أُعِدَّتْ لِلَّذينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ...).(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(وَاتَّقُوا النّارَ الّتي أُعِدَّتْ لِلْكافِرينَ).(2)

وقال سبحانه:

(...وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري تَحْتَها الأَنْهارُ...).(3)

وقال عزّ من قائل:

(...وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهيناً).(4)

وكما قلنا: إنّ استعمال كلمة «الإعداد» في هذه الآيات يحكي عن وجود الجنة والنار فعلاً في زمن نزول الوحي،ولو فرضنا انّهما غير موجودتين في زمن نزول الوحي، فحينئذ لا مناص من اللجوء إلى التأويل، ومادام لا يوجد مبرر للتأويل نحمل الآيات على الظاهر.

والحقّ أنّ هذه الآيات صالحة للاستدلال إذا لم يكن هناك دليل قاطع للتأويل.

إلى هنا اتّضح الموقف القرآني من المسألة، ولنعطف عنان القلم لبيان القضية من وجهة نظر الروايات الإسلامية، ومن هذه الروايات نشير إلى رواية الهروي عن الإمام الرضا(عليه السلام):


1 . الحديد:21.

2 . آل عمران:131.

3 . التوبة:100.

4 . الأحزاب:57.


( 307 )

روى الصدوق في توحيده، عن الهروي، قال: قلت للرضا(عليه السلام):يابن رسول اللّه أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: «نعم، وإنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل الجنة ورأى النار لمّا عرج به إلى السماء» .

قال: فقلت له: فإنّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.

فقال(عليه السلام):«ما أُولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وكذّبنا، وليس من ولايتنا على شيء، وخلد في نار جهنم».(1)

مكان الجنة والنار

إذا ثبت انّ الجنة والنار مخلوقتان ينتقل البحث إلى نقطة أُخرى وهي البحث عن مكانهما وأين يقعان فعلاً؟ وقد يستفاد من آيات الذكر الحكيم أنّ مكانهما قريب من سدرة المنتهى حيث قال سبحانه:

(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخرى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى).

فعلى هذا الأساس يكون مكان الجنة الموعودة إلى جنب سدرة المنتهى، فلابدّ من إثبات مكان سدرة المنتهى أوّلاً، ثمّ بعد ذلك نثبت وبالتبع مكان الجنة، وبما أنّ مكان سدرة المنتهى ـ فضلاً عن حقيقتها ـ مجهول لنا ومحفوف بهالة من الإبهام فلا يمكن أن نقطع بذلك.

يقول التفتازاني: لم يرد نصّ صريح في تعيين مكان الجنة والنار، والأكثرون على أنّ الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، تشبثاً بقوله تعالى: (عند سدرة المنتهى* عندها جنة المأوى)وقوله: «سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت


1 . بحار الأنوار:8/119 نقلاً عن عيون أخبار الرضا(عليه السلام).


( 308 )

الأرضين السبع». والحقّ تفويض ذلك إلى علم العليم.(1)

والمستفاد من ظواهر الآيات أنّ الجنة والنار خارجتان عن نطاق السماوات والأرض، والشاهد عليه أنّه سبحانه يصف سعة الجنة بسعة السماوات والأرض يقول:

(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ) .(2)

فالآية شاهدة على أنّها خارجة عنهما غير أنّ سعتها كسعتهما، ولا محيص عن القول بأنّ مكان الجنة والنار من الأُمور الغيبية التي نفوّض علم مكانهما إلى اللّه سبحانه.(3)


1 . شرح المقاصد:2/220.

2 . آل عمران:133، وبمضمون هذه الآية، الآية 21 من سورة الحديد حيث قال سبحانه:(
وجنّة عرضها كعرض السماء والأرض).

3 . منشور جاويد:9/363ـ 375.


( 309 )

114

أصحاب الأعراف

سؤال: لقد أشارت بعض الآيات إلى الأعراف وأصحاب الأعراف، ما المقصود منه؟ ومن هم أصحاب الأعراف؟ وما هي سيماهم؟

الجواب: لقد وردت كلمة «الأعراف» في القرآن الكريم مرتين: تارة بلفظ: (وَعَلَى الأَعْراف)، وأُخرى بلفظ (وَأَصْحابُ الأَعْراف). والآيتان تتعلّقان بيوم القيامة ومواقف ومنازل الآخرة، فلننظر لنرى ماذا يراد من كلمة «الأعراف»؟ ومن هم «أصحاب الأعراف»؟

أمّا «الأعراف» لغة فمأخوذ من «العُرْف» وهو عرف الفرس أو عرف الديك، وقد يطلق على النقطة المرتفعة(1) فيكون الأعرافي هو المنتسب لهذه النقطة الرفيعة، ويكون موقعهم ذلك الموقع الرفيع.

إلى هنا اتّضح لدينا المعنى اللغوي لكلمة «الأعراف»، وحان الوقت للتعرف على المراد من ذلك في مواقف يوم القيامة ومنازلها؟

يقول الشيخ الصدوق في كتابه «الاعتقادات»: اعتقادنا في الأعراف انّه سور


1 . أقرب الموارد: ج2، مادة «عُرْف».


( 310 )

بين الجنة والنار، ( وَعَلى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُم)، والرجال هم النبي وأوصياؤه(عليهم السلام)لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، وعند الأعراف، المرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم.(1)

وقال المفيد: قد قيل: إنّ الأعراف جبل بين الجنة والنار، وقيل أيضاً: إنّه سور بين الجنة والنار، وجملة الأمر في ذلك انّه مكان ليس من الجنة ولا من النار، وقد جاء الخبر بما ذكرناه وإنّه إذا كان يوم القيامة كان به رسول اللّه وأمير المؤمنين والأئمّة من ذرّيته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الذين عنى اللّه سبحانه بقوله:

(وَعَلى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُمْ وَنادَوا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ)(2).(3)

والجدير بالذكر انّ مصطلح الأعراف له جذور قرآنية، وانّ الآيات التي تعرضت لذلك عبارة عن:

1. (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسيماهُمْ وَنادَوا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ).(4)

2. (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمينَ) .(5)


1 . بحار الأنوار:8/340.

2 . الأعراف:46.

3 . شرح عقائد الصدوق:48ـ 49.

4 . الأعراف:46.

5 . الأعراف:47.


( 311 )

3. (وَنادى أَصْحابُ الأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ).(1)

4. (أَهؤلاءِ الَّذينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَة أُدْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوف عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) .(2)

دلّت الآية الأُولى على أنّ الواقفين على الأعراف يعرفون أهل الجنة وأهل النار، فإذا بأصحاب الجنة ينادونهم بالتسليم عليهم، وهم بعدُ لم يدخلوا الجنة ولكن ينتظرون الدخول، كما يقول سبحانه: (وَنادَوا أَصْحابَ الْجَنَّة)، أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة أن (سَلامٌ عَلَيْكُم)تحية منهم إليهم وهم بعد لم يدخلوها ولكن ينتظرون أن يؤذن لهم بالدخول، وكأنّهم مصطفّون على أبواب الجنّة ينتظرون الإذن الإلهي بالدخول.

ثمّ إنّ أصحاب الأعراف ينظرون إلى أصحاب النار نظر عداء، فلا ينظرون إليهم إلاّ إذا صرفت وجوههم إليهم ولأجل التبري من أعمالهم يقولون:

( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمينَ) .

كما يقول سبحانه:

(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمينَ) .

وبما أنّ أصحاب الأعراف نادوا أصحاب الجنة ـ فبطبع الحال ـ ينادون أصحاب النار الذين تبرّأوا منهم فنادوهم بما يحكي عنهم سبحانه، ويقول:

(وَنادى أَصْحابُ الأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسيماهُمْ قالُوا ما


1 . الأعراف:48.

2 . الأعراف:49.


( 312 )

أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ).

ولمّا كان أصحاب النار يستهزئون بالمؤمنين ويصفونهم بأنّهم لا يصيبهم اللّه برحمة وخير ولا يدخلون الجنة، حاول أصحاب الأعراف تقريعهم وتكذيبهم وقالوا: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم اللّه برحمته، فانظروا كيف نالتهم رحمة اللّه وهم مصطفون على أبواب الجنة ينتظرون الدخول، فيأذن أصحاب الأعراف لهم الدخول أمام أعين أصحاب النار ويخاطبونهم (...أُدْخُلُوا الجَنَّة لا خَوفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)، وعلى ما ذكرنا يكون قوله: (لم يدخلوها وهم يطمعون)في الآية الأُولى راجع إلى المؤمنين المصطفين على أبواب الجنة.

كما أنّ قوله في الآية الرابعة: (أُدْخُلُوا الْجَنّة) راجع إلى هؤلاء الذين كانوا من أصحاب الجنة وهم بعد لم يدخلوها.

هذا ما يستفاد من الآيات ، ولكن مَن هم أصحاب الأعراف؟ فقد اختلفت فيه كلمة المفسّرين إلى أقوال مختلفة تصل إلى اثني عشر قولاً، بعضها مردود وباطل قطعاً وساقط عن الاعتبار،والبعض الآخر منها يستحقّ الذكر ولذلك سنورده هنا، وهذه الأقوال هي:

أ. فئة من الناس لهم مكانة خاصّة،وقد شملتهم عناية اللّه.

ب. هم الذين تستوي حسناتهم وسيئاتهم، ولأجل ذلك لا يدخلون الجنة والنار بل يمكثون بينهما وإن كانت عاقبتهم الجنة لشمول رحمة اللّه سبحانه لهم.

ج. الملائكة المتمثّلون بصورة الرجال يعرفون الجميع.

د. الفئة العادلة من كلّ أُمّة الذين يشهدون على أُمّتهم.

هـ. فئة صالحة من حيث العلم والعمل.

هذه هي الأقوال المذكورة في المقام، لكن القول الثاني مردود، لأنّ


( 313 )

المتوسطين في العلم والعمل ليس لهم أي امتياز حتّى يهنّئوا ويسلّموا على أصحاب الجنة ويندّدوا ويوبّخوا أصحاب النار.

كما أنّ القول الثالث لا يدعمه الدليل، وهو خلاف ظاهر الآية.

وأما القول الرابع والخامس فقريبان من القول الأوّل ويمكن إرجاع الجميع إلى قول واحد.

والحاصل: انّ أصحاب الأعراف هم الرجال المثاليّون الذين بلغوا في العلم والعمل درجة ممتازة، ويشكّل الأنبياء والأولياء معظمهم، ثمّ الصالحون والصادقون.

ثمّ إنّ ما تضمنته هذه الآيات إنّما هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، ويحكي لنا حقيقة رائعة لا تدرك إلاّ بهذا النحو الوارد في الآيات، وكأنّ الحكومة المطلقة للّه سبحانه تتجلّى يوم القيامة بالشكل التالي:

ألف. طائفة متنعّمة(أصحاب الجنة) جزاء لأعمالهم الحسنة.

ب. طائفة معذّبة (أصحاب النار) جزاء لأعمالهم السيّئة.

ج. طائفة تنفِّذ أوامره سبحانه بإدخال أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.

الأعراف في الروايات

لقد بيّنا ومن خلال البحث السابق النكات التي يمكن استفادتها من خلال الآيات القرآنية الكريمة، ومن حسن الحظ أنّ الأحاديث والروايات الإسلامية قد أولت هي الأُخرى هذه المسألة عناية خاصة. ومن أجل أن يكون البحث أكثر شمولية وعمقاً نرى من اللازم التعرّض لدراسة مضامين تلك


( 314 )

الروايات ولو بصورة مختصرة.

وبعبارة أُخرى: لقد ركّزت الروايات على أمرين هما:

1. ما هي الأعراف؟

2. من هم أصحاب الأعراف؟

أمّا ما يخصّ الأمر الأوّل فقد عبّرت عنه الروايات بتعبيرين:

ألف. الأعراف مكان مرتفع يقع بين الجنة والنار.

فقد روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:

«إنّ الأعراف كثبان بين الجنة والنار».(1)

ب. الأعراف طريق بين الجنة والنار:

فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)أنّه قال: «الأعراف صراط بين الجنة والنار».(2)

والجدير بالذكر أنّه لو ثبت أنّ المراد من الأعراف هو الصراط، فلا شكّ أنّه ليس هو الصراط الذي تكفّلت ببيانه الآيات الأُخرى والذي ُعدّ واحداً من منازل الآخرة، وذلك لأنّ الطريق المذكور طريق عام يجتازه كلّ من المؤمنين والكافرين، طائفة تسلكه متوجّهة إلى الجنة وأُخرى إلى النار، والحال أنّ الأعراف مقام خاص لعدّة من الناس فقط.

أمّا ما هي النكتة في إطلاق لفظ الصراط على الأعراف وتسميته بالصراط؟

الذي يستفاد من ذيل هذه الرواية والروايات الأُخرى أنّ علّة تلك التسمية:


1 . بحار الأنوار:8/335، باب الأعراف من كتاب العدل والمعاد، ح2.

2 . المصدر نفسه: الحديث3.


( 315 )

انّ لفيفاً من المؤمنين العصاة يحتّفون حوله وينتظرون مصيرهم الذي يرتبط بشفاعة النبي وآله(عليهم السلام)، فمن هذه الجهة أُطلق على الأعراف لفظ الصراط لهذه المشابهة.

وأمّا البحث الثاني: مَن هم أصحاب الأعراف؟

اختلفت الروايات في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال هي: إنّ أصحاب الأعراف هم:

1. الأئمّة المعصومون(عليهم السلام)

ذهبت أكثر الروايات إلى تفسير أصحاب الأعراف بالأئمّة(عليهم السلام)، وقد بلغ عدد الروايات التي نقلها العلاّمة المجلسي في هذا الباب أربع عشرة رواية، وبعد نقل الروايات أكّد المجلسي وجود روايات كثيرة بهذا المعنى نقلها في أبواب فضائلهم(عليهم السلام).

وعلى هذا الأساس يمكن القول لا شك ـ وفقاً للنظرية الشيعية ـ بأنّ الأئمّة(عليهم السلام) هم من جملة أصحاب الأعراف يعرفون جميع أصحابهم وخصومهم.

2. المؤمنون العصاة

وردت في هذا المعنى رواية واحدة حيث اعتبرت وبالإضافة إلى الأئمّة أنّ من أصحاب الأعراف طائفة من عصاة الشيعة.

وقد نقل الرواية علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد، عن الإمام الصادق(عليه السلام).

«الأئمّة(عليهم السلام) يقفون على الأعراف مع شيعتهم وقد سبق المؤمنون إلى الجنة بلا حساب، فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: انظروا إلى إخوانكم في


( 316 )

الجنة قد سبقوا إليها بلا حساب، وهو قول اللّه تبارك وتعالى:(سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) .

ثمّ يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النار، وهو قوله: (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحاب النّارِ قالُوا رَبّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَومِ الظّالمين).

(ونادى أصحابُ الأَعراف رِجالاً يَعرفُونَهُمْ بِسيماهُمْ ـ في النار ـ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ ـ في الدُّنْيا ـ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ).

ثمّ يقول لمن في النار من أعدائهم: هؤلاء شيعتي وإخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا ينالهم اللّه برحمته.

ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم: (...أُدْخُلُوا الجَنَّة لا خَوفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُون).

ثمّ نادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه.(1)

3. الذين تتساوى حسناتهم وسيئاتهم

كذلك وردت في هذا المعنى رواية نقلها العياشي حيث قال:

سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)وقال: قلت له: أيّ شيء أصحاب الأعراف؟

قال: «استوت الحسنات والسيئات، فإن أدخلهم اللّه الجنة برحمته، وإن عذبهم لم يظلمهم».(2)


1 . بحار الأنوار:8/335، باب25، الحديث2.

2 . بحار الأنوار:8/337، الحديث11.


( 317 )

مقارنة مضامين الروايات والآيات

بعد أن تعرّضنا لذكر الروايات الواردة في هذا المجال وتعرّفنا على مضامينها يجدر بنا أن نقارن بين مضامينها والمضامين الواردة في الآيات.

لا ريب أنّه لا توجد منافاة في القسم الأوّل (موقع الأعراف) بين مضامين الآيات والروايات، وذلك لأنّ المستفاد من الآيات هو وجود حائل وواسطة بين الجنة والنار لا أكثر أُطلق عليه لفظ الأعراف، وأمّا الروايات فقد تصدّت لتوضيح ذلك الحائل بأنّه المكان المرتفع أو أنّه الصراط الذي يقع بين الجنة والنار.

كذلك لا منافاة في القسم الثاني (مَن هم أصحاب الأعراف) على القول بأنّهم الأئمّة المعصومون(عليهم السلام)، وذلك لأنّ الآيات في الواقع لم تتعرض لذكر المصاديق لرجال الأعراف، وإنّما اكتفت بذكر بعض خصائصهم كقوله تعالى: (يَعْرِفُونَ كُلاً بِسيماهم و...) وأمّا الروايات فقد تعرضت لذكر المصاديق، أو على الأقل ذكرت المصداق الأكمل لرجال الأعراف.

وأمّا الطائفتان الثانية و الثالثة من الروايات، أعني:رواية علي بن إبراهيم ورواية العياشي فكلاهما في الحقيقة تشيران إلى واقعية وحقيقة واحدة، لأنّه ليس من المستبعد انّ المقصود من :«الذين تتساوى حسناتهم وسيّئاتهم»ـ كما ورد في رواية العياشي هم المؤمنون العاصون من الشيعة الذين ورد ذكرهم في رواية علي بن إبراهيم.

نعم انّ هذا التفسير لا ينسجم مع ما استفدناه من ظاهر سياق الآيات، لأنّه ووفقاً للبحث السابق حملنا قوله تعالى: (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُون) وقوله تعالى: (إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ...) على أصحاب الجنة الذين يقفون على حدود وأطراف الجنة ولم يدخلوها فعلاً، ولا علاقة لهاتين الجملتين بأصحاب الأعراف.


( 318 )

وبعبارة أُخرى: انّ أصحاب الأعراف أُناس من الطراز الأوّل والنوع الممتاز المنزّه والمصون من كلّ أنواع الانحراف والزلل، بل انّ مصير طائفة من أهل الجنّة والنار مرهون باختيار طائفة من أصحاب الأعراف، والحال أنّنا نرى أنّ مفاد ومضمون بعض الروايات انّه يوجد في زمرة أصحاب الأعراف مجموعة من الناس المذنبين!!

ويمكن القول: إنّ الآيات المذكورة وإن كان سياقها يتناسب مع ما قلنا سابقاً ولكن هذه الآيات لا تأبى الانسجام مع مضامين الروايات، بأن نجمع بينهما، كما فعل ذلك العلاّمة المجلسي حيث اعتبر وجه الجمع بين الآيات والروايات هو مضمون رواية علي بن إبراهيم وانّ أصحاب الأعراف ينقسمون إلى طائفتين:

1. الأنبياء والأئمة والكمّل من الناس.

2. المؤمنون العصاة.

وكذلك ذهب إلى هذه النظرية كلّ من العالمين الكبيرين الشيخ الصدوق(رحمه الله) والشيخ المفيد(قدس سره)، حيث قال: والرجال هم النبي وأوصياؤه(عليهم السلام)،لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه، وعند الأعراف المرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم.

وعلى كلّ حال فبحث «الأعراف» و«أصحاب الأعراف» من البحوث التي تعتمد على النقل بدرجة مائة بالمائة، وإنّ المسألة تعبدية ولا طريق لدرك هذه الحقيقة، وواقع الأمر والخصوصيات إلاّ من خلال الوحي، ومن الواضح أنّ الآيات والروايات لم تدع أيّ مجال للريب والشكّ في هذه الحقيقة التي يجب الإذعان بها باعتبارها تمثل أحد المراحل المسلّمة، في عالم الآخرة وكيفية وقوع القيامة والحساب.(1)


1 . منشور جاويد:9/354ـ 362.


( 319 )

115

حال الأشقياء يوم القيامة

سؤال: لقد تعرّض القرآن الكريم لبيان حالات الناس الأشقياء يوم القيامة، فما هي تلك الحالات؟ وما هي كيفيتها؟

الجواب: لقد وردت آيات كثيرة في الذكر الحكيم وبصور وعناوين مختلفة لبيان حالات الأشقياء يوم القيامة، ونحن هنا واعتماداً على تلك الآيات نسلّط الضوء على أحوال تلك الطائفة من الناس الأشقياء، ومن تلك الحالات:

الف. أصحاب الشمال

لقد ركّز القرآن الكريم على أحوال أصحاب الشمال، فتارة تحدّث عن أحوالهم في الدنيا، وأُخرى في الآخرة.

أمّا في الآخرة فقد وصفهم بالصفات التالية:

1. بيان حالهم حين يرون صحيفة أعمالهم، حيث قال سبحانه واصفاً تلك الحالة:

(وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابيَهْ* وَلَمْ


( 320 )

أَدْرِ ما حِسابِيَهْ).(1)

2. بيان تمنّيهم أن يكون الموت فناءً لهم بالكامل وأن لا يحشروا مرّة أُخرى، قال تعالى:

(يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ) .(2)

3. بيان حالهم في أنّهم سينكشف لهم انّ أموالهم وأولادهم لا تنفعهم شيئاً، وينكشف لهم عجزهم وانكسارهم وانّ ما جمعوه من المال والسلطة والنفوذ لن يمنعهم من العذاب، قال تعالى:

(ما أَغْنى عَنّي مالِيَهْ* هَلَكَ عَنّي سُلْطانِيَهْ) .(3)

4. يأخذه الموكّلون به يغلّونه فيصلونه الجحيم، قال تعالى:

(خُذُوهُ فَغُلُّوهُُ* ثُمَّ الْجَحيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ في سِلْسِلَة ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ).(4)

5. وقد كشفت سورة الواقعة حالهم بنحو آخر حيث جاء فيها:

( وَأَصْحابُ الشّمالِ مَا أَصحابُ الشمالِ *في سَمُوم وَحَميم *وَ ظِلّ مِنْ يَحْمُوم* لا بارِد وَلا كَريم).(5)

6. يطعمون من شجرة الزقوم ويشربون من الحميم قال تعالى:

( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ *لاكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمالِئُونَ مِْنَها الْبُطُونَ* فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَميمِ).(6)


1 . الحاقّة:25ـ 26.

2 . الحاقة:27.

3 . الحاقة:28ـ 29.

4 . الحاقة:30ـ 32.

5 . الواقعة:41ـ 44.

6 . الواقعة:51ـ 54.


( 321 )

ب. الظالمون

إنّ البحث عن الظلم والظالمين وأحوالهم ومالهم من الأوصاف والحالات في الدنيا والآخرة من البحوث الواسعة التي تتطلّب بحثاً مستقلاً ودراسة مبسوطة لتسليط الضوء على جميع تلك الأبعاد، ولكنّنا نقتصر هنا على بعض تلك الأوصاف والأحوال بنحو موجز، ومنها:

1. ليس لهم ناصر ولا شفيع

(...وَما لِلظّالِمينَ مِنْ أَنْصار) .(1)

(...ما لِلظّالِمينَ مِنْ حَميم وَلا شَفيع يُطاعُ) .(2)

2. أعدّ لهم عذاب أليم

(...وَأَعْتَدْنا لِلظّالِمينَ عَذاباً أَليماً) .(3)

3. مثواهم مثوى السوء

(...وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمينَ) .(4)

(...وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ) .(5)


1 . البقرة:270.

2 . غافر:18.

3 . الفرقان:37.

4 . آل عمران:151.

5 . غافر:52.


( 322 )

4. اليأس من رحمة اللّه

(...فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمينَ) .(1)

5. تحيط بهم سرادق من النار

(...إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها...) .(2)

6. الحسرة والندم وعض الأيدي

(...يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ...) .(3)

وآيات أُخرى.

ج. الكافرون والمشركون

1. يصف القرآن الكريم الكافرين والمشركين بأنّهم خالدون في النار وانّهم من أشقى الناس حيث يقول سبحانه:

(إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدينَ فيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيّةِ) .(4)

2. يحشرون يوم القيامة عمياً وبكماً وصماً، قال تعالى:

(...وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَ صُمّاً مَأْويهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعيراً* ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ


1 . الأعراف:44.

2 . الكهف:29.

3 . الفرقان:27.

4 . البيّنة:6.


( 323 )

كَفَرُوا بِآياتِنا...) .(1)

3. وضع الأغلال والسلاسل في أعناقهم، قال تعالى:

(...وَجَعَلْنَا الاغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذينَ كَفَرُوا...) .(2)

وقال سبحانه:

(إِنّا جَعَلْنا في أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ).(3)

وقال سبحانه:

(إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعيراً).(4)

4. يقطع لهم ثياب من نار:

(...فَالَّذينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نار...) .(5)

5. يوم القيامة يعيش الكافرون العسر والشدّة:

(...وَكانَ يَوْماً عَلَى الكافِرينَ عَسيراً) .(6)

وقال تعالى:

(فَذلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسيرٌ* عَلَى الكافِرينَ غيْرُ يَسير) .(7)

6. أعدّ اللّه لهم عذاباً مهيناً


1 . الإسراء:97ـ 98.

2 . سبأ:33.

3 . يس:8.

4 . الإنسان:4.

5 . الحج:19.

6 . الفرقان:26.

7 . المدثر:9ـ10.


( 324 )

(...وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرينَ عَذاباً مُهيناً) .(1)

وقال تعالى:

(الَّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَديدٌ...) .(2)

وقال سبحانه:

(...وَالَّذينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْز أَليمٌ) .(3)

د. المكذبون

ومن جملة الطوائف الشقيّة يوم القيامة هي طائفة المكذّبين بالدين وبالحقائق الدينية والذين وصفهم القرآن الكريم بوصف «المكذبين»، ومن البديهي انّ المصداق البارز لهذا العنوان هم الكافرون والمشركون كما وصفوا في سورة الواقعة بأنّهم أصحاب الشمال حيث جاء في السورة بعد ذكر المقرّبين وأصحاب اليمين قوله تعالى:

(وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبينَ الضّالّينَ *فَنُزُلٌ مِنْ حَميم* وَتَصْلِيَةُ جَحيم) .(4)

وفي مكان آخر وصفوا بأنّهم مكذّبون بيوم الدين وقيام الساعة، حيث قال سبحانه:

(وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبينَ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) .(5)


1 . النساء:37.

2 . فاطر:7.

3 . الجاثية:11.

4 . الواقعة:92ـ 94.

5 . المطفّفين:10ـ 11.


( 325 )

وفي آية أُخرى وصفوا بعنوان الضالّين وانّهم لشدّة ضلالهم اتّخذوا الحقيقة هُزواً ولعباً حيث قال تعالى:

(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبينَ* الَّذينَ هُمْ في خَوض يَلْعَبُونَ) .(1)

وعلى كلّ حال فقد وصف القرآن الكريم الحالة المأساوية والوضع المؤلم والعاقبة السيئة التي يتّصف بها المكذّبون يوم القيامة، وفي كثير من الآيات جاءت كلمة «الويل» للتعبير عن شدّة العذاب وسوء العاقبة، ولقد وردت هذه الكلمة في سورة المرسلات عشر مرات، وكذلك جاءت في سورة المطففين والطور.

بالإضافة إلى ذلك كلّه ذكرت الآيات طائفة من أنواع العقاب التي سيتعرض لها المكذّبون، والتي منها:

1. لا يؤذن لهم بالنطق:

(هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ*وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) .(2)

2. يقال لهم انطلقوا إلى النار التي كنتم بها تكذّبون

(انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) .(3)

3.يستظلّون بما لا ينفعهم:

(انْطَلِقُوا إِلى ظِلّ ذي ثَلاثِ شُعَب* لا ظَليل وَلا يُغْني مِنَ اللَّهَبِ).(4)

4. شدّة النار التي يحشرون فيها:


1 . الطور:11ـ 12.

2 . المرسلات:35ـ 36.

3 . المرسلات:29.

4 . المرسلات:30ـ 31.


( 326 )

(إِنَّها تَرْمي بِشَرَر كَالْقَصْرِ* كَأَنَّهُ جَمالَتٌ صُفْرٌ) .(1)

5. ليس لهم غذاء إلاّ الأكل من شجرة الزقوم:

(ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ *لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمالِئُونَ مِنْهَا الْبُطونَ* فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَميمِ).(2)

هـ. المجرمون والفجّار

من الأوصاف التي أُطلقت على الأشقياء صفتي المجرمين والفجّار.

ولقد وصف القرآن حالاتهم يوم القيامة بالنحو التالي:

1. اليأس من رحمة اللّه:

(وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ).(3)

2. يعلوهم الغبار والغم والحزن:

(...وُجُوهٌ يَومَئذ عَلَيْها غَبَرَةٌ* تَرْهَقُها قَتَرَةٌ* أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) .(4)

3. يحشرون بصورة قبيحة خاصة حيث قال سبحانه:

(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسيماهُمْ...) .(5)

(...وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمينَ يَوْمَئِذ زُرْقاً) .(6)


1 . المرسلات:32ـ 33.

2 . الواقعة:51ـ 54.

3 . الروم:12.

4 . عبس:40ـ 42.

5 . الرحمن:41.

6 . طه: 102.


( 327 )

4. إشفاقهم من صحيفة أعمالهم وما دوّن فيها، ولقد أشار سبحانه إلى تلك الحقيقة بقوله:

(وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمينَ مُشْفِقينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتاب لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلاّ أَحْصيها...). (1)

5. حالة الذل والانكسار

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ...) .(2)

6. يسحبون في النار على وجوههم

(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ...) .(3)

7. تمنّيهم الخلاص من العذاب بفداء كلّ شيء عزيز:

(...يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدي مِنْ عَذابِ يَوْمَئذ بِبَنيهِ* وَصاحِبَتِهِ وَأَخيهِ* وَفَصيلَتِهِ الّتي تُؤويهِ* وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَميعاً ثُمَّ يُنْجيهِ).(4)

وهناك آيات أُخرى في هذا المجال أيضاً.(5)

سمات المجرمين في القرآن

يتّضح من خلال ملاحظة السمات والأوصاف التي أطلقها القرآن الكريم


1 . الكهف:49.

2 . السجدة:12.

3 . القمر:48.

4 . المعارج:11ـ 14.

5 . انظر: إبراهيم:49ـ 50، المدثر:41، الزخرف:74.


( 328 )

على المجرمين أنّهم كانوا كافرين ومشركين ومكذِّبين بالدين والحقائق الدينية، وانّهم كانوا يستهزئون بالمؤمنين، ولقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى ذلك، فمنها قوله تعالى:

1. (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) .(1)

2. إنكارهم للمعاد والنار يوم القيامة

(هذِهِ جَهَنَّمُ الّتي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ).(2)

3. وفي آيات أُخرى جاءت كلمة المجرمين في مقابل المسلمين، وهذا شاهد على أنّ المجرمين وصف لطائفة من الناس الذين لم يدخلوا في الإسلام، قال تعالى:

(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ) .(3)

4. حينما سأل أصحاب اليمين المجرمين عن سبب هذه العاقبة والمصير الأسود الذي وصلوا إليه، أجابوا بأنّهم كانوا يتّصفون بصفات خاصة نتج عنها هذا المصير الأسود، وهذه الصفات هي:

ألف: (...لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلّينَ) .

ب: (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكينَ) .

ج: (وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضينَ) .

د: (وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ) .(4)

5. عداؤهم للأنبياء والرسل


1 . المطففين:29.

2 . الرحمن:43.

3 . القلم:35.

4 . المدثر:43ـ 46.


( 329 )

(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِىّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمينَ...) .(1)

6. من المجرمين فرعون وقومه

(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَونَ وَمَلإيِْهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوماً مُجْرِمينَ) .(2)

7. يكونون سبباً لإضلال غيرهم

(وَما أَضَلَّنا إِلاّ الْمُجْرِمُونَ) .(3)

يتّضح بجلاء من خلال هذه الآيات والآيات الأُخرى أنّ المجرمين ـ و وفقاً للنظرية القرآنية ـ بالإضافة إلى انحرافهم وضلالهم أنفسهم وعدائهم وخصومتهم للأنبياء يسعون لإضلال وانحراف الآخرين ويستهزئون بالمؤمنين وينكرون الآخرة والقيم الإلهية ولا يفكّرون إلاّ في الإفساد والانحراف والرذيلة.

ومن البديهي أنّ هذه الصفات تتنافى مع الإيمان باللّه واليوم الآخر، وبالنتيجة يكون المجرمون خصوماً ألدّاء للّه سبحانه وللفضائل الإنسانية والقيم الأخلاقية، ومن الطبيعي جداً أنّهم سيواجهون أشدّ أنواع العذاب يوم القيامة، كما يظهر ممّا ذكرناه من صفاتهم وسماتهم التي تعرضت لبيانها آيات الذكر الحكيم.

و. المنافقون

بما أنّ صفة النفاق من أقبح الصفات الذميمة، وأنّ المنافقين يعدّون من أخطر أعداء وخصوم الدين الإسلامي، لذلك نجد القرآن الكريم قد ركّز على هذه الصفة في آيات كثيرة، يمكن تصنيفها إلى صنفين أساسيين، هما:


1 . الفرقان:31.

2 . يونس:75.

3 . الشعراء:49.


( 330 )

1. الآيات التي تتعلّق بصفاتهم وسماتهم الدنيوية.

2. الآيات التي تتعلّق بصفاتهم الأُخروية.

وأمّا سماتهم الدنيوية فيمكن تصنيفها وبنحو كلّي إلى ثلاث محاور، هي:

1. صلتهم باللّه تعالى.

2. صلتهم بالمؤمنين.

3. صلتهم بالكافرين والمشركين.

صلة المنافقين باللّه تعالى

بما أنّ المنافق هو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان باللّه والتسليم للأحكام الإلهية، ويعتمد الطريقة النفاقية في التعامل مع اللّه سبحانه وأحكامه، من هنا يعتبر المنافقون الوعد والوعيد الإلهي أُموراً كاذبة لا واقع لها فلا يكون لها أيّ أثر على سلوكهم وحركتهم فينسون اللّه سبحانه وتعالى في مقام العمل بصورة كليّة وتنقطع صلتهم به عزّ وجلّ وبرسوله.

إذا عرفنا ذلك نحاول أن نسلّط الضوء على الآيات الواردة في هذا المجال، وهي:

1. (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنينَ).(1)

2.(إِنَّ الْمُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللّهَ...).(2)

3. (...نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ...) .(3)


1 . البقرة:8.

2 . النساء:142.

3 . التوبة:67.


( 331 )

4. (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً) .(1)

5. (...وَاللّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا...).(2)

6. (اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .(3)

صلة المنافقين بالمؤمنين

إنّ الآيات الواردة في هذا المجال كثيرة جداً، إلاّ أنّ الأمر الجامع بين هذه الآيات هي أنّها تركّز على أنّ المنافقين يتظاهرون أنّهم من زمرة المؤمنين والصالحين من أجل الاستفادة من المنافع التي يحصل عليها المسلمون والامتيازات التي يكسبونها، ولكنّهم في اللحظات الخطرة والمواقف العصيبة، والشروط الصعبة التي يتعرض لها المؤمنون، تجدهم يتذرّعون بشتّى الذرائع الواهية والحجج الباطلة، للفرار من ساحة الوغى ويتركون المؤمنين يواجهون المشاكل والصعاب لوحدهم، ومن هنا يوجهون ضربة شديدة للمؤمنين ـ تحت ستار الصحبة والإيمان الظاهري ـ ولم يكتفوا بترك ساحة القتال، بل يعملون كالطابور الخامس في خدمة الأعداء وإرشادهم إلى نقاط الخلل والضعف في صفوف المؤمنين، يقول سبحانه وتعالى واصفاً هذه الحقيقة:

1. (وَإِذا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطينِهِمْ قالُوا إِنّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ) .(4)


1 . الأحزاب:12.

2 . النساء:88.

3 . البقرة:15.

4 . البقرة:14.


( 332 )

2. (هُمُ الَّذينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا...) .(1)

3. (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلأَوضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ).(2)

4. (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبيلِ اللّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ).(3)

صلة المنافقين بالكافرين والمشركين

الذي يمعن النظر في آيات الذكر الحكيم يتّضح له وبجلاء أنّ المنافقين والكافرين تجمعهم عقيدة مشتركة وهدف واحد، وذلك بأنّ الجميع لم يؤمنوا باللّه تعالى ولم يعتقدوا بيوم القيامة، وبرسالة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا من جهة، ومن جهة أُخرى يرون أنّ في الرسالة الإسلامية والتعاليم الإسلامية خطراً شديداً على مصالحهم الدنيوية والمادية، ولذلك اتّحدوا للقضاء على الإسلام والمسلمين أو على أقلّ تقدير الحدّ من نفوذ هذه الرسالة العظيمة.

ومن هنا يتّضح أنّ علاقتهم علاقة صداقة ورابطة منافع ومصالح مشتركة.

ولكن هناك نكتة جديرة بالاهتمام ـ و هي من النكات التي سلّط القرآن عليها الضوء أيضاً ـ وهي أنّ المنافقين لا يفكّرون إلاّ بمنافعهم المادّية ومصالحهم


1 . المنافقون:7.

2 . التوبة:47.

3 . التوبة:81.


( 333 )

الدنيوية، ولذلك تجدهم مع الكافرين والمشركين مادامت تلك العلاقة والصحبة تؤمن لهم مصالحهم ومنافعهم، ولذلك تجدهم يبتعدون بأنفسهم عن مواقع الخطر والشدّة.

وبعبارة أُخرى: أنّ المنافقين لا يكتفون بممارسة الحالة النفاقية مع المؤمنين فقط، بل أنّهم يعتمدون هذا الأُسلوب وينهجون هذا النهج النفاقي مع إخوانهم من الكافرين والمشركين.ولقد فضح القرآن الكريم هذا المنهج النفاقي بما لا ريب فيه، حيث قال سبحانه مسلّطاً الضوء على تلك الصفة:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لاخْوانِهُمُ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِالكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطيعُ فيكُمْ أَحداً أَبداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَّ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) .(1)

أحوال المنافقين في الآخرة

بعد أن اتّضحت لنا ـ وبنحو ما ـ أحوال المنافقين في الحياة الدنيا، حان الوقت لنسلّط الضوء على أحوالهم في الآخرة، وهنا يمكن تصنيف الآيات المباركة الواردة في هذا المجال إلى ثلاثة أصناف، هي:

1. صلتهم بالكافرين.

2. صلتهم بالمؤمنين.

3. حالتهم بصورة عامة.


1 . الحشر:11ـ 12.


( 334 )

أمّا ما يتعلّق بالصنف الأوّل فقد بيّنت آيات الذكر الحكيم تلك الحالة بالنحو التالي:

(...إِنَّ اللّهَ جامِعُ الْمُنافِقينَ وَالْكافِرينَ في جَهَنَّمَ جَميعاً) .(1)

وفي آية أُخرى:

(وَعَدَ اللّهُ الْمُنافِقينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ...) .(2)

والذي يستفاد من هذه الآيات المباركة انّه بما أنّ المنافقين والكافرين كانوا مشتركين في عقيدتهم، لذلك يشتركون في العقاب والعذاب الأُخروي، وأنّهم مخلّدون في النار.

وأمّا بالنسبة إلى صلتهم بالمؤمنين في الآخرة، فقد سلّطت الآية المباركة الضوء على ذلك بقوله سبحانه:

(يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذينَ آمَنُوا انْظُرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) .(3)

والذي يستفاد من هذه الآية الشريفة أنّ المنافقين يحاولون ممارسة نفس المنهج الثقافي ـ الذي كانوا يمارسونه في الدنيا ـ في الآخرة لنيل المنافع الأُخروية والاستفادة من النعيم الذي حصل عليه المؤمنون، ومحاولة الاستفادة من نور المؤمنين الذي هو في الحقيقة التجلّي الحقيقي لعقيدتهم الراسخة ونيّتهم الخالصة وأعمالهم الصالحة، ولكن فات المنافقين انّ عالم الآخرة لا مجال لهذا المنهج الذميم


1 . النساء:140.

2 . التوبة:68.

3 . الحديد:13.


( 335 )

والأُسلوب القبيح فيه، ولن ينفعهم ذلك أبداً ولن ينفعهم في الخلاص من العذاب الأليم الذي أحاط بهم.

وأمّا بالنسبة إلى القسم الثالث أي الوضع الأُخروي للمنافقين بصورة عامة ـ من دون ملاحظة صلتهم بالمؤمنين أو الكافرين ـ فقد جاء وصفهم في القرآن الكريم بالنحو التالي:

(بَشِّرِ الْمُنافِقينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَليماً) .(1)

وفي آية أُخرى:

(إِنَّ الْمُنافِقينَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النّارِ...) .(2)

ولعلّ شدّة عذابهم نابعة ـ بالإضافة إلى عدم إيمانهم باللّه ورسوله وبالإسلام، وعدائهم وخصومتهم للمؤمنين والمسلمين، واتّحادهم مع المشركين والكافرين ـ من كون نفوسهم قد تلوّنت بصفة النفاق الذميمة، أضف إلى ذلك أنّ خطرهم على المسلمين والمؤمنين كان أشدّ من خطر الكافرين والمشركين.

وعلى هذا الأساس ـ و وفقاً للوحي الإلهي ـ يكون عملهم وعداوتهم للإسلام في الحياة الدنيا أخطر وأقبح من خطر الكافرين، ولذلك يكون جزاؤهم وعذابهم الأُخروي أشدّ وأخزى من عذاب غيرهم.(3)


1 . النساء:138.

2 . النساء:145.

3 . منشور جاويد:9/448ـ 464.


( 336 )

116

تجسّم الأعمال والملكات

سؤال: من المصطلحات التي تتداول حينما يرد البحث عن الجنة والنار، أو الثواب والعقاب، مصطلح تجسّم الأعمال والملكات، ما المراد من ذلك المصطلح؟

الجواب: نبيّن أوّلاً حقيقة تجسّم الأعمال والملكات، ثمّ نعرّج على البحث عن أدلّتها.

إنّ المقصود من تجسّم الأعمال أو «التمثّل» هو أنّ الأعمال التي يقوم بها الإنسان في هذا العالم تتجلّى وتظهر في العالم الأُخروي بصورة وشكل يتناسب مع ذلك العالم.

وبعبارة أُخرى: إنّ الثواب والعقاب، أو النعم والانتقام، أو الفرح والسرور، أو الألم والعذاب، كلّها تمثّل حقيقة الأعمال الدنيوية للإنسان وتتجلّى له في الآخرة.

وبعبارة أكثر وضوحاً: إنّ للعمل الإنساني ـ سواء أكان حسناً أم سيئاً، جميلاً أم قبيحاً ـ ظهورين فما يكتسبه الإنسان من الأعمال الحسنة ـ كالصوم والصلاة والحجّ و الزكاة، أو ما يقوم به من أعمال البرّ ـ كلّها أعمال دنيوية ولا


( 337 )

ظهور لها بحسب هذه النشأة سوى ما نشاهده منها. ولكن في نفس الوقت لها ظهور آخر في النشأة الأُخروية يتناسب مع تلك النشأة، فتظهر بصورة الجنة ونعيمها وحورها وغلمانها، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأعمال القبيحة والأفعال السيئة.

وعلى هذا الأساس الأعمال الحسنة لهذا العالم تتغيّر في ذلك العالم وتتحوّل إلى: بساتين وحقول نظرة وحدائق غلبا،وأولاد مخلدين، وحور مقصورات في الخيام، وقصور فارهة; والعكس صحيح، فإنّ الأعمال القبيحة تتحوّل إلى أشياء تناسبها، كالنار و سلاسل الحديد وأنواع العذاب من الغل والضرب والزقوم والمهل يغلي البطون وغير ذلك.

وحينئذ يكون جزاء كلّ إنسان عين أعماله على الحقيقة ولا مجال هنا للمجازية أبداً، ففي محكمة العدل الإلهي لا يوجد شيء أفضل من أن يرى الإنسان جزاء عمله، وتعود عليه نفس نتيجة ما اقترفه من عمل، صالحاً كان أم طالحاً. وهذا ما يطلق عليه اصطلاحاً بتجسّم الأعمال.

وإلى جانب الكلام عن «تجسّم الأعمال» هناك كلام آخر حول تجسّم الملكات، وهي أنّ الملكات التي يكتسبها الإنسان في الحياة الدنيا، كملكة حب الخير والإحسان وملكة الطاعة أو العدل والإنصاف وغير ذلك من الصفات الحسنة; أو ما يكتسبه من الملكات السيئة والذميمة، كملكة العصيان والتمرّد والحقد على الآخرين وتمنّي زوال النعمة عنهم وغير ذلك من الخصال، فإنّ لهذه الملكات بحسب الظهور الدنيوي ظهوراً يتناسب مع الحياة الدنيا، ولكن في عالم الآخرة تتحوّل تلك الملكات وتنقلب بنحو يناسب تلك النشأة، أي تظهر الحقيقة الباطنية لتلك الملكات والصفات.


( 338 )

يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد:

فباعتبار خُلقِهِ الإنسانُ *** مَلَكٌ أو أعجمٌ أو شيطان

فهو وإن وُحِّدَ دنياً وزّعا *** أربعةً عُقبىً فكان سبعاً

بهيمةً مع كون شهوة غَضَب *** شيمَتُه وإن عَليه قد غَلَب

مكرٌ فشيطانٌ وإذ سجية *** سنيّة فصورٌ بهيِّة(1)

هذا هو تصوير الحكماء وأهل المعرفة لتجسّم الأعمال والملكات.

تجسّم الأعمال على ضوء القرآن الكريم

هناك طائفة كبيرة من آيات الذكر الحكيم تدلّ وبوضوح على هذه الحقيقة وهي انّ ما اكتسبه الإنسان من خير أو شر يجده أمامه يوم القيامة، ومن تلك الآيات قوله تعالى:

1.(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعيداً...) .(2)

وكذلك قوله تعالى :

(وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).(3)

وقوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ).(4)

ومن الواضح أنّ ظاهر هذه الآيات الكريمة يؤكّد حقيقة أنّ نفس الأعمال


1 . شرح منظومة السبزواري: المقصد6، الفريدة 4.

2 . آل عمران:30.

3 . الكهف:49.

4 . التكوير:14.


( 339 )

التي اكتسبها الإنسان يجدها أمامه يوم القيامة بأعيانها، وتحضر أمامه بواقعها.

2. (إِنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِه ثَمَناً قَليلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إِلاّالنّار...) .(1)

3. (إِنَّ الَّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَونَ سَعيراً) .(2)

فإنّ صريح هاتين الآيتين انّ ما يقترفه الإنسان من كتمان الحقائق الإلهية أو التجاوز على أموال اليتامى ظلماً، سيظهر في تلك النشأة بصورة النار في بطونهم، ولا ريب أنّ الصورة الظاهرية لهذه الأفعال في الحياة الدنيا لم تكن بالشكل المذكور، بل هو في الواقع يظهر في الدنيا بصورة اللّذات والنعيم الدنيوي.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ لهذه الأموال ظهورين، الظهور الأُخروي يظهر منها بصورة تختلف تماماً عن الظهور الدنيوي، ولكن (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ)تظهر الصورة الحقيقية والواقعية لتلك الأعمال والأموال المغتصبة.

ومن هنا حاول بعض المفسّرين الجنوح إلى تأويل تلك الآيات فقالوا:

إنّ المقصود من هذه النار هي نار جهنم التي يحرقون فيها بعنوان العذاب. والحال انّ هذا التأويل أو التفسير مخالف لظاهر الآيات الكريمة و مدلولها.

4. (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ...) .(3)

وظاهر الآية انّ نور المؤمنين يسعى أمامهم يوم القيامة، وليس للنور مبدأ


1 . البقرة:174.

2 . النساء:10.

3 . الحديد:12.


( 340 )

سوى وجودهم الذي يتحوّل إلى نور يشع ويضيء الطريق أمامهم.

وحينئذ يطرح السؤال التالي: ما هو منشأ هذا النور؟ ومن أين جاء؟

والجواب: انّنا حينما نرى المنافقين يطلبون من المؤمنين الاقتباس من نورهم كما جاء في قوله تعالى:(انظُرونا نَقْتَبِس مِنْ نُورِكُم) نجد انّ جواب المؤمنين لهم بأنّ ذلك الأمر منبعه الحياة الدنيا التي فرطتم فيها ولذلك يقولون لهم:

(...ارْجَعُوا وَرائَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً...).(1)

وهذا الجواب يعرب وبوضوح أنّ هذا النور هو ظهور لما قام به المؤمنون من الأعمال الصالحة في حياتهم الدنيوية.

ثمّ إنّه يطرح السؤال الآخر وهو: كيف نشأ هذا النور من الحياة الدنيا؟

في مقام الجواب عن هذا التساؤل يوجد احتمالان:

1. انّ الشخصية السامية والرفيعة للمؤمنين وفي ظل الطاعات والعبادات تتحوّل إلى مركز للملكات الجميلة والخصال الحميدة ثمّ تتجلّى في عالم الآخرة بصورة النور.

2. انّه تتجلّى وتتجسّم الصورة الحقيقية والواقعية لأعمالهم الصالحة وصفاتهم الحميدة بصورة النور في تلك النشأة.

ولقد حذّر القرآن الكريم المستكبرين والطواغيت من اكتناز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل اللّه، لأنّها ستتحول في عالم الآخرة إلى نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وتتجلّى تلك الأموال بصورتها الحقيقية في عالم الآخرة، وهذا ما ورد في قوله تعالى:

5.(...وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ


1 . الحديد:13.


( 341 )

اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) .(1)

والنكتة الجديرة بالتأمّل والإمعان انّ الآية تخاطبهم بالقول:

(...هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ...) .

وكأنّ الذهب والفضة لهما صورتان صورة في الحياة الدنيا وصورة أُخرى في الحياة الأُخروية، ففي هذا العالم تظهر بصورة الفلزات التي تبهر العيون وتجذب القلوب إليها، وفي عالم الآخرة تظهر بصورة العذاب الأليم والنار المحرقة.

6. (...وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ بِما آتيهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَومَ الْقِيامَةِ...).(2)

وهذه الآية كسابقتها تعتبر اكتناز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل اللّه وطبقاً لأحكامه سبحانه وتعالى، سوف تتجسّم بصورة الأغلال والقيود ويطوّقون بها يوم القيامة.

ثمّ إنّنا إذا نظرنا إلى نصائح لقمان لولده نجده يخاطبه بقوله:

7.(يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ في صَخْرَة أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الأرضِ يَأَتِ بِهَا اللّهُ...) .(3)

وظاهر الآية يؤكّد أيضاً انّ اللّه سبحانه يأتي بنفس عمل الإنسان يوم


1 . التوبة:34ـ 35.

2 . آل عمران:180.

3 . لقمان:16.


( 342 )

القيامة، ويعتبر ذلك ملاكاً لثواب الإنسان أو عقابه.

وقد تمّت الإشارة إلى هذه الحقيقة في آية أُخرى وبنحو آخر حيث قال سبحانه:

8.(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ).(1)

والنكتة الجديرة بالاهتمام هنا أنّه قد ورد في الآية كلمة (يره) باعتبار انّ الضمير هنا يعود إلى نفس العمل، وهذا ما يستفاد من كلمة (يعمل)، أو أنّ الضمير يعود إلى كلمتي: (خيراً)و (شراً)، وعلى كلا الفرضيتين فإنّ ظاهر الآية انّ الإنسان في النشأة الأُخروية يرى نفس أعماله التي اقترفها في الحياة الدنيا.

وإنّ الذين حملوا ذلك على أنّه يرى جزاء أعماله أو ثوابها، فلا ريب أنّ ذلك الحمل على خلاف الظاهر.

تجسّم الأعمال على ضوء الروايات

فكما أنّ الآيات قد أكّدت على تجسّم الأعمال، كذلك نجد الروايات قد دعمت تلك الفكرة وأكّدت على تلك الحقيقة، نشير هنا إلى بعض تلك الروايات:

1. قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):

«اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُماتُ يَوْمِ القِيامَة».(2)

ومن الملاحظ انّ ظاهر هذه الرواية انّ نفس الظلم يتجسّد يوم القيامة بصورة الظلمات.


1 . الزلزلة:7ـ8.

2 . الكافي:2/332، كتاب الإيمان والكفر، الحديث10 و11.


( 343 )

2. وعن علي(عليه السلام) أنّه قال:

«وَأَعْمالُ الْعِبادِ في عاجِلِهِمْ نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ في آجِلِهِمْ».(1)

وهذه الرواية تدلّ على المطلوب إذا قلنا إنّها في مقام الحديث عن الثواب والعقاب لا الحديث عن محاسبة الأعمال والأفعال.

3. روى أبو بصير عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:

«مَنْ أكَلَ مالَ أَخيهِ ظُلْماً ولَمْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ أَكَلَ جَذْوَةً مِنَ النّارِ يَوْمَ الْقيامَةِ».(2)

4. وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«جاء جبرئيل إلى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له:

«يا محمّد عِشْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاحبِبْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُه، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقيهِ».(3)

والشاهد على المدعى هو الفقرة الأخيرة من الرواية: «وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقيه».

وفي هذا المجال يمكن الاستفادة من الروايات الواردة في مجال البحث عن عالم القبر والبرزخ حيث ورد فيها الحديث انّ الذي يصاحب الإنسان ويكون مرافقاً وقريناً له، هو نفس أعماله وأفعاله التي يقوم بها في الحياة الدنيا، والتي تكون سبباً لسعادته أو شقائه، أو رضاه أو ألمه، ومن تلك الروايات:

5. عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:


1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار رقم6.

2 . الكافي:2/333، كتاب الإيمان والكفر، الحديث15.

3 . الكافي:3/255، الحديث17.


( 344 )

«ما من موضع قبر إلاّ وهو ينطق كلّ يوم ثلاث مرات: أنا بيت التراب، أنا بيت البلاء، أنا بيت الدود، قال: فإذا دخله عبد مؤمن قال: مرحباً وأهلاً أما واللّه لقد كنت أحبك تمشي على ظهري، فكيف إذا دخلت بطني... قال: فيفسح له مدّ البصر ويفتح له باب يرى مقعده من الجنة قال: ويخرج من ذلك رجل لم تر عيناه شيئاً قط أحسن منه فيقول:

«أَنَا رَأْيُكَ الحَسَنُ الَّذي كُنْتَ عَلَيْهِ وَعَمَلُكَ الصّالِحُ الَّذي كُنْتَ تَعْمَلُهُ».(1)

6. روى الصدوق بسنده عن العلاء بن محمد بن الفضل، عن أبيه، عن جده، قال: قال قيس بن عاصم: وفدت مع جماعة من بني تميم إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دخلت وعنده الصلصال بن الدلهمس، فقلت: يا نبي اللّه عظنا موعظة ننتفع بها فإنّا قوم نعبر(نعمر) في البرية. فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«يا قيس إنّ مع العزّ ذلاً، وإنّ مع الحياة موتاً، و إنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ سيّئة عقاباً، ولكلّ أجل كتاباً، وانّه لابدّ لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك،وإن كان لئيماً أسلمك، ثمّ لا يحشر إلاّ معك ولا تبعث إلاّ معه ولا تُسأل إلاّ عنه، فلا تجعله إلاّ صالحاً، فإنّه إن صلح آنست به، وإن فسد لا تستوحش إلاّ منه، وهو فعلك».

7. وقا(2)ل الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث طويل: «إذا بعث اللّه المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه، كلّما رأى المؤمن هولاً من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تفزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من اللّه عزّ وجلّ حتى يقف


1 . الكافي:3/241، الحديث1.

2 . أمالي الصدوق:12، الحديث4، المجلس الأوّل.


( 345 )

بين يدي اللّه عزّ وجلّ فيحاسبه حساباً يسيراً، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: يرحمك اللّه نعم الخارج، خرجت معي من قبري، وما زلت تبشّرني بالسرور والكرامة من اللّه حتّى رأيت ذلك، فيقول: مَن أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني اللّه عزّ وجلّ منه لأُبشّرك»(1).(2)


1 . بحار الأنوار:7/197، الباب8 ، باب أحوال المتقين والمجرمين في القيامة، الحديث69.

2 . منشور جاويد:9/406ـ 416.


( 346 )

117

تجسّم الأعمال من منظار العقل

سؤال: كان الكلام السابق حول توجيه نظرية تجسّم الأعمال من خلال القرآن الكريم والروايات الشريفة، ولكن يبقى البحث عن كيفية توجيه هذه النظرية وفقاً لمعطيات العقل والعلم، فكيف توجّهون ذلك؟

الجواب: انّ طائفة من المفسّرين والمتكلّمين أنكروا النظرية وذهبوا إلى امتناع تجسّم الأعمال، ومالوا إلى تأويل الآيات والروايات الواردة في هذا المجال، والعمدة في دليلهم هو: انّ الأعمال التي يقوم بها الإنسان من مقولة العرض، وعلى هذا الأساس ستواجه نظرية تجسّم الأعمال إشكالين أساسيّين، هما:

1. انّ الأعمال من مقولة العرض، والعرض قائم بالجوهر، ومعنى تجسّمها تحقّق العرض بلا جوهر، وهذا أمر محال.

2. انّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال الصالحة أو الطالحة يفنى بعد تحقّقه، فكيف يمكن إعادته بعد انعدامه؟

يقول الشيخ الطبرسي في تفسير قوله سبحانه:


( 347 )

(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مُحْضَراً...).(1)

اختلف في كيفية وجود العمل محضراً. فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، عن أبي مسلم وغيره، وهو اختيار القاضي.

وقيل: ترى جزاء عملها من الثواب و العقاب، فأمّا أعمالهم فهي أعراض قد بطلت، ولا تجوز عليها الإعادة فيستحيل أن ترى محضرة.(2)

يقول العلاّمة المجلسي(قدس سره) بعد نقل نظرية الشيخ البهائي المؤيدة لفكرة تجسّم الأعمال: القول باستحالة انقلاب الجوهر عرضاً، والعرض جوهراً في تلك النشأة مع القول بإمكانها في النشأة الآخرة قريب من السفسطة، إذ النشأة الآخرة ليست إلاّ مثل تلك النشأة، وتخلّل الموت والإحياء بينهما لا يصلح أن يصير منشأ لأمثال ذلك.(3)

من هنا يظهر أنّ المخالفين للنظرية يتمسّكون بأمرين، هما:

1. انّ الأعمال من مقولة العرض وهي تفنى بعد صدورها أو بعد الموت، فلم يبق شيء حتّى يتجسّم بشكل آخر في عالم الآخرة.

2. انّ نظرية التجسّم معناها انقلاب العرض إلى الجوهر، وهو محال.

التحقيق في الأمر

والحقّ انّ كلا الإشكالين غير واردين على النظرية، وذلك لأنّ الإشكال الأوّل لا أساس له من الصحة، وهو باطل قطعاً، لأنّ البراهين العقلية قائمة على أساس أنّ من طرأ عليه الوجود ولبس لباس الوجود لا يعدم أصلاً، وانّه يبقى في


1 . آل عمران:30.

2 . مجمع البيان:1/431، ط صيدا.

3 . بحار الأنوار:7/229.


( 348 )

المرحلة والظرف الذي تحقّق فيه، وأنّ عدمه بعد انقضاء زمانه عدم نسبي لا عدم مطلق، فكلّ شيء موجود في ظرفه لا يمكن أن يطرأ العدم عليه.

هذا هو الدليل العقلي الحاسم، ويؤيد ذلك قوله تعالى:

(...وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّفي كِتاب مُبين) .(1)

ومن هنا نعلم أنّ الإشكال الأوّل القائل: إنّ أعمال الإنسان التي يقوم بها تنعدم ويستحيل إعادة المعدوم، لا أساس له من الصحة.

كذلك الكلام في الإشكال الثاني ـ انقلاب العرض جوهراً ـ فإنّه غير صحيح أيضاً، وذلك لأنّنا وإن كنّا نتبنّى نظرية المعاد الجسماني ولكن ليس ذلك بمعنى سيادة القوانين الدنيوية جميعها على النشأة الأُخرى، بل انّ الاختلاف بين النشأتين قد يورث الاختلاف بينهما في بعض القوانين، يقول سبحانه:

(يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا للّهِالواحِدِالْقَهّارِ).(2)

أضف إلى ذلك انّ هناك الكثير من الآيات التي يستفاد منها انّ للنظام الأُخروي قوانينه الخاصة به.

نعم هنا بعض الأُصول العقلية التي لا تختص بالعالم الدنيوي، بل تعمّ النشأتين من قبيل استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، واجتماع الضدين، ولكن ذلك لا يمنع من وجود سلسلة من القوانين العقلية غير المحضة، أن تكون سائدة وفقاً للنظام السائد في الحياة الدنيا ولكنّها تتغيّر وفقاً لعالم الآخرة، من قبيل تبدّل


1 . يونس:61، سبأ:3.

2 . إبراهيم:48.


( 349 )

العرض جوهراً، فإنّ كون العرض غير قائم إلاّ بالموضوع في هذه النشأة لا يكون دليلاً على كونه كذلك في النشأة الأُخرى، إذ من الممكن وبسبب تغاير النشأتين أن يكون العرض قائماً بنفسه في النشأة الأُخرى متبدّلاً، متجلّياً بصورة النار والأغلال والسلاسل أو يكون العمل الصالح كالصلاة والصوم قائماً بنفسه في النشأة الأُخرى متجلّياً بصورة الحور والجنان والعيون.

وما ذكرناه لا يختصّ بمسألة تجسّم الأعمال، بل يجري في الصراط والميزان والأعراف، وما شاكلها، فلا ينبغي في تفسيرها قياسها على قوانين النظام الدنيوي.

وبعبارة مختصرة: انّه لا منافاة بين العقل وبين نظرية تجسّم الأعمال، ومن هنا نرى من المناسب أن نذكر كلمات بعض الأعلام في هذا الصدد:

1. يقول صدر المتألّهين: كما أنّ كلّ صفة تغلب على باطن الإنسان في الدنيا وتستولي على نفسه بحيث تصير ملكة لها، يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال أضدادها غاية الصعوبة، وربّما بلغ ضرب من القسم الأوّل حدّ اللزوم، وضرب من القسم الثاني حدّ الامتناع، لأجل رسوخ تلك الصفة، لكن لمّا كان هذا العالم دار الاكتساب والتحصيل قلّما تصل الأفعال المنسوبة إلى الإنسان الموسومة بكونها بالاختيار في شيء من طرفيها حدّ اللزوم والامتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية لكون النفس متعلّقة بمادة بدنية قابلة للانفعالات والانقلابات من حالة إلى حالة، فالشقي ربّما يصير بالاكتساب سعيداً وبالعكس، بخلاف الآخرة فانّها ليست دار الاكتساب والتحصيل، كما أُشير إليه بقوله تعالى:(...يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً...)(1)، وكلّ صفة بقيت في


1 . الأنعام:158.


( 350 )

النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة صارت كأنّها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشئة منها بصورة تناسبها في عالم الآخرة والأفعال والآثار التي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا،وربّما تخلّفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الاتّفاقية، لأنّ الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار الجمع والاتّفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها، والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية، فكلّما يصلح أثر الصفة النفسانية لم يتخلّف عنها هناك كما يتخلّف عنها هاهنا لمصادفة مانع له ومعاوقة صارف عنه، إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتّفاقية ومبادئ الشرور، بل الملك للّه الواحد القهّار.(1)

2. وأمّا العارف الإسلامي الكبير الشيخ البهائي فقد قال في هذا الصدد: لقد جاءت مسألة نظرية تجسّم الأعمال في الكثير من الروايات الخاصّة والعامّة، وبعد أن نقل رواية «قيس بن عاصم» قال:

إنّ الحيّات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية، وتزيّى في كلّ نشأة بزيّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرينَ)(2) ليس


1 . المبدأ والمعاد:341ـ 342.

2 . العنكبوت:54.


( 351 )

بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها ستحيط بهم في النشأة الأُخرى.(1)

ثمّ إنّ صدر المتألّهين ضرب مثالاً لتقريب الموضوع، يقول: إنّ الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم الآخر قبل الجسم المنفعل الرطوبة فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير جسم كالقوة الدراكة الحسية والخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب، لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطباً بل يقبل شيئاً آخر من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك كما يقبل القوة الناطقة متى نالت الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئاً آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية، فانظر حكم تفاوت النش آت في ماهية واحدة لصفة واحدة، كيف فعلت وأثرت في موضع الجسم شيء وفي قوة أُخرى شيئاً آخر، وفي جوهر شيئاً آخر، وكلّ من هذه الثلاثة حكاية للآخرين، لأنّ الماهية واحدة والوجودات متخالفة، وهذا القدر يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعد اللّه ورسوله أو توعّد عليه في لسان الشرع من الصور الأُخروية المرتبة على الاعتقادات الحقّة أو الباطلة أو الأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة للّذات والآلام إن لم يكن من أهل المكاشفة والمشاهدة.(2)

تجسّم الأعمال من منظار العلم

بالرغم من أنّ الأدلّة النقلية والبراهين العقلية تدعم نظرية تجسّم الأعمال، مع ذلك كلّه يمكن الاستفادة من العلوم التجريبية لتقريب تلك النظرية العقلية الدقيقة إلى الذهن البشري، وتوضيح ذلك:


1 . البحار:7/228.

2 . المبدأ والمعاد:341ـ 342.


( 352 )

إنّ المادة والطاقة مظهران لحقيقة واحدة، المادة عبارة عن الطاقات المتراكمة، وربّما تتبدّل المادة في ظروف خاصة إلى الطاقة، فتكون الطاقة وجوداً منبسطاً للمادة، كتبدّل مادة الغذاء الذي يتناوله الإنسان إلى حركة، وكتبدّل وقود الحافلات إلى طاقة حركية.إنّ مفهوم حفظ الطاقة أحد المفاهيم الأساسية الذي يكون حاكماً على كافة الظواهر الطبيعية بمعنى أنّ كافة التفاعلات والتحوّلات التي تحدث في عالم الطبيعة لا تخرج عن هذا الإطار العام، وهو أنّ عموم الطاقة لا يتغير فيها أبداً.

فالطاقة يمكن أن تتبدّل إلى أنواع مختلفة وهذه الأنواع تشمل الطاقة الحركية، الحرارية، الكهربائية، الكيميائية، والنووية.(1)

حقيقة العمل في الإنسان

إنّ الإجابة عن التساؤل عن حقيقة عمل الإنسان الذي هو جزء من عالم المادة، هي: أنّ الإنسان حينما يقوم بعمل ما ـ صالحاً كان أم طالحاً ـ فإنّ بعض ذخائره المادية تتحوّل إلى طاقة، فإذا صلّى مثلاً، فإنّه في الواقع في جميع حالات ولحظات الصلاة، يحوّل قسماً من مادته إلى طاقة، وهكذا إذا ارتكب عملاً سيئاً، كما إذا قام بضرب إنسان بريء فإنّه كذلك يصرف مقداراً من المادة ويحوّله إلى طاقة، وهكذا الكلام في سائر الأفعال التي يقوم بها، سواء كانت تلك الأفعال عضويةً أو كان العمل فكرياً أو نفسياً فتعود حقيقة العمل في الإنسان إلى تبدّل المادة إلى طاقة.

إذا عرفنا ذلك فنقول: إنّ تجسّم الأعمال يبتني على القواعد التالية:


1 . دائرة المعارف البريطانية:6/894.


( 353 )

1. حقيقة العمل هو تبديل المادة إلى طاقة.

2. الطاقة الموجودة في العالم ثابتة لا تتغيّر.

3. المادة والطاقة حقيقتهما واحدة.

4. كما أنّ المادة تتبدّل إلى طاقة، فهكذا تتبدّل الطاقة في ظروف خاصة إلى المادة.

والنتيجة الطبيعية والمنطقية لتلك المقدّمات المذكورة انّ تبدّل أعمال الإنسان وأفعاله (والتي تحوّلت إلى طاقة) تحت شروط خاصة في عالم الآخرة أمرٌ ممكن، كما أنّ ذلك ممكن في هذا العالم، بل يُعدّ من منظار العلم من حقائق عالم الطبيعة.

وعلى هذا الأساس فإنّ مسألة «تجسّم الأعمال» من المعارف الدقيقة والعميقة والتي لا يتسنّى لكلّ أحد إدراكها، ولكن هناك بعض المفكّرين الكبار ومن خلال التأمّل في حالات النفس الإنسانية والاعتماد على الأُصول الفلسفية المسلّمة، والتأمّل في آيات الذكر الحكيم، قد اهتدوا إلى إدراك تلك النظرية الدقيقة، كالفيلسوف الإسلامي الكبير صدر المتألّهين، ومن حسن الحظ أنّ العلم قد دعم هذه النظرية وساعد على إدراكها وهضمها.

ومن الجدير بالذكر أنّ المسائل التي تتعلّق بعالم الآخرة هي من الحقائق الغيبية التي لا يتسنّى للإنسان المحصور في إطار المادة والماديات إدراكها وفهمها، إلاّ إذا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الغيب وشاهد حقائق ذلك العالم عن قرب، وفي الحقيقة انّ الذين يصلون إلى هذا المقام السامي لا يتجاوزون العدد اليسير جداً.(1)


1 . منشور جاويد:9/422ـ 446.


( 354 )

118

الصراط

سؤال: هناك آيات وروايات كثيرة تؤكد على وجود الصراط يوم القيامة، ما المراد من الصراط، وما هي حقيقته؟

الجواب: الصراط في اللغة: هو الطريق،وقد استعمل في الذكر الحكيم في نفس هذا المعنى، قال تعالى: (...وَاللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم) .(1)

ومن هنا أُطلق الصراط على الطريق الذي ينتهي إلى الجحيم حيث قال سبحانه:(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ* مِنْ دُونِ اللّه فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحيمِ) .(2)

وقال الراغب: الصراط الطريق المستسهل.(3) وقد أُخذ في التعريف قيد السهولة، وبالطبع هذا يكشف انّ طريق الجنة والجحيم سهل.

أمّا سهولة طريق الجنة فهي مرهونة بطبيعة الأعمال الصالحة والأفعال


1 . البقرة:213.

2 . الصافات:22ـ 23.

3 . مفردات الراغب:230.


( 355 )

الحسنة والملكات الصالحة، والعمل بالأحكام والقوانين الإلهية التي يتحلّى بها الإنسان المؤمن والتي تنسجم مع الفطرة وطبيعة الإنسان وطبيعته الملكوتية.

وأمّا سهولة طريق الجحيم فهي رهن الاستجابة للميول والغرائز الحيوانية.

وعلى كلّ حال قد يطلق الصراط ويراد به الجسر الذي يربط بين ضفتي النهر.

الصراط معبر عام

إنّ الإمعان في آيات الذكر الحكيم والروايات الشريفة يكشف وبوضوح أنّ الصراط معبر عام لابدّ لجميع الخلائق اجتيازه والمرور عليه، بلا فرق بين المتقين والمؤمنين أو الفجّار والكافرين، وبالرغم من أنّ الآيات لم تصرّح بذلك إلاّ أنّ المفسّرين حملوا الآية التالية على هذا الموضوع، وهي قوله تعالى:

(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضيّاً* ثُمَّ نُنَجّي الَّذينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظّالِمينَ فِيها جِثِيّاً).(1)

ولقد ذكر المفسّرون لتفسير الضمير في قوله: (واردها) احتمالين:

الاحتمال الأوّل: انّ المراد منه هو الجحيم، ويكون الورود بمعنى الإشراف والاقتراب، فإنّه قد يطلق في لغة العرب وغيرها من اللغات الورود على الإشراف والاقتراب، كما يقال لمن يقترب من مدخل المدينة ويشرف عليها أنّه قد ورد المدينة.

وقد استدلّ أصحاب هذا الرأي بما ورد في قصة النبي موسى(عليه السلام) حيث قال سبحانه:

(وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ...) .(2)


1 . مريم:71ـ 72.

2 . القصص:23.


( 356 )

ومن الواضح أنّ موسى(عليه السلام) لم يطأ ماء مدين بقدميه وإنّما اقترب منه وأشرف عليه، لأنّ الماء في أعماق البئر بشهادة أنّه سبحانه يقول بعد ذلك:

(...وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ...) .

ومن الواضح أنّ الرعاة والمرأتين ـ ابنتا شعيب ـ قد أشرفوا على الماء واقتربوا منه ولم يدخلوا إلى البئر أو المشرعة.

وعلى هذا الأساس يكون مفاد الآية: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها...) أنّ أصحاب الجنة وأصحاب النار يشرفون جميعاً على النار ويقتربون منها، ثمّ ينجي اللّه المؤمنين ويساقون إلى الجنة ويلقى أصحاب النار في الجحيم، ومن هنا يكون استعمال جملة (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) في حقّ المتقين استعمالاً مناسباً جداً لخطورة الموقف.

الاحتمال الثاني: انّ المراد من (الورود) هو الدخول، فيكون معنى الآية أنّ جميع أهل المحشر ـ حتّى أصحاب الجنة ـ يدخلون النار، ثمّ يترك فيها الظالمون والكافرون، وينجي اللّه سبحانه المؤمنين والمتّقين، ومن دون أن يصيبهم أيّ أذى، وذلك بأمر من اللّه سبحانه الذي خاطب النار وقال لها:(كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهيم).(1)

ولقد استدلّ أصحاب هذا الرأي على رأيهم بطائفة من الآيات والتي منها:

ألف: ما ورد في خصوص فرعون وكيف أنّه يقود قومه والفراعنة إلى النار حيث قال سبحانه:

(يَقْدُمُ قَوْمَهُ... فَاورَدَهُمُ النّارَ...) .(2)


1 . الأنبياء:69.

2 . هود:98.


( 357 )

ب: ما ورد حول الآلهة المزيّفة للمشركين حيث قال سبحانه:

(إِنَّكُمْ وَما تََعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ* لَوْ كانَ هؤُلاءِآلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ) .(1)

وليس من السهل القضاء بين النظريتين، لأنّ المعنى أو الاحتمال الأوّل «الإشراف» و «القرب» على خلاف ظاهر الآية، وإذا ما ورد في قصتي موسى ويوسف(عليهما السلام)، فلوجود القرينة الخاصة. وذلك لأنّ الآية في قصة موسى(عليه السلام) تقول:

(وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُكُما قَالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير).(2)

وهذه قرينة واضحة على أنّه(عليه السلام) أشرف على ماء مدين ـ أي بئرها ـ لا الدخول في البئر، ولكن مع ذلك يمكن الاستفادة انّ الآية السابقة تفيد الإشراف والقرب من جهنم، وذلك لأنّ نجاة المتّقين كما تنسجم مع معنى الدخول كذلك تنسجم مع القول بالإشراف على جهنم.

ثمّ إنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى الاحتمال الثاني (الورود بمعنى الدخول) وفي نفس الوقت قالوا: إنّ دخول جهنم خاص بغير المتقين.

ويرد على هذا الرأي أنّه لا ينسجم مع قوله تعالى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذينَ اتَّقَوا)، لأنّ نجاة المتّقين تحكي عن دخولهم فيها، وإذا كان الورود بمعنى الدخول، فهذا يعني أنّ الجميع يدخلون جهنم ولا وجه لاختصاصه بغير المتّقين والمؤمنين.

وعلى كلّ حال فقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الآية ناظرة إلى صراط


1 . الأنبياء:98ـ 99.

2 . القصص:23.


( 358 )

وطريق لابد للجميع من المرور عليه وعبوره، وهذه الآية هي الآية الوحيدة التي وردت في هذا المجال في القرآن الكريم. وأمّا الروايات فكثيرة، وقد فصّلت القول في هذا البحث، ونحن نحاول أن نسلّط الضوء على بعض تلك الروايات وبصورة مختصرة.

الصراط في الروايات

1. روى علي بن إبراهيم، عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير قوله سبحانه:

(وَجيءَ يَومَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى).(1)

قال: «سئل عن ذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخبرني الروح الأمين انّ اللّه لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الأوّلين و الآخرين أتى بجهنم تقاد بألف زمام، يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد لها هدّة وغضب وزفير وشهيق ـ إلى أن قال: ـ ثمّ يوضع عليها الصراط أدق من الشعرة وأحدّ من السيف».(2)

2. روى المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الصراط، قال:«هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّ وجلّ، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة; فأمّا الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة; ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة، فتردّى في نار جهنم».(3)


1 . الفجر:23.

2 . بحار الأنوار:8/65، الباب 22 من كتاب العدل والمعاد، الحديث2.

3 . المصدر نفسه، الحديث3.


( 359 )

ويستفاد من هاتين الروايتين انّ الصراط جسر ممدود على جهنم، وقد وصف في الحديث الأوّل بأنّه أحد من السيف وأدق من الشعرة.

قال الشيخ المفيد: الصراط في اللغة هو الطريق، فلذلك سمّي الدين صراطاً، لأنّه طريق إلى الصواب، وبه يسمّى الولاء لأمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) من ذريته صراطاً.

ومن معناه قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«أنا صراط اللّه المستقيم، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها». يعني أنّ معرفته والتمسّك به طريق إلى اللّه سبحانه.

وقد جاء الخبر بأنّ الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمرُّ به الناس، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وعن شماله أمير المؤمنين(عليه السلام) ويأتيهما النداء من قبل اللّه تعالى: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلّ كَفّار عَنيد)(1).(2)

وقال التفتازاني: الصراط جسر ممدود على متن جهنم يرده الأوّلون والآخرون، أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح، ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كلّ أحد النار على ما قال تعالى:

(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها...)(3).(4)

هذه طائفة من الروايات وكلمات العلماء الواردة حول الصراط.

وخلاصة القول: إنّ الصراط عبارة عن الطريق الممدود على متن الجحيم يجتازه المؤمنون والمشركون على حدّ سواء، غير أنّ الفئة الأُولى تجتازه بإذنه سبحانه والفئة الثانية تسقط في هاوية جهنم.


1 . ق:24.

2 . تصحيح الاعتقاد:50، ط تبريز.

3 . مريم:71.

4 . شرح المقاصد:2/223، ط آستانة.


( 360 )

ومع أنّ هذا هو الظاهر المتبادر، إلاّ أنّ ثمّة احتمالاً آخر وهو: أنّ الصراط كناية عن الطريق الذي يختاره كلّ من المؤمن والكافر في هذه الدنيا، فالطريق الذي اختاره المؤمن يوصله إلى الجنة، والطريق الذي اختاره الكافر ينتهي به إلى نار جهنم.

والمعنى الأوّل هو الأوفق بالظواهر، ولكن المعنى الثاني أيضاً محتمل ويؤيّد الاحتمال الثاني ما روي عن علي(عليه السلام) أنّه قال:

«أَلا وَإِنَّ الْخَطايا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَخُلِعَتْ لُجُمها فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النّارِ أَلا وَإِنَّ التَّقْوى مَطايا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها فَأَورَدَتْهُمُالْجَنَّةَ».(1)

وهذا التعبير من الإمام يؤيد الاحتمال الثاني، وهو أنّ الطريق الذي يسلكه كلّ من المؤمن والفاجر هو صراطهما في النشأة الأُخرى، فيوصل أحدهما إلى الغاية المنشودة والآخر إلى النار. فكلّ مَن اختار طريق الطاعة فهو يوصله إلى الجنة، ومن اختار طريق العصيان فهو يوصله إلى الجحيم. فصراط كلّ إنسان هو الطريق الذي يسلكه في النشأة الدنيا، ثمّ يتجسّد في الآخرة فيجتازه إمّا إلى الجنة أو إلى النار. ومع ذلك كلّه فالاحتمالان على حدّ سواء عندنا دون أن نجزم بأحدهما، وإن كان الاحتمال الثاني ـ كما قلنا ـ يؤيّده قول أمير المؤمنين(عليه السلام).

والذي يستفاد من قول أمير المؤمنين(عليه السلام) انّ طريقي الجنة والنار في الواقع يبدآن من الحياة الدنيا وينتهيان بالآخرة إلى الجنة أو النار، وليس كما يتصوّر أنّه يوجد على جهنم طريق وصراط لابدّ للجميع من عبوره والمرور عليه، بل أنّ الإنسان الذي يختار في الحياة الدنيا طريق الصلاح والتقوى والورع فإنّه في الآخرة


1 . نهج البلاغة: الخطبة 16.


( 361 )

تتجسّم أعماله تلك بصورة الطريق والصراط الذي يقوده إلى الجنة ونعيمها، وأمّا الإنسان الذي ينتخب في هذه الدنيا طريق الانحراف والضلال ولا يمر عبر الجادة الوسطى التي رسمها الكتاب والسنّة للإنسان(1) فإنّ عمله ذلك سيتجسّم بطريق يقوده إلى النار.

مع ذلك لا يمكن القطع بهذا الاحتمال ونفي الاحتمال الآخر من خلال تلك الخطب والكلمات، وذلك لأنّ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مملوء بالمجاز والكناية والاستعارة، ومن المحتمل هنا أن يكون قسماً من هذه التعابير هي من قبيل الاستعارة التي تنسجم مع كلا الاحتمالين.(2)


1 . إشارة إلى قول أمير المؤمنين(عليه السلام):«اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب، وآثار النبوة، ومنها منفذ السنّة،وإليها مصير العاقبة». نهج البلاغة، الخطبة16، طبع صبحي الصالح.

2 . منشور جاويد:9/343ـ 353.


( 362 )

119

الخالدون في النار

سؤال: من البحوث التي لا يمكن تجاوزها حين البحث عن النار هي أنّ هناك طائفة من الناس تخلد في الجحيم، من هم هؤلاء الخالدون، وما هي أوصافهم؟

الجواب: في البدء نتعرض لذكر الآيات التي تحدّثت وبصورة مطلقة عن الخلود في الجحيم وعن الخالدين فيها، ثمّ نتعرض للدراسة التحليلية والتفصيلية لتلك الآيات.

لقد وردت آيات كثيرة تتحدث عن خلود طوائف من الناس في جهنم، وهم:

1. الكافرون.

2. المشركون.(1)

3. المنافقون.(2)


1 . لاحظ: النحل:29; الأحزاب:64ـ 65; الزمر:71ـ 72; غافر:76; التغابن:10; البيّنة:6 وآيات أُخرى.

2 . التوبة:68; المجادلة:17.


( 363 )

4. المرتدون.(1)

5. المكذّبون بآيات اللّه.(2)

6. أعداء اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)

7.العصاة والمتمرّدون عن أمر اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).(4)

8. الظالمون.(5)

9. الأشقياء.(6)

10. المجرمون.(7)

11. المتوغّلون في الخطايا.(8)

12. المرتكبون للقبائح.(9)

13. قاتلو المؤمنين.(10)

14. الآكلون للربا.(11)

15. المعرضون عن القرآن.(12)

16. من خفّت موازينهم.(13)

لا كلام في العناوين الأربعة الأُولى، وذلك لأنّها جميعاً تدخل تحت عنوان الكافرين، وهذه الطائفة لا اختلاف من الناحية النظرية بين العلماء في خلودهم


1 . آل عمران:86ـ 88.

2 . الأعراف:36.

3 . التوبة:63.

4 . الجن:22ـ 23.

5 . يونس:52; الأنعام:128ـ 129.

6 . هود:106ـ 107.

7 . الزخرف:74ـ 75; السجدة:12ـ 14.

8 . البقرة:81.

9 . الفرقان:68ـ 69.

10 . النساء:93; الفرقان:68.

11 . البقرة:275.

12 . طه:100ـ 101.

13 . المؤمنون:103ـ 104.


( 364 )

في النار،ولذلك سنصرف النظر عن الحديث عنهم، ونسلّط الضوء على العناوين الباقية وهي:

1. المكذّبون بآيات اللّه

حينما يمعن الإنسان النظر في آيات الذكر الحكيم يجد هناك طائفة من الآيات تخاطب أبناء آدم ومنذ أوّل الخليقة بتلك الحقيقة، ومن تلك الآيات قوله تعالى:

(يا بَني آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(1)

والمتأمّل في هاتين الآيتين المباركتين يجد أنّهما تصنّفان الناس بالنسبة إلى موقفهم تجاه رسل اللّه سبحانه إلى طائفتين: طائفة المصدّقين والمؤمنين بهم، وطائفة المكذبين والعاصين; وانّ الطائفة الأُولى مصيرها إلى الجنة،والطائفة الثانية خالدة في الجحيم.

ولا ريب أنّ الطائفة الثانية هي عين طائفة الكافرين والمنكرين لرسالة الأنبياء.

2. أعداء اللّه ورسوله

لقد وصف القرآن الكريم انّ من يحادد اللّه ورسوله فإنّه من الخالدين في


1 . الأعراف:35ـ 36.


( 365 )

النار، حيث قال سبحانه:

(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فيها ذلِكَ الْخِزيُ الْعَظيمُ) .(1)

ومن المعلوم أنّ الفعل «يحادد» مأخوذ من مادة «حدّ» بمعنى من بلغ غاية العداء والخصومة للّه ورسوله، لأنّ «الحدّ» بمعنى النهاية، أي من وصل إلى نهاية الشيء، ومن الواضح أنّ العداء للّه ورسوله يتساوى مع التكذيب برسالة الرسل ونبوّة الأنبياء،ولا ريب أنّ صاحب هذا الموقف خالد في النار.

على أنّ سياق الآية أنّها نزلت في حقّ المنافقين، وهم الذين أبطنوا الكفر ولم يؤمنوا باللّه ورسوله طرفة عين أبداً، وإن تظاهروا بالإيمان.

ولكي يتّضح لنا وبجلاء معنى «المحادّة» للّه والرسول، لابدّ من إلقاء نظرة على الآيات الأُخرى التي وردت في هذا المجال، والتي يتّضح منها ـ جميعاً ـ أنّ ذلك التصرّف هو من خصال تلك الطائفة التي لم تؤمن باللّه ورسوله حيث قال سبحانه:

(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ...) .(2)

والمراد منها أنّه يستحيل الجمع بين الإيمان باللّه ورسوله وبين عقد الصداقة والأُخوة مع أعداء اللّه ورسوله.(3)


1 . التوبة:63.

2 . المجادلة:22.

3 . انظر المجادلة:5و20.


( 366 )

3. العصاة المتمردون على أوامر اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد أوعد سبحانه وتعالى العصاة بالخلود في النار حيث قال عزّ من قائل:

(إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها أَبَداً* حَتّى إِذا رَأَوا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً).(1)

إنّ قوله سبحانه:(وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ) يشمل مطلق العاصي حتّى لو كان مؤمناً ولكنّه ارتكب الكبيرة،ولكن مع الالتفات إلى سياق الآية والقرائن الحافّة بها يثبت لنا أنّ الآية بصدد الحديث عن منكري الرسالة والذين كانوا يحقّرون المؤمنين، والشاهد على ذلك أمران، هما:

الأوّل: انّ الموضوع في الآيات 18 إلى 28 من هذه السورة هم المشركون والكافرون، حيث قال سبحانه:

(وَ أَنَّ الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) .(2)

وقال تعالى:

(قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً).(3)

وعلى هذا الأساس فانّ محور الآيات هم المشركون والكافرون الذين مالوا إلى عبادة الأوثان وتمرّدوا على الأُصول والفروع فلم يؤمنوا بها.

الثاني: قوله تعالى في الآية 24:(حَتّى إِذا رَأَوا ما يُوعِدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً).


1 . الجن:23ـ 24.

2 . الجن:18.

3 . الجن:20.


( 367 )

فهذه الآية تشير إلى الأُسلوب الذي كانت تعتمده تلك الطائفة وكيف أنّها كانت تستهزئ بالرسل وتحقّرهم لقلّة أنصارهم، فتؤكّد الآية انّ هذه الطائفة المنحرفة حينما يشاهدون العذاب بأعينهم حينئذ تنجلي لهم الحقيقة ويدركون جيداً من الضعيف الذي لا ناصر له، هل هم، أم الأنبياء؟! وحينئذ سيقفون على شناعة الخطأ الذي وقعوا فيه.

ومع الالتفات إلى هذين الأمرين يتّضح لنا أنّ المقصود من العصاة هنا هم الكافرون ومن العصيان هو الكفر.

4. الظالمون

قال تعالى:(ثُمَّ قيلَ لِلَّذينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَونَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) .(1)

وإذا صرفنا النظر عن سياق الآية نجد انّها توعد الظالمين بصورة مطلقة بالنار، ويكون لها ـ حينئذ ـ معنى واسع وشامل بحيث تشمل كلّ من اقترف ظلماً حتّى لو كان مسلماً مؤمناً باللّه واليوم الآخر، وكذلك تشمل مرتكب الكبيرة، ومن تمرّد على القوانين الإلهية، لأنّه وممّا لا ريب فيه انّ تلك الأعمال من مصاديق الظلم. ولكن الإمعان في سياق الآية والقرائن الحافّة بها يوضّح لنا وبجلاء انّ الآية بصدد الحديث عن المنكرين ليوم القيامة والمكذّبين بها.

ومن تلك القرائن قوله تعالى:

(وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) .(2)

وقوله سبحانه:


1 . يونس:52.

2 . يونس:48.


( 368 )

(أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) .(1)

من هنا نجد الآية الكريمة تخاطب تلك الطائفة التي تتّصف بتلك الصفات المذكورة بقولها:

(ثُمَّ قيلَ لِلّذينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ...) .

5. الأشقياء:

قال تعالى: (فَأَمّا الَّذينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفيرٌ وَشَهيقٌ* خالِدينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ).(2)

لقد حكمت هذه الآية على طائفة الأشقياء بالخلود في النار إلاّ أن يشاء اللّه سبحانه أن ينقذهم منها.

ولقد بحث المفسرون هذه الآية والآية التي تليها ـ والتي تتحدّث عن السعداء ـ من عدّة جهات.(3)

لكنّ الذي يهمّنا هنا هو بيان مسألة «خلود الأشقياء في النار» فممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ مذنب شقي، وانّ للشقاء مراتب ودرجات متعددة، ولكنّ البحث يدور حول الآية هل تشمل كلّ شقي مهما كانت درجة شقائه فانّه مخلّد في النار، أو انّ المقصود من الآية هم الكافرون الذين وصل بهم الشقاء إلى أعلى مراتبه؟


1 . يونس:51.

2 . هود:106ـ 107.

3 . ومن تلك الآراء أنّهم قالوا: إنّ الخلود في الجنة والنار مقيد في الآية ببقاء السماوات والأرض، والحال انّ السماوات والأرض ليستا بخالدتين وانّهما سينتهيان حين قيام الساعة. وتارة أُخرى تحدّثوا عن الاستثناء الوارد في الآية (
إِلاّ ما شاء ربّك) فقالوا: إنّ اللّه سبحانه قد استثنى من المخلّدين في الجنة والنار من تعلّقت إرادته بخلاف ذلك، وانّ هذا الاستثناء لا ينسجم مع الخلود في النار.


( 369 )

إنّ الآية التالية تبيّـن انّ المقصود هنا تلك الطائفة من الأشقياء الذين مالوا إلى الشرك والانحراف عن طاعة اللّه إلى عبادة وطاعة غير اللّه سبحانه حيث قال سبحانه:

(فَلا تَكُ في مِرْيَة مِمّا يَعْبُدُ هؤلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص) .(1)

يستفاد من هذه الآية ـ و بنحو ما ـ انّ المقصود من «الأشقياء» المشركون الذين وصلوا إلى قمة الشقاء والتعاسة.

ونجد في آية أُخرى أنّه ورد بعد مصطلح (أَشْقى) مصطلح (كذّب) و(تَوَلّى)، وهذا شاهد على أنّ المراد من الإنسان الشقي في القرآن هو الإنسان الذي غاص في الشقاء والتعاسة.

قال سبحانه:

(فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى* لا يَصْليها إِلاّ الأَشْقَى *الَّذي كَذَّبَ وَتَوَلّى) .(2)

6. المجرمون:

قال تعالى واصفاً المجرمين:

(إِنَّ الْمُجْرِمينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ* لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فيهِ مُبْلِسُونَ).(3)


1 . هود:109.

2 . الليل:14ـ 16.

3 . الزخرف:74ـ 75.


( 370 )

لقد حكمت الآية المباركة على المجرمين بالخلود في النار، ولكن لابدّ من التأمّل في الآية لنرى هل المراد منها كلّ إنسان تلطّخت يداه بالذنب والمعصية، أو انّ المراد منها هم المجرمون الذين تمرّدوا على أوامر اللّه وأعرضوا عنها ولم يؤمنوا بأنبياء اللّه ورسله؟

إنّ الآيات السابقة تشهد على أنّ المراد من الآية هو المعنى الثاني، وذلك لأنّ مجموع الآيات تقسّم الناس إلى طائفتين، هما:

1. المؤمنون بآيات اللّه، والذين يكون جزاؤهم الجنة.

2. المجرمون، والذين يكون جزاؤهم النار.

ومن خلال الإمعان في تقابل هاتين الطائفتين يمكن التوصّل إلى المراد من الطائفة الثانية.

قال تعالى في خصوص الطائفة الأُولى:

(يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَومَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمينَ* ادْخُلُوا الجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ).(1)

وقال تعالى في خصوص الطائفة الثانية:

(إِنّ المُجْرِمينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ* لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فيهِ مُبْلِسُونَ *وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمينَ).(2)

وبما انّه سبحانه عبّر عن الطائفة الأُولى بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا) يمكن القول إنّ المقصود من المجرمين ـ في الطائفة الثانية ـ تلك الطائفة التي لم تؤمن بآيات


1 . الزخرف:68ـ 70.

2 . الزخرف:74ـ 76.


( 371 )

اللّه سبحانه وتعالى.

وبالإضافة إلى ذلك كلّه انّ ملاحظة آيات السورة التي هي من السور المكّية يكشف لنا انّ محور البحث هم المشركون والكافرون بآيات اللّه ورسله والذين أعرضوا عن آياته سبحانه واصطفوا في عداد المجرمين والكافرين، ومن المعلوم أنّ أغلب الذم الوارد في السور المكية يتوجّه إلى المشركين والكافرين.

7. المتوغّلون في الخطيئة

يحكم القرآن على طائفة من الناس ممّن أوغلوا في الخطيئة بأنّهم أصحاب النار والخالدون فيها، يقول سبحانه:

(بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيْئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(1)

والذي يستفاد من الآية انّها تشير إلى مجموعتين من الخالدين في النار، هي:

1. الذين اقترفوا السيئات.

2. الذين يصرون على ارتكابها بنحو تحيط بهم وتهيمن خطاياهم وذنوبهم على قلوبهم وأرواحهم.

ومن الواضح أنّ الخطايا إذا أحاطت بالقلب والنفس والروح أدّت إلى انسداد طرق الهداية ومنافذ النور أمام القلب والروح و... فلا يستجيب حينئذ لنداء السماء ودعوة الأنبياء.

ومن هنا نعلم أنّ الآية ليست بصدد الإخبار عن شمولية الحكم وسعته بحيث يشمل كلّ من اقترف سيئة، بل هي ناظرة إلى صنف خاص من الناس


1 . البقرة:81.


( 372 )

الذين يتميّزون بالصفتين السابقتين والشاهد على ذلك أنّ الآية المباركة لم تكتف بجملة (كَسَبَ سيِّئَةً) بل أردفتها بجملة أُخرى، وهي قوله تعالى: (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطيئَتُهُ) أي من هيمنت خطاياه على قلبه وروحه، ولا ريب أنّ الإنسان الغارق في الخطيئة والآثام تنسد أمامه منافذ وطرق الهداية والرشاد، لأنّه ينزلق إلى هاوية الكفر والجحود فلا يتأثر بعوامل النصح والهداية، سواء كانت داخلية أم خارجية. ولا شكّ أنّ مثل هكذا إنسان يدخل في زمرة الكافرين أو المرتدين والمكذّبين.

وفي الآية التالية للآية مورد البحث يقول سبحانه:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) .(1)

ومن خلال المقابلة بين قوله سبحانه: (وَالَّذينَ آمَنُوا) وقوله تعالى: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً)يمكن القول إنّ محور الآيات هو الكافرون والمؤمنون، فالطائفة الأُولى خالدة في النار، والطائفة الثانية خالدة في النعيم.

8. المرتكبون للقبائح

لقد حذر سبحانه وتعالى من الخلود في النار في قوله تعالى:

(وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَوَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً *يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فيهِ مُهاناً) .(2)

ولابدّ من التأمل في الآيتين المذكورتين لنرى ما المقصود من تلك الآيات؟


1 . البقرة:82.

2 . الفرقان:68ـ 69.


( 373 )

في البدء لابدّ من التركيز على أنّ الآية المباركة قد أشارت إلى ثلاثة أعمال لاينبغي للمؤمن القيام بها وهي:

1. الشرك.

2. قتل النفس المحترمة.

3. الزنا.

ثمّ أعقبت الكلام بعد ذلك ببيان جزاء مَن يقترف تلك الأعمال بأنّ مصيره إلى النار والخلود فيها، وحينئذ يطرح السؤال التالي:

من هو المشار إليه في قوله: (ومَن يفعل)؟

فيه احتمالات ثلاثة:

ألف: المراد منه ما جاء في الجملة الأخيرة (ولا يَزْنُونَ) ، أي المراد هم الزناة، وحينئذ يكون مفاد الآية انّ من يرتكب هذه الكبيرة يخلد في الجحيم.

ب: المراد منه المشركون، أو قاتلو النفس المحترمة.

ج: المراد منه مَن ارتكب جميع تلك الأُمور المذمومة.

أمّا الاحتمال الأوّل فبعيد جداً، وذلك لأنّه لا وجه لمضاعفة العذاب للزاني بهذا الحد من الجزاء، والحال انّ هناك الكثير من الذنوب التي هي أكبر من الزنا مع أنّ جزاءها أقلّ من ذلك ولم يضاعف لهم العذاب.

وأمّا الاحتمال الثاني فهو أيضاً غير صحيح فلا ينسجم مع قواعد اللغة. لأنّه ليس من الصحيح أن يذكر المتكلّم ثلاثة مطالب ثمّ يشير إلى الأوّل والثاني منهما و يبيّن أحكامهما من دون وضع أيّ قرينة تدلّ على ذلك.

إذاً لابدّ من القول: إنّ المراد هو الاحتمال الثالث، أي من يرتكب تلك الأُمور الثلاثة، ففي الوقت الذي يتبنّى فيه الشرك والوثنية يقتل النفس المحترمة


( 374 )

ويزني، فلا ريب أنّه حينئذ من الخالدين في العذاب، وليس سبب خلوده في النار ارتكاب الكبيرة.

ولكن يبقى هنا سؤال لابدّ من الإجابة عنه وهو: انّ الشرك لوحده كاف في الخلود في النار، فما هي الحاجة إلى ضم الفعلين الآخرين له(قتل النفس والزنا)؟

والجواب واضح: انّه صحيح انّ الشرك لوحده كاف في الخلود في النار، وأمّا ضم الفعلين فيكون سبباً لمضاعفة العذاب، لا أنّه سبب للخلود في الجحيم.

9. المعرضون عن القرآن

لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى:

(كَذلِكَ نَقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً* مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً *خالِدينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً).(1)

ومن الملاحظ أنّ الضمير في قوله تعالى: (خالِدينَ فيهِ) يرجع إلى «الوزر» بمعنى العبء الثقيل، والخلود في الوزر كناية عن الخلود في جزائه، وهو العذاب، فتكون النتيجة: انّ المعرض عن الذكر يخلّد في العذاب.

ولكن لابدّ من بيان المقصود من الإعراض عن القرآن ما هو؟ فهل هو الإعراض عن تلاوته، أو الإعراض عن العمل ببعض أحكامه، أو انّ المراد منه مَن لا يؤمن بالقرآن فيتركه مهجوراً؟

ولا شكّ انّ المراد هو الثالث الذي يساوق الكفر، والشاهد على ذلك انّ محور الآيات هو الحديث عن الكافرين الذين لم يؤمنوا بالرسالة واليوم الآخر، ومن


1 . طه:99ـ 101.


( 375 )

أمعن النظر في آيات الذكر الحكيم يجد بعضها تقارن بين الإعراض والكفر، وترى أنّ الإعراض يساوي الكفر، قال تعالى:

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً).(1)

10. مَن خفّت موازينهم

إنّ آيات الذكر الحكيم تقسّم الناس يوم القيامة إلى مَن ثقلت موازينه وإلى مَن خفت موازينه، فيقول سبحانه:

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ) .(2)

ومن الملاحظ أنّ ظاهر الآية المباركة يحكم على كلّ مَن خفّت موازينه بالخلود في النار حتّى لو كان مسلماً ولكن كانت أعماله الصالحة أقلّ من أعماله القبيحة، فإنّه وطبقاً لظاهر الآية يدخل في عداد الخالدين في النار وزمرتهم، وحينئذ تكون النتيجة أنّ مرتكب الكبيرة الذي تترجّح سيئاته على حسناته يُعدّ من الخالدين في النار، وحينها تدلّ الآية على خلود طائفة خاصة من المؤمنين ممّن ارتكبوا الكبيرة في النار.

ولكن الإمعان في سياق الآيات المباركة يكشف لنا بوضوح أنّ المراد ممّن خفّت موازينه هم الكافرون بآيات اللّه سبحانه والمكذّبون والمنكرون لرسالة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)والشاهد على ذلك قوله سبحانه:


1 . الكهف:57.

2 . المؤمنون:103.


( 376 )

(أَلَمْ تَكُنْ آياتي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ) .(1)

وفي آيات أُخرى يؤكّد سبحانه تلك الحقيقة بقوله:

(إِنّهُ كانَ فَريقٌ مِنْ عِبادي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّاحِمينَ *فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ).(2)

ومع الالتفات إلى تلك الآيات الكريمة يمكن القول إنّ المقصود من قوله تعالى: (خفّت موازينه)تلك الطائفة من المكذّبين وغير المؤمنين باللّه وباليوم الآخر.

11. آكلو الربا

قال تعالى حاكياً الحالة التي تعيشها تلك الطائفة من الناس التي تمارس المعاملات الربوية والتي تتّخذ من الربا طريقاً لكسب المال وتكديس الثروة:

(الَّذينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنَ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).(3)

ويدلّ ظاهر الآية على أنّ كلّ من مارس العملية الربوية فانّه من المخلّدين في النار وداخل في زمرتهم وانّها توعد مطلق آكلي الربا بالخلود في النار، ولكن


1 . المؤمنون:105.

2 . المؤمنون:109ـ 110.

3 . البقرة:275.


( 377 )

الالتفات إلى جملة (وَمَنْ عادَ) الواردة في الآية يكشف عن أنّ هذه الجملة بمنزلة القرينة على أنّ المراد ليس كلّ من أكل الربا، بل المراد من لا يؤمن بتحريم الربا ومن جاءته آيات اللّه سبحانه وبيّنت له مخاطر ومفاسد الربا ولكنّه لم يرتدع عنه وكان سلوكه في ما بعد التحريم نفس سلوكه قبل أن يصله التحريم الإلهي للعملية الربوية، ولم يكترث بالتحريم أبداً ولم يصغ لنداء السماء ويصرّ على أنّ البيع مثل الربا ولا اختلاف بين العمليتين أبداً.

ومن الواضح أنّ مثل هكذا إنسان، متمرّد على أوامر السماء ولم يؤمن بها، بل أنّ موقفه هذا يُعدّ تكذيباً للوحي الإلهي.

وبعبارة أُخرى: لقد وقع العرب قبل آية التحريم بانحرافين:

الأوّل: انّهم اعتقدوا انّ البيع مثل الربا.

الثاني: الانحراف العملي، إذ كانوا يمارسون تلك المعاملات بصورة واسعة.

ولذلك نجد أنّ الآية الكريمة تضع عنهم وزر هذين الانحرافين وتعفو عمّا سلف منهم ولكنّها تشدّد على المؤاخذة لمن يبقى متمسّكاً بهذين الانحرافين ولم يعدل عنهما إلى جادة الحق وطريق الصواب، فتوعدهم بالخلود في النار، ومثل هؤلاء لا يخرجون عن إطار الكفر حيث إنّهم أنكروا الوحي والرسالة بإصرارهم على مواقفهم السابقة.

نعم إذا قلنا: إنّ موضوع الخلود في النار هو أكل الربا بعد تشريع التحريم، سواء اقترن بالانحراف العقائدي أم لا، ففي مثل هذه الصورة يمكن القول إنّ الآية تدلّ على ادّعاء خلود مرتكب الكبيرة في النار، ولكنّه لا توجد أيّ قرينة على هذا الادّعاء، وانّ القدر المتيقّن والذي يستفاد من قوله تعالى: (فَمَنْ عادَ) انّ الآية ناظرة إلى الانحرافين قبل التشريع أو انّها ناظرة إلى الانحراف الأوّل فقط، ولا


( 378 )

يشكّ أحد أبداً في كفر هؤلاء المنحرفين.(1)

12. قاتلو المؤمنين

لقد حذّر القرآن الكريم من قتل المؤمنين عمداً ووعد عليه الخلود في النار.

قال سبحانه:

(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فيها وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً).(2)

إنّ هذه الآية هي الآية الوحيدة التي تدعم نظرية القائلين بخلود مرتكب الكبيرة في النار، ولقد جاء الاستدلال بالآية المباركة في جميع الكتب الكلامية التي تعرّضت لإثبات هذه النظرية، والظاهر أنّ الآية المباركة تمتاز بقوتها في الدلالة على النظرية المذكورة عن باقي الآيات الشريفة.

بالإضافة إلى دلالة متن الآية على أنّ مرتكب الكبيرة يخلد في النار، نجد أنّ شأن نزول الآية يدعم ويؤيد تلك النظرية.

ولقد حكى لنا الشيخ الطبرسي(رحمه الله) شأن نزول الآية بقوله:

نزلت في مقيس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار، فذكر ذلك لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، وقال له: قل لبني النجار إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتصّ منه، وإن لم تعلموا فادفعوا إليه ديته، فبلّغ الفهري الرسالة، فأعطوه الدية، فلمّا انصرف ومعه الفهري وسوس


1 . انظر: مجمع البيان:2/389، والميزان:2/418.

2 . النساء:93.


( 379 )

إليه الشيطان، فقال: ما صنعت شيئاً، أخذت دية أخيك فيكون سُبّة عليك: اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله، وركب بعيراً ورجع إلى مكة كافراً، وأنشد يقول:

قتلت به فهراً وحمّلتُ عقله *** سراة بني النجار أرباب فارع

فأدركتُ ثأري واضطجعت موسداً *** وكنت إلى الأوثان أوّل راجع

فقال النبي:«لا أُؤمنه في حلّ ولا حرم»، فقُتِل يوم الفتح.(1)

ولكنّ المخالفين لهذه النظرية ردّوا على هذا الاستدلال بوجوه:

أ. انّ قوله: (مُتَعَمِّداً) دليل على أنّ المحكوم بالخلود من قتل المؤمن لأجل إيمانه، فعندئذ تختص الآية بالكافر ولا يعمّ المسلم الذي يقتل أخاه لأجل هواه.

ب. الخلود كناية عن الإقامة الممتدة التي إذا طالت يعبر عنها بالخلود.

ج. الخلود وإن كان ظاهراً في التأبيد، ولكنّه ليس أمراً قطعياً لاحتمال خروجه من النار بالعفو والشفاعة، وقد مرّ قوله سبحانه: (إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُأَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دونَ ذلِكَ) .(2)

حصيلة البحث: انّ ما استدلّ به من الآيات مرجعها إلى أحد العناوين الأربعة التي لا شكّ في أنّ أصحابها من الخالدين في النار، وقد عرفت القرائن التي تؤكد هذا.

وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ خصوص قاتل المؤمن مخلّد في النار لا كلّ الفسّاق ومرتكبي الكبائر، وبذلك يتّضح أنّ مضامين الآيات لا تنافي ما روي عن الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال:«لا يخلّد اللّه في النار إلاّ أهل الكفر والجحود وأهل الضلال والشرك، ومن اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن


1 . مجمع البيان:3ـ4/141.

2 . النساء :48.


( 380 )

الصغائر...».

فقلت له: يابن رسول اللّه فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟

فقال: «حدّثني أبي، عن آبائه، عن علي(عليه السلام) قال:سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول:إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي، فأمّا المحسنون منهم فماعليهم من سبيل».(1)

ومن هنا يتّضح أنّ الأدلّة الاثني عشر التي أقامها أصحاب نظرية خلود مرتكب الكبيرة في النار لا تصمد أمام البحث العلمي باستثناء مورد واحد وهو أيضاً قابل للتأمّل والملاحظة، وأمّا الصور الأربعة الأُولى فانّها متّفق عليها بأنّها خاصة في الكافرين والمشركين، وأمّا الصور الباقية فإنّ القرائن السياقية توضح وبجلاء أنّ المراد من الخالدين في النار هم الكافرون والمشركون والمنافقون وانّ هذه العناوين الإحدى عشر التي ذكرت إنّما هي عناوين مشيرة ورموز إلى تلك العناوين الأربعة التي أطبق الجميع على خلودهم في النار، وأمّا قتل المؤمن فمع الأخذ بعين الاعتبار ما ذكره المفسّرون، نضيف هنا أمرين آخرين:

1. انّ الخلود ليس حكماً قطعياً بل يمكن أن يتغيّر أو يتبدّل، بمعنى أنّ وجود المقتضي للخلود موجود لو لم يمنع عنه مانع وهو شمول الشفاعة له.

2. الرواية التي أوردها الصدوق(رحمه الله) في مورد الخالدين في النار.

النتيجة يمكن القول: إنّ نظرية عدم خلود المؤمن في العذاب، نظرية مستحكمة وثابتة.(2)


1 . توحيد الصدوق:407، باب 63، الحديث6.

2 . منشور جاويد:9/376ـ 402.


( 381 )

120

فلسفة العذاب الدائم

سؤال: من الإشكالات التي أُثيرت حول الخلود في النار أو العذاب الدائم الإشكال التالي: انّ من المقرر بين المقننين انّ الجزاء لابدّ أن يتوازن مع مقدار الجريمة، ونحن إذا لاحظنا الذنوب أو الجرائم التي يرتكبها الإنسان في الحياة الدنيا نجد انّه لا توجد تلك الموازنة بينها و بين العقاب الأُخروي، فما هو الطريق لحلّ هذا الإشكال المطروح؟

الجواب: لا ريب أنّ ذلك من الإشكالات المطروحة في هذا المجال والتي تتعلّق بخلود الكافرين في النار، وأنّه لابدّ من الموازنة بين المعصية والجزاء، وهذه القضية من القضايا التي لفتت انتباه العقلاء دائماً وخاصة رجال القانون الجزائي.

ولكن يمكن الإجابة عن الإشكال المذكور بصور مختلفة،وهي:

1. انّ هذا الإشكال يرد لو كان الجزاء أمراً جعلياً، فلا ريب أنّ قوانين العقلاء ورجال القانون ترى أنّه لابدّ من الموازنة بين الجرم وجزائه، فللسرقة جزاء يناسبها، وللشتم جزاء يناسبه، وللقتل جزاء يناسبه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يكون الجزاء خارجاً عن تلك الموازنة، فدائماً توجد موازنة بين الجرم والجزاء.

ومن هنا نرى أنّ بعض المقننين يرون أنّ بعض تلك العقوبات متناسبة مع حجم الجرم وبعضها الآخر غير متناسب وتوجد بينهما فاصلة كبيرة.


( 382 )

وأمّا إذا ذهبنا إلى أنّ الجزاء ليس أمراً اعتبارياً جعلياً وإنّما هو أمر تكويني ملازم لوجود الجرم بمعنى انّه توجد رابطة تكوينية بين الجرم وجزائه، وانّ الجزاء تجسيم للذنب المقترف أو الجرم المرتكب، فحينئذ تنتفي الموازنة المذكورة، إذ يمكن أن يورث العمل في نفس المجرم هيئة لا تفارقه أبداً، فتكون الظلمة الناشئة من الشرك باللّه والتمرّد على أوامره حالة ثابتة تلازم الإنسان دائماً وتنسجم بصورة عينية في العالم الأُخروي، وحينئذ تتّصف بصفة الديمومة والخلود والعذاب الدائم.

2. انّنا لا نسلّم انّ العلاقة بين الخطأ والجزاء علاقة جعلية وعقدية وقابلة للزيادة والنقصان، بل أنّنا نرى وفي الحياة الدنيا قد تكون نتيجة الخطأ لا تنسجم ولا تتوازن مع الخطأ المرتكب، فنجد انّ الخطأ يقع في لحظة واحدة ولكن عقابه دائم، فعلى سبيل المثال لو أقدم إنسان ما على الانتحار ـ لأي سبب كان ـ فقد ارتكب جرماً آنياً، ولكنّه في نفس الوقت خلّف جزاءً غير متناه وهو فقد الحياة إلى الأبد، أو أنّ هذا الإنسان أقدم على إذهاب بصره من خلال اقتراف عمل لا يتجاوز عدّة ثوان، إلاّ أنّ هذا العمل السريع جداً يستتبع نتيجة دائمة وهي فقد البصر مدى الحياة.

وبالطبع انّ ذلك ليس قاعدة دائمة في جميع الأفعال، إذ بعض الأفعال يكون جزاؤها مؤقتاً جداً ولا يتجاوز الدقائق المحدودة.

فمثلاً من يتذوّق الطعام المرّ فانّه يشعر بالألم والمرارة نتيجة ذلك العمل به، ولكنّه في الواقع شعور مؤقت يزول بعد دقائق.

من هنا نعلم أنّ العلاقة بين الجزاء والعمل تكون على نحوين:

1. علاقة توليدية أبدية.


( 383 )

2. علاقة توليدية مؤقتة.

ومن هنا يبحث عن العلاقة بين الجرم والعذاب الأُخروي حيث نقول: إنّ الكفر والشرك هو من قبيل الذنوب التي تكون نتيجتها دائمة وإن كان الجرم مؤقتاً، وذلك لأنّ نفس هذا العمل هو المولد والموجد للنتيجة، وليست النتيجة ناشئة من الاعتبار والجعل والتقنين، ولقد أشارت الآيات والروايات إلى هذه الحقيقة حيث اعتبرت الدنيا مزرعة للآخرة، فقد ورد عن الرسول الأكرم أنّه قال: «الدُّنْيا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ» .

وورد هذا المعنى عن علي(عليه السلام) إذ قال:«الْعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الاخِرَةِ».(1)

كذلك ورد هذا المعنى في القرآن الكريم حيث قال سبحانه:

(مَنْ كانَ يُريدُ حَرْثَ الاخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ...) .(2)

3. هناك قاعدة منطقية وفلسفية معروفة تقول:

«ذاتي الشيء لا يختلف ولا يتخلف» بمعنى أنّه لا يمكن إزالته من مكانه بصورة كلّية، وحينئذ فإنّ الإنسان كما أنّه خلق مقترناً بسلسلة من الصفات والخواص الذاتية التي لا تنفك عنه أبداً، فمن الممكن أن يكون الكفر والشرك الدائم ـ و خاصة العمدي منه ـ كالخصلة والسجيّة الثانوية والدائمة للإنسان بحيث تصبح من ذاتياته بنحو «لا يختلف ولا يتخلّف» وبالنتيجة تكون سبباً للعذاب الدائم(3).(4)


1 . نهج البلاغة: الخطبة23، طبع صبحي الصالح.

2 . الشورى:20.

3 . يقول الحكيم السبزواري في حاشيته على الأسفار: وما يقول المصنّف انّ القسر لا يدوم وانّ الطوارئ والعوارض تزول، فجوابه: انّه ليس قسراً ولا عروضاً، بل تصير الكيفية الظلمانية، جوهرية والعرضية السيّئة ذاتية، فإنّ الفطرة الإنسانية ذاتية لا تزول والفطرة الثانية أيضاً ذاتية، إذا صارت ملكة جوهرية، إذ العادة طبيعة ثانوية.(الأسفار:9/347).

4 . منشور جاويد:9/403ـ 405.


( 384 )

121

هدف الجزاء الأُخروي

سؤال: لكلّ عمل يصدر من العاقل الحكيم هدف معيّن، فما هو الهدف من الجزاء الأُخروي؟ ولماذا يعاقب اللّه الإنسان العاصي يوم القيامة؟

الجواب: إذا كان الهدف من المعاد هو إثابة المحسنين والصالحين ومعاقبة المجرمين والعاصين.وبعبارة أُخرى: الهدف أن يصل كلّ منهما إلى نيل جزاء عمله، فحينئذ يطرح السؤال المذكور: ما هو الهدف من وراء ذلك العمل،ولماذا يعاقب اللّه المجرمين؟

وفي مقام الإجابة عن التساؤل المذكور يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط باعتبارها الهدف من معاقبة المجرمين:

1. تشفّي وتسكين الآلام

ممّا لا شكّ فيه انّ الذي يتعرّض للأذى أو توجّه إليه الإساءة أو يهضم حقّه في الحياة الدنيا أو يقتل، تخلق تلك الأفعال حالة من الألم والمضض في نفسه أو في نفوس ذويه وأحبته، ولم تهدأ تلك الحرقة ولا تزول تلك المرارة إلاّ إذا رأى هو أو


( 385 )

رأى ذووه من عرّضه لذلك الألم والمرارة أو القتل قد نال جزاءه العادل.

2. تربية المجرمين

إنّ الهدف من بعض العقوبات هو إعادة تأهيل وتربية المجرمين، فعلى سبيل المثال تقوم الحكومة بحجز المخطئين أو الأحداث الذين يقومون باقتراف بعض الجرائم في سجون خاصة من أجل إعادة تأهيلهم وتربيتهم عن طريق تعريضهم لظروف جديدة وضغوط خاصة تردعهم عمّا اقترفوه من الجرائم.

3. ليكون المجرم عبرة للآخرين

الهدف الثالث من العقاب بالإضافة إلى تربية المجرم وتأديبه وإعادة تأهيله في المجتمع، هو أنّه حينما يعرض للعقاب أمام الملأ العام، يكون في ذلك عبرة للآخرين للاتّعاظ وعدم الإقدام على الخطأ أو الجرم الذي أقدم عليه.

هذه هي بعض الأهداف من العقاب في الدنيا، وحينئذ يطرح السؤال التالي: ما هو الهدف من العقاب الأُخروي؟ فإذا كان الهدف هو تسكين الآلام، فاللّه سبحانه وتعالى أسمى من أن يتّصف بتلك الإحساسات المادية اتجاه مَن يعصيه أو يتمرّد على أوامره ونواهيه.

وإذا كان الهدف هو تربية المجرمين وتنبيههم إلى فداحة الخطأ الذي اقترفوه، فلا شكّ انّ هذا الاحتمال أيضاً فيه مناقشة، لأنّ مجال التنبيه والتربية هو عالم الدنيا لا الآخرة.

وأمّا إذا كان الهدف هو اعتبار الآخرين بما ناله المجرمون من العقاب، فهذا أيضاً لا معنى له، وذلك لأنّه لا معنى للاعتبار والاتّعاظ في عالم الآخرة، وذلك لأنّ الحياة قد انتهت وقامت القيامة ولم يبق مجال حينئذ للاتّعاظ و الاعتبار ونال


( 386 )

كلّ إنسان جزاء عمله صالحاً كان أم طالحاً.

وللإجابة عن ذلك نقول:

أوّلاً: انّ الإشكال يرد على القول بأنّ المعاد أمر ممكن وليس أمراً ضرورياً، إذ حينئذ يطرح الإشكال: لماذا أُفيض الوجود على هذا الأمر الممكن وما هي الغاية منه؟ وأمّا إذا قلنا: إنّ هناك سلسلة من العلل و الأسباب تقتضي ضرورة المعاد، فحينئذ لا مجال بل لا معنى للسؤال عن العلّة الغائية، وذلك لأنّ هذه السلسلة من الأسباب التي اقتضت ضرورة المعاد تكمن فيها العلل الفاعلية والعلل الغائية، فلابدّ من البحث عن تلك العلل والأسباب التي اقتضت ضرورة المعاد لكشف غايات وأهداف المعاد والجزاء والعقاب.

ويكفي هنا أن نتعرض لذكر واحد من الأدلّة الستة التي أُقيمت لبيان ضرورة المعاد، وهذا الدليل عبارة عن:

كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي

لا شكّ انّ المعاد مجلى للعدل الإلهي وبدونه لا يمكن أن يظهر عدله سبحانه بصورة تامّة وبشكل كامل.

ومن المعلوم أنّ ميدان القيامة وساحة المعاد يتحقّق فيها الإحسان إلى المحسنين وإثابة الصالحين، أي تحقّق الحسن والجمال، وهذا من الأُمور التي يحكم العقل بحسنها و بقبح تركها.

وحينئذ يكون جواب السؤال عن علّة تحقّق هذا الفعل الحسن كامناً في نفس الفعل.

وكأنّ الذي طرح السؤال المذكور غفل عن أدلّة ضرورة المعاد وتصوّر أنّ


( 387 )

المعاد من الأُمور الممكنة التي ينبغي السؤال عن علّتها ولذلك قال: ما هي الغاية من وراء المعاد؟ ولكنّه لو التفت إلى علل المعاد التي تقتضي كونه أمراً ضرورياً، فحينئذ تتجلّى له العلّة الغائية للمعاد والتي تكمن فيه، والجدير بالذكر أنّ كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي هو أحد علل وأسباب ضرورية المعاد حيث يوجد إلى جانبه علل أُخرى كثيرة.

ثانياً: انّ هذا الإشكال انّما يرد على بعض العقوبات والمثوبات التي تكتسب صفة اعتبارية جعلية، أي العقوبات التي لا تكون من لوازم وجود الإنسان، وإنّما تفاض عليه من السماء أو يعاقب عليها كذلك من السماء.

ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّه ليس كلّ العقوبات والمثوبات ذات صفة اعتبارية وجعلية، بل البعض منها فقط من هذا القبيل، وأمّا البعض الآخر فهو من لوازم وجود الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان وبسبب قيامه بسلسلة من الأعمال الحسنة أو السيّئة في هذا العالم، تخلق فيه مجموعة من الملكات التي تكون سبباً لتقوّم شخصيته وتحقيقها، وحين تقوم الساعة يحشر هذا الإنسان بتلك الملكات والصفات، وتلازمه تلك الصفات ولا يمكنه أن يتخلّص منها، فتكون سبباً لسعادته وفرحه أو سبباً لعذابه وشقائه.

فالإنسان المذنب وبسبب انطماسه في الشهوات يمتلك صفات وملكات خاصة تخلق له ـ و بصورة قهرية ـ سلسلة من الصور الخبيثة والمؤذية، وكذلك الإنسان المؤمن والمحسن يمتلك سلسلة من الملكات الجميلة التي تخلق له صوراً بهيّة تلازمه في ذلك العالم، فالصنف الأوّل يتأذى ويتألّم بعمله، والإنسان المؤمن يتنعّم ويلتذ بنفس أعماله أيضاً.

ومن هنا تبيّن انّ هذا الجواب يعتمد على نكتة مهمة، وهي أنّ طائفة من الآلام واللّذات وليدة نفس الإنسان المبعوث والتي تناسب ذلك العالم.


( 388 )

ثالثاً: ويمكن الإجابة عن التساؤل المطروح بجواب ثالث وهو: انّ الأعمال في هذا العالم لها صورة خاصّة، ولها صورة أُخرى في عالم البرزخ وفي القيامة، بمعنى أنّ الشيء الواحد وتبعاً لشروط خاصة يتجلّى بصور مختلفة، ويمكن استكشاف هذا الدليل من خلال الواقعة التالية:

إنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان ; وبيده جمجمة إنسان ميت، فقال: إنّكم تزعمون النار يعرض عليها هذا، وإنّه يعذّب في القبر، وأنا وضعت عليها يدي فلا أحسّ منها حرارة النار!! فسكت عنه عثمان، وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره، فلمّا أتاه وهو في ملأ من أصحابه، قال للرجل: أعد المسألة، فأعادها، ثمّ قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها يا أبا الحسن!

فقال علي(عليه السلام): إيتوني بزند وحجر، والرجل السائل والناس ينظرون إليه، فأُتي بهما، فأخذهما وقدّح منهما النار، ثمّ قال للرجل: ضع يدك على الحجر فوضعها عليه، ثمّ قال: ضع يدك على الزند، فوضعها عليه، فقال: هل أحسست منهما حرارة النار؟! فبهت الرجل.(1)

وعلى هذا الأساس يكون القول بأنّ بعض الثواب والعقاب تجسّم للأعمال الحسنة والسيّئة والتي تتجلّى تحت ظروف خاصة بشكل وصور أُخرى.


1 . الغدير:8/214.


( 389 )

122

الأحوال الطارئة على المؤمنين يوم القيامة

سؤال: من المسائل التي سلّط ا لقرآن الكريم الضوء عليها ، مسألة الأحوال الطارئة على المؤمنين والسعداء يوم القيامة، نرجو أن تعطينا صورة عن ذلك وبيان تلك الحالات؟

الجواب: لقد سلّط القرآن الكريم الضوء على حالات أصناف كثيرة من الناس الأعمّ من المؤمنين والسعداء، وبما انّ بيان حالات جميع الأصناف ومواقفهم خارج عن مجال بحثنا هنا، لذلك سنكتفي بذكر الحالات الطارئة على المؤمنين والسعداء في يوم القيامة.

السعداء يوم القيامة

إنّ الآيات الواردة في هذا المجال يمكن تصنيفها إلى أصناف كثيرة، منها:

الف: النبي والمؤمنون

قال تعالى:


( 390 )

(...يَوْمَ لا يُخْزِي اللّهُ النَّبيَّ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْديهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْء قَديرٌ).(1)

ب: المتّقون

لقد ركّز القرآن الكريم وفي آيات كثيرة على المنزلة السامية والمكانة العالية للمتّقين عند اللّه سبحانه وتعالى، وهذا ما تعرب عنه الآيات التالية:

1. قال تعالى:(...وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقينَ) .(2)

2. وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُتَّقينَ في مَقام أَمين) .(3)

(أُدْخُلُوها بِسَلام آمِنينَ) .(4)

3. وقال تعالى أيضاً:

(إِنَّ الْمُتَّقينَ في ظِلال وَعُيون) .(5)

(إِنَّ الْمُتَّقينَ في جَنّات وَعُيُون) .(6)

4. وقال تعالى:

(...لَهُمْ فيها ما يَشاءُونَ كَذلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقينَ) .(7)


1 . التحريم:8، وقد جاء مضمون الآية في سورة الحديد الآية 12 حيث قال سبحانه: (
يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم...).

2 . النحل:30.

3 . الدخان:51.

4 . الحجر:46.

5 . المرسلات:41.

6 . الحجر:45.

7 . النحل:31.


( 391 )

5. وقال أيضاً:

(فاكِهينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ...) .(1)

6. وقال تعالى:

(وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ إِخْواناً عَلى سُرُر مُتَقابِلينَ).(2)

7. ووصفهم سبحانه بقوله:

(لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجينَ) .(3)

هذه طائفة من الصفات التي يتّصف بها المتّقون يوم القيامة، وهناك طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تشير إلى منزلتهم السامية لا مجال لذكرها هنا.(4)

ج: الصابرون

كذلك سلّطت الآيات الكريمة الضوء على بيان منزلة الصابرين يوم القيامة، منها:

1. يسلّم عليهم الملائكة عند دخولهم الجنة، ويباركون لهم مقامهم الرفيع وفوزهم العظيم:

(سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّار) .(5)


1 . الطور:18.

2 . الحجر:47.

3 . الحجر:48.

4 . انظر: النبأ:31ـ 36، المرسلات:41ـ 43، الحجر:45ـ 48، الدخان:51ـ 57، الرعد:35، الفرقان:15، محمد:15، آل عمران:133، التوبة:123، النحل:31، الشعراء:90، الزخرف:35، الذاريات:15، الطور:17، القمر:54، القلم:34.

5 . الرعد:24.


( 392 )

2. يعطون أجرهم مرتين، قال تعالى:

(أُولئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا...) .(1)

3. يجزون بأحسن وجه، قال تعالى:

(...وَلَنَجْزِيَّنَ الَّذينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ماكانُوا يَعْمَلُونَ).(2)

4. جزاؤهم غرف الجنة، قال تعالى:

(أُولئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً).(3)

وهناك نكتة جديرة بالتنبيه عليها والاهتمام بها وهي انّه لابدّ لنا أن ندرك جيداً، انّ طائفة الصابرين لا تمثل قسّماً خاصاً وطائفة مستقلة عن المؤمنين والمتّقين ومغايرة لهم، بل الجميع صنف واحد، ولكنّهم يمتازون بصفات متعدّدة ولكلّ صفة استحقاقاتها الخاصة بها وثوابها المعيّن لها، والشاهد على ذلك انّنا نجد الكثير من الآيات التي تتحدّث عن المؤمنين أو المتّقين تردفه بصفة الصبر، وتعتبر انّ سرّ نجاح وموفقية عباد اللّه الصالحين هو اتّصافهم بالصبر والثبات، وهذا ما ورد في الآية 75 من سورة الفرقان التي تحدّثت عن (عباد الرحمن) أو ما ورد في سورة الدهر عند الحديث عن صفات الأبرار حيث قال سبحانه:

(وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَريراً) .(4)


1 . القصص:54.

2 . النحل:96.

3 . الفرقان:75.

4 . الدهر:12.


( 393 )

د. المصلّون

لقد أولى القرآن الكريم والشريعة الإسلامية أهمّية خاصة للصلاة التي تُعدّ الآصرة والرابطة المباشرة بين العبد وخالقه، كما أنّه سبحانه قد امتدح المصلّين الذين يقيمون الصلاة على أكمل وجه، بمدائح كثيرة ووصفهم بأوصاف ونعوت متعدّدة، كلّها تحكي عن الأثر المهم الذي تفعله الصلاة في نفس المصلّي والثمرة التي يجنيها من خلال إقامته للصلاة، حيث قال سبحانه:

(إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذا مَسَّهُ الشَّرُ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلاّ المُصَلّينَ *الَّذينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ *وَالَّذينَ في أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* والَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون *وَالَّذينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حافِظُونَ* إِلاّ عَلى أَزْواجِهمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومينَ* فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ* وَالَّذينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ*وَالَّذينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ*وَالَّذينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ* أُولئِكَ في جَنّات مُكْرَمُونَ).(1)

وبالإمعان في الآيات المذكورة يتّضح لنا المقام الشامخ والمنزلة السامية والرفيعة للمصلّين، والصفات الجميلة والسمات الطيبة التي يتحلّون بها، وذلك من خلال النقاط التالية:

1. انّ للصلاة دوراً فاعلاً في الحدّ من حرص الإنسان وطمعه وتزكية النفس


1 . المعارج:19ـ 35.


( 394 )

والروح، وذلك من خلال الارتباط بعالم الغيب الذي تصغر أمامه جميع الموجودات.

2. الصلاة عامل فاعل في تحقّق العفّة والطهارة، ونقاء المجتمع من الفحشاء والفساد و التحلّل الأخلاقي.

3. انّ للصلاة دورها في خلق روح التكافل الاجتماعي وخلق الشعور بآلام المحرومين والمعوزين، ودفع الإنسان للإنفاق والبذل في هذا الطريق.

4. الصلاة تحثّ على الأمانة والوفاء بالعهد ونبذ الخيانة، ونقض العهود.

5. الصلاة تحثّ الإنسان المصلّي إلى الشهادة بالحق، ونبذ كتمان الحق باعتباره عملاً قبيحاً لا ينبغي للمصلّي الاتّصاف به.

ونحن إذا راجعنا آيات الذكر الحكيم والأحاديث الواردة عن آل بيت العصمة والطهارة، حول الصلاة، نجد فيها الكثير من النكات الأخلاقية والمناهج التربوية المهمة جداً للفرد والمجتمع بحيث لا يمكن استيعابها بهذه العجالة، بل هي بحاجة إلى تأليف كتاب أو رسالة خاصة بها.

هـ. السابقون

لقد وصف القرآن الكريم المحشورين يوم القيامة بصفات متعدّدة منها أنّه قسّمهم إلى ثلاثة أصناف هي:

1. السابقون.

2. أصحاب اليمين.

3. أصحاب الشمال.

ونحن هنا نسلّط الضوء على الوصف الأوّل«السابقون» و معرفة صفات


( 395 )

وخصائص هذه الطائفة .

وفي البداية لابدّ من تركيز البحث على متعلّق السبق وانّهم إلى أيّ شيء سبقوا حتّى نالوا ذلك المقام السامي وفازوا بتلك المنزلة الرفيعة؟

الذي يستفاد من بعض الآيات انّ متعلّق السبق هو الخيرات والحسنات، بمعنى أنّهم سبقوا إلى نيل الخيرات وكسب الحسنات، قال تعالى:

(أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ) .(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ...).(2)

وهذه الآية تقسّم العباد إلى ثلاث طوائف:

1. (ظالِمٌ لِنفسه) .

2. (وَمِنْهُمْ مُقْتَصدٌ) .

3. (وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالخَيْراتِ) .

ولأمير المؤمنين(عليه السلام) كلام يصلح أن يكون تفسيراً لهذه الآية حيث قال(عليه السلام):

1. «ساع سَريعٌ نَجا،

2. وَطالِبٌ بَطيءٌ رَجا،

3. وَمُقَصِّرٌ فِي النّارِ هَوى».(3)


1 . المؤمنون:61.

2 . فاطر:32.

3 . نهج البلاغة: الخطبة161.


( 396 )

وعلى كلّ حال فإنّ متعلّق «السبق» هو الخيرات والأعمال الحسنة، وإنّما أُطلق عليهم هذا الوصف لمسارعتهم في نيل تلك الأفعال الخيّرة والأعمال الصالحة.

نعم استعمل القرآن الكريم مصطلح «السابقون» بنحو يكون المتعلّق فيه هو السبق في قبول الإسلام وترك الكفر ونبذ الوثنية، وهذا ما أشارت إليه الآية التالية:

(والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالأَنْصارِ وَالَّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...) .(1)

وبالطبع يمكن القول ـ وبنحو ما ـ انّ السبق إلى الإسلام ونبذ الوثنية هو من أفضل وأكمل مصاديق السبق إلى الخيرات والأعمال الحسنة، وفي الحقيقة انّ هذا القسم من السابقين أحد مصاديق «السابقون في الخيرات»، ولعلّ الآية التي وردت في سورة الواقعة والتي تكرر فيها لفظ «السابقون» حيث قال تعالى: (السابقون السابقون) ناظرة إلى كلا الصنفين وكلا الحالتين: «السابقون إلى الإسلام ونبذ الوثنية» و«السابقون في فعل الخيرات والأعمال الحسنة».

وخلاصة القول: السبق إلى الخير والفوز على الآخرين في ميادين السباق ونيل قصب السبق في القيام بالوظائف وفعل الخيرات، يعتبر علامة الجدارة والصفاء الروحي ونقاء العقل والفكر، لأنّ أصحاب العقول المستنيرة وذوي البصائر، يميزون الخير عن الشر ويسارعون إلى فعل الخيرات ونيل المكرمات.

إلى هنا تعرّفنا على متعلّق مصطلح «السابقون»، وكذلك اتّضح لنا ما هو المراد من «السابقون»، وحان الوقت للحديث عن خصائص «السابقون» و التي ذكرت في القرآن الكريم.


1 . التوبة:100.


( 397 )

إنّ القرآن الكريم ذكر لهذا الصنف من الناس الكثير من الخصائص والمميزات في الدنيا والآخرة نشير إليها بصورة مختصرة:

خصائصهم وسماتهم الدنيوية

إذا كان السبق في فعل الخيرات علامة على تنوّر العقل وصفاء القلب، فلا شكّ انّ هكذا جوهرة قيّمة تكون لها آثار أُخرى مهمة، ولذلك حينما نرى القرآن الكريم يتحدّث عن «السابقون» نراه يشير أوّلاً إلى صفاتهم وسماتهم التي يتحلّون بها، والتي منها:

أ. (...مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) .

ب. (...بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) .

ج. (...بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) .

د. (...يُؤْتُونَ ما آتَوا) .

هـ. (...وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) .

و. ثمّ يشير القرآن إلى السبب الذي جعلهم مشفقين ووجلين من ربّهم ألا وهو إيمانهم القاطع بالمعاد ويوم القيامة حيث قال سبحانه: (أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِِعُونَ) .

وبعد أن يذكر القرآن الكريم تلك الصفات ويشيد بتلك السمات، يلحق الكلام بقوله تعالى:

(أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ) .(1)

إلى هنا تعرفنا على صفاتهم وخصائصهم الدنيوية، فلنعرج بالقلم


1 . المؤمنون:61.


( 398 )

للحديث عن صفاتهم الأُخروية ومكانتهم ومنزلتهم في ذلك العالم والتي تعتبر وبحق قطفاً لثمار خصالهم الفكرية والروحية والعملية.

منزلتهم في الآخرة

لقد تحدّث القرآن الكريم عن منزلة ومكانة «السابقون» في الآخرة، ووصفهم بصفات كثيرة منها:

إنّ السابقين إلى الخيرات هم المقرّبون كما يقول سبحانه:

(أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) .(1)

وبالطبع انّ مصطلح (المقربون) يطلق وبالإضافة إلى السابقين على طائفة أُخرى كالملائكة.

ولأجل مكا(2)نتهم الرفيعة ومنزلتهم السامية عند اللّه تبارك وتعالى نجد القرآن الكريم يشير إلى ما لهم من الأجر والثواب، وهذا ما تحكي عنه الآيات التالية:

(فِي جَنّاتِ النَّعيمِ*... عَلى سُرُر مَوضونَة * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلينَ* يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ *بِأَكْواب وَأَباريقَ وَكأْس مِنْ مَعين* لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ *وَفاكِهَة مِمّا يَتَخَيَّرُونَ*وَلَحْمِ طَيْر مِمّا يَشْتَهُونَ* وَحورٌ عينٌ* كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤ الْمَكْنُونِ).(3)

ثمّ يقول سبحانه: إنّ هذه النعمة وتلك الكرامة لم تمنح لهم اعتباطاً، بل


1 . الواقعة:11.

2 . (
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسيحُ أَنْ يَكُونَ عَبداً للّهِ وَلا الْمَلائِكةُ الْمُقَرَّبُون)(النساء:172).

3 . الواقعة:12ـ 23.


( 399 )

جزاء لعملهم وسعيهم في الدنيا حيث قال سبحانه:( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ).(1)

ثمّ يردف ذلك بنعمة وكرامة أُخرى، فيقول عزّ من قائل:

( لاَ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثيماً* إِلاّقيلاً سَلاماً سَلاماً) .(2)

بقيت هنا نكتة أُخرى، وهي أنّه سبحانه وصف جماعة بالمقربين وقال:

(فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم).(3)

وحيث إنّ المراد من السابقين، هم السابقون بالخيرات، وصف المسيح بأنّه من المقرّبين، وقال:

(...وَجيهاً في الدُّنْيا وَالآخرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبينَ) (4)باعتباره (عليه السلام) ـ كباقي الأنبياء(عليهم السلام) ـ كان من السباقين إلى فعل الخيرات، وأنّه من اللحظات الأُولى ومنذ أن كان في المهد صبيّاً سار على خط التوحيد ولم ينحرف عن الصراط المستقيم أبداً.

ثمّ إنّه سبحانه وصف المقرّبين في آية أُخرى بأنّهم شهداء كتاب الأبرار، وقال:

(إِنَّ كتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِليّينَ* وَما أَدْراكَ ما عِلِيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدَهُ الْمُقَرَّبُونَ).(5)

وعلى هذا فالسابقون هم المقرّبون وهم شهداء كتاب الأبرار.


1 . الواقعة:24.

2 . الواقعة:25ـ26

3 . الواقعة:88ـ 89.

4 . آل عمران:45.

5 . المطففين:18ـ 21.


( 400 )

و. أصحاب اليمين

لقد وصف القرآن الكريم طائفة من الناس في يوم القيامة بأنّهم (أصحاب اليمين).

حيث قال سبحانه:

(وَأَصْحابُ الْيَمينِ ما أَصحابُ اليَمينِ).(1)

ثمّ أشار القرآن إلى صفاتهم في عشر آيات من الذكر الحكيم منها انّهم:

(ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلينَ* وَثُلَّةٌ مِنَ الآخرِينَ) .(2)

ولقد اختلف المفسّرون في المقصود من أصحاب اليمين من هم؟ فطرحوا نظريتين:

النظرية الأُولى: انّ المراد منهم هم الذين يعطون كتابهم بيمينهم، وقد استدلّوا على هذه النظرية بقوله تعالى:

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناس بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتيلاً) .(3)

وقوله تعالى: (فَأمّا مَنْ اُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَه).(4)

النظرية الثانية: انّ المقصود من اليمين هو اليمن والبركة، وهم الذين جاء وصفهم في سورة الواقعة بـ (أصحاب الميمنة) حيث قال سبحانه:

(وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً* فَأَصحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصحابُ الْمَيْمَنَةِ).(5)


1 . الواقعة:27.

2 . الواقعة:39ـ 40.

3 . الإسراء:71.

4 . الحاقة:19.

5 . الواقعة:7ـ8.


( 401 )

وبما أنّ مصطلح (الميمنة0 جاء مقابلاً لمصطلح ( المشئمة) الذي هو بمعنى الشؤم والشقاء، فلا ريب أن يكون أصحاب الميمنة هم الذين يرفلون بالعز والسعادة وينعمون بالبركة والنعمة.

والحاصل: انّ القرآن الكريم سلّط الضوء على أصحاب اليمين في ثلاثة مواقع، هي:

1. في الحياة الدنيا

لقد أشار الذكر الحكيم إلى أصحاب اليمين في الحياة الدنيا، وما يتحلّون به من صفة التسليم والإذعان والخضوع للأوامر والنواهي الإلهية، وما يمتازون به من الصلابة والمقاومة والثبات في تجاوز العقبات والصعاب والاختبارات والابتلاءات الدينية، بالإضافة إلى القيام بآداب ورسوم العبودية للّه سبحانه على أحسن وجه، ولا يكتفون بذلك بل يقومون بحثّ الآخرين وتحفيزهم على العمل بهذا المنهج القويم، قال تعالى:

(فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَة* وَما أَدراكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَة* أَوْ إِطْعامٌ في يَوم ذِي مَسْغَبَة *يَتيماً ذَا مَقْرَبَة *أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَة* ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ آمَنُوا وَتَواصَوا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولئِكَ أَصحابُ الْمَيْمَنَةِ) .(1)

2. حال الوفاة

في تلك اللحظات العصيبة والساعات الحرجة التي تخفق لها القلوب، وتنقلع منها الأفئدة، ويعيش فيها الإنسان غير المؤمن حالة من الهلع والقلق


1 . البلد: 11ـ 18.


( 402 )

والاضطراب والخوف من المستقبل، يصف القرآن الكريم أصحاب اليمين بأنّهم يعيشون حالة الاطمئنان المطلق والهدوء والاستقرار التّامّين ولا يعتريهم أيّ هول أو قلق أو اضطراب، حيث قال سبحانه:

(وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِالْيَمينِ)(1) .(2)

3. في عالم الآخرة

لقد وصف القرآن الكريم أصحاب اليمين في عالم الآخرة بالصفات التالية:

1. يعطون كتابهم بيمينهم:(فَأَمّا مَنْ أُوتِي كِتابَهُ بِيَمينِهِ).(3)

2. يحاسبون حساباً يسيراً: (فَسَوفَ يُحاسبُ حِساباً يَسِيراً).(4)

3. ينقلبون إلى أهلهم بحالة من الفرح والسرور:(وَيَنْقَلِب إِلى أَهْلهِ مَسْرُوراً).(5)

4. يعطون مكاناً مرتفعاً في الجنة:(فِي جَنَّة عالِيَة* قُطُوفُها دانِيَة).(6)

5. يمنحون جميع نعم الجنة من دون عناء وتعب:(كُلُوا وَاشْربُوا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيّامِ الخالِيّة).(7)


1 . الواقعة:90ـ 91.

2 . انظر مجمع البيان:5/228.

3 . الانشقاق:7.

4 . الانشقاق:8.

5 . الانشقاق:9.

6 . الحاقة:22ـ 23.

7 . الحاقة:24.


( 403 )

ز. المحسنون والأبرار

من العناوين التي جاءت في القرآن الكريم في وصف الصالحين والمؤمنين عنوانا «المحسنون» و«الأبرار» ، لا يمكن اعتبار هذه الطائفة في عرض الطوائف والأصناف الأُخرى، بل في الحقيقة انّ هؤلاء لهم مراتب متعدّدة أيضاً ، فتارة يكونون في مرتبة المقربين، وأُخرى في زمرة أصحاب اليمين، وفي الحقيقة انّ الذي حدانا إلى أن نفرد لهذين العنوانين بحثاً مستقلاً هو التبعية للقرآن الكريم حيث وردا فيه بصورة مستقلة، ونحن اقتداءً بالقرآن الكريم أيضاً خصصنا لهما بحثاً مستقلاً ، وها نحن نشير إلى تلك الآيات وبصورة إجمالية، فقد جاءت الآيات بالأوصاف التالية:

(...إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ) .(1)

وفي آية أُخرى:

(...إِنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَريبٌ مِنَ الْمُحْسِنينَ).(2)

وفي آية ثالثة يأمر اللّه سبحانه نبيّه الأكرم بأن يبشر المحسنين بما جعل لهم من اللطف الإلهي:

(...وَبَشِّرِ الْمُحْسِنينَ) .(3)

وإنّ اللّه دائماً معهم وإلى جنبهم:

(...إِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ) .(4)


1 . انظر البقرة:195، 134، 148 وآيات أُخرى كثيرة.

2 . الأعراف:56.

3 . الحج:37.

4 . العنكبوت:69.


( 404 )

وكذلك القرآن يطمئنهم بأنّهم سيقطفون ثمار عملهم قطعاً وانّ اللّه لا يضيع أجرهم،وهذا ما ورد في قوله تعالى:

(...إِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمْحْسِنينَ) .(1)

وأمّا الأبرار فقد وصفهم القرآن بكثير من الأوصاف وأثنى عليهم ثناءً عظيماً ومدحهم مدحاً حسناً، فحينما يتحدّث عن المفكّرين والعابدين يشير إلى أنّهم طلبوا في دعائهم وتضرّعهم إلى اللّه أن يجعلهم من الأبرار، قال تعالى:

(إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْض وَاخْتِلافِ اللَّيْلِوَالنَّهارِ لآيات لأُولي الأَلْباب* الَّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ*... رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الأَبْرارِ) .(2)

لقد وصف القرآن الكريم الأبرار في مرحلتين، هما:

1. في دار الدنيا.

2. في دار الآخرة.

صفات الأبرار في الحياة الدنيا

لقد جاءـ في سورة الدهر ـ وصفهم في الحياة الدنيا بالصفات التالية:

1. الوفاء بالنذر أو (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) .

2. يعيشون حالة الخوف والوجل من أهوال يوم القيامة:


1 . التوبة:120، هود:15 وآيات أُخرى.

2 . آل عمران:190ـ 193.


( 405 )

(وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً)، (إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَريراً).

3. ينفقون في سبيل اللّه وكسباً لرضاه سبحانه:

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتيماً وَأَسيراً) .

4. لا يهمّهم إلاّ رضا اللّه سبحانه: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(1).

5 . ينفقون ممّا يحبون: (لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ...) .(2)

والذي يظهر لنا في هذه الصفات الخمسة انّهم يتّصفون بصفة أُخرى هي:

6. مراعاة التقوى والورع دائماً.

صفات الأبرار في الحياة الآخرة

بعد أن بيّنّا صفات الأبرار في الحياة الدنيا نشير إلى صفاتهم التي ذكرها القرآن لبيان منزلتهم ومقامهم في الحياة الآخرة، ونكتفي بذكر طائفة من تلك الآيات:

1. (فَوَقيهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَومِ...) .(3)

2. (...إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفي عَلّيّينَ) .(4)

3. (إِنَّ الأَبْرارَ لَفي نَعيم * عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ) .(5)


1 . الدهر:7ـ10.

2 . آل عمران:92.

3 . الدهر:11.

4 . المطففين:18.

5 . المطففين:22ـ 23.


( 406 )

4. (تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعيمِ).(1)

5. (يُسْقَونَ مِنْ رَحيق مَخْتُوم* خِتامُهُ مِسْكٌ...) .(2)

(إِنَّ الأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْس كانَ مِزاجُها كافُوراً) .(3)

(وَيُسْقَونَ فيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبيلاً).(4)

(...وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً). (5)

وآيات أُخرى كثيرة في هذا المجال.(6)


1 . المطففين:24.

2 . المطففين:25ـ 26.

3 . الدهر:5.

4 . الدهر:17.

5 . الدهر:21.

6 . منشور جاويد:9/431ـ 447.


( 407 )

الفصل السادس:

مسائل متفرقة


( 408 )

( 409 )

123

الهجرة مبدأ التاريخ الإسلامي

سؤال: ما هي الدواعي التي أدّت إلى اختيار الهجرة النبوية الشريفة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟ ومن هو صاحب الفكرة، أي مَن الذي قرّر اعتبار الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟

الجواب: في الواقع لاتوجد بين أوساط المسلمين شخصية أكبر من شخصية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يوجد حدث ومنعطف عاد على الأُمّة الإسلامية بالنفع والبركة، كحدث الهجرة النبوية، وذلك لأنّه ـ و من خلال الهجرة ـ طوى المسلمون صفحة من تاريخهم وشرعوا في صفحة جديدة وخطوا خطوة مهمة في معترك الصراع الفكري والتحوّل الحضاري، حيث تمكّنوا من الانتقال والتحوّل من محيط ضاغط وظروف قاهرة وعزلة سياسية تامة إلى محيط آخر يمتلكون فيه حرية الحركة والمناورة والتحرك بالنحو الذي يخدم المصالح الإسلامية الكبرى، وهذا المحيط هو أرض المدينة المنوّرة، وليس من المصادفة أن يطلق الرسول الأكرم وصف «طيبة» على هذه البقعة المباركة من أرض الجزيرة، حيث استقبل أبناء المدينة المسلمين وقائدهم الأكبر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ووفّروا لهم جميع مستلزمات القدرة والطاقة، ووضعوا تحت اختيارهم كلّ ما يحتاجون إليه في مجال تحركهم،


( 410 )

حسب إمكانات ومقتضيات ذلك العصر.

ولم تمض فترة على تلك الهجرة الميمونة إلاّ ونور الرسالة المحمدية يغمر جميع بقاع شبه الجزيرة العربية، وظهر الإسلام كقوّة سياسية وعسكرية يحسب لها حسابها، ثمّ وبعد فترة وجيزة تحوّل ذلك الكيان إلى حكومة قوية في الساحة العالمية، ووضع الأسس الرئيسية لحضارة عظمى لم يُرَ مثلها من قبل ذلك، واستطاعت أن تغطي قسماً كبيراً من أرجاء المعمورة، كلّ ذلك حدث ببركة الهجرة النبوية الميمونة، وإلاّ لبقي المسلمون يعيشون في ذلك المحيط المكّي الضاغط الذي يحصي عليهم أنفاسهم ويتابع خطواتهم بدقّة ومراقبة صارمة.

من هنا اهتمّ المسلمون بحادث الهجرة واعتبروه بداية تاريخهم، منذ ذلك اليوم وإلى الآن، حيث مضى أكثر من ألف وأربعمائة سنة طوت الأُمّة الإسلامية أربعة عشر قرناً من تاريخها الزاهر وماضيها النيّر، وقد دخلنا وللّه الحمد العقد الثالث من القرن الخامس عشر الهجري. هذا تمام الكلام في هذه المسألة وبقي الكلام في البحث الثاني وهو:

مَن الذي جعل الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي؟

المشهور بين المؤرّخين أنّ الخليفة الثاني هو الذي اعتبر الهجرة النبوية الشريفة مبدأ للتاريخ الإسلامي، باقتراح وتأييد من الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) ، وأمر أن تؤرّخ الدواوين والرسائل والعهود وما شابه ذلك بذلك التاريخ.(1)

إلاّ أنّ الإمعان في مكاتيب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ومراسلاته ـ والتي نقل لنا التاريخ وكتب السيرة والمصنفات الحديثية القسم الأعظم منها ـ و الأدلّة الأُخرى، يظهر


1 . تاريخ اليعقوبي:2/145.


( 411 )

وبجلاء انّ واضع ذلك التاريخ هو الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه، حيث اعتمد تلك الحادثة المهمة والمنعطف الكبير مبدأ للتاريخ الإسلامي، فكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤرّخ رسائله وكتبه إلى أُمراء العرب وكبار الشخصيات وزعماء القبائل بالتاريخ الهجري.

فإذا اتّضح ذلك نحاول أن ندعم ما ذكرناه بدرج بعض النماذج من تلك الرسائل النبوية والتي كانت مؤرّخة بذلك التاريخ، ثمّ نعمد إلى ذكر بعض الأدلّة الأُخرى التي تؤيّد ما ذهبنا إليه، وليس من المستبعد وجود أدلّة أُخرى على ذلك لم نعثر عليها هنا.

نماذج من رسائل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) المؤرّخة هجرياً

1. طلب سلمان من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكتب له ولأخيه (ماه بنداذ) ولأهله وصية مفيدة ينتفعون بها، فاستدعى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً وأملى عليه أُموراً، وكتبها علي(عليه السلام) ثمّ جاء في آخر تلك الوصية:

«وَكَتَبَ عَليّ بن أَبي طالب بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)في رَجَبِ سَنَةِ تِسْع مِنَ الْهِجْرَةِ».

2. نقل المحدّ(1)ثون الإسلاميون عن الزهري قوله: إنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ، فكتب في ربيع الأوّل (أي شهر قدومه المدينة).(2)

3. روى «الحاكم» عن «ابن عباس» أنّ التاريخ الهجري بدأ من السنة التي قدم فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة.(3)

هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة التي لم نذكرها روماً للاختصار


1 . أخبار اصفهان تأليف أبي نعيم الاصفهاني:1/52ـ 53.

2 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري:7/208، تاريخ الطبري:2/288 ط دار المعارف.

3 . مستدرك الحاكم:3/13و14 وقد صححه على شرط مسلم.


( 412 )

تحكي وبوضوح تام انّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي حدّد التاريخ الإسلامي بهجرته المباركة، وهو الذي حلّ للمسلمين مشكلة تاريخهم. نعم هناك نكتة جديرة بالاهتمام وهي انّ هذا التاريخ كان إلى فترة من الزمن يكتب بالأشهر، ثمّ حلّ العدُّ والكتابة بالأعوام في العام الخامس من الهجرة المباركة.

الإجابة عن سؤال

ولكن يبقى هنا سؤال يطرح نفسه وهو: إذا كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الواضع للتاريخ وهو الذي حدّده بالهجرة المباركة، فكيف يُحل الإشكال الوارد هنا والذي يعتبر انّ الواضع للتاريخ هو الخليفة الثاني، كما ورد في الخبر الذي رواه الكثير من المؤرّخين والمحدّثين حيث قالوا: رفع رجل إلى عمر صكّاً مكتوباً على آخر بدين يحلّ عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها أم التي بعدها؟

ثمّ جمع الناس:(أي أصحاب رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)) فقالوا: ضعوا للناس شيئاً يعرفون به حلول ديونهم، فيقال: إنّ بعضهم أراد أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم كلّما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، فكرهوا ذلك.

ومنهم من قال: أرّخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر، فكرهوا ذلك لطوله أيضاً.

وقال آخرون: أرّخوا من مولد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقال آخرون: أرّخوا من مبعثه.

وأشار علي بن أبي طالب(عليه السلام) أن يؤرّخ من هجرته إلى المدينة لظهوره على كلّ أحد، فإنّه أظهر من المولد والمبعث، فاستحسن عمر ذلك والصحابة، فأمر


( 413 )

عمر أن يؤرّخ من هجرة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)

الجواب: إنّ هذا المقدار من النقل التاريخي لا يمكن الاستناد إليه في مقابل النصوص الكثيرة التي أكّدت كون الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو واضع التاريخ الهجري ومؤسسه الأوّل.

هذا، و من الممكن أن يكون التاريخ الهجري الذي وضعه النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تعرّض للترك، وفقد رسميته بمرور الزمن وقلّة الحاجة إلى التاريخ، ولكنه جُدّد في زمن الخليفة الثاني، بسبب اتّساع نطاق العلاقات وأُعيد الاهتمام به لاشتداد الحاجة إليه في هذا العهد.(2)


1 . البداية والنهاية:7/73و 74; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:12/74; الكامل لابن الأثير:1/10.

2 . منشور جاويد:6/198ـ 200.


( 414 )

124

فلسفة تشريع الجهاد

سؤال: إذا أخذنا بنظر الاعتبار العاطفة الإنسانية والعقل البشري اللّذين ينظران إلى سفك الدماء وإزهاق الأرواح نظرة اشمئزار وتنفّر، ويعتبران ذلك العمل من الأعمال القبيحة والشنيعة، فكيف ياترى نوجّه فكرة الأمر بالجهاد، وما هي فلسفة هذا الحكم؟

الجواب: لا ريب أنّ الإنسان وانطلاقاً من غريزة حب النوع، يعتبر الحرب عملاً وحشياً بعيداً عن قيم الإنسانية، بنحو حينما يتذكّر الحرب وما تجرّه من المصائب والويلات والعواقب الوخيمة تعتريه الدهشة ويهتز من الأعماق، ولذلك يدين في الظروف الاعتيادية الحرب ويعتبرها عملاً مستهجناً، انّ هذا هو الإحساس البشري تجاه الحرب وإراقة الدماء، وبما أنّ الإسلام دين الفطرة والواقعية نراه يعترف بذلك الواقع وهذا الإحساس ويبيّن الرؤية البشرية للحرب والقتال حيث يقول سبحانه:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) .(1)


1 . البقرة:216.


( 415 )

ولكن لابدّ من النظر إلى هذه المسألة البالغة الحساسية نظرة فاحصة، وبدقّة متناهية لنرى هل أنّ العقل ينظر إلى الحرب ـ و تحت مختلف الظروف والشروط ـ نظرة ذامّة؟ وهل الموقف العقلي من الحرب هو موقف الإدانة دائماً بحيث لا يحق لأمّة من الأُمم ـ مهما كانت الظروف ـ أن تحمل السيف والجهاد وتخوض غمار الحرب؟

أو أنّ العقل يرى في بعض الحالات وتحت سلسلة من الشروط الموضوعية انّه لا مفرّ ولا طريق أمام الأُمّة إلاّ حمل السلاح والتوسّل بالحرب لإعادة حقوقها المهدورة وكرامتها المنتهكة، ويرى أنّ الإعراض والنكوص عن الحرب في مثل تلك الظروف يُعدّ لوناً من ألوان الذلّ والهوان والجبن الذي لا ينبغي للإنسان الحر الاتّصاف به؟

لا شكّ أنّ الأُمّة أو المجتمع إذا تعرض كلّ منهما للاعتداء والتجاوز على حقوقه وهدرت كرامته، فحينئذ يحكم العقل والفطرة أنّه يحق لذلك المجتمع وتلك الأُمّة الدفاع عن حقوقها، بل يرى العقل أنّ الحرب في هذه الحالة أمرٌ لازم لا يمكن التنصّل منه، وانّه الحق الطبيعي لذلك المجتمع أو تلك الأُمّة.

ونحن إذا نظرنا إلى جميع الأُمم وعلى مرّ التاريخ، لا نراها تنظر إلى الحرب نظرة ذامّة حينما تستنفد جميع الحلول السلمية ويصرّ الخصم على التمادي في غيّه ولم يبق أمام هذه الأُمّة إلاّ طريقان: إمّا القتل والإبادة، أو الدفاع عن نفسها وإشهار السلاح بوجه المتجاوز لردعه عن تجاوزه.

ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذا الدليل نرى أنّ العالم المعاصر ـ بالرغم من ذمّه للحرب وسفك الدماء ـ قد اعتبر الحرب في بعض الحالات أمراً مشروعاً وعملاً قانونياً.


( 416 )

كذلك الأمر بالنسبة للإسلام الذي هو دين الفطرة والذي تقوم أحكامه على أساس التناسق بين قانون الخلقة والفطرة، يرى أنّ «الجهاد» وفي بعض الظروف والمتغيّرات أمرٌ واجب يلزم المسلمين القيام به والنهوض بأمره.

إذا اتّضح ذلك فلابدّ من البحث عن مسألة أُخرى، وهي معرفة الغاية والهدف الذي يتوخّاه الإسلام من خلال تشريع الجهاد.

ما هي فلسفة الجهاد؟ وما هو الهدف منه؟

أوّل الآيات التي وردت في تشريع حكم الجهاد هي الآيات الأربعة التي وردت في سورة الحج، وانّ الإمعان والدقّة في مفاد تلك الآيات يرشدنا إلى أنّ الهدف الحقيقي من وراء تشريع الجهاد هو الدفاع عن النفوس والأموال.

لا ريب أنّ المسلمين عاشوا في مكة تحت ظروف قاهرة حيث تعرضوا إلى أنواع الضرب والتعذيب والتنكيل من قبل خصومهم المشركين، وكذلك تجاوز المشركون على أرواحهم وأموالهم، ثمّ اضطرارهم للهجرة والنزوح وترك الأهل والأوطان والعيش في بلاد الغربة بعيداً عن الأحبة والأصدقاء، فلمّا استقر المسلمون في المدينة وتشكّل المجتمع الإسلامي الذي يمتلك الوسائل الكافية للدفاع عن نفسه وعن حقوقه المهدورة، في تلك الأثناء صدر الأمر الإلهي للمسلمين في القيام بالمطالبة واسترداد حقّهم الضائع، ومواجهة العدو في ميادين الوغى وساحات القتال، ولا ريب أنّ هذا الأمر من الحقوق الطبيعية للأُمّة الإسلامية التي لا يشك فيها منصف أبداً، والآيات التي وردت في هذا الصدد هي قوله تعالى:

(إِنَّ اللّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّان كَفُور).


( 417 )

ثمّ قال سبحانه:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَديرٌ).

وقال سبحانه:

(الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللّهُ وَلَولا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعَضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثيراً وَلَيَنْصُرنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ).(1)

وجاء في آية أُخرى:

(الَّذِينَ إِنْ مَكَّناهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوا عَنِ الْمُنْكَرِوَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ) .(2)

إنّ هذه الآيات الأربعة هي الآيات الأُولى التي شرّعت أمر الجهاد، وقد أُشير فيها إلى فلسفة الجهاد والغرض المتوخّى من تشريع ذلك الحكم، ولذلك يكون الإمعان في تلك الآيات أمراً ضرورياً لمعرفة هدف الجهاد وفلسفته، وهي:

أوّلاً: أنّ الآيات تبيّن وبوضوح أنّ المسلمين لم يكونوا هم الذين اختاروا طريق الحرب والقتال وشهر السلاح في وجه خصومهم، بل انّ المسلمين اضطروا إلى الدفاع عن أنفسهم وأموالهم ومعتقدهم، فهم في الواقع مدافعون لا مهاجمون، ولا شكّ أنّ الدفاع عن النفس والمال والمعتقد حق طبيعي وأمر مشروع، بل واجب بحكم العقل، وإلاّ فانّ النكوص والهروب من الحرب لا يعني إلاّ الذل والهوان،


1 . الحج:38ـ 40.

2 . الحج:41.


( 418 )

الذي تأباه النفوس الأبيّة والرجال الأحرار.

ثانياً: الدليل الآخر على تجاوز العدو وتماديه في غيّه، هو انّهم إنّما واجهوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بسبب إيمان المسلمين واعتقادهم باللّه الواحد القهار، وكأنّ الاعتقاد باللّه ـ بنظر هؤلاء المشركين ـ يُعدّ جرماً وذنباً كبيراً لا يحق لمعتقده أن يعيش بين أوساط المشركين بل يجب عليه أن يترك وطنه وداره ويفارق الأهل والأحبّة، وإلاّ فسيواجه القتل والإبادة.

ثالثاً: أنّه يجب على المؤمنين باللّه واليوم الآخر أن يطهّروا الأرض من لوث المشركين وفسادهم، وإلاّ تكون عاقبة الأمر ما أشارت إليه الآية المباركة:

(وَلَولاَ دَفْعُ اللّهِ الناسَ بَعضَهُمْ بِبَعض لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثيراً) .

رابعاً: إنّ اللّه تعالى إنّما وعد المجاهدين بالنصر والغلبة، وإنّ عاقبة الأُمور ستكون من نصيبهم، بسبب أنّهم إذا امتلكوا مقاليد الأُمور وأسباب النصر من العدّة والعدد وأصبح زمام الأُمور بأيديهم، فإنّهم حينئذ يستغلّون هذه القدرات والإمكانات المادية في سبيل اللّه وتعبيد الطريق أمام الناس للتوجّه إلى التوحيد ونشر القيم والمعارف الحقّة، لا استخدامها في القتل وسفك الدماء وإشاعة الفحشاء والظلم والمنكر في المجتمع، وهذا ما أشارت إليه الآية المباركة حيث قال سبحانه:

(الَّذينَ إِنْ مَكَّناهُمْ فِي الأَرْض أَقامُوا الصَّلاة و آتَوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَر وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمور).

لقد سلّطت هذه الباقة العطرة من الآيات المباركة الضوء على جانب من جوانب ذلك التشريع الإلهي، وبيّنت الأهداف السامية والقيم العليا التي يتوخّاها


( 419 )

الإسلام من وراء ذلك التشريع، واتّضح كذلك انّ الإشكالات الواهية ـ التي أثارها المسيحيون، والحملة الشعواء التي أقاموها في وجه ذلك التشريع الحيوي ـ لا أساس لها من الصحّة، ولا تمتلك القدرة على الصمود أمام الحقّ الإسلامي في هذا الخصوص، لأنّه لا يوجد عاقل ـ على وجه الأرض وفي جميع الشعوب والأقوام ـ يحترم نفسه ولا ينطلق من التعصب الأعمى والحقد الدفين، يرى أنّ دفع المتجاوز واسترجاع الحقوق الضائعة والكرامة المهدورة، أمرٌ غير مشروع ومخالف للوجدان والقيم.(1)


1 . منشور جاويد:3/9ـ12.


( 420 )

125

الحكومة والدولة

سؤال: هل تشكيل الحكومة وإقامة الدولة حاجة طبيعية وظاهرة ضرورية؟

الجواب: هناك بعض النظريات التي تذهب إلى أنّ الحرية لا تجتمع مع قيام الدولة وتشكيل الحكومة للتناقض الموجود بينهما، فمن أجل الحفاظ على الحرية الفردية وتأمين تلك المنافع لابدّ أن تحذف الحكومة من قاموس الحياة.

وهناك اتّجاه آخر يتصوّر أنّ الحكومة تقع دائماً وسيلة في خدمة الأقوياء والمتنفّذين وسحق الطبقة العامة في المجتمع وهدر حقوقهم وعدم الاهتمام بهم.

واتّجاه ثالث يذهب إلى أنّ الإنسان خلق عاقلاً ويحمل غريزة حب الخير والإحسان، ومع ذلك فلا حاجة إلى تشكيل الحكومة وإقامة النظام.

أمام هذه النظريات الواهية التي لا تقوم على أساس رصين من العلم والمعرفة والتي تنطلق من الرغبة في إشاعة الهرج والمرج في المجتمع، وتمثّل فكراً سوفسطائياً بعيداً كلّ البعد عن المنهج العقلي، أو تنطلق من السذاجة في التفكير، هناك اتّجاه يرى أنّ ضرورة إقامة الدولة وتشكيل الحكومة في المجتمع بدرجة من البداهة بحيث لا تحتاج إلى قيام الدليل والبرهان لإثباتها. وانّ هاجس سحق


( 421 )

الحرية الفردية لا مبرر له، لأنّ هذه الحريات سوف تُؤمّن ضمن إطار القوانين التي ترعى المصالح الاجتماعية والفردية على السواء، بل أنّ الدولة تقوم بتنمية وتقوية الكفاءات والقدرات الذاتية وتعريف الناس بمهامهم ووظائفهم اتّجاه المجتمع واتّجاه اللّه سبحانه، إضافة إلى القيام بتنفيذ تلك القوانين الإلهية والاجتماعية وإنزالها إلى حيّز التطبيق.

من هنا ذهب كبار المفكّرين والفلاسفة في العالم من أمثال «إفلاطون»(1) و «أرسطو»(2) و«ابن خلدون»(3) وغيرهم إلى أنّ تشكيل الحكومة وإقامة الدولة ظاهرة ضرورية ولابدّ منها.

نعم هناك اتّجاه آخر ذهب إليه «ماركس» و مؤيّدوه ـ انطلاقاً من تفكيرهم الفلسفي المبني على الصراع الطبقي ـ إلى أنّ ضرورة وجود الدولة وتشكيل الحكومة قائمة مادام المجتمع يعيش حالة «الصراع الطبقي»، ولكنّه إذا وصل إلى مرحلة «الشيوعية» وزالت جميع الفوارق الطبقية وعولجت جميع المشاكل الاقتصادية، فحينئذ تنتفي الحاجة إلى وجود الحكومة وتشكيل الدولة.

ولكن غاب عن أصحاب هذه النظرية ـ التي ثبت زيفها ـ انّ حصر الهدف من تشكيل الدولة والغاية من إقامة الحكومة في حلّ المشكلة الاقتصادية وإزالة الفوارق الطبقية في المجتمع يمثّل رؤية آحادية الاتجاه بمعنى النظر إلى القضية من زاوية واحدة، ولا ريب أنّ هذا النحو من التفكير لا يبتني على أُسس علمية وقواعد برهانية محكمة، لأنّه وفي الحقيقة لا تنحصر الدوافع إلى وجود الدولة في الأمرين المذكورين ـ المشكلة الاقتصادية والطبقية ـ حتّى تزول بزوالهما، بل هناك


1 . الجمهورية.

2 . السياسة:96، ترجمة أحمد لطفي.

3 . مقدمة ابن خلدون:41ـ 42.


( 422 )

دوافع أُخرى وحاجات أُخرى تفرض إقامة الدولة، فلابدّ للمفكّر الاجتماعي أو الفلسفي أن ينطلق من ثوابت موضوعية وينظر إلى القضية من جميع الزوايا ثمّ يصدر حكمه في مثل هذه القضايا الحسّاسة جداً.

ونحن إذا نظرنا إلى حقيقة الإنسان نجده يمثل خليطاً من العقل والغرائز المتنوّعة ، كغريزة حب الجاه والتسلّط والأنانية وغيرها من الغرائز الفاعلة في حركة المجتمع، الأمر الذي يقتضي وجوب إقامة الدولة وتشكيل الحكومة لتعريف الناس بوظائفهم وحقوقهم وواجباتهم،ومعاقبة المخالفين والمتجاوزين على القانون وإعادة الحقوق المهدورة إلى أصحابها، وإقامة النظم والانضباط في المجتمع، ولا ريب انّ هذه المهام التي تقوم بها الدولة تهيّئ الأرضية المناسبة لإقامة الحضارة الإنسانية وتطوّر الإنسان على جميع الأصعدة المادّية منها والمعنوية.

ونحن هنا نسأل ماركس وأتباعه، هل يمكن للمجتمع ـ حتى على فرض إقامة النظام الشيوعي فيه ـ أن يستغني عن تأمين السكن، أو الصحة أو الاتصالات الهاتفية أو الطاقة الكهربائية أو الماء و...؟ولا ريب أنّه لا يوجد عاقل مهما كان مكابراً أن ينفي حاجة المجتمع إلى كلّ تلك الأُمور الضرورية.

وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه وهو: مَن الذي يستطيع أن ينظم كلّ ذلك ويوزّع الأدوار ويقسّم المسؤوليات وينظّم المجتمع بالنحو الذي يحصل على كلّ ما يبتغيه ويحتاجه؟

لا ريب انّه لابدّ من وجود جهة تشرف على هذا الأمر وتقوم به، وما هذه الجهة إلاّ الحكومة والدولة لا غير.

من هنا نصل إلى هذه النتيجة القطعية: انّ المجتمع مهما وصل إليه من


( 423 )

الرقي والرفعة ولو بنحو المدينة الفاضلة التي دعا إليها إفلاطون، لا يستغني عن إقامة الحكومة وتشكيل الدولة، لأنّه لابدّ لحفظ النظام الاجتماعي والحضارة الإنسانية وتعريف الناس بمهامّهم ومسؤولياتهم وحقوقهم وفصل الخصومات وحلّ المنازعات في المجتمع من وجود سلطة قوية تقوم بذلك لتصون النظام الاجتماعي وتحفظ المجتمع وتؤمّن بقاءه واستمراره وإدارة دفّة الأُمور.(1)


1 . منشور جاويد:2/326ـ 330.


( 424 )

126

الرؤية الإسلامية للحكومة وصيغتها

سؤال: ما هي الرؤية الإسل