welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نيل الوطر من قاعدة لا ضرر*
تألیف :سعيد السبحاني*

نيل الوطر من قاعدة لا ضرر

نيل الوطر
من
قاعدة لا ضرر

رسالة تبحث في قاعدة لا ضرر
وشروطها وموانعها والفروع المترتبة عليها

تقريراً لبحوث
آية الله جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ

بقلم
سعيد السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الكتاب

الحمد للّه الذي حرم الضرر، ورفع الحرج، منَّة على عباده، والصلاة والسلام على رسوله الذي أحلّ الطيّبات وحرّم الخبائث، ووضع الإصر والأغلال، وعلى آله الذين هم عيبة علمه، وحفظة سرّه وسننه، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات ابراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد; لما كانت قاعدة لا ضرر من القواعد الفقهية العامة التي يعتمد عليها الفقيه في أكثر الأبواب الفقهية ويستنبط منها فروعاً هامة، عمد غير واحد من الفقهاء لا سيما المتأخرين إلى بيان دلائلها وما يترتب عليها من الفروع والأحكام بعد الفراغ من البحث في قاعدتي البراءة والاشتغال تبعاً للشيخ الأعظم الأنصاري، كما ألفت فيها رسائل مستقلة جديرة بالبحث والمطالعة.

وممن خاض في عباب بحوث هذه القاعدة هو شيخي الوالد المحقّق آية اللّه جعفر السبحاني الذي تناولها بالبحث ـ كسائر الأُصوليين ـ في محاضراته، والتي انبرى لكتابتها كلٌ من العلمين الجليلين:

1. الشيخ حسن مكي العاملي في كتابه المعروف باسم «قاعدتان فقهيتان».

2. الشيخ محسن الحيدري في رسالة «قاعدة لا ضرر» المطبوعة ضمن كتاب «الرسائل الأربع».


(6)

والحقّ انّ الباحثين (حفظهما اللّه) قاما بأحسن ما يرام في تقرير بحوث أُستاذ كرّس عمره الشريف في التدريس والتعليم ما يربو على خمسين سنة.

وكان فيما قرراه غنى وكفاية للباحث، بيد انّي لما رأيت انّ شيخنا الوالد عرض ما يرجع إلى «تنبيهات القاعدة» بأُسلوب جديد من نوعه لم يدون فيما سبق آليت على نفسي كتابتها وتدوينها وقد ضممت إليها ما كتبه العالم الجليل الشيخ الحيدري حول تلك القاعدة، وأسميتها « نيل الوطر من قاعدة لا ضرر » على أمل أن تنال رضا القراء الكرام.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

سعيد السبحاني
محرم الحرام عام 1420 هـ


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الضرر والضرار في الكتاب العزيز
والسُّنَّة النبويّة

قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ بعدالبسملة والحمد والصلاة عليالنبيّ والآل:

كلمة «الضرر» وردت في موضع واحد من القرآن الكريم وهو قوله سبحانه:

1. «لايستوِي القاعِدون َمِنَ المؤمِنينَ غيرُ أُولي الضّـرَرِ والمجاهدونَ في سبيلِ اللّهِ بأمْوالهِمْ وأنفُسِهِمْ...».(1)


(1)النساء:95.
نزلت الآية ـ كما في كتب التفسير والحديث ـ في من تخلّف عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يوم تبوك وقد عذر اللّه سبحانه أولي الضرر منهم وهو عبد اللّه بن أُم مكتوم. وقال زيد بن ثابت: كنت عند النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حين نزلت عليه «لايستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل اللّه» ولم يذكر أولي الضرر. فقال ابن أُمّ مكتوم: فيكف وأنا أعمى لاأبصر؟! فتغشّى النبي الوحي ثمّ سرى عنه فقال: اكتب «لايستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر» فكتبتها.
و قد نقد شيخناالاستاذ ـمدّ ظلّهـ هذهالرواية و شأنالنزول في كتابه «الحديثالنبويّ بينالرواية والدراية» انظر ص 227 عند دراسته روايات زيد بن ثابت.
راجع: مجمع البيان للطبرسي :3/96 ط. دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، ومسند أحمد بن حنبل: 4/301 ط.دار الفكر.


(8)

أي إلاّ أهل الضرر والنقص منهم، بذهاب أبصارهم و غير ذلك منالعللالّتي لاسبيل لأهلها إلى الجهاد، للضّرر الّذي بهم. والمراد من الضرر هنا هو النقصان من عمىً أو مرض.

وأمّا الضّرار، فهو من فروع الظّلم والتعدّي على النفوس والحقوق والأموال، وعلى ذلك فهو محكوم بالقبح عقلاً وبالحرمة شرعاً.

وقد وردت هذه الكلمة وما اشتقّ منها في الآيات القرآنيّة التّالية:

2. قوله سبحانه: «وإذا طلَّقْتُمُ النّساءَ فبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بمَعْروف أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف ولاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاتتّخِذُوا آياتِ اللّهِ هُزُواً واذْكُروا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وما أنْزَلَ عَلَيْكُم مِنَ الكِتابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ واتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أنّ اللّهَ بكلّ شَيْء عَلِيم» .(1)

كان الرجل ـ في الجاهليّة ـ يطلّق امرأته ويتركها، وعندما يقرب انقضاء عدّتها، يراجعها لا عن حاجة ورغبة ولكن ليطوّل العدّة عليها إيذاءً وضراراً بها.فنهى اللّه سبحانه عن هذا الأسلوب التعسّفي، كما قد حدّد الطّلاق بعد أن لم يكن له ولا للرجوع حدّ وحصر، بما يلي:

«الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان ولا يِحلُّ لَكُمْ أنْ تأخُذُوا ممّـا آتَيْتُمُوهُنَّ شيئاً إلاّ أنْ يَخافا أنْ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاتَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فأولئكَ هُمُ الظّالمونَ» .(2)

هذه هي الحدود الإلهيّة. وأمّا الرجوع بقصد الطّلاق، فهو ليس من الإمساك بمعروف، ولذلك فقد عدّه سبحانه من الإمساك ضراراً، فالواجب على الزوج ـ كما


(1)البقرة:231.
(2)البقرة:229.


(9)

في هذه الكريمة ـ أحد أمرين:

الإمساك بالمعروف بالقيام بوظائف الزوجيّة، أو التسريح والتّخلّي عنها حتّى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار.

وروي عن عائشة أنّها قالت: كان الناس والرجل يطلّق امرأته ما شاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر، حتّى قال رجل لامرأته:

واللّه لا أُطلّقك فتبيني ولا آويكِ أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك، فكلّما شاهدت عدّتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها. فسكتت حتّى جاء النّبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فأخبرته . فسكت النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حتى نزل القرآن «الطّلاقُ مَرّتانِ فإمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإحْسان» .

قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلاً من كان طلق ومن لم يكن طلّق.(1)

و«الضرار» في الآية من مقولة فعل الواحد لا الاثنين ولاالمجازاة. والمراد منه في المقام هو إيجاد الضيق والمشقّة وإدخال المكروه عن عناد و تعمّد.

فاحتفظ بهذه النكتة مع ما سنذكره في الآيات الأُخر، لأنّها كقرائن منفصلة تثبت ما هو المقصود من الحديث.

3. قوله سبحانه: «والوالِداتُ يُرضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَين لِمَنْ أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْروفِ لا تُكَلَّف نَفْسٌ إلاّ وُسْعَها لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإنْ أرادافِصالاً عَنْ تَراض مِنْهُما وَ تَشاوُر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرضِعُوا أولادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالمَعْروفِ وَ اتَّقُوا اللّهَ وَ اعْلَمُوا أنَّ اللّهَ


(1)الترمذي: الصحيح:1/224، الحاكم النيسابوري. المستدرك:2/279.


(10)

بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (1).

والآية تتكفّل ببيان عدّة أحكام:

أ . مدّة إرضاع الأُمّهات للأولاد.

ب . أنّ رزق الأُمّهات المرضعات وكسوتهن، على المولود له ـ وهو الوالد ـ على النحو المعروف.

ج . أن لا يُكلّف أحدهما الآخر بما ليس في وسعه.

د . أنّ « لاتضارّ والدة بولدهاولامولود له بولده». وفي تفسيره وجهان:

الأوّل: أن يكون الفعل «لاتضار» بصيغة المجهول فيكون كل من الوالدة والمولود له هو المتضرر، وحذف الفاعل أي «الضار» لكونه معلوماً من سياق الكلام وتكون الباء في «بولدها» وفي «بولده» للسببية. والمعنى يحرم أن يتضرر ويقع كل من الوالدة والمولود له مورداً للضرر بسبب ولدهما، فلاتضار الوالدة بأخذ ولدها عنها ودفعه إلى الضرة بعد أُنسها به، غيظاً عليها. كما لايضار الوالد بترك إرضاع ولده. ففي الصورة الأُولى، الأُمّ هي المتضرّرة والأب هو الضار، وفي الصورة الثانية الأمر بالعكس. وعلى كلّ تقدير فالولد سبب الضرر وآلته وليس مورداً له.

الثاني: أن يكون الفعل «لاتضار» بصيغة المعلوم وعلى هذا يكون كل من الوالدة والمولود له هو الضار، والمتضرر هو الولد المذكور بعدهما،والباء زائدة والمعنى: لاتضارر الوالدة ولدها ولايضارر المولود له ولده، وإضرار الأُمّ بترك الإرضاع، وإضرار الأب بأخذه منها ودفعه إلى الضرة. والفرق بين الوجهين واضح، ففي الأوّل كل من الوالدة والمولود له هو المتضرر والطرف المقابل هو الضار والولد سبب الضرر، وفي الثاني كلّ منهما هو الضار، والمتضرر ـ على كل تقدير ـ هو الولد.

هـ. يجب على الوارث ما كان يجب على المولود له من الرزق والكسوة.


(1)البقرة:233.


(11)

و . جواز فصل الرضيع عن الرضاع قبل الحولين عن تراض وتشاور من الوالدين، وقد شرط رضا الوالدة لأنّها تعلم من تربية الرضيع ما لايعلمه الوالد.

ز. يجوز للآباء طلب مراضع غير أُمّهات أبنائهم، إمّا لإباء الأُمّهات عن الرضاع، أو لأغراض عقلائيّة.

وعلى كل تقدير، فمتعلّق التحريم هو فعل الواحد أي إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً، وليس متعلّقه فعل الاثنين. ومع ذلك فلعلّ الإتيان بـ«تضار» بصيغة المفاعلة مكان «تضر»، مع أنّ الأنسب هو الثاني ـ لما عرفت من كون متعلّق التحريم إضرار كلٌّ مستقلاً وإن لم يكن الآخر ضاراً ـ من جهة مظنّة كون كل منهما بصدد الإضرار بالآخر.

4. قوله سبحانه: «وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ وَ لايُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهيد» (1).

فلو قرئ «لايضارِّ» بصيغة المعلوم بكسر الراء ـ وإن تبدّلت إلى الفتح بعد الإدغام ـ كان النهي متوجّهاً إلى الكاتب والشاهد، كأن يكتب الكاتب مالم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يشهده أو يمتنع عن إقامة الشهادة.

وأمّا إذا قرئ بصيغة المجهول فيكون المراد عدم الإضرار بالكاتب والشاهد، كأن يدعى الكاتب إلى الكتابة أو الشاهد إلى الشهادة في ظرف عدم تفرّغهما لذلك، والذيل يناسب المعنى الأوّل كما لايخفى. وقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.

5. قوله سبحانه: «وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصيَّة يُوصِينَ بِها أو دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَيْن وَ إنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرأةٌ وَ لَهُ أخٌ أو أُختٌ


(1)البقرة:282.


(12)

فَلِكُلِّ واحد مِنْهُما السُّدسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَة يُوصى بِها أو دَين غَيـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ وَ اللّهُ عَليمٌ حَليمٌ» .(1)

منع سبحانه من الضرار في الوصيّة بمعنى أنّه ليس للإنسان أن يوصي وصيّة تضرّ بالورثة كما إذا أوصى بكل ماله، أو بأكثر من ثلثه، أو أقرّ بدين للإضرار بهم مع أنّه غير مديون. فقد أُريد من صيغة المفاعلة، الفعل من جانب واحد.

6. قال سبحانه: «والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ إرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ ليَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» .(2)

نقل المفسّرون أنّ بني عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا وبعثوا إلى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يأتيهم، فأتاهم وصلّى فيه. فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونصلّي فيه ولانحضر جماعة محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فلمّا فرغوا منه أتوا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وهو يتجهّز إلى تبوك. فقالوا: يا رسول اللّه إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة واللّيلة المطيرة واللّيلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا وتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة. فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا آتيناكم إن شاء اللّه فصلّينا لكم فيه. فلمّا انصرف رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من تبوك، نزلت عليه الآية في شأن المسجد، فوصف غاية عملهم بأُمور:

1. ضراراً، أي للضّرر بأهل مسجد قبا أو مسجد الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ليقلّ الجمع فيه.

2. وكفراً ،أي لإقامة الكفر.

3. وتفريقاً بين المؤمنين،أي لاختلاف الكلمة وإبطال الأُلفة وتفريق الناس


(1)النساء:12.
(2)التوبة:107.


(13)

عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

4. وإرصاداً لمن حارب اللّه ورسوله من قبل، أي مرصداً لأبي عامر الراهب وهو الذي حارب اللّه ورسوله من قبل.(1)

7. قوله تعالى: «أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضارُّوهنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إنْ كُنَّ أُوْلاتِ حَمْل فَأنْفِقُوا عَلَيْهنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَ إنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى» .(2)

والمقصود هو المنع عن الضّرار بالمطلّقة في أيّام عدّتها بالتضييق في المسكن والمأكل.

فهذه الآيات(3) تثبت قاعدة كلّية وهي حرمة الضرر والضرار، أي حرمة أن يضرّ مكلّف بفرد آخر، فالضارّ أو المضارّ هو المكلّف والمتضرّر إنسان آخر فليكن هذا على ذكر منك فإنّه سينفعك في تفسير القاعدة.


(1)الطبرسي: مجمع البيان :3/72 وفسّر الضرار بقوله: الضرار طلب الضرر ومحاولته كما أنّ الشقاق محاولة ما يشق، يقال: ضارّه مضارّة وضراراً.
(2)الطلاق:6.
(3)الآيات الّتي استعملت فيها مادّة «ضرر» لاتنحصر بهذه السبعة المذكورة، إذ قد استعملت بصيغ مختلفة فيما يقارب ثلاثاً وستّين آية أُخرى ولكن أغمض عن التشرّف بذكرها لعدم علاقتها الوثيقة بموضوع البحث.


(14)

الضّـرر والضِّـرار في السّنّة

الروايات الحاكية عن تحريم الضّرر والضّرار على أقسام كثيرة(1) نأتي بما وقفنا عليه في كتب الفريقين.

القسم الأوّل: ما يعتمد في بيان الحكم على نقل قضيّة سمُرة بن جندب

(2)


(1)قد ادّعى فخر المحقّقين كما في إيضاح الفوائد في شرح القواعد :2/48 تواترها.وهذا هو الحقّ فإنّ من تتبّعها في مطاوى الكتب يجد صدق تلك الدعوى جليّاً، وعليه فلاحاجة إلى التفتيش عن اسنادها. فإنّها إن لم تكن متواترة فهي مستفيضة بلا إشكال. وقد أثبتنا مضمونها كما مرّ عليك ـفي الفصل السابق ـ على ضوء الآيات الكريمة مضافاً إلى أنّ هذا المطلب من المستقلاّت العقليّة، حيث إنّ الضرر والضرار من شُعَب الظلم، والعقل يستقلّ بقبح ذلك كما هو معلوم.
(2)سمرة بن جندب كان من أعلام المنافقين. وقد أُميط اللّثام عن نفاقه في عناده لرسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كما ستعرف من قصّته في الأحاديث الآتية ،وكذلك من قصّة ضربه بالعنزة(ناقة رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- القصواء) وشجّه رأسها. وكلّما تطاول عليه الزمان ـ حيث بقي إلى عهد معاوية بن أبي سفيان بل إلى زمن ابنه يزيد ـ أسفرت الأيّام عن خبث طينته وإلحاده. فانّه شارك مشاركة فعّالة في المخطّط الاجرامي الذي دبّره معاوية لجعل الأحاديث وخلقها في صالح المنافقين وضدّ عليّ أمير المؤمنين - عليه السلام- كما أنّه أسرف كثيراً في سفك دماء الأبرياء لتشييد سلطان الأُمويّين حيث قتل أكثر من ثمانية آلاف من الشّيعة حينما استخلفه زياد بن أبيه على البصرة! وفي نهاية عمره المليئ بالإجرام ساهم في الخروج لقتل سبط الرّسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حيث كان على شرطة عبيد اللّه بن زياد يحرّض الناس على الخروج للحسين - عليه السلام- وقتاله.
أُنظر : الشرح الحديدي :1/361 و363 ،الكامل في التاريخ :3/482 و503 ، معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي قدَّس سرَّه :8/305 ـ 307.


(15)

ويعلّل الأمر بالقلع بـ «أنّه رجل مضارّ» وانّه «لاضرر ولاضرار» وإليك صور الحديث:

1. موثقة زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام- قال:«إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّبه إلى نخلته ولايستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فشكى إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- للأنصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه فإنّه لاضرر ولاضرار».(1)

2. روى الكليني عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن عبد اللّه بن مسكان، عن زرارة عن أبي جعفر - عليه السلام- نحوه إلاّ أنّه قال:«فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :إنّك رجل مضارّ ولاضرر ولا ضرار على مؤمن قال: ثمّ أمر بها فقلعت ورمي بها إليه، فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : انطلق فاغرسها حيث شئت».(2)

وعلي بن بندار، لم يوثق في الكتب الأُصوليّة الرجالية: (3) كما انّ في السند إرسالاً. والرواية مشتملة على بعض ما لايوجد في الرواية المتقدّمة مثل:

أ . إنّك رجل مضار.

ب . لاضرر ولاضرار على مؤمن.


(1)رواه المشايخ الثلاثة. الوسائل:17، الباب 12، من كتاب إحياء الموات ، الحديث 3والرواية موثقة لأجل ابن بكير.
(2)الوسائل: 17، الباب 12، من كتاب إحياء الموات، الحديث4.
(3) لاحظ معجم رجالالحديث، ج3، ص141.


(16)

3. مارواه الصدوق عن الحسن الصيقل عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبوجعفر - عليه السلام- :«...ثمّ قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : يسرّك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال:لا! قال: لك ثلاثة؟ قال:لا! قال: ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها [فاقلعها] واضرب بها وجهه».(1)

والظاهر أنّ أبا جعفر - عليه السلام- حدّث بهذا وسمعه زرارة وأبو عبيدة الحذّاء فنقلاه بالزيادة والنقصان.

4. ما نقله أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفّى عام 275هـ في سننه: عن واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي يحدّث عن سمرة بن جندب أنّه كانت له عضد(2) من نخل في حائط رجل من الأنصار قال: ومع أهله قال:فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذّى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه، فأبى وطلب إليه أن يناقله، فأبى فأتى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فذكر [ذلك ]له، فطلب إليه النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أن يبيعه، فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال:«فهبه له ولك كذا وكذا» أمراً رغبة فيه، فأبى، فقال:«أنت مضار». فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- للأنصاري:«إذهب فاقلع نخله».(3)

ولعلّ المضمون مستفيض وإن كانت الخصوصيات غير مستفيضة.

وهناك رواية أُخرى يشبه مضمونها لقضيّة سمرة من بعض الجوانب ونحن ننقلها هنا للمناسبة.

5. في كتاب قرب الاسناد: ابن عيسى، عن البزنطيّ قال: سمعت


(1)الوسائل:17، الباب 12، من كتاب إحياء الموات، الحديث 1، وفي سند الصدوق إلى الحسن، علي بن الحسين السعد آبادي وهو غير مصرّح به بالتوثيق.
(2)الصواب«عضيد». قال ابن فارس في المقاييس: العضيد: النخلة تتناول ثمرها بيدك. ويمكن أن يسمّى بذلك لأجل أنّ العضد تطاولها فتنالها.
(3)سنن أبي داود :3/315في أبواب من القضاء.


(17)

الرضا - عليه السلام- يقول في تفسير «واللَّيلِ إذا يَغْشى» قال: «إنّ رجلاً من الأنصار كان لرجل في حائطه نخلة وكان يضرّ به، فشكا ذلك إلى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فدعاه فقال: أعطني نخلتك بنخلة في الجنّة، فأبى، فبلغ ذلك رجلاً من الأنصار يكنّى أبا الدّحداح فجاء إلى صاحب النخلة فقال: بعني نخلتك بحائطي، فباعه فجاء إلى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فقال: يا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قد اشتريت نخلة فلان بحائطي، قال: فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : فلك بدلها نخلة في الجنّة، فأنزل اللّه تبارك وتعالى على نبيّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى فَأمّا مَنْ أعْطى» يعني النخلة «وَاتَّقى» إلخ».(1)

القسم الثاني: ما يشتمل على لفظ «لاضرر ولاضرار» مجرّداً عن قضيّة سمرة ومن دون دلالة صريحة على مورد صدوره من النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

وإليك بيانه:

6. روى الكليني بسنده عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه .ـعليه السّلامـ في حديث قال:«لاضرر ولاضرار».

7. روى ا(2)لكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: «قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع كلاء، فقال:«لاضرر ولاضرار».(3)

وما نقله صاحب الوسائل في البابين حديث واحد تطرّق إليه التعدّد بسبب التقطيع، والسند أيضاً واحد رواه الكليني مجتمعاً في الكافي.(4) ويحتمل أن يكون


(1)البحار :22/101 نقلاً عن قرب الاسناد:156والآيات من سورة الليل.
(2)الوسائل :17، الباب 12من كتاب إحياء ا لموات، الحديث 5.
(3)المصدر نفسه: الباب 7، كتاب إحياء الموات، الحديث 2.
(4)الكافي :5، كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 6.


(18)

«نفع الشيء» مصحف«نقع الشيء» والمراد: فاضل الماء، ونقع البئر: فاضل مائها. والموجود في الكافي المطبوع أخيراً «وقال» لاضرر ولاضرار، وفي الوسائل كما عرفت«فقال»، وفي الباب الثاني عشر من أبواب الاحياء «قال» بلا عاطف.(1)

فلو كان مع «الفاء»، يكون علّة للحكم السابق أعني:«لايمنع فضل ماء...» ودالاً على صدور هذه القاعدة عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في غير مورد سمرة أيضاً.

ولو كان مع «الواو»، أو بدون العاطف، يكون قضاءً مستقلاً غير مرتبط بما تقدّمه ولكن الراوي، أي عقبة بن خالد ، ضمّه إلى سائر الأقضية . وقد حكى شيخ الشريعة أنّه رأى في نسخة مصحّحة من الكافي أنّه مع «الواو» لامع «الفاء»، ولكن الظاهر خلافه كما سيوافيك.

8. روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:«قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار» وقال:إذا أُرّفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة».(2)

والظاهر اتّحاده مع الحديث السادس وقد حصل التعدّد من تقطيع الكليني حيث نقل قسماً منه في باب الشفعة وقسماً آخر في باب الضرار، والسند في الجميع واحد،وقد وقع قوله:«لاضرر ولاضرار» هنا تعليلاً للحكم بالشفعة إذا لم تحدّدالحدود، وبعدمها إذا حدّت الحدود، وليس قضاءً مستقلاً إذ لايصح إدخال قضاء مستقلّ في أثناء قضاء واحد. وبذلك يقوى كون الصحيح في الحديث السادس هو «الفاء» ليكون تعليلاً للحكم بعدم المنع،ويترتّب على ذلك عدم ورود قوله «لاضرر» مستقلاً، وإنّما ورد إمّا مقترناً بقضية سمرة، أو مسألة نقع الماء


(1)فالكافي نقله مع «الواو» والوسائل تارة مع «الفاء» وأُخرى بلا عاطف أصلاً والسند والمتن في البابين 7و12 من الوسائل واحد.
(2)الوسائل: 17، كتاب الشفعة، الباب 5، الحديث 1، والكافي : 5، كتاب المعيشة، باب الشفعة، الحديث 4.


(19)

ليمنع فضل الكلاء، أو مسألة الشفعة.(1)

9. ما أرسله الصدوق عند الاستدلال على أنّ المسلم يرث الكافر فقال:(العبارة له) فأمّا المسلم فلأيّ جرم وعقوبة يحرم الميراث؟ وكيف صار الإسلام يزيده شراً؟

ـ مع قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «الإسلام يزيد ولاينقص».

ـ مع قوله - عليه السلام- : «لاضرر ولاضرار في الإسلام»، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً.

ـ ومع قوله - عليه السلام- :«الإسلام يعلو ولايعلى عليه».(2)

ولاشكّ أنّ الجمع بين الأحاديث الثلاثة، من فعل الصدوق، كما أنّ قوله:«فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً» من كلامه، ذكره مقدمة للاستدلال به على أنّ المسلم يرث الكافر، ويدل على ذلك ما روي عن معاذ أنّه احتج على أنّ المسلم يرث اليهودي بقوله:سمعت رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول:«الإسلام يزيد ولاينقص». ورواه في الوسائل في نفس الباب، الحديث الثامن.

وعلى كلّ تقدير، فالقاعدة حسب هذا النقل مذيّلة بلفظة «في الإسلام». ولايخفى أنّ تذييل هذه الرواية بلفظة «في الإسلام» لاينحصر بما نقله الصدوق في


(1)وممّا يؤيّد أنّ جملة «لاضرر ولاضرار» جاءت مقترنة بمسألة الشفعة، ما ورد في كتاب فقه الرضا - عليه السلام- ص35 على ما حكاه المجلسي في البحار :101/257، أنّه قال:«إعلم أنّ الشفعة واجبة في الشركة المشاعة... ولاضرر في شفعة ولاضرار».
ولايخفى أنّ كتاب فقه الرّضا - عليه السلام- وإن كان كتاباً فقهيّاً لاحديثيّاً، إلاّ أنّ الكتب الفقهيّة المؤلّفة في القرون الأُولى ـ حتى القرن الرابع ـ كانت تلتزم بنقل نصوص الأحاديث على الأغلب بعنوانها فتاوى لمؤلّفيها. وعليه فيحتمل قويّاً أنّ ما جاء في هذا الكتاب كان نصّاً للحديث نقله مؤلّفه بنفس التعبير من دون إشارة إلى أنّه حديث عن المعصوم - عليه السلام- .
(2)الفقيه :4، كتاب الميراث، باب ميراث أهل الملل، الحديث 1و3 ـ ورواه في الوسائل: 17، كتاب الفرائض والمواريث، الباب الأوّل من الموانع، الحديث 9و11.


(20)

«من لايحضره الفقيه»، إذ رواها أيضاً في كتابه «معاني الأخبار» ونقلها الشيخ في «الخلاف» ،والعلاّمة في «التّذكرة»، والطّريحي في «مجمع البحرين». ومن العامّة: ابن الأثير في نهايتة، وهؤلاء أرسلوها إرسال المسلّمات في كتبهم، وإليك عباراتهم:

10. في كتاب «معاني الأخبار»: عن محمّد بن هارون الزنجاني، عن عليّ بن عبد العزيز، عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم بأسانيد متّصلة إلى النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في أخبار متفرقة أنّه:... إلى أن قال: «وقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «لاتعضية في ميراث» ومعناه أن يموت الرجل ويدع شيئاً إن قسّم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان في ذلك ضرر عليهم أو على بعضهم، يقول: فلايقسم ذلك... والشيء الذي لايحتمل القسمة مثل الحبّة من الجواهر... وما أشبه ذلك من الأشياء وهذا باب جسيم من الحكم يدخل فيه الحديث الآخر «لاضرر ولا اضرار في الإسلام» فإن أراد بعض الورثة قسمة ذلك لم يُجَب إليه ولكن يباع ثم يقسّم ثمنه بينهم...».(1)

11. قال الشيخ الطوسي:«وأيضاً قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لاضرر ولاضرار في الإسلام» يدلّ على ذلك. لأنّه متى لم يرد عليه قيمة ما نقص دخل عليه في ذلك الضرر».(2)

12. قال العلاّمة:«الغبن سبب الخيار للمغبون عند علمائنا وبه قال مالك وأحمد لقوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(3)

13. قال الطريحي:«وقضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(4)

14. قال ابن الأثير:«وانّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال:لاضرر ولاضرار في

الإسلام».(5)


(1)معاني الأخبار:281، تصحيح علي أكبر الغفاري، الناشر :دار المعرفة ـ بيروت سنة 1399.
(2)الخلاف: 2/186، كتاب الشفعة، ط.اسماعيليان ـ قم.
(3)التذكرة:1/497 ، خيار الغبن، المسألة الأُولى ط. قديم.
(4)مجمع البحرين، مادة «ضرر».
(5)النهاية لابن الأثير، مادة «ضرر».


(21)

هذا ما وجدناه مذيّلاً بهذه الكلمة، وأمّا غير المذيّل فكثير مرّ بعضه وإليك موارد أُخر:

15. ما رواه القاضي النعمان بن محمّد التميمي المغربي في دعائم الإسلام قال:روينا عن أبي جعفر عن أبيه عن آبائه على علي  - عليهم السلام- أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: «لا ضرر ولا إضرار».(1)

16. ما رواه عن جعفر بن محمّد أنّه قيل له: فإن كان الجدار لم يسقط ولكن هدمه أو أراد هدمه إضراراً بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال:«لايترك وذلك انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال:«لاضرر ولاضرار»، فإن هدمه، كُلّف أن يبنيه».(2)

وروى المحدّث النوري كلا الحديثين الأخيرين في مستدركه.(3)

وعلى كلّ تقدير فلعلّ الإمام - عليه السلام- استند إلى ما ورد في قضيّة سمرة أو إلى حديث الشفعة أو غيرهما باعتبار أنّها قاعدة كلّية.

وأمّا ما ورد من طرق العامّة سوى ما نقلناه عن نهاية ابن الأثير فكما يلي:

17. ما رواه مالك بن أنس المتوفى عام 179هـ في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه: أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال:«لاضرر ولاضرار».(4)

18. روى أحمد بن حنبل في مسنده وقال: حدّثنا عبد اللّه:حدثنا أبو كامل الجحدري: حدثنا الفضيل بن سليمان: حدثنا موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة ،قال:

إنّ من قضاء رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنّ المعدن جُبار، والبئر جُبار، والعجماء جرحها


(1)دعائم الإسلام :2/499، كتاب القسمة والبنيان، الحديث (1781) وفي الهامش رمز إلى النسخة الأصلية بـ (س) وفيها «لاضرر ولاضرار».
(2)المصدر نفسه: 2/504، الحديث(1805).
(3)المستدرك :3/150.
(4)الموطّأ، كتاب القضاء، باب القضاء في المرفق، الحديث 36، ص638.


(22)

جُبار والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجُبار: الهدر الذي لايغرم .

وقضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في الركاز الخمس.

وقضى أنّ تمر النخل لمن أبرّها إلاّ أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ مال المملوك لمن باعه إلاّ أن يشترط المبتاع.

وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.

وقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والدور.

وقضى لحمل ابن مالك الهذلي بميراثه عن امرأته التي قتلتها الأُخرى.

وقضى في الجنين المقتول بغرّة عبد أو أمة فورثها بعلها و بنوها قال:وكان له من امرأتيه كلتيها ولد. قال:فقال أبو القاتلة المقضى عليه: يا رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كيف أغرم من لاصاح له ولا استهلّ ولاشرب ولاأكل. فمثل ذلك بطل. فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : هذا من الكهان.

قال: وقضى في الرحبة تكون بين الطّريق ثمّ يريد أهلها البنيان فيها فقضى أن يترك للطريق فيها سبع أذرع قال: وكان تلك الطريق سمى الميتاء.

وقضى في النخلة أو النخلتين أو الثلاث، فيختلفون في حقوق ذلك فقضى أنّ لكلّ نخلة من أولئك مبلغ جريدتها حيّز لها.

وقضى في شرب النخل من السيل أنّ الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين، ثمّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه فكذلك تنقضي حوائط أو يفنى الماء.

وقضى أنّ المرأة لاتعطي من مالها شيئاً إلاّ بإذن زوجها.

وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.

وقضى أنّ من أعتق مشركاً في مملوك فعليه جواز عتقه إن كان له مال.

وقضى أن لاضرر ولاضرار .

وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.



(23)

وقضى بين أهل البادية أنّه لايمنع فضل ماء ليمنع فضل الكلاء.

وقضى في الدية الكبرى المغلظة ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وأربعين خلفة.

وقضى في الدية الصغرى ثلاثين ابنة لبون وثلاثين حقة وعشرين ابنة مخاض وعشرين بني مخاض ذكور.

ثمّ غلت الابل بعد وفاة رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وهانت الدّراهم فقوّم عمر بن الخطّاب إبل المدينة ستّة آلاف درهم حساب أوقية لكل بعير.

ثم غلت الابل وهانت الورق فزاد عمر بن الخطاب ألفين حساب أوقيتين لكل بعير.

ثمّ غلت الابل وهانت الدراهم فأتمّها عمر اثني عشر ألفاً حساب ثلاث أواق لكل بعير قال: فزاد ثلث الدية في الشهر الحرام وثلث آخر في البلد الحرام. قال: فتمّت دية الحرمين عشرين ألفاً، قال: فكان يقال: يؤخذ من أهل البادية من ماشيتهم لايكلّفون الورق ولاالذهب ويؤخذ من كل قوم مالهم قيمة العدل من أموالهم.(1)

وقد جمع عُبادة بن الصّامت(2) في هذا الحديث من أقضية النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ما


(1)مسند أحمد:5/326، وراجع رسالة لاضرر لشيخ الشريعة الاصفهاني ص17ـ18 قال فيه بعد نقل رواية عبادة بن الصامت: أقول: وهذه الفقرات كلّها أو جلّها مروية من طرقنا موزعة على الأبواب وغالبها برواية عقبة بن خالد وبعضها برواية غيره وجملة منها برواية السكوني، والذي اعتقده انّها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- كما في رواية عبادة ابن الصّامت إلاّ أنّ أئمّة الحديث فرّقوها على الأبواب.
(2)عُبادة بن الصّامت من أصحاب رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ومن النقباء الاثنى عشر ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين - عليه السلام- ومن الذين مضوا على منهاج نبيّهم ولم يغيّروا ولم يبدّلوا. وكانت له مواقف بطوليّة في الشام ضد معاوية ابن أبي سفيان فأبعد من جرّاء ذلك بأمر من عثمان إلى المدينة وتوفّي في زمانه وكان من المعترضين عليه.
أُنظر: معجم رجال الحديث: 9/222 ، السبعة من السلف للفيروز آبادي :131 نقلاً عن مسند أحمد بن حنبل: 5/325 ، الغدير: 10/179 و180 نقلاً عن تاريخ ابن عساكر: 7/211.


(24)

يقارب العشرين قضاءً.

19. وقال أحمد بن حنبل أيضاً:حدّثنا عبد اللّه: حدّثني أبي: حدثنا عبدالرزاق :أنا معمر عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «لاضرر ولاإضرار، وللرجل أن يجعل خشبة في حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع».(1)

20. ما رواه ابن ماجة في سننه عن عبادة بن الصامت انّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قضى أن«لاضرر ولاضرار».(2)

21. ما رواه هو أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لاضرر ولاضرار».(3)

هذا ما وقفنا عليه من هذا القسم ولعلّ هناك مالم نقف عليه.

القسم الثالث : ما يشتمل على لفظة «الضرار» فقط:

22. روى الشيخ عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد، وقُضِى انّ البعير برئ، فبلغ ثمنه [ثمانية خ ل ]دنانير قال: فقال لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فان قال: أُريد الرأس والجلد فليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقّه إذا أُعطي الخمس.(4)

توضيحه أنّ البعير علت قيمته بسبب برئه، فلو نحر يتضرر المشتري،


(1)مسند أحمد بن حنبل: 1/213 ط. دار الفكر ـ بيروت.
(2)سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
(3)سنن ابـن ماجـة: 2/57، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، وسنن أبي داود: 3/315 في أبواب القضاء.
(4)الوسائل :13،الباب22، من أبواب بيع الحيوان، الحديث 1.


(25)

ولأجل ذلك ليس للشريك الإصرار على النحر ليأخذ الرأس والجلد، بل يباع ويكون للشريك الخمس، والحديث يعطي قاعدة في مورد الشركة وأنّه ليس للطرف الآخر الإصرار على اعمال الحق إذا استلزم الإضرار بالغير، بل يجب أن يكون النيل به على وجه غير مضر بالآخر.

القسم الرابع: ما يدلّ على تحريم الاضرار بالغير :

والتحريم المستفاد من روايات هذا القسم على نوعين:

الف: التحريم المباشر.

ب : التحريم غير المباشر.

الف . التحريم المباشر:

ونعني به ما عبّر عنه بصيغة النهي أو بمادته أو بما فيه توعّد وتهديد أو تصريح بالحرمة أو أنّه من الكبائر. وهذا ما يستفاد من الأحاديث التالية:

23. روي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:«من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار» قال:«وجاء في الحديث:إنّ الضرار في الوصية من الكبائر».(1)

24. روى الصدوق، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:«لاينبغي للرجل أن يطلّق امرأته ثمّ يراجعها وليس له فيها حاجة ثمّ يطلّقها ، فهذا الضرار الذي نهى اللّه عزّ وجلّ عنه إلاّ أن يطلق ثم يراجع وهو ينوي الإمساك».(2)

25. روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: سألته عن قول اللّه


(1)مجمع البيان :2/18.
(2)الوسائل :15الباب 34، من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.


(26)

عزّ وجلّ :«ولاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» ، قال: «الرجل يطلّق حتى كادت أن يخلو أجلها راجعها ثمّ طلّقها يفعل ذلك ثلاث مرّات، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك».(1)

26. وروى الكليني، عن زرارة وحمران ابني أعين ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر، وأبي عبد اللّه - عليهما السلام- قالوا: سألناهما عن قوله:«ولاتمسكوهن ضراراً لتعتدوا» ، قال: «هو الرجل يطلّق المرأة تطليقة واحدة، ثمّ يدعها حتّى إذا كان آخر عدّتها راجعها ثمّ يطلّقها أُخرى فيتركها مثل ذلك فنهى اللّه عن ذلك».(2)

27. روى الصدوق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:سمعته يقول: «المطلّقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها وهي أحقّ بولدها أن ترضعه بما تقبله امرأة أُخرى. يقول اللّه عزّ وجلّ: «لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلى الوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» ، لايضار بالصبي، ولايضار بأُمه في إرضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين كاملين. فإذا أراد الفصال عن تراض منهما كان حسناً والفصال هوالفطام».(3)

28. روى الكليني، عن محمّد بن الحسين قال:كتبت إلى أبي محمّد - عليه السلام- : رجل كانت له رحى على نهر قرية والقرية لرجل، فأراد صاحب القرية أن يسوق إلى قريته الماء في غير هذا النهر ويعطّل هذا الرحى أ له ذلك أم لا؟ فوقع - عليه السلام- : «يتّقي اللّه ويعمل في ذلك بالمعروف ولايضر أخاه المؤمن».(4)

29. روى الكليني، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه عن أبيه - عليهما السلام- قال:«قرأت في كتاب لعلي  - عليه السلام- إنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- كتب كتاباً بين المهاجرين


(1)الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2ـ3.
(2)الوسائل :15، الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2ـ3.
(3)المصدر نفسه: الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 7، ويقرب منه في نفس المصدر الحديث 3.
(4)المصدر نفسه: 17، الباب 15 من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.


(27)

والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب انّ كل غازية بما يعقب... وانّ الجار كالنفس غير مضار ولاآثم وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه وأبيه،لايسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلاّ على عدل وسواء».(1)

والظاهر أنّ المراد من الجار في الحديث، من أعطى له الأمان، بقرينة كون الموضوع هو الغازي وإنّما فسّر بجار البيت بسبب التقطيع الذي ارتكبه الكليني فرواه في كتاب المعيشة بلاصدر.(2)

30. روى الصدوق في عقاب الأعمال عن النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في حديث قال:«ومن أضر بامرأة حتى تفتدي منه نفسها لم يرض اللّه له بعقوبة دون النار... ـ إلى أن قال:ـ ومن ضار مسلماً فليس منا ولسنا منه في الدنيا والآخرة... إلاّ وانّ اللّه ورسوله بريئان ممّن أضر بامرأته حتى تختلع منه».(3)

31. محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- في حديث:«أنّه نهى أن يضار بالصبي أو تضار أُمه في رضاعه».(4)

32. محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمد بن إسماعيل والحسين بن سعيد جميعاً ،عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ:«لاتُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلامَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» ، فقال: «كانت المراضع ممّا تدفع إحداهنّ الرجل إذا أراد الجماع، تقول: لاأدعك، إنّي أخاف أن أحبل، فأقتل ولدي هذا الذي أرضعه.وكان الرجل تدعوه المرأة فيقول:إنّي أخاف أن اجامعك فأقتل ولدي، فيدفعها


(1)الوسائل :11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، ولاحظ الكافي :5/292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.
(2)الوسائل :11، الباب 20 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، ولاحظ الكافي :5/292 كتاب المعيشة، باب الضرار، الحديث 1.
(3)المصدر نفسه: 15، الباب 2 من أبواب الخلع والمباراة، الحديث 1.
(4)المصدر نفسه: الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.


(28)

فلايجامعها، فنهى اللّه عزّ وجلّ عن ذلك أن يضار الرجل المرأة، والمرأة الرجل».

وروى بأسانيد أُخرى صحيحة.(1)

33. علي بن إبراهيم في تفسيـره، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:«لاينبغي للرجل أن يمتنع من جماع المرأة فيضار بها إذا كان لها ولد مرضع، ويقول لها: لاأقربك فإنّي أخاف عليك الحبل فتغيلي[فتقتلي خ ل] ،[فتغيلين خ ل] ولدي وكذلك المرأة لايحل لها أن تمتنع على الرجل فتقول:إنّي أخاف أن أحبل فأغيل [فأقتل خ] ولدي. وهذه المضارة في الجماع على الرجل والمرأة، وعلى الوارث مثل ذلك. قال: لايضار المرأة التي يولد لها ولد[لاتضار المرأة التي لها ولد خ ل] وقد توفي زوجها ولايحل للوارث أن يضار أُمّ الولد في النفقة فيضيق عليهما.(2)

34. قال عليّ - عليه السلام- في خطبة يصف فيها المتّقين:... ولاينسى ما ذكّر، ولاينابز بالألقاب، ولايضارّ بالجار...».(3)

وانّ قوله - عليه السلام- :«ولايضارّ بالجار» وإن كان جملةً خبريّة إلاّ أنّها تتضمّن نهياً عن الاضرار بالجار بنحو أبلغ ممّا لو قال:«لاتضارّ بالجار» بصورة جملة انشائيّة كما لايخفى على أهل العلم.

35. محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن عليّ بن الحكم، عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي قال: قيل لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : إنّا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام ومعه خادم لهم فنقعد على بساطهم ونشرب من مائهم ويخدمنا خادمهم وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا وفيه من طعامهم فما ترى في


(1)الوسائل : 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.
(2)المصدر نفسه: 15، الباب 72 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.
(3)نهج البلاغة: خطبة 193(همام).


(29)

ذلك؟ فقال: «إن كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلابأس، وإن كان فيه ضرر فلا، وقال - عليه السلام- :«بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسهِ بَصيرَةٌ» فأنتم لايخفى عليكم وقدقال اللّه عزّ وجلّ:«وَ اللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح»» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمّد مثله.(1)

36. محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده، عن عليّ بن سويد، عن أبي الحسن الماضي  - عليه السلام- قال: قلت له: يشهدني هؤلاء على إخواني قال:«نعم، أقم الشهادة لهم وإن خفت على أخيك ضرراً». قال الصدوق: وفي نسخته أُخرى:وإن خفت على أخيك ضرراً فلا.

وقال الشيخ الحرّ العاملي: أقول:«حمل الصدوق الرواية الأُولى على غير المعسر والثانية على المعسر».(2)

37. رواية تحف العقول حول المكاسب المحلّلة والمحرّمة: روى الحسن بن علي بن شعبة في (تحف العقول) عن الصادق - عليه السلام- انّه سئل عن معائش العباد فقال:«...كذلك السكّين والسيف والرمح والقوس وغير ذلك من وجوه الآلة الّتي تصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما فلابأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضارّ...».(3)

38. محمّد بن عليّ بن الحسين باسناده عن عبد اللّه بن المغيرة عن السّكوني


(1)الوسائل :12 ص183 كتاب التجارة، الباب 71من أبواب ما يكتسب به،الحديث 1;و لاحظ: فروع الكافي :1/364، والتهذيب :2/103; وتفسير العياشي: 1/107.
(2)الوسائل :18/249، الباب 19 من أبواب الشهادات، ح2; لاحظ أيضاً: الفقيه :3/42 ، ح2.
(3)الوسائل :12 /54ـ57، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، ح 1; لاحظ: رسالة المحكم والمتشابه للسيد المرتضى ; وتحف العقول ص80ـ83 من الطبعــة الأُولى وص331ـ 338 من الطبعة الثانية.


(30)

عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه - عليهما السلام- قال: «قال علي - عليه السلام- : أبالي أضررتُ بولدي أو سرقتهم ذلك المال». ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن بنان بن محمّد عن عبد اللّه بن المغيرة مثله إلاّ أنّه قال: «أضررت بورثتي».(1)

39. وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان، عن العلاء ابن الفضيل عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:« كان أبو جعفر - عليه السلام- يقول: عظّموا أصحابكم ووقّروهم، ولايتهجّم بعضكم على بعض، ولاتضارّوا ولاتحاسدوا، وإيّاكم والبخل وكونوا عباد اللّه المخلصين».(2)

40. وعن أبي الصباح قال: سئل أبو عبد اللّه - عليه السلام- عن قول اللّه:«وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِك» قال: «لاينبغي للوارث أن يضارّ المرأة فيقول:لاأدع ولدها يأتيها يضارّ ولدها إن كان لهم عنده شيء ولاينبغي أن يقتّر عليه».(3)

41. وبالاسنــاد ، عن الحلبـي، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:«لايضارّ الرجل امرأته إذا طلّقها فيضيّق عليها قبل أن تنتفل، قبل أن تنقضي عدّتها ، فانّ اللّه قد نهى عن ذلك فقال: «ولاتضارّوهنّ لتضيّقوا عليهن»» .(4)

42. وباسناده عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السلام- عن رجل اكترى أرضاً من أرض أهل الذمّة من الخراج وأهلها كارهون، وإنّما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها أو غير عجز؟ فقال: «إذا عجز أربابها عنها فلك أن


(1)الوسائل :13/356، الباب 5 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.
(2)المصدر نفسه: 8/406، الباب 5 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 2; لاحظ: الأُصول :609 باب حسن المعاشرة.
(3)الوسائل، كتاب النكاح :15/238و 239، الباب 12 من أبواب النفقات، الحديث4.
(4)المصدر نفسه: 15/434، الباب 18 من أبواب العِدَد، الحديث 2.


(31)

تأخذها إلاّ أن يضارّوا، وإن أعطيتهم شيئاً فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها».(1)

ويظهر من هذا الحديث أنّ حرمة الاضرار بالغير لاتختصّ بالمؤمنين بل تشمل كل من كان دمه أو ماله أو عرضه محترماً من أهل الذمّة وغيرهم، وبذلك يفهم أنّ الحديث الذي جاء فيه«لاضرر ولاضرار على مؤمن» لايفيد تخصيصاً لعموم حرمة الاضرار بالغير بل يفيد تأكيداً على حرمته بالنسبة إلى المؤمنين.

43. وعن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال:«إذا طلّق الرجل المرأة وهي حبلى أنفق عليها حتّى تضع حملها وإذا وضعته أعطاها أجرها ولايضارّها إلاّ أن يجد من هو أرخص أجراً منها، فإن هي رضيت بذلك الأجر فهي أحقّ بابنها حتّى تفطمه».(2)

44. الحسن بن عليّ العسكري  - عليه السلام- في تفسيره عن أبان، عن علي بن الحسين - عليهما السلام- قال:««يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في الْقَتْلى» يعني المساواة وأن يسلك بالقاتل في طريق المقتول المسلك الّذي سلكه به من قتله «اَلْحُرُّ بِالحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى» تقتل المرأة بالمرأة إذا قتلتها «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيْءٌ» فمن عفا له القاتل ورضى هو وليّ المقتول أن يدفع الدّية عفا عنه بها «فاتّباع» من الوليّ مطالبة «بالمعروف»وتقاصّ «وأداء» من المعفوّ له القاتل «بإحسان» لايضارّه ولا يماطله لقضائها «ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ »» .(3)

45. وباسناده عن حمّاد عن حريز انّ أبا عبد اللّه - عليه السلام- قال:«كان علي  - عليه السلام- إذا ساق البدنة ومرّ على المشاة حملهم على البدنة، وإن ضلّت راحلة راجل ومعه بدنة


(1)الوسائل، كتاب الجهاد:11/121، الباب 72 من أبواب جهاد العدو، الحديث 4; ومثله في المصدر نفسه: 12/215، الباب 21 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 10.
(2)المصدر نفسه: كتاب النكاح:15/191، الباب 82 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث2.
(3)المصدر نفسه: كتاب القصاص:19/38 و39، والباب19 من أبواب قصاص النفس، الحديث8.


(32)

ركبها غير مضرّ ولا مثقل».(1)

46. وباسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: «كان عليّ - عليه السلام- يحلب البدنة ويحمل عليها غير مضرّ».(2)

47. وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: «إن نتجت بدنتك فاحلبها مالم يضرّ بولدها ثمّ انحرهما جميعاً، قلت: أشرب من لبنها وأسقي؟ قال: نعم».(3)

ويستفاد من الأحاديث الثلاثة الأخيرة مرجوحيّة الاضرار ـعلى الأقلّ ـ حتى بالنسبة إلى الدّوابّ، فضلاً عن بني آدم.

48. روى الشيخ أبو محمّد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني أنّه قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «خصلتان ليس فوقهما من البرّ شيء: الإيمان باللّه والنّفع لعباد اللّه، وخصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء: الشرك باللّه والضرّ لعباد اللّه.»(4)

49. عن الشيخ الصدوق في الخصال قال: حدّثني محمّد بن علي ماجيلويه ـ رضي اللّه عنه ـ، قال: حدثنا محمّد بن يحيى العطار، قال: حدثني سهل بن زياد الآدمي، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن إبراهيم النوفلي رفعه إلى (الإمام الصادق) جعفر بن محمّد - عليهما السلام- انّه ذكر عن آبائه - عليهم السلام- أنّ أمير المؤمنين - عليه السلام- كتب إلى عمّاله:

«أدِقُّوا أقْلامَكُمْ، وَ قارِبُوا بَينَ سُطورِكُمْ، وَاحذِفُوا عنّي فُضُولَكُم، واقْصُدُوا


(1)الوسائل: كتاب الحج:10/133ـ 134، الباب 34 من أبواب الذبح ، الحديث2.
(2)المصدر نفسه: الحديث 4.
(3)المصدر نفسه: الحديث 6.
(4)تحف العقول :35 ط دار الكتب الإسلامية ـ طهران سنة 1376 هـ.


(33)

قَصدَ المَعاني، وَ إيّاكُم والإكثارَ فإنّ أموالَ المُسلمينَ لاتحتَمِلُ الإضرارَ».(1)

هذا كلّه ممّا ورد في كتب الخاصّة وقد عثرنا على أحاديث توافق هذا المضمون في كتب العامّة وهي كما يلي:

50. روى البخاري: وقال اللّه تعالى:«وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ ـ إلى قوله: ـ بِما تَعْمَلُونَ بَصِير» ، وقال: «وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً» ، وقال:«وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ـ إلى قوله :ـ بَعْدَ عُسْر يُسْراً» .

وقال يونس عن الزّهري: نهى اللّه أن تضارّ والدة بولدها، وذلك أن تقول الوالدة: لستُ مرضعته، وهي أمثل له غذاءً وأشفق عليه وأرفق به من غيرها، فليس لها أن تأبى بعد أن يُعطيها من نفسه ما جعل اللّه عليه،وليس للمولود أن يضارّ بولده والدته، فيمنعها أن تُرضعه ضراراً لها إلى غيرها، فلا جناح عليهما أن يسترضعا عن طيب نفس الوالد والوالدة...».(2)

51. روى أبو داود: حدثنا عبدة بن عبد اللّه، قال: أخبرنا عبد الصمد: ثنا نصر بن علي الحدّاني: ثنا الأشعث بن جابر: حدثني شهر بن حوشب أنّ أبا هريرة حدّثه أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: «إنّ الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه ستّين سنة، ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النار» فقال: وقرأ عَلَيّ أبو هريرة من هيهنا «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْرِ مُضار» حتّى بلغ «وَ ذلِكَ الْفَوْزُ العَظيم»» .(3)

52. روى الإمام مالك: عن ثور بن زيد الدِّيلي: أنّ الرجل كان يطلّق امرأته


(1)نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، باب الكتب :4/30.
(2)صحيح البخاري :7 /83، كتاب النفقات، ط.مطابع الشعب سنة 1378.
(3)سنن أبي داود :2/102، كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الاضرار في الوصيّة، ط.الأُولى سنة 1371 هـ، مصطفى البابي بمصر.


(34)

ثمّ يراجعها، ولا حاجة له بها، ولايريد إمساكها، كيما يطوِّل بذلك عليها العدّة ليضارّها. فأنزل اللّه تبارك وتعالى:«ولاتمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه»يعظهم اللّه بذلك.(1)

53. روى أبو دواد عن أبي صرمة صاحب النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنّه قال: «من ضارّ أضر اللّه به، ومن شاقّ شاق اللّه عليه».

ورواه الترمذي وابن ماجة وابن حنبل باختلاف يسير، فقد روى الترمذي «ضارّ اللّه» مكان «أضرّ اللّه» وروى الأخيران «شقّ اللّه عليه» مكان «شاق اللّه عليه».(2)

54. روى الترمذي عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: «ملعون من ضارّ مؤمناً أو مكر به».(3)


(1)سنن أبي داود:3/315، كتاب الأقضية، الحديث 3635; وصحيح الترمذي:4/332، الباب 27، من كتاب البر والصّلة، الحديث 1940; وسنن ابن ماجة :2/784،ط: دار إحياء التراث العربي، الحديث 2342; ومسند أحمد بن حنبل :3/453.
(2)صحيح الترمذي :4/332، الباب 27، من كتاب البر والصدقة، الحديث 1941.
(3)الوسائل :19، الباب 9 ،من أبواب موجبات الضمان، الحديث 1.


(35)

ب . التحريم غير المباشر:

ونعني به ما يستفاد من الأحاديث الآتية التي قد عبّر عنه بشيء يلزم منه التحريم أو بما يكون فيه أمراً مفروعاً عنه وما إلى ذلك.

55. روى الكليني عن الحلبي عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: سألته عن الشيء يوضع على الطّريق فتمرّ الدابّة فتنفر بصاحبهــا فتعقـره ـ والعقر هو الجرح ـ ؟فقال: «كلّ شيء يضرّ بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه».(1)

56. روى الشيخ بسنده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد اللّه - عليه السلام- «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن».(2)

57. ما رواه الكليني مرسلاً عن أبي عبد اللّه - عليه السلام-  قال:سألته عن قوم لهم عيون في أرض قريبة بعضها من بعض فأراد رجل أن يجعل عينه أسفل من موضعها الذي كانت عليه، وبعض العيون إذا فعل بها ذلك أضرّ بالبقية من العيون وبعضها لا يضر من شدة الأرض. قال: فقال: «ما كان في مكان شديد فلايضر، وما كان في أرض رخوة بطحاء فانّه يضر» وإن عرض رجل على جاره أن يضع عينه كما وضعها وهو على مقدار واحد؟ قال:«إن تراضيا فلايضر،وقال: يكون بين العينين ألف ذراع».(3)

والحديث بصدد إعطاء ضابطة كلية وهي أنّ الاضرار بالغير، غير جائز، وأنّ المقياس في التصرف في العيون عدم الاضرار بالغير. وما ذكره من كونه ألف ذراع في الأراضي الرخوة، وخمسمائة ذراع في الصلبة محمول على الغالب، ويؤيد ذلك الأحاديث الآتية:

58. روى الكليني عن محمد بن الحسن [الحسين خ ل] قال: كتبت إلى أبي محمّد - عليه السلام- :رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة أُخرى إلى قرية له،كم يكون بينهما في البعد حتى لاتضر إحداهما بالأُخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع - عليه السلام- :«على حسب أن لاتضر إحداهما بالأُخرى إن شاء اللّه».(4)

59. روى الكليني عن عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- :في رجل أتى جبلاً فشقّ فيه قناة جرى ماؤها سنة ثمّ إنّ رجلاً أتى ذلك الجبل فشقّ فيه قناة


(1)موطأ الإمام مالك :403، ط: العاشرة سنة 1407، دار النفائس ـ بيروت.
(2)الوسائل : 19، الباب 8 ، من أبواب موجبات الضمان، الحديث 2.
(3) المصدر نفسه: 17، الباب 13، من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
(4)المصدر نفسه: الباب 14، من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.


(36)

أُخرى، فذهبت بماء قناة الأوّل؟ قال: «فقال: يتقاسمان [يتقايسان] بحقائب البئر ليلة ليلة فينظر أيتها أضرّت بصاحبتها فإن رأيت الأخيرة أضرّت بالأُولى فلتعور».(1)

وذكر المعلّق على الوسائل أنّ الصحيح«بعقائب البئر» والعقيب: كل شيء أعقب شيئاً، والمراد هنا النوبة بأن يمسك كل واحد منهما عن إجراء الماء، ليلة هذا وليلة ذاك، فإن أوجب سدّ مجرى إحداهما كثرة ماء الأُخرى تبين اضرارها بها.

ولو كانت النسخة «الحقائب» فالمراد منها الظروف، قال الشاعر:(2)

أكارم يروي الغيث والليث عنهم إذا وهبوا ملء الحقــائب أوهبوا

وفسّره في المجمع بـ «اعجاز البئر».

60. الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد(ابن خالد أو ابن عيسى) عن ابن فضال عن ابن بكير عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : الجارية يريد أبوها أن يزوّجها من رجل، ويريد جدّها أن يزوّجها من رجل آخر؟فقال: «الجد أولى بذلك مالم يكن مضاراً، إن لم يكن الأب زوّجها قبله».(3)

ولا يخفى أنّ الإمام - عليه السلام- في مقام بيان عدم نفوذ ولاية الجد على الجارية إذا كان مضارّاً بها وليس في مقام بيان حرمة الاضرار.

إلاّ أنّه يفهم من الحديث أنّ حرمة الاضرار أمر مفروغ عنه، ولو لم يكن الاضرار بالجارية حراماً لما وجد وجه لعدم نفوذ ولاية الجدّ عليها، إن لم يكن الأب زوّجها قبله.


(1)الوسائل :17، الباب 16، من كتاب إحياء الموات، الحديث 1.
(2)هو العلامة الأديب الشيخ مصطفى التبريزي قدَّس سرَّه .
(3)الوسائل :14، الباب 11، من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.


(37)

61. روى السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه - عليهما السلام- قال: «قال علي ّ - عليه السلام- : من أوصى ولم يحف ولم يضار، كان كمن تصدّق به في حياته».(1)

62. في البحار عن أمالي الطوسي عن المفيد، عن عليّ بن الحسين البصريّ، عن أحمد بن عليّ بن مهدي، عن أبيه، عن الرّضا - عليه السلام- عن آبائه - عليهم السلام- قال: «قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات، وإنّ اللّه ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلاّ ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين».(2)

وهذا الحديث لايدلّ على عدم حرمة الاضرار بغير المؤمنين من العباد، بل يدلّ على أنّ اللّه يتحمّل عن المحبّ لأهل البيت تبعة إضراره بهم، ولو كان الاضرار بهم حلالاً، لما كان له تبعة حتّى يلزم أن يتحمّلها اللّه عنهم، مضافاً إلى أنّ قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «يكفّر الذنوب» قرينة على أنّ ذلك الاضرار ذنب كفّره اللّه عنهم وأمّا الإضرار بالمؤمنين فهو حرام للغاية بحيث لايضمن اللّه تحمّل تبعته عن المحبّين.

63. و روى الكليني بالاسناد عن الحلبي عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- أنّه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه؟ فقال: «إن كان مضارّاً كلّف أن يعتقه كلّه وإلاّ استسعى العبد في النصف الآخر». ورواه الصدوق باسناده عن حمّاد. ورواه الشيخ باسناده عن محمّد بن يعقوب مثله.(3)

64. روى الشيخ باسناده عن محمّد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : رجل ورث غلاماً وله فيه شركاء فأعتق لوجه اللّه نصيبه؟ فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارّة وهو موسر ضمن للورثة، وإذا أعتق لوجه اللّه كان الغلام قد أعتق من حقّه


(1)الوسائل :13، الباب 5، من أبواب الوصايا ، الحديث 2.
(2)بحار الأنوار:65 /100.
(3)الوسائل: كتاب العتق: 16 /21 ح2.


(38)

من أعتق ويستعملونه على قدر ما أعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً وله يوماً، وإن أعتق الشّريك مضارّاً وهو معسر فلا عتق له لأنّه أراد أن يفسد على القوم ويرجع القوم على حصصهم».

قال الحر العاملي : أقول: هذا ظاهره عدم قصد القربة بالكلّية، وقد تقدّم ما يدلّ على بطلان هذاالعتق.(1)

وترتيب الأحكام الوضعية ـ في الحديثين الأخيرين ـ على الذي أعتق نصيبه من العبد مضارّة، من قبيل تكليفه بعتق العبد كلّه وضمانه للورثة، يدلّ على أنّ العتق المقرون بالمضارّة عمل حرام وإلاّ لم يكنوجه لمعاقبته بترتيب تلك الأحكام.

65. روى الكليني باسناده عن يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: سمعته يقول:...قال: «وإنّما الطّلاق ما أُريد به الطّلاق من غير استكراه ولاإضرار على العدّة والسنّة على طهر بغير جماع وشاهدين، فمن خالف هذا فليس طلاقه ولايمينه بشيء ،يردّ إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ».

ورواه الشيخ باسناده عن عليّ بن الحسن بن فضال، عن محمّد بن عليّ، عن ابن محبوب مثله.(2)

الظاهر أنّ المقصود من الاضرار على العدّة، هو أن يطلّق الرجل زوجته فإذا دنا أجل العدّة يرجع بها ثمّ يطلّقها من جديد، ويعمل ذلك مراراً للإضرار بالزوجة وهذا فعل حرام قد نهى اللّه عنه كما سبق البحث حوله في فصل «الضرر والضرار في الكتاب العزيز»، وقد رتّب في هذا الحديث عدم صحّة الطّلاق الذي يوقع بذلك الشكل.

66. وباسناده عن سماعة قال: سألته - عليه السلام- عن رجل طلّق امرأته وهو


(1)الوسائل: كتاب العتق: 16 /23 ح12.
(2)المصدر نفسه: كتاب الطلاق: 15/299.


(39)

مريضأ قال: «ترثه ما دامت في عدّتها وإن طلّقها في حال إضرار فهي ترثه إلى سنة، فإن زاد على السّنة يوماً واحداً لم ترثه وتعتد منه أربعة أشهر وعشراً عدّة المتوفّى عنها زوجها».

ورواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد ورواه الصدوق باسناده عن زرعة مثله إلى قوله: «لم ترثه».(1)

67. روى الكليني باسناده عن حمران في حديث قال: قال أبو جعفر - عليه السلام- :لايكون ظهار في يمين ولا في اضرار ولا في غضب . الخ.(2)

68. روى الصدوق باسناده عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه قال: سألت الرضا - عليه السلام- عن العلّة الّتي من أجلها لاتحلّ المطلّقة للعدّة لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أذن في الطّلاق مرّتين فقال:«الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسان» يعني في التطليقة الثالثة، فلدخوله فيما كره اللّه عزّ وجلّ من الطّلاق الثالث حرّمها اللّه عليه، فلاتحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره لئلا يوقع الناس الاستخفاف بالطّلاق ولايضارّوا النّساء».(3)

القسم الخامس : ما يدلّ على النهي عن الإضرار بالنّفس:

وإليك نموذجاً من أحاديث هذا القسم:

69. قال الصدوق: وقال - عليه السلام- :«كلّما أضرّ به الصوم فالافطار له واجب».(4)


(1)الوسائل: كتاب الطلاق: 15 /285، الحديث 28252.
(2)المصدر نفسه: 509، الحديث 28658.
(3)المصدر نفسه: 359، باب 4 من أبواب الطلاق وأحكامه، الحديث7.
(4)المصدر نفسه: كتاب الصوم: 7 /156، الحديث 13265.


(40)

70. روى الشيخ باسناده عن عليّ بن جعفر - عليه السلام- في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر - عليهما السلام- قال: سألته عن حدّ ما يجب على المريض ترك الصّوم؟ قال: «كلّ شيء من المرض أضرّ به الصّوم فهو يسعه ترك الصّوم».(1)

71. محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد ابن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: «إنّ الجار كالنّفس غير مضارّ ولا إثم» ورواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد مثله.(2)

ففي هذا الحديث نهي عن الاضرار بالجار بجملة خبريّة، ودلالتها على التحريم أبلغ من الجملة الانشائيّة كما جاء في علم الأُصول، وشبّه هذاالتحريم بتحريم الاضرار بالنّفس وجعل هذا المشبّه به أمراً مفروغاً عنه.

72. محمّد بن يعقوب عن عدّة من أصحابنا ،عن سهل بن زياد وعن علي ابن إبراهيم، عن أبيه جميعاً عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عبد اللّه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّـد ابن خالد،عن محمّد بن مسلم، عن عبد الرحمان بن سالم ،عن مفضّل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : أخبرني ـ جعلني اللّه فداك ـ لم حرّم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟قال: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحرّم ذلك على عباده وأحلّ لهم ما سواه (ذلك ـ علل) من رغبة منه فيما حرّم عليهم « أ حلّ لهم...» ولا زهد فيما أحلّ لهم«حرّم عليهم...» ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحلّه لهم وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم، وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرّم عليهم ثمّ أباحه للمضطر، وأحلّه له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به فأمره


(1)الوسائل: كتاب الصوم: 7/ 158، الحديث 13273.
(2)المصدر نفسـه: 17، الباب 12 من أبـواب إحيـاء المـوات، الحديـث2،و الفروع :5 /292، الحديث1 (باب الضرار); والتهذيب :7 /146، الحديث35.


(41)

أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك الخ...».(1)

73. الحسن بن عليّ بن شعبة في كتاب (تحف العقول) عن الصادق - عليه السلام- في حديث قال: «وأمّا ما يحلّ للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية:

صنف منها جميع الحبّ كلّه من الحنطة والشّعير والارز والحمص وغير ذلك من صنوف الحبّ وصنوف السّماسم وغيرهما، كلّ شيء من الحبّ ممّا يكون فيه غذاء الإنسان في بدنه وقوته فحلال أكله، وكلّ شيء يكون فيه المضرّة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّ في حال الضرورة.

والصنف الثاني ما أخرجت الأرض من جميع صنوف الثّمار كلّها ممّا يكون فيه غذاء الإنسان ومنفعة له وقوّة به فحلال أكله، وما كان فيه المضرّة على الإنسان في أكله فحرام أكله.

والصّنف الثالث جميع صنوف البقول والنّبات وكلّ شيء تنبت من البقول كلّها ممّا فيه منافع الإنسان وغذاء له فحلال أكله، وما كان من صنوف البقول ممّا فيه المضرّة على الإنسان في أكله نظير بقول السّموم القاتلة ونظير الدّفلى وغير ذلك من صنوف السّم القاتل فحرام أكله....وما يجوز من الأشربة من جميع صنوفها فما لم يغيّر العقل كثيره فلابأس بشربه، وكلّ شيء يغيّر منها العقل كثيره فالقليل منه حرام».(2)

74. في فقه الرضا - عليه السلام- : «إعلم ـ يرحمك اللّه ـ إنّ اللّه تبارك وتعالى، لم يبح أكلاً ولاشرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصّلاح، ولم يحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف


(1)الوسائـل: 16، الباب 1 من أبـواب الأطعمة المحرّمة،الحديث1، وأيضاً: الفروع :2/150 ; والفقيه. 2/111، والأمالي: 395، والعلل: 165، والمحاسن: 334، وتفسير العياشي: 1/191، والتهذيب: 2/370.
(2)المصدر نفسه: 17، الباب 42 من أبواب الأطعمة المباحة،الحديث1، و تحف العقول : 337.


(42)

والفساد، فكلّ نافع مقوّ للجسم فيه قوّة للبدن فحلال، وكلّ مضرّ يذهب بالقوّة أو قاتل فحرام، مثل السموم والميتة والدّم ولحم الخنزير ـ إلى أن قال:ـ والميتة تورث الكلب وموت الفجأة والآكلة، والدم يقسّي القلب ويورث الداء الدبيلة والسموم فقاتلة، والخمر تورث فساد القلب ويسوّد الأسنان، ويبخر الفم، ويبعد من اللّه، ويقرّب من سخطه،وهو من شراب إبليس» إلى آخره.(1)

75. محمّد بن عليّ بن الحسين في (العلل) و(عيون الأخبار) بأسانيده عن محمّد بن سنان، عن الرّضا - عليه السلام- فيما كتب إليه في جواب مسائله: وأحلّ اللّه تبارك وتعالى لحوم البقر والإبل والغنم لكثرتها وإمكان وجودها، وتحليل البقر الوحشي وغيرها من أصناف ما يؤكل من الوحش المحلّل، لأنّ غذاها غير مكروه ولا هي مضرّة بعضها ببعض ولامضرّة بالإنس، ولا في خلقها تشويه، وكره أكل لحوم البغال والحمير الأهلية لحاجات الناس إلى ظهورها واستعمالها وخوف من قلّتها، لالقذر خلقتها ولاقذر غذائها».(2)

76. روى الحسن بن الفضل الطبرسي في (مكارم الأخلاق) عن جعفر بن محمد - عليهما السلام- قال: «يحتجم الصّائم في غير (شهر رمضان) متى شاء فأمّا في شهر رمضان فلايضرّ بنفسه ولايخرج الدّم إلاّ أن تبغ به فأمّا نحن فحجامتنا في شهر رمضان بالليل، وحجامتنا يوم الأحد، وحجامة موالينا يوم الاثنين».(3)

77. محمّد بن محمّد المفيد في (المقنعة) قال: سئل - عليه السلام- عمّن يضرّ به الصّوم في الصّيف يجوز له أن يؤخّر صوم التطوّع إلى الشتاء؟فقال: «لابأس بذلك إذا حفظ ما ترك».(4)


(1)مستدرك الوسائل :16 الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرّمة،الحديث5، وأيضاً: فقه الرضا - عليه السلام- :34.
(2)الوسائل : 17، الباب 19 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث3.
(3)المصدر نفسه: كتاب الصوم: 7 /56،الباب 26 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث14.
(4)المصدر نفسه: 315، الباب19 من أبواب الصوم المندوب ، الحديث5.


(43)

78. روى الكليني باسناده عن إسحاق بن عبد العزيز قال: سئل أبو عبد اللّه - عليه السلام- عن التدلّك بالدّقيق بعد النّورة ؟فقال: «لابأس»، قلت: يزعمون أنّه إسراف، فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف وإنّي ربما أمرت بالنقى فيلثّ لي بالزيت فأتدلّك به ، إنّما الإسراف فيما اتلف المال وأضرّ بالبدن».(1)

79. وباسناده عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : إنّا لنسافر ولايكون معنا نخالة فندلّك بالدّقيق؟فقال: «لابأس إنّما الفساد فيما أضرّ بالبدن وأتلف المال، فأمّا ما أصلح البدن فإنّه ليس بفساد، إنّي ربما أمرت غلامي فلثّ لي النقيّ بالزيت فأتدلّك به».(2)

80 . روى الكليني باسناده عن محمّد بن الفضل النيسابوري عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام-  قال: سأله رجل عن الجبن؟ فقال:«داء لادواء فيه» فلمّا كان بالعشيّ دخل الرّجل على أبي عبد اللّه - عليه السلام- ونظر إلى الجبن على الخوان فقال: سألتك بالغداة عن الجبن فقلت لي :هو الداء الذي لا دواء فيه، والسّاعة أراه على الخوان؟! قال: فقال له: «هو ضارّ بالغداة نافع بالعشيّ ويزيد في ماء الظّهر».(3)

1 8 . روى الصدوق:أنّه قال الرضا - عليه السلام- :«لاتبذل لإخوانك من نفسك ما ضرره عليك أكثر من نفعه لهم».(4)

82 . روى الكليني باسناده عن عبد اللّه بن يحيى الكاهليّ عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: سأله رجل ضرير وأنا حاضر فقال: أكتحل إذا أحرمت؟ قال: «ولم تكتحل؟» قال: إنّي ضرير البصر فإذا أنا اكتحلت نفعني وإذا لم اكتحل ضرّني، قال: «فاكتحل»، قال: فإنّي أجعل مع الكحل غيره؟قال: «وما هو؟» قال: آخذ


(1)الوسائل: كتاب الطهارة،: 1/397، الحديث 1541.
(2)المصدر نفسه: الحديث1542.
(3)المصدر نفسه: 17/92،الباب62 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.
(4)الفقيه :3/168.


(44)

خرقتين فأربعهما فأجعل على كلّ عين خرقة وأعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني فإذا تركته ضرّني. قال: «فاصنعه».(1)

ولا يخفى أنّ الاكتحال من محرّمات الإحرام ومع ذلك رخّص الإمام - عليه السلام- لذلك الضّرير المحرم أن يكتحل وأن يشدّ عينيه بخرقتين ويعصبهما بعصابة إلى قفاه لما يواجهه من ضرر إذا لم يفعل ذلك.

83. روى الكليني باسنـاده عن عليّ بن يقطين، قال:قلت لأبي الحسـن الأوّل - عليه السلام- :رجل مات وعليه زكاة و أوصى أن تقضى عنه الزكاة وولده محاويج، إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضرراً شديداً؟ فقال - عليه السلام- : «يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم ويخرجون منها شيئاً فيدفع إلى غيرهم».(2)

84. وروى أيضاً باسناده عن إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : الرجل يكون عنه اليمين[ الدّين] فيحلّفه غريمه بالأيمان المغلّظة أن لايخرج من البلد إلاّ بعلمه؟ فقال: «لايخرج حتى يعلمه» ، قلت: إن أعلمه لم يدعه؟ قال: «إن كان ضرراً عليه وعلى عياله فليخرج ولاشيء عليه».(3)

85. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن الفضل عن ثابت بن دينار عن سيد العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب - عليهم السلام- قال:«... وحقّ من أساءك أن تعفو عنه وإن علمت أنّ العفو يضرّ انتصرت، قال اللّه تعالى:«وَ لِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل»» .(4)

و سيوافيكالكلام فى خاتمة المطاف حول حرمة الإضرار بالنفس فانتظر.


(1)الوسائل: 9/152، الباب 70 من أبواب تروك الاحرام، الحديث 3.
(2)المصدر نفسه: 6/168، كتاب الزكاة، الحديث 11939.
(3)المصدر نفسه: 16/ 207، كتاب الايمان، الحديث 29566.
(4)المصدر نفسه: 11/138، كتاب الجهاد، الباب 2 من أبواب جهاد النفس، الحديث1.


(45)

استدلال المشهور بالقاعدة:

وقد استدلّ المشهور بالقاعدة في موارد كثيرة نشير إلى أقل القليل منها:

قال الشيخ في الخلاف في خيار الغبن في المسألة الستين: دليلنا ما روي عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أنّه قال:«لاضرر ولاضرار». واستدلّ به أيضاً في كتاب الشفعة في المسألة الرابعة عشرة وفيه إضافة:«في الإسلام» في ذيل الحديث.(1)

وقال ابن زهرة في خيار العيب: ويحتجّ على المخالف بقوله:«لاضرر ولاضرار».(2)

واستدلّ العلاّمة في التذكرة بالحديث في باب خيار الغبن في المسألة الأُولى قال: الغبن سبب ثبوت الخيار للمغبون عند علمائنا وبه قال مالك وأحمد، لقوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «لاضرر ولاضرار في الإسلام».(3)

وقد اهتمّ بنقله شرّاح الأحاديث، ففي مجمع البحرين قال:وفي حديث الشفعة: قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكين وقال:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(4)

وقال ابن الأثير في النهاية: وفي الحديث:«لاضرر ولاضرار في الإسلام».(5)


(1)الخلاف : 2/19 في خيار الغبن وص86 في كتاب الشفعة.
(2)الغنية (ضمن الجوامع الفقهيّة): ص588.
(3)تذكرة الفقهاء: 1/497 في أحكام خيار الغبن.
(4)مجمع البحرين: 263 تحت كلمة«ضرر».
(5)النهاية، :3/81.


(46)

هذا جملة ما وقفنا عليه من طرق الحديث وما يؤيد مضمونه، ويقتدر الفقيه بها على استنباط قاعدة كلّية من حرمة الاضرار بالنفس والعرض والمال تكليفاً ووضعاً كما سيوافيك. ولعلّ في الكتب مالم نقف عليه، فعليك بالتفحّص التام.(1)

إذاعرفت ذلك، فيجب لتنقيح القاعدة، البحث عن أُمور:

الأوّل: هل ورد قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- «لاضرر ولاضرار» في غير مورد حديث سمرة أو لا؟

الثاني: هل الحديث مذيّل بقوله:«على مؤمن» أو « في الإسلام» أو لا؟

الثالث: ما هو الفرق بين«الضرر» و«الضرار»؟

الرابع: ما هو مفاد الهيئة التركيبية؟

وأتى بعد ذلك اثنا عشر تنبيهاً.


(1)ومن جملة ذلك ما جاء في الإيضاح:4/101 عند قول العلاّمة:«ولو نذر أثانين سنة ففي وجوب الصبر حتى تخرج، إشكال أقربه الوجوب إلاّ مع الضرر» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب أنّه مع عدم الضرر بالتأخير قادر على الإتيان بالتتابع من غير ضرر حقيقة... إلى أن قال: وأمّا الضرر فهو عذر لقوله - عليه السلام- :«لاضرر ولاضرار في الإسلام».
وجاء في الإيضاح أيضا:4/103 عند قول العلاّمة:«ولو خاف المظاهر الضرر بترك الوطء مدة وجوب التتابع لشدة شبقه فالأقرب الانتقال إلى الاطعام» قال ولده في توضيحه:«أقول: وجه القرب استلزامه الضرر وقال - عليه السلام- : «لاضرر ولااضرار».


(47)

الأمر الأوّل: في ورود القاعدة في غير حديث سمرة:

قد عرفت ورود قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لاضرر ولاضرار» في قضيّة سمرة، وقد ورد في موثقة زرارة ومرسلته. وعدم اشتمال صحيحة الحذّاء أو رواية أبي داود عليه(1)، مع وجود نقل قصّة سمرة لايضرّ بها. لاختلاف الدّواعي في نقل الحديث. وإذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالحمل على الثّاني متعيّن.(2)

أضف إلى ذلك اشتمال عدّة من الرّوايات على تلك القاعدة وإن لم تكن مقرونة بحديث سمرة.(3)

ومن أجل ذلك قال فخر المحققين في رهن«الايضاح» بتواتره.(4)

هذا ممّا لابحث فيه. إنّما الكلام هو أنّه هل وردت القاعدة عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مستقلّة في غير واقعة سمرة أم لا؟

أقول: الروايات على طائفتين:

إحداهما: ما يكتفي بنقل نفس القاعدة من دون إشارة إلى شيء غيرها كما هو الحال في أكثرها، نظير مرسلة الصدوق ورواية دعائم الإسلام (الأُولى لاالثانية


(1)الحديثان 3و4 من أحاديث القسم الأوّل.
(2)توضيح ذلك: أنّه لو كان لدينا حديثان متشابهان من حيث اللفظ والمعنى بحيث يعتبران حديثاً واحداً، إلاّ أنّ في أحدهما كلمة أو جملة لاتوجد في الآخر، فهل يؤخذ بالأوّل ويقال إنّ الثاني ناقص أم يؤخذ بالثاني الفاقد لتلك الزيادة ويقال بأنّ الأوّل فيه زيادة على الحديث؟
وهنا قال العلماء بأنّ الحمل على النقيصة هو المتعيّن. أي يؤخذ بالأوّل(الواجد لتلك الجملة أوالكلمة) ويقال بأنّ الثاني ناقص للأصل العقلائي في الراوي بأنّه لايزيد من نفسه على كلام المرويّ عنه.
(3)لاحظ الأحاديث 6ـ21.
(4)الإيضاح:2/48.


(48)

فقد ورد فيها مقروناً بقصّة الجدار) والموطأ ومسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجة(1)، ونظيرها ما ورد في الخلاف والغنية والتذكرة عند الاستدلال بها ولاشكّ انّ ورودها كذلك لايدلّ على ورودها مستقلّة، لأنّ ظاهرها أنّ النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- تكلّم بها بلا مقدّمة ولامؤخّرة، وهو بعيد، ومن أجل ذلك يجب أن نقول إنّما مقتطفة من الحديث الوارد في قصّة سمرة.

أو من الحديث الوارد حول الشّفعة أو النّهي عن منع الماء، ونقله الصدوق أو غيره في مقام الاستدلال على الحكم الشرعي، كما أنّ أصحاب اللغة نقلوه عند تفسير الضرر والضرار، ونقله أحمد في مقام جمع أقضية النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- . وبالجملة فهذه الطائفة لاتدلّ على صدورها مستقلّة.

الطائفة الثانية: ما تنقل الرواية ضمن الحكم بالشفعة أو النهي عن منع الماء أو وجوب بناء الجدار، فهل هي تدل على صدور القاعدة عن النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في غير واقعة سمرة وأنّ الحكم في هذه الموارد كان مذيّلاً من أوّل الأمر بالقاعدة في لسان النبي  - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، أو أنّ ضم القاعدة إلى هذه الموارد من فعل الراوي ولم يكن الصادر عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في هذه الموارد الثلاثة مذيلاً بها؟

إنّ شيخ الشريعة الإصفهاني قدَّس سرَّه أوّل من فتح باب التشكيك، وذهب إلى أنّ ضمّ القاعدة إلى تلك الموارد من صنع الرواة وتبعه عدّة من الأعلام كالمحقّق النائيني وغيره ولنقدم البحث عن حديث الشفعة ثمّ عن حديث الناهي عن نقع الماء فنقول: واستدلوا على ذلك بوجوه:

الأوّل: ما ذكره شيخ الشريعة في رسالته وحاصله: أنّ أقضية النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، في طرق أهل السنّة، كانت مجتمعة في رواية عبادة بن الصامت وقد نقلها إمام


(1)لاحظ الأحاديث 9، 15و17ـ21.


(49)

الحنابلة في مسنده ويناهز عددها العشرين قضاءً. وهي من طرقنا كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- ، غير أنّ أئمّة أهل الحديث فرقوها في أبواب مختلفة. ولما كان حديثا الشفعة والنهي عن منع الماء غير مذيلين بحديث «لاضرر» في رواية «عبادة»، صحّ أن يقال إنّ ما ورد عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- من طرقنا أيضاً كان غير مذيّل، لكن الراوي لما أراد الجمع بين الأقضية في رواية واحدة، ذيّل حديث الشفعة والنهي عن منع الماء بحديث «لاضرر»، فهو من باب الجمع في الرواية لا الجمع في المروي.

ولايصحّ العكس، وهو تذييل الحديثين بالقاعدة في نفس الأمر، غير أنّ عبادة بن الصامت روى جميع الفقرات مطابقة للواقع إلاّ الفقرتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الدقة في رواية عبادة بن الصامت تقضي بوضوح أنّ الراوي كان بصدد الجمع بين الأقضية، ولأجل ذلك كرّر لفظ «قضى» في تسعة عشر مورداً. وأمّا المنقول عن عقبة بن خالد فهو على خلاف ذاك الظهور، فعبّر في الشفعة بلفظ «قضى» وفي مورد لاضرر بـ«قال»، مشعراً بأنّه لم يكن في هذا المورد قضاءً بل تعليلاً. وإليك نصّ الحديث:

«قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال:«لاضرر ولاضرار». وقال: إذا أرفت الأُرف وحدّت الحدود فلاشفعة».(2)

ومثله حديث النهي عن بيع الماء، وإليك نصّه:

«قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لايمنع نفع


(1)رسالة قاعدة لاضرر، ص19 إلى ص32 بتلخيص. وهذا الوجه مشترك بين كلا الحديثين.
(2)الوسائل: 17، الباب 5، من كتاب الشفعة، الحديث 1.
والأُرَف: جمع الأُرفة، كالغُرَف جمع الغُرفة. والأُرف هي الحدود والمعالم . ففي نهاية ابن الأثير: قضى رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة مالم يرف: مالم يقسّم المال أو يحدّ. وفي الحديث: أيّ مال أقسم وارّف عليه فلا شفعة فيه: أي حُدَّ وعُلِّم. وفيه: الأُرف تقطع الشفعة.


(50)

الشيء، وقضى بين أهل البادية أنّه: لايمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاء، فقال ـ أو (وقال) على اختلاف النسخ: ـ «لاضرر ولاضرار».(1)

فالعدول عن لفظ «قضى» إلى لفظ «قال» يدل على أنّ الهدف من نقل القاعدة هو الاستدلال لانقل قضاء آخر.

و احتمال أنّ التركيب والتعليل كان من جانب الراوي، وأراد تعليل أحدالقضاءين بقضاء آخر، يوجب سلب الاعتماد على سائر الروايات.

والحاصل أنّه لو كان قضاءً مستقلاً غير مربوط بالشفعة ونهي الماء، لماكان للعدول عن لفظ «قضى» إلى «قال» وجه.

الثاني: إنّ بين موارد ثبوت حقّ الشفعة وتضرر الشريك بالبيع، عموم من وجه، فربّما يتضرر الشريك ولايكون له«حق الشفعة» كما إذا كان الشركاء أكثر من اثنين.وقد يثبت حق الشفعة بلاترتب ضرر على الشريك، كما إذا كان البائع مؤذياً والمشتري محسناً. وقد يجتمعان، وعند ذاك لايصح تعليل الحكم بالشفعة بشيء يفارقه تارة ويجتمع معه أُخرى.

الثالث: إنّ الضرر يأتي من قبل بيع الشريك حصته، فلو كان ذلك مورداً لقاعدة«لاضرر»، للزم الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه. وأمّا جعل حقّ الشفعة لجبران الضرار وتداركه بالحكم بانتقال المبيع إلى ملك الشريك، فليس مستفاداً من أدلّة نفي الضرر فإنّها لاتدلّ على جعل حكم يتدارك به الضرر، غايتها نفي الحكم الضرري.(2)

ولايخفى عدم تمامية الوجهين الأخيرين.

أمّا أوّلهما: فإنّ تسلّط الشريك على ماله على وجه الإطلاق بحيث كان له


(1)الوسائل:17، الباب 7، من إحياء الموات، الحديث 2.
(2)مصباح الأُصول:2/521، تقرير درس آية اللّه العظمى السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي قدَّس سرَّه .


(51)

البيع ممّن يشاء صالحاً كان أو طالحاً، حكم ضرري حسب الطبع. والمقياس في الحكم بالضّرر، ملاحظة نفس الحكم المجعول، أي جواز بيع الشريك حصّته ممّن يشاء، فهو بلا شكّ يوجب الاضطراب في الحياة ولايرتفع ذلك إلاّ بإعطاء القدرة للشريك الآخر على أخذ السهم المباع بردّ ثمن المثل حتّى يسدّ حاجة البائع، لاحتياجه إلى الثمن.وبذلك يرتفع قلق الشريك.

وعدم ترتّب الضرر فيما كان المشتري رجلاً بارّاً، لا يوجب عدم كون التسلّط ضرريّاً لانّ المقياس في كونالحكم ضرريّاً هو نفسالحكم مجرّداً عنالمقارنات واللّواحق، ككونالمشترى صالحاً او طالحاً.

وأمّا انتفاء الشفعة إذا كان الشّركاء أكثر من اثنين، فهو المشهور بين الفقهاء مع القول بثبوتها. قال المحقق: هل تثبت لما زاد عن شفيع واحد؟فيه أقوال: أحدها: نعم تثبت مطلقاً على عدد الرؤوس، والثاني: تثبت في الأرض مع الكثرة ولاتثبت في العبد إلاّ للواحد والثالث: ولاتثبت في شيء مع الزيادة على الواحد وهو أظهر. وأضاف صاحب الجواهر: وأشهر ، بل المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً، بل هي كذلك كما ستعرف.

وعلى كلّ تقدير فعدم الشفعة لوجود النصّ الصريح، أعني صحيح عبد اللّه بن سنان «لاتكون الشفعة إلاّ لشريكين، مالم يتقاسما، فإذا صاروا ثلاثة فليس لواحد منهم شفعة»(1) ومثله لايكون نقضاً لوجود النص غاية الأمر يلزم عدم الأخذ بالملاك في مورد لملاكأقوى ، خفىّ علينا.

وأمّا ثانيهما: فلأنّ الحكم ببطلان البيع أو عدم لزومه، ضرر على البائع السهيم، لأنّه ربّما يكون محتاجاً إلى البيع فإبطال تصرّفه من دون جبران، ضرر، فلا معنى لدفع الضرر بالضرر بل لايتم دفع الضررين إلاّ بتجويز الأخذ بالشفعة بردّ مثل الثمن الذي باع حصته به.


(1)الوسائل:17، الباب 7، الحديث 3.


(52)

وإن شئت قلت: إنّ مقتضى الجمع بين الحقّين أو دفع الضررين، أوجب تشريع الأخذ بالشفعة. ولعلّ قوله:«لاضرر» إشارة إلى كلا« الضررين» المقصودين في المقام، أو أنّه إشارة إلى تجويز إبطال بيعه، وأمّا أخذه بمثل الثمن فلأجل الجمع بين الحقّين.هذا كلّه حول الشفعة.

وأمّا الحديث الناهي عن نقع الماء(1)، فقد ردَّ عليه أيضاً بوجهين:

الأوّل: أنّ الضرر لا ينطبق على منع المالك فضل ماله عن الغير. إذ من الواضح أنّ ذلك لا يعدّ ضرراً على الغير، غايته عدم الانتفاع به.

الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل المال عن الغير بالضرورة.(2)

والوجهان من حيث الضعف كالسابقين:

أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية ـ خصوصاً يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقّة، وكانت الآبار قليلة والتمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار، لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي والانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.

وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا، الشيخ في المبسوط وابن زهرة في الغنية، ونقله العلاّمة عن ابن الجنيد في المختلف. والقول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين،ولا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق،

وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها، والرجل لعائلته.


(1)على اختلاف النسخ ففي بعضها(نفع الماء).
(2)مصباح الأُصول:2/521ـ 522.


(53)

قال الشيخ في الخلاف: إذا ملك البئر بالاحياء وخرج ماؤها فهو أحق بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب، له ولما شيته. ولايجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثمّ ذكر أقوال الفقهاء واستدلّ على مختاره بالروايات.(1)

وقال في المبسوط: فكلّ موضع قلنا إنّه يملك البئر فإنّه أحقّ بمائها بقدر حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه، فإذا فضل بعد ذلك شيء، وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج إليه لشربه وشرب ماشيته من السابلة وغيرهم، وليس له منع الفاضل من حاجته حتى لايتمكّن غيره من رعي الكلاء الذي بقرب ذلك الماء.(2)

ونقل العلاّمة في المختلف القول بالاستحباب عن ابن الجنيد وابن البراج، وحمل العلاّمة الروايات على الكراهة (3). ولكنّه خلاف الظاهر، وعلى أيّ حال فليست الروايات معرضاً عنها ولا على خلاف الأُصول المسلّمة في الفقه.

كما يظهر أنّه لاإشكال في القول بتذييل الحديثين بالقاعدة و ورودها تارة في حديث سمرة وأُخرى في مورد الشفعة وثالثاً في مورد النهي عن بيع الماء.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده سيدنا الأُستاذ (4) حيث نفى صلاحية كون القاعدة علّة للتشريع أو نكتة له.

أمّا الأوّل، فلأنّها عبارة عن تشكيل صغرى وكبرى وحدّ وسط، فيكون المحمول في الصغرى نفس الموضوع في الكبرى. مثل قولنا: الخمر مسكر، وكل مسكر حرام، فالخمر حرام. ولكن المحمول في المقام هو جائز أو حرام، كأن تقول: أخذ مال الشريك شفعة جائز، أو منع فضول الماء حرام، وليس المحمول


(1)الخلاف:2/224ـ225، كتاب إحياء الموات، المسألة 13.
(2)المبسوط:3/281، كتاب إحياء الموات.
(3)المختلف:2/15، كتاب إحياء الموات، الطبعة الحجرية.
(4)هو الإمام المجاهد آية اللّه العظمى السيد روح اللّه الخميني قدَّس سرَّه .


(54)

فيها موضوعاً في الكبرى، أعني قوله:«لاضرر ولاضرار».

وأمّا الثاني، فلأنّها عبارة عن الحكم التي لايلزم أن تكون سائرة في كل مورد، بل تكفي الأغلبية، كما في كون الحكمة في العدة عدم اختلاط المياه. وأمّا المقام فليس كذلك، لأنّ دفع الضرر الذي هو نكتة التشريع فرضاً، يصلح لجعل عدم اللزوم لبيع الشريك أو عدم صحّته، لا لجعل جواز أخذه شفعة. وأمّا منع فضول الماء فالنكتة فيه منتفية، لعدم الضرر في المنع بل أقصاه عدم النفع.(1)

ويظهر النظر مما ذكرناه في دفع الإشكالات السابقة، فإنّ القاعدة في المقام ليست إلاّ من قبيل نكتة التشريع. ودفع الضرر، وإن كان يحصل برفع اللزوم والصحّة، لكنّه يستلزم ورود الضرر على البائع فيلزم أن يكون ماله بلا مشتر. فلامحيص، من باب دفع الضرر، عن اختيار شيء آخر، وهو جواز أخذه بالشفعة بثمن المثل.

وأمّا القول بأنّ الموجود في مورد منع الماء هو عدم الانتفاع لاالضرر، فقد عرفت عدم تماميته، وأنّ الحياة البدوية في المناطق الحارة، أو أكثر المناطق المعمورة، تدور على الاعاشة من المياه الموجودة. وحرمان أصحاب الدواب منها، يستلزم هلاكها ودمارها كما لايخفى.

ثمّ إنّ الثمرة في ورودها في ذيل الحديث تظهر في توضيح مفاد القاعدة لأنّ من محتملاتها جعل النفي بمعنى النهي. وهذا لايتمشّى في مورد الحديثين، إذ لا معنى فيهما للنهي عن الضرر، بل الظاهر كون النفي بمعناه، وقد صار مبدءاً لإثبات حقّ الشفعة، وتحريم المنع عن بذل فضل الماء، ولامعنى للخطاب إذا لم يكن هناك مخاطب.

نعم في صحّة الروايتين تأمّل، لأنّ محمّد بن هلال وعقبة بن خالد لم يوثقا وإن كان الأوّل من مشايخ الكليني والثاني من أصحاب الصادق - عليه السلام- ، فلاحظ معاجم الرجال.


(1)تهذيب الأُصول:2/452، بتحرير جديد.


(55)

الأمر الثاني: هل الحديث مذيّل بكلمتي «في الإسلام» أو «على مؤمن» أو لا؟

قد وردت لفظة «في الإسلام» في مرسلة الصدوق (1): كما وردت مرسلة أيضاً في نهاية ابن الأثير ومجمع البحرين والكتب الاستدلاليّة(2)، ولا عبرة بالمراسيل إلاّ مرسلة الصدوق(3)، لأنّه عبر بقوله: مع قول النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- «لاضرر ولاضرر في الإسلام»


(1)هذه هي المرسلة المشهورة التي وردت في كتابه« من لايحضره الفقيه» وهناك مرسلة أُخرى نقلها في كتابه الآخر«معاني الأخبار» كما مرّ سابقاً. لاحظ ص16 من هذا الكتاب.
(2)مثل كتاب الخلاف للشيخ الطّوسي، وتذكرة الفقهاء للعلاّمة الحلّي. لاحظ ص16 من هذا الكتاب.
(3)هذا هو المشهور بين الأصحاب في اعتبار مراسيل الصدوق مسانيد ـ إذا كانت بهذا التعبير ـ إلاّ أنّ سماحة المحقّق الرّاحل السيّد الخوئي ـ قده ـ قد عدل عن هذا المبنى بقوله في مصباح الأُصول ج2، ص519 و520:«فتعبير الصدوق ـ ره ـ في الفقيه بقوله: قال النبي  - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- ، يدلّ على أنّه ثبت عنده صدور هذا القول منه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بطريق صحيح، وإلاّ لم يعبّر بمثل هذا التعبير، فيعامل مع هذا النحو من المراسيل معاملة المسانيد. هذا ما ذكرناه في الدورة السابقة، لكن الانصاف عدم حجية مثل هذه المرسلة أيضاً، لأنّ غاية ما يدلّ عليه هذا النحو من التعبير، صحّة الخبر عند الصدوق. وأمّا صحّته عندنا فلم تثبت، لاختلاف المباني في حجية الخبر».
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الشيخ الصدوق رحمه اللّه وإن ضمن صحّة جميع ما رواه في الفقيه عنده بقوله: «إنّي لاأذكر في هذا الكتاب إلاّ ما هو حجّة عندي»، إلاّ أنّنا لانعتبر جميع مراسيله مسانيد، لأنّ مراسيله على نوعين:
أحدهما: ما ينقله بقوله:«روى» ونحوه. وثانيهما: ما يعبّر عنه بقوله:«قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- » أو «قال الصادق - عليه السلام- » مثلاً. ولاشكّ في أنّ اختلاف التعبير ينبئ عن اختلاف في كيفية المنقول، فلو كان حجّة ظنّية مثل خبر الواحد، يعبّر عنها بتعبير النوع الأوّل. وإن كانت قطعيّة مثل الخبر المتواتر أو المستفيض المفيد للاطمئنان، يعبّر عنها بالنوع الثاني. وكلام المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه صحيح بالنسبة إلى النوع الأوّل. وأمّا بالنسبة إلى النوع الثاني كمثل ما نحن فيه فليس بتام.
وثانياً: إذا صحّ هذا العدول يبقى كثير من المسائل الفقهيّة بلا حجّة، بل لايبقى مجال لحجّية أقوال المشايخ في توثيق الرّجال. إذ كلّ شيخ له مبناه الخاص في حدود حجّية خبر الثقة أو العادل، فيصبح قسم من مسائل الفقه جلّها بلا حجّة وبرهان. وعليه فلامحيص من اعتبار مرسلات الصدوق إذا كانت من النوع الثاني.


(56)

ولكنّ الاعتماد على هذه الزّيادة مشكل لأمرين:

الأوّل: إنّ كلمة في الإسلام من الألفاظ كثيرة الدّوران على اللّسان، ومن الأُمور المرتكزة في الذهن فربّما يتسابق إلى اللّسان والقلم بلااختيار.

الثاني: احتمال وقوع التصحيف من النساخ حيث إنّ المراسيل الثلاثة التي نقلها الصدوق كانت متّصلة، وإليك نص عبارة الصدوق:

«الإسلام يزيد ولاينقص، مع قوله - عليه السلام- :لاضرر ولاضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولايزيده شرّاً».

ومن المحتمل جدّاً أنّ الكاتب كتب لفظة «فالإسلام» مرّتين اشتباهاً، فجاء الآخرون وأرادوا تصحيح النسخة فتصوّروا أنّ الأوّل مصحّف «في الإسلام» ثم تتابعت النسخ عليه.(1)


(1)هذا الاحتمال هو ما ذكره سيّد مشايخنا الإمام الخميني قدَّس سرَّه ،لاحظ كتابه «الرسائل»:1/25. نعم لايجري ذلك الاحتمال فيما نقله الشيخ الصدوق نفسه في معاني الأخبار حيث رواه مع زيادة «في الإسلام» أيضاً مجرّداً عن سائر الأحاديث فلايتوهّم احتمال تصحيفه على أيدي النسّاخ.
اضف إلى ذلك: قد جاء هذا الحديث بهذه الزيادة في الكتب الاستدلاليّة للمتقدّمين والمتأخّرين مضافاً إلى وروده في الكتب اللغويّة العامّية والشيعيّة أيضاً. وهذا ما يبعد انسباق هذه الكلمة إلى ألسنتهم بلا اختيار.
وعلى أيّ حال فلاينبغي رفع اليد عن مرسلتي الصدوق ـ إذا نظرنا إليهما بعين الاعتبار ـ بسبب هذين الاحتمالين. لأنّ مثل هذه الاحتمالات إذا كانت تمنع من الأخذ بالأحاديث المعتبرة، سوف يلزم الاعراض عن كثير منها وهو ممّا لايلتزم به أحد.
كما يمكن تأييده بهاتين النكتين التاليتين:
الأُولى: انّ قاعدة لاضرر تنسجم وقاعدة نفي الحرج من حيث المبنى والملاك (سهولة الشريعة وسماحتها)، ومستند الثانية قوله سبحانه::«ما جعل عليكم في الدّين من حرج» فالحرج قد نفي من محيط التشريعات الدينيّة ، فكذلك ينبغي أن يكون الضّرر منفيّاً من ذلك المحيط.
الثانية: إذا أمعنّا النظر في الأحاديث المتضمّنة مفاد القاعدة والّتي قد نقلنا حوالي ثمانين حديثاً منها آنفاً، نجد بوضوح أنّ القاعدة لها مفعولها في كثير من أبواب الفقه من العبادات والمعاملات. وبناءً على هذا الفهم نجد الفقهاء من العامّة والخاصّة قد استندوا إلى القاعدة في جميع تلك الأبواب كما سيتّضح لك في الفصول الآتية . وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الفقهاء من المتقدمين والمتأخّرين قد فهموا من القاعدة نفي الضّرر من محيط التشريع الإسلامي بتاتاً فالمناسب إذن تذييل القاعدة بكلمة «في الإسلام».


(57)

ولولا هذان الوجهان لكان الأصل الحاكم هو تقدّّم احتمالالنقيصة على احتمال الزيادة،لأنّ النقيصة السهويّة أكثر من الزّيادة كذلك، فاحتمال السقط في سائر الروايات أقوى من الزيادة في رواية الصدوق، لكن الوجهين عاقانا عن الأخذ بهذا الأصل.

وأمّا لفظة «على مؤمن» فقد جاءت في رواية زرارة الثانية، كما اشتملت على قوله:«إنطلق فاغرسها حيث شئت» ويجري فيها ما ذكرناه في لفظة «في الإسلام»، من الوجه الأوّل، ولولا هذاالوجه لكان المعتمد هو تقدّم احتمال النقيصة على الزيادة.

وتظهر الفائدة في مفاد الحديث، فلو قلنا باشتمال الحديث على لفظة «في الإسلام» ، يستقرب ما أفاده الشيخ في تفسير الحديث من أنّ المراد نفي الحكم الضرري وأنّه غير مجعول في الإسلام، فينفى به وجوب الوضوء والحج الضرريين بخلاف ما إذا لم يكن مذيلاً به، إذ من المحتمل كون النفي بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة، وسيّدنا الأُستاذ على اختلاف بينهما كما أنّه لو كان الحديث مشتملاً على لفظة «على مؤمن»، تختص القاعدة بما إذا كان هناك ضرر على مؤمن، ولايشمل مورد الوضوء والحج الضرريين. هذا ويكون حمل النفي على النهي أوضح من بقائه على معناه.



(58)

الأمر الثالث: في بيان الفرق بين «الضرر» و«الضرار»:

إنّ هنا ألفاظاً ثلاثة يجب التعرّف على مفاهيمها:

1. الضر: بفتح الفاء وتشديد اللام. وهو مصدر هذا الباب ويقابل النفع. يقال: ضرّ، يضرُّ، ضرّاً. ضد:نفع ، ينفع ، نفعاً.

2. الضرر: هو اسم مصدر الباب، وسيوافيك أنّ الضُّر بضمّ الفاء، أيضاً إسم مثل الضرر.

3. الضرار: وهو مصدر باب المفاعلة.

وعلى ذلك، فالفرق بين الأوّلين هو الفرق الموجود بين المصدر واسمه، فما ذكره اللغويون للمصدر من المعنى يرجع إلى اسمه أيضاً فنقول:

قال في الصحاح: الضر خلاف النفع، وقد ضرّه وضارّه بمعنى، والاسم الضرر... إلى أن قال:و«الضرار» المضارّة.(1)

وقال في معجم مقاييس اللغة: الضرّ ضد النفع.(2)

وقال الراغب في مفرداته: الضرّ سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرة من قلّة مال أو جاه. وقوله:«فكشفنا ما به من ضر» محتمل لثلاثتها.(3)

وقال في القاموس:«الضرّ» بالضم ضد النفع أو بالفتح مصدر... إلى أن قال: والضرّ سوء الحال... والنقصان يدخل في الشيء... والضيق.(4)


(1)الصحاح:2/719ـ 720، مادة ضرر.
(2)معجم مقاييس اللغة:3/360.
(3)مفردات الراغب:293.
(4)القاموس المحيط:2/75.


(59)

وقال الفيومي: «الضر» الفاقة والفقر. بضم الضاد إسم وبفتحها مصدر «ضرّه، ويضرّه» إذا فعل به مكروهاً. وقال الأزهري: كل ما كان سوء حال وفقر وشدة في بدن فهو ضرّ بالضم. وما كان ضد النفع فهو بفتحها. وفي التنزيل«مسّني الضرّ»أي المرض، والاسم الضرر. وقد أطلق على نقص يدخل الأعيان.(1)

وقال ابن الأثير: «الضرّ» ضد النفع. فمعنى قوله:لاضرر: أي لايضرّ الرجل أخاه فينقصه شيئاً من حقه، والضرار فعال من الضرّ أي لايجازيه على اضراره بإدخال الضرر عليه.(2)

وقال الطريحي:«والضرّ» بالضم: سوء الحال، وبالفتح ضد النفع.(3)

هذه هي كلمات أعلام أهل اللغة ويظهر من الجميع: أنّ«الضرّ» بضم الفاء هو سوء الحال في النفس لأجل نزول المرض والعلّة، أو لحلول الفقر والفاقة، بخلاف الضرّ بفتح الفاء، والضرر فإنّهما يقابلان النفع.

والمتحصّل من هذه النصوص أنّ الضرر عبارة عن النقص النازل بالنفس والبدن أو المال والجاه، وليس النقص بما هو هو، نفس الضرر، بل الهيئة الحاصلة من هذا النقص هي الضرر.

وإن شئت قلت: إنّ النفع عبارة عن التزايد المطلوب كالعافية في البدن، والوفرة في المال، وحسن السمعة في الجاه. ويقابله الضرر فهو النقص الوارد على الشيء كإذهاب العافية من البدن، ورأس المال من المال وحسن السمعة من العرض والجاه.


(1)المصباح المنير:2/6.
(2)النهاية لابن الأثير:3/81.
(3)مجمع البحرين:263 من الطبعة القديمة.


(60)

وعلى ذلك، فالنفع هو التزايد المطلوب، والضرر هو النقص غير المطلوب، وهذا ما يعبّـر عنه في الفارسية بـ«افزايش» و«كاهش» غير أنّ الزيادة المطلوبة وغير المطلوبة تختلف حسب اختلاف الموضوعات.

ولك أن تستوضح معاني هاتيك الألفاظ من الإمعان في الآيات الكريمة.

أمّا الضرّ بالفتح فقد جاء في القرآن عشر مرّات، واستعمل في موارد تسعة مقابلاً للنفع وفي مورد واحد مقابلاً للرّشد.(1)

قال سبحانه:«أتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلانَفْعاً».(2)

وقال تعالى:«قُلْ إنّي لاأمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلارَشَداً» .(3)

وأمّا الضُّر بضمّ الضاد فقد استعمل تسع عشرة مرّة(4)، وقد قوبل تارة بالخير، مثل قوله سبحانه:«وَإنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلاّ هُوَ وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيء قَديرٌ» .(5)

وأُخرى بالنعمة، قال سبحانه:«وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيهِ تَجأرون» .(6)

وثالثة بالرحمة، قال تعالى:«وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوا رَبّهم مُنِيبينَ إلَيْهَ ثُمّ إذا أذاقَهُم مِنْهُ رَحْمَةً إذا فَريقٌ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ» .(7)


(1)لاحظ: المائدة:76، الأعراف:188، يونس:49، الرعد:16، طه:89، الفرقان:25، سبأ:42، الفتح:11، الجن:21، الحج:13.
(2)المائدة:76.
(3)الجن:21.
(4)راجع: المعجم المفهرس للقرآن الكريم.
(5)الأنعام:17، ولاحظ أيضاً الآية 107 من سورة يونس.
(6)النحل:53، لاحظ أيضاً النحل:54، والزمر:49و8.
(7)الروم:33، لاحظ أيضاً 38 منها.


(61)

والمتحصّل من المجموع هو أنّه بمعنى سوء الحال، على اختلاف منشئه، قال تعالى: «وَإذا مَسّكُمُ الضـرُّ في البَحْرِ ضَلّ مَنْ تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ إلى البرِّ أعْرَضْتُمْ وَكانَ الإنسانُ كَفُوراً» .(1)

وقال سبحانه:«وأيّوبَ إذْ نادى رَبّهُ أنّي مَسّنِيَ الضُرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ».(2)

فإنّ ما يمسّ الإنسان في البحر، هو القلق والاضطراب والخوف الهائل من الغرق نظير ما يمسّه من المرض والهرم والفقر.

وأمّا الضّرر فقد استعمل مرّة واحدة، قال سبحانه:«لايَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» (3)

وفسّره المفسّرون بالنقص في العضو كالأعمى، فما ذكره اللغويون يؤيّده ظاهر الآيات.

وعلى أيّ حال فإنّه يمكن أن يفهم ممّا سبق أنّ بين الضّرر والنفع تقابل التّضاد (4)، لأنّ الضرّّر هو الحالة الحاصلة للإنسان من ورود النقص على نفسه أو عرضه أو ماله وهو أمر وجودي كالمنفعة.

وما عن المحقّق الإصفهاني قدَّس سرَّه من أنّ النقص، المفسّر به الضرر، ليس أمراً وجودياً حتّى يكون التقابل مع النفع، الذي هو أمر وجودي، تقابل التضاد، غير تام لما عرفت من أنّ الضرر ليس مساوياً للنقص وإنّما هو المنشأ لحصول تلك


(1)الاسراء:67.
(2)الأنبياء:83.
(3)النساء:95.
(4)ويؤيّد هذا القول أنّ الضرر والنفع يمكن ارتفاعهما من موضوع قابل لهما، مثل أن يبيع المتاع برأس ماله، فانّه يصدق عليه بأنّه باع بلا نفع ولاضرر. وهذه علامة المتضادّين، ولو كانا من قبيل الملكة وعدمها، لما أمكن ارتفاعهما.


(62)

الحالة الخاصّة للإنسان. نعم، لو فسّر الضرر بنفس النقص لكان لما ذكره وجه. هذا كلّه حول الضرر.

أمّا الضرار، فقد فرّق بينه وبين الضرر بوجوه ذكر جملة منها ابن الأثير في نهايته:(1)

1. الضرر: فعل الواحد. والضرار: فعل الاثنين.

2. الضرر: ابتداء الفعل. والضرار: الجزاء عليه.

3. الضرر: ما تضر به صاحبك وتنتفع به أنت. والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به .

4. هما بمعنى واحد، وتكرارهما للتأكيد. نسبه في النهاية إلى القيل.

5. الضّرر: إيقاع الضرر على الغير عمداً كان أو غير عمد.والضّرار: القسم العمدي منه.

6. الضرار: التضييق، وإيصال المكروه والحرج والتكلّف، ذكره سيّدنا الأُستاذ.(2)

والأوّل مبنيّ على الكلام المعروف في باب المفاعلة من أنّ الأصل فيه أن يكون فعل الاثنين لكنّه ليس بتام كتفسيره بالجزاء عليه، لما عرفت من الآيات


(1)النهاية لابن الاثير :3/81 ـ83.
(2)ويمكن إضافة وجه سابع، وهو أنّ الضّرار بمعنى تكرار صدور الضرر، بخلاف الضّرر وهذا ما اختاره السيد البجنوردي في قواعده الفقهيّة :1/178.
وملخّصه: أنّ الضرار بمعنى تكرار صدور المبدأ سواء كان الفاعل شخصاً واحداً أو شخصين وبما أنّ الغالب أنّ باب المفاعلة يستعمل فيما كان الفاعل شخصين يتبادر إلى الذهن المشاركة من الطرفين وإن كان محط النظر فاعلية أحدهما ومفعوليّة الآخر كما يقال :ضارب زيد عمراً، وهذا هو الفرق بين باب المفاعلة والتفاعل بعد اشتراكهما في المشاركة حيث إنّ النظر في باب التفاعل إلى فاعلية الاثنين ولذا يقال:«تضارب زيد وعمرو» برفع الاثنين. فالضرار بمعنى تكرار صدور الضرر ولو من فاعل واحد، وهذا المعنى مناسب في المقام لأنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مقام بيان أنّ سمرة كثير الضرر ومصرّ عليه.


(63)

الناهية عن الضرار، ولم يكن الفعل هناك إلاّ من جانب واحد، قال سبحانه:«والَّذِينَ اتَّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَ ارصاداً لمنْ حاربَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ»(1) ، فكان الاضرار من جانب المنافقين فحسب، كما لم يكن هنا اضرار من باب الجزاء أصلاً. وقال سبحانه: «ولاتمسكوهنَّ ضراراً»(2)، والمقصود رجوع الزوج إلى المعتدة بقصد الاضرار. وقال سبحانه: «ولاتُضارُّوهنَّ لتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ»(3)، أي لاتضيّقوا عليهنّ بالنفقة.

وقال عزّ من قائل: «وَلايُضارَّ كاتِبٌ وَلاشَهِيدٌ»(4)، ولم يكن هناك إلاّ اضرار من جانب واحد لامن الجانبين، كما أنّ الضرر الواقع لم يكن إلاّ ابتدائياً لامجازاة.

ويؤيّده ما قاله النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مورد سمرة، إذ لم يكن من الأنصاري إلاّ الشكوى لا الاضرار الجزائي ولاغيره.

وما اشتهر من كون باب المفاعلة فعلاً للاثنين، هو أن يكون كل من الفاعلين، فاعلاً ومفعولاً مثل «ضارب زيد عمراً»، غير تام، لما عرفت عدم ثبوت ذلك، وأنّه ربّما يكون الفعل وارداً من جانب واحد دون الآخر.

ثمّ إنّ الظاهر من المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه أنّ المقصود من كون باب المفاعلة للطرفين هو أن يصدر الفعل من واحد ويقع على الآخر فقط. ثمّ حاول ردّ ذلك وقال:

«إنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام إيجاد المادّة وكون الفاعل بصدد إيجاد الفعل، وأقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:

فمنها قوله سبحانه:«يخادِعُونَ اللّهَ وَالَّذينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ».(5)


(1)التوبة:107.
(2)البقرة:221.
(3)الطلاق:6.
(4)البقرة:282.
(5)البقرة:9.


(64)

فذكر سبحانه وتعالى أنّ المنافقين بصدد إيجاد الخدعة، ولكن لاتقع خدعتهم إلاّ على أنفسهم، ومن ثمّ عبّر في الجملة الأُولى بهيئة المفاعلة، لأنّ اللّه تعالى لايكون مخدوعاً بخدعتهم، لأنّ المخدوع ملزم للجهل، وتعالى اللّه عنه علوّاً كبيراً. وعبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرّد، لوقوع ضرر خدعتهم على أنفسهم لامحالة.

ومنها: قوله تعالى: «إنّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنْفُسَهُمْ وَأمْوالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجنَّةَ، يُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ...» (1) لانَّالقتال في سبيلاللّه يختصّ بالمؤمنين و لا يشملالكافرين (2).

يلاحظ عليه:

أوّلاً: انّ المراد من كون هيئة المفاعلة فعلاً للاثنين هو كون كلّ فاعلاً ومفعولاً، لاكون واحد فاعلاً ومُورِداً والآخر مفعولاً ومورَداً عليه، حتى يردّ بقوله سبحانه:«يخادعون اللّه» و إنّ اللّه لايكون مخدوعاً بخدعتهم.

فهذا سعد الدين التفتازاني يقول في شرح التّصريف: «وتأسيسه على أن يكون بين اثنين فصاعداً يفعل أحدهما بصاحبه ما فعل الصّاحب به، نحو «ضارب زيد عمراً».(3)

وقال الرّضي ـ بعد كلام ـ في الفرق بين بابي «فاعَلَ» وَ« تَفاعَلَ»:والأولى ما يقول المالكي، وهو أنّ «فاعَلَ» لاقتسام الفاعليّة والمفعوليّة لفظاً والاشتراك فيهما معنىً، و«تفاعَل» للاشتراك في الفاعلية لفظاً وفيها وفي المفعوليّة معنى» . (4)

فإذا تبيّن معنى كون الباب فعلاً للاثنين، يجب أن يركّز الردّ على هذا المعنى الّذي ذكره أئمّة الصرف لا على المعنى الّذي لم يذكروه.

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال بالآيتين على ما اختاره من المعنى وإن كان


(1)التوبة:111.
(2)مصباح الأُصول:2/523.
(3)شرح التصريف من كتاب جامع المقدمات ص74(بخطّ طاهر خوشنويس).
(4)شرح الكافية :100.


(65)

صحيحاً،لكنّهما لاتدلاّن على خلاف ماهو المشهور بين الصرفيّين من قيام كلّ بالفعل.

أمّا الأُولى، فلأنّ الفعل استعمل في فعل الاثنين بشهادة قوله سبحانه:«إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ» (1)ولا ينافيه قوله في آخر الآية «وَ ما يَخْدَعُونَ إلاّ أَنْفُسَهُمْ» بغير صيغة المفاعلة وذلك لأجل أنّ حقيقة المخادعة من المنافقين بالمؤامرة ضدّ الإسلام، وهي من اللّه سبحانه بإبطال تخطيطاتهم وإرجاع ضررها إلى أنفسهم، فصحّ التعبير بالمخادعة لأجل المشاكلة، كما صحّ التعبير بغير صيغة المفاعلة، لعدم وجودها إلاّ من جانب واحد.

وأمّا الآية الثانية، أعني قوله:«يقاتلون» ، فلأنّ استعمال صيغة المفاعلة في مورد الجهاد إنّما هو بالنّظـر إلى كيفيّة العمل، فإنّ القتال في ميادين الحرب كان قائماً بالطّائفتين، فئة مؤمنة وأُخرى كافرة، وإن كان القتال في سبيل اللّه مختصّاً بالطّائفة الأُولى دون الأُخرى، والأولى الاستدلال بما ذكرناه.

هذا حال المعنيين الأوّلين.

وأمّا المعنى الثالث، أعني التفريق بالانتفاع في الضّرر، وعدم الانتفاع في الضرار، فيرد عليه أنّه إن أُريد منه ما لاينتفع به مطلقاً، لا روحياً ولا مالياً ولا غيره، فهو ممنوع إذ لا وجه لأن يقوم به العاقل ويدخل الضرار على الغير ولاينتفع به أصلاً.

وإن أُريد خصوص عدم النفع المالي، ففيه أنّ النفع غير منحصر بالمالي بل هو أمر أعم منه ومن النفسي والبدني والعرضي.

أضف إلى ذلك: أنّه من المحتمل أن يكون المراد من الاعتداء في قوله سبحانه: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» (2) هو الاعتداء المالي بتحليل مهورهنّ حتى يسترحن، فقد استعمل الضرار لأجل تحصيل النفع المالي.

وأمّا المعنى الرابع، أعني كونهما بمعنى واحد، فبعيد جدّا. مع أنّ الإمام - عليه السلام-


(1)النساء:142.
(2)البقرة:231.


(66)

يركّز في بعض الروايات على الضرار، ويقول في قصة الرأس والجلد:«إنّ هذا هو الضرار»، ولايقول:«هو الضرر»، وقد وصف القرآن الكريم عمل المنافقين بالضرار، وهذا يفيد أنّ الضرار يشتمل على ما لايشتمل عليه الضرر.

وأمّا المعنى الخامس، فهو الحقّ الذي لاريب فيه. وإن شئت فعبّر عن الضرار فيه: بالاضرار الصادر عن الشخص عناداً ولجاجة. ويؤيّده: قوله سبحانه: «وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلْغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنّ بِمَعْروف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف وَلاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا»(1)، فإنّ لفظة «لتعتدوا» تفسير «للضرار»(2).

وقوله سبحانه: «وَالّذينَ اتّخذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْريقاً بَيْنَ المُؤمِنينَ وَإرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلاّ الحُسْنى وَاللّهُ يَشْهَدُانُّهم لَكاذِبُونَ».(3)

والآية تدلّ على أنّهم كانوا متعمّدين للإضرار.

ويزيده توضيحاً، رواية هارون بن حمزة الغنوي حيث طلب صاحب الدرهمين نحر البعير وأخذ الرأس والجلد، فوصفه الإمام - عليه السلام- بأنّه ضرار، لأنّ برء البعير صار سبباً لارتفاع قيمته السوقية، فيجب أن يستفاد منه في الركوب لا في الأكل.(4)

وروى في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى:«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ» (5)، قال: إنّ الضرار في الوصية من الكبائر، والمراد هو الإيصاء بأكثر المال أو جميعه حتّى لايرث الوارث مطلقاً أو شيئاً قليلاً.(6) والرواية التي


(1)البقرة:231.
(2)قال الطبرسي في مجمع البيان :1/332، ط صيدا: أي لاتراجعوهنّ لا لرغبة فيهنّ بل لطلب الاضرار بهنّ إمّا في تطويل العدّة أو بتضييق النفقة في العدّة.
(3)التوبة:107.
(4)لاحظ الحديث رقم 22 مما سردناه من الروايات الدالّة على القاعدة.
(5)النساء:12.
(6)لاحظ الحديث رقم 23.


(67)

ذكرناها في توضيح قوله سبحانه:«ولاتمسكوهنَّ ضراراً لتعتدوا عليهنَّ»تؤكّد ذلك. كما يؤكّده ما ورد فيه فعل ذلك المصدر، مثل«لاتضار»، فإنّه أيضاً بمعنى الاضرار عن عمد و عناد ولجاجة.

وأمّا المعنى السادس، الذي هو مختار سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ، فقد قال في توضيحه:«إنّ الضرر والضر والإضرار وما يشتق منها، إنّما يستعمل في الضرر المالي والنفسي بخلاف الضرار، فإنّ الشائع من استعماله، هو استعماله في التضيق والحرج وإيراد المكروه وإيقاع الكلفة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ عدم استعمال الضرار وما يشتق منه في المالي والنفسي بعيد.

أمّا الأوّل، فقد استعمل في حديث هارون بن حمزة الغنوي في الضرر المالي حيث قال - عليه السلام- لمن طلب الرأس والجلد:«ليس له ذلك، هذا الضرار، وقد أُعطي حقه إذ أُعطي الخمس».(2) ويقرب منه قوله سبحانه:«وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» إذ من المحتمل أنّ الاعتداء عن طريق الإكراه على بذل مهورهن.

وأمّا الثاني، أعني ما يشتق منه، فقد استعمل في الضرر المالي في قوله سبحانه:«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن غَيْـرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِنَ اللّهِ» .(3)

فإنّ المراد من «المضارّة»، الاعتراف بدين ليس عليه، دفعاً للميراث عن الورثة.

كما هو كذلك في قوله سبحانه:«ولاتضارّوهنّ لتضيقوا عليهن» (4) فانّ المقصود هو الضرر المالي بشهادة قوله سبحانه في صدر الآية:«واسكنوهنّ من حيث سكنتم» . قال الطبرسي:

«لاتدخلوا الضّرر بالتقصير في المسكن والنفقة والكسوة طالبين بالاضرار التضييق عليهنّ».


(1)تهذيب الأُصول:2/461.
(2)لاحظ الحديث رقم 22.
(3)النساء:12.
(4)الطلاق:6.


(68)

الأمر الرابع : في مفاد الهيئة التركيبية:

قد اختلفت كلماتهم في بيان مفاد الحديث على وجوه أربعة أو خمسة:(1)

الأوّل: أنّ المراد نفي الأحكام الضرريّة:

ذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ مفاد الهيئة هو نفي الأحكام الشرعية الضررية وأنّها غير مجعولة. والمراد نفي الحكم الناشئ منه الضرر فيكون الضرر عنواناً للحكم لكونه معلولاً له في مقام الامتثال، فكل حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر، فهو مرتفع في عالم التشريع.

قال قدَّس سرَّه في الفرائد:«إنّ المعنى بعد تعذّر إرادة الحقيقة، عدم تشريع الشارع حكماً يلزم منه ضرر على أحد، تكليفياً كان أو وضعياً. فلزوم البيع مع الغبن يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر. وكذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك. وكذلك وجوب الوضوء على من لا يجد الماء إلاّ بثمن كثير، وكذا سلطنة المالك على الدخول إلى عذقه وإباحته له من دون استئذان من الأنصاري. وكذلك حرمة الترافع إلى حكّام الجور إذا توقف أخذ الحقّ عليه. ومنه براءة ذمة الضار عن تدارك ما أدخله من الضرر إذ كما أنّ تشريع حكم يحدث معه ضرر، منفي بالخبر، كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث. بل يجب أن يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث».(2)

وقال قدَّس سرَّه في الرسالة المطبوعة في ملحقات المكاسب:«الثالث: أن يراد به نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على العباد، وأنّه ليس في الإسلام مجعول


(1)تشترك ثلاثة منها في كون النفي باقياً على معناه بخلاف الأخيرين فإنّه فيهما بمعنى النهي. نعم النفي في الثلاثة الأولى على الحقيقة الادعائية كما ستعرف.
(2)فرائد الأُصول:314، من طبعة رحمة اللّه.


(69)

ضرري. وبعبارة أُخرى: حكم يلزم من العمل به، الضرر على العباد. مثلاً يقال: إنّ حكم الشرع بلزوم البيع مع الغبن ضرر على المغبون فهو منفي في الشريعة.

وعلى ذلك فلو أُريد من الهيئة التركيبية معناها الحقيقي، أعني عدم الضرر في الخارج، لزم الكذب. وإن أُريد معناها المجازي، إمّا من باب المجاز في الكلمة، أعني إطلاق المسبب (الضرر) وإرادة سببه (الحكم)، أو من باب المجاز في الاضمار، والتقدير:(لاحكم ضرري) فلا. وهو المطلوب.

وبالجملة: المراد من نفي الضرر في عالم التشريع، هو نفي الحكم الضرري. كما أنّ المراد من نفي الحرج، نفي الحكم الحرجي. فنفي الضرر عنوان لنفي الحكم الموجب له، فهو من قبيل نفي المعلول وإرادة نفي علّته. فتكون القاعدة حاكمة على جميع العمومات، الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كلزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم ووجوب الوضوء على واجد الماء».(1)

تحليل نظرية الشيخ الأعظم قدَّس سرَّه :

أقول:إنّ فقه الحديث يتوقّف على تعيين فاعل الضرر ومبدئه وأنّه هل هو الشارع بالنسبة إلى المكلفين؟ أو الناس بعضهم إلى بعض؟

لو كان الحديث مذيّلاً بلفظ «في الإسلام» لكان للاحتمال الأوّل وجه لولا تعارضه ببعض القرائن الدّالّة على الثّاني كما ستعرف ـ وقد عرفت عدم ثبوته.

ولكن هناك قرائن تؤيّد وتثبت الوجه الثاني،وأنّ فاعله هو الناس،وأنّ المنفي هو الضرر الوارد من بعضهم على بعضهم الآخر، لاالضرر الوارد من جانب الشارع، وإذا ثبت ذلك كان الاستدلال به في الموارد التي يكون منشأ الضرر فيها حكم الشارع، كإيجاب الوضوء على المريض والصوم والحج على من يتضرّر بهما، بلا ملاك لما عرفت من أنّ محط النظر في الرواية نفي الضرر الوارد من الناس لامن


(1)لاحظ رسالة « نفي اضرر» المطبوعة في ملحقات المكاسب:371.


(70)

الشارع، والمنشأ للضرر في العبادات هو الأحكام الإيجابية. فلا يبقى للتمسّك بالقاعدة في أبواب العبادات أيّ مجال. وتتضيق الرواية، لامحالة، بما كان للناس دور في تحقّق الضرر، كالذي رأيته في حديث سمرة، ومسألة بيع الشريك سهمه من الغير، ومنع الماء. وأمّا إذا لم يكن لهم دور في تحقّقه، فالحديث منصرف عنه. وإليك القرائن التي تعيّـن الاحتمال الثاني.

1. قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «إنّك رجل مضار» أو «ما أراك إلاّ رجلاً مضاراً»، فإنّه صغرى لقوله:«لاضرر ولاضرار». وعلى ذلك فالضار هو الرجل لاالشارع ولا حكمه.والقول بأنّه اعتمد في اضراره على إطلاق دليل الشارع:سلطنة الناس على أموالهم، كما ترى. بل كان معتمداً على قوّته وتجبّره.

2. إنّ الضرار، كما عرفت، بمعنى الاضرار العمدي الناشئ عن لجاج وعناد. ولايحتمل أبداً أن يكون الشارع المقدّس مبدئاً لهذا النوع من الضرر بأحكامه وانشاءاته ، حتّى يكون الحديث بصدد نفيه.

3. قد عرفت أنّ حديث منع فضل الماء لمنع فضل الكلاء، كان معلّلاً بحديث لاضرر ولاضرار. وهذا يوضح كون مبدأ الضرر هو الناس، وأنّ الحديث بصدد ردّ مثل هذا.

وعلى ذلك، فالاستدلال بالحديث في الموارد الّتي ليس للنّاس فيها في تحقّق الضرر كالعبادات المحضة، غير تامّ (1). وأمّا الاستدلال به في أبواب المعاملات كدفع لزوم المعاملة في الغبن، وإثبات الضمان في الإتلاف، فسيجيئ البحث عنه.

ثمّ إنّ هنا سؤالاً يتوجّه على مختار الشيخ وهو: أنّ نفي الأحكام الضرريّة


(1)نعم يبقى استدلال المتقدمين والمتأخّرين بها في جميع أبواب الفقه من العبادات والمعاملات وهو يؤيد هذا الفهم الواضح من القاعدة ومداركها.


(71)

لايجتمع مع وجودها في الإسلام كالحدود و الديات والغرامات والضمانات، والضرائب الإسلاميّة كالخمس والزكاة، واتلاف الملاهي وآلات الطّرب، واراقة الدّهن النّجس والمرق إلى غير ذلك من الأحكام الضرريّة الكثيرة. وسيوافيك البحث عن هذا في التنبيه الثالث.

الثاني: أنّ المراد نفي الحكم بلسان نفي الموضوع:

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المقام من قبيل نفي الحكم بلسان نفي موضوعه وأنّ الغاية هي التأكيد على أنّ الموضوع الضرري لا حكم له.

وحاصله: أنّ النفي بمعناه الحقيقي لابمعنى النهي لكن لا من باب نفي الحكم ابتداءً ومباشرة، بل من باب نفي الموضوع استعمالاً لغاية نفي الحكم جدّاً نظير قوله: لا شكّ لكثير الشك، أو لا ربا بين الوالد والولد. أو بين الزوج والزوجة. فلا شكّ أنّ الأخبار عن عدم الشك في كثيره أو عن عدم الربا بين الطرفين كاذب في نفسه وإنّما يصحّحه كون الهدف من نفيهما نفي أثرهما لا نفي أنفسهما.

قالقدَّس سرَّه في الكفاية: إنّ الظاهر أن يكون «لا» لنفي الحقيقة، كما هو الأصل في هذا التركيب، حقيقة أو ادّعاءً، كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل«لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد». و«يا أشباه الرجال ولا رجال». فانّ قضية البلاغة في الكلام هو إرادة نفي الحقيقة ادعاءً لا نفي الحكم(1) أو الصفة(2). ونفي الحقيقة ادعاءً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءً مجازاً في التقدير أو في الكلمة... إلى أن قال: ثمّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابت للأفعال بعناوينها أو المتوهّم ثبوته بها كذلك في حال الضرر لاالثابت له بعنوانه لوضوح أنّه العلّة للنفي، ولا يكاد يكون الموضوع يمنع عن


(1) في قوله «لا صلاة لجارالمسجد».
(2) في قوله «يا أشباهالرجال...»


(72)

حكمه وينفيه بل يثبته ويقتضيه».

و حاصلالفرق بينالنظرتين هو أن منشأالضرر عندالشيخالأعظم هوالحكمالضرري فنفي الضرر لغاية نفي الحكم، و لكن مبدأه عند المحققالخراساني هوالموضوعالخارجي المشتمل عليالضرر، المنطبق عليه عنوانه كالوضوءالضرري، فينفيالموضوع (الوضوءالضرري) لغاية نفي حكمه.

والحاصل ان نفي الموضوع تارة يتحقق لأجل انتفاءالوصف كما في قوله «يا أشباهالرجال و لا رجال» فان حقيقة الرجوليّة متمثلة في اليسالة والشجاعة و من فقدهما فقد حقيقتها فيصح ان يقال لا رجال. وأُخرى بانتفاءالحكم كما في المقام فانالموضوعالضرري اذا فقد حكمه من الوجوب او الحرمة فكأنّه ليس بموجود.

و لما كان بيانالشيخ غير موافق لاسلوبالبلاغة عدلالمحققالخراساني الى هذاالبيان و هو انالحديث من باب نفي الموضوع الضرري لغاية نفي الحكم، و كم له من نظير مثل قوله «لا شك لكثيرالشك» او قوله «لا ربا بينالوالد و الولد» و كالمثالينالسابقين. و بذلك يظهرالفرق بينالبيانين(1) فلو كان منشأالضرر هوالحكم كاللزوم في المعاملة الغبنيّة فلا تشملهالقاعدة على هذا التفسير لانّالموضوع ليس ضررياً بلالحكم ضرري، بخلاف ما عليهالشيخ فتعمهالقاعدة.

لايخفى وحدة النظريتين جوهراً، وإن اختلفتا في مبدأ الضرر. ونتيجتهما


(1)«وخلاصة الكلام أنّه تظهر الثمرة بين القولين أي: الثاني (نظريّة المحقّق الخراساني) والثالث(نظريّة الشيخ الأنصاري) في كل مورد لايكون موضوع الحكم ضرريّاً ولكن نفس الحكم يكون ضرريّاً (وبعبارة أُخرى) يكون الضرر مسبّباً عن نفس الحكم كما ربّما تكون المعاملة الغبنيّة كذلك، فإنّ الضرر يأتي من قبل لزوم المعاملة لا من نفس المعاملة، واللّزوم حكم شرعي(ففي جميع) هذه الموارد بناءً على القول الثاني لاحكومة لقاعدة لاضرر على الأدلّة الأوّليّة بخلاف القول الثالث، فإنّها بناءً عليه تكون حاكمة عليها.


(73)

واحدة وهي تحديد الأحكام الشرعية بنفي شمولها لحالة الضرر عبادياً أو معاملياً، إلاّ أنّ طريق الاستفادة مختلفة ،فذهب الشيخ إلى أنّ المنفي ابتداءً أوّلاً وبالذات هو الحكم، إمّا من باب المجاز في الكلمة حيث أطلق المسبب وأُريد السبب(الحكم)، أو من باب الاضمار بتقدير كلمة «الحكم». وبما أنّ هذا الأُسلوب لايوافق البلاغة بل يوجب خروج الكلام عن طورها كما حرّر في محلّه، سلك المحقق الخراساني ـ للوصول إلى مقصد الشيخ ـ طريقاً آخر وهو نفي الموضوع وإرادة نفي الحكم كا في «لاشك لكثيرالشك» او نفي الصفة كما في «يا أشباه الرجال ولارجال»، فانّ حقيقة الرجوليّة متمثّلة في البسالة والشجاعة، ومن فقدهما، فقد حقيقتها، فيصح أن يقال:«لارجال». ومثله المقام، لأنّ منشأ الضرر هو الحكم والتشريع فصحّ نفي الضرر بالحقيقة الادّعائية لأجل نفي منشئه و أساسه، وهو الحكم . وعلى كل تقدير فالنتيجة واحدة، وإن كان طريق الوصول إليها مختلفاً.

تحليل نظرية المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه :

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ فيما إذا كان الموضوع المنفي ذا أثر شرعي كالشك والربا. وأمّا المقام، أعني الضرر، فليس كذلك إذ ليس الضرر بما هو هو موضوعاً لحكم شرعي إلاّ الحرمة، ومن المعلوم أنّه لايصحّ نفيه وطرحه. وما ذكره في ذيل كلامه من أنّ الحكم الذي أُريد نفيه بنفي الضرر، هو الحكم الثابث للأفعال بعناوينها... خروج عن البحث لأنّ نفي الضرر يصحّ أن يكون كناية عن نفي حكم نفسه، لا عن حكم الوضوء والبيع في حال الضرر كما هو المدّعى، لأنّ الضرر في الموردين ليس موضوعاً بل يعد من أحوالهما وأطوارهما.

وبالجملة، فرق واضح بين «الشك» ونفس «الضرر»، لأنّ الأوّل موضوع حكم، كالربا، فيصح نفيهما لغاية نفي حكمهما. بخلاف الضرر، فإنّه موضوع


(74)

لحكم واحد وهو الحرمة ولايمكن نفيها بضرورة الفقه والعقل. ونفي وجوب الوضوء أو لزوم البيع في حال الضرر، ليس نفياً إلاّ لحكم الوضوء والبيع، وهما ليسا موضوعين في الحديث، بل الضرر من أطوارهما وأحوالهما، ولم يتعارف نفي الحالة وإرادة نفي حكم ذي الحالة كما لايخفى. نعم لو كان المنفي في لسان الشارع هو الفعل الضرري كان لما ذكره وجه.

اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الضّرر كالخطأ والنسيان في حديث الرفع حيث إنّ الجميع عناوين لأفعال المكلّف، فكما أنّ رفعهما فيه، بمعنى رفع الفعل الصادر عن خطأ ونسيان بما للفعل من الحكم بما هو هو فهكذا المقام، فرفع الضّرر، كناية عن رفع الفعل الضّرري بما للفعل من الحكم بما هو هو.

فكما أنّ رفع الخطأ والنسيان لايرفع نفس الحكم المتعلّق بنفسهما من الكفّارة وسجدة السّهو، فهكذا في المقام لايرتفع حكم نفس الضرر أعني الحرمة بل يرتفع حكم الفعل الثابت له بما هو هو في حال الضرر.

والحاصل: أنّ الوضوء مثل القتل، والضرر في الأوّل عنوان للفعل كالخطأ الذي هو عنوان للقتل. فكما أنّ رفع الخطأ ليس بمعنى رفع حكم الفعل الصّادر منه عن خطأ فهكذا في المقام، وليس المقصود نفي حكم نفس الضرر بل حكم الفعل الحامل للضّرر.

الثالث: أنّ المنفي هو الضرر غير المتدارك:

ذهب بعض الفحول(1) إلى أنّ المراد نفي الضرر المجرّد عن التدارك، فكما أنّ ما يحصل بازائه نفع لايسمّى ضرراً، كدفع مال بازاء عوض مساو له أو زائد


(1) قال في الوافية: 149 قال بل الظاهر انالمراد نفي الضرر من غير جبران حسبالشرع.


(75)

عليه، كذلك الضرر المقرون بحكم الشارع بلزوم تداركه فانّه نازل منزلة عدم الضرر وإن لم يسلب عنه مفهوم الضرر بمجرد حكم الشارع بالتدارك. فالمراد نفي وجود الضرر المجرد عن التدارك. فاتلاف المال بلا تدارك، ضرر على صاحبه، فهو منفي. فإذا وجد في الخارج فلابد أن يكون مقروناً بلزوم التدارك. وكذلك تمليك الجاهل بالغبن ، ماله بازاء مادون قيمته من الثمن، ضرر عليه، فلايوجد في الخارج إلاّ مقروناً بالخيار.(1)

تحليل هذه النظريّة:

لما كانت القاعدة ناظرة إلى الخارج بشهادة قضيّة سمرة، وكان الخارج مليئاً بالضّرر، فلايصحّ نفيه.

إذن، فتدارك مثل هذا لايكون بالجعل والتشريع بل بالعمل الخارجي فاتلاف مال الغير ضرر خارجي وتداركه بدفع المثل أو القيمة، لاالحكم بأنّه يجب عليه دفع أحد الأمرين. وهذا ما أشار إليه الشيخ الأعظم في رسالته بقوله:«إنّ الضرر الخارجي لاينزل منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بلزوم تداركه». والحاصل أنّ الضرر إن اتّفق تداركه، يمكن تنزيله منزلة مالم يوجد، وأمّا إذا لم يتعقّبه فلاوجه لتنزيله منزلة العدم بمجرّد حكم الشارع بوجوب تداركه. وإن شئت قلت: الضرر المتدارك غير الضرر المحكوم بوجوبه.

والظاهر وجاهة الإشكال، فانّ الضرر لو كان فعلاً للشارع لصحّ الحكم بعدمه بحكم الشارع بجبره وتداركه. وأمّا إذا كان فعل المكلّف، فلايصح تداركه بحكم الشارع، فانّ المتدارك به يجب أن يكون من سنخ المتدارك. فلو حكم الشارع بجواز قتل الرجل إذا قتل امرأة، فانّه يتدارك مثله بدفع أولياء المرأة نصف


(1)لاحظ رسالة نفي الضرر للشيخ الأعظم الأنصاري.


(76)

الدية إلى ورثة الرجل. أو حكم بقتل العشرة المشتركين في قتل واحد، فانّه يتدارك مثله بايجاب دفع تسعة أعشار الدية إلى ورثة كل واحد. وأمّا إذا كان الضرر من المكلّف، فلايتدارك مثله بحكم الشارع وإنشائه.

نعم، لو كان النفي ناظراً إلى عالم التشريع فقط كان لما ذكره وجه، ولكنّه خلاف الظاهر حيث ورد ردّاً لعمل سمرة كما عرفت.

أضف إليه أنّ ذلك المعنى لايفي بما هو المتعارف بين المتأخّرين من التمسّك به في باب العبادات إذ ليس في الأمر بالوضوء الضرري أو الحج الضرري أي تدارك فيلزم عدم صحة التمسّك به في تلك الأبواب.

إلى هنا تمت النظريات الثلاث المشتركة في حمل الهيئة التركيبية على النفي دون النهي وتصحيح الاخبار عن عدم الضرر بوجه من الوجوه.

وهناك نظريتان مبنيتان على كون النفي بمعنى النهي.

إحداهما: ما نقلها الشيخ في الرّسائل وأوعز إليها المحقّقق الخراساني في الكفاية، واختارها شيخ الشريعة الاصفهاني (1) في رسالته التي عملها في تبيين


(1)هو الشيخ فتح اللّه بن محمّد جواد الاصفهاني الملقّب بشيخ الشريعة ولد سنة 1266 وتوفّي 1339هـ. وهو فقيه إماميّ ، من كبار المشاركين في ثورة العراق الأُولى على السلطة الأجنبيّة. أصله من شيراز، من أسرة تعرف بالنّمازيّة، ومنشأه باصبهان. تفقّه وقرأ علوم العربيّة. وانتقل إلى النجف فانتهت إليه رئاسة علمائها.
وبرز اسمه في ثورة العراق أيّام الاحتلال البريطاني (سنة 1920م) وتناقل الناس ما أصدره من الفتاوى فيها. وكان في بدئها عوناً لآية اللّه «محمّد تقي الشيرازي» وبوفاة الشيرازي (سنة 1338 هـ) انتقلت إليه الزعامة وانتقل مركز القيادة من كربلاء إلى النجف.
وتوفّي الاصبهاني بالنجف. له في فقه الإماميّة رسالة في «إرث الزوجة من ثمن العقار» ورسائل أُخرى وحواش.
راجع كتاب الأعلام، خير الدين الزّركلي :5 /135; ومقدمة كتاب في أحكام الخيار لوالد شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ و قدكان والده من تلاميذه الخاصة به.


(77)

معنى القاعدة.

ثانيتهما: نظريّة السّيّد الأُستاذ قدَّس سرَّه (1) حيث جعل النفي بمعنى النهي وحمله على النّهي السلطاني الشرعي.

وإليك بيان كلتيهما:

الرابع: أنّ النفي بمعنى النهي :

ذهب شيخ الشريعة إلى أنّ النفي في المقام بمعنى النهي عن الضرر، وله اشباه ونظائر في الكتاب والسنّة، منها قوله تعالى:

«الحجُّ أشْهُرٌ مَعْلوماتٌ فَمَنْ فرضَ فيهنَّ الحَجَّ فَلارَفَثَ وَلافُسُوقَ وَلاجِدالَ في الحجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوّدُوا فَإنّ خَيْرَ الزّادِ التَقْوى وَاتقونِ يا أُولي الألبابِ» .(2)

أي: إنّ أشهر الحجّ، أشهر معلومات وأشهر موقتة لا يجوز فيها التبديل والتغيير، فمن فرض فيهنّ الحج، أي فمن أحرم فيهنّ بالحجّ، فلا رفث أي لاجماع، ولافسوق، أي لاكذب أو المعاصي كلها، ولاجدال في الحجّ.

وقوله تعالى:

«فَاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لامِساسَ وَإنّ لَكَ مَوعِداً لَنْ تخُْلَفَهُ وَانْظُر إلى إلهِكَ الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكفاً لَنُحَرِّقنَّهُ ثُمّ لَنَنْسِفنّهُ في اليَمِّ نَسْفاً» .(3)

قال الطبرسي: المساس على وزن «فعال» من المماسة. ومعنى لامساس ، لايمس بعضنا بعضاً. فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لايمسّ


(1)وهو آية اللّه العظمى الإمام الخميني ـ قدّس اللّه نفسه الزّكيّةـ .
(2)البقرة:197.
(3)طه:97.


(78)

أحداً ولايمسّه أحد. عاقبه اللّه تعالى بذلك وكان إذا لقي أحداً يقول: لامساس. أي لاتقربني ولاتمسّني.(1)

وأمّا السنّة فقد ذكر نماذج ممّا استعمل فيها النفي بمعنى النهي. مثل قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لااخصاء في الإسلام ولابنيان كنيسة» و«لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق». و«لاغش بين المسلمين».

وبذلك أبطل قول صاحب الكفاية، حيث قال ردّاً على هذا القول:«انّ النفي بمعنى النهي وإن كان ليس بعزيز إلاّ أنّه لم يعهد في مثل هذا التركيب»، وقال: إنّ الأذهان الفارغة لاتسبق إلاّ إلى هذا الوجه. ثمّ أيّد رحمه اللّه مقاله بما ورد في رواية عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«... فقال له رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : إنّك رجل مضار ولاضرر ولاضرار على مؤمن»، فانّ هذا الكلام بمنزلة صغرى وكبرى هما:إنّك رجل مضار، والمضارة حرام. والكبرى، كما ترى مناسبة للصغرى بخلاف ما لو أُريد غيره من المعاني الأُخرى فانّ المعنى يصير: إنّك رجل مضار، والحكم الموجب للضرر منفي، أو الحكم المجعول منفي في صورة الضرر. وهذا ممّا لاتستسغيه الأذهان المستقيمة.

وبعد أن استشهدرحمه اللّه بكلمات أئمّة اللغة، ومهرة الحديث، حيث فسّروا الحديث بالنهي، قال: إنّ المدعى هو أنّ حديث الضرر يراد منه إفادة النهي عنه سواء كان هذا باستعمال التركيب في النهي ابتداءً، أو أنّه استعمل في معناه الحقيقي وهو النفي ولكن لينتقل منه إلى إرادة النهي... إلى أن قال: فالمدعى أنّ الحديث يراد به إفادة النهي، لانفي الحكم الضرري ولانفي الحكم المجعول للموضوعات عند الضرر.(2)


(1)مجمع البيان :7/28.
(2)راجع رسالة: قاعدة لاضرر، العلاّمة شيخ الشريعة الاصفهاني قدَّس سرَّه ص24ـ28، ط مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرّفة(ايران).


(79)

تحليل نظرية شيخ الشريعة قدَّس سرَّه :

ما ذكرناه هو خلاصة كلامه قدَّس سرَّه ، وقد بالغ في تحقيق مرامه. وما ذكره قدَّس سرَّه أوضح ممّا ذكره العلمان ولكنّه أيضاً غير متعيّن بل لايخلو من إشكال.

أمّا أوّلاً: فإنّ بعض الأمثلة التي ذكرها ليس النفي فيها بمعنى النهي، حتّى قوله سبحانه:«فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجِّّ» بل هو باق على معناه ، ولم يرد منه النهي لاابتداءً، ولاانتهاءً بأن يستعمل في النفي ابتداءً لينتقل به إلى النهي. وإنّما استعمل في هذه النماذج في النفي لاتتجاوز عنه وإن كان الغرض الأعلى منها هو النهي. ولكن كون النهي غاية عليا غيركونه مستعملاً فيه ابتداءً أو انتهاءً.

وبالجملة: انّ شيخ الشريعة اختار كون النفي بمعنى النّهي وانّه إمّا استعمل فيه ابتداءً على نحو المجاز، مثل قوله:«زيد أسد» أو استعمل في النفي ابتداءً لينتقل المخاطب منه إلى النّهي على نحو الكناية مثل قوله:«زيد كثير الرماد» حيث استعمل في معناه اللغوي للانتقال منه إلى لازمه وهو الجود.

هذا، مع أنّ مقتضى البلاغة التحفّظ على كون النفي بمعناه، لابمعنى النهي وإلاّ لنزل الكلام من ذروة البلاغة إلى حضيض الكلام العادي.

بيان ذلك في قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجّ» ، أنّ شدة علاقة الشارع بطهارة محيط الحجّ عن هذه الأُمور الثلاثة دفعه إلى الاخبار عن خلوه منها. وهذا كثير في المحاورات العرفية. ألا ترى أنّ الرجل يقول لزوجته أو صاحبه: «لا كذب ولا خيانة» وذاك أنّ رغبته بطهارة حياته العائلية أو الاجتماعية من الكذب والخيانة، ألجأه إلى الاخبار عن عدم وجودهما. كما أنّ علاقة الأب بصلاة ابنه يدفعه بدل الأمر بها، إلى الاخبار عنها فيقول في محضره:«ولدي يصلّي»، مع أنّ الغاية في جميع ذلك هو النهي أو الأمر. وهذا غير القول بأنّ النفي مستعمل


(80)

في الآية وأمثالها في النهي ابتداءً، أو في النفي لينتقل إلى إرادة النهي. ولأجل ذلك لو جعلنا مكان «لا» لفظة «ليس» وقلنا:(ليس في الحج رفث ولافسوق ولاجدال)، كانت الجملة صحيحة ومتّزنة.

وثانياً: إنّ استعمال الهيئة في النفي ليس بأقلّ من استعمالها في النهي بأحد الوجهين لاحظ الجمل التالية:«لا بيع إلاّ في ملك»، «لا عتق إلاّ في ملك»، «لا طلاق إلاّ على طهر»، «لا يمين للولد مع والده»، «لا يمين للمملوك مع مولاه ولاللمرأة مع زوجها»، «لارضاع بعد فطام»، «لا نذر في معصية اللّه»، «لايمين للمكره»، و«لارهبانية في الإسلام» وغير ذلك، تجد أنّه لايصحّ فيها إلاّ إبقاء النفي على معناه.

ولك أن تقول، إنّ ما يقع بعد النفي إذا كان مناسباً للحكم الوضعي ـ كما في هذه الأمثلة ـ، فالصيغة متعيّنة في النفي، وأمّا غيره فهو محتمل للوجهين.

وثالثاً: إنّ حمل الصيغة على النهي لا يصحّ في حديث الشفعة حيث إنّ القاعدة جاءت علّة لجعلها، حيث قال:«فقضى بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن». وقال: «لاضرر ولاضرار». وقال: «إذا أرفت الأُرف وحدّت الحدود فلا شفعة» فالقضاء بالشفعة من فعل الشارع ولامعنى لتعليله بحرمة اضرار الناس بعضهم ببعض بل يناسب نفي الضرر عن محيط التشريع.

وما ذكرهرحمه اللّه من أنّ أئمّة اللغة فسّروه بالنهي، فهو صحيح، لكن لم يعلم كونهم في مقام بيان المستعمل فيه. بل يحتمل أنّهم كانوا في مقام بيان مقاصد الحديث ومراميه، سواء كان النفي مستعملاً في النفي أو في النهي.

وعلى كل تقدير، فشكر اللّه مساعي المحقّق شيخ الشريعة، فقد جاء في تحقيق مفاد الحديث وسنده وما يرجع إليهما بأبحاث مفيدة لاتوجد في غير رسالته.


(81)

الخامس: أنّ النفي بمعنى النهي والنهي مولوي سلطاني لامولوي إلهي:

ذهب سيّدنا الأُستاذ قدَّس سرَّه إلى أنّ النفي بمعنى النهي، لكن ليس النهي المستفاد منه حكماً شرعياً إلهيّاً كالنّهي عن الغصب والكذب، بل النهي حكم مولوي سلطاني ناجم عن كون النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- حاكماً وسلطاناً على الأُمّة. وقد أوضح نظريته بترتيب مقدّمات وبيان أمور نأتي بملخّصها.

الأوّل: إنّ للنبيّ الأكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مقامات ثلاثة:

1. النبوّة والرسالة، 2. الحكومة والسياسة، 3. القضاء وفصل الخصومة.

فبما أنّه نبيّ ورسول، يبلّغ أحكام اللّه سبحانه حقيرها وجليلها حتّى أرش الخدش.

وبما أنّه حاكم، يسوس العباد في البلاد ويقوم بشؤون الحكومة في حفظ الثغور وبعث الجيوش، وجباية الصدقات، وعقد الاتّفاقيات مع رؤوس القبائل والبلاد.

وبما أنّ له منصب القضاء، يقوم بفصل الخصومات والقضاء بين المتداعيين على الضوابط الشرعية. ولكل من هذه المناصب أحكام وشؤون معيّنة.

وإلى المنصب الأوّل يشير قوله سبحانه: «الّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ وَ يَخْشَونَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللّهَ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً»(1). وليس للرسول الكريم في هذا الموقف أمر ولانهي وإنّما هو مذكّر، ليس عليهم بمسيطر، وظيفته الابلاغ والبيان.

وإلى المنصب الثاني يشير قوله سبحانه:«وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَ لا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُوَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً»(2) والمراد من القضاء، والأمر والنهي اللذان يناسبان مقام


(1)الأحزاب:39.
(2)الأحزاب:36.


(82)

الامارة والسلطنة الموهوب له من اللّه تعالى فبعد تنصيبه في هذا المقام يصدر أمره ونهيه حسب المصالح، ويجب على الأُمّة طاعته.

وإلى المنصب الثالث يشير قوله سبحانه:«فَلا وَ رَبِّكَ لايُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» .(1)

فهذه المقامات الثلاثة ثابتة للنبيّ الأكرم بهذه النصوص القرآنية. ثمّ إنّها قد تجتمع في غيره - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وقد تفترق، قال سبحانه:«وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ »(2)، فكان لطالوت الحكم والسلطة فقط دون النبوّة والرسالة، لمصلحة وقتية اقتضت ذلك.

الثاني: كلّما ورد في الأثر الصحيح أنّ الرسول أمر بشيء أو حكم أو قضى به، فالظاهر منه أنّ هذه الأحكام صدرت منه بما له من منصب الحكم والقضاء لا بما أنّه رسول مبلّغ لأحكام اللّه ورسالاته، إذ ليس له في هذا الموقف أمر ولا نهي ولا حكم ولا قضاء فكيف يصحّ له أن يأمر وينهى؟ ولأجل ذلك ترى أمثال هذه التعابير في حياة الرسول والوصي دون سائر الأئمّة، لأنّ الظروف لم تسمح لهم باعتلاء منصّة الحكم وسدة القضاء فانحصرت وظيفتهم - عليهم السلام- في التبليغ والبيان دون الحكم والقضاء.

نعم، ربّما يستعمل لفظ «قال» في مقام القضاء والحكم، ويعلم أنّ المراد هو الأمر والنهي، لاتبليغ الحلال والحرام. كما إذا قيل:«قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لأُسامة: أنت قائد الجيش، اذهب إلى القطر الفلاني وقاتل الروم».

الثالث: إنّ السابر في الروايات يرى نماذج وافرة من أحكام الرسول


(1)النساء:65.
(2)البقرة:247.


(83)

السلطانية وأقضية مبثوثة في مختلف الأبواب.

روى الكليني عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: «قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان».(1)

وروى أيضاً عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- في آداب الجهاد قال: «كان رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه ثمّ يقول: سيروا باسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملّة رسول اللّه، لاتغلوا، ولاتمثّلوا، ولاتغدروا، ولاتقتلوا شيخاً فانياً، ولاصبياً، ولاامرأة، ولاتقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها».(2)

وروى أيضاًفي حديث عبد الرحمان بن جندب، عن أبيه: أنّ أمير المؤمنين - عليه السلام- كان يأمر في كل موطن لقينا فيه عدونا فيقول: «لاتقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنّكم بحمد اللّه على حجّة، وترككم إيّاهم حتى يبدأوكم حجّة أُخرى لكم فإذا هزمتموهم، فلا تقتلوا مدبراً ولاتجهزوا على جريح ولاتكشفوا عورة ولاتمثّلوا بقتيل».(3)

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية عن الأحكام الصادرة عن منصبي الحكم والقضاء. ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى أبواب القضاء والجهاد والاحياء.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ هنا ما يدل على أنّ «لاضرر ولاضرار» صدر عنه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لا بما أنّه حكم إلهي كسائر الأحكام الواردة عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، بل حكم سلطاني صدر عنه بما أنّه سائس الأُمّة وحاكمها لأجل قطع دابر الفساد وقلع جذوره. وإليك ما يدل عليه:

1. قـد نقـل ابن حنبل في مسنده قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- :«لاضرر ولاضرار» في ضمن


(1)الوسائل : 18/169، كتاب القضاء، الباب 2، كيفية الحكم، الحديث 1.
(2)المصدر نفسه: 11/43، كتاب الجهاد، الباب 15«جهاد العدو وما يناسبه» الحديث2.
(3)المصدر نفسه: 69، كتاب الجهاد، الباب 33، جهاد العدو وما يناسبه، الحديث1.


(84)

أقضيته البالغة نيفاً وعشرين، رواها عن عبادة بن الصامت حيث قال: «وقضي لاضرر ولاضرار». وبما أنّ المقام ليس من موارد القضاء، إذ لم يكن هناك جهل بالحكم ولا جهل بالموضوع، فلايصحّ حمله على القضاء وفصل الخصومات ويتعيّن حمله على أنّه حكم سلطاني صدر عنه لأجل دفع الفساد. ومفاده أنّه حكم رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بأن لايضر أحد أحداً،ولايجعله في ضيق ولا حرج ومشقّة. فيجب على الأُمّة طاعة هذا النهي المولوي السلطاني لأنّه حكم السلطان المفروضة طاعته.

2. إنّ الناظر في قضيـة سمرة وما ورد فيها من الروايات يقف، على أنّ الأنصاري التجأ إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لما وقع في الضيق والحرج، واستنجد به واستنصره،ولم يلجأ إليه إلاّ بما أنّه سلطان ورئيس، وحاكم ومقتدر، يقدر على دفع شر المعتدي وضرره. فأحضره رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وذكر له شكوى الأنصاري، فلمّا تأبّى عن الطاعة أمر بقلع الشجرة وحكم بأنّه لايضر أحد أخاه في حمى سلطانه وحوزة حكومته. فليس المقام مناسباً لبيان حكم اللّه، وانّ الأحكام الواقعية الضررية ليست مجعولة، أو أنّ الموضوعات الضررية مرفوعة الحكم، أو أنّ الحكم الإلهي هو أن لايضرّ أحد أحداً، فإنّ كل ذلك ليس مربوطاً بما دار بين الرسول وسمرة.

فالصادر عن رسول اللّه في هذا المقام هو حكم سلطاني مفاده أنّ الرعية ممنوعة عن الضرر والضرار بعضها ببعض، دفاعاً عن المظلوم وحفظاً للنظام.(1)

تحليل نظرية السيّد الأُستاذ:

لايخفى أنّ في ما ذكره قدَّس سرَّه نظر، من جهات:

أمّا أوّلاً: فإنّ منصب الحكم وإن كان لاينفك عن نصب وعزل وأمر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه، إلاّ أنّ الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولاتدخل تحت ضابطة، وتختلف صورها


(1)تهذيب الأُصول :2/481ـ489 مع تصرّف يسير.


(85)

باختلاف الظروف، كعزل وال ونصب آخر مكانه، وما يرجع إلى كيفيات القتال، وحبس المتّهم أو إطلاقه، وعقد اتّفاقيّة مع قوم أو نقضها، وكتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجـرين، إلى غير ذلك من الأُمور التي يلزم تنفيذها حفظاً للأحكام الكلّية الإلهيّة وصيانة لها. وبما أنّ تلك الأحكام المزبورة لاتدخل تحت ضابطة خاصّة، وربّما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء وأُخرى النهي عنه، و قد جاء الوحي الإلهي ملزماً بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلاً:«وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(1)، فالمولى سبحانه فوّض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية بل في إطار مصلحة الأُمّة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكليّة الشرعية. وقوله سبحانه:«وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»(2)، راجع إلى القضاء في هذه الموارد.

وأمّا الأحكام الكلية، كالنهي عن الضرر والضرار، والحرج والمشقّة، التي لاتختصّ بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، حيث إنّ الاضرار قبيح والإيقاع في الحرج لايوافق الفطرة، ففي مثلها يكون الحكم إلهياً ناشئاً من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلية دون الوقتية والزمنية، لاحكماً سلطانياً صادراً عن المنصب الموهوب للنبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .

ويؤيد ذلك: أنّ في قصة سمرة أحكاماً سلطانية لها طابع الجزئية والوقتية، كأمره بالاستئذان وقلع الشجرة ورميها في وجهه، صدرت لحفظ الحقوق أو لقلع جذور الفساد. وأمّا قوله:«لاضرر» فهو حكم إلهي له طابع الكلّية والدوام وهو المصحح للأوامر السلطانية الجزئية.

وثانياً: إنّ الأوامر السلطانية إنّما تتعلّق بموضوعات ليست لها أحكام شخصية بسبب جزئيتها، وأمّا الموضوعات التي قد سبق من الشارع جعل الحكم


(1)الحشر:7.
(2) الأحزاب:36.


(86)

لها وتحريمها فلامعنى لجعل حكم سلطاني عليها. وهذا كالضرر، فقد عرفت تضافر آيات الكتاب وروايات السنّة على حرمتها. وعلى ضوء هذا، ينسبق إلى الذهن، أنّ الرسول الكريم كان بصدد الإشارة إلى الحكم المعلوم المتضافر.

وثالثاً: إنّ ما ذكره لايصحّ في حديث الشفعة، فانّ الظاهر من توسيط قوله «لاضرر ولاضرار» بين الكلامين أنّ هذه القاعدة الإسلامية صارت سبباً لتشريع حق الشفعة للشريك، ولم يكن في البين أيّة أرضية صالحة لصدور حكم سلطاني، وإنّما قضى النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بالشفعة بين الشركاء دفعاً للضرر والضرار.

أضف إلى ذلك أنّ تفسير النفي بالنهي خلاف المتبادر في هذه الموارد كما لايخفى.(1)

إلى هنا ظهرت حقيقة الآراء والنظريات الّتي قيلت في القاعدة، وقد عرفت أنّ الكلّ لايخلو من علّة أو علاّت، وأمّا مختارنا فيها فإليك بيانه:

بيان المختار في تفسير القاعدة:

إنّ المختار في تفسير القاعدة هو كون النفي بمعناه لابمعنى النهي، وبذلك يفترق عن النظريتين الأخيرتين، وأنّ مصدر الضرر وفاعله هو الناس، بعضهم ببعض لاالشارع ولاتكاليفه، وبذلك يفترق عن النظريات الثلاث الأُول.


(1)ويضاف إلى ما ذكره شيخنا في تحليل كلام أُستاذه، بأنّه لو سلّم اندفاع جميع الإشكالات الّتي ذكرها حول تلك النّظريّة، فإنّها تقبل إذا كانت أدلّة القاعدة منحصرة بقضيّة سمرة وحديث اقضية النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- المروى عن عبادة بن الصّامت. ولكن حيث أثبتنا في بحث «الضّرر والضّرار في السنّة» عدم انحصارها بهما وإنّ هناك عشرات الأحاديث قد وردت في عشرات المجالات من العبادات والمعاملات، وكلّها تشير إلى مضمون القاعدة ولم يوجد في أكثرها رائحة الأوامر والنّواهي السّلطانية، فلايبقى مجال لقبول تلك النّظريّة.


(87)

والغاية من قاعدة نفي الضرر، الأخبار ـ بعد وجوده في المجتمع وجداناً ـ عن عدم إمضائه تكليفاً ولاوضعاً. ومعناه الابتدائي هو الاخبار عن عدم الضرر في الخارج ولكنّه ليس بمراد جداً بل هو كناية عن عدم إمضائه له وضعاً وتكليفاً، غير أنّ المصحح لهذا الاخبار(غير المطابق للخارج) هو خلو صفحة التشريع عن الحكم الضرري تكليفاً ووضعاً. فهو إمّا حرام شرعاً أو غير جائز وضعاً، ولولا خلوصفحته عن مثل ذاك الحكم، لما جاز له الاخبار عن عدم الضرر في الخارج.

توضيحه: أنّك قد عرفت أنّ المتبادر من هذه الصيغة هو نفي المتعلّق، وأنّ استعماله في النهي يحتاج إلى قرينة. وبما أنّ مورد القاعدة تجاوز سمرة حقوق الأنصاري وعدوانه عليه، يكون الضرر المنفي هو الضرر الوارد من بعض الناس إلى بعضهم الآخر. وبما أنّ النبي الأكرم - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- خاطب سمرة بقوله:«إنّك رجل مضار» أو «ما أراك يا سمرة إلاّ مضاراً» وقال:«لاضرر ولاضرار»، يكون هذا قرينة على أنّ المنفي في لسان الشارع مثل هذا الضرر، لاالضرر الحاصل من حكم الشارع كإيجاب الوضوء والحج على المريض.

وبما أنّ الاخبار عن عدمهما مع وجودهما في المجتمع ممّا لايجتمعان، يكون الاخبار عن عدمهما بهدف تفهيم أنّ الضرر ممنوع شرعاً وقانوناً، وغير ممضى عند الشارع تكليفاً ووضعاً.

أمّا تكليفاً فيحرم كل عمل ضرري يتوجه من بعض النّاس إلى البعض الآخر كإيذاء الجار لجاره، وأمّا وضعاً فلا تنفذ المعاملات الضرريّة كالغبن وغيره.

وبذلك يتّحد المختار مع مختار الشيخ الأعظم والمحقّق الخراساني فيما يكون الضرر متأتّياً من جانب الناس، ويصح الاستدلال به في مورد الغبن وتبعيض الصفقة وتأخير الثمن والتدليس وغيرها.


(88)

ومن هنا استند الفقهاء في أبواب العبادات غالباً إلى أدلّة «لاحرج» ، فالحكم باشتراء ماء الوضوء والغسل بثمن غال لايتحمل عادة، أو إيجاب الوضوء على المريض الذي يضرّه استعمال الماء أو إيجاب الحج على المريض والشيخ الفاني حكم حرجي منفي بأدلّة الحرج.

وبذلك تقدر على دفع الاشكال الّذي ربّما يستعصيه بعض الافهام، من إنّ الشارع كيف يخبر عن صفحة التشريع بعدم الحكم الضّرري فيها، مع شيوعه في العبادات والمعاملات، حيث حكم بدفع الزكاة والخمس والمقاتلة في ميادين الحرب، كما أمر بإراقة الخمور وكسر الأصنام والصلبان والملاهي وغير ذلك.

وذلك لما عرفت من أنّ منحى الحديث هو اضرار النّاس بعضهم ببعض، وأنّ النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- أخبر عن خلو حياة الناس عن الضرر والضرار، ادّعاءً لأجل خلوّ صفحة التشريع عن تجويز ذلك . فإذا انتفى التشريع عنهما، فكانت رقعة الحياة خالية عنهما، لأنّ النّاس ملزمون بالعمل بما جاء به الشارع المقدّس.

وأمّا الأحكام الّتي ربّما تكون ذريعة للضّرر. فمع قطع النظر عن عدم كونها ضرريّة، لأنّ فيها حياة الفرد والمجتمع، قال سبحانه:«يا أيّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وللرّسُولِ إذا دَعاكُمْ لما يحييكُمْ وَاعْلَموا أنّ اللّه يحولُ بَيْنَ المرء وقَلْبِهِ وأنّه إليه تُحْشَرونَ» .(1) ـ فهي خارجة عن مفاد الحديث موضوعاً، ولانحتاج إلى تجشّم الجواب الذي ذكرناه سابقاً. فمورد الحديث ومنحاه وهدفه وغايته، تربية الناس تربية سامية إسلاميّة، حتّى لايضرّ أحد أحداً. ولأجل ذلك فقد أخبر النبيّ - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- بتأكيد عن عدم أيّ تشريع للضرر، أي ضرر بعض النّاس بعضاً.(2)


(1)الأنفال:24.
(2)يلاحظ على مختاره ـ دام ظلّه ـ بما يلي:
أوّلاً: إنّ من فحص فحصاً تامّاً في طيّات كتب الحديث عن مدارك القاعدة سوف يجد أنّ هناك موارد ليست بالقليلة يظهر منها أنّ مصدر الضّرر وفاعله ليس النّاس بعضم بعضاً بل هو الشّارع، ولذلك نفيت تلك الأحكام ورفعت لوجود الضّرر فيها لو شرّعت على المكلّفين.
نعم لو قلنا بأنّ مدرك القاعدة هو حديث سمرة واضرابُه فقط، لكان للقول بانحصار مصدر الضرر في النّاس مجال.وفي ما مرّ من الأحاديث برقم 83 ـ86 إلماع لما ذكرناه.
وثانياً: إنّ استناد الفقهاء في جميع أبواب العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد والزّكاة وما إلى ذلك، إلى أدلّة قاعدة نفي الضّرر لايقل عن استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج وسنتعرّض إلى تلك الموارد مع إعطاء فهرس كامل لها إن شاء اللّه في ملحقات هذا الكتاب.
ثمّ إنّ استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج في بعض الموارد ليس لاعتقادهم بعدم صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضّرر هناك، بل لاعتقادهم عدم الفرق الكبير بين القاعدتين منحىً ومورداً كما يبدو لمن تأمّل في عباراتهم.
وخاصة إذا لاحظنا عدم تعنون قاعدة لاضرر في كتب القدماء بصورة مستقلّة ومتميّزة ثغورها عن القواعد الأُخر المشابهة كقاعدة نفي الحرج وما شاكلها.
ولذلك نرى المحقّق الحلّـي في كتابه المعتبر :1/138 في مكروهات التخلّي من كتاب الطهارة، عند ما يريد الاستدلال على عدم كراهة التكلّم حين التغوّط عند الضرورة يقول:«وأمّا حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضّرر المنفي بقوله تعالى:«وما جعل عليكم في الدّين من حرج» .


(89)

هذا تمام الكلام في المقامات الأربعة وينبغي، تكميلاً لمفاد القاعدة، وتعييناً لحدودها، البحث عن أُمور، ولذلك ذيّلنا البحث بعدّة تنبيهات:


(90)

التنبيه الأوّل

شمول النفي لعامّة الأحكام

لو قلنا بأنّ المقصود من نفي الضرر هو نفي الحكم الشرعي الضرري على ما عليه الشيخ الأنصاري و من تبعه أو تقدّم عليه، فلا محيص عن القول بشموله لكلّ حكم شرعي ضرريّ سواء أكان إلزاميّاً أو ترخيصيّاً، وذلك لأنّ «لا» النافية للجنس تُفيد الاستغراق من غير فرق بين حكم دون حكم ومعه لا يصحّ تشريع حكم يسوِّغ الإضرار بالنفس أو بالغير.

غير انّه يظهر من الشيخ الأنصاري والمحقّق الخوئي ـ قدّس سرّهما ـ اختصاص النفي بالحكم الإلزامي ـ على فرق جزئي بين كلامهما ـ فانّ المتبادر من كلام الشيخ الأنصاري هو عدم شمول القاعدة للحكم الإباحيّ إذا انتهى إلى الإضرار بالنفس، لا ما إذا انتهى إلى الإضرار بالغير فانّها تعمّه القاعدة، ولكن صريح كلام الثاني، هو عدم شمولها لمطلق الحكم الإباحيّ سواء أكان موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره، وسيوافيك نصُّ كلامهما في «خاتمة المطاف» بعد الفراغ من التنبيهات الاثني عشر فانتظر.

وحاصل دليلهما على عدم الشمول:أنّ المنفيّ عبارة عمّا يكون حكم الشارع سبباً للإضرار لا اختيار المكلَّف وهو لا يصدق إلاّ إذا كان الإضرار واجباً دون ما يكون جائزاً موكولاً إلى اختيار المكلّف فانّ سبب الإضرار هو المكلف.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ السبب ليس بأقوى من المباشر إلاّ في مواقع خاصة، وليس استناد الفعل إلى الشارع أولى من استناده إلى المكلّف سواء كان الفعل


(1)رسالة نفي الضرر: 21; مصباح الأُصول:2/533.


(91)

واجباً أم مباحاً، وذلك لتوسط إرادة المكلّف بين الحكم والفعل في كلا القسمين، وليس الإيجاب الشرعي سالباً للاختيار، بل المكلّف بعد إيجابه باق على اختياره.

ثانياً: أنّ ما ذكره قدَّس سرَّه دقّة فلسفيّة لا تقاوم ظهور الحديث في نفي أيّ حكم ضرري، إيجاباً أو ترخيصاً خصوصاً إذا كان الترخيص سبباً للإضرار بالغير، كيف والحكم الضرري المنفي في واقعة «سمرة»، هو الحكم الترخيصي، أعني: جواز دخول سمرة في البستان بلا استئذان من الأنصاري.

هذا كلّه على تفسير الشيخ ومن تبعه من المتأخرين، وأمّا على المختار فهو يعم كلّ حكم ضرري سواء كان إيجاباً أو ترخيصاً يكون ذريعة لإضرار بعض الناس ببعض، وذلك بالبيان التالي:

قد سبق انّ مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي وجود الضرر في المجتمع الإسلامي، نظير قول الحاكم عندما يحسّ الشغب والفوضى «لا فوضى ولا شغَب» و من المعلوم نفي الضرر عنه، مع وجوده فيه بكثير، رهن مصحح وإلاّ يلزم الكذب وليس المصحِّح له إلاّ نظر الشارع إلى صحيفة التشريع فيراه خالياً عن أيِّ حكم يكون ذريعة لإضرار الناس بعضهم ببعض فيكون ذاك مسوِّغاً لأن يُخبر عن التكوين أيضاً بخلوِّه عن الضرر، وما ذلك إلاّ لأنّه قد قطع دابر الضرر. فإذا كان ذلك هو المسوِّغ للإخبار عن المجتمع بعدم وجود الضرر، فلا محيص عن خلو صفحة تشريعه عن أيِّ حكم يُستشمُّ منه تجويز الإضرار، من غير فرق بين الإيجاب والترخيص، وذلك مثل جواز منع الماء لغاية منع الكلاء فهو حكم ضرري يكون ذريعة بيد صاحب الماء، منعه عنه الشارع مع كونه حكماً ترخيصياً.

والحاصل: كما أنّ حديث لا ضرر يرفع وجوب المعاملة ولزومها لئلاّ يتخذ ذريعة للإضرار، كذلك يرفع تسويغ منع الماء لئلاّ يتخذ ذريعة للإضرار بأصحاب المواشي لأجل عدم تمكّنهم من الكلاء بعد عدم إمكان سقي الماشية، من الماء الفاضل ولو بالشراء.


(92)

التنبيه الثاني

في أنّ المدار هو الضرر الشخصي في العبادات والمعاملات

اتّفقت كلمتهم على أنّ المدار في الضرر في باب العبادات هو الضرر الشخصي فالواجب مطلقاً هو استعمال الماء إلاّ إذا كان استعماله مضرّاً لشخص خاص فلا يُعدَل عنه إلى غيره،ومثله الحج فلا يسقط إلاّ عمّن إذا كان السفر مضرّاً بالنسبة إليه لا عن غيره، ومثل الضرر عنوانا:«الخوف» و «الحرج» فالمدار فيهما هو الشخص، لا النوع فلو كان العمل مُحرِجاً إلى شخص دون شخص فلا يسقط إلاّ عنه.

وفي الوقت نفسه قالوا: إنّ المدار في الضرر في المعاملات، هو النوع أي نوع العقد لا شخصه، وذلك لأنّهم حكموا في الأُمور التالية بالخيار والشفعة، مع أنّ شخص المعاملة ربما لا يكون ضرريّاً بل يكون نوعه ضررياً.

1. إذا كان المشتري مغبوناً في شراء سلعة، ولكنّه غلا سعرها عند ظهور الغبن بما يُتدارك به الغبنُ فلو كان المدار في الضرر، كون المعاملة الجزئيّة ضرريّة فليست كذلك لجبر الخسران بغلاء السلعة، وأمّا إذا كان المقياس هو نوع العقد فهو ضرريّ فإنّ شراء ما يساوي عشرة بثلاثين فهو ضرري.

2. إذا كان البائع مغبوناً في بيع السلعة وكانت تساوي بأزيد بكثير مما باعه به، ولكن نزلت القيمة السوقيّة عند الاطلاع على بالغبن على وجه يكون الضرر في صورة الاسترداد أكثر، من ضرره عند البيع بأقلّه من القيمة السوقية، فلو كان الملاك شخص العقد، فهو غير متضرر وإن كان المقياس نوعه فهو متضرر.


(93)

3. إذا باع الشريك سهمه من إنسان بارّ، فلو كان المقياس هو ذاك العقد، فليس بمتضرِّر، وأمّا إذا قيس إلى نوعه فهو متضرر.

ولأجل إفتاء الأكابر من العلماء بالخيار فيها، ذهب القوم إلى أنّ الملاك هو نوع العقد لا شخصه وإلاّ يلزم انتفاء الخيار فيها.

وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ الحكم بالخيار أو الشفعة في هذه الموارد، لأجل دليل خاص، لا لقاعدة «لا ضرر» وأمّا الخيار فلأجل تخلّف الشرط الارتكازي الثابت في المعاملات العقلائية من تساوي العوضين في المالية ففرض نقصان أحد العوضين عن الآخر، في المالية يُنافي هذا الشرط الارتكازي.

وأمّا المدرك لثبوت الشفعة فهو الروايات الخاصة الدالة عليه في موارد مخصوصة لأجل قاعدة لا ضرر، وانّورود «لا ضرر» في ثنايا رواياتها من باب الجمع في الرواية لا من قبيل الجمع في المروي.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّ لازم ذلك إرجاع خيار الغبن إلى خيار الشرط ـ أنّه لا مانع من استناده إلى الشرط الارتكازي أوّلاً، وقاعدة «لا ضرر» ثانياً.

أضف إلى ذلك ما عرفت من ثبوت التذييل في رواية الشفعة فلا نعيد.

والأولى أن يقال: إنّ المعاملات الثلاث ضررية مطلقاً سواء قيست إلى نوع العقد، أو شخصه، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالمراد منه هو نفس العقد الواقع بما هوهو، مع غض النظر عن الضمائم، فغلاء السعر في المثال الأوّل لا يخرج المعاملة الواقعة قبل شهر عن كونها ضررية وغبنية، لأنّ الغلاء أمر خارجي، وقد تحقّق، وغلاء السعر عند ظهور الغبن لا يخرجها عن كونها معاملة غبنيّة.

ومثله المثال الثاني، أعني: ما إذا كان البائع مغبوناً، فانّ نزول السلعة بعد


(1)صباح الأُصول:2/534.


(94)

شهر، لا يخرج المعاملة السابقة عن كونها بيعاً بأقلّ ممّا يساوي بكثير، لأنّ الملاك نسبة السعر إلى المبيع، حين التحقّق.

ونظيرهما الشفعة فانّ كون المشتري الثاني ملتزماً بالإسلام، لا يخرج تسلّط البائع على بيع ملكه ممّن يشاء عن كونه ضررياً وبالجملة كون المدار العقد الشخصي، ليس بمعنى ملاحظة الضمائم، بل ملاحظته بنفسه وهو ضرريّ جداً.


(95)

التنبيه الثالث

توهّم كثرة التخصيص الوارد على القاعدة

إنّ من الإشكالات الواردة على الأخذ بإطلاق الحديث، هو لزوم كثرة التخصيص فيها وقد أشار إليه المحقّق النراقي في عوائده وقال: إنّا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقّة كما نشاهد في أبواب التيمم، ولكن نرى عدم السقوط في كثير منها بأكثرَ من ذلك، وكذلك الكلام في الضرر المنفيّ فإنّا نرى التكليف بالخمس والزكاة وصرف المال في الحج، وإنفاق الوالدين وغيرهما مع ما فيها من الضرر وكذا نرى عدم الرضا بالضرر فيما أقلّ من ذلك.(1)

والحاصل إذا فسرنا الضرر بمعنى إدخال المكروه فليس هو منفيّاً في الشرع، ويدل عليه الأمر بالخمس والزكاة والكفارة والخراج والجزية والديات والغرامات والضمانات، والأمر بإراقة الدهن النجس المذاب، والشيرج الملاقي للنجس، وكذا إراقة الخمور أو اشتراء ماء الوضوء بثمن غال، وكذا كسر الأصنام والصلبان والملاهي الغالية، إلى غير ذلك ممّا يقف عليه السابر في الفقه.

ويعود روح هذا الإشكال إلى وجود كثرة التخصيص الوارد على القاعدة التي تسقطها عن الحجّية في غير مورد التخصيص. إذ يستكشف بها عدم تعلّق الإرادة الجدية بمفاد العموم حتى يؤخذ في غير مورد التخصيص.

وقد أُجيب عنه بوجوه نشير إليها:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق النراقي، فقال: إنّ صدق الضرر عرفاً إنّما هو


(1) عوائد الأيام:23.


(96)

إذا كان النقصان ممّا لم يثبت بإزائه عوض مقصود للعقلاء، يساويه مطلقاً، وأمّا مع ثبوت ذلك بازائه فلا يصدق الضرر أصلاً، لا سيما إذا كان ما بازائه أضعافاً كثيرة، بل وخيراً منه بكثير، ولا شكّ انّ كلَّ ما أمر به من التكاليف الموجبة لنقص في المال من الخمس والزكاة والحج والصدقة وإنفاق العيال وأمثالها ممّا يثبت بإزائها أضعاف كثيرة في الآخرة«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعفهُ لَهُ»(1)، «وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِى(2)رة» الآية.(3)

وقد أورد عليه الشيخ الأنصاري ما هذا مهمه:

انّ المراد بالضرر هو خصوص الضرر الدنيوي، وأمّا النفع الحاصل في مقابل الضرر الدنيوي فإنّما يوجب الأمر بالتضرر لا خروجه عن كونه ضرراً، فدليل وجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته، الموجب للنفع الأُخروي مخصِّص لعموم نفي الضرر لا رافع لموضوعه.

فجميع ما أثبت التكاليف الضررية مخصِّص لهذه القاعدة، كيف ولو كان الأمر كذلك لغت القاعدة، لأنّ كلّ حكم شرعي ضرري لابدّ أن يترتب على موافقته الأجر، فإذا فرض تدارك الضرر وخروجه بذلك عن الضرر، فلا وجه لنفيه في الإسلام إذ يكون حينئذ وجود الدليل العام على التكليف الكاشف بعمومه عن وجود النفع الأُخرويّ في مورد الضرر، مخرجاً للمورد عن موضوع الضرر.(4)

الوجه الثاني: ما أجاب به، الشيخ الأعظم وقال ما هذا حاصله:

إنّ لزوم تخصيص الأكثر على تقدير إرادة العموم، قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك»(5).


(1)البقرة:245.
(2)التوبة:121.
(3) عوائد الأيّام:23.
(4)رسالة نفي الضرر للشيخ الأنصاري: 30.
(5)فرائد الأُصول:315 طبعة رحمة اللّه.


(97)

ومراده انّ القاعدة كانت مقرونة حين الصدور بقرينة متصلة، حالية أو مقالية صارفة إياها من الإطلاق والعموم وقد عمل بها القدماء في ضوء هذه القرينة ولم يتجاوزوا عنها. وعند ذاك يكون مفاد القاعدة مجملاً، لعدم وصول القرينة المحددة لمفادها إلينا، ولا يعمل بها إلاّإذا عمل بها الأصحاب، فانّ عملهم جابر وكاشف عن القرينة الواصلة إليهم، وإن لم تصل إلينا.

يلاحظ عليه: بالقطع على أنّ القدماء والمتأخرين أمام هذه القاعدة سواء، وإنّ عملهم كان مستنداً إلى نفس القاعدة لا إلى القرائن الحافة بها، المحدِّدة لموردها، فانّه حدس بلا دليل، فلا يصحّ ما رتب على تلك المقدمة من أنّها تكون مجملة يقتصر في العمل بها على الأصحاب.

الوجه الثالث: ما ذكره الشيخ أيضاً من أنّ تخصيص الأثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لأفراد هي أكثر من الباقي، كما إذا قيل: أكرم الناس ودل دليل على اعتبار العدالة وكان فسّاقهم أكثر من عدولهم.

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين العنوان الواحد والعناوين الكثيرة لأنّ الملاك في الاستهجان هو غرابة التعبير عن أفراد قليلة بلفظ عام شامل لأفراد كثيرة وهو مشترك بين العنوانين.

الوجه الرابع: هو الالتزام بقلّة ورود التخصيص على القاعدة فانّ موارد النقض عبارة عن:

1. الديات، الغرامات، والضمانات.

2. الضرائب الشرعية كالخمس والزكاة والكفارات.

3. الجهاد في سبيل اللّه.

4. الحدود.


(98)

5. إراقة الخمر والدهن أو المرق الذي وقع فيه النجس، وكسر الأصنام والملاهي والصلبان.

6. شراء ماء الوضوء ولو بأضعاف قيمته.

أمّا الأوّل: فلا يعدّ ضرراً بل جبراً للضرر الذي أورده الجاني أو المتلِف للمال، على الإنسان، حتى فيما إذا ضمن شخص المال الذي في ذمة الغير، فانّ الضامن قد تقبّل بالضمان، طلبَ المضمون له، من ذمة المديون إلى ذمته، فلابدّ له من الخروج عن العمدة.

وأمّا الثاني: فلأنّ الضرائب أمر ضروري في المجتمعات الإنسانية ولا يعدّ أداؤها ضرراً لأنّها تصرف في مصالحهم، وقد أقرّها الإسلام وحدّد لها حدوداً وشرائط و من المعلوم انّ الخدمات التي تقدِّمها الدولة للأُمّة إنّما هي من آثار دفع تلك الضرائب.

وأمّا الثالث: أعني الجهاد في سبيل اللّه فانطباع الشارع عن الجهاد هو انّ فيه حياة الأُمّة وفي تركه ذلّها وهوانها، فلا يتلقّاه الشارع ضرراً كما يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعَاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» .(1)

فإذا كان هذا هو موقف الشارع من الجهاد وعند ذاك قال: «لا ضرر» يتبادر من كلامه، الضرر الموجود في الجهاد، لأنّه في مقابل الحياة التي يؤدّيها الجهاد إلى الأُمّة، شيء ضئيل لا يُعبأ به، ولذلك يقول في آية أُخرى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب أَليم * تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (2) حيث


(1)الأنفال:24.
(2)لصف:10ـ11.


(99)

يصرّح بأنّ الخير المكنون في الجهاد شيء لا يقف عليه الكثيرون منهم ولو وقفوا لاستقبلوه ولما ضنّوا بنفسهم ونفيسهم في طريقه.

وأمّا الرابع: أعني: الحدود، كحدّ الزاني وحبس المعتدي وقطع يد السارق وغير ذلك فلأنّها وإن كانت ضرراً بالنسبة إلى المضروب والمحدود، لكن فيها حياة المجتمع وقد قال سبحانه: «وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون» (1) فرفع الحدود يوجب شيوع الفوضى في المجتمع والهرج والمرج في الأعراض والأنفس والأموال وبالتالي الضرر المهد لكيان الأُمّة.

إلى هنا تبيّن انّ خروج هذه الموارد عن القاعدة خروج موضوعي وليس تخصيصاً على القاعدة فلم يبق إلاّ الموارد القليلة التي أُشير إليها في المورد الخامس والسادس.

على أنّه يمكن أن نقول: إنّ موقف الشارع بالنسبة إلى إراقة الخمر وكسر الأصنام، والملاهي، والصلبان موقف خاص حيث رأى أنّ فيها ضرراً معنوياً لا يُجبر أبداً وهو القضاء على السعادة الإنسانية، فإذا كان هذا موقفه بالنسبة إلى هذه الأُمور، فلو أدلى عند ذلك قوله«لا ضرر» فلا يكون تلك الموارد عنده من أقسام الضرر بل يكون منصرفاً عنه.

نعم ما ذكرنا من الجواب ينطبق على مبنى القوم في تفسير القاعدة، وأمّا على ما اخترناه من أنّ مفاد القاعدة هو نفي إضرار الناس بعضهم لبعض، فما ذكر من الأمثلة خارج عن مصب القاعدة وليس هناك أيّ تخصيص.


(1)البقرة:179.


(100)

التنبيه الرابع

في وجه تقدّم القاعدة على أدلّة العناوين الأوّلية

لا شكّ انّ القاعدة ـ في صورة المخالفة ـ تقدّم على أدلّة العناوين الأوّلية، إنّما الكلام في وجهه فنقول:

إنّ العناوين الأوّلية نظير قوله سبحانه: «أَوفُوا بِالعُقُود»(1). أو قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق» (2). أو قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «النّاس مسلّطون على أموالهم»، أو قوله - عليه السلام- في مقبولة عمر بن حنظلة: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت وما يُحْكَم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً».(3)

إنّ الأخذ بأحكام هذه العناوين على وجه الإطلاق ربما يُورث ضرراً على النفس والغير، كما إذا كانت المعاملة غبنيّة، أو كان بيع الشريك سهمه المشاع من أجنبي مورثاً له، أو كان استعمال الماء مضرّاً بالبدن أو كان ترك الرجوع إلى حكام الجور موجباً للتضرر، لعدم مرجع صالح يتحاكم إليه، أو منع صاحب الماء مورثاً لمنع الكلاء غير المنفك عن الضرر بالآخرين، إلى غير ذلك من الموارد التي يستلزم الأخذ بإطلاق أدلّة العناوين الأوّلية الشامل لصورة الضرر، وعند ذلك تقدم القاعدة، فتكون النتيجة عدم لزوم الوفاء بالعقد الغبني، أو عدم جواز استعمال


(1)لمائدة:1.
(2)المائدة:6.
(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.


(101)

الماء، أو ارتفاع حرمة الترافع إلى حكّام الجور ورفع تجويز منع الماء.

إنّما الكلام في وجه تقدّمها على أدلّة العناوين فهناك أقوال:

1. القاعدة حاكمة على أدلة العناوين الأوّلية.

2. التقديم مقتضى التوفيق العرفي.

3. القاعدة أخصّ من مجموع أدلّة الأحكام.

4. التقديم لصون التشريع عن اللغوية.

5. التقديم لقوة الدلالة وورودها مورد الامتنان.

هذه هي الأقوال التي ذكرت في وجه تقديمها وإليك بيانها:

أ. تقديم القاعدة من باب الحكومة

ذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ وجه تقديمها عليها لحكومتها على إطلاق أحكام العناوين الأوّلية وقال: الحكومة عبارة عن كون أحد الدليلين ـ بمدلوله اللفظي ـ متعرّضاً لحال دليل آخر من إثبات حكم شيء أو نفيه عنه أمّا الإثبات فلأنّ ظاهر قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور» كون الطهور الواقعي شرطاً لصحّة الصلاة والطريق إلى إحرازه هو القطع واليقين، لكن دليل الاستصحاب أو البيّنة دل على أنّ ما ثبت للمتطهر الواقعي، ثابت لمن ثبت كونه متطهراً بالاستصحاب أو البيّنة فكأنّ الدليل الحاكم صار سبباً لسعة مدلول الدليل المحكوم، وربّما يكون سبباً لضيقه، كما هو الحال في دليل رفع الحرج ورفع الخطأ والنسيان ونفي السهو عن كثير الشك ونفي السبيل على المحسنين.

فظهر ممّا ذكر حال حكومة «لا ضرر» على أدلة الأحكام الأوّلية وانّه يوجب رفعها في تلك الحالة.


(102)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الحكومة بالنحو الماضي ـ كون أحد الدليلين متعرضاً بمدلوله اللفظي والمطابقي لحال دليل آخر ـ يوجب خروج كثير من موارد الحكومة عن هذا التعريف مثلاً أنّ القاعدة ليست متعرضة لحال أدلّة «وجوب الوفاء بالعقد» و«سلطنة الناس على أموالهم» أو «وجوب الوضوء على واجد الماء على من يضرّه استعمال الماء، أو يكون ثمن شرائه غالياً»، والأولى تفسيرهما بالنحو التالي:

كون أحد الدليلين ـ في نظر العرف ـ شارحاً ومفسّراً ومبيّناً لمقدار المراد من الدليل المحكوم بحيث لولا الدليل المحكوم، لصار التشريع الوارد في الحاكم لغواً وهذا التعريف ينطبق على أكثر الموارد التي اشتهرت فيها حاكمية الدليل على الأحكام الأوّلية، كقوله: «لا شكّ لكثير الشك» أو «لا شكّ للمأموم مع حفظ الإمام»، بحيث لولا كون الشك في الشرع موضوعاً للحكم، لكان النفي في الدليلين أمراً لغواً، ومثله، قاعدة لا ضرر ولا حرج، على تفسير الشيخ، فلولا صدور أحكام من الشرع ربما تلازم الضرر لكان نفي الحكم الضرري أو الحرجي أمراً لغواً.

ولا بأس بهذا الوجه، لو لم يكن هنا وجه أوضح منه كما سيوافيك.

ب. تقديم القاعدة من باب التوفيق العرفي

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ وجه التقديم هو التوفيق العرفي وأوضحه بقوله بأنّ العرف يوفِّق بين مفاد الأدلة الواردة لبيان حكم العناوين الأوّلية، ومفاد القاعدة. وذلك : أنّ الحكم الثابت بالعنوان الأوّلي تارة يكون بنحو الفعلية مطلقاً، أو بالإضافة إلى عارض دون عارض، بدلالة لا يجوز الإغماض عنها، بسبب دليل حكم العارض المخالف له، فيقدَّم دليل ذاك العنوان على دليله، وأُخرى يكون على نحو لو كانت هناك دلالة للزم الإغماض عنها بسببه عرفاً، حيث كان


(103)

اجتماعهما قرينة على أنّه بمجرد المقتضي وأنّ العارض مانع، فيقدّم ولو لم نقل بحكومة دليله على دليله، لعدم ثبوت نظره إلى مدلوله كما قيل.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه يظهر من ذيل كلامه أنّ عدوله عن مقالة الشيخ أي كون التقديم من باب الحكومة، لأجل عدم انطباق تعريف الحكومة على تقديم القاعدة عليها ـ لعدم ثبوت نظره إلى مدلول الأحكام الأوّلية ـ وأمّا على ما ذكرناه من التعريف فلا وجه للعدول عنها.

ثانياً: أنّ جعل الأحكام الواقعية بمنزلة المقتضي، والعنوان الثانوي بمنزلة المانع إنّما يتم في مثل مورد الربا حيث إنّه مقتض للتحريم إذا لم يكن المرابي، الزوج والزوجة، أو الوالد والولد، ومثله قتل النفس فانّه مقتض للقصاص إلاّ إذا كان القاتل والداً، وأمّا المقام أعني: مورد الضرر، فلم يحرز وجود المقتضي للحكم في مورده حتى يكون الضرر والحرج رافعين، فمن أين نعلم بوجود المقتضي من العقد الضرري أو الوضوء الضرريين حتى يكون الضرر رافعاً لأمره؟

ج. تقديم القاعدة لأجل أخصّيتها

إنّ النسبة بين دليل الضرر وكلّ واحد من الأحكام الأوّلية وإن كانت عموماً وخصوصاً من وجه إذ ربما يكون عقد ولا ضرر، وربما يكون ضرر ولا عقد ـ كما في واقعة سمرة ـ وربما يجتمعان ولكن إذا لوحظت القاعدة مع مجموع الأحكام، تنقلب النسبة إلى عموم وخصوص مطلق وتكون القاعدة أخصَّ من الجميع.(2)

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة في تبيين النسبة هو ملاحظة كلّ دليل، مع دليل آخر برأسه، لا مع مجموع الأحكام، وبذلك تصبح النسبة عموماً من وجه.


(1)كفاية الأُصول:2/270، طبعة المشكيني.
(2)قاعدة لا ضرر ، للخونساري تقريراً لمحاضرات المحقّق النائيني:213 .


(104)

نعم كون القاعدة واردةً لبيان حكم العنوان الثانوي ربما يقتضي، تقدمها على أدلّة جميع الأحكام لكن السبب عندئذ للتقديم هو ذاك لا أخصيتها كما في كلام القائل.

د. تقديم القاعدة لرفع اللغوية

ان نسبة القاععدة الى جميع الادلة نسبة واحدة ك.ؤ،فلو قدمت في مورد على دليل الحاكم الواقع يلزم تقدمها في جميع الموارد ولازم لغوية القاعدة (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يصحّ لو كان وزان القاعدة مع أدلّة الأحكام وزان المتعارضين، فلأجل صيانة أحد الدليلين عن اللغوية، تقدّم القاعدة لغاية العمل بكلا الدليلين، وأمّا إذا كانت مكانة القاعدة فوق التعارض فلا تصل النوبة إلى ذلك الوجه كما سيتبيّن.

هـ. التقديم لقوة دلالتها وكونها حديث امتنان

الظاهر أنّ وجه التقديم، إنّما هو قوة الدلالة، وذلك بملاك كون الدليل دليل امتنان فيقدّم على العموم، وإن كانت النسبة بين القاعدة والعموم عموماً من وجه، فانّ الامتنان في عدم نفوذ العقد الغبني لا في إمضائه.

وبالجملة : صدوره امتناناً على الأُمّة، يُعطي للحديث في نظر العرف تقدّماً على غيره سواء أصحت تسميته بقوة الدلالة أم لا، وهذا الوجه جار في حديث الرفع أيضاً.

وبذلك يتبيّن وجه تقدّم القاعدة في عامة الموارد، من غير ملاحظة النسبة بينها وبين دليل آخر. ولولا ذلك لوجب التوقف إذا كانت النسبة عموماً وخصوصاً من وجه.


(1)قاعدة لا ضرر ، للخونساري تقريراً لمحاضرات المحقّق النائيني:213 .


(105)

التنبيه الخامس

في اشتمال الرواية على ما يخالف القاعدة

قد وقفت في صدر الرسالة أنّواقعة سمرة نقلت بصور مختلفة:

أ:ما نقلها أبو عبيدة الحذّاء، وهو بالنحو التالي:

«ما أراك يا سمرة إلاّ مضارّاً، اذهب يا فلان فاقطعها واضرب بها وجهه».

فقدّم وصفه بكونه مضارّاً ثمّ رتّب عليه الأمر بالقطع.

ب: ما نقلها عبد اللّه بن بكير عن زرارة وهو:

«اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فانّه لا ضرر ولا ضرار».

فقدم الأمر بالقلع الذي هو بمنزلة المعلول، وأخَّر بيان علّته، أعني قوله: لا ضرر ولا ضرار.

ج: ما رواها عبد اللّه بن مسكان عن زرارة:«انّك رجل مضارّ، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن» ثمّ أمر بها فقلعت ورُمي بها إليه.

فضمّ إلى قوله: «إنّك رجل مضار» نفس القاعدة وقدّمها على معلوله، أعني: الأمر بالقلع.

هذه هي الصور المختلفة للرواية، والجميع مشتمل على الأمر بالقلع، والتعليل بنفي الضرر، إمّا صريحاً كما في الصورة الثانية، أو تلويحاً كما في الصورة الأُولى والأخيرة، وعندئذ يتصوّر أنّ الرواية مشتملة على خلاف القاعدة، لأنّ مقتضاها إيجاب الاستئذان على سمرة، دون إيجاب قطع الشجر، فانّ الضرر يندفع به من دون حاجة إلى الأمر الزائد على ما يدفع به الضرر، والشاهد عليه انّه لو كان سمرة ملتزماً بالدخول مع الاستئذان لم يكن هناك أيُّ ضرر متوجهاً على الأنصاري.


(106)

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه:

الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني قدَّس سرَّه : انّ القلع كان من باب قطع الفساد، لكونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.(1)

وأوضحه تلميذه الجليل قدَّس سرَّه بأنّ النبيّ حكم في قضية سمرة بشيئين:

1. أن لا يدخل الرجل بلا استئذان.

2. أن تقلَع الشجرة وتقطع.

والحكم الأوّل مستند إلى القاعدة دون الثاني، فانّه ناش من ولايته على أموال الأُمّة وأنفسهم دفعاً لمادة الفساد، أو تأديباً لسمرة لقيامه مقابل الرسول - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- مقام العناد واللجاج.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره خلاف المتبادر من الرواية، حيث إنّ ظاهر الحديث أنّ كلا الحكمين من ثمرات القاعدة لا أنّ الأوّل من ثمراتها دون الثاني.(2)

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني أيضاً وحاصله:

«انّ الحكم الضرري وإن كان عبارة عن الدخول بلا استئذان، ولكن لما كان هذا الحكم الضرري معلولاً لاستحقاق سمرة لإبقاء العذق في الأرض، لأنّ جواز الدخول بلا استئذان من فروع ذاك الاستحقاق، صحّ رفع المعلول برفع علّته، أعني: استحقاق الإبقاء بجواز قلع الشجرة.(3)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ رفع العلّة ـ لغاية كون معلوله ضررياً ـ إذا لم يكن له إلاّ معلول واحد، وأمّا إذا كان لها آثار ومعاليل مختلفة غير ضرريّة، فلا يصحّ عندئذ رفعها لأجل كون أثر واحد ضررياً.


(1)قاعدة لا ضرر للخونساري:209.
(2)مصباح الأُصول: 2/532.
(3) رسالة قاعدة لا ضرر لمقرّرها المحقّق الخونساري: 209 ;مصباح الأُصول: 2/531.


(107)

مثلاً استحقاق سمرة لإبقاء الشجرة، علّة له، آثار مختلفة، كبيعها، وإيجارها، وبيع ثمارها، وتأبيرها، والدخول مع الاستئذان والدخول بلا استئذان، والكل غير ضرري إلاّ الأخير، فلا يسوغ رفع العلّة كنفي استحقاق إبقاء الشجرة بحجّة انّ واحداً من آثاره ضرري.

وهذا نظير: لزوم طاعة الوالد، لكلّ ما يأمر به إلاّ إذا أمر بالمعصية، فلو أمر بالثانية، لا يصحّ رفع مطلق لزوم طاعته، بحجّة انّه أمر في مورد واحد بالمعصية.

ما هو المختار في الجواب؟

إنّ الظاهر انّ كلا الحكمين من ثمرات القاعدة، ولكن إجراء القاعدة وتجسيدها يوم ذاك كان رهن قطع الشجرة فقط ولم يكن لتأديب الرجل طريق سواه، إذ كان أمام النبي لدفع الضرر أحد الأُمور التالية:

1. أمره بالدخول مع الاستئذان.

2. إجراء الحكم المزبور عن طريق القوة والسلطة بنصب مأمور على الباب حتى لا يدخل إلاّ باستئذان.

3. حبسه واعتقاله إلى أن يخضع للقانون، أعني: الإذن مع الدخول.

4. قطع الشجرة وقلعها.

أمّا الأمر الأوّل فلم يقبله سمرة، وأمّا الثاني والثالث فلم يكن إجراؤهما أمراً سهلاً يوم ذاك، إذ كانت الدولة الإسلامية فتيّة فانحصر رفع الضرر في الأمر بالقلع.

والحاصل: انّ النبيّ لم يكن جالساً في منصَّة الإفتاء بل في منصَّة القضاء، ومن شؤونه إجراء الحكم حدّ الإمكان، وكانت جميع الطرق غير ناجحة إلاّ الطريق الأخير.


(108)

التنبيه السادس

في شمول القاعدة للأحكام العدميّة

الحكم الشرعي سواء أكان وضعيّاً أم تكليفيّاً ينقسم إلى: وجودي كالحكم بالضمان، وعدمي كالحكم بعدمه في الوضعية، مثل الحكم بالوجوب وعدمه في التكليفية، وتقسيمه إليهما، باعتبار متعلّق الحكم وإلاّ فباعتبار نفس الحكم، فالكلّ أحكام وجوديّة، إذ للشارع في كلا الموردين إنشاء وحكم، غير انّ الإنشاء تارة يتعلّق بالضمان، وأُخرى بعدمه، وهذا لا يستلزم دخول القسم الثاني، تحت الأُمور العدمية ولا يرجع الحكم بعدم الضمان إلى عدم الحكم به وعدم دور للشارع فيه.

وعلى ضوء هذا فلو كانت الزوجة مهضومة الحق على وجه لا يُنفِقُ عليها زوجها، أو كان العبد تحت الشدّة، يظلمه مولاه; فعدم جواز طلاقه لغير الزوج بحجّة انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق، أو عدم جواز عتقه، لغير المولى، بحجّة انّه لا عتق إلاّفي ملك، حكم ضرري منفيّ بالقاعدة، حسب تفسير الشيخ الأعظم، أو انّ الضرر الآتي من جانب الناس كالزوج والمولى منفيّ حسب تفسيرنا، وعلى كلّ تقدير لابدّ من طلاقها أو عتقه لانحصار رفع الضرر فيهما، وبما أنّ الزوج لا يُطلِّق، والمولى لا يعتق، والزوجة ليست بمالكة لطلاقها، والعبد لا يملك شيئاً، فلابدّ أن يقوم به الفقيه الذي على عاتقه كلّ فعل مطلوب للشارع وليس له مسؤول معين، فتكون القاعدة حاكمة على الحكم بعدم جواز الطلاق والعتق لغير الزوج والمولى.


(109)

وإنّما تمسّ الحاجة إلى القاعدة لدفع الضرر، فيما إذا لم يكن هناك دليلواف لدفعه، ولو كان لاستغنى الفقيه عن الاستدلال بالقاعدة، وهذا نظير الأمثلة التالية:

1. إذا فتح قفص طائر شخص فطار.

2. أو حبس شاة فمات ولدها.

3. أو أمسك رجلاً فهربت دابتُه.

4. أو حبس حرّاً ففوّت عليه منافعه.

فالحكم بعدم الضمان شرعاً في هذه الموارد وإن كان مورثاً للضرر المنفي في الشريعة، لكن لا حاجة إليها، لوجود الدليل الشرعيّ على الضمان، حيث إنّها داخلة تحت قاعدة الإتلاف وإنّما الحاجة إلى القاعدة فيما إذا انحصر التخلّص عن الضرر بالقاعدة كما في مورد الزوجة والعبد، وقد عرفت أنّ نسبة القاعدة إلى الأحكام الوجودية والعدمية سواء، وأنّ الكلَّ من أقسام الحكم الشرعي.

وبذلك يظهر انّ أقوى الوجهين في كلام الشيخ هو الوجه الثاني، دون الأوّل، قال:

إنّه لا إشكال ـ كما عرفت ـ في أنّ القاعدة المذكورة، تنفي الأحكام الوجودية الضررية، تكليفية كانت أو وضعية، وأمّا الأحكام العدميّة الضررية ـ مثل عدم ضمان ما يفوت على الحرّ من عمله بسبب حبسه ـ ففي نفيها بهذه القاعدة، فيحكم عليه بالضمان، إشكال:

من أنّ القاعدة ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعمومات من الأحكام الشرعية، فمعنى نفي الضرر في الإسلام أنّ الأحكام المجعولة في الإسلام ليس فيها حكم ضرري. ومن المعلوم انّ حكم الشرع في نظائر المسألة المذكورة ليس من الأحكام


(110)

المجعولة في الإسلام، وحكمه بالعدم ليس من قبيل الحكم المجعول، بل هو اخبار بعدم حكمه بالضمان، إذ لا يحتاج العدم إلى حكم به، نظير حكمه بعدم الوجوب أو الحرمة أو غيرهما، فانّه ليس إنشاء منه بل هو اخبار حقيقة.

ومن أنّ المنفيّ ليس خصوصَ المجعولات بل مطلق ما يُتديَّن به، ويعامل عليه في شريعة الإسلام، وجودياً كان أم عدميّاً، فكما أنّه يجب في حكم الشارع نفي الأحكام الضررية، كذلك يجب جعل الأحكام التي يلزم من عدمها الضرر.(1)

يلاحظ عليه: ـ على قوله في تقرير الوجه الأوّل: «انّ عدم حكم الشرع بالضمان ليس من الأحكام المجعولة في الإسلام... » ـ بأنّه إن أراد انّه ليس للشارع في هذه الموارد حكم شرعي أبداً وانّه سكت عنها، فهو مخالف لما دلّت عليه الروايات من أنّه ما من موضوع إلاّ وله فيها حكم شرعي مجعول. إذ كيف يمكن أن يقال انّه ليس للشارع فيما إذا كان بقاء علقة الزوجية أو الرقية مضرّاً للزوجة والعبد، حكم مجعول وانّه تركهما سدى؟!

وإن أراد انّ هناك حكماً شرعيّاً لكن حكمه الشرعي بالعدم إخبار عن عدم حكمه بالضمان، لا الحكم بعدم الضمان، كما هو ظاهر كلامه ، فيرد عليه أنّه فرق واضح بين الحكم بعدم الضمان وعدم الحكم به، فالأوّل من قبيل الحكم بخلاف الثاني، فانّه من قبيل السكوت عن إنشاء الحكم وقد عرفت عدم صحّته عند الكلام في الشقّ الأوّل.

وبالجملة فكما أنّ الاشتغال حكم شرعي، وهكذا الحكم بالبراءة ولا معنى لجعل الأوّل من أقسام الأحكام دون الثاني.

وبعبارة أُخرى: انّ المجعول للشارع في مورد الزوجة والعبد إمّا عدم جواز الطلاق والعتق فهو ضرري مرفوع، وإمّا الجواز، فهذا هو المطلوب، ومثلهما الموارد


(1) رسالة نفي الضرر: 27.


(111)

التي حكم فيها بالضمان، فانّ عدمه ضرري وضمانه هو المطلوب.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق النائيني تأييداً لكلام الشيخ: انّ قاعدة لا ضرر ناظرة إلى نفي ما ثبت بالعموم في الأحكام الشرعية ومرجع مفادها إلى أنّ الأحكام المجعولة إذا نشأ منها الضرر فهي منفية وعدم الحكم بالضمان ليس من الأحكام المجعولة.

وبعبارة أُخرى: لو كان الحكم المجعول هو عدم الضمان فإذا نشأ منه الضرر لقلنا بارتفاعه، وأمّا إذا لم يكن هناك جعل أصلاً، فلا يمكن أن تكون قاعدة لا ضرر حاكمة على ما ليس مجعولاً، فانّ ما ليس مجعولاً لا يستند إلى الشارع.(1)

إنّ ما ذكره ليس شيئاً جديداً بل تكرار لما ذكره الشيخ; ويرد عليه نفس ما أوردناه على كلام الشيخ الأعظمقدَّس سرَّه من أنّه إذا أراد من عدم الجعل السكوت في بيان حكم موضوع، فهو ليس بتام، إذ ما من موضوع إلاّو له حكم في الشرع; وإن أراد من عدم الجعل كون الحكم عدمياً، فقد قلنا إنّه من أقسام الحكم، فتشمله قاعدة لا ضرر.

تقريب للمحقّق النائيني لعدم الشمول

ثمّ إنّ المحقّق النائيني استدل على عدم الشمول بوجه جديد، فقال: إنّ الالتزام بالشمول يستلزم تأسيس فقه جديد لأنّه:

1. لو وجب تدارك كلّ ضرر، فلو كان هناك إنسان صار سبباً له، فالضمان عليه، وإلاّفمن بيت المال.

2. يلزم كون أمر الطلاق بيد الزوجة لو كان بقاؤها على الزوجية مضرّاً بها،


(1)رسالة قاعدة لا ضرر: 220.


(112)

كما إذا غاب عنها زوجها أو لم يُنفِق عليها لفقر أو عصيان... ولا يمكن إثبات الولاية للحاكم الشرعي بالقاعدة، لأجل انّ عدم ثبوت الولاية له ضرر على الزوجة.

مضافاً إلى أنّ قوله - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «الطلاق بيد من أخذ بالساق» ظاهر في أنّ رفع علقة الزوجية منحصر في طلاق الزوج، إلاّ في بعض الموارد حيث يكون بيد الغير، كولي المجنون والمعتوه.

3. لو كان لقاعدة نفي الضرر مجال في هذا المورد وكلّ ما كان من هذا القبيل كالعبد الواقع تحت الشدة، لكان مقتضاها رفع بقاء علاقة الزوجية، وعلاقة الرقية، والمفروض انّهم لا يلتزمون بذلك بل يجعلون طلاق الحاكم نازلاً منزلة طلاق الزوج، وهذا مرجعه إلى إثبات الحكم بقاعدة نفي الضرر، وقد عرفت أنّ لازمه أن يتدارك ضرر كلّ متضرر إمّا من بيت المال أو من مال غيره، وهذا فقه جديد.(1)

يلاحظ على الأوّل: أنّه لو كان الضرر مستنداً إلى حكم الشرع أو فعل الإنسان، فالالتزام بوجوب التدارك أمر لا محذور فيه، وأمّا إذا لم يكن مستنداً إلى واحد منها كالآفات، فالحكم بلزوم تداركه من بيت المال استناداً إلى القاعدة أمر غريب، لأنّ القاعدة لا تخبر عن المواضع الخارجية حتى يحاول تصحيحها بإيجاب التدارك في عامة الموارد وإنّما هي اخبار عن عدم الضرر لغاية النهي عنه تكليفاً ووضعاً، وعلى ذلك يلزم أن لا يكون هناك ضرر من جانب التشريع، وأنّى هو من لزوم تدارك كلّ ضرر في الكون وإن لم يكن مستنداً إلى الشارع أو المكلّف.

وأمّا الثاني فالقول بلزوم تدارك كلّ ضرر لا يستلزم أن يكون الطلاق بيد الزوجة بل لازم القاعدة هو وجوب حلّ علقة الزوجية، وأمّا انّ الحلّ بيد من ؟ فلا


(1)رسالة قاعدة لا ضرر:221.


(113)

تشير إليه القاعدة، فيدخل في ضمن الأُمور المطلوبة للشارع فيقوم به الفقيه الجامع للشرائط لأنّه المسؤول على مثل هذه الأُمور.

وأمّا الثالث، أعني: ارتفاع علقة الزوجية بلا طلاق وإعتاق فغير لازم، لأنّ أقصى ما تثبته القاعدة هو رفع الضرر، وأمّا فراقهما بلا سبب فلا تتكفّله القاعدة، فيكون من الأُمور المطلوبة للشارع فيقوم به الفقيه عن طريق السبب الذي عيّنه الشارع.

محاولات للتعميم

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم بعدما نفى أن تكون الأحكام العدمية مصبَّاً للقاعدة، حاول العدول عمّا ذكره وبالتالي حاول إخضاع القاعدة للأحكام العدمية أيضاً بالوجهين التاليين:

1. انّ الحكم العدمي يستلزم أحكاماً وجودية، فانّ عدم ضمان ما يفوته من المنافع يستلزم حرمة مطالبته، ومقاصّته والتعرض له وجواز دفعه عند التعرض له فتأمل.(1)

ولعلّ الشيخ يريد بذلك الاستدلال إلى أنّ الحكم العدمي يستلزم أحكاماً وجودية ضررية فتشملها القاعدة لكونها وجوديّة وإن لم يشمل المتبوع.

يلاحظ عليه: أنّ الفرع يتبع الأصل، فإذا كان الأصل غير خاضع للرفع وباقياً بحاله، فكيف يمكن أن يرفع ما يترتب عليه وهذا أشبه برفع المعلول مع إبقاء علته، وكون المعلول حكماً وجودياً خاضعاً للرفع، بخلاف العلّة فانّه عدمي غير خاضع له، لا يرفع الإشكال، فانّ إبقاء العلة اعتباراً بمنزلة إبقاء المعلول كذلك ومعه كيف يرفع المعلول في عالم الاعتبار، إن هو إلاّ اعتبار التناقض في عالم


(1)رسالة نفي الضرر: 28، طبع لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم.


(114)

التشريع.

2. إمكان استفادة ذلك من مورد رواية سمرة بن جندب حيث إنّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- سلّط الأنصاري على قلع نخلة سمرة معلِّلاً بنفي الضرر حيث إنّ عدم تسلطه عليه ضرر، كما أنّ سلطنة سمرة على ماله والمرور عليه بغير الإذن ضرر، فتأمل.

يلاحظ عليه: أنّ القلع لما كان تصرّفاً في مال الغير وحراماً فالقاعدة، تعليل لرفع هذا الحكم الوجودي، وليس تعليلاً للحكم العدمي، أعني عدم تسلطه على القلع، كما يحتمل أن يكون أيضاً علّة لرفع حكم وجودي آخر وهو تسلّط سمرة على ماله بالمرور إلى النخلة بلا إذن.

والحاصل انّ القاعدة تعليل لرفع الأحكام الوجودية لا العدمية.

هذا ما ذكره الشيخ تأييداً لما عدل عنه أي تأييداً لشمول القاعدة للأحكام العدمية.

وربما يؤيد بوجه آخر وهو استفادة ذلك من ورودها في مورد الشفعة ومورد منع فضل الماء، فانّ المرفوع بالقاعدة هو عدم ثبوت حقّ للشريك، أو عدم ثبوت حقّ لصاحب المواشي، فصار الحكم العدمي مرفوعاً بالقاعدة.

يلاحظ عليه: أنّ المرفوع في الشفعة هو الحكم الوجودي، أعني: لزوم المعاملة أو صحتها، كما أنّ المرفوع في مورد منع فضل الماء، هو سلطنة صاحب الماء على المنع والكل حكم وجودي.

والحاصل: انّ هذه المحاولات تبوء بالفشل، والحقّ ما ذكرنا من أنّ الحكم العدمي كالحكم الوجودي أمر مجعول شرعاً، والقاعدة تشملهما لفظاً وملاكاً دون حاجة إلى هذه التشبثات.


(115)

التنبيه السابع

في إضرار الغير، لدفع الضرر عن النفس أو بالعكس

إذا كان هناك ضرر واحد يندفع بتضرّر واحد من الشخصين، فعندئذ يُتصوَّر في المقام حكمان تجب دراستهما:

1. هل يجوز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس أو لا؟

مقتضى قاعدة «لا ضرر» هو عدم الجواز، لأنّ تجويز إضرار الغير، لدفع الضرر عن النفس، حكم ضرريّ فهو مرفوع ويترتب على ذلك، عدم جواز إسناد الحائط المخوف وقوعه، إلى جذع جدار الغير، لأنّ تجويز الاسناد، ضرر على الجار الذي هو صاحب الجِذْع. لكن حكى الشيخ الأنصاري عن الشيخ الطوسي جوازه بلا خلاف، لكنّه محمول على ما إذا خاف من وقوعه، إهلاك نفس محترمة إذ يجب حفظ النفس المحترمة، غاية الأمر تجب على صاحب الحائط أُجرة المثل للاستناد، نظير أكل طعام الغير قهراً لسدِّ الرمق ويمكن حمله على ما إذا لم يتضرر أصلاً بحيث يكون كالاستظلال بحائط الغير.(1)

فقد تبين من ذلك، عدم جواز إضرار الغير، لدفع الضرر عن نفسه، وإليك دراسة الحكم الثاني.

2. هل يجب على أحد دفع الضرر عن الغير بإضرار نفسه أو لا؟

مقتضى قاعدة «لا ضرر» عدم الوجوب، لأنّ تشريع وجوب التحمّل حكم


(1)سالة نفي الضرر للشيخ الأنصاري 33، التنبيه الرابع.


(116)

ضرري، وذلك كما إذا توجه السيل إلى دار الغير، فلا يجب عليه تغيير مسيره وتوجيهه إلى داره، وقد مثّلنا لكلّ من الحكمين الضرريين: جواز الإضرار بالغير، وجوب التحمل عن الغير، مثالين مختلفين لئلاّ يختلط الأمر. ولك أن تمثِّل على كلّ الموردين بالسيل المتهجم فلو كان متوجهاً إلى داره، فهو من قبيل الأوّل، فلا يجوز له توجيهه إلى دار الغير بالإضرار ولو كان حسب طبعه متوجهاً إلى دار الغير، فهو من قبيل القسم الثاني فلا يجب عليه، تحمّل ضرر الغير.

ووجه ذلك انّ القاعدة، قاعدة امتنان ولا امتنان في جواز إضرار الغير للدفع عن النفس، كما لا امتنان في إيجاب تحمله ضرر الغير بتوجيهه إلى نفسه.

سؤال وجواب

أمّا السؤال: فهو إذا كانت القاعدة نافية للجواز في الأوّل، والوجوب في الثاني، لزم من جريانها ضرر متوجه إلى الشخص في الأوّل، والجار في الثاني، وأيّ فرق بين الضرر الموجود قبل جريان القاعدة والضرر الحادث بعد جريانها.

أمّا الجواب: فالظاهر أنّ الإشكال أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا يعدّ تحريم توجيه الضرر إلى الغير، إضراراً على النفس، وكما لا يعدّ عدم وجوب تحمل الضرر، إضراراً بالغير.

وبعبارة أُخرى: أنّ القاعدة ترفع الضرر الناشئ من حكم الشارع وليس الضرر ناشئاً من حكم الشارع بعدم جواز إضرار الغير، أو عدم وجوب تحمله، بل كان الضرر متوجهاً إليه تكويناً لكون الحائط مشرفاً على السقوط، أو السيل متوجّهاً إلى دار الغير، نعم منع الشارع عن دفع ضرره بالإضرار بالغير، أو لم يوجب تحمل الضرر الوارد على الغير. ومثل هذا لا يعدّ من نتائج جريان القاعدة.


(117)

ومنه يظهر، الجواب إذا قلنا بأنّ المراد من الرواية هو نفي ضرر الناس بعضهم ببعض، فليس الضرر نابعاً من ناحيتهم، وهذا هو الحقّ في الجواب.

وقد أجاب المحقّق النائيني عن الإشكال بأنّ قاعدة «لا ضرر» حاكمة على الأحكام فإذا نشأ ضرر من حكومة «لا ضرر» فلا يصحّ أن تكون القاعدة ناظرة إلى هذا النوع من الضرر، لأنّ المحكوم لابدّ أن يكون مقدماً في الرتبة على الحاكم حتى يكون الحاكم شارحاً وناظراً إلى هذا الضرر، والمفروض انّ هذا الضرر متأخر في الرتبة عن «قاعدة لا ضرر» فلا يمكن أن يكون محكوماً بلا ضرر.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين القضية الخارجية والقضية الحقيقية، فالأُولى لا تصدق إلاّ على الموجود بالفعل مثل قولك:قُتل من في العسكر، ونهب ما في الدار; وأمّا القضايا الحقيقية فتشمل على المصاديق المتأخرة عن الحكم بالبيان الذي سبق منّا عند البحث في حجّية قول الثقة، حيث قلنا بأنّ قوله: «صدّق العادل»، يشمل الفرد المتحقّق بالفعل، أعني: قول الكليني، وبتصديقه يتولّد في عالم الإثبات مصداق آخر، وهو إخبار علي بن إبراهيم له، فيجب تصديقه وهكذا إلى آخر السند.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم جعل قبول الولاية عن الجائر، المستلزم للإضرار بالغير من هذا الباب، لا من باب تعارض الضررين الذي سيوافيك في التنبيه الآتي.

قال في المكاسب المحرمة: إذا أجبره الظالم على دفع مال من أمواله، فلا يجوز له نهب مال الغير لدفع الضرر عن نفسه، أمّا إذا كان أوّلاًو بالذات متوجهاً إلى الغير، كما إذا أجبره على نهب مال الغير وأوعده على ترك النهب بأخذ مال نفسه، فيجوز له ذلك، لأنّ الضرر حسب قصد المكرِه وإرادته الحتمية متوجهة نحو الغير والمكرَه (بالفتح) وإن كان مباشراً للإضرار إلاّ أنّه ضعيف لا ينسب


(1)رسالة قاعدة لا ضرر ولا ضرار، لمقرر بحثه المحقّق الخوانساري قدَّس سرَّه .


(118)

إليه الإضرار حتى يقال انّه أضرّ بالغير حتى لا يتضرر نفسه.(1) وقد أشار إلى ما ذكره هنا في الفرائد.(2)

وما ذكره ممنوع صغرى وإلاّ كبرى.

أمّا الصغرى: وهو إنّ الإضرار لا يُنسب إلى المباشر، فلأنّ المعروف عندهم انّ المباشر أقوى من السبب الذي هو الآمر والضرر يُسند إلى المباشر حقيقة، كما ينسب إلى الأمر كذلك.

وما ذكره من أنّه «إذا كان الضرر متوجهاً إلى الغير أوّلاً وبالذات، لا يجب دفعه عن الغير بتحمّله عنه» إنّما يصحّ إذا كان المقتضي للإضرار تاماً، فعندئذ لا يجب دفعه عن الغير بتوجيهه إلى نفسه كالسيل الجارف إذ لولا توجيهه إلى داره، لهدم دار الجار، وهذا بخلاف إرادة المكره فانّه ليس مقتضياً تامّاً، بل هو داع ومرغب للغير بالعمل ولولا قيام المكره بالإضرار بالغير، لما كان لإرادة المكره تأثير.

وبعبارة أُخرى: فرق بين العلل الطبيعية وإرادة المكره(بالكسر) فانّ الأوّل سبب تام لإدخال الضرر على الجار، وليس للشخص دور سوى انّه يمكن له دفع الضرر عنه إلى نفسه، وهذا بخلاف إرادة المكره فانّه ليس سبباً تاماً لإدخال الضرر، وإنّما تكون سبباً تاماً إذا انضم إلى إرادته، انقياد المكره وإطاعته لأمره، فكيف يُقاس هذا بهذا؟! فعدم وجوب الدفع في الأوّل بتوجيهه إلى داره لا يكون دليلاً على جواز إضراره بالغير، وعدم وجوب دفعه عنه بتوجيهه إلى نفسه.

وأمّا الكبرى: فلانّا لا نسلّم انّ الإكراه والاضطرار يسوِّغان كلّ حرام سوى النفوس المحترمة، فلو أمر الوالي بهدم بيوت الناس واعتقالهم وأوعده بالضرب والشتم إذا ترك، فلا يجوز له الإقدام على الهدم والاعتقال وإن ترتب عليه ما


(1)المكاسب المحرمة: 58.
(2) الفرائد:316، طبعة رحمة اللّه.


(119)

ترتب.

وغاية ما يمكن أن يقال انّ دليل الإكراه والاضطرار حاكم على الأحكام الوضعية كلزوم البيع وعدم جواز طلاق المرأة التي لا ينفق زوجها نفقتها، وأمّا الأحكام التكليفية فالحق فيه أن يلاحظ الأهم فالأهم كما سيوافيك الحال في التنبيه الآتي.

وليعلم انّ المثال داخل في التنبيه الآتي، أعني: ما إذا دار الأمر بين ضررين لا ضرر واحد حيث إنّ الأمر دائر بين ورود الضرر المالي على الثالث أو المكرَه (بالفتح) بضربه وشتمه وحبسه، وهذا كما سيوافيك في التنبيه الثامن.


(120)

التنبيه الثامن

في علاج تعارض الضررين

يتميز هذا التنبيه عمّا سبق، بوحدة الضرر في السابق ودوران أمره بين شخصين، كالجدار المشرف على السقوط أو السيل الجارف المتوجه إلى دار الغير، فقد قلنا بعدم جواز دفع الضرر عن نفسه بإيراد الضرر على الغير كما لا يجب تحمله عن الغير.

وأمّا المقام فالأمر دائر بين ضررين، متحققين في الخارج على نحو يكون رفع أحدهما مستلزماً لثبوت الآخر(1)، وهو على قسمين.

تارة يلاحظ الضرران إلى شخص واحد، وأُخرى إلى شخصين.

أمّا الأوّل: كما إذا كان الاغتسال مضراً، بجرحه ومفيداً لحمّاه المتصاعد فيختار أقلهما ضرراً.

هذا إذا دار الأمر بين مباحين وأمّا إذا دار الأمر بين مباح مضرّ، ومحرّم كذلك فيختار، المباح المضرّ على الحرام المضرّ. كما إذا دار الأمر بين دفع مال، أو دفع المصحف لمن لا يحترمه، فيتعين الأوّل.

وأمّا الثاني: أعني ما إذا دار الأمر بين ضررين بالنسبة إلى شخصين فله صور:

1. إذا كان السبب في توجه الضرر إلى الشخصين، أمراً خارجاً عن الاختيار،


(1)وبه يتميز عن التنبيه التاسع، فليس فيه ضرر متحقق وإنّما يستلزم عمل المكلف الإضرار بالغير، فانتظر.


(121)

كما إذا أدخلت الدابة التي كانت ترعى في الصحراء رأسها في قِدْر الشخص الآخر، ودار الأمر بين ذبح الحيوان وكسر القِدْر، فلا شكّ أنّه يختار أقلّهما ضرراً، ويقسّم الضرر عليهما بنسبة القيمة، فلو كانت قيمة القدر ديناراً، والدابة أربعة دنانير، قُسِّمت الخسارة (الدينار) بينهما أرباعاً، فعلى صاحب القِدْر ربعُ الدينار، وعلى الآخر، ثلاثة أرباع أو تقسّم الخسارة أخماساً بنسبة الخسارة إلى مجموع القيمتين.

وتدل على ذلك قاعدة العدل والإنصاف وما ورد في أمر الودعي إذا ودع شخص عند شخص ديناراً وودع آخر دينارين فضاع أحد الدنانير الثلاثة، فقد حكم الإمام بأنّ أحد الدينارين لصاحبهما والدينار الآخر يقسم بينهما(1). حيث إنّ أحد الدينارين ملك طلق لصاحبهما إنّما الكلام في الدينار الباقي، فهو بتمامه إمّا لصاحبهما أو لصاحب الدينار الواحد فتقسّط الخسارة حسب النسبة، (كما في حديث الدينار) أو حسب ماليتهما كما في المقام.

2. إذا كان السبب، شخصاً ثالثاً، وقد مثل العلاّمة في التذكرة بالمثال التالي:

«لو غصب ديناراً فوقع في مِحْبرة الغير ـ بفعل الغاصب أو بغير فعله ـ كسرت لردّه، وعلى الغاصب ضمان المحبرة، لأنّه السبب في كسرها، وإن كان كسرها أكثر ضرراً من تبقية الواقع فيها، ضمنه الغاصب ولم تكسر(2). ولو تساويا من حيث القيمة فهو مختار بين أحد الأمرين.

3. إذا كان السبب أحد المالكين، كما إذا أدخل دينار الغير في مِحْبَرته فله صورتان:


(1)الوسائل: 13/171، كتاب الصلح، الباب12، الحديث1.
(2)التذكرة:2/391.


(122)

أ: إذا كان الإدخال بإذنه يختار في مقام الأداء أقلّ الضرر، فلو كانت المحبرة أكثر قيمة يضمن الدينار ولو انعكس تكسر المحبرة.

ب: إذا لم يكن بإذنه فالمتبع رضا مالك الدينار، ولو طلب نفس ديناره ولم يرض بالمثل تكسر المحبرة، بحكم الشارع بتسلط الناس على أموالهم. وإن كان حكماً ضررياً، كما إذا كانت المحبرة أكثر قيمة، لكن السبب هو نفس الغاصب حيث أدخل دينار الغير بلا إذنه في محبرته، لا يمكن ردّه وإرجاع سلطته إلاّبكسره محبرته وإن كانت الخسارة أكثر (فتأمّل).(1)


(1)وجه التأمل انّه ضرار، وقد مرّ انّ الضرار هو الإضرار عن عناد.


(123)

التنبيه التاسع

فيما إذا استلزم تصرف المالك، تضرّر الجار

الفرق بين هذا التنبيه والتنبيهين المتقدمين، هو أنّ الغرض فيما سبق معالجة الضرر المتحقّق في الخارج، سواء أكان ضرراً واحداً أم ضررين، تحقق باختيار المكلّف أو لا، وأمّا المقام فمحور البحث تبيين حكم العمل الذي يلزم منه الإضرار بالغير بحيث لولا العمل لما كان من الضرر عين ولا أثر.

والمسألة معنونة في كلمات القدماء والمتأخرين، وقد مثلوا لذلك بالأمثلة التالية:

1. حفر رجل بئراً في داره، وأراد جاره أن يحفر بالوعة أو بئر كنيف، قرب هذه البئر. وأدّى ذلك إلى تغير ماء البئر.

2. أعدّ داره المحفوفة بالمساكن، خاناً أو اصطبلاً أو طاحونة.

3. صيّر حانوته في صف العطارين، حانوت حدّاد أو قصّار.

4. أضرم ناراً في ملكه على نحو يتضرّر به الجار.

5. أرسل ماء في ملكه يتعدّى ضرره إلى الجار.

إلى غير ذلك من الأمثلة والظاهر من قدماء الأصحاب كالشيخ في مبسوطه، وابن إدريس في سرائره والشهيد في دروسه، حتى المحقّق الثاني، في جامعه، هو الجواز مستدلين بقاعدة «انّه لا حريم في الأملاك» وانّ لكلّ أحد أن يتصرف في ملكه بما جرت به العادة وإن تضرّر صاحبه ولا ضمان.(1)


(1)الدروس:3/60.


(124)

وقد نقل الشيخ الأعظم في رسالته حول قاعدة «لا ضرر» كلمات الأصحاب كما نقل كلمات غيرهم من التذكرة، فلاحظ.

ولما كان الحكم بالجواز مطلقاً، نوع تطرف بعيد عن سماحة الإسلام، حاول الشيخ تلطيف الفتاوى وقال: إنّ للمسألة صوراً ثلاثاً:

أ: إذا كان التصرف لدفع ضرر يتوجه إليه.

ب: إذا كان لجلب المنفعة.

ج: إذا كان تصرّفه تعمداً عبثاً.

فقال بالجواز في الأُولتين دون الثالثة.(1)

أقول: إنّ صور المسألة أزيد ممّا ذكره، بل هي خمس:

1. إذا كان الهدف من التصرف إيقاع الضرر والحرج على الجار.

2. إذا دار الأمر بين انتفاع الشخص وضرر الجار.

3. إذا دار الأمر بين الضررين.

4. إذا دار الأمر بين الحرج والضرر.

5. إذا دار الأمر بين الحرجين.

فلنأخذ كلّ واحد بالبحث تلو الآخر:

الصورة الأُولى: إذا كان الهدف إيقاع الضرر والحرج على الجار، فلا شكّ في عدم الجواز والضمان، فانّ المورد أشبه بعمل سمرة حيث كان هدفه من إعمال السلطنة إيقاع الضرر على الأنصاري، وعلى ضوء ذلك فلو حفر بالوعة أو كنيفاً، لغاية الإضرار بالجار، أو أضرم ناراً زائداً على المتعارف لغاية إضراره، فقد عمل محرماً، ولو ترتّب عليه ضرر، فعليه ضمانه.


(1)رسالة نفي الضرر: 41 ـ 46، التنبيه السابع.


(125)

الصورة الثانية: إذا دار الأمر بين انتفاعه، وضرر الجار، كما إذا أراد أن يبدّل داره، المحفوفة بالمساكن، بالفندق لينتفع به أكثر أو بناء المدبغة في الأحياء السكنيّة، أو في سوق العطارين ممّا يدور الأمر بين انتفاعه و ضرر الآخر فهل هو جائز أو لا؟ الظاهر هو الثاني لعدم المقتضي ووجود المانع.

أمّا الأوّل، فلقصور شمول قاعدة السلطنة لهذا المورد، لأنّها قاعدة عقلائية أمضاها الشارع وليس له فيها أيّ تأسيس، وعلى ذلك لا يصحّ التمسك بإطلاقها إلاّ إذا ساعده العرف والعقلاء، ومن المعلوم أنّ لكلّ حرفة مكاناً خاصاً، يُعدُّ التجاوز عنه تجاوزاً على الحقوق، فبناء الحانوت والفندق بين الأماكن السكنيّة، يعدّ تجاوزاً على حقوق الجيران وإيذاء لهم.

وأمّا الثاني: أي وجود المانع فلحكومة قاعدة «لا ضرر» أو «لا حرج» على قاعدة السلطنة فانّ عمله هذا، يستلزم الضرر أو الحرج وكلاهما منفيان ودليلهما حاكم على أحكام العناوين الأوّلية ولا يُعارض بتضرر المالك وحرمانه عن التصرف، إذ لا يلزم منه تضرر المالك، غاية الأمر يلزم حرمانه من النفع الكثير لا الحرمان المطلق.

وبذلك تقف على ضعف ما استدل به الشيخ الأعظم على الجواز، حيث استدل عليه بوجهين:

1. إنّ حبس المالك عن الانتفاع بملكه وجعل الجواز تابعاً لعدم تضرر الجار حرج عظيم.

يلاحظ عليه: أنّ الحرج المنفيّ عبارة عن الحرج الوارد على الإنسان إذا منع عن حقوقه الشرعية القانونية، وأمّا الحرج الوارد على الإنسان لأجل عدم الانتفاع بما لم يُشرّع له فليس بمرتفع، بل يمكن أن يقال انّ المنع عن الانتفاع عن الملك بما هو خارج عن السلطنة على المال في نظر العقلاء لا يعد ضرراً ولا حرجاً.


(126)

2. انّ تضرر الجار في المقام معارض بما دلّ على عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير كما يدل عليه تجويز الإضرار مع الإكراه.(1)

يلاحظ عليه: بالفرق الواضح بين المقام وبين ما سبق من عدم وجوب تحمل الضرر عن الغير، حيث هناك أنّ الضرر كان متحققاً كالسيل المتهجّم وكان متوجهاً إلى دار الغير فقد سبق انّه لا يجب تحمل الضرر المتوجه إلى دار الغير، بتوجيهه إلى داره ليصون به دار الغير عن الضرر، وأمّا المقام فليس هنا ضرر متحقق متوجه إلى الغير حتى لا يجب عليه تحمّله، بل الموجود هو منعه عن التصرف للانتفاع الأكثر فأين هو من تحمل ضرر الغير.

وبذلك ظهر أنّ الحقّ هو المنع في الصورتين الأُولتين، وإليك الكلام في الصور الثلاث الباقية.

الصورة الثالثة: إذا دار الأمر بين الضررين فلو تصرف في ملكه يتضرر الجار، ولو ترك، يتضرر هو بنفسه، ولهذه الصورة حالتان:

1. أن يُعدَّ تصرفه في ملكه تصرّفاً في ملك الغير، كما إذا كان حفر الأرض سبباً لحدوث صدع في بناء الغير، أو كان الاغتسال في الحمام موجباً لسراية الرطوبة والندواة إليه، أو إيقاد النار علة لتسويد داره إلى غير ذلك من الأمثلة، فلا شكّ انّه حرام موجب للضرر، لأنّ قاعدتي السلطنة و اللا ضرر بالنسبة إلى الشخصين على السواء، فلو جاز للمالك أن يتصرف في ملكه بالحفر لجاز للآخر منع التصرف في ملكه، ولو كان منع المالك عن التصرف ضررياً، لكان التصرف في ملك الجار ولو بالتسبب ضررياً أيضاً، والجمع بين الحقّين يتحقق بتجويز التصرف مع ضمان ما يطرأ على الدار وغيرها من الضرر.


(1)رسالة نفي الضرر: 46، إعداد لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، وقد سقط من العبارة لفظ: «لعدم» وهي موجودة في المطبوعة ضمن ملحقات المكاسب.


(127)

2. لا يعدّتصرفه في ملكه تصرفاً في ملك الغير، لكن لو تصرف لتضرر جاره، ولو ترك لتضرر هو بنفسه كما هو الحال في الأمثلة التالية:

1. إذا حفر بئراً للبالوعة يُقذِّر تدريجياً ماء بئر الجار لقربها من بئره، فحفر البئر في ملكه إضرار للجار وليس تصرفاً في ملك الجار.

2. إذا نصب مِدْفأة، قريباً من جدار الجار، ولم يكن له مكان سوى ذلك، وكان تركه سبباً لضرره لحاجته إلى الحرارة في الشتاء وفِعله سبباً للإضرار بالغير.

3. اشترى أرضاً بثمن غال وأراد بناء طبقات يعد ترك البناء إضراراً للمالك، وفعله إضرار للجيران.

فتفترق هذه الصورة عن السابقة لوجود المقتضي لإعمال السلطنة فيشمله قوله: «الناس مسلطون على أموالهم»، فللمالك، أن يتصرف في ملكه بحفر البئر ونصب المدفأة وبناء الطبقات، فالمقتضي للتصرف موجود لكنّه مقرون بالمانع أي «قاعدة لا ضرر» من جانب الجار. لكنّها أيضاً معارضة بضرر المالك فيسقطان، فيكون المرجع قاعدة السلطنة، فيجوز ما لم يخرج عمّا هو المتعارف عند العقلاء وأهل العرف.

وإلى ما ذكرنا ذهب الشيخ الأنصاري فقال: «وإن كان لدفع الضرر فلا إشكال بل لا خلاف في جوازه، لأنّ إلزامه بتحمل الضرر وحبسه عن ملكه لئلاّ يتضرر الغير حكم ضرري منفي، مضافاً إلى عموم «الناس مسلطون على أموالهم».

وكان عليه قدَّس سرَّه أن يشير إلى الضرر من جانب الجار وانّهما يتعارضان وتصل النوبة إلى عموم «الناس مسلّطون على أموالهم».

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم أورد إشكالاً وقال: إذا فرض انّه يتضرر بالترك فالضرر ابتداءً يتوجه إليه ويريد دفعه بالتصرف، وحيث فرض إنّه إضرار بالغير


(128)

رجع إلى دفع الضرر الموجّه إليه، بإضرار الغير وقد تقدم عدم جوازه.(1)

وحاصل الإشكال: انّ المقام من قبيل دفع السيل المتوجه إلى داره، بتوجيهه إلى دار غيره. وقد تقدم عدم جوازه.

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه أجاب بما حاصله:

وجود الفرق بين المقامين واضح، فانّ ما ذكر سابقاً راجع إلى ما إذا كان سبب الضرر أمراً خارجاً عن حيطة الشخصين كالسيل المتهجم لا ما إذا كان عامله تصرف أحدهما في ملكه كما في المقام، وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ الأعظم بقوله: «إنّ ما تقدم من عدم جواز إضرار الغير لدفع الضرر عن النفس إنّما هو في تضرر الغير الحاصل بغير تصرف المالك في مال نفسه، وأمّا إذا كان دفع الضرر عن نفسه بالتصرف في ماله، المستلزم لتضرر الغير فلا نسلم منعه، لأنّ دليل المنع هو دليل نفي الضرر و من المعلوم انّه قاض في المقام بالجواز، لأنّ منع الإنسان من التصرف في ماله لدفع الضرر المتوجه إليه ضرر عظيم وحرج منفي.(2)

فظهر من ذلك انّ الحقّ انّ المقتضي للتصرف موجود والمانع أعني قاعدة «لا ضرر» ينتفي بالتعارض، والمرجع هو قاعدة السلطنة.

ثمّ للمحقّق النائيني في المقام كلام تعرضنا إليه في الدورة السابقة وناقشناه، ومن أراد فليرجع إلى ما انتشر من بحوثنا في تلك الدورة.(3)

وبما ذكرنا حول الصورة الثالثة، تبيّن حكم الصورة الرابعة والخامسة من دون حاجة إلى تطويل، لأنّ الدليل في الجميع واحد، وانّ الحرجين أو الضرر والحرج يتعارضان ويسقطان وتصل النوبة إلى قاعدة السلطنة.


(1)قاعدة نفي الضرر: 44.
(2)قاعدة نفي الضرر: 44.
(3)الرسائل الأربع:127.


(129)

التنبيه العاشر

فيما لو ترتب من تكليف فرد بحكم ضرر على فرد آخر

لو ترتب من تكليف فرد بحكم، ضرر على فرد آخر، فهل يرتفع وجوبه أو لا؟ كما إذا كان صوم الحامل المقرب أو المرضعة، مضراً بالحمل أو الرضيع.

الظاهر نعم. أمّا على القول المختار في تفسير الحديث، فلأنّه داخل في إضرار الناس بعضهم ببعض، وقد نهي عنه.

وأمّا على مختار المشهور، فلأنّ إيجاب الصوم عليها حكم ضرري على الولد وإن لم يكن ضررياً على الصائمة، غير أنّ الناس لدى الشارع سواسيه. فإيجاب الصوم عليها في هذا الظرف لا يجتمع مع القول بأنّه لا حكم ضرري مجعول في الإسلام.

قال السيد الطباطبائي: الحامل المقرِب الّتي يضرّها الصوم أو يضرّ حملها، فتفطر، وتتصدق من مالها بالمدّ أو المدين وتقضي بعد ذلك.

وقال أيضاً: المرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّبالولد، يجب عليها التصدّق بالمد أو المدين من مالها، والقضاء بعد ذلك.(1)

وفي صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام- يقول: «الحامل المقرب، والمرضعة القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان، لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن يتصدّق كلّ واحد منهما في كلّ يوم تفطران فيه بمد من طعام، وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه، تقضيانه بعد».(2)


(1)العروة الوثقى:369ـ 370، كتاب الصوم، الفصل 11.
(2)الوسائل: الجزء 7، الباب 17 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


(130)

التنبيه الحادي عشر

فيما إذا كان المكلّف سبباً لتوجه حكم ضرري

إذا أتى بفعل، يتعلّق به حكم شرعي ضرري، كما إذا أتى أهله وكان استعمال الماء مضرّاً له، فهل تعمه القاعدة وتكون رافعة لهذا الحكم الضرري أو لا إذا قلنا بمقالة الشيخ في تفسير القاعدة؟

الحقّ هو الأوّل، لأنّ إيجاب الغسل في هذه الحالة لا يجتمع مع نفي الحكم الضرري، وكون المكلّف سبباً لتوجه الحكم الضرري، وإن كان صحيحاً، لكن الجزء للعلة التامة للضرر، هو إيجاب الشارع ولولاه لما توجّه إليه الضرر، لكراهة المكلّف عن استعمال الماء وإنّما أورد الضرر حكم الشارع بالاغتسال.

نعم على ما ذكرنا من اختصاص القاعدة بما إذا كان الناس مبدأ للضرر فلا تشمله القاعدة، لأنّ المنفي هو الضرر الآتي من جانب الناس، لا الشارع، والمفروض في المقام هو الثاني دون الأوّل.

سؤال وإجابة

أمّا السؤال فهو انّ المشهور قد أفتى في مسائل بما ربما يخالف ما ذكرنا في المسألة السابقة، حيث يظهر منهم عدم شمول القاعدة للضرر الذي كان المكلّف سبباً لحدوثه وذلك في المسائل التالية:

1. لو أقدم عالماً وعامداً على المعاملة الغبنية، فالعقد عندهم لازم دون أن يكون للقاعدة فيها دور كأن يرتفع اللزوم أو الصحة.


(131)

2. إذا غصب ألواحاً وصنع بها سفينة، يجب على الغاصب ردّ الألواح وإن استلزم خسارة.

3. إذا بنى بناء في الأرض المستأجرة أو غرس فيها أشجاراً، يجب عليه تخليص الأرض من البناء والأشجار وإن استلزم خسارة.

فأيّ فرق بين هذه الأحكام ووجوب الغسل والكلّ ضرري والمبدأ فعل المكلّف.

أمّا الجواب: وجود الفارق بين المسألة وهذه الموارد وهو وجود قاعدة أُخرى في هذه الموارد الموجبة لرفع الضمان، دون المسألة، وهي قاعدة «الهتك» فانّ من هتك احترام ماله، فلا يضمنه إلاّنفسه، وذلك في عامة الأمثلة المتقدمة فانّ من باع ما يسوِّي عشرة دنانير، بثلاثة، فقد هتك احترام ماله، فلا يتحمله إلاّنفسه.

ومنه يظهر حال الأمثلة الأُخرى فانّ من يغصب ألواحاً، ويصنع بها سفينة، يعلم انّه محكوم بالرد في تمام الحالات وانّ ردّها بعد صنعها يلازم الضرر، فهو هاتكحرمة ماله، ومثله إذا بنى أو غرس في الأرض المستأجرة وهو يعلم بأنّه سيؤمر بتخليص الأرض منها وانّ مثله يزامن الضرر، فيكون هو للضرر دون الشارع.

أمّا قاعدة «لا ضرر» فهي منصرفة عن مثل هذه الموارد التي صار المكلف سبباً للضرر المالي، فكأنّ قاعدة الهتك تصير مانعة عن الشمول أو سبباً للانصراف.

وإن شئت قلت: انّ تسلط الغير على مال المالك بلا إذنه حكم ضرري تعمه قاعدة «لا ضرر» وتنفيه، وأمّا تسليط المالك غيره على ماله بنحو من الأنحاء فهو إمضاء لسلطنته. بل ربما يكون عدم إمضائه حرجاً على المالك إذ ربما يتعلّق الغرض بالمعاملة على وجه المحاباة أو يكون غرس الشجر وإيجاد البناء في الأرض


(132)

المستأجرة مؤقّتاً مورد رغبة المستأجر فانّ الحكم بعدم نفوذه، إبطال لسلطانه وهو ضرر أكثر.

إجابة المحقّق النائيني عن السؤال

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن بعض الأمثلة بوجه آخر، قال: «إنّ هدم البناء وكسر السفينة ليس ضرراً لأنّه مع فرض كون اللوح أو الخشب مغصوبين لم يكن صاحب السفينة مالكاً لتركب السفينة ولا صاحب الدار مالكاً لبنائها فهذه الهيئة الحاصلة لها إذا لم تكن مملوكة له فرفعها ليس ضرراً، لأنّ الضرر عبارة عن نقص ما كان واجداً له.

يلاحظ عليه: أنّواقع السفينة لو كان مجرد ضمّ اللوح إلى اللوح والخشب إلى الخشب لكان لما ذكر وجه، لأنّه إذا لم يكن مالكاً للألواح والأخشاب لا يكون مالكاً للهيئة الحاصلة منها، لكنّه ليس كذلك بل يتركب وراء الألواح والأخشاب من موادّ مختلفة مملوكة لصاحبهما وتتعرض للدمار والهلاك إذا حاول المالك ردهما إلى صاحبهما، ومثلها، البناء في الأرض المستأجرة.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده ثانياً حيث قال: إنّ الغاصب لم يكن مالكاً من أوّل الأمر لإدخال الخشب في البناء، ونصب اللوح في السفينة فلا يكون مالكاً لإبقائهما فيهما، وكما لا ضرر عليه في ردهما إلى مالكهما قبل البناء والغصب فكذا بعدهما.(1)

وجه الضعف واضح، إذ كيف يمكن الحكم بتسويتهما في كلا الحالتين كما عرفت


(1) رسالة قاعدة لا ضرر، للخونساري:219.


(133)

إذا توضأ وضوءاً ضررياً مع الجهل بالضرر

ذكر الفقهاء من شرائط وجوب الوضوء عدم مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف أو عطش أو نحو ذلك وإلاّ فهو مأمور بالتيمم.

قال السيد الطباطبائي بعد ذكر هذا الشرط: «ولو توضأ والحال هذه بطل، ولو كان جاهلاً بالضرر صحّ وإن كان متحققاً في الواقع، والأحوط الإعادة أو التيمم».(1)

وقال في مكان آخر: «لو كان أصل الاستعمال مضراً وتوضأ جهلاً أو نسياناً، فانّه يمكن الحكم ببطلانه، لأنّه مأمور واقعاً بالتيمم».(2)

الظاهر قوة القول الثاني أعني: البطلان، لأنّ الألفاظ موضوعة للمصاديق الواقعية والمنفي في قوله: «لا ضرر» هو الحكم الضرري الواقعي سواء أكان المكلّف عالماً أم لا ومعه كيف يصحح جعل الوجوب على مثل ذلك الوضوء.

فإن قلت: إذا كان المنفي هو الحكم الضرري الواقعي، فلماذا قيد الفقهاء خيار الغبن بما إذاجهل المغبون وأمّا مع العلم بها فلا يحكم بالخيار، فلو كان المنفي هو الحكم الضرري الواقعي، فلابدّ أن يتفاوت بين علمه وجهله.

قلت: قد مرّ نظير ذلك، وهو انّ المغبون إذا كان واقفاً على الغبن ومع ذلك أقدم بنفسه فقد هتك حرمة ماله، فقاعدة لا ضرر منصرفة عن ذلك المورد، لأنّ المنع عن سلطنته على ماله وتنفيذ عقده، ضرر آكد، وحرج أشد.

ومنه يظهر حكم خيار العيب، فهو مشروط بجهل المشتري بالعيب في المبيع، فلو علم بالعيب فالخيار ساقط للوجه الذي عرفته.

فالأقوى في المسألة بطلان غسله ووضوئه ولزوم التيمم وإعادة الصلاة.


(1)العروة الوثقى: 74،فصل شرائط الوضوء، الشرط السابع.
(2)العروة الوثقى: مبحث التيمم.


(134)

نظرية صحّة الوضوء الضرري عند الجهل

ثمّ إنّ المحقّق النائيني ذهب إلى صحّة الوضوء وعدم لزوم التيمم وكلّ واحد أوضحه بوجهين للصحّة.

1. انّ مفاد حديث لا ضرر هو نفي الحكم الضرري في عالم التشريع والضرر الموجود في موارد الجهل لم ينشأ من الحكم الشرعي ليرفع بدليل «لا ضرر» وإنّما نشأ من جهل المكلّف به خارجاً ومن ثمّ لو لم يكن الحكم ثابتاً في الواقع، لوقع في الضرر أيضاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري الواقعي، سواء أكان الشارع هو المبدأ للضرر أو كان الضرر ناشئاً عن غيره كالجهل في المقام فنفي الحكم الضرري مطلقاً يجتمع مع كون الوضوء الضرري واجباً في حال الجهل كما لا يخفى، وأمّا عدم شمولها للموارد السابقة فلأجل قاعدة مانعة عن الشمول، أعني: الإقدام بهتك ماله، وهي ليست موجودة في المقام.

2. انّ قاعدة «لا ضرر» وردت امتناناً على الأُمّة الإسلامية، فكلّ مورد يكون نفي الحكم فيه منافياً للامتنان لا يكون مشمولاً لدليل لا ضرر، و من المعلوم انّ الحكم ببطلان الطهارة المائية الضررية الصادرة حال الجهل، لأجل كونها ضررية والأمر بالتيمم مخالف للامتنان، فلا يشمل دليل لا ضرر.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من كونها قاعدة امتنانية كونها مسوقة للامتنان نظير كون رفع الإكراه والاضطرار كذلك وأمّا لزوم وجود الامتنان في كلّ مورد، فليس بلازم.


(1)مصباح الأُصول: 2/545.
(2)رسالة قاعدة «لا ضرر» لتلميذه الخونساري: 215ـ 216.


(135)

أضف إلى ذلك انّ مجرد عدم شمول القاعدة لهذا المورد، غير كاف في صحّة الوضوء إذ غايته عدم وجود ذلك المانع في طريق صحته، ولكن المانع ليس منحصراً فيه، بل يكفي في البطلان ما سيوافيك من حرمة الإضرار بالبدن والأعضاء، وعندئذ يكون الوضوء مصداقاً للإضرار وهو محرم وحرمته مانعة عن وصفها بالصحّة، إذ يكون مبغوضاً والمبغوض لا يصحّ التقرب به من دون فرق بين القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانب النهي، أو بجوازه، لأنّ التقرب بالأمر المبغوض أمر غير معقول، كما إذا قتل ابن المولى بتصور انّه عدوه فهو و إن كان معذوراً من حيث التكليف، لكن لا يصحّ التقرّب بمبغوضه، ويظهر المقام حيث إنّ الإضرار محرم عليه، فكيف يتقرب به؟!


(136)

التنبيه الثاني عشر

هل الرفع رخصة أو عزيمة؟

لو قلنا بتفسير الشيخ وانّ مفاد القاعدة هو نفي الحكم الضرري، كنفي الحكم الحرجي يقع الكلام في أنّ الرفع رخصة يجوز للمكلف مخالفته، أو عزيمة لا تجوز خلافه، وتظهر الثمرة في المسائل التالية:

1. إذا كان استعمال الماء مضراً ومع ذلك تحمل الضرر وتوضأ واغتسل، فعلى القول بالرخصة يحكم عليهما بالصحّة، دون القول بالعزيمة، لأنّ المرفوع على الأوّل هو الوجوب دون الجواز، بخلافه على الثاني فالمرفوع هو الجواز.

والعجب من السيد الطباطبائي حيث فصل بين الاستعمال المضر والاستعمال المحرج، فحكم بالبطلان في الأوّل، دون الثاني(1) مع أنّ لسان الدليلين واحد، وهو نفي الضرر والحرج بل لسان الثاني في نفي الجعل أوضح من لسان نفي الضرر حيث يقول سبحانه: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيم» .(2)

2. إذا صام الشيخ والشيخة وكان الصوم عليهما ضررياً.

3. إذا صام المريض وكان الصوم عليه ضررياً.

4. إذا صامت الحامل المقرب التي يضرّ بها الصوم أو يضرّ بولدها.

5. إذا صامت المرضعة وأضرّ بها الصوم أو بولدها.


(1)العروة الوثقى:155، فصل في التيمم، المسألة 18.
(2) الحج:78.


(137)

فيقع الكلام في كون الرفع رخصة أو عزيمة وانّ المرفوع هو الوجوب أو الجواز، الظاهر انّ الرفع عزيمة وانّ المرفوع هو الجواز، فلا يصحّ الغسل والوضوء الضرريان، بل يجب عليهما التيمم، مكانهما كما لا يصحّ الصوم إذا كان ضررياً ولابدّ من قضاء ما صام. ويدل على المختار وجوه:

الأوّل: هو انّ قوله - عليه السلام- : «لا ضرر» إخبار عن عدم الضرر في المجتمع الإسلامي، ومن المعلوم انّ الاخبار عنه مع شيوعه، غير صحيح ولا يصدر عن المعصوم ولابدّ من مصحح لهذا الخبر القطعي، وهو انّ الشارع لما نظر إلى صفحة التشريع رأى خلوّها عن أيّ تشريع ضرري فصار ذلك سبباً لإخباره عن عدم الضرر، وذلك لأنّه قطع دابر الضرر ومجوزه وهو التشريع الضرري، وهذا نظير قول المدير «لا فوضى ولا هرج» فيخبر عن عدمهما مع وجودهما والمصحح هو انّه قطع دابر الفوضى بالمنع عنها، ومثل هذا الاخبار لا يصحّ إذا لم يشرع أي حكم ضرري، لا أن يرفع وجوبه ويترك جوازه.

وبعبارة أُخرى: والشارع الحكيم الذي يخبر عن عدم الضرر في المجتمع ، لا يصحّ له هذا الهتاف إلاّ إذا كانت صحيفة التشريع خالية عن أيّ حكم ضرري واجباً كان أم جائزاً، وإلاّ فلو كان مشتملاً على الضرر الجائز دون الواجب لا يصحّ له النداء بأنّه لا حكم ضرري، فالنفي على الإطلاق يلازم العزيمة.

الثاني: ما يدل على أنّ الترخيص في بعض المقامات هدية من اللّه سبحانه لعباده ومن خالف الترخيص فقد ردّ هدية اللّه وهو إهانة له.(1)

روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه - عليه السلام- قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدق بصدقة ان ترد عليه».(2)


(1)الوسائل: الجزء 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11و7.
(2)الوسائل: الجزء 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11و7.


(138)

روى السكوني عن الصادق - عليه السلام- ،عن آبائه، عن رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- قال: «إنّ اللّه أهدى إليّوإلى أُمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأُمم، كرامة من اللّه لنا، قالوا :وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: الإفطار في السفر والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد رد على اللّه عزّو جلّ هديّته».(1)

الثالث: ما رواه الصدوق قال: وقال - عليه السلام- : «كلّما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».(2)

الرابع: ما يختص برفع الحرج فانّه سبحانه يقول: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيم» فيخبر عن نفي إنشاء الحكم الحرجي، ومن المعلوم انّ الحكم الحرجي يعم الجائز واللازم، وكون المكلّف مختاراً في الترك لا ينافي كون الحكم الجائز حرجياً».

هذه هي الأدلة التي ساقتنا إلى القول بأنّ الرفع عزيمة لا رخصة.

نعم استدل المحقّق النائيني على كون الرفع عزيمة لا رخصة بوجه آخر، وهو انّه لو صحّ الوضوء الضرري يلزم أن يكون ما في طول الشيء في عرضه، وهذا خلف، لأنّ التكليف لا ينتقل إلى التيمم إلاّإذا امتنع استعمال الماء خارجاً أو شرعاً وإذا كان مرخصاً شرعاً في الطهارة المائية فلا يدخل في من لا يجد الماء حتى يشمله قوله عزّ وجلّ: «فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً»(3) .(4)

يلاحظ عليه: أنّ كون التيمم في طول الوضوء ليس كوقوع المعلول في طول العلّة حتى يستحيل تقارنهما، بل يتّبع كيفية اعتباره عند فقد الماء فإن اعتبره عند امتناع استعماله خارجاً وشرعاً يتعين التيمم وإن اعتبره مع جواز استعماله أيضاً،


(1)الوسائل: ج5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.
(2)الوسائل: الجزء 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
(3)النساء:43، المائدة:6.
(4) رسالة قاعدة لا ضرر للخونساري:217.


(139)

فلا يتعين بأن يقول: إذا امتنع استعماله خارجاً أو لم يمتنع ولكن جاز ترك استعماله لأجل أن لا يضرّ، فليتيمّم.

وأمّا الآية فالظاهر انّها ناظرة إلى الامتناع خارجاً وليست ناظرة إلى حالة التشريع حتى يفسر بالامتناع خارجاً أو شرعاً.

وعلى فرض شمولها، فتفسير الآية تابع لكيفية اعتبار جواز التيمم فإن فرّعه على الامتناع التكويني والتشريعي فلا يجتمعان، وإن فرّعه على الامتناع التكويني وجواز ترك استعمال الماء للضرر، فيجتمعان، وليس جواز الجمع بين الجوازين ببديع وقد ورد في موارد:

1.فيمن دخل فراشه فنسي أن يتوضأ فله أن يتيمم وهو في الفراش، مع أنّ له أن يترك الفراش، والذهاب إلى التوضّؤ بالماء.

2. إذا أراد أن يصلّي على الميت فيجوز له التيمم مع وجدان الماء، كما يجوز له التوضّؤ.

ثمّ إنّ القائل بصحة الأعمال الضررية والحرجية استدل بوجوه:

1. انّ الوضوء أو الغسل الضرريين والحرجيين وإن كانا غير واجبين، لحكومة القاعدة على الحكم الشرعي الأوّلي، لكنّهما مشتملان على الملاك الذي به وجبا.

يلاحظ عليه: أنّ اشتمال الموضوع على الملاك إنّما يستكشف من خلال تعلق الأمر به، ومع افتراض عدمه، من أين يعلم باشتماله عليه.

وإن شئت قلت: إذا أخبر الشارع عن عدم تشريع حكم على مثل ذلك الوضوء، فمن أين يعلم انّه مشتمل على نفس المصلحة التي يشتمل عليه الوضوء المأمور ، و قياسه بالمتزاحمين كالصلاة بالنسبة إلى الإزالة قياس مع الفارق يعلم


(140)

بالتأمّل.

2. انّ المرفوع بقاعدة الضرر هو الفصل، أعني: اللزوم، دون الجنس، أعني: الجواز.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الوجوب ليس مدلولاً لفظياً للأمر بل هو عبارة عن حكم العقل بلزوم إطاعة أمر المولى حتى يتبين عدم وجوبها.

وثانياً: أنّ القول بارتفاع اللزوم دون الجواز دقة فلسفية لايصار إليها، وأمّا العقود الضررية فلو كان المستند هو القاعدة فالمرفوع هو الصحّة، لا اللزوم وإن كان غيرها فللقول به مجال.

3. انّ الوضوء مأمور به بقاعدة الترتب التي يكفي في وقوعه إمكانه فهو مأمور به بالتيمم وإن عصى فيتوضأ.

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق القاعدة ينفي حتى مثل هذا الحكم الضرري، والقول به إنّما هو في مورد ليس فيه دليل حاكم على نفيه عند ترك الأهم وبذلك يفترق قولنا: «إذا كان استعمال الماء مضرّاً فتيمّم وإن عصيت فتوضأ، عن قولنا: أزل النجاسة وإلاّفصلّ، والفرق عدم وجود حاكم على نفي وجوب الصلاة في طرف عصيان الأمر بالأهم، دون الأمر بالوضوء عند عصيان الأمر بالتيمم.


(141)

خاتمة المطاف

الإضرار بالنفس

الإضرار بالنفس من المسائل التي يبتلي بها المكلّف في عصورنا هذه، نظير الدفاع عن الإسلام والمسلمين وإن كلّفه حياته، أو قتل المرأة نفسها تخلّصاً من الاعتداء على عرضها، أو الانتحار بغية التخلص من مرض صعب العلاج.

وثمة مسائل عامة تدور حول تلك القاعدة، كالتدخين، وتعاطي المحذرات، أو إهداء عضو من الأعضاء كالكلية للفاقدين لها، ومباراة الملاكمة التي كثيراً ما تنتهي إلى نقص أو جرح أو كسر لبعض الأعضاء، وتلويث البيئة الطبيعية التي ينجم عنها الإضرار بالنفس والغير، إلى غير ذلك من المسائل الجديدة التي ابتلى بها إنسان القرن العشرين.

وقبل الخوض في المقصود نذكر أُموراً كمقدمة:

أ. أقسام الضرر بالنفس

المراد من الضرر بالنفس ما يعود إلى شخص الإنسان، سواء عاد الضرر إلى بدنه أو إلى عرضه أو إلى ماله فالجميع يدخل تحت عنوان الضرر الشخصي، وعلى ذلك ينقسم الضرر إلى الأقسام التالية:

1. الانتحار وقتل النفس.

2. نقص عضو من الأعضاء.

3. إخماد قوة من القوى الجسمانية الظاهرية والباطنية، كإزالة صفات


(142)

الرجولية والإنجاب في الإنسان.

4. تعريض النفس إلى الأمراض واعتلال المزاج من خلال استعمال الأفيون والمخدرات.

5. الإضرار بماله دون أن يعود إليه بنفع يذكر وإن لم يبلغ حد التبذير والإسراف.

6. الإذلال بنفسه وشخصيته.

هذه هي الأقسام المتصورة.

ب. خروج الضرر المنجبر

إنّ محط البحث هو الإضرار غير المنجبر، وأمّا إذا كان هناك ضرر يُجبر بنفع مساو أو أكثر فهو خارج عن محط البحث، وهذا كما إذا تحمّل السفر الشاقّ لأجل التجارة أو كسب المقام أو العلم، فلا شكّ انّ العقلاء لا يرون ذلك ضرراً، لأنّ الضرر هو النقص، ولا نقص هناك بعد ما عاد الرجل من سفره بثروة طائلة.

ج. خروج بعض الأقسام عن محط البحث

لا شكّ انّ الإضرار بالنفس إذا انتهى إلى قتل النفس أو قطع عضو من الأعضاء أو إخماد قوة من القوى كالرجولية والانجاب فهو محرم لا خلاف فيه، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: «وَلاتُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة» .(1)

وقال سبحانه: «وَلاتَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» .(2)


(1)البقرة:195.
(2)النساء:29.


(143)

وأمّا قطع العضو أو إفساد القوى فهو أمر قبيح عند العقل وكفر للنعمة وتغيير لخلق اللّه سبحانه، فلا أظن بفقيه يُفتي بحليته إنّما الكلام في سائر الأقسام.

د. الرأي المشهور بين الفقهاء

إنّ المشهور بين الفقهاء منذ عصر مؤلف فقه الرضا إلى يومنا هذا هي الحرمة، وكفى في ذلك، الفحص في أبواب مختلفة، وقد ذكرنا كلمات الفقهاء في بحوثنا في الدورة السابقة، ومن أراد فليرجع إلى «الرسائل الأربع: الرسالة الثانية بقلم الشيخ الفاضل محسن الحيدري ـ حفظه اللّه ـ ولا نطيل البحث فيها، بل نقتصر بذكر عدة كلمات:

قال الشيخ الأنصاري في الفرائد: فكلّ إضرار بالنفس أو الغير محرم غير ماض على من أضرّ.(1)

وقال في رسالته الخاصة التي عملها في تفسير قاعدة «لا ضرر» : إنّ العلماء لم يُفرّقوا بين الإضرار بالنفس والإضرار بالغير.(2)

وقال: نعم قد استفيد من الأدلة العقلية والنقلية تحريم الإضرار بالنفس.(3)

ويقول الإمام الخميني رحمه اللّه : يحرم تناول كلّ ما يضر بالبدن سواء أكان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين، أو سبباً لانحراف المزاج، أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو لفقد بعض القوى كشرب ما يقطع به قوة الباه.(4)

ويقول السيد الخوئى رحمه اللّه : تحرم السموم القاتلة، وكلّ ما يضرّ الإنسان ضررا


(1)الفرائد:415، طبعة رحمة اللّه.
(2)رسالة نفي الضرر:21ـ 22.
(3)رسالة نفي الضرر:21ـ 22.
(4)تحرير الوسيلة: 2/163.


(144)

ً يعتد به، ومنه الأفيون المعبر عنه بالترياك سواء أكان من جهة المقدار المستعمل منه أم من جهة المواظبة عليه.(1)

هذه بعض كلمات الأعلام، غير انّ السيد الخوئي قدَّس سرَّه خالف ما ذكره في منهاجه وجوز في بحوثه الأُصولية الإضرار بالنفس، وقال:

ولكن التحقيق عدم ثبوت ذلك على إطلاقه أي في غير التهلكة وما هو مبغوض في الشريعة الإسلامية المقدسة كقطع الأعضاء ونحوه فانّ العقل لا يرى أيّ محذور في إضرار الإنسان بماله، بأن يصرفه كيف يشاء بدافع عقلائي(2) ما لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير، ولا بنفسه بأن يتحمل ما يضر ببدنه فيما إذا كان له غرض عقلائي، بل جرت سيرة العقلاء على السفر غير الخالي من الضرر على البدن بمقدار لو كان الحكم الشرعي موجباً لهذا المقدار من الضرر لكان الحكم المذكور مرفوعاً بقاعدة لا ضرر.(3)

يلاحظ عليه: أنّ بعض ما ذكره خارج عن محط البحث، لما علمت انّ الضرر المنجبر بالنفع لا تشمله القاعدة وهو أمر رائج بين العقلاء، و المنافع الدنيوية لا تنفك عن الضرر بالبدن.

هذه هي المقدمات اللازمة، فلندخل في صلب البحث، فنقول:

دل على حرمة الإضرار بالنفس الكتاب والسنة والعقل.


(1)منهاج الصالحين:2/337.
(2)لا يخفى انّه إذا كان الإضرار بدافع عقلائي لا يطلق عليه الضرر لما عرفت انّ البحث في الضرر غير المنجبر فلابدّ من فرض الإضرار بالمال وصرفه في أغراض غير عقلائية وإن لم يبلغ حدّ الإسراف والتبذير.
(3)مصباح الأُصول: 2/549.


(145)

الاستدلال على التحريم بالكتاب والسنّة

أمّا الكتاب فيكفي قوله سبحانه: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً» .(1)

وجه الاستدلال: انّه سبحانه عطف على عمل السوء، الظلم بالنفس والفرق بينهما انّ المراد من عمل السوء هو الظلم بالغير ويقابله الظلم بالنفس وكلاهما داخلان تحت الإثم المحرم، قال سبحانه:

«قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَن وَالإِثْم» .(2)

فتكون النتيجة حرمة الظلم على الغير والنفس على الوجه الكلي، وهو لا ينحصر بالمعاصي والمحرمات الواردة في الكتاب والسنّة بعناوينها بل يعمه وغيره، فكلّ شيء عُدَّ ظلماً على النفس فهو محرم غير انّ المعاصي من مصاديق الظلم على النفس لما يترتب عليه من العقوبات.

وبذلك يظهر انّ تخصيص الظلم بالنفس على خصوص الجرائم والمعاصي لا وجه له، بل يعم كلّ ما حرّمه الشارع أو ما يعدّ في العرف إضراراً على النفس وأمراً قبيحاً، وتعيين مصداقه بيد العرف.

وأمّا السنة فيدل على حرمة الإضرار لفيف من الروايات المبثوثة في أبواب الفقه، وإليك بيانها.

1. حديث لا ضرر

إذا كان مفاد قوله: «لا ضرر» هو نفي الحكم الضرري كما عليه المشهور في


(1)النساء:110ـ 111.
(2)الأعراف:33.


(146)

تفسير القاعدة فيشمل كلّ حكم ضرري سواء أكان وجوباً أم إباحة، فالإضرار بالنفس إذاكان واجباً فهو حكم ضرري، كما أنّه إذا كان جائزاً أو مستحباً فهو أيضاً حكم ضرري يرتفع بعموم القاعدة.

وإن شئت قلت: إنّ الإضرار بالنفس لا يخلو من أحد أحكام خمسة، فلو كان حراماً فهو وإلاّ فلو كان جائزاً بالمعنى الأعم داخلاً تحت الأحكام الأربعة الباقية فهو حكم ضرري لا يجتمع مع نفي الحكم الضرري بصورة عامة.

ويظهر من الشيخ عدم شمول القاعدة للضرر بالنفس بحجّة انّ المنفيّ عبارة عمّا يكون حكم الشارع سبباً للإضرار لا اختيار المكلف وهو لا يصدق إلاّ إذا كان الإضرار واجباً دون ما يكون جائزاً موكولاً إلى اختيار المكلَّف، فانّ سبب الإضرار عندئذ هو المكلف، يقول ما هذا نصه: إنّ إباحة الإضرار بالنفس بل طلبُه على وجه الاستحباب ليس حكماً ضررياً ولا يلزم من جعله ضرر على المكلّفين.(1)

يلاحظ عليه: بما عرفت انّ تشريع الإضرار على كلا الوجهين إيجاباً أو جوازاً ينافي عموم قوله: لا ضرر في لوح التشريع، ولا حكم ضرري في نطع التقنين. فتجويز الإضرار بالنفس وإباحته أو استحبابه حكم شرعي مجعول ليس لصالح المكلف بل لضرره وهو يتنافي مع قوله: «لم أشرع حكماً ضررياً بتاتاً».

وبذلك يظهر النظر فيما ذكره المحقّق الخوئي تبعاً للشيخ حيث قال: إذا كان معنى قوله: لا ضرر هو نفي تشريع الحكم الضرري فهو يختص بجعل حكم إلزامي من الوجوب والحرمة، فانّه الذي يكون العبد ملزماً بامتثاله، فعلى تقدير كونه ضررياً كان وقوع العبد في الضرر مستنداً إلى الشارع بجعل الحكم الضرري.

وأمّا الترخيص في شيء يكون موجباً للضرر على نفس المكلّف أو على غيره


(1)رسالة نفي الضرر: 21.


(147)

فلا يكون مشمولاً لدليل «لا ضرر»، لأنّ الترخيص في شيء لا يلزم المكلف ارتكابه حتى يكون الترخيص ضررياً، بل العبد باختياره وإرادته يرتكب، فيكون الضرر مستنداً إليه لا إلى الترخيص المجعول من الشارع.(1)

والفرق بين الكلامين انّ ظاهر كلام الشيخ نفي شمول القاعدة للحكم غير الإلزامي إذا انتهى إلى الضرر بالنفس، دونما إذا انجرّ إلى الضرر بالغير، بخلاف الكلام الثاني فانّه صريح في عدم الشمول سواء استلزم الضرر بالنفس أو الغير حيث قال: موجباً للضرر على نفس المكلّف أو غيره.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الضرر على كلّ تقدير يستند إلى نفس المكلّف سواء كان الحكم إيجابياً أم إباحياً.

أمّا الثاني فواضح، وأمّا الأوّل فلأنّ الحكم الشرعي الإيجابي ليس سبباً تاماً لإيقاع الضرر وإنّما تتوسط بين الحكم الضرري ونفس الإيقاع، إرادة المكلف واختياره كما تتوسط أيضاً بين الحكم الإباحي وإيقاع الضرر.

نعم الفرق بينهما انّ الشارع حثَّ على الإيقاع في صورة الإيجاب دون غيره، وهذا الفرق لا يكون فارقاً في أنّ الإضرار يعود إلى المباشر.

ثانياً: انّ تشريع جواز الإضرار بالغير ينافي نفي جعل أيّ حكم ضرري، فلو أباح الشارع قتل النفس المحترمة وهتك الأعراض المصونة بلا إلزام، لما كان له أن يهتف ويقول لا حكم ضرري بحجة انّ العبد باختياره وإرادته يوقع الضرر.

ومن المعلوم انّ ترخيص الإضرار رخصة من الشارع وتجويز له.

2. حديث وجوب الإفطار عند إضرار الصوم

ثمة روايات تدل على وجوب الإفطار عند إضرار الصوم، روى الصدوق


(1)مصباح الأُصول: 2/533.


(148)

عنهم - عليهم السلام- : «كلّما أضرّ به الصوم فالإفطار له واجب».(1)

كما روى علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر - عليهما السلام- قال: سألته عن حدّما يجب على المريض ترك الصوم، قال - عليه السلام- :« كلّ شيء من المرض أضرّ به الصوم فهو يسعه ترك الصوم».(2)

فقوله: «يسعه» لا ينافي مع ما رواه الصدوق من وجوب الإفطار، لأنّ الرواية الثانية بصدد نفي وجوب الصوم ولا نظر له إلى وجوب الإفطار أو جوازه.

وعلى كلّ حال فانّ إيجاب الإفطار لنفي الإضرار، يدل على أنّ الملاك هو الإضرار، فيمكن أن يقال بأحد أمرين:

1. انّ الحرام هو الإضرار بالبدن واقعاً ووجوب الصوم في حال المرض من مصاديق ذلك الحرام الكلي.

2. انّ الحرام هو نفس الصوم في حال المرض ولكن بملاك الإضرار، وعندئذ فالإضرار وإن لم يكن مصبّاً للحرمة لكن يكون مبغوضاً عند الشارع، لأنّه لا يمكن أن يكون الصوم حراماً بذلك الملاك ولا يكون ملاكه وسببه مبغوضاً.

وربما يقال بأنّ وجوب الإفطار بملاك انّ الصوم رد هدية اللّه تبارك وتعالى، وقد قال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : «إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه».(3) فحرمة الصوم لأجل كونه رداً للهدية لا بملاك الإضرار.

ولكنّه كلام غير تام إذ لا مانع أن يكون في الحكم ملاكان: إضرار بالنفس، وردُّ هدية للّه تبارك وتعالى، وما أحسن كلام المحقّق في المعتبر حيث قال: المريض


(1)الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2و9.
(2)الوسائل: 7، الباب 20 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2و9.
(3)الوسائل: 5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.


(149)

لا يصحّ صومه مع التضرر لقوله - عليه السلام- : «لا ضرر ولا ضرار» ولو تكلفه لم يصح، لأنّه منهيّ عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه في العبادات ويجب عليه لو لم يتضرر.(1)

3. حديث لزوم التيمم إذا كان استعمال الماء مضراً

اتّفق الفقهاء على لزوم التيمم وترك الاغتسال إذا كان استعمال الماء مضراً، ويدل عليه ما رواه البزنطي عن الرضا - عليه السلام- في الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح أو جروح، أو يكون يخاف على نفسه من البرد فقال: «لا يغتسل ويتيمم».(2)

وتقرير الاستدلال كالسابق، فانّ المراد من الخوف على النفس هو خوف الضرر، فالحرام إمّا هو الإضرار على النفس إذا كان هناك مظنته والاغتسال مصداق من مصاديق ذلك الموضوع الكلي، أو يكون الحرام نفس الاغتسال وتضرر الإنسان ملاكه فهو طبعاً مبغوض شرعاً لا يمكن أن يكون جائزاً.

4. حديث ما يضر من الأطعمة

هناك روايات تدل على تحريم المضر من الأطعمة وانّه سبحانه لم يحرِّمها إلاّ لكونها مضرَّة، ولنذكر منها ما يلي:

روى مفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه - عليه السلام- : أخبرني جعلني اللّه فداك لمَ حرم اللّه الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير؟

قال: «إنّ اللّه لم يحرِّم ذلك على عباده، وأحلّ لهم ما سواه، من رغبة منه فيما حرّم عليهم، ولا زهد فيما أحلّ لهم، ولكنّه خلق الخلق فعلم ما تقوم به أبدانهم وما


(1)المعتبر: 2/685.
(2)الوسائل:1، الباب الثاني من أبواب التيمم، الحديث 7.


(150)

يصلحهم، فأحلّه لهم، وأباحه تفضّلاً منه عليهم به لمصلحتهم وعلم ما يضرّهم فنهاهم عنه، وحرم عليهم.

ثمّ أباحه للمضطر وأحله له في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلاّ به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثمّ قال: أمّا الميتة فانّه لا يُدْمنها (وفي نسخة: لم ينل منها) أحد إلاّ ضَعُفَ بدنه ونَحَل جسمُه وذهبت قوّته وانقطع نسله ولا يموت آكل الميتة إلاّ فجأة».(1)

والاستدلال بالحديث على غرار ما سبق والضمير المجرور في قوله: «فعلم ما يضرهم فنهاهم عنه» يرجع إلى الموصول فتكون الميتة محرمة لأجل الإضرار، وكذلك الدم، وعلى كلّ تقدير فالحرام إمّا هو عنوان الإضرار، والدم والميتة من مصاديق ذلك الحرام الكلي، أو الحرام هو نفس تلك العناوين ولكن الإضرار علة وملاك ولا يصحّ أن يكون الشيء حراماً وملاكه غير مبغوض.

هذا وانّ السيد الخوئي أورد على الاستدلال بالحديث بإشكالات أربعة ولولا موقفه المسبَّق في مسألة الإضرار بالنفس لما حام فكره حول تلك الإشكالات وإنّما هي وليدة ا ختيار جواز الإضرار بالنفس، وإليك الإشكالات ومناقشتها.

الإشكال الأوّل: إنّ الضرر لو كان علّة للتحريم يُستفاد منه عدم حرمة الميتة من نفس هذه الرواية، لأنّ المذكور فيها ترتّب الضرر على إدمانها، فلزم عدم حرمة الميتة من غير الإدمان(لعدم الملاك فيه) لأنّ العلة المنصوصة تُعمِّم كما أنّها تُخصِّص.

مناقشتنا: أوّلاً: أنّ الموجود في بعض النسخ هو قوله: «لم ينل منها» مكان «لا يدمنها» فيكون الضرر مكمناً في الدنو لا في الإدمان، وتكون النتيجة حرمة أكل


(1) الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1; وقد روي بأسانيد مختلفة تورث الاطمئنان بصدور الحديث.


(151)

الميتة مطلقاً ولو مرّة.

وثانياً: أنّه يمكن أن يكون ملاك التحريم في صورة الإدمان هو الضرر، وأمّا في غير تلك الصورة، فملاك التحريم أمر آخر وهو أنّ تناول القليل وإن كان غير مضر لكنّه سيؤدِّي إلى تناول الكثير وهذا أمر واضح في بعض المحرمات، فانّ المعتاد بالمخدِّر ربما يتناول شيئاً قليلاً منه على وجه لا يضر أبداً، ولكنّه يكون سبباً للاعتياد شيئاً فشيئاً، ولذلك حرّم الإسلام الإدمان على تناول الميتة بملاك الضرر، كما حرم القليل منها بملاك آخر وهو انتهاؤه إلى الإدمان عليها وهذا ليس بعزيز، فانّ الخمر حرام لإسكاره، ومع ذلك محرّم قليله الذي لا يُسكر أبداً.

وقد روي: «انّ ما أسكر كثيره فقليله أيضاً حرام».(1)

فملاك التحريم في الكثير هو الإسكار كما أنّ ملاكه في القليل هو انتهاؤه إلى تناول الكثير.

الثاني: انّه لو كان الضرر علّة للتحريم كانت الحرمة دائرة مداره فإذا انتفى الضرر في موارد انتفت الحرمة، ولازم ذلك أن لا يحرم قليل من الميتة مثلاً بمقدار تقطع بعدم ترتّب الضرر عليه، مع أنّ ذلك خلاف الضرورة من الدين....

والفرق بين الإشكالين هو انّ الأوّل منهما يُركِّز على أنّ الضرر يترتب على إدمان أكل الميتة فلا يحرم إذا أكل لا مدمناً قليلاً كان المأكول أو كثيراً، ولكن الثاني يركز على أنّ الضرر يترتب على أكل الكثير ولو مرة واحدة في تمام العمر لا على القليل.

يلاحظ عليه: بما مرّمن انّ المحرم هو الأكل المضرّ ولكن النهي عن أكل القليل منه لملاك آخر وهو ما عرفت من أنّ تجويزه القليل سيؤدّي إلى الكثير.


(1)الوسائل: ج17، الباب 1 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 5.


(152)

الثالث: انّا نقطع بعدم كون الميتة بجميع أقسامها مضرّة للبدن، فإذا ذبح حيوان إلى غير جهة القبلة فهل يحتمل أن يكون أكله مضرّاً بالبدن مع الإدمان؟

يلاحظ عليه: أنّ الميتة في مصطلح القرآن والسنّة، هو ما مات حتف أنفه وإطلاقها على غير المذكى مصطلح جديد في لسان المتشرعة، من باب المجاز لوحدة حكمهما، والمقصود منها في الرواية هو الميتة في مصطلح العرف، أعني: ما إذا ما مات حتف أنفه وهي مضرة بلا شك.

أضف إلى ذلك من أين تعلم بخلو غير المذكى من الضرر، ونفيه على وجه الجزم ادّعاء محض.

الرابع: ما ورد في الروايات من ترتّب الضرر على أكل جملة من الأشياء كتناول الجبن في النهار، وإدمان أكل السمك، وأكل التفاح الحامض إلى غير ذلك ممّا ورد في الأطعمة والأشربة، فراجع أبواب الأطعمة والأشربة من الوسائل مع أنّه لا خلاف ولا إشكال في جواز أكلها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تحليل الشارح أكل ما ذكر كاشف عن انجبار الضرر بنفع عاجل وإلاّفلو كان ضررها كضرر الميتة والدم لما أحلها.

وبالجملة هذه الإشكالات ليست بمثابة تسبّب رفع اليد من الرواية.

5. حديث تحف العقول

روى الحسن بن علي بن شعبة عن الصادق - عليه السلام- قال: «أمّا ما يحل للإنسان أكله ممّا أخرجت الأرض فثلاثة صنوف من الأغذية... إلى أن قال: وكلّ شيء يكون فيه المضرة على الإنسان في بدنه وقوته فحرام أكله إلاّفي حال الضرورة».(2)


(1)صباح الأُصول:2/550.
(2)الوسائل: ج17، الباب 42 من الأطعمة المباحة، الحديث 1.


(153)

6. حديث فقه الرضا

«اعلم يرحمك اللّه انّ اللّه تبارك و تعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً إلاّ لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يُحرّم إلاّ ما فيه الضرر والتلف والفساد، فكلّ نافع مقو للجسم فيه قوة البدن فحلال، وكلّ مضر يذهب بالقوة فحرام.(1)

وإذا تفحصت أبواب الأطعمة المباحة والمحرمة في الجزءين من الوسائل لوقفت على روايات كثيرة تعلل الحلية والحرمة بالصلاح والفساد.

وكيفية الاستدلال كما سبق من أنّ الموضوع إمّا المضرّ، والعناوين المحرمة مصاديق للحرام الواقعي أو أنّ الحرام هو نفس تلك العناوين والضرر هو الملاك ولا يمكن أن يكون العنوان حراماً والملاك غير مبغوض.

7. حديث ما يضر بالبدن

روى إسحاق بن عبد العزيز قال سئل أبو عبد اللّه في التدليك بالدقيق بعد النورة فقال: «لا بأس» قلت: يزعمون انّه إسراف؟ فقال: «ليس فيما أصلح البدن إسراف ـ إلى أن قال: ـ إنّما الإسراف فيما أتلف المال وأضرّ بالبدن» وفي رواية أُخرى: «إنّما الفساد فيما أضرّبالبدن وأقلت المال».(2)

فالرواية تعلّل حرمة الإسراف فيما يرجع إلى البدن، بالإضرار به، والاستدلال في الجميع على نمط واحد.


(1) مستدرك الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 5.
(2)الوسائل: الجزء 1، الباب 38 من أبواب آداب الحمام، الحديث 54.


(154)

الاستدلال بالعقل

لا شكّ انّ العقل يستقبح الإضرار بالنفس من دون غرض عقلائي مسوِّغ له، ويستقلّ بلزوم الاجتناب عنه، ويستكشف منه، كونه عند الشارع كذلك لما ذكر في محله انّ حكم العقل بالقبح والاجتناب عن شيء حكم على نفس الشيء بما هو هو من دون خصوصية للمدرِك فيستكشف انّه أيضاً كذلك عند الشارع.

وأمّا زرع الأعضاء ، فإنّما يجوز شريطة إذن الطبيب المتخصص بذلك، كما في إهداء إحدى الكليتين لمن يعاني من عطل في عمل كليتيه، لأنّ الكلية الواحدة ـ هي في الواقع ـ بديلة عن الأُخرى، فإذا كانت إحداهما كافية في انجاز الوظائف المخولة إليها في نظر المتخصص فلا مانع من إهداء إحداها إلى المريض الآخر، ولكن لا يجوز ذلك في العين ولا في اليد، لأنّه نقص في العضو وإضرار بالبدن.

   تمّ تحرير ما استفدناه من بحوث شيخنا الوالد ـ مدّ ظلّه ـ حول قاعدة لا ضرر
صبيحة يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام
من شهور عام 1419من الهجرة النبوية
بيد مؤلفه سعيد السبحاني
عامله الله بلطفه الخفي
والحمد لله رب العالمين

Website Security Test