welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : اللألي العبقرية في شرح العقينيّة الحميرية*
تألیف : بهاء الدين الاصبهاني المعروف بالفاضل الهندي*

اللألي العبقرية في شرح العقينيّة الحميرية

اللألي العبقرية
في
شرح العقينيّة الحميرية

تأليف

نابغة عصره
بهاء الدين الاصبهاني
المعروف بالفاضل الهندي

قدم له
جعفر السبحاني

مؤسسة الإمام الصادق (ع)
إيران _ قم


(2)

هويّة الكتاب

اللآلي العبقرية في شرح العينية الحميرية

الموضوع:    الأدب في رحاب العترة الطاهرة

المؤلف:    محمّد بهاء الدين الاصبهاني المعروف بالفاضل الهندي

المحقّق:    لجنة التحقيق

المطبعة:    اعتماد ـ قم

الطبعة:    الأُولى

التاريخ:    1421هـ

الكمية:    1000

صف واخراج ونشر:    مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(3)


(4)

روى المرزباني، قال: حدثني فضيل بن عمر الحبال، قال: دخلت على أبي عبد الله ـ عليه السَّلام ـ بعد قتل زيد ـ عليه السَّلام ـ فجعل يبكي، ويقول: رحم الله زيداً انّه العالم الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه.

فقلت: أنشدك شعر السيد؟ فقال: امهل قليلاً، وأمر بستور، فسدلت، وفتحت أبواب غير الأُلى، ثمّ قال: هات ما عندك فأنشدته:

لأُمّ عمرو باللوى مربع دارسة أعلامه بلقع

(أخبار شهراء الشيعة: 159.


(5)

تقديم

بقلم: جعفرالسبحاني

بسم الله الرحمن الرحيم

يتميّز الإنسان عن سائر الموجودات بالتفكير وهو موهبة عظيمة، كرّمه اللّه بها، وراح يعكس تفكيره من خلال الكلام إمّا منثوراً أو منظوماً، فالكلام المنثور هو ما يتكلّم به ارتجالاً، والثاني عبارة عن الكلام الموزون المقفّى الذي لا يحصل إلاّبالتروّي والأناة.

ثمّ إنّ للإنسان نزوعاً إلى هذا النوع من الكلام قد يبلغ به تهييج العواطف والتذاذ الأسماع بمكان أنّه ربما يفقد وعيه. والشعر في الوقت نفسه سلاح شديد الوقع، فإن استعمله الشاعر في الحماسة هاجت النفس لاقتحام الردى والهلكة، وإن استغله في الاستعطاف والاستعطاء حرك العواطف وهيّجها، وإن استعان به في التشبيب أغرى الأفئدة بالهوى والمجون، إلى غير ذلك من غايات خاصّة للشعر على وجه الإطلاق، كما أنّه سلاح ذو حدين، فالشعر الهادف هو ما يبني المجتمع ويوقظ الشعب ويسوقه نحو العلم والصلاح والفلاح، وغير الهادف منه هو ما يكرّس النزعات الأنانية في المجتمع ويسير به نحو هاوية الانحطاط، ويبعثه نحو الانحلال الخلقي، وللّه در الشيخ محمد رضا الشبيبي شاعر العراق الفحل إذ


(6)

يقول:

كفى الشعر ذمّاً إنّ للشعر قائلاً * وما هو إلاّقائل غير فاعل(1)

ولا خير في شعر إذا لم يقم به * خمولُ نبيه أو بناهةُ خامل

إذا قلت انّ الشعر بحر غبنته * متى يستقيم البحر من غير ساحل

قرائحنا منها بحور خضارم * ومنها إذا جربت رشحُ الجداول

وأجمعُ أقوال الرجال أسدُّها * معان كبار في حروف قلائل(2)

فالحقّ كما قال الشبيبي انّ قيمة الشعر بمعناه وبتأثيره الخطير في إيقاظ المجتمع، فربَّ قصيدة كثيرة الأبيات لا تجد فيها كلمة حكيمة تُسعد الإنسان في حياته أو تصدّه عن مزالقه.

ورب بيت واحد يفضَّل على قصيدة، لأنّه ينشد إلى حكمة بالغة يأخذ بيد الإنسان في مزالق الحياة، وقد أشار إلى ذلك الشاعر المذكور.


1- إشارة إلى قوله سبحانه: (أَلَمْ تَرَ انّهُمْ في كُلِّ واد يهيمون * وانّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُون)(الشعراء:225ـ 226).
2- محمد جمال الهاشمي: الأدب الجديد: 1ـ2، طبعة النجف الأشرف.


(7)

وقد يبلغ البيت البليغ قصيدة * مطوّلة لكن على غير طائل

وقد يبلغ اللفظ القصير رسالة * إذا عدَّت الألفاظ روحَ الرسائل

ويا للأسف انّ الشعراء لم يجروا على حلبة واحدة، فهم بين مصلح بنّاء، ومفسد هدّام مثير للميوعات:

يقول امرؤ القيس في معلّقته:

أفاطم مَهْلاً بَعْضَ هذا التَّدلُّل * وإن كُنتِ قَدْ ازمَعْتِ صَرْمي فاجملي

أغرَّكِ منّي أنّ حُبَّكِ قاتِلي * وأنّك مهما تأمرى القَلْبَ يفعل

وإن تك قد ساءَتْكِ مِنِّي خليقة * فسُلِّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُلِ

وما زَرَفَتْ عيْناكِ إلاّلِتَضْربي * بِسَهميك في أعشار قلب مُقتَّل

وبيضةِ خِدْر لا يُرامُ خِباؤها * تَمتَّعْتُ من لهو بها غير مُعجَلِ(1)


1- شرح المعلّقات السبع لأحمد بن الحسين الزوزني:13ـ15، ط عام 1381هـ.


(8)

وهناك من يبعث روح الشجاعة والتضحية والفداء في المجتمع ويحثّه في المضي قُدماً في سلالم العز والكمال، وهذا ما نلمسه بوضوح في الأبيات التالية لعميد الدين المعروف بالطغرائي (المتوفّى عام 510هـ) في لاميته المعروفة بلامية العجم:

حبّ السلامة يُثني همّ صاحبه * عن المعالي ويُغري المرء بالكسلِ

فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفقاً * في الأرض أو سُلّماً في الجوِّ واعتزلِ

لو كان في شرف المأوى بلوغُ منى * لم تبرح الشمس يوماً دارة الحملِ

وشأنَ صدقك عند الناس كذبهم * وهل يطابق معوجّ بمعتدلِ

ملك القناعة لا يُخشى عليه ولا * يحتاج فيه إلى الأنصار والخولِ

ترجو البقاء بدار لا ثبات لها * فهل سمعت بظل غير منتقلِ

و ما نرى في الذكر الحكيم من ذم للشعراء، يقول سبحانه: (وَالشُّعَراءُ يَتِّبعُهُم الغاوُون * أَلَمْ تَرَ أنَّهُمْ فِي كُلِّ واديهيمُون * وَانَّهُمْ يَقُولونَ ما لا يَفْعَلُون)(1)


1- الشعراء: 224 ـ 226.


(9)

فهو راجع إلى الشعراء الذين لا همّ لهم سوى الحصول على المزيد من حطام الدنيا من خلال مدح ذوي الجاه والمقام أملاً في نيل عطائهم، أو إثارة شهواته الجامحة التي تعصف بالمجتمع في ورطة الانحلال الاخلاقي.

ثمّ إنّه سبحانه لا ينظر إلى الجميع على حدّ سواء بل يستثني منهم طائفة، بقوله: (إِلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَذَكَروُا اللّه كَثِيراً وَانْتَصروا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلب يَنْقَلِبُون)(1).

وبذلك يتبين موقف الأحاديث الواردة في هذا المضمار، فهي بين مندِّدة بالشعر وبين مادحة له، كما في قوله:

إنّ من الشعر لحكمة، وإنّ من البيان لسحرا.(2)

وقد كان الشعر هو الوسيلة الوحيدة للإعلام و إثارة العواطف والأحاسيس وبثّ الأفكار من خلاله، وكان للشعر و الشعراء في عصر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعده مقام شامخ، وكان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يغدقون عليهم بالعطايا والصلات.

قال البراء بن عازب: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قيل له: إنّ أبا سفيان بن حارث بن عبد المطلب يهجوك، فقام عبد اللّه بن رواحة فقال: يا رسول اللّه: ائذن لي فيه، فقال: «أنت الذي تقول ثبَّت اللّه»، قال: نعم، قلت يا رسول اللّه.

فثبـت اللّه مـا أعطاك مـن حسـن * تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصروا

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «وأنت يفعل اللّه بك خيراً مثل ذلك».(3)


1- الشعراء: 227.
2- مسند أحمد: 1/269، 273; سنن الدارمي: 2/296.
3- مستدرك الحاكم:3/488.


(10)

و قد أنشد كعب بن زهير قصيدته التي قالها في مدح النبي في مسجده الشريف، و التي مطلعها:

بانت سُعادُ فقلبي اليوم متبول * متيـّم إثرَهـا لم يفـد مكْبـولُ

قال الحاكم: لما أنشد كعب قصيدته هذه لرسول اللّه، وبلغ قوله:

إنّ الرسول لسيفٌ يُستضاء به * وصارمٌ من سيوف اللّه مسلـول

أشار ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه.(1)

ويروى أنّ كعباً أنشد «من سيوف الهند» فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من سيوف اللّه.

قال المقريزي في حوادث السنة الثامنة من الهجرة: ففي هذه السنة كان إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلمى، فأسلم وقدم على رسول اللّه المدينة وأنشده القصيدة فكساه بُردة كانت عليه، وقال ابن قتيبة: أعطى رسول اللّه كعب بن زهير راحلة وبُردًا، فباع البُرد من معاوية بعشرين ألفاً، فهو عند الخلفاء إلى اليوم.(2)

وقد تأسّى أئمّة العترة الطاهرة بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تكريم الشعراء المجاهرين بولائهم، المخلصين من الذين كانوا ينظمون القريض لغايات دينيّة، معرضين عن التردّد على بلاط الخلفاء الأمويين والعباسيين،وقد كان لشعرهم يومذاك تأثير بالغ في قلوب الناس، وإيقاظ ضمائرهم، ولهذا الهدف الأسمى كان أئمّة أهل البيت يبجّلون بشعرهم ويدعون لهم ويغدقون عليهم بالصلات، ولهذه الغاية راجت بين شيعة أئمّة أهل البيت ميميّة الفرزدق، وهاشميّات الكميت، وعينية الحميري، وتائية دعبل الخزاعي، وميميّة الأمير أبي فراس، وكانوا يحفظونها


1- مستدرك الحاكم: 3/580.
2- المقريزي: الإمتاع: 1/356، ط عام 1401هـ.


(11)

وينشدونها في مجالسهم ومحافلهم، فصارت هذه القصائد كالسيف الصارم بيد الموالين.

ومن هذه الطليعة الشاعر المفلق المكْثر لثناء أهل البيت السيد الحميري الذي نحن بصدد التقديم له وللشرح الذي قام به نابغة عصره الشيخ بهاء الدين الاصبهاني المعروف بـ«الفاضل الهندي»، فيلزم علينا الإلمام بترجمة الشاعر أوّلاً ، ثمّ الشارح ثانياً حسب ما تقتضيه الحال.

السيد الحميري

هو إسماعيل، وكنيته أبو هاشم، بن محمد بن يزيد بن وداع الحِمْيري الملقب بالسيد، وانّه من بني حدّان تزوّج بها أبوه، لأنّه كان نازلاً فيهم، ولد عام 105هـ(1)، بعُمان و نشأ في البصرة في حضانة والديه الإباضيّين إلى أن عقل وشعر فهاجرهما و اتصل بالأمير عقبة بن مسلم و تزلّف لديه حتى مات والداه، فورثهما ـ كما سيوافيك خبره ـ ثمّ غادر البصرة إلى الكوفة وأخذ فيها الحديث عن الأعمش وعاش متردّداً بينهما. و مات (2)عام 173هـ.

ترجمه غير واحد من رجال الفريقين نذكر نصوصهم:

1. فقد ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الصادقعليه السَّلام ، قال: إسماعيل بن محمد الحميري، السيد الشاعر يكنّى أبا عامر.(3)

2. وذكر في الفهرست، وقال: السيد بن محمد، أخباره تأليف الصولي،


1- أخبار السيد للمرزباني: 151ـ 152.
2- لسان الميزان:1/383.
3- رجال الطوسي برقم 108.


(12)

أخبرنا بها ابن عبدون عن أبي بكر الدوري عن الصولي.(1)

3. ولم يترجمه النجاشي مستقلاً، وإنّما ذكر من جمع أخباره وسيوافيك أسماء من جمع أخبار السيد.

4. وقال ابن شهر آشوب في المعالم في فصل الشعراء المجاهدين:

السيد أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد(2) (بن محمد)(3) بن وداع بن مفرغ الحميري.

من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ولقي الكاظم ـ عليه السَّلام ـ وكان في بدء الأمر خارجياً ثمّ كيسانيّاً ثمّ إمامياً.(4)

5. وقال العلاّمة في الخلاصة في القسم الأوّل من الباب الثاني من فصل الهمزة.

إسماعيل بن محمد الحميري: ثقة، جليل القدر، عظيم الشأن والمنزلة رحمه اللّه.(5)

إلى غير ذلك من كلمات الإطراء في حقّه في معاجم أصحابنا، وأمّا ما ذكره غيرهم، فإليك نصوص بعضها:

6. قال ابن عبد ربّه: السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له الوسادة في مسجد الكوفة.(6)

7. وقال أبو الفرج الاصفهاني (المتوفّى عام 356هـ): كان السيد شاعراً


1- الفهرست برقم 350.
2- وفي المصدر مزيد و لعله مصحف يزيد كما في اخبار السيد للمرزباني.
3- هذه الزيادة ليست في أخبار السيد المرزباني.
4- معالم العلماء: 146.
5- الخلاصة، باب الهمزة، برقم 22.
6- العقد الفريد: 2/289.


(13)

متقدماً مطبوعاً، يقال له انّ أكثر الناس شعراً في الجاهلية و الإسلام ثلاثة: بشّار، أبو العتاهية، والسيد، فانّه لا يعلم انّ أحداً قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع.(1)

كان السيد أسمر، تامّ القامة، أشنب(2)، ذا وفرة، حسن الألفاظ، جميل الخطاب، إذا تحدث في محل قوم أعطى كلّ رجل في المجلس نصيبه من حديثه.(3)

8. ونقل عن التوزي، أنّه قال: رأى الأصمعي جزءاً فيه من شعر السيد، فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم عليّ ان أخبره فأخبرته، فقال: أنشدني قصيدة منه، فأنشدته قصيدة ثمّ أُخرى، وهو يستزيدني، ثمّ قال: قبّحه اللّه ما أسلكه لطريق الفحول! لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحداً من طبقته.(4)

أقول: «كلّ إناء بالّذي فيه ينضح»(5)، انّ الاصمعي ناصبي عنيد يبغض علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ والعترة الطاهرة ـ عليهم السَّلام ـ فلا غرو في أن يدعو على السيد بما عرفت، ولكن مع ذلك لم يستطع أن يُسدل الستار على عظمة السيد في مجال الشعر، وانّه سلك طريق الفحول في عالم القريض، ويتلوه في المذهب والإطراء أبوعبيدة، ومع ذلك يقول في حقّ السيد أشعر المُحْدَثِين السيّد الحميري وبشار.(6)

9. وروى عمر بن شبّة، قال: أتيت أبا عبيدة معمر بن المثنى يوماً وعنده رجل من بني هاشم يقرأ عليه كتاباً، فلمّا رآني أطبقه، فقال له أبو عبيدة: إنّ أبا


1- الأغاني:7/229.
2- الشنب: البياض والبريق والتحديد في الاسنان.
3- الأغاني:7/231.
4- الأغاني: 7/232.
5- «مثل يُضرب».
6- الأغاني: 7/232.


(14)

زيد ليس ممن يحتشم منه فأقرأ، فأخذ الكتاب وجعل يقرأه، فإذا هو شعر السيد، فجعل أبو عبيدة يُعجب منه ويستحسنه، قال أبو زيد: وكان أبو عبيدة يرويه، قال: وسمعت محمد بن أبي بكر المقدمي، سمعت جعفر بن سليمان الضُّبعي ينشد شعر السيد.(1)

10. وحكى عن الموصلي عن عمِّه، قال: جمعت للسيد في بني هاشم الفين و ثلاثمائة قصيدة فخِلْتُ أن قد استوعبت شعره حتى جلس إليّ يوماً رجل ذو أطمار رثّة، فسمعني أنشد شيئاً من شعره فأنشدني له ثلاث قصائد لم تكن عندي، فقلت في نفسي لو كان هذا يعلم ما عندي كلّه، ثمّ أنشدني بعده ما ليس عندي، لكان عجيباً، فكيف وهو لا يعلم وإنّما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ انّ شعره ممّا لا يدرك ولا يمكن جمعه كلّه.(2)

11. قال غانم الوراق: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمر بن تميم، فأثبتني بعضهم، فقال: هذا الشيخ واللّه راوية، فجلسوا إليّ وأنسوا بي وأنشدتهم وبدأت بشعر ذي الرمة، فعرفوه، وبشعر جرير فعرفوهما ثمّ أنشدتهم للسيد.

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون، وقالوا: لمن هذا، فأعلمتهم، فقالوا: هو واللّه أحد المطبوعين، لا واللّه ما بقي في هذا الزمان مثله.(3)

12. قال الزبير بن بكار: سمعت عمي يقول: لو انّ قصيدة السيد التي يقول فيها :

انّ يـوم التطهيــر يــوم عظيـم * خصَّ بالفضـــل فيه أهل الكسا


1- الأغاني: 7/236.
2- الأغاني: 7/237.
3- الأغاني: 7/239.


(15)

قرأت على منبر ما كان فيها بأس ولو انّ شعره كله كان مثله لرويناه وما عيّبناه.(1)

13.حدث الحسين بن ثابت، قال: قدم علينا بدويّ، وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشيء من شعره، فأُنشد في معناه للسيد حتى أكثرتُ، فقال لي: ويحك! من هذا؟ هو واللّه، أشعر من صاحبنا.(2)

وهذه الكلمات التي نقلها ابي الفرج الاصفهاني تعرب عن تضلّع السيد في الأدب العربي وبلوغه الذروة في القريض بحيث لا يجاريه فيه أحد، وقد نال اعجاب عباقرة الشعر وجهابذة الأدب، ولولا كفاحه ونضاله وتهالكه في حب أهل البيت، ومناهضته للجهاز الأموي و العباسي، لحظي بمكانة مرموقة في بلاط الخلفاء، وعلى الرغم من ذلك، فقد شهدت بفضله الأعداء، والفضل ما شهدت به الأعداء، وقد أتاح سبحانه لسان أعدائه على تمجيده وتعظيمه.

أُسرة السيد

والعجب انّ أُسرة السيد الحميري كانت من بني حمير الذين قطنوا عمان وكانوا أباضية المذهب يكنُّون العداء لعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ . وعلى الرغم من كلّ ذلك فقد ظهر من هذا المنبت السوء، موال لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، مخلص في حبهم، ذابّ عن حريم ولايتهم بشعره وبيانه وجسمه وروحه، على نحو لم يُر له مثيل فيمن غبر.

روى سليمان بن أبي شيخ عن أبيه: انّ أبوي السيد كانا إباضيّين، و كان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبّة، وكان السيد يقول: طالما سُبّ أمير المؤمنين في


1- الأغاني: 7/239.
2- الأغاني: 7/239.


(16)

هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيّع من أين وقع له، قال: غاصت عليَّ الرحمة غوصاً.

وروي عن السيد انّ أبويه لما علما بمذهبه همّا بقتله، فأتى عقبة بن سلم الهنائي، فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلاً وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما.(1)

وقال إسماعيل بن الساحر راوية السيد: كنت عنده يوماً في جناح له، فأجال بصره فيه، ثم قال: يا إسماعيل طال و اللّه ما شُتم أمير المؤمنين عليّ في هذا الجناح، قلت و من كان يفعل؟ قال: أبواي.(2)

وقال المرزباني بسنده عن العباسة بنت السيد، قالت: قال لي أبي : كنت وأنا صبيّ أسمع أبويّ يثلبان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً و عقلت وبدأت أقول الشعر.

قلت لأبويّ: إنّ لي عليكما حقاً يصغر عند حقّكما عليّ فجنِّباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، بسوء، فإنّ ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقالتكما، فتماديا في غيّهما، فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعراً ،وهو:

خف يا محمّد فالق الاصباح * وأزل فساد الدين بالإصلاح


1- الأغاني: 7/230.
2- الأغاني: 7/235.


(17)

أتسبّ صنو محمّد ووصيه * ترجو بذلك الفوز بالإنجاح

هيهات قد بعدت عليك و قرّبا * منك العذاب وقابض الأرواح

أوصى النبي له بخير وصية * يوم الغدير بأبين الأفصاح

فتواعداني بالقتل، فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري، فقال لي: لا تقربهما، وأعدّ لي منزلاً أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى عليَّ جراية تفضل عن مؤنتي.(1)

تفانيه في حبّ أهل البيت

ـ عليهم السَّلام ـ ونشر مناقبهم

إنّ الأثر البارز في حياة السيد هو تفانيه في حبّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ونشر مناقبهم بقريظه وشعره وبيانه ولسانه، ونقده اللاذع لأعداء العترة الطاهرة ومناوئيهم، على نحو لا يرضى أن يتبوّأ مجلساً ليس فيه ذكر لأحمد ولا لوصيهعليه السَّلام.

روى أبو الفرج الاصبهاني، عن الحسن بن علي بن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي: كنا جلوساً عند أبي عمرو بن العلا فتذاكرنا السيد، فجاء فجلس


1- أخبار شعراء الشيعة: 154ـ 155، ط عام 1413هـ.


(18)

وخضنا في ذكر الزرع والنخل ساعة فنهض، فقلنا: يا أبا هاشم، مِمّ القيام؟ فقال:

انّي لأكره ان أطيل بمجلس * لا ذكرَ فيه لفضل آل محمّد

لا ذكر فيه لأحمد ووصيه * وبنيه ذلك مجلس نظف(1) ردئ

انّ الذي ينساهم في مجلس * حتى يفارقه لغير مسدّد(2)

وهناك وثائق تاريخية تعرب عن إخلاص السيد وولائه المنقطع النظير للعترة الطاهرة، نقتطف منها هذه الشذرات، فانّ الاستيعاب يطيل بنا الكلام.

1. ذكر التميمي ـ و هو علي بن إسماعيل ـ عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ إذ استأذنه آذنه للسيد، فأمر بايصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس، فاستنشده، فأنشده قوله:

أمْرُر على جدث الحسيـ * ـن فقل لأعظُمه الزكيّه

آ أعظُمـاً لا زلت من * وَطفَاء(3) ساكبة رَويّه


1- النظف: السيء الفاسد.
2- الأغاني: 7/267.
3- وطفاء: بينة الوطف، والوطف في السحاب: أن يكون في وجهه كالمحل الثقيل، أو هو استرخاء في جوانبه لكثرة مائه.


(19)

وإذا مررت بقـبره * فأطل به وَقف المطيّه

وأبكِ المطهَّر للمطـ * ـهّر والمطهَّرة النقيّه

كبُكاء مُعولة أتت * يوماً لواحدها المنيّه

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تنحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالإمساك فأمسك.(1)

2. روى الشيخ ابن قولويه(المتوفّى عام 367هـ) بسنده عن أبي هارون المكفوف: قال: دخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، فقال لي: أنشدني، فأنشدته، فقال: لا، كما تنشدون، وكما ترثيه عند قبره، قال فأنشدته.

امرر على جــدث الحــسين * فقــل لأعظمــه الـزكيـّه

قال: فلما بكى أمسكت أنا، فقال: مر، فمررت، قال:ثمّ قال: زدني زدني، قال: فأنشدته:

يا مريـم قومـي فانـدبي مـولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء(2)

3. روى أبو سليمان الناجي، و محمد بن حليم الأعرج، قالا:


1- الأغاني: 7/240ـ 241.
2- كامل الزيارات: 105ـ 106، ط النجف الأشرف ; ثواب الأعمال: 109، ط عام 1391هـ.


(20)

كان السيد إذا استنشد شيئاً من شعره لم يبدأ بشيء إلاّبقوله:

أجَدّبآل فاطمةَ البكـورُ * فدمعُ العين منهمر غزير

وهناك منام صادق ينمُّ عن أنّ البيت المزبور حظى بإعجاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

حدث إبراهيم بن هاشم العبدي البصري، قال: رأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المنام و بين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكـور * فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إيّاها على آخرها و هويسمع:

قال: فحدثت هذا الحديث رجلاً جمعتني وإيّاه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا، فقال لي: واللّه لقد كنت على خلاف فرأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في المنام و بين يديه رجل ينشد:

أجدّ بآل فاطمة البكور * ...

إلى آخرها، فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حبّ علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ما كنت أعتقده.(1)

قال إسحاق: وسمعت العتبي ، يقول: ليس في عصرنا هذا أحسن مذهباً في شعره ولا أنقى ألفاظاً من السيد، ثمّ قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم، فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويل * أم لا فانّ اللـوم تضـليـل


1- الأغاني: 7/246.


(21)

يقول فيها:

أقسم باللّه وآلائــه * والمرء عمّا قال مسؤول

إنّ علـي بن أبي طــالب * علـى التقى والبرِّ مجبول

فقال العتبي:

أحسن واللّه ما شاء، هذا و اللّه الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب.(1)

4. سمع السيد محدّثاً يحدِّث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان ساجداً فركب الحسن والحسين على ظهره، فقال عمر: نعم المطيّ مطّيكما، فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ونعم الراكبان هما.

فانصرف السيد من فوره ، وقال في ذلك:

أتى حسناً والحسين النبـي * وقد جلسا حجرةً يلعبان

ففدّاهما ثــــمّ حيّاهمــا * وكانا لديه بذاك المكان

فراحا وتحتهما عاتقــاه * فنعم المطيّة والراكبان

وليدان أُمّهمــا بـــرّة * حَصَـان مطهّرة للحَصَان

وشيخهمـا ابـن أبـي طالب * فنعـم الوليدان والوالدان

خليليّ لا تُرجيا وأعلمــا * بأنّ الهدى غير ما تزعُمان

وأنّ عَمَى الشكّ بعد اليقــين * وضعفَ البصيرة بعد العيان

ضلال فلا تَلْجَجـا فيهـما * فبئست لعمركُما الخصلتان

أيُرجى عليٌّ إمام الهدى * وعثمانُ ما أعند المُرجيان


1- الأغاني: 7/258ـ 259.


(22)

ويُرجى ابنُ حربوأشياعه * وهُوجُ الخوارج بالنَّهروان

يكون إمامَهم في المعاد * خبيثُ الهوى مؤمن الشَّيصَبان(1)

إلى غير ذلك من قصائد جمة ذكر فيها فضائل الإمام علي وأهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ .

ويكفيك في ذلك ما ذكره المعتز في طبقاته:

كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلاّ نقلها إلى الشعر، وكان يملّه الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمّد صلوات اللّه عليهم، ولم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم.(2)

وممّا تجدر الإشارة إليه انّ أكثر شعراء العصر الأموي والعباسي قد أنكبّوا على عتبة بلاط الجهاز الحاكم رغبة منهم في الصلة والعطايا، ولكن السيد تنزّه عن هذه الوصمة و أناخ راحلته على عتبة أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ فلم يمدح شخصاً إلاّلضرورة، ولذلك تجد انّه يعيب البشار في شعره لما مدح من ليس أهلاً له، فأقبل عليه، وقال:

أيّها المادح العباد ليُعطى * إنّ للّه ما بأيدي العباد

فاسأل اللّه ما طلبت إليهم * وارجُ نفع المنزِّل العوّاد

لا تقُل في الجواد ما ليس فيه * وتسمّي البخيل باسم الجواد

قال بشار: من هذا؟ فعرفَه، فقال لولا أنّ هذا الرجل قد شُغل عنّا بمدح


1- الأغاني: 7/258 ـ 259.
2- طبقات الشعراء:7.


(23)

بني هاشم لشغلنا ، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا.(1)

كما نقل انّ السيد دخل على المهدي لما بايع لابنيه موسى و هارون، فانشأ يقول:

ما بال مجرى دمعك الساجم * أمن قذىً بات بها لازم

أم من هوى أنت له ساهر * صبابة من قلبك الهائم

آليت لا أمدح ذا نائل * من معشر غير بني هاشم

أولتهم عندي يد المصطفى * ذي الفضل والمنّ أبي القاسم

فانّها بيضاء محمودة * جزاؤها الشكر على العالم

جزاؤها حفظ أبي جعفر * خليفة الرحمن والقائم

وطاعة المهدي ثمّ ابنه * موسى على ذي الإربة الحازمِ

وللرشيد الرابع المرتضى * مفترض من حقّه اللاّزم

ملكهُم خمسون معدودة * برَغم أنف الحاسد الرّاغم

ليس علينا ما بقُوا غيرهم * في هذه الأُمّة من حاكم

حتى يَردّوها إلى هابط * عليه عيسى منهم ناجم(2)

وقد بلغ السيد في إخلاصه لأهل البيت انّه كان يجاهر بعقيدته ومودته لهم في مجلس الخلفاء وإن وُشي عليه ما وشي ولم يكن يتقي في ذلك أبداً.


1- الأغاني: 7/237.
2- الأغاني: 7/255ـ256


(24)

روى عبد اللّه بن أبي بكر العتكي انّ أبا الخلاّل العتكي دخل على عقبة بن مسلم والسيد عنده، وقد أمر له بجائزة، وكان أبو الخلاّل شيخ العشيرة وكبيرها، فقال له: أيُّها الأمير، أتعطي هذه العطايا رجلاً ما يَفتُرُ عن سبّ أبي بكر وعمر!، فقال له عقبة: ماعلمت ذاك ولا أعطيته إلاّ على العشرة والمودة القديمة وما يُوجبه حقُّه وجواره مع ما هو عليه من موالاة قوم يلزمنا حقُّهم ورعايتهم.

فقال له أبو الخلاّل: فمره إن كان صادقاً أن يمدح أبا بكر و عمر حتى نعرف براءته مما ينسب إليه من الرفض، فقال: قد سمعك، فإن شاء فعل، فقال السيد:

إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد * ولا عهده يوم الغدير المؤكّدا

فإنّي كمن يشري الضّلالة بالهدى * تنصَّر من بعد التّقى وتهوّدا

ومالي وتيم أو عديَّ و انّما * أُولو نعمتي في اللّه من آل أحمد

تتم صلاتي بالصلاة عليهم * وليست صلاتي بعد أن أتشهدا

بكاملة إن لم أصلِّ عليهم * وأدعُ لهم ربّاً كريماً ممجَّدا

بذلت لهم ودّي ونصحي ونصرتي * مدى الدهر ما سمّيت ياصاح سيداً

وإنّ امراً يلحى على صدق ودّهم * أحقّ وأولى فيهم أن يُفنّدا

فإن شئت فاختر عاجل الغم ضِلّةً * وإلاّ فأمسك كي تصان وتُحمدا

ثمّ نهض مغضباً، فقام أبو الخلاّل إلى عُقبة، فقال: أعِذْني من شرِّه، أعاذك اللّه من السوء أيّها الأمير.

قال: قد فعلت على ألاّ تعْرضَ له بعدها.(1)


1- الأغاني: 7/262ـ263.


(25)

ارتجاله في إنشاء الشعر

روى أبو الفرج الاصبهاني: كان السيد يأتي الأعمش فيكتب عنه فضائل علي «رضي اللّه عنه» ويخرج من عنده، ويقول في تلك المعاني شعراً، فخرج ذات يوم من عند بعض أُمراء الكوفة وقد حمله على فرس وخلع عليه، فوقف بالكُناسة، ثمّ قال: يا معشر الكوفيّين، من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعراً أعطيته فرسي هذا و ما عليَّ. فجعلوا يحدّثونه و ينشدهم، حتى أتاه رجل منهم، وقال: إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «رضي اللّه تعالى عنه» عزم على الركوب، فلبس ثيابه وأراد لُبس الخُفّ فلبس أحد خُفّيه، ثمّ أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقضّ عقاب من السماء فحلّق به ثمّ ألقاه فسقط منه أسود وانساب فدخل حُجراً، فلبس عليّ رضي اللّه عنه الخُفّ قال: ولم يكن قال في ذلك شيئاً، ففكّر هنيهة، ثمّ قال:

ألا يا قوم للعجب العجاب * لخُفّ أبي الحسين وللحُبابِ

أتى خُفّاً له وانساب فيه * لينْهش رجله منه بنابِ

فخرّمن السماء له عُقاب * من العِقْبان أو شبه العقابِ

فطار به فحلّق ثمّ أهوى * به للأرض من دون السّحابِ

إلى جُحر له فانساب فيه * بعيد القعر لم يُرتج ببابِ

كريهُ الوجه اسودُذو بصيص * حديدُ النّاب أزرق ذو لُعابِ

ودوفِع عن أبي حسن عليّ * نقيعُ سمامه بعد انسيابِ(1)


1- الأغاني: 7/256ـ257.


(26)

وزاد المرزباني بعد نقل القصة: ثمّ حرك فرسه وثناها و أعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر،وقال: إنّي لم أكن قلت في هذا شيئاً.(1)

صلته الوثيقة بالإمام الصادق

ـ عليه السَّلام ـ

إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يُثمِّنون جهود الشعراء المخلصين المجاهرين بالولاء الذين نذروا أنفسهم في هذا السبيل، ولبسوا في ذلك جلباب البلايا، منهم شاعرنا المفلق السيد إسماعيل فكان الإمام الصادق يتفقده حيناً بعد حين.

روي أنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ لقي السيد بن محمد الحميري، وقال: سمّتك أُمّك سيّداً، وفِّقت في ذلك، وأنت سيّد الشعراء، ثمّ أنشد السيّد في ذلك.

ولقد عجبت لقائل لي مرّة * علامة فهم من الفقهاء

سماك قومك سيِّداً صدقوا به * أنت الموفّق سيّد الشعراء

ما أنت حين تخصُّ آل محمّد * بالمدح منك وشاعر بسواء

مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم * والمدح منك لهم بغير عطاء

فابشر فانّك فايز في حبّهم * لو قد وردت عليهم بجزاء

ما يعدل الدنيا جميعاً كلّها * من حوض أحمد شربة من ماء(2)

مذهبه

كان السيد أباضي المنبت، ثمّ صار شيعياً كيسانياً، يقول بإمامة محمد بن


1- أخبار شعراء الشيعة: 171، ط عام 1413هـ.
2- رجال الكشي:245، ط النجف الأشرف.


(27)

الحنفية، لكنّه عدل عنه إلى الإمامية على يد الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وعليه أكثر المؤرّخين.

يقول السيد الحميري عن نفسه: كنت أقول بالغلو واعتقد غيبة محمد بن علي الملقب بابن الحنفية، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنَّ اللّه عليَّ بالصادق جعفر ابن محمد عليمها السَّلام وأنقذني به من النار و هداني إلى سواء الصراط... وتبت إلى اللّه تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أوّلها:

ولمّا رأيت الناس في الدين قد غووا * تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفروا

وناديت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت ان اللّه يعفو ويغفر

ودنت بدين غير ما كنت دايناً * به ونهاني سيد الناس جعفر

فقلت: فهبني قد تهوَّدت برهة * وإلاّفديني دين من يتنصّر

وإنّي إلى الرحمن من ذاك تائب * وإنّي قد أسلمت واللّه أكبر

فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أُخفي وأُضمر

ولا قائلاً حيٌّ برضوى محمّد * وإن عاب جُهال مقالي فأكثروا

ولكنّه ممّا مضى لسبيله * على أفضل الحالات يُقفى ويخبر

مع الطيبين الطاهرين الأُولى لهم * من المصطفى فرعٌ زكيٌّ وعنصر(1)

وهانحن نذكر بعض الكلمات، التي أشارت إلى مذهبه:

1. قال المرزباني: كان السيد بلا شكّ كيسانياً يذهب إلى أنّ محمد بن الحنفية هو القائم المهدي وانّه مقيم في جبال رضوى، وشعره في ذلك يدل على أنّه


1- الغدير: 2/245ـ 246.


(28)

كما ذكرنا كيسانياً فمن قوله:

يا شعب رضوى مالمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة ألوق

حتى متى وإلى متى وكم المدى * يا ابن الوصي وأنت حي ترزق

إنّي لآمل أن أراك وانّني * من أن أموت ولا أراك لأفرق

غير انّه رحمه اللّه رجع عن ذلك وذهب إلى إمامة الصادق ـ عليه السَّلام ـ وقال:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1)

ومن زعم انّ السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه وطاعن فيه، ومن أوضح ما دل على بطلان ذلك، دعاء الصادق ـ عليه السَّلام ـ وثناؤه عليه.(2)

2. وقال المعتز في طبقات الشعراء: حدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري راوية السيّد: كان السيّد أوّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد الحنفيّة، وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى

يابن الوصيِّ وأنت حيٌّ ترزق

والقصيدة مشهورة، وحدّثني محمد بن عبد اللّه، قال: قال السدري: ما زال السيّد يقول بذلك حتى لقي الصّادق ـ عليه السَّلام ـ بمكّة أيّام الحجّ فناظره وألزمه الحجّة، فرجع عن ذلك، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه عمّا كان عليه ويذكر الصادق :

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر * وأيقنت انّ اللّه يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(3)

ومن زعم ان السيد أقام على الكيسانية فهو بذلك كاذب عليه وطاعن فيه، ومن أوضح مادل على بطلان ذلك، دعاء الصادق عليه السلام وثناؤه عليه(4).

2. وقال المعتز في طبقات الشعراء: حدّثني محمد بن عبد الله قال: قال السدري راوية السيّد كان السيّد أوّل زمانه كيسانياً يقول برجعة محمد الحنفية، وأنشدني في ذلك:

حتى متى؟ وإلى متى؟ ومتى المدى * يابن الوصيِّوأنت حيٌّ ترزق


1- هذا البيت ذكره المعتز في طبقاته كما سيوافيك.
2- أخبار شعراء الشيعة: 165.
3- طبقات الشعراء: 7.
4- أخبار شعراء الشيعة 165.


(29)

والقصيدة مشهورة، وحدّثني محمد بن عبد الله، قال: قال السدري: ما زال السيّد يقول بذلك حتى لقي الصّادق عليه السلام بمكّة أيّام الحجّ فناظره وألزمه الحجّة، فرجع عن ذلك، فذلك قوله في تركه تلك المقالة ورجوعه كان عليه ويذكر الصادق:

تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت انّ الله يعفو ويغفر

ويثبت مهما شاء ربي بأمره * ويمحو ويقضي في الأُمور ويقدر(1).

3. وقال الصدوق: فلم يزل السيد ضالاً في أمر الغيبة يعتقدها في محمد بن الحنفية، حتى لقي الصادق جعفر بن محمد عليمها السَّلام ورأى منه علامات الإمامة وشاهد منه دلالات الوصية، فسأله عن الغيبة، فذكر له انّها حقٌّ، ولكنّها تقع بالثاني عشر من الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، وأخبره بموت محمد بن الحنفية وانّ أباه محمد بن علي ابن الحسين بن علي ـ عليه السَّلام ـ شاهد دفنه، فرجع السيد عن مقالته، واستغفر من اعتقاده ورجع إلى الحقّ عند اتضاحه له ودان بالإمامة.(2)

4. وقال المفيد: وكان من الكيسانية أبو هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الشاعر رحمه اللّه ، وله في مذهبهم أشعار كثيرة، ثمّ رجع عن القول بالكيسانية وتبرّأ منه ودان بالحقّ، لأنّ أبا عبد اللّه جعفر بن محمد عليمها السَّلام دعاه إلى إمامته، وأبان له عن فرض طاعته، فاستجاب له فقال بنظام الإمامة وفارق ما كان عليه.(3)


1- طبقات الشعراء: 7.
2- كمال الدين: 20.
3- الفصول المختارة:93.


(30)

5. وقال الإربلي: السيد الحميري رحمه اللّه كان كيسانياً يقول برجعة أبي القاسم محمد بن الحنفية فلما عرّفه الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ الحق والقول بمذهب الإمامية الاثني عشرية ترك ما كان عليه ورجع إلى الحقّ وقال به:

وينبئك عن مذهب الحقّ الصحيح قوله:

على آل الرسول وأقربيه * سلامٌ كلّما سجع الحمام

أليسوا في السماء هم نجوم * وهم أعلام عزّلا يرام

فيا من قد تحيّر في ضلال * أمير المؤمنين هو الإمام

رسول اللّه يوم غدير خمّ * أناف به وقد حضر الأنام

وثاني أمره الحسن المرجّى * له بيت المشاعر والمقام

وثالثه الحسين فليس يخفى * سنا بدر إذا اختلط الظلام

ورابعهم علي ذو المساعي * به للدين والدنيا قوام


(31)

وخامسهم محمد ارتضاه * له في المأثرات إذن مقام

وجعفر سادس النجباء بدر * ببهجته زها البدر التمام

وموسى سابع وله مقام * تقاصر عن أدانيه الكرام

علي ثان والقبر منه * بأرض الطوس إن قحطوا رهام

وتاسعهم طريد بني البغايا * محمّد الزكيّ له حسام

وعاشرهم عليّ وهو حصن * يحنُّ لفقده البلد الحرام

وحادى العشر مصباح المعالي * منير الضوء الحسن الهمام

وثاني العشر حان له القيام * محمد الزكي به اعتصام

أُولئك في الجنان بهم مساعي * وجيرتي الخوامس والسلام(1)


1- كشف الغمة:124، عنهالغدير: 2/251.


(32)

وفاته

أثار نبأ وفاة السيد ضجة كبيرة في المجتمع الكوفي، فقد توفّي السيد عام 173هـ، وقيل 178هـ(1).

روى المرزباني باسناده عن ابن أبي حودان، قال: حضرت السيد ببغداد عند موته، فقال لغلام له: إذا متُّ فأت مجمع البصريين وأعلمهم بموتي وما أظنه يجيء منهم إلاّرجل أو رجلان، ثمّ اذهب إلى مجمع الكوفيين فأعلمهم بموتي أنشدهم:

يا أهل كوفان إنّي وامق لكم * مذ كنت طفلاً إلى السبعين والكبر

أهواكم وأواليكم وأمدحكم * حتماً عليَّ كمحتوم من القدر

بحبّكم لوصي المصطفى وكفى * بالمصطفى وبه من سائر البشر

فاإلى أن قال:

وكفّنوني بياضاً لا يخالطه * شيء من الوشي أو من فاخر الحبر

ولا يشيعني النصّاب إنّهم * شرُّ البريّة من انثى و من ذكر


1- لسان الميزان:1/438.


(33)

عسى الإله ينجِّيني برحمته * ومدحي الغرر الزاكين من سقر

نّهم ليسارعون إليَّ ويكبرون ، فلما مات فعل الغلام ذلك، فما أتى من البصريين إلاّثلاثة معهم ثلاثة أكفان وعطر، وأتى من الكوفيين خلق عظيم ومعهم سبعون كفناً ووجّه الرشيد بأخيه علي وبأكفان وطيب، فردت أكفان العامة عليهم وكفن في أكفان الرشيد، وصلّى عليه علي بن المهدي وكبّر خمساً، و وقف على قبره إلى أن سطح ومضى كلّ ذلك بأمر الرشيد.(1)

ونقل أبو الفرج الاصبهاني، عن بشير بن عمّار، قال: حضرت وفاة السيد في الرُّميلة ببغداد، فوجه رسولاً إلى صفّّ الجزّارين الكوفيين يُعلمهم بحاله ووفاته، فغلط الرسول فذهب إلى صف السموسين فشتموه ولعنوه، فعلم أنّه قد غلط، فعاد إلى الكوفيين يُعلمهم بحاله ووفاته، فوافاه سبعون كفناً، قال: وحضرناه جميعاً، وانّه ليتحسّر تحسراً شديداً وإن وجهه لأسود كالقار وما يتكلم، إلى أن أفاق إفاقة، وفتح عينيه، فنظر إلى ناحية القبلة، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أتفعل هذا بوليك! قالها ثلاث مرات ، مرة بعد أُخرى.

قال: فتجلّى واللّه في جبهته عرق بياض، فما زال يتسع ويلبس وجهه حتى صار كلّه كالبدر، وتوفي فأخذناه في جهازه و دفناه في الجنينة ببغداد، وذلك في خلافة الرشيد.(2)

نعم ثمة أوهام حيكت حول وفاة السيد نشير إلى بعضها:


1- أخبار شعراء الشيعة: 170.
2- الأغاني: 7/278.


(34)

قال أبو الفرج الاصبهاني : كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيد، فدعا له و ترحّم عليه، فقال رجل: يابن رسول اللّه، تدعو له وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرَّجعة، فقال: حدثني أبي عن جدّي، انّ محبِّي آل محمّد لا يموتون إلاّ تائبين وقد تاب، ورفع مُصلّى كانت تحته، فأخرج كتاباً من السيد يعرِّفه فيه انّه قد تاب ويسأله الدعاء له.(1)

أقول: إنّ ما ذكره صاحب الأغاني لا يوافق التاريخ القطعي، فانّ الإمام توفي عام 148هـ، و توفّي السيد عام 173هـ وعلى قول178هـ، فكيف يصحّ ما ذكره ؟!

ويقرب من ذلك ما ذكره الكشي بسنده عن محمد بن النعمان، قال: دخلت على السيد بن محمد، وهو لما به قد اسود وجهه وازرقت عيناه وعطش كبده وسلب الكلام، وهو يومئذ يقول بمحمد بن الحنفية، وهو من حشمه، وكان ممّن يشرب المسكر فجئت، وكان قد قدم أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ الكوفة، لأنّه كان انصرف من عند أبي جعفر المنصور، فدخلت على أبي عبد اللّه، فقلت: جعلت فداك انّي فارقت السيد بن محمد الحميري، وهو لما به قد اسودّ وجهه وازرقت عيناه وعطش كبده وسلب الكلام فانّه كان يشرب المسكر.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : اسرجوا حماري، فاسرج له فركب ومضى، ومضيت معه، حتى دخلنا على السيد وانّ جماعة محدقون به، فجلس أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عند رأسه، وقال: يا سيد، ففتح عينه ينظر إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ولا يمكنه الكلام وقد اسودّ وجهه، فجعل يبكي وعينه إلى أبي عبد اللّه، ولا يمكنه الكلام، وانا لنتبين فيه انّه يريد الكلام ولا يمكنه ، فرأينا أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ حرك شفتيه فنطق السيد،


1- الأغاني: 7/277.


(35)

فقال: جعلني اللّه فداك، أبأوليائك يفعل هذا؟

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : يا سيد قل بالحقّ يكشف اللّه ما بك ويرحمك ويدخلك جنته التي وعد أولياءه، فقال في ذلك:

تجعفرت باسم اللّه و اللّه أكبر * وأيقـنت انّ اللّه يعفـو ويغفـر

فلم يبرح أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ حتى قعد السيد على أسته.(1)

إنّ المتبادر من الخبر انّ السيد كان في حالة الاحتضار، وانّه اعتنق المذهب الإمامي في ذلك الوقت، مع أنّك عرفت انّ السيد قد توفّي بعد وفاة الإمام الصادق بسنوات طويلة.

وليس من البعيد أن يُتّهم السيد بشرب النبيذ للحط من مكانته، و من كان محبّاً للوصي ـ عليه السَّلام ـ ومتفانياً في حبه، كيف يخالفه، وانّه ليعلم أنّ شرب النبيذ أبشع منكر عنده.

ويظهر من الحجاج الذي دار بينه و بين شاعر أهل البيت الكميت الأسدي، انّ السيد كان عارفاً بالكتاب والسنّة وإقامة الحجج الدامغة وإفحام الخصم، فمن تنوّر قلبه بالكتاب والسنّة، كيف يشرب النبيذ أواخر عمره، ونكتفي هنا بسرد هذه الواقعة التاريخية التي تكشف بوضوح عن تضلّعه في العلم والفقه والتاريخ.

قال المرزباني: قيل إنّ السيد حجّ في أيّام هشام، فلقي الكميت فسلّم عليه، وقال: أنت القائل:


1- رجال الكشي:244ـ 245،ط النجف الأشرف.


(36)

ولا أقول إذا لم يعطيــا فدكــا * بنت الرسول ولا ميـراثه كفــــرا

اللّه يعلـم ماذا تـأتيـــان بـــه * يوم القيامة من عذر إذاح ضرا

قال: نعم، قلته تقية من بني أُميّة، وفي مضمون قولي شهادة عليهما إنّهما أخذا ما كان في يدها.

فقال السيد: لولا إقامة الحجّة لوسعني السكوت لقد ضعفت يا هذا عن الحق، يقول رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : فاطمة بضعة منّي يريبني مارابها، وانّ اللّه يغضب لغضبها ويرضى لرضاها، فخالفت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهب لها فدكاً بأمر اللّه له، وشهد لها أمير المؤمنين والحسن والحسين وأُمّ أيمن بأنّ رسول اللّه أقطع فاطمة فدكاً فلم يحكما لها بذلك، واللّه تعالى يقول: (يَرِثُني وَيَرثُ مِنْ آل يَعْقُوب) (1) ويقول: (وَوَرِثَ سُليمان داود)(2). وهم يجعلون سبب مصير الخلافة إليهم، الصلاة وشهادة المرأة لأبيها انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: مروا فلاناً بالصلاة بالناس، فصدقت المرأة لأبيها، ولم تصدق فاطمة والحسن والحسين وأُم أيمن في مثل فدك، وتطالب مثل فاطمة بالبيّنة على ما ادّعت لأبيها.

وتقول أنت مثل هذا القول و بعد فما تقول في رجل حلف بالطلاق انّ الذي طلبت فاطمة ـ عليها السَّلام ـ هو حق وإنّ عليّاً والحسن والحسين وأُمّ أيمن ما شهدوا إلاّ بحق ما تقول في طلاقه؟ قال: ما عليه طلاق.

قال: فإن حلف بالطلاق إنّهم قالوا غير الحقّ؟

قال: يقع الطلاق، لأنّهم لا يقولون إلاّالحقّ، قال: فانظر في أمرك، فقال


1- النساء: 19.
2- النمل: 27.


(37)

الكميت: أنا تائب إلى اللّه مما قلت، وأنت أبا هاشم أعلم وأفقه منّا.

ومن ت(1)تبع شعره الطافح بالكتاب والسنّة ، وثباته على المبدأ وتحمل المصائب والمشاق في سبيل عقيدته، لوقف على سخافة ما اتّهم به من شرب الخمر والنبيذ.

وأين الصامد في سبيل الحق من المخمور الذي لا يبالي بما يدور حوله؟!

هذه نبذة مختصرة من سيرة السيد الحميري و أخباره وشعره، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر التي تعرضت لبيان اخبار السيد وأخص بالذكر منها :

أ: الأغاني(2) لأبي الفرج الاصبهاني المتوفّى عام 356هـ.

ب: أخبار السيد الحميري، تأليف أبي عبد اللّه محمد بن عمران المرزباني الخراساني المتوفّى عام 384هـ، تحقيق الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني.

مضافاً إلى ما في المعاجم والتراجم حول السيد، كأعيان الشيعة للسيد الأمين، والغدير للشيخ الأميني، وقد بلغوا الغاية، شكر اللّه مساعيهم.

ثمّ إنّ هناك من جمع أخبار السيد في كتب خاصة من أصحابنا وغيرهم.

فقد ذكر النجاشي من جمع أخبار السيد، وقال:

أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز أبو عبد اللّه شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب منها اخبار السيد بن محمد.(3)

وقال: إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان له كتاب أخبار السيد، وكتاب


1- الأغاني: 7/229ـ 278 و 4/2 و 6/206و 8/276 و18/254.
2- أخبار شعراء الشيعة: 178ـ 179.
3- رجال النجاشي برقم 209.


(38)

مجالس هشام.(1)

وقال: عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي، شيخ البصرة واخباريّها، ثمّ ذكر تآليفه الكثيرة، منها: اخبار السيد بن محمد.(2)

وقد عقد الدكتور الشيخ هادي الأميني محقق كتاب اخبار السيد للمرزباني عنواناً لمن ألف في أخباره وذكر منهم:

1. أحمد بن محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن عباس بن إبراهيم بن أيّوب الجوهري (المتوفّى عام 401هـ).

2. أحمد بن إبراهيم بن المعلّى بن العمي ينسب إلى العم، وهو مرة بن مالك ابن حنظلة بن زيد مناة بني تميم.(3)

3. صالح بن محمد الصرابي شيخ أبي الحسن الجندي.(4)

4. كاظم بن الشيخ باقر بن حسين مظفر له أخبار وشعر السيد.(5)

قصيدته العينيّة

لقد نالت قصيدتان من قصائد السيد أقبالاً واسعاً من قبل الأُدباء والشعراء، و أكبّ غير واحد من المحقّقين على شرحهما وهما:

1. القصيدة المذهَّبة التي مستهلها:


1- رجال النجاشي برقم 175.
2- رجال النجاشي برقم 638.
3- رجال الطوسي برقم 30; رجال النجاشي برقم 70.
4- رجال النجاشي برقم 141.
5- معجم رجال الفكر و الأدب:419.


(39)

هلا وقعت على المكان المُعْشب * بين الطويلع فاللوى من كُبكُب

وتناهز القصيدة 112بيتاً، شرحها السيد الشريف المرتضى (المتوفّى عام 436) وطبع في مصر عام 313هـ، كما شرحها الحافظ النسابة المعروف بتاج العلى الحسيني (المتوفّى عام 610هـ).

2. القصيدة العينية التي مستهلّها:

لأُمّ عمر باللوى مربع * طامسة أعلامه بلقع

التي تناهز 54 بيتاً شرحها غير واحد من المحقّقين والأُدباء، كما اعتنى بها أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بالسماع، و دعوة الآخرين الى سماعها وحفظها كما سيوافيك، وقد شرحها أعلام الطائفة، وقد ناهزت شروح القصيدة 15 شرحاً. وقد وقفنا على بعضها وذكر قسماً منها شيخنا المجيز الطهراني، وبعضاً منها شيخنا المحقّق الأميني وإليك أسماؤهم:

1. الشيخ حسين بن جمال الدين الخوانساري(المتوفّى عام 1099هـ).

2. ميرزا علي خان الكلبايكاني تلميذ العلاّمة المجلسي.

3. المولى محمد قاسم الهزار جريبي(المتوفّى عام 1112هـ) وقد صنّف فيها التحفة الأحمدية.

4. بهاء الدين محمد بن تاج الدين الحسن الاصبهاني الشهير بالفاضل الهندي(1062 ـ 1135هـ) و هذا هو الذي يزفّه الطبع إلى القرّاء الكرام، وسنقوم بترجمة الشارح عن قريب.

5. الحاج المولى محمّد حسين القزويني المتوفّى في القرن الثاني عشر.

6. الحاج المولى صالح بن محمّد البرغاني.


(40)

7. الحاج ميرزا محمد رضا القراجة داغي التبريزي، فرغ منه سنة 1289هـ وطبع في تبريز سنة 1301هـ.

8. السيّد محمّد عبّاس بن السيِّد علي أكبر الموسوي (المتوفّى 1306هـ)، أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر.

9. الحاج المولى حسن بن الحاج محمّد إبراهيم بن الحاج محتشم الأردكاني (المتوفّى عام1315هـ).

10. الشيخ بخشعلي اليزدي الحائري (المتوفّى 1320هـ).

11. ميرزا فضل علي بن المولى عبد الكريم الإرواني التبريزي (المتوفّى سنة 1337هـ) مؤلِّف «حدائق العارفين».

12. الشيخ علي بن علي رضا الخوئي (المتوفّى 1350هـ).

13. السيد أنور حسين الهندي (المتوفّى 1350هـ).

14. السيّد علي أكبر بن السيِّد رضي الرضوي القمي .

15. الحاج المولى علي التبريزي مؤلِّف (وقائع الأيّام) المطبوع.(1)

قد كان لقصيدته العينية التي نحن بصدد التقديم لها دويّ واسع في المجتمع الإسلامي، وهذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يُشيد بهذه القصيدة ويضرب ستراً لتسمعها النساء.

روى في الأغاني عن فُضيل الرسان، قال: دخلت على جعفر بن محمد أُعزيه عن عمّه زيد، ثمّ قلت له: ألا أنشدك شعر السيد؟ فقال: أنشد، فأنشدته قصيدة يقول فيها:


1- الغدير:2/224.


(41)

فالناس يوم البعث رايتهم * خمس فمنها هالك أربع

قائدها العجل وفرعونهم * وسامري الامّة المفظع

ومارق من دينه مخرج * أسود عبدٌ لكعٌ أوكع

و راية قائدها وجهه * كأنّه الشمس إذا تطلع

فسمعت مجيباً من وراء الستور، فقال: من قائل هذا الشعر؟ فقلت: السيّد! فقال: رحمه اللّه.(1)

روى المرزباني، قال: حدثني فضيل بن عمر الحبال، قال: دخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بعد قتل زيد ـ عليه السَّلام ـ فجعل يبكي، ويقول: رحم اللّه زيداً انّه العالم الصدوق، ولو ملك أمراً لعرف أين يضعه.

فقلت: أنشدك شعر السيد؟ فقال: امهل قليلاً، وأمر بستور، فسدلت، وفتحت أبواب غير الأُولى، ثمّ قال: هات ما عندك فأنشدته:

لأُمّ عمرو باللوى مربع * دارسة أعلامه بلقـع(2)


1- الأغاني:7/252، وما في ذيله من العبارة المشعرة بوفاة السيد حين إنشاء الشعر فموضوعة ،لأنّ السيد توفي بعد وفاة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ .
2- أخبار شعراء الشيعة:159.


(42)

وظاهر هذين النصين انّ المجلس انعقد بعد وفاة زيد الشهيد بقليل. لأنّ فُضيل الرسان دخل على جعفر بن محمد الصادق ليعزِّيه عن عمه، وقد استشهد زيد في صفر عام 122هـ أو 123هـ وعلى ذلك، فقد انشأ السيد القصيدة في هذه السنة أو قريبة منها و بما انّه ولد عام 105هـ فقد كان في ريعان شبابه حين قتل زيد وانشأ القصيدة في تلك الأيّام .

ولا غرو في ذلك، وقد نقل المرزباني عن العباسة بنت السيد، انّها قالت: قال لي أبي: كنت وأنا صبي أسمع أبويَّ يثلبان أمير المؤمنينعليه السَّلام فأخرج عنهما وأبقى جائعاً، واوثر ذلك على الرجوع إليهما، فأبيت في المساجد جائعاً لحبّي فراقهما وبغضي إيّاهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثمّ خرجت، فلمّا كبرت قليلاً وعقلت وبدأت أقول الشعر....(1)

ونقل المرزباني عن أبي إسماعيل إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن طباطبا، قال: سمعت زيد بن موسى بن جعفر، يقول: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في النوم و قدّامه رجل جالس عليه ثياب بيض، فنظرت إليه فلم أعرفه، إذ التفت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فقال له: يا سيد، أنشدني قولك:«لأُمِّ عمرو في اللِّوى مَرْبَعُ».

فأنشده إيّاها كلّها ما غادر منها بيتاً واحداً، فحفظتها عنه كلّها في النوم. قال أبو إسماعيل: وكان زيد بن موسى لحّاناً رديّ الانشاد، فكان إذا أنشد هذه القصيدة لم يتعتع فيها ولم يلحن.(2)

وقد نقل العلاّمة المجلسي مناماً عن علي بن موسى الرضا، نقله عنه سهل


1- أخبار شعراء الشيعة:154.
2- المصدر نفسه:161ـ162، وقريب منه ما نقله الشريف الرضي في حقائق الأئمّة.


(43)

ابن ظبيان يتعلق بهذه القصيدة وقائلها.(1)

إلى هنا تم ما كنّا نرمي إليه من ترجمة سيد الشعراء السيد إسماعيل الحميري، و ما يرجع إلى قصيدته العينيّة.

ولا يفوتنا أن نعرج على سيرة شارح هذه القصيدة، أعني: الشيخ بهاءالدين محمد بن الحسن الاصفهاني المعروف بـ«الفاضل الهندي»(1062ـ 1137هـ) .

بما انّه طال بنا الكلام في المقام نذكر شيئاً مختصراً عن حياته ونحيل التفصيل إلى كتب السير والمعاجم لا سيما الترجمة الوافية التي قدمت له في مستهل كتابه «كشف اللثام عن قواعد الأحكام».

ترجمة الشارح

قد قام بشرح القصيدة العينية نابغة عصره وفريد دهره أبو الفضل بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني المشهور بالفاضل الهندي(1062ـ 1137هـ) مؤلف الموسوعة الفقهية الضخمة المسماة بـ«كشف اللثام عن قواعد الأحكام» إلى غير ذلك من الآثار العلمية.

يحدّثنا التاريخ انّ لفيفاً من نوابغ المجتهدين، قد نالوا درجة الاجتهاد وهم بعدُ في سن مبكر لم يبلغوا الحلم.

منهم على سبيل المثال: العلاّمة الحلّي.

قال سيدنا الأمين في أعيان الشيعة: برع في المعقول والمنقول وتقدم وهو في عصر الصبا على العلماء الفحول.(2)


1- بحار الأنوار:47/328ـ 332.
2- أعيان الشيعة:24/279.


(44)

ومنهم نجله محمد بن الحسن المعروف بفخر المحقّقين(683ـ 772) وذلك لأنّ والده ألّف كتاب القواعد باستدعاء ولده فخر المحقّقين.

وقال العلاّمة في خطبة القواعد: فهذا كتاب «قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام» لخصت فيه لبّ الفتاوى خاصة، وبينت فيه قواعد أحكام الخاصة، إجابة لالتماس أحبّ الناس إليّ وأعزّهم عليّ، وهو الولد العزيز محمد الذي أرجو من اللّه طول عمره بعدي.(1)

وذكر ذلك أيضاً نفس فخر المحقّقين في شرحه لهذا الكتاب، قال في شرح خطبة القواعد:

إنّي لما اشتغلت على والدي قدّس اللّه سرّه في المعقول والمنقول وقرأت عليه كثيراً من كتب أصحابنا، فالتمست منه أن يعمل لي كتاباً في الفقه جامعاً لقواعده حاوياً لفرائده، مشتملاً على غوامضه ودقائقه، جامعاً لأسراره وحقائقه، يبني مسائله على علم الأُصولين وعلى علم البرهان.(2)

هذا من جانب،ومن جانب آخر فانّ العلاّمة يصرّح في خاتمة كتاب القواعد انّه فرغ منه بعد ان بلغ من العمر الخمسين ودخل في عشرة الستين.

وبما انّ العلاّمة من مواليد عام 648 هـ فقد فرغ عنه عام 698هـ فيكون عمر ولده فخر المحقّقين عند إتمام الكتاب 15 سنة أو 16 سنة ، فلو استغرق تأليف هذا الكتاب سنتين فقد ألفه لولده وهو ابن 14 سنة.

ويؤيد ذلك انّ العلاّمة فهرس أسماء كتبه في «خلاصة الأقوال في معرفة


1- قواعد الأحكام:2، الطبعة الحجرية.
2- إيضاح الفوائد: 1/9.


(45)

الرجال»، وذكر منها «قواعد الاحكام في معرفة الحلال والحرام»، وقد ألّف الخلاصة عام 693(1)، فلولده فخر المحقّقين من العمر يومذاك 11 سنة.

ومنهم شيخنا المترجم شارح القصيدة فانّه بعد ما ذكر قصة تأليف العلاّمة كتابه القواعد لولده، قال: وقد يستبعد ذلك، ثمّ شرع في رفع الاستبعاد، وقال: وقد فرغت من تحصيل العلوم معقولها ومنقولها ولم أكمل ثلاث عشرة سنة، وشرعت في التصنيف ولم أكمل احدى عشرة، وصنفت « منية الحريص على فهم شرح التلخيص» ولم أكمل تسع عشرة سنة. وقد كنت عملت قبله من كتبي ما ينيف على عشرة من متون وشروح وحواشي، كـ«التلخيص في البلاغة» وتوابعها،و«الزبدة في أُصول الدين»، و«الخود البريعة في أُصول الشريعة» وشروحها و«الكاشف»، وحواشي شرح عقائد النسفية، وكنت ألقي من الدروس وأنا ابن عشر سنين شرحي التلخيص للتفتازاني مختصره ومطوله.(2)

هذا ولكن الذي يدل على نبوغ مؤلفنا الشارح هي الآثار العلمية التي تركها للأجيال الآتية، فانّ كتابه «كشف اللثام» آية نبوغه في الفقه وبراعته في الاستنباط.

ويكفي في قيمة هذا الكتاب ما نقله المحدّث القمي، عن أُستاذه المحدث النوري، عن شيخه الشيخ عبد الحسين انّ صاحب الجواهر كان يعتمد على كتاب «كشف اللثام» على نحو لا يكتب شيئاًمن موسوعته إلاّ بعد الرجوع إلى ذلك الكتاب.

ومن لاحظ كتاب الجواهر أيقن انّه اعتمد على كشف اللثام في موارد


1- خلاصة الأقوال: برقم 274.
2- كشف اللثام: المقدمة:1/112.


(46)

كثيرة، كما اعتمد هو على موسوعات أُخرى أبرزها كتاب «الرياض» للسيد علي الطباطبائي، و «مجمع الفائدة» للأردبيلي و «المسالك» للشهيد الثاني، وفي الحقيقة كتاب الجواهر يشكل عصارة هذه الموسوعات مضافاً إلى تحقيقاته الرشيقة.

وقد برز نبوغ الفاضل الهندي وراح يشق طريقه وسط أجواء سادتها الحركة الاخبارية وهيمنت على معظم الأفكار، وكان هو أحد القلائل الذين ظلّوا أو فياء للحركة الفقهية الموروثة من المحقّقين الكبار نظير: المحقّق الكركي(المتوفّى عام 940هـ)، و زين الدين الشهيد الثاني(المتوفّى عام 965هـ)، والمحقّق الأردبيلي(المتوفّى عام 993هـ)، وصاحب المدارك السيد محمد بن علي الموسوي (المتوفى عام 1009هـ)، ونجل الشهيد الثاني الشيخ حسن بن زين الدين (المتوفى عام 1111هـ)، والمحقّق السبزواري صاحب كفاية الأحكام (المتوفى عام 1090هـ)، الآقا حسين الخوانساري (المتوفى عام 1098هـ)، و المحقّق الشيرواني (المتوفى عام 1099هـ) إلى أن وصلت النوبة إلى الشارح تاج المحقّقين والفقهاء فخر المدققين والعلماء الفاضل الهندي، وبكتابه هذا حفظ التراث الفقهي الاجتهادي.

المرء بأفكاره وآرائه

إنّ الآثار الجلائل التي تركها شيخنا المؤلف تعرب عن تضلعه في أكثر العلوم الإسلامية، لا سيما في الفقه والأُصول والأدب العربي، وقد امتاز بالتنوع في الموضوع، وقد برز من قلمه ما يناهز 80 كتاباً.(1)

ولو أضيف إليه ما ألّفه من رسائل وكتيبات ربما ناهز المائة والخمسين بين


1- الفوائد الرضوية:487.


(47)

كتاب ورسالة، وقد استقصى صديقنا الجليل الشيخ عبد الرسول جعفريان أسماء تآليفه في تقديمه لكتاب كشف اللثام فوقف منها على42 كتاباً.(1)

وقد لعب الزمان بآثاره كما لعب بآثار الآخرين. فاللازم تركيز البحث على كتابه الذي نحن بصدد التقديم له وهو: «اللآلئ العبقرية في شرح العينية الحميرية» وقبل أن ننوه بهذا الشرح ومميزاته أود أن أُشير إلى بعض الكلمات التي قيلت في حقّه من قبل العلماء:

1. يقول المحقق الشيخ أسد اللّه التستري (المتوفّى عام 1237هـ):

ومنهم الاصفهاني المحقّق المدقق، النحرير الفقيه، الحكيم المتكلم، المولى بهاء الدين محمد بن الحسن الاصفهاني الشهير بالفاضل الهندي... وكان مولده سنة 62 بعد الألف ونشؤه في بدو حاله وصغره في بلاد الهند ولذا نسب إليها وجرت له فيها مع المخالفين مناظرة في الإمامة معروفة على الألسنة.

وصنف من أوائل دخوله في العشر الثاني كتباً ورسائل وتعليقات في العلوم الأدبية والأُصول الدينيةوالفقهية أيضاً.

منها ملخص التلخيص وشرحه، كلاهما في مجلد صغير جداً، وهو موجود عندي، ولعلّه أوّل مصنّفاته، وفرغ من المعقول و المنقول ولم يكمل ثلاث عشرة سنة كما صرح نفسه به، وهو صاحب المناهج السوية في شرح الروضة البهية، رأيت جملة من مجلداتها في العبادات وهي مبسوطة ومشحونة بالفوائد والتحقيقات وتاريخ ختام كتاب الصلاة منها سنة الثماني وثمانين بعد الألف، فيكون عمره خمساً وعشرين سنة.


1- كشف اللثام، قسم التقديم:46ـ 65.


(48)

وله أيضاً كشف اللثام عن قواعد الأحكام شرع فيه أوّلاً من النكاح وأنهاه إلى الختام وسلك فيه النمط الأوسط الذي هو أقرب إلى الاختصار، ثمّ بدأ من الأوّل مع استيفاء للمهم من الأدلّة والأقوال ولا سيما أقوال القدماء الأبرار، ولم يبرز منه قيماً وجدنا ونقل إلاّ الطهارة والحج وكذا الصلاة إلاّ انّها ناقصة.

وله ملخص الشفاء لابن سينا.(1)

2. يقول الخوانساري: إنّ المستفاد من بعض خطوطه التي ألقيناها بالعيان كونه في سنة سبع وسبعين بعد الألف في عداد فضلائنا الأعيان، والمشار إليهم بين الطائفة وغيرها بالبنان.(2)

3. يقول السيد جلال الدين الاشتياني: إنّي عثرت على عبارة في الماضي منقولة عن شخص كان يعيش في أواخر الدولة الصفوية كتب: فيها: إنّي رأيت في المدرسة صبياً مراهقاً، ماهراً في الأبحاث العلمية، وحائزاً لمرتبة عالية في العلوم العصرية، وآثار النبوغ تلوح من ناصيته بوضوح، فسألت عن نسبه، فقالوا: هو ابن الملا تاج الدين، اسمه محمد بهاء الدين.(3)

وقبل أن أذكر انطباعي عن هذا الكتاب، أود أن أشير إلى ما كتبه صاحب الروضات تعليقاً على ذلك الكتاب، قال: إنّ هذا الكتاب أقوى دليل على كون الرجل قد وجد من كلّ فن من فنون العربية كنزه.(4)

فرغ منها سنة 1089هـ.


1- مقابس الأنوار:18، الطبعة الحجرية.
2- روضات الجنات:7/116.
3- منتخبات آثار الحكماء:3/544 في الهامش.
4- روضات الجنات:7/112 ، برقم 608.


(49)

ملامح الكتاب و مميّزاته

من ألقى نظرة على ذلك الكتاب، ولو نظرة عابرة يذعن بأنّ الشارح كاتب قدير له إحاطة تامة بمفردات اللغة العربية، وقواعدها، ومعانيها، ويكفيك في ذلك قراءة خطبة الكتاب، فانّ النص الموجود فيه وإن كان على نظام السجع الرائج في القرن الثاني عشر، لكنّه يستخدم غريب الألفاظ بشكل يعرب عن إلمامه باللغة العربية بشكل واسع.

هذا هو أوّل ما يظهر للإنسان من قراءة صفحات من الكتاب، وأمّا إذا قرأه بدقة و إمعان حينها تنكشف له مميزات الكتاب وملامحه التي تتلخص في النقاط التالية:

1. بيان معاني المفردات

لما كانت القصيدة الحميرية لشاعر عربي صميم وقد أخذ بناصية اللغة العربية، فأودع فيها الاصطلاحات الرائجة في البادية، راح الشارح إلى بيان مفردات البيت ومعانيها اللغوية، وما يشتق منها من الأسماء والأفعال وفي كلّ ذلك يشبع الموضوع على وجه لا يترك شاردة ولا واردة إلاّ ويخوض فيها.

ثمّ يشرع ببيان إعرابالكلمات الواردة في البيت، فيذكر جميع الوجوه المحتملة مشيراً إلى آراء أكابر العلماء، ثمّ يذكر رأيه بعد ذلك مع ذكر الدليل الذي دعاه إلى تبنّي هذا الرأي أو ذاك.

والنكتة الجديرة بالذكر انّه ربما يوافق رأي القائل الذي لا يتفق معه في العقيدة، ويرفض قول الآخر وإن كانت ينسجم معه في المبدأ.


(50)

ثمّ بعد أن ينهي اعراب البيت يأخذ ببيان النكات الأدبية والبلاغية في القصيدة تحت عنوان (مسائل) أو البيان ويتمتع كلّ ذلك بدقة الملاحظة وجودة التفكير.

2. استعراض التفاسير المطروحة وتقييمها

ومن المميزات البارزة أيضاً في هذا الشرح أنّ القارئ يلتقي فيه مع ذهن وقاد وعقلية كبيرة، قادرة على التحليق في سماء المعاني وذكر الفروض المحتملة التي يمكن أن تكون مرادة للشاعر، مما يضفي على الشرح جمالية أكبر وقعة للقارئ، فعلى سبيل المثال: نرى انّه يتطرق إلى سبب تسمية القصيدة بالعينية يذكر لها احتمالات ستة، ويذكر لكلّ وجهه العلمي والأدبي، وبالتالي يعلم انّ المؤلف ليس ناقلاً للآراء ومدوِّناً لها، بل نراه ناقلاً ومحقّقاً للآراء المطروحة فلا يختار إلاّ عن حجة ولا يرفض إلاّ كذلك.

3. الأمانة في النقل

ومن المميزات البارزة هي الأمانة في النقل، وهذه ميزة شاخصة عند المؤلف حيث حاول الإشارة إلى جميع المصادر التي اعتمدها، ويستنبط منها خاصية أُخرى وهي رجوعه إلى مصادر كثيرة و ما يرافقه من جهود كبيرة ومضنية.

4. محاولة ربط القصيدة بالواقع الموضوعي

ومن ميزات هذا الشرح هو محاولة الشارح الربط بين القصيدة و الواقع الموضوعي السياسي والاجتماعي الذي عاشه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ مما يُضفي على


(51)

القصيدة صفة كونها وثيقة تاريخية واجتماعية تحكي عن تلك الفترة التي عاشها الإمام ـ عليه السَّلام ـ وعن طبيعة المجتمع الذي كان يحيط به عليه السلام.

5. دعم موقفه بآيات الذكر الحكيم

ومن المميزات الأُخرى هي قدرة المؤلف على دعم آرائه بآيات الذكر الحكيم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على تبحر الشارح في فهم القرآن الكريم، ولذلك تراه في أكثر البحوث التي يوردها يستنجد بالقرآن الكريم لدعم حجته وتأييد رأيه .

إلى غير ذلك من المميزات التي يقف عليها القارئ حين مطالعته.

نسخ الكتاب

توجد نسخ خطية من هذا الكتاب في المكتبات:

1. نسخة مكتبة الجامعة برقم 1870(1)، وكتب صاحب الروضات عليها تعليقته التي نقلناه من كتابه.

2.نسخة مؤلفة من 224(2) ورقة في مكتبة السيد المرعشي تحت رقم 479، وعلى ظهر النسخة تملكات لأشخاص مختلفين سقط من آخرها سبع ورقات.

3.نسخة في مكتبة السيد المرعشي تحت رقم 1814 في 232 ورقة كتبها ابن علي محمد علي وفرغ من استنساخها عام 1233.

وقد اتخذ محقّق الكتاب هاتين النسختين الأخيرتين أصلاً، وراجع في


1- الذريعة:18/259 رقم 17.
2- وقد كتب في فهرس النسخة انّها ذات 211 ورقة ولكنّه خطأوقد سقط من آخرها سبع ورقات.


(52)

استخراج ما نقل فيه إلى المصادر ، وتحمل في ذلك جهداً كبيراً وذلك لأنّ الشارح عكف على جمع النسخ من هنا و هناك، وبذلك صار ذا مكتبة عظيمة نوّه بها صاحب رياض العلماء في مواضع كثيرة من كتابه.

نحمده سبحانه على إنجاز هذا المشروع ونشره في الأوساط الإسلامية.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

شوال المكرم من شهور عام 1420


(53)

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا على قافية قفو (1) الأقاويل، وقفية (2) مقالة قالة الأراجيل (3)، مفتتح ناسخ الأناجيل، و مختتم (4) الدعوة في الظلّ الظليل.

أعني: حمد جليل ليس كمثله جليل، باعث الرسل الهداة من الأضاليل، ناصب الخلفاء مُحاة الأباطيل، متمّم حججه على كلّ عزيز وذليل، موضح سواطع براهينه لجملة أُولي الأبصار من حديد وكليل.

وإهداء أشرف التحايا وأتحف الهدايا وهي ما لا يناله بدهمة(5) ولا تأميل، من أفاضل الصلوات الكُمّل الباقية ببقاء الأهاليل(6)، إلى أشرف أرباب


1- قفا أثره: يقفو قَفْواً وقُفُوّاً: تبعه. لسان العرب: «قفا».
2- القفيّة: المختار، واقتفاه، إذا اختاره. لسان العرب: «قفا».
3- الرجيل من الكلام، والجمع أرجلة وأراجل وأراجيل: المرتجل، يقال ارتجل الكلام: تكلم به من غير أن يهيئه.
4- المفتتح والمختتم: هو القرآن الكريم.
5- دَهَمَ ، دَهِمَ الأمرُ: غشيه.
6- أهاليل(نادرة)، وأهلّة، جمع هلال: غُرَّة الشهر.


(54)

الدِّلِّيلي(1) من كلّ نبيّ، شافي للعليل، نافي لكلّ داء عتيل(2)، منجي من كلّ درجيل، وأفضل ثُبات الرسل أصحاب الأكاليل من كلّ ربِّ تنويل وتفضيل، وصاحب تحريم وتحليل، ودافع تلبيس وتضليل: محمد شافع الأُمم بلا تعلُّل ولا تهليل، صاحب رايات الحمد والتكبير والتسبيح والتهليل.

وإلى آله المخدومين لجبرائيل وميكائيل، العالمين بكافّة الموازين والمكائيل، المحتوم طاعتهم على الأُمم قاطبة بلا ترخيص ولا تسهيل، المفروض ولايتهم على كلّ الخلائق من الثقلين والملائكة ومَن عداهم بلا قيل، لهاميم(3) هداة السبيل، يآفيخ(4) نُفاة كلّ خُزَعبِيل(5)، عرانين سادة كلّ جيل، صناديد قادة كلّ قبيل من دبير وقبيل.

ولا سيّما يعلول(6) اليعاليل، وبهلول(7) البهاليل، قائد الغرّ أُولي التحجيل، ساقي الكوثر والسلسبيل والزنجيل، صاحب راية الحمد بالتحقيق لا التجبيل، المجاهد في سبيل اللّه على التنزيل والتأويل، نفس رسول اللّه بنصّ آية البهلة من التنزيل، المنصوص على خلافته في مواطن لا تحصى على غاية من التفصيل، صلّى اللّه عليه وعلى البتول والعثاكيل(8)، وإتحاف ظلمتهم


1- الذي يدلّك.
2- شديد
3- اللُّهموم والجمع لهاميم: الجواد من الناس أو الخيل.
4- يآفيخ و يوافيخ، جمع يافوخ: ملتقى عظم مقدّم الرأس ومؤخره
5- الأباطيل.
6- الغدير الأبيض المطّرد، والقطعة البيضاء من السحاب.
7- السيّد الجامع لكلّ خير.
8- العُثكُول والعِثكال، والجمع عَثاكيل: الشِّمراخ، وهو في النخل بمنزلة العنقود في الكرم.


(55)

الملاعين الأحقاء بألوان التلعين، دقّ اللّه منهم اللّغانين(1)، وأخذ منهم باليمين، ثمّ قطع منهم الوتين، من ضروب اللعن بما يملأ الموازين، ويسوّد صفحات المناجين، ويدوم بدوام الأحايين، ويفوق على عنانيات الأظانين، ويُعفّر خدود شيعتهم ويُرغم منهم العرانين، خصوصاً اللعنة العجين(2) والفظّ البظّ (3) الّلظّّ (4) اللغمظّ الثخين، والثقال العتلّ الطّمليل(5) الأفين(6)، نوّله اللّه من اللعن ما يملأ السماوات والأرضين.

فيقول(7) قنّ الأئمّة الأخيار الأبرار الأطهار، اللائذ بهم من سطوات الملك الجبار (محمد بن الحسن بهاء الدين الأصفهاني) أذاقه اللّه حلاوة المعاني، وعرّفه حقائق المثاني، ورزقه القطوف الدّواني، وزوّجه في الجنّة الحور الغواني:

قد انثالت عليَّ لُمّة من إخواني، وثبة من كمَّل أخداني، ممّن أرى إسعافهم من فروض العين، ولا أرى لبنات شفاههم مأنّة(8) سوى العين، ملحّين بقثاثتهم(9) عليّ، واضعين جعالتهم لنفاثتهم بين يديَّ، مقترحين أن أشرح لهم


1- اللُّغْنُون: لغة في اللغدود، والجمع لغانين: لحم بين النكْفَتين واللسان من باطن.
2- عَجَن الرجل، إذا نهض معتمداً بيديه على الأرض من الكِبَر.
3- الفظّ: الغليظ، والبظّ: اتباع للفَظّ.
4- العسر المتشدّد.
5- الطِّمْل من الرجال: الفاحش البذيء، والطِّمل والطّمليل: اللصّ، وقيل: اللصّ الفاسق.
6- ناقص العقل.
7- جوا ب(أمّا) التي صدّر بها كلامه.
8- كذا في النسخة، و لعلها ممأنة: المخلقة والمجدرة، يقال (هو ممأنة لكذا) اي انه جدير و خليق بكذا.
9- القثُّ: جمعك الشيء بكثرة، والقُثاث: المتاع ونحوه; وجاءُوا بقُثاثِهم وقثاثتهم، أي لم يَدَعُوا وراءهم شيئاً.(لسان العرب «قثّ)».


(56)

القصيدة العينيّة الّتي لأمضغ العرب; للشيخ والقيصوم سيّد الشِّعر والأُدباء في التخوم، القرم الهمام الخُرشوم مدهدم أُطوم الخصوم، معفّر الخدود منهم ومُرغم الخرطوم(1): «السيّد «إسماعيل بن محمد الحميريّ» شفّع اللّه فيه نبيّه النبيه الأزهريّ، ووليّه صاحب الغري، وآلهما الأيتام من الدراري، وعترتهما الأنجاد الأمجاد من الحواري عليهم من السّلام ما هو أطيب من المسك الداري ما الدهر بالناس دواري، أعني الّتي مطلعها:

لأُمِّ عَمرو باللِّوى مَربَعُ * طامسةٌ أعلامُهُ بَلْقَعُ

شرحاً يقرع الظنابيب(2)، ويوسع العراقيب(3)، ويبرز التعاجيب، ويرقص رؤوس اليعاسيب(4)، ببثّ ما حوته ألفاظها من المعاني، ويهتك الخدور عمّا قَصُرَت فيها من الغَواني.

وينثّ ما فيها من اللّغات العربية، وما أُودِعها من النكات الأدبيّة، وما يتوقف عليه الإحاطة بها من القواعد النحوية، وما يُعلَم به وجوه بلاغتها من


1- القَرْمُ من الرجال: السيد المعظم.(لسان العرب:«قرم)».
الخُرشُوم ـ بالضم ـ : الجَبلُ العظيم. (القاموس المحيط «الخُرشوم)».
هَدَمَهُ وَدَهْدَمَهُ; بمعنى واحد.(لسان العرب:«دهمه)».
الأُطُم: حصن مبني بحجارة، والجمع القليل: آطام ، والجمع الكثير: أُطُوم (لسان العرب:«أطم)».
2- «الظنانيب» جمع «ظُنْبُوب»: حَرْفُ عظم الساق اليابس من قُدُم. وقرع ظنابيب الأمر: ذلّله. و«العراقيب» جمع «عُرْقُوب»: الطريق الضيّق في متون الجبال أو في الوادي. «لسان العرب: ظنب و عرقب».
3- «الظنانيب» جمع «ظُنْبُوب»: حَرْفُ عظم الساق اليابس من قُدُم. وقرع ظنابيب الأمر: ذلّله. و«العراقيب» جمع «عُرْقُوب»: الطريق الضيّق في متون الجبال أو في الوادي. «لسان العرب: ظنب و عرقب».
4- «يعاسيب»، جمع «يعسوب»: أمير النحل وذَكَرُها، ثم كثر ذلك حتى سَمّوا كلّ رئيس يَعسوباً «لسان العرب: عسب)».


(57)

القوانين البيانيّة.

ويفثّ ما أمكن فيها من المحتملات وإن كانت بعيدة، وما يصحّ على رأي وإن كان من الآراء الشريدة. ويلثُّ على ما لابدّمنه في فهمها ولا يتعدّاه، ولا يملّ الناظر بما منه بدّمن الفضول ولا يتحدّاه، وقد ألَثُّوا في ذلك غاية الإلثاث، وأبثُّوا إليه ما لا يطاق من اللهاث لما ورد في شأنها، فمازت به عن أقرانها من الرواية عن قطب الأرض وثامن أركانها، إمام كافّة إنسها وجانّها ـ صلوات اللّه عليه وعلى أئمّة الأُمّة ، وتيجانها ما دامت الأفلاك في دورانها، وما كانت الأُمّهات تتقلّب في أكوانها.

وستطّلع عن قريب على تبيانها، وكنت ما نشبت أتلعثم فيه وأُلَثْلِثُ(1)، وعلى الإحجام عن الإقدام عليه أُغثغث، وكنت ربّما أحثحثُ شفتي بمضّ وأُمثمث(2)، وربّما أُعثعث رأسي للإجابة، وعلى الامتناع أُعثعث السلام لما رأيته «أثْقَل من مُجْذَى ابن رُكانة»(3)، وأُولي النفائس والعرائس الضَّنانة، مع اشتغالي بما أُحصيه من الأشغال، وانحصاري فيها بحيث لم يبق لي مجال للتجوال، وأعظمها وأهمّها وأشغلها للأوقات وأعمّها، ما أُعلِّقه على «الروضة البهيّة في شرح اللمعة


1- اللَّثْلَثَةُ: الضَّعْفُ والجيش والتردُّد في الأمر كالتَّلَثلث وعدم إبانة الكلام (مجد الدين الفيروز آبادي: القاموس المحيط«اللَّثُّ)».

2- الحثحثة: الحركة المُتداركة.
و مثّ يده وأصابعه بالمنديل أو بالحشيش ونحو مَثّاً: مسحها. لغة في مَشَّ. وقيل: كلّ ما مسحته فقد مَثَثْتَهُ مَثّاً.(لسان العرب: «حثث»، «مثث)».
3- من الأمثال، جاء في «الفائق في غريب الحديث: للعلامة جار اللّه محمود بن عمر الزمخشري : ج2/23(باب ـ ربع) و قال بعده: والتجاذي تفاعُل من الإجذاء، أي يُجذي المهراس بعضهم مع بعض، هذا ثمّ هذا. ومنه حديث ابن عباس (رض): انّه مرّ بقوم يتجاذون حجراً ـ و روى يُجْذُون ـ ، فقال: عمّال اللّه أقوى من هؤلاء.


(58)

الدمشقية في فقه الإمامية» (1) الذي سمّيته بـ«المناهج السويّة، في شرح الروضة البهيّة»، وفّقني اللّه لإتمامه وإحكامه وعصمني عن السهو والغفلة في أحكامه.

ثمّ لما طال منهم الإلحاح واجتهدوا في إبانة الشحاح حتي سدّوا عليّ سبل الاعتذار، وحتموا عليّ الإجابة بختم الأقضية والأقدار، لم ألف عنها سبيلاً للفرار، وفرضت على نفسي أن أصرف فيه شطراً من الليل والنهار، فشرعت فيه مُبَسْمِلاً مُحَمْدِلاً مُحَوْقِلاً، على اللّه متوكّلاً إليه موسّلاً، بالنبيّوآله متوسّلاً، مسمّياً له بـ«اللآلئ العبقرية في شرح القصيدة الحميرية».


1- للشيخ السعيد زين الدين علي بن أحمد بن تقي بن صالح بن مشرف العاملي الشهيد سنة 966هـ. و «اللمعة» في الفقه، للشيخ أبي عبد اللّه محمد بن مكي الشهيد سنة 786هـ (انظر الذريعة:6/90رقم 470و11/290 رقم 1757).


(59)

فصل

(العينيّة)

وقد عنيت بقولي: «القصيدة العينيّة» معانيَ ليست مُبيّنة ولا غيبيّة:

أحدها: أنّها على قافية العين.

وثانيها: أنّها لشرفها ممّا ينبغي أن تحمل على العين، لا على الرأس أو اليدين، أو تضمّ على الصدر بالساعدين أو الزندين، بل ينبغي أن تُكتب بالأجفان على بياض العين من الإنسان، لا على القراطيس من الأنقاس(1) بالقصبات والقضبان، ولا على ألواح اليواقيت بأقلام الزمرّد من العِقيان(2).

وثالثها: أنّها في شأن ما هو فرض العين على الأعيان، ليس فيه مجال للكفاية أو التخيير كما لا تُغتفَر فيه غفلة أو نسيان، وهو ولاية أمير الإنس والجان، قاسم النيران والجنان، عليه الصلاة والسلام الأتَمّان الأكملان، ما طلع النجم و العَيُّوق والدَّبَران(3)، وما ناخت الفواخت والقَماري على رؤوس الأغصان.


1- النِّقْسُ: ـ بالكسر ـ الذي يكتب به. و: المِداد، والجمع أنْقاسٌ وأنقُس. (لسان العرب: «نقس)».
2- العِقْيان: الذهب الخالص. وفي خطبة للإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ (رقم 192): «ولو أراد اللّه سبحانه لأنبيائه أن يفتح لهم كنوزَ الذَّهبانِ، ومعادن العِقْيان». وانظر (لسان العرب: «عقا)».
3- العَيُّوق» و«الدَّبَران»: من الكواكب.


(60)

ورابعها: أنّها من منش آت عين الأعيان(1)، عليه الرحمة من اللّه والرضوان.

وخامسها: أنّها في شأن عين أعيان الثقلين(2); وعين ما وصّى به النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من أحد الثقلين; أو العين التي بها يهتدي الخلق إلى الصراط المستقيم، ويُفصلون بين سبل الجنة وطرائق الجحيم; أو العين التي منها تنبع الحِكَمُ والأحكام، ومنها يَرتوي الواردون من النفوس والأحلام.

وسادسها: أنّها فيما في الظهور بمنزلة المشهود بالأنظار، فلا يفتقر فيه إلى تدقيق النظر وإجالة الأفكار، وهو الولاية المعهودة لأُولي الأبصار، والخلافة التي لا شكّ فيها عند أهل الاعتبار.


1- السيد الحميري.
2- الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ .


(61)

فصل

في ذكر شطر من أحوال الناظم رحمه اللّه

اسمه:إسماعيل. وكنيته: أبو هاشم، على ما قاله سيّدنا الأجل الشريف المرتضى علم الهدى سلام اللّه عليه، في آخر شرح بائيّته التي مطلعها:

هلاّ وَقَفتَ على المكانِ المُعشبِ * بين الطّوَيْلِعِ فَاللّوى مِنْ كُبكُبِ(1)

وكذا في كتاب «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» للشيخ الجليل أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري رحمه اللّه .(2)

وفي كتاب «الرجال» لشيخ الطائفة المحقّة ورئيسها أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضوان اللّه عليه: أنّ كنيته أبو عامر.(3)

وأمّا «السيد» فهو ممّا لقّبوه به للتعظيم، قيل: إنّ أوّل من لقّبه به: حمّال كان


1- الشريف المرتضى: شرح القصيدة الذهبية(للسيد الحميري): ص 1. يقول الشريف المرتضى قدَّس سرَّه في مقدّمته بعد الحمد والصلاة على النبي وآله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : سأل السيد الوالد ـ أطال اللّه بقاءهـ تفسير قصيدة أبي هاشم إسماعيل بن محمد الحميري الملقّب بـ«السيد» ـرضي اللّه عنهـ البائية... وإيضاح معانيها ومشكل ألفاظها، وأنا أُجيب إلى ذلك.
و كُبكُب: جبل مطلّ على عرفات.
2- بشارة المصطفى: 278.
3- رجال الطوسي: ص 148 رقم 108، في أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ .


(62)

يسأل عن حمل بعيره فيقول: ميمات السيّد.(1)

وفي بعض الأخبار أنّه ممّا سمّته به أُمّه، فقد قال الشيخ الصدوق أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي في كتابه «الرجال»: وروي أنّ أبا عبداللّهعليه السَّلام(2) لقي السيد ابن محمد الحميري فقال: سمّتك أُمّك سيّداً ووُفّقت في ذلك وأنت سيّد الشعراء، ثمّ أنشد السيد في ذلك:

ولَقَدْعَجبتُ لِقائل لي مَرَّةً * عَلاّمة فهم منَ الفُهماءِ(3)

سَمّاك قَومُكَ سَيّداً صَدقُوا به * أنتَ الموفَّقُ سيِّدُ الشُّعراءِ

ما أنتَ حينَ تخصُّ آل محمّد * بِالمدحِ منكَ وشاعر بسواءِ

مَدحَ الملوكَ ذَوُو الغنا لِعَطائِهم * والمدحُ مِنْكَ لَهُم لغيرِ عَطاءِ

فَأَبْشِرْ فإنّكَ فائزٌ في حُبِّهِم * لَوْ قَدْ وَردتَ عليهم بِجَزاءِ

ما تعدلُ الدُّنيا جَميعاً كُلّها * مِنْ حَوضِ أحمد شربةً منماءِ(4)

وكان السيّد نظّاماً للوقائع كثير الشعر مُجيده، حتى روي أنّه وُجد حمّال وهو


1- يأتي نص الحديث في ص 63 عن كشف الغمة.
2- الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ .
3- في المصدر: «الفقهاء».
4- رجال الكشي: 2/569ـ 574 رقم 505.


(63)

يمشي بحمل ثقيل، فقيل: ما معك؟ فقال: ميمات السيّد.(1)

وعن الأصمعي أنّه قال: لولا أنّه يسبّ الصحابة في شعره ما قدّمتُ عليه أحداً في طبقته.

وقد كان في بادئ الأمر كيسانياً(2) فرجع إلى الحقّ بهداية الإمام الهمام أبي عبد اللّه الصادق ـ عليه السَّلام ـ .

وممّا قاله وهو كيسانيّ:

ألا إنّ الأئمّة من قُريش * وُلاة الأمر أربعة سَواءُ

عليٌّ والثلاثة من بَنيهِ * هُمُ أسْباطُنا والأوصياءُ

فسبطٌ سِبطُ إيمان وبِرّ * وسبطٌ غيّبته كربلاءُ

وسِبطٌ(3) لا يذوقُ الموتَ حتّى * يَقودُ الجيش يَقدمه اللِّواءُ


1- علي بن عيسي الإربلي: كشف الغمّة: :1/548.
2- الكيسانيّة: يدّعي أصحاب المقالات أنّ عدة من الشيعة التفّوا حول محمد ابن الحنفيّة و كان اسمه «كيسان» ـ بادعاء بعضالكيسانيّة ـ و اتّخذوه قائداً (في حياة الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ).
والشيعة تعتقد بأنّه مذهب مختلق في حينه من جانب الأعداء ملصق بشيعة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لتشويههم آنذاك أولاً و تحطيم سمعة الثائر المختار بن أبي عبيدة ثانياً.(انظر بحوث في الملل و النحل للعلاّمة السبحاني: 7/27 ـ 44.
3- يعني بالسبط الذي لا يذوق الموت محمد ابن الحنفية.


(64)

تَغَيَّبَ لا يُرى عنّا زماناً * برَضوى عنده عسلٌ وماءُ(1)

و قد رأيت أخطب خطباء خوارزم أبا المؤيّد موفق بن أحمد المكي في كتاب «مقتل الحسين صلوات اللّه عليه»(2) نسب هذه الأبيات إلى كثير بن عبدالرحمن.

وقوله:

يا شعب رَضوى ما لِمَن بكَ لا يُرى * وبنا إليه من الصبابة أولَق

حتى متى وإلى متى وكم المدى * يا ابن الوصيّ وأنت حيٌّ تُرزق

إنّي لآملُ أن أراكَ وإنّني * مِنْ أن أموت ولا أراك لأفرقُ

وقوله:

ألا حىِّ المقيم بشعبِ رَضْوى * واهدِ لَهُ بمنزله السَّلاما


1- محمد بن بابويه(الصدوق): كمال الدين وإتمام النعمة:32. وفي «الأغاني» لأبي الفرج الاصفهاني (7/ 245) وذكر رواية السيد: أنّه حضر يوماً وقد ناظره محمد بن عليّ بن النعمان فغلبه محمد في دفع ابن الحنفيّة عن الإمامة; فقال السيد ـ و ذكر الأبيات ـ.
2- الخوارزمي: مقتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ : 2/ 129.


(65)

وقُل يا ابنَ الوصيّ فدتكَ نفسي * أطلتَ بذلك الجبلِ المقاما

أضِر(1) بمعشر والوكَ مِنّا * وَسَمّوكَ الخليفة والإماما

فما ذاقَ ابنُ خولَة طَعمَ مَوت * ولا وارت له أرض عظاما

وقوله:

أياشعب رَضوى ما لمن بك لا يُرى * فحتّى متى يخفى وأنت قريبُ

فلو غاب عنّا عُمر نُوح لأيقَنَتْ * مِنّا النفوس بأنّه سَيَؤوبُ(2)

قال الشيخ الصدوق ثقة الإسلام والمسلمين أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رحمهمُ اللّه في كتاب «كمال الدين وإتمام النعمة»: حدّثنا عبد الواحد بن محمد العطاررحمه اللّه قال: حدّثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدّثنا حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن


1- أضرّ بي فلان، أي دنا منّي دنوّاً شديداً، وكلّ ما دنا دنوّاً مضيّقاً فقد أضرّ، وأضرّالسيل من الحائط: دنا منه(لسان العرب :«ضرر)».
2- الصدوق: كمال الدين: 32و33.


(66)

حيّان السرّاج(1) قال: سمعت السيد ابن محمد الحميري يقول: كنت أقول بالغلوّ وأعتقد غيبة محمد بن علي ابن الحنفية، قد ظللت في ذلك زماناً فمنّ اللّه عليّ بالصادق جعفر بن محمد عليمها السَّلام وأنقذني به من النّار وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صحّ عندي بالدلائل الّتي شاهدتها منه أنّه حجّة اللّه عليّوعلى جميع أهل زمانه وأنّه الإمام الّذي فرض اللّه طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلت له: يا ابن رسول اللّه قد روي لنا أخبار عن آبائكعليهم السَّلام في الغيبة وصحّة كونها فأخبرني بمن تقع؟

قال ـ عليه السَّلام ـ : إنّ الغيبة ستقع بالسّادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم القائم بالحقّ بقيّة اللّه في الأرض وصاحب الزّمان، واللّه لو بقي في غيبته ما بقي نوح في الأرض في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

قال السيّد: فلمّا سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليمها السَّلام تبت إلى اللّه تعالى ذكره على يديه، وقلت قصيدتي التي أوّلها:

فلمّا رأيتُ الناسَ بالدِّين قَد غووا * تجعفرتُ باسم اللّهِ واللّه أكبرُ


1- حيّان السرّاج: من الكيسانية القائلين بأنّ محمد بن الحنفية إمام وهو حيّ لم يمت، وقد ذكر الكشي في ذلك عدّة روايات. (السيد الخوئي قدَّس سرَّه : معجم رجال الحديث:6/308 رقم 4120).


(67)

تجعفرتُ بسم اللّه و اللّه أكبر * وأيقَنْتُ أنّ اللّه يعفو ويَغفرُ

ودِنْتُ بدين غيرَ ما كنتُ دائناً * بهِ ونَهاني واحدُ الناسِ جعفرُ

فقلتُ فهبني قد تهوَّدتُ بُرهَةً * وإلاّفديني دينُ مَنْ يتنصَّرُ

فإنّي إلى الرحمن من ذاك تائبٌ * وإنّي قد أسلمتُ و اللّهُ أكبرُ

فلستُ بغال ما حييتُ، وراجعٌ * إلى ما عليهِ كنت أُخفي وأُضمرُ

ولا قائل حيّ برضوى محمد * وإن عابَ جُهّالُ مَقالي وأكثرُوا

ولكنّه ممّن مَضى لسبيلهِ * على أفضلِ الحالاتِ يَقْفِي ويخبرُ

مع الطيِّبينَ الطاهرين الأُولى لَهُمْ * مِنَ المُصْطَفى فرعٌ زكيٌّ وعنصرُ


(68)

إلى آخر القصيدة وهي طويلة، وقلت بعد ذلك قصيدة أُخرى:

أيا راكباً نحو المدينة جَسرةً * عذافرة يطوى بها كلّ سَبسَبِ(1)

إذا ما هَداك اللّه عاينتَ جعفراً * فقُل لِوليّ اللّه وابن المُهَذَّبِ

ألا يا أمين اللّهِ وابن أمينه * أتوبُ إلى الرحمنِ ثمّ تأوّبي

إليك من الأمر الذي كنت مطنباً * أُحارب فيه جاهداً كلَّ معربِ

وما كان قولي في ابن خولة مطنباً * معاندة منّي لنسل المطيّبِ

ولكن روينا عن وصيِّ محمّد * وما كان فيما قال بالمتكذِّبِ

إنّ وليّ اللّه يُفقدُ لا يُرى * سنين كفعلِ الخائف المترقِّبِ


1- الجَسْرُ: ـ بالفتح ـ: العظيم من الإبل وغيرها، والأُنثى جَسْرَة. العَذافِرة: الناقة العظيمة. والناقة الشديدة. الأمينة الوثيقة الظهيرة. وجَمَل عُذافر وعَذَوْفَر: صلب عظيم شديد. السبسب: المفازة، والأرض المستوية البعيدة (لسان العرب: «جسر»، «عذفر» و«سبسب)».


(69)

فيقسم أموال الفقيد كأنّما * تغيّبه بين الصفيح المنصّبِ

فيمكت(1) حيناً ثمّ يشرق شخصه * مضيئاً بنور العدل إشراق كوكبِ

يسير بنصر اللّه من بيت ربّه * على سؤدد منه وأمر مسبّبِ

يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلاً كحران مغضبِ

فلمّا روى أنّ ابن خولة غائب * صرفنا إليه قولنا لم نكذبِ

وقلنا هو المهدي و القائم الذي * يعيش بجدوى عدله كلُّ مجدبِ

فإن قلت: لا، فالحقُّ قولك والّذي * أمرتَ فحتمٌ غير ما متعقّبِ

وأُشهد ربّي أنّ قولك حجّة * على النّاس طُرّاً من مطيع ومُذنبِ

بأنّولي اللّه والقائم الّذي * تطلع نفسي نحوه بتطرّبِ


1- مَكت بالمكان: أقام، كَمَكَد.(لسان العرب:«مكت)».


(70)

له غيبة لا بدّ أن سيغيبها * فصلّى عليه اللّه من متغيّبِ

فيمكث حيناً ثم يظهر عينه * فيملأ عدلاً كلّ مشرق ومغربِ

بذاك أدين اللّه سرّاً وجهرةً * ولستُ وإن عوتبتُ فيه بمعتّبِ(1)

وفي المناقب للشيخ الجليل رشيد الدين محمد بن علي بن شهر اشوب رحمه اللّه : داود الرقي: بلغ السيد الحميري أنّه ذُكر عند الصادق ـ عليه السَّلام ـ فقال: السيد كافر، فأتاه وقال: يا سيّدي أنا كافر مع شدّة حبّي لكم ومعاداتي الناس فيكم؟! قال: وما ينفعك ذاك وأنت كافر بحجّة الدهر والزمان، ثمّ أخذ بيده وأدخله بيتاً فإذا في البيت قبر، فصلّى ركعتين ثمّ ضرب بيده على القبر فصار القبر قطعاً، فخرج شخص من قبره ينفض التراب عن رأسه ولحيته فقال له الصادق ـ عليه السَّلام ـ : من أنت؟ قال: أنا محمد بن علي المسمى بابن الحنفية، فقال: فمن أنا؟ فقال جعفر بن محمدحجّة الدهر والزمان. فخرج السيد يقول: (تجعفرت باسم اللّه فيمن تجعفرا).(2)

ثمّ قال رحمه اللّه(3): وفي اخبار السيد أنّه ناظر معه مؤمن الطاق في ابن الحنفية فغلبه عليه، فقال:


1- الصدوق: كمال الدين: ص 33ـ 35.
2- ابن شهر اشوب: مناقب آل أبي طالب: 4/245.
3- أي صاحب الكتاب.


(71)

تركتُ ابن خولةَ لا عَن قلى * وإنّي لَكَالْكَلِفِ الوامِقِ(1)

وَإنّي لَهُ حافظٌ في المغيبِ * أدينُ بما دانَ في الصادقِ

هوَ الحبرُ حبرُ بني هاشم * ونورٌ مِنَ المَلكِ الرّازِقِ

بِه يُنعِشُ اللّهُ جَمعَ العِبادِ * ويُجري البَلاغَةَ في النّاطِقِ

أتاني بُرهانهُ مُعْلَناً * فَدُنتُ ولَمْ أكُ كالمائِقِ

فَمَنْ صدَّ بعد بَيانِ الهُدى * إلى حَبْتَر وَأبَى حامِقِ

فقال الطاقي:أحسنت; الآن أتيت رشدك، وبلغت أشدّك، وتبوّأت من الخير موضعاً ومن الجنّة مقعداً. وأنشأ السيد يقول:

تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر

ـ إلى قوله: ـ


1- الكلَف: الوُلوع بالشيء مع شغل قلب ومَشقّة.
و وَمِقَ: أحبَّ، والوِماق: محبة لغير رِيبة.(لسان العرب: «كلف»، «ومق)».


(72)

ولَستُ بغال ما حَيِيتُ وراجع * إلى ما عَليهِ كُنتُ أُخفي وأُظمرُ(1)

وقد رويناه فيما مرّ: «وأضمر».

وحكى أيضاً في القصيدة الأُخرى التي صدرها:

(أيا راكباً نَحوَ المَدينةِ جَسْرَةً)

بعض أبياتها، بمخالفة ما في الألفاظ والترتيب.

ـ ثم قال: ـ

و أنشد فيه:

امدح أبا عبد الإله * فتى البريّة في احتمالِهِ

سِبطُ النَّبيّ محمَّد * حَبلٌ تَفرَّعَ مِنْ حِبالِهِ

تغْشَى العُيونُ النّاظِراتُ * إذا سَمَوْنَ إلى جَلالِهِ

عَذْبُ المَوارِدِ بَحْرُهُ * يَروي الخَلائِقَ مِنْ سجالِهِ


1- نص البيت من المصدر، وفي الأصل:
«و لست مغال ما حييت» البيت إلاّ ان عجزه وأظهر. وهو غير مستقيم .


(73)

بَحرٌ أطلَّ عَلَى البُحورِ * يَمُدُّهُنَّ نَدَى بلالِهِ

سَقَتِ العِبادَ يَمينَُهُ * وسَقَى البلادَ نَدى شمالِهِ

يَحكي السَّحابَ يَمينُهُ * وَالودق يَخْرجُ مِنْ خلالِهِ

الأرضُ مِيراثٌ لَهُ * والناسُ طُرّاً في عِيالِهِ

يا حُجَّةَ اللّهِ الجَليلِ * وَعَيْنِهِ وزَعيمَ آلِهِ

وابن الوَصيّ المُصطفى * وشَبيهَ أحمدَ في كَمالِهِ

أنتَ ابنُ بِنتِ مُحمَّد * حَذْوَاً خُلقتَ على مِثالِهِ

فَضِياءُ نُورِكَ نُورُهُ * وظِلالُ رُوحِكَ من ظِلالِهِ

فيكَ الخَلاصُ مِنَ الرَّدَى * وبِكَ الهداية مِن ضَلالهِ


(74)

أَثني ولستُ بِبالغ * عُشْرَ الفَريدة من خِصالِهِ(1)

وقال الشيخ أبو عمرو الكشي في كتاب «الرجال»: وحدّثني نصر بن الصباح قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد اللّه بن بكير، عن محمد بن النعمان قال: دخلت على السيّد ابن محمد وهو لما به قد اسودّ وجهه وازرقّت عيناه وعطش كبده، وهو يومئذ يقول بمحمد ابن الحنفية وهو من حشمه، وكان ممّن يشرب المسكر، فجئت وكان قد قدم أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ الى الكوفة لأنّه كان انصرف من عند أبي جعفر المنصور، فدخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فقلت: جعلت فداك إنّي فارقت السيّد ابن محمد الحميري لما قد اسودّ وجهه وازرقّت عيناه وعطش كبده وسُلب الكلام ،فإنّه كان يشرب المسكر.

فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أسرجوا له، فركب ومضى ومضيت ومعه حتى دخلنا على السيّد وإنّ جماعة محدقون به، فقعد أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عند رأسه وقال: يا سيّد! ففتح عينه ينظر إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ولا يمكنه الكلام(2)، وإنّا لنتبيّن فيه أنّه يريد الكلام ولا يمكنه.

فرأينا أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ حرَّك شفتيه فنظر السيّد(3) فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قل بالحقّ يكشف اللّه ما بك ويرحمك ويدخلك جنّته التي وعد أولياءه، فقال في ذلك:

(تجعفرت باسم اللّه واللّه أكبر). فلم يبرح أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ حتى قعد السيّد


1- ابن شهر اشوب: مناقب آل أبي طالب:4/246ـ 247.
2- «وقد اسودّ وجهه، فجعل يبكي وعينه إلى أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ولا يمكنه الكلام»: (رجال الكشي).
3- «فنطق السيد فقال: جعلني اللّه فداك أبأوليائك يفعل هذا!» بدل: «فنظر السيد»:(رجال الكشي).


(75)

على استه.(1)

وفي كتاب «كشف الغمة في معرفة الأئمّة» للشيخ الإمام علي بن عيسى الإربلي رحمه اللّه : روى الحسين بن عون قال: دخلت على السيّد ابن محمد الحميري عايداً في علّته التي مات فيها فوجدته يساق به، ووجدت عنده جماعة من جيرانه، وكانوا عثمانية، وكان السيّد جميل الوجه رحب الجبهة عريض مابين السالفين، فبدَت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد، ثمّ لم تزل تنمو وتزيد حتى طبّقت وجهه بسوادها، فاغتمّ لذلك من حضره من الشيعة، وظهر من الناصبة سرور و شماتة، فلم يلبث بذلك إلاّ قليلاً حتّى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء، فلم تزل تزيد أيضاً و تنمى حتى اسفر (2) وجهه وأشرق وأفتر السيد ضاحكاً وقال:

كذب الزاعمون أنّ علياً * لم ينج محبّه من هنات

فقد وربّي دخلت جنّة عدن * وعفا لي الإله عن سيّئاتي

فأبشروا اليوم أولياء عليّ * وتولّوا عليّاً حتى الممات

ثمّ من بعده تولّوا بنيه * واحداً بعد واحد بالصفات


1- الكشي: الرجال: ص 572ـ 573.
2- «اسفرّ» : المصدر.


(76)

ثمّ أتبع قوله هذا: أشهد أنْ لا إله إلاّ اللّه حقّاً حقّاً، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه حقّاً حقّاً، أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين حقّاً حقّاً، أشهد أنْ لاإله إلاّ اللّه،ثمأغمض عينيه بنفسه فكأنّما كانت روحة ذبالة طفئت أو حصاة سقطت.(1)

وفي كتاب «الرجال» للكشي: حدثني أبو سعيد محمد بن رشيد الهروي قال: حدّثني السيّد وسمّاه، وذكر أنّه خيّر قال: سألته عن الخبر الّذي يروى أنّ السيّد اسودّوجهه عند موته؟ فقال ذلك الشعر الذي يروى له في ذلك قال: حدثني أبو الحسين المروزي قال: روي أنّ السيد ابن محمد الشاعر اسودّ وجهه عند الموت فقال: هكذا يفعل بأوليائكم ياأمير المؤمنين؟!قال: فابيضّوجهه كأنّه القمر ليلة البدر فأنشأ يقول:

أحبّ الّذي من مات من أهل ودّه * تلقّاه بالبشرى لدى الموت يضحك

ومن مات يَهوى غيره من عدوّه * فليس له إلاّ إلى النار مسلك

أبا حسن تفديك نفسي وأُسرتي * ومالي وما أصبحت في الأرض أملك

أبا حسن إنيّ بفضلك عارف * (وإنّي بحبل من هواك لممسك


1- عليّ بن عيسي الإربلي: كشف الغمة:1/548ـ 549.


(77)

وأنت وصي المصطفى وابن عمّه)(1) * وإنّا نعادي مبغضيك ونترك

ولاح لحاني في عليّ وحزبه * فقلت لحاك اللّه إنّك أعفك(2)

مواليك ناج مؤمن بين الهدى * وقاليك معروف الضلالة مشرك(3)

ومن أشعاره ما رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري في كتاب«بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» قال: أخبرني الشيخ أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي رحمه اللّه عن أبيه أبي جعفر الطوسي قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان قال: أخبرني عبد اللّه بن محمد بن عمران المرزباني قال: أخبرني محمد بن يحيى قال: حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفي قال:حدّثني أبي قال: اجتمع عندنا السيد ابن محمد الحميري وجعفر بن عفان الطائي فقال له السيّد: ويحك أتقول في آل محمّد ـ عليهم السَّلام ـ :

ما بال بيتكم يخرب سقفه * و ثيابكم من أرذل الأثواب

فقال جعفر: فما أنكرت من ذلك؟! قال له السيد: إذا لم تحسن المدح فاسكت، أيوصف آل محمد ـ عليهم السَّلام ـ بمثل هذا؟! ولكنّي أعذرك، هذا طبعك وعلمك ومنتهاك وقد قلت ما أمحو عنهم عار مدحك:

إنّ عليّ بن أبي طالب * على التُّقى والبرّ مَجبولُ


1- ما بين القوسين من المصدر.
2- البيتين الأخيرين تقديم و تأخير عمّا في المصدر.
3- الكشي: الرجال: 2/570ـ 571.


(78)

وإنّه كانَ(1) الإمام الّذي * لَهُ على الأُمة تَفضيلُ

يقول بالحقّ ويفتي به * ولا تلهيه الأباطيلُ

كان إذا الحرب مرتها القنا * وأحجمت عنها البهاليل

يَمشي إلى القرن وفي كفّه * أبيض ماضي الحدّمصقُول

مشي العَفرني(2) بين أشباله * أبرزه للقنص الغيلُ

ذاك الذي سلّم في ليلة * عليه ميكال و جبريلُ

ميكال في ألف وجبريل في * ألف ويتلوهم سرافيلُ

ليلة بدرمَدداً اُنزِلوا * كأنّهم طير أبابيلُ

فسلّموا لمّا أتوا نحوه(3) * وذاك إعظامٌ وتبجيلُ

هكذا يقال فيهم يا جعفر وشعرك يقال مثله لأهل الخصاصة والضعف.

فقبّل جعفر رأسه وقال: أنت واللّه الرأس يا أبا هاشم ونحن الأذناب.(4)

حكى أبو عمر الزاهد(5) في كتاب «الياقوتة» أنّ بعض الشيعة أنشد أبا


1- «ذاك»: المصدر.
2- العَفَرني والعِفرِّين: الأسد، سمّي بذلك لشدّته.(اللسان: «عفر)».
3- «حذوه»: المصدر.
4- أبو جعفر محمد بن أبي القاسم الطبري: بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: 53 و 54.(المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ط2. و ذكره الشيخ الطوسي في الامالي 198.(دار الثقافة قم ـ 1414هـ).
5- هو أبوعمر الزاهد محمد بن عبد الواحد المطرّز الباوردي (261 ـ 345هـ) المعروف بـ «غلام ثعلب» (السيد بحر العلوم: الفوائد الرجاليّة: 3/8 ـ 9).


(79)

مخالد هذه الأبيات فقال له أبو مخالد: يا هذا إنّ الشاعر لم يمدح صاحبك وإنّما هجاه في موضعين:

أحدهما: أنّ عليّاً مجبول على البرّوالتُّقى، ومن جُبل على أمرلم يُمدح عليه لأنّه لم يكسبه بسعيه.

وثانيهما :أنّه ادّعى أنّه أُيِّد في حروبه بالملائكة ولا فضيلة له حينئذفي الظفر لأنّ حيّة النميري لو أُيِّد بهؤلاء لقهر الأعداء.(1)

ولا يخفى على كلّ كبير وصغير أنّ ما ذكره من الإيرادين من السّخافة بمكان، و أنّهما ممّا تستهجنه الأذهان وتمجّه الآذان.

أمّا الأوّل فمن وجوه:

الأوّل: إنّ من المعلوم عند أُولي الفهوم أنّ أمثال هذه العبارات شائعة في المبالغة على المواظبة على الأمر حتى كأنّه مجبول عليه، كما قال تعالى: (خُلِقَ الإِنْسانُ مِنْ عَجَل)(2) وقد اشتهر أنّ العادة كالطّبيعة الثابتة(3) ، فالمجبوليّة هنا ليست على حقيقتها كما فهمه هذا المورد الأحمق، بل إنّما هي نهاية في المبالغة في الوصف بالمواظبة والاعتياد.

والثاني: إنّ من المشهور المسطور أنّ المدح لا يجب أن يكون على ما يكون بالسعي والاختيار، إنّما ذلك الحمد على ما هو المشهور، فأيّ وجه لما قاله من أنّهعليه السَّلام إذا كان مجبولاً عليهما لم يستحقّ المدح عليهما؟!

والثالث: إنّ غاية ما ألزمه هذا الأحمق أن لا يكون الوصف بذلك ممّا يسمى مدحاً، وهو إنّما نصر السيّد لو صرّح بكونه مدحاً أو أشار إليه وليس وإن قال إنّه


1- لم يتوفرالمصدر بأيدينا.
2- الأنبياء:37.
3- في الأصل: «الثانية» وهو تصحيف.


(80)

لا يمكن الوصف بأمثاله، لم يستحق الجواب (1).

وأمّا الثاني فمن وجهين:

الأوّل: إنّ السيّد سلام اللّه عليه لم يتعرّض لتأييد الملائكة له ـ عليه السَّلام ـ لا تصريحاً ولا تلويحاً وإنّما أفاد أنّهم سلّموا عليه إجلالاً له وتبجيلاً.

والثاني: أنّا لو سلّمنا أنّه تعرّض لذلك فمنع، انّه لا فضيلة له في ذلك، بمنزلة منع أن يكون تأييد الملائكة والنّصر بالرعب وغير ذلك من جنود اللّه، من فضائل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، مع أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ افتخر بذلك في غير موطن، نعم لوكان في مقام مدحه ـ عليه السَّلام ـ بأنّه هزم الكفار وظفر عليهم لكان للإيراد توجيه، ولا شبهة في أنّه لا نصّ عليه ولا إشارة إليه في الشعر، مع أنّه على ذلك أيضاً ظاهر الاندفاع، فإنّ المدح بأنّه هزم الكفّار وظفر عليهم بتأييد الملائكة ممّا تقبله الطباع، بل هو أولى بالمدح من الظفر شدة بأسه وقوّة شجاعته(فَإِنَّها لا تَعمَى الأَبصارُ ولكنْ تَعْمى القُلوبُ التي في الصُّدُورِ) (2) . ثمّ من العجب العجيب أنّ هذا المغفّل الجهول لم يقتصر على إبطال المدح بل ادّعى أنّه هجاه بهذين الوصفين!! أترى أحداً من المجانين يفوه بمثل هذا؟!


1- هنا عبارة غير مقروءة.
2- الحج:46.


(81)

فصل

في ذكر ما يتعلّق بالقصيدة

التي نحن بصدد شرحها

روى الشيخ أبو عمرو الكشي في كتاب «الرجال» قال:

حدّثني نصر بن الصباح، قال: حدثنا إسحاق بن محمد البصري، قال: حدّثني علي بن إسماعيل، قال: أخبرني فضيل الرسّان(1)، قال: دخلت على أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بعد ما قتل زيد بن علي رحمة اللّه عليه فأُدخلت بيتاً جوف بيت، فقال لي: يا فضيل قتل عمّي زيد؟

قلت: نعم جعلت فداك.

قال: رحمه اللّه أما إنّه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صادقاً، أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها.

قلت: يا سيّدي ألا أنشدك شعراً؟

قال: أمهل، ثم أمر بستور فسدلت وبأبواب ففتحت، ثمّ قال: أنشد،


1- هو الفضيل بن الزبير الرسان: من أصحاب الباقر ـ عليه السَّلام ـ كما في رجال الشيخ (برقم2) ومن أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ أيضاً (برقم22)


(82)

فأنشدته:

لأُمِّ عَمرو باللِّوى مَرْبَعُ * طامِسَةٌ أَعْلامُهُ بَلقَعُ

لَمّا وقفت(1) العيسُ في رَسْمِهِ * والعينُ مِنْ عِرفانِهِ تَدمَعُ

ذَكرت مَنْ قد كُنتُ ألْهُو(2) بهِ * فَبِتُّ والقلبُ شَج مُوجَعُ

عجبتُ مِنْ قَوم أَتَوا أحمداً * بِخطبة ليس لَها مدفَعُ

قالوا لَهُ لو شِئتَ أَخْبَرتَنا * إلى مَن الغايةُ والمفزعُ

(إذاتُوفِّيت وفارقتنا)(3) * ومنهم في المُلكِ مَن يَطمَعُ


1- كذا في الأصل والمصدر وتنقيح المقال للمامقاني، وفي إحدى نسخ التنقيح«وقفن» . انظر رجال المامقاني:1/143.
2- «أهوى»: المصدر وتنقيح المقال.
3- ما بين القوسين من المصدر.


(83)

(و)(1) قــالَ لَو أخبرتُكُمْ مَفْزَعــاً * ماذا عَسيتم فيهِ أن تَصنَعُوا

صَنيعُ أهلِ العِجل إذ فارقوا * هارون فالترك له أوْدَعُ

فالناسُ يومَ البعث راياتُهُم * خَمسٌ فمنهاهالكٌ أربعُ

قائدها العِجل وفِرعَونُها * وسامِريُّ الأُمّة المفظعُ

ومُخدعٌ من دينهِ مارِقٌ * أخدع عبد لُكَعٌ أوْكَعُ(2)

ورايةٌ قائدُها،وجهُهُ * كأنّه الشمسُ إذا تَطلَعُ(3)

قال:فسمعت نحيباً من وراء الستر وقال: من قال هذا الشعر؟


1- ما بين القوسين من المصدر.
2- الأوكع: اللئيم.
3- هذه الأبيات ليست هي المختارة بالتحديد للشارح في هذا الكتاب، وفيهاأيضاً بعض الاختلاف مع المشروح.


(84)

قلت: السيد ابن محمد الحميري.

فقال: رحمه اللّه.

قلت: إنّي رأيته يشرب النبيذ!

فقال: رحمه اللّه. قلت: إنّي رأيته يشرب النبيذ الرستاق!

قال: تعني الخمر؟ قلت: نعم.

قال:رحمه اللّه، وما ذلك على اللّه أن يغفر لمحبّ عليّ.(1)

وفي «الأغاني»: قال عباد بن صُهَيب(2):

كنت عند جعفر بن محمد، فأتاه نعي السيد، فدعا له وترحَّم عليه، فقال له رجل: يابن رسول اللّه (تدعو له)(3) وهو يشرب الخمر ويؤمن بالرجعة! فقال: حدَّثني أبي عن جدّي أنّ مُحِبِّي آل محمد لا يموتون إلاّتائبين وقد تاب، ورفع مُصَلّى كانت تحته، فأخرج كتاباً من السيد يُعرِّفه فيه أنّه قد تاب ويسأله الدعاء له.(4)

وروى بعض أصحابنا بسنده عن سهل بن ذبيان قال: دخلت على الإمام عليّ بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ في بعض الأيّام قبل أن يدخل عليه أحد من الناس فقال لي: مرحباً بك يا ابن ذبيان ، الساعة أراد رسولي أن يأتيك لتحضر عندنا فقلت: لماذا يا ابن رسول اللّه؟


1- الكشي: الرجال: 2/569ـ 570.
2- عبّاد بن صهيب أبوبكر التميمي الكليني (الكليبي) اليربوعي: بصري، ثقة روى عن أبي عبد اللّه (الصادق ـ عليه السَّلام ـ ). (معجم رجال الحديث: 9/214 رقم 6136).
3- ما بين القوسين من المصدر.
4- أبو الفرج علي بن الحسين الاصبهاني: الأغاني: 7/277.


(85)

فقال: لمنام رأيته البارحة، وقد أزعجني وأرَّقني. فقلت: خيراً يكون إن شاء اللّه تعالى؟

فقال: يا ابن ذبيان، رأيت كأنّي نُصِب لي سُلَّم فيه مائة مرقاة، فصعدت إلى أعلاه.

فقلت: يا مولاي أُهنّئك بطول العمر، ربّما تعيش مائة سنة، لكلّ مرقاة سنة، فقال لي ـ عليه السَّلام ـ : ما شاء اللّه كان.

ثمّ قال: يا ابن ذبيان، فلمّا صعدت إلى أعلى السلّم رأيت كأنّي دخلت قبّة خضراء يُرى ظاهرها من باطنها، ورأيت جدِّي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جالساً فيها وإلى يمينه وشماله غلامان حسنان يُشرق النور من وجههما،ورأيت امرأة بهيّة الخلقة، ورأيت بين يديه شخصاً بهيّ الخلقة جالساً عنده، ورأيت رجلاً واقفاً بين يديه وهو يقرأ هذه القصيدة :(لأُمِّ عَمرو بِاللِّوى مَربَعُ).

فلمّا رآني النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لي: مرحباً بك يا ولدي يا عليّ بن موسى الرضا سلِّم على أبيك عليّ، فسلّمت عليه.

ثم قال لي: سلّم علي أُمِّك فاطمة الزهراء، فسلّمت عليها.

ثمّ قال لي: وسلّم على أبويك الحسن والحسين، فسلّمت عليهما.

ثمّ قال لي: وسلّم على شاعرنا و مادحنا في دار الدنيا السيد إسماعيل الحميري، فسلمت عليه; وجلست فالتفت النبيُّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى السيد إسماعيل وقال: أعد إليّ ما كنّا فيه من إنشاد القصيدة، فأنشد يقول:

لأُمِّ عَمرو باللِّوى مَرْبَعُ * طامِسةٌ أعلامُــهُ بَلْقَـعُ

فبكى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلمّا بلغ إلى قوله: و وجهٌ كالشمسِ إذْتَطْلَع


(86)

بكى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفاطمة ـ عليها السَّلام ـ معه و من معه، ولمّا بلغ إلى قوله:

قالُوا لَه لو شِئتَ أعلمْتَنا * إلى مَن الغايــة والمفزَعُ

رفع النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يديه وقال: إلهي أنت الشاهد عليّ وعليهم أنّي أعلمتهم أنّ الغاية والمفزع عليّ بن أبي طالب(1)، وأشار بيده إليه، وهو جالس بين يديه صلوات اللّه عليه.

قال عليّ بن موسي الرضا عليمها السَّلام : فلمّا فرغ السيد إسماعيل الحميري من إنشاد القصيدة التفت النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إليَّ وقال لي: يا علي بن موسى احفظ هذه القصيدة ومُر شيعتنا بحفظها، وأعلمهم أنّ من حفظها وأدمن قراءتها ضمنت له الجنّة على اللّه تعالى.

قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : ولم يزل يكرّرها عليّ حتّى حفظتها منه.(2)


1-

«إن كان دين محمد فيه الهدى * حقّـاً فحبّـك بابـه والمـدخــل»

البيت من حاشية المخطوطة، وفيه فوق «فحبّك»: «يا علي».
2- ذكر الحديث في البحار: 47/328 دون ذكر مصدر له، قائلاً:«أقول: وجدت في بعض تأليفات أصحابنا أنّه روى باسناده ـ ثمّ ذكر الحديث ـ» . وجاء في هامش البحار ما يلي:«نقل القاضي نور اللّه في مجالسه:2/508 عن رجال الكشي حديث سهل بن ذبيان وقصّة المنام ولم نقف عليه في المطبوع من رجال الكشّي، كما أنّ أبا علي في رجاله ص 59 والمامقاني في رجاله:1/143 نقلاً عن العيون لشيخنا الصدوق قصة المنام، وذكر شيخنا الأميني في الغدير2/223 خلو نسخ العيون المخطوطة والمطبوعة من ذلك. ونقل عن جماعة ذكر المنام في مؤلّفاتهم فراجع».


(87)

[المختار من القصيدة]

وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ حان أن أُعوّض على الدرر مستعيناً باللّه خالق القوى والقدر، وقد اخترت من نسخ القصيدة أطولها وأبسطها وأوضحها وأسبطها(1)، قال رحمه اللّه :

[1]

لأُمِّ عَمرو باللِّوى مَرْبَعُ * طامِسةٌ أعلامُـــهُ بَلْقَعُ

اللغة:

«اللام »المفرد على وجهين:

حرف هَجْي، وحرفُ مَعنى.

فلنتكلّم على أحوالها بكلّ اعتبار.

أمّا الكلام عليها بالاعتبار الأوّل، فاعلم أنّ مخرجها ـ على ما قاله سيبويه(2) وغيره ـ : من حافّة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ما بينها و بين ما


1- السَّبْطُ : الشّعْرُ الذي لا جعُودة فيه، و شعرٌ سَبْطٌ وَسَبِطٌ: مُستَرسِلٌ غير جَعْد. (لسان العرب :«سبط)».
2- هو عمرو بن عثمان بن قبرالفارسي (المتوفّى 180هـ) لقب بـ «سيبويه» له ترجمة في «المعارف» لابن قُتيبة: 302 ـ اخبارالنحويّين والبصريّين للسيرافي: 48 ـ انباء الرواة:2/36.


(88)

يليها من الحنك الأعلى ممّا فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية(1).

قوله: «من أدناها إلى ما دون طرف اللسان» إلى رأسه، وقوله: «إلى منتهى طرف اللسان»: أي رأسه.

والضواحك: هي الأسنان الأربعة التي بين الأضراس والأنياب. وجاء بمعنى: كلّ سن يبدو عند الضحك.

وتخصيص الأوّل لأنّها نهاية ما يظهر من الأسنان عند الضحك، ووَصْف السن به وصفٌ مجازي كالشارب.

والضحك: بمعنى الظهور والتلألؤ والالتماع، كما يقال: له رأي ضاحك لا لَبس فيه. ويقال لِطَلع النخل: الضاحك والضُّحك.وضحك البرق.والحوض يضحك في الروضة. وكما قال بأحد المعنيين:

لا تَعْجَبي يا سَلمُ مِنْ رجل * ضَحِكَ المَشِيبُ بِرأْسِهِ فبَكَى(2)

والأنياب من الأسنان: التي بين الضواحك والرباعيات.

والرباعيات: هي الأسنان التي بين الناب والثنايا.

والثنايا: هي التي في مقدّم الفم فلكلّ من الأصناف الأربعة أربع: اثنتان من فوق واثنتان من أسفل.


1- كتاب سيبويه: 4/433. و نصّه: ... وما فويق الثنايا مخرج النون.
2- البيت لدعبل الخزاعي من (الكامل)، انظر ديوانه: 143. (مؤسّسة الأعلمي، بيروت 1417هـ). و نسبه في أعلامالزركلي:5/214 إلى(البرداني محمد بن أحمد ابن محمد أبوالحسن) عن كتاب(المحمّدون:56).


(89)

وخالف في ذلك الحاجبي(1) فلم يعتبر من الأسنان إلاّالثنايا، قال في الإيضاح: وكان ينبغي أن يقال فوق الثنايا إلاّ أنّ سيبويه قال مثل ذلك، فمن أجل ذلك عددوا، وإلاّفليس في الحقيقة فوق ذلك ، لأنّ مخرج النون يلي مخرجها وهو فوق الثنايا فكذلك هذا، على أنّ الناطق باللام تنبسط جوانب طرفي لسانه ممّا فوق الضاحك إلى الضاحك الآخر وإن كان المخرج في الحقيقة ليس إلاّفوق الثنايا، هذا وإنّما ذلك يأتي لما فيها من شبه الشدّة ودخول المخرج في ظهر اللسان فينبسط الجانبان لذلك،فلذلك عدّد الضاحك والناب والرباعية والثنايا.

و خالف الشاطبي(2) في ظاهره فلم يعتبر إلاّاللسان والحنك، والشيخ أبو الحجاج يوسف بن محمد البلوي المعروف بابن الشيخ في كتاب «الف باء» فلم يعتبر إلاّاللسان.

وقال الجعبري(3) في «شرح حرز الأماني» : من رأس حافّة اللسان وطرفه ومحاذيهما من الحنك الأعلى ومن اللثّة في سمت الضاحك لا الثنيّة، خلافاً لسيبويه.

واعتبر الشيخ أحمد بن علي الكوفي صاحب «حل الرّموز» فويق الناب إلى الثنايا.

أقول: أمّا النزاع بين سيبويه والحاجبي فيشبه أن يكون لفظياً كما هو الظاهر


1- هو عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب (المتوفّى 646هـ). له ترجمة في البداية والنهاية:13/80 ـ النجوم الزاهرة:4/301)
2- أبوالقاسم بن فيّرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير(538 ـ 590هـ). له ترجمة في سير أعلام النُّبلاء:21/261 ، البداية والنهاية: 13/10، النجوم الزاهرة:6/136.
3- ابراهيم بن عمر بن ابراهيم بن خليل الجعبري(640 ـ 732هـ) يُعرف بابن السراج. له ترجمة في معجم المؤلّفين:1/69، اعلام الزركلي:1/55، البداية والنهاية:14/185.


(90)

ممّا حكينا من كلامه، فإنّه معترف بأنّ اللسان ينبسط على الضواحك وما بينها جميعاً، إلاّأنّه يقول: إنّ المخرج حقيقة ما فوق الثنايا، وكأنّه في ذلك صادق، واعتبر سيبويه جميع ذلك وإن كان بعضه تابعاً لبعض. وأمّا ابتداء صاحب «حل الرّموز» من الناب، فلانتهاء الضعف في الضاحك، فإنّ نهاية القوة في الوسط الذي هو بازاء الثنايا ولا يزال يضعف قليلاً قليلاً إلى الضاحك، وربّما لم يظهر مدخليته لغاية الضعف فيه.

وأمّا عدم اعتبار الجعبري للثّنايا، فلا يتمّ إلاّإذا تلفّظ باللام بشدّة فإنّه حينئذ ينعطف طرف اللّسان إلى الحنك.

وأمّا الشاطبي فلعلّه تسامح إمّا باستعمال الحنك فيما يشمل اللثَّة تغليباً، أوبالاكتفاء ببعض أجزاء المخرج.

ثمّ اللام من الحروف الذولقية أو الذلقية التي تبتدئ من ذولق اللّسان أو ذلقه أي حدّه وهي ثلاثة: الراء واللاّم والنون، وفي بعض نسخ «العين» للخليل: إنّ حروف الذلق: الراء واللاّم والنون والفاء والباء والميم، ولعلّه إدخال الثلاثة الأخيرة باعتبار طرف الفم إذ لا مدخل للسان فيها، والمراد النسبة إلى الذلق، بمعنى الفصاحة لخفّة النطق بها وسهولته، ثمّ هي من المجهورة(1) أي التي يقوى التصويت بها; لما يمنع النفس من الجبران معها وهي ما عدا حروف «سكت فحثه شخص ». و هي أيضاً بين الشديدة والرخوة وهي حروف لم ترو عنّا، فإنّ الشديدة ما ينحصر الصوت في مواضعها عند الوقف وهي حروف «أجدك قطبت»، والرخوة مايجري الصوت معها في الوقف وتلك الأحرف الثمانية ينحصر


1- قال في تاج العروس: 3/114، المجهورة من الحروف عند النحويّين بأجمعهم في قولهم «ظلّ قوربض إذ غزا جند مطيع».


(91)

الصوت في مواضعها، إلاّ أنّه تعرض لها أعراض توجب خروج الصوت من غير مواضعها، أمّا اللاّم فلأنّ مخرجها أعني طرف اللسان، وإن لم يتجاف عن الحنك عند النطق حتى يجري الصوت بينهما، إلاّ أنّه لم يسد طريق الصوت بالكلّية كالدال والتاء، بل انحرف طرف اللسان فخرج الصّوت من مستدق اللّسان فويق مخرجه.

وأمّا البواقي فنكِل بيانها إلى كتب التصريف.

ثمّ هي من المنفتحة وهي ما عدا المطبقة والصّاد والضّاد والطاء والظاء، والإطباق أن ينطبق الحنك على اللسان عند النطق بالحرف.

ثمّ هي من المنخفضة وهي ما عدا المستعلية وهي المطبقة مع الخاء والغين والقاف ، والاستعلاء ارتفاع اللسان إلى الحنك عند النطق بالحرف.

وهي وحدها تسمّى منحرفة، لأنّ اللّسان ينحرف عند النطق بها. وجعل الكوفيون وحكى ابن أبي طالب الراء أيضاً منحرفة.

وأمّاالكلام عليها بالاعتبار الثاني، فاعلم أنّهما نوعان: إحداهما غير عاملة، والأُخرى عاملة.

والكلام هنا في العاملة وهي على قسمين: الجارة، والجازمة، خلاف الكوفيين فقد زادوا الناصبة، لزعمهم أنّ «لام كي» و«لام الجحود» بأنفهسما ناصبتان.

والكلام هنا في الجارّة :فاعلم أنّها في المشهور مكسورة إلاّالمضمر غير الياء فإنّها مفتوحة في الأكثر، وخزاعة تكسرها معه أيضاً.

وأمّا مع الياء فكسرها متّفق عليه. هذا في غير المستغاث، وأمّا فيه فتفتح إذا لم يكن معطوفاً على غيره، وحكى يونس وأبو عبيدة وأبو الحسن وأبو عمرو، أنّهم


(92)

سمعوا العرب بفتحها مع الظاهر مطلقاً.

وحكى ابن أبي طالب عن بني العنبر(1) أنّهم يفتحونها مع الفعل. وعن أبي زيد أنّه سمع من يقرأ (وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ)(2) بفتح اللاّم.

وحكى المبرّد عن ابن جبير أنّه قرأ (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لتَزولَ مِنْهُ الجِبالُ)(3) بفتح اللاّم مع فتح لام الفعل.

فإن قلت: على من كسرها أنّ الأصل في البناء، لا سيما في الحروف، أن يبنى على السكون لخفّته، ولكونه عدماً والعدم أصل في الحادث، ولمّا تعذّر هنا السّكون للزوم الابتداء بالساكن،كان الأصل أن يبنى على الفتح لكونها أُخت السكون في الخفّة وإن كانت أُخت الكسرة في المخرج، كما بنيت الكاف والواو والفاء وغيرها من الحروف المبنية على حرف واحد، على الفتح.

قلنا: فرقاً بينها وبين لام الابتداء، ولم يعكس لياطبق حركة الجارّة، أثرها الذي هو الكسر وما بحكمه، ولمّا كان الافتراق في الضمائر حاصلاً فإنّ لام الابتداء لا يتصل به ضمير جعلت فيها مع الأصل إلاّفي الياء، فإن استدعاها كسر ما قبلها قويّ، وإبقائها في المستغاث على الفتح، للفرق بين المستغاث والمستغاث له، وكسرها في المعطوف، لحصول الفرق بالعطف.

وأمّا معاني اللاّم الجارّة فكثيرة، والمناسب هنا ثلاثة معاني:

الاختصاص: كما في قولك: المنبر للخطيب، والحصير للمسجد، والسرج للفرس، وقوله تعالى: (فإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ)(4).


1- بني العنبر بن عمرو بن تميم و إليهم ينسب «العنبري».
2- الأنفال: 33.
3- إبراهيم:46.
4- النساء:11.


(93)

والملك: كمافي قوله (تعالى): (لَهُ ما فِي السَّمواتِوَما في الأَرض)(1).

والاستحقاق: كما في : الحمد للّه، والعزّة للّه، والملك للّه، والنار للكافر، وغيرها.

وما قيل من اختصاصها بالوقوع بين معنى وذات، لم يثبت، ولو سلّم فليؤوّل هنا بالتمكّن في المَربَع، كما يُؤوّل في النار بعذابها.

أُمّ الشيء: أصله. ومنه الوالدة. وأُمّ النجوم: المجرّة لأنّها لاجتماع كثير من النجوم فيها كأنّها أصل ينبعث منها النجوم. وأُمّ القرى، لمكة; لأنّ الأرض دُحِيَت من تحتها. ويقال للمعدة: أُمّ الطعام، وللجلدة التي تشتمل على الدماغ: أُمّ الدماغ،تشبيهاً لهما بالوالدة.

وعن الخليل والأخفش: كلّ شيء انضمّت إليه أشياء فهو أُمّ، وبذلك سمّي رئيس القوم أُمّاً لهم، وأُمّ مثوى الرجل صاحبه منزله الذي ينزله.

وقوله سبحانه: (فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ)(2) بمعنى: التي تضمّه وتؤويه.

وأُمّ الكتاب: اللَّوح المحفوظ; لاشتماله على كلّ عِلم.

ومن العرب من يكسر همزته، وقرأ(فَرَدَدْناهُ إلى أُمّه)(3) بالكسر.

وقد يحذفون الهمزة استخفافاً فيقولون: «ويل مه»، وربّما كتبوه «ويلمه» متّصلاً.

وربّما قالوا:« أُمّة» بإلحاق التاء.

واختلف في أصله ، فقيل: أصله «أُمَّهةٌ» لجمعه على «أُمّهات»، وقيل:


1- البقرة:107 و116.
2- القارعة:9.
3- أي«إمّه». القصص:13.


(94)

«أُمّهتي صدفٌ والياس أبي».

وقيل بل هو الأصل ولكن جاء «أُمَّهة»بمعناه، ولذا يُجمع على «أُمّات» أيضاً. وقيل: «الأُمّهات» يخصّ الناس، و«الأُمّات» البهائم. وقيل إنما زيدت الهاء في جمعها للتفخيم، وخُص بها الجمع لأنّه موضع تخييرمّا.

«العمر»: بالفتح والضم، وبضمّتين: الحياة.

وقال أبو حيّان في «ارتشافه»: وفي معنى عمر قولان:

أحدهما مذهب البصريين: أنّه بمعنى البقاء، تقول: طال عمرك وعمرك. والتزموا فتح العين مع اللام في القَسَم فالمجرور بعده فاعل والمصدر مضاف إليه.

والثاني ما ذهب إليه بعض الكوفيين والهروي: أنّه مصدر ضدّ الخلو، مِن: عمّر الرجل منزله، والمقسم يريد تذكير القلب بذكر اللّه تأكيداً للصدق. وبه قال السهيلي.

وقال الراغب: اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة، ـقال:ـ فهو دون البقاء فإذا قيل: طال عمره، فمعناه: عمارة بدنه بروحه. وإذا قيل: بقاؤه، فليس يقتضي ذلك، فإنّ «البقاء» ضد« الفناء»، ـقال:ـ ولفضل البقاء على العمر وصف به اللّه تعالى، و قلّما وصف بالعمر(1).

أقول: ولذا ورد النهي عن قول: لعمر اللّه.

والعَمر، بالفتح وبفتحتين: الدِّين، قيل: ومنه لَعَمري.

وبالفتح والضمّ: منابت الأسنان وما بينها من اللحم المستطيل، وجمعه بالمعنيين عمور، و تحملهما قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أوصاني جبرئيل بالسواك حتى خفت على


1- مفردات غريب القرآن:347.


(95)

عُموري»(1).

والعَمَر، بالفتحتين: المنديل تُغطي به الحرّة رأسها. والعمران: الكمال.

والعَمر بالفتح: ضرب من النخل طويل. و:القرط.

والعمران: اللحمتان المتدلّيتان على اللَّهاة.

والعُمر، بالضم: المسجد والبيعة والكنيسة.

وعَمرو، بالفتح: اسم مأخوذ من أحد المعاني المناسبة من هذه المعاني، كُتب بالواو فرقاً بينه و بين عُمَر مضموم الأوّل مفتوح الثاني، ولذا لم تكتب بها في النصب لحصول الافتراق بالألف.

الباء: حرف تَهجِّي. وحرف مَعنَى.

أمّا الكلام عليها بالاعتبار الأوّل: فاعلم أنّها من الحروف الشفويّة، مخرجها ما بين الشفتين بانطباق بينهما بالاتفاق. وهي مجهورة شديدة، منفتحة منخفضة ذلقية على رأي، وهي من حروف القلقلة وهي حروف «قطب جد»، وإنّما سميت قلقلة، لأنّها يصحبها ضغط اللسان في مخارجها في الوقف مع شدّة الصوت المتصعّد من الصدر وهذا الضغط يمنع من خروج ذلك الصوت، فإذا أردت بيانها احتجت إلى قلقلة اللسان، أي تحريكه عن موضعه حتى يخرج صوتها فيسمع.

وأمّا الكلام عليها بثاني الاعتبارَين: فاعلم أنّها مكسورة.

وعن ابن جنّي أنّه حكى عن بعضهم أنّ حركتها الفتح مع الظاهر، وإنّما بنيت على الكسر مع أنّ الأصل بناؤها على الفتح كما علمت، للزومها الحرفية


1- ابن أثير: النهاية في غريب الحديث: 3/299، و لسان العرب:4/1215 «عمر».


(96)

والجرّ، وكلّ منهما يناسب الكسر.

أمّا الحرفية: فلأنّها تقتضي عدم الحركة، والكسر يناسب العدم لقلّته، إذ لا يؤخذ في الفعل، ولا في غير المنصرف من الأسماء ولا في الحرف إلاّنادراً، ولقربه من السكون في المخرج كما مرّت إليه الإشارة، لأنّ الواقف على السكون لافظ بكسرة خفيّة.

وأمّا الجر: فللمناسبة: وهذا بخلاف الكاف فإنّها وإن لزمت الجرّ لكن لم تلازم الحرفية. وبخلاف الواو فإنّها وإن لزمت الحرفية إلاّ أنّها لا تلازم الجرّ، لأنّها تكون عاطفة ومعترضة ونحوهما. وأمّا تاء القسم: فلا تلازم شيئاً من الحرفية والجرّ.

وقال الزجاج: إنّما كُسرت الباء للفصل بين ما يجر، وقد يكون اسماً كالكاف وما يجر ولا يكون إلاّحرفاً كالباء.

وقال المبرّد: العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنّك إذا أخبرت عن نفسك بأنّك كتبت باءً قلت: «ببيت» فرددتها إلى الياء، والياء أُخت الكسرة.

وأمّا معانيها: فكثيرة إلاّ أنّه يمكن اعتبار الإلصاق(1) في كلّ منها، ولذا حصرها سيبوبه في الالزاق والاختلاط.

والمعنى المناسب هنا هو الظرفية، كقوله تعالى: (نَجَّيْناهُمْ بِسَحَر) (2) ونحو: زيدٌ بالبصرة.

الألف واللام اللّتان للتعريف، فيهما أقوال:

أحدها: إنّ الحرف المعرّف ثنائي الوضع«ال» كـ«قد» و «هل» وإنّ الهمزة


1- لَصِق، و هي لغة تميم، و قيس تقول لَسق بالسين و ربيعة تقول لَزَق.(لسان العرب: «لصق)».
2- القمر: 34.


(97)

للقطع كما في «أُم» و«أو» وهو الذي ذهب إليه الخليل وابن كيسان.

وثانيها: إنّ المعرّف «ال»إلاّ أنّ همزتها همزة وصل معتدّ بها في الوضع وهو المعزى إلى سيبويه.

وثالثها: إنّ المعرّف إنّما هو اللام الساكنة وضعاً، والهمزة زائدة; للوصل بالساكن، وعليه الأكثر.

ورابعها: إنّ المعرّف إنّما هو الهمزة، واللام مزيدة، للفرق بين همزة التعريف وهمزة الاستفهام، وعُزي إلى المبرّد.

واستدلّ للأوّلَيْن: بأنّ حروف المعاني ليس فيها ما وضع على حرف واحد ساكن، وبفتح الهمزة وثبوتها في الاستفهام، نحو: أالان، وفي النداء نحو: يا اللّه، وفي القسم نحو: ها للّه لأفعلن، وبأنّهم يقولون في التذكير«ألي» كما يقولون «قدي»، وبأنّ الأصل في كلّ كلمة أن تكون جميع حروفها أصليّة.

وللثالث: بحذف الهمزة في الدّرج، وبأنّ حرف التنكر حرف واحد ساكن هو التنوين، فكان المناسب أن يكون حرف ضدّه كذلك.

وإنّما خالفت التنوين فدخلت أوّل الكلمة لتحفظ عن الحذف فإنّ الآخر يدخله الحذف كثيراً، وإنّما كانت لاماً لأنّ اللام تدغم في ثلاثة عشر حرفاً.

وأمّا إثبات همزتها في الاستفهام، فللفرق بينه و بين الإخبار.

وأمّا إثباتها في «يااللّه» و«ها للّه» فلأنّ الألف واللام في لفظ «اللّه» عوضان عن همزة «إله» ولازمتان للكلمة وبذلك صارتا بمنزلة أجزاء الكلمة.

وأمّا قولهم: «ألي» كـ «قدي» فلتنزيلهم لهما; لتلازمهما منزلة «قد»، ولعلّ سيبويه لمّا رأى تعارض دليلَي أصالة الهمزة وزيادتها جمع بين الأصالة والوصيلة.


(98)

وأمّا حجّة الرابع: فهو أنّه حرفٌ زيد لمعنى، وأولَى الحروف بذلك حروف العلّة وأولاها «الألف»، لكونها أخفّها، ولمّا تعذّر الابتداء بها قُلبت همزة.

ويدلّ على عدم أصالة «اللاّم» أنّها تُقلب ميماً في لغة حمير إمّا مطلقاً أو فيما لا يُدغم فقط.

ولا يخفى أنّ الدليلين بمكان من الوهن، وأنّ هذا الرّأي بمكان من الضعف، وإنّما الأمر متردّد بين الثلاثة الأُوَل، بل بين الأوّل والثالث والأظهر هو الثالث، ومعناهما التعريف أي جعل الاسم معرفة، وزعم ابن مالك أنّه لا يمكن حدّ المعرفة قال: لأنّ هاهنا ما هو معرفة معنى نكرة لفظاً نحو: كان ذلك عام أوّل، وعكسه نحو: أُسامة، وما فيه الوجهان كذي اللام الجنسيّة.

والمشهور: إمكان التعريف فقيل: ما وضع لشيء بعينه، وقيل: ما وضع ليستعمل في شيء بعينه، والحقّ ما هو المشهور من إمكان التعريف.

وأمّا استعمال النكرة لفظاً في معنى المعرفة وعكسه، فهما من التوسعات.

وأمّا التعريفان فلكلّ وجه.

والمراد بالتعيين المأخوذ فيهما، ما يعمّ الشخصي والنوعي، والمقصود منها: أن يكون اللفظ إشارة إلى المعنى باعتبار تعيينه، فلا يرد أنّ النكرات أيضاً تدل على معان معيّنة، إذ ما من معنى إلاّ و له تعيين وامتياز عن غيره لا سيما إذا عمّم التعيين للنوعي، فإنّ معاني النكرات وإن كانت كذلك إلاّ أنّها ليست إشارات إليها باعتبار تعيّناتها.

واعلم أنّ اللام لها معاني أربعة. وتحقيقها أيضاً:

إمّا للإشارة إلى حصّة معيّنة من الماهية المدلول عليها بمدخولها فرداً أو فردين أو أفراداً، ولابدّمن أن تكون الحصّة إمّا مذكورةً قبل، نحو (كَما أَرْسَلْنا )


(99)

إِلى فِرْعَونَ رَسُولاً * فَعَصى فِرعَوْنُ الرَّسُولَ)(1)، (فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَة الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوكَبٌ دُرِّيٌّ)(2)، أو حاضرة عند المتكلّم نحو: جاءني هذا الرجل، و:يا أيّها الرجل، و: خرجتُ فإذا أسد، و: الآن، و: اليوم، و كما أنّك تقول لرجل يشتم رجُلاً بحضرتك: لا تشتم الرَّجل، أو معلومة معهودة بين المتكلّم والمخاطب نحو: (إِذْ هُما فِي الغارِ)(3)).

وإمّا للإشارة إلى الماهية وهو يتشعّب إلى ثلاثة، فإنّها : إمّا إشارة إلى نفس الماهية من حيث هي من غير اعتبار وُجودها في ضمن الأفراد و تسمّى لام الطبيعة ولام الحقيقة، نحو: الرَّجل خيرٌ من المرأة، أو إليها باعتبار وجودها إمّا مع قرينة البعضية أي الوجود في ضمن بعض الأفراد ويسمّى لام العهد الذّهني، نحو: أكلتُ الخُبْزَ، وشَرِبتُ الماءَ، ورَكِبتُ الخَيْلَ، أو مع قرينة العموم، أو مع عدم القرينة، وتحمل على العموم أيضاً في المقامات الخطابية حذراً من الترجيح بلا مرجِّح ويسمّى لام الاستغراق، نحو: (إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْر * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)(4) و الّذي يحتمله اللاّم هنا، العهدان.

«اللِّو»ى، كألي: ما التَوَى من الرَّمْل، أو مُسْتَرَقُّه، ومُنْقَطَعُهُ ، ألْوى القَوم: صاروا إلى لِوى الرَّمْلِ، يقال: ألوَيتُم فَانزِلُوا.

«المَربَعُ»: منزل القوم. في الربع خاصّة، يقال: هذه مَرابِعُنا وَمصايفُنا.

«الطُّمُوسُ»: الدُّرُوسُ والامِّحاء(5)، وقد طَمَسَ يَطْمِسُ وَيَطْمُسُ وَطَمَسْتُهُ طَمْساً، يتعدَّى ولا يتعدَّى، وانْطَمَس الشيءُ و َتَطَمَّسَ: أي انْمَحى وَدَرَسَ، ولفظ


1- المزمّل:16ـ 17.
2- النور:35.
3- التوبة:40.
4- العصر:2ـ3.
5- اِمَّحى، يَمَّحِي، اِمحاء. و الأصل في اِمََّّحى: اِنْمَحى، ووزنه «اِنْفَعَلَ».(لسان العرب: «محا)».


(100)

الطامسة هنا يجوز جعله من كلّ من اللاّزم والمتعدّي: أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ اسم المفعول كثيراً ما يكون على صيغة اسم الفاعل بمعنى ذو كذا، كراضية في (عيشَة راضية) على وجه.

التاء: حرف واسم، والحرف: حرف هجاء، وحرف معنى.

أمّا حرف الهجاء: فمخرجها على ما قاله سيبويه و غيره: ما بين طرف اللّسان وأُصول الثنايا، يعني الثنايا العليا.

وزاد في الارتشاف مصعداً إلى جهة الحنك.

وفي «الإيضاح» للحاجبي قوله: وأُصول الثنايا ليس بحتم، بل قد يكون ذلك من أُصول الثنايا وقد يكون ممّا بعد أُصولها قليلاً مع سلامة الطّبع من التكلّف.

وفي «المفتاح» للسكّاكي و«حرز الأماني» وغيرهما: أنّه ما بين طرف اللّسان والثنايا العليا من غير تقييد بالأُصول، وهو موافق لما ذكره الحاجبي.

وفي «شرح حرز الأماني» للجعبري بين رأس اللّسان وبين أُصول الثنتين العليتين أو وسطهما، وهو تصريح بموافقته.

وفي «حلّ الرّموز»: بين رأس اللّسان وما يلي أُصول الثنايا فقد حتم الوسط على عكس الأوّل.

وهي مجهورة شديدة منفتحة منخفضة نطعية، أي مبدؤها من نطع الغار الأعلى وهو بالكسر وكعنب، ما ظهر منه فيه آثار كالتحرير.

والحروف النطعية هي: الطّاء والدال والتاء، وهي مصمتة أي ممّا عدا حروف الذلاقة والإصمات، أنّه لا يكاد يبنى منها كلمة رباعية أو خماسية مُعراة عن حروف الذلاقة فكأنّه قد صمت عنها.


(101)

وأمّا التاء التي هي حرف معنى، فعلى قسمين:ساكنة ومتحركة، والكلام هنا في المتحركة والتي هنا منها علامة التأنيث مخصوصة بالاسم تقلب في الوقف هاءً، أو قيل: بل علامة التأنيث هي الهاء تقلب في الوصل تاءً، أو أصلها أن تجيئ لفصل وصف المؤنّث عن وصف المذكّر، نحو: طامسة وطامس، وللفصل بين الآحاد المخلوقة وأجناسها كتمرة وتمر، وجرادة وجراد.

وقد يكون ذو التاء جنساً وعديمها واحداً ككَمئَ وكماة عند بعض، وجبيَ وجباة، وفقع وفِقعة على ما قيل. وقد يأتي لوحدة أسماء المصنوعات كسفينة وسفين، وعمامة وعمام، ولبنة ولبن، وجرة وجر، وقلنسوة وقلنسو.

وقد تكون علامة لتأنيث الاسم الجامد نحو : امرئ وامرأة، ورجل ورجلة، وغلام وغلامة، وإنسان وإنسانة، وحمار و حمارة، و بِرذَون وبرذَونَة، وأسد وأسدة.

و قد تدخل الصفات دلالة على الجمعية ، نحو: بغال و بغالة، و حمار وحمارة، و جمال و جمالة، ووارد و واردة، و شارب و شاربة، و بصري و بصرية، و كوفي وكوفية، و أشعريّ و أشعريّة.

وتجيئ لأغراض اُخر والكل متفرّع على التأنيث.

«الأعلام» ، مكسّر علم: وهو العلامة وما ينصب ليُهتدى به في الطريق، والجبل أو الطويل منه، والراية وما يعقد على الرمح، وسيّد القوم، ويقال: فلان علم، أي مشهور، تشبيهاً بالراية أو الجبل.

«الهاء»: حرف واسم، والحرف حرف تهجّي وحرف معنى.

أمّا الكلام على حرف التهجّي منها: فاعلم أنّ مخرجها أقصى الحلق كالهمزة والألف إمّا في رتبة واحدة، أو الهمزة أوّل ثمّ الهاء و الألف في رتبة، أو الهمزة أوّل ثمّ الألف ثمّ الهاء، أو الهاء أوّل، أو الألف هوائية لا مخرج لها على اختلاف الآراء.


(102)

والحقّ أنّ الألف هوائية وهو المروي عن الخليل. قال الجعبري في «شرح حرز الأماني» :والتحقيق ما ذكره الخليل، ومعنى جعل سيبويه الألف مخرج الهمزة أنّ مبدأه مبدأ الحلق ثمّ يُمدّ ويمرّ على الكلّ. ثمّ إنّ الظاهر أنّ الهمزة أوّل ثمّ الهاء وهي تسمّى: مهنوناً، لضعفها وخفائها، و هي مهموسة مصمتة رخوة منفتحة منخفضة.

وأمّا الكلام على حرف المعنى منها، فليس ممّا يتعلّق بما هنا، لكونها هنا اسماً. وأمّا الاسم منها: فهو ضمير المذكّر الغائب الواحد متّصل مشترك بين المجرور والمنصوب. والواو والياء الملفوظتان بعده إشباع وتقوية للحركة. خلافاً للزجّاج فإنّه يجعل الضمير مجموع الهاء والواو، والحجازيون يضمّونه مطلقاً كان قبله ياء أوكسرة أو لا. وغيرهم يكسرونه بعدهما إلاّإذا اتّصل به ضمير آخر نحو يعطيهوه ولم يعطهوه.

ثمّ إن كان قبله متحرّك أُشبعت حركته والإسكان، والاختلاس ضرورة عند سيبويه، وحكاهما الكسائي عن بني كلاب و بني عقيل.

وإن كان قبله حرف لين فحذف الواو والياء أحسن والإشباع بهما عربي، وإن كان ساكناً غير لين فالإشباع أحسن عند أبي عمرو و سيبويه، خلافاً للمبرّد إذ الاختلاس عنده أجود، وتبعه ابن مالك، وقرأ ابن ذكوان: أَرْجِهْ(1)، بكسر الهاء من غير إشباع بعد كسره مفصولاً بينها وبين الهاء بساكن، وإن كان مفصولاً بينه وبين متحرّك بساكن حُذف جزماً أو وقفاً جاز الإشباع والإسكان والاختلاس، نحو: (يَرْضَهِ لَكُمْ)(2)، و(يُؤدِّه إليكَ)(3) و: (فألقه إليهم) (4).


1- الأعراف: 131 و الشعراء:36.
2- الزمر: 7.
3- آل عمران: 75.
4- النمل: 28.


(103)

و «البَلْقَع»: الأرض القفر التي لا شيء فيها، يقال: منزل بلقع، ودار بلقع بغيرها، إذا جعل نعتاً، فإن كان اسماً قيل: انتهينا إلى بلقعة لمساء.

الإعراب:

لأُمِّ عَمْرو: ظرف عامله عامٌّ واجبُ الحَذفِ إمّا فعل أو اسم على اختلاف الرأيين، وهو كائنٌ أو كان، أو حاصلٌ أو حَصَل، أو ما يؤدّي مؤدّاهما.

وعن ابن جنّي تجويز إظهار هذا العامل.

قال نجم الأئمّة: ولا شاهد له قال: وأمّا قوله: (فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ)(1) فمعناه ساكناً غير متحرّك وليس بمعنى كائناً (2).

واختلف في أنّ الضمير حُذف مع العامل أو استقرّ في الظرف.

فذهب السيرافي إلى الأوّل وغيره إلى الثاني، ويدلّ عليه أنّه قد يؤكد، كقوله:

فإنْ يَكُ جُثماني بأرضِ سواكم * فإنّ فؤادي عِندك الدهرُ أجمعُ (3)

و انّه قد يعطف عليه كقوله:

أَلا يا نَخْلَةً مِنْ ذاتِ عِرْق * عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللّهِ السّلامُ (4)

إذ لا يجوز تقدّم المعطوف على المعطوف عليه فلا يمكن أن يجعل «رحمة اللّه»معطوفاً على «السّلام» وينتصب عنه الحال، كقوله عزّمن قائل:(فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فِيها) .(5)


1- النمل:40.
2- شرح الرضي علي الكافية:1/244.
3- ذكره في شرح شواهدالمغني: 2/846 الشاهد 682 و قال هو من قصيدة لجميل أوّلها:

أهاجَكَ أمْ لا بالمَداخِلِ مَرْبَعُ * ودارٌ بأجراعِ الغَدِيريْنِ بَلْقَعُ

4- قال البطليوسي:لا أعلم قائله. قال: و نسبه قوم للأحوص (انظر شرح شواهد المغني: 2/777 الشاهد568).
5- هود:108.


(104)

وعندي أنّ الإنصاف أنّ قول السيرافي أقرب إلى التحقيق، فإنّ الاسم الجامد لا يصلح شيء منهما لأن يستتر فيه الضمير، ولأنّه لو بقي الضمير لكان بين المفرد وأخويه، والمذكر وأُخته، فرقاً كما كان في العامل إلاّ أنّه لمّا كسر حُذِف العامل، بل وجب لشدّة ظهوره، حتى كان ذكره بمنزلة الحشو في الكلام نزل منزلة المذكور فأكّد وعطف عليه وأوقع عنه الحال ولا بُعد فيه، على أنّ لقائل أن يقول: إنّ التأكيد في البيت لـ«فؤادي»، والرفع للحمل على محله، والعطف على المحذوف لا يحصى كثرة، وأنّ «رحمة اللّه» معطوف على «السلام» وإن تأخّر عنه، كما في قوله:

ثمّ اشتكيت لاشكاني و ساكنه * قبر بسنجبار أو قبر على قهد(1)

هذا كلّه إن لم يكن للظرف مرفوع ظاهر محكوم بكونه فاعلاً له، وإلاّفلا خلاف في أنّ لا ضمير لا في العامل المقدّر ولا في الظرف.

واعلم أنّهم حصروا ما يجب حذف عامله في ثمانية مواضع:

الأوّل: أن يكون صفة والعامل عامّاً نحو: (أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّماءِ) .(2)

والثاني: أن يكون حالاً والعامل كذلك نحو: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زينَتِهِ) .(3)

والثالث: أن يكون صلة والعامل كذلك نحو: (مَنْ فِي السَّمواتِ) .(4)


1- البيت لـ «ضنان بن عباد اليشكري» ذكره البكري الاندلسي في كتابه «معجمما استعجم»:3/760، و جاء في معجم البلدان للحموي:4/418 و قال: قهد ـ بالتحريك ـ اسم موضع.
2- البقرة:19.
3- القصص:79.
4- يونس:66.


(105)

والرّابع: أن يكون خبراً للمبتدأ قبل دخول النواسخ أو بعده والعامل كذلك نحو: زيد في الدّار.

والخامس: أن يكون رافعاً للاسم الظّاهر ولا يكون إلاّوالعامل عام نحو: في الدار زيد.

والسّادس: أن يكون استعماله كذلك فيجب اتّباعه، وذلك في الأمثال وأشباهها نحو: حينئذ، الآن، وأصله: كان ذلك حينئذ، و: اسمع الآن.

والسّابع: أن يضمر العامل على شريطة التفسير نحو: يوم الجمعة صمت فيه

والثامن: القَسَم بغير الباء.

والثلاثة الأخيرة ليست ظروفاً مستقرّة.

والخمسة الأُوَل كلّها تسمّى مستقرّة، إمّا بفتح القاف بمعنى استقرار الضمير فيها على القول بذلك، أو استقرار معنى العامل والضمير فيها، أو استقرار معنى الاستقرار فيها، أو بكسرها بمعنى الاشتمال على معنى الاستقرار، أو بمعنى الاستقلال والاستغناء عن التعلّق بشيء، أو بمعنى أنّها لمّا كانت مسندة أو قائمة مقام المسند خرجت عن كونها فضلة فاستقرّت، فإنّ الفضلة متزلزلة بين الثبوت والزوال.

ثمّ إنّ الظرف المستقر في الأربعة الأُول وفيما إذا ولي نفياً أو استفهاماً يعمل في الفاعل والحال و الظرف والتمييز والمستثنى والمفاعيل إلاّالمفعول به، فإنّ الكون العامل في الظرف قاصر لا يكون له مفعول به، فإذا تعقّب أحد هذه الظروف مرفوع كان فيه أقوال:

أحدها: أنّه يجوز أن يكون المرفوع مبتدأ خبره الظرف، ويجوز أن يكون فاعلاً


(106)

للظرف والأوّل أرجح.

وثانيها: جوازهما مع رجحان الثاني.

وثالثها: تعيين الثاني.

واختلف في أنّ العامل في الاسم الذي بعد هذا الظرف من الفاعل وغيره هل هو العامل المحذوف، أم الظرف؟ على قولين.

كما اختلفوا في أنّ الخبر أيّهما؟

ويؤيد الثاني أنّ الحال لا يتقدّم عليه، ولو كان عاملها العامل المقدّر لجاز التقدّم وأنّ الضمير قد استتر فيه لما تقدّم. ولو لم يكن عاملاً لم يستتر فيه الضمير وقد عرفت ما في الاستدلال على استتار الضمير فيه.

وأمّا عدم تقدّم الحال، فيحتمل أن يكون لالتباسها إن قدّمت بعامل الظّرف إلاّأن يكون جامداً، فإن أُوّل بالمشتق جرى فيه الالتباس وإلاّ احتمل التأويل به لتعلّق الظرف به، وبالجملة فالالتباس جار في الكل.

ويمكن أن يؤيّد على تقدير تقدير الفعل، بأنّه لو كان العامل هو الفعل لم يشترط بالاعتماد على أحد الأُمور الستّة إذ لا اشتراط بذلك لعمل الفعل.

وإن لم يكن الظرف في أحد هذه المحال ويعقبه مرفوع، فلا يخلو إمّا أن يكون المرفوع حدثاً، أو أنّ بمعمولها أو غيرهما.

فإن كان غيرهما فأوجب الكوفيون أن يكون فاعلاً أيضاً، ولا يشترطون الاعتماد وإنّما أوجبوه، لأنّهم لا يجيزون تقديم الخبر على المبتدأ، للزوم الإضمار قبل الذكر، ولذا قالوا في قائم زيدٌ: إنّ زيداً فاعل «قائم»، ولم يجيزوا أن يكون مبتدأ خبره «قائم».


(107)

وجوّز الأخفش الأمرين وكذا جوزهما في : قائم زيدٌ، إذ لا يشترط الاعتماد في شيء من الظرف والصفة ولا يمنع تقديم الخبر على المبتدأ.

وأمّا سائر البصريين; فعلى وجوب أن يكون المرفوع مبتدأ خبره الظرف، لاشتراطهما الاعتماد على أحد الأُمور الستّة.

وأمّا إذا كان المرفوع أحد الباقيين فعند الخليل لا فرق بينهما و بين غيرهما. وفرق سيبويه فأجاز ارتفاعهما بالفاعلية.

قال الفاضل في التّعليق: ولعلّ السرّ فيه هو أنّ الحدث ادّعي للحصول والوقوع مع استدعاء الحصول ما يتعلّق هو به فيصرفه أي يصرف الحدث معناه، أي معنى الفعل الذي في الظرف إلى نفسه وإن لم يكن ذلك المعنى قوياً، بخلاف الخنث فإنّها تستدعي مزيد قوّة فلا يستطيع المعنى الضعيف الّذي في الظّرف أن يصرفها إلى نفسه.

وذهب الفارسي إلى أنّ «أن» بمعمولها يرتفع بالفاعلية دون الحدث الصريح، قيل إنّما عمل في أنّ بلا اعتماد لشبهها المضمر في أنّها لا توصف.

إذا تقرّر هذا فنقول: على المختار عند البصريين«لأُمّ عمرو» خبر لقوله: «مربع» وعند الكوفيين «مربع» فاعل للظرف.

ولابتدائية «مربع» مسوّغان:

أحدهما: الوصف.

والثاني: كون الخبر ظرفاً مخصوصاً أو تقدّم الخبر عليه على اختلاف الرأيين.

ومنشأ الخلاف: أنّ مدار الابتدائية على الإفادة أو التخصيص.

فإن كان الأوّل، كفى كون الخبر ظرفاً مخصوصاً لحصول الفائدة، بخلاف ما


(108)

لم يكن مخصوصاً، نحو: في الدارِرَجُلٌ، إذ الزمان لا يخلو عن أن يكون في دارما رجل.

وإن كان الثاني، فإنّه بالتأخّر عن الخبر يشبه الفاعل، فكما يجوز كونه منكراً لتخصيصه بالفعل كذا يجوز الابتداء بالمنكر المتأخّر.

وقوله: باللِّوى: يحتمل أن يكون حالاً عن «مَرْبَعُ» وصحّ مع أنّه نكرة لوصفه وتأخّره.

وأن يكون حالاً عن ضمير الظرف المتقدّم على تقدير الخبرية.

وأن يكون خبراً آخر لمربع.

وأن يكون صفة لأُمّ عمرو إن كان نكرة، بل وإن كان معرفة بتقدير اسم الموصول، كما قيل في قوله:

عدس ما لعباد عليك أمارة * نجوت وهـذا تحمـلين طليـق(1)

إنّ التقدير«وهذا الّذي تحملين».

وأن يكون متعلّقاً بالظرف الأوّل فيكون لغواً، وعلى الأربعة الأُول مستقرّاً.

طامسة: صفة لمربَع بحال المتعلّق، ويسمّى مجموع النعت بـ:«حال المتعلق»، والمتعلّق أو النعت وحده بـ«النعت السببي»، وإنّما يشترط مطابقة هذا النعت لمنعوته في الإعراب والتعريف أو التنكير دون الإفراد أو أخويه، ودون التذكير أو أُخته، إذ لا ضمير فيه يعود إلى المنعوت ولا هو مسند إليه بل إنّما أُسند إلى المتعلّق، فإنّما يجب مطابقته له في التذكير وفي التأنيث إن كان مؤنّثاً حقيقياً غير مفصول.


1- القائل: يزيد بن مفرغ الحميري.
و في حاشية الصبان: 1/160 أنّها من قصيدة هجا بها عباد بن زياد بن أبي سفيان، و كما جاء ذلك في قطرالندى 106، و أكثر كتب النحوييّن، و التبيان في تفسير القرآن للشيخ الطوسي 3/320.


(109)

أعلامه: فاعل «طامسة»

بلقــع: صفة أُخرى لمربَع فعلية أي لحال الموصوف.

المعاني: فيه مسائل:

الأُولى: في تقديم الظرف الأوّل على «مربع»: أمّا إن جُعل «مربع» فاعلاً له، فلأنّ تقديم العامل على معموله الأصل ولا معارض له. وأمّا إن جُعل مبتدأ، فلازدياد تخصيصه و مسوّغ ابتدائيّته على القول بأنّ التقديم من المسوّغات، وللاهتمام بذكر اسم الحبيبة لكونها نصب عين المحب، ولتعظيمها، وللتبرك باسمها، وللاستلذاذ، ولزيادة تمكين المبتدأ في ذهن المخاطب فإنّ في ذكر الخبر تشويقاً إليه والشيء إذا نِيلَ بعد مُقاسات الشوق كان أوقع في النفس، ولئلاّ يتلبّس الظرف بالصفة، ولئلاّ يطول الفصل بين المبتدأ والخبر فإنّ للمبتدأ صفات كثيرة لابدّ من اتّصالها به وتقدّمها على الخبر لو أُخّر، ولإيهام أنّ المتكلّم لا يساعده لسانه على التلفّظ بالمبتدأ إلاّ بعد تكلّف بليغ لكونه موحشاً منفوراً عنه لاتّصافه بكونه طامس الأعلام وكذا وكذا، ولإيهام أنّ المربع لطمس أعلامه صار من النكارة والإبهام بحيث لا يمكن إخطاره بالبال وتمييزه من الحاضرات في الذهن إلاّبعد تأمل ومضيّ زمان، وللدلالة على أنّ المبتدأ لنكارته وإبهامه من حقّه أن يوضع موضع الخبر، فإنّ المجهول عند المخاطب من كلّ جملة هو المحكوم به والمحكوم عليه معلوم عنده، وللاهتمام بإثبات هذا المربع لأُمّ عمرو(1) فإنّ ثبوته لها ممّا يُستنكر ويُستغرب لوجوه:

الأوّل: إنّ المحبّ يستبعد في نفسه موت المحبوب لعظمه في نفسه.


1- في الأصل: «عمر».


(110)

والثاني: إنّ التعبير عن شيء بعلمه قد يكون للكناية كما أنّه يُكنّى بـ«أبي لهب» عن الجهنّمي لملاحظة وضعه التركيبي، فيحتمل أن يكون كنّى بـ«أُمّ عمرو» عن كونها أصل العمر والحياة، وإذا كانت أصل العمر فمن الغريب جدّاً أن يموت، وهذان الوجهان إنّما يتمّان إن كان المراد بيان موت «أُمّ عمرو» لا هجرها عن ذلك المربع.

والثالث: أن يكون غريباً عند المتكلّم أن تهجر أُمُّ عمرو هذا المربع، إمّا لكون المربع ممّا لا ينبغي أن يُهجر لكونه من أحاسن(1) المربع نضارةً وصفاءً وهواءً ونحو ذلك، أو لكون أُمُّ عمرو ممّا لا ينبغي أن تهجرها; لأنّها من المقصورات في الخيام اللاّئي يُستبعد جدّاً خروجهنّ ومسافرتهنّ، أو لأنّ من الغريب أن تهجره حتّى تطمس أعلامه ويصير(2) كذا وكذا، أو لغاية البُعد بين حالتي المربع; حالته الآن، وحالته حين كانت فيه أُمّ عمرو.

والرابع: إنّ من الغريب جدّاً أن تطمس أعلام أرض كانت مربعاً لأُمّ عمرو ويصير(3) كذا وكذا، بل كان ينبغي أن يكون ببركة قدومها فيه دائم التف(4)وّق على سائر المرابع، والوجه الثالث إنّما يتمّ إن كان المراد بيان هجرها المربع لا موتها والرابع يعمّ الوجهين، ويحتمل أن لا يريد هجرها و لا موتها، بل يريد أنّها الآن تربع وتنزل في الربيع في هذا المكان الموصوف بكذا وكذا، وحينئذ فوجه الاستغراب ظاهر.

وللإيضاح بعد الإيهام فإنّه لابدّ في الخبر من ضمير راجع إلى المبتدأ وقبل ذكره يكون مبهم المرجع، ولتعظيم المبتدأ فإنّه يُبتدأ بغيره ليتهيّأ المخاطب لاستماعه


1- «الأحاسن»: جمع «أحسَن»، و جمع الحَسْناء من النساء: حِسان، ولا يقال للذكر «أحسن» إنّما تقول: «هو الأحسن» على إرادة التفضيل.و أحاسن القوم:حِسانهم.(لسان العرب: «حسن)».
2- أي المربع.
3- أي المربع.
4- «دائمة»: الأصل، والمثبت أصح; لأنّه يعود على «مربعُ».


(111)

إيهاماً، لأنّه لابدّ من التهيّؤ التامّ والاستعداد البليغ لاستماعه وللتعجّب من أحواله على نحو ذلك، ولإيهام أنّ مربع الحبيبة ممّا لا يغيب عن الذهن ولذا أُرجع إليه الضمير قبل ذكره، ولأنّ المربع لمّا كان اسم مكان لم يعقل معناه قبل تعقّل المتمكّن لتضمّنه النسبة بينه و بين المكان فينبغي تقديم ذكره ليتمّ فهم معناه.

ولستُ أُريد باسم المكان هنا ما هو المصطلح العامّ للمكان الحقيقي وغيره، وإنّما أُريد به ما هو اسمٌ لمكان النّاس أو غيرهم ممّا يتمكّن حقيقة أي ما يفسّر بمكان جسم باعتبار حال أو زمان، كما يقال: إنّ المربع مكان الناس وقت الربيع، والمشتى مكانهم وقت الشتاء، والمصيف مكانهم في الصيف، ولا يقال مكان الربيع أو الشتاء أو الصيف، كما يقال في المقتل: مكان القتل، وفي المصدر مكان الصدور وهكذا، وإن أمكن إرجاع هذه إلى المعنى الأوّل وإنّما لم أرد المعنى العام، لأنّ ما يفسّر منها بأمكنة الاحداث لا ينظر فيها أوّلاً إلاّإلى الأحداث فإنّها التي جعلت ذوات الأمكنة، هذا كلّه مع الضرورة، وهذه الوجوه أكثرها تجتمع، وبعضها لا يجامع بعضاً كما لا يخفى على الفَطن، ثمّ إنّ أكثرها لا يخصّ تقدير كون «مربع» مبتدأ بل يجري على الوجهين.

المسألة الثانية: في ظرفية المسند: ووجهها أنّ الظّرف اختصار الجملة الفعلية أو اسم الفاعل مع فاعله فهو مفيد فائدة الجملة الفعلية أو الاسمية مع الاختصار. هذا هو الوجه العام الجاري في جميع الموارد.

ويمكن أن يكون من الوجه العام أيضاً أنّه لم يتعلّق غرض مهمّ من المتكلّم ببيان الثبوت أو الحدوث لمضمون الجملة، فلا يريد التصريح بالمسند فإنّه يتبيّن فيه الثبوت أو الحدوث ويوهم تعلّق غرض المتكلّم بإبانته.

ثمّ إنّ لها وجوهاً خاصّة مناسبة للمقامات فمن وجوه الظرف المتحمل لتقدير الفعل ولتقدير اسم الفاعل كما هنا; جعل الكلام محتملاً لوجهين، وتوسيع


(112)

مجال الفهم وهو وجه عامّ لكلّ ظرف محتمل لتقديري الفعل و الاسم، ولكنّه إنّما يجري على رأي من يجوّزهما.

وممّا يختصّ بهذا المقام من الوجوه: أنّ المتكلّم استكره التصريح بحصول مربع موصوف بهذه الصفات لحبيبته.

ومنها: أنّه أراد إفادة الاختصاص أو الاستحقاق أو التملّك أوّل مرة على أخصر وجه، ولو عبّر بالفعل أو الاسم أمكن إفادتها لكن كان يفوِّت الاختصار أو كان يفوّت إفادتها أوّل مرّة، فالأوّل إن عبّر بنحو: اختصّ أو استحقّ أو ملك، والثاني إن عبّر بنحو كان أو: استقرّ أو حصل.

ومنها: أنّه يكون اسم الحبيبة أقرب إلى الصدر إذ لا يتقدّمه إلاّ حرف مفرد.

المسألة الثالثة: في ذكر علمها: فنقول: إنّه لتربية الفائدة، فإنّه كلّما كان الحكم أكثر اختصاصاً وتقيّداً كانت الفائدة أتمّ، وكلّما ازداد جزءاً من أجزاء الجملة تخصيصاً ازداد الحكم تخصيصاً.

وللتبرّك باسمها وللاستلذاذ به، ولتمييزها أفضل تمييز لذكرها بالاسم المختصّ بها.

وللكناية عن كونها أصل حياة المتكلّم أو الناس إن أُخذ الاسم من العمر بمعنى الحياة.

أو عن استقامة قامتها وتماميتها إن أُخذ من العمر بمعنى النخل.

أو عن كونها منقرطة إن أُخذ من العمر بمعنى القرط.

أو عن أنّها أصل الدِّين وقوامه إن أُخذ من العمر بمعنى الدِّين.

أو عن أنّها مجمع الحياة إن كان «الأُمّ» بمعنى ما يجتمع إليه أشياء، ولهذا معنيان يصلح كلّ منهما للإرادة، أحدهما: أنّ الأحياء كلّهم يجتمعون إليها ويفزعون إلى لقائها، والثاني: أنّ كلّ حيّ فهو يفديها بنفسه ويهبها حياته.


(113)

أو عن أنّها مجمع الدِّين، ويصحّ فيه المعنيان أيضاً: أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ الدِّين أعزّ من الحياة، فأراد أنّهم يهبونها أديانهم فضلاً عن أعمارهم.

وأمّا العدول عن الاسم واللقب إلى الكنية.

فلأنّه يفوت فيهما الكنايات المقصود أخذها، ولتعظيمها وتخييل أنّ صريح اسمها ممّا لا يليق المتكلّم لأن يتلفّظ به أو السامع لأن يسمعه.

وللاستعفاف عن ذكر صريح اسمها.

ولإخفائها عن السامعين خوفاً من الرُّقباء أو غيرهم، كما ورد أنّ الحسن البصري كان في الدولة الأموية كلّما حدّث عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كنّى عنه بـ «أبي زينب».

ولترتبه التحيير، ولتقوية التوجّع باعتبار ما كنّى به عنه، من المعاني الأصلية على ما عرفت.

ولصون صريح اسمها عن أن يسبقه شيء أو يُخبر بشيء، ولصونه عن أن يثبت له مربع كذا وكذا من صفته، ولأنّ النفس لا تساعده على أن يثبت مثل ذلك المربع لصريح اسمه، أو يقدم عليه شيئاً أو يجرّه بشيء.

ولأنّه حينئذ يتضمّن الكلام شبه انطباق إن أراد التحيير من موتها باعتبار بعض الكنايات السابقة، فإنّها إذا كانت أصل الأعمار أو مجمعها كان ينبغي أن لا تموت أبداً.

ولأنّه حينئذ يتضمّن التوجيه أي جعل الكلام محتملاً لمعنيين أو معان، فإنّه يحمل إرادة المعنى العلمي والمعنى التركيبي، وعلى الثاني يحتمل إرادة تلك الشُّخص المعهودة وإرادة غيرها، وربّما يضمن الإيهام لأنّ معناه القريب هو الضبع وقد أريد به غيره، وإن لم يسلم ذلك ففيه إيهام إن لم يرد به إنسان أو أُريد به


(114)

إنسان غير مكنّى به، فإنّ المعنى القريب هو الإنسان المكنّى لا سيّما إن أُريد رجل.

و سيتبيّن لك عن قريب إن شاء اللّه.

هذا كلّه إن كان أُم عمرو علماً و أراد به المعنى العلمي سواء كان ممّا وضعه الناظم لعين أو معنى أو كان موضوعاً.

ويجوز أن لا يريد به إلاّمعناه التركيبي وحينئذ فيكون منكراً ولتنكيره وجوه:

منها: الإبهام على السامعين.

ومنها: التعظيم، إمّا بتخييل أنّها من العظم بحيث لا يليق المتكلّم لأن يتفوّه بالاسم المختص بها أو السامع لأن يسمعه، وإمّا بتخييل أنّها من العظم بحيث لا يعرف كنهه ولا كنه ذاته.

ومنها: التجاهل، والغرض من التجاهل المبالغة في إمحاء أعلام المربع بحيث لا يتعيّن لديه صاحبه.

ومنها: صون الذات المعينة عن أن يسبق اسمها شيء أو تجرّبشيء أو يثبت له مربع كذا وكذا.

ومنها: الاستعفاف عن ذكر المرأة باسمها أو بما يعينها.

ومنها: إظهار أنّ هذا الجنس المعبّر عنه بهذا الاسم منحصر في الفرد المقصود ظاهر الانحصار فيه، فلا يسبق الذهن إلى غيره إذا أُطلق.

المسألة الرابعــة: في ظرفية «باللّوى» إن كان مستقرّاً، والوجه فيها بعض ما ذكر من وجوه ظرفية «لأُمّ عمرو».

المسألة الخامسة: في العدول عن لفظة «في» إلى «الباء» فنقول: إنّه للدلالة على الملازمة والملاصقة، بمعنى أنّه لم يكن ينفكّ عن اللّوى مربعها.


(115)

المسألة السادسة: في تعريف «اللّوى»والوجه فيه تربية الفائدة إن كانت«اللام» للعهد الخارجي، أو تخييل تربيتها وتصويرها بصورة المرباة إن كانت للعهد الذهني، فإنّ المعهود بالعهد الذهني و النكرة سواء في المعنى، وإنّما اعتبار التصريف فيه أمر لفظيّ، ثمّ إن كان العهد خارجيّاً ولم يجر ذكر للّوى بين المتكلّم والمخاطب كان فيه إشارة إلى أنّ ذلك الفرد من اللّوى معهود للكلّ، بحيث لا حاجة في تعيينه إلى سبق ذكر أو حضور.

المسألة السابعة: في تقييد المسند أو المسند إليه به إن لم يكن خبراً آخر، والوجه فيه أيضاً تربية الفائدة.

المسألة الثامنة: في تقديمه على «مربع» إن لم يكن متعلّقاً بما قبله بل كان خبراً أو حالاً عنه، ووجهه كثير من الوجوه المذكورة لتقديم الظرف الأوّل.

المسألة التاسعة: في تنكير المسند إليه أعني مربعاً، ويجري فيه كثير ممّا ذكر في تنكير «أُم عمرو» ويخصّه أنّه يتضمّن المبالغة في وصفه لطمس الأعلام; لدلالته على النكارة.

المسألة العاشرة: في وصف المسند إليه ووجهه تربية الفائدة والتعجّب، والدلالة على التأسّف والتحيير، وفي تقديم الوصف الأوّل على الثاني مع رعاية القوافي، رعاية الترقّي، فإنّ البلقع ما ليس فيه شيء كما عرفت وهو أبلغ من طموس الأعلام وأثر طامسة أعلامه على طامس الأعلام; لأنّ المقام مقام الإطناب، ولئلاّ يسند ما هو صفة الاعلام إلى غيره ظاهراً، كما ليس مسنداً إليه حقيقة، وللإتيان بالأصل الذي هو عدم الإضافة، وللهرب من الإبهام الذي تتضمّنه الإضافة، فإنّ الطامس كما عرفت مشترك بين اللازم والمتعدّي، فربّما سبق الوهم إلى المتعدّي وسبق إلى أنّ الإضافة إلى المفعول، ولئلاّ تزول أعلامه عن رتبة العمدة ظاهراً، فإنّه ما أمكن جعل شيء عمدة في الكلام، فلا ينبغي العدول عن ذلك إلى جعله فضلة إلاّلداعي، والمضاف إليه في الإضافة الحقيقية فضلة وفي اللفظيّة في صورة الفضلة.


(116)

المعنى:

ظاهره أنّ له محبوبة كنيتها «أُمّ عمرو» وقد فارقت هذا المربع إمّا بهجر أو بموت، فهو يتذكّرها ويتذكّر مربعها، و يتحسر ويتأسّف على ذلك ويقول: إنّ هذا المكان الذي قد أُمحي أعلامه أي: الأُمور التي كانت يُعلم ويُتميّز بها عن غيره من الأبنية والمياه والأشجار ونحوها; أو أعلام الساكنين فيه; أو الأعلام المنصوبة لطرقه للاهتداء إليها وإليه: لأُمّ عمرو. ويحتمل أن يراد بالأعلام; الرايات التي كانت لساكنيه، أو ما يعقد على الرماح، أو السادات أو المشاهير، أو الجبال تشبيهاً للأبنية الرفيعة والقصور المنيعة بها.

ويحتمل أن لا يكون كنية المحبوبة«أُمّ عمرو»ولكنّ الناظم نفسه وضع لها هذه الكنية أو استعملها فيها بالمعنى التركيبي من غير وضع علمي.

ويحتمل أن يكون المراد بـ«أُمّ عمرو» النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّه أصل الدِّين وأصل الحياة الحقيقية والمجازية لكلّ حيّ، ورئيس الأحياء ورئيس أهل الدِّين، والبارّ بهم كالأُمّ البرّة بولدها.

ويحتمل أن يريد به أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه; وروى الشيخ الصدوق ثقة الإسلام والمسلمين أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الحجّة من «الكافي» عن أبي محمد القاسم بن العلاء رفعه، عن عبد العزيز بن مسلم، عن الإمام الهمام علي بن موسى الرضا صلوات اللّه عليه، في حديث طويل: الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأُمّ البرَّة بالولد الصغير.(1)


1- الكافي:1/198ـ 200 ضمن حديث 1، عنه البحار:25/120 ح4 وعن العيون.


(117)

وروى هذا الخبر بعينه الشيخ الصّدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي في كتاب «عيون أخبار الرضا» عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ(1)، عن القاسم بن محمد بن علي الهارونيّ، عن عمران بن موسى بن إبراهيم، عن الحسن بن القاسم الرقام، عن القاسم بن مسلم(2)، عن أخيه عبدالعزيز بن مسلم عنه صلوات اللّه عليه.(3)

وفي تفسير الإمام الهمام الحسن بن علي العسكري صلوات اللّه عليه: قال عليّ بن موسى الرضا عليمها السَّلام : أما يكره أحدكم أن ينفى عن أبيه وأُمّه اللّذَين ولداه؟ قالوا:بلى واللّه. قال: فليجتهد أن لا ينفى عن أبيه وأُمّه اللّذين هما أبواه الأفضل من أبوي نفسه.(4) ـمحمد وعليـ.

وقد وردت أخبار تضمن كون النبيّ وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليهما أبوي الأُمّة; منها ما رواه الشيخ الأجل الصدوق أبو جعفر محمد بن بابويه القمّي ـ رضوان اللّه عليه ـ في كتاب «معاني الأخبار» وغيره، قال:

حدّثنا أبو محمد عمّار بن الحسين ـ رضي اللّه عنه ـ قال: حدّثنا علي بن محمد بن عصمة، قال: حدّثنا أحمد بن محمد الطبري بمكّة، قال: حدّثنا محمد بن


1- محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني من مشايخ الصدوق، ترضّى عليه في المشيخة، وروى عنه كثيراً، وكنّاه بأبي العباس، ووصفه بالمؤدّب (تارة)وبالمكتّب(أُخرى).(انظر معجم رجالالحديث للسيد الخوئي:14/219 رقم 9936).
2- مولى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، كان مسلم من عتقائه، وكان يكتب بين يديه، من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ . رجا ل الشيخ (48). معجم رجال الحديث:14/59 رقم 9552.
3- عيون أخبار الرضا:1/216 ح1.
4- التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري ـ عليه السَّلام ـ : 331 ح 198 في تفسير الآية 83 من سورة البقرة، عنه البحار:23/260 ضمن ح8.


(118)

الفضل، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب القرشي(1)، عن ابن سليمان، عن حميد الطويل،عن أنس بن مالك، قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ في الشهر الذي أُصيب فيه وهو شهر رمضان، فدعا ابنه الحسن ـ عليه السَّلام ـ ثمّ قال: يا أبا محمد اعل المنبر فاحمد اللّه كثيراً و أثن عليه، واذكر جدّك رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأحسن الذكر، وقل: لعن اللّه ولداً عقّ أبويه; لعن اللّه ولداًعقّ أبويه; لعن اللّه ولداً عقّ أبويه; لعن اللّه عبداً أبق(2) من مواليه; لعن اللّه غنماً ضلّت عن الراعي، وانزل.

فلمّا فرغ من خطبته ونزل، اجتمع الناس إليه فقالوا : يا ابن أمير المؤمنين وابن بنت رسول اللّه نبّئنا (الجواب)، فقال: الجواب على أمير المؤمنينعليه السَّلام .

فقال أمير المؤمنينعليه السَّلام : إنّي كنت مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في صلاة صلاّها فضرب بيده اليمنى إلى يدي اليمنى فاجتذبها فضمّها إلى صدره ضمّاً شديداً ثمّ قال لي: ياعلي، قلت: لبّيك يا رسول اللّه.

قال: أنا و أنت أبوا هذه الأُمّة ، فلعن اللّه من عقّنا، قل: آمين، قلت: آمين.

ثمّ قال: أنا وأنت موليا هذه الأُمّة فلعن اللّه من أبق عنّا، قل: آمين، قلت: آمين.

ثمّ قال: أنا وأنت راعيا هذه الأُمّة فلعن اللّه من ضلّ عنّا، قل: آمين ، قلت: آمين.

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : وسمعت قائلَين يقولان معي: «آمين»، فقلت: يا


1- محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، الأموي، البصري، واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوق، من كبار العاشرة.(تقريب التهذيب:2/186 رقم 481).
2- أبَقَ العَبدُ إباقاً: إذا هرب من سيّده من غير خوف ولا كدّعمل. والإباق ـ بالكسر ـ : اسم منه فهو آبِقٌ، والجمع الأُبّاقُ، ككافر وكفّار.(فخرالدين الطريحي: مجمع البحرين:«أبق)».


(119)

رسول اللّه، ومَن القائلان معي«آمين»؟ قال: جبرئيل وميكائيل عليمها السَّلام .(1)

هذا وإن كان لا يتعيّن أن يكون الأبوان والوالدان الواردان في الأخبار إلاّمثنّى الأب والوالد، لا الأب والأُمّ أو الوالد والوالدة، إلاّأنّه لا فرق بين الأب والأُمّ في صحّة الإطلاق بل الأُمّ أصحّ إطلاقاً باعتبار معناه اللغويّ كما عرفت.

ويحتمل أن يريد به الدِّين الذي هو أصل الحياة الأبدية أو أصل كلّ دين.

وأن يُريد به أُصول الدين التي نطق بها الكتاب والأخبار.

وأن يُريد به القرآن.

وأن يُريد به النبوّة، أو الخلافة، أو الإمامة الشاملة لهما، التي بكلّ منها قوام الحياتَين، و قيام الدين.

وأن يريد به أُمّ هاشم بن عبد مناف جدّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّ اسمه «عَمرو» بالاتّفاق، وإنّما سمي هاشماً لهشمه الثريد للناس في الأيام المجدوبة.

وروى الصدوق أبو جعفر بن بابويه المتقدّم ذكره ـ رضي اللّه عنه ـ في كتاب «معاني الأخبار» وغيره، باسناده عن الحسن البصري قال: صعد عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ المنبر فقال: أيُّها الناس أنسبوني، من عرفني فلينسبني وإلاّفأنا أنسب نفسي; أنا زيد بن عبد مناف بن عامر بن عمرو بن المغيرة بن زيد بن كلاب.

فقام إليه ابن الكوّاء(2)، فقال: يا هذا ما نعرف لك نسباً غير أنّك عليّ بن


1- معاني الأخبار: ص118ح1، عنه البحار:36/5ح4باب معنى عقوق الأبوين....
2- ذكره ابن قتيبة في «المعارف» في ذكر النسابين أصحاب الأخبار، قال: هو عبد اللّه بن عمرو من بني يشكر... وقال: قيل لأبيه الكواء لأنّه كوي في الجاهلية (ص 297).
; وذكره الشيخ عباس القمي في كتابه«الكنى والألقاب» قائلاً: اسمه عبد اللّه من أصحاب أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ،خارجيّ ملعون، و هوالذي قرأ خلف علي ـ عليه السَّلام ـ جهراً ()وَلَقَدْ أُوحيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرين) وكان علي ـ عليه السَّلام ـ يؤمّ الناس ويجهر بالقراءة فسكت ـ عليه السَّلام ـ حتى سكت ابن الكواء ثمّ عاد في قراءته حتى فعله ابن الكواء ثلاث مرات، فلمّا كان في الثالثة قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : ()فَاصْبِر إِنَّ وَعْدَ اللّه حَقّ وَلا يَسْتَخفنّك الّذين لا يُوقِنون)وهو الذي سأله عن مسائل شتّى فأجابه أمير المؤمنين (الكنى والألقاب:1/390) والآيتان من سورة الزمر:65، والروم:60.


(120)

أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب.

فقال له: يا لكع إنّ أبي سمّاني«زيداً» باسم جدّه «قصي» وإنّ اسم أبي «عبد مناف» فغلبت الكنية على الاسم، وإنّ اسم عبدالمطّلب «عامر» فغلب اللّقب على الاسم، واسم هاشم «عمرو» فغلب اللقب على الاسم، واسم عبد مناف «المغيرة» فغلب اللقب على الاسم، واسم قصيّ«زيد» فسمّته العرب مجمعاً لجمعه إيّاها من البلد الأقصى إلى مكّة فغلب اللقب على الاسم، قال: ولعبد المطّلب عشرة أسماء، منها: عبد المطّلب،و شيبة، وعامر.(1)

يريد أنّ هذا المربع لهاشم وأولاده. والمقصود أنّه مربع توارثته بنو هاشم كابر عن كابر و أنّ هاشماً كأنّه ناله عن بطن أُمّه; فإنّ من المعلوم فضل هاشم على سائر أولاد عبد مناف وفضل أولاده على أولادهم، فهو فضلٌ آتاه اللّهُ من فضله، وإنّما فعل ذلك لإخراج الأغيار، فإنّما مراده ذكر بني هاشم والتحيير لأجلهم.

ويحتمل أن يريد بـ «أُمّ عمرو» : فاطمة صلوات اللّه عليها، لكونها أصل الدين فإنّ من أحبّها وأحبّ أولادها واقتدى بهم كان مؤمناً وإلاّكان خارجاً عن ربقة الإيمان، ولذلك فهي أصل الحياة الأبدية; وأيضاً فإنّ أولادها صلوات اللّه


1- معاني الأخبار: 121 ح2.


(121)

عليهم أعمار الخلائق لأنّهم أسباب لأعمارهم إمّا لحياتهم الدنيوية والأُخروية، أو لأديانهم، إذ لولاهم لخربت الدنيا، ولولاهم لم يكن دين.

وأيضاً فإنّها صلوات عليها أُمّ السبطين اللَّذين هما قرطا عرش الرحمن وشنفاه على ما نطقت به الأخبار، فقد روى ابن لَهيعةَ عن أبي عوانة(1)رفعه إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ الحسن والحسين شنَفا(2) العرش، وإنّ الجنّة قالت : يا ربّ أسْكَنْتَني الضعفاء والمساكين، قال لها اللّهُ تعالى: ألا تَرضَين أنّي زيّنت أركانكِ بالحسن والحسين; قال: فماست(3) كما تَمِيسُ العروس فرحاً.(4)

وروي أيضاً عن سليمان الأنصاري(5) قال: كنّا جلوساً في مسجد النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ أقبل عليّ ـ عليه السَّلام ـ فتحفّى (6) له النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه، وكان


1- من الإرشاد، وفي الأصل «غسانه»، وفي تاريخ بغداد وكنز العمال:«عُشانة».
2- «الشَّنف»: قرط يلبس في أعلى الأُذن. انظر (الصحاح: «شنف)». والقرط: الذي يعلّق في شحمة الأُذن، والجمع قرطة وقراط (الصحاح«قرط)».
3- ماس يميس ميساً، إذا تبختر في مشيه. قاله الجزري.
4- المفيد: الإرشاد:2/127 باب طرف من فضائل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ...، عنه البحار 43/275 ح44.
وروى مثله في كتاب الآل (لابن خالويه اللغوي) مرفوعاً إلى عقبة بن عامر قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : قالت الجنة: يا ربّ أليس قد وعدتني أن تسكنني ركناً من أركانك؟ قال: فأوحى إليها أما ترضين أنّي زيّنتك بالحسن والحسين، فأقبلت تميس كما تميس العروس. نقلاً عن البحار:43/304.
5- سليمان بن عمرو بن حديدة الأنصاري الخزرجي. قُتل هو ومولاه عنترة يوم أُحد شهيدين. والأكثر يقولون هذا سُليم الخزرجي، وكذلك قال ابن هشام (الاستيعاب:2/651 رقم 1057).
و قد قال ابن هشام في ذكر من استشهد بأُحد: ومن بني سَواد بن غَنَم: سُليم بن عمرو بن حَديدة; ومولاه عنترة... (السيرة النبوية:3/133).
6- هذه دلالة على منزلة الإمام ـ عليه السَّلام ـ الرفيعة أظهرها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بهذا الشكل من الإكرام والتعظيم له.
وما نشاهده اليوم من الإعظام والتبجيل إنّما تغلب عليه روح المصلحة والمنافع الخاصة، وأين هي من السيرة النبوية وسيرة الأئمّة الأطهار ـ عليهم السَّلام ـ .


(122)

له عشرة أيّام منذ دخل بفاطمة ـ عليها السَّلام ـ فقال له:ألا أُخبرك في عرسك شيئاً؟ قال: إن شئت فافعل صلى اللّه عليك.

قال: هذا أخي جبرئيلعليه السَّلام قال: تشاجر آدم و حواء عليمها السَّلام في الجنّة، فقال آدم: يا حواء ما هذه المشاجرة؟ فقالت: يقع لي أنّ ما خلق اللّه خلقاً أحسن منّي ومنك، فأوحى اللّه تعالى إليه أن يا آدم طف الجنة فانظر ماذا ترى.

قال: فبينا آدم ـ عليه السَّلام ـ يطوف في الجنّة إذ نظر إلى قبّة بلا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها، داخل القبة شخص على رأسه تاج; في عنقه خناق(1); وفي أُذنيه قرطان، فخرّ آدم ساجداً للّه تعالى. فأوحى اللّه إليه يا آدم ما هذا السجود وليس موضعك موضع سجود.

فقال آدم : يا جبرئيل ما هذه القبّة التي ما رأيت أحسن منها؟!

فقال:إنّ اللّه عزّ وجلّ قال لها كوني فكانت.

قال: فمن هذا الشخص الذي داخلها؟

قال: الشخص جارية حوراء إنسيّة تخرج من ظهر نبيّ يقال له : محمّد.

قال: فما هذا التاج الذي على رأسها؟

قال: هو أبوها محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

قال: فما هذا الخناق الذي في عنقها؟

قال: بعلها علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

قال: فما هذان القرطان اللّذان في أُذنيها؟

قال: هما قرطا العرش وريحانتا الجنة ولداها الحسن والحسين عليمها السَّلام .

قال: فكيف ترد يوم القيامة هذه الجارية؟


1- الخِناق والمِخْنقة: القِلادة الواقعة على المُخَنَّق.(لسان العرب: «خنق)».


(123)

قال: إنّ اللّه تعالى يقول: ترد على ناقة ليست من نوق دار الدنيا; رأسها من بهاء اللّه، ومؤخرها من عظمة اللّه، وعظامها(1) من رحمة اللّه وقوائمها من خشية اللّه، ولحمها وجلدها معجونان بماء الحيوان; قال اللّه تعالى له كن فكان، يقود زمام الناقة سبعون ألف صفّ من الملائكة كلّهم ينادون غضّوا أبصاركم يا أهل الموقف حتى تجوز الصديقة سيّدة النساء فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ .(2)

وفي مناقب ابن شهر آشوب رحمه اللّه : سليمان بن أحمد الطبراني(3)، والقاضي أبوالحسن الجراحي، وأبوالفتح الحفار(4)، والكياشيرويه، والقاضي النطنزي بأسانيدهم عن عقبة، عن عمار الجهني، وأبي دجانة(5)، وزيد بن علي، عن


1- «خطامها»: حلية الأبرار. والخطام: زمام البعير لأنّه يقع على الخطم وهو الأنف وما يليه.(الطريحي: مجمع البحرين:«خطم)».
2- انظر حلية الأبرار لهاشم البحراني:2/10ح 2 نقلاً عن «الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم» للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي:149 مخطوط مكتوب سنة (734) في مكتبة السيد عبد العزيز الطباطبائي رحمه اللّه .
3- هو سليمان بن أحمد بن مطير اللخمي الطبراني(أبو القاسم)، محدّث، حافظ، ولد بطبرية الشام(سنة260) توفي بإصبهان(سنة 360). وله مؤلفات كثيرة أشهرها: المعاجم الثلاثة.(عمر رضا كحاله: معجم المؤلفين:4/253).
وذكره القمي في «الكنى والألقاب»:2/409 بكنية (أبو القسم) وقال: اللخمي ـ بفتح اللام و سكون الخاء المعجمة ـ نسبة إلى لخم أبي جذام.
4- هو هلال بن محمد بن جعفر، أبو الفتح الحفار(322 ـ 414هـ) : من رجال الحديث، فارسي الأصل من أهل بغداد، (خيرالدين الزركلي: الاعلام: 8/92).
5- أبو دجانة ـ بالضم والتخفيف ـ : هو سماك بالكسر والتخفيف، ابن خرشة بالفتحات ابن لوزان صحابي أنصاري بطل شجاع عدّ من الذابين عن الإسلام، وقد ظهر منه في جهاده وحروبه ما يدلّ على ذلك، وفي وقعة اليمامة سنة 11 أشترك في قتل مسيلمة الكذاب، ـ و يقال ـ قُتل أيضاً أبو دجانة، وقيل بل عاش بعد ذلك وشهد صفين مع أمير المؤمنين. وثباته في نصرة الدين مشهورة.(القمي: الكنى والألقاب: 1/63ـ 64).


(124)

النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: الحسن والحسين شنفا العرش. وفي رواية: وليسا بمعلقين; وأنّ الجنّة قالت: يا ربّ أسكنتني الضعفاء والمساكين، فقال اللّه تعالى: ألا ترضين أنّي زيّنت أركانك بالحسن والحسين، فماست كما تميس العروس فرحاً. وفي خبر عنهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: إذا كان يوم القيامة زيّن عرش الرحمن بكلّ زينة ثمّ يؤتى بمنبرين من نور، طولهما مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يسار العرش، ثمّ يأتي الحسن والحسين يزيّن الربّ تبارك وتعالى بهما عرشه كما تزيّن المرأة قرطاها.(1)

وقال الصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد (رحمه اللّه تعالى) في ذلك:

وَلَداهُ شَنْفا العرشِ فَقُلْ * حَبَّذا العرش وَحَبّا اشنفا(2)

وقال ابن علويه:

وابْناهُ عقدُ قوى الجِنانِ عَليهِما * فَهُما لِدارِ مقامهِ رُكْنانِ

وهُما مَعاً لَو يَعْلَمُونَ لعرشِهِ * دُونَ المَلائكِ كُلّها(3) شَنْفانِ


1- محمد بن علي بن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب:3/395ـ 396.
2- ذكره الشيخ عباس علي الأديب في كتابه: هدية العباد في شرح حال صاحب بن عباد: ص 64(بالفارسية). وفيه «شنفا» بدل «اشنفا». وفي المناقب«شنفاه».
3- «كلهم»: المناقب.


(125)

وقال ابن حماد:

تُفّاحَتا الهادي وقِرطا الـ * ـعرشِ(1) الواحدِ المُتمجَّدِ(2)

وفي إفراد عمرو على هذا إشارة إلى أنّها بمنزلة شخص واحد، والأمر كذلك، بل الأئمّة والنبيّ وفاطمة صلوات اللّه عليهم بمنزلة شخص واحد فإنّهم من نور واحد وإنّ طاعة واحد منهم طاعة الجميع، ومعصية واحد منهم معصية الجميع، وقول واحد منهم قول الجميع.

والمراد بـ «المربع» أمّا على تقدير أن يريد بـ «أُمّ عمرو» حبيبته; فمعناه ظاهر، ويحتمل أن يريد مطلق المنزل إمّا على التجريد، أو على تخييل أنّ منزل تنزله المحبوبة فهو مربع، أو أنّ أيّامها جملة أيّام الربيع، أو يريد منزلها أوان شبابها.

وأمّا على سائر المعاني: فالمراد به مطلق المنزل إمّا بالتجريد أو بتخييل أحد الأمرين الأوّلين.

ويجري الثالث أيضاً فيما إذا أُريد الدِّين أو القرآن أو النبوّة أو الإمامة أو الخلافة، أو المراد به مرتبة الرئاسة والسياسة.

والمراد بطموس أعلامه: أنّ أهله طُردوا عنه بحيث لم يبق فيه من أعلامهم شيء، أو لم يبق من العلامات التي بها يهتدي إلى منزل الدين أو القرآن أو الإمامة أو الخلافة شيء فضلَّ الناسُ الطريق، فلم ينالوا الدين ولم يعلموا القرآن ولم يهتدوا إلى الإمام.


1- « العرش عرش الواحد المتمجّد»: المناقب.
2- ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 3/396.


(126)

أو المراد به إمحاء سادات هذا المنزل عنه، أو إمحاء أبنية الدِّين وقواعده.

وعلى كلّ من هذه التقادير يكون تخييراً وتأسفاً من غصب غاصبي الخلافة وظلمهم أهل البيت صلوات اللّه عليهم، فيكون مثل قول دعبل الخزاعي(1) رضوان اللّه عليه.

بَكَيتُ لِربع الدّارِ مِنْ عَرَفاتِ * وَأَذْرَيتُ دَمعَ العَينِ من وجناتي

وبانت عُرى صَبْري وهاجَتْ صَبابَتي * رُسُومُ دِيار قدْ عَفَتْ وَعِراتِ

مَدارِسُ آيات خَلَتْ مِنْ تِلاوَة * ومَهبط وَحي مُقفرُ العَرَصاتِ

لآلِ رَسُولِ اللّهِ بِالخيفِ مِنْ مِنى * وِبالبَيْتِ وَالتَّعريفِ وَالجَمَراتِ


1- هو دعبل (الشاعر) بن رزين بن سليمان الخزاعي ولد سنة 148 وقيل 142، أصله من الكوفة ويقال قرقيسا وأقام ببغداد. من مؤلفاته كتاب طبقات الشعراء، كتاب الواحد في مثالب العرب ومناقبها، وديوان شعر.
وأشهر قصائده ـ و التي منها هذه الأبيات ـ التي مدح فيها أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ وتعرف بالتائية.
توفي سنة 246هـ على الأرجح.(ديوان دعبل ـ شرح و ضبط ضياء حسين اللأعلمي ـ ).
وانظر في مصادره : الأغاني:20/131، لسان الميزان:2/430، تاريخ بغداد:8/383، أعيان الشيعة:6/405، الكامل للمبرد:1/843،.


(127)

مَنازِلُ وَحْي اللّهِ يَنْزلُ بَينَها * عَلى أَحْمدَ المذكورِ في السُّوراتِ

مَنازِلُ قَوم يُهْتَدى بِهُداهُمُْ * ويؤمنُ مِنْهُمْ زَلَّةُ العَثَراتِ

مَنازِلُ كانَتْ لِلصَّلاةِ وَلِلتُّقى * ولِلصَّومِ والتطهير والحَسَناتِ

منازل لاتَيم يَحِلُّ بربعها(1) * ْولا ابنُ صهاك هاتِكُ الحُرُماتِ

ديارُ عليّ والحُسَينِ وجَعْفَر * وحَمزةَ والسجّادِ ذِي الثَّفناتِ

ودار لِعَبدِ اللّهِ وَالفَضلِ صِنوه * نَجِيّ رَسُوله اللّهِ في الخَلَواتِ

وَسِبْطَي رَسُول اللّهِ وَابْنَي وصِيِّهِ * ووارِثِ علمِ اللّهِ والتَّرِكاتِ

ديارٌ عَفاها جَورُ كُلِّ مُعانِد * ولَـمْ تَعْفُ للأيّامِ وَالسَّنَواتِ


1- من شرح المجلسي، وفي الأصل«عراصها».


(128)

وأمّا المراد بـ«اللوى» على هذه التقادير:

فإمّا منقطع الرمل كما على التقدير الأوّل; ويكون المعنى به المدينة أو كلّ منها و من مكّة، فإنّ كلاًّ منهما مهبط القرآن و منزل الأحكام وموطن النبيّ وآلهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.

وإمّا آخر الزمان; فيكون قد شبّه الدنيا بالرمل إمّا لعدم ثبات أمرها، أو لتشتت أُمورها واختلافها كما أنّ الرمل متشتّت لا يُضمّ بعضه إلى بعض، أو لسرعة انغمار الناس واندفانهم فيها كما ينغمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الرمل، أو لعسر العدول والتجاوز عنها إلى آخره كما يعسر السير في الرمل.

وإمّا الإمامة أو النبوّة أو الخلافة; على أن يكون شبَّهَ حال النبيّ والخليفة قبل تحمّل أعباء النبوّة أو الخلافة بالرمل في اللِّين والملاءمة، لأنّه قبل ذلك يداهن الناس وليس عليه أن يضادّهم ويقابلهم ويحملهم على ما لا يرضونه فيكون حال لِين له وللناس، وأمّا إذا تحمّل النبّوة أو الخلافة فقد انقطع عنه و عن الناس ما كان من اللِّين والرفق والمداهنة.

البيان: قد تبيّن لك إن أحطت بما سمعته من المعاني، أنّ الكلام:

يحتمل أن يكون على حقيقته من غير تجوّز ولا كناية فيه ولا في شيء من إجراءاته.

ويحتمل أن يكون مشتملاً على الكناية بـ«أُمّ عمرو» عن إحدى المعاني التي عرفت وأن يكون الاعلام مجازاً عن الأبنية الرفيعة، أو السادات، أو المشاهير.

ولمّا كانت العلاقة هي المشابهة كان استعارة.

ولمّا كان اسم المشبه به مذكوراً كانت استعارة مصرّحاً بها.


(129)

ولمّا كان الجامع أمراً متحققاً كانت تحقيقية.

ولمّا كان أمراً مبتذلاً كانت عامية.

ولمّا كان مقروناً بالطموس الذي لا يناسب المشبه به كانت مرشحة.

ويحتمل أن يكون المربع مجازاً عن المنزل إمّا مرسلاً من قبيل تسمية المطلق باسم المقيّد وهو من تسمية الجزء باسم الكلّ إمّا مجرد ذلك، أو مضمّناً تشبيه أوان الشباب بأيّام الربيع، أو أيّام الحبيب بأيّامه، أو ادّعاء أنّ أيّامها أيّامه حقيقة، وإمّا استعارة لتشبيه منزلها بالمربع، و أن يكون مستعاراً للمرتبة تشبيهاً للمراتب الشرفية بالمكانيّة، والاستعارة على الأخير مرشحة لأنّ الأعلام وطموسها والبلقع كل منها يلائم المشبه به وعلى الذي قبله مطلقة، إذ لم يقرن بما يلائم شيئاً من المشبه والمشبه به، أعني ما يلائم شيئاً منهما بخصوصه وإلاّ فهذه الأُمور ملائمة لكلّ منهما، وكلّ من هاتين الاستعارتين أيضاً مصرَّح بها تحقيقية عاميّة.

ويحتمل أن يكون «أُمّ عمرو» استعارة مصرحاً بها لما عرفت، بناءً على تشبيه تلك الأُمور بأصل الحياة أو الدِّين; لكونها من أسبابهما القويّة، فإن كان استعارة للقرآن أو النبوّة أو الخلافة أو الإمامة كانت مرشّحة; لأنّ المربع ممّا يلائم المشبه به، وإن كان للباقي كانت مطلقة.

ويحتمل أن يكون «أُمّ عمرو» علَماً لمعشوقه ويكون قد استعار اسمها للإمامة أو الخلافة أو النبوّة أو الرئاسة، لأنّ كلاً منها معشوق لأكثر الخلق كما أنّه كثيراً ما يستعار «ليلى» و نحوها لما يزداد حبه والميل إليه، أو استعارة للدّين أو القرآن; لأنّهما معشوقا المؤمنين، أو استعارة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أو هما وسائر الأئمّة صلوات اللّه عليهم; لأنّهم معشوقو المؤمنين، ولا بُعد في ذلك إذ لا يراد


(130)

باسم المعشوقة حينئذ إلاّ ما اشتهرت به من المعشوقية، كما يقال فلان حاتم ولا يراد إلاّ ما اشتهر به من معنى الجود، وعلى الأوّلين مثبت الترشيح دون الأخير.

ويحتمل أن يكون من المجاز المركّب تمثيلاً لخلو الدِّين عن أئمّته، والإمامة عن أهلها بخلو مربع أُمّ عمرو عن أهله.

ويحتمل أن يكون «اللِّوى» مستعاراً لما عرفت من استعارة مصرّحاً بها مرشّحة.


(131)

[2]

تروح عنـه الطير وَحْشيَّةً * والأُسدُ مِنْ خِيفَتِهِ تَفْزَعُ

اللغة:

الرواح: الوقت من زوال الشمس إلى اللّيل وهو العشي، وإنّما سمّي بذلك لراحة الناس فيه غالباً عن الأعمال.و قد يكون مصدر «راح يَرُوحُ» في مُقابِله «غدا يغدو». ويقال: رحت القوم وإليهم وعندهم روحاً ورواحاً: ذَهَبت إليهم في الرواح.

ويقال: سَرَحَتِ الماشِيَةُ بِالغَداةِ . و راحَتْ بِالعَشِيّ، أي رجعت. وأرحنا إبلنا رددناها في الرّواح.

ثمّ اتّسع فقيل: راحَ القَومُ وتَرَوَّحوا، إذا ساروا إلى وقت كان. ومنه الحديث: من راح إلى الجمعة في السّاعة الأُولى كأنّما قرب بدنه.

وقال الأزهري إمام اللغويّين في عصره: يقال: راح إلى المسجد، أي مضى. قال: ويتوهّم كثير من الناس أنّ الرواح لا يكون إلاّ في آخر النهار، وليس ذلك بشيء لأنّ الرواح والغدوّ عند العرب يستعملان في المسير أيّ وقت كان :من ليل أو نهار; يقال: راح في أوّل النهار وآخره، وتروّح وغدا بمعناه(1). انتهى بألفاظه.

«عن»:حرف جرّ وضع للدلالة على المجاورة، أي مجاورة شيء عن المجرور


1- أشار إليه الرضي الاسترابادي في «شرح شافية ابن الحاجب»: 4/337.


(132)

بها بسبب إحداث مصدر المعدى بها فمعنى: رميت عن القوس: أنّ السهم بعُدَ عن القوس بسبب الرمي. ومعنى: أطعمه عن الجوع: بعَّده عن الجوع بسبب الإطعام. و:أدّيت الدَّيْن عنه، بمعنى بعَّدتُ الدَّيْن عنه بسبب الأداء.

وأمّا نحو: رَوَيتُ عنهُ العِلمَ، و:حكيتُ عنه، و:أخذتُ عنه، فمجاز، كأنّك نقلت عنه ما عنده.

وقولك: جلستُ عن يمينه، أي تراخيت عن موضع يمينه بالجلوس.

والبصريّون على أنّها ليست إلاّ للمجاوزة. وذكر الكوفيون لها معاني أُخرى.

ثمّ إنّها تدخل عليها «من» الجارة، فالأكثر على أنّها حينئذ اسم.

وزعم الفرّاء أنّها حرف وأن «من» من الجوار تدخل على حروف الجر كلّها إلاّ «من»و «اللام» و«الباء» و «في» و«أمّا»، مثال ذلك نحو قوله:

وَلَقَدْ أَراني للـرِّماحِ دريئـة * من عن يميني مرّة وشمالي(1)

وقد يدخلها«على» كما قال:

عَلَى عَنْ يَمِيني مَرَّتِ الطيرُ سُنَّحاً * و كَيْــفَ سُنُــوحٌ واليـَميـنُ قَطيـعُُ(2)

وفيه الخلاف السابق.

وذهب بعض إلى أنّها اسم، في قوله:

وَ دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَراتِهِ * ولَكنْ حَدِيثاً ما حَديثُ الرَّواحِلِِ(3)


1- ذكره الرضي في شرح شافية ابنالحاجب: 3/58 و البيت لـ «قطري بنالفجاءة».
2- ذكره في مغني اللبيب:150 رقم 241 و لم يذكر قائله.
3- البيت هو مطلع أبيات لامرئ القيس بن حجرالكندي، قالها حين أغارت عليه بنوجَدِيلة، فذهبت بإبله و رواحله فلحق بهم جار لهم، يقال له خالد، فردّها( انظر ديوان امرئ القيس: ص146). و جاء البيت في نهج البلاغة ضمنالخطبة: 162.


(133)

وفي عنعنة تميم «عن» بمعنى«ان» كقوله:

أَعَنْ تَرَسَّمْتَ مِـْن خَرْقـاءَ مَنْزِلَـةً * ماءُ الصَّبابَةِ مِنْ عَيْنَيْكَ مَسْجُومُ(1)

«الطير» جمع طائر، كراكب وركب وصاحب وصحب.

وقال قطرب وأبو عبيدة: إنّه يقع على الواحد.

وقرئ: ( فيكون طيراً بإذن اللّه) (2).

«الوحش» : خلاف الإنس، ويسمّى الحيوان الذي لا أُنس له بالإنس وَحشاً. وجمعه: وحوش.

والوحش: المكان القفر، يقال: لَقِيه بِوَحْشِ إصْمِتَ، أي ببلد قَفْر.

وبلد وحش، وأرض وحشة وموحشة.

وتوحّشت الأرض: صارت وحشة، و أوحشت الأرض: وجدتها وحشة.

وأوحش المنزل: صار وحشاً. وذهب عنه الناس وبات وحشاً: إذا لم يكن في جوفه طعام.

وأوحش وتوحش: خلا بطنه من الجوع. ويقال: توحَّش للدواء أي أخلِ جَوفَكَ من الطعام.

والوحشة: الهم والخلوة والخوف، وقد أوحشت الرَّجل فاستوحش.

والجانب الوحشي من كلّ شيء: جانبه الأيمن، على قول أبي زيد وأبي عمرو.


1- البيت لـ «ذي الرُّمّة» كما ذكره ابن هشام في مغني اللبيب: 1/149. و ذكره في شرح شواهد المغني: 1/437 الشاهد 231، و لسان العرب:«عن».
2- آل عمران: 49.


(134)

قال(1):

فمالَتْ على شِقِّ وحْشِيِّها * وقد رِيعَ جانِبُها الأيسَرُ

يقال: ليس من شيء يفزع إلاّ مال إلى جانبه الأيمن، (لأنّ الدابّة لا تؤتى من جانبها الأيمن)(2)وإنّما تؤتى في الاحتلاب والركوبِ من جانبها الأيسر، فإنّما خوفها(3) منه، والخائف إنّما يفرّ من موضع المخافة إلى موضع الأمن، وعن الأصمعي أنّه الجانب الأيسر.

أقول: ولكلّ جهة مناسبة لأصل المعنى.

أمّا الأوّل فلأنّه لمّا كان أكثر الأعمال والتصرّفات بالجانب الأيمن فهو أكثر حركة وخروجاً عن ملازمة الجسد من الأيسر، والأيسر أكثر سكوناً إلى الحيوان وأقلّ خروجاً عن ملازمة الجسد فصحّ أن يقال للأوّل: وحشيّ، وللثاني: إنسيّ.

ويحتمل أن يكون أصله من الدابة التي تركب فإنّ جانبها المأنوس للركوب إنّما هو اليسار فيمينها وحشي المراكب.

وأمّا الثاني: فلأنّ الحيوان إنس بجانبه الأيمن منه بالأيسر فإنّ أعماله في الغالب بالأوّل.

ووحشيّ القوس: ظَهرُها، وإنسيُّها: ما أقبل عليك منها، وكذلك وحشيُّ اليد والرجل وإنسيُّهما.

«الياء» حرف واسم، والحرف حرف تهجّي، وحرف معنى.

أمّا الكلام على حرف التهجي منها: فاعلم أنّ مخرجها ممّا بين وسط اللسان


1- والقائل هنا: الراعي.انظر لسان العرب:«وحش»، و تاجالعروس: 4/362 مكتبة الحياة، بيروت.
2- ما بين المعقوفين أضفناها من لسانالعرب.
3- في اللسان :«خوفه».


(135)

ووسط الحنك، خلافاً للخليل لزعمه أنّها هوائية كالألف والحق أنّها كذلك إذا كانت مدّة، وإلاّ فالحقّ الأوّل وهو الذي خرج به جماعة: منهم ابن الحريري في مقدمته والجعبري في «شرح حرز الأماني» وهي مجهورة منفتحة منخفضة مصمتة بين الشديدة والرخوة، ليّنة وغير ليّنة.

وأمّا إذا كانت حرف معنى: فهي على نوعين: مخفّفة، ومشدّدة.

والكلام هنا في المشدّدة: وهي موضوعة للدلالة على انتساب شيء إلى ما لحقته، ضرباً من الانتساب.

وإنّما كانت علامة النسبة حرف لين; لخفتّه وكثرة زيادته.

وإنّما لحقت بالآخر لأنّها بمنزلة الإعراب في العروض، وإنّما لم تكن «ألفاً» لئلاّ يلزم تقدير الإعراب، ولا «واواً» لأنّها أثقل.

وإنّما كانت مشدّدة لئلاّ تلتبس بياء المتكلم، ولا تعلّ إعلال ياء قاض.

ومن شأنها أن تحدث بما لحقته ثلاثة تغيّرات:

أحدها: لفظي: وهو كسر ما قبلها وانتقال الإعراب إليها.

ثانيها: معنوي: وهو صيرورته اسماً لغير مسمّاه.

وثالثها: حكمي: وهو رفعه لما بعده بالفاعلية ظاهراً نحو: مَرَرتُ برَجُل قرشيّ أبوهُ، أو مضمراً نحو: مَرَرتُ برَجُل قرشي.

وربّما يراد للمبالغة كالأوحدي والأحمري والألمعي وكأنّه بمعنى أنّ له اختصاصاً تامّاً بهذه الماهية.

أو مبنيّ على تخييل أنّه قد بلغ في الكمال في ذلك المعنى إلى حيث خرج عن جنسه فهو ليس فرداً من أفراده بل أمر له نسبة ما إليه.

أو مبنيّ على نحو التجريد نحو: لَقيتُ بزيد، أو: من زيد أسداً، فكما يدلّ


(136)

التجريد هناك على أنّه بلغ في الأسدية إلى حيث يصحّ أن يجرّد منه أسد فكذا هناك تدل «الياء» على أنّه بلغ في الأوحدية مثلاً إلى حيث تنزع منه «أوحد» آخر.

أو مبنيّ على القلب، بمعنى أنّه المنسوب إليه الأوحد، مثلاً بمعنى أنّه بلغ في الأوحدية إلى حيث ينبغي أن يجعل أصلاً تنسب إليه ماهية الأوحد، أو كلّ أوحد، وربّما كانت علامة للمصدر نحو الفاعلية والمفعولية.

وهذا المعنى أيضاً متشعّب عن النسبة فإنّ للحدث نسبة إلى متصرّفاته:

وربّما جاء للنسبة «فعّال» نحو: حَمّال ونَبّال وحمّار وقزّار.

و«فاعل» نحو: لابن و لاحم و رامح.

وغيرهما كـ«مفعال» نحو: امرأة مِعْطار، أي ذات عطر.

و«مفعيل» كـ: ناقة محصير.

و«فعل» كـ«رجل طعم».

وكلّ هذه لتنزيل المنسوب إليه لكمال اختصاص المنسوب به منزلة اعماله التي يفعلها ويوجدها.

«الواو» :حرف تهجّي، وحرف معنى.

أمّا الكلام عليها من الجهة الأُولى: فاعلم أنّ المشهور أنّ مخرجها ما بين الشفتين كالباء والميم إلاّ أنّهما ينطبقان فيهما دونها.

وذهب الخليل إلى أنّها هوائية لا مخرج لها.

وعن المهدوي أنّه فصلها عن الباء والميم فجعل لها مخرجاً على حدتها.

والصواب أنّ الليّنة منها هوائية كما قال الخليل، وغير الليّنة ساكنة كانت أو متحركة مخرجها مخرج الفاء، أعني باطن الشفة السّفلى وأطراف الثنايا العليا ولكن


(137)

الفاء أُدخل في الباطن منها. وإنّي لشديد التعجّب جدّاً من عدم يقظتهم لما ذكرت مع شدّة وضوحه، نعم تفطّن للفرق بين النسبة وغيرها جماعة، منهم ابن الحريري والجعبري.

ثمّ «الواو» مجهورة منفتحة منخفضة مصمتة، ليّنة و غير ليّنة، بين الشديدة والرخوة.

وأمّا من الجهة الثانية: فاعلم أنّها حرف مبنيّ على ما هو الأصل في بناء الحروف المفردة من الفتح، وهي ضربان: عاملة وغير عاملة.

والعاملة: هي الجارّة حسب، خلافاً للكسائي و الجرمي وأصحابهما، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ نصب الفعل بعدها بها.

وغير العاملة: عاطفة، وغير عاطفة.

والعاطفة: موضوعة لمجرّد التشريك بين الأمرين في الحكم، فإن عطفت مفرداً على مفرد شركت بينهما في الحكم الملفوظ، وإن عطفت جملة على جملة أُخرى شركت بينهما في الوجود. وقولنا: لمجرّد التشريك: معناه أنّه لا إشعار فيها بتقدّم أحد المتعاطفين على الآخر بل الكلام محتمل للاجتماع والترتّب، وقيل: بل يدلّ على تأخّر عن المعطوف عليه.

وقال ابن مالك: وتنفرد الواو ـ يعني من حروف العطف ـ بكون متبعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان وللتأخّر بكثرة وللتقدّم بقلّة.

وقال ابن كيسان: لمّا احتملت هذه الوجوه ولم يكن فيها أكثر من جمع الأشياء كان أغلب أحوالها أن يكون الكلام على الجمع في كلّ حال حتى يكون في الكلام ما يدلّ على التفرّق.


(138)

وذهب هشام وأبو جعفر الدينوري إلى أنّ الواو لها معنيان:

معنى اجتماع: فلا تبالي بأيّها بدأت، نحو: اختصم زيدٌ وعمرو; رأيتُ زيداً وعمراً، إذا اتّحد زمان رؤيتهما.

ومعنى افتراق: وذلك بأن يختلف الزمان، فلابدّ من تقديم المتقدّم زماناً، ولا يجوز تأخيره، ومثله نُقل عن قطرب وثعلب وعلاّمة.

الأُسد: جمع أسد، كـ«وَثَن» و «وُثْن» وقال الجوهري: إنّه مخفّف «أُسُد» وهو مقصور «أُسُود».

«من»: على ثلاثة أحرف: اسم وفعل و حرف.

فالاسم مخفّف «أيمن» للقسم، وقيل: بل هو حرف موضوع للقسم.

والفعل: أمر من «مانَ يَمينُ» إذا كذب.

والحرف: حرف جرّ ثنائي الوضع، خلافاً للكسائي والفرّاء فإنّهما ادّعيا أنّ أصلها «منا» و لها معان كثيرة منها: ابتداءُ الغاية، وهو أصل معانيها الذي يمكن إرجاع سائرها إليه.

قال نجم الأئمّة ـ رضي اللّه عنه ـ : كثيراً ما يجري في كلامهم أنّ «من» لابتداء الغاية و«إلى» لانتهاء الغاية، ولفظ الغاية يستعمل بمعنى النهاية وبمعنى المدى، كما أنّ الأمد والأجل أيضاً يستعملان بالمعنيين، والغاية تستعمل في الزمان والمكان بخلاف الأمد والأجل فإنّهما يستعملان في الزّمان فقط، والمراد بالغاية في قولهم: ابتداء الغاية وانتهاء الغاية: جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية(1).


1- شرح الرضي على الكافية: 4/263. مؤسّسة الصادق ـ طهران.


(139)

ثمّ إنّ الابتداء يستدعي أن يكون هناك أمر ذو امتداد يبتدئ من شيء، نحو: سِرتُ مِنَ البَصرةِ، فإنّ السير ذو امتداد، وأمّا نحو: خَرَجْتُ مِنَ الدّارِ، مع أنّ الخروج ليس له امتداد فلأنّه أصل السير الممتد، وربّما يراد به السّير.

ثمّ إنّ مجيئها لابتداء الغاية في المكان ممّا لا خلاف فيه.

وأمّا في الزّمان، فجوّزه الكوفيّون تمسّكاً بقوله تعالى: (نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَة)(1)وقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْم) (2).

وبقوله:

لمن الديارُ بِقُنَّةِ الحَجْــــرِ * أقوَيْنَ مِن حِجَج و مِنْ شَهْرِ(3)

و منعه البصريّون وأجابوا عن الشواهد بأنّ من الظاهر أنّ «من» فيها ليست للابتداء، إذ ليس النداء والتأسيس حدثين ممتدّين ولا أصلين لممتدّ والأقواء لم يبتدئ من الحجج، بل الظاهر أنّها في الكلّ بمعنى «في» أو في الآيتين بمعنى «في» و في الأخير بمعنى التعليل ولكن الظاهر مذهب الكوفيين، إذ لا امتناع في نحو: نمتُ من أوّل اللَّيلِ، ومثله كثير في الكلام.

وليعلم أنّه قد لا يكون المجرور بـ «من» مكاناً ولا زماناً ولكن ينزل منزلة أحدهما.

ومن معانيها: التعليل نحو: (مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا)(4)، (يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ)(5) وهو المناسب هيهنا.


1- الجمعة:9.
2- التوبة:108.
3- البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى في مدح هرم بن سنان، ديوان زهير: 27.
4- نوح:25.
5- البقرة:19.


(140)

«الخيفة»: الحالة التي عليها الإنسان من الخوف. والخوف: توقّع مكروه عن أمارة قطعيّة أو ظنيّة.

وربّما استعملت الخيفة بمعنى الخوف، قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)(1) وقال: (تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) .(2)

قال الراغب: وتخصيص لفظ «الخيفة» تنبيه على أنّ الخوف فيهم حالة لازمة لا تفارقهم.

وجعلها الجوهري مرادفة للخوف مصدراً لـ«خاف».

«الفزع»: الذُّعْر، وهو انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف.

ويقال: فَزِعَ إليه، إذا التجأ إليه عند الفَزَع، وفلان مَفْزَع، أي مَلْجَأ عند الفزع. ومنه في حديث الكسوف: فافْزَعُوا إلى الصلاة، أي الجأوا إليها واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث.

الإعراب:

تروح: فعل مضارع فاعله «الطير» يجوز تذكيره وتأنيثه لأنّ «الطير» تأنيثه غير حقيقي على أنّه مفصول بالظرف.

ثمّ إن كان بمعنى «يرجع» فـ«عن» للتعدية، كما يقال: «رجع عنه». وإن كان بمعنى «يذهب» أو «يسير» فقد ضمن معنى التجاوز فعدّي بـ «عن».

أو يكون «عن» ظرفاً لمقدّر حالاً عن الفاعل أي: «متجاورة راجعة عنه».

و: الطير: يحتمل الاستغراق على ما قيل من أنّ الجمع المعرّف باللاّم ظاهره


1- الرعد:13.
2- الروم:28.


(141)

الاستغراق. والمعنى«كلّ طائر يرد ذلك المربع».

ويحتمل العهد الذهني على ما قيل أنّه الظاهر من الجمع المعروف نحو: ركبتُ الجبل، ونكحتُ النساءَ، ولبستُ الثيابَ.

ويحتمل العهد الخارجي.

وحشية: إمّا حال عن الطير، إمّا منتقلة إن أُريد به التوحّش عن ذلك المَربَع أو التوحّش الحاصل من رؤيته، وإمّا ثابتة على نحو قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ)(1) إن أُريد به ما يقابل الإنسيّ، أي أنّها من طبعها التوحّش وعدم الإنس وحينئذ يكون في معنى الصفة، أي: الطير الوحشية، واحترز به عن الطير التي تأنس بالنّاس.

وإمّا صفة لمصدر مقدّر، أي «روحه وحشيّة».

وإمّا ظرف إن أُريد نسبتها إلى الجانب الوحشي. وهذه الاحتمالات على أن تكون الياء فيه للنسبة.

ويحتمل أن تكون مصدرية وحينئذ فهو مفعول له لتروح.

ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً له على تضمين كلّ من «تروح» و «وحشية» بمعنى النفرة والهرب.

وجملة هذا المصراع صفة أُخرى لـ«مربع» أو مستأنف.

وجملة المصراع الثاني عطف عليه; فإن كان صفة كان من عطف صفة على أُخرى تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات، كما في قوله:


1- آل عمران:18.


(142)

إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم(1)

وكان بمنزلة عطف المفرد على المفرد، فإنّ المصراع الأوّل حينئذ في محل الإعراب. وإن كان مستأنفاً كان من عطف الجملة على الجملة.

وقد وقع الخلاف في تعاطف الجملتين المتخالفتين بالفعلية والاسمية; فجوّزه قوم مطلقاً وهو الأقوى وظاهر الأكثر، وحكي عن ابن جنّي المنع منه مطلقاً وإليه الفخر الرازي في تفسيره وغيره، وحكي عن الفارسي أنّه جوّزه في «الواو» دون غيرها، والقائل الثاني يؤوّل مثل هذا بالفعليّة بأن يكون «الأسد» فاعلاً لتفزع مقدراً مفسراً بالمذكور; فالحاصل أنّ «الأسد» إمّا مبتدأ خبره «تفزع» أو فاعل لفعل محذوف يفسّره «تفزع».

و: من خيفته: ظرف لغو متعلّق بتفزع، والإضافة فيه لامية لأدنى ملابسة إن كانت الخيفة بمعنى الحالة التي للخائف.

وإن كانت بمعنى الخوف كما قاله الجوهري كانت من إضافة المصدر إلى مفعوله.

المعاني:

فيه مسائل :


1- ذكره ابن جرير الطبري في جامع البيان:13/121 . والقرطبي في تفسيره 9/278 و غيرهما و لم يذكروا قائله. و ذكره الرضي الاسترابادي في شرحه على الكافية: 1/265 قائلاً و جاء في هامشه: والبيت غير منسوب في الخزانة، و لكنه أورد البيت الذي بعده و سكت عن نسبه، و لأعشى قيس قصيدة على هذا الوزن منها قوله:

إلى المرء قيس أطيل السري * و آخذ من كل حيّ عصم.


(143)

الأُولى: في الوصف بالجملة، وله وجوه:

منها: أنّها الأصل هنا في التعبير عن هذا المقصود، وكلّ مفرد يقوم مقامها فإنما يصاغ منها.

ومنها : الدلالة على التجدّد; فإنّ الفعل هو الذي يدلّ على التجدّد، ولاشتماله على الدلالة على الزمان الملزوم للتجدّد ولا يمكن الوصف بالمفرد إلاّ بغير الفعل.

ومنها: التوجيه; أي جعل الكلام ذا احتمالين، فإنّ الجملة تحتمل الاستئناف أيضاً كما عرفت.

ومنها: أن لا يلزم إجراء الصفة على غير من هي له.

ومنها: أنّه أراد استيفاء جميع أقسام النعت لهذا المربع، فإنّ النعت إمّا مفرد أو جملة; والجملة إمّا بحال الموصوف أو بحال متعلقه; والجملة إمّا فعلية أو اسمية وقد استوفى الجميع.

ومنها: أنّه لو أُتي بهذا الوصف مفرداً لكان إمّا أن يجعل الطير فاعلاً لـ«رايحة» أو مضافاً إليها، فإنّه إمّا إن كان يقول: «رايحة عنه الطير» أو «رايح الطير»و على كلّ لم يكن له جهة صحة.

أمّا الأوّل; فلأنّ شرط عمل اسم الفاعل أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال وهو هنا بمعنى الاستمرار.

وأمّا الثاني:; فلأنّه لمّا كان اسم الفاعل هنا بمعنى الاستمرار كانت إضافته معنوية فكانت مفيدة للتعريف فلا يصلح لأن يقع صفة لمربع; لنكارته، وأيضاً فإنّ الطير ليس بسبب للمربع فلا يكون في الصفة ضمير راجع إلى موصوفها فإنّ نحو: «جاءني رجل ضارب الغلام» إنّما يصحّ إذا كان أصله «ضارب غلامه» فلمّا


(144)

أُضيف «ضارب» انتقل إليه ضمير «غلامه» وليس الأصل هنا «رايح طيره».

وقد تناقض في هذا المقام ظاهر كلامين لصاحب الكشّاف حيث قال في (مالِكِ يَومِ الدِّين) .

فإن قلت: فإضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية فلا تكون معطية معنى التعريف فكيف ساغ وقوعه صفة للمعرفة؟

قلت: إنّما يكون(1) غير حقيقية إذا أُريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال فكان في تقدير الانفصال كقولك: مالك الساعة، أو: غداً. فأمّا إذا قصد معنى الماضي كقولك: هو مالك عبده أمس أو زمان مستمرّ كقولك: زيد مالك العبيد، كانت الإضافة حقيقية كقولك: مولى العبيد . وهذا هو المعنى في (مالِكِ يَومِ الدِّين) .

وقال في سورة الأنعام في قوله تعالى: (فالِقُ الإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً)(2) على قراءة نصب الشمس والقمر فالنصب على إضمار فعل دلّ عليه جاعل الليل أي «وجعل الشمس والقمر حسباناً» أو يعطفان على محل الليل.

فإن قلت: كيف يكون للّيل محلّ والإضافة حقيقية لأنّ اسم الفاعل مضاف إليه في معنى المضيّ ولا نقول زيد ضارب عمراً أمس؟

قلت: ما هو في معنى المضي وإنّما هو ذاك على جعل مستمرّ في الأزمنة المختلفة وكذلك (فالقُ الحَبِّ)(3) و (فالِقُ الإِصْباح) كما تقول: اللّه عالم قادر، فلا يقصد زماناً دون زمان.


1- اي: إنّما يكون اضافة اسم الفاعل إضافة غير حقيقية.
2- الأنعام:96.
3- الأنعام:95.


(145)

وقد دفع التناقض بأنّ الاستمرار لمّا كان مشتملاً على كلّ من الماضي وأخويه جاز اعتبار الماضي واعتبار أخويه، فلا يعمل بالاعتبار الأوّل ويجعل إضافة حقيقية ويعمل بالاعتبار الثاني ويجعل الاضافة لفظيّة.

وردّه صاحب الكشاف بأنّه حين يكون بمعنى أقرب إلى المشابهة بالفعل ممّا إذا كان للاستمرار فإنّ الفعل يكون بمعنى الماضي حقيقة، بخلاف الاستمرار إذ لا فعل يكون حقيقة فيه، فلو جاز الإعمال وهو بمعنى الاستمرار لجاز الإعمال وهو بمعنى المضي بطريق أولى، قال: وكفاك أنّ اسم الفاعل بهذا المعنى يعني الاستمرار لا تدخله اللام الموصولة وتدخل بمعنى المضي، ثمّ ادّعى أنّه غير ملائم لتقرير الزمخشري فإنّه يدلّ على أنّ الجعل المستمر مانع من كون الإضافة حقيقية، إذ لو لم يكن مانعاً لا يكون جواباً عن السؤال ثمّ قال: إنّه غير موافق لنقل الثقات.

ولا يخفى فساد جميع ما ذكره; أمّا ما قاله أوّلاً، فيما ذكره فاضل تفتازان من أنّ المعتبر في عمل اسم الفاعل مشابهته للمضارع لا لمطلق الفعل، ولا شكّ أنّ المضارع كثيراً ما يستعمل للاستمرار، بخلاف الماضي فإذا كان للاستمرار كان أقرب إلى المشابهة من جهتين: من جهة الاشتمال على الحال والاستقبال، ومن جهة أنّ المضارع كثيراً ما يستعمل للاستمرار.

وأمّا دخول اللاّم الموصولة على الّذي بمعنى المضي دون الذي للاستمرار; فلأنّ المعتبر في الكون صلته صلة، هو محض الحدوث الذي هو أصل الفعل حتى يقولون إنّه فعل في صورة الاسم، كما أنّ اللاّم اسم في صورة الحرف محافظة على كون ما دخلته اللاّم التي في صورة حرف التعريف اسماً صورةً، والاستمرار بعيد عن معنى الحدوث الفعلي فيكون محض مفرد، بخلاف المضي. فالحاصل أنّ دخول اللام على الذي بمعنى المضي، دليل على بعده عن مشابهة الفعل لا قربه.


(146)

وأمّا ما قاله ثانياً فظاهر الفساد; لأنّ من البيّن أنّ جواب الزمخشري لا يبتني على كون الاستمرار مانعاً عن حقيقة الإضافة، بل يكفي كونه غير مانع.

وأمّا ما قاله ثالثاً، فلأنّ الزمخشري من أعظم الثقات، غاية الأمر مخالفته لغيره من الثقات.

وقد حكى السيد الشريف الجرجاني لدفع التناقض أنّ الاستمرار لمّا كان مشتملاً على المضي ومقابلته; روعيت الجهتان معاً، فجُعلت الإضافة حقيقية نظراً إلى الأُولى، واسم الفاعل عاملاً نظراً إلى الثانية، ثمّ قال: وليس بشيء لأنّ مدار كون الإضافة حقيقية أو غيرها على كونه عاملاً أو غير عامل انتهى.

وفساد ما ذكره بيّن لا يخفى، فإنّ هذا القائل لا يخلو إمّا أن يكون مراده عين ما نقلناه أو لا من أنّه يعتبر بإحدى الجهتين عاملاً، فتكون الإضافة غير حقيقية، وبالأُخرى غير عامل فتكون الإضافة حقيقية.

أو يكون مراده أنّ إضافة «جاعل إلى الليل» حقيقية بإحدى الجهتين وعمله في سكناً بالجهة الأُخرى.

وعلى كلّ من الاحتمالين لا يتوجّه عليه ما ذكره، وكأنّه وهم أنّ مراده أن يعتبر الأمران العمل وكون الإضافة حقيقة بالنسبة إلى المضاف إليه و حينئذ فورود ما ذكره ظاهر.

ثمّ إنّه أجاب عن التناقض بما كنتُ ربّما يتراأى لي قبل التأمّل في العبارة وهو أنّ الاستمرار على نوعين: ثبوتي تجددي فإن كان للأوّل لم يعمل، لبعده عن مفهوم الفعل. وإن كان للثاني عمل لأنّ التجدّد إنّما يفهم من الفعل، و«مالك» في (مالك يوم الدين)بالمعنى الأوّل، و (جاعل)بالمعنى الثاني، فإن جعل (اللّيل) من تجدّد كلّ ليلة مستمرّاً، وهو وجه وجيه إلاّ أنّه لا يصلح لإصلاح كلام الكشّاف، فإنّه شبّه (جاعل) بنحو «اللّه عالم قادر» ولا شبهة في أنّهما


(147)

للاستمرار الثبوتي.

ويدفع التناقض وجه آخر، وهو أنّ كلامه في الفاتحة صريح في أنّه المختار عنده، وأمّا كلامه في الأنعام فلا يتعيّن لذلك كما لا يخفى فيجوز أن يكون مبنيّاً على رأي غير مختار له. هذا ما يتعلّق بكلام الكشاف.

وأمّا تحقيق أصل المسألة وهي عمل اسم الفاعل إذا كان للاستمرار، فقد قال فيه نجم الأئمّة ـ رضي اللّه عنه ـ ما هذا لفظه: و أمّا اسما الفاعل و المفعول فعملهما في مرفوع هو سبب(1) جائز مطلقاً، سواء كانا بمعنى الماضي أو بمعنى الحال أو الاستقبال، أو لم يكونا لأحد الأزمنة الثلاثة بل كانا للإطلاق المستفاد منه الاستمرار، نحو: زيد ضامر بطنه و مسودّ وجهه ومؤدّب خدّامه، وذلك لأنّ أدنى مشابهة للفعل يكفي في عمل الرفع، لشدّة اختصاص المرفوع بالفعل وخاصّة إذا كان سبباً، ألا ترى إلى رفع الظرف، و المنسوب، في نحو: زيد في الدار أبوه، على مذهب أبي علي(2)، ونحو: مررت برجل مصري حماره; وكذا برجل خزّ صُفّةُ سرجه، وإذا كانا كذا فإضافتهما إلى سبب هو فاعلهما معنى لفظية دائماً، هذا من حيث اللفظ.

وأمّا من حيث المعنى: فلأنّ المضاف في الحقيقة نعت المضاف إليه، ألا ترى إنّك إذا قلت: زيد قائم الغلام، فالمعنى : له غلام قائم، وكذا مؤدّب الخدام، وحسن الوجه. والنعت هو المعيّن للموصوف و المخصص له لا المتعيّن منه والمتخصّص، فلم يكن تعيّن هذه الثلاثة بما أُضيفت إليه ولا تخصصها منه، بخلاف: خاتم فضّة، و: غلام زيد، فإنّ المضاف إليه في الحقيقة هيهنا صفة


1- المراد به الاسم المرفوع المشتمل على ضمير يعود على الموصوف باسم الفاعل أو اسم المفعول، و يطلق عليه: السببي.
2- أي «الفارسي» و اشتهرت نسبة هذا الرأي إليه.


(148)

للمضاف; لأنّ المعنى: خاتم من فضّة، و: غلام لزيد.

ويعمل أيضاً اسما الفاعل والمفعول: الرفعَ في غير السبب بمعنى الإطلاق كانا، أو بمعنى أحد الأزمنة الثلاثة، نحو: مررت برجل نائم في داره عمرو، ومضروب على بابه بكر، لكن لا يضافان إلى مثل هذا المرفوع، إذ لا ضمير فيه يصحّ انتقاله إلى الصفة وارتفاعه بها، فيبقى بلا مرفوع في الظاهر، ولا يجوز ذلك لقوّة شبههما بالفعل كما سيجيئ.

وكذا يعملان في الظرف والجار والمجرور مطلقاً، لأنّ الظرف تكفيه رائحة الفعل، نحو: مررت برجل ضارب أمس في الدار ومضروب أوّل من أمس السوط، وكذا ينبغي أن يكون الحال، لمشابهته للظرف، وكذا المفعول المطلق، لأنّه ليس بأجنبي.

وأمّا عمل اسمي الفاعل والمفعول، في المفعول به وغيره من المعمولات الفعلية(1)، فمحتاج إلى شرط لكونها أجنبية وهو مشابهتهما للفعل معنىً ووزناً، ويحصل هذا الشرط لهما إذا كانا بمعنى الحال أو الاستقبال، أو الإطلاق المفيد للاستمرار، لأنّهما إذن يشابهان المضارع الصالح لهذه المعاني الثلاثة ،الموازن على الاطّراد، لاسم الفاعل والمفعول، بخلاف الماضي، أمّا صلاحيّته للحال والاستقبال فظاهرة، وأمّا صلاحيّته للإطلاق المفيد للاستمرار فلأنّ العادة جارية منهم إذا قصدوا معنى الاستمرار، بأن يعبّروا عنه بلفظ المضارع لمشابهته للاسم الذي أصل وضعه للإطلاق كقولك: زيد يؤمن باللّه وعمرو يسخو بموجوده، أي هذه عادته، فإذا ثبت أنّ اسمي الفاعل والمفعول يعملان في الأجنبي إذا كانا بأحد هذه المعاني الثلاثة، فإضافتهما إذن إلى ذلك الأجنبي لفظيّة، لأنّ هذا مبنيّ


1- أي متعلّقات الفعل المختلفة.


(149)

على العمل كما تقدم(1). انتهت عبارته بألفاظها.

وهو تفصيل حسن، ووجه دقيق تقبله العقول إلاّ أنّه كان يجب أن يستشهد لكلّ ما ذكره ليصحّ الاعتماد عليه، فإنّ أمثال ما ذكره نكت إنّما تقال بعد الوقوع فإذ لم يعلم الوقوع لم يكن لها فائدة، وإنّما حكيناه نحن لأنّا أردنا أن لا يخلو كتابنا هذا عن ضابط في هذه المسألة ممّن يوثق بقوله ويعرج عليه. و للقوم فيها أقاويل شتّى وتفاصيل متباينة لو أردنا الاستقصاء لأُفضي إلى التطويل في غير مقامه.

ولابدّ من أن يعلم أنّه إذا كان اسم الفاعل أو المفعول للاستمرار في الحال والاستقبال حسب دون الماضي، فالظاهر أنّه لا شبهة في عملهما عمل المضارع.

وقد علم من جملة ذلك أنّ الوجه الذي ذكرناه للعدول عن «رائحة عنه الطير»لا يتمّ إلاّ على رأي، وأمّا على الرأي الآخر فيمكن أن يعتاص هذا ا(2)لوجه بأنّ في إعمال اسم الفاعل الذي للاستمرار ولو كان تجد فيها ضعفاً ولو كان في الفاعل، لضعف مشابهته المضارع بالنسبة إلى الذي بمعنى الحال والاستقبال.

المسألة الثانية: في فعلية هذه الجملة : ووجهها الدلالة على التجدّد، فإنّ الرّواح لا يكون إلاّ متجدّداً ولأنّه أراد أنّ الرواح يحصل منها مرّة بعد أُخرى، فقد أراد التجدّد المستمر، وذلك لا يفهم إلاّ من المضارع لا سيما إذا أراد الاستمرار في الحال والاستقبال فقط ،ولأنّ الفعلية أقرب إلى أن يقع نعتاً لأنّ الاسمية أشدّ استقلالاً فهي إلى الاستئناف أقرب، وهذا إنّما يتمّ على تقدير أن لا تكون الجملة مستأنفة.

الثالثة: في تأخير هذا الوصف وما يليه عن السابقين، وله وجوه:


1- شرح الرضي:2/222.
2- اعتاصَ عليَّ هذالأمرُ يَعْتاصُ، فهو مُعْتاصٌ: إذا التاثَ عليه امره فلم يهتَد لجهة الصواب فيه (لسان العرب:«عوص)».


(150)

منها: رعاية الرقي.

ومنها: أنّ الأوّلين مفردان والوصف المفرد أعرف في الوصف والتبعية وعدم الاستقلال وكلّ ذلك يقتضي التقديم.

ومنها: أنّهما مشتقّان عن الأوّلين أو عن ثانيهما.

ومنها: أنّ كلاً منهما لكونه جملة فيه طول لا ينبغي أن يفصل به بين التابع ومتبوعه.

ومنها: أنّ المقصود بالذات إنّما هو وصف «المربع» بالبلقعية وإمحاء الآثار، وأمّا وصفه بهذين الأمرين فهو من التوابع و المبالغات في ذلك فالأوّلان أهمّ منهما.

الرابعة: في تقديم هذا الوصف على ما يليه وله وجهان: أحدهما رعاية الترقي، و ثانيهما أنّه جملة فعلية والأخير اسمية، وقد عرفت أنّ الفعلية أقرب إلى الوصفية، ولذا أتى بالاسميّة معطوفة خصوصاً والفعل مضارع فإنّ المضارع بمنزلة اسم الفاعل.

الخامسة: في تأخير الفاعل عن الظرف: ووجهه مع الضرورة تقريب الضمير من مرجعه والاهتمام، فإنّ الكلام في أحوال «المربع» والاخبار عنها والتشويق إلى الفاعل; لزيادة التمكين كما عرفت، والدلالة على استعظام هذا الحكم حتى أنّه لا يمكن أن يُنسب هذا الأمر إلى هذا المحكوم عليه و يحكم عليه إلاّ بعد أن يتمّها ويتأمّل ويرضي نفسه بهذا الاسناد ويتحقّق المسند إليه حقّ التحقّق والدلالة على زيادة تمكّن«المربع» في ذهنه، وأنّه يخطر بباله أقدم من كلّ شيء إمّا لأنّه مربع أُمّ عمرو، وإمّا للاستغراب والاستعجاب ممّا طراه، وإمّا لهما جميعاً، ولأنّه لو أخّر الظرف سواء أخّره عن وحشية أم لا، لكان في معرض أن يتوهّم تعلّقه بوحشية لا سيّما إذا كان وحشية ما لا يأتيه، فإنّها بمنزلة الوصف، فلو


(151)

أخّر الظرف لأخّره عنه أيضاً، وإن كان معمولاً لمقدّر نحو راجعة أو متجاوزة، فللتقديم وجه آخر هو القرب من الفعل الذي يفهم منه ذلك المقدّر.

السادسة: في التقييد بقوله«وحشية»: ووجهه ترتيبه الفائدة إن كان حالاً منتقلة أو مفعولاً لأجله أو صفة لمصدر مقدّر، وإن كان مفعولاً مطلقاً فهو لبيان النوع، وإن كان حالاً ثابتة فهو لتخصيص المسند إليه فإنّه يكون بمنزلة الوصف.

وعلى التقديرين مرتبة الفائدة أيضاً حاصلة، وعلى الثاني فتخصيص هذا النوع من الطير البالغة في الاستيحاش حتى أنّ الطير الوحشية التي تألف القفار تهاب وتتوحّش عنه.

والعدول عن جعله صفة إلى جعله حالاً لأُمور : منها: الضرورة. ومنها: التوجيه. ومنها : التعجّب، فإنّ الحال لابدّ لها من المقارنة للعامل فإيقاعه حالاً يدلّ على أنّ الوحشية مقارنة للرواح وهو الذي ينبغي أن يتعجّب منه.

وأمّا إن كان ظرفاً، فإمّا بمعنى جانب اليمين، أو اليسار، فإن كان الأوّل فالمراد يمين«المربع» وهو الذي يحاذي يسار المتوجّه إليه، وإن كان الثاني فالمراد يسار الطير، فالمرجع واحد ووجه تخصيص هذا الجانب الإشارة إلى أنّها تروح عن ذلك المربع أي ترجع أو تنعطف من غير توقّف ولا اختيار لجهته لغاية استيحاشهنّ عنه، فإنّ الجهة الطبيعية للانعطاف عن جهته جهة يسار المنعطف كما هو معلوم بالتجربة، والسرّ فيه كما قيل: إنّ جانب اليمين لقوّته يدفع جانب اليسار ويعطفه.

السابعة: في جملية الوصف الرابع، وله وجوه:

منها: الدلالة على التجدّد المستمرّ الذي لا يفهم إلاّ من المضارع، وهذا مبنيّ على أنّ الاسمية التي جزؤها فعلية تفيد التجدّد دون الثبات كما هو الحقّ، وقد قيل: إنّها تفيد التجدّد والثبات جميعاً.


(152)

ومنها: أنّه لما كان مقتضى قاعدة الترقي تأخير هذا الوصف عن الثالث، وقد أتى به جملة لما عرفت من الوجوه لزم أن يأتي به أيضاً جملة، لقبح الفصل بالنعت بجملة بين المنعوت والنعت المفرد إلاّ لداعي لا سيّما وقد عطف عليه، وعطفُ المفرد على ما له محلّ من الإعراب عن الجمل وإن كان صحيحاً إلاّ أنّ التوافق أولى.

ومنها: التوجيه: فإنّه لا يتمّ التوجيه الذي في الوصف الثالث إلاّ بجملية هذا الوصف، لأنّ من المعلوم أنّه لو كان مفرداً لم يحتمل ذلك إلاّ الوصفية.

ومنها: أن لا يلزم إجراء الصّفة على غير من هي له.

ومنها: استيفاء جميع أقسام النّعت.

الثامنة: في اسمية هذه الجملة: ولها وجوه:

منها: رعاية القافية.

ومنها: الاهتمام بذكر الأسد للتعجّب، والتعجّب كما يقال: زيد يقاوم الأسد، إذا كان زيد ممّن ليس في شأنه ذلك.

ومنها: جعل الكلام ذا وجهين: اسمية، وفعلية، لأنّ خبرها فعل وإن كان لا يفيد إلاّ مفاد الفعلية على الأصح.

و منها: الاستيفاء الذي مرّغير مرّة.

التاسعة: في جعلها مقرونة بحرف العطف، وله وجوه:

منها: الدلالة على أنّ كلاً من المعطوف والمعطوف عليه كاف في تمييز الموصوف وتعيينه عند المخاطب حتّى كأنّه باعتبار كلّ منهما ذات على حدة.

ومنها: أنّ الجملة لمّا كانت مستقلّة بذاتها كان في ربطها بالموصوف عسر،


(153)

وربط جملتين أعسر من ربط جملة، فلمّا ربط الأُولى فكأنّه تعسّر عليه ربط الثانية إلاّبمعين هو الواو الموضوع للربط.

و منها: أنّ الجملة الاسمية أشدّ استقلالاً من الفعلية فافتقرت إلى زيادة رابط لها بغيرها، ويؤكّد ما ذكرناه من أنّ الواو معينة في الربط أنّ جماعة أوّلهم الزمخشري ذهبوا إلى أنّ الواو ربّما يؤتى بها بين الموصوف وصفته لزيادة الربط وإنّ من ذلك قوله تعالى: (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(1) الآية. وقوله تعالى: (سَبْعَةٌ وثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)(2) وقوله تعالى: (وما أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَة إِلاّ وَ لَها كِتابٌ مَعْلُومٌ).(3)

هذا كلّه على تقدير أن تكون الجملة الأُولى نعتاً.

وأمّا إن كانت مستأنفة فوجه العطف يناسب الجملتين في المسندين وهو ظاهر، وفي المسند إليهما في الوصف المقصود هنا وهو ائتلاف القفار واتّحاد العرض المسبوقتين له، ولأنّ تتالي الجمل المستأنفة أو الجملتين المستأنفتين يُخرج الكلام عن السّلاسة.

العاشرة: في تقديم الظرف، أعني «من خيفته» ووجهه مع رعاية القوافي للتعجّب والتعجيب، و جميع ما ذكر في تقديم «عنه »على «الطّير» إلاّالأخيرين، وتقديم منشئ الشيء عليه، فإنّ الخيفة منشأ الفزع.

الحادية عشرة: في العدول عن الخوف إلى الخيفة، أمّا إذا كانت مرادفة له فلأنّها وإن كانت مرادفة إلاّأنّه لا شبهة في أنّها أبلغ منه، لزيادة حروفها على


1- البقرة:216.
2- الكهف:22.
3- الحجر:4.


(154)

حروفه، وأمّا إذا كانت بمعنى الحالة التي تعرض الخائف فلإيهام أنّ «المربع» نفسه خائف من نفسه، فانّه يتوهّم من الإضافة أنّ الخيفة حالة المضاف إليه، هذا مع الضرورة.

المعنى

إنّ هذا المربع قد بلغ في الإقفار وإمحاء الآثار إلى حيث تنفر عنه الطير الوحشيّة التي تألف القفار فتذهب عنه أي تميل عنه ولا تأتيه، أو ترجع عنه إذا أتته، أو يروح عنه كلّ طائر متوحّشة عنه، أي متخلّية عنه أي متنفّرة أو خائفة أو مهمومة لما تعرف من حاله الأوّلي حين كان مربعاً لأُمّ عمرو، أو تروح عنه لوحشته أي كونه قفراً، أو لوحشيتها أي تنفرها أو خوفها أو همها، أو تروح عنه روحه وحشية أي مستندة إلى التنفّر أو الخوف أو الهم، أو تنفر عنه تنفّراً، أو تنعطف عنه على جانبه الأيمن أو جانبها الأيسر.

واللام في الطّير إن كان للاستغراق فالمراد استغراق الكلّ إن كان المراد من تروح عنه أنّها لا تأتيه، فإنّه حينئذ بمعنى السلب الكلّي، فالمعنى أنّه لا يأتيه شيء من الطيور، أو الوحشية منها.

وأمّا إن كان المراد الرجوع منه إذا أتته فالمراد استغراق التي ترده أو تقرب منه، بمعنى أنّ كلّ طائر وحشيّ، أو كلّ طائر فإنّه يرجع عنه إذا أتاه.

وإن كان للعهد الذهني، فهو على تقدير إرادة الرجوع عنه إرادة بعض من الطير، المطلقة وهو الطير التي ترده، أي بعض الطير تروح عنه وهو: التي ترده.

وعلى بعض المعاني التي عرفتها في البيت الأوّل يحتمل أن يريد بالطير


(155)

الملائكة، فإنّ الملائكة قد نفرت عن مهابط الوحي ومنازل الرسول و آله صلوات اللّه عليهم لما نزلها وتمكّن فيها أئمّة الجور و غاصبو الخلافة قبّحهم اللّه، وحينئذ فاللام للعهد الخارجي.

ويحتمل على بعض تلك المعاني أن يكون تمثيلاً لخلوّ منازل الوحي ومواطن الرسول وآله صلوات اللّه عليهم، أو مرتبة الخلافة عن أهلها و قفارها عنهم بمكان قد بلغ في الاقفار إلى حيث ينفر عنه الطير، ثمّ بالغ في صيرورة المربع مخوفاً لإقفاره فقال إنّ الأُسد تفزع من خيفته مع كونها غاية في الجرأة.

ويحتمل أن يريد بالأُسد الأئمة، أو إيّاهم وخيار المؤمنين وإنّهم يتّقون من أعدائهم الغاصبين للخلافة وأعوانهم، لما خلت منازلهم عن أعوان يكفونهم .

ويحتمل أن يكون تمثيلاً على نحو ما مرّ في المصراع الأوّل.

البيان:

إنّ كان كلّ من المصراعين تمثيلاً ففي كلّ منهما مجاز تركيبي، وإن كان المراد بالأُسد الأئمّة أو إيّاهم مع خيار المؤمنين، ففيه استعارة تصريحيّة مطلقة إذ لم تقرن بشيء ممّا يلائم المشبّه أو المشبه به.


(156)

[3 و 4]

بِرَسم ِ دارِ ما بهـا مُونِـس * إلاّصِلالٌ في الثَّـرى وُقَّعُ

رقش يخاف الموت نفثاتِها * والسمّ في أنيابها منقعُ

اللغة:

« الباء»، إمّا للمصاحبة، أو الظّرفية.

«الرّسم»: الأثر. ورسم الدار: ما كان من آثارها لاصقاً بالأرض. ومنه الرسيم: لنوع من السير سريع يؤثر في الأرض. وناقةٌ رَسُومٌ: للّتي تؤثّر في الأرض لشدّة وطئها. ورَسَم الغيثُ الدّار: عفاها وأبقى أثرها لاصقاً بالأرض.

وفي القاموس: إنّه الأثر أو بقيّته، أو ما لا شخص له من الآثار.

«الدّار»: المنزل، اعتباراً بدورانها الّذي لها بالحايط وقيل: دارة .و قد تسمّى البلدة داراً، والصقع داراً، والدنيا كما هي داراً.

وفي الصحاح أنّ الدارة أخصّ من الدار.

والدار أيضاً القبيلة، ومنه قولهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على ما روي عنه: «ألا أُخبركم بخير دُور الأنصار؟ دور بني النجّار»، ومن ذلك أيضاً ما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لم تبق دار إلاّ


(157)

بني فيها مسجد»(1).

«ما » على نوعين: اسم، وحرف.

والحرف: نافية، وموصولة وغيرهما.

والنافية إمّا أن تدخل الجملة الفعلية، أو الاسمية، فإن دخلت الفعلية لم تعمل شيئاً.

وإن دخلت على الاسمية، ففيها لغتان:

إحداهما: رفع الاسم ونصب الخبر، وهو لغة الحجاز، قال الكسائي: وأهل تهامة وقال الفرّاء: لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلاّبالباء. انتهى.

ولعلّه أراد إذا لم يكن الخبر ظرفاً أو جملة، وجاء النصب في قوله تعالى: (ما هذا بشراً)(2) وقوله تعالى: (ما هُنَّ أُمّهاتِهِمْ )(3).

واللغة الأُخرى: رفع الاسمين، حكاها سيبويه عن تميم، والفرّاء والكسائي عن نجد.

والّذين أعملوها ذكروا لذلك شروطاً:

منها: أن لا يتقدّم الخبر على الاسم، وعن الفرّاء تجويز النصب مع التقدّم. وعن الجرمي أنّه لغة، وعليه ظاهر قول الفرزدق:

فَأصبَحوا قَدْ أعادَ اللّهُ نِعْمَتَهُمْ * إذْ هُمْ قُرَيشٌ وإذْ ما مِثْلَهُم بَشَرُ (4)


1- انظر لسان العرب: «دور» . وذكر فيه الحديثين و ذكره ابن كثير في السيرة النبويّة: 4/22، و مثله في كتاب «عون المعبود في شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي».
2- يوسف:31.
3- المجادلة:2.
4- ديوان الفرزدق:139، في قصيدة يمدح بها عمربن عبدالعزيز، مطلعها:

زارَت سُكينةُ أطلاحاً أناخَ بِهمْ * شفاعةُ النوم ِ لِلعَينَين ِ و السَهَرُ


(158)

على رواية نصب «مثلهم»، فقد حكى ذلك سيبويه عن بعض الناس ثمّ قال: هذا لا يكاد يُعرف.

وقيل فيه: إنّ خبر «ما» محذوف، أي ما في الدنيا. و«مثلهم» حال عن «بشر» تقدّمت عليه لنكارته، وجوّز الكوفيون أن يكون «مثلهم» خبراً على أن يكون نصبه على الظرفية أي: في مثل حالهم ومكانهم من الرفعة. وفرّق ابن عصفور بين أن يكون الخبر ظرفاً أو غيره فلا يبطل العمل في الظرف لكثرة التوسّع فيه.

ومنها: أن لا تنتقض نفسها، فإنّها إنّما تعمل لمشابهتها ليس في النفي فإذا انتقض لم يكن لعملها وجه، وعن يونس إعمالها تمسّكاً بقوله:

ومَا الدهرُ إلاّ مَنْجَنُوناً بِأهلهِ * وما طالب الحاجاتِ إلاّمُعذَّبا(1)

وخرج على أنّ كلاً من «منجنوناً» و «معذّبا» مفعول مطلق لمقدّر; أمّا الأوّل: فبتقدير مضاف أي دوران منجنون. وأمّا الثاني: فبأن يكون مصدراً ميميّاً كـ«ممزق»، فالتقدير: وما الدهر إلاّيدور دوران منجنون بأهله وما طالب الحاجات إلاّيُعذّب مُعذبا.

ومنها: أن تُزاد بعدها «ان» لوقوع الفصل بغير الظّرف بينها و بين معمولها، ولأنّها تشبه «أن» النافية والنفي إذا دخل على النفي أفاد الإثبات فأشبهت «ما» حينئذ المنقوضة.

و أجاز المبرّد الإعمال معها. وأنشد أبو علي:


1- قال ابن جني في «ذا القد» ـ و هو كتاب جمعه من كلام شيخه أبي علي: قائله بعض بني سعد والمنجنون ـ بفتح الميم ـ الدولاب الذي يستقى عليه، و جمعه مناجين، و هو مؤنّث. (شرح شواهدالمغني:1/220 ـ 221. الشاهد:107).


(159)

بني غدانة ما ان أنتم ذهبا * ولا صريفاً ولكن أنتم الخزف(1)

و منها: أن لا تؤكّد بـ «ما» فيجب الرفع عند الجمهور نحو: ما ما زيد ذاهب، وأجاز له الكوفيّون النصب.

ومنها: أن لا يتقدّم على اسمه غير الظرف نحو: ما زيد أو عمرو ضاربان، فإن تقدّمه ظرف لم يبطل عملها، نحو: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حاجِزِينَ)(2) فهذا حال «ما» النافية إذا دخلت جملة فعلية أو اسمية.

وأمّا إذا دخلت اسماً رافعاً لظاهر، نحو: قائم الزيدان، فهي أيضاً لا عمل لها، ونحو: ما قائم زيد; يحتمل الأمرين:

أن يكون «قائم زيد»جملة اسميّة تقدّم خبرها على اسمها ولذا لم تعمل «ما» عملها إلاّ على رأي من لم يجوّز تقديم الخبر على المبتدأ.

وأن يكون «قائم» مدخول «ما» ،و «زيد» فاعلاً له، ونحو: ما قائمان الزيدان، لا يحتمل إلاّ الأوّل إلاّ إذا جعل «الزيدان » بدلاً من الضمير، كما أنّ : ما قائم الزّيدان، لا يحتمل إلاّالثاني.

وأمّا إذا دخلت على ظرف بعده مرفوع كما في البيت فهناك الاحتمالان أيضاً.

«الباء» في «بها» بمعنى: في الأُنس، بالضمّ وبفتحتين، والأنَسَة بفتحين :ضدّ «الوحشة» وقد أنس به مثلثة النّون، و«آنسه»: ضدّ «أوحشه».

وآنسه: أبصرَهُ وَعَلِمَهُ ، وأحسّ به، وآنس الصّوت: سمعه.


1- «غدانة» ـ بضمّ الغين المعجّمة: حي من يربوع من تميم. والمراد بالصريف: الفضة، قال البغدادي: ولم أجد من نسبه لأحد مع كثرة وروده في كتب النحو. (أنظر شرح الرضي: 2/186 رقم 262).
2- الحاقة:47.


(160)

والمونس في البيت يجوز أن يكون على صيغة اسم الفاعل، وأن يكون على صيغة اسم المفعول.

«إلاّ» حرف وضع للاستثناء، أي لإخراج حصّة من جملة حكم عليها بحكم عن ذلك الحكم.

وربّما كانت بمعنى «لكن» وهو في الاستثناء الّذي يسمّى بالمنقطع، نحو: جاءني القوم إلاّحماراً.

و ربّما كانت بمعنى «غير» فيكون صفة لما قبلها وذلك في كلّ ما لا يمكن حملها فيه على الاستثناء.

قد تكون بمعنى «الواو» قاله الأخفش والفرّاء وجعل الأخفش من ذلك قوله تعالى: (إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)(1) . وأجازه الفرّاء في قوله تعالى: (خالِدِينَ فِيها...إلاّ ما شاءَ رَبُّكَ)(2).

قيل: و تكون بمعنى «بل» نحو: (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى) .(3)

و تكون زائدة نحو:

حَراجيجُ ما تنفََكُّ إلاّ مُناخَةً * على الخَسْْفِ أَو نَرمِي بها بَلَداً قَفْرا (4)

«الصلال» :جمع صِل ـ بالكسر ـ و هو الحيّة أو الدقيقة الصفراء أو التي لا ينفع


1- البقرة:150.
2- هود:107والآية كاملة: ()خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلاّما شاء ربُّك).
3- طه:2و3.
4- القائل «ذو الرمَّةَ»، و الحراجيج، من الحرج و الحرجوج، أي الناقة الطويلة (لسان العرب: «حرج)». والمعنى هو: لا تفارق هذه الإبل السير إلاّ في حال إناختها.


(161)

فيها الرُّقي، وهي شديدة الفساد تُحرق كلّ ما مرّت عليه، ولا ينبت حول جحرها شيء من الزرع، وإذا حاذى مسكنَها طائرٌ سقط، ولا يمرّ حيوان بقربها إلاّهلك، وتقتل بصفيرها على غلوة سهم، ومن وقع عليه بصرها ولو من بعدُ مات ويُحكي أنّ فارساً ضربها برمحه فمات هو وفرسه، ويقال إنّها كثيرة ببلاد الترك.

وفي «حياة الحيوان» للشيخ كمال الدين الدميري: انّها الملائكة.

وفي «عجائب المخلوقات» للقزويني: انّ الملائكة حيّة طولها شبر وأكثر، على رأسها خطوط بيض تشبه التاج، فإذا انسابت على الأرض أحرقت كلّ شيء مرّت عليه، وإن طار طائر فوقها سقط عليها، وإذا بدت تنساب هربت من بين يديها جميع الدواب، وإذا صفرت يموت من صفيرها كلّ حيوان يسمع ذلك بعدما ينتفخ ويسيل منه الصديد، وإن أكل من تلك الحيّة شيء من السُّباع يموت. قال: قال جالينوس: إنّها حية شقراء على رأسها ثلاث قنازع مثل التاج وهي قليلة الظهور للناس.

«في»: يكون اسماً وفعلاً وحرفاً.

أمّا الأوّل: فهو «فم» إذا أُضيف وكان مجروراً.

وأمّا الثاني: فهو أمر للواحدة المخاطبة من «وفا» «يفي».

وأمّا الثالث: فهو حرف جرّ للظرفية حقيقة، نحو: الدراهم في الكيس ، والصوم في يوم الجمعة، أو مجازاً، نحو: نظرت في العلم، وقال الكوفيّون: إنّها تجيئ لمعان أُخر، منها: معنى «على» كقوله تعالى حكاية: (ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِالنَّخْلِ) .(1)


1- طه: 71.


(162)

«الألف واللام» في «الثرى» للعهد الخارجي أي ثرى تلك الدار، أو للجنس أي الأرض.

«الثَّرَى» :التراب النَّدِيُّ، أو الذي إذا بُلَّ لم يَصِرْ طيناً، أو الندى نفسه، وأرض ثرْياء: ذات ندى، ويقال: التقى الثَّريان: إذا رَسخَ المطرُ في الأرض حتى يلتقي هو وندَى الأرض.

وتقول العرب: شَهْرٌ ثَرى، وشهرٌ تَرى، وشهرٌ مَرعى، أي تُمطِر أوّلاً ثمّ يطلُعُ النبات فيُرى ثمّ يطول فيُرعى.

ويقال:أَثرَت الأرض إذا كَثُرَ ثَراها وَأَثْرَى المطرُ الأرض: بَلَّ الثَّرى. وثريتُ الموضع تثرية، أي رششته. وثريت السويق، أي بللته.

وقد جاء بمعنى الأرض إمّا حقيقة أو تجريداً.

«وُقَّع»: جمع «واقع» كركع وسجد وشهد وعيب وجهل ونزل وصوم وقوم; وهو اسم فاعل من وقع يقع وقوعاً أي سقط.

«الرَّقْش»: جمع «أرقَش» وهو أفعل من «الرَّقش» كالنقش لفظاً ومعنى. حيّة رَقْشاء: منقّطة، ورقش كلامه: زوّره وزخرفه.

«الألف واللام » في «الموت» للجنس.

«النفثات»: جمع نفثة أو نفث. والنفث: قذف الرِّيق القليل، و هو أقلّ من التفل، ومنه: نفث الراقي والساحر في عقده. ويقال: لو سألته نفاثة سواك ما أعطاك، أي ما بقي في أسنانه من شظاياه. والحيّة تنفث السمّ إذا نكزت أي لسعت بفمها(1).

«الألف واللام» في «السمّ» للعهد الذهني، أو للاستغراق، بادّعاء أنّ


1- «بأنفها»: الأصل و هو تصحيف.


(163)

كلّ سمّ فهو في أنيابها.

و«السم» ـ مثلّث السّين ـ : هذا القَتّال المعروف. ويقال: سَمَّهُ، أي سَقاهُ السمَّ. وسَمَّ الطعام، أي جعل فيه السمّ.

«الأنياب»: جمع «ناب» وهو السنّ الّذي خلف الرباعية. والأنياب في كلّ حيوان أربعة. وربّما أُطلق الناب في بعض الحيوانات على غير ذلك من كلّ ما يشبه هذا السن شكلاً، كما يقال: إنّ للتمساح ستّين ناباً في فكّه الأعلى وأربعين في الأسفل.

يقال: «سمٌّ مُنْقَع» أي مُرَبَّى. وأصله من إنقاع الشيء في الماء أي جعله فيه حتى ينفذ الماء فيه بكلّيته ويأخذ جميع منافذه ويتربّى فيه، كالنقوعات التي يُتداوى بها.

الإعراب:

«برسم دار»: ظرف مستقر معمول لمصحوب أو كائن، فإنّ «الباء» للمصاحبة، كان الأوّل وإلاّ كان الثاني، وعلى كلّ فله احتمالات:

الأوّل: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف. والجملة مستأنفة أي هو، أي المربع مع رسم دار أو في رسم دار.

والثاني: أن يكون صفة أُخرى لمربع.

والثالث: أن يكون حالاً عنه فإنّه موصوف يصلح للحالية.

«ما» :إمّا حجازيّة أو تميميّة أو غيرهما، فإنّ قوله: «بها مونس»:

يحتمل أن يكون جملة اسمية تقدّم خبرها على المبتدأ، وقد عرفت أنّ «ما» إذا دخلت جملة اسمية فعند الحجازيين تعمل الرّفع في الاسم، والنصب في الخبر ولا عمل لها عند تميم . وأنّه إذا تقدّم خبرها الظرف على اسمها كان فيها قولان:


(164)

أحدهما : البقاء على العمل، والآخر: انتفاؤه، فإمّا أن يكون الظّرف أعني بها منصوب المحل على اسمية«ما»، أو مرفوع المحل على خبرية المبتدأ.

ويحتمل أن لا يكون جملة اسمية بل يكون المرفوع فاعل الظرف وحينئذ لا تكون «ما» حجازية ولا تميمية بل حرف نفي لا عمل لها، فإنّ الحجازيّة والتميمية إنّما تجريان في الدّاخلة على الاسميّة. ثمّ الجملة على كلّ صفة لدار والضمير في «بها» راجع إلى الدّار، فإن لم يكن المراد بها القبيلة فظاهر، وإلاّ قدّر قبله مضاف أي «بدارها» أو «منزلها» أو نحو ذلك.

ويحتمل الإرجاع إلى المدار عليه أيضاً على طريقة الاستخدام.

ويحتمل إرجاع الضمير على كلِّ تقدير إلى الرسم على قول من لا يرى في اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه اشتراط صحّة أن يستغنى عنالمضاف بالمضاف إليه.

«إلاّ» حرف استثناء، و «صلال» مستثنى، والاستثناء يحتمل الاتّصال والانقطاع جميعاً على تقدير أن يكون المونس بمعنى ضدّ الموحش. وعلى المعاني الأُخرى فهو متّصل لا غير.

أمّا الثاني فظاهر و كذا الانقطاع على الأوّل.

وأمّا الاتّصال عليه فمن باب تأكيد الشيء بما تضادّه، كقوله:

ولا عَيْبَ فِيهِمْ غيَرْ َأنْ سُيُوفَهُم * بِهنّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائِبِ(1)

فكأنّه قال: لا يتخيل بها مونس إلاّ صلال فإن كانت مونسة وإلاّ فلا


1- البيت للنابغة الذبياني، يمدح آل جفنة، ملوك الشام من غسان، و فيه يمدح عمرو بن الحارث الأصغر حين هرب إلى الشام و نُزل به في قصيدة مشهورة، مطلعها:

كِليني لِهَمّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ * و ليل أُقاصيهِ بَطِيِ الكواكِبِ

; جاءت «أُمَيمة» بالفتح و الأحسن بالضمّ، قال الخليل: من عادة العرب أن تنادى المؤنّث بالترخيم، فلما لم يرخم هنا، بسبب الوزن، أجراها على لفظها مرخمة، و أتى بها بالفتح.(انظر ديوان النابغة الذبياني: ص 9. المكتبة الثقافية ـ بيروت).


(165)

مونس بها. وهو في أبلغ التأكيد وأمتنه.

ثمّ إنّ رفع «صلال» إن كان الاستثناء متّصلاً على البدليّة من المستثنى عنه، أعني «مونس» عند البصريين، وعطف النسق عند الكوفيّين فإنّ «إلاّ» في الاستثناء عندهم حرف عطف، كـ لا بل، و ردّثعلب على الأوّل بأنّه كيف يكون بدلاً وهو موجب ومتبوعه منفي والبدل لابدّ من أن يوافق المبدل منه في الحكم.

وعلى الثاني: بأنّ «إلاّ» لو كانت حرف عطف لم تباشر العامل في نحو: ما قائم إلاّزيد، إذ لا شيء من حروف العطف يصحّ أن يباشر العامل.

والجواب: أمّا عن الثاني: فظاهر فإنّها لم تباشر العامل حقيقة إذ التقدير: ما قام أحد إلاّزيد.

وأمّا عن الأوّل: فقد أُجيب بأنّه بدل بعض، وبدل البعض يخالف متبوعه في الحكم فإنّك إذا قلت رأيت القوم بعضهم، فالمرئي إنّما هو البعض، ومتبوعه الّذي هو القوم غير مرئي، وإنّما حكم عليه بالرؤية مجازاً قال: وإذا جازت المخالفة في الصفة نحو: مررتُ برجل لا كريم، ففي البدل بالطريق الأولى.

وعن الفرّاء أنّه يوجب البدل ولا يجيز النصب على الاستثناء إذا كان المستثنى منه منكراً كما في البيت، فلا يجيز في : ما جاءني أحدٌ إلاّزيد، إلاّ الرفع.

وقال نجم الأئمّة رضي اللّه عنه: و لعلّه قاس ذلك على الموجب، فإنّه لا ينتصب فيه المستثنى إلاّوالمستثنى منه معرّف باللام، فلا يجوز: جاءني القوم إلاّ زيداً، لأنّ دخول «زيد» في قوم المنكر غير قطعي حتى يخرج بالاستثناء، ـقالـ: وليس بشيء لأنّ امتناع ذلك في الموجب لعدم القطع بالدخول، وفي غير الموجب


(166)

المستثنى داخل في المستثنى منه المنكر، ولهذا إذا علم في الموجب دخول المستثنى في المستثنى منه المنكر جاز الاستثناء اتّفاقاً نحو: له عليّ عشرة إلاّ واحد(1).

«في الثرى» يحتمل أن يكون ظرفاً لغواً، لقوله:«وقع» تقدّم عليه ، وأن يكون مستقراً صفة لـ «صلال» وعلى التقديرين فـ«وقع» صفة وعليها فهي تحتمل الظرفية والاستعلاء .

«رقش» إمّا صفة أُخرى، أو خبر لـ«هي» محذوفاً، والجملة مستأنفة.

وعلى الأوّل: جملة «يخاف الموت نفثاتها» صفة أُخرى لـ«صلال» أو مستأنفة.

وعلى الثاني: صفة لـ«رقش».

وجملة :«والسمّ في أنيابها منقع» عطف على تلك الجملة إمّا عطف صفة على أُخرى أو عطف جملة على أُخرى كما عرفت في نظيرتها سابقاً.

ويحتمل أن يكون حالاً إمّا عن الموت أو النفثات أو ما أُضيفت إليه أعني ضمير الـ«صلال» فإنّه فاعل النفثات معنى.

والظرف أعني «في أنيابها» إمّا لغو متعلّق بـ«منقع» وهو الظاهر أو مستقر حال عن السمّ، أوخبر عنه و«منقع» خبر آخر وعلى هذا لا يحتمل الجملة الحالية كما لا يخفى.

المعنى:

أنّ لأُمّ عمرو مربعاً كذا و كذا مع أثر أو في أثر دار أي منزل أو بلدة أو صقع أو قبيلة ليس بتلك الدار أو الرسم أو بمنزل تلك القبيلة للوحشة أو مبصِر ـ بالكسر ـ أو مبصَر ـ بالفتح ـ أو ذو عَلَم أو معلوم أوحسّاس أو محسوس أو


1- شرح الرضي:2/97.


(167)

سامع صوت أو مسموع ـ أي مسموع صوته ـ إلاّ حيات أو حيات من تلك الحيات التي عرفتها ساقطته في تلك الأرض أو في تلك الأرض النديّة أو عليها، أو إلاّ حيات أوحيات من تلك الحيات كائنة في الثرى موصوفة بالسقوط، وكان وصفها بالسقوط للدلالة إمّا على أنّ تلك الأرض لغاية إقفارها عن أهلها قد استوطنتها الحيّات و أمِنَّ من أن يكون لهنّ ما يعاديهنّ فلا يتحركن عنها إلى حجرة ولا يهربن عن شيء، أو على أنّها من التجر عمّا جرى على المربع والدار من الإقفار وامحاء الآثار لا يتحرّكن بل تولّين وسقطن متدلّيات حائرات، أو على أنّها لغاية إقفارها ليس فيها ما تتغذّى به الحيات فهنّ لغاية الضعف وطول الجوع ساقطات لا يقدرن على التحرّك.

أو أراد أنّها وقفن على الأرض متهيّئات للوثوب على كلّ من يمرّ أو ما يمرّ عليهنّ ليلسعنه فإنّ من الحيّات نوعاً تثب على الناس فتقتلهم، وكلّ شيء إذا أراد الوثوب لصق نفسه بالأرض ساعة ثمّ يثب.

ثمّ وصف الحيّات بأنّها «رقش» فإنّ الحيّات الرقش أخبث من غيرها، فإن كانت الصلال أعمّ من الرقش فالوصف بها تقييد وإلاّفتوضيح.

ثمّ بالغ بالخبث فقال: إنّ الموت الذي يخاف منه كلُّ شيء يخاف من نفثات تلك الحيّات فضلاً عن عضّها بأنيابها ، و إنّ السمّ مربى في أنيابها أي رُبِّي حتى بلغ الكمال فلا سمّ أقوى منه.

أو أراد أنّ كلّ السمّ في أنيابها وهو منقع أي كان كل سمّ قد ربّي حتى بلغ الكمال والكل أُودع في أنيابها.

أو أنّ السمّ حال كونه في أنيابها مربّى.

أو أراد أنّ الموت يخاف نفثاتها حال كون السمّ منقعاً في أنيابها، أو حال


(168)

كون السمّ حال كونه في أنيابها منقعاً.

ويحتمل أن يكون المراد بالدار دار الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إمّا منزله أو بلده أو رتبته الظاهرية التي هي السّلطنة والرئاسة الظاهرة.

والمراد بـ «الصلال» الضلاّل المضلّين من الغاصبين للخلافة وأشياعهم لعنهم اللّه، فإنّ أعدى عدو للإنسان من الحيوانات هو الحيّة وهؤلاء أعدى الناس للنّاس، فإنّهم يضرّون بدينهم الذي به الحياة الأبدية أو بدينهم ودنياهم; وأعدى الناس للمؤمنين حقيقة وظاهراً.

والمراد بـ «الثرى» إمّا ثرى تلك الدّار حقيقة إن كانت الدار حقيقة، أو مجازاً إن كانت مجازاً أو جملة الأرض.

والمراد بوقوعهم في الأرض، إمّا اطمئنانهم، أو وقوعهم ليثبوا على النّاس فيسلبوهم حياتهم الأبدية أو حياتهم الدنيوية. أو ليثبوا على المؤمنين أو الأئمّة ـ صلوات اللّه عليهمـ أو عليهم وعلى المؤمنين، أو أنّهم وقعوا في الأرض يفعلون ما يشاءُون. أو أنّهم أخلدوا إلى الأرض. أو أنّهم متحيّرون في الدين لكونهم مذبذبين. أو في أحكام الواقعات الّتي ترد عليهم، لجهلهم بالكتاب والسنّة وم آخذ الأحكام.

ثمّ إنّ وصف الصلال بالرقش إمّا لمجرّد أنّ الحيّات الرقش أخبث الحيّات من غير ملاحظة مثله في المستعار لهم، أو للدلالة على أنّهم يحسنون ظواهرهم ويزيّنونها بظواهر الشّرع حتى ينخدع بهم النّاس كالحيّات الرّقش التي منظرها حسن وفجرها من القبح في أقصى الغاية.وفي استعارة أصل الصلال لهم إشارة إلى أنّ فيهم مثل ما في الحيّات من لين الملمس مع الخبث المتبالغ، ففيهم أيضاً لين وحُسن ظواهر مع ما في بواطنهم من العداوة التي لا يكتنه كنهها، والخبث الّذي


(169)

لا يمكن أن يصفه واصف مطري أو الوصف الرقش، إشارة إلى أنّهم ذوو ألوان في الدّين كما هو صفة المنافقين.

أو إلى اختلاف أقوالهم في الأحكام الدينية على حسب اختلاف أهوائهم أو لتحيّرهم وجهلهم بم آخذها.

وعلى هذا الاحتمال يحتمل أن يكون استعارة الموت للأئمة ـ صلوات اللّه عليهم ـ لكونهم حياة الإيمان والمؤمنين وموت الضلال والضالين والمضلّين، أو لشجعان المؤمنين أو للكل; وقد سمّى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وآله نفسه بالموت في كتابه إلى أبي بكر حيث قال: أما واللّه لو قلت ما سبق من اللّه فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل الأسنان دوارة الرحى، (فإن نطقت يقولون حسداً)(1) وإن سكتُّ فيقال ابن أبي طالب جزع من الموت، هيهات هيهات السّاعة يقال لي هذا وأنا الموت المميت و خواضالمنايا في جوف ليل حالك.(2)

وأن يكون استعار السمّ للكفر والضلال الذي هو نافي للحياة الأبديّة الحقيقية كما أنّ السم ناف للحياة الدنيويّة.

وأن يكون استعار الأنياب لأنصارهم فإنّ الأنياب سلاح ذواتها.

ويحتمل أن لا يكون تجوّز إلاّ في المركب بأن يكون مثل خلو مرتبة الخلافة والرئاسة عن أهلها وقيام غيرهم مقامهم ممّن يقتلون الناس قتلاً دينيّاً ويقتلون المؤمنين قتلاً دنيوياً، أو يعادون الناس أو المؤمنين بدار لم يبق لها رسم وليس بها إلاّصلال كذا و كذا.


1- ما بين القوسين من المصدر.
2- الطبرسي، الاحتجاج:1/245.


(170)

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: في العدول عن «في» أو «مع» إلى «الباء»، وله وجوه:

منها: رعاية الوزن.

ومنها: الإيجاز.

ومنها: التوجيه.

الثانية: في حذف المسند إليه إن كان قوله «برسم دار» خبر المبتدأ محذوف وله وجوه:

منها: الوزن.

ومنها: التوجيه.

ومنها: الاحتراز عن العبث في الظاهر من جهتين: إحداهما وجود القرينة، والأُخرى تخييل أنّ ذلك المربع إمّا من جهة كونه مربع أُمّ عمرو، أو لاتّصافه بتلك الحالة العجيبة الشأن ممّا لا يغيب عن الأذهان فحضوره في الذّهن مغني عن ذكره في الكلام.

ومنها: إظهار التضجّر عن ذلك المربع حتى أنّ نفسه لا تساعده على ذكره مرّة ثانية ولو بالضمير.

ومنها: الإشارة إلى أنّه من النكارة بلغ إلى حيث لا يمكن أن يشار إليه بالضمير فإنّه لو ذكر المسند إليه كان الوجه أن يذكره بالضمير.

الثالثة: في ظرفية المسند أو الوصف أو الحال والوجه فيه ما تقدّم في البيت


(171)

الأوّل، و يزيد هنا إرادة استيفاء أقسام النعت في الظاهر فإنّ من أقسامه الظرف و إن كان في الحقيقة إمّا مفرداً أو جملة.

الرابعة: في حذف متعلّق الظرف ووجهه مع الوزن اتّباع الاستعمال. والتوجيه من وجهين:أحدهما: احتمال الوصفية والحالية والاستيناف. والثاني: احتمال المصاحبة والظرفية.

الخامسة والسادسة: في تنكير دار ووصفها. والوجه فيهما ما تقدّم في تنكير «مربع» ووصفه.

السّابعة: في الإتيان بهذا النعت أو الحال. ووجهه ما مرّ في الوصف بالأوصاف السابقة.

الثامنــة: في تأخير هذا النعت عن النعوت السابقة إن كان نعتاً، وله وجوه:

الأوّل: إنّ تلك نعوتُ له من جهته في نفسه وهذا نعت له بالمقايسة إلى غيره.

والثاني: إنّه أطول منها، فيطول الفصل بها بين النعت ومنعوته حتى لا يشعر السّامع بوصفية البيت الثاني أصلاً ولا يشعر بوصفيّة الأوّلين أوّل مرّة إن قلنا إنّه يشعر بها بعد التأمّل.

والثالث: إنّه لو قدّمه على سائر الأوصاف لم يحتمل إلاّالوصفية فزال التوجيه.

والرّابع: إنّه وصف محتمل للافراد والجملة الاسميّة والفعلية، وسائر الأوصاف كلّها أوصاف متعبة فهي أولى بالتقديم، وأيضاً الصّورة الظرفية متأخّرة الرتبة عن الصورة الافرادية والجملية فإنّها مؤوّلة بإحداهما.


(172)

التاسعة: في وصف الدار ووجهه ما تقدم.

العاشرة: في جملية وصفها إن كان جملة وإلاّفليقل وصفها بهذا النوع من الوصف، ولها وجوه:

منها: التصريح بكون النفي في الحال، فإنّه يستفاد من لفظة «ما».

ومنها: إنّها الأصل هنا فإنّ المقصود انتفاء المونس فإن أتى بالمفرد كان مفرداً مصاغاً منها.

ومنها: صراحة العموم في المونس لوقوعه في حيّز النفي صريحاً.

ومنها: ظهور صحّة الاستثناء من المونس لصراحة عمومه; لعدم جواز الاستثناء من المنكر إلاّ إذا عمّ، و في الوصف بمثل هذه العبارة وجه آخر هو التوجيه من جهتين: احتمال الإفراد والجملية، واحتمال الاسمية والفعلية.

الحادية عشرة: في الإتيان بما دون ليس، ووجهه مع الاختصار والوزن التوجيه، فإنّه لو أتى بليس لم يحتمل إلاّ أن يكون جملة فعلية فاعلها مونس، وليكون بصورة الجملة الاسمية إن لم يكن اسمية حقيقة ليكون ذا وجهين: التجدد والثبات.

الثانية عشرة: في تقديم الظّرف أعني «بها» والوجه فيه: أوّلاً: ما تقدّم في تقديم الظرف في «تروح عنه الطير»، وزيادة تخصيص «مونس»، والتوجيه، وإذا جعل مونس فاعلاً للظرف، فالوجه أصالة تقديم العامل مع الوجهين الأوّلين.

الثالثة عشرة: في تقديم الظرف أعني «في الثرى» على «وقع» إن كان متعلّقاً به. ووجه التوجيه ورعاية الوزن والقافية.

الرابعة عشرة: في فائدة الوصف بهذا الظرف إن كان وصفاً، أمّا إن كان «في»


(173)

بمعنى «على»ففائدته الدلالة على أنّهنّ لا يأوين إلى حجر لأمنهنّ إذ ما بها غيرهن. وأمّا إن كانت للظرفيّة فللدلالة على أنّه ليس بها إلاّالأرض.

الخامسة عشرة: في الوصف بـ«وقع» وقد تبيّن لك وجهه فيما قدّمنا وكذا الوصف بـ «رقش».

السادسة عشرة: في تأخير الوصف بـ «الرقش» عمّا تقدّمه. ووجهه أنّ ما تقدّمه سواء كان نعتاً واحداً أو نعتين، نعت بما يتعلّق بالدار، ويعلم منه نعتها بالإقفار وامحاء الرسوم واتّصافها بحالة عجيبة يتحيّر منها، فناسب التقديم على ما لا يتعلّق بها من الأوصاف وهذا هو الوجه في تأخير «وقع» عن الظرف إن كان صفة، مع ما تقدّم من التوجيه ورعاية الوزن والقافية.

السابعة عشرة: في تأخير الوصف بالجملتين عن الوصف بـ«الرقش»، والوجه فيه مع كونهما جملتين : رعاية الترقّي في وصفهما بالخبث، التصريح بالخبث المبالغ عمّا هو علامة الخبث.

الثامنة عشرة: في تأخير الجملة الثانية عن الأُولى. ووجهه ما تقدّم في البيت الثاني مع التوجيه باحتمال الحالية.

التاسعة عشرة: في جعلها مقرونة بحرف العطف ووجهه جميع ما تقدّم في البيت الثاني.

العشرون: في اسميتها، ولها وجوه:

منها: التوجيه.

ومنها: رعاية القافية.

ومنها: الدلالة على الثبات بتخييل أنّ كمال السمّ في أنيابها ليس أمراً محدثاً


(174)

بل هو أبداً ثابت ليس له زمان انتفاء.

الحادية والعشرون: في تعريف المسند إليه، أمّا إن كان للعهد الذهني فيصحّ الابتداء به، وأمّا إن كان للاستغراق فله وللمبالغة المطلوبة التي عرفتها.

الثانية والعشرون: في تقديم الظرف أعني في إتيانها على «منقع» ووجهه التوجيه ورعاية القافية والوزن وتقريب الضمير من مرجعه والاهتمام، لكون الكلام في بيان صفات الصلال وإفادة الاختصاص بادّعاء أن لا سمّ في غيرها; إمّا لحقارة سموم غيرها بالنسبة إلى سمومها في الغاية أو بادّعاء أنّ جميع السموم قد اجتمعت في أنيابها.

الثالثة والعشرون: في أنّ هذه الأبيات الأربعة أهي أخبار أم إنشاءات؟

فنقول: إنّها أخبار من وجه إنشاء من آخر، وذلك أنّ كلّ مركّب تام أو غيره فله وضعان: أحدهما شخصي وهو وضع مفرداته، والآخر : نوعي وهو وضع الجملة وله بحسب كلّوضع معنى فنحو: زيد قائم، مثلاً، معناه بحسب الوضع الشخصي: أنّ القيام ثابت لزيد، ومعناه بحسب الوضع النوعي إخبار المخاطب بذلك .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّه ربّما يؤتى بالجملة الخبرية ويراد بها الإنشاء بالنسبة إلى وضعه الشخصي كما يراد بذلك المثال أمر زيد بالقيام.

وكما أنّه يراد بنحو: رحم اللّه فلاناً، طلب الرّحمة له من اللّه تعالى.

وقد يؤتى بها و يراد بها الإنشا بالنسبة إلى وصفه الثاني كقوله تعالى حكاية:(رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً)(1) فإنّه لم يرد إخبار اللّه


1- مريم:4.


(175)

تعالى بذلك و إنّما أراد الاستعطاف والاسترحام منه، وهذه الأبيات الأربعة من هذا القبيل فإنّ المراد بها إظهار التحسّر والتأسف.

ويحتمل أن لا يكون المراد بها إلاّ الاخبار وإن تضمّنت إظهار التحسّر.

البيان:

يحتمل أن يكون البيتان الأوّلان على حقيقتهما بلا تجوز في جزء من أجزائهما ولا في الجملة.

ويحتمل أن يكون الدار استعارة تصريحية مرشّحة من وجوه:

الأوّل: ذكر الرسم.

والثاني: ذكر الباء التي بمعنى «في» فإنّ الظرفية الحقيقية إنّما هي للمكان أو الزّمان.

والثالث: ذكر المونس.

والرابع: ذكر الصلال بالنسبة إلى معناها الحقيقي .

و أن يكون «الصلال» استعارة تصريحية مرشّحة باعتبار ذكر النفثات والسمّ.

وأن يكون «الثرى» ترشّحاً لاستعارة الدّار أو بتخييله على تفسير السكّاكي لها.

وأن يكون المراد بـ«الوقوع» التهيّؤ للإيذاء أو الاطمئنان أو الإفساد أو التحيير مجازاً على ما عرفت.

وأن يكون «الرّقش» مجازاً عن حسن الظن أو النفاق أو اختلاف الأقوال في


(176)

الأحكام.

وأن يكون «الموت» استعارة مصرّحاً بها مجرّدة، لمقارنتها بالخوف الملائم للمشبه.

وأن يكون «النفثات» ترشيحاً للصلال، أو تخييلية على ذلك بالتفسير، أو استعارة برأسها للقليل من إيذائهم.

وأن يكون المصراع الثاني أيضاً ترشيحاً أو تخييلية للصلال.

وأن يكون «السمّ» استعارة للصلال والأنياب للأنصار.

ويحتمل أن يكون البيتان جميعاً تمثيلاً لحال دار الرسول صلوات عليه وآله، أو رتبة الرئاسة والخلافة في خلوها عن أهلها واشتغالها بأئمّة الجور بحال دار ليس بها إلاّ صلال كذا وكذا.


(177)

[5 ـ 7]

لمّا وقَفنّ العِيسُ في رَسْمِها * وَالعَينُ مِنْ عِرفانِهِ تَدْمَعُ

ذكرتُ من قَد ْكُنْتُ ألْهُو بهِ * فَبتُّ وَالقَلْبُ شَـــجٌّ مُوجَعُ

كأنّ بِالنّــارِ لما شَفَّنِـــــي * مِنْ حُبِّ أروى كبدي تلذع

اللغة:

«لمّا» على وجوه: اسم، وحرف مركّب من كلمتين ومركب من ثلاث كلمات.

فالاسم مصدر «لم» إذا وقف عليه نصباً.

والمركّب من كلمتين كما في قوله:

لمّا رأيتُ أبا يَزيدَ مُقاتِلاً * أَدعَ القِتالَ وأَشْهَدَ الهَيْجاءَ

فإنّ أصل «لمّا» فيه «لنما» قلبت النون ميماً وأُدغمت(1) في الميم و«ما»


1- و نظير ذلك في الألغاز، قوله:

عافت الماء في الشتاء فقلنا * برّديه تصادفيه سَخينا

فيقال كيف يكون التبريد سبباً لمصادفته سخينا؟
و جوابه: أنالأصل «بل ردّيه» ثم كتب على لفظ الألغاز(المصدر نفسه).


(178)

ظرفية، و «ادع» منصوب بـ «لن» والظرف أعني «ما» مع ما أُضيف إليه ظرف لـ «ادع» وأمّا نصب «اشهد» فبـ«أن» مقدّرة، والواو عاطفة له على القتال لا على «ادع» كقوله:

وَ لُبْسُ عَباءَة وتَقَرَّ عَيني * أَحَبُّ إليَّ مِنْ ْ لُبْسِ الشُّفُوف(1)

والمركّب من ثلاث كما قيل في قوله تعالى:(وَإِنْ كُلاً لَمّا لَيُوَفِّينّهُم)(2) على قراءة شدّ نون «ان» و ميم «لما»، إنّ أصله «لمن ما» فأُبدلت النّون ميماً وأُدغمت، فلمّا كثرت الميمات حذفت الأُولى.

و«الحرف» قسمان:

عاملة وهي الجازمة المختصة بالمضارع.

وغير عاملة، وهي قسمان:

حرف استثناء نحو(إِنْ كُلُّ نَفْس لَمّا عَلَيْها حافِظ)(3) فيمن شدّد الميم، ونحو: انشدك باللّه لما فعلت.

وحرف وجود لوجود، وقيل: وجوب لوجوب، فيكون نظيره «لو» إلاّ أنّها


1- جاء في بلاغات النساء لابن طيفور:119 قال: قال أحمد بن الحارث بن أبي الحسن المدايني قال: كان يزيد بن هبيرة الممارس أول أمير ولي اليمامة لعبد الملك بن مروان فتزوج امرأة من ولد طلبة بن قيس بن عاصم المنقري فقالت:

للبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليَّ من لُبس الشفوف

و بكر يتبع الاظعان حبُّ * أحبّ إليَّ مـن بغـل زفـوفو

بيت تخفق الأرواح فيه * أحبّ إليَّ من قصر منـيف

و ذكره ابن عقيل في شرحه(الشاهد:33) و جاء فيه: البيت لميسون أُمّ يزيد بن معاويه، كما ذكر ذلك ابن هشام في مغني اللبيب:1/267 رقم 424.
2- هود:111.
3- الطارق:4.


(179)

حرف امتناع لامتناع وهي تقتضي جملتين ولا تدخل إلاّ على الماضي. وزعم ابن السرّاج و الفارسي و ابن جنّي وجماعة أنّها ظرف بمعنى «حين» وابن مالك أنّها ظرف بمعنى «إذْ» و أُريد بلزوم الإضافة إلى الجملة لها واختصاصهما بالماضي.

«وقف» يقف وقوفاً: دام قائماً، وقفته وقفاً يتعدّى ولا يتعدّى.

«التاء» المتحركة المضمومة: ضمير متّصل مرفوع للمتكلّم وحده، والمذهب المنصور أنّه أعرف المعارف.

«الألف واللاّم» في «العيس»: للعهد الذّهني أو الخارجي باعتبار أنّ مراده «عيسيّ» فعوّض الألف واللام عن الإضافة.

و«العيس» ـ بالكسر ـ : الإبل البيض التي يخلط بياضها شي من الشقرة، واحدها «اعيس» والأُنثى «عيسا»، و تعيست الإبل: صارت بياضاً في سواد الظّرفية المدلول عليها بـ«في» إمّا حقيقية أو مجازية، والمراد: في جنب رسمها فتنزل مجاور الظرف منزلة الظرف.

«الواو» للحال، «الألف واللام» للعهد الخارجي لأنّها عوض عن الإضافة أي عيني العين الجارجة المخصوصة من حرف جرّ بمعنى التعليل.

«العرفان» والمعرفة: إدراك الشيء، بتفكّر و تدبر لأثره، وأصله من «عرفت»أي أصبت عرفه، أي رائحته، أو أصبت عُرفه أي حدّه، ولذا يقال: عرفت اللّه لأنّ إدراكه تعالى إنّما هو بالتفكّر والتدبّر في آثاره، ولا يقال:عرف اللّه، إذ لا تفكّر ولا تدبّر في شأنه تعالى ويضادّه الإنكار كما يضادّ العلم الجهل، قال سبحانه: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرونَها)(1) وقال تعالى: (فَعَرَفَهُمْ وَ هُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ).


1- النحل:83.


(180)

فقد تحقّق أن(1)ّ المعرفة أخصّ من العلم، وقد يقال: إنّ الفرق بينها و بين العلم أنّها تخصّ البسيط أي التصوّر أو الجزئي. والعلم يخصّ المركّب أي التصديق أو الكلّي.

ويقال: إنّها العلم الحادث بعد أن لم يكن أو الأخير من العلمين المتحلّل بينهما غفلة أو نسيان، أوجهل.

دمعت العين «تدمع» كمنع وفرح، أي سال منها الدّمع.

«الذكر» والذكرى: خلاف النسيان، واجعله منكم على ذكر ـ بالكسر وبالضم ـ أي لا تنسه .

«مَن» اسم مبنيّ على السكون يختصّ بذي العقل مفرداً كان أو مثنى أو مجموعاً، مذكّراً أو مؤنّثاً، موجوداً أو معدوماً متوهّماً، فقد قالت العرب: أصبحت كمن لا يخلق، خلافاً لبشر المريسي فإنّه لم يجوّزه، و ربّما أُطلق على ما لا يعقل تنزيلاً له منزلة من يعقل كقوله تعالى إشارة إلى الأصنام: (مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيامةِ)(2) ، وعلى ما يشمل العاقل وغيره تغليباً نحو: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ)(3) ، وعلى غير العاقل وحده إذا وقع في تفصيل جملة يدخل فيها العاقل وغيره نحو:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعَ)(4) وذهب قطرب وجماعة إلى عدم اختصاصه بالعاقل وجواز استعماله في غيره مطلقاً، وهو يقع على وجوه:

منها: الموصولة نحو قوله تعالى:(وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ) .(5)


1- يوسف: 58 .
2- الأحقاف:5.
3- النور:45
4- النور:45
5- الرعد:15.


(181)

ومنها: الموصوفة إمّا بمفرد نحو: مررت بمن معجب لك، وقوله:

فَكَفَى بِنا فَضْلاً على مَن غَيْرِنا * حُـبُّ النبـيّ محمّد إيّانـا (1)

على رواية جرّ «غيرنا» ،و يُروى بالرفع فيكون خبراً لـ«هو» مقدّراً، و«من» حينئذ يحتمل الموصولية والموصوفية جميعاً، و زعم الكسائي أنّها لا تكون موصوفة إلاّ فيما يخصّ النكرات، والاحتمالان جاريان في قول الفرزدق:

إنّي وإيّاك إن بَلَّغْنَ أرحُلَنا * كَمَن بَواديه بَعَدَ المحل ممطُورِ (2)

أي كالذي أو كشخص ممطور بواديه بعد المحل، ويجريان هنا أيضاً، إلاّ على رأي من رأى أنّها لا تكون موصوفة إلاّ فيما يخصّ النكرات.وخرج البيتين على زيادة وهي غير مسموعة.

«قد» على وجهين: اسم وحرف.

والاسم على وجهين: اسم فعل، وبمعنى حسب.

والحرف مختص بالفعل المتصرّف الخبري المثبت المجرّد من جازم وناصب وحرف تنفيس وله معاني:

منها: التحقيق، نحو: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها)(3) و نحو: (وَ لَقَد )


1- البيت لكعب بن مالك الصحابي، و قيل لحسان بن ثابت، و قيل لبشير بن عبد الرحمنبن كعب بن مالك. (شرح شواهد المغني:1/337 ، الشاهد:153. و لم نعثر عليه في ديوان حسان.
2- ديوان الفرزدق: 1/ 237 رقم 182 وفي الأصل: «إذ دخلت بأرحلنا». والبيت من جملة أبيات فيها يمدح يزيد بن عبد الملك ويهجو يزيد بن المهلّب(البحر البسيط).
3- الشمس:9.


(182)

عَلِمْتُمُالّذينَ اعتَدَوا مِنْكُم فِي السَّبْتِ) (1).

ومنها التكثير قاله سيبويه في قول الهذلي.

قَدْ أترُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنامِلُه * كأنَّ أثوابَهُ مجّتْْ بِفرْصادِ(2)

وقاله صاحب الكشّاف في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) .(3)

وهذا معنى مجازي له كما يتحور عنه بربّ و ربّما.

ومنها: تقريب الماضي إلى الحال، نحو: قد قام زيدٌ، أو: كان قيامه عن قريب.

وقال نجم الأئمة رحمه اللّه : هذه الحرف إذا دخلت على الماضي أو المضارع فلابدّ فيها من معنى التحقيق، ثمّ إنّه ينضاف في بعض المواضع إلى هذا المعنى في الماضي :التقريب من الحال مع التوقّع، أي يكون مصدره متوقّعاً لمن تخاطبه واقعاً عن قريب، كما تقول لمن يتوقّع ركوب الأمير: قد ركب...، أي حصل عن قريب ما كنت تتوقّعه، ومنه قول المؤذّن: قد قامت الصّلاة.

ففيه إذن ثلاثة معان مجتمعة: التحقيق والتوقّع والتقريب.

وقد يكون مع التحقيق: التقريب فقط، ويجوز أن تقول: قد ركب لمن لم يكن يتوقّع ركوبه. قال: ويدخل على المضارع المجرّد من ناصب وجازم وحرف تنفيس، فينضاف إلى التحقيق في الأغلب التقليل، نحو: إنّه الكَذوبَ قد يصدق،


1- البقرة:65.
2- البيت لشماس الهذلي، كما ذكر الشنتمري. و يحتمل الصحيح ان البيت لعبيد بن الأبرص في ديوانه/71. و كما جاء ايضاً عن الرضي الاسترابادي في شرح الكافية:4/445.
3- البقرة:144.


(183)

أي بالحقيقة يصدر منه الصّدق، وإن كان قليلاً.

وقد يستعمل للتحقيق مجرّداً عن معنى التقليل نحو: (قَدْنَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماء) (1).

ويستعمل أيضاً للتكثير في موضع التمدّح(2) .

وأنكر أبو حيّان في «الارتشاف» إفادتها التقليل، وابن هشام في المغني إفادتها التوقّع قال: أمّا في المضارع; فلأنّ قولك قد يقدم الغائب، يفيد التوقّع بدون «قد» إذ الظاهر من حال المخبر عن مستقبل أنّه متوقّع له، وأمّا في الماضي فلأنّه لو صحّ إثبات التوقع لها بمعنى أنّها تدخل على ما هو متوقّع لصحّ أن يقال في : لا رجل ـ بالفتح ـ : أنّ «لا» للاستفهام لأنّها لا تدخل إلاّ جواباً لمن قال: هل من رجل، ونحوه، فالّذي بعد «لا» مستفهم عنه من جهة شخص آخر كما أنّ الماضي بعد «قد»متوقّع كذلك.

وأنكر بعضهم كونها للتوقع في الماضي، لأنّ التوقّع إنّما هو انتظار الوقوع والماضي قد وقع.

وقال الراغب: إنّها إنّما تدخل على فعل متجدّد، نحو: (قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنا)(3)، (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ)(4)، (قَدْ سَمِعَاللّهُ)(5)، (لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِالمُؤْمِنِينَ)(6)، (لَقَدْ تابَاللّهُ عَلىَ النَّبِيِّ)(7) و غير ذلك ـقالـ : ولما قلت لا يصحّ أن يستعمل في أوصاف اللّه تعالى الذاتية فيقال: قد كان اللّه عليماً حكيماً.

«كان» أصله كون بفتح العين، خلافاً للكسائي على ما نقل عنه أنّ وزنه فعُل بضم العين. وهو على وجهين:


1- الشعراء:219.
2- شرح الرضي: 4/445.
3- يوسف:90.
4- آل عمران: 13.
5- المجادله: 1.
6- الفتح: 18.
7- التوبة: 117.


(184)

ناقص ناسخ للمبتدأ والخبر; رافع للأوّل ناصب للثاني.

ومنها الشأنية التي يستتر فيها ضمير الشأن، خلافاً لمن زعم أنّها قسم برأسها; ولمن زعم أنَّها تامّة، و تامّ بمعنى ثبت، والثبوت مختلف بحسب اختلاف الأشياء، فمنه ثبوت أزلي نحو: كان اللّه ولا شيء معه، ومنه حدوثي نحو: إذا كان الشتاء فأدفئوني، ومنه بمعنى الحضور نحو: وإن كان ذو عسرة على وجه، ومنه بمعنى الوقوع نحو: ما شاء اللّه كان على ما قيل، و منه بمعنى الإقامة نحو: كانوا وكنّا فما ندري على مهل، وربما جاء بمعنى كفل نحو: كنت الصبي أي كفلته، وبمعنى غزل نحو: كنت الصوف، و قد يكون زائداً نحو:

جِياد بني أبي بَكْر تَسامَـى * علَى كان َالمُسَوَّّمَةِ العِرابِ(1)

ومعنى الناقص: الدلالة على ثبوت خبره لاسمه في الزمان الماضي، وزعم بعضهم أنّه يدلّ على الاستمرار في جميع زمن الماضي، قال نجم الأئمة سلام اللّه عليه: وشبهته قوله تعالى: (وَكانَ اللّه سَمِيعاً بَصِيراً)(2) وذهل أنّ الاستمرار مستفاد من قرينة وجوب كون اللّه سميعاً بصيراً لا من لفظ «كان»، ألا ترى أنّه يجوز: كان زيد نائماً نصف ساعة فاستيقظ، وإذا قلت: كان زيد ضارباً، لم يستفد الاستمرار، قال: وكان قياس ما قال أن يكون كن ويكون أيضاً للاستمرار.

وقال صاحب «الارتشاف» :أكثر النحاة ذهبوا إلى أنّ «كان» تقتضي الانقطاع كسائر الأفعال الماضية، وذهب بعضهم إلى أنّها لا تقتضيه وجعل من ذلك مثل قوله تعالى: (وَكانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً).(3) أي لم يزل.

والذي تلقّفناه من أفواه الشيوخ إنّ «كان» يدلّ على الزمان الماضي المنقطع


1- أنشد الفرّاء هذا البيت و لم ينسبه إلى قائل; و لم يعرف العلماء له قائلاً و يروى المصراع اللأوّل:
«سَرَاةُ بَني أبي بَكر تَسامَى »
(شرح ابن عقيل: الشاهد 70).
2- النساء:134.
3- النساء: 152 و100....


(185)

كغيرها من الفعل الماضي.

وقد يكون بمعنى «صار» كقوله :

بتيهاء قفر والمطي كأنّها * قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها(1)

واختلف فيه وفي سائر الأفعال الناقصة أنّها هل تدلّ على الحدث، فنفاه كثير من المعربين وجعلوه السبب في تسميتها ناقصة.

والمشهور خلافه ،قال نجم الأئمة رضوان اللّه عليه: لأنّ «كان» في نحو: كان زيد قائماً، يدلّ على الكون الذي هو الحصول المطلق، وخبره يدلّ على الكون المخصوص و هو كون القيام أي حصوله، فجيئ أوّلاً بلفظ دالّ على حصول ما، ثمّ عُيّن بالخبر ذلك الحاصل، فكأنّك قلت: حصل شيء، ثمّ قلت: حصل القيام، فالفائدة في إيراد مطلق الحصول أوّلاً ثمّ تخصيصه، كالفائدة في ضمير الشأن ، قبل تعيين الشأن، مع فائدة أُخرى هيهنا، وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول المفيد، ولو قلنا : قام زيد، لم تحصل هاتان الفائدتان معاً، فـ«كان» يدلّ على حصول حدث مطلق تقييده في خبره، وخبره يدلّ على حدث معيّن واقع في زمان مطلق تقييده في «كان».

لكن دلالة «كان» على الحدث المطلق أي الكون وضعيّة،ودلالة الخبر على الزمان المطلق: عقلية ـو قالـ: وأمّا سائر الأفعال الناقصة نحو «صار »الدالّ على الانتقال، و«أصبح» الدالّ على الكون في الصبح أو الانتقال، ومثله


1- ذكره الشريف الرضي في «حقائق التأويل»:222، وفي هامشه نسب البيت إلى الشاعر ابن أحمر وفيه: «بفيفاء» بدل «بتيهاء» و قال البغدادي: انه من ابيات لابن أحمر شاعر اسلامي مخضرم (شرح الرضي:4/189). و في تاج العروس للزبيدي: 5/11 :قال عمروبن أحمر:

أريهم سهيلاً والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها


(186)

أخواته(1)، و «مادام» الدالّ على معنى الكون الدائم، و«ما زال» الدالّ على الاستمرار وكذا أخواته، و «ليس» الدالّ على الانتفاء: فدلالتها على حدث معيّن لا يدل عليه الخبر في غاية الظهور.(2)

وظنّي أنّ النزاع بين الفريقين لفظي لأنّه لا شبهة في نحو: إن قام زيد، يدلّ على كون القيام، فإذا قيل: كان زيد قائماً، لم يكن الغرض من الإتيان بـ«كان» إلاّ إفادة أنّ القيام في الزمان الماضي، وكذا صار زيد غنياً، إنّما جيئ فيه بـ«صار» للدلالة على أنّ بثبوت القيام بعد أن لم يكن، وكذا في البواقي، فهذه الأفعال وإن كانت دالة على الاحداث بلا شبهة إلاّ أنّه لا شبهة في أنّ الظاهر أنّه لا يتعلّق غرض المتكلّم باحداثها وإنّما يتعلق بالأزمنة المفهومة منها، وإن تعلّق فلا قصد إليها بالذات وإنّما قصد إليها لتكون رابطة للنسبة ، و لذا عدّها المنطقيون حروفاً وروابط، وما ادّعاه نجم الأئمة رحمه اللّه في معانيها يكذّبه موارد الاستعمال، إذ لو صحّ لكان استعمالها مخصوصاً بما يقصد فيه التأكيد ويكون له عظيم من الشأن كما في ضمير الشأن مع أنّه ليس كذلك،ولذا قالوا: إنّه إذا أُريد إبقاء معنى الماضي مع أنّ الشرطيّة جُعل الشرط لفظ «كان» نحو:(إِن كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ)(3) ، (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُل)(4) لأنّ الحدث المطلق الذي هو مدلوله يستفاد من الخبر وإنّما يُذكر للدلالة على الزمان،وأما«ليس» فمن الظاهر أنّه لا يراد منه إلاّ «النفي»، ولذا ذهب جماعة من المعربين إلى أنّه حرف نفي، فقد تبيّن أنّ الذين من قالوا إنّ الأفعال الناقصة لا تدل على الحدث أرادوا أنّ الحدث لا يقصد بها، والذين قالوا: يدلّ عليه، أرادوا أنّ ذلك داخل في معانيها والكل صحيح.


1- المراد بـ «أخواته»: الأفعال الدالّة على وقت، مثل «أمسى» و «أضحى».
2- شرح الرضي على الكافية: 4/182. مؤسّسة الصادق، طهران.
3- المائدة: 116.
4- يوسف:26.


(187)

«اللَّهو» :ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، ويعبّر عن كلّ ما به استمتاع باللّهو، كما قال تعالى: (لَوْ أََرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً)(1) ويقال: لهوت بالشيء ألهو لهواً أو تلهيت إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره، وألهاه من كذا، أي شغله، ولهيت عن الشيء ألهى، كرضيت أرضى، لهياً إذا سلوت عنه وتركت ذكره، وإذا غفلت عنه واشتغلت بغيره.

وفي الحديث: إذا استأثر اللّه بشيء فإله عنه(2)، أي اتركه وأعرض عنه.

وكذا حديث الحسن في البلل بعد الوضوء.

إله عنه، ولهيت بالشيء أيضاً إذا أحببته.

«الباء» في «به» إمّا للتعدية، أو للسببية، أو الاستعانة أو المصاحبة.

«الفاء» المفردة مشتركة بين الحرف والفعل، أمّا الفعل فهو «فِ» مكسوراً أمراً من «وفى».

وأمّا الحرف فحرف هجاء وحرف معنى.

أمّا الكلام عليه من الجهة الأُولى: فاعلم أنّ مخرجها من باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا عند الجمهور وهو المتصوّر.

وذهب الفرّاء إلى أنّ مخرجها ما بين الشفتين وليس بشيء، وهي مهموسة رخوة منفتحة منخفضة ذلقية على رأي.

وأمّا الكلام عليه من الجهة الثانية: فاعلم أنّها حرف لا عمل لها، خلافاً لبعض الكوفيين فإنّهم جعلوها ناصبة للفعل. والمبرّد فإنّه جعلها خافضة، في نحو


1- الأنبياء: 17.
2- من أمثال العرب (مسند زيد بن علي:ص 361) و في التبيان في تفسيرالقرآن: ج10/270 و في ج4/417 (إذا استأثر اللّه بشي لاه عنه).


(188)

قوله:

فَمِثْلَكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ و مُرْضِع * فَأََلْهَيتُها عَنْ ذِي تَمائِمَ مُحُولِ(1)

في رواية جر المثل.

والمشهور المتصوّر أنّ النصب في الأوّل بـ«أن» مضمرة، و أنّ الجرّ في الثاني بـ«ربّ» مضمرة.

ثمّ «الفاء» ترد على وجوه:

منها: أن تكون عاطفة وحيئنذ تفيد ثلاثة أُمور:

أوّلها: الترتيب، فإن عطفت مفرداً على آخر فإن كان مسنداً أفادت أنّ إسناد المسند الثاني إلى المسند إليه بعد إسناد المسند الأوّل نحو: زيد قام فقعد، وكذا إن كان موقعاً على مفعول أو متعلّق أفادت أنّ وقوع الثاني على المفعول أو تعلّقه بالمتعلق بعد وقوع الأوّل، أو تعلّقه نحو: ضرب فأكرم زيداً عمرو، فإن كان مسنداً إليه أفادت أنّ إسناد المسند إلى الثاني بعد إسناده إلى الأوّل نحو: قام زيد فعمرو. وكذا إن كان مفعولاً أو متعلّقاً أفادت أنّ وقوع المسند أو ملابسته بالنسبة إلى الثاني بعد وقوعه أو ملابسته بالنسبة إلى الأوّل، وإن كان صفة معطوفة على صفة أُخرى لموصوف واحد أفادت أنّ اتّصاف الموصوف بمصدر الثانية بعد اتّصافه بمصدر الأُولى نحو: زيد الآكل فالنائم.

وإن عطفت جملة على أُخرى فإن كان لها محلّ من الإعراب كان الحكم فيها كالحكم في عطف المفردات، وإلاّ أفادت أنّ حصول مضمون الثانية بعد حصول مضمون الأُولى، وعن الفرّاء أنّها لا تفيد الترتيب أصلاً. قال ابن هشام: وهذا مع


1- من معلّقة امرئ القيس و الّتي مطلعها: «قفا نبك من ذكرى حبيب و منزلِ» (ديوان امرئ القيس:33).


(189)

قوله: إنّ «الواو» تفيد الترتيب غريب، واحتجّ بنحو قوله تعالى: (أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُون) .(1)

والجواب عنه من وجهين:

الأوّل: أنّه يجوز أن يكون المراد: أردنا إهلاكهم فإنّ إطلاق الفعل الاختياري على إرادته كثير.

والثاني: أنّ الترتيب على نوعين: ترتيب معنوي: وهو الذي مرّ ذكره. وذكري: وهو في نحو عطف المفصل على المجمل نحو: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً)(2) (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي)(3) (ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرينَ)(4) وهو كثير.

وذهب الجرمي إلى أنّها للترتيب إلاّفي الأماكن والأمطار.

فالأوّل لقوله:

قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حَبيب ومَنْزِل * بِسِقْطِ اللّوى بَيْنَ الدَّخولِ فَحَومَلِ(5)

والثاني: لأنّا نقول: مطرنا مكان كذا فمكان كذا، و إن كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.

والأمر الثاني من الثلاثة التي يفيدها «الفاء» هو للتعقيب، أي حصول المعطوف، أو حصول المسند له عُقَيب حصول المعطوف عليه، أو حصول المسند له بلا مهلة، وهو إمّاحقيقي بأن لا يتراخى بينهما حقيقة زمان، وحكمي بتنزيل ما بينهما زمان منزلة ما لا زمان بينهما، إمّا لقصره، أو لأنّه لا يمكن حصول الثاني بعد


1- الأعراف:4.
2- النساء:153.
3- هود:45.
4- الزمر:72 و غافر:76.
5- ديوان امرئ القيس: 144 مطلع معلقتهالمشهورة.


(190)

الأوّل إلاّ بعد مضي زمان فلم يتراخ بينهما إلاّ ذلك الزمان، كما يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يفصل بين التزوّج والولادة إلاّ زمن الحمل.

ونحو قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِماءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) (1).

وقال نجم الأئمة ـرضي اللّهعنهـ : إنّ «الفاء» في مثل ذلك فإن اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر لكن إنّما يتمّ في مدة ومهلة، فجيئ بالفاء، نظراً إلى أنّه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار، قال: ولو قيل: ثمّ تصبح الأرض مخضرّة، نظراً إلى تمام الاخضرار جاز(2).

و نحن نقول: لو قال: ثمّ تصبح الأرض نظراً إلى حقيقة الأمر جاز . وإذا تأمّلت وجدت م آل الكلامين واحداً، وكذا م آل ما قيل من أنّ التعقيب في كلّ شيء بحسبه م آلهما ، وبعضهم يقدر لنحو تصبح هنا معطوفاً عليه نحو: فأنبتنا به وطال النبت فتصبح.

وقيل: إنّ «الفاء» هنا للسببية، و فاء السبب لا يدلّ على التعقيب لصحّة أن يقال: إن أسلم فهو يدخل الجنّة، مع ما بينهما من المهملة الظاهرة.

وقيل: إنّ الفاء ربّما كانت بمعنى «ثمّ » كالآية ، وقوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَونَا العِظامَ لَحْماً).(3)

والأمر الثالث بما يفيده الفاء السببيّة، وهو غالب في عطف الجملة أو الصفة نحو: (فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ)(4)(فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمات فَتابَ


1- الحج:63.
2- شرح الرضي:4/389.
3- المؤمنون:14.
4- القصص:15.


(191)

عَلَيْهِ) .(1)(لآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم * فَمالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون) .(2)

ومن وجوه«الفاء» أن يكون للسببية من غير عطف، نحو التي في أجوبة الشروط، ونحو: جاءك زيد فأكرمه.

قال نجم الأئمة (رض): و تعريفه(3) بأن يصلح تقدير «إذا » الشرطية قبل «الفاء» وجعل مضمون الكلام السّابق شرطها، فالمعنى في مثالنا: إذا كان كذا فأكرمه، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْض وَما بَيْنَهُما فَلْيَرتَقُوا فِي الأَسْباب) .(4) وقال تعالى: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها)(5) أي إذا كان عندك هذا الكبر فاخرج، و قال: (رَبِّ فَأَنْظِرْني)(6) أي إذا كنت لعنتني فأنظرني، و قال:(فَإِنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ)(7) أي إذا اخترت الدنيا على الآخرة فإنّك من المنظرين، و قال: (فَبِعِزَّتِكَ )(8) أي إذا أعطيتني هذا المراد (فَبِعزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ)(9).(10)

ومن وجوهها أن يكون بمعنى «الواو» كما في قوله: بين الدّخول فحومِلَ.

«بات» الرجل يبيت وبيات بيتاً وبياتاً وبيتوتة: إذا دخل في اللّيل، ومنه «البيت» فإنّه في الأصل مأوى الإنسان باللّيل، وبات يفعل كذا، إذا فعله ليلاً، كما يقال: ظلّ يفعل كذا، إذا فعله نهاراً.فقد جاء تامّاً وناقصاً.

«الواو» للحال، أو زائدة لزيادة الخبر بالاسم إن صحّ مجييُها زائدة، كما قال الأخفش والكوفيون وحملوا عليها (فَلَمّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبينِ * وَنادَيْناهُ).(11)


1- البقرة:37.
2- الواقعة:52و53.
3- اي الضابط الذي يمكن معرفته به.
4- سورة ص:10.
5- سورة ص:76 ـ 77.
6- سورة ص:79.
7- سورة ص: 80.
8- سورة ص:82.
9- سورة ص:82.
10- شرح الرضي: 4/288.
11- الصافات: 103 ـ 104.


(192)

«الألف واللام» للعهد عوضاً عن المضاف إليه، أي قلبي شج، أصله شجي، على فعل كفرح، من الشجو، وهو الحزن، يقال: شجاه شجوه شجواً إذا أحزنه، وأشجاه يشجيه اشجاء إذا أغصه، وتقول منهما جميعاً: شجى يشجي شجًى كرضي، إذا حزن. ومنه اشتقّ شج; يقال: رجل شجي وامرأة شجيّة، بتخفيف الياء.

«الوجع» : المرض، والأظهر أن يقال: إنّه الألم، والإيجاع: الإيلام.

«كأنّ» حرف مركّب عند الخليل وسيبويه وأكثر البصريين وادّعى ابن الخبّاز وابن هشام الخضراوي عليه الإجماع، ومن البصريين من ذهب إلى أنّه حرف بسيط وهو الأقوى. والأوّلون قالوا: إنّ أصله كاف التشبيه و«إن» ، وإنّ أصل كان زيد الأسد، أنّ زيداً كالأسد فقدّمت الكاف للاعتناء بالتشبيه.

ثمّ منهم من قال: إنّه فتحت« أنّ » لفظاً لرعاية لفظ الكاف، لأنّها لا تدخل إلاّ على المفردات ففتحت لفظاً لتشبه «أن» التي تقلب مابعدها إلى معنى المصدر وهي في المعنى باقية على حالها لم تصر حرفاً مصدرياً.

ومنهم من قال: إنّ فتح «أن» لطول الحرف بالتركيب.

وعلى هذين الرأيين لا يكون للكاف هنا عمل فيما بعدها، ولا محلّ لها من الإعراب ولا تعلّق لها بشيء لما صارت جزء الحرف ككاف «كأين».

ومنهم من قال: إنّ «أن» هي تقلب مابعدها إلى معنى المصدر، وإنّ الكاف هنا اسم بمعنى «مثل» و هو مبتدأ مضاف إلى مابعده محذوف خبره، والتقدير في المثال مثل كون زيد أسداً، ثابت.

وعلى كلّ تقدير فهي من الحروف التي أشبهت الأفعال لفظاً، ومعنى، فعملت عملاً شبيهاً بعملها وهو رفع أحد الاسمين ونصب الآخر كما هو عمل الفعل المتعدّي، لمشابهتها الأفعال المتعدّية وإنّما قدّم منصوبها على مرفوعها فرقاً


(193)

بينها و بين «ما» الحجازية فإنّها أيضاً تشبه الفعل، أعني ليس إلاّأنّ مشابهتها إنّما هي بالفعل الناقص الغير المتصرّف وإنّما تشبهه معنى، فكان شبهها بالفعل أضعف فأوجب فيها تقديم مرفوعها، وهذه الحروف لما كان شبهها أقوى كانت أقوى في العمل فقدّم منصوبها.

ورأي الكوفيين أنّها إنّما تعمل في الاسم، وأمّا إخبارها فهي مرتفعة بما كانت مرتفعة به.

و قد أجاز بعض أصحاب الفرّاء نصب الاسمين بها كقوله:

كَأنَّ إِذْنَيْهِ إذا تَشَوّفَا * قادِمَةً أوْ قَلَماً مُحَرَّفَا(1)

وقوله:

إذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللّيلِ فَلْتَأتِ وَ لْتَكُنْ * خطاكَ خِفافاً إنَّ حُرّاسَنا أُسْدَا(2)

ولـ«كأنّ» معان: منها التشبيه: وهو المعنى الغالب المتّفق عليه. وزعم جماعة أنّها لا تكون للتشبيه إلاّ إن كان خبرها جامداً نحو: كأنّ زيداً أسد، فإن كان مشتقّاً كانت بمعنى الظن.

«الباء» للآلة، أو السببية، أو بمعنى« في».

«الألف واللام» للعهد الذهني.

«اللام» للتعليل.

«ما» إمّا اسمية أو حرفية.


1- البيت لمحمد بن ذؤيب العماني النهشلي الفقيمي الراجز يصف فرساً و هو أحد شعراء الرشيد ويقال انّه عاش 130 سنة. (شرح شواهد المغني:2/515 الشاهد 304، شرح ابن عقيل:1/347).
2- و ينسب إلى عمر بن أبي ربيعة، و لم يوجد في ديوانه.


(194)

و«ما» الاسمية على وجوه:

منها: الموصولة وهي عند الجمهور مختصّة بما لا يعقل، وعن أبي عبيدة وابن درستويه ومكي بن أبي طالب وابن خروف: أنّها تقع على من يعقل. وادعى ابن خروف أنه مذهب سيبويه.

قال السهيلي: إنّها لا تقع على أُولي العلم إلاّبقرينة وهي قرينة التّعظيم والإبهام كما يطلق على اللّه سبحانه.

وعن المعري في «اللامع» أنّ الشيء إذا كان لا يدرك وحقيقته يجعل كالشيء المجهول ويطلق عليه« ما» نحو: سبحان ما سبّح الرّعد بحمده.(1)

وقال ابن مالك : إنّها تقع على ما لا يعقل مع من يعقل نحو:(وَللّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الأَرْضِ مِنْ دابَّة)(2) . وعلى صفات من يعقل نحو: (فَأَنْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساء)(3) و نحو: (وَالسَّماء وما بَناها) .(4)

وقدعبّر غيره عن ذلك بأنّها تقع على أنواع من يعقل.

ومنها: الموصوفة: إمّا بمفرد نحو: مررت بما معجب لك، أو بجملة نحو:

ربّما تكره النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال (5)

على وجه.

و الحرفية: أيضاً على وجوه:

منها: المصدرية وتسمّى الموصولة، وهي نوعان: زمانيّة ، وغير زمانيّة.


1- اقتباس من سورة الرعد، آية 13: ()ويسبح الرعد بحمده).
2- النحل:49.
3- النساء:3.
4- الشمس: 5.
5- البيتان من قصيدة لأُمية بن أبي الصلت، من شعراء الجاهلية المتقدمين، ذكر فيها قصة سيدنا إبراهيم الخليل و ما حدث من رؤياه (شرح الرضي: 3/51 و مختار الصحاح:257). و جاء في مغني اللبيب:1/297 و تاج العروس:2/84 و فيه «الأُم» بدل «الأمر».


(195)

فالزمانيّة: ما يقدّر قبلها فيها لفظ الزمان وشبهه مضافاً إليها نحو(ما دمت حيّاً)(1) أي زمان دوامي، ونحو: جَلَستُ ما كنتُ جالِساً، أي زمن جلوسك.

وغير الزمانية: بخلافها نحو: (ودُّوا ما عَنِتُّم)(2) (عَزِيزٌ عَليهِ ماعَنِتُّم)(3) (وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرض بِما رَحبت)(4) إلى غير ذلك.

«شَفَّ» جسمه يَشِفُّ شُفُوفاً: نحل، وشَفَّه الهمُّ يَشُفُّهُ ـ بالضم ـ شفّاً: هزله.

وفي الخلاص للنطنزي: شف: أذاب وأحزن.

«النون» حرف هجاء، وحرف معنى.

أمّا الكلام عليها من الجهة الأُولى: فاعلم أنّ مخرجها إذا كانت ساكنة خفيفة فمخفاة لم يبق منها إلاّالغنة من الخيشوم. وأمّا إذا كانت ساكنة غير خفيفة كالتي في «اضربن»، أو متحرّكة: فمن طرف اللّسان بينه و بين ما فويق الثنايا. كذا في الكتاب وزاد غيره متّصلاً بالخيشوم تحت اللاّم قليلاً.

وزعم قطرب والجرمي والفرّاء وابن دريد أنّ مخرج النون واللام والراء واحد وهو طرف اللسان وأُصول الثنايا، وهي مجهورة منفتحة منخفضة ذلقيّة بين الشديدة و الرخوة .

وأمّا الكلام عليها من الجهة الثانية: فاعلم أنّها نوعان: ساكنة، ومتحركة.

والكلام هنا في المتحرّكة، وهي أنواع منها«نون الوقاية» وتسمّى «نون العماد» وهي تتوسط بين ياء المتكلّم وما قبله وقاية له عن الكسر اللازم لمناسبة الياء كانت الياء منصوبة بفعل متصرّف كـ «أكرمني»، أو جامد كـ «عساني»


1- مريم:31.
2- آل عمران:118.
3- التوبة:128.
4- التوبة: 25 وفي الأصل جاء خطأ: «الأرض عليه».


(196)

و:قاموا ما خلاني، وما عداني، وحاشاني، أو باسم فعل نحو: دراكني وتراكني وعليكني، أوبحرف نحو: انّني وكأنّني ولكنّني.

أو مجرورة بالحرف نحو: منّي وعنّي، وبالاسم نحو: لدنّي وقدني إذا كان اسماً بمعنى حسب.

«الياء» هنا: ضمير للمتكلّم وحده.

واختلف في أصله أنّه الفتح أو السكون؟

فقيل بالأوّل لأنّ الواضع إنّما ينظر إلى الكلمة حال إفرادها، فكلّ كلمة على حرف واحد لزم أن يكون وضعها على الحركة لامتناع الابتداء بالساكن.

ثمّ الأصل في حركتها الفتحة، لأنّ الحرف الواحد لا سيما حرف العلّة ضعيف لا يحتمل حركة ثقيلة.

وقيل بالثاني لأنّ الأصل عدم الحركة وكون نظر الواضع إلى الكلمة حال إفرادها مطلقاً في محل المنع، إذ من البيّن أنّه نظر في المظمرات إلى حال تركّبها، ولذا وضعها مرفوعة ومنصوبة،ومجرورة والإعراب لا يكون إلاّحالة التركيب، ولو لم ينظر في شيء من الكلمات إلى حال تركّبها فلِمَ فرّق بين ما لا تستعمل إلاّمركّبة وما تستعمل مفردة فأطرد وضع القبيل الثاني على أزيد من حرفين دون الأوّل، بل كان ينبغي كما أنّه وضع القسم الأوّل على حرف كـ«الياء» و«الكاف» ونحوهما وعلى حرفين كـ«ما» و «من» وضع القسم الثاني أيضاً كذلك.

هذا و لا خلاف في أنّها جاءت في الاستعمال ساكنة ومتحركة وأنّه يلزم تحريكها إذا اجتمعت مع ساكن نحو: عصاي، وإنّها إذا لم تجتمع مع ساكن كان الإسكان أكثر لعدم الافتقار إلى الحركة من كونها حرف علّة يثقل عليها التحريك، وقد جاء إسكانها مع كون ما قبلها ألفاً في قراءة نافع:(مَحْيايَ وَمَماتي)(1)، فإمّا


1- الأنعام: 162.


(197)

لإجراء الوصل مجرى الوقف، أو لأنّ الألف لما كان أكثر مَدّاً من أخويه قام مقام الحركة; ثمّ إنّها إذا تحرّكت فبالفتح إلاّفي لغة بني يربوع فإنّهم يكسرونها إذا كانت قبلها ياء نحو«في» تشبيهاً لها بالهاء في نحو: «فيه» و «لديه» و عليها قراءة حمزة و الأعمش و يحيى بن ثابت (ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ)(1)وأقرّهُم عليه الفرّاء وأبو عمرو بن العلاء و قطرب، و ردّه غيرهم و لحقهم طائفة منهم.

«من» حرف جرّ: إمّا للبيان، أو للتعليل، أو للتبعيض، أو زائدة.

«الحبّ» ـ بالضم والكسر ـ والمحبّة ، و الحباب ـ بالضم والكسر ـ إرادة ما يراه المحبّ خيراً، أُضيف إلى المعنى، وإرادة صحبة الشيء أو وجوده إن أُضيف إلى العين لكن الإرادة في الموضعين شديدة، أو هو كيفيّة أُخرى للنفس فائقة على الإرادة واصلة على ما قيل من حبّه القلب، لأنّ شهوة المحبوب تخلص إلى حبّة القلب فيقال: حبّيت فلاناً، بمعنى أصبت حبة قلبه، كما يقال: شغفته وكبدته و فادته، وقيل في قوله تعالى :(حبّب إليكم الايمان) (2) المعنى أوصله إلى حبّة القلب.

«أروى» اسم امرأة، والاروى إمّا جمع أو اسم أجمع للأروية للأُنثى من الوعول للأكثر من العشر، يقال: ثلاث أراوى ـعلى أفاعيلـ إلى عشر، فإذا تعدّتها قيل: الأروى.

«الكبد» ككتف في وجوهه الثلاثة من فتح الأوّل فكسر الثاني، أو سكونه وكسر الأوّل فسكون الثاني: العضو المعروف،وهي مؤنّثة،وقد تذكّر، وكبد الشيء معظمه ووسطه،وأصلهما من المعنى الأوّل.

لذعته النار لذعاً: أحرقته.


1- إبراهيم:22.
2- الحجرات: 8.


(198)

الإعراب:

«لمّا» إن كان ظرفاً كان مضافاً إلى الجملة الأُولى متعلّقاً بالثانية أي ذكرت، وإلاّ كان حرف تعليق. والجملتان شرط وجزاء. والمجموع على التقديرين مستأنفة صفة أُخرى لدار. و المصراع الثاني حال عن فاعل«وقفت» لأنّ الألف واللام في العين بمنزلة العائد ولا يعود إلاّ على المتكلّم. والأقوى في الجملة الاسمية أن يكون بالواو والعائد جميعاً، ولأنّها إنّما تبيّن هيئة الفاعل حين الوقف لا هيئة المفعول.

و يجوز على بعد أن يكون حالاً عن المفعول فيكون خالياً عن العائد، نحو: جاء زيد والشمس طالعة، ومثله جائز واقع. وقد استشكلوه لما أنّها لا تنحل إلى مفرد ولا تبيّن هيئة فاعل أو مفعول، ولا هي مؤكّدة. فأوّلها ابن جنّي بتقدير العائد فيقدّر في المثال والشمس طالعة عند مجيئه، فيكون كالنعت أو الحال السببيّين نحو: مررت برجل قائم غلمانه، ومررت بالدار قائماً سكّانها.

وقال ابن عمرون: إنّها مؤوّلة بنحو: «مبكرا». و قال الزمخشري: إنّها من الأحوال التي حكمها حكم الظرف، فلذلك عريت عن ضمير ذي الحال. وذهب المطرزي(1) إلى أنّها مفعول معه.

ففي البيت إذا جعلنا المصراع الثاني حالاً عن العيس; إمّا أن يؤوّل بتقدير العائد أي: وعيني فوقها من عرفانه تدمع.


1- ذكره الكلباسي في «سماء المقال في علم الرجال2/395» قائلاً: هو ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الخوارزمي الحنفي (توفى سنة 610هـ) له كتاب «المغرب في ترتيب المعرب» اختصر من كتاب المعرب، تكلم فيه عن الألفاظ التي يستعملها فقهاء الحنفيّة من الغريب، و راجع معجم المطبوعات العربية و المعربة:2/1760.
و ذكره السيد بحر العلوم في الفوائد الرجاليّة و ذكر ولادته سنة 538هـ و وفاته سنة 616هـ.


(199)

أويؤوّل بتقدير العائد، أي: عيني فوقها من عرفانه تدمع.

أويؤوّل إلى مفرد نحو: متكياً عليها أو فوفها، أو يقال فيه مقال الزمخشري، و على قول المطرزي يكون مفعولاً معه.

ويحتمل أن يقال على جعله حالاً عن العيس: إنّ المراد بالعين عين العيس فيكون من الإغراق الشائع بين الشعر، أو المبالغة البليغة وحينئذ لا إشكال.

ثمّ إنّ من النّحاة من أوجب في الحال عن الفاعل التقديم على المفعول إن لم تكن قرينة تدل على ذلك، فعلى رأيه لا يكون هذا الحال إلاّ عن المفعول إلاّأن يكتفي في القرينة بما ذكر من جهتي الرجحان، وهنا احتمال آخر; وهو أن يكون حالاً عن مجموع الفاعل والمفعول خصوصاً إذا كان المراد بالعين عينه وعيون العيس جميعاً، فإنّه حينئذ في قوة أن يقال: وعيني تدمع وعينها تدمع.

«العين» : مبتدأ خبره «تدمع» والظرف أعني «من عرفانه» متعلّق بـ«تدمع» والضمير فيه عائد على رسمها، والإضافة فيه إلى المفعول ذكرت جواب «لمّا».

«من» موصولة أو موصوفة مفعول له، والجملة بعده صلة أو صفة.

«قد» إمّا للتحقيق، أو للتكثير، أو للتقريب إلى الحال استحضاراً للحال الماضية تلذّذاً أو تنزيلاً لحضورها في الذهن منزلة حضورها في الخارج.

«كنت»: فعل ناقص مع اسمه،والإتيان به إمّا للتصريح بالمضي فإنّ «قد» لما كان يقرب الفعل الماضي إلى الحال، فلو كان فعلاً آخر غير لفظ «كان» كاد أن يتوهّم منه إرادة الحال حقيقة فجيئ بلفظ «كان» لبعده عن هذه الإرادة، لأنّه لتمحّضه للمضي يتوصل به لإفادة النص عليه فيما لولاه لكان احتمال لعدم إرادته، ولإفادة المضي في المضارع وأتى به ليدل على أنّ التقريب إلى الحال المفهوم من «قد» ليس حقيقيّاً، بل إنّما المراد استحضار الصورة الماضية، أو أنّه أراد الاستمرار في الزمان الماضي فأتى بـ «كان» الذي كثيراً ما يجيئ بذلك المعنى حتى توهّم بعضهم أنّ ذلك معناه كما تقدّم، وأردفه بالمضارع الدالّ على الاستمرار


(200)

التجدّدي فأفاد أنّه كان لا يزال يلهو به.

«ألهو» : جملة فعليّة خبر «لكان» والظّرف متعلّق بها.

«الفاء» إمّا للعطف مع السببيّة، أو للسببيّة المجرّدة. وعلى التقديرين فالمقصود من السبب بالذات هو القيد أي الجملة الحالية، فإنّ الذكر إنّما هو سبب للشج والإيجاع لا البيتوتة. أو يقدر ظرف، أي فبتّ هناك أو فيه، فيصحّ أن يكون المقيّد نفسه أيضاً مقصوداً في السّبب، أي لما ذكرت من كنت ألهو به، وإنّ الدار داره بت هناك.

وأمّا الفاء لمجرّد العطف، فالمقصود أيضاً كلّ من المقيّد و القيد.

وأمّا التعقيب المفهوم منها على هذا التقدير والتقدير الأوّل; فباعتبار حدوث الذكر لأنّه في الاستدامة مجامع للبيتوتة.

وأمّا «الفاء» بمعنى الواو وحينئذ فيعتبر وجود الذّكر حدوثاً واستدامة لئلاّ تكون البيوتة عقيبه.

«بات» إمّا تامّة وهو الظاهر، وإمّا ناقصة.

فعلى الأوّل يكون الضمير فاعله والواو للحال والجملة الاسمية حالاً عنه.

وعلى الثاني يكون الضمير اسمه والواو زائدة والجملة خبره، أي: شجى القلب موجعة، أو خبره البيت الذي بعده.

«القلب شج» اسمية.

«موجع» خبر بعد خبر، أو صفة لـ«شج».

ثمّ لفظ «شج» لما جاز أن يكتب بلاياء و أن يكتب بالياء كقاضي، اختلفت النسخ في رقمه فجاز أن يكون مراد الناظم رحمه اللّه شجى كعمى مصدراً لا صفة، وحينئذ يكون موجع هو الخبر، وشجى مفعولاً له(1) أي موجع للشجى، وأن يكون


1- في الأصل: «له له»، تظهر إحداهما زائدة.


(201)

حالاً بمعنى اسم الفاعل، أو للمبالغة.

«كان» اسمه «كبدي» وخبره «تلذع»، والظرف الأوّل أعني«بالنّار» متعلّق بتلذع، أي: كان كبدي تلذع بالنار.

ويحتمل أن يكون «بالنار» خبره،و«كبدي» اسمه، والباء بمعنى «في» و «تلذع» حالاً عن الاسم أو خبراً بعد خبر، والظرف الثاني أعني «لما» على التقديرين متعلّق بما يفهم من «كأنّ» من معنى المشابهة.

وقد اختلف في تعلّق الظرف بأحرف المعاني، فالمشهور منعه مطلقاً، وقيل بجوازه مطلقاً، وقيل: إن كان نائباً عن فعل حذف جاز على سبيل النيابة وإلاّفلا، وهو الذي اختاره أبو علي وأبو الفتح و قالا: إنّ اللاّم في «يا لزيد» متعلّقة بـ«يا».

والمجوزون مطلقاً قالوا في قول كعب:

وما سُعادُ غَداةَ البَينِ إذ رَحَلُوا * إلاّأغَنُّ غَضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ(1)

إنّ الظّرف أعني «إذ» متعلّق بـ«ما» النافية.

وقال ابن الحاجب: إنّ«اليوم» في قوله:(وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ)(2) إمّا متعلّق بالنفع المنفي، أو بلن، لما فيه من معنى انتفى.

وقال في قوله تعالى: (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون)(3): إنّ «الباء» الأُولى متعلّقة بالنفي.


1- البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، من قصيدته المعروفة بـ «قصيدة البردة» التي يمدح بها النبي محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و التي مطلعها:

بانت سُعادُ فقلبي اليوم متبولُ * متيم إثرها لم يُفْدَ مَكْبُولُ

2- الزخرف: 39.
3- القلم:2.


(202)

وممّا يدلّ على جواز التعلّق بحرف المعنى خصوصاً :

كَأَنَّ قُلُوبَالطَّيْرِ رَطْباً و يابِساً * لَدَى وَكْرَها العُنّابُ والحَشَفُ البالي(1)

فإنّ «كأنّ» هنا قد عمل في الحال والظرف جميعاً وإذا عمل في الحال فبالطريق الأولى يجوز عمله في الظرف.

وأمّا المانعون من التعلّق بالحرف فيقدّرون في أمثال ما ذكر فعلاً مناسباً لمعنى ذلك الحرف يتعلّق به الظرف، فعلى قولهم يكون الظرف هنا متعلّقاً بأشبه أو شبهت مقدّراً.

و«ما» إمّا موصولة اسمية أو موصوفة.

و«شَفَّنِي» صلة أو صفة.

و«من» في «من حب أروى»: للبيان أو التبعيض، والظرف مستقر حال عن الضمير في «شفّ» أو عن «ما» أو صفة أُخرى لـ «ما» ، وإمّا موصولة حرفية و «من» زائدة، فيكون مجرورها فاعل «شفّ».

أو للتبعيض، ويجوز جعلها مع مجرورها فاعلاً لكونها بمنزلة «بعض» كما وقع مفعولاً في قوله تعالى: (حتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّون)(2) ، أو تقدّر له موصوفاً أي شيء من حبّ أروى كما تقدّر في الآية مثل ذلك.

ومجموع البيت إمّا مستأنف أو خبر «ليت» كما عرفت، أو خبر آخر له إن كان «والقلب شج موجع» خبراً له ، أو حال أُخرى إن كان ذلك حالاً.


1- من قصيدة لامرئ القيس بن حجر الكندي مطلعها: «الاعم صباحاً ايها الطلل البالي» (ديوانه:ص33).
2- آل عمران:92.


(203)

المعنى:

لمّا جعلت إبلي البيض التي يخالط بياضها شقرة واقعة في رسم تلك الدار أو في جنب رسمها، والحال أنّ عيني، أو عين العيس، أو عيني و عينها جميعاً، تدمع لعرفان ذلك الرسم، أخطرت ببالي،الذي ـأو شخصاًـ كنت ألعب أو أشتغل به عن غيره ،أو ألعب بسببه أو استعانته، أي كان لي بسببه، سرور و فرح ونشاط حتى كنت ألعب معه و بعد أن تذكّرته وبسببه، أو بسببه، أو بعد أن تذكّرته بتُّ أو و بتُّ والحال أنّ قلبي حزين مؤلم، أو أنّ قلبي من الحزن مؤلم، أو حال كونه حزيناً مؤلم، أو صرت حزين القلب مؤلم، أو مؤلم القلب من الحزن، أو مؤلم القلب حال كونه حزيناً في الليل بتمامه كأنّ كبدي يحرق في النار، أو كأنَّ كبدي في النار ويحرق، أو حال كونها تحرق، أو صرت والحال أنّ قلبي كذا كان كبدي كذا، أو صرت قلبي كذا كأنّ كبدي كذا.

أوبتّ والحال أنّ قلبي كذا والحال أنّ كبدي كذا و إنّما صار كبدي كأنّه كذا للّذي أو لشيء أذابني أو أحرقني كائناً أو كائن ذلك حب أروى، أي الحبيبة التي اسمها «أروى».

أو جماعة من إناث الوعول أي النساء اللاتي يشبهن الوعول في العيون أو في التوحّش أو في عسر الوصول إليها، لأنّ الوعول في الغالب في قلل الجبال الوعرة المسالك أو يشبهنها في الجميع، أو كائناً أو كائن ذلك بعض حب أروى.

أو لأنّه شفّني حبّ أروى أو بعض منه، للذي أو لشيء أحزنني وأذابني من أجل حبّ أروى، وذلك الشيء هو الفراق أو الحزن.

هذا وإن كان أراد بالدار الرئاسة والخلافة، فمراده توقّف العيس في رسمها، وعرفانه الاهتداء إليها والاطّلاع على علاماتها والاستدلال بها عليها، أو


(204)

الإيمان بها لمن هو أهله والإقامة على ذلك، ومعرفة أربابها على أن يكون وقف العيس مجازاً على الإقامة ،كحط الرحل وإلقاء العصا والإقامة مجازاً عن الإيمان الثّابت بأهلها.

ويحتمل أن يريد بالعيس مطايا العزم وإثبات المطايا للعزم كإثبات اليد للشمال في قوله: «إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمالِ زِمامُها» (1) ، و تخصيص العيس لكونها كرام المطايا.

ويحتمل أن يريد بها نفسه وقواه وجوارحه وكنّى به عن أنّ الإيمان قد انثبت في جميع ذلك وشبّهها بالمطايا لأنّها محامل الأفعال والأخلاق، وخصّ العيس تنبيهاً على تبرّئها عن شوب مواد الكفر و النفاق والشكّ والارتياب، ولما تضمّن لفظ العيس مخالطة الشقرة تضمّن التنبيه على أنّها لارتكابها المعاصي ليست خالصة البياض بل فيها كدرة، ثمّ في التعبير عن إيمانه بالجملة الفعلية المقرونة بـ «لما» إيماء إلى أنّه تجدّد إيمانه بعد أن لم يكن .

والأمر كذلك لما عرفت من أنّه كان كيسانياً وحيئنذ فيحتمل أن يكون بكاؤه على زلّته السابقة ومضى ما مضى من عمره في عدم الإيمان، أي والعين لما عرفت الحق تدمع تأسّفاً وتحسّراً على ما فاته من معرفته فيما مضى.

ومراده بمن كان يلهو به: إمّا أئمّة الحقّ إن كان المراد أنّه كان يشتغل به عن غيره أو يسرّ ويبتهج بسببه أو استعانته أو في صحبته.

و إمّا أئمّة الكيسانية و رؤساؤهم، أو محمد ابن الحنفيّة رضي اللّه عنه إن كان المراد أحد تلك المعاني، أو أنّه كان يلعب به فإنّ اعتقاد الإمامة بغير أئمّة الهدى


1- عجزُ بيت، للبيد بن أبي ربيعة، أحد أصحاب المعلقات، والبيت بكامله:

و غداة ريح قد وزعت وقرة * إذ أصبحت بيد الشمال زمامها

كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي:8/101، عن ديوانه: 315.


(205)

صلوات عليهم ـوإن كان محمد ابن الحنفيّة وأضرابهـ فهو مثل اللّعب.

وحينئذ فحزنه على الأوّل لفقد من كان يلهو به.

وعلى الثاني لارتكابه ذلك الأمر ومضى شطر من عمره على ذلك الدِّين.

ومراده بـ«أروى»: من كان يحبّه من أئمّة الدِّين و رؤسائه لأنّهم عنده بمنزلة أروى عند عشاقها.

ولا بُعد في التعبير بها عن الأئمّة المعصومين صلوات اللّه عليهم أيضاً كما عرفت في «أُمّ عمرو» إذ لم يلاحظ المعنى العلمي ولا الوضعي وإنّما الوصف الذي اشتهر به المسمّى من المعشوقية كما يقال: حاتم، ولا يلاحظ إلاّمعنى الجود.

ويحتمل أن يكون مراده بها الرئاسة; و التعبير بها لكونها معشوقة لأهل الدُّنيا، ولكونها حسنة المنظر كالأروى، ولتوحّشها عن الأكثر وعسر الوصول إليها، ولرفعتها في الرتبة.

ومراده بحبّها حبّها لأهلها الذين هم الأئمة صلوات اللّه عليهم، أو ما كان عليه أوّلاً من حبّها لغير أهلها.

فعلى الأوّل كان كبده يحرق بالنار لما يراها عند غير أهلها من أئمّة الجور.

وعلى الثاني كان كبده يحرق بالنار تأسّفاً على ما مضى شطر من عمره على حبّها لغير أهلها.

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: في الإتيان بـ«لمّا» دلالة على عدم انفصال ذكر من كان يلهو به عن الوقف.

فإنّها إمّا حرف وجود لوجود فيدلّ على أنّ الأوّل علّته الثّاني والمعلول


(206)

لا ينفكّ عن علّته.

وإمّا ظرف فيدلّ على أنّ الثاني موجود في زمان الأوّل فهو أصرح في عدم التراخي من الأوّل.

الثانية: الإتيان بالجملة فعلية للدلالة على التجدد والمضي ولمقارنة «لمّا» فإنّها لا تدخل إلاّ على الماضي.

الثالثة: إيقاع الوقوف على العيس والعدول عن نسبته إلى نفسه إن كان المراد به الإيمان أدلّ على ثبوت إيمانه، فإنّه كإلقاء الرحل أدلّ على الإقامة كما لا يخفى، وأمّا على باقي المعاني فلابدّ من ذلك لتوقّف إفادة المراد عليه.

الرابعة: تعريف العيس لترتبه الفائدة، و لأنّ الكناية به عن الإقامة والثبات إنّما هي معه، لأنّ المتعارف في إفادة ذلك المعنى حطّ رحله فكذا مثله وقف عيس لا وقف عيسا.

الخامسة: في العدول عن تعريف العين بالإضافة إلى تعريفها باللاّم التوجيه والإبهام، لإيهام أنّ مطلق العين أي ماهيتها أو كلّ عين تدمع، و التحقير لنفسه بعدم ذكره.

السادسة: في إفراد العين التوجيه، لأنّه لو لم يفرد فإمّا أن كان يثنّيها فيخص نفسه، أو يجمعها فيعمّ البتة. والدلالة على كثرة البكاء واتّصال الدموع واتّحادها حتى كأنّها من عين واحدة والإبهام لإيهام أنّ ماهية العين تدمع.

السابعة: تقديم الظرف أعني«من عرفانه» على الفعل لرعاية الوزن والقافية وإفادة الحصر وتقريب الضمير من مرجعه.

الثامنة: الإتيان بهذه الحالة جملة، لكونها الأصل فيها، وللتّوجيه وللدلالة


(207)

على الاستمرار التجددي و للإبهام في العين إذ لو أفرد لقال: دامع العين أو دامعة عيني أو عيننا أو عينها، وعلى كلّ لا يكون العين مبهم.

التاسعة: في التعبير عمّن كان يلهو به بلفظ «من» للإبهام ـللتعظيم أو للتحقيرـ إن أراد به رؤساء الكيسانية، أو الدلالة على أنّه لمعلوميته لا يحتاج إلى البيان، أو الاستعفاف عن ذكره إن كان امرأة، وللاختصار وللتوجيه لتردّد «من» بين الموصولة و الموصوفة.

العاشرة: التعبير عن لهوه به بالمضارع مع توسيط كنت الدالّة على الماضي للدلالة على الاستمرار في الزمن الماضي.

الحادية عشرة: في الإتيان بـ«قد» من الفوائد ما عرفت.

الثانية عشرة: إبهام القلب للتحقير، والإبهام المذكور في إبهام العين.

الثالثة عشرة: جملية هذه الحال لكونها الأصل هنا، ولرعاية القافية، وليكون صريحاً في الحالية إن لم يجوّز زيادة الواو، فإنّه لو أفردها كان محتملاً للخبرية، وإن جوّزنا زيادة الواو فلتكون الحالية أظهر، وللإبهام في القلب إذ لو قال شجى القلب أو شجياً قلبي، لم يبق إبهام.

الرابعة عشرة: اسميتها للدلالة على الثبات.

الخامسة عشرة: تأخير هذه الصّفة للدار إن كان جملة لـ«ما» و جمليتها صفة لطولها بالنسبة إلى الأوّل لا سيّما إذا كان البيت الأخير خبراً لـ «بيت» أو حالاً أُخرى لفاعله، ولأنّ الأولى وصف لها باعتبار نفسها، والثانية وصف لها باعتبار ملابسته بينها و بين وردها.

السّادسة عشرة: تقديم «بالنّار» على متعلّقه للقافية والوزن والتوجيه والحصر


(208)

والتعجيب، و تقديمه على اسم كان ـإن كان خبراً لهـ للحصر و التعجيب، وإلاّفللتعجيب، وتقديمه على الظرف الثاني أعني: لما شفّني للتعجيب، وأمّا «لما شفَّني» فمحلّه إمّا قبل ذكر شيء ممّا في حيز «كأنّ» أو بعد تمام الكلّ، فإنّه كما عرفت متعلّق إمّا بـ«كأنّ» أو بما يفهم منه من الفعل.

السابعة عشرة: جعل المجرور في «لمّا شفّني» موصولاً للإبهام إمّا مقروناً بالإيضاح بعده إن كان «من» في «من حبّ أروى» بيانيّة، أو تبعيضيّة، أو لا إن كانت تعليلية للتعظيم والدلالة، على أنّه من العظم بحيث لا يكتنه كقوله تعالى: (فَغَشِيَهُمْ مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ)(1) إن لم يكن ما بعده إيضاحاً، وإلاّفالتعظيم من جهة أنّه للاهتمام بشأنه أورده مرّتين: مبهماً مرّة، وموضّحاً أُخرى ليتمكّن في ذهن السامع فضل تمكّن من جهتين: إحداهما ذكره مرّتين، والأُخرى وقوع إيضاحه بعد التشوّق إليه. ولذكره مرّتين وجه آخر وهو الالتذاذ بذكره.

الثامنة عشرة: في الإتيان بـ«من» التبعيضيّة في «من حبّ أروى» إن كانت تبعيضيّة، إشارة إلى أنّ ما أصاب، حصة من حبّها فإنّ المحبّ لها ليس منحصراً فيه. وأمّا إن كانت زائدة ففائدتها التأكيد.

البيان:

إن لم يحمل وقف العيس على حقيقته كان إمّا تمثيلاً، أو كان العيس استعارة مصرّحة والوقف ترشيحاً لها.

وإن أراد بمن كان يلهو به رؤساء الكيسانية كان «ألهو» استعارة تبعته، فإنّه شبّه أتباعهم باللّعب بهم. والاستعارة في الفعل تسمّى تبعيّة لأنّها تابعة للاستعارة


1- طه:78.


(209)

في الحدث، وأروى إن لم يكن علماً كان استعارة.

وإسناد «شف» إلى ضمير الموصول مجازي سواء أُريد بالشف الإذابة أو الاحزان فإنّ الحبّ إنّما هو سبب للحزن الذي هو سبب التحول، وهو من الأحكام المجازية التي ذهب الشيخ الإمام عبد القاهر إلى أنّه لا حقيقة لها، نحو: اقدمني بلدك حق لي على فلان، لأنّ الموجود إنّما هو القدوم، وأمّا الإقدام فهو أمر توهّم المتكلّم فلا فاعل حقيقيّاً له، لأنّه بنفسه لا حقيقة له ليكون له فاعل حقيقة. ويمكن أن لا يكون من ذلك القبيل و يكون الحقيقة فيه شفّني اللّه لحبّ أروى.

البيت الأخير تشبيه إمّا للنحول والذوبان الذي حصل له بالحزن للحب بالذوبان بالنار، أو للوجع و الألم الحاصل بالحزن للحبّ بالوجع للاحتراق بالنار، فالأوّل إن كان المراد بالشف الإذابة، والثاني إن كان المراد به الأحزان. ووجه الشبه هو الشدّة. ويحتمل على الأوّل أن يكون السرعة وأن يكون الإيجاع والإيلام.

لمّا فرغ من ذكر الحبيب والدار والمنزل، و التأسّف على إقفار المنزل، وبيان ما طراه، للتذكّر من الحزن والتوجّع شرع في المقصود واقتضبه اقتضاباً كما هو دأب القدماء. فقال:


(210)

[8]

عجبتُ مِن قوم أتَوا أحمدا * بخطبــة ليس لهَا موضِـعُ

اللّغة:

«العجب» بالفتح وبفتحتين، والتعجّب : انفعال للنّفس من إدراك الأشياء النادرة الخفيّة الأسباب، أو كيفيّة تابعة لذلك الانفعال، وفي القاموس أنّه إنكار ما يرد عليك.

ثمّ لمّا كان المتعجّب منه ممّا يعظم في نفس المتعجّب ورد في الخبر: عجب ربّك من قوم يساقون إلى الجنة في السلاسل(1)، أي عظم عنده، وفيه أيضاً: عجب ربّك من شاب ليست له صبوة.(2)

«من» للابتداء، أي ابتداء عجبي، ونشأ من قوم.

«القوم»، اختلف فيه أهل اللغة فقيل: هو الجماعة من الرجال والنساء أو منهما.

و قيل: بل هو الجماعة من الرجال خاصّة، و هو المتصوّر، لقوله تعالى: (لا يَسْخَرْقَومٌ مِنْ قَوْم ...وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساء) (3) و لقوله:


1- ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث: 3/183.
2- ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث: 3/183.
3- الحجرات:11، والآية: ()...لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوم عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساء...).


(211)

وَ ما أَدْرِي وَ سَوْفَ إِخالُ أدري * أقومٌ آلُ حِصْن أَمْ نِساءُ(1)

وهو في الأصل مصدر ،وصف به ثمّ غلب على الرجال لقيامهم بأمور النساء، كما قال سبحانه: (الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساء) .(2)

«أتيته» إتياً وإتياناً وإتيانة وإتياً، كعنى ـبضمّ العين أو كسرهاـ : جئته بسهولة، و منه: تأتّى له الأمر، إذا تسهّل وتهيّأ له، وأتيت الماء تأتيه وتأتياً: إذا سهّلت طريقه.

وواتيته مواتاة إذا وافقته، ثمّ اتّسع فاستعمل في مطلق المجيئ ، وجاء أتوته أتوه بمعناه، قال الرّاجز:

يا قَوْمِ ما لي و أباذُؤَيبِ * كُنْتُ إذا أتوته مِنْ غَيْبِ

يَشَمُّ عطفي و يَبَزُّ ثوبي * كَأَنَّني أَرَبْتُهُ بُريْبِ (3)

«الواو» هنا ضمير جمع المذكر العاقل، وذهب المازني إلى أنّها علامة الجمع كما «التاء» علامة التأنيث، وإنّ الضمير مستكن كاستكنانه في: زيد قام، وهند قامت، وكما يقوله الجمهور في نحو: قاما أخواك، وقاموا أخويك، و قمن الهندات.

ومن النّحاة من قال: إنّ بعض العرب يقول في الجمع: الزيدون قام ـ بضمّ الميم ـ فيكتفى به عن «الواو» ، و التزموا في الكتابة أن يريدوا بعد «واو»الجمع المتطرّفة في الفعل: «ألفاً»، فرقاً بينها و بين «واو» يكون لام الفعل،وبينها و بين واو


1- البيت من قصيدة للشاعر زهير بن ربيعة، الملقّب بأبي سلمى، مطلعها:

عفا من آل فاطمة الجواءُ * فَيَمْنٌ فالقوادِمُ فالحِساءُ

(شرح ديوان زهير: ص 97، و ديوانه: ص7).
2- النساء:34.
3- ذكره الخليل في كتاب العين:8/145، و في هامشه نسب البيتان لـ «خالد بن زهير الهذلي» كما في لسان العرب أيضاً:1/442، و ذكره ابن جرير الطبري في جامع البيان: 12/83.


(212)

العطف في نحو: إن عبروا ضربتهم، بخلاف ما إذا لم تكن متطرفة ولذا كتبوا نحو: ضربوهم، بلا ألف إذا كان هم مفعولاً، وبالألف إذا كان تأكيداً.

وأمّا واو الجمع اللاحقة للأسماء نحو: شاربو الماء، فالأكثرون لا يكتبون بعدها «ألفاً»لقلّة استعمالها بالنسبة إلى المتّصلة بالفعل، فلم يبال بالالتباس بها.

ومنهم من لا يكتب الألف في اسم ولا فعل.

«أحمد» من أعلام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ التي نصّ عليها في القرآن المجيد(1)، وهو منقول من «أفعل» الذي هو اسم تفضيل من الفعل المجهول، أي أكثر محموديّة لكثرة خصاله الحميدة، أو المعلوم أي أكثر حمداً للّه سبحانه، أو بمعنى اكسب للحمد، لكثرة خصاله المحمودة كما يقال في قولهم: العود أحمد(2)، أنّه بمعنى اكسب للحمد.

و«الألف» التي بعده لإشباع الفتحة.

«الباء» إمّا للتعدية، أو المصاحبة، أو السببية.

«الخطبة» ـ بالضم وبالكسر ـ من الخطب والمخاطبة والتخاطب بمعنى المراجعة في الكلام، إلاّأنّ المضمومة اختصّت بالكلام المتضمّن وعظاً وإبلاغاً، والمكسورة بما تضمّن طلب نكاح امرأة وأصلها الحالة التي عليها الخاطب حين يخطب، كالحلة والعقدة. ويقال من المضمومة: خاطب وخطيب، ومن المكسورة: خاطب لا غير، وقد اتّسع فيهما فاستعملت المضمومة في كلّ كلام كما ورد في الخبر:


1- في الآية الشريفة، من سورة الصف:6 ()وَ إذْ قالَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسرائِيلَ إنّي رسُولُ اللّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأتي مِنْ بَعْدىِ اسْمُهُ أَحْمَد...).
2- في الدرّ المنثور للسيوطي: 5/15 في حديث... فأتاهم أبوبكر فقال: هل لكم في العود، فإنّ العود أحمد. و ذكره الشوكاني في: فتح القدير: 4/216.


(213)

أنّ أعرابياً جاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا رسولاللّه علّمني عملاً يدخلني الجنّة، قالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة(1).

والأكثر استعمالها في الكلام الطويل، لأنّ الخطب في الأغلب طوال واستعملت المكسورة في طلب كلّ شيء، يقال: فلان يخطب عمل كذا أي يطلبه.

«ليس» عند الجمهور: فعل ناقص أصله «لَيِسَ» كَهَيِبَ فَخفّف، كما قيل: علم في علم، وصيّد في صيّد، ولا يجوز أن يكون مضموم الياء في الأصل، فإنّ الأجوف اليائي لم يجئ مضموم العين; ولا أن يكون مفتوحها لأنّ الفتحة لا تسكن فلا يقال في ضرب ضرب، وإنّما لم يقلب ياؤه ألفاً مع تحرّكها وانفتاح ما قبلها للدلالة على مفارقته لأخواته، لعدم تصرفه.

وعن أبي علي في أحد قوليه: إنّه حرف(2)، بدليل أنّه لو كان فعلاً لكانت الياء منه متحرّكة في الأصل، ولو كانت كذلك لعادت إلى حركتها عند اتّصال الضمير به كما يقال: صيدت. أو حذفت مع كسر الفاء كـ «هبت»، قال: وأمّا اتصال الضمير به فلتشبّهه بالفعل لكونه على ثلاثة أحرف، وكونه بمعنى «ما كان»، و كونه رافعاً ناصباً.

والجمهور استدلّوا على فعليّته باتّصال الضمائر، وأجابوا عن دليل أبي علي بأنّ ذلك لمفارقته أخواته في عدم التصرّف.

وعن الكوفيين والبغداديّين أنّه قد يكون حرف عطف يقال: ضربت عبد اللّه ليس زيداً، وقال عبد اللّه ليس زيد، و مررتُ بعبد اللّه ليس بزيد، ولا يجوّزون نحو: إنّ زيداً ليس عمراً قائم، لأنّهم يقدّرون العامل بعد المعطوف فيصير التقدير:


1- تفسير القرطبي: 8/183، الطبرسي: تفسير مجمع البيان: 10/365.
2- شرح ابن عقيل:1/262، و «أبو علي» هو «الفارسي».


(214)

إنّ زيداً ليس عمراً ان قائم، وأن لا يعمل فيما قبلها. وأجازوا، نحو: ظننت زيداً ليس عمراً قائماً، فإنّ «ظنّ» يعمل فيما قبله.

وأمّا غيرهم فإن وقع مثل هذه الأمثلة قدّروا لـ«ليس» اسماً أو خبراً. وأوّل بعضهم كلام الكوفيين بمثل ذلك وجعل قولهم: إنّه حرف، بمعنى أنّه جرى مجرى الحرف.

ومن المعربين من ذهب إلى أنّه في باب الاستثناء حرف بمعنى «إلاّ».

ثمّ إنّ معنى «ليس» عند سيبويه النفي مطلقاً، تقول في الماضي: ليس خلق اللّه مثله، وقال عزّ قائلاً: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ)(1) في المستقبل ومنهم من جوّز المستقبل فقط.

وعند الجمهور أنّه للنفي في الحال. وذهب أبو علي إلى أنّه إن لم يقيّد بزمان فهو لنفي الحال وإلاّ فيجب القيد، واختاره أبوحيان ونجم الأئمة رضي اللّه عنه.

وادّعى الأندلسي أنّه لا نزاع بين القبيلين فإنّ الأوّلين إنّما يعممونه بحسب القيود والآخرين يخصّصونه بالحال إذا لم يكن قيد، فهم متّفقون على أنّه مع عدم القيد يحمل على الحال ومع القيد يكون بحسبه.

«اللام» للاستحقاق.

«الموضع» ـ بكسر الضاد ـ : اسم مكان أو زمان من وضعه يضعه بفتح الضاد فيهما، وضعاً وموضعاً بكسر الضّاد وموضوعاً أي حطه، وقد يفتح ضاد الموضع: اسم مكان وزمان ومصدر، أو الأكثر على كسر مفعل مصدراً، أو اسم مكان أو زمان من المثال الواوي.

وإن كان مضارعه على يفعل بالفتح قال سيبويه: إنّما قال الأكثرون


1- هود:8.


(215)

«موجل» بالكسر، لأنّهم ربّما غيّروه في توجل و يوجل فقالوا :ييجل ويأجل، فلمّا أعلوه بالقلب شبّهوه بواو «يوعد» المعلّ بالحذف، فكما قالوا هناك: موعد ـبالكسرـ، قالوا هيهنا : موجل(1).

والمراد به هنا إمّا الزّمان أو المكان حقيقة أو الأمر الداعي إلى المتكلّم فإنّ الأمر الدّاعي قد يشبه عند أهل المعاني بالزمان فيسمّى الحال، وقد يشبّه بالمكان فيسمّى بالمقام.

الأعراب:

المراد بالتعجّب من القوم التعجب من حالهم وصنيعهم إمّا تقديراً أو عناية من مجرّد لفظ القوم، أو من وصفهم بما بعدهم على أن يكون المقصود بالإثبات هو القيد، كما يكون المقصود بالنفي في الأكثر القيد فكأنّه قال: عجبت من قوم كذا، من حيث إنّهم كذا ما بعد قوم، من قوله «أتوا» إلى ما سيأتي من قوله تبّاً لما كان به أزمعوا; صفة لهم.

و«الباء» في «بخطبة» إن كانت للتعدية فمدخولها مفعول «أتوا».

وإن كانت للسببيّة كانت متعلّقة به.

وإن كانت للمصاحبة كان الظرف مستقراً حالاً مع عامله المقدّر عن فاعله، وما بعد خطبة صفة لها.

والبيت مستأنف إمّا خبر، أو إنشاء للتعجّب.

المعنى : حصل لي العجب، أي الكيفيّة المخصوصة أو الانفعال المخصوص من صنيع، أو حال قوم جاءوا إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكلام أو بطلب ليس له


1- شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين الاسترابادي:1/170. دارالكتب العلمية، بيروت 1395هـ.


(216)

موضع، أوجاءُوه بسبب كلام أو طلب، أو مصحوبين بكلام أو طلب، أو عجبت من قوم فعلوا كذا من جهة أنّهم فعلوا كذا لكون هذا الصنيع منهم أمراً نادراً خفي السّبب، أو أنكرتُ منهم هذا الصّنيع، أو عظم عندي لغرابته جدّاً وإنّما لم يكن له موضع لأنّه كان معلوماً من حال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه و من الآيات النازلة في شأنه و من الأقاويل النبويّة في حقّه: أنّه الخليفة بعده، وإن كان المراد بالموضع الداعي فالمراد نفي الداعي: الحق، فإنّ الداعي إلى هذا السؤال إنّما كان رجاء أن ينصّ على أحد منهم أو يفوّض الأمر إليهم .

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: الإتيان بالجملة الفعلية للإيجاز و للدلالة على التجدّد، ولكونها أقرب إلى الإنشاء من الاسمية، وذلك لتقاربهما من جهة أنّ مضمونها متجدّد حادث بعد أن لم يكن، كما في مضمون الإنشاء، وللتصريح بالزمان المقصود مع الاختصار.

الثانية: تنكير قوم لتحقيرهم بإيهام أنّهم لحقارتهم لا يعرفون ولا يعهدون، وللدلالة على نكارتهم، لنكارة صنيعهم كأنّهم لمّا صنعوا ما نُكر و لا يعرف، فكأنّهم ينكرون ولا يعرفون، وليتعيّن وصفهم بالنكرة، إذ لو عرفهم، لوصفهم بالموصول وصلته; والأصل في الصلة أن تكون معلومة للمخاطب; والأصل في الصفة أن تكون مجهولة له، ولذا قيل: إنّ الأوصاف بعد العلم بها صلات، والصلات قبل العلم بها صفات، فأراد أن يدلّ على أنّ هذا الفعل الشنيع الغريب العجيب ليس ممّا يعرفه المخاطب فإنّه من الغرابة بحيث ينكره العقلاء، فنكر القوم ليقع صفته نكرة فيفيد هذه الفائدة.


(217)

الثالثة: في الإتيان بلفظ «أتوا» الدالّ على المجيئ بسهولة، دلالة على أنّهم إنّما طلبوا النصّ على الخليفة بأنفسهم من غير إجبار ولا إكراه، وعلى أنّهم كانوا يتمكّنون من استفسار المطالب الدينية بسهولة، وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يمنعهم عن ذلك بوجه فيكون أدخل في ذمهم، فإنّهم إمّا أن استفسروا واستعلموا الوصي واستيقنوه ثمّ أنكروه، أو لم يبالغوا في استعلامه.

وعلى كلّ تقدير فهم المفرطون الغاصبون.

الرابعة: التصريح باسم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للتبرّك والاستلذاذ. والتصريح باسم المختصّ به لئلاّ يبقى اشتباه وتردد فإنّه مقام التسجيل عليهم بعصيانهم الرسولصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، ولتعظيم عصيانهم فإنّهم عصوا مثل أحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما يقال: أمير المؤمنين يأمرك بكذا، وللكناية باسمه الشريف على أنّه أحمد الخلائق خصالاً وفعالاً، فلم يكن من شأنه أن يبهم عليهم أمر الخليفة، أو ينصّ عليه لهم بما يبقى لهم فيه شكّ وارتياب، أو ينصّ على من لم يؤمن بالنص عليه من اللّه سبحانه ويتبع في ذلك هواه، أو تكلم به على لسانهم تنبيهاً على أنّهم لم يكونوا مؤمنين بنبوّته ليدعوه بالنبي أو الرسول و إن دعوه بهما لم يكن ذلك على وفق اعتقادهم بل اللائق بحالهم أن يدعوه باسمه.

الخامسة: إنّما عبّر عن مقالهم بالخطبة. أمّا إن كانت بضم الخاء فللدلالة على أنّهم طوّلوا الكلام وبالغوا في ذلك، أو أنّهم قالوا ذلك في صورة الوعظ، وفيه دلالة على سوء أدبهم مع نبيّ اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وإن كانت بكسر الخاء فلدّلالة على غاية رغبتهم في التنصيص كرغبة الخاطب فيمن يخطبها لنفسه.

السّادسة: تقديم الظرف، أعني: خبر ليس على اسمه للقافية، وتقريب الضمير من مرجعه وزيادة تخصيص الاسم.


(218)

البيان:

في التعبير عن مقالتهم بالخطبة، استعارة مصرّحة، ثمّّ إن كانت الباء للتعدية أو المصاحبة كانت فيه استعارة أُخرى مكينة، فإنّه شبّه مقالهم بجسم ينتقل ويحوّل ويؤتى به أو بشيء يستصحب. أو يكون إيقاع الإتيان عليها مجازياً تنزيلاً للدّاعي إلى الإتيان منزلة مفعوله وإقامته لملابسة الداعي به مقام ملابسة المفعول به. أو يكون أتوا استعارة تبعيّة تشبيهاً لإلقاء هذا الكلام بالإتيان به. أو تكون «الباء» استعارة تبعيّة تنزيلاً لملابسة غاية الفعل والداعي إليه ، منزلة ملابسة ما يصحب الفاعل وتشبيهاً لها بها.

وإن أراد بالموضع الأمر الداعي إلى الكلام كان فيه أيضاً استعارة مصرّحة تشبيهاً للملابسة التي بين الداعي والكلام بالملابسة التي بين الظرف و مظروفه في الملازمة بينهما عند البلغاء ومساواة كلّ منهما للآخر، بحيث لا تفصل عنه عندهم، فإنّ البليغ من الكلام ما كان على وفق مقتضى المقام من غير زيادة ولا نقصان ثمّ بيّن خطبتهم، فقال:


(219)

[9]

قالوا له لو شئت أعلمتنا * إلى مَنْ الغايــةُ والمَفزعُ

اللّغة:

قالَ يَقُولُ قَولاً وقَوْلَةً وَمَقالاً وَمَقالَةً وقِيلاً وَقالاً: تكلّم بمفردأو مركّب تامّ أو ناقص، أو تكلّم بكلام تامّ. أو القول في الخير، والقال والقيل والقالة في الشر، والقيل والقال اسمان لا مصدران، أو فعلان أُجريا مجرى الأسماء. وفي الخبر: نُهي عن قيل وقال و كثرة السؤال وإضاعة المال.

يروى بالكسر والتنوين و بالفتح، قال الزمخشري في «الفائق»: بناؤهما على كونهما فعلين محكيّين متضمّنين للضمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خِلْوَين من الضمير ـقالـ: ومنه قولهم: إنّما الدنيا قال وقيل. وإدخال حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم: ما يعرف القال من القيل ـقالـ: وعن بعضهم: القال الابتداء، والقيل الجواب، ـقالـ ونحوه قولهم: أعيَيتني من شُبّ إلى دُبّ، و من شُبّ إلى دُبّ(1) .


1- الفائق في غريب الحديث: 3/231.


(220)

وفي حرف ابن مسعود: «ذلك عيسى ابن مريمَ قال الحقّ الذي فيه يَمْتَرون»(1) وأصل قال: قول بفتح العين لا بكسرها، بدليل يقول، ولا بضمّها لتعدّيه.

قال ابن جنّي: إنّ معنى قاول أنّى وُجدت وكيف وقعت مِن تقدّم بعض حروفها على بعض، و تأخّره عنه إنّما هو للخفوف والحركة، و جهات تراكيبها الست مستعملة كلّها لم يهمل شيء منها وهي قاول، قال، وقل ول ق ل ق، ول و ق.

الأصل الأوّل «قاول» و هو القول، وذلك أنّ الفم واللسان يخفان له ويقلقلان ويمذلان به، وهو بضد السكوت الذي هو داعي إلى السكون، ألا ترى أنّ الابتداء لمّا كان أخذاً في القول لم يكن الحرف المبدوء به إلاّ متحرّكاً، ولمّا كان الانتهاء أخذاً في السّكوت لم يكن الحرف الموقوف عليه إلاّساكناً. ثمّ ذكر باقي الأُصول على التفصيل.

«اللام» في «له» لام التبليغ، وهي الداخلة على اسم السامع، لقول، أو ما في معناه و قيل: إنّها للتعدية.

«لو» حرف ثنائي الوضع له وجوه:

منها: أن يكون من حروف التعليق، ويقال: من حروف الشرط. و يراد أنّه يدلّ على الشرط التقديري، أي الثاني فيها مرتبط بالأوّل على تقدير وجودهما وإليه أشار سيبويه حيث قال: إنّها لما كان سيقع لوقوع غيره، والمشهود أنّها تدلّ على عدم الجزاء لعدم الشرط، وذهب الحاجبي إلى أنّها لعدم الشرط لعدم الجزاء، والحقّ مجيئها للآخَرين.


1- في قراءة الآية 34 من سورة مريم.


(221)

فالأوّل كقولك: لو جئتني لأكرمتك.

والثاني: كقوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدَتا)(1) فإنّه مسوق للاستدلال على نفي تعدّد الإله.

والسرّ في ذلك أنّها تدل على علّيّة الشرط على تقدير وجوده للجزاء، وكما يصحّ الاستدلال على عدم المعلول بعدم العلّة يصحّ العكس إذا كانت العلّة منحصرة فيه حقيقة أو ادّعاه.

وقد تؤتى بها فيما الجزاء مستمرّ الوجود على تقديري وجود الشرط وعدمه، وذلك في كلّ ما يكون نقيض الجزاء أليق بالشرط، ونقيض الشرط أوفق بالجزاء، كقولك: لو أهنتني لأكرمتك.

ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرة أَقْلام)(2) الآية.

وقول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيما روي عنه في بنت أبي سلمة: أنّها لو لم تكن ربيبتي في حجري (3) ما حلّت لي، إنّها لابنة أخي من الرضاعة(4).

وقول عمر: نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه(5).

ومن ذلك ذهب بعض النُّحاة إلى أنّها إنّما تدل على امتناع الشرط ولا دلالة لها على امتناع الجزاء، بل إن كان مساوياً للشرط في العموم لزم انتفاؤه; للزوم انتفاء المسبب من انتفاء سببه المساوي نحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، وإن كان أعمّ لم يلزم; لعدم استلزام انتفاء السبب الخاص انتفاء المسبّب


1- الأنبياء:22.
2- لقمان:27.
3- من المصدر.
4- الإمام الشافعي: المسند: ص 434 و فيه أيضاً (بنت أُمّ سلمة)، و كتاب الأُم:5/152.
5- محمد بن عبد الله الزركشي: البرهان في علوم القرآن: 365، دار إحياء الكتب العربية ـ1377هـ القاهرة، و لسان العرب: 9/190.


(222)

العام نحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجوداً.

وقسم ما بعد «لو» إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: ما اقتضى العقل أو الشرع انحصار مسببية الثاني في سببيّة الأوّل نحو: ولو شِئنا لرفعناه بهما، ونحو: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، وهذا يلزم فيه من امتناع الأوّل امتناع الثاني.

والثاني: ما يوجب العقل أو الشّرع عدم الانحصار المذكور نحو: لو نام لا ينقض وضؤوه، ونحو: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجوداً، وهذا لا يلزم فيه من امتناع الأوّل امتناع الثاني.

والثالث: ما يجوّز العقل فيه كلاً من الانحصار وعدمه، نحو: لو جاءني لأكرمته، وهذا يدلّ على امتناع الثاني دلالة قطعيّة، ولكن المتبادر منه في العرف والاستعمال ذلك، و عندي ليس هذا التحقيق والتقسيم بشيء، فإنّه لا شبهة لمن له أدنى استقراء وتتبّع أنّ المتبادر في جميع هذه الأقسام انتفاء كلّ من الشرط والجزاء ولا يعانده عدم انحصار سبب الجزاء في الشرط، فإنّ المتكلّم حين يقول: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجوداً، فرض أنّه ليس شيء من أسباب الضوء موجوداً ولا مفروض الوجود إلاّطلوع الشمس، فإذا انتفى انتفى الضوء البتة، وكذا إذا قال: لو نام انتقض وضوؤه، فرض انتفاء جميع نواقض الوضوء حقيقة وفرضاً إلاّالنوم، فانحصار السبب في جميع الأقسام لازم بادّعاء المتكلّم وإن لم يكن منحصراً في الحقيقة.

و من الغريب ما ذهب إليه الشلوبين(1)، و تبعه عليه ابن هشام


1- ترجمه ابن قايماز في سِير أعلام النُّبلاء:23/207 قائلاً: الأُستاذ العلام، إمام النحو أبو علي عمر بن محمد بن عمر الأزدي الاشبيلي الاندلسي النحوي الملقّب بـ «الشلوبين».
و ذكره الشيخ عباس القمي في: الكُنى والألقاب: 2/368 و ذكر وفاته في إشبيلة سنة 645هـ.


(223)

الخضراوي(1) من أنّها لا تدلّ على امتناع شيء من الشرط والجزاء، قال ابن هشام المتأخّر: وهذا الذي قالاه كإنكار الضروريات إذ فهم الامتناع منها كالبديهي، فإنّ كلّ من سمع لو فعل، فهم عدم وقوع الفعل، من غير تردّد، ولهذا يصحّ في كلّ موضع استعملت فيه أن تعقبه بحرف الاستدراك داخلاً على فعل الشّرط منفياً لفظاً أو معنى، تقول: (لو جاءني أكرمته لكنّه لم يجئ).

و منه قوله:

ولَوْ أنّما أسْعَى لأدْنَى مَعِيشَة * كفاني ولم أُطْلُبْ قليلٌ(2) مِنَ المالِ

و لَكِنَّما أسْعَى لِمَجْد مُؤَثَّلِ * وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمثالي(3)

وقوله:

فَلَوْ كانَ حَمْدٌ يُخْلِدُ النّاسُ لَمْ يَمُتْ * ولكنَّ حَمْدَ النّاسِ لَيْسَ بِمُخْلِدِ(4)

ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلّ نَفس هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَولُ مِنّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ) (5) أي ولكن لم أشأ ذلك فحقّ القول منّي ، وقوله تعالى: (وَ لَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ)(6) أي فلم يريكموهم


1- هو محمد بن يحيى المعروف بـ «ابن هشام» الخضراوي (المتوفّى سنة 646هـ)، و له «الاقتراح في تلخيص الإيضاح» في النحو، و كتاب «غرر الصباح في شرح أبيات الإيضاح» انظر كشف الظنون للخليفة الحاجبي: 1/213 و إيضاح المكنون، لإسماعيل باشا البغدادي عن ذكر كتابيه.
2- إنّما رفع «قليل» لأنّه لم يجعل القليل مطلوباً، و إنّما المطلوب، عنده «المُلْكُ» و جعل القليل كافياً، و لو لم يُرد ذلك و نصبَ فَسَد المعنى. (كتاب سيبويه: 1/79).
3- ديوان امرئ القيس:139، في قصيدتهالتي مطلعها (ألا عِمْ صباحاً أيّها الطللُ البالي) يتغزّل و يصف مغامراته و صيده و سعيه إلى المجد.
4- البيت من قصيدة لزهير بن أبي سُلمى، يمدح بها هَرَم بن سنان. انظر شرح ديوانه: ص130.
5- السجدة:13.
6- الأنفال: 43.


(224)

كذلك. وقول الخماسي:

لَو ْ كُنْتُ مِنْ مازِن لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلي * بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْل بن شَيْبَانا(1)

ثمّ قال:

لكنَّ قَوْمي وإن كانُوا ذَوِي عَدَد * لَيْسُوا مِنَ الشرِّ في شيَء وإن ْهَانا(2)

إذ المعنى: لكنني لست من مازن(3). بل من قوم ليسوا في شيء من الشر، و إن هان و إن كانوا ذوي عدد فهذه المواضع ونحوها بمنزلة قوله تعالى: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُوَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا)(4) (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ)(5) (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى)(6). (7)

وفي تعليله صحّة الاستدراك داخلاً على فعل الشرط منفياً بفهم عدم


1- البيتان لرجل من بَلْعَنْبر اسمه قُريط بن أنيف، هكذا ذكره البياوي في شرحه، يُعيّر قومه بتخاذلهم عن نصره، و قد أغارت عليه بنو شيبان و استباحت إبله . شرح شواهد المغني:1/68 الشاهد 17.
2- البيتان لرجل من بَلْعَنْبر اسمه قُريط بن أنيف، هكذا ذكره البياوي في شرحه، يُعيّر قومه بتخاذلهم عن نصره، و قد أغارت عليه بنو شيبان و استباحت إبله . شرح شواهد المغني:1/68 الشاهد 17.
3- مازن بطن من بني تميم، و خصهم بالذكر لأنه أبلغ فيما أراد من انحطاط قومه بني العنبر حيث تثاقلوا عن نصرته و استنقاذ ماله، إذ هم أقرب نسباً بهم و جواراً، من أجل أن الحسد و البغضاء أسرع إلى الأقرباء منه إلى البُعداء و كذلك الجيران.
و استباح الشيء : وجده أو جعله مباحاً و استأصله. و كل ذلك صحيح هاهنا.
و قال التبريزي في شرح الحماسة: الاستباحة، قيل: هي الإباحة، و قيل: الإباحة التي بين الشيء و بين طالبه، والاستباحة: اتخاذ الشيء مباحاً، و الأصل في الإباحة، إظهار الشيء للناظر ليتناوله متى شاء، و منه: باح بسرّه.
ونسبوا اللقيطة نسبهم إلى أُمّهم، و هنا أراد أنها نبذت فلقطت، فليس لها أصل يعرف. (منه).
4- البقرة:102.
5- الأنفال:17.
6- الأنفال:17.
7- مغني اللبيب:1/256 ـ 257.


(225)

الشرط ،غرابة ،فإنّه على عدم فهمه أدلّ منه على فهمه، فإنّ الأصل في الكلام التأسيس وعلى العدم يكون تأسيساً وعلى الفهم تأكيداً.

ثمّ إنّ من المعلوم أنّ هذا الاستدراك جار في أن تقول: إن كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً، لكن الشمس ليست طالعة، بل الأولى أن تقول: ولهذا لا يصحّ الاستدراك داخلاً على فعل الشّرط كما يجوز ذلك في «إن» فإنّه يدل على أنّ الشرط لا يحتمل الثبوت كما يحتمله مع «ان» فيكون الاستدراك بذلك مناقضاً له، ثمّ جعلها بمنزلة نحو: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) وما بعده أغرب، لأنّها كلّها استثناء للإثبات من النفي، و المطلوب استثناء النفي من النفي، وإن قال إنّالإثبات فيها بمعنى نفي المنفى سابقاً، حتى إنّ قوله :(لكِنَّ الشَّياطينَ كَفَرُوا)بمعنى : لكن ما كفر سليمان، وكذا ما بعده كان عليه منع ظاهر.

نعم نسلّم الاستلزام فيما بعده لا فيه، لأنّ كفر الشياطين لا ينافي كفر سليمان، و ما الداعي إلى جعل هذه الجمل بذلك المعنى مع أنّ عليه يلزم أن تكون تأكيدات والتأسيس راجح.

فإن أجاب عن الاعتراض الأوّل: بأنّ هذا الاستدراك يدلّ على أنّ المتكلّم يعلم انتفاء الشرط، فلا يكون لو كان.

وأمّا الاستدراك بعد «ان» فليس على وفق وضعها وحقيقتها فإنّها موضوعة لما يكون المتكلّم شاكّاً في وقوعه ولا وقوعه، ولا يصحّ استدراكه للإيجاب ولا للنفي، فإن وقع شيء من ذلك لم تكن «ان» على حقيقتها.

قلنا: غاية ذلك أن لا تكون «لو» مختصّة بمقام الشكّ، وأن يكون إذا تعقبها الاستدراك كانت فيما يمنع الشرط، ولا يلزم اختصاصها بذلك لجواز أن تكون مشتركة بين المقامين.

وغاية ما يقال في الجواب: أنّه إنّما ذكره تأييداً وتنبيهاً على البديهي ومثله في


(226)

مثله كاف.

ثمّ إنّ الجمهور على أنّها لا يليها إلاّماض لفظاً و معنًى، أو معنى فقط، وأنّه إن وليّها مضارع قلبتها إلى الماضي، على عكس«ان»، كقوله تعالى: (لَوْ نَشاءُأَصَبْناهُمْ)(1).

وزعم قوم أنّ استعمالها في المضي هو الغالب و أنّها قد تستعمل للشرط في المستقبل بمعنى «ان» كقوله:

وَ لَوْ تَلتَقي أَصْداؤنا بَعْدَ مَوْتِنا * وَ مِنْ دُونِ رَمْسَيْنا مِنَ الأرْضِ سَبْسَبُ

لَظلَّ صَدَى صَوْتِي و إنْ كُنْتُ رِمَّة ً * لِصَوْتِ صَدَى لَيلَى يَهَشُّ وَ يَطْرَبُ(2)

وقوله :

وَ لَوْ أنَّ لَيلى الأَخْيَلِيّةَ سَلَّمَتْ * عَليَّ وَ دُونِي جَنْدَلٌ وَ صَفائِحُ

لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ البَشاشَةِ أَوْزَقا * إلَيها صَدىً مِنْ جانِبِالقَبْرِ صائِحُ(3)


1- الأعراف:100.
2- البيتان من قصيدة لأبي صخر الهُذَلي، و هما آخرها. و نسبهما العيني في الكبرى لقيس بن الملوّح المجنون، و ليس كذلك. (شرح شواهد المغني: 2/643، الشاهد 403).
3- البيتان لتوبة بن الحُميّر ـ بضمّ الحاء المهملة، و فتح الميم و تشديد الياء المثناة. شرح شواهد المغني: 2/644، الشاهد: 404.
و «الجندل» : بفتح الجيم وسكون النون: الحجارة.
والصفائح: الحجارة العراض تكون على القبور، وهي جمع صحيفة.
; وزق: بالزاي والقاف: الصدى،وقد ذكر معناه في الحاشية.
والأصداء: جمع صدى، وهو الذي يجيئك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، صمّ صداه
وأصم اللّه صداه، أي أهلكه لأنّ الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئاً فيجيبه.
والرمس: تراب القبور.
وسبسب: بمهملتين مفتوحتين وموحدتين أوّلهما ساكن: المفازة.
والرِّمّة ـ بكسر الراء وتشديد الميم ـ : العظام البالية، والجمع: رمم ورمام، رمّ العظم يرم إذا بلى. وهشّ من الهشاشة وهو الارتياح والخفة للشيء(منه).


(227)

وقوله تعالى: (وليَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ)(1) فهنا تناول الماضي بالمستقبل.

ومن أوجه «لو» أن تكون للتمنّي نحو: لو يأتني فيحدّثني، قيل: و منه قوله تعالى: (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً)(2) ولذا نصب جوابها.

واختلف في لو هذه فقيل: إنّها قسم برأسها لا جواب لها، إلاّ أنّه قد يؤتى لها بجواب منصوب كما يؤتى لليت.

وقيل: إنّها «لو الشرطية» اشتربت معنى التمني، بدليل أنّه جمع لها بين جوابين: منصوب بعد الفاء، و آخر باللام في قوله:

فَلَوْ نُبِشَالمَقابِرُ عَنْ كُلَيْب * فَيُخْبَرَ بِالذّنائِبِ أَيُّ زِيرِ

بِيَوْمِالشَّعْثَمِينَ لَقَرَّ عَيْناً * وَ كَيْفَ لِقاءُ مَنْ تَحْتَ القُبُورِ(3)


1- النساء: 9.
2- الشعراء: 102.
3- البيتان من قصيدة لـ «مهلهل» يرثي بها أخاه كليبا، و أولّها:

إلَيلتُنا بذي حُسم أنيري * إذا أنتِ انقضيت فلا تحوري

انظر «شرح شواهدالمغني»:2/654، الشاهد 412 عن «شعراءالجاهلية»:168 ـ 170.


(228)

و قيل: إنّها «لو» المصدرية أغنت عن فعل التمنّي، ومن أوجهها أن يكون للعرض نحو: لو تنزل

عندنا فتصيب خيراً.

«المشيئة»: الإرادة وقد شئت الشيء أشاؤه، و يقال: كلّ شيء بمشيئة اللّه ـ بكسر الشين ـ كشيعة، أي بإرادته.

وعن الأصمعي: شيأت الرجل على الأمر: حملته عليه.

قال الراغب: والمشيئة عند أكثر المتكلّمين كالإرادة سواء، و عند بعضهم أنّ المشيئة في الأصل إيجاد الشيء وإصابته، وإن كان قد يستعمل في التعارف موضع الإرادة فالمشيئة من اللّه تعالى هي الإيجاد، و من الناس الإصابة، قال: والمشيئة من اللّه تقضي وجود الشيء، ولذلك قيل: «ما شاء اللّه كان و مالم يشأ لم يكن» والإرادة منه لاتقتضي وجود المراد لا محالة، ألا ترى أنّه قال: (يُرِيدُاللّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر)(1) و قال: (وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلْماً لِلْعِباد)(2). ومعلوم أنّه قد يحصل العسر والتظالم فيما بين الناس، قالوا: و من الفرق بينهما أنّ إرادة الإنسان قد تحصل من غير أن تتقدّمها إرادة اللّه، ،فإنّ الإنسان قد يريد أن لا يموت و يأبى اللّه ذلك، و مشيئته لا تكون إلاّبعد مشيئته،لقوله تعالى: (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ)(3).

وروي أنّه لمّا نزل قوله: (لِمَنْ شاءَمِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم)(4)، قال الكفّار: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل اللّه تعالى: (وَما تَشاءُونَ إِلاّ أنْ يَشاءَ اللّهُ) .

وقال بعضهم: لولا أنّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة اللّه وأنّ أفعالنا معلّقة


1- البقرة:185.
2- غافر:31.
3- الإنسان:30، والتكوير: 29.
4- التكوير:28.


(229)

بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو: (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللّهُ صابِراً) (1) وقال: (سَتَجِدُني إِنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرينَ)(2) (يَأْتِيكُمْ بهِ اللّهُ إِنْ شاءَ)(3)(ادخُلوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللّه)(4) (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاّ ما شاءَ اللّهُ)(5)(وَما يَكُون لَنا أَنْ نَعُود فِيها إِلاّأَنْ يَشاءَاللّهُ)(6)(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْء إِنّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّأَنْ يَشاءَ اللّه)(7). انتهت مقالة الراغب بألفاظها(8).

ويؤيّد ما نقله عن البعض، أخبار شتّى.

منها: ما رواه الشيخ الصدوق ثقة الإسلام والمسلمين أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني رضوان اللّه عليه في كتاب «الكافي» عن عدّة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن محمد بن مسلم(9) . ورواه الشيخ الصّدوق أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رض) في كتاب «التوحيد» عن أبيه، عن سعد ابن عبد اللّه الأشعري، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة، عن محمد بن مسلم عن الإمام الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليهما قال: المشيئة محدثة(10).

و منها: ما رواه ابن بابويه في كتابه المذكور عن محمد بن الحسن بن أحمد بن


1- الكهف: 69.
2- الصافات: 102.
3- هود:33.
4- يوسف: 99.
5- الأعراف: 188.
6- الأعراف: 89.
7- الكهف: 23 ـ 24.
8- مفرداتالراغب: 271 ـ 272.
9- الكافي: 1/110، ح7.
10- الصدوق: التوحيد: 147 ح 18.


(230)

الوليد،عن محمد بن الحسن الصفّار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: قال الرضا ـ عليه السَّلام ـ : المشيئة من صفات الأفعال، فمن زعم أنّ اللّه تعالى لم يزل مريداً شائياً، فليس بموحّد(1).

ويدلّ على مغايرة المشيئة للإرادة ثقة الإسلام الكليني المتقدّم ذكره، في «الكافي» عن عدّة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، و محمد ابن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد، جميعاً عن فضالة بن أيّوب، عن محمد بن عمارة، عن حريز بن عبد اللّه و عبد اللّه ابن مسكان، عن الصادق أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ بهذه الخصال السبعة بمشيئة وإرادة وقدر وقضاء وإذن وكتابوأجل، فمن زعم أنّه يقدر على نقص واحدة فقد كفر».(2)

وروى مثل ذلك بطريق آخر إلاّ أنّ فيه بعد السبع: فمن زعم غير هذا فقد كذب على اللّه، أو ردّ على اللّه.(3)

وممّا هو ظاهر في كون المشيئة هي الإيجاد : ما رواه ثقة الإسلام في «الكافي» عن علي بن محمد بن عبد اللّه، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن أبيه، عن محمد ابن سليمان الدّيلمي، عن علي بن إبراهيم الهاشمي، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليمها السَّلام يقول: لا يكون شيء إلاّما شاء اللّه وأراد و قدّر و قضى.

قلت: ما معنى «شاء»؟ قال: ابتداء الفعل.

قلت: ما معنى «قدّر»؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه.

قلت: ما معنى «قضى»؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مردّله(4).


1- الصدوق: التوحيد: 338 ح5 (باب 55 المشيئة والإرادة).
2- الكافي: 1/149 عنه بحارالأنوار: 5/121.
3- الكافي: 1/149، ح2 باختلاف.
4- الكافي: 1/150، ح1. باب المشيئة و الإرادة.


(231)

الاعلام من اللّه: إيجاد العلم في نفس و من غيره التسبّب لوجود العلم في نفس.

والعلم إدراك الشيء إدراكاً جازماً على ما هو عليه في الخارج، هذا هو اللائق بهذه الكتب من تفسيره.

«نا»: ضمير متّصل موضوع للمتكلّم إذا شرك غيره معه في الفعل مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً.

«إلى»: للانتهاء. «من»: اسم استفهام.

«الألف و اللاّم» في كلّ من الغاية والمفزع; للعهد عوضاً عن المضاف إليه، أي غايتنا أو غاية الرئاسة ومفزعنا.

«الغاية» : مدى الشيء، والجمع «غاي» كساعة و ساع.

والغاية: الرّاية، يقال: غييت غاية وأغييت، أي نصبتها.

«المفزع» :مصدر ميمي بمعنى «الملجأ» و بمعنى: الالتجاء.

الإعراب:

جملة البيت إمّا استئناف بياني، أي جواب لسؤال مقدّر، كأنّه قيل: كيف أتوا بخطبته ، أو: ما تلك الخطبة؟

أو عطف بيان لجملة«أتوا أحمد بخطبة».

«لو » إن كانت شرطية فجوابها «أعلمتنا»، ومفعول شئت محذوف مدلول عليه بالجواب، أي«لو شئت إعلامنا» وحذف مفعول المشيئة الواقعة فعلاً للشرط كثير مطّرد، لدلالة الجواب عليه كقوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعين)(1) إلاّ


1- النحل:9.


(232)

أن يكون مفعولاً غريباً يستبعد وقوعها عليه فإنّه يذكر غالباً كقوله:

وَ لَوْ شِئْتُ أنْ أبكي دَماً لَبَكيْتُهُ عَليهِ وَ لكِنْ ساحةُ الصَّبرِ أوْسَعُ (1)

وإن كانت «لو» للتمنّي أو العرض كان «أعلمتنا» مفعول «شئت» بتقدير «أن» المصدرية أو تأويله بالمصدر، من غير تقدير«ان» كما في قولهم: تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه»(2)، و نحو: (سَواءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)(3) ونحو: يعجبني قام زيدٌ، كما صوّره هشام و ثعلب، و نحو:(ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأوا الآيات لَيَسْجُنَنَّهُ)(4) على ما يقول الفرّاء وجماعة.

وإن كانت «لو» للعرض كان «شئت» بمعنى المضارع.

«أعلمتنا» يلغى عن العمل في مفعوليه الثاني والثالث، و قد أُقيم مقامهما الجملة الاسمية التي بعده.

«إلى من » خبر للغاية، وهو متعلّق إمّا بالكون المطلق و هو على رأي من لا يجوّز تقدير الكون الخاص كأبي حيّان، أو بالانتهاء أي منتهيان أو ينتهيان، كما يقدر في قوله تعالى: (الحُرُّ بِالحُرّ )(5) مقتول، و في قوله تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ )


1- البيت لـ «أبي يعقوب إسحاق بن حسان الخُزيمي بن قوهي» من شعراء الدولة العباسية. (الانساب للسمعاني: 254).
و قبله :

ملكت دموعالعين حين رددتها * إلى ناظري والعين كالقلب تدمع

تفسير كنزالدقائق لـ «الميرزا محمدالمشهدي»:1/163 نقلاً عن هامش الكشّاف:1/87.
2- «المُعيدي» رجل من كنانة صغيرالجثّة عظيم الهيبة، قال له النعمان: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. فذهب مثلاً (كتابالعين:2/62) و جاء في الصحاح:2/506 : قال الكسائي: وفي المثل... وهو تصغير «معدي» منسوب إلى معد، و إنما خففتالدال استثقالاً للجمع بينالشدتين مع ياءالتصغير.
3- البقرة:6.
4- يوسف: 35.
5- البقرة:178.


(233)

بِالنَّفْسِ)(1) الآية; مقتولة ومفقودة ومجذوع ومصلوبة ومقلوعة، و في قوله تعالى: (الشَّمْسُوَالْقَمَرُ بِحُسْبان)(2) يجريان.

فعلى الأوّل يكون الظرف مستقرّاً دون الثاني، إذ لا يجب حذف العامل إذا لم يكن كوناً مطلقاً، ولا ينتقل الضمير منه إلى الظرف.

المعنى:

الظاهر أنّ «لو» إن كانت للشرط فبمعنى «ان» يعني أنّهم قالوا لأحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إن شئت أن تعلمنا أنّ مدانا أو مدى الرئاسة والتجاؤنا في الدين والدُّنيا منتهيان إلى أيّ شخص أعلمتنا ذلك.

ويجوز أن يكون بمعناها الحقيقي، أي لو كنت تشاء فيما مضى من الزّمان أن تعلّمنا ذلك أعلمتنا، فيكون سؤالاً عن علّة أنّه لم يشأ أن يعلمهم أو عتاباً منهم له على عدم إعلامهم، فكأنّهم قالوا : هلاّ أعلمتنا، أو قالوا: إنّا نتمنّى منك أن تشاء أن تعلّمنا ذلك، أو قالوا: شِئْ أن تعلّمنا ذلك.

ويحتمل أن يريد بالغاية: الراية، فإنّ الراية إنّما تكون للرئيس فهي علامة الرئاسة فيجوز أن يتجوّز بها عنها.

وحينئذ فإمّا المراد بالألف واللام فيها الجنس.

أو المراد رايتنا أي الراية التي نحن تحتها.

أو المراد رايتك أو راية الإسلام.

ويجوز أن لا يكون تجوّز بها عن الرئاسة، بل أراد بها حقيقتها وحيئنذ فالأولى أن يكون «الألف و اللام» فيها عوضاً عن المضاف إليه، أي راية الرئاسة، و إن لم يكن كذلك فالمراد ذلك المعنى.


1- المائدة:45.
2- الرحمن:5.


(234)

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: في إيضاح الخطبة بعد إبهامها، تعظيم لها وزيادة تعجيب من شأنها، وتأكيد لوقوعها.

الثانية: في التصريح بالقول أيضاً نوع من الإيضاح بعد الإبهام فإنّ الإتيان بالخطبة يعمّ القول والكتابة والإشارة.

الثالثة: التصريح بقوله له لأنّه لم يكن ما قبله صريحاً في أنّ تلك الخطبة معه أو منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

الرابعة: في التعبير بـ«لو» إن كان المراد بها «ان» إشارة إلى أنّهم خالفوا وصيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وادّعوا أنّه لم يوص إلى أحد بعينه وإنّه لم يعلمهم ذلك، وأنّهم لما كانوا حين السؤال أظمروا الإنكار في أنفسهم فكأنّهم حين السؤال رأوا الاعلام ممتنعاً، أو إشارة إلى غاية استحقارهم أنفسهم حتى أنّهم كانوا يستبعدون وقوع هذا الإعلام بالنسبة إليهم، لأنّهم لا يليقون به، أو إشارة إلى أنّ هذا الإعلام لعسره في الغاية ولذا كان يحجم عنه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى أتته العزيمة من ربّه وجاءه الوعيد والتهديد كما ستعلم مفصّلاً إن شاء اللّه تعالى; ممّا يليق بأن يحرم بامتناعه، أو إلى أنّهم استبعدوا ذلك لأنّهم كانوا يطمعون في ذلك لأنفسهم وكانوا بمعزل عنه، وأيضاً كانوا شديدي الرغبة والطماعية فيه، ومن كان شديد الرغبة في أمر يستبعد ذلك الأمر لنفسه، وربما كان بعد حصوله له ينفيه ويستبعده، لأنّه عظيم لديه جدّاً فيستبعد وقوعه بنفسه أو بالنظر إليه بتخييل أنّه لا يليق به وقد أضمروا في أنفسهم الإنكار إن نصّ على غيرهم ، وحينئذ كان الإعلام وجوده كعدمه، فكأنّ الإعلام كان ممتنعاً عندهم سواء وصّى إليهم أو إلى غيرهم لكن كلاً باعتبار، هذا كلّه مع ما في التعبير بـ«لو» من التوجيه كما عرفت.


(235)

الخامسة: في العدول عن نحو«أعلمتنا»إلى هذه الجملة الشرطية تأدب، وعدول عن صورة الأمر إلى التفويض إلى مشيئته واختياره كما يقول العبد: إن أراد المولى فعل بي كذا و كذا.

وإن كانت «لو» للتمنّي أو العرض كان توسيط المشيئة لبعد أصل المطلوب عن حرف التمنّي أو العرض تأدباً وتفويضاً إلى المشيئة.

السّادسة: في الإتيان بالمشيئة، الإعلام بصيغة الماضي إن لم يكن المراد بـ «لو» معناها الحقيقي، لموافقة لفظه «لو»، وللدلالة على غاية حرصهم على الوقوع، حتى كأنّه قد وقع تنزيلاً للحضور الذهني منزلة الوقوع الخارجي و تفألاً.

أو للتحريض على فعله بتخييل أنّ المخاطب قد استجاب لهم وأسعف بمطلوبهم.

أو للمبالغة في إظهار امتناعه بإظهار أنّ الزمان اللاّئق به هو الماضي وقد انتفى فيه.

السابعة: إبهام الغاية والمفزغ للوزن والقافية والتعميم فيهما.

البيان:

«لو» استعارة تبعيّة إن كانت بمعنى «ان» فإنّه شبّه العلاقة التي بين شرطها وجزائها بالعلاقة بين الأمرين المنتفيين المقدّرين; لأحد الوجوه التي علمتها.

وإن كان المراد بالغاية الراية وكان المراد بها الرئاسة كان مجازاً مرسلاً تسمية للشيء باسم علامته وتنزيلاً للدال على الشيء منزلته.

وإن كان المراد بها المدى كان إثباتها لأنفسهم أو للرئاسة استعارة كاستعارة اليد الشمال تشبيهاً لهم، أو لها بما يكون له مدى وغاية.

ثمّ جملة «قولهم» إمّا إخبار أرادوا به الإنشاء، أو إنشاء أرادوا به إنشاءً آخر، وهو إذا كانت «لو» للتمنّي فإنّه إنشاء تمنّي، و المراد إنشاء الطلب.


(236)

[10]

إذا تُوفّيـتَ وفارَقْتَنـــــا * وفيهمُ في مُلكِ مَنْ يطمَعُ (1)

اللّغة:

«إذا » اسم موضوع للزمان المستقبل متضمّنة لمعنى الشرط غالباً إذا لم يكن بمعنى المفاجأة، وحيئنذ فلا يقع بعدها إلاّجملة فعلية إمّا مضاف إليها «إذا»، أو غير مضاف إليها، بل كما يقع بعد «متى» و «كيف» و «أنّى» وسيأتي الخلاف في ذلك.

وجوّز الأخفش إضافتها إلى الاسمية كما هو ظاهر قوله تعالى: (إِذا السَّماءُ انْشَقَّتْ)(2) و نحوه. و غيره يُقدّر نـحو «السماء» ـ فاعلاً لفعل محذوف مدلول عليه بالمذكور، كما يقدّر في نحو: (إنِ امْرؤا هَلَكَ )(3)، (وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ) .(4)


1- كان ينبغي أن أردف هذا البيت بما قبله وأشرحهما جميعاً وقد كتبتهما كذلك إلاّ أنّي أُنسِيته في الشرح فضربتُ عليه وأفردتُ شرحه ولا بأس فيه (منه) .
2- الانشقاق:1.
3- النساء: 176.
4- التوبة: 6.


(237)

وذهب بعضهم إلى حرفيّتها إذا كانت شرطيّة.وقد يخرج عن معنى الشرطية فيكون ظرفاً محضاً كما في قوله تعالى: (واللّيلِ إِذا يَغْشى)(1) فإنّه يجب أن يجعل ظرفاً مستقرّاً حالاً عن «اللّيل»أي : أقسم باللّيل كائناً في زمان الغشيان، ولا يكون من الأحوال المقصود مقارنتها للعامل، بل بمنزلة الصفات.

أو يكون من الأحوال المقدّرة، أو متعلّقاً بالعظمة المفهومة من القسم، لأنّه لا يقسم بشيء إلاّ لعظمة فيه وكأنّه قيل: و عظمة اللّيل إذا يغشى، كما يقال: عجبت من زيدإذا ركب، بمعنى : عجبت من عظمة زيد.

وإن جعلت للشرط لزم أن يكون جوابها مدلولاً عليه بما قبلها وهو: أقسم باللّيل، فيلزم تعليق القسم بزمان الغشيان. وإنشاء القسم لا يقبل التعليق، وكما في قوله تعالى: (وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون)(2) (وَالّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُون) .(3) إذ لو كان للشرط لزمت القاؤه في الجواب، وتقديرها لم يثبت في غير الضرورة، و تقدير الجواب، أو جعل الضمير توكيداً و ما بعده جوابان ضعيفان ظاهران لا حاجة إليهما.

و قد تخرج عن معنى الاستقبال إمّا إلى الماضي كقوله تعالى: (وَإِذا رأَوا تِجارة أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها)(4) وقوله تعالى: (وَلا عَلَى الّذِينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا)(5) و إمّا إلى الحال، على ما قيل في نحو: (واللّيلِ إِذا يَغْشى)تمسّكاً بأنّها لو كانت للاستقبال لم يمكن أن يكون ظرفاً للقسم، لأنّه إنشاء لا إخبار عن قسم يأتي، ولا أن يكون ظرفاً، لكون محذوف حالاً


1- الليل: 1.
2- الشورى:37.
3- الشورى:39.
4- الجمعة: 11.
5- التوبة:92.


(238)

عن «الليل» لتنافي الحال والاستقبال، فلابدّ من أن يكون لأحدهما، و المراد بهاالحال.

وذهب جماعة، منهم الأخفش و ابن جنّي إلى أنّها قد تخرج عن الظرفية، نحو قوله تعالى: (حَتّى إِذا جاءُوها)(1) فزعم الأخفش أنّها مجرورة بـ«حتّى»أي: حتى وقت مجيئهم إيّاها، وقوله تعالى:(إِذا وَقَعتِ الواقِعَةُ)(2) فيمن نصب (خافضة رافعة)(3) فقد زعم ابن جنّي أنّ«إذا» الأُولى مبتدأ والثانية خبر و المنصوبين حالان، وكذا جملة (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ).

و(4)قيل في نحو: اخطب ما يكون الأمير قائماً، إنّ التقدير «اخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً» و إذا مع ما بعدها خبر المبتدأ، و المعنى: اخطب أوقات أكوان الأمير وقت كونه قائماً.

وقيل في قول الخماسي:

وَ بَعْدَ غَد، لَهْفَ نَفْسِي مِنْ غَد * إذا راحَ أصحابي و لَسْتُ برائحِ(5)

إن إذا بدل من غد.

وزعم ابن مالك فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله لعائشة: «إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية وإذا كنت عليّ غضبى».(6) إن إذا مفعول به لأعلم.

وقيل في نحو: (واللّيل إذا يَغشى) (7) (والقَمَرَِ إِذا اتَّسَق)(8) أنّ «إذا»


1- الزمر:71و73.
2- الواقعة:1.
3- الواقعة: 3.
4- الواقعة: 2.
5- جاء في شرح شواهدالمغني: 1/274 الشاهد 128، أنّه عزاه جماعة إلى هُدْبة بن خَشرم، و عزاه صاحبالحماسة إلى أبي الطمَحان شرقي بن حنظلة القيني من مخضرمي الجاهلية والاسلام.
6- النووي: شرحالنووي على مسلم: 151 / 203 دار احياء التراثالعربي، بيروت 1392.
7- الليل: 1.
8- الانشقاق:18.


(239)

بدل عن المقسم به، والمعنى: والمعنى: ووقت الغشيان ووقت الاتّساق.

والجمهور لا يجيزون خروج «إذا» عن الظرفية.

قال نجم الأئمة رضي اللّه عنه: وعن بعضهم أنّ «إذا» الزمانيّة تقع اسماً صريحاً، في نحو: إذا يقوم زيد إذا يقعد عمرو، أي وقت قيام زيد وقت قعود عمرو، وأنا لم أعثر له على شاهد من كلام العرب، و أمّا قوله تعالى: (إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)(1) فـ«إذا» الأُولى زمانية، والثانية للمفاجأة في مكان «الفاء»(2).

أقول: وهؤلاء يقولون في الآية الأُولى: إنّ «حتى»ابتدائيّة داخلة على جملة مستقلّة، و في الآية الثانية : إنّ «إذا» الثانية بدل عن الأُولى والجواب محذوف، أي انقسمتم أقساماً وكنتم أزواجاً ثلاثة.

وفي المثال أنّ «إذا» ظرف مستقر خبر للمبتدأ، إذ لا دليل على تقدير الزمان المضاف إلى ما يكون، و في البيت أنّها ظرف لـ«لهف»، و في الخبر أنّها ظرف لمحذوف مفعول اعلم، أي اعلم شأنك.

«توفّيت»: فعل مبني للمفعول من وفاه حقه وأوفاه، أي أعطاه كاملاً.

توفّاه واستوفاه توفّاه اللّه، أي قبض روحه فكأنّه كان حقّاً له تعالى فاستوفاه، يقال للميت : «المتوفّـى» اسم مفعول لا «المتوفي» اسم فاعل، ويجوز أن يقال له «المتوفي» إذا أُريد أنّه استوفى أجله أو حظه من الدنيا فبهذا الاعتبار يجوز أن يكون «توفيت» في البيت مبنيّاً للفاعل.

«التاء» المفتوحة: ضمير متّصل موضوع للمخاطب الواحد و إنّما فُتحت،


1- الروم:25.
2- شرح الرضي على الكافية: 3/193.


(240)

فرقاً بينها وبين «تاء» المتكلّم و «تاء» خطاب المؤنث، وإنّما لم تكسر وتفتح تاء خطاب المؤنث; لأنّ خطاب المذكر أكثر فناسب التخفيف; ولأنّ الأصل في الألفاظ الموضوعة على حرف واحد أن تكون مفتوحة كما عرفت و المذكر أصل فأُعطي الأصل، وإنّما أُعطي الضم تاء المتكلّم; لأنّه لمّا كان اعرف المضمرات، أُريد أن يجعل له نوع من شبه استقلال فجرت خفته بأن ضمّت، فإنّ الضمّة حركة ثقيلة تقوم مقام حرف آخر.

«الواو» إمّا للعطف، أو لحال.

«المفارقة»: انفصال أحد الشيئين عن الآخر، من الفرق بمعنى الفصل.

«الواو» للحال.

«الألف واللام» للجنس.

«الملك» هوالتصرّف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختصّ بسياسة الناطقين، ولذا يقال(مَلِكِ النّاس)(1) ولا يقال : ملك الأشياء، أو: ملك الدوابّ، أو نحو ذلك.

قال الرّاغب: والملك ضربان: ملك هو التملّك والتولّي، و ملك هو القوّة على ذلك تولّى أو لم يتولّ.

فمن الأوّل قوله تعالى: (إِنَّ المُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها) .(2)

ومن الثاني قوله تعالى: (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)(3) فجعل النبوّة مخصوصة; والملك فيهم عامّاً فإنّ معنى الملك هيهنا هو القوة التي بها


1- الناس:2.
2- النمل:34.
3- المائدة:20.


(241)

يترشح للسياسة، لا أنّه جعلهم كلّهم متولّين للأمر فذلك مُناف للحكمة، كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء، ـقالـ: قال بعضهم: الملك اسم لكلّ من يملك السياسة إمّا في نفسه وذلك بالتمكين من زمام قواه و صرفها عن هواها، وإمّا في غيره سواء تولّى ذلك أو لم يتولّ، على ما تقدّم(1).

«من » نكرة موصوفة وتحتمل الموصولية.

«الطمع» نزوع النفس إلى الشيء شهوة له، طمع فيه كفرح: طمعاً وطماعة وطماعيّة مخففاً فهو طامع، وطمع كفرح و نُدس.

الإعراب :

«إذا» إن كانت شرطية، فجوابها محذوف مدلول عليه بما تقدّمها، أي «إذا توفيت فإلى من الغاية والمفزع» بناءً على ما ذهب إليه جمهور البصريين من عدم جواز تقديم الجواب على الشرط.

وذهب الكوفيون وأبو زيد و المبرّد والأخفش إلى جوازه.

وذهب المازني إلى أنّه إن كان ماضياً لم يجز تقديمه، نحو: قمت إن قام زيد، وإن كان مضارعاً جاز ، نحو: أقوم إن قام زيد.

وذهب بعض البصريين إلى أنّه يجوز إن كان فعل الشرط ماضياً أو كانا ماضيين.

واختلف النحويون في عاملها فالأكثرون على أنّ عاملها الجواب وأنّها مضافة إلى الشرط، وبعض المحقّقين على أنّ عاملها الشرط وحينئذ لا تكون


1- مفردات الراغب: 472.


(242)

مضافة إليه بل تكون مثل «متى» و «حيثما» و «أنّى».

والدليل على أنّه يجوز أن يكون الجواب عاملها وجوه:

منها: قوله تعالى: (أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً)(1) فإنّه لو كان العامل في إذا: «أُخرج»، لزم أن يكون الإخراج في زمان الموت وليس كذلك.

وأُجيب عنه: بأنّ التقدير : «إذا ما مت وصرت رميماً» أي إذا اجتمع فيَّ الأمران كما قال تعالى: (أإذا كُنّا رفاتاً وعظاماً أئِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد).(2)

أقول: ولا حاجة إلى هذا التقدير، فإنّه يجوز أن لا يكون المراد بالموت حدوثه بل حصوله الشامل لاستمراره، وحينئذ فلا فرق بينه وبين صيرورتهم رميماً في صحة أن يقال: الإخراج واقع في زمانه بمعنى وقوعه في زمان مقارن لزمانه، وأمّا اتّحاد الزمانين فلا يمكن فيها، كما لا يخفى.

ومنها: أنّه يقال: إذا جئتني اليوم أكرمتك غداً، ولو كان العامل في «إذا»: «أكرمتك» لزم أن يكون للإكرام ظرفان زمانيان متضادّان بخلاف ما إذا كان العامل هو «جئتني» فإنّه وإن لزم عمله في ظرفين زمانيّين لكنهما ليسا بمتضادّين فهو كقولك: أتيتك يوم الجمعة ظهراً.

ويرد على هذا الوجه: أنّ لهم أن يؤوّلوا مثل ذلك إلى معنى «إن جئتني اليوم تسبب ذلك لإكرامي إياك غداً»، كما يقال في نحو: إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس، أنّ المعنى: فقد كان جزاءً لإكرامي إيّاك أمس.

و منها: أنّه ربّما ورد الجواب مقروناً بـ«إذا» الفجائية وبالحرف الناسخ،


1- مريم:66.
2- الإسراء:49و98.


(243)

نحو: (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)(1) ونحو: إذا جئتني فإنّي أكرمك. ولا يعمل ما بعد شيء منهما فيما قبله.

ومنها: أنّه ربّما كان الصالح للعمل فيها الوارد في الجزاء صفة، كقوله تعالى:(فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ)(2) ولا تعمل الصفة فيما قبل موصوفها.

وربّما يجاب عن هذين الوجهين: بأنّه يجوز أن يخالف «إذا» غيرها في عدم مانعية هذه الموانع من العمل فيها.

كما أنّ أبا البقاء صرّح بأنّ «الفاء» في جواب «إذا» لا تمنع من العمل فيها.

وصرّح الزمخشري: بأنّ العامل في (إِذا جاءَنَصْرُ اللّهِ)(3) :سبّح. على أنّ الزمخشري جوّز أن يتعلّق قوله: (في أنفسهم)بقوله: (بليغاً) في قوله تعالى: (وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً).(4)

ومنها: أنّه يمتنع إعمال الجواب في قوله:

بَدا لِيَ أنّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى * ولا سابقاً شَيئاً إذا كانَ جائِيا(5)

فإنّ «إذا» لا تخلو إمّا أن تكون شرطية، أو ظرفية محضة.

فإن كان الأوّل كان التقدير «إذا كان جائياً فلا أسبقه».


1- الروم:25.
2- المدثر: 8و9.
3- النصر:1.
4- النساء:63.
5- من قصيدة لزهير بن أبي سلمى، و في ديوان زهير: 284 و قال الأصمعي: ليست لزهير، و قيل هي لصرمة بن أبي أنس الانصاري، و لا تشبه كلام زهير.


(244)

وإن كان الثاني كانت متعلّقة بـ «سابقاً».

وعلى كلّ تقدير لا يكون له معنى محصّل; لأنّ الشيء إنّما يسبق قبل مجيئه لا إذا جاء.

ويدفع هذا الوجه بجواز أن يكون المراد بالمجيئ تحتم المجيئ وتقديره من اللّه سبحانه، وبأنّ السبق يجوز أن يكون بمعنى الفوت، أي: لا أفوت شيئاً إذا كان جائياً، أو بأنّه يجوز أن يكون الجواب المقدّر لم يكن له مردّ، ونحو ذلك، وحينئذ فإمّا أن يقدّر له «شيئاً» صفة أي: شيئاً مقدّراً، أو تكون الجملة الشرطية صفة له، أو يبقى على «شيئاً» على عمومه ويكون نفى أن يسبقه مبالغة.

ومنها: أنّ الشرط والجزاء عبارة عن جملتين تربط بينهما الأداة وعلى قولهم تصير الجملتان جملة واحدة، لأنّ المعمول داخل في جملة عاملة.

ولهم أن يقولوا: إن أردت بكون الشرط والجزاء جملتين كونهما في الظاهر. سلّمناه والأمر كذلك هنا.

وإن أردت كونهما كذلك حقيقة فهو ممنوع، بل المحقّقون على أنّ الشّرط قيد للجزاء كما عرفت سابقاً. ولو سلّم ففيما يكون حقيقة أداة الشرط.

وأمّا في «إذا» الموضوعة للزمان وإنّما تضمن معنى الشرط فكلا.

فهذه وما أشبهها أدلّة القائلين بكون العامل هو الشرط.

وأمّا دليل الأكثرين، فهو أنّ «إذا» موضوعة للوقت المعيّن ولا يتعيّن إلاّبنسبتها إلاّما يعينها من شرط فتصير مضافة إلى الشرط، وإذا صارت مضافة إليه تعذّر عمله فيها لأنّه يؤدي إلى كون الشيء عاملاً و معمولاً معاً من وجه واحد فوجب أن يكون العامل فيها الجواب وأمّا «متى» فليس لوقت معيّن فلا يلزم أن


(245)

يكون مضافاً فصحّ عمل ما بعده فيه.

قال الحاجبي في الإيضاح: فإن قيل: فقد عملت «متى» فيما بعدها وما بعدها على هذا القول عامل فيها، فقد صار الشيء عاملاً معمولاً، قلت: تعدّدت الوجوه و تعدّد الوجوه كتعدّد أصحابها، ووجه التعدّد أنّ «متى» إنّما عملت في فعلها لتضمّنها معنى «أن»، و ما بعدها عمل فيها لكونها ظرفاً له، فالوجه الّذي عملت به غير الذي عمل فيها، قال: فإن قلت: فقدره كذلك في «إذا». قلت: لا يستقيم لأنّك إذا جعلت «إذا» مضافة إلى فعلها كان عملها فيه باعتبار كونها ظرفاً له، إذ هو الّذي جوّز النسبة، وإذا جعلت الفعل عاملاً فيها كان على معنى كونها ظرفاً له، فصار الوجه واحداً.

ثمّ قال: والحقّ أنّ «إذا» و «متى» سواء في كون الشرط عاملاً، وتقدير الإضافة في «إذا» لا معنى له، وما ذكروه من كونها لوقت معيّن مسلّم لكنّه حاصل بذكر الفعل بعدها كما يحصل في قولك: زماناً طلعت فيه الشمس، فإنّه يحصل التعيين ولا يلزم الإضافة وإذا لم يلزم الإضافة لم يلزم فساد عمل الشرط.

وردّ عليه نجم الأئمّة سلام اللّه عليه: أنّه إنّما حصل التخصيص به ـفي المثال المذكورـ لكونه صفة له لا لمجرد ذكره بعده، ـقال:ـ ولو كان مجرّد ذكر الفعل بعد كلمة «إذا» يكفي لتخصيصها ، لتخصّص «متى» في :متى قام زيد، و هو غير مخصّص اتفاقاً منهم(1).

أقول: ومن هذه الجملة تبيّن لك أنّ الأقوى قول الأكثرين، هذا إذا كانت شرطية، وأمّا إذا كانت ظرفيّة محضة، فالعامل فيها هنا الظرف المستقر أعني إلى من، أو العامل المقدّر له، أو المعنى النسبي المفهوم بين المبتدأ والخبر وحينئذ فلا


1- شرح الرضي: 3/190.


(246)

شبهة في كونها مضافة إلى الجملة التي بعدها.

«توفّيت» إن قُرئ مبنيّاً للمفعول كان الضمير مفعوله النائب مناب الفاعل وفاعله متروكاً وهو «اللّه سبحانه» أي: توفّاك اللّه من الدهر أو الدنيا، أو الضّمير مضاف إليه لمحذوف أي توفّى روحك منك.

ويجوز أن يفهم هذا المعنى من الأوّل على أن يكون المخاطب هو الروح لأنّه المتكلّم والقائل للخطاب فيكون المعنى «توفّاك من جسدك».

ويجوز أن يكون فيه حذف واتّصال، أي : «توفّى منك» والمتوفّى هو الرّوح.

وإن قرئ مبنيّاً للفاعل كان الضمير فاعله وكان مفعوله محذوفاً أي «توفّيت أجلك أو حظّك من الدّنيا» أو كان الفعل منزلاً منزلة اللازم تنزيله، منزلة قولك: متّ.

و«فارقتنا»: معطوف على ما قبله عطف اللازم على ملزومه، أو حال عن ضمير «توفّيت» بتقدير «قد» إن كانت لازمة كما هو رأي الجمهور، وعلى رأي الأخفش والكوفيين غير الفرّاء; لا حاجة إلى التقدير. والجملة بعده حال عن فاعل «قالوا» والظرف الأوّل منها أعني«فيهم» مستقر فاعله «من» الموصوفة أو خبر لـ«من» الموصوفة، ومصحح الابتدائية لمن أُمور:

منها: وصفها بيطمع.

ومنها: ظرفية الخبر أو تقديمه.

ومنها: وقوعها في الجملة الحالية; وذلك لأنّهم عدّوا من المسوّغات أن يكون ثبوت الخبر للمتبدأ من خوارق العادة، نحو شجرة سجدت وبقرة تكلّمت،


(247)

وإذا وقع في الجملة الحالية كان الحكم عليه أيضاً من الخوارق إذ يعتبر المقارنة بين الحال وعاملها، وتحقّق المقارنة مما لا توجبه العادة، فهو كما إذا وقعت النكرة بعد «إذا» الفجائية نحو: خرجت فإذا رجل بالباب، إذ لا يوجب العادة أن لا يخلو الحال من أن يقال: جئتك عند خروجك رجل.

والظرف الثاني أعني في الملك، ظاهره أنّه متعلّق بيطمع لكنّه يلزم تقديم معمول الصفة أو الصلة على الموصوف أو الموصول.

ويحتمل أن يجعل متعلّقاً بالظرف الأوّل أو خبراً بعد خبر و يكون المراد: «في شأن الملك» أو «طامع في الملك».

أو يجعل حالاً عن ضمير الظرف الأوّل أو «من» أي «طامعاً في الملك».

وعلى هذه التقادير يكون «يطمع» منزلاً منزلة اللاّزم، أي «من له الطمع».

المعنى:

قالوا: لو شئت أعلمتنا أنّ الغاية والالتجاء منتهيان إلى أيّ شخص إذا توفّاك اللّه أو توفّيت أجلك أو حظّك من الدنيا وانفصلت، أو وقد انفصلت عنّا بسبب ذلك، أو إذا توفّيت وفارقتنا فإلى من الغاية والمفزع؟ والحال أنّه كائن فيهم حين قالوا ذلك من يطمع في الملك أو كائن فيهم في شأن الملك من له الطمع، أو كائن فيهم طامع في الملك من له الطمع، أو من له الطمع كائن فيهم طامعاً في الملك.


(248)

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: في الإتيان بـ«إذا» إن كانت شرطية دون غيرها من أدوات الشرط دلالة على قطعهم بوقوع الشرط.

فإن قلت: أمّا القطع بالتوفّي فهو صحيح، وأمّا القطع بمفارقته لهم بالموت، فغير ظاهر; لأنّ المفهوم من ذلك أن يموت وهم أحياء وهو غير معلوم.

قلت: أوّلاً: يجوز أن يكونوا علموا بإخباره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّهم ميّتون بعده.

وثانياً: يجوز أن يكون المراد بضمير التكلم في «فارقتنا» غير مقصور على القائلين ولا الحاضرين، بل جميع الأُمّة، ومفارقة المجموع تصدق بمفارقة بعض منهم، ويكون علمهم ببقاء جمع من الأُمّة بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أيضاً بإخباره.

وثالثاً: إنّ المفارقة كما تصدق بموته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تصدق بموت الجميع إذ لا اجتماع حسّياً بين الموتى وإن كان بينهم نحوٌ آخر من الاجتماع وخصوصاً النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّ له المرتبة العليا التي لا يجتمع معه فيها إلاّقليل، فالاجتماع الباطني أيضاً بينه وبينهم مفقود، وحينئذ فلابدّ من أن لا يكون المراد بالغاية والمفزع غايتهم ومفزعهم.

ورابعاً: أنّه يحتمل أن يكونوا قد قطعوا بذلك من طول آمالهم، أو يكون الناظم رحمه اللّه تكلّم بذلك على ألسنتهم تعييراً لهم وتنبيهاً على أنّهم كانوا من طول الأمل كذلك .

وخامساً: أنّه يحتمل أن يقدر «وإن فارقتنا».

وسادساً: أنّه ربّما يخالف المعطوف المعطوف عليه في بعض الأحكام فليكن


(249)

هذا من ذاك، و يكون العاطف إنّما نقل إلى المعطوف معنى الشرطية من «إذا» دون القطع.

هذا كلّه إن كانت «إذا» شرطية، وإلاّ فيجوز أن يكون ينزل على الفرض والتقدير إمّا كِلا الأمرين أو أحدهما، هذا، ثمّ إنّ في الإتيان بـ«إذا»: التوجيه.

الثانية: حذف فاعل التوفّي، لوجوه:

منها: المعلوميّة.

ومنها: عدم تعلّق الغرض إلاّبوقوع الفعل على المفعول.

ومنها: التعظيم.

ومنها: ضيق المقام للوزن.

ومنها: أنّ المقام مقام الإيجاز، فإنّه أمر مكروه للمؤمنين فيحبّ المتكلّم أن يطويه سريعاً.

ومنها: أنّ التوفّي على مراتب، منها :ما يكون بتوسّط ملك الموت.ومنها: ما يكون بتوسط الأعوان، ومنها: ما يحتمل أن يكون بلا واسطة، فالفاعل البعيد للتوفّي في الأوّلين هو اللّه سبحانه بمعنى أنّه يتوفّى من ملك الموت، وهو إمّا أن يتوفّاه بلا واسطة أو من الأعوان، وهو سبحانه في الأخير فاعل قريب، ويشهد بذلك قوله تعالى: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(1) وفي موضع آخر(يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ الّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(2) وفي آخر (الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبينَ).(3)

وقد روى الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن بابويه رضوان اللّه عليه في


1- الزمر:42.
2- السجدة:11.
3- النحل:32.


(250)

كتاب «التوحيد» بإسناده: إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فقال: يا أمير المؤمنين إنّي شككت في كتاب اللّه المنزل. فقال له صلوات اللّه عليه: ثكلتك أُمّك وكيف شككت في كتاب اللّه المنزل؟! قال: لأنّي وجدت الكتاب يُكذّب بعضُه بعضاً فكيف لا أشك فيه.

ثمّ ذكر الرجل آيات; منها ما ذكرناها، فأجابه أمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه عن آيات آيات، إلى أن قال:

وقوله تعالى: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(1) وقوله تعالى: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ)(2) و قوله: (الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمي أَنْفُسِهِمْ)(3) و قوله: (الَّذِينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائكَةُ طَيِّبينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ)(4) ـإلى أن يقولـ فإنّ اللّه تبارك وتعالى يدبّر الأمر كيف يشاء ويوكّل من خَلقه من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فإنّ اللّه عزّ وجلّ يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه، ويوكّل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه، والملائكة الّذين سمّاهم اللّه عزّ ذكره وكّلهم بخاصّة من يشاء من خلقه، إنّه تبارك و تعالى يدبّر الأمور كيف يشاء(5). والحديث طويل اقتصرنا منه على موضع الحاجة.

وروى أيضاً في كتاب «من لا يحضره الفقيه» مرسلاً عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق صلوات اللّه عليهما: أنّه سئل عن قول اللّه عزّوجلّ:(اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِها) و عن قول اللّه عزّ وجلّ (قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(6) وعن قول اللّه عزّوجلّ:(الّذينَ تَتَوفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبينَ)


1- الزمر: 42.
2- الأنعام:61.
3- النحل:28.
4- النحل:32.
5- التوحيد: 254 ـ 268 جماعة المدرسين ـ قم 1387هـ.
6- السجدة: 11.


(251)

و(الّذينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) وعن قول اللّه عزّوجلّ:(تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)وعن قول اللّه عزّوجلّ : (وَلَو تَرى إِذْ يَتَوفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ)(1)، وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلاّ اللّه عزّ وجلّ فكيف هذا؟ فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح ـ بمنزلة صاحب الشرطة،له أعوان من الإنس و يبعثهم في حوائجه ـ فتتوفّاهم الملائكة ويتوفّاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو و يتوفّاهماللّه عزّوجلّ من ملك الموت(2) .

إلى غير ذلك من الأخبار التي تضاهيها فأُبهم الفاعل; ليبقى التوفّي على إطلاقه، أو لعدم علم المتكلّم بأنّ الواقع أيّ نوع من الأنواع الثلاثة. هذا إن قرئ«توفّيت» على البناء للمفعول.

فإن قرئ مبنيّاً للفاعل، فترك المفعول للرابع والخامس من الوجوه ولاتّباع الاستعمال الغالب، ولتنزيله منزلة «متّ».

الثالثة: التعبير عن التوفّي بالماضي; لتنزيله في القطع بحصوله منزلة الماضي، ولذا نرى الغالب بعد «إذا» هو الماضي; لما عرفت أنّ «إذا» للقطع بحصول الشرط.

وفيه نكتة أُخرى: هي أنّه لمّا كان أمراً مكروهاً ثقيلاً على النفوس وأراد المتكلّم توطين نفسه عليه، أبرزه في صورة الأمر الواقع ليسرع نفسه في التهيّؤ والتوطّن له أو تسلّى بأنّه كأنّه قد وقع وانقضى، أو أنّ الناظم رحمه اللّه لمّا رأى أنّ من المتكلّمين بذلك من يطمع في الملك ويرغب في توفّي النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عبّر بالماضي على


1- الأنفال:50.
2- الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1/136، ح368.


(252)

لسانهم تنبيهاً على غاية رغبتهم في ذلك حتّى انّهم ينزلونه منزلة الواقع تنزيلاً للحضور الذهني منزلة الحضور الخارجي تفاءُلاً على زعمهم لأنفسهم المقبوحة.

الرّابعة: تقديم جواب الشرط أو ما يدلّ عليه على الشرط، لكونه أهمّ، ولكون التوفّي مكروهاً فناسب التأخير; لعدم مساعدة النفس على التلفّظ به إلاّ بعد توطين تهيّؤ; وللتوجيه باحتمال «إذا» للشرطية وغيرها; وللاختصار لعدم الحاجة إلى الفاء الجزائية.

الخامسة: حذف جواب الشرط إن كان محذوفاً للاحتراز عن العبث، لأنّ مفسره موجود، وهذا الحذف واجب كما صرّح به ابن هشام في «الارتشاف»، ويكثر حذفه إذا دلّ عليه ما ينوب منابه، كجواب القسم، وكتقدم ما يدلّ عليه، وهو صريح في عدم الوجوب.

السادسة: زيادة قوله«فارقتنا» ; للتصريح بما هو الداعي إلى نصب الخليفة; وللإشارة إلى أنّه إذا توفّي كان من الأحياء، وإنّ توفيه إنّما هو مفارقة وهجرة، ولذا نسب المفارقة إليه كما ينسب الأفعال الاختيارية إلى الأحياء المختارين; وللإشارة إلى أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لا يُتَوفّى إلاّ إذا اختار الموت; ولأنّ التوفّي أعمّ من أن يُتَوفّى وهم باقون أو غير باقين، وإنّما يفتقرون إلى الخليفة على الأوّل، فكأنّهم قالوا: إذا توفيت ونحن باقون.

السابعة: تقديم الظرف الأوّل على المبتدأ إن كان مبتدأً ، لزيادة تخصيصه، وللقافية، ولتقريب العائد إلى ذي الحال منه، ولأنّه لو أخّر كان موهماً لخلاف المقصود سواء قدّم على الظرف الثاني أو أخّر، مع أنّه لو قدّم لزم الفصل بإلاجنبي بين الظرف وعامله.

أمّا الإبهام على تقدير التقديم، فظاهر لأنّه لو قيل: و من يطمع فيهم في


(253)

الملك، كان الظاهر المتبادر أن يتعلّق الظرف الأوّل بيطمع ويكون الثاني خبر المبتدأ.

وأمّا على تقدير التأخير، فلأنّه لو قيل: ومن يطمع في الملك فيهم أوهم أو لا ان يتعلق فيهم بالملك على أن يكون حالاً منه، وإن كان يزول هذا الوهم بعد التأمّل.

وللتوجيه باحتمال الجملة للأسمية والفعلية، وبالاحتمال الظاهر لـ«يطمع» للتعدي واللزوم، والاهتمام بكونه فيهم لأنّه ممّا ينط به التعجّب ولأنّه حال عنهم.

الثامنة: تقديم الظرف الثاني إن كان متعلّقاً بـ«يطمع» للقافية والتوجيه والاهتمام.

التاسعة: تنزيل «طمع» منزلة اللازم إن كان للدلالة على أنّهم من رسوخ الطمع فيهم كان الطمع صفة ذاتية ثابتة لهم لا عرضيّة حادثة، ولإبهام المطموع فيه للتعميم وللتعظيم.

العاشرة: التعبير عن الطامعين بـ«من»; للاختصار والإبهام على السامعين، ولأنّه لا يتيقّن ذلك في حقّ في بعض وإن كان معلوماً في حقّ آخرين; ولتحقيرهم ولعدم تعلّق غرض بأعيانهم وإنّما تعلّق الغرض بالصلة أو الصفة، وإن كانت «من» نكرة ففي التعبير تحقير لهم، وإن كان معرفة ففيه دلالة على أنّهم معروفون لا حاجة إلى التصريح بأسمائهم.

البيان:

«توفيت» إن كان مبنيّاً للمفعول كان استعارة تبعيّة تشبيهاً لقبض الروح بالاستيفاء، أو تشبيهاً للروح بالحقّ، وللجسد بالمستودع ونحوه، فإذا قبض الروح


(254)

فكأنّه استوفى حقّه من المستودع، أو تشبيهاً للإنسان بالحقّ، وللزمان أو الدار الدنيا نحو المستودع، أو تمثيلاً للموت بتوفّيه.

وإن كان مبنيّاً للفاعل وقدّرت مفعوله الحظ كان حقيقة، وإن قدّرت الأجل ففيه استعارة تبعية أيضاً تشبيهاً لتمام الأجل باستيفاء الحق، وللأجل بالحق، وللدنيا بالمستودع، مثلاً والإنسان بالمستودع، أو تمثيلاً لانقضاء الأجل باستيفاء حقّ من نحو مستودع.


(255)

[11 و 12]

فقالَ لَوْ أعْلَمْتُكُمْ مَفْـــزَعاً * كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فيهِ أن تَصنعوا

صَنيعُ أهلِ العِجْلِ إذ فارقُوا * هــارونَ فالتَّـركُ لـَـهُ أوْدَعُ

اللغة:

«الفاء» للعطف.

«لو» إمّا بمعنى «إن»أو بمعناها الحقيقي من تعليق مقدّر بمقدّر.

«العلم» هنا بمعنى المعرفة التي تتعدّى إلى مفعول واحد، أو بمعناه الحقيقي وقد حذف مفعوله الأوّل أو الثاني، فإنّه جائز عند الجمهور، أي أعلمتكم أحداً مفزعاً أو مفزعاً لكم أو مفزعاً إلى أحد أو إلى من مفزعاً، وحذف أحد مفعولي أفعال القلوب ممّا اختلفت فيه الأقوال.

فمنهم من أطلق المنع .

ومنهم من أطلق الجواز.

ومنهم من صرّح بالامتناع على كلّ حال.

ومنهم من فصّل فأجاز عند قيام القرينة ومَنَع عند عدم القرينة ولكن لا خلاف في أنّه قليل مطلقاً، وسبب القلّة أنّ المفعولين معاً بمنزلة اسم واحد لأنّ


(256)

مضمونهما معاً هو المفعول به في الحقيقة فحذف أحدهما بمنزلة حذف بعض أجزاء الكلمة، وممّا جاء من حذف الأوّل قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ)(1) على القراءة بالياء، أي بخلهم هو خيراً، ويمكن أن يقال: إنَّ «هو» هو المفعول الأوّل على أن يكون الضمير المرفوع مقاماً مقام المنصوب ويكون راجعاً إلى البخل المفهوم من الفعل كقوله تعالى: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)(2).

وممّا جاء من حذف الثاني قوله:

لا تُخلنا على غَراتِكَ، إنّا * طالما قد وشَى بنا الأعداءُ(3)

أي لا تخلنا جازعين، أو أذلاّء على إغرائك المُلك بنا.

وقوله:

وَ لَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنّي غَيْرَهُ * مِنّي بِمنزِلَةِ المُحِبِّ المُكْرَمِ(4)

أي لا تظني غيره واقعاً.وقد قام فيهما الظرف مقام المفعول الثاني، فلعله يقتصر الجواز على ذلك لأنّه بمنزلة الذكر.

«المفزع» هنا اسم مكان بمعنى :«الملجأ» أي من يُفزَع ويُلتَجأ إليه على


1- آل عمران:180.
2- المائدة:8.
3- البيت من معلّقة الحارث بن حلزة اليشكري التي أولها:

آذنتنا ببينها أسماء * رب ثاو يمل منه الثواء

(شرح الرضي: 1/207). و كتابالعين:4/441 و فيه الغراة هنا: الكتف.
4- البيت لعنترة بن شداد العبسي، من معلقتهالمشهورة التي مطلعها:

هَلْ غادَرَ الشُّعَراءُ مِنْ مُتردَّمِ * أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدّارَ بَعْدَ تَوَهّم؟

(شرح ابن عقيل: الشاهد 133).


(257)

التقديرين الأوّلين و مصدر على الثالث.

«كان» يحتمل أن تكون زائدة، وأن تكون بمعنى صار، وذلك إن كانت «لو» بمعنى «ان» و إلاّفمعناها الأصلي وهو محتمل على الأوّل أيضاً. ويحتمل على كلّ أن تكون تامّة بمعنى ألفيتم.

«عسى» فعل مطلقاً، خلافاً لثعلب وابن السرّاج فإنّهما ذهبا إلى أنّه حرف مطلقاً، وخلافاً لسيبويه على ما حكاه السيرافي عنه فإنّه ذهب إلى أنّه حرف إذا اتّصل به ضمير منصوب، كقول روبه:

تَقُولُ بِنْتِي قَدْ أَنَى أناكا(1) * يا أبتَا عَلَّكَ أوْ عَساكَا(2)

ثمّ إنّ الغالب فيه فتح العين كرَمى، وإذا أُسند إلى ضمير لمتكلّم أو حاضر أو نون إناث جاز كسر العين، والفتح أشهر، والكسر لغة الحجاز.

وعن المازني: إذا كان فاعله غير ضمير المتكلّم أو المخاطب لم يكن إلاّ فعل بفتح العين، قال الشيخ أبو علي الفارسي: إنّه يجوز في المسند إلى الظاهر الكسر أيضاً أخذاً بلغة الكسر، في نحو «عسيتم» وجعل الفتح هو القياس.

وفي الترشيح في «عسى» لغتان: عسى بفتح العين مثل «نصر»، و عِسى بكسرها مثل «رِضى»، فإن أُضمرت فيه وثنّيت وجمعت، فعلى هاتين اللغتين زيد عسى و عسيا و عسوا و عست و عستا و عسين، هذا في لغة من فتح، و عسى وعسيا وعسواً و عسيت و عسيتا و عسين في لغة من كسر، فإذا خاطبت فيمن فتح لقد عسيت و عسيتما و عسيتم و عسيت و عسيتنّ ، و فيمن كسر لقد عسيت وعسيتما وعسيتم ولقد عسيت وعسيتما وعسيتنّ . انتهى.


1- أنى يأنى إنى، أى حان.
2- ذكره الشيخ الطوسي في «التبيان»: 6/94.


(258)

ثمّ إنّ المشهور أنّه إذا اتصل به الضمير المرفوع كان على صورته الأصلية، ومن العرب من يأتي بصورة المنصوب فيقول: عساني وعساك وعساه.

واختلفت فيه الأقوال فقيل: إنّ عسى فيه حرف، كما عرفت، و قيل: بل عكس عمله تشبيهاً له بـ«لعلّ» لتقارب معنييها وهو أيضاً محكي عن سيبويه، والذي رأيته في الكتاب موافق له، فإنّه قال في باب ما يكون مضمراً فيه الاسم متحوّلاً عن حاله إذا أُظهر بعده الاسم: وأمّا قولهم «عساك» فالكاف منصوب . قال الراجز(1): «يا أبتا علّك أو عساكا».

والدليل على أنّها منصوبة أنّك إذا عنيت نفسك كان علامتك «ني».

قال عمران بن حِطّان(2):

و لي نفس أقول لها إذا ما * تُنازِعُني لَعَلّي أو عَساني

فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، ولكنّهم جعلوها بمنزلة«لعلّ» في هذا الموضع (3). انتهى.

وعن المبرّد وأبي علي أنّه قد عكس الاسناد فجعل المخبر عنه مخبراً به وبالعكس.

وعن الأخفش أنّه يجوز في الضمير فأُقيم المنصوب مقام المرفوع.

وأمّا معناه، فقال سيبويه:«عسى» طمع وإشفاق، فالطمع في المحبوب والإشفاق في المكروه، نحو: عسيت أن أموت(4).

وفي الصحاح: وعسى من اللّه تعالى واجبةٌ في جميع القرآن إلاّ في قوله:


1- و هو رؤبة.
2- و هو منالقعدية الذين كانوا يقعدون عنالحروب مع أنهم يحثون غيرهم عليها و يزيّنونها لهم (هامش شرح الرضي:2/447).
3- كتاب سيبويه: 2/374 ـ 375.
4- شرح الرضي: 4/214.


(259)

(عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ)(1) ـ قال:ـ و قال أبو عبيدة: عسى من اللّه إيجابٌ، فجاءت على إحدى لغتَي العرب لأنّ عسى في كلامهم رجاءٌ ويقين، وأنشد لابن مُقْبل:

ظَنِّي بهم كَعَسى وهم بتنُوفة * يتنازعون جوائز الأمثــال

أي ظنّي بهم يقين.(2) انتهى.

وقال نجم الأئمّة رضي اللّه عنه: وأنا لا أعرف «عسى» في غير كلامه تعالى لليقين ،فقوله: «عسى» لليقين، فيه نظر، ويجوز أن يكون معنى ظنّي بهم كعسى، أي مع طمع(3).

وقال الراغب: وكثير من المفسّرين فسّروا «عسى» و «لعلّ» في القرآن باللاّزم وقالوا: إنّ الطمع والرجاء لا يصحّ من اللّه، وفي هذا قصور نظر، وذاك أنّ اللّه تعالى إذا ذكر ذلك يذكره ليكون الإنسان منه على رجاء لا أن يكون هو تعالى راجياً، فقوله تعالى: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ)(4) و قوله: (هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ)(5) و قوله (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ).(6) أي كونوا راجين في ذلك (7). انتهى.

وزاد في القاموس في معانيه«الشك»، وفي المفصل: أنّ لها مذهبين: أحدهما أن يكون بمنزلة قارب فيكون لها مرفوع ومنصوب، والثاني أن يكون بمنزلة قرب فلا يكون لها إلاّمرفوع.


1- التحريم:5.
2- لصحاح: 6/2426 مادة «عسا».
3- شرح الرضي: 4/214.
4- محمد:22.
5- البقرة:246.
6- الأعراف:129.
7- مفردات الراغب: 335.


(260)

«في» إمّا ظرفية، وإمّا بمعنى الباء، كما في قوله:

و يركب يوم الروع منّا فوارس * يصيرون في طعن الأباهر والكلى(1)

كما قيل وكما في قوله تعالى: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الأَنْعامِ أَزْواجاً يدرؤكم فيه)(2) على ما قيل.

أو بمعنى التعليل كما في قوله تعالى:(لَمَسَّكُمْ فيما أَفَضْتُمْ)(3) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيما روي عنه: أنّ امرأة دخلت النار في هرّة(4).

أو للمصاحبة كما في قوله تعالى (ادْخُلُوا في أُمَم)(5) وقوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينته)(6) على ما قيل فيهما.

«أن» على وجهين: اسم وهو الضمير بمعنى «أنا» و الذي في أوائل أنت وأخواته على قول الجمهور، وحرف وهو على وجوه:

منها: أن تكون مصدرية، وهي على وجهين: الأوّل: الناصبة للفعل المضارع، والثاني: المخفّفة من «أنّ» المثقلة.

والكلام هنا في الأُولى، وقد تلغى عن العمل فترفع الفعل بعدها حملاً على أُختها«ما» المصدرية أو «أن» المخففة من الثقيلة، كقراءة ابن محيصين(7)(لِمَنْ أَرادَ )


1- البيت لزيد الخيل الطائي: وهو من قصيدة يرد فيها على كعب بن زهير، مجمع البحرين:3/442 و شرح الرضي:4/279.
2- الشورى:11.
3- النور:14.
4- أخرجه البخاري في كتاب «بدءالخلق»: ص 149 من الجزء الثاني من مسنده و ذكره ابن أبي جمهور الاحسائي في «عوالي اللألي»:1/153 و أحمد في مسنده:2/261 عن أبي هريرة.
5- الأعراف:38.
6- القصص: 79.
7- جاء في تفسير مجمع البيان للطبرسي:1/202: «محيصن: ـ بمهملتين ـ مصغّراً، و اسمه عمربن عبد الرحمن بن محيصن، و هو قارئ أهل مكة مات سنة 123هـ(راجع تهذيب التهذيب: 7/474).


(261)

أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ)(1) و قوله:

يا صاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسي ُنفُوسَكُما * وحَيْثُما كُنتمُا لاقَيتُما رَشَدا

أَنْ تَحْمِلا حاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُها * تَسْتَوْجِبا نِعمَةً عِنْدي بِها وَ يَدا

أنْ تَقْرَآنِ على أَسماءَ وَيْحَكُما * مِنّي السَّلامَ و أَنْ لا تُشْعِرا أحَدا(2)

وذهب الكوفيّون إلى أنّها المخفّفة من الثقيلة شذّ اتّصالها بالفعل، وحكى الجزم بها أبو عبيدة واللّحياني. وذكر أنّه لغة بني صباح من ضبة، و أنشدوا.

إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا * تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب

و قوله:

أحاذر أن تعلم بها فتردّها * فتتركها ثقلاً عليّ كما هيا(3)

قال الرواسي: فصحاح العرب ينصبون بـ«ان» وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها. انتهى.

وهي ممّا يخلص الفعل للاستقبال كالسين وسوف في المشهور.

صنع إليه معروفاً كمنع، صُنعاً بالضم، وصنع به صنيعاً قبيحاً أي فعل، وصنع الشيء صنعاً بالفتح والضم: عمله.


1- البقرة:233.
2- ذكره في (شرح شواهد المغني:1/ 100 الشاهد 32).
3- مغني اللبيب: 1/20 و تاج العروس: 9/130.


(262)

وقال الراغب : الصنع: إجادة الفعل، فكلّ صنع فعل وليس كلّ فعل صنعاً، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب إليها الفعل، ثمّ قال: وللإجادة، يقال للحاذق المجيد: صنع، وللحاذقة المجيدة: صناع(1).انتهى.

والصناعة حرفة الصانع، وعمله الصنعة، وصنعة الفرس حسن القيام عليه، يقال: صنعت فرسي صنعاً وصنعةً فهو فرس صنيع، والصنيعة ما اصطنعته من خير كالصنيع.

الصنيع إمّا المراد به معناه المصدري، أو معنى اسم المفعول.

«أهل» الرّجل في الأصل: من يجمعهم وإيّاه بيت. ثمّ اتّسع فاستعمل فيمن يجمعهم وإيّاه نسب. وعبّر بأهل الرجل عن زوجته; وبأهل الإسلام عمّن يجمعهم الإسلام، وكذا قالوا في كلّ شيء جامع بين جماعة من علم أو عمل أو صناعة أو جوار أو جار إنّهم أهله، ولعلّ الإضافة في كلّ منها بأدنى ملابسة فإذا قيل: أهل الإسلام أو البيت أو العلم، كان معناه الجماعة الذين بعضهم أهلٌ لبعض في الإسلام أو البيت أو العلم، وعليه قس.

«الألف و اللام» للعهد الخارجي، أو الجنس، فعلى الأوّل يكون العجل بمعنى الذي صاغه السامري لبني إسرائيل.

«العِجْل» والعُجُول كستور: وَلَد البقرة، والأُنثى عِجْلَة . قال الراغب: لتصوّر عجلته التي تعدم منه إذا صار ثوراً ً(2).

«إذ» له وجوه:

منها: أن يكون اسماً للزمن الماضي، وإن دخل على المضارع قلَبه ماضياً


1- مفردات الراغب:286.
2- المفردات: 323.


(263)

نحو: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ)(1) وحينئذ فهو ظرف غالباً نحو: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْأَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا)(2)، وقيل: قد جاء مفعولاً به نحو:(وَاذْكُروا إِذْ كُنْتُمْ قَليلاً)(3)(وَإِذْ قُلْنا لِلمَلائِكَة)(4)(إِذْفَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ)(5) إلى غير ذلك.

وقد جاء بدلاً من المفعول به كقوله تعالى:(وَاْذكُرْ فِي الكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ)(6). وأنت تعلم أنّ كلّ مثال يمثّل به لهذين الوجهين يمكن فيه التأويل بتقدير العامل في «إذ» إلاّأنّه تعسّف لا حاجة إليه.

وقد جاء مضافاً إليه، نحو: «يومئذ» و«حينئذ» و: (بعد إذ نجّانا اللّه)(7) وبعد «إذ أنتم مهتدون» .

قال نجم الأئمّة رضي اللّه عنه: ولم يعهد مجروراً باسم إلاّ بـ «بعد»(8). ولا أفهم هذا الكلام منه رحمه اللّه .

نعم لم يعهد مجروراً باسم غير ظرف و هو لازم الإضافة إلى الجملة، لكنّها قد تحذف و يعوّض عنها التنوين كـ«يومئذ » و «ساعة إذ»

ومنها: أن يكون للتعليل كقوله تعالى: (وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَومَ إِذْ ظَلَمْتُمْ إِنَّكُمْ فِي العَذابِ مُشْتَرِكُونَ)(9) ونحو: جئتك إذ كنت كريماً. واختلف في اسميّته وحرفيّته حينئذ، ولا يخفى أنّ الآية تقوّي الحرفيّة، فإنّه على القول بالاسميّة باق على الظرفية وإنّما يُفهم التعليل عنده من فحوى الكلام وهنا لا مجال للظرفية فإنّه لو


1- الأنفال:30.
2- التوبة:40.
3- الأعراف:86.
4- طه:116.
5- البقرة:50.
6- مريم:16.
7- الأعراف: 89.
8- شرح الرضي: 3/200.
9- الزخرف:39.


(264)

كان ظرفاً لم يكن إلاّ بدلاً من اليوم أو ظرفاً آخر لـ«ينفع»، أو ظرفاً لـ«مشتركون» والكل باطل كما لا يخفى.

قال أبو الفتح: راجعت أبا علي مراراً في قوله تعالى:(وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَومَ إذْ ظَلَمْتُمْ)(1) الآية، مستشكلاً إبدال«إذ» من «اليوم»، ف آخر ما تحصّل منه أنّ الدنيا والآخرة متّصلتان، و أنّهما في حكم اللّه تعالى سواء، فكأن اليوم ماض، أو كأن «إذ» مستقبلة. وقيل: التقدير أو المعنى: إذ ثبت ظلمكم، وقيل: التقدير بعد «إذ ظلمتم»(2).

وأمثال هذه التأويلات جارية في جميع الموارد إلاّ أنّها تكلّفات من غير حاجة إليها.

ومنها: أن تزيد للتوكيد; ذكره أبو عبيدة وابن قتيبة وحملا عليه، نحو (وَإِذْقال رَبُّكَ) (3).

«الفاء» للسببية المحضة كما في قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ)(4).

«ترك» الشيء : رفضه اختياراً، أو اضطراراً.

فمن الأوّل قوله تعالى: (وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ في بَعْض)(5).

ومن الثاني: قوله تعالى:(كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّات وَعُيُون)(6).

و«اللام» إمّا هي اللاّم المزيدة لتقوية العامل، أو للتعليل، أو لشبه التمليك الذي يسمّى بالانتفاع.

«الدَّعَةُ»: الخَفْضُ والسعة، والهاء فيها عوضٌ من الواو كما في السعة.


1- مريم:29.
2- مغني اللبيب: 1/82.
3- البقرة: 30.
4- الكوثر:2.
5- الكهف:99.
6- الدخان:25.


(265)

تقول منه: وَدُعَ الرجُلُ ـ بالضم ـ ، فهو وَدِيعٌ، أي ساكنٌ، ووادعٌ أيضاً ، مثل حَمُضَ فهو حامض،. يقال: نالَ فلان المكارمَ وادِعاً من غير كُلْفَة.

ورجلٌ مُتَّدعٌ، أي صاحب دَعَة وراحة.

الإعراب:

جملة البيتين معطوفة على قوله: «أتوا أحمدا» لا على قوله:«قالوا»; للزوم أن يكون داخلاً في بيان الإتيان بالخطبة وليس بالضرورة.

«قال» جملة فعلية فاعلها الضمير المستتر الراجع إلى «أحمد».

ما بعدها من تتمّة البيتين مفعولها ، أو إلاّ قوله «فالترك له أودع» كما سيظهر.

«أعلمتكم» فعل الشرط، «مفزعاً» مفعوله أو مفعوله الثاني أو الأوّل، بما في حيّزه جواب الشرط إن لم تكن زائدة ولا كانت بمعناها الأصلي مع كون «لو» بمعنى «أن».

فعلى الأوّل يكون الجواب ما بعده.

وعلى الثاني يكون الجواب محذوفاً معلولاً للمذكور، أي «لو أعلمتكم لم ينفعكم أو خالفتم» و نحو ذلك «لأنّكم كنتم عسيتم» الخ، فإنّه حينئذممحّص للمعنى فلا يصلح أن يكون جواباً لـ« أن»، فإن كانت «كان» ناقصة كان الضمير اسمها و ما بعده خبرها، و إلاّ كان الضمير فاعلها و ما بعده حالاً عنه إن لم يكن زائداً.

واعلم أنّ للنحويّين في «عسى» أقوالاً:

منها: أنّها ناقصة داخلة على المبتدأ والخبر و أنّها لإنشاء الترجّي، فإنّ مع الفعل خبرها وما قبل ذلك اسمها، إلاّ أنّه لا يكون خبرها إلاّ مضارعاً.


(266)

قال سيبويه: فالفعل هيهنا بمنزلة الفعل في «كان» إذا قلت:«كان يقول» ، وهو في موضع اسم منصوب بمنزلته «ثَمَّ» ،وهو ثَمَّ خَبَرٌ كما أنّه هيهنا خبر، إلاّ أنّك لا تستعمل الاسم، فأخلصوا هذه الحروف، ـيعني أفعال المقاربةـ للأفعال كما خلصت حروف الاستفهام للأفعال، نحو «هلاّ» و «ألاّ»(1). انتهى.

ومنها: ما ذهب إليه الكوفيّون من أنّها تامّة بمعنى «قرب» و ما بعدها فاعلها، و«أن مع الفعل» بدل منه; بدل الاشتمال ، فإذا قلت : عسى زيد أن يقوم، كان بمعنى: قرب قيام زيد.

ومنها: أنّها تامّة إلاّ أنّها بمعنى قارب و«أن » مع الفعل: مفعوله، فمعنى المثال: «قارب زيد القيام».

ومنها: أنّها تامّة بمعنى تهيّأ و «أن» مع الفعل منصوب المحل بنزع الخافض وهو اللام، فمعنى المثال: تهيّأ زيدٌ لأن يقوم.

ومنها: أنّها تامّة بمعنى «قرب» إلاّ أنّ «ان» مع الفعل منصوب بنزع من، فالمعنى : عسى زيدٌ من أن يقوم .

ومنها: أنّها ناقصة إلاّأنّ «أن» والفعل بدل ممّا قبله وهو قائم مقام الجزئين أعني الاسم والخبر، كما سدّمسد المفعولين في قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ)(2) على قراءة «تحسبنّ» بالفوقانيّة، ولمّا كان يرد على الأوّل من هذه الأقوال أنّه لو كان «أن» مع الفعل خبراً، وجب أن يحمل على الاسم وهو ممّا لا يصلح لذلك، أوّلوه بوجوه:

منها: أن يقدّر المضاف إمّا قبل الاسم بأن يكون التقدير: عسى أمر زيد، أو


1- كتاب سيبويه: 3/160.
2- آل عمران:178.


(267)

قيل «أن» بأن يكون التقدير: عسى زيد صاحب القيام، كما يحتمل الوجهان في قوله تعالى: (وَلكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ)(1).

ومنها: أنّه من باب: زيد عدل.

ومنها: أنّ «أن» زائدة لا مصدرية، و هذا الوجه غلط من وجهين: الأوّل: أنّها لو كانت زائدة لما نصبت، والثاني: أنّها لو كانت زائدة لما لزمت، وعلى القول بالإنشائية فجعل الجملة التي هي صدرها خبراً لكنتم أو حالاً مبني على التأويل بالخبر، بأن يكون الخبر أو الحال ما يفهم منها من الاخبار بأنّهم متوقع منهم ذلك، فكأنّه قيل: كنتم متوقعاً منكم كذا، أو على تقدير نحو: مقولاً في شأنه.

وقد لا تذكر بعد عسى إلاّ أن مع الفعل، وحينئذ ففيه أقوال:

منها: أنّ«عسى» تامّة ليس لها إلاّ فاعل هو أن مع الفعل.

ومنها: أنّها ناقصة وقد تنازعت هي والفعل في الاسم بعده، فعلى اختيار البصريين ينبغي أن يقال في التثنية: عسيا أن يخرج الزيدان، وعلى اختيار الكوفيين: عسى أن يخرجا الزيدان.

ومنها: أنّها ناقصة و «أن» مع الفعل سادّ مسدّ الجزءين.

ومنها: أنّها ناقصة والمذكور اسمها، وخبرها محذوف أي: عسى أن يقوم زيدان تقع، أي قارب قيام زيد الوقوع، وقد جاء بعد عسى مكان «أن» مع الفعل اسم مفرد في المثل السائر «عسى الغُوَيْرُ أبْوُساً»(2).


1- البقرة:177.
2- المثل من قول «الزبّاء» في قصتها المشهورة، حين قيل لها: اُدخلي الغار الذي تحت قصرك، فقالت «عسى الغوير أبؤساً» أي: إن فررت من بأس واحد فعسى أن أقع في أبؤس. كتاب سيبويه:3/58 و انظر في ذلك جمهرة الأمثال للعسكري 2/50 رقم 1209.


(268)

وفي قوله:

أكْثَرْتَ في العَدْلِ مُلِحّاً دائماً * لا تُكْثِرَنْ إنّي عَسَيْتُ صائِماً(1)

فقيل إنّهما شاذّان نزل فيهما «عسى» منزلة «كان». و قيل: بل الاسم خبر لـ «يكون» أو لـ«كون» مقدّراً، أي : عسى الغوير أن يكون أبوُساً، وعسيت أن أكون صائماً، وقد يكون المضارع الذي بعدها عرياً عن «أن» فقيل: إنّ «أن» مقدّرة قبله وإنّما حذفت لقوة الدلالة عليها وهو قول الكوفيين، وقيل بل نزل «عسى» منزلة «كاد»كما قد تنزل «كاد» منزلة «عسى».

الظرف، أعني «فيه» إمّا أن يتعلّق بـ«تصنعوا» ولكن يلزم تقديم معمول الصلة على الموصول، أو يتعلّق بـ «عسى»، أو حال عن فاعل «عسى».

وتفصيل ذلك أنّه يحتمل أن يكون بمعنى الباء وحينئذ أيضاً يتعلّق به.

أو يحتمل أن يكون للتعليل وحينئذ يحتمل أن يكون متعلّقاً بـ «تصنعوا» و بـ«عسى».

ويحتمل أن يكون للمصاحبة وحينئذ فليس إلاّ حالاً عن فاعل «عسى»، و الضمير فيه إمّا على الأوّل فالظاهر أنّه راجع إلى المفزع إن كان اسم مكان، أو إلى المفهوم منه من المفزع اسم مكان إن كان مصدراً، أو إلى «من» المقدّرة أو «أحد» المقدّر، فإنّ التقدير حينئذ: أعلمتكم إلى من مفزعاً أو مفزعاً إلى أحد.

ويحتمل أن يرجع إلى المعلم أي الوصية التي يوصي بها من كون فلان مفزعاً.


1- قال أبوحيّان: «هذا البيت مجهول، لم ينسبه الشُّرّاح إلى أحد»; قال ابن هشام: «طعن في هذا البيت عبد الواحد في كتابه «بغية الآمل و منية السائل» فقال: هو بيت مجهول، لم ينسبه الشُّراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به، و لو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتاً من كتاب سيبويه، فإنّ فيه ألف بيت عرف قائلوها و خمسين بيتاً مجهولة القائلين»، (شرح ابن عقيل: الشاهد 84).


(269)

وأمّا على الثاني: فالأمر أيضاً كذلك، أي بالموصى له أو بالوصية.

وأمّا على الثالث: فالظاهر رجوعه إلى الاعلام أي «عسيتم لأجل هذا الاعلام أن تصيروا مثل أصحاب العجل في صنيعهم» إمّا لأنّه إذا لم يكن إعلام لم تتحقق مخالفة، وإمّا لأنّه إن أعلم فإنّما يعلم أنّ المفزع هو علي بن أبي طالب صلوات اللّه وسلامه عليه وقد علم أنّهم يعادونه، فلو أعلم أنّه المفزع ازدادت عداوتهم له.

ويحتمل الرجوع إلى المعلم.

وعلى الرابع أيضاً يحتمل إرجاع الضمير إلى كلّ من «المفزع» ومن «الاعلام».

«صنيع» إمّا مفعول مطلق لـ «تصنعوا»، أي «صنيعاً مثل صنيع أهل العجل» وهو الظاهر.

أو مفعول به على أن يريد به معنى اسم المفعول أي المصنوع، وعليه أيضاً يكون المراد «مثل صنيع» إمّا بتقدير المثل، أو بمجرد العناية.

الإضافة في أهل العجل كما عرفت لابيه بأدنى ملابسة.

«إذ» إمّا ظرف متعلّق بـ«الصنيع» وإمّا للتعليل لما يفهم من إسناد الصنيع إليهم، فإنّ الصنيع كما عرفت يخصّ الفعل القبيح، فكأنه قيل:إنّهم فعلوا فعلاً قبيحاً لأنّهم فارقوا هارون.

وإمّا زائدة وما بعدها بيان للصنيع.

«الترك» مبتدأ وخبره «أودع».

و «له» إمّا أن يتعلّق بالترك، وإمّا بـ«أودع» فإن كان الأوّل وكانت اللام للتقوية فالضمير إنّما يعود على الإعلام، وإن كانت اللاّم للتعليل فالضمير عائد إلى مضمون جواب الشرط أي لأجل ما عسى أن يفعلوا كذا كان الترك أودع، وحيئنذ فالألف واللاّم في الترك قائم مقام الإضافة، أي تركه .


(270)

وإن كان الثاني كان اللاّم للتعليل أو لشبه التمليك وهي المسمّاة بـ«لام الانتفاع» والضمير على الأوّل عائداً على مضمون جواب الشرط، وعلى الثاني عائداً على المفزع، والمفضل عليه محذوف، أي أودع من الإعلام، واشتمال المفضل عليه على أصل البيعة تقديري موافقاً لرأي المخاطبين، أي إن كان في الإعلام بيعة كما تظنّون فالترك أوسع، كقول أمير المؤمنين صلوات وسلامه عليه:«لأن أصوم يوماً من شعبان أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أفْطُرَ يوماً من شهر رمضان»(1).

وقوله ـ عليه السَّلام ـ «اللّهمّ أبدلني بهم خيراً منهم وأبدلْهُمْ بي شَرّاً منّي»(2).

وكقوله تعالى: (أَصْحابُ الجَنَّةِ يَومَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً)(3).

أو يقال: إنّه لم يرد معنى التفضيل أصلاً، فإنّ أبا عبيدة وجماعة ذهبوا إلى أنّ أفعل التي أصلها أن يكون للتفضيل، قد تخرج إلى معنى فاعل وفعيل من غير ملاحظة معنى التفضيل.

وذهب جماعة إلى أنّها ربّما تكون بمعنى الصفة المشبهة، وعن المبرّد أنّ تأويلها باسم الفاعل أو الصفة المشبّهة قياس مطّرد.

وقال الشاعر:«ملوك عظام من ملوك أعاظم»(4).


1- بحارالأنوار: 95/303 عن كتاب فضائل الأشهر الثلاثة. و ذكره الشيخ الطوسي في تهذيب الاحكام: 4/181، والبيهقي في السنن الكبرى:4/211. دار الفكر، بيروت.
2- نهج البلاغة: الخطبة: 25.
3- الفرقان:24.

4- جزء من بيت قاله شخص نزل به عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطّلب، فذبح له عنزاً لم يكن عنده غيرها، فأكرمه عبيد اللّه و منحه مالاً كثيراً، و هو و من أبيات في مدح عبيداللّه يقول فيها:

توسّمته لمّا رأيت مهابة * عليه و قلت المرء من آل هاشم
وإلاّ فمن آل المرار فإنّهم * ملوك عظام من ملوك أعاظم

و إلاّ فمن آل المرار فإنّهم ملوك عظام من ملوك أعاظم
(انظر شرح الرضي: 2/459).


(271)

وقال آخر:«الاَُْم قوم أصغراً أو أكبراً»(1).

وحملوا عليه قوله تعالى: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْه)(2) إذ ليس شيء أهونُ عَليه من شيء، وهذه الجملة كما يحتمل أن تكون داخلة في المحكي يحتمل أن تكون من كلام الحاكي.

المعنى:

فقال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لو كنت عرَّفتكم شخصاً يكون ملجأً لكم، وأعلمتكم أحداً أو فلاناً ملجأ، أو أعلمتكم ملجأً لكم أو التجاء إلى أحدكم عستيم أو كنتم عسيتم، أي أتوقع أمركم أن تصنعوا في شأن ذلك الملجأ أو في الفلان، أو الأحد، أو في شأن المعلم أعني الإيصاء والنصب، أو لأجله، أو معه، أو مع ذلك الملجأ، أو الفلان، أو الأحد، أو بذلك الملجأ، أو الأحد، أو الفلان صنيعاً مثل صنيع عبدة العجل أو ما صنعه عبدة العجل، أي مثله في زمان مفارقتهم، أو لأنّهم فارقوا هارون الذي جعله أخوه موسى خليفة له وجعله مفزعهم وملجأهم، أو أتوقّعكم ذوي أن تصنعوا، أو أتوقعكم نفس أن تصنعوا مبالغة، أو قاربتم أن تصنعوا، أو قربتم أن تصنعوا أي قرب صنيعكم، أو قربتم من أن تصنعوا، أو تهيّأتم لأن تصنعوا، أو أتوقّعكم أن تصنعوا أي أتوقّع أن تصنعوا، أو ألفيتم حال كونكم كذلك، أو إن عرفتكم، أو أعلمتكم صرتم، أو ألفيتم كذلك، أو خالفتم


1- عجز بيت ذكره شيخ الطائفة الطوسي في «التبيان في تفسير القرآن»:8/245 و ذكر صدره: «قبحوا يا آل زيد نفرا». و في شرح الرضي: 3/459 ذكرالبيت:

قبحتم يا آل زيد نفرا * الام قوم اصغراً و اكبرا

و قال البغدادي: لم أقف على خبره.
2- الروم:27.


(272)

لأنّكم كنتم عسيتم، وإذا كان كذلك فترك الإعلام أوسع لكم من الإعلام إن فرض فيه سعة أو واسع، أو فترك الإعلام لأجل ما قلته أوسع أو فتركه أوسع لأجل ما قلته، أو أوسع لذلك المفزع.

وحاصل هذه الأبيات الأربعة: أنّهم سألوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن ينصّب خليفة لنفسه يفزعون إليه بعده، فقال لهم: إنّي أخاف أن تفارقوه وتخالفوا وصيّتي فيه فترتدّوا عن الدين، كما خالفت بنو إسرائيل وصيّة موسى صلوات عليه في أخيه هارون ففارقوه وعبدوا العجل، فترك الوصيّة ونصب الخليفة أوسع لكم وأنّي الآن لا يحضرني خبر يصدق هذا المقال، وإنّما يحضرني ممّا يتضمّن سؤال الأصحاب منه النص أخبار أذكر عدّة منها:

فمنها: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده عن أنس ـ يعني ابن مالكـ قال: قلنا لسلمان: سل النبيّ مَن وصيّه؟ فقال له سلمان: يا رسول اللّه مَن وصيّك؟ فقال: يا سلمان من كان وصيّ موسى؟ فقال: يوشع بن نون، قال: قال: وصيّي ووارثي ومَنْ يَقضي دَيني وينجز موعدي علي بن أبي طالب(1).

ومنها: ما رواه محمد بن جرير الطبري في كتاب «مناقب أهل البيت صلوات اللّه عليهم » بإسناده عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه قال: قلنا يوماً: يا رسول اللّه من الخليفة بعدك حتى نعلمه؟ قال لي: يا سلمان ادخل عليَّ أبا ذر والمقداد وأبا أيّوب الأنصاري ـ وأُمّ سلمة زوجة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من وراء البابـ، ثمّ قال لنا: اشهدوا وافهموا عنّي أنّ علي بن أبي طالب وصيّي ووارثي وقاضي دَيني وعداتي، وهو الفاروق بين الحقّوالباطل


1- عثرنا على الحديث في: شواهد التنزيل، للحسكاني: 1/99، و مجمع الزوائد، للهيثمي: 9/113 باختلاف يسير.


(273)

و هو يعسوب المسلمين (و إمامالمتّقين و قائدالغُرّالمحجّلين)(1) والحامل غداً لواء ربّ العالمين; و هو ووالداه من بعده; ثمّ من وُلدِ الحسين ابني أئمّة تسعة هداة مهديّون إلى يوم القيامة; أشكو إلى اللّه جحود أُمّتي لأخي (و تظاهرهم عليه)(2) وظلمهم له وأخذهم حقّه.

قال: فقلنا : يا رسول اللّه ويكون ذلك؟ قال: نعم يقتل مظلوماً من بعد أن يُملأ غيظاً ويوجد عند ذلك صابراً، قال: فلمّا سمعت فاطمة صلوات اللّه عليها أقبلت حتى دخلت من وراء الحجاب وهي باكية فقال لها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ما يبكيك يا بُنيّه؟ قالت: سمعتك تقول في ابن عمّي وولدي ما تقول ، قال: وأنت تُظلمين وعن حقّك تُدفَعين; وأنتِ أوّل أهل بيتي لحوقاً بي، بعد أربعين; يا فاطمة أنا سلمٌ لمن سالمَكِ وَحربٌ لمَنْ حاربَكِ أستودعك اللّه وجبرئيل وصالح المؤمنين، قال: قلت: يا رسول اللّه من صالح المؤمنين؟ قال: علي بن أبي طالب.(3)

ومنها: ما حكاه السيد المرتضى علم الهدى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي سلام اللّه عليه في شرح البائية التي للناظم التي أوّلها:

هلاّوَقَفْتَ على المَكان المعشبِ * بين الطُّوَيْلِعِ فاللِّوى من كَبْكَبِ

فقال: وروى الثقفي عن مخول بن إبراهيم، عن عبدالرحمن بن الأسود اليشكري، عن محمد بن عبيد اللّه، عن محمد بن أبي بكر، عن سلمان الفارسي رحمه اللّه، قال: سألت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : مَن وصيّك من أُمّتك فإنّه لم يُبعث نبيّ إلاّكان له وصيّ من أُمّته؟ فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لم يبيّن لي بعدُ، فمكثتُ ما شاء اللّه أن أمكث ثم دخلت


1- ما بين القوسين من المصدر.
2- ما بين القوسين من المصدر.
3- المناقب: 112 ح 121، و بحارالأنوار:32/264، ح5، عن كشف اليقين.


(274)

المسجد، فناداني رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: يا سلمان سألتني مَنْ وصيّي من أُمّتي فهل تدري من كان وصيّ موسى من أُمّته؟ فقلت: كان وصيّه يوشع بن نون فتاه، فقال: فهل تدري لِمَ كان أوصى إليه؟قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: أوصى إليه لأنّه كان أعلم أُمّته بعده، ووصيّي هو أعلم أُمّتي بعدي: عليّ بن أبي طالب(1).

ومنها: ما رواه أخطب خطباء خوارزم في مناقبه عن أنس عن سلمان، قال: قلت: يا رسول اللّه عمّن نأخذ بعدك وبمن نثق؟ قال: فسكت عنّي حتى سألت عشراً، ثمّ قال: يا سلمان إنّ وصيّي وخليفتي وأخي ووزيري وخير من أُخلفه بعدي علي بن أبي طالب، يؤدّي عنّي وينجز موعدي (2).

ومنها: ما رواه عن ابن مسعود، قال: كنت مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد أصحر فتنفّس الصعداء، فقلت: يا رسول اللّه ما لك تتنفّس؟ قال: يا ابن مسعود نعيت إليَّ نفسي، قلت: استخلف يا رسول اللّه قال: من؟ قلت: أبا بكر، فسكت ثمّ تنفّس، فقلت : ما لي أراك تتنفّس يا رسول اللّه؟ قال: نعيت إليَّ نفسي، فقلت: أستخلف يا رسول اللّه؟ قال: من؟ قلت: عمر بن الخطّاب، فسكت ثمّ تنفّس، فقلت: مالي أراك تتنفّس يا رسول اللّه قال: نعيت إليّ نفسي، فقلت: يا رسول اللّه استخلف قال: من؟ قلت: علي بن أبي طالب، قال: اوه لن تفعلوه إذاً أبداً، واللّه لئن فعلتموه ليدخلنّكم الجنّة(3).

ومنها: ما ذكّرت به أُمّ سلمة رضي اللّه عنها عائشة، فقالت: أتذكرين مرض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي قبض فيه فأتاه أبوكِ يعوده ومعه عمر، وقد كان عليّ يتعاهد ثوب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و نعله و خفّه و يصلح ما وَهيَ منها، فدخل قبل ذلك فأخذ


1- بحارالأنوار: 38/19 عن أمالي الصدوق:9.
2- بحارالأنوار:34/12.
3- أبو نعيم: حلية الأولياء: 1/64 باختصار، كتاب مائة منقبة لابن شاذان: 29ح10.


(275)

نعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يخصفها ـوكانت حضرميةـ وجلس خلف الباب ، فاستأذنا عليه فأذن لهما فقالا: يا رسول اللّه كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد اللّه، قالا: ما بدّ من الموت، قال: أجل لابدّ منه، قالا: يا رسول اللّه فهل استخلفت أحداً؟ فقال: ما خليفتي فيكم إلاّ خاصف النعل، فخرجا فمرّا بعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وهو يخصف نعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)

ومنها: ما رواه الفقيه ابن المغازلي بإسناده عن حارثة بن زيد أنّه قال: شهدت مع عمر بن الخطاب حجّته في خلافته فسمعته يقول: اللّهم إنك تعلم محبّتي لنبيّك وكنت مطلعه من سرّك ممّا صدّقناه عنك اللّهم فحبّبني إلى وصيّه وصاحب سرّه، فلمّا رآني أمسك وحفظتُ الكلام منه، فلمّا انقضى الحجّوانصرفنا إلى المدينة تعمّدتُ الخلوة به، فرأيته يوماً على راحلته يسير وحده فقلت له: يا أمير المؤمنين بالذي هو أقرب إليك من حبل الوريد إلاّأخبرتني عمّا أُريد أن أسالك، فقال: سل عمّا شئت، فقلت له: سمعتك يوم كذا تقول كذا و كذا فكأنّما فتّ في وجهه الزمان، فقلت: فو الّذي استنقذني من الجهالة وأدخلني الإسلام ما أردت بما سألتك عنه إلاّ اللّه وحده لا شريك له، فضحك.

وقال: يا حارثة دخلت على رسول اللّه وقد اشتدّوجعه وأحببت الخلوة به وكان عنده الفضلبنالعباس(2)، فجلستُ حتّى نهض وبين رسول اللّه ما أردت فالتفت إليّ وقال : يا عمر أردت أن تسألني لمَن يصير هذا الأمر بعدي؟ قلت: نعم يا رسول اللّه.

فقال: هذا وصيّي من بعدي وهو خليفتي وكاتم سرّي; مَن أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى اللّه عزّوجلّ، ألا


1- رسائل الشريف المرتضى:4/67، منشورات دارالقرآن الكريم، 1410هـ.
2- من المصدر وفي الاصل «العباس».


(276)

ومبغضه مبغضي ومبغضي مبغض اللّه، يا علي والى اللّه من والاك وخذل من يخذلك.

ثمّ علا بكاؤه وانهملت عبرته فجعلت آخذها بيدي وهي تنحدر على لحيته وعلى خدّه ـ عليه السَّلام ـ ، وأنا أمسح بيدي وجهه.

ثمّ التفت إليّ وقال: يا عمر إذا نكث الناكثون وقسط القاسطون ومرق المارقون قام هذا مقامي حتى يفتح اللّه عليه وهو خير الفاتحين.

قال حارثة: فتعاظمني ذلك فقلت: يا عمر فقد تقدّمتموه وقد سمعت هذا من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ !

فقال: يا حارثة بأمر كان ذلك، قلت: بأمر رسول اللّه أو بأمر علي؟ قال: بأمر علي(1) .(2)

وشيء من هذه الأخبار كما ترى لا يتضمّن ردّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لهم عمّا سألوه إلاّ في الثالث، وهو إنّما تضمّن أنّه لم يبيّن له بعد، وفي الخامس إنّما كان السائل ابن مسعود لا غير، وإنّما تضمّن أنّهم لا يقبلونه ولكن الناظم رحمه اللّه أعْرَف بما قال وأعرف بالأخبار لكونه في زمن الأئمّة الأطهار صلوات اللّه عليهم.

ويحتمل أن يكون أراد بالقول الذي نسبه إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ القول الباطني أو التقديري، أي أحجم عن جوابهم لمّا خاف عليهم من أن يخالفوا النص فيكفروا.

واستعمال القول بمعنى ما في النفس كثير، يقال: في نفسي قول لم أظهره، قال جلّ ذكره:(وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللّهُ)(3) وعلى هذا فتصدّقه أخبار


1- في المصدر «فقال لابل الملك عقيم والحق لعلي بن أبي طالب» بدل «قال بأمر علي».
2- الروضة في المعجزات والفضائل:133، عنه بحارالأنوار:40/121 ـ 122.
3- المجادلة:8.


(277)

غدير خم كما ستقف عليها إن شاء اللّه.

فإن قال قائل: كيف جاز ردّهم عمّا سألوه وإخفاء هذا الأصل الأصيل من أُصول الدين مع ما تضافرت النصوص على التهديد على كتمان الشهادة وإخفاء العلم، قال تعالى:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللّهِ)(1) ثمّ أيّ فائدة في هذا الإخفاء؟ مع أنّ معرفة الإمام واجبة على كلّ مكلّف وأنّ من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة; وقد نطقت النصوص المتضافرة باختلاف ألفاظها بذلك، فالكفر لازم لهم على تقديري الإعلام وعدمه.

قلنا: أمّا الجواب عن الأوّل، فهو أنّه لا يخلو إمّا أن يكون المراد بـ«لو» معناها الحقيقي، أو معنى «إن».

فإن كان الأوّل لم يكن يزيد على أنّه أخبر بأنّه لو أعلمهم ذلك كان يتوقّع منهم الإنكار فيكون مقابله لعناً بهم إيّاه بعتابه إيّاهم، فإنّ المفهوم من قولهم كما عرفت، عتابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على تركه إعلامهم، فعاتبهم بأنّه لو أعلمهم لما نفع فيهم بل أضرّ بهم.

وإن كان الثاني لم يكن يزيد على أنّه أخبر بأنّه يتوقّع منهم الإنكار، وفيه تهديد لهم ونصيحة بليغة.

وأمّا الإعلام فهو عنه ساكت لا رادّله، وسكوته إنّما كان لخوفه على نفسه ووصيّه وعليهم كما تصرّح به أخبار غدير خم كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه، على أنّه أعلمهم في ضمن هذا الكلام أبلغ إعلام وأكّد الأمر فيه عليهم أوثق تأكيد كما سيشير إليه الناظمرحمه اللّه ، وليس هذا السكوت من قبيل كتمان الشهادة أو العلم بالنسبة إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّه كان واثقاً بحياته عالماً بأنّ اللّه سبحانه سيوفّقه لهذا الأمر


1- البقرة:140.


(278)

ويرفع عنه الموانع، ومعرفة الوصيّ لم تكن من الواجبات المضيّقة التي لا يجوز تأخيرها بالنسبة إلى الصحابة، بل إنّما كان عليهم أن يعرفوه بعد النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلم يكن إعلامهم أيضاً واجباً مضيّقاً، فإذا انضافت إلى ذلك موانع ربّما تحرمه لم يكن بالتأخير من الناس شيء ولو سلّم أنّه من قبيل كتمان الشهادة والعلم، إلاّ أنّه إنّما يحرّم إذا لم يكن ما يوجبه، ولقد كان من الموانع ما يحتّمه عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وأمّا الجواب عن الثاني: فيظهر من الجواب عن الأوّل فإنّه إذا لم يكن إلاّ مجرّد إخبار وعتاب وسكوت عن الإعلام لمصلحة لم تكن فيه دلالة على أنّهم على تقدير عدم الإعلام لم يكن عليهم شيء في عدم عرفانهم إمام زمانهم إلاّ ظاهر قوله: فالترك له أودع، وهو كما عرفت يحتمل أن يكون من كلام الناظم فيسهل الأمر، ومع ذلك فيحتمل أن يكون ذلك مقولاً على لسان حالهم فإنّهم إذا كانوا بحيث يخالفون المنصوص عليه فيهم في سعة من ذلك بزعمهم فإذا لم ينص، كان أوسع لهم البتة.

وأيضاً فلا شبهة في أنّ إنكار الإمام مع النصّ أقبح والعذاب المستحق به أشدّ من إنكاره بدونه، على أنّه لا شبهة في أنّه على تقدير عدم النص لم يكن إمام لتكون مخالفته كفراً، فقد صحّ أنّ الترك أودع لكن على فرض جوازه. وإن كان المفروض محالاً فكأنّه قيل: إنّه لو جاز ترك الوصاية ولم يوجبها اللّه إيجاباً حتمياً كان أودع لكم.

وأيضاً يجوز أن يكون ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ربّما جوّز أن يموت بعض الصحابة في حياته فلا تكون معرفة الإمام بعده واجبة عليه، ولو نص لم يذعن وكفر، فترك النصّ بالنسبة إليه أودع.

وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنّه أودع لهم في الدنيا، فإنّه حينئذ لم يكن لهم منازع ولم يعاتبوا على مخالفة الوصي ولم ينكر عليهم في ذلك.


(279)

وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنّه أودع للوصي إذ لا تقوى فيهم عداوته ولم يخف من غوائلهم، سواء أرجع العائد في له إليه أو إلى غيره.

وأيضاً يجوز أن يكون أنّه أودع للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فإنّه حينئذ لا يكذب ولا يخالف وصيّه وابن عمّه.

وأيضاً فإنّهم لمّا كانوا ممّن لا ينفع فيهم الإعلام، بل كانوا ينكرون النصّ ويرتدّون لم يكن للإعلام فائدة بالنسبة إليهم إلاّإتمام الحجّة، ولا شكّ أنّ عدمه أوسع لهم.

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى: للتعبير بـ«لو» إن أُريد بها معنى «أن» وجوه:

منها: موافقة كلام السائلين .

ومنها: الدلالة على أنّه من الصعوبة وكثرة الموانع منه بمنزلة الممتنع.

ومنها: الدلالة على أنّهم غير لائقين به لأنّه لا ينفعهم.

ومنها: الدلالة على أنّه لمّا لم يكن ممّا ينفعهم ولم يكونوا عاملين بمقتضاه، كان بمنزلة الممتنع، فإنّ العلم كثيراً ما ينزل منزلة الجهل; لعدم العمل بمقتضاه، قال اللّه عزّ قائلاً: (وَلَقَدْعَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مالَهُ فِي الآخِرَة مِنْ خَلاق وَلَبِئْسَ ما شَرَوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(1).

ومنها: التوجيه.


1- البقرة:102.


(280)

ومنها: موافقة زعمهم بأحد الوجوه التي عرفتها في قولهم.

الثانية: في التعبير بالماضي إن أُريد معنى «أن»; وجوه:

منها: الأوّلان والأخير ممّا مرّت في تعبيرهم بالماضي.

ومنها : المبالغة في إنكارهم بتخييل أنّه قد حصل الإعلام وخالفوا.

ومنها : إظهار صعوبة في الغاية حتى كأنّه يُسلّي نفسه; بأنّ الزمان اللائق به إنّما هو الماضي وقد مضى فلا حاجة إليه بعد.

ومنها: أنّ جزاء هذا الشرط لمّا كان غاية في الكراهة وأراد المتكلّم توطين النفس عليه، أبرزه في صورة الواقع لتتسرّع في التهيّؤ له، أو ليسلّي نفسه بأنّه كأنّه قد وقع وانقضى، نظير ما عرفته في قوله: إِذا توفيت .

الثالثة: في التعبير عن التعريف بالإعلام، وجوه:

منها: التوجيه.

ومنها: الإشارة إلى أنّ معرفته من الظهور والوضوح ليس ممّا يفتقر إلى تفكّر وتدبّر، لما عرفت أنّ المعرفة هو إدراك الشيء، بتفكّر.

ومنها: التنبّه على أنّ العلم به ليس ممّا يحصل لهم بعد أن لم يكن، أو بعد أن غفلوا ونسوا، فإنّه تكرّرت عليه النصوص الواضحة التي لا تبقي لسامعها شكّاً إن (كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ)(1).

ومنها: أنّك قد عرفت أنّه قيل: إنّ المعرفة تخصّ البسيط، أي العلم التصوّري وهذه المعرفة تتضمّن العلم بالمركّب، أي العلم التصديقي، وهو المقصود، فإنّ تصوّر المفزع من حيث هو لا جدوى فيهم، وإنّما يجديهم العلم فإنّ فلاناً مفزع.


1- ق:37.


(281)

ومنها: التوجيه، لا يقال: إنّ التوجيه حاصل على تقدير التعبير بالتعريف أيضاً، فإنّه كما جاء الإعلام بمعنى التعريف جاء العكس; لأنّا نقول: وإن كان الأمر كذلك إلاّأنّه لما لم يكن له في اللفظ إلاّمفعول واحد لم يكن داع إلى حمل التعريف على الإعلام، بل كان حمله على معناه الحقيقي متعيّناً.

الرابعة: في حذف أحد مفعولي الإعلام إن لم يكن بمعنى التعريف; وجوه:

منها: الإيجاز.

ومنها: التوجيه في الإعلام وفي المفزع; من جهتين:

إحداهما احتماله المصدريّة والمكانية، وأُخراهما احتماله كونه أوّل المفعولين أو ثانيهما.

ومنها: أنّ المقصود بالذات إنّما هو هذا المفعول.

ومنها: تعظيم المحذوف.

ومنها: المبالغة في إبهامه.

ومنها: المبالغة في تعميمه زيادة في تقرّبهم، حتى أنّه إن أوصى إلى أيّ رجل فرض، فهم بصدد مخالفته ومفارقته.

الخامسة: تنكير «مفزعاً».

أمّا إن كان مفعولاً ثانياً، فلأنّه الأصل لأنّه مخبر به وفي الأصل خبر المبتدأ، وخصوصاً إذا قدّر المفعول الأوّل منكراً فإنّه يصحّ أن يكون المخبر عنه نكرة والمخبر به معرفة.

وأمّا إن كان مفعولاً أوّل، فللتعظيم والإبهام، ويشمل التقديرين رعاية الوزن.

السادسة: زيادة قوله: «كنتم».


(282)

أمّا إن كان المراد به المعنى الأصلي، فللمبالغة في إفادة المعنى كما عرفت سابقاً خصوصاً والجزاء لفظ «عسى»وهو قد يجرّد عن إفادة المضيّ، وهذا الجزاء ان يبالغ في مضيّه، للدلالة على أنّ هذا التوقع بالنسبة إليهم لم يكن ممّا حدث الآن أو سيحدث، بل كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أبداً متوقّعاً منهم ذلك، وأيضاً لأنّ «عسى» إنشاء للترجّي فهو بنفسه لا يصلح جزاء إلاّبتأويل، فأتى بـ «كنتم» توصّلاً إلى جعله جزاء أو دلالة على أنّه لا يراد به المعنى الإنشائي; لوقوعه خبراً لـ «كان»، فإنّه لا يقع خبراً له إلاّبتأويله بالمعنى الخبري، فكأنّه قيل: «كنتم مقولاً في شأنكم كذا» أو «متوقّعاً منكم كذا».

وأمّا إن كان المراد به معنى صرتم، فالإتيان به للتوصّل المذكور، والتعبير بهذا اللفظ للتوجيه والمبالغة في إفادة المضي، فإنّ المتبادر من هذا اللفظ هو المضي، وإن كان (1) بمعنى «صار »حكمه حكمه، وكذا الحكم إذا كان تامّاً بمعنى «وجد» ثمّ في الإتيان بـ «كنتم» على كلّ: التوجيه.

السابعة: في تقديم الظرف أعني «فيه» على متعلّقه إن تعلّق بـ «تصنعوا»; وجوه:

منها: رعاية الوزن والقافية.

ومنها: التوجيه.

ومنها: تقريب الضمير من مرجعه لا سيّما إذا لم يكن مرجعه هو المذكور، لأنّه أحوج إلى التقريب.

الثامنة: في التعبير عن معنى التعليل، أو معنى الباء بـ«في»، مبالغة في العليّة أو الإلصاق كما لا يخفى، وتوجيه من جهتين: إحداهما من جهة لفظة «في» والأُخرى من جهة محل الظرف.


1- في الأصل: «و إن كان إذا كان»، و تظهر «إذا كان» زائدة.


(283)

التاسعة: في التعبير عن عبدة العِجل بأهل العجل، ما لا يخفى من المبالغة في إصرارهم على عبادته ورسوخها في قلوبهم كما قال جلّ من قائل:(وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ)(1).

العاشرة: في إبهام صنيع أهل العجل ثمّ إيضاحه بقوله: «فارقوا» إن كانت «إذ» زائدة، أو للتعليل، أو مجرّد الإبهام إن كانت ظرفية إشارة إلى تعظيمه في الفظاعة والشناعة. الحادية عشرة: العدول عن تركه إلى الترك له، للتوجيه والوزن.

الثانية عشرة: تقديم الظرف، أعني«له» على عامله إن كان متعلّقاً بـ«أودع» للوزن و القافية والتوجيه وتقريب الضمير من مرجعه.

الثالثة عشرة: التعبير عن معنى اسم الفاعل باسم التفضيل إن أُريد بـ«أودع» معنى «وادع» للدلالة على اشتماله على فضل يسعه أي ليس ضعيفاً في السعة بل له فيها قوّة وفضل.

الرابعة عشرة: ترك المفضل عليه للاحتراز عن العبث في الظاهر، لأنّ القرينة جليّة جدّاً وللتوجيه.

البيان:

إن أُريد بـ«لو » معنى «إن» كانت استعارة تبعيّة، وكذا الماضيان اللّذان هما الشرط والجزاء، وإن كان المراد بـ«عسيتم» متوقّعاً منكم، كان مجازاً، ولفظة«في» أيضاً استعارة تبعيّة إن أُريد بها التعليل أو الإلصاق، والأهل استعارة مصرّحة; لأنّهم شبّهوا في اجتماعهم على عبادة العجل و اشتراكهم بما بين أهل بيت واحد من الاجتماع والاشتراك.


1- البقرة: 93.


(284)

[13]

وفي الّذِي قالَ بَيانٌ لِمَنْ * كانَ إذا يَعْْقِـلُ أوْ يَسْمَعُ

اللغة:

«الواو»: إمّا للعطف أو الحال أو الاعتراض، أو للاستئناف البياني.

«في» : إمّا للظرفية المجازيّة، وإمّا بمعنى الباء للسببية كما قيل في قوله تعالى (يَذْرَؤكُمْ فِيهِ)(1).

وإمّا بمعنى «من» التي للتبعيض كما قيل في قوله:

ألا عِم صَباحاً أيُّها الطَّللُ البالي * وَهَلْ يَعمَن مَنْ كان في العُصُر الخالي

وهل يَعِمَن مَنْ كان أحدَث عهده * ثلاثين شَهراً في ثلاثة أحوالِ(2)

ومن نفى كون «في» بمعنى «من» قال المعنى في عقب ثلاثة أحوال.


1- الشورى:11.
2- البيتان مطلع قصيدة لامرئ القيس; ديوانه 158 (الطويل).


(285)

والحقّ أن «في» فيه بمعناها الحقيقي من غير شائبة، تجوز إلاّ في ظرفية الكل للجزء، و من غير أن يلزم تكلّف أو خروج عن الظاهر.

وإمّا زائدة للتوكيد على ما أجازه الفارسي في الضرورة وأنشد:

أنا أبو سَعد إذا الليلُ دَجَا * يَخالُ في سوادِهِ يَرَنْدَجا(1)

وأجازة بعضهم في قوله تعالى:(وَقالَ ارْكَبُوا فِيها)(2).

«الذي»: من الموصولات الاسمية، أي الأسماء التي لا يصحّ الإخبار عنها أو بها إلاّ إذا اتّصل بها جملة، وتسمّى تلك الجملة صلة لها.

والجمهور على أنّها لا تكون إلاّخبرية.

وأجاز الكسائي كونها أمرية أو نهية.

والمازني: أن تكون دعائية لفظها خبر، نحو: الذي يرحمه اللّه زيد.

وهشام : أن تكون مصدرة بـ «ليت» أو لعلّ» أو «عسى».

ثمّ المشهور أنّها لا تكون تعجبيّة وإن كانت خبراً. ومن النحاة من أجازه وهو مذهب ابن خروف(3).

وذهب جماعة إلى أنّها لا تكون قسمية. وأجازه آخرون إن كان في إحدى جملتي القسم وجوابه عائد إلى الموصول.


1- قال في الأغاني: 3/100 هو لسويد بن أبي كاهل اليشكري. و سويد يكني أبا سعد، و هو شاعر متقدم من مخضرمي الجاهلية والاسلام. انظر (شرح شواهد المغني:1/486 الشاهد 271).
2- هود:41.
3- علي بن محمد بن علي بن محمد بن خروف الحضرمي الاشبيلي المعروف بابن خروف، صاحب شرح كتاب سيبويه، و شرح الجمل للزجاجيو غير ذلك، توفّى سنة(610).(هدية العارفين: 1/704، سير اعلام النبلاء:22/26، الكنى والألقاب:1/276، شرح الرضي:1/523 الهامش).


(286)

وكذا اختلفوا في الشرطية، فمنعه قوم و أجازه آخرون إن كان في إحدى الجملتين عائد.

وفي الإفصاح: أنّ الوصل بـ «نعم» و «بئس» و« جملة الشرط والجزاء» جائز باتّفاق.

وذهب الفارسي إلى أنّه لا يوصل بـ«نعم» و «بئس» إذا كان فاعلهما ضميراً بخلاف ما فيه الأقوال.

والحقّ أنّ كلّ ما أُريد به الإنشاء لا يجوز أن يقع صلة، فإن وقع فلابدّمن التأويل إلى الخبر و كلّ ما يكون خبراً يصحّ أن يكون صلة فلا وجه للمنع في الشرط والجزاء.

وقد اشترط بعضهم فيها أن لا تكون مستدعية لفظاً قبل الموصول، فلا يجوز نحو: جاءني الذي حتى أبوه قائم، ولا مررتُ بالّذي لكنّه منطلق، ولا: مررت بالّذي إذن ينطلق، والأمر عندي كذلك.

ثمّ إنّ الوصل بجملة مصدّرة بـ«كان» جائز، إذ لا مانع منه، وقيل: الأحسن تركه لأنّها غيّرت مقتضى الجملة، كما غيّرت «ليت» و«لعل».

قال نجم الأئمة رضوان اللّه عليه: إنّما وجب كون الصلة جملة، لأنّ وضع الموصول على أن يطلقه المتكلّم على ما يعتقد أنّ المخاطب يعرفه بكونه محكوماً عليه بحكم معلوم الحصول له، إمّا مستمراً، نحو: باسم الذي يبقى ويفنى كلّ شيء، أو: الذي هو باق، أو في أحد الأزمنة، نحو: الذي ضربني، أو أضربه، أو الذي هو ضارب، أو يكون متعلّقه محكوماً عليه بحكم معلوم الحصول له مستمراً، أو في أحد الأزمنة، نحو: اللّه الذي يبقى ملكه، أو: ملكه باق. وزيد الذي ضرب غلامه، أو غلامه ضارب. أو يعتقد أنّ المخاطب يعرفه بكونه أو كون سببه حكماً على شيء: دائماً أو في بعض الأزمنة، نحو: الذي أخوك هو، أو الذي أخوك غلامه،


(287)

أو الذي مضروبك هو، أو غلامه.

ثمّ قال: فهذا يصلح دليلاً على أشياء:

أوّلها: أنّ الموصولات معارف وضعاً.

وثانيها: أنّ الصلة ينبغي أن تكون معلومة للسامع في اعتقاد المتكلّم قبل ذكر الموصول .

وثالثها: أنّ الصلة ينبغي أن تكون جملة.

وخامسها(1): أنّه لابدّ في الصلة من ضمير عائد(2).

وبسط الكلام في كلّ من هذه الأُمور الخمسة مما لا يليق بهذا الكتاب. ثمّ إنّ لزوم العائد في الصلة ممّا لا خلاف فيه. والمشهور أنّه لا يكون إلاّ ضميراً، وقد سمع ما ظاهره أنّ العائد ظاهر هو عين الموصول ،نحو قوله: وأنت الذي في رحمة اللّه أطمع، وقيل: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، و الحجاج الذي رأيت ابن يوسف.

فمن النحاة من أبقاه على الظاهر وعمّم العائد للمضمر والمظهر.

ومنهم من يقدّر الضمير ويجعل الظاهر بدلاً منه .

ثمّ الضمير العائد إمّا أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، فإن كان مرفوعاً لم يجز حذفه إلاّ إذا كان مبتدأً، فالبصريّون على أنّه إن كان في صلة أي جاز حذفه بلا شرط كقوله تعالى:(أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلى الرَّحْمنِ عِتِيّاً)(3) وقوله: «فسلم على أيّهم أفضل» وإلاّ كان الحذف مشروطاً باستطالة الصلة كقوله تعالى: (وَهُوَ الّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلهٌ)(4) والكوفيّون يجوّزون الحذف مطلقاً كما قرئ في


1- تجاوز النقطة الرابعة و لم يذكرها و هي: رابعها: أنه يجب أن تكون الصلة جملة خبريّة.
2- شرح الرضي:3/7 ـ 11.
3- مريم:69.
4- الزخرف: 84.


(288)

الشواذ على الذي أحسن.

وإن كان منصوباً; فإنّ كان مفعولاً متّصلاً، جاز حذفه وإلاّ لم يجز.

وإن كان مجروراً; فإن كان جرّه بإضافة اسم ناصب له تقديراً أو بحرف جرّ متعيّن يعلم عند الحذف، جاز حذفه، وقد يحذف مع الحرف الغير المتعين، نحو: الذي مررت زيد، لجواز أن يكون المراد «به» و «معه» و «له».

فذهب الكسائي فيه إلى التدريج في الحذف بأن يكون قد حذف الجار أوّلاً ووصل الضمير بالفعل ونصب به ثمّ حذف لكونه منصوباً.

وذهب سيبويه والأخفش إلى أنّهما حذفا معاً لأنّ حذف الجار ليس قياسياً في كلّ موضع.

وأجاز الفارسي خلوّالصلة عن العائد إذا عطفت عليها بالفاء جملة فيها ضمير الموصول نحو: الذي يطير الذباب فيغضب زيد(1).

وأجاز الكوفيّون والبغداديّون وابن مالك; أن يتبع الموصول باسم معرف أو بـ«مثلك» فيستغني عن الصلة نحو: ضربتُ الذي أخوكَ ، و ضربت الذي مثلك.

وقد تحذف الصلة لدلالة صلة أُخرى عليها، كقوله:

وعند الذي واللاّت عندك إحنة * عليك فلا يغررك كيد العوائد

أي الذي عادك، أو دلالة غيرها عليها، كقوله:

نَحنُ الأُولى فَاجْمَعْ جُمو * عَكَ ثُمَّ وَجّهْهُــمْ إِلَيْنا(2)


1- وهو سؤال مقدر، جوابه: الذي يطير فيغضب زيد: الذباب.

2- من قصيدة لعبيد بن الأبرص يخاطب بها امرئ القيس بن حجر، أوّلها:

يا ذا المُخَوِّفُنا بِقَتْ * ـِل أبيه إذلالا ً وحَيْنا

(شرح شواهدالغني:1/258 الشاهد 123).


(289)

أي نحن الأُولى عرفوا. بالشجاعة

وقوله:

بَعْدَ اللّتَيّا واللّتَيّا والّتي * إذا عَلَيْها أنفُسٌ تَرَدَّتِ(1)

فقيل: إنّ الجملة الشرطية صلة الأخير وصلة الأوّلين محذوفة من جنس المذكورة.

وقيل: التقدير اللّتيّا دقت و اللّتيّا دقت، لدلالة التصغير عليه.

وقيل: بل يقدر :عظمت فيها، لأنّ التصغير فيهما للتعظيم.

وقيل: إنّ «التي»إذا كانت عبارة عن الذاهبة لم يحتج إلى صلة وهنا كذلك.

هذا وإنّما أخّرنا هذه الجملة من أحكام الموصولات إلى هذا المقام ولم نقدّمها في البيت السادس، لأنّ لفظ «الذي» أوّل ما يذكره القوم في تعداد الموصولات لتعيينه للمفرد المذكر، ولأنّه متعيّن للموصولية لا يحتمل غيرها إلاّفي شواذ المذاهب كما ستطّلع عليه.

ثمّ إنّ «الذي» وزنه عند البصريّين «فعل» وأصله «لذي».

وقال الكوفيون: أصله الذال الساكنة وحدها، لما أُريد أن يدخل عليها الألف واللام وكان يلزم اجتماع اللام والذال الساكنين زادوا قبلها «لاماً» متحرّكة، ثمّ كسروا الذال وأشبعوا كسرتها بالياء.

وذهب الفرّاء إلى أنّ أصله «ذا» اسم إشارة.

والسهل إلى أن أصله «ذو» بمعنى صاحب.

ثمّ إنّ اللّغة الفُصحى فيه، سكون الياء وقد تشدّد، وحينئذ فذهب


1- مغني اللبيب: 2/625.


(290)

«الجرولي» إلى إعرابه كـ«أي»، وقيل تبنى على الكسر.

وحكى الزمخشري بناءه على الضمّ، وقيل: يجوز البناء على الكسر والاعراب، وقد تحذف الياء مع إبقاء الذال على الكسر ومع إسكانها ووضعه للمفرد المذكّر من ذوي العلم وغيرهم.

وحكي عن بعضهم أنّه جاء بمعنى الرجل.

و زعم يونس والفرّاء وتبعهما ابن مالك أنّه يسبك منه و من صلته مصدر، وخرجوا عليه قوله تعالى:(ذلِكَ الّذِي يُبَشِّر اللّه عِبادَهُ)(1) وقوله (خُضْتُمْ كَالّذِي خاضُوا)(2).

«بان» الشيء بياناً: اتّضح فهو بيّن . والبيان: الفصاحة واللسن، يقال: فلان أبيَن من فلان، أي أفصح; والبيان أيضاً ما يتبيّن به الشيء من الدلالة وغيرها.ويقال لكلّ كلام أو الواضح منه: بيان، وفي الحديث: «إنّ من البيان لسحراً»(3).

«اللاّم» لتقوية العامل أو للاختصاص أو للانتفاع.

أو بمعنى عندكما في قولهم «كتبته لخمس خلون» وفي قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ)(4) على قراءة الجحدري بكسر اللام وتخفيف الميم على ما قاله ابن جنّي.

أو للتبليغ بتضمين البيان معنى القول، أو تنزيله منزلته.

«من» موصولة بمعنى «الذي» أو«الذين» أو موصوفة.


1- الشورى: 23.
2- التوبة:69.
3- ذكرالحديث الشيخ الصدوق في أماليه: 817 ح 987 مسنداً عن عبداللّه بن زهير، و في من لا يحضره الفقيه:4/379.
4- ق: 5.


(291)

«كان» إمّا ناقصة أو تامّة.

«إذا» إمّا شرطية أو ظرفية محضة.

«يعقل» يجوز أن يقرأ على صيغة الغائب المبني للفاعل، و أن يُقرأ على صيغة الغائب المبني للمفعول، وأن يقرأ على صيغة المخاطب المبني للفاعل، وكذلك «يسمع».

والعقل في الأصل الإمساك والاستمساك، كعقل البعير وعقل الدواء البطن، وعقل المرأة شعرها، ومنه قيل للحصن: معقل.

ثمّ سميت القوّة المدركة للكلّيات: عقلاً، لعقلها صاحبها عن القبائح، كما سميت نهية لنهيها صاحبها عن القبائح، وسمّي إدراكها أيضاً عقلاً، يقال: عقلتُ الشيء، أي فهمته.

و ربّما خُصّ : بالعلم بصفات الأشياء من الحسن والقبح والكمال والنقصان.

و ربّما خصّ : بالعلم بخير الخيرين وشرّ الشرّين.

و تسمّى القوّة: عقلاً مطبوعاً، وإدراكها: عقلاً مسموعاً; قال أمير المؤمنين صلوات اللّه وسلامه عليه:

العقل عقلان * مطبوع، ومسموع

فلا ينفع مسموع * إذالم يكن مطبوع

كما لا ينفع ضوء الشمس * وضوء العين ممنوع(1).

«أو» حرف عطف لها معان كثيرة.

فمنها: أن تكون للشك في ثبوت الحكم لأحد الأمرين.


1- مفردات الراغب: 342 و يقول بعده: و إلى الأوّل أشار ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله: ما خلق اللّه خلقاً أكرم عليه من العقل، و إلى الثاني أشار بقوله: ما كسب أحد شيئاً أفضل من عقل يهديه إلى هدىً أو يرده عن ردى.


(292)

ومنها: معنى الواو، أي تشريك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم قاله الكوفيّون والجرمي، واحتجّوا بقوله تعالى: (مائة أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ)(1)، ويقول جرير :

جاَء الخِلافَة أوْ كانت لَــُه قَدَرا * كما أتَى رَبَّهُ مُوسـَـى علَى قَدَرِ

و قال ابن هشام: والذي رأيته في ديوان جرير: «إذ كانت»(2) و يقول توبة.

وقد زعمـــت ليلى بأنّي فاجـــر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها

ويقول آخر:

إنَّ بها أَكْتَـــــــلَ أو رِزامــــاً * خُوَيْرِيَيْنِ يَنْقِفانِ إ ِلهاما (3)

حيث لم يقل«خُوَيْربا».

ولا يقال زيد و (4) عمرو لصّان، إلاّإذا كانت «أو» بمعنى »الواو»، ونحو ذلك من الشواهد.

وأجاب غيرهم عنها بأجوبة مذكورة في مواضعها.

ومنها: الاضراب كـ «بل»، واشترط سيبويه لمجيئها بهذا المعنى شرطين: الأوّل: تقدّم نفي أو نهي، والثاني: إعادة العامل نحو: ما قام زيد أو ما قام عمرو، أو لا يقم زيد و (5) لا يقم عمرو. ولم يشترطهما الكوفيّون وابن جنّي والفارسي


1- الصافات:147.
2- شرح شواهد المغني:1/196 الشاهد: 86، و جَرير في هذا البيت يمدح عمربن عبدالعزيز.
3- لسان العرب: 1/349 «خرب».
4- الصحيح «أو» و يظهر أنّ الألف ساقطة من قلم النُّساخ.
5- أيضاً الصحيح «أو».


(293)

فأثبتوه مطلقاً، لقوله:

ماذا تَرى في عِيال قَدْ بَرِمْتُ بِهِمْ * لم أُحْصِ عِدّتَهُـــم ْإلاّ بِعَدّادِ

كانُوا ثمانينَ أوْ زادوا ثَمانيـــــة لوَلا * رِجـــاؤُك قَدْ قَتَلْتُ أولادي(1)

وقوله تعالى: (أَوَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَريقٌ مِنْهُمْ)(2) على قراءة أبي السّمال، بسكون الواو، وعلى هذا المعنى حمل بعضهم، «أو» في قوله تعالى: (مِائَةُ أَلْف أَوْ يَزِيدُونَ) .

ومنها: التقسيم، كقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً)(3) (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى)(4).

وكقولهم: الكلمة اسم أو فعل أو حرف.

«السمع»: قوّة مودعة في الصماخ يدرك بها الأصوات وإدراكها كالسماع، فمن الأوّل :(خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ )(5) ومن الثاني: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ)(6).

وربّما أُطلق على الأُذن.

وقد جاء بمعنى الفهم، و بمعنى الطاعة لتسبّبهما عن السماع، قال عزّقائلاً:(وَلا تَكُونُوا كَالّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)(7) وقال: (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّة وَاسْمَعُوا)(8).


1- البيتان لجرير بن عطية (شرح ابن عقيل الشاهد: 295).

2- البقرة:100.

3- النساء:135.

4- البقرة:111.

5- البقرة:7.

6- الشعراء:212.

7- الأنفال:21.

8- البقرة:93.


(294)

الإعراب:

إن كانت الواو للعطف، فجملة البيت معطوفة على قال مع ما في خبره.

وإن كانت للحال، فهي حال عن فاعل قال، أو عن مفعوله; وحينئذ فالموصول مع صلته هو العائد على ذي الحال.

وإن كانت للاعتراض، لم يكن للجملة محلّ من الإعراب، و تكون معترضة بين جملتين للتنبيه، على ما يفهم من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لئلا يغفل عنه السامعون.

وإن كانت للاستئناف، لم يكن أيضاً لها محلّ من الإعراب ويكون جواباً لسؤال من يقول: «لِمَ أعرض ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن بيان الخليفة رأساً و كتم عنهم هذا الأصل الأصيل من أُصول الدِّين؟ فأجاب بأنّه شافي للخليفة.

ثمّ إن كانت حالاً فالظرف عامل في المرفوع أعني«بيان» و هو فاعله.

ويحتمل كما عرفت على قول أن يكون المرفوع مبتدأ والظرف خبره.

وعلى سائر الاحتمالات فالمرفوع مبتدأ خبره الظرف عند البصريّين، والظرف عامل عند الكوفيين. ويحتمل الأمران عند الأخفش وقد عرفت جميع ذلك.

ولابتدائيّته بيان مصحّحات:

أحدها: تقديم الخبر أو ظرفيته.

وثانيها: تخصيصه بما يليه سواء كان متعلّقاً به أو صفة له.

وثالثها: وقوعه في الحال.

وإن كانت «في» زائدة كان ما في خبرها مبتدأ.

«الذي» إن كانت موصولة فـ«قال» صلتها والعائد محذوف، أي الذي قال.


(295)

ويحتمل أن تكون مصدريّة على رأي من رأى مجيئها كذلك، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير ضمير، بل يكون المعنى وفي قوله.

و«كان» إن كانت ناقصة كان اسمها الضمير الراجع إلى «من» و كان خبرها محذوفاً، أي لمن كان هناك أو حاضراً أو سائلاً، أو لمن كان مفزعاً.

وإن كانت تامّة، لم يكن لها إلاّ فاعل وهو الضمير.

فإن كان المراد الأوّل وكان «بيان» مصدراً، فاللام في «لمن» للانتفاع أو للاختصاص أو للتبليغ، أو بمعنى «عند»; فعلى الثلاثة الأُول تكون متعلّقة بالبيان، وعلى الأخير يكون الظرف مستقرّاً صفةً للبيان، أو لغواً متعلّقاً بمعنى النسبة المفهومة من الجملة إن كانت اسمية، وبالظرف الأوّل إن كان المرفوع فاعلاً له. وإن كان البيان بمعنى ما يبيّن به الشيء فاللام إمّا للانتفاع أو للاختصاص، أو بمعنى «عند» و الظرف إمّا مستقر صفة له، أو لغواً متعلّق بالظرف الأوّل، أو بمعنى النسبة المفهومة من الجملة.

وإن كان المراد الثاني وكان «البيان» مصدراً، وكانت للتقوية أو الاختصاص; ويحتمل بعيداً أن تكون للانتفاع; فعلى الأوّل يكون الظرف لغواً متعلّقاً بالبيان، وعلى الأخيرين يكون مستقرّاً صفة للبيان، أو لغواً متعلّقاً بالظرف الأوّل، أو بمعنى النسبة، وإن كان المراد الثالث، جرى فيه ما جرى في الأوّل إلاّ كون اللام للاختصاص، فإنّه لا يجري فيه.

وليعلم أنّه كلّما كان البيان مصدراً ولم يكن لامُ «لمن» للتقوية كان مفعول البيان محذوفاً، أي بيان للمفزع لمن كان.

وإن لم يكن مصدراً ولم يكن المراد بـ«من» ذلك المفزع، كان مقدّراً أيضاً إمّا


(296)

في الكلام وإمّا في العناية.

ثمّ إن كان المراد بـ«من كان» :الحاضرين أو المفزع، فالظاهر أنّ «من» موصولة لا سيّما على الأوّل، ويحتمل أن تكون موصوفة مراداً بها التعميم على الأوّل دون الثاني.

وإن كان المراد به «من وجد» فـ«من» موصوفة مراد بها التعميم . ثمّ إنّ وحدة الضمير العائد عليها في «كان» إن كانت موصوفة مطابقة للّفظ والمعنى جميعاً و كذا إن كانت موصولة، مراداً بها «المفزع» وإلاّ كانت باعتبار اللفظ فإنّ المعنى جمع.

«إذا» إن كانت ظرفاً محضاً كانت متعلّقة بالبيان إن كان مصدراً، وإلاّ تعلّقت إمّا بالظرف الأوّل أو الثاني إن كان مستقرّاً أو بمعنى النسبة.

وإن كانت شرطيّة كان الجواب محذوفاً، أي إذا يعقل أو يسمع كان فيه بيان، أو كان الجواب ما سنذكره عن قريب.

وإذا الشرطية لا تجزم المضارع إلاّفي الضرورة .

استغن ما أغناك ربُّك بالغنى * وإذا تصبك خصاصة فتحمّل(1)

ثمّ إن كان المراد بـ«مَن» الحاضرين، فالظاهر أن يقرأ الفعلان بصيغة المعلوم الغائب وكان الضمير عائداً على «من» ويحتمل أن يكونا على صيغة المجهول الغائب.


1- ذكره أبوبكرالسرخسي في اصوله: 1/222، و ابن هشام في مغني اللبيب: 1/97 و 3/698، و القرطبي في تفسيره: 5/338 و فيه «فتجمّل» بدل «فتحمّل» و مثله لسان العرب: 1/712، و لم يذكروا قايله.


(297)

وإن كان المراد بها المفزع، وجب أن تقرأ إمّا بصيغة الغائب المجهول، أو المخاطب المعلوم.

وإن كان المراد بها من جد، احتملت الثلاثة; ثمّ على صيغة الغائب المعلوم احتمل أن يكون مفعولهما مقدّراً، أي يعقل أو يسمع ما قاله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأن يكونا منزلين منزلة اللازم أي كان ذا عقل أو ذا سمع، وأن يكونا متخالفين. وكذا إن كانا بصيغة الخطاب .

وإن كانا بصيغة المجهول احتمل أن يكون مفعولهما القائم مقام الفاعل ضميراً عائداً إلى ما قاله النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وأن يكون ضميراً عائداً إلى مصدريهما أي يعقل العقل أو يسمع السمع، بمعنى يحصل العقل أو السمع، كما يقال في نحو قوله تعالى: (وَ حيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُون)(1)، إنّ التقدير حيل الحيلولة، أي أوقعت الحيلولة، وعلى صيغة الخطاب فالمراد خطاب كلّ من يصلح للخطاب لا شخص معيّن، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْوُقِفُوا عَلى النّار )(2) ونحوه على وجه.

ثمّ إنّ جواب الشرط على صيغة المجهول أو الخطاب إن كانت «إذا» شرطيّة غير ما قدّمناه، بل علم أو علمت ذلك أو صدق مقالي ونحو ذلك، إلاّ إذا كان المراد بـ«من» الحاضرين أو من وجد، فإنّ تقدير الجواب المتقدّم جائز عليهما.

المعنى:

وكائن أو كان أو والحال أنّه كان أو كائن في الذي قاله النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو


1- سبأ:54.
2- الأنعام:27.


(298)

بسببه، أو في قوله ذلك المقال، أو بسببه بيان المفزع عند الذين كانوا حاضرين، أو عند أيّ شخص كان من الحضّار أو خاصّاً به أو لمنفعته، أو بيان من كان مفزعاً، أو بيان المفزع لمن وجد أيّاً من كان أي لمنفعته، أو عنده، أو من قوله بيان، بمعنى أنّ البيان من أجزاء قوله; وذلك لتضمّن ما قاله إيّاه فإنّ القول متجزّئ بتجزّؤ المقول، فإذا كان المقول متضمّناً للبيان بمعنى ما يبيّن به الشيء كان القول متضمّناً للبيان بالمعنى المصدري، أو في الذي قاله، أو بسببه، أو منه بيان أي ما يبين به المفزع كأين لمن كان حاضراً أي لمنفعته أو مختصاً به أو عنده، أو لمن كان مفزعاً أي مختصّاً به أو لمنفعته، أو لمن وجد أي لمنفعته، أو عنده.

أو أنّ ثبوت البيان في الذي قال، لمن كان حاضراً أو مفزعاً أو من وجد، أو في قوله أو بسببه بيان بهذا المعنى أو الذي قاله بيان أي ما يبيّن به الشيء، أو قوله بيان بالمعنى المصدري وإنّما فيه بيان إذا كان من كان حاضراً يعقل ويسمع مقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو إذا كان يعقله بل إذا كان يسمعه، أو إذا كانوا منقسمين إلى من يعقله ومن يسمعه أي ذلك ظاهر لكلّ من عقله و من سمعه، أو إذا كان ذا عَقْل أو سَمع، أو إذا كان ذاعقل أو سمعه، أوإذا كان يعقله أو كان ذا سمع، أو إذا كان من وجد كذا، أو إذا وجد ذو عقل أو سمع، أو إذا عقل أو سمع مقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أوإذا يعقل أو يسمع، أو يُعقل أويُسمع، كان فيه بيان أو علم، صدق مقالي، أو إذا عقلت أو سمعت علمت، صدق مقالي، على تقدير إرادة معنى الواو بـ«أو» يجوز أن يكون المراد بالسمع الفهم.

والحاصل أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ردّهم بما يتضمّن النصّ على ما سألوه عنه من المفزع بعده، وذلك لأنّه لمّا قال: إنّي أخاف عليكم أن تصنعوا بخليفتي ما صنعت عَبَدَة العِجْلِ بهارون . دلّ على أنّ خليفته من هو من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بمنزلة هارون من موسى


(299)

و ما هو إلاّأمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، والنصوص عليه من طرق العامّة وحدها بالغة حدّ التواتر كما لا يخفى على من له أدنى استقراء.

المعاني:

فيه مسائل:

الأُولى : التعبير عن معنى الباء أو من بـ«في»; لما عرفت سابقاً من المبالغة والتوجيه، وإن كانت زائدة فزيادتها للتجريد المتضمّن لغاية المبالغة كأنّه من غاية كونه بياناً، في ضمنه بيان آخر.

الثانية: تقديم الظرف على المرفوع إن كان مبتدأ، لازدياد التّخصيص ودفع الالتباس فإنّه لو أخّر التبس بالصفة، ولتصدير الحال برابطيها أعني الواو والعائد، وللتوجيه.

الثالثة: حذف عائد الموصول للاختصار والوزن والتوجيه إن صحّ مجيئ «الذي» لجعل ما بعده بتأويل المصدر.

الرابعة: تنكير «بيان» للتعظيم، والظاهر تعظيمه من جهة كونه بياناً أي شدّة إيضاحه، وللتوجيه فإنّه لو عرفه كان اللائق به تعريفه بالإضافة، وحينئذ لا يكون فيه من الاحتمالات ما هي الآن.

الخامسة: إن كانت «من »عبارة عن الحاضرين فالتعبير عنهم بها للتعميم، وإن كانت عبارة عن المفزع فللتعظيم.وفيه على التقديرين التوجيه.

السادسة: حذف خبر كان إن كانت ناقصة; للاختصار والتوجيه.

السابعة: حذف جواب الشرط إن كانت «إذا» شرطية; للاختصار والاحتراز عن شبه العبث لكون ما قبلها مفسّراً له، وللتوجيه في إذا وفي الفعل في الجواب،


(300)

لأنّه لو ذكر الجواب تعيّن هو وتعيّنت «إذا» للشرطية; وتعيّن الفعل غيبة أو خطاباً.

الثامنة: حذف مفعولي الفعلين; للاختصار والتوجيه من جهة التعدّي واللزوم فيهما، وجهة الغيبة والخطاب، وجهة البقاء للفاعل أو المفعول.

التاسعة: زيادة قوله«أو يسمع» إن كانت «أو» بمعنى «بل»، أو للتقسيم; للمبالغة في وضوح البيان، وإفادة أنّه من الوضوح بحيث يكفي في فهمه السماع، وإن لم يكن عاقلاً البيان إن كانت «في» بمعنى «الباء» أو من كانت استعارة تبعية.


(301)

[14 ـ 20]

ثمّ أتَتْهُ بَعْدَ ذا عَزْمَةٌ * مِنْ رَبِّه ليسَ لَها مدفعُ

أبْلِغْ وَإلاّ لَمْ تَكُنْ مُبْلِغاً * واللّهُ مِنْهُمْ عاصِمٌ يَمْنَعُ

فَعِنْدَها قام النَبيّ الّذيِ * كانَ بما يأمرهُ يَصْـــدَعُ

يَخْطبُ مأموراً وفي كَفِّه * كفُّ علىّ ظاهراً يَلْمعُ

رافِعُها أكرِم بكَفِّّ الّذي * يَرفَعُ والكفِّّ الذي يرفَعُ

يقولُ والأملاكُ من حَوْله * واللّهُ فيهِمْ شاهِدٌ يَسْمَــعُ

مَنْ كُنْتُ مَولاهُ فهذا لَـهُ * مَوْلًى فَلَم يَرضُوا وَلَمْ يَقْنَعُوا

اللّغة:

«ثُمّ»(1) مشترك بين فعل و اسم وحرف.

فالفعل: ماضي مبني للمفعول، أو أمر من ثمَّ وطاه وأصلحه وجمعه.

والاسم: ما في قولهم: ماله ثمٌ و لا ذم، بضمّها; أي لا قماش ولا مرمة بيت.

والحرف: حرف عطف تفيد عند الجمهور: التشريك في الحكم، والترتيب


1- «ثم» و يقال فيها: فُمَّ، كقولهم في «جدث»: جدف. انظر مغني اللبيب: 1 / 150 .


(302)

يكون المعطوف متأخّراً عن المعطوف عليه، و المهملة بينهما.

وحكي عن الفراء والأخفش وقطرب أنّها بمعنى «الواو» وجعلوا من ذلك قوله تعالى:(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها)(1).

وزعم بعضهم أنّها قد تكون بمعنى «الفاء» كقوله:

كَهَزِّ الرُّدَيْنِيِّ تحتَالعَجَاج * جَرَى في الأنابِيبِ ثُمَّ اضْطَرب ْ(2)

و قد تجيئ لمجرّد الترتيب في الذكر كقوله:

إنّ مَنْ سادَ ثُمّ سادَ أبُوهُ * ثُمَّ قَدْسادَ قبلَ ذلك جَدُّهُ(3)

و قد تجيئ في الجمل خاصة لبعد مضمون المعطوفة عن مضمون المعطوف عليها، كقوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)(4).

وقد يبدّل ثاؤها فاء في بعض اللّغات فيقال: فم ، كما قيل في جدث جدف.

وقد يلحق بها التاء الساكنة أو المتحركة، وهي في البيت يحتمل أن تكون


1- الزمر:6.وفي الأصل جاءت الآية سهواً هكذا: ()هو الّذي خلقكم...) .
2- من القصيدة البائية لـ «أبي دؤاد جارية بنالحجاجالأيادي» أحد وصافي الخيل، و هنا يصف فيهاالفرس. والقصيدة في ديوان حميد بن ثور:43 و ليست له.(شرح شواهدالمغني:1/358 الشاهد167).
3- جاء في شرح الرضي:4/390، من أبيات لأبي نواس: الحسن بن هاني في مدحالعباس بن عبيداللّه بن جعفر، البيت بعدها:

و أبــو جـــده فـــساد * إلى أن يتلاقى نزاره و معده

و ليس القصد الاستشهاد و إنّما هو تمثيل لأمر معنوي
وانظر كتاب «المنخول» لأبي حامدالغزالي: 151.
4- الانعام:1.


(303)

بمعنى الّذي قالته الجمهور فتكون بعد «ذا» تأكيداً لها، وأن تكون بمعنى «الواو» أو للترتيب في الذكر أو لبعد مضمون ما بعدها عما قبلها، لأنّ الشأن بعد إتيان القرينة من اللّه تعالى بعيد في الغاية عن الشأن قبل ذلك، فيكون بعد «ذا» تأسيساً.

«التاء»: الساكنة التي في «أتته» علامة لتأنيث الفاعل وهي من خواص الفعل وإلحاقها بالفعل غير لازم إذا كان الفاعل مؤنّثاً غير حقيقي، أومفصولاً بينه و بين الفعل. وهنا قد اجتمع الأمران، وفي مثله نصّ جماعة، منهم نجم الأئمة رضي اللّه عنه على أنّ المختار ترك الإلحاق، كقوله تعالى: (جاءَهُ مَوْعِظَةٌ)(1).

ويحتمل أن لا يكون الناظم قد ألحق التاء، وإنّما الذي على صورتها ألف «أتى» التي هي لامها كتبت بصورة الياء التحتانيّة كما هو دأب طائفة من الكتاب، وحينئذ فقد راعى الأُولى على قول الجماعة من ترك الإلحاق.

«بعد» ظرف زمان غالباً وربما كان للمكان كما يقال: دار زيد بعد دار عمرو.

«ذا» اسم إشارة موضوع للإشارة إلى مفرد مذكّر، واختلف في وضعه على أقوال: فالبصريون على أنّه ثلاثي الوضع.

فمنهم من قال: إنّ أصله «ذيَيْ» بيائين مفتوحة فساكنة حذفت الأخيرة التي هي اللاّم اعتباطاً وقُلبت الأُولى ألفاً لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ولم يمنع من ذلك حذف الياء الأخيرة كما منع من مثله حذف ياء من «تولان» المحذوف اعتباطاً بمنزلة المعدوم.

ومنهم من قال: إنّ الياء الأُولى ساكنة وهي المحذوفة والثانية مفتوحة وهي التي قلبت ألفاً. ورجّح الأُوّل بأنّ حذف اللام اعتباطاً أكثر من حذف العين.

ومنهم من قال: إنّ أصله «ذوي» لأنّ باب طويت أكثر من باب حييت، ثمّ


1- البقرة:275.


(304)

اختلف فقيل: إنّ المحذوف هو اللام وقيل: العين على مثل المتقدّم

والكوفيّون على أنّ الاسم إنّما هو «الذال» وحدها، و«الألف» زائدة ; لأنّ مثنّاه «ذان».

وجماعة، منهم السيرافي وابن يعيش على أنّه ثنائي الوضع كماء ، بدليل أنّه إذا سمّي به قيل ذاء، بإلحاق إلف أُخرى ثمّ قلبها همزة ،كما يقال«لاء» إذا سمّي بـ «لا»، ولو كان ثلاثيّاً في الأصل لردّ إلى أصله فقيل :«ذاي».

ومن لغاته في الإشارة «ذاء» بالمدّ و«ذائه» بزيادة هاء مكسورة أو ساكنة بعد همزة مكسورة، و«ذاؤه» بهاء مضمومة بعد همزة مضمومة.

«العَزم» والعزيمة: الإرادة المتأكّدة لفعل، وعقد للقلب عليه، يقال: عزمت على كذا إذا أردت فعله وقطَعتُ عليه، ويقال: عزمت عليه أن يفعل، أي أقسمتُ عليه.

والمراد بالعزيمة هنا الكلام المشتمل عليها أو معناها الحقيقي ويكون المراد بإتيانها إتيان الكلام الدال عليها إمّا تقديراً أو عنايةً.

أو يكون المراد بالإتيان إتيانها على المجاز الغير المشهور، فإنّ إتيان الأقاويل استعمال شائع بخلاف إتيان معانيها.

وفي شرح السيد المرتضى علم الهدى ـ عليه السَّلام ـ لقول السيّد في قصديته البائية التي مرّ مطلعها:

و بخم إذ قالَ الإلهَ بعزمه * قُم يا محمّد في البرية فاخطُبِ(1)


1- شرح القصيدة الذهبية: 87. ويقول بعدها:

وانصب أبا حسن بقومك إنّه * هاد وما بلَّغــتَ إنْ لم تَنْصبِ
فدعاهُ ثمّ دَعاهُم فأقامهُ * لَهُمْ فبينَ مُصــدِّق ومُكذِّبِ
جَعَل الولاية بعــدَهُ لمهـــذَّب * ما كان يجعلهــا لغير مُهذّبِ


(305)

فأمّا قول السيد:«إذ قال الإله بعزمه» والعزم لا يجوز على اللّه تعالى، لأنّه اسم لإرادة متقدّمة على الفعل، وإرادة القديم تعالى لفعله لا تتقدّم عليه; لأنّ تقدّمها عبث.

فالوجه فيه أنّ السيد إنّما أراد بالعزمة هاهنا القطع للأمر، والثبات له، والإيجاب لفعله; لأنّهم يقولون: عزمت عليك أن تفعل كذا وكذا أي ألزمتك وأوجبت عليك، والإرادة إذا تناولت فعل الغير لا تسمّى عزماً، ويسمّون الواجبات :«عزائم» ولا يسمّون المندوبات بذلك، ولهذا قالوا: عزائم السجود في القرآن وهي السور التي فيها سجود واجب، فما أخطأ السيّد في ذكر العزمة ولا وضعها في غير موضعها. انتهى.

قيله طاب مقيله وكلّ ما قاله سديد إلاّ أنّ في نفيه بقدم إرادة اللّه تعالى على فعله تأمّلاً ليس هنا مقام بسط الكلام عليه فليطلب من مواضعه.

«من» للابتداء.

«الربّ» يكون بمعنى السيّد، قال عزّقائلاً:(اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)(1) وقال الأعشى:

واهلكني يوماً رب كندة وابنه * وربّ معد بني خبت وعرعر(2)

ويكون بمعنى «المالك»، روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال لرجل: أربّ إبل أنت أم ربّ غنم؟

وقال طرفة:

كقنطرة الرومي أقســم ربّها * لتكتنفن حتّى تشاد بقرمد(3)


1- يوسف:42.
2- ذكرهالشيخالطوسي في «التبيان في تفسيرالقرآن»: 1/31 و نسبه إلى لبيد بن ربيعة. و ذكره ابن جريرالطبري في «جامعالبيان»:1/93.
3- ذكره ابن منظور في لسان العرب:5/233: «قنطر».


(306)

ويكون بمعنى الصاحب، قال أبو ذؤيب:

قد نالهُ ربّ الكِلاب بكفه * بيض رهاب ريشهنّ مقزع(1)

ويكون بمعنى المربّي إمّا على أنّه اسم موضوع له كبر وطب، أو على أنّه مصدر أُريد به معنى اسم الفاعل.

وعلى الأوّل فهو من أسماء الفاعلين التي بمعنى الثبوت لا الحدوث، فهو صفة مشبّهة، ولما لم يكن بناء الصفة المشبّهة إلاّ من فعل لازم قيل إنّه نقل الفعل من التعدّي إلى اللزوم كما فعل بـ «رحم» حتّى بني منه«الرحيم»، وذلك بتنزيل الفعل منزلة اللازم.

وعلى كلّ فهو من «ربّ» الذي أصله ربه يربه بمعنى ربّاه، يقال: ربّيت الصبيّ وربيته أي ربيته، وكذا ترببته، و فلان مربوب أي مربَّى.

ويكون بمعنى الصالح وبمعنى المصلح للشيء، يقال: ربُّ ضيعته، أي أصلحها،وبسقاء مربوب أصلح بالربّ من العنب، وغيره.

قال:

كانُوا كَسالِئة حَمْقاءَ إِذْ حَقَنَتْ * سِلاءَها في أدِيم غــَــير مَرْبُوبِ(2)

ويقال: فرس مربوب، أي مصلح.

قال سلامة:

مِنْ كُلِّ حَثّ إذا ما ابْتَلَّ مُلْبَدهُ * صافي الأديمِ أسِيلِ الحَدِّ يَعْبُوبِ


1- ذكره الطبرسي في «تفسير مجمع البيان»:1/55، والزبيدي في «تاجالعروس»:1/280، و قال الرهب: السهم الرقيق، والرهاب كجبال.
2- والقائل: الفرزدق
سلأ السَّمْن يَسْلَؤُه سَلأً واستَلاَءَهُ طَبَخَه و عالَجَه فأذاب زُبْدَه
والاسم: السَّلاءُ، بالكسر، ممدود، وهوالسمن، والجمع: أسلئة.(لسان العرب:1/95).


(307)

ليسَ بأسْفَى و لا أقْنَى و لا سَغِل * يُسْقَى دَواءَ قِفِيَّ السَّكْنِ مَرْبُوبِ(1)

وقال الثعلبي في تفسيره «الكشف والبيان»: وقال الحسين بن الفضل، الربّ: الثابت من غير إثبات أحد يقال: ربّ بالمكان وأربّ ولبّ وألبّ; إذا أقام.

وفي الحديث: إنّه كان يتعوّذ باللّه من فقر مُرِبّ أو مُلِبّ(2)، فقال الشاعر:«ربّ بأرض ما تخطّاها الغنم»(3). يعني لكثرة رعيها لا يجاوزها إلى غيرها من الأراضي.

قال: وهو الاختبار لأنّ المتكلّمين أجمعوا على أنّ اللّه عزّوجلّ لم يزل ربّاً.

قال: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو بكر محمد بن موسى الواسطي عن معنى الرب، فقال: هو الخالق ابتداءً، أو المربّي عناء، أو الغافر انتهاء.

ثمّ لا يطلق الربّ على غيره تعالى إلاّمضافاً إلى شيء، ولا يطلق معرّفاً باللام إلاّعليه تعالى; لإفادته العموم ولا تعمّ ربوبية غيره تعالى.

«اللام» في «لها» للاختصاص.

«المدفع» إمّا اسم مكان، أو زمان، أو مصدر.

«الإبلاغ»: الإيصال، يقال: أبلغ عنّي السلام إلى فلان، أي أوصله إليه.

«الواو» للاستئناف البياني فإنّ ما قبلها مؤد إلى أن يُسئل عن السبب في


1- البيتان لـ «سلامة بن حنبل» يصف فرساً و هنا «السَّغِل»: المُضطربالخَلق (لسان العرب:1/401).
2- الطريحي: مجمعالبحرين: 2/129.
3- ذكرهالزبيدي في تاجالعروس: 1/464 و نسب إنشاده إليالأحمر. و ذكرهالسيد محسنالحكيم في: مستمسكالعروة الوثقى:11/394 قائلاً : حكى بعض عنالخيل...


(308)

وجوب الإبلاغ أو للاعتراض.

«إلاّ» مركّبة من «ان» الشرطيّة و «لا» النافية كما في نحو قوله تعالى:(إِلاّتنصُرُوهُ فَقَدْنَصَرَهُ اللّه)(1).

فلنتكلّم في كلّ من «أن» و «لا» على ما يقتضيه المقام: فاعلم أنّ «أن» يكون فعلاً ويكون حرفاً.

أمّا الفعل: فهو أمر من أنّ أينك، أي حان حينك.

وأمّا الحرف: فعلى وجوه:

منها: أن يكون حرف شرط، وهي أُم حروف الشرط، ولذا قد يحذف منها جملتا الشرط والجواب في الشعر إذا قامت قرينة،كقوله:

قالَتْ بناتُ العم يا سلمى وإن * كان فقِيراً مُعدَماً قالـت وإن(2)

ويحذف شرطها مع لا في السعة كثيراً، وهي موضوعة لما لا يقطع المتكلّم بوقوعه ولا بلا وقوعه، وإذا رأيتها في كلام اللّه عزّوجلّ، فإمّا التنزيل المقطوع به منزلة المشكوك فيه لاعتبار مناسب، أولعدم قطع المخاطب فنزل شكّه منزلة شك المتكلّم، أو لأنّ أكثر كلامه تعالى جار على ألسنة عباده.

وأمّا «لا» فهي حرف، تأتي على وجوه: تكون عاملة و غير عاملة، والعاملة تكون عاملة للجزم و عاملة عمل«إن» وعاملة عمل ليس. والتي هنا غير عاملة وهي لا تختص بشيء دون شيء.

«لم» حرف نفي مخصوص بنفي المضارع وقلبه إلى معنى الماضي، فهي تدلّ على انتفاء معناه في الزمن الماضي، ولا دلالة لها على انقطاع الانتفاء في الحال ولا على الاتّصال إلى زمن الحال، بل يرد على الوجهين : فمن الأوّل قوله تعالى: (لَمْ )


1- التوبة:40.
2- شرح الرضي: 4/86، مغني اللبيب: 2/649 و لم ينسباه.


(309)

يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)(1) ، ومن الثاني قوله تعالى حكاية: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيّاً)(2).

«الواو» إمّا للاستئناف، أو الحال، أو الاعتراض إن جاز الاعراض في آخر الكلام.

«اللّه» اسم لا خلاف في اختصاصه بالذات الأحديّة تعالى وتقدّس، لا يُطلق على غيره وإلاّلم يكن «لاإله إلاّ اللّه» توحيد، إلاّ أنّهم اختلفوا في أنّ هذا الاختصاص لكونه علماً موضوعاً له في الأصل، أو لكونه من الأسماء الغالبة في فرد من أفراد مفهومه غلبة بالغة إلى حد العلميّة، حتى صار من الأعلام الغالبة كالنجم، أو لا إلى حدّ العلمية بل إنّما صار من الأسماء الغالبة.

ثمّ اختلفوا في كونه اسماً جامداً، أو صفة مشتقّة، فالأوّلون قالوا: إنّ أصله «لاها» بالسيريانيّة، وذلك لأنّ في أواخر أسمائهم مَدّة، كقولهم للروح:«روحا»، وللقدس:«قدسا»، وللمسيح«مسيحا» وللابن:«أودا» فلمّا طرحوا المدّة بقي «لاه» فعرّبته العرب وعرّفته بالألف واللام.

والآخرون اختلفوا فيما اشتقّ منه، فقيل: إنّه في الأصل «لاه» مصدر لاه يليه ليها و لاها إذا احتجب أو ارتفع. ومنه الآلهة للشمس، لارتفاعها. وأنشدوا.

كَحَلْفَة من أبي رياح * يََسْمَعُها لاهه الكُبارُ (3)

وقيل إنّه في الأصل« إله» فحذفت همزته وعوّض عنها لام التعريف وأُدغم اللاّم في اللاّم، ولذا لزمته فلا يعرى عنها في السعة.


1- الإنسان:1.
2- مريم:4.
3- ديوانالأعشى:72 والأبيات قالها فيما كان بينه و بين بني جحدر. و ذكره ابن منظور في لسان العرب و فيه «أبورباح» بدل «أبورياح».


(310)

ثمّ قيل: إنّه من «أله» ، أي تحيّر لتحيّر العقول فيه، قال:

و بيدائية(1) تأله العين وسطها * محقّقة غبراء هرماء سملق(2)

وقيل: من ألهت إلى فلان، أي فزعت إليه و اعتمدت عليه ، قال: «ألهت إليها والركائب وقف»(3).

وقيل: من ألهت إليه أي سكنتُ إليه، لأنّ النفوس تسكن إلى معرفته والقلوب تطمئن بذكره.

قال: ألهت إليها والحوادث جمّة.

وقيل: إنّه من الوله، وهو ذهاب العقل فأصله«ولاه» قلبت الواو همزة كأشاح وأكاف، وأرّخت الكتاب و اقتت لأنّ العقول تتولّه في معرفته.

وقيل: من لاهت العروس تلوه لوهاً إذا احتجبت قال:

لاهت فما عرفت يوماً بخارجة * يا ليتها خرجت حتى رأيناها(4)

وقيل: من ألهت بالمكان أي أقمت به، لأنّه الدائم الثابت الذي لا يزول، قال:

ألهنا بدار ما تبيد رسومهـــا * كأنّ بقاياها وشام على اليـــد(5)

وقيل: من ألّههم أي أحوجهم إليه فإن العباد محتاجون مضطرّون إليه فهذا ما يليق بهذا الكتاب، والتفصيل محوج إلى إفراد رسالة له وفّقنا اللّه لذلك. وقد حضرني من الأخبار التي تدل على اشتقاقه، وما اشتقّ منه من طريق الخاصّة عدة:


1- كذا.
2- لم أعثر عليالبيت و قائله.
3- ذكره ابن منظور في لسان العرب: 3/951، والزبيدي في تاجالعروس: 9/375 و لم ينسباه.
4- ذكرهالقرطبي في تفسيره: 17/101 و لم ينسبه.
5- تاجالعروس :9/375 و لم ينسبه، و فيه «تبين» و «شوم» بدل «تبيد» و «شام».


(311)

فمنها: ما في تفسير الإمام الهمام الحسن بن علي العسكري صلواتاللّه وسلامه عليهما قال: اللّه هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق، وعند انقطاع الرجاء من كلّ من دونه، وتقطّع الأسباب من جميع من سواه. و قد روي مثل ذلك عن علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما.(1)

ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي رضوان اللّه عليه في كتاب «التوحيد»بإسناده عن أمير المؤمنين صلوات عليه قال: «اللّه» معناه: المعبود الذي يأله فيه الخلق و يولّه إليه; واللّه هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات.

وقال: قال الباقر ـ عليه السَّلام ـ : اللّه معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيته والإحاطة بكيفيّته.(2)

ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب «التوحيد من كتاب «الكافي» بإسناده عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليمها السَّلام قال: سئل عن معنى «اللّه»؟ فقال: استولى على ما دق وجل.(3)

ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن هشام بن الحكم، أنّه سأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن أسماء اللّه واشتقاقها :اللّه ممّا هو مشتق؟ قال: فقال لي: يا هشام، اللّه مشتقٌّ من إله; والإله يقتضي مألوهاً. إلى آخر الحديث.(4)

«من» للتعدية.

«العصمة» المنع، يقال: عصمه الطعام، أي منعه من الجوع والحفظ يقال:


1- التفسيرالمنسوب إليالإمامالعسكري ـ عليه السَّلام ـ : 201.
2- التوحيد: 85، ح 2، باب 4، تفسير «قل هواللّه أحد»(الخ).
3- الكافي: 1/114 ـ 115، ح 3، باب معاني الأسماء واشتقاقها.
4- الكافي: 1/87، ح 2، باب المعبود.


(312)

عصمته فانعصم .

«منعه» يمنعه عن كذا وعنه كذا: إذا لم يعطه; وعن فعل كذا: نهاه عنه، ومن فلان: إذا كفّ أذاه عنه وهو في عز.

ومنعه: محرّكة وتسكّن، أي له من يمنعه عمّن يؤديه، وهو منيع أي عزيز.وقد منع ككرم: صار منيعاً.

«الفاء» عاطفة تفيد السببية أو لمجرّد السببية.

«عند» مثلثة: الأوّل اسم للحضور الحسّي، أو المعنوي، وللقرب الحسّي أو المعنوي.

فمن الأوّل: قوله تعالى: (فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ)(1).

ومن الثاني: قوله تعالى: (قالَ الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ)(2).

ومن الثالث: قوله: (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنّةُ الْمَأْوى)(3).

ومن الرابع: قوله:(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ)(4).

وإذا استعمل في الزمان فقد يراد به الحضور المعنوي; وقد يراد به القرب المعنوي، فإذا قيل: ائتني عند الظهر، جاز أن يراد به وقت الظهر وأن يراد به قريباً منه.

والمراد به في البيت: الحضور المعنوي العرفي أوالقرب المعنوي الحقيقي، فإنّه لا شبهة في أنّ القيام ليس في عين وقت إتيان العزمة بل بعده ولكن ربّما يكون للوقت الواحد العرفي امتداد فيسع الإتيان والقيام.

«قام» يقوم قوماً وقومة وقياماً: انتصب، وقامت المرأة تنوح، طفقت، وقامت الدابّة: وقفت.


1- النمل:40.
2- النمل:40.
3- النجم:14و15.
4- سورة ص: 47.


(313)

«الألف واللام» للعهد الخارجي.

«النبيّ» إمّا من النبأ بمعنى الخبر لأنّه يأتي بالأنباء من اللّه سبحانه. وأصله الهمز قال سيبويه: ليس أحد من العرب إلاّويقول: تنبّأ مُسَيْلِمَةُ بالهمز، غير أنّهم تركوا الهمز في النبيّ كما تركوه في الذُرِّية والبَريَّة والخابية، إلاّأهل مكّة فإنّهم يهمزون هذه الأحرف الثلاثة ولا يهمزون غيرها ويخالفون العرب في ذلك.

وإمّا من النبوّة والنباوة وهي الارتفاع.

وربّما أطلقنا على الأرض المرتفعة، ويقال«النبي» أيضاً للأرض المرتفعة، قال الزمخشري في الفائق: وهو غير متقبّل عند محققة أصحابنا ولا مُعرج عليه.(1)

أقول: ولكن يؤيده ما رواه الشيخ الصدوق أبو جعفر ابن بابويه في كتاب «معاني الأخبار» بسنده عن ابن عباس قال: قال أعرابيّ لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : السلام عليك يا نبيء اللّه. قال: لستُ نبيء اللّه ولكنّي نبيّ اللّه.(2)

ومن طريق العامّة: أنّ رجلاً قال له يا نبيءاللّه، فقال: لا تنبز باسمي فإنّما أنا نبيّ اللّه.(3) وأوّله الأوّلون بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إنّما أنكر عليه لأنّ الهمز فيه ليس من لغة قريش.

ثمّ إنّه على الأوّل بمعنى فاعل بمعنى ذي كذا كـ«تامر» و «لابن».

أو بمعنى مُفْعِلْ كـ «بديع» بمعنى مُبْدِعْ.

أو بمعنى مُفْعَلْ كـ«بديع» أيضاً بمعنى مُبْدَعْ.

وعلى الثاني : بمعنى فاعل كـ «رفيع» لا بمعنى مفعول كما قاله الجوهري.


1- الفائق في غريب الحديث: 3/403 «النبوة».
2- معاني الأخبار: 113 ـ 114، ح 1، باب معنيالنبوة، مستدركالحاكم:2/231 و قال: هذا حديث صحيح على شرطالشيخين و لم يخرجاه.
3- الفائق في غريب الحديث: 3/401 و فيه «لاتنبِر».


(314)

وقيل: إنّه النبيّ مهموزاً أو غير مهموز بمعنى الطريق الواضح أو الطريق، لأنّ الأنبياء صلواتاللّه عليهم طرقٌ إلى معرفة اللّه تعالى وإلى الجنان.

ثمّ إنّ المشهور أنّ النبيّ أعمّ من الرسول وإنّ الرسول هو من كان صاحب شريعة وكتاب والنبيّ أعمّ من ذلك.

وقد روى ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الحجّة من «الكافي»، بإسناده عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن قول اللّه عزّوجلّ(وَكان رَسُولاً نَبِيّاً)(1) ما الرسول و ما النبيّ؟

قال: النبيّ: الذي يرى في منامه و يسمع الصوت ولا يعاين الملك; والرسول: الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك.

قلت: الإمام ما منزلته؟ قال: يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك ثمّ تلا هذه الآية:(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولوَلا نَبِىّ)(2) ولا مُحَدِّث.(3)

وروى أيضاً بإسناده عن إسماعيل بن مرار ،قال: كتب الحسن بن العبّاس المعروفي إلى الرضا ـ عليه السَّلام ـ : جعلت فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبيّ والإمام؟

قال: فكتب، أو قال: الفرق بين الرسول والنبيّ والإمام: أنّ الرسول الذي ينزل عليه جبرئيل فيراه ويسمع كلامه وينزل عليه الوحي، وربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ .

والنبيّ ربّما سمع الكلام وربّما رأى الشخص ولم يسمع.

والإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص.(4)


1- مريم:51 و 54.
2- الأنبياء:25.
3- الكافي: 1/176، ح1، بابالفرق بينالرسول والنبيّ والمحدّث.
4- المصدر نفسه: ح2.


(315)

وروي نحو ذلك عدّة روايات(1).

و أمّا قوله تعالى أنّه (كانَ رَسُولاً نَبِيّاً )، فله وجوه من التأويل:

منها: أن يكون النبيّ هنا بمعناه اللغويّ، أي رفيعاً.

ومنها: أنّ الرسول من الأنبياء رسالته متقدّمة على نبوّته فإنّه يُرسل لإنباء الخلق.

ومنها: أنّ «نبيّاً» خبر بعد خبر لـ«كان» لا صفة لـ«رسولاً» ليكون قيداً له، وإنّما أُخر عنه تنبيهاً على أنّ كلاً من الوصفين ممّا يستقلّ في استحقاق المدح به.

«الباء» إمّا للتعدية، أو السببية، أو الاستعانة.

«ما» إمّا موصولة، أو موصوفة، أو مصدريّة.

«الأسر» : إلقاء كلام يدلّ على طلب فعل على سبيل الاستعلاء، وربّما أُطلق على ذلك الطلب وإن لم يكن بإلقاء كلام.

«الصدع» في الأصل: الشق في شيء صلب من زجاج ونحوه، ولمّا كان هذا الشقّ بيّناً لا يمكن إخفاؤه، قيل: صدعت الشيء بمعنى بيّنته وأظهرته إذا بولغ في تبيينه وإظهاره، ويقال: صدعت بالحق، إذا تكلمت به جهاراً.

وقوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَر)(2) إمّا بمعنى أظهر ما تؤمر، أو بمعنى أفرق بين الحقّوالباطل بسبب ما تؤمر، أو باستعانته، أو شقّ جماعتهم بما تؤمر، أو أجهر بالقرآن.

وهذه المعاني وإن أمكن إجراؤها في البيت أيضاً لكن لا سترة بأنّ المناسب


1- راجع في ذلك مفاهيمالقرآن للعلاّمة السبحاني:4/360 ـ 371، و أحاديث بابالمصدرالسابق.
2- الحجر:94.


(316)

للمقام إنّما هو غير الآخرين.

«خطب» يخطب، كنصر ينصر، خُطبة ـ بالضم ـ أتى بالخطبة; وهي الكلام المؤلّف المتضمّن وعظاً وإبلاغاً، وكذلك خطابه ـ بالفتح ـ وقيل بالكسر.

وفي الصحاح : خُطب ـ بالضم ـ خطابة ـ بالفتح ـ صار خطيباً.

«الواو» للحال.

«الكف» : من رؤوس الأصابع إلى الكوع، قيل: سمّي بها لكفّها البدن عمّا يؤذيه . وربّما أُريد جملة اليد، وهو مؤنث لازم التأنيث كما نصّ عليه الحاجبي والمالكي وغيرهما.

«عليّ» اسم أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وهو اسم شقّه اللّه تعالى من اسمه.

روى الصدوق أبو جعفر ابن بابويه رضوان اللّه عليه في كتاب «معاني الأخبار» بسنده عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه صلوات اللّه عليهم قال: كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذات يوم جالساً وعنده عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات اللّه عليهم فقال: والّذي بَعَثني بالحقّ بَشيراً ما على وجه الأرض خلقٌ أحبّ إلى اللّه عزّوجلّ ولا أكرم عليه منّا; إنّ اللّه تبارك وتعالى شقَّ لي اسماً من أسمائه فهو محمود وأنا محمّد; و شقّ لك يا عليّ اسماً من أسمائه، فهو العليّ الأعلى وأنت عليّ; وشقّ لك يا حسن اسماً من أسمائه، فهو المحسن وأنت حسن; وشقَّ لك يا حسين اسماً من أسمائه، فهو ذو الإحسان وأنت حسين; وشقَّ لكِ يا فاطمة اسماً من أسمائه، فهو الفاطر وأنتِ فاطمة، ثمّ قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الّلهمّ إنّي أُشهدك أنّي سلمٌ لمن سالمهم، وحرب لمن حاربهم، ومحبٌّ لمن أحبّهم، ومبغضٌ لمن أبغضهم، وعدوٌّ لمن عاداهم، و وليٌّ لمن والاهم لأنّهم منّي


(317)

وأنا منهم.(1)

وروى أيضاً فيه وفي «علل الشرائع» بإسناده عن أبي ذر رضي اللّه عنه، عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في حديث طويل ـ : وجعل فيَّ النبوّة والبركة، وجعل في عليّ الفصاحة والفروسيّة; وشقّ لنا اسمين من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمّد; واللّه الأعلى وهذا عليّ.(2)

وروى أيضاً فيهما بإسناده عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ : لمّا خلق اللّه ـ عزّوجلّ ذكره ـ آدم ونفخ فيه من روحه; وأسْجَدَ له ملائكته; وأسكنه جنّته; وزوّجه حوّاء أمته فرفع طرفه نحو العرش، فإذا هو بخمسة سطور مكتوبات، قال آدم: يا ربّ مَن هؤلاء؟ قال اللّه عزّ وجلّ له: هؤلاء الذين إذا شُفّع بهم إلى خلقي شفّعتهم. فقال آدم: يا ربّ بقدرهم عندك ما اسمهم؟ قال: أمّا الأوّل فأنا المحمود وهو محمّد; والثاني: فأنا العالي وهو عليّ; والثالث: فأنا الفاطر وهي فاطمة; والرّابع: فأنا المحسن و هو الحسن; و الخامس: فأنا ذو الإحسان و هذا الحسين، كلّ محمد اللّه عزّوجلّ.(3)

إلى غير ذلك من الأخبار الناطقة بهذا ، الاشتقاق وهي من الكثرة بمكان.

ثمّ إنّ الصدوق روى في الكتابين عن جابر بن يزيد الجعفي رحمه اللّه أنّه قال: اختلف النّاس من أهل المعرفة لِمَ سُمِّي عليّ علياً، فقالت طائفة: لَم يُسمّ أحد من ولد آدم قبله بهذا الاسم في العرب ولا في العجم إلاّأن يكون الرجل من العرب يقول ابني هذا، عليّ يريد من العلو لا أنّه اسمه و إنّما سمّى به الناس بعده


1- معاني الأخبار: 55، ح 17، انتشارات اسلامي: 1361هـ ش.
2- علل الشرائع: 1/134، ح 1. (بابالعلّة التي من أجلها سمي الاكرمون علياللّه تعالى محمداً و عليّاً...). (المكتبة الحيدرية، 1385هـ ـ 1966م.
3- المصدر نفسه: 1/135، ح 2.


(318)

وفي وقته.

وقالت طائفة: سمّي عليّ عليّاً لعلوّه على كلّ من بارزه.

وقالت طائفة: سمّي عليٌّ عليّاً; لأنّ داره في الجنان تعلو حتى تحاذي منازل الأنبياء، (وليس نبي تعلو منزلته منزلة غيره)(1).

وقالت طائفة: سمّي عليّ عليّاً; لأنّه علا ظهر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقدميه طاعة للّه عزّ وجلّ ولم يَعْل أحد على ظهر نبيّ غيره عند حطّ الأصنام من سطح(2) مكة.

وقالت طائفة : إنّما سمّي عليّ علياً; لأنّه زُوّج في أعلى السّموات ولم يُزَوَّج أحد من خلق اللّه في ذلك الموضع غيره.

وقال طائفة: إنّما سمّي علي عليّاً; لأنّه كان أعلى الناس علماً بعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.(3)

قال الراغب: ظهر الشيء، أصله أن يحصل شيء على ظهر الأرض فلا يخفى، وبطن إذا حصل في بطنان الأرض فيخفى ثمّ صار مستعملاً في كلّ بارز للبصر والبصيرة، وتقول: ظهرت على الرجل وبه إذا غلبته، وظهرت البيت وعلى البيت إذا علوت عليه. وأصلها أيضاً أن تعلو على ظهر الرجل أو البيت وظهر فلان إذا أعلنت به.

«لمع» البرق كمنع، لمعاً ولمعاناً ـ محرّكة ـ: أضاء كالتمع، ولمع بيده: أشار، ولمع فلان الباب: برز منه.

«رفع» الشيء: أعلاء عن مقرّه، خلاف وضعه إمّا حقيقة وذلك في الأجسام


1- ما بين القوسين ليس في المصدر.
2- «وسط» : المصدر.
3- علل الشرائع: 1/136 ـ 137.


(319)

أو مجازاً وذلك في الذكر، أو المنزلة كقوله تعالى: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(1) وقوله تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجات مَنْ نَشاءُ)(2).

«الكرم» ضدّاللّؤم، وقد كرم ـ بالضمّ ـ فهو كريم، وقوم كرام وكرماء ونسوة كرايم، ويقال رجلٌ كَرَمٌ أيضاً وامرأة كرم ونسوة كرم. وحقيقته كون الشخص جميل الأخلاق حميد الأفعال، قال بعض العلماء: الكرم كالحرّية إلاّ أنّ الحرّية قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرم لا يقال إلاّ في المحاسن الكبيرة كما ينفق مالاً في تجهيز جيش في سبيل اللّه، وتحمل حمالة ترتو به دماء قوم.

ومعنى جملة أكرم بما في حيّزه التعجّب من كرم الكفّين لبلوغه حداً تعجب منه.

ومعنى «الباء» في «بكفّ» يُعلم في قسم الإعراب إن شاء اللّه.

«الواو » في «والأملاك» للحال أو الاعتراض و« الألف واللاّم» للجنس، أي للعهد الذهني كما في الخيل. والأملاك جمع ملك، وهم عند أكثر الأُمّة نحو أجسام نورانيّة الهيئة سعيدة قادرة على التصرّفات الشريفة والأفعال الشاقّة، ذوات عقول وأفهام; وهم أنواع كثيرة ومراتب شتّى بعضهم أقرب عند اللّه من بعض كما قال تعالى حكاية عنهم :(وَما مِنّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) .(3)

وقد حصر بعضهم مراتبهم في تسعة:

فالأُولى : المقرّبون.

والثانية: الحاملون للعرش.

والثالثة : الحافّون حول العرش.


1- الشرح:4.
2- الأنعام:83.
3- الصافات: 164.


(320)

والرابعة: ملائكة الكرسي والسماوات.

والخامسة: ملائكة العناصر.

والسادسة: الموكّلون بالمركبات.

والسابعة: الحفظة الكرام الكاتبون.

والثامنة: خزنة الجنّة

والتاسعة: ملائكة النار.

واختلف في لفظ «ملك»، فعن الكسائي أنّ أصله «مَأْلَكْ» بتقديم الهمزة من ألك ألوكاً ألوكة و مألكاً ، ومألكة، بضم اللاّم، وقد يفتح وهي الرسالة، ويقال للرسول: ألوك، ويقال امتالك مالكته، إذا حمل رسالته، قيل: وإنّما سميت الرسالة، ألوكاً لأنّها تولك في الفم، أي تمضغ، قلبت فقدّمت اللام على الهمزة ثمّ تركت همزته لكثرة الاستعمال.

وأنشد أبو عبيدة لجاهلي من عبد القيس.

فَلَست لإنْسي و لكن لَملأَك * تَنَزَّلَ من جَوِّ السّماءِ يَصُوبُ(1)

وعلى هذا فإمّا اسم مكان بمعنى موضع الرّسالة، أو مصدر ميميّ، وإنّما سمّوا بذلك لأنّهم وسائط بين اللّه وخلقه، فمنهم رسله إليهم، ومنهم كالرّسل.

وذهب أبو عبيدة إلى أنّه من لاك بمعنى أرسل ملأكاً، وملأكة، وحينئذ فلا قلب.

وقيل: بل الملك هو الأصل وملاك فرع له زيدت فيه الهمزة كشمال; وهو من ملكت العجين إذا شددت عجنه.


1- و ذكره في الصحاح:«مالك» و فيه أن السيرافي نسبه إلى أبي وَجْزَةَ يمدح به عبدالّله بن الزبير، و تفسيرالقرطبي: 1/263.


(321)

وبالجملة فهو بمعنى الشدّة والقوّة سمّوا بذلك لقوّتهم وقدرتهم على الأفعال الشّاقّة.

وقال الراغب: وقال بعض المحقّقين: هو من الملك قال: والمتولى من الملائكة شيئاً من السياسات يقال له: ملك ـ بالفتح ـ و من البشر يقال له: ملِك ـ الكسر ـ قال: فكلّ ملك ملائكة وليس كلّ ملائكة ملكاً، بل الملك هو هم المشار إليه بقوله تعالى( فَالمدبّرات)و(المقسمات)(والنّازعات) ونحو ذلك.

و منه ملك الموت، قال عزّوجلّ: (وَالملك على أرجائها)(1) وقال: (وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ ببابِلَ)(2) وقال:(قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوتِ الّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(3). انتهى كلام الراغب بألفاظه.(4)

فقد ظهر أنّ فيه مذاهب أربعة.

وأنّه على أوّلها على وزن معل، وأصله على وزن مفعل،والملائك على مفاعل ويكون جمعه على املاك مخالفاً للقياس، فإنّ القياس أن يرد اللفظ في الجمع إلى أصله ولم يفعل فيه، فقد نزل الفرع لكثرة استعماله بمنزلة الأصل كقنابر في جمع قنبراء التي أصلها قنبراء.

وعلى الثاني على وزن مفل وأصله على مفعل من غير قلب، والملائك على مفاعل، وأملاك على غير قياس أيضاً، وعلى الأخيرين على وزن فعل وجمعه على أملاك هو القياس.


1- الحاقة:17.
2- البقرة:102.
3- السجدة:11.
4- مفردات غريب القرآن: 473.


(322)

إلاّ أنّه على الثالث قد يقال فيه ملاك ويجمع على ملائك.

وعلى الرابع: ملك أصل، وجمعه أملاك وملاك أصل آخر وجمعه ملايك، وعلى الأوّل ملاك على فعأل وملايك على فعايل دون الأخير.

ويحتمل بعيداً أن يكون الأملاك في البيت جمعاً لملِك ـ بالكسر ـ بمعنى ذي الملك وبمعناه الملك ـ بالسكون ـ والمليك .

فيكون المراد أنّ الرؤساء والملوك من العرب والعجم من حوله، وربّما تأيّد هذا المعنى بما روي عنه من قوله:

يا بائع الدِّين بدنياه * ليس بهذا أمر اللّه

من أين أبغضت علي الرضا * وأحمد قد كان يرضاه

من الّذي أحمد من بينهم * يوم غدير الخم ناداه

أقامه من بين أصحابه * وهم حواليه فسمّاه

هذا علي بن أبي طالب * مولى لمن قد كنت مولاه

فوال من والاه يا ذا العلى * وعاد من قد كان عاداه(1)

«من» إمّا للابتداء، أو زائدة، أو بمعنى «في» كما في قوله تعالى: (إِذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة)(2) على ما قيل، أو بمعنى «عند» كما في قوله تعالى: (لَنْ تُغْنيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَولادُهُمْ مِنَ اللّهِ شَيْئاً)(3) أو للتبعيض إن حمل حوله على من حوله تسمّيه للحال باسم المحل، فكأنّه قال ممّن حوله.


1- كشف الغُمّة : 1/305.
2- الجمعة:9.
3- آل عمران:10.


(323)

«حول» الشيء: جانبه الذي يحول إليه إذا أراد، و بمعناه حوليه وحواليه وحواله وأحواله.

«الواو» للحال، أو الاعتراض، أو العطف.

«في» للظرفية، أو المصاحبة، أو الاستعلاء.

قال الراغب: الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة إمّا بالبصر، أوبالبصيرة، وقد يقال للحضور مفرداً، قال تعالى: (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) (1) إلاّأنّ الشهود بالحضور المجرّد أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى(2).

وقال غيره: الشّهود هو الحضور، والشّهادة إخبار بما علم قطعاً، وأصلها الإخبار بما شوهد أي عُويِن، ثمّ نزل ما علم قطعاً منزلة ما عوين فاستعمل فيه الشهادة. ثمّ الشاهد ربّما يطلق على من تحمّل الشهادة و إن لم يقمها. وشاهد في البيت يحتمل أن يكون بمعنى حاضر وأن يكون بمعنى متحمل للشهادة. وأن يكون بمعنى عالم.

«من» موصولة أو موصوفة.

«المولى» له معان:

منها: الأولى، وهو أصل المعاني و عمادها، وجعله بمعناه أبو عبيدة في قوله تعالى:(فَالْيَومَ لا يُؤخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الّذِينَ كَفَروا مَأْواكُمُ النّارُهِيَ مَولاكُمْ)(3).

واستشهد بقول لبيد:


1- الأنعام: 73.
2- مفردات غريب القرآن: 267.
3- الحديد: 15.


(324)

فَعَدَتْ كلا الفَرجَيْن تَحسبُ أنّه * مَولَى المَخافةِ خَلفها وأمامها(1)

وقول الأخطل في عبد الملك بن مروان:

فأصْبَحْتَ مَولاها مِنَ النّاسِ بَعْدهُ * و أحرى قُريش أنْ يُهابَ و يُحْمدا(2)

وكذلك ابن قتيبة والفرّاء وغيرهما.

ومنها: مالك الرق.

ومنها : المعتق.

ومنها : ابن العم، كما في قوله تعالى حكاية:(وَإِنّي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي)(3).

و قوله:

مهلاً بَني عَمِّنا مَهلاً مَوالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا(4)

و منها: الناصر، كما في قوله تعالى: (فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَولاهُ وَجِبْرِيل وَصالِحُ الْمُؤْمِنينَ)(5).

ومنها: ضامن الجريرة.

ومنها: الحليف.


1- المعلّقات العشر: معلّقة لبيد بن ربيعة، والتي مطلعها:

عفت الديار محلُّها فمُقامها * بِمنىً تأبَّد غَوْلُها فَرِجامُها

2- ديوان الأخطل:28.
3- مريم:5.
4- البيت للفضل بنالعباس بن عتبة، من شعراء بني هاشم في عهد بني اُميّة تفسير القرطبي:11/79، التبيان: 3/187.
5- التحريم:4.


(325)

كما قال: «موالي حلف لا موالي قرابة»(1).

ومنها: الجار، كقوله:«مولى اليمين ومولى الجار والنسب»(2).

ومنها: الإمام السيّد المطاع.

ومنها: العاقبة، وعليه حمل بعضهم قوله تعالى:(مَأْواكُمُ النّارُ هِي مَولاكُمْ)(3).

ومنها: العبد.

ومنها: الصاحب.

ومنها: القريب.

ومنها: الابن.

ومنها: العم.

ومنها: النزيل.

ومنها :الشّريك.

ومنها: ابن الأُخت.

ومنها: الربّ.

ومنها: المنعم.

ومنها: المنعم عليه.


1- قاله الجعدي، والبيت بكامله:

موالي حلف لا موالي قرابة * و لكن قطينا يسألون الاتاويا

(تاجالعروس: 10/7).
2- . الحديد:15.

3- و قائله: عتبة بن شتير بن خالد، والبيت بكامله:

أنبئت حيّاً على سقمان أسلمهم * مولي اليمين و موليالجار والنسب

البكري الاندلسي: معجم ما استعجم: 3/742.


(326)

ومنها : المحبّ

ومنها: التابع.

ومنها: الصهر.

ومنها:ما يلي الشيء مثل: خلفه و قدّامه، و عليه حمله بعضهم في شعر لبيد، وسيتّضح لك المراد هنا من معانيه إن شاء اللّه عند ذكره.

«الفاء» هي التي يؤتى بها في جزاء الشرط،وإنّما أُتي بها هنا لتضمن المبتدئ معنى الشرط.

«ها» على وجهين: اسم، وحرف.

والاسم منه على وجهين: اسم فعل بمعنى «خذ» و «يمد» ويلحق بهما كاف الخطاب، وضمير للمؤنّث الغائب.

والحرف منه; موضوع للتنبيه، وهي في الأكثر لا تدخل إلاّ في أحد مواضع أربعة:

أحدها اسم الإشارة إذا لم يكن مختصّاً بالبعيد نحو: هذا وهؤلاء وهاهنا بتخفيف النون،بخلاف هنا بتشديد النون و «ثم» و «ذلك».

والثاني: مضمر منفصل وقع مبتدأ خبره اسم إشارة، نحو: ها أنتم أُولاء.

والثالث: بعد أي في نداء المعرف وهو فيه لازم، فتارة يكون مع اسم الإشارة نحو: يا أهذا الرجل،وقد يكون لا معها نحو: يا أيّها الرجل، وفي الارتشاف ولا يحفظ يا أيهذان الرجلان،ولا يا أيّها ولاء الرجال، والقياس يقتضي جوازه.

والرابع: قبل لفظ «اللّه» إذا كان مقسماً به وحرف القسم محذوف نحو: ها اللّه لأفعلن، بقطع همزة «اللّه» ووصلها،وكلاهما مع إثبات ألفها وحذفها.

وذهب الخليل إلى أنّ «ها» الداخلة على اسم الإشارة يفصل بينها و بينه


(327)

كثيراً إمّا بضمير المرفوع المنفصل نحو: ها أنتم أُولاء، وإمّا بالقسم نحو: ها اللّه ذا. وقوله:

و تَعَلَّمَنْها، لَعَمْرُاللّهِ ذا قَسماً * فاقدِر بذَرْعِكَ وانظرْ أيْنَ تَنْسلِكُ(1)

و قليلاً، بغيرهما، كقول النابغة الذبياني:

ها إن تاعذرة إن لم تكن قبلت * فإنّ صاحبها قد تاه في البلد(2)

وقول الآخر : فقلت لهم هذا لها، ها، وذا ليا(3).

فالأصل عنده في هذه الأمثلة أنتم هؤلاء، واللّه هذا، ولعمر اللّه هذا، وإنّ هاتا وهذا ليا.

قال نجم الأئمة (رضوان اللّه عليه): والدّليل على أنّه فصل حرف التنبيه عن اسم الإشارة ما حكى أبو الخطّاب(4) عمّن يوثق به: هذا أنا أفعل، و: أنا هذا أفعل في موضع: ها أنا ذا أفعل.


1- البيت لزهير بن أبي سلمى من أبيات قالها ـ كما قالالأعرابيـ بعد أن أغار الحارث بن ورقاءالصيداوي من بني أسد، على بني عبداللّه بن غطفان فغنم فاستاق إبل زهير و راعيه يساراً. ديوانه: 47.
2- البيت للنابغة الذبياني، و في ديوانه: 37 البيت هكذا:

ها إنّ ذي عِذرة إلاّ تكنْ نَفَعَتْ * فإنّ صاحبها مُشاركُ النكدِ

و هو آخر بيت من قصيدة يمدح بها النعمان و يعتذر إليه و مطلعها:

يا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسنَدِ * أقْوَت و طالَ عليها سالفُ الأبدِ

3- شطر من بيت نسبه الكثيرون إلى لبيد بن أبي ربيعة، و منهم الأعلمالشنتمري شارح شواهد سيبويه، قالالبغدادي: لم أره في ديوان لبيد، والبيت في سيبويه 1/379.(شرح الرضي: 2/483).
4- و هو الأخفشالأكبر شيخ سيبويه: عبدالحميد بن عبدالمجيد، أبوالخطّاب من أئمّة اللغة والنحو، وله ألفاظ لغوية انفرد بها ينقلها عنهالعرب، و لم تعرف سنة وفاته.
(ترجمه في طبقاتالزبيدي: 35، و نزهة الألباء: 53، و بغية الوعاة:296).


(328)

وحدّث يونس: هذا أنت تقول كذا(1).

واستدلّ من خالف الخليل فذهب إلى أنّ حرف التنبيه في موضعه غير مفصول بينه و بين ما يتّصل به بنحو قوله تعالى (ها أَنْتُمْ هؤلاء)(2) فإنّ«ها» الأُولى لو كانت هي الداخلة على اسم الإشارة لم تعد بعد أنتم.

قال نجم الأئمة:ويجوز أن يعتذر للخليل بأنّ تلك الإعادة للبعد بينهما، كما أعيد (فَلا تَحسبنَّهم)(3)، لبعد قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُون) .(4)

ـقال:ـوأيضاً قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاءِ تَقْتُلُونَ)(5) دليل على أنّ المقصود في (ها أنتم أولاء)، هو الذي كان مع اسم الإشارة، ولو كان في صدر الجملة من الأصل لجاز من غير اسم الإشارة نحو: ها أنت زيد، وما حكى الزمخشريّ من قولهم: ها انّ زيداً منطلق، وها أفعل كذا(6)، ممّا لم أعثر له على شاهد، فالأولى أن نقول: إنّ «هاء التنبيه» مختصّ باسم الإشارة، وقد يفصل منه كما مرّ، ولم يثبت دخولها في غيره من الجمل والمفردات(7). انتهى بألفاظه.

وفي كتاب: «ألف با» لابن الشيخ: أنّها للتنبيه في قولك: ها زيد إذا ناديته، وأُختها الهمزة لأنّك تقول في النداء: أزيد، وكثيراً ما تفعل العرب هذا يقولون: أرقت الماء وهرقت، وأم واللّه، وهم واللّه. حولوا الهمزة هاءً لقرب المخرج قال: والمراد بالهاء التي للتنبيه إيقاظ الغافل وتنبيهه لسماع الكلام الوكيد.

«اللام» للاستحقاق، أو شبه الملك.


1- شرح الرضي: 4/422.
2- آل عمران: 66، النساء: 109و محمد:38.
3- آل عمران:188.
4- آل عمران:180.
5- البقرة:85.
6- انظر عبارته في شرح ابن يعيش :8/113.
7- شرح الرضي: 4/423.


(329)

«الفاء» للعطف.

«رضي» عن فلان وعليه وبفعله: يرضى رضى ورضواناً بكسر أوّلهما وقد يضمّ ومرضاة: ضدّ سخط،والاسم الرضاء، وأرضيته عنّي أو رضيته ـ بالتشديد ـ فرضي وترضيته أرضيته بعد جهد.

«قنع» يقنع كفرح: قناعة اجتزأ(1) باليسير، و كمنع قنوعاً: سأل وتذلّل ورضي باليسير، قال تعالى:(وَأَطْعِمُوا القانِعَ وَالمُعْتَرَّ)(2) أي السائل.

وقيل: إنّ القانع هو السائل الذي لا يلحّ في السؤال، ويرضى بما يأتيه عفواً فيرجع إلى الأوّل. قال الشاعر:

لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعفّ من القنوع(3)

وقد روى الشيخ الصدوق أبو جعفر ابن بابويه في كتاب «معاني الأخبار» بإسناده عن الإمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق صلوات اللّه عليه في قول اللّه عزّوجلّ:(فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبَها)(4).

قال: إذا وقعت على الأرض (فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا القانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)(5) قال: القانع الذي يرضى بما أعطيته ولا يسخط ولا يكلح ولا يزبد شدقه غضباً، والمعتر المار بك تطعمه.(6)

و روى أيضاً بسنده عن سيف التمّار قال : قال لي أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ سعيد بن عبد الملك قدم حاجاً فلقي أبي ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال: أطعم أهلك ثلثاً وأطعم القانع ثلثاً وأطعم المسكين ثلثاً، قلت: المسكين هو السائل؟ قال: نعم، والقانع يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتر يعتريك لا يسألك(7). ثمّ قال الصدوق رحمه اللّه : وأصل القنوع الرجل يكون مع الرجل يطلب فضله ويسأله معروفه ،قال: ويقال: من هذا القنوع قنع يقنع قنوعاً.

وأمّا القانع الراضي بما أعطاه اللّه عزّوجلّ فليس من ذلك، يقال منه قنعت أقنع قناعة، وهذا بكسر النون وذلك بفتحها، وذاك من القنوع، وهذا من القناعة. انتهى لفظه.(8)


1- اجْتَزَأَ: اكتفى وقنع، من جَزَأ «تَجَزَّأ واجْتَزَأ بالشيء. يقال: «جَزَّأ الماشية بالرطب عن الماء» أي اقنعها بالعشب الأخضر فا كتفت به عن الماء.
2- الحج:36.
3- ذكرهالطبرسي في تفسير مجمعالبيان : 7/153 و نسبه إليالشماخ.
4- الحج:36.
5- الحج:36.
6- معاني الأخبار: 208، ح 1، باب معنيالقانع والمعترّ.
7- المصدر نفسه: 208، ح2.
8- المصدر نفسه: 209، و غريب الحديث، للقاسم بن سلاّمالهروي، دارالكتابالعربي، بيروت.


(360)

ألا إنّه الظاهر على الدين، ألا إنّه المنتقم من الظالمين، ألا إنّه فاتح الحصون وهادمها، ألا إنّه قاتل كلّ قبيلة من أهل الشرك، ألا إنّه المدرك بكلّ ثار لأولياء اللّه عزّوجلّ، ألا إنّه الناصر لدين اللّه، ألا إنّه الغرّاف في بحر عميق، ألا إنّه يسم كلّ ذي فضل بفضله وكلّ ذي جهل بجهله، ألا إنّه خيرة اللّه ومختاره، ألا إنّه وارث كلّ علم والمحيط به، ألا إنّه المخبر عن ربّه عزّوجلّ والمنبّه بأمر إيمانه، ألا إنّه الرشيد الشديد، ألا إنّه المفوّض إليه، ألا إنّه قد بشّر به من سلف بين يديه، ألا إنّه الباقي حجّة ولا حجّة بعده ولا حقّ إلاّ معه ولا نور إلاّ عنده، ألا إنّه لا غالب له ولا منصور عليه، ألا وإنّه وليّ اللّه في أرضه وحكمه في خلقه وأمينه في سرّه وعلانيته.

معاشر الناس قد بيّنت لكم وأفهمتكم وهذا عليّ يفهمكم بعدي، ألا وإنّي عند انقضاء خطبتي أدعوكم إلى مصافقتي على بيعته والإقرار به ثمّ مصافقته بعدي، ألا وإنّي قد بايعت اللّه وعليٌّ قد بايعني وأنا آخذكم بالبيعة له عن اللّه عزّوجل(فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ)(1) الآية.

معاشر الناس إنّ الحجّوالعمرة من شعائر اللّه(فمن حجّ أو اعتمر )(2) الآية.

معاشر الناس حجّوا البيت فما ورده أهل بيت إلاّ استغنوا، وما تخلّفوا عنه إلاّ افتقروا.

معاشر الناس ما وقف بالموقف مؤمن إلاّ غفر اللّه له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجّته استؤنف عمله.

معاشر الناس: الحجاح معانون ونفقاتهم مخلفة، واللّه لا يضيع أجر


1- الفتح:10.
2- نصّ الآية:()فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ...) البقرة:158.


(361)

المحسنين.

معاشر الناس حجّوا البيت بكمال الدين والتفقّه ولا تنصرفوا عن المشاهد، إلاّ بتوبة وإقلاع.

معاشر الناس أقيموا الصّلاة وآتو الزكاة كما أمركم اللّه عزّوجلّ ولئن طال عليكم الأمد فقصّرتم أو نسيتم فعليّ وليّكم والمبيّن لكم الذي نصبه اللّه عزّ وجلّ بعدي ومن خلّفه اللّه منّي وأنا منه، يخبركم بما تسألون عنه و يُبيّن لكم ما لا تعلمون.

ألا إنّ الحلال والحرام أكثر من أن أُحصيهما أو أُعرّفهما ف آمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأُمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن اللّه عزّوجلّ في عليّ أمير المؤمنين والأئمة من بعده الذين هم منّي ومنه أئمّة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق.

معاشر النّاس وكلّ حلال دللتكم عليه أو حرام نهيتكم عنه فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم أُبدل ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وعوه وافهموه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيّروه.

ألا وإنّي أُجدّد القول ألا فأقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإنّ رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تنتهوا إلى قولي وتبلّغوه من لم يحضر وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته فإنّه أمر من اللّه عزّوجلّ ومنّي، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلاّ مع إمام.

معاشر الناس القرآن يعرّفكم أنّ الأئمّة من بعده ولده وعرّفتكم أنّهم منّي ومنه حيث يقول اللّه عزّوجلّ في كتابه:(وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ)(1) وقلت:


1- الزخرف:28.


(362)

لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما.

معاشر الناس التقوى التقوى، احذروا الساعة، كما قال اللّه تعالى:(إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَة شَيءٌ عَظِيمٌ)(1).

معاشر الناس اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي ربّ العالمين، والثواب والعقاب فمن جاء بالحسنة أُثيب،ومن جاء بالسَّيئة فليس له في الجنان نصيب.

معاشر الناس إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكفّ واحدة وقد أمرني اللّه عزّ وجلّ أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقّدت لعليّ من إمرة المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمة منّي ومنه على ما أعلمتكم أنّ ذرِّيّتي من صلبه.

فقولوا بأجمعكم: إنّا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك في أمر عليّ وأمر ولده من صلبه من الأئمّة; نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيى و نموت ونبعث لا نغيّر ولا نبدّل ولا نشكّ ولا نرتاب ولا نرجع عن عهد ولا ننقض الميثاق، ونطيع اللّه ونطيعك وعليّاً أمير المؤمنين وولده الأئمة الذين ذكرتهم من ذرّيتك من صلبه بعد الحسن والحسين، اللّذين قد عرّفتكم مكانهما منّي ومحلّهما عندي ومنزلتهما من ربّي عزّوجلّ، فقد أدّيت ذلك إليكم وإنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة وإنّهما الإمامان بعد أبيهما عليّ وأنا أبوهما قبله.

وقولوا: أطعنا اللّه بذلك وإيّاك وعليّاً والحسن والحسين والأئمّة الذين ذكرت عهداً وميثاقاً مأخوذاً لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة أيدينا، من أدركهما بيده وأقرّ بهما بلسانه، لا نبتغي بذلك بدلاً ولا نرى من أنفسنا


1- الحج:1.


(363)

عنه حولاً أبداً، أشهدنا وكفى باللّه شهيداً وأنت علينا به شهيد، وكلّ من أطاع ممّن ظهر واستتر، وملائكة اللّه وجنوده وعبيده، واللّه أكبر من كلّ شهيد.

معاشر الناس ما تقولون فإنّ اللّه يعلم كلّ صوت وخافية كلّ نفس(فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها)(1) ومن بايع فإنّما يبايع اللّه(يَدُ اللّه فَوقَ أَيْدِيهِمْ)(2).

معاشر الناس فاتّقوا اللّه وبايعوا عليّاً أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمّة من ولده كلمة باقية، يهلك اللّه من غدر، ويرحم من وفى: (وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ)(3) الآية.

معاشر الناس قولوا الذي قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين وقولوا: (سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير)وقولوا: ()(4)الحَمْدُ للّهِ الّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَولا أَنْ هَدانَا اللّهُ)(5).

معاشر الناس إنّ فضائل عليّ بن أبي طالب عند اللّه عزّوجلّ وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن أُحصيها في مكان واحد، فمن أنبأكم بها وعرّفكم إيّاها فصدّقوه.

معاشر الناس من يطع اللّه ورسوله وعليّاً والأئمّة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزاً عظيماً.

معاشر الناس السابقون السابقون إلى مبايعته وموالاته، والتسليم عليه بإمرة المؤمنين، أُولئك الفائزون في جنّات النعيم.


1- الزمر:39.
2- الفتح:10.
3- الفتح:10.
4- البقرة:285.
5- الأعراف:43.


(364)

معاشر الناس قولوا ما يرضى اللّه به(1) عنكم من القول، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ اللّه غنيّ عن العالمين فلن تضرّوا اللّه شيئاً، اللّهمّ اغفر للمؤمنين واغضب على الكافرين،والحمد للّه ربّ العالمين.

فناداه القوم بأجمعهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر اللّه وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا، وتداكّوا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ وصافقوهما بأيديهم، فكان أوّل من صافق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الأوّل والثاني والثالث والرابع والخامس وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس على طبقاتهم وقدر منازلهم منذ الظهيرة إلى أن غاب الشفق الأحمر، إلى أن صلّيت العشاء و العتمة في وقت واحد، وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول كلّما بايع قومٌ: الحمد للّه الذي فضّلنا على جميع العالمين،وصارت المصافقة سنّة ورسماً يستعملها من ليس له حقّ فيها.

روي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: لمّا فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من هذه الخطبة رُئي في الناس رجل جميل بهيّ(2) طيّب الرائحة فقال: تاللّه ما رأيت محمداً(3) كاليوم، ما أشد ما يؤكّد لابن عمّه! وإنّه يعقد له عقداً لا يحلّه إلاّ كافر باللّه العظيم وبرسوله، ويل طويل لمن حلّ عقده.

قال: فالتفت إليه عمر حين سمع كلامه فأعجبته هيئته، ثمّ التفت إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: أما سمعت ما قال هذا الرجل قال كذا و كذا؟ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا عمر أتدري من ذاك الرجل؟ قال: لا، قال: ذلك الروح الأمين جبرئيل فإيّاك أن تحلّه، فإنّك إن فعلت فاللّه ورسوله وملائكته والمؤمنون منك براء(4).

هذا تمام لفظ ما رواه الطبرسي رحمه اللّه في الاحتجاج.


1- «به»: منالمصدر.
2- « بهيّ»: منالمصدر.
3- «محمداً»: منالمصدر.
4- أحمد بن عليّ الطبرسي: الاحتجاج: 1/133 ح32 عنه البحار: 37/201 ح86.


(365)

وقد روى الشيخ الإمام الشهيد محمد بن أحمد الفارسي رضوان اللّه عليه في كتاب «روضة الواعظين»(1) هذه الحكاية بتمامها مرسلة كما هو دأبه، من الخطبة وما قبلها وما بعدها إلاّ أنّ في الألفاظ اختلافاً في موارد كثيرة من الخطبة وغيرها لا يضرّ بالمعنى.

وكذلك رواها السيد الإمام العلاّمة رضي الملّة والحق والدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووسي العلوي الفاطمي في كتاب «اليقين باختصاص مولانا عليّ ـ عليه السَّلام ـ بإمرة المؤمنين » عن كتاب أحمد بن محمد الطبري المعروف بالخليل; بأجمعها من الخطبة وما قبلها و ما بعدها، إلاّ أنّ في الألفاظ اختلافاً في موارد كثيرة لا يضرّ بالمعنى.

و هذا لفظ كتاب الطبري على ما حكاه عنه رحمه اللّه : حدّثنا أحمد بن محمد الطبريّ، قال: أخبرني محمد بن أبي بكر بن عبدالرحمن، قال: حدّثني الحسن بن علي أبو محمد الدينوري، قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني، قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسيّ، قال: حدثنا سيف بن عميرة، عن عقبة، عن قيس بن سمعان، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السَّلام قال: حجّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .ثم ساق الحديث إلخ(2).

وروى رحمه اللّه في كتاب «التحصين لأسرار ما زاد من أخبار كتاب اليقين»(3) عن كتاب «نور الهدى والمنجي من الردى» تأليف الحسن بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن الحسين الجاواني(4)، خطبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحدها بمضمون ما رواه صاحب الاحتجاج إلاّ أنّ بينهما اختلافاً ما في الألفاظ والزيادة والنقصان والتقدّم


1- روضة الواعظين:ص 100ـ 116.
2- اليقين:ص 343 ـ 361 الباب 127.
3- التحصين: ص 578ـ 590 الباب 29.
4- «الجاواني» أو «الجاوابي» والمضبوط بخط ابنطاووس بالباء. كما جاء في هامش«التحصين» ص535.


(366)

والتأخّر من غير اختلاف في أصل المقصود ولا في المعنى غالباً.

ولفظ كتاب «نور الهدى» على ما حكاه رحمه اللّه هكذا: أبو الفضل محمد بن عبد اللّه الشيباني، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وهارون بن عيسى بن السكين البلدي، قالا: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز، قال: حدثنا علي بن حماد(1)، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدّثنا نوح بن مبشر، قال: حدثنا الوليد بن صالح(2) عن ابن امرأة زيد بن أرقم، عن زيد بن أرقم ، قال:

لمّا أقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من حجّة الوداع جاء حتى نزل بغدير خم بالجحفة بين مكّة و المدينة، ثمّ أمر بالدوحات يقمّ ما تحتهنّ من شوك، ثمّ نودي بالصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في يوم شديد الحرّ، وإنّ منّا من يضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ والرمضاء، ومنّا من يضعه فوق رأسه، فصلّى بنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ التفت إلينا فقال: الحمد للّه(3) إلى تمام الخطبة.

وقال رحمه اللّه في «ربيع الشيعة»(4) في الفصل الّذي عقده لحجّة الوداع: فلمّا


1- لم يذكره في «التحصين» ضمن السند.
2- في التحصين«صافح».
3- التحصين:578 الباب 29.
4- قال الآقا بزرك الطهراني في «الذريعة» :10 / 75 عند ذكر الكتاب: «ربيع الشيعة» المنسوب إلى السيد رضي الدين ابن طاوس(المتوفّى 664هـ) انّه موافق بعينه ومتّحد مع كتاب «إعلام الورى» تأليف أمين الإسلام الطبرسي المفسر (المتوفى 548هـ)».
وذكر تفصيله في ج2 ص 240 عند ذكر كتاب «إعلام الورى بأعلام الهدى» للطبرسي قائلاً: «ومن غريب الاتفاق مطابقة (كتاب ربيع الشيعة) المنسوب إلى السيد ابن طاووس مع هذا الكتاب وتوافقهما حرفاً بحرف إلاّ اختصارات قليلة في بعض الفصول و زيادات في الخطبة، قال العلاّمة المجلسي في أوّل البحار: «وهذا مما يقضي منه التعجب» (أقول) ـ والكلام لصاحب الذريعة ـ : الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أنّ «ربيع الشيعة» ليس له والمراجع لا يشكّ في اتحاده مع «إعلام الورى» للطبرسي» ـ و يذكر بعد ذلك احتمالات منشأ هذه الشبهة ـ .
و للمزيد من التفصيل راجع «الذريعة».


(367)

قضى نسكه وقفل إلى المدينة، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع يصلح للنزول; لعدم الماء فيه والمرعى، نزل عليه جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ وأمره أن يقيم عليّاً ـ عليه السَّلام ـ وينصّبه إماماً للناس، فقال: «ربّ إنّي حديث عهد بالجاهلية» فنزل عليه: أنّها عزيمة لا رخصة فيها، فنزلت الآية:(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(1).

فنزل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمكان الذي ذكرناه ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً شديد الحرّ، فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بدوحات هناك فقمّ ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في المكان، ووضع بعضها على بعض، ثمّ أمر مناديه فنادى في الناس بالصلاة، فاجتمعوا إليه وإنّ أكثرهم ليلفّ رداءه على قدميه من شدّة الرمضاء، وصعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ودعا علياً ـ عليه السَّلام ـ فرقى حتى قام عن يمينه ثمّ خطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ ونعى إلى الأُمّة نفسه فقال: «إنّي دعيت ويوشك أن أُجيب، وقد حان منّي خفوقٌ من بين أظهركم،وإنّي مخلف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثمّ نادى بأعلى صوته:ألست أولى بكم من أنفسكم؟

فقالوا: اللّهمّ بلى.

فقال لهم على النسق وقد أخذ بضبعي(2) علي ـ عليه السَّلام ـ فرفعهما حتى رُئي بياض إبطيهما وقال: فمن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.


1- المائدة: 67.
2- الضبع: العضد.(الصحاح: «ضبع)».


(368)

ثمّ نزل ـ عليه السَّلام ـ وكان وقت الظهيرة فصلى ركعتين، ثمّ زالت الشمس فأذّن مؤذّنه لصلاة الظهر فصلّى بالنّاس وجلس في خيمته، وأمر عليّاً ـ عليه السَّلام ـ أن يجلس في خيمة له بازائه، ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنّوه بالإمامة ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم.

ثمّ أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن، وكان ممّن أطنب في تهنئته في ذلك المقام عمر بن الخطاب وقال فيما قال: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وأنشأ حسّان يقول:

يناديهم يَومَ الغديرِ نبيّهم * بخم وأكرم بالنبيّ مناديا

وقال فمن مَولاكُمُ وَ وَليُّكُمْ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنتَ وليّنا * ولن تَجِدَن منّا لك اليوم عاصيا

فقالَ له قُمْ يا عليّ فإنّني * رَضِيتُكَ من بَعدي إماماً وهاديا

فََمنْ كُنتُ مولاه فهذا وليُّهُ * فَكُونوا له أنصارَ صِدق مَواليا

هناكَ دَعا اللّهمّ والِ ولَيَّهُ * وَكُنْ لِلّذي عادى علِيّاً مُعاديا


(369)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تزال يا حسان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ويدك».

ولم يبرح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المكان حتى نزل (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) .(1) فقال: «الحمد للّه على كمال الدين و تمام النعمة ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي»(2).

وقد روي حديث يوم الغدير من طرق العامة خاصة بما يزيد على التواتر، فقد أفرد له محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ » كتاباً سمّاه: كتاب الولاية،وقد طرقه من نيف وسبعين طريقاً.

وأفرد له أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة كتاباً وطرقه من مائة وخمس طرق.

وطرقه أبو بكر الجعابي(3) من مائة وخمس وعشرين طريقاً.

وقد صنف علي بن هلال المهلبي(4) كتاب الغدير.


1- المائدة:3.
2- لعدم وجود «ربيع الشيعة» في المتناول، تمّ إخراجه من «إعلام الورى بأعلام الهدى» للشيخ الطبرسي: 1/261ـ263، والفصولالمختارة للشيخالمفيد: ص290.، دارالمفيد بيروت..
3- هو محمد بن عمربن محمد بن سالم، أبوبكرالجعابي، الحافظالقاضي كان من حفاظالحديث وأجلاّء أهلالعلم. قال في ميزانالاعتدال: أحد الحفاظالموجودين .. وهو شيعيّ ما شاهدنا أحفظ منه، قال لغلامه حين ضاعت كتبه: لا تغتم فإن منها مائتي ألف حديث لا يَشْكل عليّ منها حديث لا اسناداً و لا متناً، مات سنة 355هـ، رجالالنجاشي: 281، ميزانالاعتدال: 3/670.
4- ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست: 96، ط. ق، قائلاً: علي بن بلال المهلبي، له كتاب الغدير، و له كتاب المسح على الرجلين و كتاب في إيمان أبي طالب، و غير ذلك.


(370)

وأحمد بن محمد بن سعد كتاب «من روى غدير خم».

ومسعود الشّجري كتاباً فيه روا ة هذا الخبر، وطرقها .

واستخرج منصور الرازي في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم.

ونقل عن أبي المعالي الجويني المعروف عندهم بإمام الحرمين، أنّه كان يقول: شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الحديث مكتوباً عليه: المجلّد الثامن والعشرون من طرق قوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ويتلوه المجلّد التّاسع والعشرون (1).

وقال ابن كثير الشامي المؤرّخ في ترجمة محمد بن جرير الطبري: إنّي رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلّدين ضخمين(2).

وبالجملة فهذا النصّ من النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّا لا يمكن إنكاره.

قال الفقيه ابن المغازلي الشافعي: هذا حديث صحيح عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد روى حديث غدير خم نحو مائة نفر، منهم العشرة،وهو حديث ثابت لا أعرف له علّة تفرّد عليّ بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد.

قلت: ولكن الأكثر اختصروا على جملة النصّ على الولاية اقتصروا أو ذكروا غيره ممّا اشتملت عليه القصة على سبيل الإجمال، أو ذكروا بعضاً من القصة وتركوا بعضاً، والتفصيل ما نقلته، عن الاحتجاج.

إلاّ أنّ الصدوق أبا جعفر بن بابويه القمي قال في آخر المجلس السّادس والخمسين من أماليه: حدّثنا أبي رحمه اللّه قال: حدثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدثنا


1- زينالدين علي بن يوسفبن جبير: نهجالإيمان: 134.
2- الشيخالقمي: الكنى والألقاب: 2/242.


(371)

أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد الأسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي عن عبد اللّه بن عباس قال:

إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمّا أُسري به إلى السّماء انتهى به جبرائيل إلى نهر يقال له «النور»، وهو قول اللّه عزّ وجلّ «خَلَقَ الظُّلُمات وَالنُّور»(1) فلمّا انتهى به إلى النهر قال له جبرئيل: يا محمد اعبر على بركة اللّه فقد نوّر اللّه لك بصرك ومدّ لك امامك، فإنّ هذا نهرٌ لم يعبره أحد ولا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، غير أنّ لي في كلّ يوم اغتماسة فيه ثمّ أخرج منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلاّخلق اللّه تبارك وتعالى منها ملكاً مقرّباً، له عشرون ألف وجه وأربعون ألف لسان، كلّ لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللّسان الآخر.

فعبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى انتهى إلى الحجب والحجب خمسمائة حجاب، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثمّ قال: تقدّم يا محمد، فقال له يا جبرئيل: ولم لا تكون معي؟ قال: ليس لي أن أجوز هذا لمكان ، فتقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما شاء اللّه أن يتقدّم حتى سمع ما قال الرب تبارك وتعالى: أنا المحمود وأنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلتُه، ومن قطعك بَتَكته(2)، إنزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك وإنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً وإنّك رسولي وإنّ عليّاً وزيرك.

فهبط رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فكره أن يحدّث الناس بشيء كراهيّة أن يتّهموه، لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، حتى مضى لذلك ستة أيّام، فأنزل اللّه تبارك و تعالى


1- اقتباس من سورة الأنعام الآية 1: ()الحمْدُ للّهِ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْض وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّور...) .
2- «بتلته» إحدى نسخالمصدر، والبتك: القطع.


(372)

(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحَى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)(1) فاحتمل(2) رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك حتى كان يوم الثامن فأنزل اللّه تبارك و تعالى عليه:(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(3) فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : تهديد بعد وعيد لأمضينَّ أمر اللّه عزّوجلّ فإن يتّهموني ويكذّبوني فهو أهون عليّ من أن يعاقبني اللّه العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة، قال: وسلَّم جبرائيل على عليّ بإمرة المؤمنين فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : يا رسول اللّه أسمع الكلام ولا أُحس الرؤية! فقال: يا عليّ هذا أخي جبرائيل أتاني من قبل ربّي بتصديق ما وعدني، ثمّ أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً فرجلاً من أصحابه حتى سلّموا عليه بإمرة المؤمنين ثمّ قال: يا بلال ناد في الناس أن لا يبقى غداً أحدٌ إلاّخرج إلى غدير خم.

فلمّا كان من الغد خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجماعة من أصحابه، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها الناس إنّ اللّه تبارك وتعالى أرسلني إليكم برسالة وإنّي ضقت بها ذرعاً; مخافة أن تتّهموني وتكذّبوني حتى أنزل اللّه عليّ وعيداً بعد وعيد، فكان تكذيبكم إيّاي أيسر عليّ من عقوبة اللّه إيّاي ; إنّ اللّه تبارك وتعالى أسرى بي وأسمعني وقال: يا محمد أنا المحمود وأنت محمّد ،شققت اسمك من اسمي فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتكته; إنزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك، وأنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً وإنّك رسولي، وإنّ عليّاً وزيرك. ثمّ أخذ عليه الصلاة والسّلام بيدَي علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فرفعهما حتى(4) نظر الناس إلى


1- هود:12.
2- «فاحتمى» الأصل، و ما أُثبت من المصدر.
3- المائدة: 67.
4- من المصدر، وفي الأصل: «ثم».


(373)

بياض إبطيهما ولم ير قبل ذلك، ثمّ قال:

أيّها الناس، إنّ اللّه تبارك و تعالى مولاي وأنا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله.

فقال الشُّكّاك والمنافقون والذين في قلوبهم مرض وزيغ: نبرأ إلى اللّه من مقالة ليس بحتم، ولا نرضى أن يكون عليّ وزيره، هذه منه عصبيّة.

فقال سلمان و المقداد وأبو ذر، وعمّار بن ياسر: واللّه ما برحنا العرصة حتى نزلت هذه الآية (اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1) فكرّر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك ثلاثاً ثمّ قال: إنّ كمال الدّين وتمام النعمة ورضا الربّ بإرسالي إليكم بالولاية بعدي لعليّ بن أبي طالب.(2)

و لنتفرغ الآن لبيان دلالة هذا الكلام المتّفق على صدوره عن سيّد الأنام صلوات اللّه عليه وآله الغر الكرام على كون عليّ صلوات اللّه عليه إماماً وخليفة:

أمّا إذا نظرت إلى تمام الخطبة على ما حكيناه عن الاحتجاج، فلا شكّ أنّه لا نصّ أقوى من هذا النصّ على ذلك.

وأمّا إذا نظرت إلى مجرّد الجملة المشتملة على الولاية لما قد اقتصرت عليه الأكثر، فنقول: قد عرفت ما ذكروه من معاني المولى، ومن البيّن لديك أنّه لا صحّة لأن يكون المراد به إلاّ الأولى بهم، أو الإمام السيّد المطاع، أو الناصر، أو المنعم، أوالمنعَم عليه، أو المحبّ.


1- المائدة:3.
2- جعفر بن محمد بن بابويه (الصدوق): الأمالي: المجلس السادس الخمسون، ح10.


(374)

ثمّ إذا نظرت إلى مكان تلك الخطبة وزمانها، وذلك الاهتمام الذي كان للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذلك حتى أنّه وقف في وسط الطريق وجمع النّاس وحبس أوائلهم على أواخرهم في اليوم الشديد الحر، الذي كان بعضهم يلفّ رداءه على رجليه وبعضهم يضعه على رأسه، لم يشكّ أنّه لم يكن إلاّلأمر عظيم لم يجز إهماله ولا تأخيره بوجه، وما ذلك إلاّلأمر لا يسع الناس جهله وليس ذلك إلاّ الإمامة، التي من مات ولم يعرفها مات ميتة جاهليّة، وذلك يعني أن يكون المراد به الأولى بهم أو الإمام السيّد المطاع.

ثمّ إذا نظرت إلى تفريع ذلك على ما قاله أوّلاً من قوله: «ألست أولى بكم من أنفسكم»، وما أجابوا به عنه من قولهم :«بلى»، تعيّن لديك أن يكون بمعنى الأولى بهم، ولا تشكّ في ذلك إن كنت ممّن له أدنى تتبّع لأساليب الأقاويل عربية كانت أو غيرها، فإنّه طريق مستمرّ بين جميع المتكلّمين من آية أنّه كانوا كما لا يرتاب في أنّه إذا أقبل رجل على جماعة فقال: ألستم عارفين بعبدي زيد. ثمّ قال: فاشهدوا أنّ عبدي حرّلوجه اللّه انصرف إلى ذلك العبد الذي أشهدهم عليه أوّلاً لا غير، وإلاّ كان سفيهاً ملغزاً معمياً.

ولا شبهة أيضاً أنّه يفهم من غير توقّف أنّ كلّ ما به يكون الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم يكون عليّ صلوات اللّه عليه أولى به بهم منهم(1)، من غير افتقار إلى إثبات عموم للأولوية.

وكلّ ما ذكرناه ممّا لا شبهة فيه عند من له أدنى رؤية في الكلام إذا أنصف ولم يتعنّت.


1- قوله: «اولى به بهم منهم» و «به» هنا كما اشارت إليه الجملة السابقة كل ما به يكونالرسول «اولى»، و و أما«بهم» فكما فيما سبق من قوله «ألست أولى بكم»، و اما «منهم» فالمقصود «من أنفسكم».


(375)

فما أورده المخالفون من منع كون المولى هنا بمعنى الأولى بهم، لجواز أن يكون بمعنى الناصر أو المحبّ أو السيّد، وعلى تقدير الترك من منع عموم الأولوية إلى غير ذلك من الوجوه الركيكة لم يصدر إلاّ عن جهل بمعاني الأقاويل، أو عن تعنّت وعناد وانهماك في الأضاليل، والاستقصاء في ذلك لا يناسب هذا الكتاب فلنكله إلى الكتب المبسوطة لأصحابنا في الإمامة.

إلاّ أنّنا لا نرى بأساً بأن نورد في كتابنا هذا شيئاً من عبارة الشافي; لسيّدنا المرتضى رضي اللّه عنه، ممّا ذكره لتقرير أصل الاستدلال بهذا الخبر، على الإمامة، تبرّكاً وتيمّناً، قال سلام عليه:

إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ استخرج من أُمّته في ذلك المقام الإقرار بفرض طاعته ووجوب التصرّف بين أمره ونهيه بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟» وهذا القول وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام، فالمراد به التقرير وهو جار مجرى قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)(1)فلمّا أجابوه بالاعتراف والإقرار رفع بيد أميرالمؤمنينعليه السَّلام وقال عاطفاً على ما تقدّم: «فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» وفي روايات أُخر: (2) «فهذا مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» فأتى ـ عليه السَّلام ـ بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الّتي قدّمها وإن كان محتملاً لغيره، فوجب أن يريد بها المعنى المتقدّم الّذي قرّرهم به على مقتضى الاستعمال من أهل اللغة، وعرفهم وخطابهم.

وإذا ثبت أنّه ـ عليه السَّلام ـ أراد ما ذكرناه من إيجابه كون أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أولى بالأُمّة من أنفسهم; فقد أوجب الأحكام لأنّه لا يكون أولى بهم من أنفسهم


1- الأعراف:172.
2- ابن كثير: البداية والنهاية: 7/383.


(376)

إلاّ فيما يقتضي فرض الطاعة له عليهم ونفوذ أمره ونهيه فيهم،ولن يكون كذلك إلاّ من كان إماماً.

فإن قال: دلّوا على صحّة الخبر ثمّ على أنّ لفظ «مولى» محتملة لأولى وأنّه أحد أقسام ما يحتمله، ثمّ على أنّ المراد بهذه اللفظة في الخبر هو الأولى دون سائر الأقسام، ثمّ على أنّ الأولى يفيد معنى الإمامة.

قيل له:أمّا الدلالة على صحّة الخبر، فما يطالب بها إلاّ متعنّت لظهوره وانتشاره وحصول العلم لكلّ من سمع الإخبار به، وما المطالب بتصحيح خبر الغدير والدلالة عليه إلاّكالمطالب بتصحيح غزوات النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الظاهرة المنشورة; وأحواله المعروفة; وحجّة الوداع نفسها، لأنّ ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة.

وبعد، فإنّ الشيعة قاطبة تنقله وتتواتر به، وأكثر رواة أصحاب الحديث ترويه بالأسانيد المتّصلة، وجميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفاً عن سلف نقلاً بغير اسناد مخصوص كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة وقد أورده مصنّفو الحديث في جملة الصحيح، وقد استدل هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار، لأنّ الأخبار على ضربين:

أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتّصلة، كالخبر عن وقعة بدر وخيبر والجمل وصفّين،و ما جرى مجرى ذلك من الأُمور الظاهرة التي يعلمها الناس قرناً بعد قرن بغير اسناد وطريق مخصوص.

والضرب الآخر يعتبر فيه اتّصال الأسانيد كأخبار الشريعة.

وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان مع تفرّقهما في غيره من الأخبار، على


(377)

أنّ ما اعتبر في نقله من أخبار الشريعة اتّصال الأسانيد، لو فتشت عن جميعه لم تجد رواية إلاّ الآحاد، وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتّصلة الجمع الكثير، فمزيّته ظاهرة.

وممّا يدلّ على صحّة الخبر: إطباق علماء الأُمّة على قبوله ولا شبهة فيما ادّعيناه من الإطباق; لأنّ الشيعة جعلته الحجّة في النصّ على أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بالإمامة ومخالفو الشيعة تأوّلوه على خلاف الإمامة على اختلاف تأويلاتهم!

فمنهم من يقول: إنّه يقتضي كونه ـ عليه السَّلام ـ الأفضل.

ومنهم من يقول: إنّه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن.

وآخرون يذهبون فيه إلى ولاة العتق ويجعلون سببه ما وقع عن زيد بن حارثة أو ابنه أُسامة بن زيد من المشاجرة. إلى غير ما ذكرناه من ضروب التأويلات والاعتقادات.

وما نعلم أنّ فرقة من فرق الأُمّة ردّت هذا الخبر، أو اعتقدت بطلانه، أو امتنعت من قبوله.

وما يجمع الأُمّة عليه لا يكون إلاّ حقّاً عندنا وعند مخالفينا وإن اختلفنا في العلّة والاستدلال.

فإن قال: وما في تأويل مخالفيكم للخبر ممّا يدلّ على قبولهم له أو ليس قد يتأول المتكلّمون كثيراً ممّا لا يقبلونه; كأخبار المشبّهة وأصحاب الرؤية وما المانع من أن يكون في الأُمّة من يعتقد بطلانه أو يشكّ في صحّته؟

قيل له: ليس يجوز أن يتأوّل أحد من المتكلّمين خبراً يعتقد بطلانه أو يشكّ في صحّته إلاّبعد أن يبيّن ذلك من حاله ويدلّ على بطلان الخبر أو على فقد ما


(378)

يقتضي صحّته، ولم نجد مخالفي الشيعة في ماض ولا مستقبل يستعملون في تأويل خبر الغدير إلاّما يستعمله المتقبّل، لأنّا لا نعلم أحداً منهم يعتدّ به قدّم الكلام في إبطاله والدفع له أمام تأويله، فإن كانوا أو بعضهم يعتقدون بطلانه أو يشكّون في صحّته، لوجب مع ما نعلمه من توفّر دواعيهم إلى ردّ احتجاج الشيعة به وحرصهم على دفع ما يجعلونه الذريعة إلى تثبيته أن يظهر عنهم دفعه سالفاً وآنفاً ويشيع الكلام منهم في تصحيح الخبر كما شاع كلامهم في تأويله، لأنّ دفعه أسهل من تأويله وأقوى في إبطال المتعلّق به وأنفى للشبهة.

فإن قال: أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني في دفع الخبر وحكي عن الخوارج مثله، وطعن الجاحظ في كتاب العثمانية فيه؟

قيل له: أوّل ما نقول: إنّه لا يعتبر في باب الإجماع بشذوذ كلّ شاذّ عنه، بل الواجب أن يعلم أنّ الذي خرج عنه ممّن يعتبر قوله في الإجماع، ثمّ يعلم أنّ الإجماع لم يتقدّم خلافه فإنّ ابن أبي داود والجاحظ لو صرّحا بالخلاف لسقط خلافهما; بما ذكرناه من الإجماع خصوصاً بالذي لا شبهة فيه من تقدّم الإجماع وفقد الخلاف وقد سبقهما ثمّ تأخّر عنهما، على أنّه قد قيل: إنّ ابن أبي داود لم ينكر الخبر وإنّما أنكر كون المسجد الذي بغدير خم متقدّماً، وقد حكي عنه التنصّل من القدح في الخبر والتبرّؤ ممّا قذفه به محمد بن جرير.

وأمّا الجاحظ فلم يتجاسر أيضاً على التصريح بدفع الخبر، وإنّما طعن على بعض روايته، وادّعى اختلاف ما نقل من لفظه،ولو صرّح الجاحظ والسجستاني وأمثالهما بالخلاف لم يكن قادحاً لما قدّمناه.

فأمّا الخوارج، فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعاً لهذا الخبر وامتناعاً من قبوله، وهذه كتبهم ومقالاتهم موجودة معروفة وهي خالية ممّا ادّعي، والظاهر من


(379)

أثرهم حملهم الخبر على التفضيل أو ما جرى مجراه من صنوف تأويل مخالفي الشيعة، وإنّما أنس بعض الجهلة بهذه الدعوى على الخوارج، ما ظهر عنهم من القول الخبيث في أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وظنّ أنّ خلافهم له ورجوعهم عن ولايته يقتضي أن يكونوا جحدوا فضائله ومناقبه، وقد أبعد هذا المدّعى غاية البعد; لأنّ انحراف الخوارج إنّما كان بعد التحكيم للسبب المعروف وإلاّ فاعتقادهم لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وفضله وتقدّمه قد كان ظاهراً، وهم على كلّ حال بعض أنصاره وأعوانه ومن جاهد مع الأعداء وكان في عداد الأولياء إلى أن كان من أمرهم ما كان.

وقد استدلّ قوم على صحّة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ به في الشورى على الحاضرين في جملة ما عدّده من فضائله ومناقبه وما خصّه اللّه تعالى به، حيث قال: أُنشدكم اللّه هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بيده فقال: «من كنت مولاه فهذا مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» غيري؟ فقال القوم: اللّهمّ لا(1)، وإذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه واتّصل أيضاً بغيرهم من الصّحابة ممّن لم يحضر الموضع كما اتّصل بهم سائر ما جرى ولم يكن من أحد نكير له ولا إظهار الشكّ فيه، مع علمنا بتوفر الدّواعي إلى إظهار ذلك لو كان الخبر بخلاف ما حكمنا به من الصحّة، فقد وجب القطع على صحّته، على أنّ الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدّعيه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ سيما في مثل المقام الذي ذكرناه لأنّه ـ عليه السَّلام ـ كان أنزه وأجلّ قدراً من ذلك، قالوا: وبمثل هذه الطريقة يحتجّ خصومنا في تصحيح ما ذكره أبوبكر يوم السقيفة وأسنده إلى الرّسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قوله: الأئمّة من قريش، وما جرى مجراه من


1- وفياتالأئمّة: 32، معالمالفتن: 399.


(380)

الأخبار.

فإن قال: كيف يصحّ احتجاجكم بهذه الطريقة، وغاية ما فيها أن يكون الحاضرون في الشورى صدّقوا خبر الغدير وشهدوا بصحّته، وأن يكون من عداهم من الصحابة الذين لم يحضروا وبلغهم ما جرى أمسكوا عن ردّه وإظهار الشكّ فيه على سبيل التصديق أيضاً وليس في جميع ذلك حجّة عندكم، لأنّكم قد رددتم فيما مضى من الكتاب على من جعل تصديق الصحابة بخبر الإجماع وإمساكهم عن ردّه حجّة في صحّته.

قيل له: إنّما رددنا على من ذكرت من حيث يصحّ عندنا لولا إطباق الصحابة على الخبر المدّعى في الإجماع، ثمّ لما سلّمنا للخصوم ما يدّعونه من إطباق الصحابة، أريناهم أنّه لا حجّة فيه على مذاهبهم وأُصولهم; لأنّهم يجيزون على كلّ واحد منهم الخطأ عقلاً و اعتقادالباطل بالشبهة، فلا أمان قبل صحّة ما يدّعونه بالسّمع من وقوع ما جاز عليهم، وأبطلنا ما يتعلّقون به من عادة الصحابة من قبول الصحيح من الأخبار وردّ السقيم، وبيّنا أنّهم لم يقولوا ذلك إلاّ عن دعوى لا يعضدها برهان، وأنّهم رجعوا في أنّ الخطأ لا يجوز عليهم إلى قولهم أو ما يجري مجرى قولهم،وهذا لا يمنعنا من القطع على صحّة ما يجمع عليه الأُمّة على مذهبنا، لأنّا لا نجيز على كلّ واحد منهم الخطأ والضلال كما اختاروه من طريق العقل، وإنّما نجيزهما على من عدا الإمام، لأنّ العقل قد دلّنا على وجود المعصوم في كلّ زمان، ومنعنا من اجتماع الأُمّة على باطل إنّما هو لأجله، فمن لم يسلك طريقتنا يجب أن يمنعه من الثقة بالإجماع وتمسكه به.

فإن قال: جميع ما ذكرتموه إنّما يصحّ في متن الخبر الّذي هو قوله ـ عليه السَّلام ـ :«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» دون المقدمة المتضمّنة للتقرير، لأنّ أكثر من روى الخبر لم


(381)

يروها، والإطباق من العلماء على القبول واستعمال التأويل غير موجود فيها، لأنّكم تعلمون خلاف خصومكم فيها، وإنشاد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أهل الشورى لم يتضمنها في شيء من الروايات، ودليلكم على إيجاب الإمامة في الخبر ممّا يتعلّق بها فدلّوا على صحّتها.

قيل له: ليس ينكر أن يكون بعض من روى خبر الغدير لم يذكر المقدّمة، إلاّ أنّ من أغفلها ليس لأكثر ممّن ذكرها ولا يقاربه، وإنّما حصل الإخلال بها من آحاد من الرواة، والشيعة كلّهم ينقلون الخبر ومقدّمته، وأكثر من شاركهم من رواة أصحاب الحديث أيضاً ينقلون المقدّمة، ومن تأمّل الخبر وتصفّحه علم صحّة ما ذكرناه.وإذا صحّ فلا نكرة في إغفال من أغفل المقدّمة لأنّ الحجّة تقوم بنقل من نقلها بل بعضهم.

فأمّا إنشاد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أهل الشورى وخلّوه من ذكر المقدمة فلا يدلّ على نفيها أو الشكّ في صحّتها; لأنّه ـ عليه السَّلام ـ قرّرهم بالخبر بما يقتضي الإقرار بجميعه على سبيل الاختصار، ولا حاجة إلى ذكر القصّة من أوّلها إلى آخرها وجميع ما جرى فيها لظهوره، لأنّ الاعتراف بما اعترف به منها هو اعتراف بالكلّ وهذه عادة الناس فيما يقرّرون به، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمّا أن قرّرهم في ذلك المقام بخبر الطائر في حمل الفضائل والمناقب اقتصر على أن قال ـ عليه السَّلام ـ : أفيكم رجل قال له النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ ابعث إليّ أحبّ خلقك إليك يأكل معي» غيري. ولم يذكر إهداء الطائر وما تأخّر عن هذا القول من كلام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وكذلك لمّا أن قرّرهم بقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيه لمّا ندبه لفتح خيبر، ذكر بعض الكلام دون بعض ولم يشرح القصة وجميع ما جرى فيها، وإنّما اقتصر ـ عليه السَّلام ـ على القدر المذكور اتّكالاً على شهرة الأمر، وإنّ في الاعتراف ببعضه اعترافاً بكلّه، فلا


(382)

ينكر أن يكون هذا علّة من أغفل رواية المقدّمة من الرواة، فإنّ أصحاب الحديث كثيراً ما يقولون: فلان يروي عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كذا. ويذكرون بعض لفظ الخبر والمشهور منه على سبيل الاختصار، والتعويل على الظهور في الباقي وإنّ الجميع يجري مجرى واحداً،ويستبين فيما بعد بعون اللّه ما يقتصر من الأدلّة على إثبات الإمامة من خبر الغدير إلى المقدمة وما لا يقتصر إليها إن شاء اللّه.

وأمّا الدلالة على أنّ لفظة «مولى» تفيد في اللّغة «أولى»، فظاهر; لأنّ من كان له أدنى اختلاط باللغة وأهلها يعرف أنّهم يضعون هذه اللفظة مكان «أولى»، كما أنّهم يستعملونها في ابن العم.

وما المنكر لاستعمالها في «الأولى» إلاّكالمنكر لاستعمالها في غيره من أقسامها.ومعلوم أنّهم لا يمتنعون من أن يقولوا في كلّ شيء كان أولى بالشيء، أنّه مولاه. ومتى شئت أن تفحم المطالب بهذه المطالبة فاعكسها عليه ثمّ طالبه بأن يدلّ على أنّ لفظة «مولى» تفيد ابن عم، أو الجار أو غيرهما من الأقسام، فإنّه لا يتمكّن من ذلك إلاّ بإيراد بيت شعر، أو مقاصاة إلى كتاب، أو عرف لأهل اللّغة و كلّ ذلك موجود ممكن لمن ذهب إلى أنّها تفيد«الأولى» على أنّا نتبرع بإيراد جملة تدلّ على ما ذهبنا إليه فنقول:

قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنزلته في اللّغة منزلته في كتابه المعروف بـ«المجاز في القرآن» لمّا انتهى إلى قوله تعالى :(مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوليكُمْ) أنّ معنى «مولاكم»: أولى بكم، وأنشد بيت لبيد شاهداً له:

فغدت كلا الفرجين يحسِب أنّه * مَولى المخافة خلفها و أمامها(1)

وليس أبو عبيدة ممّن يغلط في اللّغة، ولو غلط فيها أو وهم لما جاز أن


1- شرحالمعلّقاتالعَشر: 198.


(383)

يمسك عن النكير عليه، والردّ لتأويله غيره من أهل اللّغة ممّن أصاب ما غلط فيه، على عادتهم المعروفة في تتبّع بعضهم لبعض وردّ بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنّه لم يظهر من أحد من أهل اللغة ردّله، كأنّه قول الجميع.

ولا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله تعالى: (وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَ آتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيداً) (1) أنّ المراد بالأولياء من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته وأحقّ به. وقال الأخطل:

فأصبَحْتَ مَولاها مِنَ النّاسِ بَعْدَهُ * و أحرى قُريش أن يُهابَ ويُحمدا(2)

وقال أيضاً يخاطب بني أُميّة:

أعطاكُمُ اللّهُ جداً لتنصرون به * لا جد إلاّ صغير بعـد محتقـــــر

لم يأشَروا فيه إذ كُنْتُمْ مَواليــه * ولو يكون لقوم غيركم أشِـــــروا(3)

وقال غيره:

كان موالي حقّ يطلبــون بـــه * فأدركـــــوه وما ملّوا ولا تعبــوا


1- النساء:33.
2- ديوانالأخطل: 28.
3- ديوانالأخطل: 85.


(361)

المحسنين.

معاشر الناس حجّوا البيت بكمال الدين والتفقّه ولا تنصرفوا عن المشاهد، إلاّ بتوبة وإقلاع.

معاشر الناس أقيموا الصّلاة وآتو الزكاة كما أمركم اللّه عزّوجلّ ولئن طال عليكم الأمد فقصّرتم أو نسيتم فعليّ وليّكم والمبيّن لكم الذي نصبه اللّه عزّ وجلّ بعدي ومن خلّفه اللّه منّي وأنا منه، يخبركم بما تسألون عنه و يُبيّن لكم ما لا تعلمون.

ألا إنّ الحلال والحرام أكثر من أن أُحصيهما أو أُعرّفهما ف آمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد، فأُمرت أن آخذ البيعة منكم والصفقة لكم بقبول ما جئت به عن اللّه عزّوجلّ في عليّ أمير المؤمنين والأئمة من بعده الذين هم منّي ومنه أئمّة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق.

معاشر النّاس وكلّ حلال دللتكم عليه أو حرام نهيتكم عنه فإنّي لم أرجع عن ذلك ولم أُبدل ألا فاذكروا ذلك واحفظوه وعوه وافهموه وتواصوا به ولا تبدلوه ولا تغيّروه.

ألا وإنّي أُجدّد القول ألا فأقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، ألا وإنّ رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تنتهوا إلى قولي وتبلّغوه من لم يحضر وتأمروه بقبوله وتنهوه عن مخالفته فإنّه أمر من اللّه عزّوجلّ ومنّي، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلاّ مع إمام.

معاشر الناس القرآن يعرّفكم أنّ الأئمّة من بعده ولده وعرّفتكم أنّهم منّي ومنه حيث يقول اللّه عزّوجلّ في كتابه:(وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ)(1) وقلت:


1- الزخرف:28.


(362)

لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما.

معاشر الناس التقوى التقوى، احذروا الساعة، كما قال اللّه تعالى:(إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَة شَيءٌ عَظِيمٌ)(1).

معاشر الناس اذكروا الممات والحساب والموازين والمحاسبة بين يدي ربّ العالمين، والثواب والعقاب فمن جاء بالحسنة أُثيب،ومن جاء بالسَّيئة فليس له في الجنان نصيب.

معاشر الناس إنّكم أكثر من أن تصافقوني بكفّ واحدة وقد أمرني اللّه عزّ وجلّ أن آخذ من ألسنتكم الإقرار بما عقّدت لعليّ من إمرة المؤمنين ومن جاء بعده من الأئمة منّي ومنه على ما أعلمتكم أنّ ذرِّيّتي من صلبه.

فقولوا بأجمعكم: إنّا سامعون مطيعون راضون منقادون لما بلّغت عن ربّنا وربّك في أمر عليّ وأمر ولده من صلبه من الأئمّة; نبايعك على ذلك بقلوبنا وأنفسنا وألسنتنا وأيدينا، على ذلك نحيى و نموت ونبعث لا نغيّر ولا نبدّل ولا نشكّ ولا نرتاب ولا نرجع عن عهد ولا ننقض الميثاق، ونطيع اللّه ونطيعك وعليّاً أمير المؤمنين وولده الأئمة الذين ذكرتهم من ذرّيتك من صلبه بعد الحسن والحسين، اللّذين قد عرّفتكم مكانهما منّي ومحلّهما عندي ومنزلتهما من ربّي عزّوجلّ، فقد أدّيت ذلك إليكم وإنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة وإنّهما الإمامان بعد أبيهما عليّ وأنا أبوهما قبله.

وقولوا: أطعنا اللّه بذلك وإيّاك وعليّاً والحسن والحسين والأئمّة الذين ذكرت عهداً وميثاقاً مأخوذاً لأمير المؤمنين من قلوبنا وأنفسنا وألسنتنا ومصافقة أيدينا، من أدركهما بيده وأقرّ بهما بلسانه، لا نبتغي بذلك بدلاً ولا نرى من أنفسنا


1- الحج:1.


(363)

عنه حولاً أبداً، أشهدنا وكفى باللّه شهيداً وأنت علينا به شهيد، وكلّ من أطاع ممّن ظهر واستتر، وملائكة اللّه وجنوده وعبيده، واللّه أكبر من كلّ شهيد.

معاشر الناس ما تقولون فإنّ اللّه يعلم كلّ صوت وخافية كلّ نفس(فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها)(1) ومن بايع فإنّما يبايع اللّه(يَدُ اللّه فَوقَ أَيْدِيهِمْ)(2).

معاشر الناس فاتّقوا اللّه وبايعوا عليّاً أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمّة من ولده كلمة باقية، يهلك اللّه من غدر، ويرحم من وفى: (وَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ)(3) الآية.

معاشر الناس قولوا الذي قلت لكم، وسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين وقولوا: (سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير)وقولوا: ()(4)الحَمْدُ للّهِ الّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَولا أَنْ هَدانَا اللّهُ)(5).

معاشر الناس إنّ فضائل عليّ بن أبي طالب عند اللّه عزّوجلّ وقد أنزلها في القرآن أكثر من أن أُحصيها في مكان واحد، فمن أنبأكم بها وعرّفكم إيّاها فصدّقوه.

معاشر الناس من يطع اللّه ورسوله وعليّاً والأئمّة الذين ذكرتهم فقد فاز فوزاً عظيماً.

معاشر الناس السابقون السابقون إلى مبايعته وموالاته، والتسليم عليه بإمرة المؤمنين، أُولئك الفائزون في جنّات النعيم.


1- الزمر:39.
2- الفتح:10.
3- الفتح:10.
4- البقرة:285.
5- الأعراف:43.


(364)

معاشر الناس قولوا ما يرضى اللّه به(1) عنكم من القول، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإنّ اللّه غنيّ عن العالمين فلن تضرّوا اللّه شيئاً، اللّهمّ اغفر للمؤمنين واغضب على الكافرين،والحمد للّه ربّ العالمين.

فناداه القوم بأجمعهم: نعم سمعنا وأطعنا على أمر اللّه وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا، وتداكّوا على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ وصافقوهما بأيديهم، فكان أوّل من صافق رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : الأوّل والثاني والثالث والرابع والخامس وباقي المهاجرين والأنصار، وباقي الناس على طبقاتهم وقدر منازلهم منذ الظهيرة إلى أن غاب الشفق الأحمر، إلى أن صلّيت العشاء و العتمة في وقت واحد، وواصلوا البيعة والمصافقة ثلاثاً ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول كلّما بايع قومٌ: الحمد للّه الذي فضّلنا على جميع العالمين،وصارت المصافقة سنّة ورسماً يستعملها من ليس له حقّ فيها.

روي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: لمّا فرغ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من هذه الخطبة رُئي في الناس رجل جميل بهيّ(2) طيّب الرائحة فقال: تاللّه ما رأيت محمداً(3) كاليوم، ما أشد ما يؤكّد لابن عمّه! وإنّه يعقد له عقداً لا يحلّه إلاّ كافر باللّه العظيم وبرسوله، ويل طويل لمن حلّ عقده.

قال: فالتفت إليه عمر حين سمع كلامه فأعجبته هيئته، ثمّ التفت إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: أما سمعت ما قال هذا الرجل قال كذا و كذا؟ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا عمر أتدري من ذاك الرجل؟ قال: لا، قال: ذلك الروح الأمين جبرئيل فإيّاك أن تحلّه، فإنّك إن فعلت فاللّه ورسوله وملائكته والمؤمنون منك براء(4).

هذا تمام لفظ ما رواه الطبرسي رحمه اللّه في الاحتجاج.


1- «به»: منالمصدر.
2- « بهيّ»: منالمصدر.
3- «محمداً»: منالمصدر.
4- أحمد بن عليّ الطبرسي: الاحتجاج: 1/133 ح32 عنه البحار: 37/201 ح86.


(365)

وقد روى الشيخ الإمام الشهيد محمد بن أحمد الفارسي رضوان اللّه عليه في كتاب «روضة الواعظين»(1) هذه الحكاية بتمامها مرسلة كما هو دأبه، من الخطبة وما قبلها وما بعدها إلاّ أنّ في الألفاظ اختلافاً في موارد كثيرة من الخطبة وغيرها لا يضرّ بالمعنى.

وكذلك رواها السيد الإمام العلاّمة رضي الملّة والحق والدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووسي العلوي الفاطمي في كتاب «اليقين باختصاص مولانا عليّ ـ عليه السَّلام ـ بإمرة المؤمنين » عن كتاب أحمد بن محمد الطبري المعروف بالخليل; بأجمعها من الخطبة وما قبلها و ما بعدها، إلاّ أنّ في الألفاظ اختلافاً في موارد كثيرة لا يضرّ بالمعنى.

و هذا لفظ كتاب الطبري على ما حكاه عنه رحمه اللّه : حدّثنا أحمد بن محمد الطبريّ، قال: أخبرني محمد بن أبي بكر بن عبدالرحمن، قال: حدّثني الحسن بن علي أبو محمد الدينوري، قال: حدثنا محمد بن موسى الهمداني، قال: حدثنا محمد بن خالد الطيالسيّ، قال: حدثنا سيف بن عميرة، عن عقبة، عن قيس بن سمعان، عن علقمة بن محمد الحضرمي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليمها السَّلام قال: حجّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .ثم ساق الحديث إلخ(2).

وروى رحمه اللّه في كتاب «التحصين لأسرار ما زاد من أخبار كتاب اليقين»(3) عن كتاب «نور الهدى والمنجي من الردى» تأليف الحسن بن أبي طاهر أحمد بن محمد بن الحسين الجاواني(4)، خطبة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحدها بمضمون ما رواه صاحب الاحتجاج إلاّ أنّ بينهما اختلافاً ما في الألفاظ والزيادة والنقصان والتقدّم


1- روضة الواعظين:ص 100ـ 116.
2- اليقين:ص 343 ـ 361 الباب 127.
3- التحصين: ص 578ـ 590 الباب 29.
4- «الجاواني» أو «الجاوابي» والمضبوط بخط ابنطاووس بالباء. كما جاء في هامش«التحصين» ص535.


(366)

والتأخّر من غير اختلاف في أصل المقصود ولا في المعنى غالباً.

ولفظ كتاب «نور الهدى» على ما حكاه رحمه اللّه هكذا: أبو الفضل محمد بن عبد اللّه الشيباني، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وهارون بن عيسى بن السكين البلدي، قالا: حدثنا حميد بن الربيع الخزاز، قال: حدثنا علي بن حماد(1)، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدّثنا نوح بن مبشر، قال: حدثنا الوليد بن صالح(2) عن ابن امرأة زيد بن أرقم، عن زيد بن أرقم ، قال:

لمّا أقبل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من حجّة الوداع جاء حتى نزل بغدير خم بالجحفة بين مكّة و المدينة، ثمّ أمر بالدوحات يقمّ ما تحتهنّ من شوك، ثمّ نودي بالصلاة جامعة، فخرجنا إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في يوم شديد الحرّ، وإنّ منّا من يضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحرّ والرمضاء، ومنّا من يضعه فوق رأسه، فصلّى بنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثمّ التفت إلينا فقال: الحمد للّه(3) إلى تمام الخطبة.

وقال رحمه اللّه في «ربيع الشيعة»(4) في الفصل الّذي عقده لحجّة الوداع: فلمّا


1- لم يذكره في «التحصين» ضمن السند.
2- في التحصين«صافح».
3- التحصين:578 الباب 29.

4- قال الآقا بزرك الطهراني في «الذريعة» :10 / 75 عند ذكر الكتاب: «ربيع الشيعة» المنسوب إلى السيد رضي الدين ابن طاوس(المتوفّى 664هـ) انّه موافق بعينه ومتّحد مع كتاب «إعلام الورى» تأليف أمين الإسلام الطبرسي المفسر (المتوفى 548هـ)».
وذكر تفصيله في ج2 ص 240 عند ذكر كتاب «إعلام الورى بأعلام الهدى» للطبرسي قائلاً: «ومن غريب الاتفاق مطابقة (كتاب ربيع الشيعة) المنسوب إلى السيد ابن طاووس مع هذا الكتاب وتوافقهما حرفاً بحرف إلاّ اختصارات قليلة في بعض الفصول و زيادات في الخطبة، قال العلاّمة المجلسي في أوّل البحار: «وهذا مما يقضي منه التعجب» (أقول) ـ والكلام لصاحب الذريعة ـ : الممارس لبيانات السيد ابن طاووس لا يرتاب في أنّ «ربيع الشيعة» ليس له والمراجع لا يشكّ في اتحاده مع «إعلام الورى» للطبرسي» ـ و يذكر بعد ذلك احتمالات منشأ هذه الشبهة ـ .
و للمزيد من التفصيل راجع «الذريعة».


(367)

قضى نسكه وقفل إلى المدينة، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع يصلح للنزول; لعدم الماء فيه والمرعى، نزل عليه جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ وأمره أن يقيم عليّاً ـ عليه السَّلام ـ وينصّبه إماماً للناس، فقال: «ربّ إنّي حديث عهد بالجاهلية» فنزل عليه: أنّها عزيمة لا رخصة فيها، فنزلت الآية:(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(1).

فنزل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمكان الذي ذكرناه ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً شديد الحرّ، فأمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بدوحات هناك فقمّ ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في المكان، ووضع بعضها على بعض، ثمّ أمر مناديه فنادى في الناس بالصلاة، فاجتمعوا إليه وإنّ أكثرهم ليلفّ رداءه على قدميه من شدّة الرمضاء، وصعد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ودعا علياً ـ عليه السَّلام ـ فرقى حتى قام عن يمينه ثمّ خطب الناس فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ ونعى إلى الأُمّة نفسه فقال: «إنّي دعيت ويوشك أن أُجيب، وقد حان منّي خفوقٌ من بين أظهركم،وإنّي مخلف فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».

ثمّ نادى بأعلى صوته:ألست أولى بكم من أنفسكم؟

فقالوا: اللّهمّ بلى.

فقال لهم على النسق وقد أخذ بضبعي(2) علي ـ عليه السَّلام ـ فرفعهما حتى رُئي بياض إبطيهما وقال: فمن كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.


1- المائدة: 67.
2- الضبع: العضد.(الصحاح: «ضبع)».


(368)

ثمّ نزل ـ عليه السَّلام ـ وكان وقت الظهيرة فصلى ركعتين، ثمّ زالت الشمس فأذّن مؤذّنه لصلاة الظهر فصلّى بالنّاس وجلس في خيمته، وأمر عليّاً ـ عليه السَّلام ـ أن يجلس في خيمة له بازائه، ثمّ أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيهنّوه بالإمامة ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم.

ثمّ أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه ويسلّمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن، وكان ممّن أطنب في تهنئته في ذلك المقام عمر بن الخطاب وقال فيما قال: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

وأنشأ حسّان يقول:

يناديهم يَومَ الغديرِ نبيّهم * بخم وأكرم بالنبيّ مناديا

وقال فمن مَولاكُمُ وَ وَليُّكُمْ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا

إلهك مولانا وأنتَ وليّنا * ولن تَجِدَن منّا لك اليوم عاصيا

فقالَ له قُمْ يا عليّ فإنّني * رَضِيتُكَ من بَعدي إماماً وهاديا

فََمنْ كُنتُ مولاه فهذا وليُّهُ * فَكُونوا له أنصارَ صِدق مَواليا

هناكَ دَعا اللّهمّ والِ ولَيَّهُ * وَكُنْ لِلّذي عادى علِيّاً مُعاديا


(369)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تزال يا حسان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ويدك».

ولم يبرح رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المكان حتى نزل (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً) .(1) فقال: «الحمد للّه على كمال الدين و تمام النعمة ورضا الربّ برسالتي والولاية لعليّ من بعدي»(2).

وقد روي حديث يوم الغدير من طرق العامة خاصة بما يزيد على التواتر، فقد أفرد له محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ » كتاباً سمّاه: كتاب الولاية،وقد طرقه من نيف وسبعين طريقاً.

وأفرد له أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة كتاباً وطرقه من مائة وخمس طرق.

وطرقه أبو بكر الجعابي(3) من مائة وخمس وعشرين طريقاً.

وقد صنف علي بن هلال المهلبي(4) كتاب الغدير.


1- المائدة:3.
2- لعدم وجود «ربيع الشيعة» في المتناول، تمّ إخراجه من «إعلام الورى بأعلام الهدى» للشيخ الطبرسي: 1/261ـ263، والفصولالمختارة للشيخالمفيد: ص290.، دارالمفيد بيروت..
3- هو محمد بن عمربن محمد بن سالم، أبوبكرالجعابي، الحافظالقاضي كان من حفاظالحديث وأجلاّء أهلالعلم. قال في ميزانالاعتدال: أحد الحفاظالموجودين .. وهو شيعيّ ما شاهدنا أحفظ منه، قال لغلامه حين ضاعت كتبه: لا تغتم فإن منها مائتي ألف حديث لا يَشْكل عليّ منها حديث لا اسناداً و لا متناً، مات سنة 355هـ، رجالالنجاشي: 281، ميزانالاعتدال: 3/670.
4- ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست: 96، ط. ق، قائلاً: علي بن بلال المهلبي، له كتاب الغدير، و له كتاب المسح على الرجلين و كتاب في إيمان أبي طالب، و غير ذلك.


(370)

وأحمد بن محمد بن سعد كتاب «من روى غدير خم».

ومسعود الشّجري كتاباً فيه روا ة هذا الخبر، وطرقها .

واستخرج منصور الرازي في كتابه أسماء رواته على حروف المعجم.

ونقل عن أبي المعالي الجويني المعروف عندهم بإمام الحرمين، أنّه كان يقول: شاهدت مجلّداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الحديث مكتوباً عليه: المجلّد الثامن والعشرون من طرق قوله: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» ويتلوه المجلّد التّاسع والعشرون (1).

وقال ابن كثير الشامي المؤرّخ في ترجمة محمد بن جرير الطبري: إنّي رأيت كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلّدين ضخمين(2).

وبالجملة فهذا النصّ من النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّا لا يمكن إنكاره.

قال الفقيه ابن المغازلي الشافعي: هذا حديث صحيح عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد روى حديث غدير خم نحو مائة نفر، منهم العشرة،وهو حديث ثابت لا أعرف له علّة تفرّد عليّ بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد.

قلت: ولكن الأكثر اختصروا على جملة النصّ على الولاية اقتصروا أو ذكروا غيره ممّا اشتملت عليه القصة على سبيل الإجمال، أو ذكروا بعضاً من القصة وتركوا بعضاً، والتفصيل ما نقلته، عن الاحتجاج.

إلاّ أنّ الصدوق أبا جعفر بن بابويه القمي قال في آخر المجلس السّادس والخمسين من أماليه: حدّثنا أبي رحمه اللّه قال: حدثنا سعد بن عبد اللّه قال: حدثنا


1- زينالدين علي بن يوسفبن جبير: نهجالإيمان: 134.
2- الشيخالقمي: الكنى والألقاب: 2/242.


(371)

أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، عن أبيه، عن خلف بن حمّاد الأسدي، عن أبي الحسن العبدي، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي عن عبد اللّه بن عباس قال:

إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمّا أُسري به إلى السّماء انتهى به جبرائيل إلى نهر يقال له «النور»، وهو قول اللّه عزّ وجلّ «خَلَقَ الظُّلُمات وَالنُّور»(1) فلمّا انتهى به إلى النهر قال له جبرئيل: يا محمد اعبر على بركة اللّه فقد نوّر اللّه لك بصرك ومدّ لك امامك، فإنّ هذا نهرٌ لم يعبره أحد ولا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل، غير أنّ لي في كلّ يوم اغتماسة فيه ثمّ أخرج منه فأنفض أجنحتي، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلاّخلق اللّه تبارك وتعالى منها ملكاً مقرّباً، له عشرون ألف وجه وأربعون ألف لسان، كلّ لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللّسان الآخر.

فعبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتى انتهى إلى الحجب والحجب خمسمائة حجاب، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثمّ قال: تقدّم يا محمد، فقال له يا جبرئيل: ولم لا تكون معي؟ قال: ليس لي أن أجوز هذا لمكان ، فتقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما شاء اللّه أن يتقدّم حتى سمع ما قال الرب تبارك وتعالى: أنا المحمود وأنت محمّد، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلتُه، ومن قطعك بَتَكته(2)، إنزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك وإنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً وإنّك رسولي وإنّ عليّاً وزيرك.

فهبط رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فكره أن يحدّث الناس بشيء كراهيّة أن يتّهموه، لأنّهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، حتى مضى لذلك ستة أيّام، فأنزل اللّه تبارك و تعالى


1- اقتباس من سورة الأنعام الآية 1: ()الحمْدُ للّهِ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْض وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّور...) .
2- «بتلته» إحدى نسخالمصدر، والبتك: القطع.


(372)

(فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحَى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ)(1) فاحتمل(2) رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك حتى كان يوم الثامن فأنزل اللّه تبارك و تعالى عليه:(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالتهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ)(3) فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : تهديد بعد وعيد لأمضينَّ أمر اللّه عزّوجلّ فإن يتّهموني ويكذّبوني فهو أهون عليّ من أن يعاقبني اللّه العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة، قال: وسلَّم جبرائيل على عليّ بإمرة المؤمنين فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : يا رسول اللّه أسمع الكلام ولا أُحس الرؤية! فقال: يا عليّ هذا أخي جبرائيل أتاني من قبل ربّي بتصديق ما وعدني، ثمّ أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رجلاً فرجلاً من أصحابه حتى سلّموا عليه بإمرة المؤمنين ثمّ قال: يا بلال ناد في الناس أن لا يبقى غداً أحدٌ إلاّخرج إلى غدير خم.

فلمّا كان من الغد خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجماعة من أصحابه، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: يا أيّها الناس إنّ اللّه تبارك وتعالى أرسلني إليكم برسالة وإنّي ضقت بها ذرعاً; مخافة أن تتّهموني وتكذّبوني حتى أنزل اللّه عليّ وعيداً بعد وعيد، فكان تكذيبكم إيّاي أيسر عليّ من عقوبة اللّه إيّاي ; إنّ اللّه تبارك وتعالى أسرى بي وأسمعني وقال: يا محمد أنا المحمود وأنت محمّد ،شققت اسمك من اسمي فمن وصلك وصلته، ومن قطعك بتكته; إنزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاك، وأنّي لم أبعث نبيّاً إلاّ جعلت له وزيراً وإنّك رسولي، وإنّ عليّاً وزيرك. ثمّ أخذ عليه الصلاة والسّلام بيدَي علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ فرفعهما حتى(4) نظر الناس إلى


1- هود:12.
2- «فاحتمى» الأصل، و ما أُثبت من المصدر.
3- المائدة: 67.
4- من المصدر، وفي الأصل: «ثم».


(373)

بياض إبطيهما ولم ير قبل ذلك، ثمّ قال:

أيّها الناس، إنّ اللّه تبارك و تعالى مولاي وأنا مولى المؤمنين فمن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره ، واخذل من خذله.

فقال الشُّكّاك والمنافقون والذين في قلوبهم مرض وزيغ: نبرأ إلى اللّه من مقالة ليس بحتم، ولا نرضى أن يكون عليّ وزيره، هذه منه عصبيّة.

فقال سلمان و المقداد وأبو ذر، وعمّار بن ياسر: واللّه ما برحنا العرصة حتى نزلت هذه الآية (اليَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1) فكرّر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك ثلاثاً ثمّ قال: إنّ كمال الدّين وتمام النعمة ورضا الربّ بإرسالي إليكم بالولاية بعدي لعليّ بن أبي طالب.(2)

و لنتفرغ الآن لبيان دلالة هذا الكلام المتّفق على صدوره عن سيّد الأنام صلوات اللّه عليه وآله الغر الكرام على كون عليّ صلوات اللّه عليه إماماً وخليفة:

أمّا إذا نظرت إلى تمام الخطبة على ما حكيناه عن الاحتجاج، فلا شكّ أنّه لا نصّ أقوى من هذا النصّ على ذلك.

وأمّا إذا نظرت إلى مجرّد الجملة المشتملة على الولاية لما قد اقتصرت عليه الأكثر، فنقول: قد عرفت ما ذكروه من معاني المولى، ومن البيّن لديك أنّه لا صحّة لأن يكون المراد به إلاّ الأولى بهم، أو الإمام السيّد المطاع، أو الناصر، أو المنعم، أوالمنعَم عليه، أو المحبّ.


1- المائدة:3.
2- جعفر بن محمد بن بابويه (الصدوق): الأمالي: المجلس السادس الخمسون، ح10.


(374)

ثمّ إذا نظرت إلى مكان تلك الخطبة وزمانها، وذلك الاهتمام الذي كان للنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذلك حتى أنّه وقف في وسط الطريق وجمع النّاس وحبس أوائلهم على أواخرهم في اليوم الشديد الحر، الذي كان بعضهم يلفّ رداءه على رجليه وبعضهم يضعه على رأسه، لم يشكّ أنّه لم يكن إلاّلأمر عظيم لم يجز إهماله ولا تأخيره بوجه، وما ذلك إلاّلأمر لا يسع الناس جهله وليس ذلك إلاّ الإمامة، التي من مات ولم يعرفها مات ميتة جاهليّة، وذلك يعني أن يكون المراد به الأولى بهم أو الإمام السيّد المطاع.

ثمّ إذا نظرت إلى تفريع ذلك على ما قاله أوّلاً من قوله: «ألست أولى بكم من أنفسكم»، وما أجابوا به عنه من قولهم :«بلى»، تعيّن لديك أن يكون بمعنى الأولى بهم، ولا تشكّ في ذلك إن كنت ممّن له أدنى تتبّع لأساليب الأقاويل عربية كانت أو غيرها، فإنّه طريق مستمرّ بين جميع المتكلّمين من آية أنّه كانوا كما لا يرتاب في أنّه إذا أقبل رجل على جماعة فقال: ألستم عارفين بعبدي زيد. ثمّ قال: فاشهدوا أنّ عبدي حرّلوجه اللّه انصرف إلى ذلك العبد الذي أشهدهم عليه أوّلاً لا غير، وإلاّ كان سفيهاً ملغزاً معمياً.

ولا شبهة أيضاً أنّه يفهم من غير توقّف أنّ كلّ ما به يكون الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم يكون عليّ صلوات اللّه عليه أولى به بهم منهم(1)، من غير افتقار إلى إثبات عموم للأولوية.

وكلّ ما ذكرناه ممّا لا شبهة فيه عند من له أدنى رؤية في الكلام إذا أنصف ولم يتعنّت.


1- قوله: «اولى به بهم منهم» و «به» هنا كما اشارت إليه الجملة السابقة كل ما به يكونالرسول «اولى»، و و أما«بهم» فكما فيما سبق من قوله «ألست أولى بكم»، و اما «منهم» فالمقصود «من أنفسكم».


(375)

فما أورده المخالفون من منع كون المولى هنا بمعنى الأولى بهم، لجواز أن يكون بمعنى الناصر أو المحبّ أو السيّد، وعلى تقدير الترك من منع عموم الأولوية إلى غير ذلك من الوجوه الركيكة لم يصدر إلاّ عن جهل بمعاني الأقاويل، أو عن تعنّت وعناد وانهماك في الأضاليل، والاستقصاء في ذلك لا يناسب هذا الكتاب فلنكله إلى الكتب المبسوطة لأصحابنا في الإمامة.

إلاّ أنّنا لا نرى بأساً بأن نورد في كتابنا هذا شيئاً من عبارة الشافي; لسيّدنا المرتضى رضي اللّه عنه، ممّا ذكره لتقرير أصل الاستدلال بهذا الخبر، على الإمامة، تبرّكاً وتيمّناً، قال سلام عليه:

إنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ استخرج من أُمّته في ذلك المقام الإقرار بفرض طاعته ووجوب التصرّف بين أمره ونهيه بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟» وهذا القول وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام، فالمراد به التقرير وهو جار مجرى قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)(1)فلمّا أجابوه بالاعتراف والإقرار رفع بيد أميرالمؤمنينعليه السَّلام وقال عاطفاً على ما تقدّم: «فَمَنْ كُنْتُ مَولاهُ فَعَلِيٌّ مَولاهُ» وفي روايات أُخر: (2) «فهذا مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» فأتى ـ عليه السَّلام ـ بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الّتي قدّمها وإن كان محتملاً لغيره، فوجب أن يريد بها المعنى المتقدّم الّذي قرّرهم به على مقتضى الاستعمال من أهل اللغة، وعرفهم وخطابهم.

وإذا ثبت أنّه ـ عليه السَّلام ـ أراد ما ذكرناه من إيجابه كون أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أولى بالأُمّة من أنفسهم; فقد أوجب الأحكام لأنّه لا يكون أولى بهم من أنفسهم


1- الأعراف:172.
2- ابن كثير: البداية والنهاية: 7/383.


(376)

إلاّ فيما يقتضي فرض الطاعة له عليهم ونفوذ أمره ونهيه فيهم،ولن يكون كذلك إلاّ من كان إماماً.

فإن قال: دلّوا على صحّة الخبر ثمّ على أنّ لفظ «مولى» محتملة لأولى وأنّه أحد أقسام ما يحتمله، ثمّ على أنّ المراد بهذه اللفظة في الخبر هو الأولى دون سائر الأقسام، ثمّ على أنّ الأولى يفيد معنى الإمامة.

قيل له:أمّا الدلالة على صحّة الخبر، فما يطالب بها إلاّ متعنّت لظهوره وانتشاره وحصول العلم لكلّ من سمع الإخبار به، وما المطالب بتصحيح خبر الغدير والدلالة عليه إلاّكالمطالب بتصحيح غزوات النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الظاهرة المنشورة; وأحواله المعروفة; وحجّة الوداع نفسها، لأنّ ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة.

وبعد، فإنّ الشيعة قاطبة تنقله وتتواتر به، وأكثر رواة أصحاب الحديث ترويه بالأسانيد المتّصلة، وجميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفاً عن سلف نقلاً بغير اسناد مخصوص كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة وقد أورده مصنّفو الحديث في جملة الصحيح، وقد استدل هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار، لأنّ الأخبار على ضربين:

أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتّصلة، كالخبر عن وقعة بدر وخيبر والجمل وصفّين،و ما جرى مجرى ذلك من الأُمور الظاهرة التي يعلمها الناس قرناً بعد قرن بغير اسناد وطريق مخصوص.

والضرب الآخر يعتبر فيه اتّصال الأسانيد كأخبار الشريعة.

وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان مع تفرّقهما في غيره من الأخبار، على


(377)

أنّ ما اعتبر في نقله من أخبار الشريعة اتّصال الأسانيد، لو فتشت عن جميعه لم تجد رواية إلاّ الآحاد، وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتّصلة الجمع الكثير، فمزيّته ظاهرة.

وممّا يدلّ على صحّة الخبر: إطباق علماء الأُمّة على قبوله ولا شبهة فيما ادّعيناه من الإطباق; لأنّ الشيعة جعلته الحجّة في النصّ على أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بالإمامة ومخالفو الشيعة تأوّلوه على خلاف الإمامة على اختلاف تأويلاتهم!

فمنهم من يقول: إنّه يقتضي كونه ـ عليه السَّلام ـ الأفضل.

ومنهم من يقول: إنّه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن.

وآخرون يذهبون فيه إلى ولاة العتق ويجعلون سببه ما وقع عن زيد بن حارثة أو ابنه أُسامة بن زيد من المشاجرة. إلى غير ما ذكرناه من ضروب التأويلات والاعتقادات.

وما نعلم أنّ فرقة من فرق الأُمّة ردّت هذا الخبر، أو اعتقدت بطلانه، أو امتنعت من قبوله.

وما يجمع الأُمّة عليه لا يكون إلاّ حقّاً عندنا وعند مخالفينا وإن اختلفنا في العلّة والاستدلال.

فإن قال: وما في تأويل مخالفيكم للخبر ممّا يدلّ على قبولهم له أو ليس قد يتأول المتكلّمون كثيراً ممّا لا يقبلونه; كأخبار المشبّهة وأصحاب الرؤية وما المانع من أن يكون في الأُمّة من يعتقد بطلانه أو يشكّ في صحّته؟

قيل له: ليس يجوز أن يتأوّل أحد من المتكلّمين خبراً يعتقد بطلانه أو يشكّ في صحّته إلاّبعد أن يبيّن ذلك من حاله ويدلّ على بطلان الخبر أو على فقد ما


(378)

يقتضي صحّته، ولم نجد مخالفي الشيعة في ماض ولا مستقبل يستعملون في تأويل خبر الغدير إلاّما يستعمله المتقبّل، لأنّا لا نعلم أحداً منهم يعتدّ به قدّم الكلام في إبطاله والدفع له أمام تأويله، فإن كانوا أو بعضهم يعتقدون بطلانه أو يشكّون في صحّته، لوجب مع ما نعلمه من توفّر دواعيهم إلى ردّ احتجاج الشيعة به وحرصهم على دفع ما يجعلونه الذريعة إلى تثبيته أن يظهر عنهم دفعه سالفاً وآنفاً ويشيع الكلام منهم في تصحيح الخبر كما شاع كلامهم في تأويله، لأنّ دفعه أسهل من تأويله وأقوى في إبطال المتعلّق به وأنفى للشبهة.

فإن قال: أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني في دفع الخبر وحكي عن الخوارج مثله، وطعن الجاحظ في كتاب العثمانية فيه؟

قيل له: أوّل ما نقول: إنّه لا يعتبر في باب الإجماع بشذوذ كلّ شاذّ عنه، بل الواجب أن يعلم أنّ الذي خرج عنه ممّن يعتبر قوله في الإجماع، ثمّ يعلم أنّ الإجماع لم يتقدّم خلافه فإنّ ابن أبي داود والجاحظ لو صرّحا بالخلاف لسقط خلافهما; بما ذكرناه من الإجماع خصوصاً بالذي لا شبهة فيه من تقدّم الإجماع وفقد الخلاف وقد سبقهما ثمّ تأخّر عنهما، على أنّه قد قيل: إنّ ابن أبي داود لم ينكر الخبر وإنّما أنكر كون المسجد الذي بغدير خم متقدّماً، وقد حكي عنه التنصّل من القدح في الخبر والتبرّؤ ممّا قذفه به محمد بن جرير.

وأمّا الجاحظ فلم يتجاسر أيضاً على التصريح بدفع الخبر، وإنّما طعن على بعض روايته، وادّعى اختلاف ما نقل من لفظه،ولو صرّح الجاحظ والسجستاني وأمثالهما بالخلاف لم يكن قادحاً لما قدّمناه.

فأمّا الخوارج، فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعاً لهذا الخبر وامتناعاً من قبوله، وهذه كتبهم ومقالاتهم موجودة معروفة وهي خالية ممّا ادّعي، والظاهر من


(379)

أثرهم حملهم الخبر على التفضيل أو ما جرى مجراه من صنوف تأويل مخالفي الشيعة، وإنّما أنس بعض الجهلة بهذه الدعوى على الخوارج، ما ظهر عنهم من القول الخبيث في أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وظنّ أنّ خلافهم له ورجوعهم عن ولايته يقتضي أن يكونوا جحدوا فضائله ومناقبه، وقد أبعد هذا المدّعى غاية البعد; لأنّ انحراف الخوارج إنّما كان بعد التحكيم للسبب المعروف وإلاّ فاعتقادهم لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وفضله وتقدّمه قد كان ظاهراً، وهم على كلّ حال بعض أنصاره وأعوانه ومن جاهد مع الأعداء وكان في عداد الأولياء إلى أن كان من أمرهم ما كان.

وقد استدلّ قوم على صحّة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ به في الشورى على الحاضرين في جملة ما عدّده من فضائله ومناقبه وما خصّه اللّه تعالى به، حيث قال: أُنشدكم اللّه هل فيكم أحد أخذ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بيده فقال: «من كنت مولاه فهذا مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه» غيري؟ فقال القوم: اللّهمّ لا(1)، وإذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه واتّصل أيضاً بغيرهم من الصّحابة ممّن لم يحضر الموضع كما اتّصل بهم سائر ما جرى ولم يكن من أحد نكير له ولا إظهار الشكّ فيه، مع علمنا بتوفر الدّواعي إلى إظهار ذلك لو كان الخبر بخلاف ما حكمنا به من الصحّة، فقد وجب القطع على صحّته، على أنّ الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدّعيه أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ سيما في مثل المقام الذي ذكرناه لأنّه ـ عليه السَّلام ـ كان أنزه وأجلّ قدراً من ذلك، قالوا: وبمثل هذه الطريقة يحتجّ خصومنا في تصحيح ما ذكره أبوبكر يوم السقيفة وأسنده إلى الرّسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من قوله: الأئمّة من قريش، وما جرى مجراه من


1- وفياتالأئمّة: 32، معالمالفتن: 399.


(380)

الأخبار.

فإن قال: كيف يصحّ احتجاجكم بهذه الطريقة، وغاية ما فيها أن يكون الحاضرون في الشورى صدّقوا خبر الغدير وشهدوا بصحّته، وأن يكون من عداهم من الصحابة الذين لم يحضروا وبلغهم ما جرى أمسكوا عن ردّه وإظهار الشكّ فيه على سبيل التصديق أيضاً وليس في جميع ذلك حجّة عندكم، لأنّكم قد رددتم فيما مضى من الكتاب على من جعل تصديق الصحابة بخبر الإجماع وإمساكهم عن ردّه حجّة في صحّته.

قيل له: إنّما رددنا على من ذكرت من حيث يصحّ عندنا لولا إطباق الصحابة على الخبر المدّعى في الإجماع، ثمّ لما سلّمنا للخصوم ما يدّعونه من إطباق الصحابة، أريناهم أنّه لا حجّة فيه على مذاهبهم وأُصولهم; لأنّهم يجيزون على كلّ واحد منهم الخطأ عقلاً و اعتقادالباطل بالشبهة، فلا أمان قبل صحّة ما يدّعونه بالسّمع من وقوع ما جاز عليهم، وأبطلنا ما يتعلّقون به من عادة الصحابة من قبول الصحيح من الأخبار وردّ السقيم، وبيّنا أنّهم لم يقولوا ذلك إلاّ عن دعوى لا يعضدها برهان، وأنّهم رجعوا في أنّ الخطأ لا يجوز عليهم إلى قولهم أو ما يجري مجرى قولهم،وهذا لا يمنعنا من القطع على صحّة ما يجمع عليه الأُمّة على مذهبنا، لأنّا لا نجيز على كلّ واحد منهم الخطأ والضلال كما اختاروه من طريق العقل، وإنّما نجيزهما على من عدا الإمام، لأنّ العقل قد دلّنا على وجود المعصوم في كلّ زمان، ومنعنا من اجتماع الأُمّة على باطل إنّما هو لأجله، فمن لم يسلك طريقتنا يجب أن يمنعه من الثقة بالإجماع وتمسكه به.

فإن قال: جميع ما ذكرتموه إنّما يصحّ في متن الخبر الّذي هو قوله ـ عليه السَّلام ـ :«من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» دون المقدمة المتضمّنة للتقرير، لأنّ أكثر من روى الخبر لم


(381)

يروها، والإطباق من العلماء على القبول واستعمال التأويل غير موجود فيها، لأنّكم تعلمون خلاف خصومكم فيها، وإنشاد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أهل الشورى لم يتضمنها في شيء من الروايات، ودليلكم على إيجاب الإمامة في الخبر ممّا يتعلّق بها فدلّوا على صحّتها.

قيل له: ليس ينكر أن يكون بعض من روى خبر الغدير لم يذكر المقدّمة، إلاّ أنّ من أغفلها ليس لأكثر ممّن ذكرها ولا يقاربه، وإنّما حصل الإخلال بها من آحاد من الرواة، والشيعة كلّهم ينقلون الخبر ومقدّمته، وأكثر من شاركهم من رواة أصحاب الحديث أيضاً ينقلون المقدّمة، ومن تأمّل الخبر وتصفّحه علم صحّة ما ذكرناه.وإذا صحّ فلا نكرة في إغفال من أغفل المقدّمة لأنّ الحجّة تقوم بنقل من نقلها بل بعضهم.

فأمّا إنشاد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أهل الشورى وخلّوه من ذكر المقدمة فلا يدلّ على نفيها أو الشكّ في صحّتها; لأنّه ـ عليه السَّلام ـ قرّرهم بالخبر بما يقتضي الإقرار بجميعه على سبيل الاختصار، ولا حاجة إلى ذكر القصّة من أوّلها إلى آخرها وجميع ما جرى فيها لظهوره، لأنّ الاعتراف بما اعترف به منها هو اعتراف بالكلّ وهذه عادة الناس فيما يقرّرون به، ألا ترى أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمّا أن قرّرهم في ذلك المقام بخبر الطائر في حمل الفضائل والمناقب اقتصر على أن قال ـ عليه السَّلام ـ : أفيكم رجل قال له النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ ابعث إليّ أحبّ خلقك إليك يأكل معي» غيري. ولم يذكر إهداء الطائر وما تأخّر عن هذا القول من كلام الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وكذلك لمّا أن قرّرهم بقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيه لمّا ندبه لفتح خيبر، ذكر بعض الكلام دون بعض ولم يشرح القصة وجميع ما جرى فيها، وإنّما اقتصر ـ عليه السَّلام ـ على القدر المذكور اتّكالاً على شهرة الأمر، وإنّ في الاعتراف ببعضه اعترافاً بكلّه، فلا


(382)

ينكر أن يكون هذا علّة من أغفل رواية المقدّمة من الرواة، فإنّ أصحاب الحديث كثيراً ما يقولون: فلان يروي عن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كذا. ويذكرون بعض لفظ الخبر والمشهور منه على سبيل الاختصار، والتعويل على الظهور في الباقي وإنّ الجميع يجري مجرى واحداً،ويستبين فيما بعد بعون اللّه ما يقتصر من الأدلّة على إثبات الإمامة من خبر الغدير إلى المقدمة وما لا يقتصر إليها إن شاء اللّه.

وأمّا الدلالة على أنّ لفظة «مولى» تفيد في اللّغة «أولى»، فظاهر; لأنّ من كان له أدنى اختلاط باللغة وأهلها يعرف أنّهم يضعون هذه اللفظة مكان «أولى»، كما أنّهم يستعملونها في ابن العم.

وما المنكر لاستعمالها في «الأولى» إلاّكالمنكر لاستعمالها في غيره من أقسامها.ومعلوم أنّهم لا يمتنعون من أن يقولوا في كلّ شيء كان أولى بالشيء، أنّه مولاه. ومتى شئت أن تفحم المطالب بهذه المطالبة فاعكسها عليه ثمّ طالبه بأن يدلّ على أنّ لفظة «مولى» تفيد ابن عم، أو الجار أو غيرهما من الأقسام، فإنّه لا يتمكّن من ذلك إلاّ بإيراد بيت شعر، أو مقاصاة إلى كتاب، أو عرف لأهل اللّغة و كلّ ذلك موجود ممكن لمن ذهب إلى أنّها تفيد«الأولى» على أنّا نتبرع بإيراد جملة تدلّ على ما ذهبنا إليه فنقول:

قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنزلته في اللّغة منزلته في كتابه المعروف بـ«المجاز في القرآن» لمّا انتهى إلى قوله تعالى :(مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوليكُمْ) أنّ معنى «مولاكم»: أولى بكم، وأنشد بيت لبيد شاهداً له:

فغدت كلا الفرجين يحسِب أنّه * مَولى المخافة خلفها و أمامها(1)

وليس أبو عبيدة ممّن يغلط في اللّغة، ولو غلط فيها أو وهم لما جاز أن


1- شرحالمعلّقاتالعَشر: 198.


(383)

يمسك عن النكير عليه، والردّ لتأويله غيره من أهل اللّغة ممّن أصاب ما غلط فيه، على عادتهم المعروفة في تتبّع بعضهم لبعض وردّ بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنّه لم يظهر من أحد من أهل اللغة ردّله، كأنّه قول الجميع.

ولا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله تعالى: (وَلِكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَ آتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيداً) (1) أنّ المراد بالأولياء من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته وأحقّ به. وقال الأخطل:

فأصبَحْتَ مَولاها مِنَ النّاسِ بَعْدَهُ * و أحرى قُريش أن يُهابَ ويُحمدا(2)

وقال أيضاً يخاطب بني أُميّة:

أعطاكُمُ اللّهُ جداً لتنصرون به * لا جد إلاّ صغير بعـد محتقـــــر

لم يأشَروا فيه إذ كُنْتُمْ مَواليــه * ولو يكون لقوم غيركم أشِـــــروا(3)

وقال غيره:

كان موالي حقّ يطلبــون بـــه * فأدركـــــوه وما ملّوا ولا تعبــوا


1- النساء:33.
2- ديوانالأخطل: 28.
3- ديوانالأخطل: 85.


(384)

وقال العجاج:

الحمدُ للّه الّذي أعطى الخــير * موالِيَ الحـــقِّ إن المَــــولى شَكَر(1)

وروي في الحديث:«أيّما امرأة تزوّجت بغير إذن مولاها، فنكاحها باطل»(2).

وكلّ ما استشهدنا به لم يرد بلفظ «مولى» فيه إلاّ معنى «أولى» دون غيره. وقد تقدّمت حكايتنا عن المبرّد قوله: إنّ أصل تأويل الولي الذي هو أولى، أي أحقّ، ومثله المولى، وقال في هذا الموضع بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى: «إنّ اللّه موليالذين آمنوا» والولي والمولى معناهما سواء ، وهو الحقيق بخلقه المتولي لأُمورهم.

وقال الفرّاء في كتاب «معاني القرآن»: الولي والمولى في كلام العرب واحد، وفي قراءة عبد اللّه بن مسعود أنّها «مولاكم اللّه ورسوله» مكان «وليّكم».

وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بـ«المشكل»: والمولى في اللّغة ينقسم إلى ثمانية أقسام: أوّلهنّ المولى المنعم، ثمّ المنعَم عليه المعتق، والمولى الولي، والمولى الأولى بالشيء وذكر شاهداً عليه الآية التي قدّمنا ذكرها وبيت لبيد، والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف. واستشهد على كلّ واحد من أقسام مولى بشيء من الشعر لم نذكره، لأنّ غرضنا سواه.

وقال أبو عمر غلام ثعلب في تفسير بيت الحارث بن حَلّزة الذي هو:


1- ذكره في لسان العرب: 2/35. وقال: العجاج يمدح عمربن عبداللّه بن معمر.
2- بحارالأنوار: 27/ 238.


(385)

زعموا أنّ كلّ من ضرب العير(1) * موال لنا و أنّا الولاء (2)

أقسام المولى، وذكر في جملة الأقسام أنّ المولى السيّد وإن لم يكن مالكاً، والمولى الولي.

وقد ذكر جماعة ممّن يرجع إلى أمثاله في اللّغة أنّ من جملة أقسام مولى السيّد الذي ليس هو بمالك ولا معتق.ولو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهداً فيما قصدناه لأكثرنا وفيما قد أوردناه كفاية ومقنع.

فإن قال: أليس ابن الأنباري قد أورد أبيات الأخطل التي استشهدتم بها، وشعر العجاج والحديث الّذي رويتموه وتأوّل لفظ«مولى» في جميع ذلك على «ولي» دون «أولى» فكيف ذكرتم أنّ المراد بها «الأولى»؟

قيل له: الأمر على ما ذكرته عن ابن الأنباري غير أنّه معلوم في اللغة أنّ لفظة «ولي» تفيد معنى «أولى» وقد دللنا على ذلك فيما تقدّم من الكلام في تأويل


1- قال: ابن قُتيبة في مشكل القرآن، في تفسير هذا البيت بعد أن حدّث عن أبي الحاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنّه ذهب من يحسّنه، وأمّا «العَيْر»، فقد اختلفوا فيه، فكان بعضهم يجعله الوتد سمّاه عَيراً لنتوِئه مثل عير نصل السهم و هو الناتئ وسطه. يريد كلّ من ضرب خباءً من أهلالعمد فضرب له وتداً رَمَوْنا بذنبه.
و قال بعضهم: هو كليب وائل.و«العَيْر» سيد القوم سمّي بذلك لأنّ العير أكبر الوحش، ولذلك قال رسول اللّه ـ عليه السَّلام ـ لأبي سفيان: «و كُلُّ الصيدِ في جوف الفراء» .
و قال آخر:«العير» جبل بالمدينة، ومنه أنّ النبي ـ عليه السَّلام ـ حرّم ما بين عَير إلى ثور، يريد كلّ من ضرب إلى ذلك الموضع وبَلَغه. و قال آخر: هو الحمار نفسه، يريد أنّهم يضيفون إلينا ذنوب كل من ساق حِماراً. و معنى هذا كله: أنهم يُلزموننا بذنوب الناس جميعاً ويجعلونها أولياءهم. انتهى بلفظه.(منه). انظر تأويل مشكلالقرآن:97.
2- من معلّقته، انظر «شرحالمعلّقاتالعَشر:» 319.


(386)

قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ) .(1)

وجميع ما استشهدنا به من الشعر والخبر لا يجوز أن يكون المراد بـ«مولى» فيه إلاّ «الأولى» و من كان مختصّاً بالتدبير ومتولّياً للقيام بأمر ممّا قيل إنّه مولاه; لأنّه متى لم يحمل على ما قلناه، لم يفد، وكيف يحمل قوله بغير إذن مولّها إذا قيل: إنّ المراد به وليّها على غير من يملك تدبير أمرها وإليه العقد عليها؟

فإن قال: قد دللتم على استعمال لفظة «مولى» في «أولى» فما الدليل على أنّ استعمالهم جرى على سبيل الحقيقة؟ لأنّ المجاز قد يدخل في الاستعمال كما تدخل الحقيقة.

قيل له: إنّما يحكم في اللغة بأنّه يستعمل في اللغة على وجه الحقيقة، بأن يظهر استعماله فيها من غير أن يثبت ما يقتضي كونه مجازاً من توقيف أهل اللغة، أو ما يجري مجرى التوقيف، فأصل الاستعمال يقتضي الحقيقة، وإنّما يحكم في بعض الألفاظ المستعملة بالمجاز لأمر يوجب علينا الانتقال عن الأصل.

فأمّا الدلالة على أنّ المراد بلفظة «مولى» في خبر الغدير: «الأولى»، فهو أنّ من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرّحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدّم التصريح به ولغيره،لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلاّ المعنى الأوّل، فيُبيّن صحّة ما ذكرناه، أنّ أحدهم إذا قال ـ مقبلاً على جماعة مفهماً لهم وله عدّة عبيدـ: ألستم عارفين بعبدي فلان، ثمّ قال عاطفاً على كلامه: فاشهدوا أنّ عبدي حرّ لوجه اللّه. لم يجز أن يريد بقوله: «عبدي» بعد أن قدّم ما قدّمه، إلاّ العبد الذي سمّاه في أوّل كلامه دون من سائر عبيده ومتى أراد سواه كان عندهم ملغوّاً خارجاً عن طريق البيان، ويجري قوله «فاشهدوا أنّ عبدي حرّ» إذا كرّر مجرى تسميته وتعيينه. هذه حالة كلّ لفظ محتمل عطف على لفظ مفسّر على الوجه الذي


1- المائدة:55.


(387)

صوّرناه، فلا حاجة بنا إلى تكرير الأمثلة فيه.

فإن قال: وكيف يشبه المثال الذي ذكرتموه خبر الغدير وإنّما تكرّرت فيه لفظة واحدة وإنّما وردت لفظة «مولى» فادّعيتم أنّها تقوم مقام لفظ «أولى» المتقدّم؟!

قيل له: إنّك لم تفهم بموضع التشبيه من المثال وخبر الغدير وكيفيّة الاستشهاد به، لأنّ لفظة «عبدي» وإن كانت متكرّرة فيه، فإنّها لما وردت أوّلاً موصولة بـ«فلان» جرى مجرى المفسّر المصرّح الذي هو ما تضمنته المقدمة في خبر الغدير من لفظ «أولى»، ثمّ لما وردت من بعد غير موصولة حصل فيها احتمال واشتباه لم يكن في الأوّل، فصارت كأنّها لفظة أُخرى يحتمل ما تقدم ويحتمل غيره، وجرت مجرى لفظة «مولى» من خبر الغدير في احتمالها، لما تقدّم ولغيره.

على أنّا لوجعلنا مكان قوله «فاشهدوا أنّ عبدي حرّ» «اشهدوا أنّ غلامي أو مملوكي حرّ» لزالت الشبهة في مطابقة المثال للخبر، وإن كان لا فرق في الحقيقة بين لفظة «عبدي» إذا تكرّرت، وبين ما يقوم مقامها من الألفاظ في المعنى الذي قصدناه.

فإنّ ما تنكرون أن يكون إنّما قبح إن يريد القائل الذي حكيتم قوله بلفظة «عبدي» الثانية والتي تقوم مقامها، من عدا المذكور الأوّل الذي قرّرهم بمعرفته من حيث تكون المقدمة إذا أراد ذلك، لا معنى لها ولا فائدة فيها، ولأنّه أيضاً لا تعلّق لها بما عطف عليها بالفاء التي تقتضي التعلّق بين الكلامين وليس هذا في خبر الغدير، لأنّه إذا لم يرد بلفظة «مولى»: «أولى» و أراد أحد ما يحتمله من الأقسام، لم تخرج المقدّمة من أن تكون مفيدة ومتعلّقة بالكلام الثاني، لأنّها تفيد التذكير، لوجوب الطاعة، وأخذ الاقرار بها ليتأكد لزوم ما أوجبه في الكلام الثاني


(388)

لهم، ويصير معنى الكلام: إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا فإنّه من جملة ما آمركم بطاعتي فيه، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم، فافترق الأمران وبطل أن يجعل حكمهما واحداً، قيل: لو كان الأمر على ما ذكرت لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته، وإن قلت وتعلّق بين المعطوف والمعطوف عليه أن يحسن ما حكمنا بقبحه ووافقنا عليه ونحن نعلم أنّ القائل إذا أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون صديقي زيداً الذي كنت ابتعت منه عبدي فلاناً الّذي صفته كذا وأشهدناكم على أنفسنا بالمبايعة؟ ثمّ قال عقيب قوله«فاشهدوا إنّي قد وهبت له عبدي»: «أو قد رددت إليه عبدي»لم يجز أن يريد بالكلام الثّاني إلاّ العبد الذي سمّاه وعيّنه في صلب الكلام، وإن كان متى لم يرد ذلك يصحّ أن يحصل فيما قدّمه فائدة، ولبعض كلامه تعلّق ببعض لأنّه لا يمنع أن يريد بما قدّمه من ذكر العبد تعريف الصديق، ويكون وجه التعلّق بين الكلام أنّكم إذا كنتم قد شهدتم(1) بكذا وعرفتموه فاشهدوا أيضاً بكذا، وهو لو صرّح بما قدّمناه حتى يقول بعد المقدّمة: فاشهدوا أنّي قد وهبت له أو رددت إليه عبدي فلاناً الذي كنت ملكته منه، ويذكر من عبيده غير من تقدّم ذكره، لَحَسُن وكان وجهُ حسن ما ذكرناه، فثبت أنّ الوجه في قبح حمل الكلام الثاني على غير معنى الأوّل مع احتماله له، خلاف ما ادّعاه السائل وأنّه الذي ذهبنا إليه.

فأمّا الدليل على أنّ لفظة «أولى» يفيد معنى الإمامة، فهو أنّا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلاّ فيمن كان يملك ما وصف بأنّه أولى بتدبيره وتصريفه وينفذ فيه أمره ونهيه، ألا تراهم يقولون: السّلطان أولى بإقامة الحدود من


1- «شهدتهم»: الأصل.1. المعارج:1.


(389)

الرعية، وولد الميّت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، والزوج أولى بها قرابة، والمولى بعبده. ومرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه.

ولا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله: بعد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، المراد بتدبيرهم والقيام بأمرهم حيث وجبت طاعته عليهم، ونحن نعلم أنّه لا يكون أولى بتدبير الخلق وأمرهم ونهيهم من كلّ أحد إلاّ من كان إماماً لهم مفترض الطاعة عليهم.

فإن قال: اعملوا على أنّ المراد بلفظة «مولى» في الخبر: ما تقدّم من معنى «أولى» ،من أين لكم أنّه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم وأمرهم ونهيهم، دون أن يكون أراد: أولى بأن يوالوه وي