welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

سيد المرسلين _ صلى الله عليه وآله وسلم _/ج1

سيد المرسلين

_ صلى الله عليه وآله وسلم _

تأليف

الاستاذ المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني

الجزء الأوّل

نشر
مؤسسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة _ ايران _


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

لم تزل السيرة المحمَّدية العطرة في جميع أبعادها موضع اهتمام الاُمة الاسلاميّة من لدن بزوغ فجر الإسلام العظيم، ومنذ الأيّام الاُولى من البعثة النبوية الشريفة .

ولا غرو فقد كان الرسول الأكرم محمَّد بن عبداللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يجسد بسيرته المثلى قيم الدين ويمثل بأخلاقه السامية أخلاق القرآن، ويعكس بمواقفه الرشيدة وبإدارته الحكيمة لشؤون الاُمة طريقة الإسلام في إدارة دفة الحياة .

هذا مضافاً إلى أنه كان القدوة الّتي أمر اللّه تعالى المسلمين بالاقتداء بها، واقتفاء أثرها، كما أنه كان الظاهرة الفريدة الباهرة في الأدب الرفيع والإنسانية الشفافة والعاطفة الصادقة والرحمة واللطف، وغيرها ممّا كانت تفتقر بيئة ظهور الإسلام الاُولى إليه وتتعطش إلى مثله .

من هنا أخذ المسلمون يهتّمون بكل حركات الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسكناته، ويتأمّلون في جميع أعماله وتصرّفاته فاذا رأوا منه خُلقاً بادروا إلى تكراره في سلوكهم، وإذا شاهدوا منه عملا أسرعوا إلى فعله في حياتهم، وعمدوا في المآل إلى تسجيل كل صغيرة وكبيرة في هذا المجال، وضبط كل دقيقة وجليلة في هذا الصعيد .

وفعلا كانت هذه السيرة الطيّبة العطرة المقدّسة هي المنهج العملي للمسلمين، وهي سرّ تقدُّمهم، وهي رمز عظمتهم وسموّهم، وعلوّ شأنهم وشأوهم .


(4)

و لا تزال هذه السيرة المشرفة اليوم قادرة على أن تكون ضوء المسيرة، ومشعل الطريق، ومنهج العمل ومفتاح الانتصار في معركتنا ضدّ قوى الشرّ والطغيان.

وحيث إن أموراً اقحمت في هذه السيرة، كما أنّ تطور الزمن وكيفية الدراسات اقتضيا إخراج دراسات في مجال السيرة تتناول البعد الذاتي والرساليّ والسياسيّ والقياديّ والعسكريّ لسيّد المرسلين ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالتحقيق والتحليل، وتتناسب مع حاجة العصر ولغته، لهذا رأت مؤسسة النشر الإسلامي أن تقدّم للجيل الحاضر خاصة وللمسلمين عامة هذه الدراسة القيمة في سيرة خاتم الانبياء محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا تسامها بكثير من هذه المواصفات .

والدراسة هي مجموعة محاضرات للاستاذ المحقّق الشيخ جعفر السبحاني الّذي عرف في الأوساط الإسلامية بتحقيقاته العميقة في الكتاب والسنّة والعقيدة والتاريخ .

وفي الوقت الّذي تقوم به المؤسسة ـ وللّه الحمد ـ بطبع هذه الدراسة القيمة ونشرها بعد مقابلتها تقدّم جزيل شكرها وامتنانها لسماحة الاستاذ الألمعي الشيخ جعفر الهادي لما بذله من جهود وافرة من تعريبها واستخراج النصوص من مصادرها سائلة اللّه سبحانه له ولسماحة الشيخ المحاضر ولها المزيد من التوفيق، كما وتدعو المولى عزّ وعلا أن يتقبّل منا جميعاً وأن تشملنا شفاعة الرسول الأعظم وآله الأطهار ـ عليهم السلام ـ في يوم الحشر إنه خير موفق ومعين.

مؤسسة النشر الاسلامي      

التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرّفة


(5)

السيرة المحمَّدية
مدرسة الأجيال

(لقد كان لكم في رسول اللّه اسوة حسنة)

القرآن الكريم

النبيُّ الأكرم «محمّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اُسوةٌ للمسلمين... أُسوةٌ يقتدون بها في جميع مناحي حياتهم: الفردية والاجتماعية، والسياسية... اُسوة إلى الأبد... في كل زمان و مكان، في كل عصر و مصر، لجميع المسلمين من كل لون ولغة.

ولكن كيف يتأسّى المسلمون ـ في مختلف الأجيال والأدوار ـ برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكيف يقتدون بسيرته المثلى، ويهتدون بهديه العظيم؟

إنّ هذا لا يتسنّى إلاّ إذا كانت حياة رسول الإسلام بجميع خصوصياتها، وتفاصيلها، وفي جميع مجالاتها ونواحيها، مدوّنة مسجّلة، بل ومحلّلة تحليلا دقيقاً وعميقاً .

من هنا فان الضرورة تقضي بوجود تاريخ مدوَّن، مشفوع بالتحليل الدقيق، والدراسة الموضوعية لشخصية وسيرة سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله في كافة مجالاتها الشخصية والرسالية والسياسية والعسكرية .

حقاً إن في حياة رسول الإسلام العظيم «محمّد بن عبداللّه» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كما هو واضحٌ لمن تتبعَ وتصفحَ ـ اُموراً دقيقة، ولكن بالغة العظمة في مداليلها ومعانيها، بالغة الأهميّة في معطياتها ودروسها .


(6)

فرسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو خاتم الأنبياء، ورسالته وشريعته خاتمة الرسالات والشرائع ونهضته هي النهضة الكبرى الّتي مهّدلها الأنبياء السابقون، وقد فتحت هذه النهضة الالهية صفحة جديدة في حياة البشرية، وغيّرت مسار التاريخ الإنساني تغييراً جذرياً، وأسست حضارة كبرى لا تزال أمواجها ـ رغم مرور أربعة عشر قرناً ـ حية نابضة، فاعلة، تهزُ الضمائر، وتتفاعلُ مع العقول .

ولهذا فإنَّ السيرة المحمّدية مشحونةٌ بالمناهج والدروس، زاخرة بالبصائر والعبر، بقدر ما هي مليئة بالدقائق والحقائق، واللطائف والاسرار .

حقا إن حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحاجة إلى تعمق جديد كلما تجدّد الزمن، وكلما تقدمت العلوم والمعارف، وتطورت الحياة، وانفتحت أمام البشرية آفاق جديدةٌ في شتى الأصعدة والمجالات .

ولا شك أنّ هذه المهمة ليست عملا بسيطاً ومهمّة سهلة، وخاصة مع ما عليه الكثير من المصادر التاريخية الاُولى من تصحيف أوتحريف أوتشويه للحقائق، أوتغيير للاُمور .

فان هذه المهمة تحتاج ـ في ما تحتاج إليه ـ إلى ثلاثة أشياء أساسية:

1ـ عقلية متفتحة، متدبرة، نافذة متأنية .

2ـ جهود كبيرة، وتتبع واسع، وتمييز للصحيح عن السقيم، والدخيل عن الاصيل.

3ـ معرفة بجوانب تتصل بالسيرة المحمَّدية اتصالا وثيقاً كالمعرفة بمكانة سيّد المرسلين ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في القرآن الكريم .

فمع توفّر هذه الشروط يمكن الحصول على صورة نقيّة، ومفيدة للسيرة المحمَّدية المباركة، صورة تتفق مع روح القرآن، وتلتقي مع الواقع، وتصلح للاتساء، والاقتداء، والاهتداء والاقتفاء .

ولقد توفرت هذه الشروط ـ وللّه الحمدُ ـ في استاذنا العلامة الحجّة المحقّق سماحة الشيخ جعفر السبحاني، حفظه اللّه .


(7)

فهو المعروف بسلسلته القرآنية «مفاهيم القرآن» الّتي تكشف عن إحاطة كبيرة بكتاب اللّه العزيز، وإلمام قليل النظير بمفاهيمه .

ولهذا كان خيرَ من قام في عصرنا الحاضر بدراسة السيرة المحمَّدية الطاهرة العبقة، فكان هذا العمل التاريخي المبارك الّذي توفّرت فيه المستلزمات الثلاثة الآنفة الذكر: العقلية المتفتحة، والمعرفة الواسعة بالقرآن الكريم وخاصة في ما يتّصل بالرَّسول الأكرم، إلى جانب التتبع الواسع والاستقصاء الكبير لمواقع العبرة والاسوة في حياة خاتم الأَنبياء وسيّد المرسلين .

ولا أجدني ـ في هذا التقديم العابر ـ بحاجة إلى ذكر نقاط القوة الكثيرة في هذه الدراسة المستوعبة لشخصية وحياة رسول الإسلام، بل أرى أن يحاول القارىء الكريم بنفسه الاطلاع على ذلك حتّى لا يفوته شيء ممّا لا يفوّت، وسيقف بنفسه أيضاً على جسامة ما بذل في هذه الدراسة من جهد، وروعة ما ضُمِّنت من تحليل، وأهمية ما احتوته من حقائق .

وفي الختام اسأل اللّه العلي القدير ان يتقبل منا جميعاً هذا الجهد، ويجعله ذخراً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، انه خير معين .

قم           

جعفرالهادي      

30 شعبان1409هجرية


(8)


(9)

مقدمة المحاضر

التاريخُ في أَعظَم حَماساتِه

*مُختبرُ «الحياة» العظيم .

*«لقد عُمِّرتُ مع أولهم إلى آخرهم!».

*حياة العظماء، والخالدين .

*عندما يلتقي العالم الحاضر بالعالم الغابر .

*التاريخ بين التسجيل .

*أخطاء المستشرقين العجيبة .

يُحاولُ الإنسان دائماً أن ينظر إلى كل قضيّة من القضايا من نافذة الحس، وإن يدرسها من خلال المنظار الحسي المادي، لأنَّ أوثقَ المعلومات لديه هي تلك الّتي تتألف من هذه «المعلومات الحسية» ولهذا فإنَ المسائل الّتي تحظى بأَدلة حسّية اكثر تكسب في العادة قسطاً اكبر من ثقة الإنسان وتصديقه .

وعلى هذا الاساس عمَدَ العالم اليوم إلى تأسيس آلاف المختبرات الضخمة للتحقيق في شتى القضايا العلمية، ويعكف العلماءُ في هذه المختبرات على دراسة وتحليل الامور المتنوعة باسلوب خاص وطريقة معينة .

ولكن هل يمكن ـ تُرى ـ أن تدخلَ المسائلُ والقضايا الاجتماعية في نطاق التجربة المختبرية، وتخضع للمجهر والميكرسكوب، ليمكن الحكم في هذه المجالات من خلال ذلك؟!

فمثلا; هل يمكن أن نعرفَ عن طريق التجارب المختبرية ما يؤدّي إليه


(10)

الاختلافُ والتشرذم في المجتمع الواحد، وما يصيب شعباً من الشعوب أو اُمة من الامم من هذا الطريق؟

أم هل يمكن تقييمُ ما تنتهي إليه جهودُ المستعمرين، أو ما يؤول إليه الظلمُ والحيف، من خلال تجربة حسية؟

أم هل يمكنُ الوقوفُ على نتائج «الاختلاف الطبقىّ»، «والتمييز العنصرىّ» في المجتمع عن طريق التجربة المختبرية؟

في الاجابة على كل هذه الاسئلة يجب أن نقول: كلا مَعَ الاسف .

وذلك لأنَّه لا توجَد للقضايا الاجتماعية ـ رغم أهميتها القصوى ـ مثل هذه المختبرات، وحتّى لو أمكن توفير مثل هذه المختبرات المناسبة لتحليل وتقييم ودراسة القضايا الاجتماعية، فان إنشاءها وايجادها يكلِّف نفقات باهضةً، وتستدعي جهوداً عظيمة .

ولكنَّ الأمر الّذي في مقدوره أن يقلّل من حجم هذا النقص إلى حدّ كبير هو أننا نملك اليوم شيئاً يسمى بـ : «تاريخ الماضين» والّذي يشرح لنا ما كان عليه البشرُ ـ أفراداً وجماعات ـ طوال آلاف السنين من الحياة على هذه الارض، كما ويعكس مختلف الذكريات والخواطر عنهم، من إنتصارات وهزائم، ونجاحات وانتكاسات، ويوقفنا بالتالي على كل ما وقع في حياة الامم والشعوب من حوادث مرة أو حلوة .

إنَّ التاريخ يذكر لنا: كيف وُجدَت الحضارات المشرقة والمدنيات العظمى في العالم، وكيفَ سلكت ـ بعد مدة ـ طريق السقوط والانقراض، حتّى أنها قد مُحيت عن صفحة الوجود بالمرّة، واصبحت خبراً بعد أثر، وبالتالي ما هي العوامل الّتي كانت وراء سيادة الشعوب ثم اندحارها .

إنّ حياة الماضين وتاريخهم يحتفظ لنا في صفحاته بقسط كبير ومهمّ جداً من هذه الحوادث، ولهذا صحّ أن يقال: «التاريخ مختبر الحياة العظيم»، فبمعونة التاريخ يمكن تقييم مختلف القضايا الاجتماعية، ودراستها واستخلاص النتائج والعبر المفيدة منها .


(11)

وإنَّ من حُسن الحظ أننا لم نكن أول من حطَّ قدمه على هذا الكوكب، فهذه الارضُ بسهولها وشعابها العريضة، وتلك السماء بنجومها وكواكبها الساهرة شهدتا ملايين الملايين من البشر الذين سكنوا الارض من قبلنا، وشهدتا افراحهم واتراحهم، همومهم وغمومهم، وحروبهم، ومصالحاتهم، وكل ما رافق واكتنف حياتهم من حبّ وبغض وظلمات وأنوار، وارتقاء وهبوط، إلى غير ذلك من شؤون وشجون الحياة البشرية الّتي يزخربها تاريخ الشعوب والاقوام والامم .

صحيح أنهم قد اختفوا مع الكثير من أسرار حياتهم، وغابوا جميعاً ـ أشخاصاً وأسراراً ـ في بحر من النسيان وانسدل عليهم الستار، إلاّ أن قسطاً مُلفِتاً للنظر وجملة يُعتد بها من تلك الامور إما أنها قد دُوّنت بأيدي أصحابها، أولا تزال طبقاتُ الارض وبطون التلال تحتفظ بها في ثناياها وطياتها، كما ولا تزال ذات الاطلال الصامتة ـ في ظاهرها ـ تشكل أضخم متحف، واغنى معرض، واكبر مختبر، يعيد لنا شريط التاريخ ويحكي وقائعه وأحداثه، ويشرحُ رموزه وأسراره.

إنَّ مُطالعة تلكم الصفحات من تاريخ الامم الغابرة في الكتب، أوفي الاطلال العظيمة، أو في ما يعثر عليه المنقِّبون في بطون التلال، وثنايا الارض تعلّمنا اُموراً كثيرة، وتضيف إلى عُمرنا عُمراً جديداً وزمناً اضافياً، لا يُستهان به وذلك بما تقدمُ لنا مِنَ الخبرة والعبرة، والهدى والبصيرة .

أليست حصيلة العمر ما هي إلاّ ما استفاده المرء من تجارب؟ ألا يجعل التاريخ خلاصة أفضل التجارب تحت تصرفنا؟

ولقد اشار الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ في وصية لولده إلى هذه الحقيقة حيث قال:

«أيْ بُنىَّ! إنّي وإنْ لم اكن عمَرتُ عمرَ من كان قبلي، فقَد نظرتُ في أعمالهم وفكَّرتُ في أخبارهم وسرت في آثارهم حتّى عُدتُ كأحدهم بل كأَنَّي بما انتهى الىَّ من اُمورهم قد عمّرت مع أوَّلهم إلى آخرهم»(1) .


1 - نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 31 .


(12)

ولكنّ المؤسف أن كُتُب التاريخ الموجودة الآن تعاني من نقص كبير من حيث الاشارة إلى العبر والدروس الاجتماعية المفيدة، لأن هذه المصنفات لم تدوَّن لأَجل هذا الغرض، ولهذا اُغفِلَ فيها ـ في الاغلب ـ كل ما هو مؤثرٌ في كشف الحقائق التاريخية، وإبراز العلل الكامنة وراء الحوادث المتنوعة والوقائع المختلفة، وبالتالي فقد تجاهلت تلك الكتب والدراساتُ ما هو المفتاح الطبيعىّ لحلِّ الرُموز الكبرى في مسيرة التاريخ البشري، واعتنتْ ـ بدلا عن ذلك ـ بالقضايا التافهة .

لقد تصدّى كثيرٌ من المؤرّخين لتدوين وتسجيل القضايا التاريخية، تارة بهدف التسلية واُخرى بدافع إبراز الفضل لأقوامهم أوطوائفهم، واظهار تفوقها على الاقوام والطوائف الاُخرى، وثالثة بدافع الحب والبغض، اوالتعصب لهذا أو ذاك ولهذا عجزت هذه المؤلفات والكتب عن حل أية مشكلة، وتبديد أية حيرة، بل هي تزيد المرء ضلالا إلى ضلال، وحيرة إلى حيرة!

ولكن رغم كل هذا يستطيع اُولو النباهة والبصيرة، واصحاب الفهم والتحقيق ان يتوصلوا ـ من خلال مطالعة هذه المؤلفات التاريخية على ما فيها من عيوب ونقائص، ومع ما فيها من أساطير عن الشعوب المختلفة ـ إلى ما يساعدهم على كشف الكثير من اسرار وخلفيات القضايا والامور المتعلقة بالشعوب الماضية، تماماً كما يفعل الطبيبُ الحاذق، أو القاضي البارعُ الّذي يمكنهما من خلال الوقوف على القرائن الجزئية المتفرقة، التوصّل إلى اكتشاف نوع «المرض» أو حالة «المتهم» الحقيقية، وما يعاني منه في واقعه النفسي .

* * *

إنَّ أعظم صفحات التاريخ قيمة هي تلك الّتي تعكس لنا حياة العظماء وسيرة الرجال الخالدين، وتبحث عنها بصدق وامانة وموضوعية .

إنَّ لحياتهم أمواجاً خاصة، كما أنها زاخرة بانواع الحوادث .

لقد كانوا عظماء حقاً، وكذلك كان كل ما يرتبط بهم، ومن ذلك تاريخهم، إنه شيء عظيم يستحق التأمّل والتدبر، فهو يتسِمُ بِلمعان يلفت الأنظار، ويخلب


(13)

الالباب وإنّه غني بالعظات والعبر، زاخرٌ بالبصائر والدروس وإلى درجة لا توصف .

إنهم معجزةُ الخليقة بلا ريب، وإن حياتهم لهي ـ في الحقيقة ـ ملحمة التاريخ الكبرى، وساحة البطولات الخالدة، ومسرح الحماسات العظمى، الحية النابضة على مر العصور، والايام .

لقد كان اولئك العظماء يعيشون في الاغلب على خط الثورات والتغييرات الاجتماعية الاول (وبعبارة أصحّ) كانت الثورات والتحولات الاجتماعية تجد مصداقيتها في حياتهم وتتجسد في مواقفهم، ولهذا كانوا يشكلون ـ في واقع الأمر ـ حلقة الاتصال بين الدنياوات المختلفة المتناقضة، وكانت حياتهم الحافلة بالاحداث شاهدة للألوان المختلفة والمشاهد المثيرة المتنوعة .

* * *

وعلى رأس اُولئك الرجال التاريخيين والعظماء الخالدين رسول الإسلام العظيم محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فانه لم تتسم حياة أحد ـ من حيث وفرة الاحداث، وعظمة الأمواج، كما اتسمت به حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا اتصفت شخصية بمثل ما اتصف به ذلك النبي العظيم .

فلم يستطع احدٌ سواه أن يؤثِّر في بيئته، ثم في جميع العالم، وينفذ إلى أعماق الاعماق بمثل السرعة والسعة الّتي حصلت له صلى اللّه عليه وآله .

ولم يوجد أيُّ واحد منهم قط من مجتمعه المنحطّ المتخلّف، حضارة بتلك العظمة والشموخ، كما فَعلهُ رسولُ الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتلك حقيقة يقرّبها كل مؤرخي الشرق والغرب .

إنّ مطالعة عميقة لسيرة وحياة هذا الإنسان العظيم، قادرة على أن تعلمنا الكثير الكثير، وأن توقفنا على مشاهد متنوّعة في غاية النفع ومنتهى الفائدة .

إن مشاهد عجيبة مثل الأَيام الاُولى مِن بناء الكعبة المعظمة، واستيطان اسلاف النبي الكريم «مكة» وهجوم عسكر الفيل الفاشل لهدم بيت اللّه المعظم، والاحداث والملابسات المرافقة لمولد النبي صلّى اللّه عليه وآله .


(14)

كما وإن مشاهد محزنة مثل وفاة «عبداللّه» و «آمنة» والدي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مطلع حياته الشريفة بتلك الكيفية المؤلمة .

ومشاهد عظيمة ومهيبة وحافلة بالاسرار مثل الايام الاولى من نزول الوحي، وما جرى في جبل «حراء» وما تبعه من مواقف الاستقامة والمقاومة الّتي ابداها واتخذها رسول اللّه واصحابه المعدودون طيلة ثلاثة عشر عاماً، في سبيل نشر الدين الاسلامي في مكة، ومكافحة الوثنية والجاهلية .

وكذامشاهد مثيرة وساخنة وحماسية مثل وقائع السنة الاُولى من الهجرة المباركة وما عقبتها من حوادث ومواقف .

* * *

وقد الّفت حَول حياة رسول الإسلام أعظم قادة البشرية على الاطلاق كتبٌ ورسائلٌ ودراساتٌ كثيرة بحيث لواتيح لنا أن نجمعها في مكان واحد لشكلت مكتبة عظيمة وضخمة.

ويمكن القولُ ـ بشكل قاطع ـ بأنه ليس ثمة من عظيم استقطب اهتمام التاريخ والمؤرخين والمفكرين العالميين الكبار، كما ليس ثمة شخصيّة من شخصيّات العالم كتب حولها المؤلفون والباحثون هذا القدر الهائل من المؤلفات والمصنفات، والرسائل والكتب، كما حصل لرسول الإسلام محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

إلاّ أن أكثر هذه الكتب والمؤلفات تعاني من أحد إشكالين: إما أن الكتاب جاء على نسق التسجيل المجرد للحوادث، أو النصوص التاريخية، من دون أن يتصدى فيه مؤلفه لتحليلها، ودراسة خلفياتها ونتائجها، وإصدار الحكم اللازم فيها، بل إن البعض قد تجنب عن بيان علل الوقائع الإسلامية واسبابها، وثمارها ومعطياتها كذلك .

أو أن المؤلّف ـ في بعضها الآخر ـ عمَد إلى طائفة من الآراء الحدسية، والاجتهادات الباطلة، العارية عن الدليل واثبتها في مؤلَّفه على أنها الحكم الحق،


(15)

وخلط هذه الاحكام مع بيان الحوادث، ومن ثم اخرج كتابه ذاك إلى الجمهور المتعطش إلى تاريخ الإسلام، على أنّه التاريخ المحقَّق، المُمخَّص .

إن الإشكال الّذي يَردُ على الطائفة الاولى هو: أن الهدف من التاريخ ليس هو مجرَّد تسجيل الحوادث التاريخية وضبطها وتدوينها، إنما هو كتابة صفحات التاريخ، وقضاياه وأحداثه من المصادر الصحيحة الموثوق بها، وإبراز عللها واسبابها، وثمارها ونتائجها، والتاريخ بهذا الشكل أعظم كنز تركه الأقدمون لنا، ومثل هذا النوع من الدراسة التاريخية لم تُدوَّن ـ أو أنه قلّما دُوَّنت ـ حول أعظم قادة البشر، محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقد تجنب اكثر كتاب السيرة النبوية عن اظهار الرأي في الحوادث، أوالقيام باي تحليل للوقائع، بحجة الحفاظ على اُصول الحوادث ونصوصها .

في حين أنَّ هذه العُذر، وهذه الحجة غير كافية لتبرير هذا الموقف، لأنه كان في مقدور اولئك المؤرخين ـ للحفاظ على ما ذكروه ـ أن يؤلفوا نوعين من الكتب، نوعاً يختص بسرد الوقائع والنصوص التاريخية على ما هي عليه من دون ابداء رأي، أو تحليل ودراسة، ونوعاً آخر يعتني بذكر الحوادث والقضايا التاريخية مع تحليلها ودراستها بصورة موضوعية صحيحة أو ان يتم كلا الأمرين في كتاب واحد بأن تفرز الحوادث التاريخية عن التحليل والرأي .

على كل حال قلما نجد بين قدماء الكُتّاب المسلمين من تصدى للسيرة النبوية المحمَّدية الطاهرة بهذه الصورة، وقلما يوجد هناك كتابٌ يتناولُ حياة خاتم الانبياء وسيّد المرسلين بالتحليل المذكور .

بل لابدّ من القول بان السيرة النبوية الطاهرة ليست هي وحدها التي حُرمت من مثل هذا النمط من التأليف والكتابة، بل شمل هذا الحرمان اكثر الحوادث التاريخية الّتي وقعت على مر العصور الإسلامية فهي اُدرجت في الكتب من دون دراسة موضوعية وتقييم دقيق .

نعم إن أول من فتح هذا الطريق بوجه عامة المؤلفين والكتاب هو:


(16)

العلامة المغربي «ابن خلدون»(1) فقد أسس في مقدمته المعروفة باسم مقدمة ابن خلدون نمَط التاريخ التحليلي بنحو من الانحاء .

وأما الطائفة الثانية من تلك الكتب فهي وإن اُلفت على نمط التاريخ التحليلي واتسمت بصفة التحقيق والدراسة ولكن حيث ان بعضهم لم يتجشم عناء التتبع والاستقصاء، أو أنه اعتمد في تحليله للحوادث على المصادر غير المتقنة وغير الصحيحة، فقد تورط في أخطاء فضيعة محيّرة، وأكثر مؤلفات المستشرقين ـ الّتي لم تكتَب في الأغلب بهدف التوصل إلى الحقيقة ـ من هذا النمط، ومن هذه القماشة .

ولقد دأَب في هذه الدراسة ـ بعد ملاحظة هذه الاشكالات ـ على ان يقدم إلى القراء جهد امكانه كتاباً يخلو عن عيوب ونقائص كلتا الطائفتين .

* * *

مزايا هذا الكتاب:

قد لا يكون من الضروري بيان مزايا هذا الكتاب، واستعراض امتيازاته في مقدمته، فذلك أمرٌ ينبغي أن يقف عليه القارئ الكريم بنفسه ضمن مطالعته لهذه الدراسة، إلاّ انه إلفاتاً لنظر القاريء نشير إلى مزيتين هامتين هما:

أولا: أنّنا عمدنا ـ في هذا الكتاب ـ إلى تناول وبيان الحوادث والوقائع المهمة الّتي تنطوي على قَدَر، اكبر من الفائدة، والعبرة، وأعرضنا صفحاً عن ذكر الاحداث الجزئية، والوقائع الصغيرة مثل الكثير من السرايا .

ثم أننا أخذنا الحوادث التاريخية هذه من المصادر الأصلية، والأولية، الّتي دُوِّنت في القرون الإسلامية المشرقة الاولى، فقد استخلصنا الحادثة من مجموعة تلك المصادر، ثم أشرنا إلى مصدر أو مصدرين من المصادر الّتي ذكرت الحادثة


1 - هو القاضي عبدالرحمان بن محمَّد الحضرمي المالكي المتوفى عام 808 هـ ، ومقدمته وتاريخه ـ على ما فيهما من أخطاء فضيعة في التحليل ـ معدودان من الكتب الجيدة المفيدة، وهما مبتكران في نوعهما .


(17)

بصورة اكثر تفصيلا ودقة .

وربما يظن بعضُ القرّاء الكرام أننا اكتفينا في نقل الحوادث والوقائع بمراجعة مصدر أو مصدرين ممّا ذكرناه في أقصى الصفحة (أي الهامش) في حين أن الواقع هو غير هذا، فنحن قد راجعنا حتّى في نقل الحوادث الصغيرة مهما صغرت، اكثر المصادر الأصلية المعروفة، وبعد التحقق والتشبث منها لخصناها وذكرناها في هذا الكتاب .

ولو أننا أشرنا ـ في جميع الحوادث والوقائع ـ إلى جميع المصادر الّتي مررنا بها لاستأثر جدول المصادر بقسم كبير من صفحات هذا الكتاب، وهو أمرٌ من شأنه أن يبعث على الملل عند القرّاء، فلكي لا يحس القرّاء بأىّ تعَب أو مَلَل من جانب، ولأجل أن نحافظ على وثائقية الكتاب وأصالة أبحاثه وإتقانها من طرف آخر اكتفينا بذكر القدر اللازم من المصادر وتجنبنا تحشيدها بتلك الصورة الممِلّة .

وأما المزية الثانية: فإننا أشرنا ـ ضمن الدراسات اللازمة ـ إلى الاعتراضات والاشكالات، بل وأحيانا إلى مواطن الاساءة الّتي قام بها المستشرقون المغرضون وأجبْنا على جميع الانتقادات والاعتراضات غير المبرَّرة وغير الصحيحة بأجوبة مقنعة وقاطعة وصحيحة، وجرَّدْناهم من الاسلحة الّتي شَهَرُوها في وجه الإسلام ورسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما يقول المثل، وتلك حقيقة يقف عليها القارىء الكريم بنحو أجلى في محلّها .

وعلى هذا الاساس عَمَدنا إلى ذكر رأي المؤلّفين الشيعة (في المسائل المختلف فيها بين المؤرخين الشيعة والمؤرخين السنة) مع ذكر المصادر والشواهد التاريخية الواضحة والمبرهنة عليه، وأزحْنا كل ما يَدُور حول ذلك الرأي من شبهة أو إشكال، ويستهدف إنكار صحته وحقانيته .

إننا إذ نقدّمُ هذه الدراسة التحليليّة لشخصية وحياة خاتم الأنبياة محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى القراء الكرام نأمل أن يهتم بها عامّة المسلمين وخاصة المثقفين والشّباب منهم بوجه خاصّ، ويتناولوا هذه السيرة العطرة بالمطالعة المتأنيّة والتأمل


(18)

والتدبر، ونآمل أن يستطيع شبابُنا المؤمن المتحمّس من أن يرسم خريطة حياته وحياة مجتمعه في ضوء ما يستلهمُه ويستوحيه من سيرة وحياة رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه الحقبة البالغة الخطورة. واللّه ولىّ التوفيق .

جعفر السبحاني      

26 / جمادى الآخرة / 1392


(19)

سيّد المرسلين
في ضوء القرآن الكريم


لقد سلّط القرآن الكريم الضوء على رسول الإسلام محمَّد بن عبداللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في آيات كثيرة تناولت بيان أسمائه ونشأته وصفاته وخصاله، وبشارات الانبياء السابقين به وعصمته واُمّيته ورسالته وخاتميته وجهوده العظيمة التي بذلها في سبيل ابلاغ مهمته، والخطابات الخاصة الالهية الموجّهة إليه وما يتوجب على المؤمنين تجاهه في حياته وبعد وفاته، وما يتوجب عليهم تجاه أهل بيته وعترته، ولكي تكون هذه الرؤية القرآنية الشاملة الدقيقة هي القاعدة الاساسية في دراسة الشخصية والسيرة المحمَّدية العظيمة آثرنا ادراج طائفة منها



(20)

في مقدمة هذا الكتاب.

* وَ ما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُسُلُ. (آل عمران / 144)

* مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَ الَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءٌ عَلى الكُفّار رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. (الفتح / 29)

* وَ إذ قالَ عيسى ابْنُ مَرْيَمُ يا بَني إسرائيل إنّي رَسُولُ اللّهِ اِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بِيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرية وَ مُبَشِّراً بِرَسُول يَأتِى مِنْ بَعدي اسْمُهُ أحْمَدٌ. (الصف / 6).

* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى وَ للآخِرَة خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى وَوَجَدكَ عائلا فَأَغْنى. (الضحى / 4 ـ 8) .

* ألَم نَشْرَحْ لكَ صَدْركَ وَ وَضعْنا عَنْكَ وزْرَكَ الَّذي أنْقَضَ ظَهْرَكَ وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ. (الانشراح / 1 ـ 4) .

* وَ إذ أخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتاب وَ حِكْمَة ثمَّ جاءكُمْ رَسولٌ مُصدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُوُمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ ءأَقْرَرتُمْ وَ أَخذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إصْري قالوا أقْررنا قالَ فَاشْهَدوا وَ أنا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدينَ. (آل عمران/ 81) .

* ألَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّىِّ الَّذي يَجِدونَهُ مَكْتوباً عِنْدؤهُمْ في التَّوريةِ وَ الأنجِيلِ يَأمرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْههُمْ عِنَ المُنْكَر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخبائثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إصّرَهُمْ وَ الأَغْلالَ التَّي كانَتْ عَلَيْهِمْ. (الأعراف / 157) .

* الَّذينَ آتيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُم وَإنَّ فَريقاً مِنْهُمْ لَيكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. (البقرة / 146) .

* الَّذينَ آتَيناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ. (الأنعام / 20) .

* فآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الاُمِّىِّ الَّذينَ يُؤْمنُ بِاللّهِ وكَلماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. (الأعراف / 158) .

* هُوَالَّذي بَعثَ في الاُميّينَ رَسُولا مِنْهُمء يَتْلوا عَلَيْهِم آياتِهِ وَ يُزكّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمْ الْكِتاب وَ الحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلال مُبين وآخرينَ مِنْهم لَما يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ العَزيزُ الْحَكيمُ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشاءُ واللّهُ ذُوالْفَضلِ الْعَظيمِ. (الجمعة / 2) .

* وَ أنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وَ عَلَّمكَ ما لم تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظيماً. (النساء / 113) .

* وَ ما كُنتَ تَتلُوا مِن قَبلِهِ مِنْ كِتاب وَ لا تخُطُهُ بِيَمينِكَ إذاً لارتَابَ المُبطِلُونَ. (العنكبوت / 48) .


(21)

* إقرأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذي خَلق خَلَقَ الإنْسانَ مِنْ عَلَق إقْرأ وَ رَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. (العلق / 1 ـ 5) .

ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إنْ هُوَ اِلاّ وَحْىٌ يُوحى عَلَّمهُ شَديدُ القُوى ذو مَرَّة فَاسْتَوى وَ هُوَ بالافُقِ الاَْعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدلّى فَكانَ قَاب قَوسَيْنِ أوْ أدْنى فَأَوحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رأى أو قتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ولَقَدْ رآهُ نَزلَةً أُخرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأوى إذْ يَغْشى السِّدرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبَّه الْكُبرى. (النجم / 2 ـ 17) .

* وَلَو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاَْقاوِيلِ لأَخَذْنا مِنْهُ بِالَيمينِ ثُمَّ لَقَطعْنا مِنْهُ الْوَتينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحد عَنْهُ حاجِزينَ. (الحاقة / 44 ـ 47) .

* وَما عَلَّمْناهُ الشِّعرَ وَ ما يَنْبَغي لَهُ إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وَ قُرآنٌ مُبينٌ. (يس / 69) .

* وَ يَقُولُونَ أنَّنا لَتارِكُوا آلهَتِنا لِشاعِر مَجْنُون بَلْ جاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الُمُرْسَلينَ. (الصافات / 36 ـ 37) .

* إنَّهُ لَقَوْلُ رَسول كَريمْ وَ ما هوَ بَقَولِ شاعر قَليلا ما تُؤْمنُونَ. (الحاقة / 40) .

* وَ ما هُوَ عَلى الغَيْبِ بِضَنين. (التكوير / 24) .

* سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. (الاعلى / 6) .

* فَسَيكْفِيَكَهُمُ اللّهُ وَ هُوَ السَّميعُ الْعَليمُ. (البقرة / 137) .

* وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ. (المائدة / 67) .

* وَ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالوا. (التوبة / 74) .

* إنّا كَفيْناكَ الْمُسْتَهْزئِينَ. (الحجر / 95) .

* وَ إنْ كادوا لَيَفْتِنونَكَ عِنَ الَّذي أوْحَيْنا إليْكَ لَتَفْتَرىَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إذاً لاتَّخَذُوكَ خَليلا وَ لَوْلا أنْ ثَبَّتناكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَركَنُ إليْهِمْ شيئاً قَليلا. (الاسراء / 73 ـ 74) .

* أَلَيْسَ اللّهُ بَكاف عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذينَ مِنْ دُونِهِ. (الزمر/ 36) .

* وَأصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بأَعْيُنِنا. (الطور / 48) .

* تِلْكَ آياتُ اللّه نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَمَا اللّهُ يُريدُ ظُلْماً لِلْعالَمينَ. (آل عمران / 108) .

* اتْلُ ما أوحِىَ إليْكَ مِنَ الكِتابِ. (العنكبوت / 45) .

* واتَّبِع ما يُوحى إليْكَ مِنْ رَبِّكَ. (الاحزاب / 2) .

* وَ أنْذِر عَشيرَتِكَ الأقْرَبينَ. (الشعراء / 214) .


(22)

* فَاصْدَعْ بِما تُؤمرُ. (الحجر / 94) .

* قلْ يا ايُّها النّاسُ إنَّما انا لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ. (الحج / 49) .

* وَ إنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِراط مُستَقيم. (المؤمنون / 73) .

* تَبارَكَ الَّذي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذيراً. (الفرقان / 1) .

* وَ ما أرْسَلْناكَ إلاّ مُبَشِّراً وَنَذيراً. (الفرقان / 56) .

* وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أنْتَ فِيهِمْ. (الأنفال / 33) .

* لَقد جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ. (التوبة / 128) .

* بِالْمؤمِنينَ رَؤوف رَحيمٌ. (التوبة / 128) .

* وَ ما أرسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. (الأنبياء / 107) .

* إنَّكَ لَعلى هُدىً مُسْتَقيم. (الحج / 67) .

* نَزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرينَ. (الشعراء / 193) .

* إنّا أرسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشيراً وَ نَذيراً وَلا تُسئلُ عَنْ أصْحابِ الْجَحيم. (البقرة / 119) .

* كَما أَرسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُم آياتِنا وَيُزكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكم الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونوا تَعْلَمُونَ. (البقرة / 151) .

* لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى الْمؤمِنينَ إذْ بَعثَ فيهِمْ رَسولا مِنْ انْفُسِهمْ يَتلْو عَليْهِمْ آياتِهِ وَ يُزكِّيْهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وَإنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبينْ. (آل عمران / 164) .

* هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقَّ لَيُظْهِرَهُ عَلى الدّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللّهِ شَهيداً. مُحمَّدٌ رَسُولُ اللّه. (الفتح / 28 ـ 29) .

يا ايُّها النَّبِيُّ إنَّا أرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذيراً وَ داعِياً إلى اللّهِ بِإذْنِهِ وَ سِراجاً مُنيراً. (الاحزاب/46).

* وَ ما أرْسَلْناكَ إلاّ كافَّةً لِلنَّاسِ بَشيراً وَ نَذيراً. (سبأ / 28) .

* قُلْ إنَّما أعِظُكُمْ بِواحِدَة أنْ تَقُوموا للّهِ مَثْنى وَ فُرادى ثُمَّ تَتفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة إنْ هُوَ إلاّ نَذيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذاب شَديد. (سبأ / 46) .

* فَفِرّوا إلى اللّهِ إنّي لَكُم مِنْهُ نَذيرٌ مُبينٌ. (الذاريات / 50) .

* وَ أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وَ كَفى باللّهِ شَهيداً. (النساء / 78) .

* وَ أنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظيماً. (النساء / 113) .


(23)

* إنّا أوْحَينا إليْكَ كَما أوْحَينا إلى نُوح والنَّبِيينَ مِنْ بَعْدِهِ. (النساء / 163) .

* لكن اللّه يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والْملئكَةُ يَشْهَدونَ وَ كَفى بِاللّهِ شَهيداً. (النساء 166) .

* ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسولَ اللّه وَ خاتَمَ النَّبِيَّينَ. (الاحزاب / 40) .

* قُلْ يا أيّها الناسُ إنّي رَسُولُ اللّه إلَيْكُم جَميعاً. (الاعراف / 158) .

* وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعِزَّة للّهِ جَميعاً هُوَ السَّميعُ الْعَلِيمُ. (يونس / 65) .

* فَلعَلَّكَ تاركٌ بَعْض ما يُوحى إليْكَ وَ ضائِقٌ بِه صَدرُكَ أنْ يَقُولوا لَوْلا أُنزلَ عَليْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنّما أنْتَ نَذيرُ وَ اللّهُ عَلى كُلِّ شيء وَكِيلٌ. (هود / 12) .

* وَ كُلاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ انْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فؤَادَكَ وَ جاءَكَ في هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤمِنينَ. (هود / 120) .

* وَ لَقَدِ اسْتُهزئ بِرُسلُ مِنْ قَبْلِكَ فَأَملَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَروا ثُمَّ اخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كانَ عِقابِ. (الرعد / 32) .

* لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما متَّعْنا بِهِ أزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحزْنْ عَلَيْهِمْ. (الحجر / 88) .

* وَلَقَد نَعْلم ُ انَّكَ يَضيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولونَ فَسبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السّاجِدينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتى يَأتِيكَ الْيَقينُ. (الحجر / 99) .

* وَأُصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إلاّ بِاللّه وَ لا تَحزَنْ عَلَيْهمْ وَ لا تَكُ في ضَيْق مِمّا يَمْكُرونَ إنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. (النحل / 128) .

* فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤمنُوا بِهذا الْحَديثِ أسفاً. (الكهف / 6) .

* فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولونَ. (طه / 130) .

* وَ إنْ يُكَذِّبُوكَ فَقدْ كَذَّبتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَ عادٌ وَ ثَمُودُ وَ قَوْمُ إبْراهيمَ وَ قَوْمُ لُوط وَ أصْحابُ مَدْيَنَ وَ كُذِّب مُوسى فَأَمْلَيتُ لِلْكافِرينَ ثُمَّ أخذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِير. (الحج / 42 ـ 44) .

* وَ كذلِكَ جَعلْنا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِنَ الُمجْرِمينَ وَ كَفى بِرَبِّكَ هادياً وَ نَصيراً. (الفرقان / 31) .

* لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألاّ يَكُونوا مُؤمِنينَ. (الشعراء / 3) .

* وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ في ضَيْق مِمّا يَمْكُرُونَ. (النحل / 127) .

* فَاصْبِر إنَّ وَعْدَ اللّه حَقٌّ وَ لا يستَخِفَّنَّكَ الَّذينَ لا يُوقِنونَ. (الروم / 60) .

* وَ مَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ. (لقمان / 23) .

* وَ اِنْ يُكَذِّبوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبلِكَ وَ إلى اللّه تُرجَعُ الاُمورُ. (فاطر / 4) .

* سُبْحانَ الَّذي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسجِدِ الْحرامِ إلى الْمَسْجِدِ الاَْقْصا الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْبَصيرُ. (الأسراء / 1) .

* فَلا تَذهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسرات إنَّ اللّهَ عَليمٌ بِما يَصْنَعُونَ. (فاطر / 8) .

* وَ إنْ يُكَذبوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّناتِ وَ بالزُّبرِ وَ بِالكِتابِ الْمُنيرِ. (فاطر / 25) .


(24)

* فَلا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إنّا نَعلَمُ ما يُسرّونَ وَ ما يُعلِنُونَ. (يس / 76) .

* وَ لَقَدْ سَبقَتْ كلِمَتُنا لِعبادِنا الْمُرسَلينَ إنَّهُمْ لَهُم الْمنصُورونَ. (الصافات / 171 ـ 172) .

* وَ إنْ جُنْدنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حين وابْصرْهُمْ فَسوْفَ يُبْصِرُونَ. (الصافات/173ـ175).

* وَ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حين وَاَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ. (الصافات / 178 ـ 179) .

* إصْبِرْ عَلى ما يَقولونَ. (ص / 17) .

* ألَيْسَ اللّه بِكاف عَبدَه وَ يخوَّفونَكَ بِالَّذينَ مِنْ دونِهِ. (الزمر / 36) .

* فَاصبِرْ إنَّ وَعْدَاللّه حَقٌ. (المؤمن / 55) .

* وَ لا تَطرُد الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوَةِ والعَشىِّ يُريدونَ وَجْهَهُ ما عَليْكَ مِنْ حِسابِهمْ مِنْ شَيء وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَليْهِمْ مِنْ شَيء فَتطرُدِهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالِمينَ. (الانعام / 52) .

* وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدوة والعشيِّ يُريدونَ وَجْههُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُريدُ زينَة الحَيوة الْدُّنيا وَ لا تُطِعْ مَنْ اغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرنا وَاتَّبعَ هَويهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً. (الكهف / 28) .

* إنَّما المُؤمنونَ الَّذينَ آمنوا بِاللّهِ وَ رَسُوله وإذا كانوا مَعَهُ عَلى أمر جامِع لَمْ يَذهَبُوا حتّى يَسْتأذنوهُ إنَّ الَّذينَ يَستأذوننكَ أُولئكَ الَّذينَ يُؤمِنُونَ باللّه وَ رَسُولِهِ فإذا اسْتأذنوك لِبَعْضِ شَأنِهِم فَأذَن لِمَنْ شِئتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ إنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ لا تَجْعلُوا دُعاءَ الرَّسول بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعلَمُ اللّهُ الذينَ يَتَسلَلَّونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَليَحْذِر الَّذينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْره انْ تُصبيَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أليمٌ. (النور / 62 ـ 63) .

* يا ايُّها الَّذينَ آمنوا لا تَدْخُلوا بُيوتَ النَّبىَّ إلاّ أَنْ يُؤذَنَ لَكُمْ إلى طعام غَيْرَ ناظرينَ إناهُ ولكنْ إذ دُعيتُمْ فَادْخُلوا فَإذا طعِمْتُمْ فَانْتشِروا وَ لا مُسْتأنِسينَ لِحَديث إنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤذي النَّبىَّ فَيستَحِي مِنْكُمْ وَ اللّهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ وَ إذا سألُتموهُنَّ مَتاعاً فَسئلوهُنَّ مِنْ وَراء


(25)

حِجاب ذلِكُمْ أَطهَرُ لِقلُوبِكُمْ وَ قلُوبِهِنَّ وما كان لَكُمْ أَنْ تُؤذوا رَسولَ اللّهِ وَ لا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبداً إنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَاللّهِ عَظيماً. (الاحزاب / 53) .

* يا ايها الَّذينَ آمنوا لا تُقدِّموا بَيْنَ يَدي اللّهِ وَ رَسُولِهِ وَاتقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ يا ايُّها الَّذينَ آمنوا لا تَرْفعوا أصْواتَكُمْ فَوقَ صَوت النَّبىِّ ولا تَجْهروا لهُ بِالْقَولِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعض أنْ تَحْبَطَ أعمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشعُرونَ إنَّ الذَّين يَغضُّونَ أصواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلوبَهْمْ لِلتَّقوى لَهُمْ مَغْفِرةٌ وَ أجرٌ عظيمٌ إنَّ الَّذينَ يُنادونكَ مِنْ وَراءِ الحُجراتِ أكثرُهُمْ لا يعقِلُونَ وَلَو أنَّهُمْ صَبَروا حتَّى تَخرُجَ إليْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللّهُ غَفورٌ رَحيمٌ. (الحجرات / 1 ـ 5) .

* وَاعْلَموا أَنَّ فيكُمْ رَسولَ اللّهِ لَو يُطيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْر لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللّهَ حَبَّبَ إليْكُمْ الإيمانَ وَزَيَّنَهُ في قُلوبِكُمْ وَكَرَّه إليْكُمُ الكُفْرَ وَ الفُسوقَ وَالْعِصيانَ أُولئكَ هُمُ الرّاشِدُونَ. (الحجرات / 7) .

* وَإنَّك لَعلى خُلُق عَظيم. (القلم / 4) .

* وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلمُؤْمِنينَ. (الحجر / 88) .

* وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَن اتَّبَعكَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ. (الشعراء / 215) .

* لَقدْ جاءَكُمْ رَسولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَليْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤمنينَ رَؤُفٌ رَحيمٌ. (التوبة / 129) .

* فَبِما رَحْمَة مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ. (آل عمران / 159) .

* لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُو اللّهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ وَ ذكَرَ اللّهَ كَثيراً. (الاحزاب / 21) .

* قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّه فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمْ اللّه وَ يَغْفِرْلَكُمْ ذنوبَكُمْ وَ اللّهُ غَفورٌ رَحيمٌ. (آل عمران / 31) .

* فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤمنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لايَجِدوا في أنْفُسِهِمْ حَرجاً مِمَّا قَضيْتَ وَيُسَلِّموا تَسليماً. (النساء / 65) .

* إنَّ اللّهَ وَ ملائكتهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبيِّ يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا صَلُّوا عَليْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْليماً. (الاحزاب / 56) .

* إنَّا أعْطيناكَ الْكَوثَر فَصلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر إنَّ شانِئكَ هُوَ الأَبْتَرْ. (الكوثر / 1 ـ 3).


(26)

* إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِببَ عَنْكُمْ الْرِّجْسَ أَهلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً. (الاحزاب / 33) .(1)


1 - ولقد بحث سماحة الاستاذ العلامة المحقّق الشيخ جعفر السبحاني صاحب هذه المحاضرات حول جميع هذه الآيات ونظائرها في دراسة عميقة وشاملة في الجزء السابع من موسوعته «مفاهيم القرآن» .


(27)

1
شبه الجزيرة العربية
أو مَهْد الحضارة الإسلامية

الجزيرةُ العَربية هي في الحقيقة شبهُ جزيرة كبيرة وتقع في الجنوب الغربي من اسيا، وتبلغ مساحتُها ثلاثة ملايين كيلومتر مربع، أي ضِعف مساحة إيران، وستة أضعاف فرنسا، وعشرة أضعاف إيطاليا، وثمانين ضِعف سويسرة .

ويَحدُّ شبه الجزيرة ـ هذا الّذي هو اشبه ما يكون بمستطيل غير متوازي الاضلاع ـ من الشمال فلسطين وصحراءُ الشام، ومن المشرق الحيرةُ ودجلة والفرات والخليج الفارسي، ومن الجنوب المحيط الهندي وخليج عمان، ومن المغرب البحر الأحمر .

وعلى هذا يحاصر هذه الجزيرة من المغرب والجنوب البحر، ومن الشمال والشرق الصحراء، والخليج .

وقد جرت العادة بتقسيم هذه المنطقة من القديم إلى ثلاثة اقسام:

1- القسم الشمالي والغربي ويسمى بالحجاز .

2ـ القسم المركزي والشرقي ويسمى بصحراء العرب .

3ـ القسم الجنوبي ويسمى باليمن .

وتُشكّل داخلَ شبه الجزيرة هذا صحاري كبيرة، ومناطق شاسعة رملية حارة، وغير قابلة للسكنى تقريباً، ومن جملة هذه الصحاري صحراء «بادية


(28)

ساوة» الّتي تسمى اليوم بصحراء «النفوذ» وصحراء اُخرى واسعة الاطراف تمتد إلى الخليج الفارسىّ يُطلق عليها اليوم إسم «الربع الخالي» وقد كان يسمى قسمٌ من هذه الصحاري سابقاً بالأحقاف، ويسمى القسم الآخر بالدهناء .

وعلى أثر هذه الصحاري تشكل ثُلث مساحة شبه الجزيرة هذا أراضي خالية من الماء والعشب وغير قابلة للسكنى، اللهم إلاّ بعض ما يحصل من المياه بسبب تساقط الامطار، في قلب الصحاري فيتجمع حولها بعض القبائل العربية بعض الوقت، ويرعون فيها ابلهم وانعامهم ردحاً قليلا من الزمن .

وأمّا حالة المناخ في شبه الجزيرة العربية، فالهواء في الصحاري والأَراضي المركزية (الوسطى) حارٌ وجافٌ جداً، وفي السواحل مرطوبٌ، وفي بعض النقاط معتدلٌ، وبسبب رداءة الطقس هذه لا يتجاوز عدد سكانه خمسة عشر مليون نسمة .

وتوجد في هذه الجزيرة سلسلة جبال تمتد من الجنوب إلى الشمال، ويقارب ارتفاع أعلى قممها 2470 متراً .

وقد كانت معادن الذهب والفضة والاحجار الكريمة تشكل مصادر الثروة في شبه الجزيرة هذا منذ القديم، وكان سكانها يعتنون ـ من بين الانعام والحيوانات ـ بتربية الابل والفرس اكثر من غيرهما، ومن بين الطيور بالحمام والنعامة اكثر من الطيور الاُخرى .

بيد أن اكبر مصدر للثروة في الجزيرة العربية اليوم يأتي عن طريق استخراج النفط .

وتعتبر مدينة «الظهران» الّذي يسميه الاوربيون بالدهران المركز النفطي الرئيسي في هذه الجزيرة، ويقع هذا البلد في ناحية الاحساء الّتي تقع في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية على حدود الخليج الفارسي .

ولكي يتعرف القارىء الكريم على الأَوضاع في شبه الجزيرة العربية هذا بنحو اكثر تفصيلا فاننا نعمد إلى شرح الاقسام الثلاثة المذكورة:

1- «الحجاز» وهي المنطقة الّتي تشكل القسم الشمالي والغربي من الجزيرة


(29)

العربية وتمتد أراضيها على ساحل البحر الاحمر ابتداء من فلسطين وحتّى حدود اليمن .

والحجاز بعد هذا منطقة جبلية، وذات صحار قاحلة، واراض حجرية، وصخرية، يكثر فيها الحصى .

ولقد كانت هذه المنطقة ـ في التاريخ ـ اكثر شهرة من غيرها، ومن المعلوم أنَّ هذه الشهرة جاءت بسبب جملة من العوامل المعنوية والدينية، فهي الآن تضمّ بين جوانحها بيت اللّه الحرام «الكعبة المعظمة»، قبلة ملايين المسلمين، ومهوى افئدتهم .

وقد كانت البقعةُ الّتي تقوم عليها بنية «الكعبة المعظمة» تحظى منذ سنوات مديدة قبل بزوغ الإسلام باحترام العرب وغيرهم، ولهذا حَرَّموا القتال حول الكعبة تعظيماً لها، حتّى إذا جاء الإسلام أقَرَّ للكعبة ولما حولها، مثل ذلك الاحترام، والتعظيم أيضاً .

ومن أهمّ مُدُن الحجاز: «مكة» و «المدينة» و «الطائف»، وكان للحجاز منذ القديم ميناءان هما: ميناء «جدة» الّذي يستخدمه أهل مكة، وميناء «ينبع» الّذي يستخدمه أهلُ المدينة، في سَدِّ الكثير من إحتياجاتهم ويقع هذان الميناءان على ساحل «البحر الاحمر».

مَكةُ المعظمة:

وهيَ من أَشهر مُدُن العالم وأكثر المُدُن الحجازية سُكاناً، وترتفع عن سطح البحر بما يقارب 300 متراً .

وإذ تقع مدينة «مكة» بين سلسلتين من الجبال لذلك فانها لاتُرى من بعيد، ويقطنها اليوم حوالي (150) ألفاً من السكان .

تاريخ مكة:

يبدأ تاريخ «مكة المكرمة» من زمن النبي إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ، فقد


(30)

أسكن هذا النبيُّ ولده «اسماعيل» مع اُمه «هاجر» في ارض مكة، فنشأ اسماعيل هناك، وتزوج من القبائل الّتي سكنت على مقربة من تلك المنطقة .

ثم إن إبراهيم ـ عليه السلام ـ بنى وبأمر من اللّه تعالى البيت الحرام «الكعبة» .

وتقول بعض الروايات الصحيحة إن الكعبة بنيت على يد النبىّ نوح ـ عليه السلام ـ وأن ابراهيم ـ عليه السلام ـ جدّد بناءها .

وهكذا نشأت وبعد هذا تاسست مدينة مكة .

وتتكون نواحي «مكة» من أراض سبخة شديدة الملوحة بحيث لا تكون قابلة للزراعة اصلا، حتّى أن بعض المستشرقين يذهب إلى أنه لا يوجد أية منطقة في العالم في رداءة أوضاعها الجغرافية والمحيطية والطبيعية مثل هذه المنطقة .

المَدينةُ المنوَّرةُ:

وهي مدينة تقع في شمال مكة وتبعد عنها بـ : 90 فرسخاً تقريباً، وتحيط بها بساتين ومزارع ونخيل وافرة، وأرضها أكثر صلاحية لغرس الاشجار والزرع .

وكانت المدينة المنورة تسمى قبل الإسلام بـ «يثرب»، وبعد أن هاجر إليها رسول الإسلام ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سُمّيت بمدينة الرسول، ثم اُطلقت عليها لفظة «المدينة» مجردة تخفيفاً .

ويحدثنا التاريخ أن العمالقة كانوا أول من سكن هذه الديار، ثم خلف العمالقة طائفة اليهود، والأوس والخزرج الذين سُمِّي المسلمون منهم بالأَنصار في ما بعد .

هذا وقد سلمت الحجاز ـ على عكس سائر المناطق ـ من طمع الطامعين وغزو الغزاة والفاتحين، ولم نشاهد فيها أي شيء من آثار حضارة الامبراطوريتين العظيمتين انذاك قبل الإسلام: الروم والفرس، وذلك لأنها إذ كانت تتألَّف من أراض قاحلة مجدبة غير قابلة للسكنى والعيش لم تحظ باهتمام أحد من اُولئك الفاتحين حتّى يفكر في تسيير العساكر، وتجييش الجيوش لفتحها ليعود بعد تحمّل آلاف المشاكل الّتي تستلزمها عملية الاستيلاء على أراضي تلك المنطقة


(31)

خالي الوفاض صفر اليدين .

وللوقوف على هذه الحقيقة اقرأ القصة التالية التي نقلها «ديودرس» .

عندما دخل ديمتريوس القائد اليوناني الكبير «بطرا» (وهي مدينة قديمة من مدن الحجاز) بهدف فتح جزيرة العرب خاطبهُ سكانُ تلك المدينة قائلين:

لماذا تحاربنا أيها الملك ديمتريوس ونحن من سُكان الصحارى الّتي لا تُسدُّ فيها خلّة، ترانا نقطن في هذه البقاع القاحلة فراراً من العبودية. إقبل هدايانا، وارجع إلى حيث كنت، سنكون من أوفى الاصدقاء لك، ولكنك إذا رغبت في حصرنا حرمت كل هناءة، ورأيت عجزك عن اكراهنا على تبديل طرق حياتنا الّتي تعوَّدناها منذ نعومة أظفارنا، وإذا قدرت على اسر بعضنا أيقنت أنك لن تجد واحداً ممن أسرت يستطيع أن يألف حياة غير الّتي ألفناها .

هناك رأى ديمتريوس أن يقبل هديتهم وان يرضى بالمآب (1).

2ـ المنطقة الوسطى والشرقية، التي تسمى بـ «صحراء العرب» ومنطقة «نجد» الّتي هي جزء من هذه المنطقة أرض مرتفعة يقوم فيها بضع قُرى صغيرة معدودة .

ولقد أصبحت الرياضُ الّتي اتخذها السعوديون عاصمة لهم بعد استيلائهم من المراكز المهمة في هذه الناحية من الجزيرة.

3ـ المنطقة الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية، والّتي تسمى بـ «اليمن» وتمتد طولا من الشمال إلى الجنوب حوالي (750) كيلومتراً ومن الغرب إلى الشرق حوالى (400) كيلومتراً .

وتقدر مساحة هذا البلد بستين الف ميل مربع تقريباً، ولكنها كانت ـ قبل ذلك ـ أوسع من هذا القدر، وقد كان قسم منها (وهوعدن) خلال النصف الاول من القرن الأخير تحت الانتداب البريطاني، ومن هنا ينتهي شمالا إلى نجد، وجنوباً إلى عدن، وغرباً إلى البحر الأَحمر وشرقاً إلى صحراء الربع


1 - حضارة العرب: تأليف غوستاف لوبون ص 91 ـ 02 ترجمة عادل رتميتر .


(32)

الخالي(1) .

ومن مُدُن اليمن المعروفة مدينة «صنعاء» التاريخية العريقة، ومن موانئها المشهورة ميناء «الحديدة» الّتي تقع على الحبر الأحمر .

ومنطقة اليمن من اكثر مناطق الجزيرة العربية خصوبة وبركة، ولها تاريخ مشرقٌ و عريق في المدنية والحضارة، فقد كانت اليمن مقراً لملوك تبَّع، الذين حكموا اليمن سنيناً مديدة وكانت اليمن قبل الإسلام مركزاً تجارياً مهماً، وكانت في الحقيقة ملتقى طرق الحجاز، اشتهرت في العصور القديمة بمعادن الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وكانت تصدر إلى خارج البلاد .

ولا تزال اثار الحضارة اليمنية القديمة باقية إلى الآن.

ولقد قام أهلُ اليمن الاذكياء باقامة أبنية وعمارات عالية وجميلة بهممهم العالية في عصور كان البشر يفقد فيها الوسائل الثقيلة، والاجهزة المعقدة .

كان ملوك اليمن يحكمون البلاد دون أي منازع، إلاّ أنهم رغم ذلك لم يكونوا يمتنعون عن تنفيذ مارسمه حكماء اليمن ورجالهم من انظمة وقوانين للحكم وادارة البلاد آنذاك .

ولقد سبقوا الآخرين في الزراعة والفلاحة، وقد نظموا لإحياء الأراضي وزراعتها، نظاماً دقيقاً للرىّ طبقوا بنوده بدقة، ولهذا كانت بلادهم تعدّ ـ آنذاك ـ من البلدان الراقية المتقدمة من هذه الناحية .

فها هو «غوستاف لوبون» المؤرخ الفرنسي المعروف يكتب حول اليمن قائلا: إنَّ بلاد العرب السعيدة من أغنى بقاع العالم(2) .

ويكتب الادريسىّ المؤرخ المعروف الّذي كان يعيش في القرن الثاني عشر حول «صنعاء» قائلا: كانت صنعاء مقر ملوك اليمن، وعاصمة جزيرة العرب، وانه كان لملوكها قصر متين شهير وكانت تشتمل على بيوت مصنوعة من الحجارة


1 - لقد انقسمت اليمن مؤخراً إلى يمن شمالية واُخرى جنوبية لكل واحد منها نظام حكم خاصّ وحكومة خاصّة.
2 - حضارة العرب: ص 94 .


(33)

المنحوتة(1) .

هذه الآثار العجيبة الّتي عثر عليها المستشرقون وعلماء الآثار في تنقيباتهم الأخيرة تثبت حضارة عجيبة لليمن في عصورها القديمة وذلك في مختلف نواحيها مثل «مأرب» و «صنعاء» و «بلقيس» .

ففي مدينة مأرب (وهي مدينة سبأ المعروفة) كانت تقوم قصور ضخمة وصروح عالية ذوات أبواب وسقوف مزينة بالذهب، وكانت تحتوي على أوان وصحون من الذهب والفضة، وأسرّة كثيرة مصنوعة من المعدن والفلز(2).

ومن آثار «مأرب» التاريخية السدُّ المعروفُ باسم ذلك البلد والّذي لا تزال اطلاله باقية، وهو السدّ الّذي تهدَّم بسبب السيل الّذي وصفه القرآن الكريم بالعَرِم .

فقد جاء في سورة سبأ الآية 15 ـ 19 قوله تعالى:

(لَقَدْ كانَ لِسَبَأ في مَسْكَنِهِمْ آيةٌ جَنّتانِ عَن يَمينِ وَشمال كُلُوا مِنْ رِزق ربكُمْ واشْكُروا لَهُ بلدةٌ طَيِبَةٌ و ربٌّ غَفُورٌ. فأعرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيهِمْ سَيْلَ العَرم وبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتيهِمْ جَنَّتَيْن ذَواتي أكل خَمْط وأَثْل وشيء مِنْ سِدْر قَليل. ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نجازي الاّ الكفور. وَجَعَلْنا بَينَهُمْ وَ بَيْنَ القُرى الَّتي باركْنا فيها قُرى ظاهرةً وَقَدَّرنا فيها السَيْرَ سِيْروُا فيها لَيالَي وأيّاماً آمِنين. فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَين أَسفارنا وَ ظَلمُوا أنْفُسَهُمْ فَجَعلْناهُمْ أَحاديث ومَزّقناهُمْ كُلَ ممزَّق إنَ في ذلكَ لآيات لِكلِ صَبّار شَكُور)(3) .


1 - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق على ما في حضارة العرب، ص 55 .
2 - حضارة العرب: ص 94 .
3 - للوقوف على المزيد من المعلومات عن اليمن قديماً وحديثاً، راجع الكتب المؤلفة حول جغرافية العالم الإسلامي .


(34)


(35)

2
العَرَب قبلَ الإسلام

لمعرفة أوضاع العرب قبل الإسلام يمكن الرجوع إلى المصادر التالية:

1- التوراة على ما فيها من تحريفات .

2- كتابات اليونانيين والروميين في القرون الوسطى .

3- الكتابات التاريخية الّتي كتبها علماء الإسلام ومؤلفوه .

4- الآثار القديمة الّتي عثر عليها المستشرقون في تنقيباتهم والّتي استطاعت من أن تكشف النقاب عن طائفة لا يُستهان بها من الحقائق في هذا الصعيد .

إلاّ انه مع وجود كل هذه المصادر والمراجع لا تزال هناك نقاطٌ كثيرةٌ عن تاريخ العرب في القرون البعيدة تعاني من الغموض .

ولكن حيث أنَّ دراسة أوضاع العرب قبل الإسلام هي من باب المقدمة في هذا الكتاب، والهدف الاساسي إنما هو دراسة السيرة النبوية الطاهرة، من هنا نكتفي في هذا الفصل باستعراض النقاط الخاصة والواضحة من حياة العرب قبيل الإسلام على اننا يمكننا أن نقف على وصف دقيق لحالة العرب خاصة قبيل بزوغ الإسلام من خلال مصدرين اسلاميين اساسيين هما:

1- القرآن الكريم .

2- ماورد عن الامام علي ـ عليه السلام ـ في نهج البلاغة.


(36)

فقد وردت في هذين المصدرين تصريحاتٌ ونصوصٌ صريحة تكشف عن ما كان عليه العرب في الجاهلية من سوء الأحوال والاوضاع والاخلاق في جميع الاصعدة والابعاد، وسنشير إلى ابرز هذه النصوص ونقف عندها بعض الشيء، ولكننا نستعرض قبل ذلك شيئاً من تاريخ العرب في القرون البعيدة فنقول:

إن من المسلَّم أن شبه الجزيرة العربية كان منذ أقدم العصور موطناً لقبائل كثيرة انقرض بعضها بمرور الايام، وفي ثنايا الاحداث، بيد ان هناك ثلاث قبائل قد تشعَّبتْ عنها أفخاذٌ وفروعٌ تحظى بشهرة اكثر من بين من سكنوا هذه المنطقة .

وهذه القبائل الاُمّ هي:

1- العرب البائدة: وإنما سُميت بالبائدة لأنها أبيدت بالعذاب الالهي السماوىّ أو الأرضىّ بسبب عصيانها وتمردها، وهلكت شيئاً فشيئاً، ولم يبق على وجه الارض من نسلهم أحد!

ولعلهم كانوا هم المعنيون بقوم «عاد» و «ثمود» الذين جاء ذكرُهم في القرآن الكريم مراراً .

2- القحطانيّون: وهم أبناء يعرب بن قحطان الذين كانوا يقطنون في «اليمن» وسائر المناطق الجنوبية من الجزيرة العربية ويُسمّون بالعرب الاُصلاء، وهم اليمينون اليوم، ومنهم قبائل الأوس والخزرج وهما قبيلتان كبيرتان كانتا تقطنان المدينة المنورة إبان ظهور الإسلام .

وقد كان للقحطانين حكومات كثيرة، كما كانت لهم جهودٌ كبرى في تعمير ارض اليمن واحيائها، وقد تركوا من ورائهم حضارات ومدنيّات لا يستهان بها .

وتوجد الآن كتابات تُقرأ بصورة علمية توضحُ إلى حدّ كبير تاريخ القحطانيين وكلُ ما يقال عن مدنيّة العرب وحضارتهم قبل الإسلام تعود في الحقيقة إلى هذه الطائفة وخاصة من سكَنَ منهم ارضَ اليمن .

3- العدنانيون: وهم أبناء اسماعيل بن ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ،


(37)

وسوف يأتي ذكر جذور هذه الطبقة في الابحاث القادمة. وخلاصة ذلك: أن إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ اُمرَان يسكن وَلده الرضيع اسماعيل مع زوجته «هاجر» ام اسماعيل في ارض مكة، فخرج بهما ابراهيم ـ عليه السلام ـ من «فلسطين» وهبط بهما في ذلك الوادي العميق الخالي عن الماء والعشب «مكة» ثم ان يد العناية الالهية امتدت إلى تلك العائلة المهاجرة، وجادت عليها بعين «زمزم» الّذي جلب الرواء والحياة إلى تلك المنطقة القاحلة الضامئة.

ثم تزوج إسماعيل من قبيلة «جُرهُمْ» الّتي خيّمت بالقرب من مكة، واصاب من هذا الزواج عدداً كبيراً من الابناء، والاحفاد، وأحفاد الاحفاد كان من جملتهم «عدنان» الّذي ينتهي نسبه إلى النبي اسماعيل عبر عدد من الآباء والجدود .

ثم تشعَّبت ذريةُ إسماعيل إلى بطون وأفخاذ، وعشائر وقبائل عديدة، كان من بينها قبيلة قريش الّتي حظيت بشهرة أكبر، ومنها عشيرة بني هاشم الّتي انحدر منها رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما ستعرف ذلك بالتفصيل، عما قريب .

أخلاقُ العرب وتقاليدُهم العامة:

والمراد منها هو الأَخلاق والآداب الاجتماعية الّتي كانت سائدة في ذلك المجتمع، وقد سادت بعض هذه الاخلاق والعادات والتقاليد في المجتمع العربي عامة.

ويمكن تلخيصُ ما كانَ العربُ يتمتعون به من أخلاق وصفات حسنة عامة في ما يلي :

لقد كان العرب زمن الجاهلية وبخاصة ولد «عدنان» أسخياء بالطبع، يكرمون الضيف، وقلّما يخونون في الامانة، لا يغتفرون نقض العهود، ولا يتهاونون مع من يتنكر للمواثيق، يضحون في سبيل المعتقد، ويتحلون بالصراحة الكاملة، وربما وجد فيهم من تمتع بذكاء لامع، وذاكرة خارقة يحفظ بها الأشعار والقصائد الطوال، والخطب المفصلة.


(38)

هذا إلى جانب براعتهم في فن الشعر والخطابة بحيث لم يسبقهم في ذلك غيرهم وإلى جانب انهم كانوا مضرب المثل في الشجاعة والجرأة، والمهارة في الفروسية والرمي.

يرون الفرار والادبار في الحرب عاراً لازماً، وصفة ذميمة يلام صاحبها بسببها اشد اللوم .

ولكن في مقابل ذلك كله كانوا يعانون من مفاسد أخلاقية تغطي على كل كمال عندهم، وتنسي كل فضيلة .

ولولا تلك الكوة المباركة الّتي فتحت عليهم من عالم الغيب، لطويت صفحة حياتهم الإنسانية على القطع واليقين .

يعني لو لم تبزغ شمس الإسلام في أواسط القرن السادس الميلادي، ولم تسطع اشعتها الباعثة على الحياة، على عقولهم وقلوبهم لما رأيت اليوم من العرب العدنانيين اي اثر، ولتكرّرت مقولة العرب البائدة مرة اُخرى !

لقد حَوَّل فقدان القيادة الرشيدة، وغياب الثقافة الصحيحة حياة العرَب، من جانب، وانتشار الفساد والفحشاء من جانب آخر إلى حياة حيوانية مُزرية حتّى أن صفحات التاريخ تروي لنا أخباراً وقصصاً مفصلة عن حروب دام بعضها خمسين عاماً، وبعضها الآخر مائة عام قد نشبت بين الاطراف العربية لأسباب طفيفة ودوافع تافهة جدا .

لقد أدى عدم سيادة النظام والقانون على الحياة العربية، وعدم وجود حكومة قوية مسيطرة على الاوضاع، توقف البغاة والمتمردين عند حدودهم، إلى أن يعيش العرب ـ آنذاك ـ في صورة القبائل الرُحّل، ويرحلوا في كل سنة إلى منطقة معينة من الصحراء التماساً للعشب والماء لانفسهم ولانعامهم، فاذا عثروا على ماء وعُشب أو شيء من آثار الحياة نزلوا عنده، وأنزلوا رحالهم بجواره، فاذا سمعوا عن وجود مكان افضل استأنفوا رحلتهم الصحراوية التماساً لحياة اكثر بركة، وعطاء، وأوفر خصباً وأمناً .

هذه الحيرة وهذا الضياع وعدم الاستقرار كان ناتجاً من أمرين:


(39)

الأوّل: سوء الاوضاع الجغرافية ورداءة الأحوال الطبيعية للجزيرة العربية، وخاصة من حيث الماء والمناخ والمراعي .

والآخر: الحروب والمصادمات الدمَوية الكثيرة، واضطراب الأحوال الاجتماعية، الّتي كانت تُلجىء جماعات كثيرة إلى التنقل الدائم والرحيل عن الأوطان ومغادرتها، وعدم الاستقرار في منطقة معينة .

هل كانَ للعرب حضَارةٌ قبل الإسلام؟

يستنتج مؤلف كتاب «حضارة العرب» من دراسته لأوضاع العرب الجاهلية أن العرب كانوا أصحاب حضارة عريقة سبقت الإسلام بقرون .

فالقصور الضخمة الّتي أقاموها في مختلف نقاط ومناطق الجزيرة العربية، والعلاقات التجارية الّتي كانت لهم مع ارقى شعوب الأَرض، شواهد قوية على تمدنهم وحضارتهم الغابرة، لأن قوماً أنشأوا المدن العظيمة ـ قبل الرومان بقرون كثيرة ـ وكانت علاقاتهم بارقى واكبر شعوب الأرض وثيقة، لا يمكن عدهم همجاً، وشعباً بلا حضارة.

ثم إنه يستدل ـ في موضع آخر من كتابه ـ على حضارة العرب الغابرة بادابهم ووحدة وكمال لغتهم إذ يقول:

«ولو كان التاريخ صامتاً إزاء حضارة لقطعنا ـ مع ذلك ـ بوجودها قبل ظهور «محمَّد» بزمن طويل، ويكفي لتمثّلها أن نذكر أنه كان للعرب آداب ناضجة ولغة راقية .

والحق أنَّ الآداب واللغة من الاُمور الّتي لا تأتي عفواً، وهي تتخذ دليلا على ماض طويل، وينشأ عن إتصال اُمة بأرقى الامم اقتباسُها لما عند هذه الاُمم الراقية من التمدن إذا كانت أهلا لذلك» .

وقد خَصَّصَ المؤلفُ المذكور صفحات عديدة في كتابه لإثبات حضارة عريقة وعظيمة للعرب قبل الإسلام معتمداً في ذلك على ثلاث اُمور:

1- وجود لغة راقية .


(40)

2- وجود علاقات مع الامم الراقية .

3- وجود قصور وأبنية ضخمة، وفخمة في اليمن كما يصفها المؤرخان المسيحيان المعروفان «هيردوتس» و «ارتميدور» اللذان كانا يعيشان قبل المسيح بقرون، وقدامى المؤرخين المسلمين كالمسعودي(1) .

لا كلام في أنه كانت هناك في بعض مناطق الجزيرة العربية بعضُ حضارات، ولكن الأدلة الّتي استند اليها المؤلفُ المذكورُ لا يمكن ان تكون شاهداً ودليلاً على وجود الحضارة في جميع نقاط الجزيرة العربية أبداً .

صحيح أن تكامل اللغة يسير جنباً إلى جنب مع غيره من مظاهر المدنيّة، ولكن لا يمكن ان نعتبر اللغة العربية لغة مستقلة وغير مرتبطة باللغات الاُخرى اي العبرانية والسريانية والآشورية والكلدانية، لأن جميع هذه اللغات ـ حسب ما يؤيده ويؤكده المتخصصون في علم اللغات ـ كانت ذات يوم ـ متحدة الأصل، وقد تشعبت من لغة واحدة، وفي هذه الحالة يحتمل أن تكون اللغة العربية قد حققت تكاملها عبر اللغة العبرانية أو الآشورية، وبعد تكاملها أصبحت لغة مستقلة، أي ان الآخرين أسهموا في تكميلها .

كما أنه لا شك أنّ وجود علاقات تجارية مع الاُمم والشعوب الراقية هو الآخر دليل على الحضارة والمدنية إلاّ أنه هل كانت جميع مناطق الجزيرة العربية تملك مثل هذه العلاقات، أم إن اكثرها كانت محرومة من ذلك؟

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فان وجود علاقات بين حكومتين في الحجاز وهما: «الحيرة وغسان» وبين حكومتي «الفرس» و «الروم» لا يدل أبداً على وجود حضارة في المنطقتين الحجازيتين إذ أن جميع هذه الحكومات كانت متصفة بالعمالة، فان الكثير من البلاد الافريقية هي اليوم من مستعمرات الدول الاوربية ومع ذلك لا توجد فيها اية مؤشرات ولا اية مظاهر من الحضارة الغربية الواقعية .


1 - حضارة العرب: 78 ـ 100 .


(41)

طبعاً لا يمكن إنكار حضارة «سبأ ومأرب اليمن» العجيبة لأنه مضافاً إلى ما جاء حول هذه الحضارة في التوراة، وما نُقِلَ عن «هيردوتس» وغيره، كتبَ المؤرخ المعروفُ «المسعودي» عن مأرب يقول: إن ارض سبأ كانت من أخصب أراضي اليمن وأَثراها وأغدقها، واكثرها جناناً وغيطاناً وأفسحها مُروجاً، بين بُنيان وجسد مقيم وشجر موصوف ومساكب للماء متكاثفة، وأنهار متفرقة، وكانت مسيرة اكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحال، وفي العرض مثل ذلك، وانّ الراكب أو المارّ كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا يرى جهة الشمس، ولا يفارقه الظِلُ لاستتار الارض بالعمارة والشجر واستيلائها عليها واحاطتها بها، فكان أهلها في اطيب عيش وارفهه، وأهنا حال وارغده، وفي نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء، وتدفُّق المياه وقوة الشوكة، واجتماع الكلمة، ونهاية المملكة... فذلّت لهم البلاد، واذعن لطاعتهم العباد فصاروا تاج الارض(1).

وخلاصة القول أن هذه الدلائل لا تدل على وجود حضارة في كل مناطق الجزيرة العربية وخاصة منطقة الحجاز الّتي لم تذق طعم الحضارة أبداً، حتّى أن «غوستاف لوبون» نفسه يعترف بهذه الحقيقة إذ يقول: «ان جزيرة العرب نجَتْ من غزو الأجنبي خلا ما أصاب حدودها الشمالية، وإن عظماء الفاتحين من مصريين وأغارقة ورومان وفرس وغيرهم ممن انتهبوا العالم لم يَنالوا شيئاً من جزيرة العرب الّتي أوصدت دونهم أبوابها»(2) .

وعلى فرض صحة كل ما قيلَ عن وجود حضارة شاملة في جميع مناطق الجزيرة العربية فانه يجب القول بان القدر المسلَّم في هذا المجال هو انه لم يبق أي اثر من هذه الحضارات في منطقة الحجاز، إبان طلوع الإسلام، وبزوغ شمسه، وهي حقيقة يصرح بها القرآن الكريمُ إذ يقول تعالى: (وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفرَة مِنَ النّار فأنقَذكُمْ مِنْها)(3) .


1 - مروج الذهب: ج 2، ص 161 و 162.
2 - حضارة العرب: ص 93 .
3 - آل عمران: 103 .


(42)

وينْبغي هنا أن نقف عند القرآن الكريم قليلا ـ كما وعَدْنا بذلك ـ فانه خير مرآة تعكس أحوال العرب وأوضاعهم بدقة متناهية وبشمولية ماوراءها شمولية .

ملامح المجتمع الجاهلي العربي في منظور القرآن:

إن القرآن يكشف إجمالا عن أنَّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بُعِثَ إلى قوم لم يبعث اليها احد قبله إذ يقول: (وَلَكِنْ رَحمةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبْلكَ لَعلَّهُمْ يَتَذكَّرُونَ)(1).

ويقول في آية اُخرى: (أمْ يَقُولونَ افتراه بَلْ هُوَ الحقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذرَ قوماً ما أتاهُمْ مِنْ نَذير مِنْ قَبلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدونَ)(2) .

ومن المعلوم أن المقصود في هاتين الايتين ونظائرهما هم قريش والقبائل القريبة اليها.

على أن أشمل وصف قرآنىّ لأوضاع المجتمع العربي الجاهلي وأحواله هو قول اللّه تعالى: (وَاْعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعداء فَالَّفَ بَيْنَ قُلُوبكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَته إخواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفَرَة مِنَ النّار فَأَنقذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(3) .

فإنَّ هذه الآية تصوّرُ حياة العرب تصويراً مرعباً، إذ تُصوِّرُهُمْ اولا وكأنهم قد سقطوا في قعر بئر الجاهلية، والضلال والشقاء فلا ينقذهم شيء من قعر التردي والسقوط الاّ التمسُّك بحبل اللّه، حبل الإيمان والقرآن .

وتصوِّرُهُمْ ثانياً وكأَنهم على شفير جهنم يوشكون أن يسقطوا فيه ويهووا في نيرانه، وليست تلك النار إلاّ نيران العداوات والحروب الّتي لو لم يقض عليها الإسلامُ بتعاليمه لاُحرقت حياة العرب جميعاً .

هذه هي صورةٌ سريعةٌ عما كان عليه العرب في الجاهلية من جهل وسقوط .

وامّا تفصيل ذلك فيمكن الوقوف عليه بمراجعة الآيات الاُخرى التي


1 - القصص: 46 .
2 - السجده: 3 .
3 - آل عمران: 103 .


(43)

تعرضت لذكر عادات العرب وأخلاقهم، وأفعالهم وتقاليدهم، بصورة مفصلة، وها نحن نشير هنا إلى تلكم العادات والاخلاق الفاسدة على ضوء تلك الآيات على نحو الاختصار تاركين التوسع في ذلك إلى مجال آخر .

لقد اتصف المجتمعُ العربىُ الجاهلي قبل الإسلام وشاعت فيه أخلاق وعادات من أبرزها مايلي:

1- الشِرْكُ في العِبادة:

صحيح أن العرب في الجاهلية كانت ـ كما يكشف القرآن ذلك لنا ـ موحِّدة في جملة من الامور والمجالات كالخالقية والتدبير والذات(1) إلاّ أنهم كانوا ـ في الأكثر ـ مشركين في العبادة، بل قد ذَهبُوا في هذا السبيل الباطل إلى أحطَّ المستويات في إتخاذ المعبودات والوثنية .

وإلى ذلك يشير قوله تعالى: (وَجَعلُوا للّه شُركاء الجِنَّ وَ خَلَقهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِيْنَ وَ بَنات بِغَيْرِ عِلْم سُبْحانَه و تَعالى عَما يَصِفُونَ)(2) .

وقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ والعزّى وَ مَناةَ الثالِثَةَ الاُخْرى)(3) .

وغير ذلك من الآيات الّتي تشير إلى ما كانَ يعبُدُه الجاهِليُّون مِن أوثان وأصنام ومبلغ ما وصلوا إليه من انحطاط، واسفاف وانحراف في هذا المجال .

2- إنكارُ المعاد:

كان المشركون والجاهليون يرفُضُون الاعتراف بالمعاد الّذي يعني عودة الإنسان إلى الحياة في عالم آخر للحساب والجزاء، ويصفون من يخبر عن ذلك


1 - نعم يُستَفاد من آية واحدة أنّه كان هناك اتجاهٌ نادرٌ بين العرب في الجاهلية ينسب الظواهر الطبيعية إلى الطبيعة والدهر يقول اللّه تعالى: «وَ قالوا ما هي إلاّ حَياتُنا الدُّنْيا نَموتُ وَنَحيا وَ ما يُهلِكُنا إلاّ الدَهْرُ وَ ما لَهُمْ بِذلِكَ مَنْ عِلْم إنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ» (الجاثية: 24) .
2 - الأنعام: 100 .
3 - النجم: 19 و 20 .


(44)

اليوم بالجنون أو الكذب على اللّه!!

يقول تعالى: (وَ قالَ الَّذينَ كَفَروا هَلْ نُدُلُّكُمْ عَلى رَجل يُنبِّئكُمْ إذا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمزَّق إنَكُمْ لفي خَلق جَديد، وأفْترى عَلى اللّه كَذِباً أمْ به جِنَّةٌ بَلِ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَة في الْعذابِ وَالضَّلالِ البِعيْد)(1).

3- هَيْمَنةُ الخرافات:

لقد كانت حياة العرب الجاهلية مليئةً بالخرافات الّتي كان منها تحريمهم الأكل من أنعام اربعة ذكرها القرآن مندداً بهذه البدعة إذ قال: (ما جَعَل اللّهُ مِنْ بَحيرة ولا سائبة وَ لا وَصيْلَة وَ لا حام ولكنَّ الَّذينَ كَفَرُوا يَفْترونَ عَلى اللّهِ الكِذبَ وأكثَرُهُمْ لا يَعقِلُونَ)(2) .

أمّا (البحيرة) بوزن فعِلية بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق، فهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن آخرها اُنثى ـ وقيل ذكر ـ بحروا اُذنها وشقوها ليكون ذلك علامة وتركوها ترعى، ولا يستعملها أحد في شيء .

وأمّا (السائبة) على وزن فاعلة بمعناها أو بمعنى مفعولة فهي الناقة إذا نتجت اثني عشر بطناً ـ وقيل عشرة ـ فهي تُهمَل ولا تُركب. ولا تمنع عن ماء، ولا يشرب لبنها الاضيف .

وأمّا (الوصيلة) بوزن فعيلة بمعنى فاعلة أوبمعنى مفعولة فهي الشاة تنتج سبعة أبطن أوتنتج عناقين عناقين .

وأمّا (الحامي) بوزن فاعل من الحمى بمعنى المنع فهو الفَحل من الإبل الّذي يستخدم للقاح الاُناث، فاذا وُلدَ من ظهره عشرة ابطن قالوا: حُمِي ظهره فلا يحمل عليه، ولا يُمنع من ماء ومرعى(3) .

والظاهر ان هذا المذهب تجاه هذه الانواع من الانعام كان بدافع الاحترام


1 - سبأ: 7 و 8 .
2 - المائدة: 103 .
3 - راجع مجمع البيان: ج 3، ص 252 و 253 في تفسير الآية .


(45)

والشكر لما وهب أصحابها من النعم والبركات، غير ان هذا العمل ـ كان في حقيقته ـ نوعاً من الإيذاء والإضرار بهذه الحيوانات، لأنهم كانوا يُهملونها ويحرمونها من العناية اللازمة فكانت تشقى بقية حياتها، وتقاسي من الحرمان، مضافاً إلى ما كان يصيبُها من التلف والضياع، وما يلحق ثروتهم والنعم الّتي وهبها اللّه لهم من هذا الطريق من الضرر والخسارة .

والأسوأ من كل ذلك أنهم ـ كما يُستفاد من ذيل الآية ـ كانوا ينسبون هذه المبتدعات المنكرات وهذا المنع والحظر إلى اللّه سبحانه وتعالى، إذ يقول سبحانه: (وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللّه الكذبَ) وقد أعلمَ اللّه في مطلع الآية أنه لم يحرّم مِن هذه الاشياء شيئاً، وأنهم ليكذبون على اللّه بادّعائهم أن هذه الأشياء من فعل اللّه أو أمره .

وقد أشار القرآن إلى هذه الخرافات الّتي كانت تُكبّل عقول الناس في ذلك المجتمع إذ يقول: (و يَضَعُ عَنْهُمْ إصرَهُم والأغلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(1) .

4- الفساد الاخلاقي:

كان المجتمع الجاهلي العربي يعاني من فساد ذريع في الاخلاق وقد أشار القرآن الكريم إلى اثنين من أبرز وسائل الفساد ومظاهره هما: القمار (الّذي كانوا يسمّونه بالميسر وانما اشتق من اليسر لأنه اخذ مال الرجل بيُسر وسهولة من غير كدٍّ ولا تعب) والخمر .

وقد بلغ شغفهم بالخمر أنهم أعرضوا عن قبول الإسلام واعتناقه لأنه يحرّم تناول الخمر وشربه، كما نقرأ ذلك في قصة الاعشى عما قريب .

يقول القرآنُ في هذا الصعيد: (يَسأَلونَكَ عَن الخَمْر والمَيْسر قُلْ فيها إثمٌ كبيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنّاس وَ إثمُهما اكبرُ مِنَ نفْعِهما)(2) .

وقد استطاع القرآن الكريم عبر مراحل أربع أن يستأصل هذه العادة البغيضة


1 - الأعراف: 157 و راجع المحبر: ص 330 ـ 332 .
2 - البقرة: 219 .


(46)

الّتي كانت قد تجذرت بشكل عجيب في نفوس اولئك القوم، حتّى اصبحت السمة البارزة لحياتهم واصبح التغنّي بالخمرة، ووصفها الطابع الغالب لآدابهم، واللون البارز الّذي يصبغ قصائدهم واشعارهم .

على أن الفساد الأخلاقي في المجتمع الجاهلي العربّي قبل الإسلام لم يكن ليقتصر على معاقرة الخمر، ومزاولة الميسر بل تعدى إلى ألوان اُخرى ذكرها القرآن الكريم في ثلاثة عشر موضعاً، حيث عدّ منها الزنا، واللوط، والقذف، وإكراه الفتيات على البغاء وماشا كل ذلك(1) .

5- وَأدُ البنات وإقبارُهن:

ويشير القرآن الكريم أيضاً إلى عادة جاهلية سيئة اُخرى كانت رائجة بين قبائل العرب الجاهلية قاطبة وهي دفن البنت حيةً .

فقد شجب القرآن الكريم هذه العادة البغيضة وهذا العمل اللانساني ونهى عنه بشدة في اربعة مواضع، إذ قال تعالى: (وَ إذا المَوؤدةُ سُئلتْ. بأىّ ذَنب قُتِلَتْ)(2). وقال تعالى: (وَ لا تَقْتُلُوا أولادَكُمْ خَشيَةَ إمْلاق نَحْنُ نَرزقُهُمْ وَ إياكُمْ إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئاً كبيراً) (3) .

وقد اتى جدُ «الفرزدق» «صعصعة بن ناجية بن عقال» رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعدّ من اعماله الصالحة في الجاهلية أنه فدى مائتين وثمانين موؤدة في الجاهلية، وأَنقَذهُنَّ من الموت المحتَّمْ باشترائهنَّ من آبائهن بأمواله .

وقد افتخر «الفرزدق» بإحياء جدِّه للموؤدات في كثير من شعره إذ قال:

ومنّا الّذي منَع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يُوأد(4)


1 - راجع للوقوف على ذلك سورة النساء: 15 و 16. وسورة النور: 2 و 3 وغيرها. وراجع المحبر: ص 340 .
2 - التكوير: 8 و 9 .
3 - الإسراء: 31 .
4 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 45 و 46 .


(47)

6- تصوراتهم الخرافية حول الملائكة:

وممّا اشار إليه القرآن الكريم تصورات العرب الجاهلية حول الملائكة، فقد كانوا يعتقدون أن الملائكة من الإناث وأنهن بنات اللّه، إذ يقول تعالى:

(فَاستَفْتِهِمْ ألرَبِّكَ البَناتُ وَلَّهُمْ البَنُونُ. امْ خَلَقْنا الْمَلائكَةَ إناثاً وَهُمْ شاهِدونَ * ألا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللّهُ وَ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أصطفى البَناتِ عَلى البَنينَ. ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1) .

7- كيفية الانتفاع من الانعام:

إذا كانت العربُ الجاهلية تمتنع من تناول لحوم الأنعام الاربعة المذكورة آنفاً وتجتنب عن استعمال ألبانها وشعورها وأصوافها إلا أنها كانت في المقابل تتناول الدم، والميتة والخنزير، وتأكل من الحيوانات والأنعام الّتي تقتلها بصورة قاسية، وبالتعذيب والأذى، وربما كانت تعتبر ذلك نوعاً من العبادة، ويُعرف ذلك من الآية التالية الّتي نزلت تنهى بشدة عن أكل هذه اللحوم، وتحرّم تناولها، إذ يقول سبحانه: (حُرِّمتْ عَليْكُمُ الميْتَة والدَّمُ وَلَحمُ الْخِنْزيرِ وَ ما اُهِلَّ لِغَيْرِ اللّه بِه وَ المُنخَنقةُ والموقوذةُ والمتردِّيةُ والنَطيحةُ وَ ما اكَلَ السَبُعُ إلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُصُب وأن تَسْتَقْسِمُوا بِالأزلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ)(2) .

فقد حرم اللّه في هذه الآية اكل:

1- الميتة .

2- الدم.

3- لحم الخنزير .

4- ما ذكر اسم غير اللّه عليه .

5ـ الّتي تموت خنقاً، وهي المنخنقة .


1 - الصافّات: 149 ـ 154 .
2 - المائدة: 3 .


(48)

6- الّتي تضرب حتّى تموت، وهي الموقوذة .

7ـ الّتي تقع من مكان عال فتموت وهي المتردية .

8ـ الّتي تموت نطحاً من حيوان آخر وهي النطيحة .

9ـ ما افترسه سبع إلا إذا ذُكي قبل موته .

10- وما ذُبِح أمام الاصنام .

8- الاستقسام بالازلام:

فقد كان تقسيم لحم الذبيحة يتم عن طريق الأزلام، والأزلام جمع (زلم) بوزن (شَرَف) وهي عيدان وسهام تستخدم في ما يشبه القرعة لتقسيم لحم الذبيحة .

فقد كان يشتري عشرة أنفار بعيراً ثم يذبحونه، ثم يكتبون على سبعة منها اسهماً مختلفة من الواحد إلى السبعة ولا يكتبون على ثلاثة منها شيئاً، ثم يجعلونها في كيس ثم يستخرجونها واحدة بعد اُخرى، كلُ واحدة باسم أحدهم فيأخذ كل واحد منهم من الذبيحة ما خرج له من السهم، وهكذا يقتسمون الذبيحة بينهم(1)، فنهاهم اللّه عن ذلك بقوله: (وأن تَستَقْسِمُوا بِالأزلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ) لأنَّه ضربٌ من القمار الّذي ينطوي على مفاسد الميسر والقمار .

9- النسيء:

كان العرب الجاهليون يعتقدون حرمة الاشهر الحرم (وهي اربعة المحرم ورجب وذوالقعدة وذوالحجة) فكانوا يتحرجون فيها من القتال، وجرت عادة العرب على هذا من زمن إبراهيم واسماعيل ـ عليهما السلام ـ .

الاّ أنَ سَدَنة الكعبة أو رؤساء العرب كانوا يعمَدُون أحياناً، ولقاء مبالغَ يأخذُونها، أو جرياً مع أهوائهم، إلى تأخير الاشهر الحُرمَ، وهو الأمر الّذي عبّر


1 - راجع للوقوف على تفصيل هذه الطريقة بلوغ الارب: ج 3، ص 62 و 63، والمحبر: ص 332 و 335 .


(49)

عنه القرآن الكريم بالنسيء ثمّ نهى عنه وعدّه كفراً إذ قال: (إنّما النّسيء زيادةٌ في الكُفْر يُضَلُّ به الَّذينَ كَفرُوا يُحِلونَهُ عامَاً وَ يحرِّمُونهُ عاماً ليُواطئوا عدَّة ما حَرَّمَ اللّه فيحلّوا ما حَرَّمَ اللّه زيِّنَ لهُم سوء أعْمالِهمْ واللّه لا يهدي الْقومَ الْكافِرينَ)(1) .

وقد ذكرت كُتُب التاريخ والسير كيفية النسيء وتأخير الأشهر الحرم، الّذي كان يتم بصورة مختلفة منها: أن جماعة ما لو كانت ترغب في استمرار الغارة والقتال ولم تطق تاخير النضال مدة الاشهر الحرم كانت تطلب من سدنة الكعبة، لقاء ما تقدمه لهم من هدايا واموال، تجويز الغارة والقتال في شهر محرم، وتحرم القتال في شهر صفر بدله ليتم عدد الأشهر الحرم (وهي اربعة). وهذا هو معنى قوله تعالى: (ليُواطِئوا عدةَ ما حَرَّمَ اللّهُ) وكانوا إذا أحلُّوا الْقتالَ والغارة في المحرم من سنة حَرَّمُوه في المحرم مِنَ السَنة التالية، وهذا هو معنى قوله تعالى: (يُحلُّونَهُ عاماً، ويُحرِّمُونِه عاماً) .

10- الربا:

وممّا يشير إليه القرآنُ الكريم من المفاسد الشائعة، والأعمال المنكرة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام: «الربا» الّذي كان يشكل العمود الفقري في اقتصاد ذلك المجتمع .

وقد حاربَ القرآنُ الكريمُ هذه العادة المقيتة، وهذا الفسادَ الاقتصادي حرباً شعواء، إذ قال تعالى: (يا أيّها الَّذينَ آمَنُوا اتّقوا اللّهَ وَذَرُوا ما بقيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ. فَإنْ لَم تَفْعَلُوا فَأذَنُوا بِحَرب مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِه و إنْ تُبْتُمْ فَلكُمْ رُؤُوسُ اموالِكُمْ لا تَظْلِمونَ وَ لا تظْلَمُونَ)(2) .

والعجيب أنهم كانُوا يُبّررونَ هذا العمل اللإنساني بقولهم (إنّما البيعُ مِثلُ الرِّبا)(3) فاذا كان البيعُ حلالا وهو اخذ وعطاء فليكن الرّبا كذلك حلالا، فإنه أخذٌ وعطاء أيضاً، مع أن «الرّبا» من ابشع صور الاستغلال، وقد ردَّ


1 - التوبة: 37 .
2 - البقرة: 278 و 279 .
3 - البقرة: 275 .


(50)

سبحانه على هذه المقالة بقوله تعالى: «وأَحلَّ اللّه البَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا»(1) ففي البيع والشراء يتساوى الطرفان في تحمل الضرر المحتمل، بينما لا يتضرر المرابي في النظام الربوي أبداً وإنّما يلحق الضرر بمعطي الربا دائماً، ولهذا تنمو المؤسسات الربوية، ويعظم رصيدُها، وثروتها يوماً بعد يوم فيما يزداد الطرفُ الآخر بؤساً وفقراً، ولا يحصل من جهوده المضنية إلا على ما يسدُّ جوعته، ويقيم اوده، لا اكثر، كلُ ذلك نتيجة لهذا الاسلوب الاقتصادي غير العادل .

صورٌ من الوضع الجاهلي

ما قدمناه كان أبرز المفاسد الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الّتي اشار اليها القرآن الكريمُ، وأما التاريخ فمليء بالصور والقصص الّتي تحكي عن تردي حالة العرب الجاهلية وسقوطها الفضيع في قعر الفساد في جميع المناحي والجهات .

واليك في ما يلي نماذج وصور معدودة تكفي للوقوف على الحالة العامة في ذلك المجتمع نقتبسها لك من أصحّ المصادر واوثقها:

وها نحن نقدم قصة «أسعد بن زرارة» الّتي تسلط الضوء على ما كان عليه الوضع الجاهلي في اكثر مناطق الحجاز، فقد قدم «أسعد بن زرارة» و «ذكوان بن عبد قيس» ـ وهما من الأوس وكان بين الاوس والخزرج حرب قد بقوا فيها دهراً طويلا، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم «يوم بُعاث» وقد انتصر فيها الأوسُ على الخزرج ـ مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الاوس، وكان اسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال: انه كان بيننا وبين قومنا حربٌ وقد جئناك نطلب الحلف عليهم، فقال له عتبة: إن لَنا شغلا لا نتفرّغ لشيء. قال سعد: وما شغلكم وأنتمْ في حرمكم وأمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجلٌ يدعي أنّه رسول اللّه سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا وأفسدَ


1 - البقرة: 275 .


(51)

شُبّاننا، وفرّق جماعَتَنا، فقال له أسعد: مَنّ هو منكم؟ قال: ابن عبداللّه بن عبدالمطلب من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً .

وكان أسعد وذكوان، وجميع الاوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير وقريظة وقينقاع، أن هذا أوان نبىّ يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنكم به يا معشر العرب، فلما سمعَ ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعَ من اليهود، قال: فأينَ هو؟ قال: جالس في الحجر، وإنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فانه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصَرة بني هاشم في شعب أبي طالب، فقال له «أسعد»: فكيف أصنعُ وأنا معتمر لابدَّ لي أن أطوف بالبيت؟ قال: ضعْ في اُذنيكَ القطنَ، فدخل «أسعدُ» المسجد وقد حشا اُذُنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول اللّه جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهلَ مني؟ أيكونُ مثل هذا الحديث بمكة فلا اتعرّفه حتّى ارجع إلى قومي فاخبرهم، ثم أخذ القطن من اذنيه ورمى به وقال لرسول اللّه: أنعَمْ صباحاً، فرفع رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رأسه إليه وقال: قد أبدَلَنا اللّه به ما هو احسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم، قال له أسعد:(إنَ عهدَك بهذا لقريب، إلى ما تدعُويا محمَّد؟ قال: إلى شهادة ألاّ إله إلاّ اللّه، واني رسولُ اللّه، و أدْعُوكُمْ إلى: «ألاّ تشركوا بِه شَيئاً وَ بِالوالِدَينِ إحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ مِنْ إمْلاق نَحْنُ نَرزُقُكُمْ وإيّاهُمْ وَ لا تَقْرَبوا الفواحِشَ ما ظَهرَ منها وما بطَنَ وَ لا تَقْتُلوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذلِكمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعلكُمْ تَعْقِلُونَ،وَ لا تَقرَبُوا مالَ اليتيم إلاّ بِالَّتي هي أَحسنُ حَتى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وَ أوْفُوا الكيلَ وَ الْميزان بِالقِسْطِ لانُكَلِّفُ نَفْساً إلاّ وُسْعَها وإذا قلتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذاقربى وَ بِعَهْدِ اللّه أوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَذكَّرُونَ»(1) .


1 - الأنعام: 151 و 152 .


(52)

فلما سمع «أسعد» هذا قال له: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنك رسولُ اللّه، يا رسول اللّه بأبي أنت واُمي...(1) .

إن الامعان في مفاد هاتين الآيتين يغنينا عن دراسة شاملة وواسعة لاوضاع العرب الجاهلية لأن هاتين الآيتين تكشفان عن الأمراض الاخلاقية الّتي كانت تكتنف حياة العرب الجاهلية. ولهذا تلا رسول اللّه الآيات الّتي تشير إلى هذه الادواء والامراض ليلفت نظر «أسعد» إلى أهداف رسالته الكبرى .

العقيدة والدين في الجزيرة العربية:

عند ما رفع «إبراهيم الخليل» لواء التوحيد في البيئة الحجازية، واعاد بناء الكعبة المعظمة ورفع قواعدها بمعونة ابنه «اسماعيل»، تبعه في ذلك طائفة من الناس ممن أنار اللّه به قلوبهم، الاّ انه من غير المعلوم إلى اىّ مدى استطاع ذلك النبي العظيم أن يعمّم دين التوحيد ويبسط لواءه على الجميع، ويؤلف صفوفاً متراصة، وجبهة عريضة قوية من الموحدين، غير ان من المعلوم انه اصبحت تلك المنطقة مسرحاً للوثنية ولعبادة الاشياء المختلفة مع الايام فقد كانت الطبقة المثقفة من العرب تعبد الكواكب والقمر، فهذا هو المؤرخ العربي الشهير الكلبي الّذي توفى عام 206 هجرية يكتب في هذا الصدد قائلا كان «بنومليح» من خزاعة يعبدون الجن وكانت «حمير» تعبد الشمس، و «كنانة» تعبد القمر، و «تميم» الدبران، و «لخم» و «جذام» المشتري، و«طي» سُهيلا، و «قيس» الشِعرى، و «أسد» عطارداً .

أما الدهماء والذين كانوا يشكلون اغلبية سكان الجزيرة فقد كانوا يعبدون ـ مضافاً إلى الصنم الخاص بالقبيلة أو العائلة ـ ثلا ثمائة وستين صنماً، وكانوا ينسبون أحداث كل يوم من أيام السنة إلى واحد منها .

وقد دخَلَتْ عبادةُ الأصنام والأوثان في مكة بعد «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ


1 - بحارالأنوار: ج 19، ص 8 و 9، اعلام الورى: ص 35 ـ 40 .


(53)

على يد «عمر بن لحي»، ولكنها لم تكن في بداية أمرها بتلك الصورة الّتي وصلت إليها في ما بعد فقد كانوا يعتبرونها في بداية الامر شفعاء إلى اللّه ووسطاء بينه وبينهم، ولكنهم تجاوزوا هذا الحد في ما بعد حتّى صاروا يعتقدون شيئاً فشيئاً بانها اصحاب قدرة ذاتية مستقلة، وأنها بالتالي آلهة وأرباب .

وكانت الاصنام المنصوبة حول الكعبة تحظى باحترام جميع الطوائف العربية، ولكن الاصنام الخاصة بالقبائل فقد كانت موضع احترام جماعة خاصة فقط، ولأجل أن تبقى حرمة هذه الأصنام والأوثان الخاصة محفوظة لا يمسها أحد بسوء كانوا ينشؤون لها أماكن وبيوت خاصة، وكانت سدانة هذه البيوت والمعابد تنتقل من جيل إلى آخر بالوراثة .

أما الآصنام العائلية فقد كانت العوائل تقتنيها للعبادة كل يوم وليلة، فاذا أراد احدهم السفر كان اخر ما يصنعه في منزله هو ان يتمسح به أيضاً .

وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها، واتخذهُ رَبّاً وجعَلَ ثلاثة أثافىّ لقدْره، وإذا ارتحل تركه .

وكان من شَغَفَ أهلِ مكة وَحُبّهم للكعبة والحرم أنه كان لا يسافر منهم أحدٌ إلا حَمَل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم، وحباً له فحيثما حلّوا نصبوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة صبابة بها، ويمكن أن تكون هذه هي «الأنصاب» الّتي فُسرت بالاحجار العادية غير المنحوتة وتقابلها الأوثان، وهي الاحجار المنحوتة على هيئة خاصة، وأما «الأصنام» فهي المعمولة من خَشَب أو ذهب أوفضة على صورة انسان .

لقد بلغ خضوعُ العرب أمام الاصنام والأوثان حداً عجيباً جداً، فقد كانوا يعتقدون بأنهم يستطيعون كسبَ رضاها بتقديم القرابين اليها، وكانوا بعد نحر الهدايا يلطخون وجوه الاصنام ورؤوسها بدماء تلك الهدايا، وكانوا يستشيرونها في مهام امورهم، وجلائل شؤونهم، فاذا ارادوا الوقوف على مستقبل الأمر الّذي تصدّوْا له ومعرفة عاقبته أخيرٌ هو أم شرٌ استقسمَ لهم أمين القداح بقدحي


(54)

(الأمر والنهي) وهيَ قطع كُتِبَ على بَعضها (إفْعَلْ) وعلى بعضها الآخر (لا تَفْعَلْ) فيمدُّ أمين القداح يده ويجيل القداح ويخرج واحداً فانْ طَلَع الآمر فعل أو الناهي ترك .

وخلاصة القول، ان الوثنيّة كانت العقيدة الرائجة في الجزيرة العربية، وقد تفشَّتْ فيهم في مظاهرَ متنوعة ومتعددة، وكانت الكعبة المعظمة ـ في الحقيقة ـ محطَّ أصنام العرب الجاهلية وآلهتهم المنحوتة، فقد كان لكل قبيلة في هذا البيت صنم، وبلغ عدد الاصنام الموضوعة في ذلك المكان المقدس (360) صنماً في مختلف الاشكال والهيئات والصور، بل كان النصارى أيضاً قد نقشوا على جدران البيت وأعمدته صوراً لمريم والمسيح والملائكة، وقصّة ابراهيم .

وكان من جملة تلك الأصنام: «اللات» و «العُزّى» و «مناة» الّتي كانت تعتبرها قريش بنات اللّه ويختص عبادتها بقريش .

وكانت «اللات» تعتبر اُمُّ الالهة، وكان موضعها بالقرب من «الطائف» وكانت من الحجر الابيض، و أما «مناة» فكانت في عقيدتهم إلاهة المصير وربَّة الموت والاجل وكان موضعها بين «مكة» و «المدينة».

ولقد اصطحب «ابوسفيان» معه يوم «اُحد»: «اللات» و «العزّى».

ويروى انه مرض ذات يوم «أبو أُحيحة» وهو رجل من بني اُمية، مرضه الّذي مات فيه، فدخل عليه ابولهب يعوده، فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا با احيحة؟ أمن الموت تبكي ولابد منه؟ قال: لاولكنى اخاف ان لا تُعبَد العزى بعدي! قال ابولهب: واللّه ما عُبدَت حياتك (اي لا جلك) ولا تُترك عبادتُها بعدك لموتك!! فقال أبو اُحيحة: الآن علمتُ ان لي خليفة(1) .

ولم تكن هذه هي كل الأَصنام الّتي كانت تعظِّمها وتعبُدُها العربُ بل كانت لقريش اصنامٌ في جوف الكعبة وحولها وكان اعظمها «هُبَل»، كما انه لم يكن لكل قبيلة صنم خاص فحسب بل كانت كل عائلة تعبد صنماً خاصاً بها


1 - الأصنام للكلبي: ص 23 .


(55)

مضافاً إلى صنم القبيلة وكانت المعبودات تتراوح بين الكواكب، والشمس، والقمر، والحجر، والخشب، والتراب، والتمر، والتماثيل المنحوتة المختلفة في الشكل، والهيكل، والاسم، المنصوبة في الكعبة أو في سائر المعابد .

لقد كانت الاصنام جميعها أو أغلبها معظَّمة عند العرب، يتقربون عندها بالذبائح ويقرّبون لها القرابين، وجرت عادة بعض القبائل انذاك أن تختار من بين أفرادها كل سنة شخصاً في مراسيم خاصة ثم تذبحه عند أقدام اصنامها، وتقبر جسده على مقربة من المذبح .

هذا العرض المختصر يكشف لنا كيف أن ارض الجزيرة العربية برمتها كانت قد اصبحت مسرحاً للاصنام ومستودعاً ضخماً للاوثان، وكيف تحولت هذه البقعة من العالم ببيوتها وازقتها وصحاريها وحتّى بيت اللّه المحرم كانت قد تحولت إلى مخزن للنُصُب المؤلَّهة، والتماثيل المعبودة، ويتجلى هذا الأمر من قول شاعرهم الّذي اسلم وراح يستنكر ما كان عليه من عبادة الاصنام المتعددة الخارجة عن الاحصاء والعدّ، إذ قال:

أَرَبّا واحِداً أمْ ألف رَب * أدينُ إذا تقسَّمَتِ الاُمورُ

عَزلتُ اللاتَ والعزى جميعاً * كذلك يَفعَلُ الجَلِدُ الصَبُور

فلا عُزّى أدين ولا ابنتيها * ولا صَنَميْ بني عمرو أزُورُ

ولا غنماً أزورُ وكان ربّاً * لنا في الدهر إذ حلمي يسيرُ

ولكن أعبدُ الرحمان رَبِّي * لِيَغْفِرَ ذَنبِىّ الربُّ الغفُورُ(1)

وقد حدثت بسبب الاختلاف والتعددية في عبادة الاصنام والاوثان المؤلَّهة السخيفة الباطلة، تناقضاتٌ، وصراعاتٌ، وحروب ومناحرات، قد جرّت بالتالي ويلات ومآس وخسائر مادية ومعنوية كبرى على تلك الجماعة المتوحشة، الضالة .

* * *


1 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 2، ص 249 و جاء البصير .


(56)

عقيدة العرب حول حالة الإنسان بعد الموت:

وعن مصير الإنسان وحالته ما بعد الموت هذه المشكلة الفلسفية العويصة كانت رؤية العرب ونظرتهم تتلخص في ما يلي:

عند ما يموت الإنسان تخرج روحه من جسده على هيئة طائر شبيه بالبوم يسمى عندهم بـ «الهامّة والصدى» ثم يبقى هذا الطائر قريباً من جسد الميت ينوح نوحاً مقرحاً وموحشاً، وعند ما يوارى الميت يبقى هذا الطائر مقيماً عند قبره إلى الابد!

وربما وقفَ على جدار منزل الميت أحياناً لِتَسقُّطِ أخبار عائلته والاطلاع على أحوالهم!!

قال شاعرهم في ذلك:

سُلِّطَ المُوتُ والمنونُ عليهم * فَلَهم في صدى المقابر هامُ

وإذا كان المرء قدمات بموتَة غير طبيعية كما لو قُتِلَ ـ مثلا ـ فإنَ ذلك الحيوان ينادي باستمرار: «اسقوني... اسقوني» اي اسقوني بسفك دم القاتل واراقته; ولا يسكن عن هذا النواح والنداء الخاص الابعد الانتقام والثأر من قاتله.

قال احدهم في ذلك:

فياربّ إنْ أهلَكْ ولم تُروَهامتي * بِلَيلي اَمُتْ لا قَبرَ أَعطَشَ مِن قَبري(1)

من هنا بالضبط تتجلى الحقيقة للقارىء ويعلم جيداً كيف أن تاريخ العرب ما قبل الإسلام وتاريخهم ما بعد الإسلام ما هو الاّ تاريخان على طرفي نقيض:

فذلك تاريخ جاهلية، ووثنية وإجرام، وهذا تاريخ علم ووَحدانية وانسانية وايمان، وشتان ما بين وأد البنات، وبين رعاية الايتام، وبين السلب والنهب والاغارة وبين المواساة والايثار، وبين عبادة الاوثان والاصنام الصماء العمياء


1 - بلوغ الارب: ج 2، ص 311 و 312 .


(57)

والتقرب إلى اللّه الواحد القادر .

الآداب مرآة آداب الشعوب ونفسياتها:

المخلَّفاتُ الفكرية والثقافية، وما يتركه أيُ شعب من الشعوب من قصص وحكايات افضل وسيلة للتعرف على خلفياته النفسية والأخلاقية، ذلك لأنّ الآداب بما فيها الشعرُ والقصةُ، والخطبةُ والحكايةُ، والمثلُ والكنايةُ مرآةٌ صادقةٌ تعكس المستوى الفكري لأيّة جماعة، وتعتبرُ خير مقياس لتمدّنها، وحضاراتها، وأفكارها ونفسياتها، تماماً كما تحكي اللوحاتُ الفنيةُ عن حياة عائلة، أو منظر طبيعي جميل، أو اجتماعات صاخبة، أو مشاهدَ قتالية .

إنَ القصائد والأَمثال العَربية الّتي كانت رائجة آنذاك تستطيع ـ قبل كل شيء ـ أن تكشف عن الوجه الحقيقي لتاريخهم ونمط حياتهم وسلوكهم، ولهذا السبب لا يجوز لأي مؤرخ واقعي يسعى إلى الحصول على صورة كاملة عن تاريخ شعب من الشعوب أن يتجاهل التركة الفكرية والأدبية والثقافية لذلك الشعب سواء أكان شعراً أم نثراً، أمثالا أم حكماً، قصصاً أم أساطير .

ومن حسن الحظ أنّ مؤرخي الإسلام اثبتوا وسجلوا باتقان ما اُثِرَ من العرب ممّا يرتبط بآدابهم في العصر الجاهلي بقدر ما اُتيحَ لهم ذلك .

وقد كان ابو تمام «حبيب بن اويس» (المتوفى عام 231 هجرية) والّذي يُعتبر من كبار أُدباء الشيعة، وله قصائد رائعة في مدح آل الرسول، ممن اعتنى عناية بالغة بهذه الناحية، حيث جَمع في كتاب واحد طائفة كبيرة جداً من الشعر الجاهلي مفصلة في عشرة أبواب هي:

1- الحماسة .

2ـ المراثي .

3- الادب .

4- النسيب .

5- الهجاء .


(58)

6- الاضافات .

7- الصفات .

8- السير .

9- المُلَح .

10- مذمة النساء .

وقد تناولَ هذا الديوان التاريخيُ القيم عددٌ كبيرٌ من أُدباء المسلمين وعلمائهم بشرح ابياته، وتفسير غوامضها، وبيان اغراضها، ومقاصدها.

كما ترجم أصلُ الديوان إلى لغات اجنبية عديدة جاء ذكر طائفة منها في كتاب «معجم المطبوعات»(1) .

مكانة المرأة عند العرب الجاهلية:

إن الباب العاشر من هذا الديوان خير وسيلة لمعرفة ما كانت عليه المرأة في العصر الجاهلي من الحرمان، وأقوى دليل على أنها كانت تعيشُ ـ في ظل ذلك العهد ـ في أسوأ الحالات وأشد الظروف واتعسها .

هذا مضافاً إلى أن الآيات القرآنية الّتي تنزلت وهي تشجبُ بعنف معاملة الجاهلين للعنصر النسائي، وقسوتهم على الاُنثى، هي الاُخرى افضل شاهد على مدى الانحطاط الاخلاقي والتدهور السلوكي الّذي انحدروا إليه في هذا المجال .

إن القرآن الكريم يصف عادة وأد البنات بقوله: (وإذا الموؤدة سُئلت)(2) أي ليسئل يوم القيامة عن البنات اللاتي وُئدن وهنّ أحياء .

إن القرآن الكريم بهذه العبارة الموحية إنما يتحدث ـ في الحقيقة ـ عن عادة وأدالبنات بمرارة، ويشجبها بشدة حتّى أنه يعتبرها جريمة نكراء لا تمر ـ في الآخرة ـ بدون حساب شديد، وسؤال خاص .


1 - معجم المطبوعات: ص 297، وقد اشتهر هذا الديوان ببابه الأول: «الحماسة» فسمي ديوان الحماسة.
2 - التكوير: 8 .


(59)

حقاً انه لأمرٌ يكشف عن مدى القسوة الّتي كان عليها قلوبُ الجماعة .

إنها قسوة تغشى كل عواطف المرء فلا يعود يسمع معها نداء الضمير، ولا يحسُّ معها بوخز الوجدان، انه لا يعود يسمع معها حتّى صراخ بنته الجميلة البريئة، واستغاثاتها المؤلمة وهي ترى باُم عينيها حفيرتها، وتحس بيدي والدها القاسي، وهو يدفعها إلى تلك الحفرة ويدفنها حية!

إنها قسوة تكشف عن أسوأ وأحطّ درجات الانحطاط الخلقي، والتقهقر الإنساني .

وبنو تميم هي أول قبيلة اقدمت على هذه الجريمة النكراء، وكان السبب أن «بني تميم» أمتنعوا من دفع ضريبة الاتاوة الّتي كانت عليهم إلى الملك، فجرّد اليهم النعمان بن المنذر حاكم العراق آنذاك جيشاً كبيراً لضرب هذا التمرد، وانتصر على «بني تميم» في المآل وغنم منهم الغنائم وسبى منهم الفتيات والنساء، فوفدت وفود «بني تميم» على النعمان بن المنذر وكلّموه في الذراري والنساء، فحكم النعمان بان يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجَها ردّت عليه، فاختلَفْنَ في الخيار، فاختار بعضهُنَّ العودة إلى الاهل والاباء، واختارت بنتٌ لقيس بن عاصم سابيها على زوجها مما أثار هذا الموقف والاختيار غيظ والدها العجوز «قيس بن عاصم» فنذرَ من ذلك الحين أنْ يدسَ كلَ بنت تُولَد له. وهكذا سنّ لقومه الوأد، واخذت بقية القبائل بهذه العادة البغيضة الوحشية إرضاءً لغيرتهم وظلّوا يمارسونها اعواماً متمادية(1) .

واليك واحدة من القصص المأساوية في هذا المجال:

قيل لماوفد «قيس بن عاصم» على رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سأله بعض الانصار عما يتحدث به في الموؤدات، فاخبر انه ما ولدت له بنت إلاّ وأدها، قال: كنتُ اخاف العار وما رحمتُ منهنَ إلاّ بُنيّة كانت ولدتها اُمها وأنا في سفر، فدفعتها إلى أخواتها، وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فاُخبِرت أنها


1 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 42 و 43 .


(60)

ولَدت ولداً ميتاً، وكتمتْ حالها، حتّى مضت على ذلك سنونٌ، وكبرت الصبية، وينعت، فزارت اُمها ذات يوم، فدخلتُ فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليها ودعاً، والبستها قلادة من جزع فقلت لها: من هذه الصبية؟ وقد اعجبني جمالها فبكت اُمها، وقالت: هذه ابنتك، فامسكتُ عنها حتّى غفلتْ اُمها ثم اخرجتها يوماً فحفرتُ لها حفرة وجعلتها فيها وهي تقول: يا ابت ما تصنع؟ أخبرني بحقك!! وجعلتُ اُقلّب عليها التراب، وهي تقول: أنت مغط علىَّ بهذا التراب، أنت تاركي وحدي، ومنصرفٌ عني، وجعلتُ اقذفُ عليها حتّى واريتها، وانقطع صوتُها، فتلك حسرتها في قلبي، فَدَمعتْ عينا رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقال: «إن هذه لقسوة، ومن لا يَرحَم لا يُرحَم»(1) .

وقد ذكر ابن الاثير في كتابه «اُسد الغابة» في مادة: قيس: ان النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سأل قيساً عن عدد البنات اللاتي وأدهنَّ في الجاهلية: فاجاب قيسٌ بانه وأد اثنتي عشرة بنتاً له(2) .

ورُوي عن ابن عباس أنه قال: كانت الحامل إذا قَربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة، فاذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وإذا ولدت ولداً حبسته(3) .

المرأة ومكانتها الاجتماعية عند العرب:

كانت المرأة عندهم تباع وَ تُشترى كالمتاع، وكانت محرومة من جميع الحقوق الاجتماعيّة والفردية، حتّى حق الارث .

وقد كان المثقفون من العرب يعُدُّون النساء من الحَيوانات، ولهذا كانوا يعتبرونهن جزءً من أثاث البيت ويعاملونهن معاملة الرياش والفراش حتّى سار


1 - حياة محمَّد: تأليف محمَّد علي سالمين، ص 24 و 25 .
2 - راجعُ اسد الغابة: ج 4، ص 220، وجاء في بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 43 أنه وأد بضع عشرة بنتاً .
3 - بلوغُ الارب: ج 3، ص 43 .


(61)

فيهم المثلُ المعروفُ: «وانما امّهات الناس اوعية» .

كما أنهم غالباً ما كانوا يقتلون بناتهم في اليوم الاول من ميلادهن خشية الفقر تارة، ودفعاً للعار والشنآن تارة اُخرى .

وقد كان هذا القتل يَتُمُّ إما بذبحهن أو إلقاءهنّ من شاهق، أو إغراقهنّ في الماء أو الدفن وهن أحياء كما سبق .

وقد تعرض القرآنُ الكريم ـ الّذي يعدّ من وجهة نظر المستشرقين الكتابَ والمصدرَ التاريخي العلمي الوحيد الّذي لم تنله يدُ التحريف - تعرَّض لذكر قصة من هذا النوع ضمن آيات من سورة النحل حيث قال: (و إذا بُشِّرَ أحدُهم بالاُنثى ظلَّ وجهُهُ مُسَوّداً وهو كظيم يتوارى مِن القوم مِنْ سُوءِ ما بُشِّر بِه أيمسِكُهُ عَلى هُون اَمْ يَدسُّهُ في التُرابَ ألا ساء ما يحكمونَ)(1) .

هذا والمؤسف أكثر هو ما كان عليه وضع الزواج في الجاهلية، حيث لم يكن يستند إلى أي قانون، ولم يخضع لأىّ واحد من النظم المعقولة، بل كان وضعاً عديم النظير في ذلك الزمان، فلم يكن لعدد الزوجات ـ مثلا ـ حد معلوم، أو قاعدة ثابتة .

كما انه كلما أرادوا التخلص من مهر الزوجة عمدوا إلى ايذاءها بقسوة، حتّى تتخلى هي بنفسها عن حقها، وكان اقترافها لأىّ عَمل مناف للعفة هو الآخر سبباً لسقوط حقها في المهر بالمرة .

ولطالما استغلَّ بعض الاشخاص هذا القانون الجائر للتخلص مِن مهور زوجاتهم فاتهموهن بالخيانة الزوجية!!

ومن قبيح ما كانوا يفعلون ان يتزوج الرجل بزوجة أبيه بعد تطليقها، أو وفاته وربما تناوب الأبناء على امرأة أبيهم واحداً بعد واحد، فقد كانَ الرجل من العرب الجاهلية إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه، فان كان يحبُّ أن يتزوجها طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن يريد التزوج بها تزوَّج بها بعضُ اخوته بمهر


1 - النحل: 58 و 59 .


(62)

جديد(1) .

وقد ابطل الإسلامُ هذه العادة الفاسدة حيث قال اللّه تعالى: (و لا تنكحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساء إلاّ ما قد سَلَف إنَّهُ كانَ فاحِشَة ومقتاً وساء سَبيلا)(2) .

وقد ذكرت كتبُ التاريخ والسيرة طائفة ممن فعلوا هذا نعرض عن ذكر أسماءهم .

كما ذكرت تلك الكتب انواعاً اُخرى من المناكح الفاسدة الشنيعة الّتي أبطلها الإسلام(3).

ثم إن المطلَّقة لم يكن لها الحق ـ في زمن الجاهلية ـ في ان تتزوج برجل آخر بعد انقضاء عدّتها إلا إذا اذنَ لها الزوجُ الأول الّذي كان غالباً مّا يأخذ مهرها في الزواج الثاني في قبال الاذن .

وربما مَنَع اولياؤُها من أن تتزوج بزوجها الاول الّذي طلَّقها، ثم خطبها بعد انقضاء العدة إذا رضيَتْ به ورغبت فيه، أو أنْ تتزوج بمن أرادَت واحبَّت ـ بعد انقضاء العِدّة ـ أصلا، حميّة جاهلية .

وكان الرجُل يرث امرأة ذي قرابته إذا مات عنها، تماماً كما يرث ما خَلف من أمتِعةِ المنزل، زاعماً بانه أحقُ بها من غيره، فيعظلها (يمنعها من الزواج) أو ترّدُ إليه صداقها، وفي رواية; إن كانت جميلة تزوجها، وان كانت دميمة حبسها حتّى تموتَ فيرثها، وقد نهى اللّه تعالى عن ذلك، وأبطلَ تلك العادات إذ قال تعالى: (وَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَبلغنَ أَجَلَهُنَّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنكِحْنَ أزواجَهُنَّ إذا تَراضَوا بَيْنَهُمْ بِالْمَعرُوفِ ذلِكَ يُوعَظ بِه مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمنُ باللّه واليَوْمَ الآخِر ذلِكُمْ اَزكى لَكُمْ وَ أطْهَرُ وَ اللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(4) .


1 - المحبر: ص 326 و 327 .
2 - النساء: 22، و كانوا يُسمّون من يتزوج زوجة أبيه الضيزن، وكان هذا الزواج يسمّى في الجاهلية «نكاح المقت» ويُسمى الولد منه: مقتّي. (راجع بلوغ الارب: ج 2، ص 53 ومجمع البيان للطبرسي: ج 3، ص 26).
3 - المحبر: 337 ـ 340 .
4 - البقرة: 232 .


(63)

وقال سبحانه: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَرثُوا النِّساء كَرْهاً وَ لا تَعضلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْض ما آتيتُموهُنَّ)(1) .

وقال تعالى: (وَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه)(2) .

وخلاصة القول; إن المرأة كانت في العَهد الجاهِليِّ بشرّ حال، ويكفي لتلخيص ما قلناهُ انه لما خطب احدهم إلى رجل ابنَتَه، وذكَرَ لَهُ المهر والصداق قال: إنّي وإن سِيْقَ إلىّ المهْر ألْف وعَبْدانِ (اي عَبيدَ ومماليك) وذَوْد (وهو من الابل مِنَ الثلاث إلى العشر) عَشْرُ، أَحَبُّ أصْهاري إلىّ القَبْرُ وقال شاعرهم، في ذلك.

لِكُلِّ أبي بِنت يُراعي شُؤْونَها * ثلاثةُ أصهار إذا حمد الصهرُ

فَبَعَلٌ يراعيها وخدر يكنها * وَقبرٌ يُواريها وأفضَلُها القبر(3)

كما ان العرب كانت مصفقة ومتفقة على توريث البنين دون البنات(4).

مقارنة بسيطة:

ولو لاحظتَ أيها القارىء الحقوق الّتي قررها الإسلام في مجال (المرأة) لاذعنتَ ـ حقاً ـ بأن هذه الاحكام والمقررات وهذه الخطوات المؤثرة الّتي خطاها النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في سبيل اصلاح حقوق المرأة، وتحسين اوضاعها، هي بذاتها شاهدُ حق، ودليل صدق على حقانيّته، وصدق ارتباطه بعالم الوحي .

فاية رعاية ولطف بالمرأة وحقوقها وأي اهتمام بشأنها وكرامتها أعلى واكثر من ان يوصي النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مضافاً إلى ما جاء في آيات واحاديث كثيرة تؤكّد على حقوق المرأة وتوصي أتباع هذا الدين بالرحمة بهن واحترامهن في


1 - النساء: 19 .
2 - البقرة: 231 .
3 - بلوغ الارب: ج 2، ص 9 .
4 - المحبر: ص 236 .


(64)

خطبته الشهيرة في (حجَة الوداع) بالمرأة، ويؤكد على ذلك اشد تأكيد إذ يقول ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

(ايها النَّاسُ إنَّ لِنساءكُمْ عَلَيكُمْ حقاً، ولكم عليهنَّ حقاً... فاتقوا اللّه في النِّساء واْستوصُوا بهنَّ خيراً، فانهنَّ عندكم عبوانٌ... أطعمُوهُنَّ ممّا تأكُلُون، وألْبِسُوهُنَّ ممّا تَلبِسُونَ)(1) .

العربُ والرُّوح القتالية:

من الناحية النفسية يمكن القول بان عرب الجاهلية كانوا النموذج الكامل للإنسان الحريص، الموصوف بالطمَع الشديد، القوىّ التعلق بالماديات.

لقد كانوا ينظرون الى كل شيء من زاوية منافعه ومردوداته المادية، كما أنهم كانوا دائماً يرون لأنفسهم فضيلة وميزة على الآخرين .

كانوا يحبّون الحرية حباً شديداً، ولذلك كانوا يكرهون كل شيء يقيّد حريتهم .

يقول ابن خلدون عنهم: «إنهم (اي العرب الجاهلية) بطبيعة التوحُّش الّذي فيهم اهلُ انتهاب وعيث، ينتهبون ما قدروا عليه... وكان ذلك عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الإنقياد للسياسة وهذه الطبيعة منافيةٌ للعمران ومناقضة له» .

ويضيف قائلا: «فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وان رزقهم في ضلال رماحهم وليس عندهم في أخذ اموال الناس حدُّ ينتهون إليه بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو مَتاع أو ماعون انتهبوه»(2) .

لقد كانت الاغارة وكان النهب والقتال من العادات المستحكمة عند القوم، ومن الطبائع الثانوية في نفوسهم، وقد بلغ ولعهم وشغفهم بكل ذلك ونزوعهم


1 - وردت هذه العبارات في مصادر مختلفة مع شيء طفيف من الاختلاف، راجع تحف العقول: ص 33 و 34 .
2 - مقدّمة ابن خلدون: ص 149 .


(65)

الشديد إليه أن أحدهم ـ كما يقال ـ سأل النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعد أن سمع منه وصف الجنة وما فيها من نعيم: وهل فيها قتال؟

ولما سمع الجواب بالنفي قال: اذن لا خير فيها!!

اجل لقد سجل التاريخ للعرب ما يقرب من (1700) وقعة وحرباً، امتد أمدُ بعضها إلى مائة سنة أو اكثر، يعني أن أجيالا كثيرة كانت تتوارث الحرب، وتستمر في قتال الخصم، وربَّ حرب دامية طويلةُ الأمد إندَلعت بسبب قضيَة تافهة(1) .

لقد كان العربي في العهد الجاهلي يعتقد بأنَ الدم لا يغسلهُ الا الدم، وقضية «الشنفري» الّتي هي اشبه بالأساطير لغرابتها يمكن أن تعكس مدى «العصبية الجاهلية» الّتي كانت سائدة آنذاك .

فالشنفري يُهانُ على يد رجل من «بني سلامان» فيعزم على الانتقام منه، وذلك بأن يقتل مائة من تلك القبيلة، وبعد التربُّص الطويل يغتال تسعاً وتسعين، ويبقى مشرَّداً حتّى تغتالُه جماعة من اللصوص عند بئر فتفعل جمجمته ـ بعد مقتله ـ فعلتها، اذْ تتسبَّبُ بعد مرور سنين ـ في قتل رجل من قبيلة ـ «بني سلامان» وبذلك يكتمل العدد الّذي حلف على قتلهم من تلك القبيلة، وذلك عندما يمر رجل من «بني سلامان» على تلك المنطقة فيهب طوفان شديد يلقي بجمجمة «شنفرة» على ذلك الرجل فتصيبُه في رجله بشدة، فيموتُ بما لحقه من ألم وجراحة(2) .


1 - العرب قبل الإسلام: ص 319 و 320، هذا وتعتبر حرب داحس والغبراء، من أيام العرب التاريخية قبل الإسلام، وقد نشأت بسبب سباق بين فرسين هما داحس والغبراء (وهو فرسين لقيس بن زهير من بني عبس) وفرسين آخرين (لحذيفة الغدر) انتهى إلى التنازع في السباق وازداد التنافر بين المتسابقين وانجرّ إلى طعن أحدهما الآخر، وأن تتهيأ على اثر ذلك مقدماتُ حرب طويلة بين قبيلتي الرجلين وحلفائهما استمرت من عام 568 م إلى عام 608 م وموت كثيرين .
(راجع تاريخ العرب وآدابهم ص 47 و الكامل لابن الأثير: ج 1، ص 204) .
2 - تاريخ العرب: ج 1، ص 111، وراجع أيضاً بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 2، ص 145 و 146 .


(66)

ولقد بلغ اُنس العرب الجاهلية بالقتال وسفك الدماء أن جعلوا القتل والسفك للدماء من مفاخر الرجال!!

ويبدو ذلك جلياً لمن يقرأ قصائدهم الملحمية الّتي تفوح منها رائحة الدم، ويخيّم عليها شبح الموت، تلك القُصائد الّتي يمدح فيها الشاعر نفسه أو قبيلته بما أراقوه من دماء!!، وما ازهقوه من ارواح وما سبوه من نساء!!، وأيتموه من أطفال!!

ونجد في البيت الشعرىّ التالي مدى انزعاج الشاعر العربىّ الجاهلي لما اصابَ قبيلته مِن نكسة وذل وهزيمة في ميدان القتال، إذ يقول:

فَلَيْتَ لي بِهمُو قَوماً إذا ركَبُوا * شَنُّوا الإغارَة رُكباناً وفُرسانا

ويصف القرآن الكريم هذه الحالة بقوله: (وَ كُنْتم عَلى شَفا حُفْرة مِنَ النّار فَأَنْقَذَكُمْ مِنها)(1) .

الاخلاق العامة في المجتمع الجاهلي العربي:

ومهما يكن من امر فان عوامل مختلفة كالجهل وضيق ذات اليد، وجشوبة العيش، وعدم وجود قانون صحيح يحكم الحياة الاجتماعية، وحالة البداوة الموجبة للتوحش، والكسل والبطالة وغير ذلك من الرذائل الاخلاقية كانت قد حَولَّتْ جوَّ الجزيرة العربية إلى جوّ فاسد قاتم، حتّى أن اُموراً يندى لها الجبين قد اخذت طريقها إلى حياة تلك الجماعة وراحت تتخذ شيئاً فشيئاً صفة العادات المتعارفة!!

لقد كانت الغارات وعملياتُ النهب، والقمار، والربا، والاسر، والسبي من الأعمال والممارسات الرائجة في حياة العرب الجاهلية، وكان شرب الخمر ومعاقرتها بلا حدود هو الآخر من الأعمال القبيحة الشائعة لديهم، ولقد ترسَّخت هذه العادة القبيحة في حياتهم إلى درجة انها صارت جزء من طبيعتهم، وحتّى أن


1 - آل عمران: 103 .


(67)

شعراءهم خصّصوا مساحات كبيرة في قصائدهم لامتداح الخمرة ووصفها وكانت الحانات مفتوحة في وجه الناس طيلة الوقت تستقبل الزبائن، وقد نُصِبَت عليها رايات.

فها هو شاعرُهم يقول:

إذا متُّ فادفِنىّ إلى جَنبِ كَرَمة * تُرَوّي عِظامي بَعدَ مَوتى عُرُوقُها

ولا تَدفِنَنىَّ في الفَلاةِ فإنَّنِي * أخافُ إذا مامِتُّ أن لا أذوقُها(1)

لَقَدْ بَلغت معاقَرةُ الخمر من الرواج في الحياة العربية الجاهلية بحيث اصبحت لفظة «التجارة» تعادل في عرفهم بيع الخمور، والاتجاربها .

ولقد كانت الأخلاق تفسَر عند العرب الجاهلية بنحو آخر عجيب، فانهم مثلا كانوا يمدحون الشجاعة والمروءة والغيرة، ولكنهم كانوا يقصدون من «الشجاعة» القدرة على الإغارة وسفك الدماء، وكثرة عدد القتلى في الحروب!!

كما أن الغيرة كانت تعني عندهم وأد البنات حتّى أن هذا العمل الوحشيّ كان يُعدّ عندهم من أعلى مظاهر الغيرة، وكانوا يرون الوفاء والوحدة في نصرة الحليف حقاً أو باطلا، وهكذا فان اكثر القصص التي نُقِلَت عن شجاعتهم وشَغَفهم بالحرية كانت الشجاعة والشغف بالحرية فيها تتلخص وتتجسَّد في الاغارة والانتقام .

انهم كانوا يعشقون ـ في حياتهم ـ المرأة والخمرة والحرب ليس غير .

النزوع إلى الخرافة والاساطير في المجتمع الجاهلي:

ولقد بَيَّنَ القرآنُ الكريمُ اهدافُ البعثة المحمَّدية المقدسة بعبارات موجزة، وممّا يلفت النظر ـ اكثر من أىّ شيء - ما ذكرهُ تعالى في الكتاب العزيز حول أهم هذه الاهداف والغايات العليا إذ قال: (وَ يَضَعُ عنهُمْ إصْرَهُمْ و الأَغْلالَ الَّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(2) .


1 - تفسير مفاتيح الغيب: ج 2، ص 262، طبعة مصر: 1305 .
2 - الأعراف: 157 .


(68)

فلابدَّ أن نعرفَ ماذا كانت تلك الاَغلال والسلاسلَ الّتي كانتْ عَربُ الجاهلية ترزخُ تحتها حتّى قَبيْل بُزوغ فجر الإسلام؟

لا ريبَ أَنَّها لم تكن من جنس الأَغلال والسَلاسل الحديدية، ولم يكن المقصودُ منها ذلك أبداً، فماذا كانت إذَنْ يا ترى؟

أجَل إنَ المقصودَ مِنْ هذه الاغلال هي الأوهام والخرافات الّتي كانت تَقيِّد العقلَ العربي عن الحركة، وتعيقه عن النمو والتقدم، ولا شك أن مثل هذه السلاسل والأغلال الّتي تقيّد الفكر البشري وتمنعه من التحليق والتسامي، اثقل بكثير من الاغلالَ والقيود الحديدية واضرّ على الإنسان منها بدَرجات ومراتب، لأنّ الأغلالَ الحَديديَة توضَع عن الأيدي والأرجل بعد مضي زمان، ويتحرر الإنسان منها، بعد حين، ليدخل معترك الحياة بعقلية سليمة مبرّاة من الأوهام والخرافات، وقد زالَتْ عنه ما تركته تلك الحدائد من جروح وآلام .

أما السلاسل والاغلال الفكرية (ونعنى بها الاوهام والاباطيل والخرافات) التي قد تهيمن على عقل الإنسان وتكبّلُ شعوره فانها طالما رافقت الإنسان إلى لحظة وفاته، واعاقته عن المسير والانطلاق، دون ان يستطيع التحرر منها، والتخلص من آثارها، وتبعاتها، اللهم إذا استعان على ذلك بالتفكير السليم، والهداية الصحيحة .

فبالتفكير السليم وفي ضوء العقل البعيد عن أىّ وهم وخيال يمكنه التخلص مِن تلك الاغلال والقيود الثقيلة، وأما بدون ذلك فإن أىّ سعي للإنسان في هذا السبيل سيبوء بالفشل .

إن من أكبر مفاخر نبي الإسلام أنه كافَحَ الخرافات، وأعلن حرباً شعواء على الأَساطير، ودعا إلى تطهير العقل من أدران الأوهام والتخيلات، وقال: لقد جئت لاخذ بساعِد العقل البشري، وأشدَ عضدَه، واُحارب الخرافه مهما كان مصدرها. وكيفما كان لونها وأيّا كانت غايتها، حتّى لو خَدَمَت أهدافي، وساعَدَتْ على تحقيق مقاصدي المقدسة .

إنّ ساسة العالم الذين لاتهمهم إلاّ إرساء قواعد حكمهم وسلطانهم على


(69)

الشعوب لا يتورعون عن التوسل بأية وسيلة، والاستفادة من اية واقعة في سبيل تحقيق مآربهم حتّى أنهم لا يتأخرون عن التذرع بترويج الخرافات والأساطير القديمة بين الشعوب للوصول إلى سدة الحكم، أو البقاء فيها ما امكنهم ذلك. ولو اتفق أن كانوا رجالا موضوعيين ومنطقيين فانهم في هذه الحالة دافعوا عن تلك الخرافات والأوهام والاساطير الّتي لا تنسجم مع اي مقياس عقلي بحجة الحفاظ على التراث القومي، أواحترام راي اكثرية الشعب، أوما شابه ذلك من الحجج المرفوضة .

ولكنَّ رسولَ الإسلام لم يكتف بإبطال المعتقدات الخرافية الّتي كانت تلحِق الضرر به، وبمجتَمعه، بل كان يكافح ويحارب بجميع قواه كل اُسطورة أو خرافة شعبية أو فكرة فاسدة باطلة، تخدم غرضه، وتساعد على تحقيق التقدم في دعوته ويسعى إلى أن يجعلَ الناسَ يعشقون الحقيقة لا ان يعبدوا الخرافات، ويكونوا ضحايا الاساطير والأوهام، واليك واحداً من هذه المواقف العظيمة على سبيل المثال لا الحصر .

لماماتَ إبراهيم بن رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ابنه الوحيد، حزن عليه النبي حزناً شديداً فكانت تنحدر الدموع منه على غير اختيار، واتفق ان انكسفت الشمس في ذلك اليوم أيضاً، فذهب المولعون بالخرافة في ذلك المجتمع (العربي) على عادتهم إلى ربط تلك الظاهرة بموت إبراهيم واعتبار ذلك دليلا على عظمة المصاب به فقالوا: انكسفت الشمسُ لموت ابن رسول اللّه، فصعد رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المنبرَ وقال: «أيُّها الناس انَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات اللّه يجريان بامره، ومطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياتِه، فاذا انكسفا، أو أحدُهما صلّوا» .

ثم نزل من المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف وهي ما تسمى بصلاة الايات(1) .


1 - بحارالأنوار: ج 91، ص 155 .


(70)

ان فكرة انكساف الشمس لموت ابن صاحب الرسالة وان كان من شأنها ان تقوّي من موقع النبي في قلوب الناس، وتخدم بالتالي غرضه، وتساعد على انتشار دعوته، وتقدمها، إلا أنه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رفض ان يحصل على المزيد من النفوذ في قلوب الناس من هذا الطريق .

على أن محاربَة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للخرافات والاساطير الّتي كانت نموذجا بارزاً من محاربته للوثنية، وتأليه المخلوقات وعبادتها، لم تكن من سيرته في عهد الرسالة بل كان ذلك دأبه في جميع أدوار حياته، حتّى يوم كان صبياً يدرج، فانه كان يحارب الاوهام والخرافات، ويعارضها في ذلك السن أيضاً .

تقول حليمةُ السعدية مرضعة النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لما تمَّ له (اي لمحمَّد) ثلاث سنين قال لي يوماً: «يا أُمّاهُ مالِيَ لا أرَى أخَوَىَّ بالنّهار»؟

قلت له: يا بنىّ إنهما يرعيان غنيمات، قال: «فَمالي لا أخْرُج مَعَهما»؟ قلت له: تحبُّ ذلك؟ قال: نَعَمْ .

فلما أصبح دهَّنته وكَحَّلته وعلَّقت في عنقه خيطاً فيه جزع يمانية (وهي من التمائم الباطلة كانت تعلّق على الشخص في أيام الجاهلية لدفع الآفات عنه)، فنزَعَها، وقال لي: «مَهْلا يا اُماه فَإنَّ مَعِيَ مَنْ يَحْفُظنِيْ»(1) .

الخرافات في عقائد العرب الجاهلية:

كانت عقائدُ جميع الامم والشعوب العالمية يوم بزوغ شمس الإسلام ممزوجة بألوان من الخرافات والأساطير .

فالاساطير اليونانية والساسانية كانت تخيّم على افكار الشعوب الّتي كانت تعدُّ في ذلك اليوم من أرقى الشعوب والمجتمعات .

على انه لا تزال خرافات كثيرة تسود وإلى الآن في المجتمعات الشرقية المتقدمة، ولم تستطع الحضارةُ الراهنة أن تزيلها من حياة الناس ومعتقداتهم .


1 - بحارالانوار: ج 15، ص 392 .


(71)

إن تنامي الخرافة «يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمستوى العلمي والثقافي في كل مجتمع، فبقدر ما يكون المجتمع متخلفاً من الناحية الثقافية والعلمية تزداد نسبة وجود الخرافة ومقدار نفوذها في عقول الناس ونفوسهم .

لقد سجل التاريخ عن سُكّان شبه الجزيرة العربية طائفة هائلة وكبيرة من الاوهام والخرافات، وقد جمع السيّد محمود الآلوسي اكثرها في كتابه «بلوغ الارب في معرفة احوال العرب»، مُرفقاً كل ذلك بما حصل عليه من الشواهد الشعرية وغيرها(1).

ومن يتصفح هذا الكتاب يقف على ركام هائل من الخرافات الّتي كانت تملأ العقل العربي الجاهل آنذاك وتعشعش في نفوسهم، وقد كانت هذه السلسلة الرهيبة من الأوهام هي السبب في تخلّف هذا الشعب عن بقية الشعوب والاُمم الاخرى .

ولقد كانت هذه الخرافات من أكبر السدود في طريق تقدم الدعوة الإسلامية، ولهذا أجتهد النبىُّ الأكرم ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بكل طاقاته في محو وازالة آثار الجاهلية الّتي لم تكن سوى تلك الأوهام والاساطير والخرافات .

فعندما وجَّه «معاذ بن جبل» إلى اليمن اوصاه بقوله:

«وامِتْ أمرَ الجاهِليَّة إلاّ ما سنَّهُ الإسلامُ وَ أظهِرْ أمرَ الأسلام كلّه صغيرهُ وكبيرهُ»(2) .

لقد وقف رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمام جماهير كبيرة من العرب الذين كانت عقولُهم ترزخ تحت الافكار والمعتقدات الخرافية ردحاً طويلا من الزَمن يعلن عن نهاية عهد الأفكار والاوهام الجاهلية إذ قال: «كُلُّ مأثرة فيْ الجاهِليَّة تحتَ قَدَمىّ»(3) .


1 - بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 2، ص 286 ـ 369 .
2 - تحف العقول: ص 25 .
3 - السيرة النبوية: ج 3، ص 412 .


(72)

نماذج من الخرافات في المجتمع الجاهلي:

وللوقوف على مَدى أهمية التعاليم الإسلامية وقيمتها نلفت نظر القارىء الكريم إلى نماذج من هذه الخرافات، ومن أراد التوسع راجع المصدر المذكور .

1- الاستسقاء باشعال النيران:

كانت العرب إذا أجدبت، وأمسكت السماء عنهم، وأرادوا أن يستمطروا عَمَدوا إلى السلع والعشر (وهما أشجار سريعة الاشتعال) فحزموهما، وعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النيران وأصعَدوها في جبل وَعر، واتبعوها يدعون اللّه تعالى، ويستسقونه، وانما يضرمون النيران في أذناب البقر تفاؤلا للبرق بالنار... وكانوا يسوقونها نحو المغرب من دون الجهات الاخرى، وكانت هذه الثيران والابقار إذا صاحت من وجع الاحتراق ظنّت العرب بان ذلك هو الرعد!!!

وقد قال شاعرهم في ذلك:

يا (كحلُ)قَد أثقَلتَ أذنابَ البَقَر * بسَلع يُعقَدُ فيها وعُشر

فَهَل تَجُودينَ بِبَرق أو مَطَر؟

2- ضرب الثور إذا عافت البقر:

كانوا إذا أورَدُوا البقر فتمتنع من شرب الماء، ضرَبوا الثورَ لِيقتحمَ الماء، بعدَه ويقولون: إنْ الجنَّ تصدُّ البقرَ عن الماء، وأن الشيطان يركَبُ قَرَني الثورَ، ولا يدع البقر تشربُ الماء، ولذلك كانوا يضربون وجه الثور.

وقد قال في هذا شاعرهم:

كَذاك الثورُ يضرَبْ بالهَراوى * إذا ما عافَت الْبَقَر الظِماءُ

وقال آخر:

فإني إذاً كالثَور يُضرب جَنبُهُ * إذا لَم يَعْف شُرباً وعافت صواحبه(1)


1 - عافت أي كرهت شرب الماء .


(73)

وقال ثالث:

فلا تجعلوها كالبقير وفحلُها * يُكسِّر ضرباً وهْو للورد طائْعُ

وما ذَنبُه إن لم ترد بَقَراته * وَقَدْ فاجأتْها عند ذاك الشرائعُ

3- كىّ صحيح الإبل ليبرأ السقيمُ:

إذا كان يصيب الإبل مرض أو قرح في مشافرها واطرافها عمدوا إلى بعير صحيح من تلك الإبل فكوَوْا مِشفَرَهُ وعَضُدَه وفَخذَه يرون أن ذلك إن فعلوه ذهبَ العُرُّ والقرح والمرض عن إبلهم السقيمة، ولا يعرف سبب ذلك .

وقد احتمل البعض أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك وقاية للصحاح من الإصابة بالعُرّ الّذي أصاب غيرها، أو أنه نوع من المعالجة العلمية، ولكن لماذا ترى كانُوا يَعمدُونَ إلى بعير واحد من بين كل تلك الابل، فلابد من القول بأن هذا الفعل كان ضرباً من الاعمال الخرافية الّتي كانت سائدة في ذلك المجتمع الجاهلي قبل الإسلام.

وقد قال شاعرهم عن ذلك:

وَكَلّفتني ذنبَ امرىء وتركتُه * كدِى العُرّيكوى غيرُه وهو راتع

وقال آخر:

كمن يكوي الصحيح يروم بُرءاً * بِه مِن كلِ جَرباء الإهاب

وقال ثالث:

فالزمْتَنِي ذنباً وغيريَ جرَّه * حنانيل لا تكو الصَحيح بأجربا

4ـ حبس ناقة عند القبر اذامات كريمٌ:

إذا ماتَ منهم كريمٌ عقلوا ناقته أوبعيره عند القبر الّذي دُفِنَ فيه ذلك الكريم، فعكَسُوا عنقها، وأداروا رأسها إلى مؤخَّرها وتركوها في حفيرة لا تطعَم ولا تسقى حتّى تموت، وربما اُحرقَت بعد موتها وربما سُلِخَتْ ومُلىء جِلدُها ثماماً، وكانوا يزعمون أن مَن مات ولم يُبْلَ عليه (اي لم تعقل ناقة عند قبره هكذا)


(74)

حشر ماشياً، ومن كانت له بلية (اي ناقة عقلت هكذا) حُشِر راكباً على بليّته .

وقد قال أحدهم في هذا الصدد:

إذا مِتُّ فادفنىَّ بحرّاء مابها * سوى الأصرخين أو يفوِّز راكبُ

فإن أنتَ لم تُعْقرْ عَلىَّ مطيَّتي * فلا قامَ في مال لك الدهر حالبُ

وقال آخر وهو يوصي ولده بان يفعلوا له ذلك:

أَبُنىَّ لا تنسَ البليّة إنها * لأبيك يومَ نُشُوره مركوبُ

5- عَقرُ الإبل عَلى القُبُور:

كانوا إذا ماتَ أحدُهم ضربوا قوائم بعير بالسَيف عند قبره، وقيل انهم كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت المضياف على ما كان يعقره من الإبل في حياته وينحره للاضياف.

وقد ابطلت الشريعة المقدسة هذه العادة الباطلة في ما أبطلته فقد جاء في الحديث «لا عَقْر في الإسلام» .

وقد قال أحدُهم حولَ العَقر هذا:

قُلْ للقوافِل والغُزاة إذا غَزَوا * والباكرين وللمجدّ الرائح

إنَ الشَجاعة والسَماحة ضُمِّنا * قبراً بِمروَ عَلى الطريق الواضح

فإذا مررتَ بِقبره فاعقِرْبهِ * كُومَ الجلاد وكل طِرف سابع

وأنضحْ جَوانبَ قبره بدمائها * فَلَقدْ يكونُ اَخا دم وذبائح

6ـ نهيق الرجل أذا اراد دخول القرية (التعشير):

ومن خرافاتهم أن الرجلَ منهم كان إذا ارادَ دخولَ قرية فخافَ وباءها أوجنّها وقف على بابها قبل ان يدخلها فنَهقَ نهيقَ الحمار، ثم علّق عليه كعبَ أرنب كأنَّ ذلك عوذة له، ورقية من الوباء والجن ويسمون هذا النهيق التعشير.

قال شاعرهم:

ولا يَنْفَعُ التعشير أن حُمَّ واقع * ولا زعزعٌ يُغني ولا كَعبُ ارنب


(75)

وقال الآخر:

لعمرىَ إن عشّرتُ من خيفة الرَدى * نِهاق حَمير أنني لجزوعُ

7ـ تصفيق الضالّ في الصحراء ليهتدي:

فقد كان الرجلُ منهم إذا ضَلّ في فلاة قَلَب قميصه وصفق بيديه، كأنه يومىء بهما إلى انسان مهتدي.

قال أعرابي في ذلك:

قلبتُ ثيابي والظنونُ تجولُ بي * ويرمي برجلي نحو كلَ سَبيل

فلأياً بلائي ما عرفت حليلتي * وأبصرتُ قصداً لم يُصَب بدليل

8- الرتم:

وذلك أن الرجل منهم كان إذا سافر عَمَد إلى خيط فعقده في غصن شجرة أوفي ساقها فاذا عاد نظر إلى ذلك الخيط فإنْ وجده بحاله علم ان زوجتَه لم تخنهُ وان لم يَجِدْه أو وَجَدَهُ محلولا قال: قد خانتني. وذلك العقد يسمى «الرتم».

قال شاعرهم في ذلك:

خانته لما رأتْ شَيْباً بمفرقه * وغَرّه حِلفُها والعَقْدُ للرتم

وقال الآخر:

لا تحسَبنّ رتائما عقدّتَها * تنبيك عنها باليقين الصادق

وقال ثالث:

يعلل عمروٌ بالرتائم قلبه * وفي الحىّ ظبىُّ قد أحلّت محارقه

فما نَفَعَتْ تِلكَ الوصايا ولا جَنَتْ * عَليهِ سوى ما لا يحبُّ رتائمه

9- وطيُ المرأة القتيل الشريف لبقاء وَلَدها:

فقد كانت العرب تقول: ان المرأة المقلاة وهي الّتي لا يعيش لها وَلَدٌ، إذا وطئت القتيلَ الشريف عاشَ وَلَدُها.


(76)

قال احدهم:

تظلّ مقاليت النساء يَطأنه * يَقُلْنَ ألا يلقى على المرء مئزر

10- طَرْحُ السِنّ نَحو الشَمْس إذا سَقَطَتْ:

ومن تخيّلات العرب وخرافاتهم أن الغلام منهم إذا سَقَطَتْ له سنٌ أخذها بين السبابة والابهام واستقبل الشمسَ إذا طلعت وقذف بها وقال: يا شمس ابدليني بسنّ احسن منها ولتجر في ظلمها آياتك، أو تقول أياؤك، وهما جميعاً شعاع الشمس.

قال احدهم وهو يصف ثغر معشوقته:

سقته اياة الشمس إلاّ لثاته * أسفَّ ولم تكرم عليه باثمدِ

أي كأن شعاع الشمس اعارته ضوءها.

هذا وقد أشار شاعرُهم إلى هذا الخيال (أوقل الخرافة المذكورة) إذ قال:

شادنٌ يحلو إذا ما ابتسَمَتْ * عن أقاح كاقاح الرمل غر

بدلته الشمسُ من منبته * بَرَداً أبيضَ مصقولَ الاثر

11- تعليق النجاسة على الرجل وقاية من الجنون:

ومن تخيّلات العرب أنهم كانوا إذا خافُوا على الرجل الجنونَ، وتعرّض الارواح الخبيثة له نجَّسوه بتعليق الاقذار كخرقة الحيض وعظام الموتى قالوا: وأنفعُ من ذلك أن تعلِّقُ عليه طامتٌ عظامّ موتى ثم لا يراها يومَه ذلك. وانشدوا في ذلك:

فلو أن عِندي جارتَين وراقياً * وعَلَّقَ أنجاساً عَلّي المعلقُ

وقالت امرأة وقد نَجَّست ولَدها فلم ينفعه ذلك ومات:

نجّستُهُ لا ينفعُ التنجيسُ * والموتُ لا تفوتُه النفوسُ

12- دم الرئيس يشفي:

فقد كانت العرب تعتقد أنّ دم الرئيس يشفي من عضة الكلْب الكَلِب.


(77)

قال الشاعر:

بناةُ مكارم وأساة جُرح * دِماؤُهُمْ من الكَلبِ الشفاءُ

وقال آخر:

أحلامُكُمْ لسِقامِ الجهل شافيةٌ * كَما دِماؤكُمُ تشفي من الكَلَب

13- شق البرقع والرداء يوجب الحب المتقابل:

ومن أوهامهم وتخيلاتهم أنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا احب إمرأة واحبّته فشق برقعها وشقّت رداءه صلح حبُهما ودام، فان لم يفعلا ذلك فَسَد حبُهما، قال في ذلك احدهم:

وكم شَقَقْنا مِن رداء محبِّر * وَ مِنْ بُرقُع عَنْ طَفلة غير عانس

إذا شُق بُردٌ شُق بالبرد بُرقعٌ * دواليك حتّى كلُّنا غير لابسِ

نروم بهذا الفعل بُقياً على الهوى * والف الهوى يُغوى بهذي الوساوس

14- معالجةُ المرضى بالاُمور العجيبة:

ومن مذاهبهم الخرافية في معالجة المرضى إذا بثرت شفة الصبي حمل منخلا على رأسه ونادى بين بيوت الحىّ: الحلأ الحلأ، الطعام الطعام، فَتُلقي له النساءُ كِسَرَ الخبز، واقطاع التمر واللحم في المنخل ثم يُلقي ذلك للكلاب فتأكله، فيبرأ مِنَ المرض فان أكل صبىّ من الصبيان من ذلك الّذي ألقاهُ للكلابِ تمرة أو لقمة أو لحمة بثرت شفته .

فقد رويت عن إمرأة أنها انشدت:

ألا حلأ في شفة مشقوقَه * فقد قضى منخلُنا حقوقَه

ومن أعاجيبهم أنهم كانوا إذا طالت علة الواحد منهم، وظنُّوا أنَّ به مسّاً من الجن لانه قَتَلَ حية، أو يربوعاً، أو قنفذاً، عملوا جِمالا من طين وجعلوا عليها جوالق وملاؤها حنطة وشعيراً وتمراً، وجعلوا تلك الجمال في باب جحر إلى جهة المغرب وقت غروب الشمس وباتوا ليلتهم تلك، فاذا اصبحوا نظروا إلى تلك


(78)

الجمال الطين فاذا رأوا انها بحالها قالوا لم تقبل الدية فزادوا فيها وان رأوها قد تساقطت وتبدّد ما عليها من الميرة قالوا: قد قبلت الدية واستدلوا على شفاء المريض وفرحوا وضربوا الدفّ.

قال بعضهم:

قالُوا وقد طالَ عَنائي والسَقمْ * إحمِلْ إلى الجِن جمالات وضَمّ

فَقَد فَعَلت والسقام لم يرم * فبالذي يملَك برئي اعتصمْ

وقال آخر:

فياليتَ أن الجن جازُوا حمالَتي * وزُحزحَ عني ما عناني من السقم

اُعلّلُ قلبي بالَّذي يزعُمونه فَيالَيتَني عُوفيت في ذلك الزعم

ومن مذاهبهم في هذا المجال أن الرجلَ منهم كان إذا ظهرت فيه القوباء (وهو مرض جلدي) عالجها بالريق .

قال احدهم:

يا عَجَباً لهذه الفليقة * هَل تُذهِبَّنَ القُوَباءَ الريقة

15- خرافاتٌ في مجال الغائب:

كانوا إذا غُمَّ عليهم أمرُ الغائب ولم يعرفوا له خبراً جاؤوا إلى بئر عادية (أي مظلمة بعيدة القعر) أو جاؤوا إلى حصن قديم ونادوا فيه: يا فلان أو يا أبا فلان (ثلاث مرات)، ويزعمون انه إن كان مَيتاً لم يسمَعوا صوتاً، وإن كان حياً سمعُوا صوتاً ربّما توهموه وهماً، أو سمعوه من الصدى فَبَنَوا عليه عقيدَتهم، قال بعضهم في ذلك:

دَعوتُ ابا المِغوار في الحَفْر دعوة * فما آضَ صوتي بالذي كنت داعيا(1)

أظنُ أبا المغوار في قصر مظلم * تجرُّ عليه الذارياتُ السَوافيا

وقال آخر:

وكمْ ناديتُه والليلُ ساج * بِعادىّ البِئار فما أجابا


1 - آضَ أي عاد ورجع.


(79)

ومن ذلك أن الرجل منهم كان إذا اختلجت عينه قال: (أرى من اُحبُّه) فأن كان غائباً توقع قدومَه، وإنْ كان بعيداً توقَّعَ قربه، وقالَ أحدهم:

إذا اختلَجَتْ عَيني أقولُ لعَلَّها * فَتاة بني عمرو بها العينُ تَلْمعُ

وقال آخر:

إذا اختلَجَت عَيني تَيقَّنتُ إنّني * أراكَ وَ إن كانَ المزارُ بَعيدا

وكانوا إذا لا يُحِبُّونَ لمسافر أنْ يعودَ إليهم أوقدُوا ناراً خَلفَهُ ويقولون في دعائهم «أبعَدهُ اللّهُ وأسحقَهُ وأوقدَ ناراً إثرهُ» قال بعضهم:

صحوتُ وأوْقدتُ لِلجَهلِ ناراً * وَرد عليك الصبا ما استعارا

16- عقائدهُمْ العجيبة في الجنّ وتاثيرهُ:

كانت العربُ في الجاهلية تعتقد في الجن وتأثير هذا الكائن في شتى مجالات حياتهم اعتقاداتٌ عجيبة وفي غاية الغرابة .

فتارة تستعيذُ بالجن، وقد إستعاذَ رجلٌ منهُمْ وَ مَعَهُ ولدٌ فاكلهُ الأَسدُ فقال:

قَدْ استعَذْنا بعظيم الوادي * مِن شَرِّ ما فيهِ مِنْ الأعادي

فلم يجرنا من هزبر عادي

وعن الاستعاذة بالجنّ قال اللّه سبحانَهُ في القرآن: (وَ أَنَّهُ كانَ رجالٌ مِنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرجال مِنَ الجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهقاً)(1) .

ومن ذلك إعْتقادُهُمْ بهتاف الجن. ولهم في هذا المجال أساطيرُ خرافيةٌ مذكورة في محلّها .

ومن هذا القبيلُ إعتقادهُم بالغول، فقد كانت تزعم العربُ في الجاهلية أن الغيلان في الفلوات (وهي من جنس الشياطين) تتراءى للناس، وتغول تغولا اي تتلوّن تلوناً فتضلّهم عن الطريق، وتهلكهم، ومن هذا القبيل أيضاً إعتقادُهم بالسعالي!!


1 - الجن: 6 .


(80)

وقد قال أحدُهم في ذلك:

وساحرةٌ عينيّ لو أنَّ عينَها * رَأَت ما اُلاقيهِ مِنَ الهَول جَنّتِ

أبيتُ وسعلاةٌ وغولٌ بِقَفْرة * إذا الليلُ وأرى الجن فيه أرنت

17- تشاؤمهم بالحيوانات والطيور والاشياء:

ومن مذاهبهم الخرافية تشاؤمهم بأشياء كثيرة وحالات عديدة:

فمن ذلك; تشاؤمهم بالعطاس.

وتشاؤمهم بالغراب حتّى قالوا: فلانٌ أشام من غراب البَيْن، ولهم في هذا المجال أبياتٌ شعرية كثيرةٌ منها قول أحدهم:

ليتَ الغرابُ غداة ينعَبُ دائباً * كانَ الغرابُ مقطَّعَ الأوداجِ

وكذا تشاؤُمُهمْ وتطيّرهم بالثور المكسور القرن والثعلب. إلى غير ذلك من التخيلات والأوهام والخرافات والاساطير، والاعتقادات العجيبة، والتصورات الغريبة الّتي تزخر بها كتبُ التاريخ المخصصةِ لبيان أحوال العرب قَبْلَ الإسلام وحتّى ابان قيام الحضارة الإسلامية .

مكافحةُ الإسلام لهذه الخرافات:

ولقد كافح الإسلامُ جميع هذه الخرافات بطرق مختلفة، واساليب متنوعة.

أما بالنسبة إلى ما كانوا يفعلونَهُ بالحيوانات فمضافاً إلى أنّ أىّ شيء من هذه الأَعمال لا ينسجم مع العقل والمنطق والعلم لأن المطر والغيث لا ينزل من السماء باسعال النيران، وضرب الثيران لا يؤثر في البقر، كما لا ينفع كىُّ البعير الصحيح في شفاء الإبل السقيمة، وتعتبر هذه الاعمال نوعاً من تعذيب الحيوانات وقد نهى الإسلام بشدة عن تعذيب الحيوانات وايذائها، باي شكل كان .

فقد روي عن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنه قال: «لِلدّابةِ عَلى صاحبها ستُّ خصال:

1- يَبدأ بعلفها إذا نَزَل .


(81)

2ـ ويُعرضُ عليها الماء إذا مَرَّبه .

3ـ ولا يضرب وجهها فإنها تسبِّحُ بحمدِ ربّها .

4ـ ولا يقفْ على ظهرها إلا في سَبيل اللّه عزّوجلّ .

5ـ ولا يحمّلها فوق طاقتها .

6ـ ولا يكلّفها من المشي إلا ما تطيقُ(1) .

كما رُوي أنه نهى رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن أن توسَم البهائمُ في وجهها، وأن تضرَب في وجوهها فانها تسبّح بحمد ربها .

ومن هنا ندركُ ان التعاليم في مجال الرفق بالحيوان، وحمايته، على النقيض من العادات الجاهلية السائدة في البيئة العربية آنذاك .

واما بالنسبة إلى التمائم والأَشياء الّتي كانت تعلّقها العربُ على أعناق وصدور رجالها، وأولادها، من الأحجار والخَرَز، وَ عظام الموتى، ومعالجة المرضى والمصابين وغيرهم بها أحياناً فقد حاربَها الإسلامُ، بعد أن ابطلها كما ابطل الافاعيل الّتي سبق أن ذكرناها قبل هذا .

فلما جاءت جماعات من الأعراب إلى رسول اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسألوه عن الرّقى والقلائد الّتي كانوا يتداوون بها أو يسترقونها بدلا عن التداوي بالعقاقير والأدوية قائلين يا رسول اللّه: انتداوى؟

قال رسولُ اللّه ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «تداووا فإنَّ اللّه لَمْ يَضَعْ داء إلا وَضَعَ لَهُ دَواء»(2) .

بل نجد النبي ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأمر سعد بن أبي وقاص عندما اُصيب بمرض في فؤاده أن يعالج نفسَه عِند طبيب إذ قال له لما عادَه وعرف بحاله: «إنَك رجلٌ مفودٌ، إئتِ الحارثَ بن كلْدة أخا ثقيف فإنَهُ رَجَلٌ يتطبَّب»(3) .


1 - من لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 286، وراجع للوقوف على أحاديث حقوق الحيوان كتاب الشؤون الاقتصادية: ص 130 ـ 159 أيضاً .
2 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 178 .
3 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 179 .


(82)

هذا مضافاً إلى أنه وردت أحاديث كثيرة تصرّح ببطلان التمائم السحريّة الّتي لا تنفع ولا تضرّ أبداً، وها نحنُ نشير في ما يلي إلى نموذجين من هذه الأحاديث:

1- يقول أحدُهُم: دخلتُ على النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بابن لي قد علقت عليه من العُذرة (وهي قلادة سحرية جاهلية) فقال: علام تدغَرْن أولادَكنَّ بهذا العِلاق، عليكنَّ بهذا العُود الهِنْديّ» وكان ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقصد عصارة هذا العود(1) .

2ـ رُوي عن الإمام جعفر بن محمَّد الصادق ـ عليه السلام ـ أنه قال: «إنَّ كثيراً مِنَ التمائم شِرْكٌ»(2) .

هذا مضافاً إلى أن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأوصياءه الكرام ـ بارشادهمُ الناس إلى ما ينبغي أن يتداووا به من العقاقير والأدوية وما أعطوْه من تعاليم قيمة كثيرة في هذا المجال ممّا جمعه المحدثون الكبار تحت عنوان: «طبّ النبىّ» و «طب الرضا» و... و قد وجهوا ضربة قوية اُخرى إلى تلك الأوهام والتخيّلات، والخرافات والاساطير الّتي كان يعاني منها المجتمعُ العربي الجاهلي قبل الإسلام(3) .

وأما الغول، والطيرة، والتشاؤم، والهامّة والنَوء فقد حاربها النبي بصراحة إذ قال: ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «لا هامَّة ولا نَوء ولا طِيرَة، ولا غول»(4) .

وقال ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العِيافَةُ والطِيَرةُ والطَرْق مِن الجبْت»(5) .


1 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 184 .
2 - سفينة البحار: ج 1، مادة رقي .
3 - وقد فتح المحدّثون من الفريقين أبواباً خاصّة لأحاديث الطبّ النبوىّ في كتب الحديث أيضاً.
4 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 196 و 197 الفصل الرابع باب نفي مزاعم الجاهلية، قال مؤلف التاج: الهامّة طائر أو البوم إذ سقط في مكان تشاءم أهلُه، أو دابّة تخرجُ من راس القتيل أو من دمه فلا تزالُ تصيح حتّى يؤخدَ بثاره، والنَوء نجمٌ يأتي بالمطر وآخر يأتي بالريح (حسب عقيدة الجاهلية)!!
5 - التاج الجامع للاُصول: ج 3 ص 201. قال مؤلّف التاج العيافة زجر الطّيْر والتفاؤل بأسمائها وأصواتها كالتفاؤل بالعُقاب على العِقاب، وبالغُراب على الغُربة، وبالهُدْهُدْ على الهُدى، وكذا بافعالها، وكيفية طيرانها فكانت العرب تزجر الطيرَ وتثيره فما اخذ منها ذات اليمين تبركوا به وتيمَّنوا وما تياسر منها تشاء موابه (كما في بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب: ج 3، ص 212 تحت عنوان كيفية الزجر عند العرب).
و«الطرق»: الضرب بالحصى (للإستدلال على اُمور غيبيّة باعتقاد الجاهليين). والجبت هو الباطل .


(83)

وعن النبىّ ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أيضاً أنه قال: «إنَّ الرقى والتمائم والتولَة شركٌ»(1) .

وعن أحدهم قال: قلتُ يا رسولَ اللّه اموراً كنّا نصنعها في الجاهلية، كنّا نأتي الكهّان، قال: فلا تأتوا الكهانَ، قلت: كنّا نتطيّر قال: ذاك شيء يجدُهُ أحدُكُمْ في نفسِه فلا يَصُدَّنكم» .

إن وجودَ النهي الشديد والمكرّر في الاحاديث الكثيرة عن الطيرة والتشاؤم، والزجر والعيافة والتمائم والتولة والهامّة والنوء والغول، والكهانة، وايذاء الحيوانات وكيهنّ، وتعذيبهن، وماشابه ذلك يدل بوضوح وقوة على مدى رسوخ هذه العادات الباطلة في الحياة العربيّة الجاهلية، يكشف عن مبلغ اعتقادهم بها، ونزوعهم اليها وهو بالتالي يكشف عن مغزى قوله تعالى: (ويضَعُ عنَهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلال الَّتي كانَت عَلَيهِمْ)(2) فأيّة سلاسل وأَغلال أثقل وأسوء عاقبة وأشدّ وطئة، من هذه الأغلال... أغلال الخرافة والوهم، وسلاسل التخيلات والاساطير؟!!

أوضاع العرب الإجتماعية قبيل ظهور الإسلام:

إن اُولى خطوة خطاها البَشَر باتّجاه النمط الإجتماعي كانت عندما أقْبَل على تاسيس وإقامة الحياة القبلية، فالقبيلة تتكون من إجتماع عدة عوائل واُسر مترابطة فيما بينها بوشائج القربى والنسب تحت زعامة شيخ القبيلة، وبهذا يتحقق


1 - التاج الجامع للاُصول: ج 3، ص 203. قال مؤلِّف الجامع: «التولة»: نوع من السحر يحبّب الرجلَ إلى زوجته، وهو من عمل المشركين (أي في الجاهلية) .
2 - سورة الاعراف: 157 .


(84)

أبسط نمط من أنماط الحياة الإجتماعية .

وقد كانت الحياةُ العربية ـ آنذاك ـ من هذا القبيل، فكلُ مجموعة من العوائل المترابطة نسبياً تتجمع في شكل قبيلة، وتشكل بذلك مجتمعاً صغيراً يخضع فيه الجميع لأوامر رئيس القبيلة وزعيمها، ولقد كان الجامع بين افراد القبيلة هو الرابطة القومية، والوشيجة النسبية، وكانت هذه القبائل تختلف في عاداتها ورسومها، وتقاليدها وأعرافها، اختلافاً كبيراً، وإذ كانت كل قبيلة تعتبر القبائل الاخرى غريبة عنها لذلك كانت لا تقيم للآخرين وزناً ولا قيمة، ولا تعترف لهم باي حق أو حرمة .

ولهذا كانت ترى الإغارة على الآخرين وقتلهم، ونهب أموالهم، وسلب ممتلكاتهم وسبي نسائهم من حقوقها القانونية المشروعة، اللّهم إلاّ أن يكون بين القبيلة، والقبيلة الاُخرى حلف أو معاهدة .

هذا من جانب .

ومن جانب آخر كانت القبيلة الّتي تتعرض للإغارة من جانب قبيلة اُخرى ترى من حقها أن تردَّ الصاع صاعين، تقتل كل أفراد القبيلة المغيرة، لأن الدّم ـ في نظرهم ـ لا يغسله الا الدّم!!!

ولقد تبدلت أخلاقيةُ العرب هذه بعد انضوائهم تحت لواء الإسلام الحنيف، بل تحوَّلوا من نمط الحكومة القبلية المتخلفة والنظام العشائري الضيّق هذا، إلى حكومة عالميّة، واستطاع رسولُ الإسلام ـ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ان يؤلف من القبائل العربية المتفرقة اُمّة واحدة .

ولا شك أن تأليف اُمة واحدة من قبائل وجماعات اعتادت طوال سنين مديدة من التاريخ على التناحر والتنازع، والتخاصم والتقاتل، والتهاجم والإغارة في ما بينها، واستمرأت سفك الدماء، وإزهاق الارواح، وذلك في مدة قصيرة، عملٌ عظيم جداً، ومعجزة اجتماعية لا نظير لها، لأن مثلَ هذا التحوُّل العظيم إذا اُريدَ لَهُ أن يتمَّ عبر التحوُّلات والتطورات العاديّة لاحتاج إلى تربية طويلة الامد، ووسائل لا تحصى كثرة .


(85)

يقول «توماس كارليل» في هذا الصدد: لقد اخرج اللّه العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور، وأحيى به منها امة خاملة لا يُسمعُ لها صوتٌ ولا يُحسُّ فيها حركة، حتّى صار الخمولُ شُهرة والغموض نباهة والضعة رفعة والضعف قوة، والشرارة حريقاً، وشمل نورُه الأَنحاء وعمَّ ضوؤه الأرجاء ما هُو إلا قرنٌ بعد إعلان هذا الدين حتّى أصبح للعرب (المسلمين) قدمٌ في الهند واخرى في الاندلس(1) .

وإلى هذه الحقيقة يشير ايضاً مؤلف تاريخ اللغات السامية الشهير «رينان» قائلا: «لا مكان لبلاد العرب في تاريخ العالم السياسيّ والثقافي والدينىّ قبل ذلك الانقلاب المفاجىء الخارق للعادة الّذي صار به العربُ اُمّة فاتحة مُبدعة ولم يكن لجزيرة العرب شأنٌ في القرون الاُولى مِنَ الميلاد، حين كانت غارقة في دياجير ما قبل التاريخ»(2) .

أجل إنَ هذه القبائل العربية الجاهلية المختلفة المتناحرة لم تكن تعيش أية حضارة، ولم تمتلك اية تعاليم وقوانين، وأنظمة وآداب قبل مجيء الإسلام، لقد كانت محرومة من جميع المقومات الإجتماعية الّتي توجبُ التقدم والرقي، ولهذا لم يكن من المتوقع ابداً ان تصل إلى تلك الذرى الرفيعة من المجد والعظمة، ولا أن تنتقل من نمط الحياة القبلية الضيقة إلى عالم الإنسانية الواسع، واُفق الحضارة الرحيب بمثل هذه السُرعة الّتي وَصَلت إليه والزمن القصير الّذي انتقلت فيه .

إنَّ مَثَل الشعوب والاُمم البشرية مثل المباني والعمارات تماماً .

فكما أن البناء القوي الراسخ يحتاج إلى موادّ انشائية قوية معدَّة باتقان ومحضّرة باحكام حتّى يستطيع البناء المصنوع من هذه الموادّ، والمؤسس بعناية وهندسة متقَنة من الوقوف في وجه الأعاصير، والأمطار الغزيرة كذلك يحتاج كيانُ كل اُمة رشيدة من الاُمم إلى اُسس وقواعد محكمة (وهي الاُصول والآداب الكاملة، والأخلاق الإنسانية العالية) لتستطيع من البقاء والتقدم .


1 - الخطط الاستعمارية لمكافحة الإسلام: ص 38، والإسلام والعلم الحديث: ص 33 .
2 - حضارة العرب: ص 87 .


(86)

ولهذا السبب لابد من التأمل في أمر وسرّ هذه الظاهرة العجيبة ولابد أن نتساءل:

كيف تحقق ذلك التطورُ العظيم، وذلك التحول العميق للعرب الجاهلية، ومن اين نشأ؟؟

كيف امكن ان تتحول جماعة متشتتة، متعادية، متناحرة، متباغضة، في مابينها، بعيدة عن النظم الإجتماعية، بمثل هذه السرعة إلى اُمّة متآلفة متاخية متعاونة متسالمة متحابة، وتشكل دولة قوية كياناً سياسياً شامخاً أوجب أن تخضع لها دول العالم وشعوبه، وتطيعها، وتحترم مبادءها واخلاقها وآدابها آنذاك .

حقاً لو كان في مقدور العرب أن يحرزوا ذلك التقدم الهائل بفعل عامل ذاتي فلماذا لم تستطع عربُ اليمن الّذين كانوا يمتلكون شيئاً كبيراً من الثقافة والحضارة، والذين عاشوا الانظمة الملكية سنيناً عديدة، بل وربَّت في احضانها ملوكاً وقادة كباراً، أن تصل إلى مثل هذه النهضة العظيمة الشاملة، وتقيم مثل هذه الحضارة العريضة الخالدة .

لماذا لم تستطع العربُ الغساسنَة الذين كانوا يجاورون بلادَ الشام المتحضرة، ويعيشون تحت ظلّ حضارة «الروم» أن يصلوا إلى هذه الدرجة من الرشد؟

لماذا لم تستطع عربُ الحيرَة الذينَ كانُوا ـ وإلى الامس القريب ـ يعيشون في ظلّ الامبراطورية الفارسية أن ينالوا مثل هذا الرقي والتقدم؟ وحتّى لووصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم وحققوا هذه القفزة فانه لم يكن أمراً يثير العجب لأنهم كانوا يعيشون في أحضان مدنيات كبرى، ويتغذون منها، ولكن الّذي يثير الدهشة، والعجب هو أن تستطيع عرب الحجاز من تحقيق هذه النهضة الباهرة، ويرثوا الحضارة الإسلامية العظمى وهم الذين كانوا يفتقرون إلى أبسط مقوّمات الحضارة الذاتية، ولم يكن لهم عهدٌ بأيَّ تاريخ حضارىّ مشرق، بل كانُوا كما عرفت يرزحون تحت أغلال الوَهْم والتخَيُّل، ويسيرون في ظلمات الخرافات والأساطير .

* * *


(87)

دُوَل الحيرة وغسّان:

على العموم كانت المناطقُ ذاتُ المناخ الجيّد من الجزيرة العربية حتّى آخر قرن قبل الإسلام تحت سيطرة ثلاث دول كبرى هي: «ايران»، «الروم»، «والحبشة».

فالشرق والشمال الشرقي من هذه المنطقة كانت تحت حماية «ايران» .

والشمال الغربي كان تابعاً للروم .

والمناطق المركزية والجنوب كانت تحت نفوذ «الحبشة» .

وعلى أثر مجاورة هذه المناطق للدول المتحضّرة المذكورة، وما كان بينها من نزاع وتنافس دائمين ظهرَت في المناطق الحدودية للجزيرة العربية دول شبه متحضرة، وشبه مستقلة كان كلُ واحدة منها تابعة في حضاراتها لدولة متمدنة عظمى تجاورها .

وقد كانت دول «غسان»، و «الحيرة» «وكنده» من هذه الدول شبه المستقلة وشبه المتمدنة، وكانت كلُ واحدة منها تابعة لاحدى الدول العظمى آنذاك: «ايران»، «الروم»، «الحبشة» .

الحيرة: يتبيَّن من الآثار والأخبار أنه هاجرت ـ في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد ـ بعضُ الطوائف العربية، وذلك في نهايات الحكم الأشكناني، إلى الأراضي المجاورة للفرات، وسيطروا على قسم من أراضي العراق، وقد أوجدت هذه الجماعةُ المهاجرةُ القرى والقلاع هناك، شيئاً فشيئاً، وأحدثت المدنَ الّتي مِن أهمّها: «الحيرة» الّتي كانت تقعُ على حافة صحراء بالقرب مِن مدينة الكوفة الحالية .

وقد كانت هذه المدينة ـ وكما يظهر من إسمها ـ في بداية أمرها قلعة (لأن الحيرة تعني في اللغة السريانية: الدير وما يشبهه) يسكنها العرب ثم تطورت شيئاً فشيئاً إلى مدينة.

وقد ساعد مناخها الجميل، والمياهُ الوافرة الّتي تأتي اليها من الفرات، وجودة


(88)

الأحوال الطبيعية الاُخرى إلى أن تجتذب اليها أصحاب الصحراء، وسكان البوادي، والقفار، كما واستطاعت هذه المدينة وبفضل مجاورتها للحضارة الفارسية إن تكتسب من ثقافتها ومدنيتها ما أفاض عليها لوناً من الحضارة والمدنية، وقد بُنيت بالقرب من «الحيرة» قصورٌ مثل «الخورنق» الّذي اضاف إلى هذه المدينة جمالا وبهاء خاصّين، وقد تعرَّف العربُ الساكنون في هذه المنطقة على الخط والكتابة، ويمكن ان تكون الكتابة والقراءة قد سرتا منها إلى بقية مناطق الحجاز ومُدُنها(1) .

ولقد كان ملوك «الحيرة» وأمرأوها من اللخميين العرب يؤيّدون من قِبَل الدولة الإيرانية بقوة، وسبب هذا التأييد، والحماية الايرانية لاُمراء الحيرة وملوكها كان يكمن في أن ملوك إيران ـ آنذاك ـ كانوا يُريدون أن تكونَ الحيرة سَدّاً، وحاجزاً بينهم وبين عرب البادية، يدفعون بهم خطرَ الغزاة من أهل الصحارى على الحدود الإيرانية .

ولقد سجَّلَ التاريخُ أسماء هؤلاء الاُمراء; وقد نظم «حمزة الاصفهاني» فهرستاً بأسمائهم، وجدولا بأعمارهم ومُدد حكوماتهم، ومن كان يعاصرهم من ملوك بني ساسان الإيرانيين(2) .

ومهما يكن الأمر فإن دولة اللخميين العرب كانت من أكبر الحكومات العربية شبه المتحضرة في منطقة الحيرة، وكان آخر ملوك هذه السلسلة هو «النعمان بن المنذر» صاحب القصة التاريخية الّتي تتضمن خلعه من الحكم، وقتله بواسطة الملك الايراني:«خسرو برويز»(3) .

غَسان: في أوائل القرن الخامس أو اوائل القرن السادس الميلادي هبط جماعة من المهاجرين اليمنيين في الشمال الغربي ـ أقصى نقاط الجزيرة العربية ـ وفي جوار الإمبراطوريّة الروميّة، وأسسوا دولة الغساسنة، وقد كانت هذه الدولة


1 - فتوح البلدان للبلاذري: ص 457 .
2 - سِنىِّ ملوك الأرض: ص 73 ـ 76 .
3 - الأخبار الطوال: ص 109 .


(89)

تحت حماية الروم، وكان مُلوكُها يُنصبون من جانب إمبراطوريات «قسطنطينية» مباشرة، تماماً كما كان مُلُوك «الحيرة» يُنصبون من جانب ملوك ايران .

ولقد كانت دولة الغساسنة متحضرة نوعاما، وحيث أن مراكز حكمها كانت قريبة من ناحية إلى «دمشق» ومجاورة لـ : «بُصرى» مركز القسم الرومي من الجزيرة العربية من ناحية اُخرى، لذلك تأثرت بحضارة الروم تأثراً كبيراً وبالغاً .

ولقد كان الغساسنة متحالفين مع الروميين بسبب ما كان بينهم وبين ملوك الحيرة اللخميين العرب والايرانيين من الاختلاف والنزاع، ولقد حكم في دولة الغساسنة تسعة أو عشرة من الاُمراء والملوك تباعاً .

الدين في أرض الحجاز:

لقد كان الدينُ الرائج في الحجاز هو الوثنية، وعبادة الاصنام.

نعم كانت هناك أقليّات دينية يهودية تقطن في يثرب (المدينة فيما بعد) وخيبر، كما انه كان هناك من يتبع المسيحية وهم سكّان نجران، البلد الحدودي لليمن والحجاز .

وكان الدين الرائج في المناطق الشمالية من الحجاز (إي الشام حالياً) هو المسيحية بسبب مجاورة هذه المناطق للروم وخوضعها للسيادة الرومية .

ولو أننا استثنينا من الحجاز هذه المناطق الحساسة الثلاث لما وجدنا في بقية مناطق الحجاز إلاّ الوثنية في أشكال مختلفة، واعتقادات متنوعة، اللّهم إلاّ بضع افراد كان عددهم لا يتجاوز عدد أصابع اليد ممن يُسمّون بالاحناف كانوا على دين التوحيد، وكان عددهم بالنسبة إلى الاكثرية الساحقة من العرب الوثنيين قليلا جدّاً(1) .

فمنذ زمن النبي «إبراهيم» الخليل وابنه «اسماعيل» ـ عليهما السلام ـ دخل


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 122 و 123 .


(90)

التوحيد، ودخلت بعض التعاليم الأخلاقية والدينية إلى أرض الحجاز، وكان الحج وأداء مناسكه إحتراماً للكعبة الشريفة هو أحدُ هذه التعاليم والسنن الّتي دخلت مع «الخليل» إلى هذه المنطقة، ثم إن رجلا من قبيلة «خزاعة» يسمى «عمرو بن لحي» الّذي كانت زعامة مكة قد عهدت إليه، أدخل عبادة الاوثان في مكة في ما بعد، وذلك عندما سافر هذا الخزاعي إلى بلاد الشام فوجد قوماً من العمالقة يعكفون على تماثيل جميلة النقش والمنظر يعبدونها، ويؤلّهونها، فقال لهم: ما هذه الأصنام الّتي اراكُم تعبدون؟؟ قالوا له: هذه اصنامٌ نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً فاسير به إلى ارض العرب فيعبدوه؟؟ فأعطوه صنماً، وهكذا استحب عملهم، وجلب معه إلى مكة صنماً جميلُ النقش والنحت يدعى «هُبَل» فنصبه ودعا الناس إلى عبادته، وتعظيمه .

وهكذا دخلت الوثنية إلى «مكة» المكرمة، واصبحت عبادة الاوثان والاصنام عبادة رائجة في تلك الديار(1) .

واشهر اصنام العرب هي:

1ـ هبل وكانت أعظم اصنام العرب الّتي في جوف الكعبة .

2ـ اساف .

3ـ نائلة وكانت هي واساف على موضع زمزم ينحرون عندهما .

4ـ اللات وكانت لثقيف بالطائف .

5ـ العُزّى وكانت بنخلة الشامية، وكانت لقريش وبني كنانة .

6ـ مناة وكانت للاوس والخزرج ومن ذهب مذهبهم من أهل يثرب .

7ـ عميانس وكان بأرض خولان يقسمون له من أنعامهم وحروثهم .

8ـ سعد .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 78 ـ 81، والعمالقة هم طائفة من العرب عاشوا وسادوا ثمّ بادوا قبل الإسلام .


(91)

9- ذوالخلصة وكانت لدوس وخثعم وبجيلة .

10- مناف(1) .

ولقد كانت هذه هي أشهر أصنام العرب علاوة على الأَصنام الاُخرى غير المعروفة الّتي كانت تختصُّ بطائفة دونَ اُخرى، أو بعائلة دون عائلة .

العلم والثقافة في الحجاز:

كان أهلُ الحجاز يوصَفون بالاُميّين، والاُمىّ هو من لم يتعلم القراةة والكتابة فهو كمن ولدتهُ اُمُه، أو هو باق في عَدم العلم بالقراءة والكتابة على الحالة الّتي وُلد فيها من اُمه .

ولأجل أن نعرف مدى ما كان عليه العلمُ والثقافة عند العرب من القيمة يكفي أن نعلم بأن عدد الذين كانوا يعرفون القراةة والكتابة بين قريش إلى ما قبل ظهور الإسلام لم يكن يتجاوز (17) شخصاً في مكة و (11) نفراً فقط من بين الأوس والخزرج في المدينة(2) .

إذا لاحظنا هذا التخلف والانحطاط في مجال العلم والثقافة في البيئة العربية الجاهلية يتضح لنا مدى تأثير الإسلام، وادركنا عظمة التعاليم الإسلامية في جميع الحقول الاعتقادية والاقتصادية والأخلاقية والثقافية،ولابدّ في تقييم الحضارات أن نطالع وندرس الحلقة السابقة، ثم نقيم الحلقة التالية في ضوء ذلك، وفي هذه الصورة نقف على عظمة تلك الحضارة الحقيقية(3) .


1 - راجع الأصنام للكلبي، والمحبر: ص 315 ـ 319 .
2 - فتوح البلدان: ص 457 ـ 459 .
3 - للوقوف على معلومات أوسع واكثر حول عقائد مختلف طوائف المجتمع العربي الجاهلي، وثقافتها وتقاليدها راجع الكتابين التاليين:
ألف: «بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب» تأليف السيد محمود الآلوسي المتوفى عام 1270 هجري قمري .
باء: «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» تأليف الاُستاذ جواد علي، وهذا الكتاب اُخرجَ في (10) مجلدات، وقد بُحثَ فيها كل ما يرتبط بحياة العرب في العهد الجاهلي .


(92)

الإمام علىّ يصف العهد الجاهلىّ:

وقد وصف الإمامُ علىّ أميرُالمؤمنين ـ عليه السلام ـ تلك الحالة في خطبه، وحيث أنه عاصر ذروة ذلك الوضع المأساوي ووصفه وصفاً دقيقاً لذلك ينبغي أنْ نقف عند كلامه قليلا ليتبين لنا جيداً ما كان عليه العربُ إبّان عهد الرسالة الإسلامية المباركة:

قال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (الثانية) من نهج البلاغة:

«... وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدَهُ وَ رَسوله أرْسَلَهُ بالدينِ المَشْهُور والعِلَم الماثور والكِتاب المَسْطُور والنُّور الساطِع، والضِياء اللامع، والأمر الصادع إزاحة للشُبهات واحتجاجاً بالبَّيِنات وَ تَحْذيراً بالآيات، وتَخْويفاً بالمُثلات(1) والناسُ في فتن انْجَذَم(2) فيها حَبْلُ الدِّينِ، وتزَعْزَعتْ سَواري(3)اليَقْينِ واْختَلَفَ النَجْرُ(4)، وتَشتَّتَ الأمرُ وَضاقَ الَمخْرَجُ، وعَمِىَ المَصْدَرُ فالهُدى خامِلٌ، والعَمى شامِلٌ، عُصِيَ الرَّحْمانُ و نُصِرَ الشَيْطانُ وَ خُذِلَ الإيْمانُ فَانْهارَت دَعائِمهُ،وتَنكَّرَتْ مَعالِمُهُ وَ دَرَست(5)سُبُلُه وعَفَت شُركه(6) أطاعُوا الشَيْطانَ فَسلكُوا مسالِكه، وورَدُوامناهِلَه(7) بِهِمْ سارتْ أعلامُه، وقامَ لِواؤُهْ في فِتَن داستْهُمْ بأَخْفافِها(8) ووَطئَتْهُمْ بِأَظْلافِها(9) وقامَتْ عَلى سَنابِكِها(10) فَهُمْ فيها تئهون حائرُونَ جاهِلُونَ مَفْتُونُونَ في خَيْر دار وَشَرِّ جِيْران نُومُهُمْ سُهُودٌ وَ كُحْلُهمْ دُمُوعٌ بأَرْض عالِمُهْا مُلْجَمٌ وجاهِلُها مُكرَمٌ.

وقال في الخطبة (التاسعة والثمانين) أيضاً:

«أرْسَلَهُ صلّى اللّه عليه وآله عَلى حِين فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ وَ طُول هَجْعة من الاُمَم واعْتزام(11) مِنَ الفِتَن وانْتِشار مِن الاُمور وَتلظٍّ(12) مِنَ الحرُوب والدُّنْيا


1 - المثلات: العقوبات .
2 - انجذم: انقطع .
3 - السواري: الدعائم .
4 - النجر: الأصل .
5 - درست: انطمست .
6 - الشُرك: الطُرق.
7 - المنهل: مورد النهر .
8 - الخف: هو للبعير كالقدم للإنسان .
9 - الظلف: للبقر والشاة كالخفّ للبعير والقدم للإنسان .
10 - السنابك: طرف الحافر .
11 - اعتزم الفرس: إذا مرّ جامحاً .
12 - تلظٍّ: تَلَهُّب .


(93)

كاسِفَةُ النُّور ظاهِرَةُ الغُرُور عَلى حينِ اْصفِرار مِنَ وَرَقها وأَياس مِنْ ثَمَرها واغْورار(1) مِنْ مائها قَد دَرَسَت مَنارُ الْهُدى وَ ظَهَرَتْ أَعلامُ الرَّدى فَهِىَ مُتَجَهِّمَة(2) لأهْلِها عابِسةٌ فيْ وَجْه طالِبها ثَمَرُها الفِتْنَةِ وَ طَعامُها الجيْفَةُ(3) وشعارُها الخوفُ وَدثارُها السَيْفُ» .

وَ قالَ في الخطبة (السادسة والعشرين): «إنَّ اللّه بَعَث مُحمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نَذيراً لِلعالَمِين وأمِيْناً عَلى التَّنْزيْل وَانتُم مَعشَر العَرَب عَلى شَرِّ دين وَ في شَرِّ دار مُنِيخُونَ(4) بَيْنَ حِجارَة خَشِن(5)وحَيّات صُمٍّ(6) تَشربُونَ الكَدِرَ وَتَأَكُلُونَ الجَشِبَ(7) وَ تَسْفِكُونَ دِماءكُمْ وتقطعُونَ أَرْحامَكُمْ الاْصنامُ فيكُم مَنْصوبَة وَ الآثامُ بِكُمْ مَعْصُوبَة(8)».

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (الثالثة والثلاثين): «إنَّ اللّه بعثَ مُحمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولَيسَ اَحدٌ مِنَ العَرب يقراُ كِتاباً ولا يدّعي نُبوة فساق الناس حتّى بوَّأَهُمْ محلَّتهُمْ(9) وَ بلَّغهُمْ مَنجاتَهُمْ فَاستقامَتْ قَناتُهُمْ(10) واطمأَنَّت صفاتُهُمْ» .

وقال في الخطبة (الخامسة والتسعين) أيضاً :

«...بَعَثَهُ صلّى اللّه عليه وآله والنّاسُ ضُلالٌ في حَيْرَة وَحاطِبُونَ في فِتْنَة قَد اسْتَهْوَتْهُمْ الأَهْواء وَاسْتَزَلَّتْهُمْ الْكِبْرياء وَاسْتَخَفَّتْهُمْ(11) الجاهِليَّةُ الجَهْلاء حُيارى في زلْزال مِنَ الأَمْر وَ بَلاء مِنَ الْجَهْلِ فَبالَغَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في النَّصِيْحَةِ وَ مَضى عَلى الطَّريْقَةِ وَ دَعا إلى الْحِكْمَةِ وَ الْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ».

وقال ـ عليه السلام ـ : في الخطبة (السادسة والتسعين) أيضاً:

«... مُسْتَقَرُّهُ خَيْرُ مُسْتَقَرٍّ وَ مَنْبَتُهُ أشْرَفُ مَنْبَت في مَعادِنِ الْكَرامَة وَ مَماهِدِ(12) السَّلامَةِ قَدْ صُرفَتْ نَحْوَهُ أَفْئدةُ الأَبرار وَ ثُنِّيَتْ إلَيْهِ أزمَّةِ الأَبْصار دَفَنَ


1 - اغورار الماء: ذهابه.
2 - تجهّمه: استقبله بوجه كريه .
3 - إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار .
4 - منيخون: مقيمون .
5 - الخُشّن: جمع خشناء من الخشونة .
6 - الُصمّ: الّتي لا تسمع لعدم انزجارها بالاصوات .
7 - الجشِب: الطعام الغليظ .
8 - معصوبة: مشدودة .
9 - بَوّأهم محلَّهُمْ: أنزلَهم منزلتهم .
10 - القناة: العود كناية عن القوة .
11 - استخفتّهم: طيّشَتْهُمْ .
12 - الممهَد: ما يُبسَط فيه الفراش .


(94)

اللّه بِهِ الضَّغائِنَ وَ أطْفأَ بِهِ الثَّوائرَ(1) أَلَّف بِه إخْواناً وَ فَرَّقَ بِهِ أقْراناً اَعزَّ بِهِ الذّلة وَ أَذَلِّ بِهِ الْعِزَّة كَلامُهُ بَيانٌ وَ صَمْتُهُ لِسان» .

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (151) أيضاً :

«... أضاءتْ بِه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ البلاد بَعْدَ الضَّلالَةِ المُظْلِمَةِ والْجهالَةِ الغالِبَةِ والْجَفْوَة الْجافِيَةِ وَ النّاسُ يسْتَحِلُّونَ الْحَريمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيْمَ يَحْيونَ عَلى فَتْرَة(2) وَ يَمُوتُونَ عَلى كَفْرّة» .

وقال في الخطبة (198):

«.. ثُمَّ إنَّ اللّه سُبْحانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بِالْحَقِّ حِيْن دَنا مِنَ الدُّنْيا الإنْقِطاعُ وَ أقْبَلَ مِنَ الاخِرَة الإطّلاع(3) وَ اَظْلَمَتْ بَهْجَتُها بَعْدَ إشْراق وَ قامَتْ بأهْلِها عَلى ساق وَ خَشُنَ مِنها مِهادٌ(4) وَ أَزفَ(5) منها قيادٌ في انْقِطاع مِنْ مدّتها وَاقْتِراب مِنْ أَشْراطِها(6) وَ تَصَرُّم(7) مِنْ أَهْلِها وانْفِصام(8) مِنْ حَلْقَتِها وَ انْتِشار(9) مِنْ سببها وَعَفاء(10) مِنْ أعْلامِها وَ تَكَشُّف مِنْ عَوْراتِها وَ قِصَر مِنْ طُولِها» .

وقال ـ عليه السلام ـ في الخطبة (213):

«اَرْسَلَهُ بِالضِّياء وَ قَدَّمَهُ في الاْصْطِفاء فَرتَقِّ(11) به المَفاتِقَ(12) وَ ساوَرَ(13) بِه المُغالِبَ وَذَلَّلَ بِه الصُّعُوبَة وَ سَهِّل بِهِ الحُزُونَةَ(14) حَتّى سَرَّحَ الضَّلالَ عَنْ يمين وَ شِمال».

وقال في الخطبة (191):

«وَ اشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُه ابْتَعَيْه وَ النّاسُ يَضربُون في غَمْرة(15) وَ يَمُوجُونَ في حَيْرَة قَدْقادَتْهُمْ أزمَّةُ الحَيْنِ(16) وَ استَغْلَقَتْ عَلى أَفْئدَتِهِمْ أقْفالُ الرَّيْنِ»(17) .


1 - الثائرة: العدواة .
2 - على فترة: على خلوّ من الشرائع .
3 - الاطّلاع: الإتيان .
4 - خشونة المهاد: كناية عن شدّة آلام الدنيا .
5 - ازف: قرب .
6 - الشَرط: العلامة .
7 - التصرّم: التقطّع .
8 - الانفصام: الانقطاع .
9 - انتشار الأسباب: تبدّدها حتّى لا تُضبّط .
10 - عفاء الأعلام: اندراسها .
11 - رتق: سدّ به الفتقَ.
12 - المفاتق: مواضع الفتق .
13 - ساور: ثاوبَ .
14 - الحزونة: غلظ في الارض .
15 - الغَمرة: الماء الكثير .
16 - الحين: الهلاك .
17 - الرين: التغطية .


(95)

فاطمة الزهراء تصف الوضع الجاهلي:

وقد وصفت السيّدة فاطمة الزهراء بنتُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ العهدَ الجاهلي بمثلِ ذلك إذ قالت في خطبتها أمام أبي بكر والمسلمين(1) :

«فَبَلَّغَ (اي رسولُ اللّه) بالرِّسالة صادِعاً بالنَّذارة(2) مائلا عَلى مَدْرَجَةِ المُشْركيْن ضارباً ثَبَجَهُمْ(3)آخِذاً بأَكْظامِهمْ داعِياً إلى سَبِيْل رَبِّه بِالحِكْمَةِ وَ الْمَوْعظَةِ الْحَسَنَةِ يَكْسِرُ الاَْصْنامَ و يَنْكُثُ الهامَ(4) حتّى انْهَزَمَ الجَمْعُ وَ وَلُّوا الدُّبُر حَتى تَفَرّى الليلُ عَنْ صُبْحِهِ وَ اَسْفَرَ الحَقُ عَنْ محْظِهِ(5) وَ نَطَقَ زَعيمُ الدين وَ خَرستْ شَقاشقُ(6) الشَّياطين وأطاحَ وَ شِيظُ(7) النَّفاقِ وانَّحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْر والشِّقاقِ وَ فُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الاخْلاص في نفَر مِنَ البيض الْخِماص وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَة مِنَ النّار مُذْقَةَ(8) الشّارب وَ نُهْزَة(9)الطامِع وقَبْسَةِ العِجْلان(10) وَ مَوطىءَ الأَقْدامِ تَشْرَبُونَ الطَرقَ(11). وَ تَقْتاتُونَ القِدَّ(12) وَالوَرق أذِلَّةً خاسِئينَ تَخافُونَ اَنْ يَتخَطَّفَكُم النّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ فَأَنْقَذكُمُ اللّه تَعالى بِمُحَمَّد بَعْدَ اللُّتَيّا وَ الَّتي بَعْدَ أن مُنِىَّ بِبُهْم(13) الرجال وَ ذُؤبانِ الْعَرَب وَ مَرَدة أهْلِ الْكِتاب(14) كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرب أطْفأَها اللّه، أوْ نجَمَ(15) قَرْنُ الشَّيْطانِ أوْ فَغرَتْ(16) فاغِرَةً مِنَ الْمُشركيْن، قَذَفَ أخاهُ في لَهواتِها(17) فَلا يَنْكَفِىءُ(18)حَتّى يَطَا صِماخَها بَأخْمصِهِ» .


1 - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد وبلاغات النساء وغيرهما .
2 - النذار: الأنذار .
3 - الثبج: الكاهل .
4 - الهامة: الرأس .
5 - المحض: الخالص .
6 - الشقشقة: شيء يشبه الرئة يخرج من فم البعير أذا هاج .
7 - الوشيظ: الأتباع والخدم .
8 - المذقة: شربة من اللبن الممزوج بالماء .
9 - النهزة: الفرصة .
10 - قبسة العجلان: الشعلة من النار الّتي يأخذها الرجل العاجل .
11 - الطرق: الماء الّذي خوضته الابل وبوّلت فيه .
12 - القد: قطعة جلد غير مدبوغ .
13 - البهمة: الشجاع الذى لا يهتدي من أن يؤتى .
14 - المارد: العاتي .
15 - نجم: طلع .
16 - فَغرت: فتحت .
17 - اللهاة: اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم .
18 - ينكفىء: يرجع .


(96)

جعفر بن ابي طالب يصف العهد الجاهلي:

ويشهد بذلك أيضاً ما قاله جعفر بن أبي طالب عند النجاشي ملك الحبشة عندما اراد مَبعوثاً قريش استعادتَهما إلى مكة:

أيّها الملك، كُنّا قوماً أهلَ جاهِليَّة، نعبدُ الاصنام، ونأكلُ الميتة، ونأتي الفواحِشَ، ونقطعُ الأرْحام، ونسيء الجوارِ ويأكلُ القوىُ مِنّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتّى بعث اللّه إلينا رسولا منّا نعرف نسبَه وصدقَه وأمانَتَه وعفافَه، فدعانا إلى اللّه لنوحِّده ونعبده، ونخلعُ ما كنّا نعبدُ نحنُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسْنِ الجوار، والكفِّ عن المحارم والدّماء، ونَهانا عنِ الفَواحِش وقول الزُور، وأكل مالِ اليَتيمِ، وقذفِ المحصَناتِ، وأمَرنا أنْ نَعبُدَ اللّه وَ حدَهُ لا نشركُ بِهِ شيئاً، وأمَرَنا بالصّلاةِ والزّكاةِ والصِيام قالت: فعدّد عليه امور الإسلام حتّى قال: وصدّقناهُ، واَمَنّا به واتَّبْعناهُ على ما جاء به من اللّه فعبدنا اللّه وحدَه فلم نشرك به شيئاً وحرَّمنا ما حرّمَ عَلَيْنا وأحللنا ما أحلَّ لنا، فَعدا علينا قومَنا فَعذَّبُونا وفتنونا عن ديننا ليردُّونا إلى عبادة الأَوثان مِنْ عِبادَة اللّه تعالى، وأنْ نَسْتَحِلَّ ما كنا نَستحِلَّ من الخَبائث(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 335 و 336. والحديث عن اُمّ سلمة .


(97)

3
إمبراطوريّتا الرُوم وإيران
إبّان عهدِ الرِّسالةِ

للوقوف على أهمية النهضة الإسلامية المباركة الّتي تحققت على يدي النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد ارساله من جانب اللّه تعالى وقيمتها، تكتسبُ دراسة بيئتين إجتماعيّتين اهمية قصوى، وتانِك البيئتان هما:

1- بيئةُ نزول القرآن الكريم، أي البيئة الّتي ظهر فيها الإسلامُ، وترعرع ونما .

2- البيئة العالمية (خارج الجزيرة العربية)، ويعرف ذلك بدراسة عقائد الناس وافكارهم في اكثر مناطق العالم ـ يومَذاكَ ـ مدنية وحضارة، ومطالعة آدابهم وأخلاقهم وتقاليدهم، وأعرافهم، ومدنيّاتهم الّتي كانت تعتبرُ أفضل الأفكار والمدنيّات، وأرقى الحضارات، والأوضاع آنذاك .

ولقد كانت بيئتا: الامبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الإيرانية ألمع نقطة في ذلك اليوم ـ كما يدلنا التاريخ على ذلك. ولابدَّ أستكمالا لهذا البحث من دراسة الأَوضاع في هاتين الإمبراطوريتين، في مناطقها، ومن نواحيها المختلفة، لنقف من هذا الطريق على قيمة الحضارة الّتي اتى بها الإسلام، ونعرف ذلك بوجه أفضل .

* * *


(98)

أوضاع الروم ابان عهد الرسالة:

ان أوضاع الروم لم تكن بأقل سوءً من أوضاع منافستها «ايران» فالحروب الداخلية من جانب والمعارك الخارجية المستمرة مع «ايران» وصراعها الدائم المستمر مع الاخيرة على منطقة «ارمينية» وغيرها كل ذلك كان يهيء الناس في تلك البلاد للقبول بثورة جديدة يضع حداً لمآسيهم ومحنهم.

ولقد كان للاختلافات والمنازعات الطائفية والمذهبية النصيب الاكبر والأَوفر في توسيع رقعة هذه الاختلافات، والمنازعات.

فالحربُ لم تتوقَفْ أبداً بين الوثنيين والمسيحيين ولم تنطفىء شرارتها يوماً ابداً.

فكان إذا غَلَب رجالُ الكنيسة على دست الحكم وأخذوا بمقاليده مارسوا أشدّ أنواع الضغط والأضطهاد بحقِّ خصومهم ومنافسيهم الأمر الّذي كان يساعد على إيجاد أقلية ناقمة من جهة، كما ويمكن اعتبار ذلك عاملا مساعداً من جهة اُخرى على تهيئة الشعب الروماني لاحتضان الدعوة الإسلامية، وتقبلها .

لقد كان حرمانُ طوائف كثيرة ومختلفة ناشئاً من ممارسات رجال الكنيسة الخشنة ومواقفهم المتزمتة .

هذا مضافاً إلى أن اختلاف القساوسة والرهبان النصارى فيما بينهم من جهة، وتعدّد المذاهب من جهة اخرى كان يعمل على التقليل من هيبة الامبراطورية الرومانية وجرّها إلى الضعف والوهن المتزايد يوماً بعد يوم .

هذا بغضّ النظر عن أنَ البيض والصُفر من سُكّان الشمال والمشرق كانوا يفكّرون في السيطرة على المناطق الغنية من اُوربة، وربما ألحق أحدُهما بالآخر خسائر فادحة وباهضة في الصرعات والمصادمات الّتي كانت تقع بينهما. وكان هذا هو نفسُه السبب في أن تنقسم الامبراطوريةُ الرومية إلى معسكرين: المعسكر (أوالقسم الشرقي) والمعسكر (أوالقسم الغربي) .

ويعتقد المؤرخون أن أوضاع الروم السياسية، والاجتماعية والاقتصادية في القرن السادس كانت مضطربة، ومتدهورة جداً، حتّى أنهم لا يرون في غلبة


(99)

الروم وتفوّقها على إيران شاهداً على قدرتها العسكرية، وتفوّقها النظامي، بل يرون أن هزيمة إيران كانت بسبب الفوضى الّتي كان سائدة انذاك في جهاز الحكم الايراني .

إن هاتين الدولتين اللتين كانتا تتربَّعان على عرش السيادة والسياسة العالمية في مطلع ظهور الإسلام كانتا تعيشان حالة سيئة من الفوضى، والهرج والمرج، ومن البديهىّ أنَّ مثل هذه الأَوضاع كان من شأنها أن توجد حالة من التهيّؤ الكبير والظمأ الشديد إلى دين صحيح يضع حَدّاً ونهاية لتلك الحالة، ويعيد تنظيم حياتهم .

ظاهرة الجدل العقيم في المجتمع الرومي:

المتعارف أن يعمد جماعةُ مِنَ البطّالين والفسقة إلى طرح سلسلة من القضايا والمسائل الخاوية والنقاش حولها بهدف التوصُّل إلى أغراض فاسدة، فيستهلكون بذلك أوقات الناس، ويهدرون أعمارهم على منحر الجدل العقيم .

وهي حالة لها مصاديق كثيرة وشواهد عديدة في كثير من بلاد المشرق، ولسنا بصدد التوسّع فيه فعلا .

وقد كانت «الروم» تعاني يومئذ من مثل هذه الحالة اكثر من اي مكان آخر .

فقد كان ملوك الروم ورجال الحكم والسياسة تبعاً لمذاهب دينية كنسيّة يعتقدون بأن المسيح ذو طبيعتين ومشيئتين، ولكن طائفة اُخرى من النصارى وهم «اليعقوبية» كانوا يقولون بانه: ذو طبيعة ومشيئة واحدة .

وقد وجهت هذه المسألة الباطلة نفسها، والجدل الواهي حولها ضربة شديدة إلى وحدة الروم ومن ثم استقلالها، واحدثت في صفوفها انشقاقاً عميقاً حيث كانت السلطات الحاكمة تضطر إلى الدفاع عن معتقداتها، ولذلك كانت تضطهد معارضيها، وتلاحقهم وهذا الاضطهادُ والضغطُ الروحىّ سبَّب في لجوء البعض إلى الدولة الايرانية، كما كان هؤلاء همُ الذين تركوا المقاومة عند


(100)

مواجهة الجيش الإسلامي، وألقوا السلاح، واستقبلوا جنود الإسلام بالاحضان .

كانت الرومُ تمرُّ آنذاك بظروف اشبه ما تكون بظروف القرون الاُوربية الوسطى الّتي ينقل عنها «فلا ماريون» الفلكىّ الشهير القضايا التالية الّتي تدل على المستوى الفكرىّ والثقافيّ لاُورُبة في القرون الوسطى:

لقد كان كتابُ «المجموعة اللاهوتية» المظهر الكامل للفلسفة المدرسية في القرون الوسطى، وقد بقي هذا الكتاب يُدرَّس في أوربة خلال أربعمائة سنة ككتاب رسمي ومعترف به .

وقد كان من الأبحاث المطروحة في هذا الكتاب البحث حول عدد الملائكة الّتي يمكنها ان تستقر على راس إبرَة؟! أو عدد الفراسخ بين العين اليسرى والعين اليمنى للاب الخالد؟! إلى غير ذلك من القضايا التافهة!!

إن الامبراطورية الرومية السيئة الحظ فيما كانت تعاني من الحروب الخارجية الكثيرة، كانت تعاني كذلك من النزاعات والاختلافات الداخلية ـ الّتي كانت ـ على الاغلب ـ تتصف بالصبغة المذهبية والطائفية ـ وكانت تدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية، وتزيدها قربا إليها يوماً بعد يوم .

ولما رأى اليهود (وهي الزمرة الشريرة المتآمرة على الشعوب دائماً) تصاعد الاضطهاد والضغط الّذي يمارسه الامبراطورالمسيحي الرومي خطّطت لاسقاط ذلك النظام، فاحتلت مدينة انطاكية ذات مرة، ومثلت بأسقف أنطاكية الاكبر فصلموا اُذنه، وجدعوا أنفه، فانتقمت حكومة الروم لهذه الجناية بعد مدة، وقتلت اليهود في انطاكية في مذبحة عامة .

وقد تكرَّرت هذه الجرائم الفضيعة وهذه المذابح، والمذابح الانتقامية المضادة بين اليهود والنصارى عدة مرات، وربما سرت موجة الروح الانتقامية أحياناً إلى خارج البلاد، فمثلا اشترى اليهود من ايران ذات مرة ثمانين الف مسيحي ثم حزوا رؤوسهم انتقاماً وتشفياً.

من هذا يستطيع القارىء الكريم أن يقف على الصورة القاتمة للوضع السيء والمتردّي الّذي كان عليه العالم إبان بزوغ شمس الإسلام، ويذعن ـ مع


(101)

المذعنين ـ بأن التعاليم الإسلامية الرفيعة التي انقذت العالم من ذلك الوضع المأساوي لم تكن أبداً وليدة الفكر البشرىّ وان نسيم الوحدة، الناعشة، ونغمة السلام الّتي يهدف إليه الإسلام ويسعى إلى تحقيقه واقراره في الحياة البشرية ليس لها من مصدر إلا الغيب، إذ كيف يمكن القول بان الإسلام الّذي يعترف حتّى للحيوانات بحق العيش والحياة نابع من تلك البيئة المغرقة في القسوة والوحشية، وناشيء من ذلك المحيط المفحم بروح الانتقام والتشفي .

لقد أبطل الإسلامُ جميع تلك المجادلات العقيمة والمناقشات التافهة حول مشيئة عيسى وشخصيته، وقال في نعته ووصفه:

(ما المَسِيحُ بنُ مريمَ إلاّ رسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْله الرُّسُلُ واُمَّه صِدِّيقةٌ كانا يأكُلان الطّعام)(1) .

إن هذه الآية انهت الكثير من أبحاث رجال الكنيسة الباطلة الخاوية حول «الروح» و «المسيح» ودمه، وشخصيته، وحقيقته، كما ان الإسلام بفضل التعاليم الرفيعة، واحياء السجايا والملكات الفاضلة انقذ البشرية من المنازعات، الفارغة، والمذابح الفضيعة .

أوضاع إيران إبان عَهد الرسالة:

إن ما دفعَنا إلى دراسة أوضاع الإمبراطورية الرومية هو نفسه يحتم علينا أيضا دراسة اوضاع إيران يومذاك .

لقد صادف ظهورُ الإسلام وبعثة الرسول الكريم محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (611 ميلادية) عهد السلطان الإيراني خسرو برويز (590 ـ 628 م)، و في عهد «خسرو برويز» هذا هاجر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من مكة إلى المدينة (الجمعة 16 جولاي 622)، وصارت هذه الواقعة مبدء للتاريخ الإسلامي .

في هذه الأَيام كانت الدولتان العظيمتان (الروم الشرقية وايران


1 - المائدة: 75 .


(102)

الساسانية) تسيطران على معظم مناطق العالم المتحضر، ولم تزل هاتانَ الدولتان في نزاع مستمر وصراع دائم على مناطق النفوذ حتّى بعد ظهور الإسلام.

فقد بدأت حروب ايران والروم الطويله من عهد السلطان الإيراني أنوشيروان (531 ـ 589 م) واستمرَّت إلى عهد الملك «خسرو برويز» واستغرقت اربعاً وعشرين عاماً من الزمان(1) .

وقد سبَب تحمل «ايران» و «الروم» للخسائر الكبرى، في الارواح والثروات خلال هذه المعارك الطويلة في إضعاف تينك الدولتين، وتعطيل وشلّ قواهما بحيث لم يبق منهما إلاّ شبحُ دولتين لا اكثر .

ولكي نقف على الوضع العام في ايران آنذاك من جهاته المختلفة، وابعاده المتنوعة وبصورة أفضل، يجب ان نلقي نظرة فاحصة على وضع الحكومات الّتي توالت على سدة القيادة الايرانية بعد حكم «انوشيروان» وحتّى بداية دخول المسلمين .

البَذخ والتَرف في البلاط الساساني:

كانت حياة الملوك الساسانيين تتسم عموماً بالبذخ والترف، والتشريفات الطويلة العريضة، وكان البلاطُ الساساني الفخم جداً يخلب ببريقه، بريق العيون، ويسحر الافئدة والعقول .

وكان للايرانيين في عهد الساسانيين لواء يُعرف بـ «درفش كاوياني» اي العلم الكاوياني نسبة إلى كاوه وهو بطل قومي إيراني اُسطوري، وقد كانوا يحملونه معهم في الحروب، أو ينصبونه فوق قصورهم اثناء إحتفالات الساسانيين الكبرى، وقد كان هذا اللواء موشحاً ومزيناً بأغلى أنواع المجوهرات بلغت قيمتها التقديرية ـ حسب قول بعض الكتاب: «000 / 200 / 1» درهماً (أو ما يعادل


1 - تاريخ علوم وادبيات در ايران ص 3 و 4 وايران در زمان ساسانيان ص 267 (باللغة الفارسية).


(103)

000 / 30 پوند) .

وقد بلغت مجموعة المجوهرات والاشياء الثمينة والتصاوير والرسوم المحيرة للعقول الّتي كانت تكتضُّ بها قصور الساسانيين من حيث الاهمية والقيمة حداً سحرت العيون وخلبَت الالباب .

ولو أننا أردنا أن نقف على عجائب ما في تلك القصور، وما كانت تحتوي عليه من غرائب الاشياء لكفانا أن نلقي نظرة واحدة إلى السجّادة البيضاء والكبيرة التي كانت مفروشة في احدى صالات بعض تلك القصور، وهي السجّادة الّتي كانت تدعى بالفارسية بـ «بهارستان كسرى» وهو بساط كانوا يُعدوّنه للشتاء إذا ذهبت الرياحين، فكانوا إذا أرادُوا الشرب وتعاطي الخمر فرشوه، وشربوا عليه فكأنهم في رياض وكان هذا البساط ستيناً في ستين أرضُه بذهب ووشيُه بفصُوص، وثمره بجوهر وورقه بحرير»(1)!!

وقيل أيضاً أن هذا البساط كان مئة وخمسين ذراعاً في سبعين ذراع وكان منسوجاً من خيوط الذهب والمجوهرات الغالية جداً!!

وقد كان «خسرو برويز» أكثر الملوك الساسانيين ميلا إلى الترف، والبذخ، واتخاذ الزينة، وقد بلَغَت عددُ نسائه وجواريه عدة الآف .

يقول حمزة الاصفهاني في كتاب «سنىّ ملوك الارض» واصفاً حالة الترَف والبذخ الّتي كان يعيشُها كسرى برويز: ثلاثة آلاف امرأة، واثنا عشر .

وجاء في تاريخ الطبري: أن «كسرى(2) برويز» كان قد جمع من الأموال ما لم يجمع أحدٌ من الملوك، وكان أرغب الناسِ في الجواهر والأواني(3) .


1 - تاريخ الطبري ج 2، ص 130 .
وجاء في تاريخ الطبري: كانت هذه السجّادة ستين ذراعاً في ستين ذراعاً، بساطاً واحداً مقدار جريب فيه طرق كالصور، وفصوصٌ كالأنهار وخلال ذلك كالدَّير وفي حافاته كالأَرض المرزوعة والأَرض المبقلة بالنبات في الربيع من الحرير على قضبان الذهب، ونواره بالذَهب والفضّة!!
2 - سنىّ ملوك الارض والأنبياء: ص 420 .
3 - تاريخ الطبري: ج 1، ص 616 .


(104)

الوضع الاجتماعي في ايران:

لم يكن الوضعُ الإجتماعي في عهد الساسانيين بأفضل من الوضع السياسي آنذاك أبداً، فقد بلغ الاختلاف الطبقي الّذي كان سائداً في ايران منذ زمن بعيد اشدَّه واقوى درجاته، واسوء حالاته في العهد الاختلاف الساساني .

فطبقة النبلاء والكهنة كانت تتميز على بقية الطبقات تميزاً كاملا، فهم يختصون بجميع المناصب الاجتماعية الحساسة والعليا، بينما حُرم الكسبة والمزارعون وبقية أبناء الشعب من كافة الحقوق الاجتماعية، ولم يكن لهم من واجب ودور في النظام إلا دفع الضرائب الثقيلة والمشاركة في الحروب .

يكتب أحدُ الكتّاب الإيرانيين وهو الاستاذ سعيد نفيسي في هذا الصعيد قائلا:

ان ما كان يثير روح النفاق بين الايرانيين اكثر هو سياسة التمايز الطبقي القاسي جداً الّذي كان الساسانيون يتبعونها في التعامل مع الشعب، وكان لها جذورٌ في العهود والحضارات السابقة، ولكنها بلغت ذورتها في العهد الساساني بالذات!!

ففي الدرجة الاُولى كان للعائلات السبع من النبلاء، ثم للطبقات الخمس إمتيازاتٌ خاصة حُرمَتْ منها عامة أبناء الشعب .

فالملكية كانت محصورة ـ تقريباً في تلك العائلات السبع مع العلم أن الشعب في العهد الساساني كان يقاربُ عدد نفوسه مائة وأربعين مليوناً في حين لا يبلغ عددُ كل واحد من تلك العائلات الممتازة والمتميّزة في شؤونها مائة ألف شخص، فيكون مجموعُها سبع مائة ألف(1) .

وإذا افترضنا أنَّ حراسَ الحدود وأمراءهم والمُلاك الذين كانوا يتمتعون هم الآخرون بشيء من حق الملكية كان يبلغ عددهم أيضاً سبع مائة ألف أيضاً فيكون حق التملك والمالكية حينئذ خاصاً بمليون ونصف من مجموع مائة


1 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 6 ـ 24 (باللغة الفارسية) .


(105)

واربعين مليوناً، فقد كانت تلك الزمرة القليلة هي الّتي تملك، وأما الآخرون وهم الاكثرية الساحقة فقد كانوا محرومين من هذا الحق الطبيعي الموهوب لهم من جانب اللّه أساساً وأصلا .

لقد كان الكسبة والفلاحون الذين كانوا محرومين من جميع الحقوق، والإمتيازات ولكنّهم كانوا يتحمَّلون نفقات حياة البذخ والرفاهية الّتي كان يرفل فيها النُبلاء والأشراف والطبقات العليا، لا يأملون خيراً وراء استمرار هذه الاوضاع، ودوامها، ولهذا كثيراً ما كان المزارعون والفلاحون والطبقات الدنيا من الشعب يغادرون أعمالهم، ومزارعهم ويلجأون إلى الأديرة فراراً من الضرائب الباهضة والاتاوات القاصمة للظهور، المبددة للثروات(1) .

يقول مؤلف كتاب «ايران في عهد الملوك الساسانيين» (2).

إن حروب إيران ـ الروم الطويلة بدأت من عهد حكومة الملك الإيراني انوشيروان (531 ـ 589 م) .

وخلاصة القول أنه كان في الامبراطورية الساسانية يملك أقلية صغيرة تقلّ نسبتُها عن 5/1 % (واحد ونصف بالمائة) من مجموع الشعب كل شيء بينما كان اكثر من (89 %) من الشعب الإيراني محرومين من حق الحياة تماماً كالعبيد .

حَقٌّ التعلّم خاصُ بالطبقات الممتازة!!:

في العهد الساساني كان ابناء الاغنياء والبيوتات الرفيعة هم وحدهم الذين يتمتعون بحق التعليم، بينما كان عامة جماهير الشعب، والطبقات الوسطى والدنيا محرومين من تحصيل العلوم واكتسابها .

وقد كانت هذه المنقصة بادية وواضحة في عصور ايران التاريخية جداً بحيث ذكرها الشعراء الكبار في ملاحمهم ودواوينهم الملكية المعروفة بالرغم من ان


1 - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 70 و 71 .
2 - إيران في عهد الساسانيين: ص 424 .


(106)

الهدف من تلك الملاحم والدواوين كان هو الحماسة، والتفاخر بالبُطولات وتجييش العواطف، بعد مدح الملوك والامراء .

فها هو «الفردوسي»(1) الشاعر الملحمي الفارسي المعروف، بل اشهر شعراء ايران قد ذكر في شاهنامته (وهي الملحمة الشعرية الّتي يذكر فيها أمجاد ملوك الفرس في قرابة ستين ألف بيت) قصة في هذا الصدد تعتبر أفضل شاهد على ما قلناه .

وقد وقعت هذه القصة في زمن «أنو شيروان»، أي في الوقت الّذي كانت الامبراطورية الساسانية تمرُّ فيه بعهدها الذهبي .

وهذه القصة تشهد بأن اكثرية الشعب في عهد هذا الملك أيضاً كانت محرومة من حق التعلم، وممنوعة عن اكتساب الثقافة .

يقول الفردوسي: لقد أبدى حذّاء استعداده لتحمّل نفقات الجيش الإيراني ـ في حربه مع الروم ـ بدفع ما يحتاجون إليه من ذهب وفضة .

ومع أن السلطة في عهد «انوشيروان» كانت بحاجة ماسة إلى مساعدات مالية كبيرة إذ كان يتعين عليها أن تجهز ما يقرب من ثلاثمائة الف مقاتل قد اصيبوا بالمجاعة وقلة العتاد، بحيث أدى ذلك إلى وقوع بعض الاعتراضات، وإلى ظهور الفوضى في الجنود، ممّا أدى بدوره إلى قلق الملك الإيراني «أنوشيروان» .

والتخوف من مضاعفات هذه الحالة، وآثاره السيئة في قتاله للروم، ولذلك بادر إلى استدعاء وزيره المحنك «بزرجمهر» للتشاور معه في المخلص من ذلك الوضع المحرج، ثم امره بالتوجه إلى منطقة «مازندران» وجمع الاموال اللازمة من سكانها .

ولكن «بزرجمهر» حذَّر الملك من مغبّة هذا العمل، وأضاف بأن هذا من شأنه أن يضاعف من الخطر ثم اقترح جمع الاموال اللازمة عن طريق القروض الشعبية فاستحسن «انوشيروان» اقتراحه وأمره باتخاذ الترتيبات اللازمة على


1 - راجع للتعرف السريع على شخصية هذا الشاعر: الموسوعة العربية الميسرة: ص 1286 .


(107)

التو فيرسل الوزير مندوبين له إلى المدن الإيرانية ليكلم التجار واصحاب الثروة في الامر .

فيبدى الحذّاء المذكور استعداده لتحمل كل نفقات الجيش لوحده الاّ انه اشترط ذلك بان يسمحوا لولده الوحيد الراغب في تحصيل العلم جداً ان يتعلم .

فاستحقر الوزير شرطه ووعده بالانجاز، والسماح لولده بالتعلم وتحصيل العلم، ثم عرض الامر على الملك انو شيروان وهو يأمل في ان يتجاوب الملك مع رغبة الحذّاء وطلبه الصغير إذا ما قيس بما سيعطيه من اموال طائلة في تلك الاوضاع الحرجة .

ولكن الملك استشاط غضباً لهذا الطلب، ونهر الوزير قائلا: دع هذا، ما أسوأ ما تطلبه، ان هذا لا يمكن ان يكون، لان ابن الحذّاء بخروجه من وضعه الطبقي يهدم التقليد الطبقّي المتبع، فينفرط بذلك عقد الدولة، ويكون ضرر هذا المال علينا اكثر من نفعه، وشره اكثر من خيره .

ثم إنّ الفردوسي يعمد إلى شرح المنطق الميكافيلي حكاية عن لسان انوشيروان إذ يقول ناظما ذلك في ابيات(1):

وإذا اصبح ابن الحذّاء عالماً كاتباً عارفاً فعندما يجلس ولدنا على مسند الحكم والسلطنة واحتاج إلى كاتب، فانه سيضطر إلى الاستعانة بابن ذلك الحذّاء ـ الكاتب ـ (وهو من عامة الشعب ومن ابناء الطبقة الدنيا وفي حين جرت عادتنا إلى الآن على أن نستعين بابناء الاشراف والنبلاء لا أبناء الطبقة الدنيا)!!!

وإذا حصل ابن الحذّاء وبائع الاحذية على العلم والمعرفة أعاره العلم والمعرفة حينئذ عيوناً بصيرة، وآذاناً سميعة فيرى حينئذ ما يجب أن لا يراه،


1 - وإليك هذه الأبيات باللغة الفارسية:

چو بازارگان بچه گردد دبير * هنرمند و با دانش و ياد گير
چو فرزند ما برنشند به تخت * دبيرى ببايدش پيروز بخت
هنر بايد از مرد موزه فروش * سپارد بدو چشم بينا و گوش
بدست خردمند مرد نژاد * نماند جز از حسرت و سرد باد


(108)

ويسمع ما يجب أن لا يسمعه، وحينئذ لا يبقى لأبناء الملوك إلا الحسرة والتأسف(1) .

وهكذا يعيد الملك دراهم الحذّاء المسكين إليه رافضاً طلبه ويعود الحذاء خائباً وهو يتوسل بما يتوسل به المستضعفون والمحرومون المظلومون وهو الدعاء والضراعة إلى اللّه في الليل وفي هذا قال الفردوسي: عاد مبعوث الملك بدراهم الحذاء إليه فاصيب الحذاء لذلك بغمّ شديد ثم لما جن الليل تضرع الحذاء إلى اللّه وشكا إليه الملك طالباً عدالته(2).

والعجيب هو أن يصف البعض هذا السلطان بالعادل وهو الّذي لم يعالج أسوأ مشكلة في المجتمع الإيراني أيام حكمه وسلطانه وهي المشكلة الثقافية، بل تسبب في أن يصاب الشعبُ الإيراني بالمزيد من المشاكل الاجتماعية وغيرها .

فقد وأد ودفن في القبور احياء ما يقرب من ثمانين الف انسان (اومائة الف كما قيل) في حادثة واحدة، وهي فتنة مزدك، حتّى أنه ظنَّ انه قد قضى على جذور تلك الفتنة وهو لا يعلم أنها لم تُستأصل لأن مثل هذه الأساليب القمعية انما تقضي فقط على المسبَّب دون السبب وتكافح المجرم لا الجرم .

لقد كان السبب الحقيقي وراء تلك الفتنة هو الظلم الاجتماعي، والاختلاف الطبقىّ، واحتكار الثروة، والمنصب على أيدي طبقة خاصّة وحرمان الاكثرية الساحقة من الشعب وغير ذلك من المفاسد وكان عليه لو أراد الاصلاح أن يعالج هذه الاُمور ليأتي على المشكلة من أساسها، ولكنه بدل ذلك كان يريد ـ بالقهر والقمع وفي ظلّ الحراب والسياط ـ أن يظهر الناس انفسهم بمظهر الراضي وعن السلطة، الموافق على تصرفاتها، وأحوالها وأوضاعها السيئة!!!

ومن هنا نعرف بطلان الحديث المروىّ عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - راجع شاهنامه (باللغة الفارسية) وتاريخ اجتماعي ايران: ص 618 .
2 - فرستاده برگشت و شد بادرم دل كفشگر زان درم پر زغم

شب آمد، غمى شد ز گفتار شاه * خروش جرس خواست از بارگاه


(109)

الّذي قال فيه: (وُلدتُ في زمن الملك العادل) ويقصد به انوشيروان(1) .

صفحةٌ سوداءٌ من جرائم خسروبرويز:

ومن جرائم الملك خسروبرويز ومظالمه المنكرة ما فعله بوزيره الشهير «بزرجمهر» الّذي خدم البلاط الشاهنشاهي الايرانىّ ثلاثة عشر عاماً وكان ذلك موجباً لشهرته في البلاد وحسن صيته بين الناس .

فقد عَمَدَ هذا الملك إلى سجن الوزير المذكور، والنكاية به، وقدكتب إلى الوزير المسجون رسالة يقول فيها: إنَّ حظَّك مِنَ العلم والمعرفة أنه عرضك للقتل!!

فاجابه «بزرجمهر» بقوله: «فقد انتفعتُ بعلمي مادام قد حالفنى الحظُ، وحيث عاكسني الآن، فانّني اصبر وأنتفعُ بصبري، فإذا فاتني فعلُ خير كثير فانني سعيدٌ لأنَّني لم أرتكب كذلك شرّاً كثيراً وإذا ما سلبني منصب الوزارة فاني في الوقت نفسه قد استرحت كذلك من غم الحيف بالناس، فلا ابالي بما أنا فيه» .

ولما بلغَت هذه الرسالة إلى الملك «برويز» استشاط غضباً، وأمر بقطع شفتي الوزير، وجَدْع أنفه، وعندما عرف الوزيرُ بهذا الأمر الظالم قال: أجل أن شفتي تستحقان اكثر من هذا .

فسأله خسروبرويز: ولماذا؟ فقال: لأنهما وصفتاك عند العامة والخاصة بما لا تستحق من الأوصاف، واعطتاك ما ليس فيك من الخصال، فامالتا اليك القلوب، ورغَّبتا فيك النفوس، والافئدة، وآشاعتا عنك أمجاداً لم تستحقها، يا اسوأ الملوك وأظلم الحكام، تقتلني الآن بسوء الظن بعد أن كنت على يقين من وفائي، وصدقي، واخلاصي، وسلامتي، فمن بعد هذا يأمل في عدلك، ومن بعد هذا يثق بقولك؟!


1 - راجع في هذا المجال: تذكرة الموضوعات لابن الجوزي، اللئالي المصوغة في الاحاديث الموضوعة للسيوطي، وكذا مجمع الزوائد للهيثمي .


(110)

فازداد «خسروبرويز» لسماع هذه الكلمات الساخنة غضباً على غضب، وأمر من فوره بقتل الوزير، فضرب عنقه في التوّ(1) .

وتلك هي معاملة ذلك الملك الموصوف زوراً بالعادل مع اقرب مقربيه، واكثر معاونيه إخلاصاً، ووفاء له فكيف كانت تُرى معاملته مع سائر أفراد الرعية وبقية أفراد الشعب؟؟

حكم التاريخ في الملوك الساسانيين:

لقد اتخذ الحكام الساسانيُّون في عهودهم وحكوماتهم سياسة خشنة قاسية، وقد أخضعوا الناس بسلطانهم بالسيف والعنف .

كانوا يفرضون على الناس ضرائب ثقيلة وأتاوات باهضة قاصمة للظهور، ولهذا السبب كان عامة الشعب الايراني غير راضين على حكمهم وسيرتهم، ولكنهم خوفاً على نفوسهم، ما كانوا يتمكنون من الاعلان من استيائهم هذا بل لم يكن لأرباب الفكر والرأي والعارفين بالامور شأن ولا قيمة في البلاط الشاهنشاهي .

لقد بلغ الاستبدادي لدى الحكام الساسانيين حداً لم يستطع معه أحدٌ من إظهار رأيه، ولم يجرأ احد على إبداء أية ملاحظة في شأن من الشؤون .

لقد بلغت القوة بخسروبرويز حداً عجيباً وصفه الثعالبي بقوله:

قيل لخسرو برويز (كسرى) دعونا فلانا الوالي فتباطأ عن الامتثال، فأمر الملك من فوره قائلا ان كان يصعب عليه مجيئه ببدنه كله، فاننا يكفينا شيء منه، فليؤتى براسه فحسب(2) .


1 - يذكر الفردوسي الشاعر الملحمي هذه القصة في شاهنامته المعروفة عند ذكر وقائع انوشيروان اثناء حربه مع الروم (ج 6، ص 257 ـ 260) .
2 - ايران در عهد ساسانيان: ص 318 .


(111)

الفوضى في الحكومة الساسانية:

وممّا يجب ان لا نغفل عن ذكره هو ما تعرضت له الحكومة الساسانية في اواخر عهدها من الفوضى الادراية، وتفاقم الهرج والمرج في جهازها الحكومي .

فقد دبّ الصراع والنزاع ونشب التنافس الحاد بين الامراء، والاعيان وقاده الجيش في ذلك العهد وذهب كلُ فريق يختار أميراً من أبناء العائلة المالكة، ويقوم بتصفية الطائفة الاُخرى الّتي اختارت أميراً آخر .

وعندما فكّر العرب المسلمون في فتح إيران كانت العائلة الساسانية المالكة قد بلغت ذروة الضَعف والانقسام .

وممّا يدل على ذلك تعاقبُ ما يقرب من (14) ملكاً على مسند الحكم والسلطان خلال مدّة اربعة اعوام من مقتل الملك «خسرو برويز» وجلوس شيرويه مجلسه وحتّى آخر ملك من ملوك بني ساسان .

وهذا يعني أن حكومة إيران انتقلت خلال مدة لا تتجاوز اربعة اعوام من يد إلى يد اُخرى (14 مرة)!! ومن الواضح ما يلحق باية دولة ومملكة تتعرض لـ (14) انقلاب يُقتل فيه ملك، ويحل محله ملك آخر في مثل هذه المدة القصيرة .

فقد كان كلُ حاكم يتسلَّم زمام الحكم ويستولي على عرش السلطان يعمد إلى قتل واغتيال كل من كان يطمع في العرش، ولا يتورع في سبيل إرساء قواعد حكمه من ارتكاب كل ما يراه ضرورياً، فكان الأب يقتل ابنه، والابنُ يقتل أباه، وربما يقتل الاخ إخوته، والزوجة زوجها وهكذا...

فقد قتل «شيرويه» أباه(1) للحصول على مقعد الحكم والسلطان، كما أباد اربعين شخصاً من أبناء الملك «خسروبرويز» اي إخوته!!(2) .

وكان «شهر براز» يقتل كل من لا يثق به، وقد أدّى هذا إلى أن يقضي على كل أبناء سلالته من الامراء الساسانيين ممّن كان قد تسنَّم عرش السلطان


1 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 296 .
2 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 15 ـ 19 .


(112)

والملوكية قبله، رجلا كان ذلك أم إمراة، صغيراً كان ام كبيراً، لكيلا يبقى في الوجود من يطمع في السلطان أو يدّعيه!!

وصفوة القول: أن الفوضى السياسية بلغت في أواخر العهد الساساني حداً بحيث كانوا يجلسون فيه الأطفال والصبيان والنساء على اريكة الحكم، ثم يثورون عليهم ويقتلونهم بعد ايام أو أشهر ويحلون محلَّهم أشخاصاً آخرين!!

وعلى هذا فإن الدولة الساسانية رغم قوتها الظاهرية كانت آخذة في الانحطاط والانحلال وسائرة نحو التمزق والفناء .

الفوضى الدينية في ايران الساسانيين:

لقد كان أهم عامل للفوضى الّتي كانت تعاني منها الاوضاع في العهد الساساني هو الاختلاف في المعتقدات الدينية الّتي كانت سائدة آنذاك .

فحيث أن «اردشير بن بابك» مؤسس السلسلة الساسانية كان ابن مؤبد (وهو رجل دين زردشتي) وقيّماً على بيت نار وقد تمكن من السلطان بفضل الموابدة فانه اجتهد في الترويج لدين آبائه في ايران .

وفي عهد الساسانيين كان الدين الرسمي والشائع في أوساط الشعب الإيراني هو الدين الزرادشتي، ولما كانت السلالة الساسانية قد توصلت إلى الحكم بواسطة الموابدة ـ كما أسلفنا ـ لذلك كان الموابدة والقيمون على بيوت النار (ونعني بهم رجال الدين الزرادشتي) يحظون بمكانة كبرى لدى البلاط الساساني إلى درجة أنهم أصبحوا يشكّلون في أواخر العهد الساساني أقوى طبقة، وأشد الاجنحة نفوذاً في المجتمع الإيراني آنذاك .

ولقد كان الحكام الساسانيّون دائماً ممَّن رشحهم للحكم الموابدة ورجال الدين الزردشتي المجوسي، ولذلك كان الحكام يأتمرون بأوامرهم، ولو أن أحداً منهم خالف الموابدة عارضوه أشدَّ المعارضة، وسحبوا عنه تأييدهم ودَعْمهمْ، ولهذا اجتهد الملوك الساسانيون في كسب رضا الموابدة، والعناية بهم اكثر من غيرهم من الطبقات، وقد تسبَّبت عناية اُولئك الملوك بالموابدة وحمايتهم لهم في تزايد


(113)

عددهم، يوماً بعد يوم .

وقد كان الساسانيون يستغلون رجال الدين المجوس أكبر استغلال لتثبيت قواعد حكمهم، وتقوية مواقعهم في السلطان ولذلك أقاموا في مختلف مناطق القطر الإيراني العريض بيوت النار، (وهي معابد المجوس) جاعلين في كل واحد من هذه المعابد ثلة كبيرة من الموابدة كسدنة .

فقد كتب المؤرخون يقولون: ان «خسرو برويز» شيد بيتاً للنار عظيماً ووكل به (12 الف) هيربد (وهو منصب خاص ورتبة خاصة في نظام القيادة الدينية المجوسية) لينشدوا فيه الاناشيد الدينية، ويؤدوا الطقوس والشعائر المجوسيّة!!(1) .

وعلى هذا الاساس كان الدين المجوسي دين البلاط، وكان رجاله في خدمة الملوك .

هذا وقد اجتهد الموابدة ـ بكل ما في وسعهم ـ في إبقاء الطبقات الكادحة والمحرومة من ابناء الشعب الإيراني في حالة من الركود والجمود وحالة عدم الاحساس بالآلام والرضا بالأمر الواقع .

ولقد تسببت الصلاحياتُ الواسعة والحريات المطلقة المخولة إلى الموابدة في ابتعاد الناس عن الدين المجوسي والنفور منه، فجماهير الشعب كانت تبحث لنفسها عن غير ما يتدين به الأشراف من عقيدة ودين .

يقول مؤلف كتاب «تاريخ اجتماعي ايران» وقد سعى الشعب الإيراني ـ في المآل ـ إلى ان يتخلص من ضغوط الاشراف والموابدة واضطهادهم، ولهذا ظهر بيت الزردشتيين في قبال الدين الرسمي «المزدية الزردشتية» الّذي كان دين البلاط كما عرفنا، وكان يدعى: بهدين (اى الدين الافضل) مذهبان آخران(2) .

اجل وبسبب ضغوط الاشراف وتشددات الموابدة في العهد الساساني ظهرت في ايران مذاهب مختلفة الواحد تلو الآخر، وقد حاول «مزدك» ومِنْ قبله «ماني» ان يوجدا بأنفسهِما تحولا في الاوضاع الدينية وفي العقائد والمؤسسات،


1 - تاريخ تمدن ساساني: ج 1، ص 1 (بالفارسية) .
2 - تاريخ اجتماعي ايران: ج 2، ص 20 .


(114)

ألاّ أنهما منيا بالفشل في هذا السبيل(1) .

فحوالي سنة (497 ميلادية) قام «مزدك»، وألغى المالكية الانحصارية (الخاصة)، ونسخ عادة تعدد الزوجات، ونظام الحريم وكان ذلك في مقدمة برامجه الاصلاحية، وقد لقيت أفكاره هذه تأييداً قوياً من قِبل الطبقات المحرومة المسحوقة الّتي فجرت بقيادة «مزدك» ثورة كبرى، وانقلاباً هائلا في المجتمع الإيراني .

ولقد كانت هذه الثورات والانتفاضات الشعبية لأجل أن يتوصل الناس إلى حقوقهم المشروعة، الممنوحة لهم من قبل اللّه خالقهم وبارئهم .

ولقد قوبل مذهب «مزدك» باعتراض شديد من قِبَل الموابدة، وامراء الجيش، وجرّ إلى فتنة كبيرة، وإلى تردي الاوضاع في ايران آنذاك .

كما ان المذهب الزردشتي قد فقد ـ في أواخر العهد الساساني ـ حقيقته بصورة كاملة، ووصل الأمر بعبادة النار وتقديسها إلى درجة أنهم كانوا يحرِّمون الدقّ على حديدة محماة اكتسبت لون النار ولهيبها بمجاورتها لها.

وبكلمة واحدة; لقد كانت اكثر المعتقدات الزردشتية المجوسية تتألف من الخرافات والأساطير، وقد أعطت حقائق هذا الدين ـ في هذا العهد ـ مكانها لحفنة من الشعائر الجوفاء، والطقوس الفارغة، الّتي أضاف إليها الموابدة سلسلة من التشريفات الطويلة العريضة تثبيتاً لمواقعهم، ودعماً لمكانتهم في المجتمع الإيراني يومئذ .

لقد بلغت سيطرة الخرافات والاساطير البعيدة عن العقل والمنطق على هذه العقيدة، ورسوخها في هذا الدين حداً أقلق حتّى رجال الدين الزردشتي انفسهم أيضاً، وقد كان بين الموابدة أنفسهم من أدرك منذ البداية تفاهة الطقوس والشعائر الزردشتية الجوفاء فتخلى عنها .


1 - المذهب المانوي هو المذهب الزردشتي الخليط بالمسيحية، فقد اخترع ماني من مسلك قومي وآخر اجنبي مذهباً جديداً ثالثاً .


(115)

هذا من جانب

ومن جانب آخر كان قد انفتح على الشعب الإيراني منذ أيام الملك «أنوشيروان» فما بعد طريق التفكير، والتأمل، والتحقيق، وممّا قد قوّى هذا الامر ما حصل من اتصالات بين العقائد الزردشتية والمعتقدات المسيحية وغيرها من العقائد والاديان وما تحقق من تلاقح بينها نتيجة تسلل الثقافة اليونانية والهندية، وغيرها إلى الوسط الإيراني، وتسبب كل ذلك في يقظة الشعب الإيراني، ولذلك اصبح يعاني من هذه الخرافات والاساطير الّتي كانت الديانة الزردشتية تعج بها اكثر من أي وقت مضى .

وعلى أية حال فان الفساد الّذي ظهر في أوساط رجال الدين الزردشت، وتطرق الخرافات والاساطير الواهية الكثيرة إلى المعتقدات الزردشتية تسَبّبَ في حصول مزيد من التشتت والاختلاف والتشرذم في آراء الشعب الإيراني وعقيدته .

ومع ظهور هذا الاختلاف وعلى أثر إنتشار المذاهب المتنوعة ظهر روح الشك والتردد لدى الطبقة المفكرة والمثقفة، وسرت منهم إلى بقية الاصناف والفئات ممّا أدى ذلك إلى أن يفقد جماهير الشعب ثقتها وايمانها القطعي، واعتقادها الكامل السابق بتلك المعتقدات .

وهكذا استشرى الهرج والمرج وعمَّت الفوضى واللادينية كل مناطق إيران والمجتمع الإيراني، كما رسم «برزويه» الطبيب الشهير في العهد الساساني حيث صوّر نموذجاً كاملا عن الاختلاف الاعتقادي والتشرذم الفكري، وبالتالي اضطراب الأوضاع الإيرانية في العهد الساساني، في مقدمة «كليلة ودمنة» .

الحروب الإيرانية الرومية:

لقد انقذ «بزرجمهر» ـ الوزير الإيراني الشهير الّذي كان يحتل مكان الصدارة في حكومة «انوشيروان» وكان موصوفاً بالتدبير والكفاءة العالية ـ ايران من الاخطار الّتي احدقت بها في اكثر الاحايين، ولكن علاقته بالسلطان


(116)

(انوشيروان) كانت تتأثر احياناً بسعاية الساعين ووشاية الوشاة الذين كانوا يوغرون صدر الملك ضدّه فيستصدرون منه قراراً بحبسه وسجنه .

وقد أوغرّ هؤلاء السعاة والواشون أنفسُهم صدرَ «انوشيروان» ضد امبراطور الروم، وألّبوه عليه، وشجّعوه على توسيع رقعة نفوذه، وتوسيع حدود بلاده واضعاف سيطرة منافسه الخطير، متجاهلا وثيقة «الصلح الخالد» الّتي عقدها مع الروم واتفق فيها الجانبان على عدم التعرض بعضهم لبعض .

وأدى هذا التحريض بأنوشيروان إلى مهاجمة الروم، واشتعلت على اثرها نيران الحرب، واستطاع جنود ايران ان يفتحوا سورية (وقد كانت مستعمرة رومية) في مدة قصيرة تقريباً، وحرق انطاكية ونهب آسيا الصغرى .

وبعد عشرين عاماً من القتال وسفك الدّماء، والكرّ والفر بين الروم وايران وبعد أن فقد الجانبان قدراتهم وطاقاتهم في تلك المعارك الطاحنة، وبعد الخسائر العظيمة الّتي تحمّلهما الطرفان إضطرّا إلى عقد وثيقة الصلح مرة ثانية، وحدّدوا حدود بلادهما، ومناطق نفوذهما كما كانت عليه في السابق شريطة أن تدفع دولة الروم كل عام ما يعادل (عشرين الف) دينار إلى دولة ايران .

ومِنَ الواضح الّذي لا يخفى ولا يحتاج إلى البيان أن حروباً طويلة الامد تدور رحاها بعيداً عن مركز الدولة من شأنها ان تأتي بالنتائج السيئة والتبعات الثقيلة على اقتصاد الشعب المحارب، وصناعته وتوجه إلى هذه الجوانب ضربات قوية، لا تزول آثارها إلاّ بعد زمان طويل خاصة مع ملاحظة الوسائل والأدوات في تلك العصور .

ومهما يكن فان هذه الحروب، وهذه الحملات المكلفة هيأت المقدمات الموجبة لسقوط الحكومة الإيرانية الحتمي .

فان آثار هذه المعارك لم تَزُل بعد إلاّ وقد نشبت حرب اُخرى دامت سبعة اعوام فان «تي باريوس» امبراطور الروم بعد ان تسنم عرش السلطان هدد بحملاته الكبيرة استقلال الدولة الإيرانية بدافع الانتقام .

وفي الأثناء ـ وقبل ان يتضح موقف الطرفين وموقعهما في تلك المعارك من


(117)

الهزيمة أو الانتصار ـ مات «انوشيروان» وخلفه في إدراة البلاد ابنه «خسروبرويز» .

وقد حمل هذا الأخير على الروم ايضاً، وذلك عام (614) بحجج معينة، وفتح في أول حملة من حملاته: بلاد الشام وفلسطين وأفريقية ونَهب اورشليم، وأحرق كنيسة القيامة ومزار السيّد المسيح ـ عليه السلام ـ وهدم المدن، ودمرها .

وقد انتهت هذه الحرب بعد مقتل تسعين الف من النصارى لصالح الإيرانيين .

في مثل هذه المرحلة الّتي كان فيها العالمُ المتحضر آنذاك يحترق ـ في نيران الحروب والظلم، بُعِث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالرسالة الإسلامية، وبلغ نداؤه المحيي للنفوس والعقول سمع البشرية، وقام يدعو الناس إلى الصلح والسلم، وإلى النظم والامن .

ولقد أدّى انهزامُ الروميين المتدينين، المؤمنين باللّه على أيدي المجوس الكفار، عبدة النار، إلى ان يتفاءل اهل مكة الوثنيون بهذا الحدث، ويحدّثوا (ويمنّوا) أنفسهم بالانتصار على المسلمين المؤمنين باللّه عما قريب، وانطلقوا يرددون هذه الاُمنية أمام المسلمين وهم يحاولون بها إضعاف معنويّاتهم، وزعزعة إيمانهم، الامر الّذي أقلق المسلمين .

ولم يتخذ النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ موقفاً تجاه هذه الظاهرة انتظاراً لما سينزل به عليه الوحيُ إلى ان نزلت آيات في هذا المجال هي الآيات الاُولى من سورة الروم الّتي تقول: (الم، غُلِبَتِ الرُّوْم في أدْنى الأَرْض وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غلَبهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْع سنين للّه الأمرُ منْ قبْل وَ من بَعْد وَ يَوْمئذ يَفْرَحُ الْمُؤءمِنُونَ بَنَصْر اللّه يَنصُرُ مِنْ يَشاء وَ هُوَ الْعَزيزُ الرَّحيمُ. وَعَدَ اللّهِ لا يُخْلِفُ اللّه وَعْدَهُ وَلكِنَّ اكْثَر النّاسِ لا يَعْلَمُون)(1) .

وقد تحقّقت نبوءة القرآن هذه حول الروم في عام (627 ميلادية) حيث


1 - الروم: 1 ـ 6 .


(118)

استولى «هرقل» على «نينوى» في حملة واحدة .

وعلى أيّة حال كانت الدولتان المتنافستان تطويان الدقائق والساعات الأخيرة من حياتهما فيما تستعدّان من ناحية اخرى لتجميع القوى، والتهيؤلشن حملات جديدة، وخوض حروب ومعارك اُخرى ولكن حيث أن الارادة الالهية كانت قد تعلقت بأن يسطع على تلك المنطقتين نورُ التوحيد وتنتعش نفوسُ الروميين والفرس الذابلة الميتة بنسائم الإسلام الناعشة، واشعته الهادية، لذلك لم يلبث أن قُتِل «خسرو برويز» على يدي ابنه «شيرويه» الّذي لم يُدْم سلطانه بعد اغتياله لأبيه اكثر من ثمانية أشهر، ثم سادت ايران بعد «شيرويه» فوضى شاملة خلال اربعة اشهر، حيث تناوب على مسند الحكم حُكامٌ وامراء عديدون أربعة منهم من النساء، إلى أن أنهى الجيشُ الاسلامىّ بحملاته الناجحة هذه الاوضاع، ووضع نهاية لهذا الصراع السياسي الحادّ الّذي استمرّ خمسين عاماً والّذي ساعد بدوره على تقدم الفتوحات الإسلامية .


(119)

4
أسلاف رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

1- بطل التوحيد: إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ

إن الهدف من استعراض حياة النبىّ العظيم إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ هو التعريف بأجداد النبىّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأسلافه، لانتهاء نسبه الشريف إلى النبىّ إسماعيل بن إبراهيم ـ عليهما السلام ـ ، وحيث ان لهاتين الشخصيتين العظيمتين وبعض أسلاف النبىّ العظام نصيبٌ هامٌّ في تاريخ العرب والإسلام، لهذا ينبغي الحديث عن أحوالهم بصورة مختصرة، خاصَّة أنَّ حوادث التاريخ الإسلامي ترتبط ارتباطاً كاملا ـ كحلقات سلسلة واحدة ـ بالحوادث السابقة، أوالمقارنة لبزوغ الإسلام .

فعلى سبيل المثال تُعْتَبر كفالة «عبدالمطلب» لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحمايته له، وجهود «ابي طالب» ودفاعه الطويل عن النبىّ، وعظمة الهاشميين وسموّ مقامهم واخلاقهم، وجذور معاداة الأمويين لهم، الاسس والقواعد الموضوعية لحوادث التاريخ الإسلامي، ولهذا كان لابدّ من تخصيص فصل كامل في التاريخ الإسلامي لهذه الابحاث .

إنّ في حياة حامل راية التوحيد النبىّ «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ نقاطاً مشرقة وبارزة جداً .

فجهاده العظيم في سبيل ارساء قواعد التوحيد واقتلاع جذور الوثنية ممّا


(120)

لا ينسى .

وهكذا حواره اللطيف والزاخر بالمعاني مع عَبَدة النجوم والكواكب في عصره والّذي ذكره القرآن الكريم لمعرفتنا، افضل واسمى درس توحيدي لطلاب الحقيقة وبغاة الحق .

مولد إبراهيم:

لقد وُلدَ بطَلُ التوحيد في بيئة مظلمة كانت تسربلها ظلمات الوثنية، وعبادة البشر... في بيئة كان الإنسان فيها يخضع لأَصنام نحتها بيديه، كما يخضع لكواكب ونجوم .

لقد وُلد حامل لواء التوحيد «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ في «بابل» الّذي يعدّها المؤرخون إحدى عجائب الدنيا السبع، ويذكرون حولها قصصاً واموراً كثيرة تنبئ عن عظمتها وأهمية حضارتها، فيقول «هيردوتس» المؤرخ المعروف ـ مثلا ـ : لقد كانت بابل بنية بشكل مربَّع طول كل ضلع من اضلاعه الاربعة (120 فرسخاً) ومحيطه (480 فرسخاً)(1) .

إنَّ هذا الكلام مهما كان مبالغاً فيه إلاّ أنه على كل حال يكشف عن حقيقة لا تقبل الإنكار، إذا ما ضُمَّ إلى ما كتبه الآخرون عن تلك المدينة التاريخية .

غير اننا لا نرى من تلك المدينة اليوم ومن مناظرها الجميلة، وقصورها الرائعة، إلاّ تلاّ من التراب في منطقة بين «دجلة» و «الفرات»، فالموت يخيّم على كل تلك المنطقة، اللّهم الا عندما يكسر علماء الآثار بتنقيباتهم جدار الصمت أحياناً، بحثاً عن آثار تلك المدينة، ويستخرجون بقاياها الموقوف على معالم من حضارة اصحابها وسكانها .

لقد فتح رائد التوحيد ومُرسي اركانه «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ عينيه


1 - قاموس الكتاب المقدّس، مادّة بابل .


(121)

في دولة «نمرود بن كنعان» .

وكان نمرود هذا رغم أنه يعبدُ الصنم يدّعي الاُلوهيَّة ويأمر الناس بعبادته .

وقد يبدو هذا الامر عجيباً جداً فكيف يمكن ان يكون الشخص عابد صنم ومع ذلك يدّعي الاُلوهية في الوقت نفسه، إلاّ أن القرآن الكريم يذكر لنا نظير هذه المسألة في شان «فرعون مصر»، وذلك عندما هزّ النبي موسى بن عمران ـ عليه السلام ـ قواعد العرش الفرعوني بمنطقه القوىّ، وحجته الصاعقة، فاعترض أنصار فرعون وملأوه على هذا الأمر، وخاطبوا فرعون بلهجة معترضة قائلين: (أتذَرُ مُوسى وَ قَومهُ لِيُفْسِدُوا في الأَرْض وَ يَذركَ وآلهَتَكَ)(1) .

ومن الواضح جدّاً أن «فرعون» كان يدعي الالوهية فهو الّذي كان يقول: (أَنا رَبُّكُمُ الاَْعْلى)(2)وهو القائل: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ اله غَيْريْ)(3) ولكنه كان في الوقت نفسه عابد صنم ووثنياً .

بَيْدَ أَنَّ هذه الازدواجية ليست بأَمر غريب عند الوثنيين، ولا يمنع مانع في منطقهم أن يكون الشخصُ نفسه وثنياً يعبد الصنم، ومع ذلك يَدَّعي أنه الهٌ ويدعو الناس إلى عبادته فيكون الهاً معبوداً، يعبد الهاً أعلى منه، لأن المقصود من المعبود والاله ليس هو خالق الكون بل هو من يتفوَّق على الآخرين بنحو من أنحاء التفوق ويتملك زمام حياتهم بشكل من الإشكال .

هذا والتاريخ يحدثنا أن العوائد في بلاد الروم كانت تعبد كبارها ومع ذلك كان اولئك الكبار المعبودين انفسهم يتخذون لأنفسهم معبوداً أو معبودات اُخرى .

إن أكبر وسيلة توسَّل بها «نمرودُ» في هذا السبيل هو استقطاب جماعة من الكهنة والمنجمين الذين كانوا يُعدّون الطبقة العالمة والمثقَّفة في ذلك العصر .

فقد كان خضوعُ هذه الطبقة يمهّد لاستعمار الطبقة المنحطة وغير الواعية من الناس.

هذا مضافاً إلى أنه كان يُناصر «نمرود» بعضُ من ينتسب إلى «الخليل»


1 - الأعراف: 127 .
2 - النازعات: 24 .
3 - القصص: 38 .


(122)

ـ عليه السلام ـ بوشيجة القربى مثل «آزر» الّذي كان يصنع التماثيل، وكان عارفاً بأحوال النجوم والفلك أيضاً، وكان هذا هو الآخر أحد العراقيل الّتي كانت تمنع الخليل من انجاح مهمته، لأنه مضافاً إلى مخالفة الرأي العام له، كان يواجه مخالفة أقاربه ايضاً .

لقد كان نمرود غارقاً في عالم خيالي عندما دق المنجمون فجأة أول ناقوس للخطر وقالوا له: سوف تنهار حكومتُك، ويتهاوى عرشك وسلطانك على يد رجل يولد في تلك البيئة، الأمر الّذي أيقظ أفكاره النائمة، فتساءل من فوره، وهل وُلد هذا الرجل؟ فقيل له: لا، انه لم يولد بعد. فأمر من فوره بعزل الرجال عن النساء (وذلك في الليلة الّتي انعقدت فيها نطفة ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ عدو نمرود، وهادم ملكه، ومزيل سلطانه وهي الليلة التي حددها وتكهن بها المنجمون والكهنة من انصار نمرود) ومع ذلك كان جلاوزة «نمرود» يقتلون كل وليد ذكر، وكان على القوابل ان يسجِّلن اسماء المواليد في مكتبه الخاص .

ولقد اتفق أن انعقدت نطفةُ «الخليل» في نفس الليلة الّتي منع فيها اي لقاء جنسي بين الرجال، وازواجهم .

لقد حملت اُم إبراهيم به كما حملت اُم موسى به، وامضت فترة حملها في خفاء وتستر، ثم لجأت بعد وضع وليدها العزيز إلى غار بجبل على مقربة من المدينة حفاظاً عليه، وراحت تتفقده بين حين وآخر من الليل والنهار، قدر المستطاع .

وقد أرضى هذا الاسلوبُ الظالمُ «نمروداً» وأراح باله بمرور الزمن، إذ أيقن بانه قد قضى به على عدو عرشه، وهادم سلطانه، وتخلص منه .

لقد قضى «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ ثلاثة عشر عاماً في ذلك الغار الّذي كان يتصل بالعالم الخارجي عبر باب ضيّق، ثم أخرجته اُمه من ذلك الغار بعد ثلاثة عشر عاماً، ودخل «ابراهيم» في المجتمع، فاستغرب المجتمع النمرودي وجوده وانكروه(1) .


1 - تفسير البرهان: ج 1، ص 535 .


(123)

لقد خرج «إبراهيم» من الغار، مؤمناً باللّه بفطرته، وقوّى توحيده الفطري، بمشاهَدة الأَرض والسماء، والنظر في سطوع الكواكب والنجوم والتأمل في ما يجري في عالم النبات من نمو و حركة إلى غير ذلك ممّا يجري في عالم الطبيعة العجيب .

لقد واجه إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد خروجه من الغار جماعة من الناس بهرتهم أحوال الكواكب وعظمة أمرها، ففقدوا عقولهم تجاه هذه الظاهرة، كما راى جماعةٌ اُخرى أحطَّ فكريّاً من سابقتها يعبدون اصناماً منحوتة، بل واجه ما هو اسوأ بكثير من أعضاء الطوائف والجماعات الضالة إذ رأى رجلا يستغل جهل الناس وغبائهم ويدعي الالوهية ويفرض عليهم عبادته والخضوع له!!

لقد كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ يرى أَنَّ عليه أن يهيّىء نفسه لخوض المعركة في هذه الجهات الثلاث المختلفة، وقد نقل القرآن الكريم قصة نضال النبىّ «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ في هذه الاصعدة والجبهات الثلاث وسننقل لك في ما يأتي وباختصار ما ذكره القرآن في هذا المجال .

إبراهيم ومكافحته للوثنية:

كانت ظلمات الوثنية قد خيَّمت على منطقة بابل (موضع ولادة الخليل) برمتها .

فالآلهة المدَّعاة، والمعبودات (السماوية والارضية) الباطلة قد سحرت عقول مختلف فئات الشعب، فبعضها في نظرهم هي أرباب القدرة والسلطة، وبعضها الآخر وسيلة الزلفى والتقرب إلى اللّه إلى غير ذلك من التصورات السخيفة في هذا الصعيد .

وحيث أَن طريقة الأَنبياء في هداية البشرية وارشادهم هي الاستدلال بالبراهين، والاحتجاج بالمنطق، لانهم إنما يتعاملون مع قلوب الناس وعقولهم، ويبتغون ايجاد حكومة تقوم على أساس الإيمان واليقين، ومثل هذه الحكومة لا يمكن اقامتها بالسيف أو بالنار والحديد. لهذا يبدأون حركتهم بالتوعية الفكرية .

إن علينا أن نفرق بين الحكومات الّتي يريد الأنبياء تأسيسها، وحكومة


(124)

الفراعنة والنماردة .

ان هدف الطائفة الثانية هو: الرئاسة والزعامة، والحفاظ عليها بكل وسيلة ممكنة في حياتهم، وان تلاشت وتهاوت من بعدهم .

ولكن الانبياء والرسل يريدون حكومة تبقى قائمة في جميع الحالات وماثلة في جميع الاوقات، في الخلوة والجلوة، في وقت الضعف، وفي وقت القوة، في حياتهم وبعد مماتهم... انهم يريدون أن يحكموا على القلوب لا على الابدان، وهذا الهدف لا يتحقق ابداً عن طريق القوة واستخدام العنف والقهر!! انما يتحقق عن طريق الحجة والبرهان .

لقد بدأ النبيُ «إبراهيم» عملَه بمكافحة ما كان عليه أقرباؤُه الذين كان في طليعتهم وعلى رأسهم «آزر» وهو الوثنية وعبادة الاصنام، ولكنه لم ينته من هذه المعركة ولم يحرز إنتصاراً كاملا في هذه الجبهة بعد إلاّ وواجه ـ عليه السلام ـ جبهة اُخرى، وكانت هذه الجماعة أعلى مستوى من افراد الجماعة السابقة في الفهم والثقافة. لان هذه الجماعة ـ على خلاف أقرباء إبراهيم ـ قد نبذت عبادة الأوثان والأَصنام(1)، والمعبودات الارضية الحقيرة، وتوجهت بعبادتها وتقديسها إلى الكواكب والنجوم والاجرام السماوية .

ولقد بيَّن «الخليل» ـ عليه السلام ـ في حواره العقائدي مع عُبّاد الاجرام السماوية، ومكافحته لمعتقداتهم الفاسدة، سلسلة من الحقائق الفلسفية والعلمية الّتي لم يصل إليها الفكر البشري يومذاك، وذلك ببيان بسيط مدعوم بأدلة لا تزال إلى اليوم موضع اعجاب كبار العلماء، ورواد الفلسفة والكلام .

والأَهم من ذلك ـ في هذا المجال ـ أن القرآن الكريم نقل أدلة «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ باهتمام خاص وعناية بالغة ولهذا ينبغي لنا أن نتوقف عندها قليلا، وهذا ما سنفعله في هذه الصفحات .


1 - ترتبط آية 74 من سورة الأنعام بحواره ـ عليه السلام ـ مع الوثنيّين، بينما ترتبط الآيات اللاحقة لها بعبدة الأجرام السماوية .


(125)

حوار الخليل مع عبدة الكواكب:

ذات ليلة وقف إبراهيم ـ عليه السلام ـ عند ابتداء مغيب الشمس يتطلع في السماء ـ وهو ينوي هداية الناس ـ وبقي ينظر إلى النجوم والكواكب من أول الغروب من تلك الليلة إلى الغروب من الليلة التالية، وخلال هذه الساعات الاربع والعشرين حاور وجادل ثلاث فرق، من عبدة النجوم وابطل عقيدة كل فرقة منها بأدلة محكمة، وبراهين متقنة قوية .

فعندما أقبل الليلُ وخيّم الظلام على كل مكان وهو يخفي كل مظاهر الوجود ومعالمه في عالم الطبيعة ظهر كوكبُ «الزُهرة» من جانب الاُفق وهو يتلألأ.

فقال إبراهيم لِعُباد هذا الكوكب ـ وهو يتظاهر بموافقتهم جلباً لهم، ومقدمة للدخول معهم في حوار ـ : «هذا ربي» .

وعندما افل ذلك الكوكب وغاب عن الانظار قال: «لا احب الآفلين» .

وبمثل هذا المنطق الجميل أبطل عقيدة عبدة الزهرة، واظهر خواءها وفسادها .

ثمّ إنه ـ عليه السلام ـ نظر إلى كوكب القمر المنير الّذي يسحر القلوب بنوره وضوئه، فقال ـ متظاهراً بموافقة عبدة القمر ـ : «هذا ربي» ثم ردّ باسلوب منطقي محكم تلك العقيدة أيضاً، عندما امتدت يد القدرة المطلقة ولمت أشعة القمر من عالم الطبيعة، وعندها إتخذ إبراهيم ـ عليه السلام ـ هيئة الباحث عن الحقيقة ومن دون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها إذ قال: (لَئنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لأَكُونَنَّ مِن الْقَوْم الضالِين)(1) لأَن القمر قد أَفل أيضاً كما أَفل سابقُه فهو كغيره أسير نظام عُلوىٍّ لا يتخلف، وما كان كذلك لا يمكن ان يُعدَّ رباً يُعبَد، ويتوَجه إليه بالتقديس والتضرع .

ولما وَلّى الليل وأدبر، واكتسحت الشمس الوضاءة باشعتها حجب


1 - الأنعام: 77 .


(126)

الظلام، وبثت خيوطها الذهبية على الوهاد والسهول، والتفت عَبدَة الشمس إلى معبودهم، تظاهر ابراهيم بالاقرار بربوبيتها اتباعاً لقواعد الجدل والمناظرة ولكن افول الشمس وغروبها اثبت هو الآخر بطلان عبادتها ايضاً بعد أن اثبت خضوعها للنظام الكوني العام، فتبرأ «الخليل» ـ عليه السلام ـ من عبادتها بصراحة .

وعندئذ أعرض ـ عليه السلام ـ عن تلك الطوائف الثلاث وقال: (إنّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذيْ فَطرَ الْسَّماواتِ وَ الاَْرضَ حَنِيفْاً وَ ما أنا مِنَ الْمُشْركين)(1) .

لقد كان المخاطبين في كلام إبراهيم ـ عليه السلام ـ هم الذين يعتقدون بأن تدبير الكائنات الارضية، ومنها الإنسان قد انيطت إلى الاجرام السماوية وفوضت اليها!!

وهذا الكلام يفيد أن الخليل ـ عليه السلام ـ لم يقصد المطالب الثلاث التالية:

1- اثبات الصانع (الخالق) .

2- توحيد الذات وأنه واحد غير متعدد .

3- التوحيد في الخالقية، وأنه لا خالق سواه .

بل كان تركيزه ـ عليه السلام ـ على التوحيد في «الربوبية» و «التدبير» وادارة الكون، وانه لا مدبّر ولا مربي للموجودات الأرضية إلاّ اللّه سبحانه وتعالى، ومن هنا فانه ـ عليه السلام ـ فور إبطاله لربوبية الاجرام السماوية قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِىَ للَّذيْ فَطرَ السَماواتِ والأَرْضَ...) وهو يعني ان خالق السماوات والأَرض هو نفسه مدبرها وربُها، وانه لم يفوَّض أي شيء من تدبير الكون، ـ لا كله ولا بعضه ـ إلى الاجرام السماوية، فتكون النتيجة: أن الخالق والمدبر واحد لا أن الخالق هو اللّه والمدبر شيء آخر .

ولقد وقع المفسرون، والباحثون في معارف القرآن في خطأ، والتباس عند التعرض لمنطق «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ وشرح حواره هذا، حيث تصوروا أن الخليل ـ عليه السلام ـ قصد نفي «اُلوهية» هذه الأجرام يعني الالوهية الّتي تعتقد بها


1 - الأنعام: 79 .


(127)

جميع شعوب الأرض ويكون هذا الكون الصاخِب آية وجوده .

بينما تصوّر فريق آخر ان «إبراهيم» كان يقصد نفي «الخالقية» عن هذه الأجرام السماوية، لأنه من الممكن ان يخلق إله العالم كائناً كامل الوجود والصفات ثم يفوض إليه مقام الخالقية في حين أن هذين التفسيرين غير صحيحين، بل كان هدف الخليل ـ عليه السلام ـ ـ بعد التسليم بوجود اله واجب الوجود، وتوحيده، ووحدانية الخالق ـ البحث في قسم آخر من التوحيد، الا وهو التوحيد «الربوبي»، وبالتالي اثبات أن خالق الكون هو نفسُه مدبر ذلك الكون أيضاً، وعبارة «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ...» أفضل شاهد على هذا النوع من التفسير .

من هنا كان التركيز الأكبر في بحث ابراهيم على مسألة «الربّ» و «الربوبية» في صعيد الاجرام كالقمر والزهرة والشمس(1) .

هذا واستكمالا للبحث الحاضر لابدَّ من توضيح برهان النبىّ «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ .

لقد استدل «ابراهيم» في جميع المراحل الثلاث باُفول هذه الاجرام على أنها لا تليق بتدبير الظواهر الارضية وبخاصة الإنسان .

وهنا ينطرح سؤال: لماذا يُعتبر اُفول هذه الاجرام شاهداً على عدم مدبِّريتها؟

إن هذا الموضوع يمكن بيانُه بصور مختلفة، كل واحدة منها تناسب طائفة معينة من الناس .

ان تفسير منطق «الخليل» ـ عليه السلام ـ واسلوبه في إبطال مدبِّرية الاجرام السماوية وربوبيّتها بأشكال وصور مختلفة أفضل شاهد على أن للقرآن الكريم أبعاداً مختلفة وأن كل بُعد منها يناسب طائفة من الناس .


1 - لقد بيّنا مراتب التوحيد من وجهة نظر القرآن الكريم في كتابنا «معالم التوحيد في القرآن الكريم» وأثبتنا هناك أنّ التوحيد في الذات غير التوحيد في الخالقية، وأن هذين النوعين من التوحيد غير التوحيد في الروببية، وهي غير المراتب الاُخرى للتوحيد، فراجع الكتاب المذكور تقف على هذه الحقيقة .


(128)

واليك في ما يلي التفاسير المختلفة لهذا الاستدلال:

الف: إن الهدف من اتخاذ الربّ هو أن يستطيع الكائن الضعيف في ظل قدرة ذلك الرب من الوصول إلى مرحلة الكمال ولابدّ ان يكون لمثل هذا الربّ ارتباطٌ قريبَ مع الموجودات المراد تربيتها بحيث يكون واقفاً على أحوالها، غير منفصل عنها، ولا غريب عليها .

ولكن كيف يستطيع الكائن الّذي يغيب ساعات كثيرة عن الفرد المحتاج إليه في التربية ويُحرم ذلك الفرد من فيضه وبركته، ان يكون رباً للموجودات الأَرضية ومدبراً لها؟!

من هنا يكون اُفول النجم، وغروبه، الّذي هو علامة غربته وانقطاعه عن الموجودات الارضية خير شاهد على أن للموجودات الأَرضية ربّاً آخر، منزهاً عن تلك النقيصة عارياً عن ذلك العيب .

باء: انَّ طلوع الأجرام السماوية وغروبها وحركتها المنظمة دليل على أنها جميعاً خاضعة لمشيئة فوقها، وانها في قبضة القوانين الحاكمة عليها، والخضوع لقوانين منظمة هو بذاته دليل على ضعف تلك الموجودات، ومثل هذه الموجودات الضعيفة لا يمكن أن تكون حاكمة على الكون، أو شيء من الظواهر الطبيعية، وأما استفادة الموجودات الارضية من نور تلك الاجرام وضوئها فلا يدل أبداً على ربوبية تلك الأجرام، بل هو دليل على أن تلك الأجرام تؤدّي وظيفة تجاه الموجودات الأرضية بأمر من موجود أعلى .

وبعبارة أخرى: إن هذا الأمر دليل على التناسق الكوني، وارتباط الكائنات بعضها ببعض .

جيم: ما هو الهدف من حركة هذه الموجودات؟ هل الهدف هو أن تسير من النقص إلى الكمال أو بالعكس؟

وحيث أن الصورة الثانية غير معقولة، وعلى فرض تصورها لا معنى لأن يسير المربّي والمدبر للكون من مرحلة الكمال إلى النقص والفناء، يبقى الفرضُ الاول وهو بنفسه دليل على وجود مربٍّ آخر يوصل هذه الموجودات القوية في ظاهرها


(129)

من مرحلة إلى مرحلة، هو ـ في الحقيقة ـ الربُّ الّذي يبلغ بهذه الموجودات وما دونها إلى الكمال .

طريقة الأنبياء في الحوار والجدال:

لقد اسلفنا في ما سبق أن «ابراهيم» ـ بعد خروجه من الغار ـ واجه صنفين منحرفين عن جادة التوحيد هما:

1- الوثنيون .

2- عَبَدة الاجرام السماوية .

ولقد سمعنا حوار «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ وجداله مع الفريق الثاني، وعلينا الآن أن نعرف كيف حاور الوثنيين وعبدة الاصنام؟

إن تاريخ الانبياء والرسل يكشف لنا عن أنهم كانوا يبدأون دعوتهم من انذار الاقربين ثم يوسعون دائرة الدعوة لتشمل عامة الناس كما فعل رسول الإسلام في بدء دعوته حيث بدأ بانذار عشيرته الاقربين لما امره اللّه تعالى بذلك إذ قال: (وأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الاَْقْرِبِيْن)(1). وبذلك أسّس دعوته على إصلاح اقربائه وعشيرته .

ولقد سلك «الخليل» ـ عليه السلام ـ نفس هذا المسلك أيضاً إذ بدأ عمله الاصلاحي باصلاح اقربائه .

ولقد كان لآزر بين قومه مكانة اجتماعية عليا فهو ـ مضافاً إلى معلوماته في الصناعة وغيرها ـ كان منجماً ماهراً، وذا كلمة مسموعة ورأي مقبول في بلاط «نمرود» في كل ما يخبر به من أخبار النجوم، وكل ما يستخرجه وما يستنبطه من الامور الفلكية ويذكره من تكهنات .

لقد ادرك «ابراهيم» انه بجلبه لآزار (عمّه) يستطيع أن يسيطر على اوساط الوثنيين، ويجردهم من ركيزة هامة من كبريات ركائزهم، ولهذا بادر إلى منع


1 - الشعراء: 214 .


(130)

عمّه آزر ـ وبافضل الاساليب ـ عن عبادة الاوثان، بيد أن بعض الأسباب أوجبت أن لا يقبل «آزر» بنصائح «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ ، والمهم لنا في هذا المجال هو ان نتعرف على كيفية دعوة الخليل وعلى اسلوب حواره مع «آزر» .

ان الامعان في الآيات الّتي تنقل حوار «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ مع «آزر» توضح لنا أدب الانبياء، واسلوبهم الرائع في الدعوة والارشاد، ولنقف عند حوار ابراهيم ودعوته، ليتضح لنا ذلك .

يقول القرآن الكريم عن ذلك: (إذْ قالَ لأَبيْهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يسْمَعُ وَ لا يُبْصر وَ لا يُغْنِيْ عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إنِّي قَدْ جائنِي مِنَ الْعِلْم ما لَمْ يَأتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوياً. يا اَبتِ لا تَعْبُدِ الشّيطانَ انَ الشّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمن عَصِيّاً. يا أَبتِ إنّي اَخافُ أنْ يَمسَّك عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطانِ وَليّاً).

فاجابه «آزر» قائلا: (أراغبٌ أنْتَ عَنْ الهتي يا إبْراهيمُ لئنْ لَمْ تنْته لأَرْجُمَنَّكَ وَ اْهجُرْنيْ مَلِيّاً) .

ولكن «ابراهيم» بسعة صدره وعظمة روحه تجاهل ردّ «آزر» العنيف ذلك وأجابه قائلا: (سَلامٌ عَلَيْك سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيْ)(1) .

وأىّ جواب افضلُ مِنْ هَذا البيان وأىُّ لغة أليَن مِنْ هذه اللغة واحبّ إلى القلب، واكثر رحمة ولطفاً .

هَل كان آزر والدَ إبراهيم؟

ان الظاهر من الآيات المذكورة وكذا الآية (115) من سورة «التوبة» والآية (14) من سورة الممتحنة هو: أنّ «آزر» كان والد إبراهيم ـ عليه السلام ـ .

وقد كان إبراهيم يسميه أباً في حين كان «آزر» وثنياً، فكيف يصحّ ذلك وقد اتفقت كلمة علماء الشيعة عامة على كون والد النبىّ الكريم «محمَّد»


1 - مريم: 42 ـ 47 .


(131)

ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجميع الأَنبياء مؤمنين باللّه سبحانه موحدين اياه تعالى .

ولقد ذكر الشيخ المفيد رضوان اللّه عليه في كتابه القيم «أوائل المقالات»(1) ان هذا الامر هو موضع اتفاق علماء الشيعة الامامية كافة بل وافقهم في ذلك كثير من علماء السنة ايضاً .

وفي هذه الصورة ما هو الموقف من ظواهر الآيات المذكورة الّتي تفيد اُبوّة «آزر» لإبراهيم، وما هو الحل الصحيح لهذه المشكلة؟؟

يذهب أكثر المفسّرين إلى أن لفظة «الأب» وان كانت تُستعمل عادة في لغة العرب في «الوالد»، إلاّ أن مورد استعمالها لا ينحصر في ذلك .

بل ربما استعملت ـ في لغة العرب وكذا في مصطلح القرآن الكريم ـ في: (العمّ) أيضاً. كما وقع ذلك في الآية التالية الّتي استعملت فيها لفظة الأب بمعنى العم إذ يقول سبحانه:

(إذْ قالَ لِبَنْيهِ ما تَعْبُدونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وإله آبائكَ إبْراهيم واسْماعيل وإسحاقَ إلهاً واحِداً ونحن لهُ مسلمون)(2) .

فإنّ ممّا لا ريب فيه أن «اسماعيل» كان عماً ليعقوب لا والداً له، فيعقوب هو ابن اسحاق، واسحاق هو أخو اسماعيل.

ومع ذلك سمّى أولادُ يعقوب «اسماعيل» الّذي كان (عمَّهم) أباً .

ومع وجود هذين الاستعمالين (استعمال الاب في الوالد تارة، وفي العم تارة اُخرى) يصبح احتمال كون المراد بالاب في الآيات المرتبطة بهداية «آزر» هو العمّ أمراً وارداً، وبخاصة إذا ضَمَمْنا إلى ذلك قرينة قوية في المقام وهي: اجماع العلماء الّذي نقله المفيد رحمه اللّه على طهارة آباء الانبياء واجدادهم من رجس الشرك والوثنية .

ولعل السبب في تسمية النبي «ابراهيم» عمَّه بالأب هو أنه كان الكافل


1 - أوائل المقالات: ص 12، باب القول في آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله .
2 - البقرة: 133 .


(132)

لابراهيم ردحاً من الزمن، ومن هنا كان «ابراهيم» ينظر إليه بنظر الأب، وينزله منزلة الوالد .

القرآن ينفي اُبوّة «آزر» لإبراهيم:

ولكي نعرف رأي القرآن الكريم في مسألة العلاقة بين «آزر» و «ابراهيم» ـ عليه السلام ـ نلفت نظر القارىء الكريم إلى توضيح آيتين:

1- لقد أشرقت منطقةُ الحجاز بنور الايمان والإسلام بفضل جهود النبىّ «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتضحياته الكبرى، وآمن اكثر الناس به عن رغبة ورضا، وعلموا بأن عاقبة الشرك، وعبادة الاوثان والاصنام هو الجحيم والعذاب الاليم .

إلاّ أنهم رغم ابتهاجهم وسرورهم بما وُفقوا له من إيمان وهداية، كانت ذكريات آبائهم واُمهاتهم الذين مضوا على الشرك والوثنية تزعج خواطرهم وتثير شفقتهم، واسفهم.

وكان سماع الآيات التي تشرح أحوال المشركين في يوم القيامة يحزنهم ويؤلمهم، وبغية ازالة هذا الالم الروحي المجهد طلبوا من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يستغفر لابائهم واُمهاتهم كما فعل «إبراهيم» في شأن «آزر» فنزلت الآية في مقام الردّ على طلبهم ذاك، إذ قال سبحانه:

(ما كانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْركينَ وَلَوْ كانُوا اُوْلي قَرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبيَِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحابُ الْجَحْيمَ و ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيْمَ لأَبيْه إلا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إيّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌ للّه تَبَرَّاَ مِنْهُ إنَّ إبْراهيْمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ)(1) .

إنَّ ثمة قرائن كثيرة تدل على أنّ محادثة النبيّ «إبراهيم» وحواره مع «آزر» ووعده بطلب المغفرة له من اللّه سبحانه قد انتهى إلى قطع العلاقات،


1 - التوبة: 113 و 114 .


(133)

والتبرّي منه في عهد فتوَّة «إبراهيم»، وشبابه، اى عندما كان «إبراهيم» لا يزال في مسقط رأسه «بابل» ولم يتوجه بعد إلى فلسطين ومصر وأرض الحجاز.

إننا نستنتج من هذه الآية أن «إبراهيم» قطع علاقته مع «آزر» ـ في أيام شبابه ـ بعد ما أصرّ «آزر» على كفره، ووثنيته، ولم يعد يذكره إلى آخر حياته .

2- لقد دعا «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ في اُخريات حياته ـ أي في عهد شيخوخته ـ وبعد أن فرغ من تنفيذ مهمته الكبرى (تعمير الكعبة) واسكان ذريته في أرض مكة القاحلة، دعا وبكل اخلاص وصدق جماعة منهم والداه، وطلب من اللّه إجابة دعائه، إذ قال في حين الدعاء:

(رَبَّنا اغْفِرْليْ وَ لوالدىّ وَ لِلمؤمِنينْ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب)(1) .

إنَ هذه الآية تفيد بصراحة ـ أن الدعاء المذكور كان بعد الفراغ من بناء الكعبة المعظمة، وتشييدها، يوم كان إبراهيم يمر بفترة الشيخوخة، فاذا كان مقصودُه من الوالد في الدعاء المذكور هو «آزر» وانه المراد له المغفرة الالهية كان معنى ذلك أن «ابراهيم» كان لم يزل على صلة بـ «آزر» حتّى أنه كان يستغفر له في حين أن الآية التي نزلت رداً على طلب المشركين أوضحت بأن «إبراهيم» كان قد قطع علاقاته بـ «آزر» في أيّام شبابه، وتبرّأ منه، ولا ينسجم الاستغفار مع قطع العلاقات .

إن ضَمَّ هاتين الآيتين بعضهما إلى بعض يكشف عن أنّ الّذي تبرّأ منه «ابراهيم» في أيام شبابه، وقطع علاقاته معه، واتخذوه عدواً هو غير الشخص الّذي بقي يذكره، ويستغفر له إلى اُخريات حياته(2) .

إبراهيم محطِّم الأَصنام:

لقد حلَّ موسم العيد، وخرج أهلُ بابل المغفّلين الجهلة إلى الصحراء للاستجمام، ولقضاء فترة العيد، وإجراء مراسيمه، وقد أخلوا المدينة .


1 - إبراهيم: 41 .
2 - مجمع البيان: ج 3، ص 321، والميزان: ج7، ص 170 .


(134)

ولقد كانت سوابق «إبراهيم»، وتحامله على الأصنام، واستهزاؤه بها قد أوحدت قلقاً وشكاً لدى أهل بابل، ولهذا طلبوا منه ـ وهم الذين يساورهم القلق من موقفه تجاه اصنامهم ـ الخروج معهم إلى الصحراء، والمشاركة في تلك المراسيم، ولكن اقتراحهم هذا بل إصرارهم واجه رفض إبراهيم الّذي رد على طلبهم بحجة المرض إذ قال: «إنّي سَقِيم» وهكذا لم يشترك في عيدهم، وخروجهم وبقي في المدينة .

حقاً لقد كان ذلك اليوم يوم ابتهاج وفرح للموحد والمشرك، وأمّا للمشركين فقد كان عيداً قديماً عريقاً يخرجون للاحتفال به، واقامة مراسيمه وتجديد ما كان عليه الآباء والاسلاف إلى الصحراء حيث السفوح الخضراء والمراع الجميلة .

وكان عيداً لإبراهيم بطل التوحيد كذلك، عيداً لم يسبق له مثيل، عيداً طال انتظارُه، وافرح حضوره وحلوله، فها هو إبراهيم يجد المدينة فارغة من الاغيار، والفرصة مناسبة للانقضاض على مظاهر الشرك والوثنية، وحدث هذا فعلا .

فعندما خرج آخر فريق من اهل بابل من المدينة، إغتنم «إبراهيم» تلك الفرصة ودخل وهو ممتلئ ايماناً ويقيناً باللّه في معبدهم حيث الأصنام والأوثان المنحوتة الخاوية، وأمامها الأطعمةُ الكثيرة الّتي احضرها الوثنيون هناك بقصد التبرك بها، وقد لفتت هذه الأطعمة نظر «الخليل» ـ عليه السلام ـ ، فأخذ بيده منها كسرة خبز، وقدمها مستهزء إلى تلك الاصنام قائلا: لماذا لا تأكلون من هذه الاطعمة؟

ومن المعلوم أن معبودات المشركين الجوفاء هذه لم تكن قادرة على فعل اي شيء أو حركة مطلقاً فكيف بالاكل .

لقد كان يخيم على جوّ ذلك المعبد الكبير سحابة من الصمت القاتل ولكنه سرعان ما اخترقته اصوات المعلول الّذي اخذ «إبراهيم» يهوي به على رؤوس تلك التماثيل الجامدة الواقفة بلا حراك، وايديها .

لقد حطم «الخليل» ـ عليه السلام ـ جميع الاصنام وتركها ركاماً من الاعواد المهشمة، والمعدن المتحطم، وإذا بتلك الاصنام المنصوبة في اطراف ذلك الهيكل


(135)

قد تحولت إلى تلة في وسط المعبد .

غير ان «ابراهيم» ترك الصنم الأكبر من دون ان يمسه بسوء، ووضع المعول على عاتقه، وهو يريد بذلك ان يظهر للقوم بأن محطِمَ تلك الأَصنام هو ذلك الصنمُ الكبير، إلاّ أن هدفه الحقيقي من وراء ذلك كان امراً آخراً سنبينهُ في ما بعد .

لقد كان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ يعلم بأنَّ المشركين بعد عودتهم من الصحراء، ومن عيدهم سيزورون المعبد، وسوف يبحثون عن علة هذه الحادثة، وأنهم بالتالي سوف يرون ان وراء هذه الظاهرة واقعاً آخر، إذ ليس من المعقول ان يكون صاحب تلك الضربات القاضية هو هذا الصنم الكبير الّذي لا يقدر اساساً على فعل شيء على الاطلاق .

وفي هذه الحالة سوف يستطيع «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ أن يستفيد من هذه الفرصة في عمله التبليغي ويستغل اعتراضهم بأن هذا الصنم الكبير لا يقدر على شيء أبداً، لتوجيه السؤال التالي اليهم: اذن كيف تعبدونه؟!!

فمنذ أن اخذت الشمس تدنو إلى المغيب ويقتربُ موعد غروبها، وتتقلص اشعتها وتنكمش من الرَّوابي والسهول، أخذَ الناسُ يؤوبون إلى المدينة أفواجاً افواجاً .

وعند ما آن موعد العبادة، وتوجّهوا إلى حيث اصنامهم، واجهوا منظراً فضيعاً وامراً عجيباً لم يكونوا ليتوقَّعونه!!

لقد كان المشهد يحكي عن ذلة الآلهة وحقارتها، وهو أمرٌ لفت نظر الجميع شيباً وشبّاناً، كباراً وصغاراً .

ولقد كانت تلك اللحظة لحظة ثقيلة الوطأة على الجميع بلا استثناء .

فقد خَيَّم سكوتٌ قاتلٌ مصحوب بحنق ومضض على فضاء ذلك المعبد المنكود الحظ.

إلا أن أحدهم خرق ذلك الصمت الرهيب وقال: من الّذي ارتكب هذه الجريمة، ومن فعل هذا بالهتنا؟!


(136)

ولقد كانت آراء «إبراهيم» ومواقفه السلبية السابقة ضد الاصنام وتحامله الصريح عليها تبعثهم على اليقين بأن «إبراهيم» وليس سواه هو الّذي صنع ما صنع بآلهتم واصنامهم .

ولأجل ذلك تشكلت فوراً محكمة يرأسها «نمرود» نفسه وأخذوا يحاكمون «ابراهيم» واُمه!!

ولم يكن لاُمه من ذنب إلا أنها أخفت ابنها، ولم تُعلِم السلطات بوجوده ليقضوا عليه، شأنه شأن غيره من المواليد الذين قضت تلك السلطة الظالمة عليهم حفاظاً على نفسها وكيانها .

ولقد أجابت اُم إبراهيم على هذا السؤال بقولها: أيها الملك فعلت هذا نظراً مني لرعيّتك، فقد رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت: إن كان هذا الّذي يطلبه دفعتُه إليه ليقتله ويكف عن قتل أولاد الناس، وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا .

ثم جاء دور مساءلة إبراهيم ـ عليه السلام ـ فسأله قائلا: (مَنْ فَعَلَ هذا بآلهَتنا يا إبْراهيْم) فقال إبراهيم: (فَعَلهُ كَبيْرُهمْ هذا فاْسأَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُون).

وقد كان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ يهدف من هذه الاجابة اللامبالية المصحوبة بالسخرية والازدراء هدفاً آخر، وهو ان «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ كان على يقين بأنهم سيقولون في معرض الاجابة على كلامه هذا: إنك تعلم يا إبراهيم ان هذه الأصنام لا تقدر على النطق، وفي هذه الصورة يستطيع «إبراهيم» أن يُلفت نظر السلطات الّتي تحاكمه إلى نقطة اساسية .

وقد حدث فعلا ما كان يتوقعه «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ لما قالوا له وقد نكسوا على رؤوسهم: «لقد عَلِمْتَ ما هؤلاء يَنْطِقُونَ» فقال إبراهيم رداً على كلامهم هذا الّذي كان يعكس حقارة تلك الاصنام والأوثان وتفاهة شأنها: (اَفتَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ وَ لا يَضُرُّكُمْ اُفّ لكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أفَلا تَعْقِلُون) .

إلاّ أنَّ تلك الزمرة المعاندة الّتي ران على قلوبها الجهلُ والتقليدُ الأعمى لم


(137)

يجدوا جواباً لأبراهيم الّذي افحمهم بمنطقه الرصين الاّ أن يحكموا باعدامه حرقاً، فأَوقدوا ناراً كبيرة وألقوا بإبراهيم ـ عليه السلام ـ فيها إلاّ أن العناية الالهية شملت إبراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ ، وحفظته من اذى تلك النار، وحولت ذلك الجحيم الّذي اوجده البشر، إلى جُنينة خضراء نضرة إذ قال: (يا نارُ كُوني بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إبْراهِيْم)(1).

العِبَر القيمة في هذه القصة:

مع ان اليهود يعتبرون أنفسَهم في مقدمة الموحِّدين، لم ترد هذه القصة في ثوراتهم الحاضرة رغم كونها معروفة بينهم، بل تفرّد القرانُ الكريم من بين الكتب السماوية بذكرها لأهميتها .

من هنا فإننا نذكرُ بعض النقاط المفيدة، والدروس المهمة في هذه القصة الّتي يَهدِفُ القرآن من ذكرها وذكر امثالها من قصص الأنبياء والرسل .


1 - وقد ذكر تفاصيل هذه القصة في الآيات 51 إلى 70 من سورة الانبياء وها نحن ندرج كل هذه الآيات هنا:
(وَ لَقَد آتَيْنا إبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنّا بِهِ عالِميْن. إذْ قالَ لأَبيهِ وَ قومِه ما هذه الْتَّماثِيلُ الّتي أنْتُمْ لَها عاكِفونَ. قالُوا وَجَدْنا آباءنا لَها عابديْن قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ وَ آباؤكُمْ في ضَلال مُبين. قالوا اجتنا بالْحق أمْ اَنتَ من اللاعبينَ قالَ بَل ربكم ربُ السماواتِ والأَرض الَّذي فطرهُنَّ وأَنا على ذلِكُمْ مِنَ الشاهدينَ وَ تالله لأَكيْدَنَّ أَصنامكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبرين. فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إلاّ كَبيْراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إليْهِ يَرْجِعُونَ. قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِالهَتِنا إنَّهُ لِمَنَ الظّالِمينَ. قالُوا سَمِعْنا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْراهيْمَ. قالُوا: فَاتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هذا بآلِهَتِنا يا إبْراهيمَ. قال بَلْ فَعَلَهُ كَبْيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَرجَعُوا إلى أنفُسِهِمْ فقالُوا إنَّكُمْ أنتمُ الظّالِمونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدء عَلِمْتَ ما هؤُلاء يَنْطِقُونَ. قالَ: اَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّهِ ما لا يَنْفَعكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ. اُفّ لَكُمْ وَ لما تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه أفَلا تَعْقِلُونَ قالُوا حَرَّقُوهُ وَانْصُرُوا الِهَتكُمْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ. قلْنا يا نارُ كُونيْ بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إبراهيْمَ. وَ أَرادُوا به كَيْداً فَجَعَلْناهُمْ الأَخْسرينَ).
وللوقوف على تفاصيل وخصوصيات ولادة إبراهيم عليه السَّلام وتحطيمه للأصنام راجع كتاب الكامل لابن الأثير: ج 1، ص 53 ـ 62، وبحارالأنوار: ج 12، ص 14 ـ 55 .


(138)

1- إن هذه القصة خير شاهد على شجاعة «إبراهيم الخليل» ـ عليه السلام ـ وبطولته الفائقة .

فعزم ابراهيم على تحطيم الاصنام، ومحق وهدم كل مظاهر الشرك والوثنية المقيتة لم يكن امراً خافياً على النمروديين لانه ـ عليه السلام ـ كان قد أظهر شجبه لها، واعلن عن استنكاره لعبادتها وتقديسها من خلال كلماته القادحة فيها، واستهزائه بها، فقد كان ـ عليه السلام ـ يقول لهم بكل صراحة بانه سيتخذ من تلك الاصنام موقفاً مّا إذا لم يتركوا عبادتها وتقديسها، فقد قال لهم يوم ارادوا ان يخرجوا إلى الصحراء لمراسيم العيد: (وَ تاللّه لأَكيْدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُّوا مُدْبِريْن)(1) .

ولقد كان موقف الخليل ـ عليه السلام ـ ينم عن شجاعة كبرى فقد قال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في هذا الصدد:

«ومنها (اي وممّا تحلّى به النبىّ ابراهيم) الشجاعة وقد كشفت (قضيةُ) الاصنام عنه، ومقاومة الرجل الواحد اُلوفاً من أعداء اللّه عزّوجلّ تمام الشجاعة»(2) .

2ـ ان ضربات «إبراهيم» القاضية وان كانت في ظاهرها حرباً مسلحة، وعنيفة ضد الاصنام إلا أن حقيقة هذه النهضة ـ كما يُستفاد من ردود «إبراهيم» على أسئلة الذين حاكموه، واستجوبوه ـ كانت ذات صبغة تبليغية دعائية .

فان «إبراهيم» لم يجد وسيلة لا يقاظ عقول قومه الغافية، وتنبيه فطرهم الغافلة، إلا تحطيم جميع الاصنام، وترك كبيرها وقد علق القدوم على عاتقه ليدفع بقومه إلى التفكير في القضية من اساسها وحيث أن العمل لم يكن اكثر من مسرحية إذ لا يمكن أن يصدق أحدهم بأن تلك الضربات القاضية كانت من صنع ذلك الصنم الكبير وفعله حينئذ يستطيع إبراهيم أن يستثمر فعله هذا في دعوته، ويقول انَّ هذا الصنم الكبير لا يقدر ـ وباعترافكم ـ على فعل أىّ شيء


1 - الأنبياء: 57 .
2 - بحارالأنوار: ج 12، ص 67 .


(139)

مهما كان صغيراً وحقيراً فكيف تعبدونه اذن؟!

ولقد استفاد «إبراهيم» من هذه العملية فعلا، وتوصل إلى النتيجة الّتي كان يتوخاها، فقد ثابوا إلى نفوسهم بعد ان سمعوا كلمات «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ ، واستيقظت ضمائرهم وعقولهم ووصفوا انفسهم بالظلم بعد أن تبيّن لهم الحق وبطل ما كانوا يعبدون إذ قال تعالى: (فَرجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكُمْ أَنْتُمْ الظّالِمُون)(1) وهذا بنفسه يفيد بأن سلاح الانبياء القاطع في بدء عملهم الرسالي كان هو: سلاح المنطق والاستدلال ليس إلا، غاية الأمر أن هذا كان يؤدي في كل دورة بما يناسبها من الوسائل، وإلاّ فما قيمة تحطيم عدد من الأَصنام الخشبية بالقياس إلى مخاطرة النبىّ «ابراهيم الخليل» بنفسه وحياته، وبالقياس إلى الاخطار الّتي كانت تتوجه إليه نتيجة هذا العمل الصارخ .

إذن فلابد ان يكون وراء هذه العملية الخطيرة هدفٌ كبيرٌ وخدمة عظمى تستحق المخاطرة بالنفس، ويستحق المرء امتداح العقل له إذا عرّض حياته للخطر في سبيلها .

3ـ لقد كان إبراهيم يعلم بأن هذا العمل سيؤدي بحياته، وسيكون فيه حتفه، فكانت القاعدة تقتضي أن يسيطر عليه قلقٌ واضطرابٌ شديدان، فيتوارى عن اُعين الناس، أو يترك المزاح، والسخرية بالأَصنام على الأقل، ولكنه كان على العكس من ذلك رابط الجأش، مطمئن النفس، ثابتَ القدم، فهو عندما دخَلَ في المعبد الّذي كانت فيه الأصنامُ تقدم بقطعة من الخبز إلى الاصنام ودعاها ساخراً بها، إلى الاكل، وثم ترك الأَصنام بعد اليأس منها تلاّ من الخشب المهشم، واعتبر هذا الامرَ مسألة عادية لا تستأهل الوَجلَ والخوف، وكأنه لم يفعل ما يستتبع الموت المحقَّق ويستوجب الاعدام المحتّم .

فهو عندما يأخذ مكانه امام هيئة القضاة يقول معرضاً بالاصنام: فعله كبير الأصنام فاسئلوه ولا شك أن هذا التعريض والسخرية بالاصنام إنما هو موقف من


1 - الأنبياء: 64 .


(140)

لا يوجس خيفة، ولا يشعر بوجَل من عمله، بل هو فعل من قد هيّأ نفسه لكل الاخطار المحتملة، واستعد لكل النتائج مهما كانت خطيرة .

بل الأعجبُ من هذا كله دراسة وضع «إبراهيم» نفسه حينما كان في المنجنيق وقد تيقّن أنه سيكون وسط ألسنة اللهب بعد هنيئة، وتلتهمه النار المستعرة تلك النار الّتي جمع اهل «بابل» لها الحطب الكثير تقرباً إلى آلهتهم، وكانوا يعتبرون ذلك العمل واجباً مقدساً... تلك النار الّتي كان لهيبا من القوة بحيث ما كانت الطيور تستطيع من التحليق على مقربة منها .

في هذه اللحظة الخطيرة الحساسة جاءه جبرئيل واعلن عن استعداده لانقاذه وتخليصه من تلك المهلكة الرهيبة قائلا له: هل لك إلىّ من حاجة؟

فقال «إبراهيم»: أما إليك فلا، وأما إلى ربِّ العالمين فنعم(1).

ان هذا الجواب يجسِّدُ ايمان «إبراهيم» العظيم، وروحه الكبرى .

لقد كان «نمرود» الّذي جلس يراقب تلك النار من عدة فراسخ، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانتقام، وكان يحب ان يرى كيف تلتهم ألسنة النار «إبراهيم». فما أرهب تلك اللحظات !

لقد اشتغل المنجنيقُ، وبهزّة واحِدة اُلقي بإبراهيم ـ عليه السلام ـ في وسط النار غير أَن مشيئة اللّه، وارادته النافذة تدخلت فوراً لتخلص خليل اللّه ونبيه العظيم، فحوّلت تلك النّار المحرقة الّتي أوقدتها يَدُ البشر إلى روضة خضراء وجنينة زاهرة ادهشت الجميع حتّى أَنَّ «إبراهيم» التفت إلى «آزر» وقال ـ من دون ارادته ـ : «يا آزر ما اكرم إبراهيم على ربّه»(2).

إن انقلاب تلك النّار الهائلة إلى روضة خضراء لإبراهيم قد تمّ بأمر اللّه المسبب للإسباب والمعطل لها متى شاء، المعطي لها آثارها، والسالب عنها ذلك، متى اراد .


1 - عيون أخبار الرضا: ص 136، وأمالي الصدوق: ص 274، وبحارالأنوار: ج 12، ص 35.
2 - تفسير البرهان: ج 3، ص 64 .


(141)

اجل إن اللّه الّذي منح الحرارة للنّار والاضاءة للقمر، والاشعاع للشمس لقادر على سلب هذه الآثار وانتزاعها من تلك الاشياء وتجريدها، ولهذا صحَّ وصفُه بمسبب الاسباب، ومعطلها .

غير ان جميع هذه الحوادث الخارقة والآيات الباهرة لم تستطع ان توفر لابراهيم الحرية الكاملة في الدعوة والتبليغ، فقد قررت السلطة الحاكمة وبعد مشاورات ومداولات إبعاد «إبراهيم» ونفيه، وقد فتح هذا الأَمرُ صفحة جديدة في حياة ذلك النبىّ العظيم، وتهيأت بذلك اسبابُ رحلته إلى بلاد الشام وفلسطين ومصر وارض الحجاز .

هجرة الخليل

ـ عليه السلام ـ :

لقد حكمت محكمة «بابل» على «إبراهيم» بالنفي والإبعاد من وطنه، ولهذا اضطرّ ـ عليه السلام ـ ان يغادر مسقط رأسه، ويتوجه صوبَ فلسطين ومصر، وهناك واجه استقبال العمالقة الذين كانوا يحكمون تلك البقاع وترحيبهم الحار به ونعم بهداياهم الّتي كان من جملتها جارية تدعى «هاجر» .

وكانت زوجته «سارة» لم تُرزق بولد إلى ذلك الحين، فحركت هذه الحادثة عواطافها ومشاعرها تجاه زوجها الكريم إبراهيم ولذلك حثته على نكاح تلك الجارية عله يُرْزَقُ منها بولد، تقرّ به عينه وتزدهر به حياته .

فكان ذلك، وولدت «هاجر» لإبراهيم ولداً ذكراً سمي باسماعيل، ولم يمض شيء من الزمان حتّى حبلت سارة هي أيضاً وولدت ـ بفضل اللّه ولطفه ـ ولداً سمي باسحاق(1) .

وبعد مدة من الزمان أمر اللّه تعالى «إبراهيم» بان يذهب بإسماعيل واُمه «هاجر» إلى جنوب الشام «أي ارض مكة» ويُسكِنهما هناك في واد غير معروف إلى ذلك الحين... واد لم يسكنه أحدٌ بل كانت تنزل فيه القوافل التجارية


1 - بحارالأنوار: ج 12، ص 118 و 119 .


(142)

الذاهبة من الشام إلى اليمن، والعائدة منها إلى الشام، بعض الوقت ثم ترحل سريعاً، وأما في بقية أوقات السنة فكانت كغيرها من أراضي الحجاز صحراء شديدة الحرارة، خالية عن أي ساكن مقيم .

لقد كانت الاقامة في مثل تلك الصحراء الموحشة عملية لا تطاق بالنسبة لأمرأة عاشت في ديار العمالقة والفت حياتهم وحضارتهم، وترفهم وبذخهم .

فالحرارة اللاهبة والرياح الحارقة في تلك الصحراء كانت تجسّد شبح الموت الرهيب امام ابصار المقيمين .

وإبراهيم نفسه قد انتابته كذلك حالةٌ من التفكير والدهشة لهذا الامر، ولهذا فإنّه فيما كان عازماً على ترك زوجته «هاجر» وولده «إسماعيل» في ذلك الواد قال لزوجته «هاجر» وعيناه تدمعان: «إن الّذي أمرني أن أضعَكُمْ في هذا المكان هو الّذي يكفيكم» .

ثمّ قال في ضراعة خاصة: (ربِّ اجْعِلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ اْرزُقْ أهْلَهُ مِنَ الَثمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّه وَ الْيَوْمِ الآخِر)(1) .

وعندما انحدر من ذلك الجانب من الجبل التفت اليهما وقال داعياً: (رَبَّنا إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتي بِواد غَيْر ذِيْ زَرْع عِنْد بَيْتكَ الُمحَرَّم رَبَّنا لِيُقيْمُوا الصّلاة فَاجْعَلْ أفْئدَةً مِنَ النّاسِ تَهْويْ إلَيْهِمْ وَ اْرزُقْهُمْ مِنَ الَّْثمراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون)(2) .

إنَ هذا السفرة والهجرة وإن كانت في ظاهرها امراً صعباً، وعملية لا تطاق، إلا أن نتائجها الكبرى الّتي ظهرت في ما بعد أوضحت وبيّنت أهميّة هذا العمل، لأنّ بِناء الكعبة، وتأسيس تلك القاعدة العظمى لأهل التوحيد، ورفع راية التوحيد في تلك الربوع، وخلق نواة نهضة، عميقة، دينية، انبثقت على يد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وشعّت من تلك الديار إلى أنحاء العالم، كلُ ذلك كان من ثمار تلك الهجرة .


1 - البقرة: 126 .
2 - إبراهيم: 37 .


(143)

عين زمزم كيف ظهرت؟

لقد غادر «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ أرض مكة تاركاً زوجته وولده «إسماعيل» بعيون دامعة، وقلب يملأوه الرضا بقضاء اللّه والامل بلطفه وعنايته .

فلم تمض مدة إلا ونفد ما ترك عندهما من طعام وشراب، وجف اللبن في ثديي «هاجر»، وتدهورت أحوال الرضيع «إسماعيل»، وكانت دموع الام الحزينة تنحدر على حجره، وهي تشاهد حال وليدها الّذي قد أخذ العطش والجوع منه مأخذاً .

فانطلقت من مكانها فجأة تبحث عن الماء حتّى وصلت إلى جبل «الصفا» فرأت من بعيد منظر ماء عند جبل «مروة»، فاسرعت إليه مهرولة، غيران الّذي رأته وظنته ماء لم يكن الاّ السراب الخادع، فزادها ذلك جزعاً وحزناً على وليدها ممّا جعلها تكرر الذهاب والاياب إلى الصفا والمروة أملا في أن تجد الماء ولكن بعد هذا السعي المتكرر، والذهاب والاياب المتعدد بين الصفا والمروة عادت إلى وليدها قانطةً يائسةً .

كانت أنفاس الرضيع الظامىء ودقّات قلبه الصغير قد تباطأت بل واشرفت على النهاية، ولم يعد ذلك الرضيع الظامىء قادراً على البكاء ولا حتّى على الانين.

ولكن في مثل هذه اللحظة الحرجة الصعبة استجاب اللّه دعاء خليله و حبيبه «إبراهيم»، إذ لاحظت هاجر الماء الزلال وهو ينبع من تحت اقدام «اسماعيل» .

فسرت تلك الام المضطربة ـ الّتي كانت تلاحظ وليدها وهو يقضي اللحظات الاخيرة من حياته، وكانت على يقين بانه سرعان ما يموت عطشاً، وجهداً ـ سروراً عظيما بمنظر الماء، وبرق في عينيها بريق الحياة، بعد ان اظلمت الدنيا في عينيها قبل دقائق، فشربت من ذلك الماء العذب، وسقت منه رضيعها الظامىء، وتقشعت بلطف اللّه وعنايته وبما بعثه من نسيم الرحمة الربانية كل غيوم اليأس، وسحُب القنوط الّتي تلبدت وخيمت على حياتها .


(144)

ولقدادى ظهور هذه العين الّتي تدعى بزمزم في ان تتجمع الطيور في تلك المنطقة و تحلق فوق تلك البقعة الّتي لم يُعهد أن حلَّقت عليها الطيور، وارتادتها الحمائم، وهذا هو ما دفع بجرهم وهي قبيلة كانت تقطن في منطقة بعيدة عن هذه البقعة ان تتنبه إلى ظهور ماء فيها لمارأت تساقط الطيور وتحليقها، فأرسلت واردين ليتقصيا لها الخبر ويعرفا حقيقة الأمر، وبعد بحث طويل وكثير، انتهيا إلى حيث حلت الرحمة الالهية، وعندما اقتربا إلى «هاجر» وشاهدا بام عينيهما «امرأة» و «طفلا» عند عين من الماء الزلال الّذي لم يعهداه من قبل عادا من فورهما من حيث أتيا، وأخبرا كبار القبيلة بما شاهداه، فاخذت الجماعة تلو الجماعة من تلك القبيلة الكبيرة تفد إلى البقعة المباركة، وتخيم عند تلك العين لتطرد عن «هاجر» وولدها مرارة الغربة، ووحشة الوحدة، وقد سبب نمو ذلك الوليد المبارك ورشده في رحاب تلك القبيلة في ان يتزوج إسماعيل هذا من تلك القبيلة، ويصاهرهم، وبذلك يحظى بحمايتهم له، وينعم بدفاعهم ورعايتهم ومحبتهم له. فانه لم يمض زمانٌ حتّى أختار «إسماعيل» زوجة من هذه القبيلة، ولهذا ينتمي ابناء «إسماعيل» إلى هذه القبيلة من جهة الاُم .

تجديد اللقاء:

كان إبراهيم ـ عليه السلام ـ بعد أن ترك زوجته «هاجر» وولده «إسماعيل» في ارض «مكة» بأمر اللّه، يتردد على ولده بين فينة واُخرى .

وفي احدى سفراته ولعلّها السفرة الاُولى دخل «مكة» فلم يجد ولده «إسماعيل» في بيته، وكان ولده الّذي أصبح رجلا قوياً، قد تزوج بامرأة من جرهم .

فسأل «إبراهيم» زوجته قائلا: اين زوجك؟ فقالت: خرج يتصيَّد، فقال لها: هل عندك ضيافة؟ قالت: ليس عندي شيء وما عندي أحد، فقال لها إبراهيم: «إذا جاء زوجك فأَقرئيه السلام وقولي له: فَلْيغيّر عتبة بابه» .


(145)

وذهب إبراهيم ـ عليه السلام ـ منزعجاً من معاملة زوجة ابنه «إسماعيل» له وقد قال لها ما قال .

ولمّا جاء إسماعيل ـ عليه السلام ـ وجد ريح ابيه فقال لامرأته: هل جاءك احد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخّفِة بشأنه، قال: فماذا قال لك: قالت: قال لي أقْرئي زوجك السلام وقولي له: فليغيّر عتبة بابه!!

فطلقها وتزوج اُخرى، لأن مثل هذه المرأة لا تصلح ان تكون زوجة وشريكة حياة(1) .

وقد يتساءل أحد: لماذا لم يمكث إبراهيم ـ عليه السلام ـ هناك قليلا ليرى ولده إسماعيل بعد عودته من الصيد، وقد قطع تلك المسافة الطويلة، وكيف سمح لنفسه بان يعود بعد تلك الرحلة الشاقة من دون ان يحظى برؤية ابنه العزيز؟!

يجيب ارباب التاريخ على ذلك بان إبراهيم انما استعجل في العودة من حيث اتى لوعد اعطاه لزوجته سارة بأن يعود اليها سريعاً، ففعل ذلك حتّى لا يخلف. وهذا من اخلاق الانبياء .

ثمّ إن «إبراهيم» سافر مرة اُخرى إلى أرض مكة بأمر اللّه، وليبني الكعبة الّتي تهدمت في طوفان «نوح»، ليوجّه قلوب المؤمنين الموحدين إلى تلك النقطة .

إن القرآن الكريم يشهد بأن أرض «مكة» قد تحولت إلى مدينة بعد بناء الكعبة قبيل وفاة إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، لأن إبراهيم دعا بُعَيد فراغه من بناء الكعبة قائلا:

(رَبِّ اجْعَلْ هذا البَلَد آمِناً وَ اجْنُبْني وَ بَنِىِّ أنْ نَعْبُدَ الأَصْنام)(2) على حين دعا عند نزوله مع زوجته، وابنه إسماعيل في تلك الأَرض قائلا:

(رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً)(3) .

وهذا يكشف عن ان مكة تحولت إلى مدينة عامرة في حياة الخليل


1 - بحارالأنوار: ج 12، ص 112 نقلا عن قصص الأنبياء .
2 - إبراهيم: 35 .
3 - البقرة: 126 .


(146)

ـ عليه السلام ـ ، بعد ان كانت صحراء قاحلة، وواد غير ذي زرع .

* * *

ولقد كان من المُستحْسَن اسْتكمالا لهذا البحث أن نشرح هنا كيفية بناء الكعبة المعظمة، ونستعرض التاريخ الاجمالى لذلك، بيد أننا لكي لا نقصر عن الهدف المرسوم لهذا الكتاب اعرضنا عن ذلك وعمدنا إلى ذكر بعض التفاصيل عن أبرز واشهر أجداد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في التاريخ .

2- قُصَىُّ بنُ كلاب:

إن أسلاف الرَّسول العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هم على التوالي: عَبْدُ اللّه، عَبْدالْمُطَّلِبْ، هاشِم، عبدُ مَناف، قُصّىّ، كِلابٌ، مُرَّة، كَعْب، لُؤىّ، غالِب، فِهْر، مالِك، النَضر، كِنانة، خُزيمَة، مدُركة، إلياس، مُضَر، نَزار، مَعدّ، عَدنان(1) .

من المسلّم أنّ نسب النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى عدنان هو ما ذُكر، فلا خلاف فيه، إنما وقع الخلاف في عدد، وهاسماء من هم بعد عدنان إلى إسماعيل ـ عليه السلام ـ ، ولذلك لم يجز التجاوز عنه لحديث رواه ابن عباس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذ قال: «إذا بَلَغَ نَسَبي إلى عَدْنان فأَمْسِكُوا»(2) هذا مضافاً إلى أَن النبىّ نفسه كان إذا عدّد أجداده فبلغ إلى عدنان أمسك، ونهى عن ذكر من بعده إلى إسماعيل، وقد روي عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: كَذِبَ النَسّابُونَ .

ولهذا فإننا نكتفي بذكر من اُتفِق عليه، ونعمد إلى الحديث عن حياة كلِ واحد منهم .

ولقد كان كلُ من ذكرنا أسماءهم هنا معروفين، ومشهورين في تاريخ


1 - التاريخ الكامل: ج 2، ص 2 ـ 21 .
2 - بحارالأنوار: ج 15، ص 105 عن مناقب ابن شهرآشوب، وكشف الغمّة: ج 1، ص 15 .


(147)

العرب، بيد أن حياة طائفة منهم ترتبط بتاريخ الإسلام، ولهذا فاننا نقف عند حياة «قصىّ» ومَن لحقه إلى والد النبىّ «عبداللّه» ونعرض عن ذكر حياة غيرهم من أجداده وأسلافه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ممّن لا علاقة له بهذه الدراسة(1).

أمّا «قُصَىّ» وهو الجدّ الرابع لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاُمّة «فاطمة» الّتي تزوجت برجل من بني كلاب ورزقت منه بولدين هما: «زهرة» و «قصي» إلاّ أن زوج فاطمة قد توفي، وهذا الاخير لم يزل في المهد، فتزوجت بزوج آخر يدعى ربيعة، وسافرت معه إلى الشام، وبقي «قصىّ» يحظى برعاية أبوية من ربيعة حتّى وقع خلاف بين قصىّ وقوم ربيعة، واشتد ذلك الخلاف حتّى انتهى إلى طرده من قبيلتهم، ممّا أحزن ذلك أُمّه، واضطرت إلى إرجاعه إلى «مكة» .

وهكذا اتت به يد القدر إلى «مكة»، وسبّبت قابلياته الكامنة الّتي برزت في تلك المدينة في تفوقه على أهل مكة وبخاصة قريش .

وسرعان ما احتلَّ قصىّ هذه المقامات العالية، وشغل المناصب الرفيعة، مثل حكومة «مكة» وزعامة قريش، وسدانة الكعبة المعظمة، وصار رئيس تلك الديار دون منازع .

ولقد ترك (قصىّ) من بعده آثاراً كثيرة وعديدة منها تشجيع الناس على بناء المساكن والبيوت حول الكعبة المعظمة، وتأسيس مكان للشورى ليجتمع فيه رؤساء القبائل العربية من اجل التداول في الامور وحل المشاكل يدعى بدار الندوة.

وقد توفي «قصىّ» في القرن الخامس الميلادي وخلف من بعده ولدين هما:

«عبد الدار» و «عبد مناف» .

3- عبدمناف:

وهو الجدّ الثالث لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واسمه «المغيرة» ولقبه


1 - لقد بحث ابن الأثير في الكامل حول حياتهم فراجع: ج 2، ص 15 ـ 21 .


(148)

«قمر البطحاء»، وكان أصغر من اخيه «عبدالدار» إلا أنه كان يحظى بمكانة خاصة عند الناس دون أخيه، وكان شعاره التقوى، ودعوة الناس إلى حسن السيرة وصلة الرحم، بيد انه مع ما كان له من المكانة القوية لم ينافس اخاه «عبدالدار» في المناصب العالية الّتي كان يشغلها .

فقد كانت الزعامة لاخيه عبدالدار حسب وصيّة أبيهما «قصىّ» .

ولكن بعد وفاة هذين الأَخوين وقع الخصام والتنازع بين أَبنائهما على المناصب، وانتهى ذلك بالصراع الطويل إلى اقتسام المناصب والمقامات، وتقرر ان يتولى ابناء عبدالدار سدانة الكعبة، وزعامة دار الندوة، ويتولى ابناء عبد مناف سقاية الحجيج وضيافتهم ووفادتهم .

وقد بقي هذا التقسيم المتفق عليه ساري المفعول إلى زمن ظهور الإسلام(1) .

4ـ هاشم:

وهو الجدُّ الثاني لنبي الإسلام واسمه «عَمْرو» ولقبه «العُلاء» وهو الّذي وُلِدَ مع «عبد شمس» توأمين، وأخواه الاخران هما: «المطلب» و «نوفل» .

هذا وثمة خلاف بين ارباب السيَر وكتاب التاريخ في أن هاشماً وعبد شمس كانا توأمين، وأن هاشما ولد واصبعٌ واحدة من اصابع قدمه ملصقة بجبهة «عبد شمس» وقد نزعت بسيلان دم، فتشاءم الناس لذلك(2) يقول الحلبي في سيرته: فكانوا يقولون: سيكون بينهما دم فكان بين ولديهما اي بين بني العباس


1 - لم تكن هناك مناصب للكعبة يوم اُسّست ورُفعَ قواعدُها بل حدث كل ذلك تدريجاً بحكم المقتضيات والتطوّرات، وكانت هذه المناصب التي استمرت إلى زمن ظهور الإسلام عبارة عن:
   1- سدانة الكعبة .
   2- سقاية الحجيج .
   3- رفادتهم وضيافتهم .
   4- زعامة المكيين وقيادة جيشهم. ولم يكن هذا الأخير منصباً ذا صبغة دينية .
2 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 13 .


(149)

(وهم من اولاد هاشم) وبين بني امية (وهم من اولاد عبد شمس)(1) .

وكأنّ كاتب السيرة قد تجاهل الحوادث المحزنة والمؤسفة الّتي وقعت بين بني امية وابناء علي ـ عليه السلام ـ في حين أن تلك الحوادث الدامية الّتي تسببها بنو امية واُهرقَت فيها دماء ذرية رسول الله وعترته الطاهرة، اقوى شاهد على تلك العداوة بين هاتين الطائفتين، ولكننا لا ندري لماذا تجاهل ذكرها مؤلف السيرة الحلبية ولم يشر اليها مطلقاً؟!

ثم ان من خصوصيات أبناء «عبد مناف» حسبما يُستفاد من الأدب الجاهلي، وما جاء فيه من أشعار، أنهم توفوا في مناطق مختلفة .

فهاشم ـ مثلا ـ توفي في «غزة» وعبد شمس مات في مكة، ونوفل في ارض العراق، والمطلب في ارض اليمن(2).

وكان من سجايا هاشم واخلاقه الفاضلة أنه كان كلّما هَلَّ هلال شهر ذي الحجة قام صبيحته، وأسند ظهره إلى الكعبة المشرفة، وخطب قائلا:

«يا معشر قريش إنكم سادة العرب وأحسنها وجوهاً، وأعظمها احلاماً (اي عقولا) وأوسط العرب (أي أشرَفها) أنساباً، واقرب العرب بالعرب أرحاماً .

يا معشر قريش إنكم جيرانُ بيت اللّه تعالى اكرمكُمُ اللّه تعالى بولايته، وخصكم بجواره، دون بني إسماعيل، وانه ياتيكم زوّار اللّه يعظمون بيته فهم أضيافه وأحق من اكرم أضياف اللّه انتم، فاكرموا ضيفه وزوّاره، فانهم يأتون شعثاً غبراً من كل بلد على ضوامر كالقداح، فاكرموا ضيفه وزوّار بيته، فوربّ هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه، وأنا مخرجٌ من طَيب مالي وحلاله ما لم يُقطعْ فيه رحم، ولم يؤخذْ بظلم، ولم يُدخل فيه حرامٌ، فمن شاء منكم ان يفعل مثل ذلك فعلَ، وأسألكم بحرمة هذا البيت أن لا يخرج رجلٌ منكم من ماله لكرامة زوّار بيت اللّه وتقويتهم إلا طيباً لم يؤخذ ظلماً، ولم يقطع فيه رحمٌ، ولم يؤخذ غصباً»(3) .


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 5 .
3 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 6 .


(150)

ولقد كانت زعامة «هاشم» وقيادته نافعة للمكيّين من جميع النواحي، وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ في تحسين أوضاعهم .

ولقد سبّب كرمُه وما قام به من إطعام واسع في سنوات الجدب القاسية في تخفيف شدة الوطأة عن أهل مكة، وبالتالي ادى إلى عدم احساسهم بالقحط، وآثار الجدب .

كما أنّ من خطواته البارزة واعماله النافعة جداً لتحسين الحالة التجارية للمكيّين هو ما عقده مع أمير «غسان» من المعاهدة، الأمر الّذي دفع بأخيه «عبد شمس» إلى أن يعاهد أمير الحبشة، وبأخويه الآخرين «المطلب» و «نوفل» إلى ان يعاهدا أمير اليمن وملك ايران تكون القوافل التجارية بموجب تلك المعاهدات للجانبين في أمان، من العدوان والتعرض .

وقد أزالت هذه المعاهداتُ الكثير من المشاكل، وكانت وراء ازدهار التجارة في «مكة المكرمة» حتّى عهد بزوغ شمس الإسلام .

ثم ان من أعمال «هاشم» وخطواته النافعة تأسيسُه لرحلتي قريش اللتين يتحدث عنهما القرآن الكريم إذ يقول: «رحْلة الشتاء والصْيف» وهما رحلة إلى الشام، وكانت في الصيف، ورحلة إلى اليمن، وكانت في الشتاء، وقد استمرت هذه السيرة حتّى ما بعد ظهور الإسلام ايضاً .

اُميّة بن عبدشمس يحسد هاشماً:

ولقد حسد «اُمية بن عبد شمس» أبن أخي هاشم عمَّه «هاشماً» على ماحظي به من المكانة والعظمة، والنفوذ إلى قلوب الناس وجذبها نحوه بسبب خدماته واياديه، وما كان يقوم به من بذل وانفاق، وحاول جاهداً ان يقلده ويتشبه بهاشم في سلوكه ولكنه رغم كل ما قام به من جهود ومحاولات لم يستطع أن يتشبه به و يتخذ سيرته، وكما لم يستطع بايقاعه وطعنه به ان يُقلل من شأنه بل زاده رفعة وعظمة .

لقد كان لهيب الحسد في قلب «اُمية» يزداد اشتعالا يوماً بعد يوم، حتى


(151)

دفع به إلى ان يدعو عمَّه «هاشماً» للذهاب إلى كاهن من كهنة العرب للمنافرة عنده فتكون الرياسة والزعامة لمن يمدحه ذلك الكاهن، وكانت عظمة «هاشم» وسموّ مقامه تمنع من منافرة ابن اخيه (اُميّة) إلاّ أنه رضي بالمنافرة هذه تحت اصرار (اُميّة) بشرطين:

1- أن يعطي المغلوبُ خمسين من النيَاق سود الحدق تنحر بمكة .

2- جلاء المغلوب عن مكة عشر سنين .

ومن حسن الحظِّ أن ذلك الكاهن نَطق بمدح «هاشم» بمجرد أن وقعت عيناه عليه فقال: «والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر... لقد سبق هاشمُ اُميّة إلى المآثر» إلى آخر كلامه. وهكذا قضى لهاشم بالغلبة فأخذ الابل فنحرها وأطعمها واضطر أُمية إلى الجلاء عن مكة والعيش بالشام عشر سنين(1) .

وقد استمرتْ آثارُ هذا الحسد التاريخي إلى 130 عاماً بعد ظهور الإسلام، وتسببت في جرائم وفجائع كبرى عديمة النظير في التاريخ .

ثم ان القصة السابقة مضافاً إلى انها تبين مبدأ العداوة بين الأُمويين والهاشميين تبيّن أيضاً علل نفوذ الاُمويين في البيئة الشامية، ويتبين أن علاقات الأُمويين العريقة بأهل هذه المنطقة هي الّتي مَهّدت لقيام الحكومة الأموية في تلك الديار .

هاشم يَتَزوَّج...

كانت «سلمى» بنت «عمرو الخزرجي» امرأة شريفة في قومها، قد فارقت زوجها بطلاق، وكانت لا ترضى بالزواج من أحد، ولدى عودة «هاشم» من بعض أسفاره نزل في يثرب أياماً فخطبها إلى والدها، فرغبت سلمى فيه لشرفه في قريش، ولنبله وكرمه، ورضيت بالزواج منه بشرطين: أحدهما أن لا تلد ولدها


1 - الكامل لابن الاثير: ج 2، ص 10، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .


(152)

إلاّ في اهلها، وحسب هذا الاتفاق بقيت «سلمى» مع زوجها «هاشم» في مكة بعض الوقت حتّى إذا ظهر عليها آثار الحمل رجعت إلى: «يثرب» وهناك وضعت ولداً اسموه «شيبة». وقد اشتهر في ما بعد بـ «عبدالمطلب» .

وكتب المؤرخون في علة تسميته بهذا الاسم بأن هاشماً لما أحسّ بقرب انصرام حياته قال لاخيه «المطلب»: يا أخي أدرك عبدك شيّبة. ولذلك سُمّيَ شيبة بن هاشم: «عبدالمطلب» .

وقيل أن أحد المكيين مرّ على غلمان يلعبون في زقاق من ازقة يثرب، وينتضلون بالسهام، ولما سبق أحدُهم الآخرين في الرمي قال مفتخراً: «أنا ابنُ سيّد البطحاء» فسأله الرجل عن نسبه وابيه فقال: أنا شيبة بن هاشم بن عبدمناف، فلما قدم الرجلُ مكة اخبر «المطلب» أخي «هاشم» بما سمعه ورآه، فاشتاق «المطلبُ» إلى ابن أخيه فذهب إلى المدينة، ولما وقعت عيناه على ابن اخيه «شيبة» عرف شبه أخيه هاشم، وتوسَّم فيه ملامحه، ففاضت عيناه بالدموع، وتبادلا قُبُلات الشوق، والمحبة، وأراد أن ياخذه معه إلى «مكة» وكانت اُمُه تمانع من ذلك، ولكن ممانعتها كانت تزيد من عزم العمّ على أخذه إلى «مكة» واخيراً تحققت اُمنية العم فقد استطاع «المطلبُ» أن يحصل على اذن اُمه، فاردفه خلفه وتوجّه حدب «مكة» تدفعه رغبة طافحة إلى إيصاله إلى والده هاشم .

وفعلت شمسُ الحجاز واشعتها الحارقة فعلتها في هذه الرحلة فقد غيَّرت لون وجه شيبة وأبلت ثيابه، ولهذا ظنَّ أهل «مكة» عند دخوله مع عمه «مكة» أنه غلام اقتناه «المطلبُ» فكان يقول بعضهم لبعض: هذا عبدالمطلب، وكان المطلب ينفي هذا الامر، ويقول: إنما هو ابن أخي هاشم وما هو بعبدي، ولكن ذلك الظن هو الآخر فعل فعلتَه، وعُرف «شيبة» بعبد المطلب(1) .

وربما يقال: أن سبب شهرته بهذا الإسم هو انه تربى وترعرع في حجر عمّه


1 - الكامل لابن الاثير: ج 2، ص 6، وتاريخ الطبري: ج 2، ص 8 و 9، السيرة الحلبية: ج 1، ص 6 .


(153)

«المطلب» وكانت العربُ تسمي من يترعرع في حجر أحد وينشأ تحت رعايته عبداً لذلك الشخص تقديراً لجهوده وتثميناً لرعايته .

5- عبدُ المطّلب:

عبدُالمطّلب بن هاشم وهو الجدّ الأول للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان رئيس قريش وزعيمها المعروف، وكانت له مواقف بارزة، وأعمال عظيمة في حياته، وحيث أن ما وقع من الحوادث في ايام حكمه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الإسلام ولهذا يتعين علينا دراسة بعض تلكم الحوادث والوقائع .

لا شك أن المرء مهما تمتع بنفسية قوية فانه سيتأثر ـ في المآل ـ ببيئته وعاداتها، وتقاليدها، الّتي تصبغ فكره، بصبغة خاصة، وتطبع عقليته بطابع معين .

بيد أن هناك بين الرجال من يقاوم تاثير العوامل البيئية بمنتهى الشهامة والشجاعة، ويصون نفسه من التلوث بشيء من أدرانها وأقذارها .

وبطلُ حديثنا هنا هو احد النماذج الصادقة لاولئك الرجال العظماء لان في حياته صفحات مشرقة عظيمة، وسطوراً لا معة تنبىء عن نفسيته القوية، وشخصيته الشامخة.

فان الّذي يعيش ثمانين عاماً في وسط اجتماعي تسود فيه الوثنية، ومعاقرة الخمر، والربا، وقتل الأنفس البريئة، والفحشاء حتّى ان هذه الامور كانت من العادات والتقاليد الشائعة، ولكنه مع ذلك لم يعاقر الخمر طوال حياته، وكان ينهى عن القتل والخمر والفحشاء، ويمنع عن الزواج بالمحارم، والطواف بالبيت المعظم عرياناً، وكان ملتزماً بالوفاء بالعهد، واداء النذر بلغ الامر ما بلغ، لهو ـ حقاً ـ نموذجٌ صادقٌ من الرجال الذين يندر وجودُهم، ويقل نظيرهم في المجتمعات .

أجل إن شخصية اودعت يد المشيئة الربانية بين حناياها نور النبي الاكرم أعظم قائد عالمي، يجب ان يكون إنساناً طاهر السُلوك، نقىَّ الجيب منزهاً عن أي نوع من أنواع الانحطاط، والفساد .


(154)

هذا ويستفاد من بَعض قصصه وكلماته القصار أنه كان أحد الرجال المعدودين الذين كانوا يؤمنون باللّه واليوم الآخر في تلك البيئة المظلمة، وكان يردِّدُ دائماً: «لَنْ يخرج من الدنيا ظلومٌ حتّى ينتقم منه، وتصيبُه عقوبة... واللّه ان وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسنُ بإحسانِه، ويعاقَبُ فيها المسيء باساءته»(1) اي ان الظلوم شأنه في الدنيا أن تصيبه عقوبة، فاذا خرج ولم تصبه العقوبة فهي معدّة له في الآخرة .

ولقد كان «حرب بن اُمية» من أقربائه، وكان من اعيان قريش ووجوهها أَيضاً، وكان يجاور يهودياً فاتفق أن وقع بينه وبين حرب نزاع في بعض اسواق تهامة، تبودلت بينهما فيه كلمات جارحة، وانتهى ذلك إلى مقتل اليهودي بتحريك من «حرب»، ولما علم «عبدُالمطّلب» بذلك قطع علاقته بحرب، وسعى في أستحصال دية اليهودي المقتول من «حرب» ودفعها إلى اولياء القتيل، وهذه القصة تكشف عن حبّ عبدالمطلب للمستضعفين والمظلومين وحبه للحق والعدل .

حَفرُ زَمزَم:

منذ أن ظهرت عين زمزم نزلت عندها قبيلة جُرهم الّتي كانت بيدها رئاسة مكة طوال سنين مديدة، وكانت تستفيد من مياه تلك العين، ولكن مع ازدهار أمر التجارة في «مكة»، واقبال الناس على الشهوات والمفاسد آل الأمر إلى جفاف تلك العين، ونضوب مائها بالمرة(2) .

ويقال: أن قبيلة «جُرهُم» لما واجهت تهديداً من جانب قبيلة خزاعة


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 4 .
2 - لا ريب أنّ تفشي الذنوب والمعاصي بين الناس من عوامل نزول البلايا والكوارث ولا يبعد أن تكون الأعمال المخزية من موجبات الجدب والقحط والمجاعات، وهذه الحقيقة مضافاً إلى انطباقها على القواعد الفلسفية ممّا صرح به القرآن الكريم والسنّة الشريفة، راجع سورة الأعراف، الآية: 96 .


(155)

واضطرت إلى مغادرة تلك الديار، وايقن زعيمها «مضامن بن عمرو» بانه سرعان ما يفقد زعامته، ويزول حكمه وسلطانه بفعل هجوم العدو، امر بان يُلقى الغزالان الذهبيان، والسيوف الغالية الثمن الّتي كانت قد اُهديت إلى الكعبة، في قعر بئر زمزم، ثم يملأ البئر بالتراب ويعفى اثره إعفاء كاملا حتّى لا يهتدي خصومه إلى مكانه ابداً، حتّى إذا عادت إليه زعامته وعاد إلى مكة استخرج ذلك الكنز الدفين، واستفاد منه. ثم نشب القتال بين «جرهم» و «خزاعة» واضطرت «جرهم» وكثير من ابناء اسماعيل إلى مغادرة «مكة المكرمة»، والتوجه إلى ارض اليمن، ولم يرجع أحدٌ منهم إلى «مكة» ابداً .

ووقعت زعامة مكة منذ هذا التاريخ بيد «خزاعة» حتّى بزغ نجم قريش في سماء مكة بوصول قصىّ بن كلاب (الجدَ الرابع لنبي الإسلام) إلى سدة الزعامة والرئاسة، ثم بعد مدة انتهى امر الزعامة إلى «عبدالمطلب» فعزم على أن يحفر بئر «زمزم» من جديد، ولكنه لم يعرف بموقع البئر معرفة كاملة حتّى إذا عثر عليه بعد بحث طويل قرّر ان يهيء هو و ولده «حارث» مقدمات ذلك.

وحيث أنه «يوجد في المجتمع دائماً من يتحجّج ويجادل ـ بسبب سلبيته ـ ليمنع من أي عمل ايجابي مفيد، انبرى منافسوا «عبدالمطلب» إلى الاعتراض على قراره هذا وبالتالي التفرد باعادة حفر بئر زمزم، لكيلا يذهب بفخر هذا العمل العظيم، وقالوا له: إنها بئر أبينا اسماعيل، وان لنا فيها حقاً فاشركنا معك» ولكن «عبدالمطلب» رفض هذا الطلب لبعض الاسباب، فقد كان «عبدالمطلب» يريد ان يتفرد بحفر زمزم، ويسبّل ماءها ليسقي منها جميع الحجيج دون مانع ولا منازع، ويحول بذلك دون المتاجرة به ولم يكن ليتسنى له ذلك إلاّ إذا قام بحفر زمزم بوحده دون مشاركة من قريش .

وقد آل هذا الأمر إلى النزاع الشديد فتقرر أن يتحاكموا إلى كاهن من كهنة العرب وعقلائهم والقبول بما يقضي به، فتوجه «عبدالمطلب» ومنافسوه إلى ذلك الكاهن وقطعوا الصحارى القاحلة بين الحجاز والشام، وفي منتصف الطريق أصابهم جهدٌ وعطش شديدان، ولمّا تيقَّنوا بالهلاك، وقرب الوفاة اخذوا


(156)

يفكرون في كيفية الدفن إذا هلكوا وماتوا، فاقترح «عبدالمطلب» ان يبادر كلُ واحد إلى حفر حفرته حتّى إذا أدركهُ الموت دفنه الآخرون فيها، فاذا استمر بهم العطش وهلكوا يكون الجميع (ماعدا من بقي منهم على قيد الحياة) قد اُقبروا، ولم تغد ابدانهم طعمة للوحوش والطيور فايَّد الجميع هذا الاقتراح(1)، واحتفر كل واحد منهم حفيرة لنفسه، وجلسوا ينتظرون الموت بوجوه واجمة، وعيون ذابلة، وفجأة صاح عبدالمطلب: «واللّه إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لانضربُ في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجزٌ» وحثهم على البحث عن الماء في تلك الصحراء بصورة جماعية عسى ان يجدوا ما ينقذهم من الموت، فركب عبدالمطلب وركب مرافقوه، واخذوا يبحثون عن الماء يائسين غير مصدّقين، ولم يمض شيء حتّى ظهرت لهم عين ماء عذبة انقذتهم من الموت المحتم، وعادوا من حيث جاؤوا وهم يقولون لعبدالمطلب: «قد واللّه قضى لك علينا يا عبدالمطلب، واللّه لا نخاصمك في زمزم أبداً، إن الّذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الّذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً وتنازلوا له لينفرد بحفر زمزم ويكون إليه أمره دون منازع ،ولا شريك»(2) .

فعمد «عبدالمطلب» وولده الوحيد الحارث إلى حفر البئر، ونشأ من ذلك تلٌ هائلٌ من التراب حول البئر، وفجأة عثر «عبدالمطلب» على الغزالين المصاغين من الذهب، والسيوف المرصعة المهداة إلى الكعبة، فشبَّ نزاع آخر بين «قريش» وبين «عبدالمطلب» على هذه الاشياء، واعتبرت «قريش» نفسها شريكة في هذا الكنز، وتقرر ان يلجأوا إلى القرعة لحل هذا المشكلة، فخرجت القرعة باسم «عبدالمطلب»، وصار جميع ذلك الكنز إليه دون «قريش»، ولكن عبدالمطلب خصَ بتلك الاشياء الكعبة فصنع من السيوف باباً للكعبة، وعلق الغزالين الذهبيّين فيها .


1 - ولعلّ احجام الآخرين من الاداء بالاقتراح وهو اليأس المطلق من تحصيل الماء .
2 - تاريخ اليعقوبي: ج 1، ص 206، والسيرة النبوية: ج 1، ص 142 ـ 147 .


(157)

التفاني في سبيل الوفاء بالعهد والنذر:

رغم ان العرب الجاهليين كانوا غارقين في الفساد الأخلاقي فانهم كانوا يتحلون ببعض الصفات الحسنة، والخصال المحبَّبة.

وللمثال كان نقض العهود من أقبح الافعال في نظرهم، فاذا عقدوا عهوداً مع القبائل العربية أو ثقوها بالأيمان، المغلظة المؤكدة، والتزموا بها إلى الاخير، وربما نذروا النذور الثقيلة واجتهدوا في اداءها مهما كلف ذلك من مشقة وثمن .

ولقد أحسَّ «عبدالمطلب» عند حفر بئر زمزم بالضعف في قريش لقلة اولاده، ولهذا نذر إذا رزقه اللّه تعالى عشرة بنين أن يقدم أحدهم قرباناً للكعبة ولم يُطلِعْ احداً على نذره هذا .

ولم يمض زمان الاّ وبلغ عَدَدُ ابنائه عشرة، وبذلك حان أوان وفائه بنذره الّذي نذر، وهو ان يذبح احدهم قرباناً للكعبة.

ولا شك ان تصور مسألة كهذه فضلا عن تنفيذه كان امراً في غاية الصعوبة على عبدالمطلب، ولكنه كان في نفس الوقت يخشى ان يعجز عن تحقيق هذا الامر فيكون من الناقضين للعهد، التاركين لاداء النذر، ومن هنا قررأن يشاور ابناءه في هذا الامر، وبعد ان يكسب رضاهم وموافقتهم يختار احدهم للذبح بالقرعة(1) .

وتمت عملية القرعة، فاصابت «عبدَاللّه» والد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاخذ عبدالمطلب بيد ابنه، وتوجَّه من فوره إلى حيث يذبحه فيه .

ولما علمت قريش رجالُها ونساؤها بقصة النذر المذكور وما آلت إليه عملية القرعة حَزِنَ الناس والشباب خاصة لذلك حزنا شديداً وبكوا وضجوا، وقال أحدُهم ليتني ذبحت مكان هذا الشاب .


1 - هذه القضية ذكرها كثير من المؤرخين وكتّاب السيرة، وهذه القصّة إنّما هي جديرة بالاهتمام من جهة أنها تجسّد مدى إيمان «عبدالمطلب» وقوّة عزمه، وصلابة إرادته، وتبين جيّداً كم كان مصرّاً على الوفاء بعهوده والتزاماته .


(158)

فاقترحت قريشٌ على عبدالمطلب بان يفدي «عبداللّه»، واظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز ذلك، فتحيّر «عبدالمطلب» تجاه تلك المشاعر الساخنة، والاعتراضات القوية، وراح يفكّر في عدم الوفاء بنذره، ويفكر في نفس الوقت في الحصول على مخلص معقول من هذه المشكلة، فقال له أحدهم: لا تفعل وانطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلا .

فوافق «عبدالمطلب» واكابر قريش على هذا الاقتراح، وتوجهوا بأجمعهم نحو «يثرب» قاصدين ذلك الكاهن، ولما قدموا عليه سألوه في ذلك فاستمهلهم يوماً واحداً، ولما كان اليومُ الثاني دخلوا عليه فقال لهم: كم دية المرء عندكم؟ قالوا: عشرٌ من الابل .

فقال: إرجعوا إلى بلادكم، وقَرّبوا عشراً من الإبل واضربوا عليها وعلى صاحبكم «أي عبداللّه» القداح فان خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشراً، حتّى يرضى ربُكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربُكم ونجا صاحبكم وكانت عنه فداء .

فهدَّأ اقتراحُ الكاهن لهيبَ المشاعر الملتهّبة لدى الناس، لأن نحر مئات الابل كان أسهل عليهم من أن يشاهدوا شاباً مثل «عبداللّه» يتشحط في دمه .

ولهذا فانهم فور عودتهم إلى «مكة» بادروا إلى اجراء القرعة في مجمع كبير من الناس وزادوا عشراً عشراً حتّى إذا بلغ عدد الإبل مائة خرجت القداح على الإبل، ونجا «عبداللّه» من الذبح، فأحدث ذلك فرحة كبيرة لدى الناس، بيدَ أَن «عبدالمطلب» طلب أن تُعاد عملية القرعة قائلا: «لا واللّه حتّى أضربَ ثلاثاً»، وأنما أراد ذلك ليستيقن ان ربه قد رضي عنه، ولكن في كل مرة كانت القداح تخرج على الإبل المائة فنحرت الابلُ ثم تركت لا يمنع عنها انسانٌ ولا سبع(1) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 153، وبحارالانوار: ج 16، ص 74، وقد نُقلّ عن النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «أنا ابْن الذبيحين» يقصدُ بالأَول جدّه إسماعيل ـ عليه السلام ـ والثاني أباه «عبداللّه» الّذي كاد أن ينحر ولكنه نجا من الذبح كما نجا جدُّه إسماعيل ـ عليه السلام ـ .


(159)

حادثة عام الفيل:

عندما يحدُثُ أمرٌ عظيم في امّة من الاُمم وخاصة إذا كان ذا جذور دينية أوذا مدلولات قومية أو سياسية فانه سرعان ما يتحول ـ بفعل اعجاب الناس عامة به ـ إلى مبدأ للتاريخ .

فقيام النبي موسى يعتَبر مبدأ للتاريخ عند اليهود، ومولد السيّد المسيح يعتبر مبدأ للتاريخ عند النصارى، والهجرة النبوية الشريفة تعتبر مبدأ للتاريخ عند المسلمين .

وهذا يعني أن كل امّة من الاُمم تقيس حوادثها من حيث الزمان بذلك الحدث الّذي تعتبره بداية تاريخها .

وأحياناً تتخذُ الاُمم والشعوب بعض الحوادث مبدأ للتاريخ مع انها تملك مبدأ سياسياً للتاريخ، كما نلاحظ ذلك في بلاد الغرب وشعوبه، فقد اتخذت الثورةُ الفرنسية، وثورة اكتوبر الشيوعية مبدأ للتاريخ في فرنسا، والاتحاد السوفياتي، بحيث اصبح يقاس بهما كل ما وقع من الحوادث بعدهما .

ولكن الشعوب غير المتحضرة الّتي لم تمتلك مثل تلك الثورات والحركات السياسية والدينية كان من الطبيعي أن تتخذ الحوادث الخارقة للعادة مبدأ لتاريخها بدلا من الثورات والتحوّلات الاجتماعية، وهذا ما حدث عند العرب وقبل الإسلام .

فانهم ـ بسبب حرمانهم من حضارة صحيحة ـ اتخذوا من بعض الوقائع المفجعة والمرة ـ كالحرب والزلزال، والمجاعة والقحط أو الحوادث غير الطبيعية، الخارقة العادة مبدأ لتاريخهم .

ولهذا نجد مبادىء متعددة للتاريخ عند العرب، آخرها: ضجة عام الفيل وهجوم «أبرهة» على «مكة» بهدف الكعبة المشرفة، الّتي صارت في ما بعد مبدأ للتاريخ تؤرخ ـ بقية الحوادث والوقائع اللاحقة .

ونظراً لأهمية هذا الحدث التاريخي العظيم الّذي وقع عام 570 وأتفقت فيه


(160)

ولادة النبي الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاننا نتناول هذه القصة بالعرض والتحليل:

ماهي عوامل هذه الحادثة؟

لقد ذكرت قصة أصحاب الفيل في القرآن بصورة مختصرة، وسوف ننقل ـ هنا ـ الآيات الّتي نزلت حول هذه القصة بعد حوادثها .

يكتب المؤرخون عن علة هذه الحادثة ان ملك اليمن «تُبان أسعد» والد ذي نواس بعد ان أرسى قواعد حكمه مر في احدى رحلاته على يثرب (المدينة)، وقد كانت لـ «يثرب» في ذلك الوقت مكانةٌ دينيةٌ مرموقةٌ فقد قطنها جماعة من اليهود(1)، وبنوا فيها عدداً من المعابد والهياكل، فأكرم اليهودُ مقدم ملك اليمن، ودعوه إلى دينهم ليستطيعوا في ظل حكمه حماية أنفسهم من أذى المسيحيين الروميين، والمشركين العرب .

ولقد تركت دعوتهم وما رافقها من اساليب مؤثرة اثرها في نفس ذلك الامير واختار اليهودية، واجتهد في بثها ونشرها. ثم ملك من بعده ابنه «ذونواس» الّذي جدّ في بث اليهودية والتحق به جماعة خوفاً .

بيد أن اهل نجران الّذين كانوا قد دانوا بالمسيحية قبل ذلك امتنعوا من تغيير دينهم وترك المسيحية واعتناق اليهودية، وقاوموا «ذي نواس» مقاومة شديدة، فشق ذلك على ملك اليمن، واغضبه فتوجه احد قادته إلى نجران على رأس جيش كبير لتأديب المتمردين من أهلها فعكسر هذا الجيش على مشارف نجران، واحتفر قائدة خندقاً كبيراً، واوقد فيه ناراً عظيمة، وهدّد المتمردين بالاحراق بالنار .

ولكن أهل نجران الذين احبّوا المسيحية واعتنقوها برغبة كبيرة اظهروا شجاعة كبرى، واستقبلوا الموت حرقاً، وغدوا طعمة للنيران .

يقول المؤرخ الإسلامىُّ «ابنُ الاثير الجزري» بعد ذكر هذه القصة: لما قتل


1 - وفاء الوفا: ج 1، ص 157، والسيرة النبوية: ج 1، ص 21 و 22 .


(161)

«ذونواس» من قتل في الاُخدود لاجل العود عن النصرانية أفلَت منهم رجلٌ يقال له «دوس» فقدم على «قيصر» فاستنصره على «ذي نواس» وجنوده واخبره بما فَعل بهم، فقال له قيصر: بعدت بلادك عنا، ولكن ساكتبُ إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم، فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فارسل معه ملكُ الحبشة سبعين الفاً، وأمّر عليهم رجلا يقال له «أرياط» وفي جنوده «ابرهة الأشرم» فساروا في البحر حتّى نزلوا بساحل اليمن، وجمع «ذونواس» جنوده فاجتمعوا وكتب إلى زعماء قومه من اهل اليمن يدعوهم إلى الاجتماع لمقاتلة عدوّهم، فلم يجيبوه، فانهارت حكومته أمام حملة جيش الحبشة، وسيطر الاحباش على أرض اليمن، وجُعِلَ «أبرهة» اميراً عليها من قِبَل «النجاشي» بعد مقتل «ارياط» على يد «أبرهة» في صراع السلطة(1) .

وهذه القصة هي الّتي تعرف في القرآن الكريم بقصة «اصحاب الاُخدود» وقد جاء ذكرها في سورة البروج إذ يقول اللّه تعالى: (قُتِلَ أصحابُ الاُخدود. النار ذات الوقود. إذْهُم عَليها قُعُودُ. وهُم عَلى ما يَفعَلُون بالْمؤمنين شُهُودٌ. وما نَقمُوا مِنْهُم إلا أَنْ يُؤمنُوا باللّه العزيز الْحَميد. الَّذي لَهُ مُلك السماواتِ وَ الارضِ واللّهُ عَلى كُلِّ شَيء شَهِيد)(2) .

وقد ذكر المفسرون هذه القصة في شأن نزول هذه الآيات بصورة مختلفة(3) .

ثم ان «ابرهة» الّذي اسكره الانتصار والغلبة على منافسه، وتمادى في الشهوات بنى في صنعاء كنيسة عظيمة تقرّباً إلى ملك الحبشة، وارضاء له ثم كتب كتاباً إلى «النجاشي» ملك الحبشة يقول فيه: «إني قد بَنيتُ لك ايها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمُنْته حتّى اصرف اليها حج العرب» .


1 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 260 ـ 263، والسيرة النبوية: ج 1، ص 31 ـ 37 .
2 - البروج: 4 ـ 9 .
3 - راجع مجمع البيان: ج 5، ص 464 ـ 466 .


(162)

وقد أدى معرفة العرب بما جاء في هذا الكتاب إلى ردّة فعل شديدة لديهم، إلى درجة أن امرأة مِن قبيلة «بني افقم» تسللت ذات ليلة إلى تلك الكنيسة واحدثت فيها، فاثار هذا العمل الّذي كان يدل على مدى ازدراء العرب بكنيسة «أبرهة» واحتقارهم لها، غضب «أبرهة»، هذا من جانب ومن جانب آخر كان «ابرهة» كلما زاد في تزيين تلك الكنيسة زاد ذلك من حقد العرب، وحنقهم عليه، واحتقارهم لكنيسته، فتسبب كل ذلك في أن يحلف أبرهة على السير إلى الكعبة وهدمها، فسيَّر لذلك جيشاً عظيماً، وقدّم أمامهُ الفِيَلة المقاتلة، وخرج متوجهاً صوب مكة وهو يعتزم هدم الكعبة بيت اللّه الحرام!!

فلما عرف زعماء العرب بغايته، وادركوا خطورة ذلك العمل وايقنوا بان استقلال العرب وسيادتهم تتعرض لخطر السقوط، لم يمنعهم ما عهدوه من قوة «ابرهة» وانتصاراته بل خرج بعضهم إلى حربه فقاتلوه بكل شجاعة وبسالة مدفوعين بدافع الغيرة والحفاظ على الشرف المهدَّد بالخَطر .

فقد خرج «ذونفر» وهو من أشراف أهل اليمن وملوكهم، ودعا قومَه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب «أبرهة» ولكن سرعان ما تغلّب «ابرهة» عليه بجيشه الكبير، ثم خرج له بعد ذلك «نفيل بن حبيب» وبقي يقاتله مدة طويلة فهزمه «ابرهة» واُخِذَ له اسيراً، فطلب «نفيل» العفو منه فاشترط عليه أن يدلّه على طريق مكة ليعفو عنه، فدلّه نفيل حتّى الطائف، واوكل الدلالة على بقية الطريق إلى شخص آخر يدعى «ابورغال» فدلّه أبورغال على الطريق حتّى أرض «المغمَّس» وهي منطقة قريبة من «مكة» فنزل «أبرهة» وجيشه بالمغمَّس، فارسل أبرهة رجلا من الحبشة ـ على عادته ـ إلى ضواحي «مكة» فاستولى على أموال قريش من الإبل والغنم فساق إليه في جملة ذلك مائتي بعير لعبد المطلب، ثم امر رجلا آخر يدعى «حُناطة» ليدخل «مكة» ويبلغ أهلها عنه ما جاء من اجله، وهو هدم البيت المحرّم الكعبة المعظمة، وقال له: سل عن سيد اهل هذا البلد وشريفها، ثم قل له: ان الملك يقول لك: «إني لم آت لحربكم، انما جئتُ لهدم هذا البيت، فان تعرّضوا دونه بحرب فلا حاجة لي في


(163)

دمائكم»، فإن هو لم يرد حربي فاتني به.

فدخل «حُناطة» مكة ولما سأل عن سيد قريش و شريفها، وقد كانت قبائل قريش المختلفة قد تجمعت في اطراف البلد جماعات جماعات تتذاكر في امر «ابرهة» وما يجب اتخاذه من موقف تجاهه .

فدلّوه على بيت «عبدالمطلب»، ولما دخل على «عبدالمطلب» أبلغه مقالة «أبرهة9 فقال له عبدالمطلب: «واللّه ما نُريدُ حربَه، وما لَنا بذلك من طاقة، هذا بيت اللّه الحرام، وبيت خليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، فان يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وان يخلي بينه وبينه فواللّه ما عندنا دفع عنه»؟

فسرّ «حناطة» رسول ابرهة بمنطق عبدالمطلب ومقالته الّتي كانت تحكي عن قوة ايمانه، وعن روحه المسالمة فطلب منه أن يصحبه إلى «أبرهة»، قائلا: فانطلق معي إليه فانه قد امرني اَن آتيه بك .

عَبدُالمطّلب يَذهب إلى مُعسكر أَبرهة:

فتوجه عبدالمطلب هو وجماعة من ولده إلى معسكر ابرهة، فاعجب «أبرهة» بوقار رئيس قريش وهيبته إعجاباً شديداً، وبهر به حتّى أنه نزل له من تخته اجلالا، واخذ بيده، واجلسه إلى جنبه، فسأله عن طريق مترجمه متأدباً: ما الّذي اتى به وماذا يريد؟ فأجابه عبدالمطلب قائلا: حاجتي أن يردَّ الملكُ علىَّ مائتي بعير أصابها لي .

فقال «أبرهة» لترجمانه: قل له: قد كنت اعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير اصبتُها لك، وتترك بيتاً هو دينك و دين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟!

فقال له عبدالمطلبُ: إني أناربُ الإبل، وان للبيت رباً سيمنعه، فقال «ابرهة» مغتراً بنفسه: ما كان ليمتنع مني .

ثم أمر بان ترد الابل إلى أصحابها .

* * *


(164)

إنتظار قريش:

ولقد انتظرت قريش عودة «عبدالمطلب» من معسكر «ابرهة» بفارغ الصبر لتعرفَ نتيجة مادار بينه وبين أبرهة، وعندما عاد «عبدالمطلب» اخبرهم الخبر، وامرهم بالخروج معه من مكة، والتحرز في رؤوس الجبال من معرّة الجيش فخرجوا إلى الشعاب، والجبال، ثم لما كان الليل نزل عبدالمطلب مع جماعة من قريش إلى الكعبة واخذ بحلقة بابها يدعون اللّه ويستنصرونه على أبرهة و جنده وقال «عبدالمطلب» مناجياً اللّه سبحانه: (اللَّهُم أنتَ أنيسُ المستَوْحشين ولا وحشة معك فالبيت، بيتُك والحرمُ حرمك والدارُ دارُك و نحن جيرانك تمنعُ عنه ما تشاء وربُ الدار أولى بالدار) ثم قال:

لاهمّ إن(1) العبد يمنع رَحـ * ـله فامنع حِلالك(2)

لا يغلِبنَّ صليبُهم * ومحالهم عَدواً مِحالَك(3)

وقال ايضاً:

يا ربِّ لا أرجُولهم سواكا * يا ربِّ فامنَع مِنهُمو حِماكا

إن عدوَّ البَيتِ مَن عادكا * إمَنعهُمُ أن يخربُوا فِناكا

ثم انه ترك حلقة الباب، ولجأ إلى الجبل لينظروا ما سيجري .

وفي الصباح وعندما كان «أبرهة» وجنده يستعدون للتوجه إلى «مكة»، وإذا باسراب من الطيور تظهر من جهة البحر يحمل كل واحد منها ثلاثة احجار، حجر في منقاره، وحجرين في رجليه، فاظلم سماء الجيش بتحليق تلك الطيور فوق رؤوس الجند، وتركت تلك الاحجار الصغيرة الحقيرة في ظاهرها اثرها العجيب فقد رجمت تلك الطيور جنود «ابرهة» بتلك الاحجار بامراللّه، فكانت لا تصيب منهم أحداً إلاّ تحطم رأسَه، وتمزق لحم بدنه، وهوى صريعاً،


1 - لاهم أصلها: اللّهم والعرب تحذف الالف واللام وتكتفي بما بقي .
2 - الحلال جمع حلة وهي جماعة البيوت .
3 - المحال: القوّة والشدّة .


(165)

وهلك من توه، فاصابت واحدةٌ من تلك الاحجار راس «ابرهة» نفسه فارتعدت فرائصه وايقن بغضب اللّه وسخطه عليه، فنظر إلى جنوده وهم اشلاء مبثوثون هنا وهناك على الأَرض كورَق الشجر في فصل الخريف، فصاح بِمَن لم يزل على قيد الحياة من جنده بامرهم بأن يتهيّأوا للعودة إلى اليمن، من حيث أتوا، فاخذ بقية الجند طريق اليمن هاربين، غير أن هذه البقية قد هَلكَتْ شيئاً فشيئاً في اثناء الطريق حتّى أن ابرهة نفسه بعد أن لم يصل إلى صنعاء إلا بعد ان تفرّق لحمُ بدنه، وسقطت اعضاؤه وجوارحُهُ ومات بصورة عجيبة .

وقد دَوَّى صوتُ هذه الواقعة العجيبة والرهيبة في العالم آنذاك، وقد ذكرها القرآن الكريمُ في سورة الفيل إذ يقول تعالى: (ألَم تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تَضْلِيْل. وَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أبابيلِ. ترميهِمْ بِحِجارَة مِنْ سَجِّيل. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأكُول) .

وما ذكرناهُ هنا ـ في هذه الصفحات ـ ليس هو في الحقيقة إلاّ خلاصة ما وَردَ في كتب التاريخ الإسلامي، وصرح به القرآنُ الكريم(1) .

واستكمالا لهذا البحث نعمد هنا إلى دراسة نظرية المفسر المصري الكبير الشيخ «محمَّد عبده» والعلامة المعروف الدكتور «هيكل» وزير الثقافة المصري السابق في هذا المجال .

كلمة حول المعجزة:

لقد أوجدَ التقدم العلمىُّ الأخير في مختلف مجالات العلوم الطبيعية والفضائية، وما استلزم ذلك من تهافت طائفة كثيرة من الفرضيات، ضجة عجيبة في الغرب، فمع أن جميع تلك التطورات كانت مجردَ تطورات علمية تجري في مجال المسائل الطبيعية أو الفلكية، ولم يكن لها اية صلة بالمعتقدات الدينية


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 43 ـ 62، والكامل في التاريخ ج 1، ص 260 ـ 262، وبحار الأنوار: ج 5، ص 130 ـ 146 .


(166)

فإنّ هذا التحول والتطور وتلك الكشوف أوجدت شكاً عجيباً لدى بعض الناس انسحب على جميع المعارف والمعتقدات الدينية الموروثة على وجه الاطلاق !

والسرّ في ذلك هو أن العلماء رأوا بأن الفرضيات القديمة، الّتي بقيت تسيطر على الأوساط العلمية لمدة طويلة من الزمان، قد اصبحت اليوم عرضةً للبطلان والسقوط تحت مطارق التجربة وبواسطة الاختبارات العلميّة، والتحقيقات المختبرية، فلم يُعد ـ بعد هذا ـ مجالٌ للقول بفرضية الافلاك التسعة الّتي طَلع بها «بطلميوس»، ولا بفرضية مركزية الارض، ولا غيرها من عشرات الفرضيات، فقالوا في أنفسهم: ومن أين تَرى لا تكون بقية المعلومات والمعارف الدينية من هذا القبيل؟!

وقد تفاقم هذا النوع من الشك في قلوب جماعة من العلماء بالنسبة إلى جميع المعتقدات والمعارف الدينية ونمى بشكل قوىّ في فترة قصيرة، وعمَّ الاوساط العلمية كأىّ مرض!!

هذا مضافاً إلى أنّ محاكم التفتيش وتشدّد الكنيسة وأربابها كان لها النصيب الاكبر في ظهور هذه الحالة بل في نموّها، واطرادها، لأن الكنيسة كانت تقضي على العلماء الذين نجحوا في اكتشاف القوانين العلمية تحت التعذيب والاضطهاد القاسي بحجة أنها تخالف الكتاب المقدس، وتعارض مقرَّرات الكنيسة!!

وممّا لا يخفى أنَّ مثل هذه الضُغُوط، وهذا الاضطهاد والتعجرف ما كان ليمرَّ من دون حدوث ردة فعل، وقد كان من المتوقَع منذ البداية أن العلماء في الغرب لو اتيحت لهم الفرصة لانتقموا من الدين، بسبب سوء تصرف الكنيسة، وسوء معاملتهم لهم خاصة، وللناس عامة .

وقد حدث هذا فعلا فكلّما تقدم العلمُ خطوةً، واطّلع العلماء على العلاقات السائدة بين الكائنات الطبيعية، واكتشفوا المزيد من الحقائق الكونية، والعلل الطبيعية لكثير من الحوادث والظواهر المادية، وكذا علل الامراض، قلّ اعتناؤهم بالقضايا الميتافيزيقية، وما يدور حول المبدأ والمعاد والافعال الخارقة للعادة


(167)

كمعاجز الانبياء، وازداد عدد المنكرين لها والشاكين فيها، والمترددين في قبولها يوماً بعد يوم!!

لقد تسبَّب الغرورُ العلمىُّ الّذي أُصيب به العلماء في الغرب في ان ينظر بعض اولئك العلماء إلى جميع القضايا الدينية بعين الازدراء والتحقير، وأن يمتنعوا حتّى عن التحدث في المعاجز الّتي يخبر بها التوراة والانجيل، ويعتبروا عصا موسى ـ عليه السلام ـ الّتي كانت تشفي المرضى وتحيي الموتى من الأساطير، وراحوا يتسائلون ـ في عجب واستنكار ـ : وهل يمكن أن تتحول قطعةٌ من الخشب اليابس إلى افعى، أو ثعبان، أو هل يمكن ان تعود الحياة إلى ميّت بكلمات من الدعاء؟

لقد تصور العلماء الذين أسكرتهم فتوحاتهم العلمية، انهم ملكوا مفاتيح جميع العلوم، ووقفوا على جميع العلاقات بين الكائنات الطبيعية والظواهر الكونية، ومن هنا تصوَّرُوا أنه لا توجد ايةُ علاقة بين قطعة الخشب والثعبان، أوبين جملة من الدعاء والتفاتة من بشر وعودة الروح إلى الموتى، ولهذا أخذوا ينظرون إلى هذه الامور بعين الشك والترديد، وربما بعين الانكار والرفض المطلق!!

وقد سرى هذا النوعُ من التفكير إلى اوساط بعض العلماء المصريين الذين تأثروا بهذا الاتجاه اكثر من غيرهم، مع بعض التعديل في ذلك الموقف، وشيء من الاختلاف في النظرة المذكورة، ولهذا اتبعوا تلك السيرة في تحليل الوقائع والحوادث التاريخية والعلمية من هذا النوع، والسِرّ في تأثر بعض علماء مصر بهذه النظرة قبل واكثر من غيرهم هو احتكاك هذه الجماعة بالأفكار الواردة من الغرب قبل غيرهم، ومن هذه المنطقة سَرتْ بعضُ النظريات والآراء الغربية إلى البلاد الإسلامية الاُخرى .

لقد اختار هؤلاء طريقاً خاصاً قَصَدُوا به الحفاظ على حرمة الكتاب العزيز، والاحاديث القطعية ومكانتها من جهة، وكسب نظر العلماء الماديين الطبيعيين إلى انفسهم من جهة اُخرى، أو ارادوا ان لا يختاروا ما لا يمكن التوفيق بينه وبين القوانين العلمية الطبيعية وتطبيقه عليها .


(168)

لقد وجَدَ هؤلاء من جهة أن القرآن الكريم يخبر عن سلسلة من المعجزات والخوارق الّتي لا يمكن تفسيرها بالعلوم العادية المتعارفة، لأن العلم لا يستطيع أن يدرك العلاقة بين العصا الخشبية اليابسة والثعبان، ومن جهة اُخرى كان القبول بالنظريات الّتي لا يمكن إثباتها بالحسّ والتجربة أمراً في غاية الصعوبة لهم .

ولهذا السبب، وفي خِضمِّ الصراع بين هذين العاملين: العلم والعقيدة، اختار هؤلاء الكتاب والعلماء نهجاً يستطيعون به وضع نهاية لهذا الصراع، والتنازع، فيحافظون على ظواهر القرآن والاحاديث من جانب، ويتجنبون القول بما يخالف منطق العلم من جانب آخر، ويتلخص هذا النهج في تفسير جميع المعاجز و جميع خوارق العادة الّتي جرت على ايدي الأنبياء بالموازين العلمية الحاضرة الرائجة في هذا العصر بصورة تبدو وكأنها اُمورٌ طبيعية، وبهذا يكونون قد حافظوا على مكانة القرآن الكريم والاحاديث القطعية المسلّمة، ولم يتفوهوا بما يخالف العلم الحديث ويتعارض مع معطياته .

ونحن هنا نذكر من باب النموذج والمثال: التفسير الّذي ذكره العلامة المصري المعروف «محمَّد عبده» لقصة اصحاب الفيل وماجرى لهم:

فهو يقول عند تفسيره لسورة الفيل:

«فيجوز لك ان تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الّذي يحمل جراثيم بعض الامراض، وان تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الّذي تحمله الرياح فيعلق بارجل هذه الحيوانات، فاذا اتصل بجسد دخل في مسامّه فاثار فيه تلك القروح الّتي تنتهي بافساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يعُدّ من أعظم جنود اللّه في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وأن هذا الحيوان الصغير ـ الّذي يسمونه الآن بالميكروب ـ لا يخرج عنها»(1) .


1 - راجع تفسير في ظلال القرآن: ج 30، ص 251 .


(169)

وقال أحد الكتاب مؤيداً هذا الاتجاه بقوله: «إن الطير المستعمل في الكتاب العزيز يراد منه مطلق ما يطير، ويشمل الذباب والبعوض ايضاً» .

ولابدَّ - قبل دراسة هذه الأقوال ـ أن نستعرض مرة اُخرى الآيات النازلة في اصحاب «الفيل» .

يقول اللّه تعالى: (ألمْ تَر كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدهُمْ في تَضْلِيْل. وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيْل. تَرْميْهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجّيل. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأكُول) .

إن ظاهر هذه الآيات يفيد أن جيش ابرهة اُصيب بالغضب والسخط الالهي، وان هلاكه وفناءه كان بهذه الأحجار الّتي حملتها تلك الطيور، والقتْ بها على رؤوس الجند وأبدانهم .

إن الإمعان في مفاد هذه الآيات يعطي أن مَوتهم كان بسبب هذه الاسلحة غير الطبيعية (الصغيرة الحقيرة في ظاهرها، القوية الهدامة بفعلها وأثرها) .

وعلى هذا فإنَّ أي تفسير يخالف ظاهر هذه الآيات لا يمكن الذهاب إليه وحمل الآيات عليه ما لم يقم على صحته دليل قطعي .

نقاطٌ تقتضي التأمل في التفسير المذكور:

1- إِنَّ التفسير المذكور لا يستطيع كذلك أَن يجعل كل تفاصيل هذه الحادثة أمراً طبيعياً، بل هناك جوانب في تلك الواقعة التاريخية العجيبة لابد من تفسيرها بالعوامل والاسباب الغيبية، لأنه مع فرض أن هلاك الجند وتلاشي أجسادهم تمَ بواسطة ميكروب: «الحصبة» و «الجدري»، ولكن من الّذي ارشد تلك الطيور إلى تلك الاحجار الصغيرة الملوثة بميكروب الحصبة والجدري، فتوجهت بصورة مجتمعة إلى تلك الاحجار الخاصة بدل التوجه إلى الحَبّ والطعام، ثم كيف بعد حمل تلك الأَحجار بمناقيرها وأرجلها حلَّقتْ فوق معسكر «أبرهة» ورجمت جنده كما لو أنّها جيشٌ منظّم موجّه؟؟

هل يمكن اعتبار كل ذلك أمراً عادياً، وحدثاً طبيعياً ؟


(170)

ترى لو أننا فسَّرنا طرفاً من هذه الحادثة العظيمة والعجيبة بالعوامل الغيبية، وبارادة اللّه النافذة فهل تبقى مع ذلك أية حاجة إلى أن نفسّر جانباً من هذه الحادثة بتفسير طبيعي مألوف، ونركض وراء التوجيهات الباردة، لنجعلها امراً مقبولا .

2- إنَّ الكائنات الدقيقة، أوما يسمى الآن بـ «الميكروب» لا شك انها عدوة لمطلق الإنسان، وليس بصديقة لهذا أو ذاك، ومع ذلك كيف توجهت إلى جنود «ابرهة» وقتلتهم دون غيرهم، وكيف نسيت المكيّين بالمرة؟!

انَّ التاريخ المدوَّنْ يثبت لنا أن جميع الضحايا في هذه الواقعة العظيمة كانوا من جند «ابرهة» ولم يلحق فيها: أىّ أذى - إطلاقاً ـ بقريش، وغيرهم من سُكان الجزيرة العربية، في حين أن الحصبة والجُدَرىِّ من الأمراض المعدية، الّتي تنقلها العوامل الطبيعية كالرياح وغيرها من منطقة إلى اُخرى، ورُبَما تُهلِك اهل قطر باجمعهم .

فهَل مع هذا يمكن أن نعدّ هذه الحادثة حدثاً طبيعياً عادياً؟!

3- ان اختلاف هذا الفريق في تحديد نوعية الميكروب، يضفي على هذا الادعاء مزيداً من الإبهام، ويجعله اقرب الى البطلان .

فتارة يقولون: انَّه ميكروب الوباء وتارةً اُخرى يقولون: انَّه داء الحصبة والجدري، في حين اننا لم نجد مستنداً صحيحاً لهذا الخلاف، ومبرراً وجيهاً لهذا الاختلاف، اللّهمَ إلاّ ما احتمله «عكرمة» من بين المفسرين، وعكرمة هو نفسه موضع نقاش بين العلماء والاّ لما ذهب «ابن الاثير». من بين المؤرخين وارباب السير إلى ذكر هذا الرأي في صورة الاحتمال الضعيف، والقيل، ثم عاد فردّ هذا القول فوراً(1) .

والأعجب من الجميع ما أعطاه مؤلف كتاب «حياة محمَّد» الدكتور هيكل وزير المعارف المصري السابق من تفسير، عند ذكر قصة الفيل .


1 - الكامل: ج 1، ص 263 .


(171)

فهو بعد ذكر تلك القصة سرد آيات سورة الفيل، ومع أنه اتى بقول اللّه تعالى «وأرسل عليهم طيراً أبابيل» قال عن هلاك جنود أبرهة: «ولَعلّ جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر، وأصابت العدوى أبرهة نفسه»(1) فاذا كان الّذي جاء بهذا الميكروب هو الريح، فلماذا حلّقت طيورُ الأبابيل على رؤوس جيش أبرهة، والقت بالأَحجار الصغيرة على رؤوسهم ودون غيرهم، وأي أثر كان لهذه الاحجار في هلاك أُولئك الجنود وموتهم؟

فالحق هو: أن لا يُتبعَ هذا النمط من التفكير، وأن لا نسعى لتفسير معجزات الأَنبياء ـ الكبرى بمثل هذه التأويلات والتفسيرات، بل إن طريق المعجزات والإعجاز أساساً يختلف عن طريق العلوم الطبيعية الّتي تتحدد دائرتها بمعرفة العلاقات العادية بين الظواهر الطبيعية، ولهذا يجب علينا أن لا نعمد ـ ارضاء لهوى جماعة ممّن لا يمتلكون اية معلومات دينية، وليست لديهم أية معرفة بهذا النوع من القضايا ـ إلى التنازع عن أُسُسنا الدينية المسلّمة، في حين لا توجد أية حاجة مُلزمة إلى مثل ذلك التنازل والاعتذار!

نقطتان هامّتان:

وهنا لابد من أن نذكّر بنقطتين هنا:

الاُولى: يجب ان لا يظن أحدٌ ـ خطأ ـ أننا بما قلناه هنا نريد تصحيح كل ما تلوكه ألسنُ الناس، وتنسبه إلى الانبياء العظام، أو إلى عباد اللّه الكرام، من دون أن يكون له أي سند صحيح أو وجه معقول بل وربما اتَّسَمْ بطابع الخرافة في بعض الاحيان والموارد .

بل مقصودنا هو: أن نثبت ـ وطبقاً للمصادر الصحيحة والقطعية المتوفرة ـ ان الأنبياء كانوا يقومون ـ لا ثبات ارتباطهم بما وراء هذه الطبيعة ـ بأعمال خارقة للعادة، خارجة عن الناموس الطبيعىّ المألوف، تعجز العلومُ الطبيعية الرائجة عن


1 - حياة محمَّد لمحمَّد حسين هيكل: ص 102 و 103 .


(172)

إدراك عللها، وأسبابها .

فهدُفنا هو الدفاع عن هذه الطائفة من المعاجز .

الثانية: إننا لا نقول مطلقاً: أَنَّ وجود المعجزة هو تخصيصٌ لقانون العلية العامّ، بل اننا في الوقت الّذي نحترمُ فيه هذا القانون المسلّم نعتقد بأَن لجميع حوادث هذا العالم عللا خاصة واسباباً معينة، وانه من المستحيل أن يوجَد شيء بعد عدمه من دون علة، بَيْد أننا نقول ان لهذه الطائفة من الظواهر والوقائع (أي المعاجز) عللا غير طبيعية، وان هذه العلل ميسَّرة ومتاحة لأنبياء اللّه ورسله والرجال الإلهيين خاصة، وليس في مقدور أحد ـ لم يستطع لا عن طريق الحس ولا عن طريق التجربة أن يكتشف هذه العلل ـ أن يتنكّر لها، وينكرها، بل ان جميع الاعمال الخارقة الّتي يقوم بها أنبياء اللّه ناشئة عن علل لا يمكن تفسيرها بالعلل الطبيعية المألوفة، ولو أنها خضعت للتفسير والتوجيه لخرجت عن كونها معجزة، ولم يصدُق في حقها عنوان الاعجاز .

ولكي نقف على حقيقة هذا الامر، ونعرف مدى بطلان المذهب المذكور (مذهب تفسير الخوارق والمعاجز بالتفسير المادي والمألوف المحض) ينبغي أن نتبسط قليلا في شرح مسألة الاعجاز ونبحث في مدى علاقتها بقانون العلية العام .

بحثٌ علمىُّ حول المعجزة في خمس نقاط:

إن الحديثَ العلمىَّ عن المجعزة لابدَّ أن يتركَّز على عدة نقاط أساسيَة هي:

1ـ ماهي المعجزة وما هو تعريفها؟

2ـ هل الإعجاز يهدم القوانين العقلية المسلَّمة؟

3ـ هل المعجزة تصدر عن علل مادية غير عادية فقط؟

4ـ كيف تدل المعجزة على صدق ادعاء النبوة؟

5ـ كيف وبماذا نميز المعجزة عن الخوارق الاُخرى؟

إنَّ الاجابة على هذه الأسئلة كفيلة بتوضيح حقيقة المعجزة، وبيان مدى بطلان الاتجاه المذكور نعني: تفسير المعاجز بالتفسير المادي الطبيعي .


(173)

على أننا ـ نظراً لضيق المجال ـ سنختصر الجواب على هذه الأسئلة، وعلى من أراد التوسع أن يرجع إلى كتب الكلام والعقيدة .

1ـ ماهي المعجزةُ وما هو تعريفها؟

لقد عرَّف علماء العقيدة المعجزة بتعاريف مختلفة أتقنها وأكملها هو: انّ المعجزة أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرونٌ بالدَعوى، والتحدّي، مع عدم المعارضة، ومطابقة الدعوى(1).

ويعني الشرطُ الأولُ (اي كون المعجزة أمراً خارقاً للعادة) أن كل ظاهرة من الظواهر الطبيعية الحادثة مرتبطة بعلة حتماً، فلا يمكن صدورها من دون علة، وهذا الكون مشحون بالعلل الّتي يكتشفها البشر شيئاً فشيئاً وتدريجاً عبر وسائله العادية أو العلميّة، ولكنّ المعجزة مع كونها ظاهرة واقعية ولهذا فهي كغيرها مرتبطةٌ بعلة، بيد أنها تختلف عن غيرها من الظواهر في أنّ من غير الممكن كشف عللها من الطريق العادية أو بواسطة التجارب والتحقيقات العلمية، ولا يمكن تفسيرها وتبريرها بالعِلَل العادية أو بما يكتشفه العلمُ من العلل لمثل هذه الحوادث، والمقصود من خرق العادة هو أنْ تقع المعجزةُ على خلاف ما عهدناه وتعوَّدنا عليه في الظواهر الاُخرى وعِللها، مثل إشفاء المرضى من دون علاج ودواء كما هو المعهود، واخراج الماء من صخرة صماء من دون حفر أو تنقيب كما هو المألوف، وتحويل العصا إلى افعى من دون تبييض وتفريخ وتوالد وتناسل، بل بمسح من يد، أو بعبارة من لسان، أو بضرب من عصا!!

من هنا نكتشفُ أَن كل ظاهرة يقف الناس العادّيون بالطرق العادية أو العلماء خاصة بالطرق العلمية على عللها وأسبابها لا تكون معجزة لأنّه في هذه


1 - راجع للوقوف على هذا التعريف: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلّي شرحاً والمحقق نصيرالدين الطوسي متناً: ص 218، وأيضاً شرح تجريد الاعتقاد للعلامة القوشجي: ص 465 .


(174)

الصورة لم يقع أي شيء على خلاف العادة، والمألوف ليدل على مزية في الانبياء .

فان مثل هذه الظاهرة الّتي يكون لها علةٌ عاديةٌ يعرفها جميعُ الناس، أو سببٌ علمي خاصٌ يعرفها علماء ومتخصصوا ذلك العلم يمكن أن يقوم بايجاد أمثالها جميعُ الناس، فلا يكون حينئذ معجزة.

ولا يعني هذا ـ وكما اسلفنا ـ أَنَّ المعجزة لا تنتهي إلى اية علة، اصلا، بل هي تستند إلى علة غير متعارفة وغير عادية، ولمزيد التوضيح سنبحث في هذا المجال عند الاجابة على السؤال الثالث .

ويُقصَد من الشرط الثاني (أي كون الاعجاز مقروناً بالدعوى) أن يَدّعي صاحبُ المعجزة النبوة والسفارة من جانب اللّه تعالى، ويأتي بالمعجزة دليلا على صحة دعواه هذه، إذ في غير هذه الصورة لا يكون الأمرُ الخارق للعادة معجزةً بل يُطلَق عليه في الاصطلاح الديني لفظ «الكرامة» كما كان لمريم بنت عمران الّتي كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً فاذا سألها من أين لها ذلك؟

قالت: هو من عند اللّه(1) .

ويعني الشرطُ الثالثُ أن يكون الاعجاز مقروناً بدعوة الناس إلى الإتيان بمثله، وعجز الناس عن هذه المعارضة، وعدم قدرتهم على الاتيان بمثله مطلقاً إذ في هذه الصورة يتضح أَنَّ النبي يعتمد على قوة الهية غير متناهية، قوة خارجة عن حوزة البشر العادي .

واما الشرط الرابع فيعني أن الامر الخارق للعادة إنّما يكون عملا إعجازياً، ويستحق وصف المعجزة الدالّة على ارتباط الآتي بها بالمقام الالهىّ، إذا وافق الامرُ الواقعُ ما يدعي أنه قادر على الأتيان به .

فلو قال: سأجعلُ هذا البئر الجاف الفارغ من الماء، يفيض بالماء باشارة اعجازية، ثم يقع ما قاله كان هذا الأمر معجزة حقاً، وأما إذا قال: سأجعل هذا


1 - راجع سورة آل عمران: 37 .


(175)

الماء القليل الموجود في البئر يفيضُ ماء، بالإعجاز، ولكن جفَّ ذلك البئرُ على عكس ما قال، لم يكن ذلك إعجازاً، بل كان تكذيباً لمدعيها .

هذا هو خلاصة ما يمكن أن يُقال حول تعريف المعجزة والاعجاز وهو يساعد على فهم طبيعة العمل الإعجازىّ .

2ـ هل الاعجاز يهدم القوانين العقلية المسلَّمة؟

وبهذا يتضح جواب السؤال المطروح في هذا المجال وهو أن يقال: إن قانون العليّة (اي: ارتباط كل معلول حادث بعلة) ممّا ارتكز عليه الذهنُ البشرىُ وقبلَه العلمُ والفلسفة، ولذلك فاننا نلاحظ: كلّما وقف الإنسانُ على ظاهرة مهماكانت ـ بحَثَ عن علّتها فوراً فاذا رأى حية ـ مثلا ـ عرف بان علتها الطبيعية هي أن تبيض حيّة، ثم خروج حيّة من البيض بعد سلسلة من التفاعلات فكيف يمكن القبول بالمعاجز مع أنها لا تنشأ عن مثل هذه العلل ولا تمرُّ بمثل هذه المقدمات والمراحل والتفاعلات الطبيعيّة، مثل انقلاب العصا إلى ثعبان، أو نبوع الماء من الصخر من دون حفر أو تنقيب .

أليس هذا هدمٌ، أو تخصيصٌ لذلك القانون العقلىّ المسَلَّم العام؟

فان الجواب على هذا السؤال هو ان مثل هذا السؤال لا يطرحه إلاّ الَّذين يحصرُون العلل والعلاقات بين الاشياء في العلل والعلاقات المادية الطبيعية .

ولكن الحق هو أنَّ أيَّة ظاهرة مادية يمكن أن يكون لها نوعان من العلل:

1ـ العلةُ العادية الّتي تخضع للتجربة .

2ـ العلةُ غير العادية الّتي لا يعرفها الناس ولم تكن متعارفة ولا تخضع للتجربة العلمية .

وهذا يعني أنه لا توجد أية ظاهرةُ في هذا العالم بدون علة .

وتوضيحُ هذا أن اصل وجود الحية ونبوع الماء من الصخرة وتكلم الطفل ـ مثلا ـ أمرٌ ممكنٌ، ولا يُعدّ من المحالات، لأَنها لو كانت من المحالات لما تحقق وجودها أبداً.


(176)

نعم أَنها بحاجة إلى علة لكي تتحقق، والعلة ـ سواء في المعاجز أو غيرها ـ يمكن أن تكون إحدى الامور التالية:

أ ـ العلة الطبيعية العادية وهي ما الفناها وأعتدنا عليها مثل ظهور شجرة من نواة بعد سلسلة من التفاعلات .

ب ـ العلة الطبيعية غير العادية وغير المعروفة وهذا يعني أنه قد يكون لظاهرة معينة نوعان من العلل، وطريقان للتحقق والوجود أحدهما معروف ومعلوم، والآخر مجهول غير معلوم، والانبياء بحكم اتصالهم بالعلم والقدرة الالهية، يمكن أن يقفوا على هذا النوع مِنَ العلل ـ عن طريق الوحي ـ ويوجدوا الظاهرة .

ج ـ تأثير النفوس والارواح:

فانَّ بعض الظواهر يمكن أن تكون ناشئة من تأثير أرواح الأَنبياء ونفوسهم القوية، كما نلاحظ ذلك في مجال المرتاضين الهنود الذين يبلغون درجة يستطيعون معها أن يقوموا بما يعجز عنه الأفرادُ العاديُّون، وذلك بفضل الرياضات النفسية الّتي يخضعون لها. وهو ما يسمى باليوجا أحياناً، وقد كتبت حوله كتب ودراسات(1).

وقد أشار إلى هذا جملةٌ من علماء الإسلام وفلاسفته منهم الفيلسوف الإسلامي الشهير صدر الدين الشيرازي حيث يقول:

«لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوةٌ الهيةٌ تكون بقوتها كأنها نفسُ العالم فيطيعُها العنصرُ طاعة بدنها لها، فكلّما ازدادت النفسُ ـ تجرداً وتشبّها بالمبادىء القصوى ازدادت قوةً وتأثيراً في ما دونها .

وإذا صار مجردُ التصوّر والتوهم سبباً لحدوث هذه التغيّرات في هيولىّ البدن لأجل علاقة طبيعيّة، وتعلّق جبلّي لها إليه، لكان ينبغي أن تؤثر في بدن الغير وفي هيولىّ العالم مثل هذا التأثير، لأجل مزيد قوة شوقية، واهتزاز علوي للنفس


1 - راجع كتاب الطاقة الإنسانية لأحمد حسين .


(177)

ومحبة الهية لها، فيؤثر نفسُه في إصلاحها، وإهلاك ما يضرّها ويفسدها»(1) .

د ـ العللُ المجردة عن المادة:

فيمكن ان تكون للظواهر عللٌ مجردة عن المادة كالملائكة، بان تقوم الملائكة بأمر من اللّه سبحانه بتدمير قرية، أوتقوم بمعجزة بعد طلب النبىّ منها ذلك .

والملائكة مظاهرُ القدرة الالهية في الكون، وهي الّتي تدبّر اُمور الكون بأمر اللّه تعالى كما يقول القرآن الكريم: (فالمُدَبَّراتِ أَمْراً)(2) وهي بالتالي جنوداللّه في السماوات والأَرض (وللّه جُنودُ السَماواتِ)(3) .

فلابد من ارجاع الظواهر الطبيعية الواقعة إلى أحد هذه العوامل الاربعة، ولا يمكن أبداً حصر العلة في العلة الطبيعية العادية المعروفة كما تصور منكروا الاعجاز، بل يمكن أن تكون كلُ واحدة من هذه العلل سبباً لحدوث الظاهرة الطبيعية، فاذا لم نشاهد علة ظاهرة من الظواهر لم يجز لنا أن نُبادر ـ فوراً ـ إلى تصوّر أنها ناشئةٌ من غير علة .

ويجب ارجاع معاجز الأَنبياء إلى إحدى الطرق الاخيرة، والقول بأن الانبياء استخدموا ـ في ايقاع الخوارق والمعاجز ـ إما العلل المادية غير المعروفة للعُرف، والعلم، وأما نفوسهم القوية الّتي حصلت لهم بفعل الجهاد الرُوحيّ العظيم والرياضات النفسية الشديدة فهي علة تلك الأفعال الخارقة للعادة .

كما ويمكن ان تكون جميع تلك الافعال العجيبة ناشئة عن جملة من العلل والعوامل الغيبية المدبِّرة للكون بامر اللّه ومشيئة .

إذن فلا تتحقق المعجزة بدون علة كما يُتصوَّر، ولا يهدم الاعجاز القوانينَ العقلية المسلّمة .


1 - راجع المبدأ والمعاد: ص 355 و 356 لصدر المتألهين المشهور بصدر الدين الشيرازي، وشرح المنظومة للحكيم السبزواري: ص 327 قال السبزواري ناظماً:

يطيعه العنصرُ طاعة الجَسَد * للنفس فالكلُ كجسمهُ يُعَدّ

2 - النازعات: 5 .
3 - الفتح: 4 .


(178)

3ـ هل المعجزة تصدر عن علل مادية غير معروفة فقط؟

قد يتصور البعض أن المعاجز تصدر عن علل مجردة عن المادة فقط نافين أن تكون لها ايَّة علل مادية معروفة أوغير معروفة، في حين لا يصحّ هذا السلب الكلي، إذ ما اكثر الخوارق الّتي تنشأ عن اُمور عادية وعبر سلسلة من التفاعلات الطبيعية .

فعندما يرقُد مرتاض هندىٌ ليمرَّ عليه تراكتور من دون ان تحدث في جسمه اية جراحات أو اصابات فان هناك اُموراً مادية كثيرة دخلت في هذا الامر الخارق مثل: وقوع هذا الحدث في اطار الزمان الخاص، والمكان الخاص، ومثل جسم المرتاض، وما كنة الحراثة .

فان جميع هذه الاشياء المادية اثرت في ظهور هذا العمل الخارق .

وهكذا عندما تنقلب عصا الكليم ـ عليه السلام ـ إلى حية على نحو الاعجاز فان العصا شيء مادي وهكذا الحال في غيره من الموارد .

ولهذا لا يمكن ان نتجاهل تأثير العوامل والامور المادية في ظهور الاُمور غير العادية، وننكر دخالتها بمثل هذا الإنكار.

وهذه هي اكثر النظريات اعتدالا في هذا المجال .

وفي مقابل ذلك التفريط(1) أفرط آخرون إذ قالوا: ان جميع المعاجز والخوارق ناشئة من علل مادية غير معروفة .

وحتّى ما يقوم به المرتاضون يعود إلى هذه العوامل الطبيعية الّتي لا يعرفها ولا يقف عليها حتّى النوابغ من الناس فضلا عن العاديين، لأن العوامل الطبيعية على نوعين: المعروفة وغير المعروفة، والناس يستفيدون في حياتهم اليومية ـ في الأغلب ـ من القسم الاول، بينما يستخدم الانبياء والمرتاضون تلك العوامل الطبيعية غير المعروفة الّتي وقفوا عليها وادركوها دون غيرهم .


1 - أي حصر علل الخوارق والمعاجز في العوامل المجرَّدة ونفي تأثير العلل الماديّة على نحو الاطلاق .


(179)

والسبب في وصفنا هذه النظرية بالافراط والتطرُّف هو عدم وجود دليل لا ثباته، بل يمكن ان يقال ان مثل هذا الموقف ناشىء عن الانهزامية تجاه العالم المادي، أو انه لارضاء الماديين، والنافين لما يدخل في إطار العالم المادي فان الماديين يرفضون أي عالم آخر غير الطبيعة وآثارها وعلاقاتها وخواصها، وحيث أن ارجاع المعجزات إلى العلل المجردة عن المادة يخالف منطق الماديين، ويضادد اتجاههم وتصورهم لهذا عمد أصحاب هذه النظرية (نظرية إرجاع المعاجز والخوارق إلى علل طبيعية غير معروفة وغير عادية) إلى مثل هذا التفسير إقناعاً للماديين، وارضاء لهم فقالوا: ان جميع الخوارق والمعاجز ناشئة من علل طبيعية ومادية على الإطلاق، غاية ما في الأمر أَنها علل غير معروفة، شأنها شان كثير من العوامل الطبيعية المجهولة.

ونحن بدورنا نترك هذه النظرية في دائرة الاجمال وبقعة الإمكان، لعدم الدليل لا على طبقها ولا على خلافها .

4ـ كيف تدلّ المعجزة على صحّة ادّعاء النبوّة؟

إن صفحات التاريخ مليئة بذكر من ادّعوا النبوّة خداعاً وكذباً، واستثماراً للناس، مستغلِّين سذاجة الاغلبية الساحقة من جانب، وانجذابهم الفطري إلى قضايا التوحيد والايمان من جانب آخر .

فكيف وبماذا يُميَّز النبىّ الصادق عن مدّعي النبوة؟؟

إن المعجزة هي إحدى الطرق التي تدل على صحة إدعاء النبوة .

وإِنما تدلُّ المعجزةُ على صدق ادّعاء النبوّة، وارتباط النبىّ بالمقام الربوبي لأن اللّه الحكيم لا يمكن أن يزوّدَ الكاذب في دعوى النبوة بالمعجزة، لأن في تزويد الكاذب تغريراً للناس الذين يعتبرون العمل الخارق دليلا على ارتباط الآتي بها بالمقام الربوبىّ.

وإلى هذا أشار الامامُ جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ بقوله في جواب من سأله عن علة اعطاء اللّه المعجزة لانبيائه ورسله:


(180)

«لِيَكُونَ دَليلا عَلى صِدق من أتى به، والمعجزة علامةٌ للّه لا يعطيها إلا انبياءه وَ رسَله، وحجَجَه، ليعرفَ به صدق الصادق مِنْ كذب الكاذِب»(1) .

5ـ بماذا نميز المعاجز عن غيرها من الخوارق؟

لا شَكَّ في أنَّ السَحَرة والمرتاضين يقومون بأَفعال خارقة للعادة مثيرة للعجب والدهشة حتّى ان البسطاء ربما يذهب بهم الاندهاش إلى حدّ الاعتقاد بأن القائمين بهذه الخوارق مزوَّدون بقوى غامضة غيبية لا يتوصلُ اليها البشر .

فكيف يمكن اذن أن نُمَيّز بَينَ المعاجز وتلك الخوارق والعجائب؟

إن التمييز بين هذه وتلك يمكن أن يتم إذا لاحظنا العلائم الفارقة بين المعجزة وغير المعجزة من الاعمال الخارقة للعادة، كاعمال السحرة والمرتاضين (اصحاب اليوجا) ونظائرهم .

وهذه الفوارق هي عبارة عن الامور التالية:

1ـ إن القوة الغامضة الحاصلة لدى المرتاضين والسحرة ناشئة بصورة مباشرة من التعلم والتحصيل عند اساتذة تلك العلوم، وذلك طيلة سنين عديدة من الزمان .

بينما لا يرتبط الاعجاز بالتعلّم والتلمّذ أبداً، والتاريخ خير شاهد على هذا الكلام .

2ـ إن أَفعال السَحرة والمرتاضين العجيبة قابلة للمعارضة والمقابلة بأمثالها، وربما بما هو اقوى منها، على عكس الإعجاز، فالمعجزات غير قابلة لأن تعارض وتقابل بمثلها ابداً .

3- المرتاضون والسَحرة لا يَتحدُّون أحداً بأفعالهم ولا يطلبُون معارضة أحد لَهُمْ وإلا لافْتضَحُوا وكبتوا .

بينما يتحدى الانبياء والرسل بمعاجزهم جميع الناس ويدعونهم لمعارضتهم


1 - علل الشرائع: ج 1، ص 122 .


(181)

والاتيان بمثل معاجزهم لوقدروا، واستطاعوا .

فهذا هو القرآن الكريم ينادي بأعلى صوته على مر العصور: (قُل لَئنْ اجْتَمَعت الإنسُ والجنّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمثْلِ هذا الْقُرآنِ لا يأتُونَ بِمثْلِه وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهيْراً)(1) .

وذلك لأنَ أفعال السَحرة الخارقة مما كانت فانها تستند إلى الطاقة البشرية المحدودة، ولا تتجاوزها بينما يعتمد الانبياء والرسل العنصر الغيبي، والإرادة الآلهية .

4ـ إن أفعال السحرة والمرتاضين الخارقة للعادة اُمور محدودة ومقتصرةٌ على ما تعلَّموها وتمرنوا عليها، بينما لا تكون معاجز الأنبياء والرسل مقتصرة على اُمور خاصة، فهم لا يعجزون عن الاتيان بكل ما يطلبه الناس منهم، طبعاً حسب شرائط خاصة مذكورة في محلها في أبحاث الاعجاز(2) .

فتلك معاجز موسى المتعددة الابتدائية، والمقترحة، ومعاجز المسيح ـ عليه السلام ـ المتنوعة خير مثال على هذا الأمر .

5ـ إن اصحاب المعاجز يقصدون من معاجزهم دائماً دعوة الناس إلى أهداف إنسانية عالية وغايات الهية سامية وبالتالي هداية المجتمع البشري إلى المبدأ والمعاد، والأخلاق الفاضلة فيما لا يهدفُ المرتاضون والسحَرة إلا تحقيق مآرب دنيوية حقيرة، ونيل مكاسب مادية رخيصة .

هذا مضافاً إلى أن الأَنبياء والرسل أنفسهم يختلفون عن السحرة والمرتاضين


1 - الاسراء: 88 .
2 - مثل أن لا يكون ما يطلبه الناس محالا عقلياً كرؤية اللّه، ومثل أن لا يكون ما سيأتي لهم به دليلا على ارتباطه بالمقام الربوبي، كما لو طلبوا منه أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب وبيتٌ من ذهب، لأنّ هذه الاُمور لا تكون دليلا على النبوّة إذ نلاحظ أنّ كثيراً مِنَ الناس يملكون هذه وليسوا مع ذلك بأنبياء .
وأن لا يكون المقترحون من ذوي اللجاج والعناد الذين لا يقصدون من طلب المعاجز إلا الهزل والاستهزاء والتنزّه. وأن لا تكون نتيجة المعجزة هلاكهم كما لو طلبوا ان يُنزِّل عليهم ناراً من السماء تحرقهم لأن في ذلك نقضاً للغرض .


(182)

في نفسيّتهم العالية، وأخلاقهم الفاضلة وتاريخهم المشرق، وصفاتهم النبيلة على العكس من السحرة والمرتاضين .

هذه هي أَهمُّ العلامات الفارقة بين المعاجز الّتي تدل على نبوة الانبياء والخوارق الّتي يقوم بها المرتاضون والسحرة .

وبعد أن تبيَّن كل هذا اتضح أنَّ الخوارق الالهية الّتي هي من مقولة المعاجز أيضاً تختلف عن الاُمور العادية في أن عللها لا تنحصر في العلل المادية غير المعروفة فضلا عن الاُمور المادية المعروفة، بل ربما تكون مستندة إلى العلل المجرّدة، فليس من الصحيح ان نسعى لتفسير الخوارق الالهية مثل: «قصة الفيل» الّتي أهلك اللّه تعالى فيها جيش «أبرهة» العظيم بأحجار صغيرة من سجيل رمتها طيور الأبابيل بالعلل المادية المعروفة كما فعل من اشرنا إلى أسمائهم في مطلع هذا البحث(1) .

ولهذا عَدلَ «سيد قطب» عن رأية الّذي كان قد أبداه في ما سبق في أمثال هذه الاُمور، إذ قال:

ان الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره أن ينفُض الإنسان من ذهنه كلَ تصوّر سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقرَّرات تصوُرية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرَّراته كلها حسبما يصورُ القرآنُ والحديثُ حقائق هذا الوجود، ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن، ولا ينفي شيئاً يثبته القرآن ولا يُؤَولَه، ولا يثبت شيئاً ينفيه القرآن أو يبطله، وما عدا المثبت والمنفي في القرآن فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته .

نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن... وهم مع ذلك يؤوّلون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة في عقولهم وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود(2) .


1 - أي الاستاذ الشيخ محمَّد عبده والاستاذ محمَّد حسين هيكل .
2 - وهنا قال سيّد قطب في هامش هذا الكلام مانصه «وما اُبرىء نفسي اُنني فيما سبق من مؤلّفاتي وفي الأجزاء الاُولى من هذا الضلال قد انسقتُ إلى شيء من هذا وارجو أن أتداركه في الطبعة التالية إذا وفق اللّه» .


(183)

فاما الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، ويعتسفون نفي هذه التصورات لمجرد أن العلم لم يصل إلى شيء منها فهم مضحكون حقاً! فالعلمُ لا يعلم اسرارالموجودات الظاهرة بين يديه والّتي يستخدمها في تجاربه، وهذا لا ينفي وجودها طبعاً! فضلا عن العلماء الحقيقيين اخذت جماعة كبيرة منهم تؤمن بالمجهول على طريق المتدينين أو على الأقل لا ينكرون ما لا يعلمون، لأنهم بالتجربة وجدوا أنفسهم ـ عن طريق العلم ذاته ـ أمام مجاهيل فيما بين ايديهم ممّا كانوا يحسبون انهم فرغوا من الاحاطة بعلمه فتواضعوا تواضعاً علمياً نبيلاً ليس فيه سمةُ الادعاء، ولا طابع التطاول على المجهول كما يتطاول مُدّعو العلم، ومدّعو التفكير العلمي، ممن يُنكرون حقائق الديانات وحقائق المجهول(1).

ثم يقول في موضع آخر من تفسيره ناقداً لموقف الاستاذ عبده من قصة الفيل الّتي هي احدى الخوارق حيث حفظ اللّه تعالى بيته المعظم على نحو خارق للعادة:

ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات، وإلى رؤية السنن الكونية المألوفة تعملُ عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والحصبة اقرب و اولى، وان الطير تكون هي: الذباب والبعوض تحمل الميكروبات فالطير هو كل ما يطير .

ثم ينقلُ كلام الاستاذ «عبده» الّذي ذكرناه بنصه مع قوله: هذا ما يصحّ الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو ممّا لا يصحّ قبوله إلاّ بتأويل ان صحت روايته، وممّا تعظم به القدرة ان يُؤخذَ من استعز بالفيل ـ وهو اضخم حيوان من ذوات الاربع جسماً ـ ويُهْلكَ بحيوان صغير لا يظهر للنظر ولا يدرك بالبصر حيث ساقه القدرُ لا ريب عند العاقل أن هذا اكبر و اعجب وأبهر .


1 - في ظلال القرآن: ج 29، ص 151 ـ 153 .


(184)

ثم يقول: ونحن لا نرى أن هذه الصورة الّتي افترضها الاستاذُ الامامُ ـ صورة الجدري أو الحصبة من طين ملوث بالجراثيم ـ أدلَّ على قدرة، ولا اولى بتفسير الحادث، فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع، ومن حيث الدلالة على قدرة اللّه، وتدبيره، ويستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي الّتي جرت، فأهلكت قوماً أراد اللّه اهلاكهم، أو أن تكون سنة اللّه قد جَرت بغير المألوف للبشر، وغير المعهود المكشوف لعلمهم فحقّقت قدره ذاك .

ثم يقول: لقد كان اللّه سبحانه يريد بهذا البيت(1) أمراً، كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمناً وليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحفُ منه حرة طليقة في ارض حرة طليقة لا يهيمن عليها احدٌ من خارجها ولا تسيطر عليها حكومةٌ قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها، ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الانظار في جميع الأجيال، ليضربها مثلا لرعاية اللّه لحرماته وغيرته عليها.

فمما يتناسق مع جوّ هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادثُ غير مألوف ولا معهود بكل مقوماته وبكل اجزائه، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفردٌ فذٌ .

وبخاصة ان المألوف في الجدري والحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش وقائده فإن الجدري أو الحصبة لا يُسقطُ الجسم عُضواً عضواً، وأنملة انملة، ولا يشق الصدر عن القلب!!

ثم ان «سيد قطب» يشير إلى علل تفسير هذه الحادثة الخارقة للعادة بالتفسير المادي العادي الطبيعي، والمدرسة العقلية الّتي كان الاستاذ «عبده» على رأسها، وضغط الفتنة بالعلم الّتي تركت آثارها في تلك المدرسة، ونحن نكتفي بهذا القدر بالمناسبة، وإشعاراً بما يمكن أن يجنيه مثل هذا الاتجاه على مقولات الدين ومفاهيمه ومقرراته عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية


1 - أىّ الكعبة المشرّفة .


(185)

والغيبية(1) .

هذا و يجدر بنا ان ننقل هنا ما قاله صاحب تفسير مجمع البيان في هذا الصدد في شأن حادثة الفيل استكمالا لهذا البحث وتأكيداً لمعجزة هذا الحدث .

قال صاحب المجمع: وكان هذا من اعظم المعجزات القاهرات، والآيات الباهرات في ذلك الزمان، اظهرهُ اللّه تعالى ليدل على وجوب معرفته، وفيه ارهاص لنبوة نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه ولد في ذلك العام، وفيه حجةٌ لائحة قاصمة لظهور الفلاسفة والملحدين المنكرين للآيات الخارقة للعادات فانه لا يمكن نسبة شيء ممّا ذكره اللّه تعالى من أمر اصحاب الفيل إلى طبع وغيره كما نسبوا الصيحة والريح العقيم والخسف وغيرهما ممّا أهلك اللّه تعالى به الامم الخالية، إذ لا يمكنهم أن يروا في اسرار الطبيعة ارسال جماعات من الطير معها احجارٌ معدّة مهيَّاة لهلاك أقوام معينين قاصدات إيّاهُمْ دون من سواهم فترميهم بها حتّى تهلِكهم، وتدّمرَ عليهم، لا يتعدّى ذلك إلى غيرهم ولا يشك من له مسكة عن عقل ولب ان هذا لا يكون الا من فعل اللّه تعالى مسبب الاسباب ومذلِّل الصعاب، وليس لأحد أن ينكر هذا لأَن نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما قرأ هذه السورة على أهل مكة لم ينكروا ذلك بل اقروا به وصدّقوه مع شدة حرصهم على تكذيبه، واعتنائهم بالردِّ عليه وكانوا قريبي عهد بأَصحاب الفيل، فلو لم يكن لذلك عندهم حقيقةٌ وأصلٌ لأنكَرُوهُ، وجحدوه، وأنهم قد أرّخوا بذلك كما أرّخوا ببناء الكعبة، وموت قصىّ بن كعب وغير ذلك .

وقد اكثر الشعراء ذكر الفيل ونظّموه ونقلته الرواةُ عنهم فمِن ذلك ما قاله (اُميّة) بن ابي الصلت:

إن آيات ربِّنا بَيِّنات * ما يُماريْ فيهِنّ إلا الكَفُورُ

حبَس الفِيْلَ بالمُغمَّس حَتى * ظَلّ يحبو كأنه مَعْقُورُ


1 - في ظلال القرآن: ج 30، ص 251 ـ 255 .


(186)

وقال عبداللّه بن عمرو بن مخزوم:

أنتَ الجليل ربَنا لم تُدْنِس * أنت حبَسْت الفيل بالمغمَّس

مِنْ بعد ما همَّ بشيء مَبْلسِ * حبَستَه في هيئة المكركس(1)

وقال ابن قيس الرقيات في قصيدة:

وَاسْتَهلَّتْ عَليْهِمُ الطَيْر با * لجندلِ حَتى كأَنَّه مَرْجُومُ(2)

ماذا بَعْدَ هزيمة الأحباش؟

لقد استوجب مقتل أبرهة وتحطّم جيشه وهلاكهم، وبالتالي هزيمة أعداء الكعبة المشرفة، وأعداء قريش، أن يتعاظم شأن المكيّين، وشأن الكعبة الشريفة في نظر العرب، فلا يجرأ أحدٌ ـ بعد ذلك ـ في أن يحدِّث نفسه بغزو مكة، والإغارة على قريش، أو أن يفكر في التطاول على الكعبة المعظمة صرح التوحيد الشامخ، فقد اخذ الناس يقولون في انفسهم: إنّ اللّه أهلك أعداء بيته المعظم بمثل ذلك الاهلاك إحتراماً لبيته وتعظيماً لشأن قريش، وقلّما كان يتصور أحد أن ما وقع كان لاجل المحافظة عى الكعبة فقط، اي من دون أن يكون لمكانة قريش ومنزلتهم وشأنهم دخل في ذلك، ويشهد بذلك أن قريشاً تعرضت مراراً لحملات متكررة من غزاة ذلك العصر دون أن يُصابُوا بمثل ما اُصيب به جندُ «ابرهة» الّذي قصد الكعبة بالذات ويواجهوا ما واجهه، من الردع والكبت .

إنَّ هذا الفتح والظفر الّذي نالته قريش من دون تعب ونصب، ومن دون إراقة أية دماء من أبنائها، أحدثت في نفوس القرشيين حالات جديدة خاصة، فقد زادت من غرورهم وحمّيتهم، وعنجهيتهم، واعتزازهم بعنصرهم، فأخذوا يفكرون في تحديد شؤون الآخرين، والتقليل من وزنهم، اعتقاداً منهم بانهم الطبقة الممتازة من العرب دون سواهم. كما أنها دفعتهم إلى أن يتصوَّروا أنهم وحدهم موضع عناية الأَصنام (الثلا ثمائة والستين) فهم وحدهم الذين تحبُّهم


1 - المنكَّس .
2 - تفسير مجمع البيان للطبرسي: ج 10، ص 543 في تفسير سورة الفيل .


(187)

تلك الاصنامُ، وتحميهم وتدافع عنهم!!

ولأجل هذا تمادوا في لَهوهم، ولعبهم، وتوسعوا في ممارسة اللذة والترف حتّى أنهم أظهروا وَلعاً شديداً بالخمر، فكانوا يحتسونها في كل مناسبة، وربما مدّوا موائد الخمر في فناء الكعبة، واقاموا مجالس سَمرهم وأنسهم إلى جانب أصنامهم الخشبية، والحجرية، الّتي كان لكل قبيلة من العرب بِينها صَنمٌ أو اكثر، ويقضون فيها اسعدَ لحظات حياتهم ـ حَسب تصورّهم، وَ هم يتناقلون فيها كل ما سمعوه من أخبار وقصص حول «مناذرة» الحيرة و «غساسنة» الشام وقبائل اليمن، وهم يتصورون أن هذه الحياة الحلولة اللذيذة هي من بركة تلك الاصنام والاوثان، فهي الّتي جعلت عامة العرب تخضع لقريش، وجعلت قريشاً افضل من جميع العرب!!

أوهام قريش تتفاقم!!

إنَّ أخطرَ ما يمرُّ به إنسانٌ في حياته هو أن يصفو عيشه من المشاكل، ردحاً من الزمن ويحس لنفسه بنوع من الحصانة الوهمية، فعندها تجده يخص الحياة بنفسه ويستأثر بكل شيء في الوجود ولا يرى لغيره من ابناء نوعه وجنسه من البشر اي حق في الحياة، ولا اىّ شأن وقيمة تذكر، وذلك هو ما يصطلح عليه بالاستكبار والاستعلاء، والاحساس بالتفوق، والغطرسة .

وهذا هو بعينه ما حصل لقريش بعد اندحار جيش «ابرهة» وهلاكه، وهلاك جنده بذلك الشكل العجيب الرهيب .

فقد عزمت قريش منذ ذلك اليوم ـ وبهدف إثبات تفوقها وعظمتها للآخرين ـ، على أن تلغي أي احترام لأهل الحلّ لانهم كانوا يقولون: ان جميع العرب محتاجون إلى معبدنا، وقد رأى العرب عامة كيف اعتنى بنا آلهةُ الكعبة، خاصة، وكيف حمتنا من الاعداء!!

ومن هنا بدأت قريش تضيّق على كل من يدخل مكة من أهل الحل للعمرة أو الحج، وتتعامل معهم بخشونة بالغة، وديكتاتورية شديدة ففرضت على


(188)

كل من يريد دخول مكة للحج أو العمرة أن لا يصطحب معه طعاماً من خارج الحرم، ولا يأكل منه، بل عليه أن يقتني من طعام أهل الحرم، ويأكل منه، وأن يلبس عند الطواف بالبيت من ثياب أهل مكة التقليدية القومية، أو يطوف عرياناً بالكعبة إن لم يكن في مقدوره شراؤها واقتناؤها، ومَن كان يَرفُض الخضوع لهذا الأمر، مِن رؤساء القبائل وزعمائها، كان عليه أن ينزع ثيابه ـ بعد انتهائه من الطواف ـ ويلقيها جانباً، ولا يحق لأحد ان يمسها أبداً لا صاحبها ولا غيره(1) .

اما النساء فكان يجب عليهن إذا أردنَ الطواف أن يُطفنَ عراة على كل حال، وان يضعن خرقة على رؤوسهن وَ يُردِّدنَ البيت التالي في اثناء الطواف:

اليوم يبدو بعضُه أو كُلّه * وبعدَ هذا اليوم لا اُحِلُّه

ثم إنه لم يكن يحق لأىّ يهودي أو مسيحي ـ بعد هزيمة «ابرهة» الّذي كان هو أيضاً مسيحياً ـ أن يدخل مكة إلاّ أن يكون أجيراً لمكىٍّ، وحتّى في هذه الصورة كان يجب عليه أن لا يتحدّث في شيء من أمر دينه ومن أمر كتابه .

لقد بلغت النخوةُ والعصبية بقريش حداً جعلتهم يتركون بعض مناسك الحج الّتي كان يجب الإتيان بها خارج الحرم!!

لقد أنفوا منذ ذلك اليوم أن يأتوا بمناسك عرفة(2) كما يفعل بقية الناس فتركوا الوقوف بعرفة، والافاضة منها مع أن آباءهم (من ولد إسماعيل) كانوا يُقّرون أنها من المشاعر والحج، وكانت هيبة قريش وعظمتها الظاهرية رهنٌ ـ برمتها ـ بوجود الكعبة بين ظهرانيها، وبوظائف الحج ومناسكه هذه، إذ كان يجب على الناس في كل عام أن يأتوا إلى هذا الوادي الخالي عن الزرع وهذه الصحراء اليابسة لأداء المناسك، إذ لو لَم يكن في هذه النقطة من الأَرض أىُ مطاف أو مشعر لما رغب احد حتّى في العبور بها فضلا عن المكث فيها عدة ايام وليال .


1 - وكانت تسمّى عندهم «اللّقى» .
2 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 266 .


(189)

لقد كان ظهورُ مثل هذا الفساد الاخلاقي وهذا الموقف المتعصِّب من الآخرين أمراً لابدَّ منه بحسب المحاسبات الاجتماعية .

فالبيئة المكيّة لابد أن تغرق في الفساد والانحراف حتّى يتهيأ العالم لانقلاب أساسىّ ونهضة جذرية .

إن كل ذلك الانفلات الاخلاقي والترف والانحراف كان يهيء الارضية ويعدّها لظهور مصلح عالمي، أكثر فاكثر .

ولهذا لم يكن غريباً أن يغضب «أبوسفيان» فرعون مكة وطاغيتها على «ورقة بن نوفل» حكيم العرب الّذي تنصر في اُخريات حياته واطلع على ما في الانجيل، كلما تحدَّث عن اللّه والانبياء ويقول له: «لا حاجة إلى مثل هذا الاله وهذا النبي، تكفينا عناية اصنامنا»!!

عَبدُ اللّه والدُ النبىّ:

يوم فدى «عبدُالمطلب» ولده «عبداللّه» بمائة من الابل نحرها، وأطعم الناس في سبيل اللّه، لم يكن يمض من عمر «عبداللّه» اكثر من اربعة عشر ربيعاً، وقد تسبَّبَتْ هذه الواقعةُ في أن يكتسب «عبدُاللّه» شهرة خاصة بين عشيرته مضافاً إلى شهرته الكبرى بين قريش، وأن يحظى بمكانة كبيرة عند أبيه: «عبدالمطلب» بنحو خاص، لأن ما يُكلِّفُ الإنسان غالياً، ويتحملُ في سبيله عناء اكثر لابدَّ أن يحظى لديه بمكانة اكبر، ويحبّه محبة تفوقُ المتعارف .

ومن هنا كان «عبدُاللّه» يتمتعُ باحترام يفوق الوصف بين أبناء عشيرته وأفراد عائلته وأقربائه .

ثم إن «عبدَاللّه» يوم كان يتوجه برفقة والدهِ إلى المذبح كان يعاني من مشاعر وأحاسيسَ متناقضة ومتضادة، فهو من جانب كان يُكِنّ لوالده احتراماً كبيراً وحباً شديداً، ولهذا لم يكن يَجدُ بداً من طاعته، والانصياع لمطلبه، بينما كان من جانب آخر يعاني من قلق، واضطراب شديدين على حياته الّتي كان يرى كيف تعبث بها يدُ القدر، وتكادُ تقضي عليها كما يقضي الخريفُ على


(190)

أوراق الشجر .

كما أن «عبدالمطلب» نفسه كان هو الآخر تتجاذبه قوتان متضادتان: قوةُ الايمان والعقيدة من جانب، وقوةُ العاطفة والمحبة الأبوية من جانب آخر، وقد أوجدَت هذه الواقعة في نفسي هاتين الشخصيتين آثاراً مُرّة يصعُب زوالها، بيد أن تلك المشكلة حيث عولجت بالطريقة الّتي ذكرناها ونجا «عبداللّه» من الموت المحقق فكر «عبدالمطلب» فوراً في ان يغسل عن قلب «عبداللّه» تلك المرارة القاسية بزواج «عبداللّه» بآمنة، وبذلك يقوّي من عرى حياته الّتي بلغت درجة الانصرام، بأقوى السُبُل، وأمتن الوسائل .

ومن هنا توجّه «عبدالمطلب» إلى بيت «وهَب بن عبدمَناف» ـ فور رُجوعه من المذبح آخذاً بيد ولده عبداللّه ـ وعقد لولده على «آمنة بنت وَهَب» الّتي كانت تُعرَفُ بالعِفة، والطُهر، والنجابة، والكمال .

كما أنه عقد لنفسه ـ في ذات المجلس ـ على «دلالة» ابنة عم آمنة، ورُزقَ منها «حمزة» عمّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والمشابه له في السن(1) .

غير أن الاستاذ المؤرخ «عبدالوهاب النجار» المدرس بقسم التخصص في الازهر الّذي صحح «التاريخ الكامل» لابن الاثير، وعلَّق عليه بملاحظات وهوامش مفيدة شكك في صحة هذه الرواية، واستغربها، وقال: لاأظنُ أنه يصحّ شيء في هذه الرواية، إذ المعقولُ أن يتريث «عبدالمطلب» بعد ذلك المجهود المضني حتّى يريح نفسه ثم يذهب ليخطب لابنه(2) .

ولكنَّنا نعتقد بأن المؤرخ المذكور لو نَظرَ إلى المسألة مِن غير هذه الزاوية لسَهُل عليه التصديقُ بهذه الرواية .

ثم أن «عبدالمطَّلب» عَيَّن موعداً للزفاف، وعند حلول ذلك الموعد تمّت مراسمُ الزفاف في بيت «آمنة» طبقا لما كان متعارفاً عليه في قريش، ولبث


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7 والمذكور في هذا المصدر «هالة» .
2 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4، قسم الهامش .


(191)

«عبداللّه» مع «آمنة» ردحاً من الزمن حتّى سافر إلى الشام للتجارة، وعند عودته توفّي اثناء الطريق كما ستعرف .

دَورُ الأَيادي المشْبُوهَة في تاريخ الإسلام:

لا شك أَنَّ التاريخ سَجَّلَ في صفحاته كلَ ما يتعلق بالشعوب والاقوام من نقاط مضيئة أو مظلمة، كقصص للعبرة والعظة .

ولكن الحب والبغضَ تارة والتساهل والبدعة تارة اُخرى وحب اظهار المقدرة وابراز القوة الأدبية تارة ثالثة وغير ذلك من العوامل والاسباب عملت عملها فتدخلت ـ في جميع الأدوار والعصور ـ في صياغة التاريخ، وخلَطت الغث بالسمين والحقيقة بالخرافة، وتلك هي مشكلة كبرى تقع في طريق المؤرخ الّذي يريد عرض حوادث التاريخ في أمانة وإستقامة، ولذلك يجب عليه أن يميز الحق عن الباطل، والصدق عن الكذب من خلال الأخذ بالموازين العلمية، والممارسة الكاملة للتاريخ. ولقد كان للعوامل المذكورة تاثير ايضاً في تدوين التاريخ الإسلامي، فالأيادي المريبة المشبوهة عملت على تحريف الحقائق في هذا المجال، بل وربما عمد بعض الاصدقاء ـ بهدف تعظيم شأن النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى نسبة بعض الاُمور الّتي يظهرُ عليها آثار الاختلاق والإفتعال إليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو منها بُراء.

فقد جاء في التاريخ أن نور النبوَّة كان يسطع في جبين «عبداللّه» والد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دائماً(1)، كما نقرأ أن «عبدالمطلب» كان يأخذ بيد ولده «عبداللّه» في سنين الجدب والقحط، ويصعد الجبل ويستسقي متوسِّلا إلى اللّه بالنور الّذي كان بيّنا في جبين «عبداللّه»(2) فهذا هو ما كتبه وسجَّله كثيرٌ من علماء الشيعة والسنة في مؤلفاتهم، ونحن لا نملك اي دليل على عدم صحته .

ولكن هذه القصة وقعت أساساً لبعض الاساطير التى لا يمكن ان نقبل بها مطلقاً


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 39 .
2 - الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .


(192)

واليك فيما يأتي ما الحِقَ بهذه القضية التاريخية الثابتة .

قِصَّة فاطمة الخَثعَمِيَّة:

و «فاطمةُ» هذه هي أختُ «ورَقَة بن نوفل» الّذي كان من حكماء العرب وكُهّانهم، وكان له معرفة كبيرة بالإنجيل. وقد ضبط التاريخ حديثه مع خديجة في بدء بعثة الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وسوف نشير إليه في محله من هذا الكتاب .

وكانت «فاطمة» اخت «ورقة» قد سمعت من أخيها عن نبوة رجل من احفاد «اسماعيل»، ولهذا ظلّت تنتظر، وتبحث .

وذات يوم وعندما كان «عبدالمطلب» متوجها إلى بيت آمنة بنت وهب بعد قفوله ومنصرفه من المذبح وهو آخذ بيد «عبداللّه»، شاهدت «فاطمة الخثعمية» ـ الّتي كانت تقف على مقربة من منزلها ـ النور الساطع من جبين «عبداللّه»، والّذي كانت تنتظره مدة طويلة وتبحث عنه بشوق، فقالت: اين تذهب يا عبداللّه؟ لكَ مِثلُ الإبل الّتي نحِرَت عنك، وقعْ علىَّ الآن .

فقال: أنا مع أبي ولا استطيع خلافه وفراقه!!(1) .

ثم تزوج «عبداللّه» بآمنة في نفس ذلك اليوم، وقضى معها ليلة واحدة .

ثم في الغد من ذلك اليوم أتى المرأة «الخثعمية» الّتي عرضت نفسها عليه، وأبدى استعداده لتنفيذ رغبتها، ولكن «الخثعمية» قالت له: ليس لي بك اليوم حاجة، فلقد فارقك النورُ الّذي كان مَعك أمس!!(2) .

وقيل: إنه لمّا عرضت تلك المرأة «الخثعمية» على «عبداللّه» ما عرضت أجابها «عبداللّه» بالبداهة ببيتين من الشعر هما:

أمّا الحَرامُ فالمماتُ دُونَهُ * وَالحِلُّ لاحلٌ فاستبينهُ

فكيفَ بالأَمر الّذي تبغِينَهُ * يحمي الكريمُ عرضَه ودينَهُ


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 5 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 156 النصّ والهامش .


(193)

ولكن لم تمر ثلاثة من زواجه بآمنة، واقامته عندها حتّى دعته نفسُه إلى ان يأتي الخثعمية، وعرض نفسه عليها قائلا: هل لك فيما كنت اردت؟ فقالت: لقد رأيت في وجهك نوراً فاردت ان يكون لي فابى اللّه الاّ أن يجعله حيث اراد فما صنعت بعدي؟

قال: زوَّجني أبي «آمنة بنت وهب»!!(1) .

علائم الإختلاق في هذه القصة!

لقد غَفل مختلِقُ هذه القصة عن اُمور كثيرة عند صياغته لها، ولم يستطع اخفاء آثار الاختلاق عنها .

فلو كان يكتفي بالقول ـ مثلا ـ بان «فاطمة» صادفت «عبداللّه» ذات يوم في زقاق من الأزقة، أو سوق من الاسواق، وشاهدت نورَ النبىّ ساطعاً من طلعته ففكرت في الزواج به رغبة في ذلك النور لكان من الممكن التصديق بهذه القصة، بيدَ أن نصَ القصة جاء بصورة لا يمكن القبول بها للأسباب التالية:

1ـ ان هذه القصة تفيد أنَّ المرأة «الخثعمية» عند ما عرضت نفسها على «عبداللّه»، كانت يد «عبداللّه» في يد والده «عبدالمطلب»، فكيف يمكن ان تعرض تلك الفتاة نفسَها عليه وتبين مطلوبها له ويدور بينهما ما يدور، ولا يحسُ عليهما عبدالمطلب؟!

ثم الم تستحِ من عظيم قريش «عبدالمطلب» الّذي لم يثنه عن طاعة اللّه تعالى شيء حتّى مقتلُ ولده وذبحه .

ولو قلنا أن مطلبها كان حلالاً مشروعاً فان ذلك لا ينسجم مع البيتين من الشعر اللَّذين ردّ بهما «عبداللّه» طلبها.

2ـ والأصعب من ذلك قصة عبداللّه نفسه. فان ولداً مثل «عبداللّه» يحترم والده إلى درجة الاستعداد لأن يُذْبَحَ وفاءً لنذر والده، كيف يمكن أن يتفوّه في


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7، والكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .


(194)

حضرة والده بما نُقِلَ عنه؟!

ترى أيمكن لشاب نجا لتوّه من السيف والذبح، ولا يزال يعاني من آثار الصدمة الروحية أن يستجيب لرغبات امرأة، أو يبدي استعداده ورضاه القلبىّ لذلك لولا وجود والده معه؟!!ترى هل كانت تلك المرأة جاهلة بالظروف، لا تقدّر الاحوال، ولا تعرف الوقت المناسب لطرح مطلبها، أو أنَّ مختلق هذه القصة غَفل عن نقاط الضعف البارزة هذه؟!!

ثم إن ممّا يفضح هذه القصة ويُظهر بطلانها ما جاء في الصورة الثانية لها، فان عبداللّه ـ كما لا حظنا جابه طلب تلك المرأة ببيتين من الشعر وقال ما حاصله بأن الموت أسهل عليه من ارتكاب هذا الفعل الحرام الّذي يأتي على دين الرجل وشرفه، فكيف يجوز لمثل هذا الشاب الطاهر الغيور أن يقع فريسة لتلك الأهواء، والرغبات الرخيصة الفاسدة، والحال انه لم ينقض من زواجه اكثر من ثلاث ليال، وتدفعه غريزته الجنسية إلى ان يبادر إلى بيت المرأة الخثعمية .

إنَّ ماجابَه به «عبداللّه» دعوة تلك المرأة، وما جاء في ذينك البيتين من الشعر اللذين يطفحان بالغيرة، والإباء، لخيرُ دليل على طهارة «عبداللّه» وعفته، وتقواه، وترفعه عن الآثام والادران، وابتعاده عن الانجاس والادناس .

وقد علّق الاستاذ العلامة «النجار» على هذه الاسطورة بقوله: «ليس من المعقول أن يذهب عبداللّه يبغي الزنا في الساعة الّتي تزوج فيها، ودخل فيها على امرأته».

ولكن الاستاذ «النجار» أخطأ في تشكيكه في النور النبوىّ الساطع في جبين «عبداللّه» حيث قال معقباً على كلامه السابق: «ولكنها مسألة النور في وجهه يريدون إثباتها ورسول اللّه غني عن هذا كله»(1) .

فان ذلك ممّا رواه جميع المؤرخين بلا استثناء، فلا داعى ولا وجه للتشكيك فيه !


1 - هامش الكامل في التاريخ: ج 2، ص 4 .


(195)

طهارة النبىّ من دنس الآباء وعهر الاُمهات:

وينبغي هنا ـ وبالمناسبة ـ ان نشير إلى مسألة مهمة في تاريخ النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ألا وهي طهارة النسب النبوي من دنس الآباء ودناءتهم وعهر الامّهات وفسادهن فلا يكون في اجداده وجدّاته سفاح، وزنا .

وهذا ممّا اتفق عليه المسلمون، بعد ان دلّ عليه العقل إذ لو لم يكن النبىّ منزها عن دناءة الاباء وعهر الامّهات لتنفر عنه الطباع ولم يرغب احد في متابعته، والانقياد لاوامره ونواهيه .

ولقد صرح رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك في احاديث رواها السنة والشيعة .

فقد جاء عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال:

«نقلت من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الطاهرة نكاحاً لا سفاحاً»(1) .

وجاء ايضاً انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«لم يزل اللّه ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة»(2) .

وقال الإمام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ :

«وأشهد اَنّ محمَّداً عبدُه ورسولُه وسيّدُ عباده كلما نسخَ اللّه الخلقَ فرقتين جعله في خيرهما لم يسهِم فيه عاهرٌ، ولا ضربَ فيه فاجرٌ»(3) .

وقال الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ في هذا الصدد عند تفسير قول اللّه تعالى: (وتقلّبَكَ في السَّاجِدينَ):(4)

«في أصلاب النبيّين، نَبي بعد نبي، حتّى اخرجه من صلب ابيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم»(5).

وقد صرح علماء الإسلام من الفريقين بهذا الأمر، واشترطوه في النبىّ .


1 - كنز الفوائد: ج 1، ص 164 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 43 .
3 - نهج البلاغة: الخطبة 215، طبعة عبده .
4 - الشعراء: 219 .
5 - تفسير مجمع البيان عند تفسير الآية .


(196)

قال المحقق نصير الدين الطوسي في تجريد الاعتقاد: ويجب في النبىّ العصمة... وعدم السهو، وكل ما ينفّرُ عنه من دناءة الآباء وعهر الاُمّهات...(1) .

وقد وافقه على هذا العلامة القوشجي الاشعري في شرح التجريد(2) .

وقال العلامة المتكلم المقداد السيوري في اللوامع الالهية: ويجب أن لا يكون مولوداً من الزنا ولا في آبائه دنىّ ولا عاهر(3) .

وفاةُ عَبْد اللّه في «يَثْرب»:

لقد بَدَأ «عبدُاللّه» بالزواج فصلا جديداً في حياته، وأضاء ربوعها بوجود شريكة للحياة في غاية العفة والكمال هي زوجته الطاهرة «آمنة» وبعد مدة من هذا الزواج المبارك توجه في رحلة تجارية ـ وبصحبة قافلة ـ إلى الشام بهدف التجارة .

دقت أجراسُ الرحيل، وتحركت القافلة التجارية وفيها عبداللّه، وبدأت رحلتها من «مكة» صوب الشام، وهي مشدودة بمئات القلوب والافئدة .

وكانت «آمنة» تمر في هذه الايام بفترة الحمل، فقد حملت من زوجها «عبداللّه» .

وبعد مُضىّ بضعة أشهر طلعت على مشارف مكة بوادر القافلة التجارية وهي عائدة من رحلتها، وخرج جمع كبير من أهل مكة لاستقبال ذويهم المسافرين العائدين .ها هو والد «عبداللّه» ينتظر ـ في المنتظرين ـ ابنه «عبداللّه»، كما ان عيون عروسة ولده «آمنة» هي الاُخرى تدور هنا وهناك تتصفح الوجوه وتبحث عن زوجها الحبيب «عبداللّه» في شوق لا يوصف .


1 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 349 تحقيق الشيخ حسن زاده الآملي .
2 - راجع: شرح القوشجي لتجريد الاعتقاد: ص 359 .
3 - اللوامع الآلهية: ص 311 .


(197)

ولكن ومع الأسف لا يجدان أثراً من «عبداللّه» بين رجال القافلة!!

وبعد التحقيق يتبين أن «عبداللّه» قد تمرّض أثناء عودته في يثرب، فتوقف هناك بين اخواله لكي يستريح قليلا، فاذا تماثل للشفاء عاد إلى أهله في «مكة» .

وكان من الطبيعي أن يغتم هذان المنتظران «عبدالمطلب وآمنة» لهذا النبأ، وتعلو وجهيهما آثار الحزن، والقلق وتنحدر من عيونهما دموع الأسى والاسف.

فأمرَ «عبدُالمطّلب» اكبر ولده: «الحارث» إلى أن يتوجَّه إلى «يثرب»، ويصطحب معه «عبداللّه» إلى مكة .

ولكنه عند ما دخل يثرب عرف بأن أخاه: «عبداللّه» قد توفي بعد مفارقة القافلة له بشهر واحد، فعاد الحارث إلى مكة، فاخبر والده «عبدالمطلب»، وكذا زوجته العزيزة «آمنة» بذلك، ولم يخلف «عبداللّه» من المال سوى خمسة من الابل، وقطيع من الغنم، وجارية تدعى «اُم أيمن» صارت فيما بعد مربية النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (1) .


1 - تاريخ الطبري: ج 2، ص 7 و 8، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 50 .


(198)


(199)

5
مَولدُ رَسُول اللّه صلّى اللّه عليه وآله

كانت سُحُبُ الجاهلية الداكنة تُغطّي سماء الجزيرة العربية، وتمحي الاعمالُ القبيحةُ والممارساتُ الظالمة، والحروبُ الداميةُ، والنهبُ والسلبُ، ووأدُ البنات، وقتلُ الاولاد، كلَ فضيلة أخلاقية. في البيئة العربية وكان المجتمع العربىّ قد اصبح في منحدر عجيب من الشقاء، ليس بينهم وبين الموت الاّ غشاء رقيق ومسافة قصيرة!!

في هذا الوقت بالذات طلع عليهم شمس السعادة والحياة فاضاءت محيط الجزيرة الغارق في الظلام الدامس، وذلك عندما اشرقت بيئة الحجاز بمولد النبيّ المبارك «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبهذا تهيأَت المقدمات اللازمة لنهضة شعب متخلف طال رزوحُه تحت ظلام الجهل، والتخلف، وطالت معاناته لمرارة الشقاء. فانه لم يمض زمن طويل الاّ وملأ نور هذا الوليد المبارك ارجاء العالم واسس حضارة انسانية عظمى في كل المعمورة .

فترةُ الطُفولة في حَياة العُظماء:

ان جميع الفصول في حياة العظماء جديرةٌ بالتأمل، وقمينة بالمطالعة، فربما تبلغ العظمة في شخصية احدهم من السعة، والسموّ بحيث تشمل جميعُ فصول حياته


(200)

بدء من الطفولة، بل وفترة الرضاع فتكون حياته وشخصيته برمتها سلسلة متواصلة من حلقات العظمة .

إن جميع الأدوار، والفترات في حياة العظماء، والنوابغ وقادة المجتمعات البشرية، وروّاد الحضارات الإنسانية وبُناتها تنطوي في الأغلب على نقاط مثيرة وحساسة وعلى مواطن توجب الاعجاب .

إن صفحات تاريخهم وحياتهم منذ اللحظة الّتي تنعقد فيها نطفهم في أرحام الاُمهات، وحتّى آخر لحظة من أعمارهم مليئة بالاسرار، زاخرة بالعجائب .

فنحن كثيراً ما نقرأ عن اُولئك العظماء في أدوار طفولتهم أنهما كانت تقارن سلسلة من الامور العجيبة، والمعجزة .

ولو سهل علينا التصديق بهذا الامر في شأن الرجال العاديين من عظماء العالم لكان تصديقنا بأمثالها في شأن الانبياء والرسل اسهل من ذلك بكثير، وكثير .

إن القرآن الكريم ذكر فترة الطفولة في حياة النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في صورة محفوفة بكثير من الأسرار، فهو يقول ما خلاصته: ان مئآت من الاطفال قُتِلوا وذُبحوا بامرْ من فرعون ذلك العصر منعاً من ولادة موسى ونشوئه .

ولكن ارادة اللّه شاءت ان يُولد الكليم، وظلت هذه المشيئة تحفظه من كيد الكائدين ولهذا لم يعجز اعداؤه عن القضاء عليه أو الحاق الاذى به فحسب، بل تربى في بيت فرعون أعدى اعدائه .

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (وَ لَقد مَننّا عَلَيْكَ مَرّة اُخرى إذْ أَوْحَيْنا إلى اُمِّكَ ما يُوحَى أَن أقذفيهِ في التابُوت فاقذفيه في اليمَّ فَليُلْقِهِ اليمُّ بِالْساحِلَ ياخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدوُ لَهُ وَ أَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحبَّةً مِنّي وَ لِتُصنَعَ عَلى عَيْني) .

ثمّ يقول: (إذْ تَمشِيْ اُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجعْناكَ إلى اُمِّكَ كيْ تَقَرَّ عَينُها وَ لا تَحْزنْ)(1) .


1 - طه: 37 ـ 40 .


(201)

ثمّ إن القرآن الكريم يذكر قصة ولادة المسيح، ويصور طفولته ونشأته بشكل أعجب إذ يقول:

(وَ اذْكُر في الكتاب مرَيَم إذ اْنتَبذَتْ مِنْ أهلهَا مَكاناً شَرْقيّاً. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونهمْ حِجَاباً فأَرسَلْنا إليها رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَها بَشَراً سَويّاً. قالَت إنّي أعُوذُ بالرَّحْمن مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقيّاً قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهبَ لَكِ غُلاماً زكيّاً. قالَت أَنّى يَكُونُ لي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أكُ بَغِيّاً. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلىَّ هَيِّنٌ وَ لنجعلَهُ آية لِلنّاسِ وَ رَحمَةً مِنَّا وَ كانَ أمْراً مَقْضِيّاً. فَحَملَتْهُ فانتَبِذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيّاً. فاَجاءها الَمخاضُ إلى جِذْع النَخلة قالَت يالَيتَني مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً. فَنادَاهَا مِنْ تَحْتِها ألا تحزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكَ تَحتَكِ سَريّاً. وَ هُزِّي إلَيْكِ بِجذْع النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطباً جَنيّاً. فَكُلي واْشرَبي وَ قَرّي عَيْناً فَإمّا ترينَّ مِنَ البَشَر أحداً فقُولي إنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ اُكلِّمَ الْيَوْمَ إنسِيّاً. فَأتتْ بهِ قَوْمَها تَحمِلُه قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئتِ شَيئاً فَريّاً. يا اُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبوكِ امْرَأَ سَوء وَ ما كانَتْ اُمُّكِ بَغِيّاً. فأشارَتْ إليْهِ قالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ في المَهْدِ صَبيّاً. قالَ إنّي عَبْدُاللّه آتانِىَ الْكِتابَ وَ جَعلَني نَبيّاً. وَ جَعلَني مُباركاً أينَ ما كُنْتُ وَ أوْصَانِي بِالصَّلاة وَ الزَّكاة مادُمْتُ حَيّاً. وَ بَرّاً بوالِدتي وَ لَمْ يَجْعَلْني جَبّاراً شَقِيّاً. وَالسَّلامُ عَلىّ يَومَ وُلِدتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ اُبْعَث حَياً)(1) .

فإذا كان أتباع القرآن والتوراة والانجيل يشهدون بصحة هذه المطالب حول ولادة هذين النبيين العظيمين من اولي العزم لموسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ ، ويقرون بصدقها، فلا يصحّ في هذه الصورة أن نستغرب وقوع أمثالها في شأن رسول الإسلام، ونتعجب من الحوادث العجيبة الّتي سبقت أو رافقت ميلاده المبارك، ونعتبرها اُموراً سطحية لا تدل على شيء .

فنحن نقرأ في الكتب التاريخية وفي كتب الحديث عن وقوع حوادث عجيبة


1 - مريم: 16 ـ 33 .


(202)

يوم ولادة النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل: ارتجاس أيوان كسرى، وسقوط اربع عشرة شرفة منه، وانخماد نار فارس الّتي كانت تُعبد، وانجفاف بحيرة ساوة، وتساقط الاصنام المنصوبة في الكعبة على وجوهها، وخروج نور معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اضاء مساحة واسعة من الجزيرة، والرؤيا المخيفة الّتي رآها انوشيروان ومؤبدوه، وولادة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مختوناً مقطوع السُرّة، وهو يقول: «أللّه اكبر، والحمدُ للّه كثيراً، سُبحان اللّه بكرة وأصيلا» .

وقد وردت جميع هذه الامور في المصادر التاريخية الأُولى، والجوامع الحديثية المعتبرة(1) .

ومع ملاحظة ما ورد في حق موسى وعيسى ونقلنا بعضه هنا، لا يبقى أىّ مجال للشك في صحة هذه الحوادث .

نعم ينبغي أن نسأل هنا: ماذا كانت تهدف هذه الحوادث غير العادية؟

وفي الاجابة على هذا السؤال يجب ان نقول:

إن هذه الحوادث الخارقة والعجيبة كانت تهدف إلى أمرين:

الأول: أن تدفع بالجبابرة، والوثنيين وعَبدة الاصنام إلى التفكير فيما هم فيه فيسألوا أنفسهم: لماذا انطفأت نيرانُهم الّتي طالما بقيت مشتعلة تحرسها اعيان السَدنة والكهنة؟

لماذا سبّبت هزةٌ خفيفةٌ في ارتجاس ايوان كسرى العظيم المحكم البنيان، ولم يحدث لبيت عجوز في نفس ذلك البلد شيء؟

لماذا تهاوت الاصنامُ المنصوبة في الكعبة وحولها، وانكبَّت على وجوهها بينما بقيت غيرها من الاشياء على حالها لم يصبها شيء ابداً ؟

لو كانوا يفكرون في تلك الحوادث لعرفوا أن تلك الحوادث كانت تبشّر بعصر جديد... عصر انتهاء فترة الوثنية وزوال مظاهر السلطة الشيطانية


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 5، بحارالأنوار: ج 15، ص 248 ـ 331، السيرة الحلبية: ج 1، ص 67 ـ 78 وغيرها .


(203)

واندحارها؟

الثاني: ان هذه الحوادث جاءت لتبرهن على شأن الوليد العظيم، وانه ليس وليداً عادياً، فهو كغيره من الانبياء العظام الذين رافقت مواليدهم أمثال تلك الحوادث العجيبة، والوقائع الغريبة، كما يخبر بذلك القرآن الكريم فيما يحدثه عن حياة الانبياء ـ كما عرفت ـ وتخبر بها تواريخ الشعوب والملل المسيحية واليهودية .

واساساً لا يلزم ان تكون تلك الحوادث سبباً للعبرة ووسيلة للا تعاظ يوم وقوعها، بل يكفي ان تقع حادثة في احدى السنين، ثم يعتبرُ بها الناس بعد أعوام عديدة، وقد كانت حوادثُ الميلاد النبوىّ من هذه المقولة، لأن الهدف منها كان هو ايجاد هزة في ضمائر اُولئك الناس الذين كانوا قد غرقوا في اوحال الوثنية، والظلم، والانحراف الاخلاقي حتّى قمة رؤوسهم، وعشعشت الجهالة والغفلة في اعماقهم حتّى النخاع .

إن الذين عاشوا في عصر الرسالة، أو من اتى من بعدهم عندما يسمعون نداء رجل نهض ـ بكل قواه ـ ضدّ الوثنية، والظلم، ثم يطالعون سوابقه، ويلاحظون إلى جانب ذلك ما وقع ليلة ميلاده من الحوادث العظيمة الّتي تتلاءم مع دعوته، فانهم ولا شك سيعتبرون تقارن هذين النوعين من الحوادث دليلا على صحة دعواه، وصدق مقاله فيصدِّقونه، وينضوون تحت لوائه .

إن وقوع أمثال هذه الحوادث الخوارق عند ميلاد الانبياء مثل «إبراهيم» و «موسى» و «المسيح» و «محمَّد» صلّى اللّه عليه وعليهم اجمعين لا يقل اهمية عن وقوعها في عصر رسالتهم ونبوتهم، فهي جميعاً تنبع من اللُطف الآلهي، وتتحقق لهداية البشرية، وجذبها إلى دعوة سفرائه ورسله .

في أىّ يوم وُلدَ رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

؟

لقد اتّفق عامّة كُتّاب السيرة على أن ولادة النبىِّ الكريم كانت في عام الفيل سنة 570 ميلادية .

لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رحل إلى ربه عام (632) ميلادية عن (62)


(204)

أو (63) عاماً، وعلى هذا الأساس تكون ولادته المباركة قد وقعت في سنة (570) ميلادية تقريباً .

كما أنّ اكثر المحدثين والمؤرخين يتفقون على أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولدَ في شهر ربيع الأول.

انما وقع الخلاف في يوم ميلاده، والمشهور بين محدثي الشيعة أنه كان يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر .

والمشهور بين أهل السنة أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وُلدَ في يوم الاثنين الثاني عشر من ذلك الشهر(1).

أىُّ هذين القولين هو الصحيح؟

ان من المؤسف جداً أن يعاني التقويم الدقيق لميلاد رسول الإسلام العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووفاته بل مواليد ووفيات اكثر قادتنا وائمتنا لمثل هذا الارتباك، وان لا تكون اوقاتها وتواريخها محددةً معلومة على وجه التحقيق واليقين!.

ولقد تسبب هذا الارتباك في أن لا تستند اكثر احتفالاتنا ومآتمنا إلى تاريخ قطعي، في حين نجدأن علماء الإسلام كانوا يهتمون ـ عادة بتسجيل الوقائع الّتي حدثت على مدار القرون الإسلامية في نظم خاص وعناية كبيرة، ولكننا لا ندري ما الّذي منع من تسجيل مواليد هذه الشخصيات العظيمة ووفياتهم على نحو دقيق، وصورة قطعية؟!

على أن مثل هذه المشكلة يمكن حلها بدرجة كبيرة بالرجوع إلى أهل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فان اي مؤرخ لو أراد ان يكتب عن حياة شخصيّة من الشخصيات واراد أن يُلمّ بكل تفاصيلها ودقائقها لم يسمح لنفسه بان يفعل ذلك من دون ان يراجع ابناء أواقرباء تلك الشخصية الّتي يزمع ترجمتها والكتابة عنها .


1 - وقد ذكر المقريزي في «الامتناع» ص 3 جميع الاقوال المذكورة في يوم ميلاد النبي وشهره وعامه، فراجع .


(205)

ولقد مضى رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخلّف من بعده ذرية وقربى وهم الذين يطلق عليهم اهل البيت .

واهل بيته يقولون: لو كان صحيحاً وحقا ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أبونا وجدنا، وقد نشأنا في بيته وترعرعنا في حجره فاننا نقول انه قد ولد يوم كذا وتوفي يوم كذا فهل يبقى بعد ذلك مجال لأن نتجاهل قولهم ورأيهم، ونختار ما يقوله الآخرون من الأبعدين، وقديماً قالوا: أهل البيت ادرى بما في البيت؟(1) .

فَتْرَةُ الحَمْل:

المعروفُ أن النورَ النبوىَ الشريف استتقر في رحم آمنة ـ الطاهر في ايام التشريق وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة(2)، ولكن هذا الامر لا ينسجم مع الرأي المشهور بين عامة المؤرخين من كون ولادة النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في شهر ربيع الأول، إذ في هذه الصورة يجب ان نعتبر مدة حمل «آمنة» به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إما ثلاثة أشهر واما سنة وثلاثة اشهر، وكلا الامرين خارجان عن الموازين العادية في الحمل، كما أنه لم يعدّهُ احدٌ من خصائص النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

ولقد عالَج المحققُ الكبير الشهيد الثاني (911 ـ 966 هـ ) هذا الإشكال بالنحو التالي إذ قال:

إنَ ذلك مبنىّ عَلى النسىُّ الّذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وقد نهى اللّه تعالى عنه، وقال: «إنَّما النسىُّ زيادَةٌ في الكُفْر» .

وتوضيح هذا هو أن أبناء «إسماعيل» كانوا تبعاً لاسلافهم يؤدون مناسك الحج في شهر ذي الحجة، ولكنهم رأوا ـ في ما بعد ـ أن يحجّوا في كل شهر عامين


1 - ومن هنا لابد من الاعتراف بان ما ينقله ويكتبه الامامية من تفاصيل تتعلق بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي اقرب من غيرها إلى الحقيقة لأنها مأخوذة عن اقربائه وابنائه ـ عليهم السّلام ـ .
2 - الكافي: ج 1، ص 439 أبواب التاريخ باب مولد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووفاته .
3 - قد ذكر الطريحي فقط في مجمع البحرين في مادة شرق قولا بهذا لم يُسم قائله .


(206)

يعنى ان يحجوا في ذي الحجة عامين وفي المحرم عامين وفي صفر عامين وهكذا .

وهذا يعني أن الحج يعود كل اربعة وعشرين سنة في موضعه الطبيعي (اي شهر ذي الحجة) .

وقد جرى العربُ المشركونَ على هذه الطريقة حتّى صادفت أيامُ الحج شهر ذي الحجة في السنة العاشرة من الهجرة النبوية فحج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك السنة حجة الوداع، فنهى في خطبة له عن هذه الفعلة (الّتي تسمى بالنسيء بمعنى تأخير الحج عن موضعه وموعده) فقال: «ألا وَ إنَّ الزَّمان قد استَدارَ كَهيئتهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الأَرضَ السَّنة إثنا عشَرَ شَهراً، مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلاثٌ مَتوالِياتٌ: ذوالقعدة وذوالحجة، ومحرَّم، ورجَب الّذي بَين جمادي وشعبان»(1) .

وقد أراد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بذلك أن الأشهر الحرم رجَعت إلى مواضعها، وعاد الحُج إلى ذي الحجة وبَطل النسيء .

ونزل في هذه المناسبة قولُ اللّه تعالى: (إنَّما النسيء زيادَةٌ في الكُفْر يُضَلُّ بِهِ الذَّينَ كَفَرُوا يُحلُّونَهُ عاماً ويحرِّمُونهُ عاماً)(2) .

من هنا تنتقل أيامُ التشريق كلَ سنتين من مواضعها، على ما عرفت، وحينئذ لا منافاة بين القول بأن نور النبىّ انتقل إلى رحم اُمه «آمنة بنت وهب» في ايام التشريق، وبين ما اجمع عليه عامة المؤرخين من أنه وُلدَ في شهر ربيع الأول. وانما تكون المنافاة بين هذين الامرين إذا كان المراد من ايام التشريق هو اليومُ الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة خاصة، ولكن قلنا ان ايام التشريق كانت تنتقل من شهر إلى آخر باستمرار، فيلزم أن يكون عام حمل اُمّه به، وعام ولادته أيام الحج الواقعة في شهر جمادي الاولى، وحيث أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وُلدَ في شهر ربيع الأَول فتكون مدَة حمل «آمنة» به عشرة أشهر تقريباً .


1 - مجمع البيان: ج 5، ص 29 .
2 - التوبة: 37 .


(207)

مُؤاخَذاتٌ وإشكالاتٌ عَلى هذا البَيان:

إن النتيجة الّتي توصّل اليها المرحومُ «الشهيد الثاني» ليست صحيحة، كما أن المعنى الّذي ذكره للنسيء لم يقل به من بين المفسرين إلا مجاهد، واما الآخرون فقد فسَّروهُ بنحو آخر فلا يكون التفسيرُ الّذي مَرَّ قوياً، وذلك:

أوّلا: لأن «مكة» كانت مركزاً لجميع الاجتماعات كما كانت معبداً للعرب جميعاً، ولا يخفى أنَّ تغيير الحج في كل سنتين مرةً واحدةً من شأنه أن يسبب الالتباسَ لدى الناس ويوقعهم في الخطأ والاشتباه، وبالتالي يتعرّض ذلك الاجتماع العظيم، وتلك العبادة الجماعية إلى خطر الزوال .

ولهذا يُستَبعد ان ترضى قريش والمكيّون بان يخضع ما هو وسيلة لعزتهم وافتخارهم للتغيير والتبدل الّذي من عواقبه ان يتعرض وقته وموعده للنسيان، فيذهب ذلك الإجتماع، ويزول من الاساس .

ثانياً: إذا أخضَعنا ما قاله «الشهيد الثاني» لمحاسبة دقيقة فان كلامه يستلزم ان تكون ايام التشريق والحج في السنة التاسعة من الهجرة واقعة في شهر ذي القعدة لا جمادي الاولى في حين أن اميرالمؤمنين عليّاً ـ عليه السلام ـ كُلِّفَ في هذه السنة بالذات بأن يقرأَ سورة البراءة على المشركين في ايام الحج، والمفسرون والمحدثون متفقون على أنه ـ عليه السلام ـ تلاها عليهم في العاشر من شهر ذي الحجة ثم امهلهم اربعة اشهر ابتداء من شهر ذي الحجة لا ذي القعدة(1) .

ثالثاً: ان النسيء يعني أنَّ العرب حيث لم يكن لديهم مصدر صحيح للرزق بل كانوا يعيشون في الاغلب، على النهب والغارة لهذا كان من الصعب عليهم ترك الحرب، في الاشهر الحرم الثلاث (وهي ذوالقعدة وذوالحجة، والمحرم) لهذا ربما طلبوا من سدَنة الكعبة بأن يسمحوا لهم بالقتال في شهر المحرم، ثم يتركون


1 - ولقد قام العلامة المجلسي في بحارالأنوار: ج 15، ص 253 بهذه المحاسبة، وان لم يشر إلى الإشكال الّذي أوردناه فليراجع .


(208)

الحرب في شهر صفر، وهذا هو معنى النسيء فلم يكن نسيء وتأخير للشهر الحرام في غير شهر محرَّم، وفي الآية نفسها اشارةٌ إلى هذا المطلب: «يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحرِّمُونَهُ عاماً» .

والّذي نراه في حل هذه المشكلة هو: أن العرب كانوا يحجُّون في وقتين: أحدهما شهر ذي الحجة، والثاني شهر رجب، وقد كانوا يؤدُّون كلَ مناسك الحج في هذين الوقتين على السواء، فيمكن أن يكون المقصودُ من حَمْل «آمنة» برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايام التشريق هو شهر رجب فإذا اعتبرنا يوم ولادته هو السابع عشر من شهر ربيع الاول كانت مدة حمل «آمنة» به ثمانية أشهر واياماً .

الاحتفال بذكرى المولد النبوي:

وينبغي ان يحتفل المسلمون جميعاً بمولد النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقيموا المهرجانات الكبرى في هذه المناسبة الشريفة الّتي كانت مبدأ الخير والبركة، ومنشأ السعادة والكرامة للبشرية جمعاء، وأية مناسبة احرى بالاحتفال والاحتفاء من هذ المناسبة؟

على ان اقامة مثل هذه الاحتفالات هو نوع من تكريم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو امر مطلوب ومحبوب في الشريعة المقدسة .

فقد قال اللّه تعالى:

(فالَّذين آمَنُوا بِه وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصروُه واتّبعُوا النُورَ الَّذي اُنزِل مَعَهُ اُولئكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ)(1) .

وعزّر بمعنى كرَّم وبجّل كما في اللغة(2) وهو لا يختص بزمان دون زمان، فعلى المسلمين في كل وقت وزمان ان يعظّموا شأن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويكرّمونه، سواء في حياته أو بعد مماته، لما له من فضل عظيم على الناس، ولما


1 - الأعراف: 157 .
2 - راجع مفردات الراغب: مادّة عزر .


(209)

له من منزلة عنداللّه تعالى .

كيف لا والاحتفال بميلاده لا يعني سوى ذكر أخلاقه العظيمة، وسجاياه النبيلة، والاشادة بشرفه وفضله وهي اُمور مدحه القرآن الكريم بها إذ قال سبحانه: (وإنّك لَعلى خُلُق عظيم)(1) وقال تعالى أيضاً: (ورَفعنا لك ذكرك)(2) وغير ذلك من الآيات المادحة لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فان الاحتفال بميلاد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي يتحقق بذكر صفاته وأخلاقه والاشادة به خير مصداق لرفع ذكره، الّذي فَعلهُ اللّه بنحومّا .

ولو كان رفع ذكر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أمراً غير جائز ولا صحيح، بل فعلا قبيحاً لما فعله اللّه، فيكفي في حسنه وصحته بل ومشروعيته ومطلوبيته ان اللّه تعالى فعله بالنسبة لنبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وهل يكون الاحتفال بمولد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، واظهار السرور والشكر للّه تعالى بمقدم نبيه المبارك عبادة للنبىّ كما يزعم البعض إذ يقول:

«الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(3) .

والحال ان العبادة في مفهومها الاصطلاحي الموجب للشرك والكفر ليس إلاّ الخضوع لمن يُعتَقَدْ بالوهيته وتعظيمه بهذه النية(4) واين هذا من ذكر فضائل النبي في يوم مولده والابتهاج بمقدمه والشكر للّه على ولادته .

ثم ان تعظيم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينطلق من كونه عبداً مطيعاً للّه تعالى، ادى رسالته بصدق واخلاص، وجسّد بسلوكه وسيرته كل مكارم الاخلاق اصدق تجسيد فالاحتفال بمولده الكريم احتفال بالقيم السامية، وشكر للّه على منّه، واظهار للحب الكامن في النفوس ليس إلاّ .

والزعم بانه محرّم لكونه بدعة، أو لأنه لا يخلو عن اشتماله على منكرات


1 - القلم: 4 .
2 - الانشراح: 4 .
3 - فتح المجيد: ص 154، ثمّ نقل عن كتاب قرّة العيون ما يشابه هذا المضمون .
4 - راجع مفاهيم القرآن في معالم التوحيد: ص 404 ـ 440 .


(210)

ومحرمات كالرقص والغناء فهو مرفوض، مردود لان الكلام انما هو حول اصل الاحتفال مجرداً عن المحرمات والمنكرات .

ان الاحتفاء والاحتفال بمولد خاتم النبيين رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انما هو تكريم لمن كرّمه اللّه تعالى، وامر بتكريمه، وحث على احترامه وحبه، ومودته، وانه بالتالي اداء شكر للّه تعالى على تلك الموهبة العظيمة، وتلك العطيّة المباركة حيث مَنّ سبحانه على البشرية عامة وعلى المسلمين خاصة بأن شرف الارض بمولد عظيم نعمت الارض ببركة شخصيته وخلقه، واشرقت بنور رسالته ودعوته، فاية نعمة ترى اولى بالشكر من هذه، واي شكر اجمل وافضل من الأحتفاء بمولد هذا النبىّ العظيم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وذكر فضائله، ومناقبه، للتعرف عليها، والاقتداء بها، وتشديد الحب له بسببها، والابتهال إلى اللّه في يوم ميلاده، وطلب التوفيق الالهي لمتابعته، والسير على نهجه، والدفاع عن رسالته، والذبّ دون دينه، بعد الشكر للّه تعالى على موهبته هذه؟؟

هذا ولقد درج المسلمون في العصور الإسلامية الاولى على الاحتفال بذكرى المولد النبوّي وأنشأوا القصائد الرائعة في مدحه، وذكر خصاله ومكارم اخلاقه، واظهروا السرور بمولده والشكر للّه تعالى بلطفه، وتفضله به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على البشرية .

قال الإمام الدياربكري في تاريخ الخميس في هذا الصدد:

لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السلام ـ ويعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بانواع الصدقات ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقرائة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم(1) .

اجل ينبغي على المسلمين ان يحتفلوا بمقدم نبيهم الكريم ولا يعبأوا بما قاله البعض حيث قال: «الذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الاولياء هي نوع من


1 - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس: ج 1، ص 223 نقلا عن المواهب اللدنية: ج 1، ص 27 للقسطلاني .


(211)

العبادة لهم وتعظيمهم»(1) .

فهذا القول مغالطة صريحة، ان لم يكن نابعاً عن الغفلة والجهل بعد ان تبين حقيقة الاحتفال واقامة الذكريات احتفاء بالمولد النبوىّ(2) .

مَراسمُ تسمية النبىّ صلّى اللّه عليه وآله:

حلَّ اليومُ السابعُ من الميلاد المبارك، فعقَّ عبدالمطلب عن النبىّ بكبش شكراً للّه تعالى ودعا جماعة ليشتركوا في الاحتفال الّذي حضرهُ عامة قريش لتسمية النبىّ، وسمّاه «محمَّداً»، وعندما سألوه عما حَمله على أن يسمي هذا الوليد المبارك «محمَّداً» وهو اسم لم يعرفه العرب الانادراً أجاب قائلا: أردتُ أن يحمَد في السماء والأَرض(3).

وإلى ذلك يشير حسان بن ثابت بقوله:

فَشقَّ لَهُ مِنْ إسُمهِ لِيُجلَّهُ     فَذُفاء والعَرْشَ مَحْمُودٌ وَ هذا محمَّدُ(4)

ومن المسلّم أن هذا الإختيار لم يكن ليتم من دون دخالة للإلهام الالهي، لأَن اسم «محمَّد» وإن كان موجوداً عند العرب إلاّ أنه قَلّ من كان قد تسمى بهذا الإسم، فحسب ما استقصاه بعضُ المؤرخين لم يتسَم به إلى ذلك اليوم من العرب الاستة عشر شخصاً كما يقول شاعرهم:

إنَ الذينَ سَمُوا باسم محمد     مِنْ قَبلِ خير الخَلقِ ضِعف ثمان (5)

ولا يخفى أن نُدرة المصاديق لأي لفظ من الالفاظ أو اسم من الأسماء من شأنِها أن تقلّل فرص الاشتباه فيه، وحيث أن الكتب السماوية كانت قد أخبرتْ عن إسم النبي الخاتم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وصفاته، وعلائمه الرُوحية والجسمية، لذلك يجب أن تكون علائمُه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ واضحةً جداً جداً


1 - هوامش الفتح المجيد .
2 - راجع للتوسّع: معالم التوحيد في القرآن الكريم .
3 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 78 و 79 .
4 - بحارالأنوار: ج 16، ص 120، والسيرة الحلبية: ج 1، ص 78 و 79 .
5 - السيرةُ الحلبية: ج 1، ص 82 ثمّ يذكر صاحب السيرة اولئك الأشخاص في بيتين آخرين.


(212)

حتّى لا يتطرق إليها التباسٌ أو اشتباهٌ، وقد كان من علائمه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اسمُه الشريف، فيجب أن تكون مصاديقُها قليلة جداً حتّى يزيل ذلك أي عروض للشك والترديد في تشخيص النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خاصة إذا ضمَّتْ إليه بقية أوصافِه وعلائِمهِ، وخصوصياته.

خَطأ الْمُستَشْرقينْ:

لقد ذكر القرآنُ الكريمُ اسمين أو عدة أسماء للنبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ففي سورة آل عمران ومحمَّد والأحزاب والفتح في الآيات 144 و 2 و 40 و 29(1) سماه «محمَّداً»(2) .

وفي سورة الصف الآية 6 (3) دعاه «أحمد» .

والعلةُ في تسميته بهذين الإسمين أن امّهُ «آمنة» سمّته «أحمداً» قبل أن يسميه جده، كما هو مذكور في التاريخ .

وعلى هذا فانَ ما ذكرهُ بعضُ المستشرقين ـ في معرض الإعتراض ـ بأن الإنجيل ـ حسب تصريح القرآن الكريم في سورة الصف الآية 6 ـ بشَّر بنبي اسمُه «أحمد» لا «محمَّد» كلامٌ لا اساسَ له ولا مبرر، لأن القرآن الكريم الّذي سمى نبيّنا بـ «أحمد» سماه في عدة مواضع بـ «محمَّد» فإذا كان المصدر في تعيين اسم النبي هو: القرآن الكريم، فان القرآن سَمّاه بكلا الاسمين، في موضع باسم


1 - يعتقد البعضُ أنّ هذا ليس اسماً للنبىّ صلّى اللّه عليه وآله بل هو من الحروف المقطعة في القرآن .
2 - قال تعالى: (وَ ما مُحمَّدٌ إلا رَسولٌ قَد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) .
وقال تعالى: (والَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلوا الصّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحمَّد) .
وقال سبحانه: (ما كانَ مُحمَّد أبا أحَد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُول اللّه وَ خاتَمَ النَّبيّين) .
وقال عزّوجلّ: (مُحمَّدٌ رَسُولُ اللّه والَّذينَ مَعهُ أشدّاء عَلى الكُفّار رُحماء بَيْنَهُمْ).
3 - إذ قال سبحانه: (وَمُبَشِّراً بِرَسُول مِنْ بَعْدِيْ اسمُهُ أَحمَد) .


(213)

«محمَّد»، وفي موضع آخر باسم «احمد» .

«أحمد» كانَ مِنْ أسماء النبىّ المشهورة:

كلُّ من كان له ادنى إلمام بتاريخ النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عَلِمَ أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يُدعى بإسمين في الناس منذ صغره أحدهما: «محمَّد» الّذي سَمّاه به جَدُه «عبدالمطلب»، والآخر «أحمد» الّذي سمته به اُمه «آمنة» .

وهذه حقيقة من حقائق التاريخ الإسلامي، وقد روى المؤرخون هذا الأمر، ويمكن للقاريء الكريم أن يقرأه في السيرة الحلبية(1) .

ولقد أنشأ عمُّه «أبوطالب»، الّذي اُنيطَت إليه كفالته بعد وفاة عبدالمطلب، فبقي يقوم بهذه المهمة طوال اثنين وأربعين عاماً بكل حرص ورغبة، ولم يمتنع في هذا السبيل عن بذل كل ما استطاع من غال ورخيص انشأ في ابن أخيه أبياتاً سمّاه في بعضها «محمَّد» وفي بعضها الآخر «أحمد»، وهذا يكشف عن انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان معروفاً آنذاك بكلا الاسمين .

واليك فيما يأتي بعض هذه الأبيات الّتي سَمى فيها «أبوطالب» النبيَ باسم احمد:

1- إنْ يكُنْ ما أتى بهِ أحمدُ اليومَ * سَناءً وكانَ في الحشر ديناً

2- وقولُه لأحمد أنتَ اْمرءٌ * خَلُوفُ الحديث ضَعيف النُسبْ

3- وإن كانَ أحمدُ قد جاءهم * بحق ولم يَأتِهمْ بالكَذِبْ

4- أرادُوا قَتْل أحمد ظالموه * وَليس بقتلهم فيهم زعيم

5- ألا إنَّ خيرَ الناس نفْساً ووالداً * إذا عُدَّ ساداتُ البرية أحمدُ

6- فَلسْنا وبيتُ اللّه نسلم أحمداً * لِعزّاء من عض الزمان ولا كرب(2)

وقد سمى «أبوطالب» النبيَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ابيات اخرى بأحمد


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 82 و 83 .
2 - ديوان أبي طالب عليه السَّلام .


(214)

أيضاً قد ذكرها كبار المحققين من المؤرخين والمحدثين ونسبوها إلى أبي طالب ولكنها غير موجودة في ديوانه(1) .

كما وأنه قد سَمّاه غيرُ ابي طالب في أبياته بأحمد ممّا يدل على أنه كان مشتهراً بهذا الاسم في ذلك الزمان، وتلك الابيات كثيرة تفوق حدّ الحصر والاحصاء لكنّنا ننقل نماذج منها هنا:

قال حسان بن ثابت في رثائه للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

مفجعةٌ قد شفّها فقدُ أحمد * فظلَّت لآلاء الرسول تُعّددُ

أطالت وقوفاً تذرف العينَ جُهدها * على طَلل القبر الّذي فيه أحمدُ(2)

وقال في رثائه أيضاً:

صَلّى الالهُ وَمنْ يُحيق بعرشهِ * والطَّيِبُونَ عَلى المبارك احمدِ(3)

وقال في رثاء جعفر بن أبي طالب الطيّار:

فمن كان أو يكون كأحمد * نظام الحق أونكال لملحد(4)

وقال حَسّان وهو يذكر معجزة من معاجز النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

ففي كَفِّ أحمدَ قد سَبَّحتْ * عُيونٌ مِنَ الماءِ يومَ الظمأ(5)

وقال كَعبُ بن مالك:

فهذا نَبِىُّ اللّه أحمدُ سَبّحت * صِغارُ الحصى في كَفِّه بالتَرنّم(6)

وقال «ورقة بن نوفل» يومَ أخبرتهُ خديجةُ بنزول الوحي على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - مثل قوله:

لَعمري لقد كلِفتُ وَجْداً بأحمد * وَأحبَبْتُهُ حُب الحبيب المواصلِ
زعمتْ قريشٌ أَن أحمد ساحرٌ * كَذِبَتْ وَربّ الراقصاتِ إلى الحَرم

راجع ديوان أبي طالب، وسيرة ابن هشام: ج 1، ص 272، وشرح النهج لابن ابي الحديد: ج 14، ص 79 وغيرها .
(2) و (3) ابن هشام في سيرته: ج 2، ص 667 و 666، وابن سعد في طبقاته: ج 2، ص 323.
4- شاعر عهد الرسالة: تحقيق محمَّد عزت نصر اللّه .
(5) و (6) بحارالأنوار: ج 16، ص 413 و 415 .


(215)

فإنْ يَكُ حَقاً يا خَديجةُ فاعلمي * حَديثك إيانا فاحمدُ مُرسَلُ(1)

وقالت عاتكةُ بنتُ عَبدالمطلب ترثي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

يا عينُ جُودي ما بقيتِ بعبرة * سَحّاً على خير البرية أحمدِ(2)

وقال العباسُ في مناسبة تزويج النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بخديجة:

أحمدُ سَيّدُ الوَرى * خير ماش وَ راكِب(3)

فتْرَةُ الرِّضاع في حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

لم يرتضع وليدُ قريش المبارك «محمَّد» من اُمّه سوى ثلاثة أيام، ثم حَظِيَت بفخر إرضاعه ـ بعد ذلك ـ امرأتانُ هما:

1- «ثويبة» مولاة «أبي لهب»، وقد أرضعته أربعة أشهر فقط، وكان النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وزوجتُه الوفية: «خديجة بنت خويلد» يقدّران هذا العمل لها حتّى آخر لحظات حياتها(4) .

و «ثويبة» هذه كانت قد أرضَعْتْ قبلَ ذلك «حمزة» عمَ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و «ابا سلمة بن عبداللّه المخزومي» أيضاً فكانوا إخوة من الرضاعة(5) .

وقد بعث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد مَبعثه، من يشتريها من «أبي لهب» ليعتقها فابى(6) .

وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكرمها كلما دخلت عليه، وكان يبعث إليها بالصّلة إلى أن بلغه خبرُ وفاتها عند منصرفه من وقعة «خيبر» فسأل عن إبنها فقيل: مات قبلها، فسْأل عن قرابتها، فقيل: لم يبق منهم أحد(7) .

2- «حليمة السعدية» بنت ابي ذؤيب الّتي كانت من قبيلة سعد بن بكر بن هوازن، وكان أولادها عبارة عن: «عبداللّه»، «أنيسة»، «شيماء»، وقد


1 - بحارالأنوار: ج 18، ص 195 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 2، ص 326 .
3 - بحارالأنوار: ج 16، ص 72 .
4 - تاريخ الخميس في احوال انفس نفيس: ج 1، ص 222 .
5 - السيرة النبوية: ج 3، ص 96 .
6 - الكامل في التاريخ: ج 1، ص 271 .
7 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 222 ـ 225 نقلا عن سيرة مغلطاي وغيره .


(216)

قامت آخر أولادها وهي «الشيماء» بحضانة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيضاً:

وقد كان من عادة العرب يومذاك هو أن يدفعوا أولادهم الرضعاء إلى المراضع اللائي كُنَّ يَعِشنَ في البوادي لينشأوا في تلك البيئات المعروفة بطيب هوائها، وقلة رطوبتها، وعذوبة مائها ببنية قوية، هذا مضافاً إلى صيانتهم عن خطر الوباء الّذي كان يهدد الأطفال في «مكة»، ولأن ذلك كان له مدخلٌ عظيم، وتاثيرٌ بليغ في فصاحة المولود لسلامة لغة أهل القبائل الساكنة في البوادي آنذاك .

وكانت مراضعُ بني سعد من المشهورات بهذا الأمر بين العرب، فقد كانت نساء هذه القبيلة الّتي كانت تسكن حوالي «مكة» ونواحي الحرم يأتين «مكة» في كل عام في موسم خاص يلتمسنَ الرضَعاء ويذهبن بهم إلى بلادهنَّ حتى تتم الرضاعة.

وكان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تجاوز شهره الرابع لما قدمت نساء من بني سعد «مكة» يلتمسنَ الرضعاء في سنة جدب وقحط، ولهذا كنَّ بحاجة شديدة إلى مساعدة أشراف «مكة» واعيانها .

ويقول بعض المؤرخين: إنه لم تقبل أيّة واحدة من تلك المراضع أن تأخذ «محمَّداً» بسبب يتمه، وقد كان اغلبهن يُردْنَ أن يأخذن من يكون له أبٌ حيٌّ حتى يُغدق عَلَيْهنَّ بالمساعدات والصّلات، وحتّى «حليمة» هي الاُخرى أبتْ أخذَهُ، ولكنَّها ايضاً لم تحصل على طفل لِهزال جسمها، فاضطرت إلى أن تأخذ حفيد «عبدالمطلب» وقالت لزوجها: واللّه لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم فلاخذنَّه، فقال لها زوجُها: لا عليك ان تفعلي، عسى اللّه ان يجعل لنا فيه بركة .

ولقد اصاب الزوجان في ظنّهما هذا، فمنذ أن أبدت «حليمة» استعدادها لخدمة ذلك اليتيم شملت الالطاف الالهية كل مجالات حياتها(1) .

إن القسم الأول من هذه القصة ليس سوى اسطورة، لأن مكانة البيت


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 162 و 163.


(217)

الهاشمي الرفيعة، وشخصية رجل عُرفَ بِكمال الجود والاحسان، وبعون المحتاجين والمحرومين كانت سبباً في أن لا تعرض المرضعات عن اخذ «محمَّد» فحسب، بل يتنازعن على اخذه ولهذا لا يكون هذا القسمُ مِنَ التاريخ سوى اسطورة تكذبها الحقائق .

واما علة عدم اعطاءه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى غير «حليمة» من المرضعات فهي: أن وليد قريش لم يقبل أىّ ثدي من أثداء تِلكم المرضعات، ولم يزل كذلك حتّى قبلَ ثدي «حليمة السعدية»، فسرّ بذلك «عبدُالمطلب» وأهله سروراً عظيماً، بعد أن حزنهم امتناعُه عنهنَّ قبل ذلك(1) .

قالت «حليمة»: استقبلني عبدُالمطلب فقال: من انت، فقلت: أنا امرأة من بني سعد، قال: ما أسمُك؟ قلتُ: حليمة، فتبسَّم «عبدالمطلب» وقال: بَخ بَخ سَعدٌ وحلْمٌ، خصلتان فيهما خيرُ الدهر، وعز الأبد(2).

نَظرةُ الإسلام في تأثير الرضاع:

وهنا ينبغي بالمناسبة أن نشير إلى نظرة الإسلام في تأثير الرضاع في شخصيّة الإنسان .

فقد سبق الإسلامُ العلمَ الحديثَ في الكشف عن آثار اللبن في تكوين الإنسان الخُلقي والنفْسىّ والعضوي سَلباً وإيجاباً .

ولهذا حثَّ الإسلام على استرضاع الام، كما حث على اختيار المرضعات الصالحات ونهى عن استرضاع اليهودية والمجوسية والنصرانية والمجنونة منعاً من انتقال طباعِهنَ إلى الطفل عن طريق اللبن .

واستكمالا لهذا البحث نورد جملة من الأحاديث الّتي تصرح بهذه الحقيقة العلمية الهامة:

1- قال اميرالمؤمنين علي ـ عليه السلام ـ :


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 342 و 343 .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 89 .


(218)

«تَخَيّرُوا للرضاع كما تَخيَّرون لِلنِّكاح فانَ الرِّضاعَ يُغيّرُ الطِباعَ»(1) .

2- وعنه ـ عليه السلام ـ ايضاً:

«اُنظرُوا مَنْ يُرضعُ أولادكُمْ فَإنَ الوَلَد يَشُبُّ عَليهِ»(2) .

3ـ عن الإمام ابي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ انه قال:

«لا تَسْتَرضعُوا الحَمقاء فانَ اللبن يُعدي، وإن الغُلامَ يَنزع إلى اللَبن...»(3).

4ـ وعنه ـ عليه السلام ـ ايضاً:

«استرضعْ لولَدك بِلَبنِ الحِسان وإيّاكَ وَ القِباحُ فإنَّ اللَبنَ قد يُعدي»(4).

5ـ وعن علي ـ عليه السلام ـ انه قال:

«ما مِنْ لَبَن يَرضَعُ به الصَبىُّ أعظمُ بَركَةً عَليْه مِنْ لَبنِ اُمَّهِ»(5) .


1 - قرب الأسناد: ص 45 .
2 - فروع الكافي ج 2، ص 93 .
3 - وسائل الشيعة: ج 15، ص 188 .
4 - التهذيب: ج 2، ص 280 .
5 - روضة المتّقين: ج 8، ص 554 .


(219)

6
فَتْرةُ الطفُولة في حياة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

إن صفحات التاريخ تشهد بأن حياة رسول الإسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من بداية طفولته وأوان صباه وإلى يوم بعثه بالرسالة كانت مشحونة بسلسلة من الحوادث العجيبة الّتي تعَدُّ بأجمعها من كراماته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتدل على أن حياة النبىّ لم تكن حياة عادية .

وينقسم المؤلفون في تفسير هذه الحوادث إلى طائفتين:

1- الماديُّون، وجماعة من المستشرقين: فان العلماء الماديين الذين يحصرون الوجود في نطاق المادة، ويعتبرون جميع الظواهر ظواهر مادية، وينحتون لكل واحدة منها علة طبيعية، لا يهتمون بهذه الحوادث ولا يُعيرونها أية أهمية، لامتناع واستحالة وقوع أمثال هذه الظواهر حسب النظرة المادية، ولهذا فكل ما يصادفونه في ثنايا التاريخ من هذا الباب يعتبرونه من ولائد الخيال، وممّا نسجته اَوهامُ التابعين لذلك الدين، أو الطريقة .

وقد تبعهم في هذا الموقف جماعة من المستشرقين فرغم انهم يعتبرون انفسهم ـ حسب الظاهر ـ في عداد الموحِّدين، والمؤمنين باللّه، وبما بعد الطبيعة من عوالم الغيب، إلاّ أنهم - لضعف إيمانهم وبسبب غرورهم العلمي، وغلبة النزعة المادية على أفكارهم وأذهانهم ـ اتبعوا ـ لدى تحليلهم لهذه الحوادث ـ المنهج المادىّ، فنحن


(220)

نقرأ في كتاباتهم مراراً وتكراراً زعمهم بانَ النبوة ماهي إلاّ نبوغٌ بشرىٌّ، وأن النبىّ مجرد نابغة اجتماعية استطاع تغيير مسار الحياة البشرية بافكاره النيَّرة!!

ولا شك أن مثل هذا التصوّر ينبع من طريقة التفكير المادي الّذي يعتبر جميع الأديان من ولائد الفكر البشري وافرازات الذهن الانساني، في حين ان علماء العقيدة اثبتوا في: مباحث «النبوَّة العامة» انَّ النبوة عطية الهية، وموهبة ربّانية هي في الحقيقة منشأ جميع الالهامات والارتباطات المعنوية، ومصدر لمناهج الانبياء وبرامجهم، ليست ابداً وليدة نبوغهم الإنساني، ولا نسيجة فكرهم البشري، وليس لها مصدر إلاّ الإلهام من الغيب، ولكن عندما ينظر المستشرقُ المسيحي إلى هذه القضايا من زاوية الفكر المادي ويريد تفسير جميع هذه الظواهر بالاُسس العلمية الّتي كشفت عنها التجربةُ ينتقد مثل هذه الحوادث ذات الطابع الاعجازي، وربما انكرها من الاساس .

2- المؤمنون باللّه: الذين يعتقدون بأن العالم المادي بجميع خصوصياته وخواصه يخضع لتدبير عالم آخر، وأن ذلك العالم (اي عالم التجرد وماوراء الطبيعة) هو المنظِم لهذه الطبيعة، وهو المدبِر لهذا الكون المادي .

وبعبارة اُخرى إن عالم المادة ليس عالماً مسيِّباً، مستقلا عن غيره، وان جميع الانظمة والقوانين الطبيعية والعلمية مسبَّبةٌ عن تأثيرات موجودات عليا، وبخاصة ناشئةٌ عن إرادة اللّه الخالقِ، الّذي اعطى للمادة وجودها، وأوجد القوانين والعلاقات الصحيحة بين أجزائها، وبنى بقاءها على سلسلة من النواميس الطبيعية .

إنَ هذا الفريق من الناس مع احترامهم للقوانين العلمية، واذعانهم الصادق بما قاله العلماء في صعيد العلاقات، والروابط القائمة بين القوانين ممّا أثبته العلم واكّده، يعتقدون بأن مثل هذه القوانين الطبيعية ليست اُموراً لا تقبل التغيير، والتبدل .

فهم يعتقدون بأن العالم الاعلى يمكنه ـ إذا أراد ـ أن يُغيّر تلك القوانين لغايات خاصة، وليس في مقدوره ذلك فقط، بل فعلَ ذلك في جملة من الموارد


(221)

لأهداف عليا .

وبعبارة اُخرى: إنَّ الافعال الخارقة للعادة ليست ظواهر عارية عن العلل، بل إنَّ علتها غير طبيعيّة، وافتقاد العلة الطبيعية (وخاصة العلة الطبيعية غير المعروفة) ليس دليلا على افتقاد مطلق العلة .

والخلاصة; إن قوانين الخلقة ليست بحيث لا يمكن تبدُّلها، وتغيّرها بارادة بارئها وخالقها .

إنهم يقولون: إنَّ جميع خوارق العادة، وجميع أفعال الأنبياء العجيبة الّتي تتصف بصفة الاعجاز، والخارجة عن اطار القوانين الطبيعية، تتحقق من هذه الزاوية .

إنَّ هذا الفريق من الناس لا يسمَحُون لأنفسهم بان يرفضوا الأعمال الخارقة للعادة، والكرامات الّتي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والاحاديث، أو وردت في المصادر التاريخية الصحيحة المعتبرة، أو يكشوا فيها بحجة أنها لا توافق الموازين الطبيعية، والقوانين العلمية .

وها نحن نشير إلى قضيتين عجيبتين وقعتا في فترة الطفولة من حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومع اخذ ما قلناه بنظر الاعتبار لا يبقى أي مجال للترديد، أو الاستبعاد:

1- لقد نقَلَ المؤرخون عن «حليمة السعدية» قولها بأنها لمّا تكفلَّت إرضاع النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أرادت أن ترضعه في محضر اُمّها، ففتحت جيبها وأخرجت ثديها الايسر، وأخذت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فوضعته في حجرها، ووضعت ثديها في فمه، فترك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثديها، ومالَ إلى ثديها الأيمن، فاخذت «حليمة» ثديها الأيمن من يد النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ووضعت ثديها الأيسر في فمه وذلك أنَّ ثديها الأيمن كان جهاماً (أي خالياً من اللبن ولم يكن يدرُّ به)، وخافت (حليمة) أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا مصَّ الثدي ولم يجد فيه شيئاً لا يأخذ ـ بعده ـ الأيسر. ولكن النبىّ أصرَّ على أخذ الثدي الأيمن، فلمّا مصَّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الأيمن امتلأ فانفتح حتّى ملأ شدقيه


(222)

فادهش الجميع ذلك(1) .

2- وتقول «حليمة» أيضاً: إن البوادي أجدبت وحملنا الجُهد على دخول البلد، فدخلتُ مكة مع نساء بني سعد فأخذتُ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فعرفنا به البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتّى أثرينا، وكثرت مواشينا، وأموالنا(2) .

إنَّ مَن المسلم أنَّ حكم الماديين، أومن يحذو حذوهم ويتبع منهجهم في هذه المسائل يختلف عن حكم المؤمنين باللّه .

فان أتباع المنهج المادي إذ عجزوا عن تفسير هذا النوع من القضايا من زاوية العلوم الطبيعية، نجدهم يبادرون إلى اعتبار هذه الحوادث من نسج الخيال، ومن ولائد الاوهام، واما إذا كانوا اكثر تأدباً لقالوا: إن رسول الإسلام ليس بحاجة إلى امثال هذه المعاجز:

ونحن نقول: لا نقاش في أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ غني عن هذه المعاجز إلاّ أن عدم الحاجة شيء، والحكم بصحة هذه الاُمور أوبطلانها شيء آخر .

وأما المؤمن باللّه الّذي يردُّ النظام الطبيعي، إلى مشيئة اللّه خالق الكون وارادته العليا، ويعتقد بأن كل الحركات والظواهر في العالم الطبيعي من اصغر اجزائه (الذرة) إلى اكبر موجوداته (المجرة) يجري تحت تدبيره، ونظارته، فانه بعد التحقق من مصادر هذه الحوادث والتأكد من وقوعها ينظر إليها بنظر الاحترام، وأمّا إذا لم يطمئن إليها لم يرفضها رفضاً قاطعاً .

ولقد ورد في القرآن الكريم نظائر عديدة لهذه القصة حول «مريم» اُم عيسى فالقرآن يخبرنا عن تساقط الرطب الجَنىّ من جذع النخلة اليابسة كرامة لوالدة المسيح عندما لجأت إليه مريم عند المخاض إذ يقول:

(... ألاّ تَحزَني قَدْ جَعلَ رَبُّكِ تَحتك سَريّاً. وَ هُزِّي إليْكِ بِجذْع النَخلةِ تُساقِط عَليْك رُطباً جَنِيّاً)(3).


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 345 و 346 .
2 - المناقب لابن شهراشوب: ج 1، ص 24 .
3 - مريم: 24 و 25 .


(223)

إنه وان كان الفرق بين «مريم» و «حليمة» شاسعاً وكبيراً من حيث الملكات الفاضلة والمكانة، والمنزلة، إلاّ أن منزلة «مريم» ـ عليها السلام ـ لو استوجبت مثل هذا اللطف الالهي، ففي المقام استوجب نفسُ مقام الوليد العظيم، ومكانته عنداللّه تعالى أن تشمله العناية الالهية.

كما انه قد جاء في القرآن الكريم حول مريم ـ عليها السلام ـ امور اُخرى مشابهة.

ان عصمة هذه المرأة الطاهرة، وتقاها وطهرها البالغ كانت بحيث أن «زكريا» كلّما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فاذا سألها: مِن أينَ لكِ هذا قالت: هو مِنْ عِنداللّه؟(1) .

وَ على هذا الأساس يجب أن لا نتردَّد ولا نسمح لانفسنا بأن نشك في مثل هذه الكرامات، أو نستبعدها .

خَمسَةُ أعوام في الصَحْراء:

أمضى وليدُ «عبدالمطلب» في قبيلة «بني سعد» مدة خمسة أعوام، بلغ فيها أشده .

وخلالَ هذه المدة اخذته «حليمة» إلى اُمّه مرتين أو ثلاث، وقد سلّمته إلى اُمه في آخر مرة .

وكانت المرّة الاُولى من تلك المرات عند فطامه، ولهذا السبب اتت به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «حليمة» إلى مكة ولكنها عادت به إلى الصحراء باصرار منها، وكان السبب وراء هذا الاصرار على اصطحابه معها إلى البادية هو أن هذا الوليد قد اصبح مبعث خير ورخاء، وبركة في منطقتها، وقد دفع شيوعُ مرض الوباء في «مكة» إلى أن تقبل امُّه الكريمة بهذا الطلب(2) .

وأما المرةُ الثانيةُ من تلك المرات فكانت عندما قدم جماعة من نصارى


1 - «... وَ كَفَّلها زكريّا كُلَّما دَخلَ عَلَيْها زكَريّا المِحْرابَ وَجدَ عِنْدها رزْقاً قال يا مَريَمُ أنّى لَكِ هذا قالَتْ هُو مِنْ عِنْداللّه» (آل عمران: 37) .
2 - بحارالأنوار: ج 15، ص 401 .


(224)

الحبشة إلى الحجاز، فوقع نظرهم على محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في «بني سعد»، ووجدوا فيه جميع العلائم المذكورة في الكتب السماوية للنبي الّذي سيأتي بعد عيسى المسيح ـ عليه السلام ـ ، ولهذا عزموا على أخذه غيلة إلى بلادهم لما عرفوا ان له شأنا عظيماً، لينالوا شرف احتضانه ويذهبوا بفخره(1) .

ولا مجال لاستبعاد هذه القضية لأن علائم النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذُكِرَت في الانجيل حسب تصريح القرآن الكريم، فلا يبعد أن علماء النصارى قد تعرّفوا في ذلك الوقت على النبىّ من العلائم الّتي قرأوها ودرسوها في كتبهم.

يقول القرآن الكريم في هذا المجال:

(وَ إذْ قالَ عِيْسى بْنُ مرْيَم يا بَني إسْرائيلَ إنّي رَسُولُ اللّه إليْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْن يَدىَّ مِنَ التوْراة وَ مُبشِّراً بِرَسُول يأتْي مِنْ بَعْدي اسْمُهُ أَحمَد فَلمّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبيْنٌ)(2) .

ثمّ انّ في هذا الصعيد آياتٌ اُخر صرَّحت بجلاء بأن علائم رسول الإسلام في الكتب السماوية الماضية في وضوح، ومن غير إبهام، وأن الامم السابقة كانت على علم بهذا الأمر(3) .


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 167 .
2 - الصف: 6 .
3 - (الذين يتَّبِعُونَ الرسول النبىَّ الاُميَّ الَّذي يَجِدُونَهُ مكْتُوباً عِندَهُمْ في التوراة والإنْجيل) (الأعراف: 157) .


(225)

7
العَوْدة
إلى اَحضان العائلة

لقد خَلقَت يدُ القدرة الالهية كلَ فرد من أفراد النوع الانساني لأمر معين، فهناك من خلق لا كتساب العلم والمعرفة، وهناك من خُلقَ للاختراع والاكتشاف، وثالثٌ خلق للسعي والعمل، وبعض للتدبير والسياسة وفريق للتدريس والتربية وهكذا .

وإن المربِّين المخلصين الذين يهمّهم تقدم الأَفراد أو رقىّ مجتمعهم لا يعمدون إلى نَصب أحد في عمل من الاعمال ولا يعهدون إليه مسؤولية من المسؤوليات إلاّ بعد اختبار سليقته ومواهبه، بغية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، إذ في غير هذه الحالة يتعرِّض المجتمع لضررين كبيرين: احدهما: أن لا يوكل إلى الفرد ما يستطيع القيام به، والثاني: ان يبقى العمل الّذي قام به ناقصاً، مبتوراً.

وقد قيل في المثل: لكل انسان موهبة، والسعيد هو من اكتشف تلكم المواهب، واصابها .

وقد ذكروا أن استاذاً كان ينصح تلميذاً له كسولا، ويعدّد له مضارَّ الكسل والتواني، ويصف له حال من ترك الاشتغال بالعلم، وضيّع ربيع حياته في البطالة والغفلة .

وبينما الاستاذ ينصح تلميذه ـ وهو يسمع مواعظ اُستاذه - رأى تلميذه يرسم


(226)

بقطعة من الجص صورة على المنضدة، فادرك من فوره أن هذا الصبىّ لم يُخلق للدرس وتحصيل العلم، بل خلقته يد القدرة للرسم، فطلب منه أن يصطحب اباه إلى المدرسة في اليوم القادم، ثم قال لوالد الصبىّ: إذا كان ولدك هذا كسولا في التعلم، والتحصيل فانه يمتلك ذوقاً رفيعاً في الرسم، ورغبة كبيرة في التصوير .

وقبل الوالد نصيحة المعلّم هذه ولم يمض زمانٌ طويل إلاّ وبرع الصبي وغدى قمة في هذا الفن، بعد أن تابع هوايته بشغف وأكثر من ممارستها .

إن فترة الطفولة والصبا في حياة الأشخاص خير فرصة لأولياء الأطفال بأن يختبروا مواهب أبنائهم، ويتعرفوا عليها من خلال تصرفاتهم، وأفكارهم وردودهم، لأن حركات الطفل وأقواله الجميلة والحلوة خير مرآة لما ينطوي عليه من مواهب وقابليات وصفات لوتوفرت لها ظروف التربية الصحيحة لأمكن الاستفادة منها على أفضل صورة، وأحسن وجه .

إن مطالعة فاحصة لحياة النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأقواله وأفعاله إلى وقت البعثة المباكرة تُوقفنا على صورة كاملة لشخصيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وتوضح لنا أهدافه العليا، على أن مطالعة صفحات الطفولة في حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقط لا تكشف لنا عن مستقبله المشرق، بل ان دراسة الصورة الاجمالية لحياته وتاريخه إلى يوم مبعثه الشريف، وإعلانه عن نبوَّته وقيادته للمجتمع، تخبرنا عن ذلك المستقبل العظيم، وبالتالي عن هذه الحقيقة وهي ان هذه الشخصية خُلِقَت لأىّ عمل، وأن إدعاء الرسالة والقيادة له هل ينسجمُ مع سوابقه التاريخية أم لا؟؟

هل تُؤيّد تفاصيلُ حياتِه خلال أربعين سنة قبل الرسالة، وهل تؤيّد أفعالُه واقوالُه، وبالتالي: سلوكه مع الناس ومعاشرته الطويلة مع الآخرين رسالته أم لا؟؟

من هنا نعمدُ إلى عرض بعض الصفحات من حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايامها وسنواتها الاُولى .


(227)

لقد حافظت مرضعةُ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليه خمس سنوات، وقامت في هذه المدة برعاية شؤونه خير قيام، وبالغت في كفالته والعناية به، وفي خلال هذه المدة تعلّم النبي لغة العرب على احسن ما يكون، حتّى انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يفتخر بذلك في ما بعد إذ كان يقول:

أنا أعربكُمْ (اي أفصحكم)... وارضعت في بني سعد»(1) .

ثم ان «حليمة» جاءت به إلى «مكة»، وبقي عند امّه الحنون ردحاً من الزمن، وفي كفالة جده العظيم: «عبدالمطلب» ردحاً آخر منه، وكان هو السلوة الوحيدة لاقاربه والبقية الباقية من ابيه: «عبداللّه»(2) .

سَفْرةٌ إلى يثرب:

منذ أن فقَدت كَنّة «عبدالمطلب» وعروس ابنه: «آمنة» زوجها الشاب الكريم: «عبداللّه» باتت تترقب الفرص لتذهب إلى «يثرب» وتزور قبر زوجها الحبيب الفقيد عن كثب، وتزور اقاربها في يثرب في نفس الوقت .

وذات مرة فكَّرت بأن تلك الفرصة قد سنحت، وأن ولدها «محمَّداً» قد كبُر، ويمكنه أن يشاركها في حزنها، فتهيأت هي واُمّ ايمن للسفر، واتجهت نحو يثرب برفقه «محمَّد»، ولبثت هناك شهراً .

ولقد انطوت (وبالاحرى حملت) هذه السفرة على بعض الآلام الروحية لوليد قريش «محمّد» لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رأى فيها ولأوّل مرة البيت الّذي توفي فيه والده العزيز، ودفن(3) وكانت والدته قد حدَّثته بامور عن والده إلى ذلك الحين .

وكانت لا تزال سحابةُ الحزن تخيّم على روحه الشريفة إذ فوجىء بحادثة مقرحة اُخرى، وغشيه موج آخر من الحزن لأنه عند عودته إلى مكة فقد اُمّه


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 89 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 167 .
3 - كان البيت الّذي يضمّ قبر «عبداللّه» عليه السّلام لا يزال موجوداً حتّى قُبيل توسعة الدائرة حول المسجد النبوي الطاهر، ولكنه اُزيل بحجّة إيجاد تلك التوسعة .


(228)

العزيزة في اثناء الطريق في منطقة تدعى بـ «الابواء»(1) .

إنَ هذه الحادثة قد عزَّزتْ مكانة الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في عشيرته اكثر فأكثر، وجعلته يتمتع بمحبّة أزيد منهم، فهو الزهرة الوحيدة من تلك الجنينة المباركة، كما انه صار منذ ذلك الحين يتمتع بعناية أكبر من قبل جده «عبدالمطلب» ولهذا كان يحبُّه اكثر من أبنائه، بل ويؤثره عليهم جميعاً .

ومن ذلك أنه كان يُمدُّ في فناء الكعبة المعظمة بساطٌ لزعيم قريش «عبدالمطلب» فيجلس هو عليه ويتحلَّقُ حوله وجوهُ قريش وسادتها وأولادُه فإذا وقَعت عيناه على بقية عبداللّه «محمَّد» أمر بأن يُفرَّجَ له حتّى يتقدم نحوه ثم يُجلِسُه إلى جنبه على ذلك البساط المخصوص به(2) .

ان القرآن الكريم يُذكّر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بفترة يتمه ويقول: «ألمَ يجدْكَ يتيماً فآوى» .

إن الحكمة وراءيتم وليد قريش ليست واضحة لنا تمام الوضوح، ولكننا نعلم إجمالا بأن سيل هذه الحوادث المؤلمة احيانا، والمزعجة احيانا اخرى لم يك خالياً عن حكمة معقولة ومصلحة رشيدة، بيد أننا مع كل هذا يمكن لنا الحدس بأن اللّه تعالى أراد أن يذوق قائد العالم البشري ومعلمه، وإمام الإنسانية وهاديها ـ وقبل ان يتسلم مهامه، ويزاول مسؤولياته العظمى ويبدأ قيادته ـ حُلو الحياة ومرَّها، ويجرِّب سراء العيش وضرّاءه، حتّى تتهيَّأ لديه تلك الروحُ الكبرى الصبورة الصامدة، ويدّخر من تلك الحوادث الصعبة تجارب ودروساً، ويعدّ نفسه لمواجهة مسلسل الشدائد والمصاعب، والمشاق والمتاعب الّتي كانت تنتظره في المستقبل.

و ربما أراد اللّه تعالى أن لا تكون في عنق نبيِّه طاعة لأحد، ولهذا انشأه حراً خلياً من كل قيد، منذ الايام الاُولى من حياته، يصنع نفسَه بنفسِه ويقيّض لها موجبات الرشد، واسباب الرقىّ ليتضح أن نبوغَهُ ليس نبوغاً بشرياً عادياً ومألوفاً


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 105 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 168 .


(229)

وانه لم يكن لوالديه اي دخل فيه وفي مصيره، وبالتالي فان عظمته الباهرة نابعةٌ من مصدر الوحي، وليست من العوامل العادية والاسباب المأنوسة المتعارفة .

وَفاة عبْدالمُطَّلب:

لقد جرت عادة الحياة ان تتعرض للمرء باستمرار، وتستهدف سفينة حياته كالأمواج المتلاحقة مُوجِّهة ضرباتها القوية لروحه، ونفسه .

أجل هذه هي طبيعة الحياة وسنتها مع أفراد النوع الانساني من دون استثناء .

ولم يكن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بمعزل عن هذ السنة المعروفة وهذه القاعدة الحياتية العامة .

فلم تكن أمواج الحزن تفارق قلب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لوفاة والديه بعد حتّى فاجأته مصيبة كبرى .

إنه لم يكن يمض من عمر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اكثر من ثمان سنوات إلا وفقد جدّه العظيم «عبدالمطلب»، وقد اعتصَرت وفاة «عبدالمطلب» قلب رسول اللّه ألماً وحزناً، وكان لها وقعٌ شديدٌ على نفسه المباركة، حتّى أنه بكى لفقده بكاء شديداً وظلّت دموعُه تجري من أجله إلى أن وري في لحده، ولم ينس ذكره أبداً!!(1) .

كفالة أبي طالب للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

سيكون لنا حديثٌ مفصَّل حول شخصيّة أبي طالب في فصل خاص(2) و سنثبت هناك إيمانه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالوثائق والأدلة القاطعة، ولكنَّ من المناسب الآن أن نستعرض بعض الحوادث المرتبطة بفترة كفالته للنبي


1 - كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 2، ص 10 و 11 من تاريخه حول سيرة عبدالمطلب، وأنه كان موحِّداً لاوثنياً، وذكر أن الإسلام أمضى الكثير من سننه .
2 - في حوادث السنة العاشرة .


(230)

ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

لقد تكَفَّل أبوطالب ـ ولأَسباب خاصة ـ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتقبل تحمُّل هذه المسؤولية بفخر واعتزاز، ولأنّ أباطالب ـ مضافاً إلى العلل المشار إليها ـ كان أخاً لوالد النبي من أُمٍّ واحدة أيضاً(1) كما أنّه كانَ معروفاً بجوده وكرمه، ومن هنا أوكلّ «عبدالمطلب» أمر كفالة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حفيده، إليه، وسوف نقص عليك تدريجاً سطوراً ذهبية من تاريخه، تمثل شاهد صدق على خدماته القيمة، وأياديه الجليلة .

يقولون: إن النبي شارك وهو في العاشرة من عمره جنباً إلى جنب مع عمّه في حرب من الحروب(2) وحيث أن هذه الحرب وقعت في الأشهر الحُرم لذلك سُمّيت بحرب «الفجار» وقد وردت تفاصيل حروب «الفجار» في التاريخ بشكل مسهَب .

سَفرةٌ إلى الشام:

لقد جرت العادة ان يسافر تجار قريش إلى الشام كل سنة مرة واحدة .

فعزم «ابوطالب» على أن يشارك في رحلة قريش السنوية هذه ذات مرة، وعالج مشكلة ابن اخيه «محمَّد» الّذي ما كان يقدر على مفارقته بأنه قرر أن يتركه في مكة في حراسة جماعة من الرجال، ولكنه ساعة الرحيل واجه من ابن اخيه العزيز ما غيّر بسببه قراره المذكور فقد شاهد «محمَّداً» وقد اغرورقت عيناه بالدموع لفراق كفيله الحميم «ابي طالب»، فاحدثت ملامح «محمَّد» الكئيبة طوفاناً من المشاعر العاطفية في قلب «أبي طالب» بحيث اضطرته إلى أن يرضى


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 179، وامهما هي فاطمة المخزومية .
2 - لقد كتب اليعقوبي في تاريخه: ج 1، ص 15 طبعة النجف أنّ أبا طالب لم يشترك في هذه الحرب قط، كما لم يسمح لبني هاشم بالمشاركة فيها أيضاً، لأنه كان ظلماً وعدواناً وقطيعة رحم واستحلالا للشهر الحرام.


(231)

بمشقة اصطحاب «محمَّد» في تلك الرحلة(1) .

لقد كانت سفرة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هذه الّتي قام بها بصحبة عمّه وكافله «ابي طالب» في الثانية عشرة من عمره، من اجمل وأطرف اسفاره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عَبر فيها على: «مَديَن» و «وادي القرى» و «ديار ثمود» واطّلع على مشاهد الشام الطبيعية الجميلة .

ولم تكن قافلة قريش التجارية قد وَصلت إلى مقصدها حتّى حدثت في منطقة تدعى «بصرى» قضية غيرت برنامج «ابي طالب» وتسببت في عدوله عن المضي به في تلك الرحلة والقفول إلى مكة.

واليك فيما يلي مجمل هذه القضية:

كان يسكن في «بصرى» من نواحي الشام راهبٌ مسيحي يدعى «بحيرا» يتعبّد في صومعته، يحترمه النصارى في تلك الديار .

وكانت القوافل التجارية إذا مرت على صومعته توقفت عندها بعض الوقت وتبركت بالحضور عنده .

وقد اتفق أن التقى هذا الراهبُ قافلة قريش الّتي كان فيها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلفت نظره شخصيةُ «محمَّد»، وراح يحدق في ملامحه، وكانت نظراته هذه تحمل سراً عميقاً ينطوي عليه قلبه منذ زمن بعيد وبعد دقائق من


1 - ويذكر «أبوطالب» في ابيات له قصّة هذه السفرة وما جرى فيها من البدء إلى الختام نقتطف منها بعض الأبيات:

إنَّ ابنَ آمِنة النبي محمَّداً * عِندي يفوقُ منازل الأولاد
لما تعَلّق بالزمام رحمتُه * والعيسُ قد قلَّصْنَ بالازواد
فَارفضَّ من عينىّ دمع ذارفٌ * مثل الجمان مُفرّق الأفراد
راعيتُ فيه قرابة موصولة * وحفَظت فيه وصية الأجداد
وأمرتُه بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت أنجاد
حتّى إذا ما القومُ بُصرى عاينوا * لاقوا على شرك من المرصاد
حبراً فاخبرهم حديثاً صادقاً * عنه وردّ معاشر الحُسّاد

(تاريخ ابن عساكر: ج 1، ص 269 ـ 272 و ديوان ابي طالب: ص 33 ـ 35) .


(232)

النظرات الفاحصة، والتحديق في وجه النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ خرج عن صمته وانبرى سائلا: اُنشدكم باللّه أيّكم وليّه؟

فاشار جماعة منهم إلى «أبي طالب» وقالوا: هذا وليّه .

فقال «ابوطالب»: إنه ابن أخي، سلني عمّا بدا لك .

فقال «بحيرا»: إنه كائن لابن أخيك هذا شأنٌ عظيمٌ، نجده في كتبنا وماروينا عن آبائنا، هذا سيّدُ العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه رحمة للعالمين. إحذرْ عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنَّ قتلَه(1) .

هذا وقد اتفق اكثر المؤرخين على أنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتعدَّ تلك المنطقة، وليس من الواضح أن عمه «أبا طالب» بعثه إلى مكة مع أحد، (ويُستَبعد أن يكون عمُه قد رضي بمفارقته منذ أن سمع تلك التحذيرات من الراهب بحيرا)، أم أنه اصطحبه بنفسه إلى مكة، وانثنى عن مواصلة سفره إلى الشام(2) .

وربما قيل أنه تابع ـ بحذر شديد ـ سفرَهُ إلى الشام مع ابن اخيه «محمَّد» .

أكذُوبَةُ المُسْتشرقيْن:

لقد آلينا على أنفسنا في هذا الكتاب ان نشير إلى أخطاء المستشرقين وغلطاتهم بل وربما أكاذيبهم، واتهاماتهم الباطلة، وشُبههُم الواهية ليتضح للقراء الكرام الى أي مدى يحاول هذا الفريق إرباك أَذهان البُسطاء من الناس، وبلبلة عقولهم حول قضايا الإسلام!!

إن قضية اللقاء الّذي تم ـ في بصرى ـ بين النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والراهب «بحيرا» لم تكن سوى قضية بسيطة، وحادثة عابرة وقصيرة، إلا أنها وقعت في ما بعد ذريعة بايدي هذه الزمرة (المستشرقون) فراحوا يصرّون أشدّ اصرار على أنّ


1 - روى تاريخ الطبري: ج 2، ص 32 و 33، والسيرة النبوية: ج 1، ص 180 ـ 183 هذه القصّة بتفصيل اكبر وقد اختصرناها هنا تمشياً مع حجم هذا الكتاب .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 182 و 183 .


(233)

ما أظهره رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من تعاليم رفيعة سامية بعد 28 عاماً، واستطاع بها أن يُحيي بها تلك الاُمة الميّتة قد تلقاها من الراهب «بحيرا» في هذه السفرة. ويقولون: إن «محمَّداً» بما تمتع به من قوة ذاكرة، وصفاء نفس ودقة فكر، وعظمة روح وهبته اياها يد القدر، أخذ من الراهب «بحيرا» في لقائه به، قصص الانبياء السالفين والاقوام البائدة مثل عاد وثمود، وكثيراً من تعاليمه الحيوية .

ولا ريب في أن هذا الكلام ليس سوى تصور خيالي لا يتلاءم ولا ينسجم مع حياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل وتكذبه الموازين العقلية، واليك بعض الشواهد على هذا:

1- لقد كان «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ باجماع المؤرخين اُميّاً، لم يتعلم القراءة والكتابة، وكان عند سفره إلى الشام، ولقائه بـ «بحيرا» لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر بعد، فهل يصدق العقل ـ والحال هذه ـ أن يستطيع صبيٌ لم يدرس ولم يتعلّم القراءة والكتابة ولم يتجاوز ربيعه الثاني عشر ان يستوعب تلك الحقائق من «التوراة» و «الإنجيل»، ثم يعرضها ـ في سن الاربعين ـ على الناس بعنوان الوحي الالهىّ والشريعة السماوية؟!

إن مثل هذا الأمر خارج عن الموازين العادية، بل ربما يكون من الاُمور المستحيلة لو أخذنا بنظر الاعتبار حجم الإستعداد البشري .

2ـ إن مدة هذا اللقاء كان اقل بكثير من أن يستطيع محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في مثل تلك الفترة الزمنية القصيرة أن يستوعب «التوراة» و «الانجيل»، لأن هذه الرحلة كانت رحلة تجارية ولم يستغرق الذهاب والاياب والاقامة اكثر من أربعة أشهر، لأن قريشاً كانت تقوم في كل سنة برحلتين، في الصيف إلى «الشام»، وفي الشتاء إلى «اليمن»، ومع هذا لا يُظنّ أن تكون الرحلة برمتها قد استغرقت اكثر من اربعة أشهر، ولا يستطيع اكبر علماء العالم واذكاهم من أن يستوعب في مثل هذه المدة القصيرة جداً محتويات ذينك الكتابين، فضلا عن صبي لم يدرس، ولم يتعلم القراءة والكتابة من احد .


(234)

هذا مضافاً إلى أنه لم يكن يصاحب ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك الراهب كل تلك الاشهر الاربعة بل ان اللقاء الّذي وقع إتفاقاً في أحد منازل الطريق لم يستغرق سوى عدة ساعات لا اكثر .

3- إن النَص التاريخي يشهد بأن «اباطالب» كان ينوي اصطحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى الشام، ولم يكن مقصده الأصلي «بصرى» بل إن «بصرى» كان منزلا في أثناء الطريق تستريح عنده القوافل التجارية أحياناً، ولفترة جداً قصيرة .

فكيف يمكن في مثل هذه الصورة ان يمكث رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك المنطقة، ويشتغل بتحصيل علوم «التوراة» و «الانجيل» ومعارفهما؟ سواء قلنا بأن «اباطالب» أخذه معه إلى الشام، أو عاد به من تلك المنطقة إلى مكة أو أعاده بصحبة أحد إلى مكة؟!

وعلى كل حال فان مقصد القافلة ومقصد «ابي طالب» لم يكن «بصرى» ليقال: ان القافلة اشتغلت فيها بتجارتها، بينما اغتنم «محمَّد» الفرصة واشتغل بتحصيل معارف العهدين .

4- إذا كان محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تلقى اُموراً ومعارف من الراهب المذكور اذن لاشتهر ذلك بين قريش حتماً، ولتناقل الجميع خبر ذلك بعد العودة إلى مكة .

هذا مضافاً إلى أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نفسه ما كان يتسطيع أن يدعي امام قومه في ما بعد بأنه اُمىُّ لم يدرس كتاباً، ولا تلمذ على أحد، في حين أن النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ افتتح رسالته بهذا العنوان، ولم يقل أحدٌ، يا محمَّد كيف تدعي بأنك لم تقرأ ولم تدرس عند احد وقد درست عند راهب «بصرى» وتلقيت منه هذه الحقائق الناصعة وانت في الثانية عشرة من عمرك؟

لقد وَجَّه مشركوا مكة جميع انواع الإتهام إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وبالغوا في البحث عن أيّة نقطة ضعف في قرآنه يمكن أن يتذرعوا بها لتفنيد دعوته، حتّى أنهم عندما شاهدوا النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذات مرةْ عند


(235)

«مروة» يجالس غلاماً نصرانياً استغلوا تلك الفرصة وقالوا: لقد أخذ «محمّد» كلامه من هذا الغلام، ويروي القرآن الكريم مزعمتهم هذه بقوله:

(ولَقدْ نَعلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشرٌ لِسانُ الَّذي يُلْحدْونَ إليْه أَعجَمِىَّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِىّ مُبيْنٌ)(1) .

ولكن القرآن الكريم لم يتعرض لذكر هذه الفرية قط كما أن قريشاً المجادلين المعاندين لم يتذرعوا بها أبداً، وهذا هو بعينه دليلٌ قاطعٌ وقويٌ على أن هذه الفرية من افتراءات المستشرقين في عصرنا هذا، ومن نسج خيالهم!!

5ـ إن قصص الانبياء والرسل الّتي جاءت في القرآن الكريم على وجه التفصيل تتعارض وتتنافى مع ما جاء في التوراة والانجيل .

فقد ذُكِرَت قصصُ الأنبياء واحوالهم في هذين الكتابين بصورة مشينة جداً، وطُرحت بشكل لا يتفق مع المعايير العلمية والعقلية مطلقاً، وان مقايسة عاجلة بين هذين الكتابين من جانب وبين القرآن الكريم من جانب آخر تثبت بأن قضايا القرآن الكريم ومعارفه لم تتخذ من ذينك الكاتبين بحال، ولو أن النبيَ محمَّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد اكتسب معارفه ومعلوماته حول الانبياء والرسل من العهدين لجاء كلامُه مزيجاً بالخرافات والأَوهام(2) .

6ـ إذا كان راهب «بُصرى» يمتلك كل هذه الكمية من المعلومات الدينية والعلميّة الّتي عرضها رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فلماذا لم يحض هو بأي شيء من الشهرة، ولماذا ترى لم يُربِّ غير «محمَّد» في حين أن معبَده كان مزار الناس ومقصدَ القوافل؟!

7ـ يعتبرُ الكتاب المسيحيّون «محمّداً» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رجلا أميناً صادقاً، والآيات القرآنية تصرح بأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن على علم مسبق


1 - النحل: 103 .
2 - تتجلى هذه الحقيقة أكثر فاكثر إذا ما قارنّا بين مواضيع القرآن الكريم، وبين ما جاء في نصوص العهدين (التوراة والأنجيل) وقد تصدى بعض الكتاب الاسلاميين لمثل هذه المقارنة، وقد تعرضنا لها ايضاً في بعض دراساتنا .


(236)

أصلا بقصص الأَنبياء والاُمم السابقين، وأن معلوماته في هذا الصعيد لم تحصل لديه إلا عن طريق الوحي .

فقد جاء في سورة «القصص» الآية (44) هكذا: (وما كُنْتَ بجانِب الغرْبىِّ إذْ قَضيْنا إلى مُوْسى الأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشّاهِديْن) .

وجاء في سورة «هود» الآية (49) بعد نقل قصة نوح: (تِلْكَ مِنْ أَنباء الْغَيْبِ نُوحيها إليكَ ما كُنْتَ تَعلَمُها أَنْت وَ لا قومُك مِنْ قَبْل هذا) .

إن هذه الآيات توضح أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكن على علم أبداً بهذه الحوادث، والوقائع.

وهكذا جاء في الآية (44) من سورة «آل عمران»: (ذلِكَ مِنْ أنْباء الْغيْبِ نُوْحيه إلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيهِمْ إذْ يُلْقُوْنَ أقْلامهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَ ما كُنْتَ لَديْهم إذْ يَخْتصِمُونَ) .

إن هذه الآية وغيرها من الآيات العديدة تصرح بأن هذه الأخبار الغيبيّة وصلت إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن طريق الوحي فقط، وهو لم يكن على علم بها مطلقاً .

نَظْرةٌ إجْماليَّة إلى التَوْراة الحاضِرَة:

إنَّ هذا الكتاب السَماوىّ تورَّط في تناقضات عجيبة في بيان قصص الأنبياء والمرسلين لا يمكن نسبتها إلى الوحي مطلقا، وها نحن نأتي هنا بنماذج في هذا المجال من التوراة ليتضح لنا أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لو كان قد أخذَ قضايا القرآن الكريم من ذلك الراهب فلماذا لا يحتوي هذا الكتاب العظيم على تلك الأضاليل الّتي انطوى عليها «التوراة» و «الانجيل» .

واليك بعض ما جاء حول الأَنبياء والمرسلين في «التوراة» و «الانجيل» ونقارن ذلك بما جاء في القرآن الكريم ليتضح مدى الفرق بين الكتابين (العهدين، والقرآن) .

* * *


(237)

1- داود ـ عليه السلام ـ :

جاء في التوراة: «إن داود رأى من على السطح امرأة تستحمّ، وكانت المرأة جميلة المنظر جداً، فارسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: إنها امرأة اُوريّا فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهَّرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها، وحبلت المرأة، فارسلت وأخبرت داود وقالت: إني حُبلى، فارسل داود إلى يؤاب يقول: اجعلوا أوريّا في وجه الحرب الشديدة(1)، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت... فلما سمعت امرأة أوريّا أنه قدمات اُوريّا رجلُها ندبت بعلها، ولمّا مضت المناحة أرسل داود وضمَّها إلى بيته وصارت له إمرأة، وولدت له إبناً، وامّا الأمرُ الّذي فعله داود فقبح في عينىّ الرب»!!(2) .

هكذا تصف التوراة النبىّ الكريم داود، وترميه بالزنا، واكراه امرأة محصنة على خيانة زوجها!!

بينما يصف القرآن الكريم النبىّ داود ـ عليه السلام ـ بافضل الاوصاف إذ يقول (في الآية 15 و 16 من سورة النمل):

(وَ لَقَدْ آتَيْنا داوود و سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا ألحَمْدُ للّه الَّذيْ فَضَّلنا عَلى كثير مِنْ عِبادِهِ... وَ قالَ يا أيُّهَا الناسَ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَيْر وَ اُوتيْنا مِنْ كُلِّ شَيء إنَّ هذا لَهُوَ الفَضْلِ الْمُبِيْنِ) .

2ـ النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ :

تقول «التوراة» عن النبىّ العظيم سليمان ـ عليه السلام ـ :

1ـ «وداود الملكُ ولد سليمان من الّتي لاُوريّا»(3) .

أي ان سليمان النبىّ الكريم ـ والعياذ باللّه ـ هو ابن زنا!!


1 - أي في مقدمة الجيش المحارب .
2 - العهد القديم (التوراة): صموئيل، الثاني الاصحاح الحادي عشر 3 إلى 27 .
3 - إنجيل مَتَّى: الاصحاح الأول 6 .


(238)

2ـ وَ أَحَبَّ المَلِكُ سُلَيمان نساء غريبة... مِنَ الذين قالَ عَنْهُمْ الربُ لبنىّ اسرائيل: لا تدخلونَ إليهم، وهُمْ لا يَدُخلونَ إليكم لأَنَّهُمْ يُميلونَ قلوبَكم وراء آلهتهم، فالتصق سلَيمانُ بهؤلاء بالمحبَّة، وكانت له سبع مئة من النساء السيدات، وثلاث مئة من السراري فأمالت نساؤه قلبَهُ وكان في زمان شيخوخة سليمان ان نساءه أملن قلبه وراء آلهة اُخرى، ولم يكن قلبُه كاملا مع الرب الهِهِ كقلب داود ابيه، فذهب سليمان وراء عَشتُورت إلاهة الصيد ونين، وملكوم رجس العمونيين، وعمل سليمان الشرَّ في عيني الرب، ولم يتبع الرب تماماً كداود أبيه، فغضب الربُ على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل»!!!(1) .

إن سليمان ـ حسب هذه التعابير التوراتية ـ يعشق النساء الاجنبيات، ويتقرب اليهن بصنع أصنام لَهُنَّ. ويعبدها معهن، ويرتكب الشرور الّتي أغضبت الرب!!

بينما يقول القرآن الكريم عن سليمان ـ عليه السلام ـ (ولقد آتيْنا داودَ وَ سُلَيْمانَ عِلماً)(2) .

ويقول: (وَ لِسُلَيْمان الرِّيْح عاصِفَة تَجْري بأَمْره إلى الأرض الَّتي باركْنا فيها، وَكنا بِكُلِّ شَيء عالِمين)(3) .

إنه نبي عظيم اختاره اللّه تعالى لوحيه، وأصطفاه لأَداء رسالاته .

3ـ يعقوب ـ عليه السلام ـ :

إنَّ «التوراة» تصف النبي العظيم يعقوب ـ عليه السلام ـ بأنه رجل كذّاب مخادع، أخذ النبوة من ابيه بالمكر والخداع، «فعِند ما شاخَ اسحاقُ وكَلّت عيناهُ عن النظر دعا عيسو إبنه الاكبر، وطلب منه أن يصطادله صيداً، ويصنع له طعاماً جيداً حتّى يباركه، ويعطيه النبوة، ولكن يعقوب (ابن إسحاق من رفقة


1 - التوراة: الملوك الأول الاصحاح: 11، العبارات 1: 11 .
2 - النمل: 16 .
3 - الأنبياء: 81 .


(239)

زوجته الأخرى) بادر إلى صنع طعام لذيذ لأبيه وتظاهر بأنه عيسو، لابساً ثياب عيسو، وقطعاً من جلود جَدْيي المعزى على عنقه لأن عيسو كان مشعراً وكان يعقوب املس الجسد، فبارك اسحاق ابنه يعقوب ومنحه النبوة، وبعد ذلك قدم عيسو من الصيد، فعرف اسحاقُ بانه خُدِع، وأن يعقوب أخذ منه النبوة بالمكر، فارتعد اسحاقٌ ارتعاداً عظيماً جداً وقال لعيسو متأسفاً: قد جاء أخوك بمكر، وأخذ بركتك»!!(1) .

هذا هو حال يعقوب في لسان «التوراة» المحرفة!!

وأما القرآن الكريم فانه يقول عن هذا النبىّ الطاهر:

(وَ وَهبْنا لَهُ إسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلاّ هَدَيْنا مِن قَبلُ وَ مِنْ ذريّته داوود وَ سُليمانَ وَ أيّوبَ وَ يُوسفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزي الُمحْسِنيْن)(2) .

ويقول تعالى أيضاً:

(وَ اذْكُرْ عِبادنا إبْراهِيْمَ وَ اسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ اُوْلى الأَيْدي والأَبْصار. انا أخلَصْناهُمْ بخالِصَة ذِكْرى الدّار. وإنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفيْنَ الأَخيار) (3) .

4- إبْراهيم ـ عليه السلام ـ :

تقول «التوراة» عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ إنّه لمّا اراد أن يدخلَ مصر قال لِزوجته سارة: إني قد علمتُ أنك إمرأة حسَنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه إمرأَته، فيقتلونني، ويَسْتَبْقونكِ، قولي إنكِ اُختي، ليكونَ لي خيرٌ بسببكِ وتحيا نفسي من أجلِكِ .

وكذلك فعَلتْ سارة و اُخِذت إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبرام خيراً


1 - سفر التكوين: الاصحاح السابع والعشرون: 1 إلى 46، وقد ذكرنا هذه القصّة من التوراة بتلخيص .
2 - الأنعام: 84 .
3 - سورة ص: 45 ـ 47 .


(240)

بسببها، وصار له غنم، وبقر، وحمير، وعبيد، وإماء، واُتن، وجمال، ولما عرف فرعون ـ في ما بعد ـ ان سارة زوجة ابراهيم، وليس اُخته عاتبه قائلا: لماذا لم تخبرني إنها إمرأتك، لماذا قلت: هي اُختي حتّى أخذتها لي لتكونَ زوجتي والآن هو ذا إمرأتك، خذْها واذهب»(1) .

إن ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ في وصف التوراة رجلٌ كذابٌ، يكذب ويحتال .

أما القرآن الكريم فيصف هذا النبي الجليل بأعظم الأوصاف، ويعتبره أعظم الأنبياء إذ يقول عنه انه:

1ـ حنيف مُوحِّدٌ للّه: (ولكِنْ كانَ حَنِيفاً) (آل عمران: 67) .

2ـ إمامُ الناس: (إنّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إماماً) (البقرة: 134) .

3ـ مُسْلِمٌ: (ولكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) (آل عمران: 67) .

4ـ حَليمٌ: (إنَّ إبراهيم لأوّاةٌ حَلِيْمٌ) (التوبة: 84) .

5ـ امة كامِلَة بمفرده: (إنّ إبراهيم كانَ أُمَّة) (النحل: 120) .

6ـ أواهٌ يَخشى اللّه: (إنَّ إبراهِيْم لأوّاهٌ) (التوبة: 84) .

7ـ مصطفى: (لمنَ المُصْطَفين الأَخْيار) (ص: 48) .

8ـ ذو قلب سَليم: (إذ جاء رَبّه بِقَلْب سَلِيْم) (الصافات: 48) .

5ـ المسيح ـ عليه السلام ـ :

إن عيسى ـ حسب رواية الإنجيل ـ يحتقر اُمه، ويزدري بها، فذات يوم جاء إخوته واُمه ووقفوا خارجاً وارسلوا يدعونه، وكان الجمع جالساً حوله، فقالوا له «هو ذا امُّك وإخوتك خارجاً يطلبونك، فأجابَهُم قائلا: من اُمىّ وإخوتي؟ ثم نظرَ حوله إلى الجالِسين وقال: ها اُمّي وإخوتي، لأَنَّ مَنْ يصنع مشيئة اللّه هو أخي واُختي واُمّي»!!(2)


1 - سفر التكوين: الاصحاح الثاني عشر 1 ـ 20 .
2 - إنجيل مرقس: الاصحاح الثالث: 31 ـ 35 .


(241)

إنه يقول هذا الكلام عن اُمّه الّتي وصفها القرآن الكريم بأن اللّه تعالى اصطفاها على نساء العالمين(1) .

إنه يفَضِّل تلاميذه الذين لم يؤمنوا به في قلوبهم ذرة من خردل، والذين خذلوه ليلة الهجوم عليه من جانب اليهود(2) ـ كما يقول الانجيل ـ على اُمه الصدّيقة .

كما إن الانجيل يقول: إن المسيح حوّل الماء إلى الخمر في عرس(3) بل يقول إنه ـ عليه السلام ـ : شرب الخمر(4)، والحال أن الإنجيل يصرّح بحرمة الخمر في مواضع عديدة .

هذا هو «عيسى» النبي الطاهر وحواريوه حسب رواية الانجيل!!(5) .

أما القرآن الكريم فيقول عنه غير ما يقوله: «الانجيل» وإليك بعض ما جاء في الكتاب العزيز حول «المسيح» ـ عليه السلام ـ .

قال اللّه تعالى: (وَ آتينا عِيْسى بْن مَريَم البيّنات وأيَّدْناهُ برُوْح القُدُس)(6).

وقال تعالى أيضاً: (إنّما المسيحُ عيْسى بنُ مريم رَسُول اللّه وكلمته)(7) .

ويكفي في عظمة المسيح ـ عليه السلام ـ وعلو شأنه أنه ـ عليه السلام ـ كلَّم الناس في المهد صبياً وقال: (إنّي عَبْدُاللّه آتاني الكتابَ وَ جَعَلني نَبِيّاً. وَ جَعَلني مُبارَكاً أيْنَ ما كُنْتُ وَ أوْصانِي بِالصَّلاة والزّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً. و بَرّاً بِوالِدَتي وَ لَمْ يَجْعَلني


1 - آل عمران: 42 .
2 - انجيل متّى: الاصحاح السابع والشعرون 1 ـ 6 انظر كيف وافق يهوذا الاسخريوطي وهو أحد الحواريين مع المتآمرين ضدّ المسيح، وأيضاً راجع نفس السفر: الاصحاح السادس والعشرين: وراجع انجيل متّى: الاصحاح العاشر أيضاً .
3 - إنجيل يوحنا: الاصحاح الثاني: 1 ـ 11 .
4 - إنجيل لوقا: الاصحاح الأول 15 وغيره .
5 - على أنّ خرافات التوراة والانجيل لا تنحصر في ما ذكرناه هنا، وللتوسع راجع: أنيس الأعلام تأليف فخر الإسلام، والهدى إلى دين المصطفى للعلامة البلاغي .
6 - البقرة: 78 .
7 - النساء: 171 .


(242)

جَبّاراً شَقِيّاً. والسَّلامُ عَلىَّ يَوْم وُلدْتُ وَ يَوْمَ أمُوتُ وَ يَومَ اُبْعَثُ حيّاً. ذلِكَ عِيْسى بْن مَرْيَم قَوْل الْحَقِّ الَّذيْ فيه يَمْترُون)(1) .

هذه هي مواقف القرآن الكريم من الأنبياء الكرام، والرسل العظام، وتلك هي مواقف «التوراة» و «الانجيل» المشينة، المسيئة إلى شخصيّة سفراء اللّه مبلّغي رسالاته، فكيف يُعقل ان يكون القرآن الكريم مقتبساً من تلك الكتب وبينهما بُعد المشرقين؟!

ثم لو أنَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قد اطّلع على هذه القضايا والقصص قبل إخباره بنبوّته فلماذا لم يرشح منها شيء في أحاديثه قبل الرسالة وقد عاش بين قومه طويلا .

قال اللّه سبحانه في معرض الردّ والجواب على اقتراح المشركين على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأن يأتي لهم بقرآن غير الّذي جاء به:

(قُلْ لَوْ شاء اللّه ما تَلوْتُهُ ولا أدْريكُمْ به فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أفلا تعْقِلُونَ)(2) .

فالآية تؤكد على أن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان لابثاً في قومه، ولم يكن تالياً لسورة من سور القرآن، أو آياً من آياته، فكل ما أخبر به هو ممّا أوحى به اللّه تعالى إليه بعد ان بعثه بالرسالة(3) .


1 - مريم: 30 ـ 34 .
2 - يونس: 16 .
3 - للتوسّع راجع مفاهيم القرآن: ج 3، ص 321 ـ 323 .


(243)

8
فَترة الشَباب
في حياة النبىّ الاكرم

يجب ان يكون قادة المجتمع أقوياء شجعان، لايرهبون أحداً، ولا يخافون شيئاً، يمتلكون قوة روحية كبرى، ويتمتّعون بصبر عظيم. وإرادة قوية، صلبة .

فكيف يستطيع الضعفاء والجبناء والمتردّدون، وضعاف النفوس قيادة المجتمع، والخروج به من المآزق والمشاكل، وكيف يستطيعون أن يقاوموا اعداءهم ويحفظوا كيانهم وشخصيّتهم من عدوان هذا أو ذاك؟!

إن لعظمة القائد الروحية، ولقواه البدنية والنفسية تأثيراً عظيماً وعجيباً في أتباعه وأنصاره، فعند ما اختار الإمام اميرُ المؤمنين ـ عليه السلام ـ أحدَ اصحابه المخلصين لولاية «مصر» كتب إلى أهل «مصر» المظلومين الذين ذاقوا الأَمرّين على ايدي ولاتهم السابقين كتاباً ذكر فيه شجاعة هذا الوالي الجديد، الروحية وقدرته النفسية الفائقة، وإليك فيما يلي بعض الفقرات من ذلك الكتاب الّذي يعكس الشروط والمواصفات الواقعية في القائد:

«أما بعدُ فقَد بَعثتُ اليكم عَبداً مِن عباد اللّه لا ينامُ أيّام الخوف، ولا ينكُل عن الأعداء ساعات الروع، أشدّ على الفُجار من حريق النّار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابقَ الحق، فإنه سَيْفٌ مِن


(244)

سُيوف اللّه، لا كليلُ الظَبَّة، ولا نابِي الضريبة»(1) .

رسولُ اللّه وقدرتُه الروحيّة:

لقد كانت آثار الشجاعة، والقوّة باديةً في جبين عزيز قريش منذ طفولته وصباه، ففي الخامسة عشرة من عمره الشريف شارك في حرب هاجت بين قريش من جهة، وقبيلة هوازن من جهة اخرى، وتدعى «حرب الفجار»، وقد كان في هذه الحرب يناول أعمامه النَبل.

فها هو «ابن هشام» ينقل عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «كُنْتُ اُنبّلُ عَلى أعْمامِيْ»(2) .

إن مشاركته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في العمليات الحربية في مثل هذه السن تكشف عن شجاعته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقدرته الروحية الكبرى وتساعدنا على أن ندرك مغزى ما قاله أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ في حق النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «كُنّا إذا أحمر الْبأَسُ إتّقيْنا برَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنّا أقرَبَ إلى العَدوِّ مِنْهُ»(3) .

وسوفَ نشير ـ وبعون اللّه عند ذكر جهاد المسلمين للكفار والمشركين ـ إلى نظام العسكرية الإسلامية وكيفية جهاد المسلمين وقتالهم لأعدائهم الّتي تمَّت بأجمعها بتوجيه من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو في نفسه من الابحاث الشيّقة في تاريخ الإسلام.

حُروبُ الفِجار:

إنَّ الحديث بتفصيل هذه الوقائع وعن تكتيكات هذه الحوادث التاريخيّة


1 - نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرقم 38 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 186، وقد قال ابن الأثير في النهاية بعد نقل هذا الحديث وضبط الكلمة «انبل» مشدّدة «اُنبِّل»: «إذا ناولته النبل يرمي» راجع مادّة نبل .
3 - نهج البلاغة: فصل في غريب كلامه الرقم 9 .


(245)

خارج عن إطار هذه الدراسة، بيد أننا ـ مع ذلك ـ نعمد إلى بيان أسباب هذه الحروب الّتي شارك في إحداها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بناء على رواية بعض المؤرخين وحوادثها على نحو الاجمال بغية اطلاع القارىء الكريم .

كانت العرب تقضي عامها كله بالقتال والاغارة، وقد تسبب هذا الوضع في اختلال حياتهم، واضطراب اُمورهم، ولأجل هذا كانوا يحرّمون القتال ويتوقفون عنه في أربعة أشهر من كل عام (هي شهر رجب، ذوالقعدة، ذوالحجة، محرم) ليتسنى لهم ـ في هذه المدة ـ أن يقيموا أسواقهم، ويستغلّوها بالكسب والتجارة والبيع والشراء(1) .

ولهذا كانت أسواق «عكاظ» و «مجنَّة» و «ذوالمجاز» تشهد طوال هذه الاشهر الحرام اجتماعات كبرى وتجمعات حافلة وحاشدة، كان يلتقي فيها العدوّ والصديق جنباً إلى جنب، يتبايعون، ويتفاخرون .

فقد كان شعراء العرب المشهورون يلقون قصائدهم في هذه الاجتماعات الكبرى، كما يلقي كبارُ خطباء العرب وفصحاؤهم خطباً قوية، وأحاديث في غاية الفصاحة والبلاغة، وكان اليهودُ والنصارى والوثنيون يعرضون معتقداتهم في هذه المناسبات من دون خوف أووجل .

ولكنَ هذه الحرمة قد هُتكت أربعَ مرات في تاريخ العرب، وتقاتلت القبائلُ العربية فيما بينها في هذه الأشهر الحرم، ولهذا سُمِّيت تلك الحروب بحروب «الفجار»، وفي مايلي نشير إليها على نحو الاجمال:

الفِجارُ الأوَّل:

ووقعت الحربُ فيها بينَ قبيلتي «كنانة» و «هوازن» وجاء في سبب نشوب


1 - يُستفاد من قوله تعالى في الآية 36 من سورة التوبة: «إنَّ عِدَّة الشّهور عِندَ اللّه اثنا عَشَر شَهْراً في كِتابِ اللّه يَوْم خلَقَ السَّماواتِ والأَرْض مِنْها أربعةٌ حُرُم» أن تحريم القتال في هذه الأشهر الأربعة كان ذا جذور دينية، وكانت العرب الجاهلية تحترم هذه الأشهر اتباعاً لسُنّة «إبراهيم الخليل» عليه السَّلام .


(246)

هذه الحرب أن رجلا يدعى «بدر بن معشر» كان قد أعدَّ لنفسه مكاناً في سوق «عكاظ» يحضر فيه، ويذكر للناس مفاخره فوقف ذات مرة شاهراً سيفه يقول: أنا واللّه أعزُّ العرب فمن زعم أنه أعزّ منّي فليضربها بالسيف .

فقام رجلٌ من قبيلة اُخرى فضرب بالسيف ساقه فقطعها، فاختصم الناس وتنازعت القبيلتان، ولكنهما اصطلحتا من دون أن يُقتل أحدٌ(1) .

الفِجار الثّاني:

وكان سببه أن فتية من قريش قعدوا إلى أمرأة من «بني عامر» وهي جميلة، عليها برقع، فقالوا لها: إسْفري لننظر إلى وجهِك، فلم تفعلْ، فقام غلامٌ منهم، فجمع ذيل ثوبها إلى مافوقه بشوكة فلما قامت انكشف جسمُها، فضحكوا، فصاحت المرأة قومها، فأتاها الناسُ، واشتجروا حتّى كاد ان يكون قتالٌ، ثم اصطلحوا، وانفضُّوا بسلام .

الفِجارُ الثالِث:

وسببه أن رجلا من «كنانة» كان عليه دَيْنٌ لرجل من «بني عامر»، وكان الكناني يماطل، فوقع شجارٌ بين الرجل، واستعدى كل واحد منهما قبيلته، فاجتمع الناسُ، وتحاوروا حتّى كاد يكونُ بينهم القتالُ، ثم اصطلحوا .

الفِجارُ الرابع:

وهي الحرب الّتي ـ قيل أنه ـ شارك فيها النبىّ الكريم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ولقد ادّعى البعض انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يومذاك في الخامسة عشرة، أو الرابعة عشرة من عمره .


1 - ولقد كان ممّا أزاله الإسلام ومحاه هذا التفاخر الجاهلي المقيت، وستعرف هذا في الابحاث القادمة .


(247)

وقال بعضٌ: انه كان في العشرين من عمره وحيث أن هذه الحرب قد استمرت أربع سنوات. لهذا يمكن أن تكون جميع هذه الاقوال صحيحة(1) .

وقيل في سببه: أن «النعمان بن المنذر» ملك الحيرة كان يبعث إلى سوق «عكاظ» في كل عام بضاعة في جوار رجل شريف من أشراف العرب، يُجيرها له حتّى تباع هناك ويشتري بثمنها من أقمشة «الطائف» الجميلة المزر كَشة ممّا يحتاج إليه، فأجارها «عروة الرجال الهَوازني» في تلك السنة، ولكن «البراض بن قيس الكناني» انزعج لمبادرة «عروة» إلى ذلك، فشكاه عند «النعمان بن المنذر» ولم يجد اعتراضه وشكواه، فحسد على «عروة» حسداً شديداً، فتَربَّص به حتّى غدر به في اثناء الطريق، وبذلك لطّخ يده بدم هوازني .

وكانت قريش يومذاك حليف كنانه، وقد اتفق وقوعُ هذا الأمر يوم كانت العرب مشغولة بالكسب والتجارة في سوق عكاظ، فأخبر رجل قريشاً بمقتل الهوازنىّ على يد الكنانىّ،ولهذا عرفت قريش وحليفتها بنوكنانة بالأمر قبل هوازن، وأسرعوا في الخروج من «عكاظ» وتوجهوا نحو الحرم (والحرم هو اربعة فراسخ من كل جانب من مكة، وكانت العرب تحرّم القتال في هذه المنطقة) ولكن هوازن علمت بذلك فلاحقت قريش3 وحليفتها فوراً، وادركتهم قبل الدخول في الحرم فوقع بينهم قتال، ولما جنّ الليل كفّوا عن الحرب فاغتنمت «قريش» وحليفتُها فرصة الليل، وواصلت حركتها باتجاه الحرم المكي وبذلك نجت من خطر العدو .

ومنذ ذلك اليوم كانت تخرج قريش وحليفتها من الحرم بين الفينة والاخرى وتقاتل هوازن، وقد شارك النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض تلك الأيام مع أعمامه على النحو الّذي مرّ بيانه .

وقد استمر الامر على هذه الحال مدة أربع سنوات، حتّى ان وُضعَت نهاية


1 - التاريخ الكامل: ج 1، ص 358 و 359، السيرة النبوية: ج 1، ص 184 الهامش، تاريخ الخميس: ج 1، ص 259 .


(248)

لهذه الحرب الطويلة بدفع قريش لهوازن دية القتلى الذين كانوا يزيدون على قتلى قريش على يد هوازن(1) .

وقد أسلفنا أن تحريم القتال في الأشهر الحرم كانت له جذورٌ دينية، وحيث أن حرب «الفجار» استمرت أربع سنوات فيمكن أن يكون لمشاركة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فيها وجهاً وجيهاً وهو الدفاع، خاصة انه لما سئل ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن مشهده يومئذ فقال: «ما سَرّني أنّي أَشْهدهُ، إنَّهُمْ تَعَدَّوْا عَلى قَومي عرضوا (اي قريش) عَلَيْهم (اي على هوازن) أنْ يَدْفعُوا إلَيْهِم البرّاض صاحِبَهُمْ (اي الّذي قتل عروة) فأَبُوا»(2) .

ويحتمل أن تكون مشاركته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في غير الأشهر الحرم بناء على استمرار هذه الحروب مدة اربعة اعوام، وإنما سميت مع ذلك بالفجار لأن بدايتها وافقت الأشهر الحرم لا أنّها وقعت بتمامها في الأشهر الحُرم .

وبذلك لا يبقى مجال لأن تُسْتَبْعَد مشاركة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بعض أيام تلك الحرب .

حِلْفُ الْفُصُول:

لقد كان في ما مضى ميثاقٌ وحلفٌ بين الجرهميين يدعى بحلف «الفُضُول»، وكان هذا الحِلفْ يهدف الى الدفاع عن حقوق المظلومين، وكان المؤسسون لهذا الحلف هم جماعة كانت اسماؤهم برمتها مشتقة من لفظة الفضل، واسماؤهم ـ كما نقلها المؤرخ المعروف «عمادالدين ابن كثير» ـ هي عبارة عن: «فضل بن فضالة»، و «فضل بن الحارث»، و «فضل بن وداعة»(3)، وحيث أن الحلف الّذي عقدته جماعة من قريش فيما بينها كان متحداً في الهدف (وهو الدفاع عن حقوق المظلومين) مع حلف «الفضول» لذلك سمّي هذا الاتفاق


1 - سيرة ابن هشام: ج 1، ص 184 ـ 187، الأغاني: ج 22، ص 56 ـ 75 .
2 - الأغاني: ج 22، ص 73 .
3 - البداية والنهاية: ج 1، ص 290 .


(249)

وهذا الحلف بحلف «الفُضول» أيضاً .

فقبل البعثة النبوية الشريفة بعشرين عاماً دخل رجلٌ من «زبيد في مكة في شهر ذي القعدة، وعرض بضاعة له للبيع فاشتراها منه «العاص بن وائل»، وحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدىّ قريشاً، وطلب منهم أن ينصروه على العاص، وقريش آنذاك في انديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته:

يا آل فِهر لمظلوم بضاعتُه * بِبطن مكة نائي الدار والنَفَر

ومُحرمٌ أشعثُ لم يَقض عُمْرتَه * يا للرِّجال وبَيْن الحجر والحَجَر

إن الحرامَ لِمَن تمَّت كرامتُه * ولا حَرام لِثوب الفاجر القذر

فاثارت هذه الأبيات العاطفية مشاعر رجال من قريش، وهيّجت غيرتهم، فقام «الزُبير بن عبدالمطّلب» وعزم على نصرته، وأيّده في ذلك آخرون، فاجتمعوا في دار «عبداللّه بن جَدْعان» وتحالفوا وتعاهدوا باللّه ليكونَنّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم حتّى يؤدّى إليه حقه ما أمكنهم ذلك ثم مَشوا إلى «العاص بن وائل» فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه .

وقد أنشدَ الزبير بن عبدالمطلب في ذلك شعراً فقال:

إنَ الفُضُولَ تَعاقَدُوا وتَحالَفوا * ألاّ يقيمَ بِبطن مَكَّة ظالمُ

أمرٌ عَليْهِ تَعاقَدُوا وتواثقُوا * فالجارُ والمُعترُّ فيهم سالمُ

وقال أيضاً:

حَلفْت لَنعْقَدن حلفاً عليهمْ * وإن كُنّا جميعاً أهلَ دار

نسمّيه «الفُضُولَ» إذا عَقَدْنا * يَعُزُّبه الغَريبُ لِذي الجوار

ويعْلَمُ منْ حَوالي البيتِ أنّا * اُباة الضَيْم نَمنَعُ كُلَّ عار(1)

وقد شارك رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في هذا الحلف الّذي ضمن حقوق المظلومين وحياتهم، وقد نُقِلت عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عبارات كثيرة يشيد فيها بذلك الحلف ويعتزُّ فيها بمشاركته فيه وها نحن ننقل حديثين منها في


1 - البداية والنهاية: ج 1، ص 290 .


(250)

هذا المقام .

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لقد شَهدْتُ في دار عبداللّه بن جدعان حلفاً لودُعيتُ به في الإسلام لأجبتُ» .

كما أن ابن هشام نقل في سيرته أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يقول في ما بعد عن هذا الحلف: «ما اُحبُّ أنَّ لي به حُمُرَ النِعَم» .

ولقد بقي هذا الحلف يحظى بمكانة واحترام قويّين في المجتمع العربي والإسلامي حتّى أن الأجيال القادمة كانت ترى من واجبها الحفاظ عليه والعمل بموجبه، ويدل على هذا قضيةٌ وقعت في عهد إمارة «الوليد بن عتبة» الأموي(1) على المدينة .

فقد وقعت بين الإمام الحسين بن علي ـ عليه السلام ـ وبين أمير المدينة هذا منازعة في مال متعلّق بالحسين ـ عليه السلام ـ ، ويبدو أنَ «الوليد» تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الإمامُ السبط الّذي لم يرضخ لحيف قط، ولم يسكت على ظلم أبداً:

«أَحلِفُ باللّه لتَنْصِفَنّي مِنْ حَقّي، أوْ لآخُذَنَّ سَيْفيْ ثمَّ لأَقُومَنَّ في مَسجد رَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثمَّ لأَدْعُونَّ بِحلفِ الفُضُول»(2) .

فاستجاب للحسين فريقٌ من الناس منهم «عبداللّه بن الزبير»، وكرّر هذه العبارة وأضاف قائلا: وأنا أحْلِفُ باللّه لئن دعا به لآخُذَنَّ سَيْفي ثُمّ لأَقُومَنَّ مَعه حتّى يُنْصَفَ مِنْ حَقّهِ أوْ نَمُوتَ جَميعْاً .

وبلغت كلمة الحسين السبط ـ عليه السلام ـ هذه إلى رجال آخرين كـ «المسورة بن مخرمة بن نوفل الزُهري» و «عبدالرحمان بن عثمان» فقالا مثل ما قال «ابن الزبير»، فلما بلغ ذلك «الوليد بن عتبة» أنصف الحسين ـ عليه السلام ـ من حقه حتّى رضي(3) .


1 - من قبل عمّه معاوية .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 132 .
3 - البداية والنهاية: ج 2، ص 293 .


(251)

9
من فترة الشباب
إلى مزاولة التجارة

يحمل القادة الالهيون العظماء وأصحاب الرسالات السماوية على كواهلهم مسؤوليات كبرى، ومهام عظمى تلازم ـ في الأغلب ـ التعرض للمتاعب والمصاعب، والعذاب، وتحمل الأذى، بل وربما التعرض للقتل والاغتيال، وكلما كبرت الاهداف، عظمت المشاكل، والمتاعب.

وعلى هذا الاساس، فان نجاح القادة الرساليّين يتوقف على مدى صبرهم واستقامتهم في وجه الاتهامات والمضايقات، وفي وجه الأذى والعذاب، لأن الصبر والتحمل في جميع مراحل الجهاد والعمل هو الشرط الاساسىّ للوصول إلى المقصود، وإلى تحقيق الهدف المنشود والغاية المطلوبة .

من هنا ليس لقائد حقيقي أن يخشى كثرة العدو، وليس له ان ينسحب، أو يضعف لقلّة الاتباع والمؤيدين وبالتالي ليس له أن يقلق للنوائب فتخور عزيمته، أوترخو إرادته، مهما عظمت حلق البلاء واشتدت، ومهما تزايدت، أو تواترت.

إنّنا نقرأ في تاريخ الأَنبياء وقصصهم اُموراً يعسر على الإنسان العادىّ هضمها، ويصعب تصوُّرها.

فعن نوح النبىّ ـ عليه السلام ـ نقرأ أنه دعا قومه تسعمائة وخمسين عاماً، ولم تنتج هذه الدعوة الطويلة المضنيةُ سوى قلة من المؤمنين والمؤيدين الذين لم


(252)

يتجاوز عددهم الواحد والثمانين، وهذا يعني أنه لم يوفق في كل اثنى عشر عاماً الالهداية شخص واحد .

إنَّ إرادة الصبر، وقوَّة التحمّل، والتصبر تظهر لدى الإنسان شيئاً فشيئاً، فلابدّ أن تتلاحق حوادثٌ صعبةٌ، ولابد أن يمرَّ المرء بنوائب مزعجة حتّى تأنس روحُه بالامور الثقيلة، والقضايا الصعبة .

لقد قضى رسولُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شطراً من حياته قبل البعثة في رعي الغنم في الصحاري والقفار، ليكون بذلك صبوراً في تربية الناس الذين سيكلَّف بقيادتهم وهدايتهم، وليستسهل كل صعب في هذا المجال .

إن ادارة المجتمع البشرىّ من أصعب الأمور الّتي تواجه القادة، ورجال الاصلاح. والمقدرة على الإدارة هذه لا تسنح ولا تتهيَّأ لأَحد إلاّ بعد مزاولة الاُمور الصعبة، وممارسة الأعمال الشاقة، وربما يكون قيام النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برعي الغنم من هذا الباب، ولهذا جاء في الحديث.

«ما بَعثَ اللّهُ نَبيِّاً قَطُّ حَتّى يَسْتَرْعيْه الغَنم ليُعلّمهُ بذلِكَ رعْيَةَ النّاسِ»(1) .

لقد قضى النبىُّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ شطراً من عمره الشريف في هذا المجال، وينقل كثيرٌ من ارباب السير والمؤرخين هذه العبارة عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«ما مِنْ نَبىّ إلاّ وَقَدْ رَعى الغَنم» قِيْلَ: وَ أَنتَ يا رَسُول اللّه؟

فقال: «أنا رَعيْتُها لأَهْل مَكَّة بِالقَرارْطِ»(2) .

إنَ شخصية عظيمة يُفتَرضُ فيها أن تواجه ـ في المستقبل ـ أشخاصاً عنودين كأبي جهل وابي لهب، وأن تصنع ممن انحطت أفكارهم حتّى أنهم سجدوا لكل حَجر ومَدر، أفراداً لا يخضعون لأي شيء سوى ارادة الحق ومشيئته، لابدَّ أن تتسلح قبل ذلك بسلاح الصبر، وتتجهز بأداة التحمل، وتتزود مسبقاً بقدرة الاستقامة على طريق الهدف، وهذا لا يكون إلاّ بتعويد النفس على هذه


1 - سفينة البحار: مادّة نبأ .
2 - السيرة النبوية لابن هشام: ج 1، ص 166 .


(253)

الصفات، وحملها على مشاق الاعمال:

سبب آخر لرعي الغنم:

ويمكن أن نذكر هنا سَبباً آخر أيضاً وهو ان رجلا حرّ النفس والعقل كرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تجري في شرايينه وعروقه دماء الغيرة والشجاعة كان يشق عليه ان يشاهد كل ذلك الظلم والحيف الّذي كان يمارسه طغاة مكة، وعتاة قريش وزعماؤها الظالمون القساة بحق الضعفاء، والمحرومين، وكذا كان يشق عليه ان يرى تظاهرهم بالعصيان والفسوق في حرم اللّه، وعند بيته المعظم .

إن اعراض سُكّان مكة عن عبادة اللّه الواحد الحق، وطوافهم حول تلك الأصنام الخاوية هي ـ بلا ريب ـ أسوأ واقبح ما يكون في نظر الرجل الفاهم، والعاقل العالم، واثقل ما يكون عليه .

من هنا رأى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقضي ردحاً من الزمن في الصحاري والقفار وعند سفوح الجبال الّتي كانت يومئذ بعيدة بطبيعة الحال عن تلك المجتمعات الفاسدة وأحوالها وأوضاعها، ليستريح (أو يتخلص) بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة مِن رؤية تلك الأوضاع المزرية، والأحوال المشينة .

على أَنَّ هذا الأمر لا يعني أن للرجل المتقي أن يسكت على الفساد والظلم، ويقرّ عليهما .

ويفرّق بين حياته وحياة الآخرين ويعتزل عنهم ويتخذ موقف اللامبالاة تجاه الأوضاع المنحرفة، والاحوال الشاذة، بل ان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما كان مأموراً من جانب اللّه سبحانه بالسكوت والانتظار، لانه لم تكن ظروف «البعثة» والهداية قد توفرت وتهيأت بعد لذلك اتخذ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مثل هذا الموقف .

* * *


(254)

سببٌ ثالث:

ولقد كان هذا العمل (أي الاشتغال برعي الاغنام في البراري والقفار وعند السهول وسفوح الجبال) فرصة جيدة لأن يتمكن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من النظر في خلق السماوات والتطلع في النجوم والكواكب وأحوالها وأوضاعها، وبالتالي الامعان في الآيات الأنفسية والآفاقية التي هي جميعاً من آيات وجود اللّه تعالى، ومن مظاهر قدرته وحكمته وعلمه وإرادته .

ان قلوب الأنبياء والمرسلين مع أنها منوَّرة بمصابيح المعرفة المشرقة ومضاءة بأنوار الايمان والتوحيد منذ بدء فطرتها، وخلقتها، ولكنهم مع ذلك لا يرون انفسهم في غنىً عن النظر في عالم الخلق، والتفكر في الآيات الالهية، إذ من خلال هذا الطريق يصلون إلى أعلى مراتب الايمان، ويبلغون اسمى درجات اليقين، وبالتالي يتمكنون من الوقوف على ملكوت السماوات والأرضين .

إقتْراح أبي طاب:

لقد دفع وضع (محمَّد) المعيشي الصعب «أبا طالب» سيد قريش وزعيمها الّذي كان معروفاً بالسخاء وموصوفاً بالشهامة، وعلو الطبع، وإباء النفس إلى ان يفكر في عمل لابن أخيه، كيما يخفف عنه وطأة ذلك الوضع .

ومن هنا اقترح على ابنه أخيه «محمَّد» العمل والتجارة بأموال «خديجة بنت خُويلد» الّتي كانت امرأة تاجرة، ذات شرف عظيم، ومال كثير، تستأجر الرجال في مالها أوتضاربهم اياه بشيء تجعله لهم منه .

فقد قال أبوطالب للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : يا ابن أخي هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها اكثر الناس وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتها فوضعتَ نفسَك عليها لأسرعتْ اليك، وفضَّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك .

ولكن إباء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعلوّ طبعه، منعاه من الإقدام


(255)

بنفسه على هذه الأمر من دون سابق عهد، ولهذا قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لعمّه: فلعلّها أن ترسل إلىّ في ذلك، لأنّهاتعرف بأنه المعروف بالأمين بين الناس .

فبلغ «خديجة» بنت خويلد، ما دار بين النبىّ وعمه «أبي طالب»، فبعثت إليه فوراً تقول له: إنّي دعاني إلى البعثة اليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا اعطيك ضعفَ ما اُعطى رجلا من قومك وابعثُ معكَ غلامين يأتمران بأمرك في السفر .

فاخبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عمّه بذلك فقال له ابوطالب: «إنّ هذا رِزقٌ ساقهُ اللّهُ إليك»(1) .

هل عَمِلَ النبىُّ أجيراً لخديجة؟

وهنا لابدّ من التذكير بنقطة في هذا المجال وهي:

هل عمل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أجيراً في أموال خديجة، أم أنه قد عمل في تجارتها بصورة اُخرى كالمضاربة، وذلك بأن تعاقد النبي مع خديجة على أن يتاجر بأموالها على أن يشاركها في ارباح تلك التجارة؟

انّ مكانة البيت الهاشمىّ، وإباء النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ومناعة طبعه، كل تلك الاُمور والخصال توجب أن يكون عملُ النبىّ في أموال خديجة قد تمَّ بالصُورة الثانية (أي العمل في تجارتها على نحو المضاربة لا الإجارة)، وتؤيّد هذا المطلب امور هي:

أولا: انه لا يوجد في اقتراح أبي طالب أيّة اشارة ولا أي كلام عن الإجارة، بل قد تحاور أبوطالب مع إخوته (أعمام النبىّ) في هذه المسألة من قبل وقال: «امضوا بنا إلى دار خديجة بنت خويلد حتّى نسألها ان تعطي محمَّداً مالا يتجربه»(2) .


1 - بحارالأنوار: ج 16، ص 22، السيرة الحلبية: ج 1، ص 132 و 133، الكامل في التاريخ: ج 2، ص 24 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 22 .


(256)

ثانياً: ان المؤرخ الأقدم المعروف باليعقوبي كتب في تاريخه: ان النبي ما كان أجيراً لأحد قط(1) .

ثالثاً: ان الجنابذي صرّح في كتابه «معالم العترة» بأن «خديجة» كانت تضاربُ الرجال في مالها، بشيء تجعله لهم منه (اي من ذلك المال أومن ربحه)(2) .

* * *

تهيّأت قافلة قريش التجارية للسفر إلى الشام، وفيها أموال «خديجة» أيضاً، في هذه الاثناء جعلت «خديجة» بعيراً قوياً وشيئاً من البضاعة الثمينة تحت تصرّف وكيلها (أي النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) وامرت غلاميها (ميسرة وناصح) اللذين قررت ان يرافقاه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بان يمتثلا أوامراه، ويطيعاه، ويتعاملا معه بأدب طوال تلك الرحلة، ولا يخالفاه في شيء(3) .

وأخيراً وصلت القافلة إلى مقصدها واستفاد الجميع في هذه الرحلة التجارية أرباحاً، إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ربح اكثر من الجميع، كما أنه ابتاع أشياء من الشام لبيعها في سوق «تهامة» .

ثم عادت تلك القافلة التجارية إلى «مكة» بعد ذلك المكسب الكبير، والحصول على الربح الوفير .

ولقد تسنىّ لفتى قريش «محمَّد» أن يمرّ ـ للمرة الثانية في هذه السفرة ـ على ديار عاد وثمود .

وقد حمله الصمتُ الكبير الّذي كان يخيّم على ديار واطلال تلك الجماعة العاصية المتمردة في نقلة روحانية إلى العوالم الاُخرى اكثر فاكثر، هذا مضافاً إلى أن هذه الرحلة جدّدت خواطره وذكرياته في السفرة الاُولى، فقد تذكّر يوم طوى مع عمه «ابي طالب» هذه الصحاري نفسها وهذه القفار ذاتها، وما كان يحظى


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 21 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 9 نقلا عن معالم العترة .
3 - قالت خديجة لهما: إعلما أنني قد أرسلتُ اليكما أميناً على أموالي وأنّه أمير قريش وسيّدها، فلا يدٌ على يده، فإن باع لا يُمنع وإن ترك لا يؤمر وليَكُنْ كلامُكما له بلطف وأدب ولا يعلو كلامكما على كلامه. (بحارالأنوار: ج 16، ص 29) .


(257)

فيها من عمه من الحدب والعناية .

وعند ما اقتربت قافلة قريش إلى «مكة»، وصارت عند مشارفها، التفت «ميسرة» غلامُ خديجة، إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: «يامحمَّد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في اربعين سنة، فاستقبل بخديجة وابشرها بربحنا» فأخذ النبي باقتراح ميسرة، وسبق القافلة العائدة في الدخول إلى مكة، وتوجه نحو بيت «خديجة» بينما كانت خديجة جالسة في غرفتها، فلما رأت النبي مقبلا عليها، نزلت من منظرتها وركضت نحوه واستقبلته، وأدخلته في غرفتها، فخبّرها رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما ربحوا، ببيان جميل، وكلام بليغ، فسرت «خديجة» بذلك سروراً عظيماً، ثم قدم «ميسرة» في الأثر، ودخل عليها، وأخبرها بكل مارآه وشاهده من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في تلك السفرة من الكرامة والخير، والخُلق العظيم، والخصال الكريمة، ومن الاُمور الّتي كانت برمتها تدل على عظمة شخصيته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وسمو خصاله(1)، ومن جملة ما حدثها به ميسرة هو أنه لما وقع بين النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين رجل تلاح وجدال في بيع قال له ذلك الرجل: إحلف باللات والعُزى، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ما حلفتُ بهما قط، وإني لأمرُّ فاعرضُ عنهما(2) .

وحدثها أيضاً بأنه لما مرّ ببصرى نزلا في ظل شجرة ليستريحها فقال راهبٌ كان يعيش هناك لما رأى النبىّ يستريح في ظل تلك الشجرة: «ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبىّ» سأل عن اسمه، فأخبره ميسرة باسمه فقال: «هو نبىّ وهو آخر الأنبياء، إنه هو هو ومُنزّلِ الانجيل، وقد قرأت عنه بشائر كثيرة»(3) .


1 - الخرايج: ص 186، بحارالأنوار: ج 16، ص 5 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 130 وفي بحارالأنوار: ج 16، ص 18: انه صلّى اللّه عليه وآله قال: إليك عني ثكلتك اُمّك فما تكلّمت العربُ بكلمة اثقل علىَّ من هذه الكلمة .
3 - بحارالأنوار: ج 16، ص 18، الطبقات الكبرى: ج 1، ص 130، الكامل لابن الأثير: ج 2، ص 24 و 25.


(258)

خَديجة زَوجةُ الرَّسول الاُولى:

حتّى قبل ذلك اليوم لم تكن حالة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الاقتصادية ووضعه المالي يُحسدُ عليه، فقد كان بحاجة إلى مساعدة عمّه «أبي طالب» المالية، ولم يكن شغله على النحو الّذي يكفي لضمان نفقاته، من جانب، وتمكينه من اختيار زوجة وشريكة حياة وتكوين عائلة، من جانب آخر .

ولكن هذه السفرة إلى الشام وبخاصة على نحو الوكالة والمضاربة في أموال امرأة جليلة، معروفة في قريش (أعني خديجة) ساعدت وإلى حدّ كبير على تثبيت وضعه الاقتصادي وتقوية بنيته المالية .

ولقد اعجبت «خديجة» بعظمة فتى قريش وسموّ أخلاقه، ومقدرته التجارية حتّى أنها أرادت أن تعطيه زيادة على ما تعاقدا عليه، تقديراً له، واعجاباً به، ولكنه اكتفى بأخذ ما تقرر في البداية ثم توجه إلى بيت عمه «أبي طالب» وقدّم كل ما أخذه من «خديجة» إلى عمه «أبي طالب» ليوسّع به على أهله .

ففرح «أبو طالب» بما عاين من ابن اخيه، وبقية أبيه «عبدالمطلب»، وأخيه «عبداللّه» وأغرورقت عيناه بالدموع، وسرّ بما حقق من نجاح وما حصل عليه من ربح من تلك التجارة سروراً كبيراً، واستعدّ أن يعطيه بعيرين يسافر عليهما ويتاجر، وراحلتين يُصلح بهما شأنه، ليتسنى له بأن يحصل على ثروة ومال يعطيه لعمه ليختار له زوجة .

في مثل هذه الظروف بالذات عزم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عزماً قاطعاً على أن يتخذ لنفسه شريكة حياة ويكوّن اُسرة، ولكن كيف وقع الاختيار على «خديجة» الّتي سبق لها أن رفضت كل طلبات الزواج الّتي تقدم بها كبار الاثرياء والشخصيات القرشية مثل «عقبة بن أبي معيط»، و «أبوجهل» و «أبوسفيان» للزواج بها؟؟!، وماذا كانت العلل الّتي جمعت هذين الشخصين غير المتشابهين، من حيث مستوى الحياة، والثراء؟ وكيف ظهرت تلك الرابطة القوية، وتلك العلاقة المعنويّة العميقة، والاُلفة والمحبة بينهما إلى درجة أنَّ


(259)

«خديجة» سلام اللّه عليها وهبت كل ثروتها للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لينفقها في نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الحق، وإرساء قواعد التوحيد، وبث الدين الجديد، واصبحت تلك الدار المفخمة الّتي كانت تزينها الكراسي المرصّعة، والستر المطرّرزة، المصنوعة من أغلى الأقمشة الهندية، والإيرانية، ملجأ للمسلمين، وملتقى لانصار الرسالة؟!!

لابدَّ من البحث عن جذور هذه الحوادث في تاريخ حياة «خديجة» نفسها، فان من المسلَّم والبديهىّ أن هذا النوع من الفداء، والتفاني والإيثار لم يكن ثابتاً ليتحقق ما لم يكن لها جذور معنوية وطاهرة .

إن صفحات التاريخ لتشهد بأنّ هذا الزواج كان ناشئاً من إيمان «خديجة» بتقوى عزيز قريش وفتاها الامين «محمَّد» وطهره، وحبها الشديد لعفته وكرم أخلاقه، ولهذا قال النبىّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حقها:

«أفضل نساء الجنة أربع: خديجة...»(1) .

إنها أول إمرأة آمنَتْ برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فقد قال علي أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ : في خطبته الّتي يشير فيها إلى غربة الإسلام في مبدأ البعثة النبوية الشريفة:

«لَمْ يَجمَعْ بَيْتٌ واحِدٌ يَوْمَئذ في الإسْلام غَيرَ رَسُول اللّه وَ خَديجَة وأَنا ثالِثُهما»(2) .

ويكتب «إبن الأثير» قائلا: إنّ عفيف الكندي كان إمرأً تاجراً قدم مكة أيام الحج فرأى رجلا قام تجاه الكعبة يصلّي ثم خرجت امراةٌ تصلّي معه، ثم خرج غلامٌ فقام يصلي معه، فمضى يسأل العباسَ عمَّ النبىّ عن هؤلاء، وعن هذا الدين، فقال العباس:


1 - خصال الصدوق: ج 1، ص 96 وغيره .
2 - الكامل: ج 2، ص 37، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي الشافعي: ج 13، ص 197 ـ 201 .


(260)

هذا محمَّد بن عبداللّه ابن أخي زعم أن اللّه ارسله، وهذه امرأته خديجة آمنت به، وهذا الغلام علي بن أبي طالب آمن به، وأيمُ اللّه ما أعلم على ظهر الأَرض أحداً على هذا الدين إلاّ هؤلاء الثلاثة(1).

وينبغي هنا أن نعطي لمحة عن مكانة خديجة في الإسلام تكميلا لهذه الدراسة .

خديجة في أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

لقد اكتسَبَت «خديجةٌ» بفضل إيمانها العميق بالرسالة المحمدية، وتفانيها في سبيل الإسلام وبسبب حرصها العجيب على حياة صاحب الرسالة وسلامته، وعملها المخلص على انجاح مهمته، ومشاركتها الفعّالة، في دفع عجلة الدعوة إلى الامام، ومشاطرتها للنبي في اكثر ما تحمله من محن واذى بصبر واستقامة وحب ورغبة .

لقد اكتسبت خديجة بفضل كل هذا وغيره مكانة سامية في الإسلام، حتّى ان النبىّ ذكرها في أحاديث كثيرة وأشاد بفضلها، ومكانتها وشرفها على غيرها من النساء المسلمات المؤمنات، وذلك ولا شك ينطوي على اكثر من هدف.

فمن جملة الأهداف التي ربما توخاها النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من الاشادة بخديجة ـ عليها السلام ـ الفات نظر المرأة المسلمة إلى القدوة الّتي ينبغي أن تقتدي بها في حياتها وسلوكها في جميع المجالات والأبعاد، والظروف، والحالات .

هذا مضافاً إلى ما يمكن أن تقدمه المرأة وهي نصف المجتمع (إن لم تكن اكثره أحياناً) من دعم جدّي للرسالة، مادياً كان أو معنوياً .

وفيما يلي نأتي ببعض الأحاديث الشريفة الّتي تعكس مكانة خديجة، ومقامها، ومدى إسهامها في نصرة الإسلام ودعم دعوته، وإرساء قواعده.

1ـ عن أبي زرعة عن ابي هريرة يقول قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13، ص 225 و 226 .


(261)

«أتاني جبرئيل ـ عليه السلام ـ فقال يا رسول اللّه هذه خديجة قد أتتك ومعها آنية فيها ادام أو طعام أو شراب، فاذا هي أتتك فاقرأ ـ عليها السلام ـ من ربّها ومنّي، وبَشِّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخَبَ فيه ولا نصَبِ»(1) .

2ـ عن عائشة قالت: ما غِرتُ على امرأة ما غِرتُ على خديجة، ولقد هَلَكتْ قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنتُ اسمعه يذكرها، ولقد أمره ربُه عزّوجلّ ان يبشرها ببيت من قصب في الجنة، وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها (اي خليلاتها وصديقاتها)(2) .

3ـ وعن عائشة أيضاً قالت ما غِرت على نساء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلا على خديجة، واني لم أدركها، (قالت): وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى اصدقاء خديجة قالت: «أي عائشة» فاغضبتُه يوماً فقلت: خديجة!! فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «اني قد رزقت حبّها»(3) .

4ـ ومن هذا القبيل ما كان يقوم به رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع صاحبات خديجة من الاحترام لهن والاحتفاء بهنّ:

فقد وقف ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على عجوز فجعل يسألها، ويتحفاها، وقال:

«ان حسن العهد من الايمان، انها كانت تأتينا ايام خديجة»(4).

5ـ وروي عن انس قال كان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا اُتي بهدية قال: «إذهبوا بها إلى بيت فلانة فانها كانت صديقة لخديجة إنها كانت تحب خديجة»(5).


1 - صحيح مسلم: ج 7، ص 133، مستدرك الحاكم: ج 3، ص 184 و 185 بطرق متعددة صحيحة على شرط الشيخين .
(2) و (3) صحيح مسلم: ج 7، ص 134، ومثلها في صحيح البخاري: ج 5، ص 38 و 39 .
4 - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 18، ص 108 .
5 - سفينة البحار: ج 1، ص 380 (خدج) .


(262)

6- روى مجاهد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الايام فادركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزاً فقد أبدلك اللّه خيراً منها، فغضب حتّى أهتز مقدَمُ شعره من الغضب، ثم قال: «لا واللّه ما أبْدلَني اللّه خيراً منها، آمنَتْ بي إذْ كَفَر الناسُ، وصدَّقتني وكذَّبني الناسُ وواستني في مالها إذ حرمني الناسُ ورزقني اللّه منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء» قالت عائشة فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة ابداً(1) .

7ـ عن يعلى بن المغيرة عن ابن ابي رواد قال: دخل رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على خديجة في مرضها الّذي ماتت فيه، فقال لها:

«يا خديجة أتكرهين ما أرى منك، وقد يجعل اللّه في الكُره خيراً كثيراً، أما علمت أن اللّه تعالى زوَّجني معك في الجنة مريم بنتَ عمران، وكلثمَ اُخت موسى وآسية امرأة فرعون...»(2) .

8ـ عن عكرمة عن ابن عباس قال خطَّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أربع خطط في الأَرض وقال: أتدرون ما هذا؟ قلنا: اللّه ورسولُه أعلم، فقال رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «أفضل نساء الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمَّد، ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون»(3) .

9ـ عن أنس جاء جبرئيل إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وعنده خديجة فقال: إن اللّه يقرىء خديجة السلام فقالت: إن اللّه هو السلام، وعليك السلام، ورحمة اللّه وبركاته(4) .

10- عن أبي الحسن الأول (الكاظم) ـ عليه السلام ـ قال قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - اسد الغابة: ج 5، ص 438، ورواها مسلم أيضاً: ج 7، ص 134، وكذا البخاري: ج 5، ص 39 وقد حذفا آخرها من: فغضب حتّى... إلى آخر الرواية .
2 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 347، وأُسد الغابة: ج 5، ص 439 .
3 - الخصال للصدوق: ج 1، ص 96، كما في بحارالأنوار: ج 16، ص 2 .
4 - المستدرك على الصحيحين: ج 3، ص 1816 .


(263)

«إنّ اللّه اختار من النساء اربعاً: مريم و آسية وخديجة وفاطمة»(1) .

11ـ عن ابي اليقظان عمران بن عبداللّه عن ربيعة السعدي قال أتيت حذيفة بن اليمان وهو في مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فسمعتُه يقول: قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«خديجةُ بنتُ خويلد سابقةُ نساء العالمين إلى الايمان باللّه وبمحمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ »(2) .

12ـ عن عروة قال قالت عائشة لفاطمة رضي اللّه عنها بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ألا ابشرك أني سمعت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول:

«سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وخديجة بنت خويلد و آسية»(3).

13ـ عن أبي عبداللّه (الصادق) ـ عليه السلام ـ قال: دخل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منزله، فاذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها وهي تقول: واللّه يا بنت خديجة، ماترين إلا أن لاُمِكِ علينا فضلا، وأىُ فضل كانَ لها علينا؟!

ماهي إلاّ كبعضنا، فسمع ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مقالتها لفاطمة، فلما رأت فاطمة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بكت، فقال: ما يبكيك يا بنت محمَّد؟! قالت: ذكرتْ اُمّي فتنقّصتْها فبكيتُ، فغضب رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . ثم قال:

«مَهْ يا حميراء، فان اللّه تبارك وتعالى بارك في الوَدُود الولود، وأَن خديجة رحمها اللّه ولدَتْ مِنّي طاهِراً، وهو عَبْدُ الله وهو المطهّر وَ وَلدَتْ منّي القاسم، وفاطمة، ورقية، واُم كلثوم، وزينب، وأنت ممن أعقم اللّهُ رحمه فلم تلدي


1 - الخصال: ج 1، ص 96، كما في البحار: ج 16، ص 2 .
(2) و (3) المستدرك على الصحيحين: ج 3، ص 184 ـ 186 ووردت روايات بمضمون ذيل الحديث في صحيح مسلم: ج 7، ص 133 .


(264)

شيئاً»(1) .

أجل هذه هي «خديجة بنت خويلد» شرفٌ وعقلٌ، وحبٌ عميق لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووفاء وإخلاص، وتضحية بالغالي والرخيص في سبيل الإسلام الحنيف .

هذه هي «خديجة» أول من آمنت باللّه ورسوله، وصدّقت محمَّداً فيما جاء به عن ربه، من النساء، وآزره، فكان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردّ عليه، وتكذيب له الاّ فرّجَ اللّه عنه بخديجة الّتي كانت تخفف عنه(2)، وتهوّن عليه ما يلقى من قومه، بما تمنحه من لطفها، وعطفها، وعنايتها به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في غاية الاخلاص والودّ والتفاني .

ولهذا كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يحبُّها حباً شديداً ويجلّها ويقدرها حق قدرها(3)، ولم يفتأ يذكرها، ولم يتزوج عليها غيرَها حتّى رحلت وفاء لها، واحتراماً لشخصها ومشاعرها، وكان يغضب إذا ذكرها احدٌ بسوء، كيف وهي الّتي آمنت به إذ كفر به الناسُ، وصدّقته إذ كذّبه الناسُ، وواسته في مالها إذ حرمهُ الناسُ .

ولهذا أيضاً كانت وفاتها مصيبة عظيمة أحزنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ودفعته إلى أن يسمّي ذلك العام الّذي توفي فيه ناصراه وحامياه، ورفيقا آلامه (زوجته هذه: خديجة بنت خويلد، وعمه المؤمن الصامد الصابر ابوطالب ـ عليهما السلام ـ ) بعام الحداد، أوعام الحزن(4) وان يلزم بيته ويقلّ الخروج(5)،


1 - الخصال: ج 2، ص 37 و 38، كما في بحارالأنوار: ج 16، ص 3 .
2 - اعلام النساء لعمر رضا كحالة: ج 1، ص 328 .
3 - اعلام النساء: ج 1، ص 330 .
4 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 35، وقد روي عنه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال بهذه المناسبة: «اجمتعت على هذه الاُمة مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشدّ جزعاً» المصدر نفسه، وراجع تاريخ الخميس: ج 1، ص 301 نقلا عن سيرة مغلطاي .
5 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 347، المواهب اللدنية حسب نقل تاريخ الخميس: ج 1، ص 302 وفيه إضافة: ونالت قريش منه ما لم تكن تنال .


(265)

وأن ينزل ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند دفنها في حفرتها، ويدخلها القبر بيده، في الحجون(1) .

عن ابن عباس في حديث طويل في زواج فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ بعلي ـ عليه السلام ـ اجتمعت نساء رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وكان يومئذ في بيت عائشة ليسألنّه أن يُدخلَ الزهراء على (علىّ) ـ عليه السلام ـ فاحدقْن به وقُلنَ: فَديناك بآبائنا وأُمهاتنا يا رسول اللّه قد اجتمعنا لأمر لو أنّ «خديجة» في الأحياء لقرّتْ بذلك عينُها .

قالت امُ سلمة: فلما ذكرنا «خديجة» بكى رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ثم قال: «خديجة واين مثل خديجة، صدَّقْتني حين كذَّبني الناس ووازرتني على دين اللّه وأعانتني عليه بمالها، إنَ اللّه عزّوجلّ أمرَني أنْ ابشر خديجة ببيت في الجنة من قصب (الزمرّد) لا صخَبَ فيهِ ولا نصَب»(2) .

لقد كانت خديجة من خيرة نساء قريش شرفاً، واكثرهنّ مالا، واحسنهن جمالا وأقواهنُّ عقلا وفهماً وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة لشدَة عفافها وصيانتها(3) ويقال لها: سيدة قريش(4)، وكان لها من المكانة والمنزلة بحيث كان كل قومها وسراة أبناء جلدتها حريصين على الاقتران بها(5)، وقد خطبها ـ كما يحدثنا التاريخ ـ عظماء قريش وبذلوا لها الأموال، وممن خطبها «عقبة بن ابي معيط» و «الصلت بن ابي يهاب» و «ابوجهل» و «ابوسفيان» فرفضتهم جميعاً، وأختارت رسول اللّه ـ وهي في سن الأربعين وهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الخامسة والعشرين ـ وهي تمتلك تلكم الثروة الطائلة، وهو ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يمتلك من حطام الدنيا إلاّ الشيء اليسير اليسير، رغبة في الاقتران به ولما عرفت فيه من كرم الاخلاق، وشرف النفس، والسجايا الكريمة والصفات العالية، وهي ما كانت تبحث عنه في حياتها وتتعشقه وإذا بتلك المرأة الغنية الثرية العائشة في


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 346 .
2 - بحارالأنوار: ج 43، ص 131 نقلا عن كشف اليقين .
(3) و (4) و (5) السيرة الحلبيّة: ج 1، ص 137 .


(266)

أفضل عيش تصبح في بيت زوجها الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تلك الزوجة المطيعة الخاضعة، الوفية المخلصة، وتسارع إلى قبول دعوته، واعتناق دينه بوعي وبصيرة وارادة منها واختيار، وهي تعلم ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر ومتاعب، وتجعل كل ثروتها في خدمة العقيدة والمبدأ، وتشاطر زوجها آلامه، ومتاعبه، وترضى بأن تذوق مرارة الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات وفي سنّ الرابعة أو الخامسة والستين. وهي مع ذلك تواجه كل ذلك بصبر وثبات(1)، ودون أن يذكر عنها تبرُّم أو توجع .

هذا مضافاً إلى أنها كانت تعامل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأدب تامّ يليق بمقام الرسالة والنبوة، على العكس من غيرها من بعض نساء النبىّ اللائي كنّ ربما يثرن سخطه وغضبه، ويؤذينه في نفسه وأهله .

واليك فيما يأتي بعض ما قاله عنها كبار الشخصيات، والمؤرخين ممّا يكشف عن عظيم مكانتها عند المسلمين أيضاً، قال اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ :

«كنتُ أولَ من أسلَم، فمكَثْنا بِذلِكَ ثلاث حجَج وما عَلى الأَرض خَلْقٌ يُصلّي ويشهَد لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما أتاهُ غيْري، وغير ابنة خويلد رحمها اللّه وقد فعل»(2) .

وقال محمَّد بن اسحاق: كانت خديجة أولَ من آمن باللّه ورسوله وصدّقت بما جاء من اللّه، ووازرته على أمره فخفف اللّه بذلك عن رسول اللّه، وكان لا يسمع شيئاً يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج اللّه ذلك عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها إذا رجع إليها تثبِّتُه، وتخفّف عنه، وتهوّن


1 - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 14، ص 59 قال: خديجة بنت خويلد وهي عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله محاصَرة في الشِعب .
2 - بحارالأنوار:ج 16، ص 2 ومثله في روايات متعددة في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 4، ص 119 و 120 .


(267)

عليه امر الناس حتّى ماتت رحمها اللّه(1) .

وعنه أيضاً: أن «خديجة بنت خويلد» و «اباطالب» ماتا في عام واحد، فتتابع على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هلاك خديجة وابي طالب وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام، وكان رسول اللّه يسكن اليها(2) .

وقال أبو امامة ابن النقاش: ان سبق خديجة وتأثيرها في اول الإسلام ومؤازرتها ونصرتها وقيامها للّه بمالها ونفسها لم يشركها فيهُ احدٌ لا عائشة ولا غيرها من اُمهات المؤمنين(3) .

وقد جاء في المنتقى: ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند ما اُمِرَ بأن يصدع بالرسالة صعد على الصفا، وأخبر الناس بما أمره اللّه به فرماه أبوجهل قبحه اللّه بحجر فشجّ بين عينيه، وتبعه المشركون بالحجارة فهرب حتّى أتى الجبل، فسمع علىٌّ و خديجةٌ بذلك فراحا يلتمسانه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو جائع عطشان مرهق، ومضت خديجة تبحث عنه في كل مكان في الوادي وهي تناديه بحرقة وألم، وتبكي وتنحب، فنظر جبرئيل إلى خديجة تجول في الوادي فقال: يا رسول اللّه الاترى إلى خديجة فقد أبكت لبكائها ملائكة السماء؟ اُدعُها اليك فاقرأها مني السلام وقل لها: إن اللّه يقرئك السلامَ، ويبشّرها أن لها في الجنةِ بيتاً من قصب لا نصَبَ فيه ولا صخَب فدعاها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والدماء تسيلُ من وجههِ على الارض وهو يمسحها ويردّها، وبقي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وعلي وخديجة هناك حتّى جَنَّ الليلُ فانْصرفوا جميعاً ودخلت به خديجةُ منزلها، فأقعدَتْه على الموضع الّذي فيه الصخرة واظلّته بصخرة من فوق رأسه، وقامت في وجهِه تستره ببُردها وأقبلَ المشركون يرمونه بالحجارة، فاذا جاءتْ من فوق رأسه صخرة وقته الصخرة، وإذا رمَوْهُ مِن تحته وقتْهُ الجدرانُ الحُيّط، وإذا رُمىَ من بين يديه وقتْهُ خديجة رضي اللّه عنها بنفسها، وجعَلتْ تنادي يا معشر قريش ترمى الحُرّةُ


1 - بحارالانوار: ج 16، ص 10 ـ 12 .
2 - نفس المصدر .
3 - تاريخ الخمس في أحوال أنفس نفيس: ج 1، ص 266 .


(268)

في منزلها؟ فلَمّا سمِعوا ذلك انصرفُوا عنه، وأصبَحَ رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وغدا إلى المسجد يُصلّي(1) .

ولقد بَلَغ من خضوعها لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحبّها له أنها بعد أن تمَ عقدُ زواجها برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قالت له ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «إلى بيتك، فبيتي بيتك، وأنا جاريتك»(2).

وجاء في السيرة الدحلانية بهامش السيرة الحلبية: ولسبقها إلى الإسلام وحسن المعروف جزاها اللّه سبحانه فبعث جبرئيل إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو بغار حراء وقال له: اقرأ عليها السَّلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب; فقالت: هو السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام، وعليك يا رسول اللّه السلام ورحمة اللّه وبركاته، وهذا من وفور فقهها رضي اللّه عنها حيث جعلت مكان ردّ السلام على اللّه الثناء عليه ثم غايرت بين ما يليق به وما يليق بغيره، قال ابن هشام والقصب هنا الؤلؤ المجوف، وابدى السهيلي لنفي النصب لطيفة هي انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما دعاها إلى الايمان أجابت طوعاً ولم تحوجه لرفع صوت ولا منازعة ولا نصب بل ازالت عنه كل تعب، وآنسته من كل وحشة، وهوّنت عليه كل عسير فناسب ان تكون منزلتها الّتي بشرها بها ربُها بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها رضي اللّه عنها واقراء السلام من ربها خصوصية لم تكن لسواها، وتميزت أيضاً بأنها لم تسؤه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم تغاضبه قط، وقد جازاها فلم يتزوج عليها مدة حياتها وبلغت منه ما لم تبلغه امرأة قط من زوجاته(3).

افتخار اهل البيت بخديجة ـ عليها السلام ـ

:

وما يدل على سمو مقامها وعلو منزلتها أن اهل البيت ـ عليهم السلام ـ طالما


1 - بحارالانوار: ج 18، ص 243 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 4 نقلا عن الخرائج والجرايح: ص 186 و 187 .
3 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 169 الهامش .


(269)

افتخروا بأن خديجة منهم، وانهم من خديجة وقد كانوا يعتزون بها، ويشيدون بمكانتها:

فقد خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ جالسان تحت المنبر فذكر علياً ـ عليه السلام ـ فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين ـ عليه السلام ـ ليردَّ عليه فأخذه الحسن بيده وأجلسه ثم قام فقال:

«أيُّها الذاكِرُ عَليّاً أنا الحَسن وأبي علىّ وأنت معاويةُ وأبوك صخرٌ واُمي فاطمة واُمُّك هند وجدي رسُول اللّه وجدُّك عُتبةُ بنْ رَبيعة وجدتي خديجة وجدتُك قتيلة فلعن اللّه أخْمَلَنا ذكراً والأَمُنا حَسَباً وشَرَّنا قديماً وحديثاً. فقال طوائفُ من أهل المسجد: آمين(1) .

وقيل: ان «الحسين» ـ عليه السلام ـ ساير «أنس بن مالك» فاتى قبرَ خديجة فبكى ثم قال: إذْهَبْ عَنّي قال «أنس»; فاستخفيتُ عنه فلما طال وقوفُه في الصلاة سمعته يقول:

يا رَبِّ يَا رَبِّ أنْتَ مَولاهُ * فَاْرحَمْ عُبيْداً إلَيْكَ مَلْجاهُ

يا ذا المَعالِي عَلَيْكَ مُعْتَمدي * طُوبْى لِمَنْ كُنْت اَنتَ مَوْلاهُ

طُوْبى لِمَنْ كانَ خادِماً أرقاً * يَشْكُوْ إلى ذِيْ الجَلالِ بَلْواهُ

إلى آخر الابيات(2) .

هكذا كان اهل البيت النبوي ـ اقتداءً برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يحترمون خديجة ويكرمونها لما كان لها من شخصية عظيمة ولما اسدته إلى الإسلام وإلى رسول الإسلام من خدمات لا تنسى على مرّ الدهور .

ان بيان ونقل الاحاديث والروايات، وكذا الاقوال الّتي وردت في شأن خديجة والحديث عن شخصيتها ومكانتها ومدى إسهامها في انجاح ونصرة الدعوة المحمدية خارج عن امكانية هذه الدراسة، ونطاقها، لذلك نكتفي بهذه الالماعة


1 - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج 16، ص 46 و 47 .
2 - بحارالأنوار: ج 44، ص 193 نقلا عن عيون المحاسن .


(270)

العابرة تاركين الكلام باسهاب حولها إلى مجال آخر .

ولنَعُدْ إلى تبيّن الأسباب الظاهرية والباطنية لزواجها من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

العللُ الظاهرية والحقيقية وراء زواج خديجة بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

إن الإنسان المادىّ الّذي ينظر إلى كل ما يحيط به من خلال المنظار المادي، ويفسره تفسيراً مادياً قد يتصور (وبالاحرى يظن) أن «خديجة» كانت امرأة تاجرة تهمُّها تجارتها، وتنمية ثروتها، ولأنها كانت بحاجة ماسة إلى رجل أمين قبل اي شيء، لذلك وجدت ضالتها في محمَّد الصادق الامين ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فتزوجت منه، بعد أن عرضت نفسها عليه ومحمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو الآخر حيث انه كان يعلم بغناها وثروتها، قبِل بهذا العرض رغم ما كان بينه وبينها من فارق في السن كبير .

ولكن التاريخ يثبت أن ثمة أساباباً وعللا معنويّة لا مادية هي الّتي دفعت بخديجة للزواج بأمين قريش وفتاها الصادق الطاهر .

واليك في ما يأتي شواهدنا على هذا الامر:

1ـ عند ما سالت «خديجة» ميسرة عما رآه في رحلته من فتى قريش «محمَّد» فخبّرها ميسرة بما شاهد ورأى من «محمَّد» في تلك السفرة، وبما سمعه من راهب الشام حوله أحسَّت «خديجة» في نفسها بشوق عظيم ورغبة شديدة نحوه كانت نابعة من اعجابها بمعنوية محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكريم خصاله، وعظيم أخلاقه، فقالت من دون إرادتها: «حسبُك يا ميسرة; لقد زدتني شوقا إلى محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، إذهبْ فانت حرٌ لوجه اللّه، وزوجتك وأولادك ولَك عندي مائتا درهم وراحلتان» ثم خلعَت عليه خلعة سنية(1) .

ثم إنها ذكرت ما سمعته من «ميسرة» لورقة بن نوفل وكان من حكماء


1 - بحارالأنوار: ج 16، ص 52 .


(271)

العرب: فقال ورقة: «لئنْ كانَ هذا حَقاً يا خديجة إنَ محمَّداً لنبىُّ هذهِ الامُّة»(1) .

2ـ مرَّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يوماً بمنزل «خديجة بنت خويلد» وهي جالسة في ملأمن نسائها وجواريها وخدمها وكان عندها حبرٌ من أحبار اليهود، فلما مرّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نظر إليه ذلك الحبر وقال: ياخديجة مري مَنْ يأتي بهذا الشاب، فارسلت إليه من أتى به، ودخل منزلَ «خديجة»، فقال له الحبر: إكشفْ عَنْ ظهرك فلما كشف له قال الحبر: هذا واللّه خاتم النبوة فقالت له خديجة: لو رآك عمه وأنت تفتّشه لحلّت عليك منه نازلة البلاء وان أعمامه ليحذرون عليه من أحبار اليهود.

فقال الحبر: ومن يقدر على «محمَّد» هذا بسوء، هذا وحق الكليم رسولُ الملك العظيم في آخر الزمان، فطوبى لمن يكون له بعلا، وتكون له زوجة وأهلا فقد حازت شرف الدنيا والآخرة .

فتعجَّبت «خديجة»، وانصرف «محمَّد» وقد اشتغل قلبُ «خديجة» بنت خويلد بحبه فقالت: أيها الحبر بمَ عرفت محمَّداً انه نبي؟

قال: وجدتُ صفاته في التوراة انه المبعوثُ آخر الزمان يموت أبوه وامُّه، ويكفله جدّه وعمه، وسوف يتزوج بامرأة من قريش سيدة قومها وأميرة عشيرتها، وأشار بيده إلى خديجة فلما سمعت «خديجة» ما نطق به الحبر تعلق قلبُها بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما خرج من عندها قال: إجتهدي ان لا يفوتك «محمَّدٌ» فهو الشرف في الدنيا والآخرة(2) .

3ـ لقد كان ورقة بن نوفل (وهو عم خديجة وكان من كُهّان قريش وقد قرأ صحف «شيث» ـ عليه السلام ـ وصحف «إبراهيم» ـ عليه السلام ـ وقرأ التوراة والانجيل وزبور «داود» ـ عليه السلام ـ ) يقول دائماً: سيُبعَثُ رجلٌ من قريش في آخر


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 191، السيرة الحلبية: ج 1، ص 136.
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 20 و 21 نقلا عن كتاب الأنوار لأبي الحسن البكري .


(272)

الزمان يتزوج بامرأة من قريش تسود قومها (أو تكون سيدة قومها، وأميرة عشيرتها)، ولهذا كان يقول لها: «يا خديجة سوف تتصلين برجل يكون أشرف أهل الأرض والسماء»(1) .

هذه قضايا ذكرها بعض المؤرخين، وهي منقولةٌ ومثبتة في طائفة كبيرة من الكتب التاريخية، وهي بمجموعها تدل على العلل الحقيقية والباطنية لرغبة خديجة في الزواج برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإن هذه الرغبة كانت ناشئة من اعجاب «خديجة» بأخلاق فتى قريش الأمين، ونبله، وطهارته، وعظيم سجاياه وخصاله وحبها لهذه الاُمور، وليس هناك أي اثر في علل هذا الزواج لامانة «محمَّد» وكونه أصلَح من غيره لهذا السبب للقيام بتجارة «خديجة» .

كيفَ تمَّت خِطبةُ خديجة؟

من المسلّم به أن اقتراح الزواج جاء من جانب «خديجة» نفسها أولا، حتّى أن ابن هشام(2) نقل في سيرته: ان «خديجة» لما أخبرها ميسرة بما اخبرها به بعثت إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت له: «يا ابْنَ عم إبي قد رغبتُ فيك لقرابتك وسطتك [اي شرفك ومكانتك] في قومك، وأمانتك وحُسن خلقك، وصدق حديثك» ثمّ اقترحَتء عليه أن تتزوج به .

ويعتقدُ اكثرُ المؤرّخين أن «نفيسة بنت عليّة» بَلّغتْ رسالة «خديجة» إلى النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على النحو التالي:

قالت لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «يا محمَّد ما يمنعك أن تتزوج... ولو دُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة الاّ تجيب ؟

فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : فمن هي؟

فقالت: خديجة، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : وكيف لي بذلك، فقالت: علىَّ فذهبت إلى خديجة فأخبرتها، فأرسلت خديجة إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - بحارالأنوار: ج 16، ص 21 .
2 - السيرة النبوية: ج 1، ص 189 و 190 .


(273)

بوكيلها «عمرو بن اسد»(1) لتحديد ساعة من اجل مراسم الخطبة في محضر من الاقارب(2) .

فشاور النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أعمامه وفي مقدمتهم «أبوطالب»، ثم عقدوا مجلساً فخماً حضره كبارُ وجوه قريش، ورؤساؤها فخطبَ «أبوطالب»، وبعد انَ حَمداللّه واثنى عليه وصفَ إبن أخيه محمَّداً بقوله:

«ثم إنَ ابْن أخي هذا محمَّد بن عبداللّه لا يوزَنُ به رجلٌ إلاّ رجح به شرفاً ونُبلا وفضلا وعقلا، وإن كان في المال فإنَ المالَ ظِلُّ زائلٌ، وأمرٌ حائلٌ وعاريةٌ مُسْتَرجعَة، وَ لَهُ في خديجة رغبةٌ ولها فيه رغبةٌ، والصَّداق ما سألتم عاجله وآجله مِن مالي، ومحمَّدٌ من قد عرَفتُمْ قرابتَه» .

وحيث أن «اباطالب» تعرَّض في خطبته لذكر قريش، وبني هاشم وفضيلتهم، ومنزلتهم بين العرب، لذلك تكلّم «ورقة بن نوفل بن اسد» الّذي كان من أقارب خديجة(3) وقال في خطبة له: «لا تنكُرُ العشيرة فضلكُمْ، ولا يَرُدُّ أحدٌ من الناس فخركم وشرفكُمْ وقد رغبنا في الإتصال بحبلكم وشرفكُمْ»(4) .

ثم اُجري عقد النكاح ومهرها النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أربعمائة دينار وقيل أصدقها عشرين بكرة(5) .


1 - المعروف انّ والد خديجة توفي في حرب الفجار ولهذا قام بالايجاب من قبلها عمها عمرو بن اسد ولهذا لا يصحّ ما ذكره بعض المؤرخين من أنّ خويلد (والد خديجة) امتنع من تزويجها لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في بداية الأمر، ثم رضي بذلك نزولا عند رغبة خديجة .
2 - تاريخ الخميس: ج 1، ص 264 .
3 - المعروف أنّ ورقة كان عمّاً لخديجة ولكن هذا موضع نقاش لأنّ «خديجة بنت خويلد بن اسد» وورقة بن نوفل بن اسد فيكونان اولاد عمومة أي أنّه ابن عم خديجة وهي بنت عمّه. ولذلك جاء في بعض المصادر وصفه بـ «ابن عمّها» (تاريخ الخميس: ج 1، ص 282) وراجع قبله السيرة النبوية لابن هشام: ج 1، ص 203 .
4 - بحارالانوار: ج 16، ص 16، مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 30، السيرة الحلبية: ج 1، ص 139، تاريخ الخميس: ج 1، ص 264 .
5 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 139 .


(274)

عمر خديجة عند زواجها بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

المعروف المشهور أن خديجة ـ عليها السلام ـ تزوجت من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهي في سنّ الأربعين وأنها وُلدَت قبل عام الفيل بخمسة عشر عاماً .

وذكر البعضُ أقلَّ من ذلك أيضاً .

وذكَرَ أنها تزوجت قبل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برجلين أوّلهما «عتيقُ بن عائذ» ثمَ من بعده ابوهالة التميمي اللّذين توفي كلٌ منهما بُعيد زواجه بخديجة(1) .


1 - ربما يُشكَّك في أن تكون خديجة ـ عليها السلام ـ قد تزوجت قبل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأحد وهي الّتي امتنعت عن كل من خطبها ورام تزويجها من سادات قريش واشرافها. راجع الاستغاثة: ج 1، ص 70 .


(275)

10
من الزواج
إلى البعثة

تُعتَبر فترةُ الشباب من أهمّ وأخطر الفترات في حياة الإنسان ففي هذه الفترة تبلغ الغريزة الجنسية نضجها وكمالها، وتصبحُ النفسُ البشرية لعبة في أيدي الأهواء ويغلب طوفان الشهوة على فضاء العقل، ويغطّي الظلامُ سماء التفكير، وتشتد حاكمية الغرائز المادية، وتتضاءل شعلة العقل، وتترائى أمام عيون الشباب بين الحين والآخر، وصباح مساء صروح عظيمة من الآمال الخيالية .

ولو مَلك الإنسانُ ـ في مثل هذه الفترة ـ شيئاً من الثروة، لتحوَّلتْ حياته إلى مسألة في غاية الخطورة فالغرائز الحيوانية، وصحة المزاج من جهة والامكانات المادية والمالية من جهة اُخرى تتعاضدان وتغرقان المرء في بحر من الشهوات، والنزوات، وتهيِّئان له عالماً بعيداً عن التفكير في المستقبل .

ومن هنا يصف المربّون العلماء تلك الفترة الحساسة بأنها الحدّ الفاصل بين الشقاء والسعادة، والفترة الّتي قلما يستطيع شاب أن يرسم لنفسه فيها مساراً معقولا، ويختار لنفسه طريقاً واضحاً على امل الحصول على الملكات الفاضلة، والنفسية الرفيعة الطاهرة الّتي تحفظه عن أي خطر متوقَع(1). حقاً إن كبح جماح


1 - وإلى هذه الحقيقة اشار الإمام جعفر الصادق ـ عليه السلام ـ بقوله:

إنّ الفراغ والشباب والجدة * مَفسدة للمرء اي مفسدة


(276)

النفس، وزمَّها وحفظها مِنَ الإنزلاق في مهاوي الشهوات، والنزوات في مثل هذه الفترة لهو أمر جدّ عسير، ولو أن الانسانَ حُرمَ من تربية عائلية صحيحة مستقيمة كان عليه أن ينتظر مصيراً سيّئاً، ومستقبلا في غاية البؤس والشقاء .

فَترةُ الشَبابِ في حياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

:

ليس من شك في ان فتى قريش «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يتمتع في أيام شبابه بصحة جيدة، وقوة بدنية عالية، وكان شجاعاً قوياً، لأنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد تربى في بيئة حرة بعيدة عن ضوضاء الحياة، وفتح عينيه في عائلة اتصف جميع أفرادها واعضائها بالشجاعة والفروسية، هذا من جانب، ومن جانب آخر كان يمتلك ثروة «خديجة» الطائلة فكانت ظروفُ الترف، والعيش الشهواني متوفرة له بشكل كامل، ولكن كيف ترى استفاد من هذه الامكانات المادية هل مدَّ موائد العيش واللذة وشارك في مجالس السهر والسمر واللهو واللعب. واطلق العنان لشهوته، وفكر في إشباع غرائزه الجنسية كغيره من شباب ذلك العصر، وتلك البيئة الفاسدة .

أم أنَّه اختار لنفسه منهجاً آخر في حياته، واستفاد من كل تلك الإمكانات في سبيل تحقيق حياة زاخرة بالمعنوية، الأمر الّذي تبدو ملامحه بجلاء لمن تتبع تلك الفترة الحساسة من تاريخه .

ان التاريخ ليشهد بأنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يعيش كما يعيش أي رجل، رجل عاقل لبيب وفاضل رشيد، وأنه طوى تلك السنوات الحساسة من حياته كأحسن ما يكون، بعيداً عن العبث والترف والضياع والانزلاق إلى الشهوات والانسياق وراء التوافه .

بل ان التاريخ ليشهد بأنه كان اشد ما يكون نفوراً من اللهو، والعبث، والترف والمجون فقد كانت تلوح على محيّاه دائماً آثار التفكّر والتأمل، وكثيراً مّا كان يلجأ إلى سفوح الجبال أوالكهوف والمغارات للابتعاد عن الجوّ الإجتماعي الموبوء في مكة، يلبث هناك أياماً يتأمل فيها في آثار القدرة الآلهية ،


(277)

وفي عظمة الصنع الالهي، الرائع البديع .

احاسيسه ومشاعره الإنسانية في فترة الشباب:

ولقد وقعت في احدى أسواق مكة ذات يوم حادثة هيّجت مشاعره الإنسانية وحركت عواطفه واحاسيسه، فقد رأى مقامراً قد خسر بعيره وبيته، بل بلغ الأمر به أن استرقهُ منافسُه عشرة أعوام .

وقد آلمت هذه القصة المأساوية فتى قريش «محمَّد» بشدة، إلى درجة أنّه لم يَعُد يحتمل البقاء في «مكة» ذلك اليوم فغادرها من فوره وذهب إلى الجبال المحيطة بمكة ثم عاد بعد هزيع من الليل .

لقد كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ينزعج بشدة لهذه المشاهد المحزنة والاوضاع المأساوية، وكان يتعجب من ضعف عقول قومه، وانحطاط مداركهم .

ولقد كان بيت «خديجة» قبل زواج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها ملاذاً للفقراء وكعبة لآمال المساكين والمحرومين، وبعد أن تزوج النبيُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها لم يطرأ على وضع ذلك البيت أيُ تغيير من جهة الانفاق والبذل .

ففي سنين الجدب والقحط الّتي كانت تضرب مكة وضواحيها بين الحين والآخر ربما قدمت «حليمة السعدية» مكة لتزور ولدها الرضاعي «محمَّد» فكان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يكرمها ويحترمها، ويفرش رداءه تحت أقدامها، ويصغي لكلامها بعناية ولطف، وفاء لجميلها، وعرفاناً لعواطفها واُمومتها .

فقد روي أن «حليمة» قدِمت على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مكة بعد تزوّجه خديجة، فشكت إليه جدب البلاد وهلاك المواشي فكلَم رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ «خديجة» فأعطتها بعيراً واربعين شاة، وانصرفت إلى أهلها موفورة، مسرورة.

وروي أيضاً انه استأذنت «حليمة» عليه ذات مرة فلما دخلت عليه قال: «اُمّي اُمّي» وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه(1) .


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 103 .


(278)

أولادُ خديجة:

لا ريب في أنَّ وجودَ الأولاد في الحياة العائليّة ممّا يقوّي أواصر الوشيجة الزوجية، ويعمّق جُذُورها، ويمنح الجوَّ العائليّ بهاء، ورَوْنقاً، وجمالا خاصاً.

ولقد أنجبت «خديجةُ» لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ستة من الأولاد اثنين من الذكور، أكبرُهما «القاسم» ثم «عبدُاللّه» اللَّذان كانا يُدعَيان بـ : «الطاهر» و «الطيّب» واربعة من الإناث .

كتب ابن هشام يقول في هذا الصدد: اكبرُ بناته رُقيَّة ثم زيْنَبْ ثم اُمُّ كلثوم، ثم فاطمة.

فأما الذكور من أولاده ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فماتوا قبل البعثة، وأما بناته فكلُّهن أدركنَ الإسلام(1) .

ورغم أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد عُرفَ بصبره وجَلده في الحوادث والنوائب فربَما انعكست احزانه القلبية في قطرات دموعه الساخنة المنحدرة على خَدَّيه الشريفين في موت أولاده .

ولقد بلغ به الحزنُ والغمُ لموت ولده «إبراهيم» من زوجته ماريّة القبطية حداً لم يحدثْ لغيره من أولاده، إلاّ أنّه رغم ذلك الحزن الآخذ من قلبه مأخذاً لم يفتر لسانه عن حمداللّه وشكره حتّى أن اعرابياً اعترض عليه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما وجده يبكي على ولده قائلا: أولم تكن نهيت عن البكاء اجابه بقوله:

«انما هذا رحمة، ومن لا يَرحَم لا يُرحَم(2)» .

حَدْسٌ لا أساس له من الواقع!!

لقد كتبَ الدكتور هيكل في كتابه: «حياة محمَّد» يقول: «لا ريب أن


1 - مناقب ابن شهرآشوب: ج 1، ص 140، قرب الأسناد: 6 و 7، الخصال: ج 2، ص 37، بحارالأنوار: ج 22، ص 15 ـ 152. وقد ذكر البعض للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اكثر من ولدين، يراجع تاريخ الطبري ج 2، ص 35، بحارالأنوار: ج 22، ص 166.
2 - بحارالأنوار: ج 22، ص 151 .


(279)

خديجة عند موت كل واحد منهما (اي ولدي النبي: القاسم وعبداللّه) في الجاهلية توجَّهت إلى آلهتها الاصنام تسألها ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها»(1) .

إنَّ هذا الكلام لا يستند إلى أي دليل تاريخي، وليس هو بالتالي إلا حَدْسٌ باطل، وإدعاء فارغ ليس له من منشأ إلاّ أن أغلبية أهل ذلك العصر كانوا عبَدة أوثان، فلابُدّ ان خديجة كانت على منوالهم!!

في حين ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يبغض الأصنام والأوثان من بداية شبابه، وقد اتضح موقفُه منها أكثر في سفرته إلى الشام في أموال خديجة يوم قال لمن استحلفه باللات والعزى: «اليك عني، فما تكلَّمت العربُ بكلمة أثقل علىَّ من هذه» .

مع ذلك كيف يمكنُ القولُ بأنَ امرأة لبيبة عاقلة لم يكن شدةُ حبها وشغفها بزوجها موضعَ شك، أن تتوجَّه عند موت وَلديها إلى الاصنام التي كانت ابغض الأَشياء عند زوجها، وخاصة أن حبها لزوجها «محمَّد» وبل إقدامها على الزواج منه انما كان بسبب ما كان يتحلى به من ايمان ومعنوية، وصفات فاضلة، وملكات اخلاقية عالية، فهي قد سمعت عنه بأنه آخر نبىّ، وأنه خاتم المرسلين، فكيف والحال هذه يمكن ان يحتمل احد انها ـ مع هذا الاعتقاد ـ بثت شكواها وحزنها إلى الاوثان والاصنام؟؟!

دَعِىُّ رسول اللّه: زيد بن حارثة:

عند الحَجَر الاسود أعلن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تبنيه له... ذلك هو زيد بن حارثة .

وكان «زيدٌ» ممّن سباهُ العرب من حدود الشام، وباعُوه في أسواق مكة رقيقاً لأحد أقرباء «خديجة» يُدعى «حكيم بن حزام»، ولكن لا يُعرف كيف انتقل إلى «خديجة» في ما بعد؟


1 - حياة محمَّد: ص 128 .


(280)

يقول هيكل في كتابه «حياة محمَّد» في هذا الصدد «لقد ترك موتُ ولدَىْ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في نفس النبي اثراً عميقاً حتّى إذا جيء بزيد بن حارثة يُباعُ طلب إلى «خديجة» أن تبتاعه ففعلت ثم اعتقه وتبناه»(1) .

ولكن اكثر المؤرخين يقولون: ان «حكيم بن حزام» قد اشتراه لعمته «خديجة بنت خويلد»، وقد أحبَّه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لذكائه وطهره، فوهبته «خديجة» له عند زواجه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منها.

ففتش عنه والدُه «حارثة» حتّى عرف بمكانه في مكة، فقدمها، ودخل على النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يأذن لزيد ليرحل معه إلى موطنه، فدعاه رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخيّره بين المقام معه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والرحيل إلى موطنه مع أبيه، فاختار المقام مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما وجد من خلقه، وحنانه، ولطفه العظيم فلما رأى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ذلك اخرجه إلى الحجر واعتقه ثم تبناه على مرأى من الناس ومسمع قائلا: «يا من حضر اشهدوا أن زيداً ابني»(2) .

بدايةُ الخِلاف بَين الوثنيّين:

لقد أوجدت البعثة النبويّةُ خلافاً واختلافاً كبيراً في أوساط قريش وفرّقْت صفوفهم، غير أنّ هذا الاختلاف قد وُجدت أسبابُه وعواملُه، وظهرت بوادرُه وعلائمُه قبل البعثة المباركة .

فقد أبدى جماعةٌ من الناس في الجزيرة العربية استياءهم من دين العرب وانكروا عقائدهم الباطلة، وطالما كانوا يتحدثون عن قرب ظهور النبىّ العربىّ الّذي يتمُّ على يديه إحياء التوحيد .

وكان اليهود يتوعدون أهل الاصنام بالنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ويقولون:


1 - حياة محمَّد: ص 128 .
2 - الاصابة: ج 1، ص 545 و 456، اُسد الغابة: ج 2، ص 225 و 226 .


(281)

ليخرجنَّ نبىُّ فَليكسرن أصنامكم(1) .

وكتب ابن هشام يقول: كان اليهود يقولون للعرب: إنه قد تقارب زمان نبىّ يُبعث الآن نقتلكم معه قتلَ عاد وارم.

وكتب يقول أيضاً: وكانت الاحبار من اليهود، والرهبان من النصارى والكهّان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل مبعثه .

هذه الكلمات تُصوِّر انقضاء عهد الوثنية في نظرهم إلى درجة أن بعض القبائل أجابت النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما بُعثَ، ودعاهم اللّه، بينما احجمت اليهودُ عن الايمان به وبرسالته وبقيت على كفرها وجحودها لنبوته الّتي طالما بشرت بها .

وقد نزل فيهم قولُه تعالى:

(وَلَمّا جاءهُمْ كتابٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُصدِّقٌ لِما مَعهمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذينَ كَفرُوا فَلمّا جَاءهُمْ ما عَرفُوا كَفرُوا به فَلعْنَةُ اللّه عَلى الكافِرين)(2)(3).

أعمدةُ الوثنيّة تهتزُّ:

ولقد شهدَ أحدُ أعياد قريش حادثاً غريباً كان في نظر العقلاء وأصحاب الفكر الثاقب منهم بمثابة جرس إنذار اذِن باقتراب سقوط دولة الوثنيين، وإنهيار صروح الوثنيّة وعبادة الأصنام، وانقراضها .

فقد اجتمعت قريش يوماً في عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، فتنحّى أربعةٌ ممن عُرفوا بالعلم ناحية، وأخذوا يتحدَّثون سرّاً، وأخذوا ينتقدون عبادة الأوثان والأصنام، وما عليه قومهم من فساد العقيدة.

فقال بعضهم لبعض: واللّه ما قومكم على شيء، لقد اخطأوا دين أبيهم


1 - بحارالأنوار: ج 15، ص 231 .
2 - البقرة: 89 .
3 - السيرة النبوية: ج 1، ص 221 .


(282)

إبراهيم!! ما حَجرٌ نُطيف به لا يسمعُ ولا يبصرُ، ولا يضرُ ولا ينفعُ، يا قوم التمسوا لأنفسكم ديناً...

وكان هؤلاء الأربعة هم:

1- «ورقة بن نوفل» الَّذي اختار النصرانية بعد أن طالعَ كُتُبَها، واتصل بأهلها .

2- «عبيداللّه بن جَحش» الّذي أسلمَ عند ظهور الإسلام، ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة.

3ـ «عثمان بن الحويرث» الّذي قدم على قيصر ملك الروم، فتنصَّر.

4ـ «زيد بن عمرو بن نفيل» الّذي اعتزل الأوثان، وقال: اعبدُ رب إبراهيم(1) .

إن ظهور مثل هذا الاستنكار والجحد للأوثان والوثنية لا يعني أبداً أنَّ دعوة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تعقيباً لدعوة هذه الجماعة، واستمراراً لها!!

كيف يمكن أنْ نعتبر دعوة رسول اللّه العالمية مع ماانطوت عليه من أهداف كبرى، واستندت إليه من معارف وأحكام لا تُحصى، ردّة فعل لمثل هذا الحادث الصغير وتعبيراً عن مثل هذا الاستنكار المحدود؟

إن الحنيفية وهي سُنّة إبراهيم ودينه لم تكن قد مُحِيت كليّاً في الحجاز بعد ايام بعثة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بل كان هناك لا يزال بعض الأحناف (وهم الذين كانوا على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ ) منتشرين في أنحاء الجزيرة العربية، إلاّ أن ذلك لا يعني أنّهم كانوا قادرين على التظاهر بعقيدتهم بين الناس، أو قيادة حركة، أو تربية أفراد على نهجهم، أو أن توجُّهاتهم التوحيدية كانت من القوة بحيث تستطيع أن تكون مصدر إلهام لقيم ومعارف وتعاليم وأحكام لِشخصيّة مثل رسول الإسلام «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فلم يُنقَل عن هؤلاء سوى بعض الإعتقادات المعدودة المحدودة مثل الاعتقاد


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 225 .


(283)

بالمعاد واليوم الآخر، وشيء بسيط من البرامج الأخلاقية، وحتّى ما نقل عنهم من ابيات توحيدية لا يمكن تأكيد انتسابها إليهم، وانْ لم يمكن نفي ذلك أيضاً(1) .

فهل يمكن والحال هذه أن نعتبر الثقافة الإسلامية العظيمة، والمعارف العقلية العالية، والقوانين والتشريعات المفصلة، والانظمة الأَخلاقية والسياسية والإقتصادية الإسلامية، الشاملة الكاملة، كنتيجة لمتابعة اُولئك النفر المعدود من «الأحناف» الموحدين المنتشرين في انحاء مختلفة من بلاد الحجاز الذين كانت جلُ عقائدهم تتألف من مجرد الاعتقاد بوجود اللّه، واليوم الآخر وقضية أو قضيتين من قضايا الأخلاق؟!

نموذج آخر عن ضَعف قريش:

لم يكن يمض على عُمر فتى قريش اكثر من خمس وثلاثين عاماً يومَ واجه اختلافاً كبيراً بين قريش، فأزال بحكمته ذلك التخاصم، ولقد كشفت هذه الحادثة عن مدى الإحترام الّذي كان فتى قريش «محمَّد» يحظى به لدى قريش، كما وتكشف عن قوة اعتقادهم بصدقه وأمانته .

واليك تفصيل هذه الحادثة:

إنحدر سيلٌ رهيب من جبال مكة المرتفعة نحو بيت اللّه المعظم «الكعبة المقدسة» فلم يسلم من هذا السيل بيت في مكة حتّى الكعبة المعظمة، الّتي تصدَّعتْ جدرانُها تصدعاً كبيراً بفعل ذلك السيل .

فعزمت قريشٌ على تجديد تلك البِنية المعظمة، ولكنها تهيّبت ذلك، وترددت في هدم الكعبة، فأقدم «الوليد بن المغيرة» وهدمَ ركنين منها على شيء من الخوف، فانتظر أهلُ مكة أن يحل به أمرٌ، ولكنهم لما رأوا «الوليد» لم يصبه


1 - ولقد نقل ابن هشام في كتابه: السيرة النبوية: ج 1، ص 222 ـ 232 طائفة من الأبيات والقصائد التوحيدية هذه; والّتي جاء في مطلع إحداها ما أنشده زيدُ بن عمرو بن نفيل:

أرَبّاً واحِداً أمْ أَلفُ ربٍّ * أدِينُ إذا تُقُسِمت الاُمورُ؟
عزلتُ اللات والعزّى جميعاً * كذلِكَ يفعل الجَلْد الصبُور (البصير)


(284)

غضب من الآلهة، اطمأنوا إلى أنه لم يرتكب قبيحاً، وأنه عمل ما فيه رضى آلهتهم، فاقدَمُوا جميعاً على هدم ما تبقى من الكعبة، واتفق أن تحطّمت سفينة قادمة من «مصر» في تجارة لرومىّ عند ميناء «جدة» بفعل الرياح والعواصف، فعلمت بذلك قريش، وأرسلت رجالا يبتاعون أخشابها ليستخدموها في بناء الكعبة المعظمة، وأوكلوا أمر نجارتها إلى نجّار قِبطىّ محترف كان يقطن «مكة».

ولما ارتفعت جدران الكعبة إلى قامة الرجل، وآن الأوان لوضع الحجر الأسود في محله من الركن وقع الاختلاف بين زعماء قريش، وتنازعوا في من يتولّى وضع الحجر الاسود في مكانه .

وتحالفت قبيلة «بني عبدالدار» مع «بني عَدىّ» على أن يمنعوا من أن ينال هذا الفخار غيرُهم، وعمدوا إلى اناء مملوء بالدم فوضعوا أيديهم فيه تاكيداً لذلك الميثاق .

من هنا تأخرت عملية البناء وتوقّفت خمسة أيام بلياليها، وكاد أن تنشب بينهم حربٌ دامية، وربما طويلة، فقد اجتمعت طوائف مختلف من قريش في المسجد الحرام وهي تنتظر حادثة خطيرة، فعمد ـ في الأخير - شيخ من شيوخ قريش يدعى «أبو اُميّة بن مغيرة المخزومي» من زعماء قريش وقال: يا معشر قريش، إجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَن يدخل من باب هذا المسجد(1) يقضي بينكم فيه» فقبلوا برايه اجمع، فكان أول داخل عليه فتى قريش «محمَّد» ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمَّد.

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : هلم الىّ ثوباً، فأخذ الحجَر ووضعه فيه ثم قال:

«لتأخذْ كلُ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوهُ جميعاً»

ففعلوا حتّى إذا بغوا به موضعه من الركن وضعه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو بيده مكانه، وبهذا حال دون وقوع حوادث دامية كادت أن تقع بسبب تنازع قريش، واختلافها، وحلَّ الوفاق محل الشقاق بعد أن رضي الكلُ بحكمه .


1 - وفي رواية: أول من يدخل باب الصفا.


(285)

وإلى قضية التحكيم هذه يشير «هبيرة بن أبي وهب» في أبيات صوَّرت هذه الحادثة التاريخية الكبرى، إذ قال:

تشاجَرَتِ الأحياء في فَصْل خطة * جرت بينهم بالنَحس مِن بعد أسعد

تلاقَوابها بالبُغض بعد مَودَّة * وأوقد ناراً بينهم شرّموقد

فلما راينا الأمر قد جدَّ جدُّه * ولم يبقَ شيء غيرُ سلّ المهند

رضينا وقلنا العدل أولُ طالع * يجيء من البطحاء من غير موعد

ففا جأَنا هذا الامينُ محمَّدٌ * فقلنا رضينا بالأمين محمَّد

بخير قريش كلِها أمس شيمة * وفي اليوم مع ما يُحدثُ اللّه في غد

فجاء بأمر لم ير الناس مثلَه * أعمَّ وارضى في العواقب والبَدِ

وتلك يدٌ منهُ علينا عظيمة * يروبُ لها هذا الزمان ويعتدي(1)

أمينُ قَريشُ يَكْفُلُ عَليّاً:

أجدبت مكةُ وضواحيها سنة من السنين، وقل فيها الماء، وأصابت الناس أزمة شديدة، وكان أبوطالب ـ عليه السلام ـ كثير العيال، فعزم رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على أن يساعد عمه أباطالب، ويخفف عنه عبء العيال، فانطلق إلى عمه العباس وقال له: «إن أخاك أباطالب كثير العيال وقد أصابَ الناس ماترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفّفْ من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ أنتَ رَجلا» .

فكفل العباسُ جعفراً، وكفل رسولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليا ـ عليه السلام ـ .

يقول أبوالفرج الاصفهاني المؤرخ المعروف في هذا الصدد:


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 192 ـ 199 وفروع الكافي: ج 4، ص 217 و 218، والجدير بالذكر أنهم قالوا عند تجديد بناء الكعبة: «يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها مِن كسبكم إلاّ طيّبا، لا يدخلُ فيها مهر بغىّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد للناس» (البداية والنهاية: ج 2، ص 301) ولا شك أنّ هذه من بقايا تعاليم الأنبياء الّتي بقيت بينهم ولم تمح بالمرة .


(286)

وكان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أخذ «علياً» من أبيه وهو صغير في سنة اصابت قريشاً وقحط نالهم، وأخذ حمزة جعفراً وأخذ العباس طالباً ليكفوا اباهم مؤونتهم ويخففوا عنهم ثقلهم، وأخذ هو (أي ابوطالب) عقيلا لميله كان إليه فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«اخترتُ مَن اختار اللّه لي عليكم: علياً»(1) .

إن هذه الحادثة وإن كانت في ظاهرها تعني ان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ اقدم على هذا الأمر ليساعِدَ عمَّه أباطالب في تلك الازمة، لكن الهدف الأعلى والأخير كان أمراً آخر وهو أنْ: يتربّى علي ـ عليه السلام ـ في حجر النبي، ويغتذي من مكارم اخلاقه ويتبعه في كريم افعاله .

ولقد اشار الإمام عليُّ ـ عليه السلام ـ نفسُه إلى هذا الموضوع بقوله:

«وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعي مِنْ رَسُول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالقَرابَةِ القريبَة وَ المَنزِلَةِ الخَصيْصَة وضعني في حجره وَ أنا ولَد يَضمُّنِي إلى صَدْرهِ وَ يَكنفُني في فِراشِه... وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبعُهُ اتّباعَ الفَصِيْل أَثر امِّه يَرفَعُ لِي في كُلِّ يَوْم مِنْ أخْلاقِهِ عَلَماً وَ يأمُرُني بالإقتداء بِه»(2) .

ايمان النبي وآبائه وكفلائه قبل الإسلام:

تدلُ الدلائل التاريخيّة، القوية، فضلا عن الأدلة العقلية والمنطقية على أن النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يعبُدْ غير اللّه تعالى منذ وُلِدَ من اُمّة، والى أن رحل إلى ربه، بل وكان كفلاؤه مثل عبدالمطلب وأبي طالب مؤمنون موحِّدُونَ هم أيضاً

ايمان جده عبدالمطّلب:

وأما عبدالمطلب كفيل النبىّ الأوَّل فلا ننسى أنه عند ما قصد «أبرهة» هدم


1 - مقاتل الطالبيين: ص 26، الكامل في التاريخ: ج 1، ص 37، السيرة النبوية: ج 1، ص 245 ـ 247 باب (ذكر أن علىّ بن ابي طالب رضي اللّه عنه اول ذكر أسلم) .
2 - نهج البلاغة: الخطبة 192 .


(287)

الكعبة في جيش الفيل، نزل في جوف الليل إلى الكعبة وأخذ بحلقة بابها يَدْعوا اللّه ويقول مناجياً اللّه سبحانه .

«اللّهم أنيسَ المُسْتَوحشِين،ولا وحشة مَعكَ فالبيتُ بَيْتُكَ، والحرم حرمك والدارُ دارُك، ونحنُ جيرانُكَ، انَك تمْنَعُ عَنْه ما تشاء،وربّ الدّار اُولى بالدّار» .

ثم أنشأَ يقول:

يا ربّ لا أرجُو لَهُمْ سِواكا * ياربِّ فاْمنَعْ مِنْهُمُو حِماكا

إنَ عَدُوَّ الْبيْت مَنْ عاداكا * إمنَعْهُمُو إن يُخربوا فناكا(1)

وهذا يكشف بوضوح عن ايمان عبدالمطلب بالله تعالى، وتوكله عليه سبحانه، وانه كان الرجل الموحد الّذي لا يلتجىء في المصائب والمكاره إلى غير كهف اللّه، ولا يعرف الاّ باب اللّه على عكس ما كانت الوثنية عليه فان قومه كانوا يستغيثون بالاصنام المنصوبة حول الكعبة .

وممّا يدل على ايمانه ايضاً توسله لكشف غمته باللّه سبحانه فقد تتابعت على قريش سنون جدب ذهبت بالأموال، واشرفت الانفس واجتمعت قريش لعبدالمطلب، وعَلَوا جبل ابي قبيس ومعهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ محمَّد وهو غلام فتقدم عبدالمطلب وقال: لاهم (اي اللّهم) هؤلاء عبيدك واماؤك وبنو امائك، وقد نزل بنا ماترى، وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر، فاشرفت على الانفس فأذهِب عنا الجدب، وائتنا بالحياء والخصب، فما برحوا حتّى سالت الأودية، وفي هذه الحالة تقول رقيقة:

بشيبة الحمد اسقى اللّه بلدتنا * وقد عدمنا الحيا وا جلوّذ المطر

إلى أن تقول:

مبارك الاُم يستسقى الغمام به * ما في الانام له عدل ولا خطر


1 - راجع القصة ومصادرها في ص 161 من هذا الكتاب، ولعبدالمطلب مواقف اُخرى مشابهة، وعديدة، راجع بصددها مفاهيم القرآن: ج 5، ص 136 ـ 140 .


(288)

وإلى هذه الواقعة يشير ابوطالب في قصيدة أولها:

ابونا شفيع الناس حين سقوا به * من الغيث رجاس العشير بكور

ونحن ـ سنين المحل ـ قام شفيعنا * بمكة يدعو والمياه تغور(1)

وقد نقل الشهرستاني هذه الواقعة في كتابه «الملل والنحل» قال: وممّا يدل على معرفته (أي عبدالمطلب) بِحال الرسالة وشرف النبوة ان اهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم، وامسك السحاب عنهم سنتين أمر اباطالب ابنه، ان يُحضر المصطفى محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فاحضره ابوطالب، وهو رضيع في قماط، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة، ورماه إلى السماء، وقال: يا رب بحق هذا الغلام، ورماه ثانياً وثالثاً وكان يقول: بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلا، فلم يلبث ساعة أن السحاب وجه السماء وأمطر، حتّى خافوا على المسجد، وقال ايضاً: وببركة ذلك النور كان عبدالمطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الاخلاق، وينهاهم عن دنيات الاُمور.

وكان يقول في وصاياه: «انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم اللّه منه وتصيبه عقوبة»، إلى ان هلك رجل ظلوم حتف انفه لم تصبه عقوبة، فقيل لعبدالمطلب في ذلك، ففكر وقال: ان وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن باحسانه ويعاقب فيها المسيء باساءته(2) .

ان توسل عبدالمطلب باللّه سبحانه وتوليه عن الاصنام والاوثان، والتجاءه إلى رب الارباب آية توحيده الخالص، وايمانه باللّه وعرفانه بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها، فلو لم يكن له الاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة على ايمانه باللّه، وتوحيده له.

وقد اعترف المؤرخون لعبدالمطلب بهذا فقد قال اليعقوبي: «ورفض عبدالمطلب عبادة الاوثان والاصنام، ووحدَ اللّه عزّوجلّ ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن باكثرها، وجاءت السنة الشريفة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 131 ـ 133 .
2 - الملل والنحل: ج 2، ص 248 و 249 .


(289)

بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الابل في الدية، وان لا تنكح ذاتُ محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا، والحدّ عليه، والقرعة، وان لا يطوف احد بالبيت عرياناً، واضافة الضيف وان لا ينفقوا إذا حجوا الاّ من طيب اموالهم، وتعظيم الاشهر الحُرُم، ونفي ذوات

الرايات(1) .

هذا وعن اُم أيمن «رضي اللّه عنها» قالت: كنتُ أحضن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (اي اقوم بتربيته وحفظه)، فغفلت عنه يوماً فلم ادر الاّ بعبدالمطلب قائماً على رأسي يقول «يا بركة» .

قلت: لبيك .

قال: أتدرين اين وجدتُ إبني؟

قلت: لا ادري .

قال: وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فان أهل الكتاب يزعمون انه نبىّ هذه الاُمة، وأنا لا آمن عليه منهم(2) .

وكان عبدالمطلب لا يأكل طعاماً الاّ يقول علىّ بابني (اي احضروه) ويجلسه بجنبه، وربما اقعده على فخذه، ويؤثره بأطيب طعامه .

ثم انه لما بلغ أجله اوصى إلى ابي طالب برسول اللّه وقال له: قد خلّفت في ايديكم الشرف العظيم الّذي تطؤون، به رقاب الناس وقال له أيضاً:

اُوصيك يا عبد مناف بعدي * بمفرد بعد ابيه فرد

فارقهُ وهو ضجيع المهد * فكنت كالاُم له في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد * فانت من أرجى بنيي بعدي

لدفع ضيم أو لشدّ عقدِ(3)

هذا هو عبدالمطلب، وتعوذه ببيت اللّه الحرام، ومواقفه بين قومه، وكلماته في


1 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 9 في بعض ماعدّه المؤرخ المذكور نظر .
2 - سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 64 .
3 - تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 10 .


(290)

المبدأ والمعاد وعطفه وحنانه على رسول الإسلام، واهتمامه برسالة خاتم النبيين، وهي بمجموعها من اقوى الشواهد على توحيده، وايمانه باللّه، واعترافه برسالة الرسول الكريم .

إيمان كفيله وعمه أبي طالب:

وهكذا كان حال كفيل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الثاني ابوطالب ـ عليه السلام ـ ، فان له مواقفَ بارزة وكثيرة قبل البعثة النبوية، وبعدها تكشف عن عمق أيمان شيخ الاباطح، وتوحيده .

ومن تلك المواقف استسقاؤه برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في صباه:

فقد اصاب مكة قحطٌ شديدٌ في سنة من السنين فطلبت قريش من «أبي طالب» أن يستسقي لها فخرج ومعه غلامٌ ـ وهو رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ـ كأنه شمسُ دجن تجلّت عنها سحابة قتماء وحوله اُغيلمةٌ، فأخذه «أبوطالب» فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام باصبعه (أي أشاربها إلى السماء) وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق، واغدودق وانفجر له الوادي، واخصب البادي والنادي .

ففي ذلك يقول ابوطالب ـ في مدح رسول اللّه ـ :

وابيضُ يُستَسقى الغمامُ بوجهه * ثمالُ اليتامى عِصْمةٌ لِلأرامِلِ

يَلُوذُ بِهِ الهُلاكُ مِن آلِ هاشِم * فَهُمْ عِنْدهُ في نَعمة وَفَواضِل

وميزانُ عَدْل لا يَخيسُ شعيره * ووَزّانُ صِدْق وزنُه غير هائل(1)

وكل هذا يعرب عن توحيد كفيلي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الخالص، وايمانهما باللّه تعالى، ولو لم يكن لهما إلاّ هذين الموقفين لكفياهما دليلا وبرهاناً على كونهما مؤمنين موحدِين.


1 - شرح البخاري للقسطلاني: ج 2، ص 227، المواهب اللدنية: ج 1، ص 48، السيرة الحلبية: ج 1، ص 125، وللتوسع راجع الغدير: ج 7، ص 345 و 346، وقد ذكرنا مواقف ابي طالب الايمانية عند البحث عن شخصيته فراجع .


(291)

كما ان ذلك يدل ايضاً على أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نشأ وترعرع ونما في بيت كانت الديانة السائدة فيه هي توحيد اللّه، وعبادته وحده ورفض الاصنام والاوثان.

إيمان والدَي النبي الاكرم:

لقد نقلت عن عبداللّه والد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كلمات وابيات تدل على ايمانه ومن ذلك ما نقله اهل السير عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه فقال رداً عليها:

أما الحرامُ فالمماتُ دونَه * والحِلّ لاحِلّ فاستبينُه

يحمي الكريمُ عرضَه ودينَه * فكيفَ بالأمر الّذي تبغينه(1)

وقد روي عن النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ انه قال: «لم أزلْ اُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أحرام الطاهرات» ولعل فيه ايعازاً إلى طهارة آبائه وامهاته من كل دنس وشرك(2)

واما الوالدة فيكفي في اثبات ايمانها ما رواه الحفاظ عنها عند وفاتها فانها (رضي اللّه عنها) خَرجت مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو ابن خمس أوست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جده وهم بنو عدي بن النجار ومعها ام ايمن «بركة» الحبشية، فاقامت عندهم، وكان الرسول بعد الهجرة يذكر اموراً حدثت في مقامه ويقول: «ان اُمي نزلت في تلك الدار، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إلىّ فنظر الىَّ رجلٌ من اليهود فقال: يا غلام ما اسمك؟ فقلت: أحمد، فنظر إلى ظهري، وسمعته يقول: هذا نبي هذه الاُمة، ثم راح إلى اخوانه فاخبرهم فخافت اُمّي علىِّ فخرجنا من المدينة، فلما كانت بالابواء توفيت ودُفنت فيها.

وروى ابو نعيم في دلائل النبوة عن اسماء بنت رهم قالت: شهدت آمنة اُمّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في علتها الّتي ماتت بها، ومحمَّد ـ عليه السلام ـ غلام يفع


1 - السيرة الحلبية: ج 1، ص 46.
2 - سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 58 .


(292)

(اي يافع) له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها:

إن صحَّ ما أبصرتُ في المنام * فانت مبعوثٌ إلى الانام

فاللّه انهاكَ عن الاصنام * ان لا تواليها مع الاقوام

ثمّ قالت: كل حي ميت وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وانا ميتة وذكري باق وولدتُ طهراً .

وقال الزرقاني في شرح المواهب نقلا عن جلال الدين السيوطي تعليقا على قولها: وهذا القول منها صريح في انها كانت موحِّدة إذ ذكرت دين ابراهيم ـ عليه السلام ـ ، وبشرت ابنها بالاسلام من عنداللّه، وهل التوحيد شيء غير هذا، فان التوحيد هو الاعتراف باللّه وانه لا شريك له، والبراءة من عبادة الاصنام(1) .

ونلفت نظر القارىء الكريم هنا إلى ما قاله المرحوم الشيخ المفيد في كتابه «اوائل المقالات» في هذا الصدد:

اتفقت الإمامية على أن آباء رسول اللّه من لدن آدم إلى عبداللّه بن عبدالمطلب مؤمنون باللّه عزّوجلّ موحدون له، واحتجوا في ذلك بالقرآن والاخبار قال اللّه عزّوجلّ: «الّذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين»(2) .

ثمَّ إنّ هنا سؤالين هما:

1ـ هل كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة مُوحِّداً؟

2ـ بماذا وبأىِّ دين كان يتعبَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة؟

واليك الحديث في هاتين الجهتين:

ايمان النبي باللّه وتوحيده قبل البعثة:

إنَ الدلائل التاريخية ـ بالاضافة إلى البراهين العقلية والكلامية ـ تدل على انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان قبل ان يبعثه اللّه بالإسلام، مؤمناً باللّه، موحّداً إياه، لم يعبد وثناً قط، ولم يسجد لصنم أبداً، وان ذلك من المسلمات .


1 - الاتحاف للشبراوي: ص 144; سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية: ج 1، ص 57 .
2 - اوائل المقالات: ص 12 و 13 .


(293)

وهذا الامر وان كان أمراً مسلماً وواضحاً كوضوح الشمس إلا اننا نذكر بعض ما جاء في التاريخ الثابت الصحيح ليقترن ذلك الاتفاق بأصحّ الدلائل التاريخية:

اما بغضه للأَصنام وتجنبه للاوثان وما يكون من هذا القبيل فإليك بعض ما ذكره التاريخ الصحيح في هذا المجال:

1ـ جاء في حديث طويل: انَ النبىَ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما تم له ثلاث سنين قال يوماً لوالدته (لمرضعته) حليمة السعدية: مالي لا أرى أخَوىَّ بالنهار، قالت له: يا بُنىّ انّهما يرعَيان غُنَيْمات.

قال: فمالي لا أخرج معهما، قالت له: أتحبُ ذلك؟ قال: نعم، فلما اصبَحَ محمَّد دهّنته (تقول حليمة) وكحّلته وعلّقتُ في عنقه خيطاً فيه جِزعٌ يمانىُّ، فنزعه ثم قال لاُمّه:

«مَهْلا يا امّاهُ فَاِنَّ مَعِيَّ مَنْ يَحفظني»(1) .

2ـ روي ان «بحيرا» الراهب قال للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في سفرته الاولى مع عمّه أبي طالب إلى الشام: ياغلام اسألك بحق اللات والعزى الا أخبَرْتَني عما اسألك، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«لا تسأَلْنِي باللات والعُزّى فواللّه ما ابغَضتُ شَيئاً بغضَهُما» قال الراهب: باللّه الا أخْبَرْتني عما أسالك عنه، قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : سَلْني عمّا بدالك(2) .

3ـ روي أنه قد وقع بين النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وبين رجل تلاح في سفرته الثانية إلى الشام للتجارة بأموال خديجة مع غلامها «ميسرة» بعد أن باع ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سلعته، فقال له الرجل: إحلِفْ باللات والعزى، فقال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :


1 - المنتقى، الباب الثاني من القسم الثاني ـ للكازروني كما في البحار: ج 15، ص 392 .
2 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 154، السيرة النبوية: ج 1، ص 182 .


(294)

«ما حلفتُ بهما قطُّ، وإنّي لأمُرُّ فاُعرِضُ عنهما».

وفي رواية اُخرى:

«إليكَ عَني ثكلتْكَ امُّكُ فما تكلمت العربُ بكلمة اثقلَ علىَّ من هذه الكلمة» .

فقال الرجل: القولُ قولك. ثم قال لميسرة: هذا واللّه نبىُّ(1) .

واما عبادته للّه تعالى فقد أجمع المؤرخون على أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخلو بحراء كل عام شهراً يعبد فيه اللّه تعالى .

وقد قال الامام أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ في هذا المجال:

«وَ لَقَدْ كانَ يُجاورُ في كلِّ سَنة بحراء، فاراه وَ لا يراهُ غيري»(2) .

حتّى أن جبرئيل وافاهُ بالرسالة في ذلك المكان، وفي تلك الحال.

وقد صَرَّح بهذا أصحابُ الصحاح الستة أيضاً إذ قالوا:

«وَ كانَ يخلو بحراء فيتحنّثُ فيه، وهو التعبد في الليالي ذوات العدد»(3) .

كما ان الإمام اميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ وصف هذا المقطع من حياة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقوله:

«ولقد قرَن اللّه به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لدُنْ أنْ كان فطيماً أعظم مَلك من ملائكته يسلكُ به طريق المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم، ليله ونهاره»(4) .

وجاء في الأخبار أنَّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حجّ قبل البعثة حجات عديدة وكان يأتي بمناسكها على وجه صحيح بعيداً عن أعين قريش .

قال الإمامُ الصادقُ ـ عليه السلام ـ : في حديث ابن أبي يعفور:

«حج رَسُولُ اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عشر حجَّات مُستتراً في كُلِّها»(5) .

وفي رواية: عشرين حجة (6) .


1 - الطبقات الكبرى: ج 1، ص 156، بحارالأنوار: ج 16، ص 18 .
2 - نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة 192 .
3 - صحيح البخاري: ج 1، ص 2، صحيح مسلم باب الايمان، مسند أحمد: ج 6، الحديث 233 .
4 - نهج البلاغة: قسم الخطب، الخطبة رقم 192 .
(5) و (6) ـ وسائل الشيعة: ج 8، ص 88 أبواب وجوب الحج .


(295)

والسبب في هذا الاستتار هو أن قريش كانت قد اسقطت بعض مناسك الحج، والعمرة، فكانت تؤدّي الحج بصورة غير صحيحة وربما غيرت أشهر الحج احياناً لبعض الاعتبارات السياسية والمادية، وهو ما سمي بالنسيء وقد مرّ بيانه(1) .

ان هذه الوقائع وغيرها ـ وهي ليست بقليلة اصدق دليل على إيمانه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوحيده، إذ كيف يمكن أن يتنكَّب مثل هذه الشخصية الّتي نشأت وترعرعت في ذلك البيت الطاهر، وقرن اللّه به ملكاً يتولاه بالتربية والهداية عن جادة التوحيد .

ثم أن ممّا لا ريب فيه أن الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هو افضل من جميع الأنبياء والمرسلين بنص القرآن الكريم .

وقد صرح القرآن بان بعض الانبياء بلغوا درجة النبوة في الصغر، أو الصبا، ونزلت عليهم الكتب في تلك الفترات .

فَمثلا يقول القرآن الكريم عن يحيى بن زكريا: (يا يَحيى خُذ الكِتابَ بقوَّة وآتيْناهُ الحُكمَ صَبِي)(2) .

ثم يقول عن «عيسى بن مريم» عندما كان في المهد وكان وجوه القوم من بني اسرائيل قد استنكروا ولادته من غير اب، وطلبوا من «مريم البتول» ان توضح لهم الامر، وتبين لهم كيف حملت بعيسى؟!! فاشارت إلى المسيح ـ عليه السلام ـ أن كلِّموه وهو آنذاك في المهد لم يمض على ولادته سوى ايام معدودات; فنطق المسيح بفصاحة كبيرة وقال:

(إنّي عَبْدُاللّه آتانيَ الكِتابَ وَ جَعَلنِي نَبيّاً. وَ جَعلنِي مُباركاً أين ما كُنْتُ وَ أوصَاني بالصَلاة والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَي)(3) .

لقد بيَّن وليد «مريم» للناس اُصول دينه وفُروعه في فترة الطفولة والرضاعة، وأعلن لهم عن توحيده وايمانه باللّه سبحانه .


1 - راجع الصفحة 83 و 84 من هذا الكتاب .
2 - مريم: 12 .
3 - مريم: 30 و 31.


(296)

فهل يرضى ضميرك أيها القارىء الكريم أن يكون «يحيى» و «المسيح» ـ عليهما السلام ـ مؤمنين معلنين عن توحيدهما، وإيمانهما منذ طفولتهما، وصباهما، ويكون أفضل الأنبياء والمرسلين، وأشرف الخلق أجمعين إلى سِنّ الأربعين على غير إيمان، وتوحيد، مع أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان مشتغلا بالتعبّد في جبل «حراء» عند نزول ملاك الوحي عليه لأول مرة؟

واليك بعض ما قاله المؤرخون، والعلماء في هذا المجال استكمالا لهذا المبحث: قال ابن هشام: كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فاذا قضى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوفُ به سبعاً أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع إلى بيته حتّى إذا كان الشهر الّذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة الّتي بعثه اللّه تعالى فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى «حراء» كما كان يخرج لجواره ومعه اهله حتّى إذا كانت الليلة الّتي اكرمه اللّه فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبرئيل ـ عليه السلام ـ بامر اللّه تعالى(1) .

وقال العلامة المجلسي: قد ورد في أخبار كثيرة انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يطوف، وانه كان يعبد اللّه في حراء وانه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية والتحميد عند الاكل وغيره، وكيف يجوّز ذو مسكة من العقل على اللّه تعالى ان يهمل افضل انبيائه اربعين سنة بغير عبادة؟ والمكابرة في ذلك سفسطة(2) .

فايمان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وتوحيده قبل البعثة، اذن، أمرٌ مسلمٌ لا شبهة فيه، ولا غبار عليه .

ولكن بعض الكُتاب من المسيحيين ومن تبعهم، من المستشرقين وغيرهم، أبوا إلاّ أن ينتقصوا النبىّ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فادّعوا ضلالَهُ قبل البعثة،


1 - السيرة النبوية: ج 1، ص 236 .
2 - بحار الأنوار: ج 18، ص 280 .


(297)

وإنه كان على غير إيمان، أو توحيد، واستدلّوا لزعمهم الباطل هذا بما توهّموا أنه يدلّ على دعواهم من الآيات القرآنية، وأبرزها الآيات التالية:

1- (ألم يَجدكَ يتيماً فآوى. وَ وَجَدك ضالاّ فَهَدى)(1) .

2- (وثيابَكَ فَطهِّر. وَالرُّجْزَ فاهْجُرْ)(2) .

3- (و كَذلِكَ أوْحَينا إلَيْكَ رُوْحاً مِنْ أمْرنا ما كُنْتَ تَدري ما الكِتابُ ولا الإيمانُ وَلكِنْ جَعلَناهُ نُوراً نَهْدي بِه مَنْ نَشاء مِنْ عِبادِنا وإنَّكَ لَتهْدي إلى صِراط مستقيم)(3) .

(قُلْ لَوشاء اللّه مَا تَلَوتُه عَليْكُمْ وَ لا أدريكُمْ بِهِ فَقدْ لَبِثْتُ فِيْكُمْ عُمراً مِنْ قَبلِه أفَلا تَعْقِلُون)(4) .

(وَ ما كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقى إلَيْكَ الْكِتابُ إلاّ رَحْمة مِنْ رَبِّك)(5) .

لقد استدل المستشرقون ومن لفّ لفهم ومن سبقهم أولحقهم من المخطّئة بهذه الآيات على ضلال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة، وسلب الايمان عنه، ولكنها لا تدل على ما يريدون، ولاجل تسليط الضوء على مقاصدهم نبحث عنها واحدة واحدة .

الايةُ الاُولى: الهداية بعد الضلالة:

ذكرالمفسرون لقوله تعالى: «وَوَجدَكَ ضالا فهدى» الّذي يشعر بهداية النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد الضلالة احتمالات عديدة، في معرض الاجابة على استدلال من استدل به لاثبات ضلال النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة ولكن الحق ان يقال: أنّ الضال يُستعمل في عرف اللغة في موارد:

1- الضالّ: من الضلالة ضدّ الهداية والرشاد .

2- الضالّ: من ضلّ البعير إذا لم يعرف مكانه .


1 - الضحى: 6 و 7 .
2 - المدّثر: 4 و 5 .
3 - الشورى: 52 .
4 - يونس: 16 .
5 - القصص: 86 .


(298)

3- الضالّ: من ضلّ الشيء إذا ضؤل وخفى ذكره .

وتفسير الآية بأىّ واحدة من هذه المعاني لا يثبت ما يدعيه الذين يتمسكون بها لأثبات ضلال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قبل البعثة .

أما المعنى الأول فهو المقصود في كثير من الآيات قال سبحانه: (غَيْر المَغضوب عَليهم وَ لا الضالّين)(1) .

لكن الضلالة على نوعين:

النوع الأول ما تكون الضلالة فيه أمراً وجودياً في النفس يوجب ظلمة النفس ومنقصتها، مثل الكفر والشرك والنفاق، والضلالة بهذا المعنى قابلة للزيادة والنقصان قال سبحانه: (إنّما النَسِيء زيادةٌ في الكُفْر)(2) .

النوع الثاني ما تكون الضلالة فيه أمراً عدَمياً، وذلك عندما تكون النفس فاقدة للرشاد، وعندئذ يكون الإنسان ضالا بمعنى أنه غيرُ واجد للهداية من عند نفسه، وذلك كالطفل الّذي اشرف على التمييز وكاد أن يعرف الخير والشر، ويميز بين الصلاح والفساد فهو آنذاك ضالٌّ بمعنى أنه غير واجد للنور الّذي يهتدي به في سبل الحياة لا بمعنى كينونة ظلمة الكفر والفسق في نفسه وروحه .

والمراد من الضالّ في قوله تعالى «وَ وَجدكَ ضالا فَهَدى» لو كان ما يضادد الهداية فهو يهدف إلى النوع الثاني، فيكون المعنى انك في ابان عمرك كنت غير واجد للهداية من عند نفسك فهداك اللّه إلى اسباب السعادة وعرفك عوامل الشقاء، وهو اشارة إلى قانون الهي عام في حياة البشر انبياء واناساً ماديين، وهو ان هداية كل إنسان بل كل ممكن مكتسبة من اللّه قال سبحانه:(قالَ رَبُّنا الَّذي أعطى كُلَّ شيء خلْقَهُ ثمّ هَدى)(3) .

وعلى هذا الاساس فالآية تهدف إلى ذكر النعم الّتي انعم اللّه بها على نبيه الحبيب منذ ان استعد لها فآواه بعد ما صار يتيماً، وافاض عليه الهداية بعد ما كان


1 - الفاتحة: 7 .
2 - التوبة: 37 .
3 - طه: 50، وراجع الآيات: 2 و 3 من سورة الأعلى و 43 من سورة الأعراف و 78 من سورة الشعراء وغيرها .


(299)

فاقداً لها بحسب ذاته، وبحكم طبيعته، ويعود زمن هذه العناية الربانية بنبيه إلى مطلع حياته، واوليات عمره وايام صباه بقرينة ذكر ذلك بعد الايواء الّذي تحقق باليتم، وتمّ بجده عبدالمطلب فوقع في كفالته إلى ثمانية سنين، ويؤيد ذلك قولُ امام المتقين علي بن ابي طالب ـ عليه السلام ـ : «و لقد قَرنَ اللّه به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من لَدنْ أن كانَ فطيماً أعظمَ مَلك من ملائكته يسلكُ به طريقَ المكارم، ومحاسنَ أخلاق العالم ليله ونهاره»(1) .

وصفوة القول أن المراد بكونه ضالا هو أن لازم كون النبي ممكناً بالذات هو كونه فاقداً في ذاته لكل كمال وجمال، مفاضاً عليه كل جميل من جانب اللّه تعالى وهذا هو اشارة إلى مقتضى التوحيد الافعالي واين هذا من الضلالة المساوقة للكفر أو الشرك أوالفسق والعصيان؟!

ثم ان من المحتمل ان تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء إذا لم يُعرف مكانه» وفي الحديث «الحكمة ضالّة المؤمن» اي مفقودته، لاضدّ الهداية والرشاد، فيكون الضالّ بهذا المعنى منطبقاً على ما نقله أهلُ السير والتواريخ عن ماجرى للنبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في ايام صباه يوم ضلّ في شعاب مكة، وهو صغير فمنّ اللّه عليه إذ ردّه إلى جدّه، وقصته معروفة في كتب السير والتاريخ(2)ولولا رحمة اللّه سبحانه لادركه الهلاك ومات عطشاً أو جوعاً فشملتهُ العناية الالهية .

أو أن تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء إذا خفي وغاب عن الأعين» فالانسان الضال هو الإنسان المخفي ذكره، المسنىّ اسمُه لا يعرفه إلا القليل من الناس، ولا يهتدي كثير منهم إليه .

ولو كان هذا هو المقصود، كان معناه حينئذ انه سبحانه رفع ذكره، وعرّفه


1 - نهج البلاغة: من الخطبة 178 و المسماة بالقاصعة: ص 182 .

2 - لاحظ السيرة الحلبية: ج 1، ص 131 وغيره، وفي هذه القصة يروي عن حيدة بن معاوية العامري سمعت شيخاً يطوف بالبيت وهو يقول:

ياربّ ردّ راكبي محمَّداً * أردده ربّي واصطنع عندي يدا


(300)

للناس بعد ما كان خاملا ذكره منسياً اسمُه .

ويؤيد هذا الاحتمال قوله سبحانه في سورة الانشراح الّتي نزلت لتحليل ما ورد في سورة الضحى قائلا:

(المْ نشرَح لَك صَدرَك. وَوَضْعْنا عَنْكَ وزرَك. الّذي أنقَضَ ظهرَكَ. وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكرَك)(1) .

فرفع ذِكْره في العالم عبارة عن هداية الناس إليه ورفع الحواجز بينه، وبينهم وعلى هذا فالمقصود من «الهداية» هو هداية الناس إليه لا هدايته بعد ضلال، فكأنه قال: فوجدك ضالا، اي خاملا ذكرك، باهتا اسمُك، فهدى الناس اليك، وسيّر ذكرك في البلاد.

وإلى ذلك يشير الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ على ما في خبر ابن الجهم بقوله: «قال اللّه عزّوجلّ لنبيه محمَّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ألم يجدك يتيماً فآوى) يقول «ألم يَجدْكَ» وحيداً فآوى إليك الناسَ (وَوَجَدكَ ضالاّ) يعني عند قومك «فَهَدى» أي هَداهُمْ إلى معرفَتِك»(2). قال الاستاذ الشيخ محمَّد عبده في هذا المجال:

لقد بُغِّضتْ إليه (أي إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ) الوثنيّةُ من مبدأ عمره فعاجلته طهارةُ العقيدة، كما بادره حسنُ الخليقة، وما جاء في الكتاب من قوله: «وَ وَجدَكَ ضالاّ فَهدى» لا يُفهَم منه أنه كان على وثنية قبلَ الاهتداء إلى التوحيد، أو على غير السبيل القويم، قبل الخلق العظيم حاشَ للّه، إنّ ذلكَ لهوَ الإفكُ المُبِين(3) .

الآية الثانية: الامر بهجر الرجز

استدلّوا بقول اللّه تعالى «والرُجْزَ فاهجُرْ» على وجود ارضية لعبادة الصنم


1 - الإنشراح: 1 ـ 4 .
2 - بحارالأنوار: ج 16، ص 142 .
3 - رسالة التوحيد للشيخ محمَّد عبده: ص 135 و 136 .


(301)

والوثن في شخصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وذلك بتفسير الرجز بالصنم، والوثن، ويتضح بطلان هذا الادعاء والاستنباط إذا أمعنا في معاني واستعمالات هذه اللفظة في الكتاب العزيز .

ان الرجز استعمل في القرآن الكريم في معان ثلاثة: العذاب، القذارة، الصنم .

وقد استعمل الرجز (بكسر الراء) في تسع موارد في القرآن الكريم، وقد اُريد منه في جميعها العذاب إلاّ في مورد واحد: وهي: البقرة ـ 59، والاعراف ـ 134 (وجاءت اللفظة فيها مرتين) و 135 و 162 والانفال ـ 11 وسبأ ـ 5 والجاثية ـ 11 والعنكبوت ـ 34.

وجاء الرجز ـ بضمّ الراء ـ مرّة واحدة وهي الآية الّتي نحن بصددها هنا(1) .

وهذه الآية لا تدل على ما ذهب إليه الذين يزعمون بان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان على غير التوحيد قبل البعثة .

واليك بيان هذا الموضوع مفصلاً :

1- ان الرُجز لو كان بمعنى «العذاب» دَلّت الآية على هجر ما يستلزم العذابَ، فيكون الخطابُ حينئذ مسوقاً من باب التعليم، ومن باب «اياك أعني واسمعي يا جاره»، فيكون ظاهر الأمر هو مخاطبة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ونهيه عما يستلزم العذاب، وارادة تعليم الاُمة مثل قول اللّه تعالى في خطابه للنبي (فلا تكوننّ ظهيراً للكافرين)(2). وقوله تعالى: (لئن أشركْتَ ليَحْبَطنَّ عَملُك)(3) فكما لا تدلّ الآية على وجود أرضية الشرك في شخصية النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كذلك لا تدل الآية على وجود أرضية التعرض للعذاب في شخصية رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

2- إن الرُجز لو كان بمعنى (القذارة) وهي تنقسم إلى مادية ومعنوية فيحتمل ان يكون المراد بناء على المعنى الأول اشارة إلى ما ورد في الروايات من


1 - المدَّثر: 5 .
2 - القصص: 86 .
3 - الزمر: 65 .


(302)

أنّ اباجهل جاء بشىء قذر، وأمر رجلا من قريش بالقائه على النبىّ، ففعل، فأمراللّه نبيه بتطهير ثوبه من الدنس .

ويحتمل ان تكون الآية دعوة إلى اجتناب الصفات الذميمة بناء على ارادة المعنى الثاني الفظة الرُجز فتكون الآية تعليماً للناس على النمط السابق، فلا تدل على اتصاف النبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بها.

3ـ الرُجز بمعنى الصنم، لنفترض أن المقصود منه في الآية هو الصنم، لكن لا بمعنى أنه وضعَ لذاك المعنى، وإنّما وضعَ اللفظُ لمعنى جامع يعمُّ الصنم والخمر والازلام لاشتراك الجميع في كونها رجزاً، ولأجل ذلك وصِف الجميع في مورد آخر بالرجس فقال تعالى: (إنَّما الخمْرُ و المَيْسرُ وَ الأنْصابُ وَ الأَزْلامُ رجسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ)(1) .

ولكن يجاب عن هذا أيضاً بأن النبىّ يوم نزلت الآية لم يكن عابداً للوثن بل كان مشمّراً عن ساعد الجدّ لتحطيم الاصنام ومكافحة عبدتها، فلا يصحّ أن يخاطَب من هذا شأنه بهجر الاصنام إلا على السبيل الّذي أشرنا إليه وهو توجيه الخطاب إلى النبىّ وإرادة الاُمة به لكون هذا النوع من الخطاب أبلغ في التأثير، لأنه سبحانه إذا خاطب أعزّ الناس إليه بهذا الخطاب فغيره أولى به .

الآية الثالثة: عدم علمه بالكتاب والايمان

قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إليْكَ رُوْحاً مِنْ أَمْرنا ما كُنْتَ تَدريْ ما الْكِتابُ وَ لاَ الإيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدي بِه مَنْ نَشاء مِنْ عِبادِنا و إنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراط مُستَقيم)(2) .

زعم جماعة دلالة هذه الآية ـ والعياذ باللّه ـ على أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان فاقداً للايمان قبل الايحاء إليه .

لكنَ حياته الشريفة المشرقة بالإيمان، والتوحيد، تفنّد تلك المقالة، فالتاريخ


1 - المائدة: 90 .
2 - الشورى: 52 .


(303)

يشهد على انه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منذ بداية عمره إلى أن لاقى ربه مؤمناً موحداً وذلك امرٌ لاشك فيه، ولا شبهة تعتريه، وقد اجمع على ذلك أهلُ السير والتاريخ، وحتّى أن الاحبار والرهبان كانوا معترفين بانه نبىُّ هذه الاُمة، وخاتم النبيين، وكان يسمع تلك الشهادات منهم في فترات خاصة في «مكة» و «يثرب» و «بصرى» و «الشام»(1) وغيرها، فكيف والحال هذه يمكن ان يكون غافلاً عن الكتاب الّذي ينزل إليه أو يكون مجانباً للإيمان بوجوده سبحانه، و توحيده، والتاريخ المسلَّم الصحيح يؤكّد على عدم صدق ذلك الاستظهار من الآية الحاضرة .

فلابدّ إذن من الإمعان في مفاد الآية كما لابدّ ـ في تفسيرها ـ من الاستعانة بالآيات الواردة في ذلك المساق .

بعث النبيُ الاكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهداية قومه أوّلا، وهداية جميع الناس ثانياً، بالآيات والبيّنات، ونخصُّ بالذكر منها: القرآن الكريم (معجزته الكبرى الخالدة) الّذي بفصاحته أخرسَ فرسان الفصاحة، وقادة الخطابة، وببلاغته قهر ارباب البلاغة وملوك البيان، وخلب عقولهم، وقد دعاهم إلى التحدي والمقابلة، فلم يكن الجواب منهم إلاّ اثارة الشكوك والتهم حوله، وحول ما جاء به، وعدم المعارضة بمثل القرآن قط.

فتارة قالوا: بانه يعلّمه بشر، واُخرى بأنه إفكٌ افتراه، واعانه عليه قوم آخرون وثالثة: بأنه أساطير الاولين، قد اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة واصيلا، قال سبحانه رداً على هذه التهم الّتي أشرنا إليها: (قُلْ نزّلَهُ رُوحُ القدُس مِنْ ربّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِتَ الَّذينَ آمَنُوا وَ هُدى وَ بُشْرَى لِلْمُسْلِميْنَ * وَ لَقْدَ نَعلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنّما يُعلِّمُهُ بَشَرٌ لسانُ الَّذي يُلْحِدُونَ إليه أعجَمىّ وَ هذا لسانٌ عَرَبىٌّ مُبِينٌ)(2).

وقال سبحانه (وَ قالَ الَّذينَ كَفَرُوا إنْ هذا إلاّ إفكٌ افتراهُ وَ أعانَهُ عَلَيْهِ


1 - راجع السيرة النبوية والسيرة الحلبية وبحارالأنوار .
2 - النحل: 102 و 103 .