welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

ضياء الناظر في أحكام صلاة المسافر

ضياء الناظر
في
أحكام صلاة المسافر

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

نشر مؤسسة الإمام الصادق _ عليه السلام _


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

«وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَة مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»

التوبة: 122


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه الذي جعلَ الصلاة على المؤمنين كتاباً موقُوتاً، وعموداً للدّين، وقرّة عين لسيّد المرسلين، وسبباً للإقرار بربوبيته، وإظهاراً للذل والمسكنة لديه.

اللهمّ اجعل شريف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك، ورسولك، الذي عبَدك حتى تورّمت قدماه، ونزل في حقّه قولك: «طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقى * إِلاّتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى» (طه/1ـ3) وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين الّذين إن نطقوا صدَقوا وإن صَمَتوا لم يُسبَقُوا، صلاة نامية وزاكية.

أمّا بعد: فقد طلب منّي حضّار بحوثي الفقهية ـ بعدما انتهيت عن البحث في القضاء والشهادة ـ إلقاء محاضرات في أحكام صلاة المسافر، لكثرة الابتلاء بمسائلها فنزلت عند رغبتهم، وجعلت المحور كتاب العروة الوثقى، للسيد الفقيه الطباطبائي ـ رضوان اللّه عليه ـ مع الرجوع إلى أُمّهات الكتب ومصادر الأحكام. عسى أن ينتفع بها الإخوان.

فنقول: يقع الكلام في فصول:


(6)


(7)

الفصل الأوّل

في أنّ التقصير عزيمة


(8)


(9)

اختلفت كلمة الفقهاء في أنّ التقصير عزيمة أو رخصة، واتّفق أئمّة أهل البيت وتبعهم فقهاؤهم على أنّه عزيمة والأصل في ذلك قوله سبحانه:

«وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا إِنَّ الكافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبيناً» (النساء/101).

ومعنى الآية: «إذا سافرتم في الأرض فليس عليكم إثم أن تقصروا من الصلاة» والمعنى المعروف للتقصير هو الإتيان بالرباعيات ركعتين، وهذا ما فهمه أكثر الفقهاء من أهل السنّة وعامة مشايخنا من الشيعة وهو مذهب أهل البيت.

وروي عن ابن عباس أنّ المراد هو القصر في صفة الصلاة وأنّها تصلّى إيماءً، والسجود أخفض من الركوع، فإن لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن كلّ ركعة. وهو خيرة ابن عباس وطا ووس اليماني.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1. انّها رواية شاذة مخالفة لما هو المشهور عند المسلمين.

2. انّ القصر يقابل الطول، فطول الصلاة عبارة عن كثرة ركعاتها وأجزائها قبال القصر، وأمّا التخفيض والإيماء مكان الركوع والسجود فلا يُسمّى قصراً، وإنّما هو انتقال من فرد إلى فرد آخر.


1 . الطبرسي: مجمع البيان: 3/153.


(10)

وبذلك يظهر ضعف التفسير الثاني وان اختاره الجصاص(1) من أهل السنّة، والمرتضى(2) والقطب الراوندي في فقه القرآن من الشيعة.(3)

وقبل الورود في شرائط القصر نوضح مفاد الآية ونذكر ما يستفاد منها فنقول:

يستفاد من الآية ـ ولو بضميمة الإجماع ـ أُمور:

1. انّ الآية لا تدلّ على جواز القصر إلاّ في صورة الخوف، وتعميم حكمها إلى غيرها ثبت بفعل النبي وسيرة المسلمين وكلمات أئمّة أهل البيت.

2. انّ الصلاتين: التامة والمقصورة متحدتان ماهية، ومختلفتان قلّة وكثرة، ووظيفة الضارب في الأرض هو تقصير نفس الصلاة المأمور بها الحاضر، بشهادة قوله: «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة» فما يأتيه المسافر ليس إلاّ نفس ما يأتيه الحاضر من الصلاة إلاّ أنّها مقصورة.

3. انّ هنا أمراً واحداً متعلقاً بطبيعة الصلاة متوجهاً لعامة المكلّفين ولها فردان، والحاضر مأمور بإيجادها في الفرد التام، والمسافر مأمور بإيجادها في غيره. ويستفاد ذلك كلّه من قوله: «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة» ، أي قصر الصلاة المعهودة لعامة المكلّفين.

4. انّ الأصل في الصلاة هو التمام والقصر أمر طارئ، فلو شكّ في مورد أنّ الوظيفة هو التمام أو القصر وكانت الشبهة حكمية كان المرجع هو التمام إلاّ أن يدلّ دليل على القصر.

5. انّ الآية ليست بصدد تشريع القصر بل هي في مقام رفع الحظر


1 . أحكام القرآن:2/252.
2 . الانتصار: 53.
3 . الينابيع الفقهية:4/516.


(11)

والاستبعاد وإنّما دلّ على أصل الحكم شيء آخر من كلام الرسول، وعمله، نظيره قوله سبحانه: «إِنَّ الصَّفا وَ المَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطوَّفَ بِهِما فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ»(البقرة/158) .

كان للمشركين صنمان على جبلين فكانوا يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام استغربَ بعضُ المسلمين كون السعي من أجزاء الحج، وتوهموا انّه من مبتدعات المشركين لأجل تكريم صنميهم فجاءت الآية لرفع ذلك التوهم.

روى ابن أبي عمير، عن الحسن بن علي الصيرفي، عن بعض أصحابنا قال: سئل أبو عبد اللّه عن السعي بين الصفا والمروة، فريضة أم سنّة؟ فقال: فريضة. قلت: أو ليس قد قال اللّه عزّوجلّ: «فَلا جُناحَ عَلَيْه أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما»؟ قال: كان ذلك في عمرة القضاء. انّ رسول اللّه شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام من الصفا والمروة فتشاغل رجل، ترك السعي حتى انقضت الأيّام وأُعيدت الأصنام، فجاءوا إليه فقالوا: يا رسول اللّه إنّ فلاناً لم يسع بين الصفا والمروة وقد أُعيدت الأصنام. فأنزل اللّه: «فَلا جُناحَ عليهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهما» أي: وعليهما الأصنام.(1)

و نظير ذلك مورد القصر حيث إنّ تقليل الركعات صار مورد استغراب واستبعاد، فنزلت الآية لرفعه، ولأجل ذلك قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في روايته: «صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته».

فإن قلت: إذا لم تكن الآية بصدد التشريع فلماذا تجب الإعادة على من أتم في السفر إذا كان ممن قرأت عليه آية التقصير وفسّرت كما في صحيح محمد بن مسلم؟(2)


1 . الوسائل: الجزء 9، الباب 1 من أبواب السعي، الحديث 6. ولاحظ الكشاف:1/247، في تفسير الآية.
2 . الوسائل، الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(12)

قلت: إنّ الحديث دالّ على خلاف المطلوب بقرينة انّه لم يكتف بقراءة الآية، بل أضاف عليها تفسيرها، والمراد من تفسيرها تبيين كون رفع الجناح في الآية مثل رفع الجناح في آية السعي بين الصفا والمروة، فلا ملازمة بين رفع الجناح والرخصة، بل هو أعمّ من الرخصة والعزيمة، وأمّا عدم التعبير بما هو نصّ في العزيمة، فلأجل انّها ليست بصدد بيان أصل الحكم، حتى تأتي بما هو نصّ فيه، بل هي بصدد رفع توهم الحظر الموجود في الأذهان.

و الحاصل أنّ استخدام لفظة «لا جناح»، بدل الأمر بالقصر والسعي، لأجل عدم كونهما بصدد التشريع بل لرفع توهم الحظر، وإلاّ كان المتعين هو الأمر بالقصر والسعي. وبذلك يعلم انّ الآيتين ساكتتان عن كون كلّ من القصر والسعي عزيمة أو رخصة، وإنّما يعلم حكمهما من الدليل الخارج، فليس لأحد أن يتمسك بهما في إثبات أحد الأمرين وسيوافيك تفصيله.

6. اختلف فقهاء أهل السنّة في وجوب القصر وعدمه إلى أربعة أقوال:

الأوّل: انّ القصر هو فرض المسافر المتعين عليه. ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون بأسرهم.

الثاني: انّ القصر والإتمام كلاهما فرض مخيّر له، كالخيار في واجب الكفارة. وبه قال بعض أصحاب الشافعي.

الثالث: انّ القصر سنّة.و به قال مالك في أشهر الروايات عنه.

الرابع: انّ القصر رخصة، وانّ الإتمام أفضل. وبه قال الشافعي في أشهر الروايات عنه وهو المنصور عند أصحابه.

و نقل هذه الأقوال ابن رشد القرطبي في «بداية المجتهد»(1) وذكر


1 . ابن رشد: بداية المجتهد:1/161.


(13)

انّ اختلافهم ناشئ من اختلاف الأدلّة، فالآية ظاهرة في الترخيص، غير أنّ بعض الأدلّة دلّت على العزيمة، أعني: حديث عائشة الثابت باتّفاق قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرَّتْ صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، كما يخالفه دليل الفعل، فإنّ المنقول انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقصر في كلّ أسفاره، وانّه لم يصح عنه ـ عليه السَّلام ـ انّه أتمّ الصلاة قط.

أقول: اتّفقت الإماميّة على أنّ التقصير في السفر واجب لا غير.

قال الشيخ: التقصير في السفر فرض وعزيمة والواجب من هذه الصلوات، الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة، ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الإعادة.(1) وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على ذلك ونذكر منها:

1. روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث».(2)

2. روى حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلام أنّهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».(3)

3. روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : صلّيت أربع ركعات وأنا في سفر. قال: «أعد».(4)

***

وأمّا أهل السنّة فقال ابن قدامة: أمّا السنّة فقد تواترت الأخبار انّ رسول


1 . الطوسي: الخلاف، كتاب الصلاة ، المسألة 321.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و1.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 16 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و1.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6 ولاحظ عامة روايات الباب.


(14)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يقصر في أسفاره حاجاً ومعتمراً وغازياً.(1)

وقال ابن القيّم الجوزيّة: والتقصير في الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت انّه أتم الرباعية في سفره البتة.(2)

أقول: لقد تضافرت رواياتهم على أنّ عمل النبي كان على القصر ولم يُرَ منه التمام طيلة عمره، وقد تبعه الخلفاء الأوّل والثاني وحتى الثالث إلى السنة السادسة من خلافته، وأتمّ بعدها، فهو أوّل من أتمّ في موضع القصر باتّفاق الفريقين.

روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر قال: حجّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأقام بمنى ثلاثاً يصلّي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبوبكر، وصنع ذلك عمر، ثمّ صنع ذلك عثمان ست سنين، ثمّ أكملها عثمان أربعاً فصلى الظهر أربعاً، ثمّ تمارض ليشد (ليسد) بذلك بدعتَه، فقال للمؤذن: إذهب إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فقل له: فليصل بالناس العصرَ، فأتى المؤذن علياً ـ عليه السَّلام ـ فقال له: إنّ أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلّي بالناس العصر، فقال: إذن لا أُصلي إلاّ ركعتين كما صلّى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فرجع المؤذن فأخبر عثمان بما قال علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: إذهب إليه وقل له: إنّك لستَ من هذا في شيء اذهب فصلّ كما تؤمر، فقال ـ عليه السَّلام ـ : لا واللّه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً».

فلمّـا كان في خلافة معاوية واجتمع الناس عليه وقُتِل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ حجَّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر، ثمّ سلّم فنظر بنو أُمية بعضهم إلى بعض وثقيف ومن كان من شيعة عثمان، ثمّ قالوا: قد قضى على صاحبكم وخالف وأشْمتَ به عدوّه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أتدري ما صنعتَ؟ ما زدتّ على أن قضيتَ على صاحبنا وأشمتّ به عدّوه ورغبتَ عن صنيعه وسنته،


1 . ابن قدامة: المغني:2/209.
2 . ابن القيم: زاد المعاد:1/158.


(15)

فقال: ويلكم أما تعلمون أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صلّى في هذا المكان ركعتين وأبوبكر وعمر وصلّى صاحبكم ست سنين كذلك فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وما صنع أبوبكر وعمر وعثمان قبل أن يُحدِث، فقالوا: لا واللّه ما نرضى عنك إلاّبذلك، قال: فاقبلوا فإنّي متبعكم وراجع إلى سنّة صاحبكم فصلّى العصر أربعاً، فلم يزل الخلفاء والأُمراء على ذلك إلى اليوم.(1)

و رواه مسلم، عن عبدالرحمان بن يزيد يقول: «صلّى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود فاسترجع ثمّ قال: صليتُ مع رسول اللّه بمنى ركعتين، وصلّيتُ مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصلّيت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان.(2)

وهل استرجاع ابن مسعود إلاّ للظاهرة التي طرأت آنذاك أول مرّة وهي عدم الاكتراث بسيرة النبي، والّتي استمر عليها الشيخان ونفس عثمان في صدر خلافته.

ثمّ قد استدل القائل بالرخصة بوجوه أتمّها أمران:

1. ظاهر الآية: أعني قوله سبحانه: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُروا مِنَ الصّلاةِ...» (النساء/101) فإنّ الجناح هو الإثم وهو ظاهر في الجواز لا في الوجوب، فتكون النتيجةُ أنّ القصر رخصة، والمكلّف مخيّر بين الفعل والترك كسائر الرخص.

يلاحظ عليه: أنّ الآية ليست بصدد بيان انّ القصر رخصة أو عزيمة، بل هي بصدد بيان رفع توهم الحظر، وكأنّ المخاطب يتصور انّ القصر نقصان في الصلاة وهو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهم لتطيب أنفسهم بالقصر،


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
2 . مسلم : الصحيح بشرح النووى:5/204.


(16)

وأمّا انّه واجب أو سائغ فإنّما يطلب من دليل آخر، والآية لا تصلح للاستدلال لواحد من القولين.

2. ما استدل به ابن قدامة من أنّ ابن أُمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا» وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول اللّه فقال: صدقة تصدق اللّه بها عليكم فأقبلوا صدقته. أخرجه مسلم(1)، وهذا يدل على أنّه رخصة وليس بعزيمة وانّها مقصورة.

يلاحظ عليه: أنّها على خلاف المقصود أدلّ، حيث إنّ الرسول أمر بقبول الصدقة، والأمر ظاهر في الوجوب، فكيف تحمل الآية على الرخصة؟!

أضف إليه: انّ قياس صدقة اللّه بصدقة الناس قياس مع الفارق، فإنّ صدقته ليست أمراً اعتباطياً، بل هي ناشئة من الحكمة البالغة الإلهية، فيصبح القبول أمراً واجباً.

على أنّ الظاهر من أحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ أنّ رد صدقته محرم حيث قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن تردّ عليه».(2)

فتلخص انّ القصر عزيمة، والإتمام في موضع القصر غير صحيح إلاّ ما خرج بالدليل. إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ لوجوب القصر شروطاً ذكرها الفقهاء في كتبهم، وإليك بيانها.


1 . ابن قدامة،:المغني:2/209، ولاحظ صحيح مسلم بشرح النووى:5/196.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 22من أحكام صلاة المسافر، الحديث 7.


(17)

الفصل الثاني

في شروط القصر

1. المسافة وهي ثمانية فراسخ.

2. قصد قطع المسافة.

3. استمرار قصد المسافة.

4 . أن لا يكون من قصده إقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية أو المرور على الوطن.

5. أن لا يكون السفر حراماً.

6. أن لا يكون ممن بيته معه.

7. أن لا يكون ممن اتخذ السفرَ عملاً وشغلاً.

8. الوصول إلى حدّ الترخص .


(18)


(19)

الشرط الأوّل: المسافة

اتّفق الفقهاء إلاّ داود الظاهري على أنّ مطلق السفر غير كاف في التقصير، بل تعتبر فيه المسافة الخاصة، واختلفوا في حدّها.

فقالت الشيعة الإماميّة والأوزاعي ـ من أهل السنّة ـ: إنّه تكفي مرحلة واحدة، وتقدَّر بثمانية فراسخ.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: السفر الذي تقصر فيه ثلاث مراحل التي تقدر بأربعة وعشرين فرسخاً، وروي ذلك عن ابن مسعود.

وقال الشافعي: مرحلتان، وتقدر بستة عشر فرسخاً.

وقال داود الظاهري: أحكام السفر تتعلق بالسفر الطويل والقصير.(1)

وقد فسرت ثمانية فراسخ في رواياتنا بالبريدين وبأربعة وعشرين ميلاً، وعلى ضوء ذلك فالعناوين الأربعة التالية واحدة:

1. مرحلة واحدة

2. ثمانية فراسخ

3. بريدان

4. 24 ميلاً

ولنقدم شيئاً في توضيح هذه العناوين الأربعة:


1 . الطوسي: الخلاف:1/320، صلاة المسافر.


(20)

الأوّل: المرحلة

و هي ثمانية فراسخ، وكانت القوافل بعد نزولها على رأس ثمانية فراسخ يستريحون ثمّ يرحلون، ولأجل ذلك أطلقت المرحلة على نفس المسافة. وقد عرفت نص الشيخ الطوسي في الخلاف على أنّ المرحلة مصطلح في ثمانية فراسخ.

الثاني: الفرسخ

قال ابن منظور: الفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة أميال سُمِّي بذلك لأنّ صاحبه إذا مشى قعد واستراح من ذلك كأنّه سكن، وهو واحد الفراسخ فارسي معرب.(1)

وقال الطريحي: الفرسخ ـ بفتح السين ـ فارسي معرب، وقُدِّر بثلاثة أميال.(2)

أقول: إذا كان اللفظ فارسياً معرباً، فلعلّه معرب پرسنگ أو پارسنگ.(3)

والمراد من پارسنگ هي الأحجار المتراكمة بعضها فوق بعض حتى تصير كتلة واحدة، وتكون علامة لمقدار السير.

والمعروف انّ كلّ فرسخ ثلاثة أميال، وما ذكره في اللسان من كون كلّ فرسخ ستة أميال فهو قول غير مشهور. ولعلّ كلّ ميل كان ـ يوم ذاك ـ نصف الميل المعروف، فتصير ستةُ أميال مساويةً لثلاثة أميال.

الثالث: البريد

قال في اللسان: البريد ما بين كلّ منزلين بريد، والبريد الرُسل على دوابِّ


1 . اللسان:3، مادة فرسخ.
2 . مجمع البحرين، مادة فرسخ.
3 . انظر فرهنگ فارسي للدكتور محمد معين، ص 743.


(21)

البريد والجمع بُرُد. وفي الحديث انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «إذا أبردتم إليَّ بريداً فاجعلوه حسن الوجه وحسن الاسم»، البريد: الرسول، وإبراده: ارساله، وقيل لدابة البريد بريد أيضاً. (1)

وعلى ضوء ذلك فأصل البريد هو الرسول، ثمّ أطلق مجازاً على ما بين المنزلتين ونفس الدابة.

و يمكن أن يقال انّ البريد من البرد إمّا بمعنى النوم، أو ضدّ الحرارة، والأصل في ذلك في أنّ الحضارات القديمة ـ كالمعاصرة ـ تهتم بالبريد وكان على رأس كلّ منزل، مأمور يسمى بالبريد يستلم الرسالة ليوصلها إلى منزل آخر وهكذا تتكرر العملية عند كلّ منزل حتى تصل الرسالة إلى محلها، وبما انّ حامل الرسالة كان ينام أو يتبرد حين وصوله بالمنزل سمي بريداً، ثمّ تطور فأطلق البريد على مركبه والمسافة التي يقطعها.

قال ابن إدريس: وأصل البريد انّهم كانوا ينصبون في الطرق أعلاماً، فإذا بلغ بعضها راكبُ البريد، نزل عنه وسلّم ما معه من الكتب إلى غيره فكان ما به من الحر والتعب يبرد في ذلك، أو ينام فيه الراكب والنوم يسمى برداً، فسمي مابين الموضعين بريداً، وإنّما الأصل الموضع الذي، ينزل فيه الراكب، ثمّ قيل للدابة بريد، وإنّما كانت البرد للملوك ثمّ قيل للسير بريد.

وقال مزرّد بن ضرار يمدح عرابة الاوسي:

فدتك عراب اليوم نفسي واسرتي * وناقتي الناجي إليك بريدها(2)

و أمّا مقدار المسافة بين البريدين فقد قال الطريحي: البريد بالفتح على فعيل أربعة فراسخ اثناعشر ميلاً، وروى فرسخين ستة أميال والمشهور الذي عليه


1 . لسان العرب: 3/86، مادة «برد».
2 . السرائر: ج1، كتاب الصلاة، باب صلاة المسافر، ص 328.


(22)

العمل خلافه.

وفي الحديث عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : البريد ما بين ظل عير إلى فيء وعير ذرعته بنو أُميّة ثمّ جزّؤه اثني عشر ميلاً، فكان كلّ ميل ألفاً وخمسمائة ذراع، وهو أربعة فراسخ.(1)

وما ذكره في تفسير الميل من أنّ كلّ ميل ألفاً وخمسمائة ذراع هو خلاف المشهور كما سيوافيك.

الرابع: الميل

قال في اللسان: وقيل للأعلام المبنية في طريق مكّة أميال، لأنّها بنيت على مقادير مدى البصر من الميل إلى الميل وكلّ ثلاثة أميال منها فرسخ .(2)

وقال الطريحي: الميل مسافة مقدّرة بمدّ البصر أو بأربعة آلاف ذراع، بناء على أنّ الفرسخ اثنا عشر ألف ذراع (3).

قال ابن إدريس: وحدّ السفر الذي يجب معه التقصير بريدان والبريد أربعة فراسخ والفرسخ 3 أميال والميل4000 ذراع على ما ذكره المسعودي في كتاب مروج الذهب(4)، فإنّه قال: الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود، وهو الذراع التي وضعها المأمون لذرع الثياب ومساحة البناءو قسمة المنازل، والذراع أربعة وعشرون اصبعاً.(5)

بقي الكلام في أمر خامس وهو الذراع وهو من المرفق إلى أطراف الأصابع،


1 . مجمع البحرين: 3/13، مادة «برد».
2 . اللسان:11/639 مادة «ميل» .
3 . مجمع البحرين: 5/476، مادة «ميل».
4 . مروج الذهب:1/103ط دار الأندلس بيروت، وفي المطبوع مائة مكان أربعة و هو تصحيف.
5 . السرائر: 1/328.


(23)

ويحدد بست قبضات والقبضة أربعة أصابع.(1)

قال الفيومي: الذراع اليد من كلّ حيوان، لكنّها في الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، وذراع القياس ست قبضات معتدلات ويسمى ذراع العامة.(2)

وعلى ذلك فالمسافة الشرعية هي ثمانية فراسخ أو بريدان، وكلّ بريد أربعة فراسخ، وكلّ فرسخ ثلاثة أميال، وكلّ ميل 4000 ذراع.

نعم يظهر من بعض الروايات انّ الميل أقلّ من 4000 ذراع، ففي مرسلة محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : في كم ذاك؟ فقال: في بريد قال: وأيّ شيء البريد؟ فقال: ما بين ظل عير إلى فيء وعير قال: ثم عبرنا زماناً ثمّ رأى بنو امية يعملون أعلاماً على الطريق وانّهم ذكروا ماتكلم به أبو جعفر فذرعوا ما بين ظل عير إلى فيء وعير، ثمّ جزّؤه على اثني عشر ميلاً فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كلّ ميل.

وفي مرسلة الصدوق: فذرعته بنو أُميّة، ثمّ جزّؤه على اثني عشر ميلاً، فكان كلّ ميل ألفاً وخمسمائة ذراع، وهو أربعة فراسخ.(3)

وقال الفيض في الوافي: «عير» و«وعير» جبلان بالمدينة معروفان. وإنّما قال ما بين ظل عير إلى فيء وعير، لأنّ الفيّ إنّما يطلق على ما يحدث بعد النّور من ـ فاء يفيء ـ إذا رجع ولعلّ عيراً في جانب المشرق ووعيراً في جانب المغرب، وإنّما العبرة بالظّل عند الطلوع والغروب.(4)


1 . الطريحي: مجمع البحرين: 4/327، مادة «ذرع».
2 . الفيومي، المصباح المنير، مادة «ذرع».
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13و 16.
4 . الوافي: 5/124.


(24)

وهاتان الروايتان مع تعارضهما في تعيين حدّ الميل لا يعتد بهما.

وما نقلناه من المعاجم هو الظاهر من روايات الباب.

المسافة الشرعية في لسان الأدلّة

إذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أنّ المسافة الشرعية الواردة في النصوص عبارة عن الأُمور التالية:

1. ثمانية فراسخ.

2. البريدان.

3. 24 ميلاً.

4. مسيرة يوم أو بياض يوم.

ومرجع الجميع واحد، فهذه العناوين مختلفة مفهوماً متحدة مصداقاً.

والروايات تارة تقتصر بذكر واحد منها، وأُخرى تثنّي وتجمع بين العنوانين، وثالثة تثلّث وتذكر ثلاثة منها، وإليك نماذج من كلّواحدة.

أمّا القسم الأوّل: أي ما يعتمد على عنوان واحد، وهو:

إمّا ثمانية فراسخ فرواهاالفضل بن شاذان، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون: «و التقصير في ثمانية فراسخ وما زاد، وإذا قصّرت أفطرت».(1)

أو البريدان ويدل عليهما صحيح عاصم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خرج رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى ذي خُشب فقصّر وأفطر» قلت: وكم ذي خشب؟ قال: «بريدان».(2)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12.


(25)

أو أربعة وعشرون ميلاً، فقد ورد في رواية عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «في التقصير، حدّه 24 ميلاً».(1)

أو مسيرة يوم، ففي رواية علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن الأوّل عن الرجل يخرج في سفره وهو في مسيرة يوم، قال: يجب عليه التقصير في مسيرة يوم، وإن كان يدور في عمله.(2)

وأمّا القسم الثاني أي ما اجتمع فيه العنوانان:

فتارة جمع في الروايات بين بريدين مع أربعة وعشرين ميلاً، وأُخرى بين بريدين وبياض يوم، ففي رواية الكاهلي أنّه سمع الصادق ـ عليه السَّلام ـ يقول في التقصير في الصلاة بريد في بريد، أربعة وعشرون ميلاً. (3)

وفي صحيحة أبي أيّوب عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن التقصير، قال: فقال: «في بريدين أو بياض يوم».(4)

وأمّا القسم الثالث أي ما اجتمع فيه العناوين الثلاثة:

فتارة يشتمل على مسيرة يوم وبريدين وثمانية فراسخ، وأُخرى على مسيرة يوم مع بريدين وأربعة وعشرين ميلاً.

ففي رواية سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية(5)فراسخ.

وفي مرسلة الصدوق قال: وقد سافر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى ذي خشب وهو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، 24 ميلاً فقصّر وأفطر فصار سُنّة.(6)

وبذلك يمكن القول بأنّ العناوين الأربعة متحدة مصداقاً.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 16.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 16.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8، 4.
6 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8، 4.


(26)

نعم هناك روايات تعارضها وهي إمّا محمولة على التقيّة أو مؤوّلة، ففي رواية زكريا بن آدم، انّ الرضا كتب: «التقصير في مسير يوم وليلة».(1)

ولعلّ الواو بمعنى (أو) أو محمولة على من يسير ثمانية فراسخ في يوم وليلة.

وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا بأس للمسافر أن يتمّ الصلاة في سفره مسيرة يومين».(2)

وهي محمولة على التقية.

وقد عرفت انّ الشافعي يقول بشرطية المرحلتين وهما مسيرة يومين، ومع ذلك يجوّز الإتمام ولعلّه كانت لهذه الفتوى أصل قبل الشافعي.

وفي صحيحة البزنطي عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في جواب كم يقصر، فقال: « في ثلاثة برد»(3) فهو محمول على التقية أيضاً.

وأمّا ما رواه سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه ـ عليه السَّلام ـ : «التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهباً وجائياً، والبريد ستة أميال وهو فرسخان، والتقصير في أربعة فراسخ».(4)

فتفسير البريد بالفرسخين مخالف للمشهور، ولعلّ المراد من الفرسخ هو الفرسخ الخراساني وهو ضِعف الشرعي، ويقرّبه انّ الراوي خراساني.

و يؤيد ذلك انّه جعل البريد ستة أميال مع أنّ المشهور انّ البريد اثنا عشر ميلاً، وهو يقرب انّ كل ميل خراساني ضعف الميل المشهور، ولأجل ذلك قال: والبريد ستة أميال.

فعلى من يريد أن تصير المسألة حسّية، فعليه القيام بأُمور ثلاثة على وجه


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5، 9، 10.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(27)

مانعة الخلو:

1. ذرع ما بين المدينة وذي خشب الذي قصّر فيه الرسول حسب ما ورد في الرواية.

2. ذرع ما بين الجبلين في المدينة: «عير» و«وعير».

و يظهر من خارطة المملكة السعودية انّ المسافة بين الجبلين 20 كيلومتراً ونصف، والظاهر أنّ المحاسبة على الخط الجوي المستقيم، وهو أقصر الفواصل، ولعلّ السير كان يوم ذاك على غير الطريق المستقيم.

3. ذرع ما بين بغداد القديمة والنهروان ـ على ما في بعض الروايات ـ.

هل الموضوع هو المسافة أو السير الزمني؟

لا شكّ انّ العناوين الثلاثة الأُول لا تختلف، فثمانية فراسخ تعادل بريدين وتعادل 24 ميلاً أيضاً. نعم يتصوّر الاختلاف بين التحديد بالمسافة والتحديد بالسير الزمني.

فلو افترضنا انّه قطع في مسيرة يوم أقلّ من بريدين، هناك احتمالات ثلاثة:

1. أن يكون كلّ موضوعاً مستقلاً، فأيّهما تحقّق يكفي في الحكم بالتقصير.

2. أن يكون الموضوع هو التحديد بالمسافة، غير انّه لما لم توضع علامات على كلّ الطرق، جعل السير الزمني أمارة على قطع المسافة الشرعية، ففي موارد الشكّ يتمسك بالأمارة إلاّ إذا علم التخلف.

3. عكس الثاني بأن يكون الموضوع هو السير الزمني غير انّ القوافل ربما تسير في أوقات مختلفة فتأخذ بالسير تارة من أوّل الفجر، وأُخرى من طلوع الشمس، وثالثة من انتشار ضوئها، فجعل التحديد بالمسافة أمارة إلى السير


(28)

بياض يوم.

ولا طريق للاحتمال الأوّل لأنّه ـ عليه السَّلام ـ جعل التحديدين موضوعاً واحداً، فعن سماعة قال: سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في مسيرة يوم وذلك بريدان وهما ثمانية فراسخ.(1)

والأمر مردّد بين الاحتمالين الأخيرين، والأقوى هو الاحتمال الثاني، وانّ الموضوع في الواقع هو قطع المسافة الشرعية، ولما كان الوقوف على مقدار المسافة أمراً متعسّراً في الأزمنة الغابرة لعدم وجود الاعلام في أكثر الطرق، جعل السير الزمني أمارة على تحقّق المسافة الشرعية، وذلك بالبيان التالي:

إنّ التحديد بالمسافة تحديد حقيقي قطعي عرفاً، وهو أليق بأن يكون موضوعاً للحكم الشرعي خلافاً للسير الزمني، إذ ربّ قافلة تسير في بياض يوم أربعة فراسخ، وفي يوم آخر ستة فراسخ، وفي ثالث ثمانية فراسخ، وهو يختلف حسب قصر النهار وطوله، وحسب سهولة الطريق ووعورته وحسب خروجها من أوّل الفجر، أو أوّل الطليعة، أو بعد ا نتشار ضوء الشمس كما هو المشهود. فاللائق في مقام التحديد، هو الحد الدقيق العرفي، وأمّا السير في زمن خاص فيجعل طريقاً إليه ويؤخذ بها إذا لم يعلم التخلف، كما هو الحال في الكرّ فإنّ المقياس هو الوزن، والمساحة طريق إليه يؤخذ بها مالم يخالف الأوّل.

ربما يتصور بعض الجدد انّ الموضوع هو السير بياض يوم، وعلى ذلك لا تقصر في مثل أيّامنا هذه إلاّ إذا استغرق السفر بياض يوم بمعنى أن يسير بياض يوم وإن تخللت بينها قسطاً من الراحة.

يلاحظ عليه: أنّه مبني على أن يكون موضوعه بياض يوم، وقد عرفت انّ


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


(29)

الموضوع هو السير ثمانية فراسخ، وأمّا التركيز على بياض يوم في بعض الأحاديث فليس لأجل كونه موضوعاً وإنّما الغرض هو رد العامة الذين لا يقصرون إلاّ عند مسير يومين (16 فرسخاً) أو ثلاثة أيام (24 فرسخاً) .

والإمام يردّها بأنّه إذا لم يكن السير بياض يوم موجباً للقصر، فلا يكون موجباً له حتى في يومين أو ثلاثة أيّام لأنّ كلّ يوم موضوع مستقل مغاير لليوم اللاحق.

نقل الفضل بن شاذان عن الرضا انّه يقول: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة، وذلك لأنّ كلّ يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم فما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثله لا فرق بينهما».(1)

أضف إلى ذلك إنّ لازم ما ذكر هو عدم جواز التقصير لمن سافر من طهران إلى جدة بالطائرة، فإنّ السفر لا يستغرق إلاّساعتين ونصف الساعة، وليست الطائرة من وسائل النقل النادرة، بل أصبحت وسيلة رائجة خاصة في عصرنا هذا وهو كما ترى.

وأمّا ما يقال انّ تشريع التقصير كان لأجل الحرج في السفر، وأمّا السفر في زماننا هذا فترافقه الراحة في غالب الموارد، فلا وجه للقصر.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من قبيل حكمة الحكم لا ملاكه، فكم فرق بين ملاك الحكم وحكمته، فلو قال: الخمر حرام لإسكاره، فهو ملاك الحكم، فلو تبدّل خلاً يكون طاهراً، بخلاف ما إذا قال: وَ المطلّقات يتربصنّ بأنفسهنَّ ثلاثة


1 . وسائل الشيعة: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(30)

قروء، وعلم من الخارج أو دلّ الدليل على أنّ سبب التربص استبراء الرحم والعلم بانّ المطلّقة حامل أو لا؟

والشاهد على أنّه من قبيل الحِكَم، انّه لو علم انّها ليست بحامل، أو كان الزوج غائباً طيلة سنة يجب عليها التربص.

والحرج في المقام من قبيل حكمة الحكم على أنّ عدم الحرج في مطلق السفر في زماننا أمر غير مقبول، كما انّ اشتمال كون جميع الأسفار على الحرج حتى السفر القريب ليس صحيحاً.

مبدأ المسافة

إذا كان السير بمقدار بريدين موضوعاً للقصر يقع الكلام في مبدأ المسافة، فهل هو فناء الدار، أو آخر المحلة التي يقطنها، أو آخر البلدة، أو حدّ الترخيص، أو يفرق بين المدن الكبيرة وغيرها؟

ففي المدن الكبيرة يكتفى بآخر المحلة وفي الصغيرة منها بسورها وجوه وأقوال:

وقد ذكر الشهيد في الذكرى الأقوال على الشكل التالي:

قال الصدوق: الاكتفاء بالخروج من منزله وهو قول ابن بابويه في الرسالة، ورواه ولده مرسلاً عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه.

وقال ابن الجنيد: إنّ المسافر في خروجه يقصر إذا فارق منزله وانقطع عنه رؤية أبيات قريته.(1)


1 . الذكرى، كتاب الصلاة، الشرط السادس من شروط قصر الصلاة و المطبوع غير مرقم.


(31)

ولا يخفى انّ قول ابن الجنيد ينطبق على القول الأخير وهو الوصول إلى حدّ الترخيص.

وقال الشهيد في الروضة: والمعتبر آخر البلد المتوسط فما دون ومحلته في المتسع.(1)

والمسألة من الفقه المستنبط لا المنصوص. فلا حاجة إلى تتبع الأقوال.

فلابدّ من استنباط الحكم من الأدلّة فنقول:

من اعتبر فناء الدار فلأجل انّه يصدق عليه السفر، ومثله من اعتبر آخر المحلة إذا كانت كبيرة.

يلاحظ عليه: أنّ صدق السفر والمسافر أحد ركني التقصير، والركن الآخر كون السفر بمقدار البريدين، فيقع الكلام انّ مبدأ المسافة هل هي فناء الدار، أو آخر المحلة؟ فما لم يحرز الشرط الثاني فلا يكفي صدق السفر أو المسافر.

وأمّا القول بأنّ المعيار هو الوصول إلى حدّ الترخص، فلأنّ الشارع لم يرخص الإفطار والتقصير إلاّ بعد الوصول إليه، وهو يعرب عن عدم اعتبار هذا المقدار من السير.

يلاحظ عليه: بأنّه قياس لا نقول به، فإنّ عدم الاعتداد بهذا المقدار من السير في عدم قصر الصلاة وإفطار الصوم لا يكون دليلاً على عدم الاعتداد به في المسافة الشرعية.

والحقّ انّ المعتبر هو آخر المدينة وسورها وذلك لوجهين:

الأوّل: انّ التحديد الرائج في جميع الأزمنة هو سور المدينة، فيقال بين بغداد والحلة كذا فرسخ، والمقياس بين المبدأ والمنتهى هو سور المدينتين.


1 . زين الدين العاملي: الروضة:1/154.


(32)

والشاهد عليه انّهم ينصبون الإشارات أوّل المدينة أو آخرها لا في داخلها.

الثاني: انّه المتبادر عند أصحاب الأئمّة وإليك بعض ما يمكن الاستئناس به.

قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : وقد سافر رسول اللّه إلى ذي خشب وهو مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان، أربعة وعشرون ميلاً، فقصّر وأفطر فصار سُنة.(1)

فالمتبادر من الحديث كون المقياس سور المدينة حتى يصل إلى ذي خُشب.

ومرسلة إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، قال: سألت الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان، وهي أربعة فراسخ(2) من بغداد.

فبما انّ الراوي يقول «خرج من بغداد» ثمّ يقول وهي«أربعة فراسخ من بغداد» يريد كونها كذلك من المبدأ إلى المنتهى.

ورواية أبي ولاد قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة، وهو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء.(3)

والمتبادر من هذه الروايات انّ المبدأ للحد المذكور فيها هو سور البلد ونهايته.

نعم ربما يفصل بين المدن الكبيرة وغيرها بكون المبدأ هو السور في غير المدن الكبيرة، والمحلة في المدن الكبيرة كما قال المحقّق الهمداني: بأنّه لا ينبغي الاستشكال في صدق تلبّسه بالسفر من حين خروجه من محلّته، ولا في اندراجه في


1 . الوسائل: الجزء 1، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 5من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(33)

إطلاقات أدلّة التقصير من مثل قوله: «إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه» فإنّ تقييد مثل هذه المطلقات بما إذا ذهب بريداً بعد خروجه من البلد خصوصاً في مثل هذه البلاد يحتاج إلى دليل، ودعوى انّه لا يصدق عليه اسم المسافر مالم يخرج عن البلدان فهي غير مجدية في ارتكاب التقييد في مثل هذه المطلقات، لأنّها مسوقة لبيان ما به يتحقّق السفر الموجب للتقصير لا ما يعتبر من المسافة بعد اندراجه في مسمّى المسافر، فلو لم يساعد العرف أو الشرع على تسميته مسافراً إلاّ بعد قطعه مقداراً معتداً به من هذه المسافة بل جميعه فليس منافياً لإطلاق هذه المطلقات.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الشك إنّما هو في شمول ما أشار إليه من المطلقات لهذا النوع من السير، فإنّ قوله: «إذا ذهب بريداًو رجع بريداً» إذا ضمَّ إلى ما هو المتعارف في ذلك الزمان من نصب الإشارات خارج البلد ينصرف إلى قطع البريدين ذهاباً وإياباً من خارج البلد فلا فرق بين المدن الكبيرة وغيرها.

أضف إلى ذلك انّه يلزم أن يحكم على شخص بحكمين متغايرين، فلو افترضنا انّ المقيم في شرق طهران إذا خرج من محلته قاصداً السوق للتجارة فهو يتم ويصوم، ولكنّه إذا خرج عازماً السفر إلى قم فهو يقصر ويفطر في السوق حين وصوله إليها، وهو حكم لا يرتضيه الذوق الفقهي.

وبعبارة أُخرى انّ المقيم في شرق طهران حينما يتجوَّل في شوارعها لشراء السلع لا يحكم عليه بالقصر، ولكنّه إذا عزم السفر إلى منطقة نائية يفطر ويقصر في الشارع الذي كان بالأمس يشتري منه السلع.

نعم فرق المحقّق البروجردي بين الصورتين قائلاً: بأنّ السير في شوارع البلد من دون أن يكون مقدمة للخروج عن البلد لا يوجب صدق عنوان المسافر، وأمّا


1 . المحقق الهمداني : مصباح الفقيه، كتاب الصلاة، ص 724.


(34)

إذا وقع في امتداد السير إلى خارج البلد كان المجموع ملاكاً لصدق عنوانه كما يشهد بذلك إطلاق العرف هذا العنوان على من خرج من منزله قاصداً للثمانية.

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره ادعاء محض، فإنّ إطلاق السفر والمسافر على المتجوّل في شوارع البلد الكبير من باب المجاز والمشارفة خصوصاً بعد وقوفنا على أنّ السفر خلاف الحضر. وبمعنى البروز خلاف الستر، وكأنّ البلد كالمخيَّم ساتر للإنسان والخروج منه إلى الصحراء موجب للبروز والسفور .

قال الأزهري: وسمّي المسافر مسافراً لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، ومنازل الحضر عن مكانه، ومنزل الخفض عن نفسه، وبروزه إلى الأرض الفضاء.(1)

ومعنى ذلك هو ترك البلد بتاتاً، وكأنّ البلد بمنزلة الساتر، وهوبتركه البلد يكشف الستر ويبرز، كما هو الحال في النساء السافرات.

بقي هنا ما يستظهر منه كون المبدأ هو فناء الدار; ففي حديث سليمان بن حفص المروزي «والتقصير في أربعة فراسخ. فإذا خرج الرجل من منزله، يريد اثني عشر ميلاً...» (2) وفي رواية عمار: «لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة ».(3)

ولعلّه إليهما يشير الصدوق في «الفقيه»: «روي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه».(4)

قال الطريحي: المنزل واحد المنازل: وهي الدور، هذا ولكن الرائج في التعبير عن المسكن هو الدار، أو البيت، قال سبحانه: «لَيْسَ عَلَى الأَعْمى حَرَجٌ ولا عَلَى الأَعْرَجِ حَرجٌ وَلاعلى المريض حَرجٌ ولا على أَنْفُسِكُمْ أن تَأْكُلُوا من بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ...» (النور/61)


1 . اللسان، مادة سفر.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.


(35)

وقال سبحانه: (تمتعوا في داركم ثَلاثة أيّام ذلِكَ وعدٌ غير مَكذُوب»(هود/65) والظاهر انّ المراد هو محل النزول المعادل للبلد، ويؤيده قوله في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ أهل مكة إذا خرجوا حجّاجاً قصّروا، وإذا زاروا ورجعوا إلى منزلهم أتموا».(1) فإنّ المقصود إذا دخلوا مكة بقرينة صدرها.

أو يحمل على منازل الأعراب، حيث إنّ مفارقة البيوت فيها مفارقة للمنطقة كما لا يخفى.

ما هي الحجّة لإحراز الموضوع

إذا كان الموضوع للتقصير هو قصد المسافة المحدودة، فما هوالطريق لإحرازها؟

أقول: إنّ هناك طرقاً لإحرازه كسائر الموضوعات.

1. العلم بالمسافة.

2. البيّنة: وهي حجّة لإثبات الموضوعات مطلقاً، من غير فرق بين موضوع دون موضوع، ولا باب دون باب; وتوهم اختصاص حجّيتها لباب التداعي والترافع، كما هو المحكي عن صاحب الذخيرة، غير تام، لإطلاق أدلّة حجّية البيّنة، مثل قوله في رواية مسعدة بن صدقة: «والأشياء كلّها على هذا، حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».(2)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.


(36)

والاستبانة هي الحجّية العقلية، والبيّنة هي الحجّية الشرعية.

نعم البيّنة في القرآن تطلق على كل ما يتبيّن به الشيء، قال سبحانه: «لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة» (البيّنة/1) .

ولكنّها في لسان الصادقين، هي الشاهدان، ويدل على ذلك روايات:

منها: انّه جاء لفظ: «الشاهدين» مكان البيّنة في مثل الحديث السابق.قال ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان انّ فيه ميتة».(1)

ومنها: ما ورد في مورد القسامة في صحيح بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال سألته عن القسامة فقال: الحقوق كلّها البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه إلاّ الدم خاصة، فإنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم، فوجدوه قتيلاً، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيدوه برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيدوه برمّته.(2)

ترى أنّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطبق البيّنة الواردة في صدر كلامه على رجلين عدلين في ذيل كلامه.

ومنها: ما في مرسلة يونس عمّن رواه قال: استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين، فإن لم يكن رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه.(3)


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 16 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2، لاحظ في الوقوف على تمام الحديث تعليقة المحقّق.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.


(37)

فقوله: «البيّنة للمدّعي» ضابطة كلية والرواية مبينة للصغرى، فلاحظ.

3. العدل الواحد: فإنّه وإن لم يكن حجّة في باب الترافع وفي مثل رؤية الهلال، لكنّه حجّة في الموضوعات، ويمكن استنباط القاعدة الكلية مما ورد من حجّية العدل الواحد في موارد مختلفة وقد جمعنا ما ورد في ذلك المجال في كتابنا «كليات في علم الرجال».(1)

4. الاطمئنان: وهو علم عرفي يسكن إليه العقلاء في معاشهم وحياتهم، وجرت السيرة على العمل به ولم تردع، وهذا كاف في حجّيته.

5. الظن: والأصل في الظن وإن كان هو عدم الحجّية من غير فرق بين الأحكام والموضوعات، لكن قام الدليل على حجّيته في المقام، ويمكن استظهارها من وجهين:

الأوّل: روى الصدوق في «العلل» و «العيون» عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه قال: وإنّما جعل مسير يوم، ثمانية فراسخ، لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال والقوافل، وهو الغالب على المسير، وهو أعظم المسير الذي يسيره الحمّالون والمكّاريّون.

ويستفاد من الحديث أمران:

1. انّ الموضوع الواقعي هو ثمانية فراسخ، وإنّما جعل مسير يوم أمارة على مسير ثمانية فراسخ، فإنّ معنى قوله: «و إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ» هو جعل الأوّل علامة للثاني وأمارة له.

2. فإنّ قوله: «وهو الغالب على المسير» يدل على أنّ قسماً من الجمال والقوافل يسيرون أقلّ من ثمانية فراسخ وإن كانت قليلة، ومع هذا التخلّف جعل مسير القوافل بياض يوم دليلاً على طيّ المسافة وهذا آية انّه لا يشترط العلم بطيّ


1 . لاحظ ص 159ـ 160 .


(38)

المسير بل يكفي دونه مطلقاً.

الثاني: انّ الاشارات المنصوبة في عصر الأئمة في الطرق لم يكن على وجه الدقة وإنّما كان على التخمين والحدس.

6. الشياع: وقد حقّقنا في باب القضاء أنّ الشياع حجّة في موارد خاصّة وليس المورد منها. قال ـ عليه السَّلام ـ : «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات، التناكح، المواريث، الذبائح، الشهادات».(1) إلاّ أن يكون مستلزماً للظن فلا يكون أمارة مستقلة.

***

في تعارض البيّنتين:

لو تعارضت بينتان فمقتضى الضابطة في سائر الموارد هو تقديم بيّنة المثبت على النافي، في جميع الموارد، وذلك لأنّ المثبت يدّعي الاطلاع على ما لم يطلع عليه النافي، ولكن الضابطة غير منطبقة على المقام، فانّ الظاهر انّ كلاً من البيّنتين تدعي الاثبات. انّ احداهما تقول ذرعت والمسافة ثمانية فراسخ، والأُخرى تقول ذرعتُه وهي أقلّ من ذلك، وعلى ضوء ذلك فتسقطان، فيرجع إلى القواعد المقررة في باب التعارض، فيدخل في القسم الآتي، وهو الشكّ في المسافة.

ولو شكّ في مقدار المسافة بين المبدأ والمنتهى، فهل عليه الجمع بين التمام والقصر، بحجّة العلم الإجمالي بوجوب أحدهما، أو يجب التمام؟

الظاهر هو الثاني، لدخول المقام تحت الدليل الاجتهادي، حيث إنّ المستفاد من جمع الأدلّة هو انّه يجب التمام على كلّ مكلّف إلاّالمسافر، أو غير


1 . الوسائل: الجزء 8، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، برقم 1.


(39)

المسافر على نحو المعدولة ويمكن إحراز عنوان العام بالأصل ويتمسك بالدليل الاجتهادي.

بيانه: قد تقدم انّ الآية تدل على أنّ الأصل في الصلاة هو التمام، والقصر أمر طارئ، فكأنّه سبحانه يقول: يجب على كلّ مكلّف الإتيان بالصلاة تماماً إلاّإذا كان ضارباً في الأرض ومسافراً، فالموضوع هو المكلف غير المسافر، ومن المعلوم انّ المكلّف كان على يقين بأنّه غير مسافر، وشك في بقاء الموضوع، والأصل بقاؤه على الوصف السابق، وهذا التقرير أسهل ممّا جاء في مصباح الفقيه، أو في تقريرات سيدنا المحقّق البروجردي.

هذا هو الاستصحاب الموضوعي الذي ينقح به وجود الموضوع للعام; ويمكن أن يتمسك بالاستصحاب الحكمي، وهو استصحاب وجوب التمام على الشاك، والأصل بقاؤه. ولكن لا تصل النوبة إلى الاستصحاب الحكمي مع وجود الأصل الموضوعي المنقّح لوجود الموضوع العام، الذي هو دليل اجتهادي.

***

هل يجب الفحص عن مقدار المسافة؟

ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه هل يجب الفحص عن مقدار المسافة أو لا؟

ربّما يقال بعدمه، تمسكاً بما هو المشهور منذ عصر الشيخ الأنصاري من عدم وجوب الفحص عن الموضوعات، في الشبهات التحريمية، والوجوبية، إلاّ في موارد ثلاثة كالدماء، والأعراض، والأموال.

يلاحظ عليه: أنّه على خلاف السيرة، فلو شكّ في انّه مستطيع أو لا، أو في انّ ما يجب فيه الزكاة بلغ حدّ النصاب أو لا ؟قد أفتوا بوجوب الفحص إذا لم


(40)

يكن حرجيّاً، وسيرة العقلاء تدعمه، ولأجل ذلك ذهبنا إلى وجوب الفحص عند الشكّ في وجود الموضوع للحكم الشرعي الإلزامي، إلاّإذا كان مستلزماً للحرج.

و في نهاية المطاف نقول: لو صلّى اعتماداً على الدليل، فظهر الخلاف، فالأقوى هو الإجزاء من غير فرق بين كون الدليل هو الأصل العملي، أو الأمارة، لما قلنا في محلّه من أنّ معنى الأمر بالأصل والأمارة في تشخيص الوظيفة يلازم عرفاً باكتفاء المولى في تحصيل أغراضه بما يؤدى إليه الدليل.

و ما يقال من أنّ حجّية البيّنة أو الأمارة من باب الطريقية، وهذا يدل على أنّ الملاك هو الواقع، فإذا تخلّف عن الواقع تجب عليه الإعادة أو القضاء، غير تام، لأنّ معنى اعتبارها من باب الطريقية، ليس إلاّ انّ الشارع لاحظ انّها تطابق الواقع في أغلب الموارد وتخالفها في أقلّها، فصار ذلك سبباً للاعتبار على وجه الإطلاق والاقتصار في تحصل الأغراض، بالأغلب مطابقة، وصرف النظر عن بعث المكلف إلى تحصيل العلم لما فيه من الحرج، وقد أشبعنا الكلام في باب الاجزاء من علم الأُصول.

في المسافة التلفيقية

لا شكّ في وجوب التقصير إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ فما فوقها، إنّما الكلام فيما إذا كانت المسافة دون الثمانية فراسخ وإن كان المجموع ذهاباً وإياباً ثمانية فراسخ أو أزيد، ولنذكر صور المسألة والأقوال فيها:

الأُولى: أن يكون كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ.

الثانية: أن يكون الذهاب خمسة فراسخ والإياب ثلاثة فراسخ.

الثالثة: أن يكون الذهاب ثلاثة فراسخ والإياب خمسة فراسخ.

وعلى جميع التقادير فإمّا أن يكون الذهاب والإياب في يوم واحد أو ليلة


(41)

واحدة أو الملفق منهما مع اتصال إيابه بذهابه وعدم قطعه بمبيت ليلة فصاعداً في الأثناء، أو يكون الذهاب في يوم والإياب بعد المبيت.

واعلم أنّ اشباع جميع الصور يتوقف على الكلام في مقامين:

الأوّل: فيما إذا لم يكن كلّ من الذهاب والإياب أقلّ من أربعة فراسخ.

الثاني: فيما إذا كان أحدهما أقلّ من أربعة فراسخ ولكن المجموع لا يقل عن ثمانية فراسخ.

فإليك الكلام في المقام الأوّل، فقد اختلفت فيه كلمة الأصحاب إلى أقوال أنهاها بعضهم إلى سبعة:

الأوّل: تعيّن الاتمام مطلقاً. وقد نسب إلى الحلبي في «الكافي»، والمرتضى في «الانتصار»، وابن زهرة في الغنية.

قال الحلبي: وفرض التمام يختص الحاضر، والمسافر في معصية، والمسافر للّعب والنزهة، والمسافر أقلّ من بريدين وهما أربعة وعشرون ميلاً.(1)

وقال المرتضى في «الانتصار»: وممّا انفردت به الإمامية تحديدهم السفر بالذي يجب فيه التقصير في الصلاة ببريدين، والبريد أربع فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فكانت المسافة أربعة وعشرون ميلاً.(2)

وقال ابن زهرة في «الغنية» عند البحث عمّن يجب عليه التمام: أو كان في سفره أقلّ من بريدين وهما ثمانية فراسخ.(3)

ولا يخفى دلالة العبائر الثلاث على وجوب التمام في المسافة التلفيقية لأجل


1 . الحلبي: الكافي: 116.
2 . المرتضى: الانتصار: 50.
3 . ابن زهرة: الغنية: 73.


(42)

تخصيص القصر بالمسافة الامتدادية وهي قابلة للتأمل، لأنّها منصرفة إلى الامتدادية.

الثاني: تعيـّن القصر مطلقاً سواء قصد الرجوع أم لم يقصد فتكون نفس الأربعة تمام الموضوع لتعين القصر. نسب هذا القول إلى الكليني لأنّه اقتصر في مقام بيان المسافة على ما تدل على أربعة فراسخ ولم يذكر مما يدل على اعتبار الثمانية.(1)وهو عجيب جدّاً.

وقال في «الحدائق»: حكى ذلك بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين.(2)

الثالث: تعيّـن القصر إذا أراد الرجوع سواء رجع في يومه أو بعده وهو خيرة الصدوق في «المقنع»، قال: والحدّالذي يجب فيه التقصير مسيرة بريدين ذاهباً وجائياً وهو مسيرة يوم.(3)

و هو أيضاً خيرة السيد الطباطبائي في «العروة الوثقى». (4)

الرابع: التقصير إذا أراد الرجوع ليومه والإتمام فيما إذا لم يرد وهو خيرة ابن إدريس في «السرائر» والمحقّق في «الشرائع».

قال ابن إدريس: وإن كانت قدر المسافة أربعة فراسخ للمارّ إليها ونوى، وأراد الرجوع من يومه عند الخروج من منزله لزمه أيضاً التقصير، فإن لم ينو الرجوع من يومه ولا أراده وجب عليه التمام ولا يجوز له التقصير.(5)

وقال المحقّق: ولو كانت المسافة أربعة فراسخ وأراد العود ليومه فقد كمل


1 . الكافي: 3/432.
2 . البحراني: الحدائق: 11/316.
3 . الصدوق: المقنع:125.
4 . العروة الوثقى، فصل في صلاة المسافر.
5 . ابن إدريس: السرائر: 1/329.


(43)

مسير يوم ووجب التقصير.(1)

الخامس: التقصير إذا أراد الرجوع ليومه والتخييربين القصر والإتمام إذا لم يرد الرجوع نسبه المحقّق البروجردي إلى المشهور بين القدماء من أصحابنا(2) نقله ابن إدريس عن بعض أصحابنا وقال يكون مخيراً بين الإتمام والتقصير في الصوم والصلاة وهو مذهب شيخنا المفيد.(3)

وقال الشيخ: فمتى ما كانت المسافة أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه وجب أيضاً التقصير ومن لم يرد الرجوع فهو بالخيار في التقصير والإتمام.(4)

وقال سلاّر: فإن كانت المسافة أربعة فراسخ وكان راجعاً من يومه قصر واجباً وإن كان راجعاً من غده فهو مخير بين التقصير والإتمام.(5) وعليه «فقه الرضا»، والصدوق في «أماليه».

قال في الأوّل: «فإن كان سفرك بريداً واحداً وأردتَ أن ترجع في يومك قصّرت، لأنّ ذهابك ومجئيك بريدان»... «فإن سافرت إلى موضع مقدار أربعة فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار إن شئت تممت وإن شئت قصرت».(6)

وقال الصدوق في «الأمالي»: من انّ المسافة إن كانت أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصّر ولو كانت أربعة فراسخ وأراد الرجوع ليومه وجب القصر فانّه من دين الإمامية.(7)


1 . المحقّق الحلي: الشرائع:1/101، منشورات الاستقلال.
2 . البدر الزاهر: 70.
3 . السرائر:1/329.
4 . النهاية: 122.
5 . ابن سلار: المراسم: 75.
6 . المستدرك: الجزء 6، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
7 . الصدوق: الأمالي: 383، الطبعة الحجرية.


(44)

السادس: التخيير مطلقاً سواء رجع أو لم يرجع نسب إلى الشيخ في التهذيب.(1)

السابع: تعيّـن القصر لمن أراد الرجوع قبل العشرة وتعيّـن الإتمام لغيره.

نقل عن ابن أبي عقيل كما في المختلف(2) والوسائل(3).

وأظنّ انّ هذا القول نفس القول بتعين التقصير مطلقاً سواء رجع في يومه أو لا وليس شيئاً مغايراً له، فتكون الأقوال ستة لا سبعة.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الروايات في المقام على طوائف ثلاث:

الطائفة الأُولى: ما تدل على كون المسافة ثمانية فراسخ.

الطائفة الثانية: ما تدل على كفاية أربعة فراسخ.

الطائفة الثالثة: ما تدل على كفاية كون الذهاب والإياب ثمانية فراسخ.

فإليك عرض الروايات

الطائفة الأُولى: ما تدل على أنّ القصر إنّما هو في ثمانية فراسخ أو بريدين أو بياض يوم أو مسيرة يوم أو أربع وعشرين ميلاً على اختلاف التعبيرات، وقد قلنا انّ مآل الجميع واحد وهي بصدد بيان المسافة الواقعة بين المبدأ والمقصد، وقد تعرّفت على الروايات فلا حاجة للتكرار، والهدف الأساسي للأئمّة من نقل فعل رسول اللّه من أنّه قصر عند مسيره إلى ذي خُشب.(4)أو بين الجبلين، أو جعل حد


1 . الطوسي، التهذيب، ج3، الباب 23 من أبواب الصلاة في السفر ذيل الحديث 3، ص 208 و مختاره في هذا الكتاب يغاير مختاره في النهاية.
2 . العلاّمة: المختلف: 3/102.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، ص 502.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(45)

الأميال من ظل عير إلى فيء وعير(1) إنّما هو ردّ ما اشتهر بين العامة في ذلك الزمان حيث كانوا يشترطون المرحلتين كما عليه الشافعي، أو ثلاث مراحل كما عليه أبوحنيفة فالإمام يرد فتاواهم بأنّ رسول اللّه قصر في مسافة أقلّ ممّا اعتبروه.(2)

وبما انّ النزاع بين أئمة أهل البيت وسائر الفقهاء كان في مورد السفر الامتدادي دون التلفيقي فلا تكون ناظرة إلى السفر التلفيقي.

الطائفة الثانية: ما تدل على التقصير في أربعة فراسخ أو بريد من دون تقييد بالذهاب والإياب على وجه لو أخذ بإطلاقها لكانت معارضة للطائفة الأُولى وهي كثيرة.

1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «التقصير في بريد، والبريد أربعة فراسخ».(3)

2. صحيحة زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «يقصّـر الرجل في مسيرة اثني عشر ميلاً».(4)

3. صحيحة إسماعيل بن الفضيل قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن التقصير قال: «في أربعة فراسخ».(5)

4. صحيحة أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ قال: «بريد».(6)

5. موثقة عبد اللّه بن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن القادسية أخرج إليها أُتم أم أُقصر؟ قال: «و كم هي؟» قلت: هي التي رأيت، قال: «قصّر».(7)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12ـ13.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب1 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 7، 6 ، 12، 13.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 3، 5.
6 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 7.
7 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 7.


(46)

والقادسية موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلاً.

6.رواية أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر: في كم التقصير؟ قال: « في بريد».(1)

وهذه الروايات بظاهرها تنافي الطائفة الأُولى حيث إنّ الأُولى تدل على أنّ المسافة المرخصة للقصر هي ثمانية وهذه الطائفة تدل على أنّها أربعة، فلولا الطائفة الثالثة التالية لبقي التعارض إلاّأنّه يعالج بالطائفة الثالثة وهي الآتية.

الطائفة الثالثة: ما تدل على التحديد بأربعة فراسخ مع التقيد بأنّ ذلك لأجل ضم الإياب إلى الذهاب حتى تحصل منها جميعاً ثمانية فراسخ وهي:

1. صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ قال: «بريد ذاهباًو بريد جائياً».(2)

2. صحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن التقصير فقال: «بريد ذاهب وبريد جائي».

و كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتى ذباباً قصر، و«ذباب» على بريد، وإنّما فعل ذلك، لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».(3)

3. موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن التقصير، قال: «في بريد» قلت: بريد؟ قال: «إنّه إذا(4)ذهب بريداًو رجع بريداً فقد شغل يومه».

4. رواية سليمان بن حفص المروزي قال: قال الفقيه ـ عليه السَّلام ـ : «التقصير في الصلاة بريدان، أو بريد ذاهباً وجائياً».(5)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9 ، 4.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9 ، 4.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9 ، 4.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 14 و 15، 9 ، 4.


(47)

5. رواية الفضل بن شاذان عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون قال: «إنّما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك، لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً، أو بريد ذاهباً وبريد جائياً، والبريد أربعة فراسخ».(1)

6. مرسل «تحف العقول» عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون قال: «والتقصير في أربعة فراسخ بريد ذاهباً وبريد جائياً اثني عشر ميلاً، وإذا قصّـرت أفطرت».(2)

7. خبر صفوان عن الرضا في حديث انّه سأل عن رجل خرج من بغداد، فبلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد، قال: «لو انّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار. فإن هو أصبح ولم ينو السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصّر ولم يفطر يومه ذلك».(3)

8. رواية محمد بن أسلم: هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال: لأنّ التقصير في بريدين ولا يكون التقصير في أقلّ من ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير، وإن كانوا ساروا أقلّ من ذلك، لم يكن لهم إلاّ إتمام الصلاة.(4)

أقول: لا شكّ في وجود التنافي بين الطائفتين: الأُولى والثانية حيث تركِّز الأُولى على ثمانية فراسخ، والثانية على كفاية أربعة فراسخ، غير انّ الذي يرفع التعارض ويوجد الوفق بينهما هو الطائفة الثالثة حيث تدل على أنّ المقصود من الثمانية فراسخ، هو الأعمّ من الامتدادية والتلفيقية والاكتفاء بالبريد، لأجل انّه مع الرجوع يكون ثمانية.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقامين:


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 18، 19، 8.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


(48)

المقام الأوّل: في عدم اشتراط قصد الرجوع في يومه في المسافة التلفيقية

لا يشترط في طي المسافة الامتدادية وقوع السير في يوم واحد، بل يكفي وقوعه في يومين أو أكثر ما لم يخرج عن كونه مسافراً وضارباً في الأرض، كما إذا سافر كلّ يوم كيلومتراً واحداً للتنزه، وحينئذ يقع الكلام في طي المسافة التلفيقية، هل يشترط قصد وقوعها في يوم واحد أو لا؟

و بعبارة أُخرى: يقع الكلام في شمول الروايات الدالة على كفاية كون الذهاب والإياب ثمانية فراسخ لمن لم يرد الرجوع ليومه، أو اختصاصها بما إذا قصد الرجوع في يومه؟

والتحقيق عدم الاشتراط وذلك لوجوه:

الأوّل: إطلاق ما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ من أنّه يكفي بريدان ذاهباً وجائياً من دون تقييد للرجوع في يومه، وإليك بعض النصوص:

1. رواية زرارة: بريد ذاهب وبريد جائي.(1)

2. رواية الفضل بن شاذان: لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً أو بريد ذاهباً وبريد جائياً.(2)

3. رواية معاوية بن وهب: بريد ذاهباً وبريد جائياً.(3)

4. رواية سليمان بن حفص المروزي: بريدان ذاهباً، أو بريد ذاهباًو جائياً.(4)

فلو كان الرجوع شرطاً لزم التعرض به مع كثرة الابتلاء، فإنّ المسافر تارة يبيت في المقصد وأُخرى يرجع. مضافاً إلى ما سيوافيك من رواية إسحاق بن عمّار


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14، 18، 2، 4.


(49)

من إطلاقها للراجع في يومه وعدمه في الوجه الثالث.

الثاني: ما يدل على أنّ أهل مكة عليهم التقصير إذا خرجوا إلى عرفات.

1. ففي صحيحة معاوية بن عمار المروية في كتب المشايخ الثلاثة بالاسانيد الصحيحة انّه قال لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات، فقال: «ويلهم ـ أو ويحهم ـ وأي سفر أشد منه، لا تتم».(1)

2. موثقة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في كم أقصر الصلاة؟ فقال: « في بريد ألا ترى انّ أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير».(2)

3. خبر إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في كم التقصير؟فقال: « في بريد، ويحهم كأنّهم لم يحجّوا مع رسول اللّه، فقصِّروا».(3) والمراد أهل مكة بقرينة الرواية السابقة.

4. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ أهل مكة إذا خرجوا حجاجاً قصّروا، وإذا زاروا ورجعوا إلى منزلهم أتمّوا».(4) والمراد من منزلهم هو بلدهم.

5. صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى عرفات (منى ن ل) وجب عليه التقصير»(5) والرواية عند المشايخ دليل على أنّ الإقامة قاطعة لموضوع السفر لا قاطعة لحكمه بشهادة انّ الإمام نزّل المقيم منزلة أهل مكة، وسيوافيك الكلام فيه.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 5، 6، 8.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


(50)

6. وفي رواية معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم، ثمّ رجعوا إلى منى أتموا الصلاة، وإن لم يدخلوا منازلهم قصّروا».(1)

وجه ذلك انّه إذا لم يدخلوا منازلهم فهم مسافرون، لأنّهم خرجوا يوم التروية للوقوف في عرفات ولما ذهبوا إلى منى ورجعوا يوم العاشر لأداء مناسك الحجّ فقد دخلوا أوطانهم، فإذا خرجوا إلى منى للبيتوتة في ليلة الحادي عشر فقد خرجوا إلى ما دون المسافة.

إنّ دلالة هذه الطائفة من الروايات لفظية بخلاف دلالة الطائفة الأُولى فإنّها بالإطلاق، ولذلك لو دلّ شيء على اشتراط قصد الرجوع ليومه يمكن تقييد الطائفة الأُولى بخلاف الطائفة الثانية فلا يمكن تقييدها، بل يقع التعارض بينها وبين الطائفة الثانية.

الثالث: الروايات المنزلة للمسافة التلفيقية مكان الامتدادية.

إنّ الروايات المنزلة للمسافة التلفيقية منزلة الامتدادية توجب وحدة الحكم في كلا الموردين.

بيان ذلك: انّ القسم الأوّل من الروايات، أعني: ما دلت على اشتراط قصد ثمانية فراسخ، أو بريدين، أو أربعة وعشرين ميلاً، أو بياض يوم، ظاهر في المسافة الامتدادية.

ولا يتبادر منه التلفيق بين الذهاب والإياب غير انّ الطائفة الثالثة كشفت عن مصداق كان خفياً على العرف، وهو انّه إذا بلغ الذهاب والإياب ثمانية فراسخ، فهو أيضاً من مصاديق الطائفة الأُولى، وهذا ما نسمّيه بالحكومة.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(51)

روى الصدوق، عن زرارة بن أعين، قال: قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن التقصير، فقال: «بريد ذاهب وبريد جائي».

قال: وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتى ذباباً قصر، وذباب على بريد، وإنّما فعل ذلك، لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».(1)

إنّ لسان الحديث لسان الحكومة حيث يعلل بأنّه إذا رجع يكون سفره من مصاديق الموضوع الواقعي (بريدان أو ثمانية فراسخ) .

وعلى ضوء ذلك فالمسافة التلفيقية والامتدادية مصداقان لموضوع واحد، وكأنّ الموضوع هو السير ثمانية فراسخ بأيّ وجه اتّفق، أو بياض يوم كذلك، ولهما مصداقان:

أحدهما: أن يسير ثمانية فراسخ امتداداً، والثاني: أن يذهب أربعة ويرجع أربعة، وعند ذلك يتّحد المصداقان في الحكم، فكما انّه لا يشترط في كون السير مستغرقاً لبياض يوم بل يمكن أن يستغرق أيّاماً، فكذلك الفرد الثاني لهذا الموضوع لا يشترط فيه الرجوع ليومه أيضاً.

ومثل رواية زرارة خبر إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن عن قوم خرجوا في سفر فلما انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلاّبه... قال: «إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصروا ـ ثمّ قال: ـ هل تدري كيف صار هكذا؟» قلتُ: لا، قال: «لأنّ التقصير في بريدين ولا يكون التقصير أقلّ من


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب2من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14و15.


(52)

ذلك، فإذا كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا كانوا قد سافروا سفر التقصير».(1) ودلالتها على التنزيل واضحة مضافاً إلى إطلاق قوله «أم انصرفوا» الشامل للراجع من يومه وعدمه، كما أوعزنا إليه في الوجه الأوّل.

ومثله مرسل إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في حديث: «لو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار».(2) و الاستدلال لأجل التنزيل.

نعم في سند رواية إسحاق بن عمار: محمد بن أسلم حيثّ لم يوثق.

فتلخص من جميع ما ذكرنا انّ الأقوى هو القصر من غير فرق بين قصد الرجوع وعدمه.

دليل من اشترط قصد الرجوع

استدل على شرطية الرجوع وعدم تخلل الفصل بوجهين:

1. موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن التقصير، قال: «في بريد»، قلت: بريد؟ قال: «إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه».(3)

فإنّ المتبادر من الحديث هو شغل اليوم وهو يتوقف على عدم الفصل بين الذهاب والإياب غير المتعارف.

وحاصل الاستدلال انّ هنا ظهورين ظهور لصدرها وظهور لذيلها.

أمّا الصدر، أعني قوله: «إذا ذهب بريداً ورجع بريداً»، فهو شامل لمطلق الرجوع أي رجع في يومه أو بعده. وأمّا الذيل فإنّ قوله: فقد شغل يومه فله فردان، الشغل الشأني والشغل الفعلي إلاّ انّ الظاهر هو الثاني، فيتعارض الظهوران فيقدم ظهور الذيل على ظهور الصدر لكونه من متمماته.

يلاحظ عليه:

مضافاً إلى أنّه لا يتجاوز عن حدّالاشعار بأنّ الرواية بصدد دفع تعجب الراوي من افتاء الإمام بكفاية البريد الواحد مع أنّ الضابطة عندهم ـ عليهم السَّلام ـ هو البريدان، أو مسيرة يوم، فأجاب الإمام ـ عليه السَّلام ـ بأنّ إيجاب التقصير هنا لا ينافي الضابطة السابقة، لأنّه إذا رجع يكون سيره بريدين أو مقدار مسيرة يوم.

فالرواية بصدد دفع التعجب وانّ المورد غير خارج عن الضابطة وأمّا كون السير متصلاً أو منفصلاً فليست ناظرة له.

وإن شئت قلت: إنّ قوله: «فقد شغل يومه» بصدد إدخال المورد إمّا تحت البريدين، أو بياض يوم، فقوله: «إذا ذهب بريداً


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


(53)

ورجع بريداً» بصدد إدخاله تحت البريدين وقوله: «فقد شغل يومه» بصدد بيان انّه داخل تحت بياض يوم ومسيرته، من دون نظر إلى كون السير متصلاً أو منفصلاً، لأنّهما ليسا مطروحين للمتكلم في المقام، حتى نأخذ بأحدهما.

وعند ذلك لاوجه لحمل الشغل، إلى الشغل الفعلي، ولا وجه للقول بكونه ظاهراً فيه لما عرفت من أنّ مصب الرواية شيء آخر.

وبعبارة أُخرى يريد الإمام بيان انّ المشقة الموجودة في السير الامتدادي موجودة في السير التلفيقي، وأمّا شرطية الاتصال وعدمه فليس بصدد بيانه.

ولأجل ما ذكرنا نقل عن السيد السند في «المدارك» إلى أنّها غير صريحة في المدعى، بل ربّما لاح منها انّ التعليل بكونه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً شغل يومه، إنّما وقع على سبيل التقريب إلى الافهام.


(54)

الثاني: ما ورد في «الفقه الرضوي»: فإن كان سفرك بريداً واحداً وأردت أن ترجع من يومك قصرت، لأنّ ذهابك ومجيئك بريدان.(1)

ويلاحظ عليه: أنّ «الفقه الرضوي» ليس كتاباً حديثياً، وإنّما هو كتاب فتوى لأحد العلماء السابقين، وهو مردّد بين كتاب التكليف للشلمغاني، أو كتاب الشرائع لوالد الصدوق.

وبذلك تبيّن قوة القول المختار وضعف بقية الأقوال.

أمّا القول بتعيّن القصر مطلقاً سواء أراد الرجوع أم لم يرد، فهو منسوب إلى الكليني، لأنّه اكتفى برواية البريد ولم يذكر من الثمانية شيئاً. ولا أظن انّ الكليني يفتي بذلك، فانّه لم يقل به أحدمن علماء الإمامية.

وأمّا انّه لم يذكر من روايات الثمانية شيئاً، فلم أقف على وجهه.

وأمّا القول بتعيّن القصر مطلقاً بشرط قصد الرجوع، سواء رجع من يومه أو بعده، فهو القول المختار، وقد عرفت دليله القاطع، وعليه مشايخنا العظام.

وأمّا التفصيل بين الرجوع في يومه فيقصر والإتمام إذا لم يرجع فقد استند إلى رواية محمد بن مسلم والفقه الرضوي، وقد عرفت عدم دلالة الأُولى وعدم حجّية الثانية.

وأمّا القول بالتخيير مطلقاً سواء رجع في يومه أو لا، فهو الظاهر من الشيخ في كتابي التهذيب والاستبصار، ولعلّ وجهه انّه قدَّس سرَّه وجد الروايات متعارضة فأفتى بالتخيير بين القصر والإتمام عند قصد الرجوع سواء رجع ليومه أو بعده، فالتخيير، تخيير في المسألة الأُصولية لا في المسألة الفقهية وإن كان ينتهي إليها أيضاً.و لكن التعارض فرع عدم الجمع الدلالي، وقد عرفت بإمكان الجمع بين الروايات.


1 . مستدرك الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(55)

وأمّا القول بالقصر عند الرجوع في يومه والتخيير إذا رجع بعده، فلعلّ القائل استظهر ملائمة الروايات للراجع من يومه واختلافها للراجع بعده فأفتى بالتخيير.

يلاحظ عليه: إمكان الجمع بين الروايات في كافة الصور.

وأمّا القول المنسوب إلى ابن أبي عقيل فهو ليس قولاً مغايراً للمختار، وقد أفتى بالقصر إذا لم يقصد الإقامة في المقصد، ومعنى ذلك انّه إذا رجع في ضمن عشرة أيّام يجب عليه القصر.

هذا كلّه حول عدم اشتراط قصد الرجوع في المسافة التلفيقية، وإليك الكلام في المقام الثاني:

المقام الثاني: فيما إذا كان واحد منهما أقلّ من أربعة

إذا كان الإياب أو الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ مع بلوغ الكلّ ثمانية فراسخ، فهل يحكم بالتقصير أو بالإتمام، كما إذا كان الذهاب خمسة فراسخ والإياب ثلاثة، أو بالعكس، وهذا يتفق فيما إذا كان للبلد طريقان أحدهما أقرب من الآخر؟

فهنا أقوال:

1. التقصير مطلقاً. اختاره العلاّمة الطباطبائي في العروة وإن كان الأحوط ـ استحباباً ـ عندما كان الذهاب أقلّ من أربعة مع كون المجموع ثمانية فراسخ الجمع. ونقل عن الشيخ الأعظم في صلاته(1) لو لم يقم إجماع على خلافه.

2. القول بالإتمام.و هو الظاهر من شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في


1 . لاحظ صلاة الشيخ:318، الطبعة الحجرية. و ليس في عبارته ما حكي عنه صريحاً.


(56)

صلاته، (1) وهو الظاهر أيضاً من تعليقة السيد الحكيم والسيد الگلپايگاني على العروة، حيث قال: بل الأقوى اعتبار كل من الذهاب والإياب أربعة.

3. التفصيل بين كون الذهاب أكثر من بريد والإياب أقلّ منه وعكسه، فيقصر في الأوّل دون الثاني. وهو خيرة سيدنا المحقّق البروجردي في تعليقته على العروة.

4. الجمع بين القصر والتمام.و هو خيرة الفقيه الهمداني، قال: فالإنصاف انّ الحكم موقع تردّد، فلا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام في جميع الموارد التلفيقية الذي يكون ذهابه أو إيابه أقلّ من أربعة فراسخ وإن رجع ليومه.(2)

أمّا القول الأوّل، فتدل عليه التعليلات الواردة في الروايات.

ألف. التعليل الوارد في مرسلة الصدوق: «وكان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتى ذباباً قصّـر، وذباب على بريد، وإنّما فعل ذلك لانّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».(3) ومورد النص وإن كان كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ، لكن التعليل دلّ على أنّ الموضوع للتقصير واقعاً هو كون السفر بريدين، وهو متحقّق في كلتا الصورتين.

ب. التعليل الوارد في موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر، قال: سألته عن التقصير، قال: « في بريد ».قلت: بريد؟ قال: «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً، فقد شغل يومه».(4)


1 . كتاب الصلاة:403.
2 . مصباح الفقيه:730، كتاب الصلاة.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث15، و لو كان الحديث متحداً مع ما ورد تحت رقم 14 ينتهى الحديث إلى زرارة، و هو موضع تأمّل.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.


(57)

وكيفية الاستدلال مثل ما سبق وانّ المعيار هو كونه سائراً بياض يوم، وهو حاصل بالفعل في كلتا الصورتين إذا رجع من يومه وبالتقدير إذا رجع من غده.

نعم لا نقول بمطلق الشغل حتى الفعلي إذا لم يرافق سير بريدين، كما إذا سار فرسخين في يوم واحد.

ج. التعليل الوارد في رواية إسحاق بن عمار التي رواها الصدوق في العلل التي مضى لفظها.(1)

لا شكّ انّ ظاهر هذه التعليلات تقودنا إلى القول بالقصر في كلتا الصورتين، لكن الذي يصدنا عن الاستناد إليها هو انّها وردت لعلاج التنافي بين الميزانين: بريدين وبريد، فدلت على أنّ المدار هو الثمانية الأعمّ من الامتدادية أو التلفيقية.

وأمّا كونها بصدد بيان أزيد من ذلك وانّ المقياس هو سير بريدين بأيّ نحو كان وإن كان الذهاب أو الاياب أقلّ من بريد وإن كان المجموع بريدين فغير معلوم.

والحاصل انّ التعليلات ليست بصدد إعطاء الضابطة لجميع الموارد، بل انّها بصدد بيان أمر خاص وهو رفع استبعاد أصحابهم من كون البريد موجباً للقصر. وذلك لأنّه إذا ضمّ الإياب إلى الذهاب يكون بريدين.و أمّا بيان حكم أقسام التلفيق فليست بصدده.

وأمّا القول الثاني، أي الحكم بالاتمام مطلقاً فلوجوه:

1. انّه الأصل في الصلاة، والتقصير يحتاج إلى دليل وحاصل العمومات والإطلاقات انّه يجب التمام على كلّ مكلّف غير المسافر الشرعي، وقد كان


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث10.


(58)

مصداقاً لهذا العام فيستصحب كونه كذلك وليس بمثبت، لكون المستصحب على مفاد كان الناقصة كان متحقّقاً فيه قبل الذهاب والأصل بقاؤه.

2. صحيحة معاوية بن وهب: قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : أدنى ما يقصر فيه المسافر الصلاة قال: «بريد ذاهباً وبريد جائياً».(1)

يلاحظ عليه: أنّه محمول على الغالب، لأنّ الغاية مساواة الذهاب والرجوع في مقدار المسافة فلأجل ذلك قال: بريد ذاهباً وبريد جائياً، ولولا هذه الغلبة كان من المحتمل أن يقول ثمانية فراسخ ذاهباً وجائياً.

3. وجود العناية بالبريد بحيث يستظهر من الروايات انّه ملحوظ في مقام الموضوعية.

ففي مرسلة الخزاز انّ رسول اللّه لما نزل عليه جبرئيل بالقصر، قال له النبي: في كم ذاك؟ فقال: في بريد، قال: وأيّ شيء البريد؟ فقال: ما بين ظل عير إلى فيء وعير.(2)

وفي رواية الفضل ممّا كتبه الرضا إلى المأمون، قال: «إنّما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك، لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهباً أو بريد ذاهباً وبريد جائياً، والبريد أربعة فراسخ».(3)

وفيه انّه لا يتجاوز عن حدّ الاشعار، ولا يمكن أن يكون مثله دليلاً على الحكم بوجه قاطع. والمضمون محمول على الغالب.

وأمّا القول الثالث، أي القول بالتفصيل أي التقصير فيما إذا كان الذهاب مشتملاً على البريد دون العكس، فقد استدل عليه المحقّق البروجردي بما هذا


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث13 و 18.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث13 و 18.


(59)

حاصله:

إنّ هناك طوائف ثلاث من الروايات:

1. اخبار الثمانية.

2. اخبار البريد الواحد.

3. اخبار التلفيق الرافع للتعارض بين الطائفتين الأوّليتين.

إنّ الطائفة الأُولى دلّت على كون الحدّ للتقصير هو كون المسافة ثمانية فراسخ امتدادية، لكن رفعنا اليد عن الامتدادية لأجل اخبار التلفيق وبقي أصل الثمانية محفوظاً.

إنّ الطائفة الثانية دلّت على كون الحدّ هو الأربعة الامتدادية، فرفعنا اليد عن كون الملاك هو الأربعة، بواسطة اخبار التلفيق وبقي كونها امتدادية بلا معارض.(1)

وحاصله: انّ الطائفة الثانية من الروايات دلت على أنّ الحدّهو الأربعة الامتدادية، ولما كان المدلول الأوّل (الأربعة) مخالفاً لأخبار التلفيق رفعنا اليد عن كفاية كون السير أربعة والتزمنا بثمانية فراسخ، وأمّا المدلول الثاني (كون المسافة امتدادية) فلا تخالفها اخبار التلفيق فنأخذ بها.

ثمّ أورد على نفسه بأنّ أخبار التلفيق متضمنة للذهاب والإياب، فلو كان الامتداد شرطاً في الذهاب فليكن كذلك في الإياب، وهو مخالف للتفصيل المختار.

فأجاب عنه ما هذا حاصله: أنّ الكلام ليس في اخبار التلفيق بل في اخبار البريد، فهو قبل حكومة اخبار التلفيق عليه دالّ على أمرين:


1 . البدر الزاهر:81.


(60)

1. كفاية كون السير أربعة.

2. أدنى البعد والامتداد بين المبدأ هو الأربعة.

أمّا المدلول الأوّل فقد رفعنا اليد عنه باخبار التلفيق، فلو لم نأخذ بالمدلول الثاني وقلنا بكفاية الأقلّ من الأربعة في الذهاب إذا بلغ المجموع ثمانية فراسخ، لم يبق للطائفة الثانية من الروايات أيّ محمل صحيح.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ معنى ذلك انّ الطائفة الثانية من الروايات وردت لإفادة شرطية كون السير امتدادياً فقط. فلو كانت الغاية هذه، فلماذا يعبر عن ذلك المعنى بلفظ غير ظاهر فيه، وهل يصح لنا أن نقول إنّ أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ يريد من قوله: «التقصير في بريد» أو إنّ أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يريد من قوله: «التقصير في أربعة فراسخ» انّه يشترط أن يكون السير في هذا الحدّامتدادياً مع انّ هذا المعنى لا يتحمله اللفظ.

وثانياً: قد تقدم منّا انّ الطائفة الثالثة مفسّـرة للطائفة الأُولى، ومعنى ذلك انّ قول أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «التقصير في بريد» بمعنى أنّ التقصير في بريد ذاهباً وجائياً، وعندئذ يكون حكم الطائفة الثانية كحكم الطائفة الثالثة في ظهور كون كلّ من الذهاب والإياب امتدادياً، فلا وجه لأخذ الظهور في الامتداد في مورد الذهاب دون الإياب.

وأمّا القول الرابع، أي القول بالاحتياط فللشكّ في كون المورد من مصاديق الطائفة الثالثة.

يلاحظ عليه: لاوجه للاحتياط بعد شمول العام للمورد وهو وجوب التمام على كلّ مكلّف غير المسافر.


1 . البدر الزاهر:82.


(61)

وقد عرفت انّ عنوان العام مركب من جزئين أحدهما محرز وجداناً أي المكلّف، والآخر بالأصل، والمستصحب هو النسبة الناقصة أي «المكلّف غير المسافر» وقد كان موصوفاً به والأصل بقاؤه في كلتا الصورتين، فلو لم يكن دليل على القصر فالاتمام هو المحكم.فتلخص انّ القول الثاني هو الموافق لظاهر الأدلّة إلاّ انّه يمكن دعم القول بالقصر.

إنّ الأصحاب يتعاملون مع الروايات المشيرة إلى التقصير معاملة العبادة، فكما انّها أُمور توقيفية لا يمكن التجاوز عنها إلاّ بالسماع عن الصادقين، فهكذا تلك الروايات.

ولكن الناظر في تلك الروايات يقف على أنّ الإسلام أراد تذليل الصعاب على المسافر الذي سار ثمانية فراسخ مستغرقاً بياض يوم، وكان هذا منّة من اللّه سبحانه لعباده.

فعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسر أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه».(1)

وعنه ـ عليه السَّلام ـ في حديث عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إنّ اللّه أهدى إليَّ وإلى أُمّتي هدية لم يهدها إلى أحد من الأُمم كرامة من اللّه لنا، قالوا: وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال: الإفطار في السفر، والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عزّ وجلّ هديته».(2)

فهذا التعليل الوارد في الروايتين، وما ورد في سائر الروايات من التحديد ببياض يوم أو مسيرة يوم أو ثمانية فراسخ أو بريدين أو 24 ميلاً يشرف الفقيه على


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 22 ، أبواب أحكام المسافر، الحديث 7و11.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 22 ، أبواب أحكام المسافر، الحديث 7و11.


(62)

القطع بأنّ المناط هو قطع الطريق في هذا الحد دون فرق بين كون الذهاب والإياب أربعة فراسخ، أو كون الذهاب أكثر والإياب أقلّ، أو بالعكس.

نعم هذه هي الضابطة فيخرج منها ما دلّ الدليل على الخروج، كما إذا سافر في يومين نصف البريد ورجع أو تردد بعد اجتياحه حد الترخص في فرسخ ذهاباً وإياباً حتى بلغ المجموع ثمانية فراسخ.

فلو كان ما ذكرنا من الوجه مقنعاً للفقيه وموجباً للافتاء بالقصر في جميع الصور فنعم المطلوب، وإلاّفالأصل هو التمام في كلتا الصورتين عملاً بمفاد الآية والضابطة المنتزعة من العمومات، وهي انّه يجب التمام على كلّ مكلّف ليس بمسافر وكان الحكم بالتمام ثابتاً قبل الأخذ بالسفر والأصل بقاؤه على ما كان كما مرّسابقاً.

حكم المسافة المستديرة

هل تلحق المسافة المستديرة بالمسافة الامتدادية، أو تلحق بالمسافة التلفيقية، أو يفصل بين صورها؟

فإنّ لها صورتين:

الأولى: تفرز الحركة مستديرة على البلد.

الثاني: تفرز مستديرة على جانب منه بحيث يلاصق البلد نقطة منها فتكون مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين، وربما يقال لا ينبغي التأمل في وجوب القصر في الثانية لاطلاق النصوص والفتاوى وصدق السفر معه ويشهد به ما ذكروه في البلد إنّما الكلام في الأولى .(1)

و أوّل من تطرق إلى هذه المسألة بين الأصحاب هو شيخنا الشهيد الثاني في


1 . السيد الحكيم: المستمسك: 8/23.


(63)

المسالك(1) وبسط الشيخ الأعظم الكلام فيه في كتاب الصلاة.(2) وحقّق أحكام صورها شيخ الشريعة الاصفهاني على ما في تقريراته.(3)

ثمّ إنّ الحركة المستديرة تارة تفرض حول البلد بحيث يكون البلد داخل الدائرة، وأُخرى تفرض من آخر البلد، على وجه يكون البلد خارج الدائرة، وتكون الحركة المستديرة بالنسبة إلى البلد كدائرتين متلاصقتين في نقطة واحدة وهي مبدأ الحركة، ومحل الكلام هو الصورة الثانية بأن تأخذ بالحركة من جانب البلد ويكون هو نقطة الالتقاء ثمّ يدور في دائرة خارج البلد، وإليك أحكام الصور بوجه موجز:

الأُولى: إذا لم يقصد بالسير إلاّ طي المسافة الشرعية كما لو تعلق غرضه بمعرفة خصوصيات الأرض لغاية البناء حولها، قال في المصباح: ففي هذه الصورة حيث لم يتعلق غرضه بالسير إلى موضع خاص، بحيث يقال: سار إليه ورجع عنه، بل كل جزء من أجزائها على حدّ سواء من كونه مقصوداً بالسير والتعدي عنده تبعاً لمقصده الأصلي الذي هو الإحاطة بمجموعها من السير فقد يقوى النظر بكونها ملحقة بالمسافة الامتدادية في الحكم، فيجب التقصير فيها إذا بلغ مجموعها ثمانية فراسخ وإن لم يرجع ليومه سواء اعتبرنا الرجوع من يومه في الملفقة أم لا، إذ ليس لها رجوع مستقل بملاحظة العرف كي يستقل عندهم بحدّ، بل مجموعها عرفاً وعقلاً مسافة واحدة محددة بثمانية فراسخ تشملها الروايات الدالة على وجوب التقصير في الثمانية أو بريدين أو بياض يوم، وانصرافها إلى المسافة الممتدة إن سلم فبدوي منشؤه غلبة الوجود.(4)

ولكنّ في المقام إشكالاً وهو انّه إذا فرضنا انّ محيط المسافة المستديرة ثمانية


1 . زين الدين: مسالك الافهام:1/240.
2 . الأنصاري: كتاب الصلاة: 413.
3 . محمد حسين السبحاني: أحكام الصلاة: 238ـ242.
4 . مصباح الفقيه: 730.


(64)

فراسخ فيكون قطر الدائرة أكثر من فرسخين ونصف وأقلّ من ثلاثة فراسخ، فلو فرضنا انّه بدأ بالسير في مجموع الدائرة، فكلما تقدم فيها حتى وصل إلى النقطة المسامتة لشروع الحركة تكون الفاصلة بين بلده والنقطة المسامتة أقل من ثلاثة فراسخ.

فيقع الكلام في أنّ الموضوع هل هو السير ثمانية فراسخ أو الابتعاد عن البلد بمقدار المسافة الشرعية، فلو كان الموضوع هو الثاني يجب عليه التمام في جميع الصور.

نعم إذا كانت المسافة المستديرة أكثر بحيث تكون نقطة المسامتة من الدائرة بالنسبة إلى مبدأ الحركة أربعة فراسخ أو أزيد كما إذا كان محيط الدائرة اثني عشر فرسخاً يتم ما ذكر(1) وهذا الإشكال جار في هذه الصورة وفي الصور التالية.

الثانية: أن يقصد قوساً من المسافة المستديرة لأجل وجود ضيعة له على رأس ذلك القوس، فإذا كانت مسافة الدائرة ثمانية تكون مسافة القوس أربعة، فعندئذ يحتسب ما قطعه ذهاباً والباقي إياباً، ويأتي فيه ما سبق استلزامه من البعد من البلد، أقل من أربعة فراسخ ومامرّ في المسافة التلفيقية من اشتراط الرجوع ليومه أو لا.

الثالثة: أن يقصد أقواساً متعددة من المسافة المستديرة لوجود مقاصد متعددة له على رؤوسها، فالظاهر انّ منتهى الذهاب آخر المقاصد فيكون حكمها حكم المقصد الواحد. هذا إذا كانت الحركة المستديرة، لا على البلد، وأمّا إذا كانت حوله وفوق حدّ الترخّص فربما يدعى انصراف النصوص والفتاوى عن هذه الصورة، وفيه تأمّل خصوصاً إذا كان الابتعاد عن البلد بمقدار الأربعة وسيوافيك الكلام فيها فانتظر.


1 . كما لو كانت المسافة المستديرة12 فرسخاً فستكون الفاصلة بين نقطة المسامتة إلى مبدأ الحركة أربعة فراسخ.


(65)
الشرط الثاني: قصد قطع المسافة

المراد من هذا الشرط هو انّ قطع المسافة بما هوهو بأي صورة تحقّقت ليس تمام الموضوع، فلو قصد ما دون المسافة ثمّ تمادى به السير إلى أن كملت المسافة لم يقصِّر مع انّه قطع المسافة لكن لا عن قصد.

وبذلك يعلم انّ الشرط الأوّل (اعتبار المسافة) لا يغني من الشرط الثاني، وأمّا العكس فهو أيضاً كذلك، فلو افترضت انّه قصد مسافة بزعم انّها ثمانية ثمّ بان خلافه، فلا يقصِّر لعدم قطع المسافة وإن قصد الثمانية، وهذا يدل على لزوم اعتبار كلا الشرطين.

فإن قلت: فلو كان الشرط مركباً من قطع المسافة مع قصدها يلزم عدم جواز التقصير والإفطار إلاّ بقطعها مع أنّهما يجوزان عند حدّ الترخص، فكيف يمكن أن يقال بكون طي المسافة شرطاً وراء قصدها؟

قلت: هاهنا جوابان:

الأوّل: انّ مقتضى القاعدة عدم جوازهما إلاّ بعد طي المسافة خرج منها جوازهما عند الوصول لحدّ الترخّص، فيكون جوازهما على خلاف مقتضى الشرطين.

الثاني: انّ الجواز في حدّ الترخص مشروط بطي المسافة على نحو الشرط المتأخر، ولأجل ذلك لو صلّى أو أفطر بعد حدّالترخص وقبل قطع المسافة ثمّ بدا


(66)

له الرجوع يجب عليه إعادة الصلاة وقضاء الصوم، وتدلّ عليه صحيحة أبي ولاد(1) وخبر المروزي.(2)

ربما يقال بأنّ الروايتين معرض عنهما، وسيوافيك الكلام فيهما.

ويدل على اعتبار قصد المسافة مرسلة إبراهيم بن هاشم، عن رجل، عن صفوان قال: سألت الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلاً على رأس ميل، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد، أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصر؟ قال: «لا يقصر ولا يفطر، لأنّه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه، ولو انّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً لكان عليه أن ينوي من الليل سفراً والإفطار، فإن هو أصبح ولم ينوِ السفر فبدا له بعد أن أصبح في السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك».(3)

وعليه يحمل ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ، ويأتي قرية فينزل فيها، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أُخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك، ثمّ ينزل في ذلك الموضع، قال: «لا يكون مسافراً حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة».(4)

وقوله: فليتم الصلاة، أي ذلك الموضع، أي رأس الاثني عشر فرسخاً مادام هناك إلاّ إذا أنشأ السفر منه إلى بيته.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3. وقوله : لا يجوز ذلك يريد لايتجاوزه.


(67)

وأمّا روايته الأُخرى، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج في حاجة له وهو لا يريد السفر، فيمضي في ذلك فتمادى به المضي حتى تمضي به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال: «يقصّر ولا يتم الصلاة حتى يرجع إلى منزله».(1)

فلعلّ المراد انّه يقصر في الرجوع لأنّ المفروض انّ المسافة ثمانية.

وعلى ضوء ذلك تبيّن حكم الفرعين اللّذين ذكرهما المحقّق.

1. لو قصد ما دون المسافة، ثمّ تجدد له رأي فقصد أُخرى لم يقصر ولو زاد المجموع على مسافة التقصير، فإن عاد وقد كملت المسافة فمازاد قصر.

أمّا عدم القصر في الذهاب وإن زادت عن الثمانية فلأجل عدم القصد.

وأمّا القصر في الرجوع فلبلوغ المسافة ثمانية.

وكذا لو طلب دابة شردت له أو غريماً أو آبقاً وقد علم وجهه في الفرع السابق.

2. ولو خرج ينتظر رفقة إن يسيروا سافر معهم فإن كان على حدّمسافة قصر في سفر وموضع توقفه، وإن كان دونها أتم حتى يتيسر له الرفقة ويسافر.

أقول: إنّ لهذا الفرع صوراً أُشير إليها في المسالك:

أ. إذا كان منتظر الرفقة على رأس المسافة فصاعداً فهو يقصر، لأنّه قطع المسافة إلى محلّ الانتظار عن قصد.

ب. إذا كان على ما دون المسافة وقد وصل حدّالترخص، فإن علم مجيئهم أو جزم بالسفر من دونهم على تقدير عدم مجيئهم فيقصر، لأنّه لم يعدل عن قصده.

ج. مالو غلب على ظنّه مجيئهم أتم وذلك لعدم الجزم بالسفر.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.


(68)

فروع

قد ذكر السيد الطباطبائي تبعاً لغيره فروعاً لا بأس بالتطرق إليها:

1. لا يعتبر قصد المسافة

إذا قصد المسافة فلا يعتبر اتصال السير فيقصر وإن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيّام من غير فرق بين كونه مختاراً في هذا العمل، أو مضطراً لأجل عدو أو برد أو انتظار رفقة أو نحو ذلك.

والدليل على ذلك إطلاق الأدلّة من غير تقيد ببطء الحركة أو سرعتها، إنّما الكلام فيما إذا قطع كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً للتنزه.

فقد ذهب السيد إلى الجمع في هذه الصورة على الأحوط.

يلاحظ عليه: أنّ الملاك كونه ضارباً في الأرض وكون السفر للتنزه أو للتجارة أو لغير ذلك أو كون السير سريعاً أو بطيئاً لا مدخلية له في القصر فيصدق عليه السفر كما يصدق عليه انّه مسافر فيقصر.

2. كما يتحقّق القصد مستقلاً كذلك يتحقّق تبعاً كالعبد والزوجة إذا قصد المتابعة وعلما بقطع المتبوع مسافة وإن لم يُعْلمِ المتبوعُ ذلك والدليل إطلاق الأدلّة الشامل للقصد الاستقلالي والتبعي.

ولا فرق بين أن تكون التبعية لأجل الوجوب الشرعي كما في المثالين أو للاضطرار العرفي أو للإكراه، وذلك لانّ المضطر والمكره من أقسام الفاعل المريد غير انّ الإرادة ربما تكون نابعة من صميم الذات كما هو الحال في المريد المختار وربما تكون نابعة لضغط خارجي كالاضطرار والإكراه، ولأجل ذلك ذهبنا إلى صحّة بيع المضطر والمكره (بالفتح) إذا رضيا فهما مريدان وإن لم يكونا مختارين


(69)

بالأصالة.(1) فيدخل في ذلك الخادم والأسير والمكره (بالفتح) مع العلم بقصد المتبوع.

نعم لو كان التابع فاقداً للإرادة الأصلية والتبعية كمن أُلقي في سفينة أو أُركب على دابة من دون إرادة فهل وظيفته التمام أو القصر؟ وجهان مبنيان على أنّ الموضوع هو قصد المسافة وإن كان تبعياً أو العلم بطي المسافة الشرعية وإن لم يقصد.

والظاهر انّ الموضوع هو الأوّل لأنّ قصد المسافة أُخذ شرطاً فيه، قال السيد الطباطبائي: «ففي وجوب القصر، مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال وإن كان لا يخلو عن قوة» وقد قوّاه بعض المعلقين على العروة ولم يعلم وجهه، وسيوافيك بيانه.

وهل يجب على التابع الاستخبار مع الإمكان، أو لا؟ الظاهر عدم الوجوب وإن قلنا بوجوب الفحص عن الشبهات الموضوعية التحريمية أو الوجوبية وذلك للفرق الواضح بين المقام والفحص عند الشبهة.

و ذلك لأنّه إذا كان الحكم مترتباً على الموضوع الواقعي كحرمة الخمر وكان العلم والظن طريقين إليه، ففي ظرف الشكّ يجب عليه الفحص عن الموضوع لئلاّ يخالف الحكم الواقعي المنجز على القول بلزوم الفحص في الشبهات الموضوعية. وأمّا إذا كان هنا حكمان مترتبان على موضوعين لكل حكمه، أعني:

1. قاصد المسافة يُقصِّر.

2. غير القاصدُ يتم.

فهو بما انّه غير واقف على قصد المتبوع لا يتمشّى منه قصدُ المسافة فيدخل في الموضوع الثاني ولا دليل على لزوم اخراج نفسه عن ذلك الموضوع المتحقّق


1 . هذا القيد لإفادة انّهما مختارين بالتبع و ذلك لانّه يرجح تبعية المكرِه، على الضرر الذي يتوجه إليه عند عدم التبعية فيختار ما يريده المكره لكن اختياراً بالتبع لا بالأصالة.


(70)

بالفعل وادخالها تحت الموضوع الآخر، ولذا لا يجب عليه الاستخبار، فإذا لم يجب الاستخبار لا يجب الجواب.

2. طروء المانع عن المتابعة

قال السيد الطباطبائي: «إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفقة بقي على التمام، بل ولو ظنّ ذلك فكذلك.

نعم لو شكّ في ذلك فالظاهر القصر خصوصاً إذا ظنّ العدم. لكن الأحوط في صورة الظنّ بالمفارقة والشكّ فيها، الجمع».

الفرق بين هذه المسألة، والمسألة التالية هو انّ جهة البحث هو طرؤ مانع علماً أو ظنّاً أو شكّاً أو ظنّاً بالعدم، يمنع عن التبعية كعروض المرض والخوف على نفس التابع وماله.مع بقاء ملاك التبعية كالزوجية والرقية قطعاً، بخلاف المسألة الآتية، فإنّ متعلّق العلم والظن والشك بقاء نفس ملاك التبعية قبل قطع المسافة الشرعية ولو ملفقة، كالزوجية بالطلاق والرقية بالعتق، وغير ذلك.

وأمّا أحكام الصور المذكورة في المسألة:

إمّا مع العلم بالمفارقة أو الظنّ بها فيُتم، لعدم إمكان قصد المسافة معهما، فلأجل ذلك قال بقي على التمام.

إنّما الكلام في الفقرة الثانية من كلامه حيث قال: «نعم لو شكّ في ذلك فالظاهر القصر خصوصاً إذا ظن العدم». وذلك لأنّ مقتضى القاعدة، هو التمام لأنّ الشكّ إذا كان أمراً معتداً به عند العقلاء، يمنع عن انعقاد القصد، فكان عليه أن يقول يبنى على التمام دون أن يقول: «الظاهر القصر» إلاّ أن يحمل كلامه إلى الشكّ غير المعتد به عند العقلاء كما فسّره به السيد المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه فإنّ أكثر الأسفار غير خالية عن هذا النوع من الشكّ، ومنه يظهر حال الظن بالعدم


(71)

الذي عطفه على الشك وأفتى فيه أيضاً بالتقصير، فلو كان المراد، مجرّد الرجحان فهو كالشكّ المعتد به عند العقلاء فيبنى على التمام وإن كان المراد هو المرتبة الخاصة منه الذي يُعبّر عنه بالاطمئنان الذي هو علم عرفي، بعدم المفارقة فالحكم بالتقصير في محله.

3. في زوال سبب المتابعة

إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه، أو كانت المفارقة معلقة على حصول أمر كالعتق والطلاق ونحوهما ،فهنا صور:

ألف. العلم بعدم الإمكان أو عدم حصول المعلّق عليه.

ب. إذا ظنّ إمكان المفارقة أو حصول المعلّق عليه.

ج. إذا احتملهما احتمالاً معتداً به عند العقلاء.

د. إذا احتملهما احتمالاً بعيداً لا يعتدّبه عندهم.

فقد أفتى السيد في الصور الثلاث الأُول، بالتمام، وهو الموافق للقاعدة لعدم تمشّي القصد فيها، ولذلك لا أرى وجهاً لقوله: «و أمّا مع ظنّه فالأحوط الجمع».

وأمّا الصورة الرابعة: فيُتم لأنّ المفروض كون الاحتمال غير معتدّبه خصوصاً انّ أغلب الأسفار لا يفارق مثل هذا الاحتمال، وعندئذ لا وجه لقوله: «و مع ذلك أيضاً لا يترك الجمع».

والحاصل انّ الاحتياط بالجمع في ثانية الصور ورابعتها لاوجه له.

4. فيما إذا خالف اعتقادُالتابع مع المتبوع

إذا اعتقد التابع انّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك وفي الأثناء علم


(72)

انّه قاصد لها فقد أفتى السيد بوجوب القصر عليه وإن لم يكن الباقي مسافة، وعلّله بأنّه إذا قَصَدَ ما قَصَده متبوعه فقد قصد المسافة واقعاً، وهو كما لو قصد بلداً معيناً واعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء انّها مسافة فيكفي ذلك في القصر.

وأورد عليه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه بأنّ مجرّد قصد المصاحبة وعدم مفارقة المتبوع، مع اعتقاده تفصيلاً بأنّ قصد المتبوع دون المسافة لا يوجب القصر، وإلاّ لوجب القصر على طالب الآبق، لو علم في الأثناء أنّ ما بقي من سيره بانضمام ما مضى منه يكون بمقدار المسافة، فإنّه قاصد من أوّل الأمر إجمالاً إلى السير إلى أن يصل إليه، وتنظيره بمن قصد بلداً معيناً يعتقد انّه دون المسافة فبان انّه بمقدارها في غير محلّه، فإنّ من قصد ذلك، فقد قصد مسافة تبلُغ ثمانية فراسخ، وإن لم يقصد عنوان الثمانية، والظاهر من الأدلّة اعتبار قصد المسافة الواقعية، التي تكون ثمانية فراسخ في نفس الأمر، وفيما نحن فيه قصد واقعاً السير إلى مادون المسافة واقعاً، لاعتقاده بانتهاء سير المتبوع إليه، وكذا الكلام فيما لو شكّ التابع في مقدار سير المتبوع، مع كونه قاصداً للمتابعة.(1)

ووافقه السيد الحكيمقدَّس سرَّه، ونزّل المقام بمن تردد عنده مكان الضالة بين بلاد كثيرة مختلفة بالقرب والبعد.

وقال السيد الاصفهاني، في الفرق بين المقام والمثال الوارد في كلام السيد الطباطبائي: بأنّه فرق بين أن يكون المقصود معيّناً وبلوغه مقدار المسافة مجهولاً، وبين أن يكون المقصود مجهولاً، ومجرّد كون مقصود المتبوع في الواقع معيّناً لا يفيد، لصدق تعيين قصد التابع.(2)


1 . الحائري: الصلاة: 596.
2 . صلاة المسافر:57.


(73)

وفصل بعض المعلقين على العروة بين ما إذا علم التابع بأنّ مقصد المتبوع ومنتهى سيره المكان المعين الكذائي، ولكنّه اعتقد كونه أقلّ من المسافة، أو شكّ في كونه مسافة، ثمّ تبين كونه مسافة فيقصر، وبين ما إذا اعتقد انّ منتهى سيره المكان المعين، الذي لم يكن مسافة واقعاً، ثمّ بان أنّ ا لمتبوع أراد مكاناً آخر أزيد من ذلك المكان ممّا يكون مسافة، أو شكّ في منتهى سيره ثمّ بان كونه مسافة، فيتم.

و مع أنّ جلّ من تأخر عن السيد الطباطبائي خالفوه وأفتوا بالاتمام إذ لم يكن الباقي مسافة شرعية، لكن الحقّ التقصير، وله نظائر في الفقه، وكلّها من باب كفاية القصد الإجمالي إذا كان أصيلاً.

1. حجّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حجّة الوداع، فلما فرغ عن السعي أمر الناس أن يُحلّوا، إلاّ سائق هدي، وقد ساق ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الهديَ وقد ورد علي ـ عليه السَّلام ـ من اليمن على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و هو بمكة، فقال: يا رسول اللّه ـ صلاى الله عليه وآله وسلَّم ـ َّنّي رأيت فاطمة قد أحلّت، عليها ثياب مصبوغة، فقال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا علي بما أهللت؟ قال قلت: يا رسول اللّه إهلالاً كإهلال النبي، فقال له رسول اللّه: كُنْ على احرامك مثلي، وأنت شريكي هديي.(1)

فقد اكتفى في نيّته، بنية النبي الأكرم فجعل نيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مرآة لنيته واقعاً ولأجله أمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بعدم الاحلال، وأن يبقى على إحرامه ولما لم يكن معه هَدْي جعله شريكاً في هديه.

2. إذا اقتدى بالإمام الحاضر، وزعم انّه زيد فبان انّه عمرو صحت صلاته، لأنّ المقصود بالذات هو الإمام الحاضر، وتخيّل كونه عمرواً لا زيد لا يضر، بعد كون الأصيل هي النيّة الأُولى فإنّ الثانية من باب الخطأ في التطبيق.


1 . الوسائل: الجزء 8 ، الباب 2، من أبواب أقسام الحج، الحديث 4.


(74)

3. لو صلّى المسافر بنيّة التمام غافلاً عن كونه مسافراً وسلّم في الثانية غفلة أو بزعم انّها الرابعة صحّت صلاته، لأنّه لم يقم إلى الصلاة إلاّ لامتثال أمرها فهو لدى الافتتاح قصد امتثال الأمر الواقعي، لكنّه لأجل الغفلة عن حاله تخيل انّ الأمر الواقعي هو الأمر بالتمام على وجه لو زالت الغفلة لما صلّى إلاّ قصراً.

وأمّا المقام فالتابع بحكم انّه تابع، قاصد بالذات السفر إلى ما قصده المتبوع، وهذا القصد مركوز في ذهنه، لا ينفك عنه، لكنّه لما تصور انّ مقصد المتبوع دون المسافة لم يقصد المسافة، ولكنّه قاصد لها بنية إجمالية، والحاصل أنّ في ذهن التابع إرادة وعلم.

أمّا الأُولى فقد تعلقت بالسفر إلى ما يريده متبوعه بلا إشكال، وأمّا الثاني وهو انّ المسافة ثلاثة فراسخ وهذا العلم وإن كان يستعقب الإرادة، لكنّها ليست أصيلة، بل الأصيل هي الأُولى.

وبذلك يظهر الفرق بين مقامنا ومن قصد غريمه أو عبده الآبق وهو لايعلم مكانه، لأنّه فاقد للقصد إلى المسافة الشرعية لعدم وجود طريق إليه ـكنية المتبوع في المقام ـ فلا يقال انّه قاصد إلى ثمانية فراسخ، وهذا بخلاف المقام،فلو سئل التابع إلى أين تذهب؟ يقول: إلى المكان الذي يذهب إليه المتبوع.

وبذلك يعلم أنّ التفصيل بين من علم مقصد المتبوع وزعم انّه دون المسافة ومن لم يعلم أو زعم الخلاف فيقصر في الأوّل ويتم في الثاني ليس بوجيه، لأنّه لو كان الموضوع هو قصد المسافة الشرعية بعنوانه التفصيلي فلا يقصر في الأوّل أيضاً، وإن كان الموضوع هو الأعم من التفصيلي والإجمالي، فهو موجود في كلتا الصورتين.


(75)

5 . في حكم المجبور

قال السيد الطباطبائي: إذا أُركب على دابة، أو أُلقي في سفينة من غير اختيار بأن لم يكن له حركة اختيارية، ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالايصال إلى المسافة إشكال، وإن كان لا يخلو من قوّة.

الوجهان مبنيان على أنّ الموضوع هو الابتعاد عن البلد بمقدار المسافة الشرعية، أو قطعها مع الإرادة، ويمكن استظهار الوجه الثاني من قوله: «ليس يريد السفر ثمانية»(1) وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لكان عليه أن ينوى من الليل سفراً».(2) وظهور قوله: «إنّه ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه».(3) في الفعل الاختياري.

وأمّا الوجه الأوّل فلا وجه سوى التمسك بما ورد من الروايات من انّه تخفيف وهدية من اللّه إلى عباده لتقليل المشقة.(4) وهو موجود في مطلق الابتعاد من البلد ولو بالعنف والاركاب والذهاب به في النوم، ولعلّه ليس ببعيد.

استدل السيد الحكيم على القصر برواية إسحاق بن عمار الواردة في قوم خرجوا في سفر وتخلف منهم واحد قال ـ عليه السَّلام ـ : «بلى إنّما قصّروا في ذلك الموضع، لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم، وانّ السير يجدّ بهم».(5) فإنّه يدل على أنّ تمام الموضوع للتقصير هو العلم بالسفر ثمانية فراسخ.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الرواية هو كونهم غير شاكين في السفر مع الإرادة، فالتجاوز عنه إلى مطلق من لايشك في كون المسافة ثمانية من غير قصد يحتاج إلى دليل.(6)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
4 . الوسائل:الجزء5، الباب 22 من أبواب صلاة المسافر، الحديث7و11و12.
5 . الوسائل:الجزء5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.
6 . المستمسك:8/35.


(76)

الشرط الثالث: استمرار قصد المسافة

من شرائط التقصير، قصد المسافة، حدوثاً وبقاءً، ابتداء واستمراراً، وقد اكتفى المحقّق بالشرط الثاني عن هذا الشرط، فلو عدل عن قصده أو تردد بحيث لم يبق في نفسه قصد مسير ثمانية فراسخ ولو بانضمام الإياب، أتم. ونقل السيد الحكيم عن الحدائق نسبته إلى الأصحاب أوّلاً وادّعى اتّفاقهم عليه. ولكن ظاهر عبارة الحدائق غير ذلك قال: والعجب من جملة من الأصحاب ومنهم صاحب المدارك حيث إنّهم ذكروا هذا الشرط ولم يوردوا عليه دليلاً حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك من الأصحاب: وحجتهم عندي غير واضحة.(1)

وتدل عليه رواية إسحاق بن عمار في منتظر الرفقة: «و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصّروا».(2)

ومعنى «قاموا» أي ما برحوا في تلك الأرض، أو انصرفوا إلى بلدهم، وذلك لعروض الشكّ في القصد لأجل تخلف الرفقة، فلم تكن المسافة مسافة شرعية مطلقاً، حتى تعمّ صورة الانصراف.

وفي نقل آخر لتلك الرواية من العلل: «و إن كانوا ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلاّ إتمام الصلاة، قلت: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه


1 . البحراني:الحدائق:11/334.
2 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.


(77)

أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال: بلى إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكوا في مسيرهم وانّ السير يجدّ بهم، فلمّا جاءت العلة (الشك) في مقامهم دون البريد صاروا هكذا».(1)

والرواية مروية عن طريق البرقي عن محمد بن أسلم، عن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار. قال النجاشي: محمد بن أسلم هو الطبري الجبلي من بلاد الديالمة، أصله كوفي كان يتجر إلى طبرستان يقال انّه كان غالياً فاسد الحديث، روى عن الرضا.(2) والظاهر انّ القائل هو الغضائري وهو حاك عن عدم جزمه بما نقله، مضافاً إلى أنّ اتقان الحديث يجبر ضعف السند. وأمّا صباح الحذاء، فهو أخو إسحاق بن عمار وهو من الثقات.

وفي صحيح أبي ولاد: «و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً، فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤمّ من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصّرت وعليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتى تصير إلى منزلك»(3) فانّ الحكم بقضاء ما صلاّه قصراً يدل بالأولوية على وجوب الاتمام لو صلّى أداء كما دلّت على وجوب الاتمام عند الانصراف.

نعم الصحيحة مشتملة على أمرين أعرض عنهما الأصحاب:

1. المضايقة في قضاء الصلوات حيث قال: «من قبل أن تؤمّ من مكانك ذلك».والأصحاب إلاّمن شذّ كابن إدريس على المواسعة.

2. بطلان ما صلاّها قصراً عند عدم طروء الشك، وسيوافيك الكلام فيه،


1 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.
2 . النجاشي: الرجال:برقم 1000.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(78)

وعلى كلّ تقدير لا يمنع عدم العمل ببعض أجزاء الرواية، عن العمل بغيرها.

فإذا كان التردد، هادماً للموضوع، فإنّ هناك صوراً أُشير إليها في العروة، وإليك بيانها:

1. إذا عدل قبل بلوغ الأربعة أو تردد.

2. إذا كان بعد بلوغ الأربعة وكان عازماً على عدم العود.

3. إذا كان بعد بلوغ الأربعة وكان متردداً في أصل العود وعدمه.

4. إذا كان بعد بلوغ الأربعة وكان عازماً على العود لكن بعد نيّة الإقامة هناك عشرة أيّام. فيتمّ في هذه الصور جميعها لعدم بلوغ المسافة، الحدّ الشرعي منها، إمّا لأنّه لم يقطع الأربعة، أو قطعها لكن بما انّه عازم على عدم العود، أو شاكّ أو عازم بعد إقامة العشرة.

فلا يكون المجموع داخلاً في المسافة التلفيقية.

نعم يجب القصر في الصورة التالية:

5. بعد بلوغ الأربعة، صار عازماً للعود من غير نيّة الإقامة عشرة أيّام، من غير فرق بين رجوعه ليومه أو غده بل وإن بقي متردداً إلى ثلاثين مع الجزم بالعود فمادام لم يتجاوز الثلاثين يقصر.

6. تلك الحالة لكنّه تجاوز الثلاثين، فهو يتم كما هو واضح.

بقيت هنا فروع نشير إليها:

الفرع الأوّل: كفاية بقاء نوع القصد

يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع وإن عدل عن الشخص كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص، ثمّ عدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى وما بقى


(79)

مسافة، والمخالف هو الشهيد في روض الجنان حيث قال بأنّ المدار هو المسافة الشخصية.(1) ويكفي في الدليل، رواية إسحاق، حيث قال: «إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا»(2) فأوجب القصر عند العدول من الامتدادية إلى التلفيقية. ومثله رواية أبي ولاد: «إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير إلى منزلك».(3)

مضافاً إلى إطلاق ما دلّ على التقصير في ثمانية فراسخ، أو في بريدين أو بياض يوم، فإنّه شامل للثمانية الشخصية وغيرها، وليس الموضوع للتقصير أمراً عبادياً يتوقف في تحديده، بل هو أمر عرفي، فإنّ الموضوع هو السفر إلى ثمانية فراسخ، سواء كان بقي على قصده الشخصيّ أو عدل منه إلى آخر.

الفرع الثاني: فيما لو تردد في الأثناء

لو تردد في الأثناء ثمّ عاد إلى الجزم، فهنا صور أربع:

1و2. عاد إلى الجزم وكان الباقي مسافة شرعية سواء قطع شيئاً من الطريق أو لا، وذلك لأنّ المفروض انّ الباقي مسافة شرعية، فهو موضوع للتقصير سواء صحّ ضمُّ السابق إلى الباقي أو لا، إنّما الكلام في الصورتين الباقيتين:

3. عاد إلى الجزم ولم يكن الباقي مسافة شرعية لا امتدادية ولا ملفقة، ولم يقطع شيئاً من المسافة


1 . روض الجنان:385.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.
3 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(80)

حال الترديد.

4. عاد إلى الجزم ولم يكن الباقي مسافة شرعية، وقد قطع شيئاً من المسافة حال الترديد.

فالكلام في صحّة ضمّ اللاحق إلى السابق حتى يصير المجموع مسافة شرعية.

أمّا الصورة الأُولى فالظاهر البقاء على التقصير، فإن قصد المسافة وإن زال حسب الدقة لكنّه عاد ثانياً بنظر العرف، ويدلّ عليه إطلاق رواية إسحاق بن عمّـار الواردة في منتظري الرفيق الذي لا يستقيم لهم سفرهم إلاّبه حيث صاروا مردّدين بين المضي والانصراف، فقال: «و إن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتموا قاموا أو انصرفوا، فإذا مضوا فليقصّروا» ومحلّ الشاهد هو قوله: «فإذا مضوا فليقصّروا» وادعاء انصرافه إلى ما إذا كان الباقي مسافة بلا وجه.

والعجب من شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري حيث فسّر قوله: «فإذا مضوا فليقصروا» بأنّ الكلام مسوق لبيان انّ ما مضى لا يضم بالباقي لانقطاعه بالترديد فالسير الذي يحسب من السفر بشرائطه هو السير وقت المضي.(1)

فبذلك يعلم عدم الوجه للاحتياط، كما في تعبير السيد الطباطبائي: وكذا إن لم يكن مسافة في وجه لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط.

وأمّا ما ربما يقال انّ حكم ما قطعه أوّلاً زال من جهة العزم على العدم أو التردد، فلو عزم على الذهاب ثانياً يكون هذا سفراً جديداً لابدّ أن يكون بنفسه مسافة، غير تام، فإنّه حسب الدقة الفلسفية سفر جديد، وأمّا بلحاظ الدقة العرفية فهو امتداد للسفر الواحد بنية واحدة، والظاهر انّ القائل تعامل مع الموضوع معاملة سفر المعصية، حيث إنّه لو رجع عن المعصية يجب أن يكون الباقي مسافة، أو معاملة الصوم حيث إنّ التردد في المضيّ يبطل، مع أنّ المقام يفارق الموضوعين، للفرق بينه وبين سفر المعصية حيث أُنشئ ولم يكن جزءاً


1 . الحائري: الصلاة: 412. و العبارة بعدُ لا تخلو من إجمال.


(81)

للسفر الشرعي بخلاف المقام، كما انّه يفارق الصوم حيث إنّه يجب الإمساك مع النية في جميع الآنات دون المقام.

أمّا الصورة الثانية أي إذا قطع شيئاً في حال التردد أو العزم بالعدم، ثمّ عاد إلى الجزم مع عدم كون الباقي مسافة شرعية ولو ملفقة ففيه وجوه:

1. القصر مطلقاً.

2. التمام مطلقاً.

3. التفصيل بين ما يكون ما قطعه أوّلاً حال الجزم مع ما يقطع بعد العود إلى الجزم مسافة بعد إسقاط ما تخلل بينهما فيقصر وإلاّفيتم.

أمّا وجه الأوّل فلعود ما كان سبباً للقصر، فيكفي في تحقّق المسافة مجموع ما مضى وما بقي وما تخلل.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس قطع المسافة بما هوهو بل مع القصد ومعه كيف يلحق به المتخلّلُ الفاقد للقصد إلاّ أن يكون شيئاً لا يذكر قابلاً للتسامح في نظر العرف، على تأمّل.

أمّا وجه الثاني: فقد استظهره شيخ مشايخنا الحائري من رواية عمّـار (1) وصفوان(2) انّ المسافة المحدودة يعتبر فيها أن تكون مقرونة بالقصد بأجمعها في حال السير وعدمه واحتمال أن يكون القصد معتبراً في حال السير خلاف الظاهر من أُسلوب الكلام.(3)

ولو صحّ ما ذكره لزم الإتمام فيما إذا لم يتخلل بينهما سير بلا قصد وهو كما ترى.


1 . الوسائل: الجزء5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . الحائري: الصلاة:412.


(82)

وأمّا الثالث أي القصر إذا بلغ ما بقي مع ما سبق بإسقاط ما سار في حال التردد أو العزم على العدم ثمانية فراسخ وإلاّ فالإتمام.

فيقال انّه أشبه ببيع صاع من صبرة بصورة الكلي من المعيّن، فالواجب عليه تسليم صاع من هذه الصبرة بين الأصوعة المختلفة، وعلى هذا فالموضوع سير ثمانية فراسخ مع القصد، والمفروض انّه منطبق على الملفق ممّا مضى وما بقي بعد حذف المتخلل.

يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المقام والكلي في المعيّن حيث إنّ نسبة جميع الأصوعة متساوية إلى المبيع وكلّ صاع يصلح أن يكون مصداقاً له، بخلاف المقام فإنّ هنا مصداقين للموضوع، قطع ثمانية فراسخ على وجه لا يتخلل بينها سير بلا قصد، وقطعها مع تخلله وليس المصداقان متساويي النسبة إلى الموضوع في الوضوح والخفاء. والحقّ هو الإتمام بدعوى قصور شمول إطلاقات الثمانية فراسخ بما إذا تخلّل بينهما شيء وهذا هو الوجه للإتمام، لا اعتبار القصد في جميع آنات السفر حتى يصح الموضوع كالصوم، بل والأحوط هو الجمع.

الفرع الثالث: فيما إذا صلّى قصراً ثمّ عدل

إذا صلّـى قصراً ثمّ عدل عن قصده فهل تجب اعادة ما صلاّه قصراً بصورة التمام أو لا؟ ومثلها القضاء. قال في الحدائق: المشهور هو الثاني.(1)

أفتى به الشيخ في «النهاية»، وابن إدريس في «السرائر»، وابن سعيد في «الجامع» قال الشيخ: فإن خرج بنية السفر ثمّ بدا له وكان قد صلّى على التقصير فليس عليه شيء.(2)


1 . البحراني: الحدائق:11/335.
2 . النهاية:123.


(83)

وقال ابن إدريس: فإن خرج بنيّة السفر ثمّ بدا له قبل أن يبلغ مسافة التقصير وكان قد صلّى قصراً، فليس عليه شيء ولا قضاء ولا إعادة.(1)

وقال ابن سعيد: وإذا نوى المسافة وخرج ثمّ بدا له عن السفر فإن كان قطع أربعة فراسخ فعلى تقصيره مالم ينو المقام عشراً، وإن كان دونها تمّم، وكذلك لو لبث في طريقه ينتظر رفقة ولا يعيد ما صلى.(2)

ويدل عليه من النصوص: صحيحة زرارة قال سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يخرج (مع القوم) في سفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا وا نصرفوا وانصرف بعضهم في حاجة له فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين، قال: تمت صلاته ولا يعيد.

وقال في الحدائق: إنّ في الوافي في ذيل هذا الخبر«يشبه أن يكون قد سقط لفظ «مع القوم» بعد «يخرج» كما في الفقيه كذلك».(3) وعلى كلّ تقدير فالضمير في «تمت صلاته ولا يعيد» راجع إلى البعض الذي انصرف فلم يُقض له الخروج، واحتمال أنّ الجملة راجعة إلى الباقي على القصد ولم يبد له العود كما عليه شيخ مشايخنا الحائري، ضعيف جدّاً(4) إذ أيّ شبهة في صحّة صلاته كي يسأل عنها.

والصحّة موافقة للقاعدة أيضاً لأنّه صلّى صلاة مأموراً بها وامتثال الأمر يقتضي الإجزاء.

والمهم اثبات انّه مأمور به: فهناك احتمالان:


1 . السرائر:1/341.
2 . الجامع للشرائع:93.
3 . الصدوق: الفقيه:1/281. وفي الوسائل مثله.
4 . كتاب الصلاة:410. و قد ذكر في ذيل كلامه وجهاً للسؤال عن صحّة كلامه.


(84)

ألف. الموضوع هو قصد المسافة مع قطعها وإن كان على نحو الشرط المتأخّر، فلو صلاّها في الطريق وقطع المسافة الشرعية، تمت صلاته لحصول الشرط في محلّه، ولو لم يقطع كشف عن عدم الموضوع.

ب. الموضوع هو قصد المسافة وعدم الشك في قطعها حال الصلاة سواء قطعها بعدها أم لم يقطعها.

فلو كان الموضوع هو الأوّل، فعليه الإعادة لعدم الأمر، بانتفاء الشرط (قطع المسافة) في محلّه، بخلاف ما لو كان الموضوع هو الثاني.

ويمكن استظهار الوجه الثاني من رواية إسحاق بن عمّار الواردة في غير هذا المقام لكن يمكن استنباط حكم المقام منها أعني: «أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه، قال: بلى إنّما قصروا في ذلك الموضع، لأنّهم لم يشكوا في مسيرهم وانّ السير يجدّ بهم، فلما جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا».(1)

توضيحه: أنّه سئل الإمام عمّن بدا له في أثناء السفر، فأجاب الإمام بأنّ للمسألة صورتين:

1. بدا له بعد قطع المسافة الشرعية وهذا يقصر ولا يضره البداء.

2. بدا له قبل قطع المسافة، وهذا يُتمّ في موضع عروض الشك وبعده، وعندئذ عاد السائل وقال: ما الفرق بين هذه الصورة التي حكمتم فيها بالاتمام ومن قصّر قبل قطع المسافة الشرعية كما إذا قصر عند خفاء أذان مصره؟ فأجاب الإمام بالفرق بين الموردين، بإذعانه ويقينه باستمراره في السفر، في المقيس عليه وطروء الشك عليه في المقيس.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


(85)

هذا هو توضيح مفاد الرواية.

وأمّا استنباط حكم المقام منها فنقول:

إنّ قوله: «إنّهم لم يشكوا في مسيرهم» يحتمل أحد الأمرين:

ألف. انّ الموضوع هو الجزم حال الصلاة، مع قطع المسافة الشرعية ولو بعدها.

ب. انّ الموضوع هو نفس الجزم حال الصلاة سواء قطع المسافة بعدها أو لا، فعلى الأوّل يكون الأمر في المقام تخيّليّاً، وعلى الثاني يكون الأمر واقعياً والرواية وإن كانت ظاهرة في الثاني، ولكن مورد التعليل يشتمل ـ وراء القصد ـ على قطع المسافة، والاستدلال بالتعليل الوارد في الجازم مع قطعها، على الجازم حال الصلاة مع عدم قطعها بعدُ كما هو المفروض، لا يخلو عن إشكال.

دليل من قال بالإعادة

استدل من قال بالإعادة مطلقاً في الوقت وخارجه بروايتين:

1. خبر حفص المروزي: «و إن رجع عمّا نوى عند بلوغ فرسخين وأراد المقام(1) فعليه التمام، وإن كان قصّر ثم رجع عن نيّته أعاد الصلاة».(2)

و الفرسخ الخراساني يعادل فرسخين في غيرها، وجه التمام انّه وإن قطع أربعة فراسخ، لكنّه ليس بمسافة شرعية امتدادية ولا تلفيقيّة، لأنّه قصد إقامة عشرة أيّام قبل الرجوع.


1 . إقامة عشرة أيّام و بذلك تخرج قطع أربعة فراسخ عن كونها مسافة شرعية لكون الاقامة من قواطع السفر.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(86)

2. صحيحة أبي ولاّد في حديث: ... وإن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً، فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضعَ الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعتَ فوجب عليك قضاء ما قصّرت.(1)

وهل هناك جمع دلالي، أو ينتهي الأمر إلى الترجيح بالمرجح؟ يظهر من الشيخ في «الاستبصار» وجود الجمع الدلالي وهو حمل روايتي المروزي وأبي ولاد على داخل الوقت، والصحيحة على خارجه.(2) وهو غير تام في كلا الطرفين أمّا في صحيح زرارة فقد جاء فيها: «تمت صلاته ولا يعيد» والإعادة ظاهرة في الفعل داخل الوقت، إلاّ أن يقال انّه كذلك في مصطلح الفقهاء دون مصطلح الأئمّة، فهي عندهم أعمّ من الوقت وخارجه.

وأمّا في صحيحة أبي ولاد فالمفروض انّه بدا له الرجوع إلى الكوفة، وقد صلّى الظهرين قصراً بشهادة قوله: «فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثمّ بدا لي في الليل الرجوع إلى الكوفة» فالقضاء في قوله: «فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها...» محمول على معناه المصطلح.

وهناك جمع دلالي آخر وهو حمل الإعادة على الاستحباب لكون صحيح زرارة نصاً في عدم الوجوب، لكنّه يتم في رواية حفص، حيث قال: «اعاد الصلاة» فيقال أعادها استحباباً، لا في رواية أبي ولاد وقد جاء فيها: «فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم من مكانك ذلك» فإنّ لحن الحديث لا يلائم الاستحباب، على أنّه من المحتمل أن تكون العبارة بمعنى البطلان الوضعي، فكيف يحمل على الاستحباب؟


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.
2 . الطوسي: الاستبصار:1/228.


(87)

هذا إذا قلنا بوجود الجمع الدلالي بينهما ولو أنكرنا ذلك ـ كما عرفت ـ فالترجيح لصحيحة زرارة لكونها المشهورة، والترجيح بالشهرة مقدم على سائر المرجحات، حتى الترجيح بالتعليل الوارد في رواية أبي ولاد، أعني قوله: «لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير» ولو قلنا بعدم وجود الشهرة وانّها ليست بمثابة تسلب الحجّية عن الأُخرى، فالمرجع هو قاعدة الاجزاء، لأنّه صلّى وقد انطبق عليه عنوان الصلاة قطعاًمن دون توقف على قطع المسافة، فيسقط أمره لاتّفاق العلماء على عدم وجوب الصلاتين على مكلّف في يوم واحد. وأمّا كون المرجع هو استصحاب التمام، فليس بتمام، لتخلل اليقين بالقصر بين زمان اليقين بالتمام وزمان الشك فيه كما لا يخفى.


(88)

الشرط الرابع: عدم قصد قطع السفر بالقواطع

إنّ قواطع السفر ثلاثة:

1. المرور على الوطن.

2. اقامة عشرة أيام في مكان.

3. إقامة ثلاثين يوماً متردّداً، فيتمّ في اليوم الواحد والثلاثين.

ثمّ إنّ هذا الشرط يذكر في مقامين:

الأوّل: في هذا المقام، أعني: تحديد السفر الموجب للقصر، فيكون شرطاً لأصل مشروعية القصر.

الثاني: في باب القواطع أي ما يقطع السفر ويزيل حكمه بعد تحقّقه وإيجابه القصر فيكون شرطاً لاستمراره.

ثمّ إنّ المذكور في مبحث القواطع عبارة عن كون نفس المرور، أو إقامة العشرة، أو الإقامة في مكان واحد ثلاثين متردداً قاطعاً للسفر موضوعاً كما في الأوّل، أو حكماً كما في الأخيرين على اختلاف في الإقامة كما سيأتي. فيكون اشتراط عدم هذه الشروط الثلاثة شرطاً لاستمرار القصر.

وأمّا المذكور في المقام هو انّ قصد أحد القواطع من أوّل الأمر شرط لأصل


(89)

الحكم بالتقصير، لا لاستمراره فمن يقصد الثمانية، لكن بقصد المرور على الوطن في أثناء قطعها، يُتمّ من أول الأمر، لفقدان شرط أصل الحكم بالتقصير.

وليعلم انّ ما يمكن أن يكون عدمه شرطاً في المقام هو الأمران الأوّلان، لا الثالث، لبداهة عدم معنى لقولنا: «شرطية عدم قصد الإقامة في محل متردداً ثلاثين يوماً» إذ لا يعقل أن تكون الإقامة المترددة، مقصوداً للإنسان من بدو السفر حتى يشترط عدمه.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم انّ هنا صورتين:

الأُولى: إذا انشأ السفر مع قصد أحد القاطعين من المرور على الوطن، أو إقامة عشرة أيّام، فمرّعليه أو أقام في مكان عشرة أيّام، فلا شكّ انّه يتم فيهما، وأمّا حكم الباقي من المسافة فيتبع وجود المسافة الشرعية الامتدادية أو التلفيقية بصورها المختلفة وعدمه اتّفاقاً لدى الجميع فانّه ليس بموضع بحث ونقاش حتى عند القائل بعدم الشرطية كصاحب الذخيرة، وشيخ الشريعة ـ قدّس سرّهما ـ(1) لأنّ روح هذه عبارة عن إيجاد القاطع المسلم عند الكل.

الثانية: إذا انشأ السفر مع نية أحد القاطعين لكن عدل بعد ذلك عن قصده، فهذه الصورة هي التي تظهر فيها ثمرة النزاع فالقائل بالشرطية، لا يحسب ما قطعه مع هذه النية من المسافة الشرعية وإنّما يحسب المسافة منذ عدل عن نيّته، فإن بلغ الباقي الحدّ الشرعي، يُقصِّر وإلاّ فلا، وأمّا القائل بعدم الشرطية كصاحب الذخيرة وشيخ الشريعة ـ قدّس سرّهما ـ فنيّة القاطع لم تكن مخلّة من بدء الأمر، حتى يكون العدول عنه مفيداً، فلو كان المجموع من بداية السفر إلى نهايته مسافة شرعية يُقصِّر وإلاّ فلا.

و بذلك يعلم انّ ما ذكره السيد الطباطبائي في المسألة الخامسة والعشرين


1 . على ما في تقريرات الوالد.


(90)

هو موضع ظهور الثمرة بين القولين، أعني: ما إذا نوى أحد القاطعين، ثمّ عدل، لا ما إذا نوى وحقق إذ ليس فيه أيّ شك في انّه يتم إلاّ إذا كان الباقي على مقدار المسافة.

و يمكن الاستدلال على الشرطية بالأُمور التالية بعد تسليم كون الوطن والإقامة قاطعين للسفر موضوعاً.

1. انّ الشرطية نتيجة الجمع بين أدلّة قصد المسافة الشرعية، وأدلّة كون المرور على الوطن أو الإقامة في مكان عشرة أيّام من قواطع السفر موضوعاً، وهذا ما يسمّى بدلالة الإشارة نظير استفادة كون أقلّ الحمل، ستة أشهر من الآيتين المباركتين.(1)

توضيحه: أنّ المرور على الوطن قاطع لموضوع السفر عرفاً وشرعاً، فلا يصدق على المجتاز والمارّ عليه مسافراً إلاّ بالعناية والمجاز، لأنّ السفر هو التغرب عن الأوطان، فلا يجامع مع التواجد فيه، وفي الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

تغرب عن الأوطان في طلـب العلى * فسافـر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج هَمّ واكتسـابُ معيشــة * وعلـم وآداب وصحبــة ماجد

ومثله الإقامة في مكان عشرة أيام، فإنّه قاطع لموضوع السفر شرعاً، وإن لم يكن كذلك عرفاً لكن الشارع نزّله منزلة الوطن، وقد ورد في رواية زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة...».(2)

وبذلك يعلم، انّ المسافر في نظر العرف هو خلاف الحاضر في الوطن فقط،


1 . البقرة/233; الأحقاف/15.
2 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.


(91)

وأمّا في لسان الشارع فهو خلاف الحاضر والمقيم فالأخير غيرمسافر، بحكم رواية زرارة وغيرها ممّا سيوافيك في فصل قواطع السفر.

و يمكن استفادته من قوله سبحانه: «وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يومَ إِقامَتِكُمْ ومِن أَصوافِها وَ أَوبارِها وَأْشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى حين» (النحل/80) والظعن هي الحركة وهي كناية عن السفر، فعدت الإقامة مقابلاً للظعن.(1)

إذا تبيّن ذلك فمن جانب دلّ الدليل على أنّ المتواجد في الوطن، أو المقيم في مكان ليس بمسافر، ومن جانب دل الدليل على لزوم قصد المسافة وإرادة السفر ثمانية فراسخ كما في مرسلة صفوان: «لأنّه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ»(2) ومعنى ذلك، انّه يجب عليه أن يكون قاصداً للسفر الشرعي من زمن إنشائه إلى نهايته، وهذا لا يجتمع مع جزمه بأنّه يمر على الوطن أثناء السفر أو يقيم فيه عشرة أيّام، لأنّ هذا القصد ـ حتّى وإن لم يتحقّق ـ يمنع عن قصد المسافة الشرعية غير المتخلّلة بينها شيء آخر إذ كيف يمكن له أن يقصد السفر بقطع ثمانية فراسخ مع أنّه يعلم بأنّه ليس بمسافر في أثنائها عندما مرّعلى الوطن أو أقام، في مكان فضم أدلّة الحكمين ينتج هذا الشرط الرابع.

و إن شئت قلت: إذا كان عنوان المسافر على طرف النقيض من المتواجد في الوطن أو المقيم في محل، ومعه كيف يصحّ لمنشئ السفر أن يقصد السفر الشرعي، مع انّه يعلم انّه في الأثناء يخرج عن كونه مسافراً ويكون إمّا حاضراً أو مقيماً؟ ومثل هذا يمنع عن تمشي القصد عن بدء الأمر.


1 . يقول العلاّمة الشيخ مصطفى التبريزي المجتهدي( 1298ـ 1338):

أناخت على قلبي الكآبةُ و الكربُ * عشيَّـــــة زمَّ العيس للظعنِ الركبُ

2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 4 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.


(92)

و ربما يستدل لها تارة بانصراف أدلّة القصر عن مثل هذا الفرد، وأُخرى باستصحاب التمام(1).

أقول: ادعاء الانصراف فيما إذا تحقّق المرور أو الإقامة فصحيح، وأمّا إذا لم يتحقق كما إذا نوى في بدء السفر ثمّ بدا، فلا نسلم عدم شمول أدلة القصر له. وأمّا الاستصحاب فهو أشبه بتبدل الموضوع، لأنّه صار مسافراً وإنّما بدا له المرور أو الاقامة فكيف يستصحب حكم التمام المنقوض بقصد السفر قبل البداء وقد عرفت انّ الثمرة بين القولين تظهر فيما إذا بدا له المرور ولكن لم يتحقق لا فيما إذا تحقق، فإنّ الإتمام فيه ممّا لا غبار عليه إلاّ إذا كان الباقي على حدّ المسافة الشرعية.

ثمّ إنّ المخالف هو صاحب الذخيرة وهو يفسر عبارة العلاّمة في إرشاد الأذهان بالنحو التالي: إنّ من شرط وجوب القصر أن ينوي مسافة لا يعزم على إقامة العشرة في أثنائها، فلو نوى مثلاً قطع ثمانية فراسخ، لكن يعزم على أن يقيم عشرة في أثنائها لم يجب التقصير لا في موضع الإقامة ولا في طريقه، وقد صرح الأصحاب كالمصنف وغيره بهذا الحكم، ولا أعرف فيه خلافاً، لكن إقامة حجّة واضحة عليه لا يخلو من إشكال، فإنّ النصوص مختصة بالحكم الأوّل (أي من سافر وقطع) لا من نوى القطع ثمّ بدا له.(2)

فروع

الأوّل: لو كان متردّداً في نية الإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية قال السيد الطباطبائى: يتم، وأضاف: نعم لو لم يكن ذلك من قصده ولا متردداً إلاّ أنّه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة.


1 . النراقي: المستند:8/224، الطبعة الحديثة.
2 . السبزواري: الذخيرة:407.


(93)

أقول: إنّ إخلال التردد في المرور أو الإقامة لأجل انّهما يخلاّن بالجزم بالسفر ثمانية فراسخ كالعلم، وأمّا قوله: «إلاّ انّه يحتمل عروض مقتض لذلك...»، فلابدّ من حمله على احتمال عروض مانع عن تأثير المقتضي كمواجهة اللص أو العدو، وكان الاحتمال بمنزلة لا يعتني به العقلاء، وقد مرّنظيره أيضاً.(1)

الثاني: لو كان حين الشروع في السفر «أو في أثنائه»(2) قاصداً للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده أو كان متردّداً في ذلك وعدل عن ترديده إلى الجزم لعدم الأمرين.(3)

أقول: هذا الفرع هو محلّ ظهور الثمرة بين القولين: اشتراط عدم نية القاطع وعدم اشتراطه، فعلى القول الثاني يقصر وعلى الأوّل، يأتي ما أفاده السيد من التفصيل.

1. إن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه (أو مع التلفيق بضمّ الإياب إلى الذهاب) فيقصر، لكونه انشاء سفر جديد.

2. لو كان ما بقي بعد العدول إلى المقصد أربع فراسخ وكان عازماً على العود، قصّر لكون المجموع ثمانية فراسخ، وقد عرفت عدم شرطية العود من يومه.

3. لو كان أقلّ من أربعة بل ولو كان فرسخاً يقصر إذا كان الباقي مع العود ثمانية، وقد تقدم عدم شرطية كون الذهاب أربعة بل يكفي إذا كان المجموع ثمانية.

الثالث: لو لم يكن من نيته في أوّل السفر الإقامة أو المرور على الوطن وقطع مقداراً من المسافة، ثمّ بدا له قبل بلوغ الثمانية ثمّ عدل عمّا له بدا، وعزم على عدم


1 . لاحظ المسألة 18، قوله:«نعم لو شكّ في ذلك فالظاهر هو القصر».
2 . الأولى تركه لأنّه يأتي في المسألة التالية.
3 . كان عليه أن يترك هذا القسم، لأنّه نفس الفرع الثالث.


(94)

الأمرين، فهل يضم ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عمّا بدا له، مسافة ؟

وقد مرّنظير المسألة في الشرط الثالث(1) ومناط الحكم في كلا الموردين واحد، وهو إذا قطع شيئاً من المسافة بين العزم المخل، والعزم المصحح، فلا يلحق الباقي بالسابق، بخلاف ما إذا لم يقطع فيكون السير، أمراً واحداً وليس السفر كالصوم حتى تعتبر فيه النية في جميع الآنات حتى في غير حال القطع.


1 . لاحظ المسألة 23.


(95)

الشرط الخامس: أن يكون السفر سائغاً

يشترط في وجوب التقصير كون السفر سائغاً، والمراد منه عدم كونه محرماً، سواء أكان واجباً أم مستحباً أم مباحاً أم مكروهاً، ويقابله السفر المحرم.

ثمّ إنّ المراد منه أحد الأمرين:

1. أن يكون نفس السفر بعنوانه محرماً، كما إذا نهى المولى عن السفر بما هوهو.

2. أن يكون السفر محقّقاً لما هو المحرم كالفرار من الزحف، ونشوز الزوجة، وعقوق الوالد، والإضرار بالبدن، فإنّ هذه العناوين تتحقّق بنفس السفر، فإنّ المحرم في لسان الأدلّة شيء، والسفر شيء آخر، لكن السفر محقق لتلك العناوين حتى فيما إذا نذر عدم السفر إذا كان في تركه رجحان، فإنّ الواجب فيه هو الوفاء بالنذر والمحرم هو نقيضه وهو متحقّق بالسفر.

وبذلك يعلم الضعف في كثير من الكلمات حيث يمثلون لكون السفر حراماً بالفرار عن الزحف وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، وسفر الولد مع نهي الوالدين، في غير الواجب والسفر المضر، مع أنّ المحرم بالذات ليس نفس السفر، غاية الأمر يكون السفر محققاً له.

3. أو كانت غايته أمراً محرماً، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة، أو للزنا، أو لإعانة ظالم، أو لأخذ مال الناس ظلماً ونحو ذلك.


(96)

4. أو كانت غايته أمراً محللاً، كالتجارة، ولكن ربما يتفق في أثنائه أمر محرم كالغيبة، أو ترك الواجب، وهل الشرط هو خلوه من القسمين الأولين أو يعم الثالث أيضاً؟ احتمالات ولنذكر بعض الكلمات:

قال الشيخ الطوسي: ولا يجوز التقصير إلاّلمن كان سفره طاعة للّه أو في سفر مباح وإن كان سفره معصية أو اتباعاً لسلطان جائر لم يجز له التقصير، وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير.(1)

وقال أيضاً: المسافر في معصية لا يجوز له أن يقصر، مثل أن يخرج لقطع طريق، أو لسعاية بمسلم، أو معاهد، أو قاصداً لفجور، أو عبد آبق من مولاه، أو زوجة هربت من زوجها أو رجل هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقّه، ولا يجوز له أن يفطر، ولا أن يأكل ميتة (إذا اضطرّ) . وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وزادوا، المنع من الصلاة على الراحلة والمسح على الخفين ثلاثاً والجمع بين الصلاتين.

وقال قوم: سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء. ذهب إليه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.(2)

وقال ابن البراج: وأمّا المباح فهو مثل سفر التجارة وطلب الأرباح لذلك وطلب القوت لأنفسهم ولأهليهم، وأمّا القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً، ومن هو باغ، أو عاد، أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك، ومن طلب الصيد للّهو والبطر.(3)

قال ابن إدريس: السفر على أربعة أقسام: ...والرابع سفر المعصية، مثل


1 . الطوسي: النهاية: 122.
2 . الطوسي: الخلاف:1/587 برقم 349.
3 . ابن البراج: المهذب:1/160.


(97)

سفر الباغي والعادي، أو سعاية، أو قطع طريق، أو اباق عبد من مولاه، أو نشوز زوج من زوجها، أو اتباع سلطان جائر في معونته وطاعته مختاراً، أو طلب صيداً للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.(1)

وقال ابن سعيد: ويتم العاصي بسفره كاتباع السلطان الجائر لطاعته، والصائد لهواً وبطراً.(2)

وقال المحقّق: الشرط الرابع أن يكون السفر سائغاً واجباً، كان كحجّة الإسلام، أو مندوباً كزيارة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو مباحاً كالأسفار للمتاجر. ولو كان معصية لم يقصر، كاتباع الجائر، وصيد اللهو.(3)

هذه كلمات الأصحاب وآراء المذاهب الفقهية.

لا إشكال في دخول القسم الثالث في مورد الروايات، فإنّ الأمثلة الواردة فيها من هذا القبيل، كالسارق في رواية حماد بن عثمان، والسعاية أو الضرر على المسلمين في رواية عمّار بن مروان، وقصد السلطان الجائر في رواية أبي سعيد الخراساني(4)، إلاّ أنّ الكلام في دخول القسمين الأوّلين اللّذين عدهما المشهور قسماً واحداً وإن جعلناه قسمين، فيمكن الاستدلال على دخولها تحت الروايات بوجهين:

الأوّل: الأولوية فإذا وجب التمام فيما هو مباح ذاتاً، محرم غاية فأولى أن يتم إذا كان بنفسه حراماً.

الثاني: شمول إطلاق قوله: «أو في معصية اللّه»في رواية عمّار بن مروان لهما.


1 . ابن إدريس:السرائر:1/327.
2 . ابن سعيد الحلي: الجامع: 91.
3 . نجم الدين الحلي: الشرائع:1/102.
4 . ستوافيك الروايات فانتظر.


(98)

و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره الشهيد الثاني في روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قال: وقد عدّ الأصحاب من العاصي بسفره مطلق الآبق، والناشز، وتارك الجمعة بعد وجوبها، ووقوف عرفة كذلك، والفارّ من الزحف، ومن سلك طريقاً مخوفاً يغلب معه ظنّ التلف على النفس، أو على ماله المُجحف، وإدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخص كلّ تارك للواجب بسفره لاشتراكهما في العلّة الموجبة لعدم الترخص، إذ الغاية مباحة فإنّه المفروض وإنّما عرض العصيان بسبب ترك الواجب فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة ونحوها وبين استلزامه ترك غيرها كتعلّم العلم الواجب عيناً أو كفاية بل الأمر في هذا الوجوب أقوى.(1) وسيوافيك بيان الحال في هذه الموارد.

نعم، السفر المباح الذي ربما يترتب عليه العصيان، كالغيبة، والكذب وغيره فخارج عن مصب الروايات، وإلاّ فلو قلنا بدخولها في الأدلّة، لم يرخص إلاّ للأوحدي إذ قلّما يتّفق لمكلّف عادي أن يخلو في السفر عن العصيان.

وعلى أيّ حال فاللازم دراسة الأحاديث الواردة في ذلك المجال حتى نقف على ما هو الموضوع بحده:

1. روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلاّفي سبيل حق».(2)

2. وفي خبر حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قول اللّه عزّوجلّ: «فَمنِ اضْطُرَّ غَيْر باغ وَلا عاد»قال: الباغي: باغي الصيد(3)، والعادي: السارق وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، وهي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على


1 . زين الدين: روض الجنان: 388.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . و في الوسائل المطبوعة «الباغي الصيد» و فيه سقط، و نقلنا الرواية عن نفس الكافي.


(99)

المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة.(1)

3. وفي صحيحة عمّار بن مروان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد، أو في معصية اللّه، أو رسولاً(2) لمن يعصي اللّه، أو في طلب عدو أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين».

والرواية حسب نقل الصدوق ينتهي سندها إلى عمّار بن مروان، وعلى نقل الكليني ينتهي سندها إلى محمد بن مروان، وعمار بن مروان ثقة ولكن محمد بن مروان لم يوثق.

والظاهر صحّة ما في الفقيه، وانّ الخلط تسرب إلى الكافي المطبوع بشهادة انّ الفيض نقله عن الكافي عن عمّار بن مروان.

كما نقله الشيخ في التهذيب عن عمّار بن مروان، ونقله في الحدائق عن الكافي عن عمّار بن مروان.(3)

4. روى سماعة قال: سألته عن المسافر، قال: ومن سافر فقصر الصلاة وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً مشيعاً لسلطان جائر أو خرج إلى صيد....(4)

5. وعن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة... والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا والمحارب الذي يقطع السبيل».(5)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
2 . وفي الوسائل المطبوعة الحديث3 من الباب 8 من أبواب صلاة المسافر «أو رسول» و هو مصحف.
3 . لاحظ المصادر التالية، الفقيه، ج2، كتاب الصيام، ص 92، برقم 94; الكافي:4/129، كتاب الصيام برقم 3; الوافي:7/173، الباب التاسع ، باب من كان سفره باطلاً; التهذيب:4/219، برقم 640; الحدائق:11/380.
4 . الوسائل، الجزء 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 و 5.
5 . الوسائل، الجزء 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 و 5.


(100)

6. وعن أبي سعيد الخراساني، قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ بخراسان فسألاه عن التقصير، فقال لأحدهما: «وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني، وقال للآخر: وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان».(1)

لا شكّ في شمول الروايات للسفر الذي يكون ذا غاية محرمة، وقد ورد فيه فيه نماذج من هذا القسم، أعني:

1. السارق، 2. طلب العدوان، 3. طلب الشحناء، 4. السعاية، 5. ضرر على قوم من المسلمين، 6. المحارب الذي يقطع السبيل، 7. قصد السلطان الجائر.

وأمّا القسمان الأوّلان فهما داخلان قطعاً لوجهين:

الأوّل: انّ مانعية القسم الثاني يوجب مانعية القسمين الأوّلين بطريق أولى.

الثاني: قوله: مشيّعاً لسلطان جائر، فانّ المحرم هناك نفس السفر لا الغاية، فربما لا تلازم المشايعة مع الأمر الحرام، لكن نفس المشايعة حرام بنفسه، أو لكونه محقّقاً لعنوان الإعانة أضف إلى ذلك انّ قوله في معصية اللّه يعم القسمين الأوّلين أيضاً.

وأمّا القسم الرابع أي ما يكون محلّلاً غايةً، ولكن ربما يشتمل على الحرام، كما إذا سافر للتنزه أو الزيارة، ولكنّه يغتاب في أثناء السفر أو يكذب، فهذا القسم خارج عن مصبّ الروايات لعدم انطباق أحد العناوين السابقة على هذا القسم، ولو كان مثل هذا مانعاً لاختص التقصير بالأوحدي من الناس.

بقي هنا بعض الأقسام:

الأوّل: إذا سافر للفرار عن الدين أو لترك صلاة الجمعة بعد وجوبها، أو


1 . الوسائل، الجزء 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


(101)

لترك الوقوف بعرفات ففيه وجوه واحتمالات:

1. يتم مطلقاً وذلك لأحد وجهين:

الأوّل: انّ أحد الضدين مقدمة لترك الآخر فيكون السفر مقدمة لترك أداء الدين المحرم، فيكون محرماً لأجل المقدمية.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ السفر، يلازم ترك الواجب وليس مقدمة ولا دليل على وحدة المتلازمين في الحكم، انّ المتبادر من قوله: «في معصية اللّه» أن يكون السفر محرماً نفسياً ولو لغاية محرّمة لا مقدمياً.

الثاني: انّه وإن لم يكن مقدمة واقعاً، لكنّه في نظر العرف مقدمة وإن لم يكن كذلك في الواقع فيصدق كون السفر في معصية اللّه حسب ما ورد في صحيحة عمّار بن مروان.

يلاحظ عليه: بما عرفت من ظهور الروايات في الحرمة النفسية وأقصى ما يترتب عليه انّه يكون حراماً مقدمياً.

2. التفصيل بين كون السفر، مقدمة منحصرة للأمر المحرم بحيث لو كان في الوطن، لأدّى الدين ولو خوفاً على عرضه وأتى بالواجب، وعدمها، بحيث لو لم يسافر أيضاً لأخلّ بالواجب فيتم في الأوّل لكون السفر مقدمة محرمة دون الآخر إذ عندئذ يكون، ملازماً للحرام ولا وجه لاتحاد المتلازمين في الحكم.

يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من الروايات هو كون السفر حراماً نفسياً، لا حراماً مقدمياً.

3. التفصيل بين كون الغاية من السفر، هو الأمر المحرم كترك أداء الدين وعدمه، فيكون السفر في الأوّل حراماً نفسياً لا مقدّمياً، كما إذا أراد أن يتوصل بالسفر إلى ذلك الأمر المحرم فيكون المورد من مصاديق السفر لغاية محرمة، دون ما


(102)

لم يرد بل يكفي نفس الالتفات بأنّه يترتب عليه ذلك، فما في العروة من التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصل إلى ترك الواجب أو لم يكن ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني، ناظر إلى إدخال السفر، تحت الأسفار ذات الغاية المحرّمة فذكر قصد التوصل، أو الالتفات للإشارة إلى القسمين وإلاّ فالمعيار كون السفر، ذا غاية محرمة والتوصل والالتفات طريقان إلى العلم بكونه كذلك.

وعلى ذلك لا وجه للاحتياط بالجمع في الثاني، حيث لا يكون السفر عنده محرماً.

***

السفر بالدابة المغصوبة

إذا كان السفر مباحاً، لكن ركب دابة غصبية أو مشى في أرض مغصوبة فهل هو يقصّر، أو يُتم، الظاهر التفصيل بين الأوّل فيقصر والثاني فيتم.

أمّا الأوّل: فهو يقصر ولا تزاحمه غصبية الدابة، لأنّ المقياس في المنع عن التقصير كون نفس السفر محرماً ولو لأجل غاية محرمة لا ما إذا اتحد مع عنوان محرم أو صار ملازماً معه كما في المقام، فإنّ نفس السفر ليس بحرام أي ليس من الأقسام الثلاثة الأُوَل، وإنّما الحرام هو الاستيلاء على الدابة وهو متحد مع السفر أو ملازم معه، وهذا نظير ما إذا سافر مع لباس مغصوب.

وأمّا الثاني: فلأنّه لا يشترط في إيجاب التمام كون نفس السفر بعنوانه محرماً وإلاّ لزم وجوب التقصير في القسم الثاني من الأقسام الأربعة، فإنّ المحرم بالذات فيها هو عبارة عن الفرار عن الزحف، أو عقوق الوالدين، أو نشوز الزوج، أو الإضرار بالبدن، لا السفر بل يكفي كون السفر محقّقاً وممثِّلاً لما هو المحرم، ومثله المقام فإنّ الغصب والتصرف العدواني، يتحقق بالسير على الأرض المغصوبة.


(103)

وبذلك يظهر الفرق بين هذا والسفر بلباس مغصوب، فانّ الغصب في الثاني يتحقّق باللبس سواء كان هناك سفر أو لا وليس السفر دخيلاً في تحقّق ذلك العنوان بخلاف السير في الأرض المغصوبة فإنّه محقّق للغصب. واللّه العالم.

***

في بيان حكم التابع

واعلم أنّ التابع للجائر، تارة يسافر معه، وأُخرى يسافر وحده لكن بأمره، فهناك بحثان:

الأوّل: إذا سافر التابع مع الجائر، فإمّا أن يكون مجبوراً في التبعيّة بحيث لولاه لانهارت معيشته ولم يكن هناك ما يزيل به علّته، أو مكرهاً، أو قاصداً لدفع المظلمة عن المضطهدين بحيث تكون التبعيّة لأجل الأغراض الصحيحة، ففي جميع تلك الصور يقصِّر لعدم حرمة السفر.

وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن اختار التبعيّة طمعاً في مال الدنيا، قال السيد الطباطبائي: «و كانت تبعيته إعانة الجائر في جوره وجب عليه التمام» وكان عليه أن يعطف عليه أو كونه سبباً لعدّه من أعوان الظلمة، وإن كان نفس العمل حلالاً كالكتابة والمحاسبة، أو موجباً لتقوية شوكته، لكونه من ذوي الجاه، ففي جميع الصور يتم لكون السفر محرماً، وقد مرّقوله ـ عليه السَّلام ـ : «أو مشيّعاً لسلطان» في رواية عمّار بن مروان اليشكري.

و ربما يختلف حكم التابع عن المتبوع، فالثاني يقصر إذا كان سفره مباحاً لكونه قاصداً الزيارة فهو يقصر والتابع يتم، لكون سفره معصية لكونه إعانة للظالم.


(104)

الثاني: في حكم التابع إذا لم يسافر مع الجائر.

إذا كان التابع موظفاً في دائرة الجائر وإن كان للخدمة أو الكتابة والمحاسبة فأمره بالسفر. يأتي فيه التفصيل السالف الذكر في الأمر الأوّل فإن كان سفره إعانة للظالم في ظلمه، كما إذا سافر لإبلاغ رسالته إلى بلد خاص وتحمَّلت الرسالة حكماً جائراً على خلاف الكتاب والسنّة فيتم بلا إشكال، لأنّ السفر محرَّماً، بحرمة غايته، وما جاء في العروة الوثقى من انّ الأحوط الجمع لا وجه له.

وأمّا إذا لم يعد سفره إعانة للظالم كما إذا استأجره للحج عنه، أو لأمر مباح، فالواجب القصر.

***

السفر للصيد

إذا سافر للصيد فله أقسام:

1. سافر لقوته وقوت عياله.

2. سافر للتجارة.

3. سافر لهواً وبطراً، والمراد من اللهو، لهو الاشتغال بما لا ينفع. والبطر، هو العمل الحاكي عن الطغيان.

وهذه المسألة ممّا انفردت بها الإمامية، وأمّا المذاهب الأربعة، فقد اتّفقوا على جواز القصر في الصيد مطلقاً.

وإليك كلماتهم:

قال المفيد: ومن كان سفره في معصية اللّه جلّوعزّ، أو صيد لهو وبطر، أو


(105)

كان تابعاً لسلطان الجور في المعونة له عليه، فهو داخل في حكم المسافر في العصيان.(1)

قال الشيخ: أو طلب صيد للّهو والبطر، فانّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة، فأمّا الصيد فإن كان لقوته أو قوت عياله فهو مباح، وإن كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا انّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.(2)

وقال أيضاً: وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير، وإن كان الصيد لقوته وقوت عياله وجب أيضاً التقصير، وإن كان صيده للتجارة وجب عليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم.(3)

وقال أيضاً: إذا سافر للصيد بطراً أو لهواً لا يجوز له التقصير وخالف جميع الفقهاء في ذلك.(4)

وقال الحلبي: وفرض التمام يختص المسافر في معصية، والمسافر للّعب والنزهة.(5)

وقال ابن البراج: وأمّا السفر القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً ومن هو باغ أو عاد أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك ومن طلب الصيد للّهو والبطر... ومن كان سفره في طلب صيد التجارة لا لقوته وقوت عياله وأهله.(6)


1 . المفيد: المقنعة: كتاب الصوم، ص 349.
2 . الطوسي: المبسوط:1/136.
3 . الطوسي: النهاية: 122.
4 . الطوسي:الخلاف: 1/ 588، المسألة 350.
5 . الحلبي: الكافي: 116.
6 . ابن البراج: المهذب:1/106.


(106)

وقال ابن إدريس: أو طلب صيد للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.

فأمّا الصيد الذي لقوته وقوت عياله، فإنّه يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة.

فأمّا إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت، روى أصحابنا بأجمعهم انّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.

وكلّ سفر أوجب التقصير في الصلاة أوجب التقصير في الصوم، وكلّ سفر أوجب التقصير في الصوم أوجب تقصير الصلاة إلاّهذه المسألة فحسب للإجماع عليها، فصار سفر الصيد على ثلاثة أضرب، وكلّ ضرب منها يخالف الآخر ويباينه.

فصيد اللّهو والبطر، يجب فيه تمام الصلاة والصوم; وصيد القوت للعيال والنفس، يجب فيه تقصير الصلاة والصوم، بالعكس من الأوّل; وصيد التجارة يجب فيه تمام الصلاة وتقصير الصوم.(1)

وقال ابن سعيد: التقصير في السفر فرض إذا كان طاعة أو مباحاً والصيد للقوت من ذلك، فإن صاد للتجارة أتم صلاته وقصّر صومه، ويتم العاصي بسفره كاتباع السلطان الجائر لطاعته والصائد لهواً وبطراً.(2)

وقال المحقّق في الشرائع: لو كان السفر معصية لم يقصر كاتباع الجائر وصيد اللهو، ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله قصر، ولو كان للتجارة قيل يقصر


1 . ابن إدريس: السرائر:1/328.
2 . ابن سعيد: الجامع للشرائع: 91.


(107)

الصوم دون الصلاة، وفيه تردّد.(1)

حاصل الأقوال:

1. انّه يقصر ويفطر إذا كان لقوته وقوت عياله.

2. لا يقصر ولا يفطر إذا كان للّهو والبطر.

3. وأمّا إذا كان للتجارة ففيه قولان:

ألف. يقصر ويفطر وهو الظاهر من المحقّق وممن اقتصر بإخراج الصيد لغاية اللهو والبطر ولم يذكر الآخرين; كالمفيد في المقنعة، والشيخ في الخلاف، والحلبي في الكافي، وابن البراج في المهذب.

ب. يتم الصلاة ويفطر الصوم، وعليه الشيخ في المبسوط والنهاية، وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في جامعه، وماقيل من الملازمة بين الإفطار والقصر، صحيح لكنّه خرج المورد بدليل.

وهل السفر للصيد اللهوي والبطري حرام فيكون كلّ الاتمام والصوم موافقاً للقاعدة، أو السفر مانع، لأنّ مطلق اللهو ليس بحرام إلاّ ما استثنى من القمار والمزمار، وليس الصيد كذلك بحرام بشهادة كونه جائزاً في الوطن، فلا يكون السفر للصيد لأجل اللّهو حراماً فالحكم تعبديّ.

فلندرس الروايات الواردة في المقام لتنقيح الموضوع جليّاً.


1 . نجم الدين الحلي، الشرائع: 1/102.


(108)

أقول: يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: حكم الصلاة والصوم في الموارد الثلاثة:

فنقول: إنّ الروايات الواردة على طوائف ثلاث:

الطائفة الأُولى: ما يدل على أنّ السفر للصيد لا يوجب القصر:

1. خبر حماد بن عثمان(1) في قوله اللّه عزّوجلّ: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد» .(2)

قال: الباغي: باغي الصيد، والعادي: السارق(3) والمراد من الباغي، أي طالب الصيد، فلا يجوز له أكل الميتة إذا اضطرّ.

2. صحيح عمار بن مروان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: من سافر قصر وأفطر، إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد.(4)

3. ما رواه الصدوق في الخصال، عن أبي الحسن الأوّل، قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أربعة يفسدن القلب ويُنبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإيتان باب السلطان، وطلب الصيد».(5) ودلالته على عدم جواز القصر، لأجل كونه من مصاديق سفر المعصية فيتم للضابطة.


1 . رواه الكليني عن شيخه «الحسين بن محمد»، وهو الحسين بن محمد بن عمران الأشعري الثقة، لكن في السند معلى بن محمد و هو لم يوثق، و أمّا الوشاء في السند، فهو الحسن بن علي بن زياد الوشاء من وجوه الطائفة.
2 . البقرة/173.
3 . الوسائل:الجزء 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.
4 . الوسائل:الجزء 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.
5 . المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


(109)

الطائفة الثانية: ما يدل على عدم الفرق بين سفر الصيد، وغيره:

1. روى الصدوق، عن العيص بن القاسم; والشيخ، عن عبد اللّه بن سنان، انّهما سألا الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يتصيّد فقال: «إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر».(1)

ولعلّ الوقت كناية عن الحدّ، فالدائر حول البلد، لا يقصر، والمتجاوز عنه يقصر. وقال في الوسائل: «الفرض هنا اشتراط المسافة».

2. صحيح الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام، وإذا جاوز الثلاثة لزمه».(2)

والتفصيل بين الثلاثة وغيرها محمول على فتوى أبي حنيفة، حيث اشترط قطع مراحل ثلاث في ثلاثة أيّام.

الطائفة الثالثة: الروايات المفصِّلة بين اللهو وغيره

1. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته أم لا يقصّر؟. قال: «إنّما خرج في لهو لا يقصر».(3)

2.سألته عن الرجل يشيّع أخاه اليوم واليومين في شهر رمضان، قال: «يفطر ويقصّر، فإنّ ذلك حقّ عليه».(4)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 8.
2 . المصدر نفسه: الحديث 3، 1.
3 . المصدر نفسه: الحديث 3، 1.
4 . المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


(110)

3. موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال: «يتم لأنّه ليس بمسير حق».(1) والمراد بقرينة الرواية السابقة هو اللهو، لأنّ الصيد لطلب القوت ليس على خلاف الحقّ قطعاً.

4. روى الشيخ باسناده، عن أحمد بن محمد، عن عمران بن محمد بن عمران القمي(2)، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: الرجليخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصر أو يتم؟ فقـال: «إن خرجلقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة».

و هل المراد من طلب الفضول، فضول المال، فيعم الصيد للتجارة، أو يراد منه اللهو كناية؟ وعلى كلّ تقدير،(3) فلو عمّ التجارة، فقد أعرض عنها الأصحاب في مورد الصوم، لاتّفاقهم على كونه يفطر.

و أمّا ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد السياري، عن بعض أهل العسكر، قال: خرج عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ انّ صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم، فإذا رجع إليها قصر.(4) فالسياري ضعيف للغاية، فحديثه ساقط بلا حاجة لتأويله وإن أوّله صاحب الوسائل بوجه بعيد.

وعلى كلّ تقدير فبفضل الطائفة الثالثة، يعالج التعارض بينها بحمل كلّ من الروايات المانعة والمجوزة على موردهما من اللهو، وتحصيل القوت.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.
2 . الأشعري، الثقة.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5، 6.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5، 6.


(111)

بقي الكلام في سفر الصيد للتجارة به:

فهناك قولان ولكن الاحتمالات ثلاثة:

1. التقصير والإفطار، 2. الإتمام والإفطار، 3. الإتمام في الصلاة والصيام.

والظاهر هو الأوّل أي بقاؤه تحت عمومات القصر، ولم يدل دليل قطعي على خروجه عنها، لأنّ ما ورد في الطائفة الثانية عبارة عن العناوين التالية:

أ. خرج في لهو.

ب. ليس بمسير حق.

ج. خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة.

ومن المعلوم عدم شمول الأوّلين للصيد من أجل التجارة، وإنّما الكلام في قوله لطلب الفضول فهو بظاهره وإن كان شاملاً للتجارة بأن يكون المراد طلب الزيادة، ولكن الرواية مرسلة أوّلاًً، وضعيفة الدلالة ثانياً، حيث قال: فلا، ولا كرامة; ولذلك لا يمكن تخصيصها بمثل هذه الرواية.

وأمّا القول الثاني فليس له مصدر سوى ما نقلناه عن الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر حيث قالا: روى أصحابنا انّه يتم الصلاة ويفطر الصوم مع أنّه غير موجود في جوامعنا الحديثية وهناك احتمالان:

الأوّل: استنباط التفصيل باعتبارات عقلية ممّا بين أيدينا من الروايات.

الثاني: وجود رواية وصلت إليهم ولم تصل إلينا، وقد استقرب الثاني سيد مشايخنا البروجردي لحسن ظنه بالقدماء، ويؤيده ما في فقه الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: ومن خرج إلى صيد فعليه التمام إذا كان صيده بطراً وشرهاً، وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم، وإذا كان صيده اضطراراً ليعوده على


(112)

عياله، فعليه التقصير في الصلاة والصوم.(1)

أنّ فقه الرضا ليس كتاباً روائياً، بل هو كتاب فتوى ألّفه عالم خبير بالروايات وجمع فيه لبّ ما جاء فيها بعد تقييد العام بخاصه، والمطلق بمقيده وهو يكشف عن وجود الرواية، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على مثله لعدم احراز حجّيته.

وأمّا الثالث فهو احتمال، إذ لا قائل في الصلاة والصيام إذا كان الصيد للتجارة لكنّه ورد في رواية زيد النرسي، وجاء فيها: وإن كان ممّن يطلبه للتجارة وليست له حرفة إلاّمن طلب الصيد، فإنّ سعيه(2) حقّ و عليه التمام في الصلاة والصيام، لأنّ ذلك تجارته فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور الأسواق في طلب التجارة.

والالتزام بكلّ من القول الثاني والاحتمال الثالث مشكل، أمّا ما في الفقه الرضوي، فإنّه يخالف الضابطة الواردة في صحيحة معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».(3)

وأمّا ما في رواية زيد النرسي منقولاً عن أصله فرفع اليد بها عن عمومات التقصير في الصلاة والصوم مع كون التجارة أمراً مرغوباً أمر مشكل، والأقوى كون الصيد لطلب التجارة حلالاً تكليفاً، والصائد يقصر ويفطر.

المقام الثاني: في حكم السفر اللهوي تكليفاً

قد عرفت اتّفاق الروايات والفتاوى على الإتمام والصيام في السفر للصيد اللهوي.


1 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6091 و 6090.
2 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6091 و 6090.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث17.


(113)

إنّما الكلام في كون العمل حلالاً تكليفاً وانّ عدم جواز القصر والإفطار حكم تعبدي، أو هو فعل محرم وعدم الجواز على وفاق القاعدة لأنّه من أقسام سفر المعصية.

أمّا الفتاوى فلا تظهر القول بالحرمة من القدماء، إلاّ ابن البراج(1) فإنّه جعله من قبيل السفر القبيح كما تقدم، وأمّا الشيخ فقد جعل السفر للصيد اللهوي قسماً لسفر المعصية، قال: فإن كان سفره معصية، أو اتباعاً لسلطان جائر، لم يجز له التقصير، ولذلك (أي كونه سفر معصية) إن كان سفره إلى صيد لهو وبطر لم يجز له التقصير.(2)

وأمّا الخلاف، فقد عقد الشيخ فيه مسألتين، خصّص إحداهما بمسألة سفر المعصية، والأُخرى بسفر الصيد.(3)

وقال ابن إدريس: والمسافر في طاعة إذا مال إلى الصيد لهواً وبطراً، وجب عليه التمام.(4)

وقال ابن سعيد: فإن عدل في طريقه إلى صيد لهو وبطر أتمّ.(5)

و أوّل من صرّح بالحرمة التكليفية هو المحقّق في الشرائع، وتبعه غيره;إنّما المهم دراسة الأدلّة.

ويمكن استظهار الحرمة من رواية حماد بن عثمان، حيث قال في تفسير قوله: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَ لا عاد)(6) الباغي باغي الصيد والعادي السارق،


1 . المهذب:1/106.
2 . النهاية: 122.
3 . الطوسي: الخلاف:ج1، كتاب صلاة المسافر، المسألة 31 و 32.
4 . ابن إدريس: السرائر:1/343.
5 . ابن سعيد: الجامع1/ 92.
6 . البقرة:173.


(114)

وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا الصلاة.(1)

وجه الدلالة، انّه جعله عِدْل السارق.

وأمّا النهي عن أكل الميتة بالنسبة إليهما، فهو راجع إلى بعض الحالات، كما إذا هجم عليهما الجوع، بحيث لو لم يأكلا لزم الحرج الشديد، ففي هذه الحالة لا يجوز لهما أكل الميتة، ما يجوز لسائر المسلمين، وأمّا إذا كان هناك خوف على النفس بالموت جوعاً فهو جائز قطعاً، من غير فرق بين الصائد والسارق وغيرهما.

ويمكن استظهار الحرمة من قوله: «لأنّه ليس بمسير حق».(2) وقوله: «إنّ التصيّد مسير باطل»(3) وقوله: «أربعة يفسدن القلب وينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو والبذاء وإتيان باب السلطان وطلب الصيد».(4)

فإنّ المراد من الباطل في المقام ليس الباطل الوضعي، لأنّ المفروض انّ الصائد يتملك إذاكان صيده للّهو، فيرجع البطلان إلى العمل ويساوق الحرمة.

نعم الذي يبعد الحرمة هو كثرة الابتلاء بالصيد اللهوي، مع عدم ورود رواية صريحة على حرمته، ولأجل ذلك فالأحوط تركه.

نعم لا فرق بين صيد البر والبحر، لإطلاق الأدلّة، وما ورد في رواية زرارة «من الصقورة والبزاة والكلاب»(5) لا يدل على الاختصاص بعد إطلاق الأدلّة.

كما لا فرق بعد فرض كونه سفراً، بين كونه دائراً حول البلد، وبين ابتعاده عنه، لإطلاق الأدلّة.

كما لا فرق بين استمراره ثلاثة أيام وعدمه.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4،7، 9.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4،7، 9.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4،7، 9.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.


(115)

وما ورد في خبر أبي بصير لا مجال للعمل به.(1)

الرجوع عن سفر المعصية

إذا كان السفر سفر معصية لا يُقصر فيه الصلاة، فهل الرجوع عنه بحكم الذهاب أو لا، أو فيه تفصيل؟ فهناك صور:

1. إذا رجع عن سفره بعد ارتكاب المعصية وبعد تخلّل إحدى القواطع كالإقامة أو المرور على الموطن أو غيرهما، فلا شكّ انّ الرجوع يكون موضوعاً مستقلاً يتَّبع حكمُه واقعية السفر الثاني من كونه سفراً سائغاً أو غير سائغ ولما كان المفروض انّه سائغ يقصر.

2. إذا تاب بعد ارتكاب المعصية وهو بصدد الرجوع، فالظاهر انّ السفر الثاني موضوع مستقل لا يدخل تحت روايات الباب، كصحيحة عمّار بن مروان من قوله: «أو في معصية اللّه» أو قوله: « لأنّه ليس بمسير حق» أو قوله: «و مسير باطل» خصوصاً إذا كان الرجوع لأجل تحصيل القوت لنفسه ولعياله، وذلك لأنّ تخلل التوبة فصلَ الإيابَ عن الذهاب موضوعاً، فقد كان عاصياًحين الذهاب وأصبح طائعاً وتائباً حين الإياب.

3. إذا لم يتب من عصيانه عند الإياب فهل يقصر أو لا؟ فيه وجوه:

أ. انّ الإتمام والقصر يتبعان كون السفر سفرمعصية أو طاعة والمفروض انّ الإياب ليس داخلاً في الأوّل وهو يكفي في القصر، لأنّ المقتضي وهو طيّ المسافة موجود، والمانع وهو العصيان مفقود، فيؤثّر المقتضي.

ب . انّ الاياب يعدُّ من توابع الذهاب، فالعرف يعدّ كلاً من الذهاب


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.


(116)

والإياب سفراً واحداً محكوماً بالحرمة دون جعل فاصل بينهما.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس هو السفر الواحد حتى يقال بأنّ الإياب جزء من الذهاب بل هو السفر الواحد الذي ينطبق عليه ابتداءً وانتهاءً انّه سفر معصية، والمفروض انّه ينطبق على الذهاب فقط دون الإياب.

ج. التفصيل بين عدِّ الإياب جزءاً من السفر عرفاً أو سفراً مستقلاً وعليه أكثر المعلِّقين على العروة.

يلاحظ عليه: بما ذكرناه من الملاحظة السابقة، فانّ الموضوع عبارة عن السفر الواحد المنطبق عليه عنوان المعصية، وهو غير حاصل في المقام والدليل عليه انّ الغاية هي السبب لوصف السفر بالعصيان فمادامت الغاية المترتبة عليه غير حاصلة بعدُ يُوصف السفر بالعصيان والحرمة، فإذا حصلت الغاية وتمّ الأمر فلا يوصف الجزء الآتي بعدَالغاية بالحرمة والعصيان، لأنّ الغاية المحرمة المترتبة يوجب كون السفر المترتبة عليه الغاية معصية لا الغاية المتحقّقة التي يعقبها سفر آخر.

فالأقوى انّ الإياب موضوع للسفر المباح، فيقصر إذا كان مسافة شرعية.

شرطية إباحة السفر ابتداء واستدامة

لا شكّ انّه إذا كان تمام السفر لغاية مباحة، يُقصّر فيه الصلاة، كما انّه إذا كان تمامه لغاية محرّمة يتم فيه الصلاة، إنّما الكلام إذا كان السفر مباحاً ابتداءً فقصد المعصية في الأثناء، أو كان سفره ابتداءً معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة، وقد خصّ السيد الطباطبائي المسألة الثالثة والثلاثين لبيان حكم هذين الفرعين مع بعض شقوقهما.


(117)

وقبل دراسة أحكام بعض الشقوق وأدلّة الباب، نذكر ما هو المحتمل في هاتين الصورتين، وإن كان التصديق الفقهي يتوقف على الإمعان في الأدلّة، فنقول: فيهما احتمالات ثلاثة:

1. الأخذ بإطلاق أدلّة الترخيص غاية الأمر خرج عنه ما إذا كان المجموع سفراً محرماً، لا بعضه.

2. الأخذ بإطلاق أدلّة الباب، وانّ وزانها بالنسبة إلى الأدلّة المرخصة وزان المخصص أو المقيد، فيكون موضوع أدلّة المرخصة، المسافر غير العاصي بسفره، والسفر الواحد إذا كان بعض أجزائه سفراً محرماً، يصدق عليه انّه عاص بسفره، أو انّ سفره في غير مسير الحق أو مسير الباطل.

3. انّ الحكم من حيث القصر والإتمام يختلف حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الطاعة والعصيان، ففي السفر الواحد سواء كان على حدّ المسافة الشرعية أو أزيد يُقصِّر في حالة الطاعة، ويتمّ في حالة العصيان، كما هو الحال عند اختلاف حال المكلّف بالنسبة إلى الحضر والسفر، فإن صلّى الظهر في أوّل الوقت في الحضر، أتم وإن سافر بعده، كما انّه إن صلاها في السفر يُقصِّـر وإن حضر بعد الصلاة وكان الوقت باقياً.

هذه هي المحتملات قبل دراسة الأدلّة، وإليك تحليل المسألة مع شقوقها الواردة في العروة بتقديم وتأخير.والمهمّ في المقام، هو تبيين أنّ المرجع هل هو الأدلّة المرخصة، أو روايات الباب فقط فنقول: إنّ العدول يتصور على وجهين:

الأوّل: لو عدل في الأثناء إلى المعصية

لو كان في ابتداء سفره مطيعاً وصار في أثنائه عاصياً، فله صورتان:

الأُولى: لو سافر بنية سائغة ثمّ عدل إلى المعصية قبل قطع المسافة انقطع


(118)

ترخّصه ووجب عليه الإتمام فيما بعد، وأمّا ما صلاه قصراً قبل العدول، فمقتضى القاعدة هو الصحّة نظير من صلّى وعدل عن السفر قبل قطعها حيث قلنا بأنّه لا تجب إعادتُها، فهنا دعويان:

إحداهما: أنّه يتم فيما بعد، لأنّ المرجع هو روايات الباب لا الأدلّة المرخصة، لأنّ موردها ما إذا قطع مسافة بنيّة الطاعة، لا ما إذا قطعها ملفقة بنيّتين.

ثانيهما: صحّة ما صلّى قصراً لما عرفتَ أنّ الصحّة مقتضى القاعدة سواء أكان هناك نصّ أم لا، لأنّه أتى ما أتى، بأمر الشارع وقد انطبق عليه عنوان الفريضة وقام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من فريضة واحدة في يوم واحد، تكون النتيجة هي الإجزاء. غاية الأمر النص موجود في المسألة السابقة (عدل عن أصل السفر) دون المقام وهو غير مؤثِّر.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه استشكل على الصحّة وحاصل ما أفاده: انّ ظاهر الأدلّة كون الموضوع قطع البريدين عن قصد لا مجرّد القصد فقط وإن لم يقطع المسافة وليس المقام مثل الإقامة التي يكفي فيها مجرّد قصدها، وإن عدل بعد القصد عن الإقامة عشرة أيّام إذا صلّـى بعد القصد وقبل العدول رباعية.

يلاحظ عليه: نحن نفترض انّ الموضوع هو قطع المسافة عن قصد، فلا يكفي أحد الجزءين، لكن تجويز الشارع أداء الصلاة في حدّ الترخص قبل العدول عن القصد يدل بالدلالة الالتزامية على انّه اقتنع في امتثال تكاليفه بما أتى لكونه وافياً بملاك الواجب الواقعي، وإلاّ لما أمر.

أضف إلى ذلك انّه من المحتمل أن يكون الموضوع لصحّة الصلاة قبل قطع المسافة هو نفس القصد وإن تعقبه العدول، نعم الموضوع بعد القطع هو البريدان عن قصد.

الثانية: إذا قطع مسافة شرعية بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى قصد المعصية لسفره


(119)

وكان الباقي مسافة شرعية لكن لم يكن سفراًمستقلاً (كما إذا ابتدأ به بعد المرور على الوطن أو بعد الإقامة عشرة أيام وإلاّفالتمام متعين بلا إشكال) بل كان الباقي استمراراً لما ابتدأ به من السفر بنية سائغة، فهل العدول إلى المعصية يوجب التمام أو لا ؟فيه احتمالات ثلاثة ماضية. والأقرب إلى الاعتبار هو الإتمام لما علمت انّ التقصير هدية إلهيّة وإرفاق منه سبحانه للمسافر، وهو يناسب المطيعَ في سفره، فإذا كان السفر مختوماً بالشر والعصيان، فالمناسبة المزبورة تقتضي كونه محكوماً بالإتمام، ولا يكفي وجوده (قصد السفر بنيّة الطاعة) الحدوثي، وكفايته في بعض الأحيان كما في مورد الإقامة على ما مرّ لا يكون دليلاً على المقام، نعم هو صحيح في مورد المحدود والسارق والقاتل، ومعنى ذلك كون الطاعة شرطاً ابتداء واستدامة.

والحاصل هل المرجع في المقام هو أدلّة الباب، أو الأدلة المرخّصة للتقصير؟ والظاهر هو الأوّل لأنّ المناسبة بين الموضوع والحكم تقتضي كون الطاعة شرطاً في الابتداء والاستدامة.

والظاهر من الشيخ الأعظم في تعليقته على نجاة العباد، هو التقصير(1) والمرجع عنده هو إطلاق الأدلّة المرخّصة الشاملة للمقام، وقد خرج منها ما إذا كان مجموع السفر معصية للّه تبارك وتعالى.

توضيحه: أنّ الأدلّة المرخّصة قبل انضمام روايات الباب (سفر المعصية) مطلقة يعم جميع أقسام السفر سائغه ومحرمه، وأمّا روايات الباب، فقد قيدت الموضوع وجعلته أمراً مركباً من قطع الثمانية بشرط أن لا يكون المسير باطلاً، أو


1 . قال صاحب الجواهر في نجاة العباد (ص 100): «فلو كان ابتداء سفره طاعة فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخصه و إن كان قد قطع مسافات» و علق عليه الشيخ بقوله:فيه تأمّل مع قطع المسافة الموجبة للقصر.


(120)

يكون المسير حقّاً، أو في غير معصية اللّه من دون أن تتصرف في إطلاق الحكم، وكأنّه قال: «المسافر في سبيل الحقّ أو في غير سبيل الباطل يقصّر». والمفروض تحقّق الموضوع مع قطع الثمانية فراسخ بنيّة سائغة، وعند ذاك يكون محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً وإن كان القطع بعدها في غير سبيل الحقّ. والحاصل انّ روايات الباب لم تتصرف في إطلاق الحكم، وإنّما تصرفت في الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع في الفترة الأُولى وهو كاف في كونه محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بذلك على إطلاقه مشكل، فلو افترضنا انّه قصد مائة فرسخ، وقد قطع ثمانية فراسخ بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى نيّة المعصية، فالالتزام بالقصر في بقية المسافة بعيد جدّاً وهل العاصي بسفره يستحقّ الإرفاق؟!

ثانياً: أنّ مناسبة الحكم والموضوع يقتضي كونه قيداً لجميع أجزاء السير لا بالمقدار المحصل للموضوع على الوجه الأقل لكونه ارفاقاً منه سبحانه للطائع لا للعاصي وتصور كونه مطيعاً في فترة من الزمن سبب للارفاق دائماً وإن انقلب إلى ضدّه بعيد عن الأذهان.

ثالثاً: انّ ما ذكره من الوجه، احتمال في مقابل احتمال آخر فكما يحتمل أن يكون قيداً للموضوع يحتمل أن يكون قيداً لإطلاق الحكم، نعم لو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي ولم يعلم كون المرجع هو روايات الباب أو الأدلّة المرخصة، فالمرجع هو الأصل العملي ومقتضاه هو القصر.

تقريب للمحقّق الخوئي

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه ذكر وجهاً آخر، للقول بالتقصير، وحاصله: أنّ السفر بنيّة سائغة مقتض للقصر مطلقاً مالم يتقطع بقاطع مقتض للتمام، وأمّا


(121)

سفر المعصية فهو ليس بمقتض للتمام، فانّه لا يقتضي القصر وليس هو كالمرور على الوطن المقتضي للتمام، وعلى ذلك فاللازم العمل بمقتضى القصر ما لم ينقطع بمقتضي التمام.(1)

إنّ الظاهر من الأدلّة، انّ سفر المعصية من قبيل المانع لاقتضاء السفر للقصر، فلو تمّ الإطلاق في ناحية المانع، فلا يكون فرق بين الحدوث والبقاء، لا أقول إنّ سفر المعصية مقتض للتمام وإنّما هو مانع عن تأثير المقتضي للقصر، فالمرجع بعد ممنوعية المقتضي للقصر، هو أدلّة التمام فإنّه الأصل في الصلاة، وغيره يحتاج إلى الدليل.

***

الثاني: لو عدل في الأثناء إلى الطاعة

هذا هو الفرع الثاني الذي عقدت المسألة لبيانه وحاصله: أنّه لو سافر بنية المعصية فعدل عنها في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر سواء كانت المسافة امتدادية أو تلفيقية، وسواء كان الذهاب أربعة أو أقل على ما مرّ.

إنّما الكلام في مورد آخر وهو ما إذا لم يكن الباقي مسافة امتدادية ولا تلفيقية، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالقصر وإن احتاط بالجمع بين القصر والتمام احتياطاً استحبابياً.

وجهه ما ذكره بقوله: فإنّ المدار على حال العصيان والطاعة، فمادام عاصياً يُتمّ، ومادام مطيعاً يقصر من غير نظر إلى كون البقية مسافة أو لا.


1 . مستند العروة:8/128.


(122)

توضيحه: أنّ أدلّة الترخيص لها إطلاق إفرادي وإطلاق أحوالي، فما دلّ على الإتمام في سفر المعصية أخرجه عن تحت الإطلاق الأحوالي لا عن الإطلاق الافرادي، فعلى ذلك فالعاصي في سفره في الابتداء لم يخرج عن تحت عمومات القصر خروجاً موضوعياً، وإنّما خرج عن إطلاقه الأحوالي فقط بمعنى انّ المسافر في حال الطاعة يقصر وفي حال العصيان يتم، فإذا كان كذلك فالمسافر بنية العصيان لم يخرج موضوعياً وإنّما خرج أحوالياً، فإذا زال العصيان وعادت الطاعة يشمله الدليل موضوعياً وأحوالياً.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع حَسَبَ الأدلّة هو من قصد الثمانية سواء كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، وهذا هو مقتضى الإطلاق الأحوالي.

ثمّ إنّ أدلّة الباب خصصت الأدلّة المرخصة في جانب الإطلاق الأحوالي من دون أن تمس كرامة الموضوع فمن كان في ابتداء سفره عاصياً فقد بقي تحت الأدلّة المرخصة وإنّما خرج عن تحت إطلاقه الأحوالي، أعني قولنا: سواء كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، فمادام كونه عاصياً لا يشمله إطلاق الحكم وإن كان باقياً تحت الموضوع، فإذا عاد إلى الطاعة يشمله الدليل المرخص موضوعاً وحكماً.

يلاحظ عليه: أنّ هذه الفروض، فروض ذهنية لا يمكن الاعتماد عليها والشاهد عليه انّه أسْتُظهِر(1) في مسألة واحدة تارة انّ إباحة السفر مأخوذ في الموضوع وقيد له، وأُخرى انّه قيد للحكم وتقييد لإطلاقه غير مأخوذ في الموضوع.

ففي الصورة الأُولى، أعني: ما إذا كان في ابتداء سفره مطيعاً وقد قطع ثمانية فراسخ بها ثمّ عاد إلى العصيان، جعل الشيخ الأعظم نيّة الإباحة قيداً للموضوع، ولأجل ذلك حكم بالقصر في حالة العصيان احتجاجاً بتحقّق الموضوع في فترة


1 . و إن كان المستظهر شخصين، فالاستظـهار لمن حاول المستظهر من دعم نظرية الشيخ في الفرع السابق و المستظهر الثاني هو السيّد الطباطبائي في هذا الفرع.


(123)

خاصة، وهو يكفي في بقاء الحكم حتى في حالة العصيان.

وفي الصورة الثانية، أي فيما إذا كان عاصياً في ابتداء السفر ومطيعاً في منتهاه، وكان المجموع بمقدار المسافة جعل السيد الطباطبائي نية الإباحة قيداً للحكم ومقيداً لإطلاقه لا قيداً للموضوع من دون أن يخرج العاصي في ابتداء السفر عن تحت الأدلّة المرخّصة، وإنّما خرج عن تحت إطلاق الحكم، فبما انّ العاصي في أوّل سفره والمطيع في آخره باق تحت الأدلّة المرخّصة، فما دام عاصياً يتم، وإذا عدل إلى الطاعة يقصر.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ تلك الاستظهارات لا تعتمد على أصل صالح للاحتجاج، وإنّما هي ذوقيات فوق مستوى الأفهام العرفية، فالذي يمكن أن يقال انّ مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى انّه هدية إلهية انّ نيّة الإباحة قيد لجميع أجزاء السفر الواحد.

وبما انّ قسماً منه كان بنيّة المعصية لا تشمله الأدلّة المرخصّة ولو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي فمقتضى الأصل العملي هو التمام.

مسألة: لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية

لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية فلها صور:

1. أن يكون كلّ من الداعيين مستقلين بحيث لو فُقد أحدهما كفى الآخر في البعث.

2. أن يكون داعي المعصية مستقلاً بلا حاجة إلى ضميمة بخلاف داعي الطاعة.

3. أن يكون داعي الطاعة مستقلاً بلا حاجة في بعثه إلى ضميمة


(124)

بخلاف داعي المعصية.

4. أن يكون كلّ منهما جزءاً للباعث بحيث لو لم يكن الآخر لما حصل الانبعاث.

لا إشكال في وجوب الإتمام في الصورة الأُولى والثانية، لأنّ المسير عندئذ ليس بمسير حق، وإنّما هو مسير باطل وسفر معصية.

و ربما يحتمل أنّ المستفاد من الأدلّة: انّ السفر الذي يجب فيه التمام هو السفر الذي يتحقّق بداعي المعصية محضاً، ففي الصورة الأُولى يجب القصر لعدم تحقّق السفر بداعيه لأنّه مستند إلى الداعيين وإن كان كلّواحد كافياً في البعث إلاّ انّه لما اجتمعا يكون السفر مستنداً إلى كليهما.(1)

يلاحظ عليه: انّ ما ذكره مجرّد احتمال وليس عليه دليل في الروايات وإنّما الميزان كون السفر، سفر معصية والمسير باطلاً أو على خلاف الحقّ، وهذه العناوين صادقة على مثل هذا السفر.

أمّا الثالثة أعني: إذا كان قصد المعصية تبعاً بحيث لم يكن له أثر في ايجاد الداعي إلى السفر في نفس المسافر، فالظاهر انّ التكليف هو القصر لعدم صدق عنوان «سفر المعصية»، فليس السفر بنفسه ولا بغايته محرماً.

و إن شئت قلت: إذا كان أحد الداعيين شديداً والآخر ضعيفاً، فالسفر في نظر العرف يستند إلى الداعي القوي وإن كان للضعيف أيضاً تأثير بحسب الدقة العقلية، ولأجل ذلك يكون الحكم في الصورة الثالثة على خلاف الصورة الثانية. فالعرف يُسند السفر في الثانية إلى قصد المعصية وفي الثالثة إلى قصد الطاعة.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد مثل لهذا القسم بما يقع في سفر المسافر من باب


1 . الحائري: الصلاة: 417.


(125)

الصدفة والاتفاق كالكذب والسبِّ والغيبة والنميمة وشرب الخمر ونحوها ممّا يقع في الطريق أو المقصد.(1)

والظاهر خروج هذا النوع من المعاصي الصادرة في أثناء السفر من دون أن تكون مقصودة في بدء السفر وداعية إليه، بل المراد هو الداعي الموجود في نفس المسافر عند الحركة ولكن داعياً ضعيفاً بحيث لا تأثير له لا في حال الوحدة ولا في حال الجمع إلاّبالدقة العقلية وأمّا ما يتّفق في أثناء السفر أو المقصد من المحرمات غير المقصودة عند انشاء السفر، والمقصودة عند الفعل، فهو خارج عن محلّ النزاع، إلاّأن يكون داعياً من بدء الأمر وهو نادر فيما مثل به.

وأمّا الرابعة: وهو ما إذاكانت كلّ من الغايتين غير صالحتين للبعث وإنّما يتأتى البعث من كليهما معاً، ففيه وجهان:

أ. القصر لأنّ القدر المتيقن من أدلّة الباب ما إذا كان داعي المعصية صالحاً للبعث بالاستقلال وهو ليس كذلك، لأنّ المفروض انّ كلاً من الداعيين لا يوجب البعث إلى المطلوب حلالاً كان أو حراماً.

ب. الإتمام وذلك لأنّ المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام فيه دخل والمفروض انّ له سهماًمن التأثير.

والحقّ أن يقال إذا كان الملاك هو صدق سفر المعصية فهو يقصر، وإن كان الملاك كون السفر على مسير الحقّ أو على عدم مسير الباطل، فالظاهر انّه من مصاديق المسير الباطل.

وإن شئت قلت: إنّ كون المسير باطلاً وغير مرضي لا يتوقف على أن يكون الداعي إليه الغاية المحرمة محضاً بل قد يكون السير باطلاً مع عدم قصد غاية


1 . مستند العروة الوثقى: 135.


(126)

محرمة أصلاً كما إذا علم انّه إذا سافر ومشى إلى محل خاص يضطر إلى ارتكاب الحرام، وعليه فهذا المسير باطل وإن لم يكن بداعي الحرام.

***

مسألة: إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟

إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟

فإن كانت الشبهة حكمية، فاللازم هو الفحص والنظر في الأدلّة هذا إذا كان مجتهداً، وأمّا المقلّد فيرجع إلى مقلَّده أو يعمل بالاحتياط.

وأمّا إذا كانت موضوعية، فالمرجع أصالة الحل إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعي ينقح موضوع الدليل الاجتهادي الدال على الحرمة، كما إذا استأذن العبدُ المولى في السفر أو الزوجة من الزوج، فلم يأذنا، ثمّ شكّ في بقاء المنع، فاستصحاب عدم الإذن ينقح الموضوع للدليل الاجتهادي الدال على حرمة سفر العبد والزوجة بلا إذن المولى والزوج.

مسألة: ما هو المدار في حلية السفر وحرمته؟

ما هو المدار في وصف السفر بالحلية والحرمة، فهل المدار هو الواقع أو ما يقابله؟

ثمّ إنّ ما يقابل الواقع إمّا الاعتقاد بالخلاف (القطع المخالف للواقع) أو الأصل العملي المخالف فيقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو المدار في الوصف بالحلية والحرمة، هل الواقع أو الاعتقاد المخالف للواقع؟ وتظهر الثمرة في الموردين التاليين:


(127)

أ. لو سافر لقتل إنسان معتقداً بأنّه محقون الدم فأتم صلاته فبانَ كونه مهدور الدم، فلو كان المدار هو الواقع، وجبت عليه إعادة صلاته لانّه لم يكن سفر معصية في الواقع، فكان واجبُه هو القصر وقد أتم، ولو لم يصل وفاتته، يقضيها قصراً وهذا بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يُعيد ما صلاّها تماماً ويقضي ما فات تماماً، لا قصراً، لافتراض كونه معتقداً بكونه حراماً وانّ وظيفة مثله هي التمام داخل الوقت وخارجه، وبما انّه كان في الواقع سفر حلال وإنّما اعتقد حرمته يعدُّ عمله تجرياً فلو قلنا بعدم حرمته، تظهر الثمرة بين القولين كما بيناها.

وأمّا لو قلنا بحرمة التجرّي وأنّ من اعتقد كونَ فعل حراماً ولم يكن في الواقع محكوماً بالحرمة، يكون الفعل ـ والحال هذه ـ محكوماً بالحرمة، فلا يظهر أثر بين القولين: الواقع والاعتقاد، لأنّ التجري موضوع وحكمه الواقعي هو الحرمة، فيكون السفر حراماً واقعاً.

و بما أنّ التجري على القول بقبحه يشارك المعصية في استحقاق العقاب، لا في سريان الحرمة إلى المتجرى به، تترتب على القولين ثمرة.

ب. ينعكس الحكم في عكس الصورة، فإذا اعتقد انّ رجلاً مهدور الدم وسافر لقتله فقصر وبان انّه محقونه، فلو كان الميزان هو الواقع، يعيد ما صلاّها قصراً، تماماً، ولو لم يصلّ حتى خرج الوقت يقضيها تماماً، بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يعيد ما صلاها قصراً، وأمّا القضاء، فيقضي ما فات، قصراً، ولا موضوع للتجري لأنّه تحرك وفق علمه وقطعه هذا إذا كان مقابل الواقع هو الاعتقاد، وأمّا إذا كان مقابله هو الأصل العملي، فإليك بيانه في المورد الثاني.

الثاني: إذا كان مقتضى الأصل مخالفاً للواقع فهل المدار في الوصف هو الواقع أو مقتضى الأصل كما إذا كان مقتضى الأصل العملي الحرمة وكان الواقع


(128)

خلافه، مثل ما إذا كانت الزوجة ممنوعة السفر من جانب زوجها فترة لكنّه عدل عن المنع من دون اعلام لها، فسافرت ومعها استصحاب المنع، فهل المدار هو الواقع أو مقتضى الأصل؟

فلو كان المقياس هو الواقع صحّت صلاتها قصراً لا تماماً، ولو كان المقياس هو الأصل فبما انّ مقتضى الاستصحاب بقاء منع الزوج، صحّت صلاتها تماماً لا قصراً، ومنه يعلم حال من سافر لقتل إنسان.

فلنرجع إلى الكلام في المقامين:

الأوّل: هل المدار الواقع أو الاعتقاد؟

فربما يقال انّ المدار هو الاعتقاد لا الواقع، لأنّ الموضوع للحرمة في رواية عمّار بن مروان هو «أو في معصية اللّه» ومن المعلوم انّ مخالفة الواقع بما هوهو، لا يُضفي على الفعل وصفَ العصيان مالم يتنجز بالعلم، والتنجز فرع العلم بالحرمة، فيكون هو المدار، لا الواقع.

يلاحظ عليه: أنّ هذا الشرط كسائر الشرائط من كون المسافة بريدين من الشرائط الواقعية. نعم ماهية الشرط على وجه يتوقف تنجزه على المكلّف على العلم، وعلى ذلك يكون الشرط هو الواقع المنجز فلا يكفي وجوده الواقعي من دون تنجزه على المكلّف، كما لا يكفي مجرّد الاعتقاد، وهذا بخلاف البريدين، فإنّه شرط تكويني لا دخل للعلم والجهل فيه.

وعلى ذلك يأتي التفصيل الآتي:

أ. إذا اعتقد حرمة الشيء أو حلّيته، وكان الواقع وِفْقَ اعتقاده. فيتم في الأوّل، ويقصر في الثاني.

ب. إذا كان السفر حراماً في الواقع، ولكنّه اعتقد حليته يقصر صلاته


(129)

ويفطر صومه، وذلك لأنّ الأدلّة المرخصة تعمّ ذلك المورد، وأمّا روايات الباب فبما انّ الواقع لم يكن منجزاً عليه فيبقى المورد تحت العمومات المرخِّصة فلا يتصف السفر بالباطل أو بكونه في معصية اللّه أو انّه على مسير غير الحقّ.

ج. إذا كان السفر حلالاً في الواقع واعتقد حرمته كما لو سافر لقتل شخص بتخيل انّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فيقصر صلاته ويفطر صومه (إذا لم نقل بحرمة التجري وانّه معصية بالعنوان الثانوي) ، لأنّ الأدلّة المرخصة شاملة لهذا المورد وروايات الباب غير منطبقة عليه، لأنّه ليس في الواقع تحريم حتى يتنجّز عليه.

فالإتمام والصيام مختصان بصورة واحدة، وهو ما إذا كان سفره حراماً في الواقع وكان المكلّف عالماً به، وأمّا إذا كان حراماً في الواقع من دون علم فالواقع غير منجز لعدم العلم، كما انّه إذا كان حلالاً في الواقع واعتقد حرمته، فليس هناك حرمة حتى يتنجز.

هذا كلّه حول المقام الأوّل.

المقام الثاني: هل المدار هوالواقع أو الأمارة الشرعية والأُصول العملية؟

وفي هذا تأتي الصور السابقة.

1. إذا كان السفر حراماً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على وفق الواقع، يتم ويصوم.

2. إذا كان السفر حراماً في الواقع، وقامت الأمارة أو الأصل على حلّيته، يُقصر ويفطر لعدم تنجز الواقع بالجهل به وإن كان مستنداً إلى الأمارة والأصل


(130)

العملي، فتشمله الروايات المرخصة، دون روايات الباب.

3. إذا كان السفرحلالاً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على حرمته، فهل المدار على الواقع، أو على الأمارة والأصل فقد عرفت انّ المدار في مثل هذه الصورة من المقام الثاني على الواقع، إذ لا أمر شرعي في مورد العلم المخالف للواقع حتى يكون امتثاله موجباً للإجزاء، وأمّا المقام فيمكن أن يقال انّ المدار على الأمارة والأُصول فلو تحرك على وفقهما يجزي مادام الموضوع (أي الجهل بالواقع) موجوداً، فلو صلّى تماماً أو صام يصحّ دون ما قصر وأفطر، نعم لو لم يصل حتى انكشف الواقع يقضيها قصراً.

فإن قلت: إنّ الحكم الظاهري المنكشف خلافه لا يغير الواقع، ولا يوجب قلبه عمّا هو عليه، هو سفر حقّ وإن جهل به المسافر.

قلت: الحكم بصحّة صلاته إذا صلّى تماماً أو صام، ليس لأجل كون الأمارة أو الأصل المخالف للواقع يغيّر الواقع، بل لأجل الملازمة بين الأمر بالأمارة أو الأصل، والاكتفاء في امتثال الأوامر بما أدّى إليه لكونه وافياً بالمصلحة الواقعية.

***

مسألة: إذا كانت الغاية في أثناء الطريق

إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالتفصيل بينما إذا كان بين السفرين استلزام، فيُعدّ المجموع سفر معصية ومالم يكن ملازمة، فلا يكون جزءاً له.

مثلاً إذاكانت محطة القطار التي ينزل فيها الركاب أبعد بميل من الغاية المحرمة التي يرتكب فيها المعصية، فعليه بعد النزول في المحطة، الرجوعُ إلى الغاية


(131)

بالسيارة، فلا شكّ انّ المجموع يعد سفراً واحداً وجزء منه، بل مقدمة للغاية المحرّمة.

وهذا بخلاف ما إذا لم يكن السفر الثاني ملازماً للسفر الأوّل عقلاً، لكن يتبعه سفر آخر عادة، كما إذا سافر إلى نقطة خاصة لعمل محرم، ولكن العادة جرت انّ من سافر إليها، ربما يسافر إلى مصايفها للتنزّه والتفرج، ومن المعلوم انّ السفر الثاني، سفر مستقل، لا يعدّجزءاً من السفر الأوّل.

السفر بقصد التنزه ليس بحرام ولا يوجب التمام

إنّ إطلاقات الأدلّة المرخصة تعم السفر السائغ والحرام، خرج عنه الثاني وبقى السائغ بعامة أقسامه، والسفر لغاية التنزه، سفر لغاية محلّلة.قال علي ـ عليه السَّلام ـ : للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرُمُّ معاشَه، وساعة يخلِّي بين نفسه وبين لَذَّتها.(1) والمسألة مورد اتّفاق.

إذا نذر إتمام الصلاة في يوم

قال السيد الطباطبائي: إذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معين أو يصوم يوماً معيّناً وجب عليه الإقامة، ولو سافر، وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام إلاّ إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب، والأحوط الجمع.

أقول: يقع الكلام في أُمور:

1. هل يصحّ النذر المذكور أو لا؟


1 . نهج البلاغة: قسم الحكم ، رقم 390.


(132)

2. إذا فرضنا صحّة النذر، هل تجب الإقامة أو لا؟

3. إذا سافر فهل السفر، سفرُمعصية ليكون المرجع روايات الباب، أو ليس بسفر معصية، ليكون المرجع الأدلّة المرخِّصة، أو سفر معصية ولكن المرجع هو الأدلّة المرخصة أيضاً كما سيوافيك بيانه.

4. وعلى جميع التقادير، هل ورد نصّ على خلاف القواعد أو لا؟

وإليك البيان:

أمّا الأوّل: فصحّة نذر التمام غير واضح لعدم وجود رجحان في التمام على القصر إذ كلاهما صلاتان تامتان، نعم يصحّ نذر الصوم في مقابل الإفطار، ففيه الرجحان على مقابله.

أمّا الثاني: فلو قلنا بوجوب المقدمة، تجب الاقامة إذا كان غير حاضر في البلد، وقد حُقِّق في محلِّه عدم وجوبها وجوباً شرعياً بل الوجوب عقلي.

أمّا الثالث: فيمكن تقريب حرمة السفر بوجوه:

أ. إنّ السفر حرام لكونه مقدمة لترك الواجب أي التمام والصيام، وترك الواجب حرام فتكون مقدمته حراماً أيضاً.

يلاحظ عليه: أنّ منصرف روايات الباب كون السفــر حرامـاً نفسيّـاً لا مقدمياً.

ب. انّ السفر حرام، لأنّ نذر التمام ينحلّ إلى نذرين: نذر التمام ونذر ترك السفر، فإذا كان تركه واجباً يكون فعله حراماً نفسيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ الناذر ربما يكون غافلاً عن النذر الثاني، أضف إلى ذلك انّ النذر يتوقف على الانشاء ولا يكفي الملازمة العقلية والشاهد عليه، عدم تعدد الكفّارة لو خالف وسافر.


(133)

ج. السفر حرام لا لكونه مقدمة للحرام (ترك الواجب) بل لوجود التضاد بينه وبين الواجب، نظير السفر مع مطالبة الديّان، وامكان الأداء في الحضر دون السفر، فعند ذلك يأتي في التفصيل الماضي في المسألة السابعة والعشرين وهو انّ الاستلزام إنّما يكون سبباً لحرمة الملازمة إذ أتى به لغاية التوصل إلى ترك الواجب فيكون نفسُ السفر حراماً لكون الغاية محرمة دون ما لم يكن لتلك الغاية.

فإن قلت: ما ذكر من التفصيل يختصّ إذا كان بين السفر والواجب، تضاد ذاتي، كما في مورد السفر وأداء الدين، لا في المقام إذ ليس هنا تضاد بين السفر، والتمام إلاّكون ترك السفر مقدمة للواجب وقد حقّقنا في الأُصول بأنّها غير واجبة.

قلت: إن أُريد من نفي التضاد، هو التضاد التكويني فمسلّم، وإن أُريد الأعم منه ومن التشريعي فالتضاد بين السفر والتمام متحقق، وهو كاف في صيرورة السفر، سفرَ معصية إذا سافر، لغاية ترك الواجب، وهذا الوجه هو المتعين، وقد اعتمد عليه السيد الطباطبائي قدَّس سرَّه.

ومع الاعتراف بحرمة السفر إذا كان لغاية الفرار عن الواجب، لكن شمول روايات الباب لهذا المورد غير واضح، بل المقام داخل تحت الأدلّة المرخَّصة، وذلك لانّه يلزم من شمول روايات الباب للمقام، عدم شمولها ومن الحكم بالاتمام، عدم كونه عاصياً الملازم لارتفاع حكم الإتمام، وذلك لانّا لو قلنا بأنّ السفر، سفر معصية ولو للفرار عن الواجب، فلو حكم بالقصر فلا يتوجه أيّ إشكال غاية الأمر يلزم ورود تخصيص على روايات الباب، أي يتم العاصي بسفره إلاّهذا المورد.

وأمّا لو حكمنا عليه بالإتمام يترتب عليه:

انّه بالإتمام يكون وافياً بنذره، فيخرج عن كونه عاصياً مع أنّه فرض عاصياً، ومع خروجه عن كونه عاصياً، ينتفي الحكم بالإتمام، فهذا هو الذي دعانا،


(134)

للتفريق بين العصيان والإتمام، وقلنا انّه يعصي بسفره، ولكنّه يقصر هذا كلّه حسب القواعد.

هذا ولكن الظاهر من النصوص عدم وجوب الإقامة عند نذر الصوم وتُعْطَف عليه الصلاة وانّ الصوم المنذور ليس بآكد من شهر رمضان، حيث إنّه لا تجب الاقامة بل من شَهِدَ الشهرَ يصوم، دون من لم يشهد.

روى عبد اللّه بن جندب، قال: سمعت من زرارة عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:(1) «يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك».

و روى القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم كلّ يوم جمعة دائماً مابقي، فوافق ذلك اليوم يومَ عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق، أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاءه، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بَدَل يوم إن شاء اللّه تعالى».(2)

***

في قصد الغاية المحرمة في خارج الجادة

إذا سافر لغرض مباح في المقصد، ولكنّه يقصد أيضاً الغاية المحرمة في حاشية الجادة كالسرقة من بستان، ونحوها فله صورتان:

الأُولى: أن يكون له من بدء السفر غرضان أحدهما في المقصد والآخر في أثناء السفر.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5; ولاحظ روايات الباب.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2; ولاحظ روايات الباب.


(135)

الثانية: أن يعرض له قصد ذلك في الأثناء وإنّما خرج عن البلد، لغاية مباحة.

أمّا الأُولى: فلا شكّ انّه يُتم، لما عرفت من أنّ الغاية الملفقة من الطاعة والعصيان، يوجب كونَ السفر سيراً في غير طريق الحقّ، فلو قام بما قصد، ثمّ رجع إلى الجادة يكون منشأ للسفر الجديد فلا يقصر إلاّ أن يكون الباقي على حدّالمسافة ولو ملفّقة، لما عرفت من انّ من حكم عليه بالتمام، لا يحكم عليه بالقصر إلاّ بانشاء السفر الشرعي.

وأمّا الثانية: فلو كان خروجه عن الجادة قليلاً بحيث لا يعدُّ جزء للسفر، كأن يدخل البستان الواقع على حاشية الجادة ويتصرف فيه عدواناً، ويخرج فيقصر لكون السفر سفراً مباحاً ولا يضرّ الخروج القليل المحرّم لوحدتها.

و لو خرج عن الجادة وسار مسافة كثيرة وعدّسيره حاشيتها جزءاً من سفره، فيقع الكلام في حكم صلاته مادام خارجاً عن الجادة ذهاباً وإياباً، وفي حكمها بعد الرجوع إلى الجادة إلى وصول المقصد.

أمّا حكم صلاته في خارج الجادة فإن كان ما قطعه بنية سائغة أقلَّ من المسافة الشرعية فيتمُّ في الحاشية قطعاً وأمّا إذا كان ما قطعه مسافة شرعية ثمّ عدل إلى النيّة الجديدة فقد عرفت انّ الشيخ الأعظم تأمّل في الحكم بالتمام في حاشيته على نجاة العباد، بتصور أنّه تحقّق الموضوع الشرعي، بسير ثمانية فراسخ سائغة وصار المسافر محكوماً بالقصر مطلقاً وإن رجع بعده إلى المعصية، وبعبارة انّ الطاعة قيد للموضوع لا للحكم والمفروض انّه قد تحقّق ولحوق السير بنيّة العصيان به لا يضرّ تحققّه المقتضي للحكم بالقصر مطلقاً سار على نيّة الطاعة أم على نيّة العصيان، نعم لو كان القيد، قيد للحكم، يجب عليه التمام.

يلاحظ عليه: الظاهر انّه قيد للسير سواء كان على حدّ المسافة أو أوسع


(136)

منها، وذلك لأنّه هدية للمطيع بسيره لا للعاصي به، فلازم ذلك كونه معتبراً ابتداء واستدامة فالأشبه هو ما في العروة من قوله: «فما دام خارجاً عن الجادة يتم».

وأمّا صلاته بعدما رجع إلى الجادة فبما انّه حصل الانقطاع بين السفرين فإن كان الباقي مسافة يقصر فيها، وأمّا إذا لم يكن فهل يكفي ضمّ ما قبل العصيان إلى ما بعده؟ التحقيق لا، لما عرفت من انصراف الأدلّة المرخصة إلى ما لم يتخلل بينهما ـ سير بلا قصد أو سير مع قصد العصيـان ـ فمعـه يكون السير الثـاني موضوعاً جديداً لا يقصر فيه إلاّ إذا كان على حدّ المسافة ولو ملفقاً. وبالجملة من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر مالم يقصد مسافة جديدة.

***

في قصد الغاية المحلّلة في أثناء الجادّة

هذا كلّه إذا عرض له قصد العصيان في الأثناء، وأمّا لو انعكس بأن كان سفره من بدء الأمر لغاية محرمة ثمّ خرج عن الجادة وقطع مسافة لغرض صحيح، فما هو حكم صلاته عند الخروج عن الجادة ذهاباً وإياباً؟

أمّا ذهاباً فقد أفتى السيد الطباطبائي بأنّه يقصر مادام خارجاً مطلقاً بلغ الذهاب حدّ المسافة أو لا، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالأقوى فيه التمام لأنّه موضوع مستقل والمفروض كونه أقلّ من المسافة الشرعية.

***

حكم الصلاة في المقصد بعد العصيان

إذا قصد الغاية المحرمة ووصل إلى المقصد، فيقع الكلام في حكم صلاته قبل الارتكاب وبعده مادام في المقصد وحكم صلاته عند الرجوع. لا كلام في أنّه


(137)

يتم في الأوّل، ويقصر في الثالث إذا قلنا بأنّ الرجوع سفر مستقل لا صلة له بالسفر السابق ـ كما مرّ ـ إنّما الكلام في الثاني، فقال السيد الطباطبائي: حاله حال العود عن سفر المعصية في أنّه لو تاب يقصر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام بعدّ المجموع سفراً واحداً والأحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر في العود بدعوى عدم عدّه مسافراً قبل أن يشرع في العود.

الظاهر انّ المقام داخل تحت الضابطة الكلية في أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام، لا يقصر مالم ينشأ للسفر والمقام كذلك مضافاً إلى عدّه من جزء السفر.

***

إذا قطع بعض أجزاء المسافة بنيّة محرّمة

إذا كان السفر لغاية محللة، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم منضماً إلى الغرض الأوّل.

الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، فإن قطع مقدار من حاشية الجادة بنية العصيان كان خارجاً عن المسافة الامتدادية، ولم يكن جزء منها، بخلاف المقام، فإنّ المفروض قطع جزء من المسافة الامتدادية بنية محرمة وأمّا حكم هذا المقدار الذي يقطعه المسافر بغايتين فقد عرفت لزوم الإتمام في جميع الصور، إلاّإذا كان العصيان تبعاً محضاً وبذلك يعلم عدم الوجه للاحتياط فيما إذا لم يكن الباقي مسافة كما في العروة، إذ لا خصوصية لكون الباقي مسافة أو عدم مسافة.

نعم إنّما ينفع الاحتياط في نفس المسافة الباقية غير البالغة حدّالمسافة، فانّه على القول بضمها إلى القطعة السابقة، فالأقوى القصر إن كان مسافة، والأحوط الجمع إذا لم تكن بنفسها مسافة.


(138)

إذا قصد العاصي الصوم ثمّ عدل إلى الطاعة

إذا كان السفر في الابتداء سفر معصية وقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة فله صورتان:

1. أن يكون العدول قبلَ الزوال.

2. أن يكون العدول بعد الزوال.

والمسألة غير منصوصة فلابدّ من استنباط حكمها من إدخالها تحت أحد العناوين المنصوص حكمها، والذي يمكن أن يقال: هو انّ الأُولى كالخروج من البلد بنيّة سائغة قبل الزوال فيفطر.

والثانية كالخروج من البلد بنيّة سائغة بعد الزوال فلا يفطر.

هذه هي روح المسألة ودليلها وإليك الشرح:

أمّا الأُولى: فقال السيد الطباطبائي: وجب الإفطار، لما حقّق في محلّه من لزوم الإفطار لمن سافر بنيّة سائغة قبل الزوال.

و ما ذكره صحيح بشرط أن يكون الباقي مسافة ولو ملفقة وإنّما لم يقيد لأنّه جعل الطاعة من قيود الحكم لا الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع حتى في صورة العصيان، وإنّما منع من شمول الحكم فقدان قيده، فإذا ارتفع المانع يشمله الحكم فلا يشترط كون الباقي مسافة، ولكنّك عرفت انّ الإباحة قيد لاجزاء السير جميعاً وهو غير متحقّق، فلا محيص في الحكم بالافطار من كون الباقي مسافة شرعية.

وأمّا الثانية: ففيها وجهان مبنيان على شمول النصّ لمثل المقام أو لا.

ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه سئل عن الرجل يخرج من


(139)

بيته وهو يريد السفر وهو صائم قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».(1)

فإن قلنا بأنّ النصّ وإن ورد فيمن خرج عن البلد بعد الزوال لكن المناط ليس هو الخروج بل من صحّ صومه إلى الزوال وإن كان وجه صحّته كونه عاصياً لا كونه في البلد، فيكون الحكم فيه الاستمرار على الصوم وعدم الافطار.

وأمّا لو قلنا باختصاص روايات الباب لمن سافر ابتداءً بعد الزوال بحيث يكون سيره بعد الزوال فلا يشمل المقام، لأنّ السير هناك لم يكن بعد الزوال وإنّما كان السير في كلتا الصورتين قبل الزوال غير انّ العدول ربما يكون قبله كما في أُولاهما أو بعده كما في الثانية.

و يمكن أن يقال انّ للوجهين منشأ آخر وهو انّه مبني على الاختلاف بين مبنى الشيخ الأعظم والسيد الطباطبائي في كون الاباحة من قيود السفر الموجب للترخص أو من قيود الحكم.

فلو قلنا بالأوّل فلم يتحقّق الموضوع المرخص للسفر إلاّ بعد الظهر ومن المعلوم انّ السفر بعده لا يوجب الافطار فيصدق في حقّه كأنّه خرج بعد الظهر وأمّا خروجه قبل الظهر فهو كالعدم.

وهذا بخلاف ما قلناه بأنّه قيد للحكم فقد تحقّق الموضوع أي الخروج من البلد قبل الظهر غاية الأمر كان العصيان مانعاً عن شمول الحكم مع وجود الموضوع، فإذا ارتفع شمله الحكم ولأجل ذلك قال السيد: ففيه وجهان.

وبذلك يعلم أنّه لو قلنا بأنّ المقام من قبيل فقد الموضوع، يختص النزاع بما إذا كان هناك مسافة بعد العدول حتى يكون له شأنية الإفطار وإن لم يكن فعليته


1 . الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.


(140)

لكونه كالخروج بعد الزوال، وهذا بخلاف مالو قلنا بأنّه من قيود الحكم فلا يلزم إلاّ أن يكون المجموع (قبل العدول وبعده) مسافة حتى يكون كالخارج قبل الزوال ولكن الأقوى هو الأوّل لما عرفت من أنّ الإباحة شرط لأجزاء السير جميعاً.

***

إذا كان الصائم مطيعاً في البدء وعدل إلى المعصية في الأثناء

هذا هو الشقّ الثاني للمسألة السابقة، وحاصله: إذا كان الصائم مطيعاً في ابتداء السفر وعدل إلى المعصية في الأثناء، فهل يصحّ صومه؟

نقول: هنا أيضاً صورتان:

1. أن يكون العدول قبل الزوال.

2. أن يكون العدول بعد الزوال.

ولقد كان مفتاح الحل في الفرع السابق هو إدخال الفرع بالخارج عن البلد قبل الظهر أو بعده، ولكن مفتاحه هنا هو جعله من قبيل من يدخل البلد قبل الظهر أو بعده ولم يفطر في كليهما. والأوّل يصوم دون الثاني وإنّما عليه الإمساك تأدّباً.

إذا علمت ذلك فلنرجع إلى حكم الصورتين:

فهل العدول إلى المعصية بعد قطع المسافة الشرعية قبل الزوال كالداخل إلى الوطن قبل الزوال أو ليس مثله فلا يصحّ صومه؟ والوجهان مبنيان بما ذكر في الفرع السابق من اختصاص النصّ بالمسافر الداخل إلى الوطن قبل الظهر، لا مطلق من صحّ صومه إلى ما قبل الزوال ولو بالعصيان.


(141)

والثاني أي العدول بعد قطع المسافة الشرعية بعد الزوال فهل هو كمن دخل بعد الزوال في البلد فيبطل صومه أو ليس كذلك؟ لأنّ النصّ يختص بمن يدخل البلد وهو غير مفطر لا من صحّ صومه إلى ما بعد الزوال وإن لم يدخل البلد، والأحوط في كلا الفرعين الجمع بين الصوم والقضاء.


(142)

الشرط السادس: أن لا يكون بيته معه

من شرائط وجوب القصر والإفطار أن لا يكون بيتُه معه، كأهل البوادي من العرب والعجم الذين لا مسكن لهم معيّناً بل يدورون في البراري(1) وينزلون في محلّ العُشب والكلأ ومواضع القطر واجتماع الماء.هذا.

و يقع الكلام في أُمور:

1. ما هو الفرق بين هذا الشرط، والشرط السابع؟

المقصود من الشرط السابع هو أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملاً وشغلاً له، كالمكاري والجمّـال، و الظاهر من القدماء جعلهما شرطاً واحداً، نعم حدث التعدد بين المتأخرين.

الجواب: انّ خروج من يكون بيته معه عن آية التقصير، خروج موضوعي وبنحو التخصّص، وخروج من اتخذ السفر عملاً وشغلاً له، خروج حكمي وبنحو التخصيص.

توضيحه: أنّ آية التقصير تخاطب من يريد الضرب في الأرض، ومعناه انّ من له استقرار في مكان، إذا ضرب في الأرض فله أن يُقصّر، وأمّا من ليس له أيّ استقرار في مكان ومن حاله التنقل مستمراً فهو خارج من مفاد الآية وموضوعها، مثل أهل البوادي غير المستقرين في مكان، وأمّا من اتخذ السفر عملاً، وكان سفره


1 . جمع البرّيّة: الصحراء.


(143)

أكثر من الحضر فله استقرار في مكان خاص مع أهله وعياله ولو أيّاماً قليلة وإن كان يتركه كثيراً للسفر بمقضتى شغله وإن شئت قلت: إنّ الآية تخاطب من له حضر وسفر، لا من ليس له إلاّ حالة واحدة.

وبعبارة ثالثة: الآية تخاطب المسافر، وهو من برز وخرج من البلد أو القرية إلى الصحراء، فلا يطلق على من له البروز طول السنة، بخلاف من له بلد وقرية وله بروز وخروج وإن كان بروزه أكثر من خلافه كمن اتخذ السفر شغلاً.

2. ما هو الدليل على الحكم؟

ويدل على الحكم روايتان إحداهما صحيحة مضمرة، والأُخرى صحيحة في آخرها إرسال.

1. روى إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الملاّحين والأعراب هل عليهم تقصير؟ قال: «لا، بيوتُهم معهم»(1) والإضمار لجلالة عمّار غير مضرّ.

2. ما رواه سليمان بن جعفر الجعفري ـ كلاهما ثقتان ـ عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الأعراب لا يقصرون، وذلك انّ منازلهم معهم».(2)

ثمّ إنّ المراد من الملاّحين، من تكون بيوتهم في السفينة، وأمّا الساكنون في البنادر ولكن يسافرون ويرجعون إلى منازلهم، فغير داخل في هذا الصنف، وسيأتي في الشرط السابع بعض الروايات التي تدل على ذلك.(3)

ثمّ إنّ حكم المسألة مورد اتّفاق على وجه الإجمال، إنّما الكلام في جزئياتها:


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5و6.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5و6.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.


(144)

3. هل يشترط أن لا يكون له مسكن؟

وصف السيد الطباطبائي الموضوع بـ«الذين لا مسكن لهم معيناً» ولكنّه غير ظاهر لامكان أن يكون له مسكن في بعض الفصول دون البعض، كأهل المواشي من أهل العراق، فربما يكون لهم بيوت معمورة على جانبي الفرات ودجلة يسكنونها في الصيف، فإذا أقبل الشتاء ينتقلون إلى موضع آخر، فهؤلاء يتمون صلاتهم في كلتا الحالتين لكن بملاكين، يتمون إذا نزلوا جانب الفرات ودجلة لأجل النزول في أوطانهم، ويتمون عند الخروج إلى البادية، لأنّ بيوتهم معهم، ليس لهم استقرار في مكان ولو في فترة من السنة.

4. ما هو حكمهم إذا سافروا لمقصد آخر؟

ما هو حكمهم إذا سافروا لمقصد آخر من حجّ أو زيارة أو نحوهما، أو سافر أحدهم لاختيار منزل، أو لطلب محل القطْر والعُشْب وكان مسافة؟

أفتى السيد الطباطبائي بالقصر في الأوّل، وقال بالجمع بين القصر والتمام احتياطاً في الثاني وقيّد أكثر المعلّقين على العروة على القصر إذا لم يكن بيته معه، وإلاّ فيتم قالوا: «والأظهر وجوب التمام عليه إذا كان بيته معه وإلاّ وجب القصر» وكأنّ الحكم دائر مدار العلّة وجوداً وعدماً، والظاهر انّه يتم في كلتا الحالتين، لأنّ التعليل ليس علّة حقيقية بل عنوان مشير إلى عدم كونه مستقراً في نقطة خاصة، وليس لهم حضر وسفر، فإذا كان هذا هو الملاك فهو موجود في السفر للزيارة أو للاختيار. والحاصل انّ هؤلاء بما انّهم لا حضر لهم، فيتمون مطلقاً، من غير فرق، بين تنقلهم مع جميع دوابّهم ومواشيهم، أو تركها في مكان، والتنقل ببعضها إلى الحج والاختبار ثمّ الرجوع إلى البادية وإن كان الأحوط الجمع في كلا الموردين.

وأمّا عشائر إيران، فبما انّ لهم رحلة الشتاء والصيف فلهم وطنان، ويختلفون مع أهل المواشي في العراق الذين لهم وطن في الصيف، دون الشتاء، ولكن لهؤلاء أمكنة معيّنة في كلا الفصلين. واللّه العالم.


(145)

الشرط السابع: أن لا يكون ممّن اتّخذ السفر عملاً وشغلاً له

اختلفت كلمة الأصحاب في التعبير عن هذا الشرط وإليك عناوينهم:

1. أن لا يكون سفره أكثر من حضره.

2. عدم زيادة سفره على حضره.

و هذان العنوانان هما المعروفان بين القدماء والمتأخّرين حتى المحقّق في الشرائع.

3. أن لا يكون ممن يلزمه الاتمام سفراً، وقد عبّر به المحقّق في «المعتبر» ورجّحه على العنوانين المتقدمين قال: ويلزم على قولهم انّه لو أقام في بلده عشرة وسافر عشرين يوماً أن يلزم الإتمام، وهذا لم يقل به أحد.

ويرد على عنوان المحقّق (مع أنّه أعمّ من هذا الشرط لأنّه يصدق على العاصي والمسافر بلا قصد إلى غير ذلك) انّه لا يرجع إلى محصل لانّه في مقام بيان الشرط الموجب للاتمام، ولم يأت به وإنّما أتى بالحكم الواضح.

4. عدم كون حضره أقلّ من سفره.

5. أن لا يقيم في بلده أو غيره عشراً، ثلاثة متوالية.

6. عدم كونه كثير السفر.

7. عدم كون السفر عمله أو شغلاً له.

8. عدم كون السفر شغلاً له أو عدم كون شغله في السفر.


(146)

9.أن يكون السفر عمله ومن كان منزله في بيته، وهو الذي نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة عن أُستاذه بحرالعلوم.

10. الاقتصار على بعض العناوين الواردة في الروايات أو أكثرها، وعليه الصدوق في الهداية.

ولو أدرج الثاني في الأوّل والسابع في السادس تكون العناوين الواردة في كلماتهم ثمانية.

ولأجل أن يكون القارئ على بصيرة من العناوين التي اعتمد عليها الأصحاب نأتي بنصوص بعضهم:

1. قال الصدوق: فأمّا الذي يجب عليه التمام في الصلاة والصوم في السفر: المكاري، والكريّ، والبريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم.(1)

2. قال المفيد: ومن كان سفره أكثر من حضره، فعليه الإتمام في الصوم والصلاة معاً، لأنّه ليس بحكم الحاضر الذي يرجع إلى وطنه فيقضي الصيام.(2)

3. قال الشيخ: ولا يجوز التقصير للمكاري والملاّح والراعي والبدوي، إذا طلب القطْر والنَبْت والذي يدور في جبايته، والذي يدور في أمارته، ومن يدور في التجارة من سوق إلى سوق، ومن كان سفره أكثر من حضره، هؤلاء كلّهم لا يجوز لهم التقصير مالم يكن لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام.(3)

4. وقال سلار: والملاح والجمّال ومن معيشته في السفر، ومن سفره أكثر من


1 . الصدوق: الهداية: 33.
2 . المفيد: المقنعة: 349، كتاب الصوم، باب حكم المسافر في الصيام. لم يذكر الشيخ المفيد أحكام المسافر في كتاب الصلاة إلاّبوجه موجز لاحظ ص 91. و لكن بسط الكلام في كتاب الصوم على خلاف ما هو الدارج.
3 . الطوسي: النهاية:122.


(147)

حضره.(1)

5. وقال ابن البراج: وجميع من كان سفره أكثر من حضره مثل الملاح، والمكاري، والجمّـال، والبدوي إذا طلب القطر والنبت، والرعاة والأُمراء الذين يدورون في إماراتهم، والجباة الذين يسعون في جباياتهم، ومن يدور من سوق إلى سوق في تجارته، فإنّ الإتمام لازم لهم.(2)

6. وقال الحلبي: ولا كان حضره أقل من سفره.(3)

7. وقال ابن حمزة: والذي يكون سفره في حكم الحضر، ثمانية رهط، المُكاري والملاّح، والراعي والبدوي، والبريد، والذي يدور في إمارته، أو جبايته، أو تجارته من سوق إلى سوق.(4)

8. وقال ابن زهرة: الظهر أربع ركعات...هذا في حقّ الحاضر أهله بلا خلاف، وفي حقّ من كان حكمه حكم الحاضرين من المسافرين، وهو من كان سفره أكثر من حضره، كالجمّـال، والمكاري، والبادي.(5)

9. وقال ابن إدريس: ولا يجوز التقصير للمكاري والملاّح والراعي والبدوي إذا طلب القطْر والنبت، فإن أقام في موضع عشرة أيام فهذا يجب عليه التقصير إذا سافر عن موضعه سفراً يوجب التقصير...ولا يجوز التقصير للذي يدور في جبايته، والذي يدور في إمارته، ومن يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والبريد، ثمّ ذكر الكري والاشتقان، وحاول تفسير معناهما.(6)


1 . سلار: المراسم:75.
2 . ابن البراج: المهذب:1/106.
3 . علاء الدين الحلبي:إشارة السبق:87.
4 . ابن حمزة: الوسيلة:108ـ109.
5 . ابن زهرة: الغنية:73.
6 . ابن إدريس: السرائر: 1/336.


(148)

10. وقال الكيدري: المكاري والملاح والراعي والبريد والبدوي، والذي لم يكن له دار مقام، والوالي الذي يدور في ولايته، والذي يدور في جبايته، والدائر في تجارته من سوق إلى سوق ومن كان سفره أكثر من حضره لا يجوز لهؤلاء التقصير إلاّإذا كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام.(1)

11. وقال المحقّق: أن لا يكون سفره أكثر من حضره، كالبدوي الذي يطلب القطْر، والمكاري، والملاح، والتاجر الذي يطلب الأسواق، والبريد.(2) وقد عرفت نصّ المعتبر فلا نعيد.

12. وقال أيضاً: أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، ولو أقام في بلده أو غير بلده قصر.(3)

13. وقال العلاّمة: من الشرائط، عدم زيادة السفر على الحضر كالمكاري، والملاح، وطالب النبت والقطر، والأسواق، والبريد، والضابط أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فإن أقام أحدهم عشرة قصر، وإلاّ أتم ليلاً ونهاراً.(4)

14. وقال الشهيد: و أن لا يكثر سفره، كالمكاري، والملاّح، والأجير، والبريد.(5)

إلى غير ذلك من التعابير التي لا تخرج عن العناوين الماضية.

ثمّ إنّ بعض الأصحاب ذكروا الكري ـ تبعاً للنص ـ مع المكاري، ونقل ابن إدريس عن رسالة ابن بابويه: إنّ الكري هو المكاري، فاللفظ مختلف وإن كان


1 . الكيدري: الإصباح:92.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع:1/102.
3 . المختصر النافع:51.
4 . ابن المطهر: الإرشاد:1/275.
5 . الروضة البهية:1/154، طبعة عبدالرحيم.


(149)

المعنى واحداً. قال عذافر الكندي:

لو شاء ربّي لم أكن كريّا * ولم أســق بشعفـر المطيّا

و الشعفر اسم امرأة من العرب.

و الكريّ من الأضداد قد ذكره أبو بكر الأنباري في كتاب الأضداد، يكون بمعنى المكاري، ويكون بمعنى المكتري.

واحتمل السيد المحقّق البروجردي أن يكون معناه من يُكري نفسه، وعندئذ يتحد مع البريد.

وقال ابن إدريس: ذكروا أيضاً: «الاشتقان » وقال ابن بابويه: لم يبين المشايخ معناه لنا. ووجدت في كتاب الحيوان للجاحظ ما يدلّ على أنّ الاشتقان، الأمين الذي يبعثه السلطان على حفاظ البيادر، قال الجاحظ: وكان أبو عبّاد النميري أتى بابَ بعض العمال يسأله شيئاً من عمل السلطان فبعثه أشتقاناً فسرقوا كلّ شيء في البيدر، وهو لا يشعر فعاتبه في ذلك، وأظنّ انّ الكلمة أعجمية غير عربية.(1) أقول: لعلّها معرب «دشتبان».

إذا عرفت الأقوال والعناوين فإليك، دراسة النصوص، وهي عشرة وإن كانت تتراءى أنّها أكثر، وإليك ما رواه صاحب الوسائل في البابين 11و12 من أبواب صلاة المسافر.

1. روى الكليني بسند صحيح، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المكاري والجمّال الذي يختلف، وليس له مقام يُتم الصلاة، ويصوم شهر رمضان». وهو نفس ما رواه في الوسائل عن الشيخ باسناده عن السندي بن الربيع قال: في المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام، يتم الصلاة، ويصوم


1 . السرائر:1/337.


(150)

شهر رمضان.(1)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن زرارة قال، قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري، والكري، والراعي، والاشتقان، لأنّه عملهم». وهو نفس ما رواه عن الصدوق، أعني: قال الصدوق: وروي الملاح، والاشتقان البريد(2) والظاهر انّ قوله: «والاشتقان هو البريد» من كلام الصدوق، وليست الرواية إلاّ قوله: «و روي الملاح».

3. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمّال». وهو نفس ما رواه عن الشيخ عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليمها السَّلام قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكارين، ولا على الجمالين».(3)

4. روى الكليني، عن إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الملاّحين والأعراب، هل عليهم تقصير؟ قال: «لا، بيوتهم معهم».(4)

5. روى الكليني بسند صحيح إلى سليمان بن جعفر الجعفري، عمّن ذكره، عن أبي عبد


1 . الوسائل: الجزء5 ، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 10.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث4و8.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.


(151)

اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الأعراب لا يقصّرون، وذلك انّ منازلهم معهم». وهو متحد مع ما رواه البرقي في المحاسن بنفس السند.(1)

6. روى الشيخ عن علي بن جعفر، عن موسى بن جعفرعليمها السَّلام، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «أصحاب السفن يتمون الصلاة في سُفنهم».(2)

7. روى الشيخ عن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته، وا لأمير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدويّ الذي يطلب مواضع القطْر ومنبت الشجر، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل».(3)

8. روى الصدوق بسنده إلى ابن أبي عمير رفعه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خمسة يتمون في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري والاشتقان، وهو البريد، والراعي، والملاّح، لأنّه عملهم».(4) وتفسير الاشتقان بالبريد مخالف لما نقلناه عن ابن إدريس، عن الجاحظ، ولعلّه كان بعد لفظ «الكري»و كان تفسيراً له.

9. إسحاق بن عمار قال: سألت أبا إبراهيم عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيّام أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال: «نعم». وهو متحد مع ما بعده في الوسائل.(5)

10.روى الشيخ عن محمد بن جزك قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ انّ لي جمّالاً ولي قوام عليها، ولست أخرج فيها إلاّفي طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة إلى بعض المواضع فما يجب عليّ إذا أنا خرجتُ معهم، أن أعمل، أيجب عليّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ : « إذا كنت لا


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث6و11. وقد عدّهما السيد المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه متغايرين.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث7.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث12.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث2و3.و ذكر الحديث لأجل العنوان الوارد فيه، و سيوافيك توضيح المضمون فانتظر.


(152)

تلزمها، ولا تخرج معها في كلّ سفر إلاّإلى مكة، فعليك تقصير وإفطار».(1)

وهذه هي الروايات الواردة في أصل الموضوع دون ما يتعلق ببعض جزئياته وليس فيها عن قولهم: «أن لا يكون سفره أكثر من حضره» عين ولا أثر، ومع كونه غير مذكور في الروايات، جاء مذكوراً في الكتب الفقهية الملتزمة بالفتوى بالمنصوص كالمقنعة للمفيد، ولعلّهم استنبطوه من الروايات.

ثمّ إنّ الّذي يمكن أن يكون مصدراً للحكم عبارة عن العناوين الكلية، والعناوين الخاصة، وإليك الأُولى.

1. الذي يختلف وليس له مقام (الحديث الأوّل) .

2. لأنّه عملهم (الحديث الثاني، والثاني عشر) .

3. لا، بيوتهم معهم (الحديث الخامس) .

4. انّ منازلهم معهم (الحديث السادس) .

5. فإنّه في بيت وهو يتردد (الحديث الحادي عشر) .

وأمّا العناوين الخاصة فهي عبارة عن:

1. المكاري، 2. الجمال، 3. الكري، 4. الراعي، 5. الاشتقان، 6. الملاّح، 7. الأعراب، 8. أصحاب السُفن، 9. الجابي الذي يدور في جبايته، 10. الأمير الذي يدور في إمارته، 11. التاجر الذي يدور في تجارته، 12. البدوي، 13. البريد.

ولكن يمكن تقليل العناوين الواقعية إلى الأقل، وذلك لأنّ «الأعراب والبدوي» و إن كانا مفهومين مختلفين، ولكنّهما متحدان مصداقاً، مضافاً إلى احتمال انّ المراد من البريد هو الكري فتكون العناوين الواقعية الواردة في المسألتين أحد عشر عنواناً، وبما انّ عنواني «الأعراب»، و«البدوي» راجعان إلى


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


(153)

المسألة السابقة، فتبقى لمسألتنا هذه تسعة عناوين وهي التالية:

1. المكاري، 2. الجمال، 3. الملاح، 4. الكري، 5. الراعي، 6. الاشتقان، 7. الجابي الذي يدور في جبايته، 8. الأمير الذي يدور في إمارته، 9. التاجر الذي يدور في تجارته.

كما انّ ما يرجع من الضابطة إلى المقام عبارة عن العناوين التالية:

1. لأنّه عملهم، وقد ورد في الحديث الثاني والثامن.

2. الذي يختلف وليس له مقام وقد مرّفي الحديث الأوّل.

3. يختلفون كلّ الأيام.

فتحقيق الموضوع يتوقف على البحث في أمرين:

1. تحليل العناوين التسعة المذكورة، فنقول:

إنّ العناوين الخاصة على قسمين: قسم منها يكون السفر مقوماً لمفهومه ويعدّ بمنزلة الجنس له، ولا يتصور ولا يتحقّق بدونه، كالمكاري والجمّال والملاّح; وقسم آخر لا يكون السفر مقوماً لمفهومه بل يصح تصوره بدونه وإن كان بعض أقسامه يلازم السفرَكما في التاجر الذي يريد البيع في خارج بلدته، ومثله الأمير الذي يتجول في إمارته، أو الجابي الذي يدور في جبايته وهكذا ففي هذه الأمثلة ليس السفر مقوماً لنوع هذه المفاهيم، وإنّما يلازم وجودَبعض الأصناف.

إذا علمت ذلك فنقول:

لا إشكال في عدم شرطية كون اتخاذ هذه العناوين مهنة لطلب الرزق أوجلب المال، بل يعم ما إذا كان عارياً عنهما كما إذا افترضنا انّ الجمال يعمل في سبيل اللّه، أو يحمل الجنود والعتاد إلى جبهات القتال، فكلا الصنفين داخلان تحت الضابطة.


(154)

كما لا إشكال في عدم خصوصية للمِهَن الواردة فيها، فلو افترضنا انّ نجّاراً، أو حداداً، أو مهندساً فنياً، أو طبيباًيتجول خارجَ بلدته مثل تجول البريد، أو افترضنا انّ موظفاًللدولة، استخدم للعمل خارج بلده بشكل مستمر يتجول في المسافة الشرعية من مكان إلى مكان، وهو يرجع إلى بلده في كلّ شهر أيّاماً قلائل، فالعرف يلغي الخصوصية ويراها داخلة تحت ضابطة واحدة.

والعجب من العلاّمة الحلّي حيث تردّد في هذا الأمر وقال: هل يُعتبر هذا الحكم في غيرهم حتى لو كان غير هؤلاء يتردد في السفر اعتبر فيه ضابطة الاقامة عشرة، أو لا؟ اشكال ينشأ من الوقوف على مورد النص ومن المشاركة في المعنى.

إلى هنا تبين انّه لا خصوصية للمِهن الواردة في النصوص، وقد علمت أنّه على قسمين: قسم يكون نفس السفر مهنة له، كما في الجمّال والمكاري والملاّح. وتارة تكون المِهْنة شيئاً والسفر شيئاً آخر، لكنّه حسب ظروفه اختار مهنته في السفر، وعلى ذلك يكون المقياس أحد الأمرين:

1. أن يكون السفر شغله كما في الثلاثة، ونضيف إليها السائق والطيار ومن يعمل معهما.

2. أو أن يكون شغله في السفر، كما في الجابي والأمير والتاجر المتجولين من مكان إلى آخر.

ومع ذلك كلّه بقي هناك أمر آخر، وهو هل يعتبر أن يكون السفر له مهنة بأحد المعنيين، أو يكفي نفس التحول والتردد بين البلد وخارجه على حدّمسافة شرعية من دون أن يتخذه مهنة، كما إذا زار الأمكنة المقدسة كلّ أُسبوع مرّتين، أو زار والديه كذلك؟ فالظاهر من مشايخنا المتأخرين اعتبار ذلك كما سيوافيك نصّهم في تحليل الضابطتين الواردتين في المقام.


(155)

وبعبارة أُخرى هل الموضوع ما إذا كان السفر مهنة إمّا بالذات أو بالعرض، أو هو أعمّ من ذلك ويعمّ ما إذا كثرت أسفار الرجل، وتردده إلى البلد وخارجه، من دون أن يكون شغله بأحد الصورتين؟ وجهان، أكثر المشايخ على الوجه الأوّل، والثاني غير بعيد كما سيظهر.

وحصيلة البحث أنّه لو كنا نحن وقولهم ـ عليهم السَّلام ـ : «لأنّ السفر عملهم» اقتصرنا بما إذا كان السفر، شغله الأساسي، كالمكاري والملاّح والجمّال، ويلحق بهم الكري إذا فسر بمن يكري نفسه للخدمة في السفر لإصلاح وضع الدوابّ وتعليفها، أو تصليح السيارة، ورفع حوائج المسافرين، ولا نتجاوز عن هؤلاء إلاّ انّ التمثيل له بالراعي والجابي والاشتقان، والأمير الدوّار، صار قرينة على أنّ المراد منه ليس معناه اللغوي، بل معناه العرفي الصادق على من كان شغله شيئاً غير السفر، كالتجارة والإمارة في السفر، فإنّ شغلهم بالدقة العقلية وإن لم يكن سفراً لكن يصدق عليهم عرفاً انّ شغلهم السفر باعتبار أنّهم يمارسون شغلهم الأصلي في السفر، لا في الحضر، وعلى ذلك فيصح توسيع الحكم لكلّ أصحاب المهن الذين يمارسونها غالباً في خارج البلد، كالطبيب والطالب اللّذين يسافران كلّ يوم للطبابة والتحصيل إلى غيرهما من أصحاب الأشغال والمهن، إذ أيّ فرق بين الراعي الذي يذهب كلّ يوم لرعي غنمه ويرجع، والطبيب الذي يمارس مثل ذلك والحكم بالتمام في الجميع إنّما هو لصدق العلة حسب ما لها من المفهوم العرفي. وكان الموضوع هو الأعم من كان شغله السفر أو شغله في السفر.

نعم الظاهر من السيد الأُستاذ، تخصيص الحكم بما كان السفر متن شغله كالمكاري والساعي وأصحاب السيارات ونحوهم، ومنهم أصحاب السفن والملاّح.وأمّا الإتمام في القسم الثاني (من شغله في السفر) فيقتصر فيه على مورد النص قال: «ممن شغله السفر الراعي الذي كان الرعي عمله سواء كان له مكان


(156)

مخصوص أو لا والتاجر الذي يدور في تجارته».(1)

و لكن الظاهر انّ العرف يساعد تعميم الحكم بكلّ من يكون شغله في السفر، كالموظف الدولي والطبيب السيّار، وإن كانا خارجين عن النص.

إنّما الكلام في توسيع الحكم لمن يذهب ويرجع لغاية الزيارة، والسياحة، واشتراء ما يحتاج إليه من الخبز واللحم كلّ يوم إلى أربعة فراسخ، أو المراجعة إلى الطبيب في كلّ أُسبوع مرّتين إلى غير ذلك من الغايات، وقد توقّف المشايخ في الإلحاق، قائلين بأنّه لا يصدق على مثل ذلك، كون السفر شغله فليست الزيارة المتكررة شغله، ولا شغله في السفر وبذلك تكون فتوى القدماء، فتوى بلا دليل.

ومع ذلك كلّه يمكن تقريب اللحوق بالوجه التالي:

1. انّ الوارد في النصوص كون السفر عمله، لا شغله ومهنته، فكما يصدق التعبير على من كان السفر مقدمة لشغله الأصلي، فكذا يصدق لمن يزاول السفر في كلّ أُسبوع أو شهر، بكثرة فيقال، السفر عمله، وهذا واضح لمن تتبع موارد استعمال تلك التراكيب.قال سبحانه حاكياً عن امرأة فرعون: «وَ نَجِّنِي من فِرعَون وَ عَمَلِه» (التحريم/11) و: «أَفَمَنْ كانَ علَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ» (محمد/14) ، «كَذلِكَ زَيّنّا لِكُلِّ أُمَّة عَمَلَهُمْ»(الأنعام/108) والمراد من العمل المضاف إلى الضمير هو الفعل المتكرر، بقرينة قوله: «زيّن» كما انّ المراد من قوله: «من فرعون وعمله» أي عمله المستمر، وعندئذ فالمرجع هو عموم التعليل، لا خصوصية الموارد.

2. انّ القدماء بصفاء ذهنهم، فهموا انّ الأمثلة الواردة في الروايات، رمز لكثرة السفر، وإشارة إليه، وانّ الإنسان الممارس للسفر كثيراً يشبه بمن بيته معه، فحضره لقلته، مندرج في سفره، فاللازم في مثله الاتمام.


1 . تحرير الوسيلة:1/230 ، لاحظ الشرط السابع و المسألة 25، تحت ذلك العنوان.


(157)

3. انّ قيد الاختلاف الوارد من غير واحد من الروايات بمعنى الإياب والذهاب وقد ورد في مواضع نأتي بمورد واحد، له صلة بالمقام، أعني: حديث السندي بن الربيع: قال في المكاري والجمّـال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة.(1) فإنّ في قوله: «يختلف»دلالة على أنّ الميزان ليس كونه مكارياً، بل الميزان كونه يختلف ويذهب ويجيء، وليس له مقام عشرة أيام في أثنائها، ولو كتب التمام على المكاري فانّما هولأجل انّه يختلف وليس له مقام، وهذا أيضاً موجود فيمن يعيش على نحو يختلف ليس له مقام.

ولعلّ هذه الوجوه الثلاثة كافية في تبيين ما هو المعروف بين القدماء من أنّ الموضوع هو كثرة السفر وقلّته، لكن القدر المتيقن، ما إذا صار السفر له أمراً عادياً، وكان له استمرار غير محدد، أو كان محدداً لكن بدرجة عالية حتى يعدّله عملاً، شبيهاً للقسمين الأوّلين، وأمّا من اتفق له لعارض أسفار عديدة من دون أن يستمر بل يكون محدداً، فالمرجع فيه هو القصر.

و من هنا يعلم انّ ما أفاده السيد الطباطبائي في مسألة الخمسين ليس بصحيح على إطلاقه، بل لابدّمن تقييده بما إذا كان محدداً.

قال فيها: إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة لا يلحقه حكم وجوب التمام سواء كان كلّ سفرة بعد سابقها اتفاقياً، أو كان من الأوّل قاصداً لأسفار عديدة، فلوكان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أوبعض القرى، وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرّات، أو أزيد بدوابه، أو بدواب الغير لا يجب عليه التمام، وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان، إلى مكان فاحتاج إلى أسفار متعددة في حمل أثقاله وأحماله.(2)


1 . الوسائل، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.
2 . العروة الوثقى: 335، المسألة 50.


(158)

لا شكّ انّه يقصر في هذه الموارد، لكون السفر الثاني أو الثالث إمّا اتّفاقياً أو كون السفر من أول الأمر محدداً بثلاث أو أربع أسفار ومثلها لا يلحق بالقسمين الواردين في الروايات، والكلام فيما إذا قام بعمل إلى مدّة غير محددة، يستلزم الاختلاف إلى البلد وخارجه يوماً بعد يوم أو في كلّ أُسبوع مرتين أو ثلاث غير محدد بأسابيع، أو كان محدداً لكن على صعيد يراه العرف من مصاديق من يكون السفر عمله وإن لم يكن مهنته.

نعم ذهب السيد الأُستاذ إلى القصر في هذه الصورة قال: «لو لم يكن شغله السفر لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة يقصر، كما لو كان له شغل في بلد وقد احتاج إلى التردد إليه مرّات(1) عديدة، بل وكذا فيما إذا كان منزله إلى الحائر الحسيني مسافة، ونذر أو بنى على أن يزوره كلّ ليلة جمعة، وكذا فيما إذا كان منزله إلى بلد كان شغله فيه مسافة ويأتي إليه كلّ يوم بأنّ الظاهر انّ عليه القصر في السفر والبلد الذي ليس وطنه.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ المورد الأخير من القسم الثاني، والكلام في القسم الثالث، بما عرفت من أنّ عمل السفر إذا كان مستمراً آخذاً من أوقات المسافر شيئاً كثيراً في حدّنفسه، فهو داخل في كبرى المسألة كما عرفت.

وبذلك ظهر أيضاً انّ المراد ليس الأكثرية الزمانية بأن يكون اغترابه عن الوطن في كلّ شهر أكثر من حضوره فيه، ولا العددية، بأن يكون عدد الأسفار أكثر من عدد الحضور، بل المراد، صيرورة السفر لأجل الكثرة والاستمرار كالعادة، من غير فرق بين كون شغله السفر، أو شغله في السفر، أو صيرورة السفر حسب الاستمرار عملاً شأنياً له في نظر العرف لا أمراً نادراً.

***


1 . تحرير الوسيلة:1/231، المسألة 24.


(159)

لو كان سائقاً في البلد وأطرافه القريبة فسافر

لا شكّ انّ منصرف قوله: «لأنّه عملهم» هو السفر البالغ حدّ المسافة بحيث لولا العملية لكان مقتضياً للتقصير، وعلى هذا فمن كان سائقاً في داخل البلد أو خارجه لكن في شعاع غير بالغ حدّ المسافة الشرعية، فهو وإن كان من مصاديق المكاري لغة، لكنّه خارج عن تحت الأدلّة المرخصة، وعلى هذا إن اتّفق أن حمل مسافراً إلى خارج البلد البالغ حدّالمسافة الشرعية فهل هو يتم أو يقصر؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ المراد من كون السفر عمله، هو كون السفر الشرعي عمله والمفروض خلافه، لأنّ عمله هو السياحة في نفس البلد ومادون المسافة، وأمّا غيرهما فإنّما هو أمر اتّفاقي لا يصدق انّه عمله. ويمكن الاستدلال له بما روي عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ عن الذين يكرون الدواب يختلفون كلّ الأيام أعليهم التقصير إذا كانوا على سفر ؟ قال: «نعم».(1)

وعنه أيضاً، عن أبي إبراهيم قال: سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب وقلت: يختلفون كلّ أيام كلّما جاءهم شيء اختلفوا؟ فقال: «عليهم التقصير إذا سافروا».(2)

فإنّ المراد من قوله: «يختلفون كلّ الأيام»، هو اختلافهم فيما دون المسافة، بقرينة قوله بعده في كلا الحديثين: «إذا سافروا».

وبذلك نستغني عن حمل الحديثين على ما إذا تخلّلت الإقامة بين الأسفار، كما عليه صاحب الوسائل; أو حملهما على من أنشأ سفراً غير السفر الذي هو عادته، وهو ما يختلفون كلّ الأيام، كالمكاري مثلاً لو سافر للحج، أو إلى أحد البلدان في أمر غير ما هو الذي يتكرر فيه دائماً، كما حمل عليه المحدّث


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2و3.


(160)

البحراني.(1)

لا فرق بين من جدّ في سفر ومن لم يكن كذلك

وردت عدّة روايات(2) بعضها صحيحة، من أنّ المكاري والجمّـال إذا جدّ بهما السير فليقصروا، وفسره الكليني بمن جعله المنزلتين منزلاً واحداً(3) ولكن الظاهر عدم الاختصاص بما فسره، بل هو مطلق السرعة والجد في السير; والروايات الفارقة بين من جدّ، ولم يجد، بالتقصير في الأوّل دون الثاني، لم يعمل بها الأصحاب وأعرضوا عنها، ولم يُفْتِ على وفقها أحد منهم، فهي غير معمولة، معرض عنها إلى زمان صاحب المدارك، ولذلك يرد علمها إليهم. حتى انّ السيد الخوئي مع أنّه يعمل بصحاح الروايات وإن أعرض الأصحاب عن العمل بها، لم يعمل بها في المقام، واعتذر عنه بما لا يخلو من تأمل.

شرطية تكرّر السفر

إذا كان الموضوع هو اتّخاذ السفر عملاً، فهل يتوقف صدق هذا العنوان على تكرّر السفر مرّتين أو ثلاث مرّات، أو لا هذا، ولا ذاك، وإنّما الموضوع صدقُ هذا العنوانِ عرفاً ولو بسفرة واحدة؟ وجوه وأقوال:

ذهب الشهيدُ إلى الأوّل، وقال في الذكرى: وذلك يحصل غالباً بالسفرة الثالثة الّتي لم تتخلّلها إقامة عشرة.(4)


1 . البحراني: الحدائق:11/394.
2 . الوسائل : الجزء 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر، و ما فسر به الكليني ورد تحت رقم الحديث 4.
3 . الوسائل : الجزء 5، الباب 13 من أبواب صلاة المسافر، و ما فسر به الكليني ورد تحت رقم الحديث 4.
4 . ابن مكي: الذكرى، في ضمن الشرط الخامس من شروط القصر، و المطبوع غير مرقم.


(161)

وذهب العلاّمة الحلّي إلى الثاني وقال بالإتمام في الدفعة الثانية ممّن جعل السفر عادته.(1)

وذهب صاحب الحدائق وتبعه أكثر المتأخرين إلى الوجه الثالث وقال: الواجب بالنظر إلى الاخبار، مراعاة صدق الاسم وكون السفر عمله فانّه هو المستفاد منها، ولا دلالة لها على ما ذكروه من اعتبار الكثرة فضلاً عن صدقها بالمرتين أو الثلاث(2)وعليه الفقيه الهمداني في المصباح والسيد الطباطبائي في العروة.

فقال الأوّل: إنّ المدار في وجوب الإتمام ليس على صدق عنوان كثير السفر و لا على إطلاق اسم المكاري أو الجمّال، بل على أن يصدق عليه انّ السفر عمله ولا يتوقف صدقه ولا صدق اسم المكاري وشبهه على أن يكون مسبوقاً بتكرر صدور الفعل منه مرّة بعد أُخرى، بل على اتخاذه حرفة له بتهيئة أسبابه وتلبّسه، بالفعل بمقدار يعتدّ به عرفاً.(3)

وقال السيد الطباطبائي: والمدار على صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها، وتكرر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر فلا يعتبر تحقق الكثرة بتعدّد السفر(4) ثلاث مرات أو مرّتين، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم وهو وجوب الإتمام، نعم إذا لم يتحقق الصدق إلاّبالتعدد يعتبر ذلك.

ما ذكراه إنّما يصحّ في القسم الأوّل دون القسم الثاني، وما ألحقنا به من


1 . ابن المطهر: المختلف:3/109.
2 . البحراني: الحدائق:11/395.
3 . مصباح الفقيه:748.
4 . العروة: 334، ذيل الشرط السابع للقصر.


(162)

القسم الثالث، فإنّ عدّ السفر له عملاً في هذين القسمين، إنّما بالعناية والمجاز والمسوِّغ له، هو كثرة المزاولة والممارسة بالجباية والتجارة في السفر إلى حدّ صار السفر شغلاً وعملاً له، وإلاّفلا يعد عملاً له، بمجرّد القصد والممارسة مرّة واحدة فلو كان الملاك هو الصدق العرفي فصدقها في أقل من ثلاث مرات، محل ترديد، ولو شكّ لأجل الشك في سعة مفهوم المخصص وضيقه فهل المرجع هو التمسك بعمومات الأدلّة المرخصة أو عمومات التمام وجهان، ولو وصلت النوبة إلى الأُصول العملية فالمرجع هو استصحاب القصر كما لا يخفى.

إنّما الكلام في أمثال المكاري والجمّـال والملاّح والكري التي يعد السفر جنساً لها، فهل الصدق العرفي رهن التعدّد أو لا؟

ربما يقال: بأنّ الظاهر تحقّق الصدق العرفي بمجرّد التلبس بالسفر على أنّه عمله، ولا يتوقف على طول السفر ولا على تكرره، وقد عرفت انّه خيرة الأعلام الثلاثة، ونقل صاحب الجواهر عن المقدس البغدادي تحقّق وصف المكاري ونحوه بأوّل سفرة إذا تبعَ الدوابَّ، وسعى معها سعي المكارين ووصفه بقوله: لا يخلو من وجه.

ولكن لا يخلو عن بعد فيما إذاكان السفر قصيراً ولم ينتقل من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ومن فندق إلى فندق، والتحقيق أن يقال انّ العناوين الكلية الواردة في المقام ثلاثة:

1. المكاري والجمّـال والملاّح.

2. لأنّه عملهم.

3. الذي يختلف ليس له مقام.

وليس المراد من المكاري وما عطف عليه، المعنى اللغوي أي من يُكري


(163)

دابته أو سيارته الذي يصدق إذا أكرى مرّة واحدة، بل أصحاب الحرف والمهن الذي يتوقف صدقها على وجود تدريب وتمرين، ومزاولة وممارسة واستمرار العمل.

وبذلك خرج من كانت له سيارة فأكراها لا بقصد الاستمرار، بل للمرة الأُولى، ثمّ اتّفق أيضاً كراها كذلك، وهكذا، فإنّ البناء على الاستمرار شرط في صدق هذه العناوين.

و مثله ما إذا أكراها، مع البناء على الاستمرار لكن كان السفر قصيراً، كالسفر من قم إلى طهران، فلا يتصف بها إلاّ بالتعدد ولا يبعد صدقها في المرة الثالثة، ويحتاط بالجمع في الثانية.

نعم إذا كان السفر طويلاً، موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، وبلد إلى بلد، بحيث يعد الانتقال من بعض الأمكنة إلى غيرها انشاء سفر جديد واختلافاً، فلا يبعد، صدق العناوين العامة، حتى التعليل والاختلاف الواردين في صحيحة هشام بن الحكم(1)، أيضاً فما عن السيد المحقّق البروجردي من «انّوجوب القصر في السفر الأوّل مطلقاً لا يخلو من قوّة»، لا يخلو من تأمّل.

فإن قلت: إنّ اقامة العشرة قاطع لموضوع السفر، عند جمع، ورافع لأثره عند جمع آخر، فلو أقام المكاري عشرة أيّام فهو يقصر في سفره الأوّل، وإذا كان كذلك في أثناء التلبس فأولى أن يكون كذلك قبل التلبس، ومعه كيف يقصر في سفره الأوّل وإن كان طويلاً؟!

قلت: إنّ السفر الأوّل إذا كان قصيراً، لا يؤثر شيئاً وإنّما يؤثّر إذا كان طويلاً موجباً للانتقال من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، على وجه يعدّ الانتقال كالأسفار المتعددة كما كان الحال كذلك في عهد السفر بالدواب، فلو


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(164)

صدق ذلك مع السفر بالسيارة فهو وإلاّفيتوقف على نيّة الاستمرار وتعدد الممارسة.

لو إنشأ المكاري سفراً للحج والزيارة

إذا إنشأ المكاري سفراً للحج والزيارة فهو على قسمين:

الأوّل: أن يكون عمله استمراراً لعمله السابق، كما إذا كان يحمل الناس أو أثقالهم من بلد إلى بلد، فاتّفق حملهم إلى بيت اللّه الحرام أو إلى مشهد الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، بحيث تكون حقيقة واحدة وإن كانت الصورة مختلفة، فلا شكّ انّه يتم.

الثاني: إذا أعرض عن عمله ـ المكاراة ـ وأراد أن يحجّ بيت اللّه الحرام بنفسه أو مع أهل بيته، بسيارته أو سيارة الغير، فهل يتم أيضاً أو يقصّر؟ فالمشهور انّه يُقصّر اقتصاراً في تقييد الأدلّة على المتيقن، لأنّه لا يعدّمن عملهم الذي كانوا يختلفون فيه.(1)

وإن شئت قلت: العلّة تعمِّم وتخصص وهي في المقام مخصِّص، إذ ليس السفرإلى الحج أو الزيارة عمله، وإنّما عمله المكاراة التي تركها مؤقتاً.

و مع ذلك فالظاهر الاتمام، لأنّ الضمير لايرجع إلى المكاري والجمال، ولا إلى السفر، الموجود فيهما بل إلى مطلق السفر، فعندئذ يكون الموضوع كون السفر عمله، أي كان السفر لأجل كثرة المزاولة والممارسة عملاً وعادة، وعليه، فلا فرق بين انشاء السفر لأجل المكاراة أو للحج والزيارة بعد كون السفر أمراً عادياً وعملاً يومياً له.

حكم الحملدارية

الحملدارية مصطلح يطلق على مرافق الحجاج ومرشدهم في الطريق


1 . الجواهر: 14/271.


(165)

والمقصد، إلى كلّ ما يحتاجون إليه والرائج منها اليوم غير ما كان في السابق ولها صور:

الأُولى: ما كان رائجاً في عصر صاحب الجواهر أو قبله في البلاد النائية حيث كان الحملدار يحمل الحجاج من بلادهم ويرجع بهم إليها، على نحو تستغرق كلّ حجّة، عامة الحول إلاّقليلاً.

فلا شكّ انّه يتمّ لأنّ السفر عمله، ولبثه في بلاده شهرين أو ثلاثة أشهر، لا يخرجه عن كون السفر عملاً، وهذا النوع من الحملدارية كان رائجاً في البلاد النائية كالتّبت وغيرها وقد انقضى زمنها.

الثانية: ما كان رائجاً في إيران والعراق حيث إنّ الحملدار يشتغل بعمله في أشهر الحج ويرجع إلى بلده مع حجاجه في نهايتها، وهذا هو الذي ذهب السيد الطباطبائي فيه إلى وجوب القصر حيث قال: الظاهر وجوب القصر على الحملدارية الذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحجّ، ولعلّوجهه هو انّ الفصل الزمني كثمانية أشهر بين السفرين يؤثر في خروجهم عن التعليل فلا يقال انّ السفر عملهم.

هذا ولكن الظاهر هو التمام لما قلنا من انّ السفر لو كان طويلاً وموجباً للانتقال من بلد إلى بلد يكون موجباً للتمام، والفرق بين الحاج والحملدار هو انّ الأوّل يسافر مرّة واحدة، والحملدار يسافر كلّ سنة، فليس من البعيد القول بالاتمام وفاقاً للسيد الخوئي حيث قال: هذا فيما كان زمان سفرهم قليلاً(1) كما هو الغالب فيمن يسافر جوّاً وإلاّففي وجوبه إشكال، والاحتياط بالجمع لا يترك.

والعجب انّ القائلين بالقصر في هذه المسألة كالسيد الطباطبائي يقول بالتمام في مسألة أُخرى تقرب ممّا نحن فيه، أعني: ما إذا كان شغله المكاراة في


1 . هذا هوا لقسم الثالث الرائج اليوم، فلا شكّ انّهم يقصرون.


(166)

الصيف دون الشتاء أو بالعكس مع أنّه لا فرق بين المسألتين، وهم يقولون فيهما بالتمام وسيوافيك دليله، فإنّه أشبه بالجابي والاشتقان.

ثمّ لو شككنا في صدق التعليل على الحملدارية وكان الشكّ شبهة حكمية مفهومية ناشئة من إجمال النص، فهل المرجع بعد إجمال المخصص هو الإطلاقات وأدلّة التمام الأدلّة المرخّصة أي ما يدل على أنّ المسافر يقصر إلاّ إذا كان السفر عمله؟

فإن قلنا انّ مرجع الشك إلى التخصيص الزائد مثلاً نعلم أنّ من يسافر طوال السنة أو أكثرها خرج من العام وإنّما الشك في خروج من يسافر خصوص أشهر الحجّ، فلا شكّ انّ المرجع عموم الأدلّة المرخصة أي انّ المسافر يقصر.

وأمّا إذا قلنا بأنّ مرجع الشكّ ليس إلى التخصيص الزائد ودوران الأمر بين الأقل والأكثر، وذلك لانّه لو خرج الزائد فإنّما يخرج بعنوان واحد لا بعنوانين، فخروج الزائد وعدم خروجه لا يؤثر في قلّة التخصيص وأكثره.

فالمرجع هوالإطلاقات وأدلّة التمام، لأنّ إجمال المخصص يسري إلى الأدلّة المرخصة فلا يكون مرجعاً ولا حجّة فيرجع إلى العام فوق العام أي أدلّة التمام.

نعم قال السيد الخوئي بأنّ المرجع عندئذ هو إطلاق لفظ المكاري مع أنّ الحملدار ربما لا يكون مكارياً بل يكون مرشداً ومنظماً للأُمور، على أنّك عرفت أنّ الموضوع عملية السفر، لا تلك العناوين.

***

من كان شغله المكاراة في الصيف فقط

من اشتغل بالمكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس قال السيد الطباطبائي: الظاهر وجوب التمام عليه، ولكن الأحوط الجمع. والظاهر هو


(167)

الأوّل.

والذي يدل على ذلك أي عدم اشتراط الاستمرار، ما ورد من انّ الاشتقان والجابي(1) يُتمّان مع أنّ السفر عمل لهما في فصل خاص لا دائماً.

وحصيلة البحث: انّه إذا كان تمام الموضوع هو كون السفر عملاً له، كما هو الحال في صحيحة زرارة، فلا فرق بين استغراقه تمام أيّام السنة أو بعضها.

***

إذا كان شغله السفر إلى دون المسافة

إذا كان التردد إلى ما دون المسافة عملاً له كالسائق ونحوه، قصّر إذا سافر إلى حدِّ المسافة ولو للسياقة، لأنّ السفر إلى ما دون المسافة ليس موضوعاً للحكم، فهو يتم لأنّه كالحاضر عند الشرع، وعلى هذا فلو كثر سفره إلى ما دون المسافة، فهو مثل من لم يسافر، فيكون سفره إلى المسافة الشرعية، سفراً ابتدائياً وإن كان في الظاهر استمراراً لها، ولا اعتبار للوحدة الصورية وقد مرّ انّ السائق يقصر في سفره الأوّل إلاّإذا كان طويلاً يقوم مقام الأسفار العديدة.

وما احتمله في العروة: « من انّه إذا كان يصدق عليه المسافر عرفاً وإن لم يكن بحد المسافة الشرعية، فانّه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه، إذا سافر بحدّالمسافة» لا يمكن المساعدة معه، لأنّ الموضوع هو المسافر الشرعي، لا العرفي، والمراد من الكثرة، هي التي لولاها لكان عليه التقصير، وكلاهما غير موجودين في المقام كما لا يخفى.

***


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11من أبواب صلاة المسافر، الحديث2، 9، 12.


(168)

شرطية عدم إقامته عشرة أيام

ثمّ إنّهم ذكروا تبعاً للشيخ في النهاية شرطية عدم إقامته عشرة أيّام، وسوف يوافيك انّ إقامة العشرة قاطع لموضوع السفر أو حكمه في فصل قواطع السفر، وإنّما البحث في المقام في كونه قاطعاً لحكم عملية السفر وانّه يرجع إلى القصر. وبعبارة أُخرى أنّ إقامة العشرة تؤثر في حقّ المسافر في أيّامها، ولكن الإقامة في حقّ السائق مثلاً تؤثر إذا أخذ بالسفر بعدها، وإلاّفهو مطلقاً يتم، أقام أو لا، فلا تأثير لها فيها. فيقع الكلام في الأُمور التالية:

1. أقوال العلماء في أصل المسألة، وستعرف أنّ المسألة ليست بإجماعية عند القدماء والمتأخرين بل قطع صاحب الحدائق بالعدم.

2. ما هو دليل الحكم؟

3. هل تختص القاطعية بالسفرة الأُولى أو لا؟

4. هل الحكم مختص بالمكاري أو يعم سائر الأقسام؟

5. إذا أقام أقل من عشرة أيّام كما إذا أقام خمسة أيّام، فما هو حكمه؟

6. هل هناك فرق بين بلده، وغير بلده؟

7. هل يشترط أن تكون الإقامة منوية، في بلده أو في غير بلده؟

8. وهل تلحق بها إقامة ثلاثين يوماً متردّداً بحكم انّها يوجب الإتمام في حقّ المسافر بعده مثل الإقامة أو لا ؟

و لنأخذ بدراسة المواضيع، فنقول:

1. أقوال العلماء

ذكره من القدماء الشيخ في نهايته، وابن البراج في مهذبه، وابن حمزة في


(169)

وسيلته.

1. قال الشيخ: فإن كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيام وجب عليهم التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا بالنهار وتمّموا الصلاة بالليل.(1)

2. قال ابن البرّاج: ولا يجوز لأحد منهم التقصير إلاّأن يقيم في بلدة عشرة أيّام، فإن أقام ذلك قصر، وإن كان مقامه خمسة أيّام قصّر بالنهار وتمّم بالليل.(2)

3. وقال ابن حمزة: فإن كان سفره في حكم الحضر لم يخل امّا كان له دار إقامة أو لم يكن، فإن كان له دار إقامة يكون له فيها مقام عشرة أيّام كان حكمه حكم غيره من المسافرين، وإن كان له فيها مقام خمسة أيّام قصّر بالنهار وأتم بالليل وإن لم يكن له دار إقامة، أتم على كلّ حال.(3)

4. وقد خالفهم ابن إدريس فانّه بعد ما ذكر عبارة الشيخ في النهاية قال: وهذا غير واضح ولا يجوز العمل به، بل يجب عليهم التمام بالنهار والليل بغير خلاف، ولا يُرجع عن المذهب بأخبار الآحاد، إلى آخر ما ذكره ثمّ قال: وقد اعتذرنا لشيخنا أبي جعفر الطوسي رضي اللّه عنه فيما يوجد في كتاب النهاية فقلنا أورده إيراداً لا اعتقاداً، وقد اعتذر هو في خطبة مبسوطه عن هذا الكتاب يعني النهاية بما قدمنا ذكره.(4)

5. وقال الكيدري: لا يجوز لهؤلاء التقصير إلاّإذا كان لهم في بلدهم مقام عشرة أيّام فحينئذ يجب التقصير، وإن كان مقامهم في بلدهم خمسة أيّام قصّروا


1 . الطوسي: النهاية:122.
2 . ابن البراج: المهذب:1/106.
3 . ابن حمزة: الوسيلة:108.
4 . ابن إدريس: السرائر:1/341.


(170)

الصلاة بالنهار وتمّموها بالليل.(1)

نعم لم يذكره أكثر القدماء كابن أبي عقيل، والصدوق في المقنع والهداية، والمفيد في مقنعته، والمرتضى في الانتصار، وسلاّر في مراسمه، والحلبي في كافيه، وابن زهرة في غنيته.

نعم ذكره كثير من المتأخرين من عصر المحقّق إلى يومنا هذا قال المحقّق: وضابطه أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فلو أقام أحدهم عشرة ثمّ أنشأ سفراًقصّر وقيل يختص ذلك بالمكاري فيدخل في جملته الملاّح والأجير، والأوّل أظهر ولو أقام خمسة قيل يُتم، وقيل يقصر نهاراً صلاته دون صومه ويتم ليلاً، والأوّل أشبه.(2)

وقال العلاّمة في الإرشاد: والضابط أن لا يقيم في بلده عشرة أيّام، فإن أقام أحدهم عشرة فصاعداً قصر، وإلاّأتم ليلاًو نهاراً على رأي.(3)

ونقل المحقّق في المعتبر عن بعضهم انّ اشتراط (عدم) إقامة عشرة أيام مجمع عليه وخمسة أيام خبر واحد، وردّ عليه المحقّق بأنّ دعوى الإجماع في مثل هذه الأُمور غلط.(4)

نعم ناقش المحقّق الأردبيلي في سند الروايات الثلاث التي استدل بها ودلالتها وقال: «وبالجملة ضابط كثرة السفر، وجعلها حاصلة في الثالثة كما هو مذهب البعض، أو الثانية كما اختاره في المختلف، والقطع بإقامة عشرة في بلده مطلقاً وفي غيره مع النية، ممّا لا نجد عليه دليلاً.(5) وتبعه صاحب المدارك، وأفتى


1 . الكيدري:إصباح الشيعة:92.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع:1/102.
3 . ابن المطهّر: إرشاد الأذهان: 1/275.
4 . نجم الدين الحلي: المعتبر:253.
5 . الأردبيلي:مجمع الفائدة:3/391.


(171)

صاحب الحدائق بوجوب الاتمام مطلقاً، قائلاً بأنّ الأخبار الصحاح قد استفاضت لوجوب الإتمام على المكاري، والخروج عنها بهذين الخبرين (إشارة إلى أخبار المسألة) مع ما عرفت من الإشكالات المتقدمة فيهما مشكل.(1)

***

2. ما هو دليل الحكم؟

إذا عرفت آراء الأصحاب فيها، فاللازم دراسة دليلها، وهي روايات ثلاث، ويمكن توحيدها لوحدة سندها، وإن كان بينها اختلاف في المتن.

الأُولى: صحيحة هشام بن الحكم: عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان(2) والاستدلال مبني على كون المراد من قوله: «وليس له مقام» هو عدم إقامة العشرة ولكن يحتمل أن يكون قوله هذا تفسيراً لقوله: «يختلف» وعطف تفسير له. ومعه لا يصح الاستدلال.

الثانية: ما رواه الشيخ بسنده عن: 1. محمد بن أحمد بن يحيى (مؤلف نوادر الحكمة) ، 2. عن إبراهيم بن هاشم، 3. عن إسماعيل بن مرّار، 4. عن يونس بن عبدالرحمان، 5. عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ . قال: سألته عن حدّالمكاري الذي يصوم ويتم، قال: «أيّما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير والإفطار.(3)


1 . البحراني:الحدائق:11/395.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 11 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(172)

نقد الرواية سنداً ومتناً

وقد وقعت الرواية مورد النقد من كلا الجانبين:

أمّا الأوّل، فبوجهين أشار إليهما الأردبيلي وقال: وفي سنده إرسال وإضمار، مع أنّ إسماعيل بن مرّار مجهول.(1)وحاصله أمران:

1. في آخر السند ارسال.

2. إسماعيل بن مرّار مجهول.

و يمكن دفع الأوّل، بأنّ المراد من البعض في آخر السند، هو عبد اللّه بن سنان، بشهادة انّ الشيخ نقل هذه الرواية بنفس السند، عن يونس بن عبد الرحمان، عن عبد اللّه بن سنان(2) ولو كان اختلاف، فإنّما هو في صدر السند، فقد نقل الشيخ الأُولى عن كتاب نوادر الحكمة، والثانية عن كتاب سعد بن عبد اللّه القمي، وكلاهما رويا عن إبراهيم بن هاشم، والاختلاف في المتن واشتمال أحدهما على زيادة، لا يجعلهما روايتين لاحتمال السقوط من إحديهما.

وأمّا كون إسماعيل بن مرّار مجهولاً، ممنوع، بل هو مهمل لا مجهول، فإنّ المجهول من حكم عليه أهل الرجال بالجهالة، لا من عنون وعرف ولم يوثق، فانّه مهمل، أهمل أهل الرجال توثيقه، فقد عنونه الشيخ في رجاله، وقال: إسماعيل بن مرار روى عن يونس بن عبدالرحمان، وروى عنه إبراهيم بن هاشم.(3)

و يمكن إحراز وثاقته من الأُمور التالية:

1. كثرة رواياته عن يونس، قال السيد الخوئي: إنّ إسماعيل بن مرّار تبلغ


1 . الأردبيلي:مجمع الفائدة:3/396.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
3 . الطوسي: الرجال: فيمن لم يرو عن الأئمة، ص 447، برقم 35.


(173)

رواياته عن يونس، أو يونس بن عبد الرحمان مائتين وزيادة، فالظاهر انّ رواياته هي من كتب يونس.(1)

2. انّ إبراهيم بن هاشم أوّل من نشر حديث الكوفيين بقم، وجلالة إبراهيم بن هاشم تمنع عن الرواية عن المجهول بكثرة، وإن كانت لا تمنع عن القلة، فإنّ الثقة يروي عن غير الثقة قليلاًلا كثيراً.

3. قال أبو جعفر ابن بابويه: سمعت ابن الوليدرحمه اللّه يقول: كتب يونس بن عبدالرحمان التي هي بالروايات كلّها صحيحة يعتمد عليها، إلاّما ينفرد به محمد ابن عيسى بن عبيد، عن يونس، ولم يروه غيره فانّه لا يعتمد عليه ولا يفتى به.(2)

و هذا الكلام يدل على أنّ الرواية ممّا صحّحها ابن الوليد، وليس له طريق لتصحيحها، إلاّ وثاقة الراوي وأورد عليه بأنّه يمكن أن يكون تصحيحه على أصل رائج بين القدماء، وهو انّ الأصل في الراوي هو الوثاقة، فالجرح يحتاج إلى الدليل.

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر من كلام الشيخ الصدوق في حقّ أُستاذه ابن الوليد، انّه كان نقّاداً للرجال، عارفاً بهم حيث، إنّه يتبع في التصحيح والتجريح أثر أُستاذه، فيصحح ما صححه، وكل ما لم يصححه فهو عندنا متروك غير صحيح.(3) ومن كان هذا شأنه فهو يتبع في التصحيح والتجريح الدليل لا على الأصل، وإلاّفلو كان الأصل أساس التصحيح فهو أيضاً كان موجوداً لدى الصدوق، فلا وجه لأن يعتمد عليه في كلا الموردين، بل يتبع في الجرح المستلزم للتحقيق.


1 . معجم رجال الحديث:3/183، برقم 1430.
2 . الطوسي: الفهرست: برقم 810.
3 . لاحظ كليات في علم الرجال، و قد أوضحنا الموضوع بتفصيل.


(174)

أضف إلى ذلك انّ الشيخ أخرجه من كتاب نوادر الحكمة، لمحمد بن أحمد ابن يحيى، وقد استثنى ابن الوليد من رواته قرابة سبعة وعشرين شخصاً، ولم يستثن إسماعيل بن مرار.(1)

فهذه الوجوه تشرف الفقيه على الاطمئنان بصدور الحديث.

وأمّا الاعتماد في إحراز وثاقته على وقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم، أو كتاب كامل الزيارات(2) لابن قولويه، فغير صحيح، وقد أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال» (3).

هذا كلّه حول المناقشة في السند، وأمّا المناقشة في دلالته فهي عبارة:

1. انّ الظاهر من الرواية انّ اقامة العشرة في البلد الذي يدخله، شرط متأخر، للإتمام في السفر المتقدم، وإن كان شرطاً مقارناً للقصر والإتمام في السفر المتأخر.

يلاحظ عليه: انّه ظهــور بدئــي، يرتفـع بملاحظـة الروايـات الثلاث، فانّ الظاهر انّ الكلّ بصدد بيان حكم صلاة المكاري بعد الإقامة لا قبلها.

2. الظاهر انّ الشرط في الرواية هو الإقامة أكثر من عشرة أيام، مع أنّ الفتوى على كفاية العشرة.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو العشرة، وما زاد مثل قوله سبحانه: «فإِنْ كُنَّ نِساءً فَوق اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ»(النساء/11) ومن المعلوم انّ الثلثين لبنتين وما فوقهما، ولعلّه كان اصطلاحاً رائجاً.


1 . رجال النجاشي: برقم 940. و لكن الظاهر انّ الاستثناء راجع إلى من يروي عنه بلا واسطة لا كل من يقع في سند الحديث.
2 . مستند العروة: 8/176 ; معجم رجال الحديث:3/183، برقم 1430.
3 . راجع كليات في علم الرجال: 297 ـ 345.


(175)

الثالثة: ما رواه الشيخ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المكاري إذا لم يستقر في منزله إلاّخمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار، وأتم صلاة الليل وعليه صيام شهر رمضان، فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر، قصّر في سفره وأفطر».(1)

والسند نقيّ عن الإشكال لكن المتن لا يخلو من مناقشات:

1. اشتماله على ما ليس في الرواية الثانية من أنّ الإقامة في المنزل بمقدار الخمسة يوجب التقصير في الصلوات النهارية دون الليلية ودون صيام شهر رمضان.

يلاحظ عليه: أنّه ليس بإشكال، غاية الأمر انّها مشتملة على ما لم تشتمل عليه الثانية.

2. انقطاع الكثرة بأقلّ من خمسة خلاف الإجماع.

يلاحظ عليه: أنّ المراد هو الأقل من العشرة، لا الخمسة ويؤيد ما جاء في مقابله، العشرة وما فوقها، فيكون مقابله الخمسة وما فوقها ممّا هو أقلّ من العشرة.

3. انّ الظاهر انّ الإقامة في البلد الذي يذهب إليه موجب للقصر في السفر المتقدم عليه.

يلاحظ عليه: أنّ الظهور بدئيّ خصوصاً بملاحظة انّ الشرطية الثانية في مقابل الشرطية الأُولى وبما انّ المراد من قوله في الشرطية الأُولى: «قصر في سفره بالنهار»هو السفر من البلد الذي أقام فيه خمسة أيّام يكون المراد من قوله: «قصر في سفره» هو السفر الذي ينشئه بعد الإقامة فيه.

4. انّ الصدوق رواه في الفقيه بزيادة في آخر الحديث أعني: «و ينصرف إلى


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 12 من صلاة المسافر، في ضمن الحديث6.


(176)

منزله ويكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر»(1) ومقتضى الزيادة ترتب القصر على الإقامتين، إقامة في منزله، وإقامة في بلد الإقامة وهو ممّا لم يقل به أحد.

ولعلّ كلاّ من الإقامتين ناظر إلى مورد خاص، الإقامة في المنزل لمن يريد الخروج من البلد، والإقامة في الأثناء لمن يريد الرجوع ولم يكن له إقامة في المنزل.

ولعلّ المجموع كاف في الحكم بأصل الانقطاع بالعشرة إجمالاً.

3. هل الحكم مختص بالسفر الأوّل؟

هل الحكم بالتقصير مختص بالسفرة الأُولى ويرجع في الثانية فضلاً عن الثالثة إلى التمام أو يعمّ الثانية و الثالثة أيضاً؟

ذهب المحقّق إلى القول الأوّل على ما حكاه عنه تلميذه الفاضل الآبي في كشف الرموز، وأمّا التعميم إلى الثانية والثالثة، فمبني على الاختلاف السابق، من انّ المدار في اتخاذ السفر عملاً على العرف، أو على القول بحصول الكثرة بمرّتين أو بثلاث مرّات وقد ذهب الشهيد فيها إلى القول بتحققه بالثالثة، ولأجل ذلك قال في المقام بأنّ اسم المكاري زال عنه فعوده يتوقف على تكرر السفر ثلاثاً.(2)

والحقّ هو اختصاص الحكم بالسفرة الأُولى، ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في ذيل مرسلة «يونس»: «و إن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير» فهو إمّا راجع إلى السفرة الأُولى


1 . المصدر السابق، الحديث 5.
2 . الذكرى: مرّمصدره.


(177)

فهو المطلوب أو راجع إلى جميع الأسفار إلى آخر العمر فهو باطل بالإجماع، أو راجع إلى الثاني والثالث فهو يتوقف على البيان والمفروض عدمه.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال فرع كون المتكلم في مقام البيان من الجهة المبحوث عنها وهو غير محرز، بل هو بصدد بيان أصل الحكم وانّه يقصر، وامّا في أي سفر من أسفاره في أُولاها أو ثانيها أيضاً أو أكثر فليس بصدد بيانه.

2. انّ قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر قصر في سفره وأفطر» ظاهر في السفرة الواقعة عقيب إقامة العشرة لا كلّ سفرة(1) ومعنى ذلك انّ الدليل المخصص في المقام قاصر فيرجع في السفرة الثانية إلى عموم ما دلّ على أنّ من اتخذ السفر شغلاً يتم ويصوم والحاصل انّه إذا كان المخصص مجملاً دائراً أمره بين الأقل والأكثر وكان منفصلاً يرجع في مورد الشكّ إلى العموم، كما إذا ورد: أكرم العلماء وورد لا تكرم الفساق منهم، ودار أمر الفاسق بين كونه مرتكباً للكبيرة فقط أو يعمها والصغيرة فالمرجع هو عموم العام. وهو في المقام عموم ما دلّ على وظيفة من اتخذ السفر شغلاً هو التمام.

و ربما يؤيد التمام باستصحابه وذلك لانّه بعد ما أقام العشرة في بلده ثمّ سافر وجب عليه القصر، وإذا دخل البلد وجب عليه التمام، فلو فرضنا انشاء السفرة الثانية قبل العشرة كما هو المفروض، يستصحب حكم التمام المفروض عليه قبل انشاء سفره.

ولا يخفى انّ القضيتين مختلفتان، فالقضية المتيقنة من فرض عليه التمام بما انّه مقيم في بلده وغير مسافر ولو بقي فيكون مفروضاً عليه بما انّه مسافر والسفر عمله ومعه كيف يمكن اسراء حكم أحدهما إلى الآخر مع الاختلاف في الموضوع؟


1 . مستند العروة:8/179.


(178)

من غير فرق بين كون المستصحب حكماً كلياً، أو حكماً جزئياً مفروضاً على الشخص أمّا الأوّل فلا شكّ انّ الموضوع مختلف فأين قوله: «يجب التمام على الحاضر»، من قوله: «يجب التمام على المسافر الذي اتخذ السفر شغلاً»؟ وأمّا الثاني فبأن يقال: كان الواجب على هذا الفرد المقيم في بلده هو التمام لحضوره فالأصل بقاؤه، ولو بعد ما غاب بالسفر، وكان السفر عمله، فانّ اختلاف الحيثيات، تؤثر في تغاير المتيقن والمشكوك.

وعلى كلّ تقدير فالسفرة الأُولى هي الفرد المتيقن ولكن إذا كان سفراًقصيراً وأمّا إذا كان طويلاً، منتقلاً من بلد إلى بلد، بحيث يقوم السفر الواحد مكان الأسفار المتعددة فالظاهر، التمام.

ويظهر ممّا ذكرنا انّ إقامة العشرة، لا تخرج المكاري عن كونه مكارياً، ولا عن كون السفر عمله، فالحكم بالقصر بعد الإقامة (إذا كان في غير بلده) في السفرة الأُولى حكم تعبدي، يقتصر على مورد اليقين كما لا يخفى.

لا فرق بين المكاري وا لملاّح والساعي

هل الحكم مختص بالمكاري ولا يعم غيره حتى الملاح، كما هو خيرة المحقّق الخوئي في تعليقته على العروة، أو يعم الملاّح والأجير (أجير الملاح والمكاري) كما حكاه المحقّق ولم يذكر ناقله(1) أو يعمّ كلّ من حكم عليه بالتمام لأجل عملية السفر كما هو خيرة المحقّق، وجوه ثلاثة:

أمّا الأوّل فهو مقتضى الجمود على ظاهر النص، أخذاً بالقدر المتيقن في تخصيص المخصص حيث إنّ مقتضى الأدلّة الأوّلية انّ المسافر يقصر، خرج عنه


1 . نجم الدين الحلي: الشرائع :1/102.


(179)

مَنْ عمله السفر، فهو يتم ويصوم، وقد ورد عليه التخصيص في مورد المكاري في أنّه إذا أقام عشراً، فهو يقصر ويصوم ومقتضى الجمود على النص، الاقتصار على مورد النص.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف السيرة المستمرة بين الفقهاء من حمل أمثال المورد على المثال، والعرف يساعد على إلغاء الخصوصية في مثل الملاح الذي هو أيضاً مكار لكن في البحر.

وبذلك تظهر قوة الوجه الثالث من عمومية الحكم لكلّ من يتم ويصوم لعملية السفر سواء كان لأجل كون السفر شغله أو كون شغله في السفر، أو لأجل كثرة السفر على وجه يوصف بأنّ السفر عمله.

إذا أقام أقل من عشرة أيّام

إذا أقام في بلده أو غيره خمسة أيّام فهل هو يؤثر في تقصير صلاته أو لا؟ ذهب الشيخ في نهايته، وابن البراج في مهذبه، وابن حمزة في وسيلته، والكيدري في اصباحه(1) إلى أنّه قصر نهاراً وأتمّ ليلاً وخالفهم ابن إدريس وقال: إنّ الشيخ ذكره إيراداً لا اعتقاداً.

مقتضى مرسلة يونس انّ المدار هو إقامة عشرة أيّام، لا الأقل، نعم مقتضى صحيحة ابن سنان، تأثير الأقلّ من خمسة أيّام حيث قال: «إلاّ خمسة أيّام أو أقلّ» ولا يمكن العمل به لوجهين:

1. عدم الافتاء على وفقها حتى الشيخ حيث عرفت أنّ الوارد في كلامه وكلام من بعده هو الخمسة.


1 . مرّت نصوصهم في صدر البحث.


(180)

2. التفكيك بين الصلوات النهارية والليلية أمر بعيد.

3. دلّت النصوص على الملازمة بين التقصير والإفطار والتفكيك بينهما على خلاف القاعدة حيث قال: «وعليه صيام شهر رمضان».

فإمّا أن تؤوّل بحمل التقصير في النهار على إرادة النوافل، أو يرد علمها إليهم ـ عليهم السَّلام ـ وقد احتاط السيد الطباطبائي وقال: وإن كان الأحوط مع إقامة الخمسة الجمع وظاهره الجمع نهاراً وليلاً، مع أنّ مورد النص هو التقصير نهاراً لا ليلاً ولو احتاط فإنّما يحتاط في خصوص الصلوات النهارية.

لا فرق بين الإقامة في بلده وغيره

لا فرق في الإقامة بين بلده وغيره لوروده في النصوص ففي مرسلة يونس: أيّما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيّام. ومثله صحيح عبد اللّه بن سنان فلاحظ.

اعتبار القصد في الإقامتين وعدمه

هل تكفي في قاطعية الإقامة نفس تحققها بلا نيّة في كلا الموردين، أو يتوقف على اقترانها بها، أو يفصل بين الإقامة في البلد فيكفي نفس الحضور، والإقامة في غيره فيعتبر كونها عن قصد ونية؟

أمّا الأوّل فهو مقتضى إطلاق النصوص، حيث إنّ المذكور فيه انّه أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله وليس فيه شيء من كونها ناشئة عن القصد والنيّة. وليس هنا دليل صالح لتقييد الإطلاق ولا سيّما انّ النيّة لا دخل لها في منافاة الإقامة عشرة لعملية السفر أصلاً.(1)


1 . الحكيم: المستمسك: 8 / 84 .


(181)

يلاحظ عليه: أنّه يتم إذا لم يكن دليل من خارج مقيّد للإطلاق كما سيوافيك.

أمّا الثاني: فانّ اعتبار القصد في الإقامة في غير البلد ـ عند الأصحاب ـ يستلزم اعتباره في الإقامة في البلد، لوحدة لسان الدليل في الإقامتين.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم لو كان القول باعتبار القصد في الإقامة في غير البلد مستنداً إلى نصوص المسألة، وأمّا إذا كان الاستظهار مستنداً إلى دليل خارجي فالقول بوحدة لسان الدليل غير نافع إذا كان مقتضى الدليل هو التفصيل كما سيوافيك.

وأمّا وجه التفصيل فيمكن تقريبه بوجهين:

1. انّ حضور المسافر في الوطن، يخرجه عن كونه مسافراً ويصير حاضراً، فانّ السفر عبارة عن التغرب عن الوطن والمفروض انّه حاضر غير غارب، سواء نوى الإقامة أو لا، غير انّ الشارع حدّد القاطع بالعشرة لا بالأقل، فلو لبث فيه بالمقدار المحدَّد، حصل القاطع فالحضور الحقيقي في الوطن بأيّ نحو كان يوجب خروجه عن كونه مسافراً.

وأمّا الإقامة في غير الوطن عشرة أيّام، فهو لا يخرج الإنسان عن كونه مسافراً، أقام مع النيّة أو لا، لتغرّبه عن البلد والوطن، لكن الشارع تلقى الإقامة عشرة حضوراً تعبدياً لا واقعياً والمناسب لكونه عدلاً للحضور الحقيقي، هو اقترانها بالنية لا بدونها.

والحاصل انّ مناسبة الحكم والموضوع انّ كون الإقامة قاطعاً للسفر موضوعاً، تقتضي لبثه في غير الوطن مقروناً بالنيّة، لا بدونها، ولأجل ذلك يرى الشارع اللبثَ ثلاثين يوماً متردّداً قاطعاً للسفر في غير هذا المورد، فكيف يمكن أن يكون قاطعاً له، وإن كان بمقدار ثُلْثه.


(182)

2. إذا قورن ما ورد في الباب مع ما ورد في باب قاطعية الإقامة لسفر المسافر، تستأنس وحدة الموضوع في كلا الموردين غاية الأمر انّ الإقامة في المقام قاطع لسفر من اتخذ السفر شغلاً، وهناك قاطع لسفر مطلق المسافر، فبما انّ الموضوع هناك ليس مطلق اللبث بل المقارن مع القصد فهكذا المقام.

والأولى تلقي هذا الوجه مؤيداً لا دليلاً، لاحتمال اختلاف الموردين من بعض الجهات.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه اعتمد في القول بالتفصيل على وجه آخر وقال: إنّ الوجه في ذلك استفادته من نفس صحيحة ابن سنان حيث عبّر في صدرها عن المكث بالمنزل، بالاستقرار فيعلم انّ المدار فيه مطلق الاستقرار والبقاء الصادق مع النية وبدونها. وأمّا بالاضافة إلى البلد الذي يذهب إليه فقد عبّر بلفظ المقام قال: «فإن كان له مقام... والمقام مشروب في مفهومه القصد حيث إنّه من باب الإفعال من «اقام» «يقيم» ومعناه اتخاذه محلاً والاتخاذ لا يتحقّق إلاّ مع القصد والنية.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا جامع ولا مانع، فقد عبر في مرسلة يونس عن الاقامة في البلد، بلفظ «اقام» مع انّه لا يقول فيه باعتبار القصد فيه، وجاء «المقام» في القرآن بمعنى مطلق اللبث، قال سبحانه: «وَ إِذْ قالتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا» (الأحزاب/13) . والوجه في التفصيل ما ذكرناه.

في اختلاف كيفيات السفر

لا يشترط ـ فيمن شغله السفر ـ اتحادَ كيفيات وخصوصيات أسفاره من حيث الطول والقصر ومن حيث الحمولة، ومن حيث نوع الشغل فلو كان ملاّحاً،


1 . مستند العروة:8/185.


(183)

فصار مكارياً أو بالعكس.قال السيد الطباطبائي: إذا كان شغله المكاراة فاتفق انّه ركب السفينة للزيارة، يقصر لأنّه سفر في غير عمله.

يلاحظ عليه: بما ذكرناه من أنّ المراد من العمل الوارد في الرواية ليس بمعنى الحرفة والمهنة بل بمعنى ما يمارسه الإنسان ويلازمه في غالب الأيّام، وإن لم يكن حرفته، فلو ركب المكاري السفينة فقد مارسَ ما كان يمارسه فلم يتركه والظاهر من الفرض انّه ركب السفينة بما انّه أحد المسافرين، ولم يَسُقْها وإلاّ، لكان عمله الجديد، من سنخ عمله الماضي.

مسألة: قال السيد الطباطبائي: السائح في الأرض، الذي لم يتخذ وطناً منها يتم والأحوط الجمع.

أقول: الغالب على السائح انّه يخرج من وطنه قاصداً السياحة في قطر أو أقطار من الأرض ثمّ يرجع إلى وطنه، وهذا يُقصّر وإن طال، وأمّا إذا ترك وطنَه وأخذ بالسير في أقطار العالم، فهو يُتم مطلقاً لأنّ القصر من شأن من يخرج عن الوطن ثمّ يرجع إليه وهذا، ليس له حضر، فليس له سفر في مقابله.

والغالب على مثله، هو التصميم على عدم اتخاذ الوطن، أو التردد في الأخذ وعدمه، نعم لو كان بانياً على اتخاذ الوطن فهو من أقسام ما ذكره السيد في المسألة 55، وإليك نصّه:

«من سافر معرضاًعن وطنه لكنّه لم يتخذ وطناًغيره يقصّر» مع كونه قاصداً له يقصر لأنّ له سفراً، وحضراً بالقوة لكونه على عتبة أخذ الوطن، وأكثرُ من يترك الوطنَ ويريد التوطن في نقطة أُخرى من مصاديق هذا الفرع، لأنّ أكثر الناس يشتكون من أوطانهم، فيتركونها طالبين التوطن في نقطة أُخرى فهو مسافر إلى أن يستقر باتخاذ الوطن، قال حجّة الإسلام التبريزي:

لو كانَ للمرء مِنْ عِزّ وَ مَكْرُمَة * في دارِهِ لَمْ يُهاجِرْ سيّدُ الرُسلِ


(184)

من كان في أرض واسعة

من كان في أرض واسعة قد اتخذها مقرّاً إلاّ انّه في كل سَنَة مثلاً في مكان منها، يقصر إذا سافر عن مقر سنته.

وذلك إذا كان في العراق وله علائق بالمشاهد الأربعة النجف، وكربلاء والكاظمية وسامراء على ساكنيها آلاف التحية والسلام، فيَسْكُن في كلّ سنة واحدة منها، فلو قلنا بأنّ له أوطاناً أربعة، فلا إشكال في وجوب القصر إذا خرج، ولو قلنا باعتبار الدوام في الوطن ولا يكفي توطن سنة في صدق الوطن فكذلك أيضاً، لأنّه يصير كلّ بلد محلّ الإقامة فإذا خرج يقصر.

إذا شكّ في الإقامة

إذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلد آخر العشرة أو أقلّ بقي على التمام، للاستصحاب.


(185)

الشرط الثامن: الوصول إلى حدّ الترخّص

اتّفقت كلمة الفقهاء ـ إلاّ من شذّ ـ على أنّه لا يجوز القصر إلاّ بعد الضرب في الأرض والشروع في السفر تبعاً لقوله سبحانه: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تقصرُوا مِنَ الصَّلاة» (النساء/101) .

نعم نقل عن عطاء أنّه قال: إذا نوى السفر جاز له القصر وإن لم يفارق موضعه(1) ونقل العلاّمة في المختلف عن عليّ بن بابويه أنّه قال: «و إذا خرجتَ من منزلك فقصّر إلى أن تعود إليه».(2) والقولان شاذان وإن كان على مضمون الأخير رواية.(3)

أمّا ما هو حدّ الترخّص الذي يجوز القصر عند الوصول إليه فقال أهل السنّة: إنّ الحدّ مفارقة البنيان، قال الشيخ: إذا فارق بنيان البلد جاز له القصر، وبه قال جميع الفقهاء.(4) ويكفي في تحقّقه، التجاوز عن البلد بأقدام يسيرة والمعروف عند أصحابنا، هو خفاء الأذان والجدران كما سيوافيك نصوصهم، وبذلك يعلم انّ ما ذكره الشيخ في الخلاف في مورد من انّه: «إذا نوى السفر لا يجوز أن يقصر حتى يغيب عنه البنيان، ويخفى عنه أذان مصره، أو جدران بلده.


1 . الخلاف:1/573 المسألة 324.
2 . مختلف الشيعة:3/110.
3 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث9 والرواية مرسلة.
4 . الخلاف:1/573، المسألة 325.


(186)

وبه قال جميع الفقهاء». (1) يحتاج إلى توضيح، فإن أراد بـ «غيبة البنيان»، خفاؤها فينطبق على فتوى الأصحاب ولكن لا يصحّ قوله: «و به قال جميع الفقهاء» لأنّه كلّما أطلقه أراد به فقهاء العامة لا الخاصّة، وإن أراد به مفارقة البنيان، فهو ينطبق على فتوى العامة لكنّهم يقتصرون بمجرّد المفارقة، ولا يرون لزوم خفاء الأذان والجدران إلاّأن يريد ـ على خلاف الغالب ـ من قوله: «جميع الفقهاء»فقهاء الفريقين، ويكون الحدّ الأوّل لفقهائهم، والخفاءان لفقهائنا. ولقد أحسن العلاّمة في التعبير عن المذاهب في التذكرة فقال معبراًعن رأي الطائفتين: «إنّما يباح القصر في الصلاة والصوم إذا توارى عنه جدران البلد أو خفى عنه أذانه ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي: لا يجوز القصر حتى يفارقَ البلد الذي هو فيه ومنازله، ولم يشترط خفاء الجدران والأذان. وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق، لأنّ بنيان بلده يقطع استدامةَ سفره فكذا يمنع الابتداء.(2) إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر شيئاًمن نصوص الأصحاب.

1. قال ابن أبي عقيل: على من سافر عند آل الرسول ـ عليهم السَّلام ـ إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه صوت الأذان أن يصلّي صلاة السفر ركعتين.(3)

2. وقال الصدوق: ويجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت.(4)

3. وقال المفيد: فلا يجوز له فعل التقصير في الصلاة والافطار حتى يغيب عنه أذان مصره على ما جاء به الآثار.(5)


1 . المصدر نفسه، رقم المسألة 324.
2 . التذكرة:4/378.
3 . مختلف الشيعة:3/109ـ110.
4 . مختلف الشيعة:3/109ـ110.
5 . المقنعة:350.


(187)

4. وقال السيد المرتضى: ابتداء وجوب التقصير عليه من حين يغيب عنه أذان مصره ويتوارى عنه بنيان مدينته.(1)

5. وقال الشيخ في النهاية: ولا يجوز التقصير للمسافر إلاّإذا توارى عنه جدران بلده وخفى عليه أذان مصره.(2)

6. وقال سلاّر: ابتداء وجوب التقصير من حيث يغيب عنه أذان مصره.(3)

7. وقال ابن البراج: ومن سافر سفراً يلزمه فيه التقصير فلا يجوز له ذلك حتى يخفى عليه أذان مصره أو يتوارى عليه جدران مدينته.(4)

8. وقال ابن إدريس: وابتداء وجوب التقصير على المسافر من حيث يغيب عنه أذان مصره المتوسط أو يتوارى عنه جدران مدينته. والاعتماد عندي على الأذان المتوسط دون الجدران.(5)

9. وقال المحقّق: لا يجوز للمسافر التقصير حتى يتوارى جدران البلد الذي يخرج منه أو يخفى عليه الأذان.(6)

10. وقال ابن سعيد: ويتم المسافر ما إذا سمع أذان مصره أو كان في بنيانه وإن طال ويقصر إذا غاب عنه الأذان، فإذا قدم من سفره فمثل ذلك.(7)

هذه كلمات فقهائنا من القرن الرابع إلى القرن السابع وهم:


1 . مختلف الشيعة:3/109ـ110.
2 . النهاية:123.
3 . المراسم:75.
4 . المهذب:1/106.
5 . السرائر:1/331.
6 . الشرائع:1/102.
7 . الجامع:92.


(188)

بين مقتصر على خفاء الأذان فقط كابن أبي عقيل، والمفيد، وسلار، وابن إدريس، وابن سعيد.

إلى مشترط خفاء الأمرين معاً كالمرتضى، والشيخ.

إلى ثالث قائل بكفاية خفاء أحد الأمرين كالمحقّق في الشرائع.

إلى رابع، قائل بشرطية خفاء المسافر عن البيوت. فتلزم دراسة الروايات، وهي لا تتجاوز عن ثلاث وغيرها إمّا مؤوّلة أو محمولة على التقية.

1. صحيح محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الرجل يريد السفر فيخرج، متى يقصّر؟ قال: « إذا توارى من البيوت».(1)

و ظاهر الحديث شرطية خفاء المسافر عن البيوت وأهلها، لا العكس كما هو الوارد في كلمات الأصحاب.

2. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن التقصير؟ قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر، وإذا قدمتَ من سفرك فمثل ذلك».(2) والوارد فيه هو خفاء الأذان فقط من دون إيعاز إلى خفاء الجدران.

3. صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا سُمِعَ الأذان أتم المسافر.(3) ومفهومه: انّه إذا لم يسمع فلا يتم.

فالأُولى تركز على خفاء المسافر عن البيوت، والأخيرتان تركزان على خفاء الأذان، فليس هنا دليل على شرطية خفاء الجدران، ولو اقتصرنا بظاهر النصوص تكون النسبة بين الضابطتين، هو التساوي غالباً، فلو كان الحد، هو خفاء المسافر، فهو بما انّه جسم صغير، يغيب عن أبصار أهل البيوت بأدنى ابتعاد يقارن خفاؤه


1 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 3و7.
2 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 3و7.
3 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و 3و7.


(189)

خفاء الأذان وهذا بخلاف ما لو قلنا بشرطية خفاء الجدران عن عيون المسافر، فانّ الجدران، لأجل كبرها وارتفاعها، لا تغيب عن العيون عند خفاء الأذان، بل يخفى الأذان، من دون أن تتوارى الجدران.

و بما انّ النص هو تواري المسافر عن أهل البيوت، فيقارن خفاؤه خفاءَ الأذان.

و تكون النسبة بين الضابطتين هي التساوي ولو كان هناك تخلّف فهو نادر سيوافيك حكمه.

نعم يقع الكلام في سبب عدول الأصحاب عن لفظ النص إلى غيره، فيمكن أن يقال انّ الموضوع الواقعي لوجوب التقصير هو الابتعاد الخاص عن البلد، الذي ينطبق عليه خفاء المسافر عن أهل البيوت وخفاء الأذان للمسافر ولما كان الوقوف على خفائه عن أهل البلد، أمراً متعذراً عدلوا إلى خفاء البيوت عليه، ليسهل للمسافر إختباره ويقف من خفائها على خفائه على أهل البيوت حيث إنّ خفاء البيوت على المسافر يلازم خفاءه عليهم.

وهناك وجه آخر ذكره سيدنا المحقّق البروجردي، وهو أنّ المراد من البيوت هو البيوت الرائجة في عصر صدور الرواية من بيوت الأعراب وخيمهم التي لم يكن ارتفاعها أزيد من ارتفاع قامة الإنسان بكثير فيلازم خفاؤها المسبب عن البعد، مع تواري المسافر عنها إذ المؤثر في سرعة الخفاء وبطئه هو طول الارتفاع وقصره ولا دخالة لعرض الشيء في ذلك كما لا يخفى. (1)

غير انّ المهم ثبوت كون البيوت في عصر صدور الروايات كان على طول قامة الإنسان أو أرفع بقليل، مع أنّوضع الأبنية في البلاد كان غير وضعها في


1 . البدر الزاهر:301، الطبعة الحديثة.


(190)

القرى وضفاف الأنهار والشطوط ومعنى كلامه انّه لم يكن يوم ذاك بيت له طابقان أو طوابق نادراً وهو كما ترى.

وهناك وجه ثالث وهو انّ الميزان هو تواري الجدران، ولعلّ الأصحاب وقفوا على نصّ خاص يدلّ عليه ووصل إليهم ولم يصل إلينا ولكن الميزان هو خفاء صور البيوت لا أشباحها، ومن المعلوم انّ الأُولى تخفى بالابتعاد اليسير، بخلاف الأشباح فانّها ترى من بعيد، وعند ذاك تتفق الأمارات الثلاث وتتطابق:

1. خفاء الأذان.

2. تواريه عن البيوت.

3. توارى الجدران عن المسافر. و هذا الوجه هو أمتن الوجوه.

ثمّ إنّ القوم لما جعلوا المقياس، خفاء الجدران والبيوت، دون خفاء المسافر على أهل البيوت جعلوا المقام من باب الشرطيتين المتعارضتين حيث إنّ مفاد قوله: «إذا خفي الجدران فقصّر» هو عدم التقصير إذا لم يخف الجدران سواء أخفي الأذان أم لا، كما انّ مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» هو عدم التقصير إذا لم يخف الأذان سواء أخفي الجدران أم لا، فيقع التعارض بين مفهوم كلّ مع منطوق الآخر، ورفع المعارضة يحصل بأحد الأمرين:

1. رفع اليد، عن الانحصار، مع الاعتراف بكون كل واحد علّة تامة وذلك يحصل بتقييد مفهوم كل بمنطوق الآخر، لقوة دلالته فتكون النتيجة، هو أنّه إذا لم يخف الجدرانُ فلا تقصِّر إلاّ إذا خفي الأذان، وإذا لم يخف الأذان فلا تقصر إلاّإذا خفيت الجدران، ومعنى ذلك، هو كفاية أحدهما.

فمن ذهب من الأصحاب إلى كفاية أحد الخفاءين لعلّه اعتمد على هذا الوجه.


(191)

2. رفع اليد، عن العلّية التامة، وجعل كلّ من الخفاءين، جزء العلة، وذلك يحصل بتقييد منطوق كلّ بمنطوق الآخر، فيكون المعنى هو إذا خفي الجدران والأذان فقصر، ولعلّ من اشترط الأمرين اختار هذا الوجه.

والتصرف على الوجه الثاني وإن كان يرفع المعارضة إلاّ أنّه لا موجبَ له لعدم التعارض بين المنطوقين إذ لا ينافي ثبوتُ التقصير، عند خفاء الجدران، ثبوتَه عند خفاء الأذان، فلا جرم ينحصر رفع المعارضة بالوجه الأوّل فيكون خفاءُ أحدهما كافياً في ثبوت القصر.

وقد ذكر الأُصوليّون في باب المفاهيم وجوهاً خمسة لرفع التعارض، وأوضحنا حالها في محاضراتنا الأُصولية.

والتعارض ثمّ العلاج مبنيان على ورود خفاء الجدران على المسافر في النصوص، فلو كانت النسبة بين خفاء الأذان وتواري المسافر، وبين خفاء الجدران عموماً وخصوصاً مطلقاً يلزم لغوية الضابطة الثالثة، ولو كانت عموماً وخصوصاً من وجه يلزم التعارض في مورد الافتراق، ولكن الظاهر انّ الأمارات الثلاث مطابقة إذا أُريد من خفاء الجدران على المسافر، خفاء صورها لا أشباحها، وأُريد من خفاء الأذان خفاء صوت الأذان لا خفاء فصوله مع سماع صوته.

ثمّ على القول بالتعارض لابدّ من رفعه بشكل آخر وهو الأخذ بكفاية خفاء الأذان وذلك لوجهين:

1. شهرته بين أصحاب الأئمّة: كما في رواية إسحاق بن عمّار حيث يذكر للإمام ويقول: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه.(1)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


(192)

2. انّ مقتضى عمومات الباب هو لزوم التقصير عند صدق السفر والضرب في الأرض ويتحقّق ذلك بترك البلد، وإن لم يخف الأذان أو المسافر عن أهل البيوت، فلو خفي الأذان ولم يتوار المسافر عن البيوت أو لم تتوار الجدران، فمقتضى إطلاقات العمومات في المقدار المتخلل بين الخفائين هو التقصير لدوران المخصص بين الأقل والأكثر، فيؤخذ بالمتيقن. أمّا استصحاب التمام، فهو محكوم بالدليل الاجتهادي.

هذا من غير فرق بين القول بأنّ الشرط هو خفاء المسافر، أو خفاء الجدران ففي المقدار المتخلّل يرجع إلى عمومات التقصير.

بقي هنا أمران

الأوّل: في علاج بعض الروايات الواردة في المقام.

الروايات الواردة في المقام على قسمين، قسم منها، يحكي فعل المعصوم وربما يتراءى انّه مخالف للمختار، وأُخرى ما يدلّ بظاهره على كفاية الخروج عن المنزل.

أمّا الأُوّلى فإليك بيانها:

1. صحيح عمرو بن سعيد المدائني الثقة، قال: كتب إليه جعفر بن محمد (أحمد) يسأله عن السفر في كم التقصير؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ بخطه وأنا أعرفه: «قد كان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ إذا سافر أو خرج في سفر قصّر في فرسخ».

يمكن أن يقال: ليست الرواية(1) صريحة في كون حدّ الترخص هو الفرسخ، وإنّما الإمام أخّره إلى ذلك الوقت وإن كان جائزاً قبله.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.


(193)

2. خبر أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا سافر فرسخاً قصّـر الصلاة.(1)

والعمل لا يدل على انحصار الترخّص في الفرسخ، وإنّما اختار النبي هذا الفرد.

3. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه انّه كان يقصر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أوّل صلاة تحضره.(2)

فإنّ قوله: «حين يخرج» قابل للحمل على خفاء الأذان وتواري المسافر.

4.خبر أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه: انّ عليّاً كان إذا خرج مسافراً لم يقصّر من الصلاة حتى يخرج من احلام البيوت، وإذا رجع لم يتم الصلاة حتى يدخل احلام البيوت.(3)

وما في نسخة قرب الاسناد أو الوسائل من الضبط بالاحتلام غلط، والصحيح: الاحلام. قال في القاموس: الاحلام: « الأجسام بلا واحد»، وفي هامش الوسائل من طبعة آل البيت ما يقضي العجب، قال في الهامش: الحُلْم بالضم الرؤيا «و نسبه إلى القاموس المحيط» مع أنّه لا يناسب مورد الحديث، قال في القاموس: وحلم به وعنه: رأى له رؤيا أو رآه في النوم، فكان عليه أن يرجع إلى ذيل كلامه فقد فسره بما نقلناه عنه.

وعلى كلّ تقدير فالرواية حاكية للفعل قابل للحمل على ما هو المعروف في حدّ الترخص فالخروج من أجسام البيوت، قابل للانطباق على المورد الذي يخفى فيه الأذان وغيره.

هذا كلّه حول الروايات الحاكية للفعل، وبما انّها لا لسان لها، تخضع


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4، 5، 10.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4، 5، 10.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4، 5، 10.


(194)

للحمل على ما يطابق فتوى المشهور.

نعم هنا روايات تدل على كفاية الخروج من البيت وهو الذي أفتى به علي ابن بابويه قال: إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه.

وإليك هذه الروايات:

5. مرسلة حماد، عن رجل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يخرج مسافراً قال: «يقصر إذا خرج من البيوت».(1)

6. مرسلة الصدوق قال: روي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «إذا خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه».(2)

7. رواية علي بن يقطين، عن أبي الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال: «إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر، أفطر إذا خرج من منزله».(3)

و الروايتان الأُولتان، مرسلتان لا يحتج بهما، والثالثة محمولة على التقية، خصوصاً انّ المخاطب كان مبتلى بها. أضف إليه انّ الخارج من البيوت، غير الخارج عن البلد، لا يطلق عليه المسافر، لأنّه من السفر وهو البروز والخروج من البلد.

وهنا احتمال آخر، وهو انّ الخروج من البيوت كناية عن الخروج عن البلد، وهو ينطبق على فتوى الشافعي وغيره.

***


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث9.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.
3 . الوسائل: الجزء 7 ، الباب 5 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 10.


(195)

الكلام في الإياب

قد تعرفت على حكم الذهاب، وانّ الأمارات الثلاث متطابقة ولو كان هناك تعارض، فالمحكَّم هو خفاء الأذان.

وأمّا الإياب فهناك أقوال:

1. المشهور انّ حكم الإياب حكم الذهاب، فلو قلنا هناك بشرطية الخفائين أو بكفاية واحد منهما نقول بمثله في الإياب، فالراجع من سفره يقصر إلى تلك النقطة.

2. ما ذهب إليه الشيخ علي بن بابويه وابن الجنيد والمرتضى من القول بالتقصير إلى المنزل. وهو خيرة صاحب الحدائق من المتأخّرين.

3. ما يظهر من المحقّق فقد اكتفى في الذهاب بأحد الأمرين، وقال في الإياب بخفاء الأذان. وهو خيرة المدارك.

أمّا الأوّل فيدل عليه صحيح ابن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن التقصير؟ قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، وإذا كنت في الموضع لا تسمع فيه الأذان فقصّر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك»(1) فانّه صريح في أنّ الإياب كالذهاب، ويؤيّده إطلاق صحيح البرقي عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سمع الأذان أتم المسافر».(2) أي ذهاباً وإياباً.

هذا واستدل صاحب الحدائق بروايات:

1. مرسلة حماد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «المسافر يقصر حتى يدخل المصر».(3)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7، 8.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7، 8.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 7، 8.


(196)

والرواية مرسلة رواها صاحب الوسائل عن المحاسن، ولكن سقطت الواسطة بين حماد والإمام عن نسخة الوسائل قال في الحدائق: وروى البرقي في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن أبي عبد اللّه(1) فلا يحتج به في مقابل الصحيح.

2. صحيح العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا يزال المسافر مقصّراً حتى يدخل بيته».(2)

3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ أهل مكة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتموا، وإذا لم يدخلوا منازلهم يقصروا».(3)

4. صحيح إسحاق بن عمار، عن أبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل يكون مسافراً، ثمّ يدخل ويقدّم ويدخل بيوت الكوفة أيتم الصلاة أم يكون مقصّراً حتى يدخل أهله؟ قال: «بل يكون مقصراً حتى يدخل أهله».(4)

ويلاحظ على ثاني الأحاديث انّه أيّ خصوصية لأهل مكة. وحمل التمام على اقامة الصلاة في مسجد الحرام، ينافي قوله: «و دخلوا منازلهم أتموا الصلاة».

ثمّ إنّ لأصحابنا حول هذه الروايات محاولات مختلفة، فذهب العلاّمة إلى تأويلها بأنّ المراد الوصول إلى الموضع الذي يسمع الأذان ويرى الجدران، فإن وصل إلى هذا الموضع يخرج عن حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل إلى منزله.(5)

يلاحظ عليه: أنّه يخالف صريح بعضها كصحيح العيص بأنّ المعيار، الدخول إلى البيت.


1 . الحدائق:11/411.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحدث 4، 1، 3.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحدث 4، 1، 3.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 7 من أبواب صلاة المسافر، الحدث 4، 1، 3.
5 . المختلف: 3/112.


(197)

وحكى في الحدائق: انّ صاحب المدارك ومثله الفاضل الخراساني التجأوا في الجمع بين هذه الأخبار، وبين عجز صحيحة ابن سنان إلى القول بالتخيير، بمعنى انّه بعد وصوله إلى محل الترخص من سماع الأذان الذي هو مورد الرواية، فإنّه يتخير بين القصر والاتمام إلى أن يدخل منزله.(1)

يلاحظ عليه: أنّه فرع كون الروايات متعادلة من حيث جهة الحجّية، لأنّها متروكة غير معمولة فلا يحتج بها في مقابل المشهور منها، على أنّ الحكم، بالقصر في نفس البلد حتى يدخل بيته لا يخلو من غرابة مع كونه غير مسافر ولا ضارب في الأرض.

***

إذاكان البلد في مكان مرتفع

إذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد، أو كان في مكان منخفض يخفى بيسير، يقدر في الموضع المستوي، إذ لو كان المقياس في أمثال المورد هو خفاء البلد، يلزم اقامة الصلاة تماماً حتى بعد قطع أربعة فراسخ، أو تقصير الصلاة بالبعد عن البلد بمقدار عدة أمتار، فلا محيص عن تقدير البلد في الموضع المستوي.و يؤيد ذلك انّ المواراة طريق إلى قدر من الابتعاد، وليست لها موضوعية، ولأجل ذلك يقدر البلد في مكان غير مرتفع ولا منخفض حتى يتعيّن البعد المعين.

قيام الخيام مكان البيوت

إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير، كما إذا افترضنا كون


1 . الحدائق:11/413ـ414.


(198)

البيوت تحت الأرض كالمخابئ، نعم في بيوت الأعراب تقوم الخيام مكان البيوت، إذ ليس للبيوت خصوصية، وبه يعلم حال الأذان فإذا لم يكن هناك أذان فيقدر.

ما هو الميزان في خفاء الأذان؟

إذا كان سماع الأذان شرطاً للتمام، كما في مرسلة حماد بن عثمان: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر»(1) وكان خفاؤه شرطاً للتقصير، كما هو الظاهر من صحيح عبد اللّه بن سنان: إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر.(2) فما هو المقصود من سماعه وخفائه؟

يقع الكلام أوّلاً في أنّه هل للأذان خصوصية، ولا تقوم مقامه قراءة القرآن أو الشعر بصوت عال أو لا؟ الظاهر هو الثاني، لمساعدة فهم العرف، من أنّ خفاءه كناية عن الابتعاد الخاص، فلو كان المؤذن يقرأ آيات من القرآن، أو أشعاراً قبل الأذان، بنفس الصوت الذي يُؤذن، فيكون سماعه وخفاؤه مؤثراً في الإتمام والقصر.

وثانياً: هل الموضوع سماع نفس الصوت وإن لم يتميز كونه أذاناً أو قرآناً أو شعراً، أو هو لكن مع تميز كونه أذاناً، أو قرآناً أو شعراً، وإن لم تتميز فصوله أو آياته أو أبياته، أو هو مع تميز فصوله وجمله وكلماته، احتمالات؟ والظاهر عدم كفاية الأوّل، لعدم صدق سماع الأذان، بمجرّد سماع الصوت المشترك، وصدق سماعه إذا تميز الصوت عن غيره، وإن لم يميز فصوله، واحتمال شرطية تميز فصوله، ضعيف جدّاً، وعليه السيد المحقق البروجردي في تعليقته على العروة، حيث قال: لا يخلو من قوّة مع تميّز كونه أذاناً. وعلى كلّ تقدير لا عبرة بسماع صوت الأذان إذا كان خارجاً عمّا هو المتعارف في العلو أو الانخفاض حملاً للروايات على ما هو الغالب المعروف.


1 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7، 3.
2 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7، 3.


(199)

هل المناط أذان آخر البلد؟

قال السيد الطباطبائي: لو كانت البلدة متسعة فالمدار على أذان آخر البلد في ناحية المسافر. وأمّا إذا كانت صغيرة أو متوسطة فالمدار على أذان البلد وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة.

أقول: ما ذكره السيد الطباطبائي في البلد المتسع صحيح إذ لو كان الميزان فيه هو أذان البلد لا آخر البلد، يلزم على المسافر التقصير ولو في داخل البلد، بخفائه قبل أن يترك البلد، وهو كما ترى.

نعم لو كانت المحلات منفصلة على نحو يعد كلّ محلّة مكاناً، فلكلّ محل حكم نفسها.

أمّا البلد الصغير والمتوسط فالظاهر من السيد الطباطبائي وغيره انّ المعيار أذان البلد ومعنى ذلك انّه لو خفي أذان البلد، ولو سمع أذان آخر البلد انّه يقصر، مع انّه يصدق عليه انّه إذا سمع الأذان أتم المسافر.

والظاهر، هو أذان آخر البلد مطلقاً فلوكانت فيه مأذنة مرتفعة فالظاهر انّ الميزان سماع أذانه وخفاؤه لا أذان البلد وقد عرفت انّ خفاء الأذان طريق إلى الابتعاد على قدر معين فلو كان المدار في البلد الصغير والمتوسط على أذان البلد، وفي الكبير على أذان آخر البلد يلزم الاختلال في البعد المقدّر والتفصيل بحمل الأذان في الأوّلين على الوسط وفي المتسع على آخره يحتاج إلى القرينة.

في اعتبار حدّ الترخص في محلّ الإقامة وعدمه

لا شكّ في اعتبار حدّ الترخص في الوطن خروجاً ودخولاً وعدم اعتباره في بعض الموارد التي حكم على المسافر بالتمام لفقدان بعض الشرائط كما إذا ذهب


(200)

لطلب الغريم بدون قصد المسافة ثمّ في أثناء الطريق قصد المسافة أو إذا كان السفر حراماً، فعدل في الأثناء إلى الطاعة أو إذا كان السفر لهوياً، فعدل في الأثناء إلى غيره.

وبالجملة ليست في المقام ضابطة على انّ كلّ من حكم عليه بالتمام لا يقصر إلاّ بعد الوصول إلى حدّ الترخّص، حتى يؤخذ بها إلاّإذا دلّ الدليل على التخصيص كما في تلك الموارد.نعم دلّ على شرطيته في الوطن وأمّا غيره، فمبني على استظهار الشمول للمقيم الخارج عن محلّ الإقامة.

وعلى كلّ تقدير فيقع الكلام في حكم الخروج من محلها تارة والدخول فيها أُخرى، وأمّا إذا أقام في محلّ ثلاثين يوماً، فالكلام فيه منحصر في الخروج إذ لا يتصور للدخول معنى فيه صحيح كما لا يخفى.

أمّا الخروج في الإقامة، فاللازم دراسة الروايات واستظهار سعة مفادها وضيقه فيمكن استظهار السعة من الروايات التالية:

1.محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: «إذا توارى من البيوت». (1)ولكنّه ظاهر في السفر الابتدائي فيختص بالخروج عن البلد.

2. مرسلة حماد بن عثمان، عن رجل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا سمع الأذان أتم المسافر»(2) ورواه في الوسائل مسنداً بحذف«رجل». والحديث مرسل كما مرّ لا يحتج به مضافاً إلى ظهوره في السفر الابتدائي، فيختص بالخروج عن البلد.

3. صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فاتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».(3)


1 . الوسائل: الجزء5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 7، 3.
2 . الوسائل: الجزء5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 7، 3.
3 . الوسائل: الجزء5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 7، 3.


(201)

والحديث ظاهر في السفر الابتدائي بل صريح فيه بقرينة الذيل: فإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك.

4. صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة وعليه إتمام الصلاة، إذا رجع إلى منى حتى ينفر».(1)

وجه الاستدلال هو انّه نزل المقيم منزلة المتوطن.

يلاحظ عليه: بأنّ وجه التنزيل إنّما هو أظهر أحكامه وهو إتمام الصلاة، لا رعاية حدّالترخص، أضف إلى أنّ الحديث متروك لوجهين:

أ. قوله: «فإذا زار البيت وأتم الصلاة» لماذا يتمّ؟! بعد إنشاء السفرمن محلّ الإقامة، اللّهمّ إلاّأن يحمل على الصلاة في المسجد الحرام فإنّه يجوز للمسافر فيه الإتمام.

ب. «وعليه اتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر» لماذا بعد انشاء السفر من مكة إلى منى، إلى عرفات، إلى المشعر، فمنى، ثمّ إلى مكّة للطواف والسعي ثمّ إلى منى للمبيت.

هذا كلّه في الخروج، وأمّا الدخول فليس له دليل إلاّذيل صحيحة ابن سنان وقد عرفت ظهوره في السفر الابتدائي.

ثمّ إنّ السيد المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه فصّل بين كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر أو قاطعة لحكمه فقال: لو بنينا على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر وموجب للخروج عن عنوان المسافر عرفاً، بحيث لا يعمه دليل التقصير في حدّ نفسه،


1 . الوسائل: ج5، الباب 3 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.


(202)

لخروجه عنه بالتخصص، لا للتخصيص صحّ حينئذ ما نسب إلى الأكثر من الإلحاق بالوطن لاندراجه في صحيحة محمد بن مسلم: «الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: إذا توارى من البيوت» وأمّا إذا بنينا على عدم خروج المقيم من موضوع المسافر وانّ الحكم بوجوب التمام عليه تخصيص في أدلّة القصر لا تخصص، فهو مسافر يجب عليه التمام، كالمسافر في صيد اللهو، أو السفر الحرام، فحينئذ يطالب بالدليل على اعتبار حدّالترخص في حقّه بعد ان كان مقتضى الإطلاق وجوب القصر لكلّ مسافر، والتقصير بمجرد الخروج من محل الإقامة ولو بخطوة أو خطوتين.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مفهوم كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر، خروجه عن كونه مسافراً عرفاً فيكون الحكم عليه بالتمام، بالنسبة إلى أدلّة القصر تخصصاً لا تخصيصاً.

ولكن هذا لا يكفي إلاّ إذا ثبت أنّ كلّ من لم يكن مسافراً، لا يُقصِّر مالم يصل إلى حدّ الترخص، مع أنّ الثابت بمقتضى الروايات السابقة انّ المتوطن إذا خرج عن وطنه، لا يقصر إلاّ إذا وصل حدّ الترخّص، وليس كلّ من لم يكن مسافراً فهو متوطن.

وبالجملة مقتضى عموم المنزلة هو خروجه عن عنوان المسافر لا دخوله في عنوان المتوطّن، وما دلّ على لزوم رعاية حدّ الترخص، إنّما دلّ في حقّ المتوطن وإن لم يرد عنوانه فيه، لكنّه ظاهر فيه ولم يدل شيء على حكم أوسع منه وانّ غير المسافر مطلقاً تجب عليه رعاية حدّ الترخص.

وعلى ضوء ما ذكرنا لم نعثر على دليل صالح للزوم اعتبار حدّ الترخص للخروج أو الدخول في مورد الإقامة.


1 . المستند:8/214.


(203)

اللهمّ إلاّإذا كان العرف مساعداً لإلغاء الخصوصية وانّ الروايات تستهدف تحديد حدّ الترخص لكلّ من يجب عليه التمام ـ إلاّ ما خرج بالدليل ـ بلا خصوصية للوطن عرفاً.

و مع ذلك فلا يترك الاحتياط فإذا ترك البيت فلا يصلّ حتى يصل إلى حدّ الترخص، كما انّه إذا أراد الدخول فليؤخر الصلاة إلى المنزل. هذا كلّه حول الخروج والدخول عن محلّ الإقامة.

وأمّا المقيم متردّداً ثلاثين يوماً في مكان، فلو قلنا فيه برعاية حدّالترخص، فإنّما نقول به عند الخروج لا في حال الدخول، لعدم تصوّر صحيح له، إذ كيف يتصوّر دخول الرجل في مكان يعلم انّه يقيم فيه ثلاثين يوماً متردداً، فانّه أشبه بتناقض الصدر مع الذيل، فالتردد لا يجتمع مع العلم بالإقامة ثلاثين، نعم يتصور ذلك في الخروج ولا دليل صالح إلاّصحيح إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن أهل مكة إذا زاروا، عليهم إتمام الصلاة؟ قال: «نعم والمقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم»(1) فانّ تنزيل المقيم ثلاثين متردداً، منزلة أهل مكة ربما يعطى كونه مثلهم في جميع الأحكام حتى رعاية حدّ الترخص لو لم نقل بأنّ التنزيل لأجل أظهر الأحكام لا كلّها، والأظهر هو فرض الإتمام له، لا كلّ الأحكام.

لو شكّ في البلوغ إلى حدّ الترخص

لو شكّ في البلوغ إلى حدّ الترخّص بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب، وعلى القصر في الإياب عملاً بالاستصحاب في كلّ مورد.

نعم لو صلّى الصلاة الثانية في نفس المكان الذي صلّى فيه الصلاة الأُولى


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.


(204)

يعلم إجمالاً ببطلان إحدى الصلاتين، لأنّه إمّا من الأمكنة التي لا يُسمع فيها الأذانُ فالأُولى باطلة، أو ممّا يسمع فالثانية غير صحيحة.

فلو قلنا انّ الموضوع هو الترخص المحرز، على وجه يكون العلم مأخوذاً في الموضوع على وجه الوصفية دون الطريقية، كما ربما يُستظهر(1) ويؤيّد برواية زرارة: «في أنّ من أتم في موضع القصر، فقد أتى بوظيفته»(2) فقد أتى بالواقع إذ لا واقع إلاّ ما أحرز.

أمّا إذا شكّ في أنّ الموضوع هو الحدّ الواقعي أو الحدّ المحرز، فإذا دار أمر العلم بين كونه مأخوذاً على وجه الطريقية أو الوصفية، فقد أفاد بعضهم بأنّ مقتضاه عدم تأثير العلم الإجمالي إذ لا يعلم إجمالاً بمخالفة إحدى الصلاتين لأنّه أتى بما هو وظيفته ويشك في وجوب إعادة إحديهما.

يلاحظ عليه: بأنّ مقتضى قاعدة الاشتغال قبل إقامة الصلاة هو تنجز العلم الإجمالي ولزوم الخروج عن عهدة التكليف بنحو اليقين إلاّ إذا دلّ الدليل على الاجزاء، وانّ العلم مأخوذ بنحو الوصفية.

ولكن الظاهر انّ العلم طريقي، وعلى ذلك فلا شكّ في تنجيز العلم الإجمالي في المقام ولأجل الفرار عنه، لو صلّى في الإياب في مكان آخر متقدم على المكان الذي صلّى فيه ذهاباً لا يتولد هناك علم إجمالي. نعم يبقى الكلام فيما إذا اتحد مكان الصلاتين عرفاً، فنقول للمسألة صور:

1. إذا شكّ في الذهاب وصلّى تماماً عملاً بالاستصحاب وهو يعلم انّه سيبتلى بنفس هذا الشك في الإياب ويصلّي قصراً بمقتضى الاستصحاب، فيعلم بفساد إحدى الصلاتين فبما انّه لا فرق في تنجيز العلم الإجمالي بين التدريجيات


1 . السيد الاصفهاني على ما في تقريرات بعض تلاميذه:193.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17من أبواب صلاة المسافر، الحديث4 ، و هو منقول بالمعنى.


(205)

والدفعيات، فلا محيص له عن أحد أمرين، إمّا الجمع ذهاباً وإياباً، أو تقديم الصلاة الثانية على ذلك المكان، أو تأخيرها عنه على وجه يجزم بأنّه لم يدخل حدّ الترخص أو تجاوز عنه إلى جانب البلد.

2. إذا شكّ في الذهاب وصلّى الظهر فيه تماماً واتّفق انّه صلّى في ذلك المكان في الإياب من دون سبق علم وصلّى العصر قصراً فله صورتان:

الأُولى: أن يكون الوقت باقياً، كما إذا صلّى الظهر ذهاباً والعصر إياباً، فالاستصحابان متعارضان ومتساقطان فلا محيص عن التمسك بقاعدة الاشتغال، فيعيد الظهرَ قصراً، والعصرَ تماماً.

ومع ذلك يمكن تصحيح صلاة الظهر بوجهين تاليين، وإن كان الأوّل غير تام:

1. إجراء قاعدة التجاوز فيها، فإنّ مرجع الشك في أنّ هذا المحل مصداق لحدّالترخص أو لا، إلى أنّ الصلاة واجدة للشرط كالشكّ في دخول وقت صلاة الظهر.

إلاّأن يقال بعدم شمول الضابطة، للمورد لأنّه لم يكن في حالة العمل أذكر من حالة الشكّ، بل هو في كليهما شاك في كونه مصداقاً لحدّالترخص أو ليس بمصداق.

2. انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي بفقدان ما صلّى عصراً قصراً شرطَ الصحة لأنّه لو كان المكان المشكوك حدّ الترخص للقصر، فصلاة الظهر فاسدة، ويترتب عليه بطلان صلاة العصر قصراً، لأنّ صحّة العصر مشروط بترتبها على الظهر الصحيح والمفروض بطلان صلاة الظهر، ولو كان الموضع حدّ الترخص للتمام، فصلاة العصر فاسدة بنفسها، لأنّه صلاّها قصراً، وعلى كلّ تقدير فصلاة العصر باطلة.


(206)

الثانية: إذا خرج وقت الصلاة الأُولى كما إذا صلّى الظهرين ذهاباً، وصلاة العشاء إياباً، فالانحلال المذكور في الصورة الأُولى غير متصور في المقام لعدم شرطية ترتّب العشاء على الظهرين، فيبقى العلم الإجمالي على حاله.

ربما يقال بانحلال العلم الإجمالي وذلك للعلم بصحّة الظهرين تماماً على كلّ تقدير سواء أكان ذلك الموضع حدّاً للترخص أم لا، أمّا الثاني فواضح فإنّوظيفته هو الإتمام والمفروض انّه أتم، وأمّا الأوّل فلعموم ما دلّ على صحّة صلاة من أتم موضعَ القصر لعذر من الأعذار من جهل بالحكم أو موضوعه ، نظير من أتم بزعم انّ المسافة لا تبلغ الثمانية ثمّ بان الخلاف، وعلى ذلك فصحّة الظهرين تكون محرزة، ومعه لا حاجة للاستصحاب فيه بعد العلم التفصيلي بصحّة التمام، فيبقى الاستصحاب بلحاظ الإياب سليماًعن المعارض فيصلي العشاء قصراً ولا يحدث من ذلك العلم الإجمالي، ببطلان التمام أو القصر لصحّة الأوّل على كلّ تقدير.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الظاهر ممّا دلّ على «صحّة من أتم مكان القصر عن جهل» هوالجهل بالحكم لا ب(1)الموضوع ولا خصوصياته بشهادة انّه جعل المعيار للصحة والبطلان هو قراءة آية التقصير وتفسيرها وعدمها. وسيوافيك بيانه في محلّه.

وثانياً: كيف يمكن الاستغناء عن الاستصحاب في الظهرين، مع أنّ الحكم بالإتمام مبني عليه ولولاه لما حكمنا عليه بالاتمام غاية الأمر يكون طرف المعارضة هو الاستصحاب الجاري لدى الإتيان بالظهرين، مع الاستصحاب الجاري عند الإتيان بالعشائين؟


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1، و لا إطلاق في سائر روايات الباب، فلاحظ.


(207)

هذا ـ ولا يمكـن أيضـاً تصحيح الظهرين لا بقاعدة التجاوز، ولا بقاعدة الحيلولة، أمّا الثانية فلاختصاص دليلها بما إذا شكّ في أصل الإتيان لا في صحّة المأتي به، وأمّا الأُولى فلأنّ استواء الحالتين في الأذكرية، وهذا هو الوجه في عدم جريان قاعدة التجاوز لا لاختصاص القاعدة باحتمال الخلل المستند إلى الفعل الاختياري المفقود في المقام ـ كما عليه السيد المحقّق الخوئي لشمول القاعدة لكلّ شك يرجع إلى قيام المكلّف بالوظيفة، ولأجل ذلك لو صلّى إلى جهة، ثمّ شكّ في أنّه هل أحرزت جهة القبلة أو لا؟ فيحمل على الصحيح.

وبذلك اتضح انّه لا مجال للأُمور الثلاثة، في جانب الظهرين: (1)

1. الانحلال، 2. قاعدة التجاوز، 3. قاعدة الشكّ بعد خروج الوقت، فيصل الأمر إلى الأُصول العملية وهو البراءة في الظهرين والاشتغال في العشاء.

أمّا الأُولى فلأنّ القضاء إنّما هو بأمر جديد، تعلّق بأمر وجودي وهو الفوت في صحيحة زرارة قال: قلت له: رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر قال: «يقضي ما فاته كما فاته»(2) وهو غير محرز وجداناً لاحتمال صحّة الصلاة السابقة ولا تعبداً، لأنّه أمر وجودي لا يثبت باستصحاب عدم الإتيان بالواجب، فيكون الأمر بالقضاء مشكوكاً فيه فيرجع فيه إلى البراءة، وأمّا العشاء فالمحكَّم فيه هو قاعدة الاشتغال فيجمع بين القصر والإتمام تحصيلاً للمؤمِّن.

***

لو صلّى قبل حدّالترخص فوصل في الأثناء إليه

إذا كان في السفينة أو القطار فشرع في الصلاة بناء على صحّة الصلاة في


1 . المستند:8/223.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث 1.


(208)

حال السير قبل حدّالترخص بنيّة التمام ثمّ في الأثناء وصل إليه، فللمسألة صور:

1. وصل إليه ولم يدخل في قيام الركعة الثالثة.

2. وصل إليه وقد دخل فيه.

3. وصل إليه وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة.

أمّا الأُولى فلانقلاب الموضوع حيث كان حاضراً فصار مسافراً، وبما أنّ الأمر لم يسقط، والفريضة بعدُ لم يأت بها المكلف، فيأتي بها حسبَ ما تقتضيه وظيفته الفعلية بالنسبة إلى كيفيّة العمل من قصر أو إتمام فيشبه المقام بمن كان حاضراً أوّل الوقت وصار مسافراً حين الإتيان فيأتي بالصلاة قصراً.

فإن قلت: إنّه قصد الأمر بالإتمام، فكيف يصحّ قصراً مع انّه لم يقصد أمره، فيكون من باب ما قصد لم يقع، وما وقع لم يقصد؟

قلت: ما ذكر مبني على تعدّد الأمر وانّ الأمر المتوجه إلى الحاضر، غير الأمر المتوجه إلى المسافر، مع أنّ الظاهر من الآية أنّ الأمر واحد، وإنّما الاختلاف في الكيفية أي في الطول والقصر، كصلاة المُصحِّ والمريض، قال سبحانه: «لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقصروا مِنَ الصَّلوة» (النساء/101) أي أن تقصروا نفس الصلاة المأمور بها في الحضر، فالمأمور به واحد، غير انّه تختلف كيفيته طولاً وقصراً.

ويؤيد ذلك ما دلّ من الدليل على أنّ المسافر إذا نوى الإقامة في أثناء الصلاة وجب عليه الإتمام.(1) وهذا دليل على أنّ نيّة القصر لا تضر، وليس القصر ولا التمام من العناوين القصدية، بل يحصل المأمور به بنفس الإتيان بالصلاة قصراً أو تماماً إذا وافق الواجبَ في حقّه، بخلاف عنواني الظهر أو العصر، بل الأداء والقضاء إذ الجميع من العناوين القصدية التي لا تصح الصلاة إلاّ


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 20 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1و2.


(209)

بقصدها، ولذلك يجب العدول من العصر إلى الظهر إذا ذكر انّه لم يأت بالظهر، وتبطل صلاة العصر إذا أتى بها في الوقت المختص بالظهر، كلّ ذلك دليل على أنّ الصلاتين تتميزان بقصد واحد من العنوانين.

وعلى ضوء ذلك، فالمصلّي وإن قصد نية التمام، لكنّه غير مخلّ، وإنّما يجب عليه أن يراعي ما وظيفته حينَ ما توصف الصلاة بأحد الوصفين من القصر والإتمام فلو كان حين التشهد، في موضع يسمع فيه الأذان فيتم وإلاّفيقصر.

نعم استشكل سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في شمول قوله من صحيحة عبد اللّه بن سنان: «و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّـر»(1) لمثل المقام مدعياً بأنّ المتبادر ثبوت القصر لمن وقع جميعُ صلاته في الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان لا من وقع جميع صلاته ما عدا السلام مثلاً فيما صلى دون حدّالترخص إلى أن وصل إليه....(2)

يلاحظ عليه: بأنّ الكلام وارد مورد الغالب، فلا يزاحم سعة الحكم للمقام، أضف إليه انّه لا قصور في إطلاق قوله في جواب من سأله عن زمان التقصير (متى يقصّـر) فقال: «إذا توارى من البيوت».(3)

و ممّا ذكر يعلم حكم الصورة الثانية أعني إذا وصل إلى حدّالترخص وقد دخل في قيام الركعة الثالثة لما مرّمن انقلاب الموضوع وصيرورة الواجب في حقّه هو القصر، ولأجل ذلك يهدم القيام، فيتمها قصراً فتكون الزيادة، كالزيادة السهوية.

هذا وانّ الظاهر من العلاّمة في «التذكرة» هو التمام قال: «و لو أحرم في السفينة مثل أن تسير وهو في الحضر ثمّ سارت حتى خفي الأذان والجدران لم يجز


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 و 1.
2 . البدر الزاهر:317.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3 و 1.


(210)

له القصّـر لأنّه دخل في الصلاة على التمام».

والظاهر (1)انّ مراده في قوله: «على التمام» هو نية التمام، لا وقوع جميع صلاته في الحضر، لأنّ الظرف متعلّق بقوله: «دخل» والمتبادر من عبارته انّ القصر والتمام عنده من العناوين القصدية.

وأمّا الصورة الثالثة: إن دخل حدّ الترخص بعدما دخل في ركوع الركعة الثالثة، فذهب السيد الطباطبائي وتبعه المحقّق البروجردي إلى وجوب الإتمام، ثمّ إعادتها قصراً.

وقال السيد الحكيم ببطلان ما في يده من الصلاة وإعادتها قصراً.

لا إشكال انّه لا يصح له القصر لاستلزامه زيادة الركن، إنّما الكلام في تصحيحها تماماً ومعه لا وجه للاحتياط وإلاّ فلا مناص من ضمّ القصر إليه.

أمّا التصحيح وهو مبني على شمول قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الصلاة على ما افتتحت عليه» لمثل المقام مع أنّ المتيقن منه هو الساهي الذي عدل من نية الأداء إلى القضاء أو من الفريضة إلى النافلة ففي مثله يقال: « الصلاة على ما افتتحت عليه» وأين هو من مقامنا الخالي عن أيّ سهو، سوى تبدل الموضوع ولعلّ الاحتياط في مورده.

هذا كلّه في الذهاب وأمّا الإياب فكما إذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى حدّترخص القصر، ثمّوصل في الأثناء إليه. وليس له إلاّصورة واحدة وهو الوصول إليه قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة، فاختار السيد الطباطبائي وجوب الإتمام، ثمّ احتاط استحباباً بإتمامها قصراً، ثمّ إعادتها تماماً.

يلاحظ عليه: أنّه إذا صحت الصلاة عنده تماماً كما هو ظاهر كلامه، فالحكم بإتمامها قصراً إبطال لها وهو على خلاف الاحتياط، ولو حاول الاحتياط


1 . التذكرة:4/382.


(211)

كان عليه أن يقول أتمها تماماً، ثمّ أعادها قصراً وتماماً أيضاً.

والظاهر صحّة الصلاة تماماً، لانقلاب الموضوع وانّ الميزان في القصر والإتمام كونه في حال التشهد حاضراً أو مسافراً، والمفروض انّه حاضر، ووظيفته الإتمام.

إذا اعتقد الوصول إلى الحد وصلّى وبان الخلاف

إذا اعتقد الوصولَ إلى الحدّ وصلّى وبان الخلاف، فللمسألة من حيث كونه ذاهباً أو جائياً، وكونه معتقداً للوصول إلى حدّ القصر والتمام صور أربع:

1. إذا اعتقد في الذهاب الوصولَ إلى حدّ القصر، فصلّى، ثمّ بان انّه لم يصل إليه.

2. إذا اعتقد في الإياب أنّه وصل إلى حدّالتمام، فصلّـى تماماً، ثمّ بان انّه لم يصل إليه.

3. إذا اعتقد في الذهاب أنّه لم يصل إلى حدّ الترخص للقصر، فصلّى تماماً، ثمّ بان خلافه.

4. إذا اعتقد في الذهاب انّه لم يصل إلى حدّالتمام، فصلّى قصراً، ثمّ بان خلافه.

وإليك بيان أحكام الصور:

أمّا الصورة الأُولى: فقال السيد الطباطبائي: وجبت الإعادة أو القضاء تماماً، ووجهه واضح، لأنّ ما دلّ على معذورية الجاهل بالحكم في باب القصر والإتمام، فإنّما دلّ في مورد الجهل بالحكم دون الموضوع (و سيوافيك الكلام في الجهل بالموضوع في محلّه) على أنّه من المحتمل اختصاص النصّ بمن أتم في موضع القصر، لا من قصّر في موضع الإتمام كما هو المفروض في المقام، ثمّ إنّ


(212)

الحكم بالتمام إعادة وقضاءً مبني على توقفه في ذلك المقام إلى خروج الوقت، وأمّا إذا سار ووصل إلى حدّالقصر، والوقت باق فإن انكشف الخلاف في الوقت يعيدها قصراً، وإن لم يُعد أو انكشف في خارجه يقضيها قصراً، لأنّ إعادة الصلاة من حيث القصر والتمام تابع للوقت الذي يعيدها فيه المفروض انّه مسافر في حال إعادة الصلاة الباطلة، كما أنّ قضاءها تابع لما فاتته في آخر الوقت والمفروض أنّها فاتته وهو مسافر، فعلى كلا التقديرين يعيد ويقضي قصراً.

والحاصل انّه يعيد حسب حاله في الإعادة من السفر والحضر، وتقضى حسب ما فاتته في آخر الوقت قصراً أو تماماً.

الصورة الثانية: لو صلّى في العود تماماً باعتقاد الوصول إلى حدّ الترخص للتمام فبان عدمه، قال السيد الطباطبائي: وجبت الإعادة أو القضاء قصراً.

وكلامه مبني ـ كما عرفت ـ على توقّفه في ذلك المكان وانكشاف الخلاف في الوقت، فيعيدها قصّـراً، لأنّه في حال الإعادة مسافر، كما انّه يقضيها كذلك لأنّ الصلاة فاتته وهو مسافر، وأمّا لو سار ووصل إلى حدّ التمام وانكشف الخلاف، فيعيدها تماماً، لأنّه حاضر وقت الإعادة ويقضيها كذلك لأنّ الصلاة فاتته وهو حاضر آخر الوقت.

الصورة الثالثة: إذا اعتقد في الذهاب عدم الوصول إلى حدّالقصر فصلّى تماماً، ثمّ بان انّه وصل إليه، يعيدها قصراً لأنّه في حال الإعادة مسافر ويقضيها قصراً، لأنّه فاتته، وهو مسافر سواء توقف في ذلك المكان، أو سافر إذ هو في كلتا الحالتين مسافر.

الصورة الرابعة: إذا اعتقد في الإياب انّه لم يصل إلى حدّ التمام، فصلّى قصراً، ثمّ بان خلافه وانّه دخل إلى حدّه، يعيدها تماماً ويقضيها تماماً من غير فرق بين كونه متوقفاً فيه أو جائياً إلى جانب البلد.


(213)

وبذلك تقف على صحّة كلام السيد بشرط أن يفسّـر كلامه على نحو ما ذكرناه.

ثمّ إنّ القول بالإعادة والقضاء في جميع الصور إنّما يتم على أحد القولين أمّا القول بتعدّد الأمر، أو لوحدته، ولكن مع القول بعدم الاجزاء في امتثال كيفية المأمور بالاستصحاب، وإلاّفلو قلنا بوحدة الأمر ـ كما هـو المسلـم ـ وانّ الأمر بامتثال أمر المولى على النحو الذي أمر به من العمل من الأمارة والأُصول يدل عرفاً على كونه مكتفياً في أغراضه بما أدّى إليه الدليل، فالاجزاء في جميع الصور لا يخلو من قوة وقد أوضحنا حاله في مبحث الاجزاء.

***

إذا وصل إلى حدّالترخّص ثمّوصل إلى مادونه

إذا سافر من وطنه، وجاز حدّالترخّص، ثمّ وصل في أثناء الطريق إلى ما دونه، أي إلى نقطة يسمع فيها أذان البلد، امّا لاعوجاج الطريق، أو لأمر آخر من قضاء حاجة ونحوها، وهناك صور:

1. إذا سافر من وطنه وجاز عن الحدّ ثمّ وصل إلى مادونه.

2. إذا سافر من محلّ الإقامة وجاز عن الحدّ، ثمّوصل إلى ما دونه.

أمّا الصورة الأُولى فيقع الكلام فيها في أُمور:

أ. حكم الصلاة إذا أراد أن يصلّـي فيما دون الحد.

ب. حكم الصلاة إذا صلّى بعدما جاوز الحدّثمّ وصل إلى ما دونه.

ج. ما هوالمبدأ لاحتساب المسافة إذا رجع إلى ما دون حدّ الترخّص؟

أمّا الأوّل فهو كما قال السيد الطباطبائي: فمادام هناك يجب عليه التمام،


(214)

عملاً بإطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم».(1)

وأمّا الثاني: أعني حكم الصلاة إذا جاوز الحدّو لم يصل إلى مادونه، فهل هو يقصر مطلقاً، أو فيما إذا لم يعلم برجوعه إلى ما دون المسافة؟ والثاني هو المتيقن من صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت، وقد خرج من القرية على فرسخين، فصلّوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يُقضَ له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: « تمّت صلاته ولا يعيد».(2)

و قد مضى الكلام فيه، وقلنا بأنّ ما ورد في خبر سليمان بن حفص المروزي(3) من الأمر بالإعادة محمول على الاستحباب، وصحّة القصر في المقام أولى من صحّته إذا بدا له في أصل السفر، وأمّا كونه هو المتيقن، فلأنّ الصحيح منصرف عمّا إذاكان عالماً بأنّه يرجع إلى دون الحدّ، إمّا لأجل الاستطراق، لكون الطريق معوجاً; أو لقضاء الحاجة، وسيوافيك تفصيل آخر فيمن يعلم انّه يرجع فانتظر.

وأمّا الثالث: فهو عبارة عن تعيين مبدأ الاحتساب للمسافة، إذا دخل ما دون الحدّ، فهل يجب أن يكون بين هذا المحل والمقصد مسافة بأن يكون الباقي مسافة مع قطع النظر، عمّا قطع من البلد إلى ذاك المحل، أو يكفي كون المجموع مسافة ولو بضمّ ما قطع؟ الظاهر هو الثاني، وذلك لأنّ مبدأ الاحتساب كما مرّ إنّما هو آخر البلد، لا بالتجاوز عن حدّالترخص وإن كان التقصير منوطاً به لكن


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.


(215)

الاحتساب شيء، وجواز التقصير شيء آخر. وعلى ذلك فلا وجه لإلغاء البعد المتخلّل بين البلد والمحل الذي رجع إليه.

بل يمكن التفصيل بين كون الرجوع إلى ذلك، نتيجة طبيعية لطيّ الطريق كما إذا كان الطريق جبلياً، فيصعد نحوه ثمّ ينزل ويصل إلى مادون حدّ الترخص، أو أراد العبور من إحدى الضفّتين للنهر الكبير إلى الضفّة الأُخرى فسار على إحديهما على وجه تجاوز حد الترخص ثمّ عبر عن الجسر، ونزل الضفّة الأُخرى وعاد ووصل إلى ما دون الترخّص، ففي مثل ذلك يحاسب الجميع مسافة حتى الذهاب والرجوع إلى مادون الترخّص، وبين كون الرجوع لأجل قضاء حاجة في ذلك المحل، فانّ الرجوع لتلك الغاية يكون على الخط المستقيم، فلا وجه لمحاسبة مثل هذا الذهاب والإياب ولا يعد جزءاً للسفر.

ومنه يعلم، صحة القصر فيما إذا صلّى فوق حدّ الترخّص مع العلم بأنّه سوف يصل إلى مادون الحد لأجل اعوجاج الطريق أو وجود المانع، إذ لا وجه لانصراف صحيحة زرارة عن مثله، نعم لو صلّى، مع العلم بأنّه يرجع إلى دون الترخّص، لقضاء حاجة، فالأحوط وجوب الإعادة تماماً في ما أعاد دون الترخّص، وقصراً فيما أعاد فوقه.

***

وأمّا الصورة الثانية: أي إذا سافر من محل الإقامة وجاز عن الحدّثمّ وصل إلى مادونه أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة، فالظاهر انّه يقصر، لأنّ اعتبار التجاوز عن حدّ الترخص لو قلنا في الخروج عن محلّ الإقامة فإنّما يعتبر في السفر الأوّل لا مطلقاً، ولذلك لو سار إلى نهاية المسافة ثمّ رجع إلى محلّ الإقامة، يقصر قطعاً فضلاً عن الوصول إلى ما دون حدّ الترخّص الذي هو بين محلها وحدّ الترخّص.


(216)

في المسافة الدورية حول البلد

قد تقدّم الكلام في المسافة المستديرة على البلد(1) وأنّها تارة تلاصق نقطة منها البلد، فتكون المسافة المستديرة مع البلد شبه الدائرتين المتلاصقتين; وأُخرى تكون مستديرة على البلد، فلا شكّ انّ أدلّة القصر تشمل الصورة الأُولى وقد تقدّم الكلام فيها، إنّما الكلام في دخول الثانية تحت الإطلاقات، والظاهر انّ المدار هو السير ثمانية فراسخ سواء كان إمتدادياً أو مستديراً، سواء ابتعد عن البلد بالمسافة الشرعية أو لا، فانّ القصر هدية من اللّه للمسافر المتعب من غير مدخلية لكون السير امتدادياً، أو تلفيقياً أو مستديراً.

نعم يقع الكلام في صورها:

1. أن يكون تمام الدور دون الترخّص.

2. أن يكون تمام الدور فوق حدّالترخّص بعد الخروج عن البلد.

3. أن يكون بعضه دون حدّ الترخّص ولكن كان السابق قبل الوصول إلى دونه مسافة، وكان الباقي بعد الخروج عمّا دونه أيضاً مسافة.

4. أن يكون بعضه دون حدّ الترخّص، ولكن كان واحد من السابق أو الباقي مسافة.

5. أن يكون المجموع مسافة ولم يكن واحد من السابق والباقي مسافة.

لا إشكال في لزوم الإتمام في الأُولى، والقصر في الثانية، وفي كلّ من السابق والباقي في الثالثة لافتراض انّ كلاً منهما مسافة ولا يُخلّ الوصول إلى مادون الترخّص، لكون كلّ منهما مسافة، وخصوص ما كان مسافة من الصورة الرابعة.


1 . لاحظ المسألة 14 من هذا الفصل.


(217)

بقي الكلام فيما إذا لم يكن مسافة شرعية من إحدى الصورتين للرابعة ونفس الصورة الخامسة.

وقد عرفت الحقّ انّ الوصول إلى مادون الترخّص لأجل الاستطراق، لا يخرجه عن كونه مسافراً ويؤيّده انّه لا يلزم أن يكون جميع المسافة فوق الحد، لما عرفت من أنّ مبدأ المسافة آخر البلد، والمسافة الواقعة بينه وبين حدّالترخّص جزء من المسافة الشرعية وهي واقعة دون حدّ الترخّص فيكون جميع الصور إلاّ الأُولى يقصر فيها. واللّه العالم.


(218)


(219)

الفصل الثالث

في قواطع السفر

* 1 . المرور على الوطن .

* 2. العزم على إقامة عشرة أيّام متواليات في مكان واحد.

* 3. التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً بعد قطع المسافة الشرعية.


(220)


(221)

قواطع السفر موضوعاً أو حكماً ثلاثة:

1. المرور على الوطن.

2. العزم على إقامة عشرة أيّام متواليات في مكان واحد.

3. التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً بعد قطع المسافة الشرعية.

ثمّ إنّ عدم القواطع يعتبر تارة شرطاً لأصل شرعية القصر، وأُخرى شرطاً لاستمراره.

أمّا الأوّل: فقد مرّ الكلام عنه في الشرط الرابع من شروط القصر الثمانية، وقال السيد الطباطبائي في الفصل الأوّل في ضمن عدّ شروط القصر:

«الرابع: أن لا يكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية، وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك وإلاّ أتمّ» (1).

و ما يمكن أن يكون شرطاً لأجل شرعية القصر إنّما هو الأوّل والثاني من الأُمور الثلاثة، وأمّا الثالث فلا يعتبر شرطاً لأصل المشروعية إذ معنى ذلك أن يكون العلم بإقامة ثلاثين يوماً متردّداًمانعاً عن مشروعية التقصير أو قصد عدمه شرطاً لأصل السفر وهو كما ترى.

إذا عرفت هذا، فلنبدأ بدراسة القواطع الثلاثة:

***


1 . العروة الوثقى: 330.


(222)

القاطع الأوّل: المرور على الوطن

إنّ كون المرور على الوطن قاطعاً للسفر من القضايا التى قياساتها معها، وذلك لأنّ السفر، والمسافر يقابلهما الحضر والحاضر، فإذا مرّ على الوطن فقد انقطع السفر وسلب عنه عنوان المسافر، فلوخرج منه يعد سفراً جديداً، وهذا ممّا لا إشكال فيه، ويدل عليه صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه; أو عن الحلبي، عنه ـ عليه السَّلام ـ «في الرجل يسافر فيمرّ بالمنزل له في الطريق، يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: يقصر إنّما هو المنزل الذي توطّنه» فدل على أنّ المنزل الذي توطّنه الإنسان يوجب الإتمام، لا كلّ منزل يملكه، وإن لم يكن يوطنه، والمنزل الذي كان له في الطريق، لم يكن يتوطنه وإلاّأمر بالتمام.

ثمّ إنّهم قسّموا الوطن إلى أصلي، واتخاذي،(1) وشرعي. ولنقدم البحث عن معناه اللغوي أولا فنقول:

قال ابن فارس: الوطن محلّ الإنسان، وأوطان الغنم مرابضها.(2)

وأوطنتُ الأرضَ: اتخذتها وطناً، والميطان: الغاية.(3)

وقال ابن منظور: الوطن المنزل تقيم به، وهو موطن الإنسان ومحلّه، وقد


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث8.
2 . أي مرابطها.
3 . مقاييس اللغة:6/120.


(223)

خففه رؤبة في قوله:

أوطنتُ وطْناً لم يكن من وطنـي * لو لم تكُنْ عاملَهــا لم أَسْكُنِ

بها، ولم أَرْجُــنْ بها في الرُّجَّــنِ

قال ابن بري الذي في شعر رؤبة:

كيما ترى أهــلُ العراق أنّنـي * أوطنـتُ أرضاً لم تكن من وطني

الجمع أوطان، وأوطان الغنم والبقر: مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها. قال الأخطل:

كرّوا إلى حَرَّتَيْكُـمْ تعمرونهمـا * كما تكرُّ إلى أوطانها، البقــرُ

و من ذلك وطن بالمكان وأوطن: أقام، وأوطنه: اتخذه وطناً، يقال: أوطنَ فلان أرضَ كذا وكذا، أي اتّخذها محلاً ومسكناًيقيم فيها.(1)

وقال الفيروز آبادي: الوطن محركة ويسكن، منزل الإقامة كالموطن ومربط البقر والغنم، أوطان.(2)

وقال الجزري: وفي الحديث «نهى عن إيطان المساجد، أي اتخاذها وطناً، ومنه الحديث في صفته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان لا يوطن الأماكن أي لا يتخذ لنفسه مجلساً يعرف به، والموطن: مفعل منه ويسمى به المشهد من مشاهد الحرب، وجمعه مواطن ومنه قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةً» .(3)

وقال أبو البقاء: الوطن: هو منزل الإقامة، والوطن الأصلي مولد الإنسان،


1 . ابن منظور: لسان العرب:13/451، مادة «وطن».
2 . الفيروز آبادي: القاموس المحيط:4/276.
3 . الجزري: النهاية:5/204.


(224)

أو البلدة التي تأهل فيها.

وطن الإقامة: هو البلدة أو القرية التي ليس للمسافر فيها أهل، ونوى أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً فصاعداً.

وطن السكنى: هو المكان الذي ينوي المسافر أن يقيم فيه أقل من خمسة عشر يوماً.(1)

هذه كلمات أهل اللغة، وهي تحدّد الوطن بالمنزل الذي يقيم فيه الإنسان، والمكان الذي يأوي إليه الإنسان بعد الخروج منه، ومنه أوطان الغنم، لأنّه كلّما خرج نهاراً إلى الرعي، يأوي إليها ليلاً، ولو فسره أبو البقاء بمولد الإنسان، أو البلدة التي تأهّل فيها، لأنّ الإنسان بطبعه يقيم في البلد الذي ولد فيه، أو الذي تأهل فيه.

وبذلك يعلم انّه لا يشترط في صدقه نيّة دوام الإقامة، ولا كونه مالكاً لبيت أو شيء فيه، أو مقيماً فيه سنة أو شهوراً، بل كل من اتخذ لنفسه موضعاً، للإقامة فيه على وجه كلّما تركه لعامل داخلي أو خارجي يأوي إليه إذا زال ذلك العامل فيقيم فيه من دون تحديد، فقد اتّخذه وطناً والعلقة التي تكون سبباًلاتّخاذ الموضع مأوى ومستقراً تختلف حسب اختلاف أحوال الإنسان غير انّ المهم أمران:

1. كونه مولده ومنشأه وفيها نشأ وترعرع، فبطبيعة الحال يقتضي أن يكون مستقراً فيه.

2. ربما تلجئ الظروف لترك مسقط رأسه، واتخاذ بلد آخر مقراً لنفسه، لوجود نشاط الحياة في الثاني أحسن من الأوّل.

وإلى ما ذكرنا يشير شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قال: الوطن والوطنيّة


1 . أبو البقاء: الكليات:5/42.


(225)

علقة خاصة حاصلة بين الشخص والمحل، توجب كونه في ذلك المحل إلاّ إذا عرض عارض، وإذا خرج منه لذلك العارض توجب تلك العلقةُ رجوعه إليه متى زال، سواء أكانت العقلة من جهة كون المحل موطناً لآبائه وانّه تولّد ونشأ فيه، أو من جهة اتخاذه مقرّاً دائمياً.

إنّ الإتمام في الأرض التي يستوطنها الإنسان ورد في بعض الروايات: (1)

1. روى علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السَّلام ـ بأنّه قال: «كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير».(2)

2. روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إنّما هو المنزل الذي توطّنه».(3)

ملاك الإتمام كونه غير مسافر لا كونه متوطّناً

إنّ البحث عن ملاك التوطّن ومعيار صدقه، ليس بمفيد كثيراً، لأنّه لو كان الإتمام والقصر دائراً مدار صدق الوطن وعدمه، كان على الفقيه، بذلُ الجهد في تبيين مفهومه وتحديده، وانّه هل يشترط فيه نيّة الدوام أو لا، وكونه مالكاً للدار أو لا؟ وأمّا إذا كانا معلّقين على كونه مسافراً وغير مسافر، فيكفي في لزوم الإتمام عدمُ صدق كونه مسافراً، وإن لم يصدق انّه متوطن، ولأجل ذلك يتم إذا نوى الاقامة في محلّ بمدّة عشرة أيّام.

انّ هناك أمراً مهماً، وهو قد شاعت في هذه الأزمنة الإقامة في غير الوطن الأصلي لا بصورة دائميّة بل بصورة محدودة، للدراسة أو التجارة، أو التوظّف للدولة، فالموظّف ينتقل في كلّ فترة من محل إلى محل آخر من دون أن يكتب له


1 . الصلاة:431.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1، 6، 10.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث8.


(226)

البقاء فيه، بل يكون مرفّقاً بالتحديد كأربع سنوات، فعلى هؤلاء إتمام الصلاة لا بملاك أنّهم مقيمون، بحيث لو خرجوا بمقدار المسافة الشرعية يجب عليهم تجديد النية وقصد العشرة، بل بملاك انّهم غير مسافرين ولا ضاربين في الأرض، فلا يضرّ الخروج عن المحل سواء كان بمقدار المسافة الشرعية أو أقلّ منها.

و بذلك يتبين حال كثير من الطلاب المهاجرين إلى بلد لغاية التحصيل، أو الموظفين في بلد على وجه محدد، فانّهم ماداموا فيه يتّمون لا بملاك الإقامة، بل بملاك خروجهم عن عنوان المخصص. كما شاع انّ موظفاً أو تاجراً أو عاملاً يسكن في بلد، ولكن يسافر كلّ يوم لأجل العمل إلى بلد آخر، كالطبيب الذي يبيت مع أهله في كرج، ويشتغل بالطبابة نهاراً في طهران ولم يزل على هذا المنوال طيلة سنين فهو يتم في كلّ من البلدين وإن تخللت بينهما مسافة شرعية، وما ذلك لأنّه لا يصدق انّه مسافر في كلا البلدين إذا كان له عمل مستمر طول السنة.

والحاصل انّ الحكم بالتمام لا يدور على صدق الوطن العرفي، بل يكفي عدم صدق المسافر، لأنّ القصر من أحكامه، فإذا لم يصدق عليه عنوان المخصص يبقى تحت العام.

و ممّن نبه على النكتة المحقّق الهمداني قدَّس سرَّه، ويعجبني نقل كلامه على وجه التلخيص. قال: إنّ مقتضى القاعدة الأوّلية التي شُرِّعت عليها الصلاة هو الإتمام، والقصر إنّما يجب بعروض السفر الجامع لشروط التقصير، فالمكلّف مالم يكن مسافراً، لم يُشرّع في حقّه التقصير، وإنّما يصير مسافراً بالتباعد من منزله الذي هو دار إقامته، وإذا وصل إلى منزله من سفره عاد حاضراً، الذي هو ضد المسافر ويسمّى ذلك الموضع الذي هو موضع إقامته في العرف وطناً، لكن الحكم بالتمام لدى وصوله إلى مستقره ليس منوطاً بصدق كونه وطناً له، بل بخروجه عن كونه مسافراً، فالبدوي الطالب للماء والكلاء، الذي بيته معه. إذا نزل في مكان،


(227)

ثمّ سافر لغرض خاص، ومتى عاد إليه خرج عن كونه مسافراً، وإن لم ينو إقامة العشرة. فالمدار على خروجه عن حدّ المسافر، لا دخوله في حدّ المقيم في وطنه، الذي يكون التشكيك في صدق اسم الوطن عليه موجباً للتشكيك في حكمه.(1)

تفسير الوطنين الأصلي والاتخاذي

إنّ الوطن بما له من المعنى العرفي يتحقّق بأحد أمرين:

1. كون البلدة مسقط رأسه ومحلّ تولّده ونشئه ونموّه، فهذا ما يسمى بالوطن الأصلي فكلّما خرج الإنسان عنه، عاد إليه.

2. اتخاذها وطناً ثانياً لإلجاء الظروف الانتقال من الوطن الأصلي، إلى إلقاء الرحل فيها، لعوامل اقتصادية أو سياسية أو صحيّة، بحيث يصدق عليه انّه أعدّه مقراً لنفسه، وهذا ما يسمى وطناً اتخاذياً، وقد شاعت الهجرة بين الشعوب بعد ظهور الحضارة الصناعية، لسهولة الانتقال مع الأثقال من بلد إلى بلد آخر لطلب المال والمقام.

ولا يعتبر في صدق الوطن الاتخاذي، إلاّاتخاذه مقراً ومسكناً بلا تقييده بمدة محددة، بل يصدق مع التقييد أيضاً إذا كانت مدّة الاستقرار كثيرة كعشر سنين أو أزيد بشرط أن يُحقّق لوازم الاستقرار وشؤون الاستيطان كالانتقال مع الأهل والعيال إليه، والاشتغال بالتجارة أو العمل في المصانع والمزارع على وجه يتجلى المحلُّ في نظر العرف كونه مسكناً ومستقراً له، وهذا يختلف حسب اختلاف الأشخاص في الشؤون الاجتماعية، فالعامل في بلد إذا انتقل إلى بلد آخر واشتغل بنفس العمل في مصنع من المصانع صدق انّه اتّخذه مقرّاً ومسكناً، بخلاف التاجر فلا يصدق إلاّإذا مارس بنفس ما كان يمارسه في البلد الأوّل عن طريق إنشاء


1 . مصباح الفقيه: كتاب الصلاة:738.


(228)

متجر يضمّ إلى نفسه كاتباً ومحاسباً إلى غير ذلك من الشؤون. يقول السيد الطباطبائي: إنّ الصدق المذكور يختلف حسب الأشخاص والخصوصيات فربما يصدق بالإقامة فيه بعد القصد المزبور شهراً أو أقلّ فلا يشترط الإقامة ستة أشهر.

ولا يشترط في صدقه، كونه مالكاً لدار أو دكان، بل يكفي اتخاذه مسكناً ومقراً ولو بالإيجار، والسائد على المهاجرين هو الايجار، لا التملك.

والحاصل انّه لا يشترط في صدق الوطن العرفي، سوى اتخاذه مقراً ومسكناً لنفسه وعياله وأولاده بحيث لو سئل عن مسكنه، لأجاب أسكن البلد الفلاني سواء اقترن بنية الدوام أو لا، بشرط أن تكون المدّة في الصورة الثانية طويلة تصوّر المسكن في نظر العرف انّه وطن سواء كان له ملك أو لا.

إذا كان له دار أثناء الطريق

وبذلك تعلم حال ما لو كان له وراء دار إقامته منزل آخر، فهل العبور عليه يكون قاطعاً للسفر ويتم فيه الصلاة، أو لا؟ الظاهر انّه تختلف حاله حسب اختلاف كيفية إقامة الإنسان، فربما يتخذه مقراً لنفسه ليقضي أيام العطلة فيه فيجهّزه بأثاث البيت، بحيث كلما نزل فيه يرى نفسه مستقراً، لا مسافراً ولو ضمّ إليه أمراً وهو أن يتزوج امرأة ويسكنها فيه بحيث كلما حل فيه، فكأنّه حل في وطنه ففي مثله يتم ويصوم وإن كان أقل من عشرة وربما لا تكون إقامته بهذه المثابة بل ربما يحل فيه، يوماً وأياماً ثمّ يتركه ويكون الاقامة كالإقامة في الفندق في أيام الصيف ففي مثله يقصر ويفطر.

والحاصل انّ الحكم بالخروج عن كونه مسافراً وعدمه تابع لكيفية إقامته فيه من حيث الكمية والكيفية ولذلك يختلف قضاء العرف حسب اختلاف الإقامة


(229)

فيه والشؤون المتواجدة فيه المعربة عن الاستيطان وعدمه ثمّ إنّ الحكم بالاتمام في الوطنين فرع عدم إعراضه عنهما ولو أعرض، عاد كسائر الأمكنة التي تقصر فيه الصلاة.

الوطن الشرعي

نسب إلى المشهور قسم ثالث من الوطن وراء الأصلي والاتخاذي سمّوه بالوطن الشرعي وحاصله انّه إذا كان له في بلد أو قرية ملك قد سكن فيه بعد اتخاذه وطناً ـ ستة أشهر ـ يتم إن دخل فيه وإن أعرض عنه إلى أن يزول ملكه وهذا هو المشهور بالوطن الشرعي، يُغاير القسمين الآخرين في النتيجة وهي عدم إضرار الإعراض عنه مادام له ملك، والمقوم له الأُمور التالية:

1. أن يتخذ القرية أو البلد وطناً.

2. أن يكون له فيه ملك.

3. أن يكون الملك قابلاً للسكنى فلا يكفي كونه مالكاً للنخلة.

4. أن يسكن فيه بمدّة ستة أشهر بقصد التوطّن.

فمادام كونه مالكاً له لا يزول عنه حكم الوطنية وإن أعرض فلو مرّعليه، يتم ولو سافر إليه من البلد الجديد الذي اتخذه وطناً يُتم، وقد نسب إلى المشهور.

وربما يفسر الوطن الشرعي بوجه آخر وهو المكان الذي أقام فيه الإنسان ستة أشهر متوالية أو متفرقة مع وجود ملك له فيه سواء اتخذه مقراً له أو لا، وسواء كان وطنه الأصلي أو لا، وسواء كان لتحصيل العلم أو لغيره.

ولعلّ التفسير الثاني أكثر انطباقاً للأقوال التي ستمر عليك.

والفرق بين التفسيرين واضح، فانّ التفسير الأوّل مبني على اتّخاذه مقراً


(230)

دائماً ثمّ أعرض فيكون الوطن الشرعي وليد الوطن الاتخاذيّ غالباً إذا أعرض عنه بعد تحقّق الأمرين:

1. إقامة ستة أشهر.

2. فيه منزل يملكه بخلاف الثاني حيث يكفي صرف الإقامة في المكان مع وجود ملك وإن كانت من أوّل الأمر بصورة مؤقتة، فلو انّ إنساناً هاجر إلى بلدة طهران لإنجاز عمل يستغرق ستة أشهر، فأقام فيها تلك المدة وتملك داراً، ثمّ رجع إلى وطنه، فهو يتم إلى آخر عمره كلما حلّ في طهران أو مرّ عليها مادام الملك باقياً.

و ربما يفسر بوجه ثالث أي الوطن الأصلي الذي نشأ فيه بعد إعراضه عنه، وقد ترك فيه ملكاً وأقام المدة أو أزيد وقد ذكر التفاسير الثلاثة، المحقّق النراقي في المستند.(1)

والحاصل انّ الوطن الشرعي فسر بوجوه ثلاثة:

1. الوطن الأصلي الذي أعرض عنه، فإذا كان له منزل أو ملك فيه، يتم متى دخله.

2. الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه مع الشرطين. وهذا خيرة صاحب الجواهر.

3. أو المحل الذي أقام فيه ستة أشهر. وهو خيرة شيخنا الأنصاري.

وأمّا أهل السنّة فلم نعثر على نص لهم في «بداية المجتهد»، ولا في «الهداية» للمرغيناني. نعم قال ابن قدامة في «المغني»: قال الزهري: إذا مرّبمزرعة له أتم. وقال مالك: إذا مرّبقرية فيها أهله أو ماله أتم، إذا أراد أن يقيم بها يوماً وليلة.


1 . المستند:1/565.


(231)

وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر مالم يجمع على إقامة أربع، لأنّه مسافر لم يجمع على أربع.

وقال ابن عباس: إذا قدمت على أهل لك أو مال فصلّ صلاة المقيم.(1)

إنّ الوطن الشرعي بأحد التفاسير الثلاثة لم نعثر عليه في الكتب التالية:

1. فقه الرضا لكاتبه;2و 3. المقنع والهداية للصدوق; 4. المقنعة للمفيد; 5. جمل العلم والعمل للمرتضى; 6و 7.الخلاف والاقتصاد للطوسي; 8. الكافي للحلبي; 9و10. جواهر الفقه والمهذب لابن البراج; 11. فقه القرآن للراوندي; 12. الغنية لابن زهرة; 13. إشارة السبَق للحلبي;14. الجامع لابن سعيد; 15. اللمعة للشهيد الأوّل.

نعم تعرض له قليل من المتقدّمين والمتأخّرين:

1. قال الصدوق ـ بعدمـا نقـل خبر إسماعيـل بن الفضـل ـ: قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة أيّام، ومتى لم يرد المقام بها عشرة أيّام قصر إلاّأن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر. فإن كان كذلك، أتم متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع.

وظاهره عدم الاعراض وانّه يسكنه كلّ سنة ستة أشهر وكلامه أخص ممّا نسب إلى المشهور وناظر إلى بيان حكم ذي الوطنى(2)ن.

2. قال الشيخ في النهاية: ومن خرج إلى ضيغة له، وكان له فيها موضع ينزل ويستوطنه وجب عليه الإتمام، فإن لم يكن له فيها مسكن وجب عليه


1 . المغني:2/136.
2 . الفقيه:1/451 برقم 1307، باب الصلاة في السفر، و ما ذكره الصدوق في تفسير الصحيحة هو الذي سوف نقوّيه في بحوثنا القادمة من حملها على من له وطنان، فلا تغفل.


(232)

التقصير.(1)

وظاهره هو انّه يستوطنه ولو بصورة كونه ذا وطنين وليس فيه من الإقامة بمقدار ستة أشهر أثر.

3. قال ابن البراج في الكامل: من كانت له قرية له فيها موضع يستوطنه وينزل به وخرج إليه وكانت عدّة فراسخ سفره على ما قدمناه فعليه التمام.(2)

وكلامه ظاهر فيمن كان له وطنان، تارة يستوطن الضيعة، وأُخرى في البلد الآخر.

نعم تجده صريحاً في المصادر التالية:

4. قال ابن حمزة: إن بلغ سفره مسافة التقصير إن مرّبضيعة له فيها مسكن نزل به ستة أشهر فصاعدا أتم وإن لم يكن فقصر.(3)

5. قال ابن إدريس: من نزل في سفره قرية أو مدينة وله فيها منزل مملوك قد استوطنه ستة أشهر أتم، وإن لم يقم المدة التي يجب على المسافر الإتمام، أو لم ينو المقام عشرة أيام.(4)

6. وقال الكيدري: إذا مرّ في طريقه بضيعة له أو ملك له أو حيث له فيه قرابة، فنزل ثمّ طرح ولم ينو المقام، فإن كان قد استوطنه ستة أشهر فصاعداً تمم وإلاّ قصر.(5)

7.قال المحقّق: الوطن الذي يتم فيه هو كلّ موضع له فيه ملك قد


1 . النهاية: 124، باب الصلاة في السفر.
2 . المختلف: 2/561.
3 . الوسيلة: 109.
4 . السرائر:1/331.
5 . إصباح الشيعة:93.


(233)

استوطنه ستة أشهر فصاعداً متوالية، كانت أو متفرقة.(1)

8. وقال أيضاً: (الشرط) الثاني: أن لا يقطع السفر بعزم الإقامة، فلو عزم مسافة وله في أثنائها منزل قد استوطنه ستة أشهر، أو عزم في أثنائها إقامة عشرة أيّام أتم.(2)

9. وقال العلاّمة في القواعد: وكذا ـ أي يتم ـ لو كان له في الأثناء ملك قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(3)

10. وقال في إرشاد الأذهان: (الشرط) الثالث: عدم قطع السفر بنية الإقامة عشرة فمازاد في الأثناء أو بوصوله بلداً له فيه ملك استوطنه ستة أشهر فصاعداً.(4)

11. وقال الشهيد في الدروس: (الشرط) السادس: عدم وصوله إلى منزل له فيه ملك واستيطان ستة أشهر ولو متفرقة.(5)

12. وقال في البيان: (الشرط) الرابع: لا يمرّعلى بلد له فيه منزل استوطنه ستة أشهر.(6)

13. وقال المحقّق الثاني: (الشرط) الثالث: استمرار القصد، فلو نوى الإقامة في الأثناء عشرة أيّام أتم وإن بقى العزم وكذا لو كان له في الأثناء ملك قد استوطنه ستة أشهر متوالية أو متفرقة.(7)


1 . الشرائع:1/123.
2 . المختصر النافع: 51.
3 . القواعد، لاحظ إيضاح الفوائد في شرح القواعد، قسم المتن:1/162.
4 . إرشاد الأذهان:1/275.
5 . الدروس:1/211.
6 . البيان:1/156، الطبعة الحجرية.
7 . جامع المقاصد:2/511.


(234)

هذه كلمات أكابر الأصحاب من القرن الثالث إلى العاشر، وبذلك يعلم مقدار الشهرة الواردة في كلماتهم، وقد عرفت أنّ المعنون في كلام الصدوق والشيخ وابن البراج لا يمتَّ إلى الوطن الشرعي بصلة بل كلامهم فيمن كان ذا وطنين وعليه حملوا صحيحة ابن بزيع الآتية. وأمّا المتأخرون فلا يهمنا ذكر كلماتهم غير انّ السيد الطباطبائي يقول: المشهور على أنّه بحكم الوطن العرفي وإن أعرض عنه إلى غيره ويسمّونه بالوطن الشرعي ويوجبون عليه التمام ـ إذا مرّعليه ـ مادام بقاء ملكه فيه، لكن الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض فالوطنالشرعي غير ثابت. وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه فيجمع بين القصر والتمام إذا مرّعليه ولم ينو إقامة عشرة أيّام، بل الأحوط الجمع إذاكان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسكنى وبقى فيه بقصد التوطنستة أشهر. بل وكذا إذا لم يكن يسكنه بقصد التوطّن بل بقصد التجارة مثلاً.

وقد وافقه أكثر المعلِّقين على العروة إلاّ السيد المحقّق الخوئي فقال في تعليقته: ما ذكره المشهور من ثبوت الوطن الشرعي هوالصحيح، وإنّما يتحقّق بوجود منزل مملوك له في محل قد سكنه ستة أشهر متصلة عن قصد ونية، فإذا تحقّق ذلك أتم المسافر صلاته كلما دخله إلاّ أن يزول ملكه.(1)

إذا وقفت على الأقوال فلندرس الروايات الواردة في المقام.

إنّ الروايات على أصناف أربعة ـ وان جعلها صاحب الحدائق ثلاث عشرة طائفة ـ:

1. ما يدل على أنّ النزول في أرض أو المرور عليها للإنسان فيها ملك، قاطع للسفر ويكفي أن يكون له فيها نخلة، من غير فرق بين الاستيطان وعدمه وقصد


1 . العروة الوثقى، فصل في قواطع السفر تعليقة المسألة الأُولى.


(235)

العشرة وعدمه، فتمام الموضوع، للإتمام، كون الإنسان مالكاً لشيء فيها فقط، وقد ورد فيه أربع روايات.

2. ما يدل على أنّ مثل ذلك لا يكون قاطعاً للسفر وموجباً للإتمام، إلاّ إذا قصد إقامة عشرة أيّام فليس لكون المصلّي مالكاً لشيء أي تأثير في الإتمام، بل هو وغير المالك سواء وقد ورد فيه روايتان.

3. ما يدلّ على أنّ الملاك هو الاستيطان وعدمه، لا كون المصلّي مالكاً للشيء وعدمه فلا يكون المرور على الضيعة قاطعاً إلاّ إذا استوطنه، وقد وردت فيه روايتان إحداهما عن علي بن يقطين بأسانيد خمسة، والأُخرى عن حماد بن عثمان عن الحلبي، كما سيوافيك.

وهذا الصنف يمكن أن يكون شاهد جمع بين الصنفين الأوّلين المختلفين من حمل الإتمام على صورة الاستيطان، والقصر على صورة عدمه.

4. ما يدعم مفاد الصنف الثالث إلاّ انّه يفسّر الاستيطان بأن يكون للإنسان منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها. وتدل عليه رواية واحدة وهي صحيحة ابن بزيع عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ ولولا هذه الرواية لم يكن أي خلاف في أنّ الوطن ينقسم إلى أصلي واتخاذي من دون توهم وطن ثالث باسم الوطن الشرعي.

و إليك نقلها بأصنافها الأربعة:

الأوّل: ما يدل على أنّ المرور على الملك ضيعة كان أو داراً قاطع للسفر من دون أن يقيد باتخاذه وطناً بل يكتفى بنفس الملك:

1. روى الصدوق باسناده عن إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يسافر من أرض إلى أرض، وإنّما ينزل قراه وضيعته، قال: «إذا


(236)

نزلت قراك وضيعتك(1) فاتمّ الصلاةَ، وإذا كنت في غير أرضك فقصر».(2)

والشاهد في قوله: «و ضيعتك» فإنّ ملكية الضيعة لا تلازم اتخاذها وطناً، بخلاف قوله: «قراه» فانّ انتساب القرية إلى الإنسان فرع كونه متوطناً فيها، في فترة سواء أعرض عنها أم لا.

2. ما رواه الشيخ عن عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها. قال: «يتم الصلاة ولو لم يكن له إلاّنخلة واحدة ولا يقصر، وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها».(3)

3. ما رواه الشيخ بسنده عن عمران بن محمد قال: قلت لأبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ : جعلتُ فداك انّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً ـ خمسة فراسخ ـ فربما خرجت إليها فأُقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأُتمّ الصلاة أم أُقصِّر؟ فقال: قصِّر في الطريق وأتمَّ في الضيعة.(4)

4. روى الكليني عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج إلى ضيعته فيقيم اليوم واليومين والثلاثة، أيقصّر أم يتم؟ قال: «يتم الصلاة، كلما أتى ضيعة من ضياعه».(5)

ورواه عبد اللّه بن جعفر في «قرب الإسناد»، وذكره صاحب الوسائل برقم (18) .

و مقتضى هذه الروايات انّ المرور على الملك والنزول فيه قاطع للسفر.

***


1 . كذا نقله الشيخ في «التهذيب» و «الاستبصار»، و رواه الصدوق«و أرضك» لاحظ جامع أحاديث الشيعة: الجزء 7، برقم 11573.
2 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 5، 14، 17.
3 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 5، 14، 17.
4 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 5، 14، 17.
5 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 5، 14، 17.


(237)

الثاني: ما يدل على خلاف مفاد هذا الصنف وانّ الملاك هو قصد الإقامة وعدمه:

1. روى الكليني عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «من أتى ضيعته ثمّ لم يرد المقام عشرة أيّام قصر، وإن أراد المقام عشرة أيّام أتم الصلاة».(1)

2. روى الكليني عن موسى بن حمزة بن بزيع قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ : جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أُريد بغداد فأُقيم في تلك الضيعة أقصر أو أتم؟ فقال: «إن لم تنو المقام عشرة أيّام فقصّر».(2)

***

الثالث: ما يفصل بين صورة الاستيطان وغيرها، وفيه حديثان:

1. ما رواه الصدوق عن علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السَّلام ـ انّه قال: «كلّ منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير». (3) وقد روي هذا المضمون عن علي بن يقطين بطرق مختلفة يستظهر منها انّ الجميع رواية واحدة لها أسانيد كثيرة.(4)

2. ما رواه حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصّر؟ قال: «يقصّر إنما هو المنزل الذي توطّنه».(5)

***


1 . الوسائل: الجزء5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6و7.
2 . الوسائل: الجزء5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6و7.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
4 . أُنظر الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1،6، 7، 9، 10، وما في الرواية التاسعة من التفريق بين قوله: «قد سكنه» و «ما لم يسكنه» محمول على عدم الإعراض بقرينة سائر ما روى عنه من التفصيل بين الاستيطان وعدمه، و بعبارة أُخرى كناية عن كونه مستوطناً أو لا.
5 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.


(238)

وقد تقدم انّه يمكن الجمع بين هذه الصنوف بجعل الصنف الثالث شاهداً على ما هوالمراد من الصنفين المتقدمين وانّ الأمر بالإتمام في الصنف الأوّل محمول على صورة الاستيطان والأمر بالقصر في الصنف الثاني محمول على عدمه.

فهذه الروايات لا توجد أي مشكلة فقهية بالنسبة إلى ما تقدم من المسائل.

***

الرابع: ما يدعم مضمون الصنف الثالث لكنه يعود فيفسر الاستيطان بشكل خاص، وهذا هو الذي صار منشأ للقول بالوطن الثالث المسمّى بالوطن الشرعي وليست المشكلة إلاّ في هذه الرواية:

روى الشيخ بسند صحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: «لا بأس مالم ينو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه»، فقلت: ما الاستيطان؟ فقال: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر، فإذا كان كذلك يتم فيها متى دخلها». قال: وأخبرني محمد بن إسماعيل انّه صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته. قال أحمد: أخبرني علي بن إسحاق بن سعد وأحمد بن محمد جميعاً انّ ضيعته التي قصّر فيها الحمراء.

ورواه الصدوق باسناده عن محمد بن إسماعيل بن بزيع مثله إلى قوله: متى دخلها.(1)

و المهم دراسة الرواية وتحليل مفهومها، وللأعلام حول الصحيحة كلمات بين ما تحاول تطبيقها على الوطن الشرعي، أو إرجاعها إلى الوطن العرفي; فلنذكر بعض ما أُفيد في المقام:


1 . الوسائل: الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


(239)

1. الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي، هو الوطن الاتخاذي الذي أعرض عنه بعدما أقام فيه ستة أشهر وله فيه ملك، هذا هو الذي أيّده صاحب الجواهر، فالظاهر منه في رسالته العملية باسم «نجاة العباد» انّه يشترط في ثبوت الوطن الشرعي تحقّق أُمور ثلاثة:

1. اتّخاذه محلاً على الدوام.

2. أن يكون له ملك.

3. يسكنه ستة أشهر.

وإليك عبارته: الوطن هو المكان الذي يتخذه الإنسان مقرّاً ومحلاً له على الدوام مستمِّراً على ذلك، غير عادل عنه من غير فرق بين ما نشأ فيه وما استجدّه، ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصولَ ملك له فيه، ولا إقامة ستة أشهر ـ إلى أن قال: ـ نعم يجري عليه حكم الوطن مادام متخذاً كذلك، أمّا إذا عدل عنه إلى غيره ولم يكن له فيه ملك، زال عنه حكم الوطنية، فإن كان له فيه ملك قد جلس فيه حال الاتخاذ المزبور، لاتخاذه مقرّاً على الدوام ستة أشهر، ولو متفرقة جرى عليه حكم الوطنية على الأقوى مادام مالكاً، فلو أخرجه عن ملكه خرج عن حكم الوطن....(1)

ومحصل كلامه: أنّ الوطن الشرعي غالباً وليدُ الوطن الاتخاذي إذا أعرض عنه، لكن بعد حصول القيدين في حال اتخاذه وطناً، وهو الإقامة ستة أشهر في منزل يملكه.


1 . نجاة العباد:152. وعليها تعليقات العلمين: المجدّد الشيرازي و المحقّق الآشتياني ـ قدّس سرّهماـ .


(240)

ولعلّه قدَّس سرَّه استظهر ما أفاده من الصحيحة والدالّ على القيد الأوّل قوله: «يستوطنه» وعلى الثاني قوله: «منزل»، وعلى الثالث قوله: «يقيم ستة أشهر».

يلاحظ عليه بأُمور:

1. انّ استظهار نية الدوام من جملة: «يستوطنه» في الصحيحة لا شاهد له لغة ولا عرفاً وقد عرفتَ كفاية كون الإقامة غير محدَّدة.

2. انّ استفادة شرطية الملك منها غير واضح، لأنّه جاء ذكر المنزل في كلا الموردين، أعني قوله: «إلاّأن يكون له فيها منزل يستوطنه» وقوله: «أن يكون فيها منزل يقيم فيه» توطئةً للاستيطان في الفقرة الأُولى، وتمهيداً للإقامة في الفقرة الثانية، فلم يبق مايكون دخيلاً في تحقّق الاستيطان إلاّ إقامة ستة أشهر، وسيوافيك وجهه عند ذكر الاحتمال الثالث، وعلى ذلك لا صلة للصحيحة بالوطن الشرعي الذي يدّعيه صاحب الجواهر، لأنّه مبني على أُمور ثلاثة ولم يثبت شرطية الأوّلين.

3. انّ ما ذكره من حمل الرواية على المُعْرِض عن الوطن الاتخاذي ينافيه قوله: «يستوطنه» و«يقيم» فانّ ظاهرهما كونه مستوطناًو مقيماً فيه لا معرضاً عنه.

2. مطلق من أقام في مكان ستة أشهر

قد عرفت أنّ من تفاسير الوطن الشرعي عبارة عن المحل الذي أقام فيه ستة أشهر مع كونه مالكاً للمنزل فيتم فيه كلما دخلَ أو مرّعليه، وهو خيرة شيخنا الأنصاري، ولا يشترط في تفسيره كون إقامته مدّة ستة أشهر مقروناً بنية الدوام، بل من أقام تلك المدة ولو محدَّداً بها لكفى وحاصل ما أفاده مع إغلاق في كلامه:

إنّ قوله: «إلاّأن يكون له فيها منزل يستوطنه» بمعنى اتخاذه المنزلَ وطناً فهل المراد اتخاذه وطناً في الماضي أو في الحال أو في المستقبل؟


(241)

لا سبيل إلى الثاني، لأنّ التلبس بالاتخاذ ليس أمراً تدريجياً حتى يصدق التلبس بانقضاء شيء منه وبقاء شيء آخر منه.

كما لا سبيل إلى الثالث، لأنّ من ليس له منزل اتخذه وطناً وإنّما يتخذه بعد ذلك لا يمكن أن يكون سبباً للإتمام بالفعل فانحصر المرادُ بالماضي أي استوطن وأقام في المنزل الذي يملكه ستة أشهر، فهو يكفي في الإتمام مادام العمر بشرط أن لا يزول ملكه.

ثمّ إنّ اتخاذ المنزل وطناً وإن كان ظاهراً في الاتخاذ الدائمي لكن في نفس الصحيحة قرينة على إنّ المراد غيره، لأنّ مفروض السائل عبور الرجل إلى الضيعة فكيف يحمل على الاستيطان الدائمي؟ فينحصر المراد منه في أنّ كلّ مكان أقام الرجل فيه ستة أشهر مع كونه ذا منزل يملكه فيه فهو في حكم الوطن الأصلي والوطن الاتخاذي الدائمي.

وأمّا استعمال المضارع في المقام: أي «يستوطنه» و«يقيم» فإنّما هو بحسب فرض المسألة لا بحسب تحقّق المبدأ للموضوع ومثله في غاية الكثرة، فانّ المفروض قد يعبّر عنه بالماضي (رجل صلّى) وقد يعبّـر عنها بالمستقبل (رجل يصلّي) مع كون الحكم موقوفاً على تحقّق المبدأ.(1)

يلاحظ عليه:

أنّ حاصل ما ذكره في تفسير الحديث انّ قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه» بمعنى استوطنه، وأقام فيه ولو مرة واحدة، لكنّه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلاّ بدليل، وذلك لوجهين:

ألف. انّ المتبادر من الحديث أنّ الاستيطان والإقامة بستة أشهر وصف


1 . كتاب الصلاة: 420، الطبعة الحجرية.


(242)

فعلي له، متلبس به فعلاً، لا انّه تلبس به سابقاً.

ب. انّ صيغة المضارع بحكم دلالته على التجدّد والاستمرار تدل على ثبوت تلك النسبة له مستمراً في كلّ سنة.

3. الحديث ناظر لذي الوطنين

إنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع كوفي والكوفة سواد العراق، تتواجد في أطرافها الضياع والمزارع والحدائق، وكان أصحاب المُكْنة يتملكون ضياعاًو في الوقت نفسه يقطنون الكوفة، ولكن يذهبون بين فترة وأُخرى إلى مزارعهم وضياعهم للترويح تارة، وحيازة المحصول ثانياً، وبما انّ الراوي ومن كان مثله كان يسافر إلى ضيعته كثيراً ويظهر من ذيل الرواية انّه كانت له ضيعة باسم «الحمراء» سأل الإمام عن الصلاة فيها فأجاب الإمام، بأنّها وغيرها سواء يُقصر فيها الصلاة مالم ينو مقام عشرة أيّام.و لو كان الإمام مقتصراً بكلامه هذا كان السائل مقتنعاً بالجواب، عارفاً بواجبه.

لكن لما أضاف الإمام إلى كلامه قوله: «إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه» صار هذا سبباً لسؤال السائل انّه كيف يمكن له أن يستوطن الضيعة مع انّه مستوطن في الكوفة(1) فأجاب الإمام بأنّه يمكن تصويره إذا كان ذا وطنين يقيم ستة أشهر في الضيعة، وستة أُخرى في الكوفة.

والدليل على ذلك:

هو انّ قوله: «يستوطنه»، أو «يقيم» ظاهر في كونه كذلك بالفعل ومتلبساً بالمادة كذلك ومقتضى دلالة فعل المضارع على التلبس والتجدّد، كونه مقيماً


1 . لاحظ ذيل الرواية يصرّح بأنّ محمد بن إسماعيل بن بزيع صلّى في ضيعته فقصّر في صلاته.


(243)

كذلك في كلّ سنة لا انّه تلبس به مرّة واحدة وترك الضيعة وبدا له أن ينزل أو يمرّعليها، فانّ كلّ ذلك مخالف لصيغة المضارع لدلالتها على تجدد المبدأ، وكونه متلبساً به بالفعل وأين هو ممن دخل منزلاً أقام فيه في سالف الأيام ستة أشهر إلاّإذا قلنا بأنّ الفعلين المضارعين بمعنى الماضي وهو كما ترى.

وعليه تكون الرواية بصدد بيان حكم ذي الوطنين، وهذا هو الظاهر من الصدوق في الفقيه في تفسير الرواية كما أومأنا إليه عند نقل عبارته.

قال الفيض: ظاهر هذا الحديث، اعتبار تكرر إقامة ستة أشهر في الاستيطان كما يستفاد من صيغة المضارع الدالة على التجدّد في الموضعين، وبمضمونه أفتى في الفقيه وهو أصحّ ما ورد في هذا الباب وبه يجمع بين الأخبار المتعارضة فيه، بحمل مطلقها على مقيدها بأحد القيدين، إمّا عزم إقامة عشرة، وإمّا الاستيطان كما فعله في الفقيه والتهذيبين.(1)

وهل يشترط أن يكون الاستيطان في الملك الشخصي كما عليه الفيض حيث قال: ويستفاد من إضافة الضيعة إلى صاحبها في جميع الأخبار اعتبار الملك؟ الظاهر لا ويكفي الإيجار لأنّ «المنزل» في الفقرتين لأجل التمهيد لقوله«يستوطن» أو «يقيم» والمقياس كونه مقيماً ستة أشهر في ضيعته.

فإن قلت: فعلى هذا التفسير تكون الرواية راجعة إلى تفسير الوطن العرفي، مع أنّ السائل، أعني: محمد بن إسماعيل بن بزيع، أرفع من أن يجهل معنى هذا النوع من الوطن.

قلت: لا غرو في أن يكون هذا النوع من الوطن أمراً غير ظاهر لابن بزيع، وهو أن يكون الرجل ذا وطنين، وهو يعيش بين وطن صيفي ووطن شتوي.


1 . الوافي: 5/162، ط مكتبة أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ .


(244)

و على هذا فترجع الرواية إلى بيان حكم ذي الوطنين، وإنّ من كان له وطنان يُقيم في كلّ ستة أشهر فهو يتم في كلاهما إذا دخل فيهما ولو لم يقصد إقامة العشرة.

وقد عرفت أنّ الصدوق في «الفقيه» فسر الرواية بهذا النحو. وعليه تعبير الشيخ في النهاية، وابن البراج في المهذب، واختاره جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك(1) والمجلسي الأوّل(2).

وقد عرفت عبارة شيخنا الفيض في الوافي.

و بذلك ظهر الفرق بين قوله: «منزل يستوطنه» وقوله: «منزل يقيم فيه ستة أشهر» فالمراد من الأوّل هو قصد التوطن في الضيعة مقيّداً بالدوام أو مجرداً عن الحد على ما قويناه كما انّ المراد من الثاني، ما يتحقّق به الاستيطان، لمن كان له وطن.

مدخلية القيود وعدمها

قد وردت في الرواية قيود ثلاثة:

1. كونه مالكاً للضيعة.

2. كونه مالكاً للمنزل.

3. مقيماً فيه ستة أشهر.

فلو قلنا بأنّ الصحيحة كافلة لتفسير الوطن الشرعي بكلا التفسيرين، فلا محيص عن اعتبار جميع القيود الواردة فيها وما تنصرف إليه، ككون الإقامة فيها


1 . مدارك الأحكام: 4/444، كتاب الصلاة.
2 . ملاذ الأخيار:5/392، باب الصلاة في السفر.


(245)

ستة أشهر متوالية لا متفرقة، لأنّ المتبادر في كلّ مورد أخذت المدةُ موضوعاً للأحكام، كشهر أو شهرين هو التوالي. فلأجل ذلك يجب على صاحب الجواهر، وشيخنا الأنصاري ـ اللّذين حملا الرواية على الوطن الشرعي غير المألوف لدى العرف ـ الأخذُ بعامة القيود الواردة والمتبادرة من لفظ الرواية.

وعلى ما ذكرنا، من أنّها ليست بصدد بيان أمر تعبدي، بل بصدد بيان مصداق للوطن العرفي، الذي كان الراوي غافلاً عنه وقت المخاطبة، وهو أن يقسِّم الرجل فصولَ سنته إلى قسمين، فيقيمَ ستة أشهر في البلد والستة الأُخرى في الضيعة، فيكون ذا وطنين، يُلغى من القيود ما يكون العرف مساعداً لإلغائه، ويحمل ذكر القيود لغاية أُخرى من كونها تمهيداً، وتوطئة للإقامة (كالمنزل) أو كونه الأصل في تقسيم السنة كستة أشهر، ولندرس القيود، حسب تفسيرنا:

ألف. ملكية الضيعة والمنزل

إذا كانت الصحيحة بصدد بيان الوطن العرفي، فيكون المقياس صدقه، وعليه فالإتمام يدور مدار كونه مستوطناً في المحل الثاني كاستيطانه في المحل الأوّل، سواء كان مالكاً للضيعة وا لمنزل أو لا، فلو انّ إنساناً يقسم فصول السنة إلى قسمين، فيقيم ستة أشهر في العاصمة والستة الثانية في مدينة قم، وفي الوقت نفسه قد وطن نفسه على الاستمرار على هذا النوع من الإقامة، فهو يتم في كلا الموردين وإن لم يملك ضيعة، ولا منزلاً، ولو افترضنا انّه يسكن العاصمة، ولكنّه يتولى الضيعة الموقوفة للأُمور الخيرية، ولا يتمشى أمرها إلاّ بالإقامة فيها ستة أشهر في كلّ سنة، فهو يتم في كلا المكانين، وإن لم يملك شيئاً، ولو كان مالكاً للضيعة،ولكنّه يقيم تحت الخيام وفي الأكواخ، فالحكم في الجميع واحد وهو الإتمام.


(246)

ب. مدخلية المدة المعيّنة

إذا قلنا بأنّ الرواية بصدد بيان أمر تعبدي، لم يكن محيص عن الأخذ بمدخلية المدّة المذكورة، فلو نقص يوم فضلاً عن أيّام لم يتحقّق الوطن الشرعي، على كلا التفسيرين، وأمّا لو قلنا بأنّه لبيان الفرد الخفي على الراوي من مصاديق الوطن العرفي، فالمدار صدق الاستيطان العرفي في الضيعة وإنّما حدّد في الصحيحة بالستة لأنّها الأصل في تقسيم السنة وإلاّ فالوطن الثاني يحصل بالإقامة فيه في كل سنة مدّة معتداً بها، كما سيوافيك بيانه في المسألة الآتية.

نعم هنا سؤال ربما يختلج بالبال وهو انّه إذا كانت الرواية متعرضة لبيان الوطن العرفي، فقد مضى انّه لا يشترط في صدقه سوى نيّة الإقامة دائماً أو بلا قيد مع البقاء فيه أيّاماً قلائل، بحيث يصدق أنّه يسكن البلد الكذائي، ومع ذلك نرى في المقام عدم الاكتفاء بمجرّد النيّة المرفّق بالبقاء فيه أيّاماً قلائل.

والجواب عنه واضح إذ لا فرق بين البلد المستجدّ الواحد، والوطن الثاني غير انّه تعتبر في الأوّل نية الدوام أو نية الإقامة المجرّدة عن التحديد، وفي المقام تكفي نيّة إقامة ستة أشهر، بل أقلّ في كلّ سنة، مع مرور أيّام قلائل يصدق انّه يسكن في محل كذا ولعلّ العرف يساعد في صدقه إذا استعدّ للإقامة فيه في كلّ سنة، ستة أشهر أو خمسة أشهر أو أربعة والذي يكشف عن أنّ الصحيحة بصدد بيان حكم الوطن الثاني هو أنّ الإمام علّق الحكم بالإتمام على الاستيطان في الطائفة الثالثة من الروايات ففي رواية علي بن يقطين المنقولة بأسانيد مختلفة قال: كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل وليس لك أن تتم فيه(1). وفي رواية حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال: «يقصّر إنّما هو المنزل الذي توطنه».(2)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6و8.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 14 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6و8.


(247)

ج. اشتراط التوالي وعدمه

إذا قلنا بأنّ الحديث بصدد بيان الوطن الشرعي، فلا محيص عن اعتبار التوالي لكونه المتبادر عن كل مدّة أخذت موضوعاً للحكم الشرعي كشهر أو شهرين، وأمّا إذا قلنا بأنّها بصدد بيان الوطن العرفي فالمدار الصدق العرفي فلا عبرة بالستة فضلاً عن البحث عن التوالي والتفريق، فهو يتم وإن كان يسافر على رأس تسعة أيّام، واللّه العالم.

***

تعدّد الأوطان المستجدّة

قد عرفت أنّ الصحيحة بصدد بيان الوطن الثاني المستجد، وانّ ذكر إقامة ستة أشهر لأجل كونها الأصل في تقسيم السنة، أو انّ رعاية الضيعة وحيازة ثمراتها، لا تنفك عن إقامة ستة أشهر وإلاّ فيكفي في تحقّق الاستيطان، العزم على الإقامة في كلّ سنة مدة معتدّاً بها، وبذلك تظهر صحّة ما أفاده السيد الطباطبائي حيث قال: يمكن تعدّد الوطن العرفي بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنى فيهما أبداً من كلّ منهما مقدار من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً، كلّواحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستة أشهر أو بالاختلاف، بل يمكن الثلاثة أيضاً بل لا يبعد الأزيد إذا ساعد العرف في صدق الاستيطان عليه.

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة التي تضاربت فيها كلمات الأصحاب واللّه العالم.

تبعية الولد للوالد

قال السيد الطباطبائي: لا يبعد أن يكون الولد تابعاً لأبويه أو أحدهما في


(248)

الوطن مالم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وإن لم يلتفت بعدَ بلوغه إلى التوطن فيه أبداً، فيعد وطنُهما وطناً له أيضاًإلاّإذا قصد الاعراض.

أقول: للمسألة صور:

1. تبعية الولد للوالدين قبل البلوغ سواء كان الوطن للوالدين أصلياً أو وطناًمستجدّاً كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصلي واتخذا مكاناً آخر وطناً لأنفسهما وهو معهما قبل بلوغه.

2. تلك الصورة ولكن صار الولد بالغاً على هذه الحالة ولم يُعْرِض.

3. تلك الصورة ولكن إذا بلغ أعرض.

4. إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطّنا فيها والولد معهما مع كونه بالغاً.

أمّا الصورتان الأُولتان فلا شكّ في تبعية الولد للوالد إمّا لأنّ للولد قصداً ارتكازياً نابعاً من التبعية لوالديه من غير فرق بين البلوغ وبعده، وإمّا لأنّ العرف يعد وطنهما وطناً له لأجل التبعية وعدم التفكيك وإن لم يكن له قصد من غير فرق بين البلوغ وبعده.

وأمّا الصورة الثالثة فبما انّه مكلّف مستقل فلقصده من البقاء أو الاعراض أثر شرعي يترتب عليه، ولأجل ذلك لو أعرض يخرج عن كونه وطناً.

وأمّا الصورة الرابعة فبما انّه مكلّف مثل الوالدين فلا يصدق عليه انّه وطنه إلاّ مع قصده بنفسه وإن كان قصده نابعاً عن قصد والديه.

هذا ما يرجع إلى تفسير كلام السيد الطباطبائي، وهناك أمر آخر وهو انّه لا مجال لهذا التفصيل في الولد لما عرفت انّ الإتمام لا يدور على عنوان الوطنية بل يكفي في ذلك كون الإنسان غير مسافر ومن المعلوم انّ الولد تابع للوالدين إذا توطّنا ومعه لا يصدق عليه انّه مسافر، سواء صدق انّه وطنه أم لا.


(249)

وبذلك يعلم وجوب الإتمام في جميع الصور إلاّإذا أعرض بعد بلوغه، وهو أن يخرج عن مقرّهما بقصد عدم القرار فيه، فإذا رجع إلى مقره السابق يقصر.

وليعلم انّ الأسباب الموجبة للتمام ثلاثة:

1. التوطّن.

2. نية الإقامة في محلّ مدّة طويلة يخرجه عن كونه مسافراً.

3. الإقامة عشرة أيّام في محلّ.

وقد احتمل المحقّق الخوئي انّ الحكم بالإتمام على الأعراب لعدم كونهم مسافرين في البادية وإن لم يكونوا متوطّنين، لأنّ المفروض انّ بيوتهم معهم، ولا مقيمين عشرة أيّام لما عرفت انّهم يقومون في البادية مدّة طويلة فليس الوجه إلاّ كونهم غير مسافرين.

يزول حكم الوطنية بالإعراض

إذا أعرض عن وطنه وخرج، يزول عنوان الوطنية، لما عرفت من أنّه عبارة عن أخذ المكان مقراً دائماً أو بلا ترديد وهو لا يجتمع معهما. نعم لا بشرط أن يتخذ وطناً، وقد مرّت أقسامه فلاحظ.

نعم لو اتخذ مقراً موقتاً، بحيث يأوى إليه كلما خرج، فهو يتم لا بملاك انّه وطن، بل بملاك انّه غير مسافر كما هو الحال في الأعراب الذين بيوتهم معهم. خلافاً للسيد الحكيم حيث قسّم الوطن إلى شخصي وهو المتعارف، ونوعي وهو بيوت الأعراب، ومنه من أعرض عن وطنه ولم يتخذ بعد وطناً آخر، لكن اتّخذ مكاناً مقراً لنفسه يأوي إليه إذا لم يكن ما يقتضي الخروج، ولعلّ ما ذكرناه أظهر عرفاً.


(250)

لا يشترط في الوطن إباحة المكان

لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه فلو غصب في بلد وأراد السكنى فيهما أبداً يكون وطناًله، وكذا إذا كان بقاؤه في بلد حراماً من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام، أو كان منهيّاً عنه من أحد والديه ونحو ذلك والدليل عليه انّ العنوان أمر عرفي، يتبع حدّنظر العرف، نعم للشارع التصرف في حكمه بأن لا يترتب على مثل هذا المتوطن حكم الإتمام وهو غير التصرف في مفهوم الوطن.

حكم التردّد بعد العزم على التوطّن

إذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبداً.

إنّ للمسألة صوراً:

1. إذا تردّد في الوطن المستجدّ قبل أن يصدق عليه الوطن، كما إذا نوى الإقامة دائماً أو بلا تحديد، ولكن تردّد قبل أن يسكن فيه أيّاماً يصدق في حقّه انّه ساكن في بلد كذا.

2. إذا تردّد في الوطن المستجدّ بعد الصدق.

3. إذا تردّد في الوطن الأصلي.

فقد حكم السيد الطباطبائي قدَّس سرَّه بزوال الحكم من الصورتين واستشكل في الثالث وقال: ففي زوال حكمه قبل الخروج والإعراض، اشكال لاحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم.

أمّا الأُولى: فلأنّ القصد كما هو معتبر حدوثاً معتبر بقاءً، وعلى ذلك فلو تردّد قبل أن يصدق عليه الوطن زال حكم الوطنية وإن لم يتحقق الإعراض والخروج.


(251)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الزوال فرع صدق الوطنية والمفروض انّه لم يتحقّق إلاّ أن يكون إطلاق الزوال لأجل وجود المقتضي وهو القصد حدوثاً مع البقاء فيه يوماً أو أيّاماً.

ثانياً: ما هو المراد من زوال الحكم، هل المراد هو انّه يقصر بعدما تردّد، وإن لم يعرض ولم يخرج فهو كما ترى، لأنّه وإن زال عنه عنوان التوطّن لكن لا يصدق عليه انّه مسافر وقد علمت أنّ الإتمام لا يدور مدار صدق الوطن، بل هو أعمّ منه وقد سبق انّ أسباب الإتمام ثلاثة: الوطن، عدم كونه مسافراً، إقامة عشرة، وإن شئت أضف إليه، رابعاً: وهو الإقامة في بلد متردّداً ثلاثين يوماً.

وإن أراد انّه يقصر إذا خرج منه إلى حدّ المسافة ثمّ رجع وهو أيضاً مورد إشكال، فانّه مالم يعرض ولم يخرج لا يصدق عليه انّه مسافر.

وبالجملة: لا أرى لصدق الوطنية وعدمها أثراً في ذلك.

وأمّا الثانية: أعني إذا حصل التردّد بعد تحقّق الصدق المذكور فقد ذكر انّه يزول عنه الحكم في المستجد لنفس الوجه المذكور في الأُولى.

ويرد عليه ما أوردناه على الصورة الأُولى، فانّه لا أثر لصدق الوطنية وعدمها إذ هو يتم ما لم يخرج منها، بل ولو خرج وعاد إلى محل الإقامة وهو متردّد بعدُ إذ لا يصدق عليه انّه مسافر.

وأمّا الثالثة: فقد استشكل فيه السيّد الطباطبائي في زوال حكمه قبل الخروج والاعراض، قائلاً باحتمال صدق الوطنية مالم يعزم على العدم فحكم بالجمع بين الحكمين.

فيرد عليه: انّ التردّد لا يزيل عنوان الوطن الأصلي فضلاً عن زوال حكمه فهو يتم فيه مادام متردّداً قبل الخروج، بل ولو خرج وعاد إلى الوطن.


(252)

ومنه يعلم انّ الاعراض بمجرده مثل التردّد لا يسلب حكم الوطنية أي الإتمام في جميع الصور، فهو يتم مع الاعراض لأجل انّه غير مسافر مادام هو فيه. نعم، لو أعرض وهاجر تزول الوطنية وحكمها ولو عاد يقصر.

اعتبار قصد التأبيد في صدق الوطنية

قال السيد الطباطبائي: ظاهر كلمات العلماءـ رضوان اللّه عليهم ـ اعتبار قصد التوطّن أبداً في صدق الوطن العرفي، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك. والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط.

أقول: إذا اتخذ محلاً للإقامة فله صور:

الأُولى: أن يتوطّن فيه بقصد التأبيد.

الثانية: أن يقصد الإقامة بلا تحديد لا بالتوقيت ولا بالتأبيد.

الثالثة: أن يعزم على السكنى محدّداً بسنة أو أربع سنوات أو ثلاثين سنة.

فقد تعرفت انّ الوطن يصدق على القسمين الأوّلين وليس عن التأبيد في كلمات اللغويين أثر إنّما الكلام فيما إذا كان محدّداً بسنة أو سنين، فالظاهر عدم صدقه إذا كان محدداً ولكن لا تترتب ثمرة عليه لما عرفت من أنّ الإتمام لا يدور مدار صدق الوطن، بل يكفي كون الرجل فيه غير مسافر، ولأجل ذلك لو سكن إنسان في بلدة مع علائقه من زوجة وأولاد ورتب لوازم المعيشة وشؤونها، لا يصدق عليه انّه مسافر وإن عزم على مغادرته بعد أربع سنوات، فلأجل ذلك لو خرج وعاد، فقد عاد إلى مقره.

فلا أرى لهذا البحث ثمرة.

تمّ الكلام في القاطع الأوّل من قواطع السفر.


(253)

القاطع الثاني: العزم على الإقامة

اتّفقت كلمة فقهاء الشيعة على أنّ العزم على إقامة عشرة أيّام قاطع للسفر إمّا موضوعاً أو حكماً، وقد مرّالبحث عنه ولا نعيد.

واختلفت آراء أهل السنّة في مقدار الإقامة بل وتفسيرها إلى أقوال تناهز الثمانية ذكرها الشيخ في الخلاف قال:

«المسافر إذا نوى المقام في بلد عشرة أيّام وجب عليه التمام، وإن نوى أقلّ من ذلك وجب عليه التقصير، وبه قال علي ـ عليه السَّلام ـ وابن عباس، وإليه ذهب الحسن ابن صالح بن حيّ.

وقال سعيد بن جبير: إن نوى مقام أكثر من خمسة عشر يوماً أتم.

وعن ابن عمر ثلاث روايات:

إحداها: إن نوى مقام خمسة عشر يوماً أتمّ، فجعل الحدّخمسة عشر يوماً، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه.

والثانية: قال: إن نوى مقام ثلاثة عشر يوماً أتم، ولم يقل بهذا أحد.

والثالثة: إن نوى مقام اثني عشر يوماً أتم، وعليه استقر مذهبه، وبه قال الأوزاعي.

وقال الشافعي: إن نوى مقام أربعة سوى يوم دخوله وخروجه أتم، وإن كان أقلّ قصر، وبه قال عثمان، وسعيد بن المسيب، وفي الفقهاء: مالك، والليث


(254)

ابن سعد، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور.

وقال ربيعة: إن نوى مقام يوم أتم.

وقال الحسن البصري: إن دخل بلداً فوضع رحله أتم.

وقالت عائشة: متى وضع رحله أتم أيّ موضع كان، فكأنّها تذهب إلى أنّ التقصير مادام لم يحُطّ الرحل فمتى حطّ رحلَه أيّ موضع كان أتم، وإذا كانت القافلة سائرة أو واقفة والرحل عليها لم يحط كان له التقصير، وإن حطّلم يقصر.

دليلنا: إجماع الطائفة، وقد بيّنا انّ إجماعها حجّة.

وأيضاً روى أبو بصير قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إذا عزم الرجل أن يقيم عشراً فعليه إتمام الصلاة، وإن كان في شكّ لا يدري ما يقيم فيقول اليوم أو غداً فليقصر ما بينه وبين شهر، فإن أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتم الصلاة».(1)

وهذا النوع من تضارب الآراء في أبسط المسائل نتيجة الإعراض عن التمسك بالعترة الطاهرة أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الرسول، حيث إنّ أصحاب هذه الآراء تكلموا، بالمقايسة والتشبيه دون اعتماد على الدليل.

وأمّا أصحابنا فهم يستندون إلى روايات أئمّة أهل البيت التي رواها أصحابنا في كتبهم الحديثيّة.

روى الحرّ العاملي في الباب الخامس عشر من أبواب صلاة المسافر عشرين حديثاً فيه، غير انّه يجب علينا توحيد المتعدّد أوّلاً، وتصنيفه ثانياً ليسهل التدبر فيه.

أمّا توحيد المتعدّد، فالثالث والثالث عشر في نفس الباب رواية واحدة; فتارة يرويها الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة،


1 . الطوسي، الخلاف: 1، كتاب الصلاة، المسألة 326.


(255)

عن أبي بصير (الحديث 3) ; وأُخرى يرويها الحسين بن سعيد، عن حماد، عن يعقوب ابن شعيب، عن أبي بصير (الحديث 13) .

كما انّ المروي برقم الثاني عشر والسادس عشر رواية واحدة، فتارة يرويها أبو أيوب عن محمد بن مسلم (الحديث 12) ، وأُخرى يرويها حريز عن محمد بن مسلم (الحديث 16) .

هذا ما يرجع إلى توحيد الكثير.

ثمّ إنّ هناك رواية لا دلالة لها على ما نحن بصدده، وهي رواية عبد الرحمان ابن حجاج (الحديث 2) وإن وردت فيه لفظ «فيقيم فيها» لكن لا تصريح فيها بالإقامة عشراً كما انّ الرواية برقم 14 معرض عنها إذ لم يقل أحد بالإتمام بالإقامة متردّداًعشرة أيّام، وبذلك ظهر انّ مجموع ما يرجع إلى عنوان الباب لا يتجاوز عن الستة عشر حديثاً.

وأمّا تصنيف الروايات فهو كالتالي:

الأوّل: ما يتكفّل لبيان انّ الموضوع هو العزم على الإقامة عشرة أيّام، وهي ثمانية أحاديث.

الثاني: ما يتكفّل لبيان مسألة الإقامة شهراً واحداً، وهي حديثان.

الثالث: ما يتكفّل لبيان حكم الإقامة بقسميها، وهي ستة أحاديث.

أمّا الصنف الأوّل فإليك بيانه:

1. روى الكليني عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان، عليه صوم؟ قال: «لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيّام، وإذا أجمع على مقام عشرة أيّام صام وأتم الصلاة».وقال: وسألته عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان وهو مسافر


(256)

يقضي إذا أقام في المكان؟ قال: «لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيّام».(1)

2. روى الشيخ عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: إذا أتيت بلدة فأجمعت المقام عشرة أيّام، فأتمّ الصلاة.(2)

3. روى الشيخ عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «من أتى ضيعته ثمّ لم يُرِد المقام عشرة أيّام قصّر، وإن أراد المقام عشرة أيّام أتم الصلاة».(3)

4. روى الشيخ عن موسى بن حمزة بن بزيع قال: قلت لأبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ : جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أُريد بغداد، فأُقيم في تلك الضيعة أقصّر أو أتم؟ قال: «إن لم تنو المقام عشرة أيّام فقصر».(4)

5. روى الشيخ عن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته، فقال: «لا بأس مالم تنو مقام عشرة أيّام إلاّ أن يكون له فيها منزل يستوطنه».(5)

6. روى الشيخ عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة».(6)

7. روى الصدوق عن رجاء بن أبي الضحاك انّه صحب الرضا من المدينة إلى مرو وكان إذا أقام ببلدة عشرة أيّام كان صائماً لا يفطر.(7)

8. روى عبد اللّه بن جعفر في قرب الاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى ـ عليه السَّلام ـ قال سألته عن الرجل قدم مكة قبل التروية بأيّام، كيف يصلّي إذا كان وحده أو مع إمام فيتم أو يقصر؟قال: «يقصّر إلاّأن يقيم عشرة أيّام قبل التروية».(8)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
6 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
7 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.
8 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 4، 6، 7، 8، 10، 18، 19.


(257)

وأمّا الصنف الثاني: أعني ما يتكفل لبيان مسألة الإقامة شهراً فقط وهي حديثان.

9. روى الشيخ عن إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن أهل مكة إذا زاروا، عليهم إتمام الصلاة؟ قال: «المقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم».(1)

10. روى الشيخ عن حنان، عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إذا دخلت البلدة فقلت اليوم أخرج أو غداً أخرج فاستتممت عشراً فأتم».

وفي رواية أُخرى: «فاستتممت شهراً فأتمّ».(2)

***

وأمّا ما يدلّ على الصنف الثالث: أي بيان حكم الإقامة بقسميها، وهو كالتالي:

11. روى الكليني عن أبي بصير، قال: إذا قدمت أرضاً وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فصم وأتم، وإن كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيّام، فافطرما بينك وبين شهر فإذا تم الشهر فأتم الصلاة والصيام وإن قلت: ارتحل غدوة.(3)

12. روى الشيخ عن أبي ولاّد الحناط، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «إن شئت فانو المقام عشراً وأتم، وإن لم تنو المقام فقصر ما بينك وبين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة.(4)

13. روى الشيخ عن زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: قلت له: أرأيت من قدم بلدة إلى متى ينبغي له أن يكون مقصراً، ومتى ينبغي أن يتم؟ فقال: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت انّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتم الصلاة، وإن لم تدر ما


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 14، 15.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11، 14، 15.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 5.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 5.


(258)

مقامك بها تقول: غداً أخرج أوبعد غد، فقصّر ما بينك وبين أن يمضي شهر، فإذا تمّ لك شهر فأتم الصلاة وإن أردتَ أن تخرج من ساعتك».(1)

14. روى الشيخ عن أبي أيّوب قال: سأل محمد بن مسلم أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، وأنا أسمع، عن المسافر إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيّام فليتم الصلاة، فإن لم يدر ما يُقيم يوماً أو أكثر فلْيَعُدَّ ثلاثين يوماً، ثمّ ليتمّ، وإن كان أقام يوماً أو صلاة واحدة.(2)

15. روى الصدوق، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه قال: «إذا دخلت بلداً وأنت تريد المقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة حين تقدم، وإن أردت المقام دون العشرة فقصّر، وإن أقمت تقول غداً أخرج أو بعد غد، ولم تُجْمِع على عشرة فقصر ما بينك وبين شهر، فإذا أتم الشهر فأتم الصلاة».(3)

16. روى الشيخ في أماليه، عن سويد بن غفلة، عن علي ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا كنت مسافراً، ثمّ مررت ببلدة تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، وإن كنت تريد أن تقيم بها أقلّ من عشرة فقصر،(4) وإن قدمت وأنت تقول أسير غداً أوبعد غد، حتى تتم على شهر فأكمل الصلاة».

هذه دراسة أحاديث الباب، وبالإمعان فيها تتمكن من استنباط الفروع التي ذكرها السيد الطباطبائي في عروته، وإليك بيانها:

1. اشتراط أحد الأمرين

قد عرفت انّ إقامة عشرة أيّام تقطع السفر حكماً أو موضوعاً، ولكن لها شرائط، تعرّضوا لها في التالي مُستلْهمين من النصوص السابقة:


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9، 12، 17، 20.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9، 12، 17، 20.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9، 12، 17، 20.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9، 12، 17، 20.


(259)

قال السيد الطباطبائي: الثاني من قواطع السفر العزم على إقامة عشرة أيّام...أو العلم بذلك، وإن كان لا عن اختيار، ولا يكفي الظن بالبقاء.

حاصله: انّ المعتبر في تحقّقها أحد الأمرين على سبيل منع الخلو، إمّا أن ينوي إقامة عشرة أيّام، أو العلم بالإقامة بهذا المقدار، والداعي إلى الإقامة في الأوّل داخلي، والعامل في الثاني خارجي، ولو خلّى وطبعَه لما أقام فيه.

و تعبير السيد الطباطبائي في العروة أحسن ممّا عبّر به السيد الاصفهاني حيث قال: إنّ الإقامة مشتملة على أُمور:

1. اعتبار وقوع الإقامة عن علم بها، فمجرّد التوقف الاتّفاقي لا يكفي.

2. كفاية وقوعها اضطراراً فضلاً عن كره.

3. احتمال عروض مانع يمنعه عن الإقامة إذا كان بعيداً لا يضرّ.(1)

فإنّ ما ذكره تطويل بلا حاجة إليه.

ويدل على كفاية أحد الأمرين ما ورد في بعض النصوص: «إذا عزم» «فانو المقام»، «تجمع» الظاهر في صدورها عن إرادة واختيار، وفي البعض الآخر: «وإذا أيقنت» الظاهر في كفاية اليقين بها، وإن لم يكن عن اختيار.

2. كفاية عشرة أيّام وتسع ليال

لا شكّ انّ الليالي المتوسطة داخلة، إنّما الكلام في الليلة الأُولى والأخيرة، فقال السيد الطباطبائي: كفى عشرة أيّام وتسع ليال.

أقول: إنّ بين اليوم والليل تقابل التضاد لو كانت الظلمة أمراً وجودياً، كما هو ظاهر قوله سبحانه: «وَ جََعَلَ الظُّلماتُ والنُّور» (الأنعام/6) فإنّ تعلّق


1 . صلاة المسافر:82.


(260)

الجعل بها دليل على كونها أمراً وجوديّاً; أو تقابل العدم والملكة إذا كانت الظلمة أمراً عدمياً، وعلى كلّ تقدير لا يدخل الليل في مفهوم اليوم، ودخولها في بعض الموارد، لأجل القرينة كقوله سبحانه: «فََعَقَرُوها فقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ثَلاثة أَيّام ذلِكَ وعدٌ غَير مَكْذُوب» (هود/65) وقوله تعالى: «قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثة أَيّام إِلاّ رَمْزاً» (آل عمران/41) فلو لم يكن هناك استمرار للحكم لما دخل الليل في إطلاق اليوم، فاليوم هو الزمان المحدّد بين طلوع الشمس إلى غروبها، وبما انّ الوارد في النصوص هو الأيّام، فلا تشمل الليلة الأُولى أو الليلة الأخيرة، وإن كان تجب عليه إقامة الليلة الأُولى لو نوى أوّل اللّيل، لكن الحكم به لا يدل على دخولها في ماهية الإقامة.

ولأجل عدم دلالة اليوم على دخول الليالي إلاّبالقرينة، ففي كلّ مورد كان الحكم مترتباً على أربعة وعشرين ساعة يعطف الليل على النهار، كما في باب الرضاع; قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة.(1) ومثله باب القسم، فقد ورد فيه لفظ الأيّام في بعض النصوص، والليالي في بعضها الآخر. فيعلم منه كون المراد هو تمام الليل والنهار.

وأمّا المقام فلم يرد سوى الأيّام فيقتصر عليها، نعم احتمل السيد المحقّق البروجردي، دخول الليلتين في أقلّ الحيض وأكثره لقرينة في نفس المورد، وهو انّ التحدى(2)د في باب الحيض ليس تعبّداً محضاً، بل من باب الكشف عن مقتضى طباعهن، وانّ أقلها حسب طبيعتهنّ هو ثلاثة أيّام وأكثرها عشرة أيّام، فإذا كان الحكم في مجال الأقل والأكثر نابعاً عن طبائعهن، فلا معنى لكون المدة في مورد طويلة وفي مورد آخر قصيرة، مثلاً لو رأت الدم أوّل الليل تحتسب الليلة مضافاً


1 . الوسائل: الجزء 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب القسم و النشوز، الحديث1، 2، 4، 7.


(261)

إلى الأيّام والليالي المتوسطة، وإن رؤي أوّل طلوع الشمس، يكتفى بثلاثة أيّام مع ليلتين، فإنّ هذا النوع من المحاسبة يخالف كون الحكم حسب طباعهن، فإنّ مقتضى الطبع لا يصحّ أن يختلف.

3. كفاية اليوم الملفق

هل المعتبر هو اليوم التام أو يكفي اليوم الملفق؟ قال السيد الطباطبائي: ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر، على الأصحّ، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأوّل إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى ويجب الإتمام وإن كان الأحوط الجمع.

أقول: في المسألة وجهان:

أحدهما: انّه لا يكفي التلفيق لظهور اليوم في اليوم التام وانّ النصفين من يومين لا يسمّيان يوماً.

ثانيهما: انّه يكفي التلفيق، بداهة انّ من دخل بلداً عند الزوال وخرج من غده في زواله يصدق انّه بقى فيه يوماً كاملاً، حتى لو سُئل عن مدّة إقامته، لأجاب بقيتُ يوماً، وعلى ضوء ذلك فمن دخل زوال أوّل الشهر وخرج زوال اليوم الحادي عشر صدق انّه بقي عشرة أيّام.

على أنّه قلّما يتّفق أن يدخل المسافر أوّل النهار ويخرج في اليوم العاشر آخر النهار. بل يدخل غالباً بعد ساعات من النهار، فإلغاء ما بقي من ساعات اليوم أمر بعيد.

نعم استدل السيد المحقّق البروجردي على عدم كفاية التلفيق بوجه آخر، وحاصله:


(262)

انّ السيرة بين المسافرين في الأعصار السابقة جارية على تقسيم اليوم والليلة إلى قسمين:

1. كانوا يصرفون ساعات منه أو منها أو منهما في قطع الطريق حسب اختلاف الفصول والطرق.

2. كانوا يصرفون الباقي من الساعات للنزول في المنازل وأخذ قسط من الراحة.

فإذا خوطب من كانت سيرته هذه، بأنّ إقامة العشرة تقطع السفر حكماً أو موضوعاً، يتبادر منه من أقام عشراً وكانت ساعاتها خالية عن السير، ومصروفة في الاستراحة والانشغال بغيره، فيرجع معنى الإقامة إلى تعطيل السير في الساعات الرائجة عند الإقامة.

وعلى ذلك لا محيص عن القول بعدم كفاية التلفيق من اليومين، لأنّ النازل في بلدة زوال النهار والرحيل منها في زوال الحادي عشر لم يترك السير في ساعاته لا في الأوّل ولا في الآخر.

يلاحظ عليه: أنّها دقّة عقلية لا يلتفت إليها العرف، ولا يكون مثلها قرينة صارفة للإطلاقات الواردة في الروايات. أضف إليه أنّ المقيم لا يمارس السفر في المقدار المحسوب من اليومين، والمقدار الذي يمارس فيه السفر غير محسوب من أيّام الإقامة، ودعوى لزوم عدم الممارسة في جميع أجزاء اليوم حتى في المقدار غير المحسوب أوّل الكلام.

4. المبدأ هو طلوع الشمس، لا طلوع الفجر

إنّ المتبادر من اليوم هو البياض المتحقّق بطلوع الشمس إلى غروبها، وهو الذي يعبر عنه باليوم الإجاري، وحمله على اليوم الصومي يحتاج إلى دليل خاص،


(263)

كقوله سبحانه: «أَيّاماً معدودات» إلى قوله: «كُلُّوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْودِ مِنَ الفَجْر» (البقرة/184و187) .

5. الإقامة في محلّ واحد

يعتبر في الإقامة كونها في محلّ واحد، قال السيد الطباطبائي: فلو قصد الإقامة في أمكنة متعددة عشرة أيّام لم ينقطع حكم السفر كأن عزم على الإقامة في النجف والكوفة أو الكاظمين وبغداد، أو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية، من غير عزم على الإقامة في واحدة منها عشرة أيّام، ولا يضر لوحدة المحل فصل مثل الشط بعد كون المجموع بلداً واحداً كجانبي الحلة وبغداد ونحوهما.

و يدل على شرطية وحدة المكان قوله: «إذا قدمتَ أرضاً وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فصم وأتم».(1) وقوله: «إذا أتيت بلدة فأجمعت المقام عشرة أيّام»(2) وقوله: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت انّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتم الصلاة»(3) وقوله: «إذا دخلت البلدة فقلت اليوم أخرج أو غداً أخرج»(4) وقوله: «و كان إذا أقام ببلدة عشرة أيّام كان صائماً لا يفطر».(5) وقوله: «إذا كنت مسافراً ثمّ مررت ببلدة تريد أن تقيم بها»(6) والكلّ ظاهر في وحدة المحل والمقام.

وأمّا ما في صحيحة عبدالرحمان بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الرجل له الضياع بعضها قريب من بعض، فيطوف فيها أيُتمُّ أم يقصَّر؟ قال: «يُتِّم»، فلا ينافي ما ذكرناه، فلأنّها محمولة على ما إذا استوطن في مركز الضياع، حسب ما مرّ في صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع، والملاك لوحدة المحل هو العرف حيث يعد المكان الوسيع مكاناًواحداً، وربما تعد القريتين الصغيرتين مكانين، ولأجل ذلك لا يضرّبوحدة المحل فصل مثل الشط بعد كون المجموع


1 . مضت مصادر الروايات.
2 . مضت مصادر الروايات.
3 . مضت مصادر الروايات.
4 . مضت مصادر الروايات.
5 . مضت مصادر الروايات.
6 . مضت مصادر الروايات.


(264)

بلداً واحداً كجانبي الحلة وبغداد ونحوهما. وعلى كلّ تقدير فلا إشكال في هذا الأصل أي اتحاد وحدة محل الإقامة.

واعلم أنّ هنا مسألتين يجب فصل كلّ عن الأُخرى:

1. لو قصد الإقامة في أمكنة متعددة، عشرة أيّام لم ينقطع السفر حكماً وموضوعاً، كما لو قصد الإقامة في النجف والكوفة، أو في قرى متعددة ولو جمعها اسم واحد، فانّ دخولها تحت جامع لا أثر له بعد كونها متعددة.

وعليه لو قصد الإقامة داخل سور البلد، وخارجه، وإن كان دون حدّ الترخّص، لا ينقطع حكم السفر بكلا المعنيين، وهذه المسألة هي التي طرحها السيد، تحت عنوان «الثاني من قواطع السفر» وقال: فلو قصد الإقامة في أمكنة متعددة عشرة أيّام لم ينقطع حكم السفر، كأن عزم الإقامة في النجف والكوفة والكاظمين وبغداد، أو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية، من غير عزم على الإقامة في واحدة منها عشرة أيّام.

2. إذا نوى الإقامة في مكان واحد، فهل له أن يخرج خارج سور البلد والمزارع المتصلة أو المنفصلة ثمّ يرجع إلى محلّ الإقامة أو لا؟ وقد طرح السيد الطباطبائي هذه المسألة في المسألة الثامنة قائلاً: لا يعتبر في نية الإقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد. فاللازم عدم الخلط بين المسألتين.

6. ما هو الملاك لوحدة المكان؟(1)

قد عرفت دلالة النصوص على شرطية وحدة المكان في صدق الإقامة، ومن


1 . ملاك البحث في المقام عن مقومات صدق الوحدة على مكان الإقامة، لكن البحث فيما يأتي عن موانع تحقّقها كنية الخروج من بدء الأمر إلى خارج مكان الإقامة، أو الخروج في الأثناء من دون سبق النية . فلا يختلط عليك الأمر.


(265)

المعلوم أنّه ليس المراد من الوحدة، الوحدة الحقيقية لأنّ المقيم يتردد من دار إلى دار، ومن مكان إلى مكان آخر، بل المراد، الوحدة الاعتبارية العرفية وان يعد محل الإقامة في نظر العرف مكاناً واحداً للإقامة، فلا يكفي عنوان وحدة البلد كالعراق وإيران، لأنّ الوحدة فيها بملاك آخر، وهو انّ لكلّ من البلدين نظاماً سياسياً واقتصادياًوعسكرياً يميّز كلاً عن الآخر، ومع ذلك لا يعدّ مجموع البلد مكاناً واحداً للإقامة، بل المكان الواحد هو مدائنهما وقراهما، فلأجل ذلك يجب إمعان النظر في العامل الذي ربما يصير سبباً لعدّالمنفصلين بربع الفرسخ، تارة مكانين متعددين، وأُخرى مكاناًواحداً وذلك لوحدتهما في المسجد والحمام والسوق والمختار، أو اختلافهما فيها. ومن المعلوم انّ الوسائل العرفية لا يمكن تحديدها بالضبط.

7. لو شك في وحدة المحل وعدمها

لو أقام في مكانين ولكن شكّ في وحدتهما وتعددهما، فتارة يكون الشك موضوعيّاً وأُخرى حكميّاً، فالأوّل كما إذا أقام في محلتين وشكّ في كونهما منفصلتين، أو متصلتين، بحيث لو كانتا متصلتين لعدتا في نظر العرف مكاناً واحداً، بخلاف ما إذا كانتا منفصلتين.

والثاني كما إذا علم بالانفصال ولكن كان الانفصال قليلاً بحيث يشك في أنّه مضرّ بالوحدة المكانية أو لا، كما إذا كان بين القريتين سدس الفرسخ.

أمّا الأوّل فيستصحب عنوان كونه مسافراً لا مقيماً، لأنّ الثاني عنوان حادث شك في حدوثه.

وأمّا الثاني فيتمسك فيه بعموم أدلّة القصر لإجمال المخصص ودورانه بين الأقلّ والأكثر، كما حقّق في محله، حيث يعلم بأنّ الفصل بأربع كيلومترات


(266)

مخلّ بالوحدة، ولكن يشك في إخلال كيلومتر واحد، فيدور أمر المخصص بين الأقل والأكثر، فيؤخذ بالأقل ويرجع في الأكثر إلى عموم العام، أي قوله سبحانه: «وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاة» . فتأمّل.

8. حكم البلاد المتسعة والكبيرة

قال السيد الطباطبائي: لو كان البلد خارجاً عن المتعارف في الكبر فاللازم قصد الإقامة في محلّة منه إذا كانت منفصلة، بخلاف ما إذا كانت متصلة، إلاّ إذا كان كبيراً جدّاً لا تصدق عليه وحدة المحل، وكان كنيّة الإقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل القسطنطينية ونحوها.

وحاصل كلامه في البلد المتسع يرجع إلى أُمور ثلاثة:

1. إذا كان البلد واسعاً وكانت المحلات منفصلة، ينوي الإقامة في محلّه.

2. إذا كان البلد واسعاً والمحلاّت متصلة، ينوي الإقامة في نفس البلد.

3. إذا كان الكبر خارجاً عن المتعارف فلا يجري عليه حكم البلد الواحد، فهو كحكم البلد الواسع إذا كانت المحلاّت منفصلة، فاللازم نيّة الإقامة في محلّة واحدة منها.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في القسمين الأوّلين صحيح لا غبار عليه، وإنّما الكلام في البلاد الكبيرة الخارجة عن حدّ التعارف كطهران والقسطنطينية وغيرهما من المدن الواسعة جدّاً، فالظاهر كفاية كونهما محلاً واحداً في نظر العرف، وإن اشتملت على خمسين محلاً إذا اطلق عليها اسم مدينة واحدة، وقد عرفت انّ الوارد في النصوص عبارة عن الألفاظ التالية:

1. «أرضاً»، 2. «بلدة»، 3. «البلدة»، 4. «المكان»، 5. «ضيعته» إلى غير


(267)

ذلك من الألفاظ المتقاربة.

ومن المعلوم انّ كلاً من هذه البلاد الواسعة تحمل اسم البلدة، وقد كان في عصر صدور الروايات مدائن كبيرة في العراق والشام.

فالقول بعدم صحّة نيّة الإقامة في البلاد الكبيرة قول لا يساعده الذوق الفقهي ولا يعد التجوالُ في محلاته سفراً من محلة إلى محلة ولا ارتحالاً إلى غير ذلك ممّا ينافي الإقامة

9. قصد الخروج عن محل الإقامة

قال السيد الطباطبائي: لا يعتبر في نيّة الإقامة قصد عدم الخروج عن خطة سور البلد على الأصح، بل لو قصد حالة نيّتها الخروجَ إلى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها على وجه لا ينافي صدق اسم الإقامة في البلد عرفاً، جرى عليه حكم المقيم حتى إذا كان من نيّته الخروج عن حدّ الترخّص إلى ما دون الأربعة إذا كان قاصداً للعود عن قريب بحيث لا يخرج عن صدق الإقامة في ذلك المكان عرفاً، كما إذا كان من نيته الخروج نهاراً والرجوع قبل الليل.(1)

قد عرفت شرطية وحدة المكان في صدق الإقامة وكان البحث هناك فيما هو المقوم في صدق الوحدة، وأمّا البحث في المقام فيرجع إلى بيان ما هو المانع عن صدق الوحدة، ولأجل ذلك طرح السيد الطباطبائي مسألتين، إحداهما ترجع إلى بيان مقتضيات الوحدة ومسوغاتها وموجباتها، وفرغنا عنها، وثانيتهما ترجع إلى بيان المانع لصدق الوحدة.

وأمّا الأقول فالظاهر انّها لا تتجاوز الأربعة.


1 . العروة الوثقى، الفصل الثاني، في قواطع السفر، الثاني من القواطع الإقامة، المسألة 8.


(268)

الأوّل: لا يجوز الخروج عن سور البلد المحيط به أو عن حدود بنيانها أو دورها، وهذا هو المنسوب للسيد الفتوني استاذ بحر العلوم على ما حكي عنه.

الثاني: جواز التردّد في حدود البلد وأطرافه ما لم يصل إلى محلّ الترخّص نقل عن الشهيدين في البيان ونفايح الأفكار.

الثالث: الرجوع في ذلك إلى العرف، نسب إلى الأردبيلي وصاحب المدارك والمجلسي.

الرابع: البقاء على التمام ما لم يقصد المسافة نسب إلى فخر المحقّقين.

قال في الحدائق: لو نوى الإقامة في موضع وصلّى تماماً ثمّ خرج إلى مادون المسافة مع إرادة الرجوع إلى موضع الإقامة وهذه المسألة من مشكلات المسائل وأُمّهات المقاصد لتعدّد الأقوال فيها والاحتمالات وتصادم التأويلات والتخريجات مع خلو المسألة من الروايات حتى أنّ شيخنا الشهيد الثاني صنف فيها رسالة مستقلة، ثمّ نقل انّ الشيخ ذكرها في المبسوط وقال: من أقام في بلد وصلّى فيه تماماً فانّه يجب عليه التمام فيه حتى يقصد المسافة.(1)

ثمّ إنّ الفرق بين هذه المسألة وما سيأتي في المسألة 24من العروة الوثقى(2) من انّه إذا تحققت الإقامة وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافةو لو ملفقاً فما حكم صلاته ذهاباًو إياباً وعوداً، هو انّ البحث في المقام صغروي وانّ نية الخروج في أثناء العشرة مخل لتحقّق الإقامة أو لا، وقد عرفت انّ الأقوال فيها أربعة:

وأمّا المسألة الآتية فالنزاع فيها كبروي مبني على القول ببطلان الإقامة إذا بدا له الخروج إلى الخارج. إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ للمسألة صورتين:


1 . البحراني: الحدائق:11/483.
2 . لاحظ رقم 25 من هذا الفصل.


(269)

الأُولى: إذا نوى الإقامة في مكان وصلّى صلاة رباعية تماماً ثمّ بدا له الخروج إلى ما دون المسافة ساعة أو ساعتين أو ثلاث. فالظاهر انّه لا يزاحم الإقامة وذلك لصحيح أبي ولاد الحناط قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة ان أُقيم بها عشرة أيّام وأتمُّ الصلاة، ثمّ بدا لي بعدُ أن لا أُقيم بها، فما ترى لي أتمّ أم أقصّر؟ قال:

«إن كنت دخلتَ المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصّر حتى تخرج منها...»(1)والسؤال فيه عمّن أقام وصلّى رباعية ثمّ بدا له أن لا يقيم، وقد حكم ـ عليه السَّلام ـ عليه بالتمام إلى وقت انشاء السفر الشرعي، مطلقاً سواء خرج إلى مادون المسافة أم لا، فحصر القصر بالإخراج وإنشاء السفر، يلازم عدم كون الخروج إلى مادون المسافة مخلاً بالإقامة. اللّهمّ إلاّأن يقال انّ الحديث ناظر إلى أنّ العدول عن الإقامة غير مخل، لا انّ الخروج إلى ما دونها كذلك.

الثانية: إذا كان من بدء الأمر ناوياً الخروج إلى ما دون المسافة في ضمن الأيّام العشرة وقد عرفت الأقوال، وإليك بيانها.

استدل للقول الأوّل مانقله المحقّق النراقي وحاصله:

القدر الثابت أنّ قصد الإقامة في البلدة والقرية موجب للإتمام، والبلدة تستعمل في معان، والقدر المعلوم أنّ قصدَها بالمعنى الأوّل، وهو ما جمعته الدور والبنيان وحفّته السور والجدران يوجب الإتمام قطعاً والباقي غير معلوم لنا فلا يعلم تعلق الحكم به أيضاً.

ثمّ قال: وما ذكرناه ليس مغايراً للقول الثالث (أي الرجوع إلى العرف) بل هو عينه إلاّ انّا نقول انّ هذا هو المعنى العرفي لإقامة البلد.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 18من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(270)

نعم لا يضرّ خروج ساعة أو ساعتين أو نحو ربع يوم إلى حوالي البلد، لا لصدق البلد، على الحوالي، بل لعدم منافاته لصدق الإقامة عشرة، حتى لو قال: أقم داخل السور عشرة أيّام لم يضر ذلك أيضاً، وبهذا ينضبط أمر الإقامة وإلاّ فيحصل الاضطراب في الرستاق القريبة القرى وفي نحو ذلك.

فاللازم في قصد الإقامة قصد التوقف في مجتمع البنيان والدور من بلد عرفاً، وعدم الخروج منها خروجاً عرفياً لا بنحو عشرة أقدام أو عشرين ونحوهما ممّا لا يخل بالإقامة من خروج زمان يسير.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره حسن لو لم يكن هناك دليل على التوسعة كما سيوافيك.

استدل للقول الثاني: انّ معنى الإقامة في البلد أن لا يخرج عن حدود ذلك البلد، والمستفاد من الأخبار انّ الحدود الفرعية لكلّ بلد منتهى سماع آذانها ورؤية بيوتها وجدرانها، وهو الذي يحصل به الترخص لا جميع أطرافها فمادام يكون فيما دون حدّ الترخص يكون في البلد وإذا تجاوز عنه يكون خارجاً عنه.

يلاحظ عليه: أنّ ما جاء في الروايات حول حدّ الترخّص لغاية بيان وظيفة المسافر وانّه لا يقصر إلاّ إذا بلغ حد الترخّص ويدوم عليه في الرجوع إلاّ إذا بلغ دونه، ولا صلة له بتفسير معنى الإقامة في البلد، فلعلّ الموضوع في الإقامة في البلد أضيق منه أو أوسع منه كما على القول الرابع.

وبالجملة: استفادة تحديد الإقامة في البلد من الروايات الواردة في بيان وظيفة المسافر أشبه بالقياس.

واستدل للقول الثالث: أي الرجوع إلى العرف بأنّه لم يرد نصّ في معنى إقامة


1 . النراقي: المستند:8/253، الطبعة الحديثة .


(271)

الأرض والبلد فيرجع فيه إلى ما يعد إقامة البلد عرفاً، لأنّه الحاكم في أمثال ذلك، وفرعوا عليه انّه لو نوى ما يقال له في العرف انّه أقام في ذلك البلد فهو يكفي وإن انضم إليه التردّد إلى البساتين المتصلة بالبلد والمحلات الخارجة عن سوره غير المنفصلة عن البلد عرفاً مالم يصل إلى موضع بعيد يخرجه عن المقيمين في البلد.

يلاحظ عليه: أنّه نظر جميل لولا انّه ليس هناك ضابطة يحدد بها الصدق العرفي.

واستدل للقول الرابع، وهو جواز الخروج إلى مادون المسافة وهو الذي اختاره السيد الطباطبائي في عروته، والسيّد الاصفهاني في محاضراته المنشورة والسيد الشاهروديّ والسيد الخوئي في تعاليقهما على العروة، وغيرهما من الفطاحل الأعلام.

ويمكن الاستدلال عليه بوجوه مختلفة:

ألف. الإقامة بمعنى محط الرحل

المراد من الإقامة هو محطّ الرحل، أي إيقاف رحله ورحيله في مكان واحد، إلى أن يرتحل، وليس بمعنى إقامة المسافر نفسه، فهو من حيث الحركة والانتقال حرّ ما دامت تنقلاته في مادون المسافة.

وحاصل هذا الوجه انّ المسافر حسبَ طبعه ينزل أثناء السير في مكان أو أرض مع أثاثه، لكن لا لغاية الإقامة، بل لغاية الاستراحة ولما حصلت الغاية، يرتحل من فورها، وربما ينزل لغاية الإقامة واللبث في هذا المكان إلى مدّة، فيكون المحل محطَ رحله ورحيله ويتخذه مركزاً للإقامة فيخرج منه لقضاء حوائجه ولما فرغ عاد إليه، فإذا اتخذه المسافر، محطاً لنزوله مع أثقاله وأمتعته، فهو محلّ إقامته فينسب إليه ما لم يخرج عن حّد المسافة الشرعية.


(272)

ب. نفترض انّ الإقامة ليست بمحطّ الرحل، بل محلّ إقامة المسافر نفسه سواء كان له رحل أو لا، ولكن ليست للإقامة الواردة في الروايات حقيقة شرعية، بل هي بمعناها العرفي أخذت موضوعاً للحكم الشرعي وهو الإتمام، وهي حسبَ اللغة في مقابل الظعْنِو الارتحال، فمادام لم يرتحل بعدُ فهو مقيم سواء توقف في المحل، أو خرج إلى أطرافه وبساتينه ومزارعه ويدل على هذا، الذكر الحكيم أوّلاً، والأدب العربي ثانياً، والأحاديث الشريفة ثالثاً. وإليك ما يشهد للمختار من الوجوه الثلاثة:

ألف. قال سبحانه: «وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخفُّونَها يَومَ ظَعْنِكُمْ وَ يومَ إِقامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوافِها وَأَوبارِها وَاشْعارِها أثاثاً وَمَتاعاً إِلى حين»(النحل/80) .

فقد جعل الإقامة مقابلاً للظعن الذي هو بمعنى الارتحال، والمعنى تتخذون منها قُباباً وخياماً يخفّ عليكم حملها في أسفاركم يوم ظعنكم أي ارتحالكم من مكان إلى مكان ويوم إقامتكم أي اليوم الذي تنزلون موضعاً تقيمون فيه أي لا يصعب عليكم في الحالتين. ترى أنّه سبحانه جعل الإقامة في مقابل الارتحال، فمادام المقيم لم يرتحل فهو مقيم سواء مكث في المكان أم أخذ بالتجوال.

ب. وقال ابن منظور في اللسان: «والظعن سير البادية يقال أظاعن أنت أم مقيم؟».(1)

و أنشأ الشاعر:

أقمنا مدّة ثمّ ارتحلنا

و هذا ما يعطيه التدبّر في مفهوم الإقامة لغة وكونه في مقابل الظعن والارتحال.


1 . لسان العرب:13/271، مادة ظعن.


(273)

ج. انّه قد حُددت الإقامة في بعض الروايات، بالارتحال والخروج الذي أُريد منه إنشاء السفر الشرعي، وهذا يعرب عن بقاء الإقامة بحالها إلاّ إذا كان هنا إنشاء السفر الشرعي.

1. روى أبو بصير: إذا قدمت أرضاً وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فصم وأتم، وإن كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيّام فأفطر ما بينك وبين شهر، فإذا تمّ الشهر فأتم الصلاة والصيام وإن قلتَ ارتحل غدوة.(1)

ترى انّه يستعمل الإقامة في مقابل الارتحال.

2. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: أرأيت من قدم بلدة إلى متى ينبغي له أن يكون مقصِّراً ومتى ينبغي أن يتم؟

فقال: « إذا دخلت أرضاً فأيقنت انّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة، وإن لم تدر ما مقامك بها، تقول: غداً أخرج أو بعد غد...».(2)

فقد جعل الإقامة مقابلاً للتردّد في الخروج، والمراد من الخروج هو الارتحال بما معه من الأثاث والأشياء.

3. رواية أبي ولاد الحناط، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنتُ نويتُ حين دخلت المدينة ان أُقيم بها عشرة أيّام وأتمّ الصلاة ثمّ بدا لي بعد أن لا أُقيم بها، فما ترى لي أتّم أم أُقصّر؟قال: «إن كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها».(3)

فإنّ قوله: «فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها»، دليل على أنّ الحكم بالإتمام باق إلاّ إذا أنشأ السفر فإنّ المراد من الخروج هو إنشاء السفر ومن المعلوم


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(274)

أنّه لا يُنشأ السفر إلاّمع الانتقال برحله ومتاعه.

فإذا نوى الإقامة في محلّ عشرة أيّام، معناه نوى أن لا يخرج منه قاصداً السفرَ الشرعي فمادام هو بهذه الحالة فهو يتم إلاّ إذا خرج عن تلك الحالة.

فالخروج إلى البساتين المتصلة أو المنفصلة مالم ينته إلى المسافة الشرعية لا يزاحم مفهوم الإقامة فانّ الإقامة في مقابل الارتحال، لا في مقابل الحركة، وفي مقابل الظعن، لا في مقابل الخروج منه قليلاً بنية العود، وبذلك يعلم ما في كلام سيد أساتيدنا المحقّق البروجردي، حيث إنّ الظاهر منه في تعليقته الشريفة على العروة وما أفاده في درسه الشريف انّ الإقامة في البلد، عبارة عن ترك ما كان يمارسه أيّام سفره من السير، قليلاً كان أو كثيراً، قال: «إنّ إقامة المسافر يوماً أو أيّاماً في منزل عبارة في العرف عن بقائه فيه متعطلاً عمّا هو شغل المسافر من كلّ يوم من طيّ مرحلة قصيرة أو طويلة لا جعل ذاك المنزل محل استراحته ونومه عند فراغه من شغل المسافرة في يومه».(1)

فجعل قدَّس سرَّه الإقامة ضدّاً للحركة والتنقّل فحكم بإخلال الخروج إلى مادون المسافة بها، مع أنّها في مقابل الارتحال وترك محل الإقامة.

أضف إلى ذلك أنّ إقامة العشرة ربما يكون لأُمور تجارية لا تنفك ممارستها عن الاشتغال بما كان يمارسه قبل الإقامة، من حمل الأمتعة التجارية من نقطة إلى نقطة، خصوصاً إذا كان البلد متسعاً والتفريق بين الممارسة داخل البلد، والممارسة خارجه كما ترى.

وقال السيد الاصفهاني في بيان المراد من الإقامة ما حاصله:

إنّ المراد إمّا الوقوف، أو الاستقرار في المكان، أو المقابل للارتحال والرَواح،


1 . العروة الوثقى، الفصل الثاني في قواطع السفر، القاطع الثاني: الاقامة، المسألة 8.


(275)

والظاهر في باب المسافرة التي هي الرحيل من مكان إلى مكان، أن تكون الإقامة مقابلة لهذا المعنى.

فعلى هذا لا تنافي الإقامةُ الخروجَ إلى بعض البساتين، بل إلى حدّ الترخص، بل إلى مادون الأربعة وإن كان قصد هذا من أوّل الأمر، فمن قصد الإقامة في النجف الأشرف وكان من نيّته في أوّل القصد الخروجُ في أثناء الإقامة إلى مسجد الكوفة، لا تضرّ هذه النيّة بقصد من الإقامة.

نعم، لو قلنا بأنّ الإقامة عبارة عن الوقوف والسكون في محلّ فلو كان من قصده أوّل الأمر الخروج في أثنائها من خطة البلد لا يتحقّق منه القصد.

وأمّا مع ظهورها في عدم الارتحال فمالم يقصد المسافرة في أثنائها لا يضرّ بتحقّق نية الإقامة في محلّ.(1)

وقد نقل السيد العاملي هذا القول عن فخر المحقّقين(2) والعلاّمة الحلّي في أجوبة المسائل المهنائية.(3)

أضف إلى ذلك انّه قلّما يتّفق لمقيم في بلد أو قرية أو ضيعة، أن لا يخرج عنها إلى الخارج لغاية من الغايات خصوصاً إذا كان نزوله للبيع والشراء ولو كان الخروجُ مخلاً، لزم البيان.

10. المبيت خارج المحل

ربما يتصور انّه إذا كانت الإقامة بمعنى اتخاذ المكان المعين مقراً لنفسه وتابعيه لا بمعنى مكث المسافر فيه فيجوز أن يكون تمام النهار أو الليلة خارج المحل.


1 . صلاة المسافر: 84.
2 . مفتاح الكرامة:3/600، كتاب الصلاة.
3 . أجوبة المسائل المهنائية:132 و عبارته قدَّس سرَّه غير واضحة.


(276)

و يمكن أن يقال: انّ الإقامة وإن كانت بمعنى كون المحل مقرّاً للمقيم لكن الاتخاذ لغاية إقامة المسافر فيه في تلك المدّة، وعلى ذلك فلو كان المكث خارجه على وجه لا يصدق معه انّه أقام فيه تلك المدّة، لأضرّ بالإقامة إذا كان قاصداً من أوّل الأمر وأمّا الخروج بضع ساعات في اليوم، أو الليل أو منهما فلا يضر مادام العرف يساعد على الصدق.

ومع ذلك ففي المنع في النفس شيء، لأنّ الملاك كونه مقراً لرحله ومتاعه حتى يصدق انّه كان مقيماً فيه عشرة أيّام لأجل كون أمتعته ودابته فيه، فعلى ذلك لا يضر وإن بات خارج المحل، على وجه لا تنقطع صلته بالمحل بعوده إليه صباحاً.

11. الإقامة في برية قفراء

إذا تعلّق الغرض بالإقامة في برية قفراء لتصليح الطرق، وتدريب الجنود فحكمها حكم الإقامة في البلد والقرية والضيعة، فلو نوى الإقامة فيها عشرة، فلا يضره الخروج عنها إذا لم يتجاوز المسافة الشرعية، فالعمّال الذين يقيمون فيها لكن يخرجون بياض النهار لأمر تصليح الطرق، أو الجنود لغاية التدريب ثمّ يعودون إليها فهؤلاء يتمون.

12. حكم الإقامة في بيوت الأعراب

قد عرفت أنّ الأعراب بيوتهم معهم ينزلون في محلّ يوجد فيه الماء والعشب، ثمّ يرتحلون منه إلى مكان آخر، فالمقيم في بيوتهم يجب أن يطمئن بعدم رحيلهم عشرة أيّام، وإلاّفلا يتمشى منه قصد الإقامة إلاّ إذا كان عازماً على المكث إلى تمام العشرة وإن رحلوا.


(277)

13. تعليق الإقامة على أمر مشكوك

قال السيد الطباطبائي: إذا علّق الإقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل وكذا لو كان مظنون الحصول فإنّه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها.

نعم لو كان عازماً على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضر.

حاصل كلامه: انّه يعتبر في الإقامة العزم عليها ولا يجوز التعليق والتقدير، وذلك لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «إذا دخلت أرضاً فأيقنت انّ لك بها مقام عشرة».(1) إلى غير ذلك من الروايات الدالّة على انّ الشرط هو العزم القطعي.

وإذا كان عازماً من جانب نفسه على الإقامة ولكن يحتمل حدوث المانع فهو لا يضرّ بعد كونه عازماً على القطع والبت.

ولكن التفصيل غير تام لانّ التعليق في العزم كما يضر باليقين بالإقامة فهكذا احتمال حدوث المانع أيضاً مثله.

وإن شئت قلت: إنّه لا فرق بين التعليق في المقتضي والتعليق في المانع، فكما انّ التعليق في الأوّل يضاد اليقين فهكذا الثاني، ولأجل ذلك ترى انّ المحقّقينمن المعلّقين يعلّقون على المتن بقولهم: «بشرط أن يكون الاحتمال غير عقلائي».

14. حكم المجبور على الإقامة

قال السيد الطباطبائي: المجبور على الإقامة عشراً والمكره عليها يجب عليه التمام وإن كان من نيّته الخروج على فرض رفع الجبر والإكراه، لكن بشرط أن يكون


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.


(278)

عالماً بعدم ارتفاعهما وبقائهما عشرة أيّام كذلك.

وجهه ما عرفت سابقاً من أنّ الإقامة تتحقّق بأحد أمرين على سبيل منع الخلو :

1. نية الإقامة، 2. العلم بالبقاء. والمجبور من قبيل الثاني.

15. حكم الزوجة والعبد

إذا علم التابع بأنّ المتبوع يقيم عشرة أيّام يتمشّى منه القصد إنّما الكلام إذا لم يعلم مقدار ما قصده لكن قصد المقام مقدار ما قصده الزوج والسيد والمفروض انّهما قصدا العشرة، فهل يكفي القصد الإجمالي أولا؟ فيه وجهان. ذهب السيد الطباطبائي إلى الأوّل واختار السيد البروجردي والسيد الخوئي الثاني. قال السيد الطباطبائي ما هذا خلاصته:

1. إنّ الزوجة والعبد إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده الزوج والسيد والمفروض انّهما قصدا العشرة لا تبعد كفايته في تحقّق الإقامة بالنسبة إليهما وإن لم يعلما حين القصد أنّ مقصد الزوج والسيد هو العشرة.

2. نعم قبل العلم بذلك عليهما التقصير.

3. ويجب عليهما التمام بعد الاطّلاع وإن لم يبق إلاّيومان أو ثلاثة.

4. والظاهر وجوب الإعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى ممّا صلّيا قصراً.

5. وكذا الحال إذا قصد المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم العشرة، فالمقصد الإجمالي كاف في تحقّق الإقامة.


(279)

6. لكن الأحوط الجمع في الصورتين بل لا يترك الاحتياط.(1)

وبما انّ السيد الطباطبائي قائل بكفاية القصد الإجمالي من دون حاجة إلى التفصيل أفتى في المسألة الآتية(2) أيضاً بالكفاية وهو:

إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلاً وكان عشرة، فقال: كفى وإن لم يكن عالماً به حين القصد، وإن كان عالماً بالخلاف.(3)

والجامع بين المسألتين هو القصد الإجمالي بمقدار العشرة وإن لم يعلم تفصيلاً ما قصده زوجها أو سيده أو لم يعلم ما كمية الأيّام التي قصد فيها الإقامة إلى آخر الشهر. بل ربّما يتصور انّ الباقي لا يزيد على تسعة أيّام مع أنّه في الواقع عشرة.

وقد مرّ نظير المسألتين في الشرط الثاني من قصد المسافة غير انّ متعلّق القصد في المقام بالكمية الزمانية وهناك بالكمية المكانية. قال السيد الطباطبائي في الشرط الثاني من شروط القصد، أعني: قصد المسافة، ما هذا لفظه:

إذا اعتقد التابع انّ متبوعه لم يقصد المسافة، أو شكّ في ذلك وفي الأثناء علم انّه قاصد لها، فالظاهر وجوب القصر عليه وإن لم يكن الباقي مسافة لأنّه قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعاً فهو كما لوقصد بلداً معيناً واعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء انّه مسافة، ومع ذلك فالأحوط الجمع.(4)

فالمسألتان الواردتان في شروط القصر كالمسألتين في المقام غير انّ القصد الإجمالي تارة يتعلّق بالكمية الزماينة التي هي المطلوبة في باب الإقامة، وأُخرى بالكمية المكانية كما هو المطلوب في الشرط الثاني.و قد أوضحنا حالهما في المقام السابق، فلنرجع إلى تحليل كلام السيد الطباطبائي في المقام، فنقول في كلامه


1 . العروة الوثقى، فصل القواطع ، المسألة 13و14.
2 . العروة الوثقى، فصل القواطع ، المسألة 13و14.
3 . العروة الوثقى، فصل القواطع ، المسألة 13و14.
4 . العروة الوثقى، الشرط الثاني شروط القصر قصد قطع المسافة، المسألة 20.


(280)

ملاحظات:

أمّا أوّلاً: انّ المتبادر من الروايات هو قصد العشرة بصورة قاطعة، كما هو الظاهر من قوله: «لا حتى يجمع على مقام عشرة أيّام»(1) وقوله: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت انّ لك بها مقام عشرة أيّام».(2)

فعلى ضوء ذلك يجب أن يكون قاصداً للعشرة، ولكنّهما غير قاصدين لها إلاّ على شرط خاص وهو قصد المولى والزوج إقامة العشرة.

وبعبارة أُخرى: لو سئلا عن قصد العشرة لأجابا بأنّا تابعون للزوج والسيد، فإن قصدا العشرة فنحن أيضاً قاصدون، وإن قصدا أقلّ منه فنحن أيضاً كذلك. فعندئذ لا يصدق انّهما قاصدان للعشرة على نحو القطع والبت.

نعم، هما قاصدان على نحو القطع والبت البقاء بمقدار مدّة مكث الزوج والسيد، وهذا وإن كان يلازم قصد العشرة لكن القصد لم يتعلّق أوّلاً وبالذات بقصد العشرة وإنّما تعلّق بشيء يلازم قصد العشرة.

وإن شئت قلت: إنّما الموضوع أحد الأمرين قصدعنوان العشرة أو قصد ما هو مصداق العشرة، وإن لم يقصد العنوان.

وأمّا المقام فهما لم يقصدا لا عنوان العشرة ولا واقع العشرة، وإنّما قصدا البقاء بمقدار مدّة بقاء المتبوع، وهو يلازم قصد واقع العشرة وليس نفسه.

وبذلك يعلم الفرق بين هذه المسألة والمسألة المذكورة بعدها: فإنّ من قصد المقام إلى آخر الشهر وكانت المدّة بين الشهر وآخره عشرة أيّام كفى ذلك، لأنّه وإن لم يقصد عنوانَ العشرة لكنّه قصد واقع العشرة، وبذلك يفترق عن هذه المسألة فالزوجة والعبد لم يقصدا شيئاً من العنوان والواقع وإنّما قصدا التبعية،


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و9.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و9.


(281)

والتبعية ليست عنوان العشرة ولا مصداقها نعم هي ملازمة لقصد واقع العشرة وهذا بخلاف ما إذا قصدا المقام بين اليوم الحادي عشر إلى آخر الشهر الذي لا ينفك عن العشرة واقعاً.

وبذلك يعلم أيضاً وجه تفريق بعض الأعلام بين هذه المسألة والمسألة الواقعة بعدها حيث استشكل فيها ولكن لم يعلق شيئاً على المسألة الآتية. فظهر انّ الحقّ، هو الفرق بين المسألتين، فلا تتم الزوجة والعبد في الأُولى، بخلاف الثانية أي إذا قصد المقام في البلد إلى آخر الشهر وكان عشرة كفى وإن لم يكن عالماً به حين القصد، فهو يتم.

وما ذكرنا من التفريق بين المسألتين في المقام، جار في المسألتين، المذكورتين في ضمن الشرط أي قصد المسافة، فلو قصد العبد أو الزوجة ما قصده الزوج والسيد من قطع المسافة ولم يعلما شيئاً فلا يكفي في التقصير لأنّهما لم يقصدا لا عنوان الثمانية ولا واقعها وإنّما قصدا التبعية وهي غيرهما.

بخلاف ما إذا قصد الإنسان السفر من بلد إلى بلد آخر لكن يتخيل انّ المسافة أقلّ من ثمانية مع أنّها ثمانية أو أزيد فهذا يكفي في التقصير لأنّه وإن لم يقصد عنوان العشرة لكنّه قصد واقع العشرة.

وبذلك يعلم انّ الحقّ هو التفصيل بين المسألتين في باب الإقامة وفي باب قصد المسافة فلا يكفي قصد التبعية في تحقّق الإقامة في المقام ولا في تحقّق عنوان المسافر الشرعي في الفصل السابق.

ويكفي إذا قصد الإقامة بين أوّل الشهر إلى آخره ويتخيل انّه تسعة وكان عشرة فتحقق الإقامة، كما يكفي إذا قصد المسافة بين البلدين وإن كان عالماً بالخلاف.

وأمّا ثانياً فهو قائل بوجوب التقصير عليهماقبل العلم بقصد المتبوع ولكن


(282)

الأوفق بالقواعد هو وجوب السؤال، وإلاّ فالعمل بالتقصير. اللّهمّ إلاّ أن يقال بأنّه لا ملزم لإخراج نفسهما من موضوع إلى موضوع آخر وليس هنا واقع محفوظ يجب اتباعه كما مرّسابقاً.

وثالثاً: فإذا وقفا على قصد الزوج والسيد فاللازم على ما ذكرناه هو التمام إذا كان الباقي بمقدار العشرة، وإلاّ فالتكليف هو التقصير على خلاف ما ذكره السيد حيث قال: «ويجب عليهما التمام بعد الاطلاع وإن لم يبق إلاّيومان».

ورابعاً: قد علمت انّ العمل بالحكم الظاهري موجب للإجزاء على خلاف ما ذكره السيد وغيره فلا أرى وجهاً لوجوب الإعادة والقضاء بالنسبة إلى ما مضى كما حقّقناه في الأُصول.

وبذلك يعلم الإشكال في كلام السيد المحقّق البروجردي، فانّهقدَّس سرَّه جعل أساس الرأيين كون الشرط هو العزم على العنوان، أو العزم على الواقع. فعلى الأوّل لا تنعقد الإقامة في كلتا الصورتين: صورة قصد التبعية، وصورة قصد الإقامة إلى آخر الشهر ولا يعلم انّه عشرة أيّام، لعدم العزم على العنوان بالحمل الأوّلي. وأمّا علي الثاني فتنعقد، لتحقّق العزم على واقع العشرة ومصداقها فيهما بالحمل الشائع الصناعي.

مع أنّ الحقّ هو التفصيل بين الصورتين أمّا الأُولى فلم يتعلّق العزم لا على العنوان ولا على واقعه ومصداقه، وإنّما تعلّق بعنوان، أعني: تبعية الزوج والسيد الملازمة لما هو للإقامة في مقدار من الزمان بخلاف الثاني، فإنّ له فرضين:

1. إذا زار مشهد الرضا في اليوم الحادي والعشرين من رجب وقصد الإقامة فيه إلى آخر الشهر جازماً بالمغادرة بعد تمامه سواء أكان الشهر تامّاً أم ناقصاً ـ وكان الشهر في الواقع تامّاً ـ ففي هذه الصورة لا تنعقد الإقامة لعدم الجزم على إقامة عشرة أيّام على وجه القطع، بل يلبث عشرة أيّام في «مشهد» إذا كان الشهر


(283)

تماماً وإلاّ فيغادر في غروب اليوم التاسع ففي هذه الصورة وإن تعلق القصد بالعشرة (بين اليوم الحادي عشر واليوم الأخير في الشهر) لكن لم يتعلق على وجه القطع.

2. إذا ورد البلد وأراد الإقامة إلى غروب اليوم الخامس عشر من شعبان المعظم على وجه القطع، ولكن لا يعلم انّ اليوم الذي ورد فيه البلد هو اليوم السادس أو السابع فنوى الإقامة فتبين انّه اليوم السادس، ففي هذه الصورة يمكن القول انّه قصد واقع العشرة غير انّه غير ملتفت إلى مقصوده.

***

ما ذكرناه خلاصة ما أفاده مشايخنا في هذا المقام، ولكن في النفس من ذلك شيء نشير إليه:

1. انّ العلمين يؤكدان على أنّ التابع قصد أوّلاً وبالذات عنوانَ التابعية وهو يلازم قصد العشرة وليس عينه، وللتأمل فيه مجال.

إنّ التبعيّة للزوجة والعبد أمر عادي لا تحتاج إلى القصد فهما يُساقان حسبَ العادة وراء الزوج والسيد في الحضر والسفر، وليس لها وقت معين، ولكن إذا نزل السيد أو الزوج بلداً مع التابع يكون المرتكز في ذهن الزوجة والعبد انّهما يقيمان في البلد حسب ما أقام فيه المتبوع ولو سئلا عن مقدار اللبث لأجابا حسَب لبث الزوج والسيد، وهذا النوع من القصد تعلّق بواقع العشرة لا بعنوان التبعية، وقد عرفت انّ عنوان التبعية ليس محدّداً بوقت، بخلاف اللبث في البلد، فانّه أمر حادث يقع في أُفق القصد حسب ما يقيم المتبوع.

وكونهما قاصدين ثمانية أيّام بتخيل انّ المتبوع يلبث هذا المقدار فهو من باب الخطأ في التطبيق فكأنّ القصد الأوّل تعلّق باللبث حسب إقامة المتبوع غير انّهما يتصوران أنّ مقدار الإقامة هي ثمانية أيّام، فيكون من قبيل الخطأ في التطبيق.


(284)

2. لو افترضنا وجود الفرق بين الفرعين أي ما ورد في المسألة الثالثة عشرة والمسألة الرابعة عشرة ولكن الفرق نابع من الدقة العقلية والفلسفية، فهل هي معتبرة في استنباط الأحكام أو انّ العرف يرى الجميع من باب واحد؟

فإن قلنا انّ المسألتين من باب الخطأ في التطبيق وانّ ذهن المقيم عالق بالواقع مائة بالمائة ولكن يصور الواقع المعتقد بشكل خاطئ، وقلنا انّ ذلك كاف في قصد العشرة فيكفي في كلتا الصورتين إلاّالفرض الأوّل من المسألة الرابعة عشرة، وإلاّفلا يكفي في كلتيهما.

16. في استقرار حكم العزم

دلّت الروايات على أنّ من عزم إقامة عشرة أيّام في ملك واحد وجب عليه التمام، وظاهر الروايات انّ الحكم معلّق على عنوان العزم واليقين، فمادام العنوان موجوداً يحكم عليه بأنّه مقيم، فإذا زال، زال حكمه، فمثلاً قوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا حتى تجمع على مقام عشرة أيام» وقوله: «إذا قدمت أرضاً وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام» وقوله: «إذا أتيت بلدة فأجمعت المقام عشرة» ونظائره يدل على دوران الحكم مدار العنوان.

فمقتضى القاعدة الأوّلية انّه لو عدل ولو بعد خمسة أيّام بطل حكم الإقامة ووجب عليه القصر.

غير انّ صحيحة أبي ولاّد دلّت على خلاف هذه القاعدة، وهو انّه لو نوى وأتى برباعية تامّة فيستقر حكم التمام ويستقر حكم الإقامة وإن عدل.

روى أبو ولاّد الحناط قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت نويتُ حين دخلت المدينة أن أُقيم بها عشرة أيّام وأتم الصلاة، ثمّ بدا لي بعدُ أن لا أُقيم بها، فما ترى لي أُتمّ أم أُقصّر؟ قال: «إن كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة


(285)

فريضة واحدة بتمام، فليس لك أن تقصّر حتى تخرج منها، وإن كنت حين دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام، حتى بدا لك أن لا تقيم، فأنت في تلك الحال بالخيار إن شئت فانو المقام عشراً وأتم، وإن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة».(1)

وبما انّ صريح الحديث هو الإتيان بصلاة فريضة واحدة بتمام، فلا يكفي مثل صلاة الصبح والمغرب، حتى الشروع في الرباعية إذا عدل قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، غير انّه يجب عليه هدم القيام إذا عدل حاله، وذلك لعدم صدق فريضة واحدة بتمام فانّ المقصود من التمام هو الرباعية.

وتصور انّ المراد من قوله بتمام مقابل الفاسد فهو كما ترى.

إنّما الكلام في كفاية الأُمور التالية:

1. إذا دخل في ركوع الركعة الثالثة وعدل حينه(2).

2. إذا أتى بنوافل الظهر أو العصر ثمّ عدل قبل الإتيان بالفريضة.

3. إذا صام وكان العدول عن قصده بعد الزوال.

فهل يستقر بها حكم التمام أو لا؟

مقتضى القاعدة الأوّلية عدم التمام إذا عدل.

أمّا الأوّل فلعدم صدق قوله: صلاة فريضة واحدة بتمامه.

فإن قلت: فهل يجب عليه إتمام الصلاة أو لا؟

قلت: الظاهر إتمام الصلاة لأنّه دخل في الركوع بأمر الشارع، والأصل حرمة القطع.نعم وجوب الإتمام لا يكون ملازماً لاستقرار حكم العزم إذا عدل، لعدم


1 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.
2 . سيأتي الكلام فيه أيضاً في المسألة السادسة و العشرين.


(286)

صدق قوله: «و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام» الظاهر في بقائه على النيّة إلى آخر الصلاة وصدق قوله: «فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك» الواردين في صحيحة أبي ولاّد.

وبالجملة: هناك مسألتان صحّة الصلاة إذا عدل بعد الدخول في الركوع واستقرار حكم العزم إذا عدل لأجل هذه الصلاة والثابت هو الأوّل دون الثاني.

ومثله الثالث أي الصوم فانّه يصحّ إذا عدل بعد الظهر لحرمة إفطار صوم الواجب بعد الظهر، ولكنّه لا يكون دليلاً على استقرار حكم العزم إذا عدل به.

و ربما يقال: إذا وجب الصوم، وجب إتمام الصلاة في هذا اليوم تمسّكاً بعكس نقيض ما في الخبر الصحيح: «إذا قصّـرت أفطرت» وهو إذا لم يفطر لم يقصر، وإذا وجب الإتمام في هذا اليوم وجب في الباقي مادام فيه لعدم الواسطة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القاعدة ليست كلية لانتقاضها في الموارد التالية:

1. فلو سافر في شهر رمضان بعد الزوال فيصوم ولكنّه يقصر إذا صلّى في السفر.

2. لو رجع عن نيّة الإقامة بعد الزوال وقبل الإتيان برباعية وهو صائم في شهر رمضان، فيتم صومه ويقصر صلاته.

وأوضح منه الإتيان بالنوافل فانّ صحّتها لا يكون دليلاً على استقرار حكم العزم.

نعم، ربما يحتمل أن يكون ذكر الصلاة الفريضة التامة من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام، وهذا على أحد نحوين:


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة:3/414. و الدليل للشهيد الثاني في روض الجنان و النقد للأردبيلي، فلاحظ.


(287)

1. إمّا أن يكون كناية عن مطلق الشروع في العمل المشروطة صحّته بالإقامة كصلاة نافلة الظهرين والدخول في صوم وصلاة جمعة ونحوها.

2. أن يكون كناية عن عام أضيق دائرة من السابق بأن يكون كناية عن عمل مشروط صحّته بالإقامة مع وجوب الإتمام، كما إذا صام إلى بعد الزوال ثمّ عدل عن نيّة الإقامة أو عدلت وهو في الركعة الثالثة ونحو ذلك.(1)

يلاحظ عليه: أنّهما مجردا احتمالين لا يمكن الاعتماد عليه إلاّبقرينة قطعية على عدم إرادة الخصوص.

17. إذا صلّى رباعية مع الغفلة عن الإقامة

إذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الإقامة لكن مع الغفلة عن إقامته أو صلاّها تماماً لشرف البقعة كمواطن التخيير مع الغفلة عن الإقامة، فهل تكفي في البقاء على التمام وإن عدل بعدها؟

والفرق بين الصورتين واضح فانّ الصحّة في الصورة الأُولى من آثار العزم على الإقامة بخلاف الصحّة في الصورة الثانية، فإنّ الصحّة فيها لها سببان، العزم وشرف البقعة.

ربما يقال بالكفاية في الصورة الأُولى بأنّ موضوع الحكم، الإتيان برباعية صحيحة مطابقة للأمر الواقعي الفعلي مع سبق العزم على الإقامة ونيّتها بحيث تكون الصحّة من آثار تلك النية واقعاً وإن لم يلتفت إليها تفصيلاً، وهو حاصل في المقام مالم يكن متردداً أو عازماً على الخلاف حين العمل كما هو المفروض لاستناد الفعل حينئذ إلى تلك النية الباقية في صقع الارتكاز وإن كان غافلاً


1 . الاصفهاني: صلاة المسافر: 115.


(288)

عنها.

وحاصل كلامه أنّه لو قلنا بأنّه يشترط في استقرار حكم العزم كون الإتيان بالرباعية من آثاره والإتيان بها مستنداً إلى العزم فلابد من تقريب الصحّة بما سمعتَ من كفاية النيّة الارتكازية.(1)

وأمّا لو قلنا بأنّه يشترط في استقرار حكم العزم الإتيان برباعية تامّة تكون من آثاره وإن لم يكن المصلّي ملتفتاً حين الصلاة بأنّها من آثاره فعندئذ يصحّ بلا حاجة إلى التوجيه المذكور من وجود النيّة في صقع الارتكاز وذلك، لأنّه قام بواجبه وقصد الأمر الفعلي ولا يظهر من صحيحة أبي ولاد أكثر من ذلك حيث قال: «إن كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام».

اللهمّ إلاّ أن يقال انّ صدر الصحيحة مختص بما إذا كان في حال الصلاة ملتفتاً إلى عزمه حيث قال: إنّي كنتُ نويتُ حينما دخلت المدينة ان أُقيم بها عشرة أيّام، فهذه العبارة وإن وردت في لسان الراوي ولكن جواب الإمام متوجه إليه فلا يعم غير تلك الصورة، ولو صحّ ما استظهرناه فلا يكفي النيّة الارتكازية، لأنّ الظاهر هو النيّة التفصيلية.

والحاصل أنّ الأمر يدور بين أُمور ثلاثة:

1. كفاية كون الرباعية من آثار العزم.

2. لزوم كون الإتيان بها مستنداً إلى العزم ولو ارتكازاً.

3. لزوم كونه مستنداً إليه تفصيلاً.

وأسوأ حالاً هي الصورة الثانية لأنّها قامت بالرباعية لشرف البقعة لا للعزم على الإقامة.و الأولى أن يقال: انّه لا يظهر من صحيحة أبي ولاد غير الإتيان


1 . مستند العروة:8/293.


(289)

بالرباعية التي تكون من آثار العزم، وأمّا الالتفات فلا تظهر شرطيته.

وإلى ما ذكرنا ينظر قول السيد الاصفهاني حيث قال: وما يتخيل من أنّ ظاهر الرواية إتيان الفريضة التامة عن نية الإقامة إلاّانّه لم يأت بما هو وظيفته عن داعي كونه ناوياً للإقامة فاسد، فإنّه لم تتقيد الرواية بأن يكون الإتمام بهذا الداعي وما أفاده في الروض من أنّ التمام كان سائغاً له بحكم البقعة، فلم تؤثر نيّة المقام (1) ، غير تام.

18. عدم اشتراط التكليف في تحقّق الإقامة

هل يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً بالصلاة أو لا؟

وتظهر الثمرة في الصور التالية:

1. إذا نوى الإقامة وبلغ في أثناء العشرة.

2. إذا نواها وهو مجنون إذا كان ممّن يتحقّق منه القصد ثمّ أفاق في أثناء العشرة.

3. إذا نواها حال الإفاقة ثمّ جن ثمّ أفاق.

4. إذا كانت حائضاً حال النية ثمّ طهرت في أثناء العشرة.

5. إذا كانت حائضاً تمام العشرة وأرادت الصلاة بعد العشرة.

مع بقاء العزم إلى العشرة بلا عدول في جميع الصور.

قد عرفت أنّ تمام الموضوع للإقامة هو العزم، وأمّا الإتيان بالرباعية التامة فإنّما هو شرط لاستقرار حكم العزم لو عدل وإلاّ فلا صلة للصلاة في تحقّق مفهوم الإقامة، وعلى ذلك فلو قلنا بأنّ قصد الصبي قصد واقعي وانّه موضوع للتكليف


1 . الاصفهاني: صلاة المسافر: 120 ـ 121.


(290)

ولو استحباباً لمشروعية عباداته فلا فرق بين قصده وقصد غيره ومنه يظهر قصد المجنون إذا تمشّى منه القصد غير انّ الغموض في هذا الفرع هو الجمع بين القول بالعبرة بقصده، والقول بأنّه غير مكلّف.

و منه يظهر حال سائر الصور.

وحاصل المسألة أنّه إذا تحقّق القصد ولم يعدل عنه فهو داخل في المقيم، وإن لم يكن مكلّفاً بالصلاة حين القصد إمّا لقصور في القاصد كالصبي والمجنون أو لوجود المانع كالحائض والنفساء.

19. هل الرباعية القضائية تكفي في استقرار حكم العزم أولا؟

الكلام في هذه المسألة يقع في سعة دلالة صحيحة أبي ولاد على استقرار حكم العزم للرباعية القضائية وعدمها، وإليك صور المسألة:

1. إذا فاتته رباعية في الحضر، ولكنّه بعدما نوى الإقامة أتى بتلك الرباعية قضاءً ثمّ عدل.

2. إذا فاتته الرباعية بعد العزم على الإقامة فأتى بها قضاءً ثمّ عدل.

3. إذا فاتته رباعية بعد العزم على الإقامة ثمّ عدل وأتى بها قضاءً.

4. إذا نوى وفاتته الرباعية لأجل الحيض والنفاس، ثمّ عدل، فهل يكفي مضي وقت الصلاة في البقاء على التمام أو لا؟

وإليك بيان أحكام الصور:

أمّا الأُولى: فلا شكّ انّ الإتيان بها لا يكفي في استقرار حكم العزم إذا عدل بعد الإتيان بها ذلك لأنّ المتبادر أن يكون الإتيان بالصلاة بوصف الرباعية من آثار العزم بخلاف المقام، فانّ الإتيان بها بهذا الوصف من آثار كونه حاضراً.


(291)

أمّا الثانية: فربما يقال بالاكتفاء لأنّ الإتيان بالرباعية بهذا الوصف من آثار العزم، فلولا انّه كان ناوياً للإقامة لم تكتب عليه الصلاة رباعية.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية كون الرباعية من آثار العزم على الإقامة لكن على وجه لو عدل قبل الإتيان بالرباعية لانقلبت الوظيفة إلى الثنائية، ولكن المقام ليس كذلك، لأنّه لو عدل قبل الإتيان بالرباعية القضائية لما انقلبت الوظيفة إلى الثنائية، لأنّه استقرت عليه الرباعية وفاتت عليه كذلك، كان بعده عدول أو لا.

وإن شئت قلت: إنّ الموضوع هو الرباعية التي يكون لوجود العزم حين الإتيان بها تأثير في لزوم الإتيان بها كذلك مع أنّه ليس كذلك لأنّه استقرت عليه الرباعية من دون تأثير لوجود العزم حينها وعدمها.

والأولى أن يقال: انّ الصحيحة ناظرة إلى الصلاة الأدائية وليست لها أيّ نظر إلى الصلاة القضائية.

وأمّا الثالثة: فيعلم حكمها ممّا سبق فعدم كفايتها هنا أولى وأظهر.

وأمّا الرابعة: فواضحة فانّ الموضوع للإقامة وإن كان هو العزم ولكن الموضوع لاستقرار حكمه بعد العدول هو الإتيان بالصلاة لا مضي وقتها وإن لم يأت بها.

20. هل العدول قبل الإتيان بالرباعية كاشف أو ناقل؟

إذا عزم على الإقامة ثمّ بدا له قبل أن يأتي برباعية تماماً، فهل البداء يكشف عن عدم تحقّق الموضوع من أوّل الأمر أو يوجب انقلاب الموضوع إلى موضوع آخر؟

وبعبارة أُخرى: هل العزم والقصد أخذا موضوعيّاً واسميّاً أو أخذا طريقيّاً وحرفيّاً؟


(292)

فعلى الأوّل يكفي في ترتّب الأثر مجرّد القصد، وإن بدا له في أثناء العشرة، وعلى الثاني لا يكفي إلاّإذا تحقّقت معه إقامة العشرة.

ويترتب على القولين ثمرات منها:

1. صحّة النوافل غير المشروعة في السفر، إذا أتى بها بعد العزم ثمّ بدا له قبل أن يأتي برباعية تامة.

2. صحّة الصوم إذا صام ثمّ بدا له قبل أن يأتي برباعية.

3. لزوم القضاء تماماً إذا مضى الوقت ولم يصلِّ لطروء النوم أو النسيان ثمّ بداله.

فعلى القول بأنّ العزم مأخوذ موضوعيّاً واسميّاً، صحت النوافل والصوم، ويجب عليه قضاء ما فات رباعيّة، بخلاف ما إذا قلنا بأنّه مأخوذ طريقيّاً وحرفيّاً فلا يعتد بتلك النوافل ولا بالصوم وتقضى الصلاة الفائتة ثنائية، وذلك لعدم تحقّق ذي الطريق أي إقامة العشرة أو الإتيان برباعية تامة قبل العزم.

ولكن المتبادر من الروايات هو الأوّل أي كونه مأخوذاً موضوعياً واسمياً مثل قوله: «لا، حتى يجمع على مقام عشرة أيام » وقوله: «إذا أتيت بلدة فأجمعت المقام عشرة أيّام» وقوله: «فأيقنت انّ لك فيها مقام عشرة أيام» فظاهر هذه الروايات انّ اليقين تمام الموضوع للحكم، فإذا بدا له انقلب الموضوع إلى موضوع آخر.

على أنّ جعل فعل الفريضة شرطاً لصحّة الإقامة يستلزم الدور.

لأنّ صحّة الصلاة والأمر بها يتوقف على تحقّق الإقامة قبلها، والمفروض انّ الإقامة لا تتحقق إلاّ بالإتيان برباعية تامة صحيحة.

على أنّ هناك مسلكاً آخر وهو إجزاء الأمر الظاهري وإن قلنا بعدم تحقّق


(293)

الإقامة إلاّبنفس العشرة أو الإتيان برباعية تامة، والمفروض انّ الشارع أمر بعد العزم حتى ولو كان طريقياً إذ غاية ذلك كون الأمر ظاهرياً لا واقعياً وقد ثبت في محلّه كفاية امتثال الأمر الظاهري.

21. التردّد في الإقامة كالعزم على العدم

التردّد في الإقامة كالعزم على عدمها في أنّه لو كان بعد الصلاة تماماً لم يؤثّر، وبقي على التمام ولو كان قبله رجع إلى القصر، وذلك لأنّ صدر صحيح أبي ولاّد الحناط أعني قوله: «حتى بدا لك أن لا تقيم» وإن كان مختصاً بالعادل عن الإقامة والعازم على العدم، لكن الذيل يعم المتردد حيث قال: «و إن لم تنو المقام عشراً» الصادق، للمتردِّد فيكون حكمُه، حكمَ العازم على العدم في أنّه لو صلّى قبله صلاة تامّة يبقى على التمام وإلاّ فعليه التقصير.

22. إذا صام وعدل بعد الزوال وقبل الصلاة تماماً

إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم، ثمّ عدل بعد الزوال قبل الإتيان بالصلاة تماماً، يقع الكلام في موردين:

الأوّل: حكم صلاته بعد العدول من غير فرق بين صلاة نفس اليوم الذي عدل فيه أو الصلوات الأُخرى للأيّام القادمة مادام في محلّ الإقامة. فلو قلنا بأنّ الصوم الصحيح يقوم مقام الصلاة تماماً فلا يضر العدول إذا قام صومه مكانها فيترتب عليه ما يترتب على الصلاة الصحيحة التامة، من كون الواجب هو التمام بعد العدول ما لم يُنْشأ السفر الجديد.

الثاني: صحّة نفس الصوم إذا صام وعدل بعد الزوال وقبل الصلاة التامة.


(294)

أمّا الأوّل فهو مبني على أن يكون ذكر الفريضة التامة في صحيحة «أبي ولاد» من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام والملاك ما إذا أتى في حال الإقامة كلّ ما لا يصح من المسافر، كالصيام والنوافل ولا أقل، من شموله للصوم الذي هو عِدْل للصلاة في باب صلاة المسافر حتى جاء في الأثر: إذا قصرت أفطرت.(1)

ولكنّه مجرّد استحسان ومقتضى القاعدة هو انّ قصد الإقامة ينهدم بنيّة العدول ولا يترتب عليها أحكامها بعده من إتمام الصلاة، خرج منه ما إذا صلّى تماماً ثمّ عدل، فيترتب عليها أحكامها مع انهدامها بالعدول، وامّا غير هذه الصورة فيرجع فيها إلى ما دلّ على أنّ المسافر يقصر.نعم نقل عن الشهيد في روض الجنان، وبحر العلوم في المصابيح انّه يتم صلاته إذا صحّ صوم ذلك اليوم أو اليوم السابق إذا صام ولم يصل أساساً نسياناً أو تعمداً ولكنّه لا يخلو من إشكال.

أمّا الثاني أي صحّة صومه في حدّنفسه وإن لم يَقُم مقام الصلاة تماماً، فيمكن تصحيحه بوجهين:

1. ما يظهر من السيد الطباطبائي في العروة وهو مركّب من صغرى وكبرى، أمّا الصغرى فلما مرّ في المسألة التاسعة عشرة من أنّ العدول عن الإقامة قبل الإتيان بفريضة رباعية قاطع لها من حينه ولا يكشف عن عدم تحقّقها من أوّل الأمر، ولأجل ذلك قلنا هناك من أنّه لو صام يوماً أو أيّاماً حال العزم على الإقامة وإن لم يصل صلاة تامة صحّ صومه وإن عدل، والفرق بينه وبين المقام انّ العدول كان هناك بعد انقضاء اليوم وفي المقام بعد الزوال، وكلا المقامين مشتركان في عدم الإتيان بصلاة رباعية تامة وعلى هذا، فهو يصير بالعدول بعد الزوال، مسافراً بعده، لا قبله. فيدخل في الكبرى التي نشير إليها.

وأمّا الكبرى فهو ما دلّ على أنّ من صام ثمّ سافر بعد الزوال يصحّ صومه.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.


(295)

روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم، ويعتد به من شهر رمضان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ مورد الروايات أو منصرفها هو من صام في بلده وبين أهله، وهو في بيته ثمّ خرج بعد الزوال، لا من كان مقيماً فصام وعدل عن الإقامة بعد الزوال، سواء سافر أم لم يسافر، فاستفادة حكم المقام من مورد الروايات أشبه بالقياس. ولأجل ذلك احتاط بعض المحشين بإتمام الصوم ثمّ القضاء إذا كان له قضاء.

وهناك وجه آخر للصحّة أشار إليه السيد المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه وهو استفادة حكم المقام من الروايات بقاعدة الأولوية وانّه لو صحّ الصوم في المقيس عليه لصحّ في المقيس بطريق أولى وحاصله:

وحاصل ما أفاد بتحرير منّا، هو انّ السفر ليس كالحيض، فالثاني مانع مطلقاً قبل الزوال وبعده وأمّا السفر فليس بمانع إلاّإذا كان قبل الزوال.

فإذا كان السفر بوجوده الواقعي مع النية بعد الزوال غير مانع عن صحّة الصوم، فلا يكون مجرّد العدول عن الإقامة من غير ممارسة للسفر مانعاً بطريق أولى كما هو الحال في المقام، فإنّ البحث فيه منصبّ على مجرد العدول عن الإقامة بعد الزوال لا على ممارسة السفر بعده إذ لا تزيد النية (نية العدول) على نفس السفر، المشتملة على النية بالضرورة، فإذا لم يكن السفر نفسه مع النية مانعاً لم تكن نيته فضلاً عن التردّد فيه مانعاً بطريق أولى.

فنفس تلك النصوص تدل على حكم المقام بالفحوى والأولوية.(2)

يلاحظ عليه: بالفرق بين المقامين، فإنّ السفر الواقعي المشتمل على النية لا


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1و2.
2 . مستند العروة:8/229.


(296)

يكون مانعاً عن صحّة الصوم إذا خرج عن الوطن بعد الزوال، فعدم مانعية السفر في هذه الصورة لا تكون دليلاً على عدم مانعية مجرّد النية (العدول أو التردد) في المقيم إذا عدل أو تردد بعد الزوال كما لا يخفى.

23. إذا تمت العشرة لا يحتاج إلى إقامة جديدة

إذا تمت العشرة، لا يحتاج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة أو صلّى رباعية ثمّ عدل فكلاهما يتمان مالم يكن هناك انشاء سفر جديد وهو الظاهر من صحيحة «أبي ولاد» حيث قال: « فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها» وأبو ولاّد، كوفي زار المدينة، وخروجه منها إمّا إلى مكّة المكرمة أو إلى موطنه، وليس المراد مطلق الخروج، الشامل لما إذا خرج دون المسافة ثمّ رجع.

وبذلك يعلم انّه لا يصحّ التمسك بإطلاق الخروج فيما إذا خرج إلى ما دون المسافة في الفروع المذكورة في العروة ضمن المسألة الرابعة والعشرين كما لا يخفى، على أنّه لا يخرج المقيم من كونه مقيماً إذا خرج ما دون المسافة إذا استغرقت إقامته سنتين أو أزيد، فالمرجع في هذا الفرع والفروع الآتية الدليلان التاليان:

1. صحيحة أبي ولاد الدالة على أنّ المقيم يبقى على الإتمام مالم ينشئ سفراً جديداً، فالخروج فيها يقابل الدخول، فالدخول بمعنى الحلول في المدينة والخروج هو تركها والذهاب إلى مكان آخر.

2. ما مرّ في صدر الكتاب من أنّ أدنى ما يقصر فيه الصلاة هو البريد ذاهباً والبريد جائياً وإطلاقه يعم المقيم فهو يتم مالم يذهب أربعة فراسخ أو ثمانية.(1)


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و2و3.


(297)

24. لا تسقط النوافل عن المقيم وكذا الجمعة

المقيم يُتمُّ الصلاة ويصوم، وله التطوع بالنوافل والحضور في الجمعة وذلك لوجوه:

1. ما دلّ على أنّ الإقامة قاطعة لموضوع السفر حكماً وتعبّداً، ففي صحيح حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر قال: « من قدم قبل التروية بعشرة أيّام، وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة» ومقتضى التنزيل هو ترتيب جميع الآثار الشرعية من عدم سقوط النوافل والجمعة، نعم ذيل الرواية غير معمول به، وقد سبق منّا التكلم حوله.(1)

2. ما دلّ على أنّ سقوط النوافل وعدمه دائر مدار جواز الإتمام وعدمه، ولأجل ذلك يجوز التطوع عند قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ ومكة والمدينة وإن قصَّر صلاته.(2) فإذا جاز التنفل مع القصر فمع الإتمام أولى كما في المقيم.

3. ما دلّ على الملازمة بين جواز التطوع وتمامية الصلاة روى أبو يحيى الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن صلاة النافلة بالنهار من السفر؟ فقال: «يا بُنيّ لو صحّت النافلة في السفر، تمت الفريضة» .(3) فيدل على الملازمة بين تمام الصلاة وجوازالتطوع.

25. الخروج إلى ما دون المسافة

إنّ المسألة معقودة لبيان حكم ما لو خرج إلى مادون المسافة، وأمّا بيان ما


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 10.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 26 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1و6.
3 . الوسائل: الجزء 3، الباب 21 من أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 4.


(298)

إذا خرج إلى حدّالمسافة فهو من باب الاستطراد. وقد ذكر السيد الطباطبائي صوراً سبع وذكر الشيخ البحراني صوراً خمس كما سيوافيك، فنقول:

إذا تحقّقت الإقامة وتمّت العشرة أو لم تتم ولكن صلّـى رباعية ثمّ بدا للمقيم الخروج إلى مادون المسافة ولو ملفّقة فللمسألة صور .

أقول: هذه المسألة وصفها المحدث البحراني بأنّها من مشكلات المسائل وأُمّهات المقاصد لتعدد الأقوال فيها والاحتمالات مع خلو المسألة من الروايات حتى أنّ شيخنا الشهيد الثاني صنّف فيها رسالة مستقلة.

نعم ذكرها الشيخ في المبسوط في فرض مخصوص على سبيل التفريع على مسألة: من أقام في بلد وصلّى فيه تماماً فانّه يجب عليه التمام فيه حتى يقصد المسافة.

قال: إذا خرج حاجّاً إلى مكّة وبينه وبينها مسافة تقصَّر فيها الصلاةُ، ونوى أن يقيم بها عشراً قصّر في الطريق، فإذا وصل إليها أتم.

فإن خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد المقام عشرة أيّام إذا رجع إلى مكّة كان عليه القصر، لأنّه قد نقض مقامه بسفر بينه وبين بلد تقصر في مثله الصلاة.

وإن كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيّام بمكة أتم بمنى وعرفة ومكة حتى يخرج من مكة مسافراً فيقصر.(1)

ثمّ إنّ المتأخرين فرعوا على كلامه فروعاً وذكر المحدث البحراني صوراً خمس، ولكنّها عند التحليل أكثر قال:


1 . الطوسي: المبسوط:1/138. و الحكم بالتمام بعرفة إذا أقام بمكة، مخالف للروايات و فتوى المشهور .


(299)

إنّ الخارج من موضع الإقامة بعد نيّة الإقامة والصلاة تماماً سواء كان في ضمن العشرة أوبعد تمامها لا يخلو أمره:

1. أن يكون مريداً للعود إلى موضع الإقامة.

2. أن لا يريد ذلك.

3. وعلى فرض كونه مريداً للعود إمّا أن يكون قاصداً المقام عشرة أيام.

4. أو لا يكون قاصداً لها.

5. وعلى فرض عدم قصده المقامَ عشرة أيّام إمّا أن يكون قاصداً للمفارقة أو ذاهلاً أو متردّداً.(1)

وقد ذكر السيد الطباطبائي فروعاً سبعة ونحن نقتفي كلامه:

الأوّل: إذا عزم على إقامة جديدة

إذا كان عازماً على العود إلى محل الإقامة واستئناف إقامة عشرة أُخرى، أو إذا كان عازماً على الإقامة في غير محل الإقامة الأُولى مع عدم كون ما بينهما مسافة، فقال السيّد: حكمه وجوبُ التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة الأُولى.

وقال المحدّث البحراني: هذا ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال في كونه يُتمّ ذاهباً وآيباً وفي موضع قصده، ووجهه انّ فرضه التمام سابقاً ولم يحصل له ما يوجب الخروجَ عنه، فيجب استصحابه والعمل عليه إلى أن يتحقّق المخرِج.(2)

والعجب انّه مع توغله في الأخبار تمسك في المقام بالاستصحاب مع وجود


1 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/484.
2 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/485.


(300)

الدليل الاجتهادي أعني:

1. صحيحة أبي ولاد حيث علق الخروج من التمام على انشاء السفر الجديد كما أوضحناه.

2. ما دلّ على أنّ الخروج من التمام إلى القصر إنّما يتحقّق بسير بريد ذهاباً وإياباً والمفروض عدم تحقّقه في المقام.

ونقل عن المقدّس البغدادي والشيخ محمد طه نجف، انّه يقصِّر ولعلّهم فسروا قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة أبي ولاد « حتى تخرج» بمطلق الخروج وقد عرفت أنّ المراد هو انشاء السفر وانّ الخطاب لأبي ولاد وهو كوفي وخروجه مقابل لدخوله فيكون المراد ترك المدينة رأساً.

الثاني: إذا أعرض عن محل الإقامة قاصداً المسافة

إذا أعرض عن محلّ الإقامة وكان بينه وبين المقصد مسافة شرعية، وقد عبّر عن هذه الصورة السيد الطباطبائي بعبارتين:

أ. إذا كان ما بقي من محل إقامته إلى مقصده مسافة.

ب. أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة.

أقول: أمّا التعبير الأوّل فهو ناظر إلى المسافة الامتدادية ووصف المسافة بين محل الإقامة والمقصد بما بقي، إنّما هو بلحاظ سفره قبل نيّة الإقامة، فما يقطعه الآن بقية من المسافة البعيدة التي طواها حتى وصل إلى محلّ الإقامة. وصارت المسافة بينه وبين المقصد بقية من المسافة الوسيعة التي نوى طيّها وقطعها.

وأمّا التعبير الثاني فهو إشارة إلى ما إذا كانت المسافة تلفيقية، فيمكن تصويرها بالنحو التالي:


(301)

إذا خرج عن محل الإقامة ذاهباً إلى نقطة أُخرى، ثمّ عاد من الطريق الذي ذهب إلى بلده بحيث يكون جزء من الطريق مشتركاً بين الذهاب والإياب مثلاً، فإذا كان بلده في الجانب الشرقي من مدينة قم بعيداً عنها بمقدار ستة فراسخ، فلما خرج من محل الإقامة (مدينة قم) ذهب إلى الجنوب فرسخاً ثمّ عاد من نفس ذلك الطريق وقصد البلد الواقع في شرقيّها على وجه صار المجموع ثمانية فراسخ.

هذا ما يرجع إلى تفسير العبارة، وأمّا حكمه فواضح من خلال انّه أنشأ السفر الشرعي، غاية الأمر لو قلنا بعدم كفاية المسافة التلفيقية أو باشتراط أن لا يكون الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ، فيقتصر بمورد وجود الشرط أي كون الطريق مع قطع النظر عن التلفيق مسافة شرعية، أو كون الذهاب أربعة فراسخ.

ثمّ إن عد الصورة الثانية من صور التلفيق مبني على تفسيره بما إذا كان السير مشتملاً على الابتعاد والاقتراب ومتضمناً للذهاب والإياب فيبعد عند الذهاب، ثمّ يقرب عند العود ولا سيما إذا كان العود في نفس الخط الذي ابتعد فيه كما في المثال الذي قلناه وهو موضع تأمل.نعم أنكر السيد المحقّق البروجردي وجود التلفيق وقال: «لا تلفيق هنا من الذهاب والإياب بعد عدم رجوعه إليه» وعلى فرض صدقه، فقد علمت أنّ التقصير منّة، منه سبحانه على عباده، لاشتمال السفر على الجهد والزحمة، ومعه لا مجال للتفريق بين الامتدادية والتلفيقية، وفي الثانية بين كون الذهاب أربعة فراسخ أو أقلّ.

و إن شئت قلت: الميزان مسيرة يوم، وكانت السيرة في تلك الأيّام متمثلة في من قطع ثمانية فراسخ من غير فرق بين أقسامه.

قال المحدّث البحراني: ظاهر الأصحاب المتعرضين للبحث في هذه المسألة، الاتفاق على التقصير وإنّما اختلفوا في أنّه يقصر بمجرّد الخروج من البلد وإن لم يتجاوز محلّ الترخّص لصدق السفر عليه والضرب في الأرض، واختصاص


(302)

توقفه على مجاوزة محلّ الترخّص بموضع الوفاق وهو بلد المسافر، أو يتوقف على محل الترخّص ومجاوزة الحدود لصيرورة موضع الإقامة بالنسبة إليه بعد الإقامة والصلاة تماماً في حكم البلد.(1)

ثمّ أورد بأنّ كلامهم على الإطلاق غير صحيح، وإنّما يقصر إذا كان الطريق بمقدار المسافة.

والحقّ عدم صحّة الإشكال، فإنّ محلّ البحث هو ما إذا كانت المسافة مسافة شرعية.

الثالث: إذا خرج عازماً على العود إلى محلّ الإقامة

إذا كان عازماً على العود إلى محلّ الإقامة من دون قصد إقامة مستأنفة، بل من حيث كونه منزلاً من منازله في سفره الجديد، كما إذا أقام في بلدة وعزم على مغادرتها فقصد موقف الحافلات التي تبعد عن تلك البلدة بفرسخ ثمّ استقلّ الحافلة ومرّت بالبلدة ثمّ إلى المقصد.

قال المحدث البحراني: إنّ المستفاد من كلام الشيخ وجوب القصر في خروجه من موضع الإقامة ويستمر عليه في ذهابه وفي مقصده وعوده وفي محلّ إقامته وبه قال العلاّمة وجماعة.

وعلّله جماعة بأنّه قد خرج من محلّ الإقامة وليس في نيّته إقامة أُخرى، فيعود إليه حكم السفر. وذهب الشيخ وجملة من المتأخرين كالمحقّق الشيخ علي والشهيد، والظاهر انّه المشهور، وبه صرّح جملة من متأخري المتأخرين إلى وجوب التمام في الذهاب والمقصد والقصر في الرجوع، ثمّ ذكر أدلّة الطرفين.(2)


1 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/484ـ485.
2 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/484ـ485.


(303)

وعلى كلّ تقدير فالأقوال ثلاثة:

1. التقصير مطلقاً ذهاباً وفي المقصد، وإياباً في محلّ الإقامة. وهو خيرة صاحب العروة.

2. الإتمام في الذهاب والمقصد، والقصر في الإياب ومحلّ الإقامة وبعده. وهو خيرة كلّ من قال بأنّه يشترط في التلفيق أن لا يكون الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ، والمفروض في المقام انّه كذلك.

3. الإتمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة.

لا شكّ انّه بخروجه عن محلّ الإقامة منشئ للسفر الجديد، ومُعرِض عن محل الإقامة، غير انّ عوده إليه لأنّه جزء من الطريق فيعمّه قوله: «حتى تخرج»، غاية الأمر يحتاط في التقصير بالخروج إلى حدّ الترخّص.

والوجه الأوّل مبني على انضمام الذهاب إلى الإياب وإن كان الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ، كما انّ الوجه الثاني مبنيّ على الاشتراط، فعلى الأوّل يقصر مطلقاً بعد الوصول إلى حدّالترخّص، وعلى الثاني لا يقصر في الذهاب كما هو معلوم ولا في المقصد لعدم إنشاء السفر، وإنّما ينشئ بالحركة منه فيقصر إياباً وفي محلّ الإقامة لكونه جزءاً من السفر.

و قدعلمت أقوائية الوجه الأوّل.

وأمّا الثالث فهو مبني على شرطية كون الخروج بمعنى إنشاء السفر من نفس بلد الإقامة كما إذا كانت المسافة امتدادية، وأمّا المقام فهو لم ينشئ السفر من محل الإقامة إلاّ بعد العود إليه وأمّا ما سبقه، فهو بين ما ليس، انشاء للسفر الشرعي، كالذهاب أو إنشاء له لكن لا من محلّ الإقامة كالاياب في المقام وإنّما يتحقّق انشاء السفر الشرعي من المحل إذا عاد إليه وخرج.


(304)

يلاحظ عليه: أنّه أنشأ السفر الشرعي من نفس بلد الإقامة بالذهاب إلى المقصد، غير انّ المانع شرطية كون الذهاب أقلّ من أربعة فلو قلنا به، لأتم في خصوصه وإلاّ لقصر فيه أيضاً كما قلنا.

ثمّ إنّه لا ظهور للصحيحة في إنشاء السفر من نفس محلّ الإقامة إلاّظهوراً بدائياً يزول اعتباره بالتأمل فيكفي انشاء السفر من المقصد.

الرابع: إذا خرج عازماً على العود واستكمال الإقامة

إذا خرج عن محل الإقامة بمقدار مادون المسافة، لكن باقياً على العود إليه ومقيماً فيه يوماً أو يومين بحيث لم يكن خروجه منه لغاية انشاء السفر منه بل لأجل قضاء حاجة في خارجه ثمّ العود إليه، ويكون مكثه ثانياً استمراراً لإقامته السابقة، فلا ريب انّه يُتمّ في جميع الحالات، إلاّ إذا أنشأ السفر من محل الإقامة لعدم شمول الصحيحة له. نعم ذكر السيد المحقّق البروجردي انّ الصورة الرابعة كالثالثة، وقد ذكر في الثالثة انّه ينبغي الاحتياط في الذهاب والمقصد، ويقصِّر في الإياب ومحل الإقامة وتبعه بعض السادة وأضاف بأنّ الأحوط هو الجمع مالم ينشئ السفر من محل إقامته، ولا أرى وجهاً لعطف الرابعة على الثالثة، ولا للاحتياط بعد وضوح الفرق بينهما في نظر العرف، فإنّ المقيم في نظره ينشئ السفر بالذهاب إلى المقصد في الثالثة، ولا ينشئه في الرابعة إلاّ من محلّ الإقامة بعد العود إليه.

الخامس: إذا خرج عازماً على العود متردّداً في الإقامة

إذاكان عازماًعلى العود إلى محلّ الإقامة، لكن مع التردّد في الإقامة بعد العود وعدمها، والظاهر الإتمام لعدم إنشاء السفر بخروجه عن قطع ويقين، فهو كمن


(305)

خرج عن وطنه متردّداً في قطع المسافة الشرعية وهذا القول هو أحد الوجهين المحكيين عن صاحب جامع المقاصد، قال المحدث البحراني حاكياً عنه انّه يتم مطلقاً لانتفاء المقتضي للتقصير وهو عزم المسافة.

والوجه الآخر هو الإتمام في الذهاب وا لتقصير في العود.(1)

السادس: أن يكون عازماً على العود ذاهلاً عن الإقامة وعدمها

إذا كان عازماً على العود مع الذهول عن الإقامة وعدمها. وفي الحقيقة هذه الصورة نفس الصورة السابقة بتفاوت أنّه كان هناك متردّداً في الإقامة وعدمها وفي المقام ذاهلاً. والحكم في الجميع واحد وهو انّه يتم في الذهاب والمقصد والإياب ومحل الإقامة ما لم ينشئ السفر الشرعي، وإلاّ فيقصِّر في الجميع على المختار أو حين الإياب إلاّ أن يكون ذهوله عن الإقامة موجباً للذهول عن السفر.

السابع: أن يكون متردّداً في العود وعدمه

إذا كان عازماً على الخروج إلى ما دون المسافة، ولكن كان متردداً في العود إلى محلّ الإقامة أو ذاهلاً عنه وبه يُتميّز عن جميع الصور المتقدمة، فإنّ العود كان مسلّماً في الأُولى والثالثة إلى الصورة السادسة كما كان عدمه مسلماً في الثانية، وأمّا المقام فالعود امّا مورد تردّد أو ذهول.

وحكمها يظهر ممّا ذكرناه في الصورة السادسة، لأنّه لأجل التردّد في العود أو لأجل الذهول عنه ليس منشئاً للسفر الشرعي فيقيم في الذهاب والمقصد، ولكن السيد الطباطبائي أفتى بالاحتياط بالجمع في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الإقامة أو ينشئ السفر مع أنّ الملاك فيهما


1 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/487.


(306)

واحد، كما لا يخفى.

نعم يأتي فيها ما ذكرنا في الصورة السادسة من أنّه إذا لم يكن ذهوله عن العود، موجباً لذهوله عن السفر ـ كما هو الغالب ـ وإلاّفيقصر مطلقاً على المختار، من حين الإياب.

26. إذا سافر المقيم ثمّ بدا له العود إلى محلّ الإقامة

إذا غادر المقيم محلّ الإقامة ثمّ بدا له العود إليها، وله صور:

ألف. بدا له العود إلى محلّ الإقامة والبقاء عشرة أيّام بعد أن قطع أربعة فراسخ.

ب. بدا له العود والبقاء عشرة أيّام ولم يقطع أربعة فراسخ.

ج. بدا له العود بدون إقامة جديدة قبل قطع المسافة الشرعية، وأمّا بعدها فحكمها واضح فهو يقصر مطلقاً.

أمّا الأُولى: فهو يقصر في الذهاب والمقصد والعود لكونه بقطع المسافة الشرعية صار مسافراً وحكمه القصر، وإن شئت قلت: إنّه داخل في الغاية الواردة في صحيحة أبي ولاد، أعني: «حتى تخرج».

أمّا الثانية: فالكلام يقع تارة في حكم الصلاة التي صلاّها قبل البداء، وأُخرى في حكمها بعد طروء البداء، وعند العزم على الرجوع إلى محلّ الإقامة، أمّا الثاني فهو يتم لعدم تحقّق الغاية بالبداء قبل قطع الفراسخ الأربعة، إذ المفروض انّه يرجع ويعيد الإقامة فلم يتخلّل بين الإقامتين سفر شرعي موجب للقصر.

وأمّا الأوّل أي حكم الصلاة التي صلاّها قبل البداء قصراً بتصور انّ السفر يدوم، فذهب السيد الطباطبائي إلى أنّه لا يجب قضاؤه وقد تقدم منه في المسألة


(307)

الرابعة والعشرين في صدر الكتاب فيمن خرج عن وطنه ثمّ رجع إليه بعد قطع فرسخين قوله: «ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا تجب إعادته في الوقت فضلاً عن قضائه خارجه» والمقام مثله غير انّ الخروج في المقام عن محلّ الإقامة وهناك عن الوطن.

وقد مرّ انّ الصحّة هي الموافق للقواعد، لما ذكرنا من أنّ مقتضى الأمر بالشيء هو كونه مجزياً وإن كان خاطئاً مضافاً إلى صحيح زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يُقضَ له الخروج ما يصنع بالصلاة التي كان صلاّها ركعتين، قال: «تمت صلاته ولا يعيد».

وقدعال(1)جنا هناك معارضتها مع صحيحة أُخرى لأبي ولاّد(2) ورواية سليمان ابن حفص المروزي(3) فراجع.(4)

فإن قلت: إنّ مقتضى قوله في صحيحة أبي ولاّد: «حتى تخرج» تعليق الحكم بالقصر على الخروج الواقعي وانشاء السفر الحقيقي، وهو غير متحقّق في المقام.

قلت: إنّه صحيح لولا انّ قاعدة الاجزاء حاكمة عليها، كحكومتها على أدلّة الأحكام الأوّلية.

أمّا الثالثة: فإنّ قطع المسافة الشرعية فالقصر هو المحكّم لانهدام الإقامة الأُولى بالسفر الشرعي، والمفروض عدم العزم على الإقامة الجديدة فيقصر مطلقاً


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 23 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 5 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
3 . الوسائل:الجزء 5 ، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.
4 . لاحظ 85 و 214 من هذا الكتاب.


(308)

وهذا الفرع خارج عن محل البحث إنّما الكلام فيما إذا لم يقطع مسافة شرعية، فذهب السيد إلى أنّه يبقى على القصر حتى في محلّ الإقامة لانهدام حكم الإقامة بالإعراض عنه. وكذا لو ردّته الريح أو رجع لقضاء حاجة بعد الإعراض.

وعليه بنى في المسألة التاسعة والستين في صدر الكتاب وقال: وأمّا إذا سافر من محل الإقامة وجاز عن الحد، ثمّوصل إلى ما دونه، أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقى على التقصير.

وأوضحه السيد الحكيم بأنّ حدّ الترخّص إنّما يعتبر في وجوب القصر في الخروج عن محلّ الإقامة بالنسبة إلى السفر الأوّل، لا مطلقاً.(1)

فإن قلت: إذا كان الإعراض هادماً للإقامة السابقة في هذه الصورة، فلماذا لا يكون كذلك في الصورة الثانية، أعني: إذا خرج معرضاً وبدا له قبل قطع المسافة أن يرجع ويقيم عشرة أيّام، مع أنّه حكم فيها بالتمام عند العزم وإن لم يصل إلى محلّ الإقامة.

قلت: إنّ الحكم بالتمام فيها لأجل عدم تحقّق الغاية، أعني: «حتى تخرج» لعزمه على العود واستيناف الإقامة.وأمّا المقام فهو وإن كان مشاركاً معه في انهدام الإقامة بالإعراض، لكن الغاية، أعني: إنشاء السفر الشرعي، قد تحقّقت في المقام، لأنّ عوده إلى محلّ الإقامة بما انّه أحد المنازل، لا لأجل الإقامة كما لا يخفى وبما ذكرنا يظهر الإشكال في كلام المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه حيث قال:

لم يدل دليل على أنّ الإعراض هادم لحكم الإقامة، وإنّما الهادم هو الخروج الواقعي، لا الاعتقادي والحكم بالقصر لدى الخروج بقصد السفر كان حكماً


1 . السيد الحكيم: المستمسك: 8/101.


(309)

ظاهرياً مراعى بعدم انكشاف الواقع، ومع كشفه يتبين انّه حكم اعتقادي لا واقعي، فالمرجع هو إطلاق دليل المخصِّص لا عمومات أدلّة التقصير.

يلاحظ عليه بأنّ رجوعه إلى محلّ الإقامة في الصورة الثالثة جزء للسفر الذي أنشأه من محلّ الإقامة، غير أنّه رجع إلى محلّها لقضاء حاجة، فالرجوع جزء من السفر الذي انشأه غير انّ من يشترط في المسافة التلفيقية عدم كون الذهاب أقلّ من الأربعة، له أن يقيد الحكم بالقصر بما إذا كانت المسافة شرعية مع قطع النظر عن التلفيق.

27. لو دخل في الصلاة بنية القصر ثمّ بدا له الإقامة

لو دخل في الصلاة بنية القصر ثمّ بدا له الإقامة، أو لو دخل فيها بنية التمام لأجل قصد الإقامة ثمّ بدا له السفر، فهنا صور:

1. لو دخل بنية القصر ثمّ بدا له الإقامة في أثنائها، صحّ وأتمها رباعية وأجزأت لوجهين:

ألف. انّ هناك أمراً واحداً متوجهاً إلى الحاضر والمسافر غير انّ الاختلاف في قصر المتعلق وطوله، فإذا بدا له الإقامة، يتعين عليه امتثال الأمر في ضمن الفرد الطويل وإليه يشير قوله سبحانه: «إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرضِ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» (النساء/101) فلا يستلزم البداء كون الأمر المنويّ في بدء الصلاة غير الأمر المُمتَثل نهاية، بل المنويّ والممتثل أمر واحد والاختلاف في المصداق وفي كلتا الحالتين ينوي امتثال قوله سبحانه: «أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْس»(الإسراء: 78) مضافاً إلى النصوص الواردة في المورد، ففي صحيح علي بن يقطين أنّه سأل أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج في السفر ثمّ يبدو له في


(310)

الإقامة وهو في الصلاة قال ـ عليه السَّلام ـ : «يتم إذا بدت الإقامة».(1) ومثله رواية محمد بن سهل(2) عن أبيه قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يخرج في سفر تبدو له الإقامة وهو في صلاته أيتم أم يقصر؟ قال: «يتم إذا بدت له الإقامة».(3)

ب. لو نوى الإقامة ودخل في الصلاة بنية التمام فبدا له السفر قبل القيام إلى الركعة الثالثة فيتمها قصراً لما عرفت من وحدة الأمر المأمور به إلى نهاية التشهد، فإذا عدل يكون مأموراً بتخصيص المشترك بالفرد القصير. مضافاً إلى صحيح أبي ولاد حيث قال: «و إن كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصلِّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار، إن شئت فانو المقام عشراً وأتم، وإن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر»(4) فيصدق في حقّه انّه «لم يصل صلاة فريضة واحدة» إذا بدا له وهو في الركعة الثالثة ولم يركع ويظهر حكمه مما مضى في الشق الأوّل.

ج. إذا بدا له وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة، فقال السيد: بطلت ورجع إلى القصر وإن كان الأحوط إ تمامها تماماً وإعادتها قصراً والجمع بين القصر والإتمام مالم يسافر.

ولكن الظاهر انّ القول بوجوب الإتمام بل صحّة الصلاة ليس بملازم لاستقرار حكم الإتمام عليه فيما بعد، لإناطة الاستقرار بالإتيان بفريضة رباعية بعامة أجزائها في حال العزم على الإقامة. حيث قال: «و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام» وهو غير منطبق على المقام: وإناطة الحكم، بالقصر بعدم الإتيان


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 20 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 2.
2 . قال النجاشي: محمد بن سهل بن اليسع الأشعري القمي روى الرضا و أبي جعفر عليمها السَّلام له كتاب يرويه جماعة، وعليه المراد هو أبو الحسن الأوّل بقرينة رواية الأب عنه.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 20 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1، 2.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(311)

بصلاة رباعية تامّة وهو صادق على المقام كما قال: «فلم تصل فيهما صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم».

28. في وجوب الإقامة عند نذر الصوم وعدمه

اتّفق الفقهاء على عدم وجوب الإقامة في شهر رمضان. وجواز السفر ووجوب التدارك بعد الانقضاء إلى رمضان القادم قال سبحانه: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ»(البقرة/185) والجمع بين هذه الفتاوى يحصل: بكون الشهود والحضور، شرطاً للوجوب لا للواجب، فلا يجب تحصيله، شأن كلّ شرط للوجوب كالاستطاعة.

فإن قلت: إذا كان الحضر شرطاً لوجوب الصوم ـ كما يقتضيه ظاهر الآية وبعض النصوص ـ كان السفر موجباً لعدم المصلحة في الصوم وحينئذ لا يكون ترك الصوم تفويتاً ولا عدمه فوتاً ولا وجه لوجوب القضاء لما فات بل هو واجب آخر أجنبي عنه وهو خلاف ضرورة الفقه بل خلاف مرتكزات المتشرعة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ جعل الحضر شرطاً للوجوب لا يكشف عن عدم المصلحة الملزمة في الصوم إذ أراد السفر بل الصوم بما هو إمساك عن الطعام والشراب لأجله سبحانه عبادة ذات مصلحة مطلقاً، ولكن لما كان في الأمر بالصيام في حال السفر مستلزماً للحرج كما انّ في تحصيل الشرط وتحريم السفر مفسدة آكد وحرج أشدّ، قدم في مقام التزاحم، جانب دفع المفسدة، وصار الشرط أي الحضور سبباً للوجوب ولم يلزم تحصيله.

و بما انّ في جانب التقديم تفويتاً للمصلحة حكم الشارع بالتدارك


1 . المستمسك:8/142.


(312)

بالصيام في أيّام أُخر، وبهذا حصل الجمع بين كون الحضر شرطاً للوجوب، مع لزوم القضاء إلى شهر رمضان القادم.

هذا كلّه في صوم رمضان وأمّا إذا كان عليه صوم معيّن غير رمضان، كالواجب بالنذر واليمين والاستئجار فهل يجب عليه الإقامة مع الإمكان أو لا؟ قال السيد الطباطبائي: وجب عليه الإقامة مع الإمكان.

أقول: يقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة، وأُخرى في مقتضى النصوص.

أمّا الأوّل فوجوب الإقامة وعدمه يتبع كيفية النذر والاستئجار، فلو كانا على وجه الإطلاق دون أن يقيدا بما إذا اتّفق الحضور فتجب الإقامة لأنّ مقتضى الإطلاق تحصيل شرط الصحّة، أعني: الحضور، كسائر الشروط فيكون الحضور شرطاً للواجب دون الوجوب على خلاف صوم شهر رمضان المبارك.

وأمّا لو كانا على وجه التقييد بمعنى انّه لو كان حاضراً وغير مسافر، فلا يجب تحصيل الشرط، لأنّ الحضور يعود حينئذإلى كونه شرطاً للوجوب ولا يجب تحصيله.

أمّا الثاني: فقد دلّ في مورد النذر على جواز السفر وعدم لزوم الإقامة، وقد رواها الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل في كتابين.(1)

ولنذكر بعض الروايات:

روى محمد بن الصفار، عن القاسم بن أبي القاسم الصيقل، قال: كتبت إليه: يا سيدي! رجل نذر أن يصوم كلّ يوم جمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه، أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في


1 . الوسائل: الجزء 7، كتاب الصوم، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم أورد فيه ما يناهز عشر روايات. و الوسائل: الجزء 16، كتاب النذر، الباب 13 أورد فيه حديثين.


(313)

هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بدل يوم».

وصحيح زرارة قال: إنّ أُمّي كانت جعلت عليها نذراً نذرتْ للّه في بعض ولدها في شيء كانت تخافه عليه، أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه عليها، فخر(1)جت معنا إلى مكة فأشكل علينا صيامها في السفر فلم ندر تصوم أو تفطر، فسألت أبا جعفر عن ذلك فقال: « لا تصوم في السفر، إنّ اللّه قد وضع عنها حقّه في السفر، وتصوم هي ما جعلت على نفسها».(2)

والحديث الثاني معلل يرشدنا إلى كيفية استفادة حكم المقام من التعليل، فإذا وضع اللّه حقّه في السفر، والعمل بالنذر حقّ من حقوقه سبحانه قد وضعه اللّه في السفر.

ومورد النصوص هو النذر، وهل يلحق به اليمين، والاستئجار والشرط في ضمن العقد؟ الظاهر هوالتفصيل بين الأوّل والأخيرين، فإنّ العمل باليمين من حقوقه سبحانه، بخلاف الأخير فلا دليل على التعدي إلاّالقياس مع الفارق، فيجب عليه الحضور للصوم إذا آجر نفسه للصيام أو شرط عليه في ضمن عقد لازم.

29. إذا بقى من الوقت أربع ركعات وعليه الظهران

إنّ هنا فرعين:


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم ، الحديث 2، و روى في ذلك الباب برقم 1، انّ بندار مولى إدريس كتب نفس السؤال و قرأه علي بن مهزيار، و روى في الجزء 17، في الباب 10 من أبواب كتاب النذر و العهد عن علي بن مهزيار و انّه كتب إلى أبي الحسن و السؤال والجواب متقاربان في الموارد الثلاثة فلاحظ.
2 . الوسائل: الجزء 16، الباب 13 من أبواب كتاب النذر والعهد، الحديث2.


(314)

1. إذا بقي من الوقت أربع ركعات وعليه صلاتا الظهر والعصر، فهل تجوز الإقامة تكليفاً أو لا؟

2. إذا كان حاضراً وكان عليه الظهران فهل يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين ـ كما إذا كان قريباً من حدّ الترخص بحيث لو مشى أقداماً وصل إليه ـ أو لا؟

والكلام في الفرع الأوّل في الحكم التكليفي من حيث جوازها وحرمتها لأجل استلزامه تفويت الظهر لا في الجواز الوضعي لوضوح انّه لو أقام، تعيّنت عليه صلاة العصر، لما مرّمن عدم الفرق في ترتب آثار الإقامة بين الفرد السائغ والمحرم.

واحتاط السيد الطباطبائي في الفرع الأوّل بعدم نية الإقامة مع عدم الضرورة، وأفتى بعدم وجوب السفر في الفرع الثاني.

أمّا الأوّل: فلأنّ الإقامة تعجيز للنفس عن القيام بتكليفين مفروضين عليه فعلاً، حيث إنّه مسافر، والوقت يسع للظهرين معاً فيكون التكليف منجزاً فقصد الإقامة موجب لخروجه عن عنوان المسافر ودخوله تحت الحاضر ومعه لا يسع الوقت إلاّ للعصر ويفوت الظهر المنجز عليه.

و بذلك يظهر ما في كلام السيد الحكيم حيث قال: التفويت المحرم هو ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه ولا يشمل ترك تبديل الواجب الذي لا يقدر عليه المكلّف بواجب يقدر عليه لعدم الدليل على حرمة مثل ذلك.

يلاحظ عليه: أنّوجوب الظهر في(1) حال السفر أمر فرغنا عنه، فلا يتم قوله: «هو ترك الواجب في ظرف الفراغ عن وجوبه» كيف وهو مخاطب بكلا التكليفين


1 . المستمسك:8/143، والأولى أن يقول ولا يشمل ترك تبديل الواجب الذي يقدر عليه المكلّف بواجب لا يقدر عليه.


(315)

قبل نيّة الإقامة، فقصدها تبديل للمقدور بما لا يقدر معه إلاّعلى أحدهما.

أمّا الفرع الثاني وهو انّه كان حاضراً وعليه الظهران، فلو سافر لأدرك الصلاتين، ولو لم يسافر لم يدرك إلاّالعصر، فحينئذ ليس هناك تكليف منجز إلاّالواحد، فلا دليل على تبديل الموضوع لغاية حدوث تكليف آخر.

وبذلك يظهر الفرق بين الفرعين، ففي الأوّل يريد بالإقامة، تعجيز نفسه لتكليف منجز عليه وهو صلاة الظهر، بخلاف الثاني فهو بسفره، يريد إحداثَ تكليف آخر، وراء التكليف المنجّز عليه، والأصل البراءة.

30. إذا عدل وشكّ في الإتيان بالرباعية مع بقاء الوقت

إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها ولم يدر أنّه صلّى برباعية قبل العدول أو لا، وللمسألة صورتان:

الأُولى: إذا شكّ في الإتيان بالفريضة الرباعية مع بقاء الوقت كما إذا نوى الإقامة في أوان الظهر ثمّ عدل قبل المغرب بساعة، وشكّ في أنّه هل أتى بفريضة الوقت حتى يتم فيما بعدُ إلى زمان الخروج من المحل أم لم يأت أصلاً؟

الثانية: إذا نوى الإقامة في أذان الظهر، وعدل عنها بعد المغرب بساعة، وشكّ في أنّه هل أتى بفريضة الظهر أو العصر تماماً أو لم يأت أصلاً؟

وقد تعرض السيد الطباطبائي إلى الصورة الثانية: في المسألة 33، وخص الكلام في المقام بالصورة الأُولى، وكان عليه جعلهما مسألة واحدة ونحن نقتفيه.

أمّا الصورة الأُولى فحكمها واضح، لأنّ الأصل عدم الإتيان بفريضة تامة عملاً بالاستصحاب فينقّح الاستصحابُ موضوع الدليل الاجتهادي، أعني: قوله في صحيحة أبي ولاد«فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا


(316)

تقيم».(1) وأمّا الثانية فسيوافيك بيانها منا برقم 33.

31. إذا صلّى رباعية وعدل عن الإقامة فلم يعلم المتقدم

لو نوى الإقامة ثمّ علم بوقوع حادثين: العدول والصلاة الرباعية وشكّ في المتقدم منهما. وكان كلّ من الحادثين مجهولي التاريخ (و سيوافيك وجه ذلك وانّه لو كان أحدهما معلوم التاريخ، يجري الأصل في المجهول دون المعلوم) .

وحينئذ يقع الكلام تارة في صحّة الصلاة السابقة، وأُخرى في حكم الصلوات الآتية فلو كان المتقدم هو العدول، بطلت الصلاة السابقة ويحمل على أنّها أُتي بها رباعية بعد العدول غفلة أو نسياناً، ويجب قضاؤها قصراً ويُقصّر الصلوات الآتية. وإن كان المتقدّم هو الصلاة، صحّت الصلاة السابقة ويجب التمام في الصلوات الآتية في محل الإقامة. هناك أقوال:

1. ما أفاده السيد الطباطبائي من الحكم بصحّة الصلاة السابقة، والقصر فيما يأتي من الصلوات.

2. الحكم بالصحة في الصلاة السابقة والتمام فيما يأتي وعليه المحقّق الخوئي وغيره من المعلّقين على العروة.

3. الحكم بالاحتياط بإعادة الصلاة السابقة والجمع بين القصر والإتمام فيما يأتي.

4. الحكم بالصحة فيما سبق، والجمع بين القصر والإتمام فيما يأتي.

وقد أشار السيد الطباطبائي إلى دليل مختاره وهو جريان قاعدة الفراغ في الصلاة السابقة وأمّا الحكم بالقصر فيما يأتي فلأجل عدم إحراز موضوع التمام وهو


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(317)

وقوع الصلاة الرباعية حال العزم على الإقامة لأنّه مشكوك لأصالة عدم وقوع الصلاة تماماً إلى زمان العدول.

وبعبارة أُخرى: لم يحرز الموضوع لقوله: «إن كنتَ دخلتَ المدينة وحين صلّيتَ بها صلاة فريضة واحدة بتمام» في محل الإقامة، فيكون محكوماً بالقصر لعدم إحراز الإتيان برباعية تامة الذي هو شرط استمرار حكم الإقامة.

تعارض أصالة الصحّة مع الاستصحاب

وقد أورد على هذا القول باستلزامه المخالفة القطعية العملية، لأنّ الحكم بصحّة الصلاة الرباعية السابقة مع الحكم بالقصر فيما يأتي جمع بين المتناقضين، لأنّ معنى صحتها رباعيةً، كون الصلاة متقدمة على العدول ولازمه تحقّق موضوع الحكم بالتمام فيما يأتي، لا القصر فيه كما هو صريح هذا القول، والحكم بالقصر فيما يأتي معناه، كون العدول متقدماً على الصلاة ولازمه، بطلان الصلاة رباعية وانّه أتى بها سهواً وغفلة.

فإن قلت: إنّ الصحّة الثابتة بقاعدة الفراغ صحّة نسبية، لا يحتج بلوازمها، من تقدم الصلاة على العدول فلا تثبت بقاعدة الفراغ أزيد من كون الصلاة السابقة صحيحة«و انّه حين العمل كان أذكر منه حين يشك» وأمّا ثبوت لازمه وهو تقدم الصلاة على العدول وتحقّق موضوعه فلا يثبت بها فلا ينافي دليل الحكم بالقصر فيما يأتي أعني: أصالة عدم تقدم الصلاة على العدول.

وقد ذكر السيد الطباطبائي نظيره في من إذا رأى نفسه في صلاة العصر وشكّ في الإتيان بالظهر فيصح ما بيده عصراً، لجريان أصالة الصحّة في إحراز الشرط للدخول في العصر، وهو تقدم العصر، ويثبت كونه واجداً لشرط الدخول في صلاة العصر لا مطلقاً، وامّا انّه أتى بالظهر واقعاً أو لا، فلا يثبت بل يجب


(318)

عليه الإتيان بالظهر بعد الفراغ عن العصر ومثله المقام، فعند ذاك لا تعارض قاعدة الفراغ غير الناظر إلى تقدم الصلاة على العدول، الأصلَ الحاكم في الصلوات الآتية من عدم وقوع الصلاة تماماً إلى زمان العدول.

قلت: ما ذكرته صحيح لو كان المراد من التعارض هو التعارض بين لازم أصالة الصحّة في الصلاة السابقة ومفاد نفس الاستصحاب، حيث إنّ لازم الأصل الأوّل، هو تقدم الصلاة على العدول وهو ينافي متن الاستصحاب ومفاده أعني أصالة عدم تقدم الصلاة على العدول فيرفع التنافي بما ذكرته.

وأمّا إذا كان التعارض بين مفاد أصالة الصحّة ومفاد الاستصحاب حيث إنّه يعلم ببطلان إحدى الصلاتين فلوصحّت صلاته الرباعية، فالتقصير فيما يأتي باطل، ولو كان التقصر صحيحاً فيما يأتي، كانت الرباعية السابقة باطلة، وهذا العلم الإجمالي منجِّز موجب الاحتياط كما لا يخفى.

هذا كلّه حول تعارض أصالة الصحّة ومقتضى الاستصحاب أي أصالة عدم تقدم الصلاة على العدول.

تعارض الاستصحابين

إنّ هنا استصحابين متعارضين وهما: أصالة عدم تقدم العدول على الصلاة الّتي تقتضي التمام فيما بعد، وأصالة عدم تقدم الصلاة على العدول التي تقتضي القصر فيما يأتي.

لأنّ تقدم الصلاة إلى زمان العدول موضوع للتمام فيما يأتي.

و تقدم العدول إلى زمن الصلاة موضوع للحكم بالقصر فيما يأتي.

كلّ ذلك بفضل ما في صحيحة أبي ولاد من الفقرتين:


(319)

يدل على الأوّل قوله: إن كنتَ دخلتَ المدينة وحين صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام (ثمّ بدا لك) فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها.

ويدل على الثاني قوله: «و إن كنتَ حين دخلتَها على نيّتك التمام، فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم».

فأصالة عدم الإتيان بالصلاة إلى زمان العدول التي تنقّح موضوع القصر، تعارض أصالة عدم العدول إلى زمان الإتيان بالصلاة التي تنقّح موضوعَ التمام.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه فصّل بين الأصلين وقال بجريان أحدهما دون الآخر، وذلك لترتّب الأثر على أحدهما دون الآخر وحاصل ما أفاده مع الإطناب:

إنّ الأثر الشرعي أعني الصحّة، يترتب على ثبوت وقوع الصلاة حال وجود نيّة الإقامة. ويكفي في ذلك استصحاب أصالة عدم العدول عن نيّة الإقامة إلى زمان الإتيان بالصلاة تامة، حيث إنّ لازمه اقتران الصلاة مع النية، ومثل هذا لا يعدّأصلاً مثبتاً وإلاّ يدخل أكثر الأُصول تحت الأُصول المثبتة، كاستصحاب الطهارة وإقامة الصلاة بعده، فيثبت كون الصلاة مع الطهارة الذي يدل عليه قوله: لا صلاة إلاّبطهور مع الاتفاق على جريانه.

و أمّا الأثر الشرعي الآخر أي البطلان فلا يترتب على نفس الأصل الآخر أي أصالة عدم إقامة الصلاة إلى زمان العدول عن النية، إذ ليس عدم إقامة الصلاة إلى زمان العدول موضوعاً للبطلان وإنّما الموضوع له هو تأخّر الصلاة الرباعية عن العدول عن الإقامة، فالصحة في الأوّل تترتب على نفس الأصل والبطلان في الآخر يترتب على لازم الأصل وهو التأخر، والأوّل ليس بمثبت، والثاني مثبت بالاتفاق.(1)


1 . مستند العروة الوثقى:8/325.


(320)

يلاحظ عليه: أوّلاً:

أنّ الموضوع للصحة أو لبقاء حكم الإقامة فيما بعد وإن عدل، هو الإتيان بالرباعية في زمان الإقامة بحيث يكون زمانها ظرفاً للاتيان، وهذا ما يعبر عنه بالظرفية، ومن المعلوم انّ استصحاب عدم العدول إلى زمان الإتيان بالرباعية لا يثبت وقوعها في زمانها واقترانها به إلاّعلى القول بالأصل المثبت، فأصبح الأصلان متماثلين في أنّ الصحّة تترتب في الأوّل على الاقتران الذي هو لازم عقلي كما انّ البطلان في الثاني مترتب على التأخر، والاقتران والتأخر من اللوازم العقلية التي لا تثبت بالأصل.

و ما أفاده من أنّ الموضوع مركّب من جزئين، أي الإتيان بالصلاة في زمان يكون ناوياً للإقامة في ذلك الزمان من غير دخل شيء آخر وراء ذلك من وصف الاقتران غير تام، لأنّ ما ذكره عبارة أُخرى عن كون الموضوع مركّباً من ثلاثة: 1.الصلاة، 2. زمان الإقامة، 3. كونها فيه واستصحاب عدم العدول إلى زمان الإقامة يلازم كونها واقعة فيه كما لا يخفى.

نعم لو كان الموضوع مركباً من جزئين: 1. ذات الصلاة الصحيحة، 2.زمان الإقامة، وإن لم يكن ربط بينهما لكان لما ذكره وجه.و لكنّه غير صحيح، لأنّ الموضوع الواحد يستدعي أن يكون بين أجزائه، نوع ربط وصلة ووحدة حرفية تجعل الأجزاء المتشتتة شيئاً واحداً كما أوضحنا حاله عند البحث في استصحاب العدم الأزلي.

اللّهمّ إلاّأن يقال: انّ الاقتران من اللوازم البيّنة للمستصحب بحيث لا انفكاك بينه وبين المستصحب عرفاً كما هو الحال في استصحاب الطهارة والصلاة معه، فإنّ استصحاب بقائها يستلزم عقلاً تقارن الصلاة معها فينطبق عليه قوله: «لا صلاة إلاّ بطهور».


(321)

ثانياً: لو كان الميزان في رفع التعارض هو تعرض أحد الأصلين لحال الصلاة السابقة، دون الآخر كما في المقام لكان لما ذكره من تقديم أحد الأصلين على الآخر وجه، وأمّا لو كان كلّواحد، موضوع حكم بالنسبة إلى غير الصلاة السابقة، كالصلوات الآتية، لكان التعارض باقياً بحاله، لأنّ أحد الأصلين ينقّح موضوعَ التمام مادام في المحل، والآخر ينقح موضوع القصر كذلك.

وبعبارة أُخرى: «أصالة عدم العدول قبل الصلاة الرباعية» ينقح موضوع قوله: «و إن كنت دخلت المدينة وحين صلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر...» كما انّ أصالة عدم الصلاة قبل العدول عن الإقامة ينقِّح موضوع قوله: «و إن كنت دخلتها على نيتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام».

وعلى ذلك فبما انّ لكلّ من الأصلين أثراً شرعياً ولو في غير مورد الصلاة السابقة، يكون الأصلان متعارضين ساقطين. فيجب تنقيح حكم المسألة بطريق آخر.

إذا عرفت ما ذكرنا فالحقّ جريان أصالة الصحّة فيما أتى من الرباعية، وسقوط الأصلين المتعارضين. ولكنّه يتم مادام في المحل وذلك بوجهين:

1. انّه مقتضى استصحاب الحكم الشرعي بعد سقوط الاستصحاب الموضوعي لأجل التعارض، فقد وجب عليه التمام عند نيّة الإقامة، فالأصل بقاؤه إلى العلم بالزوال وليس العلم بالإتيان برباعية شرطاً في انعقاد الإقامة، وإنّما هو شرط لاستمرار حكمها بعد العدول، وليس المستصحب إلاّ الخطاب الحادث بالتمام لدى نية الإقامة والشكّ في بقائه.

هذا إذا نوى الإقامة بعد دخول الوقت وأمّا إذا كان قبله، فيستصحب على وجه التعليق وقد قلنا بحجّية الاستصحاب التعليقي فيقال كان الإتمام واجباً عليه


(322)

قبل الدخول والأصل بقاؤه بعد دخوله، ومنشأ الشكّ حدوث أمرين يشكّ في تقدم أحدهما وتأخّر الآخر.

2. التمسّك بقاعدة المقتضي والمانع، فإنّ نيّة الإقامة مقتض للتمام، والعدول رافع مشكوك فيؤخذ بحكم المقتضي إلى أن يعلم المانع.

فإن كان ما ذكرنا مقنعاً للفقيه وإلاّ فيحتاط مادام في المحل بين القصر والإتمام.

وقد ذكر السيد الحكيم ـ رضوان اللّه عليه ـ وجهاً ثالثاً وهو «انّ موضوع وجوب التمام على من عدل عن نيّة الإقامة» هو نية الإقامة مع الصلاة تماماً، فإذا ثبت صحّة الصلاة بأصالة الصحّة فقد تحقّق موضوعه، وعدم العدول قبل الصلاة تماماً لا دخل له في وجوب التمام إلاّ من حيث اقتضائه صحّة الصلاة، لا انّه شرط آخر في قبال الصلاة تماماً فليس الشرط في وجوب التمام إلاّ صحّة الصلاة تماماً، ويمكن إثبات ذلك بأصل الصحّة.

يلاحظ عليه: أنّ الثابت بالأصل، هو صحّة الصلاة، وأمّا وقوعها في زمان نيّة الإقامة فلا يثبت إلاّعلى القول بالأصل المثبت، وذلك لأنّها لا تكون صحيحة تماماً إلاّإذا أتى بها في زمانها لا بعدها.

إلاّ أن يقال إنّ التقارن من اللازم البيّن للصحة، بحيث لا ينفك في نظر العرف عن صحّة الصلاة.

هذا كلّه إذا كانا مجهولي التاريخ، وأمّا إذا كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً، فقد حقّقنا في محلّه جريان الأصل في المجهول دون المعلوم، فلو كانت الصلاة معلومة التاريخ وأنّه أتى بها بعد الزوال بساعتين، كانت أصالة عدم العدول إلى ذلك الوقت هي المحكَّمة ويترتب عليها أثرها، ويثبت وقوع الصلاة في زمان النيّة، ويتم مادام في المحل ولو كان العدول معلوم التاريخ فاستصحاب


(323)

عدم الصلاة إلى زمان العدول وإن لم يثبت تأخر الصلاة عن زمان العدول حتى يحكم ببطلانها، لكنّها كافية في تنقيح موضوع الدليل الاجتهادي وهو «و إن كنت حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم» ويكون محكوماًبالتقصير مادام في المحل لكونه داخلاً في الفقرة الثانية لصحيحة أبي ولاد.

32. إذا صلّى تماماً ثمّ عدل وتبيّن بطلان الصلاة

إذا صلّى تماماً ثمّ عدل، ولكن تبين بطلان صلاته رجع إلى القصر وكان كمن لم يصل ويدخل تحت قوله في الصحيحة: «و إن كنتَ حين دخلتها على نيّتك التمام فلم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم» والصلاة فيها منصرفة إلى الفرد الصحيح وإن قلنا بأنّها موضوعة للأعم.

نعم يكفي في استمرار حكم الإقامة كونها محكومة بالصحّة شرعاً ظاهراً وإن لم تكن في الواقع كذلك ولذا لو صلّى بنيّة التمام، وبعد السلام شكّ في أنّه سلم على الأربع أو على الاثنين أو الثلاث، بنى على أنّه سلّم على الأربع لقاعدة الفراغ، فهي محكومة شرعاً بأنّها أربع، والصلاة تماماً مع نيّة الإقامة موضوع للحكم ببقاء حكم الإقامة فيما بعد وإن عدل.

الظاهر انّ الحكم بالصحّة لأجل قاعدة الفراغ، لالإطلاق قوله: «إذا شككت فابن على الأكثر» كما عليه صاحب المستمسك إذ لا إطلاق له، بل هو راجع إلى الشاك مادام في الصلاة.

33. لو عدل بعد خروج الوقت وشكّ في الإتيان بالرباعية

قدعرفت في الفرع المتقدم انّ قاعدة الفراغ تكفي في تنقيح موضوع الحكم


(324)

باستمرار حكم الإقامة. إنّما الكلام في كفاية قاعدة الحيلولة وخروج الوقت، وذلك إذا نوى الإقامة في الوقت وعدل بعد خروج الوقت وشكّ في الإتيان بالرباعية وانّه صلّى في الوقت حال العزم على الإقامة أو لا، قال السيد الطباطبائي قدَّس سرَّه: بنى على أنّه صلّى لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال وإن كان لا يخلو من قوّة خصوصاً إذا بنينا على انّ قاعدة الشكّ بعد الفراغ أو بعد الوقت إنّما هي من باب الأمارات لا من الأُصول العملية.

المسألة حسب ما ذكره السيّد مبنيّة على أنّ قاعدة الحيلولة، هل هي أمارة على انّه صلّى في الوقت، أي في الفترة التي كان ناوياً للإقامة فيدخل في قوله: «إن كنت دخلت المدينة وحين صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر» أو هي أصل تدل على عدم القضاء ورفع التكليف فقط. وليس فيها تعبداً بأنّه صلّى.

ذهب السيّد المحقّق الخوئي إلى الأوّل، قائلاً بأنّه المفهوم من لسان الدليل حيث قال: «و إن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل فلا إعادة عليك من شكّ حتى تستيقن».(1) فانّ عدم اقتصاره ـ عليه السَّلام ـ على مجرّد نفي الاعادة حتى أضاف إليه قوله ـ عليه السَّلام ـ : «من شك» ظاهر في أنّ عدم الإعادة لأجل عدم الاعتناء بالشكّ وفرضه كلا شك، ولذلك لا يعيد، فتكون العناية التعبّدية مصروفة أوّلاً وبالذات إلى إلغاء الشكّ الراجع إلى التعبد بالوجود، ومن شؤون هذا التعبد، عدم الإعادة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الميزان بين لسان الأمارة، والأصل، هو نفي الشكّ ويتبعه نفي الحكم، أو حفظ الشكّ والحكم عليه. ويتجلّـى الأوّل في قوله: «العمري


1 . الوسائل، الجزء 3، الباب 60 ، أبواب المواقيت الحديث 1 و لاحظ الحديث 2.
2 . مستند العروة:8/334.


(325)

وابنه ثقتان ما أديّا عني فعنّي يؤدّيان».(1) ويتجلّى الثاني، في قوله: «إن شككت بعدما خرج الوقت» ثمّ يقول: «فلا إعادة عليك من شكّ حتى تستيقن» أي الشكّ الموجود المفروض غير مؤثر في الإعادة بمعنى القضاء، لا أنّه ليس بشاك وكم فرق بين أن يقول: «الشكّ لا يؤثر في الإعادة » وبين أن يقول: «أنت لست بشاكّ» وأمّا جعله من شعب قاعدة الفراغ فلا يؤثر أيضاً، لأنّها أيضاً أصل، وليست بأمارة.

نعم ذهب السيد الاصفهاني إلى كفاية جريان القاعدة في المقام في ترتيب الأثر قائلاً بأنّ الأثر مترتب على إتيان ذات الصلاة لا على لوازمها والصلاة بعد فرض كونها مأتياً بها بحكم القاعدة يتحقّق موضوع آثار الإقامة، لأنّها مترتبة على نيّة الإقامة المحرزة بالوجدان والصلاة تماماً عن نيّة الإقامة، المحرزة بالتعبد فتحقّق كلا الجزئين.(2)

أقول: الظاهر انّ كلامه بقرينة ما قبله فيما إذا شكّ بعد الوقت في أنّه صلّى ركعتين أو أربع، فيجري فيه ما ذكره، ولكن الكلام فيما إذا شكّ في أصل الإتيان بالصلاة ولسان الدليل ليس التعبد بأنّه صلّى بل لسانه هو التعبد على أنّه ليس عليه الإعادة من جانب الشكّ، وأين هو من أنّه صلّى ؟! .

34. إذا عدل بعد الإتيان بالسلام الواجب

إذا عدل عن الإقامة بعد الإتيان بالسلام الواجب فله صور:

1. إذا عدل قبل الإتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحب.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.
2 . صلاة المسافر:126.


(326)

2. إذا عدل قبل الإتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه.

3. إذا عدل قبل الإتيان بقضاء الأجزاء المنسيّة كالسجدة والتشهد المنسيّين.

4. إذا عدل قبل الإتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها إذا شكّ في الركعات.

الظاهر التفصيل بين الأُولتين والأخيريتين، فلا يضر العدول في الأوّل للخروج عن الصلاة بالسلام الواجب فيصدق انّه بدا بعد ان صلّى فريضة تامّة ولا في الثاني، لأنّ سجدتي السهو، واجبتان خارج الصلاة، ولأجل ذلك لو تركهما سهواً أو عمداً لا يضر بالصلاة.

إنّما الكلام في الأجزاء المنسية، فهل هي واجبة بنفس الأمر بالصلاة، غاية الأمر تغيّـر محلها، أو هي واجبة على وجه الاستقلال وإن حدث موجبها في نفس الصلاة؟

فعلى الأوّل حدث العدول بعد الإتمام بخلاف الثاني ومنه يعلم حال صلاة الاحتياط فهل هي جزء متم للصلاة على فرض النقص، وتخلل التشهد والتسليم ليس بقادح للترخيص من جانب الشارع، أو هو واجب مستقل وإن كان السبب، ترك واجب آخر والمرتكز في أذهان المتشرعة انّ ما يتدارك به، واجب بنفس وجوب الصلاة التي صلاّها وانّه جزء له. وعلى ضوء ذلك لو عدل قبل التدارك. لا يصدق انّه أتى بفريضة تامّة ثمّ عدل بل هو الظاهر من رواية عمّار بن موسى الساباطي، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شيء من السهو في الصلاة فقال: «ألا أُعلّمك شيئاً إذا فعلتَه ثمّ ذكرت انّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شيء؟» قلت: بلى، قال: «إذا سهوتَ فابن على الأكثر، فإذا فرغت وسلّمتَ فقم فصلِّ ما ظننت انّك نقصت، فإن كنت أتممت لم يكن عليك في هذه شيء، وإن


(327)

ذكرت أنّك كنت نقصت كان ما صلّيت تمام ما نقصت». (1) ومعناها انّ صلاة الاحتياط تتم ما نقص، أي تقع جزءاً للصلاة وان تخلّل بينهما شيء مثل التشهد والتسليم فيكون مأموراً بأمرها. فالعدول المتوسط بين الصلاة ومتمها، يكون عدولاً قبل الاتيان بها.

35. إذا قصد الإقامة باعتقاد انّ الرفقة قصدوها

إذا اعتقد انّ الرفقة قصدوا الإقامة فقصدها، ثمّ تبين انّهم لم يقصدوها.

قد فصل السيد الطباطبائي بين كون قصد الرفقاء داعياً له لقصد الإقامة من دون أن تكون نيّة الإقامة مقيّدة به وبين كونه قيداً لنية الإقامة ومنوطة به على سبيل الشرط والمشروط، فيتمّ في الأوّل ويقصر في الثاني.

أمّا الأوّل فلأجل صدق القصد وتحقّقه، وإن كان الداعي إليه قد تخلف لكن تخلفه لا يؤثر في إطلاقه ولو كان قادحاً. لزم القول بالقصر في أكثر موارد العدول التي لا وجه له إلاّ تبين خلاف ما دعاه إلى العدول، كالربح في التجارة، والوصول إلى المتمنى.

إنّما الكلام في الثاني فلكلامهقدَّس سرَّه تفسيران:

1. إذا قصد نفس ما قصده الرفقاء بحيث يكون قصدهم موضوعاً لقصده سواء كان عشرة أو أقلّ منها، لكن زعم انّهم قصدوا العشرة فلا شكّ انّه يقصر لعدم قصده العشرة، لأنّ المقصود الجدي واقع ما قصده رفقاؤه والمفروض انّهم قصدوا التسعة لا العشرة.

وهذا نظير ما إذا قصد الإقامة من اليوم العاشر إلى يوم الغدير، بزعم انّ


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 8 من أبواب الخلل، الحديث 3.


(328)

المبدأ تاسع ذي الحجة، فبان انّه كان عاشرها فلا شكّ انّه يقصر، لأنّه قصد الإقامة بين الحدّين وليس عشرة أيّام، وإن زعم هو انّه عشرة بزعم انّ المبدأ هو التاسع، وقد مرّنظيره فيما إذا قصدت الزوجة أو العبد نفس ما قصده الزوج أو السيد من المسافة ولكنّهما زعما انّ المسافة ثمانية فراسخ والحال انّها أقلّ من ذلك، فلا شكّ انّهما يقصران لتعلّق النيّة بما بين الحدّين، وهو أقل لكن هذه الصورة بعيدة عن كلامه.

2. إذا قصد العشرة، لكن متقيدة بقصدهم العشرة بحيث لولا قصدهم العشرة، لما قصد العشرة، غاية الأمر يتصوّر وجود المعلّق عليه وكان الواقع على خلافه، ففي هذه الصورة، أفتى السيد في العروة بالتقصير لأنّ انكشاف عدم المعلّق عليه كاشف عن عدم المعلّق، غاية الأمر انّه كان مشتبهاً لجهله بفقد المعلق عليه.

و هذا القسم أنكره أكثر المعلّقين على العروة قائلين بأنّ القصد من الأُمور التكوينية أمره دائر بين الوجود والعدم، فهو إمّا قاصد للعشرة أو غير قاصد، فعلى الأوّل يتم وان تبيّن عدم المعلق عليه، وعلى الثاني يقصر كذلك، والمدار هو تمشي القصد منه وعدمه من غير فرق بين كونهم ناوين العشرة أو ناوين عدمها، أو متردّدين.

وعلى ضوء ذلك فلو كان مذعناً بإقامتهم العشرة، يتمشى منه القصد، فيجب عليه الإتمام وان تبين انّهم متردّدون أو قاصدون إقامة ثمانية أيّام، وإن كان متردّداً في قصدهم ونيّتهم، فهو يقصر، وان تبيّن انّ الرفقاء قصدوا العشرة، فكيف إذا كانوا متردّدين أو قاصدين الخلاف؟

والحاصل انّ له حالات ثلاث:

الأُولى: أن يكون مذعناً بأنّهم يقصدون الإقامة.


(329)

الثانية: أن يكون مذعناً بأنّهم لا يقصدون الإقامة.

الثالثة: أن يكون متردّداً في أنّهم يقصدون أو لا يقصدون.

فهو قاصد قطعاً في الأُولى، والتعليق صوري. وغير قاصد قطعاً في الثانية، والتعليق لا موضوع. وغير قاصد في الثالثة، لأجل تردده في قصدهم وإن ظهر بعد أنّهم كانوا قاصدين. لأنّ المفروض استقلاله في القصد، لا انّه قصد نفس ما قصدوه كما مرّ.


(330)

القاطع الثالث: التردّد في البقاء ثلاثين يوماً

من قواطع السفر ـ بعدما قطعَ مسافة شرعية ـ التردد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً إذا كان بعد بلوغ المسافة.

ويقع الكلام في أُمور:

1. في حكم المسألة

الحكم بالتمام اتّفاقي بين علمائنا قال الشيخ: إذا أقام في بلد ولا يدري كم يقيم، له أن يقصّر ما بينه وبين شهر، فإن زاد عليه وجب عليه التمام.

و قال الشافعي: له أن يقصّر إذا لم يعزم على مقام شيء بعينه ما بينه وبين سبعة عشر يوماً، فإن زاد على ذلك كان على قولين: أحدهما انّه يقصّر أبداً، والثاني انّه يتم.

وقال أبو إسحاق: يقصر ما بينه وبين أربعة أيّام، فإن زاد على ذلك كان على قولين: أحدهما يتم، والثاني: يقصر أبداً إلى أن يعزم أربعة أيام.

وقال أبو حنيفة: له أن يقصر أبداً إلى أن يعزم ما يجب معه التمام.

ثمّ قال الشيخ: دليلنا إجماع الفرقة بأنّهم لا يختلفون فيه، وحديث أبي بصير في المسألة الأُولى تضمن ذلك صريحاً، فلا وجه لإعادته.(1)


1 . الخلاف: كتاب الصلاة، المسألة 327.


(331)

وفي الجواهر: بلا خلاف صريح أجده بين القدماء والمتأخرين كما اعترف به في الرياض.(1)

2. الإقامة متردداً قاطع لموضوع السفر

كما انّ المرور على الوطن وقصد الإقامة على قول قاطعان لموضوع السفر، فهكذا الإقامة ثلاثين متردداً قاطع له، لأجل طول الإقامة القادح لعنوان السفر خلافاً للمحكي عن المقدّس البغدادي حيث قال بأنّه قاطع لحكم السفر وهو القصر لا لموضوعه مدعياً خلو نصوص الثلاثين عن الدلالة على القطع بوجه بل غايتها الاتمام في ذلك المكان، فيرجع فيما عداه إلى عمومات القصر، وتظهر الثمرة فيما إذا كانت المسافة بينه وبين المقصد أقلّ من المسافة حيث إنّه على هذا القول يضمّ ما بقي إلى ما سبق من السفر ويكون المرجع هو إطلاقات أدلّة القصر بخلافه على القول الآخر، فلا يقصر إلاّ إذا كانت المسافة بينه وبين المقصد مسافة.

و يمكن استظهار قول المشهور من وجهين:

1. انّ الإمام عطف المتردّد ثلاثين على الجازم بالإقامة عشرة أيّام، فاكتفى في الثاني بعشرة، وفي الأوّل بثلاثين، ومقتضى العطف المشاركة في القاطعية، ففي موثق أبي بصير: «إذا قدمت أرضاً وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيّام فصم وأتمّ وإن كنت تريد أن تقيم أقلّ من عشرة أيّام فافطر ما بينك وبين شهر، فإذا تم الشهر فأتمّ الصلاة».

وقد مرّ موثق إسحاق بن عمـّار قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن أهل مكّة إذا زاروا، عليهم إتمام الصلاة؟ قال: «المقيم بمكّة إلى شهر بمنزلتهم».(2)


1 . الجواهر: 14/315.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 11.


(332)

2. قوله فيها: «و إن قلت ارتحل غدوة»(1) فإنّه منصرف إلى أنّ المرتحل إليه مسافة شرعيّة فلا يقصر إذا كانت المسافة بينه وبين المقصد أقل من المسافة.

أضف إليه ما يستفاد من مجموع الأدلّة والفتاوى انّ كلّ من حكم عليه بالتمام لجهة من الجهات لا يعود إلى القصر إلاّبسفر جديد، وعندئذ لا فرق بينه وبين قصد الإقامة.

2. هل الموضوع هو التردّد ثلاثين يوماً أو شهراً ؟

هل الموضوع للتمام هو التردّد ثلاثين يوماً أو يكفي كونه شهراً وإن اتّفق نقصانه، تظهر الثمرة لو كان ابتداء تردده من أوّل يوم من الشهر الهلالي إلى هلال الشهر الآخر واتّفق نقصانه، فعلى القول باعتبار الثلاثين لم يتم في صلاته حتى يكمله من الشهر الآخر يوماً.

وقد ورد لفظ الشهر في غالب الروايات،(2) وورد لفظ الثلاثين في رواية واحدة.(3)

وهناك احتمالات:

1. المدار على الشهر مطلقاً نقص أم كمل.

2. المدار على ثلاثين مطلقاً.

3. المدار على الشهر الهلالي ان اتّفق، وإلاّفعلى الثلاثين.

والأخير هو خيرة المحقّق الأردبيلي قدَّس سرَّه قال: ويحتمل الاكتفاء بالشهر الهلالي


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3، 5، 9،11،13،15، 16، 17، 20.
3 . لاحظ نفس المصدر، الرواية 12.


(333)

على تقدير الاتّفاق، والثلاثين على تقدير عدمه، كما هو الظاهر من الشهر وكون الحكم كذلك في أمثالها وللعمل بهما ولوقوعهما في الأخبار الصحيحة، والشهر هو في الأكثر وهو حقيقة في الهلالي أيضاً، وقد لا يتّفق فيكون كلّ في مادة وليست المنافاة الحاصلة، بحيث لا يمكن الجمع حتى يحمل المطلق على المقيد، على أنّه يحتمل التخيير بينهما.(1)

وحاصل كلامه انّه ليس رفع المخالفة منحصراً بحمل المطلق على المقيد، لإمكان الحمل على التخيير.

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ، لصحّ في عامة المقيدات وهو كما ترى والظاهر هو الأخذ بالثلاثين تقديماًللأظهر على الظاهر أي مطلق الشهر.

فعلى كلّ تقدير، فما في رواية حنان (بن سدير) عن أبيه، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا دخلت البلدة فقلت: اليوم أخرج أو غداً أخرج فاستتممت عشراً، فأتم.(2) وهي بظاهرها متروكة ويحتمل تصحيف «عشراً» و«شهراً» لقرب كتابتهما.

التردّد قبل بلوغ المسافة

قدعرفت انّ التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً بعد بلوغ المسافة قاطع للسفر، فهو يتم من اليوم الواحد والثلاثين.

إنّما الكلام إذا تردّد قبل بلوغها فيختلف حكمه عن الصورة الأُولى إذ يكون نفس التردد قاطعاً من حينه وإن لم يمض عليه ثلاثون يوماً، بخلافه في الصورة الأُولى فالقاطعية فيها رهن مضي المدّة المذكورة ويعلم وجه الفرق بذكر صورها التي جمعها السيد المحقّق الخوئي قدَّس سرَّه.


1 . مجمع الفائدة:3/406.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 14.


(334)

1. أن يتردّد قبل البلوغ إلى المسافة الشرعية بين الأُمور الثلاثة: البقاء أو الاسترسال في السفر أو الرجوع إلى الوطن، فالحكم هو التمام لانتفاء شرط القصر وهو اشتراط استمرار قصد قطع المسافة.

2. أن يكون عازماً على عدم العود إلى الوطن، لكنّه تردّد بين الخروج أو البقاء لحاجة مسّته ويحتمل أن يطول إلى ثلاثين يوماً فهو أيضاً يتم، لأنّه إذا كان نفس بقاء ثلاثين يوماً متردداً قاطعاً للسفر فاحتماله من أوّل الأمر احتمال وجود قاطع من ذلك الحين فيوجب زوال القصد الموجب للقصر شرعاً.

3. تلك الصورة، لكنّه متردد بين الذهاب أو البقاء عشرة أيّام لا أقلّ فحكمها حكم الصورتين، لانّه إذا كان قاصداً للعشرة يكون قاطعاً، فيكون احتمال البقاء بهذا المقدار، احتمال عروض قاطع قبل قطع المسافة فيختلّ استمرار القصد بنفس ذاك الاحتمال.

4. أن يتردّد بين الذهاب أو البقاء لكن دون العشرة، فاتّفق بقاؤها إلى ثلاثين، فبما انّه لم يحتمل وجود القاطع من حين البقاء بل انجر إليه، فهو يقصر إلاّ إذا حصل القاطع.

العزم على الخروج إلى ثلاثين يوماً

إذا عزم على الخروج غداً بعد غد ثمّ لم يخرج إلى أن مضى ثلاثون يوماً.

أو عزم على الإقامة تسعة أيّام والخروج بعدها لكن لم يخرج وعزم إقامة تسعة أيّام أُخرى وهكذا إلى أن مضى ثلاثون يوماً.

فهل حكم هذا النوع من العزم، حكم التردّد في الإقامة ثلاثين يوماً أو لا؟ الظاهر هو الأوّل لأنّ الوارد في النصوص وإن كان هو التردّد لكن المتبادر انّ الملاك هو التقصير في مكان ثلاثين، من أيّ سبب كان. وإن شئت قلت:


(335)

الملاك هو المقام في مكان ثلاثين يوماً بدون قصد الإقامة.

ففي صحيحة أبي ولاد: «و إن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر، فإذا مضى لك شهر فأتم».(1) فيصدق على المورد انّه «لم تنو المقام» سواء كان متردداً أو عازماً على الإقامة بأقلّ من عشرة، وفي صحيحة معاوية بن وهب«و إن أقمت تقول غداً أخرج أو بعد غد ولم تجمع على عشرة فقصِّر ما بينك وبين شهر فإذا أتم الشهر فأتم الصلاة». ووجه الاستظهار من الصحيحتين واحد.

في كفاية بين الهلالين إذا كان ناقصاً(2)

إذا ورد أوّل الشهر مكاناً وتردد في الإقامة إلى آخره وكان ناقصاًففي كفايته ما مرّ والظاهر عدم كفايته لتحكيم الأظهر على إطلاق الشهر وا لأحوط هو الجمع يوم الثلاثين بين القصر والإتمام.

فإن قيل: إنّ الظاهر أنّ ما رواه أبو أيّوب عن ابن مسلم(3) الذي فيه لفظ الثلاثين (فليعد ثلاثين) متحد مع ما رواه نفس ابن مسلم على وجه الاضمار(4) الذي ورد فيه لفظ الشهر، فلم يبق هنا اعتماد على ورود لفظ الثلاثين عن المعصوم.

قلت: مضافاً إلى بعد اتحادهما لاختلافهما في المضمون حيث إنّ الأوّل يشتمل على سؤال محمد بن مسلم، الإمامَ عن كفاية إقامة خمسة وانّه حكم بكفايتها، وإنكار الإمام انّ الوحدة لا تضرّ، لحجّية فهم الراوي على فرض صدور لفظ الشهر منه، حيث عبّر عن الشهر، بثلاثين وهذا دليل على أنّه فهم من الشهر،


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 18 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 ، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12و16.
4 . الوسائل: الجزء 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 12و16.


(336)

الشهر الكامل.

في كفاية التلفيق في الثلاثين

لفظ اليوم وإن كان منصرفاً إلى ما بين الطلوع والغروب ولكن المتبادر في هذه الموارد هو مقدار الزمان، من غير فرق بين كون المبدأ أوّل الطليعة، أو نصف النهار، فلو تردّد زوال اليوم الأوّل واستمر التردّد إلى زوال اليوم الحادي والثلاثين صدق عرفاً انّه أقام متردداً ثلاثين يوماً، كما هو الحال في منزوحات البئر، ومقدار الطمث، والإقامة، فانّ العرف يساعد على أنّ الاعتبار بنفس المقدار الموجود بين ثلاثين يوماً، من غير التزام بكون المبدأ أوّل اليوم.

اشتراك المقيم متردّداً مع المقيم عشرة

قدعرفت انّه قد عطف المتردّد، على المتم في غير واحد من الروايات.(1) ومقتضى العطف اشتراكهما في الأحكام. ومنه يظهر حكم ما يلي:

1. لا فرق في مكان التردّد بين أن يكون بلداً أو قرية أو مفازة، لإطلاق الأدلّة في البابين، فلو أقام في قاعدة عسكرية ثلاثين يوماً متردداً، فهو يتم وإن كانت القاعدة في مفازة.

2. تشترط وحدة المكان كما هو الحال في الإقامة، فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه الآخر في مكان آخر لم يقطع حكم السفر، لظهور الأدلّة في اعتبار وحدة المحل، وكذا لو كان مشتغلاً بالسير وهو متردد فانّه يبقى على القصر إذا كان قطع المسافة قبل التردّد، لعدم صدق الإقامة متردّداً في محل.


1 . لاحظ الباب15، الحديث 3، 5، 12، 16، 17، 20.


(337)

3. لا يضرّ بوحدة المكان ـ مثل باب الإقامة ـ إذا خرج عن محلّ تردده إلى مكان آخر ولو ما دون المسافة بقصد العود إليه قريباً إذا كان بحيث يصدق عليه عرفاً انّه بقى متردّداً في ذلك المكان ثلاثين يوماً. نعم يشكل لو بات ليلته ورجع في غده وقد مرّ في باب الإقامة.

4. تأتي الصور المتقدمة في المسألة الرابعة والعشرين من الصور السبع للخروج عن محل الإقامة وقد ذكر السيد في المقام صورتين:

أ. إذا خرج المقيم متردداً إلى ثلاثين يوماً إلى مادون المسافة مع قصد العود إليه حيث يتم ذهاباً وفي المقصد والإياب ومحلّ التردد.

ب. إذا خرج معرضاً عن محلّ التردد وعاد إليه بما انّه منزل من منازله فيقصر كلّ ذلك لوحدة حكم البابين وانّ الإقامة جازماً أو متردّداً قاطع لموضوع السفر.

5. إذا تردد في مكان تسعة وعشرين يوماً أو أقل، ثمّ سار إلى مكان آخر وتردد هناك أيضاً وهكذا، بقى على القصر لعمومات القصر وعدم صدق المخصص.

6. المتردد ثلاثين يوماً إذا أنشا سفراً بقدر المسافة لا يقصر إلاّ بعد الخروج عن حدّالترخّص كالمقيم على الأحوط، فلو صلّى بين المحلّ وحدّ الترخّص، فالأحوط الجمع. وقد عرفت عدم الدليل القاطع على اعتبار حدّالترخّص في غير الوطن، فلاحظ.


(338)


(339)

الفصل الرابع

أحكام صلاة المسافر

1. التصير عزيمة لا رخصة

2. الإفطار في السفر عزيمة

3. سقوط النوافل النهارية

4. لا تسقط نوافل المغرب والفجر وصلاة الليل

5. جواز الإتيان بالنافلة إذا خرج بعد الزوال

6. التنفّل في السفر إذا أخّر الفريضة

7. إذا أتمّ في موضع القصر وله صور

8. حكم العالم والجاهل في الصيام في السفر

9. إذا قصّر في موضع التمام

10. إذا لم يصلّ الجاهلُ بالحكم ثمّ علم به

11. إذا تذكر الناسي في أثناء الصلاة

12. إذا قصر اتّفاقاً لا عن قصد

13. إذا كان في بعض الوقت مسافراً وله صور


(340)


(341)

وقع السفر في الشرع موضوعاً لعدّة أحكام مضى بعضها، ونشير إلى بعضها الآخر في المقام:

1. التقصير في الصلاة عزيمة لا رخصة:

وقد تقدم الكلام في الصلاة في أوّل الكتاب.

2. الإفطار في الصوم الواجب والمستحب عزيمة إلاّ ما استثني:

أ. صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع لقوله سبحانه: «فَمَا اسْتَيْسَرَمِنَ الهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجِّ وَ سَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشرَةٌ كامِلَة» (البقرة/196) .

ب. صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً، وهو ثمانية عشر يوماً.

ج. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصاً أو سفراً وحضراً دون النذر المطلق.

د. لا يجوز الصوم المندوب في السفر إلاّ ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة. والتفصيل موكول إلى كتاب الصوم.

3. سقوط النوافل النهارية:

تسقط النوافل النهارية كنافلة الظهرين، ففي صحيح محمد بن مسلم، عن


(342)

أحدهما عليمها السَّلام قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر، قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(1)

أمّا نافلة المغرب فلا تسقط لقوله: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر».(2)

كما انّه لا تسقط نافلة الفجر، روى زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر في السفر والحضر».(3)

إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء، فقد اختلفت كلمتهم في سقوطها وعدمه.

قال الشيخ: وليس على المسافر شيء من نوافل النهار، فإذا سافر بعد زوال الشمس قبل أن يصلّي نوافل الزوال فليقضها في السفر بالليل أو بالنهار، وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدمناه.(4)

والمراد ممّا قدّمه ما ذكره في أوائل كتاب الصلاة من أنّ سنن السفر سبع عشرة ركعة: أربع ركعات بعد المغرب، كحالها في الحضر، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل، وركعتا صلاة الفجر، فهذه سبع عشرة ركعة. ـ ثمّ قال: ـ ويجوز أن يصلّي الركعتين من جلوس التي يصليها في الحضر بعد العشاء الآخرة.(5) ترى انّه لم يجعلهما من سنن السفر، وإن حكم بجواز الإتيان وهذا يدل على وجود التفاوت


1 . الوسائل: الجزء 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 1و7.
2 . الوسائل: الجزء 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 1و7.
3 . الوسائل: الجزء 3، الباب 25 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 6 ولاحظ روايات الباب.
4 . النهاية: 125، صلاة المسافر.
5 . النهاية:51.


(343)

بين الحكمين من حيث الوضوح والخفاء.

قال ابن إدريس: وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدّمناه إلاّ الوُتيرة.(1)

وقال المحدّث البحراني: الأظهر عندي هو القول بما صرّح في النهاية من بقاء استحبابها في السفر كما في الحضر لعدّة من الأخبار.(2)

أقول: السقوط هو الموافق للقاعدة لسقوط الفرع بسقوط الأصل إلاّ أن يدلّ دليل على التخصيص وهو ليس ببعيد.

1. روى الصدوق في الفقيه عن الفضل بن شاذان، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «إنّما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتاها، لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمس تطوعاً ليتم بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع».(3)

وقال الصدوق: وما كان فيه عن الفضل بن شاذان من العلل التي ذكرها عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ فقد رويته عن عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار ـ رضي اللّه عنه ـ عن علي بن(4) محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وكلاهما لم يوثقا.

أقول: إنّ عبد الواحد بن عبدوس من مشايخ الصدوق الذين أخذ منهم الحديث والمعروف في لسانهم عدم الحاجة إلى توثيقهم، لأنّ اعتماد المشايخ المتقدّمين على النقل عنهم وأخذ الأخبار منهم والتتلمذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال«فلان ثقة».


1 . السرائر:1/344.
2 . البحراني: الحدائق:6/46.
3 . الوسائل: الجزء 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.
4 . الوسائل: الجزء 19، خاتمة الكتاب في ذكر طرق الصدوق ، رقم 251.


(344)

وأمّا علي بن محمد بن قتيبة فهو من مشايخ الكشي الذي أكثر الرواية عنه(1) في كتابه المشهور في الرجال.

أضف إلى ذلك انّ الدليل غير منحصر بذلك، ويمكن استظهار عدم السقوط من روايات أُخرى كما سيوافيك تالياً.

2. ما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ بأظهر تأكيد على الحثّ على الإتيان بهما حتى عُدّ عدم الترك من لوازم الإيمان باللّه واليوم الآخر. وهذه الروايات وإن كانت مطلقة قابلة للتخصيص بالحضر لكن لسانها يأبى عن التخصيص، بل يعد حاكماً على ما دلّ على سقوط النوافل إثر سقوط الركعتين.

روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال، قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلاّبوتر(2)والمراد منه حسب ما ورد في رواية أبي بصير هو الركعتان بعد العشاء الآخرة.(3)

ثمّ إنّ النسبة بين هذه الروايات وما دلّ على سقوط النافلة عند سقوط الفريضة الرباعية، عموم وخصوص من وجه. فهي خاص بالوتيرة، وعام لأجل شمولها السفر والحضر، وما دلّ على الملازمة بين السقوطين خاص لأجل اختصاصها بالسفر، وعام لأجل شمولها الوتر ونوافل الظهرين ومقتضى القاعدة سقوطهما في مورد الاجتماع وهو الوتر في السفر، لكن لسان القسم الأوّل، يأبى عن التخصيص فيقدم على الثاني وتكون النتيجة اختصاصه بنوافل الظهرين.

فإن قلت: إنّ مفهوم الروايات أنّ من بات بلا وتر، فليس بمؤمن باللّه واليوم الآخر ولذلك لابدّ من تفسير الوتر بصلاة العشاء وتسميته وتراً، لأجل انّها الصلاة


1 . المامقاني : تنقيح المقال:2/308.
2 . الوسائـل: الجزء 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1و8 ولاحظ الحديث 2، 4، 8.
3 . الوسائـل: الجزء 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1و8 ولاحظ الحديث 2، 4، 8.


(345)

الخامسة.

قلت: إنّ هذه التعابير واردة في المكروهات والمستحبات لبيان شدة الكراهة أو الاستحباب قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تدع ذلك (عانتها) فوق عشرين(1) يوماً».

وورد انّ من سافر وحده فهو شرّ الناس.(2)

و ورد اللعن على من أكل زاده وحده، والنائم في بيته وحده، والراكب في الفلاة وحده.(3) وأمّا تفسير الوتر بالعشاء فغير صحيح إذ لم يرد في حديث تسميتُها وتراً، ولكن سمى نافلة العشاء وتراً في غير واحد من الروايات.

3.يظهر من بعض الروايات انّ الفرائض والنوافل كانت خمسين ركعة، فأضاف النبيُّ ركعة عليها ليكون عدد النوافل ضعف الفرائض:

ففي صحيح معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «كان في وصية النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لعلي ـ عليه السَّلام ـ : ... أمّا الصلاة فالخمسون ركعة».(4)

و في صحيح الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّبركعة مكان الوتر».(5) ومعناه انّه لا صلة له بصلاة العشاء، غير انّها تقع بعدها شُرِّعت لتدارك احتمال فوت الوتر.

و مثله خبر المفضل عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت: أُصلي العشاء الآخرة، فإذا صليتُ، صليتُ ركعتين وأنا جالس فقال: «أما إنّها واحدة، لو متُّ، متُّ على وتر»(6).


1 . الوسائل: الجزء 1، الباب 86 من آداب الحمام، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 8، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 4و7.
3 . الوسائل: الجزء 8، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 4و7.
4 . الوسائل: الجزء 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث1، 2.
5 . الوسائل: الجزء 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث1، 2.
6 . الوسائل: الجزء 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.


(346)

وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: « ... نعم انّهما بركعة فمن صلاّهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، فإن لم يحدث به حدثُ الموت يصلّي الوتر في آخر الليل».(1)

إلى هنا تمّ دليل القائل بعدم السقوط، وفي مقابله ما يمكن الاستدلال به على السقوط كالتالي:

1. حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليمها السَّلام انّهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».(2)

2. روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث».(3)

3. روى أبو يحيى الخياط قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن صلاة النافلة بالنهار في السفر، فقال: «يا بُنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».(4) والتقييد بالنهار في سؤال الراوي لا في كلام الإمام.

يلاحظ على الأُولى والثالثة بأنّهما محمولتان على النوافل النهارية بقرينة صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما عليمها السَّلام قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(5)

نعم يظهر من رواية أبي بصير كرواية ابن سنان المذكورة انّ السقوط يعم النهاريّة والليليّة: عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فانّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر، وليس عليك قضاء صلاة النهار وصلّ صلاة الليل واقضه».(6) فإنّ الاستثناء دليل على عموم قوله: «ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».


1 . الوسائل: الجزء 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.
2 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2،3،4،1،7.
3 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2،3،4،1،7.
4 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2،3،4،1،7.
5 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2،3،4،1،7.
6 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2،3،4،1،7.


(347)

ولكن لو تمّ العموم، يخصص بالوتيرة وأمّا على القول بأنّها تقديم للوتر الوارد في صلاة الليل فيكون تخصصاً.

و منه يظهر الجواب عن التعليل الوارد في قوله: «لو صلحت النافلة تمت الفريضة فانّ الوتيرة إمّا خارج تخصصاً إذا قلنا بأنّها شرعت لتدارك احتمال فوت الوتر، نعم بما انّ التعليل، تعليل بأمر ارتكازي يشكل القول بتخصيصه وبما انّ المسألة لا تخلو عن شوب إشكال فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية.

4. عدم سقوط نافلة المغرب والصبح وصلاة الليل

اتّفقت كلمتهم على عدم سقوط نافلة المغرب والفجر وصلاة الليل.

أمّا الأوّل فقد تضافرت الروايات على عدم سقوطها قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «أربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في حضر ولا سفر».(1) وأمّا الأخيران فعن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ انّه كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين ـ إلى أن قال ـ : ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر من سفر ولا حضر. (2) وأمّا النوافل غير الرواتب فيجوز، لإطلاق أدلّتها.

5. جواز الإتيان بالنافلة إذا خرج بعد الزوال

قد عرفت تضافر الروايات على سقوط نافلتي الظهر والعصر في السفر، غير انّه ورد الاستثناء في موردين أشار إليهما السيد الطباطبائي في المسألة الأُولى والثانية، وإليك البيان، قال السيد:


1 . الوسائل: الجزء 3، الباب 24 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.


(348)

1. إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر، ثمّ سافر قبل الإتيان بالظهرين يجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً وإن كان يصلّيهما قصراً وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها».

و يدلّ على ما ذكره موثقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سُئل عن الرجل إذا زالت الشمس، وهو في منزله ثمّ يخرج في السفر، فقال: «يبدأ بالزوال فيصليها ثمّ يصلي الأُولى بتقصير ركعتين، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضر الأُولى» وسُئل: فإن خرج بعدما حضرت الأُولى، قال: «يصلّي الأُولى أربع ركعات، ثمّ يصلّي بعدُ النوافلَ ثماني ركعات، لأنّه خرج من منزله بعدما حضرت الأُولى، فإذا حضرت العصر، صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان، لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر».(1)

والسند نقيّ قابل للاحتجاج والدلالة واضحة إنّما الكلام في تطبيق المضمون على القواعد المعتبرة وآراء الأصحاب ففيها:

أوّلا: انّه قد جمع في الإجابة عن السؤال الأوّل بين الإتيان بالنوافل في السفر، والإتيان بالفريضة قصراً وعلّل بأنّه خرج من المنزل وقد دخل وقت النوافل، ولم يدخل وقت الفريضة بمعنى انّه إذا زالت الشمس يدخل وقت النوافل دون الفريضة وإنّما يدخل وقتها بعد مضي شيء كالقدم والذراع.

وهو مخالف لما تضافر من الروايات من انّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ انّ هذه قبل هذه.(2)

وثانياً: فقد حكم في الإجابة عن السؤال الثاني بأنّه إذا خرج بعدما حضرت الأُولى (وقت صلاة الظهر) يصلّي الظهر في السفر أربع ركعات، ومعناه انّ المناط


1 . الوسائل: الجزء 3، الباب 23، من أبواب أعداد الفرائض، الحديث1.
2 . الوسائل: الجزء3، الباب 4 من أبواب المواقيت.


(349)

في التقصير والإتمام هو وقت الوجوب، لا وقت الأداء وهو خلاف المشهور بين الأصحاب.

وثالثاً: لم يعلم وجه تقديم الفريضة الرباعية في السفر، على نوافلها حيث قال: ثمّ يصلى بعد النوافل ثماني ركعات، مع أنّها متأخّرة في الحضر والمفروض انّ الإتيان بها رباعية لأجل انّه دخل وقتها وهو في الحضر، فيلزم أن يعامل معها مثل الحضر ومن المعلوم انّ نوافل الظهر متقدّمة على الفريضة في الحضر من غير فرق بين قراءة «بعد» في الحديث مضموماً غير مضاف أو منصوباً مضافاً فتأمل.

و رابعاً: انّ مفاد الموثقة أضيق ممّا جاء في العروة لأنّه يخص الإتيان بنوافل الظهر بما إذا لم يدخل وقت الظهر وهو قبل بلوغ الظل إلى قدر القدم أو الذراع مع أنّ كلامه مطلق، يعم كلّ من خرج عن البلدة بعد الزوال وإن دخل وقت صلاة الظهر وزاد الظل عن القدم أو الذراع.

6. التنفّل في السفر إذا أخّر الفريضة

هذا هو المورد الثاني الذي استثني من سقوط النافلة في السفر وهو إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر ولكنّه ترك الإتيان بالظهر أو العصر حتى يدخل المنزل أو محلّ الإقامة فيأتي بها تماماً، فهل يجوز الإتيان بنوافلها حال السفر. هذا في نافلتي الظهرين، وأمّا نافلة العشاء فبأن يقال: إذا صلّى العشاء في الحضر(1) ثمّ سافر، فهل يجوز له الإتيان بالنافلة في السفر، فقد أفتى السيد بالجواز في الجميع اعتماداً على التعليل الوارد في رواية الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم جميعاً، عن أبي يحيى الحناط قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: «يا


1 . اختلافهما في التصوير لأجل تقدّم نافلتي الظهرين عليهما وتأخّر نافلة العشاء عنه، فلذلك اختلف تصويرهما.


(350)

بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة».(1)

والسند لا غبار عليه إلاّ في آخره، أعني: أبا يحيى الحنّاط فقد ذكره النجاشي في باب الكنى برقم 1237 ولم يذكر فيه شيئاً من المدح والذم وذكر سنده إلى كتابه عن طريق شيخه الحسين بن عبيـد اللّه الغضـائري المتوفى عام 411هـ، والد ابن الغضائري ويروى كتابه عنه الحسن بن محمد بن سماعة(2) وذكره الشيخ في الفهرست وذكر سنده إليه المنتهي إلى الحسن بن محبوب عنه. ونقلت الرواية في التهذيب والاستبصار والفقيه عن الحسن بن محبوب، عن أبي يحيى، وعناية المشايخ بذكر السند إلى كتابه، ونقل الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم عنه، يورث اطمئناناً بوثاقته خصوصاً إذا كثرت الرواية عنه، والمضمون غير بعيد عن كلمات المعصومين إنّما الكلام في دلالتها، والظاهر عدمها بوجهين:

1. انّها تدل على أنّه لو صلحت النافلة، لتمّت الفريضة، لا العكس أي لا انّه لو تمت الفريضة، لصلحت النافلة.

2. سلمنا انّها تدل على الملازمة بين تمامية الفريضة، وصلاحية النافلة، لكنّها فيما إذا تمت الفريضة في السفر، تكون ملازماً لصلاحية النافلة لا مطلقاً كما في المقام حيث إنّه يتم الفريضة في الحضر. فالأقوى عدم مشروعية النافلة في هذه الفروض.

7. إذا أتم في موضع القصر

إذا أتم في المورد المستجمع لشرائط القصر، فله صور نشير إليها:


1 . الوسائل: الجزء 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.
2 . النجاشي: الرجال:2/رقم 1237.


(351)

1. إذا أتم في موضع القصر عامداً عالماً بالحكم والموضوع وانّ المسافة ثمانية فراسخ.

2. إذا أتم في موضع القصر عامداً لكن جاهلاً بالحكم وأنّ المسافر يقصّر صلاتَه.

3. إذا أتم في موضع القصر عامداً لكن لا جاهلاً بالحكم أو الموضوع بل ببعض الخصوصيات، مثلاً انّ المسافة التلفيقية توجب القصر، والسفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو انّ كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصر في السفر الأوّل، أو انّ العاصي بسفر إذا عاد إلى الطاعة يقصّر، أو انّ المسافة الشرعية هي ثمانية فراسخ، أو انّ من عدل عن الإقامة يتم وإن لم يأت بالرباعية، ونحو ذلك.

4. إذا أتم في موضع القصر عامداً لكن عالماً بالحكم وجاهلاً بالموضوع وانّ المسافة ثمانية فراسخ.

5. إذا أتم في موضع القصر عامداً ناسياً لحكم السفر أو موضوعه.

6. إذا أتم في موضع القصر غافلاً.

***

الصورة الأُولى: إذا أتم في موضع القصر عن عمد

إذا أتم في موضع القصر عن علم وعمد، أعاده على كلّ حال في الوقت وخارجه، والحكم اتّفاقي كما يظهر من مفتاح الكرامة(1) وصاحب الجواهر(2) وغيرهما.


1 . مفتاح الكرامة:4/601.
2 . الجواهر:14/342.


(352)

وقال الشيخ: ومن تمم في السفر، وقد تليت عليه آية التقصير، وعلم وجوبه، وجبت إعادة الصلاة، فإن لم يكن علم ذلك فليس عليه شيء.(1)

وقال ابن زهرة: فإن تمم عن علم بذلك وقصد إليه لزمته الإعادة على كلّ حال.(2)

وقال ابن إدريس: ومن تعمّد الإتمام في السفر بعد حصول العلم بوجوبه عليه وجبت عليه الإعادة لتغييره فرضه.(3)إلى غير ذلك من الكلمات.

و يمكن الاستدلال عليه بوجوه مختلفة:

1. ما أشار إليه ابن إدريس من أنّه لم يأت ما أمر به، وما أتى به غير مأمور به، فالإجزاء يحتاج إلى الدليل.

2. عدم تمشي القربة، فانّه من أفعال أهل البدع والتشريع، مضافاً إلى اتصاف نفس العمل بالحرمة لأجل كونه مصداقاً للتشريع إذا قام به خفاء، والبدعة إذا قام به جهراً لدعوة الناس إليه.

3. انّها زيادة في الفريضة كما جاء في رواية الأعمش، عن جعفر بن محمد: «و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّوجلّ»(4). وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة».(5)

4. ورود النص في المورد كما في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟ قال: « إن كان قرئت


1 . النهاية:123.
2 . الغنية:74.
3 . السرائر:1/328.
4 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 8.
5 . الوسائل: الجزء 5، الباب 19 من أبواب الخلل، الحديث 2.


(353)

عليه آية التقصير وفسّرت له فصلّى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».(1) ورواه العياشي في تفسيره كما في الوسائل(2) والحديث دليل على أنّ وجوب التقصير واجب ذكري لا واقعي، والمراد من التفسير تبيين مفاد الآية وانّ قوله: «لا جناح» لا ينافي اللزوم كما أوضحناه في صدر الكتاب.

وأمّا صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر؟ قال: «أعد».(3)

فربما تحمل على العامد وتكون دليلاً على المقام، وربما يقال بأنّ جلالة الحلبي تصدّنا عن حملها عليه، إذ كيف يصح لمثله أن يتم عامداً في السفر وهو من أجلة أصحاب الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، ولأجله يحمل على الناسي أو عليه وعلى الجاهل.

يلاحظ علي الوجه الثاني، بأنّ جلالته تمنع عن كونه مباشراً لما جاء في السؤال ولا تمنع عن فرض المسألة ليعرف حكمه وينقله إلى الآخرين، وقد كان هذا هوالدارج بين أصحابهم ـ عليهم السَّلام ـ . فإنّ قوله: «صلّيت» كناية عن وجود الحادثة في الخارج، وإنّما نَسَبَه إلى نفسه ليقف على الجواب، ومع ذلك كلّه فكونها ظاهراً في خصوص العمد أو شاملاً له بعيد لندرة الموضوع ووضوح الحكم، فانّه بمنزلة من لم يمتثل بل هو خاص بالناسي أو يعمه والجاهل.

ثمّ إنّ مقتضى إطلاق صحيحة الفاضلين عدم الفرق بين الإعادة في الوقت والقضاء خارجه وربما يتوهم المعارضة بينه وصحيح العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل صلّى وهو مسافر فأتم الصلاة قال: «إن كان في وقت فليعد وإن كان قد مضى فلا».


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4و5و6. و ابن أبي نجران هو عبد الرحمان بن أبي نجران، قال النجاشي: ثقة ثقة.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4و5و6. و ابن أبي نجران هو عبد الرحمان بن أبي نجران، قال النجاشي: ثقة ثقة.
3 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4و5و6. و ابن أبي نجران هو عبد الرحمان بن أبي نجران، قال النجاشي: ثقة ثقة.


(354)

توضيح المعارضة انّ صحيح الفاضلين خاص لأجل اختصاصه بالعامد، مطلق من حيث عمومه للوقت وخارجه.

وذيل صحيح العيص أعني قوله: «و إن كان الوقت قد مضى فلا» خاص لأجل اختصاصه بخارج الوقت مطلق من حيث شموله للعالم والجاهل، فيتعارضان في العالم إذا علم خارج الوقت، فعلى الأوّل يعيد وعلى الثاني لا يعيد.

والظاهر عدم عمومه بالعامد لأنّ معنى قوله: «و إن كان في وقت فليعد» انّه لو انكشف الواقع له والوقت باق فليعد والانكشاف آية عدم شموله للعامد إذ لا انكشاف في العامد أبداً ولو حاولنا عمومه للعالم أيضاً فلابدّ أن تفسر الجملة بصورتين مختلفتين فيقال، في العالم إذا أراد أن يعيد فإن كان الوقت باقياً فليعد وإلاّفلا، ويقال في غيره: إن انكشف في الوقت فليعده وإلاّ فلا والجملة لاتحتمل ذينك المعنيين كما لا يخفى.

***

الصورة الثانية: إذا أتم عن جهل بأصل الحكم

والأقوال فيه ثلاثة:

1. عدم الإعادة مطلقاً داخل الوقت وخارجه، وهو القول المشهور.

2. التفصيل بين الوقت وخارجه فيعيد في الأوّل دون الثاني، وهو المنسوب إلى الاسكافي والحلبي.

3. الإعادة مطلقاً في الوقت وخارجه. نسب إلى العماني.

أمّا الأوّل فيدل عليه صحيح زرارة حيث قال: وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها، فلا إعادة عليه.(1)


1 . البدر الزاهر: 344.


(355)

ولا ينافيه صحيح الحلبي: صليت الظهر أربع ركعات وأنا في سفر قال: أعد لما تقدم من احتمال رجوعه إلى العامد وإن استبعدناه، وعلى فرض إطلاقه العامد والجاهل والناسي يخصص مورد الجاهل بصحيح زرارة.

استدل للقول الثاني من التفصيل بين الوقت وخارجه فيعيد في الأوّل دون الثاني، بصحيح العيص قال: «إن كان في وقت فليعد وإن كان الوقت قد مضى فلا» وقد مضى أنّ معنى قوله: «إن كان في وقت» هو انّه «إن كان انكشاف الواقع في وقت» وهو لا يشمل العامد قطعاً، ويشمل الجاهل والناسي فيُخصّص به إطلاق صحيح زرارة الدالّ على عدم الإعادة مطلقاً في وقت كان أو خارجه.

ربما يقال في رفع التنافي بأنّ ظاهر رواية زرارة كون الجهل بنحو الإطلاق تمام الموضوع لسقوط الإعادة، وظاهر رواية العيص كون مضيّ الوقت تمام الموضوع بحيث لا يحتاج في كونه معذوراً إلى ضمّ الآخر فيكون للعذر علّتان مستقلتان، غاية الأمر انّه تجتمع علتان في الجاهل بالنسبة إلى خارج الوقت.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا كان صحيح العيص ساكتاً عن الإعادة في الوقت ومقتصراً بأنّ العذر هو مضي الوقت فلا ينافي أن يكون هنا عذر آخر وهو الجهل، لكنّه متعرض للإعادة في داخل الوقت حيث يقول: «فإن كان في وقت فليعد» فيعارض، صحيح زرارة.

والحاصل انّ هنا تعارضاً بين الشقّ الثاني لصحيح الفاضلين أعني قوله: «وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه» والشق الأوّل لصحيح العيص أعني قوله: «إن كان في وقت فليعد» والنسبة بين المفادين، عموم من وجه فالأوّل خاص لاختصاصه بالجاهل، عامّ لشموله داخل الوقت وخارجه، والثاني خاصّ لاختصاص الحكم بالإعادة بداخل الوقت، عام لشموله الجاهل والناسي


1 . البدر الزاهر: 271.


(356)

بل الغافل، فيتعارضان في الجاهل داخل الوقت، فيتساقطان، فيرجع إلى العمومات والمطلقات الدالة على عدم الاجزاء إذا لم يكن هناك أمر شرعي ظاهري.

و لكن يمكن القول بتقديم صحيح الفاضلين بوجوه ثلاثة:

1. إنّ النسبة بينهما وإن كان ما ذكره لكن مادة الاجتماع وهو الجاهل المتوجه إلى الحكم الشرعي في الوقت داخل في الصحيحة، لاتّفاق الأصحاب عدا الإسكافي والحلبي على عدم وجوب الإعادة على الجاهل مطلقاً. والتفريق بين الجاهل والناسي، فالأوّل لا يعيد مطلقاً، بخلاف الثاني فهو يعيد في الوقت دون خارجه.

2. إنّ الحكم بعدم الإعادة في صحيح الفاضلين منصرف إلى داخل الوقت، ولو قلنا بعدمها خارج الوقت فمن باب الأولوية لا من باب الدلالة اللفظية، فتنقلب النسبة من العموم من وجه إلى الخصوص المطلق، فصحيح الفاضلين خاص لاختصاصه بالجاهل المتوجّه داخل الوقت، وصحيح العيص عام لشموله الجاهل والناسي والعاقل المتوجّه في الوقت فيخصص بالأوّل.

3. إنّ صحيح العيص محمول على خصوص الناسي، ولا صلة له بالجاهل أصلاً بقرينة رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلّـي في السفر أربع ركعات قال: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد، وإن لم يذكر حتّى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه».(1) وسيوافيك الكلام فيه وإن كان السيّد المحقّق الخوئي عمّمه إلى الجاهل والناسي بكلا قسميهما.

***


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر ، الحديث 2.


(357)

الصورة الثالثة: إذا أتمَّ عن جهل ببعض الخصوصيات

إذا جهل ببعض الخصوصيات مثل أنّ السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر وقد مرت أمثلته، وجهان مبنيان على أنّ المراد من قوله: «إن قرئت عليه آية التقصير وفسّرت له» هو العالم بأصل الحكم، فيدخل في الشقّ الأوّل من صحيح الفاضلين، فتجب عليه الإعادة والقضاء، أو أنّه كناية عن العلم بالأحكام الشرعية الواردة في حقّ المسافر، والمفروض أنّ الجهل بالخصوصيات، جهل بأحكام صلاة المسافر في مختلف الصور.

وبعبارة أُخرى: هل الحديث بصدد التفريق بين العالم بالأحكام الشرعية في مورد القصر والإتمام والجاهل بها، أو أنّه بصدد التفريق بين العالم بأصل الحكم والجاهل به؟ وظاهر الحديث هو الثاني دون الأوّل، وجعله كناية عن المعنى الأوّل، مشكل جدّاً، وعلى ذلك فهو داخل تحت العالم يعيد في الوقت ويقضي خارجه.

و مع ذلك كلّه فللمحقّق الأردبيلي في المقام كلام نأتي به قال: إنّ الظاهر أنّ الجاهل في وجوب القصر معذور سواء كان عن وجوب القصر رأساً، أو بوجه دون وجه، لصدق الجهل واشتراك العلّة بل أنّه أولى لكثرة الخفاء، بخلاف أصل القصر فإنّه قليلاً ما يخفى على الناس.(1) ولا يخلو عن وجه، فلو قيل بوجوب الإعادة فمن باب الاحتياط.

***

الصورة الرابعة: إذا أتم عن جهل بالموضوع

إذا توهم أنّ المسافة ليست مسافة شرعية فأتمّ ثمّ تبيّن خلافه: فيه وجهان،


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة:3/435.


(358)

فلو قلنا بأنّ المستفاد من صحيح الفاضلين انّ للاعتقاد موضوعيّة في المقام، فيلحقُ الجاهلُ بالموضوع بالجاهلِ بالحكم، وأمّا لو قلنا بأنّ المستفاد هو كون الجهل بالحكم الشرعي عذراً فقط، فيدخل الجاهل بالموضوع تحت الشقّ الأوّل لصحيح الفاضلين، وصحيح الحلبي، لو قلنا بعمومه للعامد والجاهل للحكم والموضوع، خرج منه الجاهل بالحكم وبقي الباقي تحته، ومن المعلوم انّ استظهار الوجه الأوّل من الحديث مشكل كالاستظهار السابق.

نعم ما ذكر من إلحاق الجاهل بالموضوع بالعامد، هو الذي أفتى به السيد الطباطبائي في العروة، وقد عرفت وجهه، ولكن الظاهر من السيد المحقق الخوئي في محاضراته وتعليقته، وبعض آخر، هو التفصيل بين الوقت وخارجه، مستدلاً بصحيح العيص السابق، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل صلّى وهو مسافر فأتمّ الصلاة قال: «إن كان في وقت فليعده وإن كان الوقت قد مضى فلا». بناء(1) على عمومه للجاهل بأصل الحكم وخصوصياته، والموضوع، والناسي، خرج منه الجاهل بأصل الحكم على وجه الإطلاق، كما عرفت وبقي الباقي تحته.

نعم صدر حديث الفاضلين وإن دلّ على لزوم الإعادة مطلقاً داخل الوقتوخارجه إذا كان المتمّ ممّن قرئت عليه آية التقصير والمفروض انّ الجاهلبالموضوع ممّن قُرئت عليه آية التقصير، لكنّه يخصص بصحيح العيص، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، لأنّ صدر حديث الفاضلين يعمُّ العامد، والجاهل بالخصوصيات والموضوع والناسي، وصحيح العيص لا يعمّ الأوّل لقوله: «فإن كان في وقت فليعد» أي إن كان الانكشاف، والعامد ليس فيه انكشاف، وإنّما يعم الثلاثة الجاهلين بالحكم والموضوع، والناسي، فيخصص صدر حديثهمابه.


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17، من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.


(359)

والذي يمكن أن يقال انّ استظهار الإطلاق من صحيح العيص بالنسبة إلى الجاهل مشكل، بل لا يبعد انصرافه إلى الناسي، لموافقته لمضمون حديث أبي بصير الوارد في الناسي ـ كما سيوافيك ـ وغاية ما يمكن أن يقال انّ الإعادة والقضاء خارج الوقت هو الأحوط، لو لم يكن الأقوى.

***

الصورة الخامسة: إذا أتمّ عن نسيان بالموضوع

المشهور بين الأصحاب انّه إن كان ناسياً أعاد في الوقت دون خارجه.

قال الشيخ: فإن كان قد علم، غير انّه نسي في حال الصلاة، فإن كان في الوقت أعاد الصلاة وإن كان قد مضى وقتها، فليس عليه شيء.(1)

وقال ابن زهرة: وإن كان اتمامه عن جهل أو سهو، أعاد إن كان الوقت باقياً، بدليل الإجماع المشار إليه(2). ولعلّه أراد من السهو، النسيان لا الغفلة، وقد عرفت أنّ الجاهل لا يعيد مطلقاً.

وقال ابن إدريس: من نسي في السفر فصلّى صلاة مقيم، لم تلزمه الإعادة، إلاّ إذا كان الوقت باقياً.(3)

وقال المحقّق: وإن كان ناسياً أعاد في الوقت، ولا يقضي إن خرج الوقت.(4) ويدل عليه، صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات، قال: « إن ذكر في ذلك اليوم فليعد


1 . الطوسي، النهاية:123.
2 . الغنية:74.
3 . السرائر:1/345.
4 . الشرائع:1/135، طبعة دار الأضواء، بيروت.


(360)

وإن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه».

وأمّا رجال السند: فقد اشتمل على عدّة ثقات: (1)

1. علي بن النعمان النخعي، قال النجاشي: ثقة، وجه، ثبت، صحيح.

2. سويد القلاّء، وهو سويد بن مسلم القلاّء، مولى شهاب عن عبد ربّه. قال النجاشي: ثقة، نقله عن شيخه أبي العباس السيرافي قال: وله كتاب.

3. أبو أيّوب الخزاز، وهو إبراهيم بن عيسى بن أيّوب، وهو ثقة بلا كلام. وثّقه النجاشي والكشي.(2)

4. أبو بصير وهو منصرف إلى يحيى بن القاسم الأسدي الذي عدّه الكشي من أصحاب الإجماع ووثّقه النجاشي، وإلى ليث بن البختري المرادي، و«المراد» قبيلة في اليمن وهو مراد بن مَذْحِجْ ذكره النجاشي ولم يذكر في حقّه شيئاً، وقال الكشي عند البحث في أصحاب الإجماع: «وقال بعضهم مكان «أبو بصير» الأسدي، «أبو بصير» المرادي، وهو ليث بن البختري»، ونقل العلاّمة المامقاني في تنقيح المقال توثيق ابن الغضائري إيّاه، وعلى ذلك فالرواية صحيحة وإن عبر عنه في الجواهر بالخبر لمكان «أبو بصير» المردّد بين البختري والأسدي وكلاهما ثقتان.

وظاهر الفتاوى والنص عدم الفرق بين نسيان الحكم والموضوع، واختاره السيد الطباطبائي في العروة، غير أنّ المتأخرين عنه خصّوا الناسي بناسي الموضوع دون الحكم، قال السيد الاصفهاني: ذهب السيد في العروة في أغلب المسائل إلى اتحاد حكم ناسي الموضوع والحكم، ثمّ اختار هو بأنّ ناسي الحكم داخل فيمن قرئت عليه آية التقصير ونسيها، فليس معذوراً، فيجب عليه الإعادة في الوقت


1 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
2 . كما في رجال الكشي برقم 212، والنجاشي برقم 24 و رجال الشيخ برقم 240، ولكن في فهرست الشيخ إبراهيم بن عثمان برقم 13، و قد وثقه فسواء أكانا رجلين أو رجلاً واحد، فكلاهما ثقتان.


(361)

والقضاء خارجه فليس له حكم الجاهل البدوي ولا الناسي، بل هو قسم خاص من الجاهل بالحكم.(1) وقال السيد المحقّق البروجردي: الناسي للحكم يجب عليه القضاء كالعامد على الأقوى.

ومع ذلك كلّه فإطلاق النص في صحيح العيص وأبي بصير، وإطلاقات كلمات الأصحاب يقتضي عطف الناسي بالحكم على الموضوع، مع كثرة الأوّل وقلّة الثاني ولو كان هناك فرق لكان التنبيه عليه فيما ذكر من النصوص لازماً، والتفريق بين الناسيين بأنّ ناسي الموضوع يمتنع توجه الخطاب إليه لعجزه عن الامتثال، بخلاف ناسي الحكم فإنّ توجه التكليف إليه لا محذور فيه.غير تام، لأنّ امتناع الخطاب الشخصي لا يأبى عن شمول غيره كما أوضحناه في محلّه.

***

الصورة السادسة: إذا أتم عن سهو

قال السيد: أمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه، ومع ذلك أتم صلاته ناسياً، وجب عليه الإعادة والقضاء، والظاهر أن يقول: «غافلاً» و«ساهياً» مكان «ناسياً» أو كثيراً ما يدخل المسافر الصلاة بنيّة القصر مع العلم بحكمه، غير انّه يسهو في أثناء الصلاة ويغفل عن حاله فيتم الصلاة. فلا وجه للإجزاء، لأنّه داخل في العالم ومن قرئت عليه آية القصر، وليس بجاهل بالحكم أو الموضوع، ولا ناسي الموضوع ولا الحكم، وإنّما هو ساه.

فتلخص ممّا ذكرنا انّ العالم بالحكم يعيد، والجاهل به يعيد، والجاهل بالخصوصيات يعيد على الأحوط، والناسي مطلقاً حكماً أو موضوعاً يعيد في الوقت دون خارجه، والمتم عن سهو يعيده، واللّه العالم.


1 . كتاب الصلاة:221.


(362)

إكمال

قد يقال إنّ الجاهل بالحكم لو أتم، تصح صلاته، ولا يعيد داخلَ الوقت وخارجه، ولكنّه في الوقت نفسه معاقب، فيطرح هنا سؤالان:

1. انّ العلم بالحكم من الحالات التي لا يمكن أخذها في موضوع الحكم فلا يصح أن يقال: العالم بوجوب القصر يتم، حتى يكون الواجب في حقّ الجاهل هو التمام، وذلك لأنّ فعلية الحكم تتوقف على وجود الموضوع، والمفروض انّ جزء الموضوع وهو العلم يتوقف على تشريع الحكم أوّلاً حتى يتعلّق به العلم.

وقد أُجيب عنه بوجوه أوضحها ما أفاده المحقّق النائيني وحاصله: انّ العلم بالحكم لما كان من الانقسامات اللاحقة للحكم فلا يمكن فيه التقييد لاستلزامه الدور، وإذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق، لأنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد تقابل العدم والملكة.

ومن جانب آخر انّ الاهمال الثبوتي لا يعقل، بل لابدّ إمّا من نتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد، فانّ الملاك إمّا أن يكون محفوظاً في كلتا حالتي العلم والجهل فلابدّ من نتيجة الإطلاق، وإمّا أن يكون محفوظاً في حالة العلم فقط فلابدّ من نتيجة التقييد، وحيث لم يمكن أن يكون الجعل الأوّلي متكفلاً لبيان ذلك، فلابد من جعل آخر يستفاد منه نتيجة الإطلاق والتقييد، وهو المصطلح عليه بمتمّم الجعل، فاستكشاف كلّ من نتيجة الإطلاق والتقييد يكون بدليل آخر.

وقد دلت الأدلّة على اشتراك الأحكام في حقّ العالم والجاهل، كما دلّ الدليل في مورد على اختصاصها بالعالم كما في مورد الجهر والإخفات والقصر والإتمام.(1)


1 . الكاظمي: فوائد الأُصول:3/6، ط النجف الأشرف.


(363)

و يمكن أن يقال: إنّ الواجب في حقّ الجاهل أيضاً هو القصر، ولكن إجزاء ما أتى به من الرباعية لأجل اشتماله على الملاك، وعلى ذلك فالواجب في حقّ العالم والجاهل واحد. ولذلك لو قصر الجاهل بالحكم من باب الاتفاق صحّت صلاته.

فإن قلت: إنّه نوى امتثال الأمر المتعلق بالتمام دون المتعلق بالمقصورة فيكون من باب ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.

قلت: إنّ هنا أمراً واحداً، وهو: «أقم الصلاة لدلوك الشمس» وإنّما الاختلاف في المصداق كصلاة القائم والجالس، فالمتم والمقصّر يقصدان أمراً واحداً.

2. كيف يعاقب، مع أنّه لا تجب عليه الإعادة ولا القضاء، وهل هو أشبه بالأمر الخارج عن الطاعة؟

أقول: قد تخلص عنه كاشف الغطاء في كشفه وجعل المقام من مصاديق الأمرين المترتبين لا بالمعنى المعروف في مبحث الضد، وحاصله انّ الحكم الواقعي أوّلاً هوالقصر، ولو قصر في التعلّم فحكمه الإتمام، وبذلك يصح الجمع بين الصحّة والعقاب.

يلاحظ عليه: أنّه يلزم إذا ترك الجاهل الصلاة، أصلاً(1) أن يعاقب بعقابين، أحدهما لترك التعلّم، والآخر لترك صلاة التمام.

والذي يمكن أن يقال انّ الصلاة صحيحة، ولا إعادة ولا قضاء ولم يثبت انّ هنا عقاباً.

توضيحه: الظاهر من الروايات اشتمال الرباعية على المصلحة التامة القائمة


1 . الرسائل: 408ـ409، مبحث الاشتغال، طبعة رحمة اللّه.


(364)

بنفس الصلاة المقصورة، وانّهما متساويتان في المصلحة، وإنّما أمر المسافر بالثنائية لأجل مصلحة خارجية وهي مسألة التخفيف. روى الصدوق باسناده عن الفضل ابن شاذان في حديث العلل التي سمعها من الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ الصلاة إنّما قُصّرت في السفر، لأنّ الصلاة المفروضة أوّلاً إنّما هي عشر ركعات، والسبع إنّما زيدت فيها بعد، فخفّف اللّه عزّ وجلّ عن العبد تلك الزيادة، لموضع سفره وتعبِه ونَصَبه، واشتغاله بأمر نفسه، وظعْنِه وإقامته، لئلاّ يشتغل عمّا لابدّ له منه من معيشته، رحمة من اللّه عزّوجلّ وتعطفاً عليه، إلاّ صلاة المغرب، فانّها لم تقصّر لأنّها صلاة مقصّرة في الأصل» إلى آخر الحديث.

وعلى ذلك فالصلاة الرباعية لم تكن من حيث المصلحة القائمة بنفس الصلاة بأقل من المصلحة القائمة بالثنائية(1)، ولكن أمر بالمقصورة لأجل مصلحة خارجية، وهي تخفيف الأمر على المسافر حتى يشتغل بأمر نفسه.

إذا وقفت على ذلك فالاشكال يندفع.

أمّا حديث الاكتفاء بالرباعية فلاشتمالها على المصلحة التامة فلا تنقص من المصلحة القائمة بالثنائية لو لم تكن بأزيد منها من حيث هي قائمة بنفس العمل.

أمّا عدم الأمر بالإعادة وإن كان الوقت باقياً، فلأنّه يستلزم نقضَ الغرض، لأنّ المطلوب للشارع هو التخفيف والأمر بالإعادة بالإتيان بالمقصورة، بعد الإتيان بالرباعية نقض له.

وأمّا عدم كفاية الرباعية للعالم بالحكم مع اشتمالها على نفس المصلحة التامة القائمة بالثنائية، فلأجل انّ المطلوب للشارع هو تخفيف الأمر للمسافر،


1 . الوسائل: ج3، الباب 24 من أبواب اعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 5.


(365)

ورفضها والتوجه إلى الرباعية يناقض ذلك المطلوب أوّلاً، ويوجب ردّهدية الشارع ثانياً، كما في بعض روايات الباب.(1)

وأمّا العقاب بعد الوقوف على الحكم، مع إمكان الإعادة والقضاء فلم نقف على دليل صالح، وإن ادّعي عليه الإجماع وليس في الروايات منه عين ولا أثر، والأصل في ذلك صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا: قلنا لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : رجل صلّى في السفر أربعاً أيعيد أم لا؟قال: إن كان قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلّـى أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه.(2)

8. حكم العالم والجاهل في الصوم

اتّفقت الإمامية على أنّ صيام شهر رمضان في السفر حرام، وانّ الافطار عزيمة، وظاهر الآية يدل على أنّ واجبَ من شهد الشهر، هو الصيام، وواجبَ من لم يشهده، هو صيام أيّام أُخر من أوّل الأمر ولو قيل بالقضاء، فلأجل وجود المقتضي للصيام في حقّ كلّ المكلّفين، وإلاّ فبالنظر إلى المانع فالواجب في حقّ غير الشاهد هو صيام العدّة قال سبحانه: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر » (البقرة/185) «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِديَةٌ طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (البقرة/184) .

فإن قلت: إنّ قوله سبحانه في آخر الآية: «وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» دليل على كون الإفطار رخصة.

قلت: إنّه راجع إلى مجموع ما جاء في الآية، فانّه سبحانه ذكر قبل هذه


1 . الوسائل: ج5، الباب 22 من أبواب الصلاة المسافر، الحديث 3، 4، 8، 11.
2 . المصدر نفسه: الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4.


(366)

الجملة أُموراً:

1. انّ عناء الصيام قليل، لأنّه ليس إلاّ أيّاماً معدودات.

2. انّ المكتوب في حقّ المريض والمسافر، هو الصيام في أيّام أُخر.

3. المفروض على الذين يطيقونه، فدية طعام مسكين.

4. ومن تطوّع بزيادة الطعام أو بكلّ خير، فهو خير له.

5. انّ صيامكم خير لكم كما قال: «وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ» مشيراً، إلى أهمية الصيام وكونه الركن الثاني بعد الصلاة، وانّه لا يصحّ لمسلم التخطّي عنه بالحجج الواهية.

فقوله: هذا «و أن تصوموا» خطاب للمخاطب الوارد في صدر الآية حيث قال: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» ولا صلة له بالمسافر، لأنّه غير شاهد، وأمّا المريض أو المطيق، فالرجوع إليهما باطل بالاتفاق، ولم يقل أحد انّ صيام المريض، خير من إفطاره، أو صيام الشيخ والشيخة المطيقين خير من إفطارهما لأنّ المفروض أنَّ صومهما حرجي، والتكليف الحرجي مرفوع بقوله سبحانه: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج» (الحج/78) .

وقد حضرت في مؤتمر فقهي لأهل السنّة حول أحكام السفر، فكان الحاضرون من الأحناف القائلين بصحّة الصوم في السفر وقد أوضحت مفاد الآية. فلم أسمع منهم شيئاً قابلاً للذكر إلاّ التمسك بذيل الآية: «وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ» زاعمين انّه راجع إلى خصوص المسافر وهو كما ترى.

وعلى ذلك فصيام العالم بالحكم باطل بلا شكّ مضافاً إلى الروايات الواردة، إنّما الكلام في الجاهل بالحكم أوّلاً، والجاهل بالخصوصيات ثانياً، والجاهل بالموضوع ثالثاً.


(367)

أمّا الأوّل: فيصحّ لصحيح عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال: « إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم».(1)

وصحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : رجل صام في السفر فقال: «إن كان بلغه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه».

وصحيح (2)العيص بن القاسم، عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه».(3) ومثله صحيح ليث بن البختري المرادي.(4)

إنّما الكلام في الجاهل، وهو على أقسام:

1. جاهل بأصل الحكم، 2. جاهل بالخصوصيات، 3. جاهل بالموضوع.

قال في الجواهر: ولا يبعد إلحاق الصوم بالصلاة كما نصّ عليه في الدروس، إلى أن قال: ويؤيده في الجملة تلازم القصر والإفطار والصيام والتمام وانّهما سواء.(5)

و قال السيد الطباطبائي: حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة فيبطل مع العلم والعمد ويصحّ مع الجهل بأصل الحكم، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع.

أقول: كان عليه أن يستثنى صورة النسيان لأنّ مقتضى قوله: «حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة» أن يكون الناسي في باب الصوم مثل الناسي في مورد الصلاة، مع اختصاص دليل الناسي بباب الصلاة.


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث: 3، 5، 6.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث: 3، 5، 6.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث: 3، 5، 6.
5 . الجواهر:14/345.


(368)

وعلى كلّ تقدير فمن قائل باختصاص الاجزاء بالجهل بأصل الحكم، إلى قائل آخر بشمول الحكم لعامة صور الجهل حتى الخصوصيات والموضوع ذهب إليه السيد الخوئي وبعض آخر.

وأمّا الروايات فعلى أقسام ثلاثة:

1. ما يدلّ على عدم الاجزاء كصحيح معاوية بن عمّار قال: سمعته يقول: «إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزه وعليه الإعادة». (1) ونظيره صحيح الفضل، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ .(2)

2. ما يفصِّل بين بلوغ نهي الرسول وعدم بلوغه ففي صحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : رجل صام في السفر فقال: إن كان بلغه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه.(3) وفي صحيح عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه البصري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال: « إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم».(4)

3. ما يفصِّل بين الجهالة وعدمها، ففي صحيح عيص بن القاسم(5) وأبي بصير ليث بن البختري المرادي: «و إن صامه بجهالة لم يقضه».(6)

لا شكّ انّ الصنف الأوّل يخصص أو يقيّد بما في الصنفين الأخيرين، إنّما الكلام في عموميتهما لعامة صور الجهل:

قال السيد الحكيمقدَّس سرَّه ما هذا حاصله: أنّ الصنف الثالث وإن كان يعمّ جميعَ صور الجهل، لكن مخصص بالصنف الثاني الذي هوأخصّ منه، ويدل على المعذورية في صورة الجهل بالحكم فيقدم للأخصية، ولو سلم التساوي وعدم


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.
2 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.
3 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.
5 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.
6 . الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،4،3،2،5،6.


(369)

الترجيح في الظهور، فالمرجع إطلاق ما دلّ على بطلان الصوم في السفر.(1)

أقول: الظاهر انّ المراد من الجهالة ليس مطلق الجهل بل ما ذكره الراغب «من فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل» (2)واستشهد لقوله: «أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالَة» ، ويدل عليه قوله تعالى: «يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَة»(النساء/7) وقوله سبحانه: «مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سوءاً بِجَهالة» (الأنعام/54) وقوله تعالى: «لِلّذِينَ عَمِلُوا السوءَ بِجَهالة» (النحل/119) فلا يصدق إلاّعلى ما إذا كان هناك تقصير فيخرج منه الجهل بالموضوع والجهل بالخصوصيات إذا كان المورد ممّا لا يبتلى به المكلّف غالباً وعليه فيتحدّ مفاد الصنفين من دون أن يكون بينهما تناف حتى يخصص أحدهما بالآخر.

إنّ هنا نكتة مهمة وهي كما انّ للآيات شأن نزول، فهكذا للأحاديث المروية أسبابَ صدور، لو رجع الفقيه إليها لزال الإبهام، فهذه الروايات، مشيرة إلى ما ورد في الباب الأوّل من أبواب ما يصحّ منه الصوم متضافراً ونقتصر بذكر واحدة روى العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر، وقال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلما انتهى إلى كراع الغميم(3) دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر، ثمّ أفطر الناس معه، وتم ناس على صومهم فسماهم العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه.(4)

فالمراد من نهي رسول اللّه هو هذا النهي الوارد في سفره إلى فتح مكة فأفطر


1 . المستمسك:8/166.
2 . المفردات: 120.
3 . موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. معجم البلدان: 4/443.
4 . الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.


(370)

في «كراع الغميم» فأفطر أكثر الصحابة وصام قليل منهم وسماهم رسول اللّه عصاة، فإذا كان المراد منه هذا النهي، فلا شكّ انّه مشير إلى الجهل بأصل الحكم، روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قوله عزّوجلّ: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» قال: «ما أبينها من شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه»(1) فالروايات الأربعة من غير فرق بين قوله: إن كان بلغه انّ رسول اللّه نهى عن ذلك، وقوله: «وإن صام بجهالة كلها» مشيرة إلى هذا النهي الوارد في الواقعة الخاصة، وتعم كلّ واقعة مثلها كالعلم بأصل الحكم لا إلى غير مثلها كالجهل بالخصوصيات أو الجهل بالموضوع، إذ لم يرد نهي عن النبي في ذينك الموردين حتى يتعلق به العلم والجهل.

و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي، فقال في كلام مسهب حاصله: انّ نهي النبي عن الصوم في السفر انحلالي ـ كما في سائر النواهي ـ ينحل إلى نواهي عديدة بعدد أفراد الصيام الواقعة في الأسفار فلكل، نهي يخصه مغاير لغيره ومن المعلوم انّ هذا الفرد الشخصي الصادر من الجاهل بالخصوصية لم يبلغ نهيُه، فيكون محكوماً بعدم وجوب القضاء بمقتضى صحيح الحلبي وغيره.

ومع التنزل والشكّ في أنّ مرجع الشكّ هل هو الطبيعي أو الصنف الخاص، فغايته إجمال صحيحي عبد الرحمان والحلبي، ويرجع إلى إطلاق


1 . الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8، ولاحظ روايات الباب.


(371)

صحيح العيص الدال على نفي القضاء عن مطلق الجاهل من غير معارض.(1)

يلاحظ عليه: ما عرفت من أنّ روايات الباب، ناظرة إلى النهي الصادر عن النبي في فتح مكة، ولم يكن النهي فيها إلاّنهياً في واقعة خاصة غاية الأمر يعم الحكم كلّ واقعة مثلها، لا غيرها، وأمّا ما أفاده أخيراً من أنّ المرجع إطلاق صحيح العيص الدالّ على نفي القضاء عن مطلق الجاهل، فقد عرفت من أنّ لفظ الجهالة، غير لفظ الجهل، وانّ الأوّل يستعمل في المورد الذي من حقّه أن لا يفعل وهو يلازم العمل الصادر عن تقصير وغرور فلا يعم الجهل بالموضوع أولا، ولا الجهل بالخصوصيات التي ليس من شأن المكلّف أن يتعلمها قبل الابتلاء.

ثمّ إنّ لهقدَّس سرَّه بياناً آخر لشمول الحكم للجهل بالموضوع، وهو لا يخلو من تأمّل وإشكال نتركه للقارئ الكريم.

9. لو قصّر في موضع التمام

كان البحث في السابق مركّزاً على من أتمّ في موضع القصر، وقد عرفت التفصيل وبقي البحث فيمن عكس، وقصّـر في موضع التمام، كما ربّما يتّفق للمسافر بعد نيّة الإقامة الموجبة للتمام، فلا شكّ في البطلان إذا كان عالماً، إنّما الإشكال في الجاهل بالحكم أو الموضوع، والمشهور هو البطلان، وإن ذهب ابن سعيد الحلي إلى الصحّة في جامعه قال: وإن نوى مقام عشرة، وقصّر لجهل فلا إعادة.(2)

وهو خيرة صاحب العروة قال: إذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد إلاّ في المقيم المقصِّر للجهل بأنّ حكمه التمام.

وقال المحقّق الأردبيلي: وأمّا القصر ممّن وجب عليه التمام...مع الجهل فلا يبعد الصحّة وكونه عذراً لبعض ما مرّ، ونقله الشارح عن يحيى بن سعيد ويدل عليه صحيحة منصور بن حازم... إلى أن قال: واحتط مهما أمكن فإنّ الأمر صعب ولا يمكن القول بكلّية شيء، بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات


1 . مستند العروة:8/375.
2 . ابن سعيد الحلي: الجامع:93.


(372)

والأحوال والأزمان، والأمكنة والأشخاص، وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف، امتياز أهل العلم والفقهاء شكر اللّه سعيهم ورفع درجتهم.(1)

قال المحدّث البحراني: ويدل عليه ما رواه الشيخ الحر في الصحيح عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيّام، فأتمّ الصلاة، فإن تركه رجل جاهلاً فليس عليه إعادة».(2)

وقد وصفه البحراني بالصحّة، مع أنّ في سنده موسى بن عمر، وهو مردد بين شخصين:

1. موسى بن عمر بن بزيع الثقة الذي هو من الطبقة السادسة.(3)

2. موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، الذي عنونه الشيخ في الفهرست، والنجاشي في الرجال(4) ولم يذكرا في حقّه شيئاً. وهو من الطبقة السابعة. والمراد منه في السند هو الثاني لروايته في المقام عن علي بن النعمان، الذي هو من الطبقة السادسة. نعم يمكن استظهار حسن حاله من بعض القرائن كما ذكره العلاّمة المامقاني، ولعلّ المحدّث البحراني لم يميّز بين موسيين، فحكم عليها بالصحّة. وقد سبقه في الوصف المحقّق الأردبيلي قدَّس سرَّه.

وأمّا تصحيح الرواية بكون موسى بن عمر من رواة كامل الزيارات كما عليه المحقّق الخوئي، فقد أوضحنا حاله في كتابنا «كليات في علم الرجال» فراجع.


1 . المحقق الأردبيلي : مجمع الفائدة:3/436، و ذيل كلامه جدير بالإمعان، فتدبر.
2 . الوسائل: الجزء 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.
3 . البحراني: الحدائق الناضرة:11/436.
4 . النجاشي: الرجال: برقم 1090.


(373)

إلاّ انّ الكلام في إعراض الأصحاب عنها، ووصفها السيد البروجردي بكونها معرضاً عنها، ولكن لم يثبت الإعراض غاية الأمر عدم التعرض للمسألة، فلو كان السند ممّا يعتمد عليه، فما ذهب إليه السيد الطباطبائي هو الأقوى، ومن هنا اجترى بعض المحقّقين وقال: إنّ الظاهر من الأخبار كون الجاهل معذوراً في هذا المقام مطلقاً، أعني: في جميع ما يتعلّق بالقصر والإتمام في السفر حتى القصر في مواضع التمام، والتمام في بعض مواضع القصر.(1)

نعم ليس كلّ من قصّـر معذوراًحتى من قصر في صلاة المغرب التي لم يكتب عليها القصر ولا التمام، فما رواه محمد بن إسحاق بن عمّـار قال: سألت أبا الحسن عن امرأة كانت معنا في السفر وكانت تصلّي المغرب ركعتين ذاهبة وجائية قال: «ليس عليها قضاء».(2) والرواية معرض عنها، وتأويله بما نقله الحرّ عن الشيخ في التهذيب لا يخلو عن بعد، فلاحظ.

ثمّ إنّ هنا مسألة أُخرى، كان المناسب التعرض لها هنا وهو لو قصّر المسافر الجاهل بالحكم اتّفاقاً لا عن قصد وهي المسألة الثامنة في العروة الوثقى وسيأتي حكمها في محلّها.

10. إذا لم يصلّ الجاهل بالحكم ثمّ علم

إذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت، ثمّ علم بوجوب القصر على المسافر، فهل يقضيه قصراً أو يقضيه تماماً.

ومثله ما إذا لم يصلّ ناسي الحكم أو الموضوع ثمّ خرج الوقت فهل يقضيه قصراً أو تماماً؟


1 . البحراني: الحدائق:11/436 نقلاً عن بعض المحقّقين.
2 . الوسائل: الجزء 5 ، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.


(374)

لا شكّ انّ مقتضى قاعدة: «اقض ما فات كما فات» هو القضاء قصراً، وإنّما احتمل خلافه لأجل انّه لو صلّى تماماً، لكان صحيحاً فيحتمل أن يكون الواجب في حقّه هو التمام فتقضى تماماً.

و الظاهر هوالقضاء قصراً لما عرفت: انّ الواجب في حقّ المكلّفين قاطبة هو القصر، وانّ الشارع تقبل التمام مكان القصر، لمصلحة يراها من دون انقلاب التكليف الواقعي في حقّه إلى التمام، لعدم دلالة الأدلّة الماضية خصوصاً رواية الفاضلين عليه، وعلى ذلك فيختص التقبّل بظرف الجهل فإذا علم بواجبه يرتفع العذر، فيجب عليه القضاء حسب ما فات.

وبعبارة أُخ