welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الاَئمّة الاثنا عشر*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاَئمّة الاثنا عشر

(1)

الاَئمّة الاثنا عشر


(2)

(3)

الاَئمة الاثناعشر

تعرف الشيعة الاِمامية بالفرقة الاثني عشرية، ومبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثني عشر إماماً من بني هاشم نصّ عليهم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كما هو معلوم للجميع، ثمّ نصّ كلّ إمام على الاِمام الذي بعده، بشكل يخلو من الشكّ والاِبهام.

لقد تضافر عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه يملك هذه الاَُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، وكما هو معلوم ومبسّط في كتب الشيعة بشكل لا يقبل الشك. إنّ هذه الروايات مع ما فيها من المواصفات لا تنطبق إلاّ على أئمّة الشيعة والعترة الطاهرة «وإذا كان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها، ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزائنه، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته»(1)فتلزم علينا معرفتهم، كيف وهم أحد الثقلين اللَّذَين تركهما الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _، قدوة للاَُمّة ونوراً على جبين الدهر.

ونحن نحاول هنا أن نعرض في هذا الفصل موجزاً عن أحوالهم وحياتهم متوخّين الاختصار والاِيجاز فيما نورده، لاَنّ بسط الكلام عنهم يحتاج إلى تدوين موسوعة كبيرة، وقد قام بذلك لفيف من علماء الاِسلام فأثبتوا الشىء الكثير عن حياتهم وسيرتهم وأقوالهم، جزاهم الله عن الاِسلام وأهله خير الجزاء.


(1) اقتباس ممّا ذكره أمين الاِسلام الطبرسي في مقدّمة كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى: 3.

(4)

الاَئمّة الاثنا عشر في حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إنّ من تصفّح مصنّفات الحديث النبوي الشريف يجد أنّ هناك روايات تحدِّد وتعيِّن عدد الاَئمّة بعد الرسول وسماتهم، من دون ذكر لاَسمائهم، وهي أحاديث الاَئمّة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، وهي على وجه لا ينطبق إلاّ على من عيّنهم الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ للخلافة والزعامة، ولذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة، والاِمعان فيها يرشد القارىَ إلى الحقّ، ويأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطىَ الاَمان والحقيقة.

ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص؛ فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً، وإليك البيان.

1 ـ روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كلّهم من قريش»(1)

2 ـ روى مسلم عنه أيضاً، قال : دخلت مع أبي على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسمعته يقول: «إنّ هذا الاَمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لاَبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».

3 ـ وروى عنه أيضاً، قال: سمعت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» ثمّ تكلّم النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».

4 ـ وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلاّ أنّه لم يذكر: «لا يزال أمر الناس ماضياً».

5 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال الاِسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لاَبي: ما قال؟ فقال: قال:


(1) صحيح البخاري 9 : 101، كتاب الاَحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف).

(5)

«كلّهم من قريش»(1)

6 ـ وروى مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لاَبي: ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».

7 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوم جمعة عشية رجم الاَسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»(2)

8 ـ روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيّة، قلت لاَبي: يا أبتِ ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش»(3)

9 ـ روى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني، فقال: قال: «كلّهم من قريش».

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر(4)

10 ـ روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «يكون لهذه الاَُمّة اثنا عشر خليفة» ورواه عن 34 طريقاً(5)


(1) صحيح مسلم 6 : 3 .
(2) صحيح مسلم 6 : 3 ـ 4 .
(3) سنن أبي داود 2 : 207 كتاب المهدي ط مصر. وروى أيضاً نحوه بطريقين آخرين.
(4) صحيح الترمذي 2 : 45 ط سنة 1342هـ .
(5) مسند أحمد 5 : 86 ـ 108 .

(6)

11 ـ روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه، قال: كنت مع عمّي عند النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر خليفة» ثمّ قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّيـ وكان أمامي ـ : ما قال يا عمّ؟ قال: يا بني قال: «كلّهم من قريش»(1)

12 ـ وروى أيضاً بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر، قال: كنت عند رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسمعته يقول: «لا يزال أمر هذه الاَُمّة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة» وقال كلمة خفيت عليّ، وكان أبي أدنى إليه مجلساً منّي فقلت: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش».

13 ـ قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش»(2)

كما أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد شبَّه عدّة خلفائه بعدّة نقباء بني إسرائيل.

14 ـ فقد روى أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يقرؤنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الاَُمّة من خليفة؟ فقال عبدالله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(3)

15 ـ ورواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة(4)

16 ـ وأورده المتقي الهندي في منتخب كنز العمّال عن أحمد والطبراني في المعجم


(1) المستدرك على الصحيحين (كتاب معرفة الصحابة) 3 : 617 ـ 618 (ط الهند).
(2) الصواعق: 189.
(3) مسند أحمد 1 : 398 .
(4) تاريخ بغداد 14 | 353 برقم 7673.

(7)

الكبير، والحاكم في المستدرك(1)

17 ـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء بسند حسن عن ابن مسعود: أنّه سئل كم يملك هذه الاَُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(2)

إلى غير ذلك من الاَحاديث الدالّة على أنّ الاَئمّة بعد النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ اثناعشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهمّ هو تعيين مصاديقها والاِشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ باستقصاء وحصر السمات الواردة في هذه الاَحاديث، وهذا ما يمكن إجماله بما يلي:

1 ـ لا يزال الاِسلام عزيزاً.

2 ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

3 ـ لا يزال الدين قائماً.

4 ـ لا يزال أمر الاَُمّة صالحاً.

5 ـ لا يزال أمر هذه الاَُمّة ظاهراً.

6 ـ كلّ ذلك حتّى يمضي فيهم اثنا عشر أميراً من قريش.

7 ـ وحتى يليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.

8 ـ وإنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.

وهذه السمات والخصوصيات لا تتمثّل مجتمعة إلاّ في الاَئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، وهذه الاَحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لاَهل الاَرض كما أنّ النجوم أمان لاَهل السماء، وسيوافيك تفصيل هذه


(1) منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5 : 312.
(2) تاريخ الخلفاء: ص10.

(8)

الاَحاديث الثلاثة.

فالاَئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، والذين ينادي بإمامتهم الشيعة الاِمامية، والذين أوّلهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنّهم هم المَثَل الاَعلى في الاَخلاق، والقمّة السامقة في العلم والعمل والتقوى والاِحاطة بالقرآن والسنّة، وبهم حفظ الله تعالى دينه وأعزّ رسالته.

وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق أنّ: «كلّهم تجتمع عليهم الاَُمّة» فهو على فرض الصحّة، فالمراد منه تجتمع على الاِقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و ـ على فرض الاِبهام ـ لا تمنع عن الاَخذ بمضامين الحديث.

هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حقّ هذه الاَحاديث، وكيف يؤوّلونها بالخلفاء القائمين بالاَمر بعد النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وإليك نصوص كلامهم:

1 ـ إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أُميّة!! وأوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدّتهم اثنا عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابة، ولا مروان بن الحكم لكونه صحابياً أو لاَنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبدالله بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبدالملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر ابن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام بن عبد الملك ثمّ الوليد بن يزيد ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمد(1)

وجوابه: أنّه لو كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأيّ فائدة في الاِخبار بذلك. ثمّ كيف يقول: إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل: «لا يزال هذا الدين عزيزاً


(1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13: 212 ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدّتهم ثلاثة عشر.

(9)

منيعاً قائماً»، أو «أمر أُمّتي صالحاً». والعجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الاَُولى، وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية، وكان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير لا يقرّ بها صاحب ذرّة من الشرف والاِيمان.

2 ـ «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي»(1)وهذا من أغرب التفاسير؛ لاَنّ الاَخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ولاَجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبدالله بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الاَُمّة.

3 ـ ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض: أنّ المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، وعبد الملك، وأولاده الاَربعة، الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وعمر بن عبد العزيز بن سليمان ويزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك(2)

ولا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الاِسلام والدين وصار منيعاً وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق، وأباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها وأموالها وأنفسها بعد قتله لابن بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الحسين بن علي _ عليه السلام _ وأُخوانه وأبنائه وخيرة أصحابه، وسيَّر بنات رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سبايا دون حرمة لجدّهم إلى الشام من أرض كربلاء، فليت شعري


(1) المصدر نفسه 13: 213 ومثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدّة الاِسلام إلى يوم القيامة.
(2) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 13 : 213، ولاحظ تاريخ الخلفاء: ص11.

(10)

ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنّة النبوية وتعاملهم معها؟ وكلّ الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه وما صرّحوا به.

وهل اعتزّ الاِسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه الحجّاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى(1)!

وكيف اعتزّ الدين بالوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات الله حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة: (واسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كلّ جَبّارٍ عَنيدٍ )(2)فألقاه ورماه بالسهام وأنشد:

تهدّدني بجبّار عنيد * فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر * فقل ياربّ مزّقني الوليد

ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودّت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شيء ولا يغفل عنها إلاّ السذج والبلهاء.

أقول: إنّ للكاتب القدير السيّد محمد تقي الحكيم كلاماً في هذه الاَحاديث يطيب لي نقله. قال: والذي يستفاد من هذه الروايات:

1 ـ أنّ عدد الاَُمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر وكلّهم من قريش.

2 ـ أنّ هؤلاء الاَُمراء معيّنون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بنيإسرائيل، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً )(3)


(1) تاريخ الخلفاء: 250 و غيره.
(2) إبراهيم: 15 .
(3) المائدة: 12 .

(11)

3 ـ أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الاِسلامي أو حتى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم: «إنّ هذا الاَمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثناعشر خليفة» وأصرح من ذلك روايته الاَُخرى في نفس الباب: «لا يزال هذا الاَمر في قريش ما بقى من الناس اثنان».

إذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلاّ مع مبنى الاِمامية في عدد الاَئمّة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين وبقاؤهما حتّى يردا عليه الحوض.

وصحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الاَمر فيهم بقاء الاِمامة والخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية ؛ لاَنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمدّ سلطته من الله، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية؛ لاَنّ هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرّعاً، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولاّها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أُمويين وعباسيين ـ باتّفاق المسلمين.

ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الاَئمّة، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنّة ومن الموثوقين لديهم، ولعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاَحاديث، ومحاولة ملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاَقوال في توجيهها وبيان المراد منها.

والسيوطي ـ بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الاَحاديث المشكلة ـ خرج


(12)

برأي غريب وهو أنّه وجد من الاثني عشر الخلفاء الاَربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في بني أُمية، وكذلك الظاهر لما أُوتيه من العدل، وبقي اثنان منتظران، أحدهما المهدي؛ لاَنّه من أهل بيت محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _. ولم يُبيّن المنتظر الثاني، ورحم الله من قال في السيوطي: إنّه حاطب ليل.


(13)

الاِمام الاَوّل:


أمير المؤمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _


إنّ الاِمام علي بن أبي طالب أشهر من أن يعرَّف، ولقد قام لفيف من السنّة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات عن حياته، ومناقبه، وفضائله، وجهاده، وعلومه، وخطبه، وقصار كلماته، وسياسته، وحروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين، فالاَولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال، وإحالة القارىَ إلى تلك الموسوعات، بيد أنّنا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنّة فنقول:

هو أمير المؤمنين، وسيّد المسلمين، وقائد الغرّ المحجّلين، وخاتم الوصيّين، وأوّل القوم إيماناً، وأوفاهم بعهد الله، وأعظمهم مزيّة، وأقومهم بأمر الله، وأعلمهم بالقضية، وراية الهدى، ومنار الاِيمان، وباب الحكمة، والممسوس في ذات الله، خليفة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _، الهاشمي، وليد الكعبة المشرّفة، ومُطهّرها من كل صنم ووثن، الشهيد في البيت الاِلـهي (مسجد الكوفة) في محرابه حال الصلاة سنة 40هـ.

وكلّ جملة من هذه الجمل، وعبارة من هذه العبارات، كلمة قدسيّة نبويّة أخرجها الحفّاظ من أهل السنّة(1).


(1) راجع مسند أحمد 1: 331 و5: 182 ـ 189، حلية الاَولياء 1: 62 ـ 68؛ الغدير 2: 33.

(14)

مكوّنات الشخصيّة الاِنسانية


تعود شخصية كلّ إنسان ـ حسب مايرى علماء النفس ـ إلى ثلاثة عوامل هامّة لكلّ منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها.

وكأنّ الشخصية الاِنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألّف من اتّصال هذه الاَضلاع الثلاثة بعضها ببعض، وهذه العوامل الثلاثة هي:

1 ـ الوراثة.

2 ـ التعليم والثقافة.

3 ـ البيئة والمحيط.

إنّ كلّ ما يتّصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الاِنسان عبر هذه القنوات الثلاث، وتنمو فيه من خلال هذه الطرق.

وإنّ الاَبناء لا يرثون منّا المال والثروة والاَوصاف الظاهرية فقط كملامح الوجه ولون العيون وكيفيات الجسم، بل يرثون كلّ ما يتمتّع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك.

فالاَبوان ـ بانفصال جزئي «الحويمن» و «البويضة» المكوّنين للطفل منهما ـ إنّما ينقلان ـ في الحقيقـة ـ صفاتهما ملخّصة إلى الخلية الاَُولى المكوّنة من ذينك الجزأين، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة.

ويشكّل تأثير الثقافة والمحيط، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الاِنسانية، فإنّ لهذين الاَمرين أثراً مهمّاً وعميقاً في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبليّة أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الاَبوين.


(15)

فإنّ في مقدور كل معلّم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار، فكم من بيئة حوّلت أفراداً صالحين إلى فاسدين، أو فاسدين إلى صالحين.

وإنّ تأثير هذين العاملين المهمّين من الوضوح بحيث لايحتاج إلى المزيد من البيان والتوضيح. على أننّا يجب أن لاننسى دور إرادة الاِنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة.


مكوّنات شخصيّة الاِمام علي _ عليه السلام _


لم يكن الاِمام علي _ عليه السلام _ بصفته بشراً بمستثنى من هذه القاعدة؛ فقد ورث الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ جانباً كبيراً من شخصيته النفسية والروحية والاَخلاقية من هذه العوامل والطرق الثلاثة، وإليك تفصيل ذلك:

1 ـ الاِمام علي _ عليه السلام _ والوراثة من الاَبوين:

لقد انحدر الاِمام علي من صلب والد عظيم الشأن، رفيع الشخصيّة هو أبوطالب، ولقد كان أبو طالب زعيم مكّة، وسيّد البطحاء، ورئيس بني هاشم، وهو إلى جانب ذلك،كان معروفاً بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف والمحبّة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدّس، والعقيدة التوحيديّة المباركة.

فهو الذي تكفّل رسول الله منذ توفّي جدّه وكفيله الاَوّل عبدالمطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره، وتولّى العناية به والقيام بشؤونه، وحفظه وحراسته في السفر والحضر، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لانظير لهما، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر تعاليمه بكل تضحية وفداء، و يتحمّل لتحقيق هذه الاَهداف العليا كلّ تعب


(16)

ونصب وعناء.

وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلّى موقفه هذا في كثير من أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله:

ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً * نبيّ كموسى والمسيح ابن مريم

وقوله:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً * رسولاً كموسى خُطّ في أوّل الكتب(1)

إنّ من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعاً في الشعب، ومقاطعتهم القاسية، من دافع غير الاِيمان العميق بالهدف والشغف الكبير بالمعنوية، الذي كان يتّصف به أبوطالب؛ إذ لا تستطيع مجرّد الوشائج العشائرية، وروابط القربى، أن توجِد في الاِنسان مثل هذه الروح التضحويّة.

إنّ الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة بحيث استقطبت اهتمام كلّ المحقّقين المنصفين والمحايدين، ولكن بعض المتعصّبين توقّف في إيمان تلك الشخصية المتفانية العظيمة، بالدعوة المحمدية، بينما تجاوز فريق هذا الحدّ إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث قالوا بأنّه مات غير مؤمن.

ولو صحّت عُشر هذه الدلائل الدالّة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حقّ رجل آخر لما شكّ أحد في إيمانه فضلاً عن إسلامه، ولكن لايعلم الاِنسان لماذا لاتسطيع كل هذه الاَدلّة إقناع هذه الزمرة،و إنارة


(1) مجمع البيان 4: 37.

(17)

الحقيقةلهم؟!

هذا عن والد الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _.

وأمّا أُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الاِسلام والاِيمان برسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم.

إنّها المرأة الطاهرة التي لجأت ـ عند المخاض ـ إلى المسـجد الحـرام، وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول:

«يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت و(بحقّ) المولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي». فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت عليّاً هناك(1).

تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرّخين والمحدّثين الشيعة، وكذا علماء الاَنساب في مصنّفاتهم، كما نقلها ثلّة كبيرة من علماء السنّة وصرّحوا بها في كتبهم، واعتبروها حادثة فريدة، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل(2).

وقال الحاكم النيسابورى: وقد تواترت الاَخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة(3).

وقال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي: «وكون الاَمير كرّم الله وجهه، ولد في البيت، أمر مشهور في الدنيا ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه،


(1) كشف الغمّة 1: 60.
(2) مروج الذهب 2: 349، شرح الشفاء للقاضي عياض1: 151 وغيرهما، وقد أفرد العلاّمة الاُردوبادي رسالة في هذه المنقبة وسمّاها: عليّ وليد الكعبة.
(3) شرح عينية عبدالباقي العمري: 15.

(18)

كما اشتهر وضعه»(1).

2 ـ الامام عليّ وتربيته في حجر النبيّ: _ صلى الله عليه وآله وسلم _

وأمّا التربية الروحية والفكرية والاَخلاقية فقد تلقّاها علي _ عليه السلام _ في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة.

ولو أنّنا قسّمنا مجموعة سنوات عمر الاِمام _ عليه السلام _ إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الاَوّل من هذه الاَقسام الخمسة من حياته الشريفة، يؤلّف السنوات التي قضاها _ عليه السلام _ قبل بعثة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

وانّ هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات؛ لاَنّ اللّحظة التي ولد فيها عليّ _ عليه السلام _ لم يكن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك، هذا مع العلم بأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد بعث بالرسالة في سنّ الاَربعين.

وعلى هذا الاَساس لم يكن الاِمام عليّ _ عليه السلام _ قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالرسالة، وتوّج بالنبوّة.

إنّ أبرز الحوادث في حياة الاِمام عليّ _ عليه السلام _ هو تكوين الشخصية العلوية، وتحقّق الضلع الثاني من المثلّث الذي أسلفناه بواسطة النبيّ الاَكرم، وفي ظلّ ما أعطاه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لعليّ _ عليه السلام _ من أخلاق وأفكار؛ لاَنّ هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة، والقيّمة جدّاً،فشخصيّة الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقيّة تقبل كلّ لون، وهي مستعدّة لاَن ينطبع عليها كلّ صورة مهما كانت، وهذه الفترة من العمر تعتبر ـ بالتالي ـ خير فرصة لاَن ينمّي المربّون والمعلّمون فيها كلّما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيّبة وصفات كريمة، وفضائل أخلاقية نبيلة، ويوقفوا الطفل ـ عن طريق التربية ـ على


(1) الغدير 6: 22.

(19)

القيم الاَخلاقية والقواعد الاِنسانية وطريقة الحياة السعيدة، وتحقيقاً لهذا الهدف الساميّ تولّى النبي الكريم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنفسه تربية عليّ _ عليه السلام _ بعد ولادته، وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها عليّ _ عليه السلام _ إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلقيت من رسول الله حبّاً شديداً لعليّ حتّى أنّه قال لها: «اجعلي مهده بقرب فراشي» وكان _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يطهّر علياً في وقت غسله، ويوجره اللّبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويلاحظه ويقول: «هذا أخي، ووليّي، وناصري، وصفيّي، وذخري، وكهفي، وصهري، ووصيّي، و زوج كريمتي، وأميني على وصيّتي، وخليفتي»(1).

ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتمّ توفير الضلع الثاني في مثلّث الشخصية (وهو التربية) بواسطته _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأن لا يكون لاَحد غير النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة.

وقد ذكر الاِمام عليّ _ عليه السلام _ ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال:

«وقد علمتم موضعي من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالقرابة القريبة، والمنزلة الخَصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمّني إلى صدره، ويَكنُفني في فراشه، ويمسُّني جسدَه، ويُشمّني عَرْفَه، وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه»(2).

النبي يأخذ عليّاً إلى بيته:

وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليّاً إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ألفت نظر نبيّه إلى ذلك.


(1) كشف الغمة 1: 60.
(2) نهج البلاغة، الخطبة (192) المسمّاة بالخطبة القاصعة.

(20)

قد ذكر المؤرّخون أنّه أصابت مكّة ـ ذات سنة ـ أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة، وكان أبوطالب ـ رضي الله عنه ـ ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم والضائقة والجهد والفاقة، فعند ذلك دعا رسول الله عمّه العباس إلى أن يتكفّل كل واحد منهما واحداً من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك؛ أخذ النبي عليّاً، وأخذ العباس جعفراً وتكفّل أمره، وتولّى شؤونه(1).

هكذا وللمرّة الاَُخرى أصبح عليّ _ عليه السلام _ في حوزة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _بصورة كاملة، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة، الشيء الكثير، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته،إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي.

وهذا هو الاِمام أمير المؤمنين _ عليه السلام _ يشير إلى تلك الاَيام القيّمة وإلى تلك الرعاية النبويّة المباركة المستمرّة إذ يقول:

«ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أُمّه، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به»(2).

عليّ في غار حراء

كان النبيّ ـ حتّى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوّة ـ يعتكف ويتعبّد في غار حراء شهراً من كلّ سنة، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل، وتوجّه إلى المسجد الحرام رأساً وطاف بالبيت سبعاً، ثم عاد إلى منزله.وهنا يطرح سؤال: ماذا كان شأن عليّ _ عليه السلام _ في تلك الاَيام التي كان يتعبّد ويعتكف فيها


(1) بحار الاَنوار 35: 44، وسيرة ابن هشام 1: 246.
(2) نهج البلاغة ـ شرح عبده ـ 2: 182.

(21)

رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في ذلك المكان مع ما عرفناه من حبّ الرسول الاَكرم له؟ هل كان يأخذ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عليّاً معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه؟

إنّ القرائن الكثيرة تدلّ على أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منذ أن أخذ علياً لم يفارقه يوماً أبداً؛ فهاهم المؤرّخون يقولون: كان عليّ يرافق النبيّ دائماً ولا يفارقه أبداً، حتّى أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليّاً معه(1).

يقول ابن أبي الحديد: وقد ذكر عليّ _ عليه السلام _ هذا الاَمر في الخطبة القاصعة إذ قال:

«ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء، فأراه ولايراه غيري»(2).

إنّ هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبيّ في حرّاء بعد البعثة الشريفة إلاّ أنّ القرائن السابقة وكون مجاورة النبيّ بحراء كانت في الاَغلب قبل البعثة، تؤيّد أنّ هذه الجملة، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة عليّ للنبيّ في حراء قبل البعثة.

إنّ طهارة النفسيّة العلوية، ونقاوة الروح التي كان عليّ _ عليه السلام _ يتحلّى بها، والتربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف عليّ _ عليه السلام _ ـ ومنذ نعومة أظفاره ـ ببصيرة نفّاذة وقلب مستنير، وأُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءَ ويسمع أمواجاً تخفى على الناس العاديين،و يتعذّر عليهم سماعها ورؤيتها، كما يصرّح نفسه بذلك إذ يقول:

«أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوّة»(3).

يقول الاِمام الصادق _ عليه السلام _:

«كان عليّ _ عليه السلام _ يرى مع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبل الرسالة الضوء، ويسمع الصوت».

وقد قال له النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: لولا أنّي خاتم الاَنبياء لكنتَ شريكاً في النبوّة، فإن


(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 208.
(2) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(3) المصدر نفسه.

(22)

لاتكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه، بل أنت سيّد الاَوصياء وإمام الاَتقياء»(1).

ويقول الاِمام عليّ _ عليه السلام _: «لقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، ثمّ قال له:

«إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ ولكنّك وزير»(2).

هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالاَخلاق والسجايا الرفيعة.

3 ـ البيئة الرسالية وشخصية الاِمام:

ولو أضفنا ذينك الاَمرين (أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة، وما تلقّاه في حجر النبيّ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة والاِسلام من أفكار وآراء رفيعة، وتأثّر عنها أدركنا عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب.

ومن هنا يحظى الاِمام عليّ _ عليه السلام _ بمكانة مرموقة لدى الجميع؛ مسلمين وغير مسلمين؛ لما كان يتمتّع به من شخصية سامقة، وخصوصيات خاصّة يتميّز بها.

وهذا هو ما دفع بالبعيد والقريب إلى أن يصف عليّاً بما لم يوصف به أحد من البشر، ويخصّه بنعوت، حرم منها غيره، فهذا الدكتور شبلي شميل المتوفّى سنة 1335هـ|1917م وهو من كبار المادّيين في القرن الحاضر يقول:

الاِمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الاَصل لا قديماً ولاحديثاً(3).

قال عمر بن الخطّاب:


(1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13: 310.
(2) نهج البلاغة: الخطبة القاصعة الرقم 187.
(3) الاِمام على صوت العدالة الاِنسانية 1: 37.

(23)

«عقمت النساء أن يلدن مثل عليّ بن أبي طالب»(1).

ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف:

«وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كلّ زمن عليّاً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره»(2).

هذه الاَبعاد التي ألمحنا إليها هي الاَبعاد الطبيعية للشخصية العلوية.

البعد المعنوي لشخصيّة الاِمام _ عليه السلام _:

غير أنّ أبعاد شخصية الاِمام عليّ _ عليه السلام _ لاتنحصر في هذه الاَبعاد الثلاثة؛ فإنّ لاَولياءالله سبحانه بعداً رابعاً، داخلاً في هويّة ذاتهم، وحقيقة شخصيتهم، وهذا البعد هوالذي ميّزهم عن سائر الشخصيات وأضفى عليهم بريقاً خاصّاً ولمعاناً عظيماً.

وهذا البعد هو البعد المعنوي الذي ميّز هذه الصفوة عن الناس، وجعلهم نخبة ممتازة وثلّة مختارة من بين الناس؛ وهو كونهم رسل الله وأنبياءه، أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه.

نرى أنّه سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله: «قُلْ سُبْحان َربِّي هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَراً رَسُولاً»(3).

فقوله: «بَشَراً» إشارة إلى الاَبعاد البشرية الموجودة في كلّ إنسان طبيعيّ، وإن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالاً ولمعاناً.

وقوله: «رَسُولاً» إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي ميّزه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الناس وجعله


(1) الغدير 6: 38 ط النجف.
(2) الاِمام علي صوت العدالة الاِنسانية 1: 49.
(3) الاِسراء: 93.

(24)

معلّماً وقدوة للبشر، فلاَجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات الاِلهية على شخصية مركّبة من بعدين: طبيعي و إلهي ولا يقدر على توصيفها إلاّ بنفس ما وصفهم به الله سبحانه مثل قوله في شأن الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالاِنْجِيلِ يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَ الاَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ )(1)وقد نزلت في حقّ الاِمام أميرالمؤمنين _ عليه السلام _ آيات، ووردت روايات.

كيف وقد قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _»(2).

وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً بعدي، وليوال وليّه، وليقتد بالاَئمّة من بعدي؛ فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي»(3).

وقال الاِمام أحمد بن حنبل:

ما لاَحد من الصحابة من الفضائل بالاَسانيد الصحاح مثل ما لعليّ2(4).

وقال الاِمام الفخر الرازي:

من اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه(5).


(1) الاَعراف:57.
(2) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه 4: 410.
(3) أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية الاَولياء 1: 86.
(4) مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي: 163.
(5) تفسير مفاتيح الغيب 1: 205.

(25)

وقال أيضاً:

من اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _: اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار(1).

تسليط الضوء على شخصيته السامية:

لاعتب على اليراع لو وقف عند تحديد شخصيّة كريمة معنويّة خصّها الله تعالى بمواهب وفضائل، وكفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب، قال: كنت عند عبدالله ابن عباس فجاء أُناس من أبناء المهاجرين فقالوا له: يا بن عباس أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟

قال: ملىَ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة وقرابة من رسول اللّه(2).

روى عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزل في القرآن: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلاّ وعليّ _ عليه السلام _ رأسها وأميرها، ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في غير مكان، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير(3).

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ(4).

وقال ابن عباس: نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه(5).

نكتفي في ترجمة عليّ _ عليه السلام _ بكلمتين عن تلميذيه اللّذين كانا معه سرّاً وجهراً.

1 ـ قال ابن عباس ـ عندما سئل عن عليّ ـ: رحمة الله على أبي الحسن، كان


(1) المصدر نفسه: 204.
(2) شواهد التنزيل1: 108 ح 153.
(3) مسند أحمد1: 190، تاريخ الخلفاء: 171.
(4) الصواعق المحرقة، الباب التاسع، الفصل الثالث: 76.
(5) تاريخ الخلفاء: 172.

(26)

والله علم الهدى، وكهف التقى، وطود النهى، ومحلّ الحجى، وغيث الندى، ومنتهى العلم للورى، ونوراً أسفر في الدجى،وداعياً إلى المحجّة العظمى، ومستمسكاً بالعروة الوثقى، أتقى من تقمّص وارتدى، وأكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى، وصاحب القبلتين، وأبو السبطين، وزوجته خير النساء، فما يفوقه أحد، لم تر عيناي مثله، ولم أسمع بمثله، فعلى من أبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد(1).

2 ـ إنّ معاوية سأل ضرار بن حمزة بعد موت عليّ عنه، فقال: صف لي عليّاً، فقال: أو تعفيني؟ قال: صفه، قال: أو تعفيني؟ قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لابدّ فأقول ما أعلمه منه:

والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته،كان والله غزير الدمعة،طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه،يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب.

كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لانكلّمه هيبة، ولانبتدئه عظمة، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين،لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين، وكأنّي أسمعه وهو يقول: يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات


(1) ميزان الاعتدال 1: 484.

(27)

هيهات غرّي غيري، قد باينتك ثلاثاً لارجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كثير، آه من قلّة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق.

قال: فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمّه وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال معاوية: رحم الله أباالحسن! كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها في حجرها؛ فلا ترقأ عبرتها ولايسكن حزنها(1).

هذه شذرات من فضائله، وقبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ من تلاعب الاَيدي.

غير أنّه لا يعرف عليّاً غير خالقه، وبعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _.


(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 18: 225 وغيره.


(28)

تنصيب علي _ عليه السلام _ للاِمامة

لا شكّ في أنّ الدين الاِسلامي دين عالميّ، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الاَُمّة الاِسلامية من شؤون النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ما دام على قيد الحياة، وطبع الحال يقتضي أن يوكل مقام القيادة بعده إلى أفضل أفراد الاَُمّة وأكملهم.

إنّ في هذه المسألة؛ وهي أنّ منصب القيادة بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هل هو منصب تنصيصيّ تعيينيّ أو أنّه منصب انتخابيّ؟ اتّجاهين:

فالشيعة ترى أنّ مقام القيادة منصب تنصيصيّ، ولابدّ أن يُنصّ على خليفة النبيّ من السماء، بينما يرى أهل السنّة أنّ هذا المنصب انتخابيّ جمهوريّ؛ أي أنّ على الاَُمّة أن تقوم بعد النبيّ باختيار فرد من أفرادها لاِدارة البلاد.

إنّ لكل من الاتّجاهين المذكورين دلائل، ذكرها أصحابهما في الكتب العقائدية، إلاّ أنّ ما يمكن طرحه هنا هو تقييم ودراسة المسألة في ضوء دراسة وتقييم الظروف السائدة في عصر الرسالة؛ فإنّ هذه الدراسة كفيلة بإثبات صحّة أحد الاتّجاهين.

إنّ تقييم الاَوضاع السياسية داخل المنطقة الاِسلامية وخارجها في عصر الرسالة يقضي بأنّ خليفة النبىّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _لابدّ أن يعيَّـن من جانب الله تعالى، ولا يصحّ أن يوكل هذا إلى الاَُمّة؛ فإنّ المجتمع الاِسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي (الروم ـ الفرس ـ المنافقون) بشنّ الهجوم الكاسح، وإلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين.

كما أنّ مصالح الاَُمّة كانت توجب أن تتوحّد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسدّ الطريق على نفوذ العدو في جسم الاَُمّة الاِسلامية والسيطرة عليها، وعلى مصيرها.


(29)

وإليك بيان وتوضيح هذا المطلب:

لقد كانت الاِمبراطورية الرومانيّة أحد أضلاع الخطر المثلّث الذي يحيط بالكيان الاِسلامي، ويهدّده من الخارج والداخل، وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية، وكانت تشغل بال النبي القائد على الدوام، حتّى إنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة، والالتحاق بالرفيق الاَعلى.

وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدّت هذه المواجهة إلى استشهاد القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم: «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبد الله بن رواحة»، ولقد تسبّب انسحاب الجيش الاِسلامي بعد استشهاد القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الاِسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنة التاسعة للهجرة على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه أيّة مواجهة عسكرية، وقد استطاع الجيش في هذا الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد هيبته الغابرة، ويجدّد حياته السياسية.

غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يقنع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، فأعدّ قُبيل مرضه جيشاً كبيراً من المسلمين، وأمّر عليهم «أُسامة بن زيد»، وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام، والحضور في تلك الجبهة.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدّد الكيان الاِسلامي، فكان الاِمبراطورية الاِيرانية (الفارسية) وقد بلغ من غضب هذه الاِمبراطورية على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومعاداتها لدعوته، أن أقدم إمبراطور إيران «خسرو برويز» على


(30)

تمزيق رسالة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وتوجيه الاِهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه، والكتابة إلى واليه وعامله على اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، أو يقتله إن امتنع.

و«خسرو» هذا وإن قتل في زمن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أنّ استقلال اليمن ـ التي رزخت تحت استعمار الامبراطورية الاِيرانية ردحاً طويلاً من الزمان ـ لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور أُولئك الملوك وتجبّـرهم وكبرياؤهم لا يسمح بتحمّل منافسة القوة الجديدة (القوة الاِسلامية) لهم.

والخطر الثالث كان هو خطر حزب النفاق الذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس على تقويض دعائم الكيان الاِسلامي من الداخل إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخطر يقول في نفسه: إنّ الحركة الاِسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ورحيله، وبذلك يستريح الجميع(1).

ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الاَُمّة الاِسلامية من الداخل، وذلك عندما أتى علياً _ عليه السلام _ وعرض عليه أن يبايعه ضدّ من عيّنه رجال السقيفة، ليستطيع بذلك تشطير الاَُمّة الاِسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين، فيتمكّن من التصيّد في الماء العكر.

ولكنّ الاِمام علياً _ عليه السلام _ أدرك بذكائه البالغ نيّات أبي سفيان الخبيثة، فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونيّاته الشريرة:

«والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك ـ والله ـ طالما بغيت للاِسلام شرّاً. لاحاجة لنا في نصيحتك»(2).


(1) أشارت إلى ذلك الآية الكريمة 30 من سورة الطور: صأم يقولون شاعرٌ نتربّصُ به ريبَ المنونش.
(2) الكامل في التاريخ 2: 222، العقد الفريد 2: 249.

(31)

ولقد بلغ دور المنافقين التخريبي من الشدّة بحيث تعرّض القرآن لذكرهم في سور عديدة هي: سورة آل عمران، والنساء، والمائدة، والاَنفال، والتوبة، والعنكبوت، والاَحزاب، ومحمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، والفتح، والمجادلة، والحديد، والمنافقون، والحشر.

فهل مع وجود مثل هؤلاء الاَعداء الخطرين والاَقوياء الذين كانوا يتربّصون بالاِسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول الله أُمّته الحديثة العهد بالاِسلام، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّـن لهم قائداً دينياً سياسياً؟!!

إنّ المحاسبـات الاجتماعية تقول: إنّه كـان من الواجـب أن يمنـع رسـول الاِسلام بتعييـن قائـد للاَُمّة،... من ظهور أيّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده، وأن يضمن استمرار وبقاء الوحدة الاِسلامية بإيجاد حصن قويّ وسياج دفاعي متين حول تلك الاَُمّة.

إنّ تحصين الاَُمّة، وصيانتها من الحوادث المشؤومة، والحيلولة دون مطالبة كلّ فريق «الزعامة» لنفسه دون غيره، وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن ليتحقّق، إلاّ بتعيين قائد للاَُمّة، وعدم ترك الاَُمور للاَقدار.

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات أُخرى طرح رسول الاِسلام مسألة الخلافة في الاَيام الاَُولى من ميلاد الرسالة الاِسلامية، وظلّ يواصل طرحها والتذكير بها طوال حياته حتّى الساعات الاَخيرة منها، حيث عيّـن خليفته ونصّ عليه بالنصّ القاطع الواضح الصريح في بدء دعوته، وفي نهايتهاأيضاً.

وإليك بيان كلا هذين المقامين:


(32)

1 ـ النبوّة والاِمامة توأمان:

بغضّ النظر عن الاَدلّة العقلية والفلسفية التي تثبت صحّة الرأي الاَوّل بصورة قطعيّة، هناك أخبار وروايات وردت في المصادر المعتبرة تثبت صحّة الموقف والرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة وتصدّقه، فقد نصّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على خليفته من بعده في الفترة النبوية من حياته مراراً وتكراراً، وأخرج موضوع الاِمامة من مجال الانتخاب الشعبي والرأي العام.

فهو لم يعيّـن (ولم ينصّ على) خليفته ووصيّه من بعده في أُخريات حياته فحسب، بل بادر إلى التعريف بخليفته ووصيّه منذ بدء الدعوة يوم لم ينضو تحت راية رسالته بعدُ سوى بضعة عشر من الاَشخاص، وذلك يوم أُمر من جانب الله العليّ القدير أن ينذر عشيرته الاَقربين من العذاب الاِلـهي الاَليم، وأن يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يصدع برسالته للجميع، ويبدأ دعوته العامة للناس كافة.

فجمع أربعين رجلاً من زعماء بني هاشم وبني المطلّب، ثمّ وقف فيهم خطيباً فقال:

«أيّكم يؤازرني على هذا الاَمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتيفيكم؟»

فأحجم القوم، وقام عليّ _ عليه السلام _ وأعلن مؤازرته وتأييده له، فأخذ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ برقبته، والتفت إلى الحاضرين، وقال:

«إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم»(1).

وقد عرف هذا الحديث عند المفسّـرين والمحدّثين: بـ «حديث يوم الدار» و«حديث بدء الدعوة».


(1) تاريخ الطبري 2: 216، الكامل في التاريخ 2: 62 و 63، وقد مرّ مفصّلاً في هذه الدراسة فراجع.

(33)

على أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكتف بالنصّ على خليفته في بدء رسالته، بل صرّح في مناسبات شتّى في السفر والحضر، بخلافة عليّ _ عليه السلام _ من بعده، ولكن لا يبلغ شيء من ذلك في الاَهمية والظهور والصراحة والحسم ما بلغه حديث الغدير.

2 ـ قصة الغدير:

لمّا انتهت مراسم الحجّ، وتعلّم المسلمون مناسك الحجّ من رسول الله، قرّر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الرحيل عن مكّة، والعودة إلى المدينة، فأصدر أمراً بذلك، ولمّا بلغ موكب الحجيج العظيم إلى منطقة «رابغ»(1)التي تبعد عن «الجحفة»(2)بثلاثة أميال، نزل أمين الوحي جبرئيل على رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _بمنطقة تدعى «غدير خم»، وخاطبه بالآية التالية:

(يأيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُك مِنَ النّاسِ )(3).

إنّ لسان الآية وظاهرها يكشف عن أنّ الله تعالى ألقى على عاتق النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مسؤولية القيام بمهمّة خطيرة، وأيّ أمر أكثر خطورة من أن ينصّب علياً _ عليه السلام _ لمقام الخلافة من بعده على مرأى ومسمع من مائة ألف شاهد؟!

من هنا أصدر رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمره بالتوقّف، فتوقّف طلائع ذلك الموكب العظيم، والتحق بهم من تأخر.

لقد كان الوقت وقت الظهيرة، وكان المناخ حارّاً إلى درجة كبيرة جّداً، وكان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه والقسم الآخر منها تحت قدميه، وصنع للنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مظلّة، وكانت عبارة عن عباءة أُلقيت على أغصان شجرة (سمرة)، وصلّى


(1) رابغ تقع الآن على الطريق بين مكّة والمدينة.
(2) من مواقيت الاِحرام وتنشعب منها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين.
(3) المائدة: 67.

(34)

رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحاضرين الظهر جماعة وفيما كان الناس قد أحاطوا به صعد _ صلى الله عليه وآله وسلم _على منبر أُعدّ من أحداج الاِبل وأقتابها، وخطب في الناس رافعاً صوته، وهو يقول:

«الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ، ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إلـه إلاّ هو، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

أمّا بعد؛ أيّها الناس إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟»

قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً.

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «ألستم تشهدون أن لا إلـه إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟»

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «اللّهمّ اشهد».

ثمّ قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «وإنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً».

فنادى منادٍ: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله، وما الثقلان؟

قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «كتاب الله سبب طرف بيد الله، وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به؛ والآخر عترتي، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».

وهنا أخذ بيد عليّ _ عليه السلام _ ورفعها، حتى رؤي بياض آباطهما، وعرفه الناس أجمعون ثمّ قال:

«أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟»

قالوا: الله ورسوله أعلم.


(35)

فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _:

«إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه(1).

اللّهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبّه، وابغض من بغضه، وأدر الحق معه حيث دار»(2).

فلمّا نزل من المنبر، استجازه حسّان بن ثابت شاعر عهد الرسالة في أن يفرغ ما نزل به الوحي في قالب الشعر، فأجازه الرسول، فقام وأنشد:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم * بخمّ وأكرم بالنبيّ مناديا

يقول فمن مولاكم ووليّكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت وليّنا * ولم ترَ منّا في الولاية عاصيا

فقال له قم يا عليّ فإنّني * رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليّه * فكونوا له أنصار صدقٍ ومواليا

هناك دعا: اللّهمّ! وال وليّه * وكن للذي عادى عليّاً معاديا

مصادر الواقعة:

هذه هي واقعة الغدير استعرضناها لك على وجه الاِجمال، وهي بحقّ واقعة لايسوغ لاَحد إنكارها بأدنى مراتب التشكيك والقدح، فقد تناولها بالذكر أئمّة المؤرّخين أمثال: البلاذري، وابن قتيبة، والطبري، والخطيب البغدادي، وابن عبدالبرّ، وابن عساكر، وياقوت الحموي، وابن الاَثير، وابن أبيالحديد، وابنخلّكان، واليافعي، وابن كثير، وابن خلدون، والذهبي، وابن حجر


(1) لقد كرّر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لاَيّ التباس أو اشتباه.
(2) راجع للوقوف على مصادر هذا الحديث المتواتر موسوعة الغدير للعلاّمة الاَميني؛.

(36)

العسقلاني، وابن الصباغ المالكي، والمقريزي، وجلال الدين السيوطي، ونور الدين الحلبي إلى غير ذلك من المؤرّخين الذين جادت بهم القرون والاَجيال.

كما ذكره أيضاً أئمّة الحديث أمثال: الاِمام الشافعى، وأحمد بن حنبل، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلي الموصلي، والبغوي، والطحّاوي، والحاكم النيسابوري، وابن المغازلي، والخطيب الخوارزمي، والكنجي، ومحبّالدين الطبري، والحمويني، والهيثمي، والجزري، والقسطلاني، والمتقي الهندي، وتاجالدين المناوي، وأبوعبدالله الزرقاني، وابن حمزة الدمشقي إلى غير ذلك من أعلام المحدّثين الذين يقصر المقال عن عدّهم وحصرهم.

كما تعرّض له كبار المفسرين، فقد ذكره: الطبري، والثعلبي، والواحدي ـ في أسباب النزول، والقرطبي، وأبو السعود، والفخر الرازي، وابن كثير الشامي، والنيسابوري، وجلالالدين السيوطي، والآلوسي، والبغدادي.

وذكره من المتكلّمين طائفة جمّة في خاتمة مباحث الاِمامة وإن ناقشوا نقضاً وإبراماً في دلالته كالقاضي أبي بكر الباقلاني في تمهيده، والقاضي عبد الرحمن الاِيجي في مواقفه، والسيد الشريف الجرجاني في شرحه، وشمس الدين الاَصفهاني في مطالع الاَنوار، والتفتازاني في شرح المقاصد، والقوشجي في شرح التجريد إلى غير ذلك من المتكلّمين الذين تعرّضوا لحديث الغدير وبحثوا حول دلالته ووجه الحجّة فيه.

واقعة الغدير ورمز الخلود:

أراد المولى عزّوجلّ أن يبقى حديث الغدير غضّاً طرياً على مرّ الاَجيال لم يُكدّر صفاء حقيقته الناصعة تطاول الاَحقاب، وكرّ الاَزمان، وانصرام الاَعوام، ويرجع ذلك إلى أُمور ثلاثة:


(37)

1 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد هتف به في مزدحم غفير يربو على عشرات الآلاف عند منصرفه من الحجّ الاَكبر، فنهض بالدعوة والاِعلان، وحوله جموع من وجوه الصحابة وأعيان الاَُمّة، وأمر بتبليغ الشاهد الغائب ليكونوا كافّة على علم وخبر بما تمّ إبلاغه.

2 ـ إنّ الله سبحانه قد أنزل في تلك المناسبة آيات تلفت نظر القارىَ إلى الواقعة عندما يتلوها وإليك الآيات:

أ ـ «يا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ»(1).

وقد ذكر نزولها في واقعة الغدير طائفة من المفسّـرين يربو عددهم على الثلاثين، وقد ذكر العلاّمة البحّاثة المحقّق الاَميني في كتاب « الغدير » نصوص عبارات هؤلاء، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إليه.

ب ـ «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلامَ دِيناً»(2).

وقد نقل نزول الآية جماعة منهم يزيدون على ستّة عشر.

ج ـ «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ الله ذِي المَعارِج»(3).

وقد ذكر أيضاً نزول هذه الآية جماعة من المفسّـرين ينوف على الثلاثين، أضف إلى ذلك أنّ الشيعة عن بكرة أبيهم متّفقون على نزول هذه الآيات الثلاث في شأن هذه الواقعة(4).


(1) المائدة: 67.
(2) المائدة: 3.
(3) المعارج: 1ـ3.
(4) راجع في شأن نزول هذه الآيات كتاب الغدير 1: 214 و 217.

(38)

3 ـ إنّ الحديث منذ صدوره من منبع الوحي، تسابقت الشعراء والاَُدباء على نظمه، وإنشاده في أبيات وقصائد امتدّت رقعتها منذ عصر انبثاق ذلك النصّ في تلك المناسبة إلى عصرنا هذا، وبمختلف اللغات والثقافات، وقد تمكّن البحّاثة المتضلّع العلاّمة الاَميني من استقصاء وجمع كلّ ما نظم باللغة العربية حول تلك الحادثة، والمؤمّل والمنتظر من كافّة المحقّقين على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم استنهاض هممهم لجمع ما نظم وأُنشد في أدبهم الخاص.

وحصيلة الكلام: قلّما نجد حادثة تاريخية حظيت في العالم البشري عامّة، وفي التاريخ الاِسلامي والاَُمّة الاِسلامية خاصّة بمثل ما حظيت به واقعة الغدير، وقلّما استقطبت اهتمام الفئات المختلفة من المحدّثين والمفسّـرين والكلاميّين والفلاسفة والاَُدباء والكتّاب والخطباء وأرباب السير والمؤرّخين كما استقطبت هذه الحادثة، وقلّما اعتنوا بشيء مثلما اعتنوا بها.

هذا ويستفاد من مراجعة التاريخ أنّ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام كان معروفاً بين المسلمين بيوم عيد الغدير، وكانت هذه التسمية تحظى بشهرة كبيرة إلى درجة أنّ ابن خلّكان يقول حول «المستعلي ابن المستنصر»:

«فبويع في يوم غدير خمّ؛ وهو الثامن عشر من شهر ذيالحجّة سنة 487هـ»(1).

وقال في ترجمة المستنصر بالله، العبّاسي: «وتوفّي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذيالحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، قلت: وهذه هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، وهو غدير خمّ»(2).

وقد عدّه أبو ريحان البيروني في كتابه «الآثار الباقية ممّا استعمله أهل الاِسلام


(1) وفيات الاَعيان 1: 60.
(2) المصدر نفسه.

(39)

من الاَعياد»(1).

وليس ابن خلّكان، وأبو ريحان البيروني، هما الوحيدين اللّذين صرّحا بكون هذا اليوم هو عيد من الاَعياد، بل هذا الثعالبي قد اعتبر هو الآخر ليلة الغدير من الليالي المعروفة بين المسلمين(2).

إنّ عهد هذا العيد الاِسلامى، وجذوره ترجع إلى نفس يوم «الغدير»؛ لاَنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أمر المهاجرين والاَنصار، بل أمر زوجاته ونساءه في ذلك اليوم بالدخول على عليّ _ عليه السلام _ وتهنئته بهذه الفضيلة الكبرى.

يقول زيد بن أرقم: كان أوّل من صافح النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعليّاً: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وباقي المهاجرين والاَنصار، وباقي الناس(3).

فالحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ .

شذرات من فضائله

يطيب لي أن أُشير إلى بعض خصائصه قياماً ببعض الوظيفة تجاه ما له من الحقوق على الاِسلام والمسلمين عامّة، فنقول: إنّ له خصائص لم يشاركه فيها أحد:

1 ـ ولادته في جوف الكعبة.

2 ـ احتضان النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ له منذ صغره.

3 ـ سبقه الجميع في الاِسلام.

4 ـ مؤاخاة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ له من دون باقي الصحابة.


(1) ترجمة الآثار الباقية: 395، الغدير 1: 267.
(2) ثمار القلوب: 511.
(3) راجع مصدره في الغدير 1: 270.

(40)

5 ـ حمله من قبل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على كتفه لطرح الاَصنام الموضوعة في الكعبة.

6 ـ استمرار ذريّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من صلبه.

7 ـ بصاق النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في عينيه يوم خيبر، ودعاؤه له بأن لا يصيبه حرّ ولا قرّ.

8 ـ إنّ حبّه إيمان وبغضه نفاق.

9 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ باهل النصارى به وبزوجته وأولاده دون سائر الاَصحاب.

10 ـ تبليغه سورة براءة عن النبىّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

11 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خصّه يوم الغدير بالولاية.

12 ـ إنّه القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني».

13 ـ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خصّه بتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه.

14 ـ إنّ الناس جميعاً من أرباب الاَديان، وغيرهم ينظرون إليه كأعظم رجل عرفه التاريخ(1).


(1) قد استخرج هذه الخصائص الكاتب القدير محمّد جواد مغنية ـ رحمه الله ـ في كتابه: الشيعة والتشيّع: 234.

(41)

الاِمام الثاني:

أبو محمد الحسن بن علي المجتبى _ عليه السلام _


هو ثاني أئمّة أهل البيت الطاهر، وأوّل السبطين، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة، وريحانة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء، أُمّه فاطمة بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سيّدة نساء العالمين.

ولادته

ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة، وهو أوّل أولاد عليّ وفاطمة8.

نسب كان عليه من شمس الضحى * نور ومن فلق الصباح عمودا

وروي عن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الحسن بن علي8(1).

فلمّـا ولد الحسن قالت فاطمة لعليّ: سمّه، فقال: «ما كنت لاَسبق باسمه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _»، فجاء النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأُخرج إليه فقال: «اللّهمّ إنّي أُعيذه بك وولده من الشـيطـان الـرجيـم، وأذّن في أُذنه اليمني وأقام في اليسرى.


(1) ابن الصباغ المالكي (المتوفّى عام 855هـ): الفصول المهمّة: 152.

(42)

ألقابه _ عليه السلام _


أشهرها: التقيّ والزكيّ والسبط.

علمه _ عليه السلام _


يكفي أنّه كان يجلس في مسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويجتمع الناس حوله فيتكلّم بما يشفي غليل السائل ويقطع حجج المجادلين. من ذلك ما رواه الاِمام أبو الحسن عليّ ابن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط: أنّ رجلاً دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصاً يحدّث عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل، قال: أخبرني عن (شاهد ومشهود) (1) فقال: «نعم، أمّا الشاهد فيوم الجمعة والمشهود فيوم عرفة».

فتجاوزه إلى آخر غيره يحدّث في المسجد، فسأله عن ( شاهد ومشهود ) قال: «أمّا الشاهد فيوم الجمعة، وأمّا المشهود يوم النحر».

قال: فتجاوزه إلى ثالث، غلام كأنّ وجهه الدينار، وهو يحدّث في المسجد، فسأله عن شاهد ومشهود، فقال: «نعم، أمّا الشاهد فرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمّا المشهود فيوم القيامة، أما سمعته عزّ وجلّ يقول: (يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناك شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً )(2)، وقال تعالى: (ذلِكَ يَومٌ مَجمَوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَومٌ مَشْهُودٌ ) »(3).

فسأل عن الاَوّل، فقالوا: ابن عبّاس، وسأل عن الثاني، فقالوا: ابن عمر،


(1) البروج: 3.
(2) الاَحزاب: 45.
(3) هود: 103.

(43)

وسأل عن الثالث، فقالوا: الحسن بن عليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _(1).

زهده _ عليه السلام _

يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنّه _ عليه السلام _ قال: «إنّي لاَستحيي من ربّي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته» فمشى عشرين مرّة من المدينة إلى مكّة على قدميه.

وروي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضاً: أنّه _ عليه السلام _ خرج من ماله مرّتين، وقاسم الله تعالى ثلاث مرّات ماله وتصدّق به.

وكان _ عليه السلام _ من أزهد الناس في الدنيا ولذّاتها، عارفاً بغرورها وآفاتها، وكثيراً ما كان _ عليه السلام _ يتمثّل بهذا البيت شعراً:

يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها * إنّ اغتراراً بظلّ زائــلٍ حَمَقُ(2)

حلمه _ عليه السلام _


روى ابن خلّكان عن ابن عائشة: أنّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة ـ على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ـ فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابّة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فامتلاَ قلبي له بغضاً وحسدت عليّاً أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه وقلت له: أأنت ابن عليّ بن أبي طالب؟ قال: «أنا ابنه»، قلت: فعل بك وبأبيك، أسبّهما، فلمّـا انقضى كلامي قال لي: «أحسبك غريباً»؟


(1) بحار الاَنوار 1: 13.
(2) ابن الصبّاغ المالكي، الفصول المهمّة: 154.

(44)

قلت: أجل، قال: «مِلْ بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال آتيناك، أو إلى حاجة عاونّاكَ» قال: فانصرفت عنه وما على الاَرض أحبّ إليّ منه، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلاّ شكرته وخزيت نفسي(1).

إمامته _ عليه السلام _

يكفي في ذلك ما صرّح به النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من قوله: «هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا...».

وروت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين _ عليه السلام _ حين أوصى إلى ابنه الحسن _ عليه السلام _ وأشهد على وصيّته الحسين _ عليه السلام _ ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: «يا بنيّ إنّه أمرني رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن أُوصي إليك، وأدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين، ثمّ أقبل على ابنه الحسين _ عليه السلام _ فقال: وأمرك رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن تدفعها إلى ابنك هذا، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال: وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ فاقرأه من رسول الله ومنّيالسلام»(2).

روى أبو الفرج الاَصفهاني: أنّه خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير المؤمنين عليّ _ عليه السلام _ وقال: «قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاَوّلون بعمل، ولا يدركه


(1) ابن خلّكان، وفيات الاَعيان 2: 68.
(2) الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى 1: 405 تحقيق مؤسسة آلالبيت:، ومن أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى الكافي 1: 297، وإثبات الهداة 2: 543 ـ 568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام.

(45)

الآخرون بعمل، ولقد كان يجاهد مع رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيقيه بنفسه، ولقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسي بن مريم، ولقد توفّـي فيها يوشع بن نون وصي موسى، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيّة من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لاَهله».

ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه.

ثمّ قال: «أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، والذين افترض الله مودّتهم في كتابه إذ يقول: (ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً )(1)فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت».

قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة، فبايعوه(2).

وقال المفيد: كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتّب العمّال وأمّر الاَُمراء، وأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة، ونظر في الاَُمور(3).

وقال أبو الفرج الاَصفهاني: وكان أوّل شيء أحدثه الحسن[ _ عليه السلام _] أنّه زاد في المقاتلة مائة مائة، وقد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل، وهو فعله يوم الاستخلاف، فتبعه الخلفاء بعد ذلك(4).


(1) الشورى: 23.
(2) مقاتل الطالبيين: 52.
(3) المفيد: الاِرشاد: 188.
(4) مقاتل الطالبيين: 55.

(46)

قال المفيد: فلمّـا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن، دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة، ورجلاً من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالاَخبار ويفسدا على الحسن الاَُمور، فعرف ذلك الحسن، فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام في الكوفة فأُخرج وأمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم، فأُخرج وضربت عنقه(1).

صلحه _ عليه السلام _ مع معاوية

ثمّ إنّه استمرّت المراسلات(2)بين الحسن ومعاوية وانجرّت إلى حوادث مريرة إلى أن أدّت إلى الصلح واضطرّ إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية، فعقدا صلحاً وإليك صورته:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم.

على أنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم


(1) الارشاد للمفيد: 188، مقاتل الطالبيين: 52.
(2) ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين: 53 ـ 72 وبالاِمعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل، يتضح سرّ صلح الاِمام وتنازله عن الخلافة، فلم يطاع إلاّ أنّه أتم الحجّة عليهم، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين.

(47)

وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه.

على أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لاَخيه الحسين ولا لاَحد من أهل بيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غائلة سوء سرّاً وجهراً، ولا يخيف أحداً في أُفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان، وكفى بالله شهيداً(1).

ولمّا تمّ الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لاَتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ هاتين لا أفي بشيء منها له(2).

شهادته ودفنه _ عليه السلام _

لمّا نقض معاوية عهده مع الاِمام الحسن _ عليه السلام _، وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبوسفيان، وأُمّه هند، وهو طليق ابن طلقاء عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته، وما كان شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن عليّ8، فدسّ إليه السمّ، فمات بسببه.

فقد روي: أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الاَشعث ـ وكانت تحت الحسن _ عليه السلام _ ـ: إنّي مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن عليّ. وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمّت الحسن، فسوّغها المال ولم يزوّجها منه(3).

فلمّا دنا موته أوصى لاَخيه الحسين _ عليه السلام _ وقال: «إذا قضيت نحبي غسّلني


(1) ابن صبّاغ المالكي، الفصول المهمّة: 163.
(2) الارشاد للمفيد: 191.
(3) مقاتل الطالبيين: 73.

(48)

وكفّني واحملني على سريري إلى قبر جدّي رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك، وبالله أُقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم».

فلمّـا حملوه إلى روضة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يشكّ مروان ومن معه من بني أُميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _فتجمّعوا له ولبسوا السلاح، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أُحبّ!! وجعل مروان يقول: يا ربّ هيجاء هي خير من دعةٍ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة. ولاَجل وصيّة الحسن مضوا به إلى البقيع ودفنوه عند جدّته فاطمة بنت أسد(1).

وتوفّي الحسن وله من العمر (47) عاماً وكانت سنة وفاته سنة (50) من الهجرة النبويّة. والعجيب أنّ مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين: «أتحمل سريره؟! أما والله لقد كنت تجرّعه الغيظ» فقال مروان: إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(2).

فرح معاوية بموته:

ولما بلغ معاوية موت الحسن _ عليه السلام _ سجد وسجد من حوله وكبّـر وكبّـروا معه. ذكره الزمخشري في ربيع الاَبرار وابن عبد البرّ في الاستيعاب وغيرهما.

فقال بعض الشعراء:

أصبح اليوم ابن هند شامتاً * ظاهر النخوة إذ مات الحسنْ

يا ابن هند إن تذق كأس الردى * تكُ في الدهر كشيء لم يكنْ


(1) الارشاد: 193، كشف الغمة 1: 209، مقاتل الطالبيين: 74 ـ 75.
(2) مقاتل الطالبيين: 76.

(49)

لستَ بالباقي فلا تشمت به * كلّ حيّ للمنايا مرتهن(1)

هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة. وتركنا الكثير ممّا يرجع إلى جوانب حياته، خصوصاً ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول(2)فقد ذكر قسماً كبيراً من كلماته.


(1) الاَمين العاملي، في رحاب أئمّة أهل البيت: 43.
(2) الحرّاني الحسن بن شعبة، تحف العقول: 225 ـ 236.

(50)

الاِمام الثالث:


أبو عبد الله الحسين بن علي سيّد الشهداء _ عليه السلام _

هو ثالث أئمّة أهل البيت الطاهر، وثاني السبطين، وسيدي شباب أهل الجنّة، وريحانتي المصطفى _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأحد الخمسة أصحاب الكساء، وسيّد الشهداء، وأُمّه فاطمة بنت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _.

ولادته _ عليه السلام _


ولد في المدينة المنوّرة في الثالث من شعبان سنة ثلاث أو أربع من الهجرة، ولمّا ولد جيء به إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فاستبشر به، وأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، فلمّـا كان اليوم السابع سمّـاه حسيناً، وعقَّ عنه بكبش، وأمر أُمّه أن تحلق رأسه وتتصدّق بوزن شعره فضّة، كما فعلت بأخيه الحسن، فامتثلت3 ما أمرها به.

خصائصه _ عليه السلام _


إنّ حياة الاِمام الحسين من ولادته إلى شهادته حافلة بالاَحداث، والاِشارةـفضلاً عن الاِحاطة ـ إلى كلّ ما يرجع إليه يحتاج إلى تأليف مفرد، وقد أغنانا في ذلك ما كتبه المؤلّفون والباحثون عن جوانب حياته _ عليه السلام _، حيث تحدّثوا في مؤلّفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من جدّه وأبيه في حقّه، وعن علمه ومناظراته، وخطبه وكتبه وقصار كلمه، وفصاحته وبلاغته، ومكارم أخلاقه،


(51)

وكرمه وجوده، وزهده وعبادته، ورأفته بالفقراء والمساكين، وعن أصحابه والرواة عنه، والجيل الذي تربّى على يديه. وذلك في مؤلّفات قيّمة لا تعد ولاتحصى.

كفاحه وجهاده الرسالي:

غير إنّ للحسين _ عليه السلام _ وراء ذلك، خصّيصة أُخرى وهي كفاحه وجهاده الرسالي والسياسي الذي عُرِفَ به، والذي أصبح مدرسة سياسية دينيّة، لعلها أصبحت الطابع المميّز له _ عليه السلام _ والصبغة التي اصطبغت حياته الشريفة بها، وأُسوة وقدوة مدى أجيال وقرون، ولم يزل منهجه يؤثّر في ضمير الاَُمّة ووعيها، ويحرّك العقول المتفتّحة، والقلوب المستنيرة إلى التحرّك والثورة، ومواجهة طواغيت الزمان بالعنف والشدّة.

وها نحن نقدّم إليك نموذجاً من غرر كلماته في ذلك المجال حتّى تقف على كفاحه وجهاده أمام التيّارات الاِلحاديّة والانهيار الخلقي.

إباؤه للضيم ومعاندة الجور

لمّا توفّي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه بالاِمامة فاجتمعت الشيعة حوله، يرجعون إليه في حلّهم وترحالهم، وكان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه ما يكون من الاَحداث المهمّة التي لا توافق هوى السلطة الاَُموية المنحرفة، والتي قد تؤلّف خطراً جدّياً على وجودها غير المشروع، ولقد كان همّ هذه السلطة هو الاِمام الحسين _ عليه السلام _ لما يعرفونه عنه من موقف لا يلين ولا يهادن في الحقّ، ومن هنا فقد كتب مروان بن الحكم ـ وكان عامل معاوية على المدينة ـ: إنّ رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن


(52)

عليّ وأنّه لا يأمن وثوبه، ولقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده.

ولمّا بلغ الكتاب إلى معاوية كتب رسالة إلى الحسين وهذا نصّها:

أمّا بعد؛ فقد انتهت إليّ أُمور عنك إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها، ولعمر الله إنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإنّ أحقَّ الناس بالوفاء من كان في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله لها...(1).

ولمّا وصل الكتاب إلى الحسين بن عليّ، كتب إليه رسالة مفصّلة ذكر فيها جرائمه ونقضه ميثاقه وعهده، نقتبس منها ما يلي:

«ألست قاتل حجر بن عديّ أخا كندة وأصحابه المصلّين، العابدين، الّذين ينكرون الظلم، ويستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الاَيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، جرأة على الله واستخفافاً بعهده؟

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونه، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال(2).

أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنّه ابن أبيك، وقد قال رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فتركت سنّة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تعمّداً وتبعت هواك بغير هدي من الله، ثمّ سلّطته على أهل الاِسلام يقتلهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم،


(1) الاِمامة والسياسة 1: 163.
(2) أي قممها وأعاليها.

(53)

ويُسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الاَُمّة وليسوا منك.

أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين عليّـ صلوات الله عليه ـ فكتبت إليه: أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليّ هو دين ابن عمّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف»(1).

هذا هو الحسين، وهذا هو إباؤه للضيم ودفاعه عن الحق ونصرته للمظلومين في عصر معاوية. وذكرنا هذه المقتطفات كنموذج من سائر خطبه ورسائله التي ضبطها التاريخ.


(1) الاِمامة والسياسة 1: 164.

(54)

الاِمام الحسين _ عليه السلام _ وكربلاء

رفضه البيعة ليزيد:

لمّا هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين _ عليه السلام _ بالبيعة له، فأنفذ الوليد إلى الحسين _ عليه السلام _ فاستدعاه، فعرف الحسين ما أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال: «اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه ولا تخافوا عليّ».

وصار _ عليه السلام _ إلى الوليد فنعى الوليد إليه معاوية، فاسترجع الحسين _ عليه السلام _ ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد بن معاويـة، فقال الحسين _ عليه السلام _: «إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّى أُبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس»، فقال له الوليد: أجل، فقال الحسين _ عليه السلام _: «فتصبح وترى رأيك في ذلك» فقال الوليد: انصرف على اسم الله تعالى، فقال مروان: والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتلى بينكم وبينه، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه، فوثب عند ذلك الحسين _ عليه السلام _ وقال: «أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت» ثمّ خرج(1).

وأصبح الحسين من غده يستمع الاَخبار، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه فقال: أبا عبد الله إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد، فقال: «وما ذاك قل أسمعْ» فقال: إنّي أرشدك لبيعة يزيد؛ فانّها خير لك في دينك وفي


(1) الاِرشاد: 200.

(55)

دنياك!! فاسترجع الحسين وقال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الاِسلام السَّلام إذا بليت الاَُمّة براع مثل يزيد، ثمّ قال: يا مروان أترشدني لبيعة يزيد!! ويزيد رجل فاسق، لقد قلت شططاً من القول وزللاً، ولا ألومك؛ فإنّك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد، إليك عنّي يا عدوّ الله، فإنّا أهل بيت رسول الله الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا، وقد سمعت جدّي رسول الله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد»(1).

خروجه من مكّة ومكاتبة أهل الكوفة له:

ثمّ إنّ الحسين غادر المدينة إلى مكّة، ولمّا بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فاتّفقوا أن يكتبوا إلى الحسين رسائل وينفذوا رسلاً طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة؛ لاَنّ القوم قد بايعوه ونبذوا بيعة الاَمويّين، وألحّوا في ذلك الاَمر أيّما إلحاح، مبيّنين للاِمام _ عليه السلام _ أنّ السبل ميسّرة والظروف مهيّأة لقدومه، حيث كتب له وجهاؤهم من جملة ما كتبوه:

«أمّا بعد؛ فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنّدة».

ولما جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين _ عليه السلام _ أرسل ابن عمّه مسلم ابن عقيل ـ رضوان الله عليه ـ إلى الكوفة ممثّلاً عنه لاَخذ البيعة له منهم، وللتحقّق


(1) الخوارزمي، مقتل الحسين 1: 184 ـ 185.

(56)

من جدّية هذا الاَمر، ثمّ كتب إليهم: «أمّا بعد؛ فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليَّ: أنّه قد اجتمع رأي ملَئِكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، وقرأته في كتبكم، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الاِمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله»(1).

ثمّ خرج الاِمام من مكة متوجّهاً إلى الكوفة يوم التروية أو يوماً قبله مع أهل بيته وجماعة من أصحابه وشيعته، وكان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة، وذلك قبل أن تنقلب الاَُمور على مجاريها بشكل لا تصدّقه العقول، حيث استطاع عبيد الله بن زياد بخبثه ودهائه، وإفراطه في القتل، أن يثبّط همم أهل الكوفة، وأن تنكث بيعة الاِمام الحسين _ عليه السلام _، ويقتل سفيره بشكل وحشيّ بشع.

ولمّا أخذ الاِمام _ عليه السلام _ يقترب من الكوفة استقبله الحرّ بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد الله بن زياد لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد، وإرساله قهراً إلى الكوفة، فعند ذلك قام الاِمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحرّ بقوله: «أيّها الناس إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاّ حرم الله ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباده بالاِثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله، ألا


(1) المفيد، الارشاد: 204.

(57)

وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غَيَّر»(1).


(1) الطبري، التاريخ 4: 304 حوادث سنة 61هـ، ولمعرفة ما جرى على الاِمام وأهل بيته حتّى نزل أرض كربلاء راجع المقاتل.

(58)

الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق:

رغم انّ الدافع الظاهري لهجرته _ عليه السلام _ إلى العراق كانت رسائل أهل الكوفة ورسلهم حتّى أنّ الاِمام احتجّ بها عندما واجه الحرّ بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما سألاه عن سرّ مجيئه إلى العراق فقال: «كتب إليَّ أهل مصركم هذا أن أقدم»(1). إلاّ أنّ السرّ الحقيقي لهجرته _ عليه السلام _ رغم إدراكه الواضح لما سيترتّب عليها من نتائج خطرة ستودي بحياته الشريفة ـ وهو ما وطّن نفسه _ عليه السلام _ عليه ـ يمكن إدراكه من خلال الاستقراء الشامل لمسيرة حياته، وكيفية تعامله مع مجريات الاَحداث.

إنّ الاَمر الذي لا مناص من الذهاب إليه هو إدراك الاِمام _ عليه السلام _ ما ينتجه الاِذعان والتسليم لتولّـي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين رغم ما عُرف عنه من تهتّك ومجون وانحراف واضح عن أبسط المعايير الاِسلامية، وفي هذا مؤشّـر خطر على عظم الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الاِسلامية، وابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي.

ومن هنا فكان لابدّ من وقفة شجاعة تعيد للاَُمّة جانباً من رشدها المضاع وتفكيرها المسلوب. إنّ الاِمام الحسين _ عليه السلام _ قد أعلنها صراحة بقوله لمّا طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد، حيث قال: «فعلى الاِسلام السلام إذا بليت الاَُمّة براع مثل يزيد» كما عرفت سابقاً.

نعم إنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي، قيل: يا رسول الله ومن هما؟ فقال: الفقهاء والاَُمراء»(2)، فإذا كان صلاح الاَُمّة وفسادها رهن صلاح الخلافة وفسادها، فقيادة مثل يزيد لا تزيد الاَمر إلاّ عيثاً وفساداً.

إنّ القيادة الاِسلامية بين التنصيص والشورى، ولم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الاَُمّة، وهذا ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين _ عليه السلام _ رسالة جاء فيها: أمّا بعد فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الاَُمّة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها(3).

ولم يكن الولد (يزيد) فريداً في غصب حقّ الاَُمّة، بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف، وليس بخاف على أحد، وإلى تلك الحقيقة المرّة يشير الاِمام عليّ _ عليه السلام _ في كتاب له إلى معاوية، حيث يقول:

«فقد آن لك أن تنتفع باللمح الباصر من عيان الاَُمور، فقد سلكت مدارج أسلافك بادّعائك الاَباطيل واقتحامك غرور المين والاَكاذيب، وبانتحالك ما قد علا عنك، وابتزازك لما قد اختزن دونك فراراً من الحقّ وجحوداً لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ممّا قد وعاه سمعك، وملىَ به صدرك، فماذا بعد الحق إلاّ الضلال المبين»(4).

هذا ونظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة، وتقديم نفسه


(1) الارشاد: 224 ـ 228.
(2) القمّي، سفينة البحار 2: 30 مادة أمر.
(3) ابن الاَثير، الكامل 2: 266 ـ 267، الارشاد: 203.
(4) نهج البلاغة | الكتاب 65.

(59)

وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم، مع علمه بأنّه وفقاً لما تحت يديه من الاِمكانات المادّية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات المادّية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أيّ ثورة فتيّة، نعم إنّ الاِمام الحسين _ عليه السلام _ كان يدرك قطعاً هذه الحقيقة، إلاّ أنّه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدّسة شجرة الاِسلام الوارفة التي يريد الاَُمويّون اقتلاعها من جذورها.

كما أنّ الاِمام _ عليه السلام _ أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الاَُمّة فجعلها حائرة متردّدة أمام طغيان الجبابرة وحكّام الجور، وأن تصبح ثورته مدرسة تتعلّم منها الاَجيال معنى البطولة والتضحية من أجل المبادىَ والعقائد، وكان كلّ ذلك بعد استشهاد الاِمام _ عليه السلام _، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

كان المعروف منذ ولادة الاِمام الحسين _ عليه السلام _ أنّه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء وعرف المسلمون ذلك في عصر النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ووصيّه، لذا كان الناس يترقّبون حدوث تلك الفاجعة، كما أنّ هناك الكثير من القرائن التي تدلّ بوضوح على حتميّة استشهاده _ عليه السلام _، ومن ذلك:

1 ـ روى غير واحد من المحدّثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في كربلاء أنّه قال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _يقول: «إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين _ عليه السلام _(1).

2 ـ إنّ أهل الخبرة والسياسة في عصر الاِمام كانوا متّفقين على أنّ الخروج إلى العراق يكون خطراً كبيراً على حياة الاِمام _ عليه السلام _ وأهل بيته، ولاَجل ذلك أخلصوا له النصيحة، وأصرّوا عليه عدم الخروج، ويتمثّل ذلك في كلام أخيه محمّد بن الحنفيّة، وابن عمّه ابن عبّاس، ونساء بني عبدالمطّلب، ومع ذلك اعتذر لهم الاِمام


(1) الاِصابة 1: 81 | 266.

(60)

وأفصح عن عزمه على الخروج(1).

3 ـ لمّا عزم الاِمام المسير إلى العراق خطب وقال: «الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي، اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُـيّـر لي مصرع أنا أُلاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء فيملاَن منّي أكراشاً جُوَّفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم. رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أُجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لحمته، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقرّ بهم عينه، وينجز بهم وعده، ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته، موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»(2).

4 ـ لمّا بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين _ عليه السلام _ دخل عليه فلامه في المسير، ولما رآه مصرّاً عليه قبّل ما بين عينيه وبكى وقال: أستودعك الله من قتيل(3).

5 ـ لمّا خرج الحسين _ عليه السلام _ من مكّة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له: إلى أين يا بن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ ما أعجلك عن الموسم؟ قال: «لو لم أعجل لاَُخذْتُ، ثمّ قال له: أخبرني عن الناس خلفك» فقال: الخبير سألت، قلوب الناس معك، وأسيافهم عليك(4).

6 ـ لما أتى إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن


(1) لاحظ المحاورات التي جرت بين الاِمام وهؤلاء في الاِرشاد: 201 ـ 202، مقاتل الطالبيين 109، اللهوف: 20 ط بغداد.
(2) اللهوف: 41.
(3) تذكرة الخواصّ: 217 ـ 218.
(4) الاِرشاد: 218.

(61)

يقطر، قال لاَصحابه: «لقد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرجٍ ليس عليه ذمام» فتفرّق الناس عنه، وأخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه. ومع ذلك فقد واصل _ عليه السلام _ مسيره نحو الكوفة، ولما مرّ ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان، فسأل الاِمام: أين تريد؟ فقال له الحسين _ عليه السلام _: «الكوفة» فقال الشيخ: أُنشدك لمّا انصرفت، فوالله ما تقدِمُ إلاّ على الاَسنّة وحدّ السيوف، فقال له الحسين: «ليس يخفى عليّ الرأي، وأنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره»(1).

في نفس النصّ دلالة على أنّ الاِمام كان يدرك ما كان يتخوّفه غيره، و أنّ مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل، ومع ذلك أكمل السير طلباً للشهادة من أجل نصرة الدين وردّ كيد أعدائه، وحتى لا تبقى لاَحد حجة يتذرّع بها لتبرير تخاذله وضعفه.

نعم لقد كان الحسين _ عليه السلام _ على بيّنة من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم، فلا شيء يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي أراد الاَُمويّون تقويضها، انظر إليه وهو يخاطب الحرّ بن يزيد الرياحي الذي يحذّره من مغبّة إصراره على موقفه حيث يقول له: «أفبالموت تخوّفني، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، وسأقول كما قال أخو الاَوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول، فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندَم وإن مِتُّ لم أُلمْ * كفى بك ذلاًّ أن تعيش وترغما»(2)


(1) الاِرشاد: 223.
(2) الاِرشاد: 225، الطبري في تأريخه 5: 204.

(62)

ثمّ إنّه كان لشهادة الحسين _ عليه السلام _ أثر كبير في إيقاظ شعور الاَُمّة وتشجيعها على الثورة ضدّ الحكومة الاَُموية التي أصبحت رمزاً للفساد والانحراف عن الدين، ولاَجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق والحجاز، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقّق هدفها في وقتها، ولكن كان لها الدور الاَساسي في سقوط الحكومة الاَُمويّة بعد زمان.

ولقد أجاد من قال: لولا نهضة الحسين _ عليه السلام _ وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يوم الطفّ لما قام للاِسلام عمود، ولا اخضرّ له عود، ولاَماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أوّل عهده في لحده. فالمسلمون جميعاً بل الاِسلام من ساعة قيامه إلى قيام الساعة رهين شكر للحسين _ عليه السلام _ وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ(1).

بلى، فلا مغالاة في قول من قال: إنّ الاِسلام محمّديّ الحدوث حسينيّ البقاء والخلود.

ترى أنّى للاِمام الحسين _ عليه السلام _ الاِذعان لحقيقة تسلّم يزيد مقاليد خلافة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، يزيد المنحرف الفاسد، عدوّ الله وعدوّ رسوله، الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عندما أُحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاَسلْ

لاَهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلّ

قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا قتل بدر فاعتدل

لست من خندف إن لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل(2)


(1) جنّة المأوى: 208 للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء.
(2) البيتان الاَوّلان لابن الزبعرى، والثلاثة الاَخيرة ليزيد، لاحظ تذكرة الخواص: 235.

(63)

وأمّا بيان خروجه من مكة متوجّهاً إلى العراق والحوادث التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء، والتي استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصاً، ظمآنَ وعطشانَ، فهو خارج عن موضوع البحث. وقد أُلّفت فيه مئات الكتب وعشرات الموسوعات.

شهادته _ عليه السلام _


لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من الهجرة، وقيل يوم السبت، وكان قد أدرك من حياة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خمس أو ستّ سنوات، وعاش مع أبيه 36 سنة، ومع أخيه 46 سنة.

فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


(64)

الاِمام الرابع:

عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين _ عليه السلام _

هو رابع أئمّة أهل البيت الطاهر، المشهور بزين العابدين أو سيّدهم، والسجّاد، وذي الثفنات.

ولادته و جوانب من سيرته _ عليه السلام _

ولد في المدينة سنة 38 أو 37هـ.

قال ابن خلّكان: هو أحد الاَئمّة الاثني عشر ومن سادات التابعين. قال الزهري: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه. وفضائله ومناقبه أكثر من أن تحصى وتذكر، ولمّا توفّي دفن في البقيع في جنب عمّه الحسن في القبّة التي فيها قبر العباس ـ رضي الله عنه ـ(1).

ولقد تولّى الاِمامة بعد استشهاد أبيه الحسين _ عليه السلام _ في كربلاء، وللاطّلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي الرجوع إلى كتب الحديث والعقائد المتكفّلة بهذا الجانب المهم، وأخصّ منها بالذكر كتاب «الكافي» للكليني، و«الاِرشاد» للشيخ المفيد، و «كفاية الاَثر» للخزّاز، و «إثبات الهداة» للحرّ العاملي.

ومن أراد الاطّلاع على مناقبه وكراماته وفضائله في مجالات شتّى كالعلم،


(1) وفيات الاَعيان 3: 267 ـ 269.

(65)

والحلم، والجرأة والاِقدام، وثبات الجنان، وشدة الكرم والسخاء، والورع، والزهد، والتقوى، وكثرة التهجّد والتنفّل، والفصاحة والبلاغة، وشدّة هيبته بين الناس ومحبّتهم له، وتربيته لجيل عظيم من الصحابة والعلماء وقّفوا حياتهم في خدمة الاِسلام، وغير ذلك ممّا لا يسعنا التعرّض لها هنا، فعليه يطلب ذلك في الموسوعات المتعدّدة التي تعرّضت لذلك بالشرح والتفصيل.

إلاّ أنّا نكتفي هنا بجانب من سيرته _ عليه السلام _ تتعلّق بجملة محدّدة من الاَُمور:

1 ـ هيبته ومنزلته العظيمة:

لقد كان _ عليه السلام _ مهاباً جليلاً بين الناس بشكل كبير، حتّى أنّ هذه المنزلة العظيمة جعلت الاَُمراء والحكّام يحسدونه عليها، والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة ومتعدّدة، ومن ذلك:

لمّا حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الاَسود فلم يمكنه ذلك، وجاء عليّ بن الحسين8 فتوقّف له الناس، وتنحّوا حتّى استلم، فقال جماعة لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه (مع أنّه كان يعرفه أنّه عليّ بن الحسين _ عليه السلام _) فسمعه الفرزدق، فقال: لكنّي أعرفه، هذا عليّ بن الحسين زين العابدين، وأنشد هشاماً قصيدته التي منها هذه الاَبيات:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلّهم * هذا التقي النقي الطاهر العلمُ

يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ

يُغضي حياء ويُغضى من مهابته * فما يكلّم إلاّ حين يبتسمُ

إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمّتهم * أو قيل من خير أهل الاَرض قيل همُ


(66)

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجدّه أنبياء الله قد خُتموا

وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجمُ

إلىآخر القصيدة التيحفظتها الاَُمّة وشطّرها جماعة من الشعراء. وقدثقل ذلك علىهشام فأمر بحبسه، فحبسوه بين مكّة والمدينة، فقال معترضاً على عمل هشام:

أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها

يقلّب رأساً لم يكن رأس سيّدٍ * وعيناً له حولاء بادٍ عيوبها

فأخرجه من الحبس فوجّه إليه علي بن الحسين8 عشرة آلاف درهم وقال: «اعذرنا يا أبا فراس، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به» فردّها الفرزدق وقال: ما قلت ما كان إلاّ لله، فقال له علي _ عليه السلام _: «قد رأى الله مكانك فشكرك، ولكنّا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه» وأقسم عليه فقبلها.

2 ـ زهده وعبادته ومواساته للفقراء:

أمّا زهده وعبادته ومواساته للفقراء، وخوفه من الله فغني عن البيان. فقد روي عنه _ عليه السلام _ أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه، فيقال: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ قال: «أتدرون بين يَدي من أُريد أن أقف».

من كلماته _ عليه السلام _: «إنّ قوماً عبدوا الله رياضة؛ فتلك عبادة العبيد، وأنّ قوماً عبدوه رغبة؛ فتلك عبادة التجّار، وأنّ قوماً عبدوه شكراً؛ فتلك عبادة الاَحرار».

وكان إذا أتاه سائل يقول له: «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة».

كان _ عليه السلام _ كثير الصدقات حريصاً عليها، و كان يوصل صدقاته ليلاً دون أن يعلم به أحد، وقد روي أنّه _ عليه السلام _ كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا يدرون من يأتيهم بالصدقات، ولما توفّي _ عليه السلام _ أدركوا ذلك.


(67)

وفي رواية: أنّه _ عليه السلام _ كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به ويقول: «صدقة السر تطفىَ غضب الربّ».

وفي رواية كان أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتّى مات عليّ بن الحسين _ عليه السلام _(1).

وقال رجل لسعيد بن المسيّب: ما رأيت رجلاً أورع من فلان ـ وسمّى رجلاً ـ فقال له سعيد: أما رأيت عليّ بن الحسين؟ فقال: لا، فقال: ما رأيت أورع منه.

قال أبو حازم: ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين.

قال طاووس: رأيت عليّ بن الحسين8 ساجداً في الحجر فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيّب لاَسمعنّ ما يقول، فأصغيت إليه فسمعته يقول: «عُبيدُك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك» قال طاووس: فوالله ما دعوت بهنّ في كرب إلاّ كشف عنّي.

وكان يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة، فإذا أصبح سقط مغشيّاً عليه، وكانت الريح تميله كالسنبلة، وكان يوماً خارجاً فلقيه رجل فسبّه، فثارت إليه العبيد والموالي، فقال لهم علي _ عليه السلام _: «مهلاً كفّوا» ثمّ أقبل على ذلك الرجل فقال له: «ما سُترَ عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟» فاستحيى الرجل فألقى إليه _ عليه السلام _ خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنّك من أولاد الرسل(2).


(1) تذكرة الخواصّ: 294.
(2) كشف الغمّة 2: 292 ـ 293.

(68)

ثروته _ عليه السلام _ العلمية

أمّا الثروة العلمية والعرفانية، فهي أدعيته التي رواها المحدّثون بأسانيدهم المتضافرة، والتي جمعت بما سمّي بالصحيفة السجّادية المنتشرة في العالم، فهي زبور آلمحمد، ومن الخسارة الفادحة أنّ إخواننا أهل السنّة ـ إلاّ النادر القليل منهم ـ غير واقفين على هذا الاَثر القيّم الخالد.

نعم، إنَّ فصاحة ألفاظها، وبلاغة معانيها، وعلوّ مضامينها، وما فيها من أنواع التذلّل لله تعالى والثناء عليه، والاَساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه، أقوى شاهد على صحّة نسبتها إليه، وإنّ هذا الدرّ من ذلك البحر، وهذا الجوهر من ذلك المعدن، وهذا الثمر من ذلك الشجر، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب، وتعدّد أسانيدها المتّصلة إلى منشئها، فقد رواها الثقات بأسانيدهم المتعدّدة المتّصلة، إلى زين العابدين(1).

وقد أرسل أحد الاَعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلاّمة الشيخ الجوهري الطنطاوي (المتوفّى عام 1358هـ) صاحب التفسير المعروف، فكتب في جواب رسالته: «ومن الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الاَثر القيّم الخالد في مواريث النبوّة وأهل البيت، وإنّي كلّما تأمّلتها رأيتها فوق كلام المخلوق، ودون كلام الخالق»(2).

وكانالمعروف بين الشيعة هو الصحيفة الاَُولى التيتتضمّن واحداً وستّين دعاء في فنون الخير وأنواع السؤال من الله سبحانه، والتي تعلّم الاِنسان كيف يلجأ إلى ربّه في الشدائد والمهمّـات، وكيف يطلب منه حوائجه، وكيف يتذلّل ويتضرّع له، وكيف يحمده ويشكره. غير أنّ لفيفاً من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلاّمة السيد محسن الاَمين العاملي1.


(1) في رحاب أئمّة أهل البيت 3: 414.
(2) مقدّمة الصحيفة بقلم العلاّمة المرعشي1: 28.

(69)

ولقد قام العلاّمة الحجة السيّد محمد باقر الاَبطحي ـ دام ظلّه ـ بجمع جميع أدعية الاِمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد، وقال في مقدّمته:

وحريّ بنا القول إنّ أدعيته _ عليه السلام _ كانت ذات وجهين: وجهاً عبادياً، وآخر اجتماعياً يتّسق مع مسار الحركة الاِصلاحية التي قادها الاِمام _ عليه السلام _ في ذلك الظرف الصعب. فاستطاع بقدرته الفائقة المسدّدة أن يمنح أدعيته ـ إلى جانب روحها التعبّدية ـ محتوىً اجتماعياً متعدّد الجوانب، بما حملته من مفاهيم خصبة، وأفكار نابضة بالحياة، فهو _ عليه السلام _ صاحب مدرسة إلهيّة، تارة يعلّم المؤمن كيف يمجّد الله ويقدّسه، وكيف يلج باب التوبة، وكيف يناجيه وينقطع إليه، وأُخرى يسلك به درب التعامل السليم مع المجتمع فيعلّمه أُسلوب البرّ بالوالدين، ويشرح حقوق الوالد، والولد، والاَهل، والاَصدقاء، والجيران، ثمّ يبيّـن فاضل الاَعمال وما يجب أن يلتزم به المسلم في سلوكه الاجتماعي، كلّ ذلك بأُسلوب تعليميّ رائع وبليغ.

وصفوة القول: إنّها كانت أُسلوباً مبتكراً في إيصال الفكر الاِسلامي والمفاهيم الاِسلامية الاَصيلة إلى القلوب الظمأى، والاَفئدة التي تهوى إليها لترتزق من ثمراتها، وتنهل من معينها، فكانت بحقّ عملية تربوية نموذجية من الطراز الاَوّل، أسّسبناءها الاِمامالسجاد _ عليه السلام _ مستلهماًجوانبهامنسيرالاَنبياء وسنن المرسلين(1)

ومن أدعيته _ عليه السلام _ في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة، ومنه:

«اللّهمَّ هذا يوم عرفةَ، يومٌ شرَّفتهُ وكرَّمتهُ وعظَّمتهُ، نَشَـرتَ فيهِ رحمتَكَ، وَمَننتَ فيهِ بعفوك، وأجزلتَ فيهِ عطيتكَ، وتفضَّلتَ بهِ على عبادِك.

اللّهمَّ وأنا عبدك الذي أنعمتَ عليهِ قَبلَ خَلقِكَ لهُ، وبعدَ خَلقِكَ إيّاهُ، فَجَعَلتَهُ مِمَّن هَديتَهُ لدينِكَ، وَوفَّقتَهُ لَِحقّك، وعصمتَهُ بِحَبلِكَ، وأدْخَلتَهُ في حِزبِكَ، وأَرْشَدتَهُ لموالاةِ أوليائِكَ ومعاداةِ أعدائِكَ».


(1) الصحيفة السجّادية الجامعة: 13.

(70)


رسالة الحقوق:

إنّ للاِمام عليّ بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق، أوردها الصدوق في خصاله(1)بسند معتبر، ورواها الحسن بن شعبة في تحف العقول(2) مرسلة، وبين النقلين اختلاف يسير.

وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، يذكر الاِمام فيها حقوق الله سبحانه على الاِنسان، وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج، ثمّ يذكر حقوق الاَفعال، من الصلاة والصوم والحجّ والصدقة والهدي... التي تبلغ خمسين حقّاً، آخرها حقّ الذمّة.

كما روى الحفّاظ وتلاميذ مدرسته أحاديث وحكماً مختلفة جليلة حوَتها بطون الكتب المختلفة، جمع الكثير منها العلاّمة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الاَنوار من مختلف المصادر، فراجع.

شهادته _ عليه السلام _


توفّي بالمدينة عام 95 أو 94هـ، يوم السبت الثاني عشر من محرّم. وقيل الخامس والعشرين منه.


(1) الخصال: 564 ـ 570 في أبواب الخمسين.
(2) تحف العقول: ص 183 ـ 195.

(71)

الاِمام الخامس:

أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر _ عليه السلام _


هو خامس أئمّة أهل البيت الطاهر، المعروف بالباقر، وقد اشتهر به لبقره العلم وتفجيره له. قال ابن منظور في لسان العرب: لقّب به؛ لاَنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسّع فيه(1).

أقوال العلماء فيه _ عليه السلام _

وقال ابن حجر: سمّي بذلك لاَنّه من بقر الاَرض؛ أي شقّها، وإثارة مخبّآتها، ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبّآتها كنوز المعارف وحقائق الاَحكام، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه(2).

وقال ابن كثير: أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وسمّي بالباقر لبقره العلوم، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوّة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدال والخصومات(3).

وقال ابن خلّكان: أبو جعفر محمّد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد


(1) لسان العرب 4: 74.
(2) الصواعق المحرقة: 201.
(3) البداية والنهاية 9: 309.

(72)

الاَئمّة الاثني عشر في اعتقاد الاِماميّة، وهو والد جعفر الصادق. كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر؛ لاَنّه تَبقَّر في العلم؛ أي توسّع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لاَهل التُّقىوخير من لبّى على الاَجبُلِ(1) ولد بالمدينة غرّة رجب سنة 57هـ وقيل 56هـ، وتوفّي في السابع من ذي الحجّة سنة 114هـ، وعمره الشريف 57 سنة. عاش مع جدّه الحسين _ عليه السلام _ 4 سنين، ومع أبيه _ عليه السلام _ بعد جدّه _ عليه السلام _ 39 سنة، وكانت مدة إمامته _ عليه السلام _ 18 سنة(2).

وأمّا النصوص الدالّة على إمامته من أبيه وأجداده والتي ذكرها المحدّثون والمحقّقون من علمائنا الاَعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني ـ رضي الله عنه ـ وغيره.

وقال ابن سعد: محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة، كان عالماً عابداً ثقة، وروى عنه الاَئمّة أبو حنيفة وغيره.

قال أبو يوسف: قلت لاَبي حنيفة: لقيت محمّد بن علي الباقر؟ فقال: نعم وسألته يوماً فقلت له: أراد الله المعاصي؟ فقال: «أفيعصى قهراً»؟ قال أبو حنيفة: فما رأيت جواباً أفحم منه.

وقال عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب، ويعني الحكم بن عيينة، وكان عالماً نبيلاً جليلاً في زمانه.

وذكر المدائني عن جابر بن عبد الله: أنّه أتى أبا جعفر محمّد بن علي إلى الكتّاب وهو صغير فقال له: رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يسلّم عليك، فقيل لجابر: وكيف هذا؟ فقال: كنت جالساً عند رسول الله والحسين في حجره وهو يداعبه فقال: «يا جابر يولد


(1) وفيات الاَعيان 4: 174.
(2) إعلام الورى بأعلام الهدى: 264 ـ265.

(73)

مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده، ثمّ يولد له ولد، اسمه محمّد، فإن أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام».

وذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد نقل القصّة: أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال لجابر: «وإن لاقيته فاعلم أنّ بقاءك في الدنيا قليل» فلم يعش جابر بعد ذلك إلاّ ثلاثة أيّام. ثمّ قال: هذه منقبة من مناقبه باقية على ممر الاَيـّام، وفضيلة شهد له بها الخاصّ والعام(1).

وقال المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين8 في علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ (2).

وروى عنه معالم الدين بقيّة الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وسارت بذكر كلامه الاَخبار وأُنشدت في مدائحه الاَشعار...(3).

قال ابن حجر: صفا قلبه، وزكا علمه وعمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة(4).

مناظراته


وأمّا مناظراته مع المخالفين فحدّث عنها ولا حرج، وقد جمعها العلاّمة الطبرسي في كتاب الاحتجاج(5).


(1) ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 302 ـ 303، الفصول المهمّة: 215 ـ 216.
(2) الارشاد: 262.
(3) الفصول المهمّة: 210 نقله عن إرشاد الشيخ المفيد: 261، فلاحظ.
(4) الصواعق المحرقة 301.
(5) الاحتجاج 2: 54 ـ 69.

(74)

قال الشيخ المفيد في الاِرشاد: وجاءت الاَخبار: أنّ نافع بن الاَزرق(1)جاء إلى محمّد بن عليّ، فجلس بين يديه يسأله عن مسائل الحلال والحرام. فقال له أبو جعفر في عرض كلامه: «قل لهذه المارقة، بم استحللتم فراق أمير المؤمنين، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله بنصرته؟ فسيقولون لك: إنّه حكَّم في دين الله، فقل لهم: قد حكَّم الله تعالى في شريعة نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجلين من خلقه فقال: صفابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يُريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهماش، وحكَّم رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سعد بن معاذ في بني قريـظة فحكم فيهم بما أمضاه الله، أوما علمتم أنَّ أمير المؤمنين إنَّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه، واشترط ردّ ما خالف القرآن في أحكام الرجال، وقال حين قالوا له: حكّمت على نفسك من حكم عليك؟ فقال: ما حكّمت مخلوقاً وإنّما حكّمت كتاب الله. فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن، واشترط ردّ ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان»؟ فقال نافع بن الاَزرق: هذا والله كلام ما مرّ بسمعي قط، ولا خطر منّي ببال، وهو الحقّ إن شاء الله.

ثمّ إنّ الشيعة الاِمامية أخذت كثيراً من الاَحكام الشرعية عنه وعن ولده البارّ جعفر الصادق _ عليه السلام _ وحسب الترتيب المتداول في الكتب الفقهيّة، حيث روي عنه _ عليه السلام _ الكثير من الروايات الفقهيّة التي تناولت مختلف جوانب الحياة، وللاطلاع على ذلك تراجع كتب الفقه وموسوعاته المختلفة.

وأمّا ما روي عنه في الحِكَم والمواعظ، فقد نقلها أبو نعيم الاَصفهاني في حلية الاَولياء، والحسن بن شعبة الحرّاني في تحفه(2).


(1) الارشاد: 265، ولعلّ المناظر هو عبد الله بن نافع بن الاَزرق؛ لاَنّ نافعاً قتل عام 65 من الهجرة وللاِمام عندئذ من العمر دون العشرة، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الاِمام مع عبد الله بن نافع فلاحظ 4: 201.
(2) حلية الاَولياء 3: 180 ـ 235 وفي بعض ما نقل عنه تأمّل ونظر. والحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول: 284 ـ 300.

(75)

وقد توفّي الاِمام محمّد الباقر _ عليه السلام _ عام 114هـ، ودفن في البقيع إلى جنب قبر أبيه، ومن أراد البحث عن فصول حياته في شتّى المجالات فليراجع الموسوعات التي تحفل بها المكتبات العامّة والخاصّة.


(76)

الاِمام السادس:


أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق _ عليه السلام _

هو الاِمام السادس من أئمّة أهل البيت الطاهر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولقّب بالصادق لصدقه في مقاله، وفضله أشهر من أن يذكر.

ولادته وخصائصه _ عليه السلام _

ولد عام 80هـ، وتوفّي عام 148هـ، ودفن في البقيع جنب قبر أبيه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعم جدّه الحسن بن عليّ ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه!(1).

قال محمّد بن طلحة: هو من عظماء أهل البيت وساداتهم، ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة،وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من بحره جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسِّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنّة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّيّة الرسالة. نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الاَئمّة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الاَنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيّوب


(1) وفيات الاَعيان 1: 327 رقم الترجمة 31.

(77)

السجستاني(1)لا وغيرهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها(2).

ذكر أبو القاسم البغّاء في مسند أبي حنيفة: قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سئل: من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمّد، لمّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد، فهيّىَ لي من مسائلك الشداد، فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبوجعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرت به، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لاَبي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ إليّ فجلست، ثمّ التفت إليه فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة. قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألقِ على أبيعبدالله من مسائلك، فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربّما تابعنا وربّما تابعهم، وربّما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على الاَربعين مسألة، فما أخلّ منها بشيء. ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس(3).

عن مالك بن أنس: جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال: إمّا مصلّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأت عين، ولاسمعت أُذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً(4).


(1) في الاَصل أيّوب السختياني والصحيح ما ذكرناه (منه).
(2) كشف الغمّة 2: 368.
(3) بحار الاَنوار 47: 217 ـ 218؛ أسد حيدر، الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة 4: 335 نقلاً عن مناقب أبي حنيفة للمكّي 1: 173؛ جامع مسانيد أبي حنيفة 1: 252؛ تذكرة الحفّاظ للذهبي 1: 157.
(4) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 53 نقلاً عن التهذيب 2: 104 والمجالس السنيّة ج5.

(78)

وعن عمرو بن بحر الجاحظ (مع عدائه لاَهل البيت): جعفر بن محمّد الذي ملاَ الدنيا علمه و فقهه، ويقال: إنّ أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب(1).

مناقبه _ عليه السلام _

وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدّ الحاصر، ويَحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الاَحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الاَفهام عن الاِحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه(2).

وقال ابن الصبّاغ المالكي: كان جعفر الصادق _ عليه السلام _ من بين إخوته خليفة أبيه، ووصيّه، والقائم بالاِمامة من بعده، برز على جماعة بالفضل، وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في البلدان، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقلوا عنه من الحديث.

إنّك إذا تتبّعت كتب التاريخ والتراجم والسير تقف على نظير هذه الكلمات وأشباهها، كلّها تعرب عن اتّفاق الاَُمّة على إمامته في العلم والقيادة الروحيّة، وإن اختلفوا في كونه إماماً منصوصاً من قبل الله عزّ وجلّ، فذهبت الشيعة إلى الثاني نظراً إلى النصوص المتواترة المذكورة في مظانّها(3).


(1) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 55 نقلاً عن رسائل الجاحظ: 106.
(2) كشف الغمّة 2: 368.
(3) لاحظ الكافي 1: 306 ـ 307.

(79)

حياته العلميّة _ عليه السلام _


ولقد امتدّ عصر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83هـ إلى سنة 148هـ. فقد أدرك طرفاً كبيراً من العصر الاَُموي، وعاصر كثيراً من ملوكهم، وشاهد من حكمهم أعنف أشكاله، وقضى سنوات عمره الاَُولى حتّى الحادية عشرة من عمره مع جدّه زين العابدين، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر ونشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما وتنمو مواهبه وتربّى تربيته الدينية، وتخرّج من تلك المدرسة الجامعة فاختصّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114هـ، واتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلميّة في المدينة ومكّة والكوفة وغيرها من الاَقطار الاِسلامية.

وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الاِمام بظهور الحركات الفكريّة، ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الاِسلامي، وأهمها عنده هي حركة الغلاة الهدّامة، الذين تطلّعت رؤوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بثّ روح التفرقة بين المسلمين، وترعرت بنات أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الاِسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بثّ تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الاِسلامي، فكانوا يبثّون الاَحاديث الكاذبة ويسندونها إلى حملة العلم من آلمحمد، ليغروا بها العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي الاتصال بأبي جعفر الباقر ويروي عنه الاَحاديث المكذوبة، فأعلن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ كذبه والبراءة منه، وأعطي لاَصحابه قاعدة في الاَحاديث التي تروي عنه، فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة».

ثمّ إنّ الاِمام قام بهداية الاَُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء


(80)

والاَفكار، واشتعلت فيه نار الحرب بين الاَُمويين ومعارضيهم من العباسيين، ففي تلك الظروف الصعبة والقاسية استغلّ الاِمام الفرصة فنشر من أحاديث جدّه، وعلوم آبائه ما سارت به الركبان، وتربّى على يديه آلاف من المحدّثين والفقهاء. ولقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات ـ على اختلاف آرائهم ومقالاتهم ـ فكانوا أربعـة آلاف رجل(1). وهذه سمة امتاز بها الاِمام الصادق عن غيره من الاَئمّة ـ عليه و عليهم السلام ـ.

إنّ الاِمام _ عليه السلام _ شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _بعد الغفلة التي استمرّت إلى عام 143هـ(2)حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف وتسرّبت إلى السنّة، العديد من الروايات الاسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الاِسلام من الصليبيين والمجوس، بالاِضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء السلطة ومرتزقة البلاط الاَُموي.

ومن هنا فقد وجد الاِمام _ عليه السلام _ أنّ أمر السنّة النبويّة قد بدأ يأخذ اتّجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد _ عليه السلام _ للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة، وتفنيد الآراء الدخيلة على الاِسلام والتي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم.

إنّ تلك الفترة كوّنت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبويّة، وخلطاً فاضحاً في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الاِمام _ عليه السلام _ كان بحقّ سفينة النجاة من هذا المعترك العسر.

إنّ علوم أهل البيت: متوارثة عن جدّهم المصطفى محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _، الذي أخذها عن الله تعالى بواسطة الاَمين جبرئيل _ عليه السلام _، فلا غرو أن تجد الاَُمّة ضالّتها فيهم:،


(1) الارشاد: 270، المناقب لابن شهر آشوب 4: 257.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ـ خلافة المنصور الدوانيقي، فقد حدّد تاريخ التدوين بسنة 143هـ.

(81)

وتجد مرفأ الاَمان في هذه اللجج العظيمة، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلّ يحدّث عن مجاهيل ونكرات ورموز ضعيفة ومطعونة، أو أسانيد مشوّشة، تجد أنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام _ يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب، وحديث عليّ حديث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ».

بيد أنّ ما يثير العجب أن تجد من يعرض عن دوحة النبوّة إلى رجال قد كانوا وبالاً على الاِسلام وأهله، وتلك وصمة عار وتقصير لا عذر فيه خصوصاً في صحيح البخاري.

فالاِمام البخاري مثلاً يروي ويحتج بمثل مروان بن الحكم، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم، ويعرض عن الرواية عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _!!

أمّا الاَوّل: فهو الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين على لسان رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأمّا الثاني: فهو الخارجي المعروف الذي أثني على ابن ملجم بشعره لا بشعوره، وأمّا الثالث: فكان ينتقص عليّاً وينال منه، ولست أدري لمَ هذا الاَمر؟ إنّه مجرد تساؤل.

إنّ للاِمام الصادق وراء ما نشر عنه من الاَحاديث في الاَحكام التي تتجاوز عشرات الآلاف، مناظرات مع الزنادقة والملحدين في عصره، والمتقشّفين من الصوفيّة، ضبط المحقّقون كثيراً منها، وهيفي حد ذاتها ثروة علميّة تركها الاِمام _ عليه السلام _، وأمّا الرواية عنه في الاَحكام فقد روى عنه أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث.

حتّى أنّ الحسن بن عليّ الوشّاء قال: أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمّد(1).


(1) الرجال للنجاشي: 139 برقم 79.

(82)

وأمّا ما أُثر عنه من المعارف والعقائد فحدّث عنها ولا حرج، ولا يسعنا نقل حتى القليل منها، ومن أراد فليرجع إلى مظانّـها(1).

يقول «سيد أمير علي» بعد النقاش حول الفرق المذهبيّة والفلسفيّة في عصر الاِمام:

«ولم تتخذ الآراء الدينيّة اتّجاهاً فلسفياً إلاّ عند الفاطميّين، ذلك أنّ انتشار العلم في ذلك الحين أطلق روح البحث والاستقصاء، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامّة في كلّ مجتمع من المجتمعات، والجدير بالذكر أنّ زعامة تلك الحركة الفكريّة إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة، والتي أسّسها حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالاِمام جعفر والملقّب بالصادق، وكان رجلاً بحّاثة ومفكّراً كبيراً جيد الاِلمام بعلوم ذلك العصر، ويعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفيّة الرئيسيّة في الاِسلام.

ولم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهيّة فحسب(2) بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاّب الفلسفة من الاَنحاء القصيّة، وكان الاِمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفيّة في مدينة البصرة، وواصل بن عطاء مؤسّس مذهب المعتزلة من تلاميذه، الذين نهلوا من معين علمه الفيّاض وقد عرف واصل والاِمام العلوي بدعوتهما إلى حرية إرادة الانسان...(3).

وأمّا حِكَمه وقصار كلمه، فلاحظ تحف العقول، وأمّا رسائله فكثيرة منها رسالته إلى النجاشي والي الاَهواز، ومنها: رسالته في شرائع الدين نقلها الصدوق في الخصال، ومنها: ما أملاه في التوحيد للمفضّل بن عمر، إلى غير ذلك من


(1) الاحتجاج 2: 69 ـ 155، التوحيد للصدوق، وقد بسطها على أبواب مختلفة.
(2) كأبي حنيفة ومالك.
(3) مختصر تاريخ العرب، تعريب: عفيف البعلبكي: 193.

(83)

الرسائل التي رسمها بخطّه(1).

نتف من أقواله

ونقتطف من وصاياه وكلماته الغزيرة وصية واحدة وهي وصيته لسفيان الثوري:

«الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وترك حديث لم تُرْوَه(2)، أفضل من روايتك حديثاً لم تحصِه».

«إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه»(3).

من أقوال العلماء المحدِّثين فيه _ عليه السلام _


ونختم هذا البحث بما قاله أبو زهرة في هذا المجال:

إنّ للاِمام الصادق فضل السبق، وله على الاَكابر فضل خاصّ، فقد كان أبوحنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الاِمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، وكان له فضل الاَُستاذية على أبيحنيفة فحسبه ذلك فضلاً.

وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري، وكثير من التابعين،


(1) ولقد جمع أسماء هذه الرسائل السيّد الاَمين في أعيانه 1: 668.
(2) أي لم تروه عن طريق صحيح، والفعل مبني للمجهول.
(3) اليعقوبي، التاريخ 3: 115.

(84)

وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممّن جعل الله له الشرف الذاتي والشرف الاِضافي بكريم النسب، والقرابة الهاشمية، والعترة المحمّديّة(1).

وبما كتبه الاَُستاذ أسد حيدر إذ قال:

كان يؤمّ مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الاَقطار النائية، لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة، والبصرة، وواسط، والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها، ومن كلّ قبيلة من بني أسدّ، ومخارق، وطي، وسليم، وغطفان، وغفار، والاَزد، وخزاعة، وخثعم، ومخزوم، وبني ضبة، ومن قريش، ولا سيّما بني الحارث بن عبد المطلب، وبني الحسن بن الحسن بن عليّ(2).

وفاته

ولمّا توفّي الاِمام شيّعه عامّة الناس في المدينة، وحُمِل إلى البقيع، ودفن في جوار أبيه وجدّه8، وقد أنشد فيه أبو هريرة العجلي قوله:

أقول وقد راحوا به يحملونه * على كاهل من حامليه وعاتقِ

أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى * ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهقِ

غداة حثا، الحاثون فوق ضريحه * تراباً وأولى كان فوق المفارقِ

فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.


(1) محمد أبو زهرة، الاِمام الصادق: 30.
(2) أسد حيدر، الاِمام الصادق 1: 38 نقلاً عن كتاب جعفر بن محمد، لسيد الاَهل.


(85)

الاِمام السابع: الكاظم _ عليه السلام _

ولادته _ عليه السلام _


ولد بالاَبواء بين مكة والمدينة يوم الاَحد في 7 صفر سنة 128هـ.

إمامته _ عليه السلام _


كان _ عليه السلام _ نموذج عصره، وفريد دهره، جليل القدر، عظيم المنزلة، مهيب الطلعة، كثير التعبّد، يطوي ليله قائماً ونهاره صائماً، عظيم الحلم، شديد التجاوز، حتّى سمّي لذلك كاظماً، لاقى من المحن ما تنهدّ لهولها الجبال فلم تحرّك منه طرفاً، بل كان _ عليه السلام _ صابراً محتسباً كحال آبائه وأجداده:.

يُعرَف بأسماء عديدة منها: العبد الصالح، والكاظم، والصابر، والاَمين.

قال ابن الصباغ: روى عبد الاَعلى عن الفيض بن المختار قال: قلت لاَبيعبدالله جعفر الصادق _ عليه السلام _: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ فدخل موسى الكاظم وهو يومئذ غلام، فقال (أي الصادق _ عليه السلام _): «هذا صاحبكم فتمسّك به»(1).

قال الشيخ المفيد: هو الاِمام بعد أبيه، والمقدّم على جميع بنيه؛ لاجتماع خصال


(1) الفصول المهمّة: 231.

(86)

الفضل فيه، وورود صحيح النصوص وجليّ الاَقوال عليه من أبيه بأنّه وليّ عهده والاِمام القائم من بعده(1).

وقد تولّى منصب الاِمامة بعد أبيه الصادق _ عليه السلام _ في وقت شهدت فيه الدولة العبّاسية استقرار أركانها وثبات بنيانها، فتنكّرت للشعار الذي كانت تنادي به من الدعوة لآل محمد ـ عليه و عليهم السلام ـ فالتفتت إلى الوارث الشرعي لشجرة النبوّة مشهرة سيف العداء له ولشيعته تلافياً من تعاظم نفوذه أن يؤتي على أركان دولتهم وينقضها، فشهد الاِمام الكاظم _ عليه السلام _ طيلة سنيّ حياته صنوف التضييق والمزاحمة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه _ عليه السلام _ من أن يؤدّي رسالته في حماية الدين وقيادة الاَُمّة، فعرفه المسلمون آية من آيات العلم والشجاعة، ومعيناً لا ينضب من الحلم والكرم والسخاء، ونموذجاً عظيماً لا يدانى في التعبّد والزهد والخوف من الله تعالى.

جوانب من سيرته العطرة _ عليه السلام _


ولقد أفرد الباحثون والمحقّقون مصنّفات كثيرة في سيرة هذا الاِمام العظيم، كفتنا عن التعرّض لها هنا في هذه العجالة، إلاّ أنّنا سنحاول في هذه الصفحات التعرّض لجوانب مختارة من تلك السيرة العطرة:

1 ـ روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده قال: حجّ هارون الرشيد فأتى قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زائراً، وحوله قريش ومعه موسى بن جعفر، فلمّا انتهى إلى القبر قال: السلام عليك يا رسول الله يا بن عمّي ـ افتخاراً على من حوله ـ فدنا موسى بن


(1) لاحظ للوقوف على تلك النصوص الكافي 1: 307 ـ 311، إثبات الهداة 3: 156 ـ 170 فقد نقل في الاَخير 60 نصّاً على إمامته.

(87)

جعفر فقال: «السلام عليك يا أبة» فتغيّـر وجه الرشيد وقال: هذا الفخر يا أباالحسن حقّاً!(1).

2 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الاَبرار: أنّ هارون كان يقول لموسى بن جعفر: يا أباالحسن خذ فدكاً(2)حتّى أردّها عليك، فيأبى، حتى ألحّ عليه فقال: «لا آخذها إلاّ بحدودها» قال: وما حدودها؟ قال: «يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردّها»، قال: بحقّ جدّك إلاّ فعلت، قال: «أمّا الحدّ الاَوّل فعدن» فتغيّـر وجه الرشيد وقال: هيـه، قـال: «والحدّ الثاني سمرقند» فأربد وجهه، قال: «والحدّ الثالث إفريقية» فاسودّ وجهه وقال: هيه، قال: «والرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وإرمينية»، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل في مجلسي، قال موسى _ عليه السلام _: «قد أعلمتك أنّي إن حددتها لم تردّها».

فعند ذلك عزم على قتله(3).

3 ـ كان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثمّ يعقّب حتّى تطلع الشمس ويخرّ لله ساجداً، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد حتّى يقرب زوال الشمس.

كان يدعو كثيراً فيقول: «اللّهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب»، ويكرّر ذلك.


(1) وفيات الاَعيان 5: 309.
(2) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، أفاءها الله تعالى على رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلحاً سنة سبع من الهجرة، وأعطاها رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين3، وكانت ملكاً لها في حياته تستفيد من خيراتها، إلاّ أنّ أبا بكر حرمها منها، فاغتاظت منه الزهراء وحاججته في ذلك الاَمر لكنّه أبى، وبقيت فدك هكذا حتى ردّها الخليفة الاَُموي عمر بن عبد العزيز إلى أبناء فاطمة3 ثمّ نزعها منهم يزيد ابن عبد الملك، فلم تزل في أيدي الاَُمويين حتى ولي العباسيون فدفعها أبو العباس السفاح إلى الحسن ابن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، ثمّ أخذها المنصور، ثمّ أعادها ولده المهدي، ثمّ أخذها موسى الهادي، إلى أن ولي المأمون فأعادها إليهم.
(3) ربيع الاَبرار 1: 315.

(88)

وكان من دعائه _ عليه السلام _: «عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك».

وكان يبكي من خشية الله حتّى تخضل لحيته بالدموع.

وكان أوصل الناس لاَهله ورحمه.

وكان يتفقّد فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والاَدقة والتمور، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أيّة جهة هو(1).

4 ـ في تحف العقول للحسن بن عليّ بن شعبة: قال أبو حنيفة: حججت في أيام أبي عبد الله الصادق _ عليه السلام _ فلمّـا أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه، إذ خرج صبي فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال: «على رسلك»، ثمّ جلس مستنداً إلى الحائط، ثمّ قال: «توقّ شطوط الاَنهار، ومساقط الثمار، وأفنية المساجد، وقارعة الطريق، وتوار خلف جدار، وشل ثوبك، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وضع حيث شئت» فأعجبني ما سمعت من الصبيّ فقلت له: ما اسمك؟ فقال: «أنا موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبيطالب» فقلت له: يا غلام ممّن المعصية؟ فقال: «إنّ السيّئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إمّا أن تكون من الله وليست من العبد؛ فلا ينبغي للربّ أن يعذّب العبد على ما لا يرتكب، وإمّا أن تكون منه ومن العبد ـ وليست كذلك ـ فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم الشريك الضعيف، وإمّا أن تكون من العبدـوهي منه ـ فإن عفا فكرمه وجوده، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته».

قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت.

وروى ابن شهر آشوب في المناقب نحوه إلاّ أنّه قال: «يتوارى خلف الجدار ويتوقّى أعين الجار»، وقال: فلمّـا سمعت هذا القول منه نبل في عيني، وعظم في


(1) الاِرشاد: 296.

(89)

قلبي. وقال في آخر الحديث: فقلت: (ذرّية بعضها من بعض )(1).(2)

5 ـ روى أبو الفرج الاَصفهاني: حدّثنا يحيى بن الحسن قال: كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير. وكانت صراره ما بين الثلاثمائة وإلى المائتين دينار، فكانت صرار موسى مثلاً.

وقال: إنّ رجلاً من آل عمر بن الخطّاب كان يشتم عليّ بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر، ويؤذيه إذا لقيه، فقال له بعض مواليه وشيعته: دعنا نقتله، فقال: «لا» ثمّ مضى راكباً حتّى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره، فصاح: لا تدس زرعنا.

فلم يصغ إليه وأقبل حتّى نزل عنده، فجلس معه وجعل يضاحكه، وقال له: «كم غرمت على زرعك هذا»؟ قال: مائة درهم. قال: «كم ترجو أن تربح»؟ قال: لا أدري. قال: «إنّما سألتك كم ترجو». قال: مائة أُخرى. قال: فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبه له، فقام فقبّل رأسه، فلمّـا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه وجعل يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

وكان بعد ذلك كلّما دخل موسى خرج وسلّم عليه ويقوم له، فقال موسى لجلسائه الذين طلبوا قتله: «أيّما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت»(3).

6 ـ حكي أنّ الرشيد سأله يوماً: كيف قلتم: نحن ذرّية رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنتم بنو عليّ، وإنّما ينسب الرجل إلى جدّه لاَبيه دون جدّه لاَُمّه؟ فقال الكاظم _ عليه السلام _: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيَْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى)


(1) آل عمران: 34.
(2) تحف العقول 303، المناقب لابن شهر آشوب 4: 314.
(3) مقاتل الطالبيين: 499 ـ 500؛ تاريخ بغداد 28.

(90)

وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ... ) وليس لعيسى أب إنّما أُلحق بذريّة الاَنبياء من قبل أُمّه، وكذلك أُلحقنا بذريّة النبيّ من قبل أُمّنا فاطمة الزهراء، وزيادة أُخرى يا أميرالمؤمنين: قال الله عزّ وجلّ: (فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعدِ ما جاءَك مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأنْفُسنَا وأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ... ) ولم يدع _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عند مباهلة النصارى غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين وهما الاَبناء»(1).

7 ـ أمّا علمه والحديث عنه فقد روى عنه العلماء في فنون العلم ما ملاَ الكتب، وكان يعرف بين الرواة بالعالم. وقد روى الناس عنه فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله(2).

وفاته:

وقد اتفقت كلمة المؤرّخين على أنّ هارون الرشيد قام باعتقال الاِمام الكاظم _ عليه السلام _ وإيداعه السجن لسنين طويلة مع تأكيده على سجّانيه بالتشديد والتضييق عليه.

قال ابن كثير: فلمّا طال سجن الاِمام الكاظم _ عليه السلام _ كتب إلى الرشيد: «أمّا بعد يا أمير المؤمنين إنّه لم ينقض عنّي يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون»(3).

ولم يزل ذلك الاَمر بالاِمام _ عليه السلام _، يُنقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الاَمر إلى سجن السندي بن شاهك(4)، وكان فاجراً فاسقاً، لا يتورّع عن أي شيء تملّقاً


(1) الفصول المهمّة: 238، والآيتان من سورتي الاَنعام 84، وآل عمران61.
(2) المفيد، الاِرشاد: 298، ولاحظ جوانب من حكمه ووصاياه في الكافي 1: 13 ـ 20، تحف العقول: 283.
(3) البداية والنهاية 10: 183.
(4) قال أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين: 502: لمّا اعتقل الرشيد الاِمام الكاظم _ عليه السلام _ أمر بإرساله إلى البصرة ليسجن عند عيسى بن جعفر المنصور، وكان على البصرة حينئذ، فحبس عنده سنة، ثمّ كتب إلى الرشيد: أن خذه منّي وسلّمه إلى من شئت، وإلاّ خلّيت سبيله، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة فما أقدر على ذلك، حتّى أنّي لاَتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليَّ أو عليك، فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه، يسأل الله الرحمة والمغفرة.
فوجّه الرشيد من تسلّمه، وحبسه عند الفضل بن الربيع في بغداد، فبقي عنده مدة طويلة، ثمّ كتب إليه ليسلّمه إلى الفضل بن يحيى، فتسلّمه منه، وطلب منه أن يعمد إلى قتل الاِمام كما طلب من عيسى بن جعفر فلم يفعل، بل عمد إلى إكرام الاِمام _ عليه السلام _ والاحتفاء به، ولما بلغ الرشيد ذلك أمر به أن يجلد مائة سوط، ثمّ أخذ الاِمام منه وسلّمه إلى السندي بن شاهك لعنه الله، وكانت نهاية حياة الاِمام الطاهرة على يده الفاجرة.

(91)

ومداهنة للسلطان، فغالى في سجن الاِمام _ عليه السلام _ وزاد في تقييده حتّى جاء أمر الرشيد بدسّ السمّ للكاظم _ عليه السلام _، فأسرع السندي إلى إنفاذ هذا الاَمر العظيم، واستشهد الاِمام _ عليه السلام _ بعد طول سجن ومعاناة في عام 183هـ.

ولمّا كان الرشيد يخشى ردّة فعل المسلمين عند انتشار خبر استشهاد الاِمام _ عليه السلام _، لذا عمد إلى حيلة ماكرة للتنصّل من تبعة هذا الاَمر الجلل، فقد ذكر أبوالفرج الاصفهاني وغيره(1): أنّ الاِمام الكاظم لما توفّي مسموماً أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد، وفيهم الهيثم بن عديّ وغيره ليشهدوا على أنّه مات حتف أنفه دون فعل من الرشيد وجلاوزته، ولما شهدوا على ذلك أُخرج بجثمانه الطاهر ووضع على الجسر ببغداد ونودي بوفاته. ودفن في بغداد في الجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش المشهورة في أيامنا هذه بالكاظمية.

فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد سجيناً مظلوماً مسموماً، ويوم يبعث حيّاً.


(1) مقاتل الطالبيين: 504.

(92)

الاِمام الثامن:


أبوالحسن عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _


ولادته _ عليه السلام _


ولد في المدينة سنة 148هـ.

إمامته _ عليه السلام _


هو الاِمام الثامن من أئمّة أهل البيت:، القائم بالاِمامة بعد أبيه موسى بن جعفر8 لفضله على جماعة أهل بيته وبنيه وإخوته في عصره، ولعلمه وورعه وكفاءته لمنصب الاِمامة، مضافاً إلى النصوص الواردة في حقّه من أبيه على إمامته(1). وكانت مدة إمامته بعد أبيه 02 سنة(2).

أقوال العلماء فيه _ عليه السلام _


قال الواقدي: عليّ بن موسى، سمع الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم، وكان


(1) لاحظ للوقوف على النصوص الكافي 1: 311 ـ 319، الاِرشاد: 304 ـ 305، إثبات الهداة 3: 228 روي فيه 68 نصاً على إمامته.
(2) الاِرشاد: 304.

(93)

ثقة يفتي بمسجد رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _وهو ابن نيف وعشرين سنة، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة(1).

قال الشيخ كمال الدين بن طلحة: ومن أمعن نظره وفكره، وجده في الحقيقة وارثهما (المراد عليّ بن أبي طالب وعليّ بن الحسين8) نما إيمانه، وعلا شأنه، وارتفعت مكانته، وكثر أعوانه، وظهر برهانه، حتّى أدخله الخليفة المأمون محلّ مهجته، وأشركه في مملكته، وفوّض إليه أمر خلافته، وعقد له على رؤوس الاَشهاد عقد نكاح ابنته، وكانت مناقبه عليّة، وصفاته ثنيّة، ونفسه الشريفة زكيّة هاشميّة، وأرومته النبوية كريمة(2).

وقد عاش الاِمام الرضا _ عليه السلام _ في عصر ازدهرت فيه الحضارة الاِسلامية، وكثرت الترجمة لكتب اليونانيين والرومانيين وغيرهم، وازداد التشكيك في الاَُصول والعقائد من قبل الملاحدة وأحبار اليهود، وبطارقة النصارى، ومجسّمة أهل الحديث.

وفي تلك الاَزمنة أُتيحت له _ عليه السلام _ فرصة المناظرة مع المخالفين على اختلاف مذاهبهم، فظهر برهانه وعلا شأنه. يقف على ذلك من اطّلع على مناظراته واحتجاجاته مع هؤلاء(3).

ولاَجل إيقاف القارىَ على نماذج من احتجاجاته نذكر ما يلي:

دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا _ عليه السلام _ فقال: روينا أنّ الله قسَّم الرؤية والكلام بين نبيَّين، فقسم لموسى _ عليه السلام _ الكلام ولمحمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _الرؤية.

فقال أبو الحسن _ عليه السلام _: «فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجنّ والاِنس: أنّه


(1) تذكرة الخواص: 315.
(2) الفصول المهمّة: 243 نقلاً عن مطالب السؤول.
(3) لقد جمع الشيخ الطبرسي قسماً من هذه الاحتجاجات في كتابه الاحتجاج 2: 170 ـ 237.

(94)

(لاتدركه الاَبصار )(1)، و (لا يحيطون به علماً )(2)، و (ليس كمثله شىء )(3)، أليس محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _»؟ قال: بلى.

قال: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله، فيقول: (لا تدركه الاَبصار ) ، و (لا يحيطون به علماً ) ، و (ليس كمثله شيء )، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يأتي من عند الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».

قال أبو قرّة: فإنّه يقول: (ولَقَدْ رَآهُ نزلةً أُخرى )(4).

قال أبو الحسن _ عليه السلام _: «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤادُ ما رأى )(5)يقول: ما كذب فؤاد محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى )(6)فآيات الله غير الله، وقال: «لايُحيطون بِهِ عِلْماً» فإذا رأته الاَبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة».

فقال أبو قرة: فتكذّب بالرواية؟

فقال أبو الحسن: «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمعالمسلمون عليه: أنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الاَبصار، وليس


(1) الانعام: 103.
(2) طه: 110.
(3) الشورى: 11
(4) النجم: 13.
(5) النجم: 11.
(6) النجم: 18.

(95)

كمثلهشيء»(1).

ولما انتشر علم الاِمام وفضله، أخذت الاَفئدة والقلوب تشدّ إليه، وفي الاَُمّة الاِسلامية رجال واعون يميزون الحق من الباطل، فكثر التفاف المسلمين حول الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وازدادت أعدادهم، ممّا دفع بالخلافة العباسية إلى محاولة سحب البساط من تحت رجلي الاِمام _ عليه السلام _ وأعوانه قبل أن تستفحل الاَُمور ويصعب السيطرة على الموقف بعدها، فلجأ المأمون إلى مناورة ذكيّة ماكرة استطاع من خلالها قلب تيار الاَحداث لصالحه، حيث استقدم الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وجملة من وجوه الطالبيين إلى مقر الحكومة آنذاك في مرو من مدينة رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، معزّزين مكرّمين حتّى أنزلوهم إلى جوار مقر الخلافة ريثما يلتقي المأمون بالاِمام عليّ ابنموسى8.

الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وولاية العهد

وما كان من المأمون إلاّ أن بعث إلى الاِمام الرضا _ عليه السلام _ قبل اجتماعه به: إنّي أُريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأُقلّدك إيّاها فما رأيك؟ فأنكر الرضا _ عليه السلام _ هذا الاَمر وقال له: «أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد» فردّ عليه الرسالة: فإذا أبيت ما عرضت عليك فلابد من ولاية العهد بعدي، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً.

فاستدعاه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرياستين ـ ليس في المجلس غيرهم ـ وقال له: إنّي قد رأيت أن أُقلّدك أمر المسلمين وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك.


(1) الاحتجاج للطبرسي 2: 184.

(96)

فقال له الرضا _ عليه السلام _: «الله الله يا أمير المؤمنين إنّه لا طاقة لي بذلك ولا قوّة لي عليه».

قال له: فإنّي موليك العهد من بعدي.

فقال له: «أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين».

فقال له المأمون ـ كلاماً فيه التهديد له على الامتناع عليه وقال في كلامه ـ: إنّ عمر بن الخطّاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين _ عليه السلام _ وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولابد من قبولك ما أُريد منك فإنّي لا أجد محيصاً عنه.

فقال له الرضا _ عليه السلام _: «فإنّي أُجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنّني لا آمر، ولا أنهى، ولا أفتي، ولا أقضي، ولا أُولي، ولا أعزل، ولا أُغير شيئاً ممّا هو قائم» فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه(1).

أقول: ليس بخاف على ذي لبّ مغزى إصرار المأمون على تولية الاِمام الرضا _ عليه السلام _ لمنصب ولاية العهد، وتبدو هذه الصورة واضحة عند استقراء الاَحداث التي سبقت أو رافقت هذه المؤامرة المحكمة.

فعندما قدّم هارون الرشيد ولده الاَمين رغم إقراره ومعرفته بقوّة شخصيّة المأمون وذكائه قياساً بأخيه المدلّل الذي لا يشفع له إلاّ مكانة أُمّه زبيدة الحاكمة في قصر الرشيد، كان يعني ذلك إيذاناً بقيام الفتنة التي حصلت من بعد وراح ضحيتها عشرات الاَُلوف وعلى رأسهم الاَمين الذي وقف العباسيون إلى صفّه وقاتلوا معه، ولما انتقلت السلطة بأكملها إلى المأمون المستقرّ في خراسان والمدعوم بأهلها آنذاك، فقد واجه خطر نقمة أكثر العباسيين وعدائهم له وتحيّنهم الفرص السانحة للانقضاض عليه وعلى حكمه.


(1) الاِرشاد: 310.

(97)

وفي الجانب الآخر كان الشيعة في كلّ مكان يرفضون ويناصبون الخلافة العباسية العداء نتيجة سوء صنيعهم وظلمهم للعلويين ولآل البيت خاصة، والذين يؤلف شيعة خراسان جانباً مهماً منهم.

وكان في أوّل سنة لخلافة المأمون أن خرج السري بن منصور الشيباني المعروف بأبي السرايا في الكوفة منادياً بالدعوة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي _ عليه السلام _ حيث بايعه عامّة الناس على ذلك.

وفي المدينة خرج محمد بن سليمان بن داود بن الحسن، وفي البصرة عليّ بن محمد بن جعفر بن عليّ بن الحسين وزيد بن موسى بن جعفر الملقّب بزيد النار، وفي اليمن إبراهيم بن موسى، ومن ثمّ فقد ظهر في المدينة أيضاً الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين المعروف بالاَفطس.

وهكذا فقد اندلعت في أنحاء الدولة الكثير من الثورات تناصرها الآلاف من الناس الذين ذاقوا الاَمرّين من حكم الطواغيت والظلمة.

وهكذا فقد أدرك المأمون مدى تأزّم الموقف، وتخلخل وضع الحكومة آنذاك، فلم يجد بداً من تظاهره أمام الرأي العام الشيعي ـ الذي كان من أقوى التيّارات المؤهلة للاِطاحة بالخلافة العباسية دون أيّ شكّ ـ بتنازله عن الخلافة ـ التي قتل أخاه من أجلها ـ إلى الاِمام الرضا _ عليه السلام _ إمام الشيعة وقائدهم.

وهكذا فبعد قبول علي بن موسى الرضا8 ولاية العهد قام بين يديه الخطباء والشعراء، فخفقت الاَلوية على رأسه، وكان فيمن ورد عليه من الشعراء دعبل بن عليّ الخزاعيّ، فلمّـا دخل عليه قال: قلت قصيدة وجعلت على نفسي أن لاأنشدها أحداً قبلك، فأمره بالجلوس حتى خفّ مجلسه ثمّ قال له: «هاتها» فأنشد قصيدته المعروفة:

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصاتِ


(98)

لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالركن والتعريف والجمراتِ

ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفناتِ

ديار عفاها كلّ جون مبادر * ولم تعف للاَيّام والسنواتِ

إلى أن قال:

قبور بكوفان وأُخرى بطيبة * وأُخرى بفخ نالها صلواتي

وقبر ببغداد لنفس زكيّة * تضمّنها الرحمن بالغرفاتِ

فأمّا المصمّات التي لست بالغاً * مبالغها منّي بكنه صفاتِ

إلى الحشر حتّى يبعث الله قائماً * يفرّج منها الهمّ والكربات

إلى أن قال:

ألم تر أنّي مذ ثلاثين حجّة * أروح وأغدو دائم الحسرات؟

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً * وأيديهم من فيئهم صفرات

إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم * أكفّاً من الاَوتار منقبضات

حتّى أتى على آخرها، فلمّـا فرغ من إنشادها قام الرضا _ عليه السلام _ فدخل إلى حجرته وأنفذ إليه صُـرّة فيها مائة دينار واعتذر إليه، فردّها دعبل وقال: والله ما لهذا جئت، وإنّما جئت للسلام عليك والتبرّك بالنظر إلى وجهك الميمون، وإنّي لفي غنى، فإن رأيت أن تعطيَني شيئاً من ثيابك للتبرّك فهو أحب إليَّ. فأعطاه الرضا جبّة خز وردّ عليه الصرّة(1).


(1) الفصول المهمّة: 246، الاِرشاد: 316، الاَغاني 18: 58؛ زهر الآداب 1: 86، معاهد التنصيص 1: 205، الاتحاف: 165، تاريخ دمشق 5: 234 وللقصّة صلة ومن أراد فليرجع إلى المصادر المذكورة.

(99)

الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وصلاة العيد

كان الاِمام في مرو يقصده البعيد والقريب من مختلف الطبقات وقد انتشر صيته في بقاع الاَرض، وعظم تعلّق المسلمين به، ممّا أثار مخاوف المأمون وتوجّسه من أن ينفلت زمام الاَمر من يديه على عكس ما كان يتمنّاه، وما كان يبتغيه من ولاية العهد هذه، وقوي ذلك الظن أنّ المأمون بعث إليه يوم العيد في أن يصلّـي بالناس ويخطب فيهم فأجابه الرضا _ عليه السلام _: «إنّك قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الاَمر، فاعفني من الصلاة بالناس». فقال له المأمون: إنّما أُريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضلك.

ولم تزل الرسل تتردّد بينهما في ذلك، فلمّـا ألحّ عليه المأمون، أرسل إليه الرضا: «إن أعفيتني فهو أحبّ إليّ وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله وأمير المؤمنين _ عليه السلام _» فقال له المأمون: اخرج كيف شئت. وأمر القوّاد والحجاب والناس أن يبكروا إلى باب الرضا _ عليه السلام _.

قال: فقعد الناس لاَبي الحسن _ عليه السلام _ في الطرقات والسطوح، واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه، فاغتسل أبو الحسن ولبس ثيابه وتعمّم بعمامةٍ بيضاء من قطنٍ، ألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفه، ومسّ شيئاً من الطيب، وأخذ بيده عكازة وقال لمواليه: «افعلوا مثل ما فعلت» فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة، فمشي قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّـر وكبّـر مواليه معه، فلمّـا رآه الجند والقوّاد سقطوا كلّهم عن الدوابّ إلى الاَرض، ثمّ كبّر وكبّر الناس، فخيّل إلى الناس أنّ السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لمّا رأوا الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وسمعوا تكبيره، فبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا


(100)

السبيل فتن به الناس، وخفنا كلّنا على دمائنا، فأنفذ إليه أن يرجع. فأرسل إليه من يطلب منه العودة، فرجع الرضا _ عليه السلام _ واختلف أمر الناس في ذلك اليوم(1).

وقد أشار الشاعر البحتري إلى تلك القصّة بأبيات منها:

ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا * لما طلعت من الصفوف وكبّروا

حتّى انتهيت إلى المصلّى لابساً * نور الهدى يبدو عليك فيظهر

ومشيت مشية خاشع متواضع * لله لا يزهي ولا يتكبّر(2)

إنّ هذا وأمثاله، وبالاَخصّ خروج بعض العباسيّين بالبصرة على المأمون؛ لتفويضه ولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا الذي كان في تصوّره سيؤدي إلى خروج الاَمر من بيت العباسيين، كل ذلك وغيره دفع المأمون إلى أن يريح نفسه وقومه من هذا الخطر فدسّ إليه السم على النحو المذكور في كتب التاريخ.

من شعر أبي نؤاس فيه _ عليه السلام _


ومن لطيف ما نقل عن أبي نؤاس أنّه كان ينشد الشعر في كلّ جليل وطفيف ولم يمدح الاِمام، ولما عوتب على ذلك من قبل بعض أصحابه حيث قال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنى إلاّ قلت فيه شيئاً، وهذا عليّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً! فقال أبو نواس: والله ما تركت ذلك إلاّ إعظاماً له، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله، ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الاَبيات:

قيل لي أنت أحسن الناس طراً * في فنون من الكلام النبيه


(1) الارشاد: 312.
(2) أعيان الشيعة 2: 21 ـ 22.

(101)

لك من جيّد القريض مديحٌ * يثمر الدر في يديّ مجتنيه

فعلامَ تركت مدح ابن موسى * والخصال التي تجمّعن فيه

قلت لا أستطيع مدح إمامٍ * كان جبريلُ خادماً لاَبيه

وقال فيه _ عليه السلام _ أيضاً:

مطهّرون نقيّات جيوبهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علوياً حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر

الله لمّا برا خلقاً فأتقنه * صفّاكُمُ واصطفاكم أيّها البشر

فأنتم الملاَ الاَعلى وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور(1)

شهادته _ عليه السلام _


واستشهد في طوس من أرض خراسان في صفر 203هـ، وله يومئذ 55 سنة. ولما استشهد الاِمام _ عليه السلام _ دفن في مدينة طوس في قبر ملاصق لقبر هارون الرشيد، وقبر الاِمام الرضا الآن مزار مهيب يتقاطر المسلمون على زيارته والتبرك به.

فسلام الله عليه يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حياً.


(1) ابن خلّكان، وفيات الاَعيان 3: 270.

(102)

الاِمام التاسع:


أبوجعفر محمّد بن عليّ الجواد _ عليه السلام _


ولادته _ عليه السلام _


ولد بالمدينة المنورة في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين بعد المائة، فورث الشرف من آبائه وأجداده، واستسقت عروقه من منبع النبوّة، وارتوت شجرته من منهل الرسالة.

إمامته _ عليه السلام _


قام بأمر الولاية بعد شهادة والده الرضا _ عليه السلام _ عام 203هـ، واستشهد ببغداد عام220هـ، أدرك خلافة المأمون وأوائل خلافة المعتصم.

أمّا إمامته ووصايته فقد وردت فيها النصوص الوافرة(1).

لقّب بالجواد والقانع والمرتضى والنجيب والتقيّ والزكيّ وغيرها من الاَلقاب الدالّة على علو شأنه وارتفاع منزلته.

استقدامه إلى بغداد


لمّا توفّي الرضا _ عليه السلام _ كان الاِمام الجواد في المدينة، وقام بأمر الاِمامة بوصية من أبيه وله من العمر تسع أو عشر سنين، وكان المأمون قد مارس معه نفس السياسة


(1) انظر الكافي 1: 320 ـ 323، إثبات الهداة 3: 321 ـ 328.

(103)

التي مارسها مع أبيه _ عليه السلام _ خلافاً لاَسلافه من العباسيين، حيث إنّهم كانوا يتعاملون مع أئمّة أهل البيت بالقتل والسجن، وكان ذلك يزيد في قلوب الناس حبّاً لاَهل البيت وبغضاً للخلفاء، ولمّا شعر المأمون بذلك بدّل ذلك الاَُسلوب بأُسلوب آخر وهو استقدام أهل البيت من موطنهم إلى دار الخلافة لكي يشرف على حركاتهم وسكناتهم، وقد استمرّت هذه السياسة في حقّهم إلى الاِمام الحادي عشر كما ستعرف.

وما كان من المأمون عندما استقدم الاِمام إلى مركز الخلافة، إلاّ أن شغف به لما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والاَدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان، فزوّجه ابنته أُمّ الفضل وحملها معه إلى المدينة، وكان حريصاً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره، ونحن نكتفي في المقام بذكر أمرين:

1 ـ لمّا توفّي الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وقدم المأمون بغداد، اتّفق أنّ المأمون خرج يوماً يتصيّد، فاجتاز بطرف البلدة وصبيان يلعبون ومحمّد الجواد واقف عندهم، فلمّـا أقبل المأمون فرّ الصبيان ووقف محمّد الجواد، وعمره آنذاك تسع سنين، فلمّـا قرب منه الخليفة قال له: يا غلام ما منعك أن لا تفرّ كما فرّ أصحابك؟! فقال له محمّد الجواد مسرعاً: «يا أمير المؤمنين فرّ أصحابي فرقاً والظنّ بك حسن أنّه لا يفرّ منك من لا ذنب له، ولم يكن بالطريق ضيق فانتحي عن أميرالمؤمنين» فأعجب المأمون كلامه وحسن صورته فقال له: ما اسمك يا غلام؟ قال: «محمّد بن عليّ الرضا _ عليه السلام _» فترحّم على أبيه(1).

2 ـ لمّا أراد المأمون تزويج ابنته أُمّ الفضل من الاِمام الجواد ثقل ذلك على


(1) الفصول المهمّة: 266.

(104)

العباسيين وقالوا له: ننشدك الله أن تقيم على هذا الاَمر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا؛ فانّا نخاف أن تخرج به عنّا أمراً قد ملّكناه الله! وتنزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله! فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفى الله المهمّ من ذلك ـ إلى أن قالوا ـ: إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه؛ فإنّه صبي لا معرفة له؛ فأمهله حتّى يتأدّب ويتفقّه في الدين ثمّ اصنع ما ترى.

قال المأمون: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى وإلهامه، ولم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والاَدب من الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر حتّى يتبيّن لكم ما وصفت لكم من حاله. قالوا: رضينا.

فخرجوا واتّفق رأيهم على أنّ يحيى بن أكثم يسأله مسألة وهو قاضي الزمان فأجابهم المأمون على ذلك.

واجتمع القوم في يوم اتّفقوا عليه، وأمر المأمون أن يفرش لاَبي جعفر دست ففعل ذلك، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر _ عليه السلام _.

فقال يحيي بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟

فقال: استأذنه في ذلك.

فأقبل عليه يحيى وقال: أتأذن لي ـ جعلت فداك ـ في مسألة؟

فقال: «سل إن شئت».

فقال: ما تقول ـ جعلت فداك ـ في مُـحْرم قتل صيداً؟

فقال أبو جعفر _ عليه السلام _: «في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً كان بالقتل أو


(105)

معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها؟ من صغار الصيد أم كبارها؟ مصرّاً كان على ما فعل أو نادماً؟ ليلاً كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟».

فتحيّر يحيى وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتّى عرف أهل المجلس أمره.

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثمّ قال لاَبي جعفر _ عليه السلام _: اخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوّجك أُمّ الفضل ابنتي(1).

ولمّا تمّ الزواج قال المأمون لاَبي جعفر: إن رأيت ـ جعلت فداك ـ أن تذكر الجواب فيما فصّلته من وجوه قتل الـمُـحْرم الصيد لنعلمه ونستفيده.

فقال أبو جعفر _ عليه السلام _: «إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحل وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً؛ فإن قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمنى، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفّارة على الحرّ في نفسه، وعلى السيّد في عبده، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة».


(1) الاِرشاد: 319 ـ 321، إعلام الورى: 352 وللقصّة صلة فراجع.

(106)

فقال له المأمون: أحسنت يا أبا جعفر...(1).

رجوعه _ عليه السلام _ إلى المدينة

ثمّ إنّ أبا جعفر بعد أن أقام مدّة في بغداد هاجر إلى المدينة وسكن بها مدّة إلى أن توفّي المأمون وبويع المعتصم، ولم يزل المعتصم متفكّراً في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله ووثوبه على الخلافة، فلاَجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها أخوه المأمون من قبله فاستقدم الاِمام الجواد _ عليه السلام _ إلى بغداد سنة 220(2) وبقي فيها _ عليه السلام _ حتى توفّي في آخر ذي القعدة من تلك السنة، وله من العمر 25 سنة وأشهر. ودفن عند جدّه موسى بن جعفر في مقابر قريش.

وقال ابن شهر آشوب: إنّه قبض مسموماً(3).

فسلام الله على إمامنا الجواد يوم ولد، ويوم مات أو استشهد بالسمّ، ويوم يبعث حيّاً.


(1) الاِرشاد: 322.
(2) وفي الاِرشاد: ص 326، وفي إعلام الورى: ص 304: وكان سبب ورود الاِمام إلى بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد بغداد لليلتين بقيتا من محرّم الحرام سنة 225 هـ... ثمّ يقول: وكان له يوم قبض 25 سنة.

ولا يخفى أنّه لو كان تاريخ وروده إلى بغداد هي سنة 225 هـ، يكون له يوم وفاته 30 سنة من العمر لاَنّه ولد عام 195هـ.
(3) ابن شهر آشوب، المناقب 4: 379.


(107)

الاِمام العاشر:


أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي _ عليه السلام _


ولادته وإمامته _ عليه السلام _


ولد عام 212هـ، وهو من بيت الرسالة والاِمامة، ومقر الوصاية والخلافة، وثمرة من شجرة النبوّة.

قام _ عليه السلام _ بأمر الاِمامة بعد والده الاِمام الجواد _ عليه السلام _، وقد عاصر خلافة المعتصم والواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتز، وله مع هؤلاء قضايا لا يتّسع المقام لذكرها.

قال ابن شهر آشوب: كان أطيب الناس مهجة، وأصدقهم لهجة، وأملحهم من قريب، وأكملهم من بعيد، إذا صمت علَتْه هيبة الوقار، وإذا تكلّم سماه البهاء(1).

وقال عماد الدين الحنبلي: كان فقيهاً إماماً متعبّداً(2).

وقال المفيد: تقلّد الاِمامة بعد أبي جعفر ابنه أبو الحسن عليّ بن محمّد، وقد اجتمعت فيه خصال الاِمامة وثبت النص عليه بالاِمامة، والاِشارة إليه من أبيه بالخلافة(3).

وقد تضافرت النصوص على إمامته عن طرقنا، فمن أراد فليرجع إلى الكافي


(1) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب 4: 401 ط قم.
(2) شذرات الذهب 2: 128 في حوادث سنة 254.
(3) الارشاد: 327.

(108)

وإثبات الهداة وغيرهما من الكتب المعدّة لذلك(1).

المتوكّل ومواقفه الشنيعة مع الاِمام _ عليه السلام _


لقد مارس المتوكّل نفس الاَُسلوب الخبيث الذي رسمه المأمون ثمّ أخوه المعتصم من إشخاص أئمّة أهل البيت من موطنهم وإجبارهم على الاِقامة في مقرّ الخلافة، وجعل العيون والحرّاس عليهم حتى يطّلعوا على دقيق حياتهم وجليلها.

وكان المتوكّل من أخبث الخلفاء العباسيين، وأشدّهم عداءً لعليّ، فبلغه مقام عليّ الهادي بالمدينة ومكانته هناك، وميل الناس إليه، فخاف منه(2)، فدعا يحيى ابن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة، وانظر في حاله وأشخصه إلينا.

قال يحيى: فذهبت إلى المدينة، فلمّـا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله، خوفاً على عليّ الهادي، وقامت الدنيا على ساق؛ لاَنّه كان مُـحْسِناً إليهم، ملازماً للمسجد لم يكن عنده ميل إلى الدنيا.

قال يحيى: فجعلت أُسكِّنهم وأحلِف لهم أنّي لم أُؤمر فيه بمكروه، وأنّه لا بأس عليه، ثمّ فتّشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينى، وتولّيت خدمته بنفسى، وأحسنت عشرته، فلمّا قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان والياً على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكّل مَنْ تعلَم، فإن حرّضته عليه قتله، كان رسول الله خصمك يوم القيامة. فقلت له: والله ما وقعت منه إلاّ على كلّ أمر جميل.

ثمّ صرت به إلى «سرّ من رأى» فبدأت بـ «وصيف» التركي، فأخبرته


(1) الكلينى، الكافي 1: 323 ـ 325؛ الشيخ الحرّ العاملي، إثبات الهداة 3: 355 ـ 358.
(2) روي أنّ بريحة العباسي أحد أنصار المتوكل وأزلامه كتب إليه: إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها عليّ بن محمد؛ فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه وتبعه خلق كثير.

(109)

بوصوله، فقال: والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك، فلمّـا دخلت على المتوكّل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته، وأنّي فتّشت داره ولم أجد فيها إلاّ المصاحف وكتب العلم، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل وأحسن جائزته وأجزل برّه، وأنزله معه سامراء(1).

ومع أنّ الاِمام كان يعيش في نفس البلد الذي يسكن فيه المتوكّل، وكانت العيون والجواسيس يراقبونه عن كثب، إلاّ أنّه وشي به إلى المتوكّل بأنّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة، فبعث إليه جماعة من الاَتراك، فهاجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً، ووجدوه في بيت مغلق عليه، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى، وهو متوجّه إلىالله تعالى يتلو آيات من القرآن، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له: لم نجد في بيته شيئاً، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشراب فأُدخل عليه والكأس في يده، فلمّـا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله الكأس التي كانت في يده، فقال الاِمام _ عليه السلام _: «والله ما خامر لحمي ودمي قط، فاعفني» فأعفاه، فقال له: انشدني شعراً، فقال عليّ: «أنا قليل الرواية للشعر» فقال: لابدّ، فأنشده وهو جالس عنده:

«باتوا على قلل الاَجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم * وأُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا

ناداهمُ صارخ من بعد دفنهم * أين الاَسرّة والتيجان والحلل

أين الوجوه التي كانت منعّمة * من دونها تضرب الاَستار والكلل


(1) سبط ابن الجوزي، تذكرة الخواص: 322.

(110)

فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل(1)

قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الاَكل قد أُكِلوا»

فبكى المتوكّل حتى بلّتْ لحيته دموع عينه وبكي الحاضرون، ورفع إلى عليّ أربعة آلاف دينار ثمّ ردّه إلى منزله مكرّماً(2).

آثاره العلمية

روى الحفّاظ والرواة عن الاِمام أحاديث كثيرة في شتّى المجالات من العقيدة والشريعة، وقد جمعها المحدّثون في كتبهم، وبثّها الحرّ العاملي في كتابه الموسوم بـ«وسائل الشيعة» على أبواب مختلفة، وممّا نلفت إليه النظر أنّ للاِمام _ عليه السلام _ بعض الرسائل؛ وهي:

1 ـ رسالته في الردّ على الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين، أوردهابتمامها الحسن بنعلي بنشعبة الحرّانيفيكتابه الموسوم بـ«تحف العقول»(3).

2 ـ أجوبته ليحيى بن أكثم عن مسائله، وهذه أيضاً أوردها الحرّاني في تحف العقول.

3 ـ قطعة من أحكام الدين، ذكرها ابن شهر آشوب في المناقب.

ولاَجل إيقاف القارىَ على نمط خاصّ من تفسير الاِمام نأتي بنموذج من هذا التفسير:

قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ،


(1) ربمّا يروى «ينتقل».
(2) المسعودي، مروج الذهب 4: 11.
(3) تحف العقول 238 ـ 352.

(111)

فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكل إلى الاِمام الهادي يسأله، فلمّـا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت» فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم فَلَمَّا رَأوْا بَأْسَنا قَالوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشركينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بأسنا سُنَّة الله الَّتي قَدْ خَلَتْ في عبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرونَ )(1)، فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات(2).

شهادته _ عليه السلام _


توفّي أبو الحسن _ عليه السلام _ في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين ودفن في داره بسرّ من رأى، وخلّف من الولد أبا محمّد الحسن ابنه وهو الاِمام من بعده، والحسين، ومحمّد، وجعفر، وابنته عائشة، وكان مقامه بسرّ من رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهر، وتوفّي وسنّه يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعون سنة(3).

وقد ذكر المسعودي في إثبات الوصيّة «تفصيل كيفية وفاته وتشييعه وإيصاء الاِمامة لابنه أبي محمّد العسكري» فمن أراد فليراجع(4).


(1) غافر: 84 ـ85.
(2) مناقب آل أبيطالب 4: 403 ـ 405.
(3) الاِرشاد: 327.
(4) إثبات الوصية: 257.


(112)

الاِمام الحادي عشر:


أبو محمّد الحسن بن علي العسكري _ عليه السلام _

أبو محمّد الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد، أحد أئمّة أهل البيت، والاِمام الحادي عشر، الملقب بالعسكري، ولد عام 232هـ(1)، وقال الخطيب في تاريخه(2) وابن الجوزي في تذكرته(3): أنّه ولد عام 231 هـ وأشخص والده إلى العراق سنة 236هـ وله من العمر أربع سنين وعدّة شهور، وقام بأمر الامامة والقيادة الروحية بعد شهادة والده، وقد اجتمعت فيه خصال الفضل، وبرز تقدّمه على كافة أهل العصر، واشتهر بكمال الفعل والعلم والزهد والشجاعة(4)، وقد روى عنه لفيف من الفقهاء والمحدّثين يربو عددهم على 150 شخصاً(5). وتوفّي عام 260هـ ودفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء.

وخلّف ابنه المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت، وشدّة طلب السلطة، واجتهادها في البحث عن أمره، ولكنّه سبحانه حفظه من شرار أعدائه كما حفظ سائر أوليائه كإبراهيم الخليل وموسى الكليم، فقد خابت السلطة في طلبهما والاعتداء عليهما.

وقد اشتهر الاِمام بالعسكري لاَنّه منسوب إلى عسكر، ويراد بها سرّ من


(1) الكليني الكافي 1: ص 503.
(2) الخطيب تاريخ بغداد 7: 366.
(3) ابن الجوزي تذكرة الخواص: ص 322.
(4) المفيد، الارشاد: ص 335.
(5) العطاردي، مسند الاِمام العسكري وقد جمع فيه كلّما روي عنه وأُسند إليه.

(113)

رأى التي بناها المعتصم، وانتقل إليها بعسكره، حيث أشخص المتوكل أباه عليّاً إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر فنُسب هو وولده إليها (1). قال سبط ابن الجوزي: كان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جدّه ومن جملة مسانيده حديث في الخمر عزيز.

ثمّ ذكر الحديث عن جدّه أبي الفرج الجوزيّ في كتابه المسمّى بـ «تحريم الخمر»، ثمّ ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري وهو يسند الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب وهو يقول: «أشهد بالله لقد سمعت محمّداً رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول: أشهد بالله لقد سمعت إسرافيل يقول: أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنّه قال: سمعت الله يقول: شارب الخمر كعابد الوثن»(2).

ولقد وقع سبط ابن الجوزي في الاشتباه عندما توهّم أنّ اسناد الاِمام _ عليه السلام _ هذا الحديث إلى رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مختص بهذا المورد، ولكن الحقيقة غير ذلك، فإنّ أحاديث أهل البيت مروية كلّها عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فهم لا يروون في مجال الفقه والتفسير والاَخلاق والدعاء إلاّ ما وصل إليهم عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن طريق آبائهم وأجدادهم، ومروياتهم لا تعبّر عن آرائهم الشخصية، فمن قال بذلك وتصوّر كونهم مجتهدين مستنبطين، فقد قاسهم بالآخرين مّمن يعتمدون على آرائهم الشخصية، وهو في قياسه خاطىء؛ منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس، ولم يحضروا مجلس أحد من العلماء، ولا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم، فما يذكرونه من علوم ورثوها من رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وراثة غيبية لا يعلم كنهها إلاّ الله سبحانه والراسخون في العلم.


(1) ابن خلّكان، وفيات الاَعيان 2: 94.
(2) تذكرة الخواص: ص 324.

(114)

وهذا الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام _ يبيّن هذا الاَمر بوضوح لا لبس فيه، حيث يقول: «إنّ حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ»(1).

وروى حفص بن البختري، قال: قلت لاَبي عبدالله الصادق _ عليه السلام _ أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك، فقال: «ما سمعته منّي فاروه عن أبي، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _»(2).

فأئمّة المسلمين على حد قول القائل:

ووال أُناساً نقلهم وحديثهم * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

ولقد عاتب الاِمام الباقر _ عليه السلام _ سلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة حيث كانايأخذان الحديث منالناس ولايهتمان بأحاديث أهل البيت، فقال لهما: «شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهلَ البيت».

ورغم أنّ الخلفاء العباسيين قد وضعوا الاِمام تحت الاِقامة الجبرية وجعلوا عليه عيوناً وجواسيساً، ولكن روى عنه الحفّاظ والرواة أحديثاً جمّة في شتى المجالات، بل يروى أنّ الاِمام _ عليه السلام _ ورغم كلّ ذلك كان على اتّصال مستمر بالشيعة الذينكان عددهميقدر بعشرات الملايين، وحيثكانلامرجع لهم سوى الاِمام _ عليه السلام _.

كما أنّ الكلام عن أخلاقه وأطواره، ومناقبه وفضائله، وكرمه وسخائه، وهيبته وعظمته، ومجابهته للخلفاء العباسيين بكل جرأة وعزّة وما نقل عنه من الحكم والمواعظ والآداب، يحتاج إلى تأليف مفرد وكفانا في ذلك علماؤنا الاَبرار، بيد أنّا نشير إلى لمحة من علومه.


(1) الارشاد: ص 274.
(2) وسائل الشيعة ج 18، الباب الثامن من أبواب صفات القاضي، الحديث 86.

(115)

1 ـ لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسّرين فضربوا يميناً وشمالاً، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها فى أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولاً، ولكن الاِمام _ عليه السلام _ عالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها للطبع، فقال: «كذبت قريش واليهود بالقرآن، وقالوا سحر مبين تقوّله، فقال الله: (الم * ذلِكَ الكتابُ ) أي: يا محمّد، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة اليي منها «ألف»، «لام»، «ميم» وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّه لا يقدرون عليه بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِنْسُ وَالجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبعْضٍ ظَهِيرا )(1)(2).

وقد روي هذا المعنى عن أبيه الاِمام الهادي _ عليه السلام _(3).

2 ـ كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشك في طريق المسلمين فيقولون إنّكم تقولون في صلواتكم: (اهدنا الصِّراط المُستقيم ) أو لستم فيه ؟ فما معنى هذه الدعوة؟ أو أنّكم متنكّبون عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الاِمام الآية قاطعاً لشغبهم فقال: «أدِم لناتوفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمالنا».

ثمّ فسّر الصراط بقوله: «الصراط المستقيم هو: صراطان: صراط في الدينا وصراط في الآخرة، أمّا الاَوّل فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل، وأمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة


(1) الاِسراء: 88.
(2) الصدوق، معاني الاَخبار: ص 24، وللحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى الكتاب.
(3) الكليني: الكافي ج 1 كتاب العقل والجهل الحديث: ص 20، 24 ـ 25.

(116)

الذي هو مستقيم، لا يعدلون عن الجنّة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنّة»(1)،

وكان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الاِمام العسكري ونسبوا إلى الاَئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء، ولاَجل ذلك يركّز الاِمام على أنّ الصراط المستقيم لكل مسلم هو التجنّب عن الغلو والتقصير.

3 ـ ربّما تغتر الغافل بظاهر قوله سبحانه: (صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيهِم ) ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والاَولاد وصحّة البدن، وإن كان كلّ هذا نعمة من الله، ولكنّ المراد من الآية بقرنية قوله: (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِم ولا الضَّالِّين )(2) هو نعمة التوفيق والهداية، ولاَجل ذلك نرى أنّ الاِمام يفسّر هذا الاِنعام بقوله: «قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ يُطِع اللهَ والرَّسُولَ فَأُولِئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّينَ والصَّديقينَ والشُّهداءِ وَالصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولِئكَ رَفيقاً ) ثمّ قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ظاهرة»(3).

4 ـ لقد تفشّت آنذاك فكرة عدم علمه سبحانه بالاَشياء قبل أن تخلق، تأثراً بتصورات بعض المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان، فسأله محمّد بن صالح عن قول الله: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ )(4)فقال: «هل يمحو إلاّ ما كان وهل يثبت إلاّ مالم يكن»؟

فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي: إنّه لا يعلم الشيء حتى يكون، فنظرإليَّ شزراً، وقال: «تعالى الله الجبّار العالم بالشيء قبل كونه، الخالق


(1) الصدوق معاني الاَخبار: ص 33.
(2) الفاتحة: 7.
(3) المصدر نفسه: 36.
(4) الرعد: 39:

(117)

إذ لا مخلوق، والربّ إذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه»(1).


(1) المسعودي، اثبات الوصية: ص 241.

(118)

الاِمام الثاني عشر:


المهدي ابن الحسن المنتظر _ عليه السلام _


هو أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري الحجّة، الخلف الصالح، ولد _ عليه السلام _ بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله من العمر عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله الحكم صبيّاً كما حدث ليحيى، حيث قال سبحانه: (يايَحْيى خُذِ الِكتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبيّاً )(1)،

وجعله إماماً وهو طفل، كما جعل المسيح نبيّاً وهو رضيع قال سبحانه عن لسانه وهو يخاطب قومه: (إنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الِكتابَ وَجَعَلَني نَبيّاً )(2).

اتّفق المسلمون على ظهور المهدي في آخر الزمان لاِزالة الجهل والظلم، والجور، ونشر أعلام العدل، وإعلاء كلمة الحق، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون، فهو بإذن الله ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله، ويلغي الاَخلاق والعادات الذميمة، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الاَهواء، ويقطع أُواصر التعصّبات القومية والعنصرية، ويمحي أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الاَُمّة وافتراق الكلمة، ويحقّق الله سبحانه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:

1 ـ (وعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالحِاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهمْ وَليُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْركُونَ بي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعَدَ ذلِكَ فَأولِئكَ)


(1) مريم: 12.
(2) مريم: 30.

(119)

هُمُ الفاسِقُونَ )(1).

2 ـ (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلىَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَرْضِ وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةًوَنَجْعَلهُمُ الوراثِينَ )(2).

3 ـ (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذَّكْرِ أنَّ الاَرْضَ يَرِثُها عِباديَ الصّالِحُونَ )(3).

وتشهد الاَُمّة بعد ظهوره _ عليه السلام _ عصراً ذهبياً لا يبقى فيه على الاَرض بيت إلاّ ودخلته كلمة الاِسلام، ولا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة «لا إله إلاّ الله» بكرة وعشياً.

أقول: لقد تواترت النصوص الصحيحة والاَخبار المروية من طريق أهل السنّة والشيعة المؤكدة على إمامة أهل البيت _ عليه السلام _، والمشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل، وأنّ آخر هؤلاء الاَئمّة هو الذي يملاَ الاَرض ـ في عهده ـ عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وأنّ أحاديث الاِمام الثاني عشر الموسوم بالمهدي المنتظر قد رواها جملة من محدثي السنَّة في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي (المتوفّى عام 297هـ)، وأبيداود (المتوفّى عام 275هـ) وغيرهم؛ حيث أسندوا رواياتهم هذه إلى جملة من أهل بيت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وصحابته، أمثال علي ابن أبيطالب _ عليه السلام _، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر _ عليه السلام _ وأُمّ سلمة زوجة الرسول الأكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وغيرهم:

1 ـ روى الاِمام أحمد في مسنده عن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «لو لم يبق من الدهر إلاّ


(1) النور: 55.
(2) القصص: 5.
(3) الاَنبياء: 105.

(120)

يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملاَها عدلاً كما ملئت جوراً»(1).

2 ـ أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود: أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي»(2).

3 ـ أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»(3).

4 ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أنّ رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «يلي رجل من أهل بيتي يواطىَ اسمه اسمي»(4).

إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه حتّى قال الدكتور عبدالباقي: إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو روايين، إنّها مجموعة من الاَحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح(5).

هذا هو المهدي الذي اتّفق المحدّثون والمتكلّمون عليه، وإنّما الاختلاف بين الشيعة والسنّة في ولادته، فالشيعة ذهبت إلى أنّ المهدي الموعود هو الاِمام الثاني عشر الذي ولد بسامراء عام 255هـ واختفى بعد وفاة أبيه عام 260هـ، وقد تضافرت عليه النصوص من آبائه، على وجه ما ترك شكّاً ولا شبهة(6)ووافقتهم جماعة من علماء أهل السنّة، وقالوا بأنّه ولد وأنّه محمّد بن الحسن العسكري.


(1) مسند أحمد 1: 99، 3: 17 و 70.
(2) جامع الاَُصول 11: 48 برقم 7810.
(3) جامع الاَُصول 11: 48 برقم 7812.
(4) المصدر نفسه برقم 7810.
(5) الدكتور عبدالباقي، بين يدي الساعة 123.
(6) اقرأ هذه النصوص في كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق: ص 360 ـ 381هـ ترى فيه النصوص المتضافرة على أنّ المهدي الموعود هو ولد الاِمام أبو محمّد الحسن العسكري وأنّ له غَيبة.

(121)

نعم كثير منهم قالوا: بأنّه سيولد في آخر الزمان، وبما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، فمن رجع إلى روايات أئمّة أهل البيت في كتبهم يظهر له الحق، وأنّ المولود للاِمام العسكري هو المهدي الموعود.

ومّمن وافق من علماء أهل السنّة بأنّ وليد بيت الحسن العسكري هو المهدي الموعود:

1 ـ كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي الشافعي في كتابه « مطالب السؤول في مناقب آل الرسول». وقد أثنى عليه من ترجم له مثل اليافعي في «مرآة الجنان» في حوادث سنة 652هـ.

قال ـ بعد سرد اسمه ونسبه ـ: «المهدي الحجّة، الخلف الصالح المنتظر، فأمّا مولده فبسر من رأى، وأمّا نسبه أباً فأبوه الحسن الخالص» ثمّ أورد عدّة أخبار واردة في المهدي من طريق أبي داود، والترمذي ومسلم، والبخاري وغيرهم، ثمّ ذكر بعض الاعتراضات بالنسبة إلى أحواله _ عليه السلام _ من حيث الغيبة وطول العمر وغير ذلك، وأجاب عنها جميعاً، ثمّ قال رادّاً على تأويل البعض لهذه الروايات بأنّها لا تدلّ على أنّه محمّد بن الحسن العسكري قائلاً: بأنّ الرسول لما وصفه وذكر اسمه ونسبه وجدنا تلك الصفات والعلامات موجوده في محمّد بن الحسن العسكري علمنا هو المهدي.

2 ـ أبو عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في كتابيه: «البيان في أخبار صاحب الزمان» و «كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب».

3 ـ نور الدين علي بن محمّد بن الصباغ المالكي في كتابه: «الفصول المهمّة في معرفة الاَئمّة».

4 ـ الفقيهالواعظ شمسالدينالمعروف بسبطابنالجوزيفي«تذكرة الخواص».

إلى غير ذلك من علماء وحفّاظ ذكر أسماءهم وكلماتهم السيد الاَمين في أعيان


(122)

الشيعة وأنهاها إلى ثلاثة عشر، ثمّ قال: والقائلون بوجود المهدي من علماء أهل السنّة كثيرون، وفيما ذكرناه منهم كفاية، ومن أراد الاستقصاء فليرجع إلى كتابنا «البرهان على وجود صاحب الزمان» ورسالة « كشف الاَستار» للشيخ حسين النوري(1).

وقد كان الاعتقاد بظهور المهدي في عصر الاَئمّة الهداة أمراً مسلّماً، حتى أنّ شاعراً مثل دعبل الخزاعي ذكره في قصيدته التي أنشدها لعلي بن موسى الرضا _ عليه السلام _ فقال:

خروج إمام لا محالة قائم * يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات

ولمّا وصل دعبل إلى هذين البيتين بكى الرضا _ عليه السلام _ بكاءً شديداً ثمّ رفع رأسه، فقال له: «يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدريمن هذا الاِمام ومتى يقوم»؟

فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أنّي سمعت بخروح إمام منكم يطّهر الاَرض من الفساد، ويملاَها عدلاً كما ملئت جور.

فقال: «يا دعبل، الاِمام بعدي محمّد ابني (الجواد) وبعد محمّد ابنه علي (الهادي)، وبعد علي ابنه الحسن (العسكري)، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملاَها عدلاً كما ملئت جوراً، وأمّا متى؟ فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي _ عليه السلام _ إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله الساعة لا يجليها لوقتها إلاّ


(1) أعيان الشيعة 2: 64 ـ 75.

(123)

هو، ثقلت في السماوات والاَرض لا تأتيكم إلاّ بغتة(1).

ثمّ إنّ للمهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ غيبتين صغرى وكبرى، كما جاءت بذلك الاَخبار عن أئمّة أهل البيت، أمّا الغيبة الصغرى فمن ابتداء إمامته إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء وعدم نصب غيرهم، وقد مات السفير الاَخير علي بن محمّد السمري عام 329هـ، ففي هذه الفترة كان السفراء يرونه وربّما رآه غيرهم ويصلون إلى خدمته وتخرج على أيديهم توقيعات منه إلى شيعته في أُمور شتّى.

وأمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الاَُولى إلى أن يقوم بإذن الله تعالى.

وأمّا من رأى الحجّة في زمان أبيه وفي الغيبة الصغرى وحتى في الكبرى، فحدّث عنه ولا حرج، وقد أُلّفت في ذلك كتب أحسنها وأجملها: « كمال الدين» للصدوق، و«الغيبة» للشيخ الطوسي.

فنذكر هنا بعض من رآه في صباه:

فيمن رأى المهدي في بيت الاِمام العسكري:

إنّ هناك لفيفاً من أصحاب الاِمام العسكري رأوا الاِمام المهدي في أيام صباه، ووالده بعد حي. وها نحن نذكر من الكثير شيئاً قليلاً حتى لا يرتاب المنصف في ولادته:

1 ـ روى يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي _ عليه السلام _ هو جالس على دكّان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: من صاحب هذا الاَمر؟ فقال: ارفع الستر. فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشرة أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفين،


(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة 2: 372.

(124)

معطوف الركبتين، في خدّه الاَيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبيمحمد ثمّ قال لي: هذا صاحبكم(1).

2 ـ روى إبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري قال: لما همّ الوالي عمر بن عوف بقتلي غلب عليَّ خوف عظيم، فودعت أهلي وتوجهت إلى دار أبي محمّد لاَُودّعه، وكنت أردت الهرب، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيرت من نوره وضيائه وكاد ينسيني ما كنت فيه، فقال: يا إبراهيم لا تهرب فإنّ الله سيكفيك شره، فازداد تحّيري، فقلت لاَبي محمّد: يا سيدي يا بن رسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من هذا وقد أخبرني بما كان في ضميري؟ فقال: هو ابني وخليفتي من بعدي(2).

3 ـ روى أحمد بن إسحاق قال: قلت لاَبي محمد الحسن العسكري: يا ابن رسول اللهفمن الاِماموالخليفة بعدك؟ فنهض _ عليه السلام _ مسرعاًفدخلالبيتثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لو لا كرامتك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّهسمّيرسول الله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكنيّه،الذي يملاَالاَرض قسطاًوعدلاًكماملئتجوراً وظلماً(3)

4 ـ روى أبو الحسين الحسن بن وجناء قال: حدثني أبي عن جده أنّه كان في دار الحسن بن علي _ عليه السلام _ فكبستنا الخيل وفيها جعفر بن علي الكذّاب واشتغلوا بالنهب والغارة وكانت همّتي في مولاي القائم _ عليه السلام _، قال: فإذا أنا به، قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه وهو _ عليه السلام _ ابن ست سنين فلم يره أحد حتى غاب(4).


(1) الصدوق، كمال الدين 2: 407 الباب 38 الحديث 2.
(2) الحر العاملي، إثبات الهداة 3: 700، الباب 33، الحديث 136.
(3) الصدوق، كمال الدين 2: 384 الباب 38 الحديث 1.
(4) المصدر نفسه، 2: 473 الباب 43 الحديث 25.

(125)

5 ـ روى عبدالله بن جعفر الحميري قال: سألت أبا عمر عثمان بن سعيد العمري (أحد وكلاء الاِمام أيام غيبته) فقلت له: هل أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد _ عليه السلام _؟ فقال: أي والله ورقبته مثل ذا ـ أومأ بيده ـ فقلت له: فبقيت واحدة؟ فقال لي: هات. قلت: الاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك...(1).

6 ـ روت حكيمة بنت الاِمام محمد الجواد قالت: بعث إليَّ أبو محمّد الحسن بن علي _ عليه السلام _ فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجّته في أرضه. ثمّ إنّ حكيمة عمة الاِمام العسكري تتحدث عن ولادة الاِمام المهدي وتقول: فصممته إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف، فصاح بي أبو محمد _ عليه السلام _: هلمّ إليَّ ابني يا عمة، فجئت إليه... (2).

7 ـ ورى كامل بن إبراهيم فقال: دخلت على سيدي أبي محمد _ عليه السلام _ إذ نظرت إليه على ثياب بيض ناعمة فقلت في نفسي: ولي الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب، ويأمرنا بمواساة إخواننا وينهانا عن لبس مثله، فقال الاِمام: يا كامل وحسر عن ذراعيه، فإذا مسح أسود خشن، فقال: هذا لله وهذا لكم، فجاءت الريح، فكشفت طرفه، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: يا كامل بن إبراهيم. فاقشعررت من ذلك، والهمت أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: جئت إلى وليّ الله وحجّته تريد أن تسأل: لا يدخل الجنة إلاّ من عرف معرفتك وعرف مقالتك... إلى أن قال: فنظر إليَّ أبو محمّد وتبسّم وقال: يا كامل بن إبراهيم، ما جلوسك وقد أبانك المهدى والحجّة من بعدي بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه. قال: فنهضت وقد أخذت الجواب الذي أسررته في


(1) الكافي 1: 329 الحديث 1.
(2) الصدوق، كمال الدين 2: 424 الباب 42 الحديث 1.

(126)

نفسي من الاِمام المهدي ولم ألقه بعد ذلك(1).

هذه نماذج ممّن رأى الاِمام المهدي بعد ولادته، وقبل غيبته ذكرناه ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام في المقال.

أسئلة مهمّة حول المهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ

إنّ القول بأنّ الاِمام المهدي لا يزال حياً يرزق منذ ولادته عام 255 هجرية إلى الآن، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر من الله سبحانه، أثار أسئلة حول حياته وإمامته، نذكر رؤوسها:

1 ـ كيف يكون إماماً وهو غائب، وما الفائدة المرتقبة منه في غيبته؟

2 ـ لماذا غاب؟

3 ـ كيف يمكن أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟

4 ـ ماهي أشراط وعلائم ظهوره؟

هذه أسئلة أُثيرت حول الاِمام المهدي منذ أن غاب، وكلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها، وقد قام المحققون من علماء الاِمامية بالاِجابة عليها في مؤلّفات مستقلة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها، غير أنّ الاِحالة لما كانت غير خالية عن المحذور، نبحث عنها على وجه الاِجمال، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال.

الاَوّل: كيف يكون إماماً وهو غائب؟ وما فائدته؟

إنّ القيادة والهداية والقيام بوظائف الاِمامة، هو الغاية من تنصيب الاِمام، أو اختياره، وهو يتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء الاَُمة، مشاهداً لهم، فكيف يكون


(1) الشيخ الطوسي، الغَيبة: 148؛ كشف الغمة 3: 289 عن الخرائج، وغيرهما من المصادر.

(127)

إماماً قائداً، وهو غائب عنهم؟!

والجواب: على وجهين نقضاً وحلاً.

أمّا النقض: فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أولياء الله، وأنّهم بين ظاهرٍ قائم بالاَُمور ومُختَفٍ قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إنّ كتاب الله العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الاَئمّة والاَولياء والقادة للاَُمّة: وليّ غائب مستور، لا يعرفه حتى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى _ عليه السلام _ بقوله: (فَوَجَدا عَبْداً مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْماً * قالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ) الآيات(1).

ووليّ ظاهر باسط اليد، تعرفه الاَُمّة وتقتدي به.

فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربّما يكون غائباً، ولكنّه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أُمّته، بل يتصرّف في مصالحها ويرعى شؤونها، من دون أن يعرفه أبناء الاَُمّة.

فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الولي إمّا ولي حاضر مشاهَد، أو غائب محجوب.

وإلى ذلك يشير الاِمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ، يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن طالب _ عليه السلام _ فأخرجني إلى الجبّان، فلمّا أصحر، تنفَّس الصعداء، وكان مما قاله: «اللّهم، لا تخلو الاَرض من قائم لله بحجّةٍ، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلاّ تبطل حُجج الله وبيِّناته»(2).

وليست غيبة الاِمام المهدي، بِدعاً في تاريخ الاَولياء، فهذا موسى بن عمران،


(1) الكهف: 65 ـ 82.
(2) نهج البلاغة بتعليقات عبده 3: 186 قصار الحكم، الرقم 147.

(128)

قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً، وكان نبيّاً وليّاً، يقول سبحانه:

(وواعَدنا موسى ثلاثينَ لَيلةً وأتمناها بِعَشرٍ فَتمَّ ميقاتُ ربِّهِ أربعينَ لِيلةً وقالَ مُوسى لاَخيهِ هارونَ اخلُفني في قومي وأصلح ولا تتّبعْ سبيلَ المفسدين )(1).

وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه: (وذا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى في الظُّلُمات أن لا إِله إلاّ أنت سُبحانك إِنّي كُنْتُ من الظَّالمين * فاستجبنا له ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكذلك نُنْجي المُؤْمنين )(2).

أولم يكن موسى ويونس نيَّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الاَبصار، ويعيش بعيداً عن قومه؟

فالجواب في هذا المقام، هو الجواب في الاِمام المهدي _ عليه السلام _ وسيوافيك ما يفيدك من الانتفاع بوجود الاِمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.

وأمّا الحلّ: فمن وجوه:

الاَوّل: إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته، لايدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالسائل جَعَلَ عدم العلم طريقاً إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الاِسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، ولا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الاَُمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.

وعلى ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة


(1) الاَعراف: 142.
(2) الاَنبياء: 87 ـ 88.

(129)

كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته.

الثاني: إنّ الغَيبَة لا تلازم عدم التصرف في الاَُمور، وعدم الاستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، ولم يَعْلَم أصحاب السفينة بتصرّفه، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية علمه. كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للاِمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. ويؤيد ذلك مادلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلتّ على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث: المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته، وأمّا عدم وصول الخواص إليه، فليس بأمر مسلّم، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الاَُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام، لهم التشرّف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الاَُمّة بواسطتهم.

الرابع: لا يجب على الاِمام أن يتولّى التصرّف في الاَُمور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره على التصرف في الاَُمور كما فعل الاِمام المهدي ـ أرواحنا له الفداء ـ في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالاَحكام، للقضاء وتدبير الاَُمور، وإقامة الحدود، وجعلهم حجة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان الاَحكام، ودفع الشبهات، وبكل ما يتوقّف عليه نظم أُمور الناس(1).


(1) المراد من الغيبة الصغرى، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ منذ وفاة والده عام 260هـ إلى عام 329هـ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الاَربعة: الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري، وولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري.

والمراد من الغيبة الكبرى: غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق أشخاص معينين، وحلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول، كما جاء في توقيعه الشريف: «وأمّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيهاإلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عيلكم، وأنا حجّة الله عليهم» (كمال الدين، الباب 45، ص 484).


(130)

وإلى هذه الاَجوبة أشار الاِمام المهدي _ عليه السلام _ في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقوله: «وأمّا وجهُ الانتفاع بي في غَيبتي، فكالانتفاع بالشَّمسِ إذا غيّبَها عن الاَبصارالسحاب»(1).

الثاني: لماذا غاب المهدي ؟

_ عليه السلام _

إنّ ظهور الاِمام بين الناس، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتب عليه في زمن الغيبة، فلماذا غاب عن الناس، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده، وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

الجواب:

أنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض والحل:

أمّا النقض: فبما ذكرناه في الاِجابة عن السؤال الاَوّل، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته، لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة، بل هو المتعّين.

وأمّا الحلّ: فإنّ أسباب غيبته، واضحة لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات، فإنّ الاِمام المهدي _ عليه السلام _ هو آخر الاَئمة الاثني عشر الذين وعد بهم


(1) الصدوق: كمال الدين، الباب 45، ص 485 الحديث 4. وقد ذكر العلاّمة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحار الاَنوار ج 52 الباب 20 ص 93 ـ 94.

(131)

الرسول، وأناط عزّة الاِسلام بهم، ومن المعلوم أنّ الحكومات الاِسلامية لم تُقدِّرْهُم، بل كانت لهم بالمرصاد، تلقيهم في السجون وتريق دماءهم الطاهرة بالسيف أو السمّ، فلو كان ظاهراً، لاَقدموا على قتله، إطفاءً لنوره، فلاَجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكن مستوراً عن أعين الناس، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه، إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره، بعد حصول استعدادٍ خاص في العالم لقبوله، والانضواء تحت لواء طاعته، حتى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الاَُمم جمعاء من توريث الاَرض للمستضعفين.

وقد ورد في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة، روى زرارة قال: سمعت أبا جعفر (الباقر _ عليه السلام _) يقول: إنّ للقائم غَيبة قبل أن يقوم، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: يخاف. قال زرارة: يعني القتل.

وفي رواية أُخرى: يخاف على نفسه الذبح(1).

وسيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره.

الثالث: الاِمام المهدي وطول عمره:

إنّ من الاَسئلة المطروحة حول الاِمام المهدي، طول عمره في فترة غَيبته، فإنّه ولد عام 255هـ، فيكون عمره إلى العصر الحاضر أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟

الجواب:

من وجهين، نقضاً وحلاًّ.

أمّا النقض: فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الاَنبياء عاش قرابة ألف سنة،


(1) لاحظ كمال الدين، الباب 44، ص 281 الحديث 8 و9 و10.

(132)

قال تعالى: (فَلَبِثَ فيهم أَلْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسينَ عاماً )(1).

وقد تضمّنت التوارة أسماء جماعة كثيرة من المعمّرين، وذكرت أحوالهم في سِفْر التكوين(2).

وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين، ككتاب «المعمّرين» لاَبي حاتم السجستانى، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب «كمال الدين»(3)، والعلاّمة الكراجكي في رسالته الخاصّة، باسم « البرهان على صحة طول عمر الاِمام صاحب الزمان»(4)، والعلاّمة المجلسي في البحار(5)، وغيرهم.

وأمّا الحلّ: فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه: (وَما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ )(6)، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه، برعاية الله سبحانه، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء.

وبعبارة أُخرى: إنّ الحياة الطويلة إمّا ممكنة في حد ذاتها أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد، فتعيّن الاَوّل، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه، لتحقيق غرض من أغراض التشريع.

أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة، من إمكان طول عمر الاِنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة، وأنّ موت الاِنسان في فترة متدنية، ليس لقصور


(1) العنكبوت: 14.
(2) التوراة، سفر التكوين، الاِصحاح الخامس، الجملة 5، وذكر هناك أعمار آدم، وشيث ونوح، وغيرهم.
(3) كمال الدين: ص 555.
(4) الكراجكي، البرهان على طول عمر صاحب الزمان، ملحق بـ«كنز الفوائد»، له. أيضاً الجزء الثاني. لاحظ في ذكر المعمرين ص 114 ـ 155، ط دار الاَضواء، بيروت 1405هـ.
(5) بحار الاَنوار ج 51، الباب 14، ص 225 ـ 293.
(6) الاَنعام: 91.

(133)

الاقتضاء، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة، ولو أمكن تحصين الاِنسان منها بالاَدوية والمعالجات الخاصة لطال عمره ما شاء.

وهناك كلمات ضافية من مَهَرة علم الطب في إمكان إطالة العمر، وتمديد حياة البشر، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة(1).

وبالجملة، اتّفقت كلمة الاَطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحّة، توجب طول العمر، فكلّما كثرت العناية برعاية تلك الاَُصول، طال العمر، ولاَجل ذلك نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان، في بعض الممالك، أقلّ من السابق، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل، وما هو إلاّ لرعاية أُصول الصحّة، ومن هنا أُسّست شركات تضمن حياة الاِنسان إلى أمد معلوم تحت مقرّرات خاصة وحدود معيّنة، جارية على قوانين حفظ الصحّة، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحّة من كلّ وجه، طال عمره إلى ما شاء الله.

وإذا قرأت ما تُدَوِّنه أقلام الاَطباء في هذا المجال، يتّضح لك معنى قوله سبحانه: (فَلَوْلا أنّه كانَ مِنَ المُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَومِ يُبْعَثونَ )(2).

فإذا كان عيش الاِنسان في بطون الحيتان، في أعماق المحيطات، ممكناً إلى يوم البعث، فكيف لا يعيش إنسان على اليابسة، في أجواء طبيعية، تحت رعاية الله وعنايته، إلى ما شاء الله؟

الرابع: ماهي علائم ظهوره؟

_ عليه السلام _

إذا كان للاِمام الغائب، ظهورٌ بعد غيبة طويلة، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علامات وأشراط تخبر عن ظهوره، فما هي هذه العلامات؟


(1) لاحظ مجلة المقتطف، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين.
(2) الصافات: 143و144.

(134)

الجواب:

إنّ ما جاء في كتب الاَحاديث من الحوادث والفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين:

قسم هو من أشراط الساعة وعلامات دنوّ القيامة.

وقسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر.

وربّما وقع الخلط بينهما في الكتب، ونحن نذكر القسم الثاني منهما، وهو عبارة عن أُمور عدّة، منها:

1 ـ النداء في السماء.

2 ـ الخسوف والكسوف في غير مواقعهما.

3 ـ الشقاق والنفاق في المجتمع.

4 ـ ذيوع الجور والظلم والهرج والمرج في الاَُمّة.

5 ـ ابتلاء الاِنسان بالموت الاَحمر والاَبيض.

6 ـ قتل النفس الزكية.

7 ـ خروج الدجّال.

8 ـ خروج السفياني.

وغير ذلك مما جاء في الاَحاديث الاِسلامية(1).

هذه هي علامات ظهوره، ولكن هناك أُمور تمهّد لظهوره، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى إبرزها:

1 ـ الاستعداد العالمي: والمراد منه أنّ المجتمع الاِنساني ـ وبسبب شيوع الفسادـ يصلإلىحدّ، يقنطمعهمن تحقّق الاِصلاح بيد البشر، وعنطريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة، وأنّ ضغط الظلم والجور على الاِنسان يحمله عن أن يُذعن ويُقرّ بأنّ الاِصلاح لا يتحقّق إلاّ بظهور إعجاز إلهي، وحضور قوّة غيبية، تدمّر كلّ تلك التكتلات البشرية الفاسدة، التي قَيّدَتْ بسلاسلها أعناق البشر.

2 ـ تكامل العقول: إنّ الحكومة العالمية للاِمام المهدي _ عليه السلام _ لا تتحقّق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للاَعداء، وإنّما تتحقّق برغبة الناس إليها، وتأييدهم لها، لتكامل عقولهم ومعرفتهم.

يقول الاِمام الباقر _ عليه السلام _ في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم: «إذا قام قائمنا، وَضَعَ الله يده على رؤوس العباد، فيجمع بها عقولهم، تكتمل به أحلامهم»(2).

فقوله _ عليه السلام _: «فيجمع بها عقولهم»، بمعنىأنّ التكامل الاجتماعي يبلغ بالبشر إلى الحدّ الذي يَقْبَلُ فيه تلك الموهبة الاِلهية، ولن يترصّد للثورة على الاِمام والانقلاب عليه، وقتله أو سجنه.

3 ـ تكامل الصناعات: إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلاّ بتكامل الصناعات البشرية، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه، وتعاليمه وقوانينه في يوم واحد، وزمنٍ واحدٍ.

قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _: «إنّ المؤمنَ في زمان القائم، وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق»(3).

4 ـ الجيش الثوري العالمي: إنّ حكومة الاِمام المهدي، وإن كانت قائمة على تكامل العقول، ولكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر وفعّال، يُمَهِّد الطريق للاِمام _ عليه السلام _ ويواكبه بعد الظهور إلى تحقّق أهدافه وغاياته المتوخّاة.

حصيلة البحث

هؤلاء هم أئمّة الشيعة وقادتهم بل أئمّة المسلمين جميعاً، وكيف لا يكونون كذلك؟ وقد ترك رسول الله بعد رحلته الثقلين وحثّ الاَُمّة على التمسّك بهما وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»(4).

ولكن المؤسف أنّ أهل السنّة والجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب الله العزيز على أقوال أئمّة أهل البيت وهم قرناء القرآن وأعداله والثقل الآخر من الثقلين، وإنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم ولا يشقّون غبارهم، نظراء مجاهد بن جبر ( المتوفّى عام 104هـ)، وعكرمة البربري (المتوفّى عام 104هـ)، وطاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 106هـ) وعطاء بن أبي رباح (المتوفّى عام 114هـ)، ومحمّد بن كعب القرظي (المتوفّى عام 118هـ)، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة والمكانة العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت ـ صلوات الله عليهم ـ...

فالاِسلام عقيدة وشريعة، والنجاة عن الضلال ـ حسب مفاد حديث الثقلين ـ هو الرجوع إليهما، وأمّا غيرهما فإن رجع إليهما فنعم المطلوب وإلاّ فلا قيمة له، أمّا الصحابة والتابعون، فلا يعتد برأيهم إلاّ إذا كان مأخوذاً عن كتابه سبحانه أو سنّة نبيّه، وليس حديث أئمّة أهل البيت إلاّ إشراقاً خالداً لحديث جدّهم الاَكرم وسنّته.

Website Security Test