welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره

تاريخ
الفقه الإسلامي وأدواره

تأليف

العلامة المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

وبعد، فمن دواعي سرورنا في دار الاضواء أن نضع بين يدي القارىَ اللبيب هذه الدرة النفيسة والجوهرة الثمينة لمؤلف أعظم وأهم إنه الشيخ جعفر السبحاني ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي ما زال يرفد المكتبة الاِسلامية بروائع تحفه ، منها هذا الكتاب «تاريخ الفقه الاِسلامي وأدواره» كما ولا بد أن نشير إلى الكتاب القرين والمكمل لهذا وهو «مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه» وبهذا تزداد الفائدة ويعطي الموضوع حقه . في حين تصدينا لطبع الموسوعة ـ الفخمة ـ الموسومة بـ« موسوعة طبقات الفقهاء» والتي تقع في ثمان مجلدات ، ولنفس المؤلف ـ حفظه المولى ـ وهي موسوعة الاَولى من نوعها في هذا المضمار ، شاملة لكافة الفقهاء ، بترجمة وافية كافية .

وبالختام ليس لنا إلاّ أن نبتهل للعلي القدير أن يوفقنا للاِستمرار في إنجاز مثل هذه المؤلفات ، وبثها في الاَمة الاِسلامية لتفيد منها . والله من وراء القصد .

الاَربعاء 15 ذي القعدة 1419 هـ
الموافق 3 آذار 1999 م .
جعفر هادي الدجيلي


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

"وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ".

(التوبة ـ 122)


(4)



(5)

تمهيد

أدوار الفقه الاِسلامي


إنّ لكلّ علم هيكلاً عاماً له تعريفه وموضوعه ومسائله وغايته، وهذا ما يُتطرّق إليه في نفس العلم، وهناك جانب آخر يُدعى بتاريخ العلم، ويُهدف من وراء دراسته بيانُ مرحلة نشوئه ونضوجه وتكامله أو ما أُصيب به من نكسات على طول تاريخه.

وقد قام الباحثون ذوو الاختصاص بدراسة تاريخ أكثر العلوم، حتى تكامل وأصبح تاريخ كلّ علم موضوعاً مستقلاً وراء ذلك العلم، فهناك من يبحث في علم الطب مثلاً من منظار داخلي، وتثمر جهوده في نفس ذلك العلم، ولا تتجاوز عن حدوده، وهناك من يبحث فيه من منظار خارجي، وتنصبُّ جهوده في تاريخه، والمراحل التي مرّ بها وما أعقبه من نضوج وتكامل، وهذا ما يسمّى بتاريخ العلم.

إنّ التتبع في تاريخ العلوم يثبت أنّ كلّ علم يوم نشوئه لم يكن سوى مسائل معدودة لا تتجاوز عدد الاَصابع، ثمّ كثرت وتشعبت عبر الزمان تحت ظل عوامل كثيرة ساهمت في ازدهاره.

وقد انصبَّ الاهتمام في العصور الاَخيرة على تاريخ العلوم، و استعراض سيره التكاملي، فأصبح لكلّ علم بل لكل مسألة تاريخ خاص بها.


(6)

والباحث السابر في تاريخ العلوم حينما يواكب مراحلها التكاملية يقف على حقيقة وهي انّ البحث في العلوم والفهم العميق لها أمر لا ينفك عن دراسة تاريخها، إذ بها يقف على كافة أسرارها وخفاياها.

والتشريع الاِسلامي والفقه كغيره من العلوم لا يشذّ عن هذه القاعدة، فدراسة التشريع والفقه الاِسلامي غير دراسة تاريخهما.

نعم ثمة فرق بين التشريع والفقه، وإن غفل عنه معظم من كتب في تاريخهما.

أمّا الاَوّل، فيختص بما شرّع في العهد النبوي من الاَحكام طيلة 23 سنة، عن طريق الكتاب والسنّة في مجالي الاَحكام والاَخلاق ممّا يحتاج إليه الفرد المسلم، والاَُسرة المسلمة، والمجتمع المسلم في إطار العمل.

وأمّا الثاني، فهو حصيلة الجهود المضنية التي بذلها الفقهاء بعد رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فيما له صلة بالتشريع، فخلفوا وراءهم ثروة علمية فكرية تمثلت في فتاواهم وآرائهم.

وبما أنّ التشريع الاِسلامي كان منحصراً بفترة خاصة، فلا غرو أن يُقتصر تاريخ التشريع على تلك الفترة القصيرة، ما بين بعثة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى رحيله التي لا تتجاوز عن 23 عاماً، والتي أعقبها غلق باب الوحي والتشريع.

فعلى الباحث في تاريخ التشريع الاِسلامي أن يفصل بين تاريخ التشريع وتاريخ الفقه، ويعطي لكلّ حقّه، ففي تاريخ التشريع يستعرض الآيات والاَحاديث الكفيلة ببيان الاَحكام وأسباب النزول، وما يرجع إليهما من مختلف الجوانب.

وأمّا تاريخ الفقه، فقد بدأ في الفترة التي أعقبت وفاة رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ومرّ بأدوار مختلفة منذ عصر الصحابة والتابعين إلى عصر الفقهاء، وامتد إلى يومنا هذا.


(7)

فقامت نخبة من المحقّقين في القرون الاَخيرة ببذل جهود لتدوين تاريخ الفقه والتشريع الاِسلامي على وجه يُثير إعجاب القارىَ، لاَنّ كلّ واحد أخذ بجانب من جوانب تاريخ ذلك العلم، وهي بين مقتضب ومسهب. فشكر اللّه مساعيهم.

ولكن جهود الفقهاء في القرون الغابرة انصبّت على كتابة تراجم وسِيَـرٍ لفقهاء مختلف النحل، كان لها أثرها الاِيجابي في تصعيد نشاط كتابة تاريخ الفقه، إلاّ أنّها لا تتعدّى طور الترجمة، من دون إيعاز إلى أدوار الفقه، نذكر منها على سبيل الاختصار ما يلي:

فمن تراجم الشافعية:

1. «طبقات الفقهاء» لاَبي إسحاق الشيرازي (المتوفّى476هـ).

2. «طبقات الشافعية الكبرى» لاَبي نصر عبد الوهاب بن عبد الكافي السبكي (المتوفّى771هـ).

3. «طبقات الشافعية» لابن قاضي شهبة (المتوفّى851هـ).

والاَخيران يعمّـان الفقهاء وغيرهم.

ومن تراجم الحنابلة:

1. «طبقات الحنابلة» للقاضي ابن أبي يعلى الفرّاء (المتوفّى526هـ).

2. «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب (المتوفّى795هـ).

3. «المنهج الاَحمد في تراجم أصحاب الاِمام أحمد» لمجير الدين عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الرحمن العليمي(860 ـ 928هـ).


(8)

ومن تراجم المالكية:

1. «ترتيب المدارس» للقاضي عياض (المتوفّى544هـ).

2. «الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب» في تراجم المالكية، لبرهان الدين بن فرجون المالكي (المتوفّى779هـ).

3. «شجرة النور الزكية» لمحمد بن محمد مخلوف (المتوفّى1355هـ).

ومن تراجم الحنفية:

1. «الجواهر المضيّة»لابن أبي الوفاء (المتوفّى 775هـ).

2. «العوائد البهية في تراجم الحنفية» لمحمد اللكهنوي الهندي (المتوفّى1293هـ).

ومن تراجم الاِمامية:

1. «الرجال» لاَبي عمرو الكشي تلميذ العياشي من أعيان القرن الرابع.

2. «الرجال»لاَبي العباس النجاشي (المتوفّى450هـ).

3. «الرجال» لاَبي جعفر الطوسي (المتوفّى 460هـ).

4. «الفهرست» لاَبي جعفر الطوسي أيضاً.

5. «الخلاصة» للعلاّمة الحلّي (المتوفّى 726هـ).

وغيرها من الكتب الموَلّفة في العصور اللاحقة.

وقد عرّف تاريخ التشريع والفقه الاِسلامي: بأنّه العلم الذي يبحث عن حالات الفقه الاِسلامي في عصر الرسالة ومابعده من العصور، وبيان الظروف التي أُنشئت فيها تلك الاَحكام، وبيان ما طرأ عليها، وعن سيرة الفقهاء والمجتهدين ، وما كان لهم من دور في تخريج تلك الاَحكام.


(9)

الحاجة إلى تاريخ الفقه

قد ذكرت لدراسة تاريخ الفقه فوائد علمية جمّة ، منها:

أ. الاطّلاع على الاَساليب الفقهية التي سار على ضوئها الفقهاء، وتنوعت بها مناهجهم ومسالكهم، فلا شكّ انّ الفقه بمختلف أساليبه يهدف إلى أمر واحد، وإنّما الاختلاف في المناهج المتّخذة في الاستنباط والاجتهاد للوصول إليه.

ب. معرفة العوامل التي ساهمت في تقدّم العلم وتطوّره.

ج. الوقوف على الاَسباب المُعيقة لتطوّر الركب الفقهي، كظهور الاَخبارية في القرن الحادي عشر والثاني عشر عند الشيعة، وكإقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع عند السنّة، بيد أنّ العوامل المُعيقة عند الطائفة الاَُولى لم تدم طويلاً، بل زالت بجهاد جهابذة فقهائهم، ولكن مازالت الآثار السلبية للعامل الثاني باقية بين أهل السنّة إلى يومنا هذا.

وثمة ميزة خاصة لتاريخ الفقه، وهو انّ تاريخه غير منفصل عن تاريخ التفسير والحديث، فإنّ الفقه الاِسلامي يستمد مادته من المصدرين الاَساسيين: الكتاب والسنّة، فعلى من يدوّن تاريخ الفقه الاِسلامي، الاِلمام بتاريخ نزول القرآن الكريم وأسبابه، وتصنيفه إلى آيات تهدف إلى بيان المعارف العقلية، إلى أُخرى تستعرض قصص الاَنبياء وسيرتهم وجهادهم ضدّ المشركين، إلى ثالثة تبيّن الاَحكام الشرعية التي تدور عليها رحى الفقه.

ثمّ إنّ مصادر التشريع والمنابع التي يستنبط منها الفقه ليست أمراً متفقاً عليه بين كلا الفريقين، فهناك منابع ومصادر اتّفقت عليها الكلمة، وهناك منابع تعد مصدراً عند طائفة دون أُخرى، فالسنّة تعتمد على القياس والاستحسان وغيرها، مع أنّ الشيعة تنكرها، فصار هذا باعثاً للباحثين في تاريخ التشريع


(10)

الاِسلامي إلى تخصيص فصول بغية بيان مصادر التشريع الاَصلية والتبعية. وقد مرّ تفصيلاً في الجزء الاَوّل.

لقد مرّت الحركة الفقهية بمراحل وأدوار مختلفة،والمهم على عاتق الباحث هو بيان تلك الاَدوار والمراحل.

المناهج المتّبعة في تاريخ الفقه

هناك منهجان متّبعان في تاريخ الفقه:

المنهج الاَوّل: ما تبنّاه الحجوي الثعالبي (1291ـ 1376هـ) (1) في كتابه «الفكر السامي» من تقسيم الفقه إلى أربعة أطوار.

الطور الاَوّل: طور الطفولية، وهو أوّل بعثة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أن توفي.

الطور الثاني: طور الشباب، وهو من زمن الخلفاء الراشدين إلى آخر القرن الثاني.

الطور الثالث: طور الكهولة إلى آخر القرن الرابع.

الطور الرابع: طور الشيخوخة والهرم، وهو ما بعد القرن الرابع إلى الآن. (2)

ويعد كتابه هذا مرجعاً لتاريخ الفقه الاِسلامي، وقد تبعه في هذا المنهج الدكتور محمد يوسف موسى في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي» قائلاً: «الفقه


1 . هو محمد بن الحسن بن العربي بن محمد الحجوي الثعالبي من المالكية السلفية في المغرب، ولد في فاس، ودرس في القرويين، تولّى مناصب حكومية رفيعة في عهد الحماية الفرنسية، توفّي بالرباط ودفن بفاس، له كتب مطبوعة أجلها «الفكر السامي في تاريخ الفقه» أربعة أجزاء و«ثلاث رسائل في الدين» و«النظام في الاِسلام» و«مختصر العروة الوثقى» ذكر فيه شيوخه ومن اتصل بهم. (الاَعلام:6|96).
2 . محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي: الفكر السامي:1|3.


(11)

كائن حي، و من أصدق أمارات الحياة، الحركة والنموّ، فلابدّ له إذن من أن يتحرّك ويتسع هنا وهناك، وليس هذا إلاّ التطوّر الذي ينال كل كائن حي وجد بعد أن لم يكن». (1)

فهذا المنهج يشبّه الفقه بالكائن الحي في مروره بأدوار أربعة، وهذا التقسيم وإن كان لا بأس به، إلاّ انّه لا ينطبق على الواقع، لاَنّ الفقه بعد عصر الضعف وطروء الشيخوخة والهرم أخذ بالانتعاش والتجدّد، وبدأت الحياة تدبّ فيه، خاصّة بعد ظهور فقهاء أخذوا على عاتقهم تجديد الحياة الفقهية بإنشاء مجامع فقهية، ومجالس إفتاء واجتهاد.

المنهج الثاني: ما قام به الشيخ محمد الخضري بك(1289ـ 1345هـ) (2) في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي» حيث صنّف أدوار الفقه طبقاً للاَسباب والاَحداث التي رافقت تكامله وارتقاءه،والتي اقترنت بأسماء جهابذة من الفقهاء الذين لعبوا دوراً هاماً في إغناء التراث الفقهي، ويعد «الخضري بك» من الكتّاب الاَوائل الذين كتبوا في تاريخ الفقه، فقد قال في مقدّمة كتابه:«فإنّي لم أحذ في هذا الكتاب حذو أحد سبقني في هذا الموضوع» كما و قسّم تاريخ الفقه إلى الاَدوار التالية:

1. التشريع في حياة رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - .

2. التشريع في عهد كبار الصحابة من سنة 11 إلى سنة 40 هجرية.


1 . الدكتور محمد يوسف موسى: تاريخ الفقه الاِسلامي:1|25.
2 . محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالخضري، فقيه، أُصولي، موَرّخ، أديب. ولد بالقاهرة، وتخرّج بمدرسة دارالعلوم، وعيّن قاضياً شرعياً في الخرطوم بالسودان، فمدرِّساً في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة مدّة 12 سنة، واستاذاً للتاريخ الاِسلامي في الجامعة المصرية، توفي بالقاهرة في 8 شوال عام 1345، من تصانيفه: أُصول الفقه، تاريخ التشريع الاِسلامي، نور اليقين في سيرة سيد المرسلين. (معجم الموَلّفين:10|295).


(12)

3. التشريع في عهد صغار الصحابة و التابعين لهم بإحسان، وهذا العهد ينتهي بانتهاء القرن الاَوّل من الهجرة.

4. التشريع في العهد الذي صار فيه الفقه علماً من العلوم، وظهر فيه نوابغ الفقهاء، والذين أُلقيت مقاليد الزعامة الدينية إليهم، وتلامذتهم الذين بيّنوا آراءهم من غير أن يكون لهذه النسبة أثر في استقلالهم الفقهي، وينتهي هذا الدور بانتهاء القرن الثالث.

5. التشريع في العهد الذي دخلت فيه المسائل الفقهية في دور الجدل، لتحقيق المسائل المتلقاة من الاَئمّة، وظهور المناظرة والجدل، وينتهي هذا العهد بانتهاء الدولة العباسية في بغداد وإغارة التتر على بلاد الاِسلام.

6. التشريع في عهد التقليد المحض إلى الآن. (1)

وقد تبعه الاَُستاذ المحقّق مصطفى الزرقاء في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال:

إنّ التتبّع التاريخي لحركة الفقه الاِسلامي يوحي بتقسيم المراحل التطورية التي مرّ بها هذا الفقه إلى سبعة أدوار:

1. عصر الرسالة.

2. عصر الخلفاء إلى منتصف القرن الاَوّل الهجري، حيث استتبَّ الاَمر للاَُمويين ونهج معظمهم بسياستهم الداخلية على وفق أهوائهم في الحكم لا على وفق الاَوامر الشرعية.

وهما يمثِّلان المرحلة التمهيدية للفقه الاِسلامي.

3. من منتصف القرن الاَوّل إلى أوائل القرن الثاني حيث استقل علم الفقه


1 . محمد الخضري بك: تاريخ التشريع الاِسلامي: 10.


(13)

وأصبح اختصاصاً ينصرف إليه، وتكوّنت المدارس الفقهية، أي الاجتهادات المسمّـاة بالمذاهب، وهذا الدور هو المرحلة التأسيسية في الفقه.

4. من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع حيث بلغ الفقه أوجه في الاجتهاد والتدوين والتفريع المذهبي، وتم فيه وضع أسس علم أُصول الفقه، وهذا الدور هو دور الكمال في الفقه الاِسلامي.

5. الدور الخامس من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد في أيدي التتار في منتصف القرن السابع. (1) وفيه نشطت حركة التحرير والتخريج والترجيح في المذاهب.

6. منذ منتصف القرن السابع إلى ظهور مجلّة الاَحكـام العدلية ـ التي تمَّ وضعها على يد لجنة من الفقهاء، وصدرت الاِرادة السنية السلطانية بالعمل بها في 26 شعبان عام 1293هـ ـ وهذا الدور هو دور الانحطاط الفقهي.

7. من عهد ظهور المجلة إلى اليوم. (2)

وقد تبعه غير واحد ممّن تأخّر عنه، منهم: الاَُستاذ محمد علي السايس في «تاريخ الفقه الاِسلامي» فقد بيّن الاَدوار بالنحو التالي:

1. الدور الاَوّل: التشريع في عصر الرسول.

2. الدور الثاني: التشريع في عصر الخلفاء الراشدين.

3. الدور الثالث: التشريع بعد عصر الخلفاء إلى أوائل القرن الثاني للهجرة.

4. الدور الرابع: التشريع في أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع


1 . وفي المصدر الرابع، وهو مصحّف.
2 . مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:1|146ـ147.


(14)

الهجري.

5. الدور الخامس: التشريع من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656هـ.

6. الدور السادس: من سقوط بغداد إلى الآن. (1)

وقد تبعه أيضاً الاَُستاذ مناع القطان في كتابه «تاريخ التشريع الاِسلامي» وحيث إنّه يتحد مع ما سبق، فلا نطيل الكلام فيه.

نعم نقل تقسيماً آخر للفقه، رأيت من الواجب الاِشارة إليه:

الدور الاَوّل: عصر التشريع في عصر الرسول والخلفاء.

الدور الثاني: الدور التأسيسي للفقه، ويشمل النتاج الفقهي في العصر الاَُموي،والكلام حول مدرسة الحجاز والعراق.

الدور الثالث: دور النهضة الفقهية، وتأسيس المذاهب، وتدوين الحديث والفقه.

الدور الرابع: دور التقليد وسدّ باب الاجتهاد بعد أن استقرّت المذاهب.

الدور الخامس: دور اليقظة الفقهية وحركة الاِصلاح الديني في الوقت الحاضر لفتح باب الاجتهاد. (2)

كما وتبعه الدكتور عمر سليمان الاَشقر في كتابه «تاريخ الفقه الاِسلامي».(3)


1 . محمد علي السايس: تاريخ الفقه الاِسلامي: 11.
2 . مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 25.
3 . عمر سليمان الاَشقر: تاريخ الفقه الاِسلامي: 40.


(15)

وقفة قصيرة مع كُتّاب تاريخ الفقه

نتقدّم بالشكر و التقدير إلى أصحاب الفضيلة الذين ساهموا مساهمة فعالة في تدوين تاريخ الفقه، وبيان مراحل نشوئه وتكامله منذ عصر الرسالة إلى يومنا هذا، وفي طليعتهم الشيخ الخضري بك حيث إنّه أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه، وتتابعت بعده الكتابات في هذا الصدد، فقد كشفوا النقاب عن وجه الحقيقة وخدموا الفقه الاِسلامي ببيان تاريخه وجذوره وأصالته واستطاعته على إدارة المجتمعات الاِنسانية في جميع الاَزمنة.

ومع التقدير الجزيل والاِكبار لجهودهم إلاّ أنّهم تطرّقوا إلى الفقه الاِسلامي من منظار ضيّق، وتصوّروا انّ الفقه هو الفقه السنّي لا غير، مع أنّ الفقه الاِسلامي حقيقة واحدة ولها مظاهر مختلفة، فالفقه السنّي مظهر من مظاهره،وله مظاهر أُخرى لا تقل عنه أهمية نشير إلى مظهرين منها:

الفقه الاِمامي الاثنا عشري

الفقه الاِمامي تراث فكري فقهي تمتد جذوره إلى عصر الرسالة، وهو حصيلة جهود أُمّة كبيرة من شيعة آل البيت، الذين لم يألوا جهداً في استنباط الاَحكام من الكتاب و السنّة، ومن أهمِّ ما يمتاز به هو سعة منابعه الحديثية بفضل العطاء الوافر للعترة الطاهرة والذي استمر من عصر الرسول إلى عام 260هـ، فيما يفقد الفقه السني هذا المنبع الواسع الزاخر المستمر.

كما انّ من أهمّ ميزاته هو صدوره عن لسان أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - الذين هم عيبة علم الرسول. و من هذه الشجرة الطيبة، الراسخة الجذور، أثمر الفقه الاِمامي،وامتاز عن غيره بأمرين:


(16)

أ. السعة و الشمول من جهة المنبع.

ب. النقاوة وصفاء المصدر.

فقد صنّف فقهاوَهم طيلة 14 قرناً موسوعات وكتباً ورسائل فقهية لا يحصيها إلاّاللّه سبحانه، فكان على هوَلاء الاَساتذة أن ينظروا إلى الفقه الاِسلامي من منظار واسع حتى يقفوا على الفقه الشيعي وميزاته وتاريخه وتطوّره وأدواره.

الفقه الزيدي

ألّف أئمّة المذهب الزيدي موسوعات وكتباً في الفقه الاِسلامي تعرب عن اتصال الفقه ودراسته في البيئات الزيدية، فإهمال هذا الجانب من الفقه تعسّف وعدول عن الحق.

* * *

وممّا يوَسف له قلة التدوين في تاريخ الفقه الشيعي، إلاّ انّه في الفترة الاَخيرة بُذلت محاولات قيّمة من قبل بعض الباحثين من الشيعة لتأليف كتب أو مقالات في هذا المضمار بغية سد هذا الفراغ و ملء هذه الثغرة، فكانت حصيلة نتاجهم كالتالي:

1. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، للعلاّمة الشيخ محمد مهدي الآصفي، طُبعت كمقدمة لكتاب «اللمعة الدمشقية» .

2. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، له أيضاً، طُبعت كمقدمة لكتاب «الرياض» .

3. مقدمة في تاريخ الفقه الاِسلامي، المطبوع مع كتاب «الاَرض في الفقه الاِسلامي» للدكتور السيد حسين المدرسي الطباطبائي.

4. تاريخ الفقه الجعفري، للكاتب القدير السيّد هاشم معروف الحسني.


(17)

5. أدوار الفقه، للعلاّمة محمد إبراهيم الجناتي (بالفارسية).

6. تاريخ الفقه والفقهاء، للدكتور أبو القاسم الكرجي الطهراني (بالفارسية).

7. أدوار الفقه، لمحمود الشهابي أُستاذ في جامعة طهران (بالفارسية).

كلمة أخيرة

قد مضت كلمات الباحثين في تاريخ الفقه السنّي، وقد عرفت من خلالها انّ تاريخ التشريع، غير تاريخ الفقه وتتلخّص حصيلة ما ذكروه ـ مع الاختلاف الجزئي في بيانهم ـ في الاَدوار التالية:

عهد التشريع والوحي (من البعثة إلى الوفاة)


هذا الدور هو الدور التأسيسي للفقه، والموَسّس هو النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على لسان الوحي، وقد بيّن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بفضل ما أُوحي إليه، القواعد والضوابط الفقهية الصالحة للتفريعات الكثيرة حسب الحاجات.

وقد أفرزنا هذا الدور عن بقية أدوار الفقه، وأسمينـاه بـ «العهد التأسيسي للفقه» لاَنّه يعدّ البذرة الاَُولى لظهور الفقه إلىحيّز الوجود، ولاَنّ الدور عبارة عن التطوّرات التي توالت على الفقه بعد وجوده فلا يعمُّ عصر التأسيس، وهذا ما نتطرّق إليه عند دراسة أدوار الفقه الشيعي فقط.

الدور الاَوّل: عصر الصحابة والتابعين (من رحيل النبي

- صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أوائل القرن الثاني)

لمّا لحق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بالرفيق الاَعلى واجه المسلمون أحداثاً لم يجدوا لها حلولاً في المصدرين الرئيسيين، ولذلك ابتكروا أساليب ظنية وإن


(18)

كانت بعضها مرفوضة عند أئمّة أهل البيت وشيعتهم.

وفي هذا الدور كثر تردّد الناس إلى الصحابة والتابعين بغية الوقوف على أجوبة المسائل الفقهية التي كانت في معرض ابتلائهم ـ حينها ـ أخذ النشـاط الفقهي يشق طريقه من خلال طرح الاَسئلة على مختلف الاَصعدة وصياغة الاَجوبة على ضوئها، على الرغم من عدم ظهور المذاهب الفقهية آنذاك، ودام هذا الدور إلى أوائل القرن الثاني.

الدور الثاني: عصر ظهور المذاهب الفقهية (أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع)


لقد أثمرت الجهود المضنية في هذا الدور إلى تأسيس مذاهب فقهية اتّسمت باسلوب خاص، كتب لبعضها البقاء إلى يومنا هذا وللآخر الفناء والاندثار، ودام هذا الدور من أوائل القرن الثاني إلى أوائل القرن الرابع حيث بلغ الفقه السنّي فيه ذروته وفيه وضعت أُصول الفقه التي تهيِّىَ المجتهد للاستنباط، وهي بالنسبة إلى الفقه الاجتهادي كالمنطق بالنسبة إلى الفلسفة، فكما انّ الثاني يعين الفيلسوف على التفكير الصحيح في المسائل الفلسفية، فكذلك أُصول الفقه تعين المجتهد على الاستنباط الصحيح.

الدور الثالث: عصر توقف الحركة الاجتهادية (أوائل القرن الرابع إلى أواسط القرن السابع)


لمّا ظهرت المذاهب الفقهية في العراق و الشام ومصر والحجاز كان للبعض منها حظ وافر للبقاء والاستمرار، كالمذاهب الاَربعة، بفضل جهود دعاته وأتباعه الّذين سعوا في تكامله وارتقائه بكثرة التخريج والتفريع على وجه لم


(19)

يكن له مثيل في الاَعصار السابقة، فأُلّفت في هذه الفترة موسوعات فقهية كثيرة تحمل ذلك الطابع، وقد دام هذا الدور من أوائل القرن الرابع إلى أواسط القرن السابع الذي تزامن مع سقوط بغداد على أيدي التتر.

الدور الرابع: عصر الانحطاط الفقهي (أواسط القرن السابع إلى أواخر القرن الثالث عشر)


كانت نهاية القرن السادس والقرنان اللّذان أعقباه عصر البوَس والدمار وبالتالي شرّ القرون وأسوأها، فقد حلّت بالمسلمين فجائع ونكبات لم يُسجِّل التاريخ نظيرها لاَُمّة من الاَُمم، فبينما كانت الحروب الصليبية لا تزال طاحنة ومشتعلة في أواخر القرن السادس، يواجه فيها المسلمون الانتصارات تارة والاِخفاقات أُخرى، إذ بدأت الحملات الشرسة من جانب الشرق على يد التتار والمغول، فكانت نهاية الحروب الصليبية بداية للحروب الوثنية ممّا يعكس التعاون الوثيق بين الصليبية والوثنية على تدمير الحضارة الاِسلامية.

ولمّا استقرّ الحكم المغولي في الاَمصار الاِسلامية أخذ يحرّك دفّة العلم تجاه العلوم الطبيعية والرياضية وأخيراً العقلية، فصار الغور في هذه الموضوعات الشغل الشاغل لاَكثر العلماء في تلك الفترة، وقلّ الاهتمام والعناية بالفقه.

فأخذ الفقه بالضمور والخمود والاكتفاء بنقل ما في الكتب الفقهية للمذاهب دون مناقشة، ففقد الفقه على إثرها مقامه الشامخ في الاَوساط العلمية.

وكانت وظيفة الفقيه في تلك الاَعصار مجرّد تدريس المتون الفقهية والتحشية والتعليق عليها دون أن يخرج عن إطار المذهب الذي ينتحله.

واستمر الوضع على هذا المنوال إلى أواخر القرن الثالث عشر.


(20)

الدور الخامس: عصر إعادة النشاط الفقهي (أواخر القرن الثالث عشر وحتى يومنا هذا)


إنّ تلاقح الحضارتين الاِسلامية والغربية كان له أثر مهم في نشاط التقنين على الاَصعدة الثلاثة: المدني والجنائي والاِداري، فسار الفقه السنّي سيراً حثيثاً وراء تلك الحركة، وأخذ باستعادة نشاطه، وخلع ثوب الركود عن نفسه بفتح فروع فقهية في الجامعات و الموَسسات التعليمية، وعقد الموَتمرات ، كما وأُلّفت موسوعات فقهية، والركب بعدُ مادام سائراً.

هذه هي الاَدوار التي مرّ بها الفقه السني.

وأمّا الفقه الشيعي، فله أدوار سبعة لكلّ ميزته الخاصة به، وإليك الاِشارة إلى عنوان كل دور :

الدور الاَوّل : عصر النشاط الحديثي والاجتهادي (11ـ260هـ).

الدور الثانــي: عصر منهجة الحديث والاجتهاد(260ـ460هـ).

الدور الثالـث: عصر الركود (460ـ حوالي 600هـ).

الدور الرابــع: تجديد الحياة الفقهية (600ـ1030هـ).

الدورالخامـس: ظهور الحركة الاَخبارية(1030ـ 1180هـ).

الدور السادس: تصعيد النشاط الفقهي (1180ـ 1260هـ).

الدور السابــع: عصر الاِبداع الفقهي (1260ـ إلى وقتنا الحاضر).

ونبدأ أوّلاً بدراسة أدوار الفقه السنّي على وجه الاِيجاز:


(21)

أدوار الفقه السنّي

1

الدور الاَوّل

عصر الصحابة والتابعين

(من رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى أوائل القرن الثاني)

ارتحل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الرفيق الاَعلى تاركاً للأُمّة الكتاب والسنّة، وجعل العترة الطاهرة هي المرجع في تفسير الكتاب وتبيين السنّة حيث قال - صلى الله عليه وآله وسلم - :«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».

ولكنَّ المسلمين افترقوا بعده إلى طائفتين، فمنهم من أخذ بالكتاب واقتصر من السنّة بما حفظه الصحابة بلفظه أو فعله، أو تقريره، ومنهم من أخذ بالكتاب والسنّة المروية ولم يقتصر عليهما بل رجع إلى أئمّة أهل البيت فيما يفسّرون به إجمال الكتاب وفيما يروون من سنّة النبي التي لم تصل إليهم عن طريق الصحابة.وبذلك انشقت عصا المسلمين وانقسموا إلى طائفتين مختلفتين، وبدأ الفقه ينهج منهجين، وينحو نحوين، وحيث إنّ غرضنا من وراء البحث هو تسليط الاَضواء على معالم الفقه السنّي، فنستعرضه بعد استعراض سير الفقه في عصر الصحابة والتابعين.

عاد المسلمون بعد رحيله - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى القرآن والسنّة فيما يحتاجون إليه على صعيد الفقه والاَحكام العملية، ولمّا لم يجدوا حلولاً شرعية للحوادث المستجدة، دأبوا على علاج هذا الوضع بصياغة قواعد وضوابط تعينهم على وضع الحلول المناسبة،


(22)

وشكّلت فيما بعدُ النواةُ الاَُولى لنمو الفقه وتكامله على ضوء ما تصوّروه حلاً شرعياً، وكلّما تقدم بهم الزمان أينعت تلك الشجرة الفقهية وكثرت فروعها وثمارها دون أن تصب في قالب مذهب خاص.

وقبل استعراض أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا لابدّ أن نسلط الاَضواء على عدّة اصطلاحات وما ينطوي عليها من معانٍ ليتسنّى للقارىَ الكريم الوقوف عليها.

الفقه لغة واصطلاحاً

الفقه بمعنى الفهم، ويدلّ عليه قوله سبحانه، حكاية عن موسى - عليه السّلام - : "وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني* يَفْقَهُوا قَوْلِي "(1) أي يُفهم قولي.

وقال سبحانه في شأن الكفار: "فَمالِ هوَلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً" (2) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ الفقه بمعنى الفهم وهو واضح لا يحتاج إلى بيان.

وقد غلب إطلاقه على لسان الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - في علم الدين دون غيره من العلوم، قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : «نضَّر اللّه امرأً سمع منّا حديثاً فحفظه حتى يُبلِّغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه». (3)

ومن المعلوم أنّ حديث الرسول لم يكن مختصاً بالفقه المصطلح عليه في عصورنا المتأخرة، بل يعمُّ كلَّ ما يوَثر عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في المجالات المختلفة.

كما أنّ لفظة الفقهاء قد استعملت بمعنى الفهماء في الدّين، روى البخاري


1 . طه: 27 ـ 28.
2 . النساء: 78.
3 . ابن الاَثير: جامع الا َُصول: 8|18 ح 5848.


(23)

في كتاب «مناقب الاَنصار» عن أنس بن مالك قال: قال ناس من الاَنصار حين أفاء اللّه على رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي رجالاً المائة من الاِبل، فقالوا: يغفر اللّه لرسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي قريشاً و يتركنا و سيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدّث رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - بمقالتهم، فأرسل إلى الاَنصار، فجمعهم في قبّة من أدمٍ ولم يدع معهم غيرهم، فلمّا اجتمعوا قام النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟».

فقال فقهاء الاَنصار: أمّا روَساوَنا يا رسول اللّه فلم يقولوا شيئاً، وأمّا ناس منّا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر اللّه لرسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. (1)

وممّا يدلّ على أنّ الفقيه في الصدر الاَوّل بمعنى صاحب البصيرة في الدين، أنّ الحسين بن علي - عليهما السلام - وصف حبيب بن مظاهر الاَسدي بالفقيه، وكتب إليه من كربلاء وهو بالكوفة بالنحو التالي:

«من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر. أمّا بعد يا حبيب فإنّك تعلم قرابتنا من رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وأنت أعرف بنا من غيرك، وأنت ذو شيمة وغيرة، فلا تبخل علينا بنفسك يجازيك جدي رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم القيامة». (2)

وربّما يجعل اسم القرّاء مقابلاً لاسم الفقهاء، روى مالك في موطئه، عن يحيى بن سعيد، أنّ عبد اللّه بن مسعود قال لانسان:«إنّك في زمان كثير فقهاوَه، قليل قرّاوَه، تحفظ فيه حدود القرآن، وتضيّع حروفه، قليل من يسأل، كثير من


1 . صحيح البخاري: 5|200 ح8، باب غزوة الطائف.
2 . مصطفى الحائري: بلاغة الحسين: 70.


(24)

يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويَقْصُـرون الخطبة، يُبدُّون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاوَه، كثير قرّاوَه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيّع حدوده كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدُّون أهواءهم قبل أعمالهم». (1)

وقد عرّف الفقيه في غير واحد من الروايات بالنحو التالي:

1. الفقيه الذي لا يُقنّط الناس من رحمة اللّه. (2)

2. الفقيه كل الفقيه الذي لم يقنط. (3)

وروى البخاري: أنّ عبد الرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بمنى في آخر حجّة حجّها عمر، فوجدني، فقال عبد الرحمن: يا أمير الموَمنين، إنّ الموسم يجمعُ رعاع الناس، وإنّي أرى أن تُمهل حتى تَقدم المدينة فإنّها دار الهجرة والسنّة، وتخلص لاَهل الفقه واشراف الناس و ذوي رأيهم. قال عمر: لاَقومَنَّ في أوّل مقام أقومُه بالمدينة. (4)

كلّ ذلك يعرب عن أنّ لفظة الفقيه في الصدر الاَوّل أُطلقت على صاحب البصيرة في الدين، نعم، غلب استعمالها في القرن الثالث أو قبله في العارف بالاَحكام الشرعية الذي سبر أغوارها، وقد ذكر ابن خلدون«أنّ اسم القرّاء يطلق على أهل الفتيا والفقه من الصحابة». (5)

ويوَيده رواية الصدوق في أماليه، بسنده عن السكوني، عن الصادق عن


1 . مالك: الموطأ: 120، برقم 418، جامع الصلاة.
2 . البحار: 78|94.
3 . البحار: 78|74.
4 . صحيح البخاري: 5|85 ح5، باب مقدم النبي وأصحابه المدينة.
5 . مقدمة ابن خلدون: 2|1011.


(25)

آبائه - عليهم السلام - أنّه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي، وإذا فسدا فسدت أُمّتي: الاَُمراء والقرّاء». (1)

الفتوى لغة واصطلاحاً

الفتوى هي الاسم من قولك: أفتاه في الاَمر: أبان له، ويقال أيضاً أفتيت فلاناً روَيا رآها: إذا عبّرتها له. ويقال أفتيته في مسألة إذا أجبته عنها.

ويقال: إنّ قوماً تفاتوا إليه: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه بالفتياء. (2)

وقال ابن الاَثير: إنّ أربعة تفاتوا إليه - عليه السّلام - أي تحاكموا، من الفتوى يقال: أفتاه في المسألة يفتيه، إذا أجابه، والاسم الفتوى. (3)

يتبين من خلال سرد تلك المعاني أنّ الفتوى بمعنى إجابة السوَال، قال سبحانه:"يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ" (4) أي يسألونك، فالاستفتاء هو السوَال عن الحكم والاِفتاء هو تبيينه.

قال سبحانه:"فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا" . (5)

وقال سبحانه: "فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُون" . (6)

كان الاِفتاء هو الاِجابة عن السوَال، فالكلمة جاءت بمعنى واحد في فتوى


1 . البحار: 75|340.
2 . لسان العرب: 15|147.
3 . النهاية: 3|411.
4 . النساء: 176.
5 . الصافات: 11.
6 . الصافات: 149.


(26)

الصحابة والتابعين والفقهاء، والجميع يجيبون عن السوَال ويفتون بالحكم، بيد أنّ إجابة الطائفتين الاَُوليين كانت تقتصر على الكتاب والسنّة غالباً، خلافاً لفتوى الفقهاء حيث يطعّموها بالاِمعان و النظر في مصادر التشريع أكثر ممّا عليه الصحابة والتابعون.

وقد واجه الفقهاء عبر تقدّم الزمان مستجدّات تتطلّب مزيد إمعان ونظر بغية الاِجابة عنها حتى أضحت الهوّة عميقة بين من تصدّى للاِفتاء في العصور الاَُولى ومن تصدّى له في العصور المتأخّرة، لا يجمعها سوى لفظ الاِفتاء مع اختلافهم في سعة التفكير وضيقه وقلّة القواعد المستفادة وكثرتها.

إنّ مقام الاِفتاء منصب خطير لا يتصدى له إلاّ من امتحن اللّه قلبه وشرح اللّه صدره، كيف و هو المنصب الذي تولاه هو سبحانه كما في الآية المباركة، وفي قوله: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهنَّ" . (1)

وممّا لا يشكّ فيه ذو مسكة انّ الاَُمّة الاِسلامية على مرِّ الاَجيال والاَعصار بحاجة ماسّة إلى الاِجابة عن أحكام الموضوعات سواء أكانت واردة في ظاهر الكتاب و السنّة الذي يفهمه من رجع إليهما أو كانت بحاجة إلى إمعان وتفكير.

ثمّ إنّ الذين بذلوا جهودهم في وضع الحلول لهذه المشاكل هم الصحابة ويليهم التابعون على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم في الفقه وفي حفظ الكتاب والسنّة وفطنتهم في ردّ الفروع إلى الاَُصول.

وإليك قائمة بأسماء الصحابة الذين أُخذت عنهم الفتيا، وكان لهم دور في ظهور الفقه على صعيد الحياة.


1 . النساء: 127.


(27)

الصحابة الذين رويت عنهم الفتيا

رجع المسلمون بعد رحيل رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الصحابة، وأخذوا عنهم سنّة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وأقواله.

والصحابة في نقل الاَحاديث بين مكثر ومتوسط ومقل.

وقد جمع أسماءهم أبو محمد علي بن حزم الاَندلسي الظاهري (383 ـ 456هـ) في كتابـه «الاِحكام في أُصول الاَحكام» وإليك أسمـاءهم حسب ما ذكره:

المكثرون من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا

1. عائشة أُمّ الموَمنين، 2. عمر بن الخطاب، 3. ابنه عبد اللّه، 4. علي بن أبي طالب، 5. عبد اللّه بن العباس، 6. عبد اللّه بن مسعود، 7. زيد بن ثابت.

وهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كلّ واحد منهم سفر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون فتيا عبد اللّه بن العباس في عشرين كتاباً، وأبو بكر المذكور أحد أئمّة الاِسلام في العلم والحديث.

المتوسطون من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا

1. أُمّ سلمة أُمّ الموَمنين، 2. أنس بن مالك، 3. أبو سعيد الخدري، 4. أبو هريرة، 5. عثمان بن عفان، 6. عبد اللّه بن عمرو بن العاص، 7. عبد اللّه ابن الزبير، 8. أبو موسى الاَشعري، 9. سعد بن أبي وقاص، 10. سلمان الفارسي، 11. جابر بن عبد اللّه، 12. معاذ بن جبل، 13. أبو بكر الصديق.


(28)

فهم ثلاثة عشر فقط، يمكن أن يجمع من فتيا كل امرىَ منهم جزء صغير جدّاً ويضاف أيضاً إليهم: طلحة والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن الحصين، وأبوبكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان.

ويثبت هذا النص انّ مراجع الفتيا من الصحابة لا يتجاوز عن 27 شخصاً.

وأمّا المقلّون فيقول ابن حزم فيهم:

لا يروى عن الواحد منهم إلاّ المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك، ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصّي والبحث، ثمّ ذكر أسماءهم.

أقول: إذا كان المقلّون بهذه الدرجة الضئيلة من العلم والضبط، فلا حاجة إلى ذكر أسمائهم وإن ذكر ابن حزم أسماءهم واحداً تلو الآخر، وتبعه ابن قيم الجوزية في «إعلام الموقعين». (1)

قال بعد نقل أسماء المقلّين عن ابن حزم: فهوَلاء من نقلت عنهم الفتوى من أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وما أدري بأي طريق عدّ معهم أبو محمد: الغامدية وماعزاً، ولعلّه تخيّل انّ إقدامهما على جواز الاِقرار بالزنا من غير استئذان لرسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - في ذلك هو فتوى لاَنفسهما بجوازالاِقرار، وقد أُقرّا عليها، فإن كان تخيل هذا فما أبعده من خيال، أو لعلّه ظفر عنهما بفتوى في شيء من الاَحكام.(2)

هذا وقد ذكر ابن واضح الاَخباري (المتوفّى نحو290هـ) فقهاء عصر عثمان بن عفان الذين هم في الرعيل الاَوّل من الصحابة وقال: وكان الفقهـاء في


1 . ابن حزم: الاحكام:5|87ـ 88؛ ابن قيم: اعلام الموقعين:1|12،ولا يذهب عليك انّ ابن قيم قدّم من أخّرهم ابن حزم في نقل الاَسماء وأخّر من قدّمهم.
2 . ابن القيم: اعلام الموقعين:1|14.


(29)

أيامــه:

1. أمير الموَمنين علي بن أبي طالب - عليه السّلام - ، 2. عبد اللّه بن مسعود، 3. أُبيّ بن كعب، 4. زيد بن ثابت، 5. أبو موسى الاَشعري، 6. عبد اللّه بن عباس، 7. أبو الدرداء، 8. أبو سعيد الخدري، 9. عبد اللّه بن عمر، 10. سلمان بن ربيعة الباهلي. (1)

لقد كانت المدينة المنوّرة في حكم الخليفة الاَوّل وفترة من حكم الخليفة الثاني مكتظة بالصحابة على الرغم من أنّ الرقعة الاِسلامية كانت آنذاك آخذة بالتوسّع، وقد أتاحت لهم عوامل للانتشار في الاَمصار الاِسلامية، فأقام عبد اللّه ابن مسعود وعلي بن أبي طالب في الكوفة وانتشر الحديث والفقه فيها حتى انتسب إليهما من تخرّج من تلك المدرسة فيما بعد كإبراهيم بن يزيد النخعي (المتوفّـى 96هـ) وحمّاد بن أبي سليمان تلميذ النخعي (المتوفّى120هـ) وتلميذه الاِمـام أبي حنيفــة (المتوفّـى150هـ) وتلميذيـه محمد بن حسـن الشيباني (المتوفّـى 189هـ) وأبي يوسف القاضي (المتوفّـى182هـ) موَلّف كتاب الخراج.

كما نزل أبو موسى الاَشعري بالبصرة، ومعاذ بن جبل بالشام، وعبد اللّه بن عباس بمكة، وعبد اللّه بن عمرو بن العاص بمصر، فأخذ عنهم أهل تلك البلاد في مضمار الحديث والفقه.

إنّ أبا إسحاق الشيرازي الشافعي ذكر في كتابه«طبقات الفقهاء»، فقهاء الصحابة وأسماءهم بالنحو التالي:

1. أبو بكر بن أبي قحافة.

2. أبو حفص عمر بن الخطاب.


1 . ابن واضح الاَخباري: التاريخ:2|166.


(30)

3. أبو عبد اللّه عثمان بن عفان

4. أبو الحسن علي بن أبي طالب.

5. أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن مسعود.

6. أبو موسى عبد اللّه بن قيس الاَشعري.

7. أبو المنذر أُبيّ بن كعب.

8. أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل.

9. أبو سعيد زيد بن ثابت.

10. أبو الدرداءعويمر بن مالك.

11. عائشة بنت أبي بكر.

12. أبو العباس عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب.

13. أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب.

14. أبو بكر عبد اللّه بن الزبير بن العوام.

15. أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن العاص.

16. أبو حمزة أنس بن مالك.

وذكر من النساء: فاطمة - عليها السلام - بنت رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، وحفصة بنت عمر، وأُمّ سلمة، وأُمّ حبيبة، وأسماء بنت أبي بكر، وأُمّ الفضل بنت الحارث، و أُمّ هاني بنت أبي طالب.

وقال: وانقرض عصر الصحابة مابين 90 إلى 100، قال الواقدي (المتوفّى207هـ): آخر من مات من الصحابة بالكوفة عبد اللّه بن أبي أوفى سنة 86، وآخر من مات بالمدينة من الصحابة سهل بن سعد الساعدي سنة 91 وهو


(31)

ابن مائة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة أنس بن مالك سنة 91 وقيل 93، وآخر من مات بالشام من الصحابة عبد اللّه بن يسر سنة 88، وكان أبو الطفيل عامر بن وائلة رأى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وكان آخر من رآه موتاً، مات بعد سنة مائة، وكان صاحب راية المختار. (1)

التابعون الذين رويت عنهم الفتيا

إنّ ابن حزم الاَندلسي في «الاِحكام» وابن واضح الاَخباري في «تاريخه» قد ذكرا من أُخذت عنهم الفتيا بعد الصحابة، وقد ضبط ابن حزم أسماءهم على حسب الاَماكن كمكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر؛ ولكن الثاني ذكرهم حسب أيام خلافة الخلفاء، فذكر فقهاء أيام خلافة عثمان، ثمّ فقهاء أيام خلافة معاوية (2) ثم فقهاء أيام خلافة عبد الملك بن مروان، ثمّ فقهاء أيّام خلافة الوليد ابن عبد الملك، ثمّ فقهاء أيام خلافة سليمان بن عبد الملك، ثمّ فقهاء أيام خلافة عمر بن عبد العزيز، ثمّ فقهاء أيام خلافة هشام بن عبد الملك، ثمّ فقهاء أيام خلافة مروان بن محمد بن مروان، ثمّ فقهاء خلافة أبي جعفر المنصور، ثمّ فقهاء أيّام خلافة المهدي ثمّ فقهاء أيّام خلافة موسى بن المهدي، ثمّ فقهاء أيّام خلافة محمد الاَمين. (3)

وبين المذكورين في «الاحكام» والمذكورين في «التاريخ» عموم وخصوص من وجه، فقد اتّفقا على نقل جمع وانفرد كل في نقل البعض الآخر. وبما انّ نقل كلّ ما ذكراه يطيل بنا الكلام نقتصر على ذكر مشاهير المفتين حسب البلدان.


1 . طبقات الفقهاء:18ـ34.
2 . ابن واضح الاَخباري: التاريخ: 2|228.
3 . ابن واضح الاَخباري: التاريخ: 3|28، 36، 43، 48، 72، 102، 128، 140، 168، 178.


(32)

أهل الفتيا في مكة المكرمة

ذكر ابن حزم الفقهاء التابعين القاطنين في مكة المكرمة، منهم:

1.عطاء بن رباح مولى أُم كرز الخزاعية، 2. طاووس بن كيسان الفارسي، 3. الاَسود والد عثمان بن الاَسود، 4. مجاهد بن جـبر، 5. عبيد بن عمير الليثي، 6. ابنه عبد اللّه بن عبيد، 7. عمرو بن دينار، 8. عبد اللّه بن أبي مليكة، 9. عبد اللّه ابن سابط (1)، 10 . عكرمة مولى ابن عباس.

ثمّ 11. أبو الزبير المكي (2) 12. عبد اللّه بن خالد بن أسيد بن أبي العيص ابن أُمية، 13. عبد اللّه بن طاووس.

ثمّ بعدهم: 14. عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، 15. سفيان بن عيينة(وكان أكثر فتياه في المناسك) (3) وكان يتوقّف في الطلاق.

ثمّ16. مسلم بن خالد الزنجي، 17. سعيد بن سالم القداح.

ثمّ 18. محمد بن إدريس الشافعي.

ثمّ 19. ابن عمه إبراهيم بن محمد الشافعي، 20. أبو بكر عبد اللّه بن الزبير الحميدي، 21. أبو الوليد موسى بن أبي الجارود.

ثمّ 22. أبو بكربن أبي مسرّة.

ثمّ غلب عليهم تقليد الشافعي إلاّ من لا نقف الآن على اسمه منهم.


1 . كذا في الاِحكام، وفي إعلام الموقعين: عبد الرحمن بن سابط.
2 . ما نذكره في هذا المقطع هم فقهاء من الطبقة الثانية، وهكذا كلّ طبقة جاء ذكرها بـ«ثم» فهي علامة على الطبقة التالية.
3 . هكذا في الاَصل لكن في إعلام الموقعين(وكان أكثر فتواهم).


(33)

أهل الفتيا في المدينة المنورة

اشتهر بين التابعين في المدينة المنورة فقهاء سبعة، وقد ذكرهم ابن حزم بالنحو التالي:

1. سعيد بن المسيب المخزومي، 2. عروة بن الزبير بن العوّام، 3. القاسم ابن محمد بن أبي بكر، 4. عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة، 5. خارجة بن زيد بن ثابت، وأخذ عن أبيه. (1)

6. أبوبكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، 7. سليمان بن يسار.

وهوَلاء هم الفقهاء السبعة المشهورون في المدينة. (2)

وقد جمعهم الناظم بقوله:

إذا قيل من في العلم سبعة أبحر * روايتهم ليست عن العلم خارجهْ
فقل: هم عبيد اللّه، عروة، قاسم * سعيد، أبوبكر، سليمان، خارجهْ (3)

ثمّ ذكر ابن حزم جماعة من المدنيين ممّن أخذ عنهم الفتيا، واختار ابن القيم منهم الجماعة التالية:

1. أبان بن عثمان، 2. سالم بن عبد اللّه بن عمر، 3. نافع مولى ابن عمر، 4. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، 5. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم السلام - ، 6. أبوبكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابناه محمد وعبد اللّه،


1 . سقط العاطف في «الاحكام».
2 . ابن حزم الاَندلسي: الاحكام:5|90.
3 . كما في إعلام الموقعين: 1|23.


(34)

7. عبد اللّه بن عمر بن عثمان وابنه محمد، 8. عبد اللّه والحسين ابنا محمد بن الحنفية، 9. جعفر بن محمد بن علي ، 10. عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، 11. محمد بن المنكدر، 12. محمد بن شهاب الزهري.

وجمع محمد بن نوح فتاويه في ثلاثة أسفار ضخمة على أبواب الفقه وخلق سوى هوَلاء. (1)

والعجب انّ ابن قيم الجوزية اسقط اسم الاِمام الباقر محمد بن علي بن الحسين - عليهم السلام - كما أسقط اسم عبد اللّه بن الحسن بن الحسين المعروف بالفقيه وقد أثبتهما ابن حزم، وهذه شنشنة أعرفها من كلّ من يبخس حقوق العترة الطاهرة.

أهل الفتيا في البصرة

وقد ذكر ابن حزم ما يربو على 57 فقيهاً من التابعين القاطنين في البصرة، واختار ابن القيم منهم ما يلي:

1. عمرو بن سلمة الجرمي، 2.أبومريم الحنفي، 3. كعب بن سود، 4. الحسن البصري (وأدرك 500 من الصحابة وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة أسفار ضخمة)، 5. أبو الشعثاء جابر بن زيد، 6. محمد بن سيرين، 7. أبو قلابة عبد اللّه بن زيد الجرمي، 8. مسلم بن يسار، 9. أبو العالية، 10. حميد بن عبد الرحمن، 11. مطرف بن عبد اللّه الشخِّير، 12. زرارة بن أبي أوفى، 13. أبو بردة بن أبي موسى.

ثمّ بعدهم 14. أيوب السختياني، 15. سليمان التيمي، 16. عبد اللّه بن عوف و يونس بن عبيد، 17. القاسم بن ربيعة، 18. خالد بن أبي عمران، 19.


1 . ابن قيّم الجوزية: إعلام الموقعين: 1|23.


(35)

أشعث بن عبد الملك الحمراني، 20. قتادة، 21. حفص بن سليمان، 22. إياس بن معاوية القاضي.

وبعدهم 23. سوّار القاضي، 24. أبو بكر العتكي، 25. عثمان بن سليمان البتي، 26. طلحة بن أياس القاضي، 27. عبيد اللّه بن الحسن العنبري، 28. أشعث بن جابر بن زيد.

ثمّ بعد هوَلاء 29. عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، 30. سعيد بن أبي عروبة، 31. حماد بن سلمة، 32. حماد بن زيد، 33. عبد اللّه بن داود الحرشي، 34. إسماعيل بن عُلية، 35. بشر بن المفضل، 36. معاذ بن معاذ العنبري، 37. معمر بن راشد، 38. الضحاك بن مخلد، 39. محمد بن عبد اللّه الاَنصاري.

أهل الفتيا في الكوفة

وقد ذكر ابن حزم من فقهاء التابعين القاطنين في الكوفة مايربو على السبعين فقيهاً، وقد اختار منهم ابن قيم ما يلي:

1. علقمة بن قيس النخعي، 2. الاَسود بن يزيد النخعي، 3. عمرو بن شرحبيل الهمداني، 4. مسروق بن الاَجدع الهمداني، 5. عبيدة السلماني، 6. شريح ابن الحارث الكندي القاضي، 7. سلمان (1) بن ربيعة الباهلي، 8. زيد بن صوحان، 9. سويد بن غفلة، 10. الحارث بن قيس الجعفي،11. عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي، 12. عبد اللّه بن عتبة بن مسعود القاضي، 13. خيثمة بن عبد الرحمن، 14. سلمة بن صهيب، 15. مالك بن عامر أبو الاَخوص، 16. عبد اللّه بن سخيرة. (2) 71. زرّ بن حبيش الاَسدي، 18. خلاّس بن عمرو، 19. عمرو


1 . في المصدر سليمان، وما أثبتناه من الاِحكام.
2 . في المصدر سخبرة، وما أثبتناه من الاِحكام.


(36)

ابن ميمون الاَودي، 20. همام بن الحارث، 21. الحارث بن سويد، 22. يزيد (1) ابن معاوية النخعي، 23. الربيع بن خيثم، 24 . عتبة بن فرقد السلمي، 25. صلة بن زفر العبسي، 26. شريك بن حنبل، 27. أبو وائل شقيق بن سلمة الاَسدي ، 28. عبيد بن نضلة.

وهوَلاء أصحاب علي وابن مسعود:

وأكابر التابعين كانوا يفتون في الدين ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك، وأكثرهم أخذ عن: عمر وعائشة وعلي، ولقي عمر بن ميمون الاَودي معاذ بن جبل، وصحبه وأخذ عنه وأوصاه معاذ عند موته أن يلحق بابن مسعود فيصحبه ويطلب العلم عنده ففعل ذلك.

ويضاف إلى هوَلاء 29. أبو عبيدة، 30. وعبد الرحمن ابنا عبد اللّه بن مسعود، 31. عبد الرحمن بن أبي ليلى الاَنصاري، وأخذ عن مائة وعشرين من الصحابة، 32. ميسرة، 33. زاذان، 34. الضحاك المسرفي.

ثمّ بعدهم 35. إبراهيم النخعي، 36. عامر الشعبي، 37. سعيد بن جبير، 38. القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مسعود الهذلي، 39. أبو بكر بن أبي موسى الاَشعري، 40. محارب بن دثار السدوسي، 41. الحكم بن عتيبة، 42. جبلة بن سحيم الشيباني.

ثمّ بعدهم 43. حماد بن أبي سليمان، 44. سليمان بن المعتمر (2) 45. سليمان الاَعمش، 46. مسعر بن كدام الهلالي.


1 . كذا في المصدر، ولكنه في الاحكام: زيد.
2 . هكذا في المصدر، وفي الاحكام منصور بن المعتمر، كما أسقط ابن قيم اسم المغيرة بن مقسم الضبي.


(37)

ثمّ بعدهم 47. محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، 48. عبد اللّه بن شبرمة، 49.سعيد بن أشوع، 50. شريك القاضي النخعي، 51. القاسم بن معن، 52. سفيان بن سعيد الثوري، 53. أبو حنيفة النعمان بن ثابت، 54. الحسن بن صالح بن حي.

ثمّ بعدهم 55. حفص بن غياث، 56. وكيع بن الجراح. وأصحاب أبي حنيفة: 57. أبو يوسف القاضي، 58. زفر بن الهذيل. (1) 59. حماد بن أبي حنيفة، 60. الحسن بن زياد اللوَلئي القاضي، 61. محمد بن الحسن قاضي الرقة، 62. عافية القاضي، 63. أسد بن عمرو، 64. نوح بن دراج القاضي. وأصحاب سفيان الثوري: 65. الاَشجعي، 66. المعافى بن عمران. وصاحبي الحسن بن حي. (2)

67. يحيى بن آدم.

أهل الفتيا في الشام

وقد ذكر ابن حزم من فقهاء الشام ما يربو على 26 فقيهاً من التابعين ذكرهم ابن قيم بالنحو التالي:

1. أبو إدريس الخولاني، 2. شرحبيل بن الصمت (3) 3. عبد اللّه بن أبي زكريا الخزاعي، 4. قبيصة بن ذوَيب الخزاعي، 5. حبان بن أُمية (4) 6. سليمان بن حبيب المحاربي، 7. الحارث بن عمير (5) الزبيدي، 8. خالد بن معدان، 9. عبد الرحمن بن غنم الاَشعري، 10. جبير بن نفير.


1 . كذا في المصدر، وفي الاحكام: زفر بن الهزيل.
2 . كذا في المصدر، وفي الاحكام: حميد الروَاسي.
3 . في المصدر السمط و ما أثبتناه من الاِحكام.
4 . كذا في المصدر، ولكنه في الاحكام: جنادة بن أبي أُمية.
5 . كذا في المصدر،وفي الاحكام: كحميرة.


(38)

ثمّ كان بعدهم 11. عبد الرحمن بن جبير بن نفير، 12. مكحول، 13. عمر بن عبد العزيز، 14. رجاء بن حيوة، 15. عبد الملك بن مروان، يعد في الفقهاء قبل أن يلي ما ولى، 16. حدير بن كريب.

ثمّ كان بعدهم 17. يحيى بن حمزة القاضي، 18. أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الاَوزاعي، 19. إسماعيل بن أبي المهاجر، 20. سليمان بن موسى الاَُموي، 21. سعيد بن عبد العزيز، 22. مخلد بن الحسين، 23. الوليد بن مسلم، 24. العباس بن يزيد صاحب الاَوزاعي، 25. شعيب بن إسحاق صاحب أبي حنيفة، 26. أبو إسحاق الفزاري صاحب ابن المبارك.

أهل الفتيا في مصر

وقد ذكر ابن حزم 15 شخصاً ممّن أُخذت عنهم الفتيا في مصر ، وذكرهم ابن قيم بالنحو التالي قال: المفتون من أهل مصر: 1. يزيد بن أبي حبيب، 2. بكير بن عبد اللّه بن الاَشج، 3. عمرو بن الحارث، 4. الليث بن سعد، 5. عبيد اللّه بن أبي جعفر.

وبعدهم أصحاب مالك، 6. عبد اللّه بن وهب، 7. عثمان بن كنانة، 8. أشهب، 9. ابن القاسم، على غلبة تقليده لمالك إلاّ في الاَقل.

ثمّ أصحاب الشافعي: 10. إسماعيل بن يحيى المزني، 11. أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي، 12. محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم.

ثمّ غلب عليهم تقليد مالك وتقليد الشافعي، إلاّ قوماً قليلاً لهم اختيارات، منهم 13. محمد بن علي بن يوسف، 14. أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي.(1)


1 . إعلام الموقعين:1|27، وقد تبعنا في ذكر الاَسماء نص ابن حزم.

(39)

أهل الفتيا في القيروان

ذكر ابن حزم وابن قيم انّه كان في القيروان مفتيان:

1. سحنون بن سعيد، وله كثير من الاختيار، 2. سعيد بن محمد الحداد.

أهل الفتيا في الاَندلس

ذكر ابن حزم منهم ثمانية أشخاص، ونقله عنه ابن القيم بالنحو التالي، وقال: وكان بالاَندلس ممّن له شيء من الاختيار:

1. يحيى بن يحيى، 2. عبد الملك بن حبيب، 3. بقي بن مخلد، 4. قاسم بن محمد صاحب الوثائق يحفظ لهم فتاوى يسيرة، 5. مسلمة (1) بن عبد العزيز القاضي، 6. منذر بن سعيد، 7. مسعود بن سليمان بن مفلت، 8. يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر النمري.

أهل الفتيا في اليمن

وقد جاء في كلا المصدرين فقهاء اليمن بالنحو التالي:

1. مطرف بن مازن، قاضي صنعاء، 2. عبد الرزاق بن همام، 3. هشام بن يوسف، 4. محمد بن ثور، 5. سماك بن الفضل.

أهل الفتيا في بغداد

قد ذكر ابن حزم من أهل الفتيا في بغداد ما يربو على 25 شخصاً، وقد ترك ابن القيم نقل أسمائهم، و اكتفى بقليل،منهم:


1 . وفي المصدر أسلم.


(40)

1. عبد اللّه بن المبارك الخرساني، 2. نعيم بن حماد، 3. أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، صاحب الشافعي، 4. أحمد بن محمد بن حنبل، مروزي سكن بغداد، 5. إسحاق بن راهويه، نيسابوري سكن بغداد، 6. أبو عبيد القاسم بن سلاّم اللغوي، كوفي سكن بغداد، 7. سليمان بن داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، 8. حسين بن علي الكرابيسي، بغدادي، 9. زهير بن حرب، 10. أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، 11. أبو زرعة عبيد اللّه بن عبد الكريم الرازيان، 12. هشيم بن بشير.

وقال: وكان بعد هوَلاء :13. داود بن علي، 14. محمد بن نصر المروزي، 15. محمد بن إسماعيل البخاري، 16. محمد بن جرير الطبري، 17. محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، 18. محمد بن داود، 19. عبد اللّه بن أحمد بن المغلس، 20. عبد اللّه بن محمد رويم، 21. عبد اللّه بن محمد الرضيع، 22. أبو بكر بن النجار، 23. أبو بكر أحمد بن محمد الاواني، 24. الخلال، 25. أبو الطيب محمد بن أحمد الدياجي.

قال ابن حزم: بغداديون كلّهم.

هوَلاء الذين ذكرت أسماءهم جلّهم من التابعين، وعلى ضوء ذلك، فللفتيا أدوار ثلاثة حسب ما يروون عن أصحابها:

وهم الصحابة، ثمّ التابعون، ثمّ الفقهاء.

قد سبق ذكر أسماء فقهاء التابعين المنتشرين في الاَمصار الاِسلامية، وقد ذكر أبو إسحاق الشيرازي الشافعي أسماء فقهاء التابعين بالشكل الذي سيوافيك، وأسهب الكلام في ترجمتهم، ونحن نذكر أسماءهم فقط مع الاِعراض عن تراجمهم.


(41)

ذكر فقهاء التابعين بالمدينة

فمنهم:

1. أبو محمد سعيد بن المسيب، (المتوفّى94هـ).

2. أبو عبد اللّه عروة بن الزبير، (المتوفّى94هـ).

3. أبو محمد القاسم بن محمد بن أبي بكر، (المتوفّى101 أو 102هـ).

4. أبوبكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، (المتوفّى94هـ).

5. عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، (المتوفّى102هـ).

6. أبو زيد خارجة بن زيد بن ثابت، (المتوفّى100هـ).

7. أبو أيوب سليمان بن يسار، (المتوفّى107هـ).

8. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، (المتوفّى94هـ).

9. أبو عمرو سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، (المتوفّى106هـ).

10. أبو القاسم محمد بن علي بن أبي طالب، (المتوفّى83هـ).

11. أبو سعيد قبيصة بن ذوَيب، (المتوفّى87هـ).

12. أبو الوليد عبد الملك بن مروان، (المتوفّى86هـ).

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، (المتوفّى94هـ) قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه.


(42)

2. أبو محمد حسن بن محمد الحنفية،مات في زمن عمر بن عبد العزيز (99 أو 101هـ).

3. أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهاب الزهري (المتوفّى124هـ).

4. أبوحفص عمر بن عبد العزيز بن مروان (المتوفّى101هـ).

5. أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (الاِمام الباقر )، (المتوفّى114هـ).

6. أبو محمد عبد الرحمن بن قاسم بن محمد بن أبي بكر (المتوفّى126هـ).

7. أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد اللّه المعروف بربيعة الرأي (المتوفّى136هـ).

8. أبو الزناد عبيد اللّه بن ذكوان، أخو أبي لوَلوَ (المتوفّى130هـ).

9. عبد اللّه بن يزيد بن هرمز وعنه أخذ مالك الفقه.

10. أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس الاَنصاري (المتوفّى143هـ).

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة:

فمنهم:

1. أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة (المتوفّى159هـ).

2. أبو عبد اللّه عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة الماجشون (المتوفّى160هـ).

3. أبو بكر بن عبد اللّه بن محمد بن أبي هبرة القرشي (المتوفّى172هـ).

4. كثير بن فرقد.

5. أبو عبد اللّه بن مالك بن أنس بن مالك الاَصبحي (المتوفّى179هـ).


(43)

ذكر فقهاء التابعين بمكة

فمنهم:

1. أبو محمد عطاء بن أبي رباح (المتوفّى115هـ).

2. أبو الحجاج مجاهد بن جبر (المتوفّى100هـ).

3. عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبي مليكة التيمي (المتوفّى119هـ).

4. أبو محمد عمرو بن دينار (المتوفّى126هـ).

5. عكرمة مولى ابن عباس (المتوفّى115هـ).

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة ثانية:

فمنهم:

1. أبو يسار عبد اللّه بن أبي نجيح المكي (المتوفّى132هـ).

2. أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (المتوفّى150هـ).

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة:

1. مسلم بن خالد الزنجي (المتوفّى179هـ).

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان (المتوفّى204هـ).


(44)

ذكر فقهاء التابعين باليمن:

فمنهم:

1. أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان اليماني( المتوفّى106هـ).

2. عطاء بن مركبوذ.

3. أبو الاَشعث شراحيل بن شرحبيل الصنعاني.

4. حنش بن عبد اللّه الصنعاني.

5. أبو عبد اللّه وهب بن منبه (المتوفّى114هـ).

ذكر فقهاء التابعين بالشام والجزيرة:

فمنهم:

1. أبو إدريس عائذ اللّه بن عبد اللّه الخولاني.

2. شهر بن حوشب الاَشعري.

ثمّ انتقل إلى:

1. عبد اللّه بن أبي زكريا.

2. هاني بن كلثوم.

3. رجاء بن حيوة الكندي.

4. أبي عبد اللّه مكحول بن عبد اللّه (المتوفّى116هـ).

5. أبي أيّوب سليمان بن موسى الاَشدق (المتوفّى119هـ).


(45)

ثمّ انتقلت الفتوى بالشام إلى:

1. أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الاَوزاعي(88 ـ 157هـ).

2. أبي محمد سعيد بن عبد العزيز التنوخي (المتوفّى166هـ).

3، 4. يزيد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن جابر.

5. أبي الهذيل محمد بن الوليد بن محمد بن عامر الزبيدي (المتوفّى148هـ).

6. يحيى بن يحيى الغساني (المتوفّى135هـ).

وثبتت الفتيا بالشام على مذهب الاَوزاعي وسعيد بن عبد العزيز.

ومن التابعين بالجزيرة إلى:

1. أبي أيوب ميمون بن مهران مولى الاَزد (المتوفّى117هـ) وكان من سبي اصطخر.

ذكر فقهاء التابعين بمصر:

فمنهم:

1. أبو عبد اللّه عبد الرحمن بن عُسيلة الصُّنابحي.

2. أبو تميم عبد اللّه بن مالك الجيشاني.

ثمّ انتقل إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. أبوالخير مرثد بن عبد اللّه البزني.


(46)

وكان ممّن انتقل إليه:

1. بكير بن عبد اللّه بن الاَشج، وأبو أُميّة عمرو بن الحارث.

ثمّ انتهى علم هوَلاء إلى:

ابن الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن (المتوفّى175هـ).

ذكر فقهاء التابعين بالكوفة:

فمنهم:

1. أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد اللّه بن علقمة النخعي (المتوفّى 62هـ).

2. أبو عبد الرحمن الاَسود بن يزيد بن قيس النخعي (المتوفّـى 75هـ).

3. أبو عائشة مسروق بن الاَجدع بن مالك الهمداني (المتوفّى63هـ).

4. أبو عمرو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الهمداني (المتوفّى72هـ).

5. أبو أُمية شريح بن الحارث القاضي (المتوفّى82هـ).

6. الحارث الاَعور.

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد، المعروف بالشعبي (المتوفّى104هـ).

2. سعيد بن جبير بن هشام (المتوفّى95هـ).

3. أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن الاَسود بن عمرو بن ربيعة النخعي (المتوفّى96هـ).


(47)

ثمّ انتقل الفقه إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. الحكم بن عيينة (المتوفّى115هـ).

2. أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان (المتوفّى 119هـ).

3. أبو يحيى حبيب بن أبي ثابت (المتوفّى117هـ).

4. الحارث بن يزيد العكلي.

5. أبو هاشم المغيرة بن مقسم الضبي.

6. أبو معشر زياد بن كليب.

7. القعقاع بن حكيم.

8. أبو محمد سليمان بن مهران (الاَعمش).

9. منصور بن أبي المعتمر.

10. أبو شبرمة عبد اللّه بن شبرمة (المتوفّى144هـ).

11. محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (المتوفّى148هـ).

12. أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (المتوفّى191هـ).

13. أبو عبد اللّه الحسن بن صالح بن حي بن مسلم بن حيان الهمداني (المتوفّى 167هـ).

14. أبو عبد اللّه شريك بن عبد اللّه بن أبي شريك النخعي (المتوفّى 177هـ).

15. أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا بن ماه (المتوفّى150هـ).


(48)

ذكر فقهاء التابعين بالبصرة

فمنهم:

1. أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري (المتوفّـى110هـ).

2. أبو الشعثاء جابر بن يزيد الاَزدي (المتوفّى103هـ).

3. أبوبكر محمد بن سيرين (المتوفّى110هـ).

4. أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري (المتوفّى106هـ).

5. حميد بن عبد الرحمن الحميري.

6. أبو عبد اللّه مسلم بن يسار.

7. أبو قلابة عبد اللّه بن زيد بن عمرو الجرمي الاَزدي (المتوفّى106أو 107هـ).

ثمّ انتقل إلى طبقة أُخرى:

فمنهم:

1. أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي (المتوفّى117هـ).

2. أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني (المتوفّى131هـ).

3. أبو عبد اللّه يونس بن عبيد (المتوفّى139هـ).

4. أبو عون عبد اللّه بن عون (المتوفّى151هـ).

5. أبو هاني أشعث بن عبد الملك الحمراني (المتوفّى146هـ).


(49)

6. إسماعيل بن مسلم المكي.

7. هشام الدستواي.

8. داود بن أبي هند.

9. حميد بن تيرويه الطويل.

ثمّ بعد هوَلاء:

1. أبو عمرو عثمان بن سليمان التيمي (المتوفّى143هـ).

2. سوار بن عبد اللّه القاضي.

ثمّ بعد هوَلاء:

1. أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري (المتوفّى198هـ).

ذكر فقهاء بغداد:

فمنهم:

1. أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (المتوفّى241هـ).

2. أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي (المتوفّى240هـ).

3. أبو عبد اللّه القاسم بن سلام البغدادي (المتوفّى224هـ).

4. أبو سليمان داود بن علي بن خلف الاصفهاني (المتوفّى290هـ).

ثمّ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري (المتوفّى310هـ).


(50)

ذكر فقهاء خراسان:

فمنهم:

1. عطاء بن أبي مسلم الخراساني (المتوفّى235 هـ).

2. أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي.

3. أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن المبارك المروزي (المتوفّى سنة مائة و ثمانين ونيف).

4. أبو يعقوب إسحاق بن محمد الحنظلي المروزي المعروف بـ «ابن راهويه» (المتوفّى 238هـ). (1)

أهل الحديث و أهل الرأي

إنّ من أهم مظاهر هذا الدور اتساع الشقة بين مدرستي الرأي والحديث، حيث نجد انّ أهل السنّة تكتّلوا في هذا الدور إلى طائفتين، منهم من أخذ النص، ومنهم من أخذ بالرأي، ونسبوا الطريق الاَوّل إلى الصحابة والتابعين، والطريق الثاني إلى أصحاب الرأي والنظر من أهل الكوفة، وفي طليعتهم إبراهيم بن يزيد النخعي (المتوفّى95أو 96هـ) وحماد بن أبي سليمان (المتوفّى120هـ)وتلميذه الاِمام أبو حنيفة (المتوفّى150هـ)وتلامذته.

وقد شنّ فقهاء الطائفة الاَُولى حرباً شعواء على أصحاب الرأي والنظر ورأوا مخالفتهم الصريحة لنظرية السابقين من الصحابة.

وقد نقل ابن قيم الجوزية كلمات الصحابة والتابعين في نقد الرأي نأتي


1 . الشيرازي: طبقات الفقهاء:57 ـ 108.


(51)

ببعضه:

قال أبو بكر: أي أرض تقلّني، وأي سماء تظلّني إن قلت في آية من كتاب اللّه برأيي أو بما لا أعلم.

وقال عمر بن الخطاب: اتّقوا الرأي في دينكم.

وروى عن علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاها.

وقال ابن عباس: من أحدث رأياً ليس في كتاب اللّه ولا تمضي به سنّة من رسول اللّه لم يدر على ما هو منه إذا لقي اللّه عزّ وجلّ. (1)

ثمّ نقل عن التابعين كلمات كثيرة في نقد أصحاب الرأي، وقال:

روى مالك عن نافع: أنّه قال: العلم ثلاث: كتاب اللّه الناطق، وسنّة ماضية، ولا أدري.

سئل الشعبي عن مسألة في النكاح، فقال: إن أخبرتك برأيي فبُل عليه.

وروى أيضاً، قال: ما جاءكم به هوَلاء من أصحاب رسول اللّه فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش.

وقال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول برأيه.

وقال ابن شهاب: دعوا السنّة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي. (2)

إنّ انقسام أهل الفتيا إلى أهل الحديث والرأي كان نتيجة طبيعية


1 . اعلام الموقعين:1|53 ـ 58.
2 . اعلام الموقعين:1|73 ـ 74.


(52)

لانعكاسات البيئة التي حضنت تلك الاَفكار، فأصحاب الحديث كانوا يقطنون المدينة المنورة وما حولها التي كانت تمتاز ببساطة الحياة دون أن يواجهوا حوادث مستجدّة، ولم يكن هناك أعراف مختلفة، ولا أفكار متشعبة، فلذلك اقتصروا على ظاهر الكتاب والسنّة دون حاجة إلى الخوض في غمار الاجتهاد.

وأمّا البيئة الاَُخرى التي حضنت أصحاب الرأي، فقد عجَّت بالحوادث المستجدة التي تأتي إليها من شتى الاَمصار.

مضافاً إلى قلّة المحدثين في تلك البيئات، فقد اكتظت المدينة بأهل الحديث، وانحازوا عن الدولة الاَُموية لما رأوا فيها من انحراف عن سيرة النبي والخلفاء، فلم يكن لاَصحاب الرأي بد من الاِجابة على الحوادث عن طريق إعمال النظر والفكر، وهذا صار سبباً لحدوث المنهجين: أهل الحديث وأهل الرأي، وقد تشعّب أهل الرأي إلى قسمين فيما بعد:

قسم يستنطق فيه كتاب اللّه وسنّة رسوله وما جعله الشرع دليلاً في المسألة، ولا شك انّ هذا القسم من الرأي ليس افتاءً بالرأي المطلق، بل افتاء بما هو المعلوم من الاَدلّة الشرعية، وفي الواقع إفتاء بالدليل الشرعي الذي ليس له ظهور واضح في الحكم لكن بذل المجتهد جهوده لاستنطاقه. وعلى هذا فالرأي هو التفكير الذي أرشد إليه الشرع حتى يصل إلى حكم اللّه الواقعي، وإلى ذلك ينظر قول معاذ ـ إن صحّ سنده ـ فقد ولاّه رسول اللّه اليمن و سأله بقوله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال معاذ: أقضي بكتاب اللّه، فإن لم أجد فبسنّة رسول اللّه، فإن لم أجد أجتهد. (1)

وقسم آخر لا يتّكل على الدليل الشرعي، بل يفتي على اعتبارات


1 . مختصر سنن أبي داود: 5|212، الحديث 3447، مسند أحمد بن حنبل: 5|230. وقد مضى الكلام في حديثه في الجزء الاَوّل فلاحظ.


(53)

ومقاييس ما أنزل اللّه بها من سلطان، فلا شكّ انّ هذا النوع إفتاء بغير ما أنزل اللّه وقضاء به وهو في الكتاب العزيز ظالم وفاسق وكافر، بل هو مبتدع وإدخال ما ليس في الشريعة فيها.

وحصيلة الكلام: أنّ نزاع المدرستين يُحسم بالكلمة التالية:

انّ صاحب الرأي إذا اعتمد على الدليل الشرعي الذي ثبتت حجيته بالدليل القطعي، وبذل جهوده في فهم الحكم واستنباطه منه، فهو ليس افتاءً بالرأي بل افتاءً بالدليل، غير أنّ تسميته بالرأي لاَجل كونه سبباً للاستفادة من الدليل.

وأمّا إذا اعتمد على الظنون غير المعتبرة والمعايير التي لم تثبت صحتها بالدليل، فلا شكّ انّه إفتاء محرم، وبدعة في الدين، وقضاء بغير ما أنزل اللّه.

إكمال

العمل بالرأي على قسمين:

تارة يعمل الفقيه برأيه فيما لا نص فيه، وأُخرى يعمل به تجاه النص، وقد انقسم أهل الفتيا إلى أهل الحديث وأهل الرأي في الاَمر الاَوّل، فكانَ أهل الحديث يمسكون عن الاِفتاء فيما لا نصَّ فيه غير انّ أهل الرأي لم يكن لهم بد من الاِفتاء.

لكن الداهية الكبرى في الاَمر الثاني، فنرى أنّ بين الصحابة من يقدم رأيه على النصّ، ومع ذلك يعدّونه من أهل الحديث وحماته ومخالفاً للرأي.

ومن نماذج ذلك: انّ الطلاق كان على عهد رسول اللّه وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب:إنّ الناس قد


(54)

استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(1)

ترى أنّ الخليفة يستدل على النص بذوق شخصي، وهو انّ الناس لما استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه إناة كان من الاَولى بنا أن نمضي ما استعجلوه. وهذا نفس الاِفتاء بالرأي تجاه النص.

كلمة لبعض المعاصرين

قال مناع القطان تحت عنوان مذهب أهل الرأي والعراق: ربّما كان عمر بن الخطاب أكثر الصحابة فقهاً للنصوص، واجتهاداً في فهمه، وإقداماً على إبداء الرأي فيه. والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها تعطي لعمر بن الخطاب هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريّث في الاَُمور.

فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب، فربّما تأمل في ذلك شهراً، ويستشير أصحابه، واليوم، يفصل في المجلس مائة قضية. (2)

الظاهر أنّ القضايا التي كان الخليفة يفتي فيها كانت ممّا لا نصّ فيه، وإلاّ فلو كانت ممّا ورد فيه النص لما كان هناك حاجة للتريّث شهراً، فعند ذلك يجب التأكد من المصادر التي اعتمد عليها الخليفة في حل هذه المعضلات والاِجابة على الاستفسارات، فلم يكن له بُدٌّ من العمل بالمقاييس والاَذواق الشخصية لرفعها.

والكلام في حجّية هذه المعايير التي لم يدل نص من الكتاب ولا السنّة على حجّيتها، بل الحاجة إلى حلّ المشكلات، وقلّة النصوص دفعت بالصحابة يتقدّمهم الخليفة إلى اعتبار هذه المعايير، ثمّ اتخاذها فيما بعد سيرة عملية


1 .مسلم: الصحيح: 4، باب الطلاق ثلاث، الحديث 1ـ3.
2 . مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 225.

(55)

للمسلمين.

ويقول الاَُستاذ علي حسن عبد القادر في كتابه «نظرة عامة في تاريخ الفقه» عن طريقة الرأي:

«إنّـها هي أشرف الطريقتين، لاَنّ الاَحاديث التي توَخذ منها الاَحكام قليلة غير كافية لتنظيم كلّ العلاقات وتقنينها، فإذا أُريد أن لا تملاَ بالاَحاديث غير الصحيحة كل ثغرات الفقه، فيجب أن يجتهد في القليل الموجود بكل طرق الاستنتاج الاَوّلي لكي يبنى صرح الفقه.

والعالم النظري قد يستطيع بسهولة أن يرفض ضرورة الرأي في مصدرية التشريع، لاَنّه لا يتصل بحوادث الحياة العملية، أمّا القاضي في بلد كالعراق فلا يمكنه أن يقوم بوظيفته دون القياس والرأي في الحوادث والمسائل التي لا تخطر على بال الحجازيين. (1)

وقد عرفت الكلمة الحاسمة فلا نعيد.

ميزة الدور الاَوّل

لكلّ دور من الاَدوار ميزة خاصة يتميّز بها عن الآخر، وما يمكن أن يكون مميزاً لهذا الدور هو ظهور مدرستي أهل الحديث وأهل الرأي، فإنّ الصحابة في عصر الرسول لم يمارسوا استعمال الرأي، ولكن لمّا ضرب الاِسلام بجرانه، وهوجم المسلمون بحوادث مستجدة، لم يكن بد من الاِجابة عليها، إمّا بالرجوع إلى أئمّة أهل البيت الذين هم خزنة حديث الرسول، أو استعمال الرأي والقياس وما أشبه ذلك، وحيث إنّ الجمهور اختاروا الطريق الثاني، فظهر أهل الرأي.


1 . المدخل الفقهي العام: 1|169، نقلاً عن الاَُستاذ علي حسن عبد القادر في كتابه «نظرة عامة في تاريخ الفقه».

(56)

أضف إلى ذلك انّه راج بين الصحابة والتابعين الاَخذ بعلل الاَحكام والاِعراض عن ظاهر الدليل، وهذا ما يعبر عنه اليوم الاَخذ بروح القانون، وعلى هذا منع الخليفة عمر بن الخطاب الموَلّفة قلوبهم من بيت المال، قائلاً: بأنّ الداعي إلى إعطائهم هو الاتّقاء عن شرهم، وقد قوى الاِسلام فلا حاجة إليهم.


(57)

أدوار الفقه السنّي


2

الدور الثاني

عصر ظهور المذاهب الفقهية

(أوائل القرن الثاني ـ أوائل القرن الرابع)

ما مرّ في القائمة السابقة من أسماء ممن أُخذت عنهم الفتيا أوجدت أرضية خصبة لظهور طبقة الفقهاء الذين قاموا بتدوين الفقه، فأرسوا قواعد الفقه وأشادوه وبسطوا الفروع، فصار الفقه الاِسلامي مواكباً للحضارة ملبّياً لحاجاتها ومتطلباتها.

إنّ المذاهب الفقهية التي ظهرت بعد طبقة التابعين منها ما هو فردي، ومنها ما هو جماعي، والمراد من المذهب الفردي مجموعة الآراء الفقهية الموروثة عن المجتهد دون تبنّيها من قبل أتباعه، بغية إرساء قواعد ذلك المذهب ونشره وإكماله.

وهذا النوع من المذاهب ذهب بذهاب أصحابه، إذ لم تحظَ بالنشر والتدوين، وإنّما نقلت آراوَها في ثنايا الكتب الفقهية والحديثية ولم يبق لها أثر.

وأمّا المذاهب الجماعية، فهي المذاهب التي لم تتشكل من آراء أصحابها فحسب، بل نضجت تحت ظل مادوّنه أصحاب تلك المذاهب وأتباعها في مجموعات متكاملة، وأضافوا إليها آراءهم الخاصة في المسائل التي لم ينقل فيها


(58)

عن أصحاب تلك المذاهب قول.

ثمّ إنّ تميز المذاهب الفردية عن الجماعية يتوقّف على دراسة تاريخ المذهب وكيفية نشوئه وسيره التاريخي، حتى يقف الباحث على أنّ المذهب لم يكن وليد فكر الموَسس فحسب، وإنَّما تكوّن ونضج تحت ظل عوامل أُخرى كما عرفت.

وأكثر المذاهب التي لم يكتب لها البقاء طويلاً بعد رحيل أصحابها هي كالتالي:

المذاهب البائدة

1. مذهب الحسن البصري(23ـ110هـ) (1) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الاَنصاري، ولد في المدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر.

له:«التفسير» رواه عن جماعة، وكتابه إلى عبد الملك بن مروان في «الرد على القدرية».

2. محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى(74ـ 148هـ) (2) كان من أصحاب الرأي، وتولّى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً 33 سنة، ولي لبني أُميّة ثمّ لبني العباس، وكان فقيهاً مفتياً، توفّي سنة 148هـ.

وكان بينه وبين أبي حنيفة وحشة، إذ كثيراً ما يُستفتى أبو حنيفة فيما قضى


1 . طبقات ابن سعد:7|156، وفيات الاَعيان:2|69، تهذيب الكمال: 256، تاريخ الاِسلام:4|98، تذكرة الحفاظ:1|66،تهذيب التهذيب: 2|263، شذرات الذهب: 1|136، طبقات المفسرين:1|147، سير أعلام النبلاء: 4|563.
2 . انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: 9|301، الطبقات الكبرى: 6|358، طبقات الفقهاء:84، الجرح والتعديل:7|322؛ سير أعلام النبلاء:6|310.


(59)

فيه ابن أبي ليلى فيفتي بخلافه، فيتأثر لذلك ابن أبي ليلى.

3. الاَوزاعي، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الاَوزاعي (88ـ157هـ) (1)، كان أصله من سبأ السند، وكان ينزل الاَوزاع ـ اسم قبيلة ـ وغلب ذلك عليه.

انتشر مذهبه بالشام والاَندلس، ولكنّه انقرض في القرن الرابع بعد أن تولّى قضاء دمشق، أتباع الشافعي ونشروا مذهبه، كما انقرض مذهبه من الاَندلس بعد المائتين بسبب تغلّب مذهب الاِمام مالك، وقبره في بيروت، له كتاب : «السنن في الفقه والمسائل».

4. سفيان الثوري (97ـ161هـ) (2) وهو كوفي، وكان له مذهب فقهي، ولم يطل العمل بمذهبه، وحل مكانه مذهب الاَوزاعي، وقد أوصى إلى عمار بن سيف في كتبه فمحاها وأحرقها، وقد أخذ بمذهبه أُناس باليمن، وآخرون من إصفهان وقوم بالموصل، وقد انقرض أهل هذا المذهب في وقت قصير، ثمّ اختفت كتبهم.

5. ليث بن سعد الفهمي (المتوفّى 175هـ) (3) ولد بقلقشندة على نحو أربعة فراسخ من الفسطاط، عالم مصر وفقيهها ورئيسها.


1 . انظر ترجمته في تهذيب التهذيب:6|238 برقم 484؛ الزركلي: الاَعلام: 3|320؛ تذكرة الحفاظ: 1|376؛ حلية الاَولياء: 6|135؛ طبقات الفقهاء:76؛ الطبقات الكبرى:7|488؛ مشاهير علماء الاَمصار:180؛ سير أعلام النبلاء: 7|107؛ تاريخ الاِسلام: حوادث (141ـ160): 483.
2 . انظر ترجمته في الطبقات الكبرى: 6|371؛ مشاهير علماء الاَمصار: 169، تاريخ بغداد:9|101؛ سير أعلام النبلاء: 7|229؛ غاية النهاية:1|308؛ تهذيب التهذيب: 4|111.
3 . انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: 7|517؛ التاريخ لابن معين:501؛ التاريخ الكبير:7|246؛ الجرح والتعديل:7|180ـ 197؛ تاريخ بغداد: 13|3؛ تهذيب التهذيب:8|459؛ شذرات الذهب:1|285.


(60)

ارتحل إلى الحجاز ثمّ إلى العراق حتى استقر في مصر، وكان له مذهب خاص في الفقه، إلاّ أنّه غلب على مذهبه مذهب الاِمامين مالك والشافعي اللّذين تقاسما مصر بعد وفاته. وله رسالة إلى مالك بن أنس نشرها ابن قيم الجوزية في «إعلام الموقعين».

6. أبو ثور إبراهيم بن خالد بن اليمان الكلبي البغدادي (المتوفّى 240هـ) (1) كان ببغداد، وكان مذهبه مشتقاً من مذهب الشافعي، فهو يعد من أئمّة فقهاء الشافعية، وإن كان لا يقلده بل يخالفه متى ظهر الدليل،وقد اختار لنفسه آراء، وصار له مذهب خاص، وله أتباع، لكنّه لم يدم طويلاً.

7. أبو سليمـان داود بن علي بن خلف الاصبهــاني (202ـ270هـ) (2) المعروف بالظاهري، ولد بالكوفة سنة 202هـ، وكان من مقلّدي المذهب الشافعي، وأكثر الناس تعصباً له، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد. ثمّ انتحل لنفسه مذهباً خاصاً أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنّة، مالم يدل دليل منهما، أو من الاِجماع على أنّه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالاِجماع، ورفض القياس رفضاً باتاً، وكان يقول: إنّ في عمومات النصوص من الكتاب والسنّة ما يفي بكلّ جواب.

له مصنّفات منها: كتاب «إبطال التقليد» وكتاب «إبطال القياس».

وقد استمر مذهب داود متبعاً إلى منتصف القرن الخامس، ثمّ اضمحل، وله آراء خالف فيها أهل السنّة، نتجت من ترك القياس والرأي والعمل بظاهر


1 . انظر ترجمته في طبقات الفقهاء: 92؛ تذكرة الحفاظ:2|87؛ ميزان الاعتدال: 1|15؛ تاريخ بغداد: 6|65؛ طبقات الشافعية: 1|227؛ وفيات الاَعيان:1|7.
2 . انظر ترجمته في وفيات الاَعيان:1|175؛ تذكرة الحفاظ: 2|136؛ الجواهر المضيّة:2|419؛ تاريخ بغداد: 8|369؛ طبقات الشافعية:2|42.


(61)

الكتاب والسنّة.

8. أبو جعفر محمد بن جرير الطبـري (224ـ310هـ) (1)ولد بآمل طبرستان، أخذ الفقه عن داود، ودرس فقه أهل العراق ومالك والشافعي، فاجتمع عنده وجوه المعرفة بالفقه، وانتحل لنفسه مذهباً خاصاً، وكان له أتباع، وقد اشتهر مذهبه في بغداد، ومن موَلّفاته في الفقه كتاب «اختلاف الفقهاء» والكتاب يعرب عن إلمامه بآراء فقهاء عصره و من قبله، وقد حفظ بذلك آراء من تقدّمه أو عاصره من الفقهاء، أفل نجم مذهبه بعد منتصف القرن الخامس وبقيت آراوَه في الكتب.

المذاهب السائدة

هذه هي المذاهب الفقهية الفردية أو الجماعية التي لم يكتب لها البقاء لعلل شتى، بقي الكلام في المذاهب الفقهية السائدة والتي كتب لها البقاء، وظل العمل بها إلى زماننا هذا، وهي: المذهب الحنفي، و المالكي، والشافعي، والحنبلي. وإليك لمحة خاطفة عن نشوئها ومميزاتها:

المذهب الحنفي

أسّسه أبوحنيفة النعمان بن ثابت، وهو كوفي نشأ فيها ويعد من أتباع التابعين، والمعروف انّه ولد سنة ثمانين،ومات ببغداد سنة 150هـ، وقد اشتغل منذ البداية بعلم الكلام، ثمّ تحول إلى الفقه، وتربّى على يدي حماد بن أبي سليمان الكوفي (المتوفّى 120هـ)، وكان له وراء أبي حنيفة تلاميذ يعلّمهم الفقه.


1 . انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ:2|351؛ وفيات الاَعيان:1|456؛ طبقات الشافعية:2|135؛ البداية والنهاية:11|145؛ غاية النهاية:2|106؛ تاريخ بغداد: 2|162.


(62)

لقد استقى أبو حنيفة فقهه من أُستاذه حمّاد وهو بدوره ورث الفقه من أعلام الصحابة والتابعين الذين جاءوا الكوفة ونزلوا بها وتعلّم منهم الناس فقههم، وفي مقدّمتهم الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - (المتوفّـى40هـ) وعبد اللّه بن مسعـود (المتوفّـى32هـ) وعلقمة بن قيس (المتوفّـى62هـ)و مسروق بن الاَجدع (المتوفّـى53هـ) وأخيراً إبراهيم النخعي (المتوفّـى 96هـ) وعامر بن شراحيل الشعبي (المتوفّـى104هـ).

يقول الكوثري: أصبحت الكوفة لا مثيل لها بعد أن اتّخذها علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) عاصمة الخلافة، فكبار أصحاب علي وابن مسعود ـ رض ـ بها لو دوّنت تراجمهم في كتاب خاص لاَتى كتاباً ضخماً، وليس هذا موضع سرد لاَسمائهم، وقد جمع شتات علوم هوَلاء ، إبراهيم بن يزيد النخعي، وقد جمع أبو حنيفة علوم هوَلاء ودوّنها بعد أخذٍ و ردٍّ شديدين في المسائل بينه و بين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيهاً من نبلاء تلاميذه. (1)

روى الخطيب البغدادي عن أبي مطيع قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير الموَمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عمّن اخترت العلم؟ قال: قلت: عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عباس. (2) فقد تحمّل حمّاد فقه هوَلاء، وورّثه تلميذه أبا حنيفة، ومن لطيف الكلام انّه كان فقيهاً وفي الوقت نفسه يتّجر، ويلمس ما يجري في الاَسواق من بيع وشراء وعقود ومعاملات.


1 .مقالات الكوثري:221، بتلخيص.
2 . تاريخ بغداد: 13|334.


(63)

أُصول مذهبه


لقد بنى أبوحنيفة فقهه على أُسس وقواعد نذكرها كالتالي:

1. الكتاب العزيز: وهو أُس جميع المذاهب الاِسلامية.

2. السنّة: وهي المبيّنة لكتاب اللّه، المفصّلة لمجمله، وربما تشتمل على أحكام فقهية غير مذكورة في الكتاب، وهي أيضاً أُس جميع المذاهب الفقهية.

3. قول الصحابي: فإنّ الصحابة أدركوا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وحملوا علمه.

4. القياس: وهو استنباط حكم موضوع من موضوع آخر لجهة جامعة بينهما. وبعبارة أُخرى: إذا عرفت علّة الحكم، طُبق الحكم على كلّ موضع تنطبق فيه العلّة، وقد بلغ أبو حنيفة في الاستنباط بالقياس الذروة.

5. الاستحسان: وقد اختلفت كلمة الاَحناف في تفسيره. ومضت كلماتهم في الجزء الاَوّل.

6. الاِجماع: وهو اتفاق المجتهدين من الاَُمّة الاِسلامية في عصر على الحكم في أمر من الاَُمور، وهو في ذاته حجّة عند الحنفية دون فرق بين الاِجماع القولي، أو الاِجماع السكوتي، غير انّ الاَوّل دليل قطعي، والثاني دليل ظنّي.

7. العرف: أن يكون عمل المسلمين على أمر لم يرد فيه نص من القرآن أو السنّة أو عمل الصحابة، والمقصود هو العرف العام الذي لا يخالف الاَدلّة السابقة.

هذه هي الاَُصول التي اعتمد عليها أبو حنيفة في فقهه، وشيّد عليها أركان مذهبه، ولنا هنا وقفة قصيرة مع بعض تلك الاَُصول التي تقبّلها الاِمام وأتباعه طيلة قرون.

لا شك انّ الكتاب و السنّة من أُسس المذهب، ولولاهما لما قام للمذهب


(64)

الفقهي الاِسلامي عمود، ولا اخضرّ له عود.

ولكن المعروف انّ أبا حنيفة لم يعتمد على السنّة إلاّ قليلاً.

يقول ابن خلدون في هذا الصدد: إنّ الاَئمّة المجتهدين تفاوتوا في الاِكثار من هذه الصناعة والاِقلال، فأبو حنيفة يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها، ومالك إنّما صحّ عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها، وأحمد بن حنبل في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك وقد تقوّل بعض المبغضين المتعسفين إلى أنّ منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، فلهذا قلت روايته ـ ثمّ رد على ذلك الزعم بقوله ـ وإنّما قلّل منهم من قلّل الرواية لاَجل المطاعن التي تعترضه فيها، والعلل التي تعرض في طرقها سيّما والجرح مقدّم عند الاَكثر، فيوَديه الاجتهاد إلى ترك الاَخذ بما يعرض مثلَ ذلك فيه من الاَحاديث وطُّرق الاَسانيد ويكثر ذلك فتقلُّ روايته لضعف في الطُّرق.

إلى أن قال: و الاِمام أبو حنيفة إنّما قلّت روايته لما شدّد في شروط الرواية والتحمّل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي وقلّت من أجلها رواية، فقلَّ حديثه لا أنّه ترك رواية الحديث متعمداً. (1)

أقول: أين هذا التشدّد في الاَخذ بالحديث ممّا عليه أهل الحديث من الاَخذ بكل حديث صحيح وسقيم، وإذا لم يثبت عنده إلاّ سبعة عشر حديثاً فما هو مصدر الاَحاديث التي استخرجها أصحاب الصحاح، وهذا هو الاِمام البخاري استخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث، وكان الاِمام ابن حنبل يحفظ ألف ألف حديث؟

ولاَجل هذا التشدّد لم يجد أبو حنيفة محيصاً عن التمسّك بقواعد،


1 . ابن خلدون: المقدمة: 444ـ445، الفصل السادس في علوم الحديث.


(65)

كالقياس والاستحسان، وهو ممّن توسّع في القياس والاستحسان وقدّمه على الاَثر المنقول عن الصحابة، وقد نقل عنه أنّه قال: إنّما آخذ بكتاب اللّه إذا وجدته، فما لم أجد فيه أخذت بسنّة رسول اللّه والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسول اللّه أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت ثمّ لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الاَمر إلى إبراهيم (النخعي) والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن الحسين فلي أن أجتهد كما اجتهدوا. (1)

والظاهر انّه كان يجتهد في الاَقوال المنقولة، كالصحابة ويأخذ بما وافق القياس، وتميّز فقهه بإخراج الناس من المأزق بإعمال الحيل الشرعية، وقد تقدّم الكلام عند البحث في مصادر الفقه.

وقد انتشر مذهبه بفضل أتباعه خاصة بعدما بسط العثمانيون نفوذهم على معظم الاَمصار الاِسلامية، وجعلوا المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة، وأمروا القضاة أن يعملوا وفق فقهه، فصار الفقه الرائج هو الفقه الحنفي، فدخل: مصر، والشام، وتونس، والجزائر، وطرابلس، واليمن، و آسيا الوسطى؛ يقول ابن خلدون: وأمّا أبو حنيفة فقلّده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وماوراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام، وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس، فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة. (2)


1 . تاريخ بغداد:13|368.
2 . مقدمة ابن خلدون:448.


(66)

المذهب المالكي

وهو مذهب فقهي للاِمام مالك بن أنس بن مالك بن أنس (94ـ 179هـ) وقد ذكرنا فيما سبق نبذة مختصرة عن سيرته وكتابه«الموطأ» فلا نطيل، والجدير ذكره هو بيان أُصول مذهبه الفقهي، فنقول:

1. القرآن الكريم.

2. السنّة: وكان يقبل المرسل من الاَحاديث مادام رجاله ثقات، وفي موطئه كثير من المراسيل و منقطع الاسناد، ولم يكن يرى التشدّد المعهود عند أبي حنيفة في الحديث، ومن أهم ميزات مذهبه هو الاعتماد على الحديث، لا سيما حديث أهل الحجاز.

3. عمل أهل المدينة: وقد كتب مالك إلى ليث بن سعد: إنّ الناس تبع لاَهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن ـ وَهذا هو الاَساس لاعتباره عمـل أهل المدينـة أساسـاً لفقهه، ـ قائلاً: بإنّ رسول اللّه أقام في المدينة وأقام أصحابه، فيكون أهل المدينة أعلم الناس بالتنزيل، وليست هذه الميزة لغيرهم.

4. قول الصحابي: إذا لم يرد حديث صحيح في المسألة عن النبي، فإنّ قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون حجّة باعتبار انّ الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد، وقد روى في كتابه شيئاً من أقوال الصحابة والتابعين، وإذا تعارض قول الصحابي مع عمل أهل المدينة، فهو يقدّم عمل أهل المدينة على قول الصحابي.

5. المصالح المرسلة: هي المصالح التي لم يشهد لها نص معين من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار، وكانت ترجع إلى حفظ مقصود شرعي يعلم كونه مقصوداً بالكتاب أو السنّة أو الاِجماع. إلاّ إذا عارضته مصلحة أُخرى، فعند ذلك


(67)

يقوم العمل بالثاني، وإليك مثالين:

الاَوّل: إذا وجد بيد شخص زعفران مغشوش، أفتى مالك بأنّه يتصدّق به على المساكين قلّ أو كثر، يقول الشاطبي: إنّه يماثل إراقة عمر اللّبن المغشوش بالماء، ووجّه بذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له لكن من باب الحكم على الخاص لاَجل العام.

الثاني: ضرب المتهم بالسرقة ليقر بالمسروق، فقد جوّزه مالك وخالفه غيره، لاَنّ هذه مصلحة تعارض مصلحة أُخرى هي مصلحة المضروب إذ قد يكون بريئاً.

6. القياس: حيث لا يوجد نص من كتاب، أو سنّة، أو قول صحابي، أو إجماع من أهل المدينة؛ فهو يستخدم القياس في اجتهاده، فقد جاء في «الموطأ» (1) سئل مالك عن الحائض إذا طهرت ولم تجد ماءً هل تتيمم؟ فقال: نعم، قياساً على الجنب عند فقد الماء الذي ثبت بالنص القرآني.

7. سد الذرائع: وهو المنع عن التذرّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، وإن شئت قلت: الحيلولة عن التوصل بأمر مباح إلى فعل محظور، وقد استعمله مالك كثيراً في فقهه.

يقول الشاطبي في «الاعتصام»: كان مالك (ره) شديد المبالغة في سد الذرائع.

فمثلاً لو وقف الحاكم على أنّ رجلاً يزرع ويغرس كرماً بغية عملها خمراً، فللحاكم إيقافه عن العمل للحيلولة دون الوصول إلى غرضه.

أو افترضنا انّ رجلاً رأى هلال شوال وحده، فليس له الاِفطار لئلاّ يكون


1 . الموطأ: 64 ح 91، كتاب الصلاة، باب طهر الحائض.


(68)

ذريعة إلى إفطار الفسّاق محتجّين بعمله، إلى غير ذلك من الاَمثلة التي وردت في «الموطأ» وغيره.

وفي الحقيقة انّ سد الذرائع أصل مناقض للحيل تمام المناقضة، فما جوّزه الاَحناف من إعمال الحيل قد سدّته المالكية والحنابلة بأصل آخر، وهو سد الذرائع.

8. الاِجماع.

9. العرف والعادة.

10. الاستحسان.

11. الاستصحاب.

المذهب الشافعي

وقد شيّد معالمه محمد بن إدريس الشافعي (150ـ204هـ) (1) الذي تخرّّج على يد مالك شيخ الحجازيين وزعيم مدرسة الحديث، كما اتصل بمحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وزعيم مدرسة الرأي، فأخذ منهما فصار مذهبه الفقهي حدّاً فاصلاً بين المذهبين الحنفي و المالكي.

بنى الاِمام الشافعي أُصول مذهبه على الكتاب والسنّة والاِجماع والقياس، ولم يجنح إلى سائر الاَدلّة التي اعتمد عليها أبو حنيفة ومالك، فهو يحتج بظواهر القرآن، كما يحتج بالسنّة وإن كان خبراً واحداً، شريطة أن يكون الراوي ثقة


1 . انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ:1|354ـ 361؛ حلية الاَولياء:9|63ـ161؛ تاريخ بغداد: 2|56ـ73؛ الاَنساب للسمعاني:325|ب؛ تهذيب الاَسماء للنووي:1|44ـ67؛ تهذيب الكمال:580|م؛طبقات الشافعية:1|100ـ107؛ الرسالة المستطرفة:54؛ مقدّمة تحفة الاحوذي:100ـ 101.


(69)

ضابطاً والحديث متصلاً برسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ثمّ إذا لم يكن هناك دليل منصوص عمد إلى القياس وترك العمل بالاستحسان الذي قالت به الحنفية والمالكية، وأنكر الاحتجاج به قائلاً: «من استحسن فقد شرّع» وألّف كتاب «إبطال الاستحسان» ورد كذلك المصالح المرسلة «الاستصلاح»، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وأطال في كتــاب «الاَُم» في ردّه.

وأمّا قول الصحابي، فالظاهر انّه لا يعمل بقوله إذا صدر عن رأي واجتهاد، ونقل عنه قوله:« لا يقلّد المجتهد صحابياً كما لا يقلّد عالماً آخر». (1)

وفي نقل آخر عنه أيضاً أنّه قال: إنّ قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون خيراً لنا من رأينا لاَنفسنا، وإذا اختلف أصحاب رسول اللّه في مسألة فإنّه يأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنّة، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها. (2)

مذهبه القديم والجديد

ورد الشافعي إلى العراق عام 195هـ في خلافة الاَمين، وصنف كتابه القديم المسمّى بـ«الحجة» ومدّة إقامته بالعراق سنتان، ثمّ رجع إلى الحجاز، وفي سنة 198هـ قدم إلى العراق مرّة أُخرى فأقام هناك أشهراً، ثمّ ارتحل إلى مصر فظهرت فيها مواهبه الفقهية، فأملى على تلاميذه كتبه الجديدة التي يعبر عنها بالقول الجديد، ويجمعها كتاب «الاَُم» وهو المذهب الذي تغير إليه اجتهاده بمصر، ولعلّ سبب التغيّر سماعه بعض الاَحاديث من علمائها، ولم يكن واقفاً


1 . نقله العطار في حاشيته على جمع الجوامع:2|261؛ انظر تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور أحمد فرّاج حسين.
2 . مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي:312.


(70)

عليها، وربما يكون لتقاليد وعادات الموطن الذي حلّ فيه تأثير في تغير فتاواه.

وبما ذكرنا في ترتيب الاَُصول التي بنى عليه فقهه يظهر وجه الاختلاف بين الاَئمّة الاَربعة في الفتوى، فمثلاً:

1. انّ أبا حنيفة يشترط في الحديث الشهرة إذا عمّت البلوى، بخلاف الشافعي فهو يعمل على الخبر الصحيح المتصل سواء أَبَلَغَ الشهرة أم لا.

2. انّ مالكاً يشترط في العمل بالحديث عدم مخالفته لعمل أهل المدينة، بخلاف الشافعي فهو يعمل بالحديث الصحيح المتصل وإن كان مخالفاً لعمل أهل المدينة.

3. انّ أبا حنيفة ومالكاً يعملان بالاستحسان، في حين انّ الشافعي قد نقل عنه: انّ من استحسن فقد شرع.

4. انّ مالكاً يعمل بقاعدة الاستصلاح والمصالح المرسلة، في حين انّ الشافعي لا يعتمد عليها.

5. انّ أبا حنيفة جعل القياس في الدرجة الثالثة من الاعتبار حتى اشتهر في الفقه الحنفي «انّ من لا قياس عنده لا فقه عنده، ومن رد القياس الشرعي سدّ على نفسه باب الاجتهاد». (1)

والحال انّ الشافعي جعل القياس في الدرجة الاَخيرة من الاعتبار ، حيث قال: والعلم طبقات، الاَُولى: الكتاب والسنة، الثانية: الاِجماع فيما ليس كتاباً ولا سنّة، الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس. (2)


1 .المقالات الكوثرية:216ـ225.
2 . ابن القيم: إعلام الموقعين:4|121ـ122.


(71)

هذه الوجوه وأمثالها أثارت خلافاً واسعاً بين المذاهب الاَربعة.

وقد انتشر مذهبه على يد تلامذته في كثير من الاَقطار، وذكر تفصيلها ابن خلدون في «المقدمة» وقال ما هذا خلاصته: أمّا الشافعي فمقلّدوه بمصر أكثر من سواها، وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وماوراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الاَمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالتهم.

إلى أن قال: وقد انقرض فقه أهل السنّة في مصر بظهور فقه أهل البيت، ولمّا انقرض على يد صلاح الدين رجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، واشتهر منهم: محيي الدين النووي، وعز الدين بن عبد السلام، وتقي الدين بن دقيق العيد، ثمّ تقي الدين السُبكي، إلى أن انتهى إلى شيخ الاِسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني، فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بها بل أكبر العلماء من أهل مصر. (1)

المذهب الحنبلي

المذهب الحنبلي هو المنسوب إلى الاِمام أحمد بن محمد بن حنبل (164ـ 241هـ) وقد ذكرنا شيئاً من ترجمته عند البحث عن تدوين الجوامع الحديثية الثانوية عند السنّة، ولا شكّ انّه يعد من كبار المحدّثين، ومسنده الموجود دليل على توسّعه في الحديث، إنّما الكلام في أنّه هل كان جالساً على منصة الاِفتاء، أو أنّه كان يتورّع عن الاِفتاء إلاّ قليلاً؟وقد مرّ الكلام فيه، وعلى كلّ تقدير فالفقه المنسوب إليه مبني على الاَُسس التالية:


1 . مقدّمة ابن خلدون: 415، ط دار الكتاب العربي.


(72)

أُصول مذهبه

وقد ذكر ابن القيم (الذي يغالي في الاِمام أحمد غلواً كبيراً) انّ الاِمام كان يعتمد في تدوين مذهبه على خمسة أُصول هي:

1. النصوص: فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ومن خالفه، ثمّ ذكر عدّة أمثلة، ويقول: ولم يكن يقدّم على الحديث الصحيح عملاً، ولا رأياً، ولا قياساً، ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الّذي يسمّيه كثير من الناس إجماعاً، وقد كذّب أحمد من ادّعى هذا الاِجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت.

2. ما أفتى به الصحابة، فإنّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ولم يقل إنّ ذلك إجماع، وإذا وجد الاِمام أحمد هذا النوع من الصحابة لم يقدّم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.

3. إذا اختلفت الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنّة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبيّـن له موافقة أحد الاَقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقوله.

4. الاَخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن، وهو الذي رجّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا من في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب.

5. القياس: فهو يقدّم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس، فإذا لم يكن عنده شيء من هذه يعمل به واستعمله


(73)

للضرورة، وقد قال في كتاب «الخلال»: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنّما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.

فهذه الاَُصول الخمسة من أُصول فتاويه (1) وعليها مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الاَدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطّلاعه فيها على أثر، أو قول أحد من الصحابة والتابعين.

وكان شديد الكراهة والمنع للاِفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إيّاك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه،ولا يسوغ العمل بفتواه. (2)

ما ذكرنا من المذاهب الاَربعة هي المذاهب السائدة إلى الآن، وقد أُبيدت المذاهب الاَُخرى لعلل شتّى، وحصرت المذاهب في الاَربعة بعدما انتحل الناس مذاهب أُخرى، ونظراً لاَهمية هذا الموضوع نستعرض في نهاية الفصل مبحث حصر المذاهب في الاَربعة، وإغلاق باب الاجتهاد، وما أعقبته من نتائج سلبية ومضاعفات على النهضة الفقهية.

ميزة الدور الثاني


وبالاِمعان فيما جرى في هذا العهد من الاَحداث يمكن أن نقول: إنّ هذا الدور يتميّز بأمرين:


1 . وقد صرّح بعض الكتّاب المعاصرين انّ الاِمام أحمد اعتمد في مذهبه الفقهي على أدلّة ثمانية هي: القرآن، السنّة، فتاوى الصحابة، الاِجماع، القياس، الاستصحاب، المصالح المرسلة، سد الذرائع. (انظر تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور أحمد فراج حسين).
2 . ابن قيم: إعلام الموقعين: 1|33.


(74)

1. استقلال علم الفقه عن سائر العلوم على وجه صار علم الفقه علماً مستقلاً عن سائر العلوم، كما هو الحال بالنسبة إلى الآداب العربية .

2. شيوع طريقة الرأي في الفقه، وقد مرّ فيما مضى انّ بذور هذه الفكرة كانت بعد رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولكن تصاعَد نشاطها في هذا الدور لاَنّهم واجهوا العديد من الحوادث التي لم يكن لها حلول في الشريعة، سوى إعمال الرأي لا سيما في بلد كالعراق مكتظ بأعراف وثقافات مختلفة ومتنوعة.


(75)

أدوار الفقه السنّي


3

الدور الثالث

عصر ركود الحركة الاجتهادية

(أوائل القرن الرابع ـ أواسط القرن السابع)

لقد تألّق نجم المذاهب الاَربعة من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656هـ(سقوط الدولة العباسية) فسرت روح التقليد للاَئمة الاَربعة سرياناً عاماً اشترك فيها العلماء وجمهور الناس بعدما كان الناس على فرقتين:

فرقة تدرس الكتاب والسنّة وتستنبط الاَحكام الشرعية من ظواهرها، وفرقة مقلّدون تَفْزع إلى الفرقة الا َُولى في كلّ حادثة ونازلة، ولكن تغير الوضع عقب منتصف القرن الرابع، فانصبّت همم الفقهاء والعلماء على فهم ما أُثر عن الاَئمّة الاَربعة من النصوص والقواعد في مجال الاَحكام، فراج الاجتهاد في المذهب بدل الاجتهاد المطلق، وانحصر بذل الجهود في فهم كلام أئمّة المذاهب، وبذلك نزلت كلماتهم منزلة النصوص القرآنية أو الحديثية.

يقول الاستاذ الخضري بك في هذا الصدد: أمّا في هذا الدور فإنّ روح التقليد سرت سرياناً عاماً واشترك فيها العلماء وغيرهم من الجمهور، فبعد أن كان مريد الفقه يشتغل أوّلاً بدراسة الكتاب ورواية السنّة اللّذين هما أساس الاستنباط، صار في هذا الدور يتلقّى كتب إمام معيّن ويدرس طريقته التي


(76)

استنبط بها ما دوّنه من الاَحكام، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء، ومنهم من تعلو به همّته فيوَلّف كتاباً في أحكام إمامه إمّا اختصاراً لموَلّف سبق، أو شرحاً له، أو جمعاً لما تفرّق في كتب شتّى، ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولاً يخالف ما أفتى به إمامه، كأنّ الحقّ كلّه نزل على لسان إمامه وقلبه، حتّى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور وإمامهم من غير منازع، وهو أبو الحسن عبيد اللّه الكرخي: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي موَولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو موَول أو منسوخ، وبمثل هذا أحكموا دونهم إرتاج باب الاختيار. (1)

لقد تلقّى المتأخرون، المذاهب الاَربعة تراثاً إسلامياً بلغ من القداسة كأنّه موحى من اللّه لا يمكن النقاش فيه، ولا يجوز الخروج عن إطاره، فأصبحت نصوص الاَئمّة الاَربعة، كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم، وموَدّى لفظهم، خلف ذلك فيما بعد آثاراً سلبية حالت دون تكامل الفقه، منها:

1. نشوء روح التقليد عند فقهاء تلك الاَعصار، والتعصّب لمذهب الاَسلاف.

2. كثرة التخريج والتفريع والترجيح بين فقهاء المذاهب، فإنّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب والسنّة انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الاَُصول الثابتة عند أئمّة المذاهب، ولاَجل ذلك كثر التأليف والتصنيف في هذه العصور وأكثرها يحمل طابع التخريج والتفريع، وقد حفظ تاريخ طبقات الفقهاء أسماء الذين برعوا في تلك الاَعصار، وكلّ يحمل على عاتقه الدفاع عن المذهب الذي ينتحله، ويتعصّب له، ويوَلّف في فقه إمامه، أو يشرح كتب من ألّف من فقهه.


1 . الخضري بك: تاريخ التشريع الاِسلامي: 278 ط دار الفكر .


(77)

وقد خلّف هذا الوضع أثراً سلبياً عجيباً، وهو انّ انتصار كلّ حاكم من الحكام لمذهب من المذاهب، صار سبباً لانقراض كثير من المذاهب، كمذهب سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد اللّه بن مبارك، وأبي عمرو الاَوزاعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وليث بن سعد، وداود بن علي، وأبي ثور، وابن جرير الطبري وغيرهم.

فقد كانت الدولة العباسية تثبّت دعائم مذهب أبي حنيفة، فيولّى على القضاء من كان متبعاً لهذا المذهب، ولما استولى الفاطميون على مصر نشروا المذهب الاِسماعيلي ومنعوا التفقّه على مذهب أبي حنيفة، لاَنّه مذهب الدولة العباسية وسمحوا بالتفقّه على المذهب المالكي والشافعي والحنبلي.

وقد ذكر الاَُستاذ أحمد مصطفى الزرقاء العوامل التي سببت الاِفتاء بغلق باب الاجتهاد، وذكر منها الاَسباب التالية:

1. التعصّب المذهبي

فقد تعصّب التلاميذ لآثار أساتذتهم من الاَئمّة المجتهدين الّذين أناروا العصر السابق، وكشفوا ظلمات المسائل بنور عقولهم الساطع.

ولا يخفى انّ التعصّب لفكرة، يحمل الاِنسانَ على الجمود عليها والتعلّق بأهدابها، ودعوة الناس إليها دون سواها، وهكذا فعل أُولئك الذين جاءوا بعد الاَئمة السابقين، فقد عنوا بدراسة مذاهبهم ونشرها بدلاً من السير على منهاجها، والاجتهاد كما اجتهد أصحابها، فوثق الناس بالسابقين وشكّوا في أنفسهم.

2. ولاية القضاء

فقد كان الخلفاء يختارون القضاة أوّل الاَمر من المجتهدين لا من


(78)

مقلّديهم، ولكنّهم فيما بعد آثروا اختيارهم من المقلّدين، ليقيدوهم بمذهب معين، ويعيّنوا لهم ما يحكمون على أساسه بحيث يكونون معزولين عن كلّ قضاء يخالف ذلك المذهب، ولاَنّ بعض القضاة المجتهدين كان يتعرض الفقهاء المذهبيون لتخطئته، فيكون حكمه مثاراً لنقد الناس لا سبب اطمئنان لهم.

وهكذا كان تقيّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة سبباً في اكتفاء أكثر الناس به وإقبالهم عليه.

3. تدوين المذاهب

إنّ تدوين المذاهب قد سهّل على الناس تناولها، والناس دائماً يطلبون السهل اليسير دون الصعب العسير، وقد كان يدفع الناس إلى الاجتهاد في العصور السابقة ضرورة ملجئة إلى تعرّف أحكام حوادث وشوَون جديدة ما كانوا يعرفون حكمها الشرعي.

فلمّا جاء المجتهدون ودوّنوا أحكام الحوادث التي عرضت والتي يحتمل عروضها، صار الناس كلّما عرضت لهم مسألة وجدوا السابقين قد تعرّضوا لها، فاكتفوا بمقالهم في شأنها، فسدّت حاجتهم بما وجدوا، فلا عامل يحفزهم إلى بحث جديد.

وساعد على ذلك ما للاَقدمين من موقع علمي كبير جدير بالتقدير، وما يكسبهم تفوقهم على مضي الزمن من إجلال، وما يكون من عناية الاَهم بتكريم سلفها الصالح ليرتبط حاضرها بماضيها برباط متين.

لهذا كلّه انصرف الناس إلى التقليد، اللّهمّ إلاّ في تعرّف علل الاَحكام المذهبية، أوترجيح بعض الآراء في المذهب نفسه على غيرها.

ويسمّى من أُوتي القدرة العلمية على ذلك: مجتهداً في المذهب، أي انّه


(79)

ليس مجتهداً مطلقاً ذا مذهب مستقل، بل هو من أتباع إمام مجتهد، ولكنّه ذو رأي معتبر في ضمن مذهب إمامه، وفي البناء على أُصوله. (1)

هذه العوامل الثلاثة وإن سببت ركود الحركة الاجتهادية، ولكنّها عوامل جانبية على ما يبدو، بل هناك سبب آخر وهو المهم في شلِّ الحركة العلمية الفقهية، وهو تأثير السياسة التي اتّخذها القادر باللّه الخليفة العباسي للحد من نشاط الحركة الاجتهادية حيث تصدّى للخلافة ما يقرب عن 41 عاماً. (2) ساد في هذه الفترة الطويلة فكرة التقشف والتنسّك وذم الفكر والاجتهاد في الدين، ويعرب عن ذلك ما ذكر من حالاته وأفعاله، فقد عرفوا القادر باللّه بأنّه: صنّف كتاباً ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وأفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ في كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناسُ سماعه، ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني انّ القادر باللّه كان يلبس زي العوام ويقصد الاَماكن المعروفة بالبركة، كقبر معروف وتربة ابن بشار. (3)

وقد بلغ كبح جماح الفكر بمكان انّه استتاب القادر باللّه سنة 408هـ فقهاء المعتزلة والحنفية، فأظهروا الرجوع وتبرّأوا من الاعتزال، ثمّ نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للاِسلام، وأخذ خطوطهم بذلك وانّهم متى خالفوه حلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة وأمين الملّة أبو القاسم محمود أمر أمير الموَمنين، واستنّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل


1 . مصطفى أحمد الزرقاء: المدخل الفقهي العام:1|177ـ 179.
2 . بويع بالخلافة عام 381هـ وتوفي عام 422هـ. لاحظ المنتظم:14|353 و15|217.
3 . ابن الجوزي: المنتظم:14|354.


(80)

المعتزلة والرافضة والاِسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم،وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإيعاد كلّ طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنّة في الاِسلام. (1)

فإذا كان هذا حال أمير الموَمنين وحال وزيره في أصقاع كبيرة من الاَرض كخراسان، فكيف يستطيع أي متكلم بارع أو فقيه متضلّع أن يفكّر في تجديد الهيكلية الفقهية أو العقائدية، أو يطرح وجهات نظره الخاصة ، إذ لا يوَمن من أن يوَخذ باتّهام مخالفته لاَهل السنّة والجماعة، فينكل به أو يحبس أو يصلب على أعواد المشانق؟!

وقد مضى انّه كتب كتاباً عرف باسم «الاعتقاد القادري»، وكأنّه وحي منزل يجب أن يقرأ في كلّ جمعة، وقد امتد ذلك طول خلافته الطويلة، ومع أنّه توفي عام 422هـ، ولكن السياسة التي ابتدعها للدولة دامت بعد موته في خلافة ابنه القائم بأمر اللّه، وهذا هو ابن الجوزي يذكر في حوادث عام 433هـ انّه قرأ الاعتقاد القادري في الديوان، وحضر الزهّاد والعلماء، وممّن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إنّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر، ثمّ ذكر نص الاعتقاد القادري. (2)

ويقول في آخره: هذا هو قول أهل السنّة والجماعة الذي من تمسّك به كان على الحق المبين، وعلى منهاج الدين، و الطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار ودخول الجنة. (3)

وقد شعر ببعض ما ذكرنا بعض المستشرقين يقول آدم مِتز:

وكان معنى ذلك نهاية تطور علم الكلام، ويستطيع الرجل الثاقب النظر أن


1 . المنتظم: 15|125ـ 126.
2 . المنتظم: 15|279، حوادث سنة 433هـ.
3 . المنتظم:15|281.


(81)

يتبيّـن في كلّ كلمة من هذا الاعتقاد جراثيم المنازعات التي مضت عليها قرون ثم نقل الاعتقاد القادري بنصّه. (1)

والحقّ انّ القادر باللّه ليس هو أوّل من كبح جماح الفكر، بل تبع المنهج الذي اختطه المتوكل باللّه بعد المأمون وابنه الواثق، فقاطبة الخلفاء الذين أعقبوا المتوكل قادوا حملة شرسة ضد الفكر وأهله، وروّجوا لما ورثه العلماء من السلف.

يقول آدم مِتز : ومضى عصر الابتكار في التشريع و اعتُـبر العلماء الاَوّلون كالمعصومين، وأصبح الفقيه لا يستطيع إصدار حكمه الخاص إلاّ في المسائل الصغيرة، وهذا يشبه ما حدث عند اليهود من مجيَ الربّانيين الذين كان قصاراهم، التناقش في آراء القدماء، وذلك بعد مضي عهد علماء الكتاب الذي يعلمون الكتاب ويحق لهم الاجتهاد. (2)

وفي الحقيقة انّه كان هناك صراع بين الفقهاء، أهل الفكر الحر الذين يبغون إثارة الكتاب والسنّة واستنطاقها للاِجابة على كلّ حادث مستجد، وبين المحدّثين المتمسّكين بالسنّة القديمة.

يقول آدم مِتز: وكان أهم المذاهب بين أصحاب الحديث الحنابلة والاَوزاعية والثورية، ولم يكن الحنابلة في ذلك ـ خلافاً لما صار إليه الحال فيما بعد ـ يعتبرون من جملة الفقهاء، وفي سنة 306هـ ذُكر أصحاب الحديث، فكانوا الشافعية والمالكية والثورية أصحاب سفيان الثوري والحنفية والداوودية وفي أواخر القرن الرابع كانوا هم الحنفية والمالكية والشافعية والداوودية ولم يذكر الحنابلة بين الفقهاء في هاتين المدّتين، ولمّا توفي محمد بن جرير الطبري عام 310هـ دفن بداره ليلاً، لاَنّ العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، وكان ذلك بتأثير الحنابلة، وقد تعصب عليه هوَلاء، لاَنّه جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فسئل عن ذلك؟ فقال: لم يكن فقيهاً وإنّما كان محدّثاً. (3)


1 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.
2 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.
3 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.


(82)

هذه الجمل المتناثرة من التاريخ تكشف لنا بوضوح عن سيادة أهل الحديث والسلفية على البيئات العلمية ونصرة السلطات الحاكمة لها، ممّا أصاب الفكر الحرَّ الجمودُ والانتكاس، كما يعلم انّ انحصار المذاهب الفقهية في الاَربعة لم يكن وليد الساعة وإنّما آل الاَمر إليه بالتدريج عبر الزمان.

نعم كانت قبل المذاهب الاَربعة ومعها، مذاهب فقهية أُخرى كان لها دعاة، نذكر على سبيل المثال بعضها؛ مذهب الاَوزاعي،وسفيان الثوري، وداود الاصفهاني، ومحمد بن جرير الطبري وغير ذلك، فهذه مذاهب بائدة، بادت لعوامل شتى واستقرت المذاهب الفقهية بالتدريج في الاَربعة .

كثرة التخريج والتفريع

أُصيب الفقه الاِسلامي السنّي في هذه الفترة بركود في حين نشطت حركة أُخرى وإن كانت أقل قيمة ألا وهي حركة التخريج والتفريع، فجمعوا الآثار، ورجّحوا بين الروايات، وخرّجوا علل الاَحكام، واستخرجوا من شتّى المسائل والفروع أُصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاواهم، وألّفوا كتب الخلافيات جمعوا فيها أحكام الاَئمّة وأدلّتهم، ونصر كل مذهب إمامه، ودَعَمَ رأيه وزيّف أدلّة مخالفيه، وأفتوا في مسائل كثيرة لم يكن لاَئمتهم فيها نص، فهم مكمّلون لمذاهب أئمتهم بما قاموا به من النظر في ترجيح الاَقوال، والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الاَدلّة، وبيان تنزيل الفروع على الاَُصول، وإيضاح المشكل وتقييد المهمل، ومقابلة بعض الاَقوال ببعض، والنظر في تمييز قويّها من ضعيفها.

فمع أنّه لم يوجد في هذا العصر مجتهد مستقل، لكن انحصر عمل العلماء في:

1. تعليل الاَحكام.

2. الترجيح بين الآراء المختلفة في المذاهب.


(83)

3. الانتصار للمذاهب. (1)

ولاَجل الاِشارة إلى هذا النوع من المساهمات نعطف الاَنظار إلى أسماء بعض الفقهاء الذين صنّفوا في تلك الفترة وتركوا تراثاً فقهياً مهماً.

لقد استقصى الشيخ محمد الخضري بك أسماء الموَلّفين الذين كان لهم دور في هذه الاَُمور الثلاثة، فذكر من علماء الحنفية 20 فقيهاً، ومن المالكية 23 فقيهاً، ومن الشافعية 30 فقيهاً، ولم يذكر من الحنابلة أحداً مع أنّ مختصر الشيخ الخرقي وشرحه باسم المغني لابن قدامة من أهم الكتب التي صنّفت في تلك الفترة على وجه قلّما يتفق أن يوجد للمغني مثيل فيما سبق، ونحن نقتصر من كل طائفة ببعضهم، ونذكر من الحنابلة مالم يذكره.

فمن فقهاء الحنفية في هذا الدور

1. أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص، صاحب تفسير آيات الاَحكام المطبوع المتداول.

2. أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري البغدادي، وهو صاحب المختصر المشهور، وشرح مختصر الكرخي، وصنّف كتاب «التجريد» وهو مشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مجرّداً عن الدلائل، وكان حسن العبارة في النظر، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الشافعي، توفي سنة 428هـ.

3. أبو زيد عبد اللّه بن عمر الدبوسي السمرقندي، وهو أوّل من وضع علم الخلاف، وأجلّ تصانيفه «الاَسرار» وله «النظر في الفتاوى» وكتاب «تقدّم الاَدلّة» وكان يضرب به المثل في النظر، و استخراج الحجج،وكان له بسمرقند وبخارى مناظرات مع الفحول، توفي سنة 430هـ.

4. شمس الاَئمة محمد بن أحمد السرخسي تلميذ الحلواني، عدّ من


(1) محمد علي السايس: تاريخ الفقه الاِسلامي: 113ـ 114.

(84)

المجتهدين في المسائل كان متكلّماً مناظراً أُصولياً مجتهداً، أملى المبسوط نحو خمسة عشر مجلداً، وهو في السجن بأوزجند، وله كتاب في أُصول الفقه، وشرح السير الكبير، وشرح مختصر الطحاوي، ومبسوطه عبارة عن شرح الكافي الحاكم والشهيد، وقد طبع في مصر، توفي في أواخر القرن الخامس.

5. برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر المعروف بالمرغيناني (530 ـ 593 هـ) موَلّف كتاب «الهداية في شرح بداية المبتدي» والشرح والمتن لنفس الموَلف وهو أحسن كتاب في الفقه الحنفي ايجازاً وتأليفاً وتبويباً.

وهو في الحقيقة كالشرح لمختصر القدوري المتوفى عام 428، والجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني.

ومن تصانيفه الأُخرى كتاب «مجموع النوازل» وكتاب «الفرائض» و «المنتقى» و «كفاية المنتهى» و «مناسك الحج» .(1)

ومن فقهاء المالكية في هذا الدور

1. بكر بن العلاء القشيري، بصري الاَصل، ثمّ انتقل إلى مصر، تفقّه على تلامذة القاضي إسماعيل، ألّف كتباً جليلة، منها: كتاب «الاَحكام» المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه، وكتاب «الرد على المزني» وكتاب «أُصول الفقه» وكتاب «القياس» وغير ذلك، توفي سنة 314هـ. (2)

2. يوسف بن عمر بن عبد البر، شيخ علماء الاَندلس وكبير محدّثيها في وقته، صنّف كتاب «الاستنكار» بمذاهب علماء الاَمصار فيما تضمّنه الموطأ من معاني الآثار، شرح فيه الموطأ على وجهه ونسق أبوابه، وصنّف كتاب «الكافي» في الفقه، وغير ذلك من الكتب، توفي عام 380هـ . (3)


1ـ انظر مقدمة الهداية.
2 و 3. محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 260 و 261.

(85)

3. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، زعيم فقهاء وقته بالاَندلس والمغرب ومقدّمهم، المعترف له بصحة النظر، وجودة التأليف، ودقة الفقه، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، ألّف كتاب «البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل»، وكتاب «المقدّمات» لاَوائل كتب المدوّنة، واختصار الكتب المبسوطة من تأليف يحيى بن إسحاق، وتهذيبه لكتب الطحاوي في مشكل الآثار وحجب المواريث، توفي سنة 520 هـ. (1)

4. أبو بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي المعافري الاِشبيلي، تأدّب ببلده، ثمّ رحل رحلة طويلة إلى بلاد المشرق، ولقي كثيراً من العلماء، منهم: الغزالي، فاستفاد كثيراً، وأتقن مسائل الخلاف والاَُصول والكلام، ثمّ انصرف إلى الاَندلس تعلّم كثيراً، وصنّف كثيراً، ومن تصانيفه: كتاب «أحكام القرآن» وكتاب «المسالك في شرح موطأ مالك» وله كتاب «المحصول في أُصول الفقه». توفي سنة 534 هـ. (2)

5. القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، كان إمام وقته في الحديث والتفسير، فقيهاً أُصولياً، بصيراً بالاَحكام، عاقداً للشروط، حافظاً لمذهب مالك، ومن شيوخه ابن رشد. له التصانيف المفيدة، منها: «إكمال العلم في شرح صحيح مسلم»، و«الشفا بتعريف حقوق المصطفى» و «مشارق الاَنوار» في تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم، وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» لمعرفة أعلام مذهب مالك، وغير ذلك. توفي سنة 541هـ.(3)

* * *


1 . شجرة النور الزكية : 129 برقم 376 .
2 . محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 261 ـ 264.
3 . محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 261 ـ 264.


(86)

ومن فقهاء الشافعية في هذا الدور

1. القاضي أبو حامد أحمد بن بشر المروزي، من أصحاب أبي إسحاق، صنّف كتاب الجامع، وهو محيط بالاَُصول والفروع، آت على النصوص والوجوه، وهو عمدة عند أصحاب الشافعي، وشرح مختصر المزني. توفي عام 362هـ.

2. أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري، كان حافظاً للمذهب، حسن التصنيف، وبه تخرّج جماعة منهم الماوردي، ومن تصانيفه: «الاِفصاح» في المذهب، «الكفاية»، «القياس والعلل» وكتاب صغير في أدب المفتي والمستفتي، وكتاب في الشروط . توفي عام 386هـ.

3. أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي، صاحب «التنبيه» و«المهذب» في الفقه، و«النكت» في الخلاف و«اللمع» وشرحه و«التبصرة» في أُصول الفقه، و«الملخّص» و«المعونة» في الجدل، وله مناظرات مع أبي عبد اللّه الدامغاني الحنفي. توفي سنة 476هـ.

4. أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بـ «ابن الصباغ» صاحب «الشامل» و«الكامل» و«عدّة العالم والطريق السالم» و«كفاية السائل»و«الفتاوى» انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد. توفي عام 487هـ.

5. أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني، المعروف بـ«إمام الحرمين»، تفقّه على والده، وصار إمام نيسابور في الفقه والاَُصول والكلام، وجاور مكة أربع سنين، ومن هنا لقب بإمام الحرمين، ولمّا عاد إلى نيسابور بنى له نظام الملك المدرسة النظامية، ومن تصانيفه:«النهاية» في الفقه، و«البرهان» في أُصول الفقه، و«مغيث الخلق» في ترجيح مذهب الشافعي. توفي سنة 478هـ.

6. حجة الاِسلام، أبوحامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، ولد بطوس عام 450هـ، وتفقّه عند إمام الحرمين، وجدَّ حتى برع في المذهب


(87)

والخلاف والجدل والاَصلين والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وبعد وفاة إمام الحرمين ذهب إلى بغداد، وتولّى تدريس النظامية بها، صنّف في المذهب:«البسيط» و«الوسط» و«الوجيز» و«الخلاصة»، وفي أُصول الفقه: «المستصفى» و«المنخول» و«بداية الهداية» و«المآخذ» في الخلافيات و«شفاء العليل في بيان مسائل التعليل» وغير ذلك من الكتب في علوم شتى. توفي بطوس عام 505هـ. (1)

* * *

ومن فقهاء الحنابلة في هذا الدور

1. أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي (431ـ 513هـ) له تصانيف كثيرة، منها:«التذكرة» وكتاب «الفنون» وله في الفقه كتاب «الفصول» ويسمّى «كفاية المفتي» في عشرة مجلدات، و«عمدة الاَدلّة»، وكتاب «المفردات»، وكتاب «الاِشارة» وكتاب «المنشور». (2)

2. محفوظ أحمـد بن الحسـن بن أحمـد الكلوذانـي (432 ـ 510هـ) أبو الخطاب البغدادي، أحد أئمّة المذهب وأعيانه ، من تصانيفه:«الهداية»و«الخلاف الكبير» المسمّى بـ«الانتصار في المسائل الكبار» والخلاف الصغير المسمّى بـ«روَوس المسائل» وله أيضاً كتاب «التهذيب» في الفرائض و«التمهيد» في أُصول الفقه. (3)

3. محمـد بن عبـد اللّه بن محمـد بن الحسين السامري (535 ـ 616هـ) ويلقّب نصير الدين، وتفقّه على ابن حكيم، ولازمه مدّة، وبرع في الفقه والفرائض، وصنّف فيها تصانيف مشهورة، منها:«المستوعب» وكتاب «الفروق»


1 . محمد الخضري بك: تاريخ التشريع الاِسلامي: 266 ـ 270.
2 . سير أعلام النبلاء: 19|443؛ الفتح المبين: 2|12 ـ 13، وغيرهما.
3 . سير أعلام النبلاء: 19|348 برقم 206؛ الاَعلام: 5|291.


(88)

وكتاب «البستان» في الفرائض. (1)

4. مجد الدين أبو البركات عبد السلام، بن عبد اللّه بن أبي القاسم بن تيمية (المتوفّى 652هـ) شيخ الحنابلة، وله تصانيف، منها: «المحرر» و«أطراف أحاديث التفسير» و«أُرجوزة في علم القراءات» و «الاَحكام الكبرى» في عدّة مجلّدات، و«المنتقى من أحاديث الاَحكام»، و«منتهى الغاية في شرح الهداية».(2)

حصر المذاهب في الاَربعة

لاذت الاَُمّة الاِسلامية بعد رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الصحابة والتابعين ثمّ الفقهاء بغية الاِجابة عن المشاكل والعوائق التي تواجهها في أُمور الدين والدنيا في برهة لم يكن للمذاهب الاَربعة أي أثر يذكر ولم يكن العمل في ظل فتوى الفقهاء آنذاك خلافاً للكتاب والسنّة.

فإذا كان هذا واقع الاَمر فليس هناك أي دليل على حصر المذاهب الفقهية في الاَربعة، ومن حصرها فإنّما تم بدافع سياسي لا ديني، وعليه فالحصر لا يستند إلى دليل شرعي لكي يكون الخروج عنه أمراً غير مشروع.

وممّن أرّخ لحصر المذاهب وانّه تم بدافع سياسي هو المقريزي في كتابه «الخطط» قائلاً: استمرت ولاية القضاة الاَربعة من سنة 665هـ حتى لم يبق في مجموع أمصار الاِسلام مذهب يعرف من مذاهب الاِسلام غير هذه الاَربعة، وعودي من تمذهب بغيرها، وأُنكر عليه، ولم يول قاضٍ، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قدّم للخطابة والاِمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلّداً لاَحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه الاَمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(3)


1 . سير أعلام النبلاء: 22|441 برقم 93؛ الاَعلام: 6|231.
2 . سير أعلام النبلاء : 23 / 291 برقم 198 ؛ الأعلام : 4 / 6 .
3 . المقريزي: الخطط: 2|344.


(89)

أقول: إنّ قوله: «وتحريم ماعداها» يكشف بوضوح عن أعظم المصائب التي حلّت بالاِسلام حيث لم يسمع أحد من المسلمين ممن عاشوا في القرنين الاَوّلين اسم المذاهب أبداً، فكانوا بالنسبة إلى الاَحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية، كان يقلّد عامّيهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الاَحكام من الكتاب والسنّة على موازينهم المقرّرة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء أوجب بعد هذا التاريخ على عامة المسلمين: العامي المقلّد والفقيه المجتهد، أن لا يخرج عن نطاق تقليد الاَئمّة الاَربعة في الاَحكام الشرعية؟! وبأي دليل شرعي صار اتّباع أحد المذاهب الاَربعة واجباً مخيّراً والرجوع إلى ماوراءها حراماً معيناً، مع علمنا بأحوال بعض المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل لا سيما السياسية في تقدّم بعضها، كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في «الحوادث الجامعة ص 216 في وقائع سنة 645هـ يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو سنة 656هـ. (1)

أمّا ما ذكره المقريزي فهو لا يعني شروع الحصر في هذه السنّة في مصر، وإنّما كان يرجع جذوره إلى العراق، فقد ذكر ابن الفوطي في كتابه «الحوادث الجامعة» عند ذكر فتح المدرسة المستنصرية: انّه قسمت الاَرباع، فسلم ربع القبلة الاَيمن إلى الشافعية، والربع الثاني يسرة القبلة إلى الحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل إلى الحنابلة، والربع الرابع يسرة الداخل للمالكية، وأُسكنت بيوتها وغرفها واجري لهم الجراية الوافرة عملاً بشرط الواقف، ثمّ نهض نصير الدين وأرباب الدولة والحاضرون وكان يومئذٍ الخليفة جالساً في الشباك الذي في


1 . راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلاّمة الطهراني: 104.


(90)

صدر الاِيوان ينظر جميع ماجرت الحال عليه. (1)

هذا ما يذكره ابن الفوطي عند افتتاح المدرسة المستنصرية عام 631هـ، ويذكر في حوادث 645هـ: أُحضر مدرسو المستنصرية إلى دار الوزير، وتقدم إليهم أن لا يذكروا شيئاً من تصانيفهم، ولا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكروا كلام المشايخ تأدّباً معهم وتبرّكاً بهم، وأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي مدرس الحنابلة بالسمع والطاعة، ثمّ مدرس المالكية سراج الدين عبد اللّه الشرمساحي، وقال: ليس لاَصحابنا تعليقة، فأمّا النقط من مسائل الخلاف فمما أرتبه، فبان بذلك عذره، وأمّا شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني مدرس الحنفية فإنّهما قالا ما معناه: إنّ المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال، ونحو ذلك من إيهام المساواة فانهيت صورة الحال، فتقدم الخليفة أن يلزموا بذكر كلام المشايخ واحترامهم، فأجابوه بالسمع والطاعة. (2)

فسواء أكان العامل لانحصار المذاهب الاَربعة هم الفقهاء كما يظهر من المقريزي في عبارته السابقة، أو من الخليفة العباسي كما يظهر من عبارات ابن الفوطي، فهذا العمل كان بخساً لحقوق سائر الاَئمة والمذاهب، كما انّه عدّ إهانة للسابقين الذين كان ديدنهم العمل بفتاوى غير الاَئمّة الاَربعة.

وقد نقل الاَُستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الاَزهر في رسالة له باسم «البحث في التشريع الاِسلامي»: انّ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهروزي شارح الوسيط في فقه الشافعية، المدرس بدار الحديث، والمتوفّى بها سنة 642هـ انّه أفتى بحرمة الخروج عن تقليد الاَربعة مستدلاً له


1 . عبد الرزاق بن الفوطي البغدادي: الحوادث الجامعة: 58.
2 . المصدر السابق: 217.


(91)

بإجماع المحقّقين. (1)

ويظهر من كتاب «تهذيب الاَنساب ونهاية الاَعقاب» تأليف السيد النسابة أبي الحسن محمد بن محمد بن علي بن الحسن الحسيني الموسوي انّ فكرة الحصر للمذاهب كانت في أوائل القرن الخامس في عصر خلافة القادر باللّه.

وقال: اشتهر على ألسنة العلماء انّ العامة في زمن الخلفاء لمّا رأوا تشتّت المذاهب في الفروع واختلاف الآراء، إلى أن يقول: وذلك بعينه على نهج تفرّق أقوال النصارى وطبق تشتّت أحوال هوَلاء دين الحيارى بعد غيبة نبيّهم عيسى، وعلى وفق وفور الاَناجيل وظهور كثير من الاَقاويل وشيوع غفير الاَباطيل، فلمّا تحيّروا في ذلك احتالوا بالاِجماع على صحّة الاَناجيل الاَربعة، أعني: إنجيل متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا؛ وبطلان الباقي منها والقول بعدم صحته، فأسّسوا في الفروع على الظن والحسبان والتشهّي والاستحسان على ما أوضحناه في القسم الثاني من كتابنا الموسوم بـ «وثيقة النجاة» وبيّناه أيضاً في بعض رسائلنا المعمولة في ردّ تلك الكفرة الغواة.

وقال ـ بعد كلام له ـ : آل أمر الشيعة إلى ما آل في العمل بقول الآل السادة الاَنجاب، والعامة قد جوّزوا الاجتهاد في المذهب ولم يجوّزوا الاجتهاد عن المذهب، حتى أنّهم لم يجوّزوا تلفيق أقوال هوَلاء الاَربعة، والقول في بعض المسائل بقول بعض الاَربعة وفي بعض الآخر من المسائل بقول الآخر منهم، وشدّدوا في ذلك الباب وسددوا سائر الاَبواب، وشيّدوا الحبال والاَطناب على نحو ما ذكرناه مشروحاً في القسم الثالث من كتاب «وثيقة النجاة» واستمروا على هذا الرأي إلى يومنا هذا، ولم يخالفهم أحد منهم في تلك الاَعصار المتمادية سوى محيي الدين العربي الصوفي المعروف المعاصر للفخر الرازي حيث


1 . نقله شيخنا الطهراني في كتابه تاريخ حصر الاجتهاد:108.


(92)

خالفهم هو في عمل الفروع فتارة يقول بقول واحد من هوَلاء الاَئمّة الاَربعة في مسألة، ويقول في مسألة أُخرى بقول الآخر، فيلفّق بين أقوال الاَربعة، وتارة يخترع في بعض المسائل وينفرد بقول لم يدخل في تلك الاَقاويل. (1)

مضاعفات حصر المذاهب

وقد أعقب حصر المذاهب في الاَربعة استيلاء الجمود والركود على الفقهاء منذ منتصف القرن السابع الهجري، فلم يكن لهم بُدّ إلاّ السير على ضوء هذه المذاهب، وإن أدركوا بذكائهم أنّ الحقّ في غيرها، وربما امتلكوا موَهلات فكرية لو استخدموها في استنباط الاَحكام لوصلوا إلى ما لم يصل إليها السابقون.

أمّا باب الاجتهاد، عند الشيعة فهو مفتوح على مصراعيه فلم يغلق منذ فتح بابه، وقد أنجبت المدرسة الشيعية العديد من المجتهدين والفقهاء إلى يومنا هذا، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس والانكماش، فافتوا بحرمة تقليد المجتهد الميت ولزوم الرجوع إلى المجتهد الحي،وصار هذا سبباً لانتعاش الاجتهاد وراج سوقه في الجامعات الاِسلامية، واكتظت برواد العلم، فلم يزل المجتهد الحي مقلّداً يأخذ بزمام الاَُمور إلى أن يفارق الحياة، فيقوم مقامه مجتهد آخر يرجع إليه الناس في أُمور دينهم ودنياهم، وبذلك صار الفقه الشيعي يساير سنن الحياة وتطوّرها، وصارت النصوص الشرعية في ظل الاجتهاد حيّة مرنة نامية متطوّرة تتمشى مع نواميس الزمان والمكان، فلا جمود حتى يباعد الدين عن الدنيا ولا العقيدة عن الحياة.

وفي هذا تذكرة للمفكّرين من أهل السنّة في أن يقوموا بإنهاض الفقه وإنعاشه حتى يواكب مستجدات الزمان.


1 . رياض العلماء: 4|33 و 34، ذيل ترجمة الشريف المرتضى.


(93)

إنّ لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه أمر واضح لا يحتاج إلى البرهنة، إذ نحن في زمن نواجه الحوادث والمستجدات التي تتطلب لنفسها حلولاً،ونحن أمام أحد الطرق التالية:

1. بذل الوسع في استنباط أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة وسائر الاَُصول الشرعية.

2. اتباع المبادىَ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة.

3. الوقوف دون إعطاء حكم لها.

ومن الواضح انّ المتعيّن هو الاَوّل.

الاجتهاد في مذهب خاص ليس اجتهاداً مطلقاً

إنّ الاجتهادعبارة عن بذل الجهد في استنباط الاَحكام عن أدلّتها الشرعية، سواء أوافق حكم مجتهد متقدّم عليه أم لا ، فلا يكون المجتهد مجتهداً مطلقاً إلاّ إذا تحرّر عن كلّ رأي مسبق إلاّ الالتزام بالاَدلّة الشرعية، وأمّا الاجتهاد في مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي، فليس اجتهاداً مطلقاً، وإنّما هو بذل جهد لتشخيص رأي كلّ إمام في موضوع خاص.

نعم ربما يعزى الاجتهاد المطلق إلى الغزالي في القرن الخامس، وأبي طاهر السلفي في القرن السادس، وعز الدين بن عبد اللّه السلام، وابن دقيق العيد في القرن السابع، وتقي الدين السبكي وابن تيمية في القرن الثامن،وجلال الدين السيوطي في القرن التاسع، ولكن الحقّ انّ ما قاموا به لا يتجاوز في نظر المنهج العلمي الحديث باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد، بل لا يعدو في الواقع إلاّ الخروج عن إطار المذهب الواحد دون اجتياز حدود المذاهب الاَربعة.

ولا أدري لماذا أُقفل هذا الباب وإن تفلسف في بيان وجهه بعض الكتاب


(94)

المعاصرين حيث قال: لم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كانت حالة نفسية واجتماعية، وذلك انّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الاِسلام، ورأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الاَئمّة ممّا وضعوه واستنبطوه. (1)

والحقّ انّ ما ذكره الكاتب ليس شيئاً يركن إليه، فإنّ حياة الفقه، وبعث الروح في شريانه، وحفظ التراث الفقهي رهن مدارسته ومذاكرته ونقاشه، فاللّه سبحانه هو القادر أن يهب للخلف ما وهب للسلف من ذكاء وفطنة ومقدرة علمية لفهم الكتاب والاِحاطة بالحديث ورد الفروع إلى الاَُصول، فلماذا يقف الخلف مكتوف الاَيدي أمام السلف؟!

وقد استشعر بعض المفكّرين والكتاب المعاصرين في الآونة الأخيرة بلزوم إعادة الروح إلى الفقه من خلال فتح باب الاجتهاد المطلق ليكون مواكباً لازدهار الحضارة وتقدّمها.

يقول محمد علي السايس: ومهما يكن من العوامل التي اختلف أثرها في الفقه، فقد استقر في تلك المذاهب المشهورة،وأخذ سبيله بين الناس في حدود تلك المذاهب، وإن اختلفت هي رواجاً أو كساداً بين مقلّديها وفي الاَقطار التي استوطنتها.

ومع أنّ التقليد وصل بالناس في نهاية أمرهم إلى تمسّك كلّ فريق بمذهب إمامه وإسرافهم في التعصّب له وحبسهم الجهود على كتب علمائه، فقد نشطت في مصر حياة علمية جديدة، وثارت لها في عصرنا هذا همم فتية رغبت عن ذلك التعصب الجاحد، وحفظت لكل مذهب حرمته ـ مراعية انّ المذاهب


1 . أحمد أمين: رسالة الاِسلام، العدد الثاني من السنة الثالثة.


(95)

التي عليها جمهور المسلمين راجعة كلّها إلى أصل واحد، وهو دين اللّه الحق ومستمدة من بحر واحد هو كتاب اللّه وسنّة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - وعمل أسلافنا ـ نظروا إلى ذلك، وإلى أنّ الناس كثيراً ما يتعرّضون للحرج، وتلتوي عليهم السبل كلّما جدت بهم حاجة شخصية أو اجتماعية ووقفوا بها عند مذهب معيّن، على حين أنّهم لا يجدون في ذلك المذهب منفذاً للتخلص منها ولا حيلة في تفاديها.

فلم يرق للمصلحين من رجال العلم أن يدعوا الاَمر على هذا الجمود البغيض، ويتركوا الناس يجأرون بالشكوى من كلّ جانب ولم يكن بدّ من العمل على تقريب مسافات الخلف بين المذاهب المشهورة والاتجاه بالناس إزاء حاجاتهم إلى التماس المخرج في غير المذهب الذي يلتزمونه متابعة للشريعة في رفقها، واقتباساً من سماحتها وسيراً بالناس في أحداثهم ومقتضيات زمنهم على ضوء الاِسلام الحنيف. (1)

وقد شعر بما ذكره غيره، فقام الاَُستاذ علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة السابق لمحكمة القضاء الاِداري بنشر مقال مبسوط حول فتح باب الاجتهاد، نشرته مجلة رسالة الاِسلام في عددها الاَوّل من السنة الخامسة، ومن أراد فليرجع إليها. وقد اقتبسنا شيئاً منه في كتاب مفاهيم القرآن. (2)

المرجع هو الكتاب والسنّة

إنّ الواجب علينا العمل بالكتاب والسنّة، ورأي المجتهد واستنباطه سبيل إلى العلم بما فرضه اللّه، فإذا توفرت شرائط الاِفتاء في المجتهد على النحو المقرّر في علم الاَُصول، فلا فرق بين مجتهد دون مجتهد، ومذهب دون آخر.


1 . محمد على السايس:تاريخ الفقه الاِسلامي: 129.
2 . السبحاني: مفاهيم القرآن: 3|275 ـ 278.


(96)

فالاِلزام بالتمذهب بمذهب فقهي معيّـن بدعة مخالفة للاَُصول، والاَُمة الاِسلامية جرت منذ أمد طويل على الاَخذ بفتاوى الفقهاء الذين سبقوا أصحاب المذاهب الاَربعة، وكان هذا ديدنهم إلى أن تدخلت السياسة في ذلك المضمار فألغت سائر المذاهب الفقهية وأضفت الرسمية على الاَربعة منها فقط.

وهناك كلمة لابن قيم الجوزية جاء فيها:

لا واجب إلاّ ما أوجبه اللّه ورسوله، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الاَُمّة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة ـ إلى أن قال: ـ وهذه بدعة قبيحة حدثت في الاَُمّة لم يقل بها أحد من أئمّة الاِسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، واعلم باللّه ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الاَربعة.

فياللّه العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمّة الاِسلام و بطلت جملة، إلاّمذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الاَئمّة والفقهاء.

وهل قال ذلك أحد من الاَئمّة، أو دعا إليه، أو دلّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه اللّه تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة. (1)

كان الناس أحراراً في تقليد المذاهب التي صحت عن أصحابها إلى أن تدخلت السلطة في حصر المذاهب بالاَربعة، كما عرفت من ابن الفوطي


1 . إعلام الموقعين عن رب العالمين:4|262ـ263.


(97)

والمقريزي.

وهنا سوَال يطرح نفسه:

وهو انّه يجب على المسلم العمل وفق المذهب الذي قام الدليل على حجيته بينه و بين اللّه، فهل هناك دليل على حجّية كل واحد من تلك المذاهب ؟ وهل هناك خبر مرسل فضلاً عن مسند يتصل بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - يضفي الحجية فيها لواحد من تلك المذاهب؟

وهل جعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تلك المذاهب مرجعاً دينياً بعد رحيله على الرغم من الفاصل الزماني السحيق بينه - صلى الله عليه وآله وسلم - وبين أصحاب تلك المذاهب؟ ولو افترضنا انّ النبي أضفى الحجية على ما يُروى عن الصحابة من الفتاوى، فهو مختص بفتاوى الصحابة ولا يعم أصحاب تلك المذاهب.

إنّ من له أدنى إلمام بالفقه يقف على أنّ أكثر ما يروى عن هوَلاء من الآراء ليس مأخوذاً من الكتاب والسنّة، وإنّما هي آراء استخرجوها في ظل مقاييس ظنّية، وقواعد استحسانية يدور أمرها بين الصواب والخطأ، فما الدليل على اتّباع قولهم على الاِطلاق في غير ما كان فيه نص الكتاب والسنّة؟

نعم جعل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الكتاب والعترة مرجعاً بعد رحيله ، وجعل ذكر العترة في الصلوات بعد ذكر اسمه «اللّهم صلِّ على محمد وآل محمد»، وقال في غير موقف من المواقف:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي» فما وجه العدول إذن عنهم والرجوع إلى الاَخذ بآراء وأفكار غيرهم؟

فلو صرفنا النظر عمّا ذكرنا وافترضنا جواز العمل بجميع المذاهب الاِسلامية الفقهية من غير فرق بين مذهب ومذهب، فلماذا يُفرز المذهب الفقهي الشيعي الاِمامي عن سائر المذاهب مع أنّه له مقوّمات وأُسس وأُصول يعتمد عليها كسائر المذاهب الفقهية«وكلّهم من رسول اللّه مقتبس» ؟فالاَولى


(98)

النظر إلى جميع المذاهب بعين واحدة، كما عليه أصحاب السماحة والفضيلة من أعلام السنّة.

سأل سائل شيخ الاَزهر ـ المغفور له ـ شلتوت، فقال لفضيلته:

إنّ بعض الناس يرى أنّه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلّد أحد المذاهب الاَربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة الاِمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب «الشيعة الاِمامية الاثنا عشرية» مثلاً؟

فأجاب فضيلته:

1. إنّ الاِسلام لا يوجب على أحد من أتباعه، اتباعَ مذهب معين، بل نقول: إنّ لكل مسلم الحق في أن يقلّد بادىَ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً، والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كـان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.

2. إنّ مذهب الجعفرية المعروف بـ «مذهب الشيعة الاِمامية الاثنا عشرية» مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.

فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين اللّه وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب، فالكلّ مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقرّرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. (1)


1 . رسالة الاِسلام: السنة الحادية عشرة، العدد الثالث الموَرّخ محرم سنة 1379هـ.


(99)

ميزة الدور الثالث

يعلم ممّا سبق ميزات هذا الدور وأهمها ترجع إلى:

1. نشاط حركة التخريج والترجيح المذهبية مقروناً بالتعصّب المذهبي.

2. إقفال باب الاجتهاد وتكريم الاَئمّة.

3. تدوين المذاهب بصور مختلفة.

4. تأسيس علم الاَُصول على أيدي رجال كبار، وشيوع مناظرات مذهبية بين رجالات المذاهب.

تعليق على مقال

إنّ الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296ـ1371هـ) كتب في مقال تحت عن وان: «اللامذهبية قنطرة اللادينية» وقد ندّد بالذين يرون فتح باب الاجتهاد المطلق، وكسر حصر المذاهب في الاَربعة بكلام طويل ليس له محصل إلاّما يلي:

فمن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الاَئمّة المتبوعين لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلّها بحيث يباح لكلّ شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيّره في الاتّباع.

فيرد عليه ما قاله أبو إسحاق الاِسفراييني عن تصويب المجتهدين مطلقاً: أوّله سفسطة وآخره زندقة، لاَنّ أقوالهم تدور بين النفي والاِثبات، فأنّى يكون الصواب في النفي والاِثبات معاً ؟


(100)

وأمّا إن كان ذلك الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الاَئمة المتبوعين أنّهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين، وانّ المجتهدين في الاِسلام إلى اليوم كلّهم على خطأ، وانّه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الاَُمّة منذ بزوغ شمس الاِسلام إلى اليوم، فهذا من التهوّر والمجازفة البالغين حدّ النهاية. (1)

أقول: إنّ ما ذكره الكوثري في تفسير الشقين ليس على صواب، فأمّا الشق الاَوّل، فهو ما يعبّـر عنه في الاَُصول والكلام بالمصوبة، ومعناه انّ كلّ حكم لم يرد فيه نص في الكتاب والسنّة، فقد فوّض اللّه حكمه إلى المجتهدين، فما حكم به المجتهد فهو حكم اللّه، وفي مثل ذلك لا مانع من اجتماع النفي والاِثبات، لاَنّ امتناع اجتماعهما فيما إذا كان لحكم اللّه وراء اجتهاد المجتهد واقع مستقل، ففي مثله لا يمكن أن يكون كلّ من النفي والاِثبات صحيحاً.

وأمّا إذا لم يكن هناك واقع محفوظ كما هو الحال فيما لا نصّ فيه، فكل جهد بذل لاستنباط الحكم فهو حقّ نسبي في حقّه وحقّ مقلّديه، وليس كذلك بالنسبة إلى مجتهد آخر ومقلّديه، و التصويب بهذا المعنى وإن كان باطلاً عند الشيعة الاِمامية، ولكن لا يرد عليه ما ذكره أبو إسحاق الاسفراييني وتبعه الكوثري بلا تأمل، ولا مانع حينئذٍ من اجتماع النفي والاِثبات.

وأمّا الشقّ الثاني ، فهو ما يعبّر عنه بالمخطئة وعليه جمهور الفقهاء خصوصاً الشيعة الاِمامية، ومعناه انّ المجتهد قد يصيب وقد يخطىَ، فللاَوّل أجران وللثاني أجر واحد، وانّه ليس في الشريعة الاِسلامية حادث ليس لحكمه دليل في الشريعة، وليس الدليل منحصراً في الكتاب والسنّة.

وعلى ضوء ذلك فكلّ الاَحكام لها دليل غير انّ المجتهد ربما يصيبه


1 . مقالات الكوثري:223ـ225.


(101)

وربما لا يصيبه هذا هو معنى المخطئة، وليس معناه «انّ المجتهدين في الاِسلام إلى اليوم كلّهم على خطأ، وانّه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الاَُمّة منذ بزوغ شمس الاِسلام إلى اليوم»، فإنّ هذا التفسير مجازفة وتهوّر بلا مسوغ.

وحصيلة الكلام: أنّ الاِسلام لم يفرض على مكلّف تقليد أحد الاَئمّة الاَربعة، فلو قلنا بأنّه يجوز تقليد مجتهد، حياً كان أو ميتاً يجوز تقليد كلّ من أراد من المجتهدين الماضين إذا كان مذهبه الفقهي واصلاً إلى المكلّف عن طريق معتبر، وإن قلنا بشرطية الحياة في المجتهد، فعلى كلّ مكلّف أن يقلّد أي مجتهد حي، وعلى أُصول الاِمامية بما انّ تقليد الميت باطل من رأس، كما انّ تقليد الاَعلم فرض ومعه لا يجوز تقليد غيره، فيجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد الحي الاَعلم حتى تجتمع كلمة المسلمين على مجتهد واحد ويتبعه جميع المسلمين.

أقول: إنّ شيخنا الكوثري من أفذاذ الاَُمّة ومن المتبحّرين في التتبع، ولكن مقاله هذا نشأ من تعصّبه للاَئمّة الاَربعة وبالاَخص لاِمام مذهبه أبي حنيفة، ولولا ذلك الحجاب لما سمّى الخروج عن حصر المذاهب في الاَربعة قنطرة اللادينية.


(102)

أدوار الفقه السنّي


4

الدور الرابع

عصر الانحطاط الفقهي

(أواسط القرن السابع ـ أواخر القرن الثالث عشر)


إنّ كلّ ظاهرة من الظواهر سرعان ما تأخذ بالحركة نحو الكمال، وتتدرّج في مدارج الترقّي، ثمّ تبتلى بعوامل تعوقها عن سيرها وتحدّ من نشاطها ممّا يجعلها تراوح في مكانها لا تتقدّم قيد أنملة.

وهكذا الظاهرة الفقهية لم تكن مستثناة عن هذه الضابطة، فقد شلّت حركتها في الدور الرابع، وراوحت في مكانها، وأصابها الانحطاط في هذا الدور، فصارت مصداقاً لقوله سبحانه: "ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيْبَة" . (1)

هذا الوضع المزري الذي وصل الفقه إليه يكمن في الاَوضاع والظروف الخارجية التي أحاطت بالفقه والتي منها الوهن والضعف الذي أصاب الخلافة الاِسلامية من جرّاء انقسامها إلى دويلات وحكومات، وما أعقبه من هجمات شرسة من قبل أعداء الاِسلام من الوثنيين والمسيحيين اللّذين تحالفا على تمزيق الجسد الاِسلامي المتمثل آنذاك في الخلافة العباسية حتى أنشبت الصليبية


1 . الروم:54.


(103)

مخالبهـا في الوطن الاِسلامي في أوائل القرن السادس، فأشعلت حروباً طاحنة راح ضحيتها آلاف من المسلمين، وكان الانتصار فيها حليف الصليبيين تارة والمسلمين أُخرى، وبينما كان الجسد الاِسلامي مثخناً بالجراح إذ واجهته حملات أشرس من ذي قبل من قبل الوثنيّين المغول من الشرق، فاجتاحوا المدن الاِسلامية الآمنة، واستولوا على زهرتها بغداد، فأراقوا دماءً كثيرة، وأحرقوا المكتبات الاِسلامية، وقتلوا العلماء، فأضحت البلاد الاِسلامية تحت نير المغول في الشرق، و الصليبية في الغرب.

فإذا كان هذا حال البلاد من الدمار والفوضى والهلع، فقد انعكست تلك الظروف المتدهورة على الفقه الاِسلامي، فتخلّف عن عجلة الحضارة. هذا هو ابن الاَثير يصوّر لنا الدمار الذي خلّفته تلك الحروب، قائلاً: وقد بلي الاِسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الاَُمم، منها هوَلاء التتار أقبلوا من المشرق، ففعلوا الاَفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الاِفرنج من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه ونصره عليهم. (1)

ففي هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، و انتهى الاَمر به إلى الجمود، وساد الفكر التقليدي المغلق والاكتفاء بنقل كلّ ما في الكتب المذهبية، دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان يحرّكه التخريج والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح طالب الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال مذهبه، فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان قبلاً يدرس القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده.


1 . الكامل في التاريخ:12|360.


(104)

وقد أصبحت الموَلّفات الفقهية أواخر هذا العصر اختصاراً لما وجد من الموَلفات السابقة، أو شرحاً لها، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق ودراسة ألفاظها وحفظها.

وفي هذا الدور اكتفى الفقهاء بكتابة المتون والشروح والتعليق عليها.

كان الاَمر على هذا المنوال حتى تألّق نجم الحضارة الغربية، فانتقل التشريع الوضعي إلى الاَوساط الشرقية، فصار هناك تلاقح بين الحضارتين، فظهر للفقه نشاط في الجامعات و المعاهد الدينية وهذا ما سنذكره في الدور الخامس.

نعم تنفّس المسلمون منذ منتصف القرن التاسع الصعداء باستيلاء أقوام منهم على مدينة القسطنطينية التي صارت فيما بعد عاصمة إسلامية، فازدهر الاِسلام وقويت شوكته، وصار للفقه أيضاً إقبال وازدهار.

فإذا كانت سيادة روح التقليد على العلماء وعدم الخروج عن نصوص الاَئمّة الاَربعة من مميزات الدور الثالث، فيكون الحال في هذا الدور نفس ما سبق، لكن بوضع أسوأ، فقد تنحّى الفقه عن مكانته العالية وأُصيبت الحركة الفقهية بالشلل الكامل، وقلّما نجد في هذا الدور تصنيفاً أوكتاباً للفقه إلاّ الشيء اليسير من الذين كسروا طوق التقليد، ومع ذلك كلّه فالطابع العام المخيِّم على الفقه هو روح التقليد والجمود والهرم، ومع أنّه ابتلي بما ابتلي به الفقه في الدور الثالث ولكن وجد فيهم علماء أحرار، نشير إلى أسماء بعضهم:

1. العز بن عبد السلام (577ـ660هـ).

2. تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (مع ما فيه من الانحراف في العقائد) (661ـ 728هـ).

3. شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (المتوفّى751هـ).


(105)

4. تقي الدين أبو الحسن علي بن القاضي السبكي (683 ـ 756هـ).

5. عبد الوهاب بن علي بن الكافي السبكي (727 ـ 771هـ).

6. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 ـ 852هـ).

7. جلال الدين السيوطي(848ـ911هـ).

8. شيخ الاِسلام أبو يحيى زكريا بن محمد الاَنصاري (823 ـ 926هـ).

9. أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (909ـ 974هـ).

ولكن هذا المقدار من العلماء الاَكابر قليل جداً بالنسبة إلى عظم الرقعة الاِسلامية، وسعة مدارسها، وكثرة المترجمين عنها.

يقول الاَُستاذ مصطفى الزرقاء: ففي هذا العصر ساد الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الاَفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الاَحكام إلى الحفظ الجاف، والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة.

إلى أن قال: وفي أواخر هذا الدور حلَّ الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.

وقد شاعت كنتيجة لذلك طريقة «المتون» في التآليف الفقهية وأصبحت هي الطريقة السائدة العامة، وحلت كتب المتأخرين فيها محل كتب المتقدمين القيمة في الدراسة الفقهية.

وطريقة المتون هذه يعمد فيها المتأخرون إلى وضع مختصرات يجمعون فيها أبواب العلم كلها في ألفاظ ضيقة يتبارون فيها بالايجاز، حتى تصل إلى درجة المسخ أو الاَلغاز، وتكاد كل كلمة أو جملة تشير إلى بحث واسع أو مسألة تفصيلية، كمن يحاول حصر الجمل في قارورة ! ويسمى هذا المختصر «متناً» .


(106)

ثم يعمد موَلف المتن نفسه، أو سواه، إلى وضع «شرح» على المتن لايضاح عباراته، وبسط تفاصيل مسائله، والزيادة عليها.

ثم توضع من قبل آخرين تعليقات على تلك الشروح تسمى «الحواشي» ثم توضع على تلك الحواشي ملاحظات تسمى «تقريرات». (1)

ميزة الدور الرابع

ولعلّ القارىَ لا يحتاج إلى تبين ميزة هذا الدور، فإنّ سيادة الفكر التقليدي انتجت كثرة كتب الفتاوى الرسمية حسب ما طرحت عليهم من المسائل، وقد وجد من كتب الفتاوى في هذا الدور ما كان وما يزال من أهم المراجع الفقهية، كالفتاوى الستارخانية، والخانية والبزازية والحامدية والهندية.


1 . مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:1|186ـ187.


(107)

أدوار الفقه السنّي

5

الدور الخامس

عصر إعادة النشاط الفقهي

(أواخر القرن الثالث عشر إلى يومنا هذا)

ظهور الدولة العثمانية

كان الركب الفقهي ينحو هذا المنحى إذ ظهرت الدولة العثمانية في المشرق، وامتد سلطانها حتى فتحت القسطنطينية في عهد السلطان محمد الفاتح، ثمّ وحدت معظم بلاد المسلمين ونشرت الاِسلام إلى منتصف أُوربا، فصار للمسلمين شوكة، وقوة برية وبحرية، ولكن بما انّ المذهب الرسمي الذي اتّخذته الدولة العثمانية هو المذهب الحنفي لم يكن هناك أي إنهاض للهمم في سبيل كسر طوق الجمود عن كاهل الفقه، فانصبت الهمم إلى اختصار الكتب، أو شرحها، أو التعليق على الشروح، وهكذا؛ ممّا أضعف ملكة الاجتهاد والتخريج، وأدّى إلى التقهقر والانحطاط أكثر ممّا سبق.

وقد أعان على ذلك الخصومات البارزة بين أتباع المذاهب الاَربعة لا سيما انّ المناصب والوظائف كانت مختصة بالاَحناف دون سائر المذاهب.


(108)

وثمة حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي انّ الركب الفقهي إذا تحرّك في فلك الدولة، فيكون استثماره لصالح الدولة ومقاصدها، فتكون الفتاوى طبقاً للاَهداف المنشودة، ومثل هذا لا يتيح للفقه تكاملاً حقيقياً.

وأمّا إذا كان العامل لدفع عجلة الفقه نحو الاَمام هو العامل الذاتي النفسي، فلا محالة يستثمر العلم بأحسن ما يمكن وتنصبُّ الجهود في اقتناص الحقائق، وكشف المجهولات، والاِجابة عن المستجدات حسب ما يرشد إليه الدليل.

وهذا هو سرّ خلود «الفقه الاِمامي الاثنا عشري» وتكامله عبر القرون، فلم يكن للركب الفقهي فيه وقفة بارزة في قرن من القرون كما سيوافيك بيانه.

هذه هي الاَدوار التي مرّبها الفقه السنّي، وهي أدوار خمسة، غير أنّ موَرّخي الفقه السنّي حاولوا أن يكشفوا دوراً سادساً، وهو دور التجديد وإعادة النشاط الفقهي إلى الحياة العصرية، وذكروا انّ مبدأه هو تأليف مجلة الاَحكام للدولة العثمانية في أواخر حياتها، أي سنة 1286 هـ ،وإليك بيانه:

الاتصال الوثيق بين الدولة العثمانية والدول الغربية دفع الدولة إلى تدوين قوانين في مجموعة تكون دستوراً رسمياً للدولة في العدلية والقضاء، فوضعت اللجنة في السنة1286هـ مجلة «الاَحكام العدلية»بصفة قانون مدني عام من الفقه الحنفي، وقسّمها إلى كتب، وكلّ كتاب إلى أبواب أوّلها البيوع وآخرها القضاء بالترتيب التالي:

البيوع، الاِجارات، الكفالة، الحوالة، الرهن، الاَمانات، الهبة، الغصب، الاتلاف، الحجر والشفعة، الشركات، الوكالة، الصلح والاِبراء، الاِقرار، الدعوى، البيّنات، التحليف والقضاء.


(109)

فشكل فيما بعد النواة الاَُولى لتطوير الفقه في هذا العصر ومابعده، وتابعته إنشاء المجامع الفقهية ومجالس الافتاء، وقيام العلماء بالاجتهاد في المسائل المستجدة والوقائع الجديدة، فاجتهدوا في موضوعات متعدّدة مثل: التأمين، والشركات، والأسهم ،وزكاة الأسهم، وأطفال الاَنابيب، وموت الدماغ، والتشريح، وقامت الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي مقام الاجتهاد الفردي.

ثمّ تلاها إقامة الندوات الفقهية والموَتمرات القانونية، فصار في ذلك إنهاض للهمم في سبيل تطوير الفقه السنّي وإخراجه عن حيز الجمود إلى الحركة ومسايرة الاَحداث المستجدة، ولم يزل الركب سائراً على هذا الطريق.

هذا هو تاريخ الفقه السنّي وأدواره حسب ما يناسب المقام و من يطلب التفصيل، فعليه الرجوع إلى المصادر أدناه . (1)

ويتلوه الكلام في أدوار الفقه الشيعي بإذن منه سبحانه.


1 . راجع موسوعة النظم والحضارة الاِسلامية للدكتور أحمد شلبي في أجزاء، والجزء السابع مختص بتاريخ التشريح الاِسلامي، وتاريخ النظم القضائية في الاِسلام، الفكر السامي في تاريخ الفقه الاِسلامي تأليف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في جزءين، المدخل الفقهي العام للاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء، تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور محمد يوسف موسى.


(110)

العهد التأسيسي للتشريع

(1)

بعث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وسط مجتمع أُمّي، والاَُمّي من لا يحسن القراءة والكتابة، منسوباً إلى الاَُم باقياً على الحالة منذ يوم ولدته أُمّه، وكان عدد من يجيد القراءة والكتابة من قريش عند ظهور الاِسلام لا يتجاوز سبعة عشر شخصاً، كما لا يتجاوز أحد عشر شخصاً بين الاَوس و الخزرج في المدينة. (2)

وهذا هو الاِمام علي - عليه السّلام - يصف التخلّف الثقافي الذي فشا في تلك البيئة، بقوله: «إنّ اللّه بعث محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم - وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدّعي نبوة، فساق الناس حتى بوّأهم محلّتهم،وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنّت صفاتهم».

ولم يقتصر التخلّف على الصعيد الثقافي، بل شملت كافة الاَصعدة الاَخلاقية والاجتماعية، وكانت حياتهم حياة قَبَليّة لا يحكمهم القانون، ولا يسود بينهم العدل، فهذا هو التاريخ يحكي لنا انّ رجلاً من زبيد دخل مكة المكرمة في شهر ذي القعدة، وعرض بضاعة له للبيع، فاشتراها منه العاص بن وائل، وحبس عنه حقّه، فاستعدى عليه الزبيدي قريشاً، فطلب منهم أن ينصروه على العاص، وقريش آنذاك في أنديتهم حول الكعبة، فنادى المشتكي بأعلى صوته وقال:


1 . قد سبق أنّ العهد التشريعي خارج عن أدوار الفقه مطلقاً سنّياً كان أم شيعياً.
2 . البلاذري : فتوح البلدان: 457.


(111)

يا آل فهر لمظلوم بضاعتُه * ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرتَه * يا للرجال وبين الحجر والحجر
انّ الحرام لِمَنْ تمّتْ كرامته * ولا حرام لثوب الفاجر القذر (1)

وتكمن عظمة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في أنّه صنع من هذه الاَُمّة المتخلّفة، أُمّة متحضّـرة سائرة في ركاب الحضارة، وأوجد مدينة فاضلة قلّما يشهد التاريخ لها من نظير.

كانت الجزيرة العربية غاصة بالفساد من كافة الجوانب، فكان يسودهم الشرك وعبادة الاَوثان، و وأد البنات، وقتل الاَولاد، والاِغارة، وقتل النفس، والبخس في الميزان، إلى غير ذلك من مساوي الاَخلاق ورذائلها.

وإصلاح أُمّة كهذه، رهن أمرين:

الاَوّل: التشريع الكامل.

الثاني: المنفذ الحاذق الذي يكون في مستوى التشريع الكامل.

وماهذا الانقلاب الحضاري الذي طرأ عليهم إلاّبفضل هذين الاَمرين.

ومن وقف على آيات الاَحكام في القرآن يجد فيها غزارة المادة، وروعة التشريع، وشموليتها للعبادات والمعاملات والاِيقاعات والسياسات، فنستعرض الموضوعات التي تبنّاها القرآن بالتشريع.

فمن العبادات: الصلاة، والصوم، والحج، و العمرة.

ومن المعاملات: البيع، والربا، و العقود كلّها.

ومن الاِيقاعات: الطلاق، والاِيلاء، والظهار، والوصية.

ومن السياسات: القصاص،والحدود، كحد الزاني والقاذف والسارق وقطّاع الطرق، ويلحق به الجهاد بشتّى أقسامه، والعهود، والمواثيق المنعقدة بين


1 . البداية والنهاية: 1|290؛ السيرة الحلبية: 1|132.


(112)

الحاكم الاِسلامي وخصومه، وأسرى الحرب، وغنائمه .

هذه نماذج من نظام التشريع القرآني الذي عدّ رصيداً في بناء الحضارة الاِسلامية وإعادة الاِنسان إلى الحياة الحرّة الكريمة ، وقد اعترف أعداء الاِسلام بهذه الحقيقة، قال الدوزي: «وبعد ظهور الذي جمع قبائل العرب أُمّة واحدة، تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أُمّة كبيرة، مدّت جناح ملكها من نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند، ورفعت على منار الاِشادة أعلام التمدّن في أقطار الاَرض، أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة، ثمّ قال: إنّهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الاَُمم، وانقشعت بسببهم سحائب البربرية التي امتدت إلى أُوربا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين».

وبما انّا استوعبنا الكلام في العهد التأسيسي للفقه في الجزء الاَوّل عند البحث عن الكتاب والسنّة، فنقتصر في المقام بهذا المقدار .


(113)

أدوار الفقه الشيعي

1

الدور الاَوّل

عصر النشاط الحديثي و الاجتهادي

(11ـ260هـ)

النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -

هو المرجع في الاَحكام


النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المرجع الاَوّل في الاَحكام الشرعية، لاَنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - يفتي عن اللّه بوحيه المبين، فكلامه هو فصل الخطاب، والخطاب الفاصل يجب اتّباعه، والاَخذ بأوامره ونواهيه، سواء كان ذلك في مجال التشريع وبيان الاَحكام، أو في مجال القضاء وفصل الخصومات، قال سبحانه: "ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" (1)

وقال سبحانه: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" (2)

فالآية الاَُولى تشير إلى ضرورة اتباعه في الاَحكام بما لها من أوامر ونواهي، والآية الثانية تشير إلى ضرورة التسليم لما قضى به في المخاصمات والمشاجرات والنزاعات.

وبكلمة جامعة لا يجوز التقدّم على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مطلقاً و التي


1 . الحشر: 7.
2 . النساء: 65.


(114)

تشمل التقدّم في الرأي أيضاً، قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم" (1)

إنّ قوله سبحانه: "أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنُون" (2)، دلّ على أنّ الحكم يُصنَّف إلى صنفين: حكم جاهلي، وحكم إلهي. فما لم يكن بإذن من اللّه سبحانه، فهو جاهلي، ولا يعلم ذلك الاِذن إلاّ عن طريق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي يتولّى الوحي مهمة إيصاله إليه من ربه، وجاء في موارد ثلاثة لزوم الحكم بما أنزل اللّه دون غيره، وانّ مَن لم يمتثل ذلك فهو كافر وظالم وفاسق، كما يقول سبحانه:"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُون" (3) وفي آخر: "فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ" (4) وفي موضع ثالث: "فَأُولئكَ هُمُ الْفاسِقُون". (5)

وهذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين، والآيات الواردة في هذا الهدف كثيرة، نكتفي بهذا المقدار منها.

العترة هم المرجع في الاَحكام بعد رحيله - صلى الله عليه وآله وسلم -

إذا كان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هو المرجع العلمي للمسلمين في المعارف والاَحكام، فطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك من يملاَ هذا الفراغ بعد رحيله - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ولا يصحّ في منطق العقل ترك الاَُمّة سدىً، لئلاّ يأخذوا بحكم الجاهلية مكان الحكم الاِلهي.

وهذا المرجع هو العترة الطاهرة، قرناء القرآن بتنصيص من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في حديثه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».


1 . الحجرات: 1.
2 _ 5 . المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.

(115)

وحديث الثقلين، حديث متواتر، رواه الفريقان في كتبهم، وألّف غير واحد رسائل وكتباً مستقلة في طرقه واسناده ومفاده. (1)

والجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة، الاَُمّةَ المرحومة بلا راع،وهو يعلم أنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة ووقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب والسنّة، فلا محيص من وجود مرجع علمي يحل مشاكلها ويذلّل أمامها الصعاب، وقد قام - صلى الله عليه وآله وسلم - ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث الثقلين الذي ألقاه في غير موقف من المواقف.

ومن العجب انّ كثيراً من المسلمين يطرقون كلَّ باب إلاّ باب أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - مع أنّه - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هوَلاء، فلا أدري ما هو وجه الاِقبال على غيرهم والاِعراض عنهم؟!

أُولي الاَمر

أمر سبحانه بإطاعة الرسول وأُولي الاَمر، بأمر واحد،قال:"يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً".(2)

تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول، وأُولي الاَمر، لكن بتكرار


1 . لاحظ صحيح مسلم: 7|122و 123، باب فضائل علي، طبعة محمد علي صبيح، مصر؛ سنن الترمذي:2|308؛ مستدرك الصحيحين:3|109 و 148؛ مسند أحمد: 3|17 و 26 و ج4|371 و ج5|181؛ الطبقات الكبرى لابن سعد:2|2، القسم 2؛ حلية الاَولياء لاَبي نعيم:1|355 و ج9|64؛ كنز العمال:1|47و96، وغيرها.
2 . النساء: 59.


(116)

الفعل، أعني: "وَأَطِيعُوا الرَّسول" وما هذا إلاّ لاَنّ سنخ الاِطاعتين مختلف، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، وإطاعة النبي وأُولي الاَمر واجبة بإيجابه سبحانه.

والمهم في الآية هو التعرّف على المراد من أُولي الاَمر، فقد اختلف فيه المفسّرون على أقوال ثلاثة:

أ. الاَُمراء.

ب. العلماء.

ج. صنف خاصّ من الاَُمّة، وهم أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - .

وبما أنّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الاَمر إطاعة مطلقة غير مقيّدة بما إذا لم يأمر بالمعصية، فيمكن استظهار أنّ أُولي الاَمر ـ المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الاِطلاق ـ معصومون من المعصيّة والزلل كالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتى صارا مقترنين بالطاعة في الآية.

وبعبارة أُخرى: انّه سبحانه أوجب طاعتهم على الاِطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن توجَب طاعة أحد على الاِطلاق إلاّ من ثبتت عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأُمن منه الغلط والاَمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الاَُمراء، ولا العلماء سواهم. جلَّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لاَنّه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. (1)

وقد أوضحه الرازي في تفسيره، وذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الاَمر، هم المعصومون من الاَُمّة وإن لم يدخل في التفاصيل، ولم يستعرض


1 . مجمع البيان: 3|100.


(117)

مصاديقهم، لكنّه بيّنه بصورة واضحة، وقال:

والدليل على ذلك، أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدَّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الاَمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال.

فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلَّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الاَمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً. (1)

روى ابن شهر آشوب عن تفسير مجاهد، أنّ هذه الآية نزلت في أمير الموَمنين حين خلفه رسول اللّه في المدينة، فقال: «يا رسول اللّه، تخلفني على النساء والصبيان؟ » فقال: «يا أمير المؤمنين ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي، حين قال: اخلفني في قومي وأصلح، فقال اللّه: "وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ"» .

وقد أخذت الاَُمّة عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - في مجال المعارف و الاَحكام ما ملاَ كتب الفريقين، أمّا الاِمام أمير الموَمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحدث عنه ولا حرج، وأمّا الحسنان فقد قسا عليهما الزمان، وحالت الحكومة الاَُموية بينهما و بين الاَُمّة، وبالتالي فقد قلَّت الرواية عنهما، وعن علي بن الحسين - عليهم السلام - أيضاً.


1 . الفخر الرازي: التفسير الكبير: 1|144.


(118)

العترة عيبة علم الكتاب والسنّة

ترك النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - الكتاب العزيز، وقد رسمت فيه الخطوط العريضة للاَحكام التي كانت بحاجة إلى تبيين وتفسير إذ فيها المجمل و المطلق و العام، ولا يُطّلع على حقيقتها إلاّ ببيان شارح، كما أنّه ترك السنّة وهي في صدور الحفاظ الذين تفرّقوا في البلاد، وقد أكلت حروب الردة جماعة منهم . أضف إلى ذلك أنّ قسماً من السنّة وضعت المبادىَ العامة دون تفسيرها وبيانها.

كان الوضع على هذا المنوال حتى مُنعت كتابة الحديث وتدوينه والتحدّث به، ولا شك انّ المنع لم يكن لدوافع شرعية، بل كان بدوافع سياسية، وقد مُني من جراء ذلك جمهور المسلمين بخسارة جسيمة، إلاّ أنّ الشيعة لم يعيروا أهمية لهذا الحظر، بل دأبوا على كتابة السنّة وتدوينها ونشرها بين أبنائهم، علماً منهم بأنّ السنّة وحي كالقرآن الكريم لا يمكن التساهل فيها دون نشرها وإلاّ تذهب أدراج الرياح، و المسلمون خلال الاَعصار المتعاقبة لمسوا الحاجة إلى تدوين السنّة والاطّلاع عليها، لاَنّ ما في الصدور يذهب بذهاب أصحابها.

قامت أئمّة الشيعة وأتباعهم بوجه منع كتابة السنّة، ودوّنوا الحديث من غير اكتراث بحظر المنع، منهم:

1. الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام -

قال النجاشي في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي، عن أبيه، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة، عند أبي جعفر، فجعل يسأله، و كان أبو جعفر - عليه السّلام - له مكرماً، فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر - عليه السّلام - : «يا بني قم فأخرج كتاب علي - عليه السّلام - » فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه و جعل ينظر حتى أخرج المسألة،


(119)

فقال أبو جعفر - عليه السّلام - :«هذا خط علي - عليه السّلام - و إملاء رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - » وأقبل على الحكم و قال: «يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة(بن كهيل) و أبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً، فواللّه لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل - عليه السّلام - ». (1)

وقد أخرج العلاّمة الشيخ علي الاَحمدي في موسوعته قسماً من الروايات المنتهية إلى كتاب علي - عليه السّلام - المبثوثة في الكتب الحديثية لا سيما كتاب الوسائل. (2)

وكان للاِمام كتاب آخر يدعى «الصحيفة» جمع فيه ما يرجع إلى الديات، وقد قام أيضاً الشيخ الاَحمدي بجمع ما روي عن تلك الصحيفة في غير واحد من الصحاح والمسانيد. (3)

وبذلك يظهر انّ ما رواه البخاري في باب كتابة العلم، عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة» قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الاَسير، ولا يقتل مسلم بكافر» (4) ليس على صواب لوجهين:

أوّلاً: فقد كان للاِمام كتاب وراء الصحيفة جاءت ميزاته وخصوصياته في رواية أئمة أهل البيت وكان طوله 70 ذراعاً وضخامته كفخذ الاِبل وكان الكتاب مدروجاً.

ثانياً: أنّ الصحيفة اشتملت على أحكام كثيرة في باب القصاص والديات، ولم تكن مقتصرة على هذه الجمل الثلاث.


1 . النجاشي: الرجال: الترجمة 967.
2 . لاحظ مكاتيب الرسول:1|72 ـ 89.
3 . لاحظ مكاتيب الرسول: 1|66ـ71.
4 . البخاري: الصحيح:1|38، باب كتابة العلم، الحديث الاَوّل.


(120)

2. أبو رافع الصحابي

وقد تبعت الشيعة الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - في تدوين السنّة و لم يعيروا للمنع وزناً، و هذا أبو رافع الصحابي الجليل من شيعة علي بن أبي طالب، الذي أعتقه رسول اللّه عندما بشّر بإسلام العباس، يقول النجاشي:

ولاَبي رافع كتاب السنن والاَحكام والقضايا. (1)

ويظهر من النجاشي انّ الكتاب كان مشتملاً على أبواب الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا.

3. علي بن أبي رافع التابعي

وقد اقتفى أثر أبيه في تدوين السنّة، ابنه علي بن أبي رافع ذلك التابعي الذي كان من خيار الشيعة، وكان له صحبة مع أمير الموَمنين، وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه، الوضوء والصلاة وسائر الاَبواب.(2)

4. عبيد اللّه بن أبي رافع التابعي

فقد ألّف عبيد اللّه بن أبي رافع كتاباً في أقضية أمير الموَمنين، ذكره الشيخ في «الفهرست» وذكر سنده إليه. (3) فإذن أبو رافع وولداه: علي و عبيد اللّه حفظوا السنّة النبوية التي ورثوها عن الاِمام أمير الموَمنين والصحابة والتابعين.

نعم زعم شيخنا التستري انّ هناك كتاباً واحداً نسبه النجاشي إلى علي بن


1 . النجاشي: الرجال: 1|65، الترجمة 1.
2 . النجاشي: الرجال:1|65، الترجمة 1.
3 . الطوسي: الفهرست: برقم 441.


(121)

أبي رافع، و الشيخ إلى عبيد اللّه واللّه العالم. (1)

ولم يعلم مدركه لهذا الادّعاء إذ لا مانع من وجود كتابين، أحدهما يرجع إلى أبواب الفقه كما هو صريح النجاشي، والآخر يرجع إلى باب أقضية الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام - .

5. ربيعة بن سميع التابعي

قال النجاشي عند ذكر الطبقة الاَُولى من موَلّفي الحديث: ربيعة بن سميع عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، له كتاب في زكوات النعم. (2)

ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب ناقلاً عن ربيعة بن سميع، عن أمير الموَمنين أنّه كتب له في صدقات النعم وما يوَخذ من ذلك، وهذا صريح في أنّ الاِمام أملاه وكتبه ربيعة، أو كتبه نفس الاِمام ودفعه إليه.

6. عبيد اللّه بن الحر الجعفي، الفارس الفاتك، الشاعر التابعي

قال النجاشي: له نسخة يرويها عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - .

وروى النجاشي أيضاً بسنده عنه انّه سئل الحسين بن علي عن خضابه، فقال - عليه السّلام - : «أما إنّه ليس كما ترون إنّما هو حناء وكتم». (3)

هذه هي الطبقة التي دونت السنّة النبوية المأخوذة عن لسان أمير الموَمنين - عليه السّلام - وسائر الصحابة والتابعين.


1 . التستري: قاموس الرجال:6، ترجمة علي بن أبي رافع.
2 . النجاشي: الفهرست:برقم 2.
3 . النجاشي:1|71 برقم 5، والكتم بالتحريك نبت يخلط بالحناء، ويختضب به الشعر، فيبقى لونه.


(122)

بيد انّ هذا الوضع لم يدم طويلاً، فقد كثرت الضغوط على الشيعة في عهد الاَُمويين خاصة في عهد معاوية وعبد الملك بن مروان وابنائه، فقام الاَئمّة الثلاثة الّذين أعقبوا الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام - ، أعني: الحسن بن علي، والحسين بن علي، و علي بن الحسين - عليهم السلام - ، بأعباء الاِمامة وإرشاد الاَُمّة في أجواء مشحونة بالعداء والبغض لاَئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ، فلم تسنح الفرص للشيعة من أن ينهلوا من معين علوم الاَئمّة - عليهم السلام - إلاّ قليلاً منهم، وسيوافيك أسماء من أخذ الفتيا عنهم في تلك الظروف العصيبة.

ومع هذا الضغط، فقد ذكر الشيخ الطوسي أصحاباً للاِمام الحسن - عليه السّلام - الذين صاحبوه ورووا عنه، فبلغوا 52 بين صحابي وتابعي ارتوَوا من معين علمه الفيّاض.

كما ذكر أصحاب الاِمام الحسين بن علي - عليهما السلام - وفق الحروف الهجائية، فبلغ 109 بين صحابي وتابعي، وقد رووا عنه في مختلف المجالات من العقائد والفقه والتفسير.

وعلى الرغم من أنّ الاِمام السجاد كان محاطاً بالعيون وعلى مرأى ومسمع من حكّام بني أُميّة، لكنّه ترك تراثاً علمياً في العقائد والحقوق تتجسد في «الصحيفة السجادية» ورسالة «الحقوق».

أمّا الصحيفة، فهي في فصاحة ألفاظها، وبلاغة معانيها، و الاَساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه سبحانه، فريدة في بابها ليس لها مثيل .

وأمّا الرسالة، فقد رواها الحسن بن شعبة في «تحف العقول» كما رواها الصدوق في «خصاله»، وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، فيذكر الاِمام فيها حقوق اللّه سبحانه على الاِنسان، وحقوق نفسه عليه، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر و الرجلين واليدين و البطن و الفرج، ثمّ يذكر حقوق


(123)

الاَفعال من الصلاة والصوم والحج والصدقة والهدي، ثمّ يذكر حقوق الاَئمّة، والرعية وحقّ الرحم حتى بلغت 50 حقاً آخرها حقّ الذمة. (1)

وقد ذكر الطوسي في رجاله الرواة عنه - عليه السّلام - ورتّبها على حروف المعجم، فبلغ 175 شخصاً، وهم بين صحابي وتابعي. (2)

***

عصر الاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام -

ولمّا ضعفت الدولة الاَُموية، وازدادت القلاقل و الفتن ضدها سنحت الفرصة للاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام - ، لبثِّ السنّة النبوية، وتزويد الاَُمّة بالعلوم الاِلهية، فصارت الشيعة تتحمل عناء السفر والحضور عند الاَئمّة بغية النهل من معين علومهم العذب، وضبط كلّ ما سمعوه في كتبهم مادامت الفرصة متاحة، فبثّا من العلوم ما يشدّ إليه الركبان.

يقول الموَرّخ الكبير شيخنا الطهراني:

كانت الشيعة تتوصّل بكلّ طريقة للتشرّف بحضرتهم، وأخذ معالم دينهم عنهم، وتدوينها في كتبهم، والفاحص في أحوال الرواة وأخبارهم يعرف مبلغ اهتمامهم في تلقّي أنواع المعارف والعلوم من معادنها في السر والعلانية حسب الاقتضاءات الزمنيّة، ويطّلع على مقدار رعايتهم للآداب في حالات حضور مجالس أئمتهم، وعرض المسائل عليهم وسماع الجوابات عنهم، وإعدادهم ما يلزمهم لذلك من الاَدوات بوضع الاَلواح من آبنوس والاميال في أكمامهم، ثمّ مبادرتهم إلى كتابة ما سمعوه عنهم بعينه صيانة من وقوع السهو، أو عروض


1 . انظر تحف العقول: 184ـ195؛ الخصال: 564ـ 570، في أبواب الخمسين.
2 . الطوسي: الرجال:81ـ102.


(124)

نسيان، أو حصول تغيير في المعنى بتغيير اللفظ، ثمّ كيفيات تحفّظهم على كتبهم بعدم إخراجها إلى من لا يثقون به خوفاً من دسّه شيئاً فيها، وعدم جعل سبيلها كسائر التركة، ثمّ يخرجونها عنهم في حياتهم إلى من يثقون بديانته وصلاحه وأهليّته أو يوصون بها إليه، كلّ ذلك منهم طوعاً و انقياداً لطلبات مواليهم المعصومين - عليهم السلام - . (1)

قال ابن حجر في ترجمة الاِمام الباقر - عليه السّلام - : سُمي بذلك لاَنّه من بقر الاَرض، أي شقّها، وإثارة مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف وحقائق الاَحكام، والحكم و اللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه. (2)

وقال ابن كثير: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسمي بالباقر لبقره العلوم، واستنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، وكان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء والعبرات، معرضاً عن الجدال والخصومات. (3)

وقال ابن خلكان: أبو جعفر محمد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد الاَئمة الاثني عشر في اعتقاد الاِمامية، وهو والد جعفر الصادق . كان الباقر عالماً سيداً كبيراً، وإنّما قيل له الباقر لاَنّه تبقّر في العلم أي توسّع، وفيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لاَهل التقى * وخير مَنْ لبّى على الاَجْبُلِ (4)


1 . الطهراني: الذريعة:1|15ـ16، المقدّمة.
2 . الصواعق المحرقة:201.
3 . البداية و النهاية:9|309.
4 . وفيات الاَعيان:4|174.


(125)

وهذا هو محمد بن طلحة، يعرّف الاِمام الصادق بقوله: هو من عظماء أهل البيت وساداتهم ذو علوم جمّة، وعبادة موفورة، وزهادة بيّنة، وطراوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، ويستخرج من جواهره، ويستنتج عجائبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، روَيته تذكر بالآخرة، واستماع كلامه يزهد في الدنيا، والاقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة: نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الاَئمّة وأعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الاَنصاري، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي حنيفة، وشعبة، وأبي أيوب السجستاني وغيرهم، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرِّفوا بها وفضيلة اكتسبوها. (1)

ولقد امتدّ عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام - من نهاية خلافة عبد الملك بن مروان إلى منتصف خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83هـ إلى سنة 148هـ. فقد أدرك فترة طويلة من العصر الاَُموي، وعاصر كثيراً من ملوكهم وشاهد من جورهم أعنف أشكاله، وقضى شطراً من حياته حتى الحادية عشرة مع جدّه زين العابدين، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر، ونشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما حتى تكاملت تربيته الدينية، وتخرّج من تلك المدرسة الجامعة، فاختصَّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114هـ ، واتسع نشاط مدرسته في المدينة ومكة والكوفة وغيرها من الاَمصار الاِسلامية.

وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الاِمام بظهور الحركات الفكريّة، ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الاِسلامي، لا سيما حركة الغلاة الهدّامة، الذين تطلّعت روَوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بث روح التفرقة بين المسلمين، وترعرعت بُناة أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمّة الانتصار


1 . كشف الغمة: 2|368، وفيه أيوب السختياني، و الصحيح ما ذكرناه.


(126)

لمبادئهم التي قضى عليها الاِسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بث تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الاسلامي، فكانوا يبثّون الاَحاديث الكاذبة ويسندونها إلى حملة العلم من آل محمد، ليغروا به العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي الاتّصال بأبي جعفر الباقر، ويروي عنه الاَحاديث المكذوبة، فأعلن الاِمام الصادق - عليه السّلام - كذبه والبراءة منه، وأعطى لاَصحابه قاعدة في الاَحاديث التي تروى عنه فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة».

لقد أضمر الخصوم لا سيما حكام بني أُمية وبني العباس العداء لاَئمّة أهل البيت - عليهم السلام - وسعوا إلى تضييق الخناق عليهم للحد من اختلاف الناس إليهم، إلاّ أنّه شاءت الاَقدار الالهية كسر هذا الطوق الذي فرضوه حيث سنحت الفرصة لهم - عليهم السلام - لنشر السنّة النبوية وبثها في أوساط المسلمين، ولما كان ذلك ثقيلاً على خصومهم عمدوا إلى بث الاَكاذيب على لسان الاَئمّة - عليهم السلام - بغية تشويه سمعتهم والتقليل من شأنهم.

إنّ الاِمام - عليه السّلام - شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بعد الغفلة التي استمرت إلى عام 143هـ حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف، وتسرّبت إلى السنّة، العديد من الروايات الاِسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الاِسلام من الصليبيّين و المجوس بالاِضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء السلطة ومرتزقة البلاط الاَُموي.

ومن هنا فقد وجد الاِمام - عليه السّلام - أن أمر السنّة النبوية قد بدأ يأخذ اتجاهات خطيرة وانحرافات واضحة، فعمد - عليه السّلام - للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة، وتفنيد الآراء الدخيلة على الاِسلام، والتي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم.


(127)

إنّ تلك الفترة شكّلت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبوية، وخلطاً فاضحاً في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الاِمام - عليه السّلام - كان بحق سفينة النجاة في هذا المعترك العسير.

إنّ علوم أهل البيت - عليهم السلام - متوارثة عن جدّهم المصطفى محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي أخذها عن اللّه تعالى بواسطة الاَمين جبرئيل - عليه السّلام - فلا غرو أن تجد الاَُمّة ضالّتها فيهم - عليهم السلام - وتجدهم مرفأ أمان في هذه اللجج العظيمة، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلٌّ يحدّث عن مجاهيل ونكرات، ورموز ضعيفة، ومطعونة أو أسانيد مشوشة، تجد أنّ الاِمام الصادق - عليه السّلام - يقول: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - وحديث رسول اللّه قول اللّه عزّ وجلّ».

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا قيل في حقّ الاِمامين الباقر والصادق - عليهما السلام - ولو أردنا أن نستعرض كلمات الموَرّخين والمحدّثين حول الاَئمّة الاثني عشر لضاق بنا المجال، فلنكتفِ بهذا المقدار، و من أراد التفصيل فعليه مراجعة الكتب الموَلّفة في هذا الخصوص.

لقد أسّس الاِمامان جامعة علمية كبيرة في مهد الحديث تخرج منها الآلاف من المحدّثين حفظوا السنّة النبوية، وهذا ممّا أذعن به التاريخ، وصرّح به الموَرّخون.

ونأتي هنا بنصين:

1. ما ذكره النجاشي في ترجمة«الحسن بن علي بن زياد الوشاء البجلي الكوفي» من أصحاب الرضا، قال ـ ناقلاً عن أحمد بن محمد بن عيسى ـ : خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء،


(128)

فسألته أن يخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء وأبان بن عثمان الاَحمر، فأخرجهما إليّ، فقلت له: أُحب أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك اللّه، وما عجلتك، اذهب فاكتبهما واسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ، كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد - عليه السّلام - وكان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة، وله كتب، منها: ثواب الحج، و المناسك، و النوادر. (1)

2. ما ذكره المفيد في «إرشاده» وقال: نقل الناس عن الصادق - عليه السّلام - من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولالقى أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الاَخبار ولانقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللّه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل.(2)

وقال ابن شهر آشوب في «مناقبه»: ونقل عن الصادق - عليه السّلام - من العلوم ما لم ينقل عن أحد، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. (3)

وقال شيخنا الفتّال: قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عن الصادق - عليه السّلام - من الثقات على اختلافهم من الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف. (4)

وقـد قام أبـو العبـاس المعـروف بـ «ابن عقـدة» (المتوفّى 333هـ) بضبـط أصحاب الاِمام الصادق - عليه السّلام - في كتاب خاص له قال النجاشي في


1 . رجال النجاشي: 1|138ـ 139.
2 . المفيد: الاِرشاد: 288.
3 . ابن شهر آشوب: المناقب: 4|247.
4 . محمد بن علي الفتّال: روضة الواعظين:177.


(129)

ترجمته: له كتاب الرجال، وهو كتاب ما روي عن جعفر بن محمد. (1)

وقال بمثله الشيخ في «الفهرست». (2)

وممّا يوَسف له انّ «رجال ابن عقدة» قد تلاعبت به يد الاَقدار، فلم يصل إلينا شيء منه بعد الفحص عنه في فهارس المكتبات، وقد اتصلنا بعلماء اليمن، فلم يحدّثوا عنه شيئاً.

نعم قام الشيخ الطوسي بإخراج أسماء الذين رووا عن الاِمام الصادق (عليه السلام) مع أنّ المذكور في رجاله لا يتجاوز عن ثلاثة آلاف وخمسين رجلاً.

وعلى أيّة حال فجهاد الاِمام الصادق - عليه السّلام - يعرب عن بث السنّة ونشرها في عصره على كافة الاَصعدة حيث لم يقتصر مجلسه على الشيعة فحسب، بل عمّ حتى المخالفين في العقائد.

***

الاَُصول و المصنّفات

كان لاَصحابنا في عصر الصادقين - عليهما السلام - و ما تلاه لونان من التأليف، يسمّى أحدهما بالاَُصول، والآخر بالتصنيف، و يعرب عن ذلك تعبير الشيخ الطوسي في ديباجة الفهرست، قال: «أمّا بعد فإنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا وما صنّفوه من التصنيفات ورووه من الاَُصول، ولم يتعرّض أحد منهم لاستيفاء جميعه إلاّ ما


1 . النجاشي: الرجال: رقم 233.
2 . الشيخ: الفهرست:53.


(130)

قصده أبو الحسين أحمد ابن الحسين بن عبيد اللّه (رحمه الله) ، فإنّه قد صنّف كتابين ذكر في أحدهما المصنّفات وفي الآخر الاَُصول، واستعرضهما على مبلغ ما وجد وقدر عليه».

والفرق بين الاَُصول و المصنّفات هو انّ احتمال الخطأ والغلط والسهو والنسيان أقل بكثير منها في المصنّفات، وذلك لاَنّ الاَصل يمتاز عن المصنّف بأنّه يشمل الاَحاديث التي رواها الراوي عن المعصوم مباشرة أو بواسطة واحدة، بخلاف المصنّف، فإنّه في سعة من ذلك الالتزام.

وقام تلامذة أئمّة أهل البيت بتأليف أُصول أربعمائة ما بين عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام - إلى نهاية عصر الاِمام الرضا - عليه السّلام - ، وهذه الاَُصول هي المعروفة بالاَُصول الاَربعمائة، فلها من الاعتبار والمكانة ما ليس لغيرها.

قال: السيد رضي الدين علي بن طاووس (المتوفّى664هـ): حدّثني أبي قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن (عليه السلام) بكلمة، أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك. (1)

قال شيخنا بهاء الدين العاملي في «مشرق الشمسين»: إنّه قد بلغنا من مشايخنا (قدس سرهم) انّه كان من دأب أصحاب الاَُصول انّهم إذا سمعوا عن أحد من الاَئمّة حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم، لئلاّ يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الاَيام. (2)

وبمثله قال السيد الداماد في «رواشحه». (3)


1 . ابن طاووس: مهج الدعوات:224، الطبعة الحجرية.
2 . بهاء الدين العاملي: مشرق الشمسين. كما في الذريعة: 2|128.
3 . السيد الداماد: الرواشح: 98، الراشحة 29.


(131)

قال المحقّق الحلّي: كتب من أجوبة مسائله ـ أي جعفر بن محمد (عليهما السلام) ـ أربعمائة مصنّف سمّوها أُصولاً. (1)

قال الطبرسي في «إعلام الورى بأعلام الهدى»: روى عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - من مشهور أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمى«الاَُصول» رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى الكاظم - عليه السّلام - . (2)

وقال الشهيد الثاني في «شرح الدراية»: وكان قد استقر أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنَّف لاَربعمائة مصنِّف سمّوها الا َُصول، فكان عليها اعتمادهم. (3)

إلى غير ذلك من كلمات أصحابنا التي جاءت في الاَُصول الاَربعمائة.

وبما انّ معظم أصحاب الاَُصول من أصحاب الباقر والصادق والكاظم والرضا - عليهم السلام - ، يمكن الحدس بأنّ أكثرها أُلّفت في فترة ظهور الضعف في الدولة الاَُموية عام 125هـ إلى عصر هارون الرشيد عام 170هـ الذي بلغت فيه الدولة العباسية من القوة بمكان.

ولمّا لم يكن للاَُصول ترتيب خاص إذ انّ جلّها إملاءات المجالس وأجوبة المسائل النازلة المختلفة، عمد أصحاب الجوامع إلى نقل رواياتها مرتبة مبوبة منقحة تسهيلاً للتناول والانتفاع، فما كان في هذه الاَُصول انتقل إلى الجوامع الحديثية لا سيما الكتب الاَربعة، ولكن بترتيب خاص، وباشتهارها قلّت الرغبات في استنساخ الاَُصول والصيانة على أعيانها.

وقد كان قسم من تلك الاَُصول باقياً إلى عهد ابن إدريس (543ـ 598هـ)


1 . نجم الدين الحلّي: المعتبر:1|26.
2 . اعلام الورى:166.
3 . زين الدين العاملي: شرح الدراية: 17. ط النجف.


(132)

حيث قام بنقل جملة منها في كتابه «السرائر» وأطلق عليها المستطرفات، كما نقل جملة منها عنه السيد رضي الدين بن طاووس كما ذكرها في «كشف المحجة» وقد وقف أُستاذنا السيد محمد الحجة الكوه كمري(1301ـ1372) على ستة عشر من تلك الاَُصول وقام بطبعها.

وهذا لا يعني انّ كتابة الحديث قد انحصرت بهذه الاَُصول، بل ثمة ألوان أُخر للتأليف في مجال الحديث يطلق عليها الكتاب، والمصنف، ولكلّ خصوصياته وميزاته.

وقد أكثر جملة من أصحاب الاَئمّة في التأليف.

فهذا هو هشام الكلبي ألّف أكثر من 200 كتاب، وألّف ابن شاذان 180 كتاباً، ولابن دوئل مائة كتاب، ولابن أبي عمير 94 كتاباً، وللحسن وللحسين الاَهوازيين 30 كتاباً (1)، وسيوافيك انّه أُلّف بعد رحيل الرسول إلى عصر الغيبة الصغرى (11ـ360هـ) ما يقارب عشرة آلاف كتاب.

وقد قام غير واحد من أصحابنا بترجمة رجال الحديث، وبيان منزلتهم في القوة والضعف نظير:

أ. كتاب الرجال لعبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّـى 219هـ).

ب. مشيخة الحسن بن محبوب (المتوفّـى 224هـ).

ج. رجال الحسن بن فضال (المتوفّـى 224هـ).

د. رجال ولده علي بن الحسن بن فضال.

هـ. رجال العقيقي (المتوفّـى 280هـ).


1 . الذريعة، قسم المقدمة: 17.


(133)

وهذا غير ما قام به المتأخّرون بترجمة رجال الحديث ، نظير:

أ. رجال الكشي ، المتوفّى حوالي سنة (328هـ).

ب. رجال أبي العباس بن عقدة (249ـ 333هـ).

ج. رجال النجاشي (372ـ450هـ).

د. الفهرست والرجال للشيخ الطوسي (385ـ460هـ).

ثمّ تلتهم طبقة أُخرى من مشاهير علماء الرجال، كابن داود والعلاّمة الحلّي.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الفترة بين رحيل الرسول وغياب الحجة كان عصر بسط السنّة، وتبيين الاَحكام، وتفسير القرآن على يد أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - الذين هم عيبة علم الرسول وحفظة سنّته.

إنّ صاحب الجامع الحديثي الشيخ الحر العاملي ذكر في الفائدة الرابعة من خاتمة الكتاب المصادر التي نقل عنها الاَحاديث بلا واسطة، فبلغت ثمانين كتاباً، ثمّ ذكر أسماء الكتب التي نقل عنها بواسطة، فقال في آخر المبحث:وأمّا ما نقلوا منه ولم يصرّحوا باسمه فكثير جداً مذكور في كتب الرجال يزيد على ستة آلاف وستمائة كتاب على ما ضبطناه. (1)وجلّ هذه الكتب موَلّفة في عصر الاَئمّة إلى نهاية القرن الثالث.

يقول العلاّمة شرف الدين في مراجعاته: وكان أصحاب هذين الاِمامين العابدين الباقرين من سلف الاِمامية أُلوفاً موَلّفة لا يمكن إحصاوَهم، لكن الذين دوّنت أسماوَهم وأحوالهم في كتب التراجم من حملة العلم عنهما يقاربون أربعة آلاف بطل، ومصنفاتهم تقارب عشرة آلاف كتاب، أو تزيد رواها أصحابنا في كلّ خلف عنهم بالاَسانيد الصحيحة، وفاز جماعة من أعلام أُولئك


1 . الوسائل: 20|49، الفائدة الرابعة.


(134)

الاَبطال بخدمتهما وبخدمة بقيّتهما.

ثمّ ذكر أسماء عدّة منهم:

1. أبوسعيد أبان بن تغلب بن رباح الجريري، وذكر ترجمته على وجه التفصيل.

2. أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، وفصّل الكلام في ترجمته وكتبه. (1)

إلى غير ذلك من الاَبطال الاَخيار الذين قام صرح التشيّع على وجودهم.

نعم لم يدم بسط السنّة على وتيرة واحدة، بل أعقبته نجاحات وإخفاقات تبعاً للظروف السياسية السائدة آنذاك، فكلّما سنحت الفرصة للشيعة للاتصال بأئمتهم أخذوا منهم الحديث، وسجّلوا ما سمعوه، وعند اشتداد الضغط والتنكيل من قبل السلطات الحاكمة نحت الشيعة منحى آخر، وهو أخذ الاَحكام والاَحاديث عن بطانة علومهم من أصحابهم.

وأخيراً نقول: إنّ الشيخ الطوسي ذكر في كتاب «الفهرست» أسماء 900 من المصنّفين، وربما كان لمصنّف مصنّفات كثيرة، كما هو ظاهر لمن راجع.

ويعرب عن اهتمام الشيعة ببسط السنّة في تلك الفترة، هو كثرة عدد المحدّثين والرواة، وهذا هو العلاّمة المامقاني ترجم في «تنقيح المقال» 13365 محدّثاً. (2)

وقد استدرك عليه المحقّق السيد الخوئي في «معجمه» ، فترجم 15128 محدثاً. (3)

وناهز عدد الرواة في دليل معجم رجال الحديث 15676 محدّثاً.


1 . شرف الدين العاملي: المراجعات:المراجعة رقم 110.
2 . المامقاني: تنقيح المقال:3|344.
3 . الخوئي: معجم رجال الحديث:22|200.


(135)

ولو افترضنا انّ بعض من جاءت ترجمته في الكتابين من غير الشيعة الاِمامية، أو أنّ بعض التراجم يتحد بعضها مع بعض، فلا يضر بالعدد الهائل الذي نشاهده في هذين المعجمين بعد استثناء ما ذكرنا من الدخلاء أو المتحدين.

من أُخذ عنهم الفتيا

كان أئمّة أهل البيت مناراً للاِسلام، ومبيِّناً للسنّة على الاِطلاق حتى اختلف إلى أنديتهم العلمية أصحاب المقالات والآراء الذين كانوا على خلاف معهم في بعض المسائل، وبالرغم من ذلك فقد أخذوا الفتيا عنهم - عليهم السلام - .

وكانت الحوزة العلمية للصادقين في المدينة المنوّرة، أو في الكوفة أو في الحيرة بعد قدومه إليها في عصر المنصور الدوانيقي، مدرسة كبيرة تشع النور على كلّ المسلمين وبلغت من العظمة بمكان، وخرجت العديد من الفقهاء وأهل الفتيا لا سيما إمام الاَحناف أبوحنيفة، وأخذ عنه محدّثو دار الهجرة: كمالك بن أنس وغيرهم من أكابر المفتين، ولاَجل أن نوقف القارىَ على عظمة تلك المدرسة، نسرد أسماء أهل الفتيا من كلا الفريقين ممّن نقلوا عن أئمّة الهدى - عليهم السلام - .

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام -

1. عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي.

2. الحارث بن عبد اللّه الهمداني، الحارث الاَعور.

3. عبيد اللّه بن أبي رافع.

4. الاَصبغ بن نباتة الحنظلي.

5. محمد بن الحنفية.


(136)

6. البراء بن عازب الاَنصاري.

7. جابر بن عبد اللّه الاَنصاري.

8. عبد اللّه بن زرير الغافقي.

9. النزال بن سبرة.

10. عبد الرحمن بن عوف.

11. عبد الرحمن بن أبي ليلى.

12. شريح بن النعمان الهمداني.

13. وهب بن الاَجدع.

14. سويد بن غفلة.

15. أبو عبد الرحمن السلمي.

16. عبد اللّه بن سلمة المرادي.

17. الحارث بن سويد.

18. عاصم بن ضمرة.

19. أبو محمد الهذلي.

20. أبو حيّة الوادعي.

21. عبد خير بن يزيد الهمداني.

22. حبة العرني.

23. علقمة بن قيس النخعي.

24. قيس بن عباد البصري. (1)


1 . راجع مسند أحمد بن حنبل:1|124ـ140.


(137)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمامين الحسن والحسين - عليهما السلام -

1. ابن عباس. (1)

2. عمرو بن دينار. (2)

3. عبد الرحمن بن أبي ليلى. (3)

4. أبو الطرماح. (4)

5. عبد اللّه بن عبيد بن عمير. (5)

6. حبابة الوالبية. (6)

7. عمير بن مأمون. (7)

8. البهزي. (8)

9. مسروق بن الاَجدع. (9)

10. إبراهيم الرافعي، وأبوه، وجدّه. (10)


1 . البحار:99|354، الحديث 10.
2 . كنز العمال:16|250، الحديث44330؛ مستدرك الوسائل: 14|363، الحديث 16963.
3 . المحلّى: 7|175.
4 . كنز العمال:5|171، الحديث 12498.
5 . البحار: 44|194، الحديث 5؛ مجمع الزوائد:9|201؛ ينابيع المودّة:265.
6 . البحار: 26|123، الحديث 13.
7 . البحار:96|289، الحديث 2؛ وسائل الشيعة:7|67، الحديث12940.
8 . مجمع الزوائد: 2|141؛ كنز العمال:7|479، الحديث 19870.
9 . سفينة البحار:1|258.
10 . مناقب ابن شهر آشوب:3|399؛ العوالم: 16|100؛ بحار الاَنوار:43|276،الحديث 46.


(138)

11. بشير بن غالب الاَسدي الكوفي. (1)

12. عطاء بن أبي رباح. (2)

13. الشعبي. (3)

14. أبو عكاشة الهمداني. (4)

15. عليّ بن أبي عمران. (5)

16. أبو سعيد دينار بن عقيصا التميمي. (6)

17. مستقيم بن عبد الملك. (7)

18. عبيد اللّه بن الحر الجعفي. (8)

19. عبد الرحمن بن بزرج. (9)

20. عبد اللّه بن أبي زهير. (10)

21. العيزار بن حريث. (11)


1 . المحاسن:2|408، الحديث 2439؛ وسائل الشيعة: 17|194، الحديث6؛ بحار الاَنوار: 66|470، الحديث41؛ الجوهرة:38؛ حياة الحسين:1|136.
2 . مجمع الزوائد:3|287.
3 . مجمع الزوائد:5|145.
4 . مجمع الزوائد:5|145.
5 . مكارم الاَخلاق:109.
6 . المحاسن:2|407، الحديث2423؛ بحار الاَنوار:66|479، الحديث 1؛ الكافي:6|445، الحديث 4؛ كنز العمال:15|317، الحديث 41202.
7 . مجمع الزوائد:5|145.
8 . رجال النجاشي: 1|72؛ وسائل الشيعة:1|409، الحديث 4.
9 . مجمع الزوائد:5|162و163.
10 . مجمع الزوائد:5|162و163.
11 . مجمع الزوائد:5|162و163.


(139)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام زين العابدين - عليه السّلام -

1. زيد الشهيد بن الاِمام زين العابدين - عليه السّلام - .

2. أبو حمزة الثمالي.

3. سعيد بن جبير الوالبي.

4. سعيد بن المسيب.

5. أبان بن تغلب.

6. الزهري. (1)

7. عمر بن الاِمام زين العابدين - عليه السّلام - . (2)

8. عمرو بن دينار.

9. الحكم بن عتيبة.

10. زيد بن أسلم.

11. يحيى بن سعيد.

12. أبو الزناد.

13. علي بن جدعان.

14. مسلم البطين.

15. حبيب بن أبي ثابت.

16. عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان.


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1|124، الحديث 572.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 1|127، الحديث 589.


(140)

17. القعقاع بن حكيم.

18. هشام بن عروة.

19. أبو الزبير المكي.

20. أبوحازم الاَعرج.

21. عبد اللّه بن مسلم بن هرمز.

22. محمد بن الفرات التميمي.

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الباقر - عليه السّلام -

1. أبان بن تغلب.

2. بريد بن معاوية العجلي.

3. زرارة بن أعين الشيباني.

4. أبو مريم الاَنصاري، عبد الغفار بن القاسم.

5. الفضيل بن يسار النهدي.

6. محمد بن مسلم الطائفي الثقفي.

7. أبو بصير، ليث بن البختري المرادي.

8. بكير بن أعين الشيباني.

9. أبو الجارود زياد بن المنذر الهمداني.

10. إسماعيل بن جابر الجعفي.

11. عطاء بن أبي رباح.

12. أبو إسحاق السبيعي.


(141)

13. الزهري.

14. ربيعة الرأي.

15. ابن جريج.

16. حجاج بن أرطأة.

17. الاَعمش.

18. الاَوزاعي.

19. يحيى بن أبي كثير.

20. ليث بن أبي سليم.

21. قرة بن خالد.

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الصادق - عليه السّلام -

1. أبان بن عثمان الاَحمر.

2. أبو أيوب الخزاز.

3. أبو الصباح الكناني، إبراهيم بن نعيم العبدي.

4. السكوني، إسماعيل بن أبي زياد.

5. ثعلبة بن ميمون، أبو إسحاق الفقيه.

6. حريز بن عبد اللّه الاَزدي، السجستاني.

7. زيد الشحّام، أبو أُسامة الاَزدي.

8. سماعة بن مهران الحضرمي.


(142)

9. سيف بن عميرة النخعي.

10. عاصم بن حميد الحنّاط.

11. عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعمي، الملّقب بكرّام.

12. عبد اللّه بن بكير بن أعين الشيباني.

13. عبد اللّه بن أبي يعفور العبدي.

14. العلاء بن رزين القلاّء.

15. عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي.

16. محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي.

17. موَمن الطاق، محمد بن علي بن النعمان.

18. محمد بن قيس البجلي.

19. الهرّاء، معاذ بن مسلم بن أبي سارة.

20. معاويةبن وهب البجلي.

21. المفضل بن عمر الجعفي.

22. منصور بن حازم البجلي.

23. يعقوب بن سالم الاَحمر.

24. جميل بن صالح الاَسدي.

25. يحيى بن سعيد الاَنصاري.

26. أبوحنيفة.

27. معاوية بن عمار الدهني.


(143)

28. سفيان بن عيينة.

29. أبان بن تغلب.

30. شعبة.

31. ابن جريج.

32. حاتم بن إسماعيل.

33. مالك بن أنس.

34. حفص بن غياث.

35. عبد العزيز الدراوردي.

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الكاظم - عليه السّلام -

1. الحسين بن المختار الاَحمسي، أبو عبد اللّه القلانسي.

2. علي بن يقطين الاَسدي، البغدادي.

3. النضر بن سويد الصيرفي.

4. هشام بن الحكم الكندي.

5. فضالة بن أيوب الاَزدي.

6. محمد بن أبي عمير الاَزدي.

7.عثمان بن عيسى العامري.

8. يونس بن يعقوب البجلي الدهني.

9. درست بن أبي منصور الواسطي.


(144)

10. إبراهيم إسماعيل و حسين(أولاده - عليه السّلام - ). (1)

11. علي بن جعفر بن الاِمام الصادق - عليه السّلام - . (2)

12. محمد بن جعفر بن الاِمام الصادق - عليه السّلام - . (3)

13. محمد بن صدقة العنبري. (4)

14. صالح بن يزيد. (5)

15. جميل بن درّاج النخعي.

16. حفص بن البختري البغدادي.

17. عبد الرحمن بن الحجاج البجلي.

18. عبد اللّه بن سنان بن طريف الهاشمي.

19. عبد اللّه بن مسكان العنزي.

20. علي بن رئاب الجرمي، وقيل السعدي.

21. ابن أُذينة، عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أُذينة العبدي، المصري.

22. معاوية بن عمار الدهني.

23. هشام بن سالم الجواليقي.

24. إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربّه بن أبي ميمونة بن يسار.

25. شعيب بن يعقوب العقرقوفي.

26. صفوان بن مهران الجمال.


1 . سير أعلام النبلاء:6|270؛ تهذيب التهذيب:10|340، برقم 597.
2 . سير أعلام النبلاء:6|270؛ تهذيب التهذيب:10|340، برقم 597.
3 . سير أعلام النبلاء:6|270؛ تهذيب التهذيب:10|340، برقم 597.
4 . سير أعلام النبلاء:6|270؛ تهذيب التهذيب:10|340، برقم 597.
5 . سير أعلام النبلاء:6|270؛ تهذيب التهذيب:10|340، برقم 597.


(145)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الرضا - عليه السّلام -

1. الحسن بن علي الوشّاء.

2. الحسن بن محبوب السرّاد.

3. الحسين بن سعيد الاَهوازي.

4. الحسن بن سعيد الاَهوازي.

5. زكريا بن آدم الاَشعري، القمي.

6. سعد بن سعد الاَحوص الاَشعري.

7. صفوان بن يحيى البجلي.

8. أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.

9. يونس بن عبد الرحمن.

10. الحسن بن علي بن فضال.

11. الحسن بن محمد بن سماعة الحضرمي.

12. الحسين بن يزيد النوفلي.

13. علي بن الحكم النخعي.

14. محمد بن إسماعيل بن بزيع.

15. محمد بن سنان الزاهري.

16. معاوية بن حكيم بن معاوية بن عمار الدهني.

17. الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين.


(146)

18. أبو الصلت عبد السلام الهروي. (1)

19. أحمد بن عامر الطائي. (2)

20. عبد اللّه بن العباس القزويني. (3)

21. آدم بن أبي أياس. (4)

22. محمد بن رافع. (5)

23. نصر بن علي الجهضمي. (6)

24. خالد بن أحمد الذهلي. (7)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الجواد - عليه السّلام -

1. أحمد بن محمد بن عيسى الاَشعري، أبو جعفر القمي.

2. أبو هاشم الجعفري، داود بن القاسم.

3. عبد الرحمن بن أبي نجران التميمي.

4. علي بن أسباط بن سالم الكندي.

5. محمد بن خالد البرقي.

6. موسى بن القاسم بن معاوية بن وهب البجلي.

7. عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني. (8)

8. جعفر بن محمد بن يزيد. (9)

9. محمد بن زيد الشبيه. (10)


1 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
2 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
3 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
4 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
5 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
6 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
7 . سير أعلام النبلاء:9|388، ترجمة الاِمام علي بن موسى الرضا - عليهما السلام - .
8 . تاريخ بغداد: 3|54 برقم 997.
9 . تاريخ بغداد: 3|54 برقم 997.
10 . تاريخ بغداد: 3|54 برقم 997.


(147)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام الهادي - عليه السّلام -

1. أيّوب بن نوح بن درّاج النخعي.

2. علي بن مهزيار الاَهوازي.

3. أحمد بن حمزة بن اليسع القمي.

4. علي بن الريان بن الصلت الاَشعري.

5. أبو علي الحسن بن راشد البغدادي.

6. الحسن بن علي الوشّاء.

7. علي بن إبراهيم بن هاشم القمي.

8. علي بن بلال.

9. علي بن جعفر الهماني.

10. علي بن الحسن بن فضال.

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام العسكري - عليه السّلام -

1. الحسن بن موسى الخشاب.

2. الفضل بن شاذان بن الخليل الاَزدي.

3. محمد بن الحسن الصفّار.

4. أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه بن سعد الاَشعري.

5. محمد بن أبي الصهبان عبد الجبار القمي.

6. إبراهيم بن مهزيار الاَهوازي.


(148)

7. أبو سعيد سهل بن زياد الاَزدي. (1)

8. إسحاق بن إسماعيل النيسابوري.

9. إبراهيم بن أبي حفص.

10. إبراهيم الكفر ثرثائي.

11. أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل.

12. أحمد بن محمد بن مطهر، المشهور بأبي علي المطهري.

13. الريان بن الصلت.

14. سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الاَشعري القمي. (2)

أهل الفتيا ممّن أخذوا عن الاِمام المهدي المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف)

إنّ الّذين أخذوا عنه الفتيا هم سفراوَه الاَربعة ونشروها بين الشيعة، وهم:

1. أبو عمرو عثمان بن سعيد العمروي، وكان وكيل جدّ الاِمام المنتظر الهادي وأبيه العسكري - عليهم السلام - قبل مولده، ثمّ صار وكيلاً وسفيراً، وكان سفيراً له قرابة خمس سنوات، توفّي عام 265هـ.

2. أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمروي، فلما مضى أبوه، قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه بنص أبي محمد - عليه السّلام - ونص أبيه عثمان عليه بأمر القائم - عليه السّلام - ، وتولّى السفارة قرابة أربعين عاماً، توفّي سنة 305هـ.


1 . تاريخ بغداد: 7|366، برقم 3886. والوارد في الكتب الرجالية للشيعة هو الآدمي مكان «الازديّ».
2 . راجع في الوقوف على ترجمة هوَلاء ممن أخذ عن علي أمير الموَمنين - عليه السّلام - إلى أن انتهى إلى الاِمام العسكري - عليه السّلام - ، فهرس الشيخ الطوسي ورجال النجاشي وغيرها.


(149)

3. أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، كان سفيراً له بعد سلفه الصالح قرابة واحد وعشرين عاماً، أقامه محمد بن عثمان بأمر صاحب الاَمر - عليه السّلام - بعد ان كان سلفه يحيل عليه قبض الاَموال قبل وفاته بسنين لمرضه وعجزه عن مزاولة السفارة إلى آخر نسمة من حياته، وتوفّـي في شعبان سنة 326هـ.

4. أبو الحسن علي بن محمد السمري، كان سفيراً مدة ثلاث سنين، وقد أوصى إليه أبو القاسم النوبختي السفير الثالث بأمر من الاِمام - عليه السّلام - ، توفّي سنة 329هـ. (1)

وبوفاته انتهت السفارة وأعقبتها الغيبة الكبرى، وفوّض فيها الاَمر إلى الفقهاء الجامعين للشرائط.

هوَلاء نقلة الفتيا عن الاِمام الثاني عشر - عليه السّلام - وقد نقلوا جميع ما صدر عن ساحته الشريفة من التوقيعات.

الاَُصول الجامعة في أحاديث الاَئمة

كانت مجالس أئمّة أهل البيت تعجّ بمختلف الطبقات، فمن عامي يسأل عن قضية جزئية واجهته فيفتي الاِمام - عليه السّلام - على ضوئها، إلى مفت واعٍ يلقي عليه قواعد وضوابط كلية يستضيَ بها في غير مورد من الموارد، وقد جمع المتأخّرون من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وآله - عليهم السلام - في مجالات الفقه ما ناهز المائة ألف حديث (2) في حين ما يرويه أهل السنّة في مجال الفقه عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لا يتجاوز عن 500 حديث.

قال السيد محمد رشيد رضا في «الوحي المحمدي»: إنّ أحاديث الاَحكام


1 . جواد الشاهرودي: الاِمام المهدي وظهوره: 125ـ 126.
2 . لاحظ: جامع أحاديث الشيعة في ستة وعشرين جزءاً.


(150)

والاَُصول خمسمائة حديث تمدها أربعة آلاف فيما أذكر. (1)

وقال في تفسيره: إنّ مصدر القوانين، الاَُمّة، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب و السنّة، كما قرّره الاِمام الرازي، والمنصوص قليل. (2)

إنّ لاَئمّة أهل البيت أُصولاً جامعة يستنبط منها أحكام شرعية كثيرة، ونحن نأتي بنماذج من هذه الدرر الجامعة، ونذكر أوّلاً ما له صلة بأُصول الفقه، ثمّ الفقه:

1. روى الكليني بسنده، عن حماد، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، قال: سمعته يقول:«ما من شيء إلاّوفيه كتاب وسنّة».

2. روى الكليني عن المعلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - :«ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب اللّه، ولكن لا تبلغه عقول الرجال».

3. روى الكليني عن سماعة، عن أبي الحسن موسى - عليه السّلام - ، قال: قلت: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه أو تقولون فيه؟ فقال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».

4. روى الكليني عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال: «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى، لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه».

5. روى الكليني عن أبي سعيد الزهري، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال: «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة».

6. روى الكليني عن محمد بن مسلم، قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - : أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ قال: «إن كنت تريد معانيه فلا بأس».


1 . الوحي المحمدي:212، الطبعة السادسة.
2 . السيدمحمد رشيد رضا: المنار:5|189.


(151)

7. روى الكليني عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : أُكتب وبث علمك في إخوانك، فإن متَّ، فأورث كتبك بنيك، فإنّه يأتي على الناس زمان حرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم».

8. روى الكليني عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - أنّه قال: «قال رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - : كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».

9. روى محمد بن الحسن الصفار في «بصائر الدرجات» عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر - عليه السّلام - أنّه قال: «لو انّا حدّثنا برأينا لضللنا كما ضلّ من كان قبلنا، ولكنّا حدّثنا ببيّنة من ربّنا، بيّنها لنبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - فبيّنها لنا».

10. روى سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى - عليه السّلام - في حديث أنّه قال له: يرد علينا الشيء الصغير ليس عندنا فيه شيء، فينظر بعضنا إلى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه، فقال:«ما لكم وللقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس» ثمّ قال: «إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، وإذا جاءكم مالا تعلمون فها» وأومأ بيده إلى فيه.

11. روى الكليني عن أبي جعفر - عليه السّلام - ، قال: «من أفتى الناس برأيه، فقد دان اللّه بما لا يعلم، ومن دان اللّه بمالا يعلم فقد ضاد اللّه حيث أحلّ وحرّم فيما لا يعلم».

12. روى الصدوق عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للاِمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيٍّ أو وصي نبي».

13. روى ابن أبي عمير، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال:«من خالف كتاب اللّه وسنّة محمّد فقد كفر».


(152)

14. روى زرارة بن أعين، عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال: «كل من تعدّى السنّة ردّ إلى السنّة».

15. روى ابن إدريس، عن كتاب هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال:«إنّما علينا أن نلقي إليكم الاَُصول وعليكم التفريع».

16. روي عن الرضا - عليه السّلام - أنّه قال: «علينا إلقاء الاَُصول، وعليكم التفريع».

17. روى الصدوق، عن الصادق - عليه السّلام - أنّه قال: «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي».

18. روى الصدوق، عن الرضا - عليه السّلام - أنّه قال: «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه، فقد هدى إلى صراط مستقيم».

19. روى الكليني، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه، كان له و إن لم يكن على ما بلغه».

20. روى الصفار في «بصائر الدرجات» عن موسى بن بكر قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - : إنّ الرجل يغمى عليه اليوم أو اليومين أو الثلاثة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟ قال:«ألا أُخبرك بما ينتظم هذا وأشباهه، فقال: كلّما غلب اللّه عليه من أمره، فاللّه أعذر لعبده».

وفي رواية أُخرى: «كلّ ما غلب اللّه عليه، فاللّه أحرى بالعذر».

21. روى الشيخ الطوسي عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون مضطراً ليس عنده غيرها، وليس شيءممّا حرم اللّه إلاّ وقد أحلّه لمن اضطر إليه».

22. روى الكليني عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «اللّه


(153)

أكرم من أن يكلّف الناس مالا يطيقون».

23. روى الشيخ عن زرارة، قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء، إلى أن قال: قلت: فإن حرك إلى جنبه شيء ولم يعلم به، قال: «لا حتى يستيقن انّه قد نام حتى يجيَ من ذلك أمر بيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبداً بالشك، وإنّما ينقضه بيقين آخر».

24. روى الصدوق في حديث الاَربعمائة عن علي - عليه السّلام - : «من كان على يقين فشك، فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين».

25. روى الصدوق عن الحسن بن محبوب، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «كلّ شيء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

26. روى الصدوق عن زكريا بن يحيى، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - : «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم».

27. روى الكليني عن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن الحلال والحرام؟ فقال: «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، لا يكون غيره ولا يجيَ غيره».

28. روى الكليني عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - أنّه قال: إنّ حكم اللّه عزّ وجلّ في الاَوّلين و الآخرين وفرائضه عليهم سواء.

29. روى الكليني عن ابن الطيار، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - : «إنّ اللّه احتج على الناس بما آتاهم وعرّفهم».

30. روى الكليني، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «لوددت إنّ أصحاب أبي ضربت روَوسهم بالسياط حتّى يتفقّهوا».


(154)

أمّا ما يرجع إلى الفقه وما يقرب منه:

1. روى الصدوق قال: قال الصادق - عليه السّلام - :«الماء كلّه طاهر حتى تعلم أنّه قذر».

وقال - عليه السّلام - :«خلق اللّه الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّما غيّـر لونه أو طعمه أو ريحه».

2. روى أيضاً عن الصادق - عليه السّلام - أنّه قال:«إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء».

3. روى عن الرضا - عليه السّلام - أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلاّ أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح حتى يذهب الريح ويطيب طعمه لاَنّ له مادة».

4. وقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «إذا شككت في شيء من الوضوء، وقد دخلت في غيره فليس شكّك بشيء، إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه».

5. وقال - عليه السّلام - :«كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك، فذكرته تذكّراً، فامضه، ولا إعادة عليك».

6. وقال الصادق - عليه السّلام - : «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة».

7. وقال علي - عليه السّلام - : «من أدرك من الصلاة ركعة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصلاة تامة».

8. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«متى استيقنت أو شككت في وقت فريضة انّك لم تصلّها، أو في وقت فوتها انّك لم تصلّها صلّيتها، وإن شككت بعدما خرج وقت الفوت وقد دخل حائل، فلا إعادة عليك من شك حتى تستيقن، فإن استيقنت، فعليك أن تصلّيها في أي حالة كنت».

9. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«لا صلاة إلاّ إلى القبلة» .قيل: وأين حدّ القبلة؟


(155)

قال:«ما بين المشرق و المغرب قبلة».

10. قال الصادق - عليه السّلام - في الميتة:«لا تصل في شيء منه ولا شسع».

11. وقال - عليه السّلام - :«إنّ الصلاة في كلّ شيء حرام أكله، فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وكلّ شيء منه فاسد، لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلّي في غيره ممّا أحلّ اللّه أكله».

12. سئل الصادق - عليه السّلام - : عمّا يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز؟ قال: «السجود لا يجوز إلاّ على الاَرض أو على ما أنبتت الاَرض إلاّ ما أُكل ولبس».

13. قال أبو جعفر - عليه السّلام - : «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، والوقت، والقبلة، والركوع، و السجود».

14. وقال أبو جعفر - عليه السّلام - : «لا قران بين صومين، ولا قران بين صلاتين، ولا قران بين فريضة ونافلة».(والمراد نية صومين أو صلاتين بنية واحدة).

15. سئل أبو جعفر - عليه السّلام - عن الذي لا يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاته؟ قال: «لا صلاة له إلاّ أن يقرأ بها في جهر أو إخفات، وقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : كلّ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج».

16. وقال أبو جعفر - عليه السّلام - : «من شك في الاَُولتين (من الصلاة) أعاد حتى يحفظ ويكون على يقين».

17. وقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «إذا شككت في المغرب فأعده، وإذا شككت في الفجر فأعده».

18. وقال الصادق - عليه السّلام - لرجل: «ألا أجمع لك السهو كلّه في كلمتين، متى شككت فخذ بالاَكثر».

19.وقال الصادق - عليه السّلام - :«أدنى ما يقصر فيه المسافر بريدان، أو بريد


(156)

ذاهباً وبريد جائياً».

20. قال الصادق - عليه السّلام - :«وضع رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - الزكاة على تسعة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذهب، والفضة، والغنم، والبقر، و الاِبل».

21. قال الباقر - عليه السّلام - :«ليس في مال اليتيم زكاة».

22. قال الرضا - عليه السّلام - : «لا زكاة على يتيم».

23. وقال الصادق - عليه السّلام - في زكاة الغنم:«ولا يفرّق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرّق».

24. قال أبو جعفر - عليه السّلام - : «ما أنبتت الاَرض من شيء من الاَشياء، فليس فيه زكاة إلاّ أربعة أشياء: البر، والشعير، والتمر، والزبيب، فليس في شيء من هذه الاَربعة أشياء شيء حتى يبلغ خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً».

25. قال الصادق - عليه السّلام - :«خمسة لا يعطون من الزكاة شيئاً: الاَب، والاَُم، والولد، والمملوك، والمرأة؛ وذلك انّهم عياله لازمون له» وقال - عليه السّلام - : «لا تعط من الزكاة أحداً ممّن تعول».

26. وقال - عليه السّلام - :«إنّ الصدقة لا تحل لبني عبد المطلب».

27. سئل الصادق - عليه السّلام - عن الفطرة: فقال - عليه السّلام - :«عن الصغير والكبير والعبد، عن كلّ إنسان منهم صاع من حنطة، أو صاع من تمر، أو صاع من زبيب».

28. سئل أبو الحسن الرضا - عليه السّلام - عن الخمس: فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».

29. وقال الصادق - عليه السّلام - :«إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».


(157)

30. قال الصادق - عليه السّلام - :«ما كلّف اللّه العباد إلاّ ما يطيقون، وكلّفهم حجة واحدة».

31. قال الصادق - عليه السّلام - :«الحج عندنا على ثلاثة أوجه: متمتع، وحاج مقرن سائق للهدي، وحاج مفرد للحج».

32. روى الشيخ الطوسي، عن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن الشرط في الاِماء لا تباع ولا توهب؟ قال: «يجوز ذلك غير الميراث، فإنّها تورث، لاَنّ كلّ شرط خالف الكتاب، فهو باطل».

33. وروى عنه - عليه السّلام - أيضاً:«المسلمون عند شروطهم، إلاّ على شرط خالف كتاب اللّه فلا يجوز».

34. روى أيضاً أنّ علي بن أبي طالب - عليه السّلام - كان يقول:«من شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به، لاَنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً».

35. روى الكليني عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - أنّه قال: «إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم».

36. روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر في حديث، عن رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «لا ضرر ولا ضرار».

37. روى الصدوق عن محمد بن الحكم قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السّلام - عن شيء فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة»، فقلت: إنّ القرعة تُخطِىَ وتصيب، فقال: «كلّ ما حكم اللّه به، فليس بمخطىَ» قال: وقال الصادق - عليه السّلام - : «ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحق».

38. قال الصادق - عليه السّلام - :«من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه، فلا يجوز


(158)

له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم، ما وافق كتاب اللّه عزّوجلّ».

39. قال الصادق - عليه السّلام - : «إذا اشتريت متاعاً فيه كيل أو وزن، فلا تبعه حتى تقبضه إلاّ أن تولّيه، فإذا لم يكن فيه كيل أو وزن فبعه».

40. قال - عليه السّلام - :«من باع نخلاً قد أبّر، فالثمرة للبائع إلاّ أن يشترط المبتاع».

41. قال علي - عليه السّلام - : «كلّ ما كان في أصل الخلقة، فزاد، أو نقص، فهو عيب».

42. قال الصادق - عليه السّلام - : «لا يكون الربا إلاّفيما يكال أو يوزن، ومن أكله جاهلاً بتحريم اللّه لم يكن عليه شيء».

43. قال - عليه السّلام - : «لا بأس بمعاوضة المتاع مالم يكن كيلاً أو وزناً».

44. قال الصادق - عليه السّلام - :«الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقه على الراهن، وإن استهلكه تراد الفضل بينهما».

45. قال الصادق - عليه السّلام - : «لا تتعرضوا للحقوق، فإذا لزمتكم فاصبروا لها».

46. قال - عليه السّلام - : «ما عمل الرجل عملاً بعد إقامة الفرائض خيراً من إصلاح بين الناس، يقول خيراً، أو يتمنّى خيراً».

وقال - عليه السّلام - :«إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصوم».

47. قال - عليه السّلام - :«البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه جائز بين المسلمين».

48. قال الصادق - عليه السّلام - :«في الرجل يشارك في السلعة إن ربح فله، وإن وضع فعليه».


(159)

49. سئل الصادق - عليه السّلام - عن رجل دفع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع، فضاربه، فذهب، فاشترى به غير الذي أمره؟ قال - عليه السّلام - :«هو ضامن والربح بينهما على ما شرط».

50. قال علي - عليه السّلام - :«في رجل اتجر بمال واشترط نصف الربح، فليس على المضارب ضمان».

51. قال أبو الحسن - عليه السّلام - في المضارب: «ما أنفق في سفره، فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده، فما أنفق فمن نصيبه».

52. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تقطعوا الثمار، فيصب اللّه عليكم العذاب صباً».

53. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإنّ ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته».

54. قال - عليه السّلام - :«من خان أمانة في الدنيا ولم يردها إلى أهلها ثمّ أدركه الموت مات على غير ملّتي، ويلقى اللّه وهو عليه غضبان؛ ومن اشترى خيانة وهو يعلم، فهو كالذي خانها».

55. قال - عليه السّلام - : «الاَمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر».

56. قال الصادق - عليه السّلام - : «كلّ أمر نهي عنه من جهة من الجهات، فمحرم على الاِنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شيء منه أو له إلاّ لمنفعة من استأجرته، كالذي يستأجره له الاَجير يحمل له الميتة ينحّيها عن أذاه، أو أذى غيره، وما أشبه ذلك».

57. قال الصادق - عليه السّلام - :«من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر، فلا يستعمل أجيراً حتى يعلم ما أجرته».


(160)

58. سئل الصادق - عليه السّلام - عن القصار يفسد، فقال: «كل أجير يعطى الاَُجرة على أن يصلح فيفسد، فهو ضامن».

59. قال الصادق - عليه السّلام - :«إنّ الوكيل إذا وكّل، ثمّ قام عن المجلس، فأمره ماضٍ أبداً، والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافهه بالعزل عن الوكالة».

60. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا ينبغي لمن أعطى اللّه شيئاً أن يرجع فيه».

61. قال - عليه السّلام - :«كلّ لهو الموَمن باطل إلاّفي ثلاث: في تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته امرأته، فإنّه حق».

62. قال - عليه السّلام - :«لا سبق إلاّ في خف، أو حافر، أو نصل».

63. قال - عليه السّلام - : «الوصية حقّ على كلّ مسلم». وقال - عليه السّلام - :«من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية».

64. قال علي - عليه السّلام - :«إنّ الدين قبل الوصية، ثمّ الوصية على أثر الدين، ثمّ الميراث».

65. قال الصادق - عليه السّلام - : «انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشدّه، وإن احتلم ولم يوَنس منه رشده وكان سفيهاً أو ضعيفاً، فليمسك عنه وليه ماله».

66.قال - عليه السّلام - : «ما بني بناء في الاِسلام أحبّ إلى اللّه من التزويج» وقال - عليه السّلام - : «ما من شيء أحبّ إلى اللّه من بيت يعمر في الاِسلام بالنكاح، وما من بيت أبغض إلى اللّه من بيت يخرب في الاِسلام بالفرقة في الطلاق».

67. قال - عليه السّلام - : «إذا كانت الجارية بين أبويها فليس لها مع أبويها أمر، وإذا كانت قد تزوّجت لم يزوّجها إلاّبرضاً منها».

68. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يجوز للعبد تحرير ولا تزويج ولا إعطاء من


(161)

ماله إلاّ بإذن مولاه».

69. قال الصادق - عليه السّلام - :«ما يحرم من النسب، فهو يحرم من الرضاع».

وقال - عليه السّلام - :«يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة».

70. قال الباقر - عليه السّلام - :«كلّ شيء خالف كتاب اللّه ردّ إلى كتاب اللّه والسنّة».

وقال - عليه السّلام - :«من طلق لغير السنّة رُدَّ إلى كتاب اللّه وإن رغم أنفه».

71.وقال - عليه السّلام - :«إنّما الطلاق الذي أمر اللّه به، فمن خالف لم يكن له طلاق».

72. وقال الباقر - عليه السّلام - :«كلّ طلاق لغير العدّة، فليس بطلاق: أن يطلّقها وهي حائض أو في دم نفاسها، أو بعد ما يغشاها قبل أن تطهر».

73. سئل أبو الحسن - عليه السّلام - :عن المطلّقة على غير السنّة، فقال: «ألزموهم من ذلك ما ألزموا به أنفسهم وتزوّجوهن، فلا بأس بذلك».

74. قال الصادق - عليه السّلام - :«كلّ طلاق جائز، إلاّ طلاق المعتوه والصبي أو مبرسم أو مجنون أو مكره».

75. قال الصادق - عليه السّلام - :«إنّ الاستغفار توبة، وكفارة كلّ من لم يجد السبيل إلى شيء من الكفارة التي يجب عليه من صوم أو صدقة أو عتق في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك ممّا تجب على صاحبه فيه الكفارة».

76. قال - عليه السّلام - :«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز».

77. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تحلفوا باللّه صادقين ولا كاذبين، إنّ اللّه يقول:"وَلا تَجْعَلُوا اللّه عُرْضَةً لاََيْمانِكُمْ" ».

78. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يمين في معصية اللّه، ولا في قطيعة رحم».


(162)

79. قال الصادق - عليه السّلام - :«كل يمين لا يراد بها وجه اللّه في طلاق أو عتق فليس بشيء».

80. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يحلف الرجل إلاّعلى علمه».

81. قال علي - عليه السّلام - :«ذبيحة من صام وصلّى ودان بكلمة الاِسلام لكم حلال إذا ذكر اسم اللّه عليها».

82. سئل أبو جعفر - عليه السّلام - :عن شراء اللحوم من الاَسواق، ولا ندري ما صنع القصابون؟ فقال: «كل، إذا كان ذلك في سوق المسلمين ولا تسأل عنه».

83. قال الصادق - عليه السّلام - :«كلّ ما كان في البحر ما يوَكل في البر مثله فجائز أكله، وكل ما كان في البحر مالا يجوز أكله في البر لم يجز أكله».

84. قال الصادق - عليه السّلام - :«كل شيء يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

85. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«الخمر : كلّ مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر، وما أسكر كثيره فقليله حرام».

86. قال الصادق - عليه السّلام - :«كلّ عصير أصابته النار، فهو حرام ،حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه».

87. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يحل مال امرىَ مسلم إلاّبطيبة نفس منه».

88. قال - عليه السّلام - :«من أخذ أرضاً بغير حقّها كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر».

89. قال الصادق - عليه السّلام - : «الشفعة جائزة في كلّ شيء».

90. قال الصادق - عليه السّلام - : «من أحيا أرضاً فهي له».

91. قال - عليه السّلام - :«لا ضرر ولا ضرار».


(163)

92. سئل الصادق - عليه السّلام - عن السواد (العراق) وما منزلته؟فقال:«هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الاِسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد».

93. قال أبوجعفر - عليه السّلام - : «لا يأكل الضالة إلاّ الضالّون».

94. قال الصادق - عليه السّلام - :«المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».

95. قال الصادق - عليه السّلام - :«من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله ميراثه، وإن أسلم وقد قسم فلا ميراث».

96. قال - عليه السّلام - :«لا ميراث للقاتل».

97. سئل الصادق - عليه السّلام - المال لمن هو للاَقرب أو للعصبة؟ فقال:«المال للاَقرب، والعصبة في فيه التراب».

98. قال الصادق - عليه السّلام - :أيّما موَمن قدم موَمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر، فقضى عليه بغير حكم اللّه، فقد شركه في الاِثم».

99. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تشهد على شهادة حتى تعرفها كما تعرف كفك».

100. قال - عليه السّلام - :«ادرأوا الحدود بالشبهات، ولا شفاعة ولا كفالة ولا يمين في حد».

101. روى الصدوق في «الفقيه» عن أبي بصير، عن أبي جعفر - عليه السّلام - في حديثٍ انّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال:«يا أيها الناس انّه لا نبيّ بعدي، ولا سنّة بعد سنّتي، فمن ادّعى ذلك فدعواه بدعة، وبدعته في النار فاقتلوه.

102. روى الكليني عن داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «إنّ اللّه فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات


(164)

فلم يعمل بها وجحدها كان كافراً».

103. روى البرقي في «المحاسن» عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - : «لا يسع الناس حتى يسألوا فيتفقّهوا».

104. روى الكليني عن هشام بن سالم قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - ما حقّ اللّه على خلقه؟ قال: «أن يقولوا ما يعلمون ويكفّوا عمّا لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقّه».

105. روى الكليني عن حمزة الطيار، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - : «لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون، إلاّ الكفّ عنه والتثبّت و الرد إلى أئمّة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد، ويحملوا عنكم فيه العمى، ويعرّفوكم فيه الحقّ».

106. روى الكليني عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - :«إنّ السنّة لا تقاس، ألا ترى أنّ المرأة تقضي صومها ولا تقضى صلاتها، يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدين».

107. الحميري في «قرب الاِسناد» عن جعفر بن محمد - عليهما السلام - عن آبائه - عليهم السلام - قال: «قال رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - إيّاكم والظن، فإنّ الظن أكذب الكذب».

108. روى الكليني عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث ـ إلى أن قال: ـ ينظران من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوه حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّه وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على اللّه وهو على حدّ الشرك باللّه.

109.في الاحتجاج عن مولانا صاحب الزمان: «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه».


(165)

110.قال رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - : «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي».

111. الطوسي عن محمد بن الطيار، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عمّا تجب فيه الزكاة؟ قال:« في تسعة أشياء: في الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والزبيب والاِبل والبقر والغنم، وعفا رسول اللّه عمّا سوى ذلك...».

112. الطوسي في كتاب «العدّة» عن الصادق - عليه السّلام - قال: «إذا نزلت بكم حادثة لا تعلمون حكمها فيما ورد منّا، فانظروا إلى ما رووه عن علي - عليه السّلام - فاعملوا به».

113. في توقيع مولانا صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه : «لا عذر لاَحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا».

114. الطوسي عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - في قوله سبحانه: "فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً اوْبِهِ أَذَىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صيام أَوْصَدَقَةٍ أَوْ نُسُك" ـ إلى أن قال:ـ كلّ شيء في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار يختار ما شاء. وكلّ شيء في القرآن فمن لم يجد فعليه كذا فالاَوّل الخيار.

115. الصدوق في «الخصال» عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - : قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : «رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: السهو، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه، والطيرة، والحسد، والتفكّر في الوسوسة في الخلق مالم ينطق الاِنسان بشفة».

116.الصدوق في «الخصال» قال علي - عليه السّلام - :«إنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».

117. عبد الاَعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - من لم يعرف


(166)

شيئاً هل عليه شيء؟ قال: «لا».

118. عن أبي جعفر - عليه السّلام - :«تفقّهوا في الحلال والحرام، وإلاّ فأنتم أعراب».

119. سئل أبو عبد اللّه - عليه السّلام - عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: «لا، إنّما هو الماء والصعيد».

120. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«إنّ اللّه حرّم الميتة من كلّ شيء».

121. قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - :«كلّ ما أُكل لحمه، فتوضأ من سوَره واشرب، كلّ شيء من الطير يتوضأ ممّا يشرب منه، إلاّ أن ترى في منقاره دماً».

122. سئل الصادق - عليه السّلام - عن الخنفساء والذباب والجراد والنملة وما أشبه ذلك، يموت في البئر والزيت والسمن وشبهه؟ فقال: «كلّما ليس له دم فلا بأس به». وقال - عليه السّلام - : «لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة».

123.قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل؟».

124. وروى - عليه السّلام - : «كلّ غسل قبله وضوء إلاّ غسل الجنابة».

125. سئل الصادق - عليه السّلام - عن الحائض ما يحل لزوجها منها؟ قال: «ما دون الفرج».

126.قال - عليه السّلام - :«كلّ ما رأته المرأة في أيام حيضها من صفرة أو حمرة فهو من الحيض، وكلّ ما رأته بعد أيّام حيضها فليس من الحيض».

127. قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - :«اغسل ثوبك من أبوال مالا يوَكل لحمه» . وقال : «اغسل ثوبك من بول كلّ ما يوَكل لحمه».

128. سئل أبو عبد اللّه - عليه السّلام - عن الجرح كيف يصنع به صاحبه؟ قال: «يغسل ما حوله».


(167)

129. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر».

130. عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - :«كلّ شيء نظيف حتى تعلم انّه قذر، فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك».

131. سئل عن جلود السباع أينتفع بها؟ قال: «إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده، فأمّا الميتة فلا».

132. سئل موسى بن جعفر - عليهما السلام - عن رجل اشترى ثوباً من السوق لبيساً، لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟

قال: «إن كان اشتراه من مسلم فليصل فيه، و إن كان اشتراه من نصراني فلا يصلّ فيه حتى يغسله».

133. قال الصادق - عليه السّلام - :«نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - عن كلّ مسكر، فكلّ مسكر حرام».

134. سئل أبو جعفر عن جلد الميتة يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال: «لا ولو دبغ سبعين مرّة».

135. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تأكل في آنية الذهب والفضة».

136. قال الصادق - عليه السّلام - :«الشعر والصوف والريش وكلّ نابت لا يكون ميتاً».

137. سئل أبو جعفر - عليه السّلام - عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: «لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخون، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر».

138. قال الصادق - عليه السّلام - : «لا بأس بالصلاة في الثياب التي تعملها المجوس والنصارى واليهود».


(168)

139. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«افصل بين كلّ ركعتين من نوافلك بالتسليم».

140. قال الصادق - عليه السّلام - : «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر».

141. سئل أبو جعفر - عليه السّلام - عن الفرض في الصلاة؟ فقال: «الوقت والطهور والقبلة والتوجه والركوع والسجود والدعاء». قيل: ما سوى ذلك؟ قال: «سنّة في فريضة».

142.قال - عليه السّلام - : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».

143. قال - عليه السّلام - : «جعلت لي الاَرض مسجداً وترابها طهوراً، أينما أدركتني الصلاة صليت».

144. قال علي - عليه السّلام - : «انظر في ما تصلّي وعلى ما تصلّي، إن لم يكن من حلّه ووجهه فلا قبول».

145. قال - عليه السّلام - : «من كانت عنده أمانة فليوَدها إلى من ائتمنه عليها، فانّه لا يحلّ دم امرىَ مسلم ولا ماله، إلاّ بطيبة نفس منه».

146. قال الصادق - عليه السّلام - : «من سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته».

147. قال الصادق - عليه السّلام - : «تلبية الاَخرس وتشهده وقراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بأصبعه».

148. قال أبو جعفر الثاني - عليه السّلام - : «كلّ ما ناجيت به ربّك في الصلاة فليس بكلام».

149. قال الصادق - عليه السّلام - : «كلّ ما ذكرت اللّه به والنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فهو من الصلاة».


(169)

150. قال علي بن الحسين - عليهما السلام - : «وضع الرجل إحدى يديه على الاَُخرى في الصلاة عمل، وليس في الصلاة عمل».

151. قال أبو جعفر - عليه السّلام - : «كلّ أخاويف السماء، من ظلمة، أو ريح، أو فزع، فصلّ له صلاة الكسوف، حتى يسكن».

152. قال الصادق - عليه السّلام - : «ليس على الاِمام سهو، ولا على من خلف الاِمام سهو».

153. قال الصادق - عليه السّلام - : «ليس على السهو سهو، ولا على الاِعادة إعادة».

154. قال الباقر - عليه السّلام - : «كلّ ما شككت فيه بعدما تفرغ من صلاتك فامض ولا تعد».

155. قال الصادق - عليه السّلام - : «كلّ ما مضى من صلاتك وطهورك فامضه».

156. سئل الرضا - عليه السّلام - عن الزكاة هل توضع في من لا يعرف؟ قال: «لا، ولا زكاة الفطرة».

157.قال الصادق - عليه السّلام - : «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة».

158. قال الصادق - عليه السّلام - : «صم للروَية وأفطر للروَية، وإيّاك والشك والظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الاَوّل ثلاثين».

159. قال علي - عليه السّلام - : «لا تقبل شهادة النساء في روَية الهلال، إلاّ رجلين عدلين».

160. قال الصادق - عليه السّلام - : «انّه لا يجوز أن يتطوع الرجل بالصيام وعليه شيء من الفرض».


(170)

161. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يكون الاعتكاف إلاّ بصوم».

162. سئل أبو الحسن - عليه السّلام - :«كم أشرك في حجّتي؟ قال: كم شئت».

163. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا يجوز الحج إلاّمتمتعاً، ولا يجوز القران والاِفراد إلاّ لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام؛ ولا يجوز الاِحرام قبل بلوغ الميقات، ولا يجوز تأخيره عن الميقات، إلاّ لمرض أو تقية».

164. قال الصادق - عليه السّلام - :«من كان منزله دون الوقت إلى مكة، فليحرم من منزله».

165. قال علي - عليه السّلام - :«في كلّ شهر عمرة».

166. سئل أبو الحسن - عليه السّلام - : عن الخصيان والمرأة الكبيرة، أعليهم طواف النساء؟ قال: «عليهم الطواف كلّهم».

167. عن أحدهما - عليهما السلام - : «لا ينبغي أن تصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ عند مقام إبراهيم، وأمّا التطوع فحيث شئت من المسجد».

168. قال علي - عليه السّلام - :«القتال قتالان قتال لاَهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يسلموا، أو يوَدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وقتال لاَهل الزيغ لا ينفر عنهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه، أو يقتلوا».

169. قال - عليه السّلام - :«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

170. قال الباقر - عليه السّلام - :«التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله اللّه له».

171.قال علي - عليه السّلام - :«كلّ ما ألهى عن ذكر اللّه فهو ميسر».

172. سئل علي بن محمد - عليهما السلام - عن قول اللّه عزّ وجلّ:"يَسْألونَكَ


(171)

عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ" ، فما الميسر؟ فكتب: «كلّ ما قومر به فهو الميسر، وكلّ مسكر حرام».

173.قال العسكري - عليه السّلام - :«لا يجوز بيع ما ليس بملك».

174. قال الصادق - عليه السّلام - :«المسلمون عند شروطهم، إلاّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه فلا يجوز».

175. قال علي - عليه السّلام - :«كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب».

176.قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«لا رهن إلاّمقبوضاً».

177. كان علي - عليه السّلام - يجس في الدين فإذا تبين له إفلاس وحاجة خلّى سبيله، حتى يستفيد مالاً.

178. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا بأس أن تستأجر الاَرض بدراهم، وتزارع الناس على الثلث والربع وأقل من ذلك وأكثر، إذا كنت لا تأخذ الرجل إلاّ بما أخرجت أرضك».

179. قال الصادق - عليه السّلام - :«إذا هلكت العارية عند المستعير لم يضمنها، إلاّ أن يكون قد اشترط عليه» .

180. قال أبو محمد - عليه السّلام - :«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها».

181. سئل الصادق - عليه السّلام - :عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء، أم لا ؟فقال: «تجوز الهبة لذوي القرابة والذي يثاب عن هبة ويرجع في غير ذلك إن شاء».

182.قال الصادق - عليه السّلام - :«لا بأس بالنظر إلى روَوس أهل تهامة والاَعراب، وأهل السواد، لاَنّهم إذا نهوا لا ينتهون».

183. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«لا يحرم من الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو


(172)

خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد».

184. قال - عليه السّلام - :«لا رضاع بعد فطام، ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولا صمت إلى الليل، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين للولد مع والده، ولا للمملوك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة».

185. قال الصادق - عليه السّلام - :«المرأة ترد من أربعة أشياء، من البرص، والجذام، والجنون، والقرن».

186. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«الصداق كلّ ما تراضى عليه الناس قلّ أو كثر، في متعة أو تزويج غير متعة».

187. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«لا يكون اللعان ولا الاِيلاء إلاّ بعد الدخول».

188. قال علي - عليه السّلام - :«الناس كلّهم أحرار، إلاّ من أقرّ على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة، و من شهد عليه بالرق صغيراً كان أو كبيراً».

189. قال - عليه السّلام - : «الولاء لمن أعتق». وقال - عليه السّلام - :الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب».

190. قال علي - عليه السّلام - : «من أقرّ عند تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حدّ عليه».

191. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا أقبل شهادة الفاسق إلاّعلى نفسه».

192. قال الصادق - عليه السّلام - :«لا تجوز يمين في تحليل حرام ولا تحريم حلال ولا قطيعة رحم».

وقال - عليه السّلام - :«لا يمين في معصية اللّه ولا في قطيعة رحم».


(173)

وقال - عليه السّلام - :«لا يمين في غضب، ولا قطيعة رحم، ولا في جبر، ولا إكراه».

193. قال الصادق - عليه السّلام - :«كلّ منحور مذبوح حرام، وكلّ مذبوح منحور حرام».

194. قال - عليه السّلام - :«كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير فهو حرام».

195. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«كلْ ما له قشر من السمك، وما ليس له قشر فلا تأكله».

196. سئل أبو جعفر - عليه السّلام - عن البيض في الآجام؟ فقال: «ما استوى طرفاه فلا تأكله، وما اختلف طرفاه فكل».

197. قال أبو الحسن - عليه السّلام - :«إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء».

198. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث، إلاّ الاِخوة من الاَُم فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً».

199. قال أبو جعفر - عليه السّلام - :«إنّ السهام لا تعول ولا تكون أكثر من ستة».

200. قال أبوالحسن - عليه السّلام - :«ألزموهم بما ألزموا أنفسهم».

201. قال الصادق - عليه السّلام - : «الولد للفراش، وللعاهر الحجر. ولا يورث ولد الزنا إلاّ رجل يدّعي ابن وليدته».

202. قال علي - عليه السّلام - :«جميع أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنّة جارية من أئمة الهدى».

203. قال الصادق - عليه السّلام - :وقد سئل عن الشهادة قال: «على مثلها


(174)

فاشهد، أو دع» وأشار إلى الشمس.

204. قال الصادق - عليه السّلام - :«تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل، ولا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين».

205. قال أبو الحسن - عليه السّلام - :«أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّ مرّتين، قتلوا في الثالثة».

206. قال علي - عليه السّلام - :«لا حدّ على مجنون حتى يفيق، ولا على صبي حتى يدرك، ولا على النائم حتى يستيقظ».

207.قال الصادق - عليه السّلام - :«كلّ من أضرّ بشيء من طريق المسلمين، فهو له ضامن».

208. قال الصادق - عليه السّلام - : «ما كان في الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية، مثل اليدين والعينين».

هذه الاَحاديث نقلناها من كتاب «الفصول المهمة في أُصول الاَئمّة» (1) من بين الاَحاديث الهائلة لتكون نموذجاً للحديث النبوي المروي عن طرق أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ، وليعلم مدى الجهود التي بذلوها حيال نشر السنّة في مدّة تربو على قرنين ونصف، وقد كان لاَصحاب الاَئمّة أساليب مختلفة في جمع الحديث أوعزنا إليها عند البحث عن الاَُصول الاَربعمائة، وسنشير هنا إلى الجوامع الحديثية التي أُلّفت من قبل أصحاب الاَئمّة - عليهم السلام - في عهدهم.

***


1 . تأليف شيخ المحدّثين الاِمام الكبير محمد بن الحسن الحر العاملي (1033ـ 1104 هـ) صاحب كتاب وسائل الشيعة، الطبعة الثالثة. وقد فاتنا تنظيم الاَحاديث على غرار الكتب الفقهية.


(175)

تدوين السنّة عند الشيعة

إنّ العترة الطاهرة هم أعدال الكتاب وقرناوَه، وقد عرّفهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بأنّهم أحد الثقلين اللّذين تركهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بين الاَُمّة، وقال في حديث متواتر: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا». (1)

فإذا كانت العترة من الاَهمية بمكان حتى أضحوا عدل القرآن ومحوراً للحق، والتخلّف عنهم سبباً للضلالة، فهم عيبة علم الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وحفظة سننه، كلّ ذلك بتعليم من اللّه سبحانه، كما نجد نظيره في غيرهم قال سبحانه:"فَوَجَدا عبداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلماً" (2) وليس كلّ مَن علّمه سبحانه من لدنه علماً، نبياً أو رسولاً.

وقد نوّه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بهذا الاَمر في غير موقف من مواقفه الكريمة، وأمر الاَُمّة بالاقتداء بالعترة والانصياع لها، حتى أنّه لمّا كان طريح الفراش واشتد به الوجع، قال: «ائتوني بدواة وقلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».

لكن وللاَسف حال بعض الحاضرين في المجلس دون تحقّق أُمنية الرسول وقال: إنّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّه حسبنا!! فاختلفوا وكثر اللغط حتى قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع».


1 . لاحظ صحيح مسلم: 7|122 و 123؛ الترمذي: الصحيح: 2|308؛ مسند أحمد: 3|17 و 26 و ج 4|371 و ج 5|181.
2 . الكهف:65.


(176)

فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه و بين كتابه. (1)

ولم يكن الهدف وراء طلب الدواة والقلم إلاّ التنويه على فضل العترة والاَمر بالانصياع لها كما يشهد به قوله في تلك الرزية: «لن تضلّوا بعده».

فقد جاء نفس النص في حديث الثقلين حيث قال: «ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

إنّ الحيلولة بين النبي والكتابة كان تقدّماً على الرسول، وقد أُمر الموَمنون بعدم التقدّم عليه، قال سبحانه:"يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله" . (2)

ولكنّ الواعين من الاَُمّة أدركوا ـ بعد أن قبض النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الرفيق الاَعلى ـ خطورة الموقف، فاتجهت أنظارهم صوب العترة، ولا سيما علي بن أبي طالب - عليه السّلام - خازن علم الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وحافظ السنّة وكاتبها، فالتفوا حوله ونهلوا من رحيق علمه، فأخذوا بتدوين الحديث وتعليمه دون أن يعيروا أهمية للاَبواق الناهية عن كتابة الحديث.

قال السيوطي في «تدريب الراوي»: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة العلم، فكرهها طائفة منهم ... ، وأباحها طائفة وفعلوها، منهم: علي وابنه الحسن - عليهما السلام - . (3)كما و كتب - عليه السّلام - «الجامعة» وهي من إملاء رسول اللّهص وخط علي - عليه السّلام - ، وكانت تبلغ سبعين ذراعاً، وقد تواتر نقلها في أحاديث أئمة أهل البيت - عليهم السلام - . (4)


1 . البخاري: الصحيح: 1| باب كتابة العلم، ص 30.
2 . الحجرات:1.
3 . السيوطي: تدريب الراوي: 2|61 ، ط دار الكتاب العربي، بتلخيص.
4 . أعيان الشيعة:1|290.


(177)

وقد قام بتدوين السنّة لفيف من الصحابة والتابعين، نشير إليهم حسب زمنهم:

الطبقة الاَُولى

1. أبو رافع، صحابي، له كتاب «السنن والاَحكام والقضايا».

2. سلمان الفارسي، قال الشيخ الطوسي: سلمان الفارسي (رحمه الله) روى حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبي.

وقد روى له البخاري ومسلم 60 حديثاً. توفي بالمدائن سنة 24 هـ. (1)

3. أبو ذر الغفاري، (المتوفّى32هـ) له خطبة يشرح فيها الاَُمور بعد رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - . (2)

وأمّا الذين تربّوا على يد الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، فنخبة من التابعين منهم:

1. الاَصبغ بن نباتة المجاشعي، والذي هو من خواص أمير الموَمنين (عليه السلام) ، روى عنه - عليه السّلام - عهده إلى مالك الاَشتر ووصيته إلى ابنه محمد.

2. ربيعة بن سميع، له كتاب في زكاة النعم عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - .(3)

3. سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب باسم أصل «سليم بن قيس».


1 . الطوسي: الفهرست:106برقم 340.
2 . الطوسي: الفهرست:70، برقم160.
3 . النجاشي: الرجال:1|67.


(178)

4. علي بن أبي رافع، قال النجاشي: ولابن أبي رافع كتاب آخر. (1)وهو علي ابن أبي رافع، تابعي من خيار الشيعة، كانت له صحبة من أمير الموَمنين (عليه السلام) ، وكان كاتباً له، وحفظ كثيراً، وجمع كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء و الصلاة وسائر الاَبواب. (2)

5. عبيد اللّه بن حر الجعفي الفارس، الفاتك، الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير الموَمنين - عليه السّلام - . (3)

6. زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير الموَمنين - عليه السّلام - على المنابر في الجمع والاَعياد وغيرها. (4)

الطبقة الثانية

ارتحل الوصي أمير الموَمنين - عليه السّلام - عن هذه الدنيا فتوجهت أنظار الشيعة نحو الحسن - عليه السّلام - خليفته الشرعي، ولكن الضغوط المتزايدة التي مارسها معاوية بحق الاِمامين الحسن والحسين - عليهما السلام - وشيعتهما حالت دون تدوين الاَحاديث المروية عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فلم يتسنّ لهما تربية جيل يأخذ على عاتقه تدوين الاَحاديث، إلى أن وصل الاَمر إلى ابن الحسين الاِمام السجاد - عليه السّلام - صاحب «الصحيفة الكاملة»فربّى جيلاً واعياً، منهم:

1. جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّه (المتوفّى128هـ).

2. زياد بن المنذر، كان مستقيماً ثمّ انحرف، له أصل و كتاب التفسير.


1 . هكذا من جميع النسخ، ولعلّ الصحيح ابن آخر.
2 . النجاشي: الرجال:1|65.
3 . النجاشي: الرجال:1|170، برقم 5.
4 . الطوسي: الفهرست:97، برقم 303.


(179)

3. لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الاَخيار بالكوفة، له كتب كثيرة ذكر أسماءها الشيخ في «رجاله». (1)

4. جارود بن المنذر الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام) ، له كتب. (2)

الطبقة الثالثة

ثمّ جاء دور الباقر و الصادق - عليهما السلام - بعد وفاة الاِمام زين العابدين (عليه السلام) في ظروف مهيَّأة بعدما أصاب كيان بني أُميّة الضعف والانهيار تحت وطأة النزاعات التي نشبت مع خصومها وخاصة بني العباس ، فوجد الاِمامان فرصة ذهبية لاِشاعة حديث الرسول، فشيّدوا أُسس جامعة إسلامية قلّ نظيرها، قصدها رواد العلم من كل صوب وحدب.

قال المفيد: لم يظهر من أحد من ولد الحسن والحسين ما ظهر في علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر - عليه السّلام - . (3)

وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وسارت بذكر علومه الاَخبار، وأُنشدت في مدائحه الاَشعار. (4)

وأمّا الاِمام الصادق - عليه السّلام - فحدّث عنه ولا حرج، فقد ذاع صيته في جميع الاَمصار الاِسلامية، وأصبح قدوة لرواد العلم، روى عنه جماعة من أعيان


1 . الطوسي: الرجال:279.
2 . الطوسي: الرجال: 112 في أصحاب الباقر - عليه السّلام - .
3 . المفيد: الاِرشاد: 261.
4 . ابن الصباغ المالكي: الفصول المهمة: 210.


(180)

الاَُمّة، منهم: يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة، وشعبة، وأبو أيوب السجستاني، وغيرهم. (1)

قام الاِمام بهداية الاَُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء، والاَفكار، واشتعلت فيه نار الحرب بين الاَُمويين ومعارضيهم من العباسيين، ففي تلك الظروف الصعبة والقاسية استغل الاِمام الفرصة لنشر أحاديث جدّه وعلوم آبائه ما سارت إليه الركبان، وتربّى على يديه آلاف من المحدّثين والفقهاء. ولقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلاف آرائهم ومقالاتهم، فكانوا أربعة آلاف رجل، وهذه فضيلة رابية لم تكتب لاَحد من الاَئمّة قبله ولا بعده. (2)

وليس بإمكاننا أن نذكر قائمة بأسماء المحدّثين الذين رووا عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - وتربّوا في مدرسته، وكفانا في ذلك ما كتبه علماء الرجال في ذلك المضمار .

يقول الحسن بن علي الوشاء: قال : أدركت في مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد - عليه السّلام - . (3)

وكان - عليه السّلام - يقول:«حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول اللّه، وحديث رسول اللّه قول اللّه عزّ وجلّ». (4)

وتعاقبت أئمّة أهل البيت بعد الصادق - عليه السّلام - ، فغدوا قمماً شامخة في


1 . المصدر السابق:222.
2 . الاِرشاد: 270، المناقب لابن شهر آشوب:4|247.
3 . النجاشي: الرجال:139، برقم 79.
4 . الوسائل: 18|58 ح 26، الباب 8 من أبواب صفات القاضي.


(181)

سماء الحديث، وعنهم أخذت شيعتهم أحاديث الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - فدوّنوها في جوامعهم الحديثية واحداً تلو الآخر.

وثمّة نقطة جديرة بالبحث، وهي انّ الجهود لم تقتصر على نشر السنّة وتبيين الاَحكام والاِجابة على المستجدات، بل تعدته إلى نهج إحياء الفكر، وبث الوعي في الاَُمّة الاِسلامية خصوصاً بين شيعتهم وحواريّيهم الّذين أناخوا ركائبهم عند عتبة أبواب الاَئمّة - عليهم السلام - ، فنُهلوا من العلم الناجع حتى بلغوا مكانة سامية في الذب عن حياض العقائد جعلتهم سدّاً منيعاً أمام شبهات المعاندين والمغرضين، وفي الاِحاطة بالفروع جعلتهم محنكين في رد الفروع إلى الاَُصول، واستنباط الاَحكام من الكتاب والسنّة.

وهكذا نشأ المنهجان في أحضان الاَئمّة - عليهم السلام - منذ عهد الصادقين إلى عهد الاِمام العسكري - عليه السّلام - ، فلم تمنعهم العناية بالحديث ونشر السنّة عن تربية جيل واعٍ في مجالي العقائد و الاَُصول، وها نحن نذكر أسماء ثلّة من متكلّمي تلك العصور وفقهائهم.

فمن المتكلّمين:

1. زرارة بن أعين (80 ـ150هـ): كان فقيهـاً، متكلمـاً، شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خصال الفضل والدين.

2. أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان، موَمن الطاق: توفّي نحو 160هـ ، من متكلّمي عصر الاِمام الصادق - عليه السّلام - ، قال ابن النديم: كان متكلّماً حاذقاً، ثمّ ذكر كتبه. (1)

3. هشام بن الحكم: هو من متكلّمي الشيعة الاِمامية وبطانتهم، وأكبر


1 . ابن النديم: الفهرست:264.


(182)

شخصية في الكلام، توفّي عام 199هـ.

4. عيسى بن روضة، حاجب المنصور: كان متكلّماً، وله كتاب في الاِمامة، من متكلّمي القرن الثاني.

5. الضحاك أبو مالك الحضرمي: كوفي عربي أدرك أبا عبد اللّه - عليه السّلام - وروى عن أبي الحسن - عليه السّلام - وكان متكلماً، ثقة ثقة في الحديث، وله كتاب في التوحيد. (1)

6. علي بن محمد بن حسن الطائي: عدّه ابن النديم من متكلّمي الشيعة، وله من الكتب كتاب «الاِمامة» كما ذكره ابن النديم.

7. الحسن بن علي بن يقطين بن موسى: كان فقيهاً، متكلّماً، روى عن أبي الحسن والرضا - عليهما السلام - ، ذكره الشيخ في «رجاله» في أصحاب الرضا (عليه السلام).(2)

8. حديد بن حكيم، أبو علي الاَزدي المدائني: متكلّم، جليل، يروي عن الصادق والكاظم - عليهما السلام - . (3)

9. فضال بن الحسن بن فضال: من متكلّمي عصر الصادق - عليه السّلام - ، وله مناظرات مع أبي حنيفة.

إلى غير ذلك من متكلّمي الشيعة الكبار، كحمران بن أعين الشيباني، وهشام بن سالم الجواليقي، والسيد الحميري، والكميت الاَسدي. (4)

هذه نظرة عابرة حول مفكّري الشيعة ومتكلّميهم في العقائد في عهد الاَئمّة.


1 . النجاشي: الرجال: برقم 544.
2 . الطوسي: الرجال: برقم 7.
3 . النجاشي: الرجال: برقم 383.
4 . لاحظ أعيان الشيعة:1|134 ـ 135.


(183)

وأمّا الفقهاء الكبار الّذين رزقوا ملكة الاستنباط في عهد أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - حتى صاروا أئمّة في الفقه، متضلّعين في استنباط الفروع، فنذكر منهم على سبيل المثال ما يلي:

الطبقة الاَُولى من الفقهاء

1. سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المدني الفقيه: أحد الفقهاء الثمانية، ولد في أيام خلافة عمر بن الخطاب، وتوفّي عام 94هـ.

2. قاسم بن محمد بن أبي بكر: أحد الفقهاء في المدينة، توفّي عام 106هـ.

3. أبو خالد الكابلي: روى الكليني عن إسحاق بن جرير، قال: قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «كان سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو خالد الكابلي، من ثقات علي بن الحسين». (1)

الطبقة الثانية

ثمّ أعقبتهم طبقة أُخرى كانوا من فقهاء عصر الصادقين - عليهما السلام - ومن بعدهم من الاَئمّة، وقد تربّى جلّهم في أحضان الاَئمّة حتى بلغوا القمة في رد الفروع إلى الاَُصول. نذكر أسماءهم على وجه الاِيجاز، فإنّ التفصيل يحوجنا إلى تأليف مفرد، والاَصل في هذا ما ذكره الرجالي الكبير الكشي المتوفّى نحو (320هـ) في كتابه القيّم المعروف الذي لخّصه الشيخ الطوسي.

عقد الكشي باباً أسماه«تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللّه - عليهما السلام - » قال:أجمعت العصابة على تصديق هوَلاء الاَوّلين من أصحاب أبي جعفر - عليه السّلام - وأصحاب أبي عبد اللّه - عليه السّلام - وانقادوا لهم بالفقه فقالوا:


1 . الكليني، الكافي: 1|472، باب مولد أبي عبد اللّه الصادق - عليه السّلام - .


(184)

أفقه الاَوّلين ستة:

1.زرارة، 2. معروف بن خرّبوذ، 3. بريد بن معاوية، 4. أبو بصير الاَسدي، 5. الفضيل بن يسار، 6. محمد بن مسلم الطائفي.

قالوا: أفقه الستة زرارة.

هوَلاء الستة تخرجوا على يدي الصادقين - عليهما السلام - .

وهناك طبقة أُخرى تلتهم، وهم خرّيجو مدرسة الاِمام الصادق - عليه السّلام - ولم يدركوا عهد الباقر - عليه السّلام - ، ذكرهم الكشي في باب أسماه «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السّلام - »:

أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هوَلاء، وتصديقهم بما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه، من دون أُولئك الستة الذين عددناهم وسمّيناهم، وهم ستة:

1. جميل بن دُرّاج، 2. عبد اللّه بن مسكان، 3. عبد اللّه بن بكير، 4. حماد ابن عثمان، 5. حماد بن عيسى، 6. أبان بن عثمان.

وقال أبو إسحاق الفقيه، وهو ثعلبة بن ميمون: إنّ أفقه هوَلاء جميل بن درّاج، وهم أحداث أصحاب أبي عبد اللّه - عليه السّلام - .

الطبقة الثالثة

وهناك طبقة ثالثة تربّوا على يدي الاِمام موسى بن جعفر وعلي بن موسى الرضا - عليهما السلام - ذكرهم الكشي في باب أسماه «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن - عليهما السلام - » قال:

أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هوَلاء وتصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستة:


(185)

1. يونس بن عبد الرحمن، 2. صفوان بن يحيى بياع السابري، 3. محمد بن أبي عمير، 4. عبد اللّه بن مغيرة، 5. الحسن بن محبوب، 6. أحمد بن محمد بن أبي نصر.

وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال، وفضالة ابن أيوب.

وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوب، عثمان بن عيسى، وعلى كلّ تقدير، فأفقه هوَلاء يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري.

هوَلاء هم أقطاب الاجتهاد في عهد الاَئمّة الاَربعة: الباقر والصادق والكاظم والرضا - عليهم السلام - واستمرّ الركب سارياً على هذا المنوال في عصر الاَئمّة الآخرين.

ومن النجوم اللامعة في هذه الطبقة هو الفضل بن شاذان بن الخليل، أبو محمد الاَزدي النيسابوري (المتوفّى260هـ) كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني، وقيل الرضا أيضاً، وكان ثقة، أخذ عنه أصحابنا الفقهاء والمتكلمون، وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن يوصف، ونقل الكشي أنّه صنّف 160 كتاباً. (1)

وقد ألّف في الفقه غير واحد من الكتب، منها: كتاب «الطلاق»، ومنها كتاب «الفرائض الكبير» وكتاب «الفرائض الاَوسط» وكتاب «الفرائض الصغير» إلى غير ذلك من الكتب.

وكتبه هذه وإن لم تصل إلينا، ولكن نقل الشيخ الكليني شطراً وافراً من كتاب الطلاق والفرائض، والمتتبع في ما نقله يقف على أنّ الفقه الشيعي قد


1 . رجال الكشي:456، ورجال النجاشي رقم 838.


(186)

استقل بالتأليف في عصره، وانّهم لم يكونوا ملتزمين بالاِفتاء بنفس النص، أو التأليف بتجريد الاَسانيد عن المتون، وتخصيص المتن بالذكر، بل قام الفضل بالتأليف على غير هذا النمط، فلاحظ المصادر أدناه (1)لتقف بجلاء على ما قلناه.

فقد نقل في كتاب المواريث ـ باب ميراث ولد الولد ـ شيئاً كثيراً من كتاب الفرائض للفضل. (2)

و باب ميراث ولد الولد مع الاَبوين، فنقل فيه شيئاً كثيراً عن الفضل. (3)

وأيضاً باب ميراث الاَبوين مع الزوج، فنقل شيئاً من عبارات الفضل. (4)

وقد وصل إلينا من كتب الفضل كتاب «الاِيضاح» وهو مطبوع منتشر، وقد وردت فيه مسائل فقهية، استدلّ عليها وبحث عنها على نمط المتأخرين.

ولا نستبعد أن يكون كتب بعض الفقهاء المتقدّمين على الفضل، على هذا النمط أيضاً، فإنّ يونس بن عبد الرحمن أحد الفقهاء الكبار من أصحاب الرضا وألّف في الفقه شيئاً كثيراً، كما سيوافيك.

ولو أردنا استعراض أسمائهم إلى عصر الاِمام الحجّة لطال بنا الكلام.

والغرض من استعراض أسماء هوَلاء الايعاز إلى أنّ الجهود لم تكن منصبَّة على نشر السنّة النبوية وتربية المحدّثين فحسب، بل كان يواكبه خط آخر وهو تربية أهل الفكر في كلا المجالين، وهذا من خصائص الشيعة الاِمامية، خصوصاً عهد الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - الذي أخرج في خطبه كثيراً من المعارف والمسائل التي صار لها دور موَثر في العصور المتأخّرة، ومن قارن كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ) وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة


1 . الكافي: 6|92ـ96، كتاب الطلاق، باب الفرق بين من طلّق على غير السنّة.
2 . لاحظ الكافي:7|88ـ90، كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد.
3 . لاحظ الكافي:7|90ـ96، كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد.
4 . لاحظ الكافي: 7|98، كتاب المواريث، باب ميراث الاَبوين مع الزوج.


(187)

الذي تنشره السلفية، لرأى بوناً شاسعاً بين الكتابين، فالثاني يركز على النقل، وفيه من الاِسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات مالا يحصى بخلاف الاَوّل، فإنّه يركز على القرآن والسنّة القطعية والفكر والتفكير ويدعم العقيدة بالبرهان.

الاجتهاد الصحيح عند الشيعة هو استنطاق الكتاب والسنّة، وليس الاجتهاد شريعة لكل وارد، وإنّما يطّلع عليه من نهل من معين علم الاَئمّة (عليهم السلام) ، وها نحن نذكر نماذج لكيفية تعليمهم ردّ الفروع إلى الاَُصول، وقد كان هتافهم على روَوس أصحابهم: إنّما علينا إلقاء الاَُصول وعليكم التفريع. (1)

كان الاَئمّة ينهضون همم أصحابهم في إعمال التدبّر والفكر في فهم السنّة، وهذا هو الاِمام الصادق - عليه السّلام - يقول: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب». (2)

ولاَجل إيقاظ روح التفكير في صفوف أصحابهم كانوا يرشدونهم بالقول: «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، ومتشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا». (3)

وقد أنهضت هذه الكلمات روح الاجتهاد، وأوجدت نشاط الاستنباط، فبلغت رتبة بعض أصحابهم درجة عالية صالحة للاِفتاء، فهذا أبو جعفر الباقر (عليه السلام) يقول لاَبان بن تغلب:«اجلس في المسجد وافتِ الناس، فإنّي أُحب أن يرى في شيعتي مثلك». (4)


1 . الوسائل: ج18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52.
2 . الوسائل: ج18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.
3 . الوسائل: ج18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22.
4 . النجاشي: 1|73، في ترجمة أبان بن تغلب.


(188)

تدريب السائل للاجتهاد

1. اختلفت كلمة الفقهاء في مقدار المسح الواجب على الرأس عند الوضوء، وقد سأل زرارة الاِمام الصادق - عليه السّلام - عن مقدار المسح، فقال له: ألا تخبرني من أين علمت، وقلت إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك، وقال: «يا زرارة، قاله رسول اللّه - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ونزل به الكتاب عن اللّه عزّ وجلّ قال:"فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ" فعرفنا انّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال:"وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ" فوصل اليدين إلى المرافق بالوجه، فعرفنا انّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال:"وَامْسَحُوا بِرُوَوسِكُمْ" فعرفنا حين قال: بروَوسكم أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال:"وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن" فعرفنا حين وصلهما بالرأس انّ المسح على بعضها، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه فضيّعوه». (1)

2. سأل عبد الاَعلى، مولى آل سام، الاِمام الصادق عن كيفية المسح على الظفر الذي أصابه الجرح وجعل عليه جبيرة؟ قال:«هذا وأشباهه يعرف من كتاب اللّه، قال اللّه تعالى:"ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (2) امسح على المرارة». (3)

فقد أوضح للسائل كيفية الاستنباط وردّ الفرع إلى الاَصل.

3. روى زرارة وبكير، انّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه، فدعا بطست، إلى أن قال: إنّ اللّه عزّوجلّ يقول:"يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى


1 . الوسائل:1، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1. والآية 6 من سورة المائدة.
2 . الحج:78.
3 . الوسائل:1|290 ح1، الباب 23 من أبواب الوضوء .


(189)

الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ" فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلاّغسله، وأمر أن يغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع شيئاً من يديه إلى المرفقين إلاّ غسله، لاَنّ اللّه تعالى يقول:"فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق" ». (1)

4. عن حكم بن الحكم، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول، وسئل عن الصلاة في البيع والكنائس، فقال:«صل فيها قد رأيتها ما أنظفها» قلت: أيصلّى فيها وإن كانوا يصلّون فيها؟ فقال:«نعم أما تقرأ القرآن"قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً" (2)صل إلى القبلة وغرّ بهم». (3)

5. روى سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال:«إنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الاَغنياء فريضة لا يحمدون إلاّ بأدائها، وهي الزكاة بها حقنوا دماءهم وبها سمّوا مسلمين، ولكن اللّه فرض في أموال الاَغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال عزّ وجلّ:"وَ الّذينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ" (4)فالحقّ المعلوم غير الزكاة، وهو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله». (5)

6. روى سماعة عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: قلت له: جعلت فداك، يدخل عليّ شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأزوره وأفطر ذاهباً وجائياً، أو أُقيم حتى أفطر وأزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟


1 . الوسائل: 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3، والآية 6 من سورة المائدة.
2 . الاِسراء:84.
3 . الوسائل: 3، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 3.
4 . المعارج:25.
5 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.


(190)

فقال: «أقم حتى تفطر» فقلت له: جعلت فداك فهو أفضل، قال: «نعم، أما تقرأ في كتاب اللّه "فَمَنْ شَهِدَمِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" » (1).(2) وكيفية الاستدلال واضحة حيث إنّ الكتاب لم يوجب شهود أشهر، وإنّما علّق الصيام على من شهد اختياراً، وأمّا من لم يشهد ولو بالسفر ، فلم يكتب عليه الصيام وإن كتب عليه القضاء.

7. روى أبو حمزة، عن أبي جعفر في حديث قال: إنّ اللّه جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفيء، فقال تبارك وتعالى:"وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبيلِ" (3)،

فنحن أصحاب الخمس والفيء، وقد حرمنا على جميع الناس ما خلا شيعتنا». (4)

وقد استفاد الاِمام من اللام الواردة في قوله:"وَلِذِي القُربى" انّ اختيار الخمس بيدهم، فلهم أن يبيحوه أو يحرّموه لمن شاءوا.

8. روى الكليني في «الكافي» مرفوعاً، انّه خطب أمير الموَمنين - عليه السّلام - وقال: «يا أيّها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإنّ الناس كلّهم أحرار، ولكن اللّه خوّل بعضكم بعضاً، فمن كان له بلاء فصبر في الخير، فلا يمن به على اللّه عزّوجلّ، ألا وقد حضر شيء و نحن مسوُّون فيه بين الاَسود والاَحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كلّ واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلاً من الاَنصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الاَنصاري: يا أمير الموَمنين هذا غلام اعتقته بالاَمس تجعلني وإياه سواءً،


1 . البقرة:185.
2 . الوسائل: 7|130، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.
3 . الاَنفال:41.
4 . الوسائل: 6|385، الباب 4 من أبواب الاَنفال، الحديث 19.


(191)

فقال - عليه السّلام - : «إنّي نظرت في كتاب اللّه، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً». (1)

هذه نماذج من الاَساليب التعليمية التي علم بها الاَئمّة - عليهم السلام - أصحابهم نهج الاستنباط والاجتهاد، ولو أردنا استقصاء ما ورد في ذلك المضمار لطال فيها الكلام، ويكفيك النظر في الروايات الواردة في أبواب الحيض حيث إنّ الاِمام يستدل في كثير من الروايات على أحكام الحيض عن طريق السنّة. (2)

فخرجنا من هذا الدور بميزتين:

الاَُولى: انّ أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - صرفوا همهم إلى نشر السنّة النبوية في مجال تفسير الكتاب وبيان الاَحكام والحقوق والعقائد بعد التحاق الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - بالرفيق الاَعلى، وقد ألّفت لتلك الغاية آلاف من الكتب والرسائل بألوان مختلفة.

الثانية: قد واكب الخط الحديثي خط إنهاض الفكر واعماله في الكتاب والسنّة بُغية استنباط الاَحكام من مظانّها، ولم يكن بين أصحاب المنهجين أي تعارض، كل يمارس ما يوافق ذوقه ويتجاوب مع سليقته ونزعته النفسية، وليس الناس على وتيرة واحدة في الحفظ والتعقّل.

فأصحاب المنهج الاَوّل يهتمون بنقل النصوص و ضبطها في كتبهم ورسائلهم، بيد انّ أصحاب المنهج الثاني يهتمون بالتفكّر والتعقّل فيما روي عنهم - عليهم السلام - .

ولم يول الاَئمّة - عليهم السلام - اهتماماً لمنهج دون آخر، بل قد شجعوا على كلا المنهجين على حدّ سواء.


1 . الكليني: الكافي:8|69.
2 . لاحظ الوسائل:2، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 3و4، والباب 5، الحديث 1 من تلك الاَبواب أيضاً.


(192)

الاَساليب المختلفة لتدوين الفقه

وبالسبر في الكتب الموَلّفة في تلك الفترة من لدن رحيل الرسول إلى عصر الغيبة يقف الباحث على أنّه كانت لهم في تدوين الفقه أساليب مختلفة، منها:

أ. تدوين الفقه عن طريق جمع الاَحاديث بلا ترتيب وتنظيم، كالاَُصول الاَربعمائة، فإنّ صاحب كلّ أصل يذكر جميع الروايات التي سمعها من الاِمام، أو ممّن سمعه منه، دون التزام بذكر كلّ رواية في باب خاص، كما هو المشاهد من النماذج الباقية من الاَُصول الاَربعمائة المطبوعة، وهذا كان تدويناً للحديث من جانب، وتدويناً للفقه من جانب آخر، لما عرفت انّ بين تاريخي العلمين صلة وثيقة.

ب. تدوين الفقه عن طريق ترتيب الاَحاديث وتنظيمها في أبوابها الخاصة بنقل كلّ ما يمتُّ إلى الطهارة بصلة في بابها وإلى الصلاة في بابها، وهذه هي الصورة الغالبة على تأليفات تلك الفترة.

ج. الفقه الروائي الممزوج بتعابير الموَلّف، وهذا هو الفقه المنصوص.

إنّ هناك نمطاً آخر لعرض الفقه هو الاستمداد من ألفاظ الروايات، لكن بإنشاء من الموَلّف فلا يعد الكتاب فقهاً منصوصاً، (1)كالمقنع للشيخ الصدوق، ولا فقهاً تفريعياً على الاَُصول والقواعد، بل كتاباً يستمد من النصوص و


1 . سيوافيك انّ أوّل من جرّد المتون عن الاَسانيد وصنّف على هذا النمط كتاباً فقهياً هو علي بن بابويه القمي المتوفّى (329هـ).


(193)

يستعرض المسائل بتعبير الموَلّف، وأظن انّ هذا النمط من الكتابة وجدت في الكتب المعروضة على أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ، كالكتب التالية:

1. كتاب عبيد اللّه الحلبي

عرض عبيد اللّه بن أبي شعبة الحلبي كتابه على أبي عبد اللّه - عليه السّلام - وصحّحه، وقال عند قراءته: «أترى لهوَلاء مثل هذا؟». (1)

2. كتاب يونس بن عبد الرحمن

قال أحمد بن أبي خلف: كنت مريضاً فدخل عليَّ أبو جعفر يعودني عند مرضي، فإذا عند رأسي كتاب «يوم و ليلة» فجعل يصفح ورقه حتى أتى عليه من أوّله إلى آخره، وجعل يقول: «رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس، رحم اللّه يونس». (2)

وروي أيضاً عن أبي هاشم الجعفري قال: أدخلت كتاب «يوم وليلة» الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي محمد الحسن العسكري فنظر فيه وتصفّحه، ثمّ قال: «هذا ديني ودين آبائي وهو الحقّ كلّه». (3)

روى محمد بن إبراهيم الورّاق السمرقندي في حديثه مع بورق قال: فقال بورق: فخرجت إلى سرّ من رأى ومعي كتاب «يوم وليلة» فدخلت على أبي محمد وأرايته ذلك الكتاب، فقلت له: جعلت فداك انّي رأيت أن تنظر فيه، فلما


1 . النجاشي: الرجال: برقم 610.
2 . الكشي :الرجال: برقم 351.
3 . الكشي: الرجال: برقم 351.


(194)

نظر فيه وتصفّحه ورقة ورقة، قال: «هذا صحيح ينبغي أن يعمل به». (1)

والذي يوَيد كون هذه الكتب إما من هذا اللون من التأليف، أو من النمط الرابع، ما ذكره الكشي حيث قال: كان ليونس بن عبد الرحمن أربعون أخاً يدور عليهم في كلّ يوم مسلّماً يرجع إلى منزله فيأكل ويتهيأ للصلاة ثمّ يجلس للتصنيف وتأليف الكتب. (2)

3. كتاب الفضل بن شاذان

روى الكشي أنّ أبا محمد الفضل بن شاذان (رحمه الله) كان وجّه حامد بن محمد الاَزدي إلى حيث به أبو محمد الحسن بن علي، فذكر انّه دخل على أبي محمّد، فلمّـا أراد أن يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في ردائه، فتناوله أبو محمد ونظر فيه، وكان الكتاب من تصنيف الفضل بن شاذان وترحّم عليه وذكر انّه قال: «اغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم».(3)

د. إفراغ المسائل الفقهية في قوالب خاصة وتخريج الفروع غير المنصوصة، ويدل على وجود هذا النمط من التأليف في عصر الاَئمّة ما رواه «الكافي» عن زرارة، والفضل بن شاذان، وما رواه الشيخ، عن عبد اللّه بن بكير، و نحن نستعرض النصوص الباقية من هوَلاء الاَقطاب في هذا الصدد.


1 . الكشي: الرجال: 451، برقم 416.
2 . الكشي: الرجال: برقم 351.
3 . الكشي: الرجال:451، برقم 416.


(195)

نماذج من فتاوى أصحاب الاَئمّة

قد أوقفك البحث على أنّ أئمّة أهل البيت ساهموا في تربية محدّثين كبار وفقهاء عظام، يرجع الناس إليهم في الاَخذ بالاَحكام الشرعية، وسنقوم بذكر مقتطفات من فتاواهم، ونحيل القارىَ الكريم في الهامش إلى مواضع أُخرى من فتاواهم ممّا لم نذكرها:

أ. فتاوى زرارة (المتوفّـى عام150هـ)

يعد زرارة بن أعين أحد الفقهاء العظام، ممّن يوَخذ عنه الحلال والحرام والفتيا والاَحكام، وكفى في حقّه قول الاِمام الصادق - عليه السّلام - :«إنّ زرارة من أُمناء اللّه على حلاله وحرامه، ومن الذين ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين، ومن القوّامين بالقسط، والسابقين إلينا في الدنيا، والسابقين إلينا في الآخرة، وهو أحب الناس إليّ أحياءً وأمواتاً، ولولاه لظننت انّ أحاديث أبي ستذهب». (1)

قال ابن النديم: وزرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيع. (2)

وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقاً فيما يرويه.(3)

وقد كان مرجعاً في عصره لتمييز الصحيح من الروايات عن سقيمها.


1 . الكشي: الرجال: برقم 431.
2 . ابن النديم: الفهرست: 323.
3 . النجاشي: الرجال: برقم 463.


(196)

روى الكليني عن عمر بن أُذينة، أنّه قال: قلت لزرارة: إنّ أُناساً حدّثوني عنه ـ يعني الصادق - عليه السّلام - ـ وعن أبيه - عليه السّلام - بأشياء في الفرائض، فأعرضها عليك، فما كان منها باطلاً فقل هذا باطل، وما كان منها حقاً فقل هذا حقّ، ولا تروِهِ واسكت، فحدّثته بما حدّثني به محمد بن مسلم، عن أبي جعفر في الابنة والاَب، والابنة والاَُم، والابنة والاَبوين، فقال: «هو واللّه الحق». (1)

وإليك نماذج من فتاواه:

1. عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن جميل بن دراج، عن زرارة، قال: إذا ترك الرجل أُمّه أو أباه أو ابنه أو ابنته، فإذا ترك واحداً من الاَربعة فليس بالذي عنى اللّه عزّ وجلّ في كتابه:"قُلِ اللّهُ يُفْتيكُمْ في الكَلالَة" (2)ولا يرث مع الاَُم ولا مع الاَب ولا مع الابن ولا مع الابنة أحد خلقه اللّه عزّوجلّ، غير زوج أو زوجة. (3)

2. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة قال: قال زرارة: إذا أردت أن تلقى العول، فإنّما يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولد والاِخوة من الاَب، وأمّا الزوج والاِخوة من الاَُم، فإنّهم لا ينقصون ممّا سمّى لهم اللّه شيئاً. (4)

3. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن موسى بن بكر قال: قلت لزرارة: إنّ بكيراً حدّثني عن أبي جعفر - عليه السّلام - ، انّ الاِخوة للاَب والاَخوات للاَب والاَُمّ يُزادون وينقصون لاَنهنَّ


1 . الكافي: 7|95، 98.
2 . النساء: 176.
3 . وسائل الشيعة:17|428، الحديث 8، كتاب الفرائض، باب 7 من أبواب موجبات الاِرث؛ مسند زرارة بن أعين، الحديث 1682.
4 . وسائل الشيعة:17|425، الحديث 1، كتاب الفرائض والمواريث، باب 7 من أبواب موجبات الارث.


(197)

لا يكنَّ أكثر نصيباً من الاِخوة والاَخوات للاَب والأُمّ لو كانوا مكانهن لاَنّ اللّه عزّوجلّ يقول: (إِنِ امْرُوٌَا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُن لَـها وَلَدٌ" (1)يقول: يرث جميع مالها إن لم يكن لها ولد، فاعطَوا من سمّى اللّه له النصف كملاً، وعمدوا فاعطوا الذي سمّى اللّه له المال كلّه أقل من النصف، والمرأة لا تكون أبداً أكثر نصيباً من رجل لو كان مكانها، قال: فقال زرارة: وهذا قائم عند أصحابنا لا يختلفون فيه. (2)

ب. فتاوى محمد بن مسلم الثقفي (المتوفّى عام150هـ)

يذكر النجاشي لمحمد بن مسلم كتاباً باسم «الاَربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام» وحيث إنّ محمد بن مسلم قد حفظ عن الصادقين آلافاً من الاَحاديث، كما ذكرت في ترجمته، يبدو انّ هذا الكتاب كان جامعاً لاَحاديث جامعة متضمّنة لقواعد كلية، وإلاّ فلما خصص هذا العدد القليل بالنسبة إلى ما حفظه بالتأليف، وقد كان مرجعاً للاَحكام، وكان القضاة يرجعون إليه فيما لا يعلمون، ونذكر هنا القضيتين التاليتين:

1. روى الشيخ في «التهذيب» أنّه قَدَّم إلى ابن أبي ليلى رجلٌ خصماً له فقال:

إنّ هذا باعني هذه الجارية، فلم أجد على ركبها (3)حين كشفتها شعراً، وزعمت انّه لم يكن لها قط، فقال ابن أبي ليلى: إنّ الناس ليحتالون لهذا بالحيل حتى يذهب به، فما الذي كرهت؟! قال: أيّها القاضي إن كان عيباً فاقض لي به، قال: حتى أخرج إليك، فإنّي أجد أذى في بطني، ثمّ إنّه دخل فخرج من باب


1 . النساء: 176.
2 . الكافي: 7|104، ولاحظ أيضاً ص91، 92، 93 ، 94، 96، 97، 100.
3 . الركب : موضع العانة.


(198)

آخر، فأتى محمد بن مسلم الثقفي فقال: أيّ شيء تروون عن أبي جعفر - عليه السّلام - في المرأة لا يكون على ركبها شعر أيكون ذلك عيباً؟ فقال له محمد بن مسلم: أمّا هذا نصاً فلا أعرفه، ولكن حدّثني أبو جعفر، عن أبيه، عن آبائه - عليهم السلام - ، عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنّه قال: كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن أبي ليلى: حسبك، ثمّ رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب. (1)

2. روى الكشي عن محمد بن مسلم، قال: ما شجر في رأيي شيء قط إلاّ سألت عنه أبا جعفر، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد اللّه عن ستة عشر ألف حديث. (2)

روى محمد بن مسلم قال:إنّـي لنائم ذات ليلة على السطح، إذ طرق الباب طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: شريك رحمك اللّه، فأشرفت فإذا امرأة، فقالت: لي بنت عروس ضربها الطلق، فما زالت تطلق حتى ماتت والولد يتحرك في بطنها ويذهب ويجيء فما أصنع؟ فقلت: يا أمة اللّه سئل محمد بن علي بن الحسين الباقر - عليه السّلام - عن مثل ذلك، فقال: يشق بطن الميت ويستخرج الولد، يا أمة اللّه افعلي مثل ذلك، انا يا أمة اللّه رجل في ستر، من وجّهك، إليّ؟ قال: قالت لي: رحمك اللّه جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي، فقال: ما عندي في هذا شيء، ولكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي، فإنّه يخبر، فما أفتاك به من شيء فعودي إليّ فاعلمينيه، فقلت لها: امضي بسلام.

فلمّا كان الغد خرجت إلى المسجد، وأبو حنيفة يسأل عنها أصحابه فتنحنحت، فقال: اللّهمّ اغفر دعنا نعيش. (3)


1 . التهذيب:7|65، ح282، الكافي: 5|215ح12.
2 . الكشي: الرجال: 147 برقم 67، ولاحظ أيضاً الكافي: 7|93.
3 . الكشي: الرجال: 147 برقم 67، ولاحظ أيضاً الكافي: 7|93.


(199)

ج. فتاوى عبد اللّه بن بكير بن أعين الشيباني

قال عنه المفيد في رسالته العددية: من الفقهاء الاَعلام والروَساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاَحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذم واحد منهم.

روى محمد بن أبي عبد اللّه، عن معاوية بن حكيم، عن عبد اللّه بن المغيرة، قال: سألت عبد اللّه بن بكير عن رجل طلّق امرأته واحدة ثمّ تركها حتى بانت منه ثمّ تزوجها؟ قال: هي معه كما كانت في التزويج.

قال: قلت: فإنّ رواية رفاعة إذا كان بينهما زوج؟ فقال لي عبد اللّه: هذا زوج وهذا ممّا رزق اللّه من الرأي. (1) وللفقهاء حول رأيه هذا كلام في كتاب الطلاق فراجعه.

د. فتاوى يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208هـ)

كان يونس بن عبد الرحمن وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، روى الفضل بن شاذان قال: حدثني عبد العزيز بن المهتدي ـ وكان خير قمي رأيته، وكان وكيل الرضا - عليه السّلام - وخاصته ـ فقال: إنّي سألته وقلت: لا أقدر على لقائك في كلّ وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال:«خذ عن يونس بن عبد الرحمن».

يقول النجاشي بعد نقل هذه الرواية:«وهذه منزلة عظيمة» ويظهر في غير واحد من مواضع في «الكافي» انّه كان يفتي الناس، وإليك نموذجين منها:

1. علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: العلّة في وضع السهام على ستة لا أقل ولا أكثر لعلة وجوه أهل الميراث، لاَنّ الوجوه التي منها


1 . الكافي: 2|103، تهذيب الاَحكام:8|30 ح8، الاستبصار: 3|271 ح 6.


(200)

سهام المواريث ستة جهات، لكلّ جهة سهم، فأوّل جهاتها: سهم الولد، والثاني: سهم الاَب، والثالث: سهم الاَُم، والرابع: سهم الكلالة ـ كلالة الاَب ـ و الخامس: سهم كلالة الاَُم، والسادس: سهم الزوج والزوجة؛ فخمسة أسهم من هذه السهام الستة، سهام القرابات، والسهم السادس هو سهم الزوج والزوجة من جهة البيّنة والشهود، فهذه علّة مجاري السهام وإجرائها من ستة أسهم لا يجوز أن يُزاد عليها ولا يجوز أن ينقص منها إلاّعلى جهة الرد، لاَنّه لا حاجة إلى زيادة في السهام، لاَنّ السهام قد استغرقها سهام القرابة ولا قرابة غير من جعل اللّه عزّوجلّ لهم سهماً، فصارت سهام المواريث مجموعة في ستة أسهم، مخرج كلّ ميراث منها، فإذا اجتمعت السهام الستة للّذين سمّى اللّه لهم سهماً، فكان لكلّ مسمّى له سهم على جهة ما سُمّي له، فكان في استغراقه سهمه، استغراق لجميع السهام لاجتماع جميع الورثة الذين يستحقون جميع السهام الستة، وحضورهم في الوقت الذي فرض اللّه لهم في مثل ابنتين وأبوين فكان للابنتين أربعة أسهم وكان للاَبوين سهمان، فاستغرقوا السهام كلّها ولم يحتج أن يزاد في السهام ولا ينقص في هذا الموضع، إذ لا وارث في هذا الوقت غير هوَلاء مع هوَلاء، وكذلك كلّ ورثة يجتمعون في الميراث فيستغرقونه، يتم سهامهم باستغراقهم تمامَ السهام، وإذا تمت سهامهم ومواريثهم لم يجز أن يكون هناك وارث يرث بعدَ استغراق سهام الورثة كملاً التي عليها المواريث، فإذا لم يحضر بعض الورثة كان من حضر من الورثة يأخذ سهمه المفروض ثمّ يردّ ما بقي من بقية السهام على سهام الورثة الذين حضروا بقدرهم، لاَنّه لا وارث معهم في هذا الوقت غيرهم.

2. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس قال: إنّما جعلت المواريث من ستة أسهم على خلقة الاِنسان، لاَنّ اللّه عزّ وجلّ بحكمته خلق الاِنسان من ستة أجزاء، فوضع المواريث على ستة أسهم، وهو قوله


(201)

عزّوجلّ:"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ" ففي النطفة دية، "ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً" ففي العلقة دية،"فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً" و فيها دية، "فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظاماً" وفيها دية، "فَكَسَونَا الْعِظامَ لَحْماً) وفيه دية أُخرى، "ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ " (1) وفيه دية أُخرى، فهذا ذكر آخر المخلوق. (2)

هـ. فتاوى الفضل بن شاذان (المتوفّى 260هـ)

إنّ الفضل بن شاذان أحد أصحابنا الفقهاء والمتكلّمين، يصفه النجاشي بقوله: وله جلالة في هذه الطائفة، وهو في قدره أشهر من أن نصفه، وكان أبوه من أصحاب يونس، فلو تبع الفضل بن شاذان الخط الموروث في يونس لما كان به عجب، وقد جاء قسم من فتاواه في كتابه المطبوع باسم «الاِيضاح» وها نحن نستعرض بعض فتاواه التي نقلها الكليني في «الكافي»:

قال الفضل بن شاذان:لو انّ رجلاً ضرب ابنه غير مسرف في ذلك يريد تأديبه، فقُتل الابن من ذلك الضرب ورثه الاَب ولم تلزمه الكفّارة، لاَنّ ذلك للاَب، لاَنّه مأمور بتأديب ولده، لاَنّه في ذلك بمنزلة الاِمام يقيم حدّاً على رجل فمات، فلا دية عليه ولا يسمّى الاِمام قاتلاً؛ وإن ضربه ضرباً مسرفاً لم يرثه الاَب، فإن كان بالابن جرح أو خراج، فبطّه الاَب، فمات من ذلك، فإنّ هذا ليس بقاتل ولا كفّارة عليه، وهو يرثه، لاَنّ هذا بمنزلة الاَدب والاستصلاح والحاجة من الولد إلى ذلك وإلى شبهه من المعالجات.

ولو أنّ رجلاً كان راكباً على دابة، فأوطأت الدابة أباه أو أخاه، فمات لم


1 . الموَمنون:12ـ14.
2 . الكافي: 7|83، 84.ولاحظ أيضاً ص115، 116ـ121، 125.


(202)

يرثه، ولو كان يسوق الدابة أو يقودها، فوطئت الدابة أباه أو أخاه فمات، ورثه وكانت الدية على عاقلته لغيره من الورثة، ولم تلزمه الكفارة.

ولو انّه حفر بئراً في غير حقّه أو أخرج كنيفاً أو ظلّة، فأصاب شيء منها وارثاً له فقتله لم تلزمه الكفارة، وكانت الدية على العاقلة وورثه، لاَنّ هذا ليس بقاتل، ألا ترى أنّه لو كان فعل ذلك في حقّه لم يكن بقاتل ولا وجب في ذلك دية ولا كفارة، فإخراجه ذلك الشيء في غير حقّه ليس هو بقتل، لاَنّ ذلك بعينه يكون في حقّه فلا يكون قتلاً، و إنّما أُلزم الدية في ذلك إذا كان في غير حقّه احتياطاً للدماء، ولئلاّ يبطل دم امرىَ مسلم، وكيلا يتعدّى الناس حقوقهم إلى ما لا حقّ لهم فيه، وكذلك الصبي و المجنون لو قتلا لورثا، وكانت الدية على العاقلة، والقاتل يحجب وإن لم يرث.

قال: ولا يرث القاتل من المال شيئاً؛ لاَنّه إن قتل عمداً، فقد أجمعوا انّه لا يرث؛ وإن قتل خطاءً، فكيف يرث وهو تُوَخذ منه الدية؟ وإنّما منع القاتل من الميراث احتياطاً لدماء المسلمين، كيلا يقتل أهل الميراث بعضهم بعضاً طمعاً في المواريث. (1)

هذه نماذج من فقهاء أصحاب الاَئمّة - عليهم السلام - ، ونماذج من فتاواهم، وكم لهم من نظير كجميل بن درّاج وابن أبي عمير، اللّذين نقلت فتاواهم في ثنايا الاَحاديث المروية في الكتب الاَربعة ورجال الكشي.

إنّ اجتهاد هوَلاء كان يدور حول استخراج الفروع من النصوص والاَُصول الكلّية بعد تخصيص العام بخاصّه، والمطلق بمقيّده، وتمييز الصحيح عن السقيم دون أن يتجاوزوا تلك القواعد والنصوص الكلية، وأمّا الاجتهاد في الدور الثاني


1 . الكافي:7|142؛ ولاحظ أيضاً: 88، 90ـ95، 96ـ 98، 99ـ 105، 108ـ 116، 118ـ 120، 121، 142ـ 145، 146ـ 148، 149ـ 161ـ 162، 166 ـ 168.


(203)

ـ الآتي ـ فقـد اتخـذ لنفسـه منهجـاً خاصــاً ميّزه عن الدور الاَوّل ألا وهـو الاستفادة في بعض الاَحيان من القواعد العقلية بغية الاِجابة على المستجدات.

نعم بذرت بذرة الاجتهاد في الدور الاَوّل على يد هوَلاء الاَعاظم من أصحاب أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ونمت وتعالت حسب الاِمكانات والظروف المتاحة على مرِّ العصور.

المراكز الفقهية التي ازدهرت في هذا الدور

الاِسلام دين العلم والمعرفة، رفع الاِنسان من حضيض الجهل والاَُميّة إلى أعلى مستويات العلم والكمال من خلال تشجيعه للقراءة والكتابة والتدبر في آثار الكون ومظاهر الطبيعة، ونبذ التقليد في العقيدة، فأراد للاِنسان حياة كريمة نابضة بالفكر والثقافة.

وقد كانت للشيعة مراكز علمية مهمة خلال القرون الماضية، نشير في كلّ دور إلى أبرزها، ففي هذا الدور نشأت الجامعات التالية:

1. جامعة المدينة المنورة.

2. جامعة الكوفة وجامعها الكبير.

3. جامعة قم والري.

وإليك لمحة خاطفة عن تلك الجامعات:

1. المدينة المنوّرة

إنّ المدينة المنورة هي المنطلق العلمي الاَوّل، نشأ فيها عدّة من الاَعلام من شيعة أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، وعلى رأسهم ابن عباس حبر الاَُمّة، وسلمان


(204)

الفارسي، وأبوذر الغفاري، وأبو رافع، الذي هو من خيار شيعة الاِمام علي، موَلّف كتاب السنن والاَحكام والقضاء، (1) وغيرهم.

ثمّ أعقبتهم طبقة من التابعين، تخرّجوا من تلك المدرسة على يد الاِمام علي ابن الحسين زين العابدين - عليهما السلام - ولقد روى الكليني عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - أنّه قال: «كان سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين - عليهما السلام - . (2)

وازدهرت تلك المدرسة في عصر الاِمامين الصادق والباقر - عليهما السلام - ، وزخرت بطلاب العلوم، ووفود الاَقطار الاِسلامية، حتى أضحت جامعة إسلامية مكتظة برجال العلم وحملة الحديث.

2. الكوفة وجامعها الكبير

قد سبق أنّ الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - هاجر من المدينة إلى الكوفة، واستوطن معه خيار شيعته ومن تربّى على يديه من الصحابة والتابعين.

ولقد أتى ابن سعد في «طبقاته الكبرى» على ذكر جماعة من التابعين الّذين سكنوا الكوفة. (3) ولقد أعان على ازدهار مدرسة الكوفة مغادرة الاِمام الصادق - عليه السّلام - المدينة المنورة إليها أيام أبي العباس السفاح، حيث بقى فيها سنين.

اغتنم الاِمام فرصة ذهبية أوجدتها الظروف السياسية آنذاك، وهي أنّ الدولة العباسية جاءت على أنقاض الدولة الاَموية و كانت جديدة العهد ، فلم يكن للعباسيّين يومذاك قدرة على الوقوف في وجه الاِمام لا نشغالهم بأُمور


1 . النجاشي: الرجال:64 برقم 1.
2 . الكليني: الكافي، كما في تأسيس الشيعة:299.
3 . الطبقات الكبرى:6، وقسّمهم على تسع طبقات.


(205)

الدولة، بالاِضافة إلى أنّهم كانوا قد رفعوا شعار العلويين للوصول إلى السلطة، وقد نشر زمن إقامته بها علوماً جمّة.

وقد انتشر نبأ وروده الحيرة، فتقاطرت وفود للارتواء من منهله العذب، وهذا الحسن بن علي بن زياد الوشّاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الكوفة في تلك الظروف، ويقول:

أدركت في هذا المسجد ـ يعني مسجد الكوفة ـ تسعمائة شيخ كلّ يقول حدثني جعفر بن محمد. ويضيف النجاشي: كان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة، وله كتب، ثمّ ذكر أسماءها. (1)

وكان من خريجي هذه المدرسة لفيف من الفقهاء الكوفيين، نظير: أبان بن تغلب بن رباح الكوفي، ومحمد بن مسلم الطائفي، وزرارة بن أعين، إلى غير ذلك ممّن تكفّلت كتب الرجال بذكرهم، وقد وقفت على أسماء عدّة منهم تحت عنوان تلاميذ الاِمام الباقر والصادق - عليهما السلام - .

لقد ألّف فقهاء الشيعة ومحدّثوهم في تلك الظروف في الكوفة 6600 كتاب، ولقد امتاز من بينها 400 كتاب اشتهرت بالاَُصول الاَربعمائة (2) فهذه الكتب هي التي أدرجها أصحاب الجوامع الحديثية في كتبهم كما مرّ آنفاً.

ولم تقتصر الدراسة آنذاك على الحديث والتفسير والفقه بل شملت علوماً أُخرى، فأنجبت موَلّفين كباراً صنّفوا كتباً كثيرة في علوم شتّى، كهشام بن محمد بن السائب الكلبي ألّف أكثر من مائتي كتاب، وابن شاذان ألّف 280 كتاباً،


1 . النجاشي: الرجال:1|137، رقم 79.
2 . وسائل الشيعة:ج20، الفائدة الرابعة، وقد بيّنا الفرق بين الكتاب والاَصل في كتابنا «كليات في علم الرجال».


(206)

وابن أبي عمير صنّف 194 كتاباً، وابن دوَل الذي صنّف 100 كتاب (1) وجابر بن حيان أُستاذ الكيمياء والعلوم الطبيعية، إلى غير ذلك من الموَلّفين.

3. مدرسة قم والري

دخل الفرس الاِسلام وكان أكثرهم على غير مذهب الشيعة، نعم كانت قم والري وكاشان وقسم من خراسان مركزاً للشيعة، وقد هاجر الاَشعريون ـ خوفاً من الحجاج ـ إلى قم وجعلوها موطنهم ومهجرهم، وكانت تلك الهجرة نواة للشيعة في إيران.

كانت مدرسة الكوفة مزدهرة بالعلم والثقافة، إلاّ انّها عانت الويلات من الظلم العباسي ممّا حدا بكبار الفقهاء والمحدثين إلى النزوح عنها، ففي هذه الفترة حوالي سنة 250هـ هاجر إبراهيم بن هاشم الكوفي تلميذ يونس بن عبد الرحمن، وهو من أصحاب الاِمام الرضا - عليه السّلام - إلى قم، ونشر فيها حديث الكوفيين، فصارت مدرسة قم والري مزدهرة بعد ذاك بالمحدّثين والرواة الكبار.

وقد أضحت مدينة قم مركزاً نشطاً للحديث، ومأوى لموالي أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ونخبة من المحدّثين والفقهاء، أمثال:

أ. زكريا بن آدم

قال النجاشي: زكريا بن آدم بن عبد اللّه بن سعد الاَشعري القمي، ثقة جليل، عظيم القدر، وكان له وجه عند الرضا، وله كتاب.

يروي محمد بن الحسن الصفار (المتوفّـى290هـ)، عن أحمد بن محمد بن عيسى (المتوفّى نحو 280هـ)، عن محمد بن خالد، عن زكريا بن آدم، وله


1 . الطهراني: الذريعة:1|17.


(207)

كتـاب مسائله للرضا - عليه السّلام - . (1)

وعلى أيّة حال فالرجل من أصحاب الإمام الصادق والرضا والجواد (عليهم السلام) .

ب. سعد بن سعد بن الاَحوص بن سعد بن مالك الاَشعري القمي

قال النجاشي: ثقة، روى عن الرضا وأبي جعفر - عليهما السلام - كتابه المبوب، يروي عنه محمد بن خالد البرقي. (2)

وذكره الشيخ في «رجاله» في أصحاب الاِمام الرضا - عليه السّلام - ، وقال: سعد بن سعد الاَحوص القمّي، ثقة. (3)

ج. العباس بن معروف، أبو الفضل، مولى جعفر بن عبد اللّه الاَشعري

قمّي، ثقة، له كتاب الآداب، وله نوادر. ذكره النجاشي، ثمّ ذكر سنده بجميع أحاديثه ومصنّفاته. (4)

«تمّ الكلام في الدور الاَوّل و يليه الكلام في الدور الثاني»


1 . النجاشي: الرجال: 393 برقم 456.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 468.
3 . الطوسي: الرجال: 378، فصل أصحاب الرضا، وذكره الكشي في الرجال:423، برقم 362.
4 . النجاشي: الرجال: برقم 741، وذكره الشيخ في «رجاله» برقم 34، في أصحاب الرضا.


(208)

أدوار الفقه الشيعي

2

الدور الثاني

عصر منهجة الحديث والاجتهاد

(260ـ460هـ)

قد عرفت أنّ النهج السائد في عصر الاَئمّة هو نشر الحديث بين الاَُمّة ودعم النشاط الاجتهادي، فإنّ أصحابهم بين محدّث يهمّه سماع الحديث ونقله وكتابته دون أن يولي اهتماماً إلى استخراج ما طوي فيه من أحكام وفروع وهم يشكلون الغالبية من أصحاب الاَئمّة - عليهم السلام - ، و محدّث واعٍ يتدبّر في الكتاب والسنّة وكلمات أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - ويستخرج منها ما تحتاج إليه الاَُمّة، فهم يروون أحاديث المعصومين وفي الوقت نفسه يظهرون إبداعاتهم وانطباعاتهم عنها، و قد نشأ هذا النهج منذ زمان الاِمام سيد الساجدين - عليه السّلام - إلى أن بلغ ذروته في عهد الصادقين والكاظمين إلى عهد الاِمام العسكري (عليه السلام) ، وفي طليعة الذين تبنّوا هذا المنهج محمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وابن أبي عمير، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم ممّن قد سبق نقل أسمائهم.

ورثت الشيعة هذين المنهجين عن أئمتهم - عليهم السلام - بعد غيبة الاِمام الثاني عشر، فأخذوا ببسط الحديث ونشره وجمعه وتدوينه بأحسن ما يرام على نحو يجاوب روح العصر، كما أخذوا ببث الاجتهاد وإضفاء المنهجية عليه، والسعي


(209)

وراء المنهج الذي ورثوه عن فقهاء عصر الاَئمّة - عليهم السلام - .

وأثمرت الجهود عن ارتقاء المنهجين وتكاملهما على النحو الذي سنستعرضه لك.

منهجية الحديث

أمّا المنهج الحديثي، فقد ورثت الشيعة الاَُصول الاَربعمائة، وقد كانت مدوّنة بصورة مسانيد حيث قام كلّ راو بتدوين ما سمعه من الاِمام، أو عمّن سمعه من الاِمام، وقد كان أكثر رواجاً من سائر صور التأليف، فكلّ راو كان يسجّل ما سمعه من الاِمام مباشرة، أو بواسطة راو واحد، في كتابه من دون أن يبوّب الروايات وينظمها كما هو الملموس في ما بقي من تلك الاَُصول في عصرنا هذا.

ولا شكّ انّ هذا اللون من تدوين الحديث و إن كان له شأن من التقدير، ولكنّه لا يجاوب روح العصر، ولا يبلغ مكانة تدوين الحديث حسب المواضيع والاَبواب.

فأكثر الكتب التي دوّنت في عهد الاَئمّة كانت في الترتيب والنظم أشبه بمسانيد أهل السنّة، كمسند أحمد بن حنبل ومسند ابن أبي شيبة وغيرهما، فإنّ دأب الموَلف من وراء تأليف المسند كان منصبَّاً على جمع روايات راو واحد في موضع واحد، سواء أكان بين الروايات تناسب في الموضوع أم لا، لذا فقد أطلق على هذا النوع من التأليف اسم «المسند».

وهذا بخلاف جمع الروايات على حسب المواضيع، فإنّ الذي يروي غلّة الفقيه هو العثور على كتاب يشمل روايات موضوع واحد في مكان واحد، وقد سبق إلى تأليف هذا اللون من التصنيف نخبة من أصحاب الاَئمّة في عهدهم،


(210)

كالبزنطي في جامعه ، والاَشعري في نوادره (نوادر الحكمة) ولكن التأليف على هذا الغرار لم يكن على نطاق واسع.

هذا ممّا حدا بالمحدّثين الذين أعقبوه في عصر الغيبة إلى الاستمرار على ذلك النهج، وإليك سرد أسمائهم:

1. محمد بن يعقوب الكليني (260ـ 329هـ)

الحافظ الكبير، والمحدّث الجليل محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي البغدادي، أبو جعفر ، ينسب إلى بيت طيب الاَصل في «كلين».

تخرّج على يده عدّة من أفاضل رجالات الفقه والحديث، منهم: خاله علاّن الكليني.

كان شيخ الشيعة في وقته في الري ووجههم، ثمّ سكن بغداد بباب الكوفة، وحدّث بها سنة (327هـ). بعد ما طاف الشام ونزل بعلبك وحدث بها كما ذكره ابن الجوزي في المنتظم وقد أدرك زمان سفراء المهدي، وجمع الحديث من شِرَعه وموردِه، وقد انفرد بتأليف كتاب «الكافي» في أيامهم، ألّفه في مدّة قاربت العشرين سنة، وكان مجلسه مثابة أكابر العلماء الراحلين في طلب العلم، كانوا يحضرون حلقته لمذاكرته ومفاوضته والتفقّه عليه، وقد قام بترجمته كثير من الرجاليين والموَلّفين في التراجم. (1)

هذا وقد تضافر الثناء على الكليني منذ عصره إلى يومنا هذا من السنّة والشيعة، وإليك بعض ما قيل فيه:

قال الشيخ الصدوق في ترجمته: الشيخ الفقيه محمد بن يعقوب الكليني.(2)


1 . وتجد له ترجمة في الكامل لابن الاَثير:8|127؛ لسان الميزان:5|433.
2 . الفقيه: 4|165، برقم 578.


(211)

وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. (1)

وقال الطوسي: ثقة عارف بالاَخبار، جليل القدر. (2)

و أثنى عليه الذهبي بقوله: شيخ الشيعة وعالم الاِمامية، صاحب التصانيف، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني. (3)

وللاِيعاز إلى مكانة الشيخ الكليني وتأثيره في الجيل اللاحق، نأتي بمشايخه والرواة عنه.

مشايخه

روى الكليني عن عدد كثير جداً من علماء أهل البيت ورجالهم ومحدّثيهم بما يضيق المجال بذكرهم، ونقتصر على مشاهيرهم:

1. أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفّار القمّي، صاحب كتاب : «بصائر الدرجات» (المتوفّى290هـ).

2. أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الاَشعري القمّي (المتوفّى عام 306هـ).

3. أبو الحسن علي بن إبراهيم بن هاشم، صاحب التفسير المعروف (المتوفّى حوالي عام 308هـ).

4. أبوجعفر محمد بن يحيى العطار الاَشعري(المتوفّى حوالي عام 300هـ).

إلى غير ذلك من مشايخ الحديث وفطاحله.


1 . النجاشي: الرجال: برقم 1026.
2 . الشيخ: الفهرست: برقم 591.
3 . الذهبي:سير أعلام النبلاء:15|280.


(212)

تلاميذه والرواة عنه

وأمّا تلاميذه والرواة عنه فحدث عنهم ولا حرج، فمنهم على سبيل المثال:

1. أبو الحسين أحمد بن علي بن سعيد الكوفي، المعروف بـ«ابن عقدة» (المتوفّى عام 333هـ).

2. أبو غالب أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين بن سنسن الزراري (285ـ 368هـ).

3. أبو القاسم جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه، صاحب «كامل الزيارات» (المتوفّى عام 367هـ).

4. أبو عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني(المتوفّى عام 340هـ)، المعروف بـ«ابن زينب» كان خصيصاً به يكتب كتابه «الكافي».

إلى غير ذلك ممّن يروي عنه تجد أسماءهم مبسوطة في مقدّمة كتاب «الكافي» بقلم الاَُستاذ حسين علي محفوظ البغدادي.

وكفاك في جلالة هذا الجامع انّ الشيخ المفيد يصفه بقوله: من أجلّ كتب الشيعة وأكثرها فائدة. (1)

وقال الشهيد محمد بن مكي في إجازته لابن الخازن: كتاب الكافي في الحديث الذي لم يعمل للاِمامية مثله. (2)

وقد شرحه كثير من العلماء، وهو بين مطبوع ومخطوط، كما وترجم إلى لغات مختلفة.


1 . المفيد: تصحيح الاعتقاد:27.
2 . بحار الاَنوار:104ـ190، الاِجازات.


(213)

قال النجاشي: مات (رحمه الله) ببغداد سنة (329هـ) سنة تناثر النجوم، وصلّى عليه محمد بن جعفر الحسني ودفن في باب الكوفة. (1)

2. محمد بن بابويه القمي (306ـ381هـ)

المحدّث الكبير محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو جعفر ، نزيل الري، مصنّف كتاب «من لا يحضره الفقيه».

وينتمي إلى أُسرة بني بابويه، وهي من بيوتات القمّيين الّذين ذاع صيتهم بالعلم والفضيلة، وأنجبت أفذاذاً مصلحين، وعباقرة مرشدين، أدّوا رسالاتهم على أحسن وجه، وخدموا مبدأهم بأمانة وإخلاص، فاستحقوا بذلك كلّ تعظيم وتبجيل، وخلّدهم التاريخ بإكبار، وحفظ آثارهم بكلّ فخر.

قال العلاّمة السيد بحر العلوم في «فوائده»: ولد بعد وفاة العمري في أوائل سفارة الحسين بن روح، وقد كانت وفاة العمري سنة 305هـ، فيكون قد أدرك من الطبقة السابعة فوق الاَربعين، ومن الثامنة إحدى وثلاثين، ويكون عمره نيفاً وسبعين سنة، ومقامه مع والده ومع شيخه الكليني في الغيبة الصغرى نيفاً وعشرين سنة، فإنّ وفاتهما سنة 329هـ وهي سنة وفاة السمري آخر السفراء. (2)

وعلى هذا فقد عاصر الشيخ الصدوق سفيرين من السفراء الاَربعة هما: الحسين بن روح والسمري، وعلى أيّة حال فمحدثنا الكبير شخصية فذّة ورث المجد و العلى من بيت عريق في العلم والورع، و قد عرّفه العلماء بإجلال وإكبار.


1 . النجاشي: الرجال:2|292.
2 . بحر العلوم: الفوائد الرجالية: 3|301.


(214)

قال النجاشي: شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، كان ورد بغداد سنة 355 هـ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، ثمّ ذكر فهرست كتبه.

يقول العلاّمة: كان جليلاً، حافظاً للاَحاديث، بصيراً بالرجال، ناقلاً للاَخبار، لم يُر في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، وله نحو من ثلاثمائة مصنّف.

مشايخه

وقد شدّ الرحال لتحمّل الرواية والحديث إلى مختلف الحواضر العلمية في القرن الرابع كبغداد، والكوفة والري وقم ونيسابور وطوس وبخارى، وهو وإن سافر إلى تلك البلدان لاَخذ الحديث، لكنّه أيضاً حدّث بها، وقد أحصى شيخنا النوري في خاتمة «مستدركه» مشايخه الذين أخذ منهم الحديث فبلغ 211 محدثاً، وإليك أسماء بعضهم:

1. أبو علي أحمد بن الحسن بن عبد ربّه القطان الرازي عرّفه المترجم له في كتابه «كمال الدين» ص 40 بقوله: وهو شيخ كبير من أصحاب الحديث.

2. أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم القمّي.

3. أحمد بن محمد بن يحيى العطار الاَشعري القمي.

4. جعفر بن محمد بن موسى بن قولويه القمي المتوفّى (369هـ).

5. الحسين بن أحمد الحاكم البيهقي.

6. علي بن أحمد بن مهزيار.

7. محمد بن حسن بن أحمد بن الوليد القمي (المتوفّى 343هـ) وهو من أكبر مشايخه. إلى غير ذلك.


(215)

تلاميذه والرواة عنه

1. الحسين بن علي بن موسى بن بابويه القمّي ـ أخو المترجم ـ .

2. محمد بن محمد بن النعمان المفيد.

3. علي بن أحمد بن العباس ـ والد الشيخ النجاشي ـ.

4. أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزاز، صاحب كتاب «كفاية الاَثر».

5. أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه بن إبراهيم الغضائري.

6. أبو الحسن جعفر بن الحسن حسكة القمي.

7. أبو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن شاذان القمّي.

كما أنّه روى عن شيخنا المترجم أفذاذ من أهل الحديث الّذين أصفقت معاجم التراجم على ذكرهم بكلّ جميل، وقد أنهاهم محقّق كتاب «الفقيه» إلى عشرين. (1)

توفي في الري عام 381هـ، وقبره هناك معروف يزار.

3. محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ)

الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي، نسبة إلى طوس من مدن خراسان التي هي من أقدم بلاد فارس وأشهرها، وكانت ـ ولا تزال ـ من مراكز العلم والثقافة، وأنّ فيها قبر الاِمام علي الرضا - عليه السّلام - ثامن أئمة الشيعة الاثني عشرية،فصارت مهوى أفئدتهم يقصدونها من الاَماكن الشاسعة والبلدان النائية.


1 . انظر مقدّمة «من لا يحضره الفقيه».


(216)

ولد الشيخ في طوس في شهر رمضان سنة 385هـ أي بعد أربع سنين من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408هـ وهو ابن 23 عاماً، وكان زعيم الشيعة آنذاك، شيخ الاَُمّة محمد بن محمد بن النعمان الشهير بـ«المفيد» فلازمه ملازمة الظل لذي الظلّ، وعكف على الاستفادة منه إلى حدّ توفّق لشرح كتاب أُستاذه«المقنعة» وهو بعد لم يناهز الثلاثين.

ولما انتقل الشيخ المفيد إلى رحمة اللّه، عكف على بحوث السيد المرتضى، ولازم حضوره طيلة 23 سنة حتى توفي السيد لخمس بقين من شهر ربيع الاَوّل عام 436هـ، فاستقل شيخ الطائفة بالاِمامة، وظهر على منصَّة الزعامة، وكانت داره في «الكرخ» مأوى الاَُمّة وملجأ روّاد العلم، يأتونها لحلّ المشاكل، وإيضاح المسائل، وقد ذاع صيته ، وعلا مقامه، ممّا حدا بخليفة عصره القائم بأمر اللّه أن يجعل كرسي الكلام له، وكان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق ما يوصف.

وكان الشيخ يدرّس ويربّي إلى أن ضاقت به الاَُمور، وثارت القلاقل بشن طغرل بيك أوّل ملوك السلاجقة حملة شعواء على الشيعة، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي، وكانت يومذاك من دور العلم المهمة في بغداد، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار.

حتى توسّعت الفتنة واتجهت إلى بيت الشيخ الطوسي وأصحابه، فأحرقوا كتبه وكرسيّه الذي كان يجلس عليه، فلم يجد الشيخ بداً إلاّ مغادرة بغداد إلى النجف الاَشرف لائذاً بجوار مولانا أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، فأسّس فيها حوزة علمية كبيرة، تقاطر إليها الفضلاء من شتّى الاَقطار، وبقيت تلك الحوزة على مرّ الدهور إلى يومنا هذا تشع نوراً، وتربّي جيلاً بعد جيل من العلماء لا يحصي عددهم إلاّاللّه سبحانه.


(217)

وقد ترك الطوسي تراثاً علمياً في شتى الموضوعات، كالكلام والفقه والرجال والحديث.

وكتاباه الجامعان: «التهذيب» و«الاستبصار» هما من الاَُصول الثانوية الاَربعة .

مشايخه

فقد تخرّج على يد عدّة من جهابذة العلم الذين كانت تشد إليهم الرحال لتحمّل الرواية من مختلف الحواضر الاِسلامية، حتى أنهاهم السيد المحقّق البروجردي في مقدّمته على كتاب «الخلاف» إلى قرابة ثلاثين شيخاً. ومن بين شيوخه يعد الشيخ المفيد من أعاظمهم، فقد ارتشف من معين علمه سنين طوال .

وإليك سرد أسماء جملة منهم:

1. أحمد بن عبد الواحد، المعروف بـ«ابن الحاشر» و«ابن عبدون» (330ـ423هـ).

2. أحمد بن محمد بن موسى المعروف بـ«ابن الصلت» المتوسط بينه و بين ابن عقدة (317ـ 409هـ).

3. أبو الحسن جعفر بن الحسين بن حسكة القمّي المتوسط بينه وبين ابن بابويه.

4. الحسن بن إبراهيم بن أحمد بن الحسن بن محمد بن شاذان، أبو علي البزاز المتكلّم.

5. أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى الفحام السامرائي(المتوفّى 408هـ).

6. الشيخ أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّه الغضائري (المتوفّى 411هـ).


(218)

7. أبو عمرو عبد الواحد بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن مهدي بن خشنام (318 ـ 410هـ).

8. أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقري، المعروف بـ «ابن الحمامي» (328ـ417هـ).

9. أبوالحسين علي بن أحمد بن محمد بن طاهر بن الحسن بن أبي عبيد الاَشعري القمّي، الراوي عن ابن الوليد وأحمد بن محمد بن يحيى.

10. الشريف الطاهر ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسين المعروف بالسيد المرتضى(355ـ436هـ).

11. أبوالحسين علي بن محمد بن عبد اللّه بن بشران.

12. أبو الحسين محمد بن أحمد بن شاذان القمي.

13. أبو زكريا محمد بن سليمان الحمراني، المتوسط بينه و بين أبي جعفر ابن بابويه(الصدوق).

14. أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزاز البغدادي (329ـ419هـ).

15. أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد (336ـ 413هـ).

16. أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر (322ـ414هـ).

تلاميذه والرواة عنه

استقطب شيخنا الطوسي روّاد العلم بعد رحيل السيد المرتضى حتى أخذ يحضر مجلس درسه جهابذة العلم من كلا الفريقين، ولا يمكننا سرد أسماء


(219)

جميع من تتلمذ عليه، بل نشير إلى أسماء المشاهير منهم:

1. أحمد بن الحسين بن أحمد النيسابوري الخزاعي، جد والد أبي الفتوح الرازي.

2. الشيخ تقي بن النجم أبو الصلاح الحلبي، صاحب كتاب «الكافي».

3. الحسن بن الحسين بن علي بن بابويه، المعروف بـ «حسكا».

4. القاضي عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج، صاحب كتاب: «الكامل» و«المهذب» و«الموجز» و«الجواهر» في الفقه.

5. الشيخ الاِمام الثقة أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي.

6. شهر آشوب بن أبي نصر المازندراني، جدّ محمد بن علي بن شهر آشوب موَلّف «المناقب». إلى غير ذلك ممّن قرأ عليه وتخرّج على يديه، وقد ذكر الشيخ منتجب الدين في «فهرسته» وغيره أسماء الكثير منهم.

إلى هنا تمّ الكلام حول تدوين الحديث بصورة منهجية ولا أقول إنّ المدوّن على هذا النمط منحصر بالكتب الاَربعة، ولكن المعروف بهذه الصبغة هي الكتب الاَربعة.

بقيت هنا نكتة جديرة بالاِشارة ، وهي انّ المحدّثين ـ كما أوعزنا إليهم في صدر البحث ـ لم يسيروا على نمط واحد، بل انقسموا على أنفسهم إلى قسمين، فمنهم من صبَّ اهتمامه على الجمع والتدوين فقط دون التعمّق وإعمال النظر، ومنهم من ضم إلى التدوين إعمال الفكر والنظر في تمحيص السنّة الصحيحة عن الموضوعة، وقد دام النزاع بينهما مدّة لا يستهان بها إلى أن أطفأ جذوتها الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) في عصره وقلع فكـرة الجمود على نقـل الخبر من دون أي تمحيص ونظر.


(220)

مدرسة أهل الحديث

كلّما أطلق أهل الحديث أو أهل الخبر أو الاَخبارية يراد منه من يمارس تدوين ونقل السنن النبوية وأخبار العترة الطاهرة، ولم يكن لهم مذهب خاص باسم مذهب أهل الحديث، بل نهج أصحابنا نهجين:

1. نقل الحديث من كلّ مَن هبّ و دب دون فرق بين الثقة وغيره، وهم المعروفون بالاِكثار عن الضعفاء.

2. نقل الحديث عن الثقة دون الضعيف مع إعمال النظر في السند، وهم مشايخ الشيعة وكبار مراجعهم في الحديث.

فمن الصنف الاَوّل:

1. سهل بن زياد، أبو سعيد الآدمي الرازي، كان ضعيفاً في الحديث، غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب، وأخرجه من قم إلى الري، وكان يسكنها وقد كاتب أبا محمد العسكري - عليه السّلام - على يد محمد ابن عبد الحميد العطار للنصف من شهر ربيع الآخر سنة 255هـ ، ذكـر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين رحمهما اللّه. (1)

2. أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي، أبو جعفر، أصله كوفي. وكان ثقة في نفسه يروي عن الضعفاء واعتمد المراسيل، توفّي عام 274هـ.

ونقل العلاّمة الحلّي عن ابن الغضائري: طعن عليه القمّيون، وليس الطعن فيه وإنّما الطعن فيمن يروي عنه، فإنّه كان لا يبالي عمّن أخذ على طريقة أهل


1 . النجاشي: الرجال: ترجمة 488.


(221)

الاَخبار، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أبعده عن قم، ثمّ أعاده إليها واعتذر إليه، ولمّا توفي مشى أحمد بن محمد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً، ليبرىَ نفسه ممّا قذفه به. (1)

3. عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى الجلودي البصري، أبو أحمد شيخ البصرة وأخباريّها، وكان عيسى الجلودي من أصحاب أبي جعفر - عليه السّلام - ، ثمّ ذكر أسماء كتبه الكثيرة. (2)

4. محمد بن زكريا بن دينار مولى بني غلاّب، قال النجاشي: وكان هذا الرجل وجهاً من وجوه أصحابنا في البصرة، وكان أخبارياً، واسع العلم، وصنّف كتباً كثيرة، توفّي عام 298هـ. (3)

5. أحمد بن إبراهيم بن المعلى بن أسد العمّي، قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، حسن التصنيف، وأكثر الرواية عن عامة الاَخباريّين. (4)

هذه نماذج من الصنف الاَوّل، وإليك نماذج من الصنف الثاني ممّن كانوا لا يروون إلاّ بعد إتقان الحديث، نخص منهم بالذكر ما يلي:

1. أحمد بن محمد بن عيسى، يقول النجاشي: أوّل من سكن قم من آبائه، سعد بن مالك بن الاَحوص ـ إلى أن قال :ـ وأبو جعفر (رحمه الله) شيخ القمّيين ووجههم وفقيههم غير مدافع وله كتب. ولقي الرضا، ولقي أبا جعفر الثاني وأبا الحسن العسكري - عليهما السلام - . (5) وقد عرفت أنّ الرجل أخرج بعض المحدّثين


1 . ابن المطهر: الرجال: قسم المعتمدين،باب أحمد، برقم 7.
2 . النجاشي: الرجال:برقم 638.
3 . النجاشي: الرجال: برقم 937.
4 . النجاشي: الرجال: برقم 237.
5 . النجاشي: الرجال: برقم 196.


(222)

من قم، لكثرة روايتهم عن الضعفاء.

2. محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، أبو جعفر شيخ القمّيين، وفقيههم، ومتقدّمهم ووجههم، ويقال انّه نزيل قم، وما كان أصله منها، ثقة، عين مسكون إليه، له كتب، منها: تفسير القرآن، وكتاب الجامع، توفي سنة 343هـ. (1)

وقد اعتمد الصدوق على تصحيحه وتجريحه، وقال في ذيل خبر صلاة الغدير: إنّ شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصحّحه، ويقول: إنّه من طريق محمد ابن يونس الهمداني وكان غير ثقة، وكلّ ما لم يصحّحه ذلك الشيخ ولم يحكم بصحته من الاَخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح. (2)

3. علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو الحسن شيخ القميين في عصره ومتقدّمهم وفقيههم وثقتهم، توفّي عام 329 هـ.

إنّ من تصفّح كتب الشيخ الصدوق يجد انّه يروي عن أبيه أكثر من غيره، وانّما يرويه عن أبيه قد يقرب من مجموع ما رواه عن غيره.

هذه نماذج من الصنف الثاني، وكم له من نظير:

كسعـد بن عبد اللّه القمـي (المتوفّى 301 هـ) والشيخ الكلينـي (المتوفّى 329 هـ) وجعفر بن محمد بن قولويه (المتوفّى 369 هـ) والصدوق الثاني (المتوفّى 381 هـ) إلى غير ذلك من كبار المحدّثين.

هذا موجز الكلام في المنهجين السائدين عند المحدّثين.


1 . النجاشي: الرجال: برقم 1043.
2 . المامقاني: تنقيح المقال: 3|100.


(223)

الاختلاف في تحديد الغلو

لا شكّ انّ الغلاة كفّار باللّه تبارك وتعالى، وانّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس ومن جميع أهل البدع والاَهواء المضلّة، وانّه ما صغر اللّه جلّ جلاله تصغيرهم شيئاً وقال اللّه سبحانه:"ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُوَْتِيَهُ اللّهُ الكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلكِن كُونُوا رَبّانِيّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ". (1)

وقال اللّه تعالى: "لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ" (2) (3)

ولا شكّ انّ الاِمامية تتبّرأ من الغلاة، إنّما الكلام في تحديد الغلو، فقد كان الرأي الرائج بين القمّيين نسبة السهو إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في الصلاة، وقد انتحل به الشيخ الصدوق وأُستاذه محمد بن الحسن بن الوليد القمّي اعتماداً على الروايات الواردة في ذلك المجال.

كما زعموا انّ نسبة علم الغيب إلى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - والاَئمّة (عليهم السلام) لا تخلو عن غلو، ولم يفرّقوا بين العلم الذاتي والعلم المكتسب.

وعلى كلّ تقدير كان هناك اختلاف بين المدرستين مدرسة قم ومدرسة بغداد.

وكان البغداديون يشنّون حملات شعواء على هوَلاء ويصفونهم


1 . آل عمران: 79ـ 80.
2 . النساء: 171.
3 . اعتقادات الصدوق: 97.


(224)

بالتقصير، كما انّهم يتّهمونهم بالغلو، قال الصدوق في «اعتقاداته»: وعلامة المفوضة والغلاة وأصنافهم نسبتهم مشايخ قم وعلمائهم إلى القول بالتقصير. (1)

ولما انتهت رئاسة الاِمامية إلى الشيخ المفيد ردّ عليهم ردّاً عنيفاً، وبذلك حقّق مذهب الاِمامية وأثبت دعائمه، ولا بأس بنقل هذه الوثيقة التاريخية عن الشيخ المفيد (قدس سره) .

يقول الشيخ المفيد في حقّ هوَلاء: لكن أصحابنا المتعلّقين بالاَخبار، أصحاب سلامة وبعد ذهن وقلّة فطنة، يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الاَحاديث، ولا ينظرون في سندها، ولا يفرّقون بين حقّها وباطلها، ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها. (2)

نقل الشيخ المفيد آراء عن بعض المحدّثين بمالا يوافق مذهب الاِمامية، ولاَجل ذلك خطَّأهم ونسبهم إلى التقصير، قال: وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه الله) لم نجد لها دافعاً في التقصير، وهي ما حكي عنه أنّه قال: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي والاِمام، فإن صحّت هذه الحكاية فهو مقصِّر مع أنّه من العلماء القمّيين ومشيختهم.

وقد وجدنا جماعة وردوا إلينا من قم يقصرون تقصيراً ظاهراً في الدين، وينزلون الاَئمّة عن مراتبهم، يزعمون انّهم كانوا، لا يعرفون كثيراً من الاَحكام الدينية حتى ينكت في قلوبهم.

ورأينا في أُولئك من يقول إنّهم ملتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون ويدعون مع ذلك انّـهم من العلماء، وهذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه.(3)


1 . اعتقادات الصدوق:101.
2 . تصحيح الاعتقاد: 38، طبع تبريز.
3 . المصدر السابق:66.


(225)

ويظهر من غير واحدة من كلمات الشيخ المفيد انّ مسلك الصدوق لم يكن مورد رضا شيخنا المفيد، فقد رفع إلى الشيخ وجود الاختلاف بين ما أثبته الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في كتبه من الاَخبار المسندة عن الاَئمّة، وبين ما أثبته الشيخ أبو علي بن الجنيد (رحمه الله) في كتبه من المسائل الفقهية المجرّدة عن الاَسانيد.

ثمّ إنّ الشيخ يجيب عن السوَال ويقول: والذي رواه أبو جعفر(رحمه الله) فليس يجب العمل بجميعه إذا لم يكن ثابتاً من الطرق التي تعلّق بها قول الاَئمّة - عليهم السلام - ، إذ هي أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً، وروايتها عمّن يجوز عليه السهو والخلط، وإنّما روى أبو جعفر(رحمه الله) ما سمع، ونقل ما حفظ، ولم يضمن العهدة في ذلك.

وأصحاب الحديث ينقلون الغث والسمين، ولا يقتصرون في النقل على المعلوم، وليسوا بأصحاب نظر وتفتيش ولا فكر فيما يروونه وتمييز، فأخبارهم مختلطة، لا يتميز منها الصحيح من السقيم إلاّ بنظر في الاَُصول و اعتماد على النظر الذي يوصل إلى العلم بصحة المنقول. (1)

والسابر في تاريخ الحديث في القرن الرابع إلى أوائل القرن الخامس يقف على أنّه كان بين محدّثي مدرسة قم ومحدّثي مدرسة بغداد اختلاف بارز فيما يتعلّق بمقامات النبي والاَئمّة وعلومهم.

فالقمّيون كانوا يرمون خريجي مدرسة بغداد بالغلو لاَجل نفي السهو عن النبي والاَئمّة، كما انّ خريجي مدرسة بغداد يرمون القميين بالتقصير في حق الاَئمّة، وقد كان النزاع قائماً على قدم وساق، إلى أن طواه شيخنا المفيد عندما انتهت إليه رئاسة الاِمامية في الكلام والفقه، فقد حقّق المقال في العقائد في غير


1 . المفيد: المسائل السروية: 222 ط النجف الاَشرف.


(226)

واحد من كتبه لا سيما أوائل المقالات وتصحيح الاعتقاد. (1)

ومع أنّ الطائفتين كانوا على خلاف في بعض المسائل، ولكنّهم (رحمهم الله) جميعاً بذلوا قصارى جهودهم بغية تثبيت الهوية الفكرية والعلمية للتشيع في زمن الغيبة بعدما مرّ في أوائل عصر الغيبة بمنعطفات حرجة كادت تقوّض كيانه، وتمحو هويته لولا رعاية اللّه سبحانه.

هذا كلّه حول مدرسة أهل الحديث، وإليك الكلام في مدرسة أهل الاجتهاد.

مدرسة أهل الاجتهاد

قد ذكرنا سابقاً انّ الاِمامية ورثت خطين، خطَّ ممارسة الحديث وتدوينه ونشره دون منهجية، وخطَّ ممارسة الاجتهاد الذي بذرت بذرته في عصر الاِمام السجاد - عليه السّلام - ثمّ نمت في عصر الصادقين - عليهما السلام - فنبغ فقهاء كبار، كزرارة، وابن أبي عمير ، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، وغيرهم من المجتهدين المفتين، كما عرفت أنّ للفضل بن شاذان بل لشيخه يونس بن عبد الرحمن إبداعاً في كتابة الفقه، كما أنّ لزرارة ذلك النمط أيضاً، فلم يكونوا ملتزمين في مقام الاِفتاء بنقل نص الرواية، وهذا هو الكليني يذكر فتاوى زرارة في «كافيه» (2)وقد مرّت نصوصها. (3)

وقد ورثت الاِمامية ذينك الخطّين من أسلافهم فبرعوا في إضفاء المنهجية على نقل الحديث ونقده، كما برعوا في اضفائها على أُسس الاجتهاد


1 . انظر للوقوف على اختلاف القمّيين مع غيرهم في بعض الآراء كتاب «كشف القناع» للمحقّق التستري، ص 200ـ203.
2 . الكليني : الكافي: 7|97و100.
3 . مرّت فتاوى زرارة ص 195.


(227)

وتطويره، فقد استمر خط الاجتهاد باستمرار الحديث، ويكفيك في ذلك ما ذكره المحقّق في «المعتبر» حيث يعطف فقهاء الدور الثاني على فقهاء الدور الاَوّل ويقول: لمّا كان فقهاوَنا رضي اللّه عنهم في الكثرة إلى حدّ يعسر ضبط عددهم، ويتعذّر حصر أقوالهم لاتساعها وانتشارها وكثرة ما صنّفوه، وكانت مع ذلك منحصرة في أقوال جماعة من فضلاء المتأخّرين، اجتزأت بإيراد كلام من اشتهر فضله وعرف تقدّمه في الاَخبار وصحّة الاختيار وجودة الاعتبار، واقتصرت من كتب هوَلاء الاَفاضل على ما بان فيه اجتهادهم وعرف به اهتمامهم وعليه اعتمادهم، ممّن اخترت نقله: الحسن بن محبوب، ومحمد بن أبي نصر البزنطي، والحسين بن سعيد، والفضل بن شاذان، ويونس بن عبد الرحمن؛ ومن المتأخّرين: أبو جعفر محمد بن بابويه القمي رضي اللّه عنه، ومحمد بن يعقوب الكليني.

ومن أصحاب كتب الفتاوى: علي بن بابويه، وأبو علي ابن الجنيد، والحسن ابن أبي عقيل العماني، و المفيد محمد بن محمد بن النعمان، وعلم الهدى، والشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي. (1)

تجد أنّ المحقّق يصف جميع من سمّاهم بالفقاهة، نعم خصّ طائفة منهم بأهل الفتوى الّذين يرجع إليهم الشيعة في أخذ الحكم، كعلي بن بابويه الذي ألّف رسالة «الشرائع»، والحسن بن أبي عقيل العماني الذي ألّف رسالة عملية، يقول النجاشي في حقّها: ما ورد الحاج من خراسان إلاّ واشتراها، والمفيد محمد بن محمد ابن النعمان موَلّف «المقنعة» وغيرهم.

وهذه الوثيقة التاريخية توَكد لنا وجود الاجتهاد بين أصحاب الاَئمّة (عليهم السلام) وانّه لم يكن وليد الصدفة.


1 . نجم الدين الحلي: المعتبر:1|33.


(228)

نعم صارت الغيبة سبباً لحرمانهم من زيارة الاِمام عن كثب ممّا حدا إلى إنهاض الهمم بغية إعمال الفكر وتقوية ملكة الاجتهاد للاِجابة على المستجّدات من الاَحكام، فقد قيل: إنّ الفقر أُمّ الصنائع، والحاجة أُمّ الاختراع.

وهنا سنقوم باستعراض طائفة من المجتهدين عقب عصر الغيبة إلى عصر الشيخ الطوسي.

1. إبراهيم بن محمد الثقفي (المتوفّى 283هـ)

يعرّفه النجاشي بقوله:«إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي، أصله كوفي. وسعد بن مسعود أخو أبو عبيد بن مسعود، عمّ المختار، كان زيدياً أوّلاً، ثمّ انتقل إلينا، ويقال انّ جماعة من القمّيين، كأحمد ابن محمد بن خالد وفدوا إليه وسألوه الانتقال إلى قم فأبى، ثمّ ذكر سبب خروجه من الكوفة وأسماء تأليفاته، منها: الجامع الكبير في الفقه، توفي عام 283هـ. (1) وطبع من كتبه «الغارات» وهو كتاب قيّم.

2. سعد بن عبد اللّه القمي (المتوفّى 299هـ)

سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الاَشعري القمّي، المكنّى بأبي القاسم، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجهها، كان قد سمع من حديث العامة شيئاً كثيراً، وسافر لطلب الحديث، لقى من وجوههم، وصنّف كتباً كثيرة. (2)

وقال الشيخ: فمن كتبه: كتاب «الرحمة» وهو يشتمل على كتب، منها: كتاب الطهارة، وكتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم، وكتاب جوامع


1 . النجاشي: الرجال: برقم 18.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 465.


(229)

الحج. (1)

وقد قرأ عليه أبو القاسم جعفر بن قولويه.

نقل النجاشي، عن الحسين بن عبيد اللّه(ابن الغضائري) قال: جئت بالمنتخبات إلى أبي القاسم بن قولويه أقرأها عليه، فقلت: حدّثك سعد، فقال: لا، بل حدّثني أبي وأخي عنه، وأنا لم أسمع من سعد إلاّ حديثين. (2)

3. محمد بن أحمد الصابوني (المتوفّى نحو 320هـ)

محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليم الجعفي الكوفي، المعروف بـ«أبي الفضل الصابوني» والمشهور بين الفقهاء بـ«صاحب الفاخر» و«الجعفي» أيضاً على الاِطلاق من قدماء أصحابنا وأعلام فقهائنا من أصحاب كتب الفتوى، ومن كبار الطبقة السابعة، ممّن أدرك الغيبتين الصغرى و الكبرى، عالم فاضل فقيه، عارف، له كتب، منها: كتاب«الفاخر» المذكور، وهو كتاب كبير يشتمل على الاَُصول والفروع والخطب وغيرها، وكتاب «تفسير معاني القرآن» وكتاب «المحبر» وكتاب «التحبير». (3)

قال النجاشي بعد ذكر اسمه: سكن مصر وكان زيدياً ثمّ عاد إلينا، وكانت له منزلة بمصر، ثمّ ذكر سنده إلى كتبه، وقال: أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، عن جعفر بن محمد (المتوفّى369هـ) قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ببعض كتبه. (4)


1 . الطوسي: الفهرست: برقم 318.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 465.
3 . بحر العلوم: الفوائد الرجالية:3|199.
4 . النجاشي: الرجال: برقم 1023.


(230)

وأمّا طبقته، فقد عرفت أنّ النجاشي نقل كتبه عنه عن طريق جعفر بن محمد ابن قولويه المتوفّى عـام 369 هـ ، فيكون في طبقة مشايخه، كالكليني وعلي بن بابويه وغيرهما.

نعم عدّه الشيخ في «رجاله» من أصحاب الاِمام الهادي - عليه السّلام - المتوفّى عام 254هـ، (1) وعلى ذلك فيكون متقدّماً على الكليني بقليل، فلو افترضنا انّه من مواليد 240هـ يكفي في عدّه في الصحابة لقاوَه غير مرّة، وتوفّي عام 320هـ ، فيكون له من العمر 80 عاماً، واللّه العالم.

وقال الشيخ: له كتب كثيرة، فمنها كتاب «المتخير»، وكتاب «التخيير»، (2)

وكتاب «الفاخر» وكان من أهل مصر، أخبرنا بجميع كتبه أحمد بن عبدون عن أبي علي كرامة بن أحمد بن كرامة البزاز وأبي محمد الحسن بن محمد الخيزراني المعروف بابن أبي العسّاف المغافري عنه بجميع رواياته. (3)

وقد نقل السيد بحر العلوم بعض فتاويه عن غاية المراد، منها: القول بالمواسعة في قضاء الصلاة اليومية.

ومنها: القول بالتفصيل في البئر، والفرق فيها بين القليل والكثير، وتحديد الكثرة بالذراعين في الاَبعاد الثلاثة.

ومنها: الاجتزاء بالشهادة الواحدة في التشهد الاَوّل وبالتسليم الاَوّل من التسليم الواجب. (4)

ويظهر من الفتاوى المنقولة عنه انّه كان يفرغ الفتاوى في قوالب خاصة،


1 . الطوسي: الرجال: 422.
2 . وقد مرّ عليك انّ النجاشي عبّر عنه بالمحبرة والتحبير.
3 . الطوسي: الفهرست، باب من عرف بكنيته، برقم 898.
4 . بحر العلوم: الفوائد الرجالية:3|203.


(231)

ولم يكن ملتزماً بالمنصوص، وكان ذلك استمراراً لما رسمه زرارة ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان.

4. الحسن بن أبي عقيل (المتوفّى نحو 329هـ)

الحسن بن علي بن أبي عقيل، أبو محمد العماني (1) وصفه النجاشي بقوله: الحذّاء، فقيه متكلّم ثقة، له كتب في الفقه والكلام، منها: كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» كتاب مشهور في الطائفة، وقيل ما ورد الحاج من خراسان إلاّطلب واشترى منه نسخاً، وسمعت شيخنا أبا عبد اللّه (رحمه الله) يكثر الثناء على هذا الرجل.

وقرأت كتابه المسمى كتاب «الكرّ والفرّ» على شيخنا أبي عبد اللّه.

وأمّا طبقته فهو في طبقة الكليني ( المتوفّى عام 329هـ) لاَنّ ابن قولويه المتوفّى عام 369هـ من تلامذة الكليني ينقل عنه بالاِجازة، قال النجاشي (عن أبي القاسم جعفر بن محمد): كتب إليَّ الحسن بن أبي عقيل يجيز لي كتاب «المتمسك» وسائر كتبه. (2)

و يحتمل تقدم طبقته على الكليني بشيء يسير ، و ذلك لانّ ابن قولويه ممّن يروي عن سعد كما تقدّم، فيكون ابن أبي عقيل في طبقة سعد بن عبد اللّه القمي الذي توفّي في عام 301هـ أو 299هـ، فمن المحتمل أن يكون متقدّماً على الكليني بقليل.

ويصفه العلاّمة الحلّي بقوله: فقيه ثقة متكلّم، له كتب في الفقه والكلام، منها: كتاب «المتمسك بحبل آل الرسول» كتاب مشهور عندنا، ونحن نقلنا أقواله


1 . عمان كغراب المعروفة في هذه الاَيام بسلطنة عمان.
2 . رجال النجاشي: 1|154 برقم 99.


(232)

في كتبنا الفقهية، وهو من جملة المتكلّمين وفضلاء الاِمامية. (1)

ثمّ إنّ كتبه وإن لم تبق بصورتها، ولكن بقيت بمادّتها، فقد أورد العلاّمة الحلّـي وغيره أقواله في كتبهم الفقهية، وأخص بالذكر كتاب «المختلف» للعلاّمة الحلّـي، ولاَجل ذلك قام مركز المعجم الفقهي في مدينة قم باستخراج آرائه من الكتب الفقهية المتوفرة ونشرها في مجلد واحد.

ثمّ إنّ المعروف أنّ ابن أبي عقيل أوّل من هذّب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الاَُصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، وبعده الشيخ الفاضل ابن الجنيد، وقد ذكره غير واحد من العلماء. (2)

ونقله أيضاً موَلّف «الكنى والاَلقاب». (3)

ولكنّك عرفت أنّ ذلك أمر لا واقع له، بل كان خط الاجتهاد رائجاً منذ عصر الصادقين - عليهما السلام - إلى يومنا هذا، وذكرنا أيضاً أسماء الفقهاء ممّن تقدّموا عليه كالفضل بن شاذان ومن بعده.

ومع الاَسف انّ سيرة ابن أبي عقيل قد اكتنفها كثير من الغموض، فلا نعرف بالضبط أسماء أساتذته وتلامذته، والظاهر انّه كان فقيهاً بعمان، وكانت الصلة بينه وبين الحواضر العلمية ضعيفة، ولاَجل ذلك ينقل عنه فتويان شاذتان ما أفتى بهما غيره إلاّ القليل، كعدم انفعال الماء القليل بمجرّد الملاقاة، ومن قرأ في صلاة السنن في الركعة الاَُولى ببعض السورة وقام في الركعة الاَُخرى ابتدأ من حيث قرأ ولم يقرأ بالفاتحة. (4)


1 . ابن المطهر: الخلاصة:40.
2 . الاَفندي التبريزي: رياض العلماء:1|203.
3 . الكنى والاَلقاب: 1|190.
4 . بحر العلوم: الرجال: 2|214.


(233)

إنّ لابن أبي عقيل فتاوى أُخرى شاذّة، كالتالي:

أ. عدم وجوب طواف النساء.

ب. عدم اشتراط رضى المرأة في نكاح بنت أخيها وبنت أُختها عليها.

ولعلّ مرجع الاَخير هو العمل بعموم قوله:"وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) (1)

في نكاح بنت الاَخ والاَُخت، ولا شكّ انّ الفقه المبني على الاَخذ بالعموم والغفلة عن المخصص والمقيّد يخلق فجوة عميقة فيه.

ومن مبانيه الفقهية أيضاً عدم الاَخذ بخبر الواحد، يقول المحقّق التستري: وكان لا يعمل إلاّ بالاَخبار المتواترة إلاّ أنّه كالمفيد والمرتضى يدّعي التواتر كثيراً في ما لا تواتر فيه، كادّعاء الاِجماع في ما لا إجماع فيه. (2)

5. علي بن أحمد الكوفي (المتوفّـى 352 هـ)

على بن أحمد، أبو القاسم الكوفي صنّف كتباً كثيرة، منها: كتاب «الفقه» على ترتيب المزني. (3)

قال الشيخ الطوسي: علي بن أحمد الكوفي يكنّى أبا القاسم، كان إماميّاً، مستقيم الطريقة، وصنّف كتباً كثيرة سديدة، منها: كتاب «الاَوصياء» وكتاب في الفقه على ترتيب المزني، ثمّ خلط. (4)


1 . النساء: 24.
2 . التستري: قاموس الرجال:3|198.
3 . رجال النجاشي: برقم 689، و المزني تلميذ الشافعي.
4 . فهرست الشيخ: برقم 391.


(234)

6. علي بن بابويه الصدوق الاَوّل (المتوفّـى 329 هـ)

عرّفه النجاشي بقوله: «علي بن بابويه القمّي، أبو الحسن شيخ القمّيين في عصره ومتقدّمهم، وفقيههم وثقتهم، ثمّ ذكر أسماء كتبه التي منها: كتاب «الشرائع» وهي الرسالة إلى ابنه» (1) ومن المحتمل جداً انّه نفس كتاب فقه الرضا، وهو متن فقهي يشتمل على أكثر الاَبواب والمسائل، وهو كتاب بديع يعرب عن أنّ الموَلف كان خبيراً بالاَخبار، فقد استخرج الفتاوى منها بعد تخصيص العام بالخاص، وتقييد المطلق بالمقيد، إلى غير ذلك من شوَون الجمع بين الروايات والخروج بالفتوى، مات عام تسع وعشرين وثلاثمائة.

إنّ علي بن بابويه أوّل من أعدّ متناً فقهياً من متون الروايات بحذف أسانيدها وأسماه بكتاب «الشرائع» وقد حذا ولدُه حذوه في تأليف «المقنع» (2)

يقول في مقدّمة كتابه: إنّي صنّفت كتابي هذا وسمّيته كتاب «المقنع» لقنوع من يقرأه بما فيه، وحذفت الاَسناد فيه لئلاّ يثقل حمله، ولا يصعب حفظه، ولا يملَّ قارئه إذ كان ما أبيّنه فيه، في الكتب الاَُصولية موجوداً مبيناً على المشايخ العلماء الفقهاء، الثقات. (3)

لقد عاش شيخنا في العصر العباسي قبل تسلم البويهيّين منصَّة الحكم في العراق سنة 334هـ، وقد استوطن قم المحمية التي كانت في أوان عصر الغيبة وعهد نيابة الاَبواب الاَربعة، مركزاً فقهياً من مراكز البحث الفقهي استقطبت الفقهاء والمحدّثين من بلاد الشيعة.


1 . الرجال: النجاشي:2، رقم 682.
2 . البحار:107|30.
3 . الصدوق : المقنع: 5.


(235)

روى الشيخ الطوسي قال: أنفذ الشيخ حسين بن روح كتاب «التأديب» (1) إلى قم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها، وقال لهم: انظروا في هذا الكتاب، وانظروا فيه شيء يخالفكم؛ فكتبوا إليه أنّه كلّه صحيح، وما فيه شيء يخالف إلاّ قوله في الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كلّ واحد صاع. (2)

فهذا يعرب عن مكانة قم في عصر النائب الثالث، المتوفّى عام 326هـ.

وكما أنّ الشيخ الحسين بن روح يستمد من علماء قم وفقهائهم، كذلك يستمد فقهاء تلك البلدة من علوم الشيخ.

روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمّي، قال: وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح رضي اللّه عنه على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل انفذت من قم يسأل عنها هل هي جوابات الفقيه - عليه السّلام - أو جوابات محمد بن علي الشلمغاني، لاَنّه حكي عنه انّه قال: هذه المسائل أنا أجبت عنها.

فكتب إليهم على ظهر كتابهم: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمّنته، فجميعه جوابنا عن المسائل، ولا مدخل للمخذول الضال المضل المعروف بالعزاقري لعنه اللّه في حروف منه ... . (3)

7. أبو الحسين الناشىَ (271 ـ 366هـ)

علي بن عبد اللّه بن وصيف، من أهل بغداد، المكنّى بأبي الحسين


1 . كتاب التأديب تأليف نفس الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح. راجع الذريعة:3|210.
2 . الطوسي: الغيبة: 390، الحديث 357.
3 . الطوسي: الغيبة:373 برقم 345.


(236)

الناشىَ، كان متكلماً شاعراً مجوداً، و له كتب، وكان يتكلم على مذهب أهل الظاهر في الفقه أخبرنا عنه الشيخ المفيد (رحمه الله). (1)

وقال محقق فهرس الشيخ الطوسي: قصد سيف الدولة وأهداه شعره في مسجد الكوفة، فحضر مجلسه المتنبي وهو صغير. ولد سنة 271 وتوفي ببغداد سنة 366.

وقال الاَفندي التبريزي: هو الشيخ أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن وصيف الناشىَ الاَصغر الحلاّء المتكلّم البغدادي. الفاضل العالم الكامل الشاعر الاَديب، من مشايخ الشيخ المفيد، كما هو الظاهر من عبارة الفهرست.

ولعلّ النمط الذي اختاره في الفقه هو تجريد النصوص عن الاَسانيد، وعدم الخروج عن حرفيتها في ضمن عدم الاعتقاد بالقواعد العقلية.

8. محمد بن أحمد بن الجنيد (المتوفّى381هـ)

محمد بن أحمد بن الجنيد، أبو علي الكاتب الاسكافي، قال النجاشي: وجه في أصحابنا، ثقة، جليل القدر، صنّف فأكثر، وسمعت بعض شيوخنا يذكر انّه كان عنده مال للصاحب - عليه السّلام - وسيف أيضاً. ثمّ ذكر فهرست كتبه، منها:«تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة». (2)

قال الشيخ الطوسي: كان جيد التصنيف حَسَناً، إلاّ أنّه كان يرى القول بالقياس، فتركت لذلك كتبه ولم يعوَّل عليها، وله كتب كثيرة، منها: كتاب «تهذيب الشيعة لاَحكام الشريعة» كبير نحو من عشرين مجلداً، يشتمل على


1 . الطوسي: الفهرست، برقم 385، وله ترجمة في وفيات الاَعيان:3|369، وفي الرياض: 4|137.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 1048.


(237)

عدد كتب الفقه على طريق الفقهاء، وكتاب «المختصر الاَحمدي للفقه المحمدي» في الفقه مجرّداً، ثمّ ذكر أسماء بقية كتبه. (1)

ويظهر من الشيخ انّ التهذيب كان كتاباً استدلالياً، والمختصر الاَحمدي يتضمن فتاواه.

وقال العلاّمة بحر العلوم في «الفوائد الرجالية»: أبوعلي الكاتب الاسكافي من أعيان الطائفة، وأعاظم الفرقة، وأفاضل قدماء الاِمامية، وأكثرهم علماً وفقهاً وأدباً، وأكثرهم تصنيفاً، وأحسنهم تحريراً، وأدقّهم نظراً، متكلم فقيه، محدّث، أديب، واسع العلم، صنّف في الفقه والكلام والاَُصول والاَدب والكتابة وغيرها، تبلغ مصنّفاته عدا أجوبة مسائله نحواً من خمسين كتاباً، ثمّ ذكر كتبه. (2)

وقد أطراه العلاّمة في «خلاصته». (3)

أقول: إنّ القياس على أقسام أربعة:

1. العمل به فيما إذا كانت العلّة منصوصة، كما إذا قال: لا تشرب الخمر، لاَنّه مسكر.

2. قياس الاَولوية، وهو قياس الاَقوى غير المنصوص على الاَضعف المنصوص، كما إذا قال: لا تأكل ذبيحة أهل الكتاب، فيعلم منه حرمة أكل ذبيحة المشرك بوجه أولى.

3. المناط القطعي فيما إذا وقف المجتهد على وجه القطع واليقين انّ مناط الحكم هو هذا، كما إذا قال: لا تأكل ذبيحة اليهودي ووقف على انّ المناط كونه


1 . الطوسي: الفهرست: برقم 602.
2 . بحر العلوم: القواعد الرجالية:2|205.
3 . خلاصة الرجال:145.


(238)

كافراً فيقيس عليه ذبيحة النصراني. فالعمل بالقياس في هذه الصور الثلاث جائز.وإن كان الخوض في تحصيل مناطات الاَحكام أمراً محظوراً.

4. المناط الظني وتحصيله بالوجوه والاعتبارات وهذا النوع من القياس الناتج عن التخرصات الظنية من غير حصول القطع هو الممنوع.

ولم يعلم أنّ ابن الجنيد قد عمل بالقياس في القسم الاَخير، ولعلّ عمله كان في الاَقسام الثلاثة الاَُول.

وهناك احتمال آخر وهو أن يكون عمله لاَجل الاستدلال بالقياس على المخالف.

وعلى كلّ تقدير فالاِطراء الذي يذكره العلاّمة عن صفي الدين محمد بن معد، وما يذكره هو نفسه يعرب عن كونه على جلالة في الفقه.

قال العلاّمة: وجدت بخط السعيد صفي الدين محمد بن معد ما صورته: وقع إليّ من هذا الكتاب مجلد واحد، وقد ذهب من أوّله أوراق، تصفّحته ولمحت مضمونه، فلم أر لاَحد من الطائفة كتاباً أجود منه، ولا أبلغ، ولا أحسن عبارة، ولا أدق معنى، وقد استعرض فيه الفروع والاَُصول، وذكر الخلاف في المسائل واستدل بطريق الاِمامية وطريق مخالفيهم. (1) وهذا الكتاب إذا أُمعن النظر فيه، وحصلت معانيه، وأُديم الاِطالة فيه، علم قدره وموقعه، وحصل به نفع كثير لا يحصل من غيره.

وقال العلاّمة: وأقول قد وقع إليّ من كتب هذا الشيخ المعظّم الشأن كتاب «الاَحمدي في الفقه المحمدي» وهو كتاب جيد، يدل على فضل هذا الرجل


1 . وهذا يعرب عن أنّ الاستدلال بالقياس ونحوه لاَجل إقناع المخالف.


(239)

وكماله وبلوغه الغاية القصوى في الفقه وجودة نظره، وأنا ذكرت خلافه وأقواله في كتاب «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة». (1)

وقد اعتنى بأقواله وفتاويه كثير من المحقّقين، كالسيد المرتضى، وابن إدريس في «السرائر» و المحقّق الحلّـي في «المعتبر»، والشهيدين، والسيوري، وابن فهد، والصيمري، والمحقّق الكركي، وغيرهم وكلّ ذلك يجلب الاعتماد إلى الموَلِّف والموَلَّف.

هذا ما يمكن الدفاع عن الرجل ومنهجه وكتبه، ولكن هناك ما يصدّنا عن التصديق ببعض ما ذكرنا، فإنّ مسلك الرجل لم يكن مورد الرضا لاَعلام الاَُمّة، كالمرتضى والمفيد الذي أفرد على نقد مسلكه رسالتين ذكرهما النجاشي عند ترجمة المفيد.

1. نقض رسالة الجنيدي إلى أهل مصر.

2. النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي. (2)

ولم يصل إلينا شيء من تينك الرسالتين.

كما انّه ردّ عليه في ثنايا كتابيه «المسائل الصاغانية» و«المسائل السروية» المطبوعتين، فقال في المسائل الصاغانية: (3)

قال هذا الشيخ الجاهل (يريد الشيخ الحنفي المتحامل على الشيعة): قد


1 . بحر العلوم: الفوائد الرجالية:3|209ـ210، نقلاً عن إيضاح الاشتباه للعلاّمة الحلّي.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 1048.
3 . هذا الكتاب جملة مسائل وردت على شيخنا المفيد، وهي عشر مسائل من مختلف أبواب الفقه شنّع بها فقيه حنفي على الشيعة الاِمامية، وادّعى انّهم خارجون بها عن الاِيمان، مخالفون لنصوص القرآن. فأجاب عنها الشيخ المفيد وسمّـاها بالمسائل الصاغانيّة.


(240)

وصل إلى نيسابور في سنة 340هـ (1) رجل من هوَلاء الرافضة يعرف بالجنيدي يدّعي معرفة بفقههم ويتصنّع بالنفاق لهم... ثمّ إنّ الشيخ المفيد بعد كلام طويل ردّ به على الفقيه الحنفي، قال في حقّ ابن الجنيد ما يلي: فأمّا شهادتك بجهل الجنيدي فقد أسرفت بما قلت في معناه وزدت في الاِسراف ولم يكن كذلك في النقصان، وإن كان عندنا غير سديد فيما يتحلّى به من الفقه ومعرفة الآثار، لكنّه مع ذلك أمثل من جمهور أئمتك، وأقرب منهم إلى الفطنة والذكاء.

فأمّا قوله بالقياس في الاَحكام الشرعية واختياره مذاهب لاَبي حنيفة وغيره من فقهاء العامة لم يأت بها أثر عن الصادقين - عليهم السلام - ، فقد كنّا ننكره عليه غاية الاِنكار، ولذلك أهمل جماعة من أصحابنا أمره واطَّرحوه، ولم يلتفت أحد منهم إلى مصنّف له ولا كلام. (2)

وقال في المسائل السروية:وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر، ولقبها بـ«المسائل المصرية» وجعل الاَخبار فيها أبواباً، وظنّ أنّها مختلفة في معانيها، ونسب ذلك إلى قول الاَئمّة - عليهم السلام - فيها، بالرأي.

وأبطلت ما ظنّه في ذلك وتخيّله، وجمعت بين جميع معانيها، حتى لم يحصل فيها اختلاف، فمن ظفر بهذه الاَجوبة وتأمّلها بإنصاف، وفكر فيها فكراً شافياً، سهل عليه معرفة الحقّ في جميع من يظن انّه مختلف، و يتيقن ذلك ممّا يختص بالاَخبار المروية عن أئمّتنا - عليهم السلام - . (3)

فهذه النصوص من الشيخ المفيد توقفنا على أنّ ابن الجنيد كان متأثراً


1 . هذا يعرب عن أنّ ابن الجنيد كان في تلك السنة في نيسابور.
2 . المفيد: المسائل الصاغانية:56ـ 59، في ذيل المسألة الاَُولى، ولاحظ أيضاً ص 61، ولاحظ من الطبعة القديمة ص 249ـ250.
3 . المفيد: المسائل السروية:75ـ 76، الطبعة الحديثة.


(241)

بالاَساليب الفقهية للعامة.

ثمّ الاَعجب من العمل بالقياس هو جعل سبب الاختلاف في الاَخبار المروية عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - هو إفتاء الاَئمّة بالرأي كما هو صريح كلام الشيخ المفيد ، أعني قوله:«وظنّ أنّها مختلفة في معانيها، ونسب ذلك إلى قول الاَئمّة - عليهم السلام - فيها بالرأي».

ثمّ إنّ السيد بحر العلوم اعتذر عن زلّته بعدم بلوغ الاَمر فيه إلى حد الضرورة، فإنّ المسائل قد تختلف وضوحاً وخفاء باختلاف الاَزمنة والاَوقات، فكم من أمر جلي ظاهر عند القدماء قد اعتراه الخفاء في زماننا، لبعد العهد وضياع الاَدلّة؟ وكم من شيء خفي في ذلك الزمان قد اكتسى ثوب الوضوح والجلاء باجتماع الاَدلّة المنتشرة في الصدر الاَوّل، أو تجدّد الاِجماع عليه في الزمان المتأخر، ولعلّ أمر القياس من هذا القبيل؟ (1)

وقال النجاشي: توفي ابن الجنيد بالري سنة 381هـ، وقد اتّفق موته وموت الصدوق الثاني في سنة واحدة، ويظهر من رسالة الشيخ الحنفي انّه زار نيسابور عام340هـ كما مرّ .

9. محمد بن مسعود العياشي ( المتوفّى حوالي 320هـ)

محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السلميّ السمرقندي، أبو النضر المعروف بـ «العياشي».

قال النجاشي: ثقة، صدوق، عين من عيون هذه الطائفة، وكان يروي عن


1 . بحر العلوم: الرجال: 3|215.


(242)

الضعفاء كثيراً، وكان في أوّل أمره عامّي المذهب، وسمع حديث العامة فأكثر منه، ثمّ تبصّر وعاد إلينا، سمع أصحاب الحسن بن علي بن فضّال وعبد اللّه بن محمد ابن خالد الطيالسي وجماعة من شيوخ الكوفيّين والبغداديّين والقمّيين.

قال أبو جعفر الزاهد (أحمد بن عيسى بن جعفر العلوي العمري وكان من أصحاب العياشي): أنفق أبو النضر على العلم والحديث تركة أبيه سائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قارىَ أو معلّق مملوءة من الناس، ثمّ ذكر أسماء كتبه في مختلف المجالات وفي الفقه كثيراً. (1)

وعرّفه الشيخ الطوسي بقوله: محمد بن مسعود العياشي من أهل سمرقند، وقيل انّه من بني تميم، يكنّى أبا النضر، جليل القدر، واسع الاَخبار، بصير بالروايات مطّلع عليها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنّف ذكر فهرست كتبه التي ذكرها ابن إسحاق النديم. (2)

أقول: لعب الزمان بعامة ما كتبه إلاّ تفسيره المعــروف بـ «تفسير العياشي» يشتمل المطبوع منه على تفسير القرآن من أوّله إلى آخر سورة الكهف ولم يطبع الجزء الثاني، ومع ذلك فقد أُصيب الموجود منه بأضرار كبيرة، وذلك لاَنّ جلّ رواياته كانت مسندة، فاختصرها بعض النساخ بحذف الاَسانيد.

10. جعفر بن محمد بن قولويه القمي (المتوفّى 367هـ)

جعفر بن قولويه القمي من مشايخ الاِمامية وأعيانها، قال النجاشي: أبو القاسم من خيار أصحاب سعد، وكان من ثقات أصحابنا وأجلاّئهم في الحديث والفقه، روى عن: أبيه وأخيه عن سعد، وعليه قرأ شيخنا أبو عبد اللّه (المفيد)


1 . النجاشي: الرجال: برقم 945.
2 . الطوسي: الفهرست: 163، برقم 605.


(243)

الفقه، ومنه حمل، وكلّ ما يوصف به الناس من جميل وفقه فهو فوقه، ثمّ ذكر أسماء كتبه، وقال: قرأت أكثر هذه الكتب على شيخنا أبي عبد اللّه المفيد(رحمه الله) وعلى الحسين ابن عبيد اللّه (رحمه الله). (1)

وكفى في فضله انّ شيخنا المفيد من تلامذته وخريجي مدرسته في الفقه، وقد وصفه النجاشي بما لم يصف به أحداً في رجاله.

يقول الشيخ الطوسي: جعفر بن محمد بن قولويه القمّي يكنّى (أبا القاسم) ثقة، له تصانيف كثيرة على عدد أبواب الفقه. (2)

ويتبادر من تعبير الشيخ انّ تصانيفه كانت إمّا بتجريد المتون عن الاَُصول كما هو الرائج في تلك الاَزمنة، أو صب الفقه في قوالب خاصة.

وعلى أية حال فهو من الفقهاء العظام ممّن كان لهم دور عظيم في منهجة الفقه، كيف وهو ممّن ألّف كتباً كثيرة على عدد أبواب الفقه كما صرّح به الشيخ في «الفهرست»؟!

وترجمه الشيخ في «رجاله» في باب من لم يرو عنهم - عليهم السلام - برقم 5، فلاحظ.

وفي خلاصة العلاّمة انّ وفاته كانت في سنة 369هـ، وفي «الفهرست»: 368هـ ، ولعلّ الاَوّل أقرب. (3)

ويظهر من اتصاله بابن أبي عقيل نزيل عمان انّه كان على اتصالات وثيقة مع مراكز العلم والفتيا آنذاك.

وقد قصد الحج ووصل بغداد عام 337هـ في السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت. (4)


1 . النجاشي: الرجال: برقم 316.
2 . الطوسي: الفهرست: برقم 141.
3 . لاحظ المستدرك للعلاّمة النوري: 3|524، الفائدة الثالثة.
4 . لاحظ المستدرك للعلاّمة النوري: 3|524، الفائدة الثالثة.


(244)

11. محمد بن علي بن الحسين الصدوق (306ـ381هـ)

رئيس المحدّثين على الاِطلاق، وفقيه الاِمامية ووجههم، وصدوق الطائفة، المولود بدعوة صاحب الاَمر، المخصوص بحقّ رعايته وألطافه، الشيخ الفقيه المحدّث أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، ولد في محتد طيب وبلدة عريقة أي مدينة قم، وتربّى في بيت رفيع عرف بالصلاح والعلم وزعامة الدين، وقد تتلمذ على أبيه وتخرّج على يديه، ثمّ هاجر من قم واختلف إلى حواضر العلم لتبادل السماع والاسماع مع المحدّثين وأئمّة العلم.

قال النجاشي بعد ذكر اسمه: أبو جعفر، نزيل الري، شيخنا وفقيهنا، ووجه الطائفة بخراسان، وكان ورد بغداد سنة 355هـ ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السن، ثمّ ذكر أسماء كتبه وذكر أنّه ينقل كتب الصدوق عن طريق والده وهو علي بن أحمد بن العباس النجاشي، وهو الواسطة الوحيدة بينه وبين الصدوق، فإنّ الوالد قد تتلمذ على الصدوق وسمع كتبه، ومات الصدوق بالري سنة (381هـ). (1)

ويقول شيخ الطائفة في «رجاله»: جليل القدر، حفظة، بصير بالفقه والاَخبار والرجال، له مصنّفات كثيرة. (2)

وقال في «فهرسته»: محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، يكنّى أبا جعفر، كان جليلاً، حافظاً للاَحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للاَخبار، لم ير في القمّيين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنّف وفهرست كتبه معروف. (3)

ثمّ ذكر أسماء كتبه.


1 . النجاشي: الرجال: 311، برقم 1050.
2 . الطوسي: الرجال: 495، برقم 25، في باب «من لم يرو عن الاَئمّة».
3 . الطوسي: الفهرست: 184، برقم 709.


(245)

قال الخطيب البغدادي: كان من شيوخ الشيعة ومشهوري الرافضة، حدّثنا عنه محمد بن طلحة النعالي. (1)

وقال الذهبي: رئيس الاِمامية، أبو جعفر محمد بن العلاّمة علي بن الحسين ابن موسى بن بابويه القمّي، صاحب التصانيف السائرة بين الرافضة، يضرب في حفظه المثل، يقال له (300) مصنف. (2)

وكفى في جلالته انّه تخرّج عليه شيخنا المفيد، قال ابن إدريس: كان ثقة، جليل القدر، بصيراً بالاَخبار، ناقداً للآثار، عالماً بالرجال، حفظة، وهو أُستاذ شيخنا المفيد محمد بن محمد بن النعمان. (3)

وقد سبق منّا ذكر أسماء مشايخه وتلامذته.

يظهر من التدبّر في الكتب الفقهية الموَلّفة في القرن الرابع أنّه كانت الفتاوى في ذلك العصر تستعرض على نحوين.

أحدهما: ما كان عليه الصدوق ووالده وغيرهم من الاِفتاء بنصوص الروايات تقريباً، مع تجريدها عن الاَسانيد، وعلى ذلك ألّف الوالد كتاب «الشرائع» الذي هو الكتاب المعروف بـ«فقه الرضا» في هذه الاَيام. وألّف الولد كتاب «الهداية» و«المقنع»، فهما ومن تبعهما كانوا مجتهدين مستنبطين يستعملون النظر في استنباط الاَحكام بتميز الصحيح عن غيره بعد تقييد المطلق بقيده وتخصيص العام بخاصه دون الخروج عن النصوص الواردة في السنّة، وقد دام هذا النمط من الاجتهاد بعد مضيهما وألّف الشيخ الطوسي «النهاية» على غرار ذلك النمط.


1 . الخطيب: تاريخ بغداد:3|89.
2 . الذهبي: سير أعلام النبلاء: 16|303.
3 . ابن إدريس: السرائر: 2|529.


(246)

ويظهر من مقدّمة المبسوط انّ هذا النمط كان أكثر رواجاً في القرن الرابع.(1)

والثاني: استنباط الاَحكام من الكتاب والسنّة والقواعد العقلية التي دلّ عليها العقل الصريح وطبيعة ذلك الاجتهاد هو الخروج عن دائرة النصوص، وعلى ذلك جرى ابن أبي عقيل في كتابه «المتمسك بحبل آل الرسول»، وابن الجنيد في «تهذيبه»، والمرتضى في «انتصاره»، و الشيخ في «مبسوطه».

قد مضى أنّ النمطين كانا موروثين من فقهاء عصر الحضور، فقد عرفت أنّ زرارة ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان كانوا مستنبطين ومفتين لا بلفظ النصوص بل كانوا يصبّون ما استنبطوه من الاَدلّة في قالب التعبير.

وبذلك نقف على أنّ الدور الثاني كان امتداداً للدور الاَوّل بإضافة المنهجية في مجالي الحديث والاجتهاد، فظاهرة الاجتهاد بمعناه الحقيقي كانت سائدة في الدور الاَوّل، ولكنّها ارتقت وتكاملت عبر الدور الثاني بكلا النمطين: الاِفتاء بلفظ النصوص وهو الذي كان سيدنا البروجردي يعبّر عنه بالفقه المتلقّى عن أئمّة أهل البيت والاَولى التعبير عنه بالفقه المنصوص، والفقه الخارج عن نطاق النصوص معتمداً على الاَدلّة الشرعية.

12. محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336ـ413هـ)

لا عتب على اليراع إذا وقف عاجزاً أمام تحديد معالم شخصية إسلامية فذّة كشخصية الشيخ المفيد، فهو كالنجم اللامع في سماء العلم والحديث، وكقطب الرحى لكافة الفضائل الاِنسانية، فقد آلت إليه زعامة الشيعة في بغداد أواخر القرن الرابع التي كانت تعجّ بالتيارات الفكرية المختلفة، فمن سلفي لا همّ


1 . الطوسي: المبسوط:12|1.


(247)

له سوى أخذ الحديث وجمعه من كلّ من هبّ و دب، إلى معتزلي لا يقيم للسنّة وزناً ويعتمد على العقل في كافة المجالات، إلى أشعري يحاول صياغة السلفية بأُطر عقلية، إلى زيدي يقتفي إثر المعتزلة في الاَُصول، و الحنفية في الفروع، إلى غير ذلك من التيارات الفكرية التي كانت رائجة في تلك الاَزمنة. التي حاولت القضاء على الفكر الشيعي الاِمامي.

فوسط هذا العجاج بزغ نجم شيخنا المفيد (رحمه الله) فقام خير قيام بتثبيت الهوية الفكرية الشيعية، وتصدّى للمخالفين خصوصاً من يتّهمون المذهب الاِمامي بأقاويل فاسدة وينسبون إليه آراءً زائغة قصداً للتشنيع والتنكيل، كالقول بالجبر والتشبيه والتجسيم التي هي على جانب النقيض من عقائد الشيعة.

وقد كان ليراعه وبيانه أثر بالغ في إخضاع المخالف للعقيدة الحقّة وتبكيته على وجه اعترف به الموافق والمخالف، فهذا هو اليافعي يعرّفه في «تاريخه» في حوادث سنة 413هـ بقوله:

توفي فيه عالم الشيعة وعالم الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.

قال ابن أبي طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس.

وقال غيره: كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد وكان ربعة نحيفاً أسمر، عاش ستاً وسبعين سنة، وله أكثر من مائتي مصنّف، وكانت جنازته مشهودة، وشيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة، وأراح اللّه منه، وكان موته في رمضان. (1)


1 . اليافعي: التاريخ:3|28، طبعة 1338هـ.


(248)

أقول: إنّ كلام اليافعي خير شاهد على جلالة الشيخ، ووفور علمه، وعظمة منزلته عند الموافق والمخالف وإنّه ببيانه و بيراعه ضيّق الخناق على أعدائه حتى تُلقّيتْ وفاته بالراحة لهم.

وقال ابن كثير: المفيد شيخ الاِمامية الروافض، والمصنّف لهم، والمحامي عن حوزتهم، كانت له وجاهة عند ملوك الاَطراف لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيّع. (1)

وكم للموافق والمخالف من جمل درّية في حقّ شيخنا المفيد، فلنذكر كلمتين من تلميذيه(وكم له من تلامذة برعوا في مجالات شتّى).

يقول النجـاشي ـ بعدمـا يسوق نسبـه إلى يعرب بن قحطان ـ: شيخنــا وأُستاذنا رضي اللّه عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم، ثمّ ذكر أسماء كتبه الهائلة وقال: مات (رحمه الله) ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شهر رمضان سنة413هـ، وكان مولده يوم الحادي عشر من ذي القعدة سنة 336هـ، وصلّى عليه الشريف المرتضى بميدان الاشنان وضاق على الناس مع كبره،ودفن في داره سنين،ونقل إلى مقابر قريش بالقرب من السيد أبي جعفر - عليه السّلام - .(2)

وقال تلميذه الآخر الشيخ الطوسي: من أجلّة متكلّمي الاِمامية، انتهت إليه رئاسة الاِمامية في وقته، وكان مقدّماً في العلم وصناعة الكلام، وكان فقيهاً متقدماً فيه، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، وله قريب من مائتي مصنّف كبار وصغار، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه وكثرة البكاء من المخالف و الموالف. (3)


1 . ابن كثير: البداية والنهاية:12|15.
2 . النجاشي: الرجال: برقم 1068.
3 . الطوسي: الفهرست: برقم 710.


(249)

«المقنعة» أثره الخالد في الفقه

لقد ترك شيخنا المفيد تراثاً فقهياً حيث انتهج منهجاً وسطاً بين الجمود على النصوص والتوسّع في التفريعات المستمدة من القياس والاستحسان، وكتابه المقنعة قد سبك على هذا السبك، فليس كتابه متناً حديثياً فقهياً محضاً لا يخرج عن حيطة الروايات، ولا كتاباً تفريعياً تخريجياً يتوسّع في الاستدلال، ويحتوي كتابه على أبواب الفقه جميعاً، وأنت إذا قارنت بين هذا الكتاب وما ألّفه أُستاذه قبله كالمقنع للصدوق وما نقل عن القديمين (ابن أبي عقيل وابن الجنيد) من الفتاوى لوجدته كتاباً متوسطاً بينهما.

إنّ شيخنا المفيد بتأليفه هذا الكتاب وغيره أضفى للفقه الاِمامي ثوباً جديداً، فأخرج الفقه عن حصار الوقوف على النصوص كما كان عليه الصدوقان كما حدّده بقواعد لها رصيد في الكتاب والسنّة، من دون أن يتعبّد بما لم ينزل بها من سلطان كالقياس والاستحسان، وكأنّه تبع نهج ابن أبي عقيل الذي كان يثني عليه ويطريه ثناءً على شخصيته ومنهج فقهه، فما هوالمعروف انّ المقنعة فقه منصوص فليس على صواب.

نعم ليس هو كتاباً تفريعياً تخريجياً كالمبسوط وغيره.

وأمّا سائر موَلّفاته الفقهية فقد ذكر أسماءها تلميذه النجاشي في «رجاله»، فلاحظ. (1)


1 . النجاشي: الرجال: برقم 1068.


(250)

البصمات التي تركها المفيد على الفقه الاِمامي

1. نحل الشيخ المفيد للفقه الاِمامي منهجية موضوعية بعيدة عن الجمود والتزمّت الذي كان عليه المحدّثون، وعن الاَساليب التي كانت على الخلاف من أُصول أئمّة أهل البيت كالعمل بالقياس والاستحسان وغيرهما، ففي هذا الجو المشحون بالتفريط والاِفراط أخذ الشيخ بزمام الفقه ونفض عنه غبار الجمود وجعله في منحى التكامل والازدهار.

فبينما تجد أنّه كان يندّد بكل محدث لا يأبى بما أخذ وعمّن أخذ ويعمل بخبر الواحد دون اكتراث في جميع المجالات، كان يندّد أيضاً بمن حاول تبسيط الفقه وفق القياس والاستحسان، و أثبت بذلك الهوية الفكرية والفقهية للشيعة الاِمامية وحدّد معالمها بعدما تعرّض الفقه لمنعطفات حرجة كادت تقوِّض كيانه.

وقد كان شيخنا الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني(1299ـ1392هـ) يحكي عن أُستاذه شيخ الشريعة الاصفهـاني (1266ـ 1339هـ) أنّه قال: إنّ لبعض الفقهاء حقاً عظيماً في تثبيت الهوية الفكرية للشيعة في سالف الزمان، منهم: الشيخ المفيد فقد جعل الفقه ينحو منهج أهل البيت - عليهم السلام - صائناً له عن التحريف والاِضلال.

2. انّ لاَكثر فقهائنا مع تثبتهم في الفقه فتاوى شاذة تخالف فتاوى مشاهير الفقهاء، ولكن شيخنا المفيد في منأى عن هذه الوصمة، فمع أنّه تتلمذ على أيدي أهل القياس والاستحسان، ولكنّه لم يتأثر بأفكارهم قيد أنملة، وقد أبعد القياس والاستحسان والاستصلاح عن فقهه.

3. يعد الشيخ المفيد أوّل من صنّف كتاباً جامعاً في أُصول الفقه مشتملاً على جميع الاَبواب، فإنّ من تقدّمه من العلماء ألّفوا رسائل خاصة في بعض


(251)

موضوعات علم الاَُصول ولم يصل إلينا كتاب جامع لجميع أبوابه، ومن هوَلاء:

أ. هشام بن الحكم صنّف كتاب «الاَلفاظ».

ب. يونس بن عبد الرحمن صنّف كتاب «اختلاف الحديث».

ج. أبو سهل النوبختي صنّف كتاب «الخصوص والعموم».

د. الحسن بن موسى النوبختي ألّف كتاب «خبر الواحدوالعمل به»، وكتاب «الخصوص والعموم».

هـ. ابن الجنيد له كتاب «كشف التمويه والالباس على اعمال (1) الشيعة في أمر القياس».

و. أبو منصور السرام النيسابوري له كتاب في إبطال القياس.

ز. محمد بن أحمد بن داود المعروف بـ«ابن داود» له كتاب مسائل الحديثين المختلفين.

لكنّها لا تعدو أن تكون في نطاق مسائل خاصة من علم أُصول الفقه، وقد قام المفيد بتأليف كتاب جامع لمباحث علم الاَُصول الدارجة في تلك الاَزمنة أسمّـاه بـ «التذكرة بأُصول الفقه» (2)، وقد ذكره النجاشي باسم كتاب «أُصول الفقه» وقام تلميذه الكراجكي بتلخيصه في كتابه «كنز الفوائد» المطبوع قديماً وحديثاً.

ثمّ توالى التأليف في أُصول الفقه بعد شيخنا المفيد، فألّف تلميذه المرتضى «الذريعة» في جزءين، كما ألّف تلميذه الآخر الطوسي كتاب «العدّة» وألّف تلميذه الآخر سلاّر الديلمي كتاب «التقريب في أُصول الفقه» إلى غير ذلك.


1 . وفي نسخة: اعمار .
2 . طبع في ضمن مصنفاته لاحظ الجزء 9|5، نشره الموَتمر العالمي بمناسبة الذكرى الاَلفية لوفاة الشيخ المفيد.


(252)

المفيد وابتكاره للفقه المقارن

إنّ الفقيه تارةً يستعرض آراءه الشخصية أو آراء إمام نحلته ويستدل عليها دون أن يستعرض آراء فقهاء بقية النِحَلْ وهذا هو النمط السائد في أكثر الكتب الفقهية.

وأُخرى يستعرض آراءه الشخصية وآراء إمامه مع ذكر آراء فقهاء سائر النحل وذكر حججهم والمناقشة فيها، وهذا اللون من التأليف يتوقف على مقدرة علمية فائقة ليكون الممارس لها قادراً على عرض الآراء وترجيح بعضها على بعض.

وشيخنا المفيد أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه فألّف كتابه «الاِعلام فيما اتفقت عليه الاِمامية من الاَحكام» وجعله ذيلاً لكتاب أوائل المقالات الذي ذكر فيه ما اتّفقت عليه الاِمامية من الاَُصول مع الاِشارة إلى آراء المخالفين، فبالاِمعان في هذين الكتابين يقف القارىَ على آراء الاِمامية في الفقه والعقائد.

وقد ورث تلميذاه هذا اللون من التأليف عنه في الفقه.

فألّف السيد المرتضى «الانتصار» في ما انفردت به الاِمامية مع ذكر آراء الآخرين، كما تبع الشيخ الطوسي أثر أُستاذه فألّف كتاب «الخلاف» حيث ذكر فيه آراء الفقهاء الاِسلاميين وناقشها ورجح منها المذهب المختار.

نعم تكامل ما ابتكره الشيخ المفيد على يد تلميذه الشيخ الطوسي بتأليف كتاب «الخلاف» الذي تمتع بالدقة والعمق والاَمانة في نقل الاَقوال الفقهية من مصادرها الموثوقة حتى أنّ وفداً مصرياً من الجامع الاَزهر زار سيدنا المحقّق البروجردي حوالي سنة 1377هـ فأهدى السيد لهم كتاب «الخلاف» ليكون رمزاً للوحدة.

وقد أعربوا عن رأيهم وإعجابهم بالكتاب بعد مطالعته بدقة وإمعان وأذعنوا بأمانة الشيخ في نقل أقوالهم والاَُسلوب الدقيق المتبع فيه.


(253)

مشايخ الشيخ المفيد

1. أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد القمي. (1)

2. جعفر بن محمد بن قولويه. (2)

3. محمد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الاسكافي. (3)

4. الحسن بن علي بن الحسين بن بابويه. (4)

5. أبو الحسين علي بن عبد اللّه بن وصيف الناشىَ الصغير. (5)

6. عمر بن محمد بن علي الصيرفي المعروف بابن الزيات. (6)

7. محمد بن أحمد بن داود بن علي القمي. (7)

8. محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي. (8) (أبو جعفر الصدوق).

9. أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع الصيمري. (9)

10. أحمد بن جعفر بن سفيان البزوفري. (10)


1 . أمالي المفيد: ص 1.
2 . رجال النجاشي: 318، أمالي المفيد:9.
3 . رجال النجاشي: برقم 1048، فهرست الشيخ برقم 590.
4 . الاِقبال:5، أوّل أعمال شهر رمضان.
5 . فهرست الشيخ: برقم 373.
6 . رجال النجاشي: برقم 1153، أمالي المفيد:22.
7 . رجال النجاشي: برقم 1045، الفهرست، برقم 592.
8 . فهرست الشيخ : برقم 695، أمالي المفيد:9.
9 . فهرست الشيخ: برقم 32 و183، رجال الشيخ الطوسي: 445 برقم 411، الاستبصار:4|308.
10 . رجال الشيخ:443 برقم 35.


(254)

11. أحمد بن محمد بن سليمان الزراري. (1)

12. الحسن بن حمزة بن علي بن عبد اللّه العلوي الحسيني الطبري. (2)

13. الحسن بن عبد اللّه المرزباني. (3)

14. الحسن بن محمد بن يحيى العطشي. (4)

15. الحسن بن علي بن إبراهيم البصري المعروف بالجعل. (5)

16. الحسين بن علي بن سفيان البزوفري. (6)

17. الحسين بن علي بن شيبان القزويني. (7)

18. أبو الطيب الحسين بن علي بن محمد التمار النحوي. (8)

19. زيد بن محمد بن جعفر السلمي (المعروف بابن أبي اليابس). (9)

20. سهل بن أحمد الديباجي. (10)

21. عثمان بن أحمد الدقاق المعروف بابن السماك(المتوفّى344هـ).(11)


1 . رجال النجاشي: برقم 201، أمالي المفيد:20.
2 . رجال النجاشي: برقم 150، أمالي المفيد:8.
3 . أمالي الشيخ: 130، المجلس الخامس.
4 . أمالي الشيخ: 136، المجلس الخامس.
5 . السرائر: 3|648.
6 . رجال الشيخ:466 برقم 27.
7 . مشيخة التهذيب:80.
8 . أمالي المفيد:96.
9 . أمالي الشيخ: 153، المجلس السادس.
10 . الفصول المختارة:2|121.
11 . أمالي المفيد:340.

(255)

22. علي بن عيسى الرماني. (1)

23. محمد بن عمر بن محمد بن سالم بن براء التميمي البغدادي المعروف بالجعابي. (2)

24. محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني. (3)

25. أبوالحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري. (4)

26. مظفر بن محمد البلخي الوراق الخراساني. (5)

تلامذة الشيخ المفيد

أشار ابن أبي طي إلى كثرة تلامذة الشيخ المفيد، ولكن لم تذكر كتب التراجم إلاّ أسماء عدد قليل منهم، ورغم قلّة ما ذكر فإنّه يلاحظ بينهم وجوه علمية لامعة، وسأذكر فيما يلي جملة من تلامذته:

1. إسحاق بن الحسن بن محمد البغدادي. (6)

2. جعفر بن محمد الدوريستي(380ـ كان حياً عام 473هـ). (7)

3. الحسن بن عنبس بن مسعود بن سالم بن محمد شريك المرافقي. (8)


1 . السرائر: 3|648.
2 . رجال النجاشي: برقم 1055، فهرست الشيخ برقم 641، أمالي المفيد:14.
3 . فهرست الشيخ برقم 52.
4 . فرج المهموم:236.
5 . رجال النجاشي: برقم 1130، أمالي المفيد:286.
6 . لسان الميزان:1|360 برقم 1106.
7 . فهرست الشيخ منتجب الدين:66.
8 . لسان الميزان:2|242 برقم 1118.

(256)

4. الحسين بن أحمد بن محمد بن القطان (كان حياً عام 420هـ). (1)

5. ذو الفقار بن معبد الحسني(المتوفّـى 536). (2)

6. سلاّر بن عبد العزيز الديلمي (المتوفّـى 448). (3)

7. علي بن الحسين الموسوي المعروف بالسيد المرتضى(355 ـ 436هـ).

8. أبو الحسن علي بن محمد الدقاق. (4)

9. أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ).

10. أبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري(المتوفّـى 463هـ).

11. محمد بن الحسين الموسوي المعروف بالسيد الرضي (359 ـ 406هـ).

12. أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي (المتوفّـى 449هـ).

13. أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد البصري (المتوفّـى 443). (5)

14. أبو الفرج مظفر بن علي بن الحسين الحمداني. (6)

15. أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني (المتوفّـى 424هـ).(7)

إنّ النهج الذي اختطه الشيخ المفيد في الفقه والاَُصول والكلام بقي يفيض عطاءً على يد تلاميذه وتلامذة تلاميذه، وكأنّها صارت كلمة باقية في عقبه، فقد استنار من علومه أكابر العلماء والفضلاء عبر الزمان، وما زالت كتبه اليوم مصدر إلهام وإشعاع تنير الدرب امام رواد العلم والمعرفة.


1 . لسان الميزان:2|267، برقم 1115.
2 . البحار: 107|156.
3 . فهرست الشيخ منتجب الدين:85، الحاشية.
4 . أمالي المفيد: بداية المجلسين:17و20.
5 . تقريب المعارف:122.
6 . فهرست الشيخ منتجب الدين:156.
7 . تاريخ طبرستان:101.

(257)

13. السيد المرتضى (355ـ 436هـ)

كان لمدرسة المفيد التي أسّسها في حاضرة العالم الاِسلامي معطيات جمة وثمرات يانعة، حيث أنجبت أعلاماً وأفذاذاً للاَُمّة يضنُّ بهم الدهر إلاّ في فترات خاصة، منهم: السيد علي بن الحسين بن محمد، الذي ينتهي نسبه إلى الاِمام موسى ابن جعفر بخمس وسائط، يعرّفه تلميذه النجاشي بقوله:

حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر، وكان متكلماً شاعراً أديباً، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، ثمّ ذكر أسماء كتبه وقال: إنّه مات(رض) لخمس بقين من شهر ربيع الاَوّل سنة 436هـ. وصلّى عليه ابنه في داره، وتولّيتُ غسله ومعي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز. (1)

ويقول تلميذه الآخر الشيخ الطوسي: كنيته أبو القاسم، لقبه علم الهدى، الاَجل المرتضى، متوحّد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدّم في العلوم، مثل علم الكلام والفقه وأُصول الفقه والاَدب والنحو والشعر ومعاني الشعر واللغة وغير ذلك؛ له ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت، ثمّ ذكر أسماء تصانيفه.

إنّ نواحي فضل سيدنا المبجّل لا تنحصر بواحدة ولا انّ مآثره معدودة فإلى أي فضيلة نحوت فله فيها الموقف الاَسمى، فهو إمام الفقه، وموَسس أُصوله، وأُستاذ الكلام، ونابغة الشعر، وراوية الحديث، وبطل المناظرة، والقدوة في اللغة، والاَُسوة في العلوم العربية كلّها، وهو المرجع في تفسير كتاب اللّه العزيز، وجماع القول إنّك لا تجد فضيلة إلاّ وهو ابن بجدتها. (2)


1 . النجاشي: الرجال: برقم 706.
2 . الاَميني: الغدير:4|264 ـ 265.


(258)

وقد ترك سيدنا الجليل آثاراً وتآليف عديدة تصل إلى 86 كتاباً أو موسوعة أو رسالة، وإليك بعض ما ألّف في الفقه وأُصوله:

1. الذريعة في أُصول الفقه في جزءين.

2. مسائل المفردات في أُصول الفقه.

3. مسائل الخلاف في أُصول الفقه.

هذا ما ألّفه في الاَُصول؛ وأمّا في الفقه، فقد ألّف الكتب التالية:

1. إبطال القول بالعدد.

2. مسائل الخلاف في الفقه.

3. الناصرية في الفقه ،وهي عبارة عن 207 مسائل استلّها الشريف المرتضى من فقه الناصر الكبير (جدّه لاَُمّه) وشرحها وصحّحها، واستدل على صحتها من الكتاب والسنّة والاِجماع.

4. الديلمية في الفقه.

5. الرد على أصحاب العدد في شهر رمضان.

6. المصباح في الفقه. (1)

إلى غير ذلك من المسائل التي ألّفها في جواب الاَسئلة والاستفسارات التي كانت ترد إليه من نواحي شتّى.وكفى في فضله انّ المعرّي لمّا خرج من العراق سئل عن السيد المرتضى، فقال:

يا سائلي عنه لما جئت تسأله * ألا هو الرجل العاري من العار
لو جئته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والاَرض في دار (2)


1 . الطوسي: الفهرست: برقم 433، الغدير: 4|265ـ266.
2 . المجلسي: بحار الاَنوار: 10|408.


(259)

مشايخه و من يروي هو عنه:

1. الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان، المتوفّى عام 413هـ.

2. أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري، المتوفّى عام 385هـ.

3. الحسين بن علي بن بابويه، أخو الصدوق.

4. أبو الحسن أحمد بن علي بن سعيد الكوفي.

5. أبو عبد اللّه محمد بن عمران الكاتب المرزباني الخراساني.

6. الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، المتوفّى 381هـ.

7. أبو يحيى بن نباتة عبد الرحيم بن الفارقي، المتوفّى عام 374 هـ .

8. أبو الحسن علي بن محمد الكاتب.

9. أبو القاسم عبيد اللّه بن عثمان بن يحيى.

10. أحمد بن سهل الديباجي.

تلامذته

1. شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (المتوفّى سنة 460هـ).

2. أبو يعلى سلاّر بن عبد العزيز الديلمي(المتوفّى 448هـ)

3. أبو الصلاح تقي الدين بن نجم الحلبي (المتوفّى 447هـ).

4. القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي(المتوفّى 481هـ).

5. محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري (المتوفّى 463هـ).


(260)

6. أبو الصمصام ذو الفقار بن معبد الحسيني المروزي.

7. نجيب الدين أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الموسوي.

8. أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي(المتوفّى 449هـ).

9. أبو الحسن سليمان الصهرشتي، صاحب كتاب «النفيس» و«التنبيه».

10. الشيخ أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الدوريستي.

11. أحمد بن الحسن بن أحمد النيسابوري الخزاعي.

12. أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الرازي.

13. أبو المعالي أحمد بن قدامة.

14. أبو عبد اللّه محمد بن علي الحلواني.

15. أبو زيد عبد اللّه بن علي الكيابكي الحسيني الجرجاني، كان حياً بعد 436هـ.

16. أبو غانم العصمي الهروي.

17. الحسين بن الحسن بن زيد الجرجاني.

18. أبو الفرج يعقوب بن إبراهيم البيهقي.

19. أبو الحسن محمد بن محمد البصري.

وبما انّ كتاب «الانتصار» من تصانيفه المعروفة، وقد ذكر في مقدّمته الداعي إلى تأليف هذا الكتاب قال: فإنّي ممتثل ما رسمته الحضرة السامية الوزيرية العميدية (1) أدام اللّه سلطانها، وأعلى أبداً شأنها ومكانها، من بيان


1 . المراد هو أبو نصر محمد بن منصور، الملقّب بـ «عميد الملك» الكندري النيسابوري، استوزره السلطان طغرل بك السلجوقي والب أرسلان، وقتل بتفطين نظام الملك الطوسي يوم الاَحد 16 ذي الحجة سنة 456هـ كما ذكره محقّق الكتاب.


(261)

المسائل الفقهية التي شُنع بها على الشيعة الاِمامية، وادّعي عليهم مخالفة الاِجماع وأكثرها موافق فيه الشيعة غيرهم من العلماء والفقهاء المتقدّمين والمتأخّرين، وما ليس لهم فيه موافق من غيرهم فعليه من الاَدلّة الواضحة والحجج اللامعة ما يغني عن وفاق الموافق، ولا يوحش معه خلاف المخالف، وان أُبيّـن ذلك وأُفصّله وأُزيل الشبهة المعترضة فيه. (1)

ميزات فقهه

قد تعرفت أنّ لسيدنا المرتضى تآليف عديدة في الفقه، وحيث إنّ كتاب «الانتصار» من أشهر تآليفه، فنستعرض ميزات الكتاب، وبها يعلم ميزات فقهه.

1. قد ذكر السيد في مقدّمة كتابه: أنّ الداعي وراء تأليفه هو تشنيع المخالفين على الشيعة بانفرادهم بمسائل تخالف الاِجماع، وذكر انّ المسائل التي صارت سبباً للتشنيع على صنفين، فصنف انفردت بها الاِمامية وليس لهم موافق من أتباع سائر المذاهب، وصنف آخر وافق فيها بعض الفقهاء من المتقدّمين والمتأخّرين.

فالثاني لا يخالف الاِجماع لوجود الموافق، وأمّا الصنف الاَوّل فلا غرو فيه إذا عضده الدليل.

إنّما الشناعة على المذهب الذي لا يعاضده الدليل ولا توَيده الحجة.

2. قد اشتمل كتاب «الانتصار» على 334 مسألة، فالمسائل التي انفردت بها الاِمامية هي 252مسألة، والمسائل التي ظن الانفراد بها و لهم موافق في المذاهب الاَُخرى 82 مسألة، فيكون مجموع المسائل المبحوث عنها 334 مسألة.


1 . الانتصار: 1.


(262)

3. ينقل عند استعراض المسائل آراء سائر المذاهب. (1) وبذلك أصبح كتابه فقهاً مقارناً، فهو يجمع الآراء الفقهية المختلفة لسائر المذاهب ويقيمها ويوازن بينها بالتماس أدلّتها، وترجيح بعضها على بعض، فهذا هو الفقه المقارن أو علم الخلاف أو علم الخلافيات، وقد كان العلم بالخلافيات معدوداً من مبادىَ الاجتهاد، وعرف بأنّه علم يقتدر به على حفظ الاَحكام الفرعية المختلف فيها بين الاَئمّة، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقوادح الاَدلّة.

وقد تبع السيد في ذلك أُستاذه الشيخ المفيد في كتابه «الأعلام بما اتفقت عليه الاِمامية من الاَحكام» وقد ألّفه الشيخ المفيد بطلب من الشريف فقال في أوّله:

أدام اللّه للسيد الشريف التأييد، ووصل له التوفيق والتسديد، فإنّي ممتثل ما رسمه من جمع ما اتفقت عليه الاِمامية من الاَحكام الشرعية على الآثار المجتمعة عليها بينهم عن الاَئمّة المهدية من آل محمد صلوات اللّه عليهم ممّن اتفقت العامة على خلافهم فيه.

من جملة ما طابقهم عليه جماعتهم أو فريق منهم على حسب اختلافهم في ذلك لاختلافهم في الآراء والمذاهب لتنضاف إلى كتاب أوائل المقالات في المذاهب المختارات، ويجتمع بهما للناظر فيهما علم خواص الاَُصول والفروع، ويحصل له منهما ما لم يسبق أحد إلى ترتيبه على النظام في المعقول. (2)

وبالمقارنة بين الكتابين يظهر انّ المفيد سلك مسلك الاقتضاب بخلاف تلميذه فقد استعرض المسائل بإسهاب.


1 . وقد ورد فيها من أعلام الرأي والفقه ما يناهز 54 شخصاً. ذكره محقّق الكتاب ص 46.
2 . الاعلام بما اتفقت عليه الاِمامية من الاَحكام:16.


(263)

4. يستدل السيد في بعض المسائل بالاِجماع، وقال: وممّا يجب علمه انّ حجّة الاِمامية في صواب جميع ما انفردت به أو شاركت فيه غيرها من الفقهاء، هي إجماعها عليه، لاَنّ إجماعها حجّة قاطعة، ودلالة موجبة للعلم، فإن انضاف إلى ذلك ظاهر كتاب اللّه تعالى أو طريقة أُخرى توجب العلم وتثمر اليقين فهي فضيلة ودلالة تنضاف إلى أُخرى وإلاّففي إجماعهم كفاية. (1)

ويظهر من الاِمعان في الاِجماعات التي استدل بها انّه يقول بحجّية الاِجماع من باب دخول الاِمام المعصوم في المجمعين، وأمّا أنّه كيف يمكن أن يستحصل العلم بدخول المعصوم في هذه المسائل الكثيرة، فهو موكول إلى مكان آخر.

ولما كان وجود الاِمام هو السبب لحجّية الاِجماع وليس للاِجماع قيمة علمية إلاّ كونه كاشفاً عن وجود الحجّة الشرعية بين المجمعين، فلا يرى لمخالفة بعض العلماء قيمة تذكر، ففي مسألة لا تجب الزكاة إلاّ في تسعة أصناف، يقول:

فإن قيل: كيف تدّعون إجماع الاِمامية وابن الجنيد يخالف في ذلك و يذهب إلى أنّ الزكاة واجبة في جميع الحبوب التي تخرجها الاَرض وإن زادت على التسعة أصناف التي ذكرتموها، وروى في ذلك أخباراً عن أئمتهم، وذكر انّ يونس كان يذهب إلى ذلك؟

فأجاب بقوله: قد تقدّم إجماع الاِمامية وتأخّر عن ابن الجنيد ويونس، والاَخبار التي تعلّق ابن الجنيد بها الواردة من طرق الشيعة الاِمامية معارضة بأكثر وأقوى منها في رواياتهم المعروفة المشهورة. (2)

وصرّح بما ذكرنا (عدم قدح مخالفة معلوم النسب) في عدّة من المسائل كبعض نصب الاِبل، وفي مسألة الفرار من الزكاة، أو عدم الشفعة مع تعدّد


1 . الانتصار:6.
2 . الانتصار:77.


(264)

الشركاء.

وقال بتقدّم الاِجماع على ابن الجنيد وابن بابويه وعدم العبرة بخلافهما لمعلومية نسبهما. (1)

وهكذا في غير تلك المواضع:

5. قد يستمد السيد في تحقيق المسألة بالبحوث الاَدبية واللغوية ويعطي لها قسطاً وافراً، نظير:

أ. تحقيق في الاعراب بالمجاورة في آية الوضوء.

ب. تحقيق في معنى المسح والغسل.

ج. تحقيق في معنى القرء.

د. تحقيق في معنى النذر.

هـ. تحقيق في معنى قوله تعالى:"مكلبين" .

و. تحقيق لغوي في معنى الغبيراء، والفقاع.

ز. تحقيق في معنى الباغي. (2)

ولا غرو في ذلك، فإنّ السيد هو اللغوي الباحث الذي يكون قوله حجّة كغيره من أعلام اللغة، وهذا ما أذعن به الموافق والمخالف.

6. انّ السيد لا يعمل إلاّ بالسنّة المتواترة أو المحفوفة بالقرائن دون أخبار الآحاد، ولكنّه يدّعي انّ أكثر ما نسمّيه خبر الواحد فهو خبر متواتر.

هذا كلّ ما يمكن أن يقال في ملامح فقهه إذا نظرنا إليه من منظار كتاب


1 . لاحظ الانتصار:80و83و216.
2 . لاحظ الانتصار:21، 22، 151، 164، 183، 198، 232.


(265)

«الانتصار» ولا يفوتنا القول بأنّ هناك ملامح أُخر لفقهه لم نستعرضها خوفاً من الاِطالة.

وقد طبع «الانتصار» طبعة جديدة بتحقيق السيد محمد رضا الخرسان في النجف الاَشرف، قدّم له مقدّمة نافعة شكر اللّه مساعيه، ومع الاعتراف بذلك فالكتاب بحاجة إلى تخريج الاَحاديث.

ويظهر ممّا ذكره السيد في صفحة 6 من مقدّمة الكتاب انّه ألّفه بعد سنة 420هـ ، عن عمر يتراوح بين 60 و70 عاماً أي في أوج نضوجه العلمي.

آراوَه في غير الانتصار

وللسيد آراء في الاَُصول والفقه نشير إليها بوجه موجز:

1. يقول بجواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد، فإذا قال: لا تنكح ما نكح أبوك، يعم المعقودة والموطوءة، وإذا قال: إن كنت محدثاً فتوضّأ يعم الحدثين.

2. يعد الاستعمال علامة للحقيقة، حتى جعل صيغة الاَمر مشتركة بين الوجوب والندب.

3. يذهب إلى:أنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كما هم مكلّفون بالاَُصول.

4. القضاء بأمر جديد.

5. يذهب إلى أنّ الجمل الشرطية والغائية فاقدة للمفهوم.

6. لم يثبت حجية الاستصحاب عنده. (1)


1 . انظر في الوقوف على مصادر هذه الآراء والآراء الاَُخر كتاب الذريعة في أُصول الفقه:17، 250، 78، 116، 406ـ 407، 829.


(266)

14. أبو الصلاح الحلبي (374ـ447هـ)

تقي الدين بن نجم الدين بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن محمد الحلبي، وكنيته أبو الصلاح، علم من أعلام الطائفة، وفقيه متبحّر، قرأ على الشيخ الطوسي، ومن الاَمر الطريف، أن يقوم أُستاذ بترجمة تلميذه.

قال أُستاذه الشيخ الطوسي في رجاله: تقي بن نجم الحلبي، ثقة، له كتب، قرأ علينا وعلى المرتضى. (1)

وقد أطراه غير واحد من المتأخّرين، كابن شهر آشوب في «معالمه» (2) ومنتجب الدين في «فهرسته» (3) وابن إدريس في «سرائره» (4) قال الاَخير في مسألة من مسائل المزارعة: وما اخترناه مذهب السيد المرتضى وخيرته في «الناصريات» في مسألة المائتين ومذهب أبي الصلاح الحلبي في كتابه «الكافي» وهو كتاب حسن فيه تحقيق مواضع، وكان هذا المصنف من أصحابنا الحلبيّين من تلامذة المرتضى.

كما أطراه أيضاً غير واحد من علماء أهل السنّة.

قال ابن حجر في «لسان الميزان»: تقي الدين عمر (5)بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن محمد الحلبي، أبو الصلاح مشهور بكنيته من علماء الاِمامية ولد لسنة أربع وسبعين وثلاثمائة وطلب وتمهّر وصنّف، وأخذ عن أبي جعفر الطوسي وغيره ورحل إلى العراق فحمل عن الشريف المرتضى، ومات سنة 447هـ. (6)


1 . الطوسي: الرجال:457، باب من لم يرو عن الاَئمّة.
2 . ابن شهر آشوب: معالم العلماء:29.
3 . منتجب الدين: الفهرست: 30 برقم 60، باب التاء .
4 . ابن إدريس: السرائر: 266، الطبعة القديمة.
5 . هو مصحف نجم.
6 . ابن حجر: لسان الميزان:2|71.


(267)

آثاره في الفقه

1. البداية ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء.

2. الكافي في الفقه، وقد طبع وانتشر.

3. اللوامع في الفقه.

4. مختصر الفرائض الشرعية.

وله في غير الفقه تآليف أشهرها:«تقريب المعارف» في الكلام، وتجد له ترجمة وافية في مقدمة كتاب «الكافي»،و يعرب كتابه هذا عن استقلاله في الفكر واعتماده على تفكيره الذاتي.

15. أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلمي (المتوفّى448هـ)

لقد كانت مدرسة شيخنا المفيد ذات عطاءٍ وافرٍ ومن خرّيجيها شيخنا أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المعروف بـ«سلاّر الديلمي».

قال العلاّمة في «الخلاصة»: سلاّر بن عبد العزيز الديلمي أبو يعلى (قدس سره) شيخنا المقدّم في الفقه والاَدب وغيرهما، وكان ثقة وجهاً، له:«المقنع» في المذهب، و«التقريب» في أُصول الفقه، والمراسم، والرد على أبي الحسين البصري في نقض الشافي، والتذكرة في حقيقة الجوهر والعرض، قرأ على المفيد وعلى السيد المرتضى قدّس سرّهما . (1)

وعن الشيخ البهائي انّ السيد المرتضى أمر سلاّراً بنقض نقض الشافي فنقضه. (2)


1 . ابن المطهر: الخلاصة: 86 برقم 10، طبع النجف.
2 . بحر العلوم في رجاله:3|11.


(268)

ألّف القاضي عبد الجبار المتوفّـى (415هـ) كتاباً في إبطال مذهب الشيعة وسمّـاه الكافي، فألّف السيدالمرتضى المتوفّـى (436هـ) كتاباً سمّـاه الشافي في نقض الكافي.

ثمّ صنّف أبو الحسين البصري المتوفّى (436هـ)كتاباً في نقض الشافي، فألّف سلاّر كتاباً في نقض نقض الشافي بأمر من أُستاذه، وترجمه منتجب الدين في «فهرسته» (1) وابن شهر آشوب في «معالم العلماء». (2)

مشايخه وتلامذته

تخرّج كما عرفت على يدي الشيخ المفيد والسيد المرتضى كما نص به العلاّمة في «خلاصته».

وقال الخوانساري: إنّه كان من أخص خواص سيدنا المرتضى ومعتمداً على فقهه وفهمه وجلالته عنده في الغاية، فعيّنه في جملة من عيّنه للنيابة عنه في البلاد الحلبية باعتبار مناصب الحكام، بل ربما كان يدرّس الفقه نيابة عنه ببغداد كما حكي عن خط الشهيد، وأضاف بأنّ أبا الحسين البصري لما كتب نقض الشافي لسيدنا المرتضى أمر السيد سلاّراً بنقض نقضه فنقضه. (3)

وممّن تخرّج على يده لفيف من أعلام الطائفة،نذكر جملة منهم:

1. الفقيه شمس الاِسلام الحسن بن الحسين بن بابويه، ذكره الشيخ منتجب الدين في «الفهرست». (4)


1 . منتجب الدين: الفهرست: 84 برقم 183.
2 . ابن شهر آشوب: معالم العلماء:135، باب الكنى.
3 . الخوانساري: روضات الجنات:2|371.
4 . منتجب الدين:الفهرست:46.


(269)

2. أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين النيسابوري الخزاعي شيخ الاَصحاب. (1)

3. عبد الجبار بن عبد اللّه المقري الرازي. (2)

4. عبيد اللّه بن الحسن بن الحسين بن بابويه. (3)

5. الشيخ أبو علي الطوسي، وهو ابن شيخ الطائفة الطوسي المتوفّى (515هـ) فإنّه يروي عن سلاّر. (4)

6. أبو الكرم المبارك بن فاخر النحوي، قال الصفدي: كما في بغية الوعاة للسيوطي بأنّه قرأ على المترجم له. (5)

وقد عصفت الحوادث بآثاره، فلم يصل إلينا سوى كتاب واحد، وهو «المراسم العلوية في الاَحكام النبوية» وقد اختصره المحقّق الحلّـي بالتماس بعض أصحابه. (6)

وقد طبع الكتاب عدّة مرّات أفضلها ما قام بها المجمع العالمي لاَهل البيت مع مقدّمة للسيد محسن الحسيني الاَميني شكر اللّه مساعيه.

16. محمد بن الحسن الطوسي (385ـ460هـ)

يمتاز الشيخ محمد بن الحسن الطوسي عن أكثر معاصريه بأنّه كان ذا مواهب كثيرة، ففي حين أنّه محدّث كبير ، و ألّف للشيعة الاِمامية الجامعين


1 . منتجب الدين: الفهرست: برقم 219.
2 . منتجب الدين: الفهرست: برقم 220.
3 . بحر العلوم: الفوائد الرجالية:3|5.
4 . الحر العاملي: أمل الآمل:2|127.
5 . السيوطي: بغية الوعاة:594.
6 . رياض العلماء: 2|443.


(270)

الكبيرين«التهذيب» و«الاستبصار» فهو فقيه متضلّع في الفقه.

ولقد أوعزنا إلى ترجمته في هذا الدور عند ذكر كبار المحدّثين الذين دوّنوا جوامع الحديث، فلا حاجة إلى تكرار ما سبق، إلاّ أنّه نشير إلى شخصيته الفقهية، وكفى في حقّه انّه تتلمذ على علمين كبيرين هما: المفيد و المرتضى، فصار علماً للفقه، ومرجعاً للشيعة على الاِطلاق بعد رحيل أُستاذه الشريف المرتضى عام 436هـ، وصارت كتبه مرجعاً ومصدراً لروّاد العلم، حتى أضحى كتابه «النهاية» في مجرّد الفقه كتاباً دراسياً عدّة قرون.

يقول الشيخ النجاشي في حقّه: محمد بن الحسن بن علي الطوسي، أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقة، عين، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه، ثمّ ذكر أسماء كتبه.

وقد ترجم الشيخ نفسه في كتاب «الفهرست» وقال:محمد بن الحسن الطوسي مصنّف هذا الفهرست، له مصنّفات، ثمّ ذكر أسماء ما ألّفه بوجه مبسوط.

وقال العلاّمة:شيخ الاِمامية، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالاَخبار والرجال والفقه والاَُصول والكلام والاَدب، وجميع الفضائل تنسب إليه.

صنف في كلّ فنون الاِسلام، وهو المهذّب للعقائد في الاَُصول و الفروع، والجامع لكمالات النفس في العلم والعمل. (1)

وقد أثنى عليه أعلام الفريقين عبر القرون، ويطول بنا الكلام عند ذكر إطراءاتهم، فمن أراد الوقوف على ترجمته، فليرجع إلى مقدمة كتابيه «التبيان»


1 . الخلاصة:148.


(271)

و«الرجال».

وقد ذاع صيته في آفاق واسعة، وعلت منزلته حتى نرى أنّ الخليفة القائم بأمر اللّه بن القادر باللّه ، جعل للشيخ الطوسي كرسي الاِفادة والبحث، وكان لكرسي الاِفادة والكلام مقام كبير يومذاك.

وقد خدم الشيخ الطوسي علم الفقه بأساليب شتى، فتارة ألّف في الفقه على مسلك الاَخباريين وأصحاب الحديث، فجرّد النصوص عن الاَسانيد وأسماه بـ«النهاية» في مجرّد الفتاوى، وكان الكتاب كتاباً دراسياً إلى زمن المحقّق الحلّي قبل تأليف الشرائع.

كما ألّف في الفقه على مسلك المجتهدين وأسماه بـ«المبسوط» وآثر فيه طريق المجتهدين، وقال في مقدمته: إنّه كتاب لم يصنف مثله، ولا نظير له بين كتب الاَصحاب، ولا في كتب المخالفين، إلى أن قال:

إنّ أصحابنا ألفوا الاَخبار وما رووه من صريح الاَلفاظ، حتى أنّ مسألة لو غيّر لفظها وعبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم، تعجبوا منها، وقصر فهمهم عنها. (1)

كما انّه خدم الفقه بتأليف كتاب على نمط ثالث، وهو العلم بالخلافيات ، فكتابه «الخلاف» يعد فقهاً مقارناً يوقف القارىَ على آراء فقهاء مختلف النحل، وهو ليس ممّن يجمع الآراء المختلفة في المسائل الفقهية دون إجراء موازنة بينها، بل يذكر الآراء ويقوّمها ويوازنها بترجيح ما اختاره على غيره من الآراء.

وقد ألّف في مضمار الفقه كتباً ورسائل كثيرة ذكرت أسماوَها في ترجمته، ولا نطيل بها الكلام، وإنّما نلفت نظر القارىَ الكريم إلى نكتة مهمة وهي: انّ


1 . المبسوط:1|2.


(272)

الشيخ ألّف «تهذيب الاَحكام» شرحاً لكتاب «المقنعة» في حال حياة أُستاذه، ولم يتجاوز عمره 27 سنة، ولكنّه عندما يستدل على المسألة يستدل كأنّه فقيه متبحّر أفنى قسماً كبيراً من عمره في دراسة الفقه.

يقول سيد مشايخنا المحقّق البروجردي: وأنت إذا نظرت إلى كلماته في الكتابين (الطهارة والصلاة) وما جادل به المخالفين في المسائل الخلافية، كمسألة مسح الرجلين، وما أفاده في مقام الجمع بين الاَخبار واختياراته في المسائل، وما يستند فيه إليها، وما يورده من الاَخبار في كلّ مسألة، تخيّلته من أبناء السبعين وأنّه صرف عمره الطويل في تحصيل العلوم الاَدبية والاَُصولين و القراءات والتفسير ومسائل الخلاف والوفاق، وطاف البلاد في طلب أحاديث الفريقين وما يتعلّق بها من الجرح والتعديل، حتّى صارت له قدم راسخة في جميع العلوم الدينية، ولو قيل لك إنّه كان شاباً حدثاً من أبناء أربع أو ثمان وعشرين لاَنكرت ذلك وقلت انّ هذا لشي عجاب. (1)

آثاره الاَُصولية والرجالية

إنّ الاجتهاد المنهجي يعتمد على قواعد أُصولية تمهّد للمجتهد طريق الاستنباط، وليس لمن يريد وضع الحلول للتفريعات إلاّ دراسة تلك القواعد بدقة وإمعان، فلولاها لما قام للفقه عمود ولا اخضرَّ له عود، فالمستنبط يعتمد في استنباطه على الاِجماع وخبر الواحد، فلولا إثبات حجيتهما في علم آخر لما صحّ له الاستناد إليها، كما انّه يفتي بالاِجزاء عند امتثال الاَوامر الواقعية الاَوّلية أو الثانوية أو الظاهرية، فلولا إثبات الاِجزاء في علم آخر لعرقلت خطاه في الفقه، وهكذا في سائر المسائل الفقهية.


1 . الخلاف: مقدّمة السيد المحقّق البروجردي، ص 2، الطبعة الاَُولى.


(273)

وقد خدم الشيخ الفقه بتأليف كتاب ثالث أوسع ممّا ألّفه أُستاذاه المفيد والمرتضى، فقد ألّف كتاب «العدّة» وهو كتاب مبسوط حاو لجميع المسائل الاَُصولية، وفيه بعض المسائل الكلامية التي كانت تدرس في الاَُصول، ويظهر إخلاص الشيخ في منهجه العلمي بأنّه ما ترك باباً إلاّ وطرقه، ولا ثغراً إلاّ وسدّه.

وقد كان لاَصحابنا موَلّفات كثيرة متعدّدة في الرجال ولكنّها دون المستوى المطلوب فأخذ الشيخ بزمام المبادرة وألّف كتباً رجالية مختلفة منها:

1. الرجال: ألّف هذا الكتاب بصورة الطبقات، فذكر أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ، ثمّ أصحاب كلّ واحد من الاَئمّة على حسب الحروف الهجائية، وهو أحد الاَُصول الاَربعة الرجالية المعتمد عليها عند علمائنا يتضمن زهاء ثمانية آلاف وتسعمائة اسم، و الغرض من وراء هذا التأليف تمييز طبقاتهم لا تمييز الممدوح من المذموم، ولو وثّق بعضهم في خلال ترجمته فإنّما كان استطراديّاً.

2. اختيار الرجال: وهو تلخيص رجال الكشي الموسوم بمعرفة الناقلين عن الاَئمّة الصادقين. فقد عمد الشيخ الطوسي إلى تهذيبه وتجريده من الزيادات والاَغلاط وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي، و كان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 من صفر سنة 456هـ، كما حكاه السيد رضي الدين علي بن طاووس في «فرج المهموم» عن نسخة خط الشيخ.

3. الفهرست: ذكر فيه أصحاب الكتب والاَُصول وأنهى إليهم وإليها أسانيده عن مشايخه، وهو يحتوي على ما يقارب التسعمائة اسم من أسماء المصنّفين، وهو من الآثار الثمينة الخالدة.

وقد ألّف «الفهرست» بعد تأليفه لكتاب الرجال، ويشهد عليه أنّه ذكر كتاب «الرجال» في فهرسته. (1)


1 . الفهرست:برقم 713.


(274)

كان الشيخ الطوسي فيّاضاً في العلم، سبّاقاً في حلبة البحث، فلم يقتصر على التأليف والتدريس في الفقه وأُصوله ورجاله، بل ألّف أيضاً كتاب «التبيان» في التفسير، وهو كتاب جامع لعلوم القرآن، يصدر عنه شيخنا الطبرسي في «مجمع البيان» ويغترف منه.

كان درس الشيخ يعجّ بعلماء كلا الفريقين، ولكن في عام 448هـ تعرضت بغداد لاَزمات شديدة رافقتها فتن طائفية، ولم ينج الشيخ الطوسي من شرارتها، فلم يجد بدّاً من مغادرة بغداد إلى النجف الاَشرف.

لم يكن إحراق مكتبة الشيخ وكرسيّه ونهب داره أمراً سهلاً، فقد ترك مضاعفات خطيرة أدناها تشتّت أصحابه في الاَمصار الاِسلامية؛ فهاجر سلاّر إلى إيران، وتوفي في قرية «خسرو شاه» من اعمال تبريز، وله هناك مزار؛ كما هاجر النجاشي إلى «مطير آباد» من اعمال سامراء؛ وهاجر لفيف مع الشيخ إلى النجف الاَشرف. وتوفّي الشيخ في مهجره في محرم عام 460هـ، وقبره هناك مزار يقصده الخاص والعام وهو في المسجد الذي سمّي باسمه.

لقد بلغ الشيخ الذروة في مختلف العلوم الاِسلامية اعترف بفضله القريب والبعيد حتى اتخذت كتبه مصدراً للفتيا قرابة قرن واحد، وما هذا إلاّ لغزارة علمه وتألّق نجمه في حياته وبعد مماته.

خصائص فقه الشيخ الطوسي

1. اتبع الشيخ الطوسي في فتاواه وتآليفه الفقهية نهج أُستاذيه المفيد والمرتضى، وقد أُتيحت له فرصة الوقوف على الكتب الفقهية أكثر ممّا وقف عليه أُستاذاه، فأحاط بآراء المذاهب الاَُخرى إحاطة تامة لا نجد مثيلها في كتب المفيد والمرتضى.


(275)

2. بلغ التفريع والتخريج على يده القمة، فما ترك فرعاً إلاّ خاضه ويعد كتابه «المبسوط» خير شاهد على ذلك، وقد مضى على تأليفه قرابة عشرة قرون ومع ذلك لم يوَلّف كتاب مثله، والكتاب مع كونه يحتوي على دورة فقهية كاملة، لكنّه سلس الاَلفاظ، سهل التناول، موجز في النقل، مختصر في الاستدلال، على خلاف ما نراه في كتابي «التذكرة» و«المنتهى» فإنّهما في غاية البسط خصوصاً الاَخير .

3. استخرج قواعد عقلية واعتمد عليها في مقام التفريع، وبذلك ردّ على خصماء الشيعة وصمة العار التي ألصقوها بهم، قال في أوّل «المبسوط»:

«إنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا من المتفقهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الاِمامية، ويستنزرونه، وينسبونهم إلى قلّة الفروع وقلّة المسائل، ويقولون: إنّهم أهل حشو ومناقضة، وإنّ من ينفي القياس و الاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل ولا التفريع على الاَُصول، لاَنّ جل ذلك وجمهوره مأخوذ من هذين الطريقين؛ وهذا جهل منهم بمذهبنا، وقلّة تأمل لاَُصولنا، ولو نظروا في أخبارنا وفقهنا لعلموا أنّ جلّما ذكروه من المسائل موجود في أخبارنا ومنصوص عليه تلويحاً عن أئمتنا الذين قولهم في الحجة يجري مجرى قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - إمّا خصوصاً، أو عموماً، أو تصريحاً، أو تلويحاً.

وأمّا ما كثّروا به كتبهم من مسائل الفروع، فلا فرع من ذلك إلاّ وله مدخل في أُصولنا ومخرج على مذهبنا لا على وجه القياس، بل على طريقة يوجب علماً ويجب العمل عليها ويسوغ الوصول إليها من البناء على الاَصل، وبراءة الذمة، وغير ذلك مع أنّ أكثر الفروع لها مدخل فيما نص عليه أصحابنا، وإنّما كثر عددها عند الفقهاء لتركيبهم المسائل بعضها على بعض وتعليقها والتدقيق فيها، حتى أنّ كثيراً من المسائل الواضحة دق لضرب من الصناعة وإن كانت المسألة معلومة واضحة».


(276)

إنّ الشيخ الطوسي كان يعمل بخبر الواحد تحت شروط خاصّة، وقد أعرب عن رأيه في كتاب «العدّة» وبذلك خالف أُستاذيه المفيد والمرتضى، وقال بحجية الاِجماع كأُستاذيه، ويظهر انّ الاِجماع عنده حجّة لكشفه عن قول المعصوم فقط، وله آراء خاصة في الاَُصول يظهر ذلك لمن راجع كتاب «العدّة».

ميزات هذا الدور

قد مرّ آنفاً انّ هذا الدور ابتدأ من عام 260 إلى 460هـ أي قرابة مائتي سنة، وهذا الدور من الفقه من أخصب الاَدوار عطاءً في تاريخ المذهب الاِمامي، والمهم هو تناول الميزات التي تمتع بها هذا الدور:

مرّ الفكر الشيعي بأزمات حادة خصوصاً بعد غيبة الاِمام الثاني عشر عجّل اللّه فرجه الشريف، فقد انتهز مخالفوه الفرصة للانقضاض عليه ببث الشبهات في الاِمامة، وقد أوجدت تلك الشبهات أصداءً واسعة في الاَجواء الشيعية حتى كادت توَثر، لولا قيام أفذاذ من العلماء في تلك الحقبة، وفي طليعتهم: الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي، بأخذ زمام الاَُمور وتثبيت الهوية الفكرية للشيعة في مختلف المجالات من خلال القيام بأُمور:

1. كبح جماح الانتهازيين الذين ادّعوا النيابة الخاصة للاِمام الثاني عشر امام النواب الاَربعة الذين كانت لهم النيابة الخاصة، فحفظوا الشيعة من الانخراط في صفوفهم.

2. الرد على المشكّكين وأصحاب المقالات الضالّة في أمر الاِمامة والغيبة إذ أنكروا إمكان الغيبة، وأنكروا إمكان حياة الاِمام لفترة طويلة.

3. تثبيت الهوية الفكرية العقائدية للشيعة حيث خلّصوا العقائد من


(277)

رواسب الروايات الضعيفة وسبكوها بسبكة علمية فكرية بعيداً عن الغلو والتقصير، وقد عقدوا أندية فكرية للمناظرة مع أصحاب المقالات، كالزيدية والاِسماعيلية والواقفة، الذين كانوا على نهج الاِمامة ثمّ انحرفوا، كما عقدوا أندية مناظرات مع غيرهم من المذاهب.

4. تأليف جوامع فقهية وغربلة الاَحاديث، لتمييز الصحيح منها عن السقيم.

5. إقامة الصلة بين الحوزات الشيعية التي أُنشِئت آنذاك في بغداد وقم وخراسان، والتي ازدهرت في هذا الدور، وإليك لمحة خاطفة عنها:

المراكز الفقهية التي ازدهرت في هذا الدور

إنّ أهم المراكز الفقهية للشيعة في هذا الدور عبارة عن:

1. جامعة الكوفة وجامعها الكبير.

2. جامعة قم.

3. جامعة بغداد.

ارتحل الاِمام الحادي عشر الاِمام العسكري - عليه السّلام - عام 260هـ ، وقد اتخذ خلفاء بني العباس لا سيما عصر المأمون سياسة الحذر والحيطة حيال الاَئمّة، لئلاّ يثيروا حفيظة شيعتهم فاستقدموهم من المدينة المنوّرة إلى العراق بغية الاِشراف على نشاطاتهم وتحركاتهم السياسية، هذا وغيره صار سبباً لتقلص نشاط مدرسة الحديث والفقه للشيعة في المدينة المنوّرة ، وقد ازدهرت جامعة بغداد في الدور الثاني بفضل علماء الشيعة وفقهائهم بعد أن دبَّ الضعف في


(278)

كيان الدولة العباسية وأخذ آل بويه بزمام الاَُمور في أكثر مناطق العراق لا سيما بغداد حاضرة العالم الاِسلامي يومذاك، وقد تألّق نجمها على يد نابغة العراق الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ) والسيد المرتضى علم الهدى (355 ـ 436هـ) والشريف الرضي (359 ـ 406هـ).

ولما توفّي السيد المرتضى آلت زعامة حوزة بغداد إلى الشيخ الطوسي ودام هذا الاَمر إلى أن ضعفت واضمحلّت سلطة البويهيين ودخل طغرل بك الحاكم التركي بغداد، وأشعل نار الفتنة فيها بين الطائفتين،وأحرق دوراً في الكرخ، ولم يقتصر على ذلك بل قصد دار الشيخ وأخذ ما وجد فيها من دفاتر وكتب وأحرقها ،وأحرق كرسي الكلام، عندها هاجر إلى النجف الاَشرف فأسّس حوزة علمية فيها تقاطر إليها الفقهاء ورواد العلم من كلّ صوب وحدب واكتظت بهم، فصارت جامعة النجف الاَشرف بديلاً عن جامعة بغداد.

4. مدرسة النجف الاَشرف

إنّ هذه الحادثة الموَلمة التي أدّت إلى ضياع التراث الفقهي الشيعي وقتل الاَبرياء، دفعت بالشيخ إلى مغادرة بغداد واللجوء إلى النجف الاَشرف وتأسيس مدرسة علمية شيعية في جوار قبر أمير الموَمنين - عليه السّلام - ، وشاء اللّه تبارك وتعالى أن تكون هذه المدرسة مشعلاً منيراً لروّاد العلم على مر العصور.

المعروف أنّ الشيخ هو الموَسس لتلك الجامعة العلمية المباركة، وهذا أظهر من الشمس في رابعة النهار، بيد أنّه يظهر من النجاشي وغيره أنّ الشيخ ورد عليها وكان النشاط العلمي يدبُّ فيها يومذاك حيث يقول في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة: له كتاب «عمل السلطان». أجازنا بروايته أبو عبد اللّه بن


(279)

الخمري الشيخ صالح في مشهد مولانا أمير الموَمنين سنة 400هـ عنه. (1)

ولقد استغل الشيخ تلك الاَرضية العلمية، وأعانه على ذلك الهجرة العلمية الواسعة التي شملت معظم الاَقطار الشيعية، فتقاطرت الوفود إليها، من كلّ فج، فصارت حوزة علمية وكلية جامعة في جوار النبأ العظيم علي أمير الموَمنين منذ عصر تأسيسها عام 448هـ إلى يومنا هذا، وقد مضى على عمرها قرابة 1000 سنة، وهي بحق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توَتي أكلها كل حين بإذن ربّها.

إنّ لجامعة النجف الاَشرف حقاً كبيراً على الاِسلام والمسلمين عبر القرون، فمن أراد الوقوف على تاريخها والبيوتات العلمية التي أنجبتها، فعليه الرجوع إلى كتاب «ماضي النجف وحاضرها» في ثلاثة أجزاء، كما أنّه قد قام الشيخ هادي الاَميني بتخريج أسماء لفيف من العلماء الذين تخرّجوا من تلك المدرسة الكبرى.


1 . النجاشي: الرجال: 1|190، برقم 163.


(280)

أدوار الفقه الشيعي

3

الدور الثالث

عصر الركود

(460 _ 600 هـ)

خدم شيخ الطائفة الفقه الشيعي خدمة جليلة عظيمة، فلم يترك موضعاً إلاّ ولجه، ولا ثغراً إلاّ سدّه، ولا حاجة إلاّ رفعها، فبزغ نجمه في شتى المجالات الفكرية، ففي مجال الحديث له الحظ الوافر والقدح المعلّـى، ويشهد على ذلك جامعاه «التهذيب» و«الاستبصار».

وأشاد أُسس الاَُصول بتأليفه القيم «العدّة» كما بلغ الذروة في تأليف الفقه بألوان شتّى، فألّف «النهاية» في مجرد الفتاوى، و«الخلاف» في علم الخلافيات، و«المبسوط» في التفريعات، وسدّ الفراغ في التفسير بتأليفه كتاب «التبيان في


1 . استمر الركود إلى عصر الفقيه المجدّد المعروف بابن إدريس(542ـ598هـ) الذي نفض غبار الركود عن كاهل الفقه بتأليفه الرائع المسمّى بالسرائر، الذي فرغ من تأليف كتاب الميراث منه سنة 588هـ ، و على ضوء ذلك ينتهي الدور الثالث بظهور أفكار الفقيه المجدد إلى الساحة الفكرية، و لمّا كان ما بذله من الجهود و ما طرحه من أفكار تعد أُولى الخطوات لدخول الفقه مرحلة جديدة فلا يكون لها تأثير ملموس إلاّ بمرور زمان تستقطب فيها أفكار العلماء و تقع تحت شريحة النقد، فآثرنا تحديد نهاية الدور الثالث بتمامية القرن السادس، فيكون تحديد نهاية الدور السابق و بداية الدور اللاحق تحديداً تقريبياً.


(281)

تفسير القرآن» في عشرة أجزاء، وترك ميراثاً رجالياً ضخماً بتآليفه الثلاثة، أعني: الرجال، و الفهرست، وتلخيص الكشي(اختيار معرفة الرجال)، إلى غير ذلك من مصنّفاته.

وقد استأثر الشيخ بعواطف تلاميذه ومعاصريه، واستطاع أن يحتل في قلوبهم مكانة رفيعة أهالت عليه حالة من القداسة، جعلت مخالفته، ونقاش آرائه إهانة لشخصيته الفذة.

نعم كان ذلك هو الطابع العام السائد، وإن وجد هناك من ناقش آراءه وخالفها، ولكن كانوا نزراً يسيراً.

وهذا هو الشيخ سديد الدين محمود الحمصي من علماء القرن السادس يصف تلك الفترة من الركود قائلاً: بأنّه لم يبق للاِمامية مفت على التحقيق بل كلّهم حاك.

وقال السيد ابن طاووس (المتوفّى 664هـ) بعد نقل كلام الحمصي: فقد ظهر لي انّ الذي يفتى به ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدّمين.

ويقول الشيخ زين الدين الجبعـي العاملـي (911ـ 966هـ) في كتابـه «الرعاية» الذي ألّفه في دراية الحديث ما هذا لفظه:إنّ أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليداً له، لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنّهم به، فلمّا جاء المتأخرون وجدوا أحكاماً مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه، فحسبوها شهرة بين العلماء، ومادروا انّ مرجعها إلى الشيخ، وانّ الشهرة إنّما حصلت بمتابعته. ثمّذكر كلام الحمصي والسيد ابن طاووس. (1)

يقول المحقّق التستري: ولعلّ الحكمة الاِلهية فيما اتّفق للشيخ تجرّده


1 . مقدّمة معالم الدين: 408، مبحث الاِجماع؛ روضات الجنات:7|161.


(282)

للاشتغال بما تفرّد به من تأسيس العلوم الشرعية ولا سيما المسائل الفقهية، فإنّ كتبه فيها هي المرجع لمن بعده غالباً، حتى أنّ كثيراً ما يذكر مثل المحقّق أو العلاّمة أو غيرهما فتاويه من دون نسبتها إليه، ثمّ يذكرون ما يقتضي التردّد أو المخالفة فيها، فيتوهّم التنافي بين الكلامين مع أنّ الوجه فيهما ما قلناه جزاه اللّه وإيّاهم عنّا خير الجزاء. (1)

والذي يدفعنا إلى اتّهام الفترة بالركود هو ما نجده في الكتب المؤلّفة في الدور الرابع من الشكوى من وصف فقهاء هذه الفترة بالمقلدة تارة وبالمتفقّهة أُخرى:

يقول ابن إدريس في مقدّمة السرائر: إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية والاَحكام الاِسلامية، وتثاقلهم طلبها، وعداوتهم لما يجهلون، وتضييعهم لما يعلمون، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا، لغلبة الغباوة عليه، وملكة الجهل لقياده، مضيِّعاً لما استودعته الاَيام، مقصِّراً في البحث عمّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته... ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي، وتلافيت نفساً بلغت التراقي. (2)

ثمّ يقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربعة طرق؛ إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - المتواترة المتفق عليها، أو الاِجماع، أو دليل العقل. فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّكُ بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا


1 . التستري: مقابس الاَنوار:5.
2 . السرائر:41، المقدمة.


(283)

الطريق يوصل إلى العلم بجميع الاَحكام الشرعية في جميع مسائل أهل الفقه فيجب الاعتماد عليها والتمسّك بها، فمن تنكَّب عنها عسف، وخبط خبط عشواء، وفارق قوله من المذهب.

ثمّ قال في آخر مقدّمته: فعلى الاَدلّة المتقدمة أعمل، وبها آخذ وأُفتي وأدين اللّه تعالى، ولا ألتفت إلى سواد مسطور، وقول بعيد عن الحقّ مهجور، ولا أقلّد إلاّ الدليل الواضح والبرهان اللائح، ولا أُعرِّج إلى أخبار الآحاد، فهل هدم الاِسلام إلاّ هي، وهذه المقدّمة أيضاً من جملة بواعثي على وضع كتابي هذا. (1)

ثمّ إنّه يظهر من غير موضع من كتاب «السرائر» انّه عندما يفتي على خلاف ما كان عليه فقهاء عصره المنتمون إلى الشيخ كان يتربص اتهامه بمخالفته للرأي العام في مسألة نزح ماء البئر، قال: فما يوجب نزح الجميع أو المراوحة، عشرة أشياء على هذه الطريقة، وعدّ منها كلّ نجاسة لم يرد في مقدار النزح منها نص، ومنها الكافر، فهذا التحرير على هذه الطريقة صحيح. (2)

ففي مسألة تحديد مقدار الواجب من النزح إذا مات في البئر كافر، يرى ابن إدريس أنّ الواجب نزح جميع ما في البئر، بدليل أنّ الكافر إذا باشر ماء البئر وهو حي وجب نزحها جميعاً اتفاقاً، فوجوب نزح الجميع إذا مات فيها أولى.(3)

وحينما أضفى على هذا الاستدلال طابع العقل وخالف فيها الرأي السائد أعقب عليه بقوله: وكأنّي بمن يسمع هذا الكلام ينفر منه ويستبعده، ويقول: من قال هذا؟! ومن سطره في كتابه؟! ومن أشار من أهل هذا الفن الذين هم القدوة في هذا إليه؟ ثمّ أشار إلى دليل المسألة. (4)


1 . السرائر: 51، المقدمة.
2 . السرائر: 1|71ـ73.
3 . السرائر: 1|71ـ73.
4 . السرائر: 1|71ـ73.


(284)

فقهاء الدور الثالث

وقد اتسمت هذه الفترة بالركود، ولكن أنجبت في أحضانها فقهاء كباراً، نشير إلى أسماء بعضهم أداءً للحق الذي لهم علينا:

1. ابن البراج الطرابلسي (400ـ481هـ)

الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير الشهير بـ«ابن البراج» الطرابلسي، فقيه عصره، وقاضي زمانه، وخليفة الشيخ الطوسي في الشامات، وقد أطراه منتجب الدين في «فهرسته» (1) وابن شهر آشوب في «معالمه» (2) والعلاّمة الحلّي في إجازته لبني زهرة (3) إلى غير ذلك ممّن ترجم له ترجمة وافية. وقصارى الكلام انّه كان زميلاً للشيخ من جهة وتلميذاً له من جهة أُخرى، وبما انّهما قرأا على المرتضى و جلسا مجلساً واحداً، فهما زميلان، وفي الوقت نفسه حضر مجلس الشيخ الطوسي أيضاً حتى أنّ الشيخ الطوسي ألّف بعض كتبه باستدعاء منه.

قال التستري : هو من غلمان المرتضى، وكان خصيصاً بالشيخ، وتلمذ عليه، وصار خليفته في البلاد الشامية، وروى عنه وعن الحلبي. (4)

وقال المحدّث النوري بعد إطرائه: تلميذ علم الهدى وشيخ الطائفة، وكان يجري السيد عليه في كلّ شهر ثمانية دنانير، وهو موَلّف «المهذب» و «الكامل» و «الجواهر» و «شرح الجمل». (5)


1 . منتجب الدين: الفهرست: 107 برقم 218.
2 . ابن شهر آشوب: معالم العلماء:80.
3 . البحار: 105|265.
4 . التستري: مقابس الاَنوار:7.
5 . المستدرك:3|481.


(285)

ومع أنّ العصر الذي أعقب الشيخ قد اتّسم بالركود، لكنا نجد انّه خرج على آراء شيخه الطوسي، فقد يذكر مناظرته في مسائل فقهية في كتاب «المهذب».

قال: وكان الشيخ أبو جعفر الطوسي(رحمه الله) قال لي يوماً في الدرس: هذا الماء (1) يجوز استعماله في الطهارة وإزالة النجاسة.

فقلت له: ولم أجزت ذلك مع تساويهما؟

فقال: إنّما أجزت ذلك، لاَنّ الاَصل الاِباحة.

فقلت له: الاَصل وإن كان هو الاِباحة، فأنت تعلم أنّ المكلّف مأخوذ بأن لا يرفع الحدث ولا يزيل النجاسة عن بدنه أو ثوبه إلاّ بالماء المطلق، فتقول أنت بأنّ هذا الماء مطلق؟!

فقال: أفتقول أنت بأنّه غير مطلق؟

فقلت له: أنت تعلم أنّ الواجب أن تجيبني عمّا سألتك عنه قبل أن تسألني بـ«لا» أو «نعم» ثمّ تسألني عمّا أردت، ثمّ إنّني أقول بأنّه غير مطلق.

فقال: ألست تقول فيهما إذا اختلطا وكان الاَغلب والاَكثر المطلق، فهما مع التساوي كذلك؟

فقلت له: إنّما أقول بأنّه مطلق إذا كان المطلق هو الاَكثر والاَغلب، لاَنّ ما ليس بمطلق لم يوَثر في إطلاق اسم الماء عليه، ومع التساوي قد أثّر في إطلاق هذا الاسم عليه، فلا أقول فيه بأنّه مطلق، و لهذا لم تقل أنت بأنّه مطلق، وقلت فيه بذلك إذا كان المطلق هو الاَكثر و الاَغلب، ثمّ إنّ دليل الاحتياط تناول ما ذكرته، فعاد إلى الدرس ولم يذكر في ذلك شيئاً. (2)


1 . اختلط المضاف بالماء المطلق، وكانا متساويين في المقدار.
2 . المهذب:1|24ـ25، كتاب الطهارة.


(286)

وله مناظرة أُخرى مع شيخه الطوسي ذكرها في «المهذّب». (1)

نعم انّ شيخنا ابن البراج أدرك كلتا الدورتين، فبات مستقلاً في التفكير مناظراً مع الاَبطال.

وقد ترجمناه في تقديمنا لكتابه المهذب، فمن أراد التبسط فليرجع إليه.

2. أبو علي الطوسي (المتوفّى نحو 515هـ)

هو الشيخ الجليل أبو علي بن شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المجاز عن والده في سنة 455هـ.

قرأ على أبيه جميع تصانيفه، وروى عنه، وعن سلاّر بن عبد العزيز الديلمي وغيره، وكان من كبار العلماء، فقيهاً، محدّثاً، راوية للاَخبار، وأثنى عليه ابن حجر وقال:

الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي، أبو علي سمع من والده وأبي الطيب الطبري والخلاّل والتنوخي، ثمّ صار فقيه الشيعة وإمامهم بمشهد علي (رض). سمع منه: أبو الفضـل بن عطاف، وهبة اللّه السقطي، ومحمد بن محمد النسفي، وهو في نفسه صدوق مات في حدود 500هـ كان متديناً. (2)

ولكن الظاهر انّه كان حياً عام 515هـ كما حكى في مواضع من «بشارة المصطفى» لتلميذه العماد الطبري.

وله ترجمة ضافية في «أعيان الشيعة».


1 . المهذب:2|419و420، كتاب الكفارات.
2 . لسان الميزان: ج2 الترجمة 1046.


(287)

ومن آثاره الفقهية:

1. شرح النهاية لاَبيه أبي جعفر.

2. المرشد إلى سبيل التعبّد.

3. رسالة في الجمعة.

4. كتاب الاَنوار. (1)

3. الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي (471ـ 548هـ)

الشيخ الاِمام أمين الدين أبو علي الطبرسي، ثقة، فاضل، دين، عين، له تصانيف، منها:«مجمع البيان» في تفسير القرآن في عشرة أجزاء، «الوسيط» في التفسير في أربعة أجزاء، «الوجيز» في التفسير أيضاً، «إعلام الورى بأعلام الهدى»، إلى غير ذلك من الآثار ذكرها منتجب الدين قال: شاهدته وقرأت بعضها عليه، يروي عن الشيخ أبي الوفاء المقري الرازي، وعن الشيخ أبي علي الطوسي، و الشيخ حسكا جد منتجب الدين، إلى غير ذلك من الاَسانيد. (2)

وأودُّ أن أنقل ما ذكره الذهبي الحاقد على الشيعة في حق الطبرسي إذ يقول: والحقّ انّ تفسير الطبرسي، بصرف النظر عمّا فيه من نزعات تشيعية، وآراء اعتزالية، كتاب عظيم في بابه، يدل على تبحّر صاحبه في فنون مختلفة من العلم والمعرفة، والكتاب يجري على الطريقة التي أوضحها لنا صاحبه في تناسق تام، وترتيب جميل، وهو يجيد في كل ناحية من النواحي التي يتكلّم


1 . لاحظ أعيان الشيعة: 5|246.
2 . انظر ترجمته في روضات الجنات:5|357، أعيان الشيعة:8|398، طبقات أعلام الشيعة؛مستدرك الوسائل:3|387، الذريعة:20|24، وقد ترجم له في مقدمة تفسير «مجمع البيان» .


(288)

عنها، فإذا تكلّم عن القراءات ووجوهها أجاد، وإذا تكلم عن المعاني اللغوية للمفردات أجاد، وإذا تكلّم عن أسباب النزول وشرح القصص استعرض الاَقوال وأفاض، وإذا تكلّم عن الاَحكام، تعرض لمذاهب الفقهاء وجهر بمذهبه ونصره إن كانت هناك مخالفة منه للفقهاء، وإذا ربط بين الآيات آخى بين الجمل، وأوضح لنا عن حسن السبك وجمال النظم، وإذا عرض لمشكلات القرآن أذهب الاِشكال وأراح البال، وهو ينقل أقوال من تقدّمه من المفسّرين معزوة لاَصحابها ويرجح ويوجه ما يختار منها...إلى أن قال: والحقّ أن يقال انّه ليس مغالياً في تشيّعه، ولا متطرّفاً في عقيدته. (1)

ثمّ إنّ لشيخنا الطبرسي آراء فقهية ذكرها في ذيل آيات الاَحكام، فمن حاول أن يطّلع على آرائه الفقهية، فليرجع إلى الآيات التي تضمّنت أحكاماً شرعية.

وله في الرضاع وغيره آراء خاصة مذكورة في الكتب الفقهية.

4. قطب الدين الراوندي (المتوفّى 573هـ)

سعيد بن هبة اللّه بن الحسن الراوندي موَلف «فقه القرآن، في بيان آيات الاَحكام» وربما يسمّى بأُمّ القرآن، والكتاب مرتب على ترتيب كتب الفقه، ابتدأ فيه بكتاب الطهارة، ثمّ الصلاة، وهكذا إلى كتاب الديات، فرغ منه سنة 563هـ، وله كتاب «أسباب النزول».

قرأ على: شيخنا أبي علي الطبرسي المفسّر، وعماد الدين الطبري، والاَخوين المرتضى والمجتبى ابني الداعي القاسم الرازي، وأبي السعادات هبة اللّه بن علي الشجري، وغيرهم. (2)


1 . التفسير والمفسرون للذهبي:2|104.
2 . انظر ترجمته في روضات الجنات:4|5 برقم 314، ومستدرك الوسائل: 3|448، طبقات أعلام الشيعة:3|124، معالم العلماء برقم 368، الذريعة:7|145 برقم 802.


(289)

5. جمال الدين أبو الفتوح الرازي المتوفّى (حوالي 550هـ)

هو الشيخ الجليل قدوة المفسّرين، ترجمان كلام اللّه، جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد بن أحمد بن الحسين بن أحمد الخزاعي الرازي يصل نسبه إلى نافع بن هذيل بن ورقاء الخزاعي من صحابة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - .

يعرّفه تلميذه الشيخ منتجب الدين في «فهرسته» بقوله: الشيخ الاِمام جمال الدين أبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد الخزاعي، عالم، واعظ، مفسّر، دين، له تصانيف منها التفسير المسمى «روض الجنان وروح الجنان» في تفسير القرآن في 20 مجلداً، و«روح الاَحباب وروح الاَلباب» في شرح الشهاب قرأتهما عليه. (1)

وترجمه تلميذه الآخر ابن شهر آشوب في «معالمه» وقال: شيخي أبو الفتوح ابن علي الرازي، عالم، له كتاب «روض الجنان وروح الجنان» في تفسير القرآن فارسي إلاّ أنّه عجيب، وشرح الشهاب. (2)

وقد ذكر المحدّث النوري أنّ شيخنا أبا الفتوح يروي عن جماعة، منهم:

أ. الشيخ أبو الوفاء عبد الجبار الرازي.

ب. والده الشيخ علي بن محمد، الذي كان من أجلّة العلماء.

ج. الشيخ أبو علي الطوسي (المتوفّى نحو 515هـ).

د. القاضي الفاضل الحسن الاسترابادي.

إلى غير ذلك من المشايخ. (3)


1 . منتجب الدين: الفهرست: 45 برقم 78.
2 . معالم العلماء: 141 برقم 987؛ وانظر ترجمته في أعيان الشيعة:6|124، وطبقات أعلام الشيعة:2|79، والذريعة:11|274 برقم 1694، ومستدرك علم رجال الحديث:3|170 برقم 4549، ومعجم رجال الحديث:6|50 برقم 3539.
3 . مستدرك الوسائل:3|448، الفائدة الثالثة من الخاتمة.


(290)

6.أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بـ «ابن حمزة» (المتوفّى حوالي 550هـ)

هو الشيخ الفقيه المتكلّم الاَمين، أبو جعفر الرابع، عماد الدين محمد بن علي الطوسي المشهدي المشتهر بالعماد الطوسي المشهدي، والمكنّى عند فقهائنا بـ«ابن حمزة».

قال منتجب الدين في «الفهرست»: الشيخ الاِمام عماد الدين، أبو جعفر محمد بن علي بن حمزة الطوسي المشهدي، فقيه، عالم، واعظ، له تصانيف. (1)

وقال الخوانساري في «الروضات»: الاِمام جمال الدين، أبو جعفر الطوسي، المشهدي، شيخ، إمام، فقيه، واعظ، عالم، له تصانيف، منها: كتاب «الوسيلة». (2)

وقد أطراه غير واحد من المترجمين بكلمات مماثلة لا حاجة إلى نقلها.

بعض أساتذته وتلاميذه

ذكر الخوانساري انّه كان يروي عن أبي علي ابن الشيخ الطوسي (المتوفّـى حوالي 515هـ)، كما يروي عن محمد بن الحسن الشوهاني، حيث يروي عنه في كتابه «الثاقب في المناقب». (3)

كما يروي عنه السيد عبد الحميد بن فخار، كما ورد ذكره في إجازة المحقّق الكركي للقاضي صفي الدين، حيث ذكر ابن حمزة وقال: رويت جميع مصنفاته ومروياته بالاَسانيد الكثيرة والطرق المتعدّدة، فمنها الطرق المتعدّدة إلى


1 . منتجب الدين: الفهرست: 164 برقم 390.
2 . روضات الجنات:6|267.
3 . روضات الجنات: 6|263و266.


(291)

الشيخ السعيد جمال الدين أحمد بن فهد، عن السيد العالم النسابة الحسيني، عن والده السيد عبد الحميد، عن ابن حمزة. (1)

وقد انتشر من تصانيفه كتاب «الوسيلة إلى نيل الفضيلة» وهو دورة فقهية تشتمل على قليل من الاستدلال، طبع مستقلاً عام 1400هـ بعد ما طبع في ضمن الجوامع الفقهية، وفي موسوعة الينابيع الفقهية.

7. أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي ( المتوفّى بعد 566هـ)

قال المحقّق التستري: الشيخ الفقيه المتكلّم النبيه، علاء الدين أبو الحسن علي بن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي ـ نور اللّه مرقده ـ وهو صاحب كتاب «إشارة السبق إلى معرفة الحق» في أُصول الدين وفروعه إلى الاَمر بالمعروف، وعندي نسخة منها يعود تاريخ كتابتها إلى سنة 807هـ. (2)

وأطراه الخوانساري في «روضاته» (3)وشيخنا الطهراني في «طبقاته». (4)

والكتاب يتضمن مجموعة من المعارف والاَحكام، وقد بسط الكلام في الاَوّل واختصر في الثاني، فحرّر أحكام الطهارة والزكاة والصوم والحج والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وختم الكلام مشعراً بأنّه قد فرغ عمّا قصده، ويعرب انّ الكتاب كان رسالة عملية للموَلّف، وقد كتبه بصورة واضحة وإن كانت براهينه في المعارف مشرقة،عالية لا يتحمّلها إلاّ الاَمثل فالاَمثل.

وقد طبع كتابه «إشارة السبق» عام 1414هـ مع تقديم منّا.


1 . بحار الاَنوار:108|76.
2 . مقابس الاَنوار:12.
3 . روضات الجنات: 2|114.
4 . طبقات أعلام الشيعة في القرن الخامس:119،وكان عليه أن يذكره في قسم القرن السادس.


(292)

8. السيد ابن زهرة الحلبي (511ـ 585هـ)

هو السيد عز الدين أبو المكارم حمزة بن علي بن أبي المحاسن زهرة يصل نسبه إلى الاِمام الصادق باثنتي عشرة واسطة.

يعرّفه ابن شهر آشوب في كتابه و يقول: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي له كتاب «قبس الاَنوار في نصرة العترة الاَخيار» و«غنية النزوع» حسن. (1)

وقال العلاّمة الحلّي: حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، قال السيد السعيد صفي الدين معد: إنّ له كتاب «قبس الاَنوار في نصرة العترة الاَطهار» وكتاب «غنية النزوع». (2)

وينقل الزبيدي عن ابن العديم في تاريخ «حلب» أنّه قال: كان فقيهاً أُصولياً نظاراً على مذهب الاِمامية؛ وقال ابن سعد الجواني: الشريف الطاهر عز الدين أبو المكارم حمزة، ولد في شهر رمضان سنة 511هـ، وتوفي بحلب سنة 585 هـ.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات المتماثلة التي نقلناها برمّتها عند تقديمنا لكتابه «غنية النزوع» وقد طبع وانتشر عام 1417هـ و إن كان طبع قبل ذلك أيضاً.

يروي عنه: الشيخ معين الدين المصري، والشيخ شاذان بن جبرئيل القمي الذي كان حياً سنة 584هـ، والشيخ محمد بن جعفر المشهدي صاحب المزار المشهور، وأخيرهم لا آخرهم محمد بن إدريس الحلي، وقد دارت بينهما مكاتبات ومساجلات. (4)


1 . معالم العلماء:26 برقم 303.
2 . إيضاح الاشتباه:168.
3 . الزبيدي: تاج العروس:3|249، مادة «زهر».
4 . لاحظ في الوقوف على مصادر روايتهم عنه تقديمنا لكتاب غنية النزوع.


(293)

تعريف بكتاب غنية النزوع

يشتمل هذا الكتاب على الاَُصولين والفروع وفي الحقيقة البحث فيه يدور على محاور ثلاثة:

أ. الفقه الاَكبر: وهذا القسم مشتمل على مهمات المسائل الكلامية من التوحيد إلى المعاد.

ب. أُصول الفقه: وهو حاو لبيان القواعد الاَُصولية التي يستنبط منها الاَحكام الشرعية، ألّفه على غرار أُصول القدماء، و من فصوله النافعة بحثه عن القياس وآثاره السلبية في الفقه، وقد خلت كتب المتأخرين من أصحابنا من طرح هذه المسألة، ودراسة أدلّة المثبتين والنافين، وما هذا إلاّ لاَنّ عدم حجّيته هو الاَصل المسلم في فقه أهل البيت.

ج. الفروع والاَحكام الشرعية: وهي دورة فقهية استدلالية كاملة يستدل بالكتاب والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة والاِجماع، وهذا القسم من محاسن الكتب وجلائلها.

وهو في كتابه هذا يستمد من الكتاب العزيز في مسائل كثيرة، فقد استدل بقرابة مائتين وخمسين آية، كما اعتمد على أحاديث نبوية وافرة إمّا استدلالاً على المطلوب، أو احتجاجاً على المخالف كما اعتمد على الاِجماع في مسائل كثيرة قرابة 650 مسألة، وهو في كتابه يسير على ضوء كتاب الانتصار والناصريات للسيد الشريف المرتضى وكتاب الخلاف والمبسوط لشيخ الطائفة.

9. محمد بن الحسن الكيدري من علماء القرن السادس

وصفه شيخه ابن حمزة في إجازته له بقوله: الاِمام الاَجل العالم الزاهد المحقّق المدقّق، قطب الدين، تاج الاِسلام، فخر العلماء، مرجع الاَفاضل، محمد


(294)

بن الحسين بن الحسن الكيدري البيهقي. (1)

وقال صاحب الروضات: كان من أكمل علماء زمانه في أكثر الاَفنان، وأكثرهم إفادة لدقائق العربية في جموعه الملاح الحسان. (2)

يروي عن جماعة من مشايخنا، منهم:

1. الشيخ الاِمام نصير الدين أبو طالب عبد اللّه بن حمزة بن عبد اللّه الطوسي الشارحي المشهور الذي عرّفه منتجب الدين بقوله: فقيه، ثقة، وجه؛ وهو غير محمد بن علي بن حمزة الطوسي صاحب الوسيلة، وإن كانا معاصرين، وإن زعم السيد المحقّق عبد العزيز الطباطبائي ـ المغفور له ـ كونهما شخصاً واحداً. (3)

2. المفسّر الكبير الفضل بن الحسن الطبرسي. (4)

3. محمد بن هبة الدين الراوندي.

ولشيخنا المترجم تآليف قيمة أشهرها«إصباح الشيعة بمصباح الشريعة» الذي ربما ينسب إلى الفقيه الصهرشتي، وهو غير صحيح.

10. الاِمام سديد الدين الحمصي الرازي (المتوفّـى قبل 589 هـ)

يعرّفه منتجب الدين في «فهرسته» بقوله: علاّمة زمانه في الاَُصولين، ورع، ثقة، له تصانيف، وذكر كتبه، ثمّ قال: حضرت مجلس درسه سنين، وسمعت أكثر هذه الكتب في قراءة من قرأ عليه. (5)


1 . إصباح الشيعة: 15، المقدمة .
2 . روضات الجنات:6|295 برقم 587.
3 . منتجب الدين: الفهرست:125 برقم 272. وراجع تراثنا: العدد: 39|303.
4 . الذريعة:2|431 برقم 1697 تحت عنوان أنوار العقول.
5 . منتجب الدين الرازي: الفهرست: 164 برقم 399.


(295)

ويقول التستري: عمدة المحقّقين، ونخبة المدقّقين، علاّمة زمانه في الاَُصولين، الشيخ سديد الدين محمود بن علي الحمصي الرازي الحلي قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه. (1)

وشيخنا هو أحد أساتذة علم الاَُصول، فقد ألّف كتاباً في علم الاَُصول باسم «المصادر في أُصول الفقه» فيكون هو الكتاب السادس في علم الاَُصول من زمن المفيد إلى عصره؛ فقد ألّف الشيخ المفيد أوّلاً رسالة في ذلك العلم أسمّـاها بـ «التذكرة»، وأكمله ثانياً تلميذه المرتضى باسم «الذريعة»، وتابعه في البسط والتحقيق ثالثاً تلميذه الآخر الطوسي باسم «العدة» ،كما ألّف أبو يعلى المعروف بـ «سلاّر» كتاباً رابعاً باسم «التقريب في أُصول الفقه»، إلى أن جاء دور ابن حمزة فألّف كتاباً خامساً مستقلاً أسماه«غنية النزوع في علمي الاَُصول والفروع» وتلاه الحمصي فألّف كتاب أسماه «المصادر في أُصول الفقه».

وقد ذكر أسماء تصانيفه تلميذه منتجب الدين في «فهرسته» ومن تآليفه المعروفة: «المنقذ من التقليد» يذكر في مقدّمته انّه وصل إلى العراق عند منصرفه من الحرمين بالحجاز حماها اللّه، فورد الحلّة، فلقيه جماعة من فقهائها مستبشرين بوصوله إليهم، فأصرّوا عليه بالاِقامة، فلبّى دعوتهم وعزم على الاِقامة، وفي القلب النزوع إلى الاَهل و الولد، وفي الخاطر التفات إلى المورد والبلد، واشتغل بالمذاكرة والمدارسة، فأقام عندهم مدرساً وموَلّفاً، كتب كتاباً باسم «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد» فرغ منه عام 581هـ، وقد طبع الكتاب في جزءين، وهو ذو قوّة كلامية مبسطة.

ثمّ إنّ ابن إدريس يذكره في «السرائر» بإكبار وإجلال ممّا يدل على تقدّمه عليه في السن. (2)


1 . مقابس الاَنوار:11.
2 . السرائر:2|443، كتاب المزارعة.


(296)

11. محمد بن علي بن شهر آشوب (488ـ 588هـ)

فخر الشيعة، وتاج الشريعة، رشيد الملة والدين، شمس الاِسلام والمسلمين أبو عبد اللّه محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني الفقيه المحدّث المفسّر المحقّق الجامع لفنون الفضائل.

يعرّفه صلاح الدين الصفدي في «الوافي بالوفيات» بقوله: محمد بن شهر آشوب، أبو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين الشيعي، أحد شيوخ الشيعة، حفظ أكثر القرآن، وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أُصول الشيعة، كان يرحل إليه من البلاد ثمّ تقدّم في علم القرآن والغريب والنحو، ووعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد فأعجبه وخلع عليه، وكان بهي المنظر، حسن الوجه والشيبة، صدوق اللهجة، مليح المحاورة، واسع العلم، كثير الخشوع والعبادة والتهجد، لا يكون إلاّ على وضوء، أثنى عليه ابن أبي طي في «تاريخه» ثناءً كثيراً، توفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

وقال الفيروز آبادي في كتاب «البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة»: محمد ابن علي بن شهر آشوب، أبو جعفر المازندراني رشيد الدين الشيعي، بلغ النهاية في أُصول الشيعة، تقدّم في علم القرآن و اللغة والنحو، ووعظ أيّام المقتفي فأعجبه وخلع عليه، وكان واسع العلم، كثير العبادة، دائم الوضوء، له: كتاب «الفصول» في النحو، وكتاب «المكنون والمخزون»، وكتاب «أسباب نزول القرآن»، وكتاب «متشابه القرآن»، و كتاب «الاَعلام والطرائق في الحدود و الحقائق»، وكتاب «الجديدة» جمع فيها فوائد وفرائد جمّة. (1)

وقال شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي المالكي تلميذ عبد


1 . مستدرك الوسائل: 3|485.


(297)

الرحمن السيوطي في «طبقات المفسّرين»: محمد بن علي بن شهر آشوب، أحد شيوخ الشيعة، اشتغل بالحديث، ولقي الرجال، ثمّ تفقّه وبلغ النهاية في فقه أهل مذهبه، ونبغ في الاَُصول حتى صار رُحلة،ثمّ تقدّم في علم القراءات والغريب ، والتفسير، والنحو.

كان إمام عصره، وواحد دهره، و الغالب عليه علم القرآن والحديث. (1)

وقد ترجم لنفسه في كتابه «معالم العلماء» وذكر تصانيفه بالاَسماء التالية:

1. «مناقب آل أبي طالب» طبع في أربعة أجزاء.

2. مثالب النواصب.

3. المخزون والمكنون في عيون الفنون.

4. الطرائق في الحدود والحقائق.

5. مائدة الفائدة.

6. المثال في الاَمثال.

7. «معالم العلماء» وهو ذيل لفهرست الشيخ الطوسي، طبع في العراق وإيران.

8. الاَسباب و النزول على مذهب آل الرسول.

9. الحاوي.

10. «متشابه القرآن ومختلفه» وهو كتاب قيّم، طبع في إيران.

11. الاَوصاف.

12. المنهاج. (2)


1 . الداودي: طبقات المفسرين:2|201 برقم 538.
2 . معالم العلماء:119.


(298)

وهو يروى عن المشايخ العظام يقول: أنبأني الطبرسي بـ« مجمع البيان لعلوم القرآن»، وبكتاب «اعلام الورى باعلام الهدى»، وأجاز لي أبو الفتوح رواية «روض الجنان وروح الجنان» في تفسير القرآن، وناولني أبو الحسن البيهقي «حلية الاَشراف» وقد أذن لي الآمدي في «غرر الحكم»، ووجدت بخط أبي طالب الطبرسي كتابه «الاحتجاج» إلى آخر ما ذكره. (1)

والعجب انّ علمين جليلين معاصرين ألّفا كتابين في موضوع واحد، أعني بهما: محمد بن شهر آشـوب (المتوفّـى585هـ) والشيخ منتجـب الدين الرازي (وكان حياً إلى عام 600هـ). فألّف الاَوّل «معالم العلماء» ذيلاً لفهرست الشيخ، وألّف الثاني «الفهرست» في هذا المضمار أيضاً، ولم يكن بينهما صلة واطّلاع عن عمل كلّ منهما.

أسباب الركود

إنّ لكلّ ظاهرة سبباً، فظاهرة الركود لم تكن اعتباطية بل نشأت لاَسباب ودواعي أدّت إليه، منها:

أ. الضغط و الكبت من قبل السلطات الحاكمة آنذاك على الشيعة، كالسلاجقة في العراق، والغزنويّين في الشرق، والاَيوبيّين في الشام ومصر، وأخذوا ينظرون إليهم بنظرة ملوَها الحقد والغضب، وكانوا بصدد الانقضاض على الكيان الشيعي واستئصاله،وقد حفظ لنا التاريخ بعض الاَعمال التي قام بها السلاجقة ممّا يندى لها جبين الاِنسانية، فقد أحرق طغرل بك مكتبة بغداد التي كانت عامرة بالكتب، وإليك هذه الوثيقة التاريخية التي تعكس لنا صورة عن المأساة التي حلّت بالشيعة:


1 . الخوانساري: روضات الجنات:6|290 برقم 585، نقله عن البحار في مقدّمته عن كتابه المناقب.


(299)

يقول ابن الجوزي:وفي هذه السنة ـ يعني: سنة 448 ـ أُقيم الاَذان في المشهد بمقابر قريش، و مشهد العتيقة، ومساجد الكرخ بـ«الصلاة خير من النوم» وأُزيل ما كانوا يستعملونه في الاَذان «حي على خير العمل» وقلع جميع ما كان على أبواب الدور و الدروب من «محمد وعلي خير البشر» ودخل إلى الكرخ منشدو أهل السنّة من باب البصرة، فأنشدوا الاَشعار في مدح الصحابة، وتقدّم رئيس الروَساء إلى ابن النسوي بقتل أبي عبد اللّه بن الجلاّب شيخ البزازين بباب الطاق، لما كان يتظاهر به من الغلو في الرفض، فقتل وصلب على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره. (1)

ويقول أيضاً في حوادث سنة 449هـ:وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج ذلك إلى الكرخ، وأُضيف إليه ثلاثة مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديماً يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة، فأُحرق الجميع. (2)

وقال الجزري : وفيها (أي في هذه السنة) نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ، وهو فقيه الاِمامية، وأُخذ ما فيها، وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي.(3)(4)

وقال الخفاجي: لمّا دخل صلاح الدين الاَيوبي إلى حلب عام 579هـ حمل الناس على التسنّن وعقيدة الاَشعري، ولا يقدّم للخطابة ولا للتدريس إلاّ


1 . ابن الجوزي: المنتظم: 16|7و 8.
2 . ابن الجوزي: المنتظم:16|16.
3 . ولعل الصحيح: الغرويّ.
4 . ابن الاَثير: الكامل في التاريخ:9|637و 638.


(300)

من كان مقلّداً لاَحد المذاهب الاَربعة، ووضع السيف على الشيعة وقتلهم وأبادهم مثل عمله في مصر إلى حد يقول الخفاجي في كتابه.

فقد غالى الاَيوبيون في القضاء على كلّ أثر للشيعة. (1)

وفي هذا الجو المشحون بالعداء والبغضاء لا تسنح الفرصة لاَي نشاط علمي، بل يغيب عندها النتاج الفكري، فالحياة الفقهية رهن وجود ظروف مناسبة وبيئة صالحة لتنمية الاَفكار.

ب. وأمّا السبب الثاني، فهو انّ الشيخ الطوسي قد حَظِيَ بتقدير عظيم في نفوس تلامذته ومعاصريه على وجه رفعته عن مستوى النقد، لما قدّمه من خدمات جليلة للحوزة الشيعية من إتحافها بأنواع العلوم والتآليف وتربية جيل كبير من العلماء والمفكّرين.

وقد حظيت آراوَه الشخصية بقدسية نزّهته عن النقد، فاستمرت تلك النظرة إلى الشيخ مدة مديدة بعده، وقد خلفه في إدارة شوَون الحوزة نجله أبو علي الطوسي الذي كان حياً إلى سنة 515هـ.

فهذان العاملان أدّيا إلى الركود والخضوع لكل ما ورثوه عن الشيخ الطوسي.

وربّما يذكر عامل آخر للركود وهو: انّ الشيخ بهجرته إلى النجف قد انفصل في أكبر الظن عن تلامذته وحوزته العلمية في بغداد، وبدأ ينشىَ في النجف حوزة فتية حوله من أولاده أو الراغبين في الالتحاق بالدراسات الفقهية من مجاوري القبر الشريف أو أبناء البلاد القريبة منه كالحلّة ونحوها، ونمت الحوزة على عهده بالتدريج ، وعلى هذا الاَساس فإنّ الشيخ الطوسي بهجرته إلى النجف انفصل عن حوزته الاَساسية في بغداد وأنشأ حوزة جديدة حوله في النجف، ومن الطبيعي


1 . الخفاجي: الاَزهر في ألف عام:1|58.


(301)

انّ الحوزة الفتية التي نشأت حول الشيخ في النجف أن لا ترقى إلى مستوى التفاعل المبدع مع التطور الذي أنجزه الطوسي في الفكر العلمي لحداثتها، وأمّا الحوزة الاَساسية ذات الجذور في بغداد فلم تتفاعل مع أفكار الشيخ ولم يهاجر منهم إلى النجف إلاّ القليل، ولهذا لم يتسرّب الاِبداع الفقهي العلمي من الشيخ إلى تلك الحوزة التي كان ينتج ويبدع بعيداً عنها، وفرق كبير بين المبدع الذي يمارس إبداعه العلمي داخل نطاق الحوزة ويتفاعل معها باستمرار وتواكب الحوزة إبداعه بوعي وتفتّح، وبين المبدع الذي يمارس إبداعه خارج نطاقها وبعيداً عنها. (1)

ولنا مع هذا الكلام وقفة قصيرة وهي:

1. انّ الشيخ قام بجهد علمي كبير في مهجره، وهو تأليف كتاب «المبسوط» الذي يعتبر من أوسع الموسوعات الفقهية للشيعة الاِمامية التي ذكر فيها فروعاً وتخريجات لم يكن لها حلول في كتب السابقين، فلو كان الجو العلمي في مهجره غير بالغ إلى هذا المستوى فالقيام بهذا الجهد يكون أمراً غريباً.

2. انّ لازم ذلك طروء الركود في بعض الحوزات دون بعض، وقد كانت للشيعة آنذاك حوزة في الكوفة وفي قم والري وخراسان لا سيما في منطقة بيهق وكيدر ونيسابور، فلو كان هذا مبرراً لطروء الركود فيجب أن يختص بحوزة دون أُخرى.

ومهما يكن من أمر فإنّ ظاهرة الركود قد تفشّت في كافة الحوزات وكان النتاج الفقهي في تلك الفترة أقلّ بكثير ممّا كان عليه في الدور المتقدّم.


1 . الشهيد محمد باقر الصدر: المعالم الجديدة: 65ـ 66.


(302)

ميزات هذا الدور

القضاء الحاسم في نتائج الجهود التي بذلها فقهاوَنا في هذه الفترة بحاجة إلى دراسة الكتب المدوّنة فيها وهي بين مسهب ومقتضب، وهي فوق ما نرومه في هذا المقال، ويمكن أن نلخّص نتائج الجهود العلمية في هذه الفترة بالاَُمور التالية:

الاَوّل: الموسوعة الفقهية

قد ألّف ابن البرّاج الطرابلسي(400 ـ 481هـ)موسوعة على ضوء المبسوط للشيخ الطوسي، ولكن بإيجاز وتلخيص، وقد فرغ من تأليفها عام 467هـ، وهي موسوعة دون «المبسوط» وفوق ما ألّف قبله.

الثاني: تدوين المتون الفقهية

قد أُلّفت في هذه الفترة متون فقهية على صعيد عال فوق ما تحظى به المتون السابقة كالمقنعة والنهاية للمفيد والشيخ.

1. فقد ألّف الفقيه أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بـ «ابن حمزة» (المتوفّى حوالي 550هـ) كتــاب «الوسيلة» وهو كتـاب فقهي يشتمل على جميع الاَبواب الفقهية مقروناً بالاستدلال الموجز.

2. كما ألّف السيد حمزة بن علي بن زهرة كتاب «غنية النزوع إلى علمي الاَُصول والفروع» ومع أنّه كتاب واحد إلاّ أنّه يشتمل على متون في العقائد، وأُصول الفقه، والفقه.

وقد أسهب في الاستدلال أكثر ممّن سبقه.

3. كما ألّف محمد بن الحسن الكيدري «إصباح الشيعة بمصباح الشريعة» وقد مشى على ضوء غنية النزوع، وهو مع اشتماله على جميع الاَبواب لا يسهب


(303)

في الاستدلال.

وهناك متون فقهية أُخرى أُلّفت في تلك الفترة، فمن أراد فليرجع إلى طبقات الفقهاء في القرن الخامس والسادس.

الثالث: العناية بعلم الاَُصول

نجد في هذه الفترة عناية بعلم الاَُصول لا سيما العنصر العقلي وإدخاله في مصب الاستدلال، فقد جعله ابن زهرة قسماً من كتاب «الغنية» في علم الاَُصول، و القارىَ يجد فيه الاعتماد الواضح على العقل في مجالات خاصة كما يعتمد على سائر الاَدلّة.

كما ألّف الاِمام سديد الدين الحمصي الرازي كتاباً باسم «المصادر في أُصول الفقه» تناول فيه العنصر العقلي أكثر ممّن سبقه لضلوعه في المسائل العقلية كما يظهر ذلك من كتابه القيّم«المنقذ من التقليد».

الرابع: العناية بفقه القرآن

يعد القرآن أساس التشريع الاِسلامي، ففيه آيات تعدّ أُسساً للتشريع، وقد أفردها قطب الدين الراوندي بالتأليف أسماه «فقه القرآن» وقد طبع في ثلاثة أجزاء، وهو كتاب ممتع جداً.

نعم بحث عنها غيره في ثنايا تفسير القرآن الكريم كالطبرسي في «مجمعه »، وأبي الفتوح الرازي في «روض الجنان».

هذا بعض ما يمكن أن يعد ميزة لهذا الدور، و استيعاب الميزات رهن الاِحاطة بكافة تصانيف هذا الدور من الكتب لا سيّما الفقهية والاَُصولية منها.

وهدفنا من هذه الدراسة تمهيد السبيل أمام المعنيين بتاريخ علم الفقه كي يتناولوا تلك التصانيف بشيء من الدقة والعناية والاِحاطة.


(304)

أدوار الفقه الشيعي

4

الدور الرابع

تجديد الحياة الفقهية

(600ـ1030هـ)

الضابطة في تمييز كلّ دور عمّا سبقه وجود تفاوت جوهري بين الدورين، ففي الفترة التي سبقت هذا الدور كان الركود سائداً على ربوع التفكير الفقهي لكن بإبداع في العرض وتغيير في البيان، ولم يكن ثمّة تطور جوهري طرأ على التفكير الفقهي، وهذا بخلاف ما سنستعرضه في هذا الدور ففيه تجديد للحياة الفقهية بأساليب مبتكرة، وقواعد غير مذكورة في كتب السابقين وعناية وافرة بأُصول الفقه وتنوّع في التأليف.

وقد سبق انّ مشايخنا انقادوا وأذعنوا لفتاوى الشيخ واستدلالاته فلم يخرجوا عن ذلك الطور إلاّ قليلاً، حتى ظهر على مسرح الفكر الفقهي فقيه فذ، ذو فكر وقّاد، وذهن جوّال، آب عن التقليد تابع لما يقوده إليه فكره ألا وهو محمد بن إدريس الحلّي، فإنّه وقف وهو في العقد الرابع من عمره على توقف الركب الفقهي عن السير، وانّ كلّ ما تمخّضت عنه الساحة الفكرية كان في الواقع تقليداً للشيخ الطوسي ليس إلاّ، فشمّر عن ساعد الجدّ وأحدث انقلاباً عارماً في حقل الاجتهاد والاستنباط، وإليك البيان.


(305)

1. ابن إدريس مجدّد الحياة الفقهية (543ـ 598 هـ)

يعد ابن إدريس أوّل من خطا بالفقه خطوات واسعة، فلنبدأ بذكر سيرته .

يعرّفه التستري بقوله: الشيخ الفاضل، الكامل، المحقّق المدقّق، عين الاَعيان، ونادرة الزمان، فخر الدين، أبو عبد اللّه محمد بن إدريس أو أحمد بن إدريس العجلي الربعي الحلّي نور اللّه مرقده.

روى عنه: الشيخ النبيل الجليل، قدوة المذهب، صاحب المصنّفات، نجيب الدين أبو إبراهيم محمد بن نما الربعي، والسيد السند قدوة الاَدباء والنسابة والفقهاء صاحب المصنّفات شمس الدين أبو علي فخار بن معد الموسوي الحائري. (1)

يقول المحدّث النوري: الشيخ الفقيه، والمحقّق النبيه، فخر الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن إدريس الحلّي العجلي، العالم الجليل، المعروف الذي أذعن بعلو مقامه في العلم و الفهم والتحقيق والفقاهة أعاظم الفقهاء في إجازاتهم وتراجمهم، ثمّ ذكر وصف العلماء إيّاه في إجازاتهم. (2)

ولاَجل أن يقف القارىَ على مدى الجهود العلمية التي بذلها ابن إدريس في رفع المستوي العلمي والفقهي نذكر نصّ عبارته في أوّل «السرائر»، وإن مرّ ذكره في الدور السابق أيضاً.

إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية والاَحكام الاِسلامية، وتثاقلهم عن طلبها، وعداوتهم لما يجهلون، وتضييعهم لما يعلمون، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا لغلبة الغباوة عليه، وملكه الجهل لقياده،


1 . مقابس الاَنوار:11.
2 . مستدرك الوسائل: 3|481.


(306)

مضيعاً لما استودعته الاَيام، مقصراً في البحث عمّا يجب عليه علمه حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته... ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي، وتلافيت نفساً بلغت التراقي. (1)

فابن إدريس بكتابه هذا أوّل من نفض غبار الركود عن كاهل الفقه الشيعي، واقتفاه جلّ من تأخّروا عنه وإن اختلفوا معه في أشياء وأشياء، ولكن الضجة التي أثارها تركت أثرها في شحذ الهمم نحو عرض الفقه بأُسلوب أكثر علميّة.

وقد أُصيب في جهاده العلمي بوابل من الطعنات اللاذعة، لكنّها لم توَثر في عزمه الراسخ نحو ما تصبو إليه نفسه، وهو بتأليف كتابه الرائع «السرائر» قد قضى على التقليد الفكري، وأطاح به، وأخذ بطرح أفكاره في ثنايا كتابه، مندداً بالمتفقّهة والمقلّدة، وهو مع إجلاله للشيخ الطوسي أخذ ببيان المواضع التي يخالفه فيها مدعومة بالبرهان.

وأخذ يدافع عن وجهة نظره بأمرين:

الاَوّل: بإقامة البراهين الدامغة على رأيه وفق منهجه، وهو عدم حجّية خبر الواحد، وانحصار الحجية بالكتاب والخبر المتواتر والاِجماع والعقل.

الثاني: محاولة عدم الانفراد بالرأي وتعزيزه بموافقة الشيخ الطوسي له على هذا الرأي في بعض كتبه، أو أنّ ما ذكره الشيخ إنّما ذكره إيراداً لا اعتقاداً، إلى غير ذلك من المحاولات التي كان الهدف من ورائها استقطاب موافقة من تقدّم عليه حتى ربما يقتصر على الموافقة التي ربما تلوح من عبارة الشيخ.

يقول هو في حكم الماء النجس المتمم كراً: الشيخ أبو جعفر الطوسي


1 . مقدّمة الموَلّف على كتابه السرائر: 1|41.


(307)

(رحمه الله) الذي يُتمسّك بخلافه، ويُقلّد في هذه المسألة ويُجعل دليلاً، يقوِّي القول والفتيا بطهارة هذا الماء في كثير من أقواله، وأنا أُبيّن إن شاء اللّه انّ أبا جعفر(رحمه الله) يفوح من فيه رائحة تسليم المسألة بالكلية، إذا توَمّل كلامه وتصنيفه حقّ التأمّل، وأُبصر بالعين الصحيحة، وأحضر له الفكر الصافي فانّه فيه نظر ولبس، ولتفهم عني ما أقول. (1)

مراسلاته مع فقهاء عصره

كان ابن إدريس فقيهاً دوَوباً في العمل، وكانت له صلة وثيقة بمعاصريه من فقهاء كلا الفريقين، وثمة وثيقتان تاريخيتان توَكّدان ذلك.

1. قال في كتاب المزارعة: وانّ الزكاة على المزارع أوالعامل. وقال بعض أصحابنا المتأخرين في تصنيف له: كلّ ما كان البذر منه وجب عليه الزكاة، ولا يجب الزكاة على من لا يكون البذر منه، قال: لاَنّ ما يأخذه كالاَُجرة (فعلى ما ذكره، الزكاة على المزارع دون العامل) ثمّ قال: والقائل بهذا هو السيد العلوي أبو المكارم ابن زهرة الحلبي(رحمه الله) شاهدته ورأيته وكاتبته وكاتبني وعرّفته ما ذكره في تصنيفه من الخطأ، فاعتذر(رحمه الله) بأعذار غير واضحة، وأبان بها انّه ثقل عليه الرد، ولعمري انّ الحق ثقيل كلّه، ومن جملة معاذيره ومعارضاته لي في جوابه، انّ المزارع مثل الغاصب للحب إذا زرعه، فإنّ الزكاة تجب على ربّ الحب دون الغاصب.

وهذا من أقبح المعارضات وأعجب التشبيهات، وإنّما كانت مشورتي عليه أن يطالع تصنيفه وينظر في المسألة ويغيّرها قبل موته، لئلاّ يستدرك عليه مستدرك بعد موته، فيكون هو المستدرك على نفسه، فعلت ذلك، علم اللّه


1 . ابن إدريس: السرائر: 1|66، أحكام المياه.


(308)

شفقة وسترة عليه ونصيحة له، لاَنّ هذا خلاف مذهب أهل البيت. (1)

2. يقول في مسألة الطلاق ثلاثاً: وقد كتب إليّ بعض فقهاء الشافعية وكانت بيني وبينه موَانسة ومكاتبة: هل يقع الطلاق الثلاث عندكم، وما القول عند فقهاء أهل البيت - عليهم السلام - ؟

فأجبته أمّا مذهب أهل البيت فإنّهم يرون أنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد وحالة واحدة ومن دون تخلّل المراجعة لا يقع منه إلاّ واحدة، ومن طلق امرأته تطليقة واحدة وكانت مدخولاً بها كان له مراجعتها بغير خلاف بين المسلمين، إلى آخر ما ذكره من المطالب الشيقة، وقد استغرق عدّة صحائف. (2)

توفي ابن إدريس وترك تراثاً علمياً وربّى جيلاً من روّاد العلم، انتهلوا من معين علمه، ونذكر الآن أسماء لفيف من المشاهير الذين لم تخمد جذوة الاِبداع التي أوجدها ابن إدريس في قلوبهم، بل واصلوا النهج الذي اختطّه لهم وبثّوا أفكاره في جميع المحافل العلمية.

2. الفقيه معين الدين المصري (كان حياً عام 629هـ)

سالم بن بدران بن علي المصري المازني صاحب كتاب «التحرير» الحاوي على أحكام المواريث، وقد ذكر بعض كلماته المحقّق الطوسي في «الفرائض النصيرية» معبّراً عنه: شيخنا الاِمام معين الدين، وقد قرأ عليه المحقّق الطوسي كتاب «إصباح الشيعة بمصباح الشريعة» وأجاز له عام 629هـ، والاِجازة مطبوعة في تقديمنا على كتاب الغنية . (3)


1 . ابن إدريس: السرائر: 2|443.
2 . ابن إدريس: السرائر: 2|678ـ685.
3 . مقابس الاَنوار: 12، وله ترجمة في رياض العلماء :2|408ـ 411 وأعيان الشيعة:7|172ـ173.


(309)

3. شمس الدين فخار بن معد بن فخار (المتوفّى 630هـ)

شمس الدين فخار بن معد بن فخار الموسوي الحائري، قال الشيخ الحر العاملي: كان عالماً، فاضلاً، أديباً، محدثاً، له كتب، منها: كتاب «الرد على الذاهب إلى تكفير أبي طالب» حسن جيد، وغير ذلك، يروي عنه المحقّق المتوفّى (676هـ) ويروي هو عن ابن إدريس الحلّي، وعن ابن شاذان بن جبرئيل القمي وغيرهما. (1)

ووصفه شيخنا الشهيد الثاني في إجازته: بإمام الاَُدباء والفقهاء.

ويروي عنه من علماء أهل السنّة ابن أبي الحديد (المتوفّى 655هـ) وأبو الفرج الجوزي ، والقاضي أبو الفتح محمد بن أحمد المنداني الواسطي، الذي يروي هو عن ابن الجواليقي وغيره. (2)

4. نجيب الدين محمد بن جعفر بن نما الحلي (565 ـ 645هـ)

إنّ بيت ابن نما من أعرق البيوت العلمية في الحلّة الفيحاء، التي انجبت العديد من العلماء الفطاحل الذين ضنّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، فلنقتصر على ترجمة الوالد والولد.

أمّا الوالد، فهو نجيب الدين أبو إبراهيم محمد بن جعفر بن هبة اللّه بن نما ابن علي بن حمدون الحلّي، شيخ الفقهاء في عصره، أحد مشايخ المحقّق الحلّي المتوفّى (676هـ) و الشيخ سديد الدين، والد العلاّمة الحلّي، و السيد أحمد بن طاووس، والسيد رضي الدين بن طاووس.


1 . أمل الآمل: 2|214 برقم 646.
2 . وقد ترجمه الخوانساري في «روضات الجنات»:5|346 برقم 540، و البحراني في لوَلوَة البحرين:280، والنوري في مستدرك الوسائل: 3|479.


(310)

قال المحقّق الكركي في وصف المحقّق الحلّي: وأعْلَمُ مشايخه بفقه أهل البيت الشيخ الفقيه السعيد الاَوحد محمد بن نما الحلّي، وأجلّ أشياخه الاِمام المحقّق قدوة المتأخرين فخر الدين محمد بن إدريس الحلّي العجلي برّد اللّه مضجعه.

فالمترجَم من خريجي مدرسة ابن إدريس.

وأمّا الولد، فهو الشيخ الفقيه نجم الدين جعفر بن محمد بن هبة اللّه بن نما الحلي، كان عظيم الشأن، جليل القدر، من مشايخ آية اللّه العلاّمة الحلّي المتوفّى (726هـ) وصاحب المقتل الموسوم بـ «مثير الاَحزان».

فالوالد من مشايخ المحقّق الحلّي، والولد من مشايخ العلاّمة الحلّي، ويظهر من القصيدة التي نظمها جواباً لبعض الحاسدين انّ بيت ابن نما كان بيتاً رفيعاً مرموقاً مشهوراً بالفضائل، قال:

أنا ابن نما إن نطقت فمنطقي * فصيح إذا ما مصقع القوم اعجما
بنى والدي نهجاً إلى ذلك العلى * بأفعاله كانت إلى المجد سلّما
كبنيان جدي جعفر خير ماجدٍ * فقد كان بالاِحسان والفضل مغرماً
وجدي أبا الخير الفقيه أبي البقا * فما زال في نقل العلوم مقدما (1)

5. المحقّق الحلّي نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي (602ـ 676هـ)

هو الشيخ أبو القاسم نجم الملة والدين، الملقّب بالمحقّق على الاِطلاق،


1 . اقرأ ترجمة الوالد والولد في روضات الجنات: 6|294 برقم 586، 2|179برقم 169، والكنى والاَلقاب:1|441، وغيرها.


(311)

الغني عن الاِطراء، المشهور بالآفاق بتلاميذه وتآليفه، ويكفي في مقامه انّ كتابه «شرائع الاِسلام» أصبح كتاباً دراسياً منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وصار محطاً للشرح و التعليق عبر القرون، وقد وصفه العلاّمة الحلّي في إجازته لبني زهرة من أنّه كان أفضل أهل عصره في الفقه، واستدركه الشيخ حسن صاحب المعالم بقوله: لو كان ترك التقييد بأهل زمانه كان أصوب إذ لا أرى في فقهائنا مثله على الاِطلاق.

وذكره ابن داود في «رجاله» بقوله: جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحلّي، شيخنا نجم الدين، أبو القاسم المحقّق المدقّق الاِمام العلاّمة، واحد عصره، كان ألسَن أهل زمانه، وأقومَهم بالحجة، وأسرعهم استحضاراً، وقرأت عليه، وربّاني صغيراً، وكان له عليّ إحسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنّفه وقرأه ورواه، وكلّ ما يصح روايته عنه. توفي في شهر ربيع الآخر سنة 676هـ، وله تصانيف حسنة محقّقة محررة عذبة، فمنها: كتاب «شرائع الاِسلام» مجلدان، وكتاب «النافع في مختصرها» مجلد، وكتاب «المعتبر في شرح المختصر» لم يتم مجلدان، وكتاب «نكت النهاية » مجلدان، وكتاب :«المسائل الغرية» مجلد، وكتاب «المسائل المصرية» مجلد، وكتاب «المسلك» في أُصول الدين مجلد، وكتاب «الكهنة» في المنطق مجلد، وله كتب أُخرى ليس هذا موضع استيفائها فأمرها ظاهر، وله تلاميذ فقهاء فضلاء. (1)

حكي أنّ المحقّق نصير الدين الطوسي حضر درس المحقّق وطلب منه إكمال الدرس، فجرى البحث في مسألة استحباب التياسر (يعني في العراق) فقال المحقّق الطوسي: لا وجه للاستحباب، لاَنّ التياسر إن كان من القبلة إلى


1 . ابن داود: الرجال:1برقم 300؛ وانظر ترجمته في روضات الجنات:2|183، برقم 170. ولشيخنا المحقّق ترجمة وافية في غير واحد من الكتب، فلاحظ رجال ابن داود: القسم الاَوّل برقم300، وأعيان الشيعة: 4|89 ، مقابس الاَنوار:12، والكنى والاَلقاب:2|154.


(312)

غيرها فهو حرام، وإن كان من غيرها إليها فواجب، فقال المحقّق في الحال: بل منها إليها، فسكت المحقّق الطوسي.

ثمّ ألّف المحقّق في ذلك رسالة لطيفة أوردها الشيخ أحمد بن فهد في «المهذّب» بتمامها، وأرسلها إلى المحقّق الطوسي فاستحسنها، وكان مرجع أهل عصره في الفقه، يروي عن أبيه عن جده يحيى الاَكبر. (1)

إنّ كلّ ما انتج يراع شيخنا المحقّق أثر خالد على جبين الدهر، لا سيّما كتابيه «شرائع الاِسلام» و «المعتبر»، فإنّ لهما قيمة علمية كبيرة لم تتطاول يد الزمان عليهما.

فكتاب شرائع الاِسلام في مسائل الحلال والحرام، وهو من أحسن المتون الفقهية ترتيباً، وأجمعها للفروع، وقد ولع به الاَصحاب من لدن عصر موَلّفه إلى الآن، ولا يزال من الكتب الدراسية في حواضر العلم الشيعية، وقد اعتمد عليه الفقهاء خلال هذه القرون العديدة فاتخذوه محوراً لبحوثهم ودراساتهم، وكتبوا عليه شروحاً وحواشي كثيرة، ويكفيك انّ معظم الموسوعات الفقهية الضخمة التي أُلّفت بعد عصر المحقّق كلّها شروح له، وقد ذكر أسامي تلك الشروح شيخنا المجيز في «ذريعته». (2)

وأمّا كتاب «المعتبر في شرح المختصر» فقد شرح فيه كتابه الآخر«المختصر النافع» الذي هو مختصر كتابه «شرائع الاِسلام» خرج منه العبادات إلى كتاب الحج وبعض التجارات، وطبع أخيراً في جزءين.

والكتاب من أنفس الكتب الفقهية الاستدلالية لا يقاس بغيره، وقد كان السيد المحقّق البروجردي (1292ـ1380هـ) يذكره في دروسه الشريفة بإجلال وإكبار، ويقول لم يوَلّف على غراره تأليف.


1 . الكنى والاَلقاب:2|154.
2 . الذريعة:13|47 برقم 161.


(313)

6. أحمد بن موسى بن جعفر بن طاووس (المتوفّى 673هـ)

يعرفه تلميذه ابن داود بقوله: سيدنا الطاهر، الاِمام المعظّم، فقيه أهل البيت جمال الدين أبو الفضائل، مات سنة ثلاث وسبعين وستمائة، مصنف، مجتهد، كان أورع فضلاء زمانه، قرأت عليه أكثر «البشرى» و«الملاذ» وغير ذلك من تصانيفه، وأجاز لي جميع تصانيفه ورواياته، وكان شاعراً مصقعاً، بليغاً منشئاً مجيداً، من تصانيفه: كتاب «بشرى المحقّقين» في الفقه ستة مجلدات، وكتاب «الملاذ» في الفقه أربعة مجلدات، كتاب «الكر» مجلد، كتاب «السهم السريع» في تحليل المبايعة مع القرض مجلد، كتاب «الفوائد العدة» في أُصول الفقه مجلد، كتاب «الثاقب المسخر على نقض المشجر» في أُصول الدين، كتاب «الروح» نقضاً على ابن أبي الحديد، كتاب «شواهد القرآن» مجلدان، كتاب «بناء المقالة العلوية في نقض الرسالة العثمانية» مجلد، كتاب «المسائل» في أُصول الدين مجلد، كتاب «عين العبرة في غبن العترة» مجلد، كتاب «زهرة الرياض» في المواعظ مجلد، كتاب «الاختيار في أدعية الليل والنهار» مجلد، كتاب «الازهار» في شرح لامية مهيار مجلدان، كتاب «عمل اليوم والليلة» مجلد، وحقق الرجال والرواية والتفسير تحقيقاً لا مزيد عليه، رباني وعلمني وأحسن إليّ، وأكثر فوائد هذا الكتاب من إشاراته وتحقيقاته جزاه اللّه عنّي أفضل جزاء المحسنين. (1)

وممّا يجب إلفات نظر القارىَ إليه هو انّه (قدس سره) أوّل من اخترع تفريع الأخبار إلى أقسامه الاَربعة المشهورة: الصحيح، الحسن، الموثق، والضعيف، بعدما كان الصحيح عند القدماء بغير المعنى الذي اصطلحه هو عليه، وقد ذكرنا وجه


1 . ابن داود الحلي: الرجال، برقم 137؛وانظر ترجمته في روضات الجنات:7|66 برقم 15، والكنى والاَلقاب:1|340، إلى غير ذلك من الكتب.


(314)

الفرق وسبب تنويع الاَخبار إلى الاَقسام الاَربعة في كتابنا «كليات في علم الرجال». (1)

وممّا يوَسف له انّ موسوعاته الفقهية باسم «بشرى المحقّقين» في ستة أجزاء، وكتاب «ملاذ العلماء» في أربعة أجزاء ممّا لعب به الزمان، فلم نعثر على نسخة منها.

ثمّ إنّ من تآليفه «حلّ الاِشكال في معرفة الرجال» وكانت نسخة الكتاب موجودة عند الشهيد الثاني، ثمّ انتقلت إلى ولده الشيخ حسن صاحب المعالم، فجدّد صياغة الكتاب وأسماه بـ«التحرير الطاووسي».

وقد صبت الحركة الاَخبارية ـ التي ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر ـ حمم غضبها على ابن طاووس وتلميذه العلاّمة الحلّي من جرّاء تنويعهما الاَخبار بهذا النحو الذي ذكرناه.

7. الفقيه البارع يحيى بن سعيد الحلي (601ـ689 هـ)

عرّفه ابن داود في رجاله بقوله: يحيى بن أحمد بن سعيد، شيخنا الاِمام الورع القدوة، كان جامعاً لفنون العلم الاَدبية والفقهية والاَُصولية، وكان أورع الفضلاء وأزهدهم، له تصانيف جامعة للفوائد، منها: كتاب «الجامع للشرائع» في الفقه، كتاب «المدخل» في أُصول الفقه، وغير ذلك، مات سنة 689هـ. (2)

وقال الاَفندي التبريزي في كتابه القيم «رياض العلماء»: كان (قدس سره) مجمعاً على فضله وعلمه بين الشيعة وعظماء أهل السنّة. (3)


1 . كليات في علم الرجال: 359.
2 . ابن داود: الرجال: برقم 1660.
3 . رياض العلماء: 5|336.


(315)

قال السيوطي في «بغية الوعاة» في طبقات اللغويين والنحاة نقلاً عن الذهبي انّه قال: لغوي، أديب، حافظ للآثار، بصير باللغة والاَدب، من كبار الرافضة. (1)

وقد ترجمنا له ترجمة وافية في تقديمنا لكتابه«الجامع للشرائع».

ومن لطائف آثاره كتابه«نزهة الناظر في الجمع بين الاَشباه والنظائر» وقد غفل عن ذكره ابن داود في «رجاله» وهو كتاب شيق في الفقه يذكر لمسألة واحدة نظائرها وأشباهها.

وقد طبع من آثاره: «الجامع للشرائع» بتقديم منّا و«نزهة الناظر».

8. غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاووس (648ـ693هـ)

يعرّفه المحدّث النوري في «المستدرك» بقوله: نادرة الزمان، وأُعجوبة الدهر، صاحب المقامات والكرامات.

ويعرّفه أيضاً تلميذه ابن داود في «رجاله»: سيدنا الاِمام المعظّم، غياث الدين، الفقيه النسّابة النحوي العروضي الزاهد العابد أبو المظفر، انتهت رئاسة السادات وذوي النواميس إليه، وكان أوحد زمانه، حائري المولد، حلّي المنشأ، بغدادي التحصيل، كاظمي الخاتمة، ولد في شعبان سنة 648هـ، وتوفي في شوال سنة 693هـ، وكان عمره خمساً وأربعين سنة وشهرين وأياماً، كنت قرينه طفلين، إلى أن توفّي قدس اللّه روحه، ما رأيت قبله ولا بعده بخلقه وجميل قاعدته وحلو معاشرته ثانياً، ولا لذكائه وقوة حافظته مماثلاً، ما دخل في ذهنه شيء فكاد ينساه، حفظ القرآن في مدّة يسيرة وله إحدى عشرة سنة، استقل بالكتابة واستغنى عن المعلم في أربعين يوماً وعمره إذ ذاك أربع سنين، ولا تحصى مناقبه وفضائله.


1 . بغية الوعاة:2|331.


(316)

له كتب، منها: كتاب «الشمل المنظوم في مصنفي العلوم» ما لاَصحابنا مثله، وكتاب «فرحة الغري بصرخة الغري» وغير ذلك. (1)

9. سديد الدين يوسف بن المطهّر الحلّي

هو الشيخ يوسف بن الشيخ شرف الدين علي بن مطهّر الحلّي، والد العلاّمة الحلّي، وأُستاذه الاَقدم في الفقه والاَدب والاَُصول، يعرفه ابن داود في «رجاله» بقوله: كان فقيهاً، محقّقاً، مدرساً، عظيم الشأن. (2)

وقال الحر العاملي: فاضل، فقيه، متبحر، نقل ولده العلاّمة أقواله في كتبه.(3)

ويكفي في عظمته وسعة آفاق علمه انّ ولده العلاّمة تتلمذ عليه.

ويظهر من أجوبة العلاّمة لاَسئلة السيد المهنا انّ والده كان فقيهاً فحلاً، حيث يذكر هناك ما دار بينه وبين والده من الاختلاف في مسألة، فمن أراد فليرجع إليه. (4)

10. الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي (كان حياً عام 673هـ)

هو عز الدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي المكنّى بـ«أبي زينب» المعروف بالفاضل الآبي، وصفه العلاّمة المامقاني بقوله: عالم، فاضل.

ترجمه العلاّمة الطباطبائي بقوله: أحد تلامذة المحقّق الحلّي وشارح كتابه


1 . ابن داود: الرجال: برقم 947.
2 . ابن داود: الرجال: برقم 461.
3 . أمل الآمل:2| برقم 1081.
4 . أجوبة المسائل المهنائية.


(317)

«النافع» المسمّى «كشف الرموز» وهو أوّل من شرح هذا الكتاب، عالم، فاضل، محقّق، فقيه، قوي الفقاهة، حكى الاَصحاب كالشهيدين والسيوري وغيرهم أقواله ومذاهبه في كتبهم، ويعبرون عنه بالآبي وأبي زينب، وشارح النافع، وتلميذ المحقّق. وشهرة هذا الرجل دون فضله وعلمه أكثر من ذكره ونقله، وكتابه «كشف الرموز» كتاب حسن مشتمل على فوائد كثيرة وتنبيهات جيدة مع ذكر الاَقوال والاَدلّة على سبيل الاِيجاز والاختصار، ويختص بالنقل عن السيد ابن طاووس أبي الفضائل في كثير من المسائل، وله مع شيخه المحقّق مخالفات ومباحثات في كثير من المواضع؛ وهو ممّن اختار المضايقة في القضاء، وتحريم الجمعة في زمان الغيبة، وحرمان الزوجة من الرباع وإن كانت ذات ولد، وقد فرغ من كتابه سنة 672هـ. (1)

وقد توفي المحقّق الماتن عام 676هـ وشيخنا الآبي قد فرغ من شرح الكتاب والماتن على قيد الحياة.

يقول في مقدّمة الكتاب: بعد ذكر توجهه إلى الحلة السيفية، يعرّفها بقوله: فكم بها من أعيان العلماء بهم التقيت، والمعارف الفقهاء، بأيّهم اقتديت اهتديت؛ وكان صدر جريدتها، وبيت قصيدتها، جمال كمالها، وكمال جمالها، الشيخ الفاضل الكامل، عين أعيان العلماء، ورأس روَساء الفضلاء، نجم الدين حجّة الاِسلام أبا القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد عظّم اللّه قدره وطوّل عمره.

فاستسعدت بهاء طلعته، واستفدت من جَني ثمرته في كلّ فصل من كلّ فن، وصرفت أكثر همي وسابق فهمي إلى العلوم الدينية الفقهية والكلامية، إذ لا تدرك إلاّ بكمال العقل وصفاء الذهن، وعليها مدار الدين وتحقيق اليقين. (2)


1 . انظر إلى الفوائد الرجالية: 2|179 وترجمه أيضاً المامقاني في تنقيح المقال: 1|267.
والحقّ انّ فضل الرجل قد اختفى، لاَجل عدم توفر ترجمة وافية له في المعاجم.
2 . المحقّق الآبي: مقدّمة كشف الرموز:1|38.


(318)

ثمّ يذكر انّ لاَُستاذه المحقّق كتابين: 1. شرائع الاِسلام، 2. منتخبه النافع.

فيقول: التمس منّي بعض إخواني في الدين أن أكشف قناع الاِشكال عن رموزات كتاب «النافع» أعني: كتاب «مختصر الشرائع» إلى أن يقول: فوجدت طاعته راحة، وإجابته طاعة، فقمت به مستعيناً بمسبّب الاَسباب ومسهّل الصعاب.

ويقول في آخر الكتاب:واتّفق فراغ مصنّفه في سنة 672هـ، وكلّما يذكر قول الماتن يردفه بقوله دام ظله إلى آخر الكتاب، و هو يدل على أنّ التلميذ برع في عهد أُستاذه حتى صنّف دورة فقهية استدلالية في زمن الموَلّف، وقد طبع الكتاب في جزءين طبعة محقّقة.

11. الشيخ عماد الدين علي بن محمد الطبري (كان حياً عام 698هـ)

عماد الدين الحسن بن علي بن محمد بن علي بن حسن الطبري المعروف بـ«عماد الدين الطبري» كان حياً سنة 698هـ.

يعرّفه سيدنا الاَمين بقوله: متكلّم، فقيه، معاصر للمحقّق الطوسي والمحقّق الحلّي، وأقواله منقولة في كتب الفقه، ويعبّرون عنه فيها بالعماد الطبري، وبعماد الدين الطبري، وقد نقل شيخنا الشهيد الثاني رأيه في رسالة الجمعة، وليس رأيه إلاّ أنّ وجوب الجمعة موقوف على حضور السلطان العادل المبسوط اليد. (1)

وقال الاَفندي التبريزي: هو عالم، فاضل، متبحّر، جامع، دين، كان من أفاضل علماء طبرستان، ومن المعاصرين لنصير الدين الطوسي.

وقد ألّف في غير واحد من الموضوعات تربو على17 كتاباً، ففي الفقه


1 . السيد الاَمين: أعيان الشيعة:5|212.


(319)

ألّف «المنهج» في فقه العبادات، والاَدعية والآداب الدينية، وكتاب «العمدة» في أُصول الدين وفروعه الفرضية والنقلية، و«نهج الاِيمان إلى هداية الاِيمان» وهو أيضاً في الفروع الفقهية.

إلى غير ذلك من التآليف.

ويظهر من كتابه«أسرار الاِمامة» انّه كان حياً إلى سنة 698هـ فقال: حين البحث عن الاِمام المهدي عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف: فإن قيل ألا يمكن أن يعيش أحد من سنة 255 إلى سنة 698.... (1)

حصيلة الجهود الفقهية في القرن السابع

إنّ هذا القرن يوَلِّف جزءاً من الدور الرابع، ولكنّه بالنسبة إلى سائر القرون قرن زاهر بالفقهاء العظام الذين يضنَّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة، فقد ساهموا مساهمة فعّالة في تنشيط الحركة الفقهية والاَخذ بزمامها نحو الاَمام، و تمخضت جهودهم المبذولة في هذا القرن بالاَُمور التالية:

1. تأليف متون فقهية

فقد أُلّفت في هذا القرن متون فقهية لم تزل تحتفظ بصدارتها إلى عصرنا الحاضر بين مسهب كشرائع الاِسلام، ومتوسط كالجامع للشرائع لابن سعيد الحلّي، ومقتضب كالمختصر النافع.

2. تأليف موسوعات فقهية

شهد هذا القرن تأليف موسوعات فقهية على غرار مبسوط الشيخ


1 . اقرأ ترجمته الوافية في روضات الجنات برقم 194، ورياض العلماء.


(320)

الطوسي، كالمعتبر للمحقّق الحلّي وإن لم يتم.

وكتاب «بشرى المحقّقين» في ستة أجزاء، وكتاب «الملاذ» في أربعة أجزاء لاَحمد بن موسى بن طاووس، و«كشف الرموز» للمحقّق الآبي.

3. الاهتمام بأُصول الفقه

اهتم المحقّقون في هذا القرن بأُصول الفقه أيضاً، فقد أُلّفت كتب في هذا المضمار، نذكر على سبيل الاختصار:

أ. «المعارج» للمحقّق الحلّي، وهو مطبوع منتشر.

ب. «المدخل في أُصول الفقه» ليحيى بن سعيد الحلّي.

ج. « الفوائد العدة» في أُصول الفقه لاَحمد بن طاووس.

4. إبداع نهج جديد في الفقه الشيعي

يبتني الفقه الشيعي على رفض القياس والاَخذ بالسنّة وترك العمل بالاستحسان، ولربّما تشترك مسائل كثيرة في أصل واحد وتتفرع عليه، ويعبّر عنه بالاَشباه والنظائر وبالاطلاع على شبيه المسألة ونظيرها يكسب الفقيه خبرة وإحاطة بالفقه، وقد كان هذا اللون من الاستنباط شائعاً بين مشايخنا، فإذا طرحت مسألة استدل عليها بطرح أشباهها ونظائرها بوجه يكشف عن تضلّعه في الفقه، وقد تبع هذا النهج ـ الذي وضع لبناته الاَُولى الفقيه البارع يحيى بن سعيد بتأليف كتابه«نزهة الناظر في الجمع بين الاَشباه والنظائر» ـ والحسن بن علي بن داود الحلي فألّف كتابه «عقد الجواهر في الاَشباه والنظائر»، و الحافظ جلال الدين السيوطي فألّف كتابه الرائج «الاَشباه والنظائر».


(321)

وممّا يوَسف له انّ هذا النوع من التأليف لم يدم طويلاً، فلا نكاد نعثر على كتب فقهية أُلّفت على هذا الغرار بين فقهائنا.وقد كان بعض مشايخنا العظام ـ قدس اللّه سرهم ـ يسلك هذا المنهج في دراساته الفقهية العليا.

5. تهذيب الاَخبار

قد كان الحديث الصحيح عند القدماء هو الخبر الذي دلّت القرائن على صحّته وصدوره عن المعصوم، وقد كان الوقوف على تلك القرائن متوفراً في القرون الاَُولى، وكلّما ابتعد الفقهاء عن عصر النصّ، أخذ الغموض يكتنف تلك القرائن، فمسّت الحاجة إلى إبداع أساليب يعرف بها الصحيح عن غيره، فأوّل من شمّر عن ساعد الجد لهذا الاَمر هو السيد أحمد بن طاووس، فأخذ بتنويع الاَحاديث إلى أربعة أنواع حسب القواعد الرجالية التي أبدعها، فصار التنويع أمراً متبعاً إلى يومنا هذا، غير انّ الاَخبارية التي ظهرت في أوائل القرن الحادي عشر شنّت حملات شعواء على هذا التنويع، وسيوافيك تفصيله.

وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي انّ الحملة الشرسة التي قادها الوثنيون المغول في غضون القرن السادس بدءاً من خراسان وانتهاءً ببغداد تركت مضاعفات خطيرة على الحوزات الاِسلامية، لا سيما الحوزات التي كانت في مسيرهم نحو بغداد، كحوزة نيسابور وبيهق.ولمّا انتهى الاَمر إلى سقوط بغداد والقضاء على الخلافة العباسية حاول المغول تدمير سائر المدن العراقية، ككربلاء والنجف الاَشرف والحلّة الفيحاء، ولكنّه سبحانه صانها عن شرّهم وكيدهم بتدبير من علمائها، وقد ذكر العلاّمة الحلّي بعض تلك التدابير في كتابه «كشف اليقين في فضائل أمير الموَمنين» فمن أراد فليرجع إليه. (1)


1 . نقلها الخوانساري في روضات الجنات:8 | برقم 749 عن كتاب «كشف اليقين» للعلاّمة الحلّي.


(322)

القرن الثامن (من الدور الرابع)

قد اطّلعت على الجهود التي بذلت في الارتقاء بالمستوى الفقهي وعلى أسماء نخبة من الفقهاء الشامخين وكتبهم في القرن السابع.

فهلمّ معي نبحث عن تقدّم الركب الفقهي في القرن الثامن، وسيرة الفقهاء الذين برزوا فيه، والجهود التي بذلوها بغية إنعاش هذا العلم.

والجهود العلمية التي انصبّت في هذا القرن ليس إلاّ إكمالاً للجهود التي بذلت في القرن السابع، فالاَساليب المتبعة هي نفس الاَساليب السابقة دون أن يطرأ عليها أي جديد، ولو كان هناك تطور فإنّما هو في العرض والبيان كما سيوافيك.

1. الحسن بن علي بن داود الحلّي (647ـ707هـ)

الشيخ تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المعروف بـ«ابن داود» من العلماء البارعين في الفقه والاَُصول والرجال والكلام.

يصفه الشهيد الثاني بقوله: صاحب التصانيف الغزيرة، والتحقيقات الكثيرة، التي من جملتها كتاب «رجاله» سلك فيه مسلكاً لم يسلكه فيه أحد من الاَصحاب، وله من التصنيفات في الفقه نظماً ونثراً مختصراً ومطولاً وفي العربية والمنطق والعروض وأُصول الدين نحوٌ من ثلاثين مصنفاً. (1)

وقد قرأ على المحقّق نجم الدين الحلّـي و السيد جمال الدين بن طاووس كما مرّ في ترجمة المحقّق وابن طاووس.


1 . الخوانساري: روضات الجنات: 2|287، نقلاً عن إجازات الشهيد الثاني.


(323)

وهو (قدس سره) يعرّف نفسه في رجاله كعادة الرجاليين قائلاً: الحسن بن علي بن داود مصنف هذا الكتاب، مولده خامس جمادى الآخرة من سنة سبع وأربعين وستمائة.

له كتب، منها في الفقه: كتاب «تحصيل المنافع» وكتاب «التحفة السعدية» وكتاب «المقتصر من المختصر» وكتاب «الكافي» وكتاب «النكت» وكتاب«الرائع» وكتاب«خلاف المذاهب الخمسة» و كتاب «تكملة المعتبر» لم يتم، وكتاب «الجوهرة في نظم التبصرة» وكتاب «اللمعة» في فقه الصلاة نظماً، وكتاب «عقد الجواهر في الاَشباه والنظائر» نظماً، وكتاب «اللوَلوَة» في خلاف أصحابنا لم يتم نظماً، وكتاب «الرائض في الفرائض» نظماً، وكتاب «عدة الناسك في قضاء المناسك» نظماً، وكتاب «الرجال» وهو هذا الكتاب، وله في الفقه غير ذلك.

ومنها في أُصول الدين وغيره:«الدر الثمين في أُصول الدين» نظماً، وكتاب «الخريدة العذراء في العقيدة الغرّاء» نظماً، وكتاب «الدرّج» و كتاب «إحكام القضية في أحكام القضية» في المنطق، وكتاب «حل الاِشكال في عقد الاشكال» في المنطق، وكتاب «البغية» في القضايا، وكتاب «الاِكليل التاجي» في العروض، وكتاب «قوة عين الخليل في شرح النظم الجليل» لابن الحاجب في العروض أيضاً، وكتاب «شرح قصيدة صدر الدين الساوي» في العروض أيضاً، وكتاب «مختصر الاِيضاح» في النحو، وكتاب «حروف المعجم» في النحو، وكتاب «مختصر أسرار العربية» في النحو. (1)

ومن جميل ما ألّفه هو كتابه «خلاف المذاهب الخمسة»، وهو فقه مقارن وقد تبع فيه خلاف الشيخ الطوسي إلاّ أنّ الثاني أعمّ منه من حيث بيان المذاهب.

وأمّا سلوكه في الرجال فرتّبه على الحروف، فالاَوّل في الاَسماء وأسماء


1 . ابن داود الحلي: الرجال: برقم 434.


(324)

الآباء والاَجداد، وجمع في كتابه ما وصل إليه من كتب الرجال مع حسن الترتيب وزيادة التهذيب، فنقل فيه ما في رجال النجاشي وفهرست الشيخ ورجاله ورجال الكشي وكتاب ابن الغضائري والبرقي وابن عقدة والفضل بن شاذان وابن عبدون وغيرها. (1)

وهذه ميزة لا توجد في سائر الكتب الرجالية الموَلّفة إلى عصره.

2. العلاّمة الحلّي (648ـ 726هـ)

هو الشيخ الاَجل، العلاّمة على الاِطلاق، أبو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي، قدس اللّه نفسه وروح رمسه.

تتلمذ على عدد كبير من علماء عصره، كما تتلمذ عليه جمع غفير من العلماء. فمشاهير أساتذته: المحقّق الحلّي، نصير الدين محمد بن حسن الطوسي، والده سديد الدين يوسف بن مطهر الحلّي، والشيخ كمال الدين ميثم البحراني، والشيخ نجم الدين علي بن عمر الكاتب القزويني الشافعي، والشيخ شمس الدين محمد ابن محمد بن أحمد الكيشي.

ومن تلامذته: ولده فخر المحقّقين، والسيد عميد الدين، و السيد ضياء الدين، ومحمد بن علي الجرجاني، والشيخ قطب الدين محمد بن محمد الرازي البويهي.

هذه نماذج من تلامذته، وإلاّ فقد تخرج على يديه واستجاز منه أُناس كثيرون يطول بنا المقام بذكرهم. كيف وقد كان في عصره في الحلّة أربعمائة وأربعون مجتهداً؟! (2)


1 . الطهراني: الحقائق الراهنة:53.
2 . رياض العلماء: 1|361، أعيان الشيعة: 5|401 في ترجمة العلامة الحلّـي.


(325)

ويصفه ولده في شرحه على القواعد بقوله:الموَيد بالنفس القدسية والاَخلاق النبوية. (1)

ويعرفه الحسن بن داود الذي كان معاصراً له في رجاله ويقول: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّـي، شيخ الطائفة ، وعلاّمة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير التصانيف، انتهت رئاسة الاِمامية إليه في المعقول والمنقول. (2)

وقد حفلت كتب الرجال والتراجم بترجمة العلاّمة ترجمة وافية، وقام بذلك غير واحد من المحقّقين في تقديماتهم على كتبه المنتشرة.

فنحن لا نرى حاجة في التبسط في المقام، والذي يجدر بنا ذكره هو (قدس سره) انّه قد ألّف دورات فقهية ست لكلّ ميزتها الخاصة، وقد ذكرها في ترجمته في رجاله (الخلاصة)، وقال فيها:

1. «منتهى المطلب في تحقيق المذهب» لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه، ورجحنا ما نعتقده بعد إبطال حجج من خالفنا فيه يتم إن شاء اللّه تعالى عملنا منه إلى هذا التاريخ، وهو شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعين وستمائة في سبعة مجلدات.

2. كتاب «تلخيص المرام في معرفة الاَحكام».

3. كتاب «غاية الاَحكام في تصحيح تلخيص المرام».

4. كتاب «تحرير الاَحكام الشرعية على مذهب الاِمامية» حسن جيد، استخرجنا فيه فروعاً لم نسبق إليها مع اختصاره.

5. كتاب «مختلف الشيعة في أحكام الشريعة» ذكرنا فيه خلاف علمائنا


1 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد:1|10 .
2 . ابن داود الحلّي: الرجال: 119 برقم 461.


(326)

خاصة، وحجّة كلّ منهم والترجيح لما نصير إليه.

6. كتاب «تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين». (1)

ونقل محقّق «غاية المراد» في تقديمه عليه عن إحدى مخطوطات كتاب «الاِرشاد» للعلاّمة الحلّي انّه جاء في هامشه ما يلي:

«قدّس اللّه نفس العلاّمة حيث صنف في كلّ فنون الفقه، كتب في الخلاف مع الجمهور «التذكرة»، وفي الخلاف بين الخاصة«المختلف»، وفي فن التفريع «التحرير»، وفي كليات قواعده«القواعد»، وفي فروع الروايات «الاِرشاد»، وفي الاستدلال «المنتهى»، وفي النتائج« النهاية». (2)

والكتاب الاَخير لم يذكره العلاّمة عند تطرّقه لترجمة نفسه، وقد طبع أخيراً، وبهذا يبلغ عدد الدورات الفقهية الناجزة بيراعه إلى سبع.

كما ألّف في الاَُصول كتباً متعدّدة، بين موجز كـ«مبادىَ الوصول إلى علم الاَُصول»، ومتوسط كـ«تهذيب الوصول إلى علم الاَُصول»، ومسهب كـ «نهاية العقول إلى علم الاَُصول» وقد طبع الاَوّلان، والثالث لم ير النور ونحتفظ منه بنسخة.

وقد ذكر شيخنا في «ريحانة الاَدب» انّ العلاّمة الحلّي ألّف خمسة عشر كتاباً في الفقه، وعشرة كتب في أُصوله، وربما ناهزت أجزاء بعض كتبه في الفقه عشرين جزءاً كما هو واضح لمن طالع تذكرة الفقهاء.

وحصيلة الجهود التي بذلها العلاّمة الحلّي في رفع المستوى الفقهي هو انّه ألّف كتباً مختلفة لغايات مختلفة، فلو ألّف الشيخ الخلاف بين المذاهب فقد


1 . رجال العلاّمة الحلّي:45 برقم 52.
2 . غاية المراد: 51، مقدمة المحقّق، نقلاً عن مخطوطة المكتبة الرضوية المقدّسة المرقّمة 2689 الورقة 95.


(327)

ألّف هو مختلف الشيعة في اختلافات فقهاء الشيعة.

كما أنّه ألّف في الفقه المقارن دورتين:

إحداهما: «منتهى المطلب في تحرير المذهب» بدأ بتأليفه وله من العمر اثنان وثلاثون عاماً، أي في عام 680هـ، وكان المرجو أن يتم تأليفه ولكن الحوادث عاقته عن الاِتمام.

والثاني:«تذكرة الفقهاء» فقد فرغ من الجزء الاَخير منه عام 720هـ ولم يتجاوز عن كتاب النكاح، ومع ذلك فهو أيضاً لم يتم.

فعلى من حاول الوقوف على تخريجاته وتفريعاته الرجوع إلى كتاب «تحرير الاَحكام» حيث اشتمل على فروع كثيرة، وفرغ من تأليفه عام 697هـ.

ونرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقنا لتحقيق هذا الكتاب ونشره في الاَوساط الاِسلامية. (1)

3. فخر المحقّقين (682ـ 771هـ)

محمد بن الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلّي الشهير بـ«فخر المحقّقين» وصفه الشهيد الاَوّل بقوله: الشيخ الاِمام، سلطان العلماء، منتهى الفضلاء، والنبلاء، خاتمة المجتهدين، فخر الملّة والدين، أبو طالب محمد بن الشيخ الاِمام السعيد جمال الدين بن المطهر مدّ اللّه في عمره مدّاً، وجعل بينه وبين الحادثات سدّاً.

ووصفه والده في أوّل كتابه الموسوم بـ«الاَلفين»: «أجبت سوَال ولدي العزيز عليّ «محمد» أصلح اللّه أمر داريه كما هو بار بوالديه، ورزقه أسباب


1 . قد بدأ بتحقيقه ولدنا المحقق الشيخ ابراهيم «بهادري» وستقدم ملازمه إلى الطبع بإذن منه سبحانه.


(328)

السعادات الدنيوية و الاَُخروية كما أطاعني في استعمال قواه العقلية والحسية، وأسعفه ببلوغ آماله كما أرضاني بأقواله وأفعاله، وجمع له بين الرئاستين كما لم يعصني طرفة عين. (1)

وعرّفه شيخنا الحر العاملي في كتابه «أمل الآمل»، بقوله: كان فاضلاً، محقّقاً، فقيهاً، ثقة، جليلاً، يروي عن أبيه العلاّمة وغيره.

له كتب، منها: شرح القواعد سمّاه «إيضاح الفوائد في حلّ مشكلات القواعد» وله شرح خطبة القواعد سمّاه «إيضاح القلوب» و «الفخرية في النية»، و «حاشية الاِرشاد»، و « الكافية الوافية» في الكلام، وغير ذلك. ويروي عنه الشهيد وأثنى عليه في بعض إجازاته ثناءً بليغاً جداً.

وذكره السيد مصطفى التفريشي، فقال: من وجوه هذه الطائفة وثقاتها وفقهائها، جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، حاله في علو قدره، وسمو رتبته وكثرة علومه أشهر من أن يذكر، روى عن أبيه، وروى عنه شيخنا الشهيد، له كتب جيدة منها«الاِيضاح». (2)

ومن تآليفه الفقهية:«إيضاح الفوائد في حل مشكلات القواعد» وهو شرح كتاب القواعد لوالده العلاّمة، وقد طبع في ثلاثة أجزاء.

ومن آثاره الاَُصولية:«شرح مبادىَ الاَُصول»، المتن للوالد والشرح له، ومثله كتابه الآخر «غاية السوَول في شرح تهذيب الاَُصول».

ومن آرائه التي انفرد بها بين الاِمامية انّ النهي في العبادات يقتضي الصحّة بدل اقتضائه للفساد، هذا وقد سأله العارف الجليل السيد حيدر الآملي عن مسائل فأجابه، فقال السيد: بعد الحمد والصلاة، هذه مسائل سألتها جناب الشيخ


1 . روضات الجنات: 6|331.
2 . أمل الآمل: 2|260 برقم 768.


(329)

الاَعظم سلطان العلماء في العالم مفخر العرب والعجم قدوة المحقّقين، مقتدى الخلائق أجمعين، أفضل المتأخرين و المتقدمين، المخصوص بعناية ربّ العالمين، الاِمام العلاّمة في الملّة والحقّ والدين، ابن المطهر، مد اللّه ظلال إفضاله، وشيّد أركان الدين ببقائه، مشافهة في مجالس متفرقة على سبيل الفتوى، وكان ذلك في سلخ رجب المرجب سنة 759 هجرية نبوية هلالية ببلدة حلة السيفية حماها اللّه عن الحدثان ، وأنا العبد الفقير حيدر بن علي بن حيدر العلوي الحسيني الآملي، أصلح اللّه حاله وجعل الجنة مآله. (1)

4. قطب الدين الرازي (المتوفّى عام776هـ)

الحكيم، الفقيه، المتألّه، تلميذ العلاّمة الحلّي، وقد قرأ قواعده عليه وكتب على ظهر الكتاب العبارة التالية ـ يعلم منها مكانة التلميذ ـ قال: قرأ عليَّ هذا الكتاب الشيخ العالم، الكبير، الفقيه، الفاضل، المحقّق، المدقّق، ملك العلماء والاَفاضل قطب الملّة والدين، محمد بن محمد الرازي أدام اللّه أيّامه، قراءة بحث وتدقيق، وتحرير وتحقيق، وسأل عن مشكلاته، واستوضح معظم مشتبهاته، فبيّنت له ذلك بياناً شافياً، وأجزت له رواية هذا الكتاب بأجمعه ورواية جميع مصنفاتي ورواياتي وما أُجيز لي روايته وجميع كتب أصحابنا السالفين (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين) بالطرق المتصلة مني إليهم، فليرو ذلك لمن شاء وأحبَّ على الشروط المعتبرة في الاِجازة، فهو أهل لذلك، أحسن اللّه عاقبته، وكتب العبد الفقير إلى اللّه تعالى حسن بن يوسف بن المطهر الحلّي مصنّف الكتاب في ثالث شعبان المبارك من سنة 713 بناحية ورامين، والحمد للّه وحده وصلى اللّه على محمّد النبي وآله.


1 . المستدرك:3|459، الفائدة الثالثة.


(330)

وعرّفه الشهيد الاَوّل بقوله: اتفق اجتماعي به بدمشق أُخريات شعبان سنة 776هـ، فإذا هو بحر لا ينزف، وأجازني جميع ما يجوز عني روايته، ثمّ توفي في 12 ذي القعدة من السنة المذكورة بدمشق، ودفن في الصالحية، ثمّ نقل إلى موضع آخر، وصلّي عليه برحبة القلعة، وحضر الاَكثر من معتبري دمشق للصلاة عليه، رحمه اللّه وقدّس روحه، وكان إمامي المذهب بغير شك وريبة، صرّح بذلك وسمعته منه وانقطاعه إلى بقية أهل البيت معلوم.

ويقول الشهيد: إنّه كان من ذرية الصدوق ابن بابويه.

وقد وصفه غير واحد من علمائنا بما يعرف عن مكانته في العلوم العقلية والنقلية.

وكفاك انّ كتابيه: شرح الشمسية، وشرح المطالع من الكتب الدراسية في الحوزات العلمية.

وقد نقل الشيخ الاَنصاري آراءه الفقهية في متاجره، فمن أراد الوقوف، فليرجع إلى مستدرك الوسائل. (1)

5. محمد بن مكي العاملي (734ـ 786هـ)

هو المحقّق الجليل، المتضلّع في الفقه، المعروف بإمام الفقه، فضله أشهر من أن يذكر، وجماع القول فيه انّه تاج الشيعة، وفخر الشريعة، صاحب النفس الزكية القدسية القوية، ولد بجزين سنة 734هـ.

ويعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: كان عالماً، ماهراً، فقيهاً، محدّثاً، مدقّقاً،


1 . المستدرك: 3|451، الفائدة الثالثة. وانظر ترجمته في طبقات أعلام الشيعة:القرن الثامن: 200.


(331)

ثقة، متبحّراً، كاملاً، جامعاً لفنون العقليات والنقليات، زاهداً، عابداً، ورعاً، شاعراً، أديباً، منشئاً، فريد دهره، عديم النظير في زمانه.

وقد استجاز عن مشايخ الفريقين، وروى مصنّفات أهل السنّة عن نحو أربعين شيخاً، كما روى عنه جماعة كثيرة، ويعد شيخ الاِجازات في القرن الثامن، وإليه تنتهي أكثر الاِجازات.

وأمّا آثاره الفقهية:

1. كتاب «الذكرى»، خرج منه كتاب الطهارة والصلاة.

2. كتاب «الدروس الشرعية في فقه الاِمامية» خرج منه أكثر الفقه.

3. «غاية المراد في شرح نكت الاِرشاد».

4. كتاب «جامع البين من فوائد الشرحين» جمع فيه شرحي تهذيب الاَُصول للسيد عميد الدين والسيد ضياء الدين.

5. كتاب «البيان» في الفقه.

6. رسالة «الباقيات الصالحات».

7. «اللمعة الدمشقية» دورة فقهية كتب بصورة المتن وعليها شروح كثيرة، أحسنها شرح الشيخ زين الدين الشهيد الثاني المسمّى بـ «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية». وقد ألّفه شيخنا الشهيد بطلب من علي بن الموَيد ملك خراسـان ومـا والاها والذي توفـي عام 795هـ، ألّفه عام 782هـ، وذلك قبـل شهادته بأربع سنوات. وبذلك يعلم أنّ ما هو المشهور من أنّ الشهيد ألّفه في سبعة أيّام في محبسه غير صحيح، وكان الرسول بين الشهيد والموَيد هو محمد الآبي النقيب شمس الدين. (1)


1 . الطهراني: طبقات أعلام الشيعة:3|175، القرن الثامن.وله ترجمة ضافية في مقابس الاَنوار:13، روضات الجنات: 7|3 برقم 592، وأمل الآمل:1|181 برقم 188.


(332)

8. «الاَلفية في فقه الصلاة اليومية».

9. رسالة في قصر من سافر بقصد الاِفطار والتقصير.

10. «النفلية في مستحبات الصلاة اليومية».

11. «خلاصة الاعتبار في الحج والاعتمار».

12. «القواعد».

13. «الدرّة المضيئة».

14. رسالة «التكليف».

15. وله عدّة إجازات.

ومن ألطف كتبه كتاب «القواعد والفوائد»، فإنّ الشهيد الاَوّل يعد أوّل من صنّف في هذا المضمار، وقد احتوى الكتاب على ما يقرب من 330 قاعدة، إضافة إلى فوائد تقرب من 100 فائدة، عدا التنبيهات والفروع؛ وهذه القواعد والفوائد ليست فقهية خالصة، وإنّما فيها بعض القواعد الاَُصولية والعربية، لكن الطابع الفقهي هو الغالب عليها، ولم يتبع الشهيد منهجاً معيناً في ترتيب ما أورده من قواعد وفوائد، حيث لم يفصل القواعد الفقهية عن الاَُصولية أو العربية، وهذا ممّا حدا بتلميذه المقداد بن عبد اللّه السيوري بترتيب تلكم القواعد وتهذيبها، وأسماها بـ«نضد القواعد الفقهية».

ومن أعجب ما حظي به الشهيد هو ما كتبه أُستاذه فخر المحقّقين في حقّه وقال: قرأ عليّ مولانا الاِمام العلاّمة الاَعظم، أفضل علماء العالم، سيد فضلاء بني آدم، مولانا شمس الحق والدين محمد بن مكي بن محمد بن حامد أدام اللّه أيّامه من هذا الكتاب مشكلاته، وأجزت له رواية جميع كتب والدي (قدس سره) ، وجميع ما صنّفه أصحابنا المتقدّمون ـ رضي اللّه عنهم ـ عن والدي عنهم الطرق المذكورة. (1)


1 . رياض المسائل: 71، قسم المقدمة.


(333)

6. عميد الدين عبد المطلب بن محمد

(1)بن علي الاَعرج

(186ـ 457هـ)

يعرّفه الشهيد الاَوّل بقوله: المولى السعيد، الاِمام المرتضى علم الهدى، شيخ أهل البيت في زمانه، عميد الحق و الدين، يروي عن خاله العلاّمة الحلّي، له شرح تهذيب الاَُصول. (2)

ويعرّفه أيضاً الخوانساري، بقوله: كان من أجلّة العلماء الثقات، ومشايخ الروايات، فاضلاً، محقّقاً، أُصولياً، ماهراً، حسن التصرّف والتصنيف، وكفاه فخراً انّ مثل شيخنا الشهيد الاَوّل يعتني بشأنه كثيراً، وينقل عن ابن معين انّه عرّفه بقوله: درّة الفخر، وفريدة الدهر، مولانا الاِمام الرباني، وهو ابن أُخت العلاّمة (رحمه الله) ، وقد شرح كتاب خاله العلاّمة الحلّي باسم «تهذيب الاَُصول» وأسماه «منية اللبيب في شرح التهذيب» فرغ منه عام 740هـ. (3)

وله من الكتب الفقهية: «كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد».

وعلى ذلك فالعميدي أوّل من شرح كتاب القواعد للعلاّمة الحلّي، ثمّ أعقبه شرح آخر لاَخيه كما يأتي، وثالث لفخر المحقّقين.

7. عبد اللّه بن محمد بن علي الاَعرج

يعرّفه الحر العاملي في كتابه«أمل الآمل» بقوله: عالم، فاضل، جليل القدر،


1 . هذا هو المكنّى بأبي الفوارس، صهر والد العلاّمة سديد الدين، وقد أنجبت زوجته أولاداً ذكوراً خمسة، وهم: جلال الدين علي، عميد الدين عبد المطلب، ضياء الدين عبد اللّه، نظام الدين الفاضل العلاّمة عبد الحميد، غياث الدين عبد الكريم.
2 . أمل الآمل:2|165 برقم 484، وانظر ترجمته في روضات الجنات:4|265 برقم 394.
3 . نحتفظ منه بنسخة في موَسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام - ،وحكى شيخنا المدرس في «ريحانة الاَدب» انّه طبع في بلاد الهند.


(334)

من مشايخ الشهيد، يروي عن العلاّمة، له كتب، منها «شرح التهذيب» للعلاّمة، وغير ذلك.

وربما يقال: إنّ «منية اللبيب» لهذا الاَخ، وأمّا ما ألّفه عميد الدين فليس له اسم خاص. (1)

وقد مضى انّ الشهيد الاَوّل جمع بين فوائد شرح الاَخوين وزاد عليهما فوائد أُخر، وأسماه«جامع البين من فوائد الشرحين». وميّز ما اختص به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختص به شرح العميدي بعلامة (ع)، وأجرى شيخنا عز الدين الحسين بن عبد الصمد والد الشيخ بهاء الدين العاملي تعميمات مفيدة في آخره. (2)

ويعرّفه صاحب الرياض بقوله: هو الفقيه الجليل، الاَعظم، الاَكمل، الاَعلم، الاَفضل، الكامل، المعروف بالسيد ضياء الدين الاَعرج الحسيني.

8. عبد اللّه بن سعيد بن المتوج البحراني

هو عبد اللّه بن سعيد بن المتوج البحراني، أحد كبار الفقهاء في القرن الثامن.

يعرّفه الاَفندي بقوله: عالم، فاضل، فقيه، جليل، أديب، شاعر، نبيل، وكان من أكابر العلماء والفقهاء المتأخرين، ويعرف بـ«ابن المتوج» وربما يطلق على ابنه الشيخ أحمد فخر الدين.

وله موَلّفات في الفقه، منها:


1 . انظر ترجمته في أمل الآمل:2|164 برقم 479، وطبقات أعلام الشيعة:124، القرن الثامن.
2 . الطهراني: الذريعة: 4|435، ولاحظ المستدرك:3|459، الفائدة الثالثة.


(335)

1. كتاب «المقاصد».

2. كتاب «الناسخ والمنسوخ» من الآيات على طريقة الاِمامية ومذهبهم.

3. كتاب «النهاية في تفسير خمسمائة آية» التي عليها مدار الفقه.

وحيث إنّ مصدر الترجمة هو «رياض العلماء» للفاضل الاَفندي التبريزي (1) فقد عدّ «المقاصد» من تأليف الوالد لا الود على خلاف ما جعله شيخنا المجيز الطهراني في «الذريعة» (2) فجعله تأليفاً للولد وفي الوقت نفسه احتمل أن يكون للوالد.

وستوافيك ترجمة ولده في زمرة فقهاء القرن التاسع.

9. مهنا بن سنان بن عبد الوهاب المدني (المتوفّى754هـ)

أحد الفقهاء الاِمامية القاطنين في المدينة المنوّرة، أذعن بفضله الفريقان، يعرّفه ابن حجر العسقلاني بقوله: مهنا بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني الاِمامي المدني، قاضي المدينة، اشتغل كثيراً، وكان حسن الفهم، جيد النظم، و لاَُمراء المدينة فيه اعتقاد، وكانوا لا يقطعون أمراً دونه، وكان كثير التفقّه، إلى أن قال: مات سنة754هـ. (3)

وقد بعث مسائل إلى العلاّمة الحلّي يستفهمه في مسائل، فأجاب عنها العلاّمة ووصفه في صدر الرسالة بقوله: السيد الكبير، النقيب، الحسيب، النسيب، المعظم المرتضى، عز السادة، زين السيادة، معدن المجد والفخار، والحكم


1 . رياض العلماء:3|220.
2 . الذريعة:21|378 برقم 5546؛ و طبقات أعلام الشيعة: 128، القرن الثامن.
3 . العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة.


(336)

والآثار، الجامع للقصد الاَوفى من فضائل الاَخلاق، والفائز بالسهم المعلّـى من طيب الاَعراق، مزين ديوان القضاء بإظهار الحقّ على الحجّة البيضاء عند ترافع الخصم، نجم الحق والملّة والدين مهنا بن سنان الحسيني، القاطن بمدينة جدّه.(1)

وتعرب المسائل عن توغّله في الفقه، وكونه مرجعاً وملاذاً للعامة في أحكام الدين.

ويكفي في جلالته في الفقه انّ فخر المحقّقين يصفه بقوله: أفضل علماء الآفاق، وأعلم الفقهاء على الاِطلاق.

حصيلة الجهود الفقهية في القرن الثامن

كان النظام السائد في المناهج الفقهية في القرن الثامن هو نفس النظام المتبع في القرن السابع استمراراً لما خطّه المحقّق وتلاميذه بيد انّ الجهود المبذولة في هذا القرن انتهت إلى إبداع أُسلوب جديد في عرض الاَبحاث الفقهية.

فقد كان إطار البحث في المسائل الخلافية هو البحث عن الخلافيات الموجودة بين أئمّة المذاهب الفقهية، ولم يوَلّف كتاب في خلافيات مذهب واحد، وما ذلك إلاّ لقلّة الاختلاف بين فقهاء المذهب الواحد نتيجة إقفال باب الاجتهاد.

وأمّا الشيعة منذ عصر الرسول إلى يومنا هذا فقد اختلفت كلمات فقهائهم في مسائل كثيرة عقب فتح باب الاجتهاد.

1. فألّف العلاّمة الحلّـي لاَوّل مرة كتاب «مختلف الشيعة» وذكر خلافيات فقهائهم في المسائل الفقهية من الطهارة إلى الديات.

2. ظهور موسوعة فقهية تحمل في طيّاتها فقهاً مقارناً بين المذاهب


1 . أجوبة المسائل المهنائية:20.


(337)

الاِسلامية لم ير مثلها إلى الآن وهو كتاب «التذكرة» للعلاّمة الحلّي، وقد اتّبع الموَلّف النهج الذي اختطه الشيخ المفيد ثمّ المرتضى ثمّ الطوسي.

3. ظهور كتب رجالية تحليلية تجمع نصوص الرجاليين المتقدّمين مع شيء من التحليل و التفسير، وهذا النمط قد ابتكر لاَوّل مرة في «رجال ابن داود» و«خلاصة العلامة» و«إيضاح الاشتباه» له أيضاً.

فالناظر في هذه الكتب الثلاثة إذا قارنها مع ما أُلّف في القرن الرابع والخامس من الكتب الرجالية يقف على وجود لون من الاجتهاد في علم الرجال، والبحث فيه بحثاً مفصلاً.

4. انّ تنويع الحديث إلى الاَقسام الاَربعة الذي ابتكره السيد ابن طاووس في القرن السابع لم يدخل حيّز التطبيق إلاّ بفضل تلميذيه ابن داود والعلاّمة الحلّي، فإنّ الثاني قد طبق الاصطلاح الموروث عن أُستاذه في كتبه الفقهية، فتجد انّه يفتي بالحديث لكونه صحيحاً، ويردّه لكونه ضعيفاً، ويحتج بهما فتبعه الفقهاء إلى يومنا هذا.

وأمّا الحافز على تنويع الحديث ـ مع أنّ الحديث بين القدماء كان بين صحيح وضعيف ـ فهو انّ الصحيح عند القدماء كان كل حديث يثقون بصدوره عن أئمّة أهل البيت - عليهم السلام - بالقرائن المتوفرة في ذلك الحين ـ وإن اختفت فيما بعد ـ ، وإن كان الراوي غير ثقة في نفسه.

غير انّ مرور الزمان وانتقال الاَحاديث من الاَُصول الاَربعمائة التي كانت لها مكانة من الصحّة إلى الجوامع الاَوّلية والثانوية صارت سبباً لاختفاء القرائن التي كانت تورث الثقة بالحديث، فلم يكن بدّ من معالجة تلك الاَحاديث بشكل آخر، وهو الذي اقترحه السيد ابن طاووس وثبَّت أركانه العلاّمة الحلّي، وقد أوضحنا ذلك بإسهاب في كتابنا الموسوم بـ«كليات في علم الرجال».


(338)

5. الاهتمام بعلم الاَُصول وتطويره بتآليف متعاقبة، وقد علمت أنّ العلاّمة الحلّي ألّف كتباً في علم الاَُصول، كما ألّف ابنا أُخته شرحين لكتابه «تهذيب الاَُصول» وألّف ابنه فخر المحقّقين كتاباً في علم الاَُصول.

إضافة إلى أنّ الشهيد الاَوّل جمع نكات الشرحين للعلمين الجليلين: عميد الدين وضياء الدين في كتاب واحد.

6. إبداع نمط جديد في الفقه بتحرير قواعده، وأوّل من شيّد صرحه هو العلاّمة الحلّي في كتابه «القواعد» و هو إن كان لا يشمل القواعد الفقهية برمّتها ولكنه خط هذا الطريق وتبعه الشهيد الاَوّل بتأليفه كتاب «الفوائد والقواعد».

7. كان للحلّة يومذاك الحظ الاَوفر لظهور الفقهاء الاَفذاذ، كما كان في البحرين حوزة علمية فقهية عامرة في القرن السابع والثامن تخرّج منها: المحقّق ميثم البحراني صاحب «شرح نهج البلاغة» وأُستاذ العلاّمة المتوفّى عام 699هـ، وابنا المتوج، وغيرهم.

نعم ازدهرت في هذا القرن وما يتلوه مدرسة جبل عامل الذي شيد أركانها الشهيد الاَوّل، وقد تخرّج منها نخبة من الفقهاء سنذكر أسماء بعض منهم في القرن التاسع.


(339)

القرن التاسع (من الدور الرابع)

وقبل استعراض السير الفقهي في هذا القرن لابدّ من استعراض الظروف التاريخية والسياسية التي كانت سائدة في الاَمصار الاِسلامية لما لها من تأثير مهم على سير التحولات الفقهية على سبيل الاِيجاز.

الاَوضاع السياسية في القرن التاسع

بسط المغول نفوذهم من الشرق الاِسلامي إلى حاضرة البلاد الاِسلامية (بغداد) بعد حروبٍ طاحنة شهدت قتل عدد هائل من المسلمين، فسقطت الدولة العباسية على يد هولاكو عام 656هـ، واستقر حكم الوثنيّين على بلاد الاِسلام والمسلمين إلى أن اعتنق بعضهم الاِسلام، ويعدُّ محمود غازان خان الذي جلس للحكم من عام (694ـ 704هـ) أوّل من اعتنق الاِسلام، ثمّ أعقبه محمد خدا بنده أولجايتو فتسلم زمام الاَُمور عام (704ـ 716هـ) وقد انتحل التشيع بفضل رجل العلم والفضيلة العلاّمة الحلّي لمناظرات جرت بينه وبين علماء المذاهب الاَربعة في مسائل فقهية في محضر السلطان وحاشيته ووزرائه، فبان قوة منطقه على كلّ من حضر، فطلب السلطان منه أن يلازمه في السفر والحضر، وهكذا أخذ العلاّمة يصاحبه مع تلاميذه وكتبه، فأسّس مدرسة سيّارة تقام كلّما حط السلطان بمكان، حتّى انّ العلاّمة الحلّي قد فرغ من تأليف بعض كتبه في مدينة «سلطانية» من اعمال زنجان. كما كتب اجازته لقطب الدين في ناحية ورامين كما مرّ.

ولمّا استتب الاَمر للمغول واعتنقوا الاِسلام والتشيّع وانصهروا في الكيان الاِسلامي أخذوا يروّجون العلم لا سيّما العلوم الطبيعية كالفلك والنجوم والحساب، وفي ظل استتباب الاَمن والاستقرار، نرى أنّ الركب الحضاري بدأ


(340)

يتقدّم بعد نكسته التي أُصيب بها من جرّاء استيلاء المغول، ولم تمض مدة حتى بدأ المسلمون الذين غلبوا في عقر دارهم بأخذ زمام المبادرة من يد المغول من خلال رسم الخطوط العريضة لهم في السياسة والثقافة والاقتصاد بل في كافة جوانب الحياة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على قوة منطق الاِسلام وصلابته، إذ جعل من الاَعداء أنصاراً للحق.

كان الاَمن سائداً ومستتباً في البقاع الاِسلامية إلى عصر السلطان أبي سعيد بهادر خان (716 ـ 736هـ).

وقد تدهور وضع الدولة الاِيلخانية المغولية بعد وفاته، وتسلّم أزمة الاَُمور أشخاص كانت تعوزهم الكفاءة والحزم، فعادت الفوضى إلى البلاد حتى تجد تولّي عدة سلاطين لمنصة الحكم في سنة واحدة فقد مات أبو سعيد بهادر خان وأعقبه السلطان ارباكاون سنة 736هـ وبقي عدّة شهور على منصة الحكم، ثمّ أعقبه السلطان موسى خان ولم يدم طويلاً بل أمضى هو الآخر عدّة شهور أيضاً، ثمّ حلّ محلّه السلطان محمد خان (736ـ 738هـ).

واستمر الوضع على هذا المنوال حتى انقراض الدولة الاِيلخانية في عهد آخر سلاطينهم المسمّى بـ«أنوشيروان العادل» (744ـ 756هـ) وكأنّه قدّر لهم الحكم قرابة قرن واحد.

ثمّ عادت الفوضى أكثر من ذي قبل، وتمزّقت البلاد أشلاءً، واستبدّ بكل جزء منها أمير من الاَُمراء تعوزهم الكفاءة، منهم:

1. سلسلة أُمراء آل جلاير (740ـ 813هـ).

2. سلسلة أُمراء جوباني (744ـ 759هـ).

3. سلسلة أُمراء آل مظفر (740ـ 795هـ).

4. سلسلة أُمراء اينجو (742ـ 758هـ).

5. السربدارية (738ـ 788هـ).


(341)

التيمورية على منصة الحكم

وفي تلك الاَوضاع المضطربة و المتدهورة ظهر تيمور لنك وبسط نفوذه على أصقاع شاسعة بعد أن أراق دماءً كثيرة حتى استتب له الاَمر أواخر القرن الثامن، ودام حكمهم 127 سنة شهدت فيها البلاد المزيد من الدمار والهلاك والسفك والقتل حتى انقراضهم في عهد سلطانهم المدعو سلطان حسين بايقرا عام911هـ.

وقد خلفت التيمورية خلال مدة حكمها مضاعفات خطيرة على الصعيد العلمي والثقافي، فقد كان تيمور لنك وأولاده لا يهمّهم سوى الركوب على رقاب الناس والاِغارة على ثرواتهم مهما بلغ من ثمن، فانعكست آثارها السيئة وتبلورت في قلّة الانتاجات العلمية والموسوعات الفقهية.

ولا شكّ انّ الحضارة تزدهر والعلم ينمو في ربوع يسودها العدل والاَمن والاستقرار.

هذه لمحة خاطفة عن الاَوضاع السياسية السائدة في القرن التاسع، ذكرناها على وجه موجز، ليقف القارىَ على الاَوضاع المزرية التي أُصيب بها المسلمون، وتركت من جراء ذلك آثاراً سيئة على الحركة الفقهية ممّا أعقب ذلك فتور النشاط الفقهي وقلّة الانتاج فيه.

وإليك أسماء نخبة من فقهاء هذا القرن:

1. الحسن بن سليمان بن خالد الحلّي (كان حياً عام 802هـ)

هو الحسن بن سليمان بن خالد الحلّي يعرّفه الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، فقيه، له «مختصر بصائر الدرجات» لسعد بن عبد اللّه، يروي عنه الشهيد.


(342)

ويعرّفه الخوانساري بقوله: فقيه، فاضل، من تلامذة شيخنا الشهيد الاَوّل، صاحب المصنّفات الكثيرة الفقهية.

وله أيضاً كتاب لطيف يسمّى «الرجعة».

وقد نقل الخوانساري صورة إجازته للشيخ العالم الموفّق عز الدين حسين بن محمد بن الحسن الحمدياني وفي آخرها كتب عبد اللّه حسن بن سليمان بن محمد في الثالث والعشرين من شهر محرم الحرام سنة 802هـ. (1)

2. فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن المتوج

هو الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد اللّه بن سعيد بن المتوج، المشهور بـ«ابن المتوج» البحراني، المعروف بالعلم و الفضل والتقوى في أسانيد أصحابنا، يوصف بـ:خاتمة المجتهدين، شيخ مشايخ الاِسلام، وقدوة أهل النقض والاِبرام ومن تلامذة الشهيد وفخر المحقّقين، ومرّت ترجمة والده في فقهاء القرن الثامن.

وفي الروضات: وهو شيخ أبي العباس بن فهد الحلّي (2) والشيخ فخر الدين أحمد بن محمد بن عبد اللّه السبعي الفقيه المشهور المتوطّن بلاد الهند، ومن أجلِّ تلامذة الشهيد و فخر المحقّقين.


1 . الاَفندي التبريزي: رياض العلماء:1|193، الخوانساري:روضات الجنات:2|293 برقم 202، طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع.
2 . يعرّفه صاحب الرياض بقوله: الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس المقري الاَحسائي، المعروف بابن فهد، وهو غير ابن فهد المعروف صاحب «المهذب البارع» و«عدة الداعي».
ويدل على ذلك ما ذكره ابن أبي جمهور في أوّل كتاب «غوالي اللآلي»، يقول: أروي عن أحمد بن فهد المذكور(شهاب الدين) عن شيخه خاتمة المجتهدين، المشهورة فتاواه في جميع العالمين، فخر الدين أحمد بن متوج بن عبد اللّه.


(343)

آثاره الفقهية

1. الوسيلة.

2. رسالة «الناسخ والمنسوخ».

3. كتاب «ما يجب على المكلّفين».

4. كتاب «غرائب المسائل».

5. «النهاية» في تفسير 500 آية، وهي آيات الاحكام في القرآن، وينقل فيه عن كنز العرفان معبراً عنه: قال المعاصر. (1)

3. جمال الدين المقداد بن عبد اللّه السيوري الحلّي (المتوفّى 828 هـ)

هو الفقيه الفاضل المحقّق أبو عبد اللّه المقداد بن عبد اللّه بن محمد بن حسن بن محمد السيوري الحلّي الاَسدي الغروي، المعروف بـ«الفاضل السيوري» و «الفاضل المقداد» عند الفقهاء المتأخرين، كان من أجلاّء الاَصحاب، وعظماء مشايخ الرجال، جامعاً بين المعقول والمنقول، عالماً، فاضلاً، متكلّماً، محقّقاً، مدقّقاً، من أعاظم الفقهاء، قد أثنى عليه كلّ من عنونه بالثناء الجميل والذكر النبيل، أفاض اللّه على تربته سجال لطفه.

يعرّفه الاَفندي التبريزي بعد وصفه بالعلم والفضل والتحقيق والتدقيق: له كتب، منها: شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين، وكنز العرفان في فقه القرآن، والتنقيح الرائع في شرح مختصر الشرائع، وشرح الباب الحادي عشر، وشرح مبادىَ الاَُصول، يروي عن الشهيد محمد بن مكي العاملي. (2)


1 . لاحظ رياض العلماء:1|44، روضات الجنات:1|68، طبقات أعلام الشيعة:4، القرن التاسع.
2 . رياض العلماء: 5|216؛ أمل الآمل:2|325برقم 1002.


(344)

ويروي عنه: شرف الدين المكي، والحسين بن علاء الدين مظفر بن فخر الدين بن نصر اللّه القمي، وتاج الدين الحسن بن راشد الحلي صاحب «الجمانة البهية في نظم الاَلفية»، ومحمد بن شجاع القطان الحلّي، وأحمد بن فهد الحلي المتوفّى عام841هـ، وقاسم الدين. (1)

وله في الفقه الكتب التالية:

1.«التنقيح الرائع في شرح الشرائع» وهي دورة فقهية استدلالية من الطهارة إلى الديات، ابتدأ في أوّله بتعريف الفقه وتحصيله، والاَدلّة العقلية، والعمل بخبر الواحد وأقسامه، وتفسير الاَشهر والاَظهر والاَشبه، وغير ذلك من المصطلحات. (2)

2. «كنز العرفان في فقه القرآن»: وهو بين الكتب الموَلّفة حول فقه القرآن، كتفسير «مجمع البيان» في تفسير القرآن، بجودة نسقه وترتيبه، وقد ذكره الذهبي المصري في كتاب «التفسير والمفسّرون» حيث قال:

يتعرّض هذا التفسير لآيات الاَحكام فقط، وهو لا يفسر الآيات سورة فسورة على حسب ترتيب المصحف، ذاكراً ما في كلّ سورة من آيات الاَحكام كما فعل الجصاص وابن العربي مثلاً، بل طريقته في تفسيره انّه يعقد أبواباً كأبواب الفقه، ويدرج في كلّ باب منها الآيات التي تدخل تحت موضوع واحد، فمثلاً يقول: باب الطهارة ثمّ يذكر ما ورد في الطهارة من الآيات القرآنية، شارحاً كلّ آية منها على حدة، مبيناً ما فيها من الاَحكام، على حسب ما يذهب إليه الاِمامية الاثنا عشرية في فروعهم مع تعرّضه للمذاهب الاَُخرى، وردّه على من يخالف ما يذهب إليه الاِمامية الاثنا عشرية. (3)


1 . طبقات الشيعة:139، القرن التاسع.
2 . لاحظ التنقيح الرائع:1|36 ـ 37، وطبع الكتاب في أجزاء أربعة ضخام.
3 . انظر التفسير والمفسّرون:2|465.


(345)

3. «آداب الحج».

4. «نضد القواعد الفقهية على مذهب الاِمامية» وهو ترتيب للقواعد الفقهية للشهيد الاَوّل.

وأمّا تآليفه في الكلام والعقائد فحدّث عنها ولا حرج.

فقد أصبح شرحه على الباب الحادي عشر من الكتب الدراسية إلى يومنا هذا.

4. ابن فهد الحلي (757ـ 841هـ)

جمال الدين أبو العباس أحمد بن فهد الاَسدي الحلّي.

يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، ثقة، صالح، زاهد، عابد، ورع، جليل القدر، له كتب. (1)

ويعرّفه العلاّمة المامقاني بقوله: له من الاشتهار بالفضل والعرفان والزهد والتقوى والاَخلاق والخوف والاِشفاق ما يغنينا عن البيان، وقد جمع بين المعقول والمنقول والفروع والاَُصول واللفظ والمعنى والحديث والفقه والظاهر والباطن والعمل بأحسن ما كان يجمع. (2)

وقد أطبق المتأخّرون على علمه ودقّته وفقهه.

وأمّا تآليفه الفقهية، فهي:

1.«المهذّب البارع إلى شرح النافع» وهو شرح للمختصر النافع للمحقّق من أوّله إلى آخره، أورد في كلّ مسألة أقوال الاَصحاب وأدلّة كلّ قول، وبيّن


1 . أمل الآمل:2|21.
2 . تنقيح المقال:1|92 برقم 510، باب أحمد .


(346)

الخلاف في كلّ مسألة خلافية، وعيّن المخالف وإن كان نادراً متروكاً، وأشار إلى وجه التردّد من المصنّف لدليل انقدح في خاطره، وقال: وسمّيته بـ«المهذب البارع في شرح المختصر النافع» وإن شئت فسمّه جامع الدقائق وكاشف الحقائق.

لاَنّه لا يمر بمسألة مشكلة، إلاّجلاّها غاية الجلاء، ولا لمعضلة إلاّوشفى من بحثها غاية الشفاء، ورتبت في أوّل كلّ كتاب، مقدّمة أو مقدّمات، اذكر فيها تعريفه وسند مشروعيته من الكتاب و السنّة والاِجماع، وما يليق به من التمهيد، فكان كالدستور يرجع إليه في المشكلات، ويعتمد عليه في المعضلات ويتفكه منه بالتفريعات. (1)

2. «شرح الاِرشاد» للعلاّمة الحلي.

3. «فقه الصلاة».

4. «شرح الاَلفية».

5. «كفاية المحتاج في مسائل الحاج».

إلى غير ذلك من التآليف الفقهية وقد بلغ الشيخ الفقيه من الكمال ما بلغ بفضل جمعه بين العلم و العمل ومحافظته على الظواهر الشرعية ومراقبته للنفس.

وفي كتبه التالية دلالات واضحة على ذلك، منها:

1. «عدة الداعي ونجاح الساعي».

2. «أسرار الصلاة».

3. «التحصين وصفات العارفين».

توفّي بكربلاء عن عمر ناهز 84 سنة، وله هناك قبر يزار.


1 . المهذب البارع:1|70 ـ 71.


(347)

ويعد من شيوخ الاِجازة كشيخه الشهيد الاَوّل، يروي عن الشيخ ظهير الدين علي بن يوسف بن عبد الجليل النيلي، والشيخ نظام الدين علي بن عبد الحميد النيلي الحائري، والشيخ فخر الدين ولد العلاّمة، ويروي عنه جماعة، منهم: الشيخ رضي الدين حسين الشهير بـ «ابن راشد القطيفي»، كما يظهر من أوّل غوالي اللآلي. (1)

5. ناصر الدين بن جمال الدين أحمد بن متوج

(المتوفّى856هـ)

هو ناصر الدين بن جمال الدين أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن علي بن الحسن بن متوج البحراني.

يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: الشيخ ناصر بن أحمد بن عبد اللّه بن المتوج البحراني، صاحب الذهن الوقّاد، فاضل، محقّق، فقيه، حافظ، نقل أنّه ما نظر شيئاً ونسيه. (2)

6. الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس المقري الاَحسائي

هو الشيخ شهاب الدين أحمد بن فهد بن إدريس المقري الاَحسائي من أجلّة علماء الاِمامية وفقهائهم، يروي عن: الشيخ فخر الدين أحمد بن عبد اللّه المشهور بـ«ابن المتوّج البحراني» عن الشيخ فخر الدين ولد العلاّمة.

ويروي عنه الشيخ جمال الدين حسن الشهير بـ«المطوع الجرواني الاَحسائي» كما ذكره ابن أبي جمهور في أوّل غوالي اللآلي.


1 . رياض العلماء:1|65.
2 . أمل الآمل:2|333 برقم 1026. وانظر ترجمته في طبقات أعلام الشيعة:142، القرن التاسع؛ رياض العلماء:5|236.


(348)

ثمّ إنّ ابن فهد هذا غير ابن فهد الاَسدي الحلّي فهما معاصران، ومن العجب انّ لكلّ واحد منهما شرحاً على إرشاد العلاّمة، وكلاهما في طبقة واحدة حيث يرويان عن فخر المحقّقين بواسطة واحدة. (1)

7. محمد الاَنصاري بن شجاع الحلّي

محمد الاَنصاري بن شجاع الحلّي القطان، عالم، فقيه، فاضل، يروي عن الفاضل المقداد، وله من الكتب:

1. «معالم الدين في فقه آل ياسين».

ويروي فيه أيضاً عن أبي الحسن علي بن الحسن الاسترابادي الراوي عن حسن بن سليمان تلميذ الشهيد.

يقول شيخنا المجيز الطهراني في وصف الكتاب الاَوّل: وقد رتّبه على أربعة أقسام، وهي دورة فقهية كاملة، فرغ منه في عاشر شعبان سنة 832هـ. (2)

2. «أحكام الاِيمان »الموسوم بنهج العرفان، فرغ من تصنيفه في التاسع عشر من شعبان عام 819هـ يروي فيه عن الفاضل المقداد ويدعو له بقوله: متعنا اللّه بطول بقائه.

8. مفلح الصيمري (كان حياً عام 878هـ)

هو الشيخ مفلح بن حسن بن رشيد بن صالح الصيمري، من تلاميذ أحمد


1 . رياض العلماء:1|55، والترجمة منقولة عن كشكول البحراني، وحيث إنّ محقّق الكتاب لم يعثر على الجزء الاَوّل من الرياض، جمع ما يرجع إليه من هنا وهناك، فالترجمة أولى بالانتساب إلى محقّق الكتاب، أعني: السيد أحمد الحسيني الاشكوري ـ دام مجده ـ.
2 . لاحظ ترجمته في رياض العلماء:4|108؛ طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع:118؛ الذريعة:24|422، وج21|199.


(349)

ابن فهد الحلّي (المتوفّى841هـ).

وله من الموَلّفات الفقهية ما يلي:

1. «غاية المرام في شرح شرائع الاِسلام» في مجلد واحد، وقد اختار فيه الفرق بين الرطلين في الزكاتين، كما اختاره ابن فهد في «المهذب البارع» أو العلاّمة الحلّي في «التحرير».

2. «جواهر الكلمات في صيغ العقود والاِيقاعات» فرغ من تصنيفه عام 870هـ، وهي رسالة عملية تدل على غزارة علم موَلفها؛ مليح، كثير المباحث، غزير العلم.

3. «التنبيهات في الاِرث والتوريثـات» ذكره شيخنــا الطهرانـي في «الذريعة».(1) رسالة في الفرائض مرتبة على ثلاثة أبواب وخاتمة. 4. «تلخيص الخلاف» هو تلخيص كتاب «الخلاف» لشيخ الطائفة، وقد طبع التلخيص في ثلاثة أجزاء عام 1408هـ.

5. «التنبيه على غرائب من لا يحضره الفقيه» جمع فيه الموَلّف فتاوى الشيخ الصدوق المخالفة للاِجماع والمسائل المرفوضة عند فقهائنا المتقدمين.

6. «كشف الالتباس» وهو شرح استدلالي لتمام رسالة الموجز الحاوي، ينتهي إلى آخر كتاب الزكاة؛ والموجز من تآليف أحمد بن فهد الحلّي، وقد طبع الكتاب عام 1417هـ.

وسيأتي ترجمة ولده حسين بن مفلح عند استعراض علماء القرن العاشر.(2)


1 . الذريعة:3|335؛ كشف الالتباس، مقدمة المحقّق، وقد كتب له ترجمة ضافية.
2 . طبقات أعلام الشيعة: القرن التاسع، ص 137؛ وانظر مخطوط كتاب مشايخ الشيعة.


(350)

9. الحسن بن محمد بن الحسن الاسترابادي

هو الشيخ كمال الدين (تاج الدين) حسن بن شمس الدين محمد بن حسن الاسترابادي مولداً، والنجفي موطناً.

يعرّفه الاَفندي التبريزي بقوله: كان من أكابر علماء متأخّري أصحابنا، وله تآليف قيّمة، منها:

1.«معارج السوَول ومدارج المأمول» في مجلدين، وهو كتاب جامع في معناه حسن كاسمه، كثير الفوائد، كبير، فرغ من تأليفه 891هـ، وقد ألّفه على غرار كتاب «كنز العرفان» للشيخ مقداد السيوري، وزاد عليه بفوائد نفيسة جليلة كثيرة.

2. «عيون التفاسير» وقد صرّح به في أوّل المعارج.

يقول شيخنا المجيز: عيون التفاسير للشيخ كمال الدين الحسن بن محمد بن حسن الاسترابادي النجفي.

3. «شرح الفصول النصيرية».

أقول: صرّح في أوّل «معارج الاَُصول» بأنّ اللّه منَّ عليه بتأليف عيون التفاسير واستخرج منه المعارج على نهج ما ألّفه شيخه المقداد.

وبما أنّه فرغ من تأليف«عيون التفاسير» سنة 891هـ، وفي الوقت نفسه يروي عن الفاضل المقداد المتوفى عام 828هـ، فهو من المعمّرين. (1)


1 . انظر ترجمته في رياض العلماء:1|319؛ الذريعة:15، برقم 2375؛ طبقات أعلام الشيعة: 91، القرن التاسع.


(351)

10. الحسن بن راشد الحلّي

هو تاج الدين الحسن بن راشد الحلّي، تلميذ الفاضل المقداد صاحب «الجمانة البهية في نظم الاَلفية الشهيدية».

يعرّفه الشيخ الحرّ العاملي بقوله: فاضل، فقيه، شاعر، أديب، له شعر كثير في مدح المهدي وسائر الاَئمّة - عليهم السلام - ، ومرثية الحسين - عليه السّلام - ، وأُرجوزة في تاريخ الملوك والخلفاء، وأُرجوزة في تاريخ القاهرة، وأُرجوزة في نظم ألفية الشهيد.

ووصفه الشيخ إبراهيم الكفعمي المتوفّـى عام 905هـ بقوله: الشيخ الاِمام، الفاضل، نادرة الزمان، وذكر انّه يروي الاَلفية عن شيخه المقداد، وهو يرويها عن موَلّفها الشهيد.

وأوّل الاَُرجوزة:

قال الفقير الحسن بن راشد * مبتدأ باسم الاِله الماجدي (1)

11. ابن أبي جمهور الاَحسائي

هو المحقّق الفاضل محمد بن الشيخ زين الدين أبي الحسن علي بن حسام الدين بن إبراهيم بن حسين بن إبراهيم بن أبي جمهور الهجري الاَحسائي، يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: كان عالماً، فاضلاً، راوية، له كتب، ثمّ ذكر أسماء كتبه.


1 . أمل الآمل: 2|65 برقم 178. وانظر الذريعة:5|131 برقم 542، تاريخ طبقات أعلام الشيعة:41، القرن التاسع.


(352)

ويعرّفه المحدّث البحراني بقوله: كان فاضلاً، مجتهداً، متكلماً، له كتاب غوالي اللآلي.

ويذكره العلاّمة المجلسي ويقول: وموَلّفه بالفضل معروف.

وأمّا آثاره الفقهية، فقد ألّف:

1. «الاَقطاب الفقهية والوظائف الدينية على مذهب الاِمامية»، وهو على غرار قواعد الشهيد.

2. «الاَنوار المشهدية في شرح الرسالة البرمكية» في فقه الصلاة اليومية، والظاهر انّ الرسالة البرمكية قد كتبها بنفسه.

3. «التحفة الحسينية في شرح الاَلفية» كتبه شرحاً لاَلفية الشهيد الاَوّل.

وأمّا تآليفه في الاَحاديث والاَخبار، فمن أشهر كتبه «غوالي اللآلي العزيزية في الاَحاديث الدينية»، وقد فرغ منه سنة 899هـ كما ذكره شيخنا النوري في «المستدرك»، وقد طبع الكتاب في أربعة أجزاء.

وحيث إنّه قضى أكثر عمره في القرن التاسع، وقد توفي في مستهل القرن العاشر (بعد سنة 901) ذكرناه في فقهاء هذا القرن. (1)

هذه نخبة من أسماء الاَعلام من فقهاء القرن التاسع تلوناها عليكم كنماذج من الفقهاء الاَفذاذ الذين برزوا في تلك الحقبة من الزمان، والذين أنعشوا الحركة الاجتهادية بتآليفهم، ومن أراد الوقوف على مزيد ممّا ذكرنا فليرجع إلى طبقات الفقهاء وسائر الكتب .


1 . المستدرك:3|361 ـ 365، الفائدة الثالثة؛ ريحانة الاَدب:7|339؛ أمل الآمل:2|253 برقم 749؛ روضات الجنات: 7|26 برقم 594.


(353)

حصيلة الجهود العلمية في القرن التاسع

قد مرّ عليك في صدر البحث انّه لم تكن توجد سلطة مركزية تحكم البلاد الاِسلامية ، بل كانت ثمة دويلات صغيرة تحكم في إطار المناطق التي تخضع لنفوذها.

ومن الواضح انّ في مثل تلك الظروف القلقة تنعدم الطمأنينة والثبات المطلوب لعرض الاَفكار ومناقشتها خصوصاً في مجال الفقه.

وقد احتفل التاريخ في هذا القرن بأسماء جمع غفير من الفقهاء مع قلّة الانتاجات العلمية .

فبعد الاِيعاز إلى هذه المقدّمة نستعرض حصيلة الجهود التي أُنجزت في هذا القرن:

ألف. ظهور ثلة من الفقهاء العظام الذين أخذوا على عاتقهم إنعاش الفقه وتطويره على ضوء ما ورثوه من أساتذتهم، وفي طليعتهم:

1. المقداد السيوري(المتوفّى828هـ).

2. الشيخ ابن فهد الحلّي (775ـ841هـ).

3. مفلح الصيمري (كان حيّاً عام 878هـ).

4. شهاب الدين أحمد بن فهد الاَحسائي.

ب. العناية الوافرة بتفسير آيات الاَحكام التي هي أُسس التشريع الاِسلامي، فقد ألّف الفاضل المقداد كتاب «كنز العرفان» ويعد مصدر إشعاع وإلهام إلى يومنا هذا.


(354)

كما ألّف الحسن بن محمد بن الحسن الاسترابادي كتابه «معارج السوَول ومدارج المأمول» في مجلدين سار فيه على ضوء كتاب كنز العرفان لاَُستاذه.

ج. العناية الوافرة بالقواعد الفقهية على غرار ما أُلّف في القرن الثامن لكن بنظم ومنهجيه أكثر، وقد وقفت على أنّ الفاضل المقداد ألّف «نضد القواعد» تنظيماً لما ألّفه الشهيد الاَوّل.


(355)

القرن العاشر وأوائل الحادي عشر (من الدور الرابع)

عند إطلالة القرن العاشر سادت الربوع الاِسلامية دولتان عظيمتان هما: الدولة الصفوية والعثمانية؛ حيث حكمت الاَُولى أصقاعاً من الشرق الاِسلامي من عام (905ـ1135هـ) وحكمت الثانية أصقاعاً من الغرب الاِسلامي وأكثر البلاد العربية، وقد استأثر الفقهاء باهتمام كلا الدولتين بغية إضفاء الشرعية على حكمهما خصوصاً الدولة الصفوية التي قامت على دعامة التشيّع وولاية الاَئمّة الاثني عشر التي فوضت الاَُمور بعد غيبة الاِمام الثاني عشر إلى الفقهاء العظام الجامعين لشرائط الاِفتاء، فازدهرت العلوم الاِسلامية لا سيما الفقه في عهد الصفوية إلى حد بعيد، فلنذكر نخبة من العلماء الذين أنجبتهم هذه الحقبة.

1. الشيخ حسين الصيمري (المتوفّى عام933هـ)

هو الشيخ حسين بن مفلح بن حسن الصيمري

يعرّفه الحر العاملي بقوله: فاضل، عالم، محدّث، عابد، كثير التلاوة والصوم والصلاة والحج، حسن الخلق، واسع العلم، توفي سنة 933هـ، وعمره يزيد على الثمانين.

وأمّا تآليفه، فقد فصّلها شيخنا المجيز وعدَّ منها:

1. «محاسن الكلمات في معرفة النيات».

2. «مناسك الحج».

3. «جواز الحكومة الشرعية».

ورسائل أُخرى لم تذكر بعنوانها، وقد مرَّ انّ والده مفلحاً تلميذ ابن فهد له


(356)

«جواهر الكلمات في صيغ العقود والاِيقاعات» ، و«غاية المرام في شرح شرائع الاِسلام». (1)

2. الحسن الاَعرج الحسيني (المتوفّى عام933هـ)

هو بدر الدين بن جعفر بن فخر الدين بن الحسن بن نجم الدين الاَعرج الحسيني.

يصفه الحر العاملي بأنّه كان فاضلاً، جليل القدر، ومن جملة مشايخ شيخنا الشهيد الثاني، قرأ عليه في الكرك، وتوفي سنة 933هـ.

يقول في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي: وأرويها عن شيخنا الاَجل الاَعلم، الاَكمل ذي النفس الطاهرة الزكية أفضل المتأخّرين في قوتيه العلمية والعملية.

موَلّفاته

1.كتاب «المحجة البيضاء والحجّة الغراء»جمع فيه بين فروع الشريعة والحديث والتفسير في الآيات الفقهية.

2. «العمدة الجلية في الاَُصول الفقهية».

3. «شرح الطيبة الجزرية في القراءات العشر».

4. «مقنع الطلاب فيما يتعلّق بكلام الاعراب». (2)


1 . أمل الآمل:2|103 برقم 285؛ وطبقات أعلام الشيعة: 66، القرن العاشر؛ وله ترجمة في أعيان الشيعة.
2 . أمل الآمل: 1|57 برقم 44؛ وانظر ترجمته في روضات الجنات: 2|294 برقم 203؛ طبقات أعلام الشيعة: القرن العاشر، ص 49.


(357)

3. علي بن عبد العالي العاملي الكركي (المتوفّى عام940هـ)

هو الشيخ علي الكركي المعروف بـ«المحقّق الثاني» نور الدين علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي العاملي الكركي، المتوفى عام 940هـ في النجف يوم الغدير.

يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: الشيخ الجليل علي بن عبد العالي العاملي الكركي، أمره في الثقة والعلم والفضل وجلالة القدر وعظم الشأن وكثرة التحقيق أشهر من أن يذكر، ومصنّفاته كثيرة مشهورة، ثمّ ذكر فهرس كتبه.

وذكره السيد التفرشي في «نقد الرجال» وقال: شيخ الطائفة، وعلاّمة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق، كثير العلم، نقي الكلام، جيد التصانيف من أجلاّء هذه الطائفة، يروي عن الشيخ شمس الدين محمد بن داود عن ابن الشهيد عن أبيه، وكفى في فضله انّ الشهيد الثاني يثني عليه بقوله: الشيخ الاِمام المحقّق المنقح نادرة الزمان و يتيمة الاَوان.

ومن تآليفه

1. «جامع المقاصد في شرح القواعد» في خمسة مجلدات كبار إلى بحث التفويض من النكاح، وهو كتاب مشحون بالتحقيق والاستدلال ينقح مباني الاَحكام، وهو من الكتب الممتعة ومن حسنات الدهر.

ويحكى عن الشيخ محمد حسن النجفي صاحب «جواهر الكلام» أنّه قال: إنّ الفقيه إذا كان بين يديه «جامع المقاصد» و«وسائل الشيعة» و«الجواهر» استغنى عن أي مصدر آخر، وكان بإمكانه استنباط الحكم الفقهي اعتماداً على هذه المصادر الثلاثة. (1)


1 . جواهر الكلام:1|14؛ لاحظ المستدرك:3|431، الفائدة الثالثة.


(358)

ونقل عن صاحب العروة أنّه يكفي للمجتهد في استنباطه للاَحكام أن يكون عنده كتاب «جامع المقاصد» و«الوسائل» و «مستند الشيعة».

وأمّا سائر آثاره الفقهية فتنتهي إلى 32 كتاباً ورسالة نذكر بعضها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقدّمة «جامع المقاصد». (1)

نعم انّ الشيخ أوّل من أورد المسائل الحكومية إلى الساحة الفقهية، لما تمتع به من منصب في الدولة الصفوية، وسيأتي الحديث عنه عند البحث عن حصيلة الجهود التي بذلت في القرن العاشر.

2. الرسالة الخراجية المسمّاة بـ«قاطعة اللجاج في تحقيق حلّ الخراج».

3. رسالة الجمعة.

4. الرسالة الرضاعية.

وغيرها من التأليفات التي نافت على 32 تأليفاً.

4. إبراهيم القطيفي (المتوفّى عام945هـ)

هو كما يعرّفه صاحب الرياض :الاِمام، الفقيه، الفاضل، العالم، الكامل، المحقّق، المدقّق، المعاصر للشيخ علي الكركي العاملي، المعروف بـ«المحقّق الثاني»، وكان هو والشيخ عز الدين الآملي والشيخ علي الكركي شركاء الدرس عند الشيخ علي بن هلال الجزائري، وكان زاهداً، عابداً، ورعاً، مشهوراً، تاركاً للدنيا برمّتها.

وقد دارت بينه وبين زميله الشيخ علي الكركي مساجلات ومناظرات في مسائل فقهية أهمها مسألة الخراج كما سيوافيك.


1 . مقدّمة جامع المقاصد:41ـ43.


(359)

و ذكر صاحب الروضات أسماء تآليفه الفقهية بالنحو التالي:

1.«الهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الاِرشاد».

2. «نفحات الفوائد ومفردات الزوائد».

3. رسالة في أحكام الرضاع.

4. رسالة في محرّمات الذبيحة.

5. رسالة في الصوم ينقل عنه الاَردبيلي في «مجمع الفائدة».

6. رسالة في أحكام الشكوك.

7. شرحه على ألفية الشهيد.

8. تعليقات كثيرة على الشرائع. (1)

ومن المسائل التي خالف فيها المحقّق الكركي هو مسألة حل الخراج، ففي الواقع كان المحقّق الكركي يوَيد الحكومة الصفوية لا سيما الشاه طهماسب، وكان القطيفي على خلافه.

فألّف المحقّق كتابه «قاطعة اللجاج في تحقيق الخراج» عام 916هـ، رتّبه على مقدّمة في أقسام الاَرضين وخمس مقالات، وقد طبعت مع الرسائل الرضاعيات.

ونقضها الشيخ إبراهيم القطيفي بكتاب أسماه «السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج».

وصارت المسألة موضع نقاش حاد بين العلماء، فألّف المحقّق الاَردبيلي رسالة دافع فيها عن القطيفي، كما ألّف ماجد الشيباني رسالة دافع فيها عن


1 . رياض العلماء:1|15، روضات الجنات:1|25ـ27 برقم 3.


(360)

الكركي، والكتابان الاَوّلان مطبوعان.

ومن فتاواه حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة مطلقاً ردّاً على المحقّق الكركي القائل بوجوبها مع وجود المجتهد الجامع لشرائط الفتوى.

إنّ الخلاف بين المحقّق الكركي والقطيفي لم يكن سياسياً كما زعمه بعض، بل انّ منشأه انّ الخراج إنّما يوَخذ من الاَراضي التي فتحت عنوة بإذن الاِمام وكانت معمورة عند الفتح ولم يثبت وقفيتها أو لم يدّع أحد انّ بيده ملكيّتها، ففي مثل تلك الاَراضي يوَخذ الخراج و يصرف في مصالح المسلمين.

فالقطيفي ومن أيّده كالاَردبيلي يدعون عدم ثبوت هذه الشروط في الاَراضي التي يوَخذ منها الخراج. (1)

5. زين الدين الجبعي العاملي (911ـ966هـ)

هو الشيخ الاَجل زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن نقي الدين بن صالح (تلميذ العلاّمة) العاملي، الجبعي، المعروف بـ «الشهيد الثاني».

يعرّفه الحر العاملي بقوله: أمره في الثقة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحّر وجلالة القدر وعظم الشأن وجمع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، ومصنّفاته كثيرة مشهورة.

كان (رحمه الله) فقيهاً، محدثاً، نحوياً، قارئاً، متكلماً، حكيماً، جامعاً لفنون العلم، وقد ألّف تلميذه محمد العودي العاملي رسالة في ترجمة الشهيد منذ


1 . لاحظ الرسالتين الخراجيتين للاَردبيلي، المطبوعتين مع سائر رسائله.


(361)

ولادته إلى شهادته بالقسطنطينية سنة 966هـ.

وأمّا تصانيفه المفعمة بالتحقيق فكثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:

1.«مسالك الافهام في شرح شرائع الاِسلام» وقد طبع قديماً في جزءين كبيرين، وأُعيد طبعه بصف جديد خرج منه إلى الآن اثنا عشر جزءاً، ولو خرجت جميع أجزائه ربما بلغ عشرين جزءاً، وهو أحسن كتاب جمع بين التلخيص في التعبير والتحقيق في المادة والمعنى، وليس له نظير بين المتقدّمين والمتأخرين.

2. «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» وهي دورة فقهية تضم جميع أبواب الفقه، وبما أنّه جمع بين حسن التعبير و الاختصار في الاستدلال على الحدّ اللازم صار كتاباً دراسياً منذ قرون ومازال يدرّس في الجامعات الاِسلامية الشيعية إلى يومنا هذا، وعليها تعليقات كثيرة.

وأمّا سائر تآليفه الفقهية فحدث عنها ولا حرج، وقد سرد أسماءها الحر العاملي في كتابه القيم «أمل الآمل». (1)

يروي عنه: السيد علي بن الصائغ الفقيه المشهور صاحب شرح الشرائع، والسيد نور الدين عبد الحميد الكركي العاملي، والمولى محمود بن محمد بن علي الجيلاني، والشيخ محيي الدين بن أحمد بن تاج الدين الميسي العاملي، والشيخ تاج الدين بن هلال الجزائري، والشيخ بهاء الدين بن العودي وهو من خواص تلامذته، والشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي والدُ الشيخ بهاء الدين العاملي، والسيد علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي وهو صهره الذي كان والد سبطه السيد محمد صاحب المدارك. (2)


1 . أمل الآمل: 1|85، وروضات الجنات: 3|352 برقم 306، رياض العلماء:2|365.
2 . رياض العلماء:2|366.


(362)

وقد يتصوّر المرء في بدو الاَمر انّ الشهادة كتبت على أبطال رفعوا السلاح في ميادين الجهاد وساحات الوغى، ولكن عندما يتصفّح صفحات التاريخ ويقف على سيرة علمائنا الاَبرار يجد انّهم جمعوا بين اللسان والحسام، وخدموا الشريعة بيراعهم وأقلامهم وبدمائهم وأرواحهم، وشيخنا هذا من أبرز مصاديق تلك الزمرة.فقد استعرض التاريخ لنا كيفية شهادته المفجعة . (1)

6. الشيخ حسين بن عبد الصمد العاملي (918ـ 984هـ)

الشيخ عز الدين حسين بن عبد الصمد الجبعي العاملي، والد شيخنا بهاء الدين العاملي، يصفه أُستاذه زين الدين الشهيد الثاني، بقوله: الشيخ الاِمام العالم الاَوحد، المرقي عن حضيض التقليد إلى أوج اليقين، عضد الاِسلام والمسلمين في الدنيا والدين، حسين بن الشيخ الصالح العالم العامل المتقي، خلاصة الاَخيار، الشيخ عبد الصمد بن الشيخ الاِمام شمس الدين محمد الشهير بالجبعي الحارثي الهمداني. (2)

ولعلّ هذه الكلمة من أُستاذه تعرب عن مكانة الرجل في العلم والفقه والاَمانة، وآثاره تدل على تضلّعه في الفقه، وقد ترك آثاراً فقهية نذكر منها ما يلي:

1. رسالة في تعارض اليد والشياع وتقديمه على اليد.

2. رسالة في المسح على الرجلين.

3. رسالة في تحقيق تسع مسائل مهمة في الصلاة، المعبّر عنه بـ«الرسالة التساعية».

4. مسائل الصلاة، أو الرسالة الطهماسبية، في بعض المسائل الفقهية.


1 . أمل الآمل: 1|88 ـ 99.
2 . طبقات أعلام الشيعة:62، القرن العاشر.


(363)

ولمّا توفي (قدس سره) ، رثاه ولده الاَكبر شيخنا بهاء الدين العاملي بقصيدة مطلعها:

قف بالطلول وسلها أين سلماها * وروِّ من جرع الاَجفان جرعاها (1)

7. علي بن الحسين الصائغ العاملي (المتوفّى عام980هـ)

هو علي بن الحسين بن محمد الشهير بـ « الصائغ» الحسيني العاملي الجزيني.

عرّفه الحر العاملي بقوله: كان فاضلاً، عابداً، فقيهاً، محدّثاً، محقّقاً، ومن تلامذة الشهيد الثاني، له كتاب «شرح الشرائع» رأيته بخطه وكتاب «شرح الاِرشاد» وغير ذلك.

قرأ عنده الشيخ حسن(صاحب المعالم) ابن الشهيد الثاني، والسيد محمد بن علي بن أبي الحسن الموسوي العاملي (صاحب المدارك) ورويا عنه.

ولمّا توفي رثاه الشيخ حسن المذكور بقصيدة تتألّف من 24 بيتاً مطلعها:

داعي الغواية بين العالمين دعا * من شاب نجم الهدى من بعد ما سطعا (2)

يقول الاَفندي: يروى عنه المحقّق الاَردبيلي، وانّ شرحه على الاِرشاد موسوم بـ«مجمع البيان في شرح إرشاد الاَذهان» وقد رأيت منه نسخة بقصبة «ده خارقان»، وقد قُرئت تلك النسخة عليه، وكان تاريخ تأليفه سنة 979هـ.

وكفى في جلالته انّه من مشايخ الاَردبيلي، الذي تربّى في أحضانه العلمان الجليلان صاحبا المعالم والمدارك.


1 . ولشيخنا المترجم ترجمة وافية في الغدير، ذكر فيه مشايخه وتلاميذه، فمن أراد فليرجع إلى الجزء11|217ـ231.
2 . أمل الآمل:1|119 برقم 123.


(364)

8. عبد العالي الكركي (926ـ 993هـ)

هو الشيخ عبد العالي بن نور الدين علي بن عبد العالي العاملي الكركي.

يعرّفه الحر العاملي بقوله: كان فاضلاً، فقيهاً، محقّقاً، محدّثاً، متكلماً، عابداً، من المشايخ الاَجلاّء، يروي عن أبيه وغيره من المعاصرين.

وذكره التفرشي في «رجاله» وقال: جليل القدر، عظيم المنزلة، رفيع الشأن، نقيّ الكلام، كثير الحفظ، كان من تلامذة أبيه، تشرّفت بخدمته، وقد توفي باصبهان عام 993هـ. (1)

وأمّا آثاره العلمية

1. «اللمعة في عدم عينية الجمعة».

2. رسالة في القبلة عموماً، وقبلة خراسان خصوصاً.

إلى غير ذلك من التآليف.

9. المحقّق أحمد الاَردبيلي (المتوفّى عام993هـ)

المولى أحمد بن محمد الاَردبيلي، أمره في الجلالة والثقة والاَمانة أشهر من أن يذكر، وفوق ما تحوم حوله عبارة، كان متكلّماً، فقيهاً عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع المنزلة، أورع أهل زمانه، وأعبدهم وأتقاهم. (2)

يعرّفه المحدّث البحراني بقوله: لم يسمع بمثله في الزهد والورع، له


1 . أمل الآمل:1|110 برقم 100. وانظر ترجمته في نقد الرجال: 188ـ 189؛ طبقات أعلام الشيعة:122، القرن العاشر ؛ روضات الجنات: 4|199.
2 . الاَفندي التبريزي: الرياض:1|56؛ طبقات أعلام الشيعة:8، القرن العاشر.


(365)

مقامات وكرامات لا مجال لذكرها.

وكانت السلطة الصفوية آنذاك بيد الشاه عباس الصفوي، وكان يبالغ في تعظيمه وتمجيده، ويرسل إليه بكلّ جميل، و يستدعي من جنابه القدوم إلى إيران، وهو يتحاشى عن قبول ذلك.

وقد خلّف أثرين عظيمين في الفقه قلّما يوجد لهما مثيل هما:

1. «مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الاَذهان» وقد طبع في اثني عشر جزءاً، وهو مفعم بالتحقيق ومشحون بالدّقة، وهو دورة فقهية كاملة، وموسوعة كبيرة تشمل جميع أبواب الفقه، إلاّ كتاب النكاح، وقد اعترف بدقته وفضله كلُّ من تأخّر عنه، وهو المجدّد في أكثر المسائل الفقهية ومع أنّه كان يرجع إلى كلمات الفقهاء، ولكن لا يصدر عنها تقليداً، فرغ من الجزء الاَوّل عام 978هـ، قال في آخر هذا الجزء: وقع اختتامه في عاشر ربيع الاَوّل المنتظم في شهور سنة 978هـ في مشهد أمير الموَمنين، أمير الاَُمراء عليه وعلى حبيبه سيد الاَنبياء، وأولاده سادات الاَتقياء أفضل التحية والثناء، في زمن الاختفاء من الاَعداء. (1)

إنّ للمحقّق الاَردبيلي في هذا الكتاب آراءً خاصّة، خالف فيها الرأي المشهور بين العلماء، وقد نشر موَتمر إحياء الذكرى المئوية على وفاة المحقّق الاَردبيلي مجموعة من هذه الآراء في الجزء الثاني من المقالات المنتشرة في ذلك الموَتمر.

وتعرب آراوَه عن دقّته وحريته في الرأي، وعمق تفكيره، ونظرته الفاحصة نحو المسائل الفقهية.

2. «فقه القرآن»: المسمّى بـ«زبدة البيان في أحكام القرآن» فسّر فيه آيات


1 . لاحظ مجمع الفائدة:3|445.


(366)

الاَحكام الواردة في القرآن المجيد، وهو ـ بعد كنز العرفان ـ أبسط كتاب حول الموضوع، وقد فرغ من تأليفه سنة 989هـ، و وقع موضع العناية من قبل العلماء، فشرحه بعضهم، وعلّق عليه آخرون.

وهو ككتابه السابق مشحون بالتحقيق، وأمّا منهج الموَلّف في هذا الكتاب، يشرح اللّغات المشكلة، ثمّ يبيّن النكات الاَدبيّة، ويفسّر الآيات على ضوئهما، ثمّ يتطرّق إلى الاَحكام التي تدل عليها الآية، وهو في تأليفه هذا متأثر بكتاب «مجمع البيان» للشيخ الطبرسي.

وقد شهد القرن العاشر محقّقين كبيرين على صعيد الفقه، أحدهما المحقّق الكبير الشيخ أحمد الاَردبيلي، والثاني الشيخ علي الكركي المعروف بـ«المحقّق الكركي» صاحب جامع المقاصد كما مرّ ذكره.

كما يكفيه من الفضل انّه ربّى فقيهين جليلين، هما: الشيخ حسن صاحب المعالم، والسيد محمد صاحب المدارك، وكلاهما من أعلام الفقه وحملة الاَقلام. (1)

10. الحسين المجتهد الكركي (المتوفّى عام1001هـ)

هو السيد الحسين المجتهد الكركي ابن السيد ضياء الدين أبي تراب الحسن ابن أبي جعفر محمد الموسوي الكركي.

يعرّفه الاَفندي التبريزي بقوله: الفقيه، الفاضل، الجليل، الكامل، المعروف بالاَمير السيد حسين المجتهد، وقد يعرف بالاَمير السيد حسين المفتي، والد الميرزا حبيب اللّه المشهور، الذي تسلم مناصب رفيعة في عهد الصفوية، وهو ابن أُخت الشيخ عبد العالي بن الشيخ علي الكركي المشهور، وكان والده من


1 . طبقات أعلام الشيعة:8، القرن العاشر.


(367)

جملة مشايخ الشهيد الثاني، ومن أكابر العلماء، ومن مشايخ الشيخ حسين بن عبد الصمد، والد شيخنا بهاء الدين العاملي، وقد تخرّج عليه الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ ظهير الدين إبراهيم البحراني.

وأمّا آثاره العلمية الفقهية، فهي:

1. «رفع البدعة في حل المتعة» وصفه الاَفندي بقوله:وهي رسالة طويلة الذيل، حسنة الفوائد، وعندنا منها نسخة، وقد ألّفها لكمال الدين شيخ أويس.

2. رسالة «اللمعة في أمر صلاة الجمعة» فرغ من تأليفها سنة 966هـ وقد ألّفها للسلطان شاه طهماسب، ويذهب فيها إلى وجوب صلاة الجمعة تخييراً لكن شريطة أن يكون إمام الجمعة فقيهاً مجتهداً جامعاً لشرائط الفتوى، وردَّ فيها على ما ذكره الشهيد الثاني من الاَدلّة على وجوبها عيناً.

3. «النفحات القدسية في أجوبة المسائل الطبرسية».

4. «الاقتصاد».

5. «شرح الشرائع» خرج منه كتاب الطهارة.

إلى غير ذلك من الرسائل والمصنّفات في الفقه والعقائد وغيرها. (1)

يقول شيخنا المجيز : توفي بأردبيل بالطاعون، وحمل إلى العتبات المقدسة سنة 1001هـ، ثمّ اعتذر عن ذكره في عداد فقهاء القرن العاشر بقوله: وذكرنا المترجم له هاهنا مع أنّه توفي عام 1001هـ لشدّة احتكاك ترجمته مع أهل المائة العاشرة.


1 . لاحظ، طبقات أعلام الشيعة:71، القرن العاشر، فقد ذكر فهرس تآليفه على وجه التفصيل، الاَفندي التبريزي: الرياض: 2|62ـ 69؛وأمل الآمل:1|69 برقم 63.


(368)

11. الشيخ جمال الدين الحسن صاحب المعالم (959ـ1011هـ)

هو الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن الشيخ زين الدين الشهيد الثاني العاملي الجبعي.

يعرّفه الشيخ الحر العاملي بقوله: كان عالماً، فاضلاً، عاملاً، كاملاً، متبحراً، محقّقاً، ثقة، فقيهاً، وجيهاً، نبيهاً، محدثاً، جامعاً للفنون، أديباً، شاعراً، زاهداً، عابداً، ورعاً، جليل القدر، عظيم الشأن، كثير المحاسن، وحيد دهره، أعرف أهل زمانه بالفقه والحديث والرجال. (1)

ولا أجد عبارة أجمع في الاِشادة بفضله كتلك التي ذكرها الحرّ العاملي. انتقل الشيخ حسن وابن أُخته السيد محمد صاحب المدارك إلى النجف، وتتلمذا على يد المحقّق الاَردبيلي، وكان يخصّهما بالتدريس وراء ما يلقيه على سائر الطلاب، وكان يتنبّأ لهما بمستقبل زاهر و زاخر بالعطاء العلمي.

وقد انتج قلم شيخنا كتباً، منها:

1. «منتقى الجمان في الاَحاديث الصحاح والحسان» خرج منه كتب العبادات إلى الحج، وهو كتاب قليل النظير، وفيه نكات وإفادات لا توجد في غيره.

2. «معالم الدين وملاذ المجتهدين» خرج منه مقدمة في الاَُصول وقسم من كتاب الطهارة، ولم تزل مقدمته في الاَُصول كتاباً دراسياً منذ تأليفه إلى يومنا هذا.

3. «مناسك الحج».

4. الرسالة الاثنا عشرية في الصلاة.

5. «حاشية على مختلف الشيعة» مجلد واحد.


1 . الحر العاملي: أمل الآمل:1|57، روضات الجنات:2|296، رياض العلماء: 1|225.


(369)

6. «التحرير الطاووسي» في الرجال.

7. كتاب «مشكاة القول السديد في تحقيق معنى الاجتهاد والتقليد».

8. رسالة في المنع من تقليد الميّت.

وفي ظنّي انّ شيخنا أبا منصور صاحب المعالم ألّف الكتابين الاَخيرين ردّاً لما ظهر في الاَوساط العلمية من بوادر الحركة الاَخبارية، التي كانت تحرّم الاجتهاد ولا تجوّز التقليد، وتجوّز أخذ الحكم من الحيّ والميّت.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على ظهور الحركة الرجعية في مستهلِّ القرن الحادي عشر، قبل أن ينادي بها محمد أمين الاسترابادي من مكة المكرمة عن طريق تأليف كتابه «الفوائد المدنية» وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الحركة الاخبارية.

12. السيد محمد صاحب المدارك (946ـ1011هـ)

هو السيد محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحسـن الموسـوي العامـلي الجبعي (1).

يعرّفه الحرّ العاملي بقوله: كان عالماً، فاضلاً، متبحراً، ماهراً، محقّقاً، مدقّقاً، زاهداً، عابداً، ورعاً، فقيهاً، محدّثاً، كاملاً، جامعاً للفنون والعلوم، جليل القدر، عظيم المنزلة، قرأ على: أبيه، وعلى مولانا أحمد الاَردبيلي، وتلامذة جدّه لاَُمّه الشهيد الثاني، كان شريك خاله الشيخ حسن في الدرس، وكان كل يقتدي


1 . له ترجمة في أعيان الشيعة:46|103، أمل الآمل:1|167، الذريعة44، ريحانة الاَدب:2|388، لوَلوَة البحرين:44، نقد الرجال:321، هدية الاَحباب:189، روضات الجنات:7|45، وله ترجمة وافية في مقدّمة مدارك الاَحكام.


(370)

بالآخر في الصلاة ويحضر درسه، وقد رأيت جماعة من تلامذتهما.

وهذا التعبير يعرب عن مكانة الرجل وورعه، غير انّ سيدنا المترجم له قليل التأليف، ولكنّه كثير التحقيق والتدقيق، ردّ أكثر الاَشياء المشهورة بين المتأخرين في الاَُصول والفقه، كما فعله خاله الشيخ حسن.

ومن تآليفه:

1. «مدارك الاحكام في شرح شرائع الاِسلام» ، طُبعت منه إلى الآن ثمانية أجزاء، وفرغ منه سنة 998هـ.

2. «شرح المختصر النافع».

3. وله حواشٍ على الاستبصار، والتهذيب، وألفية الشهيد.

وكان يقول بوجوب صلاة الجمعة.

ومن مميّزات كتاب المدارك متانة الاستدلال، والاعتماد على الروايات المسلّمة، فينتقي منها ما كانت واضحة الدلالة، ومن الاَدلّة العقلية ما كانت متسالمة، وهو في الوقت نفسه ينقل الرواية بكاملها مع الدقة في نقلها، ويضعف ما يرويه غير الاِمامي الاثني عشري.

13. القاضي نور اللّه التستري المرعشي

(956ـ 1019هـ)

هو السيد نور اللّه بن السيد شرف الدين الحسيني المرعشي التستري (1) متكلم كبير، فقيه متبحّر، أُصولي بارع، كان يقضي في بلاد الهند بالمذاهب الخمسة، يصفه الشيخ الحرّ العاملي بقوله: فاضل، عالم، محقّق، علاّمة، محدِّث،


1 . له ترجمة ضافية في روضات الجنات: 8|159 برقم 727؛ أمل الآمل:2|336 برقم 1037؛ وترجمه السيد المرعشي في مقدمته على كتاب إحقاق الحقّ.


(371)

له كتب، منها: «إحقاق الحقّ في جواب من ردّ نهج الحقّ» للعلاّمة، وكتاب «الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة»، وكتاب «مصائب النواصب»، و«رسالة في نجاسة الماء القليل بالملاقاة» وله «حاشية على شرح المختصر للعضدي»، و«حاشية على تفسير البيضاوي».

كما أنّ له كتاب «مجالس الموَمنين» في القضايا و التراجم.

ألّف العلاّمة الحلّي كتاب «نهج الحق وكشف الصدق» للسلطان محمد خدابنده، مرتّباً على مسائل في التوحيد والعدل والنبوّة والاِمامة، ومسائل أُصول الفقه، والمسائل الفرعية.

وقد قام الفضل بن روزبهان بنقض هذا الكتاب وفرغ من النقض عام 909 هـ وسمّاه «إبطال الباطل وإهمال كشف العاطل» أورد فيه جميع نهج الحق بألفاظه غير خطبته، ثمّ قام القاضي نور اللّه، بنقض كتاب روزبهان بكتاب أسماه«إحقاق الحقّ» فلمّا علمت به السلطات الجائرةفي الهند أُلقي القبض عليه وزُجَّ في السجن وعذِّب حتى استشهد على أثرها عام 1019هـ.

وقد طبع «إحقاق الحقّ» بعدّة طبعات، وطبع أخيراً بتعليقات وافرة للسيد العلامة المرعشي (رحمه الله).

14. عناية اللّه القهبائي

(كان حيّاً عام 1016هـ)

هو الشيخ عناية اللّه القهبائي من تلامذة المحقّق الاَردبيلي والشيخ عبد اللّه التستري الاصفهاني وبهاء الدين العاملي، صاحب «مجمع الرجال في علم الرجال» جمع فيه تمام ما في الاَُصول الخمسة الرجالية، أعني: رجال النجاشي، والكشي، ورجال شيخ الطائفة، و فهرسته، ورجال ابن الغضائري؛ وهو في


(372)

الوقت نفسه إعادة لتأليف «حل الاِشكال في معرفة الرجال» للسيد ابن طاووس، وقد طبع الكتاب في سبعة أجزاء في ثلاثة مجلدات (1)ويعد كتابه هذا من أدقّ الكتب الرجالية وأعمقها.

15. الشيخ عبد النبي بن الشيخ سعد الجزائري (2) (المتوفّى 1201هـ)

يصفه الحرّ العاملي بقوله: كان عالماً، محقّقاً، جليلاً، له كتب منها: شرح التهذيب.

ويعرّفه الخوانساري: كان فاضلاً، محقّقاً، جليلاً، قرأ في الاَُصولين، والفقه، والحديث و الرجال، وكتابه «حاوي الاَقوال في معرفة الرجال» جليل معروف معتمد عليه بين الطائفة.

قرأ على شيخنا بهاء الدين العاملي، وصاحب المعالم، والمدارك، وما في أمل الآمل من أنّه قرأ على المحقّق الكركي بعيد عن الصحة، لاَنّ الثاني توفي عام 940هـ والمترجم له توفي عام 1021هـ. (3)

16. عبد اللّه بن الحسين التستري شيخ الرجاليين (المتوفّى 1021هـ)

يعرّفه تلميذه في «نقد الرجال» بقوله: عبداللّه بن الحسين التستري ـ مدّ ظلّه ـ شيخنا وأُستاذنا، الاِمام، العلاّمة، المحقّق، المدقّق، جليل القدر، عظيم


1 . روضات الجنات:4|410؛ طبقات أعلام الشيعة، القرن الحادي عشر:420.
2 . الجزائر عبارة عن ناحية كبيرة، وقرى متّصلة واقعة على شفير نهر تستر ، بينها وبين البصرة، حسنة الرباع والاقطاع، خرج منه جمع كثير من علماء الشيعة. كما في الروضات لاحظ أيضاً مقدمـة حاوي الاَقوال: 8.
3 . له ترجمة في أمل الآمل: 2|165 برقم 488، روضات الجنات:4|268 برقم 395، رياض العلماء:3|272.


(373)

المنزلة، دقيق الفطنة، كثير الحفظ، وحيد عصره، فريد دهره، أورع أهل زمانه، ما رأيت أحداً أوثق منه، لا تحصى مناقبه وفضائله، قائم الليل، صائم النهار، وأكثر فوائد هذا الكتاب (نقد الرجال) من تحقيقاته، جزاه اللّه عنّي أفضل جزاء المحسنين، ثمّ ذكر كتبه. (1)

ويروي عنه محمد تقي المجلسي الاَوّل وغيره.

وهو الذي وقف على كتاب «حل الاِشكال في معرفة الرجال» للسيد أحمد ابن طاووس الحلّي الذي جمع فيه عبارات الكتب الرجالية الخمسة: رجال الطوسي، فهرسته، اختيار الكشي، وفهرست النجاشي، وكتاب الضعفاء المنسوب إلى ابن الغضائري؛ ثمّ جرّد ما نقله السيد في ذلك الكتاب عن ابن الغضائري وجعله في رسالة، والطريق الوحيد إلى كلّ ما ينقل عن ابن الغضائري هي تلك الرسالة المجردة من كتاب «حل الاِشكال في معرفة الرجال».

17. ميرزا محمد الاسترابادي (المتوفّى1028هـ)

هو الشيخ محمد الاسترابادي بن علي بن إبراهيم الحسيني (المتوفّى 1028هـ) وقد ألّف في الرجال كتباً ثلاثة تقدّمت أسماوَها.

وهو أُستاذ محمد الاَمين الاسترابادي الاَخباري وأبوعقيلته، وله وراء كتبه الثلاثة، شرح آيات الاَحكام، وحاشية التهذيب للشيخ الطوسي، ورسائل أُخرى متعددة؛ توفي بمكة في 13 ذي الحجة، أو ثالث ذي القعدة سنة 1028هـ.

يروى عن: إبراهيم بن علي بن عبد العالي الميسي، وأبي محمد محسن بن غياث الدين منصور.


1 . التفرشي: نقد الرجال: 197 برقم 92؛ لاحظ كليات في علم الرجال:83.


(374)

ويروي عنه: محمد أمين الاسترابادي(المتوفّى 1036هـ). (1)ترجمه غير واحد من الرجاليين، كالاَردبيلي في «جامع الرواة» والتفرشي في «نقد الرجال» هوَلاء هم الاَقطاب الثلاثة لعلم الرجال في أوائل القرن الحادي عشر.

18. الشيخ محمد بهاء الدين (953ـ1030هـ)

هو الشيخ الجليل بهاء الدّين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الجبعي، منسوب إلى الحارث الهمداني، الذي كان من خواص أمير الموَمنين - عليه السّلام -

يعرّفه الحرّ العاملي بقوله: حاله في الفقه والعلم، والفضل والتحقيق، والتدقيق، وجلالة القدر، وعظم الشأن، وحسن التصنيف، ورشاقة العبارة، وجمع المحاسن، أظهر من أن يذكر، وفضائله أكثر من أن تحصى، وكان ماهراً، متبحراً، جامعاً، كاملاً، شاعراً، أديباً، مُنْشِئاً، ثقة، عدم النظير في زمانه في الفقه والحديث والمعاني و البيان والرياضي وغيرها. (2)

يقول شيخنا المجيز بعد مدحه وإطرائه ما هذه خلاصته:ورد المترجم له بلاد إيران مع والده في عصر طهماسب، واشتغل على العلماء، كوالده، وعبد اللّه بن شهاب الدين اليزدي، ومحمد باقر اليزدي وغيرهم، حتى برع في فنون عصره، بشهادة تصانيفه في التفسير والفقه والاَُصول والاَدب والرجال والتاريخ والعلوم، فانتسب إلى مقام شيخ الاِسلام، ثمّ استعفى، وساح في البلاد ثلاثين سنة، وحصلت عنده خزانة كتب كبيرة. (3)


1 . الطهراني: طبقات أعلام الشيعة: القرن الحادي عشر:497.
2 . أمل الآمل: 1|155 برقم 158.
3 . طبقات أعلام الشيعة:86، القرن الحادي عشر. نقل بتصرف يسير .


(375)

أساتذته

1. والده الشيخ حسين بن عبد الصمد (المتوفّى عام985هـ).

2. الشيخ عبد العالي الكركي ابن المحقّق الكركي(المتوفّى عام993هـ).

3. الشيخ محمد بن محمد بن أبي اللطيف المقدّس الشافعي، وله منه إجازة توجد ضمن إجازات البحار موَرخة بسنة 992هـ.

4. الشيخ المولى عبد اللّه اليزدي (المتوفّى عام981هـ).

5. المولى علي المذهب المدرس، تتلمذ عنده في العلوم الرياضية.

6. النطاسي المحنّك، عماد الدين محمد، قرأ عليه في الطب.

وأمّا انتاجاته الفقهيّة

1. «الجامع العباسي» وهو رسالة عمليّة كتبها باللّغة الفارسية، ولعلّها أوّل رسالة عملية ظهرت بين فقهاء الشيعة، وقد عملت للمقلّدين، ولم يوفّق لاِتمامها فأكملها غيره.

2. حاشية على الفقيه.

3. حاشية على القواعد.

4. «الحبل المتين» وقد طبع.

5. رسالتان كريتان.

6. رسالة في الصلاة.

7. رسالة في المواريث، وقد طبعت.

8. رسالة في القبلة.

9. رسالة في الحج.


(376)

10. شرح الفرائض النصيرية للمحقّق الطوسي.

11. رسالة في ذبائح أهل الكتاب، وقد طبعت.

يقول في مقدّمتها: إنّ الباعث على تأليف هذه الرسالة أنّ رسول ملك الروم، لمّا ورد بالرسالة من تلك المملكة إلى هذه البلاد، ذكر في بعض الاَيام أنّ من أعظم ما يشنّع به علماء الروم على علمائكم، بعد مسألة الاِمامة، حكمهم بتحريم ذبائح أهل الكتاب، مع أنّ القرآن المجيد نطق بتحليلها في آية لا مجال لتأويلها، وهي قوله تعالى:"وَطَعامُ الّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ" . (1)

فأمرني السلطان... أن أكتب رسالة قامعة للجاجهم، قاطعة لاحتجاجهم بحيث يرتفع تشنيعهم علينا، فكتبت على سبيل الاستعجال ما منح به قلم الارتجال، مع توزّع