welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه

مصادر
الفقه الاِسلامي ومنابعه

تأليف

العلامة المحقق
الشيخ جعفر السبحاني

دار الاضواء
بيروت ـ لبنان


(2)



(3)



(4)



(5)

تعريف العموم

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

إنّ التشريع السماوي فيض معنوي ونعمة إلهية أنزلها سبحانه لاِسعاد البشرية وتكاملها، فجعل خيرة خلائقه محطاً لنزول هذا الفيض، فابتدأه بشيخ الاَنبياء نوح - عليه السّلام - وختمه بخاتم النبيين محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قال سبحانه: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب" (الشورى|13) .

ولم يقتصر سبحانه على تعريف أنبيائه بحقائق أحكامه ومعالم قضائه، بل أنزل معهم الكتاب حافظاً للتشريع، وصائناً له عن الزوال والاندثار، قال سبحانه:"لَقَدْأَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ" (الحديد|25) . وهكذا اقتضت العناية الاِلهية أن يكون لتلك الكتب دور هام في الحفاظ على الشريعة. كما اقتضت عنايته سبحانه تعزيز كتبه بسنن أنبيائه فعصمهم من الخطأ والزلل وجعلهم أُسوة للاَُمم في القول والعمل، وصارت سننهم ملاكاً للهداية والضلالة، فأخذوا بتبيين ما شرع اللّه إجمالاً، وغدت كلماتهم عدلاً لكتب اللّه وحجّة على


(6)

العباد، قال سبحانه: "وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتاب َإِلاّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَومٍ يُوَمِنُون" (النحل|64) فورث المسلمون بعد رحيل خاتم النبيين محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - شريعة بيضاء تعدّ معجزة من معاجزه بحيث لو لم يكن له سواها لكفى دليلاً على أنّه مبعوث من قِبَل اللّه سبحانه.

وقد استأثر التشريع الاِسلامي باهتمام المسلمين، فأخذوا بإثارته واستنطاقه بغية تلبية حاجاتهم المستجدَّة، وبذلك ازداد التشريع الاِسلامي غنى عبر الزمان بفضل الجهود التي بذلت على هذا الصعيد.

فالتشريع الاِسلامي شجرة طيبة مترامية الاَغصان توَتي أُكلها كل حينٍ بإذن ربّها، فأغنت الاَُمة الاِسلامية عن أيّ تشريع سواه، وعن أي تطفّل على القوانين الوضعية.

وعلى الباحث في هذا المضمار الوقوف على المسار التكاملي للفقه والعناصر التي أغدقت عليه ثراءً وعطاءً من خلال التعرّف على أمرين:

أوّلاً: الوقوف على تاريخ الفقه ومنابعه وأدواره، وأنّه كيف نما ونضج على مرِّ الزمان؟ وكيف لبّى حاجة المجتمع على اختلاف ظروفه وشرائطه وأروى المسلمين من نميره العذب؟ وهذه المعرفة تسدي له نضوجاً في الفكر وعمقاً في النظر.

ثانياً: الوقوف على روّاد هذا العلم الذين ساهموا مساهمة فعالة في تشييد معالمه، وبناء أركانه، وما بذلوه من جهود حثيثة هادفة إلى رفع هذا الصرح الشامخ، ليكون ذلك تثميناً لجهودهم المضنية.

وكنت منذ زمن تخاطرني فكرة إنجاز هذين الاَمرين، حتى ذلّل اللّه سبحانه لي الصعاب، وأتاح الفرصة بغية الوصول إلى منيتي القديمة فشمرت عن ساعد الجد وقمت بإعداد مشروعين كبيرين، أعني:


(7)

الاَوّل: تبيين منابع الفقه وتدوين تاريخه دون أن يختص بطائفة دون أُخرى، ليكون مرجعاً لكافة الفقهاء على اختلاف نِحَلهم. وهو الذي بين يدي القارىَ في جزأين.

الثاني: تأليف معجم يأخذ على عاتقه تبيين سيرة أهل الفتيا والاجتهاد عبر القرون . وقد خرج منه إلى الآن ثمانية أجزاء والبقية قيد التأليف.

وقد قمت بفضل من اللّه سبحانه بإنجاز المشروع الاَوّل كما ساهمت وأشرفت على المشروع الثاني ـ الذي قام بتأليفه نخبة من الباحثين، وقد نوّهت بأسمائهم في الجزء الاَوّل من هذا المعجم ـ وأسميتهما «موسوعة طبقات الفقهاء» وجعلت الاَوّل مقدمة للثاني.

وأرجو من الاِخوة الباحثين أن يتحفونا بآرائهم القيّمة حول هذه الموسوعة، وينبهونا على ما فيها من الاَخطاء، فإنّ العصمة للّه سبحانه ولمن عصمهم.

وفي الختام أتقدم بالشكر الجزيل إلى الشيخ الفاضل أنور الرصافي (وفقه اللّه لمرضاته) على مساهمته في سبيل تأليف هذا الكتاب، فشكر اللّه مساعي الجميع، وجعل ما بذلناه من الجهود ذخراً يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

جعفر السبحاني

قم ـ موَسسة الاِمام الصادق - عليه السّلام -

للبحوث والدراسات الاِسلامية

17 شعبان المعظم

من شهور عام 1418هـ



(8)



(9)

الفصل الاَوّل

مصادر التشريع (1) المعتبرة
أو
منابع الفقه والاَحكام

مصادر التشريع هي التي يعتمد عليها المجتهد في مقام استنباط الاَحكام الشرعية، لاَنّ الفقه أمر توقيفي تعبّدي، ولا يصحّ الاِفتاء بشيء إلاّ إذا كان مستنداً إلى اللّه سبحانه، غير انّ الفقهاء اختلفوا في مصادر الفقه و الاستنباط.

فالشيعة الاِماميّة اتّفقوا على أنّ منابع الفقه عبارة عن الاَدلّة الاَربعة:
1. الكتاب.
2. السنّة.
3. الاِجماع.
4. العقل.

وما سواها إمّا ليست من مصادر التشريع، أو ترجع إليها. وقد اتّفق معهم


1. هذا المصطلح هو الدارج بين علماء أهل السنّة، والاَولى حسب أُصولنا التعبير عنها بمنابع الفقه والاَحكام، لاَنّ التشريع منحصر باللّه سبحانه وهو فعله، وأمّا الكتاب والسنّة فهما أداة للاِبلاغ والتبيين. إلاّ أن يكون المصدر بمعنى اسمه، فلاحظ.

(10)

أهل السنّة في الثلاثة الاَُول؛ وأمّا العقل القطعي فلم يُعيروا له أهمية، ولكن أخذوا مكانه بالقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسدّ الذرائع، وفتحها، من الاَدلّة العقلية الظنيّة.كما أخذوا بقول الصحابي وإجماع أهل المدينة، وهما من الاَدلّة النقلية على اختلاف بينهم في اعتبار البعض منها.

وتحقيق الحال يقتضي البحث في مقامين:

الاَوّل: ما اتّفق عليه الفريقان من مصادر التشريع أو منابع الفقه والاَحكام.

الثاني: ما انفرد به أهل السنّة.

وإليك الكلام في المقام الاَوّل.


(11)

مصادر التشريع
1
الكتاب

إنّمن مراتب التوحيد حصر التشريع باللّه سبحانه و انّه لا مشرّع سواه، وكلّ تشريع دونه بحاجة إلى إذنه، وعلى ذلك فالوحي الاِلهي المتجسّد في الكتاب والسنّة هو المصدر الوحيد للتشريع، وإليه ترجع سائر المصادر النقليّة.

يُعدُّ القرآن الحجر الاَساس للتشريع الاِسلامي، وتليه السنّة النبوية التي هي قرينة الكتاب، غير انّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، والسنّة وحي بمعناها ومضمونها دون لفظها، وهذا هو السبب الذي جعل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يتحدّى بالقرآن دون السنّة.

إنّ القرآن أجلّ من أن يكون بحاجة إلى تعريف، إذ هو نور ظاهر بنفسه، مظهر لغيره، فهو كالشمس المضيئة، يُنير ماحوله، وكلّ نور دونه فهو خافت لا يضيء، وكفاك انّه سبحانه يُشيد بالقرآن بصور مختلفة، يقول تعالى: "إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَأَقْوَم" (1)و يقول عزّمن قائل: "وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَتِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ" (2)كما ويصرّح سبحانه بأنّه الفاصل بين الحقّوالباطل، حيث قال: "تَباركَ الّذِي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً" (3)إلى غير ذلك ممّا أشار إليه في الذكر الحكيم.

يُعدُّ القرآن الكريم الدعامة الاَُولى للمسلمين و اللبنة الاَساسية في بناء الحضارة الاِسلامية لا سيما الجانب الاَخلاقي والفلسفي والفقهي والعلمي، بيد أنّ


1. الاِسراء: 9.
2. النحل: 89.
3. الفرقان: 1.

(12)

الذي يهمّنا في الاَمر هو جانبه الفقهي، والذي زود المسلمين بالتشريع حقبة زمنية طويلة.

ملامح التشريع في القرآن الكريم

1. التدرّج في التشريع

نزل القرآن تدريجيّاً قرابة ثلاث وعشرين سنة لاَسباب و دواع مختلفة اقتضت ذلك، وأشار إليها الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات:

قال سبحانه: "وَقُرآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً"(1)ظخ أي فرقنا نزوله كي تقرأه على الناس على مهل وتريث.

كما أشار في آية أُخرى إلى داع آخر، وقال سبحانه: "وَقالَ الّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً" (2)فتثبيت فوَاد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أحد الاَسباب التي دعت إلى نزول القرآن بين الحين والآخر وفي غضون السنين، شاحذاً عزمه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للمضيّ في طريق الدعوة بلا مبالاة لما يتّهمونه به.

والآية تعرب عن أنّ الكتب السماوية الاَُخرى كالتوراة و الاِنجيل والزبور نزلت جملة واحدة، فرغب الكفار في أن ينزل القرآن مثلها دفعة واحدة.

وليست الدواعي للنزول التدريجي منحصرة فيما سبق، بل أنّ هناك أسباباً ودواعي أُخرى دعت إلى نزوله نجوماً، و هي مسايرة الكتاب للحوادث التي تستدعي لنفسها حكماً شرعياً، فإنّ المسلمين كانوا يواجهون الاَحداث المستجدَّة


1. الاِسراء: 106.
2. الفرقان: 32.

(13)

في حياتهم الفردية و الاجتماعية و لم يكن لهم محيص من طرحها على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بغية الظفر بأجوبتها، وقد تكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ" قرابة خمس عشرة مرّة و تصدى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للاِجابة عنها، و تختلف تلك المواضيع بين الاستفسار عن حكم شرعي، كحكم القتال في الشهر الحرام، والخمر، والميسر، والتصرف في أموال اليتامى، والاَهلّة، والمحيض، والاَنفال، وغير ذلك؛ أو الاستفسار عن أُمور كونية كالروح والجبال والساعة.

وهناك شيء آخر ربما يوَكد لزوم كون التشريع أمراً تدريجياً، وهو أنّ موقف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - تجاه أُمته كموقف الطبيب من مريضه، فكما أنّ الطبيب يعالج المريض شيئاً فشيئاً حسب استعداده، فكذلك الطبيب الروحي يمارس نشاطه التربوي طبقاً لقابليات الاَُمة الكامنة بغية الاستجابة، لئلا تُثبط عزائمُهم و يُطفأ نشاطهم ويُثقل كاهلهم.

ومع ذلك فإن كانت الظروف مهيَّأة لنزول تشريع أكثر تفصيلاً وأوسع تعقيداً وافاهم الوحي به، كما في قوله سبحانه: "قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" . (1)

وقال سبحانه: "وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (2) حيث تجد أنّالآيتين تتكفّلان تشريع عشرة أحكام تُعَدُّ من جوامع الكلم،


1. الاَنعام: 151.
2. الاَنعام: 152.

(14)

وقد روى أمين الاِسلام الطبرسي، قال: روى علي بن إبراهيم، قال: خرج أسعد بن زرارة و ذكوان إلى مكة في عمرةِ رجب يسألون الحلف على الاَوس، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه، فقال له: إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم، فقال عتبة: بعُدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشيء، قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟! قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي انّه رسول اللّه، سفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفاً، وأعظمنا بيتاً؛ و كان أسعد وذكوان وجميع الاَوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم أبناء «النضير» و «قريظة» و «قينقاع» انّ هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنَّكم به يا معشر العرب، فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود، قال: فأين هو؟ قال: جالس في الحِجْر، وانّهم لا يخرجون من شِعْبهم إلاّ في الموسم، فلا تسمع منه ولا تُكلّمه، فإنّه ساحر يسحرك بكلامه، وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب، فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لابدّ لي أن أطوف بالبيت؟ فقال: ضع في أُذنيك القطن، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أُذنيه من القطن، فطاف بالبيت ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة، فجازه.

فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أعرفه؟! حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم، ثمّ أخذ القطن من أُذنيه و رمى به، وقال لرسول اللّه: أنعم صباحاً، فرفع رسول اللّه رأسه إليه و قال: «قد أبدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السّلام عليكم» فقال له أسعد: إنّ عهدك بهذا لقريب إلى مَ تدعو يا محمد؟ قال: «إلى شهادة أن لاإله إلاّ اللّه و انّي


(15)

رسول اللّه، وأدعوكم:

"ْأَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى وَ بِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (1)

فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وانّك رسول اللّه. يا رسول اللّه بأبي أنت وأُمّي أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخواننا من الاَوس حبال مقطوعة، فإن وصلها اللّه بك فلا أجد أعزّمنك، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الاَمر رجوت أن يتمم اللّه لنا أمرنا فيك، واللّه يا رسول اللّه لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشّروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارُنا دارَ هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد للّه الذي ساقني إليك، واللّه ما جئت إلاّ لنطلب الحلف على قومنا، وقد أتانا اللّه بأفضل ممّا أتيت له. (2)

ومع ذلك كلّه فالتدرّج هو المخيِّم على التشريع، خاصة فيما إذا كان الحكم الشرعي مخالفاً للحالة السائدة في المجتمع، كما في شرب الخمر الذي ولع به المجتمع الجاهلي آنذاك، فمعالجة هذه الرذيلة المتجذّرة في المجتمع رهن طيّ خطوات تهيّىَ الاَرضية اللازمة لقبولها في المجتمع.


1. الاَنعام: 151ـ152.
2. الطبرسي: إعلام الورى: 55ـ57.


(16)

وقد سلك القرآن في سبيل قلع جذور تلك الرذائل مسلك التدرّج.

فتارة جعل السكر مقابلاً للرزق الحسن، وقال: "وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالاََعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً" . (1)

فاعتبر اتّخاذ الخمر من التمور والاَعناب ـ في مجتمع كان تعاطي الخمر فيه جزءاً أساسياً من حياته ـ مخالفاً للرزق الحسن، وبذلك أيقظ العقول.

وهذه الآية مهّدت وهيّأت العقول و الطبائع المنحرفة لخطوة أُخرى في سيرها نحو تحريم الخمر، فتلتها الآية الثانية معلنة بأنّ في الخمر والميسر إثماً ونفعاً، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما، قال سبحانه: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما" . (2)

إنّ هذا البيان وإن كان كافياً إلاّ أنّ جماهير الناس لا يقلعون عن عادتهم المتجذّرة ما لم يرد نهي صريح حتى وافتهم الآية الثالثة، قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُون"(3) الآية الكريمة جاءت بالنهي الصريح عن شرب الخمر في وقت محدّد، أي عند إرادة الصلاة بغية الوقوف على ما يتلون من القرآن و الاَذكار.

فهذه الخطوات الثلاث هيّأت أرضية صالحة للتحريم القاطع الذي بيّنه سبحانه في قوله: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَالاََنْصابُ وَالاََزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" . (4)

وأدلّ دليل على أنّ التشريع القرآني كان يتمتع بالتدرّج، تتابع الاَسئلة على


1. النحل: 67.
2. البقرة: 219.
3. النساء: 43.
4. المائدة: 90.

(17)

النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في فترات مختلفة بغية إجابة الوحي عنها، قال سبحانه:
1. "يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالاََقْرَبين". (1)

2. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبير " . (2)

3. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِقُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ" . (3)

4. "وَ يَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ " . (4)

5. "وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصلاحٌ لَهُمْ خَيْر " . (5)

6. "وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيضِ قُلْ هُوَ أَذىً" . (6)

7. "يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبات" . (7)

8. "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الاََنْفالِ قُلِ الاََنْفالُ للّهِ وَالرَّسُول" . (8)

وقد جاء في بعض الآيات لفظ الاستفتاء بدل السوَال: قال سبحانه:
9. "وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" . (9)

10. "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَة" . (10)


1. البقرة: 215.
2. البقرة: 217.
3. البقرة: 219.
4. البقرة: 219.
5. البقرة: 220.
6. البقرة: 222.
7. المائدة: 4.
8. الاَنفال: 1.
9. النساء: 127.
10. النساء: 176.

(18)

وممّا يدل أيضاً على أنّ التشريع القرآني أخذ على نفسه صورة التدرّج هو انّ الآيات المتضمّنة للاَحكام الشرعية منبثة في سور شتى غير مجتمعة في محل واحد، وهذا يوضح انّ التشريع لم يكن على غرار التشريع في التوراة الذي نزل دفعة واحدة يقول سبحانه: "وَكَتَبْنا لَهُ فِي الاََلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُورِيكُمْ دارَ الْفاسِقِين".(1)

وقال: "وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الْغَضَبُ أَخَذَ الاََلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" .(2)

2. الاقتصار على الاَحكام الكلية

يتميز التشريع القرآني في مجال العبادات والمعاملات وغيرهما بعرض أُصول كلية يترك تفاصيلها إلى السنّة الشريفة، فترى أنّ لفظة الصلاة قد ذكرت في القرآن قرابة 67 مرّة، وأكثرها حول الصلاة الواردة في الشريعة الاِسلامية، وبالرغم من ذلك نجد انّه لم يذكر شيئاً كثيراً من تفاصيلها إلاّ قليلاً، كأوقات الصلاة، ونظيرها الصوم والزكاة والخمس، وما هذا إلاّ لاَنّ القرآن هو الدستور العام للمسلمين، والدعامة الاَساسية للتشريع، فطبيعة الحال تقتضي ترك التفاصيل إلى السنّة، ولكن مع اقتصاره على الاَُصول، قلّما يتّفق لباب أو كتاب فقهي لم يستمد من آية قرآنية، فكأنّ آيات الاَحكام مع قلّتها لها مادة حيوية تعين الفقيه على التطرّق إلى كافة الاَبواب الفقهية.


1. الاَعراف: 145.
2. الاَعراف: 154.

(19)

3. النظر إلى المعاني لا الظواهر

إنّ التشريع القرآني ينظر إلى الحقائق لا إلى القشور، فلا تجد في الاِسلام مظهراً خاصاً من مظاهر الحياة يكون له من القداسة ما يمنع من تغييره ويوجب حفظه إلى الاَبد بشكله الخاص، فليس هناك تناقض بين تعاليمه والتقدّم العلمي.

فلو كان التشريع الاِسلامي مصـرّاً على صورة خاصة من متطلبات الحياة لما انسجم مع الحياة، فمثلاً ينهى الاِسلام عن أكل الاَموال بالباطل، وعلى هذا فرّع الفقهاء حرمة بيع الدم لعدم وجود منفعة محلّلة له في تلك الاَعصار الغابرة بيد انّ تقدّم العلوم والحضارة أتاح للبشر أن يستخدم الدم في منافع محلّلة لم يكن لها نظير من قبل، فعادت المعاملة بالدم في هذه الاَعصار معاملة صحيحة لا بأس بها، وليس هذا من قبيل نسخ الحكم، بل من باب تبدّل الحكم بتبدّل موضوعه كانقلاب الخمر خلاً.

فالاِسلام حرّم أكل المال بالباطل، فمادام بيع الدم مصداقاً لتلك الآية كان محكوماً بالحرمة، فلمّا أُتيح للبشر أن يستفيد منه في علاج المرضى خرج عن كونه مصداقاً للآية، وهذا هو الذي عبّرنا عنه في عنوان البحث بأنّ الاِسلام ينظر إلى المعاني لا إلى القشور.

4. مرونة التشريع

إنّ من ملامح التشريع القرآني مرونته وقابليته للانطباق على جميع الحضارات الاِنسانية، وما ذلك إلاّ لاَنّه جاء بتشريعات خاصة لها دور التحديد والرقابة على سائر تشريعاته، وهذاالتشريع أعطى للدين مرونة و منعطفاً جديداً


(20)

قال سبحانه: "وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج" . (1) وقال: "ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعلَّكُمْ تَشْكُرُون" . (2)

وقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا ضرر ولا ضرار».

فحدّد كلَّ تشريع بعدم استلزامه الضرر والضرار، فأوجب التيمم مكان الوضوء إذا كان استعمال الماء مضرّاً، كما أوجب الاِفطار على المريض والمسافر لغاية اليسر، قال سبحانه: "وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر " . (3) إلى غير ذلك من الآيات والروايات التي لها دور التحديد والرقابة.

وجاء في الحديث عن الصادع بالحقّ أنّه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة».(4)

وقال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «إنّ هذا الدين لمتين، فأوغلوا فيه برفق، لا تكرّهوا عبادة اللّه لعباد اللّه». (5)

5. شمولية التشريع

أخذ القرآن الاِنسان محوراً لتشريعه، مجرّداً عن النزعات القومية والوطنية والطائفية واللونية واللسانية، فنظر إلى الموضوع بنظرة شمولية وقال: "يا أَيُّهَا"


1. الحج: 78.
2. المائدة: 6.
3. البقرة: 185.
4. أحمد بن حنبل: المسند: 5|266.
5. الكافي: 2|70 ح1.

(21)

النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ " . (1)

التشريع القرآني تشريع من جانب ربِّ العالمين إلى نوع البشر، فالوطن والقوم والقبيلة لم توَخذ بنظر الاعتبار، والكرامة للاِنسان وحده، ولا فضل لاِنسان على آخر إلاّ بالمُثُل والاَخلاق.

فترى أنّه يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله: "يا أَيُّهَا النّاس" أو "يا بَني آدَمَ" أو "يا أَيُّهَا الموَمنون" وما ضاهاها، فكسر جميع الحواجز والقيود التي يعتمد عليها المفكّر المادي في التقنين الوضعي، والذي يقتفي أثر اليهود في مزعمة الشعب المختار.

إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو القائل بأنّه ليست العربية بأب والد، وإنّما هو لسان ناطق، وفي الوقت نفسه لا يعني بكلامه هذا انّ العلائق الطبيعية، كالانتماء الوطني أو القومي بغيضة لا قيمة لها، وإنّما يندّد باتّخاذها محاور للتقنين، وسبباً للكرامة والمفخرة، أو سبيلاً لتحقير الآخرين، وإيثارها على الدين والعقيدة، يقول سبحانه: "لا تَجِدُ قَوماً يُوَمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ خالِدينَ فِيها رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" . (2)

والعجب انّه قد صدر هذا من لدن إنسان أُمّي نشأ في بيئة تسودها خصلتان على جانب الضد من هذا النمط من التشريع، وهما:


1. الحجرات: 13.
2. المجادلة: 22.

(22)

الاَُمّية والتعصّب.

وهذا الاِنسان المثالي صان بأنظمته كرامة الاِنسان، ورفعه إلى الغاية القصوى من الكمال، وأخذ يخاطب ضميره الدفين، و مشاعره النبيلة، ويكلّفه بما فيه صلاحه، ويقول:

"هذا بَيانٌ لِلنّاسِ" . (1)

"هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ" . (2)

"بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَة" . (3)

"يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْجاءَتْكُمْ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُور ". (4)

وإذا قورن هذا النوع من التشريع الذي ينظر إلى الاِنسان بنظرة شمولية وبرأفة ورحمة، دون فرق بين عنصر وآخر، بالتقنين الوضعي السائد في أعصارنا في الشرق والغرب الناظر إلى الاِنسان من منظار القومية أو الطائفية وغيرهما من النزعات المقيتة، لبان انّ التشريع الاَوّل تشريع سماوي لا صلة له بتلك النزعات، والآخر تشريع بشري متأثر بنظرات ضيّقة تجود على إنسان وتبخل على آخر، وكفى في ذلك فرقاً بين التشريعين.

6. النظر إلى المادة والروح على حد سواء

آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما موَالفة تفي بحقّ كلّمنهما حيث يفسح


1. آل عمران: 138.
2. إبراهيم: 52.
3. القصص: 43.
4. يونس: 57.

(23)

للاِنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما يصلحه.

لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحي للاِنسان حتى كادت أن تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية و التعزب، وترك ملاذّ الحياة، والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل الجبال والتسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية، وجعلت الحصول على المادة بأي وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القومية الغاشمة.

لكن الاِسلام أخذ ينظر إلى واقع الاِنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة، وبالبعد الروحي لا يستغني عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يوَثرها على حياته الروحية، كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا يصادم فطرته وطبيعته؛ وهكذا فقد قرن بين عبادة اللّه وطلب الرزق وترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل وإقامة النوافل، وفي الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّي اللّذة، قال سبحانه:

"وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً" (1) وقال أيضاً: "قُلْمَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ" . (2)

وقال علي أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «للموَمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يروم فيها معاشه، وساعة يخلّي بينه وبين لذاتها». (3)


1. الفرقان: 64.
2. الاَعراف: 32.
3. نهج البلاغة: باب الحكم، الحكمة 93.


(24)

7. العدالة في التشريع

ومن ملامح التشريع القرآني، العدالة حيث تراها متجلية في كافة تشريعاته، خاصة فيما يرجع إلى القانون والحقوق، قال سبحانه: "وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" . (1)

وقال تعالى: "فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ".(2)

وقال تعالى: "وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِئَّةٌ مِثْلُها فَمَنْ عفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمين" . (3)

وقال سبحانه: "وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى" . (4)

وقال سبحانه: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف" . (5)

إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ هيكل التشريع الاِسلامي بُني على أساس العدل والقسط.

8. الفطرة هي المقياس

إنّ للاِنسان مع قطع النظر عن الظروف الموضوعية المحيطة به شخصية تكوينية ثابتة لا تنفك عنه عبر الزمان، فالغرائز السِفْلية والعلويّة هي التي تكوّن شخصيته ولا تنفك عنه مادام الاِنسان إنساناً، فجعل الفطرة معياراً للتشريع، فكلّ


1. البقرة: 190.
2. البقرة: 194.
3. الشورى: 40.
4. الاَنعام: 164.
5. البقرة: 228.

(25)

عمل يجاوب وينساق مع الفطرة فقد أحلّها، وما هو على موضع الضدّ منها فقد حرّمها.

فقد ندب إلى الروابط العائلية وتنسيق الروابط الاجتماعية، كرابطة الولد بوالديه، والاَخ بأخيه، والاِنسان الموَمن بمثله، كما قد حذّر ممّـا ينافي خلقه وإدراكه العقلي، كتحريمه الخمر والميسر والسفاح، لما فيها من إفساد للعقل الفطري والنسل والحرث.

فالاَحكام الثابتة في التشريع القرآني تشريع وفق الفطرة.

9. تشريعاته خاضعة للملاك

نعم ثمة ميزة أُخرى للتشريع القرآني، وهو أنّه مبني على المصالح والمفاسد الواقعية. فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمصلحة في تركه، فلا يشوب التشريع القرآني فوضى، قال سبحانه: "إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِوَالْمَيْسِرِوَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِاللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون" . (1) وقال سبحانه: "وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْكَرِ" . (2)

وعلى هذا الاَساس فقد عقد فقهاء الشيعة باباً خاصاً باسم تزاحم الاَحكام في ملاكاتها حيث يقدّم الاَهم على المهم، ويتوصل في تمييزهما بالقرائن المفيدة للاطمئنان.

10. سعة آفاق دلالته

إنّ من تمعّن في القرآن الكريم و تدبّر في معانيه ومفاهيمه، يقفُ على سعة


1. المائدة: 91.
2. العنكبوت: 45.

(26)

آفاق دلالته على مقاصده، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله: "وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ" . (1)

وعلى ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الاَحكام دراسة معمّقة ثاقبة، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة، ولا ينظر إليها نظرة عابرة.

وقد استدل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن على كثير من الاَحكام التي غفل عنها فقهاء عصرهم، ونذكر هنا نموذجاً على ذلك:

قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الاِمام الهادي - عليه السّلام - يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحيم: "فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَه وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّت اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" (2) فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات. (3)

تجد انّ الاِمام الهادي - عليه السّلام - استنبط حكم الموضوع من آية مباركة، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الاَحكام، غير انّ الاِمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو انّ القارىَ الكريم جمع الروايات التي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً


1. النحل: 89.
2. غافر: 84ـ 85.
3. ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 4|403ـ405.

(27)

تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق القرآن.

وها نحن نذكر مثالين على سعة آفاق دلالته:
1. إنّ الاَُصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلاً لاِثبات كون الاَمر موضوعاً للوجوب ومجازاً في الندب، فإذا ورد الاَمر في الكتاب احتاجوا في استفادة الوجوب منه إلى نفي المدلول المجازي، بإجراء أصالة الحقيقة.

ولكن هذا النمط جار في المحاورات العرفية، والقرآن في غنى عنها في أغلب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفادة الوجوب أو الندب في الاَوامر الواردة في القرآن طريقاً آخر، وهو الاِيعاز بالعذاب أو النار كما نجده في كثير من الواجبات مثل الصلاة و الزكاة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه: "ما سَلَكَكُمْ في سَقَر* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين" . (1) قال سبحانه: "وَ سَيُجَنَّبُها الاََتْقى* الّذِي يُوَتِي مالَهُ يَتَزَكّى" (2) بل كل ما أوعد على فعله أو تركه يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.
2. اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة في التداين بدين والاستشهاد بشاهدين الواردين في قوله سبحانه: "وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ...وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ" . (3)

فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصالة الحقيقة، وقائل باستحبابه مستدلاً بالاِجماع، ومعتذراً عن الاَصل المذكور بكثرة استعمال صيغة الاَمر في الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية وما ورد حولها من الحكمة يعطي بوضوح انّ الاَمرين لا


1. المدثر: 42ـ 43.
2. الليل: 17ـ 18.
3. البقرة: 282.

(28)

للوجوب ولا للندب، بل الاَمران إرشاديان لئلاّ يقع الاختلاف بين المتداينين فيسد باب النزاع والجدال. قال سبحانه: "ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ" . (1)

ويدلّ على سعة دلالته أيضاً ما رواه المعلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب اللّه عزّوجلّ، ولكن لا تبلغه عقول الرجال». (2)

وقال الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، أُخبركم عنه انّ فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم». (3)

وقال الصادق - عليه السّلام - : «كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه». (4)

والسابر في روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يقف على أنّهم كانوا يستنبطون من الآيات نكاتٍ بديعة ومعاني رفيعة عن مستوى الاَفهام.

وربّما يتصوّر الساذج انّ هذا النوع من التفسير تفسير بالرأي وفرض على الآية، ولكن بعد الاِمعان في الرواية والوقوف على كيفية استدلالهم (عليهم السلام) يذعن بأنّ لها دلالة خفيّة على ذلك المعنى الرفيع الشامخ وقد غفل عنه الآخرون.

مثال ذلك ما رواه العياشي في تفسيره، عن زرقان صاحب ابن أبي دوَاد: أنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن علي (عليهما السلام) فسألنا عن القطع في أيّ


1. البقرة: 282.
2. الكافي: 1|60ـ61، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 6و7و9.
3. الكافي: 1|60ـ61، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 6و7و9.
4. الكافي: 1|60ـ61، باب الرد إلى الكتاب والسنّة، الحديث 6و7و9.

(29)

موضع يجب أن يقطع، فقال الفقهاء: من الكرسوع، لقول اللّه في التيمم: "فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ" . (1)

فالتفت الخليفة إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فأجاب: «إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الاَصابع، ويترك الكف»قال: لِمَ ؟

قال: «لقول رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : السجود على سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين؛ فإذا قطعت يده من الكرسوع لم يبق له يد يسجد عليها، وقال اللّه تبارك وتعالى: "وأنّ المساجِدَ للّه" يعني به الاَعضاء السبعة التي يسجد عليها: "فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً" وما كان للّه لم يقطع».

فأعجب المعتصم ذلك، فأمر بقطع يد السارق من مفصل الاَصابع دون الكف. (2)

وروي عن الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - أنّه كان إذا قطع السارق ترك الاِبهام و الراحة، فقيل له: يا أمير الموَمنين تركت عليه يده؟ قال: فقال لهم: «فإن تاب فبأي شيء يتوضأ؟ لاَنّ اللّه يقول: "وَالسّارِقُوَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما" ـ إلى قوله: ـ "فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم"(3).(4)

فهذا النمط من الاستدلال يوقف القارىَ على سعة دلالة الآيات القرآنية، وانّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هم السابقون في هذا المضمار، يستنبطون من القرآن ما


1. النساء: 43.
2. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5و6.
3. المائدة: 38ـ39.
4. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 5و6.

(30)

لا تصل إليه الاَفهام.

وأمّا عدد آيات الاَحكام فقد ذكر الفاضل المقداد في تفسيره «كنز العرفان» ما هذا نصّه:

اشتهر بين القوم أنّ الآيات المبحوث عنها نحو خمسمائة آية، وذلك إنّما هو بالمتكرر والمتداخل، وإلاّ فهي لا تبلغ ذلك، فلا يظن من يقف على كتابنا هذا ويضبط عدد ما فيه، انّا تركنا شيئاً من الآيات فيسيء الظن به و لم يعلم انّ المعيار عند ذوي البصائر والاَبصار، إنّما هو التحقيق والاعتبار لا الكثرة والاشتهار. (1)

ويظهر من البعض أنّ عدد آيات الاَحكام ربما تبلغ 330 آية، قال عبد الوهاب خلاف:

ففي العبادات بأنواعها نحو 140 آية.

وفي الاَحوال الشخصية من زواج وطلاق و إرث ووصية و حجر وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.

وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.

وفي القضاء والشهادة ومايتعلق بها نحو عشرين آية. (2)

ولكن بالنظر إلى ما ذكرنا من سعة آفاق دلالته يتبيّن انّ عددها ربّما يتجاوز


1. جمال الدين المقداد السيوري: كنز العرفان في فقه القرآن: 1|5.
2. عبد الوهاب خلاف: خلاصة تاريخ التشريع الاِسلامي: 28ـ 29.

(31)

الخمسمائة، إذ ربّ آية لاتمت إلى الاَحكام بصلة، ولكن بالدقة والاِمعان يمكن أن يستنبط منها حكم شرعي.

فمثلاً سورة المسد، أعني قوله سبحانه: "تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَّ * ما أَغنى عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَب..." (1) بظاهرها ليست من آيات الاَحكام، ولكن للفقيه أن يستند إليها في استنباط بعض الاَحكام الشرعية، وقد حكي عن بعض الفقهاء انّه استنبط من سورة «المسد» قرابة عشرين حكماً فقهياً، كما استنبطوا من قوله سبحانه: "قالَ إِنِّي أُريدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ على أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ..." (2)أحكاماً شرعية.

وهذا بالنسبة إلى ما ذكرناه من سعة آفاق دلالة القرآن ليس بغريب.

المدينة محط التشريع

بعث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - برسالة كاملة في مجالي العقيدة والشريعة، فوجه اهتمامه ابتداءً إلى بيان العقائد الصحيحة، ومكافحة ألوان الشرك في بيئة كان يسودها الشرك والوثنية، فتجد انّ أكثر الآيات النازلة في هذا الصدد تستعرض العقيدة وردّ ما كان عليه المشركون من عقائد باطلة، و تستعرض أيضاً أحوال أُمم حادوا عن جادة الحق بعبادة الآلهة وعاقبتهم ليكون عبرة للمخاطبين، وكان هذا أحد أسباب قلّة التشريع في تلك البيئة، فانّ الاَحكام تُقنّن للموَمنين بالشريعة


1. المسد: 1ـ2.
2. القصص: 27ـ 28.

(32)

المنصاعين لها، وأمّا المشركون فلا معنى لمخاطبتهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ماداموا لم يوَمنوا بها بعد.

نعم لمّا هاجر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى المدينة و التفّ حوله الاَوس والخزرج وكثير من المهاجرين من مكة وتم إنشاء دولة ومجتمع على دعامة الدين، اقتضت الحاجة إلى تشريع أحكام في كافة الجوانب لتسيير أُمور تلك الدولة والمجتمع.

ولذلك تجد انّ السور المكية لم تتناول التشريع والاَحكام بينما تناولت السور المدنية هذا الجانب، وإليك أسماء السور التي نزلت بالمدينة.

ذكر السيوطي بسند خاص عن ابن عباس، بعدما أنهى ذكر السور المكيّة قال: وأمّا ما أنزل بالمدينة:
1. سورة البقرة، ثمّ الاَنفال، ثمّ آل عمران، ثمّالاَحزاب، ثمّالممتحنة، ثمّالنساء، ثمّ (إذا زلزلت) ، ثمّ الحديد، ثمّ القتال، ثمّالرعد، ثمّ الاِنسان، ثمّ الطلاق، ثمّ (لم يكن) ، ثمّ الحشر، ثمّ (إذا جاء نصر اللّه) ، ثمّ النور، ثمّالحج، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمّالحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ الصف، ثمّالفتح، ثمّالمائدة، ثمّبراءة. (1)

ويمكن دراسة آيات الاَحكام من جانبين:

الاَوّل: أن يبحث فيها حسب ترتيب السور كما عليه أكثر الكتب الموَلّفة عند أهل السنّة، كالجصاص وابن العربي وغيرهما، وهذا مالا نستحسنه، لاَنّ القرآن حينما يتناول بحث الجهاد لا يتطرق إليه في سورة واحدة، بل يبثّها في عدة سور ،


1. الاِتقان: 1|31.

(33)

فالفقيه الذي يريد استنباط أحكام الجهاد من القرآن فلابدّ له من المراجعة لتلك الآيات في عدة سور . وهو يأخذ منه وقتاً كثيراً ولا يصل إلى المقصد إلاّ بعد جهد و مشقة.

الثاني: ما هو الدارج عند الشيعة، وهو دراستها حسب المواضيع الفقهية، فمثلاً يبحث عن كلٍ من آيات الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والخمس... في باب على حدة، وهذا ما يطلق عليه التفسير الموضوعي في إطار خاص.

قال عبد الوهاب خلاف: وأوّل واجب على من يستأهل للاجتهاد أن يحصي آيات الاَحكام في القرآن، و يجمع آيات كلّنوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، وكلّ آياته في الاِرث، وكلّ آياته في البيع، وكلّ آياته في العقوبات، وهكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة ويقف على أسباب نزولها، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنّة، ومن آثار للصحابة أو التابعين، وعلى ما فسّرها به المفسّرون، ويقف على ما تدل عليه نصوصها، وما تدل عليه ظواهرها، وعلى المحكم منها، والمنسوخ وما نسخه. (1)

أقول: إنّ ما أوجبه الاَُستاذ وهو جعل آيات كلّ باب على حدة ودراستها قد قام بتحقيقه علماء الشيعة قبل قرون، وإليك بعض موَلفاتهم في هذا المجال:
1. أوّل من صنّف في هذا المجال هو محمد بن السائب بن بشر الكلبي. قال عنه شيخنا الطهراني: هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي، من أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام) ، و (المتوفّى سنة 146هـ)، وهو والد


1. مصادر التشريع الاِسلامي: 14.

(34)

هشام الكلبي النسّابة الشهير وصاحب التفسير الكبير الذي هو أبسط التفاسير كما أذعن به السيوطي في الاتقان. قال ابن النديم في «الفهرست» بعد ذكره للكتب الموَلّفة في أحكام القرآن ما لفظه: كتاب أحكام القرآن للكلبي رواه عن ابن عباس.(1)

وقد توالى التأليف بعد الكلبي على أيدي أئمّة الفقه من الشيعة وألّفوا كتباً كثيرة في هذا المضمار نشير إلى البعض منها:
2. «فقه القرآن» للشيخ الاِمام قطب الدين الراوندي (المتوفّـى573هـ) وقد طبع عام 1405هـ.
3. «كنز العرفان» للشيخ جمال الدين أبي عبد اللّه المقداد السيوري المتوفّـى (826هـ) من تلامذة الشهيد الاَوّل، طبع في جزءين، عام 1384هـ.
4. «زبدة البيان في أحكام القرآن» للمولى أحمد بن محمد المعروف بالمحقّق الاَردبيلي (المتوفّى 993هـ) ، صاحب مجمع الفائدة والبرهان، وقد طبعت غير مرّة.
5. «مسالك الافهام إلى آيات الاَحكام» للشيخ الجواد الكاظمي، المتوفّى أواسط القرن الحادي عشر، وقد فرغ من تأليفه عام1043هـ، طبع في أربعة أجزاء عام 1387هـ.
6. «قلائد الدرر في بيان آيات الاَحكام بالاَثر» تأليف الشيخ أحمد بن الشيخ إسماعيل بن الشيخ عبد النبي الجزائري النجفي (المتوفّى 1151هـ) ، طبع عام 1327هـ.

هذه نماذج ممّا ألّفه أصحابنا حول آيات الاَحكام، مراعين فيها ترتيب


1. الذريعة: 4|311.

(35)

الكتب الفقهية، جامعين آيات كلّ نوع في باب على حدة.

وأمّا ما ألّفه أهل السنّة، فهو كالتالي:
1. «أحكام القرآن» لاَبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي المتوفّـى عام (204هـ) بمصر.
2. «أحكام القرآن» تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص (المتوفّـى 370هـ) . طبع سنة 1325هـ، وأُعيد طبعه بالاَُوفست عام 1406هـ. وهو كتاب قيم استفاد منه أكثر من تأخر عنه.
3. «أحكام القرآن» لعمـاد الديـن علي بن محمد الطـبري المعـروف بالكيا الهرّاسي (المتوفّـى 504هـ) طبـع في جزءين، نشرته دار الكتـب العلمية، ببيروت عام 1405هـ.
4. «أحكام القرآن» لاَبي بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي (468ـ543هـ ) طبع في دار المعرفة، بيروت عـام 1392هـ ، وقدّم له علي محمد البجاوي.
5. «تفسير آيات الاَحكام» قام بتأليفه الشيخ السايس وقد جمع مادتها من أُمهات كتب التفسير والحديث والفقه، وقد أُعيد طبعه في دار ابن كثير و دار القادر.

إنّ الكتب الموَلّفة حول آيات الاَحكام كثيرة اقتصرنا على هذا المقدار، ومن أراد المزيد فعليه الرجوع إلى المصادر، وقد سرد أسماء كثير منها السايس في مقدمة تفسيره.


(36)

صيانة القرآن من التحريف

القرآن هو المصدر الرئيسي والمنبع الاَوّل للتشريع وعنه صدر المسلمون منذ نزوله إلى يومنا هذا، وهو القول الفصل في الخلاف و الجدال، إلاّ أنّ هنا نكتة جديرة بالاهتمام، هي انّ الاستنباط في الذكر الحكيم فرع عدم طروء التحريف إلى آياته بالزيادة والنقص، وصيانته وإن كانت أمراً مفروغاً منه عند جميع طوائف المسلمين، ولكن لاَجل دحض بعض الشبه التي تثار في هذا الصدد، نتناول موضوع صيانة القرآن بالبحث والدراسة على وجه الاِيجاز، فنقول:

التحريف لغة واصطلاحاً

التحريف لغة تفسير الكلام على غير وجهه، يقال: حرّف الشيء عن وجهه: حرّفه وأماله، وبه يفسر قوله تعالى: "يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِه" . (1)

قال الطبرسي في تفسير الآية: يفسرونه على ما أُنـزّل، والمراد من المواضع هي المعاني و المقاصد.

وأمّا اصطلاحاً، فيطلق ويراد منه وجوه مختلفة:
1. تحريف مدلول الكلام، أي تفسيره على وجه يوافق رأي المفسِّر سواء أوافق الواقع أم لا، والتفسير بهذا المعنى واقع في القرآن الكريم، ولا يمسُّ بكرامته أبداً، فإنّ الفرق الاِسلاميــة ـ جمع اللّه شملهـم ـ عامة يصـدرون عن القـرآن ويستندون إليه، فكلّ صاحب هوى، يتظاهر بالاَخذ بالقرآن لكن بتفسير يُدْعِمُ عقيدته، فهو يأخذ بعنان الآية، ويميل بها إلى جانب هواه، ومن أوضح مصاديق


1. النساء:46.

(37)

هذا النوع من التفسير، تفاسير الباطنية حيث وضعوا من عند أنفسهم لكلّ ظاهر، باطناً، نسبته إلى الثاني، كنسبة القشر إلى اللبّ وأنّ باطنه يوَدّي إلى ترك العمل بظاهره، فقد فسّروا الاحتلام بإفشاء سرّ من أسرارهم، والغسلَ بتجديد العهد لمن أفشاه من غير قصد، والزكاة بتزكية النفس، والصلاةَ بالرسول الناطق لقوله سبحانه:"إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر " (1) (2)
2. النقص والزيادة في الحركة والحرف مع حفظ القرآن وصيانته، مثاله قراءة «يطهرن» حيث قُرِىَ بالتخفيف والتشديد؛ فلو صحّ تواتر القراءات عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ـ و لن يصحَّ أبداً ـ وانّ النبي هو الذي قرأ القـرآن بها، يكون الجميع قرآناً بلا تحريف، وإن قلنا: إنّه نزل برواية واحد، فهي القرآن وحدها وغيرها كلّها تحريف اخترعتها عقول القرّاء وزيّنوا قرآنهم بالحجج التي ذكروها بعد كلّقراءة، ـ وعلى هذا ـ ينحصر القرآن بواحدة منها وغيرها لا صلة له بالقرآن، والدليل الواضح على أنّها من اختراعات القرّاء إقامتهم الحجّة على قراءتهم ولو كان الجميع من صميم القرآن لما احتاجوا إلى إقامة الحجّة، ويكفيهم ذكر سند القراءة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

ومع ذلك فالقرآن مصون عن هذا النوع من التحريف، لاَنّ القراءة المتواترة، هي القراءة المتداولة في كلّ عصر، أعني: قراءة عاصم برواية حفص، القراءة الموصولة إلى علي - عليه السّلام - وغيرها اجتهادات مبتدعة، لم يكن منها أثر في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، و لذاك صارت متروكة لا وجود لها إلاّفي بطون كتب القراءات، وأحياناً في ألسن بعض القرّاء، لغاية إظهار التبحّر فيها.

روى الكليني عن أبي جعفر - عليه السّلام - قال:«إنّ القرآن واحد، نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة» (3) ولذلك لا نجيز القراءة غير المعروفة


1. العنكبوت:45.
2. المواقف:8|390.
3. الكافي:2|630، الحديث 12.

(38)

منها في الصلاة.
3. تبديل كلمة مكان كلمة مرادفة، كوضع «اسرعوا» مكان " امضوا" في قوله سبحانه: "وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُوَْمَرُونَ" . (1)

وقد نسب ذلك إلى عبد اللّه بن مسعود وكان يقول: ليس الخطأ أن يقرأ مكان «العليم»، «الحكيم».

لكن أُجلّ ذلك الصحابي الجليل عن هذه التهمة، وأي غاية عقلائية يترتب على ذاك التبديل؟!
4. التحريف في لهجة التعبير، انّ لهجات القبائل كانت تختلف عند النطق بالحرف أو الكلمة من حيث الحركات والاَداء، كما هو كذلك في سائر اللغات، فإنّ «قاف» العربية، يتلفّظ بها في إيران الاِسلامية العزيزة على أربعة أوجه، فكيف المفردات من حيث الحركات والحروف؟! قال سبحانه:"وَمَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُوَْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً". (2)

فكان بعض القرّاء تبعاً لبعض اللهجات يقرأ " وسعى" بالياء مكان الاَلف.

وهذا النوع من التحريف لم يتطرّق إلى القرآن، لاَنّ المسلمين في عهد الخليفة الثالث لمّا رأوا اختلاف المسلمين في التلفّظ ببعض الكلمات، مثل ما ذكرناه أو تغيير بعضـه ببعض مع عدم التغيّر في المعنى، مثـل امض، عجـل، اسرع ـ على فرض الصحة ـ قاموا بتوحيد المصاحف وغسل غير ما جمعوه، فارتفع بذلك التحريف بالمعنى المذكور فاتفقوا على لهجة قريش.


1. الحجر:65.
2. الاِسراء:19.

(39)

5. التحريف بالزيادة لكنّه مجمع على خلافه، نعم نسب إلى ابن مسعود أنّه قال: إنّ المعوذتين ليستا من القرآن، انّـهما تعويذان، و انّـهما ليستا من القرآن. (1)

كما نسب إلى العجاردة من الخوارج انّهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن، وكانوا يرون أنّها قصة عشق لا يجوز أن يكون من الوحي. (2) ولكن النسبتين غير ثابتتين، و لوصحّ ما ذكره ابن مسعود لبطل تحدّي القرآن بالسورة، حيث أتى الاِنسان غير الموحى إليه بسورتين مثل سور القرآن القصار.
6. التحريف بالنقص والاِسقاط عن عمد أو نسيان، سواء كان الساقط حرفاً، أو كلمة، أو جملة، أو آية، أوسورة، وهذا هو الذي دعانا إلى استعراض ذلك البحث فنقول: إنّادّعاء النقص في القرآن الكريم بالوجوه التي مرّ ذكرها أمر يكذبه العقل والنقل، وإليك بيانهما:

1. امتناع تطرّق التحريف إلى القرآن

إنّ القرآن الكريم كان موضع عناية المسلمين من أوّل يوم آمنوا به، فقد كان المرجع الاَوّل لهم، فيهتمون به قراءة وحفظاً، كتابة وضبطاً، فتطرّق التحريف إلى مثل هذا الكتاب لا يمكن إلاّبقدرة قاهرة حتى تتلاعب بالقرآن بالنقص، ولم يكن للاَُمويّين ولا للعباسيين تلك القدرة القاهرة، لاَنّ انتشار القرآن بين القرّاء والحفّاظ، وانتشار نسخه على صعيد هائل قد جعل هذه الاَُمنية الخبيثة في عداد المحالات.

إنّ للسيد الشريف المرتضى بياناً في المقام نأتي بنصِّه، يقول: إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب


1. فتح الباري بشرح البخاري:8|571.
2. الملل والنحل للشهرستاني:1|128.

(40)

المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدت والدواعي توفّرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدّ لم يبلغه غيره فيما ذكرناه، لاَنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية، والاَحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفُوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّـراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟!

قال: والعلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمُزَني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، ومعلوم أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. (1)

وهناك نكتة أُخرى جديرة بالاِشارة، وهي إنّ تطرّق التحريف إلى المصحف الشريف يعدُ من أفظع الجرائم التي لا يصحّ السكوت عنها، فكيف سكت الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - وخاصّته نظير سلمان و المقداد وأبي ذر وغيرهم مع انّا نرى أنّ الاِمام وريحانة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد اعترضا على غصب فدك مع أنّه لا يبلغ عُشْرَ ما للقرآن من العظمة والاَهمية؟!

ويرشدك إلى صدق المقال أنّه قد اختلف أُبيّ بن كعب والخليفة الثالث في قراءة قوله سبحانه: (والّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ" (2) فأصرّ أُبيّ انّه سمع عن النبي (بالواو) وكان نظر الخليفة إلى انّه خال منها، فتشاجرا عند كتابة المصحف الواحد وإرساله إلى العواصم، فهدّده أُبيّ وقال: لابد وأن تكتب الآية بالواو وإلاّ


1. مجمع البيان:1|15، قسم الفن الخامس، طبعة صيدا.
2. التوبة:34.

(41)

لاَضع سيفي على عاتقي فألحقوها. (1)

كما نجد أنّ الاِمام - عليه السّلام - أمر بردّ قطائع عثمان إلى بيت المال، وقال: «واللّه لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الاِماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة.و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق». (2)

فلو كان هناك تحريف كان ردّ الآيات المزعوم حذفها من القرآن إلى محالِّها أوجب وألزم.

نرى أنّ علياً - عليه السّلام - بعدما تقلّد الخلافة الظاهرية اعترض على إقامة صلاة التراويح جماعة كما اعترض على قراءة البسملة سرّاً في الصلوات الجهرية إلى غير ذلك من البدع المحدثة، فعارضها الاِمام وشدّد النكير عليها بحماس، فلو صدر أيّام الخلفاء شيء من هذا القبيل حول القرآن لقام الاِمام بمواجهته، وردّ ما حذف بلا واهمة.

والحاصل: من قرأ سيرة المسلمين في الصدر الاَوّل يقف على أنّ نظرية التحريف بصورة النقص كان أمراً ممتنعاً عادة.

2. شهادة القرآن على عدم تحريفه:

آية الحفظ

إنّ القرآن هو الكتاب النازل من عند اللّه سبحانه، وهو سبحانه تكفّل صيانة القرآن وحفظه عن أيِّ تلاعب، قال سبحانه:"وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ


1. الدر المنثور: 4|179.
2. نهج البلاغة: الخطبة 15، تحقيق صبحي الصالح.

(42)

إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ* لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ*ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّبِالحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ * إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ" . (1)

إنّ المراد من الذكر في كلا الموردين هو القرآن الكريم بقرينة "نُزِّلَ) و"نَزَّلْنا" والضمير في "لَهُ" يرجع إلى القرآن، وقد أورد المشركون اعتراضات ثلاثة على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أشار إليها القرآن مع نقدها، وهي:
1. أنّ محمّداً - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يتلقّى القرآن من لدن شخص مجهول، ويشير إلى هذا الاعتراض قولهم: "يا أَيُّهَا الّذي نزّلَ عَلَيْهِ الذِكْر " بصيغة المجهول.
2. انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مختل الحواس لا اعتبار بما يتلقاه من القرآن وينقله، فلا نُوَمن من تصرف مخيّلته وعقليّته في القرآن.
3. لو صحّ قوله: بأنّه ينزل عليه الملك ويأتي بالوحي فـ: "لَوما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقين".

فقد أجاب الوحي عن الاعتراضات الثلاثة، ونقدّم الجواب عن الثاني والثالث بوجه موجز، ثمّنعطف النظر إلى الاعتراض الاَوّل لاَهميته.

أمّا الثاني، فقد ردّه بالتصريح بأنّه سبحانه هو المنزِّل دون غيره وقال: "إِنّا نَحْنُ" .

كما رد الثالث بأنّ نزول الملائكة موجب لهلاكهم وإبادتهم، وهو يخالف هدف البعثة، حيث قال: "وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرين" .

وأمّا الاَوّل، فقد صرّح سبحانه بأنّه الحافظ لذكره من تطرق أيّ خلل


1. الحجر:6ـ 9.

(43)

وتحريف فيه، وهو لا تُغلب إرادته.

وبذلك ظهر عدم تمامية بعض الاحتمالات في تفسير الحفظ حيث قالوا المراد :
1. حفظه من قدح القادحين.
2. حفظه في اللوح المحفوظ.
3. حفظه في صدر النبي والاِمام بعده.

فإنّ قدح القادحين ليس مطروحاً في الآية حتى تجيب الآية عنه، كما أنّ حفظه في اللوح المحفوظ أو في صدر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يرتبط باعتراض المشركين، فإنّ اعتراضهم كان مبنيّاً على اتهام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالجنون الذي لا ينفك عن الخلط في إبلاغ الوحي، فالاِجابة بأنّه محفوظ في اللوح المحفوظ أو ما أشبهه لا يكون قالعاً للاِشكال، فالحقّ الذي لا ريب فيه انّه سبحانه يخبر عن تعهده بحفظ القرآن وصيانته في عامّة المراحل، فالقول بالنقصان يضاد تعهده سبحانه.

فإن قلت: إنّ مدّعي التحريف يدّعي التحريف في نفس هذه الآية، لاَنّها بعض القرآن، فلا يكون الاستدلال بها صحيحاً، لاستلزامه الدور الواضح.

قلت: إنّ مصبّ التحريف ـ على فرض طروئه ـ عبارة عن الآيات الراجعة إلى الخلافة والزعامة لاَئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، أو ما يرجع إلى آيات الاَحكام، كآية الرجم، وآية الرضعات، وأمثالهما؛ وأمّا هذه الآية ونحوها فلم يتطرّق التحريف إليها باتّفاق المسلمين.

آية نفي الباطل

يصف سبحانه كتابه بأنّه المقتدر الذي لا يُغْلَب ولا يأتيه الباطل من أي


(44)

جانب، قال: "إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد" . (1)

ودلالة الآية رهن بيان أُمور:

الاَوّل: المراد من الذكر هو القرآن، ويشهد عليه قوله:"وَإِنّهُ لَكتابٌ عَزيز ) مضافاً إلى إطلاقه على القرآن في غير واحد من الآيات، قال سبحانه:"يا أَيُّهَا الّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون" . (2) وقال سبحانه:"وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ وَسَوفَ تُسْئَلُونَ" . (3)

الثاني: انّ خبر «انّ» محذوف مقدّر وهو: سوف نجزيهم وما شابهه.

الثالث: الباطل يقابل الحق، فالحق ثابت لا يُغْلب، والباطل له جولة، لكنّه سوف يُغلب، مثلهما كمثل الماء والزبد، فالماء يمكث في الاَرض والزبد يذهب جفاء، قال سبحانه:"كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاََرْضِكَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الاََمْثال" . (4)

فالقرآن حقّ في مداليله ومفاهيمه، وأحكامه خالدة، ومعارفه وأُصوله مطابقة للفطرة، وأخباره الغيبية حق لا زيغ فيه، كما أنّه نزيه عن التناقض بين دساتيره وأخباره"وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً" . (5)

فكما أنّه حقّ من حيث المادة والمعنى، حقّمن حيث الصورة واللفظ أيضاً، فلا يتطرّق إليه التحريف، ونعم ما قاله الطبرسي:لا تناقض في ألفاظه، ولا كذب في


1. فصلت:41ـ42.
2. الحجر:6.
3. الزخرف:44.
4. الرعد:17.
5. النساء:82.

(45)

أخباره، ولا يعارض، ولا يزداد، ولا ينقص. (1)

ويوَيّده قوله سبحانه: قبل هذه الآيات:"وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْبِاللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم" . (2) ولعلّه إشارة إلى ما كان يدخله في نفسه من إمكان إبطال شريعته بعد مماته، فأمره بالاستعاذة باللّه السميع العليم.

و الحاصل أنّ تخصيص مفاد الآية (نفي الباطل) بطروء التناقض في أحكامه وتكاذب أخباره لا وجه له، فالقرآن مصون عن أيّ باطل يبطله، أو فاسد يفسده، بل هو غضّ طريّ لا يُبْلى وَلا يُفنى.

آية الجمع

رُوي انّه كان إذا نزل القرآن، عجل النبي بقراءته، حرصاً منه على ضبطه، فوافاه الوحي ونهاه عنه، وقال:"لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ علَيْنا بَيانَهُ" . (3) فعلى اللّه سبحانه الجمع والحفظ والبيان. كما ضمن في آية أُخرى على عدم نسيانه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - القرآن وقال: "سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى*إِلاّ ما شاءَاللّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفى" . (4)

هذا بعض ما يمكن أن يستدل به، على صيانة القرآن من التحريف بالقرآن، والاستثناء في الآية الاَخيرة نظير الاستثناء في قوله: "وَأَمّا الّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خالِدينَ فيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الاََْرضُإِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ" . (5)


1. مجمع البيان:9|15، ط صيدا.
2. فصّلت: 36.
3. القيامة:16ـ 19.
4. الاَعلى:6ـ 7.
5. هود: 108.

(46)

و من المعلوم انّأهل السعادة محكومون بالخلود في الجنة ويشهد له ذيل الآية، أعني: قوله: "عَطاءً غَيْرَمَجْذُوذ" أي غير مقطوع، ومع ذلك فليس التقدير على وجه يخرج الاَمر من يده سبحانه، فهو في كلّحين قادر على نقض الخلود.

وأمّا الروايات الدالّة على كونه مصوناً منه، فنقتصر منها بما يلي:

1. أخبار العرض

قد تضافرت الروايات عن الاَئمّة (عليهم السلام) بعرض الروايات على القرآن والاَخذ بموافقه وردّ مخالفه، وقد جمعها الشيخ الحر العاملي في الباب التاسع من أبواب صفات القاضي.

روى الكليني عن السكوني، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فدعوه». (1)

وروى أيّوب بن راشد، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف». (2)

وفي رواية أيوب بن الحر، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: «كلّشيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّحديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (3)

وجه الدلالة من وجهين:

ألف. انّ المتبادر من أخبار العرض انّ القرآن مقياس سالم لم تنلـه يد


1 . الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 وغيرها.
2. الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 وغيرها.
3. الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، 12، 15 وغيرها.


(47)

التبديل و التحريف والتصرف، والقول بالتحريف لا يلائم القول بسلامة المقيس عليه.

ب. انّ الاِمعان في مجموع روايات العرض يثبت انّ الشرط اللازم هو عدم المخالفة، لا وجود الموافقة، وإلاّ لزم ردّأخبار كثيرة لعدم تعرض القرآن إليها بالاِثبات والنفي، ولا تعلم المخالفة وعدمها إلاّإذا كان المقيس (القرآن) بعامة سوره وأجزائه موجوداً عندنا، وإلاّ فيمكن أن يكون الخبر مخالفاً لما سقط وحرّف.

2. حديث الثقلين

انّ حديث الثقلين يأمر بالتمسّك بالقرآن، مثل التمسّك بأقوال العترة، حيث قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا» ويستفاد منه عدم التحريف، وذلك:

ألف. انّ الاَمر بالتمسّك بالقرآن، فرع وجود القرآن بين المتمسّكين.

ب. انّ القول بسقوط قسم من آياته وسُوَره ، يوجب عدم الاطمئنان فيما يستفاد من القرآن الموجود، إذ من المحتمل أن يكون المحذوف قرينة على المراد من الموجود.

أهل البيت (عليهم السلام) وصيانة القرآن

إنّ الاِمعان في خطب الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - وكلمات أوصيائه المعصومين (عليهم السلام) يعرب عن اعتبارهم القرآن الموجود بين ظهراني المسلمين، هو كتاب اللّه المنزل على رسوله بلا زيادة ولا نقيصة، ويعرف ذلك من تصريحاتهم تارة، وإشاراتهم أُخرى، ونذكر شيئاً قليلاً من ذلك:
1. قال أمير الموَمنين - عليه السّلام - :«أنزل عليكم الكتاب تبياناً لكلّ شيء، وعمّر


(48)

فيكم نبيّه أزماناً، حتى أكمل له ولكم ـ فيما أنزل من كتابه ـ دينه الذي رضي لنفسه». (1)

والخطبة صريحة في إكمال الدين تحت ظل كتابه، فكيف يكون الدين كاملاً و مصدره محرّفاً غير كامل؟! ويوضح ذلك انّ الاِمام يحثّ على التمسّك بالدين الكامل بعد رحيله، وهو فرع كمال مصدره وسنده.
2. وقال - عليه السّلام - : «وكتاب اللّه بين أظهركم ناطق لا يعيا لسانه، وبيت لا تهدم أركانه، وعزٌّ لا تهزم أعوانه». (2)
3. وقال - عليه السّلام - : «كأنّهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم». (3)
4. وفي رسالة الاِمام الجواد - عليه السّلام - إلى سعد الخير (4) : «وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده». (5)

وفي هذا تصريح ببقاء القرآن بلفظه، وانّالتحريف في تطبيقه على الحياة حيث لم يطبقوا أحكامه في حياتهم، ومن أوضح مظاهره منع بنت المصطفى (عليها السلام) من إرث والدها مع أنّه سبحانه يقول: "يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاَُنْثَيَيْنِ" . (6)

وقال سبحانه: "وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داود" . (7)


1. نهج البلاغة: الخطبة:86، 133، 147.
2. نهج البلاغة: الخطبة:86، 133، 147.
3. نهج البلاغة: الخطبة:86، 133، 147.
4. هو من أولاد عمر بن عبد العزيز، وقد بكى عند أبي جعفر الجواد لاعتقاده انّه من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال الاِمام - عليه السّلام - له: «لست منهم وأنت منّا، أما سمعت قوله تعالى:(فَمَنْ تَبعَني فَهُوَ مِنّي) ، (لاحظ قاموس الرجال:5|35) ومنه يعلم وجه تسميته بالخير.
5. الكافي: 8|53 ح16.
6. النساء: 11.
7. النمل:16.

(49)

وقال سبحانه عن لسان زكريا: "فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً* يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوب" . (1)

ولعلّ فيما ذكرنا كفاية، فلنستعرض كلمات علمائنا.

الشيعة وصيانة القرآن

إنّ التتبع في كلمات علمائنا الكبار الذين كانوا هم القدوة والاَُسوة في جميع الاَجيال، يكشف عن أنّهم كانوا يتبرّأون من القول بالتحريف، وينسبون فكرة التحريف إلى روايات الآحاد، ولا يمكننا نقل كلمات علمائنا عبر القرون، بل نشير إلى كلمات بعضهم:
1. قال الشيخ الاَجل الفضل بن شاذان الاَزدي النيسابوري (المتوفّى 260هـ) ـ في ضمن نقده مذهب أهـل السنّـة ـ: إنّ عمر بن الخطاب قال: إنّي أخاف أن يقال زاد عمر في القرآن ثبتَ هذه الآية، فانّا كنّا نقروَها على عهد رسول اللّه: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من الشهوة نكالاً من اللّه، واللّه عزيز حكيم. (2)

فلو كان التحريف من عقائد الشيعة، لما كان له التحامل على أهل السنّة بالقول بالتحريف لاشتراكهما في ذلك القول.

2. قال أبو جعفر الصدوق (المتوفّـى381هـ): اعتقادنا أنّه كلام اللّه ووحيه تنزيلاً، وقوله في كتابه: (إِنَّهُ لَكتابٌ عَزيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيمٍ حَميد" وانّه القصص الحق، وانّه لحقّفصل، وما هو

1. مريم: 5ـ 6.
2. الاِيضاح: 217. روى البخاري آية الرجم في صحيحه: 8|208 باب رجم الحبلى.

(50)

بالهزل، وانّ اللّه تبارك و تعالى مُحْدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلّم به. (1)
3. قال الشيخ المفيد (المتوفّـى413هـ): وقد قال جماعة من أهل الاِمامة انّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير الموَمنين - عليه السّلام - من تأويل وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً، وإن لم يكن من جملة كلام اللّه الذي هو القرآن المعجز، وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، وعندي انّ هذا القول أشبه بالحقّ من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل. (2)

وقال أيضاً في أجوبة «المسائل السروية» في جواب من احتج على التحريف بالروايات الواردة حيث ورد فيها «كنتم خير أئمّة أُخرجت للناس» مكان "أُمّة" ، وورد كذلك «جعلناكم أئمة وسطاً» مكان " أُمّة" وورد «يسألونك الاَنفال» مكان "يسألونك عن الاَنفال" ، فأجاب : انّ الاَخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على اللّه تعالى بصحتها، فلذلك وقفنا فيها، ولم نعدل عمّا في المصحف الظاهر. (3)
4. قال الشريف المرتضى (المتوفّى436هـ): مضافاً إلى من نقلنا عنه في الدليل الاَوّل، انّ جماعة من الصحابة، مثل عبد اللّه بن مسعود و أُبّي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عدّة ختمات، وكلّ ذلك يدلّ بأدنى تأمّل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مستور ولا مبثوث. (4)
5. قال الشيخ الطوسي (المتوفّـى460هـ): أمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصه


1. اعتقادات الصدوق:93.
2. أوائل المقالات:53ـ54.
3. مجموعة الرسائل للمفيد:366.
4. مجمع البيان:1|10، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسية للسيد المرتضى.

(51)

فما لا يليق به أيضاً، لاَنّ الزيادة مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر من الرواية، ثمّوصف الروايات المخالفة بالآحاد. (1)
6. قال أبو علي الطـبرسي (المتـوفّـى 548هـ) الكلام في زيادة القـرآن ونقصانه؛ أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة انّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه. (2)
7. قال السيد علي بن طاووس الحلّي (المتوفّى664هـ): إنّ رأي الاِمامية هو عدم التحريف. (3)
8. قال العلاّمة الحلّي (المتوفّى726هـ) في جواب السيد الجليل المهنّا: الحق انّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم، وانّه لم يزد ولم يُنْقَص، ونعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك وأمثال ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر.
9. قال المحقّق الاَردبيلي (المتوفّى993هـ) : يلزم تحصيل العلم بأنّما يقرأه هو القرآن، فينبغي تحصيله من التواتر الموجب للعلم، وعدم جواز الاكتفاء بالسماع حتى من عدل واحد ـ إلى أن قال: ـ ولما ثبت تواتره فهو مأمون من الاختلال...مع أنّه مضبوط في الكتب حتى أنّه معدود حرفاً حرفاً، وحركة حركة، وكذا طريق الكتابة وغيرها ممّا يفيد الظن الغالب بل العلم بعدم الزيادة على ذلك والنقص. (4)


1. التبيان: 1|269.
2. مجمع البيان:1|10.
3. سعد السعود:144.
4. مجمع الفائدة والبرهان:2|218، في محل النقاط كلمة «لفسقه» فتأمل.

(52)

10. وقال القاضي السيد نور اللّه التستري (المتوفّى1029هـ) : ما نسب إلى الشيعة الاِمامية من وقوع التحريف في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الاِمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد لهم فيما بينهم. (1)

ولو استقصينا كلمات علمائنا في هذا المجال لطال بنا الموقف. إلى هنا ظهر الحقّ بأجلى مظاهره فلم يبق إلاّ دراسة شبهات الاَخباريّين ودحضها.

شبهات مثارة حول صيانة القرآن

اعتمد بعض الاَخباريين في قولهم بالتحريف بوجوه لا يصلح تسميتها بشيء سوى كونها شُبهاً، وإليك بعض شبهاتهم.

الشبهة الاَُولى: وجود مصحف لعلي - عليه السّلام -

روى ابن النديم في «فهرسته» عن علي - عليه السّلام - انّه رأى من الناس طيرة عند وفاة النبي، فأقسم أن لا يضع عن ظهره رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام حتى جمع القرآن. (2)

روى اليعقوبي (المتوفّى290هـ) في «تاريخه»: روى بعضهم أنّ علي بن أبي طالب - عليه السّلام - كان جمعه ـ القرآن ـ لمّا قبض رسول اللّه، وأتى وحمله على جمل، فقال: هذا القرآن جمعته، وكان قد جزّأه سبعة أجزاء، ثمّ ذكر كلّ جزء، والسور الواردة فيه.

يلاحظ عليه:أنّ الاِمعان فيما ذكره اليعقوبي يظهر انّ مصحف علي - عليه السّلام -


1. آلاء الرحمن:1|25.
2. فهرست ابن النديم، نقله الزنجاني في تاريخ القرآن:76.

(53)

لايخالف المصحف الموجود في سوره وآياته، وإنّما يختلف في ترتيب السور، وهذا يثبت انّترتيب السور كان باجتهاد الصحابة والجامعين، بخلاف وضع الآيات وترتيبها، فانّه كان بإشارة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وما ذكره ابن النديم يثبت انّ القرآن كان مكتوباً في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كلّ سورة على حدة وكان فاقداً للترتيب الذي رتّبه الاِمام على سبعة أجزاء، وكلّجزء يشتمل على سور، وقد نقل المحقّق الزنجاني ترتيب سور مصحف الاِمام في ضمن جداول تعرب عن أنّ مصحَف عليّ - عليه السّلام - كان في سبعة أجزاء، وكلّ جزء يحتوي على سور، فالجزء الاَوّل يسمّى بالبقرة وفيه سور، والجزء الثاني يسمى جزء آل عمران وفيه سور، والثالث جزء النساء وفيه سور، والرابع جزء المائدة وفيه سور، والخامس جزء الاَنعام وفيه سور، والسادس جزء الاَعراف وفيه سور، والسابع جزء الاَنفال وفيه سور، والظاهر منه انّ التنظيم لم يكن على نسق تقديم الطوال على القصار ولا على حسب النزول، وإليك صورته:



(54)

ترتيب السور في مصحف علي

- عليه السّلام -


الجزء الاَوّل الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع

البقرة

يوسف

العنكبوت

الروم

لقمان

حم السجدة

الذاريات

هل أتى على الاِنسان

ألم تنزيل

السجدة

النازعات

إذا الشمس كورت

إذا السماءانفطرت

إذا السماء انشقت

سبح اسم ربّك الاَعلى

لم يكن

فذلك جزء البقرة

آل عمران

هود

الحج

الحجر

الاَحزاب

الدُّخان

الرحمن

الحاقة

سأل سائل

عبس وتولى

والشمس وضحيها

إنا أنزلناه

إذا زلزلت

ويل لكل همزة

ألم تركيف

لاِيلاف قريش
فذلك جزء آل عمران

النساء

النحل

الموَمنون

يس

حمعسق

الواقعة

تبارك... الملك

يا أيُّها المدثر

أرأيت

تبت

قل هو اللّه أحد

والعصر

القارعة

والسماء ذات البروج

والتين والزيتون

طس

النمل

فذلك جزء النساء

المائدة

يونس

مريم

طسم

الشعراء

الزخرف

الحجرات

ق والقرآن المجيد

اقتربت الساعة

الممتحنة

والسماء والطارق

لا أُقسم بهذا البلد

ألم نشرح لك

والعاديات

إنّا أعطيناك الكوثر

قل يا أيها الكافرون

فذلك جزء المائدة


(55)

الجزء الخامس الجزء السادس الجزء السابع

(56)

فالاِمعان في هذه الجداول يثبت بأنّ السور الموجودة فيها ، هي نفس السور في المصحف وإنّما الاختلاف في ترتيبها، وقدنقل الشهرستاني ـ حسب ما نقله المحقّق الزنجاني ـ ترتيب السور في مصحف عبد اللّه بن عباس، فترتيب السور فيها يخالف ترتيب المصحف ولكن السور، نفسها.

وممّا يدل على أنّ الفرق بين مصحفه - عليه السّلام - وسائر المصاحف كان منحصراً في كيفية ترتيب السور فقط، ما رواه الشيخ المفيد عن أبي جعفر الباقر - عليه السّلام - قال: «إذا قام قائم آل محمد - عليه السّلام - ضرب فساطيط لمن يعلّم الناس القرآن، على ما أنزل اللّه ـ جلّ جلاله ـ فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لاَنّه يخالف فيه التأليف». (1)

الشبهة الثانية: تشابه مصير الا َُمّتين

روى الفريقان عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «والذي نفسي بيده لتركبن سنّة من قبلكم حذو النعل بالنعل، والقُذة بالقذة لا تخطئون طريقهم» (2) وقد حرّفت اليهود والنصارى كتبهم، فيلزم وقوع مثله في الاَُمّة الاِسلامية.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه خبر واحد لا يحتج به في العقائد، بأنّ الاستدلال لا يتم إلاّبتعيين وجه التشابه بين الاَُمم السالفة والاَُمّة الاِسلامية، فهناك احتمالان:

ألف: التشابه بين الاَُمّتين، في جوهر الحوادث وخصوصياتها ولبها وكيفياتها.


1. الاِرشاد للمفيد:365.
2. صحيح مسلم:8|57، باب اتباع سنن اليهود والنصارى؛ وصحيح البخاري:9|102، كتاب الاعتصام ؛ وسنن الترمذي:5|26، كتاب الاِيمان.

(57)

ب: التشابه في أُصولها وذاتياتها، لا في ألوانها وصورها.

أمّا الاَوّل، فهو ممّا لا يمكن القول به، إذ لم تواجه الاَُمّة الاِسلامية، ما واجهت اليهود في حياتهم، وذلك:
1. انّهم عاندوا أنبياءهم فابتلوا بالتيه في وادي سيناء، لمّا أمرهم موسى - عليه السّلام - بدخول الاَرض المقدّسة واعتذروا بأنّ فيها قوماً جبارين، و انّهم لن يدخلوها حتى يخرجوا منها، فوافاه الخطاب بأنّها "مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الاََرْضِفَلا تَأْسَعَلَى الْقَومِ الْفاسِقينَ" . (1) مع أنّ المسلمين لم يبتلوا بالتيه.
2. انّهم عبدوا العجل في غياب موسى - عليه السّلام - ـ اتّخذوه إلهاً ـ قال سبحانه:"ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ" . (2) والمسلمون ـ بفضل اللّه سبحانه ـ استمروا على نهج التوحيد ولم يعبدوا وثناً ولا صنماً.
3. عاش بنو إسرائيل في عصر عجَّ بالحوادث، أشار إليها القرآن ولم ير أثر منها في حياة المسلمين، كلّ ذلك يدلّ على أنّ ليس المراد التشابه في الصور والخصوصيات.

مثلاً انّ بني إسرائيل ظُلّلوا بالغمام ونُزّل عليهم المن والسلوى، ولم يُر ذلك في المسلمين.

وأمّا الثاني، فهو المراد ـ إذا صحّت هذه الاَخبار ولم نقل انّها أخبار آحاد غير مروية في الكتب المعتبرة ولا يُحتج بخبر الواحد في باب العقائد ـ و يشهد التاريخ بابتلاء المسلمين بنفس ما ابتليت به الاَُمم السالفة في الجوهر والذات.

ألف. فقد دبّ فيهم دبيبُ الاختلاف بعد رحيله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وتفرّقوا إلى فرق


1. المائدة:26.
2. البقرة:51.

(58)

مختلفة كاختلاف الاَُمم السالفة، ولو انّهم افترقوا إلى إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، فالمسلمون افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة.

ب. ظهرت بين الاَُمّة الاِسلامية ظاهرة الارتداد، مثلما ارتدّ بعض أصحاب المسيح ودلّ اليهودَ على مكانه، وهذا هو البخاري يروي في حديث أنّ أصحاب النبي يُمنعون من الحوض، ويقول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : لماذا يمنعون، مع أنّهم أصحابي، فيجاب أنّهم ليسوا من أصحابك، انّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى. (1)

ج. انّهم خصّوا العقوبات بالفقراء دون الاَغنياء، فإذا سرق الفقير منهم أجروا عليه الحد، وإذا سرق الغني، امتنعوا منه ـ على ما رواه مسلم في صحيحه (2)ـ فقد ابتليت الاَُمّة بهذه الظاهرة منذ رحيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فقد عُطِّلَت الحدود في خلافة عثمان، كما نطق به التاريخ.

د. انّهم حرّفوا كتبهم، بتفسيرها على غير وجهه، ويكفي في التشابه هذا المقدار من التحريف، وقد مرّ نصّ الاِمام الجواد - عليه السّلام - انّه قال: «المسلمون: أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده، فهم يروونَه ولا يرعونه» (3)

فقد ورد في العهدين أوصاف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على وجه يعرفون بها النبي كما يعرفون أبناءهم قال سبحانه:"الّذِينَآتَيْناهُمُ الكِتابَيَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ" (4) وقال سبحانه:"الّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالاِِنْجِيل" (5) ومع ذلك كانوا يوَوّلون البشائر


1. جامع الاَُصول:11|119ـ 121.
2. صحيح مسلم ج5، باب قطع السارق ص 114.
3. الكافي: 8|53 ح 16.
4. البقرة: 146.
5. الاَعراف: 157.

(59)

ويفسّرونها على غير واقعها، ومن قرأ تاريخ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع اليهود المعاصرين له يقف على أنّهم كيف كانوا يضلّلون الناس بتحريف كتبهم، بتفسيرها على غير وجهها ؟

ولعلّ وجه التشابه ما أوردناه في الوجه الثاني ، ومعه لا يصحّ لاَحد أن يقول: إنّ التشابه بين الفريقين، هو انّ التحريف قد مس جوهر الكتاب المقدّس، فإنّ ما بأيدي اليهود إنّما كُتب بعد رحيل موسى - عليه السّلام - بخمسة قرون، ومثلها الاِنجيل فإنّه أشبه بكتاب روائيّ يتكفّل ببيان حياة المسيح إلى أن صُلِب وقُبر، وأين هو من الكتاب السماوي؟!

نعوذ باللّه من الزلل في الرأي والقول والعمل.

الشبهة الثالثة: عدم الانسجام بين الآيات والجمل

وهذه الشبهة أبدعها الملاحدة حول آيات القرآن الكريم، واتّخذها القائلون بالتحريف ذريعة لعقيدتهم وقد كتب «سايل الانكليزي» كتاباً في هذا الصدد، ونقله إلى العربية هاشم العربي ـ وكأنّ الاسم اسم مستعار ـ و ردّ عليه المحقّق البلاغي بكتاب أسماه «الهدى إلى دين المصطفى» ولنذكر نماذج:

1. آية الكرسي وتقديم السنة على النوم

قال سبحانه: (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوم" (1) مع أنّ الصحيح أن يقول لا تأخذه نوم ولا سنة، فإنّ الرائج في هذه الموارد هو التدرّج من العالي إلى الداني كما يقال: لا يأخذني عند المطالعة، نوم ولا سنة.

والجواب: إنّ الاَخذ في الآية بمعنى الغلبة واللازم عندئذٍ هو التدرّج من الداني إلى العالي كما هو واضح، والآية بصدد تنزيهه سبحانه عن كلّ ما يوجب


1. البقرة:255.

(60)

الغفلة، مثلاً لو فرضنا انّ زيداً أقوى من عمرو وأراد المتكلِّم أن يصف شجاعته الفائقة يقول ما غلبني عمرو ولا زيد فيقدم الضعيف على القوي، ولو عكس يكون مستهجناً ويكون ذكر الضعيف زائداً.

2. آية الخوف عن إقامة القسط

قال سبحانه:"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّتُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِمَثْنى وَثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَة" . (1)

وجه الاستدلال: انّه لا صلة بين الشرط و الجزاء، فكيف يترتّب الاِذن في

نكاح النساء "مَثنى وثلاثَ وَ رُباع" على الخوف من عدم إقامة القسط في اليتامى؟

يلاحظ عليه: أنّ القرآن يعتمد في إفهام مقاصده على القرائن الحالية بلا إيجاز مخلّ، وقد ذكر أمر اليتامى في نفس السورة في الآيات التالية:
1. "وَآتُوا اليَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بالطَّيِّبِ" . (2)
2. "وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّتُقْسِطُوا فِي اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ..." . (3)
3. "إِنَّ الّذِينَ يَأْكُلُونَ أَموالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً" . (4)
4. "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الكِتابِ في يَتامَى النِّساءِ اللاّتي لا تُوَْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْتَنْكِحُوهُنَّ


1. النساء:3.
2. النساء: 2.
3. النساء: 3.
4. النساء: 10.

(61)

وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِليَتامى بِالقِسْطِ" . (1)

فقد بيّن سبحانه في الآية الاَخيرة أحكام موضوعات ثلاثة:
1. النساء أي الكبار.
2. يتامى النساء، أي النساء اليتامى والصغار اللاتي لا يُوَتون ما كُتب لهن ويرغبون أن ينكحوهن.
3. المستضعفين من الولدان، أي الولدان الصغار.

فقد أفتى في النساء بما جاء في هذه السورة من الاَحكام.

وأمّا البنات اليتامى والولدان الصغار فقد أفتى فيهم بقوله:"وَأَنْتَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْط" .

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يظهر من الآية الرابعة انّ القوم كانوا راغبين في نكاح النساء اليتامى لجمالهن أو أموالهن أو لكليهما ، من دون أن يقوموا في حقّهم بالقسط، فأمر سبحانه بإقامة القسط لهم حيث قال:"وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ" .

وبذلك تظهر صلة الجزاء بالشرط حيث إنّ «لا» في قوله:"وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى" للعهد، إشارة إلى يتامى النساء اللاّتي لا يُوَتونَ ما كتب لهنّ، ويرغبون أن ينكحوهنّ، فحث على أنّهم إذا خافوا من عدم القيام بوظائفهم عند تزوجهن، فعليهم تزويج غيرهنّ، واللّه سبحانه إذا أقفل باباً (تزويج النساء اليتامى)، يفتح باباً آخر، وهو تزويج غيرهنّ، فأي صلة أوضح من هذه الصلة ؟

***


1. النساء: 127.

(62)

3. آية التطهير ومشكلة السياق

قوله سبحانه:"إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً" . (1)

حيث وقعت بين قوله:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِية الاَُولى وَأَقِمْنَ الصلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وأَطِعنَ اللّهَ وَرَسُولَه..." (2) وقوله: "وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَة" (3) فهذا النوع من التعبير آية طروء التحريف على ترتيب الآيات.

يلاحظ عليه:

انّ القول بنزول الآية في آل الكساء لا توجد أي مشكلة في سياقها، شريطة الوقوف على أُسلوب البلغاء في كلامهم وخطبهم؛ فإنّ من عادتهم الانتقال من خطاب إلى غيره ثمّ العود إليه مرّة أُخرى.

قال صاحب المنار: إنّ من عادة القرآن أن ينتقل بالاِنسان من شأن إلى شأن ثمّ يعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة. (4)

وقد اعترف بعض أهل السنّة بهذه الحقيقة أيضاً عند بحثه في آية الولاية، حيث قال ما هذا نصه:

الاَصل عند أهل السنّة انّ الآية تعتبر جزءاً من سياقها إلاّ إذا وردت القرينة على أنّها جملة اعتراضية تتعلّق بموضوع آخر على سبيل الاستثناء وهو أُسلوب من أساليب البلاغة عند العرب جاءت في القرآن على مستوى الاِعجاز.


1. الاَحزاب: 33ـ 34.
2. الاَحزاب: 33ـ 34.
3. الاَحزاب: 33ـ 34.
4.المنار: 2|451.

(63)

وقال الاِمام جعفر الصادق - عليه السّلام - : «إنّ الآية من القرآن يكون أوّلها في شيء وآخرها في شيء». (1)

فعلى سبيل المثال، انّه سبحانه يقول في سورة يوسف حاكياً عن العزيز انّه بعدما واجه الواقعة في بيته قال:"إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ* يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئين" . (2)

ترى أنّ العزيز يخاطب زوجته بقوله:"إِنّه مِنْ كَيدِكُنَّ " وقبل أن يفرغ من كلامه معها يخاطب يوسف بقوله: "يُوسُفُُ أَعْرِضْ عَنْ هذا" ثمّ يرجع إلى الموضوع الاَوّل، ويخاطب زوجته بقوله:"وَاسْتَغْفِري لِذَنْبِك" فقوله: "يُوسُفُُ أَعْرِضْ عَنْ هذا" جملة معترضة، وقعت بين الخطابين، والمسوِّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين وكانت له صلة تامة بالواقعة التي رفعت إلى العزيز.

والضابطة الكلية لهذا النوع من الخطاب هو وجود التناسب المقتضي للعدول من الاَوّل إلى الثاني ثمّ منه إلى الاَوّل، وهي موجودة في الآية، فإنّه سبحانه يخاطب نساء النبي بالعبارات التالية:
1. "يا نِساءَالنَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍيُضاعَفْلَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ". (3)
2. "يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍمِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيَتُنَّ". (4)
3."وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَّةِ الاَُولى".(5)


1. الكاشف: 6|217.
2. يوسف: 28ـ 29.
3. الاَحزاب: 30و32و33.
4. الاَحزاب: 30و32و33.
5. الاَحزاب: 30و32و33.

(64)

فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ بجماعة بلغوا القمة في الورّع والتقى، وفي النزاهة عن الرذائل والمساوى، وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في العمل، فيلزم عليهنَّ أن يقتدينَّ بهم، ويستضئنَّ بنورهم.
2. يعد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - محوراً لطائفتين مجتمعتين حوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

الاَُولى: أزواجه ونساوَه.

الثانية: ابنته وبعلها وبنوها.

فالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الرابط الذي تنتهي إليه هاتان الطائفتان، فإذا نظرنا إلى كلّطائفة مجرّدة عن الاَُخرى، فسوف ينقطع السياق.

ولكن لمّا كان المحور هو النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ،واللّه سبحانه يتحدّث عمّن له صلة بالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فعند ذلك تتراءى الطائفتان كمجموعة واحدة، فيعطي لكلّ منها حكمها، فيتحدّث عن نساء النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بقوله: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاََزواجِكَ" ، "يا نِساءَ النَّبِيُّ مَنْ يَأْتِ" ، "يا نساءَالنبيّ لَسْتُنَّ" الخ.

كما أنّه تعالى يتحدّث عن الطائفة الاَُخرى وهم أهل البيت بقوله: "إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُم الرجسَ".

فالباعث للجمع بين الطائفتين في ثنايا آية واحدة، إنّما هو انتساب الجميع إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وحضورهما حوله، وليس هناك أيّ مخالفة للسياق.


(65)

إكمال

أثبتنا بما قدّمنا من الاَدلّة الناصعة انّكتاب اللّه العزيز مصون من التحريف لم تمسّ كرامتَه يدُ التغيير، كما ظهر ضعف ما استند إليه القائل به. بقي الكلام فيما ورد في الصحاح والمسانيد من سقوط آيات من الكتاب وقد تبنّاها عمر بن الخطاب وعائشة، في زعم الاَوّل سقطت آيات أربع، وفي زعم الثانية سقطت واحدة وهي آية الرضاع.

والعجب انّ أهل السنّة يتّهمون الشيعة بالقول بالتحريف ويشنّون الغارة عليهم، وهم يروون أحاديثه في أصح صحاحهم ومسانيدهم.

والحقّ انّ أكابر الفريقين بريئون عن هذه الوصمة، غير انّ لفيفاً من حشوية أهل السنّة، وأخبارية الشيعة يدّعون التحريف وهم يستندون إلى روايات لا قيمة لها في سوق الاعتبار. ولنذكر ما رواه أهل السنّة في كتبهم.

الآيات غير المكتوبة

يرى ابن الخطاب انّ آيات أربع سقطت من القرآن وهي: آية الرجم، وآية الفراش، وآية الرغبة، وآية الجهاد، والعجب انّ الصحاح والمسانيد احتفلت بنقلها، مع أنّ نصوصها تشهد على أنّها ليست من القرآن وإن كانت مضامينها مطابقة للشريعة، وإليك الآيات الاَربع المزعومة:

1. آية الرجم

خطب عمر عند منصرفه من الحج وقال: إيّاكم أن تهلكوا عن آية الرجم يقول قائل لا نجد حدّين في كتاب اللّه، فقد رجم رسول اللّه ورجمنا، والذي


(66)

نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللّه تعالى لكتبتها :«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» فإنّا قد قرأناها. (1)

ولفظها ينادي بأنّها ليست من القرآن، والمضمون غير خال من الاِشكال، لاَنّ الموضوع للرجم هو المحصن والمحصنة سواء كانا شابين أو شيخين أو مختلفين.

2. آية الفراش

قال عمر بن الخطاب مخاطباً أُبيّ بن كعب: أو ليس كنّا نقرأ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فيما فقدنا من كتاب اللّه؛ فقال أُبيّ: بلى. (2) واللفظ مع فصاحته أيضاً يأبى أن يكون من القرآن ، لكن الخليفة زعم انّه من القرآن.

3. آية الرغبة

روى البخاري أنّعمر قال: «إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه «أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم» أو أن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم». (3)

4. آية الجهاد

روى السيوطي أنّ عمر قال لابن عوف: ألم تجد فيما أُنزل علينا وإن جاهدوا كما جاهدتم أوّل مرة؟ قال: أُسقطت فيما أُسقط من القرآن». (4)


1. البخاري: الصحيح: 8|208ـ211.
2. الدر المنثور:1|106.
3.البخاري: الصحيح:8|208ـ211، ومسلم: الصحيح: 4|167و ج5|116.
4. الدر المنثور:1|106.

(67)

5. آية الرضعات

روى مالك ـ في الموطأ ـ عن عائشة كانت فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثمّ نسخن بـ«خمس معلومات» فتوفي رسول اللّه وهنّ فيما يقرأ من القرآن. (1)

إنّ آيتها نظير آيات الخليفة تأبى أن تكون من صميم القرآن، ولو كان لكتب في المصاحف، ولا وجه لاِسقاطها.

روايات التحريف في كتب الحديث

وقد جمعها المحدّث النوري في كتابه «فصل الخطاب في تحريف الكتاب»، والاستدلال بهذه الروايات موهون من جهات:

الاَُولى: أنّها ليست متواترة، وليست الكثرة آية التواتر إلاّ إذا اشتركت في أحد المداليل الثلاثة من المطابقة، والتضمّن، والالتزام، وهذه الروايات فاقدة لهذه الجهة، ولا تهدف إلى جهة خاصة، فتارة ناظرة إلى بيان تنزيلها، وأُخرى إلى بيان تأويلها، وثالثة إلى بيان قراءتها، ورابعة إلى تفسيرها، هذا هو الكثير، فحسب البعض انّه جزء من الآية، مثلاً قال سبحانه:"وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً" (2) رواه في «الكافي» أنّه قال: وإن تلووا «الاَمر» أو تعرضوا «عمّا أُمرتم به».

روى علي بن إبراهيم بسند صحيح عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: وقرأت عند


1. تنوير الحوالك: 2|118، آخركتاب الرضاع.
2. النساء:135.

(68)

أبي عبد اللّه - عليه السّلام - :"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ" (1) فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : خير أُمّة تقتلون أمير الموَمنين والحسن والحسين ابني علي (عليهم السلام) ؟! فقال القارىَ: جعلت فداك كيف؟ قال: نزلت«كُنْتُمْ خَيْرَ أئمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ» ألا ترى مدح اللّه لهم "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُوَْمِنُونَ بِاللّهِ" . (2)

والاستدلال دلّ على أنّ المراد ليس كلّالاَُمّة بل بعضها بشهادة قوله سبحانه:"ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (3) وأراد الاِمام تنبيه القارىَ على أن لا يغتر بإطلاق الآية، بل يتدبّر ويقف على مصاديقها الواقعية، وانّ خير الاَُمّة هم الاَئمّة وهم الاَُسوة، وأولياء الدين، والمخلصون من العلماء الاَتقياء، لا كلّ الاَُمّة بشهادة أنّ كثيراً منهم ارتكبوا أعمالاً إجرامية مشهودة.

ويقرب من ذلك قوله سبحانه:"وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُعَلَيْكُمْ شَهِيداً" . (4)فإنّ ظاهر الآية أنّ كلّ الاَُمّة: هم الاَُمّة الوسطى، والشعب الاَمثل، مع أنّا نجد بين الاَُمّة من لا تقبل شهادته على باقة بقل في الدنيا، فكيف تقبل شهادته في الآخرة على سائر الاَُمم؟! وهذا يهدينا إلى أن نتأمل في الآية، ونقف على أنّ الاسناد إلى الكل مجاز بعلاقة كونها راجعة إلى أصفياء الاَُمّة وكامليها.

يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام - في هذا الشأن:«فإن ظننت أنّ اللّه عنى بهذه الآية، جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة الاَُمم الماضية؟! كلا: لم


1. آل عمران:110.
2. آل عمران:110.
3. آل عمران:104.
4. البقرة:143.

(69)

يعن اللّه مثل هذا من خلقه». (1)

وأنت إذا تدبّرت كتاب «فصل الخطاب» الذي جمع هذه الروايات، تقف على أنّ الاَكثر فالاَكثر من قبيل التفسير.

مثلاً روى العياشي عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - قال: «نزل جبرئيل على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعرفات يوم الجمعة فقال له: يا محمد إنّ اللّه يقروَك السلام، ويقول لك: "اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ ـ بولاية علي بن أبي طالب ـ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً" (2) (3) فلا شكّ أنّه بيان لسبب إكمال الدين وإتمام النعمة لا أنّه جزء من القرآن.

مع أنّ قسماً كبيراً منها يرجع إلى الاختلاف في القراءة، المنقولة امّا من الاَئمّة بالآحاد لا بالتواتر، فلا حجية فيها أوّلاً ولا مساس لها بالتحريف ثانياً، أو من غيرهم من القرّاء وقد أخذ قراءتهم المختلفة من مجمع البيان وهو أخذها من كتب أهل السنّة في القراءة، وكلّها مراسيل أوّلاً، و الاختلاف في القراءة، غير التحريف ثانياً، لما عرفت من أنّها على وجه، غير موصولة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وعلى فرض صحة النسبة، لا صلة لها بالقرآن. (4)

وهناك روايات ناظرة إلى تأويلها وبيان مصاديقها الواقعية، وهي أيضاً كثيرة، أو ناظرة إلى بيان شأن نزولها، إلى غير ذلك وبعد إخراج هذه الاَقسام، تبقى روايات آحاد لا تفيد العلم ولا العمل.

الثانية: أنّ أكثر هذه الروايات التي يبلغ عددها 1122حديث منقول من


1. تفسير العياشي: 1|63 ويوَيد ذلك أنّه سبحانه قال في حقّ بني إسرائيل:(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (المائدة|20) مع أنّبعضهم كانوا ملوكاً لا كلّهم.
2. المائدة: 3.
3. المصدرنفسه: 1|293 برقم 21.
4. لاحظ ص 37.

(70)

كتب ثلاثة:
1. كتاب «القراءات» لاَحمد بن محمد السياري (المتوفّـى 286هـ)، الذي اتّفق الرجاليون على فساد مذهبه.

قال الشيخ: أحمد بن محمد السياري الكاتب كان من كتاب آل طاهر، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، مجفو الرواية، كثير المراسيل. (1)
2. كتاب علي بن أحمد الكوفي (المتوفّـى 352هـ) الذي نص الرجاليون بأنّه كذّاب مبطل.

قال النجاشي: رجل من أهل الكوفة كان يقول: إنّه من آل أبي طالب، وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنّف كتباً كثيرة، أكثرها على الفساد، ثمّيقول: هذا الرجل، تدّعي له الغلاة منازل عظيمة. (2)
3. كتاب «تفسير القمي» الذي أوضحنا حاله في محلّه، وقلنا: إنّه ليس للقمي، بل قسم منه من إملاءاته على تلميذه أبي الفضل العباس بن محمد بن العلوي، وقسم منه مأخوذ من تفسير أبي الجارود، ضمه إليها تلميذه، (3) وهو من المجاهيل، لاَنّ العباس بن محمد غير معنون في الكتب الرجالية فهو مجهول، كما أنّالراوي عنه في أوّل الكتاب يقول: «حدّثني أبو الفضل بن العباس، مجهول أيضاً، وأسوأ حالاً منهما أبو الجارود المعروف بـ«زياد المنذر» فهوزيدي بتري وردت الرواية في ذمّه في رجال الكشي، (4) أفيمكن الاعتمادعلى روايات هذا الكتاب؟!

وقس على ذلك، سائر مصادره ومنابعه التي لا يعبأ بها ولا يعتمد عليها.


1. فهرست الشيخ: 47 برقم 70؛ رجال النجاشي: 1|211 برقم 190.
2. رجال النجاشي: 2|96 برقم 689.
3. لاحظ كتاب «كليات في علم الرجال» حول تقييم تفسير القمي.
4. رجال الكشي:199.

(71)

الثالثة: انّ هذه الروايات معارضة بأكثر منها وأوضح مثل حديث الثقلين وأخبار العرض وما عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«إذا التبست عليكم الفتن فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدق، و من جعله أمامه قاده إلى الجنة، و من جعله خلفه ساقه إلى النار» (1)، وما في النهج (2) حول القرآن من كلمات بديعة لا تصدر إلاّ من سيد البشر أو وصيه، وعند التعارض يوَخذ بالموافق لكتابه والمطابق للذكر الحكيم، وهي الطائفة الثانية.

* * *


1. الكافي:2|599.
2. نهج البلاغة: الخطبة 81 و110 و 147.

(72)

ختامه مسك

لمّا وقع كتاب «فصل الخطاب» ذريعة لكل من يحاول اتّـهام الشيعة الاِمامية بالتحريف، وهم منه بُرآء براءة يوسف مما اتُّهم به، طلبت من فضيلة شيخنا الجليل «محمد هادي معرفة» (1) أمدَّ اللّه في حياته الكريمة، أن يوضِّح لنا واقع هذا الكتاب و قيمته في سوق العلم، و المصادر التي اعتمد الموَلّف عليها، فتفضّل بمقال قيّم ننشره على صفحات كتابنا مشفوعاً بالشكر والتقدير.

مع المحدّث النوري
في كتابه «فصل الخطاب»

هو: الشيخ الحسين بن محمد تقي النوري. ولد في قرية «نور» من ضواحي بلدة «آمل» في مقاطعة «مازندران»، في 18، شوال سنة 1254. وهاجر إلى العراق سنة 1278 ليواصل دراسته العلمية في حوزة النجف الاَشرف حتى سنة 1284 فرجع إلى إيران، ولم يلبث أن عاد إلى العراق عام 1286 وتشرّف بزيارة بيت اللّه الحرام، وبعد مدّة ارتحل إلى سامّراء ، حيث كان محطّ رحل زعيم الاَُمّة الميرزا محمد حسن الشيرازي، الذي توفي سنة 1312 وبعده بمدة وفي سنة 1314 قفل محدثنا النوري من سامراء، ليأخذ من النجف الاَشرف مقره الاَخير، حتى توفاه اللّه سنة 1320هـ.ق.


1. وشيخنا العلاّمة «معرفة» أحد العلماء المحقّقين في علوم القرآن تشهد بذلك موسوعته« التمهيد في علوم القرآن» و قد خرجت منها سبعة أجزاء، وله كتاب «التفسير والمفسّـرون»، نسأله سبحانه أن يمدَّ في حياته الكريمة.

(73)

كان محدّثنا النوري مولَعاً بجمع الاَخبار وتتبّع الآثار، وله في ذلك مواقف مشهودة، ومصنّفاته في هذا الشأن معروفة.

غير أنّ شغفه بذلك، ربّما حاد به عن منهج الاِتقان في النقل والتحديث، ممّا أوجب سلبَ الثقة به أحياناً و في بعض ما يرويه.ولا سيّما عند أهل التحقيق وأرباب النظر من فقهائنا الاَعلام والعلماء العظام.

يقول عنه الاِمام الخميني (قدّس سرّه) :«وهو ـ أي الشيخ النوري ـ شخص صالح متتبّع، إلاّ أن اشتياقه بجمع الضعاف والغرائب و العجائب، وما لا يقبله العقل السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع...». (1)

ويقول عنه العلاّمة البلاغي ـ شيخ العَلَمَين السيد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان، و الاِمام الخوئي صاحب كتاب البيان ـ : «وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ...». (2)

وتساهله هذا في جمع شوارد الاَخبار، قد حطّ من قيمة تتبّعاته الواسعة واضطلاعه بمعرفة أحاديث آل البيت (عليهم السلام) والتي كان مشغوفاً بها طيلة حياته العلميّة.

وقد غرّته ظواهر بعض النقول غير المعتمدة، المأثورة عن طرق الفريقين، مما حسبها تعني تحريفاً في كتاب اللّه العزيز الحميد. فكان ذلك مما أثار رغبته في جمعها وترصيفها، غير مكترث بضعف الاَسانيد، أو نكارة المتون، على غِرار أهل الحشو في الحديث.

أضف إلى ذلك زعمه: أنّه لابدّ من تنويه الكتاب بشأن الولاية صريحاً، التي


1. راجع: تعليقته الكريمة على كفاية الاَُصول «أنوار الهداية»، ج1، ص 245.
2. راجع: مقدمة تفسيره آلاء الرحمن، ص 25.

(74)

هي أهم الفرائض متغافلاً عن تصريح الاِمام الصادق - عليه السّلام - بأنّ ذلك قد تُرك إلى تبيين الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما في سائر الفرائض وغيره من أحاديث تنفي وجود أيّ تصريح في كتاب اللّه باسم الاَئمّة (عليهم السلام) (1)

لكن محدّثنا النوري لم يُعر سمعه لاَمثال هذه الاَحاديث المضيئة، التي تنزّه ساحة قدس القرآن عن شبهة احتمال التحريف، وذهب في غياهب أوهامه، راكضاً وراء شوارد الاَخبار وغرائب الآثار، ناشداً عن وثائق تربطه بمزعومته الكاسدة.

وقد وصف الاِمام البلاغي، مساعي المحدث النوري هذه بأنّه جَهَد في جمع الروايات وكثّر أعداد مسانيدها بأعداد المراسيل وفي جملة ما أورده ما لا يتيسّر احتمال صدقه، ومنها ما يوَول إلى التنافي والتعارض، وإنّ قسماً وافراً منها ترجع إلى عدة أنفار، وقد وصف علماء الرجال كلاً منهم، إمّا بأنّه ضعيف الحديث فاسد المذهب مجفوّ الرواية، وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب، يعرف حديثه و ينكر و يروي عن الضعفاء، وإمّا بأنّه كذّاب متّهم لا يستحل أن يُروى من تفسيره حديث و احد، وربما كان معروفاً بالوقف شديد العداوة للاِمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ، و إمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً، و إمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعوّل عليه و من الكذابين، وإمّا بأنّه فاسد الرواية يُرمى بالغلوّ.

قال (رحمه الله) :ومن الواضح أنّ أمثال هوَلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً. (2)

وهكذا تشبّث محدّثنا النوري بكل حشيش، ونسج منواله نسجَ العنكبوت.

***


1. راجع صحيحة أبي بصير(اصول الكافي: ج1، ص 286).
2. مقدّمة تفسيره «آلاء الرحمن»، ج1، ص 26.

(75)

أمّا كتابه الذي جمع فيه هذه الشوارد والغرائب، وأسماه:«فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّالاَرباب»، فقد وضعه على مقدّمات ثلاث، واثني عشر فصلاً، وخاتمة.

ذكر في المقدمة الاَُولى، ما ورد بشأن جمع القرآن و نظمه و تأليفه، مما يشي ـ بزعمه ـ على ورود نقصٍ أو تغيير في نصّه الكريم.

وفي الثانية: بيّن أنحاء التغيير الممكن حصوله في المصحف الشريف.

وفي الثالثة: في سرد أقوال العلماء في ذلك، إثباتاً أو رفضاً.

أمّا الفصول الاثنا عشر، فقد جعلها دلائل على وقوع التحريف، بالترتيب التالي:
1. قد وقع التحريف في كتب السالفين ، فلابدّ أن يقع مثله في الاِسلام، حيث تشابه الاَحداث في الغابر والحاضر.
2. إنّ أساليب جمع القرآن في عهد متأخر عن حياة الرسول، لتستدعى بطبيعة الحال أن يقع تغيير في نصّه الشريف.
3. محاولة علماء السنَّة توجيه روايات التحريف لديهم، بالاِنساء أو نسخ التلاوة غير سديدة.
4. مغايرة مصحف الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - مع المصحف الحاضر.
5. مغايرة مصحف الصحابي عبد اللّه بن مسعود مع المصحف الراهن.
6. مغايرة مصحف الصحابي أُبيّ بن كعب مع المصحف الرائج.
7. تلاعب عثمان بنصوص الآيات عند جمع المصاحف وتوحيدها.
8. روايات عامّيّة رواها أهل الحشو من محدثي العامّة، ناصّة على التحريف.


(76)

9. إنّ أسامي أوصياء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كانت مذكورة في التوراة ـ على ما رواه كعب الاَحبار اليهودي ـ فلابدّ أنّها كانت مذكورة في القرآن، لمسيس الحاجة إلى ذكرها في القرآن، أكثر مما في كتب السالفين.
10. إنّ اختلاف القراءات، خير شاهد على التلاعب بنصوص الكتاب.
11. روايات خاصّة، تدل دلالة بالعموم على وقوع التحريف.
12. روايات ناصّة على مواضع التحريف في الكتاب.

أمّا الخاتمة، فجعلها ردّاً على دلائل القائلين بصيانة القرآن من التحريف.

***

أمّا الرّوايات الخاصة، والتي استند إليها لاِثبات التحريف، سواء أكانت دالّة بالعموم على وقوع التحريف، أم ناصّة على مواضع التحريف، فهي تربو على الاَلف ومائة حديث، (1122). منها (61) رواية دالة بالعموم. و(1061) ناصة بالخصوص، حسبما زعمه.

لكن أكثريّتها الساحقة نقلها من أُصول لا إسناد لها ولا اعتبار، من كتب و رسائل، إمّا مجهولة أو مبتورة أو هي موضوعة لا أساس لها رأساً.

والمنقول من هذه الكتب تربو على الثمانمائة حديث (815) وبقي الباقي (307). وكثرة من هذا العدد، ترجع إلى اختلاف القراءات، مما لا مساس لها بمسألة التحريف، وهي (107) روايات، و البقية الباقية (200) رواية ، رواها من كتب معتمدة، وهي صالحة للتأويل إلى وجه مقبول، أو هي غير دالة على التحريف، وإنّما أقحمها النوري إقحاماً في أدلة التحريف.

وقد عالجنا هذه الروايات بالذات في كتابنا «صيانة القرآن من التحريف» فراجع.

***


(77)

وقد تمّ تأليف «فصل الخطاب» على يد موَلفه النوري سنة 1292، وطبع سنة 1298، و قد وَجَدَ المحدّث النوري ـ منذ نشر كتابه ـ نفسه في وحشة العزلة و في ضوضاء من نفرة العلماء والطلبة في حوزة سامراء العلمية آنذاك. وقد قامت ضدّه نعرات، تتبعها شتائم و سبّات من نبهاء الاَُمّة في جميع أرجاء البلاد الشيعيّة، و نهض في وجهه أصحاب الاَقلام من ذوي الحميّة على الاِسلام، ولا يزال في متناوش أهل الاِيمان، يسلقونه بألسنة حداد، على ما جاء في وصف العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني، عن موضع هذا الكتاب وموَلفه و ناشره، يوم كان طالباً شابّاً في حوزة سامراء.

يقول في رسالة بعثها تقريظاً على رسالة «البرهان» التي كتبها الميرزا مهدي البروجردي بقم المقدّسة 1373هـ.

يقول فيها: كم أنت شاكر مولاك إذ أولاك بنعمة هذا التأليف المنيف، لعصمة المصحف الشريف عن وصمة التحريف. تلك العقيدة الصحيحة التي آنستُ بها منذ الصغر أيّام مكوثي في سامرّاء، مسقط رأسي، حيث تمركز العلم والدين تحت لواء الاِمام الشيرازي الكبير، فكنت أراها تموج ثائرة على نزيلها المحدّث النوري، بشأن تأليفه كتاب «فصل الخطاب» فلا ندخل مجلساً في الحوزة العلمية إلاّو نسمع الضجّة والعجّة ضدّ الكتاب و موَلّفه وناشره، يسلقونه بألسنة حداد... (1)

وهكذا هبّ أرباب القلم يسارعون في الردّ عليه ونقض كتابه بأقسى كلمات وأعنف تعابير لاذعة، لم يدعوا لبثّ آرائه ونشر عقائده مجالاً ولا قيد شعرةٍ.

وممّن كتب في الردّ عليه من معاصريه، الفقيه المحقّق الشيخ محمود بن


1. البرهان، ص 143ـ144.

(78)

أبي القاسم الشهير بالمعرّب الطهراني (المتوفّـى 1313) في رسالة قيّمة أسماها «كشف الارتياب في عدم تحريف الكتاب» فرغ منها في (17ج2ـ 1302) تقرب من أربعة آلاف بيت في 300 صفحة. وفيها من الاستدلالات المتينة والبراهين القاطعة، ما ألجأ الشيخ النوري إلى التراجع عن رأيه بعض الشيء، وتأثّر كثيراً بهذا الكتاب.

وأيضاً كتب في الردّ عليه معاصره العلاّمة السيد محمد حسين الشهرستاني (المتوفّـى 1315) في رسالة أسماها «حفظ الكتاب الشريف عن شبهة القول بالتحريف». و قد أحسن الكلام في الدلالة على صيانة القرآن عن التحريف و ردّ شبهات المخالف ببيان وافٍ شافٍ. والرسالة في واقعها ردّ على فصل الخطاب، ولكن في أُسلوب ظريف بعيد عن التعسّف و التحمّس المقيت. (1)

وهكذا كتب في الردّ عليه كلّ من كتب في شوَون القرآن أو في التفسير، كالحجّة البلاغي (المتوفّـى 1352) في مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمن) قال تشنيعاً عليه: وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين في التتبّع للشواذّ وإنّه ليعدّ هذا المنقول من «دبستان المذاهب» ضالّته المنشودة، مع اعترافه بأنّه لم يجد لهذا المنقول أثراً في كتب الشيعة. (2)

قم، محمد هادي معرفة
ليلة عيد الفطر المبارك
سنة 1418هـ. ق، 8|11|76 والحمد للّه.



1. راجع البرهان: ص 142.
2. آلاء الرحمن: ج1، ص 25.

(79)

مصادر التشريع
2



السنَّة

السنّة في اللغة: الطريقة والسيرة، سواء كانت محمودة أو مذمومة.

روى أحمد أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينتقص من أُجورهم شيئاً، ومن سنّ في الاِسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً». (1)

ولكنّها في مصطلح الفقهاء: ما صدر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من قول أو فعل أو تقرير.

والسنّة هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء كان منقولاً باللفظ والمعنى، أو منقولاً بالمعنى إذا كان الناقل ضابطاً في النقل، وقد خص اللّه بها المسلمين دون سائر الاَُمم، واهتم المسلمون بنقل ما أُثِرَ عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من السنّة وتحرّوا الدقة في نقلها. والاَدلّة على أنّ السنة هي من مصادر التشريع الاِسلامي، كثيرة نشير إلى بعضها:

الاَوّل: قوله سبحانه: "وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى*إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى" . (2)و النطق مطلق، ورد عليه النفي فيفيد العموم والشمول وانّه لا ينطق عن الهوى مطلقاً في النطق بالقرآن وغيره.

نعم قوله: "إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى" وإنْ كان ناظراً إلى القرآن، لكنّه ليس تعليلاً للجملة المتقدمة حتى نخصه بمورد الوحي، بل هو من قبيل الصغرى


1. مسند أحمد: 4|361 ـ 362.
2. النجم: 3ـ 4.

(80)

للجملة السابقة عليها، كأنّه يقول: إذا كان النبي لا ينطق عن الهوى، فلازم ذلك أن يكون صادقاً في قوله: إنّ القرآن ليس من كلامه، بل هو من كلامه سبحانه، وانّه أُوحي إليه.

ويوَيّد العموم، أنّ قوله: "ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" آب عن الاستثناء والتخصص، فمثلاً لو قيل "وَما يَنْطِقُعَنِ الْهَوى" إلاّ في مورد غير القرآن لتعجب المخاطب من هذا الاستثناء.

الثاني: قوله سبحانه: "وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" . (1)

والآية تتضمن مقاطع ثلاثة، وكلّ مقطع يشير إلى بُعد من أبعاد علم الرسول.

فالاَوّل، أعني قوله: "وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَ الحِكْمَة" يشير إلى العلم الحاصل بنزول الملك على قلبه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

والثاني، أعني قوله: "وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَم" يشير بقرينة المقابلة، إلى العلم غير المعتمد على نزول الملك، فالمراد به هو الاِلقاء في القلب والاِلهام الاِلهي الخفي.

كما أنّ الثالث، أعني قوله: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" يشير إلى سعة علمه.

وبما ذكرنا آنفاً تثبت عصمة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أقواله وأفعاله، فإنّ علمه مستند إمّا إلى نزول الملك، أو الاِلقاء في القلب من جانبه سبحانه فلا يعرض له الخطأ، وكيف يعرض له، وهو القائل: "وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" ومن فضله سبحانه تعليمه إيّاه وتأديبه.

ومردُّ سنّة النبي إلى العلم الواسع الذي تفضل به سبحانه عليه، فلا يخطأ الواقع قدر شعرة.


1. النساء: 113.

(81)

وقد أكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على أنّ السنّة الشريفة هي المصدر الرئيسي بعد الكتاب، وأنّ جميع ما يحتاج الناس إليه قد جاء فيه كتاب أو سنّة.

قال الاِمام الباقر - عليه السّلام - : «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله، وجعل لكلّ شيء حداً، وجعل عليه دليلاً يدل عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحد حداً». (1)

وقال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «ما مِنْ شيءٍ إلاّ وفيه كتاب أو سنّة». (2)

وروى سماعة عن الاِمام أبي الحسن موسى الكاظم - عليه السّلام - ، قال: قلت له: أكل شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه، أو تقولون فيه؟

قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيه». (3)

روى أُسامة، قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام - وعنده رجل من المغيرية (4) فسأله عن شيء من السنن فقال: «ما من شيء يحتاج إليه ولد آدم إلاّ وقد خرجت فيه سنّة من اللّه ومن رسوله، ولولا ذلك، ما احتج علينا بما احتج؟»

فقال المغيري: وبما احتج؟.

فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «قوله: "اَلْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً(5)" فلو لم يكمل سنّته وفرائضه وما يحتاج إليه الناس، ما احتجّ به». (6)

روى أبو حمزة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللّه في خطبته في حجّة الوداع: «أيّها الناس اتّقوا اللّه ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّوقد نهيتكم عنه وأمرتكم به». (7)

إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من التأكيد


1. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
2. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
3. الكليني: الكافي: 1، الحديث 2، 4، 10، باب الرد إلى الكتاب والسنة.
4. هم أصحاب المغيرة بن سعيد، الذي تبرّأ منه الاِمام الصادق - عليه السّلام - .
5. المائدة: 3.
6. المجلسي: البحار: 2|168ح3.
7. البحار: 2|171 ح11.

(82)

على السنّة والركون إليها.

أضف إلى ذلك، انّ موافقة السنّة هي الحد المائز بين الحقّ والباطل عند تعارض تلك النصوص.

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : «كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّحديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». (1)

وقال - عليه السّلام - أيضاً: «من خالف كتاب اللّه وسنّة محمد فقد كفر». (2)

إنّ موقف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في بيان الاَحكام وتبليغ الشريعة غير موقفه في مقام القضاء وإدارة دفّة الحكم، ففي الموقف الاَوّل هو معلم الاَُمّة ومرشدها ورسولها يبلغ رسالات اللّه دون أن يكون له أمر أو نهي، خلافاً للمقام الثاني، فهو يتمتع فيه بمقام الاِمرة وعلى الاَُمّة إطاعة أوامره ونواهيه، وفي هذا الصدد يقول سبحانه: "فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيم".(3)

وقال سبحانه: "وَما كانَ لِمُوَْمِنٍ وَلا مُوَمِنَةٍ إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" . (4)

وقال عزّ من قائل: "فَلا وَرَبِّكَ لا يُوَْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً" . (5)

فالآية الاَُولى تحذّرنا عن مخالفته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وتسلب الآية الثانية أيَّ خيار للموَمنين أمام قضائه، كما أنّ الآية الثالثة تعدّ التسليم أمام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ركن الاِيمان.


1. الكافي: 1|الحديث 3و6 باب الاَخذ بالسنّة.
2. الكافي: 1|الحديث 3و6 باب الاَخذ بالسنّة.
3. النور: 63.
4. الاَحزاب: 36.
5. النساء: 65.

(83)

ومناصب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هي مناصب مهداة من قبل اللّه سبحانه إليه، فإطاعة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من شعب إطاعة اللّه سبحانه.

قال سبحانه: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْأَطاعَ اللّه" . (1)

فظهر ممّا تقدّم أنّالسنّة هي الحجّة الثانية في مقام التشريع والقضاء، ولا أظن أنّ من له أدنى إلمام بالشريعة الاِسلامية أن ينكر حجية السنّة، كيف والقرآن الكريم يعدّ السنّة مبيّنة له؟ قال سبحانه: "وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلناسِ ما نُزِّلَإِلَيْهِمْ وَلعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون" . (2)

فالغاية من النزول هي تبيين النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للناس مانزّل إليهم، والتبيين غير القراءة وإلاّ كان المناسب أن يقول: (لتقرأه عليهم) ، فهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مأمور بالقراءة والتبيين.

وقد أشار في سورة أُخرى لكلتا الوظيفتين وقال: "لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْنْاهُ فَاتَّبِعْ قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ" . (3)

والسنّة هي الكفيلة بتبيين الغاية.

وقد كلّف اللّه سبحانه الناس بعبادات كالصلاة والصوم والحج، وأمرهم بأداء ضرائب مالية كالزكاة والخمس والاَنفال، كما أمضى لهم العقود والاِيقاعات، وشرع لهم القضاء والسياسات.

ومن المعلوم أنّ القرآن لم يتكفّل ببيان خصوصياتها وشرائطها وموانعها


1. النساء: 80.
2. النحل: 44.
3. القيامة: 16ـ19.

(84)

وقواطعها، والسنّة هي المتكفّلة ببيان تلك الاَُمور، فلو تُركت السنّة وأهملت على الاِطلاق أو اقتصرت على المتواترة، لاندثرت الشريعة ومُحِيت أحكامها، ولم يبق من الشريعة اسم ولا رسم.

مكانة السنّة في التشريع

إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم تبيّن مجملاته، أو تخصّص عموماته، أو تقيّد مطلقاته؛ وأُخرى تكون مبتدِئة بالتقنين غير ناظرة إلى الذكر الحكيم.وفي كليهما تكون الصياغة والتعبير للرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولكن المعنى والمضمون وحي من اللّه سبحانه، ولذلك تعد عدلاً للقرآن الكريم.

فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفية لا تعلم إلاّ من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو المبيّن لحقائقها وشروطها وموانعها، وقد صلّى مع المسلمين وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلي» وبذلك رفع الاِجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها الزكاة والحجّ.

هذا هو أبو هريرة يروي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «إذا قمت إلى الصلاة، فاسبغ الوضوء، ثمّ استقبل القبلة، ثمّ اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثمّ اركع حتى تطمئن راكعاً، ثمّ ارفع حتى تعتدل قائماً، ثمّ اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمّ ارفع حتى تطمئن جالساً، ثمّ اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثمّ افعل ذلك في صلاتك».(1)

وهذه هي الزكاة أمر بها سبحانه، وقد بيّنها الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سنّته، روى معاذ ابن جبل أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة،


1. ابن حجر: بلوغ المرام: باب صفة الصلاة، الحديث 278.

(85)

تبيعاً أو تبيعة؛ ومن كلّأربعين مسنّة، و من كلّ حالم ديناراً، أو عدله معافريا. (1)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في تفسير العبادات والمعاملات الواردة في الذكر الحكيم، وأمّا التخصيص والتقييد فحدث عنه ولا حرج، ولنذكر بعض الاَمثلة:

قال أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «ليس بين الرجل و ولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا». (2)

وقال الاِمام أبو جعفر الباقر - عليه السّلام - : «ليس بين الرجل وولده وبينه وبين عبده ولا بين أهله ربا». (3)

فإنّ الروايتين المرويتين عن الاِمام أمير الموَمنين علي - عليه السّلام - والاِمام الباقر (عليه السلام) يخصّصان إطلاق التحريم في آيات الربا. وهما (عليهما السلام) يحكيان السنّة النبوية.

وأمّا التقييد فقال سبحانه: "السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما" (4) ولكن تقيّد السنّة إطلاقها بأُصول الاَصابع؛ روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: قلت له: من أين يجب القطع؟ فبسط أصابعه، قال: «من هاهنا». (يعني من مفصل الكف).(5)

وفي رواية أُخرى، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، قال: «القطع من وسط الكف، ولا يقطع الاِبهام، وإذا قطعت الرِجْل تُرِك العقبُ لم يقطع». (6) ولم تكن سنّة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - منحصرة بتوضيح و تضييق ما ورد في القرآن الكريم، بل ربما تكون قائمة على بيان الحكم الشرعي من غير نظر إلى القرآن، وما أكثر هذا


1. المصدر نفسه: باب الزكاة، حديث 623. والحالم: البالغ.
2. الوسائل: 12، الباب السابع من أبواب الربا، الحديث 1و2.
3. الوسائل: 12، الباب السابع من أبواب الربا، الحديث 1و2.
4. المائدة: 38.
5. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1و2.
6. الوسائل: 18، الباب 4 من أبواب حدّ السرقة، الحديث 1و2.

(86)

النوع من السنّة، و يكفيك الرجوع إلى كتاب «بلوغ المرام في أدلّة الاَحكام» للحافظ العسقلاني (المتوفّـى852هـ) لاَهل السنّة، ووسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحرّ العاملي (المتوفّـى 1104هـ) .

تمحيص السنة النبويّة وتدوينها

إذا وقفت على مكانة السنة النبوية وأهميتها فاعلم أنّ تمتع السنّة بهذه الدرجة من الاَهمية مردّها إلى السنّة الواقعية من قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وفعله وتقريره، لا كلّ ما نسب إليه وأثر عنه من دون العلم بصحّة النسبة، فعلى الباحث تمحيص السنّة.

وربما يقول القائل: إنّ السنّة النبوية وحي إلهي، فما معنى تمحيص الوحي، أوَ يصحّ لبشر خاطىَ أن يمحّص الحق المحض؟

ونحن نوافق هذا القائل في أنّ السنّة النبوية الواقعية فوق التمحيص، وفوق إدراك البشر وقضائه، ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام هي السنّة المتبلورة المحكية في الصحاح والمسانيد، فإنّها بحاجة إلى التمحيص لفرز صحيحها عن سقيمها، وواقعها عن زائفها، فليس كلّ من يتكلّم عن لسان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بثقة، وعلى فرض وثاقته فليس بمصون عن الخطأ و النسيان.

فتمحيص السنّة ليس لغاية التشكيك فيها، وإنّما يهدف من وراء ذلك إلى إحقاق الحقّ وإبطال الباطل.

ولا ينبغي الاِضفاء على كتاب، طابَع القداسة والصحّة غير كتاب اللّه سبحانه، فغيره وإن بلغ ما بلغ من الاِتقان خاضع للتمحيص والاِمعان والبحث في السند و المتن.

فإذا كانت السنّة من الاَهمية بمكان فالجدير بها هو دراستها وكتابتها


(87)

وتدوينها حتى تنتقل السنّة الصحيحة من الصحابة إلى التابعين، ومن ثمّ إلى الاَجيال المتأخرة، وتكون كالكتاب العزيز مشعّة لطريق الهدى.

فإذن لا يتصور ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من أنّه نهى عن كتابة السنَّة، وإن رواها أصحاب الصحاح في صحاحهم.

روى مسلم في «صحيحه» وأحمد في «مسنده»: انّ رسول اللّه قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

وفي رواية: انّهم استأذنوا النبي أن يكتبوا عنه، فلم يأذنهم.

وفي «مسند أحمد» أنّرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى أن نكتب شيئاً من حديثه.(1)

وأيضاً ورد في «مسند أحمد» عن أبي هريرة أنّه قال: كنّا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون؟» فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّه؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب اللّه، امحضوا كتاب اللّه، أكتاب غير كتاب اللّه امحضوا أو خلصوه». قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد، ثمّ أحرقناه بالنار. (2)

ثمّإنّ المحدثين لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى شخصيات بارزة كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الاَشعري، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك من الذين رووا منع الكتابة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . (3)

ويظهر ممّا رواه البخاري انّ عمر بن الخطاب كان يتبنّى تلك الفكرة حتى


1. مسند أحمد: 5|182.
2. مسند أحمد: 3|12.
3. جمع الخطيب في «تقييد العلم»: 28 ـ 49، الروايات المنسوبة إلى النبي، و الموقوفة على الصحابة والتابعين.

(88)

في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - روى ابن عباس، قال: لما اشتدّ بالنبي الوجع قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده».

قال عمر: إنّ النبي غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّه، حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط.

قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع».

فخرج ابن عباس يقول:

إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين كتابه. (1)

ولا أظن أحداً يوافق الخليفة فيما ادّعاه، و إنّما هي كلمة صدرت عنه للحيلولة دون كتاب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولم يكن هذا المنع هو الموقف الاَخير من الخليفة، بل له مواقف أُخرى أشدّ من ذلك، فقد منع كتابة الحديث و تدوينه بعد رحيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بوجه بات، وبذلك جسّد ما قاله أمام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : حسبنا كتاب اللّه، وصار منعه فيما بعد سنّة رائجة إلى أواسط القرن الثاني.

روى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن و انّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها، وتركوا كتاب اللّه، وانّي واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء أبداً. (2)

وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمد


1. البخاري: الصحيح: 1|39، كتاب العلم، باب كتابة العلم.
2. تقييد العلم: 49.

(89)

وأنا شريككم. (1)

وكان عمر قد شيّع قرظة بن كعب الاَنصاري و من معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لاَجل الوصية بهذا الاَمر، و قال لهم ذلك القول.

قال قرظة بن كعب الاَنصاري: أردنا الكوفة فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين وقال: تدرون لم شيّعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّهص، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالاَحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول اللّه، وامضوا وأنا شريككم. (2)

وقد حفظ التاريخ أنّالخليفة قال لاَبي ذر، وعبد اللّه بن مسعود، وأبي الدرداء: ما لهذا الحديث الذي تفشون عن محمد؟ (3) وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّفي أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: «أيّها الناس إنّه قد بلغني انّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي. قال: فظنّوا أنّه يريد ينظر فيها و يقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار، ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب.(4)

وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة


1. تاريخ الطبري: 3|273، طبعة الاَعلمي بالاَُوفست.
2. طبقات ابن سعد: 6|7؛والمستدرك للحاكم: 1|102.
3. كنز العمال: 10|293 ح29479.
4. تقييد العلم: 52.

(90)

محدودة، وقال على المنبر: لا يحل لاَحد يروي حديثاً لم يُسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر. (1)

كما أنّمعاوية اتبع طريقة الخليفتين أيضاً، فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّه، و إن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر. (2)

حتى أنّ عبيد اللّه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّه. (3)

وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة رائجة، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.

لا أظن أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينهى عن تدوين المصدر الثاني للتشريع، بالرغم من أمره بكتابة ما هو أدون منه شأناً، بل لا يقاس به، ككتابة الدين، قال سبحانه: "وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرتابُوا" . (4)

إنّ الشريعة الاِسلامية شريعة خاتمة كنبوتها، وهي قائمة على دعامتين: الكتاب والسنّة، فكيف يعقل أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أخذ بزمام أحدهما وترك الآخر، مع أنّ في تركها تقويضاً لعرى الدين.

فإذا كانت هذه عاقبة السنّة النبوية وما آلت إليه من إجحاف الدهر عليها، أفيصح قول ابن الاَثير في «جامع الاَُصول» حين الاِشارة إلى قيمة الحديث بين


1. كنز العمال: 10|290 ح29490.
2. كنز العمال: 10|291 ح29473.
3. فرقة السلفية: 14، نقلاً عن مسند الاِمام أحمد.
4. البقرة: 282.

(91)

الصحابة والتابعين: فما زال هذا العلم ـ من عهد الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والاِسلام غضّ طريّ، والدين محكم الاَساس قوي ـ أشرف العلوم وأجلّها لدى الصحابة رضي اللّه عنهم والتابعين بعدهم وتابعي التابعين ، يعظمه وأهله الخلف بعد السلف، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظه لكتاب اللّه عزّ وجلّ إلاّ بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلاّ بحسب ما يسمع من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلّمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد، ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديث واحد ليسمعه من راويه. فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة: طلب ذلك الحديث لذاته. ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوي بعينه، إمّا لثقته في نفسه، وصدقه في نقله، وإمّا لعلو اسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله.(1)

فإذا كان الحكم السائد في عصر الخلافة تقليل الرواية عن محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وكانت مشايعة بعض الصحابة بغية تحقق تلك الغاية.

وإذا كانت مكانة كتابة السنّة ومنزلتها إحراقَها أمام الصحابة وعلى روَوس الاَشهاد، أفهل يمكن أن يكون أشرف العلوم بعد حفظ كتاب اللّه كما وصفه ابن الاَثير إلى آخر ما وصفه؟!!

نعم يصح ما ذكره في منتصف القرن الثاني بعد ما بلغ السيل الزبى، واندرس العلم، وأُبيد معظم الصحابة والتابعين، فلم يبق إلاّ صبابة كصبابة الاِناء، فعند ذلك وقفوا على الرزية العظمى التي منوا بها، فعادوا يتداركونه ببذل جهود حثيثة في تقييد شوارد الحديث، يقول ابن الاَثير: لما انتشر الاِسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الاَقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة،


1. جامع الاَُصول: 1| 14 ـ 15.

(92)

وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنّـها الاَصل، فإنّ الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى.

فانتهى الاَمر إلى زمن جماعة من الاَئمّة مثل عبد الملك بن جريج الاَُموي (80 ـ 150هـ) ومالك بن أنس (95 ـ 179هـ) وغيرهما ممّن كان في عصرهما فدوّنوا الحديث حتى قيل: إنّ أوّل ما صنّف في الاِسلام كتاب ابن جريج، وقيل: موطأ مالك، وقيل: إنّ أوّل من صنّف وبوّب، الربيع بن صبيح بالبصرة. (1)

قال جلال الدين السيوطي: أخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد، عن عبد اللّه بن دينار، قال: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الحديث، إنّما كانوا يوَدّونها لفظاً، ويأخذونها حفظاً، إلاّ كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس، وأسرع في العلماء الموت، فأمر عمر بن عبد العزيز، أبابكر الحزمي فيما كتب إليه: ان انظر ما كان من سنّة أو حديث عمر فاكتبه.

وقال ابن حجر: اعلم أنّآثار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن في عصر الصحابة وكبار تابعيهم مدونة في الجوامع و مرتّبة لاَمرين:

أحدهما: انّهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك، كما ثبت في «صحيح مسلم» خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

والثاني: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولاَنّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثمّحدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الاَخبار، لما انتشر العلماء في الاَمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومفكري الاَقدار.

فأوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعد بن أبي عروبة، وغيرهما،


1. جامع الاَُصول: 1|40.

(93)

فكانوا يصنفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني، فدوّنوا الاَحكام، فصنّف الاِمام مالك «الموطأ» وتوخّى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة، وفتاوى التابعين ومن بعدهم؛ وصنّف ابن جريج بمكة، والاَوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالري، وكان هوَلاء في عصر واحد، فلا يدرى أيّهم أسبق.

ثمّتلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الاَئمّة أن يفرد حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنّفوا المسانيد. (1)

ولو أردنا أن نحدّد تاريخ التدوين عند أهل السنة بالضبط، فنقول: إنّ تاريخه يرجع إلى ما ذكره الذهبي بقوله:

وفي سنة مائة وثلاث وأربعين شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنف ابن إسحاق المغازي، و صنّف أبو حنيفة الفقه والرأي، إلى أن قال: وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (2)

إلى هنا اتضح أنّ السنّة النبوية لم تلق من الاهتمام في عصر الخلفاء والاَُمويين وأوائل العصر العباسي حتى خلافة المنصور العباسي، فأمر بتدوين السنّة وتبويبها.


1. جلال الدين السيوطي: تنوير الحوالك: 1|6ـ7.
2. السيوطي: تاريخ الخلفاء: 316. وسيوافيك ذيله ص 97.


(94)

أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وتدوين الحديث

احتلّت السنة الشريفة عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مقاماًشامخاً، نظراً إلى الدور الذي تمتعت به في تلبية كافة متطلبات الاِنسان الفردية والاجتماعية وتغنيه بعد الكتاب عن أيّ تشريع.

قال الاِمام الباقر - عليه السّلام - : كلُّ من تعدّى السنّة ردّ إلى السنَّة. (1)

وقال الاِمام الصادق - عليه السّلام - : ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة.(2)

وقد مضى في هذا الفصل ما يدل على مكانة السنة و منزلتها لدى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .

غير انّ المهم هو الاِشارة إلى العناية التي أولاها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لتدوين الحديث.

فأوّل من دون حديث رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الاِمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فقد دونَ - عليه السّلام - صحيفةً خاصةً باملاء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، اطلق عليها «الجامعة»، وقد سمعها - عليه السّلام - من فلق فمه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

قال الاِمام الصادق - عليه السّلام - في شأنها : فيها كلّما يحتاج الناس إليه و ليس من قضية إلاّ فيها حتى أرش الخدش.

وكان الاَئمّة (عليهم السلام) يصدرون عن هذه الجامعة ويروون أحاديثها.

يقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: انّعندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً، املاء رسول اللّه وخطّ علي بيده، ما من حلال و لا حرام


1. الكافي: 1|69، باب الاَخذ بالسنة وشواهد الكتاب، الحديث 11.
2. الكافي: 1|59، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 4.

(95)

إلاّوهو فيها حتى أرش الخدش. (1)

وسيوافيك في الجزء الثاني من هذا الكتاب المزيد عن هذا الموضوع، إلاّ انّ المهم هنا هو سرد الاَحاديث الواردة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - و أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الحاثة على تدوين الحديث.
1. روى الكليني، عن ابن أبي عمير، عن حسين الاحمسي عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، قال: القلب يتّكل على الكتابة. (2)
2. روى الكليني، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: اكتبوا فانّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا. (3)
3. روى الكليني، عن ابن بكير ، عن عبيد بن زرارة، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : احتفظوا بكتبكم فانّكم سوف تحتاجون إليها. (4)
4. روى الكليني، عن المفضل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : اكتب وبُثّ علمك في إخوانك، فإن متّ فأورث كتبك بنيك، فانّه يأتي على النّاس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم. (5)

إلى غير ذلك من الاَحاديث الحاثة على الكتابة.

وممّا يوَسف له أنّ كثيراً من الكتّاب المعاصرين من أهل السنّة تصوّروا أنّ السنّة منحصرة في الصحاح والمسانيد.

ولكن هوَلاء بخسوا حق الشيعة وجهودهم في جمع الاَحاديث النبوية التي صدرت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، فعندهم من السنّة مالا يستهان بها، وخلو


1. جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاَثر حول كتاب علي - عليه السّلام - في موسوعته بحار الاَنوار تحت عنوان باب جهات علومهم و ما عندهم من الكتب، لاحظ بحار الاَنوار:26|18 ذلك الباب، الحديث 1،10، 12و30.
2. الكافي: 1|52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 8 ـ 11.
3. الكافي: 1|52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 8 ـ 11.
4. الكافي: 1|52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 8 ـ 11.
5. الكافي: 1|52، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث، الحديث 8 ـ 11.

(96)

الصحاح والمسانيد منها لا يدل على ضعفها لو لم يكن دليلاً على العكس.

والذي يوَيد ذلك انّ شيعة أئمّة أهل البيت ما برحوا يكتبون الحديث بعد رحيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولم يقيموا لمنع الكتابة وزناً ولا قيمة، وأمّا غيرهم فقد تأخّروا عن تدوين السنّة بأزيد من قرن وبدأوا بالتدوين والكتابة في عصر المنصور الدوانيقي.

مضاعفات منع التدوين

قد كان لمنع تدوين الحديث آثار سلبية نشير إلى بعضها:

الاَوّل: فسح المجال للاَحبار والرهبان للتحدّث عن العهدين، ونشر بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية بين المسلمين، وربّما نسبوها إلى الاَنبياء و المرسلين، وأُخرى إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

قال الدكتور أحمد أمين: اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه وكعب الاَحبار وعبد اللّه بن سلام، واتصل التابعون بابن جريج، وهوَلاء كانت لهم معلومات رووا عن التوراة والاِنجيل وشروحها وحواشيها، فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصّوها بجانب آيات القرآن فكانت منبعاً من منابع التضخيم. (1)

فإذا كان بابُ التحدّث عن الرسول موَصداً، فالناس بطبعهم يميلون إلى سماع أخبار من يماثل النبي كالاَنبياء والاَوصياء، فإنّ إفشاء الاَساطير بين المسلمين جاء كرد فعل طبيعي على ظاهرة المنع من سماع الحديث الصحيح.

الثاني: لم يكن المنع مختصاً بالخليفة عمر، بل أخذ المنع لنفسه هالة من


1. ضحى الاِسلام: 2|139.

(97)

القداسة استمر إلى آخر العهد الاَُموي، حتى أنّعمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم بقوله: انظر ما كان من حديث رسول اللّه، فاكتبه، فأنّـي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولاتقبل إلاّحديث النبي، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً. (1)

ومع هذا التأكيد والحث من الخليفة الاَموي في نهاية القرن الاَوّل، كان للمنع أثره الباقي في نفوس المسلمين إلى عهد المنصور الدوانيقي، ففي عصره اندفع المسلمون إلى تدوين الحديث بعد ما بلغ السيل الزبى، قال الذهبي: في سنة 143 شرع علماء الاِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث و الفقه و التفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك «الموطأ» بالمدينة، و الاَوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة و حماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبوحنيفة الفقه والرأي، ثمّبعد يسير صنّف هشيم والليث وابن لهيعة، ثمّ ابن المبارك وأبو يوسف و ابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه ودوّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الاَئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة. (2)

أفبعد هذا يمكن حصر السنّة النبوية فيما جاء في الصحاح والمسانيد، فإنّ العالم الاِسلامي حسب ما يذكر الذهبي اندفع فجأة بعد مضي 143سنة من هجرة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نحو التدوين، و من الطبيعي أن يفوتهم كثير من السنّة النبوية التي تركت دراستها ومكاتبتها وتدوينها تحت ضغط من الحكومة.


1. البخاري: الصحيح: باب كيف يقبض العلم، من أبواب كتاب العلم، ص36.
2.جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء: 261. مرّ صدره في ص 93.

(98)

السنّة بين الاِفراط والتفريط

إنّ السنّة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع ولها منزلتها ومكانتها، بيد انّ هناك أُناساً خرجوا عن حد الاعتدال، فمن مفرط يمنع التحدّث بها إلى مفرّط يجعلها فوق الكتاب الكريم ويقول: السنّة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنّة. (1)

حتى أنّ الاِمام الاَشعري الذي نظم عقائد أهل السنّة يقول في بيانها: السنّة لا تنسخ بالقرآن. (2)

وقال أيضاً: إنّ السنّة تنسخ القرآن وتقضي عليه، وانّ القرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها. (3)

ولا يقصر عن ذلك ما نقله ابن عبد البر عن مكحول والاَوزاعي أنّهما قالا: القرآن أحوج إلى السنّة، من السنّة إلى القرآن الكريم. (4)

وهذا المنهج يجعل القرآن في المرتبة الثانية بالنسبة إلى الحديث الذي يجعلونه أصلاً والكتاب فرعاً، وما هذا إلاّالافراط في جانب السنّة.

جوامع التشريع في السنّة النبوية

اشتملت السنّة النبوية على جوامع التشريع وصارت مبدأً فياضاً لاستنباط كثير من الاَحكام، ونحن ننقل نماذج من هذا النوع من التشريع.


1. ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث: 199، وسنن الدارمي: 1|145.
2. مقالات الاِسلاميين: 1|324.
3. مقالات الاِسلاميين: 2|251.
4. جامع بيان العلم: 234.

(99)

وقد استخرج ابن حجر العسقلاني الاَحاديث التي لها صلة بالاَحكام الشرعية ودوّنها في كتابه «بلوغ المرام في أدلّة الاَحكام» ونحن نستعرض بعض ما ورد في هذا الكتاب من الاَُصول والكلّيات، ونذكر رقم الحديث إلى جانبه:
1.أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ الماء طهور لا ينجّسه شيء». (الحديث 2)
2. أبو أُمامة الباهلي، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ الماء لا ينجّسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه». (الحديث 3)
3. ابن عمـر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل الخبث». (الحديث 5)
4. أبو واقد الليثي قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما قُطِعَ من البهيمة ـ وهي حيّة ـ فهو ميّت». (الحديث17)
5. حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : « لا تشربوا في آنية الذهب و الفضة، ولا تأكلوا في صحافهما». (الحديث 18)
6.أبو ثعلبة الخُشَني قال: قلت يا رسول اللّه، إنّا بأرض قومٍ أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟

قال: «لا تأكلوا فيها، إلاّ أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها، وكلوا فيها». (الحديث 24)
7. عن علي - عليه السّلام - أنّه قال: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه». (الحديث 65)
8.أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه: أخرج منه شيءٌ أم لا ؟ فلا يخرجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد


(100)

ريحاً». (الحديث 77)
9. وعن عائشة قالت: كان رسول اللّهص يذكر اللّه على كلّ أحيانه. (الحديث84)
10. عن ابن عباس انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «يأتي أحدكم الشيطان في صلاته، فينفخ في مقعدته فيخيّل إليه انّه أحدث، ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً». (الحديث 89)
11.عن جابر بن عبد اللّه أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: « أُعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ قبلي... وجعلت لي الاَرض مسجداً وطهوراً، فأيّما رجل أدركته الصلاة فليصل» (الحديث 136)
12. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماءَ عشر سنين. فإذا وجد الماء فليتّق اللّه وليمسَّه بشرته». (الحديث 142)
13. أبو هريرة قال: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». (الحديث173)
14. عن جبير بن مطعم قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «يا بني عبد منافٍ، لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلّى أيّة ساعةٍ شاء من ليل أو نهار». (الحديث179)
15. عن ابن مسعود قال: قال رسول ا للّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أفضل الاَعمال الصلاة في أوّل وقتها». (الحديث 183)
16. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما بين المشرق و المغرب قبلة». (الحديث 226)


(101)

17. عامر بن ربيعة قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصلّي على راحلته حيث توجّهت به. (الحديث 227)
18. أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا وطىَ أحدكم الاَذى بخفّيه فطهورهما التراب». (الحديث 233)
19. معاوية بن الحكم قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن». (الحديث 234)
20. عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا صلاة لمن لم يقرأ بأُمّ القرآن». (الحديث 294)
21. عمران بن حصين عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، وإلاّ فأوم». (الحديث 347)
22. أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلّى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن. ثمّيسجد سجدتين قبل أن يسلّم، فإن كان صلّى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلّى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان». (الحديث 354)
23. عبد اللّه بن جعفر مرفوعاً: من شكّ في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم. (الحديث358)
24. عمر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «ليس على من خلف الاِمام سهو، فإن سها الاِمام فعليه وعلى من خلفه». (الحديث 360)
25. عن ثوبان، عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «لكلّ سهو سجدتان بعد ما يسلّم». (الحديث361)


(102)

26. عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه، وصلّوا خلف من قال: لا إله إلاّ اللّه». (الحديث450)
27.عن علي قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا أتى أحدكم الصلاة والاِمام على حالٍ فليصنع كما يصنع الاِمام». (الحديث451)
28. عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا تقصروا الصلاة في أقلّ من أربعة بُرُد، من مكة إلى عُسفان». (الحديث464)
29. و عن طارق بن شهاب أنّ رسول اللّهص قال: «الجمعة حقّ واجب على كلّ مسلم في جماعة إلاّ أربعة: مملوك وامرأة وصبيٌ ومريض». (الحديث494)
30. ابن عمر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ليس على مسافر جُمُعة». (الحديث495)
31. عن عائشة قالت: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الفطر يوم يُفطِر الناس، والاَضحى يوم يُضحّي الناس». (الحديث509)
32. وعن حذيفة قال: نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لُبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه». (الحديث546)
33. أبو موسى الاَشعري قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أُحِلَّ الذهبُ والحريرُ لاِناثِ أُمّتي وحُرِّم على ذكورها». (الحديث 550)
34. عن علي - عليه السّلام - قال: «ليس في البقر العوامل صدقة». (الحديث629)
35. جابر عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «ليس في ما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍمن الاِبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة». (الحديث633)


(103)

36. سالم بن عبد اللّه عن أبيه عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرِيّاً، العُشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر». (الحديث635)
37. وعن أبي موسى الاَشعري ومعاذ أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال لهما: «لا تأخذا في الصدقة إلاّ من هذه الاَصناف الاَربعة: الشعير، والحنطة والزبيب والتمر». (الحديث636)
38. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «وفي الركاز الخمس». (الحديث643)
39.عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: ـ في كنز وجده رجل في خربة ـ «إن وجدته في قرية مسكونة فعرّفه، وإن وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس». (الحديث644)
40. ابن عمر قال: فرض رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - زكاة الفطر صاعاً من تمرٍ أو صاعاً من شعير: على العبد و الحرّ والذكر و الاَُنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن توَدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة. (الحديث 646)
41. أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا تحلّ الصدقة لغني إلاّ لخمسة: لعاملٍ عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيل اللّه، أو مسكينٍ تصدّق عليه منها، فأهدى منها لغنيّ». (الحديث662)
42. عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنّما هي أوساخ الناس». (الحديث665)
43. عمار بن ياسر قال: من صام اليوم الذي يُشَك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . (الحديث 670)
44. ابن عمر قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «إذا رأيتموه فصوموا،


(104)

وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فاقدروا له». (الحديث 671)
45.أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه اللّه وسقاه». (الحديث 688)
46. وللحاكم: من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاءعليه ولا كفّارة. (الحديث 689)
47. وعن عائشة أنّ النبي قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه». (الحديث 697)
48. وعن أبي هريرة انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «لا يحلّللمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلاّ بإذنه». (الحديث 703)
49. عن ابن عباس انّ امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقالت: إنّ أُمّي نذرت أن تحج، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟

قال: «نعم، حجّي عنها، أرأيت لو كان على أُمّك دين، أكنتِ قاضيته؟ اقضوا اللّه، فاللّه أحقّ بالوفاء». (الحديث733)
50. عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : « أيّما صبيّ حج ثمّ بلغ الحنث، فعليه أن يحجّ حجّة أُخرى، وأيّما عبد حجّ ثمّ أُعتق، فعليه أن يحجّ حجّةً أُخرى». (الحديث734)
51. ابن عباس قال: خطبنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: «إنّ اللّه كتب عليكم الحج» فقام الاَقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول اللّه؟ قال: «لو قلتها لوجبت. الحجّ مرّةً، فما زاد فهو تطوّع». (الحديث 737)
52.وعن ابن عمر أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: «لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا


(105)

الخفاف، إلاّ أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس الخُفّين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئاً من الثياب مسّه الزعفران ولا الورس». (الحديث748)
53. جابر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «نحرت هاهنا، ومنى كلّها منحر، فانحروا في رحالكم؛ ووقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف؛ ووقفت هاهنا وجمعٌ كلّها موقف». (الحديث761)
54. جابر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : « إنّ اللّه حرّم بيع الخمر و الميتة والخنزير والاَصنام». (الحديث801)
55. ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيّنة، فالقول ما يقول ربّ السلعة أو يتتاركان». (الحديث 802)
56. أبو مسعود الاَنصاري انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ، وحلوان الكاهن. (الحديث 803)
57. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه. (الحديث 807)
58. عائشة قالت: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «... ما كان من شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل، و إن كان مائة شرط، قضاء اللّه أحقّ، وشرط اللّه أوثق، وإنّما الولاء لمن أعتق». (الحديث 809)
59. عن ابن عمر انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن بيع الولاء وعن هبته. (الحديث815)
60. عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. (الحديث 816)
61. عن أبي هريرة: انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من اشترى طعاماً فلا يبعه


(106)

حتى يكتاله». (الحديث817)
62. عن أبي هريرة: نهى رسول اللّهص عن بيعتين في بيعةٍ. (الحديث 818)
63. عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا يحلّسلفٌ وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح مالم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك». (الحديث 820)
64. عن جابر انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وعن الثُنيا، إلاّ أن تُعلم. (الحديث 825)
65. أبو سعيد الخدري انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن شراء ما في بطون الاَنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص. (الحديث 841)
66. ابن مسعود قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : « لا تشتروا السمك في الماء فانّه غرر». (الحديث842)
67. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من أقال مسلماً بيعته أقال اللّه عثرته». (الحديث845)
68. عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه انّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرّقا إلاّ أن تكون صفقة خيار». (الحديث847)
69. عن جابر قال: لعن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء. (الحديث849)
70. عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبرُّ بالبرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواءٍ، يداً بيدٍ فإذا اختلفت هذه الاَصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان


(107)

يداً بيد». (الحديث853)
71. ابن عمر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «من ابتاع نخلاً بعد أن توَبّر فثمرتها للبائع الذي باعها إلاّ أن يشترط المبتاع». (الحديث873)
72. عن ابن عباس... قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من أسلف في تمرٍ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». (الحديث874)
73. عن علي - عليه السّلام - قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «كلّ قرض جرّ منفعة فهو رباً». (الحديث881)
74. أبو هريرة قال: سمعنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحقّ به من غيره». (الحديث884)
75. عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ليّالواجد يحلّعرضه وعقوبته». (الحديث887)
76. عمرو بن عوف المزني انّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلاّصلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً، والمسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً». (الحديث894)
77.أبوذر قال: قال لي النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «قل الحقّ ولو كان مُرّاً». (الحديث910)
78. سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «على اليد ما أخذت حتى توَدّيه». (الحديث911)
79. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أدّ الاَمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». (الحديث912)
80. عروة بن الزبير عن رجل من أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ... وقال: «ليس لعِرقِ ظالمٍ حقّ». (الحديث919)


(108)

81. أبو بكرة، انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال في خطبته يوم النحر بمنى: «إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». (الحديث921)
82. جابر بن عبد اللّه قال: قضى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالشفعة في كلّما لم يُقْسَم. فإذا وقعت الحدود وصرّفت الطرق فلا شفعة. (الحديث922)
83. عائشة، قالت: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من عمّر أرضاً ليست لاَحد فهو أحقّ بها». (الحديث941)
84. سعيد بن زيد عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من أحيا أرضاً ميتة فهي له». (الحديث942)
85. عن ابن عباس... انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «لا حمى إلاّ للّه ولرسوله». (الحديث943)
86. ابن عباس قـال: قال رسـول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا ضـرر ولا ضـرار». (الحديث 944)
87. عبد اللّه بن مغفّل انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «من حفر بئراً فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته». (الحديث 947)
88. عن رجل من الصحابة... قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الناس شركاء في ثلاثة: في الكلاء والماء والنار». (الحديث 950)
89. جابر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: « إذا استهلّ المولود ورث». (الحديث979)
90. عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ليس للقاتل من الميراث شيء». (الحديث980)
91. معاذ بن جبل قال: قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه تصدّق عليكم بثلث


(109)

أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم». (الحديث989)
92. عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: « من أودع وديعة فليس عليه ضمان». (الحديث992)
93. ابن عمر قال: نهى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن الشغار. (الحديث1014)
94. ابن عباس عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «إنّ اللّه تعالى وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان و ما استكرهوا عليه». (الحديث1113)
95. عن جابر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا طلاق إلاّ بعد نكاح، ولا عتق إلاّ بعد ملك». (الحديث1117)
96. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له في مالا يملك، ولا طلاق له في مالا يملك». (الحديث1119)
97. عائشة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يَعْقل أو يُفيق». (الحديث1120)
98. فاطمة بنت قيس عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في المطلقة ثلاثاً: ليس لها سكنى ولا نفقة. (الحديث1137)
99. أبو هريرة عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». (الحديث1153)
100. وعن ابن عباس انّ النبي قال: « ... ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب». (الحديث1162)
101. ابن عباس قال: لا رضاع إلاّفي الحولين. (الحديث1164)


(110)

102. ابن مسعود قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا رضاع إلاّ ما أنشز العظم وأنبت اللحم». (الحديث1165)
103. ابن مسعودقال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا يحلّ دم امرىَ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وانّي رسول اللّه إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، و النفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». (الحديث1187)
104. عن علي - عليه السّلام - : «...الموَمنون تتكافأ دماوَهم، و يسعى بذّمتهم أدناهم، وهم يدٌ على من سواهم، ولا يقتل موَمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده». (الحديث1193)
105. ابن عباس قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من قُتل في عميّاً أو رميّاً بحجر أو سوطٍ أو عصاً، فعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمداً فهو قودٌ، ومن حال دونه فعليه لعنة اللّه». (الحديث1200)
106. عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه انّ النبي قال: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين... وعقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها». (الحديث1213)
107. عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من بدّل دينه فاقتلوه». (الحديث1229)
108. عن علي - عليه السّلام - : «ادروَوا الحدود بالشبهات». (الحديث1247)
109. عائشة قالت: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا تقطع يد سارق إلاّ في ربع دينار فصاعداً». (الحديث1253)
110. جابر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع». (الحديث1257)


(111)

111. ابن عمر عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «كلّ مسكر خمر، وكلّمسكر حرام». (الحديث1273)
112. جابر قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما أسكر كثيره فقليله حرام». (الحديث1274)
113. أُمّ سلمة عن النبي صقال: « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم في ما حرّم عليكم». (الحديث1276)
114. أنس، انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم». (الحديث1284)
115. عائذ بن عمرو المزني عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: « الاِسلام يعلو ولا يعلى ». (الحديث1334)
116. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا سبق إلاّ في خفٍّ أو نصل أو حافر». (الحديث1341)
117. أبو هريرة قال: قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «كلّذي ناب من السباع فأكله حرام». (الحديث1344)
118. ابن عباس عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «كلّذي مخلب من الطير فأكله حرام». (الحديث1345)
119. ابن عمر قال: نهى رسول اللّه عن الجلاَّلة وألبانها. (الحديث1352)
120. أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ذكاة الجنين ذكاة أُمّه». (الحديث1368)
121. ثابت بن الضحاك قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «...لا وفاء لنذر في معصية اللّه، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم». (الحديث1405)


(112)

122. عن أبي بكرة عن النبي صقال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». (الحديث1422)
123. البيهقي باسناد صحيح: البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر. (الحديث1437)
124. سمرة بن جندب قال: قال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ». (الحديث1454)
125. أبو هريرة قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إيّاكم والظن، فإنّ الظنّأكذب الحديث». (الحديث1516)

هذا ما روته أهل السنّة من جوامع الكلم للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في مجال التشريع، وقد فاتهم كثير من كلامه وأحاديثه في ذلك المجال، ولكن العترة الطاهرة الّذين هم حملة السنّة وعيبة علم الرسول، رووا جوامع كلم كثيرة عن الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في مضمار التشريع، سنستعرضها عند البحث في أدوار الفقه الشيعي.

النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والاجتهاد

الاجتهاد: هو استنباط الحكم من الاَدلّة الشرعية، كالكتاب والسنّة ببذل الجهد والتفكير، والمجتهد يخطىَ ويصيب شأن كلّ إنسان غير معصوم، وإن كان المخطىَ مأجوراً كالمصيب، إنّما الكلام في أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هل كان مجتهداً في بيان الحكم الشرعي كالآخرين يخطىَ ويصيب، أو أنّ علمه بعقائد الدين وأحكامه على صعيد أغناه عن الاجتهاد؟

والاِمعان فيما سنتلوه عليك من النصوص يدعم النظر الثاني:

أ. قال سبحانه: "وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ


(113)

يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ وَالْحِكْمَةَوَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" . (1)

وقد ذكر المفسّرون أسباب نزول متعدّدة لهذه الآية تجمعها أنّها رفعت إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - واقعة كان الحق فيها غير واضح، فأراه اللّه سبحانه حقيقة الواقع الذي تخاصم فيها المتحاكمان وعلّله بقوله: "وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ" .

ففضل اللّه ورحمته صدّاه عن الحكم بالباطل، وهل كان فضله سبحانه ورحمته مختصين بهذه الواقعة، أو انّهما خيّما عليه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - طيلة عمره الشريف؟ مقتضى قوله سبحانه في ذيل الآية: "وَ كانَفَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً" هو انّه حظي بهما طيلة عمره الشريف. فهو في كلّ الحوادث والوقائع يحكم بمرّالحق و نفس الواقع موَيداً من قبل اللّه، ومن اختص بهذه المنزلة الكبيرة فقد استغنى عن الاجتهاد المصيب تارة والمخطىَ أُخرى.

ب. انّه سبحانه يخاطب النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بقوله: "ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الاََمْرِفَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الّذينَ لا يَعْلَمُون" . (2)

والشريعة هي طريق ورود الماء، والاَمر أمر الدين و معنى الآية انّه تبارك وتعالى أورد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على طريق موصل للشريعة قطعاً، ومن حظى بتلك المنزلة، فما يصدر عنه إنّما يصدر عن واقع الدين لا عن الدين المظنون الذي يخطىَ ويصيب، وليست تلك الخصيصة من خصائصه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقط بل قد حظي بها معظم الاَنبياء، قال سبحانه: "لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً" . (3)


1. النساء: 113.
2. الجاثية: 18.
3. المائدة: 48.

(114)

ج. إنّ طبيعة الاجتهاد خاضعة للنقاش والنقد، فلو اجتهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في بعض الاَحكام فنظره كغيره قابل للنقد و النقاش، ومعه كيف يكون حلال محمد حلالاً إلى يوم القيامة وحرامه حراماً إلى يوم القيامة، وكيف تكون شريعته خاتمة الشرائع؟!

كلّ ذلك يعرب عن أنّ نسبة الاجتهاد إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعيدة عن الصواب، وإنّما يتفوّه بها من ليس له أدنى إلمام بمقامات الاَنبياء، لا سيما خاتم النبيين أفضل الخليقة.

قال الشوكاني: اختلفوا في جواز الاجتهاد للاَنبياء في الاَحكام الشرعية على مذاهب:

المذهب الاَوّل: ليس لهم ذلك لقدرتهم على النص بنزول الوحي، وقد قال سبحانه: "إِنْهُوَ إِلاّوَحْيٌ يُوحى" . (1) والضمير يرجع إلى النطق المذكور قبله بقوله: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى" وقد حكى هذا المذهب الاَُستاذ أبو منصور عن أصحاب الرأي، وقال القاضي في «التقريب»: كلّ من نفى القياس أحال تعبّد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بالاجتهاد.قال الزركشي: وهو ظاهر اختيار ابن حزم.

واحتجّوا أيضاً بأنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان إذا سُئل ينتظر الوحي ويقول: «ما أنزل عليَّ في هذا شيء» كما قال لما سئل عن زكاة الحمير فقال: لم ينزل عليّإلاّ هذه الآية الجامعة: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْمِثْقالَذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ" . (2)

وكذا انتظر الوحي في كثير ممّا سئل عنه، ومن الذاهبين إلى هذا المذهب أبو علي وأبو هاشم. (3)


1. النجم: 4.
2. الزلزلة: 7و8.
3. الشوكاني: إرشاد الفحول: 225.

(115)

أقول: لقد لخّص الشوكاني ما ذكره ابن حزم في ذلك المجال وقال: إنّ من ظنّ بأنّ الاجتهاد يجوز لهم في شرع شريعة لم يوح إليهم فيها فهو كفر عظيم، ويكفي في إبطال ذلك أمره ـ تعالى ـ نبيه أن يقول: "إِنْأَتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إِلَيَّ" (1) وقوله: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى*إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى" . (2) وقوله: "وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاََقاوِيل* لاََخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمين* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتين" . (3)

وانّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يسأل عن الشيء، فينتظر الوحي، ويقول: «وما نزل عليّ في هذا شيء» ذلك في حديث زكاة الحمير و ميراث البنتين مع العم والزوجة، وفي أحاديث جمّة. (4) وقبل أن أذكر «المذهب الثاني الوارد في كلام الشوكاني» أُشير إلى كلمة للعلاّمة الحلّي التي تعرب عن موقف الاِمامية في المسألة.

قال (رحمه الله) بعد تعريف الاجتهاد: ولا يصح (الاجتهاد) في حقّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وبه قال: الجبائيان لقوله تعالى: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" ولاَنّ الاجتهاد إنّما يفيد الظن، وهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قادر على تلقّيه من الوحي، وانّه كان يتوقّف في كثير من الاَحكام حتى يرد الوحي، فلو ساغ له الاجتهاد، لصار إليه، لاَنّه أكثر ثواباً، ولاَنّه لو جاز له (الاجتهاد) لجاز لجبرئيل - عليه السّلام - ، وذلك يسدّ باب الجزم بأنّ الشرع الذي جاء به محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من اللّه تعالى.

ولاَنّ الاجتهاد قد يخطىَ وقد يصيب، ولا يجوز تعبّدهص به، لاَنّه يرفع الثقة بقوله.

وكذلك لا يجوز لاَحد من الاَئمّة الاجتهاد عندنا، لاَنّهم معصومون، وإنّما


1. الاَنعام: 50.
2. النجم: 3و4.
3. الحاقة: 44ـ46.
4. ابن حزم: الاِحكام في أُصول الاَحكام: 5|123.

(116)

أخذوا الاَحكام بتعليم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو بإلهام من اللّه تعالى. (1)

المذهب الثاني: انّه يجوز لنبينا - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولغيره من الاَنبياء الاجتهاد وإليه ذهب الجمهور واحتجوا بالوجوه التالية:

الاَوّل: انّ اللّه سبحانه خاطب نبيه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما خاطب عباده، وضرب له الاَمثال وأمره بالتدبّر والاعتبار، وهو من أجلّ المتفكّرين في آيات اللّه وأعظم المعتبرين.

أقول: إنّ ما ضرب به من الاَمثال جلّها من باب «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» وهل يصحّ أن يقال انّه سبحانه أراد بقوله: "لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبِطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرين" (2) مع أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ممّن هداه اللّه "وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ" . (3)

على أنّه سبحانه أمر بالتفكّر والتدبّر فيما يرجع إلى العوالم الغيبية والاَسرار المكنونة في الطبيعة وأنّى ذلك من التفكّر في الاَحكام الشرعية.

الثاني: انّ المراد من قوله: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْهُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى) هو القرآن، لاَنّهم قالوا إنّما يعلّمه بشر، ولو سلم لم يدل على نفي اجتهاده، لاَنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان متعبّداً بالاجتهاد بالوحي لم يكن نطقاً عن الهوى، بل عن الوحي.

أقول: إنّقوله سبحانه: "وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى" وإن كان وارداً في مورد القرآن، ولكنّه آب عن التخصيص بدلالة انّ ورود التخصيص عليه يستلزم الاستهجان، فلو قيل النبي لا ينطق عن الهوى إلاّ في غير مورد القرآن لرأيت التخصيص مستهجناً على أنّ الدليل ليس منحصراً بهذه الآية، وقد استعرضنا


1. العلاّمة الحلّي: مبادىَ الاَُصول: 51.
2. الزمر: 65.
3. الزمر: 37.

(117)

الدلائل السابقة.

نعم لو ثبت انّ الوحي أمره بالاجتهاد، لكان ما يفتي به افتاءً منتهياً إلى الوحي الاِجمالي، ولكن الكلام في صدور الترخيص له.

الثالث: إذا جاز لغيره من الاَُمّة أن يجتهد بالاِجماع مع كونه معرضاً للخطأ، فلاَن يجوز لمن هو معصوم عن الخطأ بالاَولى.

أقول: إنّ هذا الاستدلال من الوهن بمكان، لاَنّ غير النبي يجتهد لانحصار باب المعرفة به، وهذا بخلاف النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فإنّ أمامه طرقاً كثيرة إلى الحقّ أوضحها الوحي.

الرابع: الاستدلال ببعض الاَمثلة التي تدلّ بظاهرها على أنّ النبي اجتهد في الحكم الشرعي، وسيوافيك توضيح بعضها. (1)

ثمّ إنّ هناك مذهباً ثالثاً يدعى مذهب الوقف عن القطع بشيء في ذلك، وزعم الصيرفي في شرح الرسالة، انّه مذهب الشافعي، لاَنّه حكى الاَقوال ولم يختر شيئاً منها، واختار هذا القاضي أبوبكر الباقلاني والغزالي. (2)

اجتهاد النبي وتسرّب الخطأ إليه

قد سبق انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في غنى عن الاجتهاد في الاَحكام وانّه سبحانه أورده على منهل الشريعة، فأمر باتّباعها، ولو افترضنا جواز الاجتهاد عليه، فهل يمكن أن يتسرّب إليه الخطأ أو لا ؟

ذهبت الاِمامية إلى صيانة اجتهاده (على فرض جواز الاجتهاد له) عن


1. إرشاد الفحول: 225.
2. المصدر السابق: 226.

(118)

الخطأ، واستدل عليه المحقّق بوجوه:

الاَوّل: انّه معصوم من الخطأ عمداً ونسياناً بما ثبت في الكلام، ومع ذلك يستحيل عليه الغلط.

الثاني: إنّنا مأمورون باتّباعه، فلو وقع منه الخطأ في الاَحكام لزم الاَمر بالعمل بالخطأ وهو باطل.

الثالث: لو جاز ذلك الخطأ لم يبق وثوق بأوامره ونواهيه، فيوَدي ذلك إلى التنفير عن قبول قوله. (1)

ثمّإنّ المخالف استدل بوجوه، منها:

الاَوّل: قوله تعالى: "إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ" . (2)

أقول: إنّ وجه المماثلة ليس تطرّق الخطأ بل عدم استطاعته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى تحقيق كلّ ما يقترحون عليه من المعاجز والآيات حيث أرادوا منه أن يأتي لهم بكلّ ما يقترحون عليه من عجائب الاَُمور، فوافته الآية بأنّه بشر مثلكم، والفرق انّه يوحى إليه دونهم، فكيف يتمكّن من القيام بما يقترحون عليه من المعاجز والآيات بلا إذن منه سبحانه.

الثاني: قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «فمن قضيتُ له بشيء من حقّ أخيه، فلا يأخذنّ إنّما أقطع له به قطعة من النار» وهذا يدلّ على أنّه يجوز منه الغلط في الحكم. (3)

أقول: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان مأموراً بالقضاء بما أدّى إليه البيّنة واليمين، فما يقضي به هو نفس الحكم الشرعي في باب القضاء سواء أكان مطابقاً للواقع أم لم يكن، فإنّه كان مأموراً في فصل الخصومات بالظواهر لا بالبواطن.
وبذلك يعلم انّه لو سوّغنا الاجتهاد للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يخطىَ في مجال الاِفتاء، بل ينتهي إلى نفس الواقع.

وأمّا باب القضاء، فاتّفق الجميع على أنّه كان مأموراً بالظواهر دون البواطن سواء أكانت الظواهر مطابقة للواقع أم لا مصالح في ذلك. مع العلم بحقيقة الحال.


1. المحقق الحلّي: معارج الاَُصول: 118ـ 119.
2. الكهف: 110.
3. الوسائل: 18|169 ح3، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم.


(119)

العلم بالملاك غير الاجتهاد

قد تحدثنا آنفاً عن الاجتهاد، وعرفت أنّه عبارة عن استخراج الحكم من الكتاب والسنّة وهو قد يخطىَ وقد يصيب، وليس الحكم المستخرج مصيباً للواقع على الاِطلاق.

نعم هناك أمر آخر اختصّ اللّه نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بهذه الكرامة وهو انّه أدّب رسوله فأحسن تأديبه، وعلّمه مصالح الاَحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولمّا كانت الاَحكام تابعة لمصالح ومفاسد كامنة في متعلّقاتها وقد أطلع اللّه نبيه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عليها مع اختلاف درجاتها ومراتبها، لا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على عللها، بأقصر من الطرق التي وقف بها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على حلاله وحرامه. وإلى هذا يشير الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - بقوله:

«وعقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل». (1)

فما ورد عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من التشريع، فإنّما هو تشريع بالعلم بالملاك، وبإذن خاص منه سبحانه، وقد ورد في السنّة الشريفة:
1. إنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، ليكون المجموع عشر ركعات،


1. نهج البلاغة: الخطبة رقم 234.

(120)

فأضاف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى الركعتين ركعتين، وإلى المغرب ركعة.
2. إنّ اللّه فرض في السنّة صوم شهر رمضان، وسنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صوم شعبان، وثلاثة أيام من كلّ شهر.
3. إنّ اللّه حرم الخمر بعينها، وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شراب.
4. إنّ اللّه فرض الفرائض في الاِرث، ولم يقسم للجد شيئاً، ولكن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أطعمه السدس. (1)

وليس هذا اللون من التشريع اجتهاداً منه ولا منافياً لاختصاص التشريع باللّه سبحانه، لما عرفت من أنّ التسنين في هذه المقامات إنّما هو بتعليم منه سبحانه بملاكات الاَحكام وإذنه.

أسئلة وأجوبة

الاَوّل: ربما يتراءى من بعض تفسير الآيات والروايات انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اجتهد في بعض الاَحكام ثمّ وافاه النص على الخلاف.

قال سبحانه: "ما كانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الاََرْضِتُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَوَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم" . (2)

"لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَلَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم" . (3)

"فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" . (4)

نزلت الآيات في غزوة بدر حيث استشار الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صحابته في أمر


1. الكليني: أُصول الكافي: 1|209ـ 210.
2. الاَنفال: 67.
3. الاَنفال: 68و69.
4. الاَنفال: 68و69.

(121)

الاَسرى، فقال أبوبكر: عشيرتك فأرسلهم، وقال عمر: اقتلهم، ففاداهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فأنزل اللّه معاتباً له ولصحابته بقوله: "ما كانَلنَبىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى..." .

رواه أهل السير، وأخرج مسلم وأحمد حديثاً في ذلك. (1)

التحليل يتوقف على توضيح مفاد الآيات، وهو انّ السنّة الجارية في الاَنبياء الماضين (عليهم السلام) هي انّهم إذا حاربوا أعداءهم، وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر من وراءهم، فيكفّوا عن معاداة اللّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الاَرض، ويستقر دينهم بين الناس، فإذا بلغوا تلك الغاية لم يكن مانع من الاَسر، ثمّ المن أو الفداء، كما قال تعالى في سورة أُخرى مخاطباً المسلمين عندما علا أمر الاِسلام وضرب بجرانه بالحجاز واليمن: "فَإِذا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْدُ وَ إِمّا فِداءً" . (2)

فعلم من ذلك انّ مقتضى الجمع بين الآيتين هو ممنوعية أخذ الاَسرى قبل الاِثخان في الاَرض وجوازه، ثمّ المن، أو الفداء بعد الاِثخان.

إذا عرفت ذلك فهلمّ معي نبحث في مفاد الآيات الثلاث، فنقول:

أوّلاً: انّ اللوم انصبَّ على أخذ الاَسرى لا على الفداء.

ثانياً: انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أبداً وإنّما توجّه إلى مَنْ أخذ الاَسرى.

والشاهد على الاَمر الاَوّل قوله: "ما كانَ لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الاَرض" أي الاَمر الممنوع هوأخذ الاَسرى فقط لا الفداء والمن، وإلاّ لكان له عطف الفداء والمن عليه، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة: "فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيّباً وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم" ومن الواضح


1. مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 99.
2. محمد: 4.

(122)

انّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن له أيّ دور في أخذ الاَسرى، بل كان هو القائد والمجاهدون هم الذي يأخذون الاَسرى قبل الاِثخان في الاَرض بالقتل والتنكيل.

والشاهد على الاَمر الثاني قوله سبحانه: "لَولا كِتابٌ مِنَ اللّهَ سَبق لمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم" . والمخاطب هم المقاتلون لا النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أضف إلى ذلك قوله: "تُريدونُ عَرَض الدُّنيا وَ اللّهُ يُريدُالآخرَة" .

فملخّص القول: إنّ اللوم انصبَّ على أخذ الاَسرى من قبل المقاتلين المجاهدين على هذا العمل، ولم يكن للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أيّ دور في ذلك.

وأمّا الروايات الواردة، فهي مختلفة جداً لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.

وقد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات، فمن قائل بأنّ العتاب والتهديد متوجه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والموَمنين جميعاً، إلى آخر بأنّه متوجه إلى النبي والموَمنين ما عدا عمر، إلى ثالث انّه متوجه إلى النبي والموَمنين ما عدا عمر وسعد ابن معاذ، إلى رابع انّه متوجه إلى الموَمنين دون النبي، إلى خامس انّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.

وعليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات والاَخذ بها، والآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسيرها من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهداً وانّه اجتهد خطاءً في هذه الواقعة غريب جداً.

***

الثاني: إذا كان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد نهل من صميم الدين بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد في الاَحكام، فما معنى قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في حديث السواك:


(123)

«لولا أن أشقّ على أُمّتي لاَمرتهم بالسواك».

ومثله قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يوم فتح مكة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات والاَرض، فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة، وانّه لم يحلَّ القتال فيه لاَحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلاّ ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللّه إلى يوم القيامة لا يُعضد شوكه، ولا يُنفَّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلاّ من عرفها، ولا يُختلى خلاه».

فقال العباس: يا رسول اللّه إلاّ الاَذخر، فإنّه لقينهم ولبيوتهم.

فقال: «إلاّالاَذخر». (1)

فاستثناء الاَذخر بعد التعميم أخذاً برأي العباس كان اجتهاداً منهص والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن. (2)

الجواب: أمّا الحديث الاَوّل فبيان النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - للحكم لم يصدر عن الاجتهاد وضرب الاَدلّة بعضها ببعض، وإنّما وقف على الحكم الشرعي وهو الاستحباب عن طريق الوحي ولمّا بيّن للاَُمّة أهميته من الناحية الصحية، ظهر فيه ملاك الاِلزام، ولكن لم يتابعه التشريع، لما في الاِلزام من حرج ومشقة.

وأمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «ولا يختلى خلاه».

قال ابن الاَثير: ففي حديث تحريم مكة«لا يختلى خلاها» الخلى: مقصور: النبات الرطب الرقيق مادام رطباً، واختلاوَه قطعه، وأخلت الاَرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. (3)


1. البخاري: الصحيح: 4|105، باب اسم الغادر للبر والفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.
2. مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي: 3.
3. ابن الاَثير: النهاية: 2|74.

(124)

وأمّا استثناء الاَذخر فلم يكن اجتهاداً من النبي بل بياناً لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة، وكان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير، ولكن لمّا تكلّم العباس بالمخصِّص، صدّقه وبيّن المخصص فوراً.

ووجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد والصائغ والناس في بيوتهم بهذا النبات الطيب الرائحة قال الجزري: وفي حديث العباس«إلاّ الاَذخر فإنّه لقيوننا» القيون: جمع قين، وهو الحدّاد والصائغ. (1)

الثالث: لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم ـ يعني خيبر ـ أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟» قالوا: الحمر الاَنسية، فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أهريقوها واكسروها» فقال رجل: أو يهرقوها و يغسلوها؟ قال: «أو ذاك». (2)

وجه الاستدلال: أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلاً، ولما طُلِب منه الاكتفاء بالاِهراق والغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.

الجواب أوّلاً: إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّالبخاري نقلها كالتالي:

أ. فجاء منادى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً وأهريقوها.

ب. فنادى منادى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : اكفئوا القدور . (3)


1. النهاية: 4|135؛ وفي بعض النصوص القين وتعني الزينة، وهو الاَظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.
2. صحيح مسلم: 5|186، غزوة خيبر.
3. صحيح البخاري: 5|136، باب غزوة خيبر.

(125)

ولم يُعلم أنّالنبي أمر بكسرها، وثانياً: سلّمنا أنّه أمر بالكسر لكن لا مانع لاَن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالاَولى هو كسر القدور وطرحها جانباً، ثمّ الاَولى إهراقها وغسلها، فبدأ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بما هو الاَولى، ولمّا كان شاقاً على الناس، أمضى الحكم الثاني، وهو إخلاوَها وإكفاوَها.

ولعمري ليس في تلك الاَُمور أي دلالة على أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يجتهد كاجتهاد الآخرين، والعجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلاً بيّـن فيه فتاوى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال:

ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحاً لهذا الكتاب، ورقماً على جلة هذا التأليف. (1)

فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والاَحكام باسم الفتوى، فيتبادر إلى الذهن انّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يرشد الناس لحكم اللّه سبحانه بطرق مختلفة، فالاِفتاء في كلامهص كالاِفتاء في قوله سبحانه: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ" . (2)

النبي والاَُمور الدنيوية

لا شكّ انّهناك أُموراً دنيوية كالزراعة والطب والحرب وفنونها يكتسبها الناس عبْـر التجربة، ولم يزل المجتمع الاِنساني يتقدّم نحو الاَمام كلّما كثرت تجاربه و خبراته المادية، و الاِنسان يخطىَ ويصيب في الوقوف على أسرار الكون ونواميسه، وتلك الخطوات وإن أخفقت في بعض المراحل، لكنّها تنتهي إلى


1. ابن قيّم الجوزية: إعلام الموقعين: 4|266 ـ 414.
2. النساء: 176.

(126)

كشف الحقائق ولمس الواقع، وهذه هي الاَُسس التي بنيت عليها الحضارات.

إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى هذه الاَُمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطىَ أو أنّه لا يخطىَ في تلك الاَُمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدِّد الخطى نحو الصواب؟

يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شوَون الزراعة و الطب اجتهاد غيره يخطىَ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».

ففي الصحيحين انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مرّبقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً (1)فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».

أقول: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الاَسماء قال سبحانه: "وَعَلَّمَ آدَمَ الاََسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِهوَلاءِ إِنْكُنْتُمْ صادِقين* قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الاََرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون" . (2)

قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع الاَشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الاَسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال: ـ علّم اللّه آدم كلّ


1. يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء.
2. البقرة: 31ـ33.

(127)

شيء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد، أو في آونة متعدّدة، واللّه قادر على كلّ شيء.

ولاَجل تلك المكانة جعله اللّه خليفة في الاَرض، وأمر الملائكة بالسجود له. (1)

فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الاَشياء وأسرار الكون، فكيف بأفضل الخليقة محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!

فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، فليكن مهيمناً على كلّ المأثورات المعزوَّة إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال سبحانه: "وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ" . (2)

وعلى ضوء ذلك، فكل ما نُسب إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من الجهل بأسرار الطبيعة ورموزها، فهو موضوع على لسانه فضلاً عن جهله بأبسط الاَُمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب.ولنتناول بعض الاَحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها:
1. روى مسلم، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوم على روَوس النخل، فقال: «ما يصنع هوَلاء؟» فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنّي إنّما ظننت ظناً، فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه


1. المنار: 1|262ـ265.
2. المائدة: 48.

(128)

شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أَكذب على اللّه عزّ وجلّ». (1)

وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقحون النخل فقال: «ما تصنعون؟» قالوا: كنّا نصنعه، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر». (2)

والعجب أنّ مسلماً النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه بـ«وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط، ونترك التفصيل إلى القارىَ.

أوّلاً: نفترض أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لم يكن نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أنزل عليه الكتاب و الحكمة، ولا من وصفه اللّه سبحانه بالخلق العظيم، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكل من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّبالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟! فيجيبونه بقولهم: إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفياً على النبي؟!

ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، وقال سبحانه: "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحويلاً" (3) ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!

ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، والاَسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا


1. مسلم، الصحيح: 15|125و126، الباب 38، كتاب الفضائل.
2. مسلم، الصحيح: 15|125و126، الباب 38، كتاب الفضائل.
3. فاطر: 43.

(129)

حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لاَنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدراً للعقيدة، فسيعقبها جهل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟!
2.روى ابن هشام أنّ الحباب بن منذر بن الجموح قال لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في غزوة بدر: يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال: «بل هو الرأي والحرب وا لمكيدة؟» فقال: يا رسول اللّه، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ثمّ نغور ماوراءه من القُلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملوَه ماء، ثمّنقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثمّ أمر بالقُلب فغوِّرت، وبنى حوضاً على القُلـب الذي نزل عليه فملىَ ماء، ثمّقذفوا فيه الآنية.(1)

أقول: إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن منذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في المنزل الذي نزلوه، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب، ولكن نزل عند رغبة الحباب بن منذر إجلالاً له ودعماً لمبدأ الشورى في الحرب ليتّخذوه أصلاً في أُمور دنياهم بغية استقطاب قلوب الناس إلى الاِسلام قال سبحانه: "فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِر لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْعَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ


1. ابن هشام: السيرة النبوية: 2|620.

(130)

الْمُتَوكِّلِين" . (1) هذا إذا صحّت الرواية وإلاّ فتُطرج.

فلم تكن مشاورة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في واحد من تلك المواقف نابعةً عن جهله (نعوذ باللّه) بما فيه مصلحة الاَُمّة، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة، فنرى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) استشارهم في غزوة بدر قائلاً: «أشيروا عليَّ أَيُّها الناس» وإنّما قال ذلك، لاَنّه يريد به الاَنصار، وذلك أنّهم كانوا يوَلِّفون الاَكثرية وانّهم حين ما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال، ولما كان المسير إلى وادي بدر بغية قتالهم، فلم يكن له بدّ من استشارتهم، فلمّا وقف على استعدادهم لاَكثر ممّا بايعوه بالعقبة، قال: «سيروا وأبشروا».

روى ابن هشام: انّسعد بن معاذ، قام وقال: فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه. فسرّ رسول اللّه بقول سعد ونشطه ذلك، ثمّ قال: «سيروا وأبشروا». (2)

وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في الحروب وغيرها، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل نعوذ باللّه.
3. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال: لمّا توفّي عبد اللّه بن أُبيّ أتى ابنه عبد اللّه رسول اللّه يسأله أن يعطيه قميصه ويكفّنه فيه، فأتاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه، فقال: يا رسول


1. آل عمران: 159.
2. السيرة النبوية: 2|615.

(131)

اللّه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي على المنافقين؟ فقال: «إنّ ربي خيّرني فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" (1) وسأزيد على السبعين» فقال: إنّه منافق فصلّى عليه، فأنزل اللّه تعالى: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ"(2) فترك الصلاة عليهم.(3)

وفي هذا المعنى روايات أُخرى رواها أصحاب الجوامع، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة، وفي بعضها: انّه كفّنه بقميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.

وفي رواية أُخرى قال عمر فيها: يا رسول اللّه قد عرفت عبد اللّه ونفاقه أتصلّي عليه، وقد نهاك اللّه أن تصلّي عليه؟ فقال: وأين؟ فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ" قال: فإنّي سأزيد على سبعين، فأنزل اللّه: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ" الآية.(4)

قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وأنزل اللّه: "سواء عَلَيْهِمْ استَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفر لَهُمْ" .

هذا وقد قسَّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع وعدَّ منه رأي الصحابة، وعرّفه بأنّه رأي أفقه الاَُمّة وأبر الاَُمّة قلوباً وأعمقهم علماً.ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي، انّه قال: البدعة ما خالفت كتاباً أو سنّة أو أثراً عن بعض أصحاب رسول اللّه، وجعل ما خالف قول الصحابي بدعة، ثمّ قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أُبيّ


1. التوبة: 80.
2. التوبة: 84.
3. الدر المنثور: 4|258.
4. المصدر السابق: 4|258.

(132)

قام رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصلّي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول اللّه إنّه منافق، فصلّى عليه رسول اللّه، فأنزل اللّه عليه: "وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ" . (1)

أقول: إنّ العاطفة أخذت الراوي في جعل هذا الحديث ووضعه، فإنّ علائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه:
1. فلاَنّ قوله سبحانه: "استغفر لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِر لَهُمْ..." ظاهر في أنّالمراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد، وعدد السبعين كناية عن المبالغة، والنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أجلُّ من أن يجهل بمفهوم الآية ويحملها على التحديد. ويقول فإنّي سأزيد على السبعين.
2. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم وكفرهم.

يقول سبحانه: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي القَومَ الْفاسِقين" . (2)

وقال سبحانه: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ" . (3)

ومثله قوله سبحانه: "ما كانَ لِلنَّبِيّ وَالّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُربى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصحابُ الجَحيم" . (4)

فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو، لكفر المستغفر له وفسقه، وعند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .


1. ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين: 1|81.
2. المنافقون: 6.
3. التوبة: 80.
4. التوبة: 113.

(133)

ثم ما معنى نزول قوله سبحانه: "سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ" في صلاة النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على المنافق «عبد اللّه بن أُبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد اللّه بن أُبيّ في العام التاسع.

ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله: إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد اللّه ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الاِسلام. (1)

وهذه المحاولة من الوهن بمكان إذ كيف يصحّ للنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم، وقد ندّد اللّه سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال: "وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ... إِذاً لاَذْقناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً" . (2)

والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من حيث لا يشعرون، وليس هذا بجديد، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا:
1. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فنزل القرآن بموافقته. (3)

2. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى، فنزل القرآن بموافقته. (4)

وقد مرّ أنّ عمر رأى في أُسارى بدر أن تضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته كما مرّ والدواعي من وراء جعل تلك الروايات هي العاطفة الدينية التي أخذتهم على الخليفة.


1. تفسير المنار: 10|669.
2. الاِسراء: 73ـ75.
3. الدر المنثور: 6|639.
4. الدر المنثور: 1|290.

(134)

مصادر التشريع
3



الاِجماع

الاِجماع في اللغة هو العزم والاتفاق، قال سبحانه: "فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الجُبِّ"(1) وقال تعالى: "وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُون" . (2)

وأمّا اصطلاحاً فيستعمل في موردين:

الاَوّل: ما عرف به الغزالي، وقال: فإنّما نعني به اتّفاق أُمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - خاصة على أمر من الاَُمور الدينية، كما اتّفقت الاَُمّة على أنّ الصلوات خمس، وأنّ صوم رمضان واجب، إلى غير ذلك من الاَمثلة. (3)

الثاني: اتّفاق مجتهدي عصر واحد على أمر ديني، بمعنى أن يتوافر الاتفاق من جميع المجتهدين المسلمين في وقت الحادثة من مختلف الاَمصار الاِسلامية، فلا ينعقد إجماع في بلد معين كالحجاز والحرمين ومصر والعراق، ولا ينعقد بآل البيت (عليهم السلام) وحدهم، أو بأهل السنّة دون مجتهدي الشيعة. (4)


1. يوسف: 15.
2. يوسف: 102.
3. المستصفى: 1|173.
4. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 119.

(135)

وفي جميع الموارد إمّا أن يكون إجماعهم على الحكم مستنداً إلى نصّ قرآني، أو سنّة، أو غيرهما من مصادر التشريع، أو يكون مجرد اتّفاق دون أن يقترن بمستند الحكم.

وعلى جميع الصور فإمّا أن يعلم مستند اتّفاقهم على الحكم بأن يصل إلينا دليل اتّفاقهم ومدركه، أو لا، بأن كان المنقول مجرد الاتّفاق دون أن يقترن بذكر الدليل، وقبل الخوض في بيان أحكام الصور نشير إلى أمر وهو:

مكانة الاِجماع في الفقه الشيعيّ:

ذهبت الشيعة إلى أنّ للّه سبحانه في كلّواقعة حكماً شرعياً أمرنا باتّباعه والمضي عليه، بيد انّالمستنبط تارة يصيب وأُخرى يخطىَ، فللمصيب أجران وللمخطىَ أجر واحد، ولم يفوّض سبحانه أحكام الحوادث إلى آراء المجتهدين والمستنبطين بأن يكون حكم الواقع تابعاً لاستنباط المجتهد، فما رآه حقاً يكون حقاً، وما رآه باطلاً يكون باطلاً، لاَنّ هذا هو التصويب الباطل المحال عقلاً.

فإنّ بذل الجهد على استنباط الحكم الشرعي فرع وجوده في الواقع، فلو كان حكم اللّه تابعاً لرأي المجتهد يلزم الدور الصريح بلا إشكال، وهذا بحث مسهب لخّصناه في المقام.

وعلى ضوء ذلك فالاِجماع بما هو إجماع لا يصلح أن يكون دليلاً للحكم الشرعي، لاَنّه عبارة عن اجتهادات متراكمة منصبّة على أمر واحد، وقد علمت أنّاجتهاد المجتهد ليس من مصادر التشريع، وأنّ حكم اللّه لا يتبع ذوق المجتهد ورأيه، فإذا كان هذا حال الاجتهاد المنفرد فلا تختلف عنه الاجتهادات المتراكمة، فلا يبقى هناك أمر سوى البحث عن مدى قابلية كشف الاِجماع عن الحكم الشرعي.


(136)

والحقّ انّها تتفاوت حسب اختلاف مراتب الاِجماع وصوره.

الصورة الاَُولى، أعني: اتّفاق جميع المسلمين، فلا شكّ انّه كاشف عن الحكم الشرعي، إذ يستحيل عادة أن يتفق المسلمون عالمهم وجاهلهم على شيء باطل من أصله.

ومثلها الصورة الثانية فإنّ اتّفاق جميع المجتهدين في كافة الاَعصار و من جميع الطوائف على حكم شرعي يكشف عادة عن إصابتهم الواقع وإحرازهم له، ويستحيل عادة تخلّفه عن الواقع دون فرق بين كون الاِجماع مقروناً بالدليل أو لا، وسواء أكان دليلهم قابلاً للنقاش أم لا. فإنّ نفس الاتّفاق من جميع المسلمين أو المجتهدين يلازم عادة إصابة الواقع وكاشف له ومفيد للعلم، فيصبح حجّة عقلاً.

وأمّاالصورة الثالثة، أعني: اتّفاق مجتهدي عصر واحد على حكم شرعي، فهو على نحوين:

فتارة يكون اتّفاقهم مقروناً بذكر الدليل الشرعي وأُخرى يكون مجرداً عنه.

فلو كان مقروناً بذكر الدليل وكان تاماً سنداً ودلالة يوَخذ به، وإن لم يكن مقروناً بالدليل، أو كان الدليل خاضعاً للنقاش والرد، فيقع الكلام في أنّ اتّفاق علماء عصر واحد هل هو حجّة على الغير أو لا ؟

وحيث إنّك عرفت أنّ إفتاء المجتهد منفرداً، أو مجتمعاً، ليس من مصادر التشريع، وإنّما العبرة بكشفه عن الواقع وملازمته الاِصابة فلا يكون الاتفاق حجّة إلاّ إذا كان هناك ملازمة بينه وبين إصابة الواقع ـ إذا لم يكن الاِجماع بما هو إجماع حجّة شرعية، كما عليه فقهاء أهل السنّة وسيوافيك تفصيله ـ بل كانت العبرة بمدى إصابة رأي المجمعين للواقع وكشفه عن الدليل المعتبر، فعند ذلك يمكن أن نقول:


(137)

إنّ اتّفاق عدد كبير من أهل النظر والفتوى على حكم ربّما يوجب إحراز الحكم الشرعي وإصابة المجمعين الواقع وعثورهم على الدليل الشرعي وإن لم نعثر عليه وذلك بالبيان التالي:

«إنّ فتوى الفقيه في مسألة شرعية بحتة تعتبر إخباراً حدسياً عن الدليل الشرعي، والاِخبار الحدسي هو الخبر المبنيّ على النظر والاجتهاد في مقابل الخبر الحسّي القائم على أساس المدارك الحسيّة، وكما يكون الخبر الحسّي ذا قيمة احتمالية في إثبات مدلوله، كذلك فتوى الفقيه بوصفها خبراً حدسياً يحتمل فيه الاِصابة والخطأ معاً، وكما أنّ تعدّد الاِخبارات الحسيّة يوَدّي بحساب الاحتمالات إلى نموّ احتمال المطابقة و ضآلة احتمال المخالف، كذلك الحال في الاخبارات الحدسية حتى تصل إلى درجة توجب ضآلة الخطأ في الجميع جداً، وبالتالي زوال هذا الاحتمال عملياً أو واقعياً، وهذا ما يسمّى بالاِجماع». (1)

والحق انّ الانتقال من إجماع المجمعين إلى الحكم الشرعي يختلف حسب اختلاف المسائل و ذكاء المجمعين والقرائن الحافّة بكلامهم، فربما يفيد اتّفاقهم العلم بالحكم الشرعي، وأُخرى لا يفيد إلاّ الظن.

إنّ احتمال الاشتباه في الاستنباط ممّا لا ينبغي إنكاره، وكم فرق بين الاِدراك ببصيرة العقل، وبين الاِدراك بالبصر، ومع الاعتراف بالفرق بين الحدسيات و الحسيات نقول: إنّ الحال يختلف حسب اختلاف أصحاب النظر في الذكاء والدقة، وفي الاَلمعية والفطنة، وفي اختلافهم في كثرة الممارسة وقلّتها، واختلاف جوهر المسائل من حيث كونها عقلية محضة، ككيفية علمه سبحانه، أو قربها من المسائل العقلية الواضحة أو المحسوسة، وربما يكون ذلك الاختلاف سبباً لمثول


1. السيد محمد باقر الصدر: دروس في علم الاَُصول: 171، الحلقة الثانية.

(138)

خطأ المجمعين أمام بصيرتنا. وربما يكون على العكس ويصل احتمال الخطأ إلى درجة ضئيلة لا تلتفت إليها النفس ويحصل اليقين بالاِصابة.

هذا هو مقتضى القاعدة العقلية في الاِجماع وقد مرّ أنّ قيمة الاِجماع في الفقه الاِمامي تكمن في مقدار كشفه عن الواقع، فلو كان كاشفاً تاماً كما في الصورتين الاَُوليين يوَخذ به، وإلاّ فلا عبرة به لعدم الملازمة بينه وبين إصابة الواقع.

مكانة الاِجماع في الفقه السنّي

قد عرفت أنّ الاِجماع بما هو إجماع ليس من أدوات التشريع ومصادره وانّ حجّيته تكمن في كشفه عن الحكم الواقعي المكتوب على الناس قبل إجماع المجتهدين وبعده.

وأمّا على القول باختصاص الحكم الواقعي المشترك بما ورد فيه النص عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وترك التكليف فيما سواه إلى اجتهاد المجتهد فيصير الاِجماع من مصادر التشريع فيعادل الكتاب والسنّة في إضفاء المشروعية على الحكم المتفق عليه ويصير بالاتفاق حكماً واقعياًً إلهياً.

ويوضحه الاَُستاذ السوري «الزحيلي» بقوله: ونوع المستند في رأي الاَكثر إمّا دليل قطعي من قرآن أو سنّة متواترة فيكون الاِجماع موَيّداً ومعاضداً له، وإمّا دليل ظني وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذٍ من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين. (1)

ومعنى ذلك انّه لابدّ أن يكون للاِجماع من دليل ظني، فإذا اتّفق المجتهدون على الحكم ولو لاَجل ذلك الدليل الظني يصبح الحكم قطعيّاً، ـ وما ذاك ـ إلاّ


1. الدكتور وهبة الزحيلي: الوجيز في أُصول الفقه: 49.

(139)

لاَجل دوران الحكم مدار الاتفاق وعدمه.

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاّف: من حقّق النظر في منشأ فكرة الاِجماع في التشريع الاِسلامي، وفي كيفية الاِجماع الذي انعقد في أوّل مرحلة تشريعية بعد عهد الرسول، وفي تقدير المجمعين لمن عقد عليه إجماعهم من الاَحكام، يتحقّق أنّ الاِجماع أخصب مصدر تشريعي يكفل تجدّد التشريع وتستطيع به الاَُمّة أن تواجه كلّ ما يقع فيها من حوادث، وما يحدث لها من وقائع، وإن تساير به الاَزمان ومختلف المصالح في مختلف البيئات.

ثمّ قاس فكرة الاِجماع بالشورى و قال: ومنشأ فكرة الاِجماع انّ الاِسلام أساسه في تدبير شوَون المسلمين، الشورى، وان لايستبد أُولي الاَمر منهم بتدبير شوَونهم سواء أكانت تشريعية، أم سياسية، أم اقتصادية، أم إدارية أم غيرها من الشوَون، قال اللّه تعالى مخاطباً رسوله: "فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاََمْرِ" (1) ولم يخص سبحانه بالمشاورة أمراً دون أمر... ليشعرهم انّ الشورى من عمد دينهم كإقامة الصلاة.

وعلى هذا الاَساس كان الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يستشير روَوس صحابته في الاَُمور التي لم ينزل وحي من ربه و ممّا كان يستشيرهم فيه التشريع فيما لم ينزل فيه قرآن، إلى أن قال: فلمّا توفي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وواجهت أصحابه وقائع عديدة لم ينزل فيها قرآن ولم تمض فيها من الرسول سنّة سلكوا السبيل الذي أرشدهم إليه القرآن وهو الشورى، والذي سلكه الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيما لم ينزل فيه قرآن وهو الشورى.

إلى أن استنتج في كلامه المسهب ما هذا نصه: ومن هنا يتبيّن انّ إجماع الصحابة ما كان إلاّ اتّفاق من أمكن اجتماعهم من روَوسهم وخيارهم على حكم


1. آل عمران: 159.

(140)

واقعة لم يرد نص بحكمها، وانّالذي دعاهم إلى اتّباع هذا السبيل هو العمل بالشورى التي أوجبها اللّه وسار عليها الرسول وتنظيم اجتهاد الاَفراد فيما لا نصّ فيه، فبدلاً من أن يستقل كلّفرد من خيارهم بالاجتهاد في هذه الوقائع اجتمعوا وتشاوروا وتبادلوا الآراء، والخليفة ينفذ الحكم الذي اتّفقوا عليه. (1)

ولا يخفى ما في كلمات الاَُستاذ من الخلط.

أمّا أوّلاً: فقد تضافرت الآيات القرآنية على أنّ التشريع حقّ مختص باللّه تبارك وتعالى، وانّ كلّ تشريع لم يكن بإذنه فهو افتراء على اللّه وبدعة.وليس على الناس إلاّ الحكم بما أنزل اللّه، ومن حكم بغيره فهو كافر وظالم وفاسق. (2)

قال سبحانه: "إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلين" . (3)

ومع هذا التصريح فكيف يكون للبشر الخاطىَ غير الواقف على المصالح والمفاسد حقّ التشريع على الاِنسان على وجه يكون نافذاً، إلى يوم البعث؟!

نفترض انّ لفيفاً من الصحابة بذلوا جهوداً فوصلوا إلى أنّ المصلحة تكمن في أن يكون حكم الواقعة هو هذا، أفهل يكون إجماعهم على ذلك الحكم دون أن يكون مستمداً من كتاب أو سنّة حجّة على البشر إلى يوم القيامة لو لم نقل انّ اتّفاقهم على الحكم عندئذٍ بدعة وافتراء على اللّه؟!

وثانياً: انّ عطف الاِجماع على المشورة من الغرائب، فإنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كان يستشير أصحابه في الموضوعات العرفيّة التي ليس للشارع فيها حكم شرعي، وإنّما ترك حكمها إلى الظروف والملابسات وإلى الناس أنفسهم، حتى نجد انّ


1. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 166ـ167.
2. راجع سورة المائدة: الآيات: 44و45و47.
3. الاَنعام: 57.

(141)

أكثر مشاورات النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كانت تتم في كيفية القتال والذبّ عن حياض الاِسلام.

فهذا هو رسول اللّه يشاور المسلمين في غزوة بدر قبل اصطدامهم بالمشركين، وقال: أشيروا عليّ أيّها الناس، وكأنّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يريد أن يقف على رأي أصحابه في السير إلى الاَمام و قتال المشركين، أو الرجوع إلى الوراء، ولم يكن في المقام أي حكم مجهول حاول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يستكشفه عن طريق المشاورة، وكم فرق بين المشاورة في الموضوعات العرفية والمشاورة لكشف حكم شرعي منوط بالوحي؟

وهذه هي مشاورته الثانية في معركة أُحد حيث شاور أصحابه، ليقف على كيفية مجابهة المشركين وأُسلوب الدفاع عن الاِسلام فأدلوا بآرائهم، فمن طائفة تصرّ على أن لايخرج المسلمون من المدينة و يدافعوا عنها متحصنين بها، إلى أُخرى ترى ضرورة مجابهة المشركين خارج المدينة. (1)

إلى غير ذلك من مشاوراته المنقولة في كتب التاريخ كمشاورته في معركة الاَحزاب وغيرها.

ومن تتبع المشاورات التي أجراها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع أصحابه في التاريخ يقف على حقيقة، وهي: انّنا لا نكاد نعثر على وثيقة تاريخية تثبت انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاورهم في أُمور الدين والفتيا، بل كانت تلك المشاورات تتم في أُمور الدنيا ولما فيه صلاح أُمورهم.


1. الواقدي: المغازي: 1|211.

(142)

أدلّة عدِّ الاِجماع من مصادر التشريع

ثمّ إنّك بعد الوقوف على ما ذكرنا (من أنّ الاِجماع ليس من مصادر التشريع، وإنّما العبرة فيه قابلية كشفه عن الواقع وإصابته، وهذا يختلف باختلاف مراتب الاِجماع كما سبق) في غنى عن البرهنة على حجّية الاِجماع، وإنّما يقوم به من رأى أنّ نفس الاِجماع بما هو إجماع من مصادر التشريع، فاستدلوا بآيات:

الآية الاَُولى: آية المشاقة

قال سبحانه: "وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبعْ غَيْرَ سَبيلِ المُوَْمِنينَ نُولِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَ ساءَتْ مَصِيراً" . (1)

وهذه الآية هي التي تمسّك بها الشافعي على حجّية الاِجماع في رسالته أُصول الفقه.

ووجه الاستدلال: هو انّ اللّه يعد اتباع غير سبيل الموَمنين نوعاً من مشاقة اللّه ورسوله وجعلَ جزاءهما واحداً وهو الوعيد حيث قال: "نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ" فإذا كانت مشاقّة اللّه ورسوله حراماً كان اتباعُ غير سبيل الموَمنين حراماً مثله ولولم يكن حراماً لما اتحدا في الجزاء، فإذا حرم اتباع غير سبيلهم فاتباع سبيلهم واجب، إذ لا واسطة بينهما ويلزم من وجوبِ اتباع سبيلهم كونُ الاِجماع حجّة، لاَنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. (2)

يلاحظ على الاستدلال بوجوه:

الاَوّل: انّ الامعانَ في الآية يُرشدنا إلى أنّ ثمة طائفتين:

الاَُولى: من يشاقق الرسول ويعانِدُه ويتبع سبيل الكافرين فاللّه سبحانه


1. النساء: 115.
2. أُصول الفقه الاِسلامي: 1|540.

(143)

يولّـه ما تولّى ويصله جهنم.

الثانية: من يحبُ الرسول ويتبع سبيل الموَمنين فيعامل معه على خلاف الطائفة الاَُولى.

ثمّ إنّ سبيل الكافرين عبارة عن عدم الاِيمان به ومعاندته ومحاربته، وسبيل الموَمنين على ضدّ سبيلهم فهم يوَمنون به ويحبّونه، وينصرونه في سبيل أهدافه.

فاللّه سبحانه يذمُّ الطائفةَ الاَُولى ويمدح الطائفةَ الثانية، وعندئذٍ أي صلة للآية بحجّية اتفاق المجتهد في مسألة من المسائل الفرعية.

وبعبارة أُخرى: يجب علينا إمعان النظر في قوله سبحانه: "وَيَتَّبِعْ غير سَبيلِ المُوَْمِنين" بُغية تبيين سبيل الموَمن والكافر، فسبيل الاَوّل هو الاِيمان باللّه وإطاعة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومناصرته، وسبيل الآخر هو الكفر باللّه ومعاداة الرسول ومشاقته.

وهذا هو المستفاد من الآية وأمّا الزائد على ذلك فالآية ساكتة عنه.

الثاني: ليس هنا موضوعان مستقلان لكل حكمة، بل الموضوع في الآية شيء واحد مركب من أمرين:

أ. معاداة الرسول.

ب. سلوك غير سبيل الموَمنين.

فجعل للاَمرين جزاء واحداً وهو إصلاوَه النار، و بما انّ معاداة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدها كافية في الجزاء، وهذا يكشف عن أنّ المعطوف عبارة أُخرى للمعطوف عليه، وهو انّ المراد من اتباع غير سبيل الموَمنين هو شقاق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعاداته وليس أمراً ثانياً؛ فما ذكره المستدل من أنّ سبيل الشخص، هو ما يختاره من القول والفعل، و إن كان في نفسه صحيحاً، لكنّه أجنبي عن مفاد الآية فانّ المراد منه فيها، مناصرة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ومعاضدته.

الثالث: انّ اضفاء الحجّية على اقتفاء سبيل الموَمنين في عصر الرسول (صلى الله عليه


(144)

وآله وسلم) لاَجل انّ سبيلهم هو سبيل الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلا يستفاد منه حجّية مطلق سبيل الموَمنين بعد مفارقته عنهم.

الآية الثانية: آية الوسط

قال سبحانه: "وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكُونَ الرسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً" . (1)

وجه الاستدلال: أنّالوسطَ من كلّ شيء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الاَُمّة فإذا أقدموا على شيء من المحظورات، لما اتصفوا بالخيرية فيكون حينئذ قولهم حجّة. (2)

يلاحظ على الاستدلال:

أوّلاً: انّ «الوسط» بمعنى العدل، فالآية تصف الاَُمّة الاِسلامية بالوسطية، إمّا لاَنّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المفرّطين في حقّ الاَنبياء حيث قتلوا أنبياءهم، و النصارى الغلاة في حقّهم حتى اتّخذوا المسيح إلهاً أو انّهم أُمّة متوسطة بين اليهود المكبَّة على الدنيا، والنصارى المعرضة عنها لاَجل الرهبانية المبتدعة وأيّ صلة لهذا المعنى بحجّية رأي الاَُمّة في مسألة فقهية.

ثانياً: نفترض انّ الاَُمّة الاِسلامية خيار الاَُمم وأفضلها لكنّه لا يدل على أنّـهم عدول، لا يعصون، ولايدل على أنّهم معصومون لا يُخطِئون، والمطلوب في المقام هو إثبات عصمة الاَُمّة، كعصمة القرآن و النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حتى يكون ما أجمعوا عليه دليلاً قطعيّاً، مثلَما ينطِقُ به الكتابُ والنبيّ الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - والآية لا تدل على عصمتهم.


1. البقرة: 143.
2. أُصول الفقه الاِسلامي: 1|540.

(145)

وكون خبر العادل حجّة، غير كون الاِجماع حجّة، فإنّ الحجّة في الاَوّل بمعنى كونه منجِّزاً إن أصاب، ومعذِّراً إن أخطأ، لا كونه مصيباً للواقع على كلّ حال، وهذا بخلاف كون الاِجماع حجّة فإنّ معنـاه ـ بحكم عصمـة الاَُمّــة ـ انّه مصيب للواقع بل نفسه والحكم قطعي.

ثالثاً: انّ وصف الاَُمّة جميعاً، بالخيار والعدل، مجاز قطعاً، فإنّ بين الاَُمّة من بلغ من الصلاح والرشاد إلى درجة يُستدرّ بهم الغمام، و من بلغ في الشقاء أعلى درجته فخضّب الاَرض بدماء الصالحين والموَمنين ومع ذلك كيف تكون الاَُمّة بلا استثناء خياراً وعدلاً وتكون بعامة أفرادها شهداء على سائر الاَُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتُهم في الدنيا فكيف في الآخرة؟!

يقول الاِمام الصادق - عليه السّلام - في تفسير الآية: «فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميعَ أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادتُه في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادتُه يوم القيامة وتقبل منه بحضرة جميع الاَُمم الماضية؟!». (1)

وهذا دليل على أنّ الوسطية وصف لعدّة منهم، ولمّا كان الموصوفون بالوسطيةجزءاً من الاَُمّة الاِسلامية صحّت نسبة وصفهم، إلى الجميع نظير قوله سبحانه: "وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَومِهِ يا قَومِ اذْكُرُوا نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياء وَجَعَلَكُمْ مُلوكاً" (2) فقد وصف عامّة بني إسرائيل بكونهم ملوكاً، مع أنّ البعض منهم كان ملكاً.

وإذا كانت الوسطية لعدّة منهم دون الجميع، يكون هم الشهداء يوم القيامة لا جميع الاَُمّة وإنّما نسب إلى الجميع مجازاً.


1. البرهان: 1|160.
2. المائدة: 20.

(146)

الآية الثالثة: آية الخير

قال سبحانه: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُوَْمِنُونَ باللّهِ وَلَو آمَنَ أَهلُ الكِتابِ لَكانَ خَيراً لَهُمْ مِنْهُمُالمُوَْمِنُونَ وَأَكْثَرهُم الْفاسِقُون" (1) وتقريب الاستدلال انّ مقتضى كونهم خير أُمّة أُخرجت مع قيامهم بالاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اجتنابهم المحرمات وإلاّ لما وُصِفُوا بالخير، فيكون قولهم حجّة.

يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّه من المحتمل أن يكون الاِخبار بصدد الاِنشاء، أي كونوا كذلك لا أنّهم كذلك حين نزول الآية.

ثانياً: أنّ غاية ما تدل عليه الآية من كون الاَُمّة عدولاً، لا يعصون وأمّا أنّهم معصومون لا يُخطِئون، فالآية ساكتة عنه، وقد تقدّم انّ حجّية الاِجماع دائرة مدار عصمة الاَُمّة حتى يكون الحكم قطعياً، ويخرج عن دائرة الظنية، ويكون من مصادر التشريع لا من حواكيه.

الآية الرابعة: آية أُولي الاََمر

قال سبحانه: "يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ باللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً" . (2)

استدلّ الرازي بالآية على عصمة أولي الاَمر وقال: ونحن في زماننا عاجزون عن معرفة ذلك الاِمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليه، وإذا كان


1. آل عمران: 110.
2. النساء: 59.

(147)

الاَمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذي أمر اللّه الموَمنين بطاعته، ليس بعضاً من أبعاض هذه الاَُمّة ولا طائفة من طوائفهم، ولمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم هو أهل الحلّ والعقد من الاَُمّة، وذلك يوجب القطع بأنّ إجماع الاَُمّة حجّة. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي قد أصاب الحقّ في الجملة وانّ الآية تدل على عصمة أُولي الاَمر بالبيان الذي ذكره في تفسيره، ولكنّه قصر في التعرّف على أُولي الاَمر بأعيانهم وزلّت قدماه ففسرها بأهل الحل و العقد.

فلو رجع إلى السنّة لعرف انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد عرّف ذلك الجمع المعصوم وكفى في ذلك ما رواه الاَصحاب في تفسير الآية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يقول جابر بن عبد اللّه الاَنصاري لما نزل قوله سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ" قلت يا رسول اللّه: عرفنا اللّه ورسوله فمن أُولو الاَمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعته؟ فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي أوّلهم عليّبن أبي طالب ثمّ الحسنُ ثمّ الحسين ثمّعلي بن الحسين ...» وقد أتى بأسماء الاَئمّة جميعهم.... (2)

ثمّ إنّهم استدلوا على حجّية الاِجماع برواية: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» وهذا ما سنقوم بدراسته في الدليل الآتي.

***

نظرة عامة في حديث لا تجتمع

ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - «انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة» رواه أصحاب السنن، ولكن في طرق الجميع ضعفاً صرّح به المحقّقون.

قال الشيخ العراقي (1) في تخريج أحاديث البيضاوي: جاء الحديث بطرق في كلّها نظر.

و بما انّ الرواية تعد مصدراً في باب الاِمامة لخلافة الخلفاء كما عد مصدراً لحجّية الاِجماع وأنّها من مصادر التشريع، نبحث عنها من كلتا الجهتين سنداً ودلالة وإن طال بنا المقام.


1. مفاتيح الغيب: 3|250، ط مصر.
2. البحراني: البرهان في تفسير القرآن: 2|381، الحديث 1 و غيره.


(148)

أسانيد الحديث

قد روي هذا الحديث في السنن والمسانيد، وغيرهما من كتب الحديث، والاَُصول، والاستدلال فرع ثبوت الحديث سنداً، ودلالة، فلنتطرق إلى الحديث من كلا الجانبين.

1. سنن ابن ماجه

روى الحديث الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني (207ـ275هـ) في «سننه»، قال: حدّثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا معان بن رفاعة السلامي، حدّثني أبو خلف الاَعمى، قال: سمعت أنس ابن مالك، يقول: سمعت رسول اللّهص يقول: «إنّ أُمّتي لا تجتمع على الضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الاَعظم».

وينقل محقّق الكتاب عن كتاب مجمع الزوائد للهيثمي: في إسناده أبو خلف الاَعمى، واسمه حازم بن عطا، وهو ضعيف. وقد جاء الحديث بطرق في كلّها نظر. قاله شيخنا العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. (2)


1. لاحظ تعليقة محقق سنن ابن ماجه: 2|1303.
2. ابن ماجة: السنن: 2|1303، الحديث 3950.

(149)

أقول: أبو خلف الاَعمى، قال عنه الذهبي: يروي عن أنس بن مالك، كذّبه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. (1)

وأمّا السواد الاَعظم في متن الرواية فهو الجماعة الكثيرة، وإنّما أمر بالتمسّك بهم باعتبار أنّ اتّفاقهم أقرب إلى الاِجماع.

قال السيوطي في تفسير السواد الاَعظم: أي جماعة الناس ومعظمهم.

وقد استعمله الاِمام علي - عليه السّلام - في هذا المعنى في بعض خطبه، قال:

«الزموا السواد الاَعظم، فإنّ يد اللّه مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذ من الغنم للذئب، ألا مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه». (2)

2. سنن الترمذي

روى الترمذي (209ـ297هـ) في «سننه»، قال: حدّثنا أبو بكر بن نافع البصري، حدّثني المعتمر بن سليمان، حدّثنا سليمان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، قال: «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي، أو قال: أُمّة محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على ضلالة، ويد اللّه مع الجماعة و من شذَّ شذَّ إلى النار».

قال أبو عيسى (الترمذي) : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المدني هو عندي سليمان بن سفيان، وقد روى عنه أبو داود الطيالسي، وأبو عامر العقدي، وغير واحد من أهل العلم.

ثمّ أضاف وقال: وتفسير الجماعة عند أهل العلم، هم أهل الفقه والعلم


1. ميزان الاعتدال: 4|521، برقم 10156.
2. نهج البلاغة، ط عبدة، الخطبة برقم 123، وفي طبعة صبحي الصالح برقم 127.

(150)

والحديث، قال: وسمعت الجارود بن معاذ، يقول: سمعت علي بن الحسن، يقول: سألت عبد اللّه بن المبارك: مَن الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، قيل له: قد مات أبو بكر وعمر؟ قال: فلان وفلان، قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد اللّه بن المبارك: أبو حمزة السّكري جماعة.

ثمّ أضاف: أبو حمزة، هو محمّد بن ميمون، وكان شيخاً صالحاً، وإنّما قال هذا في حياته عندنا. (1)

أقول: فيما ذكره تأمل واضح.

أوّلاً: إنّ سليمان بن سفيان المدني قد عرّفه الذهبي قائلاً: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: ليس بثقة، وكذا قال النسائي.

وقال أبو حاتم، والدارقطني: ضعيف، وليس له في السنن والمسانيد غير حديثين. (2)

ثانياً: كيف يفسر الاَُمّة بأهل الفقه والعلم والحديث، مع أنّ الاَُمّة تشمل جميع من آمن برسالة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ؟!

وأعجب منه تفسير عبد اللّه بن المبارك بالخليفتين أبي بكر وعمر، ثمّتفسيره بفلان وفلان، ولم يعلم أنّه ماذا أراد منهما؟ وأشدّ عجباً تطبيقه على أبي حمزة السكري، معلّلاً بأنّه جماعة وهل هذا إلاّ الغلو؟!

وقد صار الحديث ذريعة لتصويب خلافة الخلفاء.


1. الترمذي: السنن: 4|466 برقم2167، كتاب الفتن.
2. ميزان الاعتدال: 2|209، الحديث 3469.

(151)

3. سنن أبي داود

روى أبو داود (202ـ275هـ) قال: حدّثنا محمد بن عوف الطائي، حدّثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل، قال حدثني ضمضم عن شريح، عن أبي مالك ـ يعني الاَشعري ـ قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه أجاركم من ثلاث خلال: أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعاً، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة». (1)

وفي السند محمد بن عوف الطائي، ذكره الذهبي، قال: محمد بن عوف، عن سليمان بن عثمان، مجهول الحال. (2)

وأيضاً فيه ضمضم، ذكره الذهبي، وقال: ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد. وثّقه يحيى بن معين، وضعّفه أبو حاتم، روى عنه جماعة. (3)

وقد اتّفقت السنن الثلاث على لفظ «ضلالة» دون لفظ خطأ.

4. مسند أحمد بن حنبل

روى أحمد بن حنبل (164ـ241هـ) في مسنده، قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا ابن عياش، عن البختري بن عبيد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أنّه قال: «اثنان خير من واحد، وثلاثة خير من اثنين، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لن يجمع أُمّتي إلاّ على هدى». (4)


1. سنن أبي داود: 4|98 برقم 4253.
2. ميزان الاعتدال: 3|676 برقم 8030.
3. ميزان الاعتدال: 2|331 برقم 3960.
4. مسند أحمد بن حنبل: 5|145.

(152)

وفي السند ابن عياش الحميري، قال عنه الذهبي: مجهول. (1)

وفي السند أيضاً البختري، وهو البختري بن عبيد، ذكره الذهبي، وقال: ضعّفه أبو حاتم، وغيره تركه، فأمّا أبو حاتم فأنصف فيه، وأمّا أبو نعيم الحافظ فقال: روى عن أبيه موضوعات.

وقال ابن عدي: روى عن أبيه قدر عشرين حديثاً عامّتها مناكير، منها: اشربوا أعينكم الماء، ومنها: الاَُذنان من الرأس، ثمّقال: وله عند ابن ماجه حديث عن أبيه عن أبي هريرة: صلوا على أولادكم. (2)

ولعلّ الرواية منقولة بالمعنى، وقد عرفت اتفاق السنن الثلاث على لفظ «الضلالة» وعبّر عنها بـ: لن تجتمع أُمّتي إلاّ على هدىً.

5. مستدرك الحاكم

روى الحاكم النيسابوري (321ـ405هـ) ، في مستدركه على الصحيحين هذا الحديث، بمسانيد تشترك في المعتمر بن سليمان قال:

فيما احتجّ به العلماء على أنّ الاِجماع حجّة، حديث مختلفٌ فيه على المعتمر ابن سليمان قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم الاَصم ببغداد، حدّثنا جعفر بن محمد بن شاكر، حدّثنا خالد بن يزيد القرني، حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لا يجمع اللّه هذه الاَُمّة على الضلالة أبداً، وقال: يد اللّه على الجماعة، فاتبعوا السواد الاَعظم، فإنّه مَن شذّ شذَّ في النار». (3)


1. ميزان الاعتدال: 4|594 برقم 10821.
2. ميزان الاعتدال: 1|299 برقم 1133.
3. المستدرك للحاكم: 1|115.

(153)

قال الحاكم ـ بعد نقله للحديث بأسانيده السبعةـ: فقد استقر الخلاف في إسناد هذا الحديث على المعتمر بن سليمان، وهو أحد أركان الحديث من سبعة أوجه، لا يسعنا أن نحكم انّ كلّها محمولة على الخطأ بحكم الصواب، لقول من قال عن المعتمر عن سليمان بن سفيان المدني، عن عبد اللّه بن دينار، ونحن إذا قلنا هذا القول، نسبنا الراوي إلى الجهالة فوهن به الحديث، ولكنّا نقول: إنّ المعتمر ابن سليمان، أحد أئمّة الحديث، وقد روي عنه هذا الحديث بأسانيد يصحّ بمثلها الحديث، فلابدّ من أن يكون له أصل بأحد هذه الاَسانيد، ثمّ وجدنا للحديث شواهد من غير حديث المعتمر لا ادّعي صحتها ولا أحكم بتوهينها، بل يلزمني ذكرها لاِجماع أهل السنّة على هذه القاعدة من قواعد الاِسلام.

فمن روي عنه هذا الحديث من الصحابة: عبد اللّه بن عباس، ثمّ ذكر حديث ابن عباس.

وأمّا معتمر الذي وقع في سند الحديث، ذكره الذهبي، وقال: معتمر بن سليمان التيمي البصري أحد الثقات الاَعلام.

قال ابن خراش: صدوق يخطىَ من حفظه، وإذا حدّث من كتابه فهو ثقة.

قلت: هو ثقة مطلقاً.ونقل ابن دحية، عن ابن معين: ليس بحجّة. (1)

هذا ما لدى أهل السنّة إذا اقتصرنا من الحديث على صورة المسند منه، وأمّا نقله مرسلاً فقد تضافر نقله في كتبهم وأرسلوه إرسالاً مسلماً.
1. رواه الغزالي (450 ـ 505هـ) في ا«لمستصفى»، قال: تضافرت الرواية عن رسول اللّه بألفاظ مختلفة مع اتّفاق المعنى في عصمة هذه الاَُمّة من الخطأ.(2)


1. ميزان الاعتدال: 4|143 برقم 8648.
2. المستصفى: 1|111.

(154)

2. وقال في« المنخول»: وممّا تمسّك به الاَُصوليون، قولهص: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» وروي «على خطأ» ولا طريق إلى ردّه بكونه من أخبار الآحاد، فانّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بها، وإن كانت مظنونة.

فإن قيل: فما المختار عندكم في إثبات الاِجماع؟

قلنا: لا مطمع في مسلك عقلي إذ ليس فيه ما يدل عليه، ولم يشهد له من جهة السمع خبر متواتر ولا نص كتاب، وإثبات الاِجماع بالاِجماع تهافت، والقياس المظنون لا مجال له في القطعيات. (1)

يلاحظ على ما ذكره:

أوّلاً: أنّ الوارد في السنن والمسانيد هو لفظ «ضلالة» و لم نقف على لفظ «على خطأ» وعلى ذلك فالرواية ترجع إلى الاَُصول والعقائد التي تدور عليها الهداية والضلالة، لا المسائل الفقهية التي لا يعدّ المخالف للحكم الواقعي ضالاً، فالتمسك به في إثبات حجّية الاِجماع كما ترى.

وثانياً: وجود التناقض في كلامه حيث قال: «إنّ القواعد القطعية يجوز إثباتها بأخبار الآحاد وإن كانت مظنونة» وهذا ينافي ما قاله أخيراً: «القياس المظنون لا مجال له في القطعيات».

وجه التناقض أنّ الخبر الواحد والقياس من حيث إفادة الظن سيّان، فكيف تثبت القواعد القطعية بالظن مستنداً إلى خبر الواحد، ولا يثبت بالقياس؟!

وأعجب منه ثبوت القواعد القطعية بالظن، مع أنّالنتيجة تابعة لاَخس المقدمتين.


1. المنخول: 305ـ 306، طبع دار الفكر.

(155)

3. وقال تاج الدين السبكي عبد الوهاب بن علي (المتوفّى771هـ) في كتابه «رفع الحاجب على ابن الحاجب»، فانّه بعد ذكر طرق الحديث ورواته قال: أمّا الحديث فلا أشك انّه اليوم غير متواتر، بل لا يصحّ، أعني لم يصح منه طريق على السبيل الذي يرتضيه جهابذة الحفاظ، ولكني اعتقد صحّة القدر المشترك من كلّ طرقه، والاَغلب على الظن أنّه «عدم اجتماعها على الخطأ».وأقول: مع ذلك جاز أن يكون متواتراً في سالف الزمان ثمّ انقلب آحاداً. (1)

***

الحديث في كتب الشيعة

أمّا الشيعة فلم تنقله مسنداً، إلاّ الصدوق في «خصاله»، ومنه أخذ صاحب الاحتجاج ونقله فيه.

وروي أيضاً في رسالة الاِمام الهادي - عليه السّلام - التي كتبها في الرد على أهل الجبر والتفويض، نقلها ابن شعبة الحراني في «تحف العقول»، مرسلاً لا مسنداً؛ ونقله أيضاً الاَُصوليون من الشيعة عند البحث في الاِجماع، وإليك ما وقفنا على نصوصهم بصدد هذا الحديث:

1. خصال الصدوق

روى الصدوق (306ـ381هـ) في «الخصال» قال: حدّثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمد الحسني، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن حفص الخثعمي، قال: حدّثنا الحسن بن عبد الواحد، قال حدّثني أحمد بن


1. رفع الحاجب عن ابن الحاجب: ورقة 176 ب، المخطوط في الاَزهر.

(156)

التغلبي (1)، قال: حدّثني أحمد بن عبد الحميد، قال: حدّثني حفص بن منصور العطار، قال: حدّثنا أبو سعيد الورّاق، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: «لمّا كان من أمر أبي بكر و بيعة الناس له، وفعلهم بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم يزل أبو بكر يظهر له الانبساط، ويرى منه انقباضاً، فكبر ذلك على أبي بكر، فأحب لقاءَه واستخراج ما عنده و المعذرة إليه لما اجتمع الناس عليه وتقليدهم إيّاه أمر الاَُمّة، وقلة رغبته وزهده فيه.

أتاه في وقت غفلة، وطلب منه الخلوة ـ ثمّنقل بعض ما دار بينهما من الكلام ـ إلى أن قال: فقال له علي - عليه السّلام - : «فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه، ولا حرصت عليه، ولا وثقت بنفسك في القيام به، وبما يحتاج منك فيه؟».

فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه لا يجمع أُمتي على ضلال» و لما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وأحلت أن يكون اجتماعهم على خلاف الهدى، وأعطيتهم قود الاِجابة، ولو علمت أنّ أحداً يتخلّف لامتنعت.

فقال علي - عليه السّلام - : «أمّا ما ذكرت من حديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «إنّ اللّه لا يجمع أُمّتي على ضلال» أفكنت من الاَُمّة أو لم أكن؟» قال: بلى، قال: «وكذلك العصابة الممتنعة عليك من سلمان وعمار وأبي ذر و المقداد وابن عبادة ومن معه من الاَنصار؟» قال: كلّ من الاَُمّة.

فقال علي - عليه السّلام - : «فكيف تحتج بحديث النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأمثال هوَلاء قد تخلّفوا عنك، وليس للاَُمّة فيهم طعن، ولا في صحبة الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ونصيحته منهم تقصير؟!». (2)


1. هو أحمد بن عبد اللّه بن ميمون التغلبي، قال ابن حجر: ثقة زاهد.
2. الخصال: 2|548ـ 549، أبواب الاَربعين، الحديث 30.

(157)

يلاحظ عليه: أنّ السند مشتمل على رجال مجهولين، أو مهملين، فلا يمكن الاحتجاج بهذا الحديث على صحّة ما ورد فيه.

أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون قبول الاِمام للحديث من باب الجدل والرد على الخليفة من الطريق الذي سلكه.

2. تحف العقول لابن شعبة الحراني

إنّ الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني من أعلام الشيعة في القرن الرابع الهجري، يروي عن أبي علي محمد بن همام، (المتوفّـى 336هـ) المعاصر للصدوق (المتوفّـى 381هـ) ، أُستاذ الشيخ المفيـد (336ـ 413هـ) قد روى في كتابه القيّم «تحف العقول» رسالة الاِمام الهادي إلى الاَهوازيين في الردّ على أهل الجبر والتفويض، وجاء فيها ما نصّه: وقد اجتمعت الاَُمّة قاطبة لا اختلاف بينهم أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع أهل الفرق، وفي حال اجتماعهم مقرون بتصديق الكتاب وتحقيقه، مصيبون، مهتدون، وذلك بقول رسول اللّه: «لا تجتمع أُمّتي على ضلالة» فأخبر أنّ جميع ما اجتمعت عليه الاَُمّة كلّها حق، هذا إذا لم يخالف بعضها بعضاً. (1)

والرسالة مرسلة لم نجد لها سنداً، ونقلها الشيخ الطبرسي في «الاحتجاج» (2) بلا اسناد أيضاً، كما رواها المجلسي في «البحار» مرسلاً. (3)

هذا ما يرجع إلى تلك الرواية في كتب الشيعة الحديثية، وقد عرفت أنّ المسند في «الخصال» مشتمل على مجاهيل ومهملين، والمرسل منها لا ينفع مالم


1. تحف العقول: 458، باب ما روي عن الاِمام الهادي - عليه السّلام - .
2. الاحتجاج: 2|478 برقم 328.
3. البحار: 4|15.

(158)

يحرز ثبوت الرسالة إلى الاِمام.

وأمّا غير الكتب الحديثية فقد نقلها غير واحد في كتبه منهم:

أ. الشيخ الطوسي (385ـ460هـ) فقد نقل الحديث عند البحث عن حجّية الاِجماع في نظر أهل السنّة، فقال: واستدلوا أيضاً على صحّة الاِجماع بما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: «لا تجتمع أُمّتي على خطأ» وبلفظ آخر «لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على الخطأ» و بقوله: «كونوا مع الجماعة» وبقوله: «يد اللّه على الجماعة» وما أشبه ذلك من الاَلفاظ.

ثمّ أجاب عن الاستدلال بهذه الاَحاديث وقال:

وهذه الاَخبار لا يصحّ التعلّق بها لاَنّها كلّها أخبار آحاد لا توجب علماً، وهذه مسألة طريقها العلم.

وليس لهم أن يقولوا إنّ الاَُمّة قد تلقّتها بالقبول وعملت بها.

لاَنّا أوّلاً: لا نسلّم أنّ الاَُمّة كلّها تلقّتها بالقبول.

ولو سلّمنا ذلك لم يكن أيضاً فيها حجّة، لاَنّ كلامنا في صحّة الاِجماع الذي لا يثبت إلاّ بعد ثبوت الخبر، والخبر لا يصحّ حتى يثبت أنّهم لا يجمعون على خطأ.

إلى أن قال: ولو سلم من جميع ذلك، لجاز أن يحمل على طائفة من الاَُمّة، وهم الاَئمة من آل محمد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، لاَنّ لفظ «الاَُمّة» لا يفيد الاستغراق على ما مضى القول فيه، وذلك أولى من حيث دلت الدلالة على عصمتهم من القبائح.

وإن قالوا: يجب حمله على جميع الاَُمّة لفقد الدلالة على أنّ المراد بعض الاَُمّة.

كان لغيرهم أن يقول: أنا أحمل الخبر على جميع الاَُمّة من لدن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن تقوم الساعة، حيث إنّ لفظ الاَُمّة يشملهم ويتناولهم، فمن أين أنّ إجماع


(159)

كلّعصر حجّة؟

وأمّا الخبر الثاني من قوله: «لم يكن اللّه ليجمع أُمّتي على خطأ» فصحيح ولا يجيء من ذلك أنّه لا يجمعون على خطأ.

وليس لهم أن يقولوا: إنّ هذا لا اختصاص فيه لاَُمّتنا بذلك دون سائر الاَُمم، لاَنّ اللّه تعالى لا يجمع سائر الاَُمم على الخطأ.

وذلك أنّه وإن كان الاَمر على ما قالوه، فلا يمتنع أن يخص هوَلاء بالذكر ومن عداهم يعلم أنّ حالهم كحالهم بدليل آخر، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن والاَخبار.

على أنّ هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده أكثر من خالفنا. (1)

وقد عدّ العلاّمة في فصل خصائص النبي من كتاب النكاح، أنّمن خصائصه أنّ أُمّته لا تجتمع على الضلالة. (2)

وقد نقل المحقّق التستري أنّ العلاّمة نقل الحديث في كتابيه «الاَلفين» و«المنتهى».

أقول: أمّا كتاب الاَلفين فقد ذكر أنّ من فوائد الاِمام عصمة الاَُمة، قال ما نصه: امتناع الخطأ والاِمامة (3) مع تمكن الاِمام من المكلف... إلى آخر ما ذكره. (4)

فهو يعدّ الاَُمّة معصومة لاَجل وجود الاِمام من دون إشارة إلى الحديث.

وأمّا «المنتهى» فلم نعثر فيه على الحديث.


1. عدّة الاَُصول: 2|625ـ 626، نقلناه بتلخيص، طبع عام 1417هـ.
2. التذكرة: 2|568، رقم الخصيصة هـ|17.
3. كذا في النسخة المطبوعة في موَسسة دار الهجرة، ولعلّ الصحيح: (على الاَُمّة) .
4. الاَلفين: 211.

(160)

وقال المحقّق التستري: وأقوى ما ينبغي أن يُعتمد عليه من النقل حديث: «لا تجتمع أُمّتي على الخطأ» وما في معناه لاشتهاره وقوّة دلالته. وتعويل معظمهم ولا سيما أوائلهم عليه، وتلقّيهم له بالقبول لفظاً ومعنى وادّعاء جماعة منهم تواتره معنى...، إلى أن قال: حكى بعض المحدّثين من التحف مرسلاً عنه - عليه السّلام - انّه قال أيضاً: «إنّ اللّه قد احتج على العباد بأُمور ثلاثة: الكتاب، والسنّة، وما أجمع عليه المسلمون»، وقد روي في هذا الباب أخبار أُخر من طرقنا تقتضي حجّية الاِجماع الواقع على الحكم بنفسه، ووجوب العمل بخبر أجمع على العمل به أو على روايته مع قبوله كما تقتضي إمكان وقوع الاِجماع والعلم به وهي أخبار شتى، إلى أن قال: موَيدة بما ورد في المنع من فراق الجماعة وغيره، ولتطلب جميعاً من كتاب المناهج، وفّق اللّه سبحانه لاِتمامه. (1)

هذا ما وقفنا عليه في كتب أصحابنا إلى أواخر القرن الثالث عشر.

نعم جاء ذكر هذا الحديث في الكتب الاَُصولية الاستدلالية لكلا الفريقين، ولا داعي للاِطالة بالنقل عنها.

حصيلة البحث:

إنّ للقارىَ أن يستنتج من هذا البحث الضافي حول الرواية الاَُمور التالية:

الاَوّل: أنّ الرواية من أخبار الآحاد، لم تنقل بسند صحيح في كتب الفريقين، وقدعرفت وجه الضعف عند نقلها عن كتب الصحاح والمسانيد.

الثاني: أنّالمنقول مسنداً هو لفظ «الضلالة» لا لفظ «الخطأ»، أو «على غير هدى» كما في مسند الاِمام أحمد، وإنّما جاء الخطأ في غير الكتب الحديثية.


1. كشف القناع: 6ـ 7، طبع عام 1316هـ.

(161)

الثالث: أنّ الحديث على فرض ثبوته يرجع إلى المسائل العقائدية التي عليها مدار الهداية والضلالة، أو ما يرجع إلى صلاح الاَُمّة من وحدة الكلمة والاجتناب عن التشتّت فيما يمسّ وحدة المسلمين.

وأمّا المسائل الفقهية فلا يوصف المصيب والمخطىَ فيها بالهداية والضلالة، كما لا يكون مصير الشاذ فيها مصير النار، أو نصيب الشيطان.

وعلى ذلك فالاستدلال به على حجية الاِجماع في المسائل الفقهية غير تام.

الرابع: لو سلّمنا سعة دلالة الحديث فالمصون من الضلالة هو الاَُمّة بما هي أُمّة، لا الفقهاء فقط، ولا أهل العلم، ولا أهل الحل والعقد، وعلى ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتفقت عليه جميع الاَُمّة في العقائد والاَُصول.

الخامس: أنّ مصونية الاَُمّة كما يمكن أن يكون لكمال عقلها، يمكن أن يكون لوجود معصوم فيهم، والرواية ساكتة عنه فلا يمكن أن يستدل بالرواية على أنّ الاَُمّة مع قطع النظر عن المعصوم مصونة عن الخطأ، بل لما ثبت في محلّه أنّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم تكون عصمة الاَُمّة بعصمة الاِمام.

قال أمير الموَمنين - عليه السّلام - : «اللّهم بلى، لا تخلو الاَرض من قائم للّه بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته». (1)

روى العياشي باسناده إلى إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير (2) خبث الحديد.(3)


1. نهج البلاغة: قسم الحكم برقم 147.
2. الكير: جلد غليظ ذوحافات ينفخ فيه الحداد.
3. رجال الكشي: 10برقم 5، فصل فضل الزيارة والحديث.

(162)

مصادر التشريع
4



العقل

حجّية العقل في مجالات خاصة

إنّ العقل أحد الحجج الاَربع التي اتّفقت فقهاء الشيعة إلاّ قليلاً منهم على حجّيته، و لاَجل إيضاح الحال نقدّم أُموراً:

الاَوّل: الاِدراك العقلي ينقسم إلى إدراك نظري و إدراك عملي، فالاَوّل إدراك ما ينبغي أن يعلم، كإدراك وجود الصانع و صفاته و أفعاله و غير ذلك، و الثاني إدراك ما ينبغي أن يعمل، كإدراكه حسن العدل و قبح الظلم ووجوب ردّالوديعة و ترك الخيانة فيها، و المقْسَمْ هو الاِدراك فهو ينقسم إلى نظري و عملي، و ربما يُتوسع فيقسم العقل إلى القسمين.

الثاني: انّ الاستدلال لا يتم إلاّ بأحد طرق ثلاثة:
1. الاستقراء.
2. التمثيل.
3. القياس المنطقي.

والاستقراء الناقص لا يحتج به، لاَنّه لا يفيد إلاّ الظنّ ولم يدلّ دليل على حجّية مثله، و أمّا الاستقراء الكامل فلا يعدّ دليلاً، لاَنّ المستقرىَ يصل إلى النتيجة في ضمن الاستقراء، فلا تبقى حاجة للاستدلال به على المدعى.


(163)

وبعبارة أُخرى: الاستقراء الكامل علوم جزئية تفصيلية تُصَبُّ في قالب قضية كليّة عند الانتهاء من الاستقراء دون أن يكون هناك مجهول يُستدل به على المعلوم.

وأمّا التمثيل، فهو عبارة عن القياس الاَُصولي الذي لا نقول به، كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن مصادر التشريع غير المعتبرة عندنا، والمعتبرة عند أهل السنّة.

فتعيّن أن تكون الحجّة هي القياس المنطقي، و هو على أقسام ثلاثة:

أ. أن تكون الصغرى والكبرى شرعيّتين وهذا ما يسمّى بالدليل الشرعي.

ب. أن تكون كلتاهما عقليّتين، كإدراك العقل حسن العدل وحكمه بوجوب العمل على وفقه، و قبح الظلم و حكمه بالاجتناب عنه، و هذا ما يعبّر عنه بالمستقلاّت العقلية، أو التحسين والتقبيح العقليين.

ج. أن تكون الصغرى شرعية و الكبرى عقلية.

أقسام الحكم العقلي:

إنّ الاَحكام الشرعية المستنبطة من الاَحكام العقلية تنقسم إلى قسمين:

الاَوّل: ما يستنبط من مقدّمتين عقليّتين، وهذا كالحكم بحسن العدل و قبح الظلم، وحكمه بكونهما عند الشرع أيضاً كذلك، و هذا ما يسمّى بالمستقلات العقلية، فالدليل بعامة أجزائه عقلي فقد حكم بحسن العدل كما حكم بالملازمة بين العقل و الشرع.

الثاني: ما تكون إحدى المقدّمتين عقلية، والاَُخرى شرعيّة و هذا كما في باب الملازمات العقلية كوجوب المقدّمة، فإنّالعقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء و وجوب ما يتوقّف عليه، وأنّطالب الشيء طالب مقدّماته أيضاً،


(164)

أو يحكم بثبوت التلازم بين الاَمر بالشيء و حرمة أضداده، وأيضاً يكشف عن أنّ حكم الشرع في كلا الموردين أيضاً كذلك.

و من الواضح انّه لا يمكن التوصل بهذا الحكم الكلّي إلى وجوب الوضوء إلاّ بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة و توقفها عليه، فيقال إذا أُريدَترتيبُ القياسِ وأخذُ النتيجة: الوضوء ممّا يتوقف عليه الواجب (الصلاة) وهذه مقدّمة شرعية وكلّ ما يتوقف عليه الواجب فهو واجب عقلاً وهذه مقدمة عقلية فينتج: الوضوء واجب عقلاً. وهذا ما يعبّر عنه بغير المستقلاّت العقلية. نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع.

الثالث: الفرق بين هذا المقام الباحث عن حجّية العقل وبين الدارج في الكتب الاَُصولية، أعني البحث عن وجود الملازمة العقلية بين وجوب الشيء و وجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه إلى غير ذلك، هو أنّ البحث في الثاني يدور حول وجود الملازمة بين الاِرادتين أو الوجوبين عند العقل وعدمها؟ و لكن البحث في هذا المقام يدور حول كشفه عن كون الحكم كذلك عند الشرع أيضاً ؟

وبعبارة أُخرى: إنّ البحث في المقام الثاني، منصبّ على إثبات الملازمة العقلية بين الوجوبين و عدمها، أو وجودها بين الوجوب و حرمة ضدّه وعدمها.

نعم بعد ثبوتها يبحث في المقام عن وجود الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و أنّالواجب عقلاً، واجب شرعاً أيضاً أو لا.

وعلى ذلك فالبحث في الثاني مركّز على كشف حكم العقل في باب المقدمة كما انّه مركّز في المقام على كشفه عن حكم الشرع فيه.

الرابع: عرّف الدليل العقلي بأنّه حكم يتوصّل به إلى حكم شرعي، و ربما


(165)

يعرَّف بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب نظري (1) مثلاً إذا حكم العقل بأنّالاِتيان بالمأمور به على ما هو عليه موجب لحصول الامتثال يُستدل به على أنّه في الشرع أيضاً كذلك، فيترتّب عليه براءة الذمّة عن الاِعادة والقضاء، أو إذا حكم العقل عند التزاحم بلزوم تقديم الاَهم كالنفس المحترمة على المهم كالتصرف في مال الغير بلا إذنه، فيُستدل به على الحكم الشرعي و هو وجوب إنقاذ الغريق، و جواز التصرف في مال الغير، كلّذلك توصلٌ بالحكم العقلي للاهتداء إلى الحكم الشرعي.

الخامس: انّ الاستدلال بالحكم العقلي على الحكم الشرعي يتصور على وجهين:

أ. إذا أدرك العقلُ حكم الموضوع عند لحاظه بما هو هو مع قطع النظر عن سائر الجهات (2) من كونه ذا مصلحة أو مفسدة، موجب لبقاء النظام أو زواله، نافع للمزاج أو مضرّ به، بل استقلّ العقل بحكمه إذا نظر إلى الموضوع بما هو هو، من دون لحاظ أيّ ضميمة من الضمائم، و من أوضح أمثلة هذا القسم استقلاله بحسن العدل و حكمه بلزوم فعله، و قبح الظلم و حكمه بلزوم تركه.

نعم المورد لا ينحصر بالتحسين والتقبيح و سيوافيك أنّ كلّ ما يدركه العقل بوصف كونه حكماً عاماً غير مقيّد بفاعل خاص، ولا ظرف معيّن، فهو من مصاديق هذا القسم، نظير إدراكه الملازمة بين الاِرادتين و الوجوبين، أو بين وجوب شيء وحرمة ضدّه، و هكذا فإنّ المدرَك حكم عام غير مقيّد بشيء. غير انّ التحسين والتقبيح من المستقلات العقلية وغيرهما كباب الملازمات من غير المستقلات العقلية لكن يجمعهما استقلال العقل في إدراك الحكم العام الذي


1. القوانين: 2|2؛ مطارح الاَنظار: 233.
2. سيوافيك توضيحه في نهاية البحث.

(166)

يشارك فيه الممكن والواجب. فيقع الكلام في أنّه هل يستكشف منه كون الحكم عند الشرع أيضاً كذلك.

ب. إذا استقل العقل بوجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه وبلزوم حيازة الاَُولى والاجتناب عن الثانية، فهل يُستكشف منه الوجوب أو الحرمة عند الشارع أيضاً بحيث يكون العلم بالمصالح والمفاسد من مصادر التشريع الاِسلامي؟

إذا عرفت ذلك، فيقع البحث عن حجّية العقل في مقامين:

المقام الاَوّل: استكشاف حكم الشرع عند استقلاله بالحكم بالنظر إلى ذات الموضوع، فنقول: إذا استقل العقل بالحكم على الموضوع بما هو هو من غير التفات إلى ماوراء الموضوع من المصالح و المفاسد، ـ ومن أمثلته وراء ما مرّ ـ استقلاله بقبح تكليف غير المميز و من لم يبلغه البيان، فهل يكون ذلك دليلاً على كون الحكم عند الشارع أيضاً كذلك أو لا ؟ فذهب الاَُصوليون إلى وجود الملازمة بين الحكمين، و ما ذلك إلاّ لاَنّ العقل يدرك حكماً عاماً غير مقيّد بشيء.

مثلاً إذا أدرك العقل (حسن العدل) فقد أدرك انّه حسن مطلقاً أي سواء أكان الفاعل واجب الوجود أم ممكن الوجود، و سواء أكان الفعل في الدنيا أم في الآخرة، و سواء أكان مقروناً بالمصلحة، فمثل هذا الحكم العقلي المدرَك يلازم كون الحكم الشرعي أيضاً كذلك وإلاّ لما كان المدرَك عاماً شاملاً لجميع تلك الخصوصيات. و بذلك تتضح الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع في المستقلات العقلية.

هذا كلّه في المستقلات العقلية و به يظهر حكم غير المستقلات العقلية التي عرفت معناها، فمثلاً إذا أدرك العقل الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته، أو وجوب الشيء و حرمة ضدّه، أو الملازمة بين ثبوت الجزاء عند ثبوت


(167)

العلّة المنحصرة و انتفائه عند انتفائها، يكشف ذلك انّ الحكم عند الشرع أيضاً كذلك، لاَنّ الحكم المدرَك بالعقل حكم عام غير مقيّد بشيء من القيود، فكما انّ العقل يدرك الملازمة بين الاَربعة والزوجية بلا قيد فيكون حكماً صادقاً في جميع الاَزمان والاَحوال، فكذلك يدرك الملازمة بين الوجوبين أو بين الوجوب والحرمة، فالقول بعدم كشفه عن حكم الشارع، كذلك ينافي إطلاق حكم العقل و عدم تقيّده بشيء.

وبذلك يتّضح أنّادّعاء الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع يرجع إلى أنّ الحكم المدرك بالعقل حكم مطلق غير مقيد بشيء، فيعمّ حكم الشارع أيضاً.

فالاحتجاجات في باب الملازمات مستقلة كانت أو غير مستقلة ترجع إلى أنّ الحكم المدرك حكم مطلق، شامل لكلّ فاعل و ظرف، فإخراج الواجب وحكمه عن تحت القاعدة خلاف ما يحكم به العقل على وجه الجزم، فمن حاول نفي الملازمة، فعليه أن ينفي الاِدراك القطعي العام للعقل في تلك المجالات، و أنّى له ذلك؟!

المقام الثاني: استكشاف الحكم الشرعي من المصالح و المفاسد في الموضوع دون نظر إلى حكم العقل بحسنه أو قبحه بما هوهو.

فنقول: إذا أدرك العقل المصلحة أو المفسدة في شيء و كان إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامتين اللّتين يستوي في إدراكهما جميع العقلاء، ففي مثله يصحّ استنباط الحكم الشرعي من الحكم العقلي.

نعم لو أدرك المصلحة أو المفسدة و لم يكن إدراكه إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، بل إدراكاً شخصياً حصل له بالسبر والتقسيم، فلا سبيل للعقل بأن يحكم بالملازمة فيه، و ذلك لاَنّ الاَحكام الشرعية المولوية و إن كانت لا تنفك


(168)

عن المصالح أو المفاسد، و لكن أنّى للعقل أن يدركها كما هي عليها.

وبذلك يعلم أنّه لا يمكن للفقيه أن يجعل ما أدركه شخصيّاً من المصالح و المفاسد ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، بل يجب عليه الرجوع إلى سائر الاَدلّة.

فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلاً: انّ حكم العقل بشيء في المستقلاّت العقلية أو في غيرها يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً ويكون المدرَك حكماً عاماً، كما هو الحال في الاَمثلة المتقدّمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الاَفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الاَحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الاَحكام و مفاسدها، وسوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

يترتب على حجّية العقل في المجالات الثلاثة، أعني:
1. الملازمات العقلية.
2. الحسن و القبح العقليين.
3. المصالح والمفاسد العامتين.

تترتب على حجية العقل ثمرات فقهية كثيرة نستعرض بعضها ـ بعد نظرة عامة في التحسين والتقبيح العقليين ـ.


(169)

نظرة عامة في التحسين والتقبيح العقليين

إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين من البديهيات في مجال العقل العملي، فالحكماء قسّموا الاِدراكات العقلية إلى نظرية وعملية، قال الحكيم السبزواري:

إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل؛ لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل، مثل اللّه واحد؛ والعملي شأن العلوم المتعلّقة بالعمل، مثل التوكل حسن والرضا والتسليم والصبر محمود، وهذا العقل هو المستعمل في علم الاَخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين، بل هما كجهتين لشيء واحد وهي الناطقة.

إنّ الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية، ولولا ذلك لانهار صرح العلوم، وهكذا الحكمة العملية، ففيها قضايا غير معلومة لا تعرف إلاّ بالانتهاء إلى قضايا عمليّة ضرورية وإلاّ لما عرف الاِنسان شيئاًمن قضايا الحكمة العملية، ومن تلك القضايا البديهية في العقل العملي مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا، كقولنا: «العدل حسن» و«الظلم قبيح» و«جزاء الاِحسان بالاِحسان حسن، وجزاوَه بالاِساءة قبيح».

فهذه القضايا أوّلية في الحكمة العملية والعقل العملي يدركهما من صميم ذاته، ومن ملاحظة تلك القضايا تعرف سائر الاَحكام العقلية العملية غير البديهية سواء كانت مربوطة بالاَخلاق أو تدبير المنزل أو سياسة المدن، فقضايا هذه العلوم الثلاثة إيجاباً وسلباً مبنية على قضية بديهية نابعة من العقل العملي، وهي حسن الاِحسان وقبح الظلم، ولنمثل لذلك مثالاً :

إنّ العالم الاَخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلمين وأُولي النعمة،


(170)

لاَنّ التكريم من مصاديق جزاء الاِحسان بالاِحسان، وهو حسن بالذات؛ والاِهانة لهم من مصاديق جزاء الاِحسان بالاِساءة وهو قبيح بالذات.

كما أنّ الباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بوظائف الزوجية من قبل الطرفين وقبح التخلّف عنها، لاَنّ القيام بها عمل بالميثاق، والتخلّف عنها تخلّف عنه، والاَوّل حسن بالذات، والثاني قبيح بالذات.

والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب متناسبة مع دخل الاَفراد، لاَنّ الخروج عن تلك الضابطة ظلم للرعية، وهو قبيح بالذات.

وقس على ذلك كلّ ما يرد عليك من الاَبحاث في الحكمة العملية سواء أكانت راجعة إلى الفرد (الاَخلاق) أم إلى المجتمع الصغير (البيت) أم إلى المجتمع الكبير (السياسة) فكلّ ما يرد فيها و يبحث عنها الباحثون بما أنّه من شوَون العقل العملي يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجاباً وسلباً، صحّةً وبطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.

إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الاَحكام العملية غير الواضحة إلى أحكام عملية بديهية، فيصبح حسن العدل وقبح الظلم من الاَحكام الواضحة التي لا يحتاج العقل إلى شيء آخر وراءها سوى ملاحظة نفس القضية: (العدل حسن) أو (الظلم قبيح) .

ثمّ إنّ إدراك العقل لحسن الاَفعال أو قبحها لا يختص بالمدرك أو بصنف خاص أو بنوع الاِنسان، بل يدرك حسن صدوره أو قبحه لكلّ موجود عاقل مختار سواء كان الفاعل هو الاِنسان أو غيره، لاَنّ المقوم لقضائه بأحد الوصفين نفس القضية بما هي قضية من غير خصوصية للمدرك ولا للفاعل، فهو يدرك انّالعدل


(171)

حسن عند الجميع و من الجميع، و الظلم قبيح عند الجميع ومن الجميع، ولا يختص حكمه بهما بزمان دون زمان.

وللرازي هنا كلمة قيّمة قال: إنّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع والنبوّات مطبقون على حسن مدح المحسن و حسن ذم المسيء، فإنّ من أحسن إلى محتاج، فذلك المحتاج يجد من صريح عقله حسن مدحه و ذكره بالخير؛ ولو أساء رجل إليه، فإنّه يجد من صريح عقله حسن ذمه، وهذا الحكم حاصل سواء كان ذلك الاِنسان موَمناً يصدق بالاَنبياء، أو لم يكن كذلك، فعلمنا أنّ الحسن والقبح مقرر في عقولهم. (1)

وظهر ممّا ذكرنا انّ العدل حسن والظلم قبيح عند اللّه سبحانه بمعنى انّ العقل يدرك سعة الحكم وعدم اختصاصه بمدرك أو فاعل، فكلّ إنسان يجد من صميم ذاته حسن بعض الاَفعال أو قبحها من غير نظر إلى فاعل خاص.

وبذلك يثبت أمران:

أ. استطاعة العقل إدراك حسن بعض الاَفعال أو قبحها.

ب. سعة إدراكه وشموليته، وانّ ما يدركه لا يختص بفاعل دون فاعل، أو مدرك دون مدرك.

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يرشدنا إلى تسليمه لحكم العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي، وإليك بعض النماذج:
1. قال سبحانه: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى


1. الرازي: المطالب العالية: 3|290.

(172)

عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون" . (1)

2. "قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ" . (2)

3. "يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ" . (3)

4. "وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ" . (4)

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالاِحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف قبل تعلّق الاَمر أو النهي بها وأنّ الاِنسان يجد انّ وصف الاَفعال بأحدها ناجم من صميم ذاته.وليس معرفة الاِنسان بها موقوفاً على تعلّق أمر الشارع بها ولو تعلّق يكون تأكيداً لاِدراك العقل وأمره بالحسن والنهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتخذ وجدان الاِنسان سنداً لقضائه فيما يستقل به.
5. يقول تعالى: "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقينَ كَالفُجّار " . (5)

6. ويقول سبحانه: "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" . (6)


1. النحل: 90.
2. الاَعراف: 33.
3. الاَعراف: 157.
4. الاَعراف: 28.
5. ص: 28.
6. القلم: 35ـ 36.

(173)

7. ويقول سبحانه: "هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاّ الاِِحْسان" . (1)

فالتدبر في هذه الآيات لا يدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في أنّ التحسين والتقبيح من الاَُمور العقلية التي يدركها الاِنسان بحجّة باطنية دون حاجة إلى حجّة ظاهرية.

فهذه الآيات التي تخاطب الاِنسان بلسان الفطرة، وتوقفه على ما يدركه من صميم ذاته، خير دليل وأجلى شاهد على أنّالتحسين والتقبيح عقليان قبل أن يكونا شرعيين، وانّالشرع في تحسينه بعض الاَُمور أو تقبيحه لا يسلك طريق التعبد، بل يسلك طريق الاِرشاد إلى ما يحكم به العقل.

وعلى ذلك فالعقل يدرك الحسن أو القبح المتفق عليه عند العقل والشرع معاً.

معنى حسن الفعل و قبحه

إذا وقفت على أنّ العقل بفضل سعة آفاق إدراكه يدرك الحسن والقبح المشتركين عند العقل والشرع، فلابدّ من تفسير الحسن والقبح عندهما، وليس لهما تفسير سوى أنّ العقل بإدراك الحسن يحكم بلزوم الاِتيان به وعدم الرضا بتركه، وبإدراك القبح يحكم بلزوم تركه وعدم جواز الاِتيان به، وكون الاَمر كذلك عند اللّه سبحانه، فيستكشف من حسن الفعل وجوبه و من قبحه حرمته، بذلك يصبح العقل من منابع التشريع ومصادره في إطار خاص، أي فيما إذا أدرك حسن الاَفعال وقبحها فقط.


1. الرحمن: 60.

(174)

واتّضح من خلال هذا البحث أمر آخر ربما يكون سبباً للخلط والاشتباه، وهو أنّمصدرية العقل للتشريع تحدّد بالاِطار السابق ولا يعم استنباط العقل لمصالح الاَشياء أو مفاسدها حتى يستنبط بذلك حكم الشرع من الوجوب والحرمة، وما ذلك إلاّلقصور العقل عن الاِحاطة بمصالح الاَفعال ومفاسدها، إلاّ إذا كانتا من المصالح والمفاسد النوعية التي اتّفق العقلاء عليهما، وهذا القسم خارج عن محط النقاش.

ومن أراد تسوية إدراك المصالح بحسن الاَشياء والمفاسد بقبحها فقد خلط بين البحثين.

فالعقل قادر على إدراك حسن أو قبح بعض الاَفعال، وهو أمر وجداني كما عرفت، وأين هو من قيامه بتحليل الاَفعال والوقوف على مصالحها ومفاسدها، ثمّ استكشاف الحكم الشرعي من خلالها، فإنّ العقل أقصر من ذلك، وإلى ذلك يشير الاِمام الصادق - عليه السّلام - ويقول:

«إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقل».

وفي ظله رفضنا القياس والاستحسان.

يقول المحقّق الاصفهاني: أمّا استتباع حكم العقل النظري للحكم الشرعي المولوي، فمجمل القول فيه إنّ مصالح الاَحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات تلك الاَحكام و مناطاتها لا تندرج تحت ضابطة، ولا تجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبنى عليها حفظ النظام وإبقاء النوع، وعليه فلا سبيل للعقل بما هو إليها. (1)


1. نهاية الدراية: 2|130.

(175)

الاستدلال على الملازمة بالدليل النقلي

إنّ هناك آيات وأحاديث تعرب عن وجود الملازمة بين حسن الفعل ووجوبه، وقبحه وحرمته، وإليك بيانه:

إنّ الظاهر من الآيات أنّ ألفاظ المعروف والمنكر والطيبات والخبائث ونظائرها كانت دارجة ومستعملة فكانت تدرك بالفطرة، وانّ الغاية من بعث الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحريم الخبائث وتحليل الطيبات، فهذه الآيات تدل على الملازمة على انّ المعروف عند العرف، مطلوب عند الشرع؛ والمبغوض عند العرف، مرفوض عند الشارع.

قال سبحانه في حقّالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : "يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِث" (1)

وقال عزّ من قائل: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِِحْسانِ وَ ايتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحشاءِوَ الْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" . (2)

وقال سبحانه حاكياً عن لقمان وهو يعظ ابنه: "يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الاَُمُورِ" . (3)

وقد روي عن أبي جعفر أنّه سأله رجل عن طول الجلوس في بيت الخلاء... فقال: «والقبيح دعه لاَهله فإنّ لكلّ شيء أهلاً». (4)

إنّ الاِمام أمير الموَمنين - عليه السّلام - يصف الاَنبياء بأنّهم مذكّرون لما تقضي به فطرة الاِنسان ويقول: «فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق


1. الاَعراف: 157.
2. النحل: 90.
3. لقمان: 17.
4. روضة المتقين: 1|80 برقم 177.

(176)

فطرته، ويذكّروهم منسي نعمته، و يحتجوا عليهم بالتبليغ و يثيروا لهم دفائن العقول». (1)

وكم للاِمام وأولاده (عليهم السلام) من كلمات ناصعة دالّة على أنّ كثيراً من تعاليم الشرائع شرح لما كتبه سبحانه بقلم قضائه على صحيفة وجود الاِنسان وفطرته، وقد طوينا الكلام عن نقلها، وقد أشبعنا الكلام فيها في منشوراتنا التفسيرية. (2)

حصيلة البحث

قد بان ممّا نقلنا من كلمات الاَعلام وما ذكرنا حولها من المناقشات، انّ أصل التحسين والتقبيح من البديهيات العقلية في مجال إدراكات العقل العملي، وأمّا كون الفعل كذلك عند اللّه، فهو أوضح من أن يخفى، لاَنّ العقل يدرك قضية عامة و انّه كذلك لدى كلّ موجود حي مختار.

و بعبارة أُخرى إنّ موضوع الحكم لدى العقل، هو نفس الموضوع عند اللّه سبحانه، فكان الحسن والقبح، والمدح والذم، والبعث والزجر من لوازم الفعل عنده، فلا وجه لتفكيك اللازم عن الملزوم في موطن دون موطن.

وإن شئت قلت: إنّ العقل يدرك انّ هذا الفعل بما هوهو حسن أو قبيح، وإنّه مستحق للمدح أو الذم وإنّه يجب أن يفعل أو لا يفعل، فإذا كان المدرك بهذه السعة، فلا يصحّ التفكيك بين الخالق والمخلوق، والتفكيك أشبه بأن تكون زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين عند الاِنسان دون اللّه، فالحسن والقبح والمدح والذم، والبعث والزجر، من لوازم نفس الشيء بما هوهو، عند الجميع.


1. نهج البلاغة: الخطبة 1.
2. لاحظ مفاهيم القرآن: 1|35.


(177)

الثمرات الفقهية للتحسين والتقبيح العقليين

قد مضى انّ مصدرية العقل للتشريع خاص في إطار التحسين والتقبيح العقليين، فالفقيه ربما يتخذ الحكم العقلي ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي، ونستعرض نماذج منها:
1. البراءة من الوجوب و التحريم:

يدرك العقل قبح العقاب بلا بيان، فلو شك في وجوب واقعة أو حرمتها، ولم نعثر على دليل في الكتاب والسنّة يدل على وجوبه أو حرمته، فالعقل يستقل بعدمهما لقبح العقاب بلا بيان.

ويتضح بذلك انّ أصل البراءة من الاَُصول الاَساسية الناتجة من حكم العقل واستقلاله على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
2. الاشتغال عند الشكّ في المكلّف به:

كما أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، يحكم أيضاً بحسنه فيها إذا علم التكليف و تردّد المكلّف به بين شيئين أو أشياء، قائلاً: بأنّالاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، وهي لا تحصل إلاّ بالاِتيان بالجميع عند تردد الواجب بين شيئين، أو ترك الجميع عند تردّد الحرام بينهما فتصبح البراءة والاشتغال من ثمرات تلك المسألة.
3. الاِتيان بالمأمور به مسقط للاَمر:

إنّ الاِتيان بالمأمور به بالاَمر الواقعي الاَوّلي أو الثانوي أو الظاهري مجز عن الاِتيان به ثانياً لاستقلال العقل بقبح بقاء الاَمر مع الاِتيان بالمأمور به بأجزائه و شرائطه، ولولا القول بالحسن والقبح والملازمة بين حكمي العقل والشرع، لما


(178)

استكشفنا كونه مجزياً عند الشارع.
4. جواز اجتماع الاَمر والنهي وعدم جوازه إذا كان هناك عنوانان، ومرجع النزاع لدى المشهور إلى الصغرى و انّه هل هو من مصاديق الاجتماع أو لا ؟وأمّا حكمها أي الكبرى فمعلوم، لاَجل قبح التكليف بغير المقدور.
5.الاحتجاج بالقيد في باب المفاهيم إذا أحرز انّه علّة منحصرة للحكم ضرورة عدم المعلول عند عدم علّته.

الثمرات الفقهية للقول بالملازمة

يترتب على القول بالملازمة بين حكمي العقل و الشرع ثمرات فقهية نشير إلى بعضها:
1. وجوب المقدّمة عند وجوب ذيها على القول بالملازمة بين الوجوبين.
2. حرمة ضدّ الواجب على القول بالملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضدّه.
3. فساد العبادة إذا تعلّق بها النهي.
4. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بأجزائها أو شرائطها أو أوصافها.
5. فساد المعاملة إذا تعلق النهي بالتصرف في الثمن أو المثمن للملازمة بين مثل هذا النهي وفسادها.

الثمرات الفقهية المترتبة على إدراك المصالح والمفاسد العامتين

المصالح والمفاسد النوعيتان اللّتان يستوي فيهما كافة العقلاء كاستعمال المخدرات فقد عرفت أنّه يمكن أن يقع ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي، ويحصل منه القطع بأنّ الحكم عند الشرع نفس الحكم عند العقل.


(179)

نعم إدراك المصالح والمفاسد ومناطات الاَحكام بالسبر والتقسيم فهو أمر مرغوب عنه و إن حصل القطع، فالقطع حجّة للقاطع لا لغيره، وليس حجّة على الغير فلا يكون حجّة على المقلد لاستناده في استنباط الحكم الشرعي على مصدر غير صالح، وسيوافيك توضيحه في فصل خاص.

وفي الختام ننقل كلام المحقّق السيد علي القزويني في تعليقته على القوانين، قال معلّقاً على قول المحقّق القمي: «ومنها ما يحكم به بواسطة خطاب الشرع، كالمفاهيم والاستلزامات»: أي بملاحظته، كحكمه بوجوب المقدمة بملاحظة الخطاب بذي المقدمة، وبحرمة الضد بملاحظة الخطاب بالمأمور به المضيق، وبالانتفاء عند الانتفاء بملاحظة الخطاب المعلّق على شرط أو وصف أو غيرهما، لئلاّ يلغوا التعليق و ذكر القيد، و يسمى الاستلزامات العقلية، لحكم العقل باستلزام إيجاب الشيء، وجوب مقدماته، واستلزام الاَمر بالشيء لحرمة ضدّه، واستلزام الوجود عند الوجود، الانتفاء عند الانتفاء، فالمفاهيم أيضاً مندرجةفي الاستلزامات». (1)

وبذلك يعلم أنّ فقه الشيعة قائم على حجّية العقل القطعي الذي لا يشوبه شك، وهو منحصر بباب التحسين والتقبيح العقليين أو الملازمات القطعيّة أو المصالح والمفاسد النوعيتين الواضحتين.

وأمّا العمل بالقياس والاستحسان والمصالح والمفاسد المستنبطة بالعقل، فهو عمل بالعقل الظنّي ولا يركن إليه ولا يصح نسبة نتائج هذه الاَدلّة إلى اللّه سبحانه.

إلى هنا فرغنا من أدلّة الفقه وتبيّن أنّها ترجع إلى أُمور أربعة: الكتاب،


1. القوانين: 2|1.

(180)

والسنّة، والاِجماع في مظان خاصة، والعقل القطعي الذي لا يشوبه شك.وتبيّن حدّ الاختلاف بين الفريقين في كيفية حجّية الاِجماع.

بقي الكلام في الاَُصول العملية ـ كما اصطلح عليها فقهاء الشيعة ـ وهي تستمد من الاَدلّة الاَربعة، وإليك البيان:

الاَُصول العملية

الاَدلّة الشرعية التي يتمسّك بها المستنبط على قسمين:

ألف: أدلّة اجتهادية.

ب. أُصول عملية.

وهذا التقسيم من خصائص الفقه الشيعي، وأمّا الفرق بينهما فهو:

إنّ الدليل قد يكون طريقاً إلى الحكم الشرعي إمّا طريقاً قطعياً، كالخبر المتواتر؛ أو طريقاً مورثاًللاطمئنان، كالخبر المستفيض، وخبر الثقة، وهذا ما يسمّى بالدليل الاجتهادي أو الاَمارات الشرعية.

وأمّا إذا قصرت يد المجتهد عن الدليل الشرعي الموصل إلى الواقع، وصار شاكاً متحيراً في حكم الواقعة، فعند ذلك عالج الشارع تحيّـر المجتهد بوضع قواعد لها جذور بين العقلاء، وهذا ما يسمّى بالاَُصول العملية، أو الدليل الفقاهي، وهي بين أُصول خاصة بباب، أو عامة شاملة لجميع أبواب الفقه، فمن القسم الاَوّل القواعد التالية:
1. قاعدة الطهارة: كلّ شيء طاهر حتى تعلم أنّه قذر.
2. أصالة الحلية: كلّ شيء حلال حتى تعلم أنّه حرام.
3. أصالة الصحّة في فعل الغير.


(181)

4. قاعدة التجاوز والفراغ عند الشك في صحّة العمل بعد التجاوز عن محله.

ومن القسم الثاني الاَُصول التالية:

1. أصالة البراءة

إذا شكّ في وجوب شيء أوحرمته بعد الفحص عن مظانّه ولم يقف على ما دلّ على وجوبه أو على حرمته، فالعقل والشرع يحكمان بعدم صحّة العقاب على مخالفته، وهذا ما يعبر عنه بالبراءة العقلية أو الشرعية.

أمّا العقلية فلاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان كما عرفت.

وأمّا الشرعية فلقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «رفع عن أُمّتي تسعة: الخطاء والنسيان وما أُكرهوا عليه ومالا يعلمون ومالا يطيقون وما اضطروا إليه...». (1)

2. أصالة الاشتغال

إذا علم بوجوب شيء مردّد بين أمرين أو حرمته كذلك، فالعقل يستقل بالاشتغال والاحتياط بمعنى الاِتيان بهما أو ترك كليهما، لاَنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة القطعية، فقد تضافر العقل والنقل على الاحتياط.

أمّا العقل، فلما عرفت من استقلاله على لزوم تحصيل البراءة بعد الاشتغال اليقيني.

وأمّا الشرع، فلما ورد في غير واحد من الروايات في أنّ المبتلى بإناءين مشتبهين إذا علم بنجاسة أحدهما يهريقهما و يتيمم. (2)


1. الصدوق: الخصال: 417، باب التسعة، الحديث 9.
2. الوسائل: الجزء 1، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث 82.

(182)

3. أصالة التخيير

إذا دار حكم الشيء بين الوجوب والحرمة؛ فبما أنّ التحصيل اليقيني أمر محال، فهو يتخير بين الاَخذ بأحد الحكمين إذا لم يكن أحدهما أهم من الآخر، وهذا ما يعبر عنه بأصالة التخيير.

4. الاستصحاب

إذا تيقن بوجوب شيء، أو حرمته، أو طهارته، أو نجاسته، ثمّعرض له الشك في بقاء المتيقن السابق فيحكم بالبقاء وهو أصل عقلائي إجمالاً أمضاه الشارع وتضافرت روايات عن أئمّة أهل البيت على حرمة نقض اليقين بالشك.

فهذه هي الاَُصول العملية الاَربعة المستمدة حكمها من العقل والشرع.

فظهر انّ الاَُصول على قسمين، إمّا خاصة ببعض الاَبواب، أو عامة شاملة لجميع أبواب الفقه.

وبما ذكرنا من أنّ الاَُصول العملية الخاصة أو العامة تستمد حكمها من الكتاب أو السنة أو العقل، فهي ليست من مصادر التشريع برأسها، وإنّما ترجع إلى المنابع الثلاثة الاَُولى؛ ولولا دلالة المنابع على حجيتها لما صح التمسك بها وإن كانت أعمالها بعد اليأس عن العثور على حكم الشرع من الاَدلة الاجتهادية خلافاً لما يتراءى من أهل السنّة، حيث جعلوا البراءة أو الاستصحاب في عرض الكتاب و السنّة، كما جعلوا القياس أيضاً كذلك.

إلى هنا تمّ بيان مصادر التشريع المتفق عليها بين الفريقين.

نعم ينفرد أهل السنّة بالقول بمصادر ومنابع للتشريع تختص بهم ولا تعترف بها الشيعة على الاِطلاق، ولو انّها اعترفت ببعضها، فإنّما ترجعه إلى المصادر الاَربعة، وحيث إنّها تختص بأهل السنّة خاصة، فنجعلها في فصل خاص و نتناولها بالبحث بعد بيان موضع العرف والسيرة في الفقه الاِسلامي.


(183)

خاتمة المطاف

العرف و السيرة

إنّ العرف له دور في مجال الاستنباط أوّلاً، وفصل الخصومات ثانياً، حتى قيل في حقّه: «العادة شريعة محكمة»، أو «الثابت بالعرف كالثابت بالنص» (1) ولابدّ للفقيه من تحديد دوره و تبيين مكانته حتى يتبين مدى صدق القولين.

أقول: العرف عبارة عن كلّ ما اعتاده الناس وساروا عليه، من فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا عليه، ولا شكّ انّ العرف هو المرجع في منطقة الفراغ، أي إذا لم يكن هناك نص من الشارع على شيءعلى تفصيل سيوافيك وإلاّ فالعرف سواء أوافقه أم خالفه ساقط عن الاعتبار.

وعلى ذلك فتتلخص مرجعية العرف في الاَُمور التالية:

الاَمر الاَوّل: استكشاف الجواز وضعاً وتكليفاً

يستكشف الحكم من السيرة بشرطين:
1. أن لا تصادم النص الشرعي.
2. أن تكون متصلة بعصر المعصوم.

توضيحه: قد يطلق العرف و يراد به ما يتعارف بين المسلمين من دون أن


1. رسائل ابن عابدين: 2|113، في رسالة نشر العرف التي فرغ منها عام 1243هـ.

(184)

يدعمه دليل من الكتاب و السنّة، وهذا ما نلاحظه في الاَمثلة التالية:
1. العقود المعاطاتية من البيع والاِجارة والرهن وغيرها.
2. وقف الاَشجار والاَبنية من دون وقف العقار.
3. دخول الحمام من دون تقدير مدة المكث فيه ومقدار المياه التي يصرفها.
4. استقلال الحافلة بأُجرة معيّنة من دون أن يعيّـن حد المسافة. إلى غير ذلك من السير المستمرة بين المسلمين. والتمسك بالسيرة واستكشاف حكم الموضوع رهن اتّصالها إلى عصر المعصوم وسكوته عنها.

والكلام الحاسم في السيرة، هي أنّـها على قسمين:

تارة تصادم الكتاب والسنّة و تعارضهما، كاختلاط النساء بالرجال في الاَفراح والاَعراس وشرب المسكرات فيها، وكاشتراط المرتهن الانتفاع من العين المرهونة، أو اشتراط ربّ المال في المضاربة قدراً معيناً من الربح لا بالنسبة، فلا شكّ انّ هذه السير باطلة لا يرتضيها الاِسلام ولا يحتج بها إلاّ الجاهل.

وأُخرى لا تصادم الدليل الشرعي وفي الوقت نفسه لا يدعمها الدليل، فهذا النوع من السيرة إن اتصلت بزمان المعصوم و كانت بمرأى ومسمع منه ومع ذلك سكت عنها تكون حجّة على الاَجيال الآتية كما في الاَمثلة المتقدّمة.

وبذلك يعلم أنّ السير الحادثة بين المسلمين ـ بعد رحيل المعصوم ـ لا يصح الاحتجاج بها و إن راجت بينهم كالاَمثلة التالية:
1. عقد التأمين: وهو عقد رائج بين العقلاء، عليه يدور رحى الحياة العصرية، فموافقة العرف له ليس دليلاً على مشروعيته، بل يجب التماس دليل آخر عليه.
2. عقد حقّ الامتياز: قد شاع بين الناس شراء الامتيازات كامتياز الكهرباء


(185)

والهاتف والماء وغير ذلك التي تعد من متطلّبات الحياة العصرية، فيدفع حصة من المال بغية شرائها وراء ما يدفع في كلّ حين عند الاستفادة والانتفاع بها، وحيث إنّ هذه السيرة استحدثت ولم تكن من قبل، فلا تكون دليلاً على جوازها، فلابدّ من طلب دليل آخر.
3. بيع السرقفلية: قد شاع بين الناس انّ المستأجر إذا استأجر مكاناً ومكث فيه مدّة فيصبح له حق الاَولوية وربما يأخذ في مقابله شيئاً باسم «السرقفلية» حين التخلية.
4. عقود الشركات التجارية الرائجة في عصرنا هذا، ولكل منها تعريف يخصها، ولم يكن لها أثر في عصر الوحي، فتصويب كلّ هذه العقود بحاجة ماسَّة إلى دليل آخر وراء العرف.فإن دلّ عليها دليل شرعي يوَخذ به وإلاّ فلا يحتج بالعرف.

الاَمر الثاني: الرجوع إلى العرف في تبيين المفاهيم

1. إذا وقع البيع والاِجارة وما شابههما موضوعاً للحكم الشرعي ثمّشكّ في مدخلية شيء أو مانعيته في صدق الموضوع شرعاً، فالصدق العرفي دليل على أنّه هو الموضوع عند الشرع.

إذ لو كان المعتبر غير البيع بمعناه العرفي لما صحّ من الشارع إهماله مع تبادر غيره و كمال اهتمامه ببيان الجزئيات من المندوبات والمكروهات إذ يكون تركه إغراءً بالجهل وهو لا يجوز.

يقول الشيخ الاَنصاري في نهاية تعريف البيع: إذا قلنا بأنّ أسماء المعاملات موضوعة للصحيح عند الشارع، فإذا شككنا في صحّة بيع أو إجارة أو رهن يصح


(186)

لنا أن نستكشف ما هو الصحيح عند الشارع ممّا هو الصحيح عند العرف بأن يكون الصحيح عند العرف طريقاً إلى ما هو الصحيح عند الشارع إلاّ ما خرج بالدليل.
2. لو افترضنا الاِجمال في مفهوم الغبن أو العيب في المبيع فيحال في صدقهما إلى العرف.

قال المحقّق الاَردبيلي: قد تقرّر في الشرع انّ ما لم يثبت له الوضع الشرعي يحال إلى العرف جرياً على العادة المعهودة من رد الناس إلى عرفهم. (1)

3. لو افترضنا الاِجمال في حدّ الغناء فالمرجع هو العرف، فكلّ ما يسمّى الغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب.

يقول صاحب مفتاح الكرامة: المستفاد من قواعدهم حمل الاَلفاظ الواردة في الاَخبار على عرفهم، فما علم حاله في عرفهم جرى الحكم بذلك عليه، ومالم يعلم يرجع فيه إلى العرف العام كما بيّن في الاَُصول. (2)

يقول الاِمام الخميني (رحمه الله): أمّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع والعنوان فصحيح لا محيص عنه إذا كان الموضوع مأخوذاً في دليل لفظي أو معقد الاِجماع. (3)

الاَمر الثالث: الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق

لقد اتّخذ الشرع مفاهيم كثيرة وجعلها موضوعاً لاَحكام، ولكن ربما


1. مجمع الفائدة والبرهان: 8|304.
2. مفتاح الكرامة: 4|229.
3. الاِمام الخميني: البيع: 1|331.

(187)

يعرض الاِجمال على مصاديقها ويتردّد بين كون الشيء مصداقاً لها أو لا .

وهذا كالوطن والصعيد وا لمفازة والمعدن والحرز في السرقة والاَرض الموات إلى غير ذلك من الموضوعات التي ربما يشك الفقيه في مصاديقها، فيكون العرف هو المرجع في تطبيقها على موردها.

يقول المحقّق الاَردبيلي في حفظ المال المودع: وكذا الحفظ بما جرى الحفظ به عادة، فإنّ الاَُمور المطلقة غير المعينة في الشرع يرجع فيها إلى العادة والعرف، فمع عدم تعيين كيفية الحفظ يجب أن يحفظها على ما يقتضي العرف حفظه، مثل الوديعة بأن يحفظ الدراهم في الصندوق وكذا الثياب والدابة في الاصطبل ونحو ذلك، ثمّ إنّ في بعض هذه الاَمثلة تأملاً، إذ الدراهم لا تحفظ دائماً في الصندوق، ولا الثياب وهو ظاهر. (1)

الاَمر الرابع: الاَعراف الخاصة هي المرجع في الاِفتاء والقضاء

إنّ لكلّ قوم وبلد أعرافاً خاصة بهم يتعاملون في إطارها ويتفقون على ضوئها في كافة العقود والاِيقاعات، فهذه الاَعراف تكوّن قرينة حالية لحل كثير من الاِجمالات المتوهمة في أقوالهم وأفعالهم، ولنقدّم نماذج منها:
1. إذا باع دابة ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع ليس هو اللغة بل إلى ما هو المتبادر في عرف المتعاقدين وهو الفرس.
2. إذا باع اللحم ثمّ اختلفا في مفهومه، فالمرجع هو المتبادر في عرف المتبايعين وهو اللحم الاَحمر دون اللحم الاَبيض كلحم السمك.
3. إذا أوصى الوالد بشيء لولده، فالمرجع في تفسير الولد هو العرف ولا


1. مجمع الفائدة والبرهان: 10|279ـ280.

(188)

يطلق فيه إلاّعلى الذكر لا الاَُنثى خلافاً للفقه والكتاب العزيز، قال سبحانه: "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاَُنْثَيَيْن" . (1)

4. إذا اختلفت البلدان في بيع شيء بالكيل أو الوزن أو بالعدِّ، فالمتبع هو العرف الرائج في بلد البيع.

قال المحقّق الاَردبيلي: كلّما لم يثبت فيه الكيل ولا الوزن ولا عدمهما في عهده - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فحكمه حكم البلدان، فإن اتّفق البلدان فالحكم واضح، وإن اختلفا ففي بلد الكيل أو الوزن يكون ربوياً تحرم الزيادة وفي غيره لا يكون ربوياً فيجوز التفاضل، والظاهر انّ الحكم للبلد لا لاَهله وإن كان في بلد غيره. (2)

5. إذا اختلف الزوجان في أداء المهر، فالمرجع هو العرف الخاص، فلو جرت العادة على تقديم المهر أو جزء منه قبل الزفاف ولكن ادّعت الزوجة بعده انّها لم تأخذه، وادّعى الزوج دفعه إليها، فللحاكم أن يحكم على وفق العرف الدارج في البلد.

وقد روي عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - فيما إذا اختلف أحد الزوجين مع ورثة الزوج الآخر، انّه جعل متاع البيت للمرأة وقال للسائل: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين ونحن يومئذٍ بمكة ـ لاَخبروك انّ الجهاز والمتاع يُـهدى علانية، من بيت المرأة إلى بيت زوجها، فهي التي جاءت به وهذا المدّعي، فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البينة». (3)

6. إذا اختلف البائع والمشتري في دخول توابع المبيع في البيع فيما إذا لم


1. النساء: 11.
2.مجمع الفائدة والبرهان: 8|477، كتاب المتاجر، مبحث الربا.
3.الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب ميراث الاَزواج، الحديث1.

(189)

يصرّحا به، كما إذا اختلفا في دخول اللجام والسرج في المبيع، فإذا جرى العرف على دخولهما في المبيع وإن لم يذكرا يكون قرينة على أنّ المبيع هو المتبوع والتابع، ولذلك قالوا: إنّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل عليه يسير نظام حياتهم وحاجاتهم، فإذا قالوا أو كتبوا فإنّما يعنون المعنى المتعارف لهم، وإذا عملوا فإنّما يعملون على وفق ما يتعارفونه واعتادوه، وإذا سكتوا عن التصريح بشيء فهو اكتفاء بما يقتضي به عرفهم ولهذا قال الفقهاء: المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

إمضاء النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لبعض الاَعراف

إنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمضى بعض الاَعراف الموجودة بين العرب كما أمضى ما سنّه عبد المطلب من السنن، ولكن كان الجميع بإذن منه سبحانه، فلو وضع الدية على العاقلة، أو جعل دية الاِنسان مائة من الاِبل وغير ذلك، فقد كان بأمر من اللّه سبحانه، كيف وقد أوحى إليه قوله سبحانه:

"وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ*... فَأُولئِكَ هُمُ الظالِمُون*... فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون" . (1)

تفسير خاطىَ

يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: إنّ الرسول لمّا وجد عرف أهل المدينة جارياً على بيع السلم وعلى بيع العرايا وأصبح هذان النوعان من البيوع التي لا يستغني عنهما المتعاملون أباحهما، فرخّص في السلم ورخّص في العرايا مع أنّ كلاً منهما حسب الاَحكام الشرعية عقد غير صحيح، لاَنّ السلم بيع مبيع غير موجود وقت البيع بثمن حالّ فهو عقد على معدوم، وقد نهى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن بيع المعدوم.


1. المائدة: 44و45و47.

(190)

والعرايا: عبارة عن بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، وهذا لا يمكن فيه التحقّق من تساوي البدلين، وقد نهى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن بيع الشيء بجنسه متفاضلاً، ولكن ضرورات الناس دعتهم إلى هذا النوع من التعامل وجرى عرفهم به، فراعى الرسول ضرورتهم وعرفهم ورخّص فيه. (1)

أقول: من أين وقف الاَُستاذ على أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن بيع المعدوم مع أنّالوارد هو قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «ولا بيع ما ليس عندك». (2)

وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ناظر إلى بيع العين الشخصية التي ليست في ملك البائع وإنّما يبيعها ليشتريها من غيره ثمّ يدفعها إليه ومثله لا يشمل بيع السلم فهو على وفق القاعدة، لا على خلافها حتى يحتاج إلى الترخيص.

نعم أطبق العقلاء على عدم اعتبار بيع المعدوم إلاّ إذا كان للبائع ذمة معتبرة تجلب اعتماد الغير، وكان بيع السلف أمراً رائجاً بين العقلاء إلى يومنا هذا غير انّ الشارع جعلها في إطار خاص.

قال ابن عباس: قدم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». (3)

وأمّا بيع العرايا فلا مانع من أن يكون تخصيصاً لما نهى بيع الرطب بالجاف. (4) وقد قيل: ما من عام إلاّ وقد خص.


1. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 146.
2. بلوغ المرام: برقم 820، قال ورواه الخمسة.
3. ابن حجر: بلوغ المرام: برقم874.
4. روى سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر إذا يبس، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، فنهى عن ذلك. (بلوغ المرام: برقم 865) .

(191)

ولو افترضنا انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - رخص هذه البيوع من باب الضرورة يجب الاقتصار على وجودها.

نعم لمّا كان النبي واقفاً على مصالح الاَحكام ومفاسدها وملاكاتها ومناطاتها، وكانت الاَحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها، كان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينص على أحكامه عن طريق الوقوف على عللها وملاكاتها ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه عن طريق الوقوف على مناطاتها بأقصر من الطرق الاَُخرى التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه.


(192)



(193)

الفصل الثاني

مصادر التشريع

المعتبرة عند أهل السنة

يلزم على المجتهد أن يعتمد في فتياه على دليل أمضاه الشارع لكي تصح له نسبة الحكم إليه، وقد مضى أنّ الكتاب والسنّة والاِجماع والعقل من مصادر التشريع المشتركة بين الفريقين على اختلاف بينهم في بعض الموارد.

بقي الكلام هنا في المصادر التي انفرد بها أهل السنّة عند إعواز النصوص، وهي كالتالي:
1. القياس.
2. الاستحسان.
3. المصالح المرسلة (الاستصلاح) .
4. سد الذرائع.
5. الحيل (فتح الذرائع) .
6. قول الصحابي.
7. اتّفاق أهل المدينة.
8. اجماع العترة (انفرد به الطوفي).


(194)

ما ذكرنا من المصادر هي المعروفة بين فقهاء المذاهب الاَربعة وإن كان بينهم اختلاف في حجية بعض دون بعض، فمثلاً القياس قد اتّفقوا على حجّيته جميعاً، في حين انّ المصالح المرسلة قد انفرد بها مالك و إن نسب القول بها إلى غيره كما سيتضح فيما بعد، فنسبة هذه الاَُمور إلى أهل السنّة لا تعني انّهم يعتبرون الجميع على حد سواء، بل انّ بعضها محل خلاف بينهم.

***

وقبل أن نستعرض تلك الاَُمور نذكر الضابطة الكلية في حجّية مشكوك الحجّية بمعنى انّا إذا شككنا في حجّية شيء في مقام الاستنباط كالاستحسان، فما هي الضابطة الكلية التي نتخذها في تلك الموارد بحيث لو لم نعثر على دليل خاص على اعتبار الاستحسان مثلاً نتمسك بهذه الضابطة.

الشكّ في الحجّية يساوق عدم الحجّية

إذا شككنا في حجّية شيء من هذه الاَُمور أو غيرها، فالاَصل الاَوّلي يستدعي عدم حجّيته إلاّإذا ثبتت بالدليل القاطع حجّيته، لاَنّ التعبد بشيء مشكوك الحجّية داخل في البدع المحرمة، وليست هي إلاّإدخال ما لم يعلم من الدين فيه، فمادام الاَمر كذلك والمجتهد شاك في حجّيته، فلو أفتى به فقد ابتدع إلاّ إذا قام الدليل القطعي على حجّيته.

ومن هنا يظهر انّ نافي حجّية واحد من تلك الاَُمور في فسحة من الاَمر، إذ يكفيه الشكّ في الحجّية بدل أن يقيم الدليل على عدم الحجّية وإنّما تجب إقامة الدليل على من يعتمد عليه في مقام الاستنباط، فإذا أدعمه دليل قطعي يخرج عن دائرة البدعة ويكون من السنّة، فمثلاً انّ الاعتماد على خبر الواحد المورث للظن بدعة مالم يقم دليل قاطع على حجّيته، فإذا قام الدليل يخرج عن إطار البدعة


(195)

ويكون من السنّة.

وهكذا الحال في سائر الاَُمور، وهذا هو الاَصل المتبع في المقام الذي يدعمه القرآن والعقل.

قال سبحانه: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً قُلْ ءاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ" . (1)

دلّت الآية بظاهرها على أنّ إسناد ما لم يأذن به اللّه ـ هو في الواقع ـ افتراء على اللّه ورسوله، فالعمل بالاستحسان واسناد مضمون كلامه إلى الاِسلام والشريعة ثمّ إلى اللّه سبحانه والتمسك به، لا يخلو من حالات ثلاث:

أ. إمّا صدور إذن من اللّه سبحانه في العمل بالاستحسان.

ب. أو صدر النهي عن ذلك.

ج. أو الشك في الاِذن وعدمه.

فالصورة الاَُولى خارجة عن مفاد الآية وبقيت الاَُخريان من مصاديقها، فيكون العمل بالاستحسان واسناد مضمون قوله إلى الشريعة افتراء على اللّه إلاّ إذا كان دليل حاكم على الحجّية.

وهذا الاَصل سائد على كلّ الحجج المشكوكة، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاَخذ باتفاق أهل المدينة وغير ذلك.

فالاحتجاج بهذه الاَُمور واسناد مضمونها إلى اللّه وجعلها حكماً شرعياً يعد افتراءً، إلاّ إذا قام دليل قاطع على أنّ الشارع قد اهتم بها وجعلها حجة.

يقول سبحانه: "وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" . (2)


1. يونس: 59.
2. الاَعراف: 28.

(196)

وملاك الحرمة هو التقوّل بمالا يعلم كونه من اللّه سواء أكان في الواقع إذن من اللّه سبحانه أم لا ؟

فهذه الآية ونظائرها تفرض على المجتهد أن يعتمدفي استنباط الاَحكام، على أمر قام دليل قاطع على حجّيته وإن كان ذلك الاَمر في حدّ نفسه ظنّياً، لكن صار حجّة في ظلِّ الدليل القطعي كالسنّة المحكيّة بقول الثقة، وعلى هذا فلو شكّ في الحجّية أو ظن بها يكون عمله افتراءً على اللّه أو تقوّلاً عليه سبحانه بغير علم.

هذا اجمال الكلام وسيوافيك تفصيله في الاَمر العاشر (1) فانتظر .

ولنذكر في المقام أمرين، ثمّ نأخذ كلّ واحد من تلك الاَُمور بالبحث والنقاش.

الاَمر الاَوّل: انّ الكلام في حجّية تلك الاَُمور فيما إذا لم يكن فيها نص قرآني وسنّة معتبرة، ومن المعلوم انّه لا اجتهاد مع النص، ولا يحق لاَحد التقدم على اللّه ورسوله، قال تعالى: "يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّه وَ رَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (2) فما ربما يعزى إلى أبي حنيفة من أنّه كان يقدّم القياس على السنّة، فإنّما هو فيما إذا لم تكن السنّة واجدة لشرائط الحجّية، وإلاّ فمع ثبوتها لا يحق لاَحد أن يقدّم رأيه على رأي اللّه ورسوله.

الاَمر الثاني: انّ الداعي إلى اعتبار هذه المقاييس الظنية التي لم يقم على أكثرها دليل قاطع، هي قلّة النصوص في مجال الفقه، فإنّآيات الاَحكام آيات محدودة، وقسم منها مجملات صدرت لبيان أصل الحكم لا تفاصيله.

وأمّا السنّة فقد بلغ عدد الاَحاديث المروية في الاَحكام ما يناهز 1596 حديثاً.


1. لاحظ ص 217 من هذا الجزء.
2. الحجرات: 1.

(197)

وهذا بعد جهد كبير بذله ابن حجر في العثور على النصوص الفقهية بيد انّ قسماً منها أشبه بأحاديث أخلاقية كقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الحياء من الاِيمان» و كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من ردّ عن عرض أخيه بالغيب رد اللّه عن وجهه النار يوم القيامة» (1) وأمثال ذلك.

ولاَجل ذلك أنهاها صاحب المنار إلى خمسمائة حديث، وهذا المقدار من النصوص لا يشيّد صرح هيكل فقهي له قابلية على إغناء المجتمع الاِسلامي عن القوانين الوضعية، فما وجدوا حلولاً لتلك المشكلة إلاّباختراع قواعد ظنية تشبّثوا بها في استنباط الاَحكام وبذلوا جهدهم بُغية إضفاء الحجية عليها.

إذا عرفت ذلك فلنستعرض كلّ واحد من تلك الاَُمور على حدة، لنهتدي إلى موقف الشارع منها:


1. بلوغ المرام: 308، برقم 1552و1555.

(198)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
1
القياس

ارتحل النبيّ الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن الدنيا، وترك شريعة بيضاء ناصعة في أوساط المسلمين، فقاموا بنشرها بين الشعوب المختلفة، حتى واجهتهم حوادث مستجدّة، ما وجدوا فيها نصّاً في الكتاب والسنّة ولم يَقم عليها إجماع، ولا دليل عقلي قطعي فلم يجدوا بُدّاً من تحكيم العقل الظنّي وإعمال الرأي بُغية وضع الحلول لها، ففتحوا باب القياس واعتبروه أحد مصادر التشريع، وكان في الاَُمّة من يردّ تلك الفكرة و يقاومها بحماس وفي طليعتهم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم عيبة علم الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

وقد اعتمد على القياس أئمّة المذاهب الفقهية الاَربعة بلا استثناء وإن اختلفوا في مرتبة حجّيته وتقدّم بعض الاَدلّة عليه، وهذا هو الاِمام الشافعي يقول في رسالته المعروفة: «ليس لاَحد أبداً أن يقول في شيء: حَلّ ولا حُرُمَ إلاّ من جهة العلم. وجهة العلم، الخبر في الكتاب أو السنّة أو الاِجماع أو القياس». (1)

واتّفاق أئمّة المذاهب يغنينا عن سرد كلماتهم أو كلمات أتباعهم الذين أشادوا بمذهب إمامهم؛ كأبي يوسف قاضي القضاة، ومحمد بن الحسن الشيباني


1. الشافعي: الرسالة39، ط تحقيق أحمد محمد شاكر.

(199)

من تلاميذ شيخ القياس أبي حنيفة، و المزني من الشافعية وهكذا.

نعم رفضه إمام المذهب الظاهري داود الاصفهاني، وناصر مذهبه أبو حزم وقد ألّف الاَخير رسالة في إبطال القياس ردّ فيها أدلّة مثبتي القياس، وبحث في كتابه الاِحكام، حول القياس على وجه الاِسهاب. (1)


1. الاِحكام: 7| الباب 38 في إبطال القياس في أحكام الدين، و قد خصّص الجزء السابع بالموضوع وشيئاً من الجزء الثامن مضافاً إلى الرسالة المستقلّة التي ألّفها في نفي القياس.


(200)

أضواء على الموضوع

نسلّط أضواءً على الموضوع بذكر أُمور:

الاَوّل: القياس لغة و اصطلاحاً

القياس في اللّغة هو التسوية، يقال: قاس هذا بهذا، أي سوّى بينهما. قال علي - عليه السّلام - : «لا يُقاس بآل محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من هذه الاَُمّة أحد» (1) أي لا يسوّى بهم أحد.

وفي الاصطلاح استنباط حكم واقعة لم يرد فيها نصّ، عن حكم واقعة ورد فيها نصّ لتساويهما في علّة الحكم، مناطه وملاكه.

وربّما يعرّف بتعاريف أُخر:
1. القياس: عبارة عن إثبات حكم الاَصل في الفرع لاشتراكهما في علّة الحكم. (2)
2. القياس: تحصيل مثل حكم الاَصل في الفرع لاشتباههما في علّة الحكم في ظنّ المجتهد، وهو لاَبي الحسين البصري. (3)


1. نهج البلاغة: الخطبة 3 .
2. الغزالي: شفاء الغليل: 18.
3. سراج الدين الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|156.

(201)

3. القياس: إثبات حكم معلوم لآخر لاشتباهها في علّة الحكم عند المثبت.(1)

وقد نقل الاَرموي في التحصيل تعريفاً عن القاضي الباقلاني واستشكل عليه، ومن أراد الاطّلاع فليرجع إلى المصدر. (2)

وقد نقل محمد الخضري تعاريف أُخر للقياس عن البيضاوي و صدر الشريعة وابن الحاجب و ابن الهمام وناقشها. (3)

الثاني: أركان القياس

إنّ أركان القياس أربعة وهي:
1. الاَصل: وهو المقيس عليه.
2. الفــرع: وهو المقيس.
3. الحكـم: وهو ما يحكم به على الثاني.
4. العلّـــة: وهو الوصف الجامع بين المقيس و المقيس عليه، ويكون هو السبب للقياس. (4)

فلنفرض أنّ الشارع قال: الخمر حرام ووقفنا على أنّ المناط للحكم كونه مسكراً، فإذا شككنا في حكم سائر السوائل المسكرة كالنبيذ والفُقّاع فيحكم عليها


1. المصدر السابق. و قد عرّفه الغزالي أيضاً في المنخول: 324 بنفس ما عرّفه القاضي الباقلاني، كما عرّفه بنفس التعريف أبو الفتح البغدادي في الوصول إلى الاَُصول :2|209.
2. المصدر السابق. و قد عرّفه الغزالي أيضاً في المنخول: 324 بنفس ما عرّفه القاضي الباقلاني، كما عرّفه بنفس التعريف أبو الفتح البغدادي في الوصول إلى الاَُصول :2|209.
3. محمد الخضري: أُصول الفقه: 289.
4. وقد ذكر الغزالي ركناً خامساً وهو: «طريق معرفة كون الوصف الجامع علّة للحكم» لاحظ شفاء الغليل: 22.

(202)

بالحرمة، لاشتراكها في الجهة الجامعة، والاَركان الاَربعة معلومة واضحة.

أمّا شروط القياس، فتنقسم إلى: شروط في الاَصل، وشروط في الفرع، وشروط في العلّة:

أمّا شروط الاَصل، فهي:
1. أن يكون الاَصل حكماً شرعياً عملياً، فالقياس الفقهي لا يكون إلاّ في الاَحكام العملية، لاَنّ هذه هي موضوع الفقه بشكل عام.
2. أن يكون الحكم قابلاً لاَن يُدرك العقل سببَ شرعيته، أو يومىَ النص إلى سبب شرعيته كتحريم الخمر و الميسر وأكل الميتة (1) وبهذا الشرط لا يصحُّ القياس في الاَحكام التعبّدية لاَنّ أساسه معرفة علّة الحكم ولا طريق لمعرفتها في الاَحكام التعبّدية، كمناسك الحجّ، بخلاف التوصّلية فيجري فيها القياس عند القائل به، لاَنّه يمكن للعقل البشري أن يدرك علّتها ولو إدراكاً ظنّياً.
3. أن لا يكون الاَصل معدولاً به عن القياس واستثناءً منه، ولذلك لا يمكن قياس شيء آخر على هذا المستثنى من القياس، لاَنّ حكم الاَصل عندئذٍ على خلاف القاعدة فيقتصر عليه.
4. أن لا يكون الحكم الذي جاء به الاَصل ثبت بدليل خاص، كشهادة خزيمة إذ جعل النبيّ شهادته بشهادة اثنين، وكتزويج النبيّ أكثر من أربعة (2)

ولعلّ الشرط الثالث يغني عن الشرط الرابع، وذلك لاَنّ الحكم الثابت في


1. وسيوافيك في المستقبل أنّ القياس عند تنصيص الشارع بالعلّة خارج عن محطّ البحث على أنّه ليس بقياس واقعاً بل عمل بالضابطة الكلّية التي أملاها الشارع.
2. شفاء الغليل: 635ـ642، وقد ذكر شروطاً ثمانية اقتصرنا بالمهم منها، الاَرموي؛ التحصيل من المحصول: 2|246؛ محمد أبو زهرة: أُصول الفقه: 218ـ 220.

(203)

الموردين على خلاف القاعدة فلا يقاس على ما خرج عن الضابطة بدليل استثنائي أمر آخر.

وأمّا شروط الفرع، فهي:
1. أن يكون الفرع غير منصوص على حكمه، إذ لا قياس في موضع النص.
2. أن تتحقّق العلّة في الفرع بأن تكون مساوية في تحقّقها بين الفرع و الاَصل، ووجه الاشتراط واضح. (1)

وأمّا شروط العلّة، فهي:

1. أن تكون وصفاً ظاهراً، و هذه كالصغر فإنّه علّة لثبوت الولاية المالية.
2. أن تكون منضبطاً أي لا يختلف باختلاف الاَشخاص، ولا باختلاف الاَحوال، ولا باختلاف البيئات بحيث يكون محدود المعنى في كلّ ما يتحقّق فيه كالسكر في تحريم الخمر.
3. أن تقوم سمة مناسبة أو ملائمة بين الحكم والوصف الذي اعتبر علّة، فالقتل علّة مناسبة لمنع الميراث.
4. أن يكون الوصف علّة متعدّية غير مقصورة على موضع الحكم، كالسفر مقصور على الصيام من حيث إنّه يرخّص في الاِفطار والقضاء في أيام أُخر ، فلا يصلح أن يكون علّة لعدم أداء الصلاة والقضاء في أيام أُخر.
5. أن لا يكون الوصف قد قام الدليل على عدم اعتباره، وذلك إذا كان مخالفاً لنصّ دينيّ فلا تكون صالحة للتعدّي، كالمصلحة التي رآها القاضي


1. شفاء الغليل: 673ـ 675، وقد ذكر للفرع شروطاً خمسة اقتصرنا على المهم منها؛ ومثله محمد أبو زهرة: أُصول الفقه: 220ـ 221.

(204)

الاَندلسي الذي اعتبر الكفّارة من الملك صيام ستّين يوماً لا عتق رقبة، لاَنّ تلك المصلحة (عدم ردع الملك إلاّ بإلزام صوم ستين يوماً) التي رآها القاضي مرفوضة بحكم الشارع. (1)

الثالث: الفرق بين علّة الحكم وحكمته

(2)

إنّ مناط الحكم وعلّته غير حكمته، والفرق بينهما هو أنّه لو كان الحكم دائراً مدار العلّة وجوداً وعدماً فهو علّة الحكم ومناطه، وأمّا إذا لم يكن كذلك بل كان الحكم أوسع ممّا تُصوّر أنّه علّة للحكم فهو من حِكَم الحُكم ومصالحه لا من مناطاته، فمثلاً: الاِنجاب وتكوين الاَُسرة من فوائد النكاح ومصالحه، و مع ذلك ليس هو مداراً للحكم ومناطه، بشهادة أنّه يجوز تزويج المرأة العقيم، واليائسة، ومن لا يطلب ولداً بالعزل، إلى غير ذلك من أقسام النكاح الجائز التي تفقد المصلحة المزبورة، وهذا يدلّ على أنّ ما زعمناه من أنّ «الاِنجاب» مدار للحكم ليس كذلك.

ولنذكر مثالاً آخر:

قال سبحانه:"وَالْمُطَلَّقاتُ يَترَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْن ما خَلَقَ اللّهُ في أَرحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُوَمِنَّ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ" . (3)

ففرض على المطلّقة التربّص، ثلاثة قروء بغية استعلام حالها من حيث الحمل وعدمه، فلو كانت حاملاً، فعدّتها أن تضع حملها، قال سبحانه:"وَأُولاتُ الاََحْمالِ أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" (4)


1. محمد أبو زهرة: أُصول الفقه: 223ـ 225.
2. وللغزالي بحث مسهب في هذا الصدد، لاحظ شفاء الغليل: 612.
3. البقرة: 228.
4. الطلاق: 4.

(205)

ولكن استعلام حال المطلقة ليس ضابطاً للحكم وملاكاً له، بل من حِكَمِه بشهادة أنّه إذا غاب الزوج عن الزوجة مدّة سنة فطلَّقها، يجب عليها التربّص مع العلم بعدم حملها منه.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ بعض ما ورد في الشرع بصورة العلّة ربّما يكون حكمة ومصلحة.

قال أبو زهرة: الفارق بين العلّة والحكمة، هو أنَّ الحكمة غير منضبطة بمعنى أنّها وصف مناسب للحكم يتحقّق في أكثر الاَحوال، وأمّا العلّة فهي وصف ظاهر منضبط محدود أقامه الشارع إمارة على الحكم. (1)

الرابع: قياس الاَولوية

قياس الاَولوية خارج عن مصب النزاع و يسمّى أيضاً بمفهوم الموافقة ، وفحوى الخطاب، وذلك لاَنّ المقصود منه فهم ما لا نصّفيه ممّا نصّ عليه بالاَولوية، كقوله سبحانه:"فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ" (2) الدالّبالاَولوية على النهي عن الشتم والضرب و نحوهما، وليس هذا من باب القياس، بل عملاً بالظاهر، والقياس يتوقّف على بذل الجهد في الوقوف على المناط والملاك، ثمّ التسوية بين الفرع والاَصل بحكم المشابهة، مع أنّا لا نحتاج في فهم حكم ما لا نصّ في المقام سوى إلى فهم الخطاب الوارد في قوله: "فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ".

وبالجملة: إذا كان استخراج الحكم غير متوقّف إلاّ على فهم النصّ بلا حاجة إلى اجتهاد، فهو عمل بالظاهر. بخلاف ما إذا كان متوقّفاً وراء فهم النصّ إلى بذل جهد والوقوف على المناط ثمّ التسوية ثمّ الحكم، قال سبحانه:"فَمَنْ يَعْمَلْ


1. لاحظ أُصول الفقه لمحمد أبو زهرة: 223 و 233.
2. الاِسراء: 23.

(206)

مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ" (1) فلا نحتاج في فهم حكم الخير الكثير إلاّ إلى فهم مدلول الآية.

الخامس: المتشابهان غير المتماثلين

إنّ مصبّ القياس هو الاَمران المتشابهان لا الاَمران المتماثلان، فكم فرق بين المتماثلين والمتشابهين، فمثلاً إذا أثبتنا بالتجربة أنّ الفلز يتمدّد بالحرارة، فيكون ذلك معياراً كلّياً لكلّ فلز مماثل وأنّه يخضع لنفس الحكم، وهذا خارج عن مصبّ البحث، إنّما الكلام في القياس بين أمرين متغايرين نوعاً متشابهين في جهة خاصة، فهل يصحّ لنا تسرية حكم الاَصل إلى الفرع بذريعة وجود التشابه بينهما أو لا ؟ فمثلاً شرب الخمر حرام بالنصّ، والفقّاع نوع آخر، لاَنّ الاَوّل مأخوذ من العنب، والثاني مأخوذ من الشعير، فهما نوعان، فهل يصحّ لنا أن نُسري حكم الخمر إلى الفقّاع لتساويهما في صفة الاِسكار؟

وكثيراً ما نرى أنّ الباحثين لا يميّزون بين المتماثلين والمتشابهين، إذ مرجع الاَوّل غالباً إلى التجربة التي هي دليل عقليّ قطعيّ، بخلاف الثاني فإنّ الحكم فيه ظنّي لجهة المناسبة والمشابهة إلاّ أن ينتهي إلى مرحلة القطع.

وقد أوضحنا ذلك في بحوثنا حول نظرية المعرفة.

السادس: تقسيمه إلى منصوص العلّة ومستنبطها

ينقسم القياس إلى منصوص العلّة ومستنبطها، والمراد من الاَوّل ما نصّالشارع على علّة الحكم، كما إذا قال: لا تشرب الخمر لاَنّه مسكر، كما أنّ المراد من الثاني ما إذا قام الفقيه بتحصيلها بالجهد والفكر.


1. الزلزلة: 7.

(207)

ثمّ إنّ مستنبط العلّة على قسمين، فتارة يصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استخرجه، علّة الحكم واقعاً، ومناطه؛ وأُخرى لا يصل إلاّ إلى حدّ الظنّ بأنّه مناطه وعلّته، والاَوّل يسمى بتنقيح المناط (1) وهو خارج عن محطّ البحث و إن كان تحصيله أمراً مشكلاً ، ولكنّه لو حصل لكان حجّة، لاَنّ حجّية القطع ذاتية ولا يصحّ النهي عن العمل بالقطع إذا كان طريقاً إلى الحكم.

السابع: حكم القياس منصوص العلّة

إنّ العمل بالقياس في منصوص العلّة راجع في الحقيقة إلى العمل بالسنّة لا بالقياس، لاَنّ الشارع شرّع ضابطة كلّية عند التعليل، نسير على ضوئها في جميع الموارد التي تمتلك تلك العلّة وهذا خارج عن مصبّ البحث.

روى محمد بن إسماعيل، عن الاِمام الرضا - عليه السّلام - أنّه قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحه، أو طعمه، فيُنزح حتى يذهب الريح، ويطيب طعمه، لاَنّ له مادّة». (2)

فإنّ قوله: «لاَنّ له مادّة» تعليل لقوله: «لا يفسده شيء» ليكون حجّة في غير ماء البئر، فيشمل التعليل بعمومه ماء البئر، وماء الحمام، و العيون، وحنفية الخزّان وغيرها، فلا ينجس الماء إذا كان له مادة قوية.

وعندئذٍ يكون العمل بالملاك المنصوص في المقيس عملاً بظاهر السنّة لا بالقياس، وأمّا المجتهد فيطبّق الضابطة التي حدّدها الشارع على جميع الموارد


1. وهذا هو المصطلح عند الشيعة، وأمّا السنّة فعندهم مصطلحات ثلاثة، هي:
1. تنقيح المناط 2 . تخريج المناط 3. تحقيق المناط، و بينها فروق يسيرة، لاحظ أُصول الفقه لمحمد أبو زهرة: 229.
2. الوسائل: الجزء 1، الباب 14 من أبواب الماء المطلق، الحديث 6.

(208)

دفعة، فليس هناك أصل ولا فرع ولا انتقال من حكم الاَصل إلى الفرع، بل موضوع الحكم هي العلّة، والفروع بأجمعها داخلة تحته.

وإن شئت قلت: هناك فرق بين استنباط الحكم عن طريق القياس، وبين استنباط الحكم عن طريق ضابطة كلّية تصدق على مواردها، وقد جعلها الشارع هو الموضوع حقيقة.

ففي الاَوّل، أي استنباط الحكم من القياس، يتحمّل المجتهد جهداً في تخريج المناط، ثمّ يجعل المنصوص أصلاً والآخر فرعاً، وأمّا إذا كانت العلّة منصوصة فيكفي فيها فهم النصّ لغة بلا حاجة إلى الاجتهاد، ولا إلى تخريج المناط، فيكون النصّ دالاً على الحكمين بدلالة واحدة.

فقوله سبحانه: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي المَحيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ" (1)

دلّ على وجوب الاعتزال في المحيض وعلّله بكونه أذًى، فلو استكشفنا بأنّ التعليل مناط للحكم وملاكه، فيُتمسّك به في كلّ مورد دلّعلى أنّ المسّ أذًى، كالنفاس، و النزيف، وغير ذلك، وليس هذا من باب القياس، بل من باب تطبيق النصّ على موارده.

الثامن: في طرق استنباط العلّة

قد عرفت انّ القياس في مورد لم يرد نصّ من الشارع على مناط الحكم، وإلاّ يكون العمل بالتعليل عملاً بالنص، حيث إنّ الشارع أعطى ضابطة كلّية تشمل جميع الموارد مرّة واحدة ويسير الفقيه على ضوئها.


1. البقرة: 222.

(209)

ثمّ إنّ القائلين بالقياس ذكروا لاقتناص العلّة واستنباطها طُرقاً مختلفة غير مجدية غالباً إلاّ القليل منها، ولاَجل ذلك نشير إلى كل عنوان فيها ونترك التفصيل إلى المصادر، فقالوا:

إنّ ما يعرف به علّية الوصف أُمور:
1. النصّ: التصريح بالعلّية. (1)

2. الاِيماء: كما قيل بعد قول السائل أفطرت في شهر رمضان: كفّر، فيعلم أنّ الاِفطار هو العلّة. (2)

3. المناسبة: و يراد المناسبة بين الحكم والموضوع، كحفظ النفس في تشريع القصاص وحفظ المال في تشريع الضمان.
4. الموَثّر: وهو كون هذا الوصف موَثراً في جنس الحكم دون غيره، كقولهم: الاَخ من الاَبوين مقدّم في الميراث فيقدّم في النكاح.
5. الشبه: وهو الوصف المناسب للحكم لذاته، كتعليل الحرمة بالسكر. (3)

6. الدوران: وهو ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف وانتفاوَه عند انتفائه، كدوران حرمة المعتصر من العنب مع كونه مسكراً، فيحرم عند الاِسكار و يزول عند عدمه. (4)
7. السبر والتقسيم: والسبر في اللغة هو الامتحان، وتقريره: أن يحصر الاَوصاف التي توجد في واقعة الحكم وتصلح لاَن تكون العلّة واحداً منها،


1. قد عرفت انّه خارج عن محلّالنزاع.
2. وهذا أيضاً خارج عن محلّ النزاع، لاَنّ الاِيماء إحدى الدلالات المعتبرة.
3. والمثال فرضي لورود النصّبالتعليل.
4. لاحظ في تفصيل هذه الطرق شفاء الغليل: 627، فقد أطنب فيها الكلام؛ والتحصيل من المحصول: 2|185ـ 208.

(210)

ويختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلّة، وأنواع الاعتبار الذي تعتبر به، وبواسطة هذا الاختبار تُستبعد الاَوصاف التي لا يصحّ أن تكون علّة ويُستبقي ما يصحّ أن تكون علّة، وبهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصّل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة.

فمثلاً ورد النصّ بتحريم شرب الخمر ولم يدلّ نصّ على علّة الحكم، فالمجتهد يردّد العلّة بين كونه من العنب، أو كونه سائلاً، أو كونه ذا لون خاص، أو كونه مسكراً، ويستبعد كلّ واحدة من العلل إلاّ الاَخيرة فيحكم بأنّها علّة، ثمّ يقيس كلّ مسكر عليه.

ثمّ إنّ التقسيم إذا كان دائراً بين النفي و الاِثبات يفيد اليقين، كقولك: العدد إمّا زوج أو فرد، والحيوان إمّا ناطق أو غير ناطق. وأمّا إذا كان بشكل التقسيم والسبر أي ملاحظة كلّ وصف خاصّ وصلاحيّته للحكم، فما استحسنه الذوق الفقهي يجعله مناطاً للحكم، وما يستبعده يطرحه، فمثل هذا لا يكون دليلاً قطعياً بل ظنّياً وهذا شيء أطبق عليه مثبتو القياس.

قال الشيخ عبد الوهاب خلاّف: وخلاصة هذا المسلك أنّ المجتهد، عليه أن يبحث في الاَوصاف الموجودة في الاَصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علّة منها، و يستبقي ما هو العلّة حسبَ رجحان ظنّه، وهاديه في الاستبعاد والاستبقاء تحقيقُ شروط العلّة بحيث لا يستبقى إلاّ وصفاً منضبطاً متعدّياً مناسباً معتبراً بنوع من أنواع الاعتبار، وفي هذا تتفاوت عقول المجتهدين، لاَنّ منهم من يرى المناسب هذا الوصف، ومنهم من يرى المناسب وصفاً آخر.

فالحنفيّة رأوا المناسب في تعليل التحريم في الاَموال الربوية، القدر مع اتّحاد الجنس، والشافعية رأوه الطعم مع اتّحاد الجنس، و المالكية رأوه القوت و الادّخار مع اتّحاد الجنس.


(211)

والحنفية رأوا المناسب في تعليل الولاية على البكر الصغيرة، الصغر، والشافعية رأوه البكارة (1)

استنباط العلّة عمل ظنّي

إنّ القياس دليل ظنّي يظهر وجهه ممّا ذكره «عبد الوهاب خلاّف» من اختلاف العقول في تشخيص المناط، و نزيد عليه بأنّ هناك احتمالات أُخرى تُخلّ بعملية المناط بالبيان التالي:

أوّلاً: احتمال أن يكون الحكم في الاَصل معلّلاً عند اللّه بعلّة أُخرى غير ما ظنّه القايس.

وهذا أمر غير بعيد، قال سبحانه:"وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً" (2)

فالاِنسان لم يزل في عالم الحس تنكشف له أخطاوَه فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الاَحكام ومناطاتها المستورة على العقل إلاّ في موارد جزئية كالاِسكار في الخمر ، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر ، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟! وأمّا غيرها ممّا يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظنّ شيئاً.

قال ابن حزم: و إن كانت العلّة، غير منصوص عليها فمن أيّطريق تُعرف و لم يوجد من الشارع نصّيبيّـن طريق تعرفها؟ و ترك هذا من غير دليل يعرِّف العلّة ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر و لكن أصل لا بيان له و ذلك يوَدي إلى التلبيس، وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً


1. مصادر التشريع الاِسلامي: 65.
2. الاِسراء: 85.

(212)

كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس. (1)

ثانياً: لو افترضنا أنّ المقيس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يعلم أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضمّ إليه في الواقع ولم يصل القايس إليه؟

ثالثاً: احتمال أن يكون القايس قد أضاف شيئاً أجنبيّاً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه .

رابعاً: احتمال أن تكون في الاَصل خصوصية في ثبوت الحكم، فمثلاً لو علمنا بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعاً في إفساد البيع، ولكن نحتمل أن يكون الجهل بالثمن في خصوص البيع علّة، فلا يصحّ لنا قياس النكاح عليه إذا كان المهر فيه مجهولاً، فالعلّة ، هي الجهل بالعوض لا الجهل بالمهر و مع هذه الاحتمالات لا يمكن القطع بالمناط.

نعم ربّما يتّفق للاَوحدي بعد الوقوف على الاَشباه والنظائر أن يقطع بأنّ المناط هو الوجه الموجود بينها، ولكنّه نادر لا يتّفق إلاّ في موارد خاصّة، فأين هو من القياس الذي هو مصدر التشريع بعد الكتاب والسنّة عند أكثر أهل السنّة ؟

وقد ورد في رواية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) النهي عن الخوض في تنقيح المناط، لقصور عقول الناس عن الاِحاطة بهاو يشهد بذلك ما رواه أبان بن تغلب، عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - يقول أبان:

قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - : ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟

قال: «عشر من الاِبل».


1. أبو زهرة: أُصول الفقه: 210 نقلاً عن الاِحكام.

(213)

قلت: قطع اثنتين؟

قال: «عشرون».

قلت: قطع ثلاثاً؟

قال: «ثلاثون».

قلت: قطع أربعاً؟

قال: «عشرون».

قلت: سبحان اللّه، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟! إن كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممّن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان.

فقال:«مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين». (1)

وليس الاِمام الصادق - عليه السّلام - متفرداً في نقل هذا الحكم، بل هذا ممّا أطبق عليه الفقهاء، و إليك ما يعرّف موقفهم في هذا المقام:

قال الشيخ الطوسي: المرأة تعاقل الرجل إلى ثُلث ديتها في الاَُروش المقدّرة، فإذا بلغتها فعلى النصف. وبه قال عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيّب، و الزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق.

وقال ربيعة: تعاقله ما لم يزد على ثلث الدية أرش الجائفة والمأمومة، فإذا زاد فعلى النصف.


1. الوسائل: الجزء 19، الباب 44 من أبواب ديات الاَعضاء، الحديث 1.

(214)

وربيعة جعلها كالرجل في الجائفة، وجعلها على النصف فيما زاد عليها. وبه قال الشافعي في القديم.

وقال الحسن البصري: تعاقله ما لم تبلغ نصف الدية أرش اليد والرجل، فإذا بلغتها فعلى النصف.

وقال الشافعي في الجديد: لا تعاقله في شيء منها بحال، بل معه على النصف فيما قلّ أو كثر، في أنملة الرجل ثلاثة أبعرة وثلث، وفي أنملتها نصف هذا بعير وثلثان، وكذلك فيما زاد على هذا.

ورووا ذلك عن علي - عليه السّلام - ، وذهب إليه الليث بن سعد من أهل مصر، وبه قال أهل الكوفة: ابن أبي ليلى، و ابن شبرمة، و الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه. وهو قول عبيد اللّه بن الحسن العنبري.

وقال قوم: تعاقله ما لم تبلغ نصف عشر الدية أرش السن والموضحة، فإذا بلغتها فعلى النصف.ذهب إليه ابن مسعود، و شريح.

وقال قوم: تعاقله ما لم تبلغ عشر أو نصف عشر الدية أرش المنقلة، فإذا بلغتها فعلى النصف. ذهب إليه زيد بن ثابت، و سليمان بن يسار.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.

وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ النبي - عليه السّلام - قال: «المرأة تعاقِلُ الرجل إلى ثلث ديتها».

وقال ربيعة: قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر، قلت: ففي اصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون. قلت له: لمّا عظمت مصيبتها قلّ عقلها. قال: هكذا السنّة.

قوله: هكذا السنّة، دالّ على أنّه أراد سنّة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وإجماع الصحابة


(215)

والتابعين. (1)

إنّ هذه الرواية وأمثالها التي اتّفق فقهاء كلا الفريقين على صحّة مضمونها اجمالاً وإن اختلفوا في التفاصيل تصدّ الفقيه عن الخوض في المناط، ولو خاضه وأحرز المناط لم يقطع بأنّالحكم دائر مداره، بل غاية ما في الباب يظنّبه، وليس الظنّ ـ ما لم يدعمه الدليل ـ مغنياً عن الحقّ.

التاسع: الآراء في حجّية القياس

ذهبت الشيعة الاِمامية والظاهرية من أهل السنّة إلى بطلان القياس في مستنبط العلّة، إلاّ إذا وصل الفقيه إلى حدّ القطع بأنّ ما استنبطه هي العلّة الواقعية للحكم وقد سُمّي عندهم بتنقيح المناط، وأمّا غيرهم فخلاصة مذاهبهم لا يتجاوز عن ثلاثة:
1. أنّه حيث وجد النصّ فلا عمل للقياس مطلقاً، سواء أكانت الظنّية في السند أم كانت في الدلالة لاَنّه لا قياس في موضع النصّ.
2. أنّ القياس قد تكون له معارضة للاَدلّة الظنّية دون الاَدلّة القطعية.
3. أنّ القياس الصحيح لا يمكن أن يكون معارضاً لنصّ شرعيّ قط. (2)

ومن كلماتهم: إنّ نظير الحقّ حقّ، و نظير الباطل باطل فلا يجوز لاَحد إنكار القياس، لاَنّه تشبيه الاَُمور والتمثيل عليها.

و قال ابن قيم الجوزية في هذا المعنى أيضاً: مدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، ولو جاز التفرقة بين المتماثلين


1. الخلاف: 5|255، كتاب الديات، المسألة 64.
2. محمد أبو زهرة: أُصول الفقه: 337.

(216)

لخرق الاستدلال وغلقت أبوابه.

وما ذكر من الكبرى حقّ لا غبار عليه، إنّما الكلام في الصغرى وأنّ ما زعمناه نظيراً، هل هو نظير له في الواقع أو بينهما فارق أو فوارق؟ فهذه هي النقطة الحسّاسة في المسألة، فالقائل بالقياس يتعامل مع ظنّه معاملة القطع، فلو دلَّ دليل قطعي على حجيّة ظنّه فهو، وإلاّ فلا يكون مغنياً عن الحق.

العاشر: إمكان العمل بالقياس ووقوعه

يقع الكلام في حجّية القياس في مقامين: فتارة في مقام الثبوت، وأُخرى في مقام الاِثبات، والمراد من الاَوّل كون التعبّد بالقياس أمراً ممكناً في مقابل كونه أمراً محالاً، كما أنّ المراد من الثاني وجود الدليل على وقوع التعبّد بالشرع بعد ثبوت إمكانه.

أمّا الاَوّل، فالتعبّد بالقياس كالتعبّد بسائر الظنون من الخبر الواحد والشهرة وقول اللغوي وغير ذلك من الاَدلّة الظنّية، أمر ممكن، لجواز أن يقتصر الشارع في امتثال أوامره ونواهيه على الاَدلّة الظنّية ولا يطلب من المكلّف الامتثال بالاَدلّة القطعية لتسهيل الاَمر على المكلّفين، وقد بسط علماوَنا، الكلام في هذا الموضوع في علم الاَُصول عند تطرّقهم لمبحث إمكان التعبّد بالظنّ وعدم الاقتصار على القطع.

ويعجبني أن أنقل كلمة لبعض علمائنا السابقين لمناسبتها المقام:

يقول ابن زهرة الحلبي (511 ـ 585): ويجوز من جهة العقل التعبّد بالقياس في الشرعيات، لاَنّه يمكن أن يكون طريقاً إلى معرفة الاَحكام الشرعية ودليلاً عليها، ألا ترى أنّه لا فرق في العلم بتحريم النبيذ المسكر مثلاً بين أن ينصّ الشارع على تحريم جميع المسكر، وبين أن ينصّ على تحريم الخمر بعينها، وينصّ على


(217)

أنّ العلّة في هذا التحريم، الشدّة، ولا فرق بين أن ينصّ على العلّة، وبين أن يدلّ بغير النصّ على أنّ تحريم الخمر لشدّتها أو ينصب لنا أمارة تغلب في الظن عندها أنّ تحريم الخمر لهذه العلّة مع إيجابه القياس علينا في هذه الوجوه كلّها، لاَنّ كلّ طريق منها يوصل إلى العلم بتحريم النبيذ المسكر، ومَنْ منع مِن جواز ورود العبارة بأحدها كمَنْ منع مِن جواز ورودها بالباقي. (1)

وأمّا الكلام في المقام الثاني، فيتوقّف على بيان الضابطة الكلّية في العمل بالظنّ إذ ببيانها يعلم موقف الشريعة في العمل به و سيوافيك أنّ موقفها هو حرمة العمل بالظنّ إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على جواز العمل، فما لم يكن هناك دليل قاطع فالحقّ مع النافي، وإليك بيانه:

ما هي الضابطة في العمل بالظن؟

لا شكّ أنّالقياس دليل عقليّ ظنّي، وليس دليلاً قطعيّاً. فقبل نقل أدلّة المثبتين لابدّ من تنقيح مقتضى القاعدة الاَوّلية في العمل بالظنّ.

فلو دلّ الدليل على حرمة العمل بالظنّ، يجب على القائل بالقياس إقامة الدليل على تخصيص تلك القاعدة وإخراج العمل بالقياس عنها بالدليل، وإلاّ فيكفي للنافي التمسّك بالقاعدة.

والمراد من القاعدة الاَوّلية هو مقتضى الكتاب والسنّة والعقل في العمل بالظنّ بما هوهو إذا لم يُدْعَم من جانب الشرع بالخصوص، فهل هو أمر محرّم أو جائز؟ ولا شكّ أنّه إذا دعمه الشارع وجوّز العمل به في الشريعة فلا غبار في جوازه، إنّما الكلام فيما إذا لم يثبت ترخيص من قبل الشارع ولا منع، فهل هو جائز أو لا ؟


1. ابن زهرة الحلبي: غنية النزوع: 386، قسم الا َُصولين الطبعة الحديثة.

(218)

أقول: إنّ معنى حجّية الظنّ هو التنجيز إذا أصاب الواقع والتعذير إذا أخطأ.

وبعبارة أُخرى: إنّ معنى حجّية الظنّ هو صحّة إسناد موَدّاه إلى اللّه سبحانه، والاستناد إليه في مقام العمل.

فإذا كان هذا معنى الحجّية فلا شكّ أنّه مترتّب على العلم بحجّية الشيء بأن يقوم دليل قطعيّ على حجّية الظنّ، من كتاب أو سنّة، فعند ذلك يُوصف الظنّ بالتنجيز أو التعذير، ويصحّ إسناد موَدّاه إلى اللّه سبحانه، كما يصحّ الاستناد إليه في مقام الامتثال والعمل.

وأمّا إذا لم يقم الدليل القطعي على حجّية الظنّ، بل صار مظنون الحجّية أو محتملها، فلا يترتّب عليه الاَثران الاَوّلان: التنجيزُ والتعذيرُ، لاَنّ العقل إنّما يحكم بتنجيز الواقع إذا كان هناك بيان من الشارع وإلاّ فيستقلّ بقبح العقاب بلا بيان، و المفروض أنّه لم يثبت كون الظنّبياناً للحكم الشرعي إذ لم يصل بيان من الشارع على حجّية الظنّ، كما أنّه لا يعدّ المكلّف العامل بالظنّ معذوراً إذا لم يدعمه دليل قطعي.

فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ الحجية بمعنى التنجيز، والتعذير من آثار معلوم الحجّية لا مظنونها ولا محتملها. هذه هي الضابطة في مطلق الظنّ، و منها يظهر حكم القياس وذلك لاَنّ المفروض وجود الشكّ في حجّية القياس حيث إنَّ البحث الآن فيما لم يدعمه دليل ولا نُهيَ عنه، ومعه يكون الاحتجاج به غير صحيح إلاّ إذا دلّ الدليل القطعي على حجيّته.

كما أنّإسناد مضمونه إلى الشارع و الاستناد إليه في مقام العمل من آثار ما علم كونه حجّة، وإلاّ يكون الاِسناد والاستناد بدعة، وتشريعاً محرّماً، حيث إنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل وإسناد موَدّاه إلى الشارع تشريع


(219)

عملي وقولي دلّت على حرمته الاَدلّة الاَربعة.

أمّا الكتاب فيكفي قوله سبحانه:"قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُل ء اللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ" (1) حيث دلّ على أنّ إسناد ما لم يأذن به اللّه إليه افتراء. فالآية خطاب لمشركي مكّة حيث قسموا ما أحلّه اللّه إلى قسمين: حرام كالبحيرة والسائبة، وحلال كغيرهما، ولفظة «ما» في قوله :"ما أَنْزَلَ اللّهُ" في موضع نصبٍ، مفعول للفعل المتقدّم، و مفاد الآية أنّ كلّما لم يأذن به اللّه فاسناده إلى اللّه و الاستناد إليه في مقام العمل، افتراء على اللّه، والمفروض أنّ الظنّ بما هو ظنّ لم يرد فيه إذن بالعمل به.

نعم لو ورد الاِذن لخرج عن البدعة لكن الكلام في المقام الاَوّل.

ويدلّ عليه قوله سبحانه: "وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأَمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" (2)

ومفاد الآية أنّ التقوّل على اللّه بما لا يعلم كونه من اللّه أمر محرّم سواء أمر بها في الواقع أم لم يأمر.

ويكفي في السنّة ما ورد عن أئمّة أهل البيت بسند صحيح عن باقر العِلْم (عليه السلام) : من أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدًى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بها. (3)

وعلى ضوء ذلك فتكفي لنفاة القياس هذه الضابطة الكلّية في العمل بالظنّ، قياساً كان أو غيره. ولا يلزم عليهم تجشّم الدليل على بطلان القياس بعد ثبوت هذه القاعدة.


1. يونس: 59.
2. الاَعراف: 28.
3. الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

(220)

نعم، يلزم على القائل بالقياس إقامة الدليل على ترخيص الشارع بالعمل به حتى يخرج عن تحت القاعدة خروجاً موضوعياً لا حكمياً، فإنّ القاعدة (حرمة العمل بالظنّ) في الظنّ الذي لم يرخّص الشارع العمل به فإذا رخّص يخرج عنه موضوعياً لا حكمياً.

وبذلك يعلم أنّ بعض ما ذكره الرازي في حرمة العمل بالقياس من أدلّة تلك الضابطة.

فاستدلّ من الكتاب بقوله: "وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" وقوله سبحانه: "وَلا تَقْفُما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ" وقوله سبحانه: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ " . (1)

وجه الاستدلال: أنّ القياس الشرعي لابدّ وأن يكون بتعليل الحكم في الاَصل وثبوت تلك العلّة في الفرع ظنّياً، ولو وجب العمل بالقياس لصدق على ذلك الظن، أنّه أغنى من الحقّ شيئاً وذلك يناقض عموم النفي.

ثمّ استدلّ من السنّة بقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : تعمل هذه الاَُمّة برهة بالكتاب وبرهة بالسنّة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلّوا.

كما استدلّ بإجماع العترة، فقال: إنّا نعلم بالضرورة أنّ مذهب أهل البيت كالباقر والصادق (عليهما السلام) إنكار القياس، وقد تقدّم أنّ إجماع العترة والصحابة حجّة.(2)

كان الاَولى على الرازي دعم الضابطة الكلّية، من غير نظر إلى القياس وغيره، كما فعلنا لاِمكان المناقشة في صحّة بعض ما استدلّ به كالروايات.


1. الآيات: البقرة: 169؛ الاِسراء: 49؛ المائدة: 40.
2. الرازي : المحصول: 2|290ـ 292.

(221)

وحصيلة الكلام: إنّ الضابطة هي حرمة العمل بالظنّ قياساً كان أو غيره، إلاّ إذا قام دليل مفيد للقطع واليقين بأنّ الشارع رخّص العمل به كما رخّص في العمل بقول الثقة وغيره.

وبما ذكرنا يعلم أنّ القضاء في جواز العمل بالقياس في مقام الاِثبات يتوقّف على دراسة أدلّة المثبتين وهل هي بمكانة نرفع بها اليد عن الضابطة الكلّية أو لا ؟

إذا عرفت هذه الضابطة فلنذكر أدلّة القائلين بالقيـاس ـ لما عرفت من استغناء المخالف عن إقامة الدليل ـ حيث استدلّوا بالكتاب والسنّة، والاِجماع والعقل، وإليك دراسة الجميع واحداً تلو الآخر.


(222)

أدلّة القائلين بحجّية القياس

1. الاستدلال بالكتاب

استدلّ القائلون بحجّية القياس بآيات نتناولها بالبحث واحدة تلو الاَُخرى.

1. آية الاعتبار

قال سبحانه في حادثة بني النضير: "هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لاََوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللّهِ فَأَتاهُمُ اللّهُ مِنْحَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُوَْمِنينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الاََبْصارُ " (1)

والحشر هو الاجتماع قال سبحانه: "وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى" (2) وهو كناية عن اللقاء بين اليهود و المسلمين.

وجه الاستدلال: أنّ اللّه سبحانه بعدما قصّ ما كان من بني النضير الذين كفروا، وما حاق بهم من حيث لم يحتسبوا، قال: "فَاعْتَبِرُوا يا أُولي الاََبْصار" أي فَقِسُوا أنفسَكم بهم، لاَنّكم أُناسٌ مثلهم إن فعلتم مثلَ فعلهم حاق بكم مثل ما حاق


1. الحشر: 2.
2. طه: 59.

(223)

بهم، من غير فرق بين تفسير الاعتبار بالعبور والمرور، أو فُسِّرَ بالاتّعاظ، فهو تقرير، لبيان أنّ سنّة اللّه في ما جرى على بني النضير وغيرهم واحد. (1)

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآية بصدد بيان سنّة اللّه في الظالمين، سواء فسّر الاعتبار بالتجاوز أو بالاتّعاظ، وأنّ إجلاء بني النضير من قلاعهم وتخريبهم بيوتَهم بأيديهم وأيدي الموَمنين كان جزاءً لاَعمالهم الاِجرامية، وأنّ اللّه تبارك و تعالى يعذّب الكافر والمنافق والظالم بأنحاء العذاب ولا يتركه، فليس هناك أصل متيقّن ولا فرع مشكوك حتى نستبين حكمَ الثاني من الاَوّل بواسطة المشابهة، بل كل ذلك فرض على مدلول الآية، وكم لها من نظائر في القرآن الكريم، قال سبحانه: "فَسِيرُوا فِي الاََرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ* هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدًى وَمَوعِظَةٌ لِلْمُتَّقينَ" (2)

هل تجد في نفسك أنّ الآية بصدد إضفاء الحجّية على القياس؟ أو أنّها لبيان سنّة اللّه في المكذّبين؟ وقال سبحانه:"وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الاََرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاّ قَلِيلاً* سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحويلاً" (3)

قال سبحانه: "فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ* مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيدٍ" (4)

وأدلّ دليل على أنّ الآية ليست بصدد بيان حجّية القياس، هو أنّك لو وضعت كلمة أهل القياس مكان قول: ( أُولي الاََبصار " فقلت : فاعتبروا يا أهل


1. أبو بكر الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|162؛ فخر الدين الرازي : المحصول في علم الاَُصول: 2|247.
2. آل عمران: 137ـ 138.
3. الاِسراء: 76 ـ 77.
4. هود: 82 ـ 83.

(224)

القياس، لعاد الكلام هزلاً غير منسجم.

باللّه عليك أيّها القارىَ العزيز أيّ صلة لاَمثال هذه الآيات بمسألة القياس، والتشبّث بهذه الآية وأمثالها أشبه بتشبّث الغريق بالطحلب.

2. آية الردّ إلى اللّه والرسول

قوله سبحانه: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُوَْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" (1)

وجه الاستدلال: أنّ اللّه سبحانه أمر الموَمنين ـ إن تنازعوا واختلفوا في شيء ليس للّه ولا لرسوله ولا لاَولي الاَمر منهم فيه حكم ـ أن يردُّوه إلى اللّه وإلى الرسول، وردّه أي إرجاعه إلى اللّه وإلى الرسول بإطلاقه يشمل كلّ ما يصدق عليه أنّه ردّ إليهما، فردّه إلى قواعد الشرع الكلية ردّ إلى اللّه ورسوله، وردّ ما لا نصّ فيه إلى ما فيه النصّ، والحكم عليه بحكم النصّ لتساوي الواقعتين في العلّة التي بُني عليها الحكم، هو ردّ المتنازع فيه إلى اللّه ورسوله.

قال أبو زهرة:وليس الردّ إلى اللّه وإلى الرسول إلاّ بتعرّف الاَمارات الدالّة منهما على ما يرميان إليه، وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها وذلك هو القياس.(2)

أقول: إنّ الردّ إلى اللّه ورسوله يتحقّق إمّا بالرجوع إليهم وسوَالهم عن حكم الواقعة قال سبحانه:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْكُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" (3)


1. النساء: 59.
2. أُصول الفقه: 207.
3. الاَنبياء: 7.

(225)

أو إرجاعها إلى الضابطة الكلّية التي ذكرها الرسول، فمثلاً إذا شككنا في لزوم شرط ذكره المتعاقدون في العقد وعدمه، فنرجع إلى الضابطة التي ذكرها الرسول في باب الشروط وقال: إنّ المسلمين عند شروطهم، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً. (1)

وأمّا غير ذلك فليس رجوعاً إليهم، فإنّ قياس ما لا نصّ فيه على ما نصّ فيه لاَجل تساوي الواقعتين في شيء أو في أشياء نحتمل أن لا تكون جهة المشاركة هي العلّة لبناء الحكم، فليس رداً إلى اللّه ورسوله، بل هو بذل جهد من جانب السائل لئن يفهم حكم المشكوك بطريق من الطرق التي لم يثبت أنّ اللّه أذن به وليس مثل ذلك ردّاً إلى اللّه ورسوله، خصوصاً إنّ العلّة، ليست منصوصة بل مستنبطة بطريق من الطرق التي لا نذعن بإصابتها، وبذلك يظهر ضعف ما استند إليه الشيخ أبو زهرة وذلك لاَنّ الاهتداء بتعليل الاَحكام إلى نفسها إنّما يصحّ إذا كانت العلّة مذكورة في كلامه سبحانه أو كلام رسوله، لا ما إذا قام العقل باستخراج العلّة بالسبر والتقسيم أو بغيرهما من الطرق.

3. آية الاستنباط

قال سبحانه:"وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الاََمْنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولي الاََمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَليلاً" (2)

وقد استدلّ بها السرخسي في أُصوله، وقال: والاستنباط استخراج المعنى من المنصوص بالرأي، وقيل: المراد بأُولي الاَمر: أُمراء السرايا، وقيل: العلماء وهو


1. الوسائل: الجزء 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 5.
2. النساء: 83.

(226)

الاَظهر، فإنّ أُمراء السرايا إنّما يستنبطونه بالرأي إذا كانوا علماء. (1)

وقد تفرّد السرخسي في الاستدلال بها، والمشهور هو الاستدلال بالآية السابقة، غير أنّ تفسير أُولي الاَمر بالعلماء تفسير على خلاف الظاهر، وإلاّ لقال: «أُولي العلم منهم»، كما قال سبحانه:"شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّهُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بالْقِسْطِ" (2)

يقول العلاّمة الطباطبائي: ومورد قوله: "وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الاََمْنِ أَوِ الْخَوفِ" هي الاَخبار التي لها جذور سياسية ترتبط بأطراف شيء ربّما أفضى قبولها، أو ردّها، أو إهمالها بما فيها من المفاسد والمضار الاجتماعية، إلى ما لا يمكن أن يستصلح بأيّ مصلح آخر، أو يبطل مساعي أُمّة في طريق سعادتها، أو يذهب بسوَددهم و يضرب بالذلّة و المسكنة والقتل و الاَسر عليهم، وأيّ خبرة للعلماء من حيث إنّهم محدّثون أو فقهاء أو قرّاء أو نحوهم في هذه القضايا حتى يأمر اللّه سبحانه بإرجاعها وردّها إليهم. (3)

وأمّا من هم «أُولي الاَمر» في زمن نزول الآية، فلسنا بصدد بيانه، وعلى أيّ حال لا صلة للآية بالقياس أبداً، بل هدف الآية الاِشارة إلى أنّ واجب المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه من أمن أو خوف أو سلامة و خلل، هو عدم إذاعة ما سمعوه، وردّه إلى أُولي الاَمر الذين يستخرجون صحّة أو سقم ما وصل إليهم من الخبر بفطنتهم وتجاربهم، وهل تجويز الاستنباط في المسائل السياسيّة بالقرائن يكون دليلاً على جواز استنباط الاَحكام الشرعيّة بالقياس؟


1. أُصول الفقه:2|128.
2. آل عمران: 18.
3. الميزان: 5|23، طبع بيروت.

(227)

4. آية النشأة الاَُولى

قوله سبحانه: "وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ" (1)

فإنّ الآية الثانية جواب لما ورد في الآية الاَُولى من قوله: "مَنْ يُحْيِي العِظامَ وَهِيَ رَميمٌ" فأُجيب بالقياس، فإنّ اللّه سبحانه قاس مادّة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها وإنشائها أوّل مرّة، لاِقناع الجاحدين بأنّ من قدر على خلق الشيء وإنشائه أوّل مرّة قادر على أن يعيده بل هذا أهون عليه.

يلاحظ عليه: إنّ اللّه سبحانه لم يدخل من باب القياس، وهو أجل من أن يقيس شيئاً على شيء، وإنّما دخل من باب البرهان، فأشار إلى سعة قدرته ووجود الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام وإيجادها أوّل مرّة بلا سابق وجوده، وبين القدرة على إحيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، فإذا ثبتت الملازمة بين القدرتين والمفروض أنّ الملزوم وهي القدرة على إنشائها أوّل مرّة موجودة، فلابدّ أن يثبت اللازم، وهي القدرة على إحيائها وهي رميم، فأين هو من القياس؟!

ولو صحّت تسمية الاستدلال قياساً، فهو من باب القياس الاَولوي الذي فرغنا من كونه خارجاً عن القياس الفقهي، ويدلّ على ذلك أنّه سبحانه لم يقتصر بهذا البرهان، بل أشار إلى سعة قدرته بآية أُخرى بعدها وقال: "أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاََرْضَبِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ) (2)

والآيات كسبيكة واحدة والهدف من ورائها تنبيه المخاطب على أنّ استبعاد


1. يس: 78 ـ 79.
2. يس: 81.

(228)

إحياء العظام الرميمة في غير محلّه، إذ لو كانت قدرته سبحانه محدودة لكان له وجه، وأمّا إذا وسعت قدرته كلَّ شيء بشهادة أنّه خلق الاِنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً، وخلق السماوات والاَرض وهي خلق أعظم من الاِنسان، لكان أقدر على معاد الاِنسان وإحياء عظامه الرميمة.

وليس كلّ استدلال عقلي قياساً.

5. آية جزاء الصيد

قال اللّه تعالى: "لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الكَعْبَةِ" (1)

قال الشافعي: فأمرهم بالمثْل، وجعل المثْل إلى عدلين يحكمان فيه فلمّا حُرِّم مأكولُالصيد عامّاً كانت لدوابّ الصيد أمثال على الاَبدان، فحكم مَنْ حكم من أصحاب رسول اللّه على ذلك فقضى في الضَّبع بكبش وفي الغزال بعنز، وفي الاَرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة. (2)

والعلم يحيط أنّهم أرادوا في هذا، المثل بالبدن لا بالقيم، ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم لاختلاف أثمان الصيد في البلدان، وفي الاَزمان وأحكامهم فيها واحدة.

والعلم يحيط أنّ اليربوع ليس مثل الجفرة في البدن، ولكنّها كانت أقرب الاَشياء منه شبهاً فجعلت مثله، وهذا من القياس، يتقارب تقارب العنز والظبي،


1. المائدة: 95.
2. العناق ـ بفتح العين المهملة ـ : هي الاَُنثى من أولاد المعز ما لم يتمّ له سنة ،والجفرة: ما لم يبلغ أربعة أشهر وفصل عن أُمّه وأخذ في الرعي.

(229)

ويبعد قليلاً بعد الجفرة من اليربوع. (1)

يلاحظ عليه: أنّ حاصل مفاد الآية أنّه يشترط في الكفارة أن تكون مماثلة لما قتله من النعم إمّا مماثلة في الخلقة كما هو المشهور، أو المماثلة في القيمة كما هو المنقول عن إبراهيم النخعي، وعلى أيّتقدير فلا صلة له بحجّية القياس في استنباط الاَحكام الشرعية وكونه من مصادرها، لاَنّ أقصى ما يستفاد من الآية أنّ المحرم إذا قتل الصيد متعمّداً فجزاوَه هو ذبح ما يشبه الصيد في الخلقة كالبدنة في قتل النعامة، والبقرة في قتل الحمار الوحشي وهكذا، وهل اعتبار التشابه في مورد يكون دليلاً على أنّ الشارع أخذ به في جميع الموارد، أو يقتصر بمورده ولا يصحّ التجاوز عن المورد إلاّ بالقول بالقياس غير الثابت إلاّ بهذه الآية، وهل هذا إلاّ دور واضح؟

أضف إلى ذلك أنّ محطّ البحث هو كون القياس من مصادر التشريع للاَحكام الشرعية الكلّية، وأين هذا من كون التشابه معياراً في تشخيص مصداق الواجب على الصائد؟

إنّ وزان التمسّك بالآية في حجّية القياس نظير الاستدلال عليها بقول الفقهاء في ضمان المثلي بالمثلي والقيمي بالقيمي، حيث اقتصر في براءة الذمّة، بالمماثلة، في العين أو قيمتها.

ثمّ إنّه يظهر من الشيخ الطوسي أنّ وجه الاستدلال بالآية، هو أنّ طريق تشخيص المماثلة هو الظن. ويرد عليه أنّ الظنّ في مورد لا يكون دليلاً على اعتباره في سائر الموارد كما سيوافيك.


1. الشافعي: الرسالة: 491، ذكره في باب الاجتهاد ،وهو عنده مساوٍ للقياس كما مرّ.


(230)

6. آية القدر

وتعلّقوا أيضاً بقوله تعالى: "وَعَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى المُقْتِرِقَدَرُهُ". (1)

قالوا: والمثلية والمقدار طريقة غالب الظن وبقوله: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ" . (2) قالوا: وذلك طريقة غالب الظن. (3)

يلاحظ عليه بأنّه إذا ثبتت حجّية الظنّ في مورد أو موردين لا يكون دليلاً على حجّيته مطلقاً، ولو قيل بذلك يصير قياساً وكلامنا في مسألة القياس، فكيف يستدلّ به على نفسه؟

وقد تمسّكوا بآيات أُخرى ليس لها أيّ مساس بحجّية القياس، فلنذكر ما استدلّوا به على صحّته من السنّة.

* * *

2. الاستدلال بالسنّة

استدلّ القائلون بالقياس بروايات نذكر ما هو المهمّ منها:

1. حديث معاذ بن جبل

احتجّ غير واحد من أصحاب القياس بحديث معاذ بن جبل والاحتجاج فرع إتقان الرواية سنداً ومتناً وإليك بيانها:

عن الحرث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص:


1. البقرة: 236.
2. النساء : 3.
3. الطوسي: العدّة:2|276.

(231)

إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حين بعثه إلى اليمن، فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟

قال: أقضي بما في كتاب اللّه.

قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟

قال: فبسنّة رسول اللّه.

قال: فإن لم يكن في سنّة رسول اللّه؟

قال: أجتهد رأيي، لا آلو.

قال: فضرب رسول اللّه صدري، ثمّ قال: الحمد للّه الذي وفّق رسول رسول اللّه لما يرضى رسول اللّه . (1)

وقد استدلّ به الاِمام الشافعي، فقال بعدما أفاد ـ أنّ القياس حجّة فيما لم يكن في المورد نصّ كتاب أو سنّة: فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ثمّ أجاب: هما اسمان لمعنى واحد. (2)

وقال في موضع آخر: أمّا الكتاب والسنّة فيدلاّن على ذلك، لاَنّه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبداً لا يكون إلاّ على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلاّبدلائل، والدلائل هي القياس. (3)

وقال أبو الحسين البصري: وجه الاستدلال به أنّ النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - صوّبه في قوله: أجتهد رأيي عند الانتقال من الكتاب والسنّة، فعلمنا أنّ قوله: أجتهد رأيي، لم ينصرف إلى الحكم بالكتاب والسنّة. (4)


1. مسند أحمد: 5|230، وسنن الدارمي:170 وسنن أبي داود: برقم 3593. وسنن الترمذي: برقم 1328، ينتهي سند الجميع إلى حارث بن عمرو عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص.
2. الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
3. الشافعي: الرسالة: 477 و505، طبع مصر ، تحقيق أحمد محمد شاكر.
4. أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.

(232)

وثمّة كلمات متماثلة لما ذكرنا في تقريب الاستدلال به.

لكنّ الحديث ضعيف سنداً وغير تام دلالة.

أمّا السند، ففيه الاَُمور التالية:
1. إنّ أبا عون محمد بن عبيد اللّه الثقفي الوارد في السند، مجهول لم يعرف.
2. إنّ الحارث بن عمرو، مجهول مثله ولم يعرف سوى أنّه ابن أخي المغيرة بن شعبة.
3. إنّ الحارث بن عمرو، ينقل عن أُناس من أهل حمص وهم مجهولون فتكون الرواية مرسلة. وبعد هذه الاَُمور أفيصحّ الاستدلال بحديث يرويه مجهول عن مجهول عن مجاهيل؟!

قال ابن حزم: وأمّا خبر معاذ، فإنّه لا يحلّ الاحتجاج به لسقوطه، وذلك أنّه لم يرو قطّ إلاّ من طريق الحارث بن عمرو وهو مجهول لا يدري أحد من هو: حدّثني أحمد بن محمد العذري، حدثنا أبو ذر الهروي، حدثنا زاهر بن أحمد الفقيه، حدثنا زنجويه بن محمد النيسابوري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري فذكر سند هذا الحديث، وقال: رفعه في اجتهاد الرأي.

قال البخاري: ولا يعرف الحارث إلاّ بهذا ولا يصحّ. هذا نصّ كلام البخاري في تاريخه الاَوسط، ثمّ هو عن رجال من أهل حمص لا يدرى من هم. (1)

وقال الذهبي: الحارث بن عمرو، عن رجال، عن معاذ بحديث الاجتهاد، قال البخاري: لا يصحّ حديثه.

قلت: تفرّد به أبو عون(محمد بن عبيد اللّه الثقفي) عن الحارث بن عمرو الثقفي ابن أخي المغيرة وما روى عن الحارث، غير أبي عون و هو مجهول.


1. ابن حزم: الاِحكام: 5|207.

(233)

وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتّصل. (1)

وقال السيد المرتضى: إنّ حديث معاذ خبر واحد وبمثله لا تثبت الاَُصول المعلومة، ولو ثبتت بأخبار الآحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ، لاَنّ رُواته مجهولون.وقيل: رواه جماعة من أصحاب معاذ ولم يُذكَروا. (2)

وأمّا الدلالة، فهي مبنيّة على مساواة الاجتهاد مع القياس أو شموله له وهو غير ثابت، قال المرتضى: ولا يُنكر أن يكون معنى قوله: «أجتهد رأيي» أي أجتهد حتى أجد حكم اللّه تعالى في الحادثة، من الكتاب والسنّة، إذ كان في أحكام اللّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد، ولا يوجد في ظواهر النصوص، فادّعاوَهم أنّ إلحاق الفروع بالاَُصول في الحكم لعلّة يستخرجها القياس، هو الاجتهاد الذي عناه في الخبر ، ممّا لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه. (3)

على أنّ تجويز القياس في القضاء لا يكون دليلاً على تجويزه في الاِفتاء، لاَنّ القضاء أمر لا يمكن تأخيره، بخلاف الاِفتاء، فالاستدلال بجواز القياس في القضاء على جوازه في الاِفتاء، مبنيّ على صحّة القياس وهو دور واضح.

ثمّ إنّ هناك نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ القضاء منصب خطير لا يشغله إلاّالعارف بالكتاب والسنّة والخبير في فضّ الخصومات، فالنبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الذي نصبه للقضاء لابدّ أن يعلِّمه الكتاب والسنّة أوّلاً وأن يكون واقفاً على مدى إحاطته بهما، ثم يبعثه إلى القضاء وفصل الخصومات ومع المعرفة التامّة لحال القاضي يكون السوَال بقوله: «فكيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه» أمراً لغواً ، وهذا يعرب عن أنّ الحديث لم ينقل على الوجه الصحيح،


1. الذهبي: ميزان الاعتدال:1|439 برقم 1635.
2. المرتضى: الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|773.
3. الذريعة:2|776.

(234)

وستوافيك الصور الاَُخرى للرواية.

قال الفخر الرازي: إنّ الحديث يقتضي أنّه سأله عمّا به يقضي بعد أن نصبه للقضاء، وذلك لا يجوز لاَنّ جواز نصبه للقضاء مشروط بصلاحيته للقضاء، وهذه الصلاحية إنّما تثبت لو ثبت كونه عالماً بالشيء الذي يجب أن يقضي به والشيء الذي لا يجب أن يقضي به. (1)

على أنّ الظاهر من سيرة «معاذ» أنّه لم يكن يجتهد برأيه في الاَحكام و إنّما كان يتوقّف حتى يسأل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

روى يحيى بن الحكم أنّمعاذاً قال: بعثني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أُصدِّق أهلَ اليمن، وأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ ثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً قال: فعرضوا عليّ أن آخذ من الاَربعين فأبيت ذاك، وقلت لهم: حتى أسأل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن ذلك.

فقدمتُ، فأخبرت النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأمرني أن آخذ من كلّثلاثين تبيعاً، و من كلّ أربعين مُسِنَّةً. (2)

فإذا كانت هذه سيرته فكيف يقضي بالظنون و الاعتبارات؟

ثمّ إنّ المتمسّكين بالحديث لمّا رأوا ضعف الحديث سنداً ودلالة، حاولوا تصحيح التمسّك بقولهم بأنّ خبر معاذ خبر مشهور ولو كان مرسلاً، لكنّ الاَُمّة تلقّته بالقبول. (3)

ولنا هاهنا وقفة قصيرة، وهي أنّ اشتهار الحديث نتيجة الاستدلال به


1. الرازي: المحصول: 2|255.
2. مسند أحمد بن حنبل:5|240؛ المسند الجامع: 15|230 برقم (11518ـ 41).
3. الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.

(235)

للقياس ولولا كونه مصدراً لمقالة أهل القياس لما نال تلك الشهرة.

يقول السيد المرتضى: أمّا تلقّي الاَُمّة له بالقبول، فغير معلوم، فقد بيّنا أنّ قبول الاَُمّة لاَمثال هذه الاَخبار كقبولهم لمسّ الذكر ، و ما جرى مجراه ممّا لا يُقطع به ولا يُعلم صحّته. (1)

إلى هنا تمّ مناقشة الحديث سنداً ودلالة، وتبيّن أنّ الحديث غير صالح للاحتجاج به .

الصور الاَُخرى للحديث

إنّ الحديث قد ورد بصور مختلفة وبينها تضادّ كبير في المضمون، وإليك هذه الصور:

الصورة الاَُولى: ما رواه ابن حزم قال: حدثنا حمام وأبو عمر الطلمنكي قال حمام: حدثنا أبو محمد الباجي، حدثنا عبد اللّه بن يونس، قال: حدثنا بقيّ (2) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة.

وقال الطلمنكي: حدثنا ابن مفرج، حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال: حدثنا محمد بن علي بن زيد، حدثنا سعيد بن منصور، ثمّ اتّفق ابن أبي شيبة وسعيد كلاهما عن أبي معاوية الضرير. حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي ـ أبو عون ـ قال: لمّا بعث رسول اللّه معاذاً إلى اليمن، قال: يا معاذ بم تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب اللّه، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه؟ قال: أقضي بما قضى به الصالحون. قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب اللّه ولم يقض به نبيّه ولا قضى به الصالحون؟ قال: أومَّ الحقّ جهدي.


1. الذريعة إلى أُصول الشريعة: 2|774.
2. هكذا في المصدر.

(236)

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : الحمد للّه الذي جعل رسول رسول اللّه يقضي بما يُرضى به رسول اللّه. (1)

ترى أنّمعاذاً يقدّم ما قضى به الصالحون على كلّ شيء، بعد الكتاب والسنّة، ولعلّ مراده هي الاَعراف السائدة بين المجتمعات التي تكون مرجعاً للقضاء كما أوضحنا حالها عند دراسة حجّية العرف والاَعراف.

كما أنّ مراده أومّ الحقّ هو التفكّر في الاَُصول والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.

أضف إلى ذلك أنّ الرواية مرسلة لاَنّ أبا عون لا يروي عن «معاذ» مباشرة لتأخر طبقته في الحديث عن «معاذ» بطبقتين.

الصورة الثانية: عن عبد الرحمن بن غنم، قال: حدثنا معاذ بن جبل، قال:

لمّا بعثني رسول اللّه إلى اليمن، قال: لا تقضينّولا تفصِلنّ إلاّبما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبيّنه أو تكتب إليَّ فيه. (2)

وهي: متّصلة السند ولكن المتن غير ما جاء في الحديث بل يغايره تماماً، وينفي مقالة حماة القياس.

الصورة الثالثة: وردت في الكتب الاَُصولية صورة ثالثة للرواية ولعلّها منقولة بالمعنى.

قال أبو الحسين البصريّ : روي عن النبيّ، أنّه قال لمعاذ وأبي موسى الاَشعري، وقد أنفذهما إلى اليمن، بم تقضيان؟

قالا: إن لم نجد الحكم في السنّة، قسنا الاَمر بالاَمر، فما كان أقرب إلى الحقّ


1. ابن حزم: الاِحكام: 5|208.
2. أخرجه ابن ماجه برقم 55.

(237)

عملنا به. (1)

كما نقله الرازي في المحصول، وقال: روي أنّه أنفذ معاذاً وأبا موسى الاَشعري إلى اليمن فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لهما: بما تقضيان، فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنّة نقيس الاَمر بالاَمر فما كان أقرب إلى الحقّ عملنا به.

فقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أصبتما. (2)

وتبعه الاَرموي في التحصيل من المحصول. (3)

والظاهر أنّ الحديث نقل بالمعنى حسب فهم الراوي ولم نعثر على هذا النصّ في الصحاح والمسانيد.

نعم أخرج أحمد عن أبي بردة عن أبي موسى أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فأمرهما أن يعلّما الناس القرآن. (4)

2. حديث عمر

عن جابر بن عبد اللّه، عن عمر بن الخطاب، قال: هششت فقبَّلتُ وأنا صائم، فقلت : يا رسول اللّه أتيت أمراً عظيماً قبّلتُ وأنا صائم، فقال: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟» فقلت: لا بأس بذلك ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«ففيم؟!». (5)

قال ابن القيم: ولولا أنّ حكمَ المثل حكمُ مثلِه وأنّ المعاني والعلل موَثّرة في


1. أبو الحسين البصري: المعتمد:2|222.
2. الفخر الرازي: المحصول: 2|254.
3. سراج الدين الاَرموي: التحصيل من المحصول: 2|163.
4. مسند أحمد بن حنبل: 4|397.
5. سنن أبي داود، كتاب الصوم رقم 2385؛ ومسند أحمد :1|21.

(238)

الاَحكام نفياً وإثباتاً لم يكن لذكر هذا التشبيه معنى، فذكره ليدلّ به على أنّ حكم النظير حكمُ مثله، وأنّ نسبة القبلة التي هي وسيلة للوطء كنسبة وضع الماء في الفم الذي هو وسيلة إلى شربه، فكما أنّ هذا الاَمر لا يضرّ، فكذلك الآخر. (1)

وقال السرخسي: هذا تعليم المقايسة، فإنّ بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة، كما أنّبإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب. (2)

أقول: إنّ القياس عبارة عن استفادة حكم الفرع عن حكم الاَصل بحيث يعتمد أحدهما على الآخر وليس المقام كذلك، بل كلاهما كغصني شجرة أو كجدولي نهر، فالمبطل هو الاَكل والجماع لا مقدّمتهما فبما أنّ المخاطب كان واقفاً على ذلك الحكم في الاَكل دون الجماع، أرشده النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى تشبيه القبلة بالمضمضة إقناعاً للمخاطب لا استنباطاً للحكم من الاَصل وليس الكلام في إقناع المخاطب، بل في استنباط الحكم وليست الرواية ظاهرة، في الاَمر الثاني الذي هو المقصود بالاستدلال بها.

أضف إلى ذلك ما ذكره ابن حزم حولها حيث قال:

لو لم يكن في إبطال القياس إلاّ هذا الحديث لكفى، لاَنّ عمر ظنّ أنّ القبلة تفطر الصائم قياساً على الجماع، فأخبره - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّ الاَشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها، وأنّالمضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمداً لاَفطر، وأنّ الجماع يفطر، والقبلة لا تفطر، وهذا هو إبطال القياس حقاً. (3)


1. ابن القيم: إعلام الموقعين: 1|199.
2. السرخسي: أُصول الفقه: 2|130.
3. الاِحكام: 7|409.

(239)

3. حديث ابن عباس

عن سليمان بن يسار عن عبد اللّه بن عباس، أنّ رجلاً سأل النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّ أبي أدركه الحجّ وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته فإن شددته خشيت أن يموت أفأحجّ عنه؟

قال: أفرأيت لو كان عليه دَين فقضيتَه أكان مجزئاً؟ قال: نعم.

قال: فحجّ عن أبيك.

ورواه نافع بن جبير وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو الشعثاء وعطاء عن ابن عباس بتعابير متقاربة، فالرواية واحدة لانتهاء أسنادها إلى ابن عباس والرواة عنه متعدّدون (1) ولكن الرواية في الكتب الاَُصولية منسوبة، إلى جارية خثعميّة. (2)

والرواية المنسوبة إليها ليست مشتملة على التشبيه، وإليك نصّها:

عن سليمان بن يسار عن عبد اللّه بن عباس أنّه قال:

كان الفضل بن عباس رديف رسول اللّهص فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر. قالت: يا رسول اللّه إنّ فريضة اللّه في الحجّ على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفاحجّ عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجّة الوداع. (3)

وعلى كلّ تقدير فقد اُستدلّ بهذه الرواية، يقول السرخسي: هذا تعليم


1. لاحظ في الوقوف على صور الروايات: المسند الجامع: 9|16ـ 19، كتاب الحج.
2. الغزالي: المنخول: 329، الرازي: المحصول: 2|262.
3. موطأ مالك: 236، ومسند أحمد: 1|361 برقم 1893، وصحيح البخاري: 2|163، وصحيح مسلم:4|101، وسنن النسائي: 5|117، و سنن أبي داود: برقم 1809.

(240)

المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي.

أقول: إنّ القياس الوارد في الحديث من باب القياس الاَولوي، وقد مرّ أنّه خارج عن محلّ النزاع، والشاهد عليه قوله: «أحقّ بالقضاء».

4. حديث الاَعرابي

عن أبي طاهر وحرملة بن يحيى قالا: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة:

إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - جاءه أعرابي فقال: يا رسول اللّه إنّامرأتي ولدت غلاماً أسود (وإنّي أنكرته)، فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «هل لك من إبل؟» قال: نعم، قال:«ما ألوانها؟»، قال: حمر، قال:«هل فيها من أورق؟» قال: نعم، قال: «فأنّى كان ذلك؟»، قال: أراه عرق نزعه، قال: «فلعلّ ابنك هذا عرق نزعه». (1)

يلاحظ عليه: أنّ الاَصل المقرّر في الشرع، هو أنّ الولد للفراش، ولم يكن للاَعرابي نفي الولد بحجّة عدم التوافق في اللون، وأراد النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يبطل حجّته بأنّ عدم التوافق لا يكون دليلاً على عدم الاِلحاق، وليس ذلك بعجيب، لاَنّه يوجد نظيره في الحيوانات فالاِبل الحمر ربّما تلد أورق بالرغم من حمرتها، وقد بيّن وجهه في الحديث.

على أنّ تجويز المقايسة في الاَُمور الطبيعية لا يصحّحها في الاَحكام الشرعية.

قال ابن حزم: وهذا من أقوى الحجج عليهم في إبطال القياس، وذلك لاَنّ الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علّة لنفيه عن نفسه، فأبطل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حكم الشبه، وأخبره أنّ الاِبل الورق قد تلدها الاِبل الحمر، فأبطل - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن


1. صحيح البخاري، كتاب الحدود: 8|173.

(241)

تتساوى المتشابهات في الحكم، ومن المحال الممتنع أن يكون من له مسكة عقل يقيس ولادات الناس على ولادات الاِبل، والقياس عندهم إنّما هو ردّ فرع إلى أصله وتشبيه ما لم ينصّ بمنصوص، وبالضرورة نعلم أنّه ليس الاِبل أولى الولادة من الناس، ولا الناس أولى من الاِبل وأنّ كلا النوعين في الاِيلاد، والاِلقاح سواء، فأين هاهنا مجال للقياس؟ وهل من قال: إن توالد الناس مقيس على توالد الاِبل، إلاّ بمنزلة من قال: إنّ صلاة المغرب إنّما وجبت فرضاً لاَنّها قيست على صلاة الظهر؟ وإنّ الزكاة إنّما وجبت قياساً على الصلاة.

وهذه حماقة لا تأتي بها إلاّ عضاريط أصحاب القياس، لا يرضون بها لاَنفسهم.

فكيف أن يضاف هذا إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - الذي آتاه اللّه الحكمة والعلم دون معلّم للناس، وجعل كلامه على لسانه ما أخوفنا أن يكون هذا استخفافاً بقدر النبوّة وكذباً عليه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - . (1)

هذه هي الاَحاديث التي تشبّثوا بها في إثبات القياس، وقد عرفت قصور الجميع في الدلالة، وقصور بعضها في السند ، وإليك دراسة بقية أدلّتهم.

* * *

3. الاستدلال بإجماع الصحابة

استدلّ الفخر الرازي على حجّية القياس بالاِجماع ودليله موَلَّف من مقدمات ثلاث:

المقدمة الاَُولى: إنّ بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس والقول به.


1. ابن حزم: الاِحكام: 7|413 ـ 414.

(242)

المقدمة الثانية: إنّه لم يوجد من أحدهم إنكار أصل القياس، فلاَنّ القياس أصل عظيم في الشرع نفياً أو إثباتاً فلو أنكر بعضهم لكان ذلك الاِنكار أولى بالنقل من اختلافهم، ولو نقل لاشتهر، ولوصل إلينا فلمّا لم يصل إلينا علمنا أنّه لم يوجد.

المقدمة الثالثة: إنّه لمّا قال بالقياس بعضهم ولم ينكره أحد منهم فقد انعقد الاِجماع على صحّته. (1)

يلاحظ عليه: أنّ المقدمة الثانية التي هي روح الاستدلال باطلة، وكأنّ الرازي غضّ النظر عن الاختلاف الحاصل بين الصحابة والتابعين في العمل بالقياس، وستوافيك نصوص المخالفين واستدلالهم على عدم صحّته، وقد اشتهر بين المحدّثين قول الاِمام عليّ - عليه السّلام - بأنّه لو كان الدين بالقياس لكان باطن الخُفّ أولى بالمسح من ظاهره.

وقد شاع بين التابعين نقد أدلّة القائلين بالقياس، بأنّ أوّل من قاس هو إبليس إذ قاس نفسه بآدم، وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين.

وربّما يتمسّك بأنّ الصحابة كانوا يفتون بالرأي وقد شاع بينهم «هذا رأي فلان» في الكلالة، أو بيع أُمّهات الاَولاد» و ليس الرأي إلاّ الاِفتاء بالقياس.

يلاحظ عليه أمران:

الاَوّل: لا شكّ أنّ بعض الصحابة كانوا يفتون بالرأي، ولكن لم يكن الرأي مساوقاً للعمل بالقياس بل لعلّهم اعتمدوا فيها على ضرب من الاستدلال والتأمّل، ولو كان ديدنهم في الاِفتاء في غير ما نصّ عليه على القياس، لبان وارتفع الخلاف. ويتّضح ذلك ممّا يذكره الشيخ المظفّر في المقام قائلاً:


1. الرازي: المحصول:2|262ـ 269.وقد صرح في ص292 : انّ مذهب أهل البيت انكار القياس.

(243)

ويجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا بل حتى فيما خالف النصّ تصرّفاً في الشريعة باجتهاداتهم، والاِنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم، ولكن لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة ولم يعرف عنهم، على أيّ كانت اجتهاداتهم، أكانت تأويلاً للنصوص، أم جهلاً بها، أم استهانة بها؟ ربّما كان بعض هذا أو كلّه من بعضهم، وفي الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه في القرن الثاني والثالث. (1)

إنّ هنا اجتهادات من الصحابة لا يصحّ حملها على القياس.
1. تحريم المتعتين: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا محرّمهما ومعاقب عليهما.
2. جعل الطلاق الثلاث، ثلاثاً مع أنّه كان في عصر الرسول وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافته، واحدة.
3. قطع سهم الموَلّفة قلوبهم.
4. إلغاء الحيعلة وهو قول «حيّ على خير العمل» من الاَذان. (2)

وغيرها .

وليس الاجتهاد فيها مبنيّاً على القياس بل الاستحسان المطلق.

وقد ذكر الغزالي مواضع من اجتهادات الصحابة وحاول تطبيقها على القياس بجهد بالغ غير ناجح، لاَنّ أكثرها بعيد عن القياس.

الثاني: لم يكن هناك إجماع من الصحابة على العمل بالقياس، ولو كان


1. المظفر: أُصول الفقه: 2|172.
2. لاحظ للوقوف على تفصيل هذه الاَُمور: كتاب «النص والاجتهاد» للسيد شرف الدين، وكتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة» للموَلّف، وغيرهما.

(244)

هناك شيء فإنّما هو كقضية جزئية لا تكون سنداً للقاعدة. على أنَّ قول الصحابي ليس بحجّة ما لم يعلم استناده إلى الرسول، فكيف يكون فعله حجّة؟ و ستوافيك نصوص من الصحابة والتابعين على نفي القياس.

قال ابن حزم:«أين وجدتم هذا الاِجماع؟ وقد علمتم أنّ الصحابة أُلوف لا تحفظ الفتيا عنهم في أشخاص المسائل إلاّ عن مائة ونيّف وثلاثين نفراً منهم سبعة مكثرون، وثلاثة عشر نفساً متوسطون، والباقون مقلّون جدّاً تروى عنهم المسألة والمسألتان حاشا المسائل التي تيقن إجماعهم عليها، كالصلوات و صوم رمضان فأين الاِجماع على القول؟ (1)

* * *

4. الاستدلال بدليل العقل

استدلّ على حجّية القياس بوجوه:
1. إنّه سبحانه ما شرع حكماً إلاّ لمصلحة، وأنّ مصالح العباد هي الغاية المقصودة من وراء تشريع الاَحكام، فإذا تساوت الواقعة المسكوتُ عنها، بالواقعة المنصوص عليها، في علّة الحكم التي هي مظنّة المصلحة، قضت الحكمة والعدالة أن تساويها في الحكم تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع، ولا يتّفق وعدل اللّه وحكمته أن يحرّم الخمر لاِسكارها محافظة على عقول عباده ويبيح نبيذاً آخر فيه خاصّية الخمر وهي الاِسكار، لاَنّ مآلها المحافظة على العقول من مسكر وتركها عرضة للذهاب بمسكر آخر. (2)

ولا يخفى ما في كلامه من المغالطة، فإنّ الكبرى وهي أنّ أحكام الشرع


1. إبطال القياس:19.
2. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 34 ـ 35.

(245)

تابعة للمصالح والمفاسد أمر مسلّم، إنّما الكلام في الوقوف على مناط الحكم وعلّته، وأمّا ما مثّله من قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لاَنّا نعلم علماً قطعياً واضحاً بأنّ مناط التحريم هو الاِسكار، ولاَجل ذلك جاءت في روايات أئمّة أهل البيت: حرّم اللّه عزّ وجلّ الخمر بعينها وحرّم رسول اللّه المسكر من كلّ شارب فأجاز اللّه له ذلك (1) وإنّما الكلام في أنّ الظنّ بالعلّة هل يغني عن مُرّ الحق شيئاً؟ وهل المظنون كونه علّة يكون علّة حقيقة أو أنّهناك احتمالات أُخرى قد مضى بيانها عند بيان استنباط العلّة؟
2. إنّ نصوص القرآن والسنّة محدودة ومتناهية، ووقائع الناس وأقضيتهم غير محدود ولا متناهية، فلا يمكن أن تكون النصوص المتناهية وحدها مصادر تشريعية لما لا يتناهى.

وبعبارة أُخرى القياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة، ويكشف حكم الشريعة فيما يقع من الحوادث ويوفّق بين التشريع والمصالح. (2)

ولنا وقفة قصيرة مع هذا الدليل:

أوّلاً: أنّ عدم إيفاء النصوص عند أهل السنّة بالاِجابة على جميع الاَسئلة المتكثّرة، لا يكون دليلاً على حجّية القياس، فربّما تكون الحجّة غيره، إذ غاية ما في الباب أنّ عدم الوفاء يكون دليلاً على أنّ الشارع قد أحلّ العقدة بطريق ما، وأمّا أنّ هذا الطريق هو القياس، فلا يكون دليلاً عليه.

وثانياً: أنّ المستدلّ اتّخذ المدّعى دليلاً وقال: والقياس هو المصدر التشريعي الذي يساير الوقايع المتجدّدة، مع أنّ الكلام في أنّ القياس هل هو


1. الكافي: 1|266.
2. مصادر التشريع الاِسلامي: 35، وانظر: المنخول من تعليقات الاَُصول: 359 و 327.

(246)

مصدر تشريعيّ حتى نأخذ به في مسايرته مع الوقائع المتجدّدة أو لا ؟ ومجرد كونه يساير الاَحداث لا يكون دليلاً على كونه حجّة.
3. القياس يفيد الظنّ بالحكم وهو يلازم الظنّ بالضرر فيجب دفعه.

قال الرازي: إنّ من ظنّ أنّ الحكم في الاَصل معلّل بكذا وعلم أو ظنّ حصول ذلك الوصف في الفرع، وجب أن يحصل له الظنّ بأنّ حكم الفرع مثل حكم الاَصل ومعه علم يقيني بأنّ مخالفة حكم اللّه تعالى سبب العقاب فتولد من ذلك الظن، وهذا العلم، ترك العمل به سبب للعقاب فثبت أنّ القياس يفيد ظن الضرر. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الرازي خلط بين القاعدتين العقليتين المحكمتين:
1. قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
2. وجوب دفع الضرر المظنون بل المحتمل.

أمّا القاعدة الاَُولى فهي قاعدة محكمة دلّ العقل والنقل على صحّتها أمّا العقل فواضح سواء أقلنا بالتحسين والتقبيح العقليين أم لم نقل فانّ استقلال العقل بالقبح في خصوص المقام شيء لا ينكر و أمّا النقل فيكفي قوله سبحانه:"وَما كُنّا مُعذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً" (2)

فإذا لم يرد في واقعة دليل شرعي على الحرمة أو الوجوب يستقل العقل بقبح عقاب المكلّف إذا ارتكب حتى ولو ظن بأحد الحكمين وذلك إمّا لاَنَّه لا يكون هناك ظنّ بالضرر أو يكون ظنّ به لكن لا يكون مثله واجب الاجتناب.

توضيحه: أنّه لو أُريد من الضرر ، الضرر الاَُخروي فهو مقطوع الانتفاء


1. الرازي: المحصول:2|288.
2. الاِسراء: 15.

(247)

بحكم تقبيح العقل مثل ذلك العقاب وتأييد الشرع ففي مثل ذلك المورد لا يكون الظن بالحرمة أو الوجوب، ملازماً للظن بالضرر أبداً لعدم تمامية الحجّة على المكلّف.

ولو أُريد من الضرر، الضرر الدنيوي فهو وإن كان ملازماً للظنِّ بالحكم غالباً نظراً إلى تبعية الاَحكام للمصالح والمفاسد، لكنّه ليس بواجب الدفع إلاّ إذا كان ضرراً عظيماً لا يتحمل ففي مثله يستقل العقل بدفعه.

وحصيلة الكلام: انّ القياس لما لم تثبت حجّيته فالظن بالحكم لاَجله، لا يلازم الظن بالضرر الاَُخرويّ أبداً وأمّا الضرر الدنيوي فهو وإن كان يلازمه لكنّه غير واجب الدفع غالباً إلاّ ما ذكرناه.

فخرجنا بتلك النتيجة: انّ الظن الحاصل بالحكم لاَجل القياس الذي لم تثبت حجّيته لا يكون ملازماً للظن بالعقوبة ولا يكون داخلاً في قاعدة «لزوم دفع الضرر المظنون».

وأمّا القاعدة الثانية التي زعم الرازي انّ المقام من مصاديقها وجزئياتها فموردها ما إذا قام الدليل على الحكم الكلي، وعلى وجود الموضوع له، فعندئذٍ يجب دفع الضرر بصوره الثلاث:

ألف. تارة يكون الضرر (العقاب) مقطوعاً كما إذا علم بأنّ الخمر حرام وانّ هذا المائع خمر.

ب. وأُخرى يكون الضرر مظنوناً، كما إذا علم بأنّ الخمر حرام و علم أنّ أحد الاناءين خمر، فشرب أحدهما ـ لا كليهما ـ مظنة للضرر الاَُخروي.

ج. وثالثة يكون الضرر (العقاب) مشكوكاً، كما إذا تردد الخمر بين أوان عشرة فشرب أحدها، محتمل للضرر.

فالضرر الاَخروي بتمام صوره واجب الدفع للعلم بالكبرى، أعني: الحكم


(248)

الكلي، والعلم بالموضوع معيناً أو مردداً بين إناءين أو أواني كثيرة.

فاللازم على الفقيه تنقيح مصاديق القاعدتين حتى لا يخلط مواردهما، كما خلط الرازي.

القياس في كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام):

1. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن أبيه - عليه السّلام - انّعلياً - عليه السّلام - قال: «من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، و من دان اللّه بالرأي لم يزل دهره في ارتماس».
2. كتب الاِمام الصادق - عليه السّلام - في رسالة إلى أصحابه أمرهم بالنظر فيها وتعاهدها والعمل بها، وقد جاء فيها: «لم يكن لاَحد بعد محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقاييسه، ثمّ قال: واتبعوا آثار رسول اللّه وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلوا».
3. روى سماعة بن مهران عن أبي الحسن - عليه السّلام - : «ما لكم و للقياس، إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس».
4. دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه - عليه السّلام - ، فقال له: «يا أبا حنيفة بلغني انّك تقيس؟» قال: نعم، قال: «لا تقس فإنّ أوّل من قاس إبليس».
5. عن أبي بصير قال: قلت لاَبي عبد اللّه - عليه السّلام - : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب اللّه ولا سنته فننظر فيها؟ فقال: «لا، أما إنّك إن أصبت لم توَجر، وإن أخطأت كذبت على اللّه».
6. عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت لاَبي الحسن الاَوّل - عليه السّلام - : بما أوحّد اللّه؟ فقال: «يا يونس لا تكونن مبتدعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيّه ضل، ومن ترك كتاب اللّه وقول نبيّه كفر».


(249)

7. عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: «من شك أو ظنّ فأقام على أحدهما فقط حبط عمله، انّ حجّة اللّه هي الحجّة الواضحة».
8. عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «انّ السنّة لا تقاس، ألا ترى انّ المرأة تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنة إذا قيست محق الدين».
9. عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى - عليه السّلام - عن القياس، فقال: «وما لكم وللقياس، إنّ اللّه لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم».
10. عن أبي شيبة الخراساني، قال: سمعت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - يقول: «إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلاّ بعداً، وإنّ دين اللّه لا يصاب بالمقاييس».
11. عن محمد بن مسلم قال: كنت عند أبي عبد اللّه - عليه السّلام - بمنى إذ أقبل أبو حنيفة على حمار له فلما جلس قال: إنّي أُريد أن اقايسك، فقال أبو عبد اللّه - عليه السّلام - : «ليس في دين اللّه قياس».
12. عن زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي - عليه السّلام - : «يا زرارة إيّاك وأصحاب القياس في الدين، فانّهم تركوا علم ما وكلوا به وتكلفوا ما قد كفوه، يتأولون الاَخبار، ويكذبون على اللّه عزّ وجلّ، وكأنّي بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيروا في الاَرض والدين».
13. عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال: «لعن اللّه أصحاب القياس، فإنّهم غيّـروا كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - اتّهموا الصادقين في دين اللّه». (1)


1. راجع الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.

(250)

القياس في كلمات الصحابة والتابعين

إنّ لفيفاً من الصحابة والتابعين ممن يوَخذ عنهم العلم قد خالفوا القياس بحماس وندّدوا به، وإليك نزراًمن كلماتهم ليعلم أنّ القياس لم يكن أمراً متفقاً عليه بين أوساط الصحابة والتابعين:
1. عن أبي الشعثاء عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذّراً، فبعث اللّه نبيّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأنزل كتابه وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهوحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.
2. عن الشعبي عن مسروق عن عبد اللّه بن مسعود انّه قال: ليس عام إلاّ والذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهب خياركم وعلماوَكم، ثمّ يحدث قوم يقيسون الاَُمور برأيهم فينهدم الاِسلام و ينثلم.
3. عن جابر بن زيد، قال: لقيني ابن عمر قال: يا جابر إنّك من فقهاء البصرة وستستفتى، فلا تفتينَّ إلاّبكتاب ناطق أو سنّة ماضية.
4. عن زيد بن عميرة عن معاذ بن جبل، قال: تكون فتن يكثر فيها الملل ويفتح فيها القرآن حتى يقروَه الرجل والمرأة والصغير والكبير والموَمن والمنافق، فيقروَه الرجل فلا يتبع، فيقول :واللّه لاَقرأنّه علانية، فيقروَه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجداً ويبتدع كلاماً ليس من كتاب اللّه ولا من سنة رسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فإيّاكم وإياه، فإنّها بدعة ضلالة، قالها ثلاث مرات.

هذا وقد ذكر ابن حزم أحاديث أُخرى على لسان الصحابة في ذم القياس أعرضنا عنها خوفاً من الاِطالة، ونقتصر على سرد أسمائهم.


(251)

أبو هريرة، سمرة بن جندب، عبد اللّه بن أبي أوفى، ومعاوية. (1)

وكذلك صرح أئمة التابعين على ذم القياس واستنكاره والنهي عنه.
1. عن داود بن أبي هند قال: سمعت محمد بن سيرين، يقول: القياس شوَم وأوّل من قاس إبليس فهلك، وإنّما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس.
2. قال ابن وهب: أخبرني مسلم بن علي انّ شريحاً القاضي قال: إنّ السنة سبقت قياسكم.
3. عن المغيرة بن مقسم عن الشعبي، قال: السنّة لم توضع بالقياس.
4. وعن عامر الشعبي أيضاً: إنّما هلكتم حيث تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.
5. عن جابر عن الشعبي عن مسروق قال: لا أقيس شيئاً بشيء قيل: لمَ ؟ قال: أخشى أن تزل رجلي.

وكان يقول إيّاكم والقياس والرأي، فانّ الرأي قد يزل.

إلى غير ذلك من الروايات التي يطول بذكرها الكلام، ونكتفي هنا بسرد أسماء التابعين الذين نالوا من القياس:

إياس بن معاوية، مالك بن أنس، وكيع بن الجراح، حماد بن أبي حنيفة، ابن شبرمة، مطر الوراق، عطاء بن أبي رباح، أبو سلمة بن عبد الرحمن. (2)

وبعد نقل هذه الطائفة الكبيرة من الاَحاديث من قبل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)


1. أُنظر الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم:6|508، 511؛ اعلام الموقعين عن ربّ العالمين لابن قيم الجوزية:1|240ـ242، طبعة دار الكتاب العربي.
2. أُنظر الاحكام في أُصول الاحكام لابن حزم: 6|511 ـ 514؛ اعلام الموقعين لابن قيم الجوزية: 1|243ـ 246؛ العدّة للشيخ الطوسي: 2|688ـ 690.

(252)

والصحابة والتابعين كيف يُدعى انّ الاِجماع قام على صحّة القياس ولم يخالفه أحد، بل انّ الاِجماع قام على نفي القياس.

وهذا يدل على أنّ هذا العنصر قد دخل حيّز التشريع الاِسلامي بموافقة بعض ومخالفة البعض الآخر له، وانّادّعاء الاِجماع في مثل هذه المسألة أمر لا يليق بمن تتبع كلمات الفقهاء في هذا الصدد، وقد نقل ابن القيم كلمات الموافقين كما نقل كلمات المخالفين للقياس، وإن كان في كثير من المباحث عيالاً على كتاب الاِحكام لابن حزم الاَندلسيّ.


(253)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
2
الاستحسان

الاستحسان من مصادر التشريع لدى المالكيّة، وقد روي عن الاِمام مالك أنّه قال: «الاستحسان تسعة أعشار العلم» خلافاً للشافعي حيث رفضه وقال: «من استحسن فقد شرّع» وربما يُفصّل بين الاستحسان المبنيّ على الدليل، والاستحسان المبنيّ على الهوى والرأي، ومع كونه أصلاً معتبراً لدى المالكيّة وغيرهم، فلم يُعرَّف بوجه يكون مثل القياس، واضحَ المعالم، فإنّ الاستحسان ضد الاستقباح، وتعالى التشريع الاِسلامي أن يكون تابعاً لاستحسان إنسان أو استقباحه من دون أن يكون له رصيد من الشرع والعقل، ولا يصحّ الاِفتاء إلاّ بما دلّالدليل القطعي على حجّيته، والاستحسان بما هوهو، ليس علماً ولم يدل دليل قطعي على حجّيته، كلّ ذلك يبعثنا إلى تحقيق مراد القائلين من كونه دليلاً فقهياً كسائر الاَدلّة، واللازم هو الاِمعان في موارد استعماله.

أقول: مع ما عُرّف الاستحسان بتعاريف كثيرة، لكنّه يُطلق ويراد منه أحد المعاني الخمسة:

الاَوّل: العمل بالرأي والظن

قد يطلق الاستحسان ويراد منه العمل بالرأي فيما جعله الشارع موكولاً إلى


(254)

آرائنا، ويظهر هذا من السرخسيّ في أُصول فقهه، كما في مورد تمتيع المطلقة غير المدخول بها قال سبحانه: "لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَة وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى الْمُقْتر قَدَرُهُ مَتاعاً بِالمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنين" (1) ونظيره قوله سبحانه في مورد رزق الوالدات وكسوتهنّ، قال سبحانه: "وَعَلى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (2) فقد ترك الشارع تعيين كيفية التمتيع وتقدير المعروف بحسب اليسر والعسر إلى آرائنا. (3) وهو يختلف حسب اختلاف الاَزمنة والاَمكنة.

والاستحسان بهذا المعنى، عمل بالظن في موضوع من الموضوعات، كالعمل به في سائر الموارد الذي جعل الظن فيه حجّة، فلو قام دليل على حجّية مثل هذا الظن يُتمسك به ويقتصر على مورده سواء استحسنه المجتهد أم لا، وإلاّ فلا. وتسمية مثل هذا استحساناً أمر مورث للاشتباه.

الثاني: العدول عن قياس إلى قياس أقوى منه

وقد يطلق ويراد منه العدول عن مقتضى قياس ظاهر إلى مقتضى قياس أقوى منه، وهذا هو الذي نقله أبو الحسين البصري عن بعضهم، فقال: العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه. (4)


1. البقرة:236.
2. البقرة:233.
3. السرخسي: أُصول الفقه: 2|200.
4.المعتمد:2|296.

(255)

الثالث: العدول عن مقتضى قياس جلي إلى قياس خفي

يطلق الاستحسان ويراد منه، هو العدول عن مقتضى القياس الجلي إلى قياس خفي (1) وهذا هو الذي يظهر من الاَُصولي المعاصر الدكتور «وهبة الزحيلي» وغيره و الفرق بين التعريفين ـ بعد اشتراكهما في أنّالمعدول عنه و المعدول إليه، قيـاس ـ هـو انّ المعـدول إليه على التعريف الثاني، هو القياس الاَقوى الاَعم من أن يكون جلياً أو خفياً، بخلاف التعريف الثالث فإنّ المعدول إليه قياس خفيّ.

الرابع: العدول عن مقتضى القياس بدليل

قد يطلق ويراد منه هو العدول عن مقتضى القياس بدليل شرعي سواء أكان المعدول إليه قياساً أم غيره نعم يشترط في المعدول عنه كونه قياساً.

وهذا هو الذي يظهر أيضاً من السرخسي في أُصول فقهه قال:«هو الدليل يكون معارضاً للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الاَوهام قبل إنعام التأمل فيه، وبعد إنعام التأمل في حكم الحادث وأشباهه من الاَُصول يظهر انّ الدليل الذي عارضه، فوقه في القوة وانّ العمل به هو الواجب. (2)

وظاهر هذا التعريف كما عرفت انّ العدول عن القياس بدليل شرعي هو الاستحسان، وعلى ضوء هذا يختص الاستحسان بصورة العدول عن مقتضى القياس فحسب لا مطلق الدليل، فيشترط في المعدول عنه أن يكون قياساً دون المعدول إليه، لاِمكان أن يكون قياساً أو دليلاً غير القياس.

وهذا هو الظاهر من الكرخي أيضاً حيث عرفه بقوله: إثبات الحكم في


1. الوجيز في أُصول الفقه:86.
2. السرخسي: أُصول الفقه: 2|200.

(256)

صورة من الصور على خلاف القياس من نظائرها مع انّ القياس يقتضي إثباته، بدليل خاص لا يوجد في غيرها. (1)

ولنذكر مثالين للعدول من قياس إلى قياس آخر من دون التزام بكون الثاني قياساً أقوى أو قياساً خفيّاً:
1. إذا ضاع شيء تحت يد الصانع، فمقتضى القياس هو عدم ضمانه إذا ضاع أو تلف لديه من غير تقصير منه قياساً على يد المودع، ولكن روى عن الاِمام علي بن أبي طالب - عليه السّلام - والقاضي أبي أُمية شريح بن الحارث الكندي بأنّهما يضمّنان الصنّاع، وما هذا إلاّ لاَنّ عدم تضمينهم ربما ينتهي إلى إهمالهم في حفظ أموال الناس. (2)

وروي أنّ الاِمام الشافعي يذكر انّه قد ذهب شريح إلى تضمين القصّار فضمّن قصّاراً احترق بيته، فقال: تضمّنني وقد احترق بيتي، فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك. (3)

وعلى ضوء هذا المثال ربما يفسر الاستحسان: بترك القياس والاَخذ بما هو أرفق للناس.

أقول: المثال قابل للنقاش.

أوّلاً: ليس المورد من موارد القياس، لاَنّ قياس الاَجير، بالودعي قياس مع الفارق، فإنّ الاَوّل يأخذ المال لصالحه بغية أخذ الاَُجرة لعمله، وهذا بخلاف الودعي فانّه يأخذ المال لصالح صاحب المال، فقياس الاَوّل بالثاني مع هذا الفارق، قياس مع الفارق.


1. أبو الفتح البغدادي: الوصول إلى الاَُصول:2|321؛ الغزالي: المنخول:375، حيث قال: الصحيح في ضبط الاستحسان ما ذكره الكرخي.
2. البيهقي: السنن الكبرى:3|122.
3. البيهقي: السنن الكبرى:3|122.

(257)

ثانياً: إذا كان المورد غير صالح لاعمال القياس ـ لفقدان بعض شرائطه ـ فيكون المرجع، الاَصلَ الاَوّلي في الاَموال، وليس هو إلاّالاحترام والضمان حتى يثبت خلافه لا الاستحسان «أعني كون الضمان أرفق للناس، أو لئلا ينتهي إلى الاهمال في أموال الناس». فإذا أتلفه الاَجير أو تلف عنده فمقتضى قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «على اليد ما أخذت حتى توَدّي» هو الضمان ما لم يدل دليل على خلافه كما دلّ في مورد الودعي حيث ليس لصاحب المال تغريم الودعي، نعم لصاحب المال إحلافه على أنّالتلف لم يكن عن تعدٍ أو تفريطٍ، ولذلك قالوا«ليس على الاَمين إلاّ اليمين».
2. إذا وقف أرضاً زراعية فهل يدخل فيه حقوق الري و المرور؟ قولان:

أ. لا يدخل حقوق الريّ و المرور في الوقف قياساً على البيع، فإنّ البيع، والوقف يشتركان في خروج المبيع عن ملك الواقف و البائع، فلا يدخل في بيع الاَرض الزراعية حقوق ريّها وصرفها والمرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو العدول عن مقتضى القياس الظاهري .

ب. يدخل حقوق الري والمرور قياساً على الاِجارة بجامع انّ المقصود من كلّ منهما الانتفاع بريع العين لا تملُّك رقبتها، وفي إجارة الاَرض الزراعية تدخل حقوق ريّـها وصرفها و المرور إليها بدون ذكرها، فكذلك في وقفها، وهذا هو العدول عن مقتضى القياس الظاهري إلى مقتضى القياس الخفي وسموه بالاستحسان. (1)

أقول: إنّ دخول حقّ الري و المرور أو عدمه لا يبتني على قياس الوقف بالبيع أو الاِجارة، بل هما مبنيان على وجود الملازمة العرفية بين وقف الشيء ودخول حقوق ريها والمرور إليها فيه أو عدمها ،فلو قلنا بالملازمة العرفية بين


1. عبد الوهاب خلاّف: مصادر التشريع الاِسلامي: 72.

(258)

إخراج الشيء عن ملكه وإخراج ما يتوقف الانتفاع به عليه (كحقوق ريّها وصرفها والمرور إليها على نحو إذا بيعت الاَرض الزراعية أو أوجرت أو أُوقفت يفهم منه نقل توابعها ممّا يتوقف الانتفاع بها عليها) فيدخل إلاّ أن ينصَّ على خلافه، ولو قلنا بعدم الملازمة وانّه لا يفهم من نقل الاَصل، نقل التوابع، فلا يدخل واحد، فعلى الاَوّل يكونُ الدخول هو مقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه بخلاف الثاني، فإنّه يكون عدم الدخول هو المطابق لمقتضى القاعدة حتى يثبت خلافه.

ونظير المقام توابع المبيع من اللجام والسرج ومفتاح الباب وغيرها، وبذلك تعرف انّه لا دور للقياس في حلّالمسألتين خروجاً وعدمه، وإنّما يجب على الفقيه أن يركز على الملازمة العرفية بين النقلين وعدمها.

الخامس: العدول عن مقتضى الدليل إلى ما يستحسنه المجتهد

قد يطلق الاستحسان ويراد منه العدول عن مقتضى الدليل باستحسان المجتهد.

وهذا التعريف هو الظاهر من أكثر الاَُصوليين.

قال أبو الحسين البصري:الاستحسان هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الاَلفاظ لوجه أقوى منه، وهو في حكم الطارىَ على الاَوّل. (1)

وهذا هو الظاهر أيضاً من عبد الوهاب خلاّف حيث قال: الاستحسان في اصطلاح الاَُصوليين القائلين به هو العدول عن حكم اقتضاه دليل شرعي في واقعة إلى حكم آخر فيها لدليل شرعي اقتضى هذا العدول وهذا الدليل الشرعي المقتضي للعدول هو سند الاستحسان. (2)


1. المعتمد في أُصول الفقه:2|296.
2. عبد الوهاب خلاّف: مصادر التشريع الاِسلامي: 71.

(259)

وعلى هذا فلا يشترط في المعدول عنه كونه قياساً، كما لا يشترط في المعدول إليه كونه مثله بل يتلخص الاستحسان في العدول عن مضمون دليل إلى دليل آخر أقوى منه سواء أكان المعدول عنه قياساً أم لا أو أكان المعدول إليه قياساً أقوى أم لا.

ولنذكرمثالين:

أ. انّ مقتضى قوله سبحانه: "وَالسّارِقُ وَالسّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما" (1) هو قطع يد السارق دون فرق بين عام الرخاء و المجاعة، ولكن نقل عن عمر عدم العمل به في عام المجاعة.

ب. يقول سبحانه:"وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرضاعَة " (2) وقد نقل عن الاِمام مالك إخراج الاَُم الرفيعة المنزلة التي ليست من شأن مثلها أن ترضع ولدها، وعلى هذا ينطبق تعريف الجرجاني: الاستحسان ترك القياس والاَخذ بما هو أرفق للناس. (3)

أقول: لا وجه للعدول عن إطلاق الآية الشامل لعام المجاعة والاَُم الرفيعة المنزلة وغيرهما إلاّبدليل، ويمكن أن يكون الدليل انصراف الآية عن الصورتين، والانصراف يحدّد دلالة الدليل ويُتّبع الدليل في غير مورد الانصراف.

ولكن الذي يوَاخذ على هذا الاستعمال هو انّ تسمية الانصراف وأشباهه ممّا يوجب العدول عن الدليل الاَوّل بالاستحسان أمر غير صحيح.

وبعبارة أُخرى: إذا كان هنا دليل على العدول، وكان المورد يتمتع برصيد خاص، فما هو الوجه لاستعمال كلمة الاستحسان المريب، إذ من الواضح انّ استحسان شخص واستقباحه ما لم يعتمد على دليل، لا يعدّان من مصادر التشريع؟


1. المائدة:38.
2. البقرة:233.
3.التعريفات: 13.

(260)

وهنا نقطة جديرة بالاِشارة وهي انّ الاختلاف في تعريف الاستحسان الذي جعل من مصادر الفقه إلى هذا المستوى يعرب على انّه لم يمتلك مفهوماً واضحاً حتى عرّف بتعاريف مختلفة.

إنّ الاختلاف في حجّية الاستحسان ناتج عن عدم دراسة مصادر التشريع حسب مراتبها، فإنّ تقديم دليل على دليل آخر سواء كانا قياسين أو غيرهما فرع وجود الملاك للتقديم حتى تقدم إحدى الحجّتين على الاَُخرى بملاك وليس استحسان المجتهد منه أبداً، وعلى القائلين بالاستحسان بالوجوه الاَربعة الاَخيرة أن يدرسوا ملاك تقدم الاَدلة بعضها على بعض .

مثلاً انّالخاص يقدم على العام، والمقيّد على المطلق، والنص على الظاهر المخالف، وأحكام كل عنوان ثانوي كالضرر والحرج على أحكام كل عنوان أوّلي وغير ذلك فتقديم أيّ دليل على آخر يجب أن يكون داخلاً تحت أحد هذه الملاكات وأمثالها ممّا قرّر في مبحث تعارض الاَدلّة وترجيحها، لا تحت عنوان الاستحسان، وعلى هذا لو فسروا الاستحسان بمعنى تقدم أحد الدليلين على الدليل الآخر بملاك موجب له، لاتفقت الشيعة أيضاً معهم.

وممّا يرشد إلى ذلك انّ الاَُستاذ «أبو زهرة» يعرف القياس ويقسمه إلى قسمين: أحدهما: استحسان القياس، والآخر: استحسان سبب معارضة القياس، ويمثل للقسم الاَوّل بقوله: أن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر وهو القياس الاصطلاحي، والثاني خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر فتسمى هنا استحساناً، مثل انّ المرأة عورة من قمة رأسها إلى قدميها، ثمّ أبيح النظر إلى بعض المواضع للحاجة، كروَية الطبيب، فأعملت علة التيسير هنا في هذا الموضع. (1)


1. أبو زهرة، أُصول الفقه: 247ـ 249.

(261)

إنّ الاَُستاذ و إن أصاب في تقديم الدليل الثاني على الاَوّل ولكنّه لم يذكر وجهه، فانّ المقام داخل تحت العنوانات الثانوية فتقدم على أحكام العنوانات الاَوّلية فقوله سبحانه: "وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج" (1)يدلّ على أنّ كلّ حكم حرجي مرفوع في الاِسلام وغير مشرّع فلو افترضنا انّ بدن المرأة عورة كله يجب عليها ستره، لكن هذا الحكم يختص بغير حالة الضرورة، وذلك لتقدم أحكام العنوانات الثانوية كالضرورة والاضطرار على العنوانات الاَوّلية، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه» دليل على إباحة الروَية، فأي صلة لهذه المسألة بالاستحسان، وما هذا إلاّ لاَنّ القوم لم يقيّموا مصادر التشريع حسب مراتبها فأسموا مثل ذلك بالاستحسان.

وفي الختام نذكر بعض ما استدل به على حجّية الاستحسان.

الاَوّل: قوله سبحانه:"الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِينَ هداهُمُ اللّهَ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الاََلْباب" . (2)

الثاني: قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن. (3)

يلاحظ على الاَوّل: أنّه لا نزاع في الكبرى وانّعباد اللّه هم الذين يستمعون القول فيتّبعون ما هو الاَحسن، ولكن الكلام في أنّ الاِفتاء بشيء ممّا لم يقم عليه دليل سوى استحسان المجتهد، هل هو اتّباع للاَحسن أو اتباع للهوى؟

وبعبارة أُخرى القرآن يدعو إلى اقتفاء القول الاَحسن وهو الذي أدعمه العقل الصريح والشرع المبين، وأين هذا من الاِفتاء بشيء بمجرّد استحسان ذهن


1. الحج: 78.
2. الزمر: 18.
3. أبو الوليد الباجي: احكام الفصول في احكام الاَُصول: 688ـ 689؛ ابن حزم: الاِحكام: 6|192ـ 196.

(262)

المجتهد ورأيه من دون أن يقوم عليه دليل قطعي من عقل أو شرع؟! نعم إذا كان الاِفتاء مستنداً إلى دليل شرعي فهو حجّة قطعية ولا حاجة في جواز الاِفتاء إلى الاستدلال بالآية، بل يكفي دليل حجّيتها.

ومنه يظهر انّ الحديث لا صلة له بالمقام، فإنّ المراد ما رآه المسلمون حسناً أي ما اتّفقت عليه عقولهم لا رأي واحد منهم.

بقي هنا أمر:

ربما يُمثّل للاستحسان بالموارد التالية ويدعى انّ النبي الاَعظم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أفتى فيها به دون الوحي وانّه كان يجتهد كسائر الناس:

أ. نهى رسول اللّه عن بيع المعدوم، ورخّص في السلم.

ب. نهى رسول اللّه عن بيع الرطب باليابس، ورخّص في العرايا.

ج. نهى رسول اللّه عن أن يخضد شجر مكة وأن يختلى خلاها ورخص في الاِذخر.

يلاحظ على المثال الاَوّل: أنّه لم يرد على لسان الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قوله:«نهى رسول اللّه عن بيع المعدوم» وإنّما الوارد قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا بيع ما ليس عندك» (1) وهو ناظر إلى بيع المبيع الشخصي الذي هو تحت يد الغير، فما لم يتملّكه البايع لا حق له في بيعه، لعدم جواز بيع ما لا يملك، وأين هو من بيع السلم الذي هو بيع شيء في الذمة، فلم يكن ما صدر عن الرسول بنحو الضابطة شاملاً لبيع السلم حتى يكون الثاني استثناء من الاَوّل ومبنيّاً على الاجتهاد والاستحسان.

ومنه يظهر حال المثال الثاني أعني: «نهى رسول اللّه عن بيع الرطب


1. لاحظ بلوغ المرام:162، الحديث 820.

(263)

باليابس».

فانّ نهي رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّما كان منصبّاً على المجنيّ من الثمرة، فنهى عن بيع الرطب باليابس، لئلا يلزم الربا، وإليك نصّالحديث:

عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يسأل عن اشتراء الرطب بالتمر، فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم، فنهى عن ذلك. (1)

وعلى ذلك فالنهي كان منصبّاً على البيع الشخصي، أي تبديل الرطب المعيّن بعين يابس، وعلى ضوء ذلك فلم يكن بيع العرايا داخلاً في النهي حتى يحتاج إلى الترخيص ويكون مبنياً على الاستحسان.

ومن ذلك يعلم انّ ما رواه زيد بن ثابت«انّ رسول اللّه رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» (2) ليس بمعنى انّه كان ممنوعاً، ثمّ رخصه رسول اللّه، بل بمعنى عدم تعلّق النهي به من بدء الاَمر، بخلاف المجنيّ.

وأمّا الثالث فلاَنّ استثناء الاِذخر من اختلاء خلاه ليس بمعنى انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استثناه من تلقاء نفسه معتمداً على الاستحسان، بل كان الحكم (لا يخضد شجر مكة ولا يختلي خلاها) غير شامل للاِذخر في الواقع إذ من المحتمل انّالنبي كان مستعداً لبيان المخصص غير انّ عمه العباس لما سبقه و قال: إلاّ الاِذخر، فأعقبه النبي وقال: إلاّ الاِذخر، فزُعم انّ النبي قاله اجتهاداً أو استحساناً، وما ذكرناه وإن كان احتمالاً، لكنّه يكفي في نقض الدليل وإسقاطه عن الصلاحية.

وقد مرّ الكلام فيه أيضاً عند البحث في اجتهاد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (3).


1. بلوغ المرام: 172، الحديث 865.
2. بلوغ المرام: 173، الحديث 867.
3. لاحظ صفحة 123 من هذا الجزء.

(264)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
3
الاستصلاح أو المصالح المرسلة

المصالح المرسلة عبارة «عن كلّ مصلحة لم يرد فيها نصّ يدعو إلى اعتبارها، أو عدم اعتبارها، ولكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر».

وهي من مصادر الفقه و الاستنباط عند المالكية و الحنابلة، دون الحنفية والشافعية، فقد ذهب الاَوّلان إلى أنّ الاستصلاح طريق شرعي لاستنباط الحكم فيما لا نصّ فيه ولا إجماع، وانّ المصلحة المطلقة ـ التي لا يوجد دليل من الشرع يدل على اعتبارها ولا على إلغائها ـ مصلحة صالحة لاَن يبنى عليها الاستنباط.

والمعروف من الحنفية انّهم لا يأخذون بالاستصلاح، وكذا الشافعية، حتى روي عن الشافعي انّه قال: من استصلح فقد شرّع، كما انّ من استحسن فقد شرّع، والاستصلاح كالاستحسان متابعة الهوى.

وقد اعتبرها الاِمام مالك بشروط ثلاثة:
1. أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع، ولا دليلاً من أدلّته.
2. أن تكون ضرورية للناس مفيدة لهم، أو دافعة ضرراًعنهم.
3. أن لا تمسّ العبادات، لاَنّ أغلبها لا يعقل لها معنى على التفسير.

وعلى ذلك فالاستصلاح عبارة عن تشريع حكم في واقعة لا نصّ فيها ولا


(265)

إجماع، بناء على مراعاة مصلحة مرسلة مطلقة. (1)

والفرق بين الاَدلة الثلاثة واضح.

فالقياس عبارة عن استنباط حكم الفرع عن الاَصل بحجّة اشتراكهما في العلّة.

والاستحسان عبارة عن العدول عن مقتضى دليل إلى دليل آخر بوجه من الوجوه.

وأمّا الاستصلاح فهو عبارة عن حيازة المصلحة المطلقة في مورد، لم يرد من الشارع دليل لصيانتها ولا لاِلقائها.

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ الاستصلاح يتصوّر على وجوه:

الاَوّل: تقديم المصلحة على النصّ، ونبذ الآخر

إنّ الاستصلاح بهذا المعنى تشريع محرّم وتقدّم على اللّه و رسوله قال سبحانه: "يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُقَدمُوا بَيْنَ يَدَى اللّهِ وَرَسُوله" (2) والواجب على كلّ مسلم، التجنّب عن هذا القسم من الاستصلاح فمن يتوهم المصلحة في سلب حق التطليق عن الزوج، أو منح الزوجة حق التطليق، لا يصحّ له التشريع، ولكن نجد ـ مع الاَسف ـ رواج هذا الاَُسلوب بين الخلفاء حيث كانوا يقدّمون المصلحة على النص.

روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه وأبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد


1. الدكتور أحمد شلبى: تاريخ التشريع الاِسلامي: 172ـ 173.
2. الحجرات:1.

(266)

استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
2. وروى عن ابن طاووس، عن أبيه: انّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وأبي بكر وثلاثاً من خلافة عمر؟ فقال: نعم.
3. وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك (1) ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه و أبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. (2)

هذه النصوص تدل بوضوح على أنّ عمل الخليفة لم ينطلق من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّر عنه بتنقيح المناط، و إنّما كان عمله من الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي والسير وراء رأيه.

و من هذا القبيل: نهي الخليفة عن متعة الحجّ، و متعة النساء، و الحيعلة في الاَذان، وغير ذلك.

الثاني: تقييد النصّ بالمصلحة

روي أنّه جاء رجل إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقال: هلكت يا رسول اللّه ، قال: «ما أهلكك؟».

قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: «هل تجد ما تعتق رقبته؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال:«فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟ قال: لا، ثمّ جلس فأُتي النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بعرق فيه تمر، فقال:


1. يقال في فلان هنات: أي خصلات شر، ولا يقال ذلك في الخير.
2. صحيح مسلم 4، باب الطلاق ثلاثاً، الحديث 1ـ3.

(267)

«تصدق بهذا». (1)

ومقتضى إطلاق الحديث كفاية كلّ من الخصال في مقام التكفير فالغني المفطر، له أن يكفر بالعتق كما له التكفير بالاَُخرى، ولكن ربما يقال بتعيّن الصيام على الغني، لاَنّه لا يكفّر ذنبه إلاّ به، أي صوم شهرين متتابعين، لاَنّه هو الرادع له عن العود إلى الاِفطار لا الاِطعام ولا عتق الرقبة، لعسر الاَوّل و يسر الثانيين.

ولكنّه تشريع تجاه النص و الاستصلاح في المقام، كالاستصلاح في القسم الاَوّل بدعة، غير انّه في الاَوّل بمعنى نبذ النص من رأسه وفي المقام نبذ لاِطلاقه.

إنّ هذا القسم من الاستصلاح ربما يعبر عنه بالاَخذ بروح القانون (2) وهو بذل الجهد للوقوف على ملاك الحكم ومناطه الذي يقع التشريع وراءه وهو يكون أساساً لعملين:
1. إسراء الحكم ممّا فيه النصّ إلى ما ليس فيه إذا كان حائزاً للمناط، وهنا تلتقي المصالح المرسلة مع القياس.
2. تقييد إطلاق النص بالمناط و الاسترشاد بالمصلحة والاَخذ بروح القانون لا بحرفيّته.

لكن تنقيح المناط في كلا الموردين محظور جداً سواء كان أساساً للقياس، أو كان سبباً لتقييد الدليل، فإنّ عقول الناس أقصر من أن تحيط بالمصالح و المفاسد فيكون الاستصلاح في كلا الموردين تشريعاً محرماً و باطلاً.

وعلى هذا الاَساس المنهار، منع الخليفة إعطاء الموَلّفة قلوبهم في أيّام خلافته قائلاً بأنّ مناط الحكم هو ضعف المسلمين وشوكة الكافرين فيصرف


1. بلوغ المرام:136 برقم الحديث 695.
2. أحمد أمين: فجر الاِسلام: 238، نشر دار الكتاب.

(268)

شيء من الزكاة فيهم، لكي يستعان بهم على الكفار، وهو منتف الآن. وبهذا، قيّد إطلاق الآية: "إِنّما الصّدقات لِلْفُقَراءِ وَالمَساكِين وَالْعامِلينَ عَلَيْها وَالمُوَلفَة قُلُوبهمْ وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبيل فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم" (1) وخصّصها بصورة الضعف.

والاستصلاح بهذا المعنى، فوق ما يرومه الاَُصوليون من أهل السنة وقد عرفت أنّ الاِمام مالكاً خصّ العمل به بما إذا توفّرت فيه الشروط الثلاثة التي منها أن لا تنافي إطلاق أُصول الشرع ولا دليلاً من أدلته.

فتلخص انّ الاستصلاح بالمعنى الاَوّل و المعنى الثاني بكلا قسميه خارج عمّا هو محط البحث لدى الاَُصوليين وإليك سائر الاَقسام.

الثالث: إنشاء الحكم فيما لا نصّ على وفق المصلحة

إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه و لكن أدركنا بعقولنا وجود مصلحة فيه وإن لم يرد من الشارع أمر بالاَخذ، ولا بالرفض، فتشريع الحكم الشرعي على وفقها هو الاستصلاح ولا مانع منه ويعلّله بعض المعاصرين بأنّ الحياة في تطوّر مستمرّ، ومصالح الناس تتجدّد و تتغير في كلّ زمن، فلو لم تشرع الاَحكام المناسبة لتلك المصالح، لوقع الناس في حرج، وتعطّلت مصالحهم في كلّ الاَزمنة و الاَمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة الزمن ومراعاة المصالح والتطوّرات، وهذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس و تحقيقها. (2)

يلاحظ عليه: أنّ لتشريع الحكم على وفق المصلحة صوراً:

الاَُولى: تشريعه في الاَُمور العبادية التوقيفية، كتشريع الاَذان الثاني لصلاة


1. التوبة:60.
2. الزحيلي: الوجيز في أُصول الفقه: 94. وعبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الاِسلامي: 100.

(269)

الجمعة لما كثر المسلمون ولم يكف الاَذان بين يدي الخطيب لاِعلامهم، فلا شكّ انّه تشريع محرّم وإدخال في الدين مالم يأذن به اللّه، مع توفّر طرق أُخرى لاِعلام المصلين، من دون لزوم التشريع كما هو واضح.

الثانية: إذا كان أصل الحكم منصوصاً بوجه كلي، ولكن فوّضت كيفية العمل به وتحقيقه على صعيد الحياة إلى الحاكم الشرعي، وذلك مثل ما ذكروا من الاَمثلة، كانشاء الدواوين أو سكّ النقود، وتكثير الجنود وغيرها فالمنصوص، هو حفظ بيضة الاِسلام، للحيلولة دون غلبة الكفار. قال سبحانه: "وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدوّكُمْ" (1) وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «الاِسلام يعلو ولا يعلى عليه». (2)

فعند ذلك فالحكم المنشأ على وفق المصلحة ليس حكماً شرعياً أوّلياً، ولا حكماً شرعياً ثانوياً وإنّما هو حكم ولائي نابع من ولاية الحاكم على اجراء القانون المنصوص عليه على صعيد الحياة وفقاً للمصالح، ولذلك يدوم مادام الحكم مقروناً بالمصلحة، فإذا فقد الملاك ينتفي.

والاَولى تسمية هذا النوع من الاَحكام، بالمقررات، لتمييزها عن الاَحكام الشرعية المجعولة الصادرة من ناحية الشرع.

فلو أُريد كون الاستصلاح مبدأ لهذا النوع من الحكم، فهو صحيح لكن يبدو انّه غير مراد للقائلين بكونه من مبادىَ التشريع ومصادره.

الثالثة: تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامة الذي اتفق عليه العقلاء، فلو افترضنا انّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -


1. الاَنفال: 60.
2. الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الاِرث، الحديث 11.

(270)

والاَئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، لكن وجد فيه مصلحة عامة للمسلمين أو مفسدة لهم، فالعقل يستقل بارتكاب الاَُولى والاجتناب عن الثانية، فالعقل عندئذٍ لا يكون مشـرِّعاً بل كاشفاً عن حكم شرعي دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع. وذلك كتعاطي المخدّرات فقد اتّفق العقلاء على ضررها وإفسادها الجسم والروح، فيكون الفعل كاشفاً عن حكم شرعي، للملازمة بين الحكمين وعندئذ تكون قاعدة الاستصلاح من شعب حجّية العقل.

ومثله التلقيح الوقائي عند ظهور الاَمراض السارية كالجدري، والحصبة وغيرهما فقد أصبح من الاَُمور التي لا يتردد في صلاحيتها ذوو الاختصاص.

الرابعة: إذا استدعى العمل بالتشريع الاِسلامي حرجاً عاماً أو مشقة للمجتمع الاِسلامي لاَجل ظروف وملابسات مقطعية أو كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، فللحاكم الاِسلامي رفع الحرج بتقديم أحكام العنوانات الثانوية على أحكام العنوانات الاَوّلية مادام الحرج باقياً أو تقديم الاَهم من الحكمين على المهم، وهذا النوع من الاَحكام ليست أوّلية، كوجوب الصلاة ولا ثانوية كالتيمم عند فقدان الماء، بل قوانين خوّلها الشارع إلى الحاكم الشرعي لما يتمتع به من ولاية على الناس.

وعلى ضوء ما ذكرنا ليس للفقيه، تصحيح الاستصلاح على وجه الاِطلاق أو رفضه كذلك، بل لا بدّ من الامعان في صوره وأقسامه.

والذي تبين لي من امعان النظر في قاعدة الاستصلاح انّ السبب من وراء جعلها من مصادر التشريع أُمور ثلاثة:

الاَوّل: اهمال العقل كأحد مصادر التشريع بالمعنى الذي أشرنا إليه ـ أعني كونه كاشفاً عن التشريع الالهي ـ لا كونه مشرعاً بنفسـه ـ في مجالات خاصّة، هذا


(271)

من جانب و من جانب آخر واجه الفقهاء مصلحة حقيقية عامة ـ أي ما ليست مصلحة شخصية ـ فرأوا انّ حيازتها أمر لازم فاخترعوا قاعدة الاستصلاح مع انّها في هذا المورد من شعب قاعدة حجّية العقل، فلو أضفوا على العقل وصف الحجّية واعتبروه من مصادر التشريع لاستغنوا عن تلك القاعدة.

الثاني: عدم دراسة أحكام العنوانات الاَوّلية و الثانوية كأدلّة الضرر والحرج فانّ الاَحكام الاَوّلية محددة بعدم استلزام اطلاقها الحرج والضرر فإذا صارت موجبة لاَحدهما يقدم حكمهما على الاَحكام الاَوّلية.

وبذلك يستغني الفقيه عن قاعدة الاستصلاح مع مالها من الانطباعات المختلفة.

وبما ذكرنا يعلم ما في كلام الاَُستاذ عبد الوهاب خلاف، حيث قال: انّالذين لا يحتجون بالمصلحة المرسلة اطلاقاً لا فيما لا نصّ على حكمه ولا فيما ورد نص بحكمه قد سدوا باباً من أبواب اليسر و رفع الحرج في التشريع و أظهروا الشريعة قاصرة عن مصالح الناس وعن مسايرة التطورات. (1)

ولنا معه وقفة قصيرة وهي انّ الذين قالوا بحجّية حكم العقل فيما له مجال القضاء فيه، قد فتحوا باباً من أبواب اليسر فيما لا نصّ على حكمه و من وقف على مكانة أحكام العنوانات الثانوية إلى أحكام العنوانات الاَوّلية فقد رفع الحرج في التشريع.

الثالث: انّ كلّ من كتب حول قاعدتي الاستصلاح وسد الذرائع لم يفرق بين الاَحكام الشرعية والاَحكام الولائية الحكومية، فانّ الطائفة الاَُولى أحكام شرعية جاء بها النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لتبقى خالدة إلى يوم القيامة، وأمّا الطائفة الثانية


1. عبد الوهاب خلاف، مصادر التشريع الاِسلامي: 100.

(272)

فإنّما هي أحكام موَقتة أو مقررات يضعها الحاكم الاِسلامي لرفع المشاكل العالقة في حياة المجتمع الاِسلامي.

ومنه يتضح انّ ما مثلوا به لقاعدة الاستصلاح ـ فإنّما هو في الواقع ـ من صلاحيات الحاكم الشرعي، فمثلاً عدوا الاَمثلة التالية من مصاديق تلك القاعدة.

أ. انشاء الدواوين.

ب. سكّ النقود.

ج. فرض الاِمام العادل على الاَغنياء من المال ما لا بدّ منه كتكثير الجند و اعداد السلاح و حماية البلاد.

د. سجن المتهم كي لا يفر.

إلى غير ذلك ممّا يعد من صلاحيات الحاكم الشرعي التي خوّلت إليه بغية تنظيم أُمور المجتمع في اطار الاَحكام الاَوّلية والثانوية.


(273)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
4
سدّ الذرائع

الذريعة بمعنى الوسيلة ، والذرائع جمعها، وهي من الاَُصول المعتبرة لدى المالكية والحنابلة.

وقد عُرّف بتعاريف منها:

«العمل الذي يعدّ حلالاً في الشرع، لكن الفاعل يتوصل به إلى فعل محظور».

أو:

التذرّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز.

إلى غير ذلك من التعاريف التي جمعها محمد هاشم البرهاني في كتابه «سد الذرائع في الشريعة الاِسلامية». (1)

ويوضحها الشاطبي بالمثال التالي:

إذا اشترى شخص غنماً من رجل بعشرة إلى أجل، ثمّ باعها منه بثمانية نقداً، فقد صار مآل هذا العمل مقدمة لا كل الربا، لانّ المشتري أخذ ثمانية ودفع عشرة عند حلول الاَجل. فالقائل بسد الذرائع يمنع البيع الاَوّل تجنّباً عن الربا. (2)


1. انظر ص74.
2. الشاطبي: الموافقات: 4|112.

(274)

يقول ابن قيم الجوزية في تقرير القاعدة: فإذا حرّم الربُّ تعالى شيئاً، وله طرق ووسائل تُفضي إليه، فانّه يحرّمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، واغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كلّ الاباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فانّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثمّ أباح لهم الطرق و الاَسباب والذرائع الموصلة إليه لعدّ متناقضاً، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده، وكذلك الاَطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلاّ فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أنّ اللّه تعالى ورسوله سدّالذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرّمها ونهى عنها.

ثمّ استدل بوجوه كثيرةعلى إثبات تلك القاعدة بلغت تسعة وتسعين وجهاً (1) فمن أراد فليرجع إليها. (2)

وقد أكثر الاِمام مالك العمل بهذه القاعدة حتى انّه أفتى لمن رأى هلال شوال وحده أن لا يفطر لئلا تقع ذريعة إلى افطار الفسّاق، محتجين بما احتج به.

ولكن كان في وسع مالك أن يجوِّز له الافطار عملاً بقول الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - «صوموا عند الروَية وأفطروا عند الروَية» (3) وفي الوقت نفسه يمنعه عن التظاهر به، ويجمع بين القاعدتين.


1. إعلام الموقعين:3|147.
2. إعلام الموقعين:3|149ـ171.
3. بلوغ المرام: برقم 271 باختلاف يسير.

(275)

أدلّة القاعدة

وقد استدلوا على القاعدة بالكتاب والسنّة والاِجماع:

الاستدلال بالكتاب

1. آية النهي عن سب الآلهة

قال سبحانه: "وَلا تَسُبُّوا الّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّه عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم". (1)"

وقد نهى سبحانه عن سب آلهة المشركين لئلا يقع ذريعة لسبِّه سبحانه بغير علم.

2. آية النهي عن القول بـ«راعنا»

قال سبحانه:"يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرينَ عَذابٌ أَليم" . (2)

وإنّما مُنعوا من مخاطبة الرسول بقولهم: «راعنا» لئلا يكون ذريعة لاستعمال اليهود إيّاه شتيمة له على ما ذكره المفسرون.

قال الزمخشري في تفسير الآية: كان المسلمون يقولون لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا ألقى إليهم شيئاً من العلم «راعنا» يا رسول اللّه، أي راقبنا وانتظرنا وتأنّى بنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية، فلما سمعوا بقول الموَمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول، وهم يعنون به تلك المسبَّة ، فنُهي الموَمنون عنها وامروا بما هو في معناه وهو انظرنا.


1. الاَنعام: 108.
2. البقرة: 104.

(276)

3. آية النهي عن حيازة الحيتان

قال سبحانه: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَة الّتي كانَتْ حاضِرة الْبَحْر إِذ يَعدون فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتيهِمْ حيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرعاً وَيَوم لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" . (1)

نهاهم عن حيازة الحيتان يوم السبت لئلاّ تقع ذريعة للاصطياد.

4. آية النهي عن التقرب من الشجرة

قال سبحانه: "وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرة فَتَكُونا مِنَ الظّالِمين". (2)

نهاهم عن التقرب، لانّها ذريعة للاكل.

الاستدلال بالسنّة

قد استدلوا ـ وراء الكتاب ـ بما ورد في السنّة أوضحها: ما رواه معاذ بن جبل قال: كنت رديف رسول اللّه على حمار يقال له عفير قال: فقال: «يا معاذ تدري ما حقّ اللّه على العباد، وما حقّ العباد على اللّه؟» قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: «فانّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوا اللّه، ولا يشركوا به شيئاً، وحقّ العباد على اللّه عزّ وجلّ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، قال: قلت يا رسول اللّه: أفلا أبشر الناس؟ قال: «لا تبشرهم فيتكلوا». (3)

الاستدلال بالاِجماع

اتّفقوا على النهي عن القاء السم في أطعمة المسلمين المبذولة للتناول، بحيث يعلم أو يظن انّهم يأكلونها فيهلكون، والمنع عن حفر بئر خلف باب الدار في الظلام الدامس لئلا يقع فيها الداخل.


1. الاَعراف: 163.
2. البقرة: 25.
3. مسلم: الصحيح، شرح النووي: 1|232.

(277)

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الاَوّل:تحليل القاعدة وتبيين مكانتها في علم الاَُصول.

الثاني: دراسة الاَمثلة الّتي فرّعوها عليها.

1. مكانة القاعدة في علم الاَُصول

انّ قاعدة سدّ الذرائع ليست قاعدة مستقلة وإنّما ترجع لاحدى القاعدتين:

الاَُولى: وجود الملازمة بين حرمة الشيء و حرمة مقدمته (سد الذرائع).

فمغزى القاعدة عبارة عن أنّه إذا حُرِّم الشيء، حرِّمت مقدماته وذرائعه التي يتوصل الاِنسان بها، وهي مطروحة في كتب الاَُصول، فمنهم من حرّم مطلقَ المقدمة، ومنهم من حرّم المقدمة الموصلة، ومنهم من حرّم الجزء الاَخير من المقدمة بمعنى العلّة التامة التي لا تنفك عن ذيها، والاَخير هو المتعيّن، لانّ قبح الذريعة أو ممنوعيتها لاَجل كونها وسيلة للوصول إلى الحرام، فلا توصف بالحرام إلاّ إذا كانت موصلة لا غير، ولا يتحقق الايصال إلاّ بالجزء الاَخير الذي يلازم وجود المبغوض.

وعلى ضوء ذلك فلا يصحّ لنا الحكم بحرمة كلّ مقدمة للعمل المحظور، إلاّ إذا انتهى إلى الجزء الاَخير من المقدمة الذي لا ينفك عن المحظور.

وإلى ذلك يرجع النهي عن حيازة الحيتان يوم السبت، أو النهي عن التقرب من الشجرة.

الثانية: الاعانة على الاثم التي أفتى الفقهاء على حرمتها، مستدلين بقوله سبحانه: "وَلا تَعاوَنُوا عَلى الاِِثْمِ وَالعُدْوان" . (1)بناءً على انّ التعاون يعمّ الاِعانة الجماعية والفرديّة، ومن هذا القبيل سبّ آلهة المشركين الذي يثير حفيظتهم إلى سبّ اللّه سبحانه، أو خطاب النبي بقولهم: «راعنا» والذي يحرك الآخرين


1. المائدة: 2.

(278)

لاستعماله في هتك حرمة النبي، فليس لنا أصل باسم سدّ الذرائع، وإنّما مرجعه إلى احدى القاعدتين.

مناقشة حديث معاذ

بقى الكلام في الحديث الذي نقلناه عن معاذ، ولنا معه وقفة قصيرة.

أ. انّ ما نقله عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من حقّ العباد على اللّه وأمره بكتمانه، فقد جاء في الذكر الحكيم ولم يكتمه سبحانه حيث قال: "إِنَّ اللّهَ لا يَغْفُِرُ أَنْ يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاء" (1) قوله سبحانه: "قُلْ يا عِبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَة اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم" (2) وقوله تعالى: "وَإِنَّ رَبّكَ لَذُو مَغْفِرة لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ حالة كونهم ظالمين وعاصين، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على غفرانه سبحانه لذنوب عباده.

ب. لو صحّ الحديث، فقد أمر النبي معاذاً بالكتمان، فلماذا أفشى سره وارتكب الحرام مع انّه كسائر الصحابة عدل؟

2. دراسة بعض الفروع المبنية عليها

ذكر بعض الكتّاب المعاصرين تطبيقات عملية لهذه القاعدة نسرد بعضها:
1. الاجتهاد لاستنباط أحكام الوقائع أمر مقرر مشروع، لكنَّ في الاجتهاد الفردي في هذه الاَيّام مفسدة ينبغي التحرّز عنها وسدّ أبوابها بأن توَلف مجالس تَضُم كبارَ العلماء المختصين في مختلف علوم الشريعة وأبوابها ويسند إليها أمر الاجتهاد.


1. النساء: 48.
2. الزمر: 53.
3. الرعد: 6.

(279)

أقول: إنّ الحقيقة بنت البحث، و الاختلاف إذا نشأ عن نيّة صادقة يوَدي إلى نضج العلم وتكامله، ولذلك يُعدّ الاجتهاد الجَماعي أوثقَ وأقوى، ولكن إذا بلغ الرجل مبلغَ الاجتهاد، فمنعه عن الاجتهاد والعمل برأيه والافتاء به، أمر بالمنكر وصدّ عن العمل بالواجب.
2. ترجمة القرآن إلى اللغات الاَجنبية فزعم القائل عدم جوازه سدّاً لذريعة التبديل والتغيير والتحريف.مضافاً إلى أنّ اللغات الاَجنبية لا تسع لمعاني القرآن العميقة والدقيقة.

يلاحظ عليه: لا شكّ انّ ترجمة القرآن بأيّ لغة كانت لا تواكب معاني القرآن العميقة، وهذا أمر ليس بحاجة إلى برهنة، ولكن الحيلولة بين القرآن وترجمته، يوجب سدَّ باب المعرفة للاَُمم التي لا تجيد اللغة العربية، فإذا أقرّ المترجم في مقدمة ترجمته بما ذكرناه وانّ ترجمته اقتباس ممّا جاء في الذكر الحكيم فعندها سترتفع المفسدة، فتكون الترجمة ذات مصلحة خالية من المفسدة.

ثمّ إنّ النص القرآني محفوظ بين المسلمين فهو المرجع الاَصيل دون الترجمة.
3. تدخل الدولة في أيّام الاَزمات والحروب لتحديد الاسعار، والاَُجور والخدمات و تنظيم الحياة العامة على نحو معين لحماية الضعفاء من أرباب الجشع والطمع على أن يتجاوز حدّالضرورة.

أقول: المراد من مصادر التشريع، ما يقع في طريق استنباط الاَحكام الشرعية التي أمر النبي بابلاغها، للناس وهي أحكام ثابتةعبر الاَجيال والقرون.

وأمّا جواز تحديد الاَسعار، فليس من الاَحكام الشرعية بالمعنى المتقدّم، بل هو حكم حكومي، يعدّ من حقوق الحاكم واختياره، فلو مسّت الحاجة إلى التسعير قام به، وإلاّ ترك الناس والاَجناس بحالها، فعدّ سدّ الذرائع من مصادر التشريع، واستنتاج جواز تحديد الاَسعار منه واقع في غير محلّه.


(280)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
5
الحيــل
(فتح الذرائع)

إنّ فتح الذرائع من أُصول الحنفية كما أنّ سدّ الذرائع من أُصول المالكية، ويسمّى الاَوّل بالمخارج من المضايق، و التحيّل على إسقاط حكم شرعي، أو قلبه إلى حكم آخر.

و قد صارت هذه القاعدة مثاراً للنزاع وسبباً للطعن بالحنفية، حيث إنّ التحيّل لاِبطال المقاصد الشرعية لاَجل أحد أمرين:

إمّا نفي الحكمة المقصودة من الاَحكام الشرعية حتى يصير المكلّف ناظراً إلى الصور، والاَلفاظ لا إلى المقاصد والاَغراض.

وأمّا الاجتراء على ابطال الحكمة الشرعية بما يُرضي العامة، وهذه نزعة إسرائيلية معروفة تشهد بها آية السبت في سور مختلفة. (1)

إنّ ذهاب الحنفية إلى هذه القاعدة أثار حفيظة الآخرين، ممّا حدا بالبخاري


1. ذكر أهـل السبت في خمسـة مواضــع من القــرآن: البقرة|65ـ 66، النساء |154 ـ 155، الاَعراف|163، النحل|124، وقد جاء لعنهم في سورة النساء|47 قال سبحانه: (أَو نَلْعَنهم كما لَعنا أَصحاب السَبت) .

(281)

أن يعقد باباً خاصّاً للرد على القاعدة معبّراً عن أبي حنيفة، بقوله: «قال بعض الناس» وإليك الباب وما فيه:

«باب» إذا غصب جارية فزعم أنّها ماتت، فقُضي بقيمة الجارية الميتة، ثمّ وجدها صاحبها فهي له ويرد القيمة، ولا تكون القيمة ثمناً ـ ثمّ أضاف البخاري قائلاً ـ: و قال بعض الناس: الجارية للغاصب لاَخذه القيمة، ـ ثمّ أخذ البخاري بالردّ عليه بقولـه: ـ «وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتلّ بأنّها ماتت حتى يأخذ ربُّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره، قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «أموالكم عليكم حرام، و لكلّ غادر لواء يوم القيامة». (1)

ومن أكثر الناس ردّاً للحيل الحنابلة، ثمّ المالكية، لاَنّهم يقولون بسدِّ الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة.

يقول ابن قيم الجوزيّة: إنّ هوَلاء المحتالين الذين يُفتون بالحيل التي هي كفر أو حرام، ليسوا مقتدين بمذهب أحد من الاَئمّة، وانّ الاَئمّة أعلم باللّه ورسوله ودينه وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحيل (2) فقد قال أبو داود في مسائله: سمعتُ أحمد وذكر أصحاب الحيل يحتالون لنقض سنن رسول اللّه، وقال في رواية أبي الحارث الصانع: هذه هي الحيل التي وضعوها، عَمِدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها.

والشيء الذي قيل لهم انّه حرام احتالوا فيه حتى أحلُّوه، قالوا: الرهن لا يحلّ أن يستعمل، ثمّ قالوا: يحتال له حتى يستعمل فكيف يحل بحيلة ما حرم اللّه


1. البخاري: الصحيح: 9|32، كتاب الاكراه.
2. لا يخفى ما في كلامه من المبالغة فانّالحنفية وعلى رأسهم أبوحنيفة قد ابتدع تلك القاعدة، فكيف نزّهه عنها ؟

(282)

ورسوله؟

وقال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم، فأذابوها، فباعوها، وأكلوا أثمانها، أذابوها حتى أزالوا عنها اسم الشحم». (1)

و لمّا كان ابن القيم من المتعصبين للمذهب الحنبلي خصّص الجزء الثالث وقسماً من الرابع في القاعدتين، فاستدل على قاعدة سد الذرائع بتسعة وتسعين وجهاً. (2)

كما بسط الكلام في قاعدة الحيل، واستوعب قسماً كبيراً من الجزء الثالث وقسماً من الجزء الرابع فخصص 361 صفحة لابطال هذه القاعدة، وضرب أمثلة كثيرة لها ناهزت 116 مثالاً.

وقد استدل المثبتون لها بالكتاب والسنّة:

الاستدلال بالكتاب:

1. قوله سبحانه: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّاب" . (3)

روى المفسرون أنّ أيّوب قد حلف على ضرب امراته بمائة سوط، فأمره سبحانه أن يجمع مائة من شماريخ (4) ويجعلها ضِغثاً، و يضربها مرة واحدة، وكأنّه ضربها مائة سوط، فذلك تحلة أيمانه.


1. ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين:3|191.
2. اعلام الموقعين:3|147ـ 171.
3. سورة ص : 44
4. جمع الشمراخ غصن دقيق ينبت في أعلى الغصن الغليظ.

(283)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية غير صحيح، لاحتمال أن يكون ذلك الحكم تخفيفاً من اللّه سبحانه في حقّ أيّوب لمّا صبر طيلة سنين متمادية حتى وصفه اللّه سبحانه بقوله: "إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ" فهذا النوع من التخفيف كان جزاءً له على صبره، وتخفيفاً عن امرأته ورحمة بها.

ولو كان هذا الحكم عاماً لما خفي على أيوب - عليه السّلام - و هو نبي من أنبيائه سبحانه وسع اللّه صدره بالعلم .

وما ربما يقال من أنّ الخصوصية لا تثبت إلاّ بدليل (1)، و إن كان صحيحاً ولكن الدليل هو التعليل الوارد في الآية.
2. وقوله سبحانه: "وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ". (2)

حيث جعل يوسف - عليه السّلام - صواعه في رحل أخيه ليتوصل بذلك إلى أخذه وكيد اخوته. (3)

يلاحظ عليه: أنّ يوسف - عليه السّلام - توصّل بالحلال إلى الحلال، وهو أخذ الاَخ ولم يكن غير راض بذلك في الواقع كما ولم يكن قصده بذلك إيذاء اخوته ولا إيذاء أبيه.

أمّا الاَوّل فواضح إذ لو كان قاصداً ذلك لعاقبهم بغير هذا الاَُسلوب وأمّا الثـاني فلانّ الوالد كان واقفاً على أنّ أخا يوسف سيحاصر ، حيث قال لهم:


1. الحجوي الثعالبي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الاِسلامي: 2|491.
2. يوسف:62.
3. اعلام الموقعين:3|224.

(284)

"قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُوَتُونِ مَوثِقاً مِنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّني بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ". (1)

والظاهر من الكتاب العزيز انّيوسف قام بذلك بأمر من اللّه سبحانه حيث قال:"كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ في دِينِ المَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّه" (2) أمره سبحانه بذلك ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي أحاط بيعقوب ويوسف و تبلغ حكمة اللّه تعالى التي قضاها لهم نهايتها.

الاستدلال بالسنّة

استدلّوا من السنّة بما رواه البخاري، عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - استعمل رجلاً على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : أكلّ تمر خيبر هكذا؟» قال: لا واللّه يا رسول اللّهص انّا لنأخذ الصاعَ من هذا، بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثمّابتع بالدراهم جنيباً». (3)

والجمع نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب نوع جيد، ولم يفصّل بين أن يكون البيع من رجلين أو رجل واحد.

وسيوافيك الكلام عنها فانتظر.


1. يوسف: 66.
2. يوسف: 76.
3. اعلام الموقعين:3|202، لاحظ بلوغ المرام برقم 855.

(285)

القول الحاسم في فتح الذرائع (الحيل)

انّ الموافق والمخالف لفتح الذرائع قد اطنبوا الكلام في المقام، وكلّ تمسك بوجوه من الاَمثلة الفقهية، فلنذكر ما يحسم الموقف ويزيل الخلاف فنقول:

إنّ الحيل التي يثبت بها على أقسام:
1. أن يكون التوصل بالوسيلة منصوصاً في الكتاب والسنة، وليس المكلّف هو الذي يتحيّلها بل أنّ الشارع هو الذي جعلها سبباً للخروج عن المضايق، نظير تجويز السفر في شهر رمضان لغاية الافطار، قال سبحانه:"فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْر وَلا يُريدُبِكُمُ الْعُسْر" . (1)

فَخيَّر المكلّف بين البقاء في بلده فيصوم، والخروج عنه فيفطر، فالخروج عن ضيق الصوم بالسفر ممّا أرشده إليه الشارع. وليس بايعاز من المكلّف نفسه.

ونظير تجويز نكاح المطلقة ثلاثاً بعد التحليل، إذ من المعلوم انّه من طلّق زوجته ثلاثاً حرمت عليه أبداً قال سبحانه: "فَإِنْ طلّقها فَلا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْد" وفي الوقت نفسه فانّ الشارع قد أرشده إلى الخروج من هذا المازق بقوله:"حَتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرهُ فَإِنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجعا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُود اللّه".(2)


1. البقرة: 185.
2. البقرة:230.

(286)

فلا أظن فقيهاً من الحنابلة والمالكية يرى مثل هذا التحيّل أمراً قبيحاً، أو على خلاف المصلحة، فانّ معنى ذلك هو رفض التشريع الاِلهي، بل يمكن أن يقال: انّ هذا القسم خارج عن محلّ الكلام، لاختلاف موضوعي الحكمين، فقد وجب الصوم على الحاضر، والافطار على المسافر، ومثله المطلقة ثلاثاً، إن تزوجت بعده وطُلقت.
2. إذا كان هناك أمر واحد له طريقان، أحلّ الشارع أحدهما وحرّم الآخر، فلو سلك الحلال لا يعدّ ذلك تمسكاً بالحيلة، لانّه اتخذ سبيلاً حلالاً إلى أمر حلال.

ومثاله: انّ مبادلة التمر الرديء بالجيّد تفاضلاً ربا محرّم، ولكن بيعَ كلّ على حدة أمر جائز، وإن كانت النتيجة في كلا الاَمرين واحدة، ولكن الحرام هو سلوك الطريق الثاني لا الاَوّل.

وهذا القسم خارج عن محلّ النزاع أيضاً، لاَنّه فيما إذا احتال وتوصل بالحلال إلى الحرام، وامّا هنا فقد توصل بالحلال إلى الحلال. وقد مرّ في كلام النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
3. إذا كان السبب غير موَثر في حصول النتيجة شرعاً، فالتوصل في مثله محرّم غير ناتج، وذلك كالمثال الذي نقله الاِمام البخاري ردّاً على أبي حنيفة وإن لازم كلامه هو أنّه إذا غصب جارية، فزعم انّها ماتت فقضى القاضي بقيمة الجارية الميتة، فالجارية للغاصب و إن تبيّن بعدُ انّها حيّة ، وليس لصاحبها أخذها إذا وجدها حية».

وغير خفي انّ زعم الغاصب موت الجارية لا يخرجها عن ملك صاحبها، ولا يوجب اشتغال ذمة الغاصب بقيمتها، بل تبقى الجارية على ملكية المالك، فلو


(287)

بان أنّها حيّة انكشف انّ القضاء بردّ القيمة كان باطلاً من أصله.

ومن خلاله ظهر انّ السبب (زعم الغاصب موت الجارية) غير موَثر في الانتقال فلا تقع ذريعة لتملّكها، وهو الذي رتب عليها البخاري رداً على أبي حنيفة وقال: إنّه يحتال من اشتهى جارية رجل لا يبيعها، فغصبها واعتلّ بانّها ماتت حتى يأخذ ربّها قيمتها، فيطيب للغاصب جارية غيره.

لما عرفت من أنّ إخبار الغاصب بموت الجارية جازماً لا يكون سبباً لخروج الجارية عن ملك صاحبها وخروج قيمتها عن ملك الغاصب، فكيف إذا كان عالماً بالخلاف وكاذباً في الاخبار ؟ فعدم جواز التحيّل في هذه المسألة يعزّى إلى انّ السبب حلالاً كان أو حراماً غير موَثر فيه.
4. إذا كانت الوسيلة حلالاً، ولكن الغاية هي الوصول إلى الحرام على نحو لا تتعلّق إرادته الجدّية إلاّ بالمحرم ولو تعلّقت بالسبب فإنّما تتعلق به صورياً لا جدياً، كما إذا باع ما يسوى عشرة بثمانية نقداً، ثمّ اشتراه بعد بعشرة نسيئة إلى شهرين فمن المعلوم أنّ إرادته الجدية تعلّقت باقتراض ثمانية ودفع عشرة، وحيث إنّ ظاهره ينطبق مع الربا، فاحتال ببيعين مختلفين مع عدم تعلّق الاِرادة الجدية بهما، فيكون عندها التحيّل أمراً محرماً، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه في سورة الاَعراف: "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْر إِذ يَعِدُونَ فِي السَّبْت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَومَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَومَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُون" . (1)

فانّ الغرض من تحريم الاصطياد في السبت هو امتحانهم في أُمور الدنيا، ولكنّهم توصلوا بحيلة مبطلة لغرضه سبحانه، وهي حبس الحيتان عن الخروج إلى


1. الاَعراف:163.

(288)

البحر يوم السبت لغاية الاصطياد يوم الاَحد، فكيف يمكن أن يكون مثل هذا التحيّل أمراً جائزاً ؟

ومنه يعلم أنّ أكثر الحيل المطروحة للمرابين أمر محرّم، لعدم تعلّق الاِرادة الجدّية بصورة المعاملة وإنّما تعلقت بالنتيجة وهو أخذ الفائض.

هذا هو القول الحاسم في العمل بالحيل حسب ما طرحه علماء السنّة في المقام، وبذلك خرجنا بالنتائج التالية:
1. إذا كان الشارع هو الذي أرشد إلى الخروج عن المضايق، أو أنّه لم يُشِرْإلى الخروج، ولكن جعل لاَمر واحد طريقين، حرّم أحدهما وأحلّ الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن محطّالبحث.
2. إذا كان السبب غير موَثر في حصول النتيجة، والتوصل به للوصول إلى الحلال توصلاً باطلاً لافتراض أنّه غير موَثر في نظر الشارع، كالجارية المغصوبة التي يزعم الغاصب موتها كذباً ويكتم حياتها، ففي مثله لا يكون الخروج عن الغرامة بدفع القيمة موَثراً في تملك الجارية.
3. إذا كانت الغاية من التوصّل بالاَمر الحلال صوريّاً وتعلّقت الاِرادة الجدية بالاَمر الحرام فالتوصل بها حرام، نظير توصل أصحاب السبت إلى اصطياد الحيتان بحفر جداول قرب البحر لحيازتها يوم السبت واصطيادها يوم الاَحد، أو بيع الشيء نقداً بثمانية واشترائه نسيئة بعشرة.

ولذلك قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : قاتل اللّه اليهود انّ اللّه تعالى لما حرّم عليهم شحومها جملوه ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه. (1)


1. بلوغ المرام: برقم 801. وجملوه: أي جمعوه ثم أذابوه احتيالاً على الوقوع في المحرم.

(289)

ثمّ إنّ علماء الشيعة تطرّقوا لفتح الذرائع في آخر كتاب الطلاق، وأطنبوا القول فيه كالمحقّق في «الشرائع» (1) والشهيد الثاني في «مسالك الافهام» (2) والمحدث البحراني في «الحدائق» (3)و لنذكر كلام شيخنا الشهيد الثاني، قال عند شرح قول المحقّق: يجوز التوصل بالحيل المباحة دون المحرمة في إسقاط ما لولا الحيلة تثبت.

هذا باب واسع في جميع أبواب الفقه، والفرق هو التوصل إلى تحصيل أسباب يترتب عليها أحكام شرعية، وتلك الاَسباب قد تكون محلّلة وقد تكون محرمة، (وربما تكون محكومة بالاَحكام الخمسة) والغرض من ذكرها تعليم الفقيه الاَسباب المباحة، وأمّا المحرمة فيذكرونها بالعرض، ليعلم حكمها على تقدير وقوعها.


1. نجم الدين الحلي: الشرائع: 3|31ـ33.
2. زين الدين العاملي: المسالك: 9|203ـ 210.
3. يوسف البحراني: الحدائق: 25|375.

(290)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
6
قول الصحابي

يعدُّ الاَئمّة الثلاثة غير أبي حنيفة قولَ الصحابي من مصادر التشريع، وربما ينقل عنه أيضاً خلافه، لكن المعروف انّه لا يعترف بحجية قول الصحابي. والمهم في المقام هو تحرير محل النزاع وتعيين موضوعه، فإنّه غير منقّح في كلامهم.

لا شكّ انّه لو نقل الصحابي سنّة الرسول يوَخذ به بالاِجماع عندهم، وعندنا إذا اجتمعت فيه شرائط الحجّية. وهذا خارج عن محل البحث.

كما إذا اتّفق سائر الصحابة على رأي الصحابي؛ فمن قال بحجّية الاِجماع بما هوهو، أو لكشفه عن وجود الحجّة في البين، يكون قوله حجّة، لاَجل انعقاد الاِجماع عليه. وهذا أيضاً خارج عن محل البحث.

فينحصر النزاع في الموارد الثلاثة التالية:

1. قول الصحابي

إذا نقل الصحابي قولاً، ولم يُسْنده إلى الرسول، ودلّت القرائن على انّه نقلُ قول لا نقلُ رأي فهل هو حجّة أو لا ؟ لاحتمال كونه ناقلاً قول الرسول، أو قول


(291)

غيره، وهذا ما يطلق عليه «الموقوف» لوقف النقل على الصحابي دون أن يتجاوز عنه إلى غيره.

2. رأي الصحابي

إذا نقل رأيه واستنباطه من الكتاب والسنّة وما فهمه منهما، فهو حجّة له ولمقلِّديه، إنّما الكلام في كونه حجّة لسائر المجتهدين.

3. قوله المردّد بين النقل والرأي

إذا تردّدبين كونه نقلَ قول أو نقلَ رأيٍ؛ فلو قلنا بحجّية قوله ورأيه، يكون حجّةً في المقام بخلاف ما لو خصّصنا الحجّية بنقل القول دون الرأي، فيقع الكلام في حجّية النقل المردّد بين القول والرأي.

هذه هي الصور الثلاث التي تصلح لاَن تقع محلاً لورود النفي والاِثبات.

وأمّا الاَقوال، فمن قائل بحجّية ما روي عن الصحابي، إلى آخر ناف لها، إلى ثالث يفصّل بين كون المنقول موافقاً للقياس فليس بحجّة وكونه مخالفاً له فهو حجّة.

إذا وقفت على الصور المتصوّرة لمحلّ النزاع والاَقوال، فلنأخذها بالدراسة:

1. الحجّة هو قول الصحابي لا رأيه

يظهر من السرخسي انّ محلّ النزاع هو الصورة الاَُولى، فقد حاول في كلام مبسوط أن يثبت انّ قول الصحابي ظاهر في أنّ مستنده هو قول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وإن لم يسنده إليه ظاهراً، يقول:


(292)

لا خلاف بين أصحابنا المتقدّمين والمتأخرين انّ قول الواحد من الصحابة حجّة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه، وذلك لاَنّ أحداً [منهم] لا يظن بهم المجازفة في القول، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب؛ فإنّ طريق الدين من النصوص إنّما انتقل إلينا بروايتهم، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قولٌ بفسقهم، وذلك يبطل روايتهم.

فلم يبق إلاّ الرأي أو السماع ممّن ينزل عليه الوحي، ولا مدخل للرأي (القياس) في هذا الباب، فتعيّن السماع وصار فتواه مطلقاً كروايته عن رسول اللّه، ولا شكّ انّه لو ذكر سماعه من رسول اللّه لكان ذلك حجّة لاِثبات الحكم به، فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلاّ السماع، ولهذا قلنا: إنّ قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجّة في العمل به كالنص يترك القياس به (1)

وخلاصة كلامه: أنّ قول الصحابي إن كان موافقاً للقياس نحدس بأنّه رأيه ونظره استند إلى القياس فلا يكون حجّة للمجتهد الآخر، وأمّا إذا كان مخالفاً للقياس، فلا يكون لقوله مبدأ سوى السماع عن الرسول ويكون حجّة.

يلاحظ على كلامه بوجوه:

الاَوّل: أنّ كلامه مبنيّعلى أنّ للاجتهاد دعامتين: إحداها: القياس، والاَُخرى: النص. فإذا كان قول الصحابي مخالفاً للقياس، فيكون دليلاً على أنّه اعتمد على النص ونقله، ولكنّك خبير بأنّ للاجتهاد دعامات أُخرى، فمن الممكن أن يستند


1. أُصول السرخسي:2|110 بتلخيص.

(293)

في قوله إلى إطلاق الآية وليس لها إطلاق، أو عموم دليل وليس بعام، وعلى كلّ تقدير استنتج الحكم من دليل لو وصل إلينا لم نعتبره دليلاً، فمع هذا الاحتمال لم يبق وثوق بأنّه سبحانه أذن في الاِفتاء وفق قوله.

الثاني: أنّأقصى ما يمكن أن يقال هو الظنّ بأنّه استند إلى النّص، لا القطع، ومن المعلوم أنّالظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، بل يجب أن يحرز أنّه استند إلى النص، فيكون ممّا أذن اللّه أن يفتى به، فما لم يحرز اعتماده على النصّ إحرازاً علمياً، يدخل الافتاء به تحت قوله سبحانه: "ءَاللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون"(1).

الثالث: لو كان قول الصحابي مستنداً إلى سماعه عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو عمّن سمعه من النبي، لم يكن يترك ذكره، لما فيه من الشرف والمفخرة له، بشهادة أنا نجد اهتمام الصحابة بنقل كلّ ما يمتّ إلى النبي بصلة من دقيق وجليل وقول وفعل وتقرير وتصديق.

فالاِفتاء بلا ذكر السماع يُشرف الفقيه على القطع بأنّ ما نقله الصحابي هو في الواقع اجتهاد منه، وبذلك لا يبقى أيّ اطمئنان ووثوق بمثل هذا القول.

وهناك حقيقة مرّة، وهي انّ حذف قول الصحابي من الفقه السنّي يوجب انهيار صرح البناء الفقهي الذي أشادوه، وتغيّر القسم الاَعظم من فتاواهم، وحلول فتاوى أُخر محلّها ربما استتبع فقهاً جديداً لا أُنس لهم به.

ومنه يظهر ضعف ما جاء به بعض المعاصرين حيث يقول في جملة كلامه:


1. يونس:59.

(294)

إنّ الصحابة هم الذين عاصروا رسول اللّهص ونقلوا أقواله وأفعاله، فكانوا أعرف الناس بأسرار التشريع الاِسلامي ومصادره وموارده، فمن اتّبعهم فهو من الذين قال اللّه فيهم: "وَالّذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسان" ثمّ نقل عن الاِمام أبي حنيفة، أنّه كان يقول: إذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسول اللّه، أخذت بقول من شئت من أصحابه، وتركت من شئت، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1. كونهم أعرف بأسرار التشريع لا يلازم كون المنقول ممّا سمعه، إذ من المحتمل انّه استنبطه من الاَدلّة بحجّة أنّهم أعرف بأسرار التشريع.
2. انّما نقله من أبي حنيفة يدلّ على حرمة الخروج عن أقوال الصحابة إذا علم إجمالاً انّالحقّ غير خارج عن أقوالهم المتعارضة، وأين هذا من الاَخذ بقول كلّ صحابي وإن لم ينحصر الحقّ في قوله؟!

وهناك نكتة أُخرى وهي انّ الصحابة لو كانوا مقتصرين في مقام الاَخذ، على سنّة الرسول فقط كان لما ذكره وجه، ولكنّهم ـ مع الاَسف ـ لم يقتصروا عليها، بل أخذوا من مستسلمة أهل الكتاب، فقد أخذ أبو هريرة وابن عباس من كعب الاَحبار ـ الذي عدّوه من أوعيـة العلم ـ كثيراً، كما أخذ عنه وعن أضرابه كتميم الداري غيرهما من الصحابة.

والحاصل: انّ الحجّة هو العلم بأنّه بصدد نقل سنة الرسول سواء أكان مصيباً أم مخطئاً، وأمّا إذا ظنّ بأنّه كذلك فليس بحجّة وما دلّت من الاَدلّة على


1. الدكتور شعبان محمد إسماعيل: مصادر التشريع الاِسلامي: 269ـ 277؛ ولاحظ كتاب الاَُمّ: 7|24.

(295)

حجّية قول الصحابي، منحصر بما إذا علم انّه بصدد بيان كلامه وقوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، أو عمله وفعله، أو تقريره وتصديقه.

***

2. الحجّة هو الاَعم من القول والرأي

يظهر من كلام ابن قيم الجوزيّة، انّ موضوع النزاع أعمّمن القول والرأي فقد أقام على حجّيته 46 دليلاً لا يسعنا ذكر معشارها، لاَنّغالبها لا يخرج عن نطاق الحدس، وإنّما نقتصر على دليلين:

الدليل الاَوّل

إنّ قول الصحابي يحتمل أوجهاً لا تخرج عن ستة:
1. أن يكون قد سمعها من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
2. أن يكون سمعها ممّن سمعها منه.
3. أن يكون فهمها من آيات كتاب اللّه فهماً خفي علينا.
4. أن يكون قد اتّفق عليها مَلَوَُهم ولم ينقل إلينا إلاّ قول المفتي بها وحده.
5. أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أُمور فهموها على طول الزمان لاَجل معاشرة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .
6. أن يكون فهم ما لم يرده الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - واخطأ في فهمه، والمراد غير ما فهمه، وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجّة، ومعلوم قطعاً أنّ وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين وذلك يفيد ظناً غالباً قوياً


(296)

على أنّ الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال مَن بعده وليس المطلوب إلاّ الظنّ الغالب والعمل به متعين، ويكفي العارف هذا الوجه.(1)

أقول: يلاحظ عليه بوجوه:

الاَوّل: أنّ أقصى ما يمكن أن يقال هو الظن الغالب بأنّه استند إلى الوجوه الخمسة الاَُولى لا القطع به، وقد دللنا في صدر الفصل على أنّ الاَصل في الظن عدم الحجّية، إلاّإذا دلّ دليل قطعي على حجّيته.

الثاني: من أين نعلم انّ فهمه من الكتاب كان فهماً صحيحاً؟ أو انّ استفادته من اللغة كانت استفادة رصينة مع أنّ التابعين من العرب الاَقحاح مثله؟ فما هو الفرق بين أن يكون قوله حجّة دون التابعين؟

الثالث: يحتمل أن يكون لفتواه مصادر ظنّية اعتمد عليها، كالقياس بشيء لا يخطر في أذهاننا، أو الاعتماد على وجوه واعتبارات تبلورت في ذهنه، أو الاستناد إلى الاِطلاق والعموم مع انّه ليس من مواردها، لكون المورد شبهة مصداقية لهما.

قال الشوكاني: والحقّ أنّه ليس بحجّة، فإنّ اللّه سبحانه لم يبعث إلى هذه الاَُمّة إلاّنبيّنا محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، وليس لنا إلاّرسول واحد وكتاب واحد، وجميع الاَُمّة مأمورة باتّباع كتابه وسنّة نبيّه ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية، وباتّباع الكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه عزّ وجلّ بعد كتاب اللّه تعالى وسنّة رسوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - و ما يرجع إليهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت.(2)


1. ابن القيم: اعلام الموقعين:4|148 في ضمن الدليل الثالث والاَربعين.
2. الشوكاني: ارشاد الفحول: 214.

(297)

الدليل الثاني

قد ذكر ابن القيم في الوجه الرابع والاَربعين ما هذا لفظه: انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: «لا تزال طائفة من أُمّتي ظاهرين بالحق».

وقال علي ـ كرم اللّه وجهه ـ: «لا تخلو الاَرضُ من قائم للّه بحجّة، لئلاّ تبطل حججُ اللّه وبيناته» فلو جاز أن يخطىَ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الاَُمّة قائم بالحقّ في ذلك الحكم، لاَنّهم بين ساكت ومخطىَ، ولم يكن في الاَرض قائم للّه بحجّة في ذلك الاَمر، ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر.(1)

أقول: أمّا الحديث الاَوّل فيدلّ على وجود طائفة ظاهرين بالحقّ من أُمّته، ولكن من أين نعلم أنّهم هم الصحابة؟ فانّ الاَخبار عن الكبرى لا تثبت الصغرى، أي كون القائمين بالحقّهم الصحابة، فليكن القائمون هم التابعون لهم بإحسان.

وأمّا الحديث الثاني فيدلّ على وجود القائم بالحقّ بين الاَُمّة في كلّ الاَزمنة والاَعصار لا الناطق بالحقّ، وشتان ما بين القائم بالحقّ والناطق بالحقّ ، والقائم بالحقّ بطبيعة الحال يكون ناطقاً، ولكن ربما يكون مضطراً إلى السكوت خوفاً من حكّام الجور، فلا يكون سكوت الاَُمّة دليلاً على إصابة الصحابي الناطق وكونه القائم بالحقّ.

وجود المخالفة بين الصحابة

إنّ تاريخ التشريع حافل بنماذج كثيرة من مخالفة صحابي لصحابي آخر


1. اعلام الموقعين:4|150، فصل جواز الاَخذ بفتاوى الصحابة.

(298)

حتى بعد سماع كلامه وقوله، فلو كان قول الصحابي نتاجاً للسماع لما جاز لآخر أن يخالفه ويقدّم رأيه على قوله، فإنّه يكون من قبيل تقديم الرأي على النصّ، وهذا يعرب على أنّ قول الصحابي لا يساوق سماعه عن النبي، بل أعمّمنه بكثير، وهذا هو الذي يسوغ وجود المخالفة بينهم، فمثلاً:

كان أبو بكر وعمر وعبد اللّه بن عباس يرون قول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام إيلاء ويميناً، وفي الوقت نفسه كان ابن مسعود يراه طلقة واحدة، وكان زيد ابن ثابت يراه طلاق ثلاث، فلم يقل أحد انّ قول الخليفتين حجّة على الآخرين.

وذلك لاَنّ كلّ واحد كان مجتهداً ومستنبطاً، وليس رأي المستنبط حجّة على الآخرين، فإذا كان هذا هو الحال بين الصحابة، فليكن كذلك بعدهم، فإنّ التكليف واحد، والتشريع فارد، فلا معنى أن يكون تكليف الصحابة مغايراً لتكليف التابعين لهم بإحسان، أي لا يكون رأي الصحابي حجّة على مثله، ولكنّه حجّة على التابعين.

اجتهاد الصحابي بين الردّوالقبول

كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حجّة لهم لعدم تمكنهم من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إليه، إمّا يقرّهم على ما رأوا، وإمّا أن يبيّن لهم خطّ الصواب، فلم يكن اجتهاد الصحابي بما هو اجتهاد من مصادر التشريع، وهو ظاهر لمن رجع إلى اجتهادات الصحابة وطرحها على الرسول وهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بين مصوب لهم ومخطىَ، ولنذكر نموذجين:


(299)

1. كان علي - عليه السّلام - باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كلّواحد منهم هو ابني، فجعل علي - عليه السّلام - يخبرهم واحداً واحداً أترضى أن يكون الولد لهذا؟ فأبوا، فقال: «أنتم شركاء متشاكسون» فأقرع بينهم، فجعل الولد للذي خرجت له القرعة، وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فضحك حتى بدت نواجذه، من قضاء علي - عليه السّلام - . روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب «الفقيه والمتفقّه». (1)

وقد اعتبر علي - عليه السّلام - في هذا الحكم أنّه بالنسبة للقارع بمنزلة الاِتلاف للآخرين، كمن أتلف رقيقاً بينه وبين شريكين له، فإنّه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر بحكم القرعة، كإتلاف الرقيق الذي بينهم.
2. روى مسلم، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه انّ رجلاً أتى عمر، فقال: إنّي أجنبت فلم أجد ماء؟ قال: لا تصلّ، فقال عمار: ما تذكر يا أمير الموَمنين إذ أنا وأنت في سرية ، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلّ، وأمّا أنا فتمعكت في التراب وصليت.

فقال النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّما يكفيك أن تضرب بيديك الاَرض، ثمّتنفخ، ثمّتمسح بهما وجهك وكفيك.

فقال عمر: اتّق اللّه يا عمار، قال: إن شئت لم أُحدّث به. (2)

أحاديث الاقتداء بالصحابة

قد ذكرنا انّ ابن قيم الجوزية استدل على أنّ رأي الصحابة والتابعين حجّة


1. اعلام الموقعين: 1|203.
2. صحيح مسلم: 1|193، باب التيمّم.

(300)

بأنفسهما، واستدل على ذلك بوجوه كثيرة لا دلالة فيها لما يروم إليه.و إليك بعض ما استدلّ به من الروايات:
1. ما رواه الترمذي من حديث الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن هلال مولى رِبْعي بن حِرَاش، عن رِبْعي، عن حذيفة، قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر و عمر». (1)

وفيه أنّالحديث مخدوش سنداً ودلالةً.

أمّا سنداً فبعبد الملك بن عمير، حيث روى إسحاق الكوسج، عن يحيى بن معين قال: مخلط.

وقال علي بن الحسن الهسنجاني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: عبد الملك ابن عمير مضطرب الحديث جداً مع قلّة روايته.

وذكر إسحاق الكوسج عن أحمد، أنّه ضعفه جداً. (2)

وقد نقل هذا الحديث بسند ثان عن أحمد بن محمد بن الجسور، حدّثنا أحمد ابن الفضل الدينوري، حدّثنا محمد بن جبير، حدّثنا عبد الرحمن بن الاَسود الطفاوي، حدّثنا محمد بن كثير الملائي، حدّثنا المفضل الضبي عن ضرارة بن مرة، عن عبد اللّه بن أبي الهذيل العتري، عن جدته.

وهو مخدوش أيضاً، لاَنّه مروي عن مولى لربعي مجهول، كما أنّالمفضل بن محمد الضبي متروك الحديث، متروك القراءة. (3)

كما نقل هذا الحديث بسند ثالث عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن


1. اعلام الموقعين: 4|140.
2. سير أعلام النبلاء: 5|439.
3. الرازي، الجرح والتعديل: 8|318 برقم 1466، لسان الميزان: 6|81 برقم 293.

(301)

ابن الدخيل، عن العقيلي، عن محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا وكيع، حدثنا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حرث وأبي عبد اللّه رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة.

وفيه أنّ هلال مولى ربعي مجهول، كما أنّ سالم المرادي قد ضعَّفه ابن معين والنسائي. (1)

وأمّا دلالةً، فقد قال ابن حزم: وأمّا رواية: «اقتدوا باللّذين من بعدي» فحديث لا يصح. ولو صحّ لكان عليهم لا لهم، لاَنّهم ـ أصحاب مالك و أبي حنيفة والشافعي ـ أترك الناس لاَبي بكر وعمر، وقد بيّنا انّ أصحاب مالك خالفوا أبا بكر ممّا رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية ممّا رووا في الموطأ خاصة، وقد ذكرنا انّ عمر وأبا بكراختلفا، وإن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد. (2)

2. ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد اللّه بن رباح عن أبي قتادة انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال: إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا. (3)

أقول: لو صحّت الرواية، وقلنا بأنّ المراد من القوم هم المسلمون بأجمعهم إلى يوم القيامة، لدلّت على وجوب طاعتهما فيما لهما فيه أمر ونهي، وأين هما من لزوم الاَخذ بآرائهما وفتاواهما في الاَحكام الشرعية التي ليس لهما فيه أي أمر ونهي؟!
3. ما روي عن طريق عبد اللّه بن روح، عن سلام بن سلم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الاَعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً انّ النبي (صلى الله عليه


1. كتاب الضعفاء الكبير: 2|150 برقم 651، لسان الميزان: 3|7 برقم 21.
2. ابن حزم الاَندلسي: الاحكام: 5|243.
3. ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين: 4|140.

(302)

وآله وسلم) قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. (1)

وهذا الحديث مخدوش سنداً ودلالة.

أمّا سنداً: فبالحارث بن غصين، قال عنه ابن عبد البر في كتاب العلم: مجهول. (2)

كما أنّ في السند المذكور سلام بن سلم المدائني، وقيل: سلام بن سليمان المدائني، قال عنه يحيى: كان ضعيفاً.

وقال الاَعين: سمعت أبا نعيم ضعّف سلام بن سلم. (3)

وقال عنه البخاري: سلام بن سلم المدائني: متروك.

وذكره ابن حبان في المجروحين. (4)

كما روي هذا الحديث أيضاً عن طريق عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر. وعن طريق حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر.

وفيه أنّ عبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان (5) وحمزة الجزري مجهول.

وأمّا دلالة: فلما قاله ابن حزم: قد ظهر أنّ هذه الرواية لا تثبت أصلاً إذ من المحال أن يأمر رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - باتباع كلّ قائل من الصحابة، وفيهم من يحلل الشيء، وغيره منهم يحرّمه. (6)

ولقد أجاد الشوكاني حينما قال: وأمّا ما تمسّك به بعض القائلين بحجيّة


1. ابن عبد البر: جامع العلم: 2|91، ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 8|556، رقم الحديث 6369.
2. لسان الميزان: 2|156.
3. العقيلي: الضعفاء الكبير: 2|158.
(4)4 ابن حبان: المجروحين: 2|339.
5. سير أعلام النبلاء: 8|358، التاريخ الكبير: 6|137، ميزان الاعتدال: 2|605.
6. ابن حزم الاَندلسي: الاحكام: 5|244.

(303)

قول الصحابي ممّا روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم، فهذا ممّا لم يثبت قط، والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصحّ العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الاَمر العظيم والخطب الجليل؟! (1)

وحاصل الكلام: أنّ الفقيه يجب أن يعتمد على كتاب اللّه وسنّة رسولـه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و ان يحتج بما جعله اللّه حجّة بينه و بين اللّه تبارك وتعالى، كخبر العدل المتصل إلى المعصوم، أو العقل فيما له فيه قضاء وحكم، وأمّا في غير هذه الموارد كآراء الصحابة أو التابعين وسنتهم وسيرتهم فكلّها أُمور ظنية لا دليل على الاحتجاج بها إلاّإذا ثبت أنّها أقوال الرسول و سننه، وأنّى لنا إثبات ذلك.

وبذلك يعلم أنّالفقه ليس هو نقل آراء الصحابة والتابعين، أو الفقهاء الذين جاءوا بعدهم، فإنّ مرد ذلك إلى سرد آراء أُناس غير مصونين عن الخطأ والزلل.

روَيا الصحابي والتشريع

قد وقفت على أنّ التشريع الاِلهي أعلى وأجل من أن تناله يد الاجتهاد، فالتشريع فيض إلهي جارٍ من ينبوع فياض لا يشوبه خطأ ولا وهم ولا ظن ولا خرص ولا تخمين، والنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - هو المبين للتشريع، وليس بمجتهد فيه يضرب الآراء بعضها ببعض كي يصل إلى حكم اللّه سبحانه.

وأسوأ من ذلك أن تكون روَيا الصحابة أو تصويبهم مصدراً للتشريع، ومع الاَسف نرى نماذج كثيرة منها مروية في الصحاح والمسانيد، فلنقتصر على ذكر نموذجين على سبيل المثال:


1. الشوكاني: إرشاد الفحول: 214.

(304)

1. اهتم النبي للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع ـ يعني الشبَّور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود.

قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى.

فانصرف عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأُري الاَذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فأخبره، فقال له: يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظـان، إذ أتاني آت فأراني الاَذان.

قال: وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوماً، ثمّ أخبر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فقال له - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد، فاستحييت.

فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله، قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فاخبرني أبو عمير انّالاَنصار تزعم أنّعبد اللّه بن زيد لولا انّه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول اللّه موَذناً. (1)

إنّ هذه الرواية وما شاكلها لا تتفق مع مقام النبوة، لاَنّه سبحانه بعث رسوله لاِقامة الصلاة مع الموَمنين في أوقات مختلفة، وطبيعة الحال تستدعي أن يعلمه سبحانه كيفية تحقّق هذه الاَُمنية، فلا معنى لتحيّر النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أياماً طويلة، وهو لا يدري كيف يحقّق المسوَولية الملقاة على عاتقه!!


1. أبو داود: السنن: 1|134ـ135 برقم 498ـ 499، تحقيق محمد محيي الدين.لاحظ ابن ماجه: السنن: 1|232ـ 233، باب بدء الاَذان برقم 706ـ 707، الترمذي؛ السنن: 1|358 باب ما جاء في بدء الاَذان برقم 189.

(305)

إنّ الصلاة والصيام من الاَُمور العبادية وليست من الاَُمور الطبيعية العادية حتى يشاور النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيها أصحابه، أوليس من الوهن في أمر الدين أن تكون رُوَى وأحلام أشخاص عاديين مصدراً لاَمر عبادي في غاية الاَهمية كالاَذان والاِقامة.

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأن كون الروَيا مصدراً للاَذان أمر مكذوب ومجعول على الشريعة، وانّ الكذّابين المنتمين إلى بيت عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا هذه الاَُكذوبة طلباً لعلو المنزلة والجاه.

إنّ البحث عن اسناد الروايات الواردة في هذا الموضوع وما فيها من التناقض لا يناسب وضع الكتاب. (1)

2. روى الاِمام أحمد أنّ الصحابة كانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل إن جاءكم صلى، فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصلّيها، ثمّ يدخل مع القوم في صلاتهم.

قال: فجاء معاذ، فقال: لا أجده على حال أبداً إلاّ كنت عليها، ثمّ قضيت ما سبقني.

قال: فجاء وقد سبقه النبي ببعضها، قال: فثبت معه، فلمّا قضى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته قام فقضى.

فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : قد سنَّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوا. (2)

قد سبق انّ الصلاة عبادة إلهية وليس في الاِسلام عبادة أعظم منها، فكيف


1. انظر الاعتصام بالكتاب والسنّة: 25ـ 48.
2. مسند أحمد بن حنبل: 5|246.

(306)

تخضع لسنّة صحابي مقطوع عن الوحي، وقد سنَّ شيئاً اعتباطياً دون أن يستأذن من النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فكان عمله أشبه بالبدعة وإدخال شيء في الدين مالم يأذن به اللّه؟! ومعاذ أجلُّ من أن لا يعرف حد البدعة والسنّة ويدخل في الصلاة مع النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وقد سبقه النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ثمّ يقضي ما فاته.

وأنت إذا تصفحت الصحاح والمسانيد تعثر على نماذج كثيرة لهذا النوع من التشريع.


(307)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
7
إجماع أهل المدينة

قد نقل انّ مالك بن أنس اعتمد في فقهه على أحد عشر دليلاً:
1. القرآن، 2. السنّة، 3. الاِجماع، 4. إجماع أهل المدينة، 5. القياس، 6. قول الصحابي، 7. المصلحة المرسلة، 8. العرف والعادة، 9. سد الذرائع، 10. الاستصحاب، 11. الاستحسان.

غير انّ الشاطبي في الموافقات أرجع هذه الاَدلّة إلى أربعة، وهي: الكتاب والسنّة والاِجماع والرأي، فإنّ إجماع أهل المدينة وقول الصحابي كاشفان عن السنّة فهما من شعبها، والاَدلة الباقية من شعب الرأي ومن وجوهه.

وعلى كلّ تقدير فقد ذهب مالك إلى حجّية اتفاق أهل المدينة قائلاً: بأنّ المدينة دار الهجرة، وبها نزل القرآن وأقام رسول اللّه وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل ربما كان من بيان رسول اللّه للوحي، وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحقّ لا يخرج عمّا يذهبون إليه، فيكون عملهم حجّة يقدّم على القياس وخبر الواحد.

وقد أوجد مشربه هذا ضجة كبيرة بين معاصريه، فردّ عليه فقيه عصره اللّيث بن سعد في رسالة مفصلة نقد فيها قسماً من آراء مالك التي أفتى بها نظراً


(308)

لاتفاق أهل المدينة عليها وإن كان موضع خلاف بينهم وبين من خرجوا من دار الهجرة إلى غيرها من أمصار الاِسلام، وهذه المسائل عبارة عن:
1. الجمع بين الصلاتين ليلة المطر.
2. القضاء بشهادة واحد ويمين صاحب الحق.
3. طلب المرأة موَخر صداقها حال قيام الزوجية.
4. الاِيلاء ووقوع الطلاق به.
5. الحكم إذا ملّك الزوج امرأته أمرها.
6. ترتيب أعمال صلاة الاستسقاء.
7. زكاة أموال الخليطين.
8. المفلس وقد باعه رجل سلعة.
9. الاسهام في الجهاد لفرس واحد أو لفرسين.

وقد نقل ابن القيم رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس في كتاب اعلام الموقعين عن رب العالمين. (1)

وقد سبقه في النقل أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (المتوفّى 277هـ) في كتابه «المعرفة والتاريخ» (2) وبسط الدكتور محمد يوسف موسى الكلام حول هذه المسائل من وجهة نظر الفقه السنّي، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه. (3)

ولمّا وصلت رسالة الليث إلى مالك ردّ عليها وكتب رسالة نقلها القاضي


1. اعلام الموقعين: 3|94ـ100، طبع دار الفكر.
2.أبو يوسف يعقوب الفسوي: المعرفة والتاريخ: 1|687ـ697.
3. الدكتور محمد يوسف موسى: تاريخ الفقه الاِسلامي: 2|90ـ 101.

(309)

عياض (المتوفّـى 544هـ) في كتابه «ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة اعلام مذهب مالك» وحيث إنّ هذه الرسالة موجزة ننقلها بنصها، وكان الاَحرى أن ننقل رسالة الليث أيضاً، لكن إسهابها عاقنا عن إثباتها بنصها:

رسالة مالك إلى الليث بن سعد

من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد.

سلام عليكم!

فإنّي أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلاّهو. أمّا بعد عصمنا اللّه وإيّاك بطاعته في السر والعلانية، وعافانا وإيّاك من كل مكروه. اعلم رحمك اللّه أنّه بلغني أنّك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: "وَ السّابِقُونَ الاََوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرينَ وَالاََنْصار " (1) الآية. وقال تعالى: "فَبَشِّرْ عَباد* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (2) الآية. فإنّما الناس تبع لاَهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن، وأحلّ الحلال وحرّم الحرام، إذ رسول اللّه بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسنّ لهم فيتبعونه، حتى توفّاه اللّه، واختار له ما عنده صلوات اللّه عليه ورحمته وبركاته. ثمّ قام من بعده أتبع الناس له من أُمته ممّن ولي الاَمر من بعده، فما نزل بهم ممّا علموا أنفذوه، ومالم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثمّ أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم،


1. التوبة: 100.
2. الزمر: 17 ـ 18.

(310)

وإن خالفهم مخالف أو قال امروَ غيره أقوى منه أو أولى، ترك قوله وعمل بغيره، ثمّ كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الاَمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به لم أر لاَحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لاَحد انتحالها ولا ادّعاوَها، ولو ذهب أهل الاَمصار يقولون هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضى عليه من مضى منّا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم.

فانظر رحمك اللّه فيما كتبت إليك فيه لنفسك، واعلم أنّي أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت به إليك إلاّالنصيحة للّه تعالى وحده، والنظر لك والضن بك، فانزل كتابي منك منزلته، فإنّك إن فعلت تعلم أنّي لم آلك نصحاً. وفقنا اللّه وإيّاك لطاعته وطاعة رسوله في كلّ أمر وعلى كلّ حال. والسلام عليك ورحمة اللّه، وكتب يوم الاَحد لتسع مضين من صفر. (1)

ولم تكن رسالة مالك إلى الليث مقنعة لمن أتى بعده، فقد رد عليه ابن حزم الظاهري قائلاً في إبطال قول من قال: الاِجماع هو إجماع أهل المدينة، فإنّ هذا قول لهج به المالكيون قديماً وحديثاً، وهو في غاية الفساد، لاَنّ قولهم: إنّ أهل المدينة أعلم بأحكام رسول اللّه من سواهم كذب وباطل، وإنّما الحقّ انّ أصحاب رسول اللّه وهم العالمون بأحكامه سواء بقى منهم من بقى بالمدينة، أو خرج منهم من خرج لم يزد (2) الباقي بالمدينة بقاوَه فيها درجة في علمه وفضله ولا حطّ (3) الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله.

وأمّا قولهم: شهدوا آخر حكمه وعلموا ما نسخ ممّا لم ينسخ، فتمويه


1. القاضي عياض: ترتيب المدارك: 1|64ـ65.
2. في المطبوع: لم يرد، وهو تصحيف.
3. في المطبوع: لاحظ، وهو تصحيف.

(311)

فاحش وكذب ظاهر، بل الخارجون من الصحابة من المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم لها منهم سواء، كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة.

فظهر فساد كلّما موّهوا به، وبنوه على هذا الاَصل الفاسد، وأسموه بهذا الاَساس المنهار. (1)

كما رد عليه الاِمام الآمدي أيضاً بقوله: اتّفق الاَكثرون على أنّ إجماع أهل المدينة وحدهم لا يكون حجّة على من خالفهم في حالة انعقاد إجماعهم، خلافاً لمالك، فإنّه قال: يكون حجّة.

ومن أصحابه من قال: إنّما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.

ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفته.

ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

والمختار مذهب الاَكثرين، وذلك انّ الاَدلّة الدالّة على أنّ الاِجماع حجّة، ليست ناظرة إلى أهل المدينة دون سواهم لا سيما وانّهم لا يوَلّفون كل الاَُمة، فلا يكون إجماعهم حجة.

ثمّذكر من نصر مذهب مالك بالنص والعقل، وذكر من الثاني ثلاثة أوجه، ثمّ أخذ بالرد على جميع الوجوه، وخرج بالنتيجة التالية:

لا يكون إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمصرين: الكوفة والبصرة حجّة على مخالفيهم، وإن خالف فيه قوم لما ذكرناه من الدليل. (2)

إنّ اتّفاق أهل المدينة على حكم شرعي ليس بأقوى من إجماع علماء عصر


1. ابن حزم، الاحكام: 4|586ـ587.و لكلامه صلة، فراجع.
2. الآمدي: الاحكام في أُصول الاَحكام: 1|302ـ 305.

(312)

واحد على حكم شرعي، فكما أنّ الثاني لا يكون حجّة على المجتهد ولا يمكن أن يستدل به على الحكم الشرعي، فهكذا اتفاق أهل المدينة، خاصة أنّ عنصر الاتّفاق تم على تقليد بعضهم البعض، فالاحتجاج بهذاالاتفاق ونسبته إلى الشارع بدعة وافتاء بما لم يعلم انّه من دين اللّه.

نعم لو كان اتفاقهم ملازماً لاِصابة الواقع خاصة في العصور الاَُولى، فيوَخذ به لحصول العلم، وأنّى للمجتهد إثبات تلك الملازمة، أو لو كشف اتّفاقهم عن وجود دليل معتبر وصل إليهم ولم يصل إلينا يمكن أن يحتج به.

وحصيلة البحث: أنّ اتّفاق أهل المدينة أو اتفاق المصرين الكوفة والبصرة رهن وجود الملازمة العادية بين الاتفاق وإصابته الواقع، أو بين الاتفاق ووجود دليل معتبر وإلاّ فلا قيمة لاتفاق غير المعصوم قليلاً كان أو كثيراً.

***


(313)

مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه عند أهل السنّة
8
اجماع العترة (1)

كلّ من كتب في تاريخ الفقه الاِسلامي وتعرض لمنابع الفقه والاَحكام غفل عن ذكر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وحجّية أقوالهم فضلاً عن حجّية اتّفاقهم، وذلك بعين اللّه بخس لحقوقهم، وحيث إنّ المقام يقتضي الاختصار نستعرض المهم من الاَدلّة الدالة على حجّية أقوالهم فضلاً عن اتّفاقهم على حكم من الاَحكام، كقوله سبحانه: "إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً". (2)

والاستدلال بالآية على عصمة أهل البيت وبالتالي حجية أقوالهم رهن أُمور:

الاَوّل: الاِرادة في الآية إرادة تكوينية لا تشريعية، والفرق بين الاِرادتين واضح، فإنّ إرادة التطهير بصورة التقنين تعلقت بعامة المكلّفين من غير اختصاص بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قال سبحانه: "وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ".(3)

فلو كانت الاِرادة المشار إليها في الآية إرادة تشريعية لما كان للتخصيص والحصر وجه مع انّا نجد فيها تخصيصاً بوجوه خمسة:

أ: بدأ قوله سبحانه بحرف "إِنَّما" المفيد للحصر.


1. وهو نفس تعبير الطوفي في رسالته.
2. الاَحزاب: 33.
3. المائدة: 6.

(314)

ب: قدّم الظرف "عَنْكُم" وقال: "لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ" ولم يقل ليذهب الرجس عنكم لاَجل التخصيص.

ج: بيّن من تعلّقت إرادته بتطهيرهم بصيغة الاختصاص، وقال: "أَهلَ الْبَيْتِ" أي أخصّكم.

د: أكد المطلوب بتكرير الفعل، وقال: "وَيُطَهِّرَكُمْ" تأكيداً "لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس" .

هـ: أرفقه بالمفعول المطلق، وقال: "تَطْهِيراً" .

كلّ ذلك يوَكد انّ الاِرادة التي تعلّقت بتطهير أهل البيت غير الاِرادة التي تعلّقت بعامة المكلّفين.

ونرى مثل هذا التخصيص في مريم البتول قال سبحانه: "إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمين" . (1)

الثاني: المرادمن الرجس كل قذارة باطنية ونفسية، كالشرك، والنفاق، وفقد الاِيمان، ومساوي الاَخلاق، والصفات السيئة، والاَفعال القبيحة التي يجمعها الكفر والنفاق والعصيان، فالرجس بهذا المعنى أذهبه اللّه عن أهل البيت، ولا شكّ انّ المنزّه عن الرجس بهذا المعنى يكون معصوماً من الذنب بإرادة منه سبحانه، كيف وقد ربّاهم اللّه سبحانه وجعلهم هداة للاَُمة كما بعث أنبياءه ورسله لتلك الغاية.

الثالث: المراد من أهل البيت هوعلي وفاطمة وأولادهما، لاَنّ أهل البيت وإن كان يطلق على النساء والزوجات بلا شك كقوله سبحانه: "أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت" . (2) لكن دلّالدليل القاطع على أنّالمراد


1. آل عمران: 42.
2. هود: 73.

(315)

في الآية غير نساء النبي وأزواجه وذلك بوجهين:

أ: نجد انّه سبحانه عندما يتحدّث عن أزواج النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يذكرهن بصيغة جمع الموَنث ولا يذكرهن بصيغة الجمع المذكر، فإنّه سبحانه أتى في تلك السورة (الاَحزاب) من الآية 28 إلى الآية 34 باثنين وعشرين ضميراً موَنثاً مخاطباً بها نساء النبي، وإليك الاِيعاز بها:
1. كُنْتُنّ، 2. تُرِدْنَ، 3. تَعالَيْنَ، 4. أُمتّعكُنّ، 5. أُسرّحْكُنَّ. (1)

6. كُنْتُنَّ، 7. تُرِدْنَ، 8. مِنْكُنَّ. (2)

9. مِنْكُنَّ. (3)

10. مِنْكُنَّ. (4)

11. لَسْتُنَّ، 12. إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، 13. فَلا تَخْضَعْنَ، 14. قُلْنَ. (5)

15. قَرْنَ، 16. فِي بُيُوتِكُنَّ، 17. تَبَرَّجْنَ، 18. أَقِمْنَ، 19. آتِينَ، 20. أَطِعْنَ اللّهَ. (6)

21. اذكُرْنَ، 22. في بُيُوتِكُنَّ. (7)

وفي الوقت نفسه عندما يذكر أئمة أهل البيت في آخر الآية 33 يأتي بضمائر مذكّرة ويقول: "ليذهب عنكم... ويطهّركم" فإنّ هذا العدول دليل على أنّالذكر


1. الاَحزاب: 28.
2. الاَحزاب: 29.
3. الاَحزاب: 30.
4. الاَحزاب: 31.
5. الاَحزاب: 32.
6. الاَحزاب: 33.
7. الاَحزاب: 34.

(316)

الحكيم انتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أي من نساء النبي إلى أهل بيته، فلابدّ أن يكون المراد منه غير نسائه.

ب: انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أماط الستر عن وجه الحقيقة، فقد صرّح بأسماء من نزلت الآية بحقّهم حتى يتعيّن المقصود منه باسمه ورسمه ولم يكتف بذلك، بل أدخل جميع من نزلت الآية في حقّهم تحت الكساء ومنع من دخول غيرهم.

ولم يقتصر على هذين الاَمرين (ذكر الاَسماء وجعل الجميع تحت كساء واحد) بل كان كلّما يمرّ ببيت فاطمة إلى ثمانية أشهر يقول: الصلاة، أهل البيت "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وقد تضافرت الروايات على ذلك، ولولا خوف الاِطناب لاَتينا بكلِّ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، ولكن نذكر من كلّطائفة نموذجاً.

أمّا الطائفة الاَُولى: أخرج الطبري في تفسير الآية عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نزلت الآية في خمسة: فيّوفي علي رضي اللّه عنه وحسن رضي اللّه عنه، وحسين رضي اللّه عنه، وفاطمة رضي اللّه عنها، "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وقد رويت روايات كثيرة في هذا المجال، فمن أراد فليرجع إلى تفسير الطبري والدر المنثور للسيوطي.

وأمّا الطائفة الثانية: فقد روى السيوطي وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي اللّه عنها، قالت: خرج رسول اللّه غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين رضي اللّه عنهما فأدخلهما معه، ثمّ جاء علي فأدخله معه، ثمّ قال: "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .


(317)

ولو لم يرد ذكر فاطمة في هذا الحديث، فقد جاء في حديث آخر، حيث روى السيوطي، قال: واخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد، قال: نزل على رسول اللّه الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه، قال: اللّهمّ إنّ هوَلاء أهل بيتي.

وفي حديث آخر جاء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى فاطمة ومعه حسن وحسين، وعلي حتى دخل، فأدنى علياً وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسناً وحسيناً كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثمّ تلا هذه الآية: "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" .

وأمّا الطائفة الثالثة: فقد أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: الصلاة أهل البيت "إِنّما يُريدُ اللّه لِيُذْهبَ عَنْكُمُ الرِّجس أهلَ البيت ويُطَهِّركم تَطهيراً" . (1)

والروايات تربو على أربع وثلاثين رواية، رواها من عيون الصحابة؛ أبو سعيد الخدري، أنس بن مالك، ابن عباس، أبو هريرة الدوسي، سعد بن أبي وقاص، واثلة بن الاَسقع، أبو الحمراء، أعني: هلال بن حارث، أُمهات الموَمنين: عائشة وأُمّ سلمة. (2)

فعلى ضوء هذا فأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) معصومون من الذنب، قولاً وفعلاً فيكون قولهم كاتفاقهم حجّة وإن غاب هذا الاَمر عن أكثر إخواننا أهل السنّة.

نعم قد عدّ نجم الدين الطوفي (المتوفّـى 716هـ) إجماع العترة الطاهرة من مصادر التشريع الاِسلامي كما أنهاها إلى 19 مصدراً، وإليك روَوسها:


1. وللوقوف على مصادر هذه الروايات لاحظ: تفسير الطبري؛ ج22|5ـ7، والدر المنثور: ج5|198ـ 199.
2. ورواه من أصحاب الصحاح: مسلم في صحيحه: 7|122ـ123، والترمذي في سننه.ولاحظ جامع الاَُصول لابن الاَثير: 10|103.

(318)

1. الكتاب.
2. السنّة.
3. إجماع الاَُمّة.
4. إجماع أهل المدينة.
5. القياس.
6. قول الصحابي.
7. المصلحة المرسلة.
8. الاستصحاب.
9. البراءة الشرعية.
10. العوائد.
11. الاستقراء.
12. سد الذرائع.
13. الاستدلال.
14. الاستحسان.
15. الاَخذ بالاَخف.
16. العصمة.
17. إجماع أهل الكوفة.
18. إجماع العترة.
19. إجماع الخلفاء الاَربعة. (1)

ولا يخفى انّ بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه، وانّ كثيراً ممّا عدّه من مصادر التشريع قابل للاِدغام في البعض الآخر، كما مرّ في بعض الفصول.

إلى هنا تمّ بيان منابع الفقه والاَحكام، وقد عرفت أنّها لا تتجاوز عندنا الاَربعة وأنّ قسماً منها داخل في الاَدلّة الاَربعة، وقسم منها ليس بحجة.


1. رسالة الطوفي، كما في مصادر التشريع الاِسلامي لعبد الوهاب خلاف: 109.

(319)

الفصل الثالث

تأثير الزمان و المكان

في الاستنباط

قد يُطرح الزمان والمكان بما انّهما ظرفان للحوادث والطوارىَ الحادثة فيهما، وقد يطرحان ويراد منهما المظروف، أي تغيّر أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدّم الحضارة وتغيرها، والثاني هو المراد من المقام.

ثمّ إنّه يجب أن تفسر مدخلية الزمان والمكان بالمعنى المذكور في الاجتهاد، على وجه لا تعارض الاَُصول المسلّمة في التشريع الاِسلامي، ونشير إلى أصلين منها:

الاَوّل: انّ من مراتب التوحيد هو التوحيد في التقنين والتشريع، فلا مشرّع ولا مقنّن سواه، قال تعالى: "إِنِ الحُكْمُ إِلاّ للّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون" (1) والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله:"أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ" .

وقال سبحانه:"قالَ الّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرآنٍ غَيْرِهذا أَو بَدِّلْهُ قُلْما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلقاءِنَفْسي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ


1. يوسف : 40.

(320)

رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيم" (1).

الثاني: انّ الرسول خاتم الاَنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

روى زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه - عليه السّلام - عن الحلال والحرام، قال: «حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره» وقال: قال علي - عليه السّلام - :«ما أحد ابتدع بدعة إلاّ ترك بها سنّة».(2)

ولعلّ أوّل من أشار إلى هذه المسألة من علمائنا هو المحقّق الاَردبيلي، حيث قال:ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الاَحكام باعتبار الخصوصيات والاَحوال والاَزمان والاَمكنة و الاَشخاص وهو ظاهر، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف امتياز أهل العلم و الفقهاء، شكر اللّه سعيهم ورفع درجاتهم.(3)

وهناك كلمة مأثورة عن الاِمام السيد الخميني (قدّس سرّه) حيث قال: إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الاِسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكمٌ لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الاَُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده.(4)

إنّ القول بأنّ عنصري الزمان والمكان لا تمسّان كرامة الاَحكام المنصوصة في الشريعة مما اتفقت عليه أيضاً كلمة أهل السنّة حيث إنّهم صرّحوا بأنّ العاملين


1. يونس: 15.
2. الكافي: 1|58، الحديث 19؛ وبهذا المضمون أحاديث كثيرة.
3. مجمع الفائدة والبرهان:3|436.
4. صحيفة النور:21|98.

(321)

المذكورين يوَثران في الاَحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها، فتغيير المصالح ألجأهم إلى تغيير الاَحكام الاجتهادية لا المنصوصة، يقول الاستاذ مصطفى أحمد الزرقاء:

وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الاَحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الاَحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الاَحكام بتغيّـر الزمان».

أمّا الاَحكام الاَساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الاَصلية الآمرة، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود، والتزام الاِنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يُلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الاَذى وقمع الاِجرام، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة، ومسوَولية كل مكلّف عن عمله وتقصيره، وعدم موَاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الاَحكام والمبادىَ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدّل بتبدّل الاَزمان، بل هي الا َُصول التي جاءت بها الشريعة لاِصلاح الاَزمان والاَجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الاَزمنة المحدثة (1)

وعلى هذا فيجب أن يفسر تأثير العاملين بشكل لا يمسُّ الاَصلين المتقدمين، أي أن نحترز أوّلاً عن تشريع الحكم وجعله، وثانياً عن مسّ كرامة تأبيد الاَحكام:

وبما انّ للزمان والمكان تأثيراً في استنباط الاَحكام الشرعية أوّلاً، والاَحكام الحكومية ثانياً نبحث عن كلا الاَمرين في مبحثين مستقلين:


1. المدخل الفقهي العام: 2|924 ـ 925.

(322)

المبحث الاَوّل:

تأثير الزمان والمكان

في استنباط الاَحكام الشرعية

إنّ لتغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تأثيراً كبيراً في استنباط الاَحكام الشرعية، والتأثير يرجع تارة إلى ناحية الموضوع وأُخرى إلى جانب الحكم، وإليك البيان :

الاَوّل: تأثير الزمان والمكان في صدق الموضوعات

قد يراد من تبدّل الموضوع تارة انقلابه إلى موضوع آخر كصيرورة الخمر خلاً والنجس تراباً، وهذا غير مراد في المقام قطعاً.

وأُخرى صدق الموضوع على مورد في زمان ومكان، وعدم صدقه على ذلك المورد في زمان ومكان آخر، وما هذا إلاّ لمدخلية الظروف والملابسات فيها.

ويظهر ذلك بالتأمّل في الموضوعات التالية:
1. الاستطاعة. 2. الفقر. 3. الغنى. 4. بذل النفقة للزوجة. 5. وإمساكها بالمعروف حسب قوله سبحانه: "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف" (1) فإن هذه العنوانات موضوعات لاَحكا محقّقاتها حسب اختلاف الزمان والمكان، فمثلاً:
1. التمكّن من الزاد والراحلة التي هي عبارة أُخرى عن الاستطاعة وله


1. البقرة: 231.

(323)

محقّقات مختلفة عبر الزمان، فربما تصدق على مورد في ظرف ولا تصدق عليه في ظرف آخر، كما هو الحال في الاِمساك بالمعروف فإنّها تختلف حسب الظروف الاجتماعية، وتبدّل أساليب الحياة ولا بُعد إذا قلنا انّ فقير اليوم غنيّ الاَمس.
2. في صدق المثلي والقيميّ، فقد جعل الفقهاء ضوابط للمثلي والقيمي، ففي ظلها عدّوا الحبوب من قبيل المثليات، والاَواني والاَلبسة من قبيل القيميات، وذلك لكثرة وجود المماثل في الاَُولى وندرته في الثانية، وكان ذلك الحكم سائداً حتى تطوّرت الصناعة تطوراً ملحوظاً، فأصحبت تنتج كميات هائلة من الاَواني والمنسوجات لا تختلف واحدة عن الاَُخرى قيد شعرة، فأصبحت القيميات بفضل الازدهار الصناعي مثليات.
3. في صدق المكيل والموزون على شيء حيث إنّ الحكم الشرعي هو بيع المكيل بالكيل، والموزون بالوزن، لا بالعدّ، ولكن هذا يختلف حسب اختلاف البيئات والمجتمعات، ويلحق بكلّ حكمه.
4. ومن أحكامهما انّه لا تجوز معاوضة المتجانسين متفاضلاً إلاّ مثلاً بمثل، إذا كانا من المكيل والموزون، دون المعدود، وهذا يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان، فرب جنس يباع بالكيل والوزن في بلد وبالعدّ في بلد آخر، وهكذا يلحق بكل حكمه.

هذا كلّه حول تأثير عنصري الزمان والمكان في صدق الموضوع.

الثاني: تأثيرهما في ملاكات الاَحكام

لا شكّ انّ الاَحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد، فربما يكون مناط الحكم مجهولاً ومبهماً وأُخرى يكون معلوماً بتصريح من الشارع، والقسم الاَوّل خارج عن محلّ البحث، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.


(324)

فلو كان المناط باقياً فالحكم ثابت، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب الظروف والملابسات يتغير الحكم قطعاً، مثلاً:
1. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم، وبذلك حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراوَه.(1)

2. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الاِسلام، قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور».(2) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الاَعضاء لغاية الانتقام والتشفّي، ولم يكن يومذاك أي فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية للرغبة النفسية ـ الانتقام ـ ولكن اليوم ظهرت فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت، حيث صارت عملية زرع الاَعضاء أمراً ضرورياً يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت.
3. دلّت الروايات على أنّ دية النفس توَدّى بالاَنعام الثلاثة، والحلّة اليمانية، والدرهم والدينار، ومقتضى الجمود على النص عدم التجاوز عن النقدين إلى الاَوراق النقدية، غير انّ الوقوف على دور النقود في النظام الاقتصادي، وانتشار أنواع كثيرة منها في دنيا اليوم، والنظر في الظروف المحيطة بصدور تلك الروايات، يشرف الفقيه على أنّ ذكر النقدين بعنوان انّه أحد النقود الرائجة آنذاك، ولذلك يجزي دفعها من الاَوراق النقدية المعادلة للنقدين الرائجة في زمانهم، وقد وقف الفقهاء على ملاك الحكم عبر تقدّم الزمان.


1. قال السيد الاِمام الخميني (قدّس سرّه) : لم تكن في تلك الاَعصار للدم منفعة غير الاَكل، فالتحريم منصرف إليه.
2. لاحظ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 47.

(325)

الثالث: تأثيرهما في كيفية تنفيذ الحكم

1. تضافرت النصوص على حلِّية الفيء والاَنفال للشيعة في عصر الغيبة، ومن الاَنفال المعادن والآجام وأراضي الموات، وقد كان الانتفاع بها في الاَزمنة الماضية محدوداً ما كان يثير مشكلة ، وأمّا اليوم ومع تطوّر الاَساليب الصناعية وانتشارها بين الناس أصبح الانتفاع بها غير محدود، فلو لم يتخذ أُسلوباً خاصاً في تنفيذ الحكم لاَدّى إلى انقراضها أوّلاً، وخلق طبقة اجتماعية مرفّهة وأُخرى بائسة فقيرة ثانياً.

فالظروف الزمانية والمكانية تفرض قيوداً على إجراء ذلك الحكم بشكل جامع يتكفّل إجراء أصل الحكم، أي حلّية الاَنفال للشيعة أوّلاً، وحفظ النظام وبسط العدل والقسط بين الناس ثانياً، بتقسيم الثروات العامة عن طريق الحاكم الاِسلامي الذي يشرف على جميع الشوَون لينتفع الجميع على حدٍ سواء.
2. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسّم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لاَصحابها، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور بين السيف والرمح والسهم والفرس وغير ذلك، ومن المعلوم انّتقسيمها بين المقاتلين كان أمراً ميسراً آنذاك، أمّا اليوم وفي ظل التقدّم العلمي الهائل، فقد أصبحت الغنائم الحربية تدور حول الدبابات والمدرّعات والحافلات والطائرات المقاتلة والبوارج الحربية، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسر، فعلى الفقيه أن يتّخذ أُسلوباً في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنها.
3. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من الطواف


(326)

حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحسّ حرجاً شديداً في تطبيق عمل الحج على هذه الفتاوى، ولكن تزايد وفود حجاج بيت اللّه عبر الزمان يوماً بعد يوم أعطى للفقهاء روَى وسيعة في تنفيذ تلك الاَحكام على موضوعاتها، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة والحرج، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

الرابع: تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل

إنّ تغير الاَوضاع والاَحوال الزمنية تضفي للمجتهد نظرة جديدة نحو المسائل المطروحة في الفقه قديماً وحديثاً. ولنذكر بعض الاَمثلة:
1. كان القدماء ينظرون إلى البيع بمنظار ضيّق ويفسرونه بنقل الاَعيان وانتقالها، ولا يجيزون على ضوئها بيع المنافع والحقوق، غير انّ تطور الحياة وظهور حقوق جديدة في المجتمع الاِنساني ورواج بيعها وشرائها، حدا بالفقهاء إلى إعادة النظر في حقيقة البيع، فجوّزوا بيع الامتيازات والحقوق عامة.
2. أفتى القدماء بأنّ الاِنسان يملك المعدن المركوز في أرضه تبعاً لها دون أيّ قيد أو شرط، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك، ولم يكن بمقدور الاِنسان الانتفاع إلاّ بمقدار ما يعدّتبعاً لاَرضه، ولكن مع تقدم الوسائل المستخدمة للاستخراج، استطاع أن يتسلّط على أوسع مما يُعد تبعاً لاَرضه، فعلى ضوئه لا مجال للاِفتاء بأنّ صاحب الاَرض يملك المعدن المركوز تبعاً لاَرضه بلا قيد أو شرط، بل يحدد بما يعد تبعاً لها، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الاَنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الاِمام. وليست هذه النظرة الشمولية مختصة بالفقه بل تعم أكثر العلوم.


(327)

الخامس: تأثيرهما في تعيين الاَساليب:

إنّ هناك أحكاماً شرعية لم يحدّد الشارع أساليبها بل تركها مطلقة كي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجع في التقويم علاجاً، وإليك بعض الاَمثلة على ذلك:
1. الدفاع عن بيضة الاِسلام قانون ثابت لا يتغيّـر ولكن الاَساليب المتخذة لتنفيذ هذا القانون موكولة إلى مقتضيات الزمان التي تتغير بتغيّـره، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الاِسلام أصل ثابت إلاّ أمر واحد وهو قوله سبحانه: "وَأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مِن قُوّة" (1) وأمّا غيرها فكلّها أساليب لهذا القانون تتغيّـر حسب تغيّـر الزمان.
2. نشر العلم والثقافة أصل ثابت في الاِسلام، وأمّا تحقيق ذلك وتعيين كيفيته فهو موكول إلى الزمان، فعنصر الزمان دخيل في تطبيق الاَصل الكلّـي حسب مقتضيات الزمان.
3. التشبّه بالكفار أمر مرغوب عنه حتى إنّ الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمر بخضب الشيب وقال: «غيّـروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»، والاَصل الثابت هو صيانة المسلمين من التشبّه بالكافرين، ولما اتسعت دائرة الاِسلام واعتنقته شعوب مختلفة وكثر فيهم الشيب تغير الاسلوب، ولمّا سُئِلَ علي - عليه السّلام - عن ذلك، فقال: «إنّما قال - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ذلك والدين قلّ، فأمّا الآن فقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامروَ وما اختار» (2)


1. الاَنفال: 60.
2. نهج البلاغة: قسم الحكم، رقم 16.

(328)

4. انّ روح القضاء الاِسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها، وكان الاسلوب المتبع في العصور السابقة هو اسلوب القاضي الفرد، وقضاوَه على درجة واحدة قطعية، وكان هذا النوع من القضاء موَمِّناً لهدف القضاء، ولكن اليوم لمّا دبّ الفساد إلى المحاكم وقلَّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل اسلوب القضاء إلى اسلوب محكمة القضاة الجمع، وتعّدد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط، وقد ذكرنا كيفية ذلك في بحوثنا الفقهية (1)

فزبدة القول هي:
1. انّ عنصري الزمان والمكان لا تَمُّسَانِ حصر التشريع في اللّه سبحانه أولاً، ولا كرامة الكبريات و الاَُصول الشرعية ثانياً.
2. تأثير عنصري الزمان والمكان في محقّقات الموضوع.
3. تأثيرهما في الوقوف على ملاكات الاَحكام.
4. تأثيرهما في كيفية إجراء الحكم.
5. تأثيرهما في منح نظرة جديدة نحو المسائل.
6. تأثيرهما في تعيين الاَساليب.

هذا كلّه في تأثيرهما في الاجتهاد واستنباط الاَحكام الاَوّلية، وأمّا تأثيرهما في الاَحكام الحكومية فسيوافيك البحث عنه في الفصل الثاني:

التفسير الخاطىَ أو تغيير الاَحكام حسب المصالح

قد ظهر ممّا ذكرنا انّ القول بتأثير عنصري الزمان والمكان يجب أن يحدّد بمالا يمس كرامة الاَصلين السابقين: حصر التقنين باللّه سبحانه وتعالى، تأبيد


1. انظر نظام القضاء في الشريعة الاِسلامية الغرّاء حيث ذكرنا فيه أنّ تعدّد درجات المحاكم لا ينافي كون القضاء الاَوّل لازم الاِجراء.

(329)

الاَحكام الشرعية غير انّه ربّما يفسر التأثير بنحو خاطىَ وهو تغيير الاَحكام الشرعية حسب المصالح الزمنية وبهذا يبرّر مخالفة بعض الخلفاء للكتاب والسنّة قائلاً بأنّ للحاكم الاَخذ بالمصالح وتفسير الاَحكام على ضوئها، ولنقدّم نموذجاً.

دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثاً، وانّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الاَُخرى، يتخلّل بينها رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلاّ طلاقاً واحداً.وقد جرى عليه رسول اللّه والخليفة الاَوّل وكان - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - لا يمضي من الطلاق الثلاث إلاّ واحدة منها، وكان الاَمر على هذا إلى سنتين من خلافة عمر، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(1)

إنّ من المعلوم انّ استخدام الرأي فيما فيه نص من كتاب أو سنة، أمر خاطىَ، ولو صحّ استخدامه فإنّما هو فيما لا نصّفيه، ولمّا كان ذلك يمسّ كرامة الخليفة جاء الآخرون يبرّرون عمله بتغيّـر الاَحكام، بالمصالح والمفاسد، ويُعد ابن القيم أحد المتحمّسين لهذا التـبرير، قـال: لمّا رأى عمر بن الخطاب انّ مفسـدة تتابع النص في إيقاع الطلاق لا تندفع إلاّبإمضائها على الناس، ورأى مصلحة الاِمضاء أقوى من مفسدة الاِيقاع، أمضى عمل الناس وجعل الطلاق ثلاثاً ثلاثاً.(2)

يلاحظ عليه: أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع مشروعاً.


1. مسلم: الصحيح: باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.
2. إعلام الموقعين:3|48.

(330)

والعجب انّ ابن القيم توجه إلى ذلك وقال: كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثاً) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث، ويحرّمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه، ثمّ نقل عن عمر ابن الخطاب ندامته على التصويب،قال: قال عمر بن الخطاب: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث.(1)


1. إعلام الموقعين:3|36، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان:1|336.

وقد مرّ الكلام في تصويب الخليفة في ص 242 فلاحظ.


(331)

المبحث الثاني:

دور الزمان والمكان

في الاَحكام الحكومية

ثم إنّ ما ذكرناه يرجع إلى دور الزمان والمكان في عملية الاجتهاد والاِفتاء، وأمّا دورهما في الاَحكام الحكومية التي تدور مدار المصالح والمفاسد وليست من قبيل الاَحكام الواقعية ولا الظاهرية، فلها باب واسع نأتي بكلام موجز فيه.

إنّ تقدّم العنوانات الثانوية على الاَوّلية يحلّ العُقَد والمشاكل في مقامين:

الاَوّل: إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الاَوّلي والحكم الثانوي، فيقدّم الثاني على الاَوّل، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ، كتقدّم لا ضرر و لا حرج على الاَحكام الضررية والحرجية، وهذا النوع من التقدّم يرجع إلى باب الاِفتاء والاستنباط.

الثاني: إذا كان هناك تزاحم بين نفس الاَحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لم يُتدَّخَل في فك العُقَد، وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط، المتصدي لمنصب الولاء، بتقديم بعض الاَحكام الواقعيّة على بعض بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين الواقعيين، ولا يحكم الحاكم في المقام إلاّ بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء.

وبعبارة أُخرى: إذا وقع التزاحم بين الاَحكام الاَوليّة فيقدّم بعضها على


(332)

بعض في ظلّ هذه العنوانات الثانوية (1) ويقوم الحاكم الاِسلاميّ بهذه المهام بفضل الولاية المعطاة له، فتصير هذه العنوانات مفاتيح بيد الحاكم، يرفع بها التزاحم والتنافي، فمعنى مدخليّة الزمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن تأثيرهما في تعيين أنّ المقام صغرى لاَي كبرى من الكبريات، وأيّ حكم من الاَحكام الواقعية، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلاً إجرائيّاً للاَحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الاَهمّ وتخطيطاً لحفظ النظام وعدم اختلاله.

وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الاِسلامي يتمتّع بميزتين:

الا َُولى: إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين، ليس حكماً مستنبطاً من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطاً ومستخرجاً منهما، إلاّ أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها، يصير حكمه حكوميّاً وولائياً في طول الاَحكام الاَوّلية والثانوية وليس الهدف من وراء تسويغ الحكم له إلاّ الحفاظ على الاَحكام الواقعيّة برفع التزاحم، ولذلك سمّيناه حكماً إجرائيّاً، ولائيّاً حكوميّاً لا شرعيّاً، لما عرفت من أنّ حكمه علاجيّ يعالج به تزاحم الاَحكام الواقعية في ظلّ العنوانات الثانوية، وما يعالج به حكم لا من سنخ المعالَج، ولو جعلناه في عرض الحكمين لزم انخرام توحيد التقنين والتشريع.

الثانية: إنّ حكم الحاكم لمّا كان نابعاً عن المصالح العامّة وصيانة القوانين الاِسلامية لا يخرج حكمه عن إطار الاَحكام الاَوّليّة والثانويّة، ـ وإن لم يكن منهما


1. العنوانات الثانوية عبارة عن: 1. الضرورة والاضطرار. 2. الضرر والضرار. 3. العسر والحرج. 4. الاَهم فالاَهم. 5. التقيّة. 6. الذرائع للواجبات والمحرمات. 7. المصالح العامّة للمسلمين .

وهذه العنوانات أدوات بيد الحاكم، يحل بها مشكلة التزاحم بين الاَحكام الواقعية والاَزمات الاجتماعية.


(333)

بل في طولهما ـ ولاَجل ذلك قلنا إنّه يعالج التزاحم فيها، في ظلّ العنوانات الثانويّة.

وبالجملة الفقيه الحاكم بفضل الولاية الالهية يرفع جميع المشاكل الماثلة في حياتنا، فإنّ العنوانات الثانوية التي تلوناها عليك أدوات بيد الفقيه يسد بها كل فراغ حاصل في المجتمع، وهي في الوقت نفسه تغيّر الصغريات ولا تمس كرامة الكبريات.

ولاَجل توضيح المقام، نأتي بأمثلة نبين فيها مدخليّة المصالح الزمانية والمكانية في حكم الحاكم وراء دخالتهما في فتوى المفتي.

الاَوّل: لا شكّ أنّ تقوية الاِسلام والمسلمين من الوظائف الهامّة، وتضعيف وكسر شوكتهم من المحرّمات الموبقة، هذا من جانب، ومن جانب آخر أنّ بيع وشراء التبغ أمر محلّل في الشرع، والحكمان من الاَحكام الاَوّلية ولم يكن أيّ تزاحم بينهما إلاّ في فترة خاصة عندما أعطى الحاكم العرفيّ امتيازاً للشركة الاَجنبية، فصار بيعه وشراوَه بيدها، ولمّا أحسّ الحاكم الشرعي آنذاك ـ السيد الميرزا الشيرازي (قدّس سرّه) ـ انّ استعماله يوجب نشوب مخالب الكفّار في هيكل المجتمع الاِسلامي، حكم (قدّس سرّه) بأنّ استعماله ـ بكافة أنواعه ـ كمحاربة وليّ العصر - عليه السّلام - (1) فلم يكن حكمه نابعاً إلاّ من تقديم الاَهمّ على المهمّ أو من نظائره، ولم يكن الهدف من الحكم إلاّ بيان أنّ المورد من صغريات حفظ مصالح الاِسلام واستقلال البلاد، ولا يحصل إلاّ بترك استعمال التبغ بكافة صوره، فاضطرت الشركة حينئذ إلى فسخ العقد.

الثاني: إنّ حفظ النفوس من الا َُمور الواجبة، وتسلّط الناس على أموالهم وحرمة التصرّف في أموالهم أمر مسلّم في الاِسلام أيضاً، إلاّ أنّه على سبيل المثال


1. صدر هذا الحكم عام 1891 م وحكمه كالتالي: بسم اللّه الرحمن الرحيم: «اليوم استعمال التبغ (التنباك) والتتن، بأي نحو كان، بمنزلة محاربة إمام الزمان عجل اللّه تعالى فرجه الشريف».

(334)

ربّما يتوقّف فتح الشوارع في داخل البلاد و خارجها على التصرّف في الاَراضي والاَملاك، فلو استعدّ مالكها بطيب نفس منه فهو وإلاّ فللحاكم ملاحظة الاَهمّ بتقديمه على المهمّ، ويحكم بجواز التصرّف بلا إذن، غاية الاَمر يضمن لصاحب الاَراضي قيمتها السوقية.

الثالث:إنّ إشاعة القسط والعدل ممّا ندب إليه الاِسلام وجعله غاية لبعث الرسل، قال سبحانه: "لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنا بِالبَيّناتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْط" (1)

ومن جانب إنّ الناس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف والصنعة وغيرهم، فللحاكم الاِسلامي ـ حسب الولاية الاِلهيّـة ـ الاِمعان والدقة والاستشارة والمشورة في حلّ الاَزمة الاجتماعية حتى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين، فلو لم تحلّ العقد بالوعظ والنصيحة، فآخر الدواء الكيّ، أي: فتح المخازن وبيع ما احتكر بقيمة عادلة وتسعير الاَجناس وغير ذلك.

الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية والخارجية، إلاّ أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح.

الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلاّ لصنع الخمر وتوزيعه بالخفاء، أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع وانحلالاً في شخصيّتهم، فله أن يمنع بيع العنب إلى هوَلاء.


1. الحديد : 25.

(335)

إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه الحاكم غضّ النظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر وتشخيص الصغرى كما لا يخفى.

هذا كلّه حول مدخلية الزمان والمكان في الاجتهاد في مقام الاِفتاء أوّلاً ومنصة الحكم ثانياً، وأمّا سائر ما يرجع إلى ولاية الفقيه فنتركه إلى محلّه.


(336)

دراسة في تأثير الزمان والمكان

في الفقه السنّي

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديماً وحديثاً، وإليك التنويه بأسمائهم وببعض كلماتهم:
1. ابن القيـم الحنبلي (المتوفّـى 751 هـ) يقول في فصل «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الاَزمنة والاَمكنة والاَحوال والنيّات والعوائد» :

هذا فصل عظيم النفع، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة، وتكليف مالا سبيل إليه، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة. (1)

2. السيد محمد أمين أفندي الشهير بـ«ابن عابدين» (2) موَلّف كتاب


1. اعلام الموقعين:3|14 ط دار الفكر وقد شغل بحثه 56 صفحة . فلاحظ.
2. هو محمد أمين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد عام 1198هـ وتوفي عام 1292هـ، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.

(337)

«مجموعة رسائل» قال ما نصّه:

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثيراً منها ما يُبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لابدّ فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الاَحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلاً، للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعدَ الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمِهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذاً في قواعد مذهبه.

ثمّإنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف (1) ولنذكر بعض الاَمثلة: أ. افتاوَهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلِّمين التي كانت في الصدر الاَوّل، ولو اشتغل المعلِّمون بالتعليم بلا أُجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة وصناعة، يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الاَُجرة على التعليم وكذا على الاِمامة والاَذان كذلك، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من عدم جواز الاستئجار وأخذ الاَُجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.


1. انظر رسائل ابن عابدين: 2|123ـ145.

(338)

ب. قول الاِمامين (1) بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة، لاَنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول اللّه بالخيريّة، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب، وقد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان، لا اختلاف حجّة وبرهان.

ج. تحقّق الاِكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الاِمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الاِكراه ثمّكثر الفساد فصار يتحقّق الاِكراه من غيره، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره، وأفتى به المتأخّرون لذلك.

وقد ساق الاَمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة.
3.و قد طرق هذا البحث أيضاً الاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال ما نصّه:

الحقيقة انّ الاَحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الزمان مهما تغيرت باختلاف الزمن، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الاَحكام إلاّ تبدّل الوسائل والاَساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإنّ تلك الوسائل والاَساليب في الغالب لم تُحدَّدها الشريعة الاِسلامية بل تركتها مطلقة لكي يُختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً وأنجح في التقويم علاجاً. (2)


1. الظاهر انّه يريد تلميذي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ولم يكن الفصل بين الاِمام أبي حنيفة وبينهم طويلاً، فقد توفّي أبو حنيفة عام 150هـ وتوفّي أبو يوسف عام 182هـ وتوفي الشيباني عام 189هـ وإذا كان كذلك فلماذا يعدّون القرون الثلاثة الاَُولى خير القرون، والحقّ انّ بين السلف والخلف رجالاً صالحين وأشخاصاً طالحين، ولم يكن السلف خيراً من الخلف، ولا الخلف أكثر شرّاً من السلف فقد شهد القرن الاَوّل وقعة الطفّ والحرّة في المدينة.
2. المدخل الفقهي العام: 2|925.

(339)

ثمّ إنّ الاَُستاذ جعل المنشأ لتغير الاَحكام أحد أمرين:

أ. فساد الاَخلاق، وفقدان الورع وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان.

ب. حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل فرضية، وأساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين، ولكنّه صاغ الاَمثلة في ثوب جديد، ولنذكر كلا الاَمرين وأمثلتهما.

أ. تغيير الاَحكام الاجتهادية لفساد الزمان
1. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّالمدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرّع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرّفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية.

ثمّ لما فسدت ذمم الناس وكثر الطمع وقلّ الورعُ وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي والحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلاّ فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله» (1)

هذا في الفقه السنّي، ولكن في الفقه الاِمامي ليس هناك أي مشكلة حتى نتوصل بعنصر الزمان ونلتزم بتغيّر الاَحكام في ظلّه، لاَنّ للمحجور حالتين:

الاَُولى: إذا حجر عليه الحاكم وحكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمَّته، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 543.

(340)

فيها بعوض كالبيع والاِجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلاّ بإذنهم وإجازتهم.

الثانية: إذا لم يُحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد الفرار من أداء الديون ولا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، والقسم الآخر يريد من الصلح أو الهبة الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاتـه ـ فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل. (1) وجهه: انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بـأصحاب الديون فلا يكون نافذاً، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوصل بعنصر «فساد الزمان».
2. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيَّبت، لاَنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الاِجارة ولا عقد في الغصب.

ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّوَ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أُجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للاستغلال على خلاف الاَصل القياسي في المذهب زجراً للناس عن العدوان لفساد الزمان.

ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الاَئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالاَعيان، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح. (2)


1. لاحظ وسيلة النجاة:133، كتاب الحجر، المسألة الاَُولى؛ وتحرير الوسيلة:2|16.
2. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 544.

(341)

أقول: إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قضى أنّ الخراج بالضمان.(1)

فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع، وذلك لاَنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له، ولكن الاجتهاد غير صحيح جداً، لاَنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة، مثلاً: إذا اشترى عبداً أو غيره فيستغلّه زماناً ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله، لاَنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان، أي في مقابلة الضمان، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.

هذا هو معنى الحديث، وعليه شرّاح الحديث (2) ولا صلة له بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه .

والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلاً اشترى عبداً، فاستغلّه ثمّ وجد به عيباً فردّه، فقال: يا رسول اللّه إنّه قد استغلّ غلامي، فقال رسول اللّه: «الخراج بالضمان». (3)

وقد ورد من طرقنا أنّ الاِمام الصادق - عليه السّلام - لمّا سمع فتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها، قال: «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءَها وتمنع الاَرضُ بركتها». (4)


1. مسند أحمد بن حنبل: 6|49؛ وسنن الترمذي:3، كتاب البيوع برقم 1286؛ وسنن النسائي: 7|254، باب الخراج بالضمان.
2. لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الاِمام السندي على سنن النسائي وغيره.
3. سنن ابن ماجه:2، برقم 2243.
4. وسائل الشيعة: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الاِجارة، الحديث 1 والحديث طويل جدير بالمطالعة.

(342)

ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«لا يحل مال امرىَ مسلم لاَخيه إلاّ عن طيب نفسه»والمنافع مال، ولاَجل ذلك يجعل ثمناً في البيع وصداقاً في النكاح، مضافاً إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة،وعلى ذلك فليس هاهنامشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان، ولم يكن الحكم المزعوم حكماً شرعيّاً حتى يتغير لاَجل فساد أهل الزمان.
3. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت موَجّل مهرها تُلْزم بمتابعة زوجها حيث شاء، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الاَخلاق وغلبة الجور، وانّ كثيراًمن الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا نصير، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت موَجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها، إلى مكان إلاّ إذا كان وطناً لها وقد جرى فيه عقد الزواج بينهما، وذلك لفساد الزمان وأخلاق الناس، وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب. (1)

أقول: إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقاً شرعياً في باب النكاح، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص، أو منزل مخصوص في عقد النكاح، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذاالاشتراط مخالفاً للكتاب والسنّة. كما هو مبيّـن في محله (2)

ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّاً لها، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الاِخراج نتيجة طروء العنوانات الثانوية كالحرج والضرر، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير الحكم، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 546.
2. لاحظ «المختار في أحكام الخيار » للموَلف.

(343)

4. في أصل المذهب الحنفي وغيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستنداً لقضائه، ويغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر وغيره، ولكن لوحظ فيما بعد انّالقضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا، ولم يعد يختار للقضاء الاَوفر ثقة وعفة وكفاية بل الاَكثر تزلّفاً إلى الولاة وسعياً في استرضائهم وإلحافاً في الطلب.

لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي في القضاء بل لابدّ أن يستند قضاوَه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقداً أو قرضاً أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما وجحدها الآخر، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة، إذ لو ساغ ذلك بعدما فسدت ذمم كثير من القضاة، لزعموا العلم بالوقائع زوراً، وميلاً إلى الاَقوى وسيلة من الخصمين، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الاِثبات لكنّه يدفع باطلاً كثيراً، وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.

على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أُمور الحسبة والتدابير الاِدارية الاحتياطية، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها، أو علم بغصب مال؛ فإنّ له أن يحول بين الرجل ومطلقته، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الاِثبات. (1)

أقول: يشترط المذهب الاِمامي في القاضي: العدالة والاجتهاد المطلق، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء ولا ينفذ حكمه.

وعلى ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد، لاَنّ العدالة


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 546.

(344)

تصدّه عن ارتكاب الآثام.

ولوافترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق اللّه سبحانه، كما إذا علم أنّ زيداً زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك، فلا يصحّ له إقامة الدعوى وإجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي والمدعي من غير فرق بين كونه عادلاً أو غيره.

وأمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه وإلاّفلا يجوز، وقد حقّق ذلك في كتاب القضاء.وتخصيص جواز العمل بهذا النوع من العلم، يصدّه عن إدّعاء العلم بالوقائع زوراً.
5. من المبادىَ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعاً لا يصحّ استئجاره فيه ولا يجوز له أخذ أُجرة عليه، ومن فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات والاَعمال الدينية الواجبة كالاِمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الاَُجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً لاَنّه واجب ديني.

غير انّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات، وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى التماس الكسب، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلاّ بالاَجر، ولذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الاَُجور عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس. (1)

أمّا الفقه الاِمامي، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين:

الاَوّل: إذا كان هناك بيت مال معدّاً لهذه الاَغراض لا تبذل الاَُجرة في مقابل


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2، برقم 547.

(345)

العمل، بل الحاكم يوَمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.

الثاني: امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الاَُجرة حراماً منصوصاً عليه وكان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان ولكن يمكن الجمع بين الاَمرين وتحليله عن طريق آخر، وهو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء والاَذان والاِفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي والقاضي والموَذن والمعلم حتى يتفرّغوا لاَعمالهم العبادية بلا هوادة وتقاعس، على أنّ ما يبذلون لا يعد أُجرة لهم وإنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.

وبعبارة أُخرى: القاضي والمفتي والموَذّن والمعلم يمارس كلّ أعماله للّه سبحانه، ولكن بما انّ الاشتغال بهذه المهمة يتوقّف على سد عيلتهم ورفع حاجتهم فالمعنيّّون من الموَمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم وإلاّ فكما أنّ الاِفتاء واجب، فكذلك تحصيل الضروريات لهم ولعيالهم أيضاً واجب. وعند التزاحم يقدّم الثاني على الاَوّل إذ في خلافه، خوف هلاك النفوس وانحلال الاَُسرة، ولكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق الذي أشرنا إليه.
6. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ والاَمانة، وانّعدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن لقبول شهادتهم وأيّدتها السنّة وأجمع عليها فقهاء الاِسلام.

غير أنّالمتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت بها النصوص لفساد الزمن وضعف الذمم وفتور الحس الديني الوازع، فإذا تطلب القضاة دائماً نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الاِثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الاَمثل فالاَمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة.

ومعنى الاَمثل فالاَمثل: الاَحسن فالاَحسن حالاً بين الموجودين، ولو كان


(346)

في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية. (1)

أقول: إنّ القرآن ـ كما تفضّل به الكاتب ـ صريح في شريطة العدالة في تنفيذ شهادته، يقول سبحانه:"وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ " (2)وقال سبحانه:"وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ" (3)

مضافاً إلى الروايات الواردة في ذلك المضمار، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب، ولكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن والشواهد التي منها شهادة الاَمثل فالاَمثل التي تثبت أحد الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي، ويكون علمه قابلاً للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الاَمثل فالاَمثل.

ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق، فكذلك هو مظنّة الاِضرار على المحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه، فالاَمر يدور بين المحذورين .

لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب وإن كان فاسقاً في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لاَجل فساد الزمان.
7. أفتى المتأخّرون في إثبات الاَهلّة لصيام رمضان وللعيدين بقبول روَية شخصين، ولو لم يكن في السماء علّة تمنع الروَية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلاّ


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|933ـ934 برقم551.
2. البقرة: 282.
3. الطلاق: 2.

(347)

بروَية جمع عظيم، لاَنّ معظم الناس يلتمسون الروَية، فانفراد اثنين بادّعاء الروَية مظنّة الغلط أو الشبهة.

وقد علّل المتأخّرون قبول روَية الاثنين بقعود الناس عن التماس روَية الهلال، فلم تبق روَية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة. (1)

وأمّا في الفقه الاِمامي، فلا يعتبر قول العدلين عند صفاء السماء إذا اجتمع الناس للروَية وحصل الخلاف والتكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.

وأمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للروَية ـ كما هو مورد نظر الكاتب ـ حيث قال: لقعود الناس عن التماس روَية الهلال، فقبول قول العدلين ـ على وفاق القاعدة لا على خلافها، فليس للزمان هناك تأثير في الحكم الشرعي.

وبعبارة أُخرى: ليس في المقام دليل شرعي على وجه الاِطلاق يدل على عدم قبول قول العدلين عند صفاء السماء حتّى يوَخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين: كان هناك اجتماع للروَية أم لم يكن، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور، وهو ما إذا كان هناك اجتماع من الناس للروَية وحصل الخلاف والتكاذب بحيث قوي احتمال الاشتباه في العدلين، وأمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحاله، ومنها ما إذا ادّعى العدلان و لم يكن اجتماع ولا تكاذب ولا مظنّة اشتباه.

هذه هي المسائل التي طرحها الاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء مثالاً لتغيّر الآراء الفقهية والفتاوى لاَجل فساد الزمان، وقد عرفت أنّه لا حاجة لنا في العدول عن الحكم الشرعي، وذلك لاَحد الاَمرين:


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|934 برقم549.

(348)

أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الاَوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة.

ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الاَوّلي، كما في الاَمثلة الباقية.

***

ب . تغيير الاَحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والاَوضاع

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين:

أحدهما: ما يكون ناشئاً من فساد الاَخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، وأسماه بفساد الزمان،وقد مرّ عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.

والآخر: ما يكون ناشئاً عن أوضاع تنظيمية، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك، وهذا النوع ـ عند الكاتب ـ كالاَوّل موجب لتغيير الاَحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه، لاَنّها تصبح عندئذ عبثاً أو ضرراً، والشريعة منزّهة عن ذلك، وقد قال الاِمام الشاطبي (المتوفّـى 790 هـ) في الموافقات :لا عبث في الشريعة.

ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها:
1. ثبت عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أنّه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لاَصحابه:«من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الاَول عملاً بهذا النهي.

ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من الخليفة العادل عمر بن


(349)

عبد العزيز، إلى تدوين السنّة النبوية، لاَنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي - عليه السّلام - عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلمّا عمَّ القرآن وشاع حفظاً وكتابة، ولم يبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة، بل أصبحت كتابتها واجبة لاَنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع. (1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه:

أوّلاً: روى البخاري أنّ رجلاً من أهل اليمن طلب من النبي أن يكتب له خطبته فقال: اكتب لي يا رسول اللّه، فقال: اكتبوا لاَبي فلان إلى أن قال: كتبت له هذه الخطبة. (2)

أضف إلى ذلك أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أمر في غير واحد من الموارد كتابة حديثه، يجدها المتفحص في مصادرها. (3)

ومع هذه الموارد الكثيرة التي رخّص النبيّ فيها كتابة الحديث، والعمل به، لا يبقى أيُّ شك في مجعولية ما روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

ثانياً: هل يصحّ أن يأمر اللّه سبحانه بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!


1. المدخل الفقهي العام:2|933،وفي الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام تصحيف.
2. البخاري: الصحيح:29، باب كتابة العلم.
3. سنن الترمذي:5|39، باب كتابة العلم، الحديث 2666؛ سنن الدارمي: 1|125، باب من رخص في كتابة العلم؛ سنن أبي داود:2|318، باب في كتابة العلم، ومسند أحمد: 2|215 وج:3|162.

(350)

ثالثاً: العجب من الاَُستاذ أنّه سلّم وجه المنع، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن، وقد نحته الخطيب البغدادي (1) في كتاب «تقييد العلم» (2) مع انّه غير تام، لاَنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف على القرآن الاختلاط بغيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم، وهدم أُصوله.

والكلمة الفصل أنّ المنع من كتابة الحديث كان منعاً سياسيّاً صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة، والخسارة التي مُني الاِسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبداً، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا بحوث في الملل والنحل. (3)

2. قبل انشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات، وتعطي كلاً منها رقماً خاصّاً، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لابدّ لصحّته من ذكر حدود العقار، أي ما يلاصقه من الجهات الاَربع ليُتميّز العقار المعقود عليه عن غيره، وفقاً لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.

ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان أصبح يكتفى قانوناً في العقود بذكر رقم محضر العقار، دون ذكر حدوده، وهذا ما يوجبه فقه الشريعة، لاَنّ الاَوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت وسيلة جديدة أسهل وأتم تعييناً وتمييزاً للعقار من ذكر الحدود في العقود العقارية، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثاً، وقد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.

أقول: إنّ الحكم الشرعي الاَوّلي هو معلومية المبيع، وهذا هو لُبُّ الشريعة،


1. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي(392ـ 463هـ) موَلّف تاريخ بغداد.
2. تقييد العلم: 57.
3. لاحظ: الجزء الاَوّل من الكتاب المذكور:60ـ 76.

(351)

وأمّا الباقي فهو ثوب يتغير بتغير الاَزمان، فلا تحديد العقارات من الجهات الاَربع حكم أصلي، ولا ذكر رقم محضر العقار، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي وهو معلومية المبيع وخروجه عن كونه مجهولاً، والشرط يحصل بكلا الوجهين وتغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.
3. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلاّ بتفريغ العقار وتسليمه فعلاً إلى المشتري، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبراً في يد البائع، فيكون هلاكه على ضمانه هو ومسوَوليته، وفقاً للاَحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.

ولكن بعد وجود الاَحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري. استقر الاجتهاد القضائي أخيراً لدينا على اعتبار التسليم حاصلاً بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري، فمن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري، لاَنّ تسجيل المبيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي، إذ العبرة في الملكية العقارية قانوناً، لقيود السجلّ العقاري، لا للاَيدي والتصرفات، وبتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكناً أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استناداً إلى وجوده في يده، وجميع الحقوق والدعاوي المتفرعة عن الملكية، كطلب نزع اليد، وطلب الاَجرة، وغير ذلك تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.

فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الاَوضاع القانونية التنظيمية الجديدة. (1)

أقول: اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|931.

(352)

فهو من مال بائعه، والدليل عليه من طرقنا هو قوله - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - :«كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه». (1)

وروى عقبة بن خالد عن الاِمام الصادق - عليه السّلام - في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء اللّه فسرق المتاع، من مال من يكون؟ قال: «من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يُقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه». (2)

وأمّا من طرق أهل السنّة، روى البيهقي عن محمد بن عبيد اللّه الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن وبقي بعض، فقال: ادفعها إليّ فأبى البائع، فانطلق المشترى وتعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه، فقال: ادخل واقبض سلعتك، فوجدها ميتة، فقال له: رد عليَّ مالي، فأبى، فاختصما إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله وارجع إلى جيفتك فادفنها. (3)

وعلى هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع وتسليم كلّ شيء بحسبه، والجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع وإن كان مشغولاً بأموال البائع أيضاً إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء والاستغلال.

وعلى ضوء ذلك فتسليم البيت والحانوت مثلاً بإعطاء مفتاحهما، وأمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعاً للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة مالم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامناً مع رفع الموانع من


1. النوري: مستدرك الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2. الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الخيار، الحديث 1.
3. البيهقي: السنن: 5|334، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.

(353)

تسلّط المشتري على المبيع، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

وبعبارة أُخرى: الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي، وهو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري وقد لا يزامن، كمالو سجل العقد في السجل ولكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عن التسلّط على المبيع، فمالم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.

على أنّ المشتري بالتسجيل وإن كان يستطيع أن يبيع العقار ولكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له مالم يكن هناك تسليم فعلي.
4. أوجب الشرع الاِسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة تعتدها، وهي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر، وذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الاِسلام، أهمها، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعاً لاختلاط الاَنساب.

وكان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح، تعتبر المرأة داخلة في العدّة، ويُبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة، لاَنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرماً واجبَ التنفيذ فوراً، لاَنّ القضاء كان موَسساً شرعاً على درجة واحدة، وليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.

لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق الاستئناف، أو بطريق النقض، أو بكليهما. وهذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع، لاَنّه من الاَُمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة.

فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلاّ بعد أن يصبح قضاوَه مبرماً غيرخاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. وذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم، أو بإبرام الحكم المطعون


(354)

فيه، لدى المحكمة المطعون لديها ورفضها للطعن حين ترى الحكم موافقاً للاَُصول.

فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي، لاَنّها لو اعتدت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها وتتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الاَوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه، وهذا النقض يرفع الحكم السابق ويوجب عودة الزوجية. (1)

أقول: إنّ الحكم الاَوّلي في الاِسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق (2) فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه: "يا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللّهَ رَبَّكُمْ" (3)

نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة والانفصال، والمراد من الحكم بالفرقة أمران:

أوّلاً: انّ الطلاق لصالح الزوجين.

ثانياً: تولّـي إجراء صيغة الطلاق.

فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة، وليس فوقه أحد له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الاَمرين: حق الانفصال وتنفيذه بإجراء صيغة الطلاق ويكون الحكم بالفرقة مبدأً للاعتداد.

ولو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعاً للطعن بطريق


1. مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:2|936.
2. مجمع الزوائد:4|334، باب لا طلاق قبل النكاح.
3. الطلاق: 1.

(355)

الاستئناف، أو بطريق النقض أو بكليهما، فلاَجل اجتناب بعض المضاعفات التي أُشير إليها تقتصر المحكمة الاَُولى على الاَمر الاَوّل ـ إنّ الطلاق لصالح الزوجين ـ ويوَخر الاَمر الثاني إلى إبرامه، فعند ذلك تجرى صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية وتدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها.

وبذلك يعلم أنّ ما ضربت من الاَمثلة لتأثير الزمان والمكان بعيدة عمّا يروم إليه، سواء كان عامل التأثير هو فساد الاَخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع، أو حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية، فليس لنا في هذه الاَمثلة أيُّ حافز من العدول عمّا عليه الشرع.

وحصيلة الكلام: أنّ الاَُستاذ قد صرّح بأنّ العاملين ـ الانحلال الاَخلاقي والاختلاف في وسائل التنظيم ـ يجعلان من الاَحكام التي أسّسها الاجتهاد في ظروف مختلفة خاضعة للتغيير، لاَنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

ولكنّه في أثناء التطبيق تعدّى تارة إلى التصرّف في الاَحكام الاَساسية الموَبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها، ولا أن يحدث بها أيَّ خدشة، وأُخرى ضرب أمثلة لم يكن للزمان أيُّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.


(356)



(357)

الفصل الرابع

التراث الحديثي

للشيعة و السنّة

التراث الحديثي للشيعة

قد تعرّفت على مكانة السنّة بين الفريقين وانّها إحدى مصادر التشريع ومنابع الفقه، وقد اهتمت بها الشيعة من لدن رحيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى يومنا هذا، فألّفوا مجاميع حديثية كثيرة عبْـر القرون، وبذلك صانوا السنّة النبوية المروية عن طريق أئمّة أهل البيت - عليه السّلام - من الضياع والاندثار، ولذكر تاريخ الحديث عند الشيعة مقام آخر ربّما نذكر بعض جوانبه عند التطرّق إلى أدوار الفقه لدى الشيعة الاِمامية، ولذلك نقتصر في هذا الفصل على ذكر المجاميع الحديثية الموَلّفة في القرن الثاني والثالث باسم الجوامع الاَوّلية، والموَلّفة في القرن الرابع والخامس باسم الجوامع الثانوية، والموَلّفة في العصور المتأخّرة باسم الجوامع الاَخيرة.

وليعذرني القارىَ الكريم من إيجاز الكلام في هذا الفصل عن ذكر منزلة الحديث عند الشيعة .


(358)

الجوامع الاَوّلية

1. المحاسن

ألّفه أحمد بن محمد بن خالد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البرقي (المتوفّـى 274هـ) ، أصله كوفي، وكان جده محمد بن علي حبسه يوسف بن عمر الثقفي بعد قتل زيد - عليه السّلام - ثمّ قتله وكان خالد صغير السن فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى برق رود، وكان ثقة.وصنف كتباً منها: «المحاسن» وكتاب «التّهاني» وكتاب «التعازي» وكتاب «أخبار الاَصم» وغيرها.

وكتابه المحاسن يشتمل على تسعين كتاباً أوّله كتاب التبليغ والرسالة وآخره كتاب النوادر. وقد طبع في جزءين.

2. نوادر الحكمة

صنّفه محمد بن أحمد بن يحيى الاَشعري القمي، قال النجاشي: كان ثقة في الحديث.

وله كتب، منها: نوادر الحكمة ووصفه بأنّه كتاب حسن كبير، كتاب الملاحم، كتاب الطب، كتاب مقتل الحسين - عليه السّلام - ، كتاب الاِمامة، وكتاب المزار. (1)

توفي في أواخر القرن الثالث نحو 293هـ.


1. رجال النجاشي: 2، برقم 940.

(359)

3. الجامع

ألّفه أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر مولى السكوني «أبوجعفر» المعروف بـ«البزنطي»، كوفي، لقي الرضا وأبا جعفر (عليهما السلام) ، وكان عظيم المنزلة عندهما، وله كتب منها: الجامع، وكتاب النوادر.

توفّي عام 221هـ .

4. كتاب «الثلاثون»

صنّفه الاخوان الحسن والحسين ابنا سعيد بن حماد الاَهوازي من أصحاب الاِمامين الرضا والجواد (عليهما السلام) ، قال ابن النديم في فهرسته: إنّهما من أوسع أهل زمانهما علماً بالفقه والآثار والمناقب وغير ذلك من علوم الشيعة.

وقد ذكر النجاشي فهرس كتب الثلاثين في رجاله أوّلها كتاب الوضوء وختمها بكتاب الحدود وكتاب الديات وكتاب اعلام وكتاب الدعاء. (1)


1. رجال النجاشي: 1|171، برقم 135.

(360)

الجوامع الثانوية

1. الكافي

فقد قام بتصنيفه الحافظ الكبير، والمحدّث الجليل محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي البغدادي، أبو جعفر (260ـ329هـ) ينسب إلى بيت عريق في كلين، و جمع فيه أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد استخدم في تأليفه الاَُسلوب الكامل، وهو توزيع الاَحاديث بعد جمعها على مجموعة من الكتب، والكتب على مجموعة من الاَبواب، والاَبواب على عدد من الاَحاديث؛ شريطة أن تكون الاَحاديث مناسبة لاَبوابها، والاَبواب لكتبها، وقد حقّق الكليني هذا المطلب على أحسن ما يرام، إذ قسّم كتابه «الكافي» ثلاثة أقسام رئيسية، وهي:
1. أُصول الكافي.
2. فروع الكافي.
3. روضة الكافي.

ثمّ قسّم أُصول الكافي ثمانية كتب، اشتمل على 499 باباً، وأخرج فيها 3881حديثاً.

وتجد هذا التصنيف نفسه مع فروع الكافي أيضاً، إذ اشتمل على 26 كتاباً، فيها 1744 باباً، ومجموع أحاديثها 11021.


(361)

وأمّا قسم الروضة فلم يخضعه إلى هذا المنهج من التصنيف، بل ساق أحاديثه تباعاً من غير كتب أو أبواب، بل جعله كتاباً واحداً، وقد احتوى على 606 أحاديث.

وعلى ضوء ما ذكرنا يبلغ عدد أحاديثه (15508) ولكن المشهور انّعدد أحاديثه بلغ (16199) حديثاً، ولعلّ الاِحصاء الثاني مبني على عدّ أجوبة الاِمام (عليه السلام) في مجلس واحد على أكثر من سوَال بمنزلة الاَحاديث المستقلة خصوصاً إذا تحمل أجوبة مختلفة تبعاً لاختلاف الاَسئلة الموجهة للاِمام.

قال بعض مشايخنا المتأخّرين: أمّا الكافي فجميع أحاديثه حصرت في ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، والصحيح فيها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً، والموثق مائة حديث وألف حديث وثمانية عشر حديثاً، والقوي منها اثنان وثلاثمائة حديث، والضعيف منها أربعمائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثاً. (1)

كما وصنّف تصانيف عديدة، منها: كتاب الردّ على القرامطة، كتاب رسائل الاَئمّة (عليهم السلام) ، كتاب تعبير الروَيا، كتاب الرجال، و كتاب ما قيل في الاَئمة (عليهم السلام) من شعر.

2. من لا يحضره الفقيه

هو للمحدّث الكبير محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (306ـ381هـ) أبو جعفر نزيل الري. ينتمي إلى أُسرة ابن بابويه، وهي من الاَُسر العريقة التي ذاع صيتها بالعلم والفضيلة.


1. لوَلوَة البحرين: 395.

(362)

وأمّا جامعه المعروف، أعني: «من لا يحضره الفقيه» فهو أحد الاَُصول الاَربعة التي يدور عليها رحى الاستنباط لدى الشيعة، وهو أصحّ الكتب بعد «الكافي» وأتقنها، وقد أحصى بعض علمائنا أحاديث الفقيه، فكانت خمسة آلاف وتسعمائة وثلاثة وستين حديثاً.

يقول المحدّث البحراني: وأمّا «الفقيه» فيشتمل مجموعه على أربعة مجلدات، يشتمل على خمسمائة وستة وستين باباً. الاَوّل منها يشتمل على سبعة وثمانين باباً، والثاني على مائتين وثمانية وعشرين باباً، والثالث على ثمانية وسبعين باباً، والرابع على مائة وثلاثة وسبعين باباً.

فجميع الاَحاديث المسندة ثلاثة آلاف و تسعمائة وثلاثة عشر حديثاً، والمراسيل ألفان وخمسون حديثاً. (1)

ومن تصانيفه الاَُخرى: دعائم الاِسلام في معرفة الحلال والحرام، كتاب التوحيد المطبوع المنتشر، كتاب المصابيح يشتمل على خمسة عشر مصباحاً وهو كتاب رجالي كبير، معاني الاَخبار، علل الشرائع، عيون أخبار الرضا - عليه السّلام - ، وإلى غير ذلك من الكتب التي تنوف على المائتين، ذكرها النجاشي في رجاله عند ترجمته.

3. التهذيب والاستبصار

هما للشيخ أبي جعفر محمد بن حسن بن علي بن حسن الطوسي (385ـ460هـ) ينسب إلى طوس من مدن خراسان التي هي من أقدم بلاد فارس وأشهرها.


1. لوَلوَة البحرين: 395.

(363)

فكتاب التهذيب يحوي على ثلاثمائة وثلاثة وتسعين باباً، وأُحصيت أحاديثه إلى ثلاثة عشر ألفاً وخمسمائة وتسعين حديثاً، وقد ألّفه قبل الاستبصار، كما صرّح بذلك هو في مقدّمة الاستبصار.

وللكتاب شروح تربو على 16 شرحاً، وتعاليق تناهز العشرين، وهناك كتب حول أسانيده باسم: «ترتيب التهذيب» و«تصحيح الاَسانيد» و«تنبيه الاَريب في إيضاح رجال التهذيب».

وأمّا «الاستبصار» فقد ألّفه لغاية الجمع بين الروايات المتعارضة في بادىَ النظر، وقد طبع في أربعة أجزاء.

وقد أحصيت أبوابه في 925 أو 915 باباً وأحاديثه 5511 حديثاً.

وله كتب أُخرى في الفقه وأُصوله ورجاله، منها: كتاب النهاية دورة فقهية، العدة في أُصول الفقه، كتاب الرجال جمع فيه أسماء من روى عن النبي والاَئمّة (عليهم السلام) ، كتاب فهرست كتب الشيعة وأسماء المصنفين، كتاب المبسوط في الفقه، وكتاب التبيان في تفسير القرآن، إلى غير ذلك ممّا ذكره معاصره النجاشي في فهرسته.


(364)

الجوامع الاَخيرة

1. الوافي

لمحمد بن محسن بن فيض الكاشاني (1007ـ 1091هـ) .

ويعد كتاب الوافي من أحسن كتبه فقد جمع فيه أحاديث الكتب الاَربعة القديمة، وفرغ منه سنة 1068هـ، قال في مقدمته:

قد رتبت هذا الكتاب (على مقدمة) وأربعة عشر جزءاً وخاتمة، وكل جزء على حدة (1)

أقول: المقدمة تحتوي على ثلاث مقدّمات وثلاثة تمهيدات والخاتمة في بيان الاَسانيد، ولكلّ جزء من هذه الاَجزاء الاَربعة عشر : خطبة وديباجة وخاتمة. وفهرس الاَربعة عشر يبدأ من كتاب العقل والجهل والتوحيد وينتهي بكتاب الروضة.

ذكر شيخنا الطهراني في الذريعة: وقد أحصيت أبوابه مع البابين في الخاتمة، فكانت 273 باباً.

ومن تصانيفه الاَُخرى: الشافي، المحجّة البيضاء في إحياء الاَحياء، الصافي في تفسير القرآن، أُصول الفقه، وأنوار الحكمة. وبلغ عدد تصانيفه114مصنفاً.

2. وسائل الشيعة

للعالم المتبحّر الشيخ محمد بن حسن بن علي بن حسين الحرّ العاملي


1. الوافي: 1|42، الطبعة المحققة.

(365)

المشغـري (1033ـ 1104هـ) ، صاحـب التصانيف الرائعـة التي منها كتاب وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة.

وقد ألّف موسوعته الكبيرة تلك في ستة أجزاء تشتمل على جميع أحاديث الاَحكام الشرعية الموجودة في الكتب الاَربعة وسائر الكتب المعتمدة التي بلغت أكثر من سبعين كتاباً مع ذكر الاَسانيد وأسماء الكتب وحسن الترتيب، وذكر وجوه الجمع مع الاختصار و جعل لكلّ مسألة باباً على حدة.

له تآليف كثيرة أوردها في كتابه (أمل الآمل) عند ترجمة نفسه، فقال: له كتب منها: الجواهر السنية في الاَحاديث القدسية، هداية الاَُمة إلى أحكام الاَئمّة (عليهم السلام) ، الفوائد الطوسية، إثبات الهداة. (1)

وقد أحصيت موَلّفاته فكانت 27 مصنفاً.

3. بحار الاَنوار

لمحيي السنة وناشر آثار الاَئمّة الشيخ محمد باقر بن العالم الجليل محمد تقي ابن مقصود علي المجلسي (1037ـ1110هـ) صاحب الموسوعة الكبرى، أعني: «بحار الاَنوار » في خمسة وعشرين مجلداً ضخماً، يشتمل على 25 كتاباً، يبتدىَ بكتاب العقل والجهل وينتهى بالاِجازات، وقد طبع موَخراً في 110 أجزاء محققاً.

أخرج فيه من الاَحاديث المروية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وآله المعصومين (عليهم السلام) جملة وافية، مما أوقفه البحث والسبر عليها من أُصول السلف الصالح القيمة والكتب القديمة الثمينة ممّا قصرت عن نيله أيدي الكثيرين.

ومن أفضل تآليفه: مرآة العقول وهو شرح لكتاب الكافي طبع في ستة وعشرين جزءاً.


1. أمل الآمل: 20.

(366)

4. جوامع الكلم

وهو أحد المجاميع الحديثية المتأخّرة، صنّفه السيد محمد بن السيد شرف الدين الشهير بالسيد ميرزا الجزائري، من مشايخ العلاّمة المجلسي و الشيخ الحر العاملي والسيد المحدث الجزائري، سكن برهة في حيدر آباد، وتلمذ فيها عند الشيخ محمد بن علي بن خاتون، جمع في مصنّفه هذا أخبار الاَُصول الدينية والفقه والمواعظ والتفسير والآداب والاَخلاق الصحاح منها والموثقات والحسان.(1)

5.عوالم المعالم

للمولى عبد اللّه بن نور الدين البحراني المعاصر لصاحب البحار، وكتابه العوالم الموسوم «جامع العلوم والمعارف والاَحوال في الآيات والاَخبار والاَقوال» هو الكتاب الكبير الذي يزيد على مجلدات البحار بكثير، بل قيل: انّه يبلغ مائة مجلد، وقد طبع في عام 1318بعض مجلداته. (2)

6. الشفا في أخبار آل المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -

لمحمد رضـا بن عبد اللطيـف التبريزي، (المتوفّـى 1157هـ) جمـع فيـه الاَخبار وبوّبها نظير البحار في مجلدات، وقد فرغ من بعض مجلداته 17 رجب سنة 1178هـ، والكتاب في الحقيقة مجمع بين البحار والوافي، فيذكر في أوّل كلّ حديث انّه صحيح أو حسن أو ضعيف مسند أو مرسل، ويذكر بعد اسم كلّ رجل في السند انّه ثقة أو مجهول أو ضعيف أو غيرها كلّ ذلك بعلامات من الحمرة.


1. الذريعة: 5|253.
2. الذريعة: 15|356، برقم 2282.

(367)

ومع الاَسف انّ هذا الجامع لم ير النور وهو بعد مخطوط.

7. مستدرك الوسائل

وهو سابع المجاميع الحديثية، صنفه حسين بن محمد تقي الطبرسي النوري (1254ـ1320هـ) والكتاب يحتوي على 23 ألف حديث عن الاَئمّة الاَطهار، وقد رتّبه على ترتيب أبواب الوسائل، وجعل لها فهرساً مبسوطاً كفهرس الوسائل، وذيّله بخاتمة، وفيها من النكات في دراية الحديث و الرجال مالا يوجد في كتاب غيره. (1)

والكتاب كما يعرب اسمه استدراك على وسائل الشيعة، وذكر فيه مالم يعثر عليه صاحب الوسائل، فشكر اللّه مساعي الجميع، وقد طبع الكتاب في أزيد من عشرين جزءاً.

8. جامع أحاديث الشيعة

تأليف لجنة موَلّفة من فضلاء الحوزة العلمية تحت إشراف المرجع الديني الكبير والمحقق الخبير السيد حسين الطباطبائي البروجردي (1292ـ1380هـ) ، ويعدّ هذا الجامع من حسنات الدهر، وأضخم جامع فقهي للشيعة ظهر في الفترة الاَخيرة، يتفوّق على سائر الجوامع بحسن التبويب و الترتيب و التنظيم والتنسيق، يحتوي على كلّ ما ورد في الكتب الاَربعة ووسائل الشيعة ومستدرك الوسائل وغيرها من كتب الحديث على وجه يغني الفقيه عن سائر الجوامع الفقهية.

فشكر اللّه مساعي أُستاذنا الكبير السيد حسين البروجردي وسائر تلامذته على هذا المشروع الضخم ونقدّم الشكر إلى العالم المحقق المتتبّع الحاج الشيخ


1. الذريعة: 21|7، برقم 3687.

(368)

إسماعيل الملايري حيث بذل جهوداً مضنية في إخراج هذا الجامع بحلة قشيبة في ستة وعشرين جزءاً، ينوف على خمسين ألف حديث.

التراث الحديثي للسنّة

راج علم الحديث بعدما أُصيب بنكسات و محن، وذلك بجمع السنّة بصورتين مختلفتين:

الاَُولى: تبويب الاَحاديث بصورة المسانيد بجعل مرويات كلّ صحابي على حدة، وأشهرها مسند الاِمام أحمد، وعدد الصحابة الذين لهم مسانيد في كتاب الاِمام أحمد (904) أصحاب . (1)

الثانية: تبويب الاَحاديث حسب الموضوعات، يقول أبو نعيم في «الحلية»: أوّل من جمع ذلك، الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، فكانوا يصنفون كلّ باب على حدة. (2)

وعلى ذلك درج أصحاب الصحاح والسنن، إلاّ أنّه يمكن تصنيف الجوامع الحديثية عند السنّة إلى:
1. جوامع أوّلية.
2. جوامع ثانوية.
3. جوامع موَلّفة في العصور المتأخّرة.

وهلمّ بنا إلى ذكر شيء من خصوصيات الصحاح والسنن مع لمحة موجزة عن أحوال موَلّفيها.


1. المسند: 1|48، طبعة المكتب الاِسلامي الاَُولى عام 1389هـ.
2. تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: 1|7.

(369)

الجوامع الاَوّلية

1. صحيح البخاري

صنّفه أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري الجعفي (194ـ256هـ) .

ولد في وطنه الاَوّل «بخارى» يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة (194هـ) ، وكان له ولع بحفظ الحديث منذ صغره.

وقد صنّف تصانيف عديدة منها: «الجامع الصحيح» المعروف بصحيح البخاري و «التاريخ» و «الضعفاء» في رجال الحديث و«خلق أفعال العباد» و «الاَدب المفرد». وقام برحلة طويلة (سنة 210هـ) في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، وجمع نحو ستمائة ألف حديث اختار منها في صحيحه ما وثق برواته.

وكتابه في الحديث أوثق الكتب الستة المعوّل عليها عند أهل السنّة، وهي: صحيح البخاري (194ـ 256هـ) وصحيـح مسلم (201 ـ 261هـ) وسنن أبي داود (202 ـ 275هـ) وسنـن الترمذي (209 ـ 279هـ) وسنــن ابـن ماجــه (209ـ273هـ) وسنن النسائى (215ـ 303هـ) . (1)


1. الزركلي: الاَعلام: 6|34.

(370)

وجملة ما في البخاري سبعة آلاف و مائتان وخمسة وسبعون حديثاً مع المكررة وبحذف المكررة أربعة آلاف حديث.

توفي في ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة (256هـ) في قرية خرتنك من قرى سمرقند. (1) وقبره الآن موجود.

وقد صنّف «الصحيح» في ست عشرة سنة. (2)

2. صحيح مسلم

صنّفه أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري (201ـ261هـ) من بني قشير ـ قبيلة من العرب ـ النيسابوري، إمام أهل الحديث، ولد بنيسابور، ورحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق.

أشهر كتبه «الصحيح» جمع فيه اثني عشر ألف حديث، كتبها في خمس عشرة سنة، وهوأحد الصحيحين المعوّل عليهما عند أهل السنّة في الحديث، وقد شرحه كثيرون. ومن كتبه: «المسند الكبير» و«الجامع» و«الكنى والاَسماء» وله أيضاً «الافراد و الوحدان» و«الاقران» و«مشايخ الثوري»و «تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة» و كتاب «المخضرمين» و كتاب «أولاد الصحابة» و«أوهام المحدّثين» و «الطبقات» و«افراد الشاميين» و«التمييز».

توفي بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين، قال الحاكم أبو عبد اللّه بن البيع في كتاب المزكّين لرواة الاَخبار: سمعت أبا عبد اللّه بن الاَحزم الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج عشية الاَحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة.


1. الجامع الصحيح: 1|8، المقدمة.
2. سير أعلام النبلاء: 12|391، برقم 171.

(371)

ويعد صحيحه من الشهرة بمكان، وهو متواتر عنه، وقد اتّفق علماء أهل السنّة على أنّ أصح الكتب الصحيحان البخاري ومسلم وتلقّوه بالقبول.

وقد انفرد صحيح مسلم بفائدة حسنة، وهي كونه أسهل متناولاً من حيث إنّه جعل لكلّ حديث موضعاً واحداً يليق به جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورد فيه أسانيده المتعدّدة، وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها بخلاف البخاري فإنّه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه الذي يسبق إلى الفهم انّه أولى به، فيصعب على الطالب جمع طرقه، وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث. (1)

وقد شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الاسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوّله إلى منتهاه، سالماً عن الشذوذ والعلة، وهذا هو الحديث الصحيح في نفس الاَمر، فالبخاري و مسلم التزما أن لا يرويا إلاّحديثاً صحيحاً بهذا المعنى إلاّ أنّ مسلماً اكتفى في الراوي والمروي عنه أن يكونا في عصر واحد وإن لم يجتمعا بخلاف البخاري فإنّه اشترط اجتماعهما زيادة احتياط، لذا تجد انّ عدد من أخرجهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرجه مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخاً، وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري ستمائة و خمسة وعشرون شيخاً. (2)

وجملة أحاديث صحيح مسلم بإسقاط المكرّر أربعة آلاف حديث. ومع المكرر 7581 حديثاً كما في مفتاح كنوز السنّة.


1. صحيح مسلم بشرح النووي: 1|14ـ15، المقدمة.
2. جامع المسانيد والسنن: 92ـ93، المقدمة.

(372)

3. سنن النسائي

صنّفه عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر بن سنان بن دينار النسائي (215ـ303هـ) ولد بـ«نساء» وهي بلدة مشهورة بخراسان.

وسبب تسميتها بهذا الاسم انّ المسلمين الفاتحين لمّا وردوا أرض خراسان قصدوها، فبلغ أهلها ذلك، فهربوا ولم يتخلّف بها غير النساء، فلمّا أتاها المسلمون لم يروا بها رجلاً واحداً، فقالوا: هوَلاء نساء، والنساء لا يقاتلن فنُسىَ أمرها الآن إلى أن يعود رجالها، فتركوها ومضوا، فسميت نِساء.

و نقل عن الحافظ الذهبي أنّ أبا عبد الرحمن النسائي أحفظ من مسلم صاحب الصحيح، وأنّ سننه أقل السنن حديثاً ضعيفاً بعد الصحيحين.

قال السيد جمال الدين: صنّف النسائي في أوّل الاَمر كتاباً يقال له «السنن الكبرى» وهو كتاب جليل ضخم الحجم لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث وبيان مخرجه. (1)

جال في طلب العلم في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور، ثمّ استوطن مصر.

وتوفي بفلسطين في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلاثمائة بعد أن عمّر تسعاً أو ثماني و ثمانين سنة.

وقد صنّف تصانيف كثيرة، منها: كتاب «السنن الكبير» و«التفسير» في مجلد و كتاب «الضعفاء». (2)


1. سنن النسائي: 1|2ـ5، المقدمة.
2. سير أعلام النبلاء: 14|125ـ135، برقم 67.

(373)

4. سنن أبي داود السجستاني

صنّفه أبو داود سليمان بن الاَشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو ابن عمران الاَزدي السجستاني (202ـ275هـ) إمام أهل الحديث في زمانه له كتاب «السنن» جزءان، وهو أحد الكتب الستة جمع فيه (5274) حديثاً انتخبها من خمسمائة ألف حديث، وله «المراسيل» في الحديث، و كتاب «الزهد» و رسالة «البعث» و رسالة «تسمية الاِخوة». (1)

توفي لاَربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين. (2)

وقد عنى العناية كلّها بأحاديث الاَحكام التي تدور عليها رحى الشريعة الاِسلامية، وقد عمد إلى ما كتبه عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فانتخب منه ما وافق عنايته، ثمّ ضمنه كتابه، وهو لا يروي في كتابه من بين ما كتبه كلّحديث يجري مع رغبته، بل يتخيّر من بينها الصحيح وما يشبهه، وقد ذكر مع ذلك أحاديث فيها وهن وضعف. (3)

وقال محمد بن مخلد: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث ولما صنّف كتاب «السنن» و قرأه على الناس، صار كتابه لاَصحاب الحديث كالمصحف، يتبعونه ولا يخالفونه.

وكان على مذهب أهل الحديث في اتّباع السنّة والتسليم لها، وترك الخوض في مضايق الكلام. (4)


1. الزركلي: الاَعلام: 3|122.
2. تاريخ بغداد: 9|58.
3. سنن أبي داود: 1|11، المقدمة.
4. سير أعلام النبلاء: 13|203ـ 221، برقم 117.

(374)

5. سنن الترمذي

صنفه أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الضحاك السلمي البوغي الترمذي الضرير (209ـ 279هـ) .

ولد سنـة (209هـ) و هو أحـد المحدّثين الذين يقتدى بهم في علم الحديث عند أهل السنّة، وله تصانيف منها: «الجامع الصحيح» وكتاب «الشمائل».

وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: وأمّا أبو عيسى الترمذي وحده فكتابه على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلم، وقسم على شرط الثلاثة دونهما، كما بيناه، وقسم آخر للضدية، أبان عن علته ولم يغفله، وقسم رابع أبان هو عنه. (1)

والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث، وتفقّه فيه، ومرن بين يديه، وسأله، واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه.

ويبلغ عدد أحاديث الترمذي نحو (4000) حديث، وقد ألّفه على أبواب الفقه، واشتمل على الصحيح والحسن والضعيف، مع بيان درجة كلّ حديث في موضعه وبيان وجه ضعفه، وبين مذاهب الصحابة وعلماء الاَمصار في كلّ المسائل التي عقد لها أبواباً، و من ميزاته انّه أفرد في آخره فصلاً للعلل. توفي بترمذ سنة (279هـ) . (2)


1. سنن الترمذي: 1|88، المقدمة.
2. سير أعلام النبلاء: 13|270ـ 277 برقم 132، وفيات الاَعيان: 4|278، البداية والنهاية: 11|66.

(375)

6. سنن ابن ماجه

صنّفه الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن يزيد القزويني (207ـ273هـ) ، من أهل قزوين. رحل إلى البصرة وبغداد والشام ومصر والحجاز والري في طلب الحديث، وصنّف كتابه «السنن» وهو أحد الكتب الستة المعتمدة، وله «تفسير القرآن» و كتاب في «تاريخ قزوين».

توفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين.

وأمّا كتابه السنن فقد قال ابن حجر عنه: كتابه في السنن جامع جيد، كثير الاَبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جداً حتى بلغني انّ السري كان يقول مهما انفرد بخبر فيه فهو ضعيف غالباً، وليس الاَمر في ذلك على إطلاقه باستقرائي، وفي الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة. (1)

وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»: ابن ماجه صاحب السنن المشهورة ...وتشتمل سننه على اثنين وثلاثين كتاباً وألف وخمسمائة باب وعلى أربعة آلاف حديث كلّها جياد سوى اليسيرة.

وفي «السنن» ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيه « (4341) حديثاً. (2)

كتاب الموطأ لمالك بن أنس

وهو لاَبي عبد اللّه مالك بن أنس الاَصبحي (93ـ 169هـ) ، والاَصبحي نسبة إلى ذي أصبح قبيلة يمنية.


1. تهذيب التهذيب: 9|530ـ 532، برقم 870.
2. سير أعلام النبلاء: 13|277ـ281، برقم 133.

(376)

ولد بالمدينة سنة (93هـ) وعاش حياته بها، ولم يعرف أنّه رحل عنها إلاّ إلى مكة حاجاً، ذكره ابن سعد في الطبقة السادسة من تابعي أهل المدينة، وأقام مفتياً بالمدينة بين أظهرهم ستين عاماً.

توفي يوم الاَحد لعشر خلون من ربيع الاَوّل سنة تسع وستين ومائة، وهو ابن سبع وثمانين سنة، صنف كتاب «الموطأ» وذكر ابن الحباب أنّ مالكاً روى مائة ألف حديث، جمع منه في الموطأ عشرة آلاف، ثمّ لم يزل يعرضها على الكتاب والسنّة، ويخبرها (1)بالآثار والاَخبار حتى رجعت إلى خمسمائة.

وقال الكيا الهراسي في تعليقته على الاَُصول: إنّموطأ مالك كان اشتمل على تسعة آلاف حديث ثمّلم يزل ينتقي حتى رجع إلى سبعمائة. (2)

وقد توخّى مالك فيه الفتوى من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومكث في تأليفه وتهذيبه نحو أربعين سنة.

وقد ذاع الموطأ وانتشر في بلاد الاِسلام، وسمّي بذلك لاَنّه وطّأ ومهّد للناس ما اشتمل عليه من الحديث، أو لاَنّالعلماء المعاصرين له في المدينة واطوَوه ووافقوه عليه.

وقد تميّزت طريقته بالنسبة لاَخذ الحديث، كان عمدته فيه ما رواه أهل الحجاز وخاصة أهل المدينة، وكان يرى أنّ عملهم حجّة مقدمة على خبر الواحد، لاَنّ عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ورواية جماعة عن جماعة أولى بالتقديم من رواية فرد عن فرد، وقد نازعه في ذلك أكثر فقهاء الاَمصار ولم يروا في عمل أهل المدينة حجّة، لاَنّهم ليسوا كل الاَُمّة، وممّن ناظره ليث بن سعد وقد كتب إليه رسالة طويلة في الرد عليه، وناقش الشافعي هذه المسألة في كتاب «الاَُم». (3)


1. أي يختبرها.
2. السيوطي: تنوير الحوالك: 7، المقدمة.
3. أحمد فراج حسين: تاريخ الفقه الاِسلامي: 186ـ197. ومرّ الحديث عنه ص 307.

(377)

قال أبوبكر الاَبهري: جملة ما في «الموطأ» من الآثار عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثاً، المسند منها ستمائة حديث، والمرسل مائتان واثنان وعشرون حديثاً، والموقوف ستمائة وثلاثة عشر، ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون. (1)

مسند أحمد بن حنبل

صنّفه أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني الذهلي، ثمّ البغدادي (164ـ241هـ) أحد الاَئمّة الاَربعة، أصله من مرو، وكان أبوه والي سرخس.

ولد ببغداد، وسافر في طلب الحديث أسفاراً كثيرة إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والمغرب والجزائر والعراقين وفارس وخراسان.وصنّف «المسند» في ستة مجلدات، يحتوي على نيف وأربعين ألف حديث، وله كتب: «التاريخ» و«الناسخ والمنسوخ» و«الرد على الزنادقة» فيما ادّعت به من متشابه القرآن و«فضائل الصحابة» و«التفسير» و«المناسك»و «المسائل». (2)

توفي ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودفن بباب حرب، وقبره مشهود.

وهو أحد رواة حديث الغدير من العلماء، وقد رواه في مواضع كثيرة من مسنده.

قال محمد بن منصور الطوسي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما روي لاَحد من الفضائل أكثر ممّا روي لعلي بن أبي طالب. (3)


1. تنوير الحوالك: 8، المقدمة.
2. الزركلي: الاَعلام:1|203. وما ذكره من احتوائه على نيّف وأربعين ألف حديث غير صحيح، فراجع.
3. القاضي محمد بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة: 1|319.

(378)

يقول أحمد بن حنبل عن كتابه «المسند»: إنّ هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف.

كما واشتمل مسنده على:

مسند بني هاشم: خمسة وسبعون حديثاً.

مسند أهل البيت: خمسة وأربعون حديثاً.

مسند عائشة: ألف حديث وثلاثمائة وأربعون حديثاً.

مسند النساء: تسعمائة وستة وثلاثون حديثاً.

مسند ابن مسعود: ثمانمائة وخمسة وسبعون حديثاً.

مسند أنس: ألفان وثمانمائة وثمانون حديثاً.

وجملته سبع آلاف ومائة وأحد وسبعون حديثاً، وبقي مسند العشرة، ومسند أبي هريرة، ومسند أبي سعيد الخدري، ومسند جابر بن عبد اللّه، و مسند عبد اللّه ابن عمر، ومسند عبد اللّه بن عباس، ومسند عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وفي آخره مسند أبي رمثة، ومسند الاَنصار، ومسند المكيّين والمدنيّين، ومسند الكوفيّين، ومسند البصريّين، ومسند الشاميّين، فهذه جميع مسانيد مسند أحمد بن حنبل. (1)

سنن سعيد بن منصور

صنّفه سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان المروزي، ويقال: الطالقاني (المتوفّـى 227هـ) .

ولد بجوزجان. طاف وجال ووسع في الطلب المجال، مات بمكة في رمضان سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو في عشر التسعين.


1. جامع المسانيد والسنن: 76، المقدمة.

(379)

ومن تلامذته: أحمد بن حنبل، ومسلم، وأبو داود، وغيرهم.

له كتاب «السنن» و من أهم ميزاته انّه يذكر كثيراً من آثار الصحابة بالاِضافة إلى الاَحاديث النبوية لا سيّما تلك الحوادث التي جرت في عصر عمر، قضايا وقعت حقيقة وليست مفروضة كما هو الحال في كتب الفقه، وهذه القضايا والحوادث مصدر مهم لتاريخ الحياة اليومية والاجتماعية في عصر الصحابة، وفيها أيضاً نقل حوادث لا نجدها في كتب التاريخ المتداولة. (1)

ويحتوى هذا الكتاب على 2978 حديثاً.

سنن الدارمي

هو لاَبي محمد عبد اللّه بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي (181ـ255هـ) . نسبة إلى دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم أحد بطونه.

ولد سنة 181هـ، رحل في طلب الحديث، فدخل مصر والشام والعراق والحرمين، وأظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وتقلّد القضاء فيها.

توفي سنة 255هـ يوم التروية، وهو ابن 75 سنة، ودفن بمرو.

ومن أهم مصنفاته: كتاب «السنن» و«الجامع» و«التفسير».

قال السيوطي في «تدريب الراوي»: ومسند الدارمي ليس بمسند، بل هو مرتّب على الاَبواب.

والفرق بين المسند والسنن انّ المسند يكون مرتباً على أسماء الصحابة،


1. سنن سعيد بن منصور: 1|22ـ23، قسم المقدمة. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: 4|89، برقم 147.

(380)

كمسند أحمد بن حنبل، فتذكر الاَحاديث التي رواها الصحابي مجموعة إلى بعضها وإن كانت مختلفة الاَبواب.

والسنن: هو الكتاب المرتّب على الاَبواب الفقهية، كسنن الدارمي.

وذكر المغلطائي انّه ينبغي أن يجعل مسند الدارمي سادساً للخمسة بدل ابن ماجه، فإنّه قليل الرجال الضعفاء، وليس فيه الاَحاديث المنكرة والشاذة، وإن كان فيه أحاديث مرسلة موقوفة، فهو مع ذلك أولى من سنن ابن ماجه. (1)

* * * هوَلاء هم أعلام الصحاح والمسانيد عند أهل السنّة، ولا يسوغ لاَحد أن ينكر جهود موَلّفيها وسعيهم الحثيث وراء الحديث الصحيح، وانّهم حفظوا السنّة النبوية حسب إمكانيّاتهم.

وبالرغم من ذلك كلّه نجد أنّ أصحّ الكتب تشتمل على روايات يقطع كلّ إنسان بعيداً عن التعصب ببطلانها وضعفها، و انّها مدسوسة بين الروايات. وإليك نموذجاً من هذه الروايات:

أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة قال: لما جاء ملك الموت إلى موسى - عليه السّلام - فقال له: أجب دعوة ربّك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها.

قال: فرجع الملك إلى اللّه تبارك وتعالى، فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقع عيني، فقال: فرد اللّه عليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقل: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة، فإنّك تعيش بها سنة.


1. سنن الدارمي: 1، المقدمة.

(381)

وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه، وقال: إنّملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى، فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال: ـ إنّملك الموت جاء إلى الناس خفياً بعد وفاة موسى. (1)

والحديث غني عن التعليق، ولا يوافق الكتاب، ولا سنّة الاَنبياء، ولا العقل السليم من جهات .

الاَُولى: انّه سبحانه يقول: "إِذا جاءَأَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ" . (2) فظاهر قوله: «أجب ربّك» انّه كان ممّن كتب عليه الموت، وجاء أجله، ومع ذلك تأخّر.

الثانية: من درس سيرة الاَنبياء بشكل عام يقف على أنّهم (عليهم السلام) ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعز من الآخرة، وهل كان يخفى عليه نعيمها ودرجاتها؟!

الثالثة: ما ذنب ملك الموت إن هو إلاّ رسول من اللّه مجند له، يعمل بإمرته، فهل كان يستحق مثل هذا الضرب؟!

الرابعة: كيف ترك القصاص من موسى مع أنّه سبحانه يقول: "وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالاََنفَ بِالاََنْفِ والاَُذُنَ بالاَُذُنِ وَ السِّنَّ بالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصاص" . (3)

الخامسة: وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلب عليه وفقأ عينه، ولم يتمكن من الدفاع عن نفسه، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربه؟ أنا لا أدري، ونظن أنّ القارىَ يشاطرنا الرأي بأنّنا في غنى عن هذه التعليقات، فإنّ مضمون الحديث يصرخ بأعلى صوته انّه مكذوب وإن رواه الشيخان.


1. الطبري: التاريخ: 1|305، باب وفاة موسى - عليه السّلام - .
2. يونس: 49.
3. المائدة: 45.

(382)

هذه الرواية وأمثالها تعج بها كتب الصحاح والمسانيد، وتعد من الطامات التي أدخلتها يد الدس في الاَحاديث الاِسلامية، والمسوَولية في هذا المجال تقع على عاتق من منع كتابة أحاديث الرسول وتدوينها ما يربو على قرن ونصف، ففسح المجال للاَحبار والرهبان بأن يتحدّثوا في مسجد الرسول بما ورثوه من الاَساطير الواردة في العهدين القديمين.

فإذا كان هذا مكانة الصحيحين اللّذين يعدّان أصح الكتب بعد القرآن الكريم، فما ظنّك بغيرهما.

فعلى أعلام الاَُمّة ومن يهتم بهمومها الكبرى تمحيص ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باسم السنّة لا تمحيص السنّة النبوية، فإنّها عدل القرآن لا تمس كرامتها يد المحرّفين، والذي هو بحاجة إلى التمحيص هو ما نسب إلى الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وألصق به في كتب الصحاح والمسانيد.

فتمحيص السنّة فريضة على المفكرين لكي يقضوا بذلك على البدع التي ما انفكت تتلاعب بالدين، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن اللّه قلبه بالتقوى، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم، وإن رماه المتطفّلون بأنواع التهم والاَباطيل، ولا غرو فإنّ المصلحين في جميع الاَجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهّال.

* * *


(383)

تدوين الجوامع الحديثية الثانوية عند السنّة

ما مرّعليك من الصحاح والمسانيد تعدّ جوامع حديثية أوّلية، بيد أنّهناك جوامع حديثية ثانوية جمع فيها المحدّث ما وقف عليه من الاَحاديث مرتبة على ترتيب الاَبواب، كما عليه الصحيحان والسنن الاَربع، أو على ترتيب المسانيد كمسند الاِمام أحمد، غير أنّ تسهيل الاَمر يستدعي كتاباً يجمع أحاديث الصحاح والمسانيد، فقامت ثلّة من الشخصيات البارزة من أهل السنّة بتصنيف جوامع حديثية نذكر منها ما يلي:

1. جامع الاَُصول في أحاديث الرسول

هذا هو أحد الجوامع الحديثية التي ظهرت في القرن السابع، وقد صنّفه أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المولود بجزيرة ابن عمر (1) من أحد الربيعين سنة (445هـ) ونشأ بها، ثمّ انتقل إلى الموصل. توفي عام (606هـ) .

وأمّا جامعه هذا فقد بيّن كيفية جمعه بالنحو التالي:

قال: إنّني حذفت الاَسانيد، لاَنّ الغرض من ذكرها كان أوّلاً لاِثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفة الاَوّلين ـ رحمة اللّه عليهم ـ وقد كفونا تلك الموَونة فلا حاجة بنا إلى ذكر ما قد فرغوا منه وأغنونا عنه، فلم أثبت إلاّ اسم


1. مدينة فوق الموصل، وسمّيت جزيرة، لاَنّ نهر دجلة محيط بها.

(384)

الصحابي الذي روى الحديث عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إن كان خبراً أو اسم من يرويه عن الصحابي إن كان أثراً.

اللّهمّ إلاّ أن يعرض في الحديث ذكر اسم رواته فيما تمس الحاجة إليه، فاذكره لتوقف فهم المعنى المذكور في الحديث عليه.

وأمّا متون الحديث فإنّي لم أثبت إلاّ ما كان حديثاً عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو أثراً عن صحابي، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم من مذاهب الفقهاء والاَئمّة فلم أذكره إلاّن

الاَنعام

سبحان

اقترب

الفرقان

موسى

فرعون

حم

الموَمن

المجادلة

الحشر

الجمعة

المنافقون

ن والقلم

إنّا أرسلنا نوحاً

قل أوحي إليّ

المرسلات

والضحى

الهيكم

فذلك جزء الاَنعام

الاَعراف

إبراهيم

الكهف

النور

ص

الزمر

الشريعة

الّذين كفروا

الحديد

المزمل

لا أُقسم بيوم القيامة

عمّيتساءلون

الغاشية

والفجر

والليل إذا يغشى

إذا جاء نصر اللّه

.........

.........
فذلك جزء الاَعراف

الاَنفال

براءة

طه

الملائكة

الصافات

الاَحقاف

الفتح

الطور

النّجم

الصَّف

التغابن

الطلاق

المطففين

المعوذتين

.........

.........

.........

.........

فذلك جزء الاَنفال