welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : كليات في علم الرجال*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

كليات في علم الرجال

(1)

كليات في علم الرجال


(2)


(3)

موسوعة العلوم الإسلامية
1
كليات
في
علم الرجال

الشيخ جعفر السبحاني

دار الميزان بيروت
منشورات الحوزة العلمية
قم


(4)

الطبعة الأُولى
حقوق الطبع محفوظة
1410 هـ ـ 1990 م


(5)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه وآله وعلى رواة سنته وحملة أحاديثه وحفظة كلمه.


(6)


(7)

تصدير

لما كانت السنَّة المطهَّرة الشّاملة لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته الطّاهرة، هي المصدر الرئيسي الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وكان الوقوف على الأحاديث الشَّريفة، والاستفادة منها تتطلّب التثبّت منها، والتحقّق من صدورها، أو الحصول على ما يجعلها حجَّة على المكلَّفين، لذلك يجب الوقوف على أحوال الرواة الَّذين حملوا إلينا تلك الأحاديث جيلاً بعد جيل، منذ عصر الرِّسالة والإمامة، وهذا هو ما يسمّى بـ: «علم الرجال» الّذي يتعيَّن على كلِّ فقيه يريد استنباط الاحكام، وممارسة عمليَّة الاجتهاد، الإلمام به على نحو يمكنه من تمحيص الأحاديث، والتثبّت منها.

وإحساساً بأهميّة هذا العلم في الدراسات الإسلامية، طلبت منّي «لجنة إدارة الحوزة العلمية بقم المقدسة»، إلقاء سلسلة منتظمة من المحاضرات على طلاّب الحوزة العلميَّة المباركة لتكون مقدِّمة لمرحلة التخصّص .

فاستجبت لهذا الطَّلب، ووفَّقنا الله لإلقاء هذه المحاضرات الّتي تشتمل على قواعد وكليّات من هذا العلم، لا غنى للمستنبط عن الوقوف عليها، وقد استخرجناها عمّا ذكره أساطين الفنّ في مقدَّمات الكتب الرجاليّة أو خواتيمها، وهم بين موجِز في القول، ومفصّل ومُسهِب في الكلام ـ شكر الله مساعيهم


(8)

الجميلة ـ ونحن نقتصر على أُمَّهات المطالب وأهمّ مفاتيح هذا العلم الشريف الّتي يسهل على الطالب تناولها وفهمها، سائلين من المولى سبحانه التَّوفيق لتحصيل مرضاته.

وقد ارتأت «لجنة الادارة» أن تقوم بطبع وإخراج هذه المحاضرات تعميماً للفائدة، فكان هذا الكتاب، فحيّا الله هذه اللجنة وشكر مساعيها الخالصة، في خدمة الإسلام، ونرجو من القرّاء الكرام إرسال نظريّاتهم القيّمة حتّى تتكامل هذه المجموعة بإذن الله تعالى وتتبع هذه الخطوة العلميّة المباركة، خطوات أوسع على هذا الصعيد .

قم المقدسة. الحوزة العلمية       
جعفر السبحاني             
يوم ميلاد فاطمة الزهراء - عليها السلام -
20 / جمادى الآخرة / 1408 هـ  


(9)

الفصل الأول

المبادئ التصورية لعلم الرجال.

علم الرجال، موضوعه ومسائله .

التراجم وعلم الرجال.

الدراية وعلم الرجال.


(10)


(11)

ما هو علم الرجال؟

الرجال: علم يبحث فيه عن أحوال الرواة من حيث اتّصافهم بشرائط قبول أخبارهم وعدمه. وإن شئت قلت: هو علم يبحث فيه عن أحوال رواة الحديث الّتي لها دخل في جواز قبول قولهم وعدمه.

وربّما يعرَّف بأنّه علم وضع لتشخيص رواة الحديث ذاتاً ووصفاً، ومدحاً وقدحاً. والمراد من تشخيص الراوي ذاتاً، هو معرفة ذات الشخص وكونه فلان بن فلان. كما أنّ المراد من التشخيص الوصفي، هو معرفة أوصافه من الوثاقة ونحوها. وقوله: «مدحاً وقدحاً» بيان لوجوه الوصف، إلى غير ذلك من التعاريف .

والمطلوب المهمّ في هذا العلم حسبما يكشف عنه التعريف، هو التعرّف على أحوال الرواة من حيث كونهم عدولاً أو غير عدول، موثّقين أو غير موثّقين، ممدوحين أو مذمومين، أو مهملين، أو مجهولين(1) والاطّلاع على مشايخهم وتلاميذهم وحياتهم وأعصارهم وطبقاتهم في الرواية حتّى يعرف


1 . سيوافيك الفرق بين المهمل والمجهول.


(12)

المرسل عن المسند ويميّز المشترك، إلى غير ذلك ممّا يتوقّف عليه قبول الخبر.

ما هو موضوع علم الرجال ؟

موضوعه عبارة عن رواة الحديث الواقعين في طريقه، فبما أنّ كلّ علم يبحث فيه عن عوارض موضوع معيّن وحالاته الطارئة عليه، ففي المقام يبحث عن أحوال الرواة من حيث دخالتها في اعتبار قولهم وعدمه، أمّا حالاتهم الأُخرى الّتي ليست لها دخالة في قبول قولهم فهو خارج عن هذا العلم، فالبحث في هذا العلم إنَّما هو عن اتّصاف الراوي بكونه ثقة وضابطاً أو عدلاً أو غير ذلك من الأحوال العارضة للموضوع، أمّا الأحوال الأُخرى ككونه تاجراً أو شاعراً أو غير ذلك من الأحوال الّتي لا دخالة لها في قبول حديثهم فهي خارجة عن هذا العلم.

ما هي مسائله ؟

إنّ مسائل علم الرجال هي العلم بأحوال الاشخاص من حيث الوثاقة وغيرها، وعند ذلك يستشكل على تسمية ذلك علماً، فإنّ مسائل العلم تجب أن تكون كليّة لا جزئيّة، وأُجيب عن هذا الاشكال بوجهين:

الأوّل: ان التعرّف على أحوال الراوي كزرارة ومحمَّد بن مسلم يعطي ضابطة كليّة للمستنبط بأنّ كلّ ما رواه هذا أو ذاك فهو حجّة، والشخص مقبول الرواية، كماأنّ التعرّف على أحوال وهب بن وهب يعطي عكس ذلك، وعلى ذلك فيمكن انتزاع قاعدة كليّة من التعرّف على أحوال الاشخاص، فكانت المسألة في هذا العلم تدور حول: «هل كلّ ما يرويه زرارة أو محمّد بن مسلم حجّة أو لا؟» والبحث عن كونه ثقة أو ضابطاً يعدّ مقدّمة لانتزاع هذه المسألة الكليّة.

وهذا الجواب لا يخلو من تكلّف كما هو واضح، لأنّ المسألة الاصليّة


(13)

في هذا العلم هو وثاقة الراوي المعين وعدمها، لا القاعدة المنتزعة منها.

الثاني: وهوالموافق للتَّحقيق أنّ الالتزام بكون مسائل العلوم مسائل كلية، التزام بلا جهة، لأنّا نرى أنّ مسائل بعض العلوم ليست إلاّ مسائل جزئيّة، ومع ذلك تعدّ من العلوم، كالبحث عن أحوال الموضوعات الواردة في علمي الهيئة والجغرافيّة، فإنَّ البحث عن أحوال القمر والشَّمس وسائر الكواكب بحوث عن الاعيان الشخصيّة، كماأنّ البحث عن الأرض وأحوالها الطبيعيَّة والاقتصاديّة والأوضاع السياسيّة الحاكمة على المناطق منها، أبحاث عن الأحوال العارضة للوجود الشخصيّ، ومع ذلك لايوجب ذلك خروجهما عن نطاق العلوم، ويقرب من ذلك «العرفان»، فإنّ موضوع البحث فيه هو «الله» سبحانه ومع ذلك فهو من أهمّ المعارف والعلوم، وبذلك يظهر أنّه لا حاجة إلى ما التزموا به من لزوم كون مسائل العلوم كليّة خصوصاً العلوم الاعتبارية كالعلوم الأدبية والرجال الّتي يكفي فيها كون المسألة (جزئيّة كانت أو كليّة) واقعة في طريق الهدف الذي لأجله أسّس العلم الاعتباري.

علم التراجم وتمايزه عن علم الرجال

وفي جانب هذا العلم، علم التراجم الّذي يعدُّ أخاً لعلم الرجال وليس نفسه، فان علم الرجال يبحث فيه عن أحوال رجال وقعوا في سند الأحاديث من حيث الوثاقة وغيرها، وأمّا التراجم فهو بحث عن أحوال الشخصيات من العلماء، وغيرهم، سواء كانوا رواة أم لا وبذلك يظهر أن بين العلمين بوناً شاسعاً .

نعم، ربّما يجتمعان في مورد، كمااذاكان الراوي عالماً مثلاً، كالكليني والصَّدوق، ولكن حيثيّة البحث فيهما مختلفة، فالبحث عن أحوالهما من حيث وقوعهما في رجال الحديث واتّصافهما بما يشترط في قبول الرواية، غير البحث عن أحوالهما وبلوغهما شأواً عظيماً من العلم وأنَّهما مثلاً قد ألّفا كتباً


(14)

كثيرة في مختلف العلوم.

وقد أدخل القدماء من الرجاليين تراجم خصوص العلماء من علم التراجم في علم الرجال، من دون أن يفرّقوا بين العلمين حتّى إنَّ الشيخ منتجب الدين ابن بابويه (الّذي ولد سنة 504 وكان حيّاً إلى سنة 585) ألَّف فهرساًفي تراجم الرواة والعلماء المتأخّرين عن الشيخ الطوسي (المتوفّى سنة 460) وتبع في ذلك طريقة من سبقه من علماء الرجال أعني الشيخ الكشّي والنجاشي والشيخ الطوسي الذين هم أصحاب الأُصول لعلم الرجال والتراجم في الشيعة، وكذلك فعل الشيخ رشيد الدين ابن شهر آشوب (المتوفّى عام 588) فألَّف كتاب «معالم العلماء» وألحق بآخره أسماء عدَّة من أعلام شعراء الشيعة المخلصين لأهل البيت. وبعده أدرج العلاّمة الحلّي (المتوفّى عام 726 هـ) في كتاب «الخلاصة» بعض علماء القرن السابع، كما أدرج الشيخ تقي الدين الحسن بن داود (المولود عام 647) أحوال العلماء المتأخّرين في رجاله المعروف بـ «رجال ابن داود» واستمَّر الحال على ذلك إلى أن استقلّ «التراجم» عن «علم الرجال» فصار كلّ، علماً مستقلاً في التأليف.

ولعلَّ الشيخ المحدِّث الحرّ العاملي من الشيعة أوَّل من قام بالتفكيك بين العلمين فألَّف كتابه القيّم «أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل» في جزءين: الجزء الأوّل بهذا الاسم والجزء الثاني باسم «تذكرة المتبحّرين في ترجمة سائر علماء المتأخّرين» وقد توفّي الشيخ عام «1104» وشرع في تأليف ذلك الكتاب عام «1096 »، وبعده توالى التأليف في التراجم فألَّف الشيخ عبد الله الأفندي التبريزي (المتوفّى قبل عام 1134 هـ)، «رياض العلماء» في عشر مجلَّدات إلى غير ذلك من التآليف القيّمة في التراجم كـ «روضات الجنّات» للعلاّمة الاصفهاني و «أعيان الشيعة» للعلاّمة العاملي و «الكنى والألقاب» للمحدّث القمي و «ريحانة الأدب» للمدرّس التبريزي (قدّس الله أسرارهم).


(15)

والغرض من هذا البحث ايقاف القارئ على التمييز بين العلمين لاختلاف الاغراض الباعثة إلى تدوينهما بصورة علمين متمايزين، والحيثيّات الراجعة إلى الموضوع، المبيّنة لاختلاف الاهداف، فنقول:

ان الفرق بين العلمين يكمن بأحد الوجوه التالية على سبيل مانعة الخلوّ:

1. العلمان يتّحدان موضوعاً ولكنَّ الموضوع في كلّ واحد يختلف بالحيثّية، فالشخص بما هو راو وواقع في سند الحديث، موضوع لعلم الرجال; وبما أنَّ له دوراً في حقل العلم والاجتماع والادب والسياسة والفنّ والصناعة، موضوع لعلم التراجم. نظير الكلمة العربيّة الّتي من حيث الصحّة والاعتلال موضوع لعلم الصّرف، ومن حيث الاعراب والبناء موضوع لعلم النحو. ولأجل ذلك يكون الموضوع في علم الرجال هو شخص الراوي وان لم تكن له شخصيّة اجتماعية، بخلاف التراجم فإنّ الموضوع فيه، الشخصيات البارزة في الاجتماع لجهة من الجهات.

2. العلمان يتّحدان موضوعاً ويختلفان محمولاً، فالمحمول في علم الرجال وثاقة الشخص وضعفه، وأمّا التعرّف على طبقته وعلى مشايخه وتلاميذه ومقدار رواياته كثرة وقلّة، فمطلوب بالعرض والبحث عنها لأجل الوقوف على المطلوب بالذّات وهو تمييز الثقة الضابط عن غيره، إذ الوقوف على طبقة الشخص والوقوف على مشايخه والراوين عنه خير وسيلة لتمييز المشتركين في الاسم، ولا يتحقّق التعرّف على الثقة إلاّ به. كما أنّ الوقوف على مقدار رواياته ومقايسة ما يرويه مع ما يرويه غيره من حيث اللّفظ والمعنى، سبب للتعرّف على مكانة الراوي من حيث الضبط.

أمّا المطلوب في علم التراجم فهو التعرّف على أحوال الاشخاص لا من حيث الوثاقة والضّعف، بل من حيث دورهم في حقل العلم والأدب والفنّ والصناعة من مجال السياسة والاجتماع وتأثيره في الاحداث والوقائع إلى غير ذلك ممّا يطلب من علم التراجم.


(16)

3. إنّ علم الرجال من العلوم الّتي أسَّسها المسلمون للتعرّف على رواة آثار الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - والأئمّة من بعده حتّى يصحّ الركون اليها في مجال العمل والعقيدة، ولولا لزوم التعرّف عليها في ذاك المجال لم يؤسَّس ولم يدوَّن.

وأمّا علم التراجم فهو بما أنّه كان نوعاً من علم التاريخ وكان الهدف التعرّف على الأحداث والوقائع الجارية في المجتمع، كان علماً عريقاً متقدّماً على الإسلام، موجوداً في الحضارات السابقة على الإسلام. وبهذه الوجوه الثلاثة نقتدر على تمييز أحد العلمين عن الآخر.

الفرق بين علم الرجال والدراية

علم الرجال والدراية كوكبان في سماء الحديث، وقمران يدوران على فلك واحد، يتّحدان في الهدف والغاية وهو الخدمة للحديث سنداً ومتناً، غير أنّ الرجال يبحث عن سند الحديث والدراية عن متنها،وبذلك يفترق كلّ عن الآخر، افتراق كلّ علم عن العلم الآخر بموضوعاته.

وان شئت قلت: إنَّ موضوع الأوَّل هو المحدِّث، والغاية، التعرّف على وثاقته وضعفه ومدى ضبطه; وموضوع الثاني، هو الحديث، والغاية التعرّف على أقسامه والطوارئ العارضة عليه.

نعم، ربَّما يبحث في علم الدراية عن مسائل ممّا لا يمتُّ إلى الحديث بصلة مثل البحث عن مشايخ الثقات، وأنَّهم ثقات أو لا؟ أو أنّ مشايخ الاجازة تحتاج إلى التَّوثيق أو لا؟

ولكنَّ الحقّ عدّ نظائرهما من مسائل علم الرجال، لأنَّ مآل البحث فيهما تمييز الثقة عن غيرها عن طريق القاعدتين وأمثالهما. فإنَّ البحث عن وثاقة الشخص يتصوَّر على ثلاثة أوجه:


(17)

1. البحث عن وثاقة شخص معيَّن كـ «زرارة» و «محمَّد بن مسلم» و....

2. البحث عن وثاقة أشخاص معيَّنة كـ «كون مشايخ الأقطاب الثلاثة: محمّد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى والبزنطي» ثقات.

3. البحث عن وثاقة عدّة ينطبق عليهم أحد العنوانين المذكورين كـ «كونهم من مشايخ الاجازة أو من مشايخ الثقة أو الثقات».

مدار البحث في هذه المحاضرات

لمّا كان علم الرجال يركّز البحث على تمييز الثقة عن غيره، يكون أكثر أبحاثه بحثاً صغروياً وأنَّه هل الراوي الفلاني ثقة أو لا؟ ضابط أو لا؟ وهذا المنهج من البحث، لا يليق بالدراسة وإلقاء المحاضرة لكثرتها أوّلاً وغنى القارئ عنها بالمراجعة إلى الكتب المعدّة لبيان أحوال تلك الصغريات ثانياً.

نعم هناك نمط آخر من البحث وهو المحرّك لنا إلى إلقاء المحاضرات، وهو البحث عن ضوابط كلية وقواعد عامّة ينتفع منها المستنبط في استنباطه وعند مراجعته إلى الكتب الرجاليّة، وتوجب بصيرة وافرة للعالم الرجالي وهي لا تتجاوز عن عدّة أُمور نأتي بها واحداً بعد آخر،وقد طرحها الرجاليون في مقدَّمات كتبهم أو مؤخَّراتها. شكر الله مساعيهم.


(18)


(19)

الفصل الثاني

الحاجة إلى علم الرجال

1. أدلّة المثبتين

2. أدلّة النافين


(20)


(21)

1. أدلّة مثبتي الحاجة إلى علم الرجال

* حجّية خبر الثقة.

* الامر بالرجوع إلى صفات الراوي.

* وجود الوضّاعين والمدلّسين والعامي في الاسانيد وبين الرواة.


(22)


(23)

الحاجة إلى علم الرجال

لقد طال الحوار حول الحاجة إلى علم الرجال وعدمها، فمن قائل بتوقّف الاستنباط عليه وأنّ رحاه تدور على أُمور، منها العلم بأحوال الرواة، ولولاه لما تمكّن المستنبط من استخراج كثير من الاحكام عن أدلّتها، إلى قائل بنفي الحاجة إليه ، محتجّاً بوجوه منها: قطعيّة أخبار الكتب الأربعة صدوراً، إلى ثالث قائل بلزوم الحاجة إليه في غير ما عمل به المشهور من الروايات، اليغير ذلك من الأنظار، وتظهر حقيقة الحال ممّا سيوافيك من أدلّة الأقوال، والهدف إثبات الحاجة إلى هذا العلم بنحو الايجاب الجزئي، وأنّه ممّا لا بدَّ منه في استنباط الاحكام في الجملة، في مقابل السلب الكلّي الّذي يدّعي قائله بأنّه لا حاجة إليه أبداً، فنقول:

استدلّ العلماء على الحاجة إلى علم الرجال بوجوه نذكر أهمَّها:

الاول: حجية قول الثقة

لا شكَّ أنَّ الأدلَّة الأربعة دلَّت على حرمة العمل بغير العلم قال سبحانه وتعالى:(قُلْ ءَاَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (1) وقال ـ عزَّ من قائل ـ (وَ لاَ


1 . يونس: 59 .


(24)

تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(1) وقال أيضاً: (وَ مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)(2).

وأمّا الروايات الناهية عن العمل بغير العلم فكثيرة لا تحصى، يقف عليها كلّ من راجع الوسائل كتاب القضاء الباب «10 ـ 11 ـ 12» من أبواب صفات القاضي فيرى فيها أحاديث كثيرة تمنع من العمل بغير العلم غير أنَّه قد دلَّت الأدلّة الشرعيّة على حجيّة بعض الظنون، كالظَّواهر وخبر الواحد إلى غير ذلك من الظنون المفيدة للاطمئنان في الموضوعات والاحكام، والسرُّ في ذلك هو أنَّ الكتاب العزيز غير متكفّل ببيان جميع الأحكام الفقهيّة، هذا من جانب. ومن جانب آخر إنَّ الاجماع الكاشف عن قول المعصوم قليل جدّاً. ومن جهة ثالثة إنَّ العقل قاصر في أن يستكشف به أحكام الله، لعدم احاطته بالجهات الواقعية الداعية إلى جعل الاحكام الشرعية.

نعم هو حجّة في ما إذا كانت هناك ملازمة بين حكم العقل والشرع، كما في ادراكه الملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها، ووجوب الشّيء وحرمة ضدّه، والملازمة بين حرمة الشّيء وفساده، إلى غير ذلك من الامور الّتي بحث عنها الأُصوليون في باب الملازمات العقلية.

فهذه الجهات الثَّلاث أوجبت كون خبر الواحد بشرائطه الخاصّة حجّة قطعيّة، وعند ذلك صارت الحجج الشرعيّة وافية باستنباط الأحكام الشرعية.

ومن المعلوم أنَّه ليس مطلق الخبر حجّة، بل الحجّة هو خصوص خبر العدل، كما مال إليه بعض، أو خبر الثقة أعني من يثق العقلاء بقوله، ومن المعلوم أنّ إحراز الصغرى ـ أعني كون الراوي عدلاً أو ثقة ـ يحتاج إلى الرجوع إلى علم الرجال المتكفل ببيان أحوال الرواة من العدالة والوثاقة، وعند ذلك


1 . الاسراء: 36 .
2 . يونس: 36 .


(25)

يقدر المستنبط على تشخيص الثّقة عن غيره، والصالح للاستدلال عن غير الصالح، إلى غير ذلك من الأمور الّتي لا يستغني عنها المستنبط الا بالرجوع إلى الكتب المعدَّة لبيانها.

وهناك رأي ثالث يبدو أنه أقوى الآراء في باب حجّية الخبر، وهوأنّ الخارج عن تحت الظنون المنهيّة، هو الخبر الموثوق بصدوره وان لم تحرز وثاقة الراوي، ومن المعلوم أنّ إحراز هذا الوصف للخبر، يتوقّف على جمع أمارات وقرائن تثبت كون الخبر ممّا يوثق بصدوره. ومن القرائن الدالّة على كون الخبر موثوق الصدور، هو العلم بأحوال الرواة الواقعة في اسناد الأخبار.

وهناك قول رابع، وهو كون الخارج عن تحت الظّنون الّتي نهي عن العلم بها عبارة عن قول الثّقة المفيد للاطمئنان الّذي يعتمد على مثله العقلاء في أُمورهم ومعاشهم، ولا شبهة أنَّ إحراز هذين الوصفين ـ أعني كون الراوي ثقة والخبر مفيداً للاطمئنان ـ لا يحصل الا بملاحظة أُمور. منها الوقوف على أحوال الرواة الواقعة في طريق الخبر، ولأجل ذلك يمكن أن يقال: إنَّه لا منتدح لأيّ فقيه بصير من الرجوع إلى «علم الرجال» والوقوف على أحوال الرواة وخصوصيّاتهم، إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع في ذلك العلم.

وانما ذهب هذا القائل إلى الجمع بين الوصفين في الراوي والمروي (أي وثاقة الراوي وكون المرويّ مفيداً للاطمئنان) ،لأنَّ كون الراوي ثقة لا يكفي في الحجيّة، بل يحتاج مع ذلك إلى إحراز كون الخبر مفيداً للاطمئنان، ولا يتحقّق إلاّ إذا كان الراوي ضابطاً للحديث ناقلاً إيّاه حسب ما ألقاه الإمام - عليه السلام -، وهذا لا يعرف إلاّ بالمراجعة إلى أحوال الراوي، ومن المعلوم أنَّ عدم ضابطيّة بعض الرواة مع كونهم ثقاتاً أوجد اضطراباً في الأحاديث وتعارضاً في الروايات، حيث حذفوا بعض الكلم والجمل الدخيلة في فهم الحديث، اونقلوه بالمعنى من غير أن يكون اللّفظ كافياً في إفادة مراد الإمام - عليه السلام -.


(26)

وبذلك يعلم بطلان دليل نافي الحاجة إلى الرجال، حيث قال: «إنَّ مصير الأكثر إلى اعتبار الموثَّق، بل الحسن، بل الضّعيف المنجبر، ينفي الحاجة إلى علم الرجال، لأنَّ عملهم يكشف عن عدم الحاجة إلى التَّعديل». وفيه: أنَّ ما ذكره إنَّما يرد على القول بانحصار الحجّية في خبر العدل، وأنَّ الرجوع إلى كتب الرجال لأجل إحراز الوثاقة بمعنى العدالة. وأمّا على القول بحجّية الأعمّ من خبر العدل، وقول الثّقة، أو الخبر الموثوق بصدوره أو المجتمع منهما فالرُّجوع إلى الرجال لأجل تحصيل الوثوق بالصدق أو وثاقة الراوي.

ثمَّ إنَّ المحقّق التّستري استظهر أنَّ مسلك ابن داود في رجاله ومسلك القدماء هو العمل بالممدوحين والمهملين الَّذين لم يرد فيهما تضعيف من الأصحاب، ولأجل ذلك خصّ ابن داود القسم الأوّل من كتابه بالممدوحين ومن لم يضعّفهم الأصحاب، بخلاف العلاّمة فإنَّه خصَّ القسم الأوَّل من كتابه بالممدوحين، ثمَّ قال: وهوالحقُّ الحقيق بالاتّباع وعليه عمل الأصحاب فترى القدماء كما يعملون بالخبر الّذي رواته ممدوحون، يعملون بالخبر الّذي رواته غير مجروحين، وإنّما يردّون المطعونين، فاستثنى ابن الوليد وابن بابويه من كتاب «نوادر الحكمة» عدّة أشخاص، واستثنى المفيد من شرائع عليّ بن إبراهيم حديثاً واحداً في تحريم لحم البعير، وهذا يدلّ على أنّ الكتب الّتي لم يطعنوا في طرقها ولم يستثنوا منها شيئاً كانت معتبرة عندهم، ورواتها مقبولو الرواية، إن لم يكونوا مطعونين من أئمّة الرجال ولا قرينة، وإلاّ فتقبل (1) مع الطعن ثم ذكر عدَّة شواهد على ذلك فمن أراد فليلاحظ (2).

وعلى فرض صحّة مااستنتج، فالحاجة إلى علم الرّجال في معرفة الممدوحين والمهملين والمطعونين قائمة بحالها.


1 . كذا في المطبوع والظاهر «فلا تقبل».
2 . قاموس الرجال: 1 / 25 ـ 27 .


(27)

هذا هو الوجه الأوّل للزوم المراجعة إلى علم الرجال. واليك الوجوه الباقية.

الثاني: الرجوع إلى صفات الرّاوي في الأخبار العلاجيّة

إنَّ الأخبار العلاجيّة تأمر بالرّجوع إلى صفات الرّاوي، من الأعدليّة والأفقهيّة، حتّى يرتفع التعارض بين الخبرين بترجيح أحدهما على الآخر في ضوء هذه الصفات. ومن المعلوم أنّ إحراز هذه الصفات في الرّاوة لا يحصل إلاّ بالمراجعة إلى «علم الرجال»، قال الصادق - عليه السلام -في الجواب عن سؤال عمر بن حنظلة عن اختلاف القضاة في الحكم مع استناد اختلافهما إلى الاختلاف في الحديث: «الحكم ماحكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر»(1).

فإنَّ الحديث وإن كان وارداً في صفات القاضي، غير أنَّ القضاة في ذلك الوقت كانوا رواة أيضاً، وبما أنّ الاجتهاد كان في ذلك الزَّمن قليل المؤنة، بسيط الحقيقة، لم يكن هناك فرق بين الاستنباط ونقل الحديث إلاّ قليلاً، ولأجل ذلك تعدّى الفقهاء من صفات «القاضي» إلى صفات «الراوي».

أضف إلى ذلك أنّ الروايات العلاجيّة غير منحصرة بمقبولة عمر بن حنظلة، بل هناك روايات أُخر تأمر بترجيح أحد الخبرين على الآخر بصفات الراوي أيضاً، يقف عليها من راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج 18، كتاب القضاء).

الثالث: وجود الوضّاعين والمدلّسين في الرواة

إنَّ من راجع أحوال الرواة يقف على وجود الوضّاعين والمدلّسين


1 . الوسائل: 18 / 75، كتاب القضاء، الباب التاسع من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(28)

والمتعمّدين للكذب على الله ورسوله فيهم، ومع هذا كيف يصحّ للمجتهد الافتاء بمجرّد الوقوف على الخبر من دون التعرّف قبل ذلك على الراوي وصفاته.

قال الصادق - عليه السلام -: «إنَّ المغيرة بن سعيد، دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتَّقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربِّنا وسنَّة نبيّنا محمَّد»(1).

وقال أيضاً: «إنّا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذّاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس»(2).

وقال يونس بن عبد الرحمن: وافيت العراق فوجدت جماعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما السلام -متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا - عليه السلام -فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أصحاب أبي عبد الله قال: «إنَّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطّاب وكذلك أصحاب أبي الخطّاب، يدسُّون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن»(3).

إنَّ الاستدلال بهذه الرّوايات على فرض تواترها أو استفاضتها سهل، ولعلَّ المراجع المتتبّع يقف على مدى استفاضتها وتواترها.

ولكنَّ الاستدلال بها يتمّ وإن لم تثبت بإحدى الصُّورتين أيضاً بل يكفي كونها أخبار آحاد مردَّدة بين كونها صحيحة أو مكذوبة، فلو كانت صحيحة، لصارت حجَّة على المقصود وهووجود روايات مفتعلة على لسان النّبيّ الأعظم


1 . رجال الكشي: 195 .
2 . رجال الكشي: 257 .
3 . رجال الكشي: 195. ترجمة المغيرة الرقم 103 .


(29)

وآله الأكرمين، وإن كانت مكذوبة وباطلة، فيثبت المدّعى أيضاً بنفس وجود تلك الروايات المصنوعة في الكتب الروائيّة.

وهذا القسم من الرّوايات ممّا يثبت بها المدَّعى على كلّ تقدير سواء أصحَّت أم لم تصحّ، وهذا من لطائف الاستدلال.

ولأجل هذا التخليط من المدلّسين، أمر الائمة- عليهم السلام -بعرض الأحاديث على الكتاب والسَّنة، وأنَّ كلَّ حديث لا يوافق كتاب الله ولا سَّنة نبيّه يضرب به عرض الجدار. وقد تواترت الروايات على الترجيح بموافقة الكتاب والسّنة، يقف عليها القارئ إذا راجع الباب التاسع من أبواب صفات القاضي من الوسائل (ج 18، كتاب القضاء).

ويوقفك على حقيقة الحال ما ذكره الشيخ الطوسي في كتاب «العدَّة» قال: «إنّا وجدنا الطّائفة ميَّزت الرجال الناقلة لهذه الأخبار، فوثَّقت الثّقات منهم وضعَّفت الضعفاء، وفرَّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم وذموّا المذموم وقالوا: فلان متَّهم في حديثه،وفلان كذّاب، وفلا مخلِّط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفيّ وفلان فطحيّ، وغير ذلك من الطّعون الّتي ذكروها وصنَّفوا في ذلك الكتب واستثنوا الرجال من جملة ما رووه من التصانيف في فهارستهم»(1).

وهذه العبارة تنصّ على وجود المدلّسين والوضّاعين والمخلِّطين بين رواة الشيعة، فكيف يمكن القول بحجيّة كلّ ما في الكتب الأربعة اوغيرها من دون تمييز بين الثقّقة وغيره.

وما ربَّما يقال من أنّ ائمّة الحديث، قد استخرجوا أحاديث الكتب


1 . عدة الاصول، للشيخ الطوسي: 1 / 366 .


(30)

الأربعة من الأُصول والجوامع الأوّلية بعد تهذيبها عن هؤلاء الأشخاص، وإن كان صحيحاً في الجملة، ولكن قصارى جهدهم أنّه حصلت للمشايخ الثلاثة وحضرت عندهم قرائن تفيد الاطمئنان على صدور ما رووه في كتبهم الأربعة أو الثَّلاثة (1) عن الأئمة، ولكن من أين نعلم أنَّه لو حصلت عندنا تلك القرائن الحاصلة عندهم، لحصل لنا الاطمئنان أيضاً مثل ما حصل لهم.

أضف إلى ذلك أنّ ادّعاء حصول الاطمئنان للمشايخ في مجموع ما رووه بعيد جدّاً، لأنَّهم رووا ما نقطع ببطلانه.

هذا مضافاً إلى أنّ ادّعاء حصول الوثوق والاطمئنان للمشايخ بصدور عامّة الروايات حتّى المتعارضين أمر لا يقبله الذَّوق السَّليم.

الرابع: وجود العامي في أسانيد الروايات

إنَّ من سبر روايات الكتب الأربعة وغيرها، يقف على وجود العامي في أسانيد الروايات، وكثير منهم قد وقعوا في ذيل السند، وكان الأئمة يفتونهم بما هومعروف بين أئمّتهم، وقد روى أئمّة الحديث تلك الأسئلة والأجوبة، من دون أن يشيروا إلى كون الراوي عامياً يقتفي أثر أئمّته وأنّ الفتوى الّتي سمعها من الإمام - عليه السلام -صدرت منه تقية، وعندئذ فالرجوع إلى أحوال الرواة يوجب تمييز الخبر الصادر تقية عن غيره .

الخامس: اجماع العلماء

أجمع علماء الإماميّة، بل فرق المسلمين جميعاً في الأعصار السابقة، على العناية بتأليف هذا العلم وتدوينه من عصر الأئمة- عليهم السلام -إلى


1 . الترديد بين الأربعة والثلاثة، انما هو لاجل الترديد في أن الاستبصار كتاب مستقل أو هو جزء من كتاب التهذيب، وقد نقل شيخنا الوالد (قدس الله سره) عن شيخه شيخ الشريعة الاصفهاني، أنه كان يذهب إلى أن الاستبصار ذيل لكتاب التهذيب وليس كتاباً مستقلاً. ولكن الظاهر من العدة: 1 / 356 أنهما كتابان مستقلان.


(31)

يومنا هذا، ولولا دخالته في استنباط الحكم الإلهي، لما كان لهذه العناية وجه.

والحاصل ; أنّ التزام الفقهاء والمجتهدين، بل المحدّثين في عامَّة العصور، بنقل اسانيد الروايات، والبحث عن أوصاف الرواة من حيث العدالة والوثاقة، والدّقة والضبط، يدلّ على أنَّ معرفة رجال الروايات من دعائم الاجتهاد.


(32)


(33)

2. أدلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال

* حجية أخبار الكتب الأربعة.

* عمل المشهور جابر لضعف السند.

* لا طريق إلى اثبات عدالة الرواة.

* الخلاف في معنى العدالة والفسق .

* فضح الناس والتشهير بهم بهذا العلم وعدم اجتماع شرائط الشهادة.

* قول الرجالي وشرائط الشهادة.

* التوثيق الإجمالي.

* شهادة المشايخ الثلاثة.


(34)


(35)

أدلّة النافين للحاجة إلى علم الرجال

قد عرفت أدلة القائلين بوجود الحاجة إلى علم الرجال في استنباط الاحكام من أدلتها. بقيت أدلة النافين، واليك بيان المهم منها:

الأوّل: قطعية روايات الكتب الأربعة

ذهبت الاخبارية إلى القول بقطعيّة روايات الكتب الأربعة وأنَّ أحاديثها مقطوعة الصّدور عن المعصومين- عليهم السلام -وعلى ذلك فالبحث عن حال الرّاوي من حيث الوثاقة وعدمها، لأجل طلب الاطمئنان بالصدور، والمفروض أنَّها مقطوعة الصُّدور.

ولكن هذه دعوى بلا دليل، إذ كيف يمكن ادّعاء القطعيّة لأخبارها، مع أنَّ مؤلّفيها لم يدَّعوا ذلك، وأقصى ما يمكن أن ينسب اليهم أنَّهم ادَّعوا صحة الأخبار المودعة فيها، وهي غير كونها متواترة أو قطعيّة، والمراد من الصحّة اقترانها بقرائن تفيد الاطمئنان بصدورها عن الأئمة- عليهم السلام -. وهل يكفي الحكم بالصحّة في جواز العمل بأخبارها بلا تفحّص أو لا، سنعقد فصلا خاصّاً للبحث في ذلك المجال، فتربّص حتّى حين.

أضف إلى ذلك أنَّ أدلّة الأحكام الشرعيَّة لا تختصّ بالكتب الأربعة، ولأجل ذلك لا مناص عن الاستفسار عن أحوال الرواة. وقد نقل في الوسائل


(36)

عن سبعين كتاباً، أحاديث غير موجودة في الكتب الأربعة وقد وقف المتأخّرون على أُصول وكتب لم تصل إليها يد صاحب الوسائل أيضاً، فلأجل ذلك قام المحدّث النوري بتأليف كتاب أسماه «مستدرك الوسائل» وفيه من الأحاديث ما لا غنى عنها للمستنبط .

الثاني: عمل المشهور جابر لضعف السند

ذهب بعضهم إلى أنَّ كلَّ خبر عمل به المشهور فهو حجة سواء كان الراوي ثقة أم لا، وكلّ خبر لم يعمل به المشهور ليس بحجّة وإن كانت رواتها ثقات.

وفيه: أنَّ معرفة المشهور في كلّ المسائل أمر مشكل، لأنّ بعض المسائل غير معنونة في كتبهم، وجملة أُخرى منها لا شهرة فيها، وقسم منها يعدّ من الأشهر والمشهور، ولأجل ذلك لا مناص من القول بحجيّة قول الثقات وحده وإن لم يكن مشهوراً. نعم يجب أن لا يكون معرضاً عنه كما حقّق في محلّه.

الثالث: لا طريق إلى اثبات العدالة

إنَّ عدالة الراوي لا طريق اليها إلاّ بالرجوع إلى كتب أهل الرجال الّذين أخذوا عدالة الراوي من كتب غيرهم، وغيرهم من غيرهم، ولا يثبت بذلك، التعديلُ المعتبر، لعدم العبرة بالقرطاس.

وفيه: أنّ الاعتماد على الكتب الرجالية،لأجل ثبوت نسبتها إلى مؤلّفيها، لقراءتهم على تلاميذهم وقراءة هؤلاء على غيرهم وهكذا، اوبقراءة التّلاميذ عليهم أو بإجازة من المؤلّف على نقل ما في الكتاب، وعلى ذلك يكون الكتاب مسموعاً على المستنبط أو ثابتة نسبته إلى المؤلف .

والحاصل; أنَّ الكتب إذا ثبتت نسبتها إلى كاتبها عن طريق التواتر والاستفاضة، أو الاطمئنان العقلائي الّذي يعدّ علماً عرفياً أو الحجّة الشرعيّة،


(37)

يصحّ الاعتماد عليها. ولأجل ذلك تقبل الأقارير المكتوبة والوصايا المرقومة بخطوط المُقرّ والموصي أو بخطّ غيرهم، إذا دلّت القرائن على صحّتها، كما إذا ختمت بخاتم المُقرّ والموصي أو غير ذلك من القرائن. ومن يرفض الكتابة فإنَّما يرفضها في المشكوك لا في المعلوم والمطمئنّ منها.

أضف إلى ذلك أنَّ تشريع اعتبار العدالة في الراوي، يجب أن يكون على وجه يسهل تحصيلها، ولو كان متعسّراً أو متعذّراً، يكون الاعتبار لغواً والتشريع بلا فائدة.

وعلى هذا فلو كانت العدالة المعتبرة في رواة الأحاديث، ممكنة التحصيل بالطَّريق الميسور وهو قول الرجاليين فهو، وإلاّ فلو لم يكن قولهم حجّة، يكون اعتبارها فيهم أمراً لغواً لتعسّر تحصيلها بغير هذا الطَّريق.

وللعلاّمة المامقاني جواب آخر وهو: أنَّ التزكية ليست شهادة حتّى يعتبر فيها ما يعتبر في ذلك، من الأصالة والشفاه وغيرها، وإلاّ لما جاز أخذ الأخبار من الأُصول مع أنَّها مأخذوة من الأُصول الأربعمائة، بل المقصود من الرجوع إلى علم الرجال هو التثّبت وتحصيل الظنّ الاطمئناني الانتظامي الّذي انتظم أُمور العقلاء به فيما يحتاجون إليه وهويختلف باختلاف الأُمور معاشاً ومعاداً ويختلف في كلّ منهما باعتبار زيادة الاهتمام ونقصانه .(1)

وهذا الجواب انما يتمّ على مذهب من يجعل الرّجوع إلى الكتب الرجالية من باب جمع القرائن والشّواهد لتحصيل الاطمئنان على وثاقة الراوي أو صدور الحديث. وأمّا على مذهب من يعتبر قولهم حجّة من باب الشَّهادة فلا.

فالحقّ في الجواب هو التَّفصيل بين المذهبين. فلو اعتبرنا الرجوع اليهم من باب الشّهادة، فالجواب ما ذكرناه. ولو اعتبرناه من باب تحصيل القرائن


1 . تنقيح المقال: 1 / 175، من المقدمة.


(38)

والشواهد على صدق الراوي وصدور الرواية، فالجواب ما ذكره - قدس سره -.

ثمَّ إنَّ محلَّ البحث في حجّية قولهم، إنَّما هو إذا لم يحصل العلم من قولهم أو لم يتحقّق الاطمئنان، وإلاّ انحصر الوجه في قبول قولهم من باب التعّبد، وأما الصورتان الاُوليان، فخارجتان عن محلّ البحث، لأنَّ الأوّل علم قطعيّ، والثاني علم عرفي وحجّة قطعية وإن لم تكن حجّيته ذاتية مثل العلم.

الرابع: الخلاف في معنى العدالة والفسق

إنَّ الخلاف العظيم في معنى العدالة والفسق، يمنع من الأخذ بتعديل علماء الرجال بعد عدم معلوميّة مختار المعدِّل في معنى العدالة ومخالفته معنا في المبنى، فإنَّ مختار الشيخ في العدالة، أنَّها ظهور الإسلام، بل ظاهره دعوى كونه مشهوراً، فكيف يعتمد على تعديله، من يقول بكون العدالة هي الملكة .

وأجاب عنه العلاّمة المامقاني (مضافاً إلى أنَّ مراجعة علماء الرجال إنَّما هو من باب التبيُن الحاصل على كلّ حال)، بقوله: إنّ عدالة مثل الشيخ والتفاته إلى الخلاف في معنى العدالة، تقتضيان ارادته بالعدالة فيمن أثبت عدالته من الرواة، العدالة المتّفق عليها، فإنَّ التأليف والتَّصنيف إذا كان لغيره خصوصاً للعمل به مدى الدَّهر.. فلايبني على مذهب خاصّ الا بالتّنبيه عليه .(1)

توضيحه : أنَّ المؤلّف لو صرَّح بمذهبه في مجال الجرح والتَّعديل يؤخذ به، وإن ترك التَّصريح به، فالظّاهر أنَّه يقتفي أثر المشهور في ذاك المجال وطرق ثبوتهما وغير ذلك ممّا يتعلّق بهما، إذ لو كان له مذهب خاصّ وراء


1 . تنقيح المقال: 1 / 176، من المقدمة.


(39)

مذهب المشهور لوجب عليه التنبيه، حتّى لا يكون غارّاً، لأنَّ المفروض أنَّ ما قام به من العبء في هذا المضمار، لم يكن لنفسه واستفادة شخصه، بل الظّاهر أنَّه ألّفه لاستفادة العموم ومراجعتهم عند الاستنباط، فلا بدَّ أن يكون متّفق الاصطلاح مع المشهور، وإلاّ لوجب التّصريح بالخلاف.

يقول المحقّق القمّي في هذا الصَّدد: والظّاهر أنَّ المصنِّف لمثل هذه الكتب لا يريد اختصاص مجتهدي زمانه به، حتّى يقال إنَّه صنَّفه للعارفين بطريقته، سيَّما وطريقة أهل العصر من العلماء عدم الرُّجوع إلى كتب معاصريهم من جهة الاستناد غالباً، وإنَّما تنفع المصنَّفات بعد موت مصنِّفيها غالباً إذا تباعد الزَّمان. فعمدة مقاصدهم في تأليف هذه الكتب بقاؤها أبد الدهر وانتفاع من سيجيء بعدهم منهم، فإذا لوحظ هذا المعنى منضمّاً إلى عدالة المصنّفين وورعهم وتقواهم وفطانتهم وحذاقتهم، يظهر أنَّهم أرادوا بما ذكروا من العدالة المعنى الّذي هو مسلَّم الكلّ حتّى ينتفع الكلّ. واحتمال الغفلة للمؤلّف عن هذا المعنى حين التأليف سيّما مع تمادي زمان التأليف والانتفاع به في حياته في غاية البعد(1).

وهناك قرينة أُخرى على أنَّهم لا يريدون من الثقة، مجرَّد الإسلام مع عدم ظهور الفسق، وإلاَّ يلزم توثيق أكثر المسلمين، ولا مجرَّد حسن الظّاهر، لعدم حصول الوثوق به ما لم يحرز الملكة الرادعة.

قال العلاّمة المامقاني: إنَّ هناك قرائن على أنَّهم أرادوا بالعدالة معنى الملكة وهو أنّا وجدنا علماء الرجال قد ذكروا في جملة من الرواة ما يزيد على ظهور الإسلام وعدم ظهور الفسق، بل على حسن الظاهر بمراتب ومع ذلك لم يصرّحوا فيهم بالتعديل والتوثيق، ألا ترى أنَّهم ذكروا في إبراهيم بن هاشم، أنَّه أوّل من نشر أحاديث الكوفيّين بقم، وهذا يدلّ على ما هو أقوى من حسن


1 . القوانين: 1 / 474 الباب السادس في السّنة .


(40)

الظّاهر بمراتب، لأنَّ أهل قم كان من شأنهم عدم الوثوق بمن يروي عن الضعفاء، بل كانوا يخرجونه من بلدهم، فكيف بمن كان هو في نفسه فاسقاً أو على غير الطَّريقة الحقَّة. فتحقّق نشر الأخبار بينهم يدلّ على كمال جلالته ومع ذلك لم يصرِّح فيه أحد بالتّوثيق والتّعديل (1).

الخامس: تفضيح الناس في هذا العلم

إنَّ علم الرجال علم منكر يجب التحرّز عنه، لأنَّ فيه تفضيحاً للنّاس، وقد نهينا عن التجسّس عن معايبهم وأمرنا بالغضّ والتستّر.

وفيه أوّلاً: النقض بباب المرافعات. حيث إنّ للمنكر جرح شاهد المدَّعي وتكذيبه، وبالأمر بذكر المعايب في مورد الاستشارة، إلى غير ذلك ممّا يجوز فيه الاغتياب.

وثانياً: إنَّ الأحكام الالهيَّة أولى بالتحفّظ من الحقوق الّتي اُشير اليها .

أضف إلى ذلك أنَّه لو كان التفحّص عن الرواة أمراً مرغوباً عنه، فلماذا أمر الله سبحانه بالتثّبت والتبيّن عند سماع الخبر، إذ قال سبحانه: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا)(2).

والأمر به وإن جاء في مورد الفاسق، لكنَّه يعمُّ المجهول للتّعليل الوارد في ذيل الآية (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) فإنَّ احتمال إصابة القوم بجهالة لا يختصّ بمن علم فسقه، بل يعمّ محتمله كما لا يخفى .

السادس: قول الرجالي وشرائط الشهادة

لو قلنا باعتبار قول الرجالي من باب الشَّهادة، يجب أن تجتمع فيه


1 . تنقيح المقال: 1 / 176 من المقدمة .
2 . الحجرات: 6 .


(41)

شرائطها الّتي منها الاعتماد على الحسّ دون الحدس. وهو شرط اتّفق عليه العلماء، ومن المعلوم عدم تحقّق هذا الشَّرط، لعدم تعاصر المعدِّل (بالكسر) والمعدَّل (بالفتح) غالباً.

والجواب أنَّه يشترط في الشهادة، أن يكون المشهود به أمراً حسّياً أو تكون مبادئه قريبة من الحسّ وإن لم يكن بنفسه حسّياً، وذلك مثل العدالة والشّجاعة فإنَّهما من الأُمور غير الحسيّة، لكن مبادئها حسّية من قبيل الالتزام بالفرائض والنوافل، والاجتناب عن اقتراف الكبائر في العدالة، وقرع الأبطال في ميادين الحرب، والاقدام على الأُمور الخطيرة بلا تريُّث واكتراث في الشجاعة.

وعلى ذلك فكما يمكن إحراز عدالة المعاصر بالمعاشرة، اوبقيام القرائن والشَّواهد على عدالته، أو شهرته وشياعه بين الناس،على نحو يفيد الاطمئنان، فكذلك يمكن إحراز عدالة الراوي غير المعاصر من الاشتهار والشياع والأمارات والقرائن المنقولة متواترة عصراً بعد عصر، المفيدة للقطع واليقين أو الاطمئنان.

ولا شكَّ أنَّ الكشّي والنجاشي والشيخ، بما أنَّهم كانوا يمارسون المحدِّثين والعلماء ـ بطبع الحال ـ كانوا واقفين على أحوال الرواة وخصوصيّاتهم ومكانتهم من حيث الوثاقة والضبط، فلأجل تلك القرائن الواصلة اليهم من مشايخهم وأكابر عصرهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، شهدوا بوثاقة هؤلاء.

وهناك جواب آخر ; وهو أنَّ من المحتمل قوّياً أن تكون شهاداتهم في حق الرواة، مستندة إلى السَّماع من شيوخهم، إلى أن تنتهي إلى عصر الرواة، وكانت الطّبقة النهائيَّة معاشرة لهم ومخالطة إيّاهم.

وعلى ذلك، لم يكن التَّعديل أو الجرح أمراً ارتجاليّاً، بل كان مستنداً، إمّا إلى القرائن المتواترة والشواهد القطعية المفيدة للعلم بعدالة الراوي أو


(42)

ضعفه، أو إلى السَّماع من شيخ إلى شيخ آخر .

وهناك وجه ثالث ; وهو رجوعهم إلى الكتب المؤلفة في العصور المتقدّمة عليهم، الّتي كان أصحابها معاصرين للرواة ومعاشرين لهم، فإنَّ قسماً مهمّاً من مضامين الأصول الخمسة الرجاليّة، وليدة تلك الكتب المؤلّفة في العصور المتقدّمة.

فتبيَّن أنَّ الأعلام المتقدّمين كانوا يعتمدون في تصريحاتهم بوثاقة الرَّجل، على الحسّ دون الحدس وذلك بوجوه ثلاثة:

1. الرجوع إلى الكتب الّتي كانت بأيديهم من علم الرجال الّتي ثبتت نسبتها إلى مؤلّفيها بالطّرق الصَّحيحة.

2. السَّماع من كابر عن كابر ومن ثقة عن ثقة.

3. الاعتماد على الاستفاضة والاشتهار بين الأصحاب وهذا من أحسن الطّرق وأمتنها، نظير علمنا بعدالة صاحب الحدائق وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وغيرهم من المشايخ عن طريق الاستفاضة والاشتهار في كل جيل وعصر، إلى أن يصل إلى زمان حياتهم وحينئذ نذعن بوثاقتهم وإن لم تصل الينا بسند خاصّ.

ويدلّ على ذلك (أي استنادهم إلى الحسّ في التوثيق) مانقلناه سالفاً عن الشيخ، من أنّا وجدنا الطائفة ميَّزت الرجال الناقلة، فوثّقت الثّقات وضعَّفت الضعفاء، وفرَّقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره ـ إلى آخر ما ذكره.(1)

ولاجل أن يقف القارئ على أنَّ أكثر ما في الأُصول الخمسة الرجالية ـ لا جميعها ـ مستندة إلى شهادة من قبلهم من الاثبات في كتبهم في حق الرواة،


1 . لاحظ عدة الأُصول: 1 / 366 .


(43)

نذكر في المقام أسامي ثلّة من القدماء، قد ألَّفوا في هذا المضمار، ليقف القارئ على نماذج من الكتب الرجاليَّة المؤلَّفة قبل الأُصول الخمسة أو معها ولنكتف بالقليل عن الكثير.

1. الشيخ الصدوق أبو جعفر محمَّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (المتوفّى 381 هـ)، ترجمه النجاشي (الرقم 1049) وعدَّ من تصانيفه كتاب «المصابيح» في من روى عن النبي والأئمة- عليهم السلام -وله ايضاكتاب «المشيخة» ذكر فيه مشايخه في الرجال وهم يزيدون عن مائتي شيخ، طبع في آخر «من لايحضره الفقيه»(1) .

2. الشيخ أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد البزاز المعروف بـ «ابن عبدون» (بضم العين المهملة وسكون الباء الموحدة)، كما في رجال النجاشي (الرقم 211) وبـ «ابن الحاشر» كما في رجال الشيخ (2)، والمتوفّى سنة 423 هـ وهو من مشايخ الشيخ الطوسي والنجاشي وله كتاب «الفهرس». أشار إليه الشيخ الطوسي في الفهرس في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (3).

3. الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بـ «ابن عقدة» (بضم العين المهملة وسكون القاف، المولود سنة 249 هـ والمتوفّى سنة 333 هـ) له كتاب «الرجال» وهوكتاب جمع فيه أسامي من روى عن جعفر بن محمد - عليهما السلام -وله كتاب آخر في هذا المضمار جمع فيه أسماء الرواة عمن تقدم على الإمام الصّادق من الأئمّة الطاهرين- عليهم السلام -.(4)


1 . ترجمة الشيخ في الرجال، في الصفحة 495، الرقم 25 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 156، تحت الرقم 695، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 184، تحت الرقم 709 .
2 . رجال الشيخ: 450، ترجمه الشيخ بـ «أحمد بن حمدون».
3 . الفهرس: 4 ـ 6، «الطبعة الأولى»، تحت الرقم 7 و «الطبعة الثانية»: 27 ـ 29 .
4 . ذكره الشيخ في الرجال: 44، الرقم 30 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» ص 28، تحت الرقم 76 ،وفي «الطبعة الثانية» ص 52، تحت الرقم 86، وذكر في رجال النجاشي تحت الرقم 233 .


(44)

4. أحمد بن علي العلويّ العقيقيّ (المتوفى عام 280 هـ) له كتاب «تاريخ الرجال» وهو يروي عن أبيه، عن إبراهيم بن هاشم القمي.(1)

5. أحمد بن محمّد الجوهري البغدادي، ترجمه النجاشي (الرقم 207) والشيخ الطوسي (2)وتوفّي سنة 401 هـ ، ومن تصانيفه «الاشتمال في معرفة الرجال».

6. الشيخ أبو العباس أحمد بن محمّد بن نوح، ساكن البصرة له كتاب «الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله - عليه السلام -» (3).

7. أحمد بن محمَّد القمي (المتوفى سنة 350 هـ) ترجمه النجاشي (الرقم 223)، له كتاب «الطبقات».

8. أحمد بن محمَّد الكوفي، ترجمه النجاشي (الرقم 236) وعدَّ من كتبه كتاب «الممدوحين والمذمومين» (4).

9. الحسن بن محبوب السرّاد (بفتح السين المهملة وتشديد الراء) أو الزرّاد (المولود عام 149 هـ ، والمتوفّى عام 224 هـ ) روى عن ستّين رجلاً من


1 . ترجمه النجاشي في رجاله، تحت الرقم 196، والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 24، تحت الرقم 63، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 48، تحت الرقم 73، وفي الرجال في الصفحة 453، الرقم 90 .
2 . رجال الشيخ: 449، الرقم 64، والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 33، تحت الرقم 89، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 57، تحت الرقم 99 .
3 . ترجمه الشيخ في رجاله: 456، الرقم 108 وفي الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 37، تحت الرقم 107، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 61، تحت الرقم 117 .
4 . ذكره الشيخ في الرجال: 454، وقال في الفهرس «الطبعة الأولى» بعد ترجمته في الصفحة 29، تحت الرقم 78: «توفي سنة 346 هـ» ويكون في «الطبعة الثانية» من الفهرس في الصفحة 53، تحت الرقم 88 .


(45)

اصحاب الصادق - عليه السلام -وله كتاب «المشيخة» وكتاب «معرفة رواة الأخبار» (1) .

10. الفضل بن شاذان، الّذي يُعدُّ من أئمّة علم الرجال وقد توفّي بعد سنة 254 هـ ، وقيل 260 هـ، وكان من أصحاب الرضا والجواد والهادي- عليهم السلام -وتوفّي في أيام العسكري - عليه السلام -(2) ينقل عنه العلاّمة في الخلاصة في القسم الّثاني في ترجمة «محمد بن سنان» ـ بعد قوله: والوجه عندي التوقّف فيما يرويه ـ «فإنَّ الفضل بن شاذان ـ رحمهما الله ـ قال في بعض كتبه: إنَّ من الكذّابين المشهورين ابن سنان»(3).

إلى غير ذلك من التآليف للقدماء في علم الرِّجال وقد جمع أسماءها وما يرجع اليها من الخصوصيّات، المتتبع الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب أسماه «مصفى المقال في مصنّفي علم الرجال» (4).

والحاصل، أنّ التتبّع في أحوال العلماء المتقدّمين، يشرف الإنسان على الاذعان واليقين بأنَّ التوثيقات والتضعيفات الواردة في كتب الأعلام الخمسة وغيرها، يستند إمّا إلى الوجدان في الكتاب الثّابتة نسبته إلى مؤلّفه، أو إلى النّقل والسّماع، أو إلى الاستفاضة والاشتهار، أو إلى طريق يقرب منها.


1 . راجع رجال الشيخ الطوسي: 347، الرقم 9 والصفحة 372، الرقم 11 والفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 46، تحت الرقم 151، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 72، تحت الرقم 162 .
2 . ذكره النجاشي في رجاله تحت الرقم 840 والشيخ في الفهرس «الطبعة الأولى» الصفحة 124، تحت الرقم 552، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 150، تحت الرقم 564، وفي الرجال في الصفحة 420، الرقم 1، والصفحة 434، الرقم 2 .
3 . الخلاصة: 251، طبع النجف .
4 . طبع الكتاب عام 1378 .


(46)

السابع: التوثيق الإجمالي

إنَّ الغاية المُتوخّاة من علم الرجال، هو تمييز الثِّقة عن غيره، فلو كانت هذه هي الغاية منه، فقد قام مؤلّف الكتب الأربعة بهذا العمل، فوثَّقوا رجال أحاديثهم واسناد رواياتهم على وجه الاجمال دون التَّفصيل، فلو كان التَّوثيق التفصيلي من نظراء النَّجاشي والشَّيخ وأضرابهما حجَّة، فالتَّوثيق الاجمالي من الكليني والصَّدوق والشيخ أيضاً حجَّة، فهؤلاء الأقطاب الثَّلاثة، صحَّحوا رجال أحاديث كتبهم وصرَّحوا في ديباجتها بصحّة رواياتها.

يقول المحقّق الكاشاني في المقدّمة الثانية من مقدّمات كتابه «الوافي» في هذا الصَّدد، ما هذا خلاصته (1): «إنَّ أرباب الكتب الأربعة قد شهدوا على صحَّة الروايات الواردة فيها. قال الكليني في أوَّل كتابه في جواب من التمس منه التَّصنيف: «وقلت: إنَّك تحبُّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدّين ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه مَنْ يُريد علم الدين والعمل به بالآثار الصَّحيحة عن الصادقين، والسنن القائمة الّتي عليها العمل وبها يؤدّي فرض الله وسنّة نبيّه... إلى أن قال - قدس سره -: وقد يسَّر الله له الحمد تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخَّيت». وقال الصَّدوق في ديباجة «الفقيه»: «إنّي لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحّته، وأعتقد فيه أنَّه حجَّة فيما بيني وبين ربي ـ تقدَّس ذكره ـ ، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المُعوَّل وإليها المرجع». وذكر الشيخ في «العدّة» أنَّ جميع ما أورده في كتابيه (التهذيب والاستبصار)، إنَّما أخذه من الأُصول المعتمد عليها.

والجواب: أنَّ هذه التَّصريحات أجنبيَّة عمّا نحن بصدده، أعني وثاقة


1 . الوافي: 1 / 11، المقدمة الثانية.


(47)

رواة الكتب الأربعة.

أَمّا أوّلاً: فلأن المشايخ شهدوا بصحَّة روايات كتبهم، لا بوثاقة رجال رواياتهم، وبين الأمرين بون بعيد، وتصحيح الروايات كما يمكن أن يكون مستنداً إلى إحراز وثاقة رواتها، يمكن أن يكون مستنداً إلى القرائن المنفصلة الّتي صرّح بها المحقّق البهائي في «مشرق الشمسين» والفيض الكاشاني في «الوافي» ومع هذا كيف يمكن القول بأنَّ المشايخ شهدوا بوثاقة رواة أحاديث كتبهم؟ والظّاهر كما هو صريح كلام العَلَمين، أنَّهم استندوا في التَّصحيح على القرائن لا على وثاقة الرواة، ويدلّ على ذلك ما ذكره الفيض حول هذه الكلمات، قال - قدس سره -بعد بيان اصطلاح المتأخّرين في تنويع الحديث المعتبر: «وسلك هذا المسلك العلاّمة الحلّي - رحمه الله - وهذا الاصطلاح لم يكن معروفاً بين قدمائنا ـ قدس الله أرواحهم ـ كما هو ظاهر لمن مارس كلامهم، بل كان المتعارف بينهم إطلاق الصحيح على كلِّ حديث اعتضد بما يقتضي الاعتماد عليه، واقترن بما يوجب الوثوق به، والركون إليه (1) كوجوده في كثير من الأُصول الأربعمائة المشهورة المتداولة بينهم الّتي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة- عليهم السلام -(2) وكتكرّره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة ـ وأسانيد عديدة معتبرة (3) وكوجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الّذين أجمعوا على تصديقهم، كزرارة ومحمَّد بن مسلم والفضيل بن يسار (4)، أو على تصحيح مايصحّ عنهم، كصفوان بن يحيى، ويونس بن عبد الرّحمن، وأحمد بن محمَّد بن أبي نصر البزنطي (5)، أو العمل بروايتهم، كعمار الساباطي ونظرائه (6) وكاندراجه في أحد الكتب الّتي عرضت على أحد الأئمّة المعصومين- عليهم السلام -فأثنوا على مؤلّفيها، ككتاب عبيد الله الحلبي الّذي عرض على الصّادق - عليه السلام -وكتابي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري - عليه السلام -(7) وكأخذه من أحد الكتب الّتي شاع


(48)

بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء كان مؤلّفوها من الإماميّة، ككتاب الصَّلاة لحريز بن عبد الله السجستاني وكتب ابني سعيد، وعليّ بن مهزيار، أو من غير الإماميّة، ككتاب حفص بن غياث القاضي، والحسين بن عبيد الله السعدي، وكتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري... إلى أن قال: فحكموا بصحَّة حديث بعض الرواة من غير الإماميّة كعليّ بن محمد بن رياح وغيره لما لاح لهم من القرائن المقتضية للوثوق بهم والاعتماد عليهم، وإن لم يكونوا في عداد الجماعة الَّذين انعقد الاجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم.. إلى أن قال: فإن كانوا لا يعتمدون على شهادتهم بصحَّة كتبهم فلا يعتمدوا على شهادتهم وشهادة أمثالهم من الجرح والتعديل إلى أن قال: نعم، إذا تعارض الخبران المعتمد عليهما على طريقة القدماء فاحتجنا إلى الترَّجيح بينهما، فعلينا أن نرجع إلى حال رواتهما في الجرح والتعَّديل المنقولين عن المشايخ فيهم ونبني الحكم على ذلك كما اُشير إليه في الأخبار الواردة في التراجيح بقولهم- عليهم السلام -«فالحكم ما حكم به أعدلهما وأورعهما واصدقهما في الحديث» وهو أحد وجوه التّراجيح المنصوص عليها، وهذا هو عمدة الأسباب الباعثة لنا على ذكر الأسانيد في هذا الكتاب»(1).

وثانياً: سلَّمنا أنَّ منشأ حكمهم بصحَّتها هو الحكم بوثاقة رواتها، لكن من أين نعلم أنَّهم استندوا في توثيقهم إلى الحسِّ، إذ من البعيد أن يستندوا في توثيق هذا العدد الهائل من الرواة الواردة في هذه الكتب إلى الحسّ، بل من المحتمل قويّاً، أنَّهم استندوا إلى القرائن الّتي يستنبط وثاقتهم منها، ومثله يكون حجَّة للمستنبط ولمن يكون مثله في حصول القرائن.

وثالثاً: نفترض كونهم مستندين في توثيق الرُّواة إلى الحسِّ، ولكنَّ الأخذ بقولهم إنَّما يصحّ لو لم تظهر كثرة أخطائهم، فإنَّ كثرتها تسقط قول


1 . الوافي: 1 / 11 ـ 12، المقدمة الثانية.


(49)

المخبر عن الحجّية في الإخبار عن حسٍّ أيضاً، فكيف في الاخبار عن حدس. مثلاً إنَّ كثيراً من رواة الكافي ضعّفهم النجاشي والشيخ، فمع هذه المعارضة الكثيرة يسقط قوله عن الحجّية. نعم، إن كانت قليلة لكان لاعتبار قوله وجه. وإنَّ الشيخ قد ضعَّف كثيراً من رجال «التهذيب والاستبصار» في رجاله وفهرسه، فكيف يمكن أن يعتمد على ذلك التَّصحيح.

فظهر أنَّه لا مناص عن القول بالحاجة إلى علم الرجال وملاحظة أسناد الروايات، وأنَّ مثل هذه الشهادات لا تقوم مكان توثيق رواة تلك الكتب.

الثامن: شهادة المشايخ الثلاثة

إذا شهد المشايخ الثلاثة على صحَّة روايات كتبهم، وأنَّها صادرة عن الأئمّة بالقرائن الّتي أشار إليه المحقّق الفيض، فهل يمكن الاعتماد في هذا المورد على خبر العدل أو لا ؟

الجواب: أنَّ خبر العدل وشهادته إنَّما يكون حجَّة إذا أخبر عن الشَّيء عن حسٍّ لا عن حدس، والاخبار عنه بالحدس لا يكون حجَّة إلاّ على نفس المخبر، ولا يعدو غيره إلاّ في موارد نادرة، كالمفتي بالنّسبة إلى المستفتي. وإخبار هؤلاء عن الصُّدور إخبار عن حدس لا عن حسٍّ.

توضيح ذلك ; أنَّ احتمال الخلاف والوهم في كلام العادل ينشأ من أحد أمرين:

الأوّل: التعمُّد في الكذب وهو مرتفع بعدالته.

الثاني: احتمال الخطأ والاشتباه وهو مرتفع بالأصل العقلائي المسلَّم بينهم من أصالة عدم الخطأ والاشتباه، لكن ذاك الأصل عند العقلاء مختصٌّ بما إذا أخبر بالشيء عن حسٍّ، كما إذا أبصر وسمع، لا ما إذا أخبر عنه عن حدس، واحتمال الخطأ في الإبصار والسَّمع مرتفع بالأصل المسلَّم بين العقلاء، وأمّا احتمال الخطأ في الحدس والانتقال من المقدّمة إلى النتيجة،


(50)

فليس هنا أصل يرفعه، ولأجل ذلك لا يكون قول المحدس حجَّة الا لنفسه.

والمقام من هذا القبيل، فإنَّ المشايخ لم يروا بأعينهم ولم يسمعوا بآذانهم صدور روايات كتبهم، وتنطّق أئمّتهم بها، وإنَّما انتقلوا إليه عن قرائن وشواهد جرَّتهم إلى الاطمئنان بالصّدور، وهو إخبار عن الشيء بالحدس، ولا يجري في مثله أصالة عدم الخطأ ولايكون حجَّة في حق الغير.

وإن شئت قلت: ليس الانتقال من تلك القرائن إلى صحَّة الروايات وصدورها أمراً يشترك فيه الجميع أو الأغلب من النّاس، بل هو أمر تختلف فيه الأنظار بكثير، فرُبَّ إنسان تورثه تلك القرائن اطمئناناً في مقابل إنسان آخر، لا تفيده إلاّ الظنَّ الضعيف بالصحَّة والصدور، فإذن كيف يمكن حصول الاطمئنان لأغلب النّاس بصدور جميع روايات الكتب الأربعة الّتي يناهز عددها ثلاثين ألف حديث، وليس الإخبار عن صحَّتها كالاخبار عن عدالة إنسان أو شجاعته، فإنَّ لهما مبادئ خاصَّة معلومة، يشترك في الانتقال عنها إلى ذينك الوصفين أغلب الناس أو جميعهم، فيكون قول المخبر عنهما حجَّة وإن كان الإخبار عن حدس، لأنَّه ينتهي إلى مبادئ محسوسة، وهي ملموسة لكلّ من أراد أن يتفحَّص عن أ+وال الإنسان. ولا يلحق به الإخبار عن صحِّة تلك الروايات، مستنداً إلى تلك القرائن الّتي يختلف الناس في الانتقال عنها إلى الصحَّة إلى حدٍّ ربَّما لا تفيد لبعض الناس إلاّ الظّنَّ الضَّعيف. وليس كلُّ القرائن من قبيل وجود الحديث في كتاب عرض على الإمام ونظيره، حتّى يقال إنَّها من القرائن الحسيّة، بل أكثرها قرائن حدسية.

فان قلت: فلو كان إخبارهم عن صحَّة كتبهم حجَّة لأنفسهم دون غيرهم، فما هو الوجه في ذكر هذه الشهادات في ديباجتها؟

قلت: إنَّ الفائدة لا تنحصر في العمل بها، بل يكفي فيها كون هذا الإخبار باعثاً وحافزاً إلى تحريك الغير لتحصيل القرائن والشواهد، لعلَّه يقف


(51)

أيضاً على مثل ما وقف عليه المؤلِّف وهو جزء علَّة لتحصيل الرُّكون لا تمامها.

ويشهد بذلك أنَّهم مع ذاك التَّصديق، نقلوا الروايات بإسنادها حتّى يتدبَّر الآخرون في ما ينقلونه ويعملوا بما صحَّ لديهم، ولو كانت شهادتهم على الصحَّة حجَّة على الكلّ، لما كان وجه لتحمّل ذاك العبء الثقيل، أعني نقل الروايات بإسنادها. كلّ ذلك يعرب عن أنَّ المرمى الوحيد في نقل تلك التصحيحات، هو إقناع أنفسهم وإلفات الغير إليها حتّى يقوم بنفس ما قام به المؤلّفون ولعلَّه يحصِّل ما حصَّلوه.


(52)


(53)

الفصل الثالث

المصادر الاولية لعلم الرجال

1ـ الاصول الرجالية الثمانية.

2ـ رجال ابن الغضائري.


(54)


(55)

الاصول الرجالية الثمانية

* رجال الكشي.

* فهرس النجاشي.

* رجال الشيخ وفهرسه.

* رجال البرقي.

* رسالة أبي غالب الزراري.

* مشيخة الصدوق.

* مشيخة الشيخ الطوسي.


(56)


(57)

اهتم علماء الشيعة من عصر التابعين الى يومنا هذا بعلم الرجال، فألفوا معاجم تتكفل لبيان أحوال الرواة وبيان وثاقتهم أو ضعفهم، وأول تأليف ظهر لهم في أوائل النصف الثاني من القرن الاول هو كتاب «عبيد الله بن أبي رافع» كاتب أمير المؤمنين- عليه السلام -، حيث دون أسماء الصحابة الذين شايعوا علياً وحضروا حروبه وقاتلوا معه في البصرة وصفين والنهروان، وهو مع ذلك كتاب تاريخ ووقائع.

وألف عبدالله بن جبلة الكناني (المتوفى عام 219 هـ) وابن فضّال وابن محبوب وغيرهم في القرن الثاني الى أوائل القرن الثالث، كتباً في هذا المضمار، واستمر تدوين الرجال الى أواخر القرن الرابع.

ومن المأسوف عليه، أنه لم تصل هذه الكتب الينا، وانما الموجود عندنا ـ وهو الذي يعد اليوم اصول الكتب الرجالية (1) ـ ما دوّن في القرنين الرابع والخامس، واليك بيان تلك الكتب والاصول التي عليها مدار علم الرجال، واليك اسماؤها وأسماء مؤلفيها وبيان خصوصيات مؤلفاتهم.


1 . المعروف أن الاصول الرجالية اربعة أو خمسة بزيادة رجال البرقي، لكن عدها ثمانية بلحاظ أن الجميع من تراث القدماء، وان كان بينها تفاوت في الوزن والقيمة، فلاحظ.


(58)

1ـ رجال الكشّي

هو تأليف محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بالكشّي، والكشّ ـ بالفتح والتشديد ـ بلد معروف على مراحل من سمرقند، خرج منه كثير من مشايخنا وعلمائنا، غير أن النجاشي ضبطه بضم الكاف، ولكن الفاضل المهندس البرجندي ضبطه في كتابه المعروف «مساحة الارض والبلدان والاقاليم» بفتح الكاف وتشديد الشين، وقال: «بلد من بلاد ما وراء النهر وهو ثلاثة فراسخ في ثلاثة فراسخ».

وعلى كل تقدير; فالكشي من عيون الثقات والعلماء والاثبات. قال النجاشي: «محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي أبو عمرو، كان ثقة عيناً وروى عن الضعفاء كثيراً، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم. له كتاب الرجال، كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة»(1).

وقال الشيخ في الفهرست: «ثقة بصير بالاخبار والرجال، حسن الاعتقاد، له كتاب الرجال» (2).

وقال في رجاله: «ثقة بصير بالرجال والأخبار، مستقيم المذهب»(3).

وأما اُستاذه العيّاشي أبو النَّضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلمي السمرقندي المعروف بالعيّاشي، فهو ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة... قال لنا أبو جعفر الزاهد: أنفق أبو النَّضر على العلم والحديث تركة أبيه وسائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو


1 . رجال النجاشي: الرقم 1018.
2 . فهرس الشيخ «الطبعة الاولى» الصفحة 141، الرقم 604، و: «الطبعة الثانية»، الصفحة 167 الرقم 615.
3 . رجال الشيخ: 497.


(59)

مقابل أو قارئ أو معلِّق، مملوءة من الناس(1) وله كتب تتجاوز على مائتين.

قد أسمى الكشّي كتابه الرجال بـ «معرفة الرجال» كما يظهر من الشّيخ في ترجمة أحمد بن داود بن سعيد الفزاري(2).

وربَّما يقال بأنه أسماه بـ «معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين» أو «معرفة الناقلين» فقط، وقد كان هذا الكتاب موجوداً عند السيد ابن طاووس، لأنه تصدّى بترتيب هذا الكتاب وتبويبه وضمِّه الى كتب أُخرى من الكتب الرجاليَّة وأسماه بـ «حلّ الاشكال في معرفة الرجال» وكان موجوداً عند الشهيد الثاني، ولكن الموجود من كتاب الكشّي في هذه الاعصار، هو الذي اختصره الشيخ مسقطاً منه الزوائد، واسماه بـ «اختيار الرجال»، وقد عدَّه الشيخ من جملة كتبه، وعلى كل تقدير فهذا الكتاب طبع في الهند وغيره، وطبع في النجف الاشرف وقد فهرس الناشر أسماء الرواة على ترتيب حروف المعجم. وقام اخيراً المتتبع المحقق الشيخ حسن المصطفوي بتحقيقه تحقيقاً رائعاً وفهرس له فهارس قيّمة ـ شكر الله مساعيه ـ.

كيفية تهذيب رجال الكشي

قال القهبائي: «إن الاصل كان في رجال العامة والخاصة فاختار منه الشيخ، الخاصة»(3).

والّظاهر عدم تماميّته، لأنه ذكر فيه جمعاً من العامة رووا عن ائمّتنا


1 . راجع رجال النجاشي: الرقم 944.
2 . ذكره في «ترتيب رجال الكشي» الذي رتب فيه «اختيار معرفة الرجال» للشيخ على حروف التهجي، والكتاب غير مطبوع بعد، والنسخة الموجودة بخط المؤلف عند المحقق التستري دام ظله.
3 . راجع فهرس الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 34، الرقم 90، و: «الطبعة الثانية» الصفحة 58، الرقم 100.


(60)

كمحمد بن اسحاق، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن خالد، وعمرو بن جميع، وعمرو بن قيس، وحفص بن غياث، والحسين بن علوان، وعبد الملك بن جريج، وقيس بن الربيع، ومسعدة بن صدقة، وعباد بن صهيب، وأبي المقدام، وكثير النوا، ويوسف بن الحرث، وعبد الله البرقي (1).

والظاهر أن تنقيحه كان بصورة تجريده عن الهفوات والاشتباهات التي يظهر من النجاشي وجودها فيه.

ان الخصوصية التي تميز هذا الكتاب عن سائر ما ألف في هذا المضمار عبارة عن التركيز على نقل الروايات المربوطة بالرواة التي يقدر القارىء بالامعان فيها على تمييز الثقة عن الضعيف وقد ألفه على نهج الطبقات مبتدءاً بأصحاب الرسول والوصي الى أن يصل الى أصحاب الهادي والعسكري - عليهما السلام - ثم الى الذين يلونهم وهو بين الشيعة كطبقات ابن سعد بين السنة.

2ـ رجال النجاشي

هو تأليف الثبت البصير الشيخ أبي العباس (2) أحمد بن علي بن أحمد بن العباس، الشهير بالنجاسي، وقد ترجم نفسه في نفس الكتاب وقال: «أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن النجاشي، الذي ولي الاهواز وكتب الى أبي عبد الله - عليه السلام -يسأله وكتب اليه رسالة عبد الله بن النجاشي المعروفة(3) ولم ير لأبي عبدالله - عليه السلام -مصنَّف غيره.


1 . قاموس الرجال: 1 / 17.
2 . يكنى بـ «أبي العباس» تارة وبـ «أبي الحسين» اخرى.
3 . هذه الرسالة مروية في كشف الريبة ونقلها في الوسائل في كتاب التجارة، لاحظ: الجزء 12، الباب 49 من أبواب ما يكتسب به.


(61)

مصنف هذا الكتابله كتاب «الجمعة وما ورد فيه من الاعمال»، وكتاب «الكوفة وما فيها من الاثار والفضائل»، وكتاب «أنساب بني نصر بن قعين وأيامهم وأشعارهم»،وكتاب «مختصر الانوار» و« مواضع النجوم التي سمتها العرب» (1).

وقد ذكر في ديباجة الكتاب الحوافز التي دعته الى تأليف فهرسه وقال: «فأني وقفت على ما ذكره السيد الشريف ـ أطال الله بقاه وأدام توفيقه ـ من تعيير قوم من مخالفينا أنه لا سلف لكم ولا مصنف، وهذا قول من لا علم له بالناس. ولا وقف على أخبارهم، ولا عرف منازلهم وتاريخ أخبار أهل العلم، ولا لقي أحداً فيعرف منه ولا حجة علينا لمن لا يعلم ولا عرف، وقد جمعت من ذلك ما استطعته ولم أبلغ غايته، لعدم أكثر الكتب وانما ذكرت ذلك عذراً الى من وقع اليه كتاب لم أذكره... الى أن قال: على أن لاصحابنا(رحمهم الله) في بعض هذا الفن كتباً ليست مستغرقة لجميع ما رسم، وأرجو أن يأتي في ذلك على ما رسم وحُدَّ ان شاء الله، وذكرت لكل رجل طريقاً واحداً حتى لا يكثر الطرق فيخرج عن الغرض (2).

اقول: الرجل نقاد هذا الفن ومن أجلائه وأعيانه، وحاز قصب السبق في ميدانه، قال العلاّمة في الخلاصة: «ثقة معتمد عليه، له كتاب الرجال نقلنا منه في كتابنا هذا وغيره أشياء كثيرة، وتوفي بمطير آباد في جمادي الاولى سنة خمسين واربعمائة وكان مولده في صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة (3).

وقد اعتمد عليه المحقق في كتاب المعتبر. فقد قال في غسالة ماء الحمام: «وابن جمهور ضعيف جداً ذلك النجاشي في كتاب الرجال»(4).


1 . رجال النجاسي: الرقم 253.
2 . رجال النجاشي: 3.
3 . رجال العلامة: 20 ـ 21، طبعة النجف.
4 . المعتبر: 1 / 92.


(62)

وأطراه كل من تعرض له، فهو أبو عذر هذا الامر وسابق حلبته كما لا يخفى، ولكتابه هذا امتيازات نشير اليها:

الاول: اختصاصه برجال الشيعة كما ذكر في مقدمته، ولا يذكر من غير الشيعي إلاّ إذا كان عامياً روى عنا، أو صنف لنا فيذكره مع التنبيه عليه، كالمدائني والطبري وكذا في شيعي غير امامي فيصرح كثيراً وقد يسكت.

الثاني: تعرضه لجرح الرواة وتعديلهم غالباً استقلالاً أو استطراداً، ورب رجل وثقه في ضمن ترجمة الغير، وربما أعرض عن التعرض بشيء من الوثاقة والضعف في حق بعض من ترجمهم.

نعم، ربما يقال: كل من أهمل فيه القول فذلك آية ان الرجل عنده سالم عن كل مغمز ومطعن، ولكنه غير ثابت، حيث ان كتابه ليس الا مجرد فهرس لمن صنف من الشيعة أو صنف لهم دون الممدوحين والمذمومين، وليس يجب على مؤلف حول الرجال، أن يتعرض للمدح والذم، فسكوته ليس دليلاً على المدح ولا على كونه شيعياً امامياً، وان كان الكتاب موضوعاً لبيان الشيعة أو من صنف لهم، لكن الاخير (عدم دلالته على كونه شيعياً امامياً) موضع تأمل، لتصريحه بأن الكتاب لبيان تآليف الاصحاب ومصنفاتهم، فما دام لم يصرح بالخلاف يكون الاصل كونه امامياً.

الثالث: تثّبته في مقالاته وتأمله في افاداته، والمعروف أنه أثبت علماء الرجال وأضبطهم واضبط من الشيخ والعلاّمة، لان البناء على كثرة التأليف يقتضي قلة التأمل. وهذا الكلام وان كان غير خال عن التأمل لكنه جار على الغالب.

الرابع: سعة معرفته بهذا الفن، وكثرة اطلاعه بالاشخاص، وما يتعلق بهم من الاوصاف والانساب وما يجري مجراهما، ومن تتبع كلامه عند ذكر الاشخاص يقف على نهاية معرفته بأحوال الرجال وشدة احاطته بما يتعلق بهذا


(63)

المجال من جهة معاصرته ومعاشرته لغير واحد منهم، كما يشهد استطراقه ذكر امور لا يطلع عليها الا المصاحب ولا يعرفها غير المراقب الواجد (1).

وقد حصل له هذا الاطلاع الواسع بصحبته كثيراً من العارفين بالرجال كالشيخ أحمد بن الحسين الغضائري، والشيخ أحمد بن علي بن عباس بن نوح السيرافي (2)، وأحمد بن محمد «ابن الجندي» (3)، وابي الفرج محمد بن علي بن يعقوب بن اسحاق بن ابي قرة الكاتب (4)، وغيره من نقاد هذا الفن وأجلائه (5).

الخامس: أنه ألف فهرسه بعد فهرس الشيخ الطوسي بشهادة أنه ترجمه وذكر فيه فهرس الشيخ (6)والسابر في فهرس النجاشي يقف على أنه كان ناظراً لفهرس معاصره ولعل بعض ما جاء فيه ـ مخالفاً لما في فهرس الشيخ ـ كان لغاية التصحيح، وكان المحقق البروجردي - قدس سره -يعتقد بأن فهرس النجاشي كالذيل لفهرس الشيخ.

وأخيراً نقول: إن المعروف في وفاته هو أنه توفّي عام 450 هـ، ونص عليه العلاّمة في خلاصته، لكن القارئ يجد في طيّات الكتاب أنه أرخ فيه وفاة محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري عام 463 هـ (7). ولازم ذلك أن يكون حيّاً الى هذه السنة، ومن المحتمل أن تكون الزيادة من النسّاخ أو القرّاء، وكانت


1 . لاحظ ترجمة سليمان بن خالد، الرقم 484، وترجمة سلامة بن محمد، الرقم 514، في نفس الكتاب تجد مدى اطلاعه على أحوال الرجال.
2 . رجال النجاشي: الرقم 109.
3 . قال في رجاله بالرقم 206: أحمد بن محمد بن عمران بن موسى، ابو الحسن المعروف بـ «ابن الجندي » استاذنا- رحمه الله -الحقنا بالشيوخ في زمانه.
4 . لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1066
5 . لاحظ سماء المقال: 1 / 59 ـ 66.
6 . لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1068.
7 . لاحظ رجال النجاشي: الرقم 1070.


(64)

الزيادة في الحاشية، ثمَّ أدخلها المتأخرون من النساخ في المتن زاعمين أنه منه كما اتفق ذلك في غير مورد.

ثم إن الشيخ النجاشي قد ترجم عدَّة من الرواة ووثقهم في غير تراجمهم، كما أنه لم يترجم عدَّة من الرواة مستقلا، ولكن وثقهم في تراجم غيرهم، ولاجل اكمال البحث عقدنا العنوانين التاليين لئلاً يفوت القارئ فهرس الموثوقين في تراجم غيرهم:

الأول: من لهم تراجم ولكن وثّقوا في تراجم غيرهم.

1ـ أحمد بن محمد بن محمد بن سليمان الزراري، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك (الرقم 313).

2ـ سلمة بن محمد بن عبدالله الخزاعي، وثَّقه في ترجمة أخيه منصور بن محمد (الرقم 1099).

3ـ شهاب بن عبد ربه الاسدي، وثقه في ترجمة ابن أخيه اسماعيل بن عبد الخالق (الرقم 50).

4ـ صالح بن خالد المحاملي الكناسي، وثَّقه في باب الكُنى في ترجمة ابي شعيب المحاملي (الرقم 1240).

5ـ عمرو بن منهال بن مقلاص القيسي، وثَّقه في ترجمة ابنه حسن بن عمرو بن منهال (الرقم 133).

6ـ محمد بن عطية الحناط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن بن عطية الحناط (الرقم 93).

7ـ محمد بن همام بن سهيل الاسكافي، وثقه في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك الفزاري (الرقم 313).

الثاني: من ليس لهم ترجمة ولكن وثَّقوا في تراجم الغير:


(65)

1ـ أحمد بن محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابنه الحسن (الرقم 151).

2ـ اسد بن اعفر المصري، وثقه في ترجمة ابنه داود (الرقم 414).

3ـ اسماعيل بن أبي السمال الاسدي، وثقه في ترجمة أخيه إبراهيم (الرقم 30).

4ـ اسماعيل بن الفضل بن يعقوب النوفلي، وثقه في ترجمة ابن أخيه الحسين بن محمد بن الفضل (الرقم 131).

5ـ جعفر بن إبراهيم الطالبي الجعفري، وثقه في ترجمة ابنه سليمان (الرقم 483).

6ـ حسن بن ابي سارة الرواسي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 883).

7ـ حسن بن شجرة بن ميمون الكندي، وثقه في ترجمة اخيه علي (الرقم 720).

8ـ حسن بن علوان الكلبي، وثقه في ترجمة اخيه الحسين (الرقم 116).

9ـ حسن بن محمد بن خالد الطيالسي، وثقه في ترجمة اخيه عبد الله (الرقم 572).

10ـ حفص بن سابور الزيّات، وثقه في ترجمة اخيه بسطام (الرقم 280).

11ـ حفص بن سالم، وثقه في ترجمة أخيه عمر (الرقم 758).

12ـ حيّان بن علي العنزي، وثقه في ترجمة أخيه مندل (الرقم 1131).


(66)

13ـ زكريا بن سابور الزيات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).

14ـ زياد بن سابور الزيّات، وثقه في ترجمة أخيه بسطام (الرقم 280).

15ـ زياد بن أبي الجعد الاشجعي، وثقه في ترجمة ابن ابنه رافع ابن سلمة (الرقم 447).

16ـ زياد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخيه حفص (الرقم 348).

17ـ سلمة بن زياد بن أبي الجعد الاشجعي، وثقه في ترجمة ابنه رافع (الرقم 447).

18ـ شجرة بن ميمون بن ابي أراكة الكندي، وثقه في ترجمة ابنه علي (الرقم 720).

19ـ صباح بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة أخيه عمار (الرقم 779).

20ـ عبد الاعلى بن علي أبي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيدالله (الرقم 612) ومحمد (الرقم 885).

21ـ عبد الخالق بن عبد ربه الاسدي، وثقه في ترجمة ابنه اسماعيل (الرقم 50).

22ـ عبد الرحمن بن أبي عبدالله البصري، وثقه في ترجمة ابن ابنه اسماعيل بن همام (الرقم 62).

23ـ عبد الرحيم بن عبد ربه الاسدي، وثقه في ترجمة ابن اخيه اسماعيل بن عبد الخالق (الرقم 50).

24ـ عبدالله بن رباط البجلي، وثقه في ترجمة ابنه محمد (الرقم 955).


(67)

25ـ عبدالله بن عثمان بن عمرو الفزاري، وثقه في ترجمة أخيه حمّاد (الرقم 371).

26ـ عبد الملك بن سعيد الكناني، وثقه في ترجمة أخيه عبدالله (الرقم 565).

27ـ عبد الملك بن عتبة النخعي، وثقه في ترجمة عبد الملك بن عتبة الهاشمي (الرقم 635).

28ـ علي بن ابي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابنه عبيدالله (الرقم 612).

29ـ علي بن بشير، وثقه في ترجمة أخيه محمد (الرقم 927).

30ـ علي بن عطية الحناط، وثقه في ترجمة أخيه الحسن (الرقم 93).

31ـ عمران بن علي بن ابي شعبة الحلبي، وثقه في تراجم ابن عمه أحمد بن عمر (الرقم 245) وأخويه عبيد الله (الرقم 612) ومحمد (الرقم 885).

32ـ عمر بن ابي شعبة الحلبي، وثقه في ترجمة ابن اخيه عبيدالله بن علي (الرقم 612).

33ـ عمرو بن مروان اليشكري، وثقه في ترجمة أخيه عمّار (الرقم 780).

34ـ قيس بن موسى الساباطي، وثقه في ترجمة أخيه عمّار (الرقم 779).

35ـ أبو خالد، محمد بن مهاجر بن عبيد الأزدي، وثقه في ترجمة ابنه اسماعيل (الرقم 46).


(68)

36ـ محمد بن الهيثم العجلي، وثقه في ترجمة ابن ابنه الحسن بن أحمد (الرقم 151).

37ـ محمد بن سوقة العمري، وثقه في ترجمة أخيه حفص (الرقم 348).

38ـ معاذ بن مسلم بن أبي سارة، وثقه في ترجمة ابن عمّه محمد بن الحسن (الرقم 883).

39ـ همّام بن عبد الرحمن بن ميمون البصري، وثقه في ترجمة ابنه اسماعيل (الرقم 62).

40ـ يعقوب بن إلياس بن عمرو البجلي، وثقه في ترجمة اخيه عمرو (الرقم 772).

41ـ ابو الجعد الاشجعي، وثقه في ترجمة ابن حفيده رافع بن سلمة بن زياد (الرقم 447).

42ـ ابو شعبة الحلبي، وثَّقه في ترجمة ابن ابنه عبيدالله بن علي (الرقم 612).

43ـ ابو عامر بن جناح الأزدي، وثقه في ترجمة اخيه سعيد (الرقم 512).

3ـ رجال الشيخ

تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (المولود عام 385 هـ، والمتوفّى عام 460 هـ) فقد جمع في كتابه «أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والائمة- عليهم السلام -» حسب ترتيب عصورهم.

يقول المحقّق التستري ـ دام ظله ـ: «إن مسلك الشيخ في رجاله يغاير


(69)

مسلكه في الفهرس ومسلك النجاشي في فهرسه، حيث إنه أراد في رجاله استقصاء اصحابهم ومن روى عنهم مؤمناً كان او منافقاً، إمامياً كان او عامياً، فعدَّ الخلفاء ومعاوية وعمرو بن العاص ونظراءهم من اصحاب النبي، وعدَّ زياد بن ابيه وابنه عبيدالله بن زياد من اصحاب أمير المؤمنين، وعدَّ منصوراً الدوانيقي من اصحاب الصادق - عليه السلام -بدون ذكر شيء فيهم، فالاستناد اليه ما لم يحرز إمامية رجل غير جائز حتى في اصحاب غير النبي وأمير المؤمنين، فكيف في أصحابهما؟!»(1).

ومع ذلك فلم يأت بكل الصحابة، ولا بكل أصحاب الائمة، ويمكن أن يقال: ان الكتاب حسب ما جاء في مقدمته أُلف لبيان الرواة عن الائمة، فالظاهر كون الراوي إمامياً ما لم يصرح بالخلاف أو لا أقل شيعياً فتدبر.

وكان سيدنا المحقق البروجردي يقول: «ان كتاب الرجال للشيخ كانت مذكرات له ولم يتوفق لاكماله، ولاجل ذلك نرى انه يذكر عدة أسماء ولا يذكر في حقهم شيئاً من الوثاقة والضعف ولا الكتاب والرواية، بل يعدهم من أصحاب الرسول والائمة فقط».

4ـ فهرس الشيخ

وهو له - قدس سره - فقد أتى بأسماء الذين لهم أصل أو تصنيف (2).

ان الشيخ الطوسي مؤلف الرجال والفهرس أظهر من أن يعرّف، اذ هو الحبر الذي تقتطف منه أزهار العلوم، ويقتبس منه أنواع الفضل، فهو رئيس المذهب والملة، وشيخ المشايخ الاجلة، فقد أطراه كل من ذكره، ووصفه بشيخ الطائفة على الاطلاق، ورئيسها الذي تلوي اليه الاعناق. صنَّف في


1 . قاموس الرجال: 1 / 19.
2 . سيوافيك الفرق بين الاصل والتصنيف في الابحاث الاتية.


(70)

جميع علوم الاسلام، فهو مضافاً الى اختيار الكشي، صنف الفهرس والرجال.

أما الفهرس فهو موضوع لذكر الاصول والمصنفات، وذكر الطرق اليها غالباً وهو يفيد من جهتين:

الاولى: في بيان الطرق الى نفس هذه الاصول والمصنفات.

الثانية: ان الشيخ نقل في التهذيب روايات من هذه الاصول والمصنفات، ولم يذكر طريقه إلى تلك الأُصول والمصنفات، لا في نفس الكتاب ولا في خاتمة الكتاب، ولكن ذكر طريقه إليها في الفهرس، بل ربما يكون مفيداً من وجه ثالث وهو أنه ربما يكون طريق الشيخ الى هذه الاصول والمصنفات ضعيفاً في التهذيب، ولكنه صحيح في الفهرس، فيصح توصيف الخبر بالصحة لاجل الطريق الموجود في الفهرس، لكن بشرط أن يعلم أن الحديث مأخوذ من نفس الكتاب. وعلى كل تقدير فالفهرس موضوع لبيان مؤلفي الشيعة على الاطلاق سواء كان امامياً أو غيره.

قال في مقدمته: «فاذا ذكرت كل واحد من المصنفين واصحاب الاصول فلا بد أن اشير الى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يعوّل على روايته أو لا؟ وابين اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لان كثيراً من مصنفي أصحابنا وأصحاب الاصول ينتحلون المذاهب الفاسدة وان كانت كتبهم معتمدة، فأذا سهل الله اتمام هذا الكتاب فأنّه يطلع على اكثر ما عمل من التصانيف والاصول ويعرف به قدر صالح من الرجال وطرائقهم» (1).

ولكنه - قدس سره -لم يف بوعده في كثير من ذوي المذاهب الفاسدة فلم يقل في إبراهيم بن أبي بكير بن أبي السمال شيئاً مع أنه كان واقفياً كما


1 . الفهرس: « الطبعة الاولى» الصفحة 2 و: «الطبعة الثانية» الصفحة 24 ـ 25.


(71)

صرح به الكشي والنجاشي، ولم يذكر شيئاً في كثير من الضعفاء حتّى في مثل الحسن بن علي السجاد الذي كان يفضّل أبا الخطّاب على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، والنجاشي مع أنه لم يعد ذلك في أول كتابه، أكثر ذكراً منه بفساد مذهب الفاسدين وضعف الضعفاء (1).

5 ـ رجال البرقي

كتاب الرجال للبرقي كرجال الشيخ، ذكر فيه أسماء أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والائمة الى الحجة صاحب الزمان - عليهم السلام - ولا يوجد فيه أي تعديل وتجريح، وذكر النجاشي في عداد مصنفات البرقي كتاب الطبقات، ثم ذكر ثلاثة كتب اخر ثم قال: «كتاب الرجال» (الرقم 182).

والموجود هو الطبقات المعروف برجال البرقي، المطبوع مع رجال أبي داود في طهران، واختلفت كلماتهم في أن رجال البرقي هل هو تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن (المتوفّى عام 274 هـ أو عام 280 هـ ) أو تأليف أبيه، والقرائن تشهد على خلاف كلتا النظريتين واليك بيانها:

1ـ انه كثيراً ما يستند في رجاله الى كتاب سعد بن عبدالله بن أبي خلف الاشعري القمي (المتوفّى 301 هـ أو 299 هـ ) وسعد بن عبدالله ممن يروي عن أحمد بن محمد بن خالد فهو شيخه، ولا معنى لاستناد البرقي الى كتاب تلميذه (2).

2 ـ وقد عنون فيه عبدالله بن جعفر الحميري وصرح بسماعه وهو مؤلف قرب الاسناد وشيخ القميين، وهو يروي عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، فيكون البرقي شيخه، فكيف يصرح بسماعه منه؟ (3).


1 . لاحظ قاموس الرجال: 1 / 18.
2 . رجال البرقي: 23، 32، 34 ، 35، 46، 53.
3 . رجال البرقي: 60، 61.


(72)

3ـ وقد عنون فيه أحمد بن أبي عبدالله، وهو نفس أحمد بن محمد بن خالد البرقي المعروف، ولم يذكر أنه مصنف الكتاب كما هو القاعدة فيمن يذكر نفسه في كتابه، كما فعل الشيخ والنجاشي في فهرسيهما والعلاّمة وابن داود في كتابيهما (1).

4ـ وقد عنون محمد بن خالد ولم يشر الى أنه أبوه (2).

وهذه القرائن تشهد أنه ليس تأليف البرقي ولا والده، وهو إمّا من تأليف ابنه أعني أحمد بن عبد الله بن أحمد البرقي ـ الذي يروي عنه الكليني، أو تأليف نجله ـ أعني أحمد بن عبد الله بن أحمد البرقي ـ الّذي يروي عنه الصدوق، والثاني أقرب لعنوانه سعداً والحميري اللذين يعدان معاصرين للابن وفي طبقة المشيخة للنَّجل(3).

6ـ رسالة أبي غالب الزراري

وهي رسالة للشيخ أبي غالب، أحمد بن محمد الذي ينتهي نسبه الى بكير بن أعين. وهذه الرسالة في نسب آل أعين، وتراجم المحدثين منهم، كتبها أبو غالب الى ابن ابنه «محمد بن عبدالله بن أبي غالب» وهي اجازة منه سنة 356 هـ، ثمَّ جدَّدها في سنة 367هـ، وتوفي بعد ذلك بسنة (اي سنة 368هـ) وكانت ولادته سنة 285 هـ ، ذكر في تلك الرسالة بضعة وعشرين من مشايخه، منهم: جدّه أبو طاهر الذي مات سنة 300 هـ (4)، ومنهم: عبدالله بن جعفر الحميري الذي ورد الكوفة سنة 297 هـ (5).


1 . رجال البرقي: 57 ـ 59.
2 . رجال البرقي: 50، 54، 55.
3 . لاحظ قاموس الرجال: 1 / 31.
4 . رسالة في آل أعين: 38، من النسخة المطبوعة مع شرح العلاّمة الابطحي.
5 . رسالة في آل أعين: 38.


(73)

وفي أواخر الرسالة ذكر فهرس الكتب الموجودة عنده، التي يرويها هو عن مؤلفيها، وتبلغ مائة واثنين وعشرين كتابا وجزءاً، واجاز لابن ابنه المذكور روايتها عنه وقال: «ثبت الكتب التي أجزت لك روايتها على الحال التي قدَّمت ذكرها»(1).

قال العلاّمة الطهراني: «وفي هذا الكتاب تراجم كثيرة من آل أعين الذين كان منهم في عصر واحد اربعون محدثاً. قال فيه: ولم يبق في وقتي من آل أعين أحدٌ يروي الحديث، ولا يطلب العلم، وشححت على أهل هذا البيت الذي لم يخل من محدث أن يضمحل ذكرهم، ويدرس رسمهم، ويبطل حديثهم من أولادهم»(2).

وبالجملة، هذه الرسالة مع صغر حجمها تعدّ من الاصول الرجالية وهي بعينها مندرجة في «كشكول» المحدث البحراني.

وطبعت أخيراً مع شرح العلاّمة الحجة السيد محمد علي الابطحي ـ شكر الله مساعيه ـ وفيه فوائد مهمة.

7 ـ مشيخة الصدوق

وهي تأليف الشيخ الصَّدوق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المولود بدعاء الحجة صاحب الزمان ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ عام 306 هـ ، والمتوفّى عام 381 هـ ، وهو أوسط المحمدين الثلاثة المصنفين للكتب الاربعة، وهو قد سلك في كتابه هذا مسلكاً غير ما سلكه الشيخ الكليني، فإن ثقة الاسلام يذكر جميع السند غالباً إلا قليلاً، اعتماداً على ما ذكره في الاخبار السابقة، واما الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره


1 . رسالة في آل عين: 45.
2 . رسالة في آل أعين: 42.


(74)

الفقيه» فهو بنى من أول الامر على اختصار الاسانيد، وحذف اوائل الاسناد، ثم وضع في آخره مشيخة يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال سنده في أخبار هذا الكتاب، وهذه المشيخة احدى الرسائل الرجالية التي لا تخلو من فوائد، وقد أدرجها الصدوق - رحمه الله -في آخر كتابه «من لا يحضره الفقيه».

8 ـ مشيخة الشيخ الطوسي في كتابي: التهذيب والاستبصار

وهي كمشيخة الصدوق، فقد صدر الشيخ أحاديث الكتابين بأسماء اصحاب الاصول والمصنفات، وذكر سنده اليهم في مشيخة الكتابين التي جعلها في آخر كل من الكتابين. وسيوافيك البحث حول المشيختين.

توالي التأليف في علم الرجال

وقد توالى التأليف في علم الرجال بعد هذه الاصول الثمانية، ولكن لا يقاس في الوزن والقيمة بها، ولاجل ذلك يجب الوقوف عليها واستخراج ما فيها من النصوص في حق الرواة، وسيوافيك وجه الفرق بين هذه الكتب وما ألف بعدها وقيمة توثيق المتأخرين.

الفرق بين الرجال والفهرس

قد أومأنا إلى ان الصحيح هو تسمية كتاب النجاشي بالفهرس لا بالرجال، ولإكمال البحث نقول:

الفرق بين كتاب الرجال وفهرس الاصول والمصنفات، أن الرجال ما كان مبنياً على بيان طبقات اصحابهم- عليهم السلام -(1) كما عليه رجال الشيخ،


1 . قاموس الرجال: 1 / 33، واضاف: ان اصل رجال الكشي كان على الطبقات والظاهر انه يكفي في هذا النوع من التأليف ذكر الاشخاص على ترتيب الطبقات وان لم يكن على طبقات اصحابهم- عليهم السلام -، والموجود من الكشي هو النمط الاول.


(75)

حيث شرع بتدوين أسماء اصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -ثم الامام علي - عليه السلام -وهكذا.

وأما الفهارس; فيكتفي فيها بمجرد ذكر الاصول والمصنفات ومؤلفيها وذكر الطرق اليها، ولاجل ذلك ترى النجاشي يقول في حق بعضهم، «ذكره اصحاب الفهرس»، وفي بعضهم: «ذكره اصحاب الرجال»، ويؤيد ذلك ما ذكره نفس النجاشي وفي مقدمة الجزء الاول من الكتاب(1) وفي اول الجزء الثاني منه حيث يصفه بقوله: «الجزء الثاني من كتاب فهرس اسماء مصنفي الشيعة وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم وما قيل في كل رجل منهم من مدح أو ذمّ»(2).

قال المحقّق التستري: «إن كتب فن الرجال العامّ على انحاء: منها بعنوان الرجال المجرد ومنها بعنوان معرفة الرجال، ومنها بعنوان تاريخ الرجال، ومنها بعنوان الفهرس، ومنها بعنوان الممدوحين والمذمومين، ومنها بعنوان المشيخة، ولكل واحد موضوع خاص»(3).


1 . رجال النجاشي: 3.
2 . رجال النجاشي: 211.
3 . قاموس الرجال: 1 / 18.


(76)


(77)

2 ـ رجال ابن الغضائري

* ترجمة الغضائري.

* ترجمة ابن الغضائري.

* كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء.

* هل الكتاب للغضائري او لابنه؟

* الضعفاء رابع كتبه.

* قيمته عند العلماء.


(78)


(79)

من الكتب الرجالية المؤلفة في العصور المتقدمة التي تعد عند البعض من أمهات الكتب الرجالية، الكتاب الموسوم بـ «رجال الغضائري» تارة و «رجال ابن الغضائري» اخرى، وليس هو إلاّ كتابُ «الضعفاء» الذي أدرجه العلاّمة في خلاصته، والقهبائي في مجمعه. ولرفع السّتر عن وجه الحقيقة يجب الوقوف على امور.

واليك البحث عنها واحداً بعد الاخر:

أ ـ ترجمة الغضائري

الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري من رجال الشيعة وهو معني في كتب الرجال بإكبار.

قال النجاشي: «شيخنا رحمه الله له كتب» ثم ذكر أسماء تآليفه البالغة الى أربعة عشر كتاباً ولم يسمّ أي كتاب في الرجال، ثم قال: «اجازنا جميعها وجميع رواياته عن شيوخه ومات - رحمه الله - في منتصف شهر صفر سنة احدى عشر وأربعمائة» (1).


1 . رجال النجاشي: الرقم 166.


(80)

وقال الشيخ في رجاله: «الحسين بن عبيدالله الغضائري يكنى أبا عبد الله كثير السماع، عارف بالرجال وله تصانيف ذكرناها في الفهرس، سمعنا منه وأجاز لنا بجميع رواياته. مات سنة احدى عشرة وأربعمائة» (1). ولكن النسخ الموجودة من الفهرس خالية من ترجمته ولعل ذلك صدر منه - رحمه الله -سهواً، أو سقط من النسخ المطبوعة، ولا يخفى أن هذه التعابير دالة على وثاقة الرجل. بل يكفي كونه من مشايخ النجاشي والشيخ، وقد ثبت في محله ـ وسيوافيك ـ أن مشايخ النجاشي كلهم ثقات.

ب ـ ترجمة ابن الغضائري

هو أحمد بن الحسين بن عبيدالله ذكره الشيخ في مقدمة الفهرس وقال: «اني لما رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرس كتب اصحابنا وما صنفوه من التصانيف ورووه من الاصول، ولم أجد أحداً استوفى ذلك... الا ما قصده أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله - رحمه الله - فانه عمل كتابين، أحدهما ذكر فيه المصنفات والاخر ذكر فيه الاصول، واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من أصحابنا واخترم هو وعمد بعض ورثته الى اهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه» (2).

وهذه العبارة تفيد أنه قد تلف الكتابان قبل استنساخهما، غير أن النجاشي كما سيوافيك ينقل عنه بكثرة والمنقول عنه غير هذين الكتابين كما سيوافيك بيانه.

ويظهر من النجاشي في ترجمة أحمد بن الحسين الصيقل أنه اشترك مع ابن الغضائري في الاخذ عن والده وغيره حيث قال: «له كتب لا يعرف منها الا


1 . رجال الشيخ: 470، الرقم 52.
2 . ديباجة فهرس الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 1ـ 2، وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 23 ـ 24.


(81)

النوادر قرأته انا وأحمد بن الحسين - رحمه الله - على أبيه» (1). كما يظهر ذلك أيضاً في ترجمة علي بن الحسن بن فضال حيث قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج والصيام والطلاق و... على أحمد بن عبد الواحد في مدّة، سمعتها معه»(2). ويظهر ذلك في ترجمة عبدالله بن ابي عبدالله محمد بن خالد بن عمر بن الطيالسي قال: «ولعبد الله كتاب نوادر ـ الى ان قال: ونسخة اخرى نوادر صغيرة رواه أبو الحسين النصيبي، اخبرناها بقراءة أحمد بن الحسين »(3).

نعم يظهر من ترجمة علي بن محمد بن شيران أنه من أساتذة النجاشي حيث قال: «كنا نجتمع معه عند أحمد بن الحسين» (4). والاجتماع عند العالم لا يكون الا للاستفادة منه.

والعجب أن النجاشي مع كمال صلته به ومخالطته معه لم يعنونه في فهرسه مستقلاً، ولم يذكر ما قاله الشيخ في حقه من أنه كان له كتابان... الخ، نعم نقل عنه في موارد وأشار في ترجمة أحمد بن محمد بن خالد البرقي إلى كتاب تاريخه ويحتمل انه غير رجاله، كما يحتمل ان يكون نفسه، لشيوع اطلاق لفظ التاريخ على كتاب الرجال كتاريخ البخاري وهو كتاب رجاله المعروف، وتاريخ بغداد وهو نوع رجال، ويكفي في وثاقة الرجل اعتماد مثل النجاشي عليه والتعبير عنه بما يشعر بالتكريم، وقد نقل المحقق الكلباسي كلمات العلماء في حقه فلاحظ (5).


1 . رجال النجاشي: الرقم 200.
2 . رجال النجاشي: الرقم 676.
3 . رجال النجاشي: الرقم 572.
4 . رجال النجاشي: الرقم 705.
5 . لاحظ سماء المقال: 1 / 7 ـ 15.


(82)

ج ـ كيفية وقوف العلماء على كتاب الضعفاء

ان اول من وجده هو السيد جمال الدين أبو الفضائل أحمد بن طاووس الحسني الحلي (المتوفّى سنة 673 هـ) فأدرجه ـ موزعاً له ـ في كتابه «حل الاشكال في معرفة الرجال» الذي ألفه عام 644 هـ ، وجمع فيه عبارات الكتب الخمسة الرجالية وهي رجال الطوسي وفهرسه واختيار الكشي وفهرس النجاشي وكتاب الضعفاء المنسوب الى ابن الغضائري. قال السيد في اول كتابه بعد ذكر الكتب بهذا الترتيب: «ولي بالجميع روايات متصلة سوى كتاب ابن الغضائري» فيظهر منه أنه لم يروه عن أحد وأنما وجده منسوباً اليه، ولم يجد السيد كتاباً اخر للممدوحين منسوباً الى ابن الغضائري والا أدرجه أيضاً ولم يقتصر بالضعفاء.

ثم تبع السيد تلميذاه العلاّمة الحلي (المتوفّى عام 726 هـ) في الخلاصة وابن داود في رجاله (المؤلف في 707 هـ) فأدرجا في كتابيهما عين ما أدرجه استاذهما السيد ابن طاووس في «حل الاشكال» وصرح ابن داود عند ترجمة استاذه المذكور بأن اكثر فوائد هذا الكتاب ونكته من اشارات هذا الاستاذ وتحقيقاته.

ثم ان المتأخرين عن العلاّمة وابن داود كلهم ينقلون عنهما لان نسخة الضعفاء التي وجدها السيد ابن طاووس قد انقطع خبرها عن المتأخرين عنه، ولم يبق من الكتاب المنسوب الى ابن الغضائري الا ما وضعه السيد ابن طاووس في كتابه «حل الاشكال»، ولولاه لما بقي منه أثر ولم يكن ادراجه فيه من السيد لاجل اعتباره عنده، بل ليكون الناظر في كتابه على بصيرة، ويطلع على جميع ما قيل أو يقال في حق الرجل حقاً أو باطلاً، ليصير ملزماً بالتتبع عن حقيقة الامر.

وأما كتاب «حل الاشكال» فقد كان موجوداً بخط مؤلفه عند الشهيد


(83)

الثاني، كما ذكره في اجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد، وبعده انتقل الى ولده صاحب المعالم، فاستخرج منه كتابه الموسوم بـ «التحرير الطاووسي» ثم حصلت تلك النسخة بعينها عند المولى عبدالله بن الحسين التستري (المتوفّى سنة 1021 هـ) شيخ الرجاليين في عصره، وكانت مخرقة مشرفة على التلف، فاستخرج منها خصوص عبارات كتاب الضعفاء المنسوب الى ابن الغضائري ، مرتباً على الحروف وذكر في أوله سبب استخراجه فقط. ثم وزع تلميذه المولى عناية الله القهبائي، تمام ما استخرجه المولى عبدالله المذكور، في كتابه «مجمع الرجال» المجموع فيه الكتب الخمسة الرجالية حتى ان خطبها بيعنها ذكرت في أول هذا المجمع (1).

واليك نص ما ذكره المولى عبدالله التستري حسب ما نقله عنه تلميذه القهبائي في مقدمة كتابه «مجمع الرجال»: اعلم ـ أيّدك الله وإيانا ـ أي لمّا وقفت على كتاب السيد المعظم السيد جمال الدين أحمد بن طاووس في الرجال، فرأيته مشتملاً على نقل ما في كتب السلف، وقد كنت رزقت بحمد الله النافع من تلك الكتب، الا كتاب ابن الغضائري، فاني كنت ما سمعت له وجوداً في زماننا وكان كتاب السيد هذا بخطه الشريف مشتملاً عليه فحداني التبرك به مع ظن الانتفاع بكتاب ابن الغضائري ان اجعله منفرداً عنه راجياً من الله الجواد، الوصول الى سبيل الرشاد»(2). وعلى ذلك فالطريق الى ما ذكره ابن الغضائري عبارة عما أدرجه العلاّمة وابن داود في رجاليهما وأخيراً ما أدرجه القهبائي مما جرده استاذه التستري عن كتاب «حل الاشكال» وجعله كتاباً مستقلاً، واما طريق السيد الى الكتاب فغير معلوم او غير موجود.

هذا هو حال كتاب ابن الغضائري وكيفية الوقوف عليه ووصوله الينا.


1 . راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 4 / 288 ـ 289 ، وج 10 / 88 ـ 89.
2 . مجمع الرجال: 1 / 10.


(84)

د ـ الكتاب تأليف نفس الغضائري أو تأليف ابنه

هاهنا قولان: أما الاول; فقد ذهب الشهيد الثاني إلى انه تأليف نفس الغضائري «الحسين بن عبيد اللَّه» لا تأليف ابنه، اي «أحمد بن الحسين»، مستدلاً بما جاء في الخلاصة في ترجمة سهل بن زياد الآدمي حيث قال: «وقد كاتب أبا محمد العسكري- عليه السلام -على يد محمد بن عبد الحميد العطار في المنتصف من شهر ربيع الآخر سنة خمس وخمسين ومائتين. ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين ـ رحمهما الله ـ . وقال ابن الغضائري: انه كان ضعيفاً(1) قال الشهيد: «إن عطف ابن الغضائري على أحمد بن الحسين يدل على انه غيره»(2).

ولا يخفى عدم دلالته على ما ذكره، لان ما ذكره العلاّمة (... ذكر ذلك أحمد بن علي بن نوح وأحمد بن الحسين) من تتمة كلام النجاشي الذي نقله العلاّمة عنه في كتابه، فان النجاشي يعرف «السهل» بقوله: «كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه. وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلو والكذب واخرجه من قم إلى الريّ، وكان يسكنها وقد كاتب ابا محمد ـ إلى قوله: رحمهما الله» (3).

وبالاسترحام (رحمهما الله) تم كلام النجاشي، ثم ان العلاّمة بعدما نقل عن النجاشي كلام ابن نوح وأحمد بن الحسين في حق الرجل، أراد أن يأتي بنص كلام ابن الغضائري أيضاً في كتاب الضعفاء، ولاجل ذلك عاد وقال: «قال ابن الغضائري: انه كان ضعيفا جدّاً فاسد الرواية والمذهب وكان أحمد بن محمد بن عيسى الاشعري أخرجه عن قم وأظهر البراءة منه ونهى الناس عن


1 . رجال العلامة: 228 ـ 229.
2 . قاموس الرجال: 1 / 22.
3 . رجال النجاشي: الرقم 490.


(85)

السماع منه والرواية عنه ويروي المراسيل ويعتمد المجاهيل»(1).

وعلى هذا فعطف جملة «وقال ابن الغضائري» على «أحمد بن الحسين» لا يدل على المغايرة بعد الوقوف على ما ذكرناه(2).

ويظهر هذا القول من غيره، فقد نقل المحقق الكلباسي، انه يظهر من نظام الدين محمد بن الحسين الساوجي في كتابه المسمى بـ «نظام الاقوال» أنه من تأليف الأب حيث قال فيه: «ولقد صنف اسلافنا ومشايخنا ـ قدس الله تعالى أرواحهم ـ فيه كتباً كثيرة ككتاب الكشي، وفهرس الشيخ الطوسي، والرجال له ايضا، وكتاب الحسين بن عبيدالله الغضائري ـ إلى ان قال: وأكتفي في هذا الكتاب عن أحمد بن علي النجاشي بقولي «النجاشي» ـ إلى أن قال: وعن الحسين بن عبيدالله الغضائري بـ «ابن الغضائري»(3). وعلى ما ذكره كلما اطلق ابن الغضائري فالمراد هو الوالد، واما الولد فيكون نجل الغضائري لا ابنه.

ويظهر التردّد من المحقّق الجليل مؤلف معجم الرجال ـ دام ظله ـ حيث استدل على عدم ثبوت نسبة الكتاب بقوله: «فان النجاشي لم يتعرض له مع أنه - قدس سره -بصدد بيان الكتب التي صنَّفها الامامية، حتى انه يذكر ما لم يره من الكتب وانما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيدالله او ابنه أحمد؟ وقد تعرض - قدس سره -لترجمة الحسين بن عبيدالله وذكر كتبه ولم يذكر فيها كتاب الرجال، كما انه حكى عن أحمد بن


1 . رجال العلامة: 228 ـ 229.
2 . لاحظ سماء المقال: 1 / 7، وقاموس الرجال: 1 / 32.
3 . سماء المقال: 1 / 5 في الهامش. وكان نظام الدين الساوجي نزيل الري وتلميذ الشيخ البهائي، توفي بعد 1038 هـ بقليل، وفرغ من تأليف نظام الاقوال في سنة 1022 هـ ، وهو بعد مخطوط لم يطبع.


(86)

الحسين في عدَّة موارد ولم يذكر أن له كتاب الرجال»(1).

ولكن النجاشي نقل عن ابن الغضائري كثيرا وكلما قال: «قال أحمد بن الحسين» أو «ذكره أحمد بن الحسين» فهو المراد، وصرح في ترجمة البرقي بأن له كتاب التاريخ ومن القريب ان مراده منه هو كتاب رجاله، لشيوع تسمية «الرجال» بالتاريخ كما سيوافيك.

وأما الثاني، فهو أن الكتاب على فرض ثبوت النسبة، من تآليف ابن الغضائري (أحمد) لا نفسه ـ أعني الحسين ـ ويدل عليه وجوه:

الاول: ان الشيخ كما عرفت ذكر لاحمد بن الحسين كتابين: أحدهما في الاصول والاخر في المصنفات، ولم يذكر للوالد اي كتاب في الرجال، وان وصفه الشيخ والنجاشي بكونه كثير السماع، عارفاً بالرجال، غير ان المعرفة بالرجال لا تستلزم التأليف فيه، ومن المحتمل ان هذا الكتاب هو احد هذين او هو كتاب ثالث وضع لذكر خصوص الضعفاء والمذمومين، كما احتمله صاحب مجمع الرجال، ويحتمل ان يكون له كتاب آخر في الثقات والممدوحين وان لم يصل الينا منه خبر ولا اثر، كما ذكره الفاضل الخاجوئي، محتملا ان يكون كتاب الممدوحين، احد الكتابين اللذين صرح بهما الشيخ في اول الفهرس على ما نقله صاحب سماء المقال(2) ولكن الظاهر خلافه، وسيوافيك حق القول في ذلك فانتظر.

الثاني: ان اول من وقف على هذا الكتاب هو السيد الجليل ابن طاووس الحلي، فقد نسبه إلى الابن في مقدمة كتاب على ما نقله عنه في التحرير الطاووسي، حيث قال: «إني قد عزمت على ان اجمع في كتابي هذا اسماء


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 113 ـ 114 من المقدمة، طبعة النجف، والصفحة 101 ـ 103 من طبعة لبنان.
2 . سماء المقال: ج 1 الصفحة 2.


(87)

الرجال المصنّفين وغيرهم من كتب خمسة إلى ان قال: وكتاب ابي الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري في ذكر الضعفاء خاصة»(1).

الثالث: ان المتتّبع لكتاب «الخلاصة» للعلامة الحلي، يرى انه يعتقد بأنه من تآليف ابن الغضائري، فلاحظ ترجمة عمر بن ثابت، وسليمان النخعي، يقول في الاول: «انه ضعيف، قاله ابن الغضائري» وقال في الثاني: «قال ابن الغضائري: يقال انه كذاب النخع ضعيف جدّاً».

وبما انه يحتمل ان يكون ابن الغضائري كنية للوالد، ويكون الجدّ منسوبا إلى «الغضائر» الذي هو بمعنى الطين اللازب الحر، قال العلاّمة في اسماعيل بن مهران: «قال الشيخ ابو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري - رحمه الله -: انه يكنّى ابا محمد، ليس حديثه بالنقي» وعلى ذلك فكلما اطلق ابن الغضائري يريد به أحمد بن الحسين، لا غيره.

ومما يؤيد ان الكتاب من تأليف ابن الغضائري، أن بعض ما ينقله النجاشي في فهرسه عن أحمد بن الحسين موجود في هذا الكتاب، وأما الاختلاف من حيث العبارة فسيوافيك وجهه.

وهناك قرائن اُخر جمعها المتتبّع الخبير الكلباسي في كتابه سماء المقال فلاحظ(2).

هـ كتاب الضعفاء رابع كتبه

الظاهر أن ابن الغضائري ألف كتبا اربعة وان كتاب الضعفاء رابع كتبه. الاول والثاني ما اشار اليهما الشيخ في مقدمة الفهرس «فانه (أبا الحسين) عمل كتابين: احدهما ذكر فيه المصنَّفات والآخر ذكر فيه الاصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه، غير أن هذين الكتابين لم ينسخهما احد من اصحابنا


1 . سماء المقال: 1 / 5 ـ 6.
2 . سماء المقال: 1 / 6 ـ 7.


(88)

واخترم هو - رحمه الله -وعمد بعض ورثته إلى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»(1).

والثالث هو كتاب الممدوحين ولم يصل الينا ابداً، لكن ينقل عنه العلاّمة في الخلاصة، والرابع هو كتاب الضعفاء الذي وصل الينا على النَّحو الذي وقفت عليه، والظاهر أن النجاشي لأجل مخالطته ومعاشرته معه قد وقف على مسوداته ومذكراته فنقل ما نقل عنها.

ومن البعيد جدّاً أن يكون كتاب الضعفاء نفس الكتابين اللذين ذكرهما الشيخ في مقدمة الفهرس، وما عمل من كتابين كان مقصورا في بيان المصنفات والاُصول، كفهرس الشيخ من دون تعرض لوثاقة شخص او ضعفه، فعلى ذلك يجب ان يكون للرجل وراءهما كتاب رجال لبيان الضعفاء والممدوحين، كما أن من البعيد أن يؤلف كتابا في الضعفاء فقط، دون ان يؤلّف كتابا في الثقات أو الممدوحين، والدليل على تأليفه كتابا في الممدوحين وجود التوثيقات منه في حقّ عدَّة من الرواة، ونقلها النجاشي عنه. اضف إلى ذلك ان العلاّمة يصرح بتعدد كتابه ويقول في ترجمة: سليمان النخعي: «قال ابن الغضائري سليمان بن هارون النخعي ابو داود يقال له: كذاب النخع، روى عن ابي عبد الله ضعيف جداً» وقال في كتابه الاخر: «سليمان بن عمر ابو داود النخعي.. الخ»(2) وقال في ترجمة عمر بن ثابت: «ضعيف جدّاً قاله ابن الغضائري وقال في كتابه الاخر عمر بن ابي المقدام...»(3) وقال في ترجمة محمد بن مصادف: «اختلف قول ابن الغضائري فيه ففي احد الكتابين انه ضعيف وفي الآخر إنه ثقة»(4). وهذه النصوص تعطي أن للرجل كتابين،


1 . ديباجة فهرست الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 1 ـ 2 وفي «الطبعة الثانية» الصفحة 4.
2 . رجال العلامة: 225.
3 . نفس المصدر: 241.
4 . نفس المصدر: 251.


(89)

أحدهما للضعفاء والمذمومين، والآخر للممدوحين والموثَّقين، وقد عرفت أن ما ذكره الشيخ في أول الفهرس لا صلة لهما بهذين الكتابين. فقد مات الرجل وترك ثروة علمية مفيدة.

و ـ كتاب الضعفاء وقيمته العلمية عند العلماء

لقد اختلف نظرية العلماء حول الكتاب اختلافا عميقاً، فمن ذاهب الى انه مختلق لبعض معاندي الشيعة اراد به الوقيعة فيهم، إلى قائل بثبوت الكتاب ثبوتاً قطعياً وانه حجة ما لم يعارض توثيق الشيخ والنجاشي، إلى ثالث بأن الكتاب له وانه نقّاد هذا العلم ولا يقدم توثيق الشيخ والنجاشي عليه، الى رابع بأن الكتاب له، غير أن جرحه وتضعيفه غير معتبر، لأنه لم يكن في الجرح والتضعيف مستندا إلى الشهادة ولا إلى القرائن المفيدة للاطمئنان بل إلى اجتهاده في متن الحديث، فلو كان الحديث مشتملاً على الغلوّ والارتفاع في حقّ الائمة حسب نظره، وصف الراوي بالوضع وضعّفه، وإليك هذه الاقوال:

النظرية الأولى

إن شيخنا المتتبّع الطهراني بعدما سرد وضع الكتاب وأوضح كيفية الاطلاع عليه، حكم بعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري، وان المؤلف له كان من المعاندين لأكابر الشيعة، وكان يريد الوقيعة فيهم بكل حيلة، ولأجل ذلك ألَّف هذا الكتاب وأدرج فيه بعض مقالات ابن الغضائري تمويهاً ليقبل عنه جميع ما اراد إثباته من الوقائع والقبائح(1) ويمكن تأييده في بادئ النظر بوجوه:

1ـ إنه كانت بين النجاشي وابن الغضائري خلطة وصداقة في أيام الدراسة والتحصيل، وكانا يدرسان عند والد ابن الغضائري، كما كانا يدرسان عند غيره، على ما مرَّ في ترجمتهما، فلو كان الكتاب من تآليف ابن الغضائري،


1 . الذريعة: 4 / 288 ـ 289، وج 10 / 89.


(90)

اقتضى طبع الحال وقوف النجاشي عليه، وقوف الصديق على أسرار صديقه، وإكثار النقل منه، مع انه لا ينقل عنه إلا في موارد لا تتجاوز بضعة وعشرين مورداً، وهو يقول في كثير من هذه الموارد «قال أحمد بن الحسين» أو «قاله أحمد بن الحسين» مشعراً بأخذه منه مشافهة لا نقلاً عن كتابه.

نعم، يقول في بعض الموارد: «وذكر أحمد بن الحسين» الظّاهر في أنه أخذه من كتابه.

2ـ إن الظاهر من الشيخ الطوسي أن ما ألفه ابن الغضائري اُهلك قبل أن يستنسخ حيث يقول: «واخترم هو (ابن الغضائري) وعمد بعض ورثته الى إهلاك هذين الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه»(1).

3ـ إن لفظ «اخترم» الذي أطلقه الشيخ عليه، يكشف عن أن الرجل مات بالموت الاخترامي، وهو موت من لم يتجاوز الاربعين وبما أن النجاشي الذي هو زميله ولد عام 372 هـ ، يمكن أن يقال انه أيضاً من مواليد ذلك العام او ما قبله بقليل، وبما ان موته كان موتاً اخترامياً، يمكن التنبّؤ بأنه مات بعد أبيه بقليل، فتكون وفاته حوالي 412 هـ ، وعلى ذلك فمن البعيد أن يصل الكتاب إلى يد النجاشي ولا يصل إلى يد الشّيخ، مع أن بيئة بغداد كانت تجمع بين العَلَمين (النجاشي والشيخ) كلَّ يوم وليلة، وقد توفّي الشيخ سنة 460 هـ ، وتوفّي النجاشي على المشهور عام 450، فهل يمكن بعد هذا وقوف النجاشي على الكتاب وعدم وقوف الشيخ عليه؟

وأقصى ما يمكن أن يقال: إن ابن الغضائري ترك أوراقاً مسودة في علم الرجال، ووقف عليها النجاشي، ونقل عنها ما نقل، ثمَّ زاد عليه بعض المعاندين ما تقشعّر منه الجلود وترتعد منه الفرائص من جرح المشايخ ورميهم بالدسّ والوضع، وهو كما قال السيد الداماد في رواشحه «قلّ أن يسلم أحد من


1 . مقدمة فهرس الشيخ: «الطبعة الاولى» الصفحة 2، و«الطبعة الثانية» الصفحة 24.


(91)

جرحه أو ينجو ثقة من قدحه».(1)

تحليل هذه النظرية

هذه النظرية في غاية التَّفريط، في مقابل النظرية الثالثة التي هي في غاية الإفراط ولا يخفى وهن هذه النظرية الاُمور:

أما الاول: فيكفي في صحة نسبة الكتاب الى ابن الغضائري تطابق ما نقله النجاشي في موارد كثير مع الموجود منه وعدم استيعابه بنقل كل ما فيه، لاجل عدم ثبوته عنده، ولذلك ضرب عنه صفحاً الا في موارد خاصة لاختلاف مشربهما في نقد الرجال وتمييز الثقات عن غيرهم.

وأما الثاني: فلما عرفت من أن كتاب الضعفاء، غير ما ألفه حول الاصول والمصنفات، وهو غير كتاب الممدوحين، الذي ربما ينقل عنه العلاّمة كما عرفت، وتعمد الورثة على اهلاك الاولين لا يكون دليلا على اهلاك الآخرين (2).

وأما الثالث: فيكفي في الاعتذار من عدم اطلاع الشيخ على بقية كتب ابن الغضائري، ان الشيخ كان رجلاً عالمياً مشاركاً في أكثر العلوم الاسلامية ومتخصصاً في بعض النواحي منها، زعيما للشيعة في العراق. والغفلة من مثل هذا الشخص المتبحر في العلوم، والمتحمل للمسؤوليات الدينية والاجتماعية، أمر غير بعيد.

وهذا غير النجاشي الذي كان زميلاً ومشاركاً له في دروس أبيه وغيره، متخصصاً في علم الرجال والانساب، والغفلة من مثله أمر على خلاف العادة.

وما ذكره صاحب معجم رجال الحديث ـ دام ظله ـ من قصور المقتضي


1 . الرواشح السماوية: 114 و 115 .
2 . نعم الظاهر من مقدمة الفهرس للشيخ تعمد الورثة لاهلاك جميع آثاره بشهادة لفظة «وغيرهما ».


(92)

وعدم ثبوت نسبة هذا الكتاب الى مؤلفه (1) غير تام، لان هذه القرائن تكفي في ثبوت النسبة ولولا الاعتماد عليها للزم رد كثير من الكتب غير الواصلة إلينا من طرق الرواية والاجازة.

وعلى الجملة لا يصحّ رد الكتاب بهذه الوجوه الموهونة.

النظرية الثانية

الظاهر من العلاّمة في الخلاصة ثبوت نسبة الكتاب الى ابن الغضائري ثبوتاً قطعياً، ولأجل ذلك توقّف في كثير من الرواة لأجل تضعيف ابن الغضائري، وإنما خالف في موارد، لتوثيق النجاشي والشيخ، وترجيح توثيقهما على جرحه.

النظرية الثالثة

إن هذا الكتاب وإن اشتهر من عصر المجلسي بأنه لا عبرة به، لأنه يتسرع إلى جرح الأجلة، الا أنه كلام قشري وأنه لم ير مثله في دقّة النّظر، ويكفيه اعتماد مثل النجاشي الذي هو أضبط أهل الرجال عليه، وقد عرفت من الشيخ انه أول من ألف فهرساً كاملاً في مصنَّفات الشيعة واُصولهم، والرجل نقّاد هذا العلم، ولم يكن متسرّعاً في الجرح بل كان متأملاً متثبّتاً في التضعيف، قد قوّى من ضعفه القميون جميعاً كأحمد بن الحسين بن سعيد، والحسين بن آذويه وزيد الزرّاد وزيد النرسي ومحمد بن أورمة بأنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.

نعم إن المتأخرين شهّروا بابن الغضائري بأنه يتسرَّع إلى الجرح فلا عبرة بطعونه، مع أن الذي وجدناه بالسبر في الذين وقفنا على كتبهم ممَّن طعن


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 114 من المقدمة (طبعة النجف)، والصفحة 102 طبعة لبنان.


(93)

فيهم، ككتاب الاستغاثة لعليّ بن أحمد الكوفي، وكتاب تفسير محمد بن القاسم الاسترآبادي، وكتاب الحسين بن عباس ابن الجريش أن الامر كما ذكر(1).

ولا يخفى أن تلك النظرية في جانب الافراط، ولو كان الكتاب بتلك المنزلة لماذا لم يستند اليه النجاشي في عامة الموارد، بل لم يستند اليه إلا في بضعة وعشرين مورداً؟ مع أنه ضعّف كثيرا من المشايخ التي وثاقتهم عندنا كالشمس في رائعة النهار.

إنّ عدم العبرة بطعونه ليس لاجل تسرّعه إلى الجرح وأنه كان جرّاحاً للرواة خارجاً عن الحدّ المتعارف، بل لأجل أنه لم يستند في جرحه بل وتعديله إلى الطرق الحسية، بل استند إلى استنباطات واجتهادات شخصية كما سيوافيك بيانه في النظرية الرابعة.

النظرية الرابعة

إنَّ كتاب الضعفاء هو لابن الغضائري، غير أن تضعيفه وجرحه للرواة والمشايخ لم يكن مستنداً إلى الشهادة والسماع، بل كان اجتهاداً منه عند النظر إلى روايات الافراد، فان رآها مشتملة على الغلوّ والارتفاع حسب نظره، وصفه بالضعف ووضع الحديث، وقد عرفت أنه صحَّح روايات عدَّة من القمّيين بأنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة (أي بملاحظة مطابقتها لمعتقده).

ويرشد إلى ذلك ما ذكره المحقّق الوحيد البهبهائي في بعض المقامات حيث قال: «اعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء سيَّما القمّيين منهم والغضائري كانوا يعتقدون للائمة- عليهم السلام -منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما


1 . قاموس الرجال: 1 / 41 ـ 51.


(94)

كانوا يجوزون التعدّي عنها، وكانوا يعدّون التعدي ارتفاعا وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى انهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض اليهم أو التفويض الذي اختلف فيه ـ كما سنذكر ـ او المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، أو الاغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، واظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والارض (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً او مورثاً للتّهمة به، سيَّما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلِّسين.

وبالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الاصولية أيضاً فربما كان شيء عند بعضهم فاسداً او كفراً أو غلوّاً أو تفويضاً او جبراً او تشبيهاً أو غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده، أو لا هذا ولا ذاك. وربما كان منشأ جرحهم بالأمور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ او ادّعاء أرباب المذاهب كونه منهم او روايتهم عنه وربّما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربَّما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الامور المذكورة إلى أن قال:

ثمَّ اعلم أنه (أحمد بن محمد بن عيسى) والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً بعد ما نسباه إلى الغلوّ وكأنه لروايته ما يدل عليه»(1).

اجابة المحقق التستري عن هذه النظرية

إن المحقّق التستري أجاب عن هذه النظرية بقوله: «كثيراً ما يردّ المتأخرون طعن القدماء في رجل بالغلوّ، بأنهم رموه به لنقله معجزاتهم وهو غير صحيح، فان كونهم- عليهم السلام -ذوي معجزات من ضروريات مذهب


1 . الفوائد الرجالية للوحيد البهبهاني: 38 ـ 39 المطبوعة في آخر رجال الخاقاني، والصفحة 8 من المطبوعة في مقدمة منهج المقال.


(95)

الامامية، وهل معجزاتهم وصلت إلينا الا بنقلهم؟ وإنما مرادهم بالغلوّ ترك العبادة اعتماداً على ولايتهم- عليهم السلام -. فروى أحمد بن الحسين الغضائري، عن الحسن بن محمد بن بندار القمّي، قال: سمعت مشايخي يقولون: إنَّ محمد بن أورمة لما طعن عليه بالغلوّ بعث اليه الأشاعرة ليقتلوه، فوجدوه يصلّي الليل من أوله الى آخره، ليالي عدَّة فتوقَّفوا عن اعتقادهم.

وعن فلاح السّائل(1) لعلي بن طاووس عن الحسين بن أحمد المالكي قال: قلت لأحمد بن مليك الكرخّي(2) عمّا يقال في محمد بن سنان من أمر الغلوّ، فقال: معاذ الله، وهو والله علَّمني الطهور.

وعنون الكشّي(3) جمعاً، منهم علي بن عبدالله بن مروان وقال إنَّه سأل العيّاشي عنهم فقال: وأما علي بن عبد الله بن مروان فان القوم (يعني الغلاة) تمتحن في أوقات الصلوات ولم أحضره وقت صلاة. وعنون الكشي(4) أيضاً الغلاة في وقت الإمام الهادي - عليه السلام -وروى عن أحمد بن محمد بن عيسى انه كتب اليه - عليه السلام -في قوم يتكلَّمون ويقرؤون أحاديث ينسبونها


1 . فلاح السائل: 13 وفيه أحمد بن هليل الكرخي.
2 . كذا وفي رجال السيد بحر العلوم «أحمد بن هليك» وفي تنقيح المقال «أحمد بن مليك» والظاهر وقوع تصحيف فيه، والصحيح هو أحمد بن هلال الكرخي العبرتائي، للشواهد التالية:
الاول: كون الحسين بن أحمد المالكي في سند الخبر الذي هو راو عن أحمد بن هلال الكرخي (راجع روضة الكافي: الحديث 371).
الثاني: كون محمد بن سنان فيه، الذي يروي عنه أحمد بن هلال الكرخي (راجع أيضاً روضة الكافي: الحديث 371).
الثالث: ان أبا علي بن همام ينقل بعض القضايا المرتبطة بأحمد بن هلال الكرخي كما في غيبة الشيخ (الصفحة 245) وهو أيضاً يذكر تاريخ وفاة أحمد هذا كما نقل عنه السيد بن طاووس. اضف إلى ذلك أنا لم نعثر على ترجمة لاحمد بن هليل، او هليك او مليك في كتب الرجال المعروفة.
3 . رجال الكشي: 530.
4 . رجال الكشي: 516 ـ 517.


(96)

اليك والى آبائك ـ إلى أن قال: ومن أقاويلهم أنهم يقولون: ان قوله تعالى (إنَّ الصَّلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر) معناها رجل، لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد دراهم ولا إخراج مال، واشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأوَّلوها وصيروها على هذا الحدّ الذي ذكرت»(1).

أقول: ما ذكره ـ دام ظله ـ من أن الغلاة كانوا يمتحنون في أوقات الصلاة صحيح في الجملة، ويدل عليه مضافا الى ما ذكره، بعض الروايات. قال الصادق - عليه السلام -: احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدوهم، فان الغلاة شرّ خلق الله إلى أن قال: إلينا يرجع الغالي فلا نقبله، وبنا يلحق المقصّر فنقبله، فقيل له: كيف ذلك يا ابن رسول اللَّه؟ قال: الغالي قد اعتاد ترك الصلاة والزَّكاة والصَّيام والحجِّ، فلا يقدر على ترك عادته وعلى الرجوع إلى طاعة الله عزّ وجل أبداً وان المقصّر إذا عرف عمل وأطاع(2).

وكتب بعض اصحابنا إلى أبي الحسن العسكري - عليه السلام -: أن علي بن حسكة يدَّعي أنه من أوليائك وأنك أنت الاول القديم وانه بابك ونبيك أمرته أن يدعو الى ذلك ويزعم أن الصلاة والزكاة والحج والصوم كل ذلك معرفتك ـ الى آخره(3).

ونقل الكشي عن يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين - عليه السلام -عن الغلاة: أن معرفة الامام تكفي من الصوم والصلاة(4).


1 . قاموس الرجال: 1 / 50 ـ 51.
2 . بحار الانوار: 25 / 265 ـ 266، الحديث 6 نقلا عن أمالي الطوسي، طبعة النجف، الصفحة 264.
3 . بحار الانوار: 25 / 316، الحديث 82 نقلا عن رجال الكشي: 518.
4 . بحار الانوار: 25 / 302، الحديث 67 نقلا عن رجال الكشي: 324.


(97)

ومع هذا الاعتراف ان هذه الروايات لا تثبت ما رامه وهو أن الغلوّ كان له معنى واحد في جميع الأزمنة، ولازمه ترك الفرائض، وأن ذلك المعنى كان مقبولاً عند الكلّ من عصر الإمام الصادق - عليه السلام -الى عصر الغضائري اذ فيه:

أما أولاً: فانه يظهر عما نقله الكشي عن عثمان بن عيسى الكلابي أن محمد بن بشير احد رؤساء الغلاة في عصره، وأتباعه كانوا يأخذون بعض الفرائض وينكرون البعض الآخر، حيث زعموا أن الفرائض عليهم من الله تعالى إقامة الصلاة والخمس وصوم شهر رمضان، وفي الوقت نفسه، أنكروا الزكاة والحجّ وسائر الفرائض(1). وعلى ذلك فما ذكره من امتحان الغلاة في أوقات الصلاة راجع إلى صنف خاص من الغلاة دون كلهم.

وثانياً: أن الظاهر من كلمات القدماء أنهم لم يتفقوا في معنى الغلوّ بشكل خاصّ على ما حكى شيخنا المفيد عن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أنه قال: أول درجة في الغلو، نفي السهو عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والإمام، ثمَّ قال الشيخ: فان صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر، مع انه من علماء القميين ومشيختهم، وقد وجدنا جماعة وردت الينا من قم يقصِّرون تقصيراً ظاهراً في الدين، ينزلون الائمة- عليهم السلام -عن مراتبهم، ويزعمون أنهم كانوا لا يعرفون كثيرا من الاحكام الدينية، حتى ينكت في قلوبهم، ورأينا من يقول إنهم كانوا يلجأون في حكم الشريعة إلى الرّأي والظّنون ويدَّعون مع ذلك أنهم من العلماء(2).

فاذا كانت المشايخ من القمّيين وغيرهم يعتقدون في حق الائمة ما نقله


1 . بحار الانوار: 25 / 309، الحديث 76 نقلا عن رجال الكشي: 478 ـ 479.
2 . بحار الانوار: 25 / 345 ـ 346، نقلاً عن تصحيح الاعتقاد، باب معنى الغلو والتفويض : 65 ـ 66.


(98)

الشيخ المفيد، فانّهم إذا وجدوا رواية على خلاف معتقدهم وصفوها بحسب الطبع بالضعف وراويها بالجعل والدسّ.

قال العلاّمة المجلسي - رحمه الله -بعدما فسَّر الغلوّ في النبي والائمة- عليهم السلام -: «ولكن افرط بعض المتكلمين والمحدّثين في الغلوّ لقصورهم عن معرفة الأئمة- عليهم السلام -، وعجزهم عن إدراك غرائب احوالهم وعجائب شؤونهم، فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم: من الغلوّ نفي السهو عنهم، أو القول بأنهم يعلمون ما كان وما يكون»(1).

وعلى ذلك، فليس من البعيد أن الغضائري ونظراءه الذين ينسبون كثيراً من الرواة إلى الضعف والجعل، كانوا يعتقدون في حقّ النبي والائمة- عليهم السلام -عقيدة أولئك المشايخ، فاذا وجدوا أن الرواية لا توافق معتقدهم اتَّهموه بالكذب ووضع الحديث.

والآفة كلّ الآفة هو أن يكون ملاك تصحيح الرواية عقيدة الشخص وسليقته الخاصة فان ذلك يوجب طرح كثير من الروايات الصحيحة واتهام كثير من المشايخ.

والظاهر أن الغضائري كان له مذاق خاصّ في تصحيح الروايات وتوثيق الرواة، فقد جعل اتقان الروايات في المضمون، حسب مذاقه، دليلا على وثاقة الراوي، ولأجل ذلك صحَّح روايات عدة من القمّيين، ممَّن ضعفهم غيره، لأجل أنه رأى كتبهم، وأحاديثهم صحيحة.

كما أنه جعل ضعف الرواية في المضمون، ومخالفته مع معتقده في ما يرجع إلى الائمة، دليلا على ضعف الرواية، وكون الراوي جاعلا للحديث،


1 . بحار الانوار: 25 / 347.


(99)

أو راوياً ممَّن يضع الحديث. والتوثيق والجرح المبنيان على اتقان المتن، وموافقته مع العقيدة، من أخطر الطرق إلى تشخيص صفات الراوي من الوثاقة والضعف.

ويشهد على ما ذكرنا أن الشيخ والنجاشي ضعَّفا محمد بن أورمة، لانه مطعون عليه بالغلوّ وما تفرَّد به لم يجز العمل به(1) ولكن ابن الغضائري أبرأه عنه، فنظر في كتبه ورواياته كلّها متأملاً فيها، فوجدها نقيَّة لا فساد فيها، إلا في أوراق اُلصقت على الكتاب، فحمله على أنها موضوعة عليه.

وهذا يشهد أن مصدر قضائه هو التتبّع في كتب الراوي، وتشخيص أفكاره وعقائده وأعماله من نفس الكتاب.

ثمَّ ان للمحقّق الشيخ أبي الهدى الكلباسي كلاماً حول هذا الكتاب يقرب مما ذكره المحقّق البهبهاني، ونحن نأتي بملخّصه وهو لا يخلو من فائدة.

قال في سماء المقال: «إن دعوى التسارع غير بعيدة نظراً إلى أمور(2):

الاول: إن الظاهر من كمال الاستقراء في أرجاء عبائره، انه كان يرى نقل بعض غرائب الامور من الائمة- عليهم السلام -من الغلو على حسب مذاق القميين، فكان إذا رأى من أحدهم ذكر شيء غير موافق لاعتقاده، يجزم بأنه من الغلو، فيعتقد بكذبه وافترائه، فيحكم بضعفه وغلوه، ولذا يكثر حكمه بهما (بالضعف والكذب) في غير محلهما.

ويظهر ذلك مما ذكره من أنه كان غالياً كذاباً كما في سليمان الديلمي، وفي آخر من أنه ضعيف جدّاً لا يلتفت اليه، أو في مذهبه غلوّ كما في


1 . رجال الشيخ : 512 برقم 112، الفهرس: «الطبعة الاولى» الصفحة 143، الرقم 610، وفي «الطبعة الثانية»: الصفحة 170 الرقم 621، ورجال النجاشي: الرقم 891.
2 . ذكر - رحمه الله -أموراً واخترنا منها أمرين.


(100)

عبد الرحمن بن أبي حمّاد، فان الظاهر أن منشأ تضعيفه ما ذكره من غلوّه، ومثله ما في خلف بن محمد من أنه كان غالياً، في مذهبه ضعف لا يلتفت اليه، وما في سهل بن زياد من أنه كان ضعيفاً جداً فاسد الرواية والمذهب، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أخرجه من قم. والظاهر أن منشأ جميعه ما حكاه النجاشي عن أحمد المذكور من أنه كان يشهد عليه بالغلوّ والكذب، فأخرجه عنه(1)، وما في حسن بن ميّاح من أنه ضعيف غال، وفي صالح بن سهل: غال كذّاب وضّاع للحديث، لا خير فيه ولا في سائر ما رواه»، وفي صالح بن عقبة «غال كذّاب لا يلتفت اليه»، وفي عبدالله بن بكر «مرتفع القول ضعيف»، وفي عبدالله بن حكم «ضعيف مرتفع القول»، ونحوه في عبدالله بن سالم وعبدالله بن بحر وعبدالله بن عبد الرحمان.

الثاني: إن الظاهر أنه كان غيورا في دينه، حامياً عنه، فكان إذا رأى مكروها اشتدَّت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، مكثراً على مقترفه من الطَّعن والتشنيع واللعن والتفظيع، يشهد عليه سياق عبارته، فأنت ترى أن غيره في مقام التضعيف يقتصر بما فيه بيان الضعف، بخلافه فانه يرخي عنان القلم في الميدان باتّهامه بالخبث والتهالك واللعان، فيضعّف مؤكداً واليك نماذج:

قال في المسمعي: «إنه ضعيف مرتفع القول، له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذابة أهل البصرة».

وقال حول كتاب عليّ بن العبّاس: «تصنيف يدلّ على خبثه وتهالك مذهبه لا يلتفت اليه ولا يعبأ بما رواه».

وقال في جعفر بن مالك: «كذّاب متروك الحديث جملة، وكان في مذهبه ارتفاع، ويروي عن الضعفاء والمجاهيل، وكلّ عيوب الضعفاء مجتمعة فيه».


1 . رجال النجاشي: الرقم 490.


(101)

والحاصل أنه كان يكبِّر كثيراً من الاُمور الصغيرة وكانت له روحية خاصة تحمله على ذلك.

ويشهد على ذلك أن الشيخ والنجاشي ربّما ضعفا رجلاً، والغضائري أيضاً ضعفه، لكن بين التعبيرين اختلافاً واضحاً.

مثلاً ذكر الشيخ في عبدالله بن محمد انه كان واعظاً فقيهاً، وضعفه النجاشي بقوله: «إنه ضعيف» وضعَّفه الغضائري بقوله: «انه كذاب، وضّاع للحديث لا يلتفت إلى حديثه ولا يعبأ به».

ومثله علي بن أبي حمزة البطائني الذي ضعفه أهل الرجال، فعرفه الشيخ بأنه واقفّي، والعلاّمة بأنه احد عمد الواقفة. وقال الغضائري: «عليّ بن أبي حمزة لعنه الله، أصل الوقف وأشدّ الخلق عداوة للوليّ من بعد أبي إبراهيم».

ومثله إسحاق بن أحمد المكنّى بـ «أبي يعقوب أخي الاشتر» قال النجاشي: «معدن التَّخليط وله كتب في التخليط» وقال الغضائري: «فاسد المذهب، كذّاب في الرواية، وضّاع للحديث، لا يلتفت إلى ما رواه»(1).

وبذلك يعلم ضعف ما استدل به على عدم صحَّة نسبة الكتاب إلى ابن الغضائري من أن النجاشي ذكر في ترجمة الخيبري عن ابن الغضائري، انه ضعيف في مذهبه، ولكن في الكتاب المنسوب اليه: «إنه ضعيف الحديث، غالي المذهب» فلو صحَّ هذا الكتاب، لذكر النجاشي ما هو الموجود أيضاً(2).

وذلك لما عرفت من أن الرجل كان ذا روحيَّة خاصَّة، وكان إذا رأى


1 . لاحظ سماء المقال: 1 / 19 ـ 21 بتلخيص منّا.
2 . معجم رجال الحديث: 1 / 114، من المقدَّمات طبعة النجف، والصفحة 102 طبعة لبنان.


(102)

مكروهاً، اشتدَّت عنده بشاعته وكثرت لديه شناعته، فيأتي بألفاظ لا يصحّ التعبير بها الا عند صاحب هذه الروحية، ولما كان النجاشي على جهة الاعتدال نقل مرامه من دون غلوّ وإغراق.

وبالجملة الآفة كلّ الآفة في رجاله هو تضعيف الأجلة والموثَّقين مثل «أحمد بن مهران» قال: «أحمد بن مهران روى عنه الكليني ضعيف» ولكن ثقة الاسلام يروي عنه بلا واسطة، ويترحَّم عليه كما في باب مولد الزهراء- عليها السلام - (1) قال: «أحمد بن مهران - رحمه الله -رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد بن عبد الجبار الشيباني» إلى غير ذلك من الموارد.

ولأجل ذلك لا يمكن الاعتماد على تضعيفاته، فضلا عن معارضته بتوثيق النجاشي خبير الفنّ والشيخ عماد العلم. نعم ربما يقال توثيقاته في أعلى مراتب الاعتبار ولكنه قليل وقد عرفت من المحقق الداماد من أنه قل أن يسلم أحد من جرحه او ينجو ثقة من قدحه(2). وقد عرفت آنفاً وسيأتي أن الاعتماد على توثيقه كالاعتماد على جرحه.

النظرية الخامسة

وفي الختام نشير إلى نظرية خامسة وان لم نوعز اليها في صدر الكلام وهي أنه ربما يقال بعدم اعتبار تضعيفات ابن الغضائري لانه كان جراحا كثير الردّ على الرواة، وقليل التعديل والتصديق بهم ومثل هذا يعدّ خرقاً للعادة وتجاوزاً عنها، وانما يعتبر قول الشاهد إذا كان انسانا متعارفاً غير خارق للعادة. ولأجل ذلك لو ادعى رجلان رؤية الهلال مع الغيم الكثيف في السماء وكثرة الناظرين، لا يقبل قولهما، لان مثل تلك الشهادة تعدّ على خلاف العادة، وعلى ذلك فلا يقبل تضعيفه، ولكن يقبل تعديله.


1 . الكافي: 1 / 458، الحديث 3.
2 . لاحظ سماء المقال: 22.


(103)

وفيه: أن ذلك إنما يتمّ لو وصل الينا كتاب الممدوحين منه، فعندئذ لو كان المضعفون أكثر من الممدوحين والموثقين، لكان لهذا الرأي مجال. ولكن يا للأسف! لم يصل الينا ذلك الكتاب، حتى نقف على مقدار تعديله وتصديقه، فمن الممكن أن يكون الممدوحون عنده أكثر من الضعفاء، ومعه كيف يرمى بالخروج عن المتعارف؟

ولأجل ذلك نجد أن النسبة بين ما ضعفه الشيخ والنجاشي أو وثَّقاه، وما ضعَّفه ابن الغضائري او وثقه، عموم من وجه. فربَّ ضعيف عندهما ثقة عنده وبالعكس، وعلى ذلك فلا يصحّ رد تضعيفاته بحجّة أنه كان خارجاً عن الحدّ المتعارف في مجال الجرح.

بل الحقّ في عدم قبوله هو ما أوعزنا اليه من أن توثيقاته وتضعيفاته لم تكن مستندة الى الحسّ والشهود والسماع عن المشايخ والثقات، بل كانت مستندة الى الحدس والاستنباط وقراءة المتون والروايات، ثمَّ القضاء في حقّ الراوي بما نقل من الرواية، ومثل هذه الشهادة لا تكون حجة لا في التضعيف ولا في التوثيق. نعم، كلامه حجة في غير هذا المجال، كما إذا وصف الراوي بأنه كوفيٌّ او بصريٌّ أو واقفيٌّ او فطحيٌّ او له كتب، والله العالم بالحقائق.


(104)


(105)

الفصل الرابع

المصادر الثانوية لعلم الرجال

1ـ الاصول الرجالية الأربعة

2ـ الجوامع الرجالية في العصور المتأخرة.

3ـ الجوامع الرجالية الدارجة على منهج القدماء.

4ـ تطوّر في تأليف الجوامع الرجالية.


(106)


(107)

1ـ الأصول الرجالية الاربعة

* فهرس الشيخ منتجب الدين.

* معالم العلماء.

* رجال ابن داود.

* خلاصة الاقوال في علم الرجال.


(108)


(109)

الاصول الرجالية الاربعة

قد وقفت بفضل الابحاث السابقة، على الاصول الاولية لعلم الرجال، التي تعد امهات الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة ومؤلفو هذه الاصول يعدون في الرعيل الاول من علماء الرجال، لا يدرك لهم شأو ولا يشق لهم غبار، لانهم (قدس سرهم) قد عاصروا أساتذة الحديث وأساطينه، وكانوا قريبي العهد من رواة الاخبار ونقلة الآثار، ولاجل ذلك تمكنوا تمكناً تاماً مورثاً للاطمئنان، من الوقوف على أحوالهم وخصوصيات حياتهم، اما عن طريق الحس والسماع ـ كما هو التحقيق ـ أو من طريق جمع القرائن والشواهد المورثة للاطمئنان الذي هو علم عرفي، كماسيوافيك تحقيقه في الابحاث الآتية.

وقد تلت الطبقة الاولى، طبقة اخرى تعد من اشهر علماء الرجال بعدهم، كما تعد كتبهم مصادر له بعد الاصول الاولية نأتي بأسمائهم وأسماء كتبهم، وكلهم كانوا عائشين في القرن السادس .

ان أقدم فهرس عام لكتب الشيعة، هو فهرس الشيخ أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري، الذي قد تعرفت عليه وما حوله من الاقوال والآراء.

نعم، ان فهرست أبي الفرج محمد بن اسحاق المعروف بابن النديم


(110)

(المتوفّى عام 385 هـ) وان كان أقدم من فهرس ابن الغضائري، لكنه غير مختص بكتب الشيعة، وانما يضم بين دفتيه الكتب الاسلامية وغيرها، وقد أشار الى تصانيف قليلة من كتب الشيعة.

وقد قام الشيخ الطوسي بعد ابن الغضائري، فألف فهرسه المعروف حول كتب الشيعة ومؤلفاتهم، وهو من احسن الفهارس المؤلفة، وقد نقل عنه النجاشي في فهرسه واعتمد عليه، وان كان النجاسي أقدم منه عصراً وأرسخ منه قدماً في هذا المجال.

وقد قام بعدهم في القرن السادس، العلاّمتان الجليلان، الشيخ الحافظ ابو الحسن منتجب الدين الرازي، والشيخ الحافظ محمَّد بن عليّ بن شهرآشوب السروي المازندراني، فأكملا عمل الشيخ الطوسي وجهوده إلى عصرهما، وإليك الكلام فيهما إجمالاً:

1ـ فهرس الشيخ منتجب الدين

وهو تأليف الحافظ عليّ بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين (أخي الشيخ الصدوق- قدس سره -) بن علي (والد الصدوق). عرَّفه صاحب الرياض بقوله: «كان بحراً لا ينزف، شيخ الاصحاب، صاحب كتاب الفهرس. يروي عن الشيخ الطبرسي (المتوفّى عام 548 هـ) وأبي الفتوح الرازي، وعن جمع كثير من علماء العامة والخاصَّة. ويروي عن الشيخ الطّوسي (المتوفّى 460 هـ) بواسطة عمّه الشيخ بابويه بن سعد .

وهذا الامام الرّافعي (وهو الشيخ ابو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي الشافعي، المتوفّى عام 623) يعرفه في تاريخه (التدوين): الشيخ عليّ بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه شيخ ريّان من علم الحديث سماعاً وضبطاً وحفظاً وجمعاً، قلَّ من يدانيه في هذه الاعصار في كثرة الجمع والسماع، قرأت عليه بالرىّ سنة 584 هـ ، وتولد سنة 504 هـ ، ومات بعد


(111)

سنة 585 هـ ، ثمَّ قال: ولئن اطلت عند ذكره بعض الاطالة فقد كثر انتفاعي بمكتوباته وتعاليقه فقضيت بعض حقه باشاعة ذكره وأحواله»(1).

وقال الشيخ الحرّ العاملي في ترجمته: «الشيخ الجليل عليّ بن عبيدالله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمّي، كان فاضلا عالما ثقة صدوقاً محدّثاً حافظاً راوية علاّمة، له كتاب الفهرس في ذكر المشايخ المعاصرين للشيخ الطوسي والمتأخرين إلى زمانه»(2).

وقد ألَّفه للسيد الجليل أبي القاسم يحيى بن الصدر(3) السعيد المرتضى باستدعاء منه حيث قال السيد له: «إن شيخنا الموفق السعيد أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي ـ رفع الله منزلته ـ قد صنف كتابا في أسامي مشايخ الشيعة ومصنّفيهم، ولم يصنف بعده شيء من ذلك» فأجابه الشيخ منتجب الدين بقوله: «لو أخَّر الله أجلي وحقق أملي، لأضفت اليه ما عندي من أسماء مشايخ الشيعة ومصنّفيهم، الذين تأخر زمانهم عن زمان الشيخ أبي جعفر - رحمه الله -وعاصروه» ثمَّ يقول: «وقد بنيت هذا الكتاب على حروف المعجم اقتداء بالشيخ أبي جعفر - رحمه الله -وليكون أسهل مأخذاً ومن الله التوفيق»(4).

وكلامه هذا ينبئ عن أنه لم يصل اليه تأليف معاصره الشيخ محمد بن عليّ بن شهرآشوب، الذي كتب كتابه الموسوم بـ «معالم العلماء» تكملة لفهرس الشيخ، ولأجل ذلك قام بهذا العمل من غير ذكر لذلك الكتاب.


1 . رياض العلماء: 4 / 140 ـ 141، ولكن التحقيق انه كان حيّاً الى عام 600 هـ . لاحظ مقال المحقق السيد موسى الزنجاني المنشور في مجموعة حول ذكرى العلاّمة الاميني - قدس سره -.
2 . أمل الآمل: 2 / 194.
3 . المدفون بـ «ري» المعروف عند الناس بامام زادة يحيى وربما يحتمل تعدد الرجلين.
4 . فهرس الشيخ منتجب الدين: 5 ـ 6.


(112)

وقد ألَّف الشيخ الطوسي الفهرس بأمر استاذه المفيد الذي توفي سنة 413 هـ ، وفي حياته، كما صرَّح به في أوله.

وقد أورد الشيخ منتجب الدين في فهرسه هذا، من كان في عصر المفيد إلى عصره المتجاوز عن مائة وخمسين سنة.

وفي الختام، نقول: «إن الحافظ بن حجر العسقلاني (المتوفّى عام 852 هـ) قد أكثر النقل عن هذا الفهرس في كتابه المعروف بـ «لسان الميزان»، معبّراً عنه بـ «رجال الشيعة» أو «رجال الامامية» ولا يريد منهما إلاّ هذا الفهرس، ويعلم ذلك بمقارنة ما نقله في لسان الميزان، مع ما جاء في هذا الفهرس، كما أن لصاحب هذا الفهرس تأليفاً آخر اسماه تاريخ الريّ، وينقل منه أيضاً ابن حجر في كتابه المزبور، والأسف كل الاسف أن هذا الكتاب وغيره مثل «تاريخ ابن ابي طيّ»(1) و«رجال عليّ بن الحكم» و«رجال الصدوق» التي وقف على الجميع، ابن حجر في عصره ونقل عنها في كتابه «لسان الميزان» لم تصل إلينا، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.

ثم إن الغاية من اقتراح السيد عزّ الدين يحيى، نقيب السادات، هو كتابة ذيل لفهرس الشيخ على غراره، بأن يشتمل على أسامي المؤلفين، ومؤلفاتهم واحداً بعد واحد، وقد قبل الشيخ منتجب الدين اقتراح السيّد، وقام بهذا العمل لكنه - قدس سره -عدل عند الاشتغال بتأليف الفهرس عن هذا النمط، فجاء بترجمة كثير من شخصيات الشيعة، يناهز عددهم إلى 540 شخصية علمية وحديثية من دون أن يذكر لهم أصلا وتصنيفا، ومن ذكر لهم كتاباً لا يتجاوز عددهم عن حدود مائة شخص.

نعم ما يوافيك من الفهرس الآخر لمعاصره ـ أعني معالم العلماء ـ فهو على غرار فهرس الشيخ حذو القذّة بالقذّة.


1 . راجع في الوقوف على وصف هذا التاريخ وما كتبه في طبقات الامامية ايضا «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» ج 3، ص 219 ـ 220 هذا وتوفي ابن ابي طي سنة 630هـ.


(113)

2ـ معالم العلماء في فهرس كتب الشيعة وأسماء المصنفين

وهو تأليف الحافظ الشهير محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني، المولود عام 488 هـ ، والمتوفّى سنة 588 هـ ، وهو اشهر من أن يعرّف، فقد أطراه أرباب المعاجم من العامة والخاصّة.

قال صلاح الدين الصفدي: «محمد بن علي بن شهرآشوب ابو جعفر السروي المازندراني، رشيد الدين الشيعي، احد شيوخ الشيعة. حفظ القرآن وله ثمان سنين، وبلغ النهاية في أصول الشيعة، كان يرحل اليه من البلاد، ثم تقدَّم في علم القرآن والغريب والنحو، ذكره ابن أبي طيّ في تاريخه، وأثنى عليه ثناء بليغاً، وكذلك الفيروزآبادي في كتاب البلغة في تراجم أئمة النَّحو واللغة، وزاد أنه كان واسع العلم، كثير العبادة دائم الوضوء، وعاش مائة سنة الا ثمانية أشهر، ومات سنة 588 هـ »(1).

وذكره الشيخ الحرّ العاملي في «أمل الآمل» في باب المحمدين، وذكر كتبه الكثيرة، التي أعرفها «مناقب آل أبي طالب» وقد طبع في أربعة مجلدات، و«متشابه القرآن» وهو من محاسن الكتب وقد طبع في مجلد واحد، و«معالم العلماء» الذي نحن بصدد تعريفه، وهذا الكتاب يتضمن 1021 ترجمة وفي آخرها «فصل فيما جهل مصنّفه» و«باب في بعض شعراء أهل البيت» وهذا الفهرس، كفهرس الشيخ منتجب الدين تكملة لفهرس الشيخ الطوسي، والمؤلفان متعاصران، والكتابان متقاربا التأليف، وقد أصبح معالم العلماء من المدارك المهمة لعلماء الرجال، كالعلامة الحلي في «الخلاصة»، ومن بعده.


1 . الوافي بالوفيات: 4 / 164.


(114)

3 ـ رجال ابن داود

وهو تأليف تقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي المولود سنة 647، أي قبل تولد العلاّمة بسنة، والمتوفّى بعد سنة 707 هـ ، تتلمذ على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس (المتوفّى سنة 673 هـ ) قرأ عليه أكثر كتاب «البشرى» و« الملاذ» حتى قال: «وأكثر فوائد هذا الكتاب من اشاراته وتحقيقاته، رباني وعلمني وأحسن إلي» (1).

كما قرأ على الامام نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى المعروف بالمحقق، وقال في حقه: «قرأت عليه ورباني صغيراً، وكان له علي احسان عظيم والتفات، وأجاز لي جميع ما صنفه وقرأه ورواه »(2).

مميزات رجال ابن داود

ومن مزايا ذلك الكتاب، أنه سلك فيه مسلكاً لم يسبقه أحد من الاصحاب، لانه رتبه على الحروف، الاول فالاول، من الاسماء وأسماء الاباء والاجداد، وجمع ما وصل اليه من كتب الرجال مع حسن الترتيب وزيادة التهذيب، فنقل ما في فهرس الشيخ والنجاشي، ورجال الكشي، والشيخ وابن الغضائري والبرقي والعقيقي وابن عقدة والفضل بن شاذان وابن عبدون، وجعل لكل كتاب علامة ولم يذكر المتأخرين عن الشيخ إلاّ اسماء يسيرة، وجعل كتابه في جزأين، الاول يختص بذكر الموثقين والمهملين، والثاني بالمجروحين والمجهولين.

وذكر في آخر القسم الاول، تحت عنوان خاص، جماعة وصفهم النجاشي بقوله «ثقة ثقة» مرتين، عدتهم أربعة وثلاثون رجلاً مرتبين على


1 . لاحظ رجال ابن داود: 45 ـ 46 طبعة النجف.
2 . رجال ابن داود: 62 طبعة النجف.


(115)

حروف الهجاء، ثم أضاف بأن الغضائري جاء في كتاب خمسة رجال زيادة على ما ذكره النجاشي، ووضف كلا منهم بأنه «ثقة ثقة» مرتين، ثم ذكر خمسة فصول لا غنى للباحث عنها، كل فصل معنون بعنوان خاص.

ثم ذكر في آخر القسم الثاني، سبعة عشر فصلاً لا يستغني عنها الباحثون، كل فصل معنون بعنوان خاص ثم أورد تنبيهات تسعة مفيدة.

وبما أنه وقع في هذا الكتاب إشتباهات عند النقل عن كتب الرجال، مثلا نقل عن النجاشي مطلباً وهو للكشّي أو بالعكس، قام المحقق الكبير السيد محمد صادق آل بحر العلوم في تعليقاته على الكتاب، باصلاح تلك الهفوات ولعل أكثر تلك الهفوات نشأت من استنساخ النساخ، وعلى كل تقدير، فلهذا الكتاب مزية خاصة لا توجد في قرينه الآتي أعني خلاصة العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ .

قال الافندي في «رياض العلماء»: «وليعلم أن نقل ابن داود في رجاله عن كتب رجال الاصحاب، ما ليس فيها، مما ليس فيه طعن عليه، إذ أكثر هذا نشأ من اختلاف النسخ، والازدياد والنقصان الحاصلين من جانب المؤلفين أنفسهم بعد اشتهار بعض نسخها وبقي في أيدي الناس على حالته الاولى من غير تغيير، كما يشاهد في مصنفات معاصرينا أيضاً ولا سيّما في كتب الرجال التي يزيد فيها مؤلفوها، الأسامي والأحوال يوماً فيوماً وقد رأيت نظير ذلك في كتاب فهرست الشيخ منتجب الدين، وفهرست الشيخ الطوسي، وكتاب رجال النجاشي وغيرها، حتى إني رأيت في بلدة الساري نسخة من خلاصة العلاّمة قد كتبها تلميذه في عصره، وكان عليها خطه وفيه اختلاف شديد مع النسخ المشهورة بل لم يكن فيها كثير من الأسامي والأحوال المذكورة في النسخ المتداولة منه» (1).


1 . رياض العلماء : 1 / 258 .


(116)

أقول: ويشهد لذلك ان المؤلفات المطبوعة في عصرنا هذا تزيد وتنقص حسب طبعاتها المختلفة، فيقوم المؤلف في الطبعة اللاحقة بتنقيح ما كتب بإسقاط بعض ما كتبه وإضافة مالم يقف عليه في الطبعة الأولى، ولأجل ذلك تختلف الكتب للمعاصرين حسب اختلاف الطبعات.

وفي الختام نذكر نصّ اجازة السيّد أحمد بن طاووس، لتلميذه ابن داود مؤلّف الرجال، وهي تعرب عن وجود صلة وثيقة بين الاستاذ والمؤلف فإنه بعد ما قرأ ابن داود كتاب «نقض عثمانية جاحظ» على مؤلفه «أحمد بن طاووس» كتب الاستاذ اجازة له وهذه صورتها:

«قرأ عليّ هذا «البناء» من تصنيفي، الولد العالم الأديب التقي، حسن بن علي بن داودـ أحسن الله عاقبته وشرف خاتمته ـ وأذنت له في روايته عنّي.

وكتب العبد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن طاووس حامداً لله ومصلّياً على رسوله، والطاهرين من عترته، والمهديّين من ذريته».

وفي آخر الرسالة ما هذه صورته:

«أنجزت الرسالة، والحمد لله على نعمه، وصلاته على سيّدنا محمد النبي وآله الطاهرين.

كتبه العبد الفقير إلى الله تعالى، حسن بن علي بن داود ربيب صدقات مولانا المصّنف ـ ضاعف الله مجده وأمتعه الله بطول حياته ـ وصلاته على سيّدنا محمد النبي وآله وسلامه».

وكان نسخ الكتاب في شوال من سنة خمس وستين وستمائة(1).


1 . وقد أسماه المؤلف بـ «بناء المقالة الفاطمية في نفض الرسالة العثمانية للجاحظ» ويقال اختصاراً «البناء».


(117)

مشايخه

قال الافندي: ويروي ابن داود عن جماعة من الفضلاء:

منهم: السيد جمال الدين ابو الفضائل أحمد بن طاووس.

ومنهم: الشيخ مفيد الدين محمد بن جهيم الاسدي على ما يظهر من ديباجة رجاله(1).

أقول: وهو يروي عن جماعة اخرى أيضاً.

منهم: المحقّق نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي (المتوفّى عام 676 هـ).

ومنهم الشيخ نجيب الدين أبو زكريا يحيى بن سعيد الحّلي ابن عم المحقق المذكور (المتوفّى عام 689 هـ) .

ومنهم الشيخ سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي والد العلاّمة الحلي.

ونقل الافندي في الرياض أنه كان شريك الدرس مع السيد عبد الكريم بن جمال الدين(2) أحمد بن طاووس الحلي (المتوفّى عام 693 هـ) عند المحقّق. ولكن العلاّمة الاميني عدّه من مشايخه(3)، والظاهر اتقان الاول.

تلاميذه

يروي عنه جماعة كثيرة:


1 . نقض عثمانية جاحظ المطبوع حديثاً بـ «عمان».
2 . رياض العلماء : 1 / 256.
3 . الغدير: 6 / 7.


(118)

منهم: الشيخ رضي الدين علي بن أحمد المزيدي الحلي(1)، استاذ الشهيد الاول، المتوفّى عام 757 هـ.

ومنهم: الشيخ زين الدين ابو الحسن علي بن طراد المطارآبادي، المتوفّى بالحلة 754 هـ .

تآليفه

للمترجم له تآليف قيّمة تبلغ ثلاثين كتاباً ذكر أسماءها في رجاله.

ومن شعره الرائق قوله في حقّ الوصي:

وإذا نظرت إلى خطاب محمَّد          يوم الغدير إذ استقّر المنزل

من كنت مولاه فهذا حيدر            مولاه لا يرتاب فيه محصِّل

لعرفت نصّ المصطفى بخلافة       مَنْ بعدَه غرّاء لا يتأوّل

وله اُرجوزة في الإمامة، طويلة، مستهلها:

وقد جرت لي قصّة غريبة *** قد نتجت قضيّة عجيبة(2)

وفاته

قد عرفت أنه قد فرغ من رجاله عام 707 هـ ، ولم يعلم تاريخ وفاته على وجه اليقين، غير أن العلاّمة الاميني ينقل عن «رياض العلماء» أنه رأى في مشهد الرضا نسخة من «الفصيح» بخط المترجم له، في آخرها: «كتبه مملوكه حقاً حسن بن علي بن داود غفر له في ثالث عشر شهر رمضان المبارك سنة احدى وأربعين وسبعمائة حامداً مصلّياً مستغفراً».


1 . وفي رياض العلماء مكان «المزيدي»، «المرندي»، وهو تصحيف.
2 . لاحظ الغدير: 6 / 3 ـ 6، وذكر شطراً منها السيد الامين في أعيان الشيعة : 22 / 343.


(119)

فيكون له من العمر حينذاك 94 عاماً، فيكون من المعمرين، ولم يذكر منهم(1).

4 ـ خلاصة الاقوال في علم الرجال

وهي للعلاّمة(2) على الاطلاق الحسن بن يوسف بن المطهَّر، المولود عام 648 هـ ، والمتوفّى عام 726 هـ ، الذي طار صيته في الآفاق، برع في المعقول والمنقول، وتقدَّم على الفحول وهو في عصر الصبا. ألَّف في فقه الشريعة مطوَّلات ومتوسّطات ومختصرات، وكتابه هذا في قسمين: القسم الاول; فيمن اعتمد عليه وفيه سبعة عشر فصلا، والقسم الثاني; مختصّ بذكر الضعفاء ومن ردَّ قوله أو وقف فيه، وفيه أيضا سبعة عشر فصلا، وفي آخر القسم الثاني خاتمة تشتمل على عشر فوائد مهمَّة، وكتابه هذا خلاصة ما في فهرست الشيخ والنجاشي وقد يزيد عليهما.

قال المحقّق التستري: «إن ما ينقله العلاّمة من رجال الكشي والشيخ ورجال النجاشي مع وجود المنقول في هذه الكتب غير مفيد، وإنما يفيد في ما لم نقف على مستنده، كما في ما ينقل من جزء من رجال العقيقي، وجزء من رجال ابن عقدة، وجزء من ثقات كتاب ابن الغضائري، ومن كتاب آخر له في المذمومين لم يصل الينا، كما يظهر منه في سليمان النخعي، كما يفيد أيضاً فيما ينقله من النجاشي في ما لم يكن في نسختنا، فكان عنده النسخة الكاملة من النجاشي واكمل من الموجود من ابن الغضائري، كما في ليث البختري، وهشام بن إبراهيم العبّاسي، ومحمد بن نصير، ومحمد بن أحمد بن محمد بن سنان، ومحمد بن أحمد بن قضاعة، ومحمد بن الوليد الصيرفي، والمغيرة بن


1 . الغدير: 6 / 8 نقلاً عن روضات الجنات: 357.
2 . إن العلاّمة غني عن الاطراء، وترجمته تستدعي تأليف رسالة مفردة، وقد كفانا، ما ذكره اصحاب المعاجم والتراجم في حياته وفضله وآثاره.


(120)

سعيد، ونقيع بن الحارث، وكما ينقل في بعضهم اخباراً لم نقف على مأخذها، كما في اسماعيل بن الفضل الهاشمي، وفيما أخذه من مطاوي الكتب كمحمد بن أحمد النطنزي»(1).

وبما أن هذا الكتاب ورجال ابن داود متماثلان في التنسيق وكيفية التأليف، يمكن أن يقال: إن واحداً منهما اقتبس المنهج عن الآخر، كما يمكن أن يقال: إن كليهما قد استقلاّ في التنسيق والمنهج، بلا استلهام من آخر، غير أن المظنون هو أن المؤلفين، بما أنهما تتلمذا على السيد جمال الدين أحمد بن طاووس المتوفّى سنة 673 هـ ، وقد كان هو رجالي عصره ومحقق زمانه في ذلك الفن، قد اقتفيا في تنسيق الكتاب ما خطَّه استاذهما في ذلك الموقف، والله العالم.

الفروق بين رجالي العلاّمة وابن داود

ثم ان هنا فروقاً بين رجالي العلاّمة وابن داود يجب الوقوف عليها واليك بيانها:

1ـ ان القسم الاول من الخلاصة مختص بمن يعمل بروايته، والثاني بمن لا يعمل بروايته، حيث قال: «الاول ; في من اعتمد على روايته أو ترجح عندي قبول قوله. الثاني; في مَنْ تركت روايته أو توقفت فيه».

ولاجل ذلك يذكر في الاول الممدوح، لعمله بروايته، كما يذكر فيه فاسد المذهب إذا عمل بروايته كابن بكير وعليّ بن فضال. وأما الموثقون الذين ليسوا كذلك، فيعنونهم في الجزء الثّاني لعدم عمله بخبرهم، هذا.

والجزء الأوّل من كتاب ابن داود فيمن ورد فيه أدنى مدح ولو مع ورود ذموم كثيرة أيضا فيه ولم يعمل بخبره والجزء الثاني من كتابه، فيمن ورد فيه


1 . قاموس الرجال: 1 / 15.


(121)

أدنى ذم ولو كان أوثق الثقات وعمل بخبره ولاجل ذلك ذكر بريداً العجلي مع جلالته في الثاني، كما ذكر هشام بن الحكم فيه أيضاً لاجل ورود ذم ما فيه، أعني كونه من تلاميذ أبي شاكر الزنديق.

2ـ ان العلاّمة لا يعنون المختلف فيه في القسمين، بل ان رجح المدح يذكره في الاول، وان رجح الذم أو توقف يذكره في الثاني.

واما ابن داود فيذكر المختلف فيه في الاول باعتبار مدحه، وفي الثاني باعتبار جرحه.

3ـ ان العلاّمة إذا أخذ من الكشي أو النجاشي أو فهرست الشيخ أو رجاله أو الغضائري لا يذكر المستند بل يعبر بعين عبائرهم. نعم فيما إذا نقل عن غيبة الشيخ أو عن رجال ابن عقدة او رجال العقيقي فيما وجد من كتابيهما، يصرح بالمستند.

كما أنه إذا كان أصحاب الرجال الخمسة مختلفين في رجل، يصرح بأسمائهم، وحينئد فإن قال في عنوان شيئاً وسكت عن مستنده، يستكشف أنه مذكور في الكتب الخمسة ولو لم نقف عليه في نسختنا.

وأما ابن داود فيلتزم بذكر جميع من أخذ عنه، فلو لم يذكر المستند، علم انه سقط من نسختنا رمزه، إلاّّ ما كان مشتبهاً عنده فلا يرمز له .

4ـ ان العلاّمة يقتصر على الممدوحين في الاول، بخلاف ابن داود، فأنه يذكر فيه المهملين أيضاً، والمراد من المهمل من عنونه الاصحاب ولم يضعفوه.

قال ابن داود: «والجزء الأوّل من الكتاب في ذكر الممدوحين ومن لم يضعفهم الاصحاب، والمفهوم منه أنه يعمل بخبر رواته مهملون، لم يذكروا بمدح ولا قدح، كما يعمل بخبر رواته ممدوحون. نعم هو وان استقصى الممدوحين، يكنه لم يستقص المهملين.


(122)

هذه هي الفروق الجوهرية بين الرجالين.

المجهول في مصطلح العلاّمة وابن داود

ان هناك فرقاً بين مصطلح العلاّمة وابن داود، ومصطلح المتأخرين في لفظ المجهول. فالمجهول في كلامهما غير المهمل الذي عنونه الرجاليون ولم يضعفوه، بل المراد منه من صرح أئمة الرجال فيه بالمجهولية، وهو أحد ألفاظ الجرح، ولذا لم يعنوناه الا في الجزء الثاني من كتابيهما، المعد للمجروحين، وقد عقد ابن داود لهم فصلاً في آخر الجزء الثاني من كتابه، كما عقد فصلاً لكل من المجروحين من العامة والزيدية والواقفية وغيرهم.

لكن المجهول في كلام المتأخرين، من الشهيد الثاني والمجلسي والمامقاني، أعم منه ومن المهمل الذي لم يذكر فيه مدح ولا قدح.

وقد عرفت أن العلاّمة لا يعنون المهمل أصلاً، وابن داود يعنونه في الجزء الاول كالممدوح، وكان القدماء يعملون بالمهمل كالممدوح، ويردون المجهول وقد تفطن بذلك ابن داود (1).

فهذه الكتب الاربعة، هي الاصول الثانوية لعلم الرجال. اُلّف الاول والثاني منهما في القرن السادس، كما اُلف الثالث والرابع في القرن السابع، والعجب أن المؤلفين متعاصرون ومتاثلو التنسيق والمنهج كما عرفت.

وقد ترجم ابن داود العلاّمة في رجاله، ولم يترجمه العلاّمة في الخلاصة، وان ذا مما يقضي منه العجب.

هذه هي اصول الكتب الرجالية أوليتها وثانويتها، وهناك كتب اخرى لم تطبع ولم تنشر ولم تتداولها الايدي، ولاجل ذلك لم نذكر عنها شيئاً ومن اراد الوقوف عليها فليرجع الى كتاب «مصفى المقال في مؤلفي الرجال» للعلاّمة


1 . قاموس الرجال: 1 / 31.


(123)

المتتبع الطهراني- رحمه الله - .

وهذه هي الاصول الأولية الثمانية والثانوية الأربعة لعلم الرجال، واما الجوامع الرجالية فسيوافيك ذكرهاعن قريب.


(124)


(125)

2ـ الجوامع الرجالية في العصور المتأخرة

* مجمع الرجال.

* منهج المقال.

* جامع الرواة.

* نقد الرجال.

* منتهى المقال.


(126)


(127)

قد وقفت على الاصول الرجالية، وهناك جوامع رجالية مطبوعة ومنتشرة يجب على القارئ الكريم التعرف عليها، وهذه الجوامع الفت في أواخر القرن العاشر إلى أواخر القرن الثاني عشر، تلقّاها العلماء بالقبول وركنوا اليها ولابد من التعرف عليها.

***

1ـ مجمع الرجال

تأليف زكي الدين عناية الله القهبائي، من تلاميذ المقدس الاردبيلي (المتوفّى سنة 993 هـ). والمولى عبد الله التستري (المتوفّى عام 1021 هـ) والشيخ البهائي. (المتوفّى سنة 1031 هـ). جمع في ذلك الكتاب تمام ما في الاصول الرجالية الأولية، حتى أدخل فيه كتاب الضعفاء للغضائري وقد طبع الكتاب في عدة أجراء .

2ـ منهج المقال

تأليف السيد الميرزا محمد بن علي بن إبراهيم الاسترآبادي (المتوفّى


(128)

سنة 1028 هـ) وهو استاذ المولى محمد أمين الاسترابادي صاحب «الفوائد المدنية». له كتب ثلاثة في الرجال: الكبير وأسماه «منهج المقال». والوسيط، الذي ربما يسمى بـ «تلخيص المقال» أو «تلخيص الاقوال»، والصغير الموسوم بـ «الوجيز». والأول مطبوع، والثاني مخطوط ولكن نسخه شائعة، والثالث توجد نسخة منه في الخزانة الرضوية كما جاء في فهرسها.

3ـ جامع الرواة

تأليف الشيخ محمد بن علي الاردبيلي. صرف من عمره في جمعه ما يقرب من عشرين سنة، وابتكر قواعد رجالية صار ببركتها كثير من الاخبار التي كانت مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة، معلومة الحال، صحيحة مسندة، وطبع الكتاب في مجلدين، وقدم له الامام المغفور له الأستاذ الحاج آقا حسين البروجردي- قدس سره -مقدمة وله أيضاً «تصحيح الأسانيد» الذي أدرجه شيخنا النوري بجميعه أو ملخصه في الفائدة الخامسة من فوائد خاتمة المستدرك.

ومن مزايا هذا الكتاب أنه جمع رواة الكتب الاربعة، وذكر في كل راو ترجمة من رووا عنه ومن روى عنهم، وعين مقدار رواياتهم ورفع بذلك، النقص الموجود في كتب الرجال.

قال في مقدمته: «سنح بخاطره (يعني نفسه) الفاتر ـ بتفضله غير المتناهي ـ أنه يمكن استعلام أحوال الرواة المطلقة الذكر، من الرواي والمروي عنه بحيث لا يبقى اشتباه وغموض، وعلماء الرجالـ رضوان الله عليهم ـ لم يذكروا ولم يضبطوا جميع الرواة، بل ذكروا في بعض المواضع تحت بعض الاسماء بعنوان أنه روى عنه جماعة، منهم فلان وفلان، ولم يكن هذا كافياً في حصول المطلوب، إلى أن قال: صار متوكلاً على رب الارباب، منتظماً على التدريج راوي كل واحد من الرواة في سلك التحرير، حتى انه رأى الكتب الأربعة المشهورة والفهرست للشيخ - رحمه الله -والفهرست


(129)

للشيخ منتجب الدين... ومشيخة الفقيه والتهذيب والاستبصار، وكتب جميع الرواة الذين كانوا فيها، ورأى أيضاً كثيراً من الرواة رووا عن المعصوم، ولم يذكر علماء الرجال روايتهم عنه- عليه السلام -والبعض الذين عدوه من رجال الصادق، رأى روايته عن الكاظم - عليه السلام -مثلا، والذين ذكروا ممن لم يرو عنهم - عليهم السلام - رأى انه روي عنهم- عليهم السلام -الى ان قال: ان بعض الرواة الذين وثقوه ولم ينقلوا انه روى عن المعصوم - عليه السلام -ورأى انه روى عنه - عليه السلام - ضبطه ايضاً، حتى تظهر فائدته في حال نقل الحديث مضمراً ـ الى ان قال: (ومن فوائد هذا الكتاب) انه بعد التعرف على الراوي والمروي عنه، لو وقع في بعض الكتب اشتباه في عدم ثبت الراوي في موقعه يعلم انه غلط وواقع غير موقعه.

(ومن فوائده أيضاً) ان رواية جمع كثير من الثقات وغيرهم عن شخص واحد تفيد انه كان حسن الحال او كان من مشايخ الاجازة» (1).

والحق ان الرجال مبتكر في فنه، مبدع في علمه، كشف بعمله هذا الستر عن كثير من المبهمات، ومع انه تحمل في تأليف هذا الكتاب طيلة عشرين سنة، جهوداً جبارة، بحيث ميز التلميذ عن الشيخ، والراوي عن المرويّ عنه ولكن لم يجعل كتاب على اساس الطبقات حتى يقسم الرواة الى طبقة وطبقة، ويعين طبقة الراوي ومن روى هو عنه او رووا عنه، مع انه كان يمكنه القيام بهذا العمل في ثنايا عمله بسبر جميع الكتب والمسانيد بامعان ودقة.

4 ـ نقد الرجال

تأليف السيد مصطفى التفريشي ألفه عام 1015 هـ ، وهو من تلاميذ المولى عبدالله التستري وقد طبع في مجلد.


1 . لاحظ المقدمة: 4 ـ 5 بتصرف يسير.


(130)

قال في مقدمته: «اردت ان اكتب كتاباً يشتمل على جميع اسماء الرجال من الممدوحين والمذمومين والمهملين، يخلو من تكرار وغلط، ينطوي على حسن الترتيب، يحتوي على جميع اقوال القوم ـ قدس الله ارواحهم ـ من المدح والذم الا شاذاً شديد الشذوذ».

5 ـ منتهى المقال في أحوال الرجال

المعروف برجال ابي علي الحائري، تأليف الشيخ ابي علي محمد بن اسماعيل الحائري (المولود عام 1159 هـ، والمتوفّى عام 1215 أو 1216 هـ في النجف الاشرف).

ابتدء في كل ترجمة بكلام الميرزا في الرجال الكبير، ثم بما ذكره الوحيد في التعليقة عليه، ثم بكلمات اخرى، وقد شرح نمط بحثه في اول الكتاب، وترك ذكر جماعة بزعم انهم من المجاهيل وعدم الفائدة في ذكرهم، ولكنهم ليسوا بمجاهيل، بل اكثرهم مهملون في الرجال، وقد عرفت الفرق بين المجهول والمهمل.

وهذه الكتب الخمسة كلها اُلِّفت بين أواخر القرن العاشر الى أواخر القرن الثاني عشر، وقد اجتهد مؤلفوها في جمع القرائن على وثاقة الراوي او ضعفها، واعتمدوا على حدسيات وتقريبات.

هذه هي الجوامع الرجالية المؤلفة في القرون الماضية، وهناك مؤلفات اخرى بين مطولات ومختصرات اُلفت في القرون الاخيرة ونحن نشير إلى ما هو الدارج بين العلماء في عصرنا هذا.


(131)

3 ـ الجوامع الرجالية الدارجة على منهج القدماء

* بهجة الآمال.

* تنقيح المقال.

* قاموس الرجال.


(132)


(133)

قد وقفت على الجوامع الرجالية المؤلفة في القرن الحادي عشر والثاني عشر، وهناك مؤلفات رجالية اُلفت في أواخر القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر ولكنها على صنفين: صنف تبع في تأليفه خطة الماضين في نقل أقوال الرجاليين السابقين واللاحقين، وجمع القرائن والشواهد على وثاقة الراوي، والقضاء بين كلمات اهل الفن، الى غير ذلك من المزايا التي أوجبت تكامل فن الرجال من حيث الكمية، من دون إحداث كيفية جديدة وراء خطة السابقين، وصنف اخر أحدث كيفية جديدة في فن الرجال وأبدع اسلوباً خاصاً لما يهم المستنبط في علم الرجال. فإن الوقوف على طبقة الراوي من حيث الرواية، ومعرفة عصره وأساتيذه وتلاميذه، ومدى علمه وفضله، وكمية رواياته من حيث الكثرة والقلة، ومقدار ضبطه للرواية، واتقانه في نقل الحديث، من اهم الامور في علم الحديث ومعرفة حال الراوي وقد اهملت تلك الناحية في اسلوب القدماء غالباً الا على وجه نادر.

وهذا الاُسلوب يباين خطة الماضين في العصور السابقة.

وعلى ذلك يجب علينا ان نعرف كل صنف بواقعه ونعطي كل ذي حق حقه، وكل ذي فضل فضله، بلا تحيز الى فئة، ولا إنكار فضيلة لأحد.


(134)

1ـ «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال في علم الرجال»

تأليف العلاّمة الحاج الشيخ علي بن عبدالله بن محمد بن محب الله بن محمد جعفر العلياري التبريزي (المولود عام 1236 هـ ، والمتوفّى عام 1327 هـ ) وهذا الكتاب قد اُلف في خمسة مجلدات كبار، ثلاثة منها شرح مزجي لـ «زبدة المقال في معرفة الرجال» تأليف العلاّمة السيد حسين البروجردي، وهو منظومة في علم الرجال قال:

سمّيته بزبدة المقال              في البحث عن معرفة الرجال

ناظمه الفقير في الكونين          هو الحسين بن رضا الحسيني

واثنان منها شرح لـ «منتهى المقال» وهي منظومة للشارح تمم بها منظومة البروجردي، وحيث ان البروجردي لم يذكر المتأخرين ولا المجاهيل من الرواة فأتمها وأكملها الشارح بالنظم والشرح في ذينك المجلدين، والكتاب مشتمل على مقدمة وفيها أحد عشر فصلاً، والفصل الحادي عشر في أصحاب الاجماع. وفيه أيضاً عدة أبحاث متفرقة، والكتاب لو طبع على طراز الطبعة الحديثة لتجاوز عشرة أجزاء وقد طبع منه لحد الآن ستة أجزاء والباقي تحت الطبع.

2 ـ «تنقيح المقال في معرفة علم الرجال»

للعلامة الشيخ عبدالله المامقاني (المتوفّى عام 1351 هـ) في ثلاثة أجزاء كبار، وهو أجمع كتاب ألف في الموضوع، وقد جمع جلَّ ما ورد في الكتب الرجالية المتقدمة والمتاخرة.

قال العلاّمة الطهراني: «هو أبسط ما كتب في الرجال، حيث انه أدرج فيه تراجم جميع الصحابة والتابعين، وسائر أصحاب الائمة وغيرهم من الرواة الى القرن الرابع، وقليل من العلماء المحدثين في ثلاثة أجزاء كبار لم


(135)

يتجاوز جمعه وترتيبه وتهذيبه عن ثلاث سنين، وهذا مما يعد من خوارق العادات والخاصة من التأييدات، فلله در مؤلفه من مصنف ما سبقه مصنفو الرجال، ومن تنقيح ما أتى بمثله الأمثال» (1). ومما أُخذ عليه، هو خلطه بين المهمل والمجهول. فان الأول عبارة عمّن لم يذكر فيه مدح ولا قدح، وقد ذكر ابن داود المهمل في جنب الممدوح، زعماً منه بأنه يجب العمل بخبره كالممدوح، وأن غير الحجة في الخبر عبارة عن المطعون.

وأما المجهول فإنّه عبارة عمن صرح أئمة الرجال فيه بالمجهولية وهو أحد ألفاظ الجرح، فيذكرون المجهول في باب المجروحين ويتعاملون معه معاملة المجروح.

وأنت إذا لاحظت فهرس تنقيح المقال، الذي طبع مستقلاً وسماه المؤلف «نتيجة التنقيح» لا ترى فيه الا المجاهيل، والمراد منه الاعم ممن حكم عليه أئمة الرجال بالمجهولية ومن لم يذكر فيه مدح ولا قدح.

وهذا الخلط لا يختص به، بل هو رائج من عصر الشهيد الثاني والمجلسي الى عصره مع أن المحقق الداماد قال في الراشحة الثالثة عشر من رواشحه: «لا يجوز اطلاق المجهول الاصطلاحي إلاّ على من حكم بجهالته أئمة الرجال »(2).

وقد ذب شيخنا العلاّمة الطهراني هذا الاشكال عن مؤلفه وقال: «ان المؤلف لم يكن غير واقف بكلام المحقق الداماد، وصرح في الجزء الاول (أواخر الصفحة 184) بأنه لو راجع المتتبع جميع مظان استعلام حال رجل ومع ذلك لم يظفر بشيء من ترجمة أحواله أبداً فلا يجوز التسارع عليه بالحكم بالجهالة، لسعة دائرة هذا العلم، وكثرة مدارك معرفة الرجال، ومن هذا


1 . الذريعة: 4 / 466 .
2 . الرواشح: 60.


(136)

التصريح يحصل الجزم بأن مراده من قوله «مجهول» ليس أنه محكوم بالجهالة عند علماء الرجال، حتى يصير هو السبب في صيرورة الحديث من جهته ضعيفاً، بل مراده أنه مجهول عندي ولم أظفر بترجمة مبينة لاحواله» (1).

3 ـ «قاموس الرجال»

للعلاّمة المحقق الشيخ محمد تقي التستري، كتبه أولاً بصورة التعليقة على رجال العلاّمة المامقاني، وناقش كثيراً من منقولاته ونظرياته، ثم أخرجه بصورة كتاب مستقل وطبع في 13 جزء، والمؤلف حقاً أحد أبطال هذا العلم ونقاده، وقد بسطنا الكلام حول الكتاب، ونشرته صحيفة كيهان في نشرتها المستقلة حول حياة المؤلف بقلم عدة من الاعلام.

غير أنه لا يتبّع في تأليف الكتاب روح العصر، فترى أنه يكتب عدة صحائف من دون أن يفصل بين المطالب بعنوان خاص، كما أنه لا يأتي بأسماء الكتب الرجالية والائمة الا بالرموز، وذلك أوجد غلقاً في قراءة الكتاب وفهم مقاصده، أضف الى ذلك أنه يروي عن كثير من الكتب التاريخية والحديثية، ولا يعين مواضعها، ولكن ما ذكرناه يرجع الى نفس الكتاب، وأما المؤلف فهو من المشايخ الاعاظم الذين يضن بهم الدهر الا في فترات قليلة وله على العلم وأهله أيادي مشكورة.

وهذه الكتب مع الثناء الوافر على مؤلفيها لا تخلو من عل أو علات والتي يجب أن ننبه عليها.


1 . الذريعة: 4 / 467، بتصرف وتلخيص.


(137)

4 ـ تطور في تأليف الجوامع الرجالية

* جامع الرواة.

* طرائف المقال.

* مرتب اسانيد الكتب الاربعة.

* معجم رجال الحديث.


(138)


(139)

إن الجوامع المذكورة مع أهميتها وعظمتها، فاقدة لبعض ما يهمّ المستنبط والفقيه في تحصيل حجية الخبر وعدمها، فإنها وإن كانت توقفنا على وثاقة الرّاوي وضعفه إجمالاً، غير أنها لا تفي ببعض ما يجب على المستنبط تحصيله وإليك بيانه:

1ـ إنَّ هذه الخطة التي رسمها القدماء وتبعها المتأخرون، مع أهميتها وجلالتها، لا تخرج عن اطار التقليد لأئمة علم الرجال في التعرف على وثاقة الرّاوي وضعفه وقليلا من سائر أحواله، ممّا ترجع إلى شخصيته الحديثية، وليس طريقا مباشريا للمؤلف الرجالي، فضلا عمن يرجع اليه ويطالعه، للتعرّف على أحوال الرّاوي، بأن يلمس بفهمه وذكائه ويقف مباشرة على كلِّ ما يرجع إلى الراوي من حيث الطبقة والعصر أولا، ومدى الضبط والاتقان ثانياً، وكمية رواياته كثرة وقلة ثالثاً، ومقدار فضله وعلمه وكماله رابعاً، وهذا بخلاف ما رسمه الاساتذة المتأخرون وخططوه، فان العالم الرجالي فيه يقف بطريق مباشري دون تقليد، على هذه الاُمور وأشباهها.

وإن شئت قلت: إن هذه الكتب المؤلفة حول الرجال، تستمد من قول أئمة الفنّ في جرح الرواة وتعديلهم، وبالأخص تتبع مؤلفي الاصول الخمسة، التي نبَّهنا بأسمائهم وكتبهم فيما سبق، فقول هؤلاء ومن عاصرهم أو تأخر عنهم


(140)

هو المعيار في معرفة الرجال وتمييز الثقات عن الضعاف.

ولا ريب أن هذا طريق صحيح يعدّ من الطرق الوثيقة، لكنه ليس طريقا وحيداً في تشخيص حال الرواة ومعرفتهم، بل طريق تقليدي لأئمّة الرجال، وليس طريقاً مباشرياً إلى أحوال الرواة، ولا يعّد طريقاً أحسن وأتم.

2ـ لا شكّ أن التحريف والتصحيف تطرق إلى كثير من أسناد الاحاديث المروية في الكتب الاربعة وغيرها، وربما سقط الراوي من السَّند من دون أن يكون هناك ما يدّلنا عليه، وعلى ذلك يجب أن تكون الكتب الرجالية بصورة توقفنا على طبقات الرواة من حيث المشايخ والتلاميذ، حتى يقف الباحث ببركة التعرّف على الطبقات، على نقصان السَّند وكماله، والحال أن هذه الكتب المؤلفة كتبت على حسب حروف المعجم مبتدئة بالألف ومنتهية بالياء، لا يعرف الانسان عصر الرّاوي وطبقته في الحديث، ولا أساتذته ولا تلامذته إلا على وجه الاجمال والتبعية، وبصورة قليلة دون الاحصاء، والكتاب الذي يمكن أن يشتمل على هذه المزية، يجب أن يكون على طراز رجال الشيخ الذي كتب على حسب عهد النَّبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والأئمة- عليهم السلام -فقد عقد لكل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والأئمة- عليهم السلام -أبواباً خاصة يعرف منها حسب الاجمال طبقة الراوي ومشايخه وتلاميذه.

وهذا النَّمط من التأليف وإن كان لا يفي بتلك الاُمنية الكبرى كلّها، لكنه يفي بها إجمالاً، حيث نرى أنه يقسِّم الرواة إلى الطبقات حسب الزمان من زمن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الاعصار التي انقلبت فيها سلسلة الرواة إلى سلسلة العلماء، وعندئذ يمكن تمييز السَّند الكامل من السند الناقص، ولو كان الرِّجاليُّون بعد الشيخ يتبعون أثره لأصبحت الكتب الرجالية أكثر فائدة مما هي الآن عليه.

3ـ إن أسماء كثيرة من الرواة مشتركة بين عدَّة اشخاص. بين ثقة يركن


(141)

اليه، وضعيف تردّ روايته، وعندما يلاحظ المستنبط الاسماء المشتركة في الاسناد لا يقدر على تعيين المراد.

ولأجل ذلك عمد الرجاليون إلى تأسيس فرع آخر لعلم الرجال أسموه بـ «تمييز المشتركات»، أهمها وأعظمها هو «تمييز المشتركات للعلامة الكاظمي» ولذلك يجب على المستنبط في تعيين المراد من الاسماء المشتركة، مراجعة فصل «تمييز المشتركات»، ولولاه لما انحلت العقدة، غير أن كثيراً من كتب الرجال فاقدة لهذا الفرع، وإنما يذكرون الاسماء بالآباء والأجداد، من دون أن يذكروا ما يميَّز به المشترك عن غيره. ولقد أدخل العلاّمة المامقاني ما كتبه العلاّمة الكاظمي في رجاله، وبذلك صار كتاباً جامعاً بالنسبة، وقد تطرق ذلك النقص إلى أكثر الكتب الرجالية، لأجل أنها اُلِّفت على ما رسمه القدماء على ترتيب الحروف الهجائية، دون ترتيب الطبقات.

بروز نمط خاصّ في تأليف الرجال

ولأجل هذه النَّقائص الفنية في هذه الخطة، نهضت عدة من الاعلام والمشايخ في العصر الماضي والحاضر الى فتح طريق آخر في وجوه المجتهدين والمستنبطين، وهذا الطريق هو لمس حالهم بالمباشرة لا بالرجوع الى أقوال أئمة الرجال بل بالرجوع الى سند الروايات المتكررة في الكتب الحديثَّية المشتملة على اسم الراوي، فان في هذا الطريق إمكان التعرّف على ميزان علم الراوي وفقهه وضبطه ووثاقته في النقل، اذ بالرجوع إلى متون أحاديث الراوي المبعثرة على الابواب وملاحظتها لفظاً ومعنى، وكمّاً وكيفاً يعرف أمور:

1ـ يفهم من رواياته، مدى تضلّع الرواي في الفقه والكلام والتاريخ والتفسير وغيرها من المعارف، كما يعرف عدم مهارته وحذاقته في شيء منها، إذا قيست رواياته بعضها ببعض، وبما رواه آخرون في معناها.

2ـ يعرف مقدار رواياته قلَّة وكثرة، وأنه هل هو ضابط فيما يروي أو


(142)

مخلّط أو مدلّس.

3ـ تعرف طبقات الرواة مشايخهم وتلاميذهم.

4ـ يحصل التعرّف على وضع الاسناد من حيث الكمال والسقط، فربما تكون الرواية في الكتب الاربعة مسندة إلى الامام، ولكن الواقف على طبقات الرجال يعرف المفقودة أثناء السند.

يقول الاستاذ الشيخ «محمد واعظ زاده الخراساني» في رسالة نشرت بمناسبة الذكرى الألفية للشيخ الطوسي - قدس سره -:

«إن الرجاليّين كانوا وما يزالون يتعبدون في الاكثر بقول أئمة هذا الفنّ ويقلدونهم في جرح الرواة وتعديلهم، الا أن الأمر لا ينحصر فيه، فهناك بإزاء ذاك، باب مفتوح إلى معرفة الرواة ولمس حالهم بالمباشرة. وهذا يحصل بالرجوع إلى أمرين:

1ـ الرّجوع إلى أسناد الروايات المتكررة في الكتب الحديثية المشتملة على اسم الراوي، وبذلك يظهر الخلل في كثير من الاسانيد، وينكشف الارسال فيها بسقوط بعض الوسائط وعدم اتصال السلسلة، ويمكننا معرفة الحلقة المفقودة في سلسلة حديث باستقراء الاشباه والنظائر إذا توفَّرت وكثرت القرائن، وقامت الشواهد في الاسانيد المتكثّرة.

2ـ الرّجوع إلى متون أحاديث الراوي المبعثرة على الابواب، واعتبارها لفظاً ومعنى وكمّاً وكيفا، فيفهم منها أن الراوي هل كان متضلّعاً في علم الفقه او التفسير او غيرهما من المعارف، او لم يكن له مهارة وحذاقة في شيء منها؟ يفهم ذلك كله إذا قيست رواياته بعضها ببعض وبما رواه الآخرون في معناها، ويلاحظ أنه قليل الرواية او كثيرها وأنه ثبت ضابط فيما يرويه أو مخلط مدلس.

وإذا انضمّ اليه أمر ثالث ينكشف حال الراوي أتمَّ الانكشاف، وهو مراجعة الاحاديث التي وردت في حال الرواة، وقد جمع معظمها أبو عمرو


(143)

الكشي في رجاله، فهي تعطينا بصيرة بحال رواة الحديث من ناحية اُخرى وهي موقف الرواة من الائمة الهداة، ودرجات قرب الرجال وبعدهم عنهم.

وعلى الجملة فمعرفة الرواة وطبقاتهم عن طريق أحاديثهم وملاحظتها متناً وسنداً، تكاد تكون معرفة بالمباشرة والنّظر لا بالتقليد والأثر»(1).

1ـ جامع الرواة

ان أول من قام بهذا العمل بصورة النواة، هو الشيخ المحقق الاردبيلي (مؤلف جامع الرواة) المعاصر للعلامة المجلسي، فانه يلتقط في ترجمة الرجال جملة من الاسانيد عن الكتب الاربعة وغيرها، ويجعلها دليلا على التعرّف على شيوخ الراوي وتلاميذه وطبقته وعصره.

2ـ طرائف المقال

وقام بعده بهذا العمل السيّد محمد شفيع الموسوي التفريشي، فألَّف كتابه المسمّى بـ «طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال». فقد جعل مشايخه الطبقة الاولى، ثمَّ مشايخ مشايخه، الطبقة الثانية، الى أن ينتهي إلى عصر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، فجاء الكل في اثنتين وثلاثين طبقة وجعل الشيخ الطوسي ومن في طبقته، الطبقة الثانية عشر. توجد نسخة من هذا الاثر النفيس في مكتبة آية الله المرعشي ـ دام ظله ـ وهو بعد لم يطبع.

3ـ مرتب الاسانيد

وقام بعده المحقّق البروجردي، إمام هذا الفّن بعملين كبيرين يعدّان من أبرز الاعمال وأعمقها في الرجال.

الاول: رتَّب اسانيد كلّ من الكتب الاربعة وسمّاها «مرتّب أسانيد


1 . لاحظ الرسالة: 683 ـ 685 بتلخيص منّا.


(144)

الكافي» و«مرتَّب أسانيد التهذيب»، ثم انصرف إلى ترتيب أسانيد الكتب الاربعة الرجالية وغيرها من كتب الحديث، مراعياً فيها ترتيب الحروف، فباستيفاء الاسانيد وقياس بعضها مع بعض يعرف جميع شيوخ الراوي وتلاميذه وطبقته وغيرها من الفوائد.

فبالرجوع إلى هذا الفهرس يعلم مقدار مشايخ الراوي وتلاميذه، كما يعرف من هو مشاركه في نقل الحديث وكان في طبقته، كما يعلم مشايخ كل واحد من هؤلاء الرّاوة وطرقهم إلى الامام.

الثاني: قام بتأليف كتاب باسم «طبقات الرجال» فقد جعل سلسلة الرواة من عصر النبي الاكرم - صلى الله عليه وآله وسلم -إلى زمان الشيخ الطوسي اثنتي عشرة طبقة، فجعل الصحابة الطبقة الاولى، ومن أخذ عنهم الحديث الطبقة الثانية، وهكذا والعمل الثاني منتزع من العمل الاول أعني تجريد الاسانيد، وهذا الاثر النفيس، بل الآثار النفيسة بعد غير مطبوعة، بل مخزونة في مكتبته الشخصية العامرة، نسأل الله سبحانه أن يوفق أهل الجدّ والعلم للقيام بطبع هذه التركة النفيسة.

يقول الاستاذ «واعظ زاده» وهو يتحدّث عن الامام البروجردي في تلك الرسالة وأنه أحد من سلك هذا الطريق، وان لم يكن مبتكراً في فتح هذا الباب:

«إنَّ الإشراف على جميع روايات الرّاوي يستدعي جمعها في كرّاس واحد، وهذا ما عمله قديماً علماء الحديث من الجمهور، وسمَّوا هذا النوع من الكتب «المسند»، وكان الغرض الأهم لهم من هذا العمل، التلاقي مع الرواة في أحاديثهم. أما الشيعة الامامية فلم يهتمّوا بالمسانيد وكان الامام البروجردي، يحبِّذ هذا العمل ويرغب طلاب العلم بالاشتغال به، ولا ريب أنه فراغ في حديثنا يجب أن يسدَّ.


(145)

والإمام البروجردي اكتفى من ذلك بجمع اسانيد كل راو إلى الامام فقط، ورتَّبها في فهارس كاملة. هذا ما ابتكره الإمام ولم يسبقه فيه غيره. نعم، استخبار طبقة الرواة وشيوخهم وتلاميذهم من سند الاحاديث لم يتغافل عنه السّابقون، كيف وإنهم يستدلون بذلك في كتبهم، وقد اكثر الشيخ محمد الاردبيلي في كتابه «جامع الرواة» منه. فإنه يلتقط في ترجمة الرجال، جملة من الاسانيد من الكتب الاربعة وغيرها، ويستدلّ بها على شيوخ الراوي وتلاميذهم وطبقته من دون استقصاء.

نعم، إنّ البروجردي ليس أول من تفطن والتفت إلى مدى تأثير الاسانيد في معرفة الرواة وطبقاتهم، وإنما الاستاذ أول من رتَّب الاسانيد واستقصاها في فهارس جامعة، وبذلك وضع أمام المحقّقين ذريعة محكمة للاستشراف على شتّى الاسانيد للرواة والانتفاع بها.

إنّ الاُستاذ لما أحسَّ بضرورة استقصاء الاسانيد التي وقع فيها اسم الراوي، وكانت الاسانيد مبعثرة مع أحاديثها في ثنايا الكتب، بحيث يصعب او يستحيل الاحاطة بها عادة، تفطَّن بأنه يجب أن يلتقطها من مواضعها فيرتّبها في قوائم وفهارس.

وابتدأ عمله هذا بأسانيد الكتب الاربعة وسمّاها «مرتَّب أسانيد الكافي»، ثم «مرتَّب أسانيد التهذيب» وهكذا. ثمَّ انصرف إلى الكتب الاربعة الرجالية وكثير من غيرها من كتب الحديث مراعياً ترتيب الحروف.

وها نحن نعرض نموذجاً من عمل الإمام الأكبر حتى يعرف منه ما تحمله من المشاق في سدّ هذا الفراغ.

ومن لاحظ هذا الاُنموذج، يعرف مدى ما لهذه الفهارس من الأثر في علم الرجال كما يقف على اُسلوبها، ولتوضيح حال هذا الانموذج نقول:

إن الشيخ الطوسي مؤلف «التهذيب والاستبصار» أخذ جميع ما يرويه في


(146)

هذين الكتابين، من كتب وجوامع ظهرت في القرن الثاني إلى القرن الرابع الهجري، فيكتفي في نقل الحديث باسم صاحب الكتاب في اول السند، ثم يذكر طريقه إلى أرباب الكتب في خاتمة الكتابين، في باب اسماه المشيخة، وقد سبقه إلى هذا العمل الشيخ الصدوق في «من لا يحضره الفقيه».

وممَّن نقل في التهذيب عنه «الحسن بن محمد بن سماعة» فقد نقل من كتابه أحاديث كثيرة في مختلف الابواب.

فالإمام البروجردي ذكر طرق ابن سماعة إلى الأئمة على ترتيب الحروف، فيبدأ باسم أحمد بن أبي بشير، ثم أحمد بن الحسن الميثمي، ثم اسحاق. فمن تأمل في هذا الاُنموذج يعلم مشايخ ابن سماعة في التهذيب ويعلم مشايخ هذه المشايخ وطرقهم إلى الامام، فاذا ضمَّ ترتيب اسانيد الحسن بن محمد بن سماعة في التهذيب إلى سائر الكتب يعلم من المجموع مشايخه ومشايخ مشايخه وطبقاتهم، كما يعرف من ملاحظة المتون مقدار تضلّعه في الحديث وضبطه وإتقانه إلى غير ذلك من الفوائد.

4 ـ معجم رجال الحديث

وأخيراً قام العلاّمة المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه الوارف ـ بتأليف كتاب اسماه «معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة» ومن خصائص ومزايا هذا الكتاب هي أنه قد ذكر في ترجمة كل شخص جميع رواته ومن روى هو عنهم في الكتب الاربعة، وقد يذكر ما في غيرها أيضاً ولا سيَّما رجال الكشي، فقد ذكر أكثر ما فيه من الرواة والمرويّ عنهم، وبذلك خدم علم الرجال خدمة كبيرة.

أوّلاً: يعرف بالمراجعة الى تفصيل طبقات الرّواة ـ أعني الَّذي ذيل به كل جزء من أجزاء كتابه البالغة 23 جزء ـ طبقات الرواة من حيث العصر والمشايخ والتلاميذ، وبذلك يقف الانسان على كمال السَّند ونقصانه، وربما


(147)

يعرف الحلقة المفقودة في أثنائه إذا كان حافظاً للمشايخ والتلاميذ.

ثانياً: يحصل التمييز الكامل بين المشتركات غالباً، فان قسماً كبيراً من الرواة مشترك الاسم في الشخص والأب فلا يعرف الانسان أنه من هو، ولكن بالوقوف على تفصيل طبقات الرواة يميز المشترك ويعين الراوي بشخصه، والكتاب من حسنات الدَّهر.

رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم وجعلنا مقتفين لآثارهم إن شاء الله.


(148)


(149)

الفصل الخامس

التوثيقات الخاصة

* نصّ أحد المعصومين أو الأعلام المتقدّمين أو المتأخّرين.

* دعوى الاجماع أو المدح الكاشف.

* سعي المستنبط على جمع القرائن.


(150)


(151)

المراد من التوثيقات الخاصة، التوثيق الوارد في حق شخص أو شخصين من دون أن يكون هناك ضابطة خاصة تعمّهما وغيرهما، وتقابلها التوثيقات العامة، ويراد منها توثيق جماعة تحت ضابطة خاصة وعنوان معيَّن، وسنذكرها في فصل قادم، إن شاء الله .

ويثبت التوثيق الخاصّ بوجوه نذكرها واحداً بعد آخر:

الاول: نصّ أحد المعصومين - عليهم السلام -

اذا نصّ احد المعصومين- عليهم السلام -على وثاقة الرجل، فان ذلك يثبت وثاقته قطعاً، وهذا من اوضح الطرق وأسماها، ولكن يتوقف ذلك على ثبوته بالعلم الوجداني، او برواية معتبرة، والاول غير متحقّق في زماننا، إلا أن الثاني موجود كثيراً. مثلاً; روى الكشي بسند صحيح عن علي بن المسيّب قال: «قلت للرّضا - عليه السلام -: شُقّتي بعيدة ولست أصل إليك في كلّ وقت، فعمَّن آخذ معالم ديني؟

فقال: من زكريّا بن آدم القمّي، المأمون على الدّين والدّنيا»(1).


1 . رجال الكشي: 496.


(152)

نعم يجب أن يصل التوثيق بسند صحيح، ويترتب عليه أمران:

الأول : لا يمكن الاستدلال على وثاقة شخص برواية نفسه عن الامام، فان اثبات وثاقة الشخص بقوله يستلزم الدور الواضح، وكان سيدنا الاستاذ الامام الخميني(1) ـ دام ظلّه ـ يقول: «إذا كان ناقل الوثاقة هو نفس الرّاوي، فان ذلك يثير سوء الظن به، حيث قام بنقل مدائحه وفضائله في الملأ الاسلامي».

الثاني: لا يمكن إثبات وثاقة الرجل بالرواية الضعيفة، فان الرواية إذا لم تكن قابلة للاعتماد كيف تثبت بها وثاقة الرجل؟

وربما يستدل على صحة الاستدلال بالخبر الضعيف لإثبات وثاقة الراوي إذا تضمن وثاقته، بادّعاء انسداد باب العلم في علم الرجال، فينتهي الأمر إلى العمل بالظن لا محالة، على تقدير انسداد باب العلم إجماعاً، ولكنه مردود بوجهين:

الأول : باب العلم والعلميّ بالتوثيقات غير مسندٍّ، لما ورد من التوثيقات الكثيرة من طرق الاعلام المتقدمين بل المتأخرين، لو قلنا بكفاية توثيقاتهم، وفيها غنى وكفاية للمستنبط، خصوصاً إذا قمنا بجمع القرائن والشواهد على وثاقة الراوي، فان كثرة القرائن توجب الاطمئنان العقلائي على وثاقة الراوي وهو علم عرفيّ، وحجة بلا إشكال.

الثاني: إن ما ذكره يرجع إلى انسداد باب العلم في موضوع التوثيقات، ولكن ليس انسداد باب العلم في كل موضوع موجباً لحجية الظن في ذلك الموضوع، وإنما الاعتبار بانسداد باب العلم في معظم الاحكام الشرعية، فان ثبت الأخير كان الظن بالحكم الشرعي من أي مصدر جاء حجة، سواء كان باب


1 . كان الإمام عندما يجري القلم على هذه الصحائف الماضية حيّاً يرزق وقد وافاه الأجل الليلة التاسعة والعشرين من شهر شوال المكرم من شهور عام 1409 هـ ، فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.


(153)

العلم في الرجال منسداً أم لم يكن، وإذا كان باب العلم والعلميّ بمعظمها مفتوحاً، لم يكن الظن الرجالي حجة سواء كان أيضاً باب العلم بالتوثيقات منسداً أم لم يكن.

وبالجملة; انسداد باب العلم والعلمي في خصوص الاحكام الشرعية هو المناط لحجية كل ظن (ومنه الظن الرجالي) وقع طريقا إلى الاحكام الشرعية، أما إذا فرضنا باب العلم والعلميّ مفتوحاً في باب الاحكام، فلا يكن الظن الرجاليّ حجّة وان كان باب العلم والعلمي فيه منسداً.

وقد أشار إلى ما ذكرنا الشيخ الأعظم في فرائده عند البحث عن حجية قول اللغوي حيث قال:

«إنَّ كل من عمل بالظن في مطلق الاحكام الشرعية، يلزمه العمل بالظن بالحكم النّاشي من الظنّ بقول اللّغوي، لكنه لا يحتاج إلى دعوى انسداد باب العلم في اللّغات، بل العبرة عندهم بانسداد باب العلم في معظم الاحكام، فانه يوجب الرجوع إلى الظن بالحكم، الحاصل من الظن باللغة، وان فرض انفتاح باب العلم في ما عدا هذا المورد من اللغات»(1).

الثاني: نص أحد أعلام المتقدمين

إذا نصّ أحد اعلام المتقدمين كالبرقي والكشي وابن قولويه والصدوق والمفيد والنجاشي والشيخ وأمثالهم على وثاقة الرجل، يثبت به حال الرجل بلا كلام، غير أن هناك بحثاً آخر وهو: هل يكتفي بتوثيق واحد منهم أو يحتاج إلى توثيقين؟ وتحقيق المسألة موكول إلى محلها في الفقه وخلاصة الكلام هو أن حجيّة خبر الثقة هل تختص بالاحكام الشرعية أو تعمّ الموضوعات أيضاً؟ فعلى القول الأول لا يصحّ الاعتماد على توثيق واحد، بل يحتاج إلى ضمِّ توثيق


1 . الفرائد: بحث حجية قول اللغوي : 46 ـ 47. طبعة رحمة الله.


(154)

آخر، وعلى الثاني يكتفي بالتوثيق الواحد، ويكون خبر الثقة حجَّة في الاحكام والموضوعات، إلاّ ما قام الدليل على اعتبار التعدّد فيه، كما في المرافعات وثبوت الهلال، والمشهور هو الأول، والاقوى هو الثاني وسيوافيك بيانه في آخر البحث.

الثالث: نص أحد أعلام المتأخرين

وممّا تثبت به وثاقة الراوي أو حسن حاله هو نصّ أحد أعلام المتأخرين عن الشيخ وذلك على قسمين:

قسم مستند إلى الحس وقسم مستند إلى الحدس.

فالاول; كما في توثيقات الشيخ منتجب الدين (المتوفّى بعد عام 585 هـ) وابن شهرآشوب صاحب «معالم العلماء» (المتوفّى عام 588 هـ) وغيرهما فانهم لأجل قرب عصرهم لعصور الرواة، ووجود الكتب الرجالية المؤلفة في العصور المتقدمة بينهم، كانوا يعتمدون في التوثيقات والتضعيفات على السماع، أو الوجدان في الكتاب المعروف أو إلى الاستفاضة والاشتهار ودونهما في الاعتماد ما ينقله ابن داود في رجاله، والعلاّمة في الخلاصته عن بعض علماء الرجال.

والثاني; كالتوثيقات الواردة في رجال من تأخر عنهم، كالميرزا الاسترآبادي والسيّد التفريشي والاردبيلي والقهبائي والمجلسي والمحقق البهبهاني وأضرابهم، فان توثيقاتهم مبنية على الحدس والاجتهاد، كما تُفصح عنه كتبهم، فلو قلنا بأن حجيّة قول الرجالي من باب الشهادة، فلا تعتبر توثيقات المتأخرين، لأن آراءهم في حقّ الرواة مبنية على الاجتهاد والحدس، ولا شك في أنه يعتبر في قبول الشهادة إحراز كونها مستندة إلى الحسّ دون الحدس، كيف وقد ورد في باب الشهادة أن الصادق - عليه السلام -قال: «لا تشهدنَّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفَّك»(1). وفي حديث عن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم -


1 . الوسائل: الجزء 18 أبواب الشهادات، الباب 20، الحديث 1 و 3.


(155)

وقد سئل عن الشهادة، قال: «هل ترى الشَّمس؟ على مثلها فاشهد أو دع»(1).

هذا إذا قلنا بأن العمل بقول الرجالي من باب الشهادة، وأما إذا قلنا بأن الرجوع اليهم من باب الرجوع إلى أهل الخبرة، فاجمال الكلام فيه أنه لا يشترط في الاعتماد على قول أهل الخبرة أن يكون نظره مستنداً إلى الحسّ، فان قول المقوّم حجّة في الخسارات وغيرها، ولا شكَّ أن التقويم لا يمكن ان يكون مستنداً إلى الحسّ في عامة الموارد. وعلى ذلك فلو كان الرجوع إلى علماء الرجال من ذاك الباب، فالرجوع إلى أعلام المتأخرين المتخصّصين في تمييز الثّقة عن غيره بالطرق والقرائن المفيدة للاطمئنان ممّا لا بأس به.

وما يقال من أن الفقيه غير معذور في التقليد، فيجب على الفقيه أن يكون بنفسه ذا خبرة في التعرف على أحوال الرواة، غير تام لان تحصيل الخبروية في كل ما يرجع إلى الاستنباط أمر عسير، لو لم يكن بمستحيل، فان مقدمات الاستنباط كثيرة، وقد أنهاها بعضهم إلى أربعة عشر فناً، ولا يمكن للمجتهد في هذه الايام أن يكون متخصصاً في كل واحد من هذه الفنون، بل يجوز أن يرجع في بعض المقدمات البعيدة أو القريبة إلى المتخصصين الموثوق بهم في ذاك الفن، وقد جرت على ذلك سيرة الفقهاء، بالأخص في ما يرجع إلى الأدب العربي ولغات القرآن والسنة وغير ذلك، وليكن منها تمييز الثقة عن غيره. هذا على القول بأنّ الرجوع إلى أهل الرجال من باب الرجوع إلى أهل الخبرة الموثوق بقولهم.

وهناك وجه ثالث في توثيقات المتأخّرين، وهو أنّ الحجّة هو الخبر الموثوق بصدوره عن المعصوم- عليه السلام -لا خصوص خبر الثقة، وبينهما فرق واضح، إذ لو قلنا بأنّ الحجّة قول الثقة يكون المناط وثاقة الرّجل وإن لم يكن نفس الخبر موثوقاً بالصّدور .


1 . المصدر السابق.


(156)

ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقاً بالصدور، بل ربما يكون الراوي ثقة، ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الإمام - عليه السلام -، وأن الثقة قد التبس عليه الأمر، وهذا خلاف ما لو قلنا بأنّ المناط هو كون الخبر موثوق الصدور، إذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من إحدى الأمارات على كون الخبر موثوق الصدور ولا تنحصر الحجية بخبر الثقة، بل لو لم يحرز وثاقة الراوي ودلّت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الأخذ به.

وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء فقد جرت سيرتهم على الأخذ بالخبر الموثوق الصدور، وإن لم تحرز وثاقة المخبر لأنّ وثاقة المخبر طريق إلى إحراز صدق الخبر، وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه.

ويوضح هذا مفاد آية النَّبأ وهو لزوم التثبّت والتوقّف حتى يتبين الحال، فاذا تبينت وانكشف الواقع انكشافاً عقلائياً بحيث يركن اليه العقلاء يجوز الركون اليه والاعتماد عليه. فلاحظ قوله سبحانه: (يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا) فإنّ ظاهره أن المناط هو تبيّن الحال وإن كان الرّاوي غير ثقة.

وعلى هذا (أي حجّية الخبر الموثوق الصدور) يجوز الركون إلى توثيقات المتأخرين المتخصّصين الماهرين في هذا الفنّ، إذا كان قولهم ورأيهم أوجب الوثوق بصدور الخبر، خصوصاً إذا انضمّ اليها ما يستخرجه المستنبط من قرائن اُخر ممّا يوقفه على صحَّة الخبر وصدوره.

الرابع: دعوى الاجماع من قبل الأقدمين

وممّا تثبت به الوثاقة أو حسن حال الراوي أن يدّعي أحد من الاقدمين، الاجماع على وثاقة الراوي إجماعاً منقولاً، فانه لا يقصر عن توثيق مدّعي الاجماع بنفسه، وعلى ذلك يمكن الاعتماد على الاجماع المنقول في حقّ


(157)

إبراهيم بن هاشم والد علي بن إبراهيم القمّي، فقد ادّعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته. فهذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض القدماء لا محالة وهو يكفي في إثبات وثاقته.

بل يمكن الاعتماد على مثل تلك الاجماعات المنقولة حتى إذا كانت في كلمات المتأخرين، فانه يكشف أيضاً عن توثيق بعض القدماء لا محالة.

الخامس: المدح الكاشف عن حسن الظاهر

ان كثيراً من المدائح الواردة في لسان الرجاليين، يكشف عن حسن الظاهر الكاشف عن ملكة العدالة، فان استكشاف عدالة الراوي لا يختصّ بقولهم: «ثقة أو عدل» بل كثير من الألفاظ التي عدُّوها من المدائح، يمكن أن يستكشف بها العدالة، وهذا بحث ضاف سيوافيك شرحه.

السادس: سعي المستنبط على جمع القرائن

ان سعي المستنبط على جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان على وثاقة الرّاوي أو خلافها، من أوثق الطرق وأسدّها، ولكن سلوك ذاك الطريق يتوقف على وجود قابليات في السالك وصلاحيات فيه، ألزمُها التسلط على طبقات الرواة والاحاطة على خصوصيات الراوي، من حيث المشايخ والتلاميذ، وكمية رواياته من حيث القلة والكثرة، ومدى ضبطه، إلى غير ذلك من الاُمور التي لا تندرج تحت ضابط معيَّن، ولكنها تورث الاطمئنان الذي هو علم عرفاً ولا شك في حجيته، وبما أن سلوك هذا الطريق لا ينفكّ عن تحمل مشاقٍّ لا تستسهل، قل سالكه وعزَّ طارقه، والسائد على العلماء في التعرف على الرواة، والرجوع إلى نقل التوثيقات والتضعيفات.

هذه الطرق ممّا تثبت بها وثاقة الراوي بلا كلام وهي طرق خاصة تثبت بها وثاقة فرد خاص، وهناك طرق عامة توصف بالتوثيقات العامة، تثبت بها وثاقة جمع من الرّواة وسيأتي البحث عنها في الفصل القادم إن شاء الله.


(158)

بحث استطرادي وهو هل يكفي تزكية العدل الواحد؟

قد وقفت على أن كثيراً من العلماء، يعتبرون قول الرجالي من باب الشهادة، وعندئذ اختلفوا في أنه هل يكتفي في تزكية الراوي بشهادة العدل الواحد أو لا؟ على قولين: الأول; هو المشهور بين أصحابنا المتأخرين. والثاني; هو قول جماعة من الاُصوليين وهو مختار المحقق وصاحب «منتقى الجمان».

استدل صاحب «المنتقى» للقول الثاني بأن اشتراط العدالة في الراوي، يقتضي اعتبار العلم بها، وظاهر أن تزكية الواحد لا يفيده بمجردها، والاكتفاء بالعدلين مع عدم افادتهما العلم، إنما هو لقيامهما مقامه شرعاً، فلا يقاس تزكية الواحد عليه(1).

استدلّ المتأخرون بوجوه. منها: أن التزكية شرط لقبول الرواية، فلا تزيد على شروطها وقد اكتفى في اصل الرواية بالواحد.

ولا يخفى أن الاستدلال أشبه شيء بالقياس، إذ من الممكن أن يكتفي في أصل الرواية بالواحد ولا يكتفي في إحراز شرطها به.

منها: أن العلم بالعدالة متعذّر غالباً فلا يناط التكليف به(2).

وفيه أنه ادعاء محض مع كفاية العدلين عنه.

ولا يخفى أن استدلال صاحب «المنتقى متين لو لم يكن هناك اطلاق في حجّية خبر الواحد في الموضوعات والاحكام جميعاً، والظاهر وجود الاطلاق في حجيَّة قول العادل أو حجية خبر الثقة في الموارد كلّها، حكماً كان أو موضوعاً، من غير فرق بينهما إلاّ في التسمية، حيث إن الأول يسمى بالرواية


1 . منتقى الجمان : 1 / 14 ـ 15.
2 . نفس المصدر السابق .


(159)

والثاني بالشهادة. فظاهر الروايات أن قول العدل أو الثقة حجَّة إلاّ في مورد خرج بالدليل، كالمرافعة والهلال الذي تضافرت الروايات على لزوم تعدّد الشاهد فيهما(1).

ويدلّ على ما ذكرنا ـ أعني حجيّة قول الشاهد الواحد في الموضوعات ـ السيرة العقلائية القطعية ـ لأنهم يعتمدون على أخبار الآحاد في ما يرجع إلى معاشهم ومعادهم، وحيث لم يردع عنها في الشريعة المقدسة تكون مُمضاة من قبل الشارع في الموضوعات والاحكام.

نعم لا يعتبر الشاهد الواحد في المرافعات بل يجب تعدّده بضرورة الفقه والنصوص الصَّحيحة.

وتدلّ على حجية قول الشاهد الواحد في الموضوعات، مضافاً إلى السّيرة العقلائية التي هي أتقن الادلة، عدَّة من الروايات التي نشير إلى بعضها:

1ـ روى سماعة عن رجل تزوَّج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إن هذه امرأتي وليست لي بيّنة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها وان كان غير ثقة فلا يقبل منه(2).

2ـ وروى عيسى بن عبدالله الهاشمي عن أبيه، عن جدّه عن علي - عليه السلام -، قال: المؤذّن مؤتمن والإمام ضامن(3).

3ـ روى الصدوق وقال: قال الصادق - عليه السلام -في المؤذنين إنَّهم الاُمناء(4).

4ـ وروى أيضاً باسناده عن بلال، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -


1 . الوسائل: الجزء 7 كتاب الصوم، الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ، مضافاً إلى ما ورد في باب 24 من أبواب الشهادات والباب 14 من أبواب كيفية الحكم .
2 . الوسائل: الجزء 14، الباب 23 من أبواب عقد النكاح واولياء العقد، الحديث 2.
3 . الوسائل: الجزء 4 أبواب الاذان والاقامة، الباب 3، الأحاديث 2، 6 .
4 . المصدر السابق .


(160)

يقول: المؤذنون اُمناء المؤمنين على صلاتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم(1).

5ـ روى عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبدالله - عليه السلام -عن رجل مات وترك امرأته وهي حامل، فوضعت بعد موته غلاماً، ثمَّ مات الغلام بعد ما وقع إلى الارض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهلَّ وصاح حين وقع إلى الارض، ثم مات، قال: على الإمام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام(2) .

6ـ وقد تضافرت الروايات على قبول قول المرأة الواحدة في ربع الوصية. روى الربعي عن أبي عبدالله - عليه السلام -في شهادة امرأة حضرت رجلاً يوصي ليس معها رجل، فقال: يجاز ربع ما أوصى بحساب شهادتها.(3)

7ـ ويشعر بحجَّية قول المؤذّن الواحد ما رواه الفضل بن شاذان في ما ذكره من العلل لأمر الناس بالاّذان(4).

8ـ كما يشعر بذلك أيضاً ما رواه أحمد بن عبدالله القزويني عن أبيه في مذاكراته مع الفضل بن ربيع(5).

وهذه الروايات (مع إمكان الخدشة في دلالة بعضها) مع السيرة الرائجة بين العقلاء، تشرف الفقيه إلى الاذعان بحجيَّة قول الثقة في الموضوعات كحجّية قوله في الاحكام، إلاّ ما خرج بالدليل، كباب القضاء والمرافعات وهلال الشهر، والتَّفصيل موكول إلى محلّه(6).


1 . الوسائل: الجزء 4 أبواب الأذان والإقامة، الباب 3، الحديث 7.
2 . الوسائل: الجزء 18 أبواب الشهادات، الباب 24، الحديث 6 .
3 . الوسائل: الجزء 13 كتاب الوصايا، الباب 22، الحديث 1 إلى 5.
4 . الوسائل: الجزء 4 أبواب الأذان والاقامة، الباب 19، الحديث 14.
5 . الوسائل: الجزء 3 أبواب المواقيت، الباب 59، الحديث 2.
6 . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مقباس الهداية في علم الدراية : 88 ـ 92.


(161)

الفصل السادس

التوثيقات العامة

1ـ أصحاب الاجماع.

2ـ مشايخ الثقات.

3ـ العصابة التي لا يروون إلاّ عن ثقة.

4ـ رجال أسانيد «نوادر الحكمة».

5ـ رجال أسانيد «كامل الزيارات».

6ـ رجال اسانيد «تفسير القمّي».

7ـ أصحاب «الصادق» - عليه السلام -.

8ـ شيخوخة الإجازة.

9ـ الوكالة عن الإمام - عليه السلام -.

10ـ كثرة تخريج الثقة عن شخص.


(162)


(163)

1ـ أصحاب الاجماع

* ما هو الاصل في ذلك.

* «أصحاب الاجماع» اصطلاح جديد.

* عددهم وما نظمه السيد بحر العلوم.

* كيفية تلقي الاصحاب هذا الاجماع وحجيته.

* مفاد «تصحيح ما يصح عنهم».


(164)


(165)

قد وقفت على الطُّرق التي تثبت بها وثاقة راو معيَّن وهناك طرق تثبت بها وثاقة جمع كثير تحت ضابطة خاصة، وإليك هذه الطرق واحداً بعد واحد. وأهمّها مسألة أصحاب الاجماع المتداولة في الألسن وهم ثمانية عشر رجلاً على المشهور.

إن البحث عن أصحاب الاجماع من أهمّ أبحاث الرجال، وقد اشار اليه المحدّث النوري وقال: «إنه من مهمّات هذا الفنّ، إذ على بعض التقادير تدخل آلاف من الاحاديث الخارجة عن حريم الصحة إلى حدودها أو يجري عليها حكمها»(1).

ولتحقيق الحال يجب البحث عن أمور:

الأول: ما هو الاصل في ذلك؟

الأصل في ذلك ما نقله الكشّي في رجاله في مواضع ثلاثة نأتي بعبارته في تلك المواضع.

1ـ «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله - عليهما السلام -: اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر - عليه السلام -


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 757.


(166)

وأصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -وانقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقه الأولين ستّة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الاسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: أفقه الستّة زرارة، وقال بعضهم مكان أبي بصير الاسدي، ابو بصير المرادي وهو ليث بن البختري»(1).

2ـ «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه من دون اُولئك الستّة الذين عددناهم وسمَّيناهم(2) وهم ستّة نفر: جميل بن درّاج، وعبدالله بن مسكان، وعبدالله بن بكير، وحمّاد بن عثمان، وحمّاد بن عيسى، وأبان بن عثمان، قالوا: وزعم أبو اسحاق الفقيه وهو ثعلبة بن ميمون(3) أن أفقه هؤلاء جميل بن درّاج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -»(4).

3ـ «تسمية الفقهاء من اصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن - عليهما السلام -: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء وتصديقهم وأقرّوا لهم بالفقه والعلم، وهم ستّة نفر أُخر دون ستّة نفر الذين ذكرناهم(5) في أصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -منهم: يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبدالله بن مغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وقال بعضهم مكان الحسن بن


1 . رجال الكشي: 206.
2 . يريد بذلك العبارة المتقدمة التي نقلناها آنفاً.
3 . قال النجاشي (في الرقم 302): «كان وجهاً في أصحابنا قارئاً فقيهاً نحوياً لغوياً راوية وكان حسن العمل، كثير العبادة والزهد، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن - عليهما السلام - ».
4 . رجال الكشي: 322، والمراد من الاحداث: الشبان.
5 . يريد العبارة الثانية التي نقلناها عن رجاله.


(167)

محبوب، الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوّب(1) وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوّب، عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمان وصفوان بن يحيى»(2).

ويظهر من ابن داود في ترجمة «حمدان بن أحمد» أنه من جملة من اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ منهم والاقرار لهم بالفقه(3) ونسخ الكشي خالية منه، ولعله أخذه من الاُصول، لا من منتخب الشيخ، كما احتمله المحدّث النوري، لكن التأمل يرشدنا إلى خلاف ذلك وأن العبارة كانت متعلقة بـ «حمّاد بن عيسى» المذكور قبل حمدان. وقد سبق قلمه الشريف فخلط هو أو النسّاخ ووجه ذلك أنه عنون أربعة اشخاص بالترتيب الآتي:

1ـ حمّاد بن عثمان النّاب. 2ـ حمّاد بن عثمان بن عمرو. 3ـ حمّاد بن عيسى. 4ـ حمدان بن أحمد وصرّح في ترجمة حمّاد بن عثمان الناب أنه ممّن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم وأتى بهذا المضمون في ترجمة حمدان، مع أن اللازم عليه أن يأتي به في ترجمة ابن عيسى ولعل الجميع كان مكتوباً في صفحة واحدة فزاغ البصر، فكتب ما يرجع إلى ابن عيسى في حق حمدان(4).

أضف إلى ذلك أن ابن داود نفسه خصّ الفصل الأول من خاتمة القسم الأول من كتابه بذكر أصحاب الاجماع ـ كما سيوافيك عبارته ـ وذكر أسماءهم


1 . الظاهر أن «الواو بمعنى «أو» أي أحد هذين، ويحتمل كونها بمعناها فيزداد العدد.
2 . رجال الكشي: الرقم 1050.
3 . رجال ابن داود: 84، الرقم 524.
4 . والجدير بالذكر ان تغاير «حمّادين» الاولين محلّ نظر. بل استظهر جمع من أئمة الرجال اتحادهما ولعله الاصح. راجع قاموس الرجال: 3 / 397 ـ 398 ; ومعجم رجال الحديث: 6 / 212 ـ 215.


(168)

مصّرحاً بكون حمّاد بن عيسى منهم من دون أن يذكر حمدان بن أحمد.

والعجب أنّه ذكر الطبقة الثّالثة بعنوان الطبقة الثانية وقال: إنّهم من أصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -مع أنّه صرح في ترجمة كل منهم أنّهم كانوا من أصحاب الرضا - عليه السلام -وبعضهم من أصحاب أبي إبراهيم وأبي جعفر الثاني- عليهما السلام -(1).

هذا، مضافاً إلى أنه لا اعتبار بما انفرد به داود مع اشتمال رجاله على كثير من الهفوات.

الثاني: «أصحاب الاجماع» اصطلاح جديد

إن التّعبير عن هذه الجماعة بـ «أصحاب الاجماع» أمر حدث بين المتأخرين، وجعلوه أحد الموضوعات التّي يبحث عنها في مقدمات الكتب الرجالية أو خواتيهما، ولكنّ الكشّي عبر عنهم بـ «تسمية الفقهاء من أصحاب الباقرين - عليهما السلام -» أو «تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق - عليه السلام -» أو «تسمية الفقهاء من اصحاب الكاظم والرضا - عليهما السلام -» فهو - رحمه الله - كان بصدد تسمية الفقهاء من أصحاب هؤلاء الأئمّة، الذين لهم شأن كذا وكذا، والهدف من تسميتهم دون غيرهم، هو تبيين أنّ الأحاديث الفقهية تنتهي إليهم غالباً، فكأنّ الفقه الإمامىّ مأخوذ منهم، ولو حذف هؤلاء وأحاديثهم من بساط الفقه، لما قام له عمود، ولا اخضرّ له عود، ولتكن على ذكر من هذا المطلب، فأنّه يفيدك في المستقبل.

الثالث: في عددهم

قد عرفت أنه لا اعتبار بما هو الموجود في رجال ابن داود من عدّ «حمدان بن أحمد» من أصحاب الإجماع، فلابدّ من الرجوع إلى عبارة


1 . الرجال: طبعة النجف، الرقم: 118، 442 ،454، 782، 909 و 1272.


(169)

الكشي فقد نقل الكشي اتفاق العصابة على ستة نفر من أصحاب الصادقين - عليهما السلام -وهم: 1. زرارة أعين، 2 ـ معروف بن خربوذ، 3ـ بريد بن معاوية، 4 ـ أبو بصير الأسدي، 5 ـ الفضيل بن يسار، 6 ـ محمد بن مسلم الطائفي.

ونقل أيضاً اتّفاقهم على ستة من أحداث أصحاب أبي عبد الله - عليه السلام -فقط وهم: 7 ـ جميل بن دراج، 8 ـ عبد الله بن مسكان، 9 ـ عبد الله بن بكير، 10 ـ حماد بن عثمان، 11 ـ حماد بن عيسى، 12 ـ أبأن بن عثمان.

كما نقل اتفاقهم على ستة نفر من أصحاب الامامين الكاظم والرضا - عليهما السلام -وهم: 13 ـ يونس بن عبد الرحمان، 14 ـ صفوان بن يحيى بيّاع السابري ، 15 ـ محمد بن أبي عمير، 16 ـ عبد الله بن مغيرة، 17 ـ الحسن بن محبوب، 18 ـ أحمد بن محمّد بن نصر.

هذا ما اختار الكشي في من اجمعت العصابة عليهم، ولكن نقل في حق الستة الأولى أن بعضهم قال مكان أبي بصير الأسدي، أبو بصير المرادي، فالخمسة من الستة الأولى موضع اتّفاق من الكشي وغيره، كما أن الستة الثانية موضع اتفاق من الجميع، وأما الطبقة الثالثة فخمسة منهم مورد اتفاق بينه وبين غيره حيث قال: «ذكر بعضهم مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال وفضالة بن أيوب، وذكر بعضهم مكان فضالة بن أيوب، عثمان بن عيسى» فيكون خمسة من الطبقة الثالثة مورد اتفاق بينه وبين غيره وبالنتيجة يكون ستة عشر شخصاً موضع اتفاق من الكل، وانفرد الكشي بنقل الإجماع على شخصين وهما أبو بصير الأسدي من الطبقة الأولى، والحسن بن محبوب من الثالثة ونقل الاخرون، الاتفاق على أربعة وهم: أبو بصير المرادي من الستة الأولى والحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب وعثمان بن عيسى من الثالثة، فيكون المجموع: اثنين وعشرين شخصاً، بين ما اتفق الكل على


(170)

كونهم من أصحاب الاجماع، أو قال به الكشي وحده أو غيره فالمتيقن هو 16 شخصاً، والمختلف فيه هو 6 اشخاص.

ثم إن المتتبع النوري قد حاول رفع الاختلاف قائلاً: «إنه لا منافاة بين الإجماعين في محل الانفراد لعدم نفي أحد الناقلين ما أثبته الآخر وعدم وجوب كون العدد في كل طبقة ستة، وأنما اطلع كل واحد على ما لم يطلع عليه الاخر، والجمع بينهما ممكن، فيكون الجميع مورداً للاجماع.

ونقل عن بعض الأجلة الاشكال عليه، بأنّ الكشّي جعل الستّة الأولى أفقه الأوّليين وقال: «فقالوا أفقه الأوّين ستة» ومعناه هؤلاء أفقه من غيرهم ومنهم أبو بصير المرادي. وعليه فالأسدي الّذي هو جزء من الستة أفقه من أبي بصير المرادي وعلى القول الآخر يكون المرادي من أفراد الستة ويكون أفقه من أبي بصير الاسدي، فيحصل التكاذب بين النقلين، فواحد منهم يقول: الأفقه هو الأسدي، والآخر يقول: الأفقه هو المرادي» (1).

وفيه أولاً: أنه يتم في القسم الأول من هذه الطّبقات الثلاث، حيث اشتمل على جملة «أفقه الأولين ستة» دون سائر الطبقات، فهي خالية عن هذا التعبير.

وثانياً أنه يحتمل أن يكون متعلق الاجماع هو التصديق والانقياد لهم بالفقه، لا الأفقهيّة من الكلّ، فلاحظ وتأمّل.

الرابع: فيما نظمه السيد بحر العلوم

إن السيد الجليل بحر العلوم جمع أسماء من ذكره الكشي في المواضع الثلاثة في منظومته وخالفه في أشخاص من الستة الأولى، قال - قدس سره -:

قد أجمع الكل على تصحيح ما           يصح عن جماعة فليعلما


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 3 / 757 ، الفائدة السابعة .


(171)

وهم أولو نجابة ورفعة           أربعة وخمسة وتسعة
فالستة الأولى من الأمجاد           أربعة منهم من الأوتاد
زرارة كذا بريد (1) قد أتى           ثم محمد (2)وليث (3) يافتى
كذا الفضيل (4) بعده معروف (5)           وهو الذي ما بيننا معروف
والستة الوسطى اولو الفضائل           رتبتهم أدنى من الأوائل
جميل الجميل (6) مع أبان (7)           والعبدلان (8) ثم حمّادان (9)
والستة الاخرى هم صفوان (10)           ويونس (11) عليهما الرضوان
ثم ابن محبوب (12) كذا محمد(13)           كذاك عبدالله (14) ثم أحمد (15)
وما ذكرناه الأصحّ عندنا           وشذّ قول من به خالفنا (16)

قوله: «وما ذكرناه الأصح» إشارة إلى الاختلاف الذي حكاه الكشي في عبارته حيث اختار الكشي ان أبا بصير الاسدي منهم، واختار غيره أن أبا


1 . المراد بريد بن معاوية.
2 . المراد محمد بن مسلم.
3 . ابو بصير المرادي وهو ليث بن البختري، وقد خالف فيه مختار الكشي.
4 . الفضيل بن يسار.
5 . معروف بن خربوذ.
6 . جميل بن دراج.
7 . أبان بن عثمان.
8 . عبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير.
9 . حمّاد بن عثمان وحمّاد بن عيسى.
10 . صفوان بن يحيى. المتوفّى عام 220 هـ .
11 . يونس بن عبد الرحمن.
12 . الحسن بن محبوب.
13 . محمد بن أبي عمير.
14 . عبد الله بن المغيرة.
15 . أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
16 . قد مضى القولان في عبارة الكشي.


(172)

بصير المرادي منهم واختار السيد بحر العلوم القول الثاني ونسب القول الأول إلى الشذوذ.

الخامس: في كيفية تلقي الأ صحاب هذا الاجماع

إن المتتبع النوري قد قام بتصفح كلمات الأصحاب حتى يستكشف من خلالها كيفية تلقيهم هذا الإجماع بالقبول وإليك الإشارة إلى بعض الكلمات التي نقلها المحدث النوري في الفائدة السابعة من خاتمة المستدرك بتحرير منّا حسب القرون:

1 ـ إن أول من نقله من الأصحاب هو أبو عمرو الكشي وهو من علماء القرن الرابع وكان معاصراً للكليني (المتوفّى عام 329 هـ) وتتلمذ للعياشي صاحب التفسير.

2 ـ ويتلوه في النقل، الشيخ الطوسي، وهو من علماء القرن الخامس (المتوفّى عام 460 هـ) حيث إنه قام باختصار رجال الكشي بحذف أغلاطه وهفواته، وأملاه على تلاميذه وشرع بالإملاء يوم الثلاثاء السادس والعشرين من صفر سنة 456 هـ ، بالمشهد الشريف الغري، ونقل سبط الشيخ، السيد الأجل «علي بن طاووس» في كتاب «فرج المهموم» عن نفس خط الشيخ في أول الكتاب أنه قال: «هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي واخترنا ما فيها» (1). وظاهر كلامه أن الموجود في الكشي مختاره ومرضيه.

أضف إلى ذلك أنه يقول في العدة: «سوَّت الطائفة بين ما رواه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات، الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به، وبين ما


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 3 / 757، نقلاً عن فرج المهموم.


(173)

أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم»(1).

فان قوله «وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به» دليل على أن فيهم جماعة معروفين عند الاصحاب بهذه الفضيلة، ولا تجد في كتب هذا الفنّ من طبقة الثقات، عصابة مشتركة في هذه الفضيلة غير هؤلاء.

3ـ وممَّن تلقّاه بالقبول، رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب من علماء القرن السادس (المتوفّى عام 588 هـ) فقد أتى بما ذكره الكشّي في أحوال الطبقة الاُولى والثانية، وترك ذكر الثالثة، ونقل الطبقتين بتغيير في العبارة كما سيوافيك وجهه(2).

4ـ وممَّن تلقّاه بالقبول، فقيه الشيعة، العلامة الحلي من علماء القرن الثامن (المتوفّى عام 726 هـ) وقد أشار بما ذكره الكشّي في خلاصته في موارد كثيرة كما في ترجمة «عبدالله بن بكير» و«صفوان بن يحيى» و«البزنطي» و«أبان بن عثمان».

5ـ وقال ابن داود مؤلّف الرجال وهو من علماء القرن الثامن، حيث ولد عام 648 وألَّف رجاله عام 707 هـ : «أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم غير أنهم يتفاوتون ثلاث درج»(3).

6ـ وقال الشهيد الأول (المستشهد عام 786 هـ ) في «غاية المراد» عند


1 . عدة الاصول: 1 / 386، وسيوافيك حق القول في تفسير كلام العدة، وتقف على أن كلام العدة غير مستنبط من كلام الكشي، وانما ذكرناه في المقام تبعاً للمحدث النوري.
2 . المناقب: 4 / 211 ، أحوال الإمام الباقر، والإمام الصادق - عليهما السلام -: 280.
3 . رجال ابن داود: 209 ، خاتمة القسم الأول، الفصل الأول، طبعة النجف والصفحة: 384، طبعة جامعة طهران.


(174)

البحث عن بيع الثمرة بعد نقل حديث في سنده الحسن بن محبوب: «وقد قال الكشي: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن الحسن بن محبوب».

نعم، لم نجد من يذكر هذا الاجماع أو يشير إليه من علماء القرن السّابع كالحسن بن زهرة (المتوفّى عام 620 هـ ) ونجيب الدين ابن نما (المتوفّى عام 645 هـ )، وأحمد بن طاووس (المتوفّى عام 673 هـ)، والمحقق الحلّي (المتوفّى عام 676 هـ ) ويحيى بن سعيد (المتوفّى عام 689 هـ).

كما لم نجد من يذكره من علماء القرن التّاسع كالفاضل المقداد (المتوفّى عام 826 هـ) وابن فهد الحلّي (المتوفّى عام 841).

نعم ذكره الشّهيد الثّاني (وهو من علماء القرن العاشر وقد استشهد عام 966 هـ) في شرح الدراية في تعريف الصحيح حيث قال: «نقلوا الاجماع على تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان مع كونه فطحيّاً، وهذا كلّه خارج عن تعريف الصحيح الّذي ذكروه».

كما نقل في الروضة البهية، في كتاب الطلاق عن الشيخ أنه قال: «ان العصابة اجمعت على تصحيح ما يصح عن عبد الله بن بكير وأقرّوا له بالفقه والثقة» (1).

وأما القرون التالية، فقد تلقاه عدة من علماء القرن الحادي عشر بالقبول كالشيخ البهائي (المتوفّى عام 1031 هـ). والمحقق الداماد (المتوفّى عام 1041 هـ)، والمجلسي الأوّل، وفخر الدين الطّريحي (المتوفّى عام 1085 هـ ) والمحقق السبزواري (المتوفّى عام 1090 هـ) مؤلّف «ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد».

كما تلقاه بالقبول كثير من علماء القرن الثاني عشر كالمجلسي الثاني


1 . الروضة البهية: 2 / 131، كتاب الطلاق .


(175)

(المتوفّى عام 1110 هـ) وعلماء القرون التالية ولا نرى حاجة في ذكر عبائرهم (1).

اقول: ان الأصحاب وان تلقوه بالقبول، لكن ذلك التلقّي لا يزيدنا شيئاً، لأنهم اعتمدوا على نقل الكشي ولولاه لما كان من ذلك الاجماع أثر، ولأجل ذلك نرى أن الشيخ لم يذكره في كتابي الرجال والفهرست، ولا نجد منه اثرا في رجال البرقي ورجال النجاشي، وذكره ابن شهرآشوب تبعاً للكشي وتصرف في عبارته، على أن ذكر الشيخ في رجال الكشي لا يدل على كونه مختاراً عنده لأنه هذبه عن الأغلاط، لا عن كل محتمل للصدق والكذب، وابقاؤه يكشف عن عدم كونه مردوداً عنده، لا كونه مقبولاً .

السادس: في وجه حجية ذاك الاجماع

عقد الاصوليون في باب حجية الظنون، فصلاً خاصاً للبحث عن حجية الاجماع المنقول بخبر الواحد وعدمها، فذهب البعض إلى الحجّية بادعاء شمول أدلة حجية خبر الواحد له، واختار المحققون وعلى رأسهم الشيخ الأعظم عدمها، قائلاً بأن أدلة حجّية خبر الواحد تختص بما إذا نقل قول المعصوم عن حس لا عن حدس، وناقل الإجماع ينقله حدساً لا حسّاً وذلك من ناحيتين:

الأولى: من ناحية السبب، وهو الاتفاق الملازم عادة لقول الإمام - عليه السلام -ووجه كونه حدسياً، لا حسياً، ان الجل ـ لولا الكل ـ يكتفون في احراز السبب، باتفاق عدة من الفقهاء لا اتفاق الكل، وينتقلون من اتفاق عدة منهم إلى اتفاق الجميع.

الثانية: من ناحية المسبب، وهو قول الإمام، فإنهم يجعلون اتفاق


1 . لاحظ خاتمة المستدرك: 3 / 758 ـ 759، بتحرير وتلخيص واضافات منا.


(176)

العلماء دليلاً على موافقة قولهم لقول الإمام - عليه السلام -حدساً لا حساً، مع ان الملازمة بين ذاك الاتفاق، وقول الامام غير موجودة، وعلى ذلك فناقل الاجماع ينقل السبب (اتفاق الكل) والمسبب (قول الامام) حدساً لا حساً، وهو خارج عن مورد أدلة الحجية.

والاشكال من ناحية السبب، مشترك بين المقام وسائر الاجماعات المنقولة، حيث ان المظنون ان ابا عمرو الكشي لم يتفحص في نقل إجماع العصابة على هؤلاء، وإنما وقف على آراء معدودة واكتفى، وهي لا تلازم اتفاق الكل.

وهناك اشكال اخر يختص بالمقام، وهو ان الاجماع المنقول لو قلنا بحجّيته، انما هو فيما إذا تعلق على الحكم الشرعي، لا على الموضوع، ومتعلق الاجماع في المقام موضوع من الموضوعات لا حكم من الأحكام، كما تفصح منه عبارة الكشي: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة...».

والاجماع على موضوع ولو كان محصلاً، ليس بحجة، فكيف إذا كان منقولاً.

والجواب عن الاشكال الأول مبني على تعيين المفاد من عبارة الكشي في حق هؤلاء الثمانية عشر، فلو قلنا بأن المراد منها هو تصديق هؤلاء الأعلام في نفس النقل والحكاية الملازم لوثاقتهم ـ كما هو المختار ويظهر من عبارة المناقب أيضاً وغيرها كما ستوافيك ـ فلا يحتاج في إثبات وثاقة هؤلاء إلى اتفاق الكل حتى يقال انه أمر حدسي بل يكفي توثيق شخص أو شخصين أو ثلاثة وقف عليه الكشي عن حس، ليس الاطلاع على هذا القدر أمراً عسيراً حتى يرمي الكشي فيه إلى الحدس، بل من المقطوع أنه وقف عليه وعلى أزيد منه.

نعم، لو كان المراد من عبارة الكشي هو اتفاق العصابة على صحة رواية هؤلاء، بالمعنى المصطلح عند القدماء اعتماداً على القرائن الخارجية،


(177)

فالإشكال باق بحاله، لان العلم بالصحة ليس أمراً محسوساً حتى تعمه أدلة حجية خبر الواحد إذا أخبر عنها مخبر، وليست القرائن الموجبة للعلم بالصحة، كلها من قبيل عرض الكتاب على الإمام - عليه السلام -وتصديقه إياه، أو تكرر الحديث في الاصول المعتمدة، حتى يقال «انها من قبيل الامور الحسية، وأن المسبب ـ أعني صحة روايات هؤلاء ـ وان كان حدسيّاً، لكن أسبابه حسّية، ولا يلزم في حجة قول العادل كون المخبر به أمراً حسياً، بل يكفي كون مقدمات حسية»، وذلك لأن القرائن المفيدة لصحة أخبار هؤلاء ليست حسّية دائماً، وإنما هي على قسمين: محسوس وغير محسوس، والغالب عليها هو الثاني وقد مر الكلام فيه عند البحث عن شهادة الكليني في ديباجة الكافي على صحة رواياته.

وقد حاول بعض الأجلة الإجابة عنه (ولو قلنا بأن المراد هو تصحيح روايات هؤلاء) بأن نقل الكشي، اتفاق العصابة على تصحيح مرويات هؤلاء بالقرائن الدالة على صدق مفهومها أو صدورها، وأن لم يكن كافياً في إثبات الاتفاق الحقيقي، لكنه كاشف عن اتفاق مجموعة كبيرة منهم على تصحيح مرويات هؤلاء، ومن البعيد أن يكون مصدره ادعاء واحد أو اثنين من علماء الطائفة، لأن التساهل في دعوى الإجماع شائعاً وأن كان بين المتأخرين، لكنه بين القدماء ممنوع جداً، هذا من جانب.

ومن جانب آخر إن اتفاق جماعة على صحة روايات هؤلاء العدة، يورث الاطمئنان بها، والقرائن التي تدل على الصحة وإن كانت على قسمين: حسي واستنباطي، لكن لما كان النظر والاجتهاد في تلك الأيام قليل، وكان الأساس في المسائل الفقهية وما يتصل بها، هو الحس والشهود، يمكن أن يقال باعتمادهم على القرائن العامة التي تورث الاطمئنان لكل من قامت عنده أيضاً، ككونه من كتاب عرض على الإمام، أو وجد في أصل معتبر، أو تكرر في الاصول، إلى غير ذلك من القرائن المشهورة.


(178)

والحاصل; أنه إذا ثبت ببركة نقل الكشي كون صحة روايات هؤلاء، أمراً مشهوراً بين الطائفة، يحصل الاطمئنان بها من اتفاق مشاهيرهم، لكونهم بعداء عن الاعتماد على القرائن الحدسية، بل كانوا يعتمدون على المحسوسات أو الحدسيات القريبة منها، لقلة الاجتهاد والنظر في تلك الأعصار.

أقول: لو صحت تلك المحاولة لصحت في ما ادعاه الكليني في ديباجة كتابه، من صحة رواياته، ومثله الصدوق في مقدمة «الفقيه»، بل الشيخ حسب ما حكاه المحدث النوري بالنسبة إلى كتابيه «التهذيب والاستبصار» والاعتماد على هذه التصحيحات، بحجة ان النظر والاجتهاد يوم ذاك كان قليلاً، وكان الغالب عليها هو الاعتماد على الامور الحسية مشكل جداً وقد مرَّ اجمال ذلك عند البحث عن أدلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال فلاحظ، على ان احراز القرائن الحسية بالنسبة إلى أحاديث هؤلاء مع كثرتها، بعيد غايته وسيوافيك بعض الكلام في ذلك عند تبيين مفاد العبارة.

واما الاشكال الثاني فالاجابة عنه واضحة، لأنه يكفي في شمول الأدلة كون المخبر به مما يترتب على ثبوته اثر شرعي، ولا يجب ان يكون دائماً نفس الحكم الشرعي، فلو ثبت بإخبار الكشي، اتفاق العصابة على وثاقتهم أو صحة اخبارهم، لكفى ذلك في شمول ادلة الحجية كما لا يخفى.

السابع: في مفاد «تصحيح ما يصح عنهم»

وهذا هو البحث المهم الذي فصل الكلام فيه المتتبع النوري في خاتمة مستدركه، كما فصل في الامور السابقة ـ شكر الله مساعيه ـ .

والخلاف مبني على ان المقصود من الموصول في «ما يصح» ما هو؟ فهل المراد، الرواية والحكاية بالمعنى المصدري، أو ان المراد المروي ونفس الحديث؟


(179)

فتعيين أحد المعنيين هو المفتاح لحل مشكلة العبارة، وأما الاحتمالات الاُخر، فكلها من شقوق هذين الاحتمالين، ويتلخص المعنيان في جملتين:

1 ـ المراد تصديق حكاياتهم.

2 ـ المراد تصديق مروياتهم.

وان شئت قلت: هل تعلق الإجماع على تصحيح نفس الحكاية وان ابن ابي عمير صادق في قوله، بأنّه حدثه ابن اُذينة أو عبدالله بن مسكان أو غيرهما من مشايخه الكثيرة الناهزة إلى أربعمائة شيخ أو تعلق بتصحيح نفس الحديث والمروي، وان الرواية قد صدرت عنهم- عليهم السلام -.

وبعبارة اخرى; هل تعلق بما يرويه بلا واسطة كروايته عن شيخه «ابن اُذينة»، أو تعلق بما يرويه مع الواسطة أعني نفس الحديث الذي يرويه عن الإمام بواسطة استاذه.

والمعنى الأول يلازم توثيق هؤلاء ويدل عليه بالدلالة الالتزامية، فان اتفاق العصابة على تصديق هؤلاء في حكايتهم وتحدثهم ملازم لكونهم ثقات، فيكون مفاد العبارة هو توثيق هؤلاء لأجل تصديق العصابة حكايتهم ونقولهم عن مشايخهم.

وأما المعنى الثاني فله احتمالات:

1 ـ صحة نفس الحديث والرواية وان كانت مرسلة أو مروية عن مجهول أو ضعيف لأجل كونها محفوفة بالقرائن.

2 ـ صحتها لأجل وثاقة خصوص هؤلاء الجماعة فتكون الصحة نسبية لا مطلقة، لاحتمال عدم وثاقة من يروون عنه فيتحد مع المعنى الأول.

3 ـ صحتها لأجل وثاقتهم ووثاقة من يروون عنهم حتى يصل إلى الإمام - عليه السلام -فعلى الاحتمال الثالث، تنسلك مجموعة كبيرة من الرواة ممَّن


(180)

لم يوثقوا خصوصاً، في عداد الثقات، فإن لمحمد بن ابي عمير مثلا «645» حديثاًيرويها عن مشايخ كثيرة (1).

واليك توضيح هذين المعنيين (2).

المعنى الأول: وهو ما احتمله صاحب الوافي في المقدمة الثالثة من كتابه: «ان ما يصح عنهم هو الرواية لا المروي» (3). وعلى هذا تكون العبارة كناية عن الاجماع على عدالتهم وصدقهم بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع على عدالته.

ونقل المحدث النوري عن السيد المحقق الشفتي في رسالته في تحقيق حال «أبان» ان متعلق التصحيح هو الرواية بالمعنى المصدري أي قولهم أخبرني، أو حدثني، أو سمعت من فلان، وعلى هذا فنتيجة العبارة أن أحداً من هؤلاء إذا ثبت أنه قال: حدثني، فالعصابة أجمعوا على أنه صادق في اعتقاده.

وقد سبقه في اختيار هذا المعنى رشيد الدين ابن شهر آشوب في مناقبه، حيث اكتفى بنقل المضمون وترك العبارة وقال: «اجتمعت العصابة على تصديق ستة من فقهائه (الإمام الصادق - عليه السلام -) وهم جميل بن دراج، وعبدالله بن مسكان... الخ» فقد فهم من عبارة الكشي اتفاق العصابة على تصديق هؤلاء وكونهم صادقين فيما يحكون، فيدل بالدلالة الالتزامية على وثاقة هؤلاء لا غير، والتصديق مفاد مطابقي، والوثاقة مفاد التزامي كما لا يخفى.


1 . لاحظ معجم رجال الحديث: 14 / 303 ـ 304، طبعة النجف.
2 . وقد ادغمنا الوجه الثاني والثالث من الاحتمال الثاني فبحثنا عنهما بصفقة واحدة، لان وثاقة هؤلاء ليست مورداً للشك والترديد وانما المهم اثبات وثاقة مشايخهم.
3 . الوافي: المقدمة الثالثة، الصفحة 12، وجعل الفيض كونها كناية عن الاجماع على عدالتهم وصدقهم في عرض ذلك الاحتمال، والظاهر أنه في طوله، لان تصديق حكايتهم في الموارد المجردة عن القرائن غير منفك عن التصديق بعدالتهم فلاحظ.


(181)

ويظهر ذلك أيضاً من استاذ الفن، الشيخ عبدالله بن حسين التستري، الذي كان من مشايخ الشيخ عناية الله القهبائي مؤلف «مجمع الرجال»، حيث نقل عن استاذه ما هذا عبارته: «قال الاستاذ مولانا النحرير المدقق، والحبر المحقق المجتهد في العلم والعمل عبدالله بن حسين التستري - قدس سره -(1)، هكذا: وربما يخدش بأن حكمهم بتصحيح ما يصح عنهم، انما يقتضي الحكم بوقوع ما أخبروا به، وهذا لا يقتضي الحكم بوقوع ما أخبر هؤلاء عنه في الواقع، والحاصل أنهم إذا أخبروا أنّ فلاناً الفاسق حكم على رسول الله مثلا بما يقتضي كفره (نستغفر الله منه) فان ذلك يقتضي حكمهم بصحة ما أخبروا به، وهو وقوع المكفّر عن الفاسق المنسوب اليه ذلك لا صحة ما نسب إلى الفاسق في نفس الأمر... إلى ان قال: ان الجماعة المذكورين في هذه التسميات الثلاث إذا أخبروا عن غير معتبر في النقل، فانه لا يلزم الحكم بصحة ما أخبروا عنه في الواقع، نعم يلزم ذلك إذا أخبروا عن معتبر».

وأضاف التلميذ: «ولا يخفى ان المذكورين في التسميات المذكورات هنا لا يروون إلاّّ عنهم- عليهم السلام -إلاّ قليلا، ولا عن غير معتبر إلاّ نادراً وهذا ظاهر مع ادنى تتّبع، فما افاد الاستاذ- رحمه الله -من المعنى الدقيق والمحمل الصحيح لا يؤثر فيما نفهم منها في أول الأمر»(2). ويظهر النظر في كلام التلميذ فيما سننقله من رواية هؤلاء عن غير الائمة بكثير فتربَّص.

وقد نقله أبو علي في رجاله عن استاذه صاحب الرياض حيث قال: «المراد دعوى الاجماع على صدق الجماعة، وصحة ما ترويه إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه، فاذا قال احد الجماعة: حدثني فلان، يكون الاجماع منعقداً على صدق دعواه وإذا كان ضعيفاً أو غير معروف، لا يجديه نفعاً،


1 . توفي مولانا التستري عام 1021 هـ ، ويظهر من قوله «- قدس سره -» في حق استاذه ان المؤلف كان حياً عام وفاته وتوفي بعده.
2 . تعليقة مجمع الرجال: 1 / 286.


(182)

وذهب اليه بعض أفاضل العصر وهو السيد مهدي الطباطبائي»(1).

وأقول: هذا هو المختار ويؤيدّه أمور:

1ـ إنَّ الكشّي اكتفى في تسمية الطبقة الاُولى بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب أبي جعفر وأبي عبدالله - عليهما السلام -وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستّة» ولم يذكر في حقّهم غير تلك الجمل، فلو كان المفهوم من قوله «تصحيح ما يصحّ عن جماعة» إجماعهم على تصديق مرويّاتهم (لا حكاياتهم)، كان عليه أن يذكر تلك العبارة في حق الستّة الاُولى، لأنهم في الدرجة العالية بالنسبة إلى الطبقتين، وهذا يعرب عن كون المقصود من التصحيح، هو الحكم بصدقهم وتصويب نفس نقلهم، وبالدَّلالة الالتزامية يدلّ على وثاقهم.

2ـ فهم عدة من الاعلام ذلك المعنى من العبارة.

إنّ ابن شهرآشوب قد فهم من كلام الكشّي نفس ما ذكرناه، ولأجل ذلك حذف كلمة «تصحيح ما يصحّ» عند التعرّض للطبقة الثانية فعبَّر عنه بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديق ستَّة من فقهاء أصحاب الإمام الصادق - عليه السلام -وهم: جميل بن درّاج ـ إلى آخره».

نرى أنه وضع التصديق مكان «تصحيح ما يصحّ عنه» وهذا يعرب عن وحدة المقصود، ويظهر ذلك من بعض كلمات العلاّمة في المختلف حيث قال: «لا يقال: عبدالله بن بكير فطحي، لأنّا نقول: عبدالله بن بكير وان كان فطحيّاً، إلاّ أن المشايخ وثَّقوه» ونقل عبارة الكشّي، وقال بنظيره في ترجمة أبان بن عثمان الاحمر: «...، إلاّ انه كان ثقة وقال الكشي: إنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه» والظاهر أن التمسّك بقول


1 . خاتمة مستدرك الوسائل: 2 / 760.


(183)

الكشي، لاجل الاستدلال على قوله: «إن المشايخ وثَّقوه» أو «إلاّ أنه كان ثقة».

كما يظهر ذلك من ابن داود حيث قال: «أجمعت العصابة على ثمانية عشر رجلا فلم يختلفوا في تعظيمهم، غير أنهم يتفاوتون ثلاث درج»(1).

3ـ إمعان النظَّر في ما يتبادر من قوله: «ما يصحّ من هؤلاء» فاذا قال الكليني: «حدَّثنا علي بن إبراهيم، قال: حدَّثنا إبراهيم بن هاشم، قال: حدثنا ابن ابي عمير، قال: حدثنا ابن أُذينة قال: قال ابو عبدالله - عليه السلام -» فلو فرضنا وثاقة الاولين من السَّند ـ كما هو كذلك ـ فانه يقال صحّ عن ابن ابي عمير كذا، فيجب تصحيح نفس هذا، لا غير، وبعبارة أخرى يجب علينا إمعان النَّظر في أنه ما هو الذي صحَّ عن ابن ابي عمير، حتى يتعلق به التصحيح. فهل هو حكاية كل واحد عن آخر؟ أو هو نفس الحديث ومتنه؟.

لا سبيل إلى الثاني، لان من صدّر به السند، لا ينقل إلاّ حكاية الثاني ولا ينقل نفس الحديث، وإنما يكون ناقلا لو نقله من الامام بلا واسطة، ومثله من وقع في السند بعده، فانه لا ينقل إلاّ حكاية الثالث له، فعندئذ ما صحَّ عن ابن ابي عمير ليس نفس الحديث، بل حكاية الاستاذ لتلميذه، وعليه يكون هذا بنفسه متعلقاً للتصحيح، وان ابن أبي عمير مصدق في حكايته عن ابن اُذينة، وهو صادق في نقله عنه، وأما ثبوت نفس الحديث، فهو يحتاج إلى كون الناقل لابن ابي عمير صادقاً وثقة وإلاّ فلا يثبت، نعم يثبت بتصحيح ما صحَّ عن ابن أبي عمير كونه ثقة، لكن لا بالدلالة المطابقية، بل بالدلالة الالتزامية.

واختار هذا المعنى سيّدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ وقال: «المراد تصديقهم لما أخبروا به وليس اخبارهم في الاخبار مع الواسطة إلاّ الاخبار عن قول


1 . رجال ابن داود: خاتمة القسم الأول، الفصل الأول الصفحة 209 طبعة النجف، والصفحة 384 طبعة جامعة طهران.


(184)

الواسطة وتحديثه، فإذا قال ابن أبي عمير «حدّثني زيد النرسي، قال: حدّثني علي بن مزيد، قال: قال ابو عبدالله - عليه السلام -كذا» لا يكون اخبار ابن أبي عمير إلاّ تحديث زيد، وهذا في ما ورد في الطبقة الأولى واضح وكذلك الحال في الطبقتين الاخيرتين أي الاجماع على تصحيح ما يصحّ عنهم، لان ما يصحّ عنهم ليس متن الحديث في الإخبار مع الواسطة لو لم نقل مطلقاً، فحينئذ إن كان المراد من الموصول مطلق ما صحّ عنهم يكون لازمه قيام الاجماع على صحّة مطلق إخبارهم سواء كان مع الواسطة أو لا، إلاّ أنه في الإخبار مع الواسطة لا يفيد تصديقهم، وتصحيح ما صحّ عنهم بالنسبة إلى الوسائط، فلابّد من ملاحظة حالهم ووثاقتهم وعدمها»(1).

وإلى ما ذكر يشير الفيض في كلامه السابق ويقول: «ما يصحّ عنهم هو الرواية لا المرويّ، وأما ما اشتهر في تفسير العبارة من العلم بصحة الحديث المنقول منهم ونسبته إلى اهل البيت- عليهم السلام -بمجرَّد صحته عنهم، من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه، حتى لو رووا عن معروف بالفسق أو بوضع، فضلا عمّا لو أرسلوا الحديث، كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً على نسبته إلى اهل العصمة، فليست العبارة صريحة في ذلك»(2).

هذا حال الأول ودلائله. غير أن المحدّث النوري أورد عليه وجوهاً نذكرها واحداً بعد واحد.

الأول: إن هذا التفسير ركيك خصوصاً بالنسبة إلى هؤلاء الاعلام.

الثاني: لو كان المراد ما ذكروه، لاكتفى الكشي بقوله: «اجتمعت العصابة على تصديقهم».

الثالث: ان أئمة فنّ الحديث والدّراية صرَّحوا بأن الصحة والضعف


1 . الطهارة: 1 / 186 ـ 187.
2 . الوافي: 1 / 760 المقدمة الثالثة.


(185)

والقوة والحسن وغيرها من أوصاف متن الحديث، تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند، وقد يطلق على السند مسامحة، فيقولون: «في الصحيح عن ابن ابي عمير» وهو خروج عن الاصطلاح، فالمراد بالموصول في «ما يصحّ عنه» هو متن الحديث، لأنه الذي يتصف بالصحة والضعف.

ولكنَّ الكل غير واضح، أما الأول فأي ركاكة في القول بأن العصابة اتفقت على وثاقة هؤلاء؟ ولو كان ركيكاً، فلم ارتكبه نفس الكشي في الطبقة الأولى، حيث اكتفى فيهم مكان «تصحيح ما يصحّ عنهم» بقوله «أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من اصحاب الامامين- عليهما السلام -».

وأما الثاني، فإنما يرد لو قدم قوله «وتصديقهم» في الذكر على قوله «تصحيح ما يصحّ عنهم»، إذ عندئذ لا حاجة إلى الثاني، ولكن الكشي عكس في الذكر، فاحتاج الكلام إلى الجملة التوضيحية، فأتى بلفظ «وتصديقهم».

وأما الثالث، فلأن الصحة سواء فسِّرت بمعنى التمامية أم بمعنى الثبوت، يقع وصفاً للسند والمتن معاً إذا كان في كلّ ملاك للتوصيف به، وليس للصحة مصطلح خاص حتى نخصه بالمتن دون السند.

وأما تخصيص هؤلاء الثمانية عشر بالذكر دون غيرهم، مع أن هناك رواة اتفقت كلمتهم على وثاقتهم، فلأجل كونهم مراجع الفقه ومصادر علوم الأئمة- عليهم السلام -ولأجل ذلك اضاف على قوله «بتصديقهم»، قوله «وانقادوا لهم بالفقه» و «أقرّوا لهم بالفقه والعلم» فلم ينعقد الاتفاق على مجرّد وثاقتهم، بل على فقاهتهم من بين تلاميذ الائمة- عليهم السلام -. فهذه المميزات أوجبت تخصيصهم بالذكر دون غيرهم.

على أن الكشي كما عرفت لم يعنونهم باسم «أصحاب الاجماع» بل هو اصطلاح جديد بين المتأخرين، بل عنونهم في مواضع ثلاثة بـ «تسمية الفقهاء


(186)

من أصحاب الباقرين - عليهما السلام -» و«تسمية الفقهاء من أصحاب الصادق - عليه السلام -» و«تسمية الفقهاء من أصحاب الامامين الكاظم والرضا - عليهما السلام -»، فالسّؤال ساقط من رأسه.

وأما التخصيص بالسّتة في كل طبقة فلأجل فقاهتهم اللاّمعة التي لم تتحقق في غيرهم في كل طبقة.

إلى هنا تبيّن صحة المعنى الأول وأنه المتعين. ثم إن ما جعله شيخنا النوري قولاً ثانيا وذكره تحت عنوان «ب»، من أن المراد كون الجماعة ثقات، يرجع إلى ذلك القول لبّاً والتفاوت بينهما هو أن الوثاقة مدلول المعنى بالدلالة الالتزامية في القول الأول، ومدلول المعنى بالدلالة المطابقية في القول الثاني كما لا يخفى، ولأجل ذلك جعلنا القولين قولاً واحداً.

إذا عرفت المعنى المختار فاليك الكلام في المعنى الثاني.

المعنى الثاني: قد عرفت أن لها احتمالات ثلاثة فنبحث عنها واحداً بعد واحد.

الاحتمال الأول:

هو الحكم بصحة رواياتهم لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية.

وبعبارة أخرى; المراد من «تصحيح ما يصحّ» هو الحكم بصحة روايات هؤلاء بالمعنى المعروف عند القدماء، وهو الاطمئنان بصدق رواياتهم من دون توثيق لمشايخهم، وهذا مبنيّ على أن المراد من «الموصول» هو نفس المروي والحديث، فاذا صحَّ المروي إلى هؤلاء فيحكم بصحته وان كان السند مرسلاً أو مشتملاً على مجهول أو ضعيف فيعمل به.

توضيح ذلك; ان الصحيح عند المتأخرين من عصر العلامة أو عصر شيخه أحمد بن طاووس الحلي (المتوفّى عام 673 هـ) هو ما كان سنده متّصلاً إلى


(187)

المعصوم بنقل الامامي العدل الضابط عن مثله في جميع الطبقات. ولكن مصطلح القدماء فيه عبارة عما احتفّت به القرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدقه، وان اشتمل سنده على ضعف، وقد مرَّت القرائن الخارجية عند البحث عن الحاجة إلى علم الرجال.

وبعبارة اخرى; ان الحديث في مصطلح القدماء كان ينقسم إلى قسمين: صحيح وغير صحيح، بخلافه في مصطلح المتأخرين، فانه على أقسام اربعة: الصحيح والموثق والحسن والضعيف.

نعم، إن من القرائن الدالة على صدق الخبر هو كون رواته ثقاتاً بالمعنى الاعم، أي صدوقاً في النقل، ولكنه احدى القرائن لا القرينة المنحصرة.

ثمَّ لما اندرست تلك القرائن الخارجية عمد المتأخرون في تمييز المعتبر عن غيره إلى القرائن الداخلية، من المراجعة إلى اسناد الروايات(1).

وعلى هذا فمعنى اتفاق العصابة على تصحيح أحاديث هؤلاء، أنهم وقفوا على ان رواياتهم محفوفة بالقرائن الداخلية أو الخارجية الدالة على صدق الخبر وثبوته، وقد اختار هذا المعنى، المحقق الداماد في رواشحه وقال: «أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، والاقرار لهم بالفقه والفضل والضبط والثقة، وان كانت روايتهم بارسال أو رفع أو عمن يسمونه وهو ليس بمعروف الحال ولمّة منهم في أنفسهم فاسدو العقيدة، غير مستقيمي المذهب ـ إلى ان قال: مراسيل هؤلاء ومرافيعهم ومقاطيعهم ومسانيدهم إلى من يسمونه من غير المعروفين، معدودة عند الاصحاب ـ رضوان الله عليهم ـ من الصِّحاح من غير اكتراث منهم لعدم صدق حدّ الصحيح على ما قد علمته (من المتأخرين) عليها»(2).


1 . لاحظ «منتقى الجمان»: 1 / 13، والتكملة للمحقق الكاظمي: 1 / 19 ـ 20.
2 . الرواشح السماوية: 41.


(188)

واختاره المحقّق البهبهاني على ما في تعليقته حيث قال: «المشهور ان المراد صحة ما رواه حيث تصحّ الرواية اليه، فلا يلاحظ من بعده إلى المعصوم وإن كان فيه ضعيف»(1).

ولا يترتب على هذا الاحتمال ثمرة رجالية من توثيق هؤلاء أو توثيق مشايخهم إلى أن ينتهي السند إلى المعصوم، كترتّبها على الاحتمال الثاني من المعنى الثاني على ما سيوافيك. وأقصى ما يترتب عليه. صحة الحديث وجواز العمل به.

وقد أورد عليه المحدِّث النوري، بأن ذاك التفسير مبنيّ على تغاير الاصطلاحين في لفظ الصحيح، وانه في مصطلحهم، الخبر المؤيد بالقرائن الدالة على صدقه، وفي مصطلح المتأخرين كون الراوي إمامياً عدلاً ضابطاً وهذا غير ثابت، بل الصحيح عند القدماء هو نفسه عند المتأخرين، عدا كون الراوي إمامياً، فيكفي كونه ثقة بالمعنى الاعم، وما ذكره شيخنا البهائي في فاتحة «مشرق الشمسين» أو المحقق صاحب المعالم في «منتقى الجمان» من ان المدار في توصيف الرواية بالصحة هو الوثوق بالصدور ولو من جهة القرائن، غير ثابتة، بل لنا أن نسألهما عن مأخذ هذه النسبة، فإنّا لم نجد ما يدل على ذلك، بل هي على خلاف ما نسباهما ومن تبعهما، بل وجدناهم يطلقون الصحيح غالباً على رواية الثقة وان كان غير إمامي.

والحاصل ان الصحيح عند القدماء، نفسه عند المتأخرين من كون الراوي ثقة، ولو كان هناك فرق بين المصطلحين فانما هو في شرطيَّة المذهب، فالمتأخرون على شرطيَّته ولزوم كون الراوي إمامياً في اتصاف الحديث بالصحة، والقدماء على كفاية الوثاقة فقط.

أقول: الظاهر ان توصيف الخبر بالصحة لأجل القرائن الداخلية أو


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 762.


(189)

الخارجية أمر ثابت. أما القرينة الداخلية كوثاقة رواته، فعليه المتأخرون كلهم، واعترف به المحدث نفسه، وأما القرائن الخارجية، فقد أشار اليها المحقق ابو الهدى الكلباسي في تأليفه المنيف «سماء المقال» واليك القول فيه موجزاً:

1ـ العنوان الذي ذكره الشيخ في كتاب «العدّة» عند البحث عن التعادل والتراجيح، فانه يوضح المراد من الصحة وان المقصود منها ما يقابل الباطل، لا ما رواه الثقات من الإمام حيث قال: «في ذكر القرائن التي تدل على صحة اخبار الاحاد أو على بطلانها».

2ـ القرائن التي تدل على صحة مضمون أخبار الاحاد وأنها أربعة.

منها: أن يكون موافقاً لأدلة العقل وما اقتضاه.

ومنها: أن يكون الخبر مطابقاً لنصّ الكتاب.

ومنها: أن يكون الخبر موافقاً للسنَّة المقطوع بها من جهة التواتر.

ومنها: أن يكون موافقاً لما أجمعت عليه الفرقة المحقّة.

ثم قال: فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الاحاد، ولا تدلّ على صحتها انفسها، لإمكان كونها مصنوعة وان وافقت الأدلة، فمتى تجرَّد الخبر من واحد من هذه القرائن كان خبر واحد محضاً(1).

وهذا نصّ من الشيخ على أن الخبر في ظلّ هذه القرائن يوصف بالصحة من حيث المضمون، كما يتّصف بها ببعض القرائن الاُخر من حيث الصدور، فالقرائن تارة تدعم المضمون واُخرى الصدور، وعلى كل تقدير يتّصف بالصحَّة(2).


1 . عدة الاصول: الطبعة المحققة المحشاة بحاشية الشيخ خليل بن الغازي القزويني : 1 / 267.
2 . والعجب ان العلامة المحقق الكلباسي لم يستشهد بهذا النص الوارد في كلام الشيخ.


(190)

3ـ وكذلك القول فيما يرويه المضعَّفون، فان كان هنا ما يعضد روايتهم ويدلّ على صحّتها، وجب العمل بها، وان لم يكن ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في أخبارهم(1).

إلى غير ذلك من العبائر الموجودة في «العدّة»، الحاكية عن كون الصحيح عبارة عمّا دلت القرائن على صدق مضمونه أو صدوره، لا خصوص ما روته الثقات.

ثمَّ إن المحدث النوري أورد اشكالاً آخر وقال: «إن العلم باقتران أحاديث هؤلاء بالقرائن مع كثرتها أمر محال عادة، فكيف يحصل العلم بها؟».

هذا وسنبيّن ما يمكن الاجابة به عليه عند التعرّض للاحتمال الثالث الذي هو مختار المحدث النوري نفسه.

الاحتمال الثاني والثالث: الحكم بصحة رواياتهم استناداً إلى وثاقتهم ووثاقة مشايخهم(2).

إن هذين الاحتمالين كما مرَّ يتشعبان من المعنى الثاني وهو القول بأن المراد من الموصول «ما يصحّ» هو نفس الحديث ومتنه لكن الحكم بصحَّة الحديث ليس لاقترانه بالقرائن الخارجية الدالة على صدق نفس الحديث، بل لوثاقة هذه الجماعة ومن بعدهم إلى أن ينتهي إلى المعصوم.

وهذا الاحتمال يفترق عن المعنى الأول، لأنه يهدف إلى تصديقهم بالدلالة المطابقية، وإلى وثاقتهم بالدلالة الالتزامية، كما يفترق عن الاحتمال الأول للمعنى الثاني لأنه يهدف إلى صحّة أحاديثهم (وإن اشتمل السند على


1 . العدة: 1 / 383.
2 . وفي هذا المقام بحثنا عن الاحتمالين الثاني والثالث من المعنى الثاني بصفقة واحدة كما مرّ.


(191)

ضعف من بعدهم) لأجل القرائن ولا تترتب عليهما ثمرة رجالية حتى على المعنى الأول لأن وثاقة هؤلاء التي دلت العبارة عليها بالدلالة الالتزامية، ثابتة من غير طريق اتفاق العصابة، وأما على هذا الاحتمال (الاحتمال الثاني للمعنى الثاني) فيترتب على ثبوته ثمرة رجالية وهو التعديل الخاص لمشايخ هؤلاء، إلى أن ينتهي إلى الإمام، فتدخل في عداد الثقات مجموعة كبيرة من المجاهيل والضعاف، فان الستة الأولى وان كانوا يروون عن الصادقين - عليهما السلام -بلا واسطة غالباً، لكنهم يروون عن غيرهما معها بكثير أيضاً، كما ان الطبقتين ترويان عنهما مع الواسطة بكثير، فلاحظ طبقات المشايخ تجد لهم مشايخ كثيرة.

وهذا الاحتمال هو مختار المحدث النوري الذي بسط الكلام في تقريره وتوضيحه، بعد تسليم ان المراد من الموصول هو الحديث والمروي لا الحكاية والرواية، وان الصحة وصف لمتن الحديث لا لسنده.

واستدل على مختاره بوجوه ثلاثة:

الوجه الأول : ان احراز صحة الأحاديث عن طريق القرائن الخارجية، أمر محال عادة، فلا بدّ ان يستند ذلك الاحراز إلى القرائن الداخلية، وليست هي إلاّ وثاقة هؤلاء ووثاقة من يروون عنه، هذاخلاصته واليك تفصيله:

ان القرائن التي تشهد على صدق الخبر اما داخلية كوثاقة الرواة، واما خارجية كوجود الخبر في كتاب عرض على الإمام، أو أصل معتبر ولكن التصحيح في المقام يجب ان يكون مستنداً إلى الجهة الأولى لا الثانية، لأن العلم بوثاقة هؤلاء وانهم لا يروون إلاّ عن ثقة أمر سهل، واما الحكم بصحة رواياتهم من جهة القرائن الخارجية فامر قريب من المحال حسب العادة لأن العصابة حكموا بصحة كل ما صح عن هؤلاء ،من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معينة، وبالجملة حكموا بتصحيح الكل، وما صح عنهم غير


(192)

محصور لعدم انحصار رواياتهم بما في كتبهم، والعلم باقتران هذه الروايات بها أمر مشكل جدّاً.

والحاصل أن الحكم بصحة روايات هؤلاء، لو كان مستنداً إلى القرائن الداخلية كوثاقة من يروون عنه، لكان لهذه الدعوى الكلية وجه، لامكان احراز ديدنهم على أنهم لا يروون إلاّ عن ثقة، كما هو المشهور في حق ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي، وأما لو كان الحكم بالصحة مستنداً إلى القرائن الخارجية التي تفيد الاطمئنان بصدق الخبر، فاحراز تلك القرائن في عامة ما يروونه من الاخبار، إنما يصحّ إذا كانت أحاديثهم محصورة في كتاب أو عند راو سمعها منهم، يمكن معه الاطلاع على الاقتران بالقرائن أو عدمه، وأما إذا لم يكن كذلك، فالحكم بصحة كل ما صح عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أو اصل أو احاديث معيَّنة، يعدّ من المحالات العادية، ولأجله يكون ذلك الاحتمال ساقطاً عن الاعتبار.

وبعبارة ثالثة; إنه يمكن احراز ديدن جماعة خاصة والتزامهم بعدم الرواية إلاّ عن ثقة، فاذا صحَّ الخبر إلى هؤلاء، يمكن الحكم بالصحة لوثاقة من يروون عنه، لاجل الالتزام المحرز، وأما احراز كون عامة اخبارهم مقرونة بالقرائن حتى يصحّ الحكم بصحة أخبارهم من هذه الجهة، فاحراز تلك القرائن مع كثرة رواياتهم، وتشّتتها في مختلف الابواب والكتب، محال عادة.

ولا يخفى ما فيه، أما أولاً: فلأن معناه أن هؤلاء كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي روتها الثقات لهم، وكانوا يحترزون عن نقل الروايات إذا روتها الضعاف، وعلى هذا يجب أن يتحرزوا عن نقل الروايات المتواترة أو المستفيضة إذا كان رواتها ضعافاً، وهذا مّما لا يمكن المساعدة معه، إذ لا وجه لترك الرواية المتواترة أو المستفيضة وان كان رواتها ضعافاً أو مجاهيل، إذ لا تشترط الوثاقة فيهما، فبطل القول بأنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات التي ترويها الثقات فقط، وعندئذ كيف يمكن الحكم بوثاقة عامة مشايخهم بمجرد


(193)

الرواية عنهم، من أنهم رووا عن الضعاف فيما إذا كانت الرواية متواترة أو مستفيضة، ولا يمكن تفكيك المتواتر والمستفيض في أيامنا هذه حتى يقال: أن الكلام في أخبار الآحاد التي نقلوها لا غير، فان الكلّ غالباً يتجلى بشكل واحد.

وثانياً: كما إن حصر وجه الصحة بالقرائن الخارجية بعيد، كذلك حصر وجهها بالقرائن الداخلية التي منها وثاقة الراوي بعيد مثله، والقول المتوسط هو الأدق، وهو أنهم كانوا ملتزمين بنقل الروايات الصحيحة الثابت صدورها عن الإمام، إما من جهة القرائن الخارجية أو من جهة القرائن الداخلية، وعندئذ لا يمكن الحكم بوثاقة مشايخهم، أعني الذين رووا عنهم إلى أن ينتهي إلى الإمام، لعدم التزامهم بخصوص وثاقة الراوي، بل كانوا يستندون إلى الأعمّ منها ومن القرائن المورثة للاطمئنان بالصدور.

والاستبعاد الذي بسط المحدث النوري الكلام فيه، إنما يتّجه لو قلنا باقتصارهم بما دلَّت القرائن الخارجية على صحتها كما لا يخفى.

وثالثاً: لو كان المراد هو توثيقهم وتوثيق من بعدهم لكان عليه أن يقول، «أجمعت العصابة على وثاقة من نقل عنه واحد من هؤلاء» أو نحو ذلك من العبارات حتى لا يشتبه المراد، وما الدّاعي إلى ذكر تلك العبارة التي هي ظاهرة في خلاف المقصود(1).

ورابعاً: فان اطلاع العصابة على جميع الافراد الذين يروي هؤلاء الجماعة عنهم بلا واسطة ومعها بعيد في الغاية لعدم تدوين كتب الحديث والرجال في تلك الاعصار بنحو يصل الكلّ إلى الكلّ.

الوجه الثاني: إنَّ الشيخ قال في «العدّة»: «وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسلا، نظر في حال المرسل، فان كان ممِّن يعلم أنه لا يرسل


1 . الطهارة لسيدنا الاستاذ: 1 / 188.
2 . محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى ابو أحمد الازدي، بغدادي الاصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام -وسمع منه احاديث، وروى عن الرضا - عليه السلام -توفّي عام 217 هـ .
3 . صفوان بن يحيى، كوفي ثقة ثقة عين روى عن الرضا - عليه السلام -وقد توكل للرضا وابي جعفر - عليهما السلام -، مات سنة 210 هـ.
4 . أحمد بن محمد بن عمرو بن ابي نصر لقي الرضا وابا جعفر - عليهما السلام -، مات سنة 221 هـ .
5 . العدة، الطبعة الحديثة: 386.


(194)

إلاّ عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمَّد بن أبي عمير(2) وصفوان بن يحيى(3) وأحمد بن محمد بن ابي نصر (4) وغيرهم من الثّقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممَّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمرسلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم»(5).

قال المحدِّث النوري بعد نقل هذا الكلام: «إن المنصف المتأمل في هذا الكلام، لا يرتاب في أن المراد من قوله «من الثِّقات الذين... الخ» أصحاب الاجماع المعهودون، إذ ليس في جميع ثقات الرواة جماعة معروفون بصفة خاصة مشتركون فيها، ممتازون بها عن غيرهم، غير هؤلاء، فان صريح كلامه أن فيهم جماعة معروفين عند الاصحاب بهذه الفضيلة، ولا تجد في كتب هذا الفنّ من طبقة الثقات عصابة مشتركين في فضيلة غير هؤلاء، ومنه يظهر أن ما اشتهر من أن الشيخ ادّعى الاجماع على أن ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي خاصة لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، وشاع في الكتب حتى صار من مناقب الثلاثة وعُدّ من فضائلهم، خطأ محض منشأه عدم

المراجعة إلى «العدّة» الصريحة في أن هذا من فضائل جماعة، وذكر الثلاثة من باب المثال».

أقول: إن الاستدلال بعبارة «العدّة» على أن المراد من عبارة الكشّي هو توثيق رجال السند بعد اصحاب الاجماع غير تامّ. إذ الظاهر أن مراد الشيخ من


(195)

قوله «وغيرهم» هو الجماعة المعروفة بين الاصحاب بأنهم لا يروون إلاّ عن ثقة وهم عبارة عن: 1ـ أحمد بن محمد بن عيسى. 2ـ جعفر بن بشير البجلي. 3ـ محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني. 4ـ علي بن الحسن الطاطري. 5ـ بنو فضّال كلهم (على قول) وسيوافيك الكلام عن هؤلاء، ولا نظر لها إلى الفقهاء المعروفين من أصحاب الائمة الاربعة، وقد عرفت أن كلام الكشي خال عن هذا العنوان وأنه عرفهم بعنوان: «تسمية الفقهاء من أصحاب الائمة» في مواضع ثلاثة، وإنما اُفيض عليهم هذا العنوان في كلمات المتأخرين وجعل موضوعاً للبحث، وأما تخصيص الكشي هؤلاء الجماعة بالبحث، فلأجل فقاهتهم وتبحّرهم في الفقه، لما مرَّ أن اكثر الروايات تنتهي اليهم، وأما عدم ذكره أبا حمزة الثمالي، وعليّ بن يقطين، وزكريا بن آدم، وعلي بن مهزيار فلقلّة رواية الثلاثة الأول ـ مع جلالتهم ـ بالنسبة إلى أصحاب الاجماع.

فظهر من هذا البحث أيضاً أن الحق هو المعنى الأول، وأن المراد هو تصديقهم فيما يروون بلا واسطة، وتصديق حكاياتهم ونقولهم فيما يروون، فهم فقهاء وعلماء مصدَّقون في نقولهم، وأن لفظ «التصحيح» مرادف للفظ «التصديق» سواء اجتمعا كما في الطبقتين الثانية والثالثة، أم افترقا كما في الطبقة الأُولى.

وإن أبيت إلاّ عن تغايرهما وأن «التصحيح» يفيد غير ما يفيده «التصديق»، فالاحتمال الأول من المعنى الثاني، من تصحيح رواياتهم وحجّيتها هو المتعين، والمراد أن العصابة في ظل التفحّص والتتبّع وقفت على ان رواياتهم صحيحة إما لوثاقة رجال السند بعد أصحاب الاجماع، أو لقرائن خارجية كما مرت، وأما كون صحتها لخصوص وثاقة رجال السند إلى أن ينتهي إلى الإمام ـ كما هو المقصود في الاحتمال الثاني والثالث للمعنى الثاني ـ فلا، وعلى هذا فليست العبارة مفيدة لقاعدة رجالية، هي أن مشايخ هؤلاء إلى الإمام ثقات.


(196)

وبعبارة اخرى; لا يستفاد منها انهم لا يروون إلاّ عن ثقة حتى ينتهي السند إلى الإمام. وعلى ذلك فلا يكون رواية اصحاب الاجماع عن شيخ دليلاً على وثاقتة، فاذا وقع ذلك الشيخ في سند، وكان الراوي عنه غيرهم لا يحكم بوثاقته، وصحة السند، فما اشتهر بين المتأخّرين من تصحيح الاسناد إذا كان الراوي مهملاً بحجة انه من مشايخ اصحاب الاجماع مما لا دليل عليه.

تفصيل من العلامة الشفتي (1): قد عرفت أن الكشي ذكر اتفاق العصابة على هؤلاء في مواطن ثلاثة، وعرفت المحتملات المختلفة حول عبارته المردّدة بين كون المراد: 1ـ تصديق هؤلاء فيما ينقلون. 2ـ أو تصحيح صدور رواياتهم من المعصوم لأجل القرائن الداخلية أو الخارجية. 3ـ أو توثيق مشايخهم إلى أن ينتهي السند، وعلى كل تقدير المراد من العبارة في المواضع الثلاثة واحد.

لكن يظهر من المحقّق الشفتي، التفصيل بين العبارة الأُولى والثانية والثالثة، بأن المراد من الأُولى هو تصحيح الحديث ومن الأخيرتين توثيقهم وتوثيق مشايخهم إلى آخر السند، ولاجل ذلك اكتفي في أُولى العبارات بذكر التصديق من دون اضافة قول «تصحيح ما يصحّ»، دون الاخيرتين. وانما فعل ذلك لأن الطبقة الأُولى يروون من الإمام بلا واسطة، وهذا بخلاف الواقعين في الثانية والثالثة، فهم يروون بلا واسطة ومعها.

وقال في هذا الصدد: «إن نشر الاحاديث لما كان في زمن الصَّادقين - عليهما السلام -، وكانت روايات الطبقة الأُولى من اصحابهما غالباً عنهما من غير واسطة، فيكفي للحكم بصحة الحديث تصديقهم، واما المذكورون في الطبقة الثانية والثالثة، فقد كانوا من أصحاب الصادق والكاظم والرضا- عليهم السلام -، وكانت رواية الطبقة الثانية عن مولانا الباقر- عليه السلام -مع


1 البحث عن هذا التفصيل، كلام معترض واقع بين الوجه الثاني والوجه الثالث للمحدث النوري، وسيوافيك ثالث الوجوه من أدلّته بعد هذا التفصيل.


(197)

الواسطة، وكانت الطبقة الثالثة كذلك بالنسبة إلى الصادق - عليه السلام -، ولم يكن الحكم بتصديقهم كافياً في الحكم بالصحة فما اكتفي بالتصديق وأضاف: «اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم» ولما روى كل من في الطبقة الثانية، عن الصادق - عليه السلام -، والطبقة الثالثة عن الكاظم والرضا - عليهما السلام -، أتى بتصديقهم أيضاً.

والحاصل; ان التصديق فيما إذا كانت الرواية عن الائمة- عليهم السلام -من غير واسطة والتصحيح إذا كانت معها»(1).

ولا يخفى أنه تفسير ذوقي لا يعتمد على دليل، بل الدليل على خلافه، ففيه:

أوّلاً: ان ما ذكره من أن رواية الطبقة الأُولى كانت عن الإمام بلا واسطة غالباً، غير تام، يعرف بعد الوقوف على مشايخهم في الحديث من أصحاب الائمة المتقدمين كالسجاد ومن قبله:

وهذا زرارة يروي عن ما يقرب من أربعة عشر شيخاً وهم:

1ـ ابو الخطاب 2ـ بكر 3ـ الحسن البزاز 4ـ الحسن بن السري 5ـ حمران بن أعين 6ـ سالم بن ابي حفصة 7ـ عبد الكريم بن عتبة الهاشمي 8ـ عبدالله بن عجلان 9ـ عبد الملك 10ـ عبد الواحد بن المختار الانصاري 11ـ عمر بن حنظلة 12ـ الفضيل 13ـ محمد بن مسلم 14ـ اليسع(2).

وهذا محمد بن مسلم يروي عن ستّة مشايخ وهم:

1ـ أبو حمزة الثمالي 2ـ ابو الصباح 3ـ حمدان 4ـ زرارة 5ـ كامل


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 769. بتصرّف يسير.
2 . معجم رجال الحديث: 7 / 218 ـ 260، الرقم 4663.


(198)

6ـ محمد بن مسعود الطائي(1).

وبريد بن معاوية يروي عن شيخ واحد وهو مالك بن اعين(2).

وهذا الفضيل بن يسار يروي عن شيخين وهما: 1ـ زكريا النقاض 2ـ عبد الواحد بن المختار الانصاري(3).

وهذا معروف بن خرّبوذ يروي عن شيخين وهما: 1ـ أبو الطفيل 2ـ الحكم بن المستور(4).

وهذا ابو بصير الاسدي (يحيى بن القاسم أو ابي القاسم) يروي عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم(5).

ومع ذلك كيف يمكن أن يقال إن مروياتهم عن الائمة بلا واسطة غالباً.

وثانياً: لو كان المراد ما ذكره لوجب عليه التصريح بذلك، فان ما ذكره ليس أمراً ظاهراً متبادراً من العبارة، والظاهر في الجميع تصديقهم فيما يقولون ويحكون.

الوجه الثالث: إن جماعة من الرواة وصفوا في كتب الرجال بصحة الحديث، كما نجده في حق الافراد التالية:

1ـ إبراهيم بن نصر بن القعقاع الجعفي، روى عن أبي عبدالله وأبي


1 . معجم رجال الحديث: 17 / 262 ـ 286، الرقم 11780 و 11783.
2 . معجم رجال الحديث: 3 / 277 و 278 و 280، و 287، الرقم 1166 و 1174.
3 . معجم رجال الحديث: 13 / 362 ـ 368، الرقم 9437.
4 . معجم رجال الحديث: 18 / 231.
5 . معجم رجال الحديث: 18 / 262 ـ 265، الرقم 12483. وجامع الرواة: ج 2، باب حدود الزنا، وأيضاً في معجم رجال الحديث: 13 / 166 ـ 167 في ترجمة عمران بن ميثم: روى محمد بن يعقوب بسنده عن ابي بصير عن عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم.


(199)

الحسن - عليهما السلام -،ثقة، صحيح الحديث.

2ـ ابو عبدالله أحمد بن الحسن بن اسماعيل بن شعيب بن ميثم التمّار الكوفي، ثقة، صحيح الحديث.

3ـ ابو حمزة انس بن عياض الليثي، ثقة، صحيح الحديث.

4ـ ابو سعيد جعفر بن أحمد بن ايوب السمرقندي، صحيح الحديث.

5ـ الحسن بن علي بن بقاح الكوفي، ثقة مشهور، صحيح الحديث.

6ـ الحسن بن علي بن النعمان الأعلم، ثقة، ثبت، له كتاب نوادر، صحيح الحديث.

7ـ سعد بن طريف، صحيح الحديث.

8ـ ابو سهل صدقة بن بندار القمّي، ثقة، صحيح الحديث.

9ـ ابو الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، روى عن الرضا - عليه السلام -، ثقة، صحيح الحديث.

10ـ ابو الحسن علي إبراهيم بن محمد الجواني ثقة، صحيح الحديث.

11ـ النضر بن سويد الكوفي، ثقة، صحيح الحديث.

12ـ يحيى بن عمران بن علي بن أبي شعبة الحلبي ثقة ثقة، صحيح الحديث.

13ـ ابو الحسين محمد بن جعفر الاسدي الرازي، كان ثقة، صحيح الحديث.

هؤلاء الجماعة عرّفوا في كتب الرجال بصحة الحديث، ولا يمكن الحكم بصحة حديث راو على الاطلاق، إلاّ من جهة وثاقته ووثاقة من بعده إلى


(200)

المعصوم، واحتمال كونه من جهة القرائن فاسد كما مرّ، ولا فرق بينهم وبين اصحاب الاجماع إلاّ من جهة الاجماع في هؤلاء دونهم، وهم جماعة أيضاً كما عرفت(1).

أقول: أما دلالة لفظة «صحيح الحديث» على وثاقة نفس هؤلاء فممّا لا يخفى على أحد، وقد عدَّه الشهيد الثاني من الالفاظ الدالة على الوثاقة. قال في بداية الدراية وشرحها: «قوله: وهو صحيح الحديث، يقتضي كونه ثقة ضابطاً ففيه زيادة تزكية». أضف اليه انه غير محتاج اليه، لوجود لفظ «ثقة» في ترجمة هؤلاء إلاّ في مورد السمرقندي وابن طريف. انما الكلام في دلالته على وثاقة مشايخهم سواء كانت بلا واسطة أو معها. فقد اختار المحدث النوري دلالتها على وثاقة المشايخ عامة.

ولكن إنما يتمّ ما استظهره من قولهم «صحيح الحديث» إذا لم تكن قرينة على كون المراد صحّة أحاديث كتبه، لا وثاقة مشايخه، كما ورد في حق الحسين بن عبيدالله السعدي «له كتب صحيحة الحديث» فلا بدّ من الحمل على الموجود في الكتاب، ومثله إذا قال: «كان ثقة في الحديث إلاّ انه يروي عن الضعفاء» كما ورد في حقّ ابي الحسين الاسدي(2).

ولا يخفى انه لو ثبت ما يدَّعيه ذلك المحدث، لزم تعديل كثير من المهملين والمجهولين، فتبلغ عدد المعدَّلين بهذه الطريقة إلى مبلغ كبير والاعتماد على ذلك مشكل جدّاً.

أما أولاً: فلأن صحة الحديث كما تحرز عن طريق وثاقة الراوي، تحرز عن طريق القرائن الخارجية، فالقول بأن احراز صحة احاديث هؤلاء كانت مستندة إلى وثاقة مشايخهم فقط، ليس له وجه، كالقول بأن احرازها كان


1 . مستدرك الوسائل: 1 / 769 بتصرّف يسير.
2 . لاحظ مستدرك الوسائل: 3 / 770.


(201)

مستنداً إلى القرائن، بل الحق ان الاحراز كان مستنداً إلى الوثاقة تارة وإلى القرائن أخرى، ومع هذا العلم الاجمالي كيف يمكن احراز وثاقة المشايخ. بصحة الاحاديث مع أنها أعم منها.

وثانياً: إن اقصى ما يمكن ان يقال ما افاده بعض الاجلة من التفصيل بين الاكثار عن شيخ وعدمه، فاذا كثر نقل الثقة عن رجل، ووصف احاديث ذلك الثقة بالصحة، يستكشف كون الاحراز مستنداً إلى وثاقة الشيخ، إذ من البعيد احراز القرينة في واحد واحد من المجموعة الكبيرة من الاحاديث، وهذا بخلاف ما إذا قلّ النقل عنه ووصف احاديثه بالصحة، فمن الممكن جدّاً احراز القرينة في العدد القليل من الاحاديث.

هذا كله لو قلنا بأن الصحة من اوصاف المتن والمضمون، وإلاّ فمن الممكن القول بانها من أوصاف نفس النقل والتحدث والحكاية، وان المقصود منها كونه صدوقاً في النقل وصادقاً في الحكاية في كل ما يحكيه، كما ذكرناه في أصحاب الاجماع فلاحظ.

ثم ان الذي يدفع الاحتمال الثاني للمعنى الثاني رواية اصحاب الاجماع عن الضعفاء والمطعونين، ومعها كيف يمكن القول بأنهم لا يروون إلاّ عن الثقة واليك بعض ما يدل على المقصود.

1ـ روى الكليني في «باب من أوصى وعليه دين» وكذا في «باب اقرار بعض الورثة بدين في كتاب الميراث» عن جميل بن دراج، عن زكريا بن يحيى الشعيري، عن الحكم بن عتيبة(1) وقد ورد عدّة روايات في ذمّه(2).

2ـ حكى الشيخ في الفهرست أن يونس بن عبد الرحمن روى كتاب


1 . جامع الرواة: 1 / 266.
2 . لاحظ رجال الكشي: 137.


(202)

«عمرو بن جميع الازدي البصري قاضي الري»(1) وقد ضعفه الشيخ والنجاشي(2).

وسيوافيك بعض القول في ذلك عند الكلام في أن ابن ابي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، فانتظر.


1 . الفهرست للشيخ : 111.
2 . رجال الشيخ: 249، رجال النجاشي: 205.


(203)

2ـ مشايخ الثقات

* محمد بن أبي عمير.

* صفوان بن يحيى.

* أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.


(204)


(205)

قد عرفت التوثيق ينقسم إلى توثيق خاص، وتوثيق عام. فلو كان التوثيق راجعاً إلى شخص معين، فهو توثيق خاص، ولو كان راجعاً إلى توثيق عدة تحت ضابطة فهو توثيق عام / وقد عد من الثاني ما ذكر الكشي حول جماعة اشتهرت بأصحاب الإجماع، وقد عرفت مدى صحته وأن العبارة لا تهدف إلاّ إلى وثاقتهم، لا إلى صحة أخبارهم، ولا إلى وثاقة مشايخهم.

ومن هذا القبيل ما اشتهر بين الاصحاب من ان محمد بن ابي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، فيترتب على ذلك أمران:

1 ـ ان كلّ من روى عنه هؤلاء فهو محكوم بالوثاقة، وهذهِ نتيجة رجاليّة تترتب على هذهِ القاعدة.

2. إنّه يؤخذ بمراسيلهم كما يؤخذ بمسانيدهم وان كانت الواسطة مجهولة، أو مهملة، أو محذوفة، وهذه نتيجة اصولية تترتب عليها، وهي غير النتيجة الأُولى.

ثم ان جمعاً من المحقّقين القدامى والمعاصرين، قد طرحوا هذه القاعدة على بساط البحث فكشفوا عن حقائق قيمة. لاحظ مستدرك الوسائل (ج 3،


(206)

ص 648 ـ 655) ومعجم رجال الحديث (ج 1، ص 63 ـ 69) ومشايخ الثقات (هو كتاب قيم اُلف حول القاعدة وطبع في 306 صفحات والكتاب كله حول القاعدة وفروعها) ومعجم الثقات (ص 153 ـ 197).

وفيما أفاده بعض الاجلة في دروسه الشريفة غنى وكفاية فشكر الله مساعيهم الجميلة. ونحن في هذا نستضيء من أنوار علومهم. رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الباقين منهم.

فنقول: الأصل في ذلك ما ذكره الشيخ في «العدة» حيث قال: «وإذا كان أحد الراويين مسنداً والاخر مرسلاً، نظر في حال المرسل، فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن ابي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمن يوثق به، بين ما أسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم، فأما إذا لم يكن كذلك ويكون ممن يرسل عن ثقة وعن غير ثقة فأنه يقدم خبر غيره عليه، وإذا انفرد وجب التوقف في خبره إلى أن يدل دليل على وجوب العمل به» (1). غير ان تحقيق الحال يتوقف على البحث عن هذه الشخصيات الثلاث واحداً بعد واحد واليك البيان.

1ـ ابن أبي عمير (المتوفّى عام 217 هـ)

قد يعبر عنه بابن عمير تارة، وبمحمد بن زياد البزاز أو الأزدي اخرى، وبمحمد بن أبي عمير ثالثة.

وقد عرفت انه يترتب على تلك الدعوى نتيجتان مهمتان، فلا جل ذلك


1 . عدة الأُصول: 1 / 386 من الطبعة الحديثة.


(207)

نقدم لتحقيقها اموراً:

الأول: ان ابن أبي عمير كما قال النجاشي: «هو محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي من موالي المهلب بن أبي صفرة، بغدادي الاصل والمقام، لقي أبا الحسن موسى - عليه السلام -وسمع منه أحاديث، كناه في بعضها فقال: يا أبا أحمد، وروي عن الرضا - عليه السلام -، جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين، الجاحظ يكحي عنه في كتبه. وقد ذكره في المفاخرة بين العدنانية والقحطانية، وقال في «البيان والتبيين»: حدثني إبراهيم بن داحة عن ابن أبي عمير، وكان وجهاً من وجوه الرافضة، وكان حبس في أيام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولي بعد ذلك، وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة، وأصحاب موسى بن جعفر - عليه السلام -، وروي انه ضرب أسواطاً بلغت منه إلى حد كاد ان يقر لعظيم الالم. فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر، ففرج الله عنه، وروي أنه حبسه المأمون حتى ولاه قضاء بعض البلاد، وقيل: ان اخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب، وقيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدث من حفظه، ومما كان سلف له في أيدي الناس، ولهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله وقد صنف كتباً كثيرة. ثمَّ نقل النجاشي عن أحمد بن محمّد بن خالد أنّ ابن أبي عمير صنّف أربعة وتسعين كتاباً منها المغازي ـ إلى ان قال: مات سنة سبع عشرة ومائتين» (1).

وقال الشيخ في الفهرست: «كان من أوثق الناس عند الخاصة والعامة وأنسكهم نسكاً، وأورعهم وأعبدهم، وقد ذكره الجاحظ في كتابه «فخر قحطان على عدنان»... انه كان أوحد أهل زمانه في الأشياء كلها وأدرك من


1 . رجال النجاشي: 326، رقم الترجمة 887.


(208)

الأئمة ثلاثة: أبا إبراهيم موسى - عليه السلام -ولم يرو عنه. وأدرك الرضا - عليه السلام -وروى عنه. والجواد- عليه السلام -. وروى عنه أحمد بن محمد بن عيسى كتب مائة رجل من رجال الصادق - عليه السلام -»(1).

الثاني: ان شهادة الشيخ على التسوية، لا تقصر عن شهادة الكشي على إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة، فلو كانت الشهادة الثانية مأخوذاً بها، فالأُولى مثلها في الحجية.

وليس التزام هؤلاء بالنقل عن الثقات أمراً غريباً، إذ لهم نظراء بين الأصحاب ـ وسيوافيك بيانهم ـ أمثال: أحمد بن محمد بن عيسى القمي، وجعفر بن بشير البجلي، ومحمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني، وعلي بن الحسن الطاطري ، والرجالي المعروف: النجاشي، الذين اشتهروا بعدم النقل إلاّ عن الثقة.

واما اطلاع الشيخ على هذه التسوية، فلأنه كان رجلاً بصيراً بأحوال الرواة وحالات المشايخ. ويعرب عن ذلك ما ذكره في العدة عند البحث عن حجية خبر الواحد حيث قال:

«انا وجدنا الطائفة ميزت الرجال الناقلة لهذة الاخبار، فوثقت الثقات منهم، وضعفت الضعفاء، وفرقوا بين من يعتمد على حديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره ومدحوا الممدوح منهم، وذموا المذموم. وقالوا وفلان متهم في حديثه، وفلان كذاب،وفلان مخلط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، فلان واقفي، وفلان فطحي، وغير ذلك من الطعون التي ذكروها» (2).

وهذه العبارة ونظائرها، تعرب عن تبحر الشيخ في معرفة الرواة وسعة


1 . الفهرست: 168، رقم الترجمة 618.
2 . عدة الاصول: 1 / 366، من الطبعة الحديثة.


(209)

اطلاعه في ذلك المضمار، فلا غرو في ان يتفرد بمثل هذه التسوية، وان لم ينقلها أحد من معاصريه، ولا المتأخرون عنه إلى القرن السابع إلاّ النجاشي، فقد صرح بما ذكره في خصوص ابن أبي عمير من الرجال الثلاثة، كما عرفت.

وعلى هذا فقد اطلع الشيخ على نظرية مجموعة كبيرة من علماء الطائفة وفقهائهم في مورد هؤلاء الثلاثة وانهم كانوا يسوُّون بين مسانيدهم ومراسيلهم، وهذا يكفي في الحجية، ومفادها توثيق جميع مشايخ هؤلاء، قد عرفت انه لا يحتاج في التزكية إلى ازيد من واحد أو اثنين، فالشيخ يحكي اطلاعه عن عدد كبير من العلماء، يزكون عامة مشايخ ابن أبي عمير، ولاجل ذلك يسوّون بين مراسيله ومسانيده.

والسابر في فهرست الشيخ ورجاله يذعن باحاطته بالفهارس وكتب الرجال، وأحوال الرواة، وانه كانت تحضره مجموعة كبيرة من كتب الرجال والفهارس وكان في نقضه وابرامه وتعديله وجرحه، يصدر عن الكتب التي كانت تحضره، أو الآراء والنظريات التي كان يسمعها من مشايخه واساتذته.

نعم نجد التصريح بالتسوية من علماء القرن السابع إلى هذه الاعصار فقد اتى المحدث المتتبع النوري باسماء وتصريحات عدة من هذه الثلة ممن صرحوا بالقاعدة، ونحن نأتي بما نقله ذلك المتتبع، بتصريف يسير، مع تعيين مصادر النقل بقدر الامكان.

1 ـ قال السيد علي بن طاووس (المتوفّى عام 664 هـ ، في فلاح السائل بعد نقل حديث عن امالي الصدوق، بسند ينتهي إلى محمد بن أبي عمير، عمن سمع أبا عبد الله- عليه السلام -يقول: ما احب الله من عصاه...): «رواة الحديث ثقات بالاتفاق ومراسيل محمد بن ابي عمير كالمسانيد عند اهل الوفاق» ويأتي خلاف ذلك من اخيه، جمال الدين السيد أحمد بن طاووس


(210)

(المتوفّى عام 673 هـ) فانتظر.

2 ـ قال المحقق في المعتبر في بحث الكر: «الثالثة: رواية محمد بن ابي عمير عن بعض اصحابنا، عن ابي عبد الله- عليه السلام - قال: الكر ألف ومائتا رطل، وعلى هذه عمل الأصحاب ولا طعن في هذه بطريق الإرسال، لعمل الأصحاب بمراسيل ابن أبي عمير»(1).

3 ـ وقال الفاضل الآبي في كشف الرموز الذي هو شرح للمختصر النافع في رواية مرسلة لابن أبي عمير: «وهذه وان كانت مرسلة، لكن الأصحاب تعمل بمراسيل ابن ابي عمير، قالوا: لانه لا ينقل إلاّ معتمداً» (2).

وممن صرح بصحة القاعدة من علماء القرن الثامن:

4 ـ العلاّمة في النهاية قال: «الوجه المنع إلاّ إذا عرف ان الراوي فيه لا يرسل إلاّ عن عدل كمراسيل محمد بن ابي عمير في الرواية».

5 ـ وعميد الدين الحلي ابن اخت العلامة الحلي وتلميذه (المتوفّى عام 754 هـ) في كتابه «منية اللبيب في شرح التهذيب» المطبوع في بلاد الهند.

قال في بحث المرسل: «واختيار المصنف المنع من كونه حجة ما لم يعلم انه لا يرسل إلاّ عن عدل كمراسيل محمد بن أبي عمير من الامامية».

6 ـ وقال الشهيد (المتوفّى 786 هـ) في الذكرى في احكام اقسام الخبر: «أو كان مرسله معلوم التحرز عن الرواية عن مجروح، ولهذا قبلت الأصحاب


1 . المعتبر: 1 / 74، الطبعة الحديثة.
2 . والفاضل الآبي هو حسن بن ابي طالب المعروف بالآبي تارة، وابن الزينب أُخرى من اجلاء تلاميذ المحقق، وقد فرغ من شرح كتاب استاذه (المختصر النافع) عام 672 هـ ، وله آراء خاصة في الفقه، منها:
الف ـ انه لا تجوز الزيادة في النكاح على الاربع دائماً كان العقد أو انقطاعاً.
ب ـ القول بالمضائقة في القضاء.
ج ـ انه لا يصح الاداء مع وجود القضاء في الذمة.


(211)

مراسيل ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن ابي نصر البزنطي لانهم لا يرسلون إلاّ عن ثقة» (1).

وممن صرح بها من علماء القرن التاسع:

7 ـ ابن فهد الحلي (المتوفّى عام 841 هـ) في «المهذب البارع» في مسألة وزن الكر بعد نقل رواية ابن أبي عمير قال: «ولا يضعفها الإرسال، لعلمهم بمراسيل ابن أبي عمير».

وممن صرح بها من علماء القرن العاشر:

8 ـ المحقق الثاني، علي بن عبد العالي (المتوفّى عام 940 هـ) مؤلف كتاب «جامع المقاصد» قال: «والروايتان صحيحتان من مراسيل ابن ابي عمير الملحقة بالمسانيد».

9 ـ الشهيد الثاني (المتوفّى عام 965 هـ) في الدراية وشرحها قال: «المرسل، ليس بحجة مطلقاً على الاصح، إلاّ ان يعلم تحرز مرسله عن الرواية عن غير الثقة، كابن ابي عمير من اصحابنا، على ما ذكره كثير، وسعيد بن المسيب عند الشافعي، فيقبل مرسله ويصير في قوة المسند».

وممن صرح بها من علماء القرن الحادي عشر:

10ـ الميرزا الاسترآبادي في كتابه «منهج المقال» قال ما هذا حاصله (2): «إبراهيم بن عمر ثقة عند النجاشي وضعفه ابن الغضائري ويرجح الأول برواية ابن عمير عنه بواسطة حماد» (3).


1 . ذكرى الشيعة: 4.
2 . منهج المقال: 25، وقد طبع هذا الكتاب في مجلد كبير، وهو حسب تجزئة المؤلف في ثلاثة اجزاء، وفرغ المؤلف عنه عام 986 هـ، وقد علق عليه الوحيد البهبهاني بعض التعاليق، وطبعا معاً في مجلد كبير.
3 . منهج المقال: 25.


(212)

وقال في «ابن ابي الاغر النحّاس»: «تعتبر روايته ويعتد بها لأجل رواية ابن ابي عمير وصفوان، عنه» (1).

11 ـ الشيخ البهائي (المتوفّى عام 1030 هـ) قال في شرح الفقيه: «وقد جعل أصحابنا ـ رضوان الله عليهم ـ مراسيل ابن ابي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها، لما علموا من عادته انه لا يرسل إلاّ عن ثقة».

12 ـ وممن نقل كلام الشيخ الطوسي، المحدّث الحر العاملي في خاتمة الوسائل في الفائدة السابعة (ج 20 ص 88).

13 ـ وقال الوحيد البهبهاني في تعليقته على منهج المقال: «ومنها رواية صفوان بن يحيى وابن ابي عمير عنه فأنها امارة الوثاقة لقول الشيخ في «العدة»: انهما لا يرويان إلاّ عن ثقة، والفاضل الخراساني في ذخيرته جرى على هذا المسلك» (2).

14 ـ وقال الشيخ عبد النبي بن علي بن أحمد بن الجواد في كتابه «تكملة نقد الرجال» الذي فرغ منه سنة 1240 هـ، في حق «برد الإسكاف»: «قال المحقق السبزواري في الذخيرة: لم يوثقه علماء الرجال إلاّ ان له كتاباً يرويه ابن ابي عمير ويستفاد من ذلك توثيقه» (3).

ثم المتتبع النوري نقل عن مفاتيح السيد المجاهد (المتوفّى عام 1242 هـ) دعوى المحقق الأردبيلي (وهو من علماء القرن العاشر) اتفاق الأصحاب على العمل بمراسيله.


1 . منهج المقال: 28.
2 . تعليقة المحقق البهبهاني: 10.
3 . التكملة: 1 / 221.


(213)

وقد اكتفينا بهذا القدر من نصوص القوم وتجد التضافر عليها من المتأخرين. ولا نرى حاجة لذكر نصوصهم.

نعم هناك ثلة من المحققين استشكلوا في هذه التسوية وسيوافيك بعض كلماتهم.

والظاهر ان دعوى غير الشيخ والنجاشي من باب التبعية لهما، وان الاشتهار في الاعصار المتأخرة من القرن السابع إلى العصر الحاضر، كان من باب حسن الظن بدعوى شيخ الطائفة وزميله النجاشي، لا من باب التتبع في أحوال مشايخه، والوقوف على انه لا يروي إلاّ عن ثقة، وعلى ذلك فما ذكره المحدّث النوري من بلوغ دعوى الاجماع إلى الاستفاضة وامكان علمهم بذلك بأخباره (ابن ابي عمير) المحفوفة بالقرائن أو بتتبعهم في حال مشايخه المحصورين أو بهما، مما لا يمكن الركون اليه.

ومع ذلك فلا يضر ما ذكرنا بحجية دعوى الشيخ، فانه وان كان لا يثبت به اتفاق علماء الامامية على التسوية ولكن يثبت به توثيق المشهور لمشايخ ابن ابي عمير، وانه كانت هناك شخصيات يزكون جميع مشايخه ولاجله يتعاملون مع جميع مراسيله معاملة المسانيد.

هذا، وهناك ثلة من العلماء لم يأخذوا بهذه التسوية، ولم يقولوا بحجية مراسيله، منهم:

1 ـ شيخ الطائفة، في غير موضع من تهذيبه واستبصاره قال: «فاما ما رواه محمد بن ابي عمير (قال: روى لي عن عبد الله ـ يعني ابن المغيرة ـ يرفعه إلى ابي عبد الله - عليه السلام -ان الكرّ ستمائة رطل) فأول ما فيه انه مرسل غير مسند، مع ذلك مضاد للاحاديث التي رويناها» (1).


1 . التهذيب: 1 / 43.


(214)

وقال (في باب بيع المضمون): «ان الخبر الأول (خبر ابن ابي عمير عن ابان بن عثمان، عن بعض اصحاب عن ابي عبد الله) مرسل غير مسند» (1).

وقال (في باب ميراث من علا من الآباء وهبط من الاولاد): «ان الخبر الأول مرسل مقطوع الاسناد» (2).

ولكن ما ذكره في «العدّة» هو الذي ركن اليه في اُخريات حياته، وكأنه عدل عما ذكره في التهذيب والاستبصار، وكيف لا، وقد قام بتأليف التهذيب كالشرح لمُقنعة استاذه المفيد في زهرة شبابه وفي اواسط العقد الثالث من عمره، حيث ولد الشيخ عام 385 هـ، وتوفي استاذه المفيد عام 413 هـ، وهو يدعو له في كتابي الطهارة والصلاة بعد نقل عبارته بقوله «ايده الله تعالى»، وهذا يعرب عن انه شرع في تأليف «التهذيب» وهو في حوالي خمس وعشرين سنة أو ازيد بقليل، بينما هو في زمان ألَّف فيه «العدة» قد صار فحلا في الفقه والرجال، وعارفاً بكلمات الأصحاب وأنظارهم حول الشخصيات الحديثية.

2 ـ ما ذكره المحقق في «المعتبر» على ما نقله المحدث النوري قال: «والجواب ; الطعن في السند لمكان الإرسال ولو قال قائل: مراسيل ابن ابي عمير تعمل بها الأصحاب، منعنا ذلك، لأن في رجاله من طعن الأصحاب فيه، فاذا ارسل احتمل ان يكون الراوي أحدهم» (3).

وأجاب عنه الشيخ البهائي في وجيزته بقوله: «وروايته أحياناً عن غير الثقة، لا يقدح في ذلك كما يظن، لانهم ذكروا انه لا يرسل إلاّ عن ثقة لا أنه لا يروي إلاّ عن ثقة»(4).


1 . التهذيب: 1 / 31.
2 . التهذيب: 9 / 313.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 650.
4 . الوجيزة: 6 طبع المكتبة الاسلامية.


(215)

ولا يخفى ان ما ذكره الشيخ البهائي - قدس سره -لا ينطبق مع ما ذكره الشيخ في «العدة» حيث قال: « عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممن يوثق به» وعلى ذلك فهؤلاء كما لا يرسلون إلاّ عن ثقة، فهكذا لا يروون إلاّ عن ثقة، وعلى ذلك فلو وجد مورد أو موارد انهم نقلوا عن المطعونين لبطلت القاعدة المذكورة. وسيوافيك الكلام في روايته عن بعض المطعونين في بحث مستقل.

3 ـ السيد جمال الدين بن طاووس (المتوفّى عام 673 هـ) صاحب «البشرى» ونقل خلافه الشهيد الثاني في درايته.

4 ـ الشهيد الثاني في درايته حيث قال: «وفي تحقق هذا المعنى وهو العلم بكون المرسل لا يروي إلاّ عن الثقة، نظر» ثم ذكر وجهه (1). وسيوافيك لب اشكاله عند البحث عن اشكالات «معجم رجال الحديث».

5 ـ السيد محمد صاحب المدارك سبط الشهيد الثاني (المتوفّى عام 1009 هـ) في مداركه.

6ـ ولد الشهيد الثاني، الشيخ حسن صاحب «المعالم» (المتوفّى عام 1011 هـ) فقد استشكل في حجّية مراسيله(2). فمن أراد فليرجع إلى معالمه.

الثالث: ان المتتّبع في أسانيد الكتب الاربعة وغيرها، يقضي بكثرة مشايخه. فقد أنهاها بعض الأجلة إلى اربعمائة وعشرة مشايخ. وقد ذكر الشيخ في الفهرس أنه روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى القمّي كتب مائة رجل من رجال الصادق - عليه السلام -. ولعلّ المتتّبع في الاسانيد يقف على هذه الكتب ومؤلفيها.

وعلى كل تقدير; فلو ثبت ما ادّعاه الشيخ والنجاشي، لثبت وثاقة جمع


1 . شرح البداية في علم الدراية: 142.
2 . المعالم، طبعة عبد الرحيم: 214.


(216)

كثير من مشايخه، وانما المهم هو الوقوف على مشايخه باسمائهم وخصوصياتهم.

فقد ذكر المتتبع النوري منهم مائة وثلاثة عشر شيخاً وقال: «هذا ما حضرني عاجلاً ولعل المتتبع في الطرق والأسانيد يقف على أزيد من هذا» (1). وأما المائة كتاب التي رواها عنه أحمد بن محمد بن عيسى، فتعلم من مراجعة إلى فهرست الشيخ.

وأنهاهم صاحب «معجم الرجال» في ترجمة ابن أبي عمير (ج 22 ص 101 ـ 139، رقم الترجمة 14997) إلى ما يقارب المائتين وسبعين شيخاً بعد حذف المكررات.

وقد جمع في «مجمع الثقات» (ص 153) اسماء مشايخ الثقات الثلاث (ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي) وحذف من ورد فيه توثيق بالخصوص، فبلغ ثلاثمائة وواحداً وستين شيخاً.

ولقد احسن مؤلف «مشايخ الثقات» واتحف لمن بعده، بوضع فهرس خاص لمشيخة كل واحد من هؤلاء الثلاثة، مع تعيين مصادرها في المجامع الحديثية فبلغ ثلاثمائة وسبعة وتسعين شيخاً (2).

ولعل الباحث يقف على ازيد من ذلك. وقد عرفت ان بعض الأجلة انهى أساتذته إلى اربعمائة وعشرة مشايخ.

وهذا يعرب عن تضلع ابن أبي عمير في علم الحديث وبلوغه القمة في ذلك العلم، حتى توفق للأخذ عن هذه المجموعة الكبيرة وقد عرفت ان أحمد بن محمد بن عيسى قد نقل بواسطته مائة كتاب لمشايخ الأصحاب.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 649 الفائدة الخامسة .
2 . لاحظ مشايخ الثقات: 134 ـ 223، في خصوص ابن ابي عمير.


(217)

الرابع: ان مؤلف «مشايخ الثقات» قد عد في فهرسه الذي وضعه لبيان مشايخ ابن ابي عمير، اُناساً من مشايخه وليسوا منهم. والمنشأ له، اما سقم النسخة وعدم صحتها، أو عدم التدبر الكافي في ألفاظ السند. وما ذكرناه هنا يعطي استعداداً للقارئ، للاجابة عن بعض النقوض المتوجهة إلى الضابطة. واليك بيانها:

1 ـ محمد بن سنان: روى الشيخ الحرّ العاملي عن الصدوق في «علل الشرايع» عن محمد بن الحسن، عن الصفار عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن ابي عمير، عن محمد بن سنان، عمَّن ذكره عن ابي عبد الله - عليه السلام -في حديث: «ان نبيّاً من الانبياء بعثه الله إلى قومه فاخذوه فسلخوا فروة رأسه ووجهه، فاتاه ملك فقال له: ان الله بعثني اليك فمرني بما شئت فقال: لي اُسوة بما يصنع بالحسين - عليه السلام -» (1).

فعدَّ محمد بن سنان من مشايخ ابن ابي عمير استناداً إلى هذه الرواية.

ولكن الاستظهار غير تامّ، فان محمد بن سنان من معاصري ابن ابي عمير، لا من مشايخه وقد توفّي ابن سنان 220 هـ وتوفي ابن ابي عمير سنة 217 هـ، فطبع الحال يقتضي ان لا يروي عن مثله.

أضف اليه ان الموجود في «علل الشرايع» (2) «ومحمد بن سنان» مكان «عن محمد بن سنان» فاشتبه «الواو» بـ «عن».

ويؤيد ذلك أن الشيخ ابن قولويه نقله في «كامل الزيارات» بسنده عن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، ويعقوب بن يزيد، جميعاً عن محمد بن سنان، عمَّن ذكره، عن أبي عبدالله


1 . مستدرك الوسائل ج 2، ابواب الجنائز، الباب 77 الحديث 19.
2 . علل الشرايع: الباب 67، الحديث 2، الصفحة 77 من طبعة النجف.


(218)

- عليه السلام -(1).

ترى أن يعقوب بن يزيد في هذا السند يروي عن محمد بن سنان بلا واسطة، ولو صحَّ ما في «الوسائل» لوجب أن يتوسط بينهما شخص ثالث، كابن أبي عمير وغيره، مع أنه ليس كذلك.

ان تبديل لفظة «الواو» بـ «عن» كثير في الاسانيد، وقد نبَّه عليه المحقّق صاحب «المعالم» في مقدمات «منتقى الجمان»، وبالتأمّل فيه ينحلّ كثير من العويصات الموجودة في الاسانيد، كما ينحلّ كثير من النقوض التي اُوردت على القاعدة كما ستوافيك. ولأجل كونه أساساً لحلّ بعض العويصات وردّ النقوض، نأتي بعبارة «المنتقى» بنصّها(2):

قال: «حيث إن الغالب في الطرق هو الوحدة ووقوع كلمة «عن» في الكتابة بين أسماء الرجال، فمع الاعجال يسبق إلى الذّهن ما هو الغالب، فيوضع كلمة «عن» في الكتابة موضع واو العطف، وقد رأيت في نسخة «التهذيب» التي عندي بخط الشيخ - رحمه الله -عدّة مواضع سبق فيها القلم إلى اثبات كلمة «عن» في موضع «الواو»، ثمّ وصل بين طرفي العين وجعلها على صورتها واواً والتبس ذلك على بعض النسّاخ فكتبها بالصورة الاصلية في بعض مواضع الاصلاح. وفشا ذلك في النّسخ المتجددة، ولما راجعت خطّ الشيخ فيه تبينت الحال. وظاهر أن ابدال «الواو» بـ «عن» يقتضي الزيادة التي ذكرناها (كثرة الواسطة وزيادتها) فاذا كان الرجل ضعيفاً، ضاع به الاسناد فلابدّ من استفراغ الوسع في ملاحظة أمثال هذا، وعدم القناعة بظواهر الاُمور.

ومن المواضع التي اتفق فيها هذا الغلط مكرراً، رواية الشيخ عن سعد


1 . كامل الزيارات: 46 ، الباب 19، الحديث 1 .
2 . منتقى الجمان: 25 ـ 26 الفائدة الثالثة .


(219)

بن عبدالله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، وعلي بن حديد، والحسين بن سعيد. فقد وقع بخط الشيخ - رحمه الله -في عدَّة مواضع منها، ابدال احد واوي العطف بكلمة «عن» مع أن ذلك ليس بموضع شكّ او احتمال، لكثرة تكرر هذا الاسناد في «كتب الرجال والحديث». ثم ذكر نموذجاً فلاحظ.

2ـ نجيَّة بن اسحاق الفزاري: روى الصدوق عن أبيه قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، قال: حدثنا محمد بن زياد مولى بني هاشم، قال: حدثنا شيخ لنا ثقة يقال له نجية بن اسحاق الفزاري، قال حدثنا عبدالله بن الحسن قال: قال لي ابو الحسن: «لمَ سميت فاطمة فاطمة... »(1).

ولكن كون المراد من محمد بن زياد هو ابن ابي عمير، لا دليل عليه، لانه لا يعبر عنه في كتب الحديث بـ «محمد بن زياد» إلاّ مقيداً بـ «الازدي» أو «البزاز» وقد عنون في الرجال عدة من الرواة بهذا الاسم، يبلغ عددهم إلى تسعة(2).

أضف اليه أن احداً من الرجاليين لم يصفه بـ «مولى بني هاشم». بل النجاشي وغيره، وصفوه بأنه من موالي المهلّب، أو بني اُمية، قال: والأول أصحّ.

وأما نجيّة بن اسحاق فلم يعنون في كتب الرجال وإنما المعنون «نجيَّة بن الحارث» فلاحظ.

3ـ معاوية بن حفص: روى الصدوق عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد (المتوفّى عام 343 هـ) قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار قال: حدثنا


1 . علل الشرايع: 1 / 178، الباب 142، الحديث 2.
2 . لاحظ تنقيح المقال للمامقاني: 2 / 117.


(220)

الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن ابي عمير، عن حمّاد بن عثمان، ومعاوية بن حفص، عن منصور، جميعاً عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: «كان ابو عبدالله - عليه السلام -في المسجد الحرام... »(1).

فقد عدَّ المؤلف معاوية بن حفص، من مشايخ ابن ابي عمير. وهو غير معنون في الكتب الرجالية ولكن الدقّة في طبقات الرواة وملاحظة لفظة «جميعاً» تدلّ على خلافه، إذ لا معنى لارجاع «جميعاً» في قوله «عن منصور جميعاً» إلى منصور، فانه شخص واحد، فهذان الأمران، أي ملاحظة طبقات الوسائط، ولفظة «جميعاً»، تقتضيان كون معاوية بن حفص، معطوفاً على ابن ابي عمير، لا على حماد بن عثمان، ففي الحقيقة يروي الحسين بن سعيد عن الامام الصادق - عليه السلام -بسندين:

أـ الحسين بن سعيد، عن ابن ابي عمير، عن حمّاد، عن ابي عبدالله - عليه السلام -.

ب ـ الحسين بن سعيد، عن معاوية بن حفص، عن منصور، عن ابي عبدالله- عليه السلام -.

وعلى ذلك فمعاوية بن حفص، في نفس طبقة ابن ابي عمير، لا من مشايخه.

4ـ عبد الرحمن بن أبي نجران: روى الشيخ في «التهذيب» عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، ومحمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، عن جميل وعبد الرحمن بن ابي نجران، عن محمد بن حمران قال: «سألت أبا عبدالله - عليه السلام -عن النَّبت الذي في أرض الحرم،


1 . علل الشرايع: 2 / 453، الباب 210، الحديث 4.


(221)

أينزع... »(1).

فزعم المؤلف أن عبد الرحمن بن أبي نجران من مشايخ ابن ابي عمير وهو ثقة أيضاً.

والاستظهار مبنيّ على أن عبد الرحمن عطف على جميل، وهو غير صحيح. لأن عبد الرحمن ليس في طبقة «جميل بن درّاج» الذي هو من تلامذة الإمام الصادق- عليه السلام -. بل أبوه «أبو نجران» من افراد تلك الطبقة. قال النجاشي: «عبد الرحمن بن ابي نجران: كوفيّ روى عن الرضا، وروى أبوه، أبو نجران، عن ابي عبدالله - عليه السلام -» وعلى ذلك فعبد الرحمن من رواة طبقة ابن ابي عمير، لا من مشايخه. ويؤيده رواية «عبدالله بن محمد بن خالد» الذي هو من رواة الطبقة المتأخرة عن ابن ابي عمير، عن عبد الرحمن بن ابي نجران، كما في «رجال النجاشي» وعلى ذلك فمفاد السند:

أن الحسين بن سعيد تارة يروي عن فضالة بن أيّوب، ومحمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، عن جميل، عن أبي عبدالله - عليه السلام -.

واُخرى يروي عن عبد الرحمن بن ابي نجران، عن محمد بن حمران، عن ابي عبدالله- عليه السلام -. وبالنتيجة; إن عبد الرحمن عطف على فضالة ابن أيوب، لا على جميل.

ويوضح ذلك ما رواه الشيخ في «التهذيب» عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن جميل بن درّاج. وابن ابي نجران، عن محمد بن حمران، جميعاً، عن اسماعيل الجعفي(2).


1 . التهذيب: 5 / 380، الحديث 1328.
2 . التهذيب: 5 / 87، الحديث 290.


(222)

فالحسين تارة يروي عن صفوان، عن جميل بن درّاج، عن اسماعيل الجعفي، عن ابي جعفر - عليه السلام -. واخرى عن ابن ابي نجران، عن محمد بن حمران، عن اسماعيل الجعفي، عن الامام الباقر - عليه السلام -. وإنما توسط الجعفي بين محمد بن حمران والإمام، لأجل كون الرواية السابقة عن الامام الصادق - عليه السلام -، فيصحّ لمحمد بن حمران الرواية عنه، بخلاف هذه الرواية. فان المروي عنه هو ابو جعفر الباقر - عليه السلام -، فيحتاج إلى توسط راو آخر بينه وبين ابي جعفر الباقر - عليه السلام -.

5ـ المعلّى بن خنيس: روى الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد يعني ابن ابي عمير، عن معلّى بن خنيس، قال: قلت لابي عبدالله- عليه السلام -: «أشتري الزَّرع؟ قال: إذا كان على قدر شبر»(1).

ونقل صاحب «مشايخ الثَّقات» روايته عنه عن رجال الكشّي (الرقم 460).

والظّاهر سقوط الواسطة بين ابن ابي عمير والمعلى، لانه قتل في زمان الامام الصادق- عليه السلام -، قتله داود بن علي بأمر المنصور. ومن البعيد أن يروي عنه ابن ابي عمير (المتوفّى عام 217 هـ). لأن داود بن علي توفّي عام 133 هـ ، كما نقله الجزري في الكامل(2)، فالمعلّى قتل قبل هذا العام، وعليه لا يمكن لابن ابي عمير أن ينقل منه الحديث إلاّ إذا كان من مواليد 117 هـ، وعند ذلك يكون من المعمّرين الذين عاشوا قرابة مائة سنة، ولو كان كذلك، لذكروه في حقه، لأنّه من الشخصيات البارزة عند الشيعة، ويؤيد ذلك أن صفوان بن يحيى (المتوفّى عام 210 هـ) يروي كتاب المعلّى، عنه بواسطة معلّى بن زيد


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 11 من ابواب بيع الثمار، الحديث 4.
2 . الكامل في التاريخ: 5 / 448.


(223)

الأحول. لاحظ رجال النجاشي (الرقم: 1114). فالنتيجة ; ان المعلي ليس من مشايخ ابن ابي عمير، سواء كان ثقة كما هو الأصح بل الصحيح، ام لا.

وهذا قليل من كثير ممن عُدوا من مشايخه، وليسوا منهم وانما قدمنا ذلك لتكن كالمقدمة لحل بعض النقوض التي اوردت على الضابطة.

الخامس: هل المراد من قوله: «فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلاّ عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره على خبره» هو الانسان الموثوق به، سواء أكان إمامياً أم غيره أو خصوص العدل الإمامي؟

توضيحه ; انّه قد تطلق الثقة ويراد منها الصدوق لساناً وان كان عاصياً بالجوارح، وهي في مقابل الكذوب الذي يعصي بلسانه، كما يعصي بسائر اعضائه، وهذا هو الظاهر عند التوصيف بانه ثقة في الحديث.

وقد تطلق ويراد منها المتحرز عن المعاصي كلها، ومنها الكذب، سواء كان إمامياً أم غيره، والوثاقة بهذا المعنى في الراوي توجب كون خبره موثقاً لا صحيحاً. وقد تطلق ويراد ذاك المعنى باضافة كونه صحيح المذهب، أي كونه امامياً .

ان بعض الأجلة استظهر ان المراد منها في عبارة الشيخ هو المعنى الثالث، فقال ما هذا مفاده:

1 ـ ذكر الشيخ عند البحث عن ترجيح احد الخبرين على الآخر بأن رواية المخالف شيعياً كان أم غيره، إنما يحتج بها إذا لم يكن في مقابلها خبر مخالف مروي من الفرقة المحقّة، وإلاّ فلا يحتج بها، واليك نصه: «فإما إذا كان مخالفاً في الإعتقاد لأصل المذهب، وروى مع ذلك عن الائمة - عليهم السلام -،


(224)

نظر فيما يرويه، فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه، وجب اطراح خبره. وان لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به، وان لم يكن هناك من الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه، ولا يعرف لهم قول فيه، وجب ايضاً العمل به» (1).

وذكر نظير ذلك في حق سائر فرق الشيعة مثل الفطحية والواقفة والناووسية.

2 ـ ان الطائفة سوت بين مراسيل الثلاثة ومسانيد غيرهم، وبما ان المراد من مسانيد الغير، هو الاحاديث المروية عن طرق اصحابنا الإمامية، فيجب ان يكون المراد من الثقة الذي يرسل عنه هؤلاء الثلاثة، العدل الإمامي، حتى تصحّ التسوية بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم، وإلاّ فلو كان المراد منها هو الثقة بالمعنى الأعم، بحيث يشمل الامامي وغيره من فرق الشيعة وغيرهم، لكانت التسوية مخالفاً لما حقَّقه واختاره من التفصيل، فلا تصحّ التسوية إلاّ إذا كان الثقة الذي يرسل عنه ابن ابي عمير وأضرابه، عدلاً إمامياً.

وعلى ذلك فهؤلاء الاقطاب الثلاثة كانوا ملتزمين بأن لا يروون إلاّ عن الثقة بالمعنى الاخص، فلو وجدنا مورداً من مسانيد هؤلاء رووا فيه عن ضعيف في الحديث، او صدوق ولكن مخالف في المذهب، تكون القاعدة منقوضة، فليست نقوض القاعدة منحصرة بالنَّقل عن الضّعاف، بل تعمّ ما كان النقل عن موثق في الحديث مخالف للمذهب الحق.

ولا يخفى أن ما استنبطه من كلام الشيخ مبنيّ على ثبوت احد امرين:

الأول: أن يكون الثقة في مصطلح القدماء من يكون صدوقاً إمامياً، او عدلاً إمامياً، بحيث يكون للاعتقاد بالمذهب الحقّ دخالة في مفهومها حتى يحمل عليه قوله «لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمّن يوثق به».


1 . عدة الاصول: 1 / 379، الطبعة الحديثة.


(225)

الثاني: أن يكون مذهبه في حجّية خبر الواحد هو نفس مذهب القدماء، بأن يكون المقتضي في خبر المخالف ناقصاً غير تامّ، ولاجل ذلك لا يعارض خبر الموافق، بخلاف الموافق فان الاقتضاء فيه تامّ، فيقدم على خبر المخالف، ولكن يعارض خبر الموافق الآخر. وفي ثبوت كلا الامرين نظر.

أما الأول، فلا ريب في افادتها المدح التامّ وكون المتصف بها معتمداً ضابطاً، وأما دلالتها على كونه امامياً فغير ظاهر، إلاّ إذا اقترنت بالقرائن، كما إذا كان بناء المؤلف على ترجمة اهل الحق من الرواة وذكر غيره على وجه الاستطراد، ففي مثل ذلك يستظهر كونها بمعنى الامامي، كما هو الحال في رجال النجاشي وغيره. وأما دلالتها على كون الراوي إمامياً على وجه الاطلاق فهي غير ثابتة، إذ ليس للثقة إلاّ معنى واحد، وهو من يوثق به في العمل الذي نريده منه، فالوثاقة المطلوبة من الاطباء غير ما تطلب من نقلة الحديث. فيراد منها الامين في الموضوع الذي تصدى له. وعلى ذلك يصير معنى الثقة في مورد الرواة من يوثق بروايته، وتطمئن النفس بها لاجل وجود مبادئ فيه تمسكه عن الكذب، وأوضح المبادئ الممسكة هو الاعتقاد بالله ورسله وأنبيائه ومعاده، سواء كان مصيباً في سائر ما يدين، أو لا.

نعم نقل العلاّمة المامقاني في «مقباس الهداية» عن بعض من عاصره بأنه جزم باستفادة كون الراوي اماميا من اطلاق لفظ الثقة عليه، ما لم يصرّح بالخلاف، كما نقل عن المحقق البهبهاني دلالته على عدالته(1).

ولكن كلامهما منزّل على وجود قرائن في كلام المستعمل تفيد كلاًّ من هذين القيدين، وإلاّ فهو في مظانّ الاطلاق لا يفيد سوى ما يتبادر منه عند أهل اللغة والعرف.

هذا ولم يعلم كون الثقة في كلام القدماء الذين يحكي عنهم الشيخ


1 . مقباس الهداية: 112.


(226)

قوله: «سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمَّن يوثق به، وبين ما أسنده غيرهم» غير معناه المتبادر عند العرف، فان تفسير «عمَّن يوثق به» بالإمامي الصدوق او الإمامي العادل، يحتاج إلى قرينة دالّة عليه.

وأما الثاني، فان ما أفاده الشيخ من التفصيل في أخبار غير الإمامي إنما هو مختار نفسه، لا خيرة الاصحاب جميعاً، ولأجل ذلك قال عند الاستدلال على التفصيل: «فأما ما اخترته من المذهب، فهو أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق اصحابنا القائلين بالامامة... »(1).

ثم أخذ في الاستدلال على التفصيل المختار على وجه مبسوط، ويظهر من ثنايا كلامه أن الاصحاب يعملون بأخبار الخاطئين في الاعتقاد مطلقاً، حيث قال: «إذا علم من اعتقادهم تمسكهم بالدين وتحرّجهم من الكذب ووضع الاحاديث، وهذه كانت طريقة جماعة عاصروا الائمة- عليهم السلام -، نحو عبدالله بن بكير، وسماعة بن مهران، ونحو بني فضّال من المتأخرين عنهم، وبني سماعة ومن شاكلهم، فاذا علمنا أن هؤلاء الذين أشرنا اليهم وان كانوا مخطئين في الاعتقاد من القول بالوقف وغير ذلك، كانوا ثقاتاً في النقل، فما يكون طريقه هؤلاء، جاز العمل به»(2).

نعم يظهر من بعض عبائره أن ما اختاره من التفصيل هو خيرة الاصحاب أيضاً(3).

ومع ذلك كلّه فلا تطمئن النفس بأن ما اختاره هو نفس مختار قدماء


1 . عدة الاصول: 1 / 336، الطبعة الحديثة.
2 . عدة الاصول: 1 / 350.
3 . لاحظ ما ذكره في عمل الاصحاب بما رواه حفص بن غياث ونوح بن دراج والسكوني في عدة الأُصول : 1 / 380.


(227)

الاصحاب، وعلى ذلك فلا يكون مختار، في حجّية خبر الواحد، قرينة على أن المراد من الثقة في قولهم «لأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة» هو الثقة بالمعنى الاخص، إلاّ إذا ثبت أن خيرته وخيرة الاصحاب في حجّية خبر الواحد سواسية.

وعلى ذلك فينحصر النقض بما إذا ثبت رواية هؤلاء عن الضعيف في الرواية، لا في المذهب والاعتقاد ولا أقل يكون ذلك هو المتيقن في التسوية الواردة في كلام الاصحاب.

وبذلك يسقط النقض بكثير ممَّن روى عنه ابن ابي عمير وقد رموا بالناووسيَّة، او الوقف، أو الفطحية والعامية، واليك أسامي هؤلاء سواء كانوا ثقات من غير ذلك الوجه أم لا.

أما الواقفة فيقرب من ثلاثة عشر شيخاً أعني بهم:

1ـ إبراهيم بن عبد الحميد الاسدي 2ـ الحسين بن مختار 3ـ حنان بن سدير 4ـ داود بن الحصين 5ـ درست بن ابي منصور 6ـ زكريا المؤمن 7ـ زياد بن مروان القندي 8ـ سماعة بن مهران 9ـ سيف بن عميرة 10ـ عثمان بن عيسى 11ـ محمد بن اسحاق بن عمار 12ـ منصور بن يونس بزرج 13ـ موسى بن بكر.

وأما الفطحية من مشايخه فنذكر منهم:

14ـ اسحاق بن عمار الساباطي 15ـ اسماعيل بن عمار 16ـ يونس بن يعقوب 17ـ عبدالله بن بكير 18ـ خالد بن نجيح جوّان(1).

وقد روى عن جماعة من العامة منهم:


1 . لاحظ في الوقوف على روايته عنهم «مشايخ الثقات» القائمة المخصوصة لمشايخه.


(228)

19ـ مالك بن انس على ما في فهرست الشيخ في ترجمة مالك 20ـ محمد بن عبدالرحمن بن ابي ليلى القاضي المعروف، كما في كمال الدين ص 411. 21ـ محمد بن يحيى الخثعمي على ما في فهرست الشيخ في ترجمته. 22ـ أبو حنيفة على ما في الاختصاص ص 109.

وقد روى عن بعض الزيدية نظير 23ـ زياد بن المنذر على ما في فهرست الشيخ.

وقد روى عن بعض الناووسية مثل أبان بن عثمان المرميّ بالناووسية، وان كان الحقّ براءته منها. وعلى الجملة فروايته عن هؤلاء من أجل كونهم من الواقفة والفطحية، او العامة، لا تعدّ نقضاً إذا كانوا ثقات في الرواية، وانما تعدّ نقضاً إذا كانوا ضعافاً في نقل الحديث.

السادس: ان القدر المتيقن من التزامه بكون المروي عنه ثقة، إذا كان روى عنه بلا واسطة، واما النقل بواسطة فلم يظهر من العبارة التزامه به أيضاً، ولأجل ذلك لو ثبت نقله عن غير ثقة بواسطة الثقة فلا يعدّ نقضاً.

وبذلك يظهر أن حجّية مراسيله مختصة بما إذا أرسل عن واسطة واحدة، كما إذا قال: عن رجل، عن أبي عبدالله - عليه السلام -. واما إذا علم أن الارسال بواسطتين، فيشكل الأخذ به إلاّ ببعض المحاولات التي سنشير اليها في خاتمة البحث.

السابع: قد عرفت الايعاز على ان الشهيد الثاني استشكل على هذه التسوية ـ كما نقله المحدث النوري في مستدركه ـ وتبعه سبطه صاحب المدارك وولده في المعالم، وقد كان الوالد المغفور له، ينقل عن شيخه «شيخ الشريعة الاصفهاني» أنه كان معترضا على هذه التسوية وغير مؤمن بصحتها، وقد صبَّ صاحب معجم الرجال(1) ما ذكره الشهيد، وما اضاف اليه، في قوالب


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 64 ـ 68.


(229)

خاصة. ونحن نذكر الجميع مع ما يمكن أن يقال في دفعه فقال ـ دام ظله ـ: إن هذه التسوية لا تتمّ بوجوه:

أولا: لو كانت التسوية صحيحة لذكرت في كلام احد من القدماء فمن المطمأنّ به أن منشأ هذه الدعوى هو دعوى الكشي الاجماع على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، وقد مرّ أن مفاده ليس توثيق مشايخهم، ويؤكد ما ذكرناه أن الشيخ لم يخصّ ما ذكره بالثلاثة المذكورين، بل عمَّمه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلاّ عمن يوثق به، وفي الظاهر أنه لم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي الاجماع على التصحيح، وممّا يكشف عن أن نسبة الشيخ التسوية المذكورة إلى الاصحاب مبتنية على اجتهاده، أن الشيخ بنفسه ردَّ في مواضع رواية ابن ابي عمير للارسال. وقد عرفت بعض موارد الردّ.

وفيه: أن قوله «لو كانت أمراً متسالماً عليه لذكرت في كلام أحد من القدماء» وان كان صحيحاً، إلاّ أن ما رتب عليه من قوله «وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر» غير ثابت، لانه إنما تصحّ تلك الدعوى لو وصل الينا شيء من كتبهم الرجالية، فان مظانّ ذكر هذا هو مثل هذه الكتب، والمفروض أنه لم يصل الينا منها سوى كتاب الكشي الذي هو أيضاً ليس اصل الكتاب، بل ما اختاره الشيخ منه، وسوى «رجال البرقي» الذي عبَّر عنه الشيخ في الفهرست بـ «طبقات الرجال» وعندئذ كيف يصحّ لنا أن نقول «وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر»؟

أضف إلى ذلك أنه من الممكن أن الشيخ استنبطها من الكتب الفقهية غير الواصلة الينا، حيث رأى أنهم يعاملون مراسيلهم عند عدم التعارض معاملة المسانيد، أو يعاملونها معاملة المعارض إذا كان في مقابلها خبر مخالف.

وما ذكره من «أن الشيخ لم يخصّه بالثلاثة المذكورين بل عمَّمه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلاّ عمَّن يوثق به ومن المعلوم أنه لم


(230)

يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي الإجماع على التصحيح» غير تامّ أيضاً، فإن الظاهر أن مراده من «وغيرهم من الثقات» هم المعروفون بأنهم لا يروون إلاّ عنهم، وقد ذكرنا اسماء بعضهم، والمتتّبع في معاجم الرجال وفهارسها يقف على عدّة كان ديدنهم عدم النقل إلاّ عن الثقات، ولاجل ذلك كانوا يعدّون النقل عن الضعفاء ضعفاً في الراوي ويقولون: «أحمد بن محمد بن خالد البرقي ثقة إلاّ انه يروي عن الضعفاء» وهذا يكشف عن تجنب عدة من الاعاظم عن هذا، ومعه كيف يصح أن يدعي «ولم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي».

ثم إنه أيُ فرق بين دعوى الكشي في حق اصحاب الاجماع فتقبل ثم يناقش في مدلولها، ودعوى الشيخ في حق هؤلاء الثلاثة فلا تقبل من رأس وترمى بأنها مستنبطة من كلام الكشي؟!

وأما مخالفة الشيخ نفسه في موارد من التهذيب والاستبصار فقد عرفت وجهه، وانه ألّف جامعيه في أوائل شبابه، ولم يكن عند ذاك واقفاً على سيرة الاصحاب في مراسيل هؤلاء، فلأجل ذلك ردَّ مراسيلهم بحجة الارسال. ولكنه وقف عليها بعد الممارسة الكثيرة بكتب الاصحاب الرجالية والفقهية، وكتب وألف كتاب «العدَّة» في

أيام الشريف المرتضى (المتوفّى عام 436 هـ) وهو في تلك الايام يتجاوز عمره الخمسين سنة، وقد خالط الفقه والرجال لحمه ودمه، ووقف على الاُصول المؤلفة في عصر الأئمة - عليهم السلام - وبعده.

وثانياً: فرضنا أن التسوية ثابتة، لكن من المظنون قويّاً أن منشأ ذلك هو بناء العامل على حجية خبر كل إمامي لم يظهر منه فسق، وعدم اعتبار الوثاقة فيه، كما نسب إلى القدماء، واختاره جمع من المتأخرين منهم العلاّمة على ما سيجيء في ترجمة أحمد بن اسماعيل بن عبدالله(1) وعليه لا أثر لهذه التسوية


1 . معجم رجال الحديث: 2 / 51.


(231)

بالنسبة إلى من يعتبر الوثاقة(1).

وفيه: أن نسبة العمل بخبر كل إمامي لم يظهر منه فسق إلى قدماء الامامية، تخالف ما ذكره عنهم الشيخ في «العدة»، وهو أبصر بآرائهم حيث قال في ضمن استدلاله على حجية الاخبار التي رواها الاصحاب في تصانيفهم: «ان واحداً منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فاذا أحالهم على كتاب معروف، او اصل مشهور، وكان راويه ثقة لا يُنكر حديثه، سكتوا وسلَّموا الأمر في ذلك، وقبلوا قوله، وهذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -ومن بعده من الائمة- عليهم السلام -»(2).

ترى أنه يقيد عملهم وقبولهم الرواية بكون راويه ثقة، والقول بحجية كل خبر يرويه إمامي لم يظهر فسقه، اشبه بقول الحشوية، وقريب من رأيهم في الاخبار، ولو كان ذلك مذهب القدامى من الامامية لما صح للسيد المرتضى ادّعاء الاتفاق على عدم حجية خبر الواحد، فإن ذلك الإدعاء مع هذه النسبة في طرفي النقيض.

ولو كان بناء القدماء على اصالة العدالة في كل من لم يعلم حاله، فلا معنى لتقسيم الرواة إلى الثقة، والضعيف، والمجهول، بل كان عليهم ان يوثقوا كل من لم يثبت ضعفه، ومن المعلوم ثبوت خلافه.

واما ما نقل عن العلاّمة في حق أحمد بن اسماعيل من قوله «لم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل ولم يرو فيه جرح، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض»(3) فمن الممكن أن يكون اعتماده عليه لأجل ما قاله النجاشي في ترجمته من أن «له عدة كتب لم يصنف مثلها، وأن أباه كان من غلمان أحمد بن


1 . معجم رجال الحديث: ج 1 ص 65.
2 . عدّة الأُصول: 1 / 338، الطبعة الحديثة.
3 . الخلاصة: 16.


(232)

ابي عبد الله البرقي وممن تأدب عليه وممّن كتَّبه» (1) وما قاله الشيخ في الفهرست: «كان من اهل الفضل والادب والعلم وله كتب عدة لم يصنف مثلها فمن كتبه كتاب العباسي، وهو كتاب عظيم نحو عشرة آلاف ورقة في اخبار الخلفاء والدولة العباسية مستوفى، لم يصنف مثله» (2)، وما قاله في رجاله: «أديب أستاذ ابن العميد»(3).

وهذه الجمل تعرب عن انه كان من مشاهير علماء الشيعة الإمامية وأكابرهم وفي القمة من الأدب والكتابة.

ومثل ذلك لا يحتاج إلى التوثيق، بل إذا لم يرد فيه جرح يحكم بوثاقته، فان موقفه بين العلماء غير موقف مطلق الراوي الذي لا يحكم في حقه بشيء إلاّ بما ورد فيه، فيحكم بالجهل او الاهمال، ولاجل ذلك كله كان ديدن العلماء في حق الأعاظم والأكابر هو الحكم بالوثاقة، وان لم يرد في حقهم التصريح بها، فلأجل ذلك نحكم بوثاقة نظراء إبراهيم بن هاشم والصدوق وغيرهما، وان لم يرد في حقهم تصريح بالوثاقة.

وثالثاً: ان اثبات ان هؤلاء لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، دونه خرط القتاد، فإن الطريق إليه إمّا تصريح نفس الراوي بأنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عنه، أو التتبع في مسانيدهم ومشايخهم وعدم العثور على رواية هؤلاء عن ضعيف.

اما الأول ; فلم ينسب إلى احد من هؤلاء اخباره وتصريحه بذلك، واما الثاني ; فغايته عدم الوجدان، وهو لا يدل على عدم الوجود، على انه لو تم، فانما يتم في المسانيد دون المراسيل، فان ابن أبي عمير قد غاب عنه اسماء من


1 . رجال النجاشي: الرقم 240 .
2 . فهرست الشيخ: 23.
3 . رجال الشيخ: 455، الرقم 103.


(233)

روى عنهم، فكيف يمكن للغير ان يطلع عليهم ويعرف وثاقتهم.

وفيه: أنا نختار الشق الأول وانهم صرحوا، بذلك، ووقف عليه تلاميذهم والرواة عنهم، ووقف الشيخ والنجاشي عن طريقهم عليه، وعدم وقوفنا عليه بعد ضياع كثير من كتب القدماء من الاصحاب، اشبه بالاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود، كما ان من الممكن ان يقف عليه الشيخ من خلال الكتب الفتوائية من تعامل الأصحاب مع مراسيلهم معاملة المسانيد، وعدم التفريق بينهما قيد شعرة.

ولنا ان نختار الشق الثاني، وهو التتبع في المسانيد، وما ذكره من ان غايته عدم الوجدان وهو لا يدل على عدم الوجود، غير تام، لأنه لو تتبعنا مسانيد هؤلاء ولم نجد لهم شيخاً ضعيفاً في الحديث، نطمئن بأن ذلك ليس إلاّ من جهة التزامهم بعدم الرواية إلاّ عن ثقة، ولم يكن ذلك من باب الصدفة، ولو ثبت ذلك لما كان هناك فرق بين المسانيد والمراسيل، واحتمال وجود الضعاف في الثانية دون الأولى، احتمال ضعيف لا يعبأ به.

إلى هنا ثبت عدم تمامية الاشكالات الثلاثة، والمهم هو الاشكال الرابع، وهو ثبوت رواية هؤلاء عن الضعاف، وذلك بالتتبع في مسانيدهم ومعه كيف يمكن ادعاء لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة.


(234)


(235)

نقض القاعدة بالنقل عن الضعاف

ذكر صاحب معجم الرجال من مشايخه الضعاف اربعة شيوخ يعني بهم:

1 ـ علي بن ابي حمزة البطائني.

2 ـ يونس بن ظبيان.

3 ـ علي بن حديد.

4 ـ الحسين بن أحمد المنقري .

ولو صح نقله عنهم مع ثبوت كونهم ضعافاً بطلت القاعدة، وإليك تفصيل ذلك:

1 ـ علي بن ابي حمزة البطائني: روى الكليني عن ابن أبي عمير، عن علي بن ابي حمزة، عن ابي بصير، قال: شكوت إلى ابي عبد الله - عليه السلام -الوسواس...(1).

روى الكشي عن ابي مسعود العياشي قال: سمعت علي بن الحسن


1 . الكافي: 3 / 355 كتاب الجنائز، باب النوادر، الحديث 20.


(236)

ابن فضال يقول: ابن ابي حمزة كذّاب ملعون، قد رويت عنه أحاديث كثيرة، وكتبت تفسير القرآن من أوله إلى آخره، إلاّ أني لا أستحل ان أروي عنه حديثاً واحداً(1).

أقول: ان علي بن ابي حمزة البطائني من الواقفة، وهو ضعيف المذهب، وليس ضعيفاً في الحديث على الأقوى (2). وهو مطعون لأجل وقفه في موسى بن جعفر- عليه السلام -وعدم اعتقاده بإمامة الرضا - عليه السلام -، وليس مطعوناً من جانب النقل والرواية، وقد عرفت ان المراد من «عمن يوثق به» في عبارة الكشي هو الموثوق في الحديث، فيكفي في ذلك ان يكون مسلماً متحرزاً عن الكذب في الرواية، وأما كونه إمامياً فلا يظهر من عبارة «العدة» وعلى ذلك فالنقض غير تام.

وأما ما نقل من العياشي في حق ابن أبي حمزة من انه كذاب ملعون، فهو راجع إلى ابنه، أي الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، لا إلى نفسه، كما استظهره صاحب المعالم في هامش «التحرير الطاووسي»(3)، وابن ابي حمزة مشترك في الاطلاق بين الوالد والولد. والشاهد على ذلك أمران:

الأول: ان الكشي نقله أيضاً في ترجمة الحسن بن ابي حمزة البطائني. قال (العياشي): سألت علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن علي بن ابي حمزة البطائني، فقال: «كذاب ملعون رويت عنه أحاديث كثيرة» فلا يصحّ القول جزماً، لأنّه راجع إلى الوالد، والظاهر من النجاشي أنّه راجع إلى الولد، حيث نقل طعن ابن فضّال في ترجمة الحسن.


1 . رجال الكشي: 345.
2 . لاحظ دلائل الطرفين في تنقيح المقال: 2 / 262، وقد بسط المحقق الكلباسي الكلام فيه في سماء المقال: 1 / 134 ـ 154.
3 . تنقيح المقال: 2 / 262.


(237)

الثاني: ان علي بن ابي حمزة توفي قبل ان يتولد علي بن الحسن بن فضال بأعوام، فكيف يمكن ان يكتب عنه أحاديث، وتفسير القرآن من أوله إلى آخره، وانما حصل الاشتباه من نقله ـ الكشي ـ في ترجمة الوالد تارة، وترجمة الولد اخرى (1)، وذلك لأن علي بن ابي حمزة مات في زمن الرضا- عليه السلام - حتى أخبر- عليه السلام - انه اُقعد في قبره فسئل عن الائمة فأخبر بأسمائهم حتى انتهى إليّ فسئل فوقف، فضرب على رأسه ضربة امتلأ قبره ناراً(2)، فإذا توفي الرضا - عليه السلام -عام 203 هـ ، فقد توفّي ابن أبي حمزة قبل ذلك العام.

ومن جانب آخر مات (الحسن بن فضّال) سنة أربع وعشرين ومائتين كما أرَّخه النجاشي في ترجمته.

وكان ولده (علي) يتجنّب الرواية عنه وهو ابن ثمان عشرة سنة كما كان يقول: «كنت اُقابله (الوالد) ـ وسنّي ثمان عشرة سنة ـ بكتبه ولا أفهم إذ ذاك الروايات ولا أستحلّ أن أرويها عنه» ولأجل ذلك روى عن أخويه عن أبيهما. فاذا كان سنّه عند موت الوالد ثماني عشرة فعليه يكون من مواليد عام 206 هـ ، فمعه كيف يمكن أن يروي عن علي بن أبي حمزة الذي توفي في حياة الامام الرضا - عليه السلام -؟

وعلى كلّ تقدير فقد روى ابن ابي عمير كتاب علي بن أبي حمزة عنه، كما نصَّ به النجاشي في ترجمته(3).

أقول: إن من المحتمل في هذا المورد وسائر الموارد، أن ابن أبي عمير نقل عنه الحديث في حال استقامته، لأن الاستاذ والتلميذ أدركا عصر الامام أبي


1 . رجال الكشي: 462، رقم الترجمة 425.
2 . رجال الكشي: 345.
3 . رجال النجاشي: الرقم 676.


(238)

الحسن الكاظم - عليه السلام -، فقد كان ابن أبي حمزة موضع ثقة منه، وقد أخذ عنه الحديث عندما كان مستقيم المذهب، صحيح العقيدة فحدَّثه بعد انحرافه أيضاً، نعم لو لم يكن ابن ابي عمير مدركاً لعصر الامام الكاظم - عليه السلام -وانحصر نقله في عصر الرضا - عليه السلام -يكون النقل عنه ناقضاً للقاعدة، ولكن عرفت أنه أدرك كلا العصرين.

أضف إلى ذلك أنه لم يثبت كون عليّ بن أبي حمزة من الواقفة، وما اُقيم من الادلة فهي معارضة بمثلها او بأحسن منها، وسيجيء الكلام فيه إجمالاً عند البحث عن رواية صفوان عنه فارتقب.

2ـ يونس بن ظبيان: روى الشيخ عن موسى بن القاسم، عن صفوان، وابن ابي عمير، عن بريد او يزيد ويونس بن ظبيان قالا: سألنا أبا عبدالله - عليه السلام -عن رجل يحرم في رجب او في شهر رمضان، حتى إذا كان أوان الحجّ أتى متمتعاً، فقال: لا بأس بذلك(1).

ويونس بن ظبيان ضعيف، قال النجاشي: «ضعيف جدّاً لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط»(2).

وقال الكاظمي في التكملة: «علماء الرجال بالغوا في ذمّه ونسبوه إلى الكذب، والضعف، والتّهمة، والغلوّ، ووضع الحديث، ونقلوا عن الرضا - عليه السلام -لعنه»(3).

والاجابة بوجوه:

الأول: الظاهر أن محمد بن أبي عمير لا يروي عن غير الثقة إذا انفرد هو


1 . التهذيب: 5 / 32، رقم الحديث 95، كتاب الحج باب ضروب الحج، وكتاب الاستبصار: ج 2، رقم الحديث 513.
2 . رجال النجاشي: 448، رقم الترجمة 1210، من طبعة جماعة المدرسين بقم.
3 . التكملة: 2 / 630.


(239)

بالنقل، ولأجله لم يرو عن يونس بن ظبيان، إلاّ هذا الحديث فقط، كما هو الظاهر من معجم الرجال عند البحث عن تفصيل طبقات الرواة (ج 22 ص 320); واما إذا كم يتفرد، كما إذا نقله الثقة وغيره فيروي عنهما تأييداً للخبر. وبعبارة اخرى لا يروي عن الضعيف إذا كان في طول الثقة لا في عرضه. وأما المقام فقد روى عن بريد ويونس بن ظبيان معاً. ويونس وإن كان ضعيفاً، لكنه كما رواه عنه رواه عن بريد أيضاً كما في نسخة التهذيب والوافي والوسائل، أو عن يزيد كما في نسخة الاستبصار(1). والأول بعيد، لأن رواية ابن أبي عمير عن بريد بن معاوية المتوفّى في حياة الإمام الصادق - عليه السلام -، قبل (148 هـ) بعيده، فالثاني هو المتعين.

ويحتمل أن يكون المراد من «يزيد» أبا خالد القماط وهو ثقة يروي عن أبي عبدالله- عليه السلام -ويروي عنه صفوان، كما في رجال النجاشي، فيصح نقل ابن أبي عمير عنه، كما يحتمل أن يكون المراد منه يزيد بن خليفة الذي هو من أصحاب الصادق - عليه السلام -، ويروي عنه صفوان أيضاً كما في الاستبصار (ج 3، الحديث 372).

الثاني: احتمال وجود الارسال في الرواية بمعنى وجود الواسطة بين ابن أبي عمير ويونس، وقد سقطت عند النقل وذلك لأن يونس قد توفي في حياة الإمام الصادق- عليه السلام -، كما يظهر من الدعاء الآتي. وقد توفي الإمام- عليه السلام -عام 148 هـ، ومن البعيد أن يروي ابن أبي عمير (المتوفّى عام 217 هـ) عن مثله، الاّ أن يكون معمراً قابلاً لأخذ الحديث عن تلاميذ الإمام الذين توفوا في حياته، وهو غير ثابت.

الثالث: إنه لم يثبت ضعف يونس، لا لما رواه الكشي عن هشام بن سالم، قال: «سألت أبا عبدالله- عليه السلام -عن يونس بن ظبيان فقالرحمه الله وبنى له بيتاً في الجنة، كان والله مأموناً في الحديث» وذلك لأن في


1 . لا حظ معجم رجال الحديث: 22 / 114.


(240)

سنده ضعفاً، وهو وجود ابن الهروي المجهول، وقد نص به الكشي، بل لرواية البزنطي ذلك الخبر في جامعه بسند صحيح، وقد نقله ابن إدريس في مستطرفاته. وما في معجم رجال الحديث من أن طريق ابن إدريس إلى جامع البزنطي مجهول، فالرواية بكلا طريقيها ضعيفة، غير تام، لأن جامعه كسائر الجوامع كان من الكتب المشهورة التي كان انتسابها إلى مؤلفيها أمراً قطعياً، ولم يكن من الكتب المجهولة، كيف وقد كان مرجع الشيعة قبل تأليف الجوامع الثانوية كالكافي وغيره.

ولأجل هذه الوجوه الثلاثة لا تصلح الرواية لنقض القاعدة.

3 ـ علي بن حديد: روى الشيخ عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن علي بن حديد، عن جميل بن درّاج، عن بعض أصحابه، عن احدهما - عليهما السلام - في رجل كانت له جارية فوطئها ثمّ اشترى اُمّها أو ابنتها، قال: لا تحل له (1).

ذكر الشيخ علي بن حديد في رجاله (2) في أصحاب الرضا - عليه السلام -، وفي الإمام الجواد- عليه السلام -(3)، وفي فهرسته قائلاً بأن له كتاباً. وقال الكشي في رجاله: «فطحي من أهل الكوفة، وكان أدرك الّرضا- عليه السلام -» (4)، وقال العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة: «علي بن حديد بن الحكيم، ضعّفه شيخنا في كتاب الاستبصار والتهذيب، لا يعول


1 . التهذيب: 7 / 276، الحديث 1171 من كتاب النكاح الباب 25، والاستبصار: ج 3 الحديث 575، وليس لابن ابي عمير رواية عن علي بن حديد، ـ حسب الظاهر ـ إلاّ هذه الرواية، وهذه قرينة على ان علي بن حديد معاصره، لا المروي عنه فقد روى الحسين عنهما جميعاً. لاحظ تفصيل طبقات الرواة لمعجم رجال الحديث: 22 / 293، كما سيوافيك بيانه.
2 . رجال الشيخ: 282.
3 . رجال الشيخ: 402.
4 . الفهرس: 115.


(241)

على ما ينفرد بنقله» (1).

أقول: ان الشيخ ضعفه في موضعين من الاستبصار، أحدهما باب البئر تقع فيها الفأرة وغيرها، فروى فيه عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن بعض أصحابنا قال: «كنت مع أبي عبدالله- عليه السلام -في طريق مكة، فصرنا إلى بئر، فاستقى غلام أبي عبدالله - عليه السلام - دلواً، فخرج فيه فأرتان...» فقال الشيخ: «فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسل، وراويه ضعيف، وهذا يضعف الاحتجاج بخبره» (2).

وقال في باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة، في ذيل حديث عباد: «وأما خبر زرارة فالطريق اليه علي بن حديد، وهو ضعيف جداً لا يعول على ما ينفرد بنقله»(3).

والجواب بوجهين، الأول: لم يثبت ضعف علي بن حديد، بل الظاهر عما رواه الكشي وثاقته، قال في ترجمة هشام بن الحكم: «علي بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن راشد، عن أبي جعفر الثاني قال: جعلت فداك، قد اختلف أصحابنا، فاُصلّي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال: عليك بعلي بن حديد، قلت: فآخذ بقوله؟ قال: نعم، فلقيت علي بن حديد فقلت: نصلي خلف أصحاب هشام بن الحكم؟ قال: لا»(4).

وقال في ترجمة يونس بن عبد الرحمن: «آدم بن محمد القلانسي البلخي قال: علي بن محمد القمي قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى القمي، عن يعقوب بن يزيد، عن أبيه يزيد بن حماد عن أبي الحسن قال:


1 . الخلاصة: 234، ونحوه في القسم الثاني المختص بالضعفاء.
2 . الاستبصار: 1 / 40 ابواب المياه، باب البئر تقع فيه الفأرة، الحديث 70.
3 . الاستبصار: 3 / 95 باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة، الحديث 325.
4 . رجال الكشي: 237، وفي السند المروي في رجال الكشي ضعف.


(242)

قلت اُصلي خلف من لا أعرف؟ فقال: لا تصل إلاّ خلف من تثق بدينه، فقلت له: اُصلي خلف يونس وأصحابه؟ فقال: يأبى ذلك عليكم علي بن حديد، قلت: آخذ بقوله في ذلك؟ قال: نعم، قال: فسألت علي بن حديد عن ذلك، فقال: لا تصلّ خلفه ولا خلف أصحابه» (1).

وربما يؤيد وثاقته كونه من رجال «كامل الزيارات» (2). التي نص ابن قولويه في أوله بأنه يروي عن الثقات في كتابه هذا(3). كما يؤيد وثاقته أيضاً كونه من رجال تفسير القمي(4) الذي نصّ في أول تفسيره بأن رجال تفسيره هذا من الثقات. وسوف يوافيك الكلام في هذين التوثيقين، غير ان تضعيف الشيخ مقدم على ما نقله الكشي، لأن في سند روايته ضعفاً، فلم يبق إلاّ كونه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي. والظاهر تقديم جرح الشيخ على التوثيق العمومي الذي مبناه كونه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي، وسيوافيك الكلام بأن التوثيق العمومي المستفاد من مقدمة الكتابين، على فرض صحته، حجة ما لم يعارض بحجة صريحة اخرى، مضافاً إلى ما في نفس هذا التوثيق العمومي الّذي نسب إلى الكتابين من الضعف.

الثاني: وجود التصحيف في سند الرواية. والظاهر أن لفظة «عن علي بن حديد» مصحف «وعلي بن حديد» ويدلّ عليه اُمور:

الف ـ كثرة رواية ابن أبي عمير عن جميل بلا واسطة. قال في معجم رجال الحديث: «ورواياته عنه تبلغ 298 مورداً» (5). وعلى ذلك فمن البعيد


1 . رجال الكشي: 418، ترجمة يونس بن عبد الرحمن.
2 . كامل الزيارات: 4، الباب 8 في فضل الصلاة في مسجد الكوفة ومسجد السهلة.
3 . كامل الزيارات: 4، وسيوافيك ان مضمون كلام صاحب كامل الزيارات لا يفيد إلاّ وثاقة مشايخه الذين يروي عنهم بلا واسطة، فلا دلالة لوقوعه في اسناد كامل الزيارات على وثاقة من لا يروي عنه بلا واسطة.
4 . راجع تفسير القمي في تفسير قوله تعالى (مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) .
5 . معجم رجال الحديث: 22 / 102.


(243)

جداً، ان ابن ابي عمير الذي يروي عن جميل هذه الكمية الهائلة من الأحاديث بلا واسطة، يروي عنه رواية واحدة مع الواسطة، ولأجل ذلك لا تجد له نظيراً في كتب الأحاديث.

ب ـ وحدة الطبقة، لأن الرجلين في طبقة واحدة من أصحاب الكاظم والرضا- عليهما السلام -. ونصّ النجاشي على رواية عليّ بن حديد عن أبي الحسن موسى بن جعفر - عليهما السلام -(1).

ج ـ لم يوجد لا بن ابي عمير أي رواية عن علي بن حديد في الكتب الاربعة غير هذا المورد، كما يظهر من قسم تفاصيل طبقات الرواة لمعجم الرجال (2) وهذا يؤكّد كون علي بن حديد، معطوفاً على ابن أبي عمير وأنه لم يكن شيخاً له، وإلاّ لما اقتصر في النقل عنه على رواية واحدة.

4 ـ الحسين بن أحمد المنقري: فقد روى عن ابن ابي عمير، عدداً من الروايات جاء في بعضها لفظ المنقري دون الآخر، والقرائن تشهد على وحدتهما. واليك مجموع ما ورد عنه في الكتب الأربعة:

1 ـ روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري قال: سمعت أبا إبراهيم يقول: من استكفى بآية من القرآن...(3).

2 ـ روى عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري عن خاله قال: سمعت أبا عبد الله - عليه السلام -يقول: من أكل طعاماً لم يدع اليه فأنّه أكل قصعة من النار(4).


1 . رجال النجاشي: رقم الترجمة 717.
2 . معجم الرجال الحديث: 22 / 292.
3 . الكافي: ج 2 كتاب فضل القرآن، الباب 13، الحديث 18.
4 . الكافي: ج 5، كتاب المعيشة، الباب 5، الحديث 5 ورواه الشيخ في التهذيب: ج 9، الحديث 398.


(244)

3 ـ روي في الروضة عن علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن الحسين بن أحمد المنقري، عن يونس بن ظبيان قال: قلت لابي عبد الله - عليه السلام -: ألا تنهى هذين الرجلين عن هذا الرجل...(1).

4 ـ روى (الكليني) ايضاً بسند صحيح عن ابن ابي عمير، عن الحسين بن أحمد، عن شهاب بن عبد ربه قال: قال لي ابو عبدالله- عليه السلام -: ان ظننت ان هذا الأمر كائن في غد، فلا تدعنَّ طلب الرزق (2).

5 ـ روي عن علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن حسين بن أحمد المنقري، عن عيسى الضرير قال: قلت لابي عبد الله - عليه السلام -: رجل قتل رجلاً متعمداً ما توبته؟... (3).

وهذا الحديث لم يذكره في معجم الرجال في هذا المقام، لكنه ذكره في ترجمة الحسين بن أحمد المنقري، وربما يتخيل ان «الحسين» في الأخير هو المحسن بن أحمد كما في الفقيه (4). لكنه ضعيف، لأن المحسن من اقران ابن ابي عمير، ومن اصحاب الرضا - عليه السلام -، ومن مشايخ أحمد بن محمد بن خالد، الذي يروي عن ابن ابي عمير بلا واسطة، وعندئذ كيف يصح نقل ابن ابي عمير عن «المحسن»؟

والجواب عن النقض يظهر بالاحاطة بكلمات النجاشي وابن الغضائري في حقه.

قال النجاشي: «الحسين بن أحمد المنقري التميمي ابو عبدالله، روى عن ابي عبدالله- عليه السلام -رواية شاذة لم تثبت، وكان ضعيفاً، ذكر ذلك


1 . الروضة: الحديث 561.
2 . الكافي: ج 5، كتاب المعيشة، الباب 5 الحديث 9.
3 . الكافي : ج 7، كتاب الديات، الباب 4، الحديث 4.
4 . الفقيه: الجزء 4 باب تحريم الدماء والاموال، الحديث 206.


(245)

أصحابنا(رحمهم الله). روى عن داود الرقي وأكثر، له كتب».

وقال الشيخ في الفهرست: «الحسين بن أحمد المنقري له كتاب رويناه» (الفهرست: الرقم 216).

وعده في رجاله من أصحاب الباقر - عليه السلام -(الرقم 25)، ومن أصحاب الكاظم - عليه السلام -قائلاً: «إنه ضعيف» (الرقم 8).

ان كون الرجل من أصحاب الباقر - عليه السلام -مع إكثاره النقل عن داود الرقي، محل تأمل وقد توفي داود الرقي بعد المائتين بقليل بعد وفاة الرضا - عليه السلام -(سنة 203).

وعلى أي تقدير، فالظاهر ان ضعفه راجع إلى العقيدة لا الرواية وذلك لأمرين:

الأول: ان النجاشي وصفه بقوله: «روى عن داود الرقي وأكثر» وقد قال في حق داود: «ضعيف جداً والغلاة تروي عنه»، فيمكن أن يكون هو أحد الغلاة الذين رووا عن داود.

الثاني: ان الشيخ ذكر داود الرقي في أصحاب الكاظم - عليه السلام -، وقال: «داود الرقي مولى بني أسد وهو ثقة، من أصحاب ابي عبدالله - عليه السلام -»، ومع ذلك نرى ابن الغضائري يقول في حقه: «داود بن كثير بن أبي خالد الرقي مولى بني أسد روى عن ابي عبدالله - عليه السلام -، كان فاسد المذهب، ضعيف الرواية لا يلتفت اليه».

فاتضح ان الطعن فيه لم يكن لاجل كونه غير ثقة في نقل الحديث، بل الطعن لاجل وجود الارتفاع في العقيدة بقرينة اكثار النقل عن داود الرقي، المتهم بالارتفاع في العقيدة، ونقل الغلاة عنه، والكل غير مناف للوثاقة في مقام النقل الذي كان ابن ابي عمير ملتزماً فيه بعدم النقل إلاّ عن الثقة.


(246)

هذه النقوض هي التي ذكرها صاحب معجم رجال الحديث، وقد عرفت مدى صحتها.

ثم ان صاحب مشايخ الثقات جعل ثابتي الضعف منهم خمسة وهم:

1 ـ الحسين بن أحمد المنقري.

2 ـ علي بن حديد.

3 ـ يونس بن ظبيان.

4 ـ ابو البختري وهب بن وهب.

5 ـ عمرو بن جميع.

وبعد ان عرفت حقيقة الحال في الثلاثة الاُول، فهلمَّ معي نبحث في الاخيرين منهم:

ألف ـ ابو البختري وهب بن وهب العامي: قال النجاشي: «وهب بن وهب ابو البختري، روى عن ابي عبدالله - عليه السلام -وكان كذاباً، وله أحاديث مع الرشيد في الكذب. قال سعد: تزوج أبو عبدالله - عليه السلام -باُمّه، له كتاب يرويه جماعة» ثم ذكر سنده اليه (1).

وليس لا بن ابي عمير في الكتب الأربعة رواية عنه إلاّ ما ورد في صلاة الاستسقاء، ورواها الشيخ بسنده عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن خالد البرقي، عن ابن ابي عمير، عن ابي البختري، عن ابي عبدالله - عليه السلام -، عن ابيه، عن علي - عليه السلام -أنه قال: مضت السنة انه لا يستسقى إلاّ بالبراري، حيث ينظر الناس إلى السماء ولا يستسقى في المساجد إلاّ بمكة(2).


1 . رجال النجاشي: الرقم 1155.
2 . التهذيب: ج 3، الحديث 325.


(247)

أقول: يمكن التخلص من النقض بوجهين:

الأول: كون الرجل ثقة عند ابن ابي عمير وقت تحمل الحديث، وهذا كاف في العمل بالالتزام.

الثاني: ان أبا البختري كان عامياً، ومن المحتمل أن يكون التزام المشايخ راجعاً إلى ابواب العقائد والأحكام الشرعية، وأما ما يرجع إلى أدب المصلّي في صلاة الاستسقاء، فلم يكن من موارد الالتزام، ولم يكن في نقل مثل ذلك أي خطر واشكال فتأمل.

ب ـ عمرو بن جميع الزيدي البتري: قال النجاشي: «عمرو بن جميع الازدي البصري، ابو عثمان، قاضي الري، ضعيف، له نسخة يرويها عنه سهل بن عامر» ثم ذكر سنده إلى الكتاب (1).

اقول: وليس لابن ابي عمير رواية عنه في الكتب الأربعة، بل روى عنه الصدوق في معاني الأخبار، ولا يتجاوز الروايتين:

1 ـ روى الصدوق في معاني الاخبار عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن محمد بن ابي عمير، عن عمرو بن جميع قال: قال ابو عبدالله- عليه السلام -: لابأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين (2).

2 ـ وبهذا الإسناد أيضاً قال: قال ابو عبدالله - عليه السلام -: حدثني ابي، عن ابيه، عن جده قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: إذا مشت اُمتي المطيطا، وخدمتهم فارس والروم، كان بأسهم بينهم. المطيطا:


1 . رجال النجاشي: الرقم 769.
2 . وسائل الشيعة: ج 4، الباب 8 من ابواب السجود، الحديث 6، نقلاً عن معاني الاخبار للصدوق .


(248)

التبختر، ومد اليدين في المشي (1).

ان عمرو بن جميع مع ضعفه كان زيدياً بترياً، وقد صرح بكونه بترياً ابو عمرو في رجاله، في ترجمة محمد بن اسحاق صاحب المغازي (2).

ومن استظهر من عبارة «العدة» بأن المشايخ التزموا أن لا يروون إلاّ عن إمامي ثقة يكون النقض هنا وفيما تقدم، من جهتين: من جهة المذهب حيث ان ابا البختري كان عامياً، وعمرو بن جميع كان بترياً، ومن جهة الوثاقة، لكون الرجلين ضعيفين، وعلى المختار يكون النقض من جهة واحدة، وعلى كل تقدير فإحدى الروايتين لا صلة لها بالأحكام الشرعية، وانما هي نقل تنبؤ عن مستقبل الامة إذا ساد فيهم الكبر والتبختر. نعم الرواية الاُخرى تتضمن حكماً شرعياً. ولعل ابن ابي عمير كان يعتقد بوثاقته عند التحمل والنقل.

ثم ان سيدنا الاستاذ ـ دام ظله ـ أورد على القاعدة نقضاً بعدة أشخاص:

1 ـ يونس بن ظبيان .

2 ـ علي بن ابي حمزة.

3 ـ علي بن حديد.

4 ـ ابي جميلة.

5 ـ عبدالله بن قاسم الحضري(3).

وقد عرفت الحال في الثلاثة الاُول وسيوافيك الكلام في ابي جميلة عند البحث عن مشايخ صفوان الذي عدت روايته عن ابي جميلة نقضاً على القاعدة.


1 . وسائل الشيعة: ج 8، الباب 63 من ابواب آداب السفر، الحديث 3 نقلاً عن معاني الاخبار.
2 . رجال الكشي: 332.
3 . كتاب الطهارة: ج 1، ص 191.


(249)

واليك الكلام في الخامس أعني عبدالله بن قاسم الحضرمي.

قال النجاشي: عبدالله بن القاسم الحضرمي المعروف بالبطل: كذاب غال يروي عن الغلاة لا خير فيه ولا يُعتدّ بروايته، له كتاب يرويه عنه جماعة (1).

وذكره الشيخ في «الفهرست» وقال: له كتاب، وذكر سنده اليه، (2) وعنونه في رجاله في اصحاب الكاظم - عليه السلام -قائلاً: عبد الله بن القاسم الحضرمي واقفي(3).

وقال ابن الغضائري: عبدالله بن قاسم الحضرمي كوفي ضعيف أيضاً غال متهافت ولا يرتفع به (4).

روى محمد بن ابي عمير عنه عن الصادق جعفر بن محمد - عليهما السلام -عن ابيه، عن جده عن علي - عليه السلام -قال: «كن لما لا ترجو ارجى منك لما ترجو، فان موسى بن عمران - عليه السلام -خرج يقتبس لأهله ناراً فكلمه الله عز وجل فرجع نبياً، وخرجت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان - عليه السلام -وخرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين»(5).

يلاحظ عليه:

أوّلاً: من المحتمل، اعتماد النجاشي في تضعيفه إلى تضعيف ابن الغضائري، يُعرب عنه تقارب العبارتين، وقد عرفت قيمة تضعيفاته.

وثانياً: ان ابن ابي عمير لم يرو عنه إلاّ رواية واحدة ولا صلة لمضمونها


1 . رجال النجاشي رقم الترجمة 594.
2 . فهرست الشيخ رقم الترجمة 465.
3 . رجال الشيخ رقم الترجمة 50.
4 . الخلاصة القسم الثاني باب «عبد الله» رقم الترجمة 9.
5 . الفقية ج 4 في النوادر، الحديث رقم 850 .


(250)

بالاحكام ولعله كان ملتزماً بأن لا يروي إلاّ عن ثقة فيما يمت إلى بالحكم الشرعي بصلة لا في الموضوعات الأخلاقية او التربوية كما هو مورد الحديث.

ثالثاً: انه لم يرد في الفقيه توصيفه بالحضرمي فيحتمل كونه «عبدالله بن القاسم الحارثي وهو وان كان ضعيفاً حيث يصفه النجاشي بالضعف والغلو ويقول: ضعيف غال (1) لكنه اين هو من قوله في الحضرمي «كذاب»، عندئذ يقوى ان يكون ضعفه لأجل غلوه في العقيدة لا لضعفه في لسانه، وقد عرفت أن التضعيف بين القدماء لأجل العقيدة لا يوجب سلب الوثوق عن الراوي، لأن أكثر ما رآهُ القدماء غلواً أصبح في زماننا من الضروريات في دين الامامية فلاحظ .

هذا كله حول أسانيد ابن أبي عمير وحال النقوض التي جاءت في «معجم رجال الحديث» و «مشايخ الثقات» وغيرهما. غير ان النقوض لا تنحصر فيما ذكر بل هناك موارد اُخر، ربما يستظهر منها ان ابن أبي عمير نقل فيها عن الضعفاء، وستجيء الاشارة الكلية إلى ما يمكن الجواب به عن هذه الموارد المذكورة وغير المذكورة.

وقد حان وقت البحث عن مشايخ عديله وقرينه وهو صفوان بن يحيى.

2 ـ صفوان بن يحيى بيّاع السابُري ( المتوفّى عام 210 هـ)

قد تعرفت من الشيخ ان صفوان، احد الثلاثة الذين التزموا بعدم الرواية والإرسال إلاّ عن ثقة، وقبل دراسة هذه الضابطة عن طريق أسانيده نأتي بما ذكره النجاشي في حقه.

قال: «صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري، كوفي ثقة، ثقة، عين، روى أبوه عن أبي عبدالله - عليه السلام -وروى هو عن الرضا- عليه السلام -، وكانت له عنده منزلة شريفة، ذكره الكشي في رجال أبي الحسن موسى - عليه السلام -. وقد توكل للرضا وأبي جعفر - عليهما السلام -، وسلم


1 . رجال النجاشي: برقم 591 .


(251)

مذهبه من الوقف، وكانت له منزلة من الزهد والعبادة، وكانت جماعة الواقفة بذلوا له أموالاً كثيرة ـ إلى ان قال: ـ وكان من الورع والعبادة على ما لم يكن عليه أحد من طبقته- رحمه الله -، وصنف ثلاثين كتاباً كما ذكر أصحابنا»، ثم ذكر كتبه (1).

وقال الشيخ في الفهرست: «أوثق أهل زمانه عند أهل الحديث، وأعبدهم، وكان يصلي كل يوم وليلة خمسين ومائة ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاثة مرات».

مشايخه

فقد أنهى في «معجم رجال الحديث» مشايخه في الكتب الأربعة إلى 140 شيخاً، وقد أحصاها مؤلف «مشايخ الثقات» فبلغ مشايخه في كتب الأبعة وغيرها 213 شيخاً، والثقات منهم 109 مشايخ، والباقون اما مهمل او مجهول، وقليل منهم مضعف، وهذا ان دل على شىء فانما يدل على جلالة الرجل وعظمته وإحاطته بأحاديث العترة الطاهرة. ومع ذلك فقد ادعي وجود ضعاف في مشايخه نأتي بما جاء في «معجم الرجال» أوّلاً، ثم بما جاء في كتاب «مشايخ الثقات» ثانياً.

1 ـ يونس بن ظبيان: روى الشيخ عن موسى بن قاسم، عن صفوان وابن ابي عمير، عن بريد (يزيد) ويونس بن ظبيان قالا: سألنا أبا عبدالله - عليه السلام -عن رجل يحرم في رجب أو في شهر رمضان حتى إذا كان أوان الحج... (2).

أقول: مر الجواب عنه بوجوه ثلاثة في البحث السابق فلا نعيد.


1 . رجال النجاشي: الرقم 254، ورجال الكشي: 433، طبعة الاعلمي.
2 . التهذيب: 5 / 32، الحديث 95 من ابواب ضروب الحج.


(252)

2 ـ علي بن ابي حمزة البطائني: روى الكليني عن أحمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن علي بن ابي حمزة قال: قلت لابي عبد الله - عليه السلام -سمعت هشام بن الحكم يروي عنكم ان الله جسم صمدي نوري، معرفته ضرورة يمنّ بها على ما يشاء من خلقه. فقال - عليه السلام -: سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلاّ هو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحدّ، ولا يحسّ، ولا يجسّ ولا تدركه الابصار ولا الحواسّ، ولا يحيط به شيء، ولا جسم ولا صورة، ولا تخطيط ولا تحديد(1).

وليس لصفوان بن يحيى رواية عن علي بن ابي حمزة في الكتب الأربعة غير ما ذكر.

والجواب من وجهين: الأول: ما عرفت ان وزان علي بن أبي حمزة، وزان زياد بن مروان القندي، فالرجلان قد ابتليا بالطعن واللعن، وليس وجهه إلاّ الانتماء إلى غير مذهب الحق، وهو لا يمنع من قبول روايتهما إذا كانا ثقتين في الرواية، والنجاشي والشيخ وان صرحا بوقف الرجل وانه من عُمده، ولكنه لا يضر باعتبار قوله إذا كان متجنّباً عن الكذب.

الثاني: ان ابا عمرو الكشي روى مسنداً ومرسلاً يناهز خمس روايات (2). تدل على انحراف عقيدته، كما روى الشيخ في غيبته ما يدل على انه تعمد الكذب (3) إلاّ ان هنا روايات تدل على كونه باقياً على مذهب الإمامية، او انه رجع عن الوقف وصار مستبصراً. وهذه الروايات مبثوثة في غيبة النعماني، وكمال الدين للصدوق، وعيون أخبار الرضا - عليه السلام -، بل


1 . الكافي: 1 / 104 باب النهي عن الجسم والصورة، الحديث 1.
2 . رجال الكشي: رقم الترجمة 310 و 332.
3 . غيبة الشيخ الطوسي: 46، طبعة النجف.


(253)

في رجال الكشي ما يدل على رجوعه عن الوقف، ولأجل هذه المعارضة لا يمكن رمي الرجل بالبقاء على الوقف بقول قاطع.

ولأجل إيقاف القارئ الكريم على هذه النصوص نأتي بها:

الف: ما رواه أبو زينب في غيبته عن علي بن أبي حمزة، قال: كنت مع ابي بصير ومعنا مولى لأبي جعفر الباقر - عليه السلام -فقال: سمعت أبا جعفر - عليه السلام -يقول: منا اثنا عشر محدَّثاً، السابع من ولدي القائم فقام اليه ابو بصير فقال: أشهد اني سمعت ابا جعفر- عليه السلام -يقوله منذ أربعين سنة (1).

ب: روى الصدرق في كمال الدين بسنده عن الحسن بن علي بن ابي حمزة، عن ابيه، عن يحيى بن ابي القاسم، عن الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام -عن ابيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي بن ابي طالب وآخرهم القائم، هم خلفائي، وأوصيائي، وأوليائي، وحجج الله على امتي بعدي، المقر بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر (2).

ج: روى الصدوق في عيون أخبار الرضا عن الحسن بن علي الخزّاز قال: خرجنا إلى مكة ومعنا علي بن ابي حمزة، ومعه مال ومتاع، فقلنا: ما هذا؟ قال: هذا للعبد الصالح- عليه السلام -أمرني ان أحمله إلى علي ابنه - عليه السلام -وقد أوصى اليه (3).

كل ذلك يدل على خلاف ما نسب اليه الكشي من القول بالوقف وقد نقل


1 . الغيبة للنعماني: 61، طبعة الاعلمي بيروت.
2 . كمال الدين وتمام النعمة: 1 / 259 الحديث 4 طبعة الغفاري .
3 . عيون اخبار الرضا: 1 / 19 الحديث 4، من الطبعة الحجرية القديمة.


(254)

الكشي نفسه ما يظهر منه عناية الإمام الرضا - عليه السلام -(1) به ويصد الانسان عن التسرع في القضاء. خصوصاً إذا وقف الانسان على ما رواه الشيخ بسند صحيح في «التهذيب» عن الحسن بن علي بن ابي حمزة، الذي رمي بالوقف مثل أبيه، روى انه قال لأبي الحسن (الرضا) - عليه السلام -: ان ابي هلك وترك جاريتين قد دبَّرهما، وأنا ممن أشهد لهما وعليه دين كثير، فما رأيك؟ فقال: رضي الله عن ابيك، ورفعه مع محمد- صلى الله عليه وآله وسلم -قضاء دينه خير له ان شاء الله(2).

ولو صحت هذه الروايات لما صح ما ذكره ابن الغضائري في حق ابن أبي حمزة، انه اصل الوقف، واشد الخلق عداوة للولي من بعد ابي إبراهيم.

وقد قام الفاضل المعاصر الشيخ غلام رضا عرفانيان، بتأليف رسالة في شأن الاعتبار الروائي لعلي بن ابي حمزة، ونجله الحسن ـ شكر الله مساعيه ـ .

والقضاء الصحيح في حق الرواة خصوصاً المشايخ منهم، لا يتم بصرف المراجعة إلى كلمات الرجاليين، خصوصاً رجال الكشي الذي فيه ما فيه من اللحن والخلط، فلا بد من بذل السعي في الروايات الواردة في المجاميع الحديثية.

هذا كله حول «علي بن ابي حمزة» ومن تتَّبع الكتب الفقهية يرى ان الاصحاب يأخذون برواياته ويعملون بها إذا لم يكن هناك معارض.

واليك الكلام في باقي النقوض:

3 ـ ابو جميلة المفضل بن صالح الأسدي: روى الكليني عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن ابي عبد الله، عن صفوان بن يحيى، عن ابي


1 . رجال الكشي: رقم الترجمة 310.
2 . التهذيب: 8 / 262 الحديث 953، ولا يخفى ان سؤال الحكم الشرعي عن أبي الحسن - عليه السلام -يعرب عن اعتقاده بإمامته وكونه كأبيه إماماً وقدوة.


(255)

جميلة، عن حميد الصيرفي، عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: كل بناء ليس بكفاف فهو وبال على صاحبه يوم القيامة (1).

والمراد منه المفضل بن صالح الأسدي والّذي عده الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق- عليه السلام -قائلاً: «المفضل بن صالح ابو علي مولى بني اسد، يكنى بأبي جميلة، مات في حياة الرضا - عليه السلام -» (2).

ولكن النجاشي ضعفه عندما ذكر جابر بن يزيد الجعفي (المتوفّى عام 128 هـ) وقال: «روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا، منهم: عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح، ومنخل بن جميل، ويوسف بن يعقوب» (3).

وقال العلاّمة في الخلاصة: «مفضل بن صالح ابو جميلة الأسدي النحاس مولاهم، ضعيف كذاب، كذاب، يضع الحديث، روى عن ابي عبد الله وعن ابي الحسن- عليهما السلام -».(4)

أقول: ليس لصفوان أية رواية عن المفضل في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية (5) ومع ذلك كله فلم يثبت ضعفه، اما ما ذكره العلاّمة فهو مأخوذ عن ابن الغضائري، واليك نص عبارته: «المفضل بن صالح ابو جميلة الأسدي النحاس مولاهم، ضعيف كذاب يضع الحديث». وقد ذكرنا انه لا اعتبار بتضعيفاته وتعديلاته، لعدم استناده فيهما إلى السماع بل إلى قراءة المتون كما مر غير مرة.

واما ما ذكره النجاشي فمن القريب جداً ان تضعيفه لأجل الاعتقاد فيه


1 . الكافي: 6 / 531 كتاب الزي والتجمل، باب النوادر، الحديث 7.
2 . رجال الشيخ: 315.
3 . رجال النجاشي: الرقم 332.
4 . الخلاصة: 258 .
5 . معجم رجال الحديث: 11 / 431.


(256)

بالغلو، فصار ذلك الاعتقاد مبدأً للتضعيف، ومن تتبع رجاله يقف على ان النجاشي متأثر جداً بطريقة ابن الغضائري ، وان بعض تضعيفاته أو كثيراً منها إذا لم يذكر لها وجهاً، كان لاعتقاد الغلو في الراوي، وقد عرفت عند البحث عن كتاب ابن الغضائري ان مفهوم الغلو لم يكن محدوداً آنذاك، حتى يعرف به الغالي من المقصر.

وهذا الاحتمال وان لم يكن له دليل، إلاّ انه مظنون لمن راجع رجال النجاشي. وعلى ذلك فلا يعد تضعيفه نقضاً للقاعدة التي استنبطها الأصحاب من طريقة هؤلاء الثقات، والتزامهم بانهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة.

4 ـ عبد الله بن خداش المنقري: روى الكليني عن ابي علي الأشعري ; عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عبد الله بن خداش المنقري انه سأل ابا الحسن - عليه السلام -عن رجل مات وترك ابنته وأخاه، قال: المال للابنة (1).

قال النجاشي: «عبد الله بن خداش، ابو خداش المهري ضعيف جداً، وفي مذهبه ارتفاع، له كتاب أخبرناه ابن شاذان، عن أحمد بن محمد بن يحيى قال حدثنا ابي، قال حدثنا سلمة بن الخطاب عنه بكتابه» (2).

اقول: ان النجاشي وان ضعفه، لكن تضعيفه بقرينة قوله «وفي مذهبه ارتفاع» لأجل اعتقاده بأنه غال، لا لانه ليس بصدوق. والظاهر كما عرفت ان النجاشي كان متأثراً بابن الغضائري في تضعيف الراوي في بعض الأحيان لأجل كونه راوياً لبعض ما يتراءى منه الغلوّ، حسب عقيدة النجاشي وزميله ابن الغضائري ، مثل ذلك لا يمكن الاعتماد عليه.


1 . الكافي: ج 7 كتاب المواريث باب ميراث الولد، الحديث 4، ومستدرك الوسائل الجزء 17، الباب 5 من ابواب ميراث الابوين، الحديث 2.
2 . رجال النجاشي: الرقم 604.


(257)

أضف إلى ذلك أن الكشي نقل وثاقته عن عبدالله بن أبي عبدالله، محمد بن خالد الطيالسي، فتوثيقه ممّا يعتنى به. قال الكشي: «محمد بن مسعود، قال أبو محمد عبدالله بن محمد بن خالد: (1) أبو خداش، عبدالله بن خداش المهري. ومهرة: محلَّة بالبصرة وهو ثقة» ثم نقل عنه أنه كان يقول: «ما صافحت ذمّياً قطّ، ولا دخلت بيت ذمّي، ولا شربت دوءً قط، ولا افتصدت ولا تركت غسل يوم الجمعة قطّ، ولا دخلت على وال قطّ، ولا دخلت على قاض قطّ».

وقد اختلف ضبط اسم والده، والمشهور هو بالدال كما في مواضع من رجال الشيخ في اصحاب الكاظم وأصحاب الجواد - عليهما السلام -، فضبطه بأبي خداش المهري البصري، ولكن ابن داود ذكر أنه رأى في كتاب الرجال للشيخ بخطّه في رجال الصادق - عليه السلام -عبدالله بن خداش البصري.

ثم الظاهر أن المنقري هو تصحيف المهري. وقد قال الفيض - قدس سره -في هامش الوافي: «الصحيح المهري ـ بفتح الميم والهاء الساكنة قبل الراء ـ مكان المنقري».

5ـ معلّى بن خنيس: وقد روى عنه صفوان على ما في فهرست الشيخ في ترجمة معلّى. قال: «معلّى بن خنيس يكنّى أبا عثمان الأحول له كتاب، أخبرنا به جماعة عن أبي جعفر ابن بابويه، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه عن صفوان، عنه»(2). والاجابة عن هذا النقض واضحة.

أما أولاً: فقد مرَّ أن المعلى بن خنيس ثقة، وما اُثير حوله من الشبهات ليست بتامَّة، وكفى بذلك ما نقله الشيخ في «الغيبة» في حقّه، يقول:


1 . المراد منه ابو العباس الطيالسي وقد يكنى بابي محمد فلا تغفل.
2 . الفهرست: الرقم 721.


(258)

«وكان معلّى من قوّام ابي عبدالله - عليه السلام -وإنما قتله داود بن علي بسببه، وكان محموداً عنده، ومضى على منهاجه، وأمره مشهور، فروي عن ابي بصير قال: لمّا قتل داود بن علي «المعلى بن خنيس»، فصلبه، عظم ذلك على ابي عبدالله - عليه السلام -واشتدّ عليه وقال له: يا داود، على ما قتلت مولاي وقيّمي في مالي وعلى عيالي؟ والله إنه لأوجه عند الله منك... في حديث طويل. وفي خبر آخر أنه قال: أما والله لقد دخل الجنة»(1).

وثانياً: إن المعلى قتل قبل ثلاث وثلاثين ومائة، كما مرَّ في بحث مشايخ ابن ابي عمير، وصفوان بن يحيى ممَّن توفي عام 210، فكيف يمكن له أن ينقل عنه، مع ان بين الوفاتين 77 سنة فما زاد، ولم يكن صفوان من المعمرين الذين عاشوا إلى مائة وأزيد، ولذلك ان من القريب سقوط الواسطة بين صفوان ومعلى بن خنيس. ويشهد على ذلك قول النجاشي في ترجمة معلى بن خنيس: «له كتاب.... أخبرنا أبو عبدالله بن شاذان، قال: حدثنا علي بن حاتم، قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن جعفر، عن أبيه، عن أيوب ، عن صفوان بن يحيى، عن أبي عثمان معلى بن زيد الاحول، عن معلى بن خنيس بكتابه»(2).

فيظهر من ذلك أن ما نقلناه آنفاً من الفهرست هو ترجمة معلى بن عثمان (او ابن زيد) الاحول، لا معلى بن خنيس والنسخة محرّفة لما عرفت من بُعد رواية صفوان عن معلى بن خنيس أولاً، ولأن «أبا عثمان» كنية معلى بن عثمان (أو ابن زيد) كما ذكر النجاشي والشيخ نفسه في رجاله ثانياً.

إلى هنا وقفت على حال النقوض المتوجهة إلى الضابطة التي نقلها الشيخ


1 . الغيبة: 210 (طبعة النجف)، ولاحظ ما ورد حول قتله من الروايات في تنقيح المقال الجزء الثالث، الصفحة 230.
2 . رجال النجاشي: الرقم 1115.


(259)

في حقّ الفقهاء الثلاثة وليس النقض منحصراً بما ذكره صاحب «معجم رجال الحديث» أو مؤلف «مشايخ الثقات» بل هناك نقوض اُخر يعرف الجواب عنها بالاحاطة بما ذكرناه. وإليك الكلام في أحوال البزنطي الشيخ الثالث، الذي لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة.

3ـ أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى عام 221 هـ)

قال النجاشي: «أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي نصر زيد، مولى السكون، أبو جعفر، المعروف بالبزنطي، كوفي لقي الرضا وأبا جعفر - عليهما السلام -، وكان عظيم المنزلة عندهما وله كتب منها: الجامع قرأناه على أبي عبدالله الحسين بن عبيدالله، قال: قرأته على أبي غالب أحمد بن محمد الزراري، قال حدثني به خال أبي محمد بن جعفر، وعمّ أبي علي بن سليمان قالا: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عنه به. وكتاب النوادر ـ إلى أن قال: ـ ومات أحمد بن محمد سنة إحدى وعشرين ومائتين بعد وفاة الحسن بن علي بن فضال بثمانية أشهر. ذكر محمد بن عيسى بن عبيد أنه سمع منه سنة عشرة ومائتين»(1) والبزنطي أحد الفقهاء الثلاثة الذين ادّعى الشيخ أنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة. وقد جاء في الكتب الاربعة في أسناد روايات تبلغ زهاء 788 مورداً، وقد أنهى صاحب «معجم رجال الحديث» مشايخه في الكتب الاربعة وغيرها فبلغ 115 شيخاً، والثقات منهم 53 شيخاً، والباقي إما مهمل أو مجهول، وقليل منهم مضعف نظراء.

1ـ المفضَّل بن صالح: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن أبي نصر وابن محبوب، جميعاً عن المفضل بن صالح، عن


1 . رجال النجاشي: الرقم 180.


(260)

محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبدالله - عليه السلام -يقول: كنت مع أبي في الحجر فبينما هو قائم يصلي إذا أتاه رجل فجلس اليه فلمّا انصرف، سلّم عليه ثم قال: إني أسألك عن ثلاثة أشياء لا يعلمها إلاّ أنت ورجل آخر، قال: ما هي... (1).

وقد تعرَّفت على حال هذا النقض عند البحث عن مشايخ صفوان فلا نعيد.

2ـ حسن بن علي بن أبي حمزة: روى الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن- عليه السلام -قال: قلت له: إن أبي هلك وترك جاريتين... (2).

وفيه أولاً: إن علي بن أبي حمزة ونجله الحسن ومعاصرهما زياد بن مروان القندي، ابتلوا بالشَّتم والطعن واللعن، لذهابهم إلى الوقف، ولكنه كان راجعاً إلى اعتقادهم الفاسد، ولا ينافي وثاقتهم الروائية.

وثانياً: إن هناك روايات تدلّ على رجوع الوالد والولد عن الوقف وصيرورتهما مستبصرين، وقد نقلا النصّ على إمامة الإمام الرضا - عليه السلام -ومنها هذه الرواية ; فترى انّ النَّجل يذهبالى الإمام الرضا - عليه السلام -يسأله عن مسألة شرعية راجعة إلى تركة أبيه، ولولا اعتقاده لما كان لسؤاله معنى، وقد عرفت بعض هذه الروايات عند البحث عن النّقوض المتوجّهة إلى مشايخ ابن أبي عمير، فلا نعيد.

3ـ عبدالله بن محمد الشامي: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبدالله بن محمد الشامي، عن


1 . الكافي: ج 4، كتاب الحج، باب بدء البيت والطواف، الحديث 2.
2 . التهذيب: 8 / 262 باب التدبير، الحديث 953.


(261)

حسين بن حنظلة، عن أحدهما - عليهما السلام -قال: أكل الكباب يذهب بالحمى (1).

وروى أيضاً عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن ابي نصر، عن عبد اللَّه بن محمد الشامي، عن الحسين بن حنظلة قال: الدباء يزيد في الدماغ (2).

وروى البرقي في المحاسن بسنده عن أحمد بن محمد بن ابي نصر، عن عبد اللَّه بن محمد الشامي، عن الحسين بن حنظلة، عن احدهما - عليهما السلام -قال: السمك يذيب الجسد (3).

اما وجه النقض فان عبداللَّه بن محمد، من رجال كتاب «نوادر الحكمة» وقد ضعف عدة من رجالها، وذكرها النجاشي في ترجمة مؤلفها، منهم عبد اللَّه بن محمد الشامي، واليك نص النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي: «كان ثقة في الحديث إلاّ ان اصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء وكان محمد بن الحسن بن الوليد يستثنى من رواية محمد بن أحمد بن يحيى، ما رواه عن موسى بن محمد الهمداني ـ إلى ان قال: او عبد الله بن محمد الشامي، او عبد الله بن أحمد الرازي...»(4).

اقول: ان عبد اللَّه بن محمد الشامي، الذي يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى صاحب «نوادر الحكمة» غير عبد اللَّه بن محمد الشامي الذي يروي عنه البزنطي، فان الأول شيخ صاحب النوادر وتلميذ أحمد بن محمد بن


1 . الكافي: ج 6 كتاب الاطعمة باب الشواء والكباب، الحديث 4.
2 . الكافي: 6 / 371 كتاب الاطعمة باب القرع، الحديث 4.
3 . المحاسن: 476، الحديث 483.
4 . رجال النجاشي: الرقم 939.


(262)

عيسى قال الشيخ: «عبد الله بن محمد يكنى ابا محمد الشامي الدمشقي يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وغيره من اصحاب العسكري - عليه السلام -» وقال في فصل من لم يرو عنهم - عليهم السلام -: «عبد الله بن محمد الشامي روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى» وهذا هو الذي استثناه ابن الوليد من روايات كتاب «نوادر الحكمة».

واما عبد الله بن محمد الشامي الذي يروي عنه أحمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي، فهو متقدم على سميّه بواسطتين: 1 ـ أحمد بن محمد بنعيسى 2 ـ أحمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي، وذلك لأن ابن عيسى يروي كثيراً عن البزنطي، وهو يروي عن عبد الله بن محمد الشامي، فلا يمكن ان يكونا شخصاً واحداً.

وبعبارة اخرى; توفي مؤلف النوادر حوالي 290، وتوفي أحمد بن محمد بن عيسى بعد 274، أو بعد 280، وتوفي البزنطي 221، فكيف يمكن ان يروي صاحب «نوادر الحكمة» عن شيخ البزنطي وهو عبد الله بن محمد الشامي. ومنشأ الاشتباه اتحاد الراويين في الاسم والنسبة.

ولأجل ان يقف القارىء على تعددهما ذاتاً وطبقة، فليلاحظ ما رواه الصدوق في عيون اخبار الرضا باب النص على الرضا - عليه السلام -قال: حدثنا ابي ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، وأحمد بن محمد بن يحيى العطار، ومحمد بن علي ماجيلويه ـ رضي اللَّه عنهم ـ قالوا حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري (مؤلف نوادر الحكمة) عن عبد الله بن محمد الشامي، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن أسباط، عن الحسين مولى ابي عبدالله - عليه السلام -... (1). ترى فيه ان عبد الله بن محمد الشامي يروي عن علي


1 . عيون اخبار الرضا: 16 ، الطبعة الحجرية.


(263)

بن اسباط بواسطة، وكان علي بن اسباط معاصراً لعلي بن مهزيار، وقد دارت بينهما رسائل، وعلي بن مهزيار متأخر عن البزنطي (1). وليسا في طبقة واحدة، فكيف يمكن ان يكون الشامي الذي هو شيخ صاحب النوادر، شيخاً للبزنطي؟ ولأجل ذلك يحكم بتعدد الراويين.

4 ـ عبد الرحمن بن سالم: روى الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن ابي نصر، عن عبد الرحمن بن سالم، عن اسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبدالله - عليه السلام -: أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر... (2).

وروى ايضاً بهذا السند عن عبد الرحمن بن سالم، عن مفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -جعلت فداك ما تقول في المرأة تكون في السفر مع الرجال ليس فيهم لها ذو محرم... (3).

وروى أيضاً عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن سالم، عن مفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد الله - عليه السلام -: من غسل فاطمة - عليها السلام -؟... (4).

اقول: ويروي عنه ابن ابي عمير أيضاً. روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن عبد الرحمن بن سالم، عن ابيه،


1 . توفي ابن مهزيار في ايام إمامة الإمام الحسن العسكري- عليه السلام -، روى الكليني مكاتبته عنه في الحج لاحظ ج 4، الصفحة 30 باب بلا عنوان بعد باب الحج عن المخالف، وقد تقلد الإمام العسكري - عليه السلام -الإمامة بعد وفاة ابيه عام 254 هـ، وعلى ذلك يكون موت ابن مهزيار حوالي تلك السنة.
2 . الوسائل: ج 1 باب 4 من ابواب الوضوء، الحديث 4.
3 . الوسائل: ج 2 باب 22 من ابواب غسل الميت، الحديث 1.
4 . الوسائل: ج 2 باب 24 من ابواب غسل الميت الحديث 6 والظاهر سقوط الواسطة بين أحمد بن محمد بن عيسى، وعبد الرحمن بن سالم وهو أحمد بن محمد بن ابي نصر، كما في الاستبصار الرقم (730) ويشهد بذلك السندان السابقان.


(264)

عن ابي جعفر - عليه السلام -قال: قلت له: هل يكره الجماع في وقت من الأوقات وان كان حلالاً؟... (1).

وقع بعنوان «عبد الرحمن بن سالم» في اسناد ثلاث وعشرين رواية، فهو يروي عن ابي بصير وابيه، واسحاق بن عمار، والمفضل بن عمر، وروى عنه ابن ابي عمير، وابن ابي نصر، والحسن بن ظريف، وسهل بن زياد، ومحمد بن أسلم وغيرهم.

قال النجاشي: «عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن الكوفي العطار ـ وكان سالم بياع المصاحف ـ وعبد الرحمن اخو عبد الحميد بن سالم، له كتاب» ثم ذكر سنده اليه (2). وعده الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق - عليه السلام -كما عده البرقي من اصحابه (3).

ولم يضعفه إلاّ ابن الغضائري وقال: «روى عن ابي بصير، ضعيف» ومن المعلوم ان تضعيفاته غير موثوق بها، لما أوضحنا حالها.

حصيلة البحث: قد تعرفت على النقوض المتوجهة إلى الضابطة من جانب المحقق مؤلف «معجم رجال الحديث» والفاضل المعاصر مؤلف «مشايخ الثقات» وان شيئاً منها لا يصلح لأن يكون نقضاً للقاعدة، وذلك لجهات شتى نشير اليها:

1 ـ ان شيئاً منها من هؤلاء الضعاف لم يكونوا مشايخ للثقات، بل كانوا أعدالهم وأقرانهم، وانما توهمت الرواية عنهم بسبب وجود «عن» مكان «الواو»، فتصحيف العاطف بحرف الجر، صار سبباً لأوهام كثيرة. وقد نبه


1 . الكافي: 5 / 497، كتاب النكاح باب الاوقات التي يكره فيها الباه.
2 . رجال النجاشي: الرقم 629.
3 . رجال الشيخ: الرقم 711.


(265)

على هذه القاعدة صاحب «منتقى الجمان» كما أوضحناه فتصور العديل استاذاً لهم.

2 ـ ان كثيراً ممن اتهم بالضعف، مضعفون من حيث المذهب والعقيدة، لا من حيث الرواية، وهذا لا يخالف وثاقتهم وصدقهم في الحديث. وقد وقفت في كلام الشيخ على ان المراد من الثقات هم الموثوق بهم من حيث الرواية والحديث لا المذهب، وبعبارة اخرى كانوا ملتزمين بالنقل عن الثقات سواء كانوا إماميين أم غيرهم.

3 ـ ان منشأ بعض النقوض هو الاشتراك في الاسم بين المضعف وغيره، كما مر نظيره في عبد الله بن محمد الشامي.

4 ـ ان بعض من اتهم بالضعف لم يثبت ضعفهم أوّلاً، ومعارض بتعديل الآخرين ثانياً. وعلى ضوء ما تقدم، تقدر على الاجابة عن كثير من النقوض المتوجهة إلى الضابطة، التي ربما تبلغ خمسة واربعين نقضاً. وأغلبها مستند إلى سقم النسخ وعدم إتقانها.

نعم من كان له إلمام بطبقات الرواة، وميز الشيخ عن التلميذ، يقف على كثير من الاشتباهات الواردة في الاسناد التي لم تقابل على النسخ الصحيحة.

فابتلاؤنا بكثير من هذهالاشتباهات وليد التقصير في دراسة الحديث، وعدم معرفتنا بأحوال الرواة، وطبقاتهم ومشايخهم وتلاميذهم، وفقدان النسخ الصَّحيحة.

محاولة للاجابة عن النقوض

ان هنا محاولة للاجابة عن هذه النقوض لا بأس بطرحها، وهي:

ان شهادة الشيخ في المقام لا تقصر عن شهادة ابن قولويه وعلي بن


(266)

إبراهيم في أول كتابيهما بأنهما لا يرويان فيهما إلاّ عن ثقة. فكما انه يجب الاخذ بشهادتهما مطلقاً، إلاّ إذا عارضها تنصيص آخر، وعند التعارض اما ان يتوقف، او يؤخذ بالثاني لو ثبت رجحانه، فهكذا المقام يؤخذ بهذه الشهادة إلاّ إذا ثبت خلافها، او تعارضت مع نصّ اخر، فكما ان ثبوت الخلاف في مورد شهادة ابن قولويه وعلي بن إبراهيم، لا يضر بالاخذ بقولهما في غير مورده فهكذا المقام.

وجه ذلك ان الشهادة الاجمالية في هذه المقامات تنحل إلى شهادات حسب عدد الرواة، فالتعارض او ثبوت الخلاف في موارد خاصة يوجب عدم الأخذ بها في الموارد التي ثبت خلافها دون ما لم يثبت، وقد اورد على هذه المحاولة بوجهين:

الوجه الأول: ان هذا الجواب انما يتم لو كانت الشهادة منتهية إلى نفس هؤلاء الثلاثة، بأن كانوا مصرحين بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة فعند ذلك تؤخذ بشهادتهم إلاّ في صورة التعارض او ثبوت الخلاف، اما إذا كانت الشهادة مستندة إلى نفس الشيخ، بأن يشهد هو - قدس سره -بأن هؤلاء المشايخ لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، فعندئذ يكون الوقوف على مشايخ لهم مضعفين بنفس الشيخ، موجباً لسقوط هذه الشهادة عن الاعتبار فلا يبقى لها وثوق.

والفرق بين كون الشهادة منتهية إلى نفس الأقطاب الثلاثة، وكونها منتهية إلى نفس الشيخ واضح، إذ لو كانت الشهادة منتهية إلى نفس المشايخ، يكون معناه انهم شهدوا على انهم ما كانوا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة عندهم. فاذا تبين الخلاف، او تعارض مع تنصيص اخر، يحمل على انه صدر اشتباهاً من هؤلاء في هذه الموارد المتبينة، فحسبوا غير الثقة ثقة فرووا عنه. وهذا لا يضر بالاخذ بها في غير تلك الموارد وكم له من نظائر في عالم الشهادات.


(267)

واما إذا كانت الشهادة منتهية إلى نفس الشيخ، وكانت شهادته على انهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، مبنية على استقرائه في مشايخهم، فلا تعتدّ بها إذا تبين الخلاف، واعلم انهم يروون عن غير الثقة أيضاً، إذ عندئذ يتبين ان استقراء الشيخ كان استقراء ناقصاً غير مفيد لامكان انتزاع الضابطة الكلية، فلا يصح الأخذ بها لبطلان اساسها.

هذا ما يرومه معجم رجال الحديث. وان كانت العبارة غير وافية بهذا التقرير، ولكن الإجابة عن هذا الاشكال ممكنة بعد الدقة في عبارة «العدة». لأن الظاهر من عبارة الشيخ هو استكشاف الطائفة التزامهم بأنهم ما كانوا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة، على وجه كانت القضية مشهورة في الأوساط العلمية قبل زمن الشيخ إلى ان انتهت اليه، فعند ذاك يكون الشيخ حاكياً لهذا الاستكشاف، لا انه هو الذي كشف ذلك، وادعى الإجماع عليه. ألا ترى انه يقول: «سوت الطائفة بين ما يرويه هؤلاء وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمن يوثق به».

فالطائفة التي سوت بين ما يرويه هؤلاء هي التي كشفت هذا الالتزام عنها وعرفها الشيخ، وبذلك يسقط الاشكال عن الصلاحية، لانه كان مبنياً على ان الشيخ هو الذي كشف الضابطة عن طريق الاستقراء، وبالعثور على مشايخ ضعفهم الشيخ نفسه في كتبه، يكون ذلك دليلاً على نقصان الاستقراء.

ولكنك عرفت ان احتمال كون الشيخ هو المستكشف، فضلاً عن كون استكشافه مبنياً على الاستقراء، أمر لا توافقه عبارة «العدة». وعلى ذلك يؤخذ بهذه الشهادة، ويحكم بوثاقة مشايخهم عامة، وان لم يذكروا في الكتب الرجالية بشيء من الوثاقة والمدح .

الوجه الثاني: ربما يقال ان هذه المحاولة انما تنتج في المسانيد، فيحكم بوثاقة كل من جاء فيها إلاّ من ثبت ضعفه. وأما المراسيل فلا تجري


(268)

فيها، إذ من المحتمل أن تكون الواسطة هي من ثبت ضعفه فعندئذ لا يمكن الأخذ بها، لأنه يكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية(1).

وأجاب عنه السيد الشهيد الصدر ـ رضوان الله عليه ـ على أساس حساب الاحتمالات، وحاصله: أن الوسيط المجهول إذا افترضنا أنه مردّد بين جميع مشايخ ابن أبي عمير، وكان مجموع من روى عنه أربعمائة شخص، وكان ثابت الضعف منهم بشهادة أخرى، لا يزيدون على خمسة أو حوالي ذلك، فعندئذ يكون احتمال كون الوسيط المحذوف أحد الخمسة المضعفة 80/1، وإذا افترضنا أن ثابت الضعف من الاربعمائة هم عشرة، يكون احتمال كون الوسيط المحذوف منهم 40/1 ومثل هذا الاحتمال لا يضرّ بالاطمئنان الشخصي، وليس العقلاء ملتزمين على العمل والاتباع، إذا صاروا مطمئنين مائة بالمائة.

ثمَّ إنه - قدس سره -أورد على ما أجاب به إشكالاً هذا حاصله: إن هذا الجواب إنما يتّم إذا كانت الاحتمالات الاربعمائة في الوسيط المجهول، متساوية في قيمتها الاحتمالية، إذ حينئذ يصحّ أن يقال احتمال كونه أحد الخمسة المضعفين قيمة 80/1، وإذا فرضنا أن ثابت الضعف عشرة في أربعمائة، كان احتمال كون الوسيط أحدهم 40/1، وأما إذا لم تكن الاحتمالات متساوية، وكانت هناك أمارة احتمالية تزيد من قيمة احتمال أن يكون الوسيط المجهول أحد الخمسة، فسوف يختلّ الحساب المذكور، ويمكن أن ندّعي وجود عامل احتمالي، يزيد من قيمة هذا الاحتمال، وهو نفس كون ابن أبي عمير يروي الرواية عن رجل او بعض اصحابه، ونحو ذلك من التعبيرات التي تعرب عن كون الراوي بدرجة من عدم الاعتناء، وعدم الوثوق بالرواية، يناسب أن يكون المرويّ عنه أحد أولئك الخمسة، وإلاّ لما


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 80، ومشايخ الثقات: 41.


(269)

كان وجه لترك اسمه والتكنية عنه برجل ونحوه وعندئذ يختلّ الحساب المذكور ويكون المظنون كون المرويّ هو أحد الخمسة، لا أحد الباقين، فتنقلب المحاسبة المذكورة(1).

ولا يخفى أن الجواب المذكور غير واف لدفع الاشكال، وعلى فرض صحّته فالذي اُورد عليه غير تامّ.

أما الأول، فلأن العقلاء في الاُمور المهمّة، يحتاطون بأكثر من ذلك، فلا يأخذون بخبر يحتمل كذبه بنسبة 80/1 فلو علم العقلاء أن قنبلة تصيب بناية من ثمانين بناية، لا يقدمون على السكنى في أحدها، كما أنه لو وقفوا على أن السيل سيجرف إحدى السيارات التي تبلغ العدد المذكور لا يجرأون على ركوب أي منها، وهكذا غير ذلك من الامور الخطيرة.

نعم الاُمور الحقيرة التي لا يهتمّ العقلاء باضرارها، ربّما يأخذون بخبر يحتمل صدقه حتى بأقل من النسبة المذكورة. والشريعة الالهية من الامور المهمة، فلا يصحّ التساهل فيها، مثل ما يتساهل في الاُمور غير المهّمة.

ولأجل ذلك قلنا إن أصل الجواب غير تامّ. اللّهم إلاّ أن يقال: إنَّ تسويغ الشارع العمل بمطلق قول الثقة، يكشف عن أنه اكتفى في العمل بالشريعة، بالمراتب النازلة من الاطمئنان، وإلاّ لما سوَّغ العمل بقول الثقة على وجه الاطلاق، وليس قول كل ثقة مفيداً للدرجة العليا من الاطمئنان.

وأما الثاني، وهو أن الاشكال غير وارد على فرض صحَّة الجواب، فلأن النجاشي يصرّح بأن وجه إرساله الروايات، هو أن اُخته دفنت كتبه في حال استتاره، وكونه في الحبس أربع سنين، فهلكت الكتب وقيل: بل تركتها في غرفة فسال عليها المطر فهلكت، فحدَّث من حفظه وممّا كان سلف له في أيدي


1 . مشايخ الثقات: 44 ـ 45.


(270)

الناس، فلهذا أصحابنا يسكنون إلى مراسيله(1).

وعلى هذا فقوله «عن رجل» وما شاكله، لأجل أنه نسي المرويّ عنه، وإلاّ لصرّح باسمه، لا كأنه بلغ من الضعف إلى درجة يأنف عن التصريح باسمه، حتى يستقرب بأنه من أحد الخمسة الضعاف.

نعم هاهنا محاولة لحجيّة مراسيله لو صحت لاطمأنّ الإنسان بأنّ الواسطة المحذوفة كانت من الثقات لا من الخمسة الضعاف .

وحاصلها أن التتبع يقضي بأن عدد رواياته عن الضعاف قليل جدّاً بالنسبة إلى عدد رواياته عن الثقات، مثلاً إنه يروي عن أبي أيوب في ثمانية وخمسين مورداً، كما يروي عن ابن اذينة في مائة واثنين وخمسين مورداً، ويروي عن حمّاد في تسعمائة وخمسة وستّين مورداً، ويروي عن عبد الرحمن بن الحجّاج في مائة وخمسة وثلاثين مورداً، كما يروي عن معاوية بن عمّار في أربعمائة وثمانية وأربعين مورداً، إلى غير ذلك من المشايخ التي يقف عليها المتتبّع بالسبر في رواياته.

وفي الوقت نفسه لا يروي عن بعض الضعاف إلاّ رواية او روايتين او ثلاثة، وقد عرفت عدد رواياته في الكتب الاربعة عن هذه الضعاف.

فاذا كانت رواياته من الثقات أكثر بكثير من رواياته عن الضعاف، يطمئن الانسان بأن الواسطة المحذوفة في المراسيل هي من الثقات، لا من الضعاف. ولعلّ هذا القدر من الاطمئنان كاف في رفع الاشكال.

نعم لمّا كانت مراسيله كثيرة مبسوطة في أبواب الفقه، فلا جرم إن الانسان يذعن بأن بعض الوسائط المحذوفة فيها من الضعفاء.


1 . رجال النجاشي: الرقم 887.


(271)

ولكن مثل هذا العلم الاجمالي أشبه بالشبه غير المحصورة، لا يترتب عليها أثر، كالعلم بأن بعض الاخبار الصحيحة غير مطابق للواقع، ولا صادر عن المعصوم.


(272)


(273)

3 ـ العصابة المشهورة بأنهم لا يروون إلاّ عن الثقات

* أحمد بن محمد بن عيسى.

* بنو فضال كلهم.

* جعفر بن بشير البجلي.

* محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني.

* علي بن الحسن الطاطري.

* أحمد بن علي النجاشي صاحب الرجال.


(274)


(275)

قد عرفت حقيقة الحال في ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي. هلمّ معي ندرس حال الباقين ممَّن قيل في حقّهم إنهم لا يروون إلاّ عن ثقة، وهم عبارة عن عدّة من أجلاء الاصحاب منهم:

ألف ـ أحمد بن محمد بن عيسى القمي

لا شكّ أن أحمد بن محمد بن عيسى ثقة جليل وثَّقه النجاشي والشيخ، ونقل العلاّمة في خلاصته(1) أنه أخرج أحمد بن محمد بن خالد البرقي القمي من قم لانه كان يروي عن الضعاف، لكنه أعاده اليها، معتذراً اليه، ولمّا توفي مشى أحمد بن محمد بن عيسى في جنازته حافياً حاسراً ليبرء نفسه ممّا قذفه به وهذا يدلّ على أن أحمد بن محمد بن عيسى ما كان يروي عن الضِّعاف وإلاّ لما أخرج سميّه ومعاصره من قم، فيعدّ هذا دليلاً على أنه لا يروي إلاّ عن ثقة.

والظاهر بطلان هذا الاستنتاج، لأنه لم يخرج البرقي من قم لأجل روايته عن ضعيف او ضعيفين او ضعاف معدودين، بل لأجل أنه كان يكثر الرواية عن


1 . الخلاصة: 14، طبعة النجف. ونقل النجاشي في فهرسه (الرقم: 490) قريباً منه في حق سهل بن زياد الآدمي، وان ابن عيسى اخرجه من قم وكان يشهد عليه بالغلو والكذب.


(276)

الضعاف ويعتمد عليهم. قال الشيخ في ترجمته: «وكان ثقة في نفسه غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل»(1) وقال العلاّمة في «الخلاصة»: «أصله كوفي ثقة غير أنه اكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل، قال ابن الغضائري: طعن عليه القميون وليس الطعن فيه، إنما الطعن فيمن يروي عنه فانه كان لا يبالي عمَّن أخذ على طريقة أهل الاخبار».

والمتحصل من ذلك أن أحمد بن محمد بن عيسى أخذ على البرقي إكثار الرواية من الضعاف، وهو يدل على عدم اكثاره منها لا أنه لا يروي عن ضعيف قطّ.

أضف إلى ذلك أن أحمد بن محمد بن عيسى بنفسه روى عن عدَّة من الضعفاء نظراء:

1ـ محمد بن سنان: روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن اسماعيل بن جابر، عن أبي عبدالله - عليه السلام -قال: العلماء أمناء، والاتقياء حصون(2).

ومحمد بن سنان هذا ممَّن ضعفه النجاشي وقال: «قال أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد: إنه روى عن الرضا - عليه السلام -قال: وله مسائل عنه معروفة، وهو رجل ضعيف جدّاً لا يعوَّل عليه ولا يلتفت إلى ما تفرّد به، وقد ذكره ابو عمرو في رجاله، قال أبو الحسن علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان: لا اُحلّ لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان»(3).

2ـ علي بن حديد: روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن


1 . فهرست الشيخ: الرقم 55.
2 . الكافي: 1 / 33 ، كتاب فضل العلم، الباب الثاني، الحديث 5 .
3 . رجال النجاشي: الرقم 888، ورجال الكشي: 428.


(277)

محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبدالله - عليه السلام -قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء(1).

وقد مضى أن علي بن حديد في الضعاف.

3 ـ اسماعيل بن سهل: روى الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن اسماعيل بن سهل، عن حماد، عن ربعي، عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: قال امير المؤمنين - عليه السلام -: ان الندم على الشر يدعو إلى تركه (2).

واسماعيل بن سهل هذا ضعفه النجاشي. قال: «اسماعيل بن سهل الدهقان ضعفه اصحابنا، له كتاب» (3) وقال العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة وابن داود مثله(4).

4ـ بكر بن صالح: روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبدالله بن إبراهيم، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن أبي عبدالله - عليه السلام -قال: إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله يغدو عليه ويروح(5).

وبكر بن صالح هذا ممَّن ضعفه النجاشي. قال: «مولى بني ضبَّة روى عن أبي الحسن موسى - عليه السلام -، ضعيف له كتاب نوادر»(6).


1 . الكافي: 1 / 59 ، كتاب فضل العلم، باب الرد إلى الكتاب والسنة، الحديث 21.
2 . الكافي: 2 / 427 ، كتاب الايمان والكفر، باب الاعتراف بالذنوب، الحديث 7.
3 . رجال النجاشي: الرقم 56.
4 . الخلاصة: 200، ورجال ابن داود: 231، وذكراه في القسم الثاني.
5 . الكافي: 2 / 101 باب حسن الخلق، الحديث 12.
6 . رجال النجاشي: الرقم 276.


(278)

وقال العلاّمة في القسم الثاني من الخلاصة: «بكر بن صالح الرازي مولى بني ضبَّة، وروى عن أبي الحسن الكاظم - عليه السلام -، ضعيف جدّاً كثير التفرّد بالغرائب»(1).

ب ـ بنو فضّال

قد استدلّ على وثاقة كل من روى عنه بنو فضال بالحديث التالي: روى الشيخ في كتاب «الغيبة» عن أبي محمد المحمدي قال: وقال أبو الحسين بن تمام: حدثني عبدالله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح (رضي الله عنه)قال: سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم (رضي الله عنه)ـ عن كتب ابن ابي العزاقر(2) بعد ما ذمّ وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملآى؟ فقال: أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي - عليه السلام -وقد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملآى؟ فقال ـ صلوات الله عليه ـ: خذوا بما رووا وذروا ما رأوا(3).

وهذه الرواية ممّا استند اليه الشيخ الانصاري - رحمه الله -في كتاب صلاته عند ما تعرض لرواية داود بن فرقد وقال: «روى الشيخ عن داود بن فرقد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله - عليه السلام -قال: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي بمقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات، فاذا مضى مقدار ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر... ـ ثم قال: وهذه الرواية وإن كانت مرسلة إلاّ أن سندها إلى الحسن بن فضّال صحيح وبنو فضّال ممّن أُمروا بالأخذ بكتبهم ورواياتهم»(4).


1 . الخلاصة: 207 ـ 208.
2 . هو محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن ابي العزاقر وقد خرج التوقيع بلعنه على يد الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح في ذي الحجة من شهور سنة 312 هـ ، وله كتاب «التكليف».
3 . كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 239، طبعة النجف.

4 . صلاة الشيخ الانصاري: 1.


(279)

غير أن الاستدلال بهذا الحديث على فرض صحة سنده قاصر، لأن المقصود من الجملة الواردة في حقّ بني فضال هو أن فساد العقيدة بعد الاستقامة لا يضرّ بحجية الرواية المتقدمة على الفساد، لا انه يؤخذ بكل رواياتهم ومراسيلهم ومسانيدهم من غير أن يتفحص عمَّن يروون عنه، بل المراد أنه يجري على بني فضال الحكم الذي كان يجري على سائر الرواة، فكما أنه يجب التفتيش عنهم حتى تتبيّن الثقة منهم عن غيرها فهكذا بنو فضال.

ج ـ جعفر بن بشير

قد استدل المحدث النوري في مستدركه(1) على وثاقة كل من روى جعفر بن بشير عنهم ومن رووا عنه بما ذكره النجاشي في رجاله حيث قال: «جعفر بن بشير البجلي الوشاء من زهاد اصحابنا وعبّادهم ونسّاكهم وكان ثقة وله مسجد بالكوفة ـ إلى أن قال: مات جعفر - رحمه الله -بالأبواء سنة 208 هـ . كان أبو العباس بن نوح يقول: كان يلقّب فقحة العلم(2) روى عن الثقات ورووا عنه، له كتاب المشيخة»(3).

ولكن الظاهر أن العبارة غير ظاهرة في الحصر، بل المراد أن جعفر بن بشير يروي عن الثقات كما تروي الثقات عنه، وأما إنه لا يروي عنه إلاّ الثقات وهو لا يروي إلاّ عنهم، فلا تفيده العبارة، كيف ومن المستبعد عادة أن لا يروي عنه إلاّ ثقة وهو خارج عن اختياره، وأقصى ما تفيده العبارة أن القضية غالبية.

كيف وقد روى جعفر بن بشير عن الضعيف أيضاً.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 777، الفائدة العاشرة .
2 . هكذا ضبطه في الايضاح على ما نقله قاموس الرجال والفقحة من النبت الزهرة، كما ضبطه في الخلاصة: 32، ورجال ابن داود بـ «قفة العلم».
3 . رجال النجاشي: الرقم 304.


(280)

روى الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن صالح بن الحكم قال: سألت أبا عبدالله - عليه السلام -عن الصلاة في السفينة... إلى آخره(1).

وصالح بن الحكم ممن ضعفه النجاشي وقال: «صالح بن الحكم النيلي الاحول، ضعيف»(2) .

د ـ محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني

وقد قيل(3) في حقه ما قيل في حقّ جعفر بن بشير مستدلاً بما ذكره النجاشي في حقه أيضاً حيث قال: «محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني أبو عبدالله ثقة عين روى عن الثقات ورووا عنه ولقي أصحاب أبي عبدالله - عليه السلام -»(4).

والمراد من هذه العبارة ما ذكرناه في حقّ المتقّدم عليه.

هـ ـ علي بن الحسن الطاطري

قال الشيخ في ترجمة الرجل: «كان واقفياً شديد العناد في مذهبه، صعب العصبية على ما خالفه من الإمامية، وله كتب كثيرة في نصرة مذهبه وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم فلأجل ذلك ذكرناها»(5).

استدل بذيل كلام الشيخ من أن كل من روى علي بن الحسن الطاطري عنه فهو ثقة، لأن الشيخ شهد على أنه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم


1 . التهذيب: 3 / 296، باب الصلاة في السفينة، الحديث 897 .
2 . رجال النجاشي: الرقم 533.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 777 ، الفائدة العاشرة.
4 . رجال النجاشي: الرقم 933.
5 . فهرست الشيخ: 118، الرقم 392.


(281)

وبروايتهم، ولكن غاية ما يستفاد من هذه العبارة ان الطاطري لا يروي في كتبه إلاّ عن ثقة، واما انه لا يروي مطلقاً إلاّ عن ثقة فلا يدل عليه.

وعلى ذلك كلما بدأ الشيخ سند الحديث باسم الطاطري فهو دليل على ان الرواية مأخوذة من كتبه الفقهية فعندئذ فالسند صحيح إلى اخره، وهذا غير القول بأنه لا يروي إلاّ عن ثقة، حتى يحكم بصحة كل سند وقع فيه الطاطري إلى ان ينتهي إلى المعصوم، على ان من المحتمل ان يكون كلام الشيخ محمولاً على الغالب، فلاحظ كتابه واطمأن بوثاقة كثير من رواة كتابه، فقال في حقه ما قال، والله العالم .

نعم هذه التوثيقات في حق هؤلاء الرجال، قرائن ظنية على وثاقة كل من يروون عنه ولو انضمت اليه القرائن الاخر ربما حصل الاطمئنان على وثاقة المروي عنه، فلاحظ.

و ـ أحمد بن علي النجاشي صاحب الرجال

ان للشيخ ابي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله النجاشي مشايخ معروفين سنشير اليهم، وجده النجاشي هو الذي ولي على الأهواز وكتب إلى ابي عبدالله - عليه السلام -يسأله فكتب الإمام اليه رسالة معروفة بالرسالة الأهوازية التي نقلها السيد محيي الدين في أربعينه والشهيد الثاني في كشف الريبة مسنداً اليه (1).

وقد تقدمت ترجمة النجاشي عند البحث عن الاصول الرجالية.

ويظهر من الشيخ النجاشي ان كل مشايخه ثقات، بل يظهر جلالة قدرهم وعلوّ رتبتهم فضلاً عن دخولهم في زمرة الثقات، وهذا ظاهر لمن لاحظ كلماته


1 . رواها الشيخ الانصاري عند البحث عن الولاية، لاحظ: الصفحة 60 من المكاسب طبعة تبريز.


(282)

في احوال بعض مشايخه، واليك بعض ما قال في حق مشايخه:

1 ـ قال في ترجمة جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور:

«كوفي كان ضعيفاً في الحديث. قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعاً، ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان ايضاً فاسد المذهب والرواية، ولا ادري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة ابو علي ابن همام وشيخنا الجليل الثقة ابو غالب الزراري ـ رحمهماالله ـ وليس هذا موضع ذكره» (1).

وتعجبه من روايات شيخيه عن هذا الرجل قرينة على انه لم يكن يجوز لنفسه الرواية عن غير الثقة في الحديث، والاعتماد في النقل على المنحرف الضعيف، ولكن التعجب من النقل عن واضع الحديث لا يدّل إلاّ على التحرز عن مثله لا عن كل ضعيف كما هو المطلوب، وغاية ما يمكن ان يقال انه كان محترزاً عن مثله لا عمن دونه من الضعفاء.

2 ـ وقال في ترجمة أحمد بن محمد بن عبيدالله بن الحسن بن عياش الجوهري: «كان سمع الحديث فأكثر واضطرب في اخر عمره... ، وذكر مصنفاته ثم قال: رأيت هذا الشيخ وكان صديقاً لي ولوالدي وسمعت عنه شيئاً كثيراً ورأيت شيوخنا يضعفونه، فلم ارو عنه شيئاً وتجنبته وكان من اهل العلم والادب القوي وطيب الشعر وحسن الخط ـ رحمه الله وسامحه ـ ومات سنة 401 هـ» (2).

3 ـ وقال في ترجمة اسحاق بن الحسن بن بكران: «ابو الحسين العقرائي التمّار كثير السماع ضعيف في مذهبه، رأيته بالكوفة وهو مجاور، وكان يروي كتاب الكليني عنه، وكان في هذا الوقت علواً فلم اسمع منه شيئاً، له كتاب الرد على الغلاة، وكتاب نفي السهو عن النبي، وكتاب عدد


1 . رجال النجاشي: الرقم 313. ابو علي محمد بن همام البغدادي (المتوفّى عام 333 هـ) وابو غالب الزراري هو مؤلف رسالة ابي غالب (المتوفّى عام 368 هـ) ويروي النجاشي عنهما مع الواسطة، كيف وقد تولد النجاشي عام 372 هـ ، كما تقدم.
2 . رجال النجاشي: الرقم 207.


(283)

الائمة» (1).

4 ـ وقال في ترجمة ابي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد بن عبيدالله بن البهلول: «كان سافر في طلب الحديث عمره، اصله كوفي وكان في أول امره ثبتاً، ثم خلط، ورأيت جل اصحابنا يغمزونه، له كتب ـ إلى ان قال: رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه» (2).

ولعل استثناء ما ترويه الواسطة لاجل انها كانت تروي عنه حال الاستقامة والثبت، والاعتماد على الواسطة بناء على ان عدالته تمنع عن روايته عنه ما ليس كذلك، كذا وجهّه السيد العلاّمة الطباطبائي، ووجهه المحدّث النوري، بأن نقله بالواسطة كان مجرد تورع واحتياط عن اتهامه بالرواية عن المتهمين ووقوعه فيه كما وقعوا فيه (3).

5 ـ وقال في ترجمة هبة الله بن أحمد بن محمد الكاتب ابو نصر المعروف بابن برنية: «كان يذكر أنّ أُمّه ام كلثوم بنت ابي جعفر محمد بن عثمان العمري سمع حديثاً كثيراً وكان يتعاطى الكلام ويحضر مجلس ابي الحسين ابن الشبيه العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتاباً وذكر ان الائمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين، واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي ان الائمة اثنا عشر من ولد اميرالمؤمنين - عليه السلام -. له كتاب في الإمامة، وكتاب في اخبار ابي عمرو وأبي جعفر العمريين، ورأيت ابا العباس ابن نوح قد عول عليه في الحكاية في كتابه اخبار الوكلاء. وكان هذا الرجل كثير الزيارات وآخر زيارة حضرها معنا يوم الغدير سنة اربعمائة بمشهد امير المؤمنين- عليه السلام -» (4).


1 . رجال النجاشي: الرقم 178.
2 . رجال النجاشي: الرقم 1059.

3 . مستدرك الوسائل: 3 / 504.
4 . رجال النجاشي: الرقم 1185.


(284)

قال المحدث النوري : «ولم يعتمد عليه في كتابه، ولا ادخله في طرقه إلى الاصول والكتب لمجرد تأليفه الكتاب المذكور. قال السيد العلاّمة الطباطبائي بعدما نقل ما ذكرناه: ويستفاد من ذلك كله غاية احتراز النجاشي وتجنبه عن الضعفاء والمتهمين، ومنه يظهر اعتماده على جميع من روى عنه من المشايخ، ووثوقه بهم، وسلامة مذاهبهم ورواياتهم عن الضعف والغمز، وان ما قيل في ابي العباس ابن نوح (1) من المذاهب الفاسدة في الاصول لا أصل له، وهذا أصل نافع في الباب يجب ان يحفظ ويلحظ» (2).

6 ـ ونقل في ترجمة عبيدالله بن ابي زيد أحمد المعروف بأبي طالب الأنباري ، عن شيخه الحسين بن عبيدالله قال: «قدم ابو طالب بغداد واجتهدت ان يمكنني اصحابنا من لقائه فاسمع منه فلم يفعلوا ذلك» (3). وقال المتتبع المحدث النوري: «ان ذلك يدل على امتناع علماء ذلك الوقت عن الرواية عن الضعفاء وعدم تمكينهم الناس من الاخذ عنهم، وإلاّ لم يكن في رواية الثقتين الجليلين عن ابن سابور (4) غرابة ولا للمنع من لقاء الانباري وجه، ويشهد لذلك قولهم(5)في مقام التضعيف: «يعتمد المراسيل ويروي عن الضعفاء والمجاهيل» فان هذا الكلام من قائله في قوة التوثيق لكل من يروي عنه وينبه عليه ايضاً قولهم (6) ضعفه اصحابنا او غمز عليه اصحابنا او بعض


1 . ابو العباس ابن نوح من مشايخ النجاشي.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 504 .
3 . رجال النجاشي: الرقم 617.
4 . نقل ذلك في ترجمة جعفر بن مالك حيث تعجب النجاشي من نقل ابي علي ابن همام وابي غالب الزراري عنه.
(5 . 6) والظاهر افراد الضمير في الكل، لأن البحث في النجاشي لا في كل عالم رجالي، اللهم إلاّ ان يريد المحدث النوري بهذه العبارة ان هذا المسلك لا يختص بالنجاشي، بل يعم كل من يعبر بهذه الالفاظ.


(285)

اصحابنا من دون تعيين، إذ لولا الوثوق بالكل لما حسن هذا الاطلاق، بل وجب تعيين المضعف والغامز او التنبيه على انه من الثقات.

ويدل على ذلك اعتذارهم عن الرواية عن الطاطريين وبني فضال وامثالهم من الفطحية والواقفة وغيرهم، بعمل الاصحاب برواياتهم، لكونهم ثقات في النقل، وعن ذكر ابن عقدة (مع انه من الزيدية) باختلاطه بأصحابنا وعظم محله وثقته وأمانته، وكذا اعتذار النجاشي عن ذكره لمن لا يعتمد عليه، بالتزامه لذكر من صنف من اصحابنا او المنتمين اليهم، ذكر ذلك في ترجمة محمد بن عبد الملك والمفضل بن عمر» (1).

وهذه الكلمات من الشيخ النجاشي تعرفنا بطريقته وانه كان ملتزماً بأن لا يروي إلاّ عن ثقة، ولأجل ذلك يمكن أن يقال، بل يجب ان يقال: إن عامّة مشايخه ثقات إلاّ من صرح بضعفه.

وقد استخرج المحدّث النوري مشايخه في المستدرك فبلغ اثنين وثلاثين ونقله العلاّمة المامقاني في خاتمة التنقيح (2). ونحن نذكر مشايخه على ما جمعه واستخراجه المحدث النوري ـ شكرالله سعيه ـ .

مشايخ النجاشي كما استخرجهم النوري

1 ـ الشيخ المفيد وهو المراد بقوله: شيخنا ابو عبدالله.

2 ـ ابو الفرج الكاتب محمد بن علي بن يعقوب بن اسحاق بن ابي قرة القنائي، الذي وثقه في الكتاب واثنى عليه.

3 ـ ابو عبدالله محمد بن علي بن شاذان القزويني، الذي اكثر رواياته عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 504.
2 . تنقيح المقال: 2 / 90.


(286)

4 ـ ابو الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان الفامي القمّي.

5 ـ القاضي ابو الحسين محمد بن عثمان بن الحسن النصيبي.

6 ـ محمد بن جعفر الأديب وقد يعبّر عنه بـ«المؤدب» و«القمي» و«التميمي» و«النحوي».

7 ـ ابو العباس أحمد بن علي بن العباس بن نوح السيرافي الذي صرح بأنه شيخه ومستنده ومن استفاد منه.

8 ـ ابو الحسن أحمد بن محمد بن عمران بن موسى بن الجراح المعروف بابن الجندي.

9 ـ ابو عبدالله أحمد بن عبد الواحد بن أحمد البزاز.

10ـ ابو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيدالله الغضائري المعروف.

11 ـ أحمد بن محمد بن عبدالله الجعفي، الذي يروي غالباً عن أحمد بن محمد بن عقدة الحافظ.

12 ـ ابو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الاهوازي المعروف بابن الصلت الذي هو من مشايخ الشيخ.

13 ـ والده علي بن أحمد بن علي بن العباس النجاشي.

14 ـ ابو الحسين علي بن أحمد بن ابي جيد القمي.

15 ـ ابو القاسم علي بن شبل بن اسد الملقب بالوكيل وهو من مشايخ الشيخ.

16 ـ القاضي ابو الحسن علي بن محمد بن يوسف.

17 ـ الحسن بن أحمد بن إبراهيم.


(287)

18 ـ ابو محمد الحسن بن أحمد بن الهيثم العجلي الذي قال فيه «انه من وجوه اصحابنا».

19 ـ ابو عبدالله الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم الغضائري، الذي هو من اجلاء شيوخ الشيخ.

20 ـ ابو عبدالله الحسين بن جعفر بن محمد المخزومي الخزاز المعروف بابن الخمري.

21 ـ ابو عبدالله الحسين بن أحمد بن موسى بن هدية.

22 ـ القاضي ابو اسحاق إبراهيم بن مخلّد بن جعفر.

23 ـ ابو الحسن اسد بن إبراهيم بن كليب السلمي الحرّاني.

24 ـ ابو الخير الموصلي سلامة بن ذكا وهو من رجال التلّعكبري.

25 ـ ابو الحسن العباس بن عمر بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن ابي مروان الكلوذاني المعروف بابن المروان، الذي اكثر رواياته عن علي ابن بابويه.

26 ـ ابو أحمد عبد السلام بن الحسين بن محمد بن عبدالله البصري.

27 ـ ابو محمد عبدالله بن محمد بن محمد بن عبدالله الدعجلي.

28 ـ عثمان بن حاتم بن منتاب التغلبي.

29 ـ ابو محمد هارون بن موسى التلعكبري.

30 ـ ابو جعفر او ابو الحسين محمد هارون التلعكبري.

31 ـ ابو الحسين أحمد بن محمد بن علي الكوفي الكاتب الذي روى


(288)

عنه السيد الأجل المرتضى.

32 ـ ابو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن داود الفحّام (1).


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 502 ـ 503. وسقط فيه كـ: «ابو محمد الحسن بن محمد بن يحيى».


(289)

4 ـ كل من يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى بلا

واسطة في «نوادر الحكمة»


(290)


(291)

ولتوضيح هذا النوع من التوثيق نقدم مقدمة وهي: أن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمي الذي يعد من اجلاء الأصحاب، قد ألَّف كتاباً اسماه «نوادر الحكمة» وهو يشتمل على كتب اولها كتاب التوحيد واخرها كتاب القضايا والأحكام كما ذكره الشيخ في الفهرست (1).

والنجاشي يصف الكتاب بقوله: «لمحمد بن أحمد بن يحيى كتب منها كتاب «نوادر الحكمة» وهو كتاب حسن كبير يعرفه القميون بـ «دبّة شبيب» قال: وشبيب فامي كان بقم له دبة ذات بيوت، يعطي منها ما يطلب منه من دهن فشبهوا هذا الكتاب بذلك».

ويعرف شخصية بقوله: «محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي كان ثقة في الحديث، إلاّ ان اصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن اخذ، وما عليه في نفسه مطعن في شيء وكان محمد بن الحسن بن الوليد (2) يستثني من رواية محمد بن أحمد بن يحيى ما


1 . فهرست الشيخ: 170 ـ 171.
2 . محمد بن الحسن بن الوليد القمي، جليل القدر، عارف بالرجال، موثوق به، له كتب راجع فهرس الشيخ: 148. وقال النجاشي في رجاله: «محمد بن الحسن بن أحمد بن وليد ابو جعفر شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ووجههم ويقال انه نزيل قم وما كان اصله منها، ثقة ثقة عين مسكون اليه مات سنة 343 هـ» اقول: وهو شيخ الصدوق الذي قال في حقه انه يسكن اليه في تصحيحاته وتضعيفاته، فكل ما صححه ابن الوليد فهو صحيح وما ضعفه فهو ضعيف. لاحظ الفقيه ج 2 باب صوم التطوع وثوابه من الايام المتفرقة، ذيل الحديث 241.


(292)

رواه عن 1 ـ محمد بن موسى الهمداني، 2 ـ او ما رواه عن رجل. 3 ـ او يقول بعض اصحابنا 4 ـ او عن محمد بن يحيى المعاذي 5 ـ او عن ابي عبدالله الرازي الجاموراني 6 ـ او عن ابي عبدالله السياري 7 ـ او عن يوسف بن السخت 8 ـ او عن وهب بن منبه 9 ـ او عن ابي علي النيشابوري 10 ـ او عن ابي يحيى الواسطي 11 ـ او عن محمد بن علي ابي سمينة 12 ـ او يقول في حديث او كتاب ولم أروه 13 ـ او عن سهل بن زياد الآدمي 14 ـ او عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناد منقطع 15 ـ او عن أحمد بن هلال 16 ـ او محمد بن علي الهمداني 17 ـ او عبدالله بن محمد الشامي 18 ـ او عبدالله بن أحمد الرازي 19 ـ او أحمد بن الحسين بن سعيد 20 ـ او أحمد بن بشير الرقي 21 ـ او عن محمد بن هارون 22 ـ او عن مموية بن معروف 23 ـ او عن محمد بن عبدالله بن مهران 24 ـ او ما ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي 25 ـ وما يرويه عن جعفر بن محمد بن مالك 26 ـ او يوسف بن الحارث 27 ـ او عبدالله بن محمد الدمشقي (1).

طبقته في الحديث

يروي هو عن مشايخ كثيرة، منهم ابن ابي عمير (المتوفّى عام 217 هـ) وأحمد بن ابي نصر البزنطي (المتوفّى عام 221 هـ) وأحمد بن خالد البرقي (المتوفّى عام 274 هـ أو 280 هـ).

ويروي عنه أحمد بن ادريس الأشعري (المتوفّى عام 306 هـ) وسعد بن عبدالله القمي (المتوفّى عام 299 هـ أو 301 هـ).


1 . استثنى ابن الوليد هؤلاء الجماعة من مشايخ مؤلف نوادرالحكمة ومعناه ان غير هؤلاء الواردين في ذلك الكتاب ممن روى عنهم بلا واسطة محكوم بالصحة «رجال النجاشي: الرقم 939».


(293)

والرجل من اساتذة الحديث في النصف الثاني من القرن الثالث.

وزاد الشيخ في الفهرس: 28 ـ جعفر بن محمد الكوفي 29 ـ والهيثم بن عدي.

غير ان ابا العباس بن نوح قال: «وقد اصاب شيخنا ابو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كله وتبعه ابو جعفر بن بابويه - رحمه الله - على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد فلا ادري ما رابه فيه (1)، لانه كان على ظاهر العدالة والثقة» (2).

فاستدلوا بأن في استثناء المذكورين وبالاخص بالنظر إلى ما ذكره ابن نوح في حق محمد بن عيسى بن عبيد الذي يدل على التزامهم باحراز العدالة في الراوي، شهادة على عدالة كل من روى عنه محمد بن أحمد بن يحيى ولم تستثن روايته (3).

وباختصار قالوا باعتبار كل من يروي عنه محمد بن أحمد بن يحيى إذا لم يكن ممن استثناه ابن الوليد من روايات محمد بن أحمد عنه، فان اقتصار ابن الوليد على ما ذكره من موارد الاستثناء يكشف عن اعتماده على جميع روايات محمد بن أحمد غير الموارد المذكورة. والتصحيح والاستثناء راجعان إلى مشايخه بلا واسطة لا كل من جاء اسمه في اسناد ذلك الكتاب منتهياً إلى الإمام.

نظرنا في الموضوع

يستفاد من هذه الكلمات ان مشايخه في الحديث المذكورين في رجال


1 . في بعض النسخ «رايه» والظاهر ما اثبتناه من الريب بمعنى الشك، أي ما الذي اوجد الشك في حقه.
2 . رجال النجاشي: الرقم 939.
3 . لاحظ تكملة الوحيد البهبهاني وغيره.


(294)

نوادر الحكمة غير من استثنى، محكوم بالوثاقة والعدالة عند هؤلاء الثلاثة (أعني ابن الوليد وابن نوح والصدوق لأجل اعتماد الاخير على تعديل ابن الوليد وجرحه في عامة الموارد) وتوثيقاتهم حجَّة ما لم تعارض بتضعيف آخر.

وربما يورد عليه بأن اعتماد ابن الوليد أو غيره من الاعلام المتقدمين، فضلا عن المتأخرين، على رواية شخص والحكم بصحتها لا يكشف عن وثاقة الراوي او حسنه، وذلك لاحتمال أن الحاكم بالصحة يعتمد على أصالة العدالة، ويرى حجيَّة كل رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق، وهذا لا يفيد من يعتبر وثاقة الراوي أو حسنه في حجية خبره(1).

ولا يخفى أن ما ذكره من الاحتمال لا يوافق ما نقله النجاشي في رجاله عن ابن نوح، فانه قد اعترض على ابن الوليد في استثناء محمد بن عيسى بن عبيد حيث قال: «لا أدري ما رابه فيه ـ أي ما هو السبب الذي أوقعه في الشك فيه ـ لأنه كان على ظاهر العدالة والثقة» والمتبادر من العبارة أن الباقين ممَّن قد اُحرزت عدالتهم ووثاقتهم، لا أن عدالتهم كانت محرزة بأصالة العدالة.

وأضعف من ذلك ما ذكره «لعله كان يرى حجية كل رواية يرويها مؤمن لم يظهر منه فسق» فان هذا الاحتمال لا يناسب العبارة.

ويوضح هذا النظر ما ذكره الصدوق في مورد من الفقيه حيث قال: «كان شيخنا محمد بن الحسن لا يصحح خبر صلاة يوم غدير خمّ والثواب المذكور فيه لمن صامه، ويقول إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان كذّاباً غير ثقة، وكل ما لم يصحّحه ذلك الشيخ - قدس سره -ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح».

وقال أيضا: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 86 ، طبعة النجف، والصفحة 74، طبعة بيروت.


(295)

سيّئ الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي، راوي هذا الحديث، وإني قد أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لانه كان في كتاب الرحمة وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي»(1).

فان هذه التعابير تشعر بأن توصيف الباقين بالوثاقة، والمستثنين بالضعف كان بالاحراز لا بالاعتماد على أصالة العدالة في كل راو أو على القول بحجية قول كل من لم يظهر منه فسق.

أضف اليه أنه لو كان المناط في صحة الرواية هذين الاصلين، لما احتاج الصدوق في إحراز حال الراوي إلى توثيق او تضعيف شيخه ابن الوليد، لأن نسبة الاصل إلى الاستاذ والتلميذ سواسية.

هذا وإن العلاّمة المامقاني نقل عن الحاوي: أن استثناء اولئك الجمع لا يقتضي الطعن فيهم، لأن رد الرواية أعمّ من الطعن لا سيما محمد بن عيسى حيث قبل روايته باسناد غير منقطع(2).

والظاهر خلافه، ولاجل كون الاستثناء دليلا على الطعن تعجب ابن نوح استثناء محمد بن عيسى بن عبيد، مع كونه ظاهر العدالة والوثاقة. نعم لم يرد رواية محمد بن عيسى مطلقاً إلاّ فيما إذا كانت اسنادها منقطعة.

هذا وان صاحب «قاموس الرجال» فسر «انقطاع الاسناد» بما إذا كان متفرداً بالرواية ولم يشاركه فيها غيره، واستشهد على ذلك بقول ابن الوليد في موضع اخر، قال في كتب يونس: «ما لم يتفرد محمد بن عيسى بروايتها عنه، صحيحة وليس محمد بن عيسى متفرداً بهذا الشرط بل روايات الحسن


1 . عيون أخبار الرضا: ج 2، باب في ما جاء عن الرضا - عليه السلام -من الاخبار المنثورة، ذيل الحديث 45، طبع طهران.
2 . تنقيح المقال: 2 / 76، في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري القمي.


(296)

اللؤلؤي ومحمد بن أورمة كذلك» (1).

وهذا التوجيه مما يأباه ظاهر العبارة أعني قوله: «منقطع الاسناد» والظاهر هو انقطاع الاسناد بين محمد بن أحمد بن يحيى ومحمد بن عيسى ولاجل ذلك يروي النجاشي كتب محمد بن عيسى بن عبيد عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن الحميري، عن محمد بن عيسى بن عبيد (2).

وقد اضاف الشيخ إلى «منقطع الاسناد» قوله «يتفرد به» وهذا يدل على تغايرهما. وعلى كل تقدير فبعض اولئك المستثنين كالحسن اللؤلؤي ممن وثقه النجاشي، ولابد من اعمال قواعد التعارض في التوثيق والتضعيف .

وعلى كل تقدير فكون الرجل من مشايخ مؤلف كتاب «نوادر الحكمة» يورث الظن او الاطمئنان بوثاقته إذا لم يكن أحد هؤلاء المستثنين، فلاحظ.


1 . قاموس الرجال: 8 / 41.
2 . رجال النجاشي: الرقم 896.


(297)

5 ـ ما وقع في اسناد كتاب «كامل الزيارات»


(298)


(299)

لا شك ان مؤلف كامل الزيارات (وهو الشيخ الاقدم والفقيه المقدم الشيخ ابو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه المتوفي سنة 367 او 369 على احتمال، والمدفون بالكاظمية في الرواق الشريف، وفي محاذاة تلميذه الشيخ المفيد) احد اجلاء الاصحاب في الحديث والفقه، ووصفه النجاشي(1) في رجاله بانه من ثقات اصحابنا واجلائهم في الفقه والحديث، وتوارد عليه النص بالوثاقة في فهرس الشيخ(2) والوجيزة، والبحار، وبلغة الرجال للشيخ سليمان الماحوزي، والمشتركات للشيخ فخر الدين الطريحي، والمشتركات للكاظمي، والوسائل، ومنتهى المقال للشيخ أبي علي، في ترجمة أخيه، والسيد رضي الدين ابن طاوس وغيرهم من الاعلام(3).


1 . رجال النجاشي: الرقم 318، وقال: كل ما يوصف به الناس من جميل وفقه فهو فوقه، وله كتب حسان.
2 . الفهرست: الرقم 141، وذكر الشيخ في رجاله انه مات سنة 368 هـ ، وقال العلاّمة في الخلاصة: انه مات سنة 369 هـ ويحتمل كون التسع مصحف «السبع».
3 . لاحظ مقدمة كامل الزيارات بقلم العلاّمة محمد علي الغروي الاردوبادي، فقد حقق احوال المترجم ونقل عبائر العلماء في حقه، وقال النجاشي: «روى عن ابيه واخيه عن سعد» ومراده سعد بن عبدالله الاشعري القمي (المتوفّى 301 هـ وقيل 299 هـ) ولم يرو هو عن سعد إلاّ حديثين كما في رجال النجاشي في ترجمة سعد الرقم 467، او اربعة احاديث كما في ترجمة نفسه، الرقم 318.


(300)

وكتابه هذا من أهم كتب الطائفة وأصولها المعتمد عليها في الحديث، أخذ منه الشيخ في التهذيب وغيره من المحدّثين، وهو من مصادر الشيخ الحر العاملي في وسائله، وعدَّه فيه من الكتب المعتمدة التي شهد بصحتها مؤلفوها وقامت القرائن على ثبوتها، وعلم بصحة نسبتها اليه، وذكره النجاشي في رجاله بعنوان كتاب «الزيارات» كما ذكره الشيخ في الفهرس بعنوان «جامع الزيارات» وعبَّر عنه في بقية الكتب باسم «كامل الزيارة».

وهو - قدس سره -ذكر في مقدّمة كتابه ما دعاه إلى تصنيف كتابه في هذا الموضوع، ثم قال: «ولم اُخرج فيه حديثا روي عن غيرهم إذا كان فيما روينا عنهم من حديثهم ـ صلوات الله عليهم ـ كفاية عن حديث غيرهم، وقد علمنا أنا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنى ولا في غيره، ولكن ما وقع لنا من جهة الثّقات من أصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ ولا أخرجت فيه حديثا روي عن الشذاذ من الرجال يؤثر ذلك عنهم عن المذكورين، غير المعروفين بالرواية، المشهورين بالحديث والعلم، وسمَّيته كتاب «كامل الزيارات» وفضلها وثواب ذلك»(1).

وربما يستظهر من هذه العبارة أن جميع الرواة المذكورين في أسناد أحاديث ذلك الكتاب ممَّن روي عنهم إلى أن يصل إلى الإمام من الثقات عند المؤلف، فلو اكتفينا بشهادة الواحد في الموضوعات يعدّ كل من جاء في أسناد هذا الكتاب من الثقات بشهادة الثقة العدل ابن قولويه.

وقد وضع الشيخ الفاضل محمّد رضا عرفانيان فهرساً في هذا الموضوع فاستخرج أسامي كل من ورد فيها فبلغت 388 شخصاً.

وقد أشار بما ذكرنا الشيخ الحرّ العاملي في الفائدة السادسة من خاتمة الكتاب وقال: «وقد شهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت أحاديث تفسيره، وأنها


1 . مقدمة كامل الزيارات: 4.


(301)

مروية عن الثقات عن الائمة وكذلك جعفر بن محمد بن قولويه فانه صرح بما هو أبلغ من ذلك في أول مزاره»(1).

وذهب صاحب معجم رجال الحديث إلى ان هذه العبارة واضحة الدلالة على انه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلاّ وقد وصلت اليه من جهة الثقات من اصحابنا، ثم أيَّد كلامه بما نقلناه عن صاحب الوسائل، ثم قال: «ما ذكره صاحب الوسائل متين فيحكم بوثاقة من شهد علي بن إبراهيم أو جعفر بن محمد بن قولويه بوثاقته، اللّهم إلاّ أن يبتلى بمعارض»(2).

اقول: اما رواة تفسير القمي فسيوافيك الكلام في نفس الكتاب، وانه لم يثبت ان مجموع التفسير من تأليفه، واما ادعاء دلالة العبارة المذكورة في مقدمة «كامل الزيارات» على انه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلاّ وقد وصلت اليه من جهة الثقات من اصحابنا (رحمهم الله)فيغر تام.

والحق ما استظهره المحدّث المتتبع النوري، فقد استظهر منه انه نصّ على توثيق كل من صدر بهم سند احاديث كتابه، لا كل من ورد في اسناد الروايات، وبالجملة يدل على توثيق كل مشايخه لا توثيق كل من ورد في اسناد هذا الكتاب وقد صرح بذلك في موردين:

الأول: في الفائدة الثالثة من خاتمة كتابه «المستدرك» (ج 3، ص 522 ـ 523) قال: ان المهم في ترجمة هذا الشيخ العظيم استقصاء مشايخه في هذا الكتاب الشريف، فان فيه فائدة عظيمة لم تكن في من قدمنا من مشايخ الأجلة، فانه - رحمه الله -قال في أول الكتاب: ـ وقال بعد نقل عبارته في مقدمة الكتاب على النحو الذي نقلناه ـ: «فتراه نصّاً على توثيق كل من روي عنه فيه، بل كونه من المشهورين في الحديث والعلم، ولا فرق في


1 . الوسائل: 20 / 68.
2 . معجم رجال الحديث: 1 / 50.


(302)

التوثيق بين النص على احد بخصوصه او توثيق جمع محصورين بعنوان خاص، وكفى بمثل هذا الشيخ مزكياً ومعدلاً».

الثاني: في الفائدة العاشرة (ج 3، ص 777) وقال: «من جملة الأمارات الكلية على الوثاقة كونها من مشايخ جعفر بن قولويه في كتابه كامل الزيارات».

وعلى أي تقدير فيدل على المختار اُمور:

1 ـ انه استرحم لجميع مشايخه حيث قال: «من اصحابنا ـ رحمهم الله برحمته ـ» ومع ذلك نرى انه روى فيه عمن لا يستحق ذلك الاسترحام، فقد روى في هذا الكتاب عن عشرات من الواقفة والفطحية وهل يصحّ لشيخ مثل ابن قولويه أن يسترحمهم؟

2ـ روى في الباب الثامن في فضل الصلاة في مسجد الكوفة عن ليث بن أبي سليم وهو عامي بلا اشكال(1).

كما روى عن علي بن أبي حمزة البطائني المختلف فيه، فقد روى عنه في هذا الكتاب في الصفحات التالية: 63 ـ 84 ـ 108 ـ 119 ـ 246 ـ 248 ـ 294.

كما روى عن حسن بن علي بن أبي حمزة البطائني في الصفحات التالية 49 ـ 100.

كما روى عن عمر بن سعد في الصفحات التالية 71 ـ 72 ـ 90 ـ 93(2).


1 . كامل الزيارة: 31، الباب 8 .
2 . وربما يتوهم ان المراد منه هو عمر بن سعد بن أبي وقاص وليس بصحيح. كيف وهو من مشايخ نصر بن مزاحم (المتوفّى عام 212 هـ) وفي بعض النسخ «عمرو بن سعد» وفي آخر «عمر بن سعيد» واحتمل العلاّمة الاميني في تعاليقه ان الراوي هو عمرو بن سعيد المدائني الساباطي الثقة الراوي عن الإمام الرضا - عليه السلام -والظاهر انه عمر بن سعد من مشايخ نصر.


(303)

كما روى فيه عن بعض اُمّهات المؤمنين التي لا يركن إلى حديثها (الصفحة 31، الباب الثامن، الحديث 16).

3ـ القدماء من المشايخ كانوا ملتزمين بأن لا يأخذوا الحديث إلاّ ممّن صلحت حاله وثبتت وثاقته، والعناية بحال الشيخ كانت أكثر من عنايتهم بمن يروي عنه الشيخ، قد عرفت التزام النجاشي بأن لا يروي إلاّ عن شيخ ثقة، لا أن يكون جميع من ورد في سند الرواية ثقات.

ولأجل ذلك كانت الرواية بلا واسطة عن المجاهيل والضعفاء عيباً، وكانت من أسباب الجرح، ولم يكن نقل الرواية المشتملة على المجهول والضعيف جرحاً.

كل ذلك يؤيد ما استظهره المتتبع النوري - رحمه الله -.

ثم إن أكثر أحاديث الكتاب يرويه المؤلف عن أبيه محمد بن جعفر. قال النجاشي: «كان أبوه من خيار أصحاب سعد(1) وأصحاب سعد أكثرهم ثقات كعلي بن الحسين بن بابويه (والد الصدوق) ومحمد بن الحسن بن الوليد (شيخ الصدوق) وحمزة بن القاسم ومحمد بن يحيى العطار القمي».

والوالد هو المدفون بقم في مقبرة «شيخان» فلاحظ.

وأما اخو المؤلف فهو أبو الحسين علي بن محمد بن جعفر، ونقل عنه في الكتاب كثيراً. قال النجاشي: «روى الحديث ومات حدث السنّ لم يسمع منه، له كتاب فضل العلم وآدابه، أخبرنا محمد والحسين بن هديَّة، قالا: حدثنا جعفر بن محمد بن قولويه، قال: حدثنا أخي به»(2).


1 . رجال النجاشي: الرقم 318.
2 . رجال النجاشي: الرقم 685.


(304)

وإذا كان الحقّ ما استظهره المحدث النوري، وأن العبارة لا تدل إلاّ على وثاقة مشايخه فعلينا بيان مشايخه التي لا تتجاوز 32 شيخاً حسب ما أنهاهم المحدّث النوري واليك اسماءهم:

1ـ والده محمد بن قولويه الذي هو من خيار أصحاب سعد بن عبدالله (المتوفّى عام 299 هـ).

2ـ أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن الحسين الزعفراني نزيل بغداد.

3ـ ابو الفضل محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان الجعفي الكوفي، المعروف بالصابوني صاحب كتاب الفاخر في الفقه.

4ـ ثقة الاسلام الكليني.

5ـ محمد بن الحسن بن الوليد.

6ـ محمد بن الحسن بن علي بن مهزيار.

7ـ أبو العباس محمد بن جعفر بن محمد بن الحسن القرشي الرزاز (233 ـ 316 هـ).

8ـ محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري القمي.

9ـ الحسن بن عبدالله بن محمد بن عيسى يروي عنه، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب.

10ـ أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه.

11ـ أخوه علي بن محمد بن قولويه.

12ـ أبو القاسم جعفر بن محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن موسى بن جعفر الموسوي العلوي.

13ـ أبو علي أحمد بن علي بن مهدي بن صدقة الرقّي بن هاشم بن


(305)

غالب بن محمد بن علي الرقي الانصاري.

14ـ محمد بن عبد المؤمن المؤدب القمي الثقة صاحب النوادر.

15ـ ابو الحسن علي بن حاتم بن أبي حاتم القزويني.

16ـ علي بن محمد بن يعقوب بن اسحاق بن عمّار الصيرفي (المتوفّى سنة 332 هـ).

17ـ أبو الحسن علي بن الحسين السعدآبادي القمّي الذي يروي عنه الكليني.

18ـ أبو علي محمد بن همّام بن سهيل الكاتب البغدادي، شيخ الطائفة ووجهها المولود بدعاء العسكري - عليه السلام -(المتوفّى سنة 332 هـ).

19ـ أبو محمد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعد التلعكبري الشيباني (المتوفّى سنة 385 هـ).

20ـ القاسم بن محمد بن علي بن إبراهيم الهمداني وكيل الناحية المقدسة بهمدان.

21ـ الحسن بن زبرقان الطبري.

22ـ أبو عبدالله الحسين بن محمد بن عامر بن عمران بن أبي بكر الاشعري القمي، الذي أكثر الكليني من الرواية عنه.

23ـ أبو علي أحمد بن إدريس بن أحمد الاشعري القمي (المتوفّى سنة 306 هـ).

24ـ أبو عيسى عبيدالله بن فضل بن محمد بن هلال الطائي البصري، وفي بعض النسخ «عبدالله».

25ـ حكيم بن داود بن حكيم يروي عن سلمة بن خطاب.


(306)

26ـ محمد بن الحسين وفي بعض المواضع، الحسن بن مث الجوهري.

27ـ محمد بن أحمد بن علي بن يعقوب.

28ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب بن اسحاق بن عمار.

29ـ ابو عبدالله محمد بن أحمد بن يعقوب.

واحتمل المحدث النوري اتحاده مع سابقه بل اتحاد الثلاثة الواردة في الارقام 27، 28، 29.

30ـ ابو عبدالله الحسين بن علي الزعفراني.

31ـ ابو الحسين أحمد بن عبدالله بن علي الناقد.

32ـ ابو الحسن محمد بن عبدالله بن علي.(1)


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 523.


(307)

6 ـ ما ورد في اسناد تفسير القمي


(308)


(309)

ربما يستظهر ان كل من وقع فى اسناد روايات تفسير علي بن إبراهيم المنتهية إلى المعصومين- عليهم السلام -ثقة، لأن علي بن إبراهيم شهد بوثاقته، واليك عبارة القمي في ديباجة تفسيره قال: «نحن ذاكرون ومخبرون بما ينتهي الينا ورواه مشايخنا وثقاتنا عن الذين فرض الله طاعتهم، وأوجب رعايتهم، ولا يقبل العمل إلاّ بهم»(1).

وقال صاحب الوسائل: «قد شهد علي بن إبراهيم أيضاً بثبوت احاديث تفسيره، وأنها مروية عن الثقات عن الائمة»(2).

وقال صاحب معجم رجال الحديث معترفاً بصحة استفادة صاحب الوسائل: «ان علي بن إبراهيم يريد بما ذكره، اثبات صحة تفسيره وان رواياته ثابتة وصادرة من المعصومين- عليهم السلام -وأنها انتهت اليه بوساطة المشايخ والثقات من الشيعة، وعلى ذلك فلا موجب لتخصيص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم علي بن إبراهيم بلا واسطة، كما زعمه بعضهم»(3).


1 . تفسير علي بن إبراهيم القمي: 1 / 4.
2 . الوسائل: 20 / 68 ، الفائدة السادسة.
3 . معجم رجال الحديث: 1 / 49 ـ 50 ، المقدمة الثالثة .


(310)

وتحقيق الحق يستدعي بيان أمور:

1ـ ترجمة القمي

إن علي بن إبراهيم بن هاشم احد مشايخ الشيعة في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع، وكفى في عظمته أنه من مشايخ الكليني، وقد أكثر في الكافي الرواية عنه، حتى بلغ روايته عنه سبعة آلاف وثمانية وستين مورداً(1) وقد وقع في أسناد كثير من الروايات تبلغ سبعة آلاف ومائة واربعين مورداً(2).

وعرفه النجاشي بقوله: «علي بن إبراهيم، ابو الحسن القمي، ثقة في الحديث، ثبت معتمد صحيح المذهب سمع فأكثر وصنف كتباً»(3).

وقال الشيخ الطوسي في الفهرست: «علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، له كتب: منها كتاب التفسير، وكتاب الناسخ والمنسوخ»(4).

2ـ مشايخه

1ـ إبراهيم بن هاشم ورواياته عنه تبلغ ستّة آلاف ومائتين وأربعة عشر مورداً.

2ـ صالح بن السندي ورواياته عنه تبلغ ثلاثة وستّين مورداً.

3ـ محمد بن عيسى ورواياته عنه تبلغ اربعمائة وستّة وثمانين مورداً.

4ـ محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ورواياته عنه تبلغ اثنين وثمانين مورداً.

5ـ هارون بن مسلم ورواياته عنه تبلغ ثلاثة وثمانين مورداً.


1 . معجم رجال الحديث: 18 / 54 في ترجمة الكليني، الرقم 12038.
2 . معجم رجال الحديث: 11 / 194 في ترجمته، الرقم 7816.
3 . رجال النجاشي: 260، الرقم 680.
4 . الفهرست: 115، الرقم 382.


(311)

إلى غير ذلك من المشايخ التي ذكرها صاحب معجم رجال الحديث في الجزء 11، الصفحة 195.

3ـ طبقته في الرجال

كان في عصر أبي محمد الحسن العسكري - عليه السلام -وبقي إلى سنة 307 فانه روى الصدوق في عيون أخبار الرضا - عليه السلام -عن حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم سنة 307(1).

وحمزة بن محمد ترجمه الشيخ في باب من لم يرو عنهم، بقوله: «حمزة بن محمد القزويني العلوي، يروي عن علي بن إبراهيم ونظرائه وروى عنه محمد بن علي بن الحسين بن بابويه»(2).

وفي بعض أسانيد «الامالي» و«كمال الدين» هكذا: حدثنا حمزة بن محمد ـ إلى قوله: «بقم في رجب 339 قال: أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم فيما كتبه إليّ في سنة سبع وثلاثمائة».

4ـ تعريف للتفسير

التفسير المنسوب إلى القمي تفسير روائي، وربما جاءت فيها أنظار عن نفس علي بن إبراهيم بقوله: قال علي بن إبراهيم...

أورد في أول تفسيره مختصراً من الروايات المبسوطة المسندة المروية عن الامام الصادق - عليه السلام -عن جدّه أمير المؤمنين - عليه السلام -في بيان أنواع علوم القرآن.

ثم إن محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني، تلميذ ثقة الاسلام


1 . عيون اخبار الرضا - عليه السلام -: 161، الطبعة القديمة.
2 . رجال الشيخ الطوسي: 468 ـ 469 في باب من لم يرو عنهم.


(312)

الكليني، مؤلف كتاب «الغيبة» رواها باسناده إلى الامام، وجعلها مقدمة تفسيره، وقد دوّنت تلك المقدمة مفردة مع خطبة مختصرة وسميت «المحكم والمتشابه» وطبع في ايران، وربما ينسب إلى السيّد المرتضى، وطبع تلك المقدمة مع تفسير القمي تارة، ومستقلة اُخرى، وأوردها بتمامها العلاّمة المجلسي في مجلد القرآن من «البحار»(1).

وقد ابتدأ القمي بنقل تلك الروايات مع حذف السند بقوله: «فأما الناسخ والمنسوخ فان عدة النساء كانت في الجاهلية...»(2).

5 ـ الراوي للتفسير او من املي عليه

يروي التفسير عن علي بن إبراهيم، تلميذه ابو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر - عليه السلام -.

ومع الأسف، إنه لم يوجد لراوي التفسير (العباس بن محمد) ذكر في الاُصول الرجالية، بل المذكور فيها ترجمة والده المعروف بـ «محمد الأعرابي» وجدّه «القاسم» فقط. فقد ترجم والده الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي- عليه السلام -بعنوان محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى العلوي(3).

قال شيخنا الطهراني: «وترجم أبو عمرو الكشّي جدّه بعنوان «القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر» وذكر أنه يروي عن أبي بصير، ويروي عنه أبو عبدالله محمد بن خالد البرقي»(4).


1 . البحار: 90 / 1 ـ 97، طبعة بيروت، والجزء 93، طبعة ايران.
2 . تفسير القمي: 1 / 26 ـ 27.
3 . رجال الطوسي: 424 في اصحاب الهادي حرف الميم، الرقم 41.
4 . كذا في الذريعة ولم نجده في رجال الكشي المطبوع بالعراق مثل ما في المتن، ولم يعنونه مستقلاً وانما جاء اسمه في ترجمة ابي عبدالله بن خالد هكذا: قال نصر بن الصباح: لم يلق البرقي ابا بصير بل بينهما قاسم بن حمزة.


(313)

وأما العباس فقد ترجم في كتب الانساب، فهو مسلم عند النسّابين وهم ذاكرون له ولأعمامه ولاخوانه ولأحفاده عند تعرضهم لحمزة بن الامام موسى بن جعفر الكاظم- عليه السلام -.

فقد ذكر شيخنا المجيز الطهراني أنه رأى ترجمته في المجدي، وعمدة الطالب ص 218 من طبع لكنهو، وبحر الانساب، والمشجّر الكشاف، والنسب المسطر المؤلف في حدود 600 هـ ، فعندما ذكر عقب محمد الاعرابي بن القاسم بن حمزة بن موسى- عليه السلام -، ذكروا أن محمداً هذا أعقب من خمسة بنين موسى، وأحمد المجدور، وعبدالله، والحسين أبي زبية، والعباس، وذكروا من ولد العباس، ابنه جعفر بن العباس، ثم ابن جعفر زيداً الملقّب بـ «زيد سياه»...

وذكر مؤلف «النسب المسطر» (المؤلف بين 593 ـ 600 هـ ) أعقاب العباس. قال: «وأما العباس بطبرستان ابن محمد الاعرابي فله أولاد بها منهم جعفر وزيد والحسن ولهم أعقاب، ويظهر من «النسب المسطر» أنه نزل بطبرستان ولأولاده الثلاثة أعقاب بها وكانت طبرستان في ذلك الأوان مركز الزيدية»(1).

6ـ التفسير ليس للقمي وحده

إن التفسير المتداول المطبوع كراراً(2) ليس لعلي بن إبراهيم وحده، وإنما هو ملفّق مما أملاه علي بن إبراهيم على تلميذه أبي الفضل العباس، وما رواه التلميذ بسنده الخاصّ عن أبي الجارود من الإمام الباقر - عليه السلام -.


1 . الذريعة: 4 / 308، بتصرف وتلخيص.
2 . طبع على الحجر تارة سنة 1313 واخرى مع تفسير الإمام العسكري، وطبع اخيراً على الحروف في جزءين.


(314)

وإليك التعرف على أبي الجارود وتفسيره:

أما ابو الجارود; فقد عرفه النجاشي بقوله: «زياد بن المنذر، أبو الجارود الهمداني الخارفي الأعمى،... كوفي، كان من أصحاب أبي جعفر - عليه السلام -. وروى عن أبي عبدالله- عليه السلام -وتغيَّر لما خرج زيد (رضي الله عنه)وقال أبو العباس ابن نوح: هو ثقفي، سمع عطية، وروى عن ابي جعفر، وروى عنه مروان بن معاوية وعلي بن هاشم بن البريد يتكلمون فيه، قاله البخاري»(1).

وقال الشيخ في رجاله في أصحاب الباقر - عليه السلام -: «زياد بن المنذر أبو الجارود الهمداني، الحوفيّ الكوفيّ تابعي زيدي أعمى، اليه تنسب الجارودية منهم».

والظاهر أن الرجل كان إمامياً، لكنه رجع عندما خرج زيد بن علي فمال اليه وصار زيدياً. ونقل الكشي روايات في ذمّه(2)، غير أن الظاهر من الروايات التي نقلها الصدوق، رجوعه إلى المذهب الحق(3).

وأما تفسيره فقد ذكره النجاشي والشيخ وذكرا سندهما اليه، واليك نصّهما: فقال الأول: «له كتاب تفسير القرآن، رواه عن أبي جعفر - عليه السلام -. أخبرنا عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا جعفر بن عبدالله المحمدي، قال: حدثنا ابو سهل كثير بن عياش القطان، قال: حدثنا أبو الجارود بالتفسير»(4).


1 . رجال النجاشي: الرقم 448.
2 . رجال الطوسي: 122 في اصحاب الباقر - عليه السلام -الرقم 4، وفي الصفحة 197 في اصحاب الصادق - عليه السلام -الرقم 31.
3 . رجال الكشي: 199، الرقم 104.
4 . معجم رجال الحديث: 7 / 325 ـ 326 وقد نقل الروايات الدالة على رجوعه.


(315)

فالنجاشي يروي التفسير بواسطة عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة وهو أيضاً زيدي.

كما أن الشيخ يروي التفسير عن ابن عقدة بواسطتين. قال: «وأخبرنا بالتفسير أحمد بن عبدون، عن ابي بكر الدوري، عن ابن عقدة، عن ابي عبدالله جعفر بن عبدالله المحمدي، عن كثير بن عياش القطان وكان ضعيفاً وخرج أيام أبي السَّرايا معه فأصابته جراحة، عن زياد بن المنذر أبي الجارود، عن ابي جعفر الباقر - عليه السلام -»(1).

إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا الفضل الراوي لهذا التفسير قد روى في هذا التفسير روايات عن عدّة من مشايخه.

1ـ علي بن إبراهيم، فقد خصّ سورة الفاتحة والبقرة وشطراً قليلاً من سورة آل عمران بما رواها عن علي بن إبراهيم عن مشايخه.

قال قبل الشروع في تفسير الفاتحة: «حدثنا أبو الفضل العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر - عليه السلام -، قال: حدثنا ابو الحسن علي بن إبراهيم، قال: حدثني ابي - رحمه الله -، عن محمد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عيسى، عن أبي عبدالله- عليه السلام -».

ثم ذكر عدة طرق لعلي بن إبراهيم(2).

وساق الكلام بهذا الوصف إلى الآية 45 من سورة آل عمران، ولمّا وصل إلى تفسير تلك الآية، أي قوله سبحانه: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقرَّبين)أدخل في التفسير ما أملاه الإمام الباقر- عليه السلام -لزياد بن


1 . الفهرست: الرقم 293.
2 . تفسير القمي: 1 / 27، الطبعة الاخيرة.


(316)

المنذر ابي الجارود في تفسير القرآن، وقال بعد ذكر الآية: «حدثنا أحمد بن محمد الهمداني (المراد به أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة وهو زيدي من قبيلة همدان اليمن) قال: حدثنا جعفر بن عبدالله (المراد المحمدي) قال: حدثنا كثير بن عياش، عن زياد بن المنذر ابي الجارود، عن ابي جعفر محمد بن علي - عليه السلام -» (1).

وهذا السند بنفسه السند الذي يروي به النجاشي والشيخ تفسير ابي الجارود، ولما كان الشيخ والنجاشي متأخرين من جامع التفسير، نقل النجاشي عن أحمد بن محمد الهمداني (ابن عقدة) بواسطة عدّة من أصحابنا، ونقل الشيخ عنه أيضاً بواسطة شخصين وهما: أحمد بن عبدون وأبو بكر الدوري عن ابن عقدة.

وبهذا تبين ان التفسير ملفق من تفسير علي بن إبراهيم وتفسير ابي الجارود، ولكل من التفسيرين سند خاص، يعرفه كل من راجع هذا التفسير، ثم انه بعد هذا ينقل عن علي بن إبراهيم كما ينقل عن مشايخه الأُخر إلى آخر التفسير.

وبعد هذا التلفيق، كيف يمكن الاعتماد على ما ذكر في ديباجة الكتاب لو ثبت كون الديباجة لعلي بن إبراهيم نفسه؟

فعلى ذلك فلو اخذنا بهذا التوثيق الجماعي، يجب ان يفرق بين ما روى الجامع عن نفس علي بن إبراهيم، وما روى عن غيره من مشايخه، فان شهادة القمي تكون حجة في ما يرويه نفسه، لا ما يرويه تلميذه من مشايخه.

ثم ان الاعتماد على هذا التفسير بعد هذا الاختلاط مشكل جداً، خصوصاً مع ما فيه من الشذوذ في المتون.


1 . تفسير القمي: 1 / 102، الطبعة الاخيرة.


(317)

وقد ذهب بعض اهل التحقيق إلى ان النسخة المطبوعة تختلف عما نقل عن ذلك التفسير في بعض الكتب، وعند ذلك لايبقى اعتماد على هذا التوثيق الضمني ايضاً، فلا يبقى اعتماد لا على السند ولا على المتن.

ثم ان في الهدف من التلفيق بين التفسيرين احتمالاً ذكره شيخنا المجيز الطهراني، وهو أنّ طبرستان في ذلك الاوان كانت مركز الزيدية، فينقدح في النفس احتمال ان نزول العباس (جامع التفسير) اليها، انما كان لترويج الحق بها، ورأى من الترويج، السعي في جلب الرغبات إلى هذا التفسير (الكتاب الديني المروي عن اهل البيت- عليهما السلام -) الموقوف ترويجه عند جميع اهلها على ادخال بعض ما يرويه ابو الجارود عن الإمام الباقر - عليه السلام -في تفسيره، المرغوب عند الفرقة العظيمة من الزيدية الذين كانوا يسمون بالجارودية، نسبة اليه» (1).

ثم ان مؤلف التفسير كما روى فيه عن علي بن إبراهيم، روى عن عدّة مشايخ أُخر استخرجها المتتبع الطهراني في تعليقته على كتابه القيم «الذريعة إلى تصانيف الشيعة» واليك بيان بعضها:

2 ـ محمد بن جعفر الرزاز: قال (راوي التفسير): حدثنا محمد بن جعفر الرزاز، عن يحيى بن زكريا، عن علي بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن ابي عبدالله - عليه السلام -في قوله تعالى (ما اصاب من مصيبة...) (2).

ومحمد بن جعفر بن محمد بن الحسن الرزاز هو شيخ ابي غالب الزراري (المتوفّى عام 368 هـ) وشيخ ابن قولويه المعروف (المتوفّى عام 367 هـ أو 369 هـ) فلا يمكن ان يكون القائل بقوله: «حدثنا» هو علي بن إبراهيم.


1 . الذريعة: 4 / 308.
2 . تفسير القمي: 2 / 351 سورة الحديد.


(318)

والرزاز يروي عن مشايخ كثيرين.

منهم خاله محمد بن الحسين بن ابي الخطاب (المتوفّى عام 262 هـ).

ومنهم ابو جعفر محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري صاحب «نوادر الحكمة» فقد صرح النجاشي برواية الرزاز عنه.

3 ـ ابو عبدالله الحسين بن محمد بن عامر الأشعري: قال (راوي التفسير): اخبرنا الحسين بن محمد بن عامر الأشعري، عن المعلى بن محمد البصري عن ابن ابي عمير، عن ابي جعفر الثاني - عليه السلام -في قوله تعالى: (يا أيّها الَّذين آمنوا أوفوا بالعقود)(1).

والحسين بن محمد بن عامر يروي تفسير المعلى البصري عنه، وقد اكثر الكليني من الرواية عنه في الكافي، ويروي عنه علي بن بابويه (المتوفّى عام 329 هـ) وابن الوليد (المتوفّى عام 343 هـ) وابن قولويه المتوفي عام 369 هـ).

4 ـ ابو علي محمد بن ابي بكر همام بن سهيل: قال (راوي التفسير: حدثنا محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك، قال: حدثنا القاسم بن ربيع، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن منخل، عن جابر، عن ابي جعفر - عليه السلام -في قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)(2).

وابو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب الاسكافي (المتوفّى عام 336، كما ضبطه تلميذه التلّعكبري) يروي عنه ابن قولويه في كامل الزيارات وابو عبدالله محمد بن إبراهيم النعماني، تلميذ الكليني في كتاب «الغيبة».


1 . تفسير القمي : 1 / 160 سورة المائدة.
2 . تفسير القمي: 2 / 104 سورة النور.


(319)

وقد ذكر شيخنا المجيز الطهراني ثلّة ممَّن روى عنه جامع التفسير واليك اسماء بعضهم على وجه الاجمال.

1 ـ أبو الحسن علي بن الحسين السعدآبادي القمي الراوي عن أحمد بن ابي عبدالله البرقي.

2 ـ الشيخ ابو علي أحمد بن ادريس بن أحمد الأشعري القمي (المتوفّى 306 هـ).

3 ـ الشيخ ابو عبدالله محمد بن أحمد بن ثابت، الراوي عن الحسن بن محمد بن سماعة (المتوفّى عام 263 هـ).

4 ـ ابو جعفر محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري القمي، الراوي عن ابيه كتاب «قرب الاسناد».

5 ـ محمد بن ابي عبدالله، وهو ابو الحسين محمد بن عون الأسدي (المتوفّى 312 هـ) وهو من مشايخ الكليني.

6 ـ حميد بن زياد النينوائي (المتوفّى 310 هـ) وهو أيضاً من مشايخ الكليني.

7 ـ الحسن بن علي بن مهزيار، عن ابيه علي.

8 ـ ابو القاسم الحسني الراوي لتفسير الفرات عن مؤلفه، وفرات وعلي بن إبراهيم كانا متعاصرين.

إلى غير ذلك من المشايخ الذين يروي عنهم في هذا التفسير، مع انه لم يوجد رواية علي بن إبراهيم عن احد من هؤلاء في جميع رواياته المروية عنه في الكافي وغيره(1).


1 . لاحظ الذريعة: 4 / 302 ـ 307.


(320)

عندئذ لا يصح القول بأن كل ما ورد في اسناد تفسير علي بن إبراهيم القمي ثقات بتوثيق المؤلف في ديباجة الكتاب، لما عرفت ان التفسير ملفق مما رواه جامع التفسير عن علي بن إبراهيم، عن مشايخه إلى المعصومين- عليهم السلام -ومما رواه عن عدة من مشايخه عن مشايخهم إلى المعصومين - عليهم السلام -.

اضف إلى ذلك انه لا يمكن القول بأن مراد القمي من عبارته: «رواه مشايخنا وثقاتنا» كل من وقع في سنده إلى ان ينتهي إلى الإمام، بل الظاهر كون المراد خصوص مشايخه بلا واسطة، ويعرف عنه عطف «وثقاتنا» على «مشايخنا» الظاهر في الأساتذة بلا واسطة، ولما كان النقل عن الضعيف بلا واسطة من وجوه الضعف، دون النقل عن الثقة إذا روى عن غيرها خص مشايخه بالوثاقة ليدفع عن نفسه سهم النقد والاعتراض، كما ذكرنا في مشايخ ابن قولويه، وإلاّ فقد ورد في اسناد القمي من لا يصح الاعتماد عليه من اُمّهات المؤمنين فلاحظ.


(321)

7 ـ اصحاب الصادق - عليه السلام - في رجال الشيخ


(322)


(323)

قيل: ان جميع من ذكره الشيخ في رجاله من اصحاب الصادق - عليه السلام -ثقات، وقد استدل عليه بما ذكره الشيخ المفيد في ارشاده، وهذا لفظه: «نقل الناس عن الصادق- عليه السلام -من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان، ولم ينقل عن احد من اهل بيته العلماء، ما نقل عنه، ولا لقي احد منهم من اهل الآثار، ونقلة الاخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن ابي عبدالله، فان اصحاب الحديث قد جمعوا اسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل» (1).

وقال ابن شهر آشوب في مناقبه: «نقل عن الصادق - عليه السلام -من العلوم ما لم ينقل عن احد، وقد جمع اصحاب الحديث اسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا اربعة آلاف رجل (2).

وقال الشيخ محمد بن علي الفتال في «روضة الواعظين»: «قد جمع اصحاب الحديث اسماء الرواة عن الصادق - عليه السلام -من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات وكانوا اربعة آلاف» (3).


1 . الارشاد: 289 طبعة ايران.
2 . المناقب: 4 / 247.
3 . روضة الواعظين: 177.


(324)

وهؤلاء الاثبات الثلاثة وصفوا تلك الصفوة بالثقات وان كان كلام الشيخ والنجاشي خالياً عن ذلك الوصف كما سيوافيك.

وقد ذكر اهل الرجال ان أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ المكنى بـ «ابي العباس» المعروف بـ «ابن عقدة» قد ضبط اصحاب الصادق - عليه السلام -فى كتاب رجاله. قال النجاشي في ترجمته; «له كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد- عليه السلام -» (1).

ومثله الشيخ في فهرسته، حيث قال: «له كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد - عليه السلام -» (2).

وليس في كلام النجاشي والشيخ توصيف رجاله بالوثاقة.

وعلى كل تقدير، فما ذكره الشيخ المفيد لو كان ناظراً إلى ما جمعه ابن عقدة من أصحاب الصادق - عليه السلام -، يكون ما ذكره نفسه ومن تبعه كابن شهر آشوب والفتال شهادة منهم على وثاقة اربعة آلاف رجل من اصحاب الصادق - عليه السلام -. هذا من جانب.

ومن جانب آخر ان الشيخ قد اخرج اسماء هؤلاء الرواة في رجاله مع غيرهم. قال في ديباجة رجاله: «ولم اجد لأصحابنا كتاباً جامعاً في هذا المعنى (اسماء الرجال الذين رووا عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -وعن الأئمة من بعده إلى زمن القائم ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ ومن تأخر عنهم) إلاّ مختصرات، قد ذكر كل انسان منهم طرفاً، إلاّ ما ذكره ابن عقدة، فانه قد بلغ الغاية في ذلك، ولم يذكر رجاله باقي الأئمة- عليهم السلام -، وانا اذكر ما ذكره، واُورد ذلك من بعد من لم يذكره» (3).


1 . رجال النجاشي: 94 الرقم 233 .
2 . الفهرست للشيخ: 53.
3 . رجال الشيخ الطوسي: 2.


(325)

فبملاحظة هذين الأمرين تصبح النتيجة هي ان ما ذكره الشيخ من اسماء الرواة من اصحاب الصادق - عليه السلام -كلهم ثقات حسب توثيق الشيخ المفيد ومن تبعه.

ثم ان جماعة من المتأخرين تبعوا الشيخ المفيد واقتفوا اثره في ما ذكره واليك نقل بعض كلماتهم:

قال علم الدين المرتضى علي بن جلال الدين عبد الحميد النسابة، الذي هو من علمائنا في اوائل القرن الثامن في كتابه «الانوار المضيئة»: ومما اشتهر بين العامة والخاصة ان اصحاب الحديث جمعوا اسماء الرواة عنه - عليه السلام -من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا اربعة آلاف»(1).

وقال الشيخ الطبرسي في الباب الخامس كتابه «اعلام الورى باعلام الهدى» في ذكر مناقب الصادق - عليه السلام -: «ولم عن ينقل عن احد من سائر العلوم ما نقل عنه، فان اصحاب الحديث قد جمعوا اسامي الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في المقالات والديانات، فكانوا أربعة آلاف رجل»(2).

ثم ان بعض المتأخرين اكتفوا بذكر عدد الرواة عن الصادق - عليه السلام -من دون توصيفهم بكونهم من الثقات.

1 ـ قال المحقق في «المعتبر»: «انتشر عنه من العلوم الجمَّة ما بهر به العقول ـ إلى ان قال: وروى عنه من الرجال ما يقارب اربعة آلاف رجل»(3).

2 ـ قال العلاّمة في «الخلاصة» في القسم الثاني (في ترجمة ابن عقدة)


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 770، وكتاب (الانوار المضيئة) مخطوط يوجد في مكتبة السيد مير حامد حسين، راجع الذريعة: 2 / 442.
2 . اعلام الورى: 165 ـ 166 من الفصل الرابع.
3 . المعتبر: 5 ـ 6 في ضمن الوجه الأول.


(326)

ما لفظه: «قال الشيخ الطوسي: سمعت جماعة يحكون عنه انه قال: أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها وأُذاكر بثلاثمائة ألف حديث وله كتب ذكرناها في كتابنا الكبير. منها اسماء الرجال الذين رووا عن الصادق - عليه السلام -اربعة آلاف رجل، واخرج فيه لكل رجل الحديث الذي رواه، مات بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة» (1).

وما ذكره الشيخ في رجاله يختلف مع ما نقله العلاّمة عنه حيث قال «سمعت جماعة يحكون انه قال: احفظ مائة وعشرين الف حديث بأسانيدها، واُذاكر بثلاثمائة ألف حديث، روى عنه التلعكبري من شيوخنا وغيره، وسمعنا من ابن المهدي ومن أحمد بن محمد المعروف بابن الصلت، رويا عنه وأجاز لنا ابن الصلت عنه بجميع رواياته، ومولده سنة تسع واربعين ومائتين، ومات سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة»(2) وقد وقفت على عبارة الشيخ في الفهرست فلاحظ، وليس في عبارة الشيخ في رجاله وفهرسته مما ذكره العلاّمة من عدد الرواة عنه اثر.

3 ـ وقال الشهيد في «الذكرى»: «ان ابا عبدالله جعفر بن محمد - عليه السلام -كتب من اجوبة مسائله اربعمائة مصنف لأربعمائة مصنف، ودون من رجاله المعروفين اربعة آلاف رجل من اهل العراق والحجاز والشام ـ إلى ان قال: ومن رام معرفة رجالهم، والوقوف على مصنفاتهم، فليطالع كتاب الحافظ بن عقدة وفهرس النجاشي و...» (3).

4 ـ وقال الشيخ الكبير والد الشيخ البهائي مثل ما قاله المحقق في «المعتبر» واليك نصه: «ومنهم جعفر الصادق - عليه السلام -الذي اشتهر عنه


1 . الخلاصة: 203 ـ 204.
2 . رجال الشيخ: 442 في «باب من لم يرو عن الأئمة» .
3 . الذكرى : 6 في ضمن الوجه التاسع.


(327)

من العلوم ما بهر العقول ـ إلى ان قال: ودون العامة والخاصة ممن برز ومهر بتعلمه من العلماء والفقهاء اربعة الاف رجل، كزرارة بن اعين و...» (1).

5 ـ وقال العلاّمة المجلسي في شرحه على الكافي بعد ما نقل ما ذكره العلاّمة في «الخلاصة»: «وذكر الأصحاب اخباراً من ابن عقدة في كتاب الرجال والمسموع من المشايخ انه كان كتاباً بترتيب كتب الحديث والفقه وذكر احوال كل واحد منهم، وروى عن كتابه خبراً او خبرين او اكثر، وكان ضعف الكافي» (2).

ولا يخفى ان ما ذكره المجلسي يتفاوت مع ما ذكره العلاّمة في مختلفه، فان الظاهر من عبارة العلاّمة انه كان على حسب ترتيب الكتب الرجالية، وانه اخرج لكل رجل كل الأحاديث التي رواها عن الصادق - عليه السلام -.

هذه هي الكلمات الواردة في المقام التي قد جمعها المتتبع الخبير العلاّمة النوري في الفائدة الثامنة من خاتمة كتاب «مستدرك الوسائل» وقد راجعنا نفس المصادر فنقلناها عنها.

نظرنا في الموضوع

1 ـ ان اقصى ما يمكن ان يقال: انه صدر توثيق من الشيخ المفيد في حق اربعة الاف رجل من اصحاب الصادق - عليه السلام -، واما ان مراده هو نفس ما ورد في رجال ابن عقدة، فأمر مظنون او محتمل، إذ لم يكن التأليف في الرجال في تلك العصور مختصاً بابن عقدة، كيف والمؤلفون في علم الرجال من عصر الحسن بن محبوب إلى زمن الشيخ الطوسي أكثر من أن يذكر(3) فلا يصحّ أن يقال إنَّ الشيخ المفيد ناظر في عبارته هذه إلى ما كتبه ابن


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 770.
2 . مرآة العقول كما في مستدرك الوسائل: 3 / 770.
3 . لاحظ مصفّى المقال للعلامة الشيخ آغا بزرگ الطهراني.


(328)

عقدة مع وفور كتب الرجال، بل هي ناظرة لما جاء في الكتب الرجالية المؤلفة في تلك العصور في أصحاب الصادقين، بل الأئمة الطاهرين- عليهم السلام -، ويؤيد ذلك أن الشيخ عبَّر بلفظ الجمع وقال: «إن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات» فتخصيص عبارة الشيخ المفيد بما جاء في رجال ابن عقدة، أمر لا دليل عليه.

والدليل على أن المقصود من اصحاب الحديث ليس خصوص ابن عقدة، أن الشيخ قد التزم في مقدمة رجاله أن يأتي بكلّ ما ذكره ابن عقدة في رجاله مع زيادات لم يذكرها ابن عقدة، ومع ذلك لم يبلغ عدد أصحاب الصادق - عليه السلام -في رجال الشيخ أربعة آلاف.

فلو كان مقصود المفيد من أصحاب الحديث هو خصوص ما ذكره ابن عقدة، يجب أن يبلغ عدد أصحاب الصادق - عليه السلام -في رجال الشيخ أيضاً إلى أربعة آلاف، لما التزم به الشيخ في مقدمته، مع أن المذكور في رجاله لا يتجاوز عن ثلاثة آلاف وخمسين رجلاً.

نعم اعتذر عنه المحدّث النوري بأن ما أسقطه الشيخ في باب أصحاب الصادق - عليه السلام -أثبته في باب أصحاب أبي جعفر الباقر- عليه السلام -وفي باب أصحاب أبي إبراهيم موسى بن جعفر - عليه السلام -، لأن بعض أصحاب الصادق - عليه السلام -أدرك عصر الإمام الباقر - عليه السلام -كما أدرك عصر الإمام الكاظم - عليه السلام -، فاكتفى الشيخ في رجاله في الباب المعقود لخصوص أصحاب الصادق - عليه السلام - بذكر من اختصّ بالصادق ولم يدرك الإمام الباقر، ولا الإمام الكاظم - عليهما السلام -، ولكن «ابن عقدة» جعل المناط كل من روى عن الصادق- عليه السلام -وإن كانت له رواية عن غيره .(1)


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 773 .


(329)

ولكن الاعتذار غير موجه، لأن ابا العباس ابن عقدة قد أفرد لاصحاب كل إمام قبل الصادق - عليه السلام -كتاباً خاصاً. قال الشيخ في فهرسته: «وله كتاب من روى عن أمير المؤمنين - عليه السلام -وكتاب من روى عن الحسن والحسين، وكتاب من روى عن علي بن الحسين - عليهما السلام -وأخباره، كتاب من روى عن أبي جعفر محمد بن علي - عليه السلام -وأخباره، كتاب من روى عن زيد بن علي ومسنده، كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد - عليه السلام -»(1).

ومع هذا التصريح لا يصحّ هذا الاعتذار، نعم لو كان أبو العباس ابن عقدة مكتفياً في التأليف بذكر خصوص أصحاب الإمام الصادق - عليه السلام -أمكن أن يقال إن ما أسقطه الشيخ من أصحابه، أدرجه في أصحاب الإمامين الهمامين، الباقر والكاظم - عليهما السلام -، والمفروض أن ابن عقدة قد أفرد لاصحاب الإمام أبي جعفر - عليه السلام -كتاباً خاصاً وإن لم يؤلف في أصحاب الإمام الكاظم - عليه السلام -كتاباً.

3ـ إن الظاهر من عبارة المتتبّع، العلاّمة النوري، أن ابن عقدة هو الذي وثَّقهم حيث قال: «الذين وثقهم ابن عقدة، فانه صنَّف كتاباً في خصوص رجاله، وأنهاهم إلى أربعة آلاف، ووثَّق جميعهم»(2) مع أن العبارات الحاكية لعمل ابن عقدة ليست فيها أية اشارة إلى توثيق ابن عقدة، وإنما الظاهر من عبائر النجاشي والشيخ في رجالهما وفهرسته هو أن ابن عقدة جمع أسماء الرواة عنه، لا أنه وثقهم، وبذلك يسقط البحث الذي عقده العلاّمة النوري في توثيق ابن عقدة، فانه زيدي، وهل يكون توثيقه حجَّة أو لا؟ وقد أطنب الكلام فيه.

4ـ إن المراجع لما نقلناه من المشايخ يقف على أن المصدر الأساسي


1 . الفهرست: 52.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 770.


(330)

لوثاقة هؤلاء الرواة من أصحاب الصادق - عليه السلام -هو الشيخ المفيد، وأما البواقي فقد اقتفوا أثره، وتؤيد ذلك وحدة كثير من العبارات، على أن عدة من المشايخ قد اقتفت الشيخ المفيد في عدد الرواة، من غير تصريح بكونهم ثقات او لا، كما أوعزنا اليه.

نعم قد أسند الشيخ الحرّ العاملي في ترجمة «خليد بن أوفى» التوثيق إلى المفيد وابن شهر آشوب والطبرسي، من دون اسناده إلى ابن عقدة. قال: «ولو قيل بتوثيقه (خليد) وتوثيق أصحاب الصادق - عليه السلام -إلاّ من ثبت ضعفه لم يكن بعيداً، لأن المفيد في «الارشاد»، وابن شهر آشوب في معالم العلماء»، والطبرسي في «إعلام الورى» قد وثّقوا أربعة آلاف من أصحاب الصادق - عليه السلام -والموجود منهم في جميع كتب الرجال والحديث، لا يبلغون ثلاثة آلاف. وذكر العلاّمة وغيره أن ابن عقدة جمع الأربعة آلاف المذكورين في كتب الرجال»(1).

5 ـ الاعتماد على هذا التوثيق وان صدر من شيخ الاُمة ومفيدها وأيدته جماعة من الأصحاب، مشكل جدّاً، لأنه إن أراد بذلك أن أصحاب الصادق - عليه السلام -كانوا أربعة آلاف وكلّهم كانوا ثقات، فهذا أشبه بما عليه الجمهور من أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -كلهم كانوا عدولاً، وإن أراد أن أصحاب الصادق - عليه السلام -كانوا كثيرين، إلاّ أن الثقات منهم كانوا أربعة آلاف، فهذا أمر يمكن التسالم عليه لكنه غير مفيد، إذ ليس لنا طريق إلى معرفة الثقات منهم، وليس لنا دليل على أن ما ذكره الشيخ في رجاله كلهم من الثقات.

6ـ أضف إلى ذلك أن الشيخ قد ضعف عدة من أصحاب الصادق - عليه السلام -، فقال في الباب المختصّ بهم: «إبراهيم بن أبي حيَّة ضعيف،


1 . امل الآمل: 1 / 83 لاحظ ترجمة «خليد بن اوفى».


(331)

الحارث بن عمر البصري أبو عمر ضعيف الحديث، عبد الرحمن بن الهلقام ضعيف، عمرو بن جميع البصري الأزدي ضعيف الحديث، محمد بن حجّاج المدني منكر الحديث، محمد بن عبد الملك الانصاري الكوفي ضعيف، محمد بن مقلاص الاسدي الكوفي ملعون غال»(1) إلى غير ذلك من العبارات في حق بعض أصحابه، فكيف يمكن أن يقال: إن كل ما جاء به رجال الشيخ نفس ما ذكره الشيخ المفيد.

7ـ نعم قد أتعب المتتبع العلاّمة النوري نفسه الشريفة في توجيه هذه التصريحات بوجود الضعاف بين أصحاب الصادق - عليه السلام -بما لا يمكن الاعتماد عليه، فقال: «إن المراد من الضعف ما لا ينافي الوثاقة كالرواية عن الضعفاء، او رواية الضعفاء عنه، او الاعتماد على المراسيل، أو الوجادة(2) أو رواية ما ظاهره الغلوّ والجبر والتشبيه»(3).

وأنت ترى أن ما ذكره من التوجيه خلاف الظاهر جدّاً، والرواية عن الضعفاء والاعتماد على المراسيل وإن كانا من أسباب الضعف عند القدماء، لكن الانصاف أنه إذا اُريد الضعف من هذه الناحية يجب أن يصرح به، ولو اطلق، فالظاهر أن الضعف راجع إلى نفسه.

أضف إلى ذلك أنه قال في حق بعضهم: «ملعون غال».

فقد خرجنا بهذه النتيجة: أنه لم يثبت التوثيق العمومي لاصحاب الإمام الصادق- عليه السلام -الموجودة في رجال الشيخ أو ما بأيدينا في كتب الرجال.


1 . لاحظ رجال الشيخ: 146، 178، 232، 249، 285، 294، 302.
2 . المراد من الوجادة نقل الحديث بمجرد وجوده في كتاب من دون أن يكون له طريق إلى نفس الكتاب.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 773.


(332)


(333)

8 ـ هل شيخوخة الاجازة دليل الوثاقة عند المستجيز؟


(334)


(335)

إن قسماً من مشايخ الاجازة الذين يجيزون رواية أصل او كتاب لغيرهم، غير موصوفين في كتب الرجال بالوثاقة، فهل استجازة الثقة عن واحد منهم آية كونه ثقة أو لا؟ وهذا نظير ما روى الصدوق والشيخ كثيراً من الاصول والكتب بالاستجازة عن عدة من المشايخ الذين يعدّون من مشايخهما في الرواية، فهل استجازة ذينك العلمين أو غيرهما من هؤلاء دليل على وثاقتهم مطلقاً او عند المستجيزين خاصة او لا يدلّ على شيء من ذلك؟

توضيحه مع تحقيقه

لو قلنا إن رواية الثقة عن شخص آية كون المروي عنه ثقة عند الراوي، فلا كلام في كلام مشايخ الاجازة لأمثال الصدوق والشيخ وغيرهما ثقات، لكن ذلك الاصل ممّا لا أصل له، إلاّ إذا أكثر الرواية عنه، كما سيوافيك، وقد عقد المحقق الداماد فصلاً خاصاً في رواشحه، فراجع الراشحة الثالثة والثلاثين، الصفحة 104، والكلام في المقام على غير هذا الاصل. فنقول: إن الاجازة على أقسام:

1ـ أن يجيز الشيخ كتاب نفسه، فيشترط في الشيخ المجيز ما يشترط في سائر الرواة من الوثاقة والضبط، وحكم شيخ الاجازة في هذا المجال حكم


(336)

سائر الرواة الواقعين في سند الحديث، فيشترط فيه ما يشترط فيهم، ولا يدل استجازة الثقة على كونه ثقة حتى عنده، إذ لا تزيد الاستجازة على رواية الثقة عنه، فكما انها لا تدل على وثاقة المروي عنه، فهكذا الاستجازة فيجب احراز وثاقة المجيز من طريق آخر.

نعم لو كان جميع احاديث كتابه مطابقاً لأحاديث كتاب معتبر، يكون احاديثه مقبولة سواء أكان في نفسه ثقة او ضعيفاً، ولذا قال ابن الوليد استاذ الصدوق في «محمد بن اورمة» المطعون فيه بالغلوّ: «ان كل ما كان في كتبه مما وجد في كتب الحسين بن سعيد وغيره، فانه يعتمد عليه ويفتي به، وكل ما تفرد به لم يجز العمل عليه ولا يعتمد» (1).

غير ان تحصيل هذا الشرط مما لا يمكن في هذه العصور، لاندراس المصنفات والاصول بعد الشيخ الطوسي، فقد اصبحت تلك الكتب بعد الجوامع الثانوية (الكتب الأربعة) مرغوبة عنها، لعدم احساس الحاجة إلى كتابتها واستنساخها مع وجود تلك الجوامع، خصوصاً بعد كلام الشيخ في آخر الاستبصار حيث قال: «وارجو من الله تعالى ان تكون هذه الكتب الثلاثة (التهذيب والاستبصار والنهاية) التي سهل الله تعالى الفراغ منها، لا يحتاج معها إلى شيء من الكتب والاصول، لأن الكتاب الكبير الموسوم بـ «تهذيب الاحكام» يشتمل على جميع احاديث الفقه المتفق عليه والمختلف فيه، وكتاب النهاية يشتمل على تجريد الفتاوى في جميع ابواب الفقه وذكر جميع ما روي فيه، على وجه يصغر حجمه وتكثر فائدته ويصلح للحفظ، وهذا الكتاب يشتمل على جميع ما روي من الأخبار المختلفة وبيان وجه التأويل فيها والجمع


1 . قال النجاشي: «وحكى جماعة من شيوخ القميين عن ابن الوليد انه قال: محمد بن اورمة طعن عليه بالغلو، فكل ما كان في كتبه مما وجد في كتب الحسين بن سعيد وغيره فقل به وما تفرد به فلا تعتمده» لاحظ رجال النجاشي: الرقم 891.


(337)

بينها» (1).

2 ـ إذا اجاز كتاب غيره وكان انتساب الكتاب إلى مصنفه مشهوراً فالاجازة لاجل مجرد اتصال السند، لا لتحصيل العلم بالنسبة إلى مصنفه والاجازات الرائجة بالنسبة إلى الكتب الاربعة وغيرها من المؤلفات الحديثية المشهورة كلها من هذا القبيل، فليست الاجازة إلاّ لاجل تحصيل اتصال السند وتصحيح الحكاية عند نقل الحديث عن شيخ الاجازة بلفظ «حدثنا» إلى ان يصل إلى ارباب الكتب الاربعة وينتهي السند إلى المعصوم - عليه السلام -، وفي هذه الصورة لا يحرز وثاقة الشيخ بالاستجازة أيضاً، لأن نسبة الكتب إلى اربابها ثابتة، انما الغاية من تحصيلها، تصحيح الحكاية والتمكن من القول بـ «حدثنا» إلى ان ينتهي الأمر إلى الإمام، ويكفي فيه نفس الاجازة سواء كان المجيز ثقة ام لا.

ثم ان الظاهر من الصدوق بالنسبة إلى الكتب التي اخذ منها الحديث في «الفقيه» انها كتب مشهورة، عليها المعول واليها المرجع، وان ما ذكره في المشيخة في آخر الكتب، لاجل تحصيل اتصال السند، لا لتصحيح نسبة الكتاب إلى مؤلفه، فلا تدل استجازته على وثاقة من روي عنهم في هذه الكتب.

توضيحه، ان الشيخ الكليني ذكر تمام السند في كتابه «الكافي»، فبدأ الحديث باسم شيخ الاجازة عن شيخه إلى ان ينتهي إلى الشيخ الذي اخذ الحديث عن كتابه، حتى يصل إلى الإمام، وهذه سيرته في غالب الروايات إلاّ ما شذّ.

لكن الشيخ الصدوق وكذا الشيخ الطوسي قد بنيا على حذف اوائل السند والاكتفاء باسم من اُخذ الحديث من اصله ومصنفه، حتى يصل السند إلى


1 . الاستبصار: 4 / 305.


(338)

الإمام، ثم وضعا في آخر كتبهم «مشيخة» يعرف بها طريقتهما إلى من اخذا الحديث من كتابه، فهي المرجع في اتصال السند في اخبار كتابهما، وربما اخلا بذكر السند إلى بعض اصحاب الكتب فصار معلقاً. هذا هو دأب الشيخين الصدوق والطوسي.

والظاهر من مقدمة «الفقيه» ان الكتب التي اخذ الصدوق منها الأحاديث وبدأ السند بأسامي مؤلفيها، كتب مشهورة معروفة غير محتاجة إلى اثبات النسبة، فوجود السند إلى هذه الكتب وعدمه سواسية.

قال في مقدمة الفقيه: «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول واليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الأهوازي، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبدالله، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد، ونوادر محمد بن ابي عمير، وكتب المحاسن لأحمد بن ابي عبدالله البرقي، ورسالة ابي إليّ وغيرها ما الاُصول والمصنفات التي طرقي اليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي واسلافي». (1)

وهذه العبارة من المحدث الاكبر نصّ على ثبوت نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها، ولم يكن هناك اية حاجة إلى طريق يدل على النسبة، وان ما اتى به في المشيخة من الاسماء لمجرد اتصال السند، فلو اكتفينا بمثل هذا التنصيص من الصدوق، لكان البحث عن صحة طريق الصدوق وعدمها بالنسبة إلى هذه الكتب ونظائرها بحثاً زائداً غير مفيد، اللّهم إلاّ في الكتب غير المعروفة التي لم تثبت نسبتها إلى مؤلفيها، لو نقل عنها فيه، وإلى ذلك كان يميل السيّد


1 . الفقيه: 1 / 3 ـ 4.


(339)

المحقق البروجردي - قدس سره -في درسه الشريف عندما أفاض البحث في المشيخة، وبذلك يعلم وجه ما افاده الشيخ الطوسي من تقديم رواية السامع على رواية المستجيز إلاّ فيما إذا روى المستجيز باجازته اصلاً معروفاً او مصنفاً مشهوراً فيسقط الترجيح. (1)

وبذلك يمكن ان يقال: ان البحث عن طرق الشيخ الطوسي ايضاً إلى اصحاب الكتب المعروفة الثابتة نسبتها إلى مؤلفيها، بحث زائد غير مفيد، فلا وجه لعد الحديث ضعيفاً او حسناً لاجل ضعف طريقه او عدم ثبوت وثاقة مشايخ اجازته إلى هذه الكتب.

نعم، الكلام في تشخيص حال هذه الكتب من حيث ثبوت انتسابها إلى مؤلفيها وعدمه لولا الاحراز، يدخل في القسم الثالث الذي سيوافيك الكلام فيه.

قال المحقق التستري: «لو كنا نعرف الاصول المشهورة والمصنفات المعروفة كالقدماء، حكمنا بصحة كثير من احاديث الكافي التي حكموا بعدم صحتها بالاصطلاح الحادث المتأخر، فان اكثر الوسائط، مشايخ اجازة، واكثر احاديثها مأخوذة من مصنفات اصحاب الائمة واُصولهم، وذكر سائر المشايخ لمجرد اتصال السلسلة كما هو ديدن اصحاب الحديث، كالمفيد في ارشاده عند الأخذ من الكافي، والصدوق في غير فقيهه، والشيخ في الجزءين الأولين من استبصاره، لكن الأسف ضياع تلك الاصول والمصنفات »(2).

اما استثناء الفقيه، فلما عرفت من ان الصدوق لا يذكر في بدء السند إلاّ اسم الشخص الذي أخذ الحديث عن كتابه، ولا يذكر مشايخ الاجازة إلاّ في خاتمة الكتاب المسماة بالمشيخة، وقد عرفت ان البحث عن طرق الصدوق


1 . عدة الاصول: 57 طبعة الهند.
2 . قاموس الرجال: 1 / 60.


(340)

غير مفيد، لأن الكتب المنقولة عنها معروفة مشهورة.

واما استثناء الجزءين الاولين من الاستبصار، فلأنه سلك فيهما على غير النحو الذي سلك في بقية الكتاب. قال في آخر «الاستبصار»: «وكنت سلكت في أول الكتاب ايراد الاحاديث باسانيدها وعلى ذلك اعتمدت في الجزء الأول والثاني، ثم اختصرت في الجزء الثالث وعوَّلت على الابتداء بذكر الرواي الذي اخذت الحديث من كتابه او اصله، على ان اورد عند الفراغ من الكتب جملة من الأسانيد يتوصل بها إلى هذه الكتب والاصول، حسب ما عملته في كتاب «تهذيب الأحكام» ـ إلى ان قال: فما ذكرته عن محمد بن يعقوب...» (1).

والحاصل، انه لو كانت نسبة الكتب التي اخذ منها الحديث إلى مؤلفيها، مثل نسبة كتاب الكافي إلى مؤلفه او ادنى منها، لما دلت الاستجازة على وثاقة مجيزها وأيضاً لما ضرّ عدم وثاقة شيخ الاجازة فضلاً عن كونه مشكوك الوثاقة بالنقل عن هذه الكتب، لما عرفت ان نسبة الكتب التي اخذ الصدوق عنها الحديث إلى مؤلفيها، كمثل نسبة الكافي إلى مؤلفه او اقل منها بقليل، وقد عرفت ان البحث عن طرق الصدوق إلى الكتب غير مفيدة ووافقنا في ذلك المحقق التستري حيث قال: «بل يمكن ان يقال بعدم الاحتياج إلى ما فعل في طرق الصدوق، حيث انه صرح في الفقيه بمعروفية طرقه إلى الكتب وان الكتب في نفسها مشهورة»(2) وقد عرفت منا ما ذكره السيد المحقق البروجردي في درسه.

واما «التهذيبان» فلو كنا متمكنين من تشخيص الكتب الثابتة نسبتها إلى مؤلفيها عن غيرها، لاستغنينا عن كثير من المباحث التي تدور حول مشيخة


1 . الاستبصار: 4 / 304 ـ 305 طبعة النجف.
2 . قاموس الرجال: 1 / 59.


(341)

الشيخ الطوسي حتى صارت سبباً لتقسيم احاديثهما حسب اختلاف حال المشايخ إلى الصحيح والموثق والحسن والضعيف، لأن جميع الوسائط بينه وبين صاحب الكتاب، او صاحب الاصل، في الحقيقة مشايخ اجازة لكتاب الغير وأصله، ولكنه امنية لا تحصل إلاّ بالسعي الجماعي في ذاك المجال، وقيام لجنة بالتحقيق في المكتبات.

3 ـ إذا اجاز رواية كتاب لم تثبت نسبته إلى مؤلفه إلاّ بواسطة الشيخ المجيز ـ ولا شك انه تشترط وثاقة الشيخ المجيز عند المستجيز، إذ لولاه لما ثبت نسبته إلى المؤلف، وبدونها لا يثبت الكتاب ولا ما احتواه من السند والمتن وعادت الاجازة امراً لغواً ـ فلو كان توثيق المستجيز او ثبوت وثاقة المجيز عند المستجيز كافياً لنا نأخذ بالرواية.

وباختصار، ان الهدف الأسمى في هذا القسم من الاستجازة والاستمداد من ذكر الطريق إلى اصحاب هذه الكتب، هو اثبات نسبة هذه الكتب إلى اصحابنا ومؤلفيها لا غير، ولا يتحقق هذا الهدف إلاّ ان يكون الشيوخ المجيزون واحداً بعد واحد ثقات يعتمد على قولهم، فلو لم يكن الشيخ ثقة عند المستجيز، لما كان للاستناد اليه أية فائدة.

وبالجملة، الفائدة العليا من ذكر الطريق في المشيخة، هو اثبات نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها اثباتاً لا غبار عليه، وهذا الهدف لا يتحقق عند المستجيز إلاّ بكون شيخ الاجازة ثقة عنده، وإلاّ فلو كان مجهولاً او ضعيفاً او مطعوناً بإحدى الطرق، لما كان لهذه الاستجازة فائدة. وهذا هو ما يعني به من ان شيخوخة الاجازة دليل على وثاقة الشيخ عند المستجيز.

وربما يقال بأن الحسن بن محمد بن يحيى المعروف بابن اخي طاهر، عرفه النجاشي بقوله: «روى عن المجاهيل احاديث منكرة. رأيت


(342)

اصحابنا يضعفونه ومات في شهر ربيع الأول سنة 358 هـ» (1)، مع انه من مشايخ الاجازة للتلعكبري، قال الشيخ في رجاله: «روى عنه التلعكبري وسمع منه سنة سبع وعشرين وثلاثمائة إلى سنة خمس وخمسين وله منه اجازة» (2).

ولكنه لا ينافي ما ذكرنا، لامكان ثبوت وثاقته عند المستجيز كما لا يخفى فلو كان ثبوت وثاقته عند المستجيز كافياً لنا ـ ما لم يدلّ دليل على خلافه ـ نأخذ بالحديث إذا وقع في السند وإلاّ فلا.


1 . رجال النجاشي : الرقم 149.
2 . رجال الشيخ: 465، الرقم 23، في باب من لم يرو عن الائمة.


(343)

9 ـ الوكالة عن الامام - عليه السلام -


(344)


(345)

ربما تعدّ الوكالة من الإمام، طريقاً إلى وثاقة الراوي، لكنه لا ملازمة بينها وبين وثاقته، نعم لو كان وكيلاً في الامور المالية، تكون امارة على كونه أميناً في الاُمور المالية، واين هو من كونه عادلا، ثقة ضابطاً؟ نعم إذا كان الرجل وكيلاً من جانب الإمام طيلة سنوات، ولم يرد فيه ذم يمكن ان تكون قرينة على وثاقته وثبات قدمه إذ من البعيد ان يكون الكاذب وكيلاً من جانب الإمام عدة سنوات ولا يظهر كذبه للامام فيعزله.

وربما يستدل على وثاقة كل من كان وكيلاً من قبل المعصومين بما رواه الكليني عن علي بن محمد، عن الحسن بن عبد الحميد، قال: شككت في أمر «حاجز» فجمعت شيئاً، ثم صرت إلى العسكر، فخرج إلي ليس فينا شك ولا في من يقوم مقامنا، بامرنا، رد ما معك إلى حاجز بن يزيد» (1).

فلو لم تكن الوكالة ملازمة للعدالة، لما كان لرد الإمام - عليه السلام - معنى.

لكن الرواية اخص من المدعى، فان الظاهر ان المراد الوكلاء المعروفون الذين قاموا مقام الائمة بامرهم، وهذا غير كون الرجل وكيلاً للامام في أمر ضيعته أو أمر من الامور.


1 . الكافي: ج 1، باب مولد الصاحب - عليه السلام -، الحديث 14.


(346)


(347)

10 ـ كثرة تخريج الثقة عن شخص


(348)


(349)

ان نقل الثقة عن شخص لا يدل على كون المروي عنه ثقة، لشيوع نقل الثقات من غيرهم، نعم كانت كثرة النقل عن الضعاف أمراً مرغوباً عنه بين المشايخ وكانت معدودة من جهات الضعف، ولاجل هذا اخرج أحمد بن محمد بن عيسى القمي، زميله أحمد بن محمد بن خالد عن قم، لكثرة النقل عن الضعفاء، وقال العلاّمة في «الخلاصة»: «إنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد المراسيل قال ابن الغضائري: طعن عليه القمّيون، وليس الطعن فيه، إنما الطعن فيمن يروى عنه، فإنه كان لا يبالي عمَّن أخذ، على طريقة أهل الاخبار، وكان أحمد بن محمد بن عيسى أبعده من قم، ثمَّ أعاده اليها واعتذر اليه»(1).

وقال النجاشي في ترجمة سهل بن زياد: «كان ضعيفاً في الحديث، غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمد بن عيسى يشهد عليه بالغلوّ والكذب وأخرجه من قم إلى الري وكان يسكنها»(2).

وعلى ضوء هذا يمكن أن يقال: إن كثرة تخريج الثقة عن شخص دليل


1 . الخلاصة: 14، القسم الأول .
2 . رجال النجاشي: الرقم 490.


(350)

على وثاقته لوجهين:

الأول: ما عرفت أن كثرة الرواية عن الضّعاف كانت تعدّ من أسباب الضعف حتى آل أمر أحمد بن محمد بن خالد، وسهل بن زياد الآدمي إلى الاقصاء من قم.

الثاني: إن كثرة النقل عن شخص آية كون المرويّ عنه ثقة، وإلاّ عاد النقل لغواً ومرغوباً عنه، وهذا بخلاف قلة النقل، فانه ـ مع كونه أمراً متعارفاً ـ يمكن أن يكون للنقل غايات اُخرى، غير الاعتماد وهو تعضيد سائر الروايات والنُّقول، وهذه منتفية فيما إذا كثر النقل عن شخص.

هذا، وإن صاحب المستدرك قد أفرط في تكثير أسباب التوثيق وجعل نقل الثقة عن شخص آية كون المرويّ عنه ثقة، وتمسك بوجوه غير نافعة يقف عليها السابر في كتابه.

هذه نهاية الدراسة حول التوثيقات العامة، فقد عرفت الصحيح عن السقيم، وأن المفيد منها قليل بالنسبة إلى غيره.

وبذلك نختم الحديث حول هذا الموضوع ونخوض في موضوع آخر، وهو بيان مدى اعتبار الكتب الاربعة من حيث الصحة والاعتبار، وهو بحث قيّم لا يستغني عنه الفقيه، كما أنه لا يمكن أن يكتفي بما ورد في هذه الدراسة، بل لا بدّ من مواصلة البحث والدراسة في هذا المجال، بدقّة ومزيد إمعان.


(351)

الفصل السابع

دراسة حول الكتب الاربعة

1ـ الكافي.

2ـ من لا يحضره الفقيه.

3ـ التهذيب والاستبصار.


(352)


(353)

1ـ تقييم احاديث «الكافي»


(354)


(355)

إن البحث عن كتاب الكافي للشيخ الأجل الكليني يقع على وجهين:

الأول: هل كلّ من ورد في أسناد الكافي ثقة او لا؟ وهذا هو الذي استقصينا البحث عنه عند البحث عن أدلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال وأوضحنا الحال فيه فلا نعود اليه.

الثاني: هل هناك قرائن تدلّ على أن كل ما ورد فيه من الروايات صحيح، بمعنى أنه معتبر يصحّ العمل به او لا؟ وهذا ما نبحث عنه في المقام، ولنقدّم كلمة في حق المؤلف وكتابه.

إن كتاب الكافي أحد الكتب الاربعة التي عليها تدور رحى استنباط مذهب الإمامية، فان أدلة الاحكام وإن كانت أربعة (الكتاب والسنة والعقل والاجماع) على ما هو المشهور بين الفقهاء، إلاّ أن الناظر في فروع الدين يعلم أن العمدة في استعلام الفرائض والسنن، والحلال والحرام، هو الحديث وأن الحاوي لجلّها، هو الكتب الاربعة، وكتاب الكافي بينها كالشمس بين نجوم السماء، والمؤلف أغنى من التوصيف وأشهر من التبجيل.

فقد وصف الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق كتاب الكافي بأنه أجلّ


(356)

كتب الشيعة وأكثرها فائدة(1).

وقال المحقّق الكركي في اجازته للقاضي صفي الدين عيسى: «ومنها جميع مصنَّفات ومرويات الشيخ الإمام السعيد الحافظ المحدّث الثقة، جامع أحاديث أهل البيت- عليهم السلام -أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، صاحب الكتاب الكبير في الحديث المسمّى بالكافي، الذي لم يعمل مثله...، وقد جمع هذا الكتاب من الاحاديث الشرعية، والاسرار الربانية ما لا يوجد في غيره، وهذا الشيخ يروي عمَّن لا يتناهى كثرة من علماء أهل البيت- عليهم السلام -ورجالهم ومحدّثيهم مثل علي بن إبراهيم بن هاشم... »(2).

وقال الشيخ حسين والد شيخنا البهائي في الكتاب الموسوم بـ «وصول الاخيار»: «أما كتاب الكافي، فهو للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني، شيخ عصره في وقته، ووجه العلماء والنبلاء، كان أوثق الناس في الحديث وأنقدهم له وأعرفهم به، صنَّف كتاب الكافي وهذَّبه في عشرين سنة، وهو يشتمل على ثلاثين كتاباً يحتوي على مالا يحتوي عليه غيره»(3).

وقال العلاّمة المجلسي في مقدمة شرحه على الكافي: «وابتدأت بكتاب الكافي للشيخ الصدوق ثقة الاسلام مقبول طوائف الأنام، ممدوح الخاص والعام، محمد بن يعقوب الكليني ـ حشره الله مع الأئمة الكرام ـ لأنه كان أضبط الاصول وأجمعها وأحسن مؤلفات الفرقة الناجية وأعظمها»(4).

إلى غير ذلك من كلمات الثناء والاطراء ممّا لا مجال لذكرها.

قال النجاشي في ترجمة الكليني: «محمد بن يعقوب بن اسحاق أبو


1 . شرح عقائد الصدوق: 27، طبعة تبريز.
2 . بحار الانوار: 108 / 75 ـ 76.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 532 ، الفائدة الرابعة.
4 . مرآة العقول: 1 / 34.


(357)

جعفر الكليني ـ وكان خاله علاّن الكليني الرازي ـ شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم. صنَّف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمّى الكافي في عشرين سنة، شَرْحُ كُتُبِه: كتاب العقل، كتاب فضل العلم ـ إلى أن عدَّ أحداً وثلاثين كتاباً»(1).

ثمَّ إن صاحب «لؤلؤة البحرين» نقل عن بعض مشايخه المتأخرين: «أما الكافي فجميع أحاديثه حصرت في ستَّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، الصحيح منها باصطلاح من تأخّر خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً، والموثق مائة حديث وألف حديث وثمانية عشر حديثاً، والقوي منها اثنان وثلاثمائة، والضعيف منها أربعمائة وتسعة آلاف وخمسة وثمانون حديثاً»(2).

وقال المحقّق المتتّبع المحدث النوري بعد نقل ذلك الكلام: «الظاهر أن المراد من القوي ما كان بعض رجال سنده أو كلّه، الممدوح من غير الإمامي ولم يكن فيه من يضعف به الحديث»(3).

وقال الشهيد في «الذكرى»: «إن ما في الكافي يزيد على ما في مجموع الصحاح الستة للجمهور وعدّة كتب الكافي اثنان وثلاثون»(4).

قال في «كشف الظنون» نقلاً عن الحافظ بن حجر: «إن جميع أحاديث صحيح البخاري بالمكرّر، سوى المعلقات والمتابعات، على ما حرّرته وحقّقته، سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً، والخالص من ذلك بلا تكرير ألفا حديث وستمائة وحديثان، وإذا انضمّ اليه المتون المعلقة المرفوعة


1 . رجال النجاشي: الرقم 1027.
2 . لؤلؤة البحرين للمحدث البحراني الطبعة القديمة غير المرقمة في أحوال شيخنا الكليني وذكر بعد هذا عدد سائر الكتب الثلاثة. وما ذكره من الأرقام ينقص عند الجمع 78 حديثاً فلاحظ.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 541 الفائدة الرابعة.
4 . الذكرى: 6.


(358)

وهي مائة وخمسون حديثاً، صار مجموع الخالص ألفي حديث وسبعمائة واحداً وستيّن حديثاً.

وروي أيضا عن مسلم أن كتابه أربعة آلاف حديث دون المكرّرات وبالمكرّرات سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً.

وقال ابو داود في أول سننه: «وجمعت في كتابي هذا اربعة آلاف حديث وثمانية أحاديث من الصحيح وما يشبهه وما يقاربه»(1).

وقد جمع الامام أبو السعادات مبارك بن محمد بن الاثير الجزري (المولود عام 544 هـ ، والمتوفي عام 606 هـ) جميع ما في هذه الصحاح في كتاب أسماه «جامع الاصول من أحاديث الرسول» فبلغ عدد أحاديثه «9483». قال ياقوت في معجمه: جمع الجرزي فيه بين البخاري والمسلم والموطّأ وسنن أبي داود وسنن النسائي والترمذي، عمله على حروف المعجم وشرح غريب الاحاديث ومعانيها وأحكامها وصنَّف رجالها ونبَّه على جميع ما يحتاج اليه منها(2).

هذا حال الكتاب ومكانته، وإليك بيان مدى صحّة رواياته.

الصحيح عند القدماء والمتأخرين

تقسيم الحديث إلى الاقسام الاربعة المشهورة تقسيم جديد حدث من زمن الرجالي السيد أحمد بن طاووس أستاذ العلاّمة وابن داود الحليين، بعد ما كان التقسيم بين القدماء ثنائياً غير خارج عن كون الحديث معتبراً أو غير معتبر، فما أيدته القرائن الداخلية كوثاقة الراوي، أو الخارجية كوجوده في أصل معتبر


1 . كشف الظنون، كما في مستدرك الوسائل: 3 / 541. لاحظ فتح الباري في شرح أحاديث البخاري: 1 / 465، الفصل العاشر في عد أحاديث الجامع.
2 . راجع مقدمة جامع الاصول: الجزء 12.


(359)

معروف الانتساب إلى جماعة كزرارة ومحمد بن مسلم والفضيل بن يسار، فهو صحيح، أي معتبر يجوز الاستناد اليه، والفاقد لكلتا المزيتين غير صحيح، بمنعى انه غير معتبر لا يمكن الركون اليه، وان امكن ان يكون صادراً عنهم.

هذا هو التقسيم المعروف بين القدماء إلى عصر الرجالي المعروف ابن طاووس.

اما بعده، فقد آل الأمر إلى التقسيم الرباعي، بتقسيمه إلى صحيح وموثق وحسن وضعيف، واما الباعث لهذا التقسيم ورفض التقسيم الدارج بين القدماء، فليس هنا محل ذكره ولعل السبب هو ان القرائن المورثة للاطمئنان آل إلى القلة والندرة حسب مرور الزمان، وأوجب ضياع الاصول والمصنفات المؤلفة بيد اصحابها الثقات، فالتجأ إلى وضع التقسيم الرباعي الذي يبتني على ملاحظة السند واحوال الراوي، وعلى كل تقدير فهناك اصطلاحان للحديث الصحيح.

والهدف من البحث هنا، هو استعراض صحة احاديث الكافي حسب اصطلاح القدماء، اعني اعتبارها لاجل القرائن الداخلية او الخارجية، وممن أصر على ذلك شيخ مشايخنا المحدث النوري في الفائدة الربعة من خاتمة المستدرك، واعتمد في ذلك على وجوه اربعة، أهمها الوجه الرابع الذي استعرضناه عند البحث عن ادلة نفاة الحاجة إلى علم الرجال، لانه كان وجها عاماً يعمّ الكافي وغيره من سائر الكتب الاربعة، وهو الاعتماد على ما صرح به مؤلفوه على صحة ما ورد فيها، وقد عرفت مدى متانة ذلك الوجه، وهنا نستعرض الوجوه الثلاثة الباقية، فهي حسب اعتقاده تثبت اعتبار احاديثه وتغني الباحث عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه، وتورث الوثوق والاطمئنان بصدورها وصحتها بالمعنى المعروف بين القدماء، واليك تلك الوجوه الثلاثة:


(360)

الوجه الأول: المدائح الواردة حول الكافي

ان المدائح الواردة في حق الكتاب، تقتضي غناء الفقيه عن ملاحظة آحاد رواته، واليك المدائح اجمالاً وان مرَّ تفصيلها في صدر البحث.

1 ـ وصفه الشيخ المفيد في شرح عقائد الصدوق بأنه اجل كتب الشيعة واكثرها فائدة.

2 ـ وعرفه المحقق الكركي في اجازته للقاضي صفيّ الدين عيسى بانه لم يعمل مثله.

3 ـ وقال الشهيد في اجازته للشيخ زين الدين ابي الحسن علي بن الخازن: «لم يعمل للامامية مثله».

4 ـ وقال محمد امين الدين الاسترآبادي: «وقد سمعنا من مشايخنا وعلمائنا انه لم يصنف في الاسلام كتاب يوازيه او يدانيه».

5 ـ ووصفه العلاّمة المجلسي بانه اضبط الاصول واجمعها واحسن مؤلفات الفرقة الناجية واعظمها.

وهذه المدائح لا ترجع إلى كبر الكتاب وكثرة احاديثه فانه مثله واكبر منه ممن تقدم او تأخر عنه، كان كبيراً متداولاً بينهم، كالمحاسن لاحمد بن محمد بن خالد البراقي، ونوادر الحكمة لمحمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، وانما هي لاجل اتقانه وضبطه وتثبته.

اقول: لا يخفى انه يستفاد من هذه المدائح اعتبار الكتاب بما هو هو، في مقابل عدم صلاحيته للمرجعية والمصدرية، لانه لازم قولهم «اجل الكتب واكثرها فائدة» او «انه لم يعمل مثله في الاسلام». اما استفادة غنى المستنبط عن ملاحظة آحاد رجال احاديثه، وان كل ما فيه معتبر فلا، إذ ليس معنى اعتبار الكتاب صحة كل واحد من احاديثه، بحيث يغني الباحث عن اية مراجعة،


(361)

ولاجل ذلك لا يتبادر ذلك المعنى من توصيف غير الكافي بهذه الصفات كمعاجم اللغة والتاريخ والسير، مثلا إذا قيل: «لسان العرب» من أجلّ الكتب في اللغة او ان تاريخ الطبري لم يعمل مثله.

وقد ذكر - قدس سره - في ضمن الوجه الثالث الذي سيوافيك، ما يمكن ان يكون مؤيدا لكلامه هذا وقال: «ان هناك كتباً لا ينظر إلى اسانيد احاديثها، فلا يكون الكافي أجلّ هذه الكتب إلاّ إذا اشتمل على تلك المزيَّة، وإلاّ فلا يصح ان يعدّ من اجلها».

اقول: لم اقف على كتاب يشتمل على تلك المزية، ولو اراد منه الاصول المؤلفة في عصر الائمة، فصريح الشيخ في «العدة» اشتراط صحة الاحتجاج بها بكون راويها ثقة. قال في بيان ما هو المختار فى باب حجية خبر الواحد: «وجدت الفرقة المحقة مجمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في اصولهم لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى ان واحداً منهم إذا افتى بشيء لا يعرفونه، سألوه من اين قلت هذا. فاذا أحالهم على كتاب معروف، او اصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الأمر في ذلك وقبلوا قوله» (1).

وهذه العبارة صريحة في ان ورود الخبر في الاصول المدونة، لم يكن كافياً في الاحتجاج ما لم يحرز وثاقة راويه، فاذا كان هذا حال الاصول فغيرها اولى بلزوم المراجعة.

وعلى فرض وجود ما لا ينظر إلى اسانيده فالظاهر ان المراد من قولهم «ان الكافي اجلّ الكتب» وما اشبه هذا، تفوّقه على سائر الكتب الحديثية من جهة الاسلوب والتبويب والجامعية والضابطية، إلى غير ذلك من المزايا التي لا توجد في نظائرها المتقدمة عليه او المتأخرة عنه، لا انه جامع لمزية كل كتاب


1 . عدة الاصول: 338، الطبعة الحديثة.


(362)

كان قبله، ويعلم مفاد هذه المدائح من امعان النظر في الكتب التي مدحت بهذه المدائح مثلاً يقال: «البحار جامع حديثي لم يعمل مثله» او «الجواهر من جلائل الكتب الفقهية» فليس النظر تصحيح كل ما في البحار من الروايات، وتصديق كل ما جاء في الجواهر من الفتيا، بل الجامعية في الأول، وكثرة الفروع ودقة النظر في الثاني هي الباعثة إلى توصيفهما بما ذكرناه، وليس المراد ان كل مزية موجودة في الكتب الحديثية او الفقهية موجودة فيهما.

الوجه الثاني: المدائح الواردة في حق المؤلف

ذهب المحدث النوري إلى ان المدائح الواردة في حق الكليني، تستلزم صحة روايات كتابه واعتبارها وعدم لزوم المراجعة إلى آحاد اسناد رواياتها واليك بعض تلك المدائح:

1 ـ قال النجاشي: «ان الكليني أوثق الناس في الحديث واثبتهم».

2 ـ وقال العلاّمة في «الخلاصة» بمثله.

وهذا القول من مثل النجاشي لا يقع موقعه إلاّ ان يكون الكليني واجداً لكل ما مدح به الرواة والمؤلفون مما يتعلق بسند الحديث واعتبار الخبر، ومن اجل المدائح واشرف الخصال المتعلقة بالمقام، الرواية عن الثقات ونقل الاخبار الموثوق بها، كما ذكروه في تراجم جماعة.

قال الشيخ في «الفهرس»: «علي بن الحسن الطاطري كان واقفياً شديد العناد في مذهبه ـ إلى ان قال: وله كتب في الفقه رواها عن الرجال الموثوق بهم وبرواياتهم».

وقال ايضاً: «جعفر بن بشير، كثير العلم ثقة روى عن الثقات ورووا عنه».


(363)

وقال النجاشي بمثله في ترجمة محمد بن اسماعيل بن ميمون الزعفراني.

وقال الشيخ في «العدة»: « سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن ابي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن ابي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ ممن يوثق به، وبين ما اسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفرد عن رواية غيرهم».

وصرح العلاّمة في «المختلف» بأن ابن ابي عقيل شيخ من علمائنا تقبل مراسيله لعدالته ومعرفته.

فاذا كان ابو جعفر الكليني اوثقهم واثبتهم في الحديث، فلابد وان يكون جامعاً لكل ما مدح به آحادهم من جهة الرواية فلو روى عن مجهول، او ضعيف ممن يترك روايته، او اخبراً يحتاج إلى النظر في سنده، لم يكن اوثقهم واثبتهم، فان كل ما قيل فى حق الجماعة من المدائح والاوصاف المتعلقة بالسند يرجع اليهما، فان قيس مع البزنطي واضرابه وجعفر بن بشير لابد وان يحكم بوثاقة مشايخه، وان قيس مع الطاطري واصحاب الاجماع، فلا مناص من الحكم بصحة حديثه وانه لم يودع في كتابه إلاّ ما تلقّاه من الموثوقين بهم وبرواياتهم.

ثم ان النجاشي قال بعد توصيفه بالاوثقية بانه ألفّ الكافي في عشرين سنة، وظاهر ان ذكره لمدة تأليفه لبيان اثبتيته وانه لم يكن غرضه مجرد جمع شتات الاخبار، فانه لا يحتاج إلى هذه المدة الطويلة، بل ولا إلى عشرها، بل الغرض جمع الاحاديث المعتبرة المعتمدة الموثوق بها، وهذا يحتاج إلى هذه المدة، لاحتياجه إلى جمع الاصول والكتب المعتبرة، واتصالها إلى اربابها بالطرق المعتبرة والنظر في متونها وتصحيحها وتنقيحها.

ويظهر من اوثقيته واثبتيته أيضاً، انه مبرء عن كل ما قدح به الرواة وضعفوا


(364)

به من حيث الرواية، كالرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وعمن لم يلقه، وسوء الضبط، واضطراب ألفاظ الحديث، والاعتماد على المراسيل الّتي لم يتحقق وثاقة الساقط عنده، وامثال ذلك مما لا ينافي العدالة ولا يجتمع مع التثبت والوثاقة (1).

وقد نقلنا كلامه بطوله لما فيه من فوائد ونكات، ومع ذلك كله، فالنتيجة التي استنبطها غير صحيحة لوجوه:

أوّلاً: ان الاوثقية صفة تفضيل من الوثاقة، والمراد منه التحرز عن الكذب لاجل العدالة والورع، كما ان الاثبتية وصف تفضيل من التثبت، والمراد منه قلة الزلّة والخطأ وندرة الاشتباه، فلو كان غير متحرز عن الكذب لا يكون ثقة، ولو كان كثير الزلة والخطأ، لا يكون ثبتاً.

هذا حال المادة، وعليه يكون معنى «الاوثق» هو الواقع في الدرجة العليا من التحرز عن الكذب، كما يكون معنى «الاثبت» هو المصون عن الزلة والعثرة بوجه ممتاز.

وعلى ذلك فلا يدل اللفظان على ما رامه المحدث النوري وان اتعب نفسه الشريفة في جمع الشواهد لما قصده.

وبالجملة، لا يستفاد من اللفظين ان كل ما يوصف به معدود من الرواة في الفضائل فهو حاصل فيه على الوجه الاتم والاشد بل المراد تنزيهه من جهة التحرز عن الكذب، وتوصيفه من جهة الصيانة عن الاشتباه والزلة، وانه من تينك الجهتين في الدرجة العليا.

واين هو من صحة عامة رواياته لاجل وثاقة رواتها، او اكتنافها بالقرائن الداخلية، كما هو المدعى؟


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 534 ـ 535.


(365)

ثانياً: اتصاف جماعة من اصحابنا بعدم الرواية او الارسال إلاّ عن ثقة، على فرض ثبوته، فضيلة لهم، ليست لها دخالة في الاتصاف بالوثاقة، بحيث لو لم يكن الكليني مثلهم لا يكون اوثق الناس واثبتهم، لما عرفت من ان المادة والهيئة لا ترميان إلاّ إلى التحرز عن الكذب، والسداد عن الزلة وقلة الاشتباه، من دون نظر إلى سائر الجهات.

ثالثاً: ان الرواية عن الضعفاء مع ترك التسمية يخالف الوثاقة، واما الرواية عنهم معها فلا يخالفها ابداً، نعم اكثار الرواية من الضعفاء كان امراً مذموماً، وقد رُمي به أحمد بن محمد بن خالد البراقي، واما النقل عنهم على الوجه المتعارف مع التسمية فلا ينافي الوثاقة والثبت، فلا مانع من ان يروي الكليني مع ذكر اسمائهم ومع ذلك يكون من اوثق الناس واثبتهم.

رابعاً: ان المتحرزين في النقل عن الضعفاء، انما يتحرزون في النقل عنهم بلا واسطة، واما النقل عنهم بواسطة الثقات، فقد كان رائجاً، وهذا هو النجاشي لا يروي إلاّ عن ثقة بلا واسطة، واما معها فيروي عنه وعن غيره، ولاجل ذلك يقول في ترجمة ابي المفضل محمد بن عبدالله بن محمد: «كان سافر في طلب الحديث عمره، اصله كوفي وكان في أول امره ثبتاً ثم خلط، ورأيت جلّ اصحابنا يغمزونه ويضعفونه، له كتب ـ إلى ان قال: رأيت هذا الشيخ وسمعت منه كثيراً ثم توقفت عن الرواية عنه إلاّ بواسطة بيني وبينه» (1).

وعلى ذلك فأقصى ما يمكن ان يقال: ان الكليني لا يروي في كتابه بلا واسطة إلاّ عن الثقات، واما معها فيروي عن الثقة وغيره، واما الالتزام بالنقل عن الثقات في جميع السلسلة فلم يثبت في حق احد، إلاّ المعروفين بهذا الوصف، اعني ابن ابي عمير وصفوان والبزنطي كما اوضحناه.


1 . رجال النجاشي: الرقم 1059.


(366)

خامساً: إن تأليف الكافي في عشرين سنة، لم يكن لأجل تمييز الصحيح عن غيره، وجمع الروايات الموثوق بها فقط، بل كان هذا أحد الاهداف، ولكن كان هناك أسباب اُخر لطول المدّة، وهو السعي في العثور على النسخ الصحيحة المقروءة على المشايخ، أو المسموعة عنهم وانتخاب الصحيح عن الغلط، والأصح من الصحيح، والدّقة في مضمون الرواية، ووضعها في الباب المناسب له، إلى غير ذلك من الاسباب التي تأخذ الوقت الثمين من المؤلف، ولم يكن التأليف يومذاك أمراً سهلاً، ولم تكن الكتب مطبوعة منتشرة حتى يمهّد الطريق للمؤلف.

نعم، مع ذلك لم يكن هدفه أيضاً مجرّد الجمع بلا دقّة، والتأليف بلا ملاحظة الاسناد والمتون، ولكن لا على وجه يغني عن ملاحظة الاسناد مطلقاً، وعلى كل حال، فالكتاب مع جلالته عمل فردي لا يمكن أن يكون نقيّاً عن الاشتباه والزلة غير محتاج إلى التنقيب والتفتيش، فجهوده الكبرى مشكورة لا يستغنى عنها، ولكن لا يكتفى بها.

الوجه الثالث: كون المؤلف في عصر الغيبة الصغرى

أشار السيد علي بن طاووس في «كشف المحجّة» في مقام بيان اعتبار الوصية المعروفة التي كتبها أمير المؤمنين لولده الحسن - عليهما السلام -وقد نقلها من كتاب «رسائل الائمة» للكليني، إلى وجه آخر لاعتبار أحاديث الكافي وقال ما هذا لفظه: «والشيخ محمد بن يعقوب كان حيّاً في زمن وكلاء المهدي ـ صلوات الله عليه ـ: عثمان بن سعيد العمري، وولده أبي جعفر محمد، وأبي القاسم بن روح، وعليّ بن محمد السيمري (رحمهم الله)، وتوفي محمد بن يعقوب قبل وفاة علي بن محمد السيمري، لأن علي بن محمد السيمري توفّي في شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة والكليني توفي ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فتصانيف الكليني ورواياته في زمن الوكلاء


(367)

المذكورين في وقت يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته وتصديق مصنفاته»(1).

ونقله المحدّث الحرّ إلى قوله «في زمن الوكلاء المذكورين»(2) ولم ينقل تتَّمة كلامه الذي هو أوفى دلالة على ما هو بصدد اثباته.

وقال المحدّث النوري بعد نقل كلام السيد: «نتيجة ما ذكره من المقدّمات عرض الكتاب على أحدهم وإمضاؤه وحكمه بصحته، وهو عين إمضاء الإمام - عليه السلام -، وهذا وان كان أمراً غير قطعي يصيب ويخطئ، ولا يجوز التشبّث به في المقام، إلاّ أن التأمل في مقدماته يورث الظن القوي والاطمئنان التامّ او الوثوق بما ذكره، فانه - رحمه الله -كان وجه الطائفة وعينهم ومرجعهم كما صرحوا به، في بلد اقامة النوّاب، وكان غرضه من التأليف، العمل به في جميع ما يتعلق بامور الدين، لاستدعائهم وسؤالهم عنه ذلك كما صرح به في أول الكتاب، وكان بمحضره في بغداد، يسألون عن الحجة- عليه السلام - بتوسّط أحد من النواب عن صحة بعض الاخبار، وجواز العمل به، وفي مكاتيب محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري اليه - عليه السلام -من ذلك جملة وافرة وغيرها، فمن البعيد أنه - رحمه الله -في طول مدة تأليفه وهي عشرون سنة لم يعلمهم بذلك، ولم يعرضه عليهم مع ما كان فيما بينهم من المخالطة والمعاشرة بحسب العادة وكانت الشيعة يسألون عن الابواب حوائج واُموراً دنيوية تعسرت عليهم يريدون قضاءها وإصلاحها، وهذا أبو غالب الزراري استنسخ قسماً كبيراً من أبواب الكافي ورواه عن مؤلفه بالقراءة عليه او بالاجازة، فمن البعيد أن لا يعرضه على الأبواب مع أنه رفع مشكلة زوجته فوافاه الجواب.


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 532. وجاءت العبارة المذكورة في المحجة المطبوعة (الصفحة 159) الى قوله «تحقيق منقولاته» وليس من الجملة الاخيرة فيها أثر، نعم توجد في النسخة المكتوبة المصححة بقلم المحدث النوري في حاشيتها العبارة الاخيرة.
2 . الوسائل: 2 / 71.


(368)

وكان عرض الكتاب على النواب مرسوماً، روى الشيخ في غيبته أنه لما عمل الشلمغاني كتاب التكليف، قال الشيخ أبو القاسم بن روح: اطلبوا إليّ لأنظره، فجاؤوا به فقرأه من أوله إلى آخره، فقال ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة إلاّ في موضعين أو ثلاثة، فانه كذب عليهم في روايتها ـ لعنه الله ـ .

وقد سئل الشيخ من كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذمّ وخرجت فيه اللعنة فقيل: كيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملأى؟ فقال: أقول فيها ما قاله ابو محمد الحسن بن علي ـ صلوات الله عليهما ـ وقد سئل عن كتب بني فضّال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى؟ فقال ـ صلوات الله عليه ـ: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا».

فمن البعيد غاية البعد أن أحداً منهم (النواب) لم يطلب من الكليني هذا الكتاب الذي عمل لكافة الشيعة، او لم يره عنده ولم ينظر اليه، وقد عكف عليه وجوه الشيعة وعيون الطائفة، وبالجملة فالناظر إلى جميع ذلك لعلَّه يطمئن إلى ما أشار اليه السيد الأجل، وتوهّم أنه لو عرض على الإمام - عليه السلام -، او على أحد من نوابه لذاع واشتهر، منقوض بالكتب المعروضة على آبائه الكرام ـ صلوات الله عليهم ـ، فانه لم ينقل الينا كل واحد منها إلاّ بطريق أو بطريقين»(1).

أقول: ما ذكره مبنيّ على أمرين غير ثابتين، بل الثابت خلافه.

1ـ كون الكليني مقيماً ببغداد وقام بتأليفه بمرأى ومسمع من النواب، وكان بينه وبينهم مخالطة ومعاشرة.

2ـ إن الجهة الباعثة إلى عرض كتاب (التكليف) على أبي القاسم بن روح، كانت موجودة في الكافي أيضاً واليك بيان الأمرين:


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 532 ـ 533.


(369)

أما الأول: فيه أوّلاً: أن صريح قول النجاشي في ترجمته «شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم» أنه كان مقيماً بالري، مؤلفا فيها، وإنما انتقل في اُخريات عمره إلى بغداد، ولم نقف على سنة انتقاله إلى بغداد ومدّة اقامته فيها، وان ادّعى بعضهم أنه أقام بها سنتين ثم توفي، ومن البعيد أن لا يستنسخ منه في موطنه عدّة نسخ بواسطة تلاميذه قبل الانتقال إلى بغداد، ولا ينتشر في الاقطار الاسلامية، ولو صحّ ذلك فلا فائدة من العرض بعد النشر، ولا في الاستظهار بعد البثّ، وانما يكون مفيداً لو عرض قبل النشر واستظهر قبل البثّ، حتى يعالج ما يحتاج إلى الاصلاح.

وثانياً: إنه لم تكن بينهما مخالطة ومعاشرة، بشهادة انه لم يرو عن أحد من النواب في أبواب الكافي، حتى ما يرجع إلى الإمام الحجة - عليه السلام -، وهذا يعرب عن عدم خلطته ومعاشرته معهم، وإلاّ لنقل منهم رواية او روايات في الابواب المختلفة، ومع هذا فكيف يصحّ أن يدّعي أنه عرض كتابه عليهم واستظهر منهم الحال.

وثالثاً: انه لو عرض هو نفسه او احد تلاميذه، كتابه عليهم، لذكره في ديباجة الكتاب، وقد كتب الديباجة بعد تأليف الكتاب كما هو ظاهر لمن لاحظها، وما ذكره المحدّث النوري من أن هنا كتباً معروضة على الإمام، لم ينتقل إلاّ بطريق او طريقين غير تامّ، لأن هذه الكتب عرضت على الإمام بعد وفاة مؤلفيها، والمدّعى أنه عرض الكافي بواسطة المؤلف او تلاميذه في حياة مؤلفه، فطبع الحال يقتضي أنه لو كان نفس المؤلف عرضه، لأثبته في المقدمة قطعاً، تثبيتاً لموقف الكتاب الذي ألّفه ليكون مرجعاً للشيعة في جميع الاعصار.

وأما الثاني: فلأن الداعي إلى عرض كتاب الشلمغاني، هو احتمال انه أدخل فيه لأجل انحرافه ما لم يصدر عنهم- عليهم السلام -، وكان كتاب التكليف كالرسالة العملية ينظر فيه كل عاكف وباد، وعمل بما فيه، وأين هو


(370)

من كتاب الكافي الذي ألفه الثقة الثَّبت الورع، الذي نقطع بعدم كذبه على الأئمة- عليهم السلام -، فلا حاجة للعرض، وإلاّ لوجب عرض غيره من الجوامع، مثل جامع البزنطي، ومحاسن البرقي، ونوادر الحكمة للأشعري. كل ذلك يؤيد أنه كان هنا سبب خاص لعرض كتاب التكليف دون غيره من الكتب.

وعلى الجملة، إن قياس كتاب الكافي بكتاب التكليف، قياس مع الفارق، وقد ألف الشيخ الشلمغاني كتاب التكليف حال استقامته، ثم ادعى ما ادعى، فخرج التوقيع على لعنه والبراءة منه من الناحية المقدسة عام 312، وصار ذلك مظنة للسؤال عن كتابه الذي كان كالرسالة العملية، فصار العمل به مظنة الضلال، كما أن تركه كان مظنّة ترك ما يصحّ العمل به.

ولأجل هذا المحذور المختصّ به، رفع الأمر إلى الشيخ أبي القاسم بن روح، فطلب الكتاب وطالعه وعين مواضع ضلاله، واين هذا من كتاب الكافي الذي ألفه الثقة الثبت ليكون مصدراً ومرجعاً للفقهاء ولا بأس بنقل ما ورد حول كتاب التكليف.

منها: ما رواه الشيخ في كتاب «الغيبة» عن ابن زهومة النوبختي، قال: سمعت روح بن أبي القاسم بن روح يقول: «لمّا عمل محمد بن علي الشلمغاني كتاب التكليف، قال ابو القاسم الحسين بن روح: اطلبوه إليّ لأنظره، فقرأه من أوله إلى آخره، فقال: ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة، إلاّ في موضعين او ثلاثة، فانه كذب عليهم في روايتها ـ لعنه الله ـ(1).

ومنها: ما رواه أيضاً بسنده عن عبدالله الكوفي خادم الشيخ حسين بن روح قال: «سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم ـ عن كتب ابن ابي العزاقر بعد ما ذمّ وخرجت فيه اللّعنة، وقيل له فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملأى؟ فقال: أقول


1 . الغيبة للشيخ الطوسي: 251 ـ 252 طبعة النجف.


(371)

فيها ما قاله ابو محمد الحسن بن علي ـ صلوات الله عليهما ـ وقد سئل عن كتب بني فضال، فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى؟ فقال ـ صلوت الله عليه ـ: «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا» (1).

وروى ايضاً عن سلامة بن محمد قال: «انفذ الشيخ الحسين بن روح كتاب التأديب (2) إلى قم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها فقال لهم: انظروا في هذا الكتاب وانظروا فيه شيء يخالفكم؟ فكتبوا اليه: انه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف، إلاّ قوله «الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام» و «الطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع» (3).

قال العلاّمة المجلسي: «اما جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم - عليه السلام -، لكونه في بلد السفراء فلا يخفى ما فيه، نعم عدم انكار القائم وآبائه ـ صلوات الله عليه وعليهم ـ عليه وعلى امثاله في تأليفاتهم ورواياتهم مما يورث الظن المتاخم للعلم بكونهم - عليهم السلام -راضين بفعلهم ومجوزين للعمل باخبارهم» (4).

تقييم العرض على وكيل الناحية

ثم ان الشيعة عرضت كتب الشلمغاني على الشيخ ابي القاسم وكيل الناحية، لأجل درايته بالحديث وتعرفه على كلمات الائمة - عليهم السلام -، ولأجل ذلك لما عرض عليه كتاب التكليف قال: «ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الائمة إلاّ موضعين او ثلاثة» لا لأجل عرضه على القائم - عليه السلام -، حتى انه قد انفذ الكتاب نفسه (التأديب) إلى فقهاء قم، والتمس نظرهم فيه، فكتبوا في حقه ما عرفته، فاذا كان عرض الكتاب على الشيخ ابي القاسم لأجل


1 . كتاب الغيبة: 239 ـ 240 طبعة النجف.
2 . هذا الكتاب لنفس الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح، راجع الذريعة: 3 / 210 .
3 . الغيبة للطوسي: 240 طبعة النجف.
4 . مرآة العقول: 1 / 22 مقدمة المؤلف.


(372)

تعرفه بالحديث، لا لأجل عرضه على القائم - عليه السلام -فالكليني كان في غنى عن عرضه عليه، لأن الشيخ لم يكن اقوى منه في الحديث وعرفان الكلم. نعم لو كان الهدف عرضه على القائم - عليه السلام -لكان لما ذكر وجه.

واما ما ذكره العلاّمة المجلسي من حصول الظن المتاخم للعلم بكونه - عليه السلام -راض بفعله فهذا مما لا شك فيه، كيف ولولا الكافي واضرابه لما بقى الدين، ولضاعت السنة، ولكنه لا يقتضي ان يؤخذ بكل رواياته من دون تحقيق في الاسناد.

وقد قال العلاّمة المجلسي في نفس كلامه: «الحق عندي ان وجود الخبر في امثال تلك الاصول المعتبرة مما يورث جواز العمل به، ولكن لا بد من الرجوع إلى الاسانيد لترجيح بعضها على بعض عند التعارض» (1).

ومما يدل على انه لم يكن جميع روايات الكتاب صحيحة عند المؤلف نفسه انه - قدس سره -عنون في مقدمة الكافي الخبرين المتعارضين وكيفية علاجهما، بأن من المتعارضين ما أمر الإمام بترجيحه بموافقة الكتاب ومخالفته العامة وكونه موافقاً للمجمع عليه، وفيما لا يوجد المرجحات المذكورة، يجوز الاخذ باحدهما من باب التسليم.

ومع ذلك، كيف يمكن القول بأن كل ما ورد في الكافي كان صحيحاً عند الكليني، واليك نص عبارته: فاعلم يا اخي ـ ارشدك الله ـ انه لا يسع احداً تمييز شيء مما اختلف الرواة فيه عن العلماء - عليهم السلام -برأيه، إلاّ على ما اطلقه العالم بقوله - عليه السلام -: «اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالف كتاب الله فردوه» وقوله - عليه السلام -: «دعوا ما وافق القوم فإنّ الرشد في خلافهم» وقوله - عليه السلام -: «خذوا


1 . مرآة العقول: 1 / 22.


(373)

بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه» ونحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ اقلّه ولا نجد شيئاً احوط ولا اوسع من ردّ علم ذلك كله إلى العالم - عليه السلام -وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله - عليه السلام -: «بأيّما اخذتم من باب التسليم وسعكم».

وهذا الكلام ظاهر في ان الكليني لم يكن يعتقد بصدور روايات كتابه عن المعصوم جزماً، وإلاّ لم يكن مجال للاستشهاد بالرواية على لزوم الاخذ بما له مرجح.

اضف إلى ذلك انه لو كان كل ما في الكافي صحيحاً عند الكليني لنقل منه إلى غيره بعبارة واضحة، وكان للصدوق الذي يعد في الطبقة التالية للكليني نقل ذلك القول في احد كتبه، بل كان عليه ان يصحح ما صححه الكليني، ويزيف ما زيفه، إذ ليس الكليني باقل من شيخه محمد بن الحسن بن الوليد، فقد نرى انه يقول في حقه في «فقيهه»: «اما خبر صلاة يوم غدير خمّ والثواب المذكور فيه لمن صامه فان شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه ويقول انه من طريق محمد بن موسى الهمداني وكان غير ثقة، وكل ما لا يصححه ذلك الشيخ ـ قدس الله روحه ـ ولم يحكم بصحته من الاخبار فهو عندنا متروك غير صحيح» (1).

وقال أيضاً: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)سيِّىء الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي، راوي الحديث، واني اخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب، لانه كان في كتاب الرحمة، وقد قراته عليه فلم ينكره ورواه لي»(2).

كل ذلك يشير إلى انه لم يكن كتاب الكافي عند الصدوق بهذه المنزلة.


1 . الفقيه: الجزء الثاني، باب صوم التطوع وثوابه، ذيل الحديث 241.
2 . العيون: الجزء 2، باب ما جاء عن الرضا - عليه السلام -من الاخبار المنثورة، ذيل الحديث 45.


(374)

نعم ربما يستدل على عدم صحة ما في الكافي بأن الشيخ الصدوق انما كتب كتاب «من لا يحضره الفقيه» اجابة لطلب السيد الشريف ابي عبدالله المعروف بـ «نعمة الله» ولا شك ان كتاب الكافي اوسع من الفقيه، فلو كانت جميع روايات الكافي صحيحة عند الشيخ الصدوق، فضلاً عن ان تكون قطعية الصدور، لم تكن حاجة إلى كتابة كتاب الفقيه، بل كان على الشيخ الصدوق ارجاع السائل إلى كتاب الكافي (1).

ولا يخفى ما في هذا الاستدلال، فان السيد الشريف طلب من الشيخ الصدوق كتاباً اشبه بالرسائل العملية الرائجة في هذه الاعصار، ولم يكن الكافي بهذه المثابة، فلاجل ذلك لم يرجعه الشيخ الصدوق إلى ذلك الكتاب، لا لاجل عدم قطعية رواياته او عدم صحته.

نعم ربما يورد على المستدل بقطعية احاديث الكافي ان الشيخ الكليني روى في كتابه روايات كثيرة عن غير اهل البيت المعصومين - عليهم السلام -. وهذا لا يجتمع مع ما صرح به في ديباجة كتابه من انه يأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين - عليهم السلام -وقد نقل ذلك الشيخ المتتبع النوري ـ رضوان الله عليه ـ عن رسالة الاستاذ الاكبر، المحقق البهبهاني فقال: «فقد اكثر من الرواياة عن غير المعصوم في أول كتاب الارث، وقال في كتاب الديات في باب وجوه القتل: علي بن إبراهيم قال: وجوه القتل على ثلاثة اضرب ـ إلى آخر ما قال. ولم يورد في ذلك الكتاب حديثاً آخر، وفي باب شهادة الصبيان عن ابي ايوب قال: سمعت اسماعيل بن جعفر ـ إلى آخره، واكثر أيضاً في اصول الكافي من الرواية عن غير المعصوم منه ما ذكره في مولد الحسين من حكاية الاسد الّذي دعته فضة إلى حراسة جسده - عليه السلام -وما ذكره في مولد امير المؤمنين - عليه السلام -


1 . معجم رجال الحديث: 1 / 40 ـ 41.


(375)

عن اسيد بن صفوان» (1).

وقد جاء بعض ما رواه الشيخ الكليني عن غير المعصوم في «معجم رجال الحديث» أيضاً (2).

ولا يخفى ان نقل هذه الكلمات مع التصريح باسماء المروي عنهم لا يضر المستدل،فان نقل هذه الكلمات عن اصحابها مع كونهم غير معصومين، كنقل معاني اللغة عن اصحابها ولا ينافي كون مجموع الكتاب مروياً عن الصادقين - عليهم السلام -.

إلى هنا تبين ان كتاب الكافي كتاب جدير بالعناية، ويعد اكبر المراجع واوسعها للمجتهدين، وليست رواياته قطعية الصدور فضلاً عن كونها متواترة او مستفيضة، ولا ان القرائن الخارجية دلت على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، بل هو كتاب شامل للصحيح والسقيم، فيجب على المجتهد المستنبط تمييز الصحيح عن الضعيف.

ولاجل ايقاف القارئ على بعض ما لا يمكن القول بصحته نقلاً وعقلاً نشير إلى نموذجين:

1 ـ فقد روي عن ابي عبدالله - عليه السلام -في قول الله (وانه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون) ـ الزخرف: 44 فرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -الذكر واهل بيته المسؤولون وهم الذكر(3).

ولو كان المراد من «الذكر» هو النبي، فمن المخاطب في قوله «لك» وهو سبحانه يقول: «انه لذكر لك» أي لك ايها النبي. نعم وجود هذه


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 540 الفائدة الرابعة من الخاتمة.
2 . لاحظ معجم رجال الحديث: 1 / 101 ـ 103.
3 . الكافي: 1 / 210، باب ان اهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الائمة - عليهما السلام -الحديث 2 و 4.


(376)

الروايات الشاذة النادرة لا ينقص من عظمة الكتاب وجلالته، وأي كتاب بعد كتاب الله العزيز، ليس فيه شيء؟

واما الثاني، فنرجو المراجعة إلى المصدر التالي (1).


1 . الكافي: 1 / 237.


(377)

2 ـ تقييم احاديث «من لا يحضره الفقيه»


(378)


(379)

ان كتاب «من لا يحضره الفقيه» تأليف الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المولود بدعاء صاحب الأمر - عليه السلام -(1) حدود عام 306 والمتوفى سنة 381 هـ، من اصح الكتب الحديثية واتقنها بعد الكافي وهي في الاشتهار والاعتبار كالشمس في رابعة النهار.

وقد ذكر الشيخ الصدوق في ديباجة كتابه انه لما ساقه القضاء إلى بلاد الغربة ونزل ارض بلخ، وردها شريف الدين ابو عبدالله محمد بن الحسن المعروف بنعمة، فدام سروره بمجالسته، وانشرح صدره بمذاكرته، وقد طلب منه ان يصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام ويسميه بـ «من لا يحضره الفقيه» كما صنَّف الطبيب الرازي محمد بن زكريا كتاباً في الطب واسماه «من لا يحضره الطبيب» فاجاب مسؤوله وصنف هذا الكتاب له.

ويصف هذا الكتاب بقوله: «ولم اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى ايراد ما افتي به، واحكم بصحته، واعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي ـ تقدس ذكره، وتعالت قدرته ـ وجميع ما فيه


1 . لاحظ رجال النجاشي: 184، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي: 201 عند ذكر التوقيعات، واكمال الدين واتمام النعمة: 276.


(380)

مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول، واليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي، وكتب علي بن مهزيار الاهوازي، وكتب الحسين بن سعيد، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، وكتاب نوادر الحكمة تصنيف محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، وكتاب الرحمة لسعد بن عبدالله الاشعري، وجامع شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله عنه)، ونوادر محمد بن ابي عمير، وكتب المحاسن لاحمد بن ابي عبدالله البرقي، ورسالة ابي (رضي الله عنه)إلي وغيرها من الاصول والمصنفات التي طرقي اليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي واسلافي ـ رضي الله عنهم ـ وبالغت في ذلك جهدي مستعيناً بالله» (1).

وقد سلك - رحمه الله - في كتابه هذا مسلكاً غير ما سلكه الشيخ الكليني، فان ثقة الاسلام كما عرفت جرى في الكافي على طريقة السلف من ذكر جميع السند غالباً، وترك اوائل الاسناد ندرة اعتماداً على ما ذكره في الاخبار المتقدمة عليها واما الشيخ الصدوق فانه بنى في «الفقيه» من أول الأمر على اختصار الاسانيد، وحذف اوائل السند، ووضع مشيخة في آخر الكتاب يعرف بها طريقه إلى من روى عنه، فهي المرجع في اتصال اسناده في اخبار هذا الكتاب، وربما اخل بذكر الطريق إلى بعض فيكون السند باعتباره معلقاً.

ثم انهم اطالوا البحث عن احوال المذكورين في المشيخة، ومدحهم وقدحهم وصحة الطريق من جهتهم او من جهة القرائن الخارجية، وأول من دخل في هذا الباب العلاّمة في «الخلاصة» وتبعه ابن داود، ثم ارباب المجاميع الرجالية وشراح الفقيه كالتفريشي والمجلسي الأول وغيرهما (2).

ولا يخفى ان البحث في تقييم الكتاب، يقع في عدة نقاط:


1 . من لا يحضره الفقيه: 1 / 2 ـ 5.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 547، الفائدة الخامسة.


(381)

الأولى انه استدل على ان روايات كتاب «الفقيه» كلها صحيحة، بمعنى كون من جاء في اسانيده من الرواة ثقات، بقوله - قدس سره -: «بل قصدت إلى ايراد ما افتي به واحكم بصحته» والمراد من الصحة في هذه العبارة، هو الحكم بعدالة الراوي او وثاقته، فتكون هذه العبارة تنصيصاً من الشيخ الصدوق على ان من ورد في اسناد ذلك الكتاب، كلهم عدول او ثقات، ولا يخفى ان استفادة ذلك من تلك العبارة مشكل جداً.

اما أوّلاً، فلأن الصحيح في مصطلح القدماء ومنهم الصدوق، غير الصحيح في مصطلح المتأخرين، إذ الصحيح عند المتأخرين هو كون الراوي عدلاً امامياً، ولكن الصحيح عند القدماء عبارة عمّا اعتضد بما يقضي اعتمادهم عليه، او اقترن بما يوجب الوثوق والركون اليه واسبابه عندهم مختلفة.

منها: وجوده في كثير من الاصول الاربعمائة المؤلفة في عصور الائمة - عليهم السلام -، او وجوده في اصل معروف الانتساب لمن اجتمعت العصابة على تصديقهم كزرارة ومحمد بن مسلم واضرابهما.

ومنها: اندراجه في احدى الكتب التي عرضت على الائمة ـ صلوات الله عليهم ـ فاثنوا على مصنفيها، ككتاب عبيدالله الحلبي الذي عرض على الصادق - عليه السلام -وكتاب يونس بن عبد الرحمن وفضل بن شاذان المعروضين على العسكري - عليه السلام -.

ومنها: كونه مأخوذاً من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، سواء الفت بيد رجال الفرقة المحقة ككتاب الصلاة لحريز بن عبدالله، وكتب الحسن والحسين ابني سعيد، وعلي بن مهزيار، او بيد غيرهم ككتاب حفص بن غياث، وكتب الحسين بن عبيدالله السعدي وكتاب القبلة لعلي بن


(382)

الحسن الطاطري(1)، وقد جرى الشيخ الصدوق على متعارف القدماء فحكم بصحة جميع احاديثه، وهذا غير ما نحن بصدده من عدالة الراوي او وثاقته.

قال المحقق البهبهاني: «ان الصحيح عند القدماء هو ما وثقوا بكونه من المعصوم أعم من ان يكون منشأ وثوقهم كون الراوي من الثقات، او امارات اُخر، ويكونوا قطعوا بصدوره عنهم او يظنون» (2).

وعلى ذلك فبين صحيح القدماء وصحيح المتأخرين العموم والخصوص المطلق، فحكم الشيخ الصدوق - رحمه الله -بصحة احاديثه لا يستلزم صحتها باصطلاح المتأخرين، من كون الرواة في الاسانيد كلهم ثقات، لاحتمال كون المنشأ في الجميع او بعضها هو القرائن الخارجية.

وثانياً: سلمنا ان الصدوق بصدد الحكم بوثاقة او عدالة كل من وقع في اسناد كتابه، ولكنه مخدوش من جانب آخر، لانه قد علم من حاله انه يتبع في التصحيح والتضعيف شيخه ابن الوليد، ولا ينظر إلى حال الراوي نفسه، وانه ثقة او غير ثقة، ومعه كيف يمكن ان يكون قوله هذا شهادة حسية على عدالة او وثاقة كل من ذكر في اسناد كتابه، وقد مر عند دراسة كتاب الكافي طريقته في التصحيح والتضعيف. اللّهم إلاّ ان يكون طريقة شيخه، موافقة لطريقة المتأخرين ويكون قوله اخباراً عن شهادة استاذه بعدالة او وثاقة الواردين في هذا الكتاب.

وثالثاً: ان المتبادر من العبارة التالية، انه يعتمد في تصحيح الرواية على وجود الرواية في كتب المشايخ العظام غالباً. قال - قدس سره -: «كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه) سيء الرأي في محمد بن عبدالله المسمعي راوي هذا الحديث، واني اخرجت هذا الخبر في هذا


1 . لاحظ مشرق الشمسين للشيخ البهائي.
2 . تعليقة البهبهاني: 27، وفي العبارة حزازة.


(383)

الكتاب، لانه كان في كتاب الرحمة، وقد قرأته عليه فلم ينكره ورواه لي» (1).

وهذا يعرب عن انه ما كان يتفحص عن احوال الراوي عند الرواية، وهذا ان لم يكن كلياً لكنه أمر ذائع في تصحيحاته.

الثانية: إن أحاديث كتاب الفقيه لا تتجاوز عن 5963 حديثاً، منها ألفان وخمسون حديثاً مرسلاً، وعند ذلك يقع الكلام كيف يمكن الركون إلى هذا الكتاب بلا تحقيق اسناده، مع أن جميع الاحاديث المسندة فيها 3913 حديثاً، والمراسيل 2050 حديثاً، ومرادهم من المرسل ما لم يذكر فيه اسم الراوي بأن قال «روي» أو قال «قال الصادق - عليه السلام -» او ذكر الراوي وصاحب الكتاب، ونسي أن يذكر طريقه اليه في المشيخة، وهم على ما صرَّح به المجلسي أزيد من مائة وعشرين رجلاً.

الثالثة: في اعتبار مراسيل الفقيه وعدمه.

ذهب بعض الأجلة إلى القول باعتبار مراسيله، قال التفريشي في شرحه على الفقيه:

«الاعتماد على مراسيله ينبغي أن لا يقصر في الاعتماد على مسانيده، حيث حكم بصحَّة الكل». وقد قيل في وجه ترجيح المرسل: «إن قول العدل: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -يشعر باذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال: حدثني فلان» وقال بحر العلوم: «إن مراسيل الصدوق في الفقيه كمراسيل ابن ابي عمير في الحجّية والاعتبار، وان هذه المزية من خواص هذا الكتاب لا توجد في غيره من كتب الاصحاب».

وقال الشيخ بهاء الدين في شرح الفقيه ـ عند قول الصدوق: «وقال الصادق جعفر بن محمد - عليه السلام -: كل ماء طاهر حتى تعلم أنه قذر» ـ


1 . العيون: الجزء الثاني، باب ما جاء عن الرضا - عليه السلام -من الاخبار المنثورة، الحديث 45.


(384)

«هذا الحديث من مراسيل المؤلف، وهي كثيرة في هذا الكتاب، تزيد على ثلث الاحاديث الموردة فيه، وينبغي أن لا يقصر الاعتماد عليها من الاعتماد على مسانيده، من حيث تشريكه بين النوعين في كونه ممّا يفتي به ويحكم بصحته، ويعتقد أنه حجة بينه وبين ربّه، بل ذهب جماعة من الاُصوليين إلى ترجيح مرسل العدل على مسانيده محتجّين بأن قول العدل «قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -كذا» يشعر باذعانه بمضمون الخبر، بخلاف ما لو قال «حدثني فلان، عن فلان أنه - صلى الله عليه وآله وسلم -قال كذا» وقد جعل أصحابنا (قدس سرهم)مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده في الاعتماد عليها، لما علموا من عادته أنه لا يرسل إلاّ عن ثقة(1).

وقال المحقّق الداماد في الرواشح: «إذا كان الارسال بالاسقاط رأساً جزماً، كما قال المرسل «قال النبي، أو قال الإمام» فهو يتم فيه، وذلك مثل قول الصدوق في الفقيه «قال الصادق - عليه السلام -: الماء يطهِّر ولا يطهَّر» إذ مفاده الجزم او الظنّ بصدور الحديث عن المعصوم، فيجب أن تكون الوسائط عدولاً في ظنّه، وإلاّ كان الحكم الجازم بالاسناد هادماً لجلالته وعدالته»(2).

ولا يخفى أن غاية ما يقتضيه الاسناد جازماً، هو جزم الصدوق او اطمئنانه على صدور الرواية من الإمام - عليه السلام -، وهذا لا يقتضي أن يكون منشأ جزمه هو عدالة الراوي او وثاقته، فيمكن أن يكون منشؤه هو القرائن الحافَّة على الخبر التي يفيد القطع او الاطمئنان بصدور الخبر، ولو كان اطمئنانه حجَّة للغير، يصحّ للغير الركون اليه وإلا فلا.

الرابعة: قد عرفت أن الصدوق كثيراً ما ذكر الراوي ونسي أن يذكر طريقه اليه في المشيخة، أو ذكر طريقه ولكن لم يكن صحيحاً عندنا، فهل هنا طريق


1 . مستدرك الوسائل: 718، الفائدة الخامسة.
2 . الرواشح: 174.


(385)

يعالج هذه المشكلة؟ فقد قام المحقّق الاردبيلي صاحب كتاب «جامع الرواة» على تصحيح هذه الروايات بطريق خاصّ نذكره عند البحث عن كتاب «التهذيب».

والذي عند سيد المحقّقين، البروجردي- قدس سره -من الاجابة عن هذا السؤال هو أن الكتب التي نقل عن الصدوق في هذا الكتاب كانت كتباً مشهورة، وكان الأصحاب يعوِّلون عليها ويرجعون اليها، ولم يكن ذكر الطريق إلى هذه الكتب إلاّ تبرّعاً وتبرّكاً، أي لاخراج الكتب عن صورة المرسل إلى صورة المسند وإن كان لبّاً جميعها مسانيد، لشهرة انتساب هذه الكتب إلى مؤلفيها، وبذلك كانت تستغني عن ذكر الطريق.

والذي يدل على ذلك، قوله في ديباجة الكتاب: «وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوَّل واليها المرجع مثل كتاب حريز بن عبدالله السجستاني(1)، وكتاب عبيدالله بن علي الحلبي(2)، وكتب علي بن مهزيار الاهوازي ـ إلى آخر ما نقلناه عنه آنفاً».

وبعد هذه العبارة لا يبقى شكّ للانسان أن ذكر الطريق إلى هذه الكتب في المشيخة، لم يكن إلاّ عملا تبرّعياً غير إلزامي، ولأجل ذلك نرى أنه لم يذكر طريقاً إلى بعض هذه الكتب، او ذكر طريقاً فيه ضعف، لعدم المبالاة بصحَّة الطريق وعدمها، لانه لم تكن الغاية اثبات انتساب الكتب إلى اصحابها، فان الكتب كانت مشهورة الانتساب إلى مؤلفيها، ولأجل ذلك نرى أن المحقّق المولى محمد تقي المجلسي (المولود عام 1003، والمتوفى عام 1070 هـ) ذكر في شرحه على الفقيه عند تفسير العبارة المتقدمة ما هذا لفظه: «من كتب


1 . قال حماد بن عيسى للصادق - عليه السلام -اني اعمل به وقرّره الإمام. روضة المتقين: 1 / 14.
2 . عرض كتابه على الصادق - عليه السلام -فصححه الإمام ومدحه. روضة المتقين: 1 / 14.


(386)

مشهورة بين المحدّثين، بالانتساب إلى مصنّفيها ورواتها، والظاهر أن المراد بالشهرة التواتر. عليها المعوّل، يعني كلها محلّ اعتماد الاصحاب»(1).

وقال أيضاً: «الظاهر منهم النقل من الكتب المعتبرة المشهورة، فاذا كان صاحب الكتاب ثقة يكون الخبر صحيحاً، لأن الظاهر من نقل السند إلى الكتاب المشهور المتواتر، مجرد التيمّن والتبرّك لا سيما إذا كان من الجماعة المشهورين كالفضيل بن يسار ومحمد بن مسلم ـ رضي الله عنهما ـ فان الظاهر أنه لا يضرّ جهالة سنديهما»(2).

وقال أيضاً: مع كثرة التتّبع يظهر أن مدار ثقة الاسلام (الكليني) أيضاً كان على الكتب المشهورة، وكان اتصال السند عنده أيضاً لمجرّد التيمّن والتبرّك، ولئلاً يلحق الخبر بحسب الظاهر بالمرسل، فان روى خبراً عن حمّاد بن عيسى، او صفوان بن يحيى، أو محمد بن أبي عمير فالظاهر أنه أخذ من كتبهم فلا يضرّ الجهالة التي تكون في السند إلى الكتب بمثل محمد بن اسماعيل عن الفضل، او الضعف بمثل سهل بن زياد»(3).

وبعد ذلك نرى أن البحث عن طرق الصدوق إلى أصحاب الكتب أمر زائد، فاللازم البحث عن مؤلف الكتاب وطرقه إلى الإمام - عليه السلام -. هذا ما يميل إليه سيّدنا المحقّق البروجردي ويقرّبه.

نعم، على ذلك كلّما علم أن الشيخ الصدوق أخذ الحديث من الكتب المعروفة، فالبحث عن الطريق أمر غير لازم، وأما إذا لم نجزم بذلك واحتملنا أن الحديث وصل اليه بالطرق المذكورة في المشيخة، فالبحث عن صحَّة الطرق يعدُّ أمراً لازماً.


1 . روضة المتقين: 1 / 14.
2 . روضة المتقين: 1 / 29.
3 . روضة المتقين: 1 / 31.


(387)

ونقول بمثل ذلك في طرق الكافي، فاذا علم أنه أخذ الحديث من الكتب التي ثبت اسنادها إلى الراوي، فلا وجه للبحث عن ضعف الطريق او صحته. وبذلك نستغني عن كثير من المباحث حول طرق الصدوق إلى أرباب الكتب.

ثمّ إنهم أطالوا البحث عن أحوال المذكورين في المشيخة ومدحهم وقدحهم وصحة الطريق من جهتهم.

وقد عرفت أن أول من دخل في هذا الباب هو العلاّمة في «الخلاصة»، وتبعه ابن داود ثم أرباب المجاميع الرجالية وشرّاح الفقيه، كالعالم الفاضل المولى مراد التفريشي والعالم الجليل المجلسي الأول وغيرهما(1).


1 . مستدرك الوسائل: 3 / 547 و 719، ولاحظ مقدمة الحدائق.


(388)


(389)

3. تقييم احاديث «التهذيب» و«الاستبصار»


(390)


(391)

إن كتاب «تهذيب الاحكام» في شرح المقنعة للشيخ المفيد، تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (المولود عام 385، والمتوفى عام 460 هـ) من أعظم كتب الحديث منزلة وأكثرها منفعة، وقد شرع الشيخ في تأليف هذا الكتاب لمّا بلغ سنه ستّاً وعشرين وهذا من خوارق العادة.

قال المحقّق البروجردي: «يظهر من أدعيته للمفيد في كتاب «التهذيب» عند نقل عبارة المقنعة حيث يقول في أول الكتاب إلى أواخر كتاب الصلاة منه: «قال الشيخ ـ أيَّده الله تعالى ـ» ومنه إلى آخر الكتاب يقول: «قال الشيخ - رحمه الله -» أنه كتب الطهارة والصلاة في حال حياة الشيخ المفيد وقد قدم الشيخ الطوسي العراق عام 408 هـ، وتوفي الشيخ المفيد عام 413 هـ، وأنت إذا نظرت إلى كلماته في الكتابين «التهذيب والاستبصار» وما جادل به المخالفين في المسائل الخلافية، كمسألة مسح الرجلين، وما أفاده في مقام الجمع بين الأخبار، واختياراته في المسائل، وما يستند اليه فيها وما يورده من الاخبار في كل مسألة، لأذعنت أنه من أبناء سبعين»(1).


1 . مقدمة الخلاف للمحقق البروجردي - قدس سره -.


(392)

ثم ان طريقة الشيخ في نقل الاحاديث في هذا الكتاب مختلفة.

قال السيد الاجل بحر العلوم- رحمه الله - : «انه قد يذكر في التهذيب والاستبصار جميع السند، كما في الكافي، وقد يقتصر على البعض بحذف الصدر، كما في الفقيه، ولكنه استدرك المتروك في اخر الكتابين، فوضع له مشيخته المعروفة، وهي فيهما واحدة غير مختلفة، قد ذكر فيهما جملة من الطرق إلى أصحاب الاصول والكتب ممَّن صدَّر الحديث بذكرهم وابتدأ بأسمائهم، ولم يستوف الطرق كلها، ولا ذكر الطريق إلى كل من روى عنه بصورة التعليق، بل ترك الاكثر لقلّة روايته عنهم، وأحال التفصيل إلى فهارس الشيوخ المصنفة في هذا الباب، وزاد في «التهذيب» الحوالة على كتاب «الفهرست» الذي صنفه في هذا المعنى.

قال الشيخ في مشيخة تهذيبه: «والآن فحيث وفَّق الله تعالى للفراغ من هذا الكتاب، نحن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الاُصول والمصنفات، ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار لتخرج الاخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات.

ثم قال: فما ذكرناه في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله -فقد أخبرنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن نعمان - رحمه الله -، عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه- رحمه الله -، عن محمد بن يعقوب - رحمه الله -وأخبرنا به أيضاً الحسين بن عبيدالله، عن أبي غالب أحمد بن محمد الزراري وأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبي عبدالله أحمد بن أبي رافع الصيمري، وابي المفضل الشيباني، وغيرهم، كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني.

وأخبرنا به أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أحمد بن أبي رافع، وأبي الحسين عبد الكريم بن عبدالله بن نصر البزّاز بتنيس وبغداد


(393)

عن أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني جميع مصنفاته وأحاديثه سماعاً وإجازة ببغداد بباب الكوفة، بدرب السلسلة سنة سبع وعشرين وثلاثمائة»(1).

وعلى ذلك فربما يتصور أنه يجب التفتيش والتفحّص عن طرق الشيخ إلى أصحاب الكتب والاُصول.

أقول: قد عرفت مذهب سيّد المحقّقين آية الله البروجردي وهو أحد المعنيّين في علم الرجال، وأنه كان يذهب تبعاً للمجلسيّ الأول إلى أن المشيخة للصدوق وللشيخ، لم تكن إلاّ لمجرد إظهار الاحاديث بصور المسندات لا لأجل تحصيل العلم بنسبة الكتب إلى مؤلفيها، فان نسبة هذه الكتب إلى أصحابها كانت ثابتة غير محتاجة إلى تحصيل السند، وبالجملة ذكر المشيخة لأجل التبرّك والتيمّن، ولاتّصال السند كما هو المرسوم في هذه الاعصار أيضا، حيث يستجيزون عن المشايخ بالنسبة إلى الكتب الاربعة وغيرها حتى يصحّ لهم نقل الاحاديث عن هذه الكتب مسنداً، وأما كون المشيخة لأجل تحصيل صحة نسبة هذه الكتب إلى أصحابها فهذا ممّا ينافيه كلام الصدوق والشيخ في المشيخة.

أما الصدوق فقد قدَّمنا كلامه، وأما الشيخ فهو يقول في مشيخة التهذيب: «لتخرج الاخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات» فان هذه العبارة تعطي أن الغاية من ذكر المشيخة جعل الحديث وإخراجه بصورة المسانيد لا غير، ولأجل ذلك نرى أن الشيخ يبتدئ في المشيخة بذكر الطرق إلى كتاب الكافي للكليني، مع أن ثبوته له أظهر من الشمس، وبذلك تعرف أن البحث في طرق الشيخ إلى أصحاب الكتب في المشيخة ممّا لا طائل تحته، وليس على الفقيه إلاّ التفتيش عن أحوال أصحاب الكتب ومن يروون عنهم.

اللّهم إلاّ إذا كانت الكتب غير معروفة، فعندئذ يجب الفحص عن كلّ


1 . التهذيب: 10 / 25 ـ 29 من المشيخة.


(394)

من في الطريق كما لا يخفى.

تصحيح أسانيد الشيخ

ثم إنه لمّا كان كثير من طرق الشيخ الواردة في مشيخة التهذيب، معلولاً بضعف، أو إرسال، او جهالة، او بدء الحديث باناس لم يذكر لهم طريق في المشيخة، حاول بعض المحقّقين لرفع هذه النقيصة من كتاب التهذيب بالرجوع إلى فهرست الشيخ أولا، وطرق من تقدمه عصراً ثانياً، او عاصره ثالثاً.

أما الأول، فلأن للشيخ في الفهرست طرقاً إلى أرباب الكتب والاُصول الذين أهمل ذكر السند إلى كتبهم في التهذيب، فبالرجوع إلى ذلك الكتاب يعلم طريق الشيخ إلى ارباب الكتب التي لم يذكر سنده اليها في التهذيب.

أما الثاني، فبالرجوع إلى مشيخة الفقيه ورسالة الشيخ أبي غالب الزراري، إذا كان لهما سند إلى الكتب التي لم يذكر سنده اليها في التهذيب، لكن إذا أوصلنا سند الشيخ إلى هؤلاء، وبالنتيجة يحصل السند إلى أصحاب هذه الكتب.

أما الثالث، فبالرجوع إلى طريق النجاشي، فانه كان معاصراً للشيخ، مشاركاً له في أكثر المشايخ كالمفيد والحسين بن عبيدالله الغضائري، وابنه أحمد بن الحسين، وأحمد بن عبدون الشهير بابن الحاشر، فاذا علم رواية النجاشي للأصل والكتاب بتوسّط أحد هؤلاء كان ذلك طريقاً للشيخ أيضاً.

ثم إن المتتبع الخبير الشيخ محمد الاردبيلي (المتوفّى عام 1101 هـ) احد تلاميذ العلاّمة المجلسي قد قام بتأليف كتابين في الرجال، ولكلّ دور خاص.

1ـ «جامع الرواة». وقد عرفنا مكانته عند البحث عن الاصول الرجالية المتأخرة في الفصول السابقة، والكتاب مطبوع.


(395)

2ـ «تصحيح الاسانيد» وهو بعد غير مطبوع، ولم نقف عليه إلى الآن، لكن ذكر المؤلف مختصره، وديباجته في آخر كتاب «جامع الرواة»(1) واختصره المحدّث النوري ونقله في «خاتمة المستدرك» وأضاف عليه زيادات(2).

وقد حاول المؤلف في هذا الكتاب تصحيح أسانيد الشيخ في التهذيبين بطريق آخر غير ما ذكرناه من الرجوع إلى مشيخة الفهرست، او مشيخة من تقدمه، أو عاصره، واليك بيانه:

إن العلاّمة الحلي في «الخلاصة»، والسيد الجليل الميرزا الاسترآبادي في «تلخيص المقام» والسيد مصطفى التفريشي في «نقد الرجال» عمدوا إلى ذكر الشيوخ الذين اُخذت أحاديث «التهذيب» و«الاستبصار» من اُصولهم وكتبهم، وابتدأ الشيخ في معظم أسانيدها بذكرهم اختصاراً، مع أنه لم يدرك زمانهم، ولكن ذكر طريقه اليهم في آخر الكتابين، وهم تسعة وثلاثون شيخاً.

وقد اعتبر العلاّمة والاسترآبادي من هؤلاء المشيخة خمسة وعشرين، وتركا الباقي ولعلّ منشأه أن طريق الشيخ إلى غير هؤلاء غير معتبر عندهم.

وأما السيد التفريشي فقد(3) زاد على مشيخة التهذيبين أحداً وثلاثين شيخاً، الذين لم يذكر الشيخ سنده اليهم في خاتمة الكتابين، وقام هو باستخراج سنده اليهم من الفهرست، فبلغت المشايخ حسب عدّه سبعين شيخاً، ولكن المعتبر عنده من مجموع الطرق ثلاثون طريقاً، وقد أوجب هذا اضطراباً واشكالاً في اعتبار أحاديث الكتابين، حيث صار ذلك سبباً لعدم اعتبار


1 . لاحظ الجزء الثاني من جامع الرواة: الفائدة الرابعة من خاتمته، الصفحة 473، ونقله العلاّمة المامقاني في خاتمة التنقيح.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 719 ، الفائدة السادسة.
3 . نقد الرجال: 417 في الفائدة الرابعة من الخاتمة.


(396)

أحاديث أربعين شيخاً من سبعين ممَّن صدر الحديث بأسمائهم.

ولأجل ذلك حاول المحقق الاردبيلي لتصحيح اسانيد الكتابين بشكل آخر، ذكره في مقدمة كتاب «تصحيح الاسانيد» وحاصله:

«إن ما ذكره علماء الرجال من طرق الشيخ قليل في الغاية، ولا يكون مفيداً في ما هو المطلوب، والشيخ لمّا أراد إخراج الروايات التي لم يذكر طريقه إلى ارباب الكتب في نفس التهذيب والاستبصار من الارسال، ذكر في المشيخة والفهرست طريقاً او طريقين او اكثر إلى كل واحد من أرباب الكتب والاُصول، فمن كان قصده الاطلاع على أحوال الاحاديث، ينبغي له أن ينظر إلى المشيخة ويرجع إلى الفهرست. ثم قال: إني لمّا راجعت اليهما رأيت أن كثيراً من الطرق المورودة فيهما معلول على المشهور، بضعف أو إرسال، او جهالة وأيضاً رأيت أن الشيخ - رحمه الله -ربما بدأ في أسانيد الروايات باُناس لم يذكر لهم طريقاً أصلاً، لا في المشيخة ولا في الفهرست، فلأجل ذلك رأيت من اللازم تحصيل طرق الشيخ إلى أرباب الاُصول والكتب، غير الطرق المذكورة في المشيخة والفهرست، حتى تصير تلك الروايات معتبرة، فلمّا طال تفكري في ذلك وتضرّعي، اُلقي في روعي أن أنظر في أسانيد روايات التهذيبين، فلما نظرت فيها وجدت فيها طرقاً كثيرة اليهم غير ما هو مذكور في المشيخة والفهرست، أكثرها موصوف بالصحة والاعتبار فصنَّفت هذه الرسالة وذكرت فيها جميع الشيوخ المذكورين في المشيخة والفهرست، وذيَّلت ما فيهما من الطرق الضعيفة او المجهولة بالاشارة إلى ما وجدته من الطرق الصحيحة او المعتبرة مع تعيين موضعها، وأضفت اليهم من وجدت له طريقاً معتبراً ولم يذكر طريقه فيهما»(1).


1 . لاحظ في توضيحه ما ذكره المؤلف في الفائدة الرابعة من خاتمة كتابه «جامع الرواة» الصفحة 473 ـ 475 وما ذكرناه ملخص ما اورده المحقق البروجردي في تصديره على كتاب «جامع الرواة : 1 / 266.


(397)

ولزيادة التوضيح نقول: انه روى الشيخ في «التهذيب» روايات عن علي بن الحسن الطاطري بدأ بذكر اسمه في أسانيده. مثلا روى في كتاب الصلاة هكذا: «علي بن الحسن الطاطري قال: حدثني عبدالله بن وضّاح، عن سماعة بن مهران قال: قال لي أبوعبدالله- عليه السلام -: إياك أن تصلّي قبل أن تزول، فانك تصلّي في وقت العصر خير لك أن تصلّي قبل أن تزول»(1).

وقال في المشيخة: «وما ذكرته عن علي بن الحسن الطاطري فقد أخبرني به أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن أبي الملك أحمد بن عمر بن كيسبة، عن علي بن الحسن الطاطري».

وهذا الطريق ضعيف بجهالة اثنين منهم: ابن الزبير وابن كيسبة ومقتضاه عدم اعتبار تلك الروايات التي يبلغ عددها إلى ثلاثين حديثاً في «التهذيب».

وأما المحاولة، فهي أنا إذا رأينا أن الشيخ روى في باب الطواف أربع روايات بهذا السند:

«موسى بن القاسم، عن علي بن الحسن الطاطري، عن درست بن أبي منصور، عن ابن مسكان»، ثم وقفنا على أمرين:

1ـ إن موسى بن القاسم ـ أعني من صدر به السند ـ ثقة.

2ـ طريق الشيخ اليه صحيح، فعند ذلك يحصل للشيخ طريق صحيح إلى الطاطري، لكن لا عن طريقه اليه في المشيخة ولا في الفهرست، بل عن طريقه في المشيخة إلى موسى بن القاسم.

ولأجل ذلك يقول الاردبيلي في مختصر تصحيح الاسانيد: «وإلى علي بن الحسن الطاطري، فيه علي بن محمد بن الزبير في المشيخة والفهرست، وإلى الطاطري صحيح في التهذيب في باب الطواف».


1 . التهذيب: ج 2، الحديث 549.


(398)

وهذا يعطي ان موسى بن قاسم ليس راوياً لهذه الروايات الاربع فقط، بل راو لجميع كتاب الطاطري عنه، فيعلم من ذلك ان الشيخ روى كتاب الطاطري تارة بسند ضعيف، واخرى بسند معتبر وبذلك يحكم بصحة كل حديث بدأ الشيخ في سنده بالطاطري.

وقس على ذلك سائر الطرق التي للشيخ في الكتابين إلى المشايخ الذين لم يذكر سنده اليهم في المشيخة ولا في الفهرست، او ذكر لكنه ضعيف عليل، وبهذا التتبع يحصل له طرق صحيحة انهاها صاحب الكتاب إلى خمسين وثمانمائة طريق تقريباً، وعدد المعتبر منها قريب من خمسمائة طريق.

هذه خلاصة المحاولة وقد نقده المحقق البروجردي بوجوه:

الأول: ان ما صح طرقه إلى المشايخ وان كان قليلاً، ولكن الروايات التي رواها الشيخ بهذه الطرق القليلة عن هؤلاء المشايخ في غاية الكثيرة مثلاً:

1 ـ ان ما رواه بطرقه عن أحمد بن محمد بن عيسى يقرب من 1200 حديث.

2 ـ ان ما رواه بطرقه عن الحسن بن محمد بن سماعة قريب 800 حديث.

3 ـ ان ما رواه بطرقه عن الحسين بن سعيد يقرب من 2500 حديث.

4 ـ ان ما رواه بطرقه عن سعد بن عبدالله يقرب من 600 حديث.

5 ـ ان ما رواه بطرقه عن محمد بن أحمد بن يحيى يقرب من 950 حديثاً.

6 ـ ان ما رواه بطرقه عن محمد بن علي بن محبوب يقرب من 700 حديث.

هذا، وان نقله عن سائر المشايخ الذين صحت طرقه اليهم أيضاً كثير


(399)

جداً، فكيف لا يكون مفيداً هو المطلوب من اخراج معظم روايات الكتاب عن الارسال.

الثاني: إذا روى موسى بن القاسم عن علي بن الحسن الطاطري، عن درست بن ابي منصور، عن ابن مسكان، فهو يحتمل من جهة النقل من كتب المشايخ وجوهاً:

1 ـ يحتمل ان موسى بن قاسم اخذ الحديث عن كتاب الطاطري وحينئذ روى موسى هذا الحديث وجميع كتاب الطاطري، وبذلك يحصل للشيخ طريق صحيح إلى كتاب الطاطري وهذا هو الذي يتوخاه المتتبع الأردبيلي.

2 ـ يحتمل ان موسى بن القاسم اخذ الحديث عن كتاب درست بن ابي منصور وروى هذا الكتاب عنه بواسطة الطاطري.

3 ـ يحتمل ان موسى اخذ الحديث عن كتاب ابن مسكان، وروى هذا الكتاب عنه بواسطة شخصين: الطاطري، ودرست بن ابي منصور.

وعلى الاحتمالين الأخيرين يحصل للشيخ الطوسي طريق صحيح إلى كتاب درست بن ابي منصور، وكتاب ابن مسكان ولا يحصل طريق صحيح إلى نفس كتاب الطاطري الذي هو الغاية المتوخاة.

والحاصل انه إذا كان طريق الشيخ إلى احد المشايخ الذين صدر الحديث باسمائهم واخذ الحديث من كتبهم، ضعيفاً، فلا يمكن اصلاحه بما إذا وقع ذلك الشيخ في اثناء السند، وكان طريقه اليه طريقاً صحيحاً، لأن توسط الشيخ (الطاطري) في ثنايا السند لا يدل على اخذ الحديث عن كتابه، بل من الممكن كون الحديث مأخوذاً عن كتاب شيخه اعني درست بن ابي منصور، او شيخ شيخه اعني ابن مسكان. وهذا الاحتمال قائم في جميع ما استنبطه في اسانيد التهذيبين.


(400)

الثالث: ان هدف الشيخ الطوسي من تصنيف الفهرست وذكر الطرق إلى من ذكر فيه ان له كتاباً او اصلاً، ليس اخراج التهذيبين من الارسال ولم يبدأ الشيخ في اسانيدهما بهؤلاء المذكورين في الفهرست سوى قليل منهم، وهم المشيخة المذكورون في آخر الكتابين.

نعم ربما يوجد في بدء اسانيدهما شيوخ لم يذكر لهم طريقاً في المشيخة وعدد رواياتهم لا يزيد على خمسمائة تقريباً، ولا تخرج هذه الروايات عن الارسال بسبب الطرق المذكورة في الفهرست غالباً.

ولا يخفى ان الشيخ تفنن في الفهرست أيضاً في ذكر الطرق إلى اصحاب الكتب والاصول على وجوه، فتارة ذكرهم وذكر طريقه إلى كتبهم واخرى ذكر كتبهم واصولهم ولم يذكر الطريق اليهم، وثالثة ذكر جماعة واشار إلى من ذكرهم او روى عنهم ولم يصل اسناده فيه إلى من ذكر او روى، وقد جمع القسمين الاخيرين العلاّمة السيد محمد صادق الطباطبائي في مقدمة الفهرست (1).


1 . الفهرست: 12 ـ 15.


(401)

الفصل الثامن

في فرق الشيعة الواردة في الكتب

* الكيسابية والزيدية.

* الناووسية والاسماعيلية.

* الفطحية والواقفية.

* الخطابية والمغيرية.

* الغلاة.


(402)


(403)

ربما يضعف الراوي لاجل انتمائه إلى بعض فرق الشيعة كالكيسانية والفطحية والواقفية، كما يضعف من غير جانب العقيدة ككونه متساهلاً في الرواية، غير ضابط في النقل، إلى غير ذلك من موجبات التضعيف في جانب العمل، ولاجل ايقاف القارئ على مبدأ تكوّن هذه الفرق وعقائدها إجمالاً عقدنا هذا الفصل، ليكون القارئ على بصيرة عند الوقوف على اسماء هذه الفرق. نعم اكثر هذه الفرق بائدة هالكة، لم يبق منهم إلاّ الزيدية والاسماعيلية، وانما تشكل اكثرية الشيعة، الفرقة الإمامية التي تطلق عليها الاثنا عشرية أيضاً.

الشيعة هم المسلمون الذين بقوا على ما عهد اليهم النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -من كون الإمام بعده علي بن ابي طالب - عليه السلام -وان ذلك المنصب، منصب يعين صاحبه من عند الله سبحانه، كما ان منصب النبوة كذلك.

وليست الشيعة فرقة حادثة بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -كسائر الفرق التي تكونت بعد النبي في ظل الابحاث الكلامية.

ان المسلمين اختلفوا بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -في مسألة الإمامة، فذهبت عدة كثيرة منهم إلى ان الإمامة سياسة زمنية تناط باختيار العامة


(404)

وينتصب بنصبهم، وذهبت عدة اخرى إلى انها قضية اصولية وهي ركن الدين، ولا يجوز للرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -اغفاله واهماله ولا تفويضه إلى العامة، واستدلوا على ذلك بما ورد في الكتاب حول الإمامة، وما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -في يوم الدار ويوم الغدير وغيرهما من المقامات.

واما تسميتهم بالشيعة فانما هو لاجل ان النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -سمى محبي علي بن ابي طالب ومقتفيه شيعة. روى السيوطي في تفسير قوله سبحانه: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية) (1) اخرج ابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: كنا عند النبي، فاقبل علي، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة». ونزل (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية). فكان اصحاب النبي إذا اقبل علي قالوا: «جاء خير البرية» واخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابي سعيد مرفوعاً: «علي خير البرية».

وأخرج ابن عدي عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت (انّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية) قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -لعليّ: «أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين».

واخرج ابن مردويه عن علي، قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «ألم تسمع قول الله (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية) انت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جيئت الامم للحساب تدعون غراً محجّلين» (2).

والحاصل; ان الشيعة على وجه الاجمال هم الذين بقوا على ما جاء به النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -في حق الوصي ولم يغيروا طريقه، فالشيعة ليست


1 . البيّنة: 7 .
2 . الدر المنثور تأليف الحافظ جلال الدين السيوطي: 6 / 379. والمراد المحجلين هو المشرقون والمضيئون.


(405)

فرقة مختلقة بعد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -ولم يخلقهم السياسات الزمنية، ولا الابحاث الكلامية، بل لم تتكوّن الشيعة إلاّ في نفس عصر النبي، فبقوا على ما كان النبي عليه وان كانوا من حيث العدد قليلين.

هذا هو اصل الشيعة الذي يجمع جميع فرقها الاعتقاد بأن الإمامة قضية اصولية غير مفوضة إلى الامة، بل إلى الله سبحانه وتعالى بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله).

نعم تفرقت الشيعة حسب مرور الزمان وحسب السياسات الوقتية والابحاث الكلامية إلى فرق مختلفة، غير انه لم يبق من تلك الفرق إلاّ ثلاث فرق وهم: الإمامية، الزيدية، والاسماعيلية، والفرقة الشاخصة من بينها هي الإمامية المعتقدة بامامة الائمة الاثني عشر، اولهم علي بن ابي طالب فالحسن، فالحسين، فعلي بن الحسين، فمحمد بن علي، فجعفر بن محمد، فموسى بن جعفر، فعلي بن موسى، فمحمد بن علي، فعلي بن محمد، فالحسن بن علي، فمحمد بن الحسن القائم الذي يملأ الله به الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ـ صلوات الله عليهم اجمعين ـ .

فكلما اطلقت الشيعية في زماننا تنصرف إلى الشيعة الإمامية، اما غيرهم كالزيدية والاسماعيلية فيحتاج إلى قرينة.

نعم كانت الفرق الشيعة الاخرى موجودة في عصر الائمة وبعده، ولاجل ذلك جاء اسماء عدة من فرق الشيعة في اسناد الروايات، فلاجل ذلك نبحث عن الفرق الشائعة الرائجة في عصرهم - عليهم السلام -وبعده بقليل، وان شرب عليهم الدهر وابادتهم واهلكتهم، فلم يبق منهم اثر في الأزمنة الاخيرة، واليك بيانها:

1 ـ الكيسانية

قيل: ان كيسان مولى امير المؤمنين علي بن ابي طالب - عليه السلام -.


(406)

وقيل: هو المختار بن ابي عبيدة الثقفي، وعلى كل تقدير، هم الذين يعتقدون بامامة محمد بن الحنفية بعد امير المؤمنين - عليه السلام -وقيل لا بل بعد الحسن والحسين وكان كيسان يدعو الناس اليه وقد نسب إلى تلك الفرقة عقائد سخيفة في كتاب الملل والنحل (1).

قال ابو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي:

والكيسانية يرجع محصَّلها إلى فرقتين: احداهما تزعم ان محمد بن الحنفية حي لم يمت، وهم على انتظاره ويزعمون انه المهدي المنتظر، والفرقة الثانية منهم يقرّون بامامته في وقته وبموته، وينقلون الإمامة بعد موته إلى غيره ويختلفون بعد ذلك في المنقول اليه (2).

وكان السيد الحميري ايام عدم استبصاره يذهب مسلك الكيسانية، وان رجع عنه واستبصر، وقد قال في ذلك الزمان اشعاره التالية:

إلاّ ان الائمة من قريش       ولاة الحق، اربعا سواء

علي والثلاثة من بنيه       هم الأسباط ليس بهم خفاء (3)

ثم ان الكيسانية تفرقوا إلى هاشمية، إلى بيانية، إلى رزامية، ولا حاجة إلى البحث عن عقائدهم ومن اراد فليراجع إلى محالها.

2ـ الزيدية

وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليه السلام -عدلوا عن إمامة الإمام الباقر - عليه السلام -إلى إمامة أخيه «زيد» وهم ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة - عليها السلام -ولم يجوّزوا


1 . الملل والنحل: 1 / 147.
2 . الفرق بين الفرق: 23.
3 . الملل والنحل: 150 ـ 190.


(407)

ثبوت الإمامة في غيرهم، إلاّ أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم شجاع سخيّ خرج بالإمامة، إماماً واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين- عليهما السلام -، ولمّا قتل زيد بن علي وصلب سنة 121 هـ، قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد ومضى إلى خراسان واجتمعت عليه جماعة كثيرة، وقد وصل اليه الخبر من الصادق جعفر بن محمد - عليهما السلام -بأنه يقتل كما قتل أبوه، ويصلب كما صلب أبوه، فجرى عليه الأمر كما اُخبر في سنة 126 هـ، وقد فوَّض الأمر بعده إلى محمد وإبراهيم اللَّذين خرجا بالمدينة، ومضى إبراهيم الى البصرة واجتمع الناس عليه وقتل أيضا.

فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة، قتله هشام بن عبد الملك، ويحيى بن زيد قتل بجوزجان خراسان، قتله أميرها، ومحمد الإمام قتل بالمدينة، قتله عيسى بن ماهان، وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة أمر بقتله المنصور.

والزيدية أصناف ثلاثة: الجارودية، والسليمانية، والبترية. والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد.

الف ـ الجارودية: أصحاب أبي الجارود زياد بن المنذر، وقد نقل عنهم الشهرستاني بأنهم زعموا أن النبي نصّ على علي بالوصف دون التسمية، وقد خالفوا في هذه المقالة إمامهم زيد بن علي، فانه لم يعتقد هذا الاعتقاد وقد وردت في ذمّ أبي الجارود روايات في رجال الكشي(1).

قال النجاشي: «زياد بن المنذر أبو الجارود الهمداني الخارفي... كان من أصحاب أبي جعفر وروى عن أبي عبدالله - عليهما السلام - وتغيَّر لمّا خرج زيد (رضي الله عنه)إلى أن قال: له تفسير القرآن، رواه عن أبي جعفر - عليه السلام -»(2) وتفسيره هذا هو الذي بثّه تلميذ القمي في تفسيره، كما


1 . رجال الكشي: الرقم 104.
2 . رجال النجاشي: الرقم 448.


(408)

أوضحنا حاله، والرجل انحرف عن إمامة أبي جعفر بعد خروج زيد أخيه، وأسَّس فرقة الجارودية.

ب ـ السليمانية: وهم أصحاب سليمان بن جرير، وكان يقول: إن الإمامة شورى في ما بين الخلق، ويصحّ أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها تصحّ في المفضول مع وجود الافضل، وقالوا إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي(رضي الله عنه)خطأ لا يبلغ درجة الفسق، وذلك الخطأ خطأ اجتهادي، غير أنه طعن في عثمان للأحداث التي أحدثها وكفرّه بذلك .

ج ـ الصالحية والبترية:الصالحية، أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، والبترية، أصحاب كثير، وهما متّفقان في المذهب وقولهم في الإمامة كقول السليمانية، إلاّ أنهم توقفوا في أمر عثمان أهو مؤمن أم كافر(1).

قال عبد القاهر بن طاهر البغدادي: «فأما الزيدية فمعظمها ثلاث فرق وهي: الجارودية والسليمانية وقد يقال الجريرية أيضاً، والبترية، وهذه الفرق الثلاث يجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين في أيام خروجه، وكان ذلك في زمن هشام بن عبد الملك»(2).

ثم إن النوبختي مؤلف «فرق الشيعة» وهو من أعلام القرن الثالث ذكر فرق الزيدية في كلام مبسوط(3).

3 ـ الناووسية

وهم الذين قالوا إن جعفر بن محمد - عليهما السلام -حيّ لم يمت ولا يموت حتى يظهر ويلي اُمور الناس، وأنه هو المهدي - عليه السلام -وزعموا


1 . راجع فيما نقلناه حول الزيدية إلى الملل والنحل: 1 / 154 ـ 161.
2 . الفرق بين الفرق: 22.
3 . لاحظ: الصفحة 38 من «فرق الشيعة».


(409)

أنهم رووا عنه أنه قال: «إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدّقوه، فإني أنا صاحبكم» وأنه قال لهم: «ان جاءكم من يخبركم عنّي أنه غسلني وكفنني فلا تصدّقوه، فإني صاحبكم صاحب السيف» وهذه الفرقة تسمّى الناووسية، وسمّيت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس(1).

وقال عبد القاهر: وهم أتباع رجل من أهل البصرة كان ينتسب إلى «ناووس» بها وهم يسوقون الإمامة إلى جعفر الصادق بنصّ الباقر عليه وأنه المهدي المنتظر(2).

وقال الشهرستاني قريباً منه; غير أنه قال: «هم أتباع رجل يقال له ناووس»(3).

4 ـ الإسماعيلية

هم طائفة يقولون إن الإمام بعد جعفر الصادق - عليه السلام -هو ابنه اسماعيل، إلاّ أنهم اختلفوا في موته في حال حياة أبيه، فمنهم من قال: لم يمت إلاّ أنه أظهر موته تقيّة من خلفاء بني العباس، ومنهم من قال: موته صحيح، والنصّ لا يرجع قهقري، والفائدة في النصّ بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيرهم، فالإمام بعد اسماعيل هو محمد بن اسماعيل، وهؤلاء يقال لهم المباركية. ثم منهم من وقف على محمد بن اسماعيل وقال برجعته بعد غيبته.

ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم، ثمَّ في الظاهرين القائمين


1 . فرق الشيعة: 78.
2 . الفرق بين الفرق: 61.
3 . الملل والنحل: 1 / 166.


(410)

من بعدهم وهم الباطنية(1).

قال عبد القاهر البغدادي: «إن الاسماعيلية ساقوا الإمامة إلى جعفر وزعموا أن الإمام بعده اسماعيل وافترق هؤلاء فرقتين:

فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت اسماعيل في حياة ابيه، وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر، سبطه محمد بن اسماعيل بن جعفر، حيث إن جعفراً نصب أبنه اسماعيل للإمامة بعده، فلمّا مات اسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه اسماعيل، للدلالة على إمامة ابنه محمد بن اسماعيل وإلى هذا القول مالت الاسماعيلية من الباطنية»(2).

قال النوبختي: «فرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد، ابنه اسماعيل بن جعفر وأنكرت موت اسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن اسماعيل لا يموت حتى يملك الارض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم لأن أباه اشار اليه بالإمامة بعده، وقلدهم ذلك له وأخبرهم أنه صاحبه، والإمام لا يقول إلاّ الحق، فلمّا ظهر موته علمنا أنه قد صدق وأنه القائم وأنه لم يمت وهذه الفرقة هي الاسماعيلية الخالصة»(3).

وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى أن الإمام حسب عقيدة الشيعة الإمامية لم يقل بإمامة اسماعيل قطّ، وإنما الناس كانوا يزعمون ذلك لكبره وما تسالموا عليه من أن الأمر في الأكبر ما لم يكن به عاهة.


1 . الملل والنحل: 1 / 167 ـ 168.
2 . الفرق بين الفرق: 63.
3 . فرق الشيعة: 89.


(411)

5 ـ الفطحية أو الافطحية

وهم الذين يقولون بانتقال الإمامة من الصادق إلى ابنه عبدالله الافطح، وهو اخو اسماعيل من ابيه وامه وكان اسن اولاد الصادق، زعموا انه قال: الإمامة في اكبر اولاد الإمام، وهو ما عاش بعد ابيه إلاّ سبعين يوماً ومات ولم يعقب له ولداً ذكرا (1).

سماهم عبد القاهر في «الفرق بين الفرق» باسم العمارية، وهم منسوبون إلى زعيم منهم يسمى عمارين، وهم يسوقون الأمامة إلى جعفر الصادق - عليه السلام -ثم زعموا ان الإمام بعده ولده عبدالله وكان اكبر اولاده ولهذا قيل لاتباعه «الأفطحية» (2).

وقال النوبختي: «هذه الفرقة هي القائلة بامامة عبدالله بن جعفر، وسموا الفطحية لأن عبدالله كان افطح الرأس (عريضه) ـ إلى ان قال: ومال إلى هذه الفرقة جلّ مشايخ الشيعة وفقهائهم ولم يشكّوا في ان الأمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكراً، فرجع عامة الفطحية عن القول بامامته سوى قليل منهم إلى القول بامامة موسى بن جعفر - عليهما السلام -، وقد كان رجع جماعة منهم في حياة عبدالله إلى موسى بن جعفر - عليهما السلام -ثم رجع عامتهم بعد وفاته عن القول به، وبقي بعضهم على القول بامامته، ثم امامة موسى بن جعفر من بعده وعاش عبدالله بن جعفر بعد ابيه سبعين يوماً او نحوها» (3).


1 . الملل والنحل: 1 / 167.
2 . الفرق بين الفرق: 62.
3 . فرق الشيعة: 88 ـ 89.


(412)

6 ـ الواقفة

وهم الذين ساقوا الامامة إلى جعفر بن محمد، ثم زعموا ان الإمام بعد جعفر كان ابنه موسى بن جعفر - عليهما السلام -، وزعموا ان موسى بن جعفر حي لم يمت، وانه المهدي المنتظر، وقالوا انه دخل دار الرشيد ولم يخرج منها وقد علمنا امامته وشككنا في موته فلا نحكم في موته إلاّ بتعيين، هذا مع ان مشهد موسى بن جعفر معروف في بغداد (1).

وقال الشهرستاني: «كان موسى بن جعفر هو الذي تولى أمر الصادق وقام به بعد موت ابيه ورجع اليه الشيعة واجتمعت عليه مثل المفضل بن عمر وزرارة بن اعين وعمار الساباطي، ثم ان موسى لما خرج واظهر الإمامة حمله هارون الرشيد من المدينة، فحبسه عند عيسى بن جعفر، ثم اشخصه إلى بغداد عند السندي بن شاهك، وقيل ان يحيى بن خالد بن برمك سمه في رطب فقتله، ثم اخرج ودفن في مقابر قريش واختلفت الشيعة بعده ـ إلى ان قال: ومنهم من توقف عليه وقال: انه لم يمت وسيخرج بعد الغيبة ويقال لهم الواقفية» (2).

وقال النوبختي: «ان وجوه اصحاب ابي عبدالله ثبتوا على امامة موسى بن جعفر، حتى رجع إلى مقالتهم عامة من كان قال بامامة عبدالله بن جعفر فاجتمعوا جميعاً على امامة موسى بن جعفر، ثم ان جماعة المؤمنين بموسى بن جعفر بعد ما مات موسى في حبس الرشيد صاروا خمس فرق، فمن قال مات ورفعه الله اليه وأنه يردّه عند قيامه فسمّوا هؤلاء الواقفية»(3).

غير أن هؤلاء لم يشيروا إلى أنه كيف برزت تلك الفرقة ولكنَّ أبا عمرو


1 . الفرق بين الفرق: 63.
2 . الملل والنحل: 1 / 168 ـ 169.
3 . فرق الشيعة: 89 ـ 91.


(413)

الكشي صاحب الرجال المعروف قد كشف الستر عن كيفية نشوء هذه الفرقة وقال ما هذا خلاصته: «كان بدء الواقفية انه كان اجتمع ثلاثون الف رجل عند الاشاعثة لزكاة اموالهم وما كان يجب عليهم فيها، فحملوها إلى وكيلين لموسى بن جعفر - عليهما السلام -بالكوفة، احدهما حنان السراج وآخر كان معه، وكان موسى - عليه السلام -في الحبس، فاتخذا بذلك دوراً وعقاراً واشتريا الغلات، فلما مات موسى - عليه السلام -وانتهى الخبر اليهما، انكرا موته واذاعا في الشيعة انه لا يموت، لانه القائم، فاعتمدت عليهما طائفة من الشيعة وانتشر قولهما في الناس حتى كان عند موتهما اوصيا بدفع المال إلى ورثة موسى- عليه السلام -واستبان للشيعة انهما انما قالا ذلك حرصاً على المال» (1).

واعلم ان اطلاق الوقف ينصرف إلى من وقف على الكاظم - عليه السلام -ولا ينصرف إلى غيرهم إلاّ بالقرينة. نعم ربما يطلق على من وقف على الكاظم من الائمة في زمانه- عليه السلام -، ويستفاد من الروايات المروية في رجال الكشي في ترجمة يحيى بن أبي القاسم اطلاق الوقف في حال حياة الكاظم - عليه السلام -(2).

وبهذا يعلم ان الواقفية صنفان، صنف منهم وقفوا على الكاظم في زمانه واعتقدوا كونه قائم آل محمد - عليهم السلام - وماتوا في زمانه كسماعة، وصنف وقفوا عليه بعد موته ولا يصح تضليل من وقف على الكاظم في زمان حياته لشبهة حصلت له، لانه عرف إمام زمانه.

وها هنا كلمة قيمة للوحيد البهبهاني، يرشدنا إلى علة حصول شبهة الوقف في بعض الشيعة وهو ان الشيعة من فرط حبهم دولة الائمة وشدة تمنيهم اياها وبسبب الشدائد والمحن التي كانت عليهم وعلى ائمتهم، كانوا دائماً


1 . رجال الكشي: 390، الرقم 329.
2 . رجال الكشي: 402 ـ 403، الرقم 346 و 347.


(414)

مشتاقين إلى دولة قائم آل محمد- عليهم السلام -، متوقعين لوقوعه عن قريب، ولاجل ذلك قيل ان الشيعة تربي بالاماني، ومن ذلك انهم كانوا كثيراً ما يسألون عن ائمتهم عن قائمهم، فلربما قال واحد منهم فلان ـ يعني الذي يجيء بعد ـ تسلية لخواطرهم، تصوروا ان المراد هو الذي يجيء بعد ذلك الإمام بلا فاصلة وهم من فرط ميل قلوبهم وزيادة حرصهم ربما كانوا لا يتفطنون (1).

7 ـ الخطابية

وهم فرقة يتظاهرون بالوهية الإمام الصادق - عليه السلام -وان ابا الخطاب ـ اعني محمد بن مقلاص ابا زينب الأسدي الكوفي الأجدع، البزاز ـ نبي مرسل، أمر الصادق - عليه السلام -بطاعته وهم احلوا المحارم وتركوا الفرائض، وقد اورد الكشي في رجاله روايات كثيرة في ذمه وقد قتله عيسى بن موسى صاحب المنصور في الكوفة .

روى الكشي عن عيسى بن ابي منصور قال: سمعت ابا عبدالله - عليه السلام -عندما ذكر ابو الخطاب عنده فقال: اللّهم العن ابا الخطاب فانه خوفني قائماً وقاعداً وعلى فراشي، اللّهم اذقه حر الحديد.

وقد نقل عن إبراهيم بن ابي اسامة قال: قال رجل لابي عبدالله - عليه السلام -: اُؤخر المغرب حتى تستبين النجوم؟ فقال: خطابية ان جبرائيل انزلها على رسوله حين سقط القرص.

ونقل أيضاً عن يونس بن عبد الرحمن، عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: كتب ابو عبدالله إلى ابي الخطاب بلغني انك تزعم ان الزنا رجل، وان الخمر رجل، وان الصلاة رجل، والصيام رجل، والفواحش رجل وليس هو كما تقول. انا اصل الحق، وفروع الحق طاعة الله، وعدونا اصل الشر،


1 . الفرائد الرجالية، الفائدة الثانية: 40.


(415)

وفروعهم الفواحش، كيف يطاع من لا يعرف وكيف يعرف من لا يطاع؟ (1).

ثم ان الخطابية لما بلغهم ان جعفر بن محمد - عليهما السلام -لعنه وبرأ منه ومن اصحابه تفرقوا اربع فرق.

قال الشهرستاني: «ان ابا الخطاب عزى نفسه إلى ابي عبدالله جعفر بن محمد الصادق ولما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه، تبرأ منه ولعنه وأمر اصحابه بالبراءة منه، وشدد القول في ذلك، وبالغ في التبري منه واللعن عليه فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه».

ثم ذكر قسماً من ارائه الفاسدة والفرق المنتمية اليه (2).

8 ـ المغيرية

وهم اتباع المغيرة بن سعيد العجلي خرج بظاهر الكوفة في امارة خالد بن عبدالله القسري فظفر به فاحرقه واحرق اصحابه سنة 119 هـ (3).

روى الكشي عن الرضا - عليه السلام -: «كان المغيرة بن سعيد يكذب على ابي جعفر فاذاقه الله حر الحديد».

وروى عن ابن مسكان عمن حدثه من اصحابنا عن ابي عبدالله - عليه السلام -قال: سمعته يقول: «لعن الله المغيرة بن سعيد، انه كان يكذب على ابي فاذاقه الله حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في انفسنا ولعن الله من ازالنا عن العبودية لله الذي خلقنا واليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا» (4).

وروى أيضاً عن يونس بن عبد الرحمن ان بعض اصحابنا سأله وانا حاضر


1 . راجع في هذه الروايات واضرابها; رجال الكشي: 246، رقم الترجمة 135.
2 . الملل والنحل: 1 / 179 ـ 181.
3 . تاريخ الطبري: 5 / 456 تحت عنوان: خروج المغيرة بن سعيد في نفر وذكر الخبر عن مقتلهم.
4 . رجال الكشي: 195 ـ 196، رقم الترجمة 103.


(416)

فقال له: يا ابا محمد ما اشدك في الحديث واكثر انكارك لما يرويه اصحابنا، فما الذي يحملك على رد الاحاديث؟ فقال: حدثني هشام بن الحكم انه سمع ابا عبدالله- عليه السلام -يقول: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنة او تجدون معه شاهداً من احاديثنا المتقدمة، فان المغيرة بن سعيد لعنه الله دس في كتب اصحاب ابي احاديث لم يحدث بها ابي».

وروى الكشي عن يونس قال: «وافيت العراق فوجدت بها قطعة من اصحاب ابي جعفر - عليه السلام -ووجدت اصحاب ابي عبدالله - عليه السلام -متضافرين فسمعت منهم واخذت كتبهم فعرضتها بعد على ابي الحسن الرضا - عليه السلام -فانكر منها احاديث كثيرة ان تكون احاديث ابي عبدالله - عليه السلام -وقال لي: ان ابا الخطاب كذب على ابي عبدالله - عليه السلام -، لعن الله ابا الخطاب وكذلك اصحاب ابي الخطاب يدسون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب اصحاب ابي عبدالله، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن».

وروى أيضاً عن يونس عن هشام بن الحكم انه سمع ابا عبدالله - عليه السلام -يقول: «كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على ابي ويأخذ كتب اصحابه، وكان اصحابه المستترون باصحاب أبي يأخذون الكتب من اصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى ابي، ثم يدفعها إلى اصحابه فيأمرهم ان يبثوها في الشيعة، فكل ما كان في كتب اصحاب ابي من الغلو فذاك ما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم» (1).

وهذه الاحاديث تعطي بوضوح ان الدس كان يرجع إلى الغلوّ في الفضائل والمغالاة، كما يصرح به قوله: «فكان يدس فيها الكفر والزندقة» وقوله:


1 . راجع رجال الكشي: 195 ـ 196.


(417)

«فكل ما كان في كتب اصحاب ابي من الغلو» وكانت الاحاديث المروية حول الفروع والاحكام محفوظة عن الدس.

قال النوبختي: «اما المغيرية اصحاب المغيرة بن سعيد فانهم نزلوا معهم (مع الزيدية) إلى القول بامامة محمد بن عبدالله بن حسن وتولوه واثبتوا امامته، فلما قتل صاروا لا إمام لهم ولا وصي ولا يثبتون لاحد امامة بعده» (1).

وما ذكره النوبختي يكشف عن وجه عداوته للامام الباقر - عليه السلام -، فان الزيدية ومن لف لفهم يعتقدون بامامة زيد بن علي بعد الحسين، ثم امامة يحيى بن زيد بن علي، وبعده بامامة عيسى بن زيد بن علي، ثم بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن الملقب بالنفس الزكية المقتول في المدينة سنة 145.

والرجل لانحرافه عن الامام الباقر كان يدس في كتب اصحابه ليشوه سمعته بادخال الاحاديث الحاكية عن المغالاة في الفضائل (2).

9 ـ الغلاة

وهم الذين غلوا في حق النبي وآله حتى اخرجوهم من حدود الخليقة، والخطابية والمغيرية من هذه الصنوف غير ان كثرة ورودهم على السن الائمة وفي طيات الاحاديث صارت سبباً لعنوانهم مستقلين وان كان الكل داخلاً تحت هذا العنوان (الغلاة).

ثم ان الغلاة صنوف قد عدهم الشهرستاني احد عشر صنفاً منهم: السبائية، الكاملية، العليائية، المغيرية، المنصورية، الخطابية، الكيالية، الهشامية، النعمانية، اليونسية، النصيرية (الاسحاقية) ثم ذكر آراءهم وعقائدهم (3).


1 . فرق الشيعة: 71 ـ 72.
2 . راجع في تفسير احواله: الملل والنحل: 1 / 176 ـ 177.
3 . لاحظ الملل والنحل: 1 / 174 ـ 190.


(418)

اقول: ما ذكره من الصنوف وما نسب إليهم من الآراء السخيفة غير ثابت جدّاً، خصوصاً ما زعم من الفرقة السبائية التي أصبحت اسطورة تاريخية اختلقها بعض المؤرّخين ونقلها الطبري بلا تحقيق وأخذ عنه الآخرون وهكذا ساق واحد بعد واحد(1).

ويتلوه في البطلان ما نسبه إلى هشام بن حكم من الآراء كالتشبيه وغيره، فإن هذه الآراء ممّا يستحيل أن ينتحل بها تلميذ الإمام الصادق - عليه السلام -الذي تربّى في أحضانه، ومن الممكن جدّاً، بل هو الواقع أن رمي هشام بهذه الآراء إنما جاء من جانب المخالفين والحاسدين لفضله والمنكرين لفضل بحثه، فلم يجدوا مخلصاً إلاّ تشويه سمعته بنسبة الأقاويل الباطلة اليه(2).

ومثله ما نسبه إلى محمد بن نعمان أبي جعفر الاحول الملقّب بمؤمن الطاق وإن لقَّبه مخالفوه بشيطان الطاق عصياناً لقوله سبحانه: (ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق) (3).

هذه ليست أول قارورة كسرت في التاريخ، بل لها نظائر وأماثل كثيرة، فكم من رجال صالحين شوَّه التاريخ سمعتهم، وكم من أشخاص طالحين قد وزن لهم التاريخ بصاع كبير، وعلى أي تقدير فلا نجد لأكثر هذه الفرق بل جميعها مصداقاً في أديم الارض، ولو وجد من الغلاة من الطراز الذي ذكره الشهرستاني في الجوامع الاسلامية، فإنما هي فرقة العلياوية وهم الذين يقولون بربوبية علي بن أبي طالب - عليه السلام -وربما يفسر النصيرية أيضا بهذا المعنى(4).


1 . لاحظ كتاب عبدالله بن سبأ للعلاّمة السيد مرتضى العسكري.
2 . انظر كتاب هشام بن حكم للعلاّمة الشيخ نعمة، فقد ألف كتاباً في ترجمة هشام بن حكم ونزه ساحته عن تلك المغالاة.
3 . الحجرات: 11.
4 . نقله العلاّمة المامقاني عن بعض معاصريه. لاحظ مقباس الهداية: 146.


(419)

قال الكشي: «وقالت فرقة بنبّوة محمد بن نصير الفهري النميري، وذلك أنه ادّعى أنه نبي رسول، وأن علي بن محمد العسكري أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلوّ في أبي الحسن الهادي - عليه السلام -ويقول فيه بالربوبية ـ إلى آخر ما قاله»(1).

وقال النوبختي: «فرقة من القائلين بامامة علي بن محمد في حياته قالت بنبوَّة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدَّعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري، وكان يقول بالتناسخ والغلوّ في أبي الحسن الهادي، ويقول فيه بالربوبية ويقول بالاباحة للمحارم»(2).

وعلى كل تقدير، فلا جدوى في البحث عن الغلاة على النحو الذي ذكره الشهرستاني وغيره في كتابه، فان الرواة الواردين في أسناد الروايات، منزهون عن الغلوّ بهذا المعنى الذي يوجب الخروج عن التوحيد والاسلام، ويلحق الرجل بالكفار والمشركين، كالقول بالربوبية ورسالة غير نبيّنا أو غير ذلك.

نعم وصف عدَّة من الرواة بالغلوّ والمغالاة ووقعوا في أسناد الروايات، فيجب البحث عن هذا الطراز من الغلوّ لأن وضع كتابنا لا يقتضي إلاّ البحث فيما يرجع إلى الرواة والرجال الذين جاءت أسماؤهم في أسناد الروايات.

التفويض ومعانيه

إن الفرقة المعروفة بالغلوّ هي فرقة المفوّضة، غير أنه يجب تحقيق معناها حتى يتبين الصحيح عن الزائف فنقول: إن التفويض يفسر بوجوه:

الأول: تفويض خلقة العالم إلى النبي والأئمة- عليهم السلام -وأنهم هم الخالقون والرازقون والمدبرون للعالم.


1 . رجال الكشي: 438.
2 . فرق الشيعة: 102 ـ 103.


(420)

وغير خفيّ أن التفويض بهذا المعنى شرك على وجه، وباطل على وجه آخر. فلو قالوا بأن الله سبحانه فوض أمر الخلق والتدبير اليهم - عليهم السلام -واعتزل هو عن كل شيء، فهذا هو الشرك والكفر، يخالفه العقل والبرهان، ويضادّه صريح الآيات. قال سبحانه (بديع السموات والأرض أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلاّ هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (1).

وقال سبحانه: (إنَّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستّة أيام ثم استوى على العرش يدبّر الأمر ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون).(2)

ولو زعموا أن النبي والأئمة من جملة الأسباب لخلق العالم وتدبيره، وأن الفاعل الحقيقي والسبب الواقعي هو الله سبحانه، وهو لم يعتزل بعد، وإنما جعلهم في مرتبة الاسباب والعلل، فهذا القول وإن كان لا يوجب الشرك، لكنه غير صحيح، فان النبي والأئمة- عليهم السلام -ليسوا من أسباب الخلقة، بل هم يستفيدون من تلك الاسباب الطبيعية وتتوقف حياتهم على وجود العلل والأسباب المادية، فكيف يكونون في مرتبة العلل والأسباب؟ فالنبي والإمام يستنشقان الهواء، ويسدّان جوعهما بالطعام، ويداويان بالادوية إلى غير ذلك من الاُمور التي يتصف بها كل الناس.

نعم إن للعالم الامكاني ظاهره وباطنه، دنياه واُخراه مدبراً ومدبّرات يدبّرون الكون بأمره سبحانه كما ينبئ عنه قوله تعالى: (فالمدبّرات أمراً) (3).

وقال سبحانه: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (4).


1 . الانعام: 101 ـ 102.
2 . يونس: 3.
3 . النازعات: 5.
4 . التحريم: 6.


(421)

وقال الصادق - عليه السلام -: «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكل سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذاك رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -ونحن»(1).

ومع هذا الاعتراف فليس النبي والإمام من أسباب الخلق والتدبير، وإنما هم وسائط بين الخالق والخلق في إبلاغ الاحكام وإرشاد العباد، وسائر الفيوض المعنوية من الهداية الظاهرية والباطنية.

فان قلت: قد تواترت الروايات بأنه لولا الحجّة لساخت الارض بأهلها، وقد عقد الكليني في كتاب الحجة باباً لذلك وقال: «إن الارض لا تخلو من حجة» وأورد فيه روايات تبلغ ثلاث عشرة رواية(2).

قلت: لا إشكال في صحة هذه الروايات، ولكنها لا تهدف إلى كون النبي والإمام من الاسباب والمدبّرات التي نزل به الذكر الحكيم، ونطق به الحديث الصحيح، وإنما تهدف إلى أحد أمرين:

الأول: إن النبي والإمام غاية لخلق العالم، ولولا تلك الغاية لما خلق الله العالم، بل كان خلقه أمراً لغواً.

وبعبارة اُخرى إن العالم خلق لتكوّن الانسان الكامل فيه، ومن أوضح مصاديقه هو النبي والإمام، ومن المعلوم أن فقدان الغاية يوجب فقدان ذيها، ولأجل ذلك يصحّ أن يقال: إن الانسان الكامل يكون من بسببه الوجود سببية غائية، لا منه الوجود سببية فاعلية معطية له فهو سبب غائي لا علة فاعلية، فاحفظ ذلك فانه ينفعك.

الثاني: إن الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله،


1 . الكافي: 1 / 183 ، كتاب الحجة، الحديث 7.
2 . الكافي: 1 / 178.


(422)

وأنه لولاه لما عرف الحق من الباطل، وقد جرت مشيئته الحكيمة على أن يهديهم إلى سبل الرشاد بعد خلقهم ولا يتركهم سدى. قال سبحانه: (وما كان ربّك مهلك القرى حتى يبعث في اُمّها رسولاً) (1).

وإلى كلا الوجهين تصريحات في روايات الباب. أما الأول، فعن أبي حمزة قال: «قلت لأبي عبدالله أتبقى الارض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت». وأما الثاني، فعن أبي بصير، عن أحدهما- عليهما السلام -قال: «إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل»(2).

ولشيخنا العلاّمة المجلسي كلام في التفويض ننقله بنصّه قال:

«وأما التفويض فيطلق على معان بعضها منفي عنهم- عليهم السلام -وبعضها مثبت لهم.

الأول: التفويض في الخلق والرزق والتربية والاماتة والاحياء، فان قوماً قالوا: إن الله تعالى خلقهم وفوَّض اليهم أمر الخلق، فهم يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون، وهذا الكلام يحتمل وجهين:

أحدهما أن يقال: إنهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم وهم الفاعلون حقيقة، وهذا كفر صريح دلّت على استحالته الأدلة العقلية والنقلية ولا يستريب عاقل في كفر من قال به.

وثانيهما: أن الله تعالى يفعل ذلك مقارناً لارادتهم كشقّ القمر وإحياء الموتى وقلب العصا حيّة وغير ذلك من المعجزات، فان جميع ذلك إنما تحصل بقدرته تعالى مقارناً لارادتهم لظهور صدقهم، فلا يأبى العقل عن أن يكون الله تعالى خلقهم وأكملهم وألهمهم ما يصلح في نظام العالم، ثم خلق


1 . القصص: 59.
2 . الكافي: 1 / 178، الحديث 5 و 10 وغيرهما من الروايات.


(423)

كل شيء مقارناً لارادتهم ومشيّتهم.

وهذا وان كان العقل لا يعارضه كفاحاً، لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهراً بل صراحاً، مع أن القول به قول بما لا يعلم، إذ لم يرد ذلك في الأخبار المعتبرة فيما نعلم.

وما ورد من الأخبار الدالة على ذلك كخطبة البيان وأمثالها، فلم يوجد إلاّ في كتب الغلاة وأشباههم، مع أنه يحتمل أن يكون المراد كونهم علّة غائية لايجاد جميع المكونات، وأنه تعالى جعلهم مطاعين في الأرضين والسماوات، ويطيعهم بإذن الله تعالى كل شيء حتى الجمادات، وأنهم إذا شاءُوا أمراً لا يرد الله مشيئتهم ولكنهم لا يشاءُون إلاّ أن يشاء الله.

وأما ما ورد من الأخبار في نزول الملائكة والروح لكل أمر اليهم، وأنه لا ينزل ملك من السماء لأمر إلاّ بدأ بهم، فليس ذلك لمدخليتهم في ذلك ولا الاستشارة بهم، بل له الخلق والأمر تعالى شأنه، وليس ذلك إلاّ لتشريفهم وإكرامهم وإظهار رفعة مقامهم»(1).

وما ذكره هو الحقّ، إلاّ أن ظواهر الآيات والروايات في المعاجز على خلاف ما اختاره، لظهورها في كون المعجزات مستندة اليهم أنفسهم بإذن الله. قال سبحانه: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني)(2). فان الخطابات دليل على أنهم- عليهم السلام -قائمون بها باذن الله. وللبحث مجال آخر.

الثاني: تفويض الحلال والحرام اليهم، أي فوض اليهم أن يحللوا ما شاءُوا ويحرموا أيضاً ما شاءُوا، وهذا أيضاً ضروري البطلان، فان النبي ليس


1 . بحار الانوار: 25 / 347.
2 . المائدة: 110.


(424)

شارعاً للاحكام، بل مبين وناقل له، وليس شأنه في المقام إلاّ شأن ناقل الفتيا بالنسبة إلى المقلدين، قال سبحانه: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن اُبدّله من تلقائ نفسي إن أتبع إلاّ ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)(1) وقال سبحانه: (واتّبع ما يوحى إليك من ربّك إن الله كان بما تعملون خبيراً) (2)وقال سبحانه: (اتّبع ما اُوحي اليك من ربّك لا إله إلاّ هو وأعرض عن المشركين)(3) وهذه الآيات والروايات المتضافرة، تفيد بوضوح أن النبي لم يكن شارعاً بل كان ناقلاً ومبيناً لما اُوحي اليه، فلم يكن له إلاّ تحليل ما أحلّ او تحريم ما حرم الله، وقد نقل سيدنا الاستاذ الأكبر ـ دام ظله ـ أن الصدوق قد عدَّ إطلاق لفظ الشارع على النبي الأكرم من الغلوّ في حقه - صلى الله عليه وآله وسلم -.

نعم عقد الكليني في كتاب الحجّة من اصول الكافي باباً أسماه «التفويض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -وإلى الائمة- عليهم السلام -فى أمر الدين» فربما يتبادر منه إلى الذهن أن النبي قد شرع بعض الاحكام. فروى بسند صحيح عن الامام الصادق - عليه السلام -يقول: «إن الله عز وجل أدب نبيه فأحسن أدبه، فلما أكمل له الأدب، قال: إنك لعلى خلق عظيم ثمَّ فوض اليه أمر الدين والاُمة ليسوس عباده فقال عز وجل: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)وإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -كان مسدّداً موفقاً مؤيداً بروح القدس لا يزل ولا يخطئ في شيء ممّا يسوس به الخلق، فتأدب بآداب الله، ثم إن الله عزَّ وجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين، عشر ركعات فأضاف رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الركعتين، ركعتين وإلى المغرب ركعة، فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلاّ في سفر، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر، فأجاز الله عز وجل له ذلك كلّه، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة، ثم سن رسول الله النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك، والفريضة والنافلة


1 . يونس: 15.
2 . الاحزاب: 2.
3 . الانعام: 106.


(425)

إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر، وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان وسنَّ رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -صوم شعبان، وثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة، فأجاز الله عز وجل له ذلك وحرم الله عز وجل الخمر بعينها، وحرم رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -المسكر من كلّ شراب فأجاز الله له ذلك كله... الخ»(1).

اقول: إن مضمون الروايات يوجه بوجهين:

الأول: إن الله سبحانه علم الرسول مصالح الاحكام ومفاسدها، وأوقفه على ملاكاتها ومناطاتها، ولما كانت الاحكام تابعة لمصالح ومفاسد كاملة في متعلقاتها، وكان النبي بتعليم منه سبحانه واقفاً على المصالح والمفاسد على اختلاف درجاتها ومراتبها، كان له أن ينصّ على أحكامه سبحانه من طريق الوقوف على عللها وملاكاتها، ولا يكون الاهتداء إلى أحكامه سبحانه من طريق التعرّف على عللها بأقصر من الطرق الاخر التي يقف بها النبي على حلاله وحرامه، وإلى هذا يشير الإمام أمير المؤمنين- عليه السلام -بقوله: «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية فان رواة العلم كثير ورعاته قليل»(2) غير أن اهتداءه - صلى الله عليه وآله وسلم -إلى الاحكام وتنصيصه بها من هذا الطريق، قليل جدّاً لا تتجاوز عمّا ذكرناه إلاّ بقليل، وبذلك يعلم حال الأئمة المعصومين- عليهم السلام -في هذا المورد.

الثاني: إن عمل الرسول لم يكن في هاتيك الموارد سوى مجرَّد طلب، وقد أنفذ الله طلبه، لا أنه قام بنفسه بتشريع وتقنين، ويشير إلى ذلك بقوله: «فأجاز الله عز وجل له ذلك».

ولو أن النبي كان يمتلك زمام التشريع وكان قد فوّض اليه أمر التقنين على


1 . الكافي: 1 / 266، الحديث 4، وقد ذكر بعض الاجلة موارد اخر من هذا القبيل.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 234، طبعة عبده.


(426)

نحو ما تفيده كلمة التفويض، لما احتاج إلى إذنه وإجازته المجددة، ولما كان للجملة المذكورة أي معنى، فالحاصل أن ما صدر من النبي لم يكن بصورة التشريع القطعي، بل كان دعاء وطلباً من الله سبحانه لما وقف على مصالح في ما دعاه وقد استجاب دعاءه كما يفيده قوله في الحديث «فأجاز الله عز وجل له ذلك».

قال العلاّمة المجلسي: «التفويض في أمر الدين يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون الله تعالى فوض إلى النبي والأئمة عموماً أن يحلوا ما شاءُوا ويحرّموا ما شاءُوا من غير وحي وإلهام، أو يغيروا ما اُوحي اليهم بآرائهم، وهذا باطل لا يقول به عاقل، فان النبي كان ينتظر الوحي أياماً كثيرة لجواب سائل، ولا يجيبه من عنده وقد قال تعالى(وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى) (1).

وثانيهما: أنه تعالى لما أكمل نبيه بحيث لم يكن يختار من الاُمور شيئاً إلاّ ما يوافق الحق والصواب، ولا يخطر بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كل باب، فوض اليه تعيين بعض الامور كالزيادة في الصلاة وتعيين النوافل في الصلاة والصوم، وطعمة الجدّ وغير ذلك ممّا مضى وسيأتي، اظهاراً لشرفه وكرامته عنده، ولم يكن أصل التعيين إلاّ بالوحي، ولم يكن الاختيار إلاّ بالالهام، ثم كان يؤكد ما اختاره بالوحي، ولا فساد في ذلك عقلاً، وقد دلت النصوص المستفيضة عليه ممّا تقدم في هذا الباب وفي أبواب فضائل نبينا من المجلد السادس.

ولعلّ الصدوق - رحمه الله -أيضاً إنما نفى المعنى الأول، حيث قال في الفقيه: «وقد فوض الله عز وجل إلى نبيه أمر دينه، ولم يفوض اليه تعدّي حدوده» وأيضاً هو - رحمه الله -قد روى كثيرا من أخبار التفويض في كتبه ولم يتعرض لتأويلها.


1 . النجم: 4.


(427)

الثالث: تفويض بيان العلوم والاحكام، وهذا مما لا شك ولا شبهة فيه، قال سبحانه: (ونزَّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)(1) وقال سبحانه: (وأنزلنا اليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل اليهم) (2) وهذه الآية تفيد أن من شؤون النبي مضافاً إلى التلاوة هو تبيين ما نزل اليه من الآيات الحكيمة.

والآيات والاحاديث في ذلك كثيرة جدّاً. قال الباقر - عليه السلام -مخاطباً لجابر: «يا جابر لو كنا نحدثكم برأينا وهوانا، كنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم» وفي رواية «ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله واصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر».

وفي رواية محمد بن شريح عن الصادق - عليه السلام -: «والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ولكن نقول ما قال ربّنا».

وفي رواية عنه: «مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله. لسنا نقول برأينا من شيء»(3) إلى غير ذلك من الاحاديث المفيدة أن أحاديثهم مأخوذة عن نبيّهم.

غير أنهم- عليهم السلام -يبيّنون الاحكام حسب اختلاف عقول الناس، ويفتون حسب المصالح، فتارة يبيّنون الاحكام الواقعية، واُخرى الاحكام الواقعية الثانوية حسب مصالح المكلفين كما هو معلوم من افتائهم بالتقية.

قال العلاّمة المجلسي - رحمه الله -: «تفويض بيان العلوم والاحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم، أو بسبب التقية فيفتون بعض الناس بالواقع من الاحكام، وبعضهم بالتقية، ويبينون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كل سائل، ولهم أن يبيّنوا ولهم أن يسكتوا كما


1 . النحل: 89.
2 . النحل: 44.
3 . راجع جامع احاديث الشيعة: 1 / 17 ، المقدمة.


(428)

ورد في أخبار كثيرة: «عليكم المسألة وليس علينا الجواب» كل ذلك بحسب ما يُريهم الله من مصالح الوقت كما ورد في خبر ابن أشيم وغيره».

روى محمد بن سنان في تأويل قوله تعالى(لتحكم بين الناس بما أريك الله)فقال: (إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله)وهي جارية في الأوصياء(1). ولعل تخصيصه بالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم -والأئمة- عليهم السلام -، لعدم تيسّر هذه التوسعة لسائر الانبياء والاوصياء- عليهم السلام -، بل كانوا مكلفين بعدم التقية في بعض الموارد وإن أصابهم الضرر.

والتفويض بهذا المعنى أيضاً ثابت حق بالأخبار المستفيضة.

الرابع: تفويض سياسة الناس وتأديبهم اليهم، فهم اُولوا الأمر وساسة العباد ـ كما في الزيارة الجامعة ـ واُمراء الناس، فيجب طاعتهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله)(2). وقال سبحانه: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(3) . وقال سبحانه (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (4) إلى غير ذلك من الآيات والروايات.

قال العلاّمة المجلسي: «تفويض اُمور الخلق اليهم من سياستهم وتأديبهم وتكميلهم وتعليمهم، وأمر الخلق باطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا، وفيما علموا جهة المصلحة فيه وما لم يعلموا، وهذا حق لقوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)وغير ذلك من الآيات والاخبار، وعليه يحمل قولهم- عليهم السلام -«نحن المحلّلون حلاله والمحرّمون حرامه» أي بيانهما علينا ويجب على الناس الرجوع فيهما الينا».


1 . بصائر الدرجات: 114، ورواه في الاختصاص عن عبدالله بن مسكان. لاحظ البحار: 25 / 334.
2 . النساء: 64.
3 . النساء: 59.
4 . النساء: 80.


(429)

نعم وجوب اطاعة الرسول واُولي الأمر في طول اطاعته سبحانه فالله تعالى مطاع بالذات والرسول واُولوا الأمر مطاعون بالعرض وقد أوضحنا ذلك في «مفاهيم القرآن»(1).

وهناك تفويضان آخران يظهر من العلاّمة المجلسي - رحمه الله -.

1ـ الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة، او بعلمهم، او بما يلهمهم الله من الوقايع ومخّ الحق في كل واقعة، وهذا أظهر محامل خبر ابن سنان وعليه أيضاً دلّت الاخبار.

2ـ التفويض في العطاء، فان الله تعالى خلق لهم الارض وما فيها، وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا وغيرها، فلهم أن يعطوا ما شاءُوا ويمنعوا ما شاءُوا، كما مرّ في خبر الثمالي، وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الاخبار الواردة فيه، وعرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقاً ولمّا يحط بمعانيه.

هذه هي المعاني المعقولة المتصورة من التفويض، وأما تفسير التفويض بما عليه المعتزلة كما عن العلاّمة المامقاني(2) فخارج عن موضوع البحث، فان التفويض بذلك المعنى يقابل الجبر.

فقدان الضابطة الواحدة في الغلو

المراجع إلى كلمات القدماء يجد أنهم يرمون كثيراً من الرواة بالغلوّ حسب ما اعتقد به في حق الائمة، وان لم يكن غلوّاً في الواقع، ويعجبني أن أنقل كلام الوحيد البهبهاني في هذا المقام، والتأمل فيه يعطي أن كثيرا من هذه النسب لم يكن موجباً لضعف الراوي عندنا، وان كان موجباً للضعف عند الناقل.


1 . لاحظ الجزء الأول: 530 ـ 532.
2 . مقباس الهداية: 148.


(430)

قال - قدس سره -: «فاعلم أن الظاهر أن كثيراً من القدماء لا سيما القميين منهم، والغضائري، كانوا يعتقدون للائمة- عليهم السلام -منزلة خاصة من الرفعة والجلالة، ومرتبة معينة من العصمة والكمال، بحسب اجتهادهم ورأيهم وما كانوا يجوزون التعدي عنها، يعدّون التعدّي ارتفاعاً وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى إنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض اليهم، او التفويض الذي اختلف فيه، او المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم، او الاغراق في شأنهم واجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، واظهار كثير قدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والارض، (جعلوا كل ذلك) ارتفاعاً مورثاً للتهمة به، لا سيَّما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلِّسين.

وبالجملة، الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الاصولية أيضاً، فربّما كان شيء عند بعضهم فاسداً، او كفراً، او غلّواً، او تفويضاً، او جبراً، او تشبيهاً، او غير ذلك، وكان عند آخر ممّا يجب اعتقاده او لا هذا ولا ذاك.

وربما كان منشأ جرحهم بالامور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم ـ كما أشرنا آنفاً ـ او ادّعاء أرباب المذاهب كونهم منهم، او روايتهم عنه، وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنه، إلى غير ذلك، فعلى هذا ربّما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الاُمور المذكورة.

ومما ينبه بذلك على ما ذكرنا ملاحظة ما سيذكر في تراجم كثيرة مثل ترجمة إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن نوح، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، ومحمد بن جعفر بن عوف، وهشام بن الحكم، والحسين بن شاذويه، والحسين بن يزيد، وسهل بن زياد، وداود بن كثير، ومحمد بن اورمة، ونصر بن الصباح، وإبراهيم بن عمر، وداود بن القاسم، ومحمد بن عيسى بن عبيد، ومحمد بن سنان، ومحمد بن علي الصيرفي، ومفضل بن عمر،


(431)

وصالح بن عقبة، ومعلى بن خنيس، وجعفر بن محمد بن مالك، واسحاق بن محمد البصري، واسحاق بن الحسن، وجعفر بن عيسى، ويونس بن عبد الرحمن، وعبد الكريم بن عمر، وغير ذلك.

ثم اعلم أن ابن عيسى والغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث أيضاً، بعد ما نسباه إلى الغلوّ، وكأنه لروايته ما يدل عليه، ولا يخفى ما فيه وربما كان غيرهما أيضاً كذلك فتأمل»(1).

فيجب على العالم الباحث، التحقيق في كثير من النسب المرميّ بها الاجلة، لما عرفت من انه لم يكن في تلك الازمنة ضابطة واحدة ليتميز الغالي عن غيره.

قال العلاّمة المامقاني: «لا بدَّ من التأمل في جرحهم بأمثال هذه الاُمور ومن لحظ مواضع قدحهم في كثير من المشاهير كيونس بن عبد الرحمن، ومحمد بن سنان، والمفضل بن عمر وأمثالهم، عرف الوجه في ذلك، وكفاك شاهداً اخراج أحمد بن محمد بن عيسى، أحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم، بل عن المجلسي الأول أنه أخرج جماعة من قم، بل عن المحقق الشيخ محمد ابن صاحب المعالم، أن أهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرد توهّم الريب فيه.

فاذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم فكيف يعوَّل على جرحهم وقدحهم بمجرده، بل لا بد من التروي والبحث عن سببه والحمل على الصحة مهما أمكن، كيف لا، ولو كان الاعتقاد بما ليس بضروري البطلان عن اجتهاد، موجباً للقدح في الرجل، للزم القدح في كثير من علمائنا المتقدمين، لأن كلا منهم نسب اليه القول بما ظاهره مستنكر فاسد»(2).


1 . الفوائد الرجالية: 38 ـ 39 المطبوعة بآخر رجال الخاقاني.
2 . مقباس الهداية: 49 للمامقاني.


(432)

وممّا يؤيد ذلك ما ذكره الوحيد البهبهان في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح السيرافي قال: «إنه حكى في الخلاصة أن الشيخ كان يذهب إلى مذهب الوعيدية (وهم الذين يكفّرون صاحب الكبيرة ويقولون بتخليده في النار)، وهو وشيخه المفيد إلى انه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد كما هو مذهب الجبائي، والسيد المرتضى إلى مذهب البهشمية من ان إرادته عرض لا في محل، والشيخ الجليل إبراهيم بن نوبخت إلى جواز اللّذة العقلية عليه سبحانه، وأن ماهيته معلومة كوجوده وأن ماهيته الموجود، والمخالفين يخرجون من النار ولا يدخلون الجنة، والصدوق وشيخه ابن الوليد والطبرسي إلى جواز السهو على النبي، ومحمد بن عبدالله الاسدي إلى الجبر والتشبيه، وغير ذلك ممّا يطول تعداده، والحكم بعدم عدالة هؤلاء لا يلتزمه أحد يؤمن بالله، والذي ظهر لي من كلمات أصحابنا المتقدمين، وسيرة أساطين المحدثين، أن المخالفة في غير الاُصول الخمسة لا يوجب الفسق، إلاّ أن يستلزم انكار ضروري الدين كالتجسيم بالحقيقة لا بالتسمية، وكذا القول بالرؤية بالانطباع او الانعكاس، وأما القول بها لا معهما فلا، لانه لا يبعد حملها على ارادة اليقين التام، والانكشاف العلمي، وأما تجويز السهو عليه وادراك اللذة العقلية عليه تعالى مع تفسيرها بارادة الكمال من حيث انه كمال فلا يوجب فسقاً.

ثم قال: ونسب ابن طاووس ونصير الدين المحقق الطوسي وابن فهد والشهيد الثاني وشيخنا البهائي وجدّي العلاّمة وغيرهم من الاجلة إلى التصوف، وغير خفي أن ضرر التصوف إنما هو فساد الاعتقاد من القول بالحلول او الوحدة في الوجود او الاتحاد او فساد الاعمال المخالفة للشرع التي يرتكبها كثير من المتصوفة في مقام الرياضة او العبادة، وغير خفي على المطلعين على أحوال هؤلاء الاجلة من كتبهم وغيرهم انهم منزهون من كلتا المفسدتين قطعاً، ونسب جدي العالم الرباني والمقدس الصمداني مولانا محمد صالح المازندراني وغيره من الاجلة إلى القول باشتراك اللفظ، وفيه أيضاً ما أشرنا اليه ونسب المحمدون الثلاثة والطبرسي إلى القول بتجويز السهو على


(433)

النبي، ونسب ابن الوليد والصدوق أيضاً منكر السهو إلى الغلوّ، وبالجملة اكثر الاجلة ليسوا بخالصين عن امثال ما اشرنا اليه، ومن هذا يظهر التأمل في ثبوت الغلوّ وفساد المذهب بمجرد رمي علماء الرجال من دون ظهور الحال»(1).

ونحن بعد ما قرأنا ذلك انتقلنا إلى ما ذكره العلاّمة الزمخشري في حق نفسه حيث يقول:

تعجبت من هذا الزمان وأهله       فما أحد من اُلسن الناس يسلم(2)

والذي تبيَّن لنا من مراجعة هذه الكلم هو أن اكثر علماء الرجال، او من كان ينقل عنه علماء الرجال لم يكن عندهم ضابطة خاصة لتضعيف الراوي من حيث العقيدة، بل كلّما لم تنطبق عقيدة الراوي مع عقيدته رماه بالغلوّ والضعف في العقيدة، وربما يكون نفس الرامي مخطئاً في اعتقاده بحيث لو وقفنا على عقيدته لحكمنا بخطئه، أو وقف في كتاب الراوي على أخبار نقلها هو من غير اعتقاد بمضمونها فزعم الرامي أن المؤلف معتقد به، إلى غير ذلك مما يورث سوء الظن، مثل ما إذا ادّعى بعض أهل المذاهب الفاسدة أن الراوي منهم وليس هو منهم.

وجملة القول في ذلك ما ذكره المحقّق المامقاني حيث قال: «إن الرمي بما يتضمن عيباً، فضلا عن فساد العقيدة مما لا ينبغي الأخذ به بمجرده إذ لعل الرامي قد اشتبه في اجتهاده، أو عول على من يراه أهلاً في ذلك وكان مخطئاً في اعتقاده، او وجد في كتابه أخباراً تدل على ذلك وهو بريء منه ولا يقول به، أو ادعى بعض أهل تلك المذاهب الفاسدة أنه منهم وهو كاذب، أو روى أخباراً ربما توهم من كان قاصراً أو ناقصاً في الادراك والعلم أن ذلك ارتفاع وغلوّ، وليس كذلك، او كان جملة من الاخبار يرويها ويحدث بها ويعترف


1 . تعليقة المحقق البهبهاني.
2 . الكشاف: 3 / 376، طبعة مصر.


(434)

بمضامينها ويصدق بها من غير تحاش بها واتّقاء من غيره من أهل زمانه، بل يتجاهر بما لا تتحمّلها أغلب العقول فلذا رمى»(1).

فتلخص أن تضعيف الراوي من جانب العقيدة لا يتمّ إلاّ بثبوت أمرين:

الأول: أن يثبت أن النظرية مما توجب الفسق.

الثاني: أن يثبت أن الراوي كان معتقداً بها.

وأنى لنا باثبات الأمرين.

أما الأول، فلوجود الخلاف في كثير من المسائل العقيدية حتى مثل سهو النبي في جانب التفريط او نسبة التفويض في بعض معانيها في جانب الافراط، فان بعض هذه المسائل وان صارت من عقائد الشيعة الضرورية بحيث يعرفها العالي والداني، غير أنها لم تكن بهذه المثابة في العصور الغابرة.

وأما الثاني، فان إثباته في غاية الاشكال، خصوصاً بالنظر إلى بعض الاعمال التي كان يقوم بها بعض الرواة في حق بعض، من الاخراج والتشديد بمجرد النقل عن الضعفاء وان كان ثقة في نفسه، او لبعض الوجوه المحتملة التي ذكرها العلاّمة المامقاني، وما لم يثبت الامران لا يعتني بهذه التضعيفات الراجعة إلى جانب العقيدة.

تضعيف الراوي من حيث العمل

قد عرفت في صدر البحث أن تضعيف الراوي يرجع إلى أحد الأمرين: إما تضعيف في العقيدة او تضعيف في جانب العمل، وقد وقفت على التضعيف من الجانب الأول وحان الوقت أن نبحث في الضعف من الجانب الثاني.

فنقول: إن تضعيف الراوي من جانب العمل على قسمين: تارة يرجع


1 . مقباس الهداية: 150.


(435)

إلى عمله غير المرتبط بنقله وحديثه، كما إذا ارتكب بعض الكبائر وأصرَّ بالصغائر ولم يكن مرتبطاً بالحديث، واُخرى يكون مربوطاً بالحديث ويعرف ذلك بملاحظة الكلمات الواردة في حقه. منها قولهم: مضطرب الحديث ومختلط الحديث، وليس بنقيّ الحديث، يعرف حديثه وينكر، غمز عليه في حديثه، او في بعض حديثه، وليس حديثه بذاك النقي، وهل هذه الألفاظ قادحة في العدالة او لا، قال المحقّق البهبهاني: إن هذه الالفاظ وأمثالها ليست بظاهرة في القدح في العدالة لورود هذه الالفاظ في حق أحمد بن محمد بن خالد وأحمد بن عمر(1).

تمَّ الكلام حول فرق الشيعة التي ربما يوجب الانتماء إلى بعضها تضعيف الراوي وعدم الاعتماد على نقله. بقيت هناك فوائد رجالية لا تجتمع تحت عنوان واحد، نبحث عنها في الخاتمة ـ إن شاء الله ـ.


1 . الفوائد الرجالية: 43، الفائدة الثانية.


(436)


(437)

خاتمة في فوائد رجالية


(438)


(439)

ان هناك فوائد رجالية متفرقة لا تدخل تحت ضابطة واحدة وقد ذكرها الرجاليون في كتبهم ونحن نكتفي بما هو الاهمّ من تلك الفوائد، التي لا غنى للمستنبط عن الاطلاع عليها.

ولأجل تسهيل الأمر نأتي بكل واحدة منها تحت فائدة خاصة، عسى أن ينتفع بها القارئ الكريم، بفضله ومنه سبحانه.

الفائدة الأولى

روى أصحابنا في كتب الاخبار عن رجال يذكرون تارة كناهم أو ألقابهم، واخرى ما اشتهروا به، وثالثة اسماءهم غير المعروفة عند الاكثر. فيعسر تحصيل اسمائهم ومعرفة حالهم. لأن الغالب في كتب الفهرست والرجال سرد الرواة بأسمائهم المشهورة، وعدم الاعتناء بما وقع في اسناد الروايات، كما هو الحال في رجال النجاشي مثلا. ولا يخفى أن كل من له كنية او لقب، لا يصحّ التعبير عنه بكنيته او لقبه إلاّ إذا كان مشتهراً بواحد منهما بحيث كان عنوانه في الكنى صحيحاً كأبي جميلة وأبي المغرا وغيرهم. وقد جمع العلاّمة في خاتمة الخلاصة(1) وابن داود في خاتمة القسم الأول من الرجال(2) أكثر


1 . الخلاصة: 269 ـ 271، الفائدة الأولى.
2 . الرجال لابن داود: 212 ـ 214، الفصل 5.


(440)

المشهورين بالكنى، فذكر اسماءهم ليعلم المراد بهم إذا وردوا في الاخبار(1) ونحن نأتي بالاهم منهم مع ذكر أشخاص اُخر لم يذكروا في الكتابين مرتبين على حروف التهجي، مبتدئين بالكنى فالالقاب.

1ـ أبو أحمد الازدي هو محمد بن أبي عمير.

2ـ أبو أيوب الانصاري، اسمه خالد بن زيد.

3ـ ابو أيوب الخراز (بالراء المهملة قبل الالف والمعجمة بعدها) هو إبراهيم بن عيسى. وقيل عثمان(2).

4ـ أبو بكر الحضرمي، اسمه عبدالله بن محمد. قال العلاّمة: «أخذت ذلك من كتاب من لا يحضره الفقيه».

5ـ أبو البلاد، اسمه يحيى بن سليم.

6ـ أبو جعفر، روى الشيخ وغيره في كثير من الاخبار عن «سعد بن عبدالله، عن أبي جعفر». والمراد بأبي جعفر هنا هو أحمد بن محمد بن عيسى(3).

7ـ ابو جعفر الاحول، هو محمد بن النعمان يلقب بـ «مؤمن الطاق».

8ـ أبو جعفر الزيّات، اسمه محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الهمداني.


1 . والجدير بالذكر ان هذا الباب غير باب الكنى الذي يعنون فيه الرجل بالكنية ويذكر حاله كما ذكر في قاموس الرجال: 11 / 171 ـ 172، واضاف ان المتأخرين خلطوا بين الامرين ولم يفرقوا بين البابين.
2 . هذا هو المذكور في رجال النجاشي. لكن ابن داود ذكره بعنوان إبراهيم بن زياد نقلا عن الشيخ والرجال: 31، الرقم 19 من القسم الأول).
3 . الخلاصة: 271، الفائدة الثانية. الرجال لابن داود: 307. منتقى الجمان: 1 / 37، ذيل الفائدة السادسة.


(441)

9ـ أبو جعفر الرواسي، اسمه محمد بن الحسن بن أبي سارة.

10ـ أبو جميلة هو المفضل بن صالح السكوني.

11ـ أبو الجوزاء، هو منبّه بن عبدالله.

12ـ أبو الجيش، اسمه مظفّر بن محمد بن أحمد البلخي.

13ـ أبو حمران، اسمه موسى بن إبراهيم المروزي.

14ـ أبو حمزة الثمالي، اسمه ثابت بن أبي صفية دينار.

15ـ أبو حنيفة سائق الحاج، اسمه سعيد بن بيان(1).

16ـ أبو خالد القمّاط، اسمه يزيد(2).

17ـ أبو خديجة، هو سالم بن مكرم.

18ـ أبو الخطاب. ملعون، اسمه محمد بن مقلاص، يكنّى أيضاً أبو اسماعيل وأبو الظبيان(3).

19ـ ابو داود المسترق (بتشديد القاف) المنشد، اسمه سليمان بن سفيان. قال ابن داود: «انّما سُمي المسترق لانه كان يسترق الناس بشعر السيد الحميري».

20ـ أبو الربيع الشامي، اسمه خليد بن أوفى.


1 . رجال النجاشي: الرقم 476. وفي رجال ابن داود: الرقم 686 من القسم الأول: «سائق الحاج».
2 . ذكره النجاشي في رجاله بالرقم 1223، وابن داود في رجاله بالرقم 1722. فما في الفصل الخامس من خاتمة رجاله بأن اسمه «خالد بن يزيد» من هفوات قلمه الشريف.
3 . رجال ابن داود: الرقم 482 من القسم الثاني. اما العلاّمة - قدس سره -فخلط عند ذكر ابي الخطاب في خاتمة خلاصته وقال: «ابو الخطاب، ملعون يقال له مقلاص ومحمد بن ابي زينب الرواسي. اسمه محمد بن أبي سارة» وفيه من الخطأ ما لا يخفى عصمنا الله من الزلل.


(442)

21ـ ابو سعيد القماط، هو خالد بن سعيد.

22ـ ابو سمينة، اسمه محمد بن علي بن إبراهيم القرشي.

23ـ ابو الصباح الكناني، اسمه إبراهيم بن نعيم العبدي.

24ـ ابو علي الاشعري، اسمه محمد بن عيسى بن عبدالله بن سعد بن مالك، شيخ القميين، من أصحاب الرضا وأبي جعفر الثاني - عليهما السلام -.

25ـ ابو علي الاشعري القمي، اسمه أحمد بن ادريس، من مشايخ أبي جعفر الكليني. مات سنة 306 بالقرعاء.

26ـ ابو عبيدة الحذّاء اسمه زياد بن عيسى.

27ـ أبو غالب الزراري، اسمه أحمد بن محمد بن سليمان.

28ـ ابو الفضل الحنّاط اسمه سالم.

29ـ ابو القاسم. قال العلاّمة: «يرد في بعض الاخبار: الحسن بن محبوب، عن أبي القاسم. والمراد به معاوية بن عمّار»(1).

30ـ ابو المغرا، اسمه حميد بن المثنّى(2).

31ـ ابو ولاّد الحناط، اسمه حفص بن سالم.

32ـ ابو هاشم الجعفري، اسمه داود بن القاسم بن اسحاق.

33ـ ابو همّام، اسمه اسماعيل بن همّام.


1 . الخلاصة: 271، الفائدة الثانية; الرجال لابن داود: 307.
2 . رجال ابن داود: الرقم 538، من القسم الأول. رجال النجاشي: الرقم 340. اما «ابو المعزا» المذكور في الخلاصة: 58 فليس بصحيح قطعاً.


(443)

34ـ ابن حمدون الكاتب، هو أحمد بن إبراهيم بن اسماعيل.

35ـ ابن عقدة، اسمه أحمد بن محمد بن سعيد (المتوفّى عام 333 هـ).

36ـ البزوفري، اسمه الحسين بن علي بن سفيان.

37ـ البقباق، اسمه الفضل بن عبد الملك.

38ـ الحجّال، اسمه عبدالله بن محمد الاسدي(1).

39ـ الخشّاب، اسمه الحسن بن موسى.

40ـ سجّادة، اسمه الحسن بن أبي عثمان.

41ـ السمكة، اسمه أحمد بن اسماعيل.

42ـ الشاذاني هو محمد بن أحمد بن نعيم.

43ـ الصفواني، اسمه محمد بن أحمد بن عبدالله بن قضاعة(2).

44ـ الطاطري، اسمه علي بن الحسن بن محمد الطائي.

45ـ علاّن، اسمه علي بن محمد بن إبراهيم الكليني.

46ـ القلانسي ابو جعفر، هو محمد بن أحمد بن خاقان (حمدان النهدي).

47ـ القلانسي ابو عبدالله، هو الحسين بن مختار.

48ـ النوفلي، اسمه الحسين بن يزيد. يروي عن السكوني.


1 . يعبر عنه بأبي محمد الحجال أيضاً. كما في الكشي: الرقم 497.
2 . الرجال لابن داود: الرقم 1296 من القسم الأول. رجال النجاشي: الرقم 1050. فما في خاتمة القسم الأول من الرجال: 213، وخاتمة الخلاصة: 269، من ثبت «ابي عبدالله» بدل «عبدالله» لعله سهو.


(444)

49ـ الوشّاء، اسمه الحسن بن علي بن زياد.

50ـ حمدان النهدي، اسمه محمد بن أحمد بن خاقان.

51ـ محمد بن زياد الأزدي هو محمد بن أبي عمير.

52ـ محمد بن زياد البزاز، متّحد مع ما قبله.

الفائدة الثانية

توجد في كثير من طرق الكافي لا سيما في أوائلها، عبارة «عدَّة من أصحابنا» بعنوان مطلق، مع ذكر بعضهم أحياناً. كما في الحديث الأول من كتاب العقل والجهل: «عدَّة من اصحابنا منهم محمد بن يحيى العطار، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب...»(1).

او في الحديث الثاني من باب «أن الائمة- عليهم السلام - يعلمون علم ما كان وعلم ما يكون...» من كتاب الحجّة: «عدَّة من اصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب، عن الحارث بن المغيرة، وعدَّة من اصحابنا، منهم عبد الأعلى، وأبو عبيدة، وعبدالله بن بشر الخثعمي، سمعوا أبا عبدالله - عليه السلام -...»(2).

فوقع البحث عند المحدّثين والرجاليّين قديماً وحديثاً في تعيين المراد منهم، كما بحثوا في أنه هل يجب معرفة أسمائهم وتمييز ما اُبهم منهم لأجل الحكم بصحة الحديث او عدم صحته أو لا يجب ذلك، وأن الطريق المذكور فيه «عدَّة من أصحابنا» ليس مرسلاً أو ضعيفاً من هذه الجهة؟ حتى إن بعضهم أفرد رسالة مستقلة حول المذكورين بهذا العنوان، كما حكى في المستدرك(3).


1 . الكافي: 1 / 10.
2 . الكافي: 1 / 261، الحديث 2.
3 . مستدرك الوسائل: 3 / 541.


(445)

ونحن نذكر ملخّص ما قيل في هذا المضمار لما فيه من الفوائد فنقول:

حكى النجاشي - رحمه الله -في كتابه عند ترجمة أبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني هذه العبارة عنه «كلّ ما كان في كتابي: «عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى» فيهم: محمد بن يحيى (العطّار) وعلي بن موسى الكميذاني وداود بن كورة، وأحمد بن ادريس، وعلي بن إبراهيم بن هاشم»(1).

ونقله العلاّمة في الخلاصة عن النجاشي(2) وزاد عليه أن الكليني قال أيضاً: «وكلّ ما ذكرته في كتابي المشار اليه: «عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي» فهم: علي بن إبراهيم، وعلي بن محمد بن عبدالله بن اذينة، وأحمد بن عبدالله بن اُميّة(3) وعلي بن الحسن»(4).


1 . رجال النجاشي: الرقم 1026.
2 . الخلاصة: 271. وفيها «الكمنذاني» بدل الكميذاني وهو منسوب إلى قرية من قرى قم.
3 . قال المحقق التستري: «الظاهر وقوع التحريف فيهما واصلهما: علي بن محمد بن عبدالله ابن ابنته وأحمد بن عبدالله ابن ابنه ـ قاموس الرجال: 11 / 42» مرجع الضمير في «بنته» و«ابنه» هو أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
4 . ذكره المحدث النوري أيضاً في المستدرك: 3 / 541 نقلاً عن الخلاصة مع تفاوت يسير: منها «علي بن الحسين السعدآبادي» بدل «علي بن الحسن».
قال صاحب سماء المقال بعد نقل العدة الثانية عن الخلاصة ما هذا لفظه: «واستظهر جدنا السيد انه علي بن الحسين السعدآبادي، نظراً إلى ما ذكره الشيخ في رجاله من ان علي بن الحسين السعدآبادي روى عنه الكليني والزراري، وكان معلمه، وانه روى عن أحمد بن محمد بن خالد، على ما يظهر مما ذكره في الفهرست. فانه بعد ذكر اسامي كتب البرقي، قال: اخبرنا بهذه الكتب كلها وبجميع رواياته عدة من اصحابنا منهم الشيخ المفيد والغضائري وأحمد بن عبدون وغيرهم عن أحمد بن سليمان الزراري، قال: حدثنا مؤدبي علي بن الحسين السعدآبادي ابو الحسن القمي، قال حدثنا أحمد بن ابي عبدالله (البرقي)...» ويشهد عليه ـ أي على استظهار السيد ـ. ملاحظة الاسانيد. راجع: سماء المقال: 1 / 78.


(446)

قال: «وكلّ ما ذكرته في كتابي المشار اليه: «عدَّة من أصحابنا عن سهل بن زياد» فهم: عليّ بن محمد بن علان(1)، ومحمد بن أبي عبدالله ومحمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل الكليني».

هذا ما تبيَّن من أسامي الرواة المذكورين بعنوان العدّة، ولكنه لم يتبيّن كثير منهم، مثل:

1ـ عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر.

2ـ عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى بن يزيد.

3ـ عدَّة من أصحابنا، عن ابان بن عثمان، عن زرارة.

4 ـ عدَّة من أصحابنا، عن جعفر بن محمد، عن ابن الفضّال.

5 ـ عدَّة من أصحابنا، عن سعد بن عبدالله.

وقد استوفى المحدث المتتبّع النوري في خاتمة مستدركه والعلاّمة الكلباسي في سماء المقال البحث عن أكثر العدد المذكورة في الكافي مع ذكر مواضيعها، فليراجع(2).

لكن الشيخ حسن بن زين الدين صاحب المنتقى ادّعى في كتابه بعد حكاية كلام النجاشي والعلاّمة، أن محمد بن يحيى العطار أحد العدَّة مطلقاً، واستنتج أن الطريق صحيح من جهة العدّة مطلقاً، لأن الرجل كان شيخ أصحابه في زمانه وكان ثقة عيناً كثير الحديث(3).


1 . صحيحه كما في رجال النجاشي: 260، الرقم 682: «علي بن محمد بن إبراهيم المعروف بعلان». صرح بذلك أيضاً المحقق التستري في قاموس الرجال: 11 / 42.
2 . مستدرك الوسائل: 3 / 545 ; سماء المقال: 1 / 83.
3 . رجال النجاشي: الرقم 946.


(447)

قال: «ويستفاد من كلامه ـ أي ابي جعفر الكليني - رحمه الله -ـ في الكافي، أن محمد بن يحيى أحد العدَّة مطلقاً، وهو كاف في المطلوب. وقد اتفق هذا البيان في أول حديث ذكره في الكتاب(1)، وظاهره أنه أحال الباقي عليه. ومقتضى ذلك عدم الفرق بين كون رواية العدَّة عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد بن محمد بن خالد، وإن كان البيان إنما وقع في محل الرواية عن ابن عيسى، فإنه روى عن العدَّة عن ابن خالد بعد البيان بجملة يسيرة من الاخبار(2)، ويبعد أن لا يكون محمد بن يحيى في العدة عن ابن خالد ولا يتعرض مع ذلك للبيان في أول روايته عنه، كما بيَّن في أول روايته عن ابن عيسى»(3).

يلاحظ عليه: «أنه بعد تصريح الكليني على ما نقل عنه العلاّمة، بأسماء العدَّة عن أحمد بن محمد بن خالد (إذ لم يذكر فيه محمد بن يحيى) لا سبيل لهذا الاحتمال. ولذا ذكر الكلباسي أن الكلام المزبور أشبه شيء بالاجتهاد في مقابلة النصّ(4).

إن قيل: يمكن استظهار ما ذكره صاحب المنتقى، ممّا حكاه المحدّث النوري عند نقل كلام العلاّمة في العدة عن البرقي بأنه يوجد في بعض نسخ الكافي في الباب التاسع من كتاب العتق هذا الاسناد: «عدَّة من أصحابنا علي بن إبراهيم، ومحمد بن جعفر، ومحمد بن يحيى، و