welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 2

نظام القضاء والشهادة
في الشريعة الاسلامية الغراء

تأليف

العلامة الفقيه
الشيخ جعفر السبحاني

نشر

مؤسسة الإمام الصادق (ع)
إيران _ قم


(2)

هوية الكتاب

اسم الكتاب:    نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغرّاء

المؤلف:    جعفر السبحاني

الجزء:    الثاني

الطبعة:     الأولى

المطبعة:    اعتماد ـ قم

التاريخ:    1418هـ ق / 1376 هـ ش

الكمية:    2000 نخسة

الناشر:    مؤسسة الامام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

السعر:    1200 تومان

الصفّ والإخراج باللاينوترون:    مؤسسة الامام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

0 ـ 15 ـ 6243 ـ 964: شابك

توزيع

مكتبة التوحيد

قم ـ ساحة الشهداء ـ 743151


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد:

هذا هو الجزء الثاني من كتابنا المسمّى «نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغرّاء» نقدّمه الى القرّاء الكرام آملين أن ينال رضاهم، ويتحفونا بآرائهم ويرشدونا إلى مواضع الخطأ فيه «فإنّ أحبَ إخواني مَن أهدى إَليَّ عُيُوبي» كما جاء في الحديث الشريف.

ونبتدئ فيه بالبحث فى أحكام القسمة سائرين على ضوء كتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام» لنجم الملّة والدين المحقّق الحلّي قدّس الله سرّة.

المولف


(4)


(5)

في أحكام القسمة

وقبل الخوض في المقصد نقدّم أُموراً:

1ـ الأولى إفراد القسمة كتاباً كما صنعه البعض، وعلى فرض التذييل فالأولى جعله ذيلاً لكتاب الشركة، وجعله المحقّق ذيلاً لكتاب القضاء لأنّ القضاء و انهاء النزاع ربّما لا يمكن إلاّ بالإفراز والقسمة فناسب البحث عنها في المقام.

2ـ إنّ التشريك في الأموال أمر يتفق كثيراً إمّا بلا اختيار كمافي الفرائض أو بالامتزاج أو الاختلاط بحيث لا يتميّزان كما في الرهن والارز والحنطة، ولكن بقاء الشركة ربّما يورث العسر والحرج أو يُثير النزاع فلا جرم ربّما تمسّ الحاجة إلى القسمة، حفظاً للنظام. وقد أمضاها الشارع فلا حاجة لإثبات شرعيتها إلى التمسّك بآيات وردت فيه كلمة القسمة مثل قوله سبحانه:«وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ » (النساء/8) ويحكي الذكر الحكيم عن وجودها بين الأُمم السابقة كما في قصّة ناقة ثمود إذ قال لهم نبيهم: «وَ نَبِّئْهُمْ أنّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلّ شِرْب مُحْتَضر» (القمر/28).نعم لا بأس بذكر الآيات تبرّكاً.

3ـ و ربّما تعرف القسمة بأنّها عبارة عن تميّز النصف المشاع مثلاًعن النصف الآخر ثمّ اعترف القائل بأنّ حقيقة التميّز في الإشاعة من المستحيلات التي لا تتعلّق بها القدرة لكن في العرف عمل يسمّونه بالتميز و أمضاه الشارع، كما في العرف معاملة يسمّونه بتمليك المعدوم كالمنافع.(1)


1 . المحقّق الرشتي، كتاب القضاء: 2/37.


(6)

ولا يخفى ما في المشبه والمشبه به من الإشكال أمّا الثاني فلأنّ الإجارة ليست تمليكاً للمنافع، بل هي تسليط العين لغاية الانتفاع من منافعها، والتسليط أمر وجودي و أمّا المشبّه، فلأنّه إذاكان الملك مغموراً في الإبهام عند العرف من رأس، فكيف يسمّيه تميّزاً؟!

ربما تعرّف أيضاً بقولهم بتميّز أحد النصيبين عن الآخر، أو أحد الأنصباء عن غيره وقال السيّد الإصفهاني: هي تميّز حصص الشركاء بعضاً عن بعض (1).

يلاحظ عليه: أنّ التعبير بالتميّز فرع كونه متميزاً واقعاً، لا ظاهراً، مع أنّ نصيب كلّ غير متميز واقعاً ولا ظاهراً ولأجل ما ذكرنا علّق سيدنا الأُستاذ ـ قدس سره ـ على تعريف السيّد الإصفهاني قوله: بمعنى جعل التعيين بعد مالم يكن معينة بحسب الواقع لا تميّز ما هو معيّن واقعاً و مشتبه ظاهراً.(2)والأولى أن يعرف بإزالة الشركة بجعل التعيين للحصص.

4ـ الظاهر أنّ القسمة أصل برأسه، لا أنّه بيع في مورد العين بتصوّر أنّ القسمة فيها بمبادلة حصّة كلّ في جانب، بحصّة الآخر في الجانب الآخر، أو إجارة في مورد المنافع كما إذا استاجرا داراً بالمشاع ثمّ اقتسما في الانتفاع ، فكأنّ كلّ واحد من الشريكين يوجر نصف سهمه من كلّ غرفة من آخر، والظاهر أنّه أصل برأسه لاختصاصها بأحكام خاصّة كاشفة عن استقلالها في الموضوعية، ولأجل ذلك لا يلحق بها أحكام البيع في خيار المجلس. قال السيّد الإصفهاني: وليست ببيع و لا معاوضة فلا يجري فيها خيار المجلس والحيوان المختصين بالبيع ولا يدخل فيها الربا وإن عمّمناه لجميع المعاوضات.(3)

5ـ إذا خرجنا باستقلال القسمة في مقام الموضوعية يقع الكلام في ماهيّتها و هناك احتمالات ثلاثة ذكرها المحقق الرشتي في قضائه و قال:


1 . الوسيلة:2/111ـ 112، كتاب القسمة.
2 . تحرير الوسيلة: 1/627.
3 . الوسيلة: 2/111.


(7)

وهل هي من قبيل العقود، أو الإيقاعات، أو الموضوعات المترتّبة عليها الأحكام كالالتقاط، والغصب، والإحياء، والخيار، والنسب و نحوها ممّا لا يرجع إلى عقد أو إيقاع فيه وجوه أقواها الأخير.(1)

وجهه أنّ العقد سواء كان بمعناه اللغوي، و هو ربط شيء بشيء، أو بمعنى العهد المطلق ، أو العهد المشدّد، يتوقّف على ربط شيء بشيء، وليست القسمة من تلك المقولة و إنّما هي عمل خارجي يتضمّن فصل المالين و تعيينهما بالقرعة و غيرها فهي فاقدة لمعنى العقد بكلا المعنيين إلاّ على وجه بعيد فهي إمّا من قبيل الإيقاع أو الموضوعات التي لها آثار عند الشرع.

6ـ إنّ الكلام يقع في محاور أربعة: القاسم، و المقسوم، و الكيفية، واللواحق، وإليك الكلام في الأوّل:

الأوّل الكلام في القاسم

قال المحقّق: يستحبّ للإمام أن ينصب قاسماً كما كان لعلي ـ عليه السَّلام ـ و التقسيم قد يتولاّه الشركاء بأنفسهم، فيكون القاسم وكيلاً لهم يشترط فيه ما يشترط في الوكيل وقد يتولاّه الإمام مباشرة أو بالقاسم الذي نصبه الإمام .

والمستفاد من كلامه أنّ نصب القاسم مستحبّ وعللّه في المسالك أنّه من جملة المصالح وروي أنّه كان لعليّ قاسم يقال له عبد اللّه بن يحيى كان يرزق من بيت الإمام (2).

دلّت السيرة النبوية على أنّه كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قاسماً باسم عبد اللّه بن رواحة وقد استشهد في غزوة موتة وكان لعلي قاسماًباسم عبد اللّه بن يحيى الحضرمي وقد


1 . الرشتي: كتاب القضاء: 2/44.
2 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/425 و الطوسي، المبسوط: 8/134.


(8)

عدّه الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين، وعدّه البرقي من شرطة الخميس وأنّ الإمام قال له يوم الجمل: ابشر يابن يحيى وهو الذي قتله معاوية مع أصحابه، و من الجرائم التي عدّها الإمام الحسين ـ عليه السَّلام ـ لمعاوية في رسالة بعثها إليه قتله الحضرميين.(1)

أقول: إنّ المصالح العامّة تتوقّف على وجود القسمة و القاسم في واقعة أو وقائع، وأمّا توقّفها على نصب إنسان للقسمة، دائماً فلا، نعم لو كانت الحاجة إلى القسمة متوفرة لا يقوم إلاّ بتعيين شخص لها، يلزم نصبه حفظاً لمصالح العامّة، وفعل النبي والوصي لا يدلّ على الاستحباب، فوزان القاسم، وزان الكاتب للقاضي، وقد ترتفع الحاجة، بوجود الكاتب وربّما تمسّ الحاجة بنصب شخص للكتابة فعند ذاك يجب كسائر الأُمور التي يتوقّف عليها نظام الحياة. وعلى ذلك فلم نجد دليلاً على استحباب النصب إذ هو بين كونه مباحاً إذا كانت الحاجة إليه قليلة أو واجباً توصّلياً كسائر الواجبات التي يقوم عليها صرح النظام.

شرائط القاسم

قال المحقّق: ويشترط فيه: البلوغ و كمال العقل والإيمان والعدالة والمعرفة بالحساب.

أقول: لو كانت القسمة منصباً كمنصب القضاء يشترط فيه ما يشترط في سائر المناصب، فإنّ الولاية الإلهية إنّما هي للبالغ، العاقل، المؤمن، العادل فلا ولاية لغير البالغ على البالغ، ولا للمجنون على العاقل، ولا للكافر على المسلم، ولا للفاسق على العادل، ولا لغير المؤمن بالمعنى الأخصّ على غيره إنّما الكلام في كونها مقاماً و منصباً بل هو من الأُمور الواجبة التي يتوقّف عليها نظام الحياة الاجتماعية، فيكفي في ذلك استخدام شخص لتلك الغاية كالكتابة نعم يظهر من


1 . المامقاني، تنقيح المقال: 2/222.


(9)

بعضهم أنّه قسم من الحكومة (1) فإن أراد أنّه يتبع الحكومة كتبعية سائر الموظّفين فصحيح وإن أراد أنّه منصب إلهيّ، فهو ممنوع.

نعم بما أنّ الحاكم يسلّطه على أموال الناس يجب أن يكون إنساناً أميناً، عارفاً بأُمور القسمة، ومقدّماتها في تقسيم المواريث و الأموال وعلى ذلك يكفي فيه تحقّق الوصفين: الأمانة والمعرفة. نعم لو كان استخدام الكافر أو المسلم الفاسق، أو الصبي المراهق وهناً للحكومة الإسلامية يلزم أن يكون بالغاً مسلماً، مؤمناً، عادلاً حفظاً لشؤون الحكومة والإمامة، ولأجل ذلك لو تراضى الخصمان بقاسم غير قاسم الإمام جاز قطعاً ولا يشترط فيه الإسلام ولا يعدُّ قبول عمله ركوناً، خصوصاً إذا عدّ عمله ، عمل الموكّل، كما لا يشترط البلوغ، بعد كون عمله بإذن الشركاء فإنّ عقد الصبي وعمله، جائز إذا كان بإذن الولي ، كما بيّنه المحقّق في محلّه.

والحاصل أنّه لا دليل على اشتراط ما ذكره من الأوصاف لا في قاسم الإمام ـ إلاّ من جهة العنوان الثانوي ـ ولا في قاسم الشركاء، ولو قلنا بأنّ القسمة عقد، تكون نافذة و إن كان المتصدّي الصبي إذا لحقه رضى الوليّ أو كان مقارناً فإنّ عمل الصبي ليس مسلوب الاعتبار على الإطلاق بل ليس نافذاً وحده وإنّما يكون نافذاً مع إذن الولي.

إنّ هنا مسائل ست تعرّض لها المحقّق ما عدا الخامسة منها، و إليك عناوينها:

1ـ صحّة التقسيم بالتراضي من دون قاسم.

2ـ نفوذ قسمة القاسم بالقرعة إذاكان منصوباً من قبل الحاكم.

3ـ نفوذ قسمته إذا كان وكيلاً للشركاء.


1 . الجواهر: 40/327.


(10)

4ـ كفاية القاسم الواحد أو لزوم تعدّده.

5ـ اعتبار القرعة في التقسيم.

6ـ أُجرة القسّام على الحاكم وعلى غيره.

وقد بسط الكلام فيها صاحب الجواهر في كتاب الشركة والسيّد الطباطبائي في الملحقات و سنشير عند البحث إلى مصادر كلماتهما بإذن اللّه سبحانه.

1ـ صحّة التقسيم بالتراضي من دون قاسم

الكلام في صحّة التقسيم بالتراضي من دون قاسم، بقرعة أو غيرها و محور البحث، عدم توقّف القسمة على القاسم، وأمّا الكيفية ، فليست بمورد للنظر.

قال المحقّق: لو تراضيا بأنفسهما من غير قاسم أقربه الجواز. ذكره المحقّق عند الاستدلال على جواز التراضي بقسمة الكافر و مشبهاً له بالمقام و استدلّ له صاحب الجواهر بإطلاق الأدلّة وعمومها و مراده منها هو العمومات التي يتمسّك بها في أبواب التجارات كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الناس مسلّطون على أموالهم» و قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «لا يحلّ مال امرئ إلاّ بطيب نفسه»و قوله تعالى: «إلاّ أنْ تَكُونَ تجارةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ» (النساء/29).

يلاحظ عليه بما ذكرناه في محلّه من أنّه لا إطلاق لها بالنسبة إلى أسباب التملّك فلو شككنا في شرطية العربية أو البلوغ لا يصحّّ التمسّك بها لإزالة هذا النوع من الشكّ نظيرالتمسك بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»(1) لرفع الشكّ في شرطية تقدّم الإيجاب على القبول. والشكّ في المقام مركّز على أنّ مجرّد التراضي على الحصص المعدّلة من دون قاسم ، هل يوجب إزالة الشركة و تعيين الحصّة أو لا؟ ومن المعلوم أنّه ليس لهذه العمومات نظر إلى


1 . الوسائل: الجزء 14، الباب 16 من أبواب عقد النكاح و أولياء العقد، الحديث1.


(11)

أسباب التملّك ولا إلى أنّ التراضي مشرّع، نعم لو ثبت كون شيء سبباً للتملّك و التعيّن، فنفس التراضي كاف.

والأولى أن يستدلّ : أنّ القسمة من الأُمور العرفية الواضحة التي، تترتّب عليها الأحكام كالالتقاط، والإحياء والحيازة و أمضاها الشارع و ليس لها حقيقة عندهم سوى تعديل الحصص، و الرضا بها و المفروض أنّهما حاصلان، واحتمال اعتبار أمر آخر، كالقاسم، يحتاج إلى دليل و مع عدمه فالأصل البراءة.

2ـ نفوذ قسمة القاسم المنصوب من قبل الحاكم بالقرعة

إذا عدّل القاسم المنصوب من قبل الإمام و أقرع فهل تمضي قسمته بنفس القرعة، أو يعتبر رضاهما بعدها؟

قال الشيخ في المبسوط: فإن نصبه الحاكم للقسمة ، فإذا عدَّل السهام وأقرع كانت القرعة حكماً تلزم القسمة به(1) وهوخيرة المحقّق في الشرايع. ووجهه واضح وذلك لأنّه لو قلنا بأنّ القسمة عقد من العقود و له أسباب منها، تقسيم القاسم بالقرعة، فيشمله عموم الوفاء بالعقود. وأمّا لو قلنا بأنّه من الموضوعات المترتّبة عليها الأحكام، كالغصب والاحتطاب والحيازة، فظاهر أدلّة القرعة هو اللزوم أيضاً وعدم صحّة الرجوع.

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليس قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى اللّه إلاّ خرج سهم المحق».(2)

وفي رواية محمّد بن حكيم قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن شيء فقال لي: «كلّ مجهول ففيه القرعة» قلت له:إنّ القرعة تخطئ و تصيب قال: «كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ»(3)


1 . الطوسي، المبسوط:8/133.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 5، 11.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 5، 11.


(12)

وفي رواية عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «أيّ قضية أعدل من القرعة» (1) إلى غير ذلك من العناوين الدالّة على أنّ التجاوز عن القرعة ، تجاوز عن المحق ، والمصيب والأعدل، إلى غيره و من المعلوم أنّه ليس المتجاوز إليه، إلاّ الباطل إذ ليس بعد الحق إلاّ الضلال. أضف إلى ذلك سيرة العقلاء، حيث يعدّون رفض القرعة، بعد الإقراع، طغياناً و شغباً.

3ـ نفوذ قرعة القاسم المرضيّ للشركاء

إذا كان القاسم مرضيّاً للشركاء وقد عدّل الحصص والسهام و أقرع فهل يكون نافذاً مطلقاً، أو غير نافذ كذلك، و يتوقّف على الرضاء اللاحق، أو يُفصّل بين القسمة المشتملة على الردّ فيعتبر وإلاّ فلا؟

والأوّل خيرة الشيخ والمحقّق، والثاني خيرة الشهيد في الدروس، والثالث هو المنقول من صاحب الرياض.

قال الشيخ: «إذا تراضيا بثقة من أهل العلم حكماً بينهما فحكمَ بينهما فيما يلزم الحكم قال قوم يلزم بنفس الحكم كالحاكم سواء و قال آخرون بالحكم والرضا به بعده».(2)

وقال المحقّق: «في القاسم غير المنصوب يقف اللزوم على الرضا بعد القرعة وفي هذا إشكال من حيث إنّ القرعة وسيلة إلى تعيين الحقّ وقد قارنها الرضا».(3)

أقول: إنّ اتّفاقهم على عدم اعتبار الرضا فيما إذا كان القاسم منصوباً من الحاكم، دليل على تحقّق القسمة وتعيّن الحصص، وملكية كلّ لحصته بنفس القرعة، من دون حاجة إلى أمر آخر، فبما انّ القسمة مفهوم واحد، لا تختلف


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 13.
2 . المبسوط: 8/134.
3 . الشرايع: 4/100.


(13)

حقيقتها، باختلاف القاسم من حيث كونه منصوباً و عدمه، يلزم أن يكون كذلك فيما إذا كان القاسم مرضيّ الشركاء إذ لا معنى لأن تختلف حقيقتها باختلاف القاسم الذي هو خارج عن حقيقتها.

ولعلّه إلى ما ذكرنا ينظر كلام المحقّق: «إنّ القرعة وسيلة إلى تعيين الحقّ وقد قارنها الرضا» فالتعيين على هذا الوجه أوجب تميّز أحد الحقّين عن الآخر فيتعيّن بالرضا المقارن.

أضف إلى ذلك ما تقدّم في الفرع المتقدّم من ظهور أدلّة القرعة في اللزوم.

ثمّ إنّ الشهيد اشترط تراضيهما بعد القرعة إذا اشتملت القسمة على الرد(1) وكأنّه مبنيّ على أنّ الردّممّن خرج له النصيب الأوفر معاوضة بين سهم الشريك فيما أخذ، وما يردّه، وهو يتوقّف على الرضاء وراء الرضا بالتقسيم.

يلاحظ عليه: أنّ الردّ ليس معاوضة مستقلّة بل من توابع القسمة المحقّقة بنفس تعيين الحصص بالقرعة.

ثمّ إنّ صاحب الرياض من القائلين باعتبار الرضا اللاحق مطلقاً متمسّكاً باستصحاب بقاء الشركة بدون الرضا، وهو غير تام لقيام الدليل على صحّة القسمة. واستصحاب بقاء الشركة ، معارض باستصحاب حصول الملكيّة للإتّفاق على حصول الملكيّة بالرضا المقارن، إنّما الكلام في انحلال الملكيّة، بعدم الرضا اللاحق، وتصوّر أنّ الشكّ في بقاء ملكية كلّ شريك

بالنسبة إلى حصّته، ناش من بقاء الشركة وعدمها فباستصحاب بقاء الشركة يزول الشكّ في بقاء الملكيّة شأن كلّ أصل مسببي وسببي، مدفوع بأنّ الشكّ في كليهما ناشئان من اشتراط بقاء الرضاء بعد القرعة وعدمه، فإذا دلّ الدليل على عدم الاشتراط يرتفع الشكّ في كلا الطرفين ويثبت ارتفاع الشركة وانحلالها وبقاء مالكيّة كلّ شريك


1 . محمّد مكي، الدروس ج2، كتاب القسمة/117.


(14)

بالنسبة إلى حصّته.

4ـ كفاية القاسم الواحد أو لزوم تعدّده

قال المحقّق: ويجزي القاسم الواحد إذا لم يكن في القسمة ردّ، ولابدّ من اثنين في قسمة الردّ لأنّها تتضمّن تقويماً فلا ينفرد الواحد به (لأنّه من أقسام الشهادة) ويسقط اعتبار الثاني مع رضا الشريك.

يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ كون أمر التقويم من باب الشهادة أوّل الكلام لأنّ الشهادة أساسه الإدراك بالحس، دون الحدس، والتقويم مبني على الحدس غالباً، كنظر الطبيب وفتوى المجتهد ورأي كلّ متخصص في كلّ أمر يحتاج إلى إعمال النظر.

وثانياً: أنّ القسمة غالباً تتوقّف على التعديل أوّلاً، ثمّ التفريق ثانياً وكثيراًمّا يتوقّف التعديل على التقويم كما في تقسيم أثاث البيت المتشكّلة من أُمور مختلفة، فيحتاج إلى التقويم وإن لم يكن فيها ردّ، فلا يختصّ التقويم بقسمة الردّ، بل يعمّها ممّا يتوقّف التقسيم على التقويم.

و ثالثاً: أنّ تعددّ المقوّم، لا يلازم تعدّد القاسم إذ ربّما يكون القاسم غير المقوّم والقسمة أمر غير التقويم ولعلّه لما ذكرنا كان لعلي ـ عليه السَّلام ـ قاسم واحد باسم عبد اللّه بن يحيى الحضرمي.

ورابعاً: أنّ سقوط التعدّد عند رضا الطرفين لأجل أنّ الحقّ منحصر فيهما، لا يثبت القسمة لأنّ رضا الشريكين لا يغيّر الحكم الشرعي ولا يوجب تحقّق عنوان القسمة، نعم صرف الرضاء يُحلُّ التصرّف وإن لم يكن هنا مقوّم ولا مقسّم.والحاصل أنّ حليّة التصرّف قائم بالرضا، و لكنّه ليس بمشرّع، فلايكون رضاؤه على التصرّف دليلاً على تحقق سبب الملكيّة و هو التقسيم كما ذكرناه سابقاً.


(15)

5ـ اعتبار القرعة في القسمة

هذه هي المسألة التي لم يتعرّض لها المحقّق.

لا محيص عن القرعة إذا تنازعا في تعيين الحِصص، إنّما الكلام في اعتبارها في تحقّق القسمة وإن لم يكن تنازع ففيه قولان:

1ـ الاكتفاء بالرضا من الشركاء بأخذ سهامهم.

2ـ اعتبارها في صدق الانقسام شرعاً.

والأوّل خيرة الأردبيلي و المحدّث البحراني، والثاني، مختار صاحب الجواهر استدل للقول الأوّل بعموم: «الناس مسلّطون على أموالهم»، ولأنّه من التجارة عن تراض، وأكل مال الغير بطيب نفسه، وفحوى قوله ـ عليه السَّلام ـ في رجلين لا يدري كلّ واحدمنهما كم له عند صاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، ولي ما عندي، فقال: «لا بأس إذا تراضيا و طابت أنفسهما».(1)

ولو قلنا بعدم حصول الملك بدون القرعة، فلا كلام في جواز التصرّف فيه تصرّف المالك مثل ما قيل في المعاطاة والعطايا والهدايا والتحف.واحتمال كونه حراماً لكونه بعقد باطل، محجوج بعمل المسلمين على خلافه بل على الملك.(2)

يلاحظ عليه: أوّلاً ما سبق منّا من أنّ هذه العمومات، ليست ناظرة إلى أسباب الملكيّة حتّى يتمسّك بإطلاقها. بل هي بصدد بيان أنّ الإنسان المالك للشيء بسبب صحيح عند الشرع، له التقلّب في ماله كيف يشاء وليس لغير المالك التصرّف في مال المالك إلاّ بطيب نفسه أمّا أنّ القسمة بلا قرعة سبب أو لا، فليست في مقام بيانه حتّى يتمسّك بإطلاقها.

وإن شئت قلت: إنّ كلّ مالك على نحو الإشاعة، له التصرّف كيفما شاء من


1 . الوسائل: الجزء 13، كتاب الصلح، الباب 5، الحديث 1.
2 . الأردبيلي، مجمع الفائدة:10/215، كتاب الشركة.


(16)

البيع و الهبة و أمّا أنّه مختار إذا أراد تبديل الملكيّة الإشاعية، بالملكيّة الإفرازية ، في أن يتسبّب بأي سبب شاء، فلا يستفاد منها.

وثانياً: أنّ الكلام في حصول القسمة شرعاً التي تثبت الملكيّة للحصص الخارجية، لا مجرّد جواز التصرّف إذ لا شكّ في أنّه يجوز للشريك التصرّف في المال المشترك بإذن شريكه ويحصل البراءة من الدين بمجرّد الرضا و لكن الكلام في تحقّق الملكية الإفرازية بالحصّة بدون القرعة بحيث لا يجوز للشريك التصرّف في الحصّة المعيّنة لشريكه.

ثمّ إنّ المحدّث البحراني تبع المحقّق الأردبيلي فقال: إنّي لم أقف في الأخبار على ما ذكروه من القرعة(والقاسم من جهة الإمام) بل ظاهرها كما ترى هوالصحّة مع تراضيهما بما يتقسّمانه ثمّ استدل على عدم اعتبار القرعة بروايات يرجع محصلها إلى حديثين:

1ـ رواية غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه عن علي ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ في رجلين بينهما مال، منه بأيديهما و منه غائب عنهما فاقتسما الّذي بأيديهما وأحال كلّ واحد منهما من نصيبه الغائب فاقتضى أحدهما ولم يقتض الآخر فقال: «ما اقتضى أحدهما فهو بينهما و ما يذهب بينهما».(1)

2ـ رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجلين بينهما مال منه دين و منه عين فاقتسما العين والدين فتوى الذي كان لأحدهما من الدين أو بعضه وخرج الذي للآخر أيردّ على صاحبه؟قال: «نعم ما يذهب بماله».(2)

قال: تدلّ هذه الروايات على أنّ الاقتسام إنّما وقع من الشركاء بمجرّد تميّز سهام كلّ و احد من ذلك المال المشترك الموجود بأيديهم مثلياً كان ذلك المال أو قيمياً بعد تعديله من غير توقف على قاسم من جهة الإمام ولا قرعة في البين بأن


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 6 من أبواب الشركة، الحديث 1ـ2.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 6 من أبواب الشركة، الحديث 1ـ2.


(17)

رضى كلّ منهما بعد تساوي السهام بنقل حصّته ممّا في يد شريكه، بحصّة شريكه ممّا في يده، و كذلك قسمة ما في الذمم ممّا لم يكن بأيديهما إلاّ أنّه ـ عليه السَّلام ـ أبطل قسمة الغائب.(1)

يلاحظ عليه، بأنّ الروايات تدلّ على صحّة قسمة الحاضر دون الغائب، وأمّا أنّه كيف كانت كيفية قسمة الحاضر فليست الروايات بصدد بيانها، فلا يدّل السكوت على عدم الاعتبار.

والأولى الاستدلال بما مرّ من أنّ القسمة مفهوم عرفي ليس لها حقيقة شرعية فإذا كان كذلك، فلا شكّ في صدق القسمة، بتعديل الحصص، وتعيينها مع الاقتران بالرضا. ويؤيّد ذلك أنّ مورد روايات القرعة هو وجود التشاح والنزاع أو مظنتهما، و المفروض في المقام غيره وهذا أيضاً أقوى دليل على عدم اعتبار القرعة.

لكن صاحب الجواهر استدلّ على مختاره بوجوه غير خالية عن الضعف و بسط الكلام، ولخّصه السيّد الطباطبائي في ملحقاته ونحن نأتي بالملخّص. ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الأصل.

1ـ إنّ مقتضى تعريف القسمة بأنّها تُميّز الحقوق، كون حصّة الشريك كلّي دائر بين مصاديق متعدّدة فيكون محلاً للقرعة إذ هي حينئذ لإخراج المشتبه وتعيين ما لكلّ منهمامن المصداق واقعاً. فيكشف حينئذ عن كون حقّه في الواقع ذلك.

2ـ بل لولا الإجماع أمكن أن يقال إنّ المراد من إشاعة الشركة دوران حقّ الشريك بين مصاديقه لا كون جزء يفرض مشتركاً بينهما وإلاّ لأشكل في الجزء الذي لا يتجزّى.

3ـ وأشكل قسمة الوقف من الطلق لاستلزامه صيرورة بعض أجزاء الوقف طلقاً وبعض الطلق وقفاً.


1 . البحراني،الحدائق: 21/174ـ 175.


(18)

4ـ لزم أيضاً عدم اشتراط تعديل السهام لعدم المانع من تعويض الأقل بالأكثر مع الرضا، مع أنّ التعديل معتبر فيها، و فاقد التعديل ليس من القسمة شرعاً قطعاً.(1)

وحاصل استدلاله: أنّ حقيقة الشركة ترجع إلى اعتبار السهام من قبيل الكلّي في المعيّن ، لا من قبيل الإشاعة حتّى يكون كلّ جزء و إن صغُر مشاعاً بين الشركاء للوجوه الثلاثة:

1ـ عدم إمكان اعتبار الإشاعة، في الجزء الذي لا يتجزّى.

2ـ أشكل قسمة الوقف عن الطلق، وإلاّ يلزم صيرورة بعض الوقف طلقاً و بالعكس.

3ـ عدم اشتراط تعديل السهام ، لافتراض كفاية الرضا.

ولكن الجميع مندفع.

أمّا الأوّل: فلأنّ إرجاع الشركة إلى الكلّي في المعيّن مثل ما إذا باع منّا من صبرة خلاف المرتكز عند العقلاء، لأنّهم يعتبرون مال الشركة على الوجه المشاع وأنّ كلّ جزء من أجزاء المال ملك مشاع بينهم ولأجل ذلك لا يجوّزون التصرّف في المشاع إلاّ مع الاتّفاق على التصرّف، بخلاف المعتبر على نحو الكلي في المعيّن، فانّه يجوز للبايع التصرّف في الصبرة بالبيع والهبة والصلح، مادام المقدار المزبور موجوداً، وهذا يدلّ على أنّ هنا نوعين من الاعتبار.

أمّا الثاني: فلأنّ اعتبار الشركة الإشاعية ليست مبنيّة على بطلان الجزء الذي لا يتجزّى، كما ربّما يستفاد أيضاً من كلمات المحقّق النائيني عند البحث عن قاعدة اليد.(2) حتّى ينافي ذلك الاعتبار، مع القول بالجزء الذي لا يتجزّى بل هو


1 . الجواهر:26، كتاب الشركة، 310ـ 311; السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/220، المسألة5.
2 . الكاظمي، فوائد الأصول.


(19)

اعتبار عرفي في الأشياء ذات الأفراد والأجزاء، مع الغفلة عن وصول تقسيم الجزء إلى الحدّ الذي لا يتجزّى أحياناً ولكن يتجزّى عقلاً. فليست للمسائل الفلسفية، مدخلية لها في الاعتبارات العرفية، بل ربّما يكون الاعتبار العرفي على خلافها مثلاً، العقل يحكم بأنّ إيجاد الطبيعة بإيجاد فرد، وإعدامها أيضاً بإعدام فرد واحد، ولكن العرف الدقيق لا يساعد حكم العقل ويحكم بأنّ عدمها بإعدام جميع أفرادها فسواء أصحّ الجزء الذي لا يتجزّى أم بطل(1) فالملك الإشاعي، أمر معتبر عند العقلاء و إن كان ذلك الاعتبار لا يصحّّ في الجزء الذي لا يتجزّى حسّاً.

وأمّا الثالث: فأقصى ما يستفاد من حرمة تبديل الوقف بسبب من الأسباب هو تبديل الوقف المفروز، بشيء مثله، كأن تبدّل داراً بدار أُخرى. وأمّا تعيين الأرض الموقوفة وتحديدها بإفرازها عن غيرها، وإن تضمّن التبديل المذكور، فلم يدلّ عليه دليل على عدم صحّته، وبالجملة قول الواقف تبعاً للذكر الحكيم: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بعدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه» (البقرة/181) الممضى لدى الشرع ناظر إلى التبديل ا لجُذري لامثل المقام.

وأمّا الرابع: فلا نسلّم صدق القسمة بلا تعديل السهام وتساويها، وجواز التصرّف برضا الشركاء لا يثبت صدق القسمة كما ذكرناه مراراً والحقّ ما عليه المحقّق الأردبيلي و من تبعه من الأعاظم ـ قدّس اللّه أسرارهم ـ من عدم شرطية القرعة في مفهوم القسمة وعدم الحاجة إليها إذا لم يكن هناك نزاع.

6ـ في أُجرة القسّام

القسّام تارة يكون منصوباً من الحاكم، و أُخرى معيّناً أو مستأجراً من جانب الشركاء و على الأوّل إمّا أن تكون القسمة قسمةَ إجبار، أو قسمة اختيار.


1 . لقولهم:

تفكك الرحى و نفى الدائرة * وحجـــج أُخرى لديهم دائرة


(20)

وعلى الثاني: إمّا أن يستأجره واحد منهم، أو يستأجره الجميع دفعة في عقد واحد، أو أن يستأجره كلُّ واحد بأُجرة معيّنة مترتّبة فلنأخذ كلّ قسم بالبحث:

الصورة الأُولى: إذا كان القسّام منصوباً

إذا كان القسّام منصوباً من الحاكم فقد اطلق المحقّق و تبعه الشهيد الثاني في شرحه وقالا: إنّ أُجرة القسّام من بيت المال المعدّللمصالح التي منها القسمة إن لم يُرزَق منه و إلاّ فلا أُجرة له لقيام ارتزاقه منه مقامها، من غير فرق بين كون القسمة مفروضة عليهم من جانب الحاكم أو لا. نعم استثنى الشيخ صورة خاصّة وقال: «وإن لم يكن في بيت المال مال، أو كان وكان هناك ما هو أهم كسد الثغور و تجهيزالجيوش و نحو هذا فإنّ أهل الملك يستأجرونه»(1) وكان عليه أن يستثنى ما إذا طلبها الشركاء من الحاكم فإنّ ظاهر الطلب استعدادُ الطالبين لدفع ما يتوقّف عليه المطلوب.

ثمّ لو افترضنا أنّ واحداً من الشركاء طلب القسمة من الحاكم، فهل الأُجرة عليه أو على الجميع؟ ولم أقف على نصّ من الأصحاب في هذه الصورة، وإن قال المحقّق الرشتي: «بأنّ الأُجرة على الشركاء بلا خلاف محكيّ بين الأصحاب» وعليه أكثر فقهاء المذاهب الأربعة إلاّ أبا حنيفة فخصّها بالطالب قال الخرقي في مختصره:« وأُجرة القسمة بينهما وإن كان أحدهما الطالب لها. وبهذا قال أبو يوسف و محمّد والشافعي، وقال أبوحنيفة: هي على الطالب للقسمة لأنّها حقّ له. وقال ابن قدامه في شرحه على المختصر:« أنّ الأُجرة تجب بإفراز الأنصباء وهم فيها سواء فكانت الأُجرة عليهما كما لو تراضوا عليها».(2)

ويمكن الاستدلال على كونها على الجميع و إن طلبها واحد منهم، بانتفاع


1 . الطوسي، المبسوط: 8/135.
2 . ابن قدامة، المغني: 11/507.


(21)

الكلّ من التقسيم فتجب الأُجرة عليهم.

يلاحظ عليه: بأنّ الانتفاع لا يكفي في لزوم تحمّل الأُجرة بل يحتاج إلى ضمّ صدور الإذن أو الأمر وإلاّ فلا يضمن فلا.

فإن قلت: يجب على الشريك غير الطالب التعاون على الإفراز مباشرة أو تسبيباً وهذا يقتضي كون الأُجرة عليه أيضاً.

قلت: ما هو الثابت أنّه يجب عليه رفع اليد، وعدم إيجاد المانع أو المزاحم في طريق التقسيم وأمّا التعاون فلا.

ويؤيّد ما ذكرنا ما سيوافيك من الأصحاب في الصورة الثانية أي ما إذا كان القسّام مستأجراًحيث قالوا إنّه لو استأجره واحد منهم، تكون الأُجرة عليه، فما الفرق بين الاستئجار و الطلب من الحاكم فلو كان الانتفاع أو لزوم التعاون دليلاً على التقسيط في مورد طلب واحد من الحاكم، فليكن كذلك إذا استأجره واحد منهم، فيجب التقسيط مع أنّهم لميقولوا بذلك قطّ.

الصورة الثانية: إذا كان القسّام مستأجراً

إذا كان القسّام معيناً و مستأجراً من جانب الشركاء فلها صور:

1ـ إذا استأجره واحد منهم فالأُجرة عليه وإن كان الآخر أو الآخرون منتفعين بعمله، إذ ليس الانتفاع دليلاً على التقسيم مالم يكن هناك تصريح بها كما مرّ في الصورة المتقدّمة.

2ـ فإن استأجره الجميع دفعة واحدة في عقد واحد فالأُجرة عليهم حسب ما قررّوه من المساواة أو التفاوت، وإن أطلقوا كون الأُجرة عليهم من دون إشارة إلى التفاوت و المساواة، فالمشهور عندنا أنّها تحسب على حسب السهام لا الرؤوس خلافاً لأبي حنيفة: قال الشيخ :أُجرة القاسم على قدر الأنصباء دون الرؤوس وبه


(22)

قال أبو يوسف ومحمّد:قالاه استحساناً وبه قال الشافعي وقال أبوحنيفة:هي عليقدر الرؤوس. دليلنا انّا لوراعيناها على قدر الرؤوس ربّما أفضى إلى ذهاب المال لأنّ القرية يمكن أن يكون بينهما، لأحدهما عشر العشرة سهم من مائة سهم والباقي للآخر ويحتاج إلى أُجرة عشرة دنانير على قسمتها فيلزم من له الأقل، نصف العشرة(خمسة دينار) وربّما لا يساوي سهمه ديناراً فيذهبجميع الملك، وهذا ضرر والقسمة وضعتلإزالة الضرر فلايزال بضرر أعظم منه(1)وقوّاهفي المبسوط وقال: وإن استأجراه بعقد واحد وأُجرة واحدة ، كانت الأُجرة عند قوم مقسَّطة على الانصباء فإذا كان لأحدهما السدسُ والباقي للآخر كانت الأُجرة كذلك وقال آخرون : الأُجرة عليعدد الرؤوس لاعلى الأنصباء والأوّلأقوى عندنا .(2)

وجهه ـ مضافاً إلى ما ذكره الشيخ ـ أنّه يعدّ من مؤنة الملك فكانت حالها كحال المنفعة في توزيعها على مقدار الملكيّة ولا فرق بين المؤنة والمنفعة، فكما أنّ الثانية تُقَسّط على الحصص فهكذا الأُولى.

وهناك بيان آخر و هو أنّ صاحب النصيب الأوفر ينتفع بالقسمة أكثر من انتفاع صاحب النصيب الأقلّ حيث إنّ الخلوص من الشركة صفة تُحدِث مالية في الملك بالإفراز، فكلّ يدفع عوضَ ما حدث في ماله، وما حدث في مال صاحب النصيب الأكثر، أزيد ممّا حدث في مال صاحب النصيب الأقل فقد وصل إلى صاحب الثلثين ثلثا الانتفاع و لصاحب الثلث، ثلثه ، فلا محيص عن التقسيط نعم لو كان الانتفاع مساوياً و إن كانت الحصص مختلفة فالأقوى التساوي كما في قسمة الدهن الجيّد والرديّ إذا أخذ أحدهما مائة منّ من الجيدّ، و الآخر مائة و خمسين منّاً من الرديّ، وبما أنّ الانتفاع على وجه سواء فلا يعبأ بكثرة الحصص كما لا يخفى. ولعلّ إطلاق الأصحاب منصرف عن هذه الصورة.


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب القضاء ، المسألة 26.
2 . الطوسي، ، المبسوط: 8/135.


(23)

3ـ إذا استأجره كلّواحد بأُجرة معيّنة على وجه الترتّب فالظاهر من المحقّق صحّته حيث قال: «وإن استأجره كلّ واحد بأُجرة معيّنة فلا بحث» والظاهر منه الإيجار على وجه الترتّب بعقود، بشهادة قوله بعده و إن استأجروه في عقد واحد....

وربّما يورد على صحّة الإجارة الثانية بأنّه إذا كانوا اثنين فيعقد واحد لإفراز نصيبه، فعلى القسّام إفراز نصيبه و تمييز كلّ واحد منهما عن الآخر، لأنّ تميز نصيب المستأجِر لا يمكن إلاّبتميّز نصيب الآخر فإذا استأجره بعد ذلك، الآخرُ على تمييز نصيبه فقد استأجره على ما وجب عليه و أُستحقّ في ذمّته لغيره فلم يصحّ، وكذا لو كانوا ثلاثة، فعقد واحد لإفراز نصيبه ثمّ الثاني كذلك فعلى القسّام افرازالنصيبين فإذا ميّزها تميّز الثالث فإذا عقد الثالث بعد العقدين كان قد عقد على عمل مستحق في ذمّة الأجير لغيره.(1)

وحاصل الدليل أنّ الأُجرة في مقابل عمل مملوك للأجير، وليس غير تميّز مال الشريك الثاني شيئاً و هو ملك للشريك الأوّل الموجر.

وقال المحقّق الرشتي: إنّ تميّز حقّ الثاني يحصل بعين تميّز حقّ الأوّل،والمفروض أنّه مستحق على الأجير بمقتضى العقد الأوّل فالعقد الثاني يبقى بلا مورد لأنّ شرط صحّة الإجارة وقوعُها على عمل مملوك غير مستحقّ عليه ببعض أسباب الاستحقاق.

وربّما يقرّر الإشكال بأنّ تميّز حقّ الثاني واجب على الأجير مقدّمة لتميّز حقّ الأوّل، وأخذ الأُجرة على الواجب غير جائز.(2)

ولا يخفى أنّ التقرير الثاني ليس بمهم لما قرّر في محلّه من أنّ وجوب شيء لا يمنع من أخذ الأُجرة عليه وإنّما المانع أخذ الأُجرة بعمل ليس مملوكاً له بل استحقّه


1 . المسالك: 2/425.
2 . المحقق الرشتي، كتاب القضاء: 2/55.


(24)

الموجر الأوّل كما في التقرير الأوّل.

وأُجيب عن الإشكال بوجوه:

1ـ إنّ الإشكال مبني على أنّه يجوز استقلال بعض الشركاء باستئجار القسّام لإفراز نصيبه ولا سبيل عليه لأنّ إفراز نصيبه لا يمكن إلاّ بالتصرّف في نصيب الآخر تردّداً و تقديراً، ولا سبيل إليه إلاّ برضاهم.(1)

يلاحظ عليه : بأنّ الإفراز ربّما لا يتوقف على التردّد والتقدير، إذ ربّما يكون القسّام عارفاً بالمقسوم كعرفانه ابنه،لأنّه كان مستأجراً، أو عاملاً في الأرض إلى غير ذلك وعندئذ يكفي في صحّة التقسيم و نفوذه، رضا الشريك وهو مفروض الوجود ولا يتوقّف على العقد على سهمه كما لا يخفى.

2ـ ما أجاب به السيّد الطباطبائي من أنّه إذا اتّحد عنوان الإجارتين، لم تصحّ الثانية كأن يستأجره كلّ منهم على التقسيم ، وأمّا إذا كان العنوان متعدّداً، صحّ كلّ منهما و إن كان العمل واحداً كأن يستأجره الأوّل على تمييز حقّه من حقّ شريكه، والآخر أيضاً كذلك فإنّه لامانع منه وكذا الحال من كلّ ما كان من هذا القبيل، كأن يستأجره أحد للمشي إلى مكّة للحجّ و يستأجره الآخر للمشي إليه للخدمة هكذا.(2)

يلاحظ عليه: أنّ تعدّد العنوان إنّما يجدي إذا كان هناك عملان متمايزان، كما في المثالين المذكورين فإنّ المستأجر عليه هناك هو الزيارة والخدمة، والمشي مقدّمة ولو قام بهما بلا مشي لسقط أيضاً هذا بخلاف المقام فإنّ العنوانين يتحقّقان بعمل واحد،والإجارة الأُولى يتضمّن تحقّق العنوان الثاني شاء أم لم يشأ فيكون أخذه الأُجرة في مقابله أكل المال بالباطل، حيث أخذ منه الأُجرة ولم يدفع إليه شيئاً، وما دفع إليه من تمييز حقّه فإنّما هو من آثار الإجارة الأُولى.


1 . المحقق الرشتي، كتاب القضاء: 2/55.
2 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/219ـ 220.


(25)

وبما ذكرناه يظهر عدم صحّة النقض بما إذا آجر نفسه لبيع مال زيد و آجر ثانياً لشرائه منه لآخر فيأخذ الأُجرة من الطرفين، وذلك لأنّ القبول غير داخل في ماهية البيع وكأنّه آجر نفسه للإيجاب من جانب صاحب المال، والقبول من جانب المشتري.

3ـ إنّ العمل ينتفع به اثنان.

يلاحظ عليه : أنّ الانتفاع لا يُصحّح الإجارة الثانية و أقصى ما يقتضيه تقسيط الأُجرة الأُولى بينهما، لا تصحيح وقوع إجارتين على عمل واحد.

الثاني: في أحكام المقسوم

قال المحقق: إذا كان المقسوم مثليّاً وطلب الشريك القسمة، تجب على الآخر إجابته وإلاّ يجبر عليها .

توضيح ذلك: انّ المقسوم إمّا مثليّ أو قيميّ و الأوّل عبارة عمّا تتساوى أجزاؤه وصفاً وقيمة كالحبوب و الأراضي و بما أنّ الأواني و الأقمشة كانت عند القدماء من القيميات عُرّف المثلي بما عرفت و لما صارتا اليوم بفضل الحضارة الصناعية من المثليات يلزم عطف «أفراده» على «أجزائه » ليشمل التعريف عليهما فيصير المثلي ما تتساوى أجزاؤه أو أفراده وصفاً وقيمة، وأمّا الثاني أي القيميّ فسيأتي الكلام فيه في المستقبل. وعلى كلّ تقدير فقد أفتى المشهور بجواز الجبر على القسمة إذا لم يظهر الرضا.وإليك دراسة المسألة.

يمكن أن يقال: مقتضى القاعدة الأُولى هو اشتراط الرضا و عدم جواز الجبر لأنّ التقسيم يستلزم التصرف في سهم الشريك ولا أقلّ من إخراجه عن المشاع إلى الإفراز وهو لا ينفكّ عن مبادلة نصف كلّ جزء يقع في يد الطالب، مع نصف كلّ جزء يترك للشريك، وهو تصرّف في مال الغير بغير إذنه مع أنّه لا يحلّ


(26)

مال امرئ إلاّ بطيب نفسه.

واستدل القائل بالجواز مع عدم الرضا كالشيخ في المبسوط و المحقّق في الشرائع بقاعدة السلطنة قال الأوّل: «إذا لم تكن القسمة مضرّاً لواحد من الشركاء يُجبر الممتنع منهم عليها، لأنّ من كان له ملك، كان له أن يتسبّب إلى ما يفيده الانتفاع الكامل، والتصرّف التامّ فيه، فإذا أفرزه ملك الانتفاع بغراس و زرع و بناء ما شاء من غير توقف و لا منازع وإن كان حقّه مشاعاً لم يملك هذا .(1) وقال المحقّق: «يجبر الممتنع مع مطالبة الشريك بالقسمة لأنّ الإنسان له ولاية الانتفاع بماله والانفراد أكمل نفعاً».(2)

فإن قلت: إنّ قاعدة السلطنة قاصرة في المقام، لأنّ مفادها هو التسلّط على المال مع حفظ الموضوع أي المال المشاع، فمع حفظه، يجوزله التصرّف فيه كيفما شاء من بيع و هبة ووقف وغيره، وأمّا له السلطنة على قلب الموضوع وتبديله إلى الإفراز ، فلا تعمّه القاعدة.

قلت: الظاهر إنّ الموضوع هو المال و الإشاعة و الإفراز من طوارئ المال وعوارضه، فإذاً له التصرّف بإقامة طارئ مكان طارئ آخر.

وعلى هذا يقع التعارض بين الدليلين وكلاهما دليلان اجتهاديان، ولكن الحقّ كون المقام من مصاديق القاعدة الثانية، وذلك لأنّ المتبادر من التصرّف المتوقّف على حليّة المالك، هوالتصرّف بالإتلاف كالبيع والهبة والأكل والشرب. وأمّا إفراز سهمه عن سهم الشريك مع عدم تضرّره به، فلا يشمله النبوي الأوّل، وحقيقة الإفراز وإن كان لا ينفكّ عن مبادلة نصف ما أخذ، بنصف ما ترك، لكنّه تصرّف عقلي بل العرف يتلقاه تميز أحد الملكين عن الآخر، لا التصرّف في ملك الغير فعلى القول بانصراف النبوي الأوّل عن مثل هذا التصرّف يكون المقام من مصاديق قاعدة السلطنة.


1 . الطوسي، المبسوط: 8/135.
2 . الشرائع: 4/101.


(27)

وربّما يستدل على جواز الجبر على القسمة بقاعدة لا ضرر، فإنّ المنع عنها ضرر على الطالب وربّما يورد عليه، بأنّه منع عن حصول النفع الزائد ولو كان هنا ضرر فإنّما هو من لوازم كونه مشاعاً.

يلاحظ عليه: بأنّ الضرر من المفاهيم العرفية، ولا يشكّ فيمن راجع وجدانه، أو إلى العرف أنّه يُعَدُّ مثل هذا المنع و إيجاب إبقاء الشركة، حكماً ضررياًوكونه من لوازم كون ماله مشاعاً، ،لا يكون دليلاً على منعه من رفع هذا اللازم، فالضرر حدوثاً متوجّه إلى نفس المال وكونه مشاعاً، ولكنّه بقاءً متوجّه إلى الإلزام بإبقاء الشركة.

ثمّ إنّ القسمة لمّا كانت أصلاً برأسها، لا يجري فيها الربا المعاوضي فله أن يقسّم كيلاً ووزناً متساوياًو متفاضلاً، ربويّاً كان أم غيره لأنّ القسمة تميّز ملك لا بيع وعلى ذلك يجوز تقسيم الحنطة و الدهن وغيرهما متفاضلاً فيجعل طنّ من الحنطة الجيدة مقابل طنّ و نصف من غيرها ثمّ يقرع. ولا يضرّ التفاضل. وهذا من ثمرات كونها أمراً مستقلاً لا بيعاً في مورد العين وإجارة في مورد الانتفاع بها.

إذا كان المقسوم قيميّاً

إذا كان المقسوم قيميّاً وطلب أحد الشركاء القسمةَ فلها حالات ثلاث: إمّا أن يستضرّ الكلّ أو يستضرّ البعض أو لا يستضرّ أحدهم.

أمّا الأوّل: فلا يجبر الممتنع كالموجوهرات والطرق الضيّقة التي يتوقّف قسمتها على كسرها أو تضيق الطريق وكلاهما ضرر إلاّ إذا رضي الجميع فتجوز القسمة إلاّ إذا أدّت إلى عمل سفهي مخرِج للمقسوم عن الماليّة فلا يجوز لكونه تضييعاً للمال.

أمّا الثاني: فإن كان الملتمس هوالمتضرّر لقلّة نصيبه، أجبر من لا يتضرّر، على


(28)

القسمة، لانّ المانع هو الضرر، والمفروض رضا المتضرّر لكن بشرط أن لا تؤدّي القسمةُ إلى خروج المقسوم عن الماليّة لصيرورة التقسيم عندئذ سفهيّاً وأمّاإذا كان الملتمس غيره لم يجبر الآخر لقاعدة نفي الضرر والضرار.

ثمّ المراد من الضرر، هل هو عدم الانتفاع بالنصيب أصلاً بعد القسمة، أو عدم الانتفاع مثل ما ينتفع حال الشركة، كالدار الصغيرة بعد التقسيم، أو نقصان القيمة مطلقاً سواء كان فاحشاً أم لا أو على الوجه الفاحش وجوه أربعة، لا دليل على إناطة الحكم بالأُولى أي بلوغ الضرر إلى حدّ لا ينتفع بالمقسوم أصلاً كما لا وجه لكفاية مطلق النقصان فإنّ التقسيم ـ إلاّ إذا كان بالإفراز فقط ـ يورث النقصان ولو قليلاً فيدور الأمر بين الثاني و الرابع والظاهر هو الأخير، لأنّ الضرر لو كان غير فاحش لا يعدّ ضرراً في المال المشترك، لأنّ قبول الشركة في المال ، قبول لتواليها و منه الضرر المتولّد من التقسيم .

وأمّا الثالث: فالتقسيم جائز بل واجب إذا طلب أحد الشركاء.

الضابطة في جواز التقسيم

إنّ التقسيم لا ينفكّ عن أحد الأُمور الأربعة:

1ـ الضرر 2ـ الردّ 3ـ التعديل 4ـ الإفراز وحده

أمّا الأوّل فلا يجبر المتضرّر على التقسيم لما تبيّن من الدليل إلاّ إذا كان الطالب هو المتضرّر.

وأمّا الثاني بأن يكون مستلزماً للردّ فلا يُجبر لأنّ التقسيم هو إفراز المال و المفروض أنّه غير ممكن إلاّ بمعاوضة جديدة و هو فرع رضا الطرفين. وعلى هذا، ينقسم التقسيم إلى قسمين:

1ـ قسمةُ اجبار إذا لم يستلزم ضرراً و لا ردّاً.

2ـ قسمةُ تراض إذا استلزم أحدَهما.


(29)

وأمّا الثالث، أي تعديل السهام،فلا يشترط الرضا به، لأنّ القسمة لا تتحقق إلاّ بالتعديل ففيما إذا ساوى ألف متر من الأرض، من حيث القيمة مع ألف و خمسمائة متر منها، فلا محيص عن التعديل وأمّا الرابع فهو أسهل صور التقسيم الذي لا يطلب شرطاً سوى طلب واحد من الشركاء، القسمة فظهر أنّ التقسيم المستلزم للضرر والردّ، يحتاج إلى الرضا دون التقسيم المتوقّف على التعديل و الإفراز.

هذا هو المستفاد من كلام المحقّق وشرّاح كلامه ولكن الحقّ أنّ الثلاثة الأخيرة (الردّ ، والتعديل، والإفراز) على وزان واحد، فكما أنّ الأخيرين لا يطلبان سوى رضا الطالب وهكذا الردّ ، لانّه ليس معاملة جديدة بل عمل إعدادي لجعل غير المرغوب، عدلاً للمرغوب ، حتّى يتحقق التقسيم ، بحيث لولا ذلك لامتنع التقسيم العدْل وبالجملة كما أنّ التعديل ليس عملاً زائداً على التقسيم و إنّما هو تمهيد لكون المتاع قابلاً للقسمة فهكذا الردّ ليس عملاً ز ائداً على التقسيم، بل عمل إعدادي لورود التقسيم على المتاع، فهوجزء من القسمة بوجه دقيق لا شيء زائد عليها. وسيعود المحقّق ـ قدس سره ـ إلى الموضوع في نهاية المطاف.

إذا سألا القسمة ولهما بيّنة بالملك أو يد عليه

إذا كان لرجلين بيّنة على أنّ العين ملكهما و قالا للحاكم قسّم بيننا قسّمه بلا خلاف و إن لمتكن لهما بيّنة وكان لهما يد عليها يقسّم لأنّ اليد أمارة الملك، كما قرر في محلّه ولا خلاف بيّناً، إنّما الاختلاف بين فقهاء أهل السنة فإنّ الشيخ في الخلاف بعد الإفتاء بجواز القسمة قال:و به قال أبويوسف و محمّد، وسواء كان ذلك ممّا ينقل و يحوَّل، أو لا يحول ولا ينقل و سواء قالا هو ملكهما، إرثاً أو غير إرث و للشافعي فيه قولان أحدهما مثلما قلناه و هو أصحهما عنده والثاني لا يقسّم بينهما وقال أبوحنيفة: إن كان بما ينقل ويقول قسّمه بينهما و إن كان ممّا لا ينقل نظرت فان قالا: هو ميراث بيننا لميُقسّم وإن قالا غير ميراث قسّم بينها.(1)

ولا يذهب أنّ التفصيل المنقول عن أبي حنيفة لا يعتمد على دليل و الأمر دائر بين الجواز وعدمه وقد عرفت أنّ الأقوى هوالجواز.


1 . الطوسي، الخلاف :3، كتاب القضاء، المسألة30.


(30)

الثالث: في كيفية القسمة

إنّ المقسوم لا يخلو من أحوال وقد ذكر المحقّق في المقام صوراً أربع:

الأُولى: ما إذا كانت السهام متساوية قدراً و قيمة.

الثانية: ما إذا كانت السهام متساوية قدراً لا قيمة.

الثالثة: ما إذا كانت السهام متساوية قيمة لا قدراً.

الرابعة: ما إذا اختلفت السهام قدراً و قيمة.

ثمّ بيّن كيفية التقسيم في جميع الصور و نحن نذكرها بشرح موجز ربّما يكون مُعِيناً لحلّ بعض الأغلاق الموجود في عبارة الشرائع.

الصورة الأُولى: إذا تساوت السهام قدراً و قيمة كأرض بمقدار ألف متر، قيمة كلّ متر دينار، وهي مشتركة بين اثنين حصّة كلّ واحد منهما خمسمائة متر، وقيمة كلّ حصة خمسمائة ، فهذا لا يحتاج إلى التعديل لأنّها معدّلة بذاتها وهي قسمة الإفراز وحده و بالجملة إذا كانت الأرض متساوية قدراً وقيمة ومشتركة بين الاثنين بالمناصفة يقسّمه القاسم إلى قسمين ويخرج سهم كلّ شريك بإحدى الطريقتين التاليتين:

أ: الإخراج على الأسماء: والمراد من الإخراج على الأسماء في المقام هو أن يكتب كلّ نصيب في رقعة كالشمالية والجنوبية ويحدّد كلّ منهما بما يميّزه عن الآخر من انّه محدَّد بدارِ فلان أو شارع خاص أو غير ذلك. ثمّ يجعل ذلك في ساتر


(31)

كالشمع و الطين ويأمر من لم يطلع على الصورة كالأجنبي أو الصبي أو نفس أحد المتقاسمين أن يخرج أحد النصيبين باسم أحد المتقاسمين كأن يقول القاسم أخرج الرقعة باسم زيد، فإذا خرج و كان الخارج هو الشمالية يتملّكها زيد و تصير الأُخرى لعمرو بلا حاجة إلى إخراج الرقعة الثانية لأنّ الحقّ منحصر بينهما، فإذا خرجت إحدى الرقعتين باسم أحدهما تتعين الأُخرى للشريك الآخر.

ب: الإخراج على السهام : والمراد منه في المقام أن يكتب اسم كلّ شريك منها في رقعة كأن يكتب زيد وعمرو ويصونهما من الرؤية ثمّ يأمر بالأجنبي أو الصبي أن يُخرِجَ اسمَ أحد الشريكين على سهم من السهمين كأن يقول القاسم أخرج القرعة لهذا الجانب كالجنوبية، فمن خرج اسمه على سهم من السهمين فله ذلك السهم و يتعيّن السهم الآخر للشريك الآخر.

فقد علم من ذلك أنّ الإخراجَ على الأسماء يهدف إلى كتابة السهام في رُقَع معيّنة ثمّ إخراجها على اسم واحد من الشركاء، كما أنّ الإخراج على السهام يهدف إلى كتابة اسم الشريكين و إخراج واحد من الرقعتين على السهم الذي عيّنه القاسم.

الصورة الثانية: إذا تساوت السهام قدراً لا قيمة، فبما أنّ التعديل في القيمة ربّما يتوقف على محاسبة مائة متر، سهماًو محاسبة مائة و خمسين متراً، سهماً ثانياً، لا محيص عن إلغاء القدر و يكون المحور في تسهيم السهام، هوحفظ القيمة. وإلاّلم تتحقق القسمة ولذلك ربّما يكون الثلثان من الأرض مساوياً للثلث منها في القيمة، فإذا كانت الشركة قائمة باثنين، فتارة يخرج السهام على الأسماء أي يكتب كلّ سهم بمشخّصاته الخارجية من كونه جنوبياً أو شمالياً أو متّصلاً بدار أو شارع في رقع و يؤمر من لم يكن واقفاً على الحقيقة أن يُخرج أحد السهمين على اسم أحد الشركاء ، فإذا خرج واحد منهما باسم زيد يتعين الثاني للآخر، وأُخرى يخرج اسم أحد الشريكين على السهام والمراد منه كتابة اسم كلّ شريك في رقعة و صيانتهما


(32)

عن الرؤية ثمّ يؤمر بمن لم يقف على الواقع أن يخرج واحداً من الاسمين على واحد معيّن من السهمين كالجنوبية التي يعينها القاسم قبل إخراج القرعة ويقول الجنوبية لمن يخرج اسمه عن طريق القرعة.

وبالجملة تارة تكتب السهام و تجعل في الكيس وتخرج على اسم الشركاء، وأُخرى تكتب أسماء الشركاء و تجعل في الكيس و يخرج على السهام ويقال على الأوّل إخراج السهام على الشركاء ،وعلى الثاني، إخراج الأسماء على السهام و التميّز بين القسمين مربوط بالمكتوب فإن كتب السهام، فيخرج على الأسماء غير المكتوبة، وإن كتبت الأسماء، فيخرج على السهام غير المكتوبة.

الصورة الثالثة: إذا تساوت السهام قيمة لا قدراً، مثل أن يكون لواحد النصف و للآخر الثلث (1)، وللآخر السدس، وبما أنّ القيمة متساوية فلا تحتاج إلى التعديل من حيث القيمة وإنّما تحتاج إلى التعديل من حيث القدر ولذلك يبدأ بالأعمال التالية:

1ـ يسوّي السهام على أقلّهم نصيباً فيجعل في المال سدساً كما يجعل فيه ثلثاً ونصفاً.

2ـ إذا أردنا أن نكتب أسماء الشركاء، فهناك احتمالان، أحدهما أن يكتب اسم كلّ شريك مرّة واحدة، كزيد صاحب النصف مرّة، وعمرو صاحب الثلث مرّة أُخرى، ومثله «بكر »صاحب السدس.

و ربّما يقال إنّه يكتب عدد الشركاء حسب عدد سهامهم فصاحب النصف يكتب ثلاث مرات، وصاحب الثلث يكتب مرّتين، لأنّه إذا كتب مرّات كان خروج رقعته أسرع، وإذا كتب مرّة يكون كصاحب السدس.

يلاحظ عليه : أنّه لا حاجة إليه، لأنّه إذا خرج اسم زيد مرّة واحدة يدفع


1 . وقد سقطت كلمة الثلث من كتاب الشرائع المطبوع أخيراً في أربعة أجزاء.


(33)

إليه السهمين الأخيرين مرّة واحدة من دون حاجة إلى خروج اسمه ثانياً وثالثاً ولذلك يكون التكرار لغواً و كلفة.

وعلى ذلك يكتب اسم كلّ شريك في رقعة و تكون مستورة عن المُخرِج ثمّ يؤمر بالإخراج فإن خرج اسم زيد تدفع إليه السهام الثلاث من أوّلها ، ثمّ إذا خرج اسم عمرو يدفع إليه الرابع والخامس ويتعيّن السادس لصاحب السدس، ولو خرج اسم عمرو أوّلاً ثمّ زيد ثانياً يتعيّن السهمان الأوّلان لعمرو ويكون الثالث والرابع والخامس لزيد ويتعيّن السادس، لبكر ولوخرج اسم بكر يأخذ السهم الأوّل وتتوقف كيفية تملك السهام الباقية على كيفية الخروج فإن خرج اسم زيد فهو وإلاّ فيتملّكه عمرو.

هذا هوالذي ذكره المحقق مبسوطاً ولا سترة فيه ولكن الكلام في الشق الذي نفاه وهو كتابة السهام وإخراجها على الأسماء حيث منع منه مخافة أن يؤدّي إلى تفرّق السهام وهو ضرر، توضيحه:

إنّ السهام في هذا المقام مؤثرة و معلّمة، فبما أنّ عدد السهام ستّة يكون في الكيس ستّة سهام كلّ معلم بالأرقام التالية 1،2، 3، 4، 5، 6، فإذا خرج السهم الأوّل لزيد أيضاً فإن خرج الثاني و الثالث له لا يؤدي إلى التفرّق في السهام وهذا بخلاف ما إذا خرجت السهم الثاني والرابع والخامس فإنّه يؤدي إلى التفرّق فيها ، وهكذا الأمر إذا خرج السهام لعمرو فإن خرج به الأوّل والثاني أو الثالث و الرابع فلا يؤدّي إلى التفريق، وهذا بخلاف ما إذا خرج باسمه في المرّة الأُولى الرابع و في المرة الثانية السادس.

والفرق بين هذه الصورة والصورتين الأُولتين حيث يجري فيهما كلا الأمرين دون المقام هواتّحاد الأُولى والثانية من حيث القدر فلا يحتاج في تخصيص الحصص إلى ذكر السهام معدّداً بل يكفي ذكرهما بصورة «السهمالجنوبي» أو «الشمالي»، بخلاف المقام فإنّ الاختلاف في القدر أوجب ذكر أرقام السهام واحداً بعد الآخر


(34)

مميّزاً.

والحاصل أنّ الذي يمكن في المقام هو أن يكتب أسماء الشركاء على الرقاع ثمّ يخرج كلّ اسم على السهام المحدّدة، ولا يمكن أن تكتب السهام في الرقاع ثمّ يخرج على أسماء الشركاء لكونه ربّما يؤدي إلى تفرّق السهام.

ومع ذلك يمكن كتابة السهام و إخراجها على الشركاء بوجه آخر، وهي الاكتفاء بثلاث حسب أنصباءهم حال التقسيم فيكتب^، [ و&!، فلو خرج الأوّل، دفع إلى صاحبه من السهام المترتبة أوّلها، أو من آخرها و لو خرج الثاني، يدفع إلى صاحبه كذلك وهكذا الثالث ولا يلزم التفكيك.

وليعلم أنّ المقارعة أمر عقلائي وهم أعرف بأعمالهم ولعلّ لهم في المقام صورة أو صوراً أُخرى لم يذكرها المحقّق ولا دليل على اعتبار صورة خاصة كما لا دليل على بعض ما ذكره المحقق في كيفية الإقراع.

الصورة الرابعة: إذا اختلفت السهام والقيمة، عُدّلت السهام تقويماً ومُيّزت على قدر سهم أقلّهم نصيباً و أقرع عليها. وفي الحقيقة هذا القسم يتركّب من الخصوصيتين ، إحداهما من الصورة الثانية وهو الاختلاف في القيمة، وثانيتهما من الثالثة وهو الاختلاف في القدر، فيجري فيه حكم القسمين، فتعديل السهام حسب القيم، من خصوصيات الصورة الثانية لكن كانت السهام فيها متساوية من حيث المقدار دون المقام، وإخراج أسماء الشركاء على السهام من خصوصيات الصورة الثالثة و يخرج الأسماء على السهام لئلاّ يؤدّي إلى التفرّق في السهام على النحو الذي سمعته عند البحث في الصورة الثالثة.

في قسمة الردّ و قسمة التعديل

قد عرفت أنّ القسمة تتحقق إمّا بالإفراز وحده وأُخرى بالتعديل ، وثالثة بالردّ، ورابعة بالضرر، وقد تبيّن حكم القسم الرابع وأنّه لا يجبر عليها فيه، كما أنّه


(35)

يجبر عليها في الأوّل، إنّما الكلام في القسمة المشتملة على التعديل أي تعديل السهام بالزيادة والنقصان حتّى يسوي السهام حسب القيمة لأجل وجود المرغوبية في موضع دون موضع، والقسمة المشتملة على الردّ كالأرض المنقسمة إلى ما فيها شجر و ما ليس فيها شجر، مع تساوي أرضهما وقد قدّمنا الكلام فيه سابقاً تبعاً وقلنا بجواز الإجبار، ولكن المحقق عاد إلى البحث عنهما في المقام وقال:

أمّا لو كانت قسمة ردّ و هي المفتقرة إلى ردّ في مقابلة بناء أو شجر أو بئر فلا تصحّ القسمة فيه ما لم يتراضيا جميعاً لما يتضمّن من الضميمة التي لا تستقرّ إلاّ بالتراضي.

وإنّما الكلام فيما إذا اتّفقا على الردّ و عدّلت السهام فهل تلزم بنفس القرعة قيل لا يلزم لأنّها تتضمّن معاوضة ولايعلم كلّ واحد من يحصل له العوض فيفتقر إلى الرضا بعد العلم بما ميّزته القرعة.

يلاحظ عليه: أمّا قسمة الردّ فقد تقدّم منّا أنّ الردّ ليس معاوضة جديدة بل هو لتعديل السهام فكما أنّ التعديل في الأراضي بجعل ثلث الأرض سهماً والثلثين سهماً آخر لا يعدّ أمراً جديداً بل تمهيداً للتقسيم فهكذا الردّ فإذا انحصر التقسيم بالردّ فالحقّ جواز الإجبار .

ثمّ إذااتّفقا على الردّ وعدّلت السهام فلا شكّ أنّ القرعة مُلزمة لأنّها حسب ما يستفاد من الروايات المتضافرة من أنّ من أصابته القرعة فهي له فإذا أصاب زيداًفمعنى ذلك أنّ حقّه يتعيّن فيما أصاب ولا معنى للزوم رضاً جديد. بعد كون القرعة مبنياً على الشرط السابق.

مسائل ثلاث

لو كان لدار علو و سفل فطلب أحد الشريكين قسمتَها فلها أقسام:

الأُولى: أن يطلب التقسيمَ على أن يكون لكلّ واحد منهما نصيب من العِلو


(36)

والسفل بموجب التعديل كالبنايات التي لكلّ طابق منها، شقّتان أو عدة شقق فيجبر الممتنع مع انتفاء الضرر إذ التقسيم تقسيم بالإفراز لكنّه مشروط بعدم نقصان أبعاض العلْو و السفْل بالتقسيم لسعتهما كثيراً.

2ـ أن يطلب انفراده بالسفل أو العلو فلا يجبر الممتنع إذ مضافاً ـ إلى أنّه يتوقّف على معاوضة سهمه في السفل بسهمه في العلو ـ يستلزم حرمان السفل من الهواء، والعلو من القرار، فمع إمكان الطريق الأوّل، لا تصل النوبة إلى الطريق الثاني، و ربّما يتصوّر أنّ وجه تقديم الأوّل على الثاني أنّ التقسيم على الأوّل إفرازي و على الثاني تعديلي، ومع إمكان الأوّل لا تصل النوبة إلى الثاني.

يلاحظ عليه : أنّ المحقق ذكر في صورة المسألة قوله: «بموجب التعديل» فكلتاهما لا تخلوان عن التعديل بل الوجه هو أنّ الشريك ربّما لا يرضى بمعاوضة سهمه في العلو بسهمه في السفل نعم لو امتنع التقسيم على الوجه الأوّل كما إذا كان لكلّ طابق شقّة واحدة ينحصر التقسيم على الوجه الثاني.

3ـ أن يطلب تقسيم كلّ من السفل والعلو انفراداً والفرق بينه و بين الأوّل أنّ التقسيم هناك كان على حسب المجموع فربّما يتوقّف على التعديل بخلافها في المقام، لأنّه يلاحظ كلّ من السفل والعلو على حدّة، فلا يجبر لأنّه ليس العلو و السفل كالبيتين المتجاورين حتّى يقسم كلّ على حده.

4ـ لو طلب قسمة واحد منها، لا كلّ واحد منهما لم يجبر لأنّ الهدف من القسمة ، التمييز و إزالة الشركة وهي بعدُ باقية، أضف إلى ذلك أنّه ربّما يؤدي في المستقبل أن يكون العلو من جانب، والسفل من جانب آخر لواحد وعكسه لواحد آخر وهو يحتاج إلى تراض وليس هو قسمة رائجة بين العقلاء.

واعلم أنّ الكلام في هذه الصور في جواز الإجبار وعدمه، لا القسمة مع التراضي وإلاّ تجوز القسمة في الجميع.

الثانية: لو كان بينهما أرض و زرع فطلب قسمة الأرض فقط أجبر الممتنع ،


(37)

لأنّ الزرع كالمتاع في الدار يحاسب كلّ مستقلاً.

ولو طلب قسمة الزرع. نقل المحقق عن الشيخ أنّه قال: لو طلب قسمة الزرع وحده لم يجبر الآخر عليه، لأنّ تعديل الزرع بالسهام غير ممكن.

أقول: إنّ الشيخ ذكر للمسألة صوراً ثلاث و قد ذكر منها المحقق صورتين ولم يذكر الثالثة و إليك كلامه بشكل موجز:

فإن طلب قسمة الأرض دون غيرها أجبرنا الآخر عليها على أيّ صفة كان الزرع حبّاً أو قصيلاً أو سنبلاً قد اشتدّ لأنّ الزرع في الأرض كالمتاع في الدار.

وإن طلب قسمة الزرع وحده لم يجبر الآخر عليه لأنّ تعديل الزرع بالسهام لا يمكن.

وإن طلب قسمتها مع زرعها لم يخل الزرع من أحوال ثلاثة: حبّاً مستتراً أو قصيلاً، أو زرعاً اشتدّ سنبله وقوى حبّه.(1)

ترى أنّ الأحوال الثلاثة ذكرها الشيخ في الصورة الثالثة دون الثانية ولكن ذكرها المحقّق في الثانية.(2)

وعلى كلّ تقدير: فالزرع غير مانع من تقسيم الأرض كما أفاده الشيخ فيجبر، إنّما الإشكال في تقسيم الزرع منفكاً عن الأرض فقال الشيخ :لا يجبر لأنّ تعديل الزرع بالسهام لا يمكن.

والحقّ التفصيل بين ماكان مستوراً فلا يُقسم لجهالته، وما إذا كان ظاهراً من غير فرق بين كونه قصيلاً أو سنبلاً اشتدّت حبّته ، غاية الأمر يقسّم بالتعديل لو احتاج إليه.

الثالثة: لو كان بينهما قرحان متعدّدة كالدور أو الأراضي أو البساتين المتعدّدة.


1 . الطوسي، المبسوط: 8/141.
2 . الشرائع: 4/104.


(38)

قال الشيخ: و متى كان لهما ملك أقرحة، كلّ قراح منفرد عن صاحبه، ولكلّ واحد منهما طريق ينفرد به، فطلب أحدهما قسمةَ كلّ قراح على حدّته وقال الآخر لا بل بعضها في بعض كالقراح الواحد قسّمنا كلّ قراح على حدّته ولم يُقسَّم بعضها في بعض سواء كان الجنس واحداً مثل إن كان الكلّ نخلاً أو الكلّ كرماً، أو أجناساً مختلفة، الباب واحد، وسواء كانت متجاورة أو متفرّقة و كذلك الدور والمنازل.(1)

والحاصل أنّه إذا طلب بصورة القسمة الإفرازية، كأن يقسّم كلّ بانفراده، فيجبر و إن طلب بصورة التبديل وجعل بعضها في مقابل فلا و ذلك لأنّها أملاك متعدّدة لكلّ حكمه.

وذهب صاحب الجواهر إلى جواز الإجبار قائلاً بأنّ قاعدة وجوب إيصال الحقّ إلى مستحقّه مع التمكّن منه وعدم الضرر تقتضي الإجبار.

إنّ ما ذكره صاحب الجواهر لو صحّ فإنّما يصحّّ إذاكانت الأقرحة متجاورة و إن كانت الطريق أو سند المالكيّة متعدّدة ، وأمّا إذا كانت متباعدة فلا، ثمّ إنّ الاكتفاء بعدم الضرر إذاكانت متجاورة في جواز الإجبار لا يخلو من كلام لأنّ الشريك لا تطيب نفسه بالمبادلة، أي بمبادلة سهمه في ذلك البستان، مع سهمه في بستان آخر، ومرجع ذلك إلى تقديم القسمة الإفرازية على القسمة التعديلية. اللّهمّ إلاّإذا كانت القسمة على الصورة الإفرازية مضرّة لأجل كون الأرض صغيرة.

نعم لو لم تمكّن القسمة على النحو الأوّل كالدواب والثياب فيتعيّن النحو الثاني.

ثمّ إنّ الأرض تقسّم قسمة إفرازية وإن اختلفت أشجار أقطاعه كالدار الواسعة إذا اختلفت أبنيتها لأنّ الأصل هو الملك والأشجار والأبنية توابع لكنّه تعدل السهام بالتعديل أو بردّ شيء.


1 . الطوسي، المبسوط: 8/144.


(39)

الرابع: في اللواحق وهي ثلاث

الأُولى: إذا ادّعى بعد القسمة الغلط عليه

قال الشيخ : إذا ادّعى أحد المتقاسمين أنّه غَلط عليه في القسمة فإن كانت قسمة إجبار و قد نصب الحاكم قاسماً يُقسّم بينهما لم يقبل دعواه، لأنّ القاسم أمين أوّلاً ولأنّ الظاهر أنّها وقعت على الصحّة فلا يقبل قول من ادّعى الفساد. (1)

انّ مقتضى القاعدة هو توجّه اليمين على من أنكر مالم يقم المدّعي البيّنة فإذا أقام، يحكم بفساد القسمة، إنّما الكلام في كيفية حلفه فهل يحلف على الوجه البتّي، أو يحلف على عدم العلم؟ قد تقدّم منّا أنّ كيفيّة الحلف تتبع كيفية الادّعاء فإن ادّعي عليه العلم بالغلط، يحلف على عدمه، وله أن يحلف حلفاً بتّياً إذا كان عالماً واقعاً بعدم الغلط إذا كان الحالف هوالقاسم لأنّ الإنسان على فعله بصيرة ولو استحلف الشريك فهو تارة يحلف على النحو البتّي ، وأُخرى على نحو عدم العلم حسب ما ادّعى عليه.

الثانية: إذا ظهر البعض مستحقّاً للغير بعد التقسيم

وقد ذكره الشيخ في المبسوط بتفصيل و لخّصه المحقّق في أربع صور:

1ـ إذا اقتسما ثمّ ظهر البعض مستحقّاً للغير في أحد الطرفين دون الآخر كما إذا اقتسما عشرة كتب على أنّ خمسة منها لهذا وخمسة أُخرى لذاك فظهر أحد الكتب مستحقّاً للغير فصار لواحد أربعة كتب وللآخر، خمسة قال المحقق: بطلت القسمة معلّلاً ببقاء الشركة في النصيب الآخر وقال الشيخ :فإن كان معيّناً نظرت فإن حصل في سهم أحدهما بطلت القسمة لأنّ الإشاعة عادت إلى حقّ شريكه وذلك لأنّ القسمة تراد لإفراز حقّه عن حقّ شريكه فإذا كان بعض ما حصل له مستحقّاً للغير كان حقّه باقياً في حقّ شريكه.(2)


1 . الطوسي، المبسوط: 8/141ـ142.
2 . الطوسي، المبسوط: 8/141ـ142.


(40)

يلاحظ عليه: أنّ للمسألة صورتين يوجب ظهوره مستحقّاً للغير في احداهما بطلان التقسيم من رأس، و أُخرى يوجب البطلان في المقدار الخاص و ذلك لأنّه إذا بان ما في يد الآخر كلّه مستحقاً للغير، فتبطل القسمة ويعود ما في يد الآخر مشاعاً و أمّا إذا بان شيء ممّا في يد أحد الشريكين مستحقّاً للغير، كالكتاب الخامس مثل الشرائع، فتبطل بمقدار قيمته فيكون ذاك الشريك سهيماً لما في يد الآخر بمقدار قيمة ما ظهر مستحقّاً للغير فلو كان قيمة كلّ الخمسة ألفاً، وكان قيمة الشرائع مائتين يكون شريكاً لما في يد الآخر، بمقدار الخمس فيحتاج إلى التقسيم الثاني بالنسبة إليه أخماساً، فالحكم بإبطال القسمة من رأس يحتاج إلى دليل بعد وقوعه صحيحاً، والحاصل أنّ كلّ ما كان المقسوم من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين، لا يحكم ببطلان القسمة من رأس وإنّما تبطل بمقدار ما علم فيكون سهيماً بهذا القدر.

2ـ إذا ظهر الاستحقاق في كلا النصيبين بالسوية قال الشيخ: وإن كانا فيها سواء من غير فضل، أخذا لمستحق حقّه و ينصرف و كانت القسمة في قدر الملك الصحيح صحيحة لأنّ القسمة لإفراز الحقّ و قد أفرز كلّ واحد منهما حقّه عن شريكه.(1) وقال المحقّق: لم تبطل لأنّ فائدة القسمة باقية و هو إفراد كلّ واحد من الحقّين.

وفي الجواهر: نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحدث نقصاً في حصّة أحدهما خاصّة بأخذه ولم يظهر به تفاوت بين الحصّتين مثل أن يسدّ طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه فإنّ القسمة حينئذ باطلة لبطلان التعديل. (2) نعم يصحّّ التقسيم إذا كان المقسوم كالكتب.

3ـ لو كان المستحق نصيبهما معاً لكن لا بالسوية بطلت القسمة لتحقّق الشركة وإلى ذلك ينظر الشيخ لقوله :فإن وقع المستحق في نصيبهما معاً نظرت فإن


1 . الطوسي، المبسوط: 8/142.
2 . النجفي: الجواهر:40/365.


(41)

وقع منه مع أحدهما أكثر ممّا وقع مع الآخر بطلت القسمة لما مضى(1) لبطلان التعديل.

4ـ هذا إذا كان المال المستحقّ للغير معيّناً و أمّا إذا كان مشاعاً فيهما. قال الشيخ :هذا إذا كان المستحق معيّناً وأمّا إن كان مشاعاً في الكلّ بطلت في قدر المستحقّ ولم تبطل فيما بقى، و قال قوم تبطل فيما بقي أيضاً والأوّل مذهبنا و الثاني أيضاً قويّ لأنّ القسمة تمييز حقّ كلّ واحد منهما عن صاحبه وقد بان أنّه على الإشاعة.(2) ووصفه المحقّق بأنّه الأشبه، وهوالحقّ لأنّ التقسيم كان بلا إذن الشريك ، فيحتاج إلى تقسيم ثلاثي.

ومع ذلك ففي القول ببطلان التقسيم مطلقاً نظر كما إذا كان التقسيم الثنائي، لا يزيد شيئاً على التقسيم الأوّل كما إذا مات الرجل وترك ابناً و زوجة فللزوجة الثمن و للابن الباقي ثمّ ظهرت زوجة أُخرى له فهي تكون شريكه لها في الثمن من غير فرق بين تجديد التقسيم أو إبقائه، ومثله ما إذا ظهر ابن آخر له فهو يكون شريكاً لأخيه بالمناصفة و الأحوط تنفيذ التقسيم من جانب الثالث.

الثالثة: لو قسّمت الورثةُ تركة ثمّ ظهر على الميّت دين قال المحقّق: فإن قام الورثة بالدين لم تبطل القسمة، وإن امتنعوا نُقضت و قضي منها الدين .(3)

قد حقّق في محلّه أنّ الدين لا يتعلّق بالعين ولا يكون الداين شريكاً للورثة في غير المستوعب ولا مالكاً للتركة في المستوعب منه، بل الدين على ذمّة الميّت والتركة ملك لهم لكنّها كالعين المرهونة فلو قضت الورثة، الدين، تنفك عن الرهن وإلاّ فللداين، استيفاء دينه من التركة كالمرتهن، وعلى ذلك لا تبطل القسمة مطلقاً. نعم إذا كان الدين مستوعباً وامتنعت الورثة من أداء الدين يرجع إلى أخذ جميعها و يكون التقسيم بلا أثر.


1 . الطوسي، المبسوط: 8/142.
2 . الطوسي، المبسوط: 8/142.
3 . نجم الدين الحلي:الشرائع: 4/105.


(42)

النظر الرابع
في أحكام الدعاوي

وفيه: مقدمة، و مقاصد

أمّا المقدمة: فتشتمل على فصلين:

الفصل الأوّل

في تمييز المدّعي عن المنكر

لمّا وقع عنوان المدّعي أو المدّعى عليه أو « من أنكر» أو ما يقرب منها موضوعاً لأحكام شرعية في النصوص يجب على القاضي التعرّف عليها و لأجل ذلك حاول الفقهاء تعريفها بوجوه والمهم تعريف المدّعي إذ بالتعرّف عليه يعرف المنكر و قد عرّف بوجوه:

1ـ المدّعي: من لو تَرك تُرِك.

2ـ المدّعي: من خالف قولُه الظاهرَ.

3ـ المدّعي: من خالَف قولُه الأصل.

4ـ المدّعي: من يدّعي أمراً خفياً.

5ـ المدّعي: من تُطلَبْ منه البيّنة.

إنّ هذه التعاريف لو كانت تعاريف حقيقية لا تخلو أكثرها من إشكال.

أمّا الأوّل: أعني «من لو تَرك تُرِك» فلا ينطبق على الدعوى الثانية الناشئة من الدعوى الأُولى، فلو ادّعى رجل ديناً على ذمّة رجل، فقال الثاني: قضيتُ


(43)

ديني، فإنّه مدّع بالنسبة إلى قضاء الدين مع أنّه لو ترك لم يترك . و يمكن أن يقال: إنّ المعرَّف هو المدّعي المنشئ للدعوى ابتداءً وأمّا دعوى الخروج عن عهدة الدين فليس داخلاً في المعرّف وإنّما هو من لوازم الدعوى الأُولى، نظير دعوى الاعسار والوفاء و ردّ المغصوب والوديعة و نحوهما ممّا لا يترك الشخص عن المطالبة بالحق لو ترك.

وأمّا الثاني: فالظاهر أنّ من جعل موافقة الظاهر و مخالفته ملاكاً لتمييز المنكر عن المدّعي، انتقل إلى هذه الضابطة بمشاهدته في الفقه موارد قُبل فيها قول من يوافق الظاهر مع يمينه كالأمين مطلقاًمثل الودعي فتصوّر أنّ ذلك لأجل كونه منكراً، فيكون مقابله مدّعياً مع أنّه لا مانع من جعله مدّعياً ومقبولاً قوله مع اليمين لورود النصّ عليه وقد مرّ مواضع يقبل فيها قول المدّعي مع اليمين.

و على كلّ تقدير فهل المراد من الثالث أصالة البراءة ، أو الأصل الموجود في نفس المال كأصالة الصحّة إذا كان أحدالطرفين يدّعي الصحّة و الآخر الفساد أو الأعمّ منه ومن الأمارات المعتبرة كاليد. تظهر الحال فيه فيما يأتي.

ثمّ إنّ المشكلة هو عدم التساوي بين الثاني و الثالث، في الصدق إذ يلزم على أحدهما كون الرجل مدّعياً و على الآخر كونه منكراً و إليك بيان ذلك:

1ـ لو أسلما قبل الدخول فادّعى الزوج التقارن ، فالنكاح باق و ادّعت الزوجة التعاقبَ فالنكاح منفسخ فلو كان الملاك للتمييز هو الموافقة و المخالفة للظاهر فالرجل هو المدّعي لأنّ قوله مخالف للظاهر لبعد التقارن و شيوع التعاقب و المرأة هي المنكرة لموافقة قولها مع الظاهر و أمّا لو كان الملاك هو الموافقة والمخالفة مع الأصل فالمرأة هي المدّعية لادّعائها الانفساخ المخالف للأصل و الرجل هو المنكر.

2ـ لو ادّعى الزوج الانفاق مع عيشهما في بيت واحد مع يسار الرجل و أنكرته فلو كان الملاك هو مخالفة الأصل فالرجل هو المدّعي لأنّ الأصل عدم


(44)

الانفاق ولو كان الظاهر هو الملاك ، فالمرأة هي المدّعية لكون قولها مخالفة للظاهر لأنّ العيش في بيت مع اليسار يوجب الظنّ بالانفاق.

3ـ لو ادّعى الزوج بعد الخلوة ، عدم الدخول فلو كان الأصل هوالملاك فالمرأة هي المدّعية لأنّ الأصل عدم الدخول ولو كان الملاك هو الظاهر فالمدّعي هو الرجل لكون الخلوة غير منفكّة عن الدخول غالباً.

هذا والإجابة عن التعارض واضح فإنّ أساسه، كون المراد من الظاهر هوالأعمّ من الحجّة شرعاً وعدمها فعندئذ يظهر التعارض بين التعريفين و أمّا إذا كان المراد منه هوالحجّة و أنّ المنكر في إنكاره معتمد على دليل شرعي فلا ترفع اليد عنه إلاّ بدليل أقوى كالبيّنة، فيرتفع التعارض، لأنّ الظواهر في جميع الأمثلة أُمور ظنّية ليست بحجّة شرعية، فينحصر الدليل بالأصل.

ففي المثال الأول، على مدّعي الانفساخ إقامة البيّنة وهي المرأة وإلاّ فالمنكر على أصله ودليله.

وفي المثال الثاني ، على مدّعي الانفاق إقامة البيّنة وإلاّ فمنكره على أصله و دليله.

وفي المثال الثالث ; على مدّعي الدخول، إقامة البيّنة و إلاّ فمنكره على أصله و دليله.

فإذا كان المراد من الظاهر في جانب المدّعي و المنكر هوالمعتبر شرعاً، فيكون المدّعي هو من خالف قوله الظاهرَ المعتبرَ والمنكر من وافقه فعلى كلّ من المدّعي و المنكر، الاعتماد على الدليل غير أنّ الحقّ مع المنكر لوجود الدليل المعتبر معه إلاّ أن يأتي المدّعي بدليل أقوى.

ثمّ إنّه ربّما يعترض على التعريف الثالث بأنّه ربّما يكون قول المدّعي موافقاً للأصل كما إذا ادّعى فساد المعاملة الموافق لأصل البراءة، ولكنّه ضعيف لأنّ المراد من الأصل هوالأصل الحاكم في المسألة وهو أصالة الصحّة.


(45)

هذا كلّه حول التعاريف الثلاثة الأُولى وأمّا الرابع فأضعف التعاريف حيث جعل الميزان، ادّعاء الأمر الخفي ميزاناً للمدّعي إذ لا فرق بين الخفي والجليّ مع انّه لم يُعلَم ما هو الميزان للخفاء والجلاء.

وربّما يعتذر عن هذه النقوض بأنّها تعاريف لفظية، ولكن الفقهاء يتعاملون معها معاملة التعاريف الحقيقية إذ يبذلون جهودهم في معرفة الأصل الموجود في المسألة حتّى يكون ميزاناً لتمييز المنكر عن المدّعي.

ولمّا كانت التعاريف عند صاحب الجواهر غير كاملة، تخلّص عن التعريف وجعل المرجع العرف على حسب غيرهما من الألفاظ التي لم تثبت لها حقيقة شرعيّة ـ إلى أن قال : ـ فالمراد به الذي قام به إنشاء الخصومة في حقّ له أو خروج من حقّ عليه سواءوافق الظاهر و الأصل بذلك أوخالفهما و سواء تُرك مع سكوته أو لم يترك فإنّ المدّعي عرفاً لا يختلف باختلاف ذلك و كيف كان، فالرجوع إلى العرف في مصداقهما أولى من ذلك كلّه و لعلّ لا اشتباه فيه بعد امتياز خصوص الدعوى بين المتخاصمين(1).

و إليه جنح السيّد الطباطبائي حيث قال: إنّ المرجع فيه هو العرف، وأضاف و هذا بحسب المصاديق يرجع إلى التعاريف المذكورة.(2) و هو خيرة سيدنا الأُستاذ في تحريره حيث قال: إنّ تشخيص المدّعي والمنكر عرفي كسائر الموضوعات.(3)

ونحن نوافق الأساتذة و نقول أنّهما من المفاهيم العرفية ولكن ليس المفهومان مستعصيين عن التعريف الجامع ولعلّ في عبارة الجواهر إلماع إلى التعريف الجامع حيث قال: «من قام بإنشاء الخصومة في حقّ له، أو خروج من حقّ عليه» و إن شئت قلت: إنّ المدّعي يريد إثبات حقّ لنفسه أو لمن ينوب عنه


1 . الجواهر: 40/371 و376.
2 . ملحقات العروة:2/35.
3 . تحرير الوسيلة:2/369.


(46)

أو يريد إسقاط حقّ ثابت و إليك التوضيح:

إنّ المدّعي و المنكر من المفاهيم العرفية غير المختصّة بالمسلمين بل هما موجودان في جميع الشعوب فهؤلاء بفطرتهم يميّزون المدّعي عن المنكر ولا يتوقفون في قضائهم على إعمال واحد من هذه الموازين ولو أردنا أن نصوغ فطرتهم في قالب لفظي فلنا أن نقول: المدّعي من يدّعي إثبات حقّ أو إسقاط حقّ ثابت، فمن ادّعى شيئاًمن ذلك، فعليه الإثبات ولعلّ التعريف الأخير أسد التعاريف حيث قال : المدّعي من يطلب منه البيّنة والمراد منها هو الدليل و ذلك انتقالاً من عالم التكوين إلى عالم الادّعاء، فكما أنّ وجود كلّ ممكن ثبوتاً رهن علّة و محدث، فهكذا ادّعاء حدوث حادث لم يكن له سبق، رهن دليل فمن ادّعى طروء أمر جديد فعليه الإثبات فلا يقبل قوله إلاّ معه، وقد نقل عن الشيخ الرئيس أنّه قال: إنّ من قبل قول المدّعي بلا دليل، فقد خرج عن الفطرة الإنسانية وعلى هذه الفطرة جرى الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث قال: البيّنة على المدّعي(1) وأمّا المنكر فلا يحتاج إلى الدليل لأنّه لا يدّعي شيئاً، بل يتلقّى قول المدّعي قولاً بلا دليل.

وبالجملة إنّ المدّعي يريد تغيير الوضع الحاضر و المنكر ممسك به، فالأوّل هو المدّعي و عليه الدليل حسب الطبع، فما لميأت بدليل فالمنكر على ما هوعليه.

نعم ربّما دلّ الدليل بالاكتفاء باليمين في مورد المدّعى مكان البيّنة و ذلك لا يخرجه عن كونه مدّعياً و ذلك لأدلّة خاصّة ومن ذلك دعوى الودعي ردّ الوديعة، ودعوى الأمين تلف المال، ومدّعي صحّة البيع مع ادّعاء الآخر، الفساد فيقبل قول مدّعي الصحّة بيمينه كلّ ذلك لأجل دليل خاصّ ولولاه كان على كلّ من يدّعي إثبات حقّ، أو إسقاط حقّ ثابت، إقامة الدليل وهي البيّنة ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع التعريف الأخير من أنّ المدّعي من يطلب منه البيّنة.


1 . الوسائل : الجزء18 ، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.


(47)

الميزان هوالغاية من إنشاء الدعوى لا مصبّها

ومن هنا يعلم أنّ الميزان في تمييز المدّعي والمنكر هو الدقّة والإمعان في الغاية التي أُقيمت الدعوى لإثباتها، لا مصبّ الدعوى في بدء النظر ففي مورد اختلاف الزوجين كلّ منهما يدّعي شيئاً أعني التقارن أو التعاقب، ولكن المدّعي هي المرأة، لأنّ الغاية من إنشائها انفساخ العقد، وتحلّلها من الزوجية، بخلاف الرجل، فليس ادّعاء التقارن شيئاً زائداً على بقاء الوضع السابق على ما كان عليه و منه يظهر حال الاختلاف في كون المأخوذ مبيعاً في مقابل ثمن ، أو هبة فإنّ ظاهرهما كونهما متداعيين أحدهما يدّعي البيع و الآخر الهبة وكلاهما من العناوين الوجودية، لكن الغاية من إنشاء الدعوى هو تملّك مال الغير بلا عوض مع اتفاقهما على كونه مال الغير قبل العقد المختلف فيه والضابطة الأُولى في الأموال هي الاحترام ، و من يدّعى الهبة يريد إخراج الموضوع من تحت القاعدة فيحتاج إلى الدليل .

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي ذكر للمسألة الأخيرة صوراً قلّما تخطر ببال المتداعيين إلاّ أن يكونا عارفين بشقوق المسألة فلاحظ.

شرائط المدّعي

ذكر المحقّق للمدّعي شروطاً خمسة نُقدِّم البحث في أربعة منها، ثمّ نذكر الخامسَ منها بعدها قال: يشترط البلوغ، والعقل، وأن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه، وما يصحّ منه تملّكه. ثمّ فرّع على ذلك قوله: فلا تسمع دعوى الصغير، ولا المجنون، ولا دعواه مالاً لغيره إلاّ أن يكون وكيلاً أو وصيّاً أو وليّاً أو حاكماً أو أميناً لحاكم. ولا تُسمع دعوى المسلم خمراً أو خنزيراً.

ولنأخذ كل شرط بالبحث:


(48)

أمّا الشرط الثاني، فلأنّه يشترط في الدعوى كونه جدّياً لا هزلياً، والمجنون لا جدّ له وعبارته لا يعتدّبها عند العقلاء فلا تشمله عمومات القضاء.

أمّا الشرط الأوّل، فقد استدلّ عليه في الجواهر بالوجوه التالية:

1ـ عدم الخلاف في عدم السماع.

2ـ انسياق غير الصبي من العمومات.

3ـ الدعوى إنشاء يترتّب عليه أحكام وهو رهن كون عبارته معتبرة غير مسلوبة.

4ـ تضافر الفتوى على أنّه لا يجوز أمره حتّى يبلغ.

وفصّل السيّد الطباطبائي بين دعوى الصبي فيما يوجب تصرّفه في مال أو غيره ممّا هو ممنوع منه فلا تُسمع، وغيره فتُسمع بمقتضى عمومات وجوب الحكم بالعدل والقسط كما إذا ادّعى أنّه جني عليه أو سلب ثوبه أو أخذ منه ما في يده بل لو ادّعى أنّه غصب دابّته أو نحو ذلك، و أتى بشهود على مدّعاه فلا دليل على عدم سماعه خصوصاً إذا كان الخصم ممّن يخاف منه الفرار أو كان من المسافرين.(1)

ثمّ إنّ الوجوه التي اعتمد عليها صاحب الجواهر ضعيفة أمّا الأوّل فلا يكون حجّة إلاّ إذا كشف عن دليل وصل إليهم ولميصل إلينا كما حقّقناه عند البحث عن الشهرة الفتوائية. وليس المقام في ذلك.

وأمّا الانصراف فهو فرع ورود دليل ظاهر في أنّه بصدد بيان شرائط المدّعي حتّى يدّعي الانصراف عن الصبي و هو منتف أضف إلى ذلك أنّ طبيعة الموضوع تقتضي دفع الظلامة عن كلّ إنسان و الصبي إنسان فإذا ادّعى أنّ فلاناً ضربه أو جرحه أو أخذ منه مالاً و أقام بينة فلا وجه لعدم سماعه.


1 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/36.


(49)

أمّا الشرط الثالث: فمضافاً إلى أنّه ليس كلّ دعوى انشاء،بل هو إخبار ـ أنّ إنشاء الصبي المميز المتثبت معتبر في العقود غاية الأمر أنّه غير مستقلّ في الأُمور الماليّة وقد روي أنّ رسول اللّه تزوّج أُمّ سلمة زوجها إيّاه عمر بن أبي سلمة و هو صغير لم يبلغ الحلم.(1)

وبذلك يعلم ضعف الوجه الرابع فإنّ المراد منه هو أنّه لا يجوز أمره، مستقلاً حتّى يبلغ ويدلّ على ذلك ما رواه حمران عن أبي جعفر في حديث: «إنّ الجارية إذا تزوّجت و دخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليُتم ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء و البيع إلى أن قال ـ والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج عن اليتم حتّى يبلغ خمس عشرة سنة».(2)

فالمراد من الجواز وعدمه هو المعنى الوضعي أعنى النفوذ وعدمه فهو بنفسه لا ينفذ إنشاؤه.

فإن قلت: إذا كان دعوى الصغير مسموعة ولم يكن له بيّنة، فكيف يُحلِّف أو كيف يَحْلِفْ إذا رُدّ عليه الحلف؟

قلت: أمّا الإحلاف فينوب عنه الحاكم حفظاً لحقوقه وأمّا حلفه فلا يحلف إذا ردّ ولا دليل على ترتّب تمام آثار الدعوى عند السماع.

نعم لا تسمع دعواه إذاكانت مستلزمة للتصرّف المالي كما إذا ادّعى أنّه أقرض ديناراً لأنّها دعوى فاسدة.

ومنه يظهر حال السفيه ولم يذكره المحقق لكن ذكره السيّد الطباطبائي فلو تعلّقت دعواه بأُمور ماليّة فلا تُسمع وأمّا إذا تعلّقت بقذف أوجناية أو نكاح أو طلاق بل الدعاوي المالية إذا ادّعى إتلاف الغير ماله فتُسمع ومنه يظهر سماع مثله في الصبي المميز.


1 . الوسائل: الجزء 14، أبواب عقد النكاح، الباب 16، الحديث1.
2 . الوسائل: الجزء 1، أبواب مقدّمات العبادات، الباب 4، الحديث 2.


(50)

وأمّا الشرط الثالث: فهو أن يدّعي لنفسه أو لمن له ولاية الدعوى عنه و ليس المراد من الولاية هو ولاية الأب و الجدّ بل الأعم كما صرّح به المحقّق في كلامه، حيث صرّح بصحّة إقامة دعوى الوكيل والوصي والحاكم والأمين له و بكلمة جامعة يجب أن تكون الدعوى عقلائيّة، ولا تكون كذلك إلاّ إذا كان للمدّعي بالدعوى مساس عرفاً كالأمثلة المذكورة بل وغيرها وعلى ضوء ذلك يجوز للودعي والمرتهنِ والحارسِ إقامة الدعوى فإنّ هؤلاء و إن لم يكونوا مالكين، لكن لهم أمام المالكين مسؤولية خاصّة فإذا كان مع دعواه بيّنة، أعادت ملك الغير إلى محلّه وإذا كان المعيار كون الدعوى عقلائية يصحّّ ما ذكره السيّد الطباطبائي حيث قال: الظاهر سماع الدعوى الحسبية من المحتسبين، كما إذا ادّعى شخص على ميّت له صغار، بدين و المحتسب يعلم أنّه أوفاه وذمّته بريئة وله شهود بذلك لعدم انصراف العمومات من ذلك.

وأمّا الشرط الرابع: أعني أن يدّعي شيئاً يصحّّ منه تملّكه فلا تُسمع دعوى المسلم خمراً أو خنزيراً وذلك لأنّه بعد ثبوت المدّعى، لا يترتّب عليه الأثر، إذ لا يملكه بعد الحكم ، كما هو الحال كذلك لو اعترف الخصم بلا حاجة إلى بيّنة. اللّهمّ إلاّ إذاكان الخمر متّخذاً للتخليل فللمتّخذ حقّ الاختصاص، و مثله ما لو ادّعى عليه ثمنهما بحجّة أنّه باعهما منه حال كونهما كافرين ثمّ أسلما قبل أن يقضي دينه، فيكلّف بدفع الثمن.

إلى هنا تمّ الكلام في الشروط الأربعة وإليك الكلام في الشرط الخامس.

الشرط الخامس: كون الدعوى صحيحة لازمة

قال المحقّق: «ولابدّ من كون الدعوى صحيحة لازمة فلو ادّعى هبة لم تسمع حتّى يدّعي الإقباض وكذا لو ادّعى رهناً». وقال في الدروس:وكلّ دعوى ملزمة معلومة فهي مسموعة فلا تُسمع دعوى الهبة من دون الإقباض، وكذا الرهن


(51)

عند مشترطه فيهما ولا البيع من دون قوله:«ويلزمك تسليمه إليّ» لجواز الفسخ بخيار المجلس و شبهه.(1)

الظاهر أنّه لا حاجة إلى قيد الصحّة في عنوان البحث لما مرّمن أنّه لا يصحّّ إقامة الدعوى على مالا يملكه، والمهمّ هو تفسير قوله: «لازمة» فهناك تفسيران:

الأوّل: لصاحب المسالك وتبعه صاحب الجواهر حيث قال المراد بكونها لازمة أن تكون ملزمة للمدّعى عليه فلو قال: وهب لي كذا لم يُسمع حتّى يقول: وأقبضني لأنّ الهبة أعمّ من المقبوضة ولأنّه قد يهب ويرجع عن قوله، وكذا لو ادّعى رهناً، بناء على أنّ القبضَ شرط في صحّة الرهن.(2)

وبعبارة أُخرى: يجب أن تكون الدعوى على كيفية لو اعترف بها الخصم، لكانت محدِثاً للتكليف له ، ففي الأمثلة المذكورة لو اعترف بأصل الهبة والوقف مجردين عن القبض، لا يترتّب عليه الأثر، لأنّه جزء المملِّك فلا يملك الموهوب له و الموقوف عليه إلاّ بالقبض، فثبوت مثل هذا، لا يترتّب عليه أثر شرعي ولو قال مكان «لازمة» ملزمة، أو يترتّب عليه الأثر الشرعي لكان أوضح.

الثاني: ما فسّر به المحقّق الأردبيلي كلام المحقق حيث جعل قوله: لازمة، مقابل جائزة بأن يكون المدّعى عقداً لازماً، لا جائزاً، وإليك نصّه:

يشترط كون ما يدّعى به ملكاً لازماً للمدّعي أو لمن يدّعي له على المدّعى عليه لا ملكاً متزلزلاً، يجوز للمدّعى عليه الرجوع عنه، مثل دعوى الهبة والقبض بالإذن فإنّ الهبة بدونه لا تلزم فلوادّعى هبة مال معيّن مجرّداً عن القبض لا يسمع وإذا ضمّ إليها «اقبضتني» و نحوه ـ مثل «هبة يلزمك التسليم إليّ» ـ يقبل.

ثمّ أورد عليه بإشكالات:

1ـ إذا ثبت الهبة قد يترتّب عليها الفائدة مثل أن يكون ناذراً إقباض كلّ هبة


1 . محمّد مكي: الدروس :2/84، كتاب الدعاوى.
2 . زين الدين العاملي ، المسالك: 2/431.


(52)

و عدم الرجوع.

2ـ لوكان اللزوم شرطاً لزم عدم سماع الدعوى مع الإقباض أيضاً، إذ لايلزم معه أيضاً في كثير من الأفراد.

3ـ يلزم عدم دعوى شري حيوان إلاّ مع ضمّ مضي زمان سقوط خياره الثلاثة و تفرّق المجلس في سائر العقود و نحوها و الظاهر عدم القائل بذلك.(1)

المستفاد من كلامه بعد الإمعان فيه هو أنّه فسّر قوله:«لازمة» أي أن تكون لازمة من جميع الجهات ولا تكون جائزة ولو بالخيار ولأجل ذلك أورد عليهم بإشكالات ثلاثة:

1ـ إذا ادّعى الأجنبي كون ما في يده، شيء وهبه زيد، بأنّه يصحّّ طرح الدعوى لحصول الملكيّة بالقبض مع أنّها جائزة ليس بلازمة لصحّة الرجوع فيه و إن كان لا يصحّّ في غيره.

2ـ إذا ادّعى أنّه ابتاع شيئاً من زيد مع عدم انقضاء المجلس.

3ـ إذا ادّعى أنّه ابتاع حيواناً منه مع عدم انقضاء الثلاثة.

فلا شكّ في صحّة طرح الدعوى في هذه الموارد مع عدم كونها لازمة.

يلاحظ عليه: أنّه ليس المراد كون المدّعى ـ عقداً لازماً ـ حتّى ينتقض بهذه الموارد. بل المراد محدثاً للتكليف ففي هذه الموارد، لو ثبت المدّعى به، لكان محدِثاً له، وأمّا أنّ له الرجوع عن هبته أو بيعه بإعمال الخيار فهو لا يضرّ بكون الدعوى مسموعة.

ثمّ إنّ المحقّق رتّب على الشرط الخامس عدّة مسائل:

الأُولى: لو ادّعى فسق الحاكم والشاهد

قال: ولو ادّعى المنكر فسقَ الحاكم أو الشهود ولا بيّنة فادّعى علم المشهود


1 . الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/117.


(53)

له ففي توجّه اليمين على نفي العلم تردد أشبهه عدم التوجّه. ثمّ استدلّ عليه بوجوه ثلاثة:

1ـ إنّه ليس حقّاً لازماً.

2ـ ولا يثبت بالنكول ولا باليمين المردودة.

3ـ ولأنّه يثير فساداً.

أقول: إذا ادّعى المنكر بعد إقامة بيّنة المدّعي، فسقَ القاضي فهل تُسمع الدعوى أو لا؟ للمسألة صورتان:

إحداهما : أن يدّعي فسق القاضي على وجه الإطلاق من دون أن يخاطب المحكوم له بعلمه بفسقه وعدمه و إن كان قضاؤه في المورد سبباً لذلك الادّعاء، فلا شكّ أنّه يصحّّ طرحه لكن في محكمة أُخرى، فإنّ الشرط في نصب القاضي، و إن كان هو إحراز عدالته عند الناصب و لكنّه لا يمنع من أن يجرحه المنكر و يكون مسموعاً وهذا لا يثير فساداً إذ لو كانت له بيّنة تُسمع الدعوى وإلاّ فتردّ.

نعم لو ادّعى علم الناصب بفسقه و مع ذلك نصبه فليس له إحلاف الناصب لأنّه مضافاً ـ إلى كونه مثيراً للفساد لأنّ الناصب هوالإمام، الأمين العام، و إحلافه طعن للنظام ـ أنّ الإحلاف ليس في صلاحية مدّعي الفسق، بل يحتاج إلى محكمة تقضي بين المدّعي و الناصب وهو كما ترى له مضاعف أو مضاعفات.

ثانيهما: أن يدّعي علم المشهود له بفسق القاضي فهو قابل للطرح إذ ليست الدعوى فاقدة للأثر بشهادة أنّه لو أقرّ المشهود له بذلك لا يجوز للمقرّ ترتيب الأثر على مثل هذا القضاء و لو افترضنا أنّ المشهود له أقرّبه فلا يكون ذلك سبباً لسقوط أصل الدعوى إذ للمشهود له طرح الدعوى عند قاض آخر .

هذا كلّه إذا أقرّ وإن أنكر و حلف فينفذ الحكم السابق وإلاّ فيردّ الحلف إلى المدّعي.و مع ذلك، لا يسقط أصل الدعوى أيضاً كما عرفت.


(54)

وأمّا إذا ادّعى فسق الشهود، وعِلْم المشهود له به فإن قلنا إنّ الميزان، كون الشهود عدولاً عند القاضي فلا تكون الدعوى ملزمة للتكليف، لأنّ المعتبر هو عدالة الشهود عند القاضي ، لا عند المحكوم له وأمّا لو قلنا باشتراط عدالتهم عند المتخاصمين فالدعوى ملزمة بشهادة أنّه لو أقرّالمحكوم له بفسقها لما صلح له ترتيب الأثر وعلى هذا فلو أقرّ، و إلاّفإن أنكر و حلف يكون الحكم نافذاً و إن ردّ و حلف المحكوم عليه، يبطل الحكم المبنيّ على شهود لم تثبت عدالتهم و له إقامة الدعوى بشهود أُخرى و ما ذكرنا هو حكم المسألة شرعاً و أمّا تجسيدها في الحاضرة الإسلامية فهو يحتاج إلى تخطيط خاص.

الثانية : إذا التمس المنكر يمين المدّعي

إذا التمس المنكر يمين المدّعي منضمّة إلى الشهادة لم تجب إجابته لنهوض بيّنته بثبوت الحقّ، و يدلّ عليه مضافاً إلى الاتّفاق ما ورد من النصوص ففي صحيح محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عن الرجل يقيم البيّنة على حقّه، هل عليه أن يستحلف قال: لا.(1) وما ورد في حديث سلمة بن كهيل عن عليّ ـ عليه السَّلام ـ وردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته فإنّ ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء(2) محمول على الاستحباب و يمكن حمله على ما إذا شهدت البيّنة على أصل الدين دون الثبوت في الذمّة فالتمس المنكر الحلف على الاستحقاق فعلاً.

الثالثة: إذا ادّعى إقرار الغير بحقّ له عليه

إذا ادّعى على رجل أنّه أقرّ له بالحقّ، من دون أن يدّعي أنّ له عليه الحقّ واقعاً ـ مع قطع النظر عن الإقرار ـ فهل تُسمع الدعوى بمعنى توجّه اليمين على


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1 و لاحظ 2و3.
2 . الوسائل، الجزء 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 4.


(55)

المدّعى عليه لو أنكر؟ قيل فيه وجهان:

1ـ تسمع،لأنّه يترتّب عليها الأثر في صورة و هو إذا أقرّ فيؤخذ بإقراره وإن كان لا يترتّب عليها إذ أنكر وحلف و يكفي في كون الدعوى قابلة للطرح ترتّب الأثر عليها ولو في صورة خاصّة.

2ـ لا تسمع لأنّ الحقّ لا يستحقّ بالإقرار في نفس الأمر و إن كان ثبوته يوجب الحقّ ظاهراً.

وذهب الشهيد في المسالك إلى السماع قائلاً بأنّ المعتبر ثبوت الحقّ ظاهراً واعترافه ينفعه، ونكوله يثبت عليه الحقّ ـ لو قلنا بالقضاء به ـ أو مع يمين المدّعي والمدّعي يجوز له الحلف على أنّه أقرّله بذلك(1) ـ و سيوافيك أنّه لا يشترط في استحقاق المقرّ له عِلْمُه بالسبب المقتضي للإقرار بل يجوز له أخذه تعويلاً على إقراره مالم يعلم فساد السبب.

المسألة الرابعة: في الكشف عن أسباب الدعوى وعدمه

يشترط في صحّة الدعوى أن تكون ملزمة محدثة للتكليف، و مترتّباً عليها الأثر الشرعي و على ذلك فقوام صحّة الدعوى هو كونها موضوعاً للحكم الشرعي. فلو كانت الدعوى بوصف كونها كلّياً ذات أثر شرعيّ و إن كانت مجهولة من ناحية الأسباب، يصحّ طرحها و على القاضي سماعها وإلاّ فلا. وعلى هذا بحثوا عن لزوم كشف أسباب الدعوى وعدمه وفصّلوا بين ما كانت ذا أثر شرعي فلا يجب الكشف، وإلاّفيلزم وقد عنونه الشيخ في المبسوط و بحث عن المسألة على وجه التفصيل نذكر من كلامه موجزه:

قال: تنقسم الدعوى إلى ثلاثة أقسام: ما لا يفتقر إلى كشف، وما لابدّ فيه من الكشف، و ما اختلف فيه.


1 . زين الدين العاملي ، المسالك: 2/431.


(56)

فأمّا ما لا يفتقر إلى كشف فالأملاك المطلقة، مثل أن يدّعي الدين و العين مثل الدابّة والدار والعبد والثوب فإذا قال لي كذا و كذا سمعناها و لم يكلّفه الحاكم أن يكشف عن أسباب الملك لأنّ جهات الملك وأسبابه تتكثر و تتّسع من الإرث و الهبة و الغنيمة والشراء والإحياء فإذا كلّف الكشف كان عليه فيه المشقّة لأنّه قد يخفى ذلك السبب.

وأمّا مالابدّ فيه من الكشف وهو إذا ادّعى القتل فقال قتل هذا وليّاً لنا، كُلّف الكشف فيقول صف لنا القتل عمداً أو خطأً فإذا قال عمداً قال : صف العمد فإذا وصفه قال: قتله وحده أو معه غيره، لأنّه من الأُمور التي لا يتدارك بعد فواتها فلهذا يكشف عنها.

وأمّا ما اختلف فيه فهو النكاح قال قوم لا يقبل حتّى يقول: نكحتها بولي وشاهدي عدل وقال قوم : لا يفتقر إلى الكشف سواء ادّعى الزوجيّة فقال: هذه زوجتي أوادّعى العقد فقال: تزوّجتبها.هذا إذا ادّعى الرجل الزوجيّة فأمّا إن ادّعت المرأة الزوجيّة نظرت فإن ذكرت مع ذلك حقّاً من حقوق الزوجيّة كالمهر والنفقة كانت مدّعية وإن لم تذكر حقّا وإنّما قالت هذا زوجي أو تزوّجني قال قوم: ليس بدعوى بل هواعتراف وإقرار و من أقرّ بحق لا يلزم المقرّ له الجواب.و قالقوم: انّ الدعوى صحيحة ويلزمه الجواب لأنّ إطلاق قولها هذا زوجي أو هذا تزوّجني، تحته ادّعاء لحقوق الزوجيّة فلهذا صحّت الدعوى، ومن قال الدعوى صحيحة فهليفتقر إلى الكشف؟ ثمّ عطف الشيخ على المقام، دعوى سائر العقود كالبيع والصلح والإجارة واختار عدم لزوم الكشف ومنقال بالكشف أوجبأو يقول: تعاقدنا بثمن معلوم جايزي الأمر وتفرّقنا بعد القبضعن تراض(1).

هذا كلام الشيخ فقد نفى افتقار صحّة الدعوى إلى الكشف في النكاح


1 . الطوسي، المبسوط: 8/259ـ 261.


(57)

و غيره و استثنى القتل معلّلاً بانّ فائته لايستدرك.(1) وتبعه العلاّمة في الإرشاد قال: ولا تفتقر الدعوى إلى الكشف إلاّ في القتل. وقال المحقق الأردبيلي في ذيل كلام العلاّمة: «عدم افتقار الدعوى إلى التفصيل في غير القتل هو المشهور بل كاد يكون إجماعياً سواء كان مالاً أو غيره من النكاح و غيره لعموم أدلّة الدعوى و مقبوليّتها على الإطلاق من غير تفصيل، وعدم كون الإجمال مانعاً (2).

أقول: الميزان في سماع الدعوى كونها ملزمة وذات أثر شرعي فلا شكّ أنّ دعوى النكاح من كلا الطرفين سواء كان ادّعاءً للمسبّب أي الزوجيّة أو السبب أي العقد، كلّها ذات آثار شرعيّة فلا وجه لعدم السماع بحجّة أنّ المدّعي لايكشف عن أطراف الموضوع بعض الإبهامات الذي لا مدخلية لها في كون الموضوع ذا أثر شرعي، غير أنّ الكلام في استثناء القتل، فإنّ عدم سماعها لأجل اختلاف أنواعه ، فإنّ القتل عن عمد يوجب القصاص، والقتل عن خطأ يوجب الدية، و القتل للارتداد، يوجب التعزير لأنّه تدخل في أمر الحاكم، والمرتدّ و إن كان مهدور الدم و لكنّه لا يجوز لغير الحاكم إهدار دمه.

وعلى ذلك فوجه افتقار الدعوى إلى الكشف في القتل إنّما هو لأجل أنّ الاعتراف بالكلّي فاقد للأثر و إنّما الأثر للكلّي المشخّص في صنف أو فرد، لا لأجل أنّ فائته لا يستدرك، إذ لو صحّ ذلك لوجب عدم السماع في النكاح فإنّ الوطأ لا يستدرك، اللّهمّ إلاّ أن يقال باستداركه بردّ المرأة مع المهر بخلاف النفس.

ثمّ إنّ المحقّق الأردبيلي احتمل سماع الدعوى في نفس القتل أيضاً وقال: إنّه يمكن الاكتفاء في القتل بعدم التفصيل غايته أنّه لا يمكن إثبات حكم بخصوصه إذا ثبت أصله إذ لو لم يسمع لأدّى إلى إبطال دم امرئ معصوم مع إمكان إثباته بوجه.(3)

بقي هنا مطلب و هو; أنّه لا يشترط الكشف في سماع أصل الدعوى ولكن


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة 12/123ـ 124.
2 . الأردبيلي: مجمع الفائدة 12/123ـ 124.
3 . الأردبيلي: مجمع الفائدة 12/123ـ 124.


(58)

إذا انتهى الأمر إلى المحاكمة فلا شكّ أنّ الكشف عن الأسباب وأطراف القضية ربّما يكون سبباًلكون القاضي أقرب إلى الواقع وأبعد عن الخطأ فهناك مقامان مقام سماع الدعوى، ومقام الترافع، ففي المقام الأوّل يكفي كون الموضوع ذا أثر شرعي وأمّا مقام الترافع فالإمعان في أطراف القضية أمر مؤكّد لا ينبغي تركه.

ردّ اليمين في دعوى الزوجيّة

قال المحقّق فيما إذا ادّعت المرأة الزوجيّة و أنكرها الرجل: أنّه يلزمه اليمين، ولو نكل قُضي عليه على القول بالنكول، وعلى القول الآخر تردّ اليمين عليها فإذا حلفت ثبتت الزوجيّة ، وكذا السياقة لو كان هو المدّعي.

أقول: إنّ ردّ اليمين على المنكر في مسألة الزوجيّة مشكل جدّاً لقصور روايات الردّ عن الشمول لغير الحقّ والمال، فقد وردت فيها كلمة الحقّ والمال وهو منصرف إلى غير المقام وفي صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما في الرجل يدّعي ولا بيّنة له قال:«يستحلفه فإن ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلا حقّ له».(1) وفي مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل يُدَّعى عليه الحقّ وليس لصاحب الحقّ بيّنة، قال: «يستحلف المدَّعى عليه فإن أبى أن يحلف و قال: أنا أردّ اليمين عليك لصاحب الحقّ فإنّ ذلك واجب على صاحب الحقّ أن يحلف و يأخذ ماله».(2)

فالقرائن الموجودة في روايات الباب تصدّ الفقيه عن إسراء حكم الردّ إلى غير الحقوق والأموال. أضف إلى ذلك أنّ الردّيوجدمأزقاً في تطبيق الحكم، فلو افترضنا أنّ الرجل ادّعى الزوجيّة و أنكرتها المرأة، فلم يكن للرجل بيّنة فانتهى الأمر إلى يمينها وقد ردّته إلى الرجل فحلف، فمعنى ذلك أنّه يجوز للرجل إيجاب التمكين عليها والاستمتاع منها، ولكن وظيفة المرأة بينها وبين ربّها هو الفرار و


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1و5.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1و5.


(59)

عدم التمكين، فماذا تكون النتيجة إلاّ الفوضى في أمرهما و دوام التشاجر بينهما؟!

فإن قلت: إنّ الإشكال جار فيما إذا أقام الرجل البيّنة على الزوجيّة مع كونها منكرة، فالوظيفتان مختلفتان كالسابق.

قلت: البيّنة حجّة شرعيّة وطريق إلى الواقع فيجب على المرأة التمكين ولا وزر عليها، وهذا بخلاف ما إذا كانت منكرة و قصّـرت في الحلف وردّته إلى الرجل فحلف، فعندئذ هي التي أوجدت المأزق في حياتها و سلطت الأجنبي على عرضها باختيارها.

والذي أظنّ هوأنّه يجب على القاضي حبس المرأة حتّى تجيب بأحد الأمرين إمّا أن تقرّ بالزوجيّة أو تحلف.

لزوم الكشف عند ادّعاء الفرع و عدمه

ثمّ إنّ هنا فروعاً حول لزوم الكشف و عدمه تدور حول ادّعاء الفرع و إليك بيانها:

1ـ لوادّعى أنّ هذه بنت أمته من دون أن يقول ولّدتها في ملكي.

2ـ لوادّعى أنّ هذه بنت أمته و أضاف أنّها وَلّدتْها في ملكي.

3ـ لوادّعى أنّ هذه بنت أمته و قال ولدتها في ملكي وهي الآن مملوكة لي.

قال المحقّق : لا تسمع الدعوى في الصورتين الأُولتين، أمّا الأُولى لاحتمال أن تلد في ملك غيره ثمّ تصير الأم له. وأمّا الثانية لاحتمال أن تكون حرّة أو ملكاً لغيره، فلا تسمع الدعوى لعدم كونها موضوعاً لحكم شرعي، وبذلك يعلم أنّه لو قامت البيّنة على هاتين الصورتين لا تسمع.

نعم، تسمع الدعوى و تقبل البيّنة إذا كانت على النحو الثالث لأنّه موضوع ذو أثر شرعي حيث يدّعي أنّه المالك للفرع دون ذي اليد، فيأتي دور المرافعة.


(60)

ومثل هذا إذا قال: هذه ثمرة نخلي فله أيضاً صور ثلاث لا تسمع في الأُولتين و تسمع في الثالثة بنفس الدليل السابق في ادّعاء البنت لأنّ كون التمر ثمرة للنخل الذي هو يملكه لا يكون دليلاً على أنّه ملكه لاحتمال أن يكون النخل عند إثماره ملكاً للغير ثمّ انتقل إليه، كما أنّ كون التمر ثمرة للنخل حين كونه مالكاً للأصل لا يدلّ على كونه مالكاً للثمرة الآن، لإمكان بيعها مع الحفظ على أصلها. نعم لو قال : هذه ثمرة نخلي أثمرها في ملكي وهي الآن مملوكة لي تسمع، لكونها ذات أثر شرعي.

هذا هوحال الادّعاء وبه تبيّن حال الإقرار و تأتي فيه الصور الثلاث الماضية في الادعاء فلا يكون إقراراً على النفس إذا أقرّ على النحو الثالث فإليك البيان: فلوأقرّ ذو اليد أنّ التمر ثمرة النخل الذي يملكه زيد، فلا يكون إقراراً على نفسه و لصالح صاحب النخل إذ لا ملازمة بين كونه ثمرة لنخل زيد وكونه مالكاً لها بالفعل لإمكان كون النخل عند الإثمار ملكاً للغير ثم انتقل الأصل إلى زيد بعده أو كان ملكاً له عند الإثمار و لكن انتقلت الثمرة منه إلى ذي اليد، ولأجل عدم كونه إقراراً على النفس لو فسّره بما ينافي مالكيّة زيد و قال ومع ذلك فهي ملكي، لا يعدّ ذلك إنكاراً بعد الإقرار سواء كان التفصيل متصلاً أو منفصلاً وما ذلك إلاّ لأجل انّ كلامه لم يكن ظاهراً في الإقرار بملكية صاحب النخل بالنسبة إليالثمرة. نعم لو أقرّ بما سبق و أضاف قوله: و هي ملك زيد يكون إقراراً علينفسه.

وعلى ضوء ذلك فالإقرار والادّعاء توأمان يرتضعان من ثدي واحد.فلو قلنا باعتبار الظهور فكلاهما سيّان، ولو قلنا باشتراط التصريح فكلاهماكذلك،ولا فرق بين الإقرار والادّعاء.

نعم يظهر من صاحب المسالك أنّه فهم من كلام المحقّق أنّه بصدد التفريق بين الإقرار و الادّعاء وأنّه يكفي في الإقرار القول بأنّه ثمرة نخل فلان مع


(61)

عدم إضافة ما ينافي ذلك إليه عملاً بالظاهر من كونها تابعة للأصل حيث لامعارضة ولو كان هناك شيء لذكره فإطلاق كونها من الأصل الذي هو مملوك للمقرّ له، ظاهر في تبعيّتها له بخلاف الدعوى فإنّ شرطها التصريح بالملك له ولو بالاستلزام ولم يحصل، ثمّ ذكر أنّ الفرق بين الدعوى والإقرار لا يخلو عن إشكال لأنّ الاحتمال قائم على تقديري الإقرار والدعوى والعمل بالظاهر في الإقرار دون الدعوى لا دليل عليه.(1)

يلا حظ عليه: أنّ ما ذكره متين ولكن من أين استظهر من كلام المحقّق أنّه بصدد التفريق بين الإقرار و الادّعاء فيكفي في الإقرار نسبة الثمرة إلى نخل الغير مع عدم إضافة ما ينافي ذلك إليه بخلاف الادعاء فإنّه يشترط التصريح بانّه ملك المدّعي.

نعم إنّ المحقّق فرّق بين ثمرة النخل و فرع آخر في مقام الإقرار، فاكتفى فيه بصرف النسبة وهو إذا قال هذا الغزل من قطن فلان أو هذا الدقيق من حنطته فاعتبره إقراراً على النفس، وعلّله في الجواهر و غيره بأنّ الغزل والدقيق نفس حقيقة القطن و الحنطة و إنّما تغيّرت الأوصاف فملك الأصل تقتضي ملك الفرع بخلاف الثمرة والولد، فإنّهما منفصلان عن أصلهما جنساً و وصفاً و شرعاً، فالإقرار بالفرعية لا تقتضي الإقرار بالملك، وكذا أيضاً في المسالك و أضاف، بل لا أجد فيه خلافاً، بل هو عندهم من الواضحات.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين جميع الأمثلة التي تقدّمت من ادّعاء البنت و ثمرة النخل وكون الغزل من قطن فلان، فالإقرار والادعاء في الجميع سيّان فلا يصحّّان إلاّ إذا كان ظاهراًفي الإقرار على نفسه وظاهراً في دعوى شيء لنفسه، فالإقرار بأنّ الغزل من قطن الأرض التي يملكها زيد ليس إقراراً على مالكيته


1 . زين الدين العاملي ، المسالك:2/ 432.
2 . النجفي، الجواهر: 40/386.


(62)

للغزل حاليّاً لإمكان ابتياعه منه، وإنّما يكون إقراراً إذا قال :وهوملكه الآن ، ومثله الادعاء فلا يكون ادّعاء موضوع ذي أثر شرعي إلاّ إذا قال هذا الغزل من قطن أرضي و أنّه ملكي وإلاّ فادّعاء كون الغزل من قطن أرضه لا يلازم مالكيّته للغزل و كون الثمرة هناك منفصلة عن الأصل وغير منفصلة في المقام لا توجب فرقاً إذا كانت الدلالة على مستوى واحد.

إلى هنا تمّ ما ذكره المحقق من شرائط سماع الدعوى، ثمّ إنّ هناك شروطاً أُخر ذكرها السيّد الطباطبائي في المقام نشير إليها:

1ـ أن يكون للمدّعي طرف

يشترط في صحّة الدعوى أن يكون للمدّعي طرف تكون بينهما مخاصمة و منازعة فعلاً فلو لم يكن له طرف موجود فعلاً و أراد إثبات مطلب وإصدار الحكم عليه ليكون قاطعاً لدعوى محتملة فيما سيأتي كما إذا كان هناك وقف على كيفية صحيحة عند بعض العلماء دون بعض فأراد إصدار الحكم ممّن يقول بصحّته، دفعاً لادّعاء بعض البطون ونحو ذلك ممّا هو محلّ الخلاف، أو كان له طرف لكن لميكن بينهما منازعة فعلاً كأن يكون معترفاً بحقّه لكن أراد إثبات حقّه وأخذ الحكم دفعاً لما يحتمل من جحوده بعد ذلك، لا يجب(1) على الحاكم سماعها ، و لو سمعها وثبت عنده بالبيّنة أو الإقرار وحكم به لا يترتّب عليه آثار الحكم من وجوب العمل به و حرمة نقضه لأنّ المتبادر ممّا دلّ على وجوب السماع وترتّب آثار الحكم صورة وجود المنازعة فعلاً ، كذا قاله بعضهم.(2)

أقول: ما نقله السيّد الطباطبائي عن ذلك البعض هو الحقّ لأنّ القضاء مفهوم عرفي قائم بمثلث له أضلاع ثلاثة أحدها المدّعي والآخر المنكر و الثالث


1 . جواب لقوله: فلو لم يكن له طرف موجود.
2 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/41.


(63)

الحاكم ، فإذا لم يكن هناك منازع فلا يتحقّق للقضاء مفهوم.

نعم لو عرضا الموضوع فإن كانت الشبهة حكمية كما إذا كان هناك وقف على كيفية صحيحة عند بعض العلماء دون بعض فما يجيبه يكون فتوى حجّة على مقلديه لا حكماً قضائياً حجّة على الجميع سواء كان حاضراًأو غائباً ....

و إن كانت شبهة موضوعية كما إذا أراد إثبات حقّه و أخذ الحكم دفعاً لما يحتمل من جحوده ليكون ذلك إقراراً من الجاحد على الحقّ عند الحاكم و لكن ليس كلّ إقرار وسماعه و تصديقه قضاءً. و لا دليل على حجية القضاء في الشبهات الموضوعية إذا لم يكن تنازع.

2ـ تعدّد المدّعي والقاضي

يشترط في تحقّق القضاء أن يكون القاضي غير المدّعي تحقيقاً لمفهوم القضاء وأمّا إذا كان القاضي هو المدّعي فهو أشبه بمثلث يفقد أحد أضلاعه. وأمّا حقوق اللّه سبحانه فما يرجع إلى القاضي هناك هو العمل بالبيّنة أو الإقرار و ليس له هناك قضاء و لا حكم وإلاّ لاتّحد القاضي و المدّعي، فموضوع القضاء و محلّه هو حقوق الناس، ولأجل أنّ الحدود الإلهية خارجة عن مجال القضاء اتّفقوا فيها على عدم اليمين وورد به النص(1) وما يهم القاضي فيها هو الإمعان في كون البيّنة واجدة للشرائط وكون الإقرار نافذاً أو لا.

اشتراط الجزم في الدعوى

وهذا الشرط هوالذي بسط ا لسيد الطباطبائي الكلام فيه وقد فرغنا عنه في البحوث السابقة فلا نعود إليه.


1 . الوسائل: الجزء 18، أبواب مقدّمات الحدود، الباب 24، الحديث 1، 2، 3و4.


(64)

الفصل الثاني

في التوصل إلى الحقّ

الغرض من عقد هذا الفصل هو تمييز المواضع التي يجب على المدّعي أن يرجع إلى القاضي لاستيفاء حقّه عمّا لا يجب عليه، بل يجوز له الاستقلال بالاستيفاء وبما أنّ الحقّ إمّاعقوبة كالقصاص وحدّ القذف. أو مال و هو إمّا عين في يد المدّعي أو دين في ذمّته فيدور البحث في محاور ثلاثة:

الأوّل: إذا كان الحقّ عقوبة

إذا كان لرجل على آخر حقّ القصاص والقذف فقد اتّفق الفقهاء على أنّ المدّعي لا يستقلّ بالاستيفاء فلابدّ من رفع الأمر إلى الحاكم لعظم خطره ولأنّ استيفاءه وظيفة الحاكم على ما تقتضيه السياسة.(1)

هذا و قد جرت على الرفع سيرة العقلاء في المجتمعات الحضارية و حتّى العشائرية، حيث ترفع الدعوى إلى شيخ القبيلة، ولو خُوِّل الانتصاف من الظالم إلى الناس لانتهى الأمر إلى فساد عظيم وربّما تراق دماء الابرياء باتهام القصاص و غيره، وذلك معلوم جدّاً، نعم خرجت عن ذلك موارد جزئية تحت شرائط خاصّة، قال محمّد بن مكّي الشهيد في الدروس: روي أنّ من رأى زوجته تزني فله قتلهما(2). و مع ذلك ففي رواية عبد اللّه بن القاسم الجعفري عن أبي عبد اللّه عن أبيهعليمها السَّلام قال: قال سعد بن عبادة : أرأيت يا رسول اللّه إن رأيت مع أهلي رجلاً فأقتله؟ قال: يا سعد فأين الشهود الا(3)ربعة . وقد حمله الأصحاب على أنّه لا يثبت ذلك في الظاهر ولا تقبل دعوى الزوج إلاّ ببيّنة، وبعبارة أُخرى يجوز القتل ثبوتاً إلاّانّه


1 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/431.
2 . الوسائل:18، الباب 45، من أبواب حدّالزنا، الحديث 1ـ2.
3 . الوسائل:18، الباب 45، من أبواب حدّالزنا، الحديث 1ـ2.


(65)

إذا لم يستطع إثبات دعواه يُقتل و قد وردت بعض الروايات في سبّ النبيّ أنّه يجوز قتله إذا لم يخف على نفسه (1). وعلى كلّ تقدير فخروج مورد أو موردين لا يضرّ بالضابطة و هو كون إجراء الحدود وظيفة الحاكم.

ومع وضوح الحكم يظهر من صاحب الجواهر الميل إلى خلاف ما هو مسلّم بين الفقهاء، لكن بشرط أن يكون الحال معلوماً أو كان الخصم مقراً مستدلاً بقوله سبحانه: « وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَليِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً» (الاسراء/33). قائلاً بأنّ مقتضى إطلاق السلطان هو الأعم من قيامه بالمباشرة أو بالتسبيب مضافاً إلى تسلّط الناس على استيفاء حقوقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الآية بصدد تشريع السلطة للولي وأمّا الكيفية فليست في مقام بيانها و مثلها الدليل الثاني فإن تسلّط الناس على استيفاء حقوقهم فاقد للإطلاق من حيث التسبيب والمباشرة، أضف إلى ذلك أنّ مواضع الحقوق محاطة بشبهات حكميّة و موضوعيّة لا يقدر على حلّها إلاّالفقيه العارف بالحكم والموضوع، فكيف يمكن أن يُخوَّل مثل ذلك إلى العامي؟!

الثاني: إذا كان الحقّ عيناً في يد الغير

إذا كانت لرجل عين بيد رجل آخر فالمشهور أنّه إن قدر على استردادها من غير تحريك فتنة استقلّ به لأنّها نفس ماله فلا حاجة إلى الرجوع في تحصيله إلى غيره، نعم لو أدّى إلى الفتنة فلابدّ من الرفع إلى الحاكم دفعاًلها.(3) توضيحه: أنّه فرق بين العين و الدين، فإنّ الحقّ في الأوّل متعين في الموجود فهو مالك له بخلاف الثاني فإنّ الحقّ فيه كلي في ذمّة المدين ولا يتعيّن فيما يقتصّ منه إلاّ برضاه، أو بولاية شرعيّة كإذن الحاكم والمفروض انتفاء الأمرين.


1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب حدّالقذف، الحديث 3.
2 . الجواهر:40/387.
3 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/432.


(66)

نعم يجوز الاستقلال في العين إذا لم تترتّب عليه فتنة وإلاّفلا يجوز لما علم من مذاق الشارع من عدم جواز فعل تترتّب عليه الفتنة ولأجل ذلك جوّز الإمام بيع الوقف إذا انتهى إبقاؤه على ما كان عليه إلى تلف الأموال والنفوس (1) وقال سبحانه: «إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَ فَسادٌ كَبيرٌ»(الأنفال/73) هذا و للمسألة صور نذكرها:

أ : إذا استلزم أخذ العين من الممسك تمزيق الثوب و كسر القفل ونظائره ممّا لا ينفكّ عنه الاستقلال بأخذ الحقّ، فهل هو جائز أو لا ؟ الظاهر جوازه ، لأنّه إذا جاز الدفاع عن ماله يجوز ما توقّف عليه، اللّهمّ إلاّأن يستلزم فتنة أو فساداً كبيراً، و يمكن أن يقال إنّ الممسك بإمساكه أسقط حرمة ماله بمقدار ما يتوقف عليه الأخذ.

ب: لو افترضنا كون الممسك جاهلاً بأنّ ما تحت يده مال الغير فلا شكّ أنّه يجوز الاستقلال إذا لم يترتّب عليه ضرر، وأمّا إذا ترتّب عليه ضرر يسير كما مثلناه، فالظاهر أنّه لا يجوز لاحترام ماله و عدم سقوطه عن الحرمة لكونه جاهلاً، نعم ذلك إذا أمكن الرجوع إلى الحاكم وأخذ الحقّ عن طريقه وإلاّ فلا إشكال في ذلك غير أنّه يضمن الضرر اليسير.

ج: لو افترضنا أنّه وقع في يده مال للممسك سواء كان جاهلاً أو عالماً فهل يجوز التقاص به أو لا؟ الظاهر التفريق بين ما أمكن أخذ الحقّ عن طريق الحاكم فلا يجوز بخلاف ما إذا انحصر الطريق بالتقاصّ. وسيوافيك هذا التفصيل في المحور الثالث فانتظر.

الثالث: إذا كان الحقّ ديناً في ذمّة الآخر

هذا كلّه حول العين وأمّا الدّين فله صور:


1 . الوسائل:الجزء 13، الباب 6 من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث 6.


(67)

1ـ إذا كان المدين معترفاً بالدين باذلاً له متى أراد.

2ـ إذا كان معترفاً به لكن ممتنعاً عن الأداء.

3ـ إذا كان جاحداً و كان للمدّعي البيّنة على إثبات حقّه و كان الوصول إلى الحاكم أمراً ممكناً.

4ـ تلك الصورة ولكن لم تكن له البيّنة على إثبات الحقّ ، أو كانت له البيّنة لكن كان الوصول إلى الحاكم غير ممكن أو أمراً حرجياً.

5ـ إذا كان المدين جاهلاً بالدَين في اعتقاد الداين.

وإليك بيان أحكام الصور:

أمّا الصورة الأُولى: أعني ما إذا كان باذلاً، فلا يستقلّ المدّعي بانتزاعه وذلك لأنّ المدين مخيّر في جهات القضاء فلا يتعيّن الحقّ في شيء دون تعيينه أو تعيين الحاكم مع امتناعه. والمفروض انتفاء كلا الأمرين، والحاصل أنّ الداين يملك الثمنَ الكلي في ذمة المديون و تشخّصه في جزء من أمواله يحتاج إلى تعيينه و المفروض عدمه، أو إلى تعيين الحاكم لانّه ولي الممتنع و المفروض عدم امتناعه فتكون النتيجة عدم تعيّن الدين الكلي فيما انتزع ، وعلى هذا لو وقع مال المديون في يد الداين، فلا يتعيّن الدين فيه إلاّ برضاه. وما يرد عليك من الروايات من جواز التقاص منصرفة عن صورة كونه باذلاً بل صريحة في خلافها.

وأمّا الصورة الثانية والثالثة: أعني ما إذا كان معترفاً بالدين لكن ممتنعاً عن الأداء أو كان جاحداً وللغريم بيّنة تُثبتُ عند الحاكم وكان الوصول إليه ممكناً ففيه قولان ذهب الشيخ في الخلاف و المحقّق في الشرائع إلى الجواز مستدلاً بعموم الإذن في الاقتصاص، خلافاً للمحقّق في النافع و تلميذه في كشفه و للفخر في ايضاحه على ما نقل عن الأخير.

قال الشيخ :إذا كان لرجل على رجل حقّ فوجد من له الحقّ، مالاً لمن عليه


(68)

الحقّ ـ إلى أن قال :ـ وإن كان مانعاً إمّا بأن يَجحد ظاهراً و باطناً، أو يعترف باطناً و يجحده ظاهراً، أويعترف به ظاهراً و باطناً و يمنعه لقوّته، فإنّه لا يمكن استيفاء الحقّ منه، فإذا كان بهذه الصفة، كان له أن يأخذ من ماله بقدر حقّه من غير زيادة سواء كان من جنس ماله أو من غير جنسه ـ إلى أن قال: ـ وبه قال الشافعي و قال أبوحنيفة: ليس له ذلك إلاّ في الدراهم و الدنانير (1) التي هي الأثمان و أمّا غيرهما فلا يجوز ـ قال:ـ دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم وأيضاً روي أنّ هنداً امرأة أبي سفيان جاءت إلى النبيّ فقالت يا رسول اللّه ! إنّ أبا سفيان رجل شحيح و أنّه لا يُعطيني ما يكفيني وولدي إلاّ ما آخذ منه سرّاً فقال: «خذي مايكفيك وولدك بالمعروف» و النبي أمرها بالأخذ عند امتناع أبي سفيان منه و الظاهر أنّها كانت تأخذ من غير جنس حقّها فإنّ أبا سفيان ما كان يمنعها الخبز و الإدام و إنّما كان يمنعها الكسوة فالظاهر أنّ الأخذ من غير جنس الحقّ .(2)

وظاهره جواز الأخذ في الصورتين من غير فرق بين كونه ذا بيّنة و عدمه، أمكن الوصول إلى الحاكم واستيفاء الحقّ بحكمه أو لا ولكن الظاهر من المبسوط هو الجواز فيما إذا لم تكن له الحجّة أو كان و لكن لا يقدر على إثباته عند الحاكم، وعدم الجواز في غير هاتين الصورتين.

قال: هذا (أي جوازالأخذ مطلقاً من جنس الحقّ و غيره) إذا كان من عليه الحقّ مانعاً و لا حجّة لمن له الحقّ، فأمّا إن كان له بحقّه حجّة و هي البيّنة عليه، ولا يقدر على إثبات ذلك عند الحاكم و الاستيفاء منه فهل له أخذه بنفسه أم لا قال قوم ليس له لأنّها جهة تملك استيفاء حقّه بها منه فلم يكن له الأخذ بنفسه بغير رضاه، كما لو كان باذلاً، وقال آخرون له ذلك لأنّ عليه مشقّة في إثباته عند الحاكم ومغرمة في استيفائه فكان له الأخذ و هو الّذي يقتضيه عموم أخبار في


1 . لعلّ مراده تخصيص الاقتصاص بما إذا كان ما في يده مماثلاً لما في ذمّة المدين.
2 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 28.


(69)

جواز ذلك(1) .

ترى أنّه خصّ الجواز بما إذا لم يمكن له البيّنة أو كان إثباته شاقّاً عند الحاكم و مفهومه عدم الجواز في صورة الإمكان وعدم المشقة.

هذا و خالف المحقّق في النافع و لم يجوّز و قال:ولو كان ديناًوالغريم مقرّ باذل أو مع جحوده عليه حجّة لم يستقلّ المدّعي الانتزاع من دون الحاكم.(2) وقد أقرّه عليه تلميذه الفاضل الآبي في شرحه على النافع.(3) وقد نقل الخلاف عن فخر المحققين في الإيضاح ولم نقف عليه في موضعه. (4)

وقد استدلّ صاحب الجواهر وغيره على الجواز في هذه الصورة أي وجود البيّنة مع إمكان الوصول إلى حاكم مبسوط اليد بالعمومات الواردة في الكتاب والسنّة من قوله سبحانه:«فَمَنْ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (البقرة/194) وقوله سبحانه: «والحُرماتُ قِصاصٌ»(البقرة/194) وقوله تعالى: «فعاقِبُوا بمثلِ ما عُوقِبْتُم بِه» (النحل/126) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ليّ الواجد يُحِلُّ عقوبته و عرضه» (5) و قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف»(6).

والاستدلال بهذه الآيات ضعيف لأنّ الأولى في مقام بيان لزوم المماثلة في الاعتداء من حيث الكمّية و أمّا سائر الجهات و أنّه هل يتصدّى صاحب الحق بالاعتداء بالمباشرة أو بالتسبيب فليست الآية في مقام بيانه و منه يظهر عدم دلالة الآية الثالثة، وأمّا قوله: «والحرمات قصاص» فالمراد منه أنّ كلّ حرمة تستحلّ ففيه القصاص و أمّا الكيفية، فليس بصدد بيانها خصوصاً أنّه جاء مقدّمة لقوله «فَمَنْ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» .


1 . الطوسي، المبسوط: 8/311.
2 . المحقق، النافع: 284، ط مصر.
3 . الآبي، كشف الرموز: 2/505.
4 . فخر المحققين، الإيضاح: 3/400.
5 . الوسائل: الجزء 13، الباب 8 من أبواب القرض، الحديث 4ـ مع اختلاف يسير ـ.
6 . البيهقي:السنن 10/141 وقد مرّفي نصّ الخلاف أيضاً.


(70)

وأمّا النبوي فإنّ شمول العقوبة لمثل الاقتصاص بعيد، وأمّا إذن النبي لامرأة أبي سفيان فلأجل أنّه لولا الإذن، يلزم رجوعها في كلّ أُسبوع أو شهر إلى النبيّ،ليأخذ حقّها وهو كما ترى حيث إنّ الإثبات كان مشكلاً. والأولى عطف الكلام إلى الروايات الواردة في المقام. فقد استدلّ صاحب الجواهر بروايات غير أنّ المهم ثبوت الإطلاق فيها بالنسبة إلى الصورتين أي صورة وجود الاعتراف وإنكان ممتنعاً عن الأداء، أو وجود البيّنة في صورة الجحد لإمكان إثبات الحقّ عند الحاكم مع إمكان الوصول إليه فقد سردها ـ قدس سره ـ من دون إيعاز إلى تلك الجهة بل القرائن تشهد ورودها فيما إذا كان الداين فاقداً للبيّنة، أو كان الوصول إلى الحاكم غير ممكن وبعبارة أُخرى انحصر تحصيل الحقّ بالاقتصاص وإليك بعضها:

1ـ صحيح ابن أبي عمير عن داود بن زربي قال: قلت لأبي الحسن إنّي أُخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: «خذ مثل ذلك ولا تزد عليه».(1) ومورده ما إذا لم يتمكّن من استيفاء الحقّ بالحاكم وذلك لأنّه إذا كان السلطان هو الآخذ فكيف يرفع الشكوى إليه أو إلى عديله و زميله والغالب في مثل هذه الأُمور فقد البيّنة ، أو عدم إمكان التوصّل إلى الحاكم الشجاع الساعي في رفع الظلامة.

2ـ حسنة أبي بكر الحضرمي: قال: قلت له رجل عليه دراهم فجحدني و حلف عليها، يجوز لي إن وقع له قِبَلي دراهم آن آخذ منه بقدر حقّي؟ قال: فقال:


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 1، و رواه الشيخ عن ابن أبي عمير عن داود بن رزين، لكن داود لم يوثق نعم رواه الصدوق بنفس السند عن داود بن زربي وعدّه المفيد في الإرشاد من رواة الإمام الكاظم الموثقين و نقل العلاّمة و ابن داود عن النجاشي أنّه قال: ثقة ذكره ابن عقدة و النسخ التي بأيدينا من رجال النجاشي خال عن التوثيق.


(71)

نعم...(1) وليس السائل و المجيب في مقام البيان بالنسبة إلى وجود البيّنة و عدمها حتّى يتمسّك بإطلاقها، لو لم نقل بانصرافها إلى غير تلك الصورة إذ لو كانت له البيّنة لما ترك ذكرها و نظيرها روايته الأُخرى (2) وممّا ذكرنا تظهر حال سائر الروايات(3) فيكون المرجع بعد عدم دلالة الروايات هو حرمة التصرّف في مال الغير، ولا يعارضه شيء حتّى قاعدة «لا ضرر»، لافتراض استيفاء الدين بالرجوع إلى الحاكم إمّا لوجود البيّنة إذا جحد، أواعترافه و عدم إنكاره.

والحقّ، هو ما اختاره المحقّق في النافع و تلميذه في شرحه و فخر المحقّقين في الإيضاح و بذلك يظهر ضعف ما في الجواهر حيث قال:«لم نر للقائل بالمنع شيء يعتدّ به عدا الأصل المقطوع ممّا عرفت بل يمكن معارضته بأصل عدم وجوب الرفع إلى الحاكم ».

وجه الضعف أنّ المحكّم هوالأصل الأوّلي أي حرمة التصرّف في مال الغير إلاّ بدليل و القاطع لم يثبت لما عرفت عدم شموله للصورتين، وما زعم من المعارضة بين الأصلين غير تامّ لعدم ترتّب الأثر على الأصل الثاني، حيث لا يُثبت جواز التصرّف في مال الغير، والمقصود في المقام إثبات جواز التصرّف.

وأمّا الصورة الرابعة فهي القدر المتيقّن من هذه الروايات المجوّزة للاقتصاص بلا حاجة إلى إذن الحاكم وإلى تلك الصورة يشير المحقّق ويقول: «ولو لم يكن له بيّنة أو تعذّر الوصول إلى الحاكم ووجد الغريم من جنس ماله اقتص مستقلاً بالاستيفاء».(4)

بل من غير فرق بين كون المال من جنس ماله أو غيره بشهادة صحيحة داود


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب ، الحديث 4و5 وأبوبكر الحضرمي ممدوح. ولابدّ من حمل الحلف في الرواية إلى الحلف من دون أن يستحلف، أو الحلف عند المشتكي دون حضور القاضي بناء على شرطيّة حضوره عند الحلف بل بأمره .
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب ، الحديث 4و5 وأبوبكر الحضرمي ممدوح. ولابدّ من حمل الحلف في الرواية إلى الحلف من دون أن يستحلف، أو الحلف عند المشتكي دون حضور القاضي بناء على شرطيّة حضوره عند الحلف بل بأمره .
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 8، 9، 10و 13.
4 . الشرائع:4/109.


(72)

ابن زربي، حيث كان المغصوب الجارية والدابّة، والواقع في اليد المغصوب منه المال الظاهر في غير المماثل. و سيأتي تفصيله في التنبيه الثالث.

لو كان المال الموجود عنده وديعة

هذا كلّه إذا كان المال الموجود عنده غير وديعة وأمّا إذا كان وديعة قال المحقّق:« ففي جواز الاقتصاص تردّد أشبهه الكراهية». قال الشيخ في الخلاف بعد الحكم بجواز الأخذ بقدر حقّه: إلاّ إذا كان وديعة عنده فإنّه لا يجوز له أخذه منها.(1) و مبدأ الخلاف، إختلاف الروايات، وممّا يدلّ على الجواز صحيح فضل ابن عبد الملك المعروف بأبي العباس البقباق : « إنّ شهاباً، ماراه في رجل ذهب له بألف درهم و استودعه بعد ذلك ألف درهم قال أبو العباس فقلت له : خذها مكان الألف التي أخذ منك فأبى شهاب قال: فدخل شهاب على أبي عبد اللّه فذكر له ذلك فقال: أمّا أنا فأحب أن تأخذ و ت(2)حلف».

وخبر علي بن سليمان قال: كتب إليه رجل غصب مالاً أو جارية ثمّوقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه، أيحلّ له حبسه عليه أم لا؟ فكتب: «نعم يحلّ له ذلك إن كان بقدر حقّه و إن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه و يسلِّم الباقي إليه».(3)

وفي مقابلهما روايات يصف ذلك العمل بالخيانة ففي خبر ابن أخ الفضيل ابن يسار جواباً عن مثل السؤال : «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخِن من خانك».(4)و في خبر سليمان بن خالد: إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عتبه عليه(5)، و في صحيح معاوية بن عمّار قال: هذه الخيانة.(6)


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الدعاوي و البيّنات، المسألة 28.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2و9.
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 2و9.
4 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 3 ، 7 و 11.
5 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 3 ، 7 و 11.
6 . الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 3 ، 7 و 11.


(73)

والإمعان في القسم الثاني من الروايات يعطي أنّه حكم أخلاقي حيث قال:« ولا تدخل فيما عتبه عليه» و من المعلوم أنّ تسميته خيانة من باب المبالغة في الكراهة إذ الخيانة هو الأخذ بغير حقّ، لا الأخذ معه على أنّ مقتضى رواية البقباق هو عدم الكراهة أيضاً حيث قال: «أمّا أنا فأُحب أن تأخذ و تحلف».

بل الظاهر من خبر عبد اللّه بن وضّاح، أنّه لولا حلف المنكر، لجاز الأخذ و إنّما المانع ، هو استحلافه عند الحاكم.(1)

يجب التنبيه على أُمور:

الأوّل: إذا كان ما في ذمّة الآخر مخالفاً في الجنس مع ما وقع في يده، فهل يجوز الاقتصاص عندئذ أو لا؟

الظاهر أنّه يجوز لأنّه مضافاً إلى ترك الاستفصال في عامّة الروايات، أنّه مقتضى صحيحة داود بن زربي حيث إنّ المغصوب هو الجارية والدابة الفارهة و ما وقع في يده هو المال الظاهر في المغايرة، ولأجل ذلك جاء في الجواب: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه (2)، أي خذ مثله في المالية ولا تزد عليه ، ونظيره رواية علي بن سليمان فإنّ المغصوب هو المال أوالجارية، فقد أجاب الإمام فيه بقوله : نعم يحلّ ذلك إن كان بقدر حقّه و إن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه، و يسلّم الباقي إليه(3). فإنّ الغالب في تلك الموارد وقوع غير الجارية في يد المغصوب منه فيكون مخالفاً في الجنس.

الثاني: في تعيين البائع، قال الشيخ و من الذي يبيع؟!، قال بعضهم: الحاكم لأنّ له الولاية عليه، وقال آخرون: يحضر عند الحاكم و معه رجل واطأه على


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
2 . الوسائل: ج12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و 9.
3 . الوسائل: ج12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و 9.


(74)

الاعتراف بالدين والامتناع من أدائه، والأقوى عندنا أنّه له البيع لأنّه يتعذر إثباته عند الحاكم ، والذي قالوه كذب يتنزه عنه. (1)

وقد اعتمد الشيخ في تولّي المغصوب منه للبيع على تعذّر إثباته عند الحاكم، وهو يؤيّد ما ذكرنا من أنّه لو كانت له الحجّة على الدين لما استقلّ بالاقتصاص، ويؤيد جواز التولي الروايتان السابقتان وقد تعرّفت على أنّ موردهما هو فقدان الحجّة على المدين، ثمّ إنّه إذا أمكن الاستئذان من الحاكم فهل يجب أو لا ؟ مقتضى الروايتين هو عدم الحاجة إليه. و ربّما يتصوّر أنّ الجواز فيها لأجل صدور الإذن من الإمام بالنسبة إلى المورد، فلا تدلاّن على الغنى من الاستئذان في غير موردهما، ولكنّه توهّم ضعيف لأنّ الصادرعن الإمام لم يكن حكماً قضائياً بل كان لبيان حكم الواقع، وأنّه حكم اللّه عبر القرون وتكون النتيجة عدم الحاجة إلى الاستئذان أيضاً.

الثالث: في كيفية الاقتصاص، إذا كان المال المأخوذ متّحداً في الجنس مع الواقع تحت اليد فحكمه معلوم، إنّما الكلام فيما إذا كان مختلف الجنس فهناك صور: منها بيعه بالنقدين و أخذهما مكان مالية المغصوب منه. ومنها: قبوله بالقيمة العادلة من دون بيع، ومنها :بيعه بالجنس المماثل لما غصب منه، ومنها: بيعه بأحد النقدين ثم اشتراء الجنس المماثل، إلى غير ذلك من الصور المتصوّرة، ولمّا كان الغرض حيازة المالية الفائتة فلا يظهر هناك تعبّد بإحدى الصور، ويجوز الجميع أخذاً بترك الاستفصال.

الرابع: في ضمان العين قبل البيع. قال الشيخ: و إن هلكت العين في يده قبل البيع قال قوم يكون من ضمان من عليه الدين لأنّ هذه العين قبضت لاستيفاء الدين من ثمنها وكانت أمانة عنده كالرهن و قال آخرون: عليه ضمانه لأنّه قبضها بغير إذن مالكها لاستيفاء الحقّ من ثمنها فهو كما لو قبض الرهن بغير


1 . الطوسي، المبسوط: 8/311.


(75)

إذن الراهن والأوّل أليق بمذهبنا فمن قال لا ضمان عليه قال: له أن يأخذ غيرها من ماله، ومن قال عليه ضمانها قال صار في ذمّته قيمتها، وله في ذمّة المانع، الدين فإن كان الجنس واحداً كان قصاصاً و يترادان الفضل.(1)

وقال المحقق: الوجه الضمان، لأنّه قبض لم يأذن فيه المالك و يتقاصّان بقيمتها مع التلف. (2)

وهناك قولان آخران:

الأوّل: التفصيل بين مقدار الحقّ و ما هو زائد عنه فيما لو كان المأخوذ زائداًعن مقدار الحقّ، فلا يضمن ما زاد عن مقدار الحقّ، وهو خيرة العلاّمة في القواعد.

الثاني: التفصيل بين ما أخذه بعنوان المقاصّة من أوّل الأمر فيضمن وأمّا إذا أخذه بعنوان الوديعة ثمّ بدا له التقاصّ فلا يضمن.

لا شكّ أنّ مقتضى الاستيلاء على مال الغير يوجب الضمان، خرج منه ما إذا أخذ لصالح صاحب المال من أوّله إلى زمان تلفه كالوديعة، وأمّا غيرها فهو محكوم بالضمان . فإنّ القبض للمقاصّة هو قبض ضمان لا قبض مجّان سواء كان من بدأ القبض أو في الأثناء، فينقلب بقاءً عن القبض عن المجّان إلى الضمان ، ولا يقصر ذلك القبض من القبض بالسوم وكونه مأذوناً من جانب الشارع في التصرّف أعم من عدم الضمان و قد أذن الشارع التصرّف في مال الغير عام المجاعة مع أنّ المتصرّف ضامن للقيمة أضف إلى ذلك ما ذكرناه منّا في محلّه من أنّ طبع التصرّف في مال الغير يقتضي الضمان إلاّ أن يكون هناك دليل قاطع على عدمه، ومن هنا يعلم قوّة وجه الضمان وضعف عدمه، و قد استدل عليه بوجوه غير تامّة:


1 . الطوسي، المبسوط: 8/311.
2 . الشرائع:4/109.


(76)

إنّها أمانة شرعيّة مع عدم التعدّي في التلف.

يلاحظ عليه: أنّ الأمانة الشرعيّة عبارة عن الأخذ بأمر الشارع إذا لم تكن للأخذ فيه المصلحة كاللقطة بخلاف المقام، فإنّه إمّا أمانة مالكية كما إذا أخذه بعنوان الوديعة إذا بقي على تلك النيّة أو مقبوض بالضمان كما إذا قبضه بعنوان التقاص ، أو استيلاء على ماله من دون إجازة المالك، كما إذا وقع ماله تحت يده صدفة غاية الأمر أنّ الشارع أذن في الأخذ و التصرّّف و لكنّه لا يلازم عدم الضمان لما عرفت من أنّ الإذن في التصرّف أعمّ منه.

ومنها; أنّه محسن في الأخذ وما على المحسنين من سبيل.

يلاحظ عليه: أنّ المفهوم من الآية هو اختصاص المحسن بالصورة التي لا يكون فيها للآخذ المصلحة ، قال سبحانه: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى المَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا للّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيل وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ » (التوبة/91) والقرينة على ذلك قوله: نصحوا للّه و رسوله أي إذا كان عملهم خالصاً لوجه اللّه والأخذ للتقاص ابتداءً أو استمراراً ليس عملاً خالصاً.

ومن ذلك يعلم قوّة الضمان مطلقاً حتّى في الزائد عن قدر الاستحقاق إذا لم يكن منفصلاً عن مقدار ما يستحق، اللّهمّ إلاّ إذا كان الزائد منفصلاً فله حكم الوديعة، إذا اخذهما بنفس العنوان و أمّا التفصيل الرابع فيظهر وهنه ممّا سبق و ذلك لانّ أخذه وديعة في بادئ الأمر لا يؤثر فيما إذا انقلبت نيّته و صارت اليد يداً لصالح الآخذ.

مسألتان

الأولى: ادّعاء ما لا يدَ لأحد عليه

قال المحقق: من ادّعى ما لا يد لأحد عليه قضي له. و المراد قضي له بلا


(77)

بيّنة و لا يمين.

أمّا القضاء بدونهما فلعدم الحاجة إليهما، لأنّ المفروض عدم وجود الخصم و المنازع فينتفي موضوعهما. إنّما الكلام في قوله «قضي له» مع أنّ القضاء أشبه بمثلّث له أضلاع ثلاثة، فإذا لم يكن المنازع موجوداً في المقام فلا تتحقّق أركان القضاء، و على ذلك لا بدّ أن يحمل القضاء على المعنى اللغوي لا الإصطلاحي. و هو أنّه يعامل معه معاملة المالك و الدليل على ذلك هو سيرة العقلاء، فإنّهم متفقون على ذلك إلاّ أن تكون هناك ما يثير الظنّ بالكذب، و المراد من قوله: «لا يد عليه» أي لا يد لأحد حتّى المدّعي. نعم هو بعد ادّعائه يستولي على العين و يعامل معه معاملة المالك. و هذا نظير ما مرّ من أنّه خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره مأموناً جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه. (1)

مضافاً إلى مرسلة ابراهيم بن هاشم عن بعض أصحابه عن منصور بن حازم عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال قلت: عشرة كانوا جلوساً وسطهم كيس فيه الف درهم فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم: لا و قال واحد منهم: هو لي. فلمن هو؟ قال: «للذي ادّعاه».

و رواه الشيخ عن سنده عن محمّد بن احمد بن يحيى عن محمّد بن الوليد عن يونس عن منصور بن حازم، والسند الأخير صحيح و الرواية ، بظاهرها تدلّ على أنّ ادّعاء ما لا يد لأحد عليه يترتّب عليه الأثر و يحكم بأنّه له.

و ربّما نوقش في دلالة الرواية بوجهين:

الأوّل: أنّ وجود الكيس وسط جماعة يكشف عن استيلائهم عليه و هو لاينفك عن كونه تحت أيديهم.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(78)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر ورود الرواية في جماعة مستطرقة نزلوا من راحلتهم و جلسوا لقضاء حوائجهم فكان الكيس ماثلاً بين أعينهم فمثل ذلك لا يعدّ استيلاء و لا يداً.

الثاني: إنّ ظاهر الرواية أنّ العشرة بأجمعهم قالوا: لا. ثمّ ادّعاه واحد منهم. فهذا يكون إقراراً بعد الإنكار، فلا يقبل فيما إذا كان لصالح نفسه.

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من الكل ما عدا المدّعي، و هذا ظاهر لمن أمعن في الرواية، فكأنّه يقول سألت الجماعة فلم يعترف أحد به غير واحد منهم .

ثمّ إنّ المراد من القضاء بكونه مالكاً هو القضاء المطلق لا الحكم بقيد المراعاة أي لو لم ينازعه أحد في المستقبل يحكم له. و على ذلك فلو نازعه آخر في مستقبل الأمر يكون هو مدّعياً و السابق عليه منكراً لثبوت يده و إن لم نعلم سبب الإستيلاء.

الثانية: إخراج السفينة المكسورة

قال المحقق: لو انكسرت سفينة في البحر فما أخرجه البحر فهو لأهله «أي لمالكه» و ما أُخرج بالغوص فهو لمخرجه و به رواية في سندها ضعف.

أقول: للرواية سندان، أحدهما معتبر عند الأصحاب و إن كان الراوي عامياً، لعمل الأصحاب بروايات بعض العاميين و هو ما رواه الكليني بسند صحيح عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قال: «و إذا غرقت السفينة و ما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على الساحل فهو لأهله و هم أحقّ به و ما غاص عليه الناس و تركه صاحبه فهو لهم». (1)


1 . الوسائل: ج17، الباب 11 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


(79)

و الآخر ما رواه الشيخ عن محمّد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبد اللّه عن منصور بن العباس عن الحسن بن علي بن يقطين عن أُميّة بن عمرو عن الشعيري، قال سُئل أبو عبد اللّه عن سفينة انكسرت في البحر، فأُخرج بعضُها بالغوص و أخرج البحرُ بعضَ ما غرق فيها، فقال: «أمّا ما أخرجه البحر فهو لأهله اللّه أخرجه، و أمّا ما أخرج بالغوص فهو لهم و هم أحقّ به».(1)

و السند ضعيف لأنّ المراد من أبي عبد اللّه هو محمّد بن أحمد الرازي الجاموراني وقد استثناه ابن الوليد من رجال نوادر الحكمة(2). كما أنّ منصور بن العباس ضعيف.

قال النجاشي: منصور بن العبّاس أبو الحسن الرازي: سكن بغداد و مات بها، كان مضطرب الأمر له كتاب كبير. و مثله أُميّة بن عمرو الشعيري، قال الشيخ في رجاله واقفي و الظاهر أنّ الشعيري لقب الراوي و المروي عنه فإنّ السكوني أيضاً شعيري و كلاهما منسوبان إلى باب الشعير محلّة في بغداد و قيل وجه آخر.

و على ذلك فالسند الثاني لا يحتجّ به بخلاف السند الأول، بقي الكلام في دلالته وقد فسّرت الرواية بوجوه:

1ـ أنّ المراد أنّ ما أخرجه البحر فهو لأصحاب السفينة، و أمّا ما أخرج بالغوص فهو للغواصين، و هذا هو الظاهر. و لمّا كان هذا المعنى مخالفاً لمقتضى القاعدة لأنّ الأصل بقاء السلطة على المال و المالكيّة له سواء غرقت أم لا. سواء أخرجه الماء أم الغوّاص فما لم يعرض صاحب المال بإنشاء لفظي أو فعلي فهو له، و على ذلك فما أخرجه البحر فهو لصاحبه و ما أخرج بالغوص فهو له أيضاً. غاية الأمر لو أمر المالك الغوّاص بالإخراج فعليه له أجرة العمل، و إلاّ فلا يستحق شيئاً.


1 . الوسائل ج17، الباب 11 من أبواب اللقطة. الحديث 2.
2 . النجاشي: الرجال : ترجمة محمّد بن أحمد بن يحيى برقم 940.


(80)

2ـ هذا ما دعى بعضهم إلى إرجاع الضمير في قوله: «فهو لهم» إلى أصحاب السفينة أيضاً.

ولكن هذا التفسير يخالف ظاهر الرواية فإنّ الظاهر أنّها بصدد التفصيل بين المالكين، و أنّ ما أخرجه البحر فهو لمالكه و ما أخرجه الغوص فهو للغواص لا التفصيل بين إخراج اللّه و إخراج الغير.

3ـ الأخذ بظاهر الرواية و لكن وجه التفصيل هو وجود إعراض المالكين في القسم الثاني أي ما أخرجه الغوّاص بشهادة ما ورد في الرواية الأولى قوله: « و تركه صاحبه» و على ذلك تكون الرواية موافقة للقاعدة. و ظاهر الحال يؤيد ذلك التفصيل و ذلك لأنّ الأشياء ذات الكثافة القليلة تطفو على سطح الماء بسرعة فيستولي عليها أصحاب السفينة قبل مغادرة محلّ الغرق، و أمّا الأشياء الكثيفة فهي تغطس في البحر، و تخرج بعد مضي زمن يلازم مغادرة أصحاب السفينة موضع الغرق فتختصّ بالغواصين.

هذا هو الحكم الشرعي إلاّ أنّ القوانين البحرية العالمية بشكل آخر لا مجال لذكرها في المقام.

إلى هنا تمّ الكلام في المقدمة بفصليها و لندخل الآن في دراسة المقاصد.


(81)

مقاصد أربعة

المقصد الأوّل في دعوى الأملاك

قد عقد المحقق أبواباً باسم المقاصد، فالمقصد الأوّل يتولّى بيان كيفية القضاء في دعوى الأملاك كما أنّ الثاني يتولّى بيان كيفيّته في الاختلاف في العقود والمعاملات، كما أنّ الثالث يبيّن كيفية حلّ الاختلاف في المواريث، والرابع منها يتكفّل بيان حلّ الاختلاف في الولد، وإليك الكلام في المقصد الأوّل وفيه مسائل:

الأُولى: لو تنازعا عيناً ولا بيّنة في البين

إذا تنازعا في عين فله صور أربع:

1ـ أن تكون العين في يدهما.

2ـ أن تكون في يد أحدهما.

3ـ أن تكون في يد ثالث.

4ـ أن لا تكون هناك يد أصلاً، كما إذا تنازعا على خاتم سقط في بئر للمستطرقين ينتفع بها المشاة و الركاب.

وهذه الصور في حالة عدم وجود بيّنة و أمّا إذا كانت هناك بيّنة فيأتي فيه الكلام في المسألة الثانية وإليك البحث فيها واحداً تلو الآخر:

أ: أن تكون العين في يدهما، قال الشيخ في الخلاف: إذا ادّعى نفسان داراً وهما فيها أو الثوب و يدهما عليه، ولا بيّنة لواحد منهما، كان العين بينهما نصفين وبه قال الشافعي، إلاّ أنّه قال: يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه. دليلنا: إجماع


(82)

الفرقة و أخبارهم، وأيضاً روى أبوموسى الأشعري أنّ رجلين تنازعا دابّة ليس لأحدهما بيّنة فجعلها النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بينهما.(1)

إنّ مقتضى قاعدة العدل والإنصاف كون العين بينهما، وهذه القاعدة مطردة في الفقه وقد ورد النصّ على وفاقها في مورد الودعي إذا أودع رجل عنده دينارين و آخر ديناراً واحداً فاختلطا من غير اختيار فضاع دينار منها فقد جاء النصّ بأنّ لصاحب الدينارين ديناراً و نصفاً و لصاحب الدينار الواحد، نصف دينار (2)، مضافاً الى إطلاق صحيح عبداللّه بن المغيرة. (3)

إنّما الكلام في لزوم الحلف وعدمه ، فمن صوّر أنّ كلّواحد من الرجلين مدع من جهة و منكر من جهة أُخرى فقد قال بلزوم الحلف لأنّ الموضوع صغرى لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ البيّنة للمدّعي و اليمين على من أنكر، بيانه: أنّ كلّواحد من المدّعيين منكر لما بيده من نصف العين و مدّع بالنسبة إلى ما بيد الآخر، وبما أنّ كلّ واحد فاقد للبيّنة تصل النوبة إلى وظيفة المنكر فلكل واحد الحلف بالنسبة لما تحت يده بمعنى نفي دعوى الآخر بالنسبة إليه، وقد قال في المسالك في مقام التعليل: «عملاً بالعموم بل لم ينقل الأكثر فيه خلافاً».

وعلى هذا فالحلف حلف قضائي يترتّب عليه ما له من الآثار، فلو حلفا أو نكلا ترك المدّعى به في يدهما كما كان ، وإن حلف أحدهما دون الآخر قضي للحالف بالكل.

ثمّ إن حلف الذي بدأ الحاكم بتحليفه و نكل الآخر بعده، حلف يميناً ثانياً باسم اليمين المردودة إذا لمنقض بالنكول.

وإن عكس أي نكل الأوّل من أوّل الأمر و رغب الثاني في اليمين فقد


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 1.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 12 من أبواب الصلح، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب الصلح، الحديث 1.


(83)

اجتمع عليه يمين النفي للنصف الذي ادّعاه صاحبه (وهو الحلف الشائع في كلّ منكر). ويمين الإثبات للنصف الذي ادّعاه ، فتكفيه يمين واحدة يجمع فيها بين النفي والإثبات لأنّها بوحدتها جامعة بين اليمينين، فيحلف و يقول لا حقّ له في النصف الذي يدّعيه و النصف الآخر لي.

واحتمال وجوب يمينين مستقلّين إحداهما نافية والأُخرى مثبتة لتعدّد السبب، المقتضي لتعدّد المسبب مدفوع بأنّ مثلها تنحلّ إلى يمينين فتكفي يمين واحدة.

وهل يتخيّر الحاكم في الابتداء باليمين أو يقرع بينهما؟ وجهان و تظهر الفائدة في تعدّد اليمين على المبتدئ على تقدير نكول الآخر(1) بخلاف نكول المبتدئ فتكفي يمين واحدة من الآخر، وبما انّ تكليف المبتدئ أكثر من الآخر يقرع بينهما.

هذا التفصيل هو الذي ذكره الشهيد على القول بلزوم الحلف وإلاّ فلو قلنا بعدم وجوبه يكون هذا التفصيل فاقداً للموضوع.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر ممّن ناقش في لزوم الحلف ببيان موجز توضيحه: أنّ تصوير كلّ و احد منكراً بالنسبة إلى ما تحت يده، يتوقّف على أن يكون له يد على النصف المشاع كما في الدابّة المركوبة لهما، أو الثوب الذي يلبسانه، ومن المعلوم أنّ الاستيلاء على النصف المشاع فرع الاستيلاء على الكلّ حتّى يكون له استيلاء على نصف كلّ جزء من أجزاء العين، واستيلاء كلّ واحد منهما على الكلّ بهذا النحو يجعل كلاً منهما متداعياً لا مدّعياً ومنكراً. وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر بقوله: «ضرورة عدم تعقّل كون اليد على النصف المشاع إلاّ بكونها على العين أجمع في كلّ منهما، وحينئذ فلا مدّعي ولا مدّعى عليه منهما، ضرورة تساويهما في ذلكـ إلى أن قال:ـ ومنه يظهر عدم كون كلّ منهما مدّعياً لنصف الآخر


1 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/ 434


(84)

و مدّعى عليه في نصفه كي يتوجّه التحالف بل المتجّه إلغاء حكم يد كلّ منهما بالنسبة إلى تحقّق كونه مدّعى عليه، ويكون كما لو تداعيا عيناً لا يد لأحد عليها و لا بيّنة لكلّ منهما فانّ القضاء حينئذ بالحكم بينهما لكون الدعوى كاليد في السبب المزبور المحمول على التنصيف بعد تعذّر إعماله في الجميع للمعارض الذي هو استحالة اجتماع السببين على سبب واحد.

يلاحظ عليه; بأنّه يتمّ فيما لا يمكن التقسيم كالدابّة والثوب فإنّ الاستيلاء على النصف المشاع لا يتحقّق إلاّ بالاستيلاء على جميع المبيع وهذا ينتج خلاف المطلوب أي يجعلهما متداعيين، وأمّا بالنسبة إلى العين القابلة للتقسيم كالدار ذات الطابقين، إذا سكن كلّ في طابق خاص فثبوت اليد على النصف لا يتوقّف على الاستيلاء على الجميع.

والأولى في نفي وجوب الحلف بادّعاء انصراف الروايات إلى ما كانت اليد مستقلّة بالنسبة إلى الكلّ كما إذا كانت اليد لواحد دون الآخر. وأمّاإذا كانت اليد يداً غير مستقلّة كما هو المفروض فشمول روايات الباب بالنسبة إليه بعيد، و مقتضى الأصل العملي عدم الحلف مضافاً إلى ما رواه الشيخ عن قضاء النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومع ذلك فالحكم القضائي بالتنصيف في المقام لايتحقق إلا باليمين أخذاً بالنبوي: «إنّما أقضي بينكم بالأيمان و البيّنات» فإن لم تتحقق الثانية فلامحيص عن الأولى، فالحكم بالتنصيف حكم قضائي لابدّ من الإستناد إلى إحداهما.

ب: إذا كانت اليد لأحدهما دون الآخر قضي بها للمتشبّث مع يمينه إن اتّهمه الخصم وهو أظهر أفراد قاعدة: «البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر».

ج: ولو كانت في يد ثالث و يدهما خارجة عنها

لهذه الصورة الأصلية الثالثة أقسام:


(85)

1ـ صدّق من في يده أحدَهما.

2ـ صدّق من في يده كليهما.

3ـ إذا كذّبهما وقال لي، لا لكما.

4ـ إذا قال هي لأحدكما ولا أعرف صاحبه عينه.

5ـ ليست لي و لا أعرف صاحبها.

فإليك دراسة الأقسام:

أمّا القسم الأوّل: إذا قلنا بنفوذ إقراره، يصير المقرّ له بالإقرار، كذي اليد ، فيدخل هذا القسم، تحت الصورة الثانية الأصلية أي إذا كانت لأحدهما يد، دون الآخر و ليس هذا الإقرار ، إقراراً على الغير، إذ لم يثبت له حقّ، حتّى يكون الإقرار على ضرره، بل هو إقرار على النفس لصالح الآخر والفرق بين الاستيلائين بكونه في الثانية سابقاً على الدعوى، وفي المقام متأخّراً عن الدعوى غير مؤثّر لأنّ الأخذ بالإقرار يجعله كذي اليد، فيكون منكراً و المقرّ عليه مدّعياً، و يخرج المقِرّ عن كونه طرفَ الدعوى فيجري ما ذكرناه في ثانية الصور، من أنّ لمن ليس له اليد، إحلافَ من له اليد.

وإن شئت قلت: إنّ المقام عندئذ أشبه بالقضاء بشاهد (المقرّ) و يمين ، أي يمين المقرّ له.

نعم للمقرّ عليه إقامةُ دعوى أُخرى على المقِرّ إذا اتّهمه بأنّه مع علمه بأنّ العين له، أقرّ للآخر و له إحلافه على ذلك، ولو نكل يغرم قيمة العين له.

أمّا القسم الثاني: أي إذا صدّق من بيده العين كليهما فيدخل في الصورة الأُولى الأصليّة أي إذا كانت لهما يد على العين فيجري فيه ما ذكرناه فيها من التنصيف. عملاً بقاعدة العدل والانصاف، وأمّا إحلاف كلّ منهما الآخر، فقد عرفت إنصراف أدلّة لزوم حلف المنكر من مثل المورد، لما مرّ من انصرافه إلى ما


(86)

إذاكانت يد المنكر يداً مستقلّة، لا غير تامّة.و مع ذلك كلّه فالحكم القضائي لابدّ أن يستمدّ من أحد الأمرين اليمين والبيّنة وبما أنّ المفروض فقدان الثانية فلا محيص عن اليمين .

وأمّا القسم الثالث: أعني إذا كذّبهما، أُقرّت في يده لوجود اليد، وعليه الحلف لهما لكونهما مدّعيين و هو المنكر فإن حلف فهي له.

وأمّا إذا نكل : فإذا ردّ اليمين عليهما وحلفا، يكون كما إذا كان لهما يد على العين فيحكم بتنصيف العين و أمّا إذا حلف أحدهما دون الآخر فيحكم له و لو نكلا تترك العين عند ذي اليد، لعدم وجود الدليل على خلافه من البيّنة والحلف، فما في الجواهر من أنّه لو نكلا اقتسماه(1) غيرتامّ.

وأمّا القسم الرابع، أعني ما إذا قال: هي لأحدهما ولا أعرف صاحبه بعينه، فهنا احتمالان:

1ـ الإقراع بين المدّعيين لتمييز المالك عن غيره وهو خيرة العلاّمة في القواعد قال: «قرع بينهما لتساويهما في الدعوى و عدم البيّنة» فمن خرجت القرعة باسمه حلف للآخر و كانت له.

2ـ العمل بقاعدة العدل والانصاف، والحكم بالتنصيف ولعلّ الثاني أظهر وتؤيده رواية السكوني عن علي ـ عليه السَّلام ـ في رجل أقرّ عند موته لفلان و فلان لأحدهما عندي ألف درهم ثمّ مات على تلك الحال فقال علي ـ عليه السَّلام ـ : «لو أقام البيّنة فله المال وإن لم يُقم واحد منهما البيّنة فالمال بينهما نصفان».(2)

وأمّا القسم الخامس: أعني ما إذا قال ليست لي ولا أعرف صاحبها،فتخلع


1 . الجواهر:40/409.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 25 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1.


(87)

يده عنها، واستيلائهما عليها، يدخلها تحت الصورة الأُولى، أعني ما إذا ادّعيا عيناً و لهما يد فيحكم بالتنصيف. و يمكن القول بالحلف فأيّهما حلف فهو له و إن حلفا يجعل بينهما نصفين أخذاً بمعتبرة إسحاق بن عمّار (1) فإنّها وإن وردت فيما إذا كانت لكلّ بيّنته لكن لو قلنا بتساقطهما يكون المقام من مواردها أيضاً لأنّ وجودهما وعدمهما سواء عندئذ فيكون الحكم الوارد فيهما عاماً للموردين. فلاحظ.

د: بقي الكلام في الصورة الرابعة أعني ما إذا لم يكن تحت يد واحد منهما فهل المرجع هو الحلف كما في صحيح اسحاق بن عمّار أو الإقراع كما في المرسل عن أمير المؤمنين؟و سيوافيك بيانه في الصورة الرابعة للمسألة الثانية فانتظر.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(88)

في تعارض البيّنات

الثانية: قال المحقّق: يتحقّق التعارض في الشهادة....

و قبل الدخول في صلب الموضوع نقدِّم أُموراً:

الأوّل: ما هو الملاك لحجّية البيّنة؟

البيّنة حجّة لأجل كونها طريقاً إلى الواقع وإنّما تتّصف بها إذا لم يكن لها معارض، كما هو الحال في الخبرين ، فقول الثقة طريق إلى الواقع بشرط أن لايعارضه قول ثقة آخر فالتعارض وإن كان غير مناف للطريقة الشأنية لكنّه لايجتمع مع الطريقة الفعلية، فلذلك صار الأصل في المتعارضين التساقط وعدم الأخذ بهما و لا بواحد من الخبرين أو البيّنتين.

غير أنّه تضافرت الروايات على حجّية خبر الواحد عند التعارض إمّا بترجيح أحدهما على الآخر بنحو من المرجّحات أو بالتخيير بينهما عند عدم المرجّح فلولا روايات الترجيح و التخيير لكانت القاعدة المحكّمة في المتعارضين منه هي التساقط.

و مثله البيّنة فهي طريق فعلي لولا التعارض، ومعه ليست طريقاً فعلياً، وأمّا الطريق الشأني بمعنى كونها طريقاً لولا المعارض فهو وإن كان ثابتاً لكنّه ليس بمجد.

وعلى ضوء ذلك فالضابطة في تعارض البيّنات هي التساقط، غير أنّ السنّة أمرت بإعمالها بنحو من الأنحاء التالية:


(89)

أ. إمّا بالأخذ بأرجح البيّنتين من حيث العدد والعدالة.

ب. أو بإعمالهما بمعنى الأخذ بمضمونها حسب الإمكان و إن كانت إحداهما أرجح من الأُخرى مثل صورة التعادل.

ج. أو بإعمال بيّنة الداخل ، أي البيّنة الموافقة لقول ذي اليد وإهمال البيّنة المخالفة.

د.أو بإعمال بيّنة الخارج، أي الأخذ ببيّنة من ليست له يد و إهمال الأُخرى.

هـ. أو القرعة، بين المدّعيين ، فمن خرج اسمه تؤخذ بيّنته، و تهمل الأُخرى.

و لكلّ من هذه الأنحاء التي تريد حفظ حجّية البيّنة موارد خاصّة تمرّ عليك فإنّ موارد الأخذ بأرجح البيّنتين أو الأخذ بهما بقدر الإمكان غير مورد الأخذ ببيّنة الداخل أو الخارج، كما أنّ مورد القرعة غير مورد الأربعة ، والذي تجمعهم تحت مظلّة واحدة، محاولة الأخذ بالبيّنة بنحو من الأنحاء صيانة لها عن التساقط.

الثاني: في أنّ مورد الروايات، الأعيان الشخصيّة.

الروايات الدالّة على إعمال البيّنتين مختصّة بما إذا كان النزاع في الأعيان الشخصيّة، لا في الذمم والعقود وغيرهما. غير أنّ الفقهاء أهملوا هذه الجهة التي نحن بصدد التركيزعليها فأخذوا بإطلاقها ووقعوا في حيص و بيص، فجاءت الفتاوى مخالفة للفطرة السليمة والأحكام العرفية التي يميل إليها الإنسان بصفاء فكره.

و لأجل أن يكون الادّعاء مدعماً بالبرهان، نذكر في صدر البحث مجموعَ ما ورد حول تعارض البيّنات، والغرض من سردها الأُمور التالية:

أ. الإحاطة بالروايات بمجموعها قبل الخوض في الفروع، لتكون مقدّمة


(90)

للإحاطة بأحكام الصور. حتّى يقيّد إطلاق بعضها بالقيد الوارد في بعضها الآخر من حيث الترجيح أوّلاً، واعتبار الحلف ثانياً،و الحاجة إلى القرعة ثالثاً فلا يعرف ذلك إلاّ بالوقوف على الأحاديث دفعة واحدة.

ب. دراسة الروايات من الزاوية التي نحن بصدد بيانها و هي أنّ مورد الكلّ هو الأعيان الشخصية لا الذمم و العقود وغيرهما ، بل يجب في غير الأعيان الشخصية عرض المسألة على القواعد العامّة في باب القضاء وهوالتحالف في التداعي و انفساخ العقد، واليمين في التنازع أي في المدّعي والمنكر.

والنتيجة هو إهمال البيّنتين في مورد التداعي و التنازع ، إلاّ إذا كان النزاع في الأعيان الشخصية.

ج. الإيعاز إلى بعض التعارض الموجود بين الروايات و إليك سردها :

1ـ خبر أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يأتي القوم فيدَّعي داراً في أيديهم و يُقيم البيّنة و يقيم الذي في يده الدار، البيّنةَ أنّه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها، قال ـ عليه السَّلام ـ : «أكثرهم بيّنة يُستحلف وتدفع إليه ، وذكر أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البيّنة لهؤلاء أنّهم أنتجوها على مِذْودهم ولم يبيعوا ولم يهبوا، (و أقام هؤلاء البيّنة أنّهم انتجوها على مِذْودهم لم يبيعوا و لم يهبوا) فقضى ـ عليه السَّلام ـ بها لأكثرهم بيّنة و استحلفهم». قال: فسألته حينئذ فقلت: أرأيت إن كان الذي ادّعى الدار قال: إنّ أبي هذا الذي هو فيها أخذها بغير ثمن ، و لم يقم الذي هو فيها بيّنة إلاّ أنّه ورثها عن أبيه، قال: «إذا كان الأمر هكذا فهي للذي ادّعاها و أقام البيّنة عليها».(1)

ترى أنّ مورد الرواية هو الدار الشخصية وقد تعارضت فيها البيّنتان فأمر


1 . الوسائل: ج18،الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، و أكثر ما سيمرّ بك من الأحاديث فهو من هذا الكتاب،و من هذا الجزء و الباب ، و لذلك نختصر غالباً بالاشارة إلى الباب و رقم الحديث فقط.و ما بين القوسين يختلف لفظاً عمّا في الوسائل.


(91)

الإمام بالأخذ بأرجح البيّنتين في الموردين.

2ـ خبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في دابّة في أيديهما وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده فاحلفهما علي ـ عليه السَّلام ـ فحلف أحدهما و أبى الآخر أن يحلِف، فقضى بها للحالف فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة؟ فقال: أحلفهما فأيّهما حلفَ و نكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين، قيل: فإن كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البيّنة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده».(1)

إنّ الإمام حكم فيها بأحكام مختلفة حسب اختلاف الفروض، ولكن موضوع الجميع هو الدابّة التي هي من الأعيان الشخصية.

3ـ خبر غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ اختصم إليه رجلان في دابّة وكلاهما أقاما البيّنة أنّه أنتجها فقضى بها للذي في يده و قال: لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».(2)

فالرواية تحمل حكمين، فتارة تحكم بالأخذ بإحدى البيّنتين وأُخرى بكلّ واحدة منهما، و النزاع في الدابّة الشخصيّة.

4ـ خبر جابر: «إنّ رجلين اختصما إلى رسول اللّه في دابّة فأقام كلّ منهما البيّنة أنّه أنتجها، فقضى بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمن هي في يده».(3)

فالنبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر بأخذ بيّنة الداخل عندالتعارض والنزاع في عين شخصية.

5ـ خبر منصور، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :رجل في يده شاة فجاء رجل


1 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
2 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.
3 . المستدرك، ج17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، رواه غوالي اللئالي، ج3، ص 526، الحديث 31. ورواه في سنن البيهقي :10/256 .


(92)

فادّعاها فأقام البيّنة العدول إنّها ولدت عنده و لم يهب ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول، إنّها ولدت عنده ولم يَبع ولم يَهب. فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «حقّها للمدّعي ولا أقبل من الّذي في يده بيّنة، لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أمر أن تطلب البيّنة من المدّعي فإن كانت له بيّنة وإلاّ فيمين الذي هو في يده هكذا أمر اللّه عزّ وجلّ».(1)

ترى أنّ الإمام حكم بتقديم بيّنة الخارج خلافاً لحديث جابر، و الّذي يهمّنا تعيين موضع النزاع و هو الشاة المعيّنة.

6ـ المرسل عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قضى في البيّنتين تختلفان في الشيء الواحد يدّعيه الرجلان، أنّه يقرع بينهما فيه إذا عدلَت بيّنة كلّ واحد منهما و ليس في أيديهما، فأمّا إن كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفان، وإن كان في يدي أحدهما فإنّما البيّنة فيه على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه.(2)

فقد حكم الإمام هنا بأحكام ثلاثة حسب اختلاف الفروض، وموردها عين شخصيّة بقرينة كونها بيديهما أو بيد أحدهما.

7ـ الرضوي ـ عليه السَّلام ـ : «فإذا ادّعى رجل على رجل عقاراً أوحيواناً أو غيره وأقام بذلك بيّنة و أقام الذي في يده شاهدين فإنّ الحكم فيه أن يخرج الشيء من يد مالكه إلى المدّعي لأنّ البيّنة عليه».(3) و سيوافيك ذيله برقم 14.

وظهور الرواية في كون النزاع في عين شخصية غير خفي، ومثله الخبر التالي.

8ـ خبر تميم بن طرفة: إنّ رجلين ادّعيا بعيراً فأقام كلّ و احد منهما بيّنة فجعله أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بينهما .(4)


1 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.
2 . النوري، مستدرك الوسائل: ج17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
3 . النوري، المستدرك: ج17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث3.
4 . الوسائل: ج18، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.


(93)

وهناك روايات تؤكّد بالقرعة، وسوف نحدّد موردها ، و لكنّها بين خبر مجمل لا يحتج بإطلاقه و بين وارد في الأعيان الشخصية.وإليك ذلك القسم من الروايات وهي ثمان:

9ـ خبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان علي ـ عليه السَّلام ـ إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود، عدلهم سواء و عددهم، أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين»ـ إلى أن قال: ـ ثمّ يجعل الحقّ للذي تصير عليه اليمين إذاحلف».(1)

الرواية ليست بصدد بيان موضوع القرعة حتّى يتمسك بإطلاقها، بل هي بصدد بيان أنّ من شرائط القرعة مساواة العدول عدالة وعدداً، وأمّا أنّ القرعة في الأعيان الشخصية أو العقود و الذمم فليس بصدد بيانها.

10ـ موثقة سماعة: أنّ رجلين اختصما إلى علي ـ عليه السَّلام ـ في دابّة فزعم كلّ واحد منهما انّها نتجت على مِذوده و أقام كلّواحد منهما بيّنة سواءً في العدد فأقرع بينهما سهمين فعلّم السهمين كلّ واحد منهما بعلامة ثمّ قال: «اللّهمّ ربّ السَّماوات السبع و ربّ الأرضيين السبع وربّ العرش العظيم عالم الغيب والشهادة الرّحمن الرّحيم أيّهما كان صاحب الدابة وهو أولى بها فأسألك أن يقرع ويخرج سهمه» فخرج سهم أحدهما فقضى له بها. (2)

والرواية واردة في الدابّة وهي عين شخصية.

11ـ رواية داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في شاهدين شهدا على أمر واحد و جاء آخران فشهدا على غير الذي شهدا عليه و اختلفوا قال ـ عليه السَّلام ـ : «يقرع بينهم فأيّهم قرع ، فعليه اليمين و هو أولى بالقضاء». (3)

ولا يغرّنك لفظ «على أمر واحد» فإنّه وارد على لسان الراوي لا الإمام ـ عليه السَّلام ـ ،


1 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث5.
2 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث12.
3 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(94)

وعلى كلّ تقدير ليس السائل و المسؤول بصدد بيان هذا الجانب، و إنّما يريد السائل معرفة حلّ مشكلة المتعارضين فأشار الإمام إلى القرعة، و من يصار إليه اليمين وأمّا ما محلّها فهل هو الأعيان الشخصية أو يعمّ العقود و الذمم؟ فليس بصدد بيانه. ومنها يظهر حال صحيح الحلبي التالي .

12ـ صحيح الحلبي سئل أبو عبداللّه عن رجلين شهدا على أمر و جاء آخران فشهدا على غير ذلك فاختلفوا قال: «يقرع بينهم فأيّهم قرُع فعليه اليمين وهو أولى بالحقّ». (1) فالرواية بصدد بيان من يصار إليه اليمين.

13ـ رواية زرارة عن أبي جعفر قال قلت له: رجل شهد له رجلان بأنّ له عند رجل خمسين درهماً، وجاء آخران فشهدا بأنّ له عنده مائة درهم، كلّهم شهدوا في موقف. قال ـ عليه السَّلام ـ : «أقرع بينهم ثمّ استحلف الّذين أصابهم القرع باللّه إنّهم يحلفون بالحقّ». (2)

والظاهر أنّ الرجل كان ودعيّاً و النزاع في مقدار الدراهم المودوعة، فيرجع النزاع إلى الأعيان الشخصية.

14ـ الرضوي ـ عليه السَّلام ـ : «فإن لم يكن الملك في يدي أحد و ادّعى فيه الخصمان جميعاً فكلّ من أقام عليه شاهدين فهوأحقّ به، فإن أقام كلّ واحد منهما شاهدين فانّ أحقّ المدّعيين من عُدِّل شاهداه، فإن استوى الشهود في العدالة فأكثرهم شهوداً يحلف باللّه و يدفع إليه الشيء».(3)

15ـ خبر عبد اللّه بن سنان : قال سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «إنّ رجلين اختصما في دابّة إلى عليّ ـ عليه السَّلام ـ فزعم... إلى آخر ما في موثّقة سماعة التي مرّت برقم (10) بتفاوت يسير، ثمّ قال: وكان أيضاً إذا اختصم إليه الخصمان في جارية فزعم


1 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11.
2 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث7.
3 . النوري، المستدرك، ج17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث4 و قد مرّ صدر 5 برقم 7.


(95)

أحدهما أنّه اشتراها و زعم الآخر أنّه أنتجها فكانا إذا أقاما البيّنة جميعاً قضى به للذي انتجت عنده».(1)

وكون مورد الرواية عيناً شخصيّة لا يقبل الإنكار.

16ـ مرسلة داود العطار عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود أنّ هذه المرأة امرأة فلان وجاء آخران فشهدا أنّها امرأة فلان فاعتدل الشهود و عدلوا. فقال ـ عليه السَّلام ـ : «يقرع بينهم فمن خرج سهمه فهوالمحقّ و هوأولى بها».(2)

وهذه الروايات الثمان الواردة في العمل بالقرعة عند تعارض البيّنتين لاتتجاوز عن كون محلّها هو النزاع في الأعيان الشخصية.

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي قد سلّم أنّ عنوان المسألة في كلمات العلماء في تعارض البيّنتين هو النزاع في الأعيان و قال: وهو مورد غالب الأخبار إلاّ أنّ الظاهر أنّ الحكم في غير الأعيان أيضاً كذلك كما إذا تنازعا في دين خاص معيّن من جميع الجهات أو تنازعا في أنّ الموصي أوصى بمائة دينار مثلاً لزيد أو لعمرو أو تنازعا في منفعة ملك أو في حقّ من الحقوق كالتولية للوقف وحقّ الرهن وحقّ الخيار أو تنازعا في نكاح أو طلاق أو نحو ذلك لظهور الأخبار في المثالية كصحيحة الحلبي و خبر داود بن سرحان و خصوص بعضها في الدين كخبر زرارة وبعضها في الزوجيّة كخبر داود العطّار واختصاص جملة منها بالأعيان من حيث المورد لا يقتضي اختصاص الحكم بها وإلاّ فاللازم تخصيص كلّ بخصوصه من البقرة أو الدابّة أو الجارية أو نحو ذلك، فالحكم في الجميع واحد في العمل بالمرجّح و مع فقده فالقرعة ثمّ الحلف. (3)


1 . الوسائل: ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث15.
2 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث8.
3 . السيّد الطباطبائي، الملحقات:2/158.


(96)

يلاحظ عليه: أنّ قياس النزاع في العقود و النسب والمواريث بالنزاع في الأعيان قياس ممنوع، وما ادّعى من الإطلاق في الأخبار غير واضح.

أمّا صحيحة الحلبي فقد عرفت أنّها ليست في مقام البيان من حيث سعة الموضوع و ضيقه و إنّما هو بصدد بيان استخراج من يصار إليه الحلف، ومنه يظهر حال خبر داود بن سرحان حرفاً بحرف، فلاحظ ما ذكرنا.

وأمّا خبر زرارة فمورده هو الودعي لا الدين ولا أقلّ أنّ الأوّل هو المحتمل مثل الدين .

وأمّا خبر داود العطار فالنزاع فيه في العين الخارجية و الزوجيّة المعيّنة.

ثمّ إنّ صاحب المستند قد اختار ما اخترناه و لكنّه عالج التعارض في غير الأعيان برفض بيّنة المنكر و العمل ببيّنة المدّعي، قال: «إنّ جميع الأخبار المتضمّنة لسماع بيّنة المنكر أيضاً و مزاحمتها لبيّنة المدّعي كانت مخصوصة بالأعيان من الأموال فلا أثر لها في غيرها ـ إلى أن قال : ـ فمورد التعارض الواقع في غير الأعيان إن كان ممّا يكون أحدهما مدّعياً و الآخر منكراً تطرح بيّنة المنكر و يعمل بمقتضى بيّنة المدّعي». (1)

و لكن سيوافيك أنّ بيّنة المنكر كبيّنة المدّعي حجّة جنباً إلى جنب فمقتضى القاعدة تساقطهما و الرجوع إلى الضوابط القضائية.

الثالث: في بعض الروايات الشاذة:

إنّ في المقام روايات وقد عالج الإمام ـ عليه السَّلام ـ فيهما تعارض البيّنتين بشكل غير ما ورد من الأنحاء الخمسة من الأخذ بأرجح البيّنتين أو التنصيف أو الأخذ ببينّة الداخل أو بيّنة الخارج، أو العمل بالقرعة، وإليك الروايتين الخارجتين عن ذلك


1 . النراقي، المستند:2/558.


(97)

الإطار، ولكن جميعها ورد في إطار خاص و هوالنزاع في الأعيان الشخصية.

17ـ خبر السكوني عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ عن أبيه ـ عليه السَّلام ـ عن آبائه ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ : «إنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قضى في رجلين ادّعيا بغلة فأقام أحدهما شاهدين و الآخر خمسة فقال ـ عليه السَّلام ـ : لصاحب الخمسة خمسة أسهم ولصاحب الشاهدين سهمين». (1) والمضمون مناف لما دلّ على الترجيح بالأكثرية فيطرح للإعراض إلاّ عن أبي علي الإسكافي.

18ـ ما عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ «في رجل ادّعى على امرأة أنّه تزوّجها بوليّ و شهود و أنكرت المرأة ذلك، فأقامت أُخت هذه المرأة على رجل آخر البيّنة أنّه تزوّجها بوليّ وشهود ولم يؤقتا وقتاً، إنّ البيّنة بيّنة الزوج، ولا تقبل بيّنة المرأة لأنّ الزوج قد استحقّ بضع هذه المرأة و تريد أُختها فساد النكاح فلا تصدق ولا تقبل بيّنتها إلاّ بوقت قبل وقتها أو دخول بها».(2)

الرابع: في وجود التعارض الصريح بينها

لا يخفى وجود التعارض بين الروايات و نشير إلى موردين:

1ـ فيما إذا كانت العين بيدهما

مقتضى معتبرة إسحاق أنّه يقضي للحالف، مع أنّ مقتضى رواية ابن طرفة والمرسل أنّها بينهما.

2ـ فيما إذا كانت العين بيد أحدهما

ففي حديث إسحاق و خبر جابر و غياث أنّه يقضي لصاحب اليد مع أنّ


1 . الوسائل:ج18، الباب12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث10.
2 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث13.


(98)

مقتضى خبر منصور والمرسل والرضوي الأوّل أنّه يقضى لغيره. وأمّا الاختلاف من حيث الإطلاق و التقييد فحدِّث عنه ولا حرج.

وعلى كلّ تقدير، الروايات الواردة في المقام مشوشة جدّاً كفتاوى العلماء، غير أنّك بفضله سبحانه تقف على رفع التعارض عند دراسة الصور .

الخامس : في صور المسألة

إنّ صور المسألة أربع لأنّ العين إمّا أن تكون في يدي المتداعيين ، أو بيد أحدهما ، أو بيد ثالث، أو لا يد عليها. و أقام كلّ واحد البيّنة. والحقّ أنّ المسألة من عويصات الفنّ و قد ألّف بعضهم رسالة خاصّة و المقصود من التعارض ما إذا كانت البيّنتان على وجه لا يمكن الجمع بين مضمونيهما كأن تشهد إحداهما أنّ العين ملك لزيد، و الأُخرى على أنّها ملك لعمرو كذلك، بخلاف ما إذا شهدت الأُولى بأنّها كانت ملكاً لزيد أمس، و الثانية بأنّها ملك لعمرو الآن لعدم المنافاة في المضمون بعد كون الزمان متغايراً إذا عرفت ذلك فلنشرع في بيان أحكام الصور:

الصورة الأُولى:
إذا كانت العين بيدهما و لكلّ بيّنة

ذهب المشهور من فقهائنا إلى أنّه يقضي بها بينهما نصفين، من دون إقراع ولا ترجيح بكثرة العدالة و العدد. قال ابن فهد:و أكثر المتأخرين لم يذكروا هذين المرجّحين إلاّ في القسم الثالث أعني: خروج أيديهما.(1)

وقال في المسالك : إذا تعارضت البيّنتان وكانت العين في يدهما لا إشكال في الحكم بينهما نصفين لكن اختلف في سببه.(2)


1 . ابن فهد الحلي: المهذّب: 4/493.
2 . زين الدين العاملي: المسالك: 2/443.


(99)

وقال في الجواهر في شرح قول المحقّق: «يقضي بينهما نصفين» من دون إقراع ولا ملاحظة ترجيح بأعدلية أو أكثرية بلا خلاف أجده بين من تأخّر عن القديمين: الحسن و أبي علي (1) بل صرّح غير واحد منهم بعدم الالتفات إلى المرجّحات الآتية في غير هذه الصورة.(2)

وقال السيّد الطباطبائي: الأشهر التنصيف سواء تفاوتت البيّنتان عدالة وعدداً أم اختلفتا و عن المفاتيح بلا خلاف و عن بعضهم الرجوع إلى المرجّحات من الأكثرية أو الأعدلية و عن بعضهم : الحاجة إلى الحلف أيضاً.(3)

هذا هو القول المشهور و قد خالفه القديمان والصدوق و ا لمفيد.

و هؤلاء خالفوا إمّا بالرجوع إلى القرعة ، كما هو الظاهر من العمّاني أو بالرجوع إلى المرجّح كما هو الظاهر من الثلاثة الأخيرة وإليك نصوصهم:

1ـ قال ابن أبي عقيل بالقرعة بينهما و هي لكلّ أمر مشكل لأنّ التنصيف تكذيب للبيّنتين.(4)

2ـ قال ابن الجنيد: إذا ساوت البيّنتان من حيث الوصف (العدالة) و العدد يطلب من المدّعيين فإن حلف أحدهما استحقّ الجميع وإن حلفا اقتسماها و إذا اختلفتا من حيث العدالة و الأكثرية يقرع فمن أخرجته القرعة حلف وأخذ العين.(5)

3ـ وقال الصدوق: فإن أقام كلّواحد منهما البيّنة فإنّ أحقّ المدّعيين من


1 . كان عليه أن يضيف إليهما الصدوق و المفيد كما سيظهر.
2 . الجواهر: 40/410.
3 . السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة:2/155ـ156.
4 . مختلف الشيعة، كتاب القضاء، الفصل الثامن، المسألة الأُولى، 141، وقد لخّصنا عبارة القديمين.
5 . مختلف الشيعة، كتاب القضاء، الفصل الثامن، المسألة الأُولى، 141، وقد لخّصنا عبارة القديمين.


(100)

عدل شاهداه و إن استوى الشهود في العدالة فأكثرهم شهوداً.(1)

4ـ وقال المفيد: إذا تنازع نفسان في شيء ـ إلى أن قال: ـ و إن رجّح بعضهم على بعض في العدالة حكم لأعدلهما شهوداً... و إن كان لأحدهما شهود أكثر عدداً حكم لأكثرهما شهوداً.(2)

وليعلم أنّ استنباط المخالفة من كلامهم مبنيّ على الأخذ بإطلاق كلامهم الشامل للصورة الأُولى التي نحن بصدد بيان حكمها و إلاّ فلا تظهر منهم المخالفة و لعلّ كلامهم في غير هذه الصورة.

الاستدلال على قول المشهور

إنّ الاعتماد على هذا القول يتوقّف على إثبات أُمور:

الأوّل: ما هو السبب للحكم بالتنصيف؟

الثاني: عدم الرجوع إلى سائر المرجّحات كالأكثرية عدداً أو عدالة أوالقرعة وسائر المرجّحات التي سترد عليك عند البحث عن الصورة الثانية من كون الشهادة على الملك المطلق أو السبب.

الثالث: عدم الحاجة إلى اليمين.

و إليك بيان الأُمور الثلاثة:

أمّا الأوّل: فالحكم بالتنصيف لأجل أحد الأُمور التالية:

1ـ تساقط البيّنتين بسبب التساوي بقي الحكم كما لو لم تكن هناك بيّنة و هذا هو الأقوى عندي كما سيظهر آخر البحث.


1 . الصدوق، المقنع،133، باب القضاء والأحكام.
2 . المفيد،المقنعة،114، باب كيفية سماع القضاء، البينات.


(101)

2ـ حجيّة بيّنة الداخل دون بيّنة الخارج أو ترجيح بيّنة الداخل على بيّنة الخارج باليد.

3ـ حجّية بيّنة الخارج دون بيّنة الداخل، لأنّ البيّنة للمدّعي لا للمنكر، و كلّ منهما مدّع بالنسبة إلى ما في يد الآخر فيقضي لكلّ بما في يد الآخر أخذاً ببيّنة المدّعي و طرحاً ببيّنة المنكر.

والنتيجة على الجميع و إن كانت واحدة، لكن الثمرة تظهر في اليمين فلو قلنا بالأوّل أي تساقط البيّنتين، فلابدّ لكلّ من يقضى له، من اليمين، لأنّ الدعوى لا تحسم إلاّ بالبيّنة أو باليمين فإذا طرحت الأُولى فلا محيص عن الثاني، فيحلف كلّ على الآخر. وهذا بخلاف الأخيرين لأنّ القضاء عليهما بالبيّنة، إمّا ترجيحاً لبيّنة الداخل على الخارج أي ترجيحاً لاحدى البيّنتين على الأُخرى، أو طرحاً لبيّنة الداخل بناء على عدم حجّية بيّنة الداخل (المنكر) في مقابل حجّية الخارج (المدّعي).

وقد ذكر المحقّق الأردبيلي مباني التنصيف في هذه الصورة و قال: لا إشكال حينئذ في التقسيم بينهما نصفان، إنّما الإشكال في سببه فيحتمل أن يكون سببه تعارضَ البيّنات و تساقطها فيكون (لكلِّ واحد) ما كان في يديهما ولا بيّنة، فيحلف كلّ واحد للآخر بالنفي، ويدفع خصمه عمّا في يده، فيبقى ذلك له بيمينه.

ويحتمل أن يكون السبب تقديم بيّنة ذي اليد، فيرجّح كلّ واحد على الآخر بما في يده بسبب البيّنة واليد فلا يمين.

ويحتمل أن يكون كلّ واحد خارجاً بالنسبة إلى مافي يد الآخر و معه البيّنة فيكون القول قوله، مثل من كان له بيّنة على ذي اليد ولا يمين حينئذ أيضاً وظاهر كلامهم ـ وهو الظاهر أيضاً مع قطع النظر عن الأخبار ـ عدم اليمين و كون الحكم مستنداً إلى التساوي إذ لكلّ واحد يد و بيّنة فالعقل يحكم بالتساوي لعدم الترجيح ولا يمين، فإنّ اليمين في عرف الشرع ، إنّما هي مع عدم البيّنة وبدونها


(102)

نادرة في صورة مخصوصة وليس هذه منها.(1)

ومع ذلك كلّه فالظاهر أنّ السبب هو تساقط البيّنتين ، لا ترجيح بيّنة الداخل أو تقديم الخارج على الآخر و ذلك لوجهين:

1ـ إنّ يد كلّ منهما على الكلّ لا على النصف، فما دلّ على تقديم بيّنة الخارج أو الداخل فيما إذا كان لأحدهما يد دون الآخرلا في مثل المقام الذي لكلّ يد على الجميع غاية الأمر يد غير مستقلّة أي لها معارض، وعلى ضوء هذا، فبيّنة كلّ من المدّعيين بالنسبة إلى العين بيّنة الداخل.

2ـ إنّ كلاًّ من البيّنتين يشهد على كون المجموع لصاحبها، فالعمل بها في النصف ليس عملاً ببيّنة الداخل أو الخارج، و هذا يكشف عن أنّ السبب، هو تساقط البيّنتين و رجوع الصورة إلى ما إذا لم يكن لأحدهما بيّنة، التي تسالم القول فيها بالحكم بالتنصيف. كما حقق في محلّه

هذا كلّه حسب القواعد ، وتدلّ على الحكم بالتنصيف عدّة روايات:

1ـ إطلاق صحيح عبد اللّه بن المغيرة، عن غير واحد من أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني و بينك فقال: «أمّا الّذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له، وأنّه لصاحبه و يقسم الآخر بينهما».(2)و كون الدرهمين تحت يدهما واضح و إطلاقه يعمّ ما إذا كان لهما بيّنة أو لم يكن خصوصاً لو قلنا بأنّ السبب هو سقوط البيّنتين فتكون الصورة داخلة تحت الخبر حقيقة أو حكماً.

2ـ إطلاق مرسل محمّد بن أبي حمزة عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ نحوه.(3)


1 . المحقق الأردبيلي : مجمع الفائدة:12/228.و ما بين القوسين (لكلّ واحد) إضافة منّا للايضاح.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث1 و اوعز إلى المرسل في ذيل الحديث.
3 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث1 و اوعز إلى المرسل في ذيل الحديث.


(103)

3ـ صريح رواية ابن طرفة: إنّ رجلين ادّعيا بعيراً فأقام كلّ منهما بيّنة فجعله علي ـ عليه السَّلام ـ بينهما.(1)

4ـ ومفهوم خبر غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ اختصم إليه رجلان في دابّة و كلاهماأقاما البيّنة أنّه انتجها فقضى للذي في يده و قال : لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».(2)

وجه الاستدلال: إنّ لقوله: «لو لم تكن في يده» حالتين، أن لا يكون لهما يد أبداً، أو كان لكليهما يد. كما هوالمفروض في المقام.

5ـ المرسل عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ أنّه قضى في البيّنتين تختلفان في الشيء الواحد يدّعيه الرجلان، أنّه يقرع بينهما فيه إذا عدلت بيّنة كلّ واحد منهما و ليس في أيديهما ، فأمّا إن كان في أيديهما فهو فيما بينهما نصفان و إن كان في يدي أحدهما فالبيّنة فيه على المدّعي واليمين على المدّعى عليه.(3)

6ـ رواية السكوني عن الصادق عن أبيه عليمها السَّلام في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها، قال : «يعطي صاحب الدينارين ديناراً ويقسّم الآخر بينهما نصفين.(4) وجه الاستدلال أنّ يد الودعي، يد المودعين فكانَّلكلّ واحد يداً على الدينار بضميمة ترك الاستفصال عن إقامة البيّنة وعدمها.

وهذه الروايات الست وإن كانت بعضها خاضعة للنقاش من إنكار الإطلاق، لكن المجموع من حيث المجموع كاف في إثبات الحكم بالتنصيف.

وقال في الجواهر (5)ـ مضافاً إلى إطلاق النبوي و لو كان مراده من النبوي ما


1 . الوسائل:ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4، 3.
2 . الوسائل:ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4، 3.
3 . مستدرك الوسائل: الجزء 17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء 13، الباب 12 من أحكام الصلح، الحديث 1.
5 . الجواهر: 40/413.


(104)

نقله في ص 421، و مرّ برقم6 وهو المروي في السنن(1) والخلاف (2) و المستدرك(3). فهو راجع إلى الصورة الثانية و إن كان مراده ما نقله في صفحة 402 فالمفروض فيه عدم البيّنة لهما.

وأمّا الثاني أي عدم العبرة بالمرجّح لانّ الترجيح فرع وجود الحجّتين ، وتساويهما، فعلى السبب الأوّل لا حجّة في البين أصلاً وعلى الثالث الحجّة منحصرة ببيّنة الخارج وعلى الثاني و إن كان كلّ حجة لكن لا تساوي بينهما، لكون اليد مرجّحاًحتّى يتوقّف اختيار أحدهما على المرجّح.

إلى هنا ظهر أنّ القول المشهور مبني على أحد هذه الأسباب الثلاثة و أنّ عدم الرجوع إلى المرجّحات لأجل عدم الموضوع له.

أضف إلى ذلك، أنّ بعض ما دلّ على التنصيف بلا مرجّح، يحكى عن الإمام في مقام القضاء فلو كان الرجوع إلى المرجّح أمراً لازماً يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإنّما يجوز التأخير إذا كان الإمام في مقام بيان الحكم، لا في مقام تحقيقه و تجسيده في الخارج.

وما يظهر من إطلاق بعض النصوص السابقة الدالّة على الترجيح بكثرة العدالة، والعدد الشامل لهذه الصورة بإطلاقه لا بنصّه أو إطلاق الأدلّة الدالة على الترجيح بالقرعة الشامل لهذه الصورة، محجوج بالنصوص المتعاضدة من دون ملاحظة شيء من هذه المرجّحات، فما يظهر من السيّد الطباطبائي من الرجوع إلى القرعة في هذه الصورة بل في عامّة الصور، ممّا لا يمكن المساعدة معه و إنّما انفرد هو بهذه الفتوى بين العلماء على أنّ الظاهر من المرسل(4)من أمير المؤمنين و الرضوي الثاني (5) اختصاص القرعة بما ليس في أيديهما و هو الذي استظهره السيّد


1 . البيهقي، السنن: 10/255
2 . الطوسي، الخلاف:3/352، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 2.
3 . النوري، المستدرك: الجزء 17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
4 . مرّا برقم6و 14.
5 . مرّا برقم6و 14.


(105)

الطباطبائي أيضاً في ملحقاته.

وأمّا الثالث: أي عدم اليمين فظاهر الروايات أنّ الحكم كذلك من غير يمين ولعلّه لأجل أنّ الحكم القضائي في المقام مستند إلى البيّنة ، إمّا ترجيحاً كما في السبب الثاني أو انحصاراً كما في السبب الثالث على ما عرفت على خلاف المختار.

لكن مقتضى معتبر إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في نفس هذه الصورة: « أنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في دابّة في أيديهما، وأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده فأحلفهما عليّ ـ عليه السَّلام ـ فحلف أحدهما و أبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف» (1)هو القضاء للحالف مكان الحكم بالتنصيف إلاّ أن يحلفا وفي سنده رجلان:

1ـ غياث بن كلوب قال الشيخ في العدّة: إنّ العصابة عملت برواياته فيمالم ينكر، ولم يكن عندهم خلافه.(2) وقد عرفت وجود المخالف في المورد من الروايات.

2ـ الخشاب و هولقب عدّة، منهم: الحجاج بن رفاعة و أحمد بن عيسى، و التواب بن الحسن، والحسن بن موسى، و عمران بن موسى و ظاهر نقد الرجال للتفريشي انصرافه إلى الحسن بن موسى و لم يثبت.(3) و لعلّ المراد هو أحمد بن عيسى بن جعفر العلوي الذي و ثقه الشيخ في رجاله.(4) أو الحسن بن موسى الذي هو من وجوه الحديث و لعلّ الثاني هو المتعيّن كما سيوافيك.

و مع ذلك فالاعتماد على هذه الرواية، مع وجود المخالف المتضافر


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
2 . الطوسي، العدّة: 1/56.
3 . المامقاني، تنقيح المقال: 3/62.
4 . الطوسي، الرجال: 439.


(106)

وإعراض المشهور، و اشتماله على حكم شاذ في ذيله كما سيوافيك في الصورة الثالثة (إذا لم تكن يد واحد عليها) مشكل. ولأجله لم يعتمد المشهور عليها. وحكموا بالتنصيف بلا يمين و قال في الجواهر: إلاّ أنّه خبر واحد، و في سنده مافيه، و المشهور نقلاً و تحصيلاً على خلافه فلا يصلح تقييداً لما دلّ من النصوص على التنصيف بدونه.

و لكن هناك شيء و هو أنّ الحكم القضائي لابدّ أن يستند إلى البيّنة أو اليمين و بما أنّك عرفت، سقوط البيّنتين و أنّ التنصيف ليس عملاً بهما، فحسم مادة النزاع يتوقّف على اليمين إلاّ أن يكون الحكم بالتنصيف حكماً غير قضائي بل حكماً شرعياً ظاهرياً على التنصيف فليس التنصيف إلاّ تصالحاً بين المتداعيين و إن كان الحكم الواقعي محفوظاً في ظرفه فالأحوط لو لم يكن الأقوى الحكم بالتنصيف ـ كما يقوله المشهور ـ لكن مع التحالف و به تقيّد إطلاق سائر الروايات كما هو الحال إذا نكلا، نعم لو حلف واحد منهما دون الآخر يختصّ به.

هذا وقد اختار السيّد الأُستاذ في هذه الصورة قول المحقق و قال: و إن كان في يدهما فيحكم بالتنصيف بمقتضى بيّنة الخارج وعدم اعتبار بيّنة الداخل.(1)

ثمّ إنّ المحقّق الأردبيلي اختار في هذه الصورة التنصيف أوّلاً ثمّ عدل إلى الترجيح بالحكم للأعدل والأكثر، ومع كون أحدهما أعدل والآخر أكثر، احتمالات ثالثها القرعة واليمين كما في صورة اليمين للجمع بين الأخبار فإنّ بعضها مطلقة و بعضها مقيّدة فتحمل الأُولى على الثانية. (2)


1 . الإمام الخميني: تحرير الوسيلة:2/433، المسألة 8.
2 . المحقق الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/225و232.


(107)

الصورة الثانية:
إذا كانت العين بيد واحد منهما و لكلّ بيّنة

إنّ لهذه الصورة حالات ذكرها المحقّق في الشرائع و نقدّم التعرّف عليها ثمّ نبحث عن حكم كلّ حالة مستقلاً:

1ـ إذا شهدت البيّنتان بالملك المطلق.

2ـ إذا شهدت البيّنتان بالسبب كالنتاج في الحيوان.

3ـ إذا شهدت بيّنة ذي اليد بالسبب وبيّنة الآخر بالملك المطلق.

4ـ عكس الحالة الثالثة بأن شهدت بيّنة ذي اليد بالملك المطلق و بيّنة الآخر على السبب.

وإليك البحث في كلّ واحدة.

إنّ في هذه الصورة حسب اختلاف الحالات الأربع أقوال كثيرة أنهاها المحقّق النراقي في المستند إلى تسعة.(1) فكثرة الأقوال راجعة إلى اختلاف الحالات.

و ربّما يوجد في المسألة أقوال أُخر و تردّد جماعة في المسألة أيضاً كما في الدروس و اللمعة و المسالك والكفاية.(2)

امّا الحالة الأُولى ففيها أقوال أربعة:

1ـ تقديم بيّنة الخارج

قال المحقق: يقضي بها للخارج دون المتشبّث، أي يحتجّ ببيّنة الخارج وهي بيّنة غير ذي اليد و تترك بيّنة الداخل وهي بيّنة ذي اليد وهو خيرة المحقق في


1 . النراقي، المستند:2/553ـ555.
2 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/155.


(108)

الشرائع و ألمح إليها الشيخ الطوسي في الخلاف في آخر كلامه. قال: وقال أحمد بن حنبل لا أسمع بيّنة صاحب اليد بحال في أيّ مكان كان، وقد روى ذلك أصحابنا أيضاً. و تحقيق الخلاف مع أبي حنيفة هل تسمع بيّنة الداخل أم لا، عند الشافعي تسمع، وعنده لا تسمع والفقهاء يقولون بيّنة الداخل أولى وهذه عبارة فاسدة ـ إلى أن قال: ـ و هذه المسألة ملقّبة به بيّنة الداخل و الخارج فانّ الداخل من كانت يده على الملك والخارج من لا يد له عليه.(1)

وقال في المبسوط: إذا تنازعا داراً يد أحدهماعليها، فأقام من هي في يديه البيّنةَ أنّها ملكه، وأقام الخارج البيّنةَ أنّها ملكه وأنّه أودعها إيّاها أو آجرها فالبيّنة بيّنة الخارج لأنّ اليد له فإنّ بيّنته أثبتت أنّ يد من هي في يديه نائبة مناب يد الخارج وقائمة مقامه، فاليد له فكانت بيّنة صاحب اليد أولى كما لو أقام الخارج البيّنة أنّها له و أنّه غصبه إيّاها كان عليه ردّها و كذلك هاهنا.(2)

وقال ابن إدريس: إذا تنازعا عيناً وهي في يد أحدهما وأقام كلّ


1 . الخلاف، ج3/353، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 2.
2 . المبسوط:8/299 ولا تظن التهافت بين قوله :«فالبيّنة ، بيّنة الخارج» وقوله: «لأنّ اليد له » لأنّ كون صاحب بيّنة الخارج ذا يد حسب ما قررّ، تنزيلي لا حقيقي كما يشير إليه قوله : «فإنّ بيّنته أثبتت».


(109)

واحد منهما بيّنة بما يدّعيه من الملكيّة، انتزعت العين من يد الداخل واعطيت الخارج، وكانت بيّنة الخارج أولى، وهي المسموعة سواء أشهدت بيّنة الداخل بالملك بالإطلاق أو بالأسباب بقديمه أو بحديثه كيفما دارت القصّة فإنّ بيّنة الخارج أولى على الصحيح بالمذهب و أقوال أصحابنا و لقوله ـ عليه السَّلام ـ : المجمع عليه من الفريقين المخالف و المؤالف الملتقى عند الجميع بالقبول و هو «البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه»، فقد جعل ـ عليه السَّلام ـ البيّنة في جنبة المدّعي بغير خلاف(1).

وقال الشهيد الثاني: إذا كانت العين المتنازع فيها في يد أحدهما و أقام كلّ واحد منهما بيّنة ففي ترجيح أيّهما أقوال أحدها ترجيح الخارج مطلقاً سواء أشهد بالملك المطلق أم المقيّد بالسبب بأن شهدت إحداهما بالملك المطلق و الأُخرى بالسبب، ذهب إلى ذلك الصدوقان وسلاّر و ابن زهرة وابن إدريس والشيخ في موضع من الخلاف.(2)

ولنقتصر بهذا المقدار من أصحاب هذا القول.

استدلّ لهذا القول بوجوه:

1ـ المرسل عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في البيّنتين تختلفان في الشيء الواحد يدّعيه الرجلان:أنّهما يقرع بينهما فيه إذا عدلت بيّنة كلّ منهما و ليس في أيديهما . فأمّا إن كان في أيديهما فهو نصفان . وإن كانت في يد أحدهما فالبيّنة فيه على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه.(3)

ومحل الاستشهاد ذيله أعني قوله: «و إن كانت في يد أحدهما فالبيّنة فيه على المدّعي» و مورده إذا كان لكلّواحد من ذي اليد وغيره بيّنة لأنّ السؤال عن البيّنتين تختلفان في الشيء الواحد، فقد أجاب الإمام بثلاثة أجوبة على ثلاث صور:1ـ الإقراع إذا لم يكن في أيديهما وعدلت بيّنة كلّ منهما. 2ـ التنصيف إذا كان في أيديهما. 3ـ تقديم بيّنة المدّعي إذا كانت في يد أحدهما. فلا معنى لحمل الذيل على ما إذا كانت البيّنة لخصوص المدّعي وعلى أيّ حال فالرواية مرسلة تصلح للتأييد و الاعتضاد.

2ـ خبر محمّد بن حفص (4) عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد


1 . ابن إدريس، السرائر: 2/168.
2 . زين الدين العاملي، المسالك:2/434.
3 . النوري، مستدرك الوسائل:17، الباب10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
4 . و محمّد بن حفص بن عمر وكيل الناحية الثقة غير محمّد بن حفص الراوي عن منصور بن حازم إذ هما يختلفان طبقة فلا يمكن لوكيل الناحية المقدّسة الرواية عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ بواسطة فرد كمنصور بن حازم .


(110)

اللّه ـ عليه السَّلام ـ : رجل في يده شاة فادعاها فأقام البيّنة العدول انّها ولدت عنده و لم يهب ولم يبع وجاء الذي في يده بالبيّنة مثلهم عدول انّها ولدت عنده لم يبع ولم يهب فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «حقّها للمدّعي و لا أقبل من الذي في يده بيّنة لانّ اللّه عزّوجلّ إنّما أمر أن تطلب البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة و إلاّ فيمين الذي هو في يده. هكذا أمر اللّه عزّوجل».(1)

ودلالة الحديث لا غبار عليه إلاّ أن يقال أنّه لا صلة له بالحالة الأُولى لأنّ البيّنتين شهدتا بالسبب حيث قالوا انّها ولدت عنده وهو خلاف المفروض أعني الشهادة على الملك المطلق و إنّما يصحّّ به الاستدلال على الصور الآتية اللّهمّ إلاّ إذا قلنا بما قاله ابن إدريس من أنّ التفصيل بين الشهادة بالملكية والشهادة بالسبب غير مؤثر وإنّ هذه التفاصيل من فقهاء العامة كما يظهر من الخلاف وسيوافيك حقّ المقال فيها عند دراسة القول الخامس وعلى أيّ حال فالرواية ضعيفة.

3ـ الحديث النبويّ: «البيّنة للمدّعي و اليمين على من أنكر» و قد قرر دلالته ابن إدريس في كلامه كما مرّ وقال الشهيد الثاني : وجه الدلالة انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جعل لكلّ واحد منها حجّة فكما لا يمين على المدّعي، لا بيّنة للمدّعى عليه، والتفصيل يقطع الشركة و في هامش المسالك يقول: لانّ قوله ـ عليه السَّلام ـ يدل على انّ كلّ واحد من المدّعي و المنكر مخصوص بشيء و ليس للمنكر شركة مع المدّعي في البيّنة. وفيه بحث يظهر بالتأمّل الصادق. (2)

وقد أشار صاحب الجواهر إلى وجه التأمل و قال: ضرورة عدم دلالته على أزيد من استحقاق المدّعي على المنكر اليمينَ دون البيّنة بخلاف المنكر، فانّ له على المدّعي البيّنة، وهو غير (عدم) قبول البيّنة من المنكر ولو في الجملة، المستفاد


1 . الوسائل: 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14.
2 . زين الدين العاملي، المسالك:2/434 قسم الهامش.


(111)

مما تسمعه من نصوص الباب و فتاوى الأصحاب.(1)

وحاصل النظر انّ مورد النص أوالمتيقن هو ما إذا كان للمدّعي بيّنة دون الآخر وأمّا إذا كانت لهما بيّنة فليس الحديث ناظراً إلى ردّ بيّنة المنكر. وسيأتي توضيحه عند نقل القول الثاني.

4ـ ما ورد في الفقه الرضوي: «فإذا ادّعى رجل على رجل عقاراً أو حيواناً أو غيره، و أقام بذلك بيّنة، و أقام الّذي في يده شاهدين فانّ الحكم فيه أن يخرج الشيء من يد مالكه إلى المدّعي، لانّ البيّنة عليه».(2)

والفقه الرضوي يصلح لأن يكون مؤيّداً إذا قام على الحكم دليل صالح قابل للاعتماد. وقد عرفت عدم قيامه.

إلى هنا تبيّن أنّه ليس لهذا القول دليل يعتمد عليه فمن مرسل يرويه المحدث النوري في مستدركه، إلى ضعيف في سنده، كمحمّد بن حفص ، إلى حديث صحيح كالنبوي المجمع عليه لكنّه يفقد الدلالة، إلى ما يصلح للتأييد، لاللاحتجاج كالرضويّ و مع ذلك فإنّ هذا االقول خيرة أكثر الفقهاء والسيّد الأُستاذ في تحريره.

2ـ تقديم بيّنة الداخل

وقد اختار الشيخ في الخلاف هذا القول و قال: إذا ادّعيا ملكاً مطلقاً و يد أحدهما على العين كانت بيّنته أولى و كذلك إذا أضافاه إلى سبب، فإن ادّعى صاحب اليد الملك مطلقاً والخارج أضافه إلى سبب كانت بيّنة الخارج أولى و به قال الشافعي (3) وقد استدل لهذا القول بوجوه:


1 . الجواهر:40/417.و لعلّه سقط لفظ «العدم».
2 . النوري، مستدرك الوسائل: الجزء 17، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث3.
3 . الخلاف:3، كتاب الدعاوي والبيّنات، 353، المسألة 2 وقد تقدّم أنّ الشيخ أفتى بخلافه في تلك المسألة ولا يظهر ما هوالمختار عنده.


(112)

منها: رواية جابر و قد استدلّ بها الشيخ في الخلاف فقال: إنّ رجلين اختصما إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ناقة فقال : كلّ واحد منهما نتجت هذه الناقة عندي و أقام كلّ منهما بيّنة فقضى بها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للذي هي في يديه.(1)

ويظهر من سنن البيهقي أنّ هذا الرأي كان رائجاً أيّام قضاء شريح حيث نقل بسنده أنّ رجلين اختصما إلى شريح في دابّة فأقام كلّواحد منهما البيّنة أنّها له و أنّه انتجها فقال شريح : هي للذي في يديه، النتاج أحقّ من العارف.(2)

ولكن الاستدلال برواية جابر يرجع إلى الصور الآتية، أعني الشهادة بسبب الملك والمفروض في المقام هو الشهادة على أصل الملك إلاّ أن يقال بعدم الفرق بين الصور، و أنّ هذه التفاصيل، راجعة إلى فقهاء العامّة والقيد ورد في السؤال دون كلام النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ومنها: معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«أنّ رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين في دابّة في أيديهما و أقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها نتجت عنده، حلّفهما عليّ فحلف أحدهما و أبى الآخر أن يحلف فقضى بها للحالف منهما.

فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة ؟فقال: أحلِّفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين.

قيل: فإن كانت في يد أحدهما و أقاما جميعاً البيّنة؟ قال : أقضي بها للحالف الذي هي في يده».(3)

ومحلّ الاستشهاد هو السؤال الثالث، وأمّا السند ففيه غياث بن كلوب وهو ممن عملت العصابة برواياته فيما لم ينكر و لم يكن عندهم خلافه.(4)


1 . نفس المصدر.
2 . البيهقي، السنن: 10/256 وما رواه الشيخ عن جابر في الخلاف يختلف لفظاً مع ما نقلناه عن السنن.
3 . مرّ برقم2.
4 . الطوسي، عدة الأُصول: 1/56.


(113)

وإسحاق بن عمّار ثقة و قد وصفه الشيخ بها في الفهرست.(1)

و الخشاب وهو الحسن بن موسى الخشاب قال النجاشي من وجوه أصحابنا مشهور كثير العلم وا لحديث.(2)

ومنها: رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ أميرالمؤمنين اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهماأقاما البيّنة أنّه انتجها فقضى بها للذي في يده». (3)

والرواية معتبرة وأمّا غياث بن إبراهيم التميمي الأسدي فقد وثّقه النجاشي ولكن مورد الرواية فيما إذا شهد على السبب مع أنّ البحث فيما إذا شهدا على الملك المطلق.و سيوافيك عدم الخصوصية له.وظاهر إطلاق رواية غياث عدم الحاجة إلى الحلف فيقيّد بما ورد في معتبرة إسحاق فتكون النتيجة هو أنّ العين لذي اليد مع يمينه.

فإذا كان المعتمد هو رواية ابن عمّار فيقيد بها إطلاق رواية «غياث» حيث لميذكر فيها الحلف.

القضاء بين القولين:

إذا دار الأمر بين الأخذ بين القولين، فالقول الثاني، أحقّ بالأخذ لوجود حديثين معتبرين كرواية إسحاق بن عمّار وغياث بن إبراهيم، و إن كانت الأُولى تشمل على حكم شاذ كما سيوافيك في الصور الآتية فلا يجوز العدول عنهما، بالروايات الضعاف، كما عرفت، وجبران ضعفها بعمل المشهور، لا يجعلها عدلاً للروايات المعتبرة على أنّ فتوى المشهور غير واضحة و المسألة مشوّشة جدّاً منحيث الفتوى والحاصل أنّ المرسل عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، وخبر منصور بن حازم


1 . الطوسي، الفهرست:39.
2 . النجاشي: الرجال ، برقم 84.
3 . مرّ برقم 3 .


(114)

والموجود في الفقه الرضوي، لا تعادل صحيح إسحاق بن عمّار، و معتبر غياث بن إبراهيم.

فلم يبق في المقام إلاّ الاستناد بالنبوي في مدلوله السلبي وهو عدم حجّية بيّنة المنكر ولكن كونه حاملاً لهذا المعنى السلبي، غير واضح جدّاً فإنّ المتبادر منه بيان الوظيفة الأوّلية للمدّعي و المنكر، وإلاّ فلا مانع من سماع البيّنة للمنكر أيضاً، كما أنّ للمدّعي اليمين المردودة، واليمين الذي هي جزء البيّنة، واليمين الاستظهاري وأيضاً يمكن أن يقال: القدر المعلوم من الحديث أنّه لا يُلْزم المنكر بالبيّنة و إنّما يلزم باليمين لا أنّه لا تقبل من البيّنة.(1)

أضف إليه أنّه كيف يمكن نفي حجيّة بيّنة المنكر مع دلالة بعض الروايات على صحّة الاحتجاج بها؟ نظير:

1ـ صحيح حمّاد بن عثمان قال: بينما موسى بن عيسى في داره التي في المسعى، يشرف على المسعى إذ رأى أبا الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ مقبلاً من المروة، على بغلة فأمر ابن هياج ـ رجلاً من همدان منقطعاً إليه ـ أن يتعلّق بلجامه و يدّعي البغلة فأتاه فتعلّق باللجام وادّعى البغلة، فثنّى أبوالحسن رجله، ونزل عنها وقال لغلمانه: «خذوا سرجها وادفعوا إليه» فقال: والسرج أيضاً لي فقال: «كذبت عندنا البيّنة بأنّه سرج محمّد بن علي و أمّا البغلة فأنا اشتريناها منذ قريب و أنت أعلم و ما قلت».(2)فإنّ بيّنة الإمام على أنّ السرج له، بيّنة المنكر.

2ـ ما رواه حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال له رجل إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له قال:«نعم».(3) و من المعلوم أنّ المقصود الشهادة، في وقت النزاع، في غيره.


1 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/154.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(115)

ولعلّ في صحيح حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه في حديث فدك(1) إشعاراً بذلك حيث إنّ الإمام اعترض على أبي بكر بأنّه يفرق بينه و بين الناس فعندما يكون الإمام مدّعياً وغيره منكراً، يطلب منه البيّنة و عندما يكون الإمام منكراً و غيره مدّعياً، يطلب منه البيّنة أيضاً، فما هو الوجه في هذا التفريق، والإمام يركّز على بطلان التفريق ولو كان بيّنته المنكر، غير مقبول مطلقاً، لكان هو أولى بالإنكار مع أنّ الإمام لم ينكر عليه و إنّما أنكر، على التفريق.

فهذه الروايات تؤكّد على حجّية بيّنة المنكر كبيّنة المدّعي، أضف إلى ذلك إطلاقات أدلّة البيّنة، بلا تقييد بالمدّعي.بل يمكن استفادة حجّيته من رواية أبي بصير(2)، حيث رجّح إحداهما على الأُخرى بالأكثرية ، و من ذيل رواية إسحاق ابن عمّار و موردهما نفس الصورة التي نحن فيها حيث رجّحها على الأُخرى باليد والترجيح آية حجّية المتعارضين في حدّ نفسهما.

فالقول بتقديم بيّنة الداخل، لتأيّدها باليد هو الأوفق بالقواعد، والأنسب لدى العقلاء فإن أخذ العين من ذى اليد مع بيّنته، و دفعها إلى المدّعي بحجّة أنّ البيّنة للمدّعي، مما لا يقبله الذوق السليم والعقل الصريح بشرط الحلف على ما ورد في رواية ابن عمّار.

3ـ تقديم بيّنة الخارج عند التساوي و الأكثر عدداً في غيره

وقد نسب هذا القول إلى الصدوقين والمفيد فحكموا بترجيح بيّنة الخارج عند التساوي وتقديم ذات الترجيح عند وجوده فالترجيح بالعدالة عند الصدوق، و بالأكثرية عند المفيد.. وذلك لخبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن


1 . الوسائل:18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.
2 . مرّ برقم 1.


(116)

الرجل يأتي القوم فيدّعي داراً في أيديهم و يقيم البيّنة، ويقيم الذي في يده الدار البيّنة أنّه ورثها عن أبيه ولا يدري كيف كان أمرها، قال: «أكثرهم بيّنة يستحلف و تدفع إليه، وذكر أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ أتاه قوم يختصمون في بغلة فقامت البيّنة لهؤلاء أنّهم انتجوها على مِذْودهم ولم يبيعوا و لم يهبوا وقامت البيّنة لهؤلاء بمثل ذلك فقضى ـ عليه السَّلام ـ بها لأكثرهم بيّنة و استحلفهم».(1)

والرواية صحيحة و شعيب الوارد في السند هو شعيب العقرقوفي هو ابن أُخت أبي بصير يحيى بن القاسم راوي الحديث عن الإمام. قال النجاشي: ثقة عين(2). ولكن الرواية قاصرة عن إفادة تمام المدّعى، لأنّها صريحة في لزوم الترجيحبالأكثر عدداً وأمّا لزوم تقديم بيّنة الخارج عند التساوي فلا دلالة لها عليه، غاية مايمكن أن يقال أنّه يقيّد القول الثاني المختار بمضمون هذه الرواية، و تصيرالنتيجة هو تقديم بيّنة الداخل إلاّ إذا كان هناك ترجيح من حيث العدد لبيّنة الخارج، نعم النسبة بينها وبين ما دلّ على تقديم بيّنة الداخل عموم من وجه.

وذلك لعدم التعارض بينهما في المتساويين، ولا فيما إذا كانت بينّة الداخل ذات ترجيح، و إنّما يتعارضان فيما إذا كانت بيّنة الخارج ذات الترجيح فعلى ما سبق تقدّم بيّنة الداخل، وعلى ما ذكر في الحديث تقدّم بيّنة الخارج. فأيّهما يقدّم؟ فيه وجهان، بما أنّ القول بتقديم ذات الترجيح موجب للجمع بين الروايات، يكون الأخذ به أولى.

4ـ تقديم ذي اليد مع الحلف أو إبائهما

وهذا القول مروي عن ابن الجنيد قال: فإن حلفا جميعاً أو أبيا أو حلف


1 . الوسائل:ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 . النجاشي، الرجال: برقم 518.


(117)

الذي في يده كان محكوماً للذي هي في يده بها. فإن حلف الذي ليست في يده و أبى الذي في يده أن يحكم ، حكم بها للحالف.

ولعلّ وجه الحلف ، مع كون البيّنة كافية في إثبات الحقّ لمن كانت له، هو أنّ المراد من التقديم تعيّن من يُقدَّم قوله منهما وكونه بمنزلة المنكر، لا لكون البيّنة حجّة فعلية في إثبات الحقّ ففائدته جعل من قُدِّمت بيّنته بمنزلة المنكر وحينئذ يحتاج إلى الحلف على قاعدة المدّعي و المنكر.(1)

ولو قلنا بلزوم الحلف، تكون نتيجة الجمع بين الأقوال الثلاثة: الثاني و الثالث والرابع، هي تقديم بيّنة الداخل لدى التساوي مع الحلف على النحو المذكور، وتقديم الأكثر عدداً، عند عدم التساوي ثمّ الحلف و بذلك يجمع بين الأقوال الثلاثة الأخيرة.

إلى هنا تمّ الكلام في الحالة الأُولى بأقوالها الأربعة و إليك الكلام في الحالات الثلاث الباقية:

الحالة الثانية: إذا شهدتا بالسبب

إنّ البيّنة تارة تشهد على المسبّب كالملك من دون أن تذكر سببه و أُخرى تشهد على السبب كالنتاج والاشتراء و الصياغة، والنسج من قطن المالك.

ثمّ السبب بين ما لا يتكرّر كالنتاج إذ لا يمكن أن تتولّد الدابّة مرّتين، وثوب قطن وأبريسم فإنّه لا يمكن نسجهما دفعتين، وما يتكرّر كآنية الذهب و الفضّة والصفر و الحديد إذ يصحّّ لكلّ واحد أن يقول صيغ في ملكي وكذلك ما يمكن نسجه مرّتين كالصوف والخزّ.

إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هناك تفاصيل في فقه العامة بين الشهادة


1 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/154.


(118)

بالسبب والشهادة بالملك المطلق، ومن السبب بين ما لا يتكرّر و ما يتكرّر(1) و ليس في أخبارنا شيء من هذه التفاصيل ولوجاء في بعضها ذكر السبب فإنّما جاء لبيان منشأ الدعوى لا أنّه دخيل في الحكم ـ مضافاً إلى أنّه ورد في كلام السائل فلا تستفاد منها المدخلية. ومع ذلك فقد تأثّر بعض الأصحاب من هذه الفتاوى وجاءوا ببعض التفاصيل التي ذكرها المحقق و نكتفي بما ذكره المحقق الذي منها هذه الحالة الثانية أي إذا شهدتا بالسبب ففيه قولان:

1ـ تقدّم بيّنة الداخل وهو المحكي عن كتابي التهذيب والاستبصار للشيخ، وقد استدلّ له بما تقدّم من صحيح إسحاق بن عمّار(2)، ومعتبر غياث بن إبراهيم (3)، ورواية جابر(4) وأنت خبير بعدم دلالتها على ما رامه فإنّ القيد ورد في الأوّليين في سؤال الراوي وقد ذكر لبيان منشأ الدعوى و علّتها لا أنّ لها دخلاً في الحكم و تقرب منهما رواية جابر، ولأجل ذلك فالأولى الاستدلال بها على تقديم اليد المتصرّّفة على غيرها مطلقاً، لا الجمود على صورة ورود السبب في الشهادة كما هو المختار.

2ـ ومن الأصحاب من رفض هذه الروايات وقال بالأخذ ببيّنة الخارج قائلاً بأنّه لا بيّنة على ذي اليد كما لا يمين على المدّعي عملاً بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اليمين على من أنكر» والتفصيل قاطع للشركة وقد وصفه المحقق بأنّه أولى لكن عرفت عدم دلالة النبويّ على المفهوم السلبي، فالأولى الأخذ بهذه الروايات مع إلغاء قيدية ورود السبب.

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الضابطة عند القائل بهذا التفصيل تقديم بيّنة الخارج إلاّ في هذه الصورة إذا شهدتا بالسبب فتقدم بيّنة الداخل ، فلو ورد السبب في بيّنة


1 . الطوسي: الخلاف، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2و3.
4 . البيهقي، السنن:10/256.


(119)

الداخل دون الأُخرى، فلا محيص له عن الالتزام به لأنّ ذكر السبب إذا كان موجباً لترجيح ذي اليد، إذا شهدتا بالسبب فليكن كذلك مطلقاً وعلى ذلك فلوكانت بيّنة الخارج غير مشتملة على ذكر السبب وكانت بيّنة الداخل مشتملة عليها فطبع الحال يقتضي تقديم الثانية وهي الحالة الثالثة الّتي نتلوها.

الحالة الثالثة: إذا شهدت بيّنة ذي اليد بالسبب والخارج بالملك

فتقدم بيّنة الداخل أيضاً كالحالة الثانية و هو الظاهر من الشيخ في نهايته «ومتى كان مع واحد منهما يد متصرّفة، فإن كانت البيّنة تشهد بأنّ الحقّ ملك له فقط وتشهد الآخر بالملك أيضاً انتزع الحقّ من اليد المتصرّفة و أعطى اليد الخارجة وإن شهدت البيّنة لليد المتصرّفة بسبب الملك من بيع أو هبة أو معاوضة كانت أولى من اليد الخارجة.(1) و قال: فإنّه يقضي لصاحب اليد.

ولعلّ مستند الشيخ هو خبر عبد اللّه بن سنان ففيه عن علي ـ عليه السَّلام ـ : إذا اختصم إليه الخصمان في جارية فزعم أحدهما أنّه اشتراها ، وزعم الآخر أنّه انتجها، فكانا إذا أقاما البيّنة جميعاً قضى بها للذي نتجت عنده.(2)

يلاحظ عليه: أنّ كلاًّ من البيّنتين شهدتا بالسبب: الاشتراء والنتاج، غير أنّ الإمام رجّح أحد السببين (النتاج) على الآخر و أين هو من المدّعى من تقديم بيّنة الداخل إذا شهدت بالسبب على الخارج إذا شهدت بالملك المطلق.

نعم ظاهر الرواية تقديم الشهادة على السبب القديم (النتاج) على السبب الحادث (الاشتراء) من غير فرق بين كون مدّعي السبب القديم ذا يد أو لا و سيوافيك البحث فيه عند البحث عن مرجّحات تعارض البيّنتين.


1 . الطوسي، النهاية:344.
2 . الوسائل:الجزء 18، الباب 12، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.


(120)

الحالة الرابعة: عكس الحالة الثالثة

أي إذا شهدت بيّنة ذي اليد بالملك المطلق و بيّنة الآخر بالسبب، فعلى الضابطة التي اشير إليها في الثالثة ، و الثانية ، يعلم حكم هذه الحالة و هي تقديم بيّنة الخارج لقوّتها بالشهادة على السبب. و لم يذكرها المحقق و إنّما ذكرناها استيفاءً للصور.

إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:

ما دلّ على تقديم بيّنة الخارج، غير تامّ لا يحتجّ به بخلاف ما دلّ على تقديم بيّنة الداخل، غير أنّ تقديمه ليس بمعنى إنهاء أمر القضاء بل لابدّ من الحلف على النحو المألوف .

نعم هذه هي الضابطة إلاّ إذا كانت إحدى البيّنتين تترجّح على الآخر بالكثرة فيقدّم المرجَّح، أمّا التفصيل بين الشهادة على السبب أو الملك المطلق فليس له دليل صالح و اللازم حذف البحث عن أحكام الحالات الثلاث الأخيرة لعدم مدخلية هذه الحالات على ما علمت و التركيز على الحالة الأُولى، و قد عرفت أنّ لازم الجمع بين الروايات هو تقديم بيّنة ذي اليد بشرط الحلف عملاً برواية ابن إسحاق، وتقديم الأكثر عدداً عند عدم التساوي عملاً برواية أبي بصير. و اللّه العالم.

بقي هنا شيء و هو أنّ مقتضى صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه (1) و صحيح الحلبي(2)و موثقة سماعة(3) هو الرجوع إلى القرعة عند التساوي واليمين على من خرج اسمه، و اليمين و إن لم تكن مذكورة، في الموثقة لكن يقيد إطلاقها


1 . مرّ الجميع برقم9، 12، 10، 6.
2 . مرّ الجميع برقم9، 12، 10، 6.
3 . مرّ الجميع برقم9، 12، 10، 6.


(121)

بما في الأوّلين. و إطلاقها يعمّ الصورتين إذا كان في أيديهما أو في يد واحد منهما.

والجواب: أنّ الروايات الثلاث ليست نصوصاً في المورد، غاية الأمر وجود الإطلاق فتحمل على ما إذا لم يكن في أيديهما ولا يد و احد منهما و يشهد على ذلك ما رواه صاحب الدعائم عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ (1) حيث إنّ الإمام لم يقرع في كلتا الصورتين. وعلى ذلك فما دلّ على الإقراع راجع إلى الصورتين الأخيرتين.

الصورة الثالثة
لو كانت العين بيد ثالث

إذا كانت العين بيد ثالث ففيه أقوال تناهز الثمانية(2) نذكر منها ثلاثة:

الأوّل: اجراء الشقوق التالية:

1ـ أن يُصدِّق ذو اليد أحدَهما.

2ـ أن يصدِّق كليهما.

3ـ أن يدفع كليهما.

4ـ أن يعترف لأحدهما ولا يعرف عينه.

5ـ أن يقول ليست لي ولا أعرفُ صاحبه.

فعلى الأوّل، إذا اعترف لأحدهما، يكون المقرّ له مالكاً شرعياً للعين، ويكون المفروض كما إذا كان بيد أحدهما و يكون حكمه، حكم الصورة الثانية الماضية.

وعلى الثاني ، يصير المدّعيان مالكين على الظاهر ويكون المفروض كما إذا كانت العين بأيديهما وأقاما البيّنة و يكون حكمه حكم الصورة الأُولى السابقة.


1 . نفس المصدر.
2 . لاحظ: ملحقات العروة: 2/156.


(122)

وعلى الثالث أُقرّت في يده فيكون هو المدّعى عليه بالنسبة إلى المتنازعين فيحلف لكلّ منهما، و لو نكل عن الحلف يدخل في الصورة الرابعة أعني: ما إذا ادّعيا عيناً لا يد عليها و سيوافيك حكمها.

وعلى الرابع حيث يقرّ ذو اليد بأنّها لواحد من المتنازعين يعمل بقاعدة العدل و الانصاف فينصَّف إلحاقاً له بالدينار المردّد عند الودعي بين الشخصين و يحتمل القرعة ثمّ الحلف.

قال المحقّق الأردبيلي: «إنّ الحكم بالتصديق والحلف وجعله مرجّحاً هنا أيضاً ممكن».(1)

وعلى الخامس يكون من قبيل مالا يد لأحد عليها أي الصورة الرابعة الأصلية التي سوف يوافيك حكمها.

نعم إنّ الأكثر ـ كما قيل ـ لم يتعرّضوا بتصديق الثالث لأحد المتداعيين كما تعرّضوا به في صورة عدم البيّنة، قيل و إنّما لم يتعرّضوا لأنّ نظرهم إلى بيان المرجّحات إغماضاً عن حكم اليد و إيكالاً إلى ما ذكروه سابقاً في صورة عدم البيّنة.

قال النراقي: لم يتعرّض الأكثر لتصديق الثالث لأحد المتداعيين هنا كما تعرضوا له في صورة عدم البيّنة، قيل: «لعلّ إطلاقهم هنا مبني على الإغماض عن حكم اليد و خلافها ونظرهم إلى بيان سائر المرجّحات» و يحتمل أيضاً أن يكون بناؤهم على عدم اعتبار تصديقه نظراً إلى إطلاق الأدلّة كما فهمه المحقّق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث حكم بتفرقة المصنّف بين صورة عدم البيّنة ، وصورة وجودها في سماع تصديق الثالث و قال بأنّ الحكم بالتصديق و الحلف هنا أيضاً ممكن ووجه عدم الاعتبار حينئذ كما يظهر من الفاضل في التحرير أنّ البيّنتين


1 . المحقق الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/232.


(123)

متطابقتان على عدم ملكية الثالث فلا يكون إقراراً لأنّه إنّما يكون في ملك الشخص واقعاً أو ظاهراً، و مع البيّنتين لا يكون كذلك، و للتأمل فيه مجال.(1)

و قد يقال : يحتمل أن يكون بناؤهم على عدم اعتبار تصديقه، نظراً إلى إطلاق الأخبار لا لتطابق البيّنتين على عدم ملكية الثالث.

و قال صاحب الجواهر: و لو أقرّ الثالث بالعين لأحدهما فالوجه كما في القواعد أنّه كاليد، تقدَّم على قيام البيّنتين أو تأخّر لقيام المعنى القائم في اليد فيه، و يحتمل العدم بعد إقامة البيّنتين لكشفهما عن أنّ يد المقرّ مستحقّة للإزالة، فإقراره كإقرار الأجنبي بل قد يشكل ـ إن لم يكن إجماع ـ اندراج ذلك قبل إقامة البيّنتين فضلاً عمّا بعده فيما دلّ على حكم ذي اليد بالنسبة إلى الدخول و الخروج ولعلّه أطلق بعضهم الحكم من غير فرق بين إقرار الثالث و عدمه.(2)

و قال في مسألة ما إذا تنازع مشتريان وادّعى أحدهما شراء المبيع من زيد و قبض الثمن و أقام البيّنة، وادّعى آخر شراءه من عمرو و قبض الثمن و أقام البيّنة: «و إن كانت بأيديهما و صدق كلّ منهما مشتريه فكلاهما ذو اليد».(3)

وقال السيّد الطباطبائي: إنّ ذلك منهم لوجود الفرق بين صورة وجود البيّنتين و صورة عدمها لزوال حكم يده مع تطابق البيّنتين على كون ما في يده لغيره فلا اعتبار بإقراره بخلاف صورة عدم البيّنة في ظاهر الشرع.(4)

يلاحظ عليه: أنّ البيّنة لولا التعارض توجب زوال حكم اليد، و أمّا مع التعارض فلا تكون حجّة في مدلولها المطابقي فضلاً عن الالتزامي، و عندئذ يسقط قوله:«لزوال حكم يده مع تطابق البيّنتين على كون ما في يده لغيره فلا اعتبار بإقراره» و ذلك لأنّ الأخذ بالمدلول الالتزامي (أنّه ليس لذي اليد) مع


1 . النراقي، المستند:2/557.
2 . الجواهر:40/431ـ432.
3 . الجواهر:40/469.
4 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/158.


(124)

رفض المدلول المطابقي أمر مشكل فلو لم يكن في النصوص ما يخالفه لكان الأخذ به متعيّناً ولا يعلم إلاّ بدراسة الأقوال.

الثاني: قول الشيخ في المبسوط

وهو ثلاثي الأجزاء:

1ـ يقضي بالقرعة ، إن شهدتا بالملك المطلق.

2ـ يقسّم بينهما إن شهدتا بالملك المقيّد بالسبب.

3ـ و لو اختصّت إحداهما بالتقييد، قضى بها دون الأُخرى.

هذا، والذي وقفت عليه في المبسوط هو ما يلي:

إذا كانت الدار في يدي رجل فتداعاها رجلان قال أحدهما : الدار التي في يديك لي أودعتكها و أقام البيّنة، وقال الآخر: الدار التي في يديك لي آجرتُكها، وأقام البيّنة قال قوم هما متعارضتان لأنّ التنازع في الملك و قد شهدت كلّ واحدة منهما بالملك في الحال لكلّ واحد منهما و هذا محال، فتعارضتا، وإذا تعارضتا قال قوم: يسقطان، قال قوم: يقرع بينهما و هو مذهبنا و قال بعضهم : يقسم بينهما.(1)

والعبارة تفي بالشق الأوّل دون الشقّين الأخيرين من كلامه ولعلّه ذكرهما في مكان آخر، وقف عليه المحقّق.

أمّا الجزء الأوّل و هو الإقراع عند الشهادة على الملك المطلق، فيحمل ما ورد بالقرعة على هذه الصورة، نظير صحيح الحلبي: سئل أبو عبد اللّه عن رجلين شهدا على أمر و جاء آخران فشهدا على غير ذلك فاختلفوا قال: «يقرع بينهم فأيهم قرع، فعليه الحلف».(2)

و مثله عبد الرحمان بن عبد اللّه البصري عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: كان


1 . الطوسي، المبسوط:8/268ـ269.
2 . مرّ الجميع برقم 12.


(125)

علي ـ عليه السَّلام ـ إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء و عددهم أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين(1) و بهذا المضمون غيرهما، و ما في مرسلة داود بن أبي يزيد العطّار(2) من الاكتفاء بالقرعة من دون الإحلاف يقيّد بما ورد فيه الحلف كما لا يخفى.

يلاحظ عليه: أنّ القرعة وردت في الشهادة بالمقيّد أيضاً كموثقة سماعة(3) و خبر عبد اللّه بن سنان (4) فلا وجه لتخصيصها بما إذا شهدت بالملك المطلق منهما.

و أمّا الجزء الثاني و هو التقسيم بينهما إن شهدتا بالملك المقيّد بالسبب فيدلّ عليه خبر غياث بن إبراهيم، أنّ أمير المؤمنين اختصم إليه رجلان في دابّة و هما أقاما البيّنة أنّه انتجها، فقضى بها للذي في يده و قال:

«و لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».(5)

وعلى ذلك (الشهادة بالملك المقيّد بالسبب) يحمل خبر تميم بن طرفة (6) إنّ رجلين عرفا (ادعيا) بعيراً فأقام كلّ واحد منهما بيّنة فجعله أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ بينهما» فإنّ ظاهره الشهادة بالملك المطلق، وفيه القرعة لكن يحمل على الشهادة بالملك المقيّد بالسبب للجمع بينه و بين ما دلّ على القرعة في الشهادة بالملك المطلق كما مرّ.

يلاحظ عليه:أنّ خبري سماعة(7) و ابن سنان (8) في باب الشهادة على الملك المقيّد بالسبب، و قد جاء فيهما القرعة، دون التقسيم. و خبر طرفة من باب الشهادة بالملك الشهادة بالملك المطلق، و قد جاء فيه الأمر بالتقسيم و حمل الأخير على المقيّد خلاف الظاهر.


1 . مرّ الجميع برقم 9، 16، 10 و 15.
2 . مرّ الجميع برقم 9، 16، 10 و 15.
3 . مرّ الجميع برقم 9، 16، 10 و 15.
4 . مرّ الجميع برقم 9، 16، 10 و 15.
5 . مرّا برقم 3و8.
6 . مرّا برقم 3و8.
7 . مرّا برقم 10و 15.
8 . مرّا برقم 10و 15.


(126)

وأمّا الجزء الثالث، و هوتقديم من شهدت بالملك المقيّد بالسبب و رفض من شهد بالملك المطلق فيعلم وجهه ممّا سبق لقوّّة الأُولى.

على أنّ في خبر إسحاق ما هو خارج عن الجميع و هو تحليفهما معاً فأيّهما حلف و نكل الآخر كانت للحالف قال: فلو لم تكن في يد واحد منهما و أقاما البيّنة فقال: أحلفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين.(1)

الثالث: قول المحقّق

و ما أفاده في هذه الصورة ثُلاثي الأجزاء وهي:

1ـ قضى بأرجح البيّنتين عدالة.

2ـ فإن تساويا قضى لأكثرها شهوداً.

3ـ و مع التساوي عدداً وعدالة يقرع بينهما فمن خرج اسمه أُحلف و قضي له، و لو امتنع أُحلف الآخر و قضي له و إن نكلا قُضي بها بينهما بالسوية.

أمّا الأوّلان فهما موقوفان على أمرين:

1ـ حمل أخبار القرعة على الصورة الثالثة (إذا لم يكن في يد واحد منهما) و إخراج الصورتين الأُوليين من تحتها، و يدلّ على ذلك أمران:

أ: ما دلّ من النصوص على أنّ حكم الصورة الأُولى هوالتنصيف، وأنّ حكم الصورة الثانية ، هو تقديم بيّنة الخارج أو الداخل على تفصيل والنصوص الواردة فيهما دليل على عدم شمول أخبار القرعة للأُوليين.

ب: تنصيص الإمام بذلك في المرسل عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ (2) في البيّنتين يختلفان في الشيء الواحد، يدّعيه الرجلان أنّه يقرع بينهما فيه إذا عدَلَتْ بيّنة كلّ


1 . مرّ برقم 2.
2 . مرّا برقم 6و9.


(127)

واحد منهما. و ليس في أيديهما.

2ـ إنّ قوّة العدالة و كثرتها مرجّحة و في الوقت نفسه الترجيح بها مقدّم على الترجيح بكثرة العدد.

ويمكن استفادة الأمر الأوّل من الحديثين التاليين ففي رواية عبد الرحمان البصري «كان عليّ إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء و عددهم أقرع بينهم».(1) فيدلّ على الترجيح بكثرة العدالة مثل كثرة العدد، فإنّ المراد من كون «عدلهم سواء» مقابل «عددهم سواء» الأعدلية.

وفي المرسل «اعتدلت بيّنة كلّ واحد منهما و ليس في أيديهما »(2) ولا يصدق الاعتدال إلاّ إذا تساوت البيّنتان في العدالة والعدد.

ولم نجد في الأدلّة ما يدلّ على تقديم الترجيح بالأعدلية على الأكثرية كما هو مفاد كلام المحقّق مع ورود الأكثرية في غالب النصوص، وورد الأعدليّة في خبرين فلو انحصر المرجّح، بالأعدلية فتقدّم و أمّا لو اشتمل الأخير على الأكثرية فتقديم الأعدلية على الأكثرية كما ترى.

نعم نفى صاحب الجواهر الريبَ في تقديمها على الأكثرية بادّعاء ابن زهرة الإجماعَ المعتضد بالشهرة المحقّقة بين الأصحاب و وجود ذلك في رسالة علي بن بابوية التي قيل فيها. كانوا إذا أعوزتهم النصوص رجعوا إليها و النهاية التي هي متون الأخبار.

وأمّا الجزء الثالث وهو الإقراع عند التساوي فمن خرج اسمه أُحلف و قضي له.

ولو امتنع أُحلف الآخر فقضي له.

وإن نكلا قضى بها بينهما بالسوية.


1 . مرّا برقم 6و9.
2 . الجواهر :40/428.


(128)

أمّا اليمين على من خرج اسمه بالقرعة فهو مورد النصوص كرواية البصري(1) و داود بن سرحان.(2)

وأمّا توجّه اليمين إلى الآخر، إذا نكل من خرج اسمه فهو ظاهر قوله في خبر البصري: «ثمّ يجعل الحقّ للذي يصير عليه اليمين إذا حلف» على أنّ توجه اليمين إلى من خرج اسمه بالقرعة دون الآخر، عندما نكل من خرج اسمه لا يرضى به الوجدان. أضف إلى ذلك ما عرفت من أنّ القضاء الحاسم يعتمد على أحد أمرين: البيّنة واليمين ولا عبرة بالأُولى بعد التعارض فيبقى الثاني.

وأمّا التنصيف فلأنّه المستفاد من ذيل معتبرة إسحاق بن عمّار(3)، حيث جاء فيها «فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين» فإذا كان حلفهما سبباً للتنصيف فيفهم عرفاً انّ نكولهما أيضاً سبب له.

اعلم أنّ ما ورد في ذيل معتبرة إسحاق بن عمّار راجع إلى هذه الصورة فقد جاء فيه:

إذا لم تكن العين في يد واحد منهما و أقاما البيّنة، يحلفان فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف، فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين فإنّ ظاهرها جواز حلفهما مع أنّ المستفاد من أدلّة القولين: الثاني و الثالث، تحليف من قدّمت يمينه بالمرجّح أو القرعة، فإن حلف قضى له، وإن لم يحلف يحلف الآخر، ولا عامل للذيل و سيوافيك في الصورة الرابعة ما يجمع به.

الصورة الرابعة

إذا ادّعيا مالا يد عليها لأحد و أقاما البيّنة، كما إذا ادّعيا الخاتَم الساقط في البئر الذي حُفر للمستطرقين في الصحراء، فقال في الجواهر: إنّ حكمها لهم ما


1 . مرّا برقم 9و 11.
2 . مرّا برقم 9و 11.
3 . مرّ برقم 2.


(129)

كانت في يد ثالث لإطلاق الدليل. قال: ولا ينافي ذلك إطلاق خبر تميم بن طرفة بعد تنزيله على غيره.(1)

قال النراقي: لو لم تكن العين في يد أحد ، فإن كانت لواحد منهما بيّنة يقضى له، و إن كانت البيّنة فظاهر عبارة الصدوقين أنّ حكمه حكمَ يد الثالث و قال بعض فضلائنا المعاصرين أنّه الأولى و هو كذلك لإطلاق أكثر الأخبار المتقدّمة إن لم نقل جميعها بالنسبة إلى هذه الصورة.(2)

وعليه فيقضى بأرجح البيّنتين عدالة فإن تساويا قضى لأكثرهما شهوداً، و مع التساوي عدداً وعدالة يقرع فمن خرج اسمه أُحْلِف و قُضي له ولو امتنع، أُحلف الآخر و قضى له و إن نكلا قضى به بينهما بالسوية.

و بذلك يجمع بين المرسل(3) الدال على الإقراع، و معتبر إسحاق (4) الدال على تحليفهما، بحملهما على بيان بعض المقصود.

خاتمة المطاف

قدوقفت على الآراء المتضاربة في مسألة تعارض البيّنتين، كرواياتها المشوّشة وقد وافقنا القول المشهور في غالب الموارد و بذلنا غاية الجهد في الجمع بين روايات الباب.

ثمّ إنّ هناك رأياً للسيّد الطباطبائي و حاصله الرجوع إلى القرعة، ثمّ الحلف في عامة الصور إلاّ مورد واحد قال: إنّ الأقوى في جميع الصور الأربع الرجوع إلى المرجّحات المنصوصة وغيرها و مع عدمها فإلى القرعة في غير الصورة الأُولى (مراده ما إذا كانت العين بيد ثالث) لما عرفت أنّ اليد مرجّحة لبيّنتها فلا يبقى محلّ للقرعة فمن خرجت القرعة باسمه يُستحلف فإن حلف يقضى له و إلاّ فإن حلف


1 . الجواهر: 40/432.
2 . النراقي، المستند: 2/557.
3 . مرّا برقم 6و2.
4 . مرّا برقم 6و2.


(130)

الآخر فكذا يقضى له و إن نكلا قسم بينهما، وفي الصورة الأُولى (إذا كانت العين بيد ثالث ) إذا قدّمنا إحدى البيّنتين يحتاج إلى الحلف أيضاً لما ذكرناه من أنّ فائدة التقديم سماع قول من قدّمت بيّنته لا أنّها حجّة فعلية كافية.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

1ـ إنّ القول بشمول روايات القرعة للصورة الأُولى يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنّ ما دلّ على التنصيف فإنّما يعتمد على عمل الإمام في مقام القضاء فلو كان هناك مجال للقرعة فلما ذا لم يعمل بها الإمام و حكم بالتنصيف ولم يكن المقام ، مقام بيان الحكم الشرعي حتّى يجوز تأخير القيد.

2ـ إنّ تقديم القرعة على بيّنة الداخل أو الخارج (في الصورة الثانية ) خلاف صريح ما دلّ على أنّ المرجع هو الأخذ بإحدى البيّنتين فلو كان هناك مجال للقرعة لكان ترك ذلك مخلاً.

فالأولى إحالة ما دلّ على الإقراع على الصورتين الأخيرتين كما عليه المشهور من المتأخرين.

نعم إنّ روايات الباب غير نقيّة جدّاً و مشوّشة و لذلك اختلفت الآراء في هذا المقام إلى حدّ ربّما يوجد لشخص واحد رأيان أو أكثر و قد اعتذر عنهم السيّد الطباطبائي وقال: و أمّا الفقهاء فحيث إنّهم لم يلاحظوا مجموع الأخبار بإجراء قاعدة الجمع بينهما و بنوا على الترجيح بذكر السبب فرّقوا بين الصور الأربع و اختلفت أقوالهم فيها خصوصاً فيما إذا كانت العين بيد أحدهما فقد اختلفوا فيها إلى حدّ أنهاها النراقي في المستند إلى تسعة أقوال.(2)

و لكنّك عرفت أنّ السيّد الطباطبائي أيضاً لم يلاحظ جميع الأخبار فقد أسقط العمل بالتنصيف مع وروده في غير واحد من الروايات.


1 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة :2/154.
2 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة :2/154.


(131)

إكمال

قال المحقق: و يتحقق التعارض بين الشاهدين والشاهد والمرأتين. ولا يتحقق بين شاهدين و شاهد و يمين ولا تعارض بين شاهد و امرأتين وشاهد و يمين.

أقول: أمّا الأوّل فلصدق البيّنة لكلّ واحد منهما و يعبر عنه قوله سبحانه حيث يقول: «وَاسْتَشهدوا شَهيدين مِنْ رجالِكُمْ فإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلينِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُهَداءِ»(البقرة/282).

وأمّا الثاني أي الشاهدين وشاهد ويمين فلعدم صدق البيّنة على الثاني و إن كان تثبت به الأموال ، ولكن ليس كلّ ما يثبت به الشيء بيّنة.

وأمّا الثالث فلنفس الدليل المذكور في الثاني.

مواضع القسمة

قال المحقّق: «كلّ موضع قضينا فيه بالقسمة فإنّما هو في موضع يمكن فرضها دون ما يمتنع كما إذا تداعى رجلان زوجة».

قد عرفت موارد الحكم بالتنصيف، فالمراد منه ما يقبل الشركة سواء قبل التقسيم في العين كالحنطة، أو قبل التقسيم في القيمة كالعبد، وأمّا ما لا يقبل ذلك فلا، كما إذا تداعى الرجلان زوجة فهو موضع القرعة، ففي مرسل داود بن أبي يزيد العطّار عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجل كانت له امرأة فجاء رجل بشهود انّ هذه المرأة امرأة فلان وجاء آخران فشهدا أنّها امرأة فلان فاعتدل الشهود و عدلوا فقال: «يقرع بينهم فمن خرج سهمه فهو الحقّ وهو أولى بها».(1)


1 . الوسائل: ج18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 8.


(132)

ولولا أنّ بعض روايات القرعة وردت فيما يقبل القسمة والشركة ولو في القيمة لحملناها على مورد لا يقبل القسمة والشركة، غير أنّ ورودها في غير هذا المقام عاقنا عن الحمل.

غير أنّ من خرجت القرعة باسمه تتوجّه عليه اليمين لأنّ القرعة بمعنى من تصير عليه اليمين و قد وردت اليمين في غير واحد من أخبار القرعة.(1)

نعم قال في المسالك بعد نقل الرواية : «فلا فائدة في الإحلاف بعد القرعة لأنّ فائدته القضاء للآخر مع نكوله و هو منفي هنا. وفي الرواية دلالة على نفي اليمين هنا».(2)

يلاحظ على الثاني بما عرفت من ورود الحلف في غير واحد من أخبار القرعة، وأمّا الدليل الأوّل فلا ملازمة بين توجّه اليمين والقضاء بالنكول أو ردّاليمين إلى الطرف الآخر، أمّا القضاء بالنكول فقدعرفت أنّه يجب أن يحبس الناكل حتّى يحلف أو يعترف أو يردّ اليمين . وأمّا ردّ اليمين فليس المقام من موارده لأنّه من شؤون المنكر لا من شؤون المدّعي الذي خرجت القرعة باسمه و ليس حلفه دليلاً على كونه منكراً بل هو مدّع يُسمع قوله مع اليمين.

في مرجّحات البيّنات

ذكر الفقهاء مرجّحات لتقديم إحدى البيّنتين على الأُخرى، وقد ذكر المحقّق منها اثنين و إليك بيانها:

الأوّل: التقديم بزيادة التاريخ

قال المحقّق: «والشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث مثل أن


1 . لاحظ صحيح الحلبي برقم 11 و خبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه برقم 5.
2 . زين الدين العاملي، المسالك : 2/436.


(133)

تشهد إحداهما بالملك في الحال والأُخرى بقديمه، أو إحداهما بالقديم والأُخرى بالأقدم فالترجيح لجانب الأقدم، فعلى ذلك لو شهدت إحداهما أنّ العين لزيد من رمضان و قالت الأُخرى إنّها لعمرو الآن، أو شهدت إحداهما بأنّ العين لزيد من قبل ثلاث سنين و قالت الأُخرى إنّها لعمر من قبل سنتين فعلى مذهب المحقّق تقدّم البيّنة التي تشهد على القديم أو الأقدم.

قال الشيخ: إذا تنازعا عيناً من الأعيان عبداً أو داراً أو دابة فادّعى أحدهما انّها له منذ سنتين، والآخر ادّعى أنّها له منذ شهر وأقام كلّ واحد منهما بما يدّعيه البيّنة أو ادّعى أحدهما أنّه له منذ سنة و قال الآخر: هي الآن ملكي وأقام كلّ واحد منهما بما يدّعيه البيّنة، الباب واحد والعين المتنازع فيها في يد ثالث كانت البيّنة المتقدّمة أولى و به قال أبوحنيفة وهو اختيار المزني و أصح قولي الشافعي وله قول آخر أنّهما سواء.

ثمّ استدل على مختاره بأنّهما إذا تعارضتا فيما تساويا فيه وهو مدّة شهر و سقطتا و بقي ما قبل الشهر ملك و بيّنة لا منازع له فيه فيحكم له بذلك قبل الشهر فلا يُزال عنه بعد ثبوته إلاّ بدليل (1).

وحاصله : أنّ البيّنة متقدّمة التاريخ تثبت الملك في وقت لا تعارضها البيّنة الأُخرى فيه و في وقت تعارضها الأُخرى تتساقطتان في محلّ التعارض و يثبت موجَبها فيما قبل محل التعارض والأصل في الثابت دوامه.

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الاستصحاب في المقام إمّا مرجع في القضاء أو مرجح لإحدى البيّنتين أو ضميمة لها حتّى يستند إليها القاضي، والكلّ باطل.

أمّا الأوّل: فلأنّ المرجع في القضاء هو البيّنة واليمين حسب النبوي الثابت و ليس الاستصحاب منهما وعلى فرض كونه مرجعاً فإنّما هو إذا علمت الحالة


1 . الطوسي: الخلاف:الجزء 3، كتاب الدعاوي و البيّنات، المسألة 13.


(134)

السابقة عن غير طريق البيّنة المتعارضة.

وأمّا الثاني و هو أن يكون الاستصحاب مرجّحاً لإحداهما فإنّما يصحّّ إذا كانت الحالة السابقة محرزة لا بالبيّنة بل بدليل آخر فحينئذ يمكن ترجيح احدى البيّنتين بالاستصحاب، وأمّا المقام فليست الحالة محرزة إلاّ بنفس البيّنة، و المفروض أنّها سقطت بالتعارض، وأمّا التفكيك بين مدلول البيّنة بمعنى رفضه في مورد التعارض والأخذ به في خارجه فأمر لا يوافقه العقلاء في مقام الاحتجاج.

وأمّا الثالث : أي القضاء بإحدى البيّنتين بضمّ الاستصحاب و هو أيضاً باطل لأنّ الأصل في طول البيّنة فكيف يمكن أن يكون معها مستنداً للقضاء.

و يردّ على جميع الصور أنّه تبعيض في التصديق أي تصديق البيّنة في السابق دون اللاحق كما أنّ مقتضى بعض الوجوه الاعتبارية تقديم الشهادة بالحادث على القديم لاحتمال اطّلاع الثاني على مالم يطلع عليه الأوّل إذ من المحتمل أن يكون مصدر شهادته هوالاستصحاب و مصدر شهادة الآخر هوالعلم بالانتقال إلى المشهود له بالبيع و الهبة و غيرهما و لأجل ذلك لو شهدت أنّه اشتراه من الأوّل قدّمت على الأُخرى قطعاً لأنّها لما صرّحت بالشراء علم أنّها اطّلعت على ما لمتطلع عليه الأُخرى.

فإنّها و إن شهدت بأنّها ملك من ابتداء سنتين مثلاً إلى الآن لكن غايته أنّها علمت ملكه و لم تعلم بمزيله في المدّة ، و إذا شهدت الأُخرى بالاشتراء فقد أخبرت عن علمها بالمزيل.

ومع ذلك ففي بعض النصوص إشارة إلى تقديم الشهادة بالسبب القديم، على السبب الحادث ففي صحيح ابن سنان عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه إذا كان اختصم الخصمان في جارية فزعم أحدهما انّه اشتراها و زعم الآخر أنّه انتجها فكانا إذا أقاما البيّنة جميعاً قضى بها للذي انتجت عنده.(1)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 15.


(135)

ثمّ إنّ في مورد ترجيح إحدى البيّنات على الأُخرى بالمرجّح الثاني فروعاً تعرّض بهافي الجواهر (1) من حيث كون العين في يدهما أو يد أحدهما تظهر حالهما ممّا ذكرناه.

الثاني: الترجيح بالمدلول

قال المحقّق : وكذا الشهادة بالملك أولى من الشهادة باليد لأنّها محتملة و كذا الشهادة بسبب الملك أولى من الشهادة بالتصرّف.

أمّا الأوّل: لأنّ اليد وإن كانت ظاهرة في الملك إلاّ أنّها محتملة لغيره لجواز استنادها إلى العارية و الإجارة وغيرهما بخلاف الملك فإنّه صريح في المطلوب. فكانت الشهادة به مرجّحة ولا فرق على هذا الطريق بين كون تاريخ شهادة اليد متقدّماً بأن شهدت أنّ يده على العين منذ سنة وشهدت بيّنة الملك بتاريخ متأخّر أو متأخّراً لاشتراك الجميع في المقتضي وهو وجود احتمال في اليد بخلاف الملك.

وأمّا الثاني: أعني إذا تعارضت البيّنة بسبب الملك و البيّنة بالتصرّف، بأن شهدت الأُولى أنّ العين لفلان اشتراها من فلان و شهدت بيّنة الآخر أنّها وجدته يتصرّف في العين تصرّف المالك من البناء والهدم والبيع والرهن ففي جميع ذلك تتقدّم الشهادة على سبب الملك على البيّنة بالتصرّف.(2)

وحاصله أنّ اليد و إن كانت أمارة ملكية لكن فيما إذا لم تعارضها البيّنة بالملك فإنّ التصرّف (مثل تصرّف المالك) دليل على الملكيّة حيث لا تعارضه البيّنة على سبب الملك لوجود الاحتمال في التصرّف وعدمه في الشهادة على الملك أو السبب.

كلّ ما ذكروه و إن كان صحيحاً إلاّ أنّه لا نحتاج في المقام إلى هذا الإطناب،


1 . الجواهر: 40/439.
2 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/437.


(136)

لأنّه لو افترضنا وجود العلم الوجداني باليد أو التصرّف لأحد المتنازعين فإنّه يكون محكوماً ببيّنة المتنازع الآخرالقائمة على الملكيّة عملاً بقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر» والمنكر من له اليد على العين أو المتصرّف فيها مثل تصرّف المالك ، فإذا كانت البيّنة متقدّمة على العلم الوجداني فكيف لاتتقدّم على البيّنة القائمة مقام العلم.

تمّ الكلام في المسألة الثانية.

المسألة الثالثة: إذا أقرّ المدّعى عليه بأنّ العين لثالث

قال المحقّق: لو ادّعى شيئاً، فقال المدّعى عليه: هو لفلان، اندفعت عنه المخاصمة، حاضراً كان المقرّ له أو غائباً، فإن قال المدّعي: احلفوه انّه لا يعلم أنّها لي، توجهت اليمين، لأنّ فائدتها الغرم لو امتنع لا القضاء بالعين لونكل أو ردّ، وقال الشيخ : لا يحلف، ولا يغرم لو نكل. و الأقرب أنّه يغرم، لأنّه حال بين المالك وبين ماله، بإقراره لغيره، و لوأنكر المقرّ له ، حفظها الحاكم ، لأنّها خرجت عن ملك المقرّ، و لم تدخل في ملك المقرّ له، و لو أقام المدّعي بيّنة، قضي له أمّا لو أقرّ المدّعى عليه بها لمجهول، لم يندفع الخصومة و أُلزم البيان.

أقول: ذكر المحقق في هذه المسألة فروعاً خمسة، نأخذ بالبحث عن كلّ واحد.

الأوّل: إذا ادّعى شيئاً فقال المدّعى عليه هو لفلان. اندفعت عنه المخاصمة، حاضراً كان المقرّ له أو غائباً. والمراد من خروجه عن طرف النزاع عدم توجّه الحلف إليه و ذلك لما مرّ من أنّ الحلف يتعلّق بما له صلة بالإنسان وأمّا كون هذا المال للغير فليست له صلة بالمقرّ فلا يتوجّه إليه اليمين.

الثاني: إذا ادّعى المدّعي أنّ المقرّ كان يعلم بأن العين له ـ و مع ذلك ـ أقرّ بأنّها للغير، فهل له إحلاف المقرّ أو لا؟قولان: أحدهما للشيخ والآخر للمحقّق:


(137)

1ـ قال الشيخ : ليس له الإحلاف، فإنّه لو نكل، أو ردّ اليمينَ إلى المدّعي وحلف، لا يحكم على المقرّ بالغرامة، لأنّه من آثار الإتلاف وهو بعدُ لم يُتلف و إنّما اعترف بأنّه للغير.

2ـ قال المحقّق ما هذا توضيحه: له الإحلاف، لأنّه لو حلف دفع عن نفسه التهمة وإن نكل أو ردّ اليمين إلى المدّعي و حلف، يغرم لأنّه حال بين المالك و ماله بإقراره لغيره و ليست الغرامة من آثار الإتلاف بل أعمّ منه و من مطلق الخسارة الواردة على المالك لأجل إقراره.

وهناك قول بالتفصيل لصاحب المسالك و هو أنّه لو قلنا في رجل أقرّ لشخص بعد الإقرار لآخر بأنّه يَغْرُم القيمة للثاني فله إحلافه في المقام فلعلّه لا يحلف بل يقرّ فيغرمه القيمة. وإن قلنا في ذلك الباب بأنّه لا يغرم، فعند ذلك يأتي التفصيل المذكور في بابه: إنّ يمينَ المدّعي كإقرار المنكر أو كبيّنة المدّعي فإن قلنا بالأوّل فلا يحلف لعدم ترتّب الأثر على إقراره بانّه للغير، مع العلم بأنّه للمدّعي لأنّ إقراره بأنّه للثالث بمنزلة الإقرار بعد الإقرار لآخر والمفروض عدم ترتّب الأثر عليه في صورة العلم الوجداني فكيف إذا ثبت بيمين المدّعي و إن قلنا بأنّه كبيّنة المدّعي فله التحليف لأنّه إذا نكل وحلف المدّعي (أثبت بدليله الشرعي أنّ العين له) فإذا كانت العين تالفة أخذ القيمة و لو ردّ عليه العين (إذا لمتكن تالفاً) ردّالقيمة لأنّه إنّما غرم القيمة للحيلولة (1).

وأورد عليه في الجواهر بأنّه لو افترضا أنّ يمين المدّعي المردودة بمنزلة بيّنة المدّعي، لكن مفاد البيّنة في المقام هو أنّ المقرّمع علمه بأنّ العين للمدّعي، أقرّ بأنّه للثالث، وهذا لا يترتّب عليه الأثر حسب الفرض. وبعبارة أُخرى ليست يمين المدّعي المنزّل منزلة البيّنة فوق العلم الوجداني بأنّه قد أقرّ للغير مع العلم بانّه للمدّعي، والمفروض عدم ترتّب الأثر عليه. نعم لو كانت مفاد البيّنة التنزيلية


1 . زين الدين العاملي، المسالك:2/437.


(138)

هو أنّ العين للمدّعي، كان له إحلافه فلو نكل أو ردّ اليمين يغرم، لأنّ يمين المدّعي بمنزلة البيّنة على كون المدّعي مالكاً و لكن أين هو من مفاد اليمين المردودة في المقام حسب الفرض.

ومع ذلك فالحقّ هو الغرامة و ذلك لأنّه لو حلف دفع الاتّهام عن نفسه وأمّا لو نكل أو ردّ اليمين إلى المدّعي، ثبت أنّه صار سبباًللحيلولة بين المالك وماله و هذا المقدار من السببيّة كاف في تغريمه إلى أن تعود العين إليه بإقامة الدعوى على المقرّله، وعندئذ تدفع الغرامة المؤقّتة إلى المقرّ.

الفرع الثالث: و لو أنكر المقرّله قال المحقّق: حفظها الحاكم لأنّها خرجت عن ملك المقرّ و لم تدخل في ملك المقرّ له. ولو أقام المدّعي بيّنة قضى له.

حاصله أنّ العين تبقى بيد الحاكم، لكونها مجهولَ المالك، فلو أقام المدّعي البيّنة على أنّها له، قضى له. و قال العلاّمة في قواعده: تدفع إليه بلا بيّنة و لا يمين، لكون دعواه دعوى بلا منازع وهو غير تامّ لأنّه إنّما يكون كذلك فيما إذا لم يكن عليها يد والمفروض استقرار يد الحاكم عليها و هو يد نيابيّة عن مالكها الواقعي، فلا يدفع إلاّ إلى مالكها الواقعي، نظير اللقطة، فلا يدفع لمن ادّعاها إلاّ بعد ثبوت كون المدّعي مالكاً.

الفرع الرابع: لواعترف ذو اليد (المدّعى عليه) بأنّها لمجهول لم تُندفع الخصومة و أُلزِمَ البيان.

أقول : إنّ المقرّتارة يقول ليست لي بل هي لغيري على وجه يحتمل دخول المدّعي في ضمنه فعندئذ أُلزم البيان، لأنّه متّهم بأنّه حال بينه وبين ماله، وأمّا إذا صرّح بأنّها ليست للمدّعي و إنّما هي لغيره، فبذلك دفع عن نفسه الخصومة، فلادليل على إلزامه بالبيان فيخرج المقرّ عن أطراف النزاع و بما أنّ المقرّاعترف بانّها للغائب فلوأثبت المدّعي بالبيّنة أو الشاهد واليمين أنّ العين له يقضى له ، لكن الغائب على حجّته، ولأجل ذلك يلزم على الحاكم أخذ الضامن لئلاّ يتضرّر


(139)

الغائب إذا ثبت خلافه.

المسألة الرابعة:دوران الأمر بين الإجارة و الإيداع

قال المحقّق: إذا ادّعى أنّه أجّره الدابة وادّعى آخر أنّه أودعه إيّاها تحقّق التعارض مع قيام البيّنتين بالدعويين، و عُمِل بالقرعة مع تساوي البيّنتين في عدم الترجيح.

ما ذا يريد المحقّق من كلامه هذا فهل الدعويان المختلفتان من مصاديق الدعوى في الأملاك أو من مصاديق الدعوى في العقود؟ وبما أنّ الثاني يأتي في المقصد الثاني و هو بعدُ لم يخرج عن المقصد الأوّل يلزم حمل العبارة على الاختلاف في دعوى الملك. فنقول:

المقصود أنّه إذا كانت العين بيد ثالث غائب فادّعى أحد المدّعيين أنّه أجّرها له و ادّعى المدّعي الآخرُ أنّه أودعه إيّاها فيعود واقع النزاع إلى الاختلاف في مالك العين فالأوّل يدّعي أنّه المالك آجّرها للثالث والثاني يدّعي أنّه المالك لكنّه أعاره إيّاها فليس النزاع في العقد الخارجي حتّى يدّعي أحدهما أنّه كان إجارة والآخر أنّه كان إيداعاً، بل النزاع في المالكية يدّعي أحدهما بتصرّفه فيها بالإجارة، أنّه المالك، والآخر يدّعي بتصرّفه فيها بالإيداع، أنّه المالك و عند ذلك يعود النزاع إلى الاختلاف في دعوى الملكيّة و بذلك يظهر ضعف ما ذكره في المسالك من أنّذكر هذه المسألة في المقصد الثاني أولى لأنّ الاختلاف فيها اختلاف في العقود.(1)

وذلك لأنّه إنّما يكون النزاع في العقود إذاكان النزاع ثُنائياً ـ لا ثلاثياً كما في المقام ـ و ذلك بأن اتّفق المالك والقابض على صدور عقد من المالك فيدّعي الأوّل أنّه كان إيداعاًوالآخر أنّه كان إجارة أو بالعكس ولو كان كذلك فالمرجع في


1 . زين الدين العاملي، المسالك:2/437.


(140)

الصورتين هو ضمان ما أتلف إلاّ إذا ثبت تسليط المالك على ماله بالمجّان.

ثمّ إنّ المفروض أنّ من بيده المال إمّا غائب عن محلّ المحاكمة أو ميّت وليس للوارث فيها ادّعاء فلا تلحق المسألة بالصورة الثالثة التي،قلنا إنّ لها حالات خمس: حيث إنّ الثالث إمّا أن يصدّقهما أو يصدّق أحدهما أو يكذبهما إلى آخر ما ذكرناه بل الأولى إلحاقها بالصورة الرابعة الأصلية الماضية، التي يدّعي المدّعيان فيها عيناً، ليس لأحد عليها يد والمقام أيضاً نظيرها و قد تقدّم أنّ المرجع فيها هي القرعة، لخبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه البصري و فيه: كان علي ـ عليه السَّلام ـ إذا أتاه رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم أقرع بينهم على أيّهما تصير اليمين (1) ونظيره خبر داود بن سرحان (2) وحسنة زرارة(3)وصحيح الحلبي (4).

ترى أنّ جميعها تؤكد على القرعة عند عدم الترجيح وإلاّ فالعمل بأرجح البيّنتين وقد اتخذ المحقق هذه الروايات سنداً لفتواه و روايات القرعة و إن كانت مطلقة تعم الصور الأربع، لكنّها محمولة على غير الصورتين الأُولتين جمعاً بين الأدلّة كما أنّها ساكتة عن ردّ اليمين إذا نكل من خرجت القرعة باسمه، لكنّه ورد في صحيح إسحاق بن عمّار (5) وفيه:«فقيل له فلولم تكن في يد واحد منهما وأقاما البيّنة . فقال: احلفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين».(6)بعد تقييد الإحلاف في الصحيح بالإقراع جمعاً بينه وبين الروايات السابقة كما يقيّد معتبر غياث بن إبراهيم بمجموع ما سبق حيث جاء فيها: «لو لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين».

المسألة الخامسة:

قد ذكر المحقّق فيها فروعاً ثلاثة:


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 7، 11.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 7، 11.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 7، 11.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 7، 11.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2و3.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2و3.


(141)

الفرع الأوّل:

لو ادّعى داراً في يد انسان و أقام بيّنة أنّها كانت في يده أمس أو منذ شهر، فهل تُسْمع البيّنة أو يقضى بظاهر اليد؟

التحقيق أنّه يقضى بظاهر اليد لأنّ مفاد البيّنة لا يتجاوز عن كونه مالكاً، أو كون العين تحت يده أمس، أو متصرّفاًفيها في ذلك الظرف، وهي بهذا المضمون لا تعارض ظاهر اليد الدال على كونه مالكاً الآن، إذ لا منافاة بين المضمونين، حتّى يقدّم أحدهما على الآخر.

أضف إلى ذلك، أنّ الشهادة لا تطابق الدعوى إذ بيّنته قائمة على مالكيته في الظرف الغابر ولكنّه يدّعي أنّه المالك الآن، فكيف تثبت بها.

نعم استقرب المحقّق القضاء على وفق البيّنة قائلاً بأنّ اليد الحاضرة وإن كانت دليل الملك لكن الملكية السابقة المسلّمة إذا ضمّ إليها الاستصحاب يثبت انّه المالك الآن، وأمّا كونها أرجح لتضمّن البيّنة مع الاستصحاب شيئاً زائداً على مفاد اليد وهو كونه مالكاً في الزمن السابق.

وذهب الشيخ إلى عدم السماع و قال:

«إذا ادّعى داراً في يد رجل فقال: هذه الدار الّتي في يديك لي و ملكي فأنكر المدّعى عليه فأقام المدَّعي البيّنة أنّها كانت في يديه أمس أو منذ سنة سواء، فهل تُسمع هذه البيّنة أم لا ؟ قال قوم: هي غير مسموعة. وقال آخرون: مسموعة و يقضى للمدّعي، ولا فصل بين أن تشهد البيّنة له بالملك أمس، و بين أن تشهد له باليد أمس، والصحيح عندنا أنّ هذه الدعوى غير مسموعة.

فمن قال: هي مسموعة حكم بالدار للمدّعي، ومن قال: غير مسموعة فلا بيّنة مع المدّعي فيكون القول قول المدّعى عليه مع يمينه».(1)


1 . الطوسي: المبسوط:8/269.


(142)

يلاحظ على مختار المحقّق أوّلاً: أنّه لو افترضنا العلم الوجداني بكون المدّعي مالكاً أمس لا يكون معارضاً لمفاد اليد، فكيف بالبيّنة القائمة مقامها؟!

وثانياً: أنّ اليد مقدّمة على الاستصحاب و إلاّ لزمت لغوية حجّية اليد، إذ ما من عين تحت يد إنسان، إلاّ و هي كانت ملكاً للغير قبل استيلاءه عليها فلو كان الاستصحاب مقدّماً على مفاد اليد، لزمت لغوية تشريع حجّيتها ولذلك قالوا بحكومة اليد على الاستصحاب.

وثالثاً: مَنِ المستصحبِ، فهل هو الحاكم، أو الشاهد؟ أمّا الأوّل فليس بصحيح لأنّ أداة القضاء حسب النبوي الشريف منحصرة في البيّنة و اليمين لاغير، أمّا الثاني، فقد تعرّض به العلاّمة في القواعد و قاللو قال: أعتقد أ نّه ملكه بالاستصحاب ففي قبوله إشكال،أوجهه أنّ له الشهادة بما شهد، لا بما استصحب.

الفرع الثاني

إذا شهدت بيّنة المدّعي أنّ صاحب اليد غصبها أو استأجرها منه حكم ببيّنة المدّعي، لأنّها شهدت بالملك و سبب يد الثاني.

حاصله: وجود الفرق بين الفرعين فإنّ البيّنة في الأوّل شهدت بملكية المدّعي في الأمس، ولذلك لم تزاحم مقتضى اليد و هو أنّ المتشبّث مالك، بخلاف هذا .

توضيحه: إنّ البيّنة إمّا أن تشهد بأنّ استيلاء الثاني على العين كان عدوانياً أو أمانيّاً من جانب المالك وهو مستمر إلى حين الشهادة، وإمّا أن تشهد بأنّه كان كذلك في السابق من دون تعرّض للوضع الحاضر.

أمّا الأوّل: فالبيّنة بالدلالة الالتزامية تدلّ على أنّ المدّعي هو المالك والآخر هوالغاصب أو المستأمن منجانب المالك فتقدم على مقتضى اليد لتبين فسادها.


(143)

وعلى الثاني فالشهادة وإن كانت مقتصرة على الماضي غير انّ قول من أقام البيّنة هوالموافق للأصل وهو عدم تجدّد يد أُخرى غير الأُولى له. فيكون منكراً فيكون قول القائل بحدوث يد أُخرى وراء الاستيلاء الغصبي أو الاستيجاري مدّعياً فيحلف.

وبذلك بان الفرق بين الفرعين وحاصله تبيّن فساد اليد في الثاني دون الأوّل. وإلى ما ذكرنا ينظر كلام الشيخ حيث قال:

هذا إذا لم يعلم سبب يد المدّعى عليه، فأمّا إذا علمت سبب يد المدّعى عليه، فقالت البيّنة نشهد أنّه كان في يده، و أنّ الذي هو في يده أخذه منه أو غصبه إيّاها أو قهره عليها فحينئذ يقضى للمدّعي بالبيّنة لأنّها شهدت له بالملك، وسبب يدالثاني، فلهذا حكمنا عليه بذلك، ويفارق إذا لميشهد بسبب يد الثاني، لأنّ اليد إذا لم يعرف سببها دلّ على الملك، فلاتزال بأمر محتمل، فبان الفصل بينهما.(1)

الفرع الثالث

قال المحقق: لو قال غصبني إيّاها و قال آخر بل أقرّلي بها و أقاما البيّنة قضي للمغصوب منه ولم يضمن المقرّ لأنّ الحيلولة لم تحصل بإقراره بل بالبيّنة .

قال الشيخ :إذا تنازعا داراً في يدي رجل فادّعى أحدهما فقال هذه الدار غصبتني عليها و أقام البيّنة بذلك وقال الآخر : الدار لي أقرّ لي بها وأقام البيّنة بذلك، حكمنا بها للمغصوب منه لأنّها شهدت له بالملك، وأنّ الدار في يده غصب، والّتي شهدت على الإقرار بها كان إقراره بدار مغصوبة، فلا ينفذ إقراره فيها فيدفع الدار إلى المغصوب منه و لايغرم المدّعى عليه شيئاً للّذي شهد له بالإقرار، لأنّه ما حال بينه و بينها، و إنّما حالت البيّنة بينه و بين الدار ، فلأجل


1 . الطوسي: المبسوط: 8/269.


(144)

ذلك لم يلزمه شيء.(1)

توضيح صورة الفرع: أنّ النزاع في الفرعين السابقين كان ثنائياً فكان المدّعي ذا بيّنة أمام صاحب اليد غير أنّ البيّنة كانت قائمة في الفرع الأوّل على الملكية في الظرف الغابر، من دون تعرّض لفساد اليد، بخلافها في الصورة الثانية فهي كانت قائمة على فساد اليد على التفصيل السابق، وأمّا المقام فالنزاع ثلاثي فالعين بيد الثالث و أحد الشخصين يدّعي كونه مالكاً بشهادة بيّنته و الشخص الآخر يدّعي أنّ ذا اليد أقرّ بمالكيته و أقام بيّنة على إقرار الثالث لذلك الشخص، ففي هذا الفرع تقدّم بيّنة المدّعي لأنّها أثبتت فساد اليد وأنّها كانت عدوانية أو غير مالكية فيفسد إقراره في زمن اليد لانّه إقرار إمّا بعين مغصوبة أو غير مملوكة ، فلا ينفذ في حقّ الآخر.

ثمّ إنّ هناك سؤالاً، وهو أنّ المقرّ أي الشخص الثالث هل يضمن قيمتها للمقرّله أو لا ؟ و الظاهر عدم ضمانها لانّه ليس من قبيل من أقرّ لشخص بعد إقراره لشخص آخر و إنّما أقرّ لشخص واحد وهو بعدُ على إقراره ولم يكن سبباًللحيلولة بينها وبين مالكها(المقرّ له) و إنّما حالت بيّنة المدّعي، فلا يصحّّ تنزيل بيّنة المدّعي إقراراً أوّلاً وإقراره للمقرّ له إقراراً ثانياً. غاية ما في الباب يعد إقراره حسب الظاهر إقراراً كاذباً و أمّا الواقع فاللّه هوالعالم.

تمّ الحديث حول المقصد الأوّل من المقاصد الأربعة التي تعرفت على فهرسها و إليك الكلام حول المقصد الثاني.


1 . الطوسي: المبسوط: 8/270.


(145)

المقصد الثاني:
في الاختلاف في العقود

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى:

إذا اتّفقا على استئجار دار معيّنة شهراً معيّناً و اختلفا في الأُجرة

وللمسألة شقوق و إليك بيانها:

1ـ إنّهما إمّا أن يعدما البيّنة.

2ـ وإمّا أن يقيما البيّنة.

3ـ وإمّا أن يقيم أحدهما البيّنة.

وعلى كلّ تقدير فالاختلاف إمّا بعد استيفاء المدّة أو في أثنائها أو في ابتدائها فتكون الصور حينئذ تسع.

أمّا الشقّ الأوّل بصوره الثلاث (1) فالمشهور تقديم قول المستأجر و عن التذكرة نسبته إلى علمائنا ، و أنّ النزاع من قبيل المدّعي و المنكر فالمؤجر يدّعي على المستأجر عشرة دنانير، والمستأجر يعترف بخمسة و ينفي الزائد، فالبيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر، خلافاً للشيخ حيث قال بالتحالف وجعل المقام من قبيل التداعي و قال بوجوب أُجرة المثل(2)، وأفاد ما هذا توضيحه:

إنّ كلاً منهما مدّع و مدّعى عليه، لانّ العقد المتشخص بالعشرة غير العقد


1 . لا يخفى على القارئ انّ تفصيل المطالب بصورة المسائل راجع إلينا و إلاّ فالمحقق يورد الفروع بلاتفصيل.
2 . الطوسي: المبسوط: 8/263.


(146)

المشتمل على الخمسة خاصة، فيكون كلّ واحد منهما مدّعياً لعقد غير العقد الذي يدّعيه الآخر وهذا يوجب التحالف حيث لم يتفقا على شيء و يختلفا فيما زاد عنه.

و أورد عليه في المسالك بأنّ العقد لا نزاع بينهما فيه ولا في استحقاق العين المؤجرة للمستأجر ولا في استحقاق المقدار الذي يعترف به المستأجر و إنّما النزاع في القدر الزائد فيرجع فيه إلى عموم الخبر (البيّنة للمدّعي و اليمين على من أنكر) ولو كان ما ذكر من التوجيه موجباً للتحالف يورد في كلّ نزاع على حق مختلف المقدار كما لو قال: اقرضتك عشرة فقال: لا بل خمسة، فإنّ العقد المتضمن لأحد المقدارين غير العقد المتضمن للآخر و كما لو قال: ابرأتني من عشرة من جملة الذي عليه فقال: بل من خمسة، فإنّ الصيغة المشتملة على إسقاط أحدهما غير الأُخرى و هكذا القول في غيره وهذا ممّا لا يقول به أحد، والحقّ أنّ التحالف إنّما يرد حيث لا يتفق الخصمان على قدر ويختلفان في الزائد عنه كما لوقال الموجر: آجرتك الدار شهراً بدينار فقال المستأجر: بل بثوب ، أو قال: آجرتك هذه الدار بعشرة فقال: بل تلك الدار، و نحو ذلك ، أمّا في التنازع فالقول المشهور من تقديم قول المستأجر هوالأصح.(1)

ثمّ إنّ صاحب الجواهر بعد ما نقل نقد المسالك أراد إيجاد التصالح بينه و بين الشيخ بأنّه يجب الإمعان في مصبّ الدعوى ، فإن كان مصبّ الدعوى هو اختلافها في تشخص العقد الذي هو سبب الشغل فالمورد من قبيل التحالف إذ لا فرق في مشخصاته بين زيادة الثمن ونقصانه وبين غيرهما من المشخصات.

وإن كان مصبّ الدعوى هو طلب الزائد وإنكاره وإن صرّحا بكون ذلك من ثمن الإجارة يكون من باب التنازع و كان الموجر مدّعياًوالمستأجر منكراً.(2)

ولا يخفى ما في نظره من التكلّف فإنّ مفهوم المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية الموجودة قبل الإسلام وبعده و ليس الإسلام مخترعاً لهذين المفهومين، وعلى


1 . المسالك: 2/438.
2 . الجواهر:40/458.


(147)

ضوء ذلك فبما أنّ المترافعين من عامة الناس و ليس لهما غرض إلاّاستحصال الحقّ فعلى ذلك لا يكون مصبّ الدعوى و ما يذكرونه في كلامهما مقياساً لتشخيص المدّعي عن المنكر لأنّ كلامهما هذا مرآة و طريق إلى نواياهم وأغراضهم التي دعتهم إلى الحضور للمحكمة وهي تحصيل الحق، و عليه فلا فرق بين الصورتين سواء قال المدّعي آجرته الدار بعشرة وقال الآخر: آجرني الدار بخمسة، أو قال: لي عليه عشرة دينار من أجل إجارة الدار و قال الآخر: عليّ له خمسة دينار من تلك الجهة وعلى كلّ تقدير فلو كان النزاع بعد الاستيفاء فالغرض الأصلي للحضور في المحكمة هواستحصال الزائدعن الخمسة.

نعم لو كان هناك اختلاف في المبيع كأن يقول أحدهما: بعتك غنماً وقال الآخر: باعني بقرة، أو قال الأوّل: بعتك الغنم بعشرة دنانير وقال الآخر : باعني بثوب أو كتاب، فلا شكّ أنّ المقام من قبيل التداعي إذ لم يتّفقا على شيء حتّى يختلفا في الزائد. هذا كلّه حول الصورة الأُولى و إليك الكلام حول الصورة الثانية.

الصورة الثانية

إذا اتفقا على استئجار دار معيّنة شهراً معيّناً و اختلفا في الأُجرة وأقام كلّ منهما بيّنة بما قدر، فقدنقل المحقق قولين:

1ـ إن تقدّم تاريخ إحداهما عمل به، لأنّ الثاني يكون باطلاً.

وإن كان التاريخ واحداً تحقق التعارض إذ لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين وحينئذ يقرع بينهما و يحكم لمن خرج اسمه مع يمينه، قال: هذا اختيار شيخنا في المبسوط.(1)

ولنأخذ هذا القول بالبحث.


1 . لاحظ المبسوط:8/263، وقد بسط الكلام في الصور ولخصه المحقق.


(148)

أمّاالشق الأوّل من كلامه و هو: تقديم أقدم البيّنتين تاريخاً، فكما إذا شهدت إحداهما على إجارة الدار بأُجرة في شهر رمضان والأُخرى على الإجارة في شهر شوال وهو مبنيّ على أنّ التقدّم بالتاريخ من المرجّحات، وقد تقدّم الكلام منّا عند قول المحقق: «والشهادة بقديم الملك أولى من الشهادة بالحادث» و قلنا هناك : إنّ التقدّم تاريخياً ليس بمرجّح، بل ليست البيّنتان عندئذ من المتعارضين إذ لا منافاة بين العقدين لإمكان وقوع إقالة بينهما، والحكم ببقاء الإجارة الأُولى تمسكاً بالاستصحاب غير تام لانّ المستصحِب إمّا هوالحاكم أو الشاهد.

أمّا الأوّل فالمفروض انّ أداة القضاء منحصرة في الأيمان و البيّنات و ليس الاستصحاب منهما.

وأمّا الثاني ، فالمفروض سكوت الشاهد عن الحالة اللاحقة وقد تفطّن صاحب الجواهر بهذاالإشكال وحاول دفعه بقوله: «بعد اتّفاقهما على عدم الإقالة» لكن كلام المحقق مطلق، نعم لو اتّفقت البيّنتان أو الطرفان على عدم الإقالة قُدِّمتْ البيّنة الأُولى لأنّ الاتفاق على عدم الإقالة يثبت بقاء الإجارة الأُولى، فيكون العقد الثاني باطلاً.

وأمّا الشقّ الثاني، أي إذا لم تكونا مؤرختين أو كانت إحداهما مؤرخة دون الأُخرى، فالحكم بالإقراع مبنيّ على دخول المورد في روايات الباب التي مرّت في المسائل السابقة، والفارق بين هذه الصورة و الصورة الأُولى حيث ذهب الشيخ هناك إلى التحالف و التساقط والحكم بفسخ العقد و الرجوع إلى أُجرة المثل بخلاف المقام، حيث اختار القرعة ثمّ حَلْفِ من خرجت القرعة باسمه، هو وجود البيّنتين في المقام دون الآخر.

وبعبارة أُخرى لمّا كانت الدعوى في الصورة الأُولى مجرّدة عن البيّنة دخل المورد عند الشيخ في باب التداعي والحكم فيه هو التحالف وانفساخ العقد بحكم الحاكم والرجوع إلى أُجرة المثل، بخلاف الصورة الثانية فإنّ اقترانها بالبيّنتين


(149)

جعلها داخلة في باب تعارض البيّنتين والحكم في مثلها هو الإقراع إذا لم تكن إحداهما مرجّحة، وفي الحقيقة تكون الصورة الثانية أشبه بالصورة الرابعة من الصور الأربع الماضية في المسائل السابقة و هو إذا ما ادعيا شيئاً ولم يكن عليه يد واحد منهما، فإنّ العين المستأجرة خارجة عن حريم النزاع، وأمّا المنافع فليست عليها يد لأنّ استيفاءها تدريجي لا يقبل الاستيلاء.

هذا توضيح لكلام الشيخ وسيوافيك ما فيه.

2ـ ما حكي عن ابن ادريس أنّه يقضى ببيّنة المؤجر. لأنّ القول قول المستأجر لو لم يكن بيّنة، ومن كان القول قوله مع عدم البيّنة كانت البيّنة في طرف المدّعي، وحينئذ نقول هو مُدعى زيادة و قد أقام البيّنة بها فيجب أن يثبت.

ثمّ إنّ المحقق بعد ما نقل القولين قال: وفي القولين تردّد، و فسّره في الجواهر بقوله: «وفي إطلاق القولين تردّد». بناء على ما مضى منه من جعل الدعوى تارة من قبيل المدّعي والمنكر، وأُخرى من قبيل المتداعيين. وحاول بذلك أن يثبت أنّ المحقق تأمل في إطلاق كلّ من القولين وإلاّ فالقولان بلا إطلاق صحيحان لكن كلاً في مورده.

يلاحظ على هذا القول، بأنّه لم يدل دليل على ما ادعاه «من أنّ كل من كان القول قوله مع عدم البيّنة كانت البيّنة في طرف المدّعي» وذلك لأنّه إن أراد انّه تسمع بيّنة المدّعي إذا لم تكن للآخر بيّنة فهو متين ولكنّه غير المدّعى، وإن أراد أنّه تقدّم بيّنة المدّعي على بيّنة المنكر فهو أوّل الكلام لما مرّ من أنّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «البيّنة للمدّعي و اليمين على من أنكر» لايحمل معنىً سلبياً وهو عدم حجّية بيّنة المنكر إذا كانت مع المدّعي بيّنة، بل أقصى ما يستفاد منه هو أنّ إقامة البيّنة من واجب المدّعي في مقابل المنكر و أنّ المنكر يكفيه عدم الدليل على الإثبات، وبعبارة أُخرى أنّ العب ء على عاتق المدّعي و ليس على عاتق المنكر شيء، لانّ المدّعي يريد إثبات حقّ أو إزالته ، فعليه السعي و الجهد دون المنكر، وأمّا أنّه إذا سعى


(150)

المنكر و تحمل العبء وأقام بيّنة فلا تسمع، فهذا ما لا يستفاد من الحديث النبوي.

وعلى ذلك تكون البيّنتان متعارضتين، فيؤخذ بأرجحهما كالأكثرية عدداً و عدالة، وإلاّ فيرجع إلى القرعة كما ذكره الشيخ.

ومع ذلك كلّه فقول الشيخ من الرجوع إلى القرعة في المقام ، مبنيّ على وجود الإطلاق في الروايات الآمرة بالقرعة عند تعارض البيّنتين بحيث يشمل الاختلاف في العقود و قد قدّمنا الكلام فيه بدراسة روايات الباب وحاصله أنّ موردها بين مجمل فاقد للإطلاق كخبر عبد الرحمان البصري فيه : ثمّ يجعل الحق للذي يصير عليه اليمين إذا حلف.(1) وخبر داود بن سرحان في شاهدين شهدا على أمر و جاء... فأجاب يقرع بينهم فأيّهم قرع، عليه اليمين وهو أولى بالقضاء(2) و صحيح حمّاد في رجلين شهدا على أمر (3) وبين وارد في الحقوق كخبر داود بن أبي يزيد العطّار (4) الوارد فيما إذا ادعيا زوجيّة امرأة، أو الأموال وهي أكثرها كرواية زرارة الواردة في الاختلاف في مقدار الدرهم الذي كان عنده و رواية سماعة(5) ورواية عبد اللّه بن سنان(6) الواردتين في الاختلاف في ملكية الدابة فكيف يمكن التمسك بها في الاختلاف في العقود كما في المقام حيث إنّ أحدهما يدّعي أنّه آجره بعشر والآخر بخمس، ففي مثل المقام لا محيص من الرجوع إلى أحد الأُمور الثلاثة:

1ـ ترجيح بيّنة المدّعي على بيّنة المنكر، كما عليه ابن إدريس قائلاً بعدم حجّية بيّنة المنكر، عند التعارض.

2ـ ترجيح بيّنة المنكر أي الداخل لما مرّمن ورود ترجيحها على الأُخرى في الروايات و لكن شمولها للمقام مشكل، لأنّ ترجيح بيّنة المنكر عند الاختلاف في الملكية لأجل أنّ استيلاءه على العين يكون مؤكداً لصدق بيّنته ومرجحاً لها فتقدّم


1 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.
2 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.
3 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.
4 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.
5 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.
6 . الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5، 6، 11، 8، 7، 12، 15.


(151)

على الأُخرى. و أمّا المقام فليس النزاع في ملكية العين حتّى يعدّ الاستيلاءمرجّحاً لها بل في أُجرة منفعة العين قبل الاستيفاء أو بعده أو أثنائه و نسبة المنفعة التي اتّفقا على نقلها، إلى المدّعي والمنكر، سواء.

3ـ الرجوع إلى قواعد القضاء بعد سقوط البيّنتين من الحجّية وهو إمّا التحالف و انفساخ العقد و الرجوع إلى أُجرة المثل إذا كان المورد من قبيل التداعي أو استحلاف المنكر إذا كان من باب التنازع واختلاف المدّعي و المنكر، فيحلف المنكر أو يردّه إلى المدّعي و بما أنّ المقام من قبيل الثاني، بشهادة أنّ المؤجر بصدد إثبات حقّ غير ثابت، فالمرجع حلفالمنكر .

الصورة الثالثة: إذا كانت البيّنة لأحدهما

إذا كانت البيّنة لأحدهما فعلى ضوء ما ذكرنا يؤخذ بها سواء كانت للمدّعي أو للمنكر، وعلى ما ذكره ابن إدريس من عدم حجّية بيّنة المنكر فيؤخذ بها إذا أقامها المدّعي لا المنكر، وقد عرفت ضعفه.

المسألة الثانية

لو ادّعى استئجار دار فقال المؤجر بل آجرتك بيتاً منها

للمسألة صور ثلاث:

الأُولى: إذا لم تكن لهما بيّنة.

الثانية: إذا كان لهما بيّنة.

الثالثة: إذاكانت لأحدهما بيّنة.

أمّا الأُولى: ففيها قولان:


(152)

1ـ قول الشيخ و هو أنّه يقرع بينهما .

2ـ قول ابن إدريس و هو أنّ القول قول الموجر.

أمّا قول الشيخ فهو مبنيّ على أنّ المقام من باب التداعي فيقرع بين المدّعين.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المقام من قبيل الأقلّ و الأكثر فالمستأجر يدّعي استئجار جميع البيت والموجر يدّعي غرفةً واحدة، وعلى ضابط القضاء يحلِفُ المنكر و هو الموجر كما عليه القول الثاني. نعم إنّما يكون من باب التداعي إذا اختلفا في الدار المستأجرة فادّعى كلّ، إجارة دار، غير ما يدّعيه الآخر، والمفروض في كلام المحقّق غير ذلك.

وثانياً: نفترض أنّه من باب التداعي لكن حكمه التحالف لا القرعة فيتحالفان فينفسخ العقد بحكم الحاكم فيرجع إلى أُجرة المثل عند الاستيفاء، والعجب أنّ المحقّق اختار القرعة و استدل عليه بقوله: «لأنّ كلاً منهما مدع» مع أنّ مقتضى تعليله التحالفُ والفسخ، لا القرعة.

وأمّا قول ابن إدريس فهوالحقّ كما تبيّن.

وأمّا الصورة الثانية فقد أفاد المحقّق وقال:

« ولو أقام كلّ منهما بيّنة تحقّق التعارض مع اتّفاق التاريخ و مع التفاوت يحكم للأقدم لكن إن كان الأقدمُ بيّنةَ البيت حكم بإجارة البيت بأُجرته، وبإجارة بقيّة الدار بالنسبة من الأُجرة».

فله دعويان:

الأُولى: أنّه مع اتّفاق التاريخ أو إطلاقهما أو إطلاق إحداهما و تاريخ الأُخرى والتساوي في العدد و العدالة ، يقرعُ بينهما، و لكنّه مبنيّ على شمول أدلّة القرعة عند تعارض البيّنتين للاختلاف في العقود كما في المقام، حيث يختلفان في


(153)

أنّ العقد هل تعلّق بالبيت وحده أو على مجموع الدار، وقد عرفت أنّ روايات القرعة بين مجمل لا يحتج به، أو مختص بالأعيان الشخصية ولا يعمّ الاختلاف في العقود، وعلى ذلك فالرجوع إلى القرعة غير واضح و سيوافيك ما هو المرجع في هذه الحالة.

الثانية: أنّه مع التفاوت في التاريخ يحكم للأقدم، ولكن إن كان الأقدم بيّنة البيت حكم بإجارة البيت بأُجرته و بإجارة بقية الدار بالنسبة من الأُجرة. وذلك لأنّه إذاكانت بيّنة البيت متقدّمة التاريخ يؤخذ بها فتكون الأُجرة المدعاة على ذمّة المستأجر شرعاً.

وبما أنّ بيّنة المستأجر قامت على استئجار الدار بنفس الأُجرة يحكم بها عليه و لمّا ثبت استئجار البيت بالبيّنة السابقة تستقر بها عليه أُجرة الدار سوى ما يقابل البيت مثلاً إذا فرض أنّ الأُجرة التي اتّفقا عليها عشرة دنانير لكن ادّعى المستأجر أنّها أُجرة الجميع و ادّعى الموجر أنّها أُجرة البيت و كان المتقدّم تاريخاً بيّنة البيت، ثبت على المستأجر خمسة عشرة: عشرة دنانير أُجرة البيت ببيّنة المؤجر وخمسة في مقابل باقي الدار ببيّنة المستأجر.

يلاحظ عليه: أنّه كيف يمكن أن يحكم على المستأجر بدفع خمسة عشر دينار مع أنّهما متسالمان على أنّ الموجر لايستحق أكثر من عشرة دنانير فكيف يستحق الخمسة مع العلم التفصيلي بعدم الاستحقاق و قياس المخالفة في المقام بالمخالفة في مورد الودعيّ حيث إنّ الدينار المتروك لواحد منهما فكيف يُقسَّم بينهما قياس مع الفارق، لأنّ مرتبة الحكم الظاهري محفوظ في العلم الإجمالي بالمخالفة دون العلم التفصيلي بها ، فلا يجوز المخالفة معه أبداً.

و بذلك يظهر أنّ ما اعتذر به صاحب الجواهر عن هذا الإشكال غير تامّ، حيث قال: ولا ينافي ذلك خروجُه عن دعواهما الّتي هي وقوع عقد واحد منهما وكون العوض فيه عشرة، وإنّما الاختلاف فيما تضمّنه في مقابلة العشرة، الدار


(154)

أوالبيت لأنّ الثابت في الشرع حجّية بيّنتهما لا دعواهما و قد اقتضتا ما عرفت.(1) وذلك لأنّهما إذا اتّفقا على وحدة العقد و مقدار الثمن فكيف يستحقّ أكثر ممّا اتّفقا عليه و ما ذكره إنّما يصحّّ في مورد العلم الإجمالي لا التفصيلي كما في المقام.

والظاهر وحدة الحكم في الصورتين (فقدان البيّنة و واجد منها)، وذلك لأنّه إذا لم تشمله أدلّة القرعة (لأجل كون النزاع في العقود لا الأعيان الشخصية) فالمرجع هو تساقط البيّنتين عن الحجّية و الرجوع إلى قواعد القضاء وبما أنّ المورد من قبيل الأقلّ والأكثر فيؤخذ بقول المنكر وهو الموجر لما عرفت في الصورة الأُولى.

اللّهمّ إلاّ إذا لم يكن بين البيّنتين تعارض كما إذا كان إحداهما أقدم تاريخاً فيؤخذ بها إذا اتّفقا على عدم عقد ثان فيقضى به سواء كان الأقدم بيّنةَ الموجر أو بيّنة المستأجر، وتكون ذمة المستأجر مشغولة بثمن واحد، فتكون النتيجة:

الأخذ بقول المنكر (الموجر) عند فقدان البيّنة.

الأخذ بقول الموجر عند وجود البيّنتين مع وحدة التاريخ.

الأخذ بأقدم البيّنتين إذا كان هناك اختلاف في التاريخ.

وأمّا الترجيح بالأكثرية عدداً و عدالة فإنّما هو إذا كانت البيّنتان حجّتين و قد قلنا بالتساقط، وإنما أخذنا بالأقدم لأنّه يبطل مفاد البيّنة الثانية و لأجل ذلك لم نأخذ بهما عند وحدة التاريخ .

الصورة الثالثة: إذا كان لأحدهما بيّنة

وحكمها أنّه يؤخذ بها سواء كان المؤجر أو المستأجر.


1 . الجواهر: 40/463.


(155)

المسألة الثالثة: فيما إذا اتّحد البائع وتعدّد المشتري

هذه المسألة وما تليها من الرابعة والخامسة فيها جهة اشتراك ، و جهة اختلاف: أمّا وجه الاشتراك فالاتفاق على المبيع المعيّن في جميعها و أمّا وجه الاختلاف ففي الثالثة وحدة البائع و تعدّد المشتري حسب الظاهر و في الرابعة تعدد البائع و وحدة المشتري كذلك، و في الخامسة تعددهما حسب مفهوم البيّنة.

ففي المسألة الثالثة أي وحدة البائع وتعدد المشتري، يكون المحور عندنا هو إقرار البائع و إنكاره من غير فرق بين صورة فقدان البيّنة و وجدانها على الإطلاق نعم على فرض وجود البيّنة لواحد منهما ، يقضى على صاحبها و يغرم البائع لو أقرّ على غير صاحبها. هذا إجمال الكلام و إليك التفصيل:

لو ادّعى كلّ منهما أنّه اشترى داراً معيّنة من شخص بعينه، و أقبض الثمنَ و هي في يد البائع(1)فللمسألة صور ثلاث:

الصورة الأُولى: إذا لم يكن لهما بيّنة فعندئذ يرجع إلى صاحب اليد فإن كذّبهما حلفَ لهما واندفعا عنه. و إن صدّق أحدهما دفع له العين و حلف للآخر.

الصورة الثانية: لو أقام كلّ منهما بيّنة مع تساوي البيّنتين عدالة وعدداً و تاريخاً أو مطلقتين أو إحداهما مطلقةوالأُخرى مؤرخة، و تحقّق التعارض و لم يمكن الجمع بينهما قال المحقق:

«حكم لمن يخرج اسمه مع بيّنته» وعلى ضوء ما ذكره فإن حلف يقضى له و يلزم البائع إعادة الثمن إلى الآخر لأنّ قبض الثمنين غيرممكن فإن نكل الخارج بالقرعة أُحلِف الآخر، وإن نكلا قسّمت العين بينهما ورجع كلّ منهما بنصف الثمن.


1 . لاحظ المبسوط:8/280ـ 281 فقد بسط الكلام في المسألة .


(156)

وهل لهما الفسخ حينئذ لتبعّض الصفقة؟ وجهان: الخيار لوجود المقتضي للفسخ، وعدمه لأنّ التبعّض جاء مِن قبلهما فإنّ الخارج بالقرعة لو حلف لأخذ الجميعَ ، فكان التبعيض من قبله وعلى كلّ تقدير فإن فسخ أحدهما أخذ الآخر الجميعَ لعدم المزاحم ولا خيار له لأنّ المقتضي للخيار تبعّض الصفقة وقد انتفى ويحتمل وجود خيار لأنّه إذا ثبت له ابتداء يستصحب بقاؤه.(1)

يلاحظ عليه: أن لا فرق بين الصورتين (وجود البيّنة وعدمها) فكما يرجع إلى البائع عند عدم البيّنة، فهكذا يرجع إليه عند وجودها فلو أقرّبهما ، يكون المقرّ لهما بمنزلة ذوي اليد فيدخل تحت الصورة الأُولى من الصور الأربع الماضية في مبحث تعارض البيّنات، وإن أقرّبأحدهما يدخل تحت الصورة الثانية منهما و قد وقفت على حكمهما.

ووجهه، أنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به، فكما أنّ إقراره حجّة فيما إذا لم تكن هناك بيّنة، فهكذا فيما إذاكانت بيّنة، وقيام البيّنة إنّما يزاحم إقراره لثالث لاتّفاقهما على نفي الثالث، وأمّا الإقرار لواحد منهما أو لكليهما فلا يزاحمه قيام البيّنة كعدم حجّيتهما في مفادهما المطابقي أي كون المالك واحد منهما فقط مثلاً و إن كانتا حجّة في مفادهما الالتزامي. وقد صرّح صاحب الجواهر بأنّ تصديق البائع يجعل المقرّ له بمنزلة ذي اليد.(2)

نعم نقل صاحب الجواهر عن كشف اللثام بعدم الاعتبار بإقراره لاعترافه بأنّه ليس له عليها يد ملك و لكنّه مشترك بين الصورتين (وجود البيّنة وعدمها) لأنّه في كلتا الصورتين غير مالك للمقرّبه و إنّما المالك أحد المشتريين أو كلاهما، وقيام البيّنتين لا يفيد أكثر من إقراره بانّه ليس مالكاً الآن ولكن إقراره الآن من آثار مالكيته السابقة.

والحاصل أنّ الإقرار لهما يجعلهما كالمتنازعين في شيء إذا أقاما بيّنة و لهما يد


1 . زين الدين العاملي، المسالك:2/439.
2 . الجواهر:40/469.


(157)

عليه فيقسم بينهما. وإن أقرّ لأحدهما يكون المقرّ له كالمتنازعين إذا أقاما بيّنة لأحدهما يد عليهما، فقد مضى فيها القولان: تقديم بيّنة الداخل كما هوالأقوى أو تقديم بيّنة الخارج و قد تقدّم. وهل للبائع ردّ مثل الثمن إليهما إذا أقرّ لهما، أو إلى واحد إذا أقرّلغيره، الظاهر ذلك لإمكان صدق البيّنتين .

نعم ليس له تكذيبهما لقيام البيّنتين على البيع فهما حجّتان في القدر المتيقّن و هو بيعه منهما.

الثالثة : إذا كان لواحد منهما بيّنة فيؤخذ بها سواء أكانت موافقة لما يقرّ به البائع أو لا، غاية الأمر إذا أقرّ البائع بغير ما قامت البيّنة عليه يلزم على البائع إعادة الثمن إلى المقرّ له، لأنّه بإقراره أخذ الثمن و لم يدفع إليه المثمنَ و اللّه العالم.

المسألة الرابعة: فيما إذا تعدّد البائع واتّحد المشتري

لو ادّعى اثنان ، أنّ ثالثاً، اشترى من كلّ منهما هذا المبيع.

هذه المسألة عكس المسألة السابقة حيث كان البائع هناك واحداً و المشتري حسب الظاهر متعدداً على عكس المقام حيث إنّ البائع حسب الظاهر متعدد، والمشتري واحد.

والمحور عندنا في هذه المسألة إقرار المشتري لواحد أو كليهما أو إنكارهما إلاّ إذا أمكن صدق البيّنتين أو كانت البيّنة لواحد منهما فيقضى حسب مفهومهما أو مفهومها. وإليك التفصيل:

أقول: للمسألة صور ثلاث:

إمّا أن لا يكون لواحد من المدّعيين بيّنة.

أو يكون لواحد منهما .

أو يكون لكليهما بيّنة.


(158)

أمّا الصورة الأُولى، فإن اعترف المشتري لأحدهما قضى عليه بالثمن وعليه الحلف بالنسبة إلى المدّعي الآخر، و إن اعترف لهما قضى لهما بالثمنين حيث أمكن شراؤه من أحدهما ثمّ بيعه من آخر، ثمّ اشتراؤه منه و إن أنكرهما، فعليه اليمين لكلّ منهما.

وأمّا الصورة الثانية أعني: ما إذا كان لواحد من المدّعيين بيّنة، فيقضى له عليه بالثمن، وللآخر عليه اليمين فإن حلف فهو و إن ردّاليمين عليه وحلف، يقضى له أيضاً عليه بثمن مثله.نعم لو أقرّ المشتري بغير ما قامت البيّنة عليه، يلزم عليه الثمنان أحدهما لأجل قيام البيّنة و الآخر لأجل إقراره بأنّه اشترى منه.

وأمّا الصورة الثالثة فهي على قسمين : تارة لا يكون بينهما تناف و أُخرى يكون كذلك.

أمّا القسم الأوّل كما إذا كانتا مختلفتي التاريخ أو مطلقهما أو كانت إحداهما مطلقة و الأُخرى مؤرخة فلإمكان صدق البيّنتين، فيؤخذ بالبيّنتين من دون جعلهما من المتعارضين من غير فرق بين إقراره لأحدهما دون الآخر، أو لكليهما، أو إنكارهما فالبيّنتان مؤثرتان في إشغال ذمّته بالثمن.

نعم لو فرض كون الثمن معيّناً و ادّعاه كلّ منهما بسبب كونه البائع و أقام كلّ منهما بيّنة فيتحقق التعارض في الصورة المذكورة لكنه نادر .

و ممّا ذكرنا (إعمال البيّنتين فيما إذا أمكن الصدق) يظهر انّ ما ذكره المحقق في هذا القسم من الإطناب المخلّ حيث قال: «وأقام كلّ منهما بيّنة فإن اعترف لأحدهما قُُضي له بالثمن وكذا إن اعترف لهما قُضي عليه بالثمنين و لو أنكر و كان التاريخ مختلفاً أو مطلقا قُضي بالثمنين لمكان الاحتمال» لما عرفت من أنّه لا تأثير للاعتراف و الإنكار بعد إقامة البيّنتين و إمكان صدقهما.

وأمّا القسم الثاني: وهو ما إذا كان بين البيّنتين تناف و تعارض كما إذا شهدت بيّنة بأنّ هذا المشتري اشترى العين من زيد يوم السبت في ساعة كذا


(159)

وشهدت بيّنة أُخرى، أنّ هذا المشتري اشترى هذه العين يوم السبت في نفس الساعة من عمرو. فلا محالة يتحقق التعارض إذ لا يمكن الملك الواحد في الوقت الواحد لاثنين، ولا يمكن إيقاع العقدين من الأصيلين في الزمان الواحد.

فقد قال المحقق بأنّه يقرع بينهما فمن خرج اسمه أحلف و قُضي له و لو امتنعا من اليمين قُسّم الثمن بينهما.

وما ذكره مبني على وجود عموم أو إطلاق في أدلة الرجوع إلى القرعة عند تعارض البيّنتين فيترتّب عليه ما ذكر، وكان عليه أن يضيف إلى كلامه: «لو نكل من خرجت القرعة باسمه و ردّ اليمين على الآخر وحَلف يقضى له».

ولكنك قد عرفت عند دراسة الرواية أنّ الأصل في تعارض البيّنات هوالتساقط، وما دلّ على الأخذ بهما، بنحو من الأنحاء، بتنصيف العين المتنازع فيها، أو تقديم بيّنة الداخل أوالخارج، أو الرجوع إلى القرعة فيما إذا كان النزاع في العين الخارجية وما سوى ذلك كالعقود و غيرها فانّ التنازع يرجع إلى اشتغال ذمّة المشتري الواحد، لشخصين يدّعيان شراء المبيع المعيّن منه. وليس النزاع في العين الشخصية حتّى يشمله أدلّة القرعة ولا سائر ما يتمحّل به لانهاء النزاع كالتنصيف وتقديم ذات اليد. فالمرجع فيه القواعد القضائية فيكون حكم هذه الصورة مثل ما إذا لم يكن بيّنة حرفاً بحرف أي أنّه لو اعترف بواحد، يقضى له، وعليه الحلف للآخر، ولو اعترف بهما يقضى عليه بثمنين و لو أنكرهما، يحلف لهما.

المسألة الخامسة:

فيما إذا تعدّد البائع و المشتري

لو ادّعى رجل، أنّه اشترى العينَ المعيّنة من زيد و قبض ثمنَها و ادّعى آخر أنّه اشترى نفسَ المبيع من عمرو و قبض ثمنَها. وهذه المسألة تمتاز عن السابقتين،


(160)

بأنّ النزاع فيهما كان في العقود، و هنا في العين الشخصية، والمرجع فيهما هوالقواعد القضائية في جميع الصور من إقامة البيّنة وعدمها بخلاف المقام ففيما إذا لم تكن هناك بيّنة أو كانت لأحدهما يعمل بالقواعد القضائية ، وأمّا في صورة تعارض البيّنتين ، فيعمل بهما لا بالضوابط القضائية ، على النحو الذي تعرفت عليه، و على ضوء هذا ندرس أحكام الصور.

الصورة الأُولى: إذا ادّعيا اشتراء عين فكانت العين بيد البائعين أو الخامس و لم يقيما بيّنة فلو أقرّا بهما، يكون كلٌّ، ذا يد بالنسبة على تمام العين و قد ادّعيا و لا بيّنة لهما والحكم هو التنصيف كما مرّ و مثله ما إذا أقرّ الخامس بهما و لو أقرّا بواحد أو أقرّ الخامس بواحد، يقضى له، بحلفه ويرجع الآخر إلى بائعه بالنسبة إلى ثمنه.

الصورة الثانية: إذا ادّعيا كذلك و لكن كانت البيّنة لواحد منهما ، فيؤخذ بمفادها سواء أقرّ البائعان أو الخامس له، أو لهما لأنّ إقرارهما لغيره لا يزيد على كونه ذا يد لكن بيّنة المدّعي، متقدّمة على يد المنكر.

الصورة الثالثة: إذا ادعيا الشراء كذلك و أقاما بيّنتين متساويتين في العدالة و العدد والتاريخ فالتعارض متحقّق فقال المحقق يحكم عليه بأحكام تالية:

الف: يقضى بالقرعة ، ويحلف من خرج اسمه و يقضى له.

ب: لو نكلا عن اليمين قُسّم المبيع بينهما و رجع كلّ منهما على بائعه بنصف الثمن.

ج: ولهما الفسخ و الرجوع بالثمنين.

د: ولو فسخ أحدهما جاز، و لم يكن للآخر أخذ الجميع لأنّ النصفَ الآخر لم يرجع إلى بائعه.

و إليك دراسة هذه الأحكام:

أمّا الأوّل: فالحكم بالقرعة على إطلاقه ليس بتامّ و إنّما تصل النوبة إليها


(161)

بعد مرحلتين:

1ـ إذا أقرّ البائعان أو الخامس بهما، تكون لكلّ يد على تمام العين و قد أقاما البيّنة وقدعرفت عند البحث عن تعارض البيّنات أنّه إذا كانت لكلّ يد على تمام العين فالحكم هوالتنصيف.

2ـ إذا أقرّا لواحد منهما يكون هو ذا اليد، فالحكم فيه هو تقديم بيّنة الداخل، على الأقوى أو الخارج. و يرجع غير المقرَّ له في ثمنه إلى بائعه.

نعم إذا لم يصدقوهما أوكذبوهما فالحكم هو القرعة و قد عرفت أنّ روايات القرعة ناظرة إلى ما إذا لم تكن العين بيد المتداعيين لكن عدم التصديق أو التكذيب يخرجهما عن كون كلّ، ذا يد على العين كما في المقام.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ لم يذكر حكم من لم تخرج القرعة باسمه و هو أنّه يرجع في ثمنه إلى بائعه.

أمّا الثاني: أعني قوله: «ولو نكلا عن اليمين قسّم المبيع بينهما و رجع كلّ على بائعه بنصف الثمن» ففيه ملاحظات:

أ: إذا نكل من خرجت القرعة باسمه، فهل يرجع إلى بائعه بالثمن أو لا؟ وجهان الأقوى، لا لأنّ عدم تسلّم المبيع جاء من قبله فلا وجه للرجوع إلى بائعه مع أنّ الظاهر منه الرجوع بقرينة تصريحه بالرجوع إلى النصف إذا نكلا.

ب: لم يذكر حكم المدّعي الآخر إذا نكل من خرجت القرعة باسمه و هو أنّه يقضى له بعد اليمين.

ج: صرّح بأنّهما لو نكلا رجعا في نصف الثمن إلى بائعهما وهو مورد نظر، لأنّ القصور مستند إليهما أنفسهما لا إلى البائعين.

وأمّا الثالث: وهو جواز الفسخ والرجوع بالثمن وهو أيضاً مورد نظر لكون التبعض مستنداً إليهما إلاّ أن يقال إنّ البيع كان على أساس أن يدفع الثمن و


(162)

يقبض المبيع بلا حلف، فإلزامه على الحلف إلزام بما لم يلتزم به في نفس العقد فإذا توقّف التسلم على ما لم يلتزم به. جاز له فسخ العقد من رأس.

وأمّا الرابع: فهو ظاهر و الفرق بين هذه الصورة ، والمسألة الرابعة، حيث صرّح بجواز أخذ الجميع هناك دون المقام هو ما صرّح به المحقق من «أنّ النصف الآخر لم يرجع إلى بائعه» ، وواقع الفرق يَكْمُنُ في وحدة البائع في الرابعة وتعدده هنا، فلو فسخ أحد المدّعيين في مورد المسألة الرابعة، جاز للآخر أخذ الجميع ، لأنّ العين كلّها للبائع الواحد، غير أنّ الفاسخ يدّعي أنّه اشتراها منه. و المانع من الأخذ موجود قبل الفسخ، فإذا ارتفع بفسخه يؤثر المقتضي بخلاف المقام فانّ ظاهر الحال، كون كلّ من البائعين مالكاً للنصف، فإذا فسخ من اشترى من أحدهما، لا يرجع النصف إلاّ إلى بائعه لاإلى البائع الآخر، الذي اشترى منه مَنْ خرجت القرعة باسمه.

الصورة الرابعة: إذا كانت العين بيد المدّعيين، فيعلم حكمها ممّا ذكرنا في حكم الصورة الثالثة فلاحظ.

الصورة الخامسة: إذا كانت بيد أحد المدّعيين و أقاما بيّنة، ففيه قولان: تقديم بيّنة الداخل ، أو تقديم بيّنة الخارج و قد عرفت أنّ الأقوى هوالأوّل.

وهناك صور أُخرى تعرّض لبعضها صاحب الجواهر تعلم حكمها ممّا ذكرناه.

المسألة السادسة

لو شهد اثنان للمدّعي بأنّ الدابة ملكه منذ مدّة كسنتين فدلّت سنّها على أقل من ذلك قطعاً أو أكثر، سقطت البيّنة لتحقق كذبها. هذا نص المحقق، والظاهر أنّ قوله «أكثر» عطف على قوله «أقل»، أي إذا شهدت البيّنة على أقل أو أكثر ممّا عليه الدابة من السن ، فلنفرض سنها سنتين، فشهدت على واحدة أو


(163)

ثلاث، و ربّما يفسر قوله أكثر بمعنى الأكثرية الظنية المعادلة لقول العلامة في الإرشاد «قطعاً أو ظاهراً» ولكنّه غير صحيح لأنّ تعليل الحكم بقوله: «لتحقق كذبها» مختص بما إذا ثبت كذبه قطعاً لا ظناً. ولأجل إيضاح الحال نأتي بنص الشيخ في المسألة، قال: إذا ادّعى رجل دابة في يد رجل و أقام شاهدين أنّها ملكه منذ ثلاث سنين فنظر الحاكم فإذا الدابة ليس لها إلاّ سنتان، سقطت الشهادة لأنّه قد عرف كذبها قطعاً. (1)

إنّ سيرة العلماء في الخبر على التبعيض إذاخالف بعضُ مفاده الإجماعَ أو الدليلَ القطعي فيؤخذ بالباقي و لا يكون اشتمال الخبر على حكم شاذ سبباً لرفض الخبر أساساً. وأمّا البيّنة فهي على قسمين; تارة تشهد على أمر واحد لكن بعض أجزائه غير صحيح ، وأُخرى تشهد على أمرين متغايرين ، والمقام من قبيل القسم الأوّل، لأنّها تشهد على ملكية زيد منذ سنتين مع أنّه يملكها إمّا فوقهما أو دونهما. نعم لو كان المشهود به أمرين متغايرين وكان أحدهما غير صحيح يؤخذ بالجزء الصحيح.

المسألة السابعة(2)

إذا ادّعى دابة في يد زيد و أقام بيّنة أنّه اشتراها من عمرو، قال المحقق: يقضى بها في صور ثلاث:

أ : إذا شهدت بالملكية مع ذلك للبائع.

ب: أو للمشتري.

ج: أو بالتسليم.

أمّا الصورة الثانية فواضحة لأنّها شهدت بملكية المشتري حالياً فتقدم على


1 . المبسوط:8/294.
2 . وقد عنونها الشيخ في المبسوط: 8/295.


(164)

مقتضى اليد إنّما الكلام في الصورتين: الأُولى والثالثة، فيمكن توجيهه بما يلي:

أمّا الأُولى فلتقديم البيّنة على اليد، حيث تثبت الملكية للبائع وانتقالها منه إلى المشتري.

وأمّا الثالثة فانّ الشهادة على التسليم شهادة على كون البائع ذا يد سابقة على يد زيد وانتقالها منه إليه.

ولكن الحكم في الصورتين: الأُولى و الثالثة غير واضحة، فانّ أقصى ما تثبته البيّنة كون البائع مالكاً فيما سبق ، وأنّه نقل العين إلى المدّعي بعقد صحيح، وهذا لا ينافي أن يكون المالك حالياً هو زيد ، لإمكان أن يشتري المشتري من عمرو ثمّ يبيعه من زيد.

فإن قلت: إذا ثبت كون المدّعي مالكاً تستصحب مالكيته.

قلت: لا قيمة للاستصحاب في مقابل اليد الحاضرة، وعلى فرض صحّة الاستصحاب فمن المستصحب؟ أمّا القاضي فأدواة قضائه البيّنات والأيمان، وأمّا الشاهد فالمفروض أنّه لا يشهد على الملكية الفعلية.

ومنه يعلم حكم الصورة الثالثة ، فانّ تسليم البائع الدابة للمشتري لا يدل على أكثر من كون تصرّفه تصرّفاً صحيحاً ونقلاً عن ملك و لكنّه لا ينافي أن يكون المالك حين الدعوى هو زيد و أنّه اشتراها من المدّعي.

وبالجملة التقديم فرع التعارض بالمطابقة، ولا تعارض بين كون زيد مالكاً فعلاً و كون عمرو مالكاً أو متصرّفاً في المبيع قبل ذلك الوقت.

ومنه يظهر حال الصورة الرابعة وهي أنّه إذا شهدت البيّنة بملكية المشتري لأجل الشراء، وعلله المحقق بقوله: «لانّ ذلك قد يفعل فيما ليس بملك فلا تدفع اليد المعلومة بالمظنونة، وقيل يقضى له لأنّ الشراء دلالة على التصرّف السابق الدالّ على الملكية».


(165)

مراده من قوله: «لأنّ ذلك قد يفعل فيما ليس بملك» و هو أنّ الإنسان قد يبيع مالايملكه ، كما إذا باع فضولياً قال الشيخ: «لانّ الإنسان قد يفعل فيما ليس بملك له، فلا يزيل الملك عن يد المدّعى عليه بأمر متوهم مظنون» (1)ولكن الدليل عليل لجريان أصالة الصحة في فعل الغير، و الأولى أن يقال انّ بيع عمرو كما في الصورة الأُولى، و تسليم المبيع كما في الصورة الثالثة وشراءه من عمرو كما في الصورة الرابعة لا يدل على أزيد من وقوع بيع صحيح في الماضي، وأمّا بقاء أثره (الملكية) إلى وقت الدعوى بحكم الاستصحاب فلا يقاوم حكم اليد، فظهر أنّ الصحيح من الصور هي الصورة الثانية.

المسألة الثامنة

قال المحقق: لو ادّعى كلّ واحد منهما أنّ الذبيحة له و في يد كلّواحد بعضها وأقام كلّ واحد منهما بيّنة، قيل يقضي لكلّواحد بما في يد الآخر وهو الأليق بمذهبنا، وكذا لو كان في يد كلّ واحد شاة و ادّعى كلّ منهما الجميع و أقاما بيّنة قضي لكلّ منهما بما في يد الآخر.(2)

قد تعرفت أنّ بيّنة المنكر حجّة في القضاء، وعلى ذلك فيكون المورد من قبيل النزاع في الأعيان الشخصية. ومقتضى القاعدة هوالأخذ بمقتضى بيّنة الداخل في كلّ مورد لأنّ كلّ واحداً منهما يعد مدّعياً لما في يد الآخر و منكراً لما في يده، و في مثله يؤخذ ببيّنة الداخل و يقضى لكلّ واحد بما تحت يده و قد عرفت أنّه الأقوى، غير أنّ هنا قولاً و هو الأخذ ببيّنة الخارج ترجيحاً لها على بيّنة الداخل و حينئذ ينعكس الحكم فيقضى لكلّواحد بما في يد الآخر، و مما يتفرّع على ذلك فيما لو كان المتخاصمان في بعضي الذبيحة المنفصلين كافراً و مسلماً حكم بكون ما يقضى به للكافر ميتة و للمسلم مذكى و إن كان كلّواحد من الجزئين انتزعه من الآخر


1 . المبسوط:8/295.
2 . الشرائع4/902 و لاحظ: المبسوط:8/300.


(166)

عملاً بظاهر اليد المعتبرة شرعاً، ولا تقدح في ذلك اليد السابقة بل لعلّ الحكم كذلك في الجزئين المتصلين ضرورة اتحاد المدرك فيهما.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الحكم بعدم التذكية فيما يرجع إلى الكافر نابع من استصحابه حال كون الحيوان حيّاً، و الحكم بالتذكية فيما يرجع إلى المسلم ناش من ظاهر حال المسلم و يده. و كلاهما مخدوش.

أمّا الأوّل فبوجهين:

1ـ إنّ المتيقّن هو عدم التذكية بعنوان العدم المحمولي الذي يصدق مع عدم الموضوع حيث إنّه كان غير مذكّى باعتبار عدم ورود ذبح له، و المشكوك فيه هو عدم التذكية بعنوان العدم النعتي حيث ورد عليه الذبح لكن نشك في تحقق شرائطه و استصحاب العدم المحمولي و إثبات العدم النعتي من الأصل المثبت.

2ـ يشترط في صحة الإستصحاب اتصال زمان الشك بزمان اليقين و هو منتف في المقام، لتوسط يد المسلم على الذبيحة في زمان الشك أي بعد الانتزاع من الكافر، و حالة اليقين بكونها غير مذكّى أي قبل استيلاء المسلم، اللهمّ إلاّ أن يقال بعدم الاعتبار بيد المسلم المتوسطة بين الشك و اليقين.

و أما الثاني أي حجيّة ظاهر حال المسلم في المقام فهي خاصة بما إذا لم تجر على الذبيحة يد كافر كما في المقام.

و الظاهر سقوط الدليلين عن الاعتبار و الرجوع إلى أصول آخر، و هو الطهارة في الأشياء، و الحرمة في اللحوم ما لمتحرز التذكية.

المسألة التاسعة

قال المحقق: لو ادّعى شاة في يد عمرو و أقام بيّنة فتسلّهما، ثمّ أقام الذي


1 . الجواهر:40/479.


(167)

كانت في يده بيّنةً أنّها له، قال الشيخُ:«يُنقض الحكمُ و تُعاد» وهو بناء على القضاء لصاحب اليد مع التعارض، والأولى أنّه لا يُنقض.

إنّ الحكم بتقدّم بيّنة عمرو يمكن أن يكون للوجهين التاليين:

الأوّل: إنّه من قبيل تقديم بيّنة الداخل على بيّنة الخارج، فانّ بيّنة عمرو ـ الذي كان ذا اليد حين الدعوى ـ و إن اقيمت متأخّرة، لكن مضمونها كونه مالكاً حين الدعوى فكأنّها كانت موجودة حينَها و الضابطة في تعارض البيّنتين فيما إذا كانت يد لواحدمنهما، هو تقديم بيّنة الداخل.

هذا ما نقله المحقق عن الشيخ و إليك نصّه: قال في وجه الحكم الأوّل: «حكمنا له بها لأنّ بيّنته أولى من يد عمرو، فإن أقام عمرو البيّنةَ بعد هذا، أنّ الشاة ملكُه، نقض الحكم، و ردّت الشاةُ إلى عمرو لأنّ عمرواً كانت له اليد ولزيد بيّنة بغير يد و قد ظهر أنّه لعمرو مع يده، بيّنة، فظهر أنّ بيّنة عمرو، الداخل و بيّنة زيد، الخارج و بيّنة الداخل أولى فلهذا قضي بها لعمرو دون زيد.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: ـ مضافاً إلى أنّه مخالف لما قوّاه في غير مورد من تقديم بيّنة الخارج على الداخل ـ أنّ التقديم فرع وجودها حين الحكم، والمفروض إقامتها بعده ، فلا يكون مشمولاً لما دلّ على تقديم بيّنة الداخل.

و ثانياً: لو افترضنا شمولها للمورد، فلماذا لا يكون من قبيل ترجيح الخارج، لأنّ المفروض أنّ العين بيد زيد فتكون بيّنة عمرو المتأخرة من قبيل بيّنة الخارج.

والتحقيق أن يقال: إنّ مفاد البيّنة الثانية إمّا أن يكون دعوى الملكية المطلقة، أو الملكية اللاحقة على إزالة اليد، أو الملكية السابقة عليها.

لا شكّ في عدم جواز نقص الحكم في الأُولى. إذ لا منافاة بين الملكية المطلقة لعمرو، و ملكية زيد في ظرف إقامة البيّنة، فلا تعارض بين البيّنتين كما لا


1 . المبسوط:8/301.


(168)

شكّ في وجوب النقص في الثانية، لعدم التعارض بين الملكيتين. إنّما الكلام في الصورة الثالثة، فالتعارض متحقّق لأنّ كلاً من البيّنتين، ينفي مفاد الأُخرى، فلو قلنا بعدم جواز نقص الحكم للوجوه الضعيفة الّتي ذكرها صاحب الجواهر« من : 1ـ انقطاع الخصومة. 2ـ حكومة الحاكم المبنية على الدوام . 3ـ الأصل المؤيد بالحكم. 4ـ ظاهر الأدلة» ، لم تسمع الثانية فهو وإلاّ فللقاضي، فسح المجال للاعتراض إذا احتمل صحّة مقاله، فإن ثبت خلاف ما قضى، نقض و إلاّ فالحكم باق على صحّته و نفوذه من دون ابتناء النقض على تقديم إحدى البيّنتين على الأُخرى بل التقديم من باب كشف الخلاف.

المسألة العاشرة: في الاختلاف في الدار

النزاع في الدار تارة يكون ثنائياً وأُخرى ثلاثياً و ثالثة رباعيّاً و إليك بيان الصور حسب ما ذكرها المحقق في الشرائع.

الصورة الأُولى: فيما إذا كان النزاع ثنائيّاً

قال المحقق: لو ادّعى داراً في يد زيد، و ادّعى عمرو نصفَها، و أقاما البيّنة قضي لمدّعي الكل بالنصف لعدم المزاحم، وتعارضت البيّنتان في النصف الآخر، فيقرع بينهما و يقضى لمن خرج اسمه مع يمينه، ولو امتنعا قضي بها بينهما بالسوية فيكون لمدّعي الكلّ ثلاثة الأرباع ولمدّعي النصف الربع.

توضيح مرامه:

لمّا كان أحدهما يدّعي الكلّ، والآخر يدّعي النصف، فقد اتّفقا على أنّ النصف لمدّعي الكلّ فيختص به، وإنّما النزاع في النصف الثاني و لو كان المقام من مواضع القرعة فيقرع لمن يصار إليه اليمين، فلو قرع وخرج اسم مدّعي الكل و حلف ، يقضى له بالكلّ، نصفه من باب التسليم و النصف الآخر باليمين، فإن


(169)

امتنع حلف الآخر، فيقضى له بالنصف المتنازع فيه، و إن امتنعا من الحلف يقسم النصف المتنازع فيه بينهما فيكون لمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع: ربعان من النصف غير المتنازع فيه، وربع من النصف المتنازع فيه، و لمدّعي النصف، الربع.

يلاحظ عليه: بما تقدّم من لزوم سؤال القاضي من بيده العين قبل الإقراع حتّى يتعيّن من عليه اليمين فربّما تنحلّ العقدة قبل أن تصل النوبة بالقرعة وذلك لأنّه إمّا :

1ـ أن يُصدِّق أحدهما.

2ـ أو يُصدِّق كليهما.

3ـ أو يُكذِّب كليهما.

4ـ أو يعترف بأحدهما ولا يعرفه عينه.

5ـ أو يقول لا أعرف صاحب العين.

فعلى الأوّل، يكون المقرّ له بمنزلة ذي اليد وقد صرّح صاحب الجواهر بأنّ تصديق ذي اليد، يجعل المقرّ له بمنزلة ذي اليد(1) فيكون من قبيل ما إذا كانت العين بيد أحدهما. وقد عرفت أنّ الحقّ تقديم بيّنة الداخل، وعلى ضوء هذا لو اعترف لمدّعي الكلّ يكون الكل له، ولو اعترف لمدّعي النصف يكون النصف المتنازع فيه له، و النصف الآخر غير المتنازع فيه لمدّعي الكلّ.

وعلى الثاني، يكون المفروض كما إذا كانت العين بأيديهما وأقاما البيّنة والحكم فيه التقسيم بالمناصفة.

وعلى الثالث، أُقرّت في يد الثالث، فيكون هو المدّعى عليه و المتنازعان، مدّعيين و لهما عليه الحلف .

فإن قلت: إنّ البيّنتين تدلان التزاماً على أنّ ملكية المال غير خارجة عن المتنازعين، و معه كيف يترتّب الأثر على يد الثالث و يكون لهما عليه حقّ اليمين؟!


1 . الجواهر:40/469.


(170)

قلت: إنّ حجّية الدلالة الالتزامية تابعة لحجّية الدلالة المطابقية فإذا سقطت لأجل التعارض، فكيف يؤخذ بمفادها الالتزامي، ولذلك قلنا بانّه لهما على الثالث الحلف فإن حلف يقضى له. و لو نكل فتخرج يده عن الاعتبار، ويدخل المفروض تحت القسم الخامس أعني إذا ادعيا شيئاً ليس لأحد عليه يد فعندئذ يصحّّ ما ذكره المحقق من الإقراع لمن يصار إليه اليمين، فلو حلف من خرجت القرعة باسمه قضى له بالنصف المتنازع فيه، و إن نكل و حلف الآخر، قضى له، و إن نكلا. أقرت بيد من كانت العين بيده إلى أن تعلم الحال.

وعلى الرابع، فالمرجع هو قاعدة العدل والانصاف و إن احتملت القرعة لكنّها خاصة بما إذا لم تكن عليها يد أصلاً.

وعلى الخامس، فيعمل بالقرعة لمن يصار إليه اليمين، فلو حلف فهو، وإلاّ فيحلف الآخر، وإن نكلا، يُقسَّم بينهما.

نعم ورد في معتبرة إسحاق بن عمار «ولو لم تكن في يد واحد منهما، و أقاما البيّنة فقال: أحلفهما فأيّهما حلف و نكل الآخر جعلتها للحالف فإن حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين».(1)

فإنّ ظاهرها جواز حلفهما، مع أنّ المستفاد من سائر الروايات «تحليف من قدِّمت يمينه بالمرجّح أو القرعة فإن حلف قضى له، وإن لم يحلف، يحلف الآخر» ولا عامل بها إلاّ ما عن كشف اللثام من ظاهر كلام أبي علي، حيث قال: «ولو كانت العين في أيديهما جميعاً أو لم تكن في يد واحد، و تساوى عدد البيّنتين عرضت اليمين على المدّعيين فأيّهماحلف اِستحقها الآخر إن أبى الآخر، وإن حلفا جميعاً كانت بينهما نصفين و عن الشيخ حملها على ما إذا تصالحا على ذلك وقال في الاستبصار: و يمكن أن يكون ذلك نائباً عن القرعة إذا اختار كلّ واحد منهما اليمين فيكون الإمام مخيراً بين العمل به و العمل بالقرعة. و الحملان بعيدان


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(171)

والعمل بها في قبال الأخبار لا وجه له و الأولى طرحه في خصوص جواز الحلفين لعدم مقاومته لسائر الأخبار.(1)

وأمّا رواية غياث بن إبراهيم في حديث:«وقال و لم تكن في يده جعلتها بينهما نصفين»(2)فهي محمولة على ما إذا كانت في أيديهما من غير حاجة إلى الحلف أو لم تكن بهما، ولكنّهما نكلا.

فتلخص أنّ ما ذكره المحقق يصحّّ في بعض فروع القسم الثالث أعني:ما إذا كذبهما والقسم الخامس، و ما يتراءى من رواية إسحاق بن عمّار فهي معرض عنها وأمّا رواية غياث بن إبراهيم فهو مؤوّل.

الصورة الثانية: فيما إذا كانت يدهما على الدار

قال المحقق: ولو كانت يدهما على الدار و ادّعى أحدهما الكلّ و الآخر النصفَ وأقام كلّ واحد منهما بيّنة.

ففي المسألة أقوال ثلاثة:

1ـ ما اختاره المحقّق من أنّ الكلّ لمدّعي الكلّ ولم يكن لمدّعي النصف شيء تقديماً لبيّنة الخارج ـ كما سيوافيك ـ.

2ـ يقسم النصف المتنازع فيه بينهما نصفين و بالتالي: تقسم العين بينهما أرباعاً وهذا هو الأقوى.

3ـ تقسم العين بينهما أثلاثاً، و هو المنقول عن ابن الجنيد.

وإليك بيان أدلّة الأقوال.

أمّا القول الأوّل: فتوضيحه:


1 . السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/156ـ157.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.


(172)

انّ الكلّ لمدّعي الكلّ حيث إنّ نصفَ العين التي هي تحتَ يده خارجة عن محلّ النزاع، والنصف الآخر الّذي ليس تحت يده تُقدَّم فيه، بيّنة مدّعي الكلّ، لأنّ بيّنته بالنسبة إليه، بيّنة الخارج، و بيّنة مدّعي النصف بالنسبة إليه بيّنة الداخل أي المنكر، والمفروض عدم حجّية بيّنة المنكر بل دليله ينحصر باليمين.

يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره من حديث بيّنة الداخل والخارج مبني على أنّ كلا من المتنازعين مستول على النصف المعين فمدّعي الكلّ مستول على النصف غير المتنازع فيه، و مدّعي النصف مستول على النصف المتنازع فيه.

ولكن الاستيلاء بهذا النحو إنّما يتصوّر في النصف المفروز، كما في جزئي «الذبيحة» فتكون بيّنة مدّعي الكلّ بالنسبة إليه بيّنة الخارج و الآخر بيّنة الداخل وأمّا إذا كان على نحو المشاع، فلا تكون بيّنة مدّعي النصف بيّنة الداخل، لأنّ كلّ جزء أُستولي عليه ، مشاع بين المتنازعين فما استولى عليه مدّعي الكلّ، إنّما استولى على النصف المشاع ، كما أنّ ما استولى عليه مدّعي النصف إنّما استولى عليه بوصف المشاع و على ذلك تكون القاعدة بلا موضوع.

أمّا القول الثاني: فهو مقتضى القاعدة الثانوية في إعمال البيّنتين في النصف المشاع فيما إذا كان لهما يد، بقدر ما يمكن، وهو الحكم بالتنصيف، فلكلّ ربع من النصف، و من العين لمدّعي الكلّ ثلاثة أرباع و لمدّعي النصف ربع واحد.

أمّا القول الثالث: فهو قول ابن الجنيد و هو يُسلِّم التقسيم أرباعاً فيما إذا كان بيدهما جزءان خارجيان واتّفقا على أنّ أحد الجزءين لواحد منهما واختلفا في الجزء الآخر و في هذه الصورة يُقسم الجزءان أرباعاًكما ورد في الصحيح عن عبد اللّه بن المغيرة(1) في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي و قال الآخر: هما بيني و بينك ، فقال: أمّا الذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له، و أنّه لصاحبه و يُقسم الآخر و نحوه مرسل محمّد بن أبي


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب9 من كتاب الصلح، الحديث 1.


(173)

حمزة.(1) و أمّا إذا كان التنازع في النصف المشاع فيقسم المال أثلاثاً،على طريق العول فيجعل لمدّعي الكلّ الثلثان، و لمدّعي النصفِ الثلث، لأنّ المنازعة وقعت في أجزاء غير معيّنة لاتشار إليها بل كلّ جزء من أجزائها لا يخلو عن دعوى كلّ منهما بالإشاعة فلا يتم ما ذكروه من خلوص النصف لمدّعي الكلّ بغير منازع بل كلّ جزء ، يدعى مدّعي النصف نصفَه، و مدّعي الكلّ كلَّه و نسبة إحدى الدعويين إلى الأُخرى بالثلث فيقسم أثلاثاً، لمدّعي النصف واحد، و لمدّعي الكلّ اثنان و يكون كما يضرب الديان في مال المفلس و الميّت.

وبعبارة أُخرى إذا أردنا تصديقهما مع عدم قابلية العين لتصديقهما فيها بالنسبة إلى تمام ما يدّعيانه، فلابدّ من أن يرد النقص على كلّ منهما بالنسبة إلى نصيبه، و بما أنّ نسبة النصف إلى الكلّ كنسبة الثلث و الثلثين (يك بر دو) فلابدّ أن يقسّم على نحو الثلث و الثلثين و هذا معنى العول في الإرث الّذي قالت به العامة و لم تقل به الخاصة كما في الزوج والأُختين للأب. فللأوّل النصف، و للأُختين الثلثان و ليس في التركة ما يفي الفريضتين فتقسم.

يلاحظ عليه; بالفرق الواضح بينه و بين العول فإنّ صاحب الحقّ الزائد يعترف في مورد العول ، بثبوت الحقّ الناقص لصاحبه وأنّه لو وفى به المال كان له أخذ حقّه كالزوج بالنسبة إلى كلّ واحد من الأُختين ، و هكذا العكس و هذا بخلاف المقام فإنّ مدّعي النصف و إن كان لا يُكذِّب المدّعي الآخر بالنسبة إلى النصف المشاع و إنّما يكذبه في النصف الآخر والنزاع فيه ، فيقسم أرباعاً ولا معنى يتناسب مع العول.

كما لا معنى لقياسه على اجتماع حقوق الغرماء في مال المفلس كما إذا ترك ألفاً، وعليه ألف لشخص وألفان لشخص آخر يقسم أثلاثاً حسب نسبة الديون. وجه الفرق بينه و بين المقام عدم التكذيب من جانب الغرماء، بحيث لو كان


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب9 من كتاب الصلح، الحديث 2.


(174)

المال وافياً لما كان بينهما تنازع بخلاف المقام.

الصورة الثالثة: فيما إذا كانت العين في يد ثلاثة

كان النزاع في الصورتين السابقتين بين اثنين، و ربّما يقع النزاع بين ثلاثة، و هو على وجهين، فتارة لا تزيد سهام المدّعين عن أجزاء العين و هي هذه الصورة (الثالثة) و ربّما تزيد و هي الصورة الآتية (الرابعة).

فلو ادّعى أحدهم النصفَ والآخر الثلث والثالث السدسَ فكانت يدهم عليها، فيدُ كلّ واحد منهم على الثلث، لكن صاحب الثلث لا يدّعي زيادة على ما في يده، و صاحب السدس يَفْضُلُ ما في يده، ما لا يدّعيه هو و لا مدّعي الثلث، فيكون لمدّعي النصف، فيكمل له النصف و كذا لو قامت لكلّ منهم بيّنة بدعواه.

والحاصل لما كانت سهام المدّعين، لا تزيد عن أجزاء العين، فلا نزاع بينهم من غير فرق بين إقامة البيّنة وعدمها.

نعم يلاحظ على قول المحقّق: «فيدُ كلّ واحد منهم على الثلث»، فانّ الظاهر أنّ يد كلّ على الجميع على نحو عدم الاستقلال وقد مرّ نظيره. ولأجل ذلك يتوقّف تصرّف الكلّ على إذن الكلّ.

الصورة الرابعة: إذا زادت سهام المدّعين عن أجزاء العين

إذا كان النزاع بين ثلاثة ، وكانت سهام المدّعين أزيد من أجزاء العين كما لو ادّعى أحدهم الكلّ، و الآخر النصفَ، والثالث الثلثَ. و له قسمان:

الأوّل: إذا لم يكن لواحد منهم بيّنة.

الثاني: إذا كان معهم بيّنة.

أمّا الأوّل، أي ما إذا لم يكن لواحد منهم بيّنة فقد قال المحقق فيها:


(175)

قُضي لكلّ واحد منهم بالثلث، لأنّ يده عليه و على الثاني و الثالث اليمين لمدّعي الكلّ، وعليه وعلى مدّعي الثلث اليمين لمدّعي النصف.

أمّا حلف الثاني و الثالث لمدّعي الكلّ، لأنّه يدّعي أنّ مابأيديهما من الثلثين له فلا ينفى إلاّ بالحلف.

وأمّا حلف الأوّل والثالث لمدّعي النصف، فلأنّ الواصل إليه (الثلث) ينقص ممّا يدّعيه (النصف) بسدس منقسم بين الأوّل والثالث فلاينفى إلاّ باليمين.

نعم ليس للثالث يمين على الأوّل والثاني، لأنّه لا يدّعي أزيد ممّا أخذ.

ويمكن أن يقال: إنّ مورد النزاع هو خمسه أسداس من العين دون جميع أسداسها فانّ مدّعي النصف يدّعي ثلاثة أسداس و مدّعي الثلث يدّعي السدسين فيكون موضع النزاع بين الأشخاص الثلاثة، هو خمسة أسداس، وأمّا السدس الواحد، فالثاني والثالث متفقان على كونه للأوّل، أو غير رادين له فإذاً يكون موضع النزاع هوالخمسة من الأسداس الستة فلو قلنا بالتقسيم أثلاثاً، فلابدّ أن يكون المقسوم هو خمسة أسداس، لاستة أسداس. وعندئذ يتغير سهامهم، فيكون:

لمدّعي الكلّ 5+3=8

لأنّ السهام ثمانية عشر حاصلة من ضرب الستة في ثلاثة فسدسها، غير المتنازع فيه و يبقى خمسة عشر فيقسم بينهم أثلاثاً و إليك الصورة العملية الحسابية:

18:6=3 غير المتنازع فيه

18-3=15 المتنازع فيه

15:3=5

و لمدّعي النصف (5).


(176)

ولمدّعي الثلث (5).

وأمّا الثاني أي إذا أُقيمت البيّنة

فهو على نوعين:

فتارة: يقيمها أحد المتنازعين، و أُخرى: يقيمها الجميع.

أمّا الأوّل فالمقيم:

إمّا مدّعي الكلّ.

أومدّعي النصف.

أو مدّعي الثلث.

فلو أقام الأوّل فيأخذ الكلّ، تقديماً للبيّنة على اليد في الموردين، و لو أقام الثاني، يأخذ ـ مضافاً إلى الثلث الذي بيده ـ جزء من مدّعي الكلّ، وجزء من مدّعي الثلث ولو افترضنا أنّ للعين اثني عشر جزءاً، فقد كانت تحت يده أربعة أجزاء (الثلث) وكان ما يدّعيه ينقص مما تحت يده، اثنين، فيأخذ جزءاً من مدّعي الكلّ و جزءاً من مدّعي الثلث فتكون له من اثني عشر جزء، ستة أجزاء، و لكلّ من الآخرين ثلاثة أجزاء.

ولو أقام الثالث، لا يغيّر الموضع السائد على الموضوع، إذ ليس ما تحت يده أنقص ولا أزيد ممّا عليه.

إذا أقام الجميع البيّنة

أمّا إذا أقام كلّ بيّنة فقال المحقق: فإن قضينا مع التعارض ببيّنة الداخل فالحكم كما لو لم تكن بيّنة لأنّ لكلّ واحد بيّنة ويداً على الثلث. فإن قضينا ببيّنة الخارج و هو الأصحّ، كان لمدّعي الكلّ ممّا في يده الأجزاء التالية :


(177)

1ـ ثلاثة من اثني عشر جزءاً بغير منازع .

2ـ الأربعة التي في يد مدّعي النصف، لقيام البيّنة لصاحب الكلّ بها، و سقوط بيّنة صاحب النصف بالنظر إليها. إذ لا تقبل بيّنة ذي اليد.

3ـ الثلاثة ممّا في يد مدّعي الثلث، فيكون سهمه من اثني عشر سهماً: عشرة أجزاء: 3+4=7 ،7+3=10

ويبقى واحد ممّا في يد مدّعي الكلّ لمدّعي النصف. وواحد ممّا في يد مدّعي الثلث، يدّعيه كلّ واحد من مدّعي النصف و مدّعي الكلّ، يقرع بينهما، ويحلف من يخرج اسمه و يقضى له. فإن امتنعا، قسِّم بينهما نصفين، فيحصل لصاحب الكلّ عشرة و نصف، ولصاحب النصف واحد و نصف، وتسقط دعوى مدّعي الثلث.(1)

توضيحه:

1ـ كيف يكون لمدّعي الكلّ ممّا في يده ثلاثة من اثني عشر بغير منازع، مع أنّ غير المعارض لا يتجاوز عن اثنين لأنّه إذا أخذ مدّعي النصف ثلاثة أسداس، و مدّعي الثلث، سدسين يبقى في البين سدس واحد، فلو كان المأخذ اثني عشر جزءاً، يكون غير المنازع اثنين فكيف يقول المحقق ثلاثة؟

والجواب أنّ كلّ واحد استولي على ثلث العين فتكون تحت يد كلّ، أربعة أجزاء، لكن مدّعي النصف ينقص ما تحت يده جزئين، فيطلب من مدّعي الكلّ جزءاً، و من مدّعي الثلث جزءاً، فيبقى ما تحت يد مدّعي الكلّ ثلاثة أجزاء بلا منازع، لا يطلبه مدّعي النصف، لأنّ المفروض أنّه أخذ حقّه منه، ولا مدّعي الثلث، لأنّ ما بقي له و إن كان أقل ما يدّعيه، لكن السبب له هو مدّعي النصف، لا مدّعي الكلّ فلذلك تكون الثلاثة من اثني عشر جزءاً خالصة لمدّعي


1 . الشرائع:4/117 بتصرّف.


(178)

الكلّ.

2ـ إنّ بيّنة مدّعي الثلث لمّا كانت بيّنة الداخل ، يسقط عن الحجّية حتّى في ما بقي له من ثلاثة أجزاء و يضمّ إلى مدّعي الكلّ لأنّ بيّنته بالنسبة إليها، بيّنة الخارج فيكون مجموع ما حصل له إلى الآن، ستة أجزاء .

ثلاثة أجزاء غير متنازعة.

ثلاثة مما كانت تحت يد مدّعي الثلث فيصير ستة 6=3+3

3ـ إنّ بيّنة مدّعي النصف بالنسبة إلى أربعة أجزاء كانت بيّنة الداخل فلا تكون حجّة فيها و إنّما تكون حجّة في الجزئين اللّذين انضمّ إليهما من مدّعي الكلّوالثلث لولا المعارض وعندئذ تضمّ الأربعة إلى الأجزاء الستة الّتي صارت خالصة لمدّعي الكلّ فيكون سهمه إلى الآن: عشرة أجزاء:

ثلاثة أجزاء: وهي التي كانت خارجة عن التنازع

ثلاثة أجزاء : ممّا كان تحت يد مدّعي الثلث

أربعة أجزاء: ممّا كان تحت يد مدّعي النصف

فتكون النتيجة: 3+3=6، 6+4=10

4ـ بقي في المقام الجزءان اللّذان، حازه مدّعي النصف أحدهما من مدّعي الكلّوالأُخرى من مدّعي الثلث، فيختص الجزء الأوّل له، لأنّ بيّنته بالنسبة إليه بيّنة الخارج، على خلاف بيّنة مدّعي الكلّ فانّ بيّنته بالنسبة إليه، بيّنة الداخل فيكون ذلك الجزء خالصاً له. و يبقى الجزء الآخر الذي أخذه من مدّعي الثلث موضع النزاع.

5ـ بما أنّ بيّنة كلّ بالنسبة إليه، بيّنة الخارج، والنزاع في العين الشخصية لا يد لأحد عليها، يقرع فإن خرجت القرعة باسم مدّعي الكلّ وحلف


(179)

يقضى له به و يصير سهمه 11 جزء من 12 جزء و إن خرج باسم مدّعي النصف وحلف يقضى له و يكون سهمه جزءان من 12 جزء. و إن نكلا يقسم بينهما فيكون سهم مدّعي الكلّ 10 أجزاء و نصف جزء، و سهم مدّعي النصف جزءاً و نصفا.

ولو فرضنا النزاع في أربعة و عشرين يكون سهم كلّ بلا كسر فإنّ لمدّعي الكلّ منهما واحداً و عشرين، و لمدّعي النصف ثلاثة.

هذا توضيح مرامه.

يلاحظ على هذه النظرية بوجهين:

1ـ انّ نفس ما خرجنا من النتيجة، أوضح دليل على بطلان الفرضية و هو تقديم بيّنة الخارج حيث صارت النتيجة خلع يد مدّعي الثلث من العين أساساً، مع أنّ له اليد عليها و البيّنة، و تخصيص جزئين أو جزء و نصف لمدّعي النصف مع انّ له اليد و البيّنة، وتخصيص أحد عشر جزء أو عشرة أجزاء و نصف لمدّعي الكلّ. و لو عرضنا النتيجة على الفطرة السالمة تعدّ الحكم عدولاً، عن العدل في القضاء والقسط في الحكم، حيث إنّ المدّعين مشتركون في الدليل، لا ترجيح لواحد بالنسبة إلى الآخر.

2ـ إنّ لكلّ واحد من المدّعين يداً على جميع العين لكن لا على سبيل الاستقلال.

وإن شئت قلت: لكلّ يد على جميعها لكن بوجه معارض، لا أنّ لكلّ واحد يداً على ثلثها، بلا معارض كماً هو أساس محاسبة المحقق .

وعلى ضوء ذلك فلو قلنا بأنّ الكلّ مستول على جميع العين ، لا موضوع لبيّنة الداخل ولا للخارج، فيقسم مورد التنازع بينهم أثلاثاً، وتكون النتيجة كما مرّت.

وعلى كلّ تقدير لا منازعة في الجزئين من اثني


(180)

عشر جزء، فانّ مدّعي النصف يدّعي ستة أجزاء، و مدّعي الثلث يدّعي أربعة أجزاء فالجزءان من اثني عشر جزء خارج من محطّ المنازعة وهما خالصان لمدّعي الكلّ.

و ممّا ذكرنا يظهر حال الصورة الخامسة و مافوقها التي تعرض لهما المحقّق ـ رضوان اللّه عليه ـ .

المسألة الحادية عشرة

ثمّ إنّ المحقّق افترض ما إذا كانت العين في يد أربعة و فصّل الكلام في شقوقه و لعلّ حالها يعلم ممّا ذكرنا .و إليك التوضيح:

4+6=10

12-10=2 غير المتنازع فيه

فيضرب الكل في ثلاثة لوجود عدد صحيح و يكون التقسيم من ستة و ثلاثين فالمتنازع فيه ثلاثون و غير المتنازع فيه ستة و إليك الصورة العملية الحسابية:

36-6=30 المتنازع فيه

30:3=10

فلمدّعي الكل (16) لأنّ 10+6=16

و لمدّعي النصف (10).

و لمدّعي الثلث أيضاً (10).

المسألة الثانية عشرة

إذا تداعى الزوجان متاع البيت فللمسألة صورتان:

الأُولى: إذا أقام واحد منهما البيّنة، يقضى لصاحبها تقديماً لها على اليد.

الثانية: إذا لم تكن لهما بيّنة فهناك أقوال أربعة:


(181)

1ـ ما اختاره الشيخ في المبسوط من الحكم بالتنصيف قال: وإن لم يكن مع أحدهما بيّنة فيدُ كلّ واحد منهما على نصفه، يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما نصفين، وسواء كانت يدهما من حيث المشاهدة، أو من حيث الحكم و سواء كان ممّا يصلح للرجال دون النساء كالعمائم والطيالسة والدراريع والسلاح أو يصلح للنساء دون الرجال كالحليّ والمقانع و قمص النساء أو يصلح لكلّ واحد منهما كالفُرش والأواني و سواء كانت الدار لهما أو لأحدهما أو لغيرهما وسواء كانت الزوجيّة باقية بينهما أو بعد زوال الزوجيّة، وسواء كان التنازع بينهما أو بين ورثتهما أو بين أحدهما وورثة الآخر و فيها خلاف.(1) وما اختاره هو مختار الشافعي كما سيوافيك من الخلاف.

واختاره العلاّمة في القواعد و ولده فخر المحققين.(2)

2ـ ما اختاره الشيخ في الخلاف من أنّ ما يصلح للرجال، للرجل، و ما يصلح للنساء للمرأة، و ما يصلح لهما يُقَّسم بينهما بعد التحالف والنكول حيث قال: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فقال كلّ واحد منهما: كلّه لي ولم يكن مع أحدهما بيّنة، نُظِر فيه فما يصلح للرجال، القول قوله مع يمينه، وما يصلح من النساء فالقول قولها مع يمينها، وما يصلح لهما كان بينهما.

وقد روي أيضاً أنّ القول في جميع ذلك قول المرأة مع يمينها و الأوّل أحوط.

وقال الشافعي: يد كلّ واحد منهما على نصفه يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه و يكون بينهما نصفين سواء كانت يدهما من جهة المشاهدة أو من حيث الحكم و سواء كان ممّا لا يصلح للرجال دون النساء أو للنساء دون الرجال، أو يصلح لهما، و سواء كانت الدار لهما أو لأحدهما أو لغيرهما، وسواء كانت الزوجيّة قائمة بينهما أو بعد زوال الزوجيّة، وسواء كان التنازع بينهما أو بين ورثتهما أو بين أحدهما وورثة الآخر، و به قال عبد اللّه بن مسعود و عثمان البتي و زُفر، وقال


1 . الطوسي، المبسوط: 8/310.
2 . العلامة الحلي، الإيضاح:4/380ـ 381.


(182)

الثوري و ابن أبي ليلى: إن كان التنازع فيما يصلح للرجال دون النساء فالقول قول الرجل، وإن كان ممّا يصلح للنساء دون الرجال فالقول قول المرأة.(1)

وممّا نقله الشيخ في الخلاف عن الشافعي يعلم أنّ خيرة الشيخ في المبسوط هو مختار الشافعي كما مرّ وأنّ ما اختاره في الخلاف، قول عبد اللّه بن مسعود و عثمان البتي وزفر. وأمّا ما نقله عن الثوري وابن أبي ليلى فهو نفس ذاك القول لكنّهما لم يتعرضا لما يصلح لهما.

3ـ كلّه للمرأة، وهو خيرة الشيخ في الاستبصار.(2)

4ـ كلّه للرجل، لم يذهب إليه أحد من أصحابنا و إنّما أفتى به ابن أبي ليلى في بعض محاكمه كما سيوافيك.

وإليك دراسة الأقوال:

أمّا الأوّل: فلأنّ لكلّ واحد يداً على نصف المتاع، فهو مدّع بالنسبة إلى ما في يد الآخر، ومنكر بالنسبة إلى ما في يده فإذا حلف يبقى لكلّ لما تحت يده.

والأُولى أن يقال إنّ لكلّ يداً على الجميع غير مستقل، وقد مرّ في محلّه انّ التنصيف مقتضى إطلاق صحيح عبد اللّه بن المغيرة(3) ومرسل محمّد بن أبي حمزة(4) وقد مرّالكلام فيه فلاحظ.

ولكن العمل بهما متوقّف على عدم ورود نص خاص في المورد، باسم التنازع في متاع البيت وإلاّفيقدّم عليها.

وأمّا الثاني : فهو مقتضى صحيح النحاس عن أبي عبد اللّه قال: «إذا طلّق الرجل امرأته و في بيتها متاع فلها ما يكون للنساء، و مايكون للرجال و النساء


1 . الطوسي، الخلاف: الجزء3، كتاب الدعاوي والبيّنات، المسألة 27.
2 . الطوسي، الاستبصار:4.
3 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب الصلح، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب الصلح، الحديث 1و2.


(183)

قسم بينهما. قال وإذا طلّق الرجل المرأة فادّعت أنّ المتاع لها، و ادّعى الرجل أنّ المتاع له، كان له ما للرجال، ولها ما يكون للنساء و ما يكون للرجال والنساء قسم بينهما».(1)

والتعبير الأخير أجمع حيث صرّح بالشق الثاني أي ما للرجال، فهو له، وإن كان التعبير الأوّل كاملاً أيضاً و ذلك لأنّ موردها طلاق المرأة وفي مثله تترك المرأة البيت وما فيه للزوج فإذا قال:«فلها ما يكون للنساء» يكون معناه أنّ الباقي للرجل.

ومثله موثق يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في امرأة تموت قبل الرجل أو رجل قبل المرأة، قال: «ما كان من متاع النساء فهو للمرأة ، وما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما، ومن استولى على شيء منه فهو له».(2)

ولعلّ وجه الاكتفاء بشقّ واحد، وهو ما يختص بالنساء، من دون إيعاز إلى شق آخر و هو ما يختص بالرجل، هو ما مرّ.

وخبر زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل يموت ما له من متاع البيت؟

قال: «السيف والسلاح والرحل و ثياب جلده».(3)

وقد نسب صاحب المسالك هذا القول إلى الأكثر (4) ونقل عن المحقق انّه نسبه في نكت النهاية إلى المشهور .

نعم يعارضه صحيح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد اللّه. وهو الدليل للقول الثالث أي كلّ المتاع للمرأة.

روى الكليني بسندصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:سألني هل يقضي ابن أبي ليلى بالقضاء ثمّ يرجع عنه؟فقلت له:


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2 ،3، 4.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2 ،3، 4.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 2 ،3، 4.
4 . زين الدين ، المسالك:2/443.


(184)

بلغني أنّه قضى في متاع الرَّجل والمرأة إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحيّ وورثة الميّت أو طلّقها فادّعاه الرّجل وادّعته المرأة بأربعقضايا فقال: «وما ذاك؟» قلت:

1ـ أمّا أوّلهنّ فقضى فيه بقول إبراهيم النخعي: كان يجعل متاع المرأة الّذي لا يصلح للرّجل، للمرأة، ومتاع الرجل الّذي لا يكون للمرأة، للرّجل، وما كان للرّجال و النّساء بينهما نصفين.

2ـ ثمّ بلغني أنّه قال: إنّهما مدّعيان جميعاً فالّذي بأيديهما جميعاً يدّعيان جميعاً بينهما نصفان.

3ـ ثمّ قال: الرّجل صاحب البيت والمرأة الدّاخلة عليه، وهي المدّعية، فالمتاع كلّه للرّجل إلاّ متاع النساء الّذي لا يكون للرّجال فهو للمرأة.

4ـ ثمّ قضى بقضاء بعد ذلك لولا أنّي شهدته لم أروه عنه:

ماتت امرأة منّا ولها زوج و تركت متاعاً فرفعته إليه فقال: اكتبوا المتاع، فلمّا قرأه قال للزوج: هذا يكون للرّجال و المرأة فقد جعلناه للمرأة إلاّ الميزان فإنّه من متاع الرَّجل فهو لك، فقال ـ عليه السَّلام ـ لي: «فعلى أيّ شيء هواليوم؟» فقلت: رجع إلى أن قال بقول إبراهيم النخعي أن جعل البيت للرّجل.

ثمّ سألته ـ عليه السَّلام ـ عن ذلك فقلت: ما تقول أنت فيه؟ فقال: «القول الّذي أخبرتني أنّك شهدته و إن كان قد رجع عنه» فقلت: يكون المتاع للمرأة؟ فقال: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين فقال: «لو سألت من بين لابتيها ـ يعني الجبلين، ونحن يومئذ بمكّة ـ لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يُهدى علانية من بيت المرأة إلى بيت زوجها فهي الّتي جاءت به و هذا المدّعي فإن زعم أنّه حدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)


1 . الوسائل:ج17، الباب 8، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.


(185)

علاج التعارض بين الروايات

قد تعرَّفت أنّ مقتضى القاعدة، هوالتنصيف مع الحلف، خرج منه موردان:

1ـ إذا كان أحدهما مستولياً على متاع من أمتعة البيت، بحيث تعدّ اليدُ ، يدَه، و يصدق عليه قوله ـ عليه السَّلام ـ في موثقة يونس بن يعقوب:«ومن استولى على شيء منه فهو له».(1) فيقدّم قوله، وعليه اليمين للآخر.

2ـ إذا أقرّ واحد من الزوجين ، بانتقال المتاع من الآخر إليه، فعندئذ تنقلب الدعوى، فعلى مدّعي الانتقال إثباته.

وأمّا إذا لم يكن واحد من الأمرين فمقتضى القاعدة، هو التنصيف بعد حلف كلّ واحد منهما للآخر إلاّ أنّه وردت الروايات على خلافه وهي تصدّنا عن الأخذ بمقتضاها، وفي الوقت نفسِه هما متعارضان إذ أين القول بالتفصيل بين المختصات، و الشركة في غيرها، من القول بكونه كلّه للمرأة.

ويمكن التخلص من المعارضة بالنحو التالي:

إنّ رواية ابن الحجاج ناظرة إلى ما هو المتعارف في ذلك اليوم، من زفّ المرأة إلى بيت الزوج مجهزة بالمتاع التي يحتاجه البيت من الأمتعة الخاصة حتّى يتمتع بها الزوجان إلى مدّة، و من المعلوم أنّه كالقرينة المتصلة بأنّه لها خصوصاً إذا كان الفصل بين النكاح والطلاق أو الموت قليلاً وعلى ذلك لا يكون مفاده حكماً شرعياً تعبّدياً سارياً في جميع الاصقاع والأزمنة حتّى و لو لم تكن هناك تلك العادة و على ذلك فما قاله الإمام ليس حكماً تعبدياً، و إنّما هو حكم قضائي نابع عن القرينة المفروضة في مورد السؤال فيحتجّ به في كلّ مورد مماثل له. وتعدّ تلك السيرة قرينة خاصة لهذا الحكم.


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.


(186)

وأمّا الحكم بالتفصيل بين المختصات والإشراك في المشتركات، فهو قضاء على وفق الظاهر في غير الظرف الوارد في صحيحة ابن الحجاج فإنّ الاختصاص وإن لم يكن قرينة قطعية لجواز أن ترث المرأة من أبيها العمائم والطيالسة والدروع والسلاح، أو يرث الرجل من أُمّه الحُليّ والمقانع والقمص المطرزة بالذهب، و يكون كلّ تحت يدهما، و لكنّه لمّا كان أمراً نادراً، أُلغي ذلك و أُخذ بالظاهر و مقتضى العادة، فإنّ مقتضاها أنّ ما يصلح للرجال خاصة، فإنّه من مقتضياته، دون مقتضيات المرأة، وكذا ما يصلح للمرأة خاصة يكون من مقتضياتها دون مقتضيات المرء وأمّا المشترك فبما أنّه فاقد للقرينة الظاهرة فهو يُقّسم بينهما.

وعلى ما ذكرنا يكون حكمه ـ عليه السَّلام ـ حكماً قضائياً أوسع ممّا جاء في رواية ابن الحجاج وفي غير موردها فيحتج بها في كلّ مورد كانت فيهاتلك العادة والقرينة العامة ، وإلاّ فالمرجع هو موازين القضاء من الحلف و التقسيم.

وما ذكرناه يرجع إلى ما ذكره صاحب المسالك من قوله:«والرابع الرجوع في ذلك إلى العرف العام أو الخاص فإن وجد عمل به وإن انتفى أو اضطرب كان بينهما، لتصادم الدعويين وعدم الترجيح، وذهب إلى ذلك العلاّمة في المختلف والشهيد في الشرح وجماعة من المتأخرين لما فيه من الرجوع إلى العرف و الجمع بين الأخبار مع مراعاة الأُصول المقرّرة».(1)

نعم ما ذكره ليس قولاً رابعاً، كما عبّر به، وإنّما هو جمع بين الروايات و مقتضى القاعدة، و المهم، هوالتركيز على أنّ حكم الإمام فيما سبق من الروايات ليس حكماً تعبديّاً، واقعياً أو ظاهرياً، وإنّما هو حكم قضائي في مورد النزاع وليس المراد من الحكم القضائي ، أنّ الإمام جلس مسند القضاء و حكم بهما، بل المراد أنّ سؤال السائل، صار سبباً لفرض النزاع و الإجابة بما هو مقتضى أدلة القضاء ولو وجد مورد، خال عن الخصوصيات الحافّة بهذه الروايات وجب فصل النزاع


1 . زين الدين العاملي:المسالك:2/443.


(187)

بالقاعدة الأوّلية في باب القضاء.

وفي نهاية المطاف ما جاء في رواية ابن الحجاج قرينة خاصة و ما جاء في روايات القول الثاني قرينة عامة و إن شئت فعبّر بالعرف الخاص و العام.

إذا ادّعى أبو الزوجة إعارة الجهاز

ولو ادّعى أبو الميّتة: أنّه أعارها بعض ما في يدها من متاع أو غيره. ففيه قولان:

1ـ كلّف البيّنة .

2ـ يقبل قول الأب دون غيره.

والأوّل خيرة المحقّق في الشرائع، ونَسَبَ القول الثاني إلى رواية ضعيفة.

أمّا القول الأوّل، فلأجل أنّه المدّعي ولا تقبل دعواه بدونها.

يلاحظ عليه: إذا صدّق الزوجُ سبقَ يد الأب على المتاع وجريانها عليه، فهو يسلِّم كونه مالكاً وذا يد على المتاع قبل تجهيز بنته به، وانتقاله إلى بيته، فيستصحب حكم اليد حتّى يعلم الخلاف و معه لا يحتاج إلى البيّنة.

وأمّا الرواية التي وصفها المحقق بالضعف فقد رواها الكليني بالسند التالي:

عن محمّد بن جعفر الكوفي الأسدي، عن محمّد بن إسماعيل عن جعفر بن عيسى قال كتبت إلى أبي الحسن يعني علي بن محمّد عليمها السَّلام : المرأة تموت فيدّعي أبوها أنّه كان أعارها بعض ما كان عندها من متاع و خدم أتقبل دعواه بلا بيّنة أم لا تقبل دعواه بلا بيّنة؟ فكتب إليه (يعني علي بن محمّد):«يجوز بلا بيّنة».(1)

وأمّا تفصيل السند فمحمّد بن جعفر بن محمّد بن عون الكوفي الأسدي ممّن


1 . الوسائل: الجزء18، الباب 23 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(188)

وثّقه النجاشي وقال: ثقة، صحيح الحديث.

وأمّا الثاني فهو محمّد بن إسماعيل بن أحمد بن بشير، البرمكي صاحب الصومعة فقد قال النجاشي: إنّه ثقة ولا عبرة بتضعيف ابن الغضائري كما حقّق في محلّه.

وأمّا الثالث فهو جعفر بن عيسى بن عبيد اليقطيني أخو محمّد بن عيسى ابن عبيد بن يقطين، فلم يرد فيه توثيق سوى ما رواه الكشي بسند صحيح عن أبي الحسن الهادي أنّه قال: «ما أعلمكم إلاّعلى هدى جزاكم اللّه على النصيحة القديمة والحديثة خيراً»(1) و أمّا أخوه فقد وصفه النجاشي بأنّه ثقة عين و لعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد على الرواية.

ورواه الشيخ بنفس هذا السند، ورواه الصدوق، وقال: روى محمّد بن عيسى بن عبيد عن أخيه جعفر بن عيسى قال: كتبت إلى أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ وسنده في المشيخة إلى محمّد بن عيسى صحيح قال فيها و ما رويته عن محمّد بن عيسى فقد رويته عن أبي ـ رضي اللّه عنه ـ عن سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ، ورويته عن محمّد بن الحسن ـ رضي اللّه عنه ـ عن محمّد بن الحسن الصفار، عن محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني .(2)

ثمّ إنّ ابن إدريس قد أطنب الكلام حول الحديث و أورده في باب النوادر من القضاء والأحكام و قال: إنّه خبر واحد لا يفيد علماً ولا عملاً، مضافاً إلى انّه مكاتبة فقد يُزّور على الخطوط ولا يجوز للمستفتي أن يرجع إلاّ على قول المفتي دون ما يجده بخطه ثمّ ذكر في ردّ الحديث وجوهاً أُخر، ليست صالحة للردّ.(3)


1 . الكشي، الرجال: 420، برقم 353.
2 . الفقيه: ح4، قسم المشيخة: 92.وقد حقّقنا في محلّه أنّ محمّد بن عيسى بن عبيد ثقة وأنّ استثناء ابن الوليد إيّاه عن رجال نوادر الحكمة، غير صحيح.
3 . الحلي، السرائر: 2/187.


(189)

نعم ذيل الحديث يشمل على الفرق بين الأب و غيره قال: :وكتبت إليه إن ادّعى زوج المرأة الميتة أو أبو زوجها أو أُم زوجها في متاعها وخدمها مثل الذي ادّعى أبوها في عارية بعض المتاع و الخدم أيكون ذلك بمنزلة الأب في الدعوى فكتب: «لا».

ولعلّ الوجه عدم جريان أيديهم على المتاع ، وذلك لما يظهر من صحيحة ابن الحجاج كون الرسم في تلك الظروف هو إتيان المرأة بمتاع البيت من بيت الأب، وإلاّ فلو كان الرسم مشاركة الزوج أو أبيه أو أُمّه في تجهيز البيت بالمتاع لقبل قولهم بلا بيّنة واللّه العالم.


(190)

المقصد الثالث
في دعوى المواريث
وفيه مسائل:

المسألة الأُولى

لو مات المسلم عن ابنين، فتصادقا على تقدّم إسلام أحدهما على موت الأب وادّعى الآخر مثلَه فأنكر أخوه.

قال المحقّق: فالقول قول المتّفق على تقدّم إسلامه، مع يمينه أنّه لا يعلم أنّ أخاه أسلم قبل موت أبيه.

واستُدلّ على قول المحقّق بأنّ الأصل بقاء الأخ على كفره إلى أن يثبت المزيل، نعم على الآخر الحلف على عدم علمه بتقدّم إسلامه إن ادّعي عليه العلم.

أقول: إنّ للمسألة صوراً ثلاثاً:

الصورة الأُولى:

إذا كان موت المورّث معلوماً تاريخاً وأنّه تُوفي في مُستهلّ شعبان، وكان إسلام الأخ الثاني مختلفاً فيه، فهو يدّعي أنّه أسلم في شهر رجب، و أخوه يدّعي أنّه أسلم في رمضان فلا شكّ أنّ الأصل لا يجري في معلوم التاريخ، لعدم الشكّ فيه ولا في تاريخه ،فانّ ظرف وقوعه في عمود الزمان معلوم وواضح فلا تشمله أدلّة الاستصحاب، وكونه مجهولاً بالنسبة إلى حالة الحادث الآخر من تقدّم إسلام الوارث عليه أو تأخّره عنه، لا يجعله مجهولاً أو مشكوكاً فيه حتّى يجري فيه الأصل، إذ الجهل أو الشكّ في إسلام الوارث بالذات، لا في موت المورّث و تصوير الجهل أو الشكّ فيه بالنحو المذكور لا يجعله من أقسام المجهول أو


(191)

المشكوك بالذات وعلى ضوء ذلك فيجري الاستصحاب في جانب المجهول، دون المعلوم فتجري أصالة بقائه على كفره إلى حال موت مورّثه و يكفي ذلك في الحجب من الإرث وشمول قوله: «لا يرث الكافر المسلم»(1). أو«لايرث المشرك المسلم».(2) أو «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين».(3) على المورد.

وأورد عليه صاحب الجواهر بوجهين:

1ـ انّ استصحاب البقاء على دينه، لا يفيد تأخّر المدّعى به (الإسلام) عن الحادث الآخر المعلوم تاريخه.

2ـ انّ ذلك يقتضي عدم الحكم بإسلامه قبل موت الأب وذلك لا يكفي في نفي الإرث المقتضي له نفس الولدية، وذلك لأنّ الكفر مانع، وليس الإسلام شرطاً حتّى يكفي عدم تحقّق الشرط.

يلاحظ على الأوّل: أنّ الأثر (الحجب)مترتّب على كفر الوارث حين موت المورّث وهو محرز بالاستصحاب ، من دون حاجة إلى إثبات تأخّر الإسلام عن موت الموّرث.

وأمّا الثاني الذي حاصله: «أنّ الإسلام ليس شرطاً في التوريث حتّى يحتاج إلى الإحراز بل الكفر مانع بعد وجود المقتضي وهو الولدية، ويكفي فيه عدم احرازه» فيردّه أنّ الحاجب محرز بالاستصحاب فكيف نتوقّف في حرمانه؟!

نعم هنا إشكال وهو أنّ الأثر (الحجب) ليس مترتّباً على كفر الوارث حين موت المورّث بل هو مترتّب على موت المورِّث عن وارث كافر وهو لا يثبت بالأصل. لكن الإجابة عنه واضحة بعد الإحاطة بكلمات المشايخ،وهو أنّه إذا كان موضوع الأثر من اللوازم البيّنة للمستصحب، بحيث يراه العرف نفسه و إن كان غيره عقلاً يثبت به، ذلك اللازم البيّن كما في المقام فإنّ موت المورِّث عن وارث


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 5، 7.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 5، 7.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 3، 5، 7.


(192)

كافر، تعبير آخر عن كفر الوارث حين موت المورّث، وإلاّ فلو توقّفنا في حجّية هذا النوع من الأصل لزم عدم سلامة أكثر الاستصحابات الموضوعية عن مثل هذا الإشكال، مثلاً:

إذا غُسِل الثوبُ النجس في ماء مسبوق بالكرّية، فإنّ استصحاب كرّية الماء لا يثبت انغسال الثوب في الماء الكرّ الذي هو الموضوع الحقيقي للأثر، وكذا استصحاب بقاء الوقت لا يثبت الإتيان بالصلاة فيه إلاّ على النحو الذي عرفت.

الصورة الثانية:

إذا كان إسلام الوارث معلوماً تاريخاً، و موت المورّث مجهولاً، لا يجري الأصل في المعلوم لما عرفت من عدم الإبهام في الخارج، وإنّما مجراه هوالمجهول أعني: استصحاب حياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث أو عدم موته إلى ذلك الزمان، ولكنّه عقيم لعدم كونه موضوعاً للأثر ولا ملزوماً للموضوع، إذا أقصاه حياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث وهو ليس موضوعاً لأثر شرعي وإنّما الموضوع موت المورّث في زمان إسلامه ، اللّهمّ إلاّ أن يقال بحجّية الأصل المثبت. فانّه إذاكان المورّث حيّاً حين إسلام الوارث و المفروض أنّه توفي الآن، فيلزم موته عن وارث مسلم.

الصورة الثالثة:

إذاكان كلّ من الحادثين (إسلام الوارث وموت المورّث مجهولاً ) فيجري الأصل في جانب دون الجانب الآخر، لما عرفت من ترتّب الأثر على أصالة بقاء الوارث على كفره إلى زمان موت المورّث، لا على الآخر، وهو استصحاب حياة المورّث إلى زمان إسلام الوارث، وتكون النتيجة الحجب و الحرمان في جميع الصور الثلاث.

وعلى ضوء ذلك فالأخ المتّفق على تقدّم إسلامه منكر لكون مدّعاه موافقاً


(193)

للأصل، والآخر مدّع لا يثبت إلاّ بالبيّنة. ولك أن تقول انّه لا حاجة في تشخيص المدّعي عن المنكر، إلى هذه الأُصول المعقّدة، بل يكفي الرجوع إلى العرف و النتيجة في الم آل واحدة لأنّ مدّعي تقدّم إسلامه على موت مورّثه، يدّعي شيئاً جديداً بعدما كان الحكم السائد على الموضوع هوالحرمان فمن يدعي شيئاً جديداً فعليه البيّنة وإلاّ فيدفع ادّعاؤه بيمين المنكر.

المسألة الثانية

لواتّفقا على أنّ أحدهما أسلم في شعبان، والآخر في غرّة رمضان ثمّ قال المتقدّم: مات الأب قبل دخول شهر رمضان وقال المتأخّر: مات بعد دخول رمضان.

قال المحقّق: «كان الأصل بقاء الحياة والتركة بينهما نصفين» و أضاف صاحب الجواهر إليه قوله:«بلا خلاف ولا إشكال».

هذه هي الصورة الثانية من الصور الثلاث المذكورة في المسألة المتقدمة التي أوضحنا حالها و قدعرفت أنّ استصحاب حياة المورّث إلى زمان اسلام الوارث لا يترتّب عليه الأثر، وإنّما يترتّب على لازمه العقلي أعني: تأخر موت الموّرث عن إسلامه.

المسألة الثالثة

دار في يد إنسان ادّعى آخر أنّها له ولأخيه الغائب، إرثاً عن أبيهما وأقام بيّنة فلها صور:

الصورة الأُولى:

إذا كانت البيّنة كاملة وشهدت أنّه لا وارث سواهما، فلا شكّ أنّه يُسلَّم إليه النصف لشهادة البيّنة على كونه مالكاً له إنّما الكلام في النصف الآخر، الّذي


(194)

شهدت البيّنة انّه للغائب فهل يبقى في يد من في يده الدار، كما في المبسوط؟ (1)أو يجعل في يد أمين حتّى يعود كما في الخلاف؟(2) وربّما يؤيّد الثاني بأنّ من كانت الدار في يده، سقط بإنكاره عن الأمانة و لكنّه ليس بإطلاقه صحيحاً إذ ربّما يكون استيلاؤه على الدار عن طريق الاشتراء أو الاتّهاب من دون أن يقف على كون البائع أو الواهب غاصباً، وبما أنّ الحاكم وليّ الغائب يُسلّم النصفَ الآخر إلى الأمين من غير فرق بينه و بين غيره.

ثمّ إنّ القابض للنصف لا يُلزم بإقامة ضمين بما قبض، لقيام الحجّة على انحصار الوارث في شخصين متساويين في الإرث.

وأمّا المراد من البيّنة الكاملة فقد فسّره الشيخ في الخلاف وقال: «وأقام بيّنة من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة أنّهما ورثاه ولا نعرف له داراًسواهما».(3) وقال في المبسوط: و هي أن تكون البيّنة خبرة بباطن أمره ولو كان له ولد عرفاه والخبرة المتقادمة حتّى لا يخفى عليها قديم أمره و جديده.(4)

وبذلك يعلم أنّ ما استظهره صاحب الجواهر من عبارة المحقق أعني: فإن كانت كاملة وشهدت أنّه لا وارث سواهما من أنّ قوله:«لا وارث سواهما» بمنزلة التفسير لها، متين، وأنّ ما احتمله صاحب المسالك من أنّ المراد بها، ذات الخبرة والمعرفة بأحوال الميّت سواء شهدت بأنّها لا تعلم وارثاًغيرهما أم لا، غير تامّ.

الصورة الثانية:

إذا لم تكن البيّنة كاملة وشهدت أنّها لا تعلم وارثاً غيرهما قال المحقّق: «أُرجئ التسليم حتّى يبحث الحاكم عن الوارث مستقصياًبحيث لو كان وارث


1 . الطوسي، المبسوط:8/274، كتاب الدعاوي والبيّنات ، فصل الدعوى على الميراث.
2 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الدعاوي و البيّنات، مسائل تعارض البيّنتين، المسألة 12.
3 . الطوسي، الخلاف: المصدر نفسه.
4 . الطوسي، المبسوط، المصدر السابق.


(195)

لظهر، وحينئذ يسلّم إلى الحاضر نصيبه و يضمنه استظهاراً».

فكلامه هذا يدل على أمرين:

1ـ لا يجوز الدفع إلاّ بعد البحث والفحص.

2ـ ولو تمّ البحث لا يدفع إلاّ بعد أخذ الضامن بما يقبضه لو ظهر بعد ذلك مراعاة للاحتمال الذي يبقى بعد البحث والفحص.

أمّا الأوّل: فلأنّ البيّنة دلّت على كونه وارثاً وأمّا الكمّية فهي مجهولة وأصلُ عدم وارث آخر، لا يثبت الكمية إلاّ على القول بالأصل المثبت هذا من جانب و من جانب آخر، يحتمل أن يكون الإمساك، ضرراً على المدّعي فمقتضى الجمع بين الحقّين إرجاء الواقعة حتّى تُتبيّن الحال.

وأمّا الثاني: أي تضمينه استظهاراً فليس عليه دليل صالح ـ سوى أصل الاحتياط في الأموال ـ خصوصاً إذا كان الوارث موثوقاً بوفائه وملائه.

على أنّ الظاهر من رواية معاوية بن وهب، جواز التقسيم مع احتمال وجود وارث آخر، من دون تضمين .

قال قلت: لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :الرجل يكون في داره ثمّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره، ولا ندري ما أحدث له من الولد، إلاّ أنّا لا نعلم أنّه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد ولا تقسّم هذه الدار، على ورثته الذين تَرَك في الدار حتّى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدار، دار فلان بن فلان مات و تركها ميراثاً بين فلان و فلان أو نشهد على هذا؟ قال: «نعم».(1)

الصورة الثالثة:

إذا كان الوارث ذا فرض ينقص على تقدير وجود الوارث عن فرضه، قال


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 17 من أبواب الشهادات، الحديث 2.


(196)

المحقّق: أعطي مع اليقين بانتفاء الوارث (أو مع الشهادة الكاملة) نصيبه تاماً، وعلى التقدير الثاني (عدم اليقين واقعاً ولا شرعاً) يعطيه ما يتيقن استحقاقه له، إن كان وارث آخر فيعطى الزوج الربعُ، والزوجة ربع الثمن معجّلاً من غير تضمين وبعد البحث وعدم ظهور وارث آخر تتُمم الحصّة مع التضمين.

وقد تقدّم عدم وجود التضمين.

الصورة الرابعة:

إذا كان الوارث ممّن يحجبه غيره كالأخ المحجوب بالأبوين والأولاد فإن أقام البيّنة الكاملة أُعطي المال كلّه، وإن أقام بيّنة غير كاملة أُعطي بعد البحث و الاستظهار بالضمين.

وقد تقدّم عدم الدليل على أخذ الضامن.

ولو صدق المتشبّثُ المدّعي على عدم وارث غيره فإن كان المدّعى به عيناًفلا تُسمع الدعوى لأنّه ليس إقراراً على نفسه بل إقرار في حقّ الغير المحتمل وإن كان ديناً يسمع لأنّه إقرار في نفسه، لانّه لا يتعيّن ما يدفعه للغائب إلاّ بقبضه أو قبض وكيله أو وليه.(1)والمفروض عدمه.

المسألة الرابعة

إذا ماتت امرأة وابنها، فقال أخوها: ماتَ الولد أوّلاً ثمّ المرأة فالميراث لي و للزوج نصفان.وقال الزوج: بل ماتت المرأة ثمّ الولد فالمال لي.

فلو أقام واحد منهما البيّنة يُقضى بها و مع عدمها قال المحقّق:

1ـ لا يقضي بإحدى الدعويين، لأنّه لا ميراث إلاّ مع تحقّق حياة الوارث


1 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/444، الطبعة الحجريّة عام1268.


(197)

فلا ترث الأُمّ من الولد، ولا الابن من أُمّه.

2ـ وتكون تركة الابن لأبيه وتركة الزوجة بين الأخ والزوج.

للمحقّق هنا دعويان:

أ: عدم وراثة واحد من الأُمّ و الولد عن الآخر، وجهه: إنّ سبب الميراث حياة الوارث عند موت المورِّث وهي و إن كانت محرزةً بالأصل، لكنّه معارض لأنّ أصالة بقاء حياة الولد إلى زمان موت الأُمّ وإن كان يوجب الإرث، لكنّه معارض بأصالة بقاء الأُمّ إلى زمان موت الولد، ولا نحتاج في التوريث إلى التأخّر، حتّى يقال إنّه مثبت، وإنّما الإشكال في كونه معارضاً.

ب: تكون تركة الزوجة الأصلية (غير ما ترثه من الولد على فرض تأخر موتها) بين المدّعيين، لأنّ المقام أشبه بعين يتنازع فيها اثنان، لكلّ عليها يد، أو ليس لواحد منها عليها يد فيقسم بينهما.

هذا تحليل ما في الشرائع.

ولنا هنا تعليقان:

الأوّل: ذكر المحقق من صور إقامة البيّنة خصوص ما إذا أ قامها واحد منهما و لكن لو افترضنا إقامتهما البيّنة، فقد سبق أنّ الحكم عند التكافؤ وعدم يد واحد منهما عليه، هو القرعة لمن تصار إليه اليمين و المقام من مصاديق هذه القاعدة و تصوّر استيلاء كلّ منهما على العين ويدهما عليها غير تام إذ العبرة باليد الكاشفة عن الملكية و ليست هي في المقام كذلك للعلم بأنّ سبب استيلاء كلّ على العين لأجل ادّعاء الوراثة الذي لم يثبت بعدُ فكيف نعتمد على مثلها.

وعلى ضوء ذلك فلو خرجت القرعة باسم الزوج وحلف يأخذ الكلّ.

ولو خرجت باسم الأخ، و حلف يأخذ نصف تركة الأُم الأصلية، ونصف ما ورثه من الولد، أمّا الأوّل فواضح وأمّا الثاني فلأنّه لو افترضنا صدق بيّنة الأخ،


(198)

فتركة الولد، تقسّم بين الأُم و الزوج أثلاثاً، ثلث للأُمّ، و الثلثان للوالد لقوله سبحانه:«فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أبواهُ فلأُمّهِ الثُّلُث»(النساء/11) أي لأُمّه الثلث فرضاً وأمّا الثلثان فهو للأب لا فرضاً بل ردّاً، لعدم وارث آخر في طبقتها فإذا أخذت الأُم فريضتها، يرث الأب الباقي.

فإذا ماتت الأُمّ عن ثلث واصل إليها من الولد، فالنصف منه(السدس) للزوج لقوله سبحانه:«وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد» (النساء/12) فيبقى النصف الآخر من الثلث(السدس) للأخ.

فتكون النتيجة أنّه إذا خرجت القرعة باسم الأخ يرث هو نصف أصل التركة، ونصف ما ورثته الأُمّ من الولد.

الثاني : لو افترضنا عدم البيّنة مطلقاً، قال المحقّق : تقسم تركة الأُمّ الأصلية بين المدّعيين، مع أنّ مقتضى القاعدة، هو تقسيم نصف التركة ، بينهما نصفين لأنّ الأخ يسلّم بأنّ نصفها للزوج بلا إشكال و إنّما يتداعيان في النصف الباقي منها فكلّ من الزوج والأخ يدّعيه فمقتضى القاعدة، هو تنصيف موضع النزاع بين المدّعين، لا تنصيف ما هو خارج عن محلّ الدعوى.

فتلخّص من ذلك أمران:

1ـ انّه لو أقاما بيّنة وخرجت القرعة باسم الأخ فهو يرث سدس مال الولد، منضماً إلى نصف تركة الأُمّ الأصلية.

2ـ ولو لم تكن هناك بيّنة فإنّما يقسم، نصف تركة الأُمّ انصافاً لا كلّ التركة كما هو ظاهر كلام المحقّق.


(199)

المقصد الرابع
في الاختلاف في الولد

إذا وطأ اثنان امرأة، وطأ ًيلحق به النسب إمّا أن تكون زوجةً لأحدهما و مشتبهة على الآخر، أو مشتبهة عليهما، أو يعقد كلّ واحد منهما عليها عقداً فاسداً.

فللمسألة صور:

الأُولى: أن لا يمكن إلحاقه بالثاني وأمكن بالأوّل كما إذا وضعت لأقلّ من ستة أشهر من وطء الثاني، ولتسعة أشهر فما دون إلى ستة أشهر عن وطء الأوّل، فيلحق بالأوّل لعدم إمكان إلحاقه بالثاني لعدم مضيّ مدّة تمكن ولادتُه منه مع إمكان ولادته من الأوّل وهو زوجها في هذه المدّة.

الثانية: أن لا يمكن إلحاقه بالأوّل وأمكن بالثاني كما إذا وضعت لستة أشهر فصاعداً إلى أقصى الحمل من وطء الثاني و للزائد عن أقصى الحمل من وطء الأوّل فيلحق بالثاني لعدم إمكان إلحاقه بالأوّل.

الثالثة: أن لا يمكن إلحاقه بواحد منهما كما إذا وضعت لأقلّ من ستة أشهر من وطء الثاني و لأكثر من أقصى الحمل من الأوّل فينتفي عنهما لفقد شرط اللحوق بواحد منهما.

الرابعة: إذا أمكن اللحوق بكليهما كما إذا وضعت لستة أشهر فصاعداً إلى ما دون أقصى الحمل من وطء الثاني و لأقصى مدّة الحمل فما دون من وطء الأوّل حيث يمكن تولّده منهما.

وهذا القسم الأخير ، هو الّذي طرحه المحقّق في المقام فقال:


(200)

إذا أتت بولد لستة أشهر فصاعداً ما لم يتجاوز أقصى الحمل فحينئذ يقرع بينهما.

هذا هو رأي المحقّق وأمّا غيره فقال الشيخ في الخلاف:

إذا اشترك اثنان في وطء امرأة في طهر واحد وكان وطآن يصحّّ أن يلحق به النسب و أتت به لمدّة يمكن أن يكون من كلّ واحد منهما أقرعنا بينهما فمن خرجت قرعته ألحقناه به، و به قال علي ـ عليه السَّلام ـ .

وقال الشافعي: نريه القافة فمن الحقته به ألحقناه به، فإن لم تكن قافة أو اشتبه الأمر عليها أو نفته عنهما تُرك حتّى يبلغ فيُنسب إلى من شاء منهما ممّن يميل طبعه إليه، وبه قال أنس بن مالك و هو إحدى الروايتين عن عمر، و به قال في التابعين عطاء، و في الفقهاء مالك و الأوزاعي وأحمد بن حنبل.

وقال أبوحنيفة: ألحِقه بهما معاً ولا أُريه القافة، و حكى الطحاوي، وفي المختصر قال: إن اشترك اثنان في وطء الأمة فتداعياه فقال: كلّ واحد منهما هذا ابني الحقته بهما معاً فأُلحِقْه باثنين، ولا أُلحقه بثلاثة، وقال أبويوسف: ألحقه بثلاثة، واختار الطحاوي طريقة أبي يوسف هذا قول المتقدّمين.

وقال المتأخّرون منهم الكرخي والرازي يجوز أن يلحق الولد بمائة أب على قول أبي حنيفة والمناظرة على هذا يقع . قال أبوحنيفة فإن كان لرجل أمتان فحدث ولد فقالت: كلّواحدة منهما هوابني من سيدي قال: ألحقه بهما فجعله ابناً لكلّ واحدة منهما وللأب أيضاً. قال أبويوسف ومحمّد: لا يُلحق بأمتين لأنّا نقطع أنّ كلّ واحدة منهما ما ولدته و أنّ الوالدة إحداهما و أبوحنيفة ألْحق الولد الواحد بآباء عدة ، و بأُمهات عدة.(1)

فقد ذهب الشيخ و المحقق و ـ لعلّ المشهور ـ إلى القرعة و يدلّ عليه


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الدعاوى والبيّنات، المسألة23.


(201)

مايلي:

روى زيد بن أرقم: إنّهم أتوا أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في امرأة أتوها في طهر واحد كلّهم يدّعي الولد فأقرع والحق الولد بمن أقرع، وغرمه ثلثي قيمة الأُمّ، وأنّهم سألوا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن ذلك فقال: لا أعلم إلاّ ما قال علي ـ عليه السَّلام ـ .(1)

وعن الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سأل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عن أعجب ما ورد عليه فخبره بذلك، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : ليس من قوم يتنازعون ثمّ فوضوا أمرهم إلى اللّه تعالى إلاّ خرج سهم المحق» (2)، إلى غير ذلك.

وعلى كلّ حال فالظاهر الرجوع إلى القرعة، قال المحقّق: سواء كان الواطئان مسلمين أو كافرين أو عبدين أو حرّين أو مختلفين في الإسلام و الكفر و الحريّة و الرّق، أو أباً و ابنه و في الجواهر: بلا خلاف معتدّ به أجده بيننا في ذلك، بل الظاهر الإجماع عليه، بل ادّعاه بعض صريحاً.(3)

ثمّ إنّهم اشترطوا في الرجوع إلى القرعة أُموراً:

1ـ أن يكون الإتيان في طهر واحد ولو تخللت بينهما حيضة انقطع الإمكان عن الأوّل لأنّ الحيض علامة براءة الرحم شرعاً.

يلاحظ عليه: أنّه إذا صحّت نسبتهما إليهما وكان أحدهما زوجاً يلحق بالفراش و إن كان الإتيان في طهرين يتخلّل بينهما حيضة واحدة، لقوّة الفراش.


1 . النوري، المستدرك: 17، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3و5.
2 . الوسائل، الجزء 18 ، الباب 13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.
3 . الجواهر : 40/517.


(202)

2ـ أن لا يعرف السابق و اللاحق وإلاّ فيلحق بالأخير.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّّ إذا لم يكن الأوّل زوجاً وإلاّ فيلحق بالمتقدّم إذا كان زوجاً لقوّة الفراش.

3ـ إذا لم يكن لأحدهما بيّنة وإلاّ حكم لمن كانت له البيّنة.

يلاحظ عليه : بأنّ إقامتها صعب جدّاً، إذ كيف يمكن أن تشهد على أنّ الولد لأحدهما المعيّن و التفصيل موكول إلى محلّه.

تمّ الكلام في تحرير مسائل القضاء بعون اللّه سبحانه و تعالى
و قد لاح بدر تمامه يوم الأحد لعشرين خلون من شهر ربيع الأوّل
من شهور عام 1404 ثمّ أعدنا النظر في الدورة الثانية
وتمّت المراجعة وا لتبييض في اليوم الثالث من شهرشعبان المعظم ، يوم
ميلاد الإمام الطاهر الحسين بن علي عليمها السَّلام من شهور عام 1416 .
نشكره سبحانه على آلائه و نعمائه اللّهمّ ما بنا من نعمّة فمنك وإليك
والحمدللّه ربّ العالمين
و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.


(203)

كتاب الشهادات
تاليف

العلاّمة الفقية
جعفر السبحاني


(204)


(205)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة و السّلام على سيّد رسله و خاتم أنبيائه، محمّد وآله الطاهرين الّذين هم أساسُ الدين وعمادُ اليقين، إليهم يفيئ الغالي، وبهم يلحق التالي، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد: فلمّا انتهينا من دراسة كتاب القضاء رأينا اشتياق حضّار بحثنا إلى اردافها بدارسة كتاب الشهادات على غرار كتاب شرائع الإسلام للمحقّق الحلّي ـ قدس سره ـ . للصلة القوية بين بحوث الكتابين فلا يكتمل أحدهما إلاّ بالآخر. فنزلنا عند رغبتهم متوكّلين عليه سبحانه أنّه خير مسؤول، وخير معين. فنقول:

الشهادة في اللغة والاصطلاح

الشهادة: اسم من المشاهدة، وهي الاطّلاع على الشيء عياناً يقال: شهدتُ الشيء اطلعتَ عليه و عاينتَه، فأنا شاهد، و الجمع أشهاد و شهود. و منه قوله سبحانه: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»(البقرة/185) و كأنّ المقيم يعاين الشهر فيجب عليه الصوم، بخلاف المسافر و قوله:«وَلْيَشْهَد عذابَهما طائفةٌ مِنَ المّؤمنين» (النور/2)أي و لتحضر و مرجع الحضور في الواقعة إلى تحمّل العلم عن حضور وحسّ، ثم استعمل في أدائها و إظهار الشاهد ما تحمّله من العلم، ثمّ صار كالمشترك بين التحمّل والتأدية بعناية وحدة الغرض فانّ التحمّل يكون


(206)

غالباً لحفظ الحقّ والواقع من طروء البطلان عليه بنزاع أو تغلّب أو نسيان، أو خفاء، فكانت الشهادة سبباً لحفظ الحقّ و الواقع، فبهذه العناية كان التحمّل والتأدية كلاهما شهادة لوحدة الغرض وهو حفظ الحقّ و إقامته.(1)

هذا هو حسب اللغة و أمّا في الاصطلاح فقد عرّفه الشهيد ـ قدس سره ـ في القواعد بقوله: «إخبار جازم عن حقّ لازم للغير، واقع من غير حاكم».(2) و قال أيضاً: الشهادة و الرواية تشتركان في الجزم و ينفردان في أنّ المخبر عنه إن كان أمراً عاماً لا يختص بمعين فهو الرواية كقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا شفعة فيما لا يقسم» فإنّه شامل لجميع الخلق إلى يوم القيامة و إن كان لمعين فهوالشهادة كقوله عند الحاكم أشهد بكذا لفلان.

وقال أيضاً :الفرق بين الفتوى و الحكم أنّ الفتوى مجرّد إخبار عن اللّه تعالى بأنّ حكمه في هذه القضية كذا ، و الحكم إنشاء إطلاق أو إلزام ممّا يتنازع فيه الخصال لمصالح المعاش.(3)

فنقول: إنّ أُصول البحث في كتاب الشهادات لا تتجاوز عن خمسة و هي:

1ـ في صفات الشاهد.

2ـ بماذا يصير الشاهد شاهداً(مستند الشهادة).

3ـ في المواضع التي تقبل فيها الشهادة من أقسام الحقوق.

4ـ في الشهادة على الشهادة.

5ـ في اللواحق.

وإليك الكلام فيها واحداً بعد واحد.


1 . الطباطبائي، الميزان: 3/118، بتصرّف يسير.
2 . النجفي : الجواهر: 41/7.
3 . مكي العاملي، القواعد و الفوائد:ح1 في ذيل القاعدة 82، ص 247 و القاعدة 114.


(207)

المقصد الأوّل
في صفات الشهود

يشترط في الشاهد أُمور:

الأوّل: البلوغ

لا تقبل شهادة الصبيّ عند جميع الشعوب ما لم يبلغ حدّاً يستطيع معه على تمييز الأشياء والأفعال، و حفظ ما عاين منهما في الذاكرة، ثم أدائها إلى الغير، حسب ما شاهد، و بما أنّ الصبيان مختلفون في الذكاء والحفظ و الأداء، أخذ الشارع موقفاً حاسماً باشتراط البلوغ فلا يقبل إن لم يبلغ و إن كان ذكياً، حفيظاً، منطيقاً، لأنّ العبرة بالغالب لا الشاذ، إلاّ أن يفيد العلم للقاضي، و عند ذلك يكون المرجع علمه، لا شهادته.

و يستطيع الإنسان ، أن يستنبط ذلك التحديد من الإمعان في الروايات الواردة في الأبواب المختلفة التالية و نكتفي من كلّ باب، بالقليل:

1ـ ما ورد في الباب الرابع من أبواب مقدّمات العبادات و فيه قول الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ مخاطباً لعمر:« أما علمتَ أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتّى يحتلم، وعن المجنون حتّى يفيق، و عن النائم حتّى يستيقظ».(1)

2ـ ما ورد في كتاب الحجر من عدم جواز أمره حتّى يبلغ (2) حيث يمكن


1 . الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات، الحديث 11 ولاحظ عامة روايات الباب .
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 2 من أبواب أحكام الحجر، الحديث 1.


(208)

الاستئناس به للمقام.

3ـ ما دلّ على عدم جواز وصيّة الصبيّ إلاّ إذا بلغ عشر سنين.(1) والاستثناء دليل على عدم العبرة بفعله وقوله إلاّ في مورد الوصية.

4ـ ما يدلّ على أنّهم إذا تحمّلوا في الصغر جازت لهم التأدية إذا بلغوا.(2) ولو جازت شهادتهم قبل البلوغ ، لكان التقييد لغواً.

5ـ ما ورد في باب القصاص من أنّ المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة و قد رفع عنهما القلم.(3)

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في شأن الصبي الّتي يفيد المجموع من حيث المجموع عدم الاعتداد بقول الصبي و فعله إلاّ في موارد نادرة و لأجل ذلك عُدّ البلوغ شرطاً في نفوذ الشهادة و إن لم يرد فيه نصّ خاص.

و تمكن استفادة الاشتراط من الاعتداد بشهادة الصبيّ على القتل تحت شروط خاصة، المعرب عن عدم الاعتداد بشهادته في غيره. و إليك بعض كلمات الأصحاب ثمّ سرد الروايات:

1ـ قال الشيخ في الخلاف: تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح ما لم يتفرّقوا إذا اجتمعوا على أمر مباح كالرمي وغيره، و به قال ابن الزبير و مالك، و قال قوم: إنّها لا تقبل بحال لا في الجراح ولا في غيرها تفرقوا أو لم يتفرقوا ذهب إليه ابن عباس و شريح والحسن البصري و عطا و الشعبي، و في الفقهاء الأوزاعي و الثوري وابن أبي ليلى و أبي حنيفة و أصحابه و الشافعي . دليلنا، إجماع الفرقة و أخبارهم، و عليه إجماع الصحابة روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنّه قال: لا تقبل شهادة الصبيان في الجراح، و خالفه ابن الزبير فذهب


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 44 من أبواب كتاب الوصية ، الحديث 3.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 21 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ4.
3 . الوسائل: الجزء 19، الباب 36 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 2.


(209)

الناس إلى قول ابن الزبير فثبت أنّهم أجمعوا على قوله، و تركوا قول ابن عباس.(1)

2ـ وقال في النهاية: وتجوز شهادة الصبيان إذا بلغوا عشر سنين فصاعداً إلى أن يبلغوا في الشجاج والقصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم ولا يؤخذ بآخره و لا تقبل شهادتهم فيماعدا ذلك من الديون والحقوق والحدود.(2)

3ـ وقال ابن البراج: فأمّا شهادة الصبيان فهي ضربان : جائز و غير جائز . فالجائز شهادة كلّ صبي بلغ عشر سنين إلى أن يبلغ، في الشجاج و القصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم في ذلك ولا يؤخذ بآخره، و يفرّق بينهم في الشهادة فإن اختلفوا لم يحكم بشيء من أقوالهم.(3)

4ـ وقال ابن إدريس: و تجوز شهادة الصبيان دون الصبايا إذا بلغوا عشر سنين فصاعداً إلى أن يبلغوا، في شيئين فحسب، الشجاج والقصاص و يؤخذ بأوّل كلامهم ولا يؤخذ بآخره و لا تقبل شهادتهم فيماعدا ذلك من جميع الأحكام.(4)

5ـ وقال ابن حمزة : والصبي إن كان مراهقاً و هو إذا بلغ عشر سنين فصاعداً تقبل شهادته في القصاص و الشجاج لا غير و يؤخذ بأوّل كلامه.(5)

6ـ وقال المحقّق ـ بعد نقل الأقوال ـ: فالأولى الاقتصار على القبول في الجراح بالشروط الثلاثة: بلوغ العشر، وبقاء الاجتماع، إذا كان على مباح، تمسّكاً بموضع الوفاق.(6)

7ـ وقال ابن سعيد:ولا تقبل شهادة الصبيان إلاّ إذا بلغوا عشر سنين فصاعداً و ميّزوا، في الشجاج والجراح خاصة و يؤخذ بأوّل كلامهم.(7)


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات، المسألة 20.
2 . الطوسي، النهاية، كتاب الشهادات: 331.
3 . ابن البراج، المهذّب: 2/559.
4 . ابن إدريس، السرائر: 2/136.
5 . ابن حمزة الطوسي، الوسيلة: 231.
6 . المحقّق، الشرائع:4/125.
7 . ابن سعيد ، الجامع للشرائع: 540.


(210)

8ـ وقال العلاّمة: فلا تقبل شهادة الصبي وإن راهق إلاّ في الجراح بشرط بلوغ عشر سنين فصاعداً وعدم تفرقهم في الشهادة و اجتماعهم على المباح.(1)

هذه نماذج من كلمات الأصحاب و هم:

بين من يجوِّز شهادته في الشجاج و القصاص كالشيخ في النهاية، و ابن البراج في المهذّب، و ابن إدريس في السرائر وابن حمزة في الوسيلة.

ومن يجوِّز شهادته في الشجاج و الجراح دون القصاص كابن سعيد في الجامع.

ومن يخصها بخصوص الجراح فقط كالشيخ في الخلاف و المحقّق في الشرائع، و العلاّمة في الإرشاد.

إذا تعرّفت على الأقوال فلنذكر النصوص فهي على أقسام:

أ: ما يدلّ على حجّية شهادة الصبيّ إذا بلغ عشراً من دون اختصاص بمورد كصحيح أبي أيّوب الخزاز قال: سألت إسماعيل بن جعفر: متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا بلغ عشر سنين، قلت: و يجوز أمره؟ قال فقال: إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ دخل بعائشة و هي بنت عشر سنين، و ليس يدخل بالجارية حتّى تكون امرأة فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره و جازت شهادته.(2)

والرواية لا تنهض حجّة لأنّ المروي عنه هو إسماعيل بن جعفر و لم ينسبه إلى الإمام نفسه و إنّما استنبط جواز الشهادة من قياس باطل، و هو قياس الصبي بالصبية، مع أنّه قياس مع الفارق، لأنّ الصبية و إن كانت ضعيفة من حيث الجسم لكنّها أسرع رشداً فتتزوّج بعد التسع، بخلاف الصبي فهو قويّ من حيث الجسم و لكنّه أبطأ رشداً. و هي على أيّ حال فالرواية متروكة.


1 . العلاّمة الحلّي، الإرشاد:2/156.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 3.


(211)

ومثله رواية عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شهادة الصبي و المملوك فقال: «على قدرها يوم أشهد، تجوز في الأمر الدون ولا تجوز في الأمر الكبير» (1) وهي أيضاً غير معمولة.

ب :ما خصّ بالقتل كصحيح جميل(2) و محمّد بن حمران. (3)

ج:لم يذكر الموضوع و لكن القرائن تشهد على أنّ المراد ما يرجع إلى ما يتركه لعب الصبيان من نتائج سلبية كخبر طلحة بن بريد عن الصادق عن آبائه عن علي قال : «شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهلهم».(4)

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم أنّ مقتضى التعبّد بالنصوص، هو حصر حجّية شهادتهم على القتل فقط كما هو مقتضى تصريح رواية محمّد بن حمران و ظاهر رواية جميل. و مع ذلك نرى أنّ الأصحاب، تركوا الموضوع الوارد فيهما، وجعلوا مكانه ما عرفت.فالمحقّق ترك العمل بالروايات في موردها (القتل) و مع ذلك عمل بها في مورد الجراح و هو كما ترى و مثله العمل بها في مورد الشجاج أيضاً لوضوح خروجهما عن القتل، و إلحاقهما به بقياس أولوي فرع العمل بها في موردها و المفروض ترك العمل بها في موردها، على أنّ الأولوية ممنوعة كما سيوافيك.

نعم ترك المحقّق العمل بها في مورد القتل، لاستلزامه التهجم على الدماء بخبر الواحد وهو خطر و لكنّه إنّما يلزم لو أُريد به القصاص دون الدية، وذلك لكون القصاص فرع كون القاتل مكلّفاً، والمفروض أنّ قلم التكليف مرفوع فيكون هذا قرينة على حملها على الدية و يشهد على ذلك تفريق الإمام الدية عليهم عند الاشتباه والاختلاف في القاتل.(5)

و بما ذكرنا صرّح في الجواهر و قال: بل منه ينقدح اختصاص قبول


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 5، 1، 2، 6.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 5، 1، 2، 6.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 5، 1، 2، 6.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 5، 1، 2، 6.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كتاب الديات، الحديث 1.


(212)

شهادتهم في الدية لأنّ عمدهم خطأ، و هذا هو المناسب لعدم التهجم على الدماء بشهادتهم على وجه يُقتصّ بها من البالغين في نفس أو طرف، كما أنّه المناسب لشدة الأمر في الدماء و عدم إبطالها فيختص حينئذ قبول شهادتهم في ما بينهم لإيجابها الدية و لو كان المشهود به هو القتل.(1)

ومنه يعلم أنّ قياس الشجاج والجراح بالقتل قياس مع الفارق و الأولوية ممنوعة في المقام .

وذلك لأنّ الأهميّة الخاصة بالنفس دعت الشارع إلى جعل الحجّية لشهادة الصبي، في القتل حتّى لا يذهب دم المسلم سدى و لكنّها ليست بموجودة في الشجاج و الجراح فلا يكون ذلك دليلاً على حجّية شهادته في غير النفس.

ثمّ قبول شهادته مشروط بشروط ذكر المحقق منها ثلاثة، أعني:

1ـ البلوغ عشراً ، 2ـ بقاء الاجتماع ، 3ـ لو اجتمعوا على أمر مباح وقد أُشير في بعض النصوص إلى شروط أُخر، 4ـ أن لا يوجد غيرهم 5ـ اعتبار الأخذ بأوّل كلامهم 6ـ أن تكون شهادة بعضهم على بعض، لا على الخارج عن حوزتهم ، أمّا الرابع فهو القدر المتيقن وأمّا الخامس فهو المنصوص في غير واحد من روايات الباب(2) وأمّا السادس فهو المنصوص في رواية طلحة بن زيد.(3)

الثاني: كمال العقل

وقد اتّفق على هذا الشرط العقلاء فلا عبرة بقول المجنون إخباراً و إنشاءً إنّما الكلام في من يناله الجنون إدواراً فله صور:

1ـ أن يتحمّل في حال الإفاقة ، ويؤدّي فيها، سواء أتخلّل بينهما الجنون


1 . الجواهر:41/13ـ 14.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 30 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 2، 4 ، 6.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 30 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 2، 4 ، 6.


(213)

الموقّت أم لا.

2ـ أن يتحمّل في حال الجنون، ويؤدي حال الإفاقة.

3ـ عكس الثاني، يتحمل حال الإفاقة و يؤدّي حال الجنون.

لا إشكال في حجّية شهادته في الصورة الأُولى، كما لا إشكال في عدمها في الصورة الثالثة، إنّما الكلام في الصورة الثانية، ولعلّ عدالته تصدُّه عن الإخبار بشيء غير جازم ولا محقّق، لكن بعد استظهار الحاكم بما يتيقن معه حضور ذهنه و استكمال فطنته. وإلاّ طرحت شهادته.

ولعلّ التعبير بكمال العقل لإخراج الصنفين التاليين:

1ـ الساهي و هو الذي يعرض له السهو غالباً فربّما سمع الشيء ونسي بعضه فيكون ذلك مغيّراً معنى اللفظ ناقلاً لمعناه، لانصراف الأدلّة عن مثله و لصدق الظنين عليه.(1) فحينئذ يجب على القاضي الاستظهار حتّى يتثبَّت ما يشهد به على وجه يطمئن بعدم غفلته فيما شهد به، و لو لكون المشهود به ممّالا يُسهى فيه و مع ذلك ففي جواز الاعتماد على شهادته تأمّل إلاّ أن يحصل اليقين فتكون الحجّة هو يقينه.

2ـ المغفَّل الذي في جبلَّته البله فربّما استغلط لعدم تفطّنه لمزايا الأُمور و تفاصيلها فيدخل فيه الغلط و الاشتباه من حيث لا يشعر و يأتي فيه ما ذكر في الساهي.

الثالث: الإسلام

يعتبر في الشاهد الإسلام، لأنّ الكافر فاسق ولا عبرة بشهادة الفاسق إجماعاً و عليه استفاضت الروايات و قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولا تجوز شهادة أهل الذمّة على المسلمين» نعم استثني مورد واحد


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث8.


(214)

و هو شهادته في باب الوصيّة على الشروط الآتية.

الرابع: الإيمان

المراد من الإيمان في المقام كون الشاهد إمامياً معتقداً بإمامة الأئمّة الاثني عشر فلا تُقبل شهادة المخالف على المؤمن، وقد ادّعى صاحب الجواهر كون المسألة إجماعية أو من ضروريات المذهب.

قال الشيخ :كل من خالف الحقّ لا تُقبل شهادته سواء كان ممن يُكَّفر أو يفسَّق و سواء كان فسقه على وجه التديّن أو على غير وجه التدين. ومن وافق الحقّ لا تقبل شهادته إلاّ إذا كان عدلاً لا يعرف بشيء من الفسق. وقال قوم: من كان فاسقاً على وجه التديّن به، فلا تردّ شهادته، و إنّما يردّ من فَسَق بأفعال الجوارح من الزنا واللواط و شرب الخمر والقذف و غير ذلك.(1)

وقال في الخلاف: لا تجوز قبول شهادة من لا يعتقد إمامة الأئمّة الاثني عشر، ولا منهم إلاّ من كان عدلاً يعتقد العدل والتوحيد ونفي القبيح عن اللّه تعالى و نفي التشبيه و من خالف في شيء من ذلك كان فاسقاً لا تُقبل شهادته.

أقول: (2)لو قلنا بكفر المخالف فعدم الجواز واضح لكنّه غير صحيح لما قرّر في محلّه من أنّه يكفي في الدخول في حظيرة الإسلام، الإقرار بالتوحيد، و الرسالة والمعاد منضمّاً إلى عدم إنكار ما يستلزم إنكارُه، إنكارَ الرسالة و كان النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقبل إسلام من يعترف و يشهد على الثلاثة: التوحيد و الرسالة و المعاد.

نعم لا شكّ في كفر الناصب ـ و قد بيّن في محله ـ و ما ورد حول جواز شهادته، فهو مؤوَّل . روى عبد اللّه بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ :


1 . الطوسي ، المبسوط: 8/220.
2 . الطوسي، الخلاف: 3/343، كتاب الشهادات، المسألة 50.


(215)

رجل طلّق إمرأته و أشهد شاهدين ناصبيين قال: «كلّ من وُلد على الفطرة و عُرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».(1) فإنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أشار بقوله: «ولد على الفطرة...» إلى عدم صحّة شهادته لأنّه لم يولد على فطرة الإسلام. و فقد الصلاح في نفسه ، و على هذا لا حاجة إلى حمله على التقيّة، نعم السند ضعيف لوجود السيّاري فيه.

ثمّ إنّ المحقّق، استدل على عدم جواز شهادة المخالف «بكونه ظالماً و فاسقاً»، لكونه ظالماً لنفسه، وخارجاً عن الطاعة و إن كان عدلاً في مذهبه وقد قال اللّه تعالى: «إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بنبأ فتبيّنوا»(الحجرات/6). وقوله: «وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ » (هود/113).

وأورد عليه في المسالك بأنّ الفسق يتحقق بفعل المعصية المخصوصة مع العلم بكونها معصية أمّا مع عدمه بل مع اعتقاده أنّها طاعة بل من مهمّات الطاعات فلا، والأمر في المخالف للحقّ للاعتقاد، كذلك لأنّه لا يعتقد المعصية بل زعم أنّ اعتقاده من أهمّ الطاعات و إنّما يتفّق ذلك ممن يعاند الحقّ مع علمه به و هذا لا يكاد يتفّق.(2)

ما ذكره ـ قدس سره ـ إنّما يتم في المخالف القاصر إذ لا يحكم عليه بالفسق و الكفر لافتراض قصوره و فقدان الشرائط العامة للتكليف بخلاف المقصّر، فانّه محكوم بالعقاب فيكون فاسقاً و ظالماً.

نعم استدل صاحب الجواهر بوجوه عشرة على عدم القبول، أكثرها غير تامّة و المهم هو ما اعتمد عليه المحقق من صدق الظلم والفسق، و أمّا غيرهما فإمّا قاصر السند أو قاصر الدلالة، فمن الأوّل الاستدلال بما روي عن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري ـ عليه السَّلام ـ من قول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في تفسيره قوله


1 . الوسائل: الجزء 18 ، الباب 41، من أبواب كتاب الشهادات، الحديث 21.
2 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/446.


(216)

تعالى: «ممّن تَرْضَونَ من الشهداء»(1) ممّن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفّته.(2) وغير خفي على النابه أنّ التفسير تأليف عالم من علماء الشيعة و ليس تأليفاً للإمام على أنّه من المحتمل أن يكون المراد من الدين هوالإسلام مقابل الكفر أو المراد الدين على صعيد العمل. ومن الثاني الاستدلال بقوله ـ عليه السَّلام ـ : لاتقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين»(3) والشحناء العداوة، كما أنّ المقصود من ذي مخزية في الدين، هو الذي ركب من المعاصي ما يُعد خزياً، و عاراً، و شناراً كالسرقة والزنا و شرب الخمر و أين ذلك من الاعتقاد الفاسد.

والحاصل أنّ أكثر ما استدل به، غير تام و من دأبه ـ قدس سره ـ ـ إذا كان الحكم مشهوراً بين العلماء ـ أنّه كان يجمع الأدلة من هنا و هناك لتأييد الحكم ، سواء أكان تاماً أملا.

وفي مقابل ما استدل به المحقق، روايات يمكن استظهار حجّية شهادته منها و هي تتلخص في ما يأتي :

1ـ صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير».(4) والمراد من الخير إمّا الإسلام أو الملكة الرادعة عن المعصية ، أو نيّة الخير أو ما يقرب من ذلك فيصلح للاستدلال كما يحتمل أن يراد منه الإيمان بالمعنى الأخصّ و كان الإمام بصدد بيان حصر الشهادة، بمن كان كذلك.

2ـ ما روي عن الرضا عن آبائه عن علي ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلميخلفهم، فهو ممّن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت أُخوته وحرمت غيبته».(5) فإذا كانت


1 . البقرة:282.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب41 من أبواب الشهادات، الحديث 23.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث5.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41من أبواب الشهادات، الحديث8و15.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41من أبواب الشهادات، الحديث8و15.


(217)

هذه الأعمال كافية في استكشاف العدالة، فتدل على أنّ المعتبر منها في الشهادة ، مطلق الملكة الرادعة عن الحرام ، من دون مدخلية للاعتقاد فيها.

3ـ ما ورد من أنّ الذمي إذا أسلم و أدّى ماتحمّله حال كونه كافراً ـ بعد الإسلام ـ تقبل شهادته(1)فإنّ إطلاقه يعمّ ما إذا أسلم غير إمامي، و كان هو الغالب عصر صدور الروايات.

أضف إلى ذلك أنّ قبول رواية المخالف إذا كان ثقة في اللسان أو عدلاً في مذهبه، يشعر بقبوله في الشهادة فإنّ مضمون الرواية يرجع إلى عموم الناس إلى يوم القيامة والشهادة ترجع إلى موضوع جزئي خاص فكيف تقبل الرواية و لا تقبل الشهادة؟! فتأمّل.

فالحقّ التفصيل بين القاصر و المقصّر و ما أكثر القاصر في البلاد الإسلامية فضلاً عن غيرها.

قبول شهادة الذمّي خاصّة في الوصيّة

إذا كان الإسلام شرطاً فلازمه عدم قبول شهادة غير المسلم كالذميّ و الحربي وهو كذلك لكن استُثني في الذكر الحكيم مورد خاص و هو الوصية إذا لم يوجد هناك عدول و يدل عليه من الكتاب قوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ حينَ الوَصيّة اثنان ذَوا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَران ِمِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَأَصابَتْكُمْ مُصيبَةُ المَوت تَحْبِسُُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَلاةِ فَيُقْسِمانِ باللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَري بِهِ ثَمَناً وَلَو كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادة اللّه إِنّا إِذاً لَمِنَ الآثِمين » (المائدة/106).

والمراد من حضور الموت هو حضور أسبابه من مرض أو غيره و عندئذ فله


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 39 من أبواب الشهادات، الحديث1، 2، 3 وغيرها.


(218)

أن يوصي و يستشهد على الوصية اثنين مسلمين عدلين كما هو مفاد قوله:«ذوا عدل منكم»أو ذميّين عدلين أيضاً كما يدل عليه قوله :«أو آخران من غيركم» و يدل ظاهر الآية على أنّ نفوذ شهادة الذمي في الوصية مشروط بشرطين:

1ـ عدم وجود مسلم كما هو ظاهر قوله: «أو آخران من غيركم» و ذلك لأنّ ظاهر «أو»في الآية للتفصيل، لا للتخيير.

2ـ كون التحمّل في أرض الغربة ويعرب عنه قوله: «إن أنتم ضربتم في الأرض» و يدل على الأوّل من السنّة صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته هل تجوز شهادة أهل ملّة من غير أهل ملّتهم؟ قال: «نعم إذا لم يُوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم، إنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد».(1)

إنّما الكلام في لزوم الأخذ بالقيد(لم يوجد) لاحتمال ورود القيد مورد الغالب إذ قلّما يتفق لمسلم، أن لا يوجد عنده مسلمان يُشهدهما على الوصية إلاّ في أرض الغربة، و يؤيّد ذلك عمومية التعليل للغربة و غيره أعني: قوله في غير واحد من الروايات: «و أنّه لا يصلح ذهاب حقّ أمرئ مسلم»(2) أو «لا يصلح ذهاب حق أحد» و على ذلك فلو حضرت أسباب الموت، ولم يجد مسلماً في وطنه، فله أن يُشهد الذميين على الوصية.

ثمّ إذا دار الأمر بين إشهاد الذمي على الوصية أو إشهاد الفاسق من المسلمين فهل الذمي يقدّم على الثاني، أو يقدّم الثاني على الأوّل أو يفصّل؟ فنقول:

إذا أدركه الموت و لديه ذميّان عادلان، و مسلمان فاسقان بعيدان عن الكذب و الخيانة فالذميّان العادلان حسب مذهبهما، مقدّمان عليهما لأنّ الآية محمولة على عدم وجود مقبول الشهادة من المسلمين لا على عدم وجودهم. اللّهمّ


1 . الوسائل: الجزء 13 ، الباب 20 من أبواب الوصايا، الحديث 3و4 ولاحظ التعليل أيضاً في الحديث 1، 3، 5.
2 . الوسائل: الجزء 13 ، الباب 20 من أبواب الوصايا، الحديث 3و4 ولاحظ التعليل أيضاً في الحديث 1، 3، 5.


(219)

إلاّ أن تفسر العدالة في الذميين بعدم الكذب والخيانة فيقدّم المسلمان لاشتراكهما في العدالة المعتبرة، مع مزية الإسلام.

ومنه يظهر حالهما مع مسلمين مجهولين فيقدّمان، إلاّ أن يقال بأنّ الأصل في المسلم العدالة إلاّ أن يظهر خلافها فيقدّم المسلمان المجهولان.

وأمّا إذا دار الأمر بين الذميين العادلين ، و المسلمين الفاسقين بالكذب و الخيانة فلا شكّ في تقدّم الذمي على المسلم.

إكمال

ذكر المحقق بأنّ الإيمان يثبت بمعرفة الحاكم أو قيام البيّنة أو الإقرار، وذكر في المسالك أنّ مرجع الثلاثة إلى الإقرار لأنّ الإيمان أمر قلبي لا تمكن معرفته من معتقده إلاّ بالإقرار.

والظاهر أنّ طريق المعرفة غير منحصر بالثلاثة، والإيمان كسائر الصفات النفسانية من الشجاعة والجبن والعفة تُعْرف بآثارها في حياة الإنسان وعلى ذلك فلا ينحصر الطريق بالثلاثة، كما لا يكون مرجع الكلّ إلى الإقرار.

في شهادة الذمي على الذمي

لا إشكال في نفوذ شهادة المسلم على الذمي و الحربّي، وعدم نفوذ شهادتهما على المسلم وقد روى أبو عبيدة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «تجوز شهادة المسلمين على جميع أهل الملل ولا تجوز شهادة أهل الذمّة (الملل) على المسلمين».(1)

إنّما الكلام في نفوذ شهادة الذمي على أهل ملّته أو غير أهل ملّته أو على الحربي فقد نقل الشيخ أقوالاً ثلاثة قال:


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 38 من أبواب الشهادات، الحديث1.


(220)

1ـ قال قوم لا يجوز قبول شهادة أهل الذمّة بعضهم على بعض سواء اتّفقت ملّتهم أو اختلفت مثل شهادة اليهود على اليهود، أوعلى النصارى، أوكذلك النصارى و به قال مالك و الشافعي و الأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد.

2ـ وقال آخرون: تقبل شهادة بعضهم على بعض سواء اتّفقت ملّتهم أو اختلفت ذهب إليه قضاة البصرة: الحسن، وسوار، وعثمان البتّي و به قال في الفقهاء حماد بن أبي سلمان و الثوري و أبي حنيفة وأصحابه.

3ـ و ذهب الشعبي و الزهري و قتادة إلى أنّه إن كانت الملّة واحدة كاليهود على اليهود قبلت، و إن اختلفت ملّتهم لم تقبل كاليهود على النصارى وهذا هو الذي ذهب إليه أصحابنا و رووه.

دليلنا قوله تعالى:«إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوماً بِجَهالَة» (الحجرات/6) فأمر اللّه بالتثبت و التبيّن، في نبأ الفاسق، والكافر فاسق. وروى ابن غنم قال سألت معاذ بن جبل عن شهادة اليهود على النصارى فقال: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «لا تقبل شهادة أهل دين على غير أهل دينهم إلاّ المسلمين فانّهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم» و هذا الذي اخترناه، و الوجه فيه إذا اختاروا الترافع إلينا، فأمّا إن لم يختاروا فلا يلزمهم ذلك.(1)

وقال في النهاية: وتجوز شهادة بعضهم على بعض و لهم ، و كل أهل ملّة على أهل ملّته خاصة و لهم و لا تُقبل شهادة أهل ملّة منهم لغير أهل ملّتهم ولاعليهم.(2)

وقال في المبسوط: فأمّا قبول شهادة بعضهم على بعض فقال قوم لاتقبل بحال، لا على مسلم و لا على مشرك، اتّفقت ملّتهم أو اختلفت و فيه خلاف و يقوى في نفسي أنّه لاتقبل بحال لأنّهم كفّار فساق و من شرط الشاهد أن يكون


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات، المسألة 22.
2 . الطوسي، النهاية:334 باب شهادة من خالف الإسلام.


(221)

عدلاً.(1)

وقال ابن البرّاج: لا تجوز شهادة أهل الملل المختلفة بعضها على بعض بل تقبل شهادة أهل الملّة الواحدة بعضهم على بعض إلاّ المسلمين فإنّ شهادتهم مقبولة على الجميع.(2)

وبذلك تبيّن أنّ للشيخ قولين قول بالتفصيل في الخلاف ، و قول بالنفي مطلقاً في المبسوط و قد تبع ادريس قول الشيخ في المبسوط حيث قال بعد نقل كلامه و هذا هو الذي يقوى أيضاً في نفسي.(3)

فإذاً الأقوال لا تتجاوز عن ثلاثة .

احتج النافي مطلقاً بانتفاء بعض الشرائط العامة في الشهادة كالإسلام و الإيمان والعدالة.

يلاحظ عليه: أنّ منصرف هذه الشروط، هو غير هذا المورد بل يمكن أن يقال إنّ المراد من العدل في الشاهد الكافر، هو كونه صادقاً في القول، أميناً في العمل. لا صاحب الملكة الرادعة عن المعاصي الواردة في مذهبه.

احتج المثبت مطلقاً بصحيح عبيد اللّه بن علي الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : هل تجوز شهادة أهل الذمة على غير أهل ملّتهم ؟ قال: «نعم إن لم يوجد من أهل ملّتهم، جازت شهادة غيرهم، أنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد».(4)

ففيه إطلاقان: 1ـ من جهة عدم اختصاصه بمورد الوصية عند الموت. 2ـمن جهة أنّ قوله: «على غير أهل ملّتهم» يعمّ المسلم والكافر غيرالمماثل خرج المسلم بالدليل و بقي الباقي.


1 . الطوسي، المبسوط:8/ 187 ، باب فيما يجب على المؤمن من القيام بالشهادة.
2 . ابن البراج، المهذّب:2/557.
3 . ابن إدريس، السرائر: 2/140.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 40 من أبواب الشهادات، الحديث1.


(222)

يلاحظ عليه: أنّ قوله: «نعم إن لم يوجد من أهل ملّتهم» يعرب عن كون مورده الإيصاء عند الموت في الغربة إذ من البعيد أن لا يوجد المماثل في غير هذه الحالة.

وأمّا الإطلاق الثاني، فهو أمر بدويّ يزول إذا قورن مع خبر ضريس الكناس، حيث إنّ ذيله، يعرب عن كون المقصود منه (على غير أهل ملّتهم) هو المسلم.

روى ضريس الكناسي قال سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن شهادة أهل الملل هل تجوز على رجل مسلم من غير أهل ملّتهم ؟ فقال : «لا إلاّ أن لا يوجد في تلك الحال غيرهم، وإن لم يوجد غيرهم، جازت شهادتهم في الوصية لأنّه لا يصلح ذهاب حق امرئ مسلم و لا تبطل وصيّته».(1)

فإنّ الروايتين متقاربتا المضمون والعبارة وذيل الثانية (حق امرئ مسلم) يكشف عن كون المقصود من غير «أهل الملّة» هو المسلم، واختصاص الجواز بالوصية.

والروايتان ناظرتان لتفسير الآية المباركة المتقدمة و لا تتضمنان شيئاً جديداً فظهر عدم الدليل على هذا القول.

و أمّا القول بالتفصيل فهذا هو الذي اختاره الشيخ في الخلاف والنهاية و ابن البراج في المهذّب، خلافاً للشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر و المحقّق في الشرائع .

احتجّ المفصِّل بموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شهادة أهل الذمة. فقال: «لا تجوز إلاّ على أهل ملّتهم، فإن لم يوجد غيرهم جازت شهادتهم على الوصية لأنّه لا يصلح ذهاب حقّ أحد».(2) و المناقشة في السند لأجل وقوع


1 . الوسائل: الجزء13، الباب 20 من كتاب الوصايا، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 20 من أبواب كتاب الوصية، الحديث 5.


(223)

العبيدي فيه غير وجيه، لكونه ثقة و كفى في وثاقته توثيق النجاشي له و قد ردّ على ابن الوليد استثناؤه إيّاه من أسناد نوادر الحكمة، والمهم هو تمامية دلالته.

فلوأخذنا بإطلاق الذيل ، يكون مفاده حجّية شهادة المماثل مطلقاً في حقّ المماثل، وأمّا غير المماثل فإنّما يكون حجّة فيما لم يكن هناك المماثل و كانَ موردها هو الوصية والظاهر تمامية الإطلاق خصوصاً على ما روى في كتاب الوصية من قوله : عن شهادة أهل الذمة، مكان أهل الملّة في كتاب الشهادات.(1)

فتكون النتيجة هو قول رابع و هو الحجّية في المماثل مطلقاً، وعدمها في غيره إلاّ في مورد الإيصاء للضرورة.

الخامس: العدالة

المشهور، اشتراط العدالة في الشاهد قال الشيخ : لا يجوز للحاكم أن يقبل إلاّ شهادة العدول فأمّا من ليس بعدل فلا تقبل شهادتُه لقوله تعالى: «وأشْهِدوا ذَوي عَدْل منكم» (الطلاق/2).

وقال سبحانه: «يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحدَكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثنانِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ» (المائدة/106).

وقد ورد اعتباره في غير الشاهد مثل قوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصيدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ هَدياً بالِغَ الكَعْبَة»(المائدة/95) و «النعم» في اللغة هي الإبل و البقر والغنم قوله: «فجزاء» مبتدأ، خبره قوله «مثل ما قتل» وقوله : «من النعم» بيان للكفّارة فيجب أن يُهدى إلى الكعبة، مماثل الصيد في الخلقة، ففي النعمامة بدنة، و في حمار الوحش و شبهه، بقرة، و في الظبي والإرنب، الغنم.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 40 من أبواب الشهادات، الحديث 4.


(224)

فاشترطت العدالة في الحاكم بذلك.

وما ذكر من الآيات و إن كان لا يثبت شرطية العدالة في الشاهد مطلقاً و لكن إذا ضمّت إليها الروايات ثبت شرطيتها بوضوح.

1ـ ففي صحيح عبد اللّه بن يعفور قال قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم.(1) الظاهر في مفروغية شرطية العدالة و إنّما طلب أن يتعرّف على طريقها.

2ـ روى الصدوق باسناده عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في حديث أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه».(2)

3ـ روى الكليني عن عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال، قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لا بأس بشهادة مملوك إذا كان عدلاً».(3) إلى غير ذلك ممّا مرّ في الترجيح بين البيّنتين.(4)

و ما ربّما يستفاد من بعض الروايات كفاية عدم معروفية الفسق(5) فمطروح إنّما المهمّ هو تحديد معنى العدالة على وجه يناسب المقام.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 7.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5و12.
5 . لاحظ: الباب 41 من أبواب الشهادات، صحيح حريز، برقم 18، والباب 54 رواية العلاء بن سيابة برقم3.


(225)

بحث في العدالة

البحث عن العدالة له، أطراف ثلاثة:

1ـ بيان ما هوالعدالة لغةً وا صطلاحاً؟

2ـ ما هوالطريق إلى إثباتها؟

3ـ ما هو المراد من الكبائر و الصغائر التي بها تزول العدالة؟

والتفصيل في المحاور الثلاثة موكول إلى كتاب الصلاة في مسألة شرطية العدالة في إمام الجماعة و المقصود في المقام الإشارة العابرة إلى هذه الجهات.

الجهة الأُولى: في بيان مفهومها

العدالة في اللغة بمعنى القصد والاقتصاد، خلاف التطرّف و الجور، قال في اللسان: العدل ما قام في النفوس أنّه مستقيم و هو ضدّ الجور، والعدل هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم. وقال الطريحي: العدل: التسوية بين الشيئين لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من اعتدل يوماه فهو مغبون.

والمراد منها عند الفقهاء مفهوم خاص، نقل إليه في لسان الشرع أو استعمل فيه مجازاً فصار حقيقة متشرّعيّة، وفي الوقت نفسه لا يفقد المناسبة للمعنى اللغوي.

وقد عرّفت بتعاريف نذكر بعضها:


(226)

1ـ العدالة : هي الملكة الرادعة عن معصية اللّه. أو أنّها كيفية نفسانية باعثة على ملازمة التقوى أو عليها مع المروءة و هي الاجتناب عن فعل ما ينبئ عن دناءة الطبع، و سفاهة الرأي.

2ـ العدالة: الاستقامة الفعلية عن ملكة رادعة.

و الفرق بين التعريفين واضح، فإنّ العدالة على التعريف الأوّل صفة نفسانية قائمة بالنفس، و على التعريف الثاني الملكة رصيد لها، و ليست نفسها بل و اقع العدالة كون الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية مستقيماً على الجادّة الوسطى، غير مائل إلى اليمين و الشمال وإن كانت استقامته تعتمد على الملكة على نحو يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً و سيوافيك في آخر البحث أنّه أقرب من سائر التعاريف.

3ـ عبارة عن مجرّد ترك المعاصي أو خصوص الكبائر، أو عدم الإخلال بالواجب وعدم ركوب القبائح. وهذا التعريف يعتمد على نفس القيام بالوظائف.

الظاهر من الروايات أنّها من الصفات النفسانية أو نابعة عنها كما على التعريف الثاني و ليست مجرّد تطبيق العمل على الشريعة و يدلّ عليه لفيف من الروايات.

منها: ما في صحيح ابن أبي يعفور: «أن تعرفوه بالستر و العفاف، و كفّ البطن والفرج واليد واللسان و يُعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار من شرب الخمر، و الزنا، و الربا، و عقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك».(1) والدلالة بوجهين:

1ـ إنّ الستر والعفاف من الصفات النفسانية ، و قد أخذا في مفهومها.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث1.


(227)

2ـ إن ترك جميع ما جاء في الصحيح لا يحصل بدون الملكة الرادعة إذ لولاها لما استقام أمره في طول الحياة.

ومنها: ما رواه عبد اللّه بن المغيرة و فيه: كلّ من ولد على الفطرة (الإسلام) و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته.(1)

ومنها: ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً.(2)

ومنها: ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أخيه عبد الكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات، معروفات بالستر والعفاف، مطيعات للأزواج ، تاركات للبذاء و التبرّج إلى الرجال في أنديتهم».(3)

والإمعان في هذه الروايات يوجب الإذعان بأنّها ليس مجرّد القيام بالوظائف الشرعيّة ، بل عبارة عن كون الإنسان بالغاً في الكمال الديني مرتبة يسهل معها، الإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات، غير أنّ لها مراتب كسائر الصفات النفسانية، فالعدالة المتواجدة في المحقق الأردبيلي غير المتواجدة في السوقي العامي.

الجهة الثانية: ما هو الطريق إلى التعرّف عليها؟

إذا كانت العدالة هي الحالة الخاصّة النفسانية الّتي لا ينحرف معها صاحبها و يكون مستقيماً، معتدلاً في أُموره، فما هو الطريق إلى التعرّف عليها؟

أقول: إنّها كالبخل والجود والحسد، والعلم، والجهل تُعرف بآثارها وقد اشتملت الصحيحة الأُولى على ما يستدلّ به على وجودها في الإنسان حيث قال:


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 5، 10.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 5، 10.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث20.


(228)

«والدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه ـ إلى أن قال ـ و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ ، وحفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ عن علّة فإذا كان كذلك، لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلاّه فإنّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين».(1)

ويظهر من ذيل الحديث أنّ التركيز على الحضور في صلاة الجماعة ، لأجل أنّه يعرف به المصلي عن المضيّع لها حيث قال: «إنّما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلِّى، ممن لا يصلّي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيّع و لولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بالصلاح» وإلاّ فلو علمت حاله من طريق آخر فلا إشكال.

وبذلك يعلم أنّ حسن الظاهر طريق إلى الملكة و الحالة النفسانية و ليس نفس العدالة .

قال السيّد الطباطبائي في العروة الوثقى : العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرّمات وتعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظناً.

والأولى أن يعرف بالاستقامة في جادّة الشرع وعدم الانحراف عنها يميناً و شمالاً و هو أقرب بالمعنى اللغوي كما عرفت من اللسان، و الملكة النفسانية هي السبب لحصول الاستقامة فلا غنى عن وجودها.

الجهة الثالثة: ماهو المراد من الكبائر والإصرار على الصغائر؟

قال المحقّق: ولا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر كالقتل والزنا و اللواط و


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 41من أبواب الشهادات، الحديث1.


(229)

غصب الأموال المعصومة و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار.

تحقيق المقام يستلزم البحث في موردين:

الأوّل: ما هو المراد من الكبائر والصغائر؟

الثاني: ما هو المراد من الإصرار على الصغائر؟ و يليه البحث عن ترك المندوبات أساساً و المروّة المعتبرة فيها.

وإليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر على وجه موجز.

الأوّل: في تقسيم المعاصي إلى الكبائر والصغائر و تفسيرهما

لا ريب في انقسام المعاصي إلى الكبائر والصغائر و قد ورد النصّ به في الذكر الحكيم في غير واحد من الآيات:

1ـ قال سبحانه:«إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَريماً» (النساء/31) والمراد من السيئة في الآية هو المعصية الصغيرة بقرينة التقابل نعم اللفظة ليست بمعنى خصوص الصغيرة بل اريدت منها بقرينة التقابل وإلاّ فلها استعمالات مختلفة لكن بجامع واحد:

أ: المصيبة و ما تستكره النفس نحو قوله سبحانه:«وما أصابَك مِنْ سَيّئة فَمِنْ نَفْسِك»(النساء/79) . بقرينة ما قبله أعني قوله: «ما أصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّهِ» .

ب: نتائج المعاصي وآثارها نحو قوله سبحانه:«فأصابَهُم سيّئاتُ ما عَمِلُُوا» (النحل/34).

ج: مطلق المعصية نحو قوله: «وَجَزاؤُا سيّئة سَيِّئَةٌ مثلها» (الشورى/40).

وليست الآية بصدد الإغراء إلى ركوب الصغائر بزعم أنّها لا يعتدُّ بها و


(230)

يتهاون في أمرها، و ذلك لأنّ ركوب أيّةِ معصية بتلك النيّة طغيان على اللّه واستهانة بأمره، بل الآية تعرب عن لطفه و امتنانه على عباده، بأنّ اجتناب بعض المعاصي يُكفِّر عن البعض الآخر، حتّى يهتمّوا باجتنابه، ليغفر البعض الآخر، على فرض ارتكابه، وأين هذا من فسح المجال لارتكاب الصغائر و لو تمّ التوهم، لتمّ في التوبة أيضاً قال سبحانه: «قُلْ يا عبادِيَ الّذِينَ أسْرَفُوا على أنفُسِهم لا تَقْنَطُوا مِنْ رحمةِ اللّهِ إنّ اللّهَ يغفرُ الذُّنوبَ جَمِيعاً إنّهُ هو الغفورُ الرَّحيم» (الزمر/53).

والآية تدل بوضوح على أنّ المخاطبين إمّا كانوا عالمين قبل نزولها و مميّزين كبار المعاصي عن صغائرها أو أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عرّفها لهم بعد نزولها لغاية السعي في ترك الكبائر المكفِّرة عن الصغائر.

وبذلك يعلم أيضاً بطلان ما نقل عن المعتزلة من أنّ في تعريف الصغائر إغراءً بالمعصية، لأنّه إذا علم المكلّف بأنّه لا ضرر في فعلها ، ودعته الشهوة إليها، فعلها. (1) وذلك لأنّ مفاد الآية بصيصُ رجاء لمن لا يرتدع عن المعاصي لغاية إيقافه عن ارتكاب الكبائر ليغفر صغائره و ليست الآية بصدد الدعوة إلى ارتكاب صغائر الذنوب كما أنّ التوبة والشفاعة ليستا داعيتين إلى اقتراف المعاصي.

2ـ قال سبحانه: «وَوُضِعَ الكتابُ فَتَرى المُجرِمينَ مُشفِقينَ مِمّا فيهِ و يقُولُونَ يا ويلَتَنا ما لِهذا الكتابِ لا يُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها» (الكهف/49) والإشفاق و الخوف ممّا في الكتاب، دليل على أنّ المراد مما فيه، هو صغائر الذنوب و كبائرها .

3ـ قال سبحانه: «والّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كبائرَ الإثْمِ و الفَواحِشَ و إذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون»(الشورى/37) و الفواحش هي أقبح القبيح، فيكون مساوياً «لكبائر الإثم» وعلى ذلك تكون الفاحشة على قسم واحد، وأمّا الإثم فهو ينقسم


1 . الطبرسي، مجمع البيان:2/38 في تفسير الآية.


(231)

إلى كبير و صغير. و كبائر الإثم : المعاصي الكبيرة التي لها آثار سوء عظيمة و قد عدّ تعالى منها شرب الخمر و الميسر ، قال تعالى: «قُلْ فِيهِما إثمٌ كَبير»(البقرة/219) كما عدّ الزنا و اللواط من الفواحش قال تعالى: «ولا تَقْرَبُوا الزنا إنّه كانَ فاحِشَةً»(الاسرا ء/32) وقال حاكياً عن لوط:«أتأتُونَ الفاحشةَ و أنتُم تُبْصِرون» (النمل/54). (1)

4ـ قال تبارك و تعالى: «الّذِينَ يَجتنِبون كبائرَ الإثْمِ والفواحِشَ إلاّ اللّمَمَ إنّ رَبَّكَ واسعُ المغفِرَة » (النجم/32) و ربّما يفرق بين الكبيرة و الفاحشة التي هي بمعنى أقبح الذنوب و أفحشها، بأنّ كلّ ذنب ختم بالنار فهو كبيرة، و الفاحشة كلّ ذنب فيه حدّ. وأمّا الّلمم ففيه أقوال:

1ـ صغار الذنوب كالنظر والقبلة و ما كان دون الزنا.

2ـ ما كان في الجاهلية من الإثم فهو معفو عنه.

3ـ أن يذنب مرّة ثمّ يتوب ولا يعود، فكلّ معصية إذا ألمّ بها الإنسان و لم يعد فهو اللّمم(2) و الأوّلان بعيدان لاستلزامهما كون الاستثناء منقطعاً و الثالث محتمل و هناك احتمال رابع و هو المعصية حيناً بعد حين من غير عادة أي المعصية على سبيل الاتّفاق فيكون أعمّ من الكبيرة و الصغيرة و ينطبق مضمون الآية على معنى قوله تعالى في وصف المتقين: «و الّذِينَ إذا فَعلُوا فاحِشةً أو ظَلَمُوا أنفُسَهُم ذكروا اللّهَ فَاستغفَرُوا لِذُنُوبِهِم و مَن يغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللّهُ و لم يُصرّوا على ما فَعَلُوا و هم يعْلَمون» (آل عمران/135) و قوله: «إنَّ الّذينَ اتّقَوا إذا مَسَّهُم طائفٌ مِنَ الشيطانِ تذكّرُوا فإذا هُم مُبْصِرُون» (الاعراف/201).

ثمّ إنّ العلماء اختلفوا في تفسير الكبائر إلى أقوال ذكرها الغزالي في الإحياء(3)


1 . الطبرسي، مجمع البيان: 5/33، الطباطبائي، الميزان: 18/64.
2 . الطبرسي، مجمع البيان: 5/317، الطباطبائي، الميزان: 19/45.
3 . الغزالي، إحياء العلوم: 40، كتاب التوبة:17.


(232)

و الطبرسي في المجمع (1) والرازي في مفاتيح الغيب (2) و إليك الإشارة إلى قسم من الأقوال:

آراء العلماء في تفسير الكبيرة والصغيرة

اختلفت آراءهم في تفسير الكبيرة، كالتالي:

1ـ كلّ ما أوعد اللّه عليه في الآخرة عقاباً و أوجب عليه في الدنيا حدّاً فهو كبيرة و هو المروي عن سعيد بن جبير، و مجاهد.

يلاحظ عليه : أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة بالاتّفاق لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار رواه الفريقان(3) مع أنّه سبحانه لم يوعد عليه عقاباً ولا أوجب عليه حدّاً في الدنيا.

2ـ إنّ الكبيرة كلّ ما أوعد اللّه عليه بالنار في الكتاب والسنّة.

يلاحظ عليه: بمثل ما لو لوحظ على الأوّل فإنّ الإصرار على الصغيرة معصية كبيرة و لم يوعد عليه بالنار فيهما.

3ـ إنّ الكبيرة كلّ ما يُشْعِرُ بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به. و يقرب منه ما يقال: إنّ الكبر والصغر اعتباران يعرضان لكلّ معصية، فالمعصية التي يقترفها الإنسان استهانة بأمر الربوبية أو استهزاءً، أو لعدم المبالاة كبيرة و هي بعينها لو افترضت من جهة استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة كانت صغيرة مغفورة بشرط اجتناب الكبائر.

يلاحظ عليه: أنّ هناك معاصي كبيرة و إن لم يقترفها الإنسان بأحد هذه العناوين كأكل مال اليتيم و الزنا مع الإحصان و قتل النفس المحترمة.


1 . الطبرسي، مجمع البيان: 2/38.
2 . الرازي، مفاتيح الغيب:10/74ـ78.
3 . الوسائل: الجزء 11، الباب 45 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.


(233)

4ـ كلّ ما نهى اللّه عنه فهو كبيرة نسبه الطبرسي إلى ابن عباس و قال: وإلى هذا ذهب أصحابنا فانّهم قالوا: المعاصي كلّها كبيرة من حيث كانت قبائح لكن بعضها أكبر من بعض و ليس في الذنوب صغير و إنّما يكون صغيراً بالإضافة إلى ما هو أكبر منه و يستحق العقاب عليه أكثر و هذا كالزنا بلا إحصان، فإنّه أصغر بالنسبة إلى الزنا معه.

يلاحظ عليه: بأنّه على خلاف ظاهر الآية الأُولى لأنّ ظاهرها أنّ السيئات بالذات على قسمين، قسم يُكفِّر اجتنابها ، و قسم يُكفَّر لو أتى بها، فلو كان الجميع كبائر، لم يكن وجه لتكفير بعض، البعضَ الآخر وإن شئت قلت: إنّ ظاهر الآية أنّ التقسيم وصف للمعاصي بحسب ذاتها ، لا بحسب قياسها إلى معاص أُخر .

5ـ إنّ الكبائر ما اشتملت عليه آيات سورة النساء من أوّل السورة إلى تمام ثلاثين آية و معنى الآية إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح و أكل الأموال و قطيعة الرحم بالباطل و غيره من المحرّمات من أوّل السورة إلى هذا الموضع.

يلاحظ عليه : أنّه مناف لإطلاق الآية.

6ـ إنّ الصغيرة ما نقص عقابه عن ثواب صاحبه فلو غلب ثوابه على العقاب الناشي من اقتراف المعصية ، تكون صغيرة و إلاّ فهي كبيرة.

يلاحظ عليه :أنّ المتبادر من ظاهر الآية أنّ انقسام المعاصي إلى القسمين، تقسيم ذاتي لها لا تقسيم قياسيّ، وعلى ضوء ذلك تبطل تلك النظرية و ما تقدم برقم 3و4، فإنّ وصف المعاصي بالكبر والصغر باعتبار القصد، أو بنسبة بعضها إلى البعض الآخر، ينافي كون القسيم ذاتياً لا قياسياً وعلى ضوء هذا لا محيص عن تفسير الكبيرة والصغيرة على وجه يتحفظ معه ظاهرها.

و يمكن أن يقال: إنّ الطريق إلى معرفة الكبيرة والصغيرة، متعددة فكما


(234)

يعرف من إيعاد النار عليه في الكتاب و السنّة يعرف من تشديد النهي، أو ورود النهي بعد النهي عليه عن وجه يعرب عن عناية الشارع بتركها و إن كانت العناية بوجه متعلقة بترك الجميع.

ولا ينافي ما ذكرنا ما جاء في غير واحد عنهم ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ من أنّ الكبائر عبارة عمّا أوجب اللّه عليها النار(1) أو ما أوعد اللّه عليه النار(2) إذ لا يظهر من الروايات أنّها بصدد الحصر.

وقد عقد الحرّ العاملي باباً أسماه باب تعيين الكبائر، جاء فيه بيان الكبائر من المعاصي (3)فعليك بالمراجعة إليه للتعرف عليها وقد اختلفت الروايات في تعيينها ، ويحصل رفع الاختلاف بالقول باشتراك الجميع في كونها كبيرة و لكن لها درجات متفاوتة.

الثاني: ما هو المراد من الإصرار؟

اتّفقت كلمتهم على أنّ الإصرار على الصغائر يزيل العدالة و إنّما الاختلاف في مفهوم الإصرار فقيل فيه وجوه:

1ـ الإكثار منها بلا توبة.

2ـ الإكثار منها بلا توبة أو بالعزم على فعلها بعد الفراغ منها.

3ـ أوفعل الصغائر في الأغلب و إن أظهر الاستغفار عنها كلمّا فعلها ، فإنّه بحكم الإصرار المستمر لأنّ التوالي ـ و إن كان بعد كلّ فعل استغفار ـ يدل على قلّة المبالاة وعدم الإخلاص في التوبة.

و الأخير هو ما ذكره المحقّق و إليك ما يمكن الاستدلال عليه:

قد وصف سبحانه المتقين بعدم الإصرار على المعاصي وقال:


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1، 2، 4، 15.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1، 2، 4، 15.
3 . الوسائل: الجزء 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث 3.


(235)

«أُعِدّتْ لِلْمُتَّقينَ* اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَ الضَّرّاءِ وَ الْكاظِمينَ الْغَيْظَ وَ الْعافينَ عَنِ النّاسِ وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ*وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ » (آل عمران/133ـ135) والموصول في قوله:«ما فعلوا» يعمّ الصغيرة والكبيرة، و الصغيرة و إن لم تكن من أفراد الفاحشة لكنّها من أفراد الظلم على النفس الوارد في نفس الآية، فتدلّ على أنّ الإصرار يخالف التقوى و بالتالي يخالف العدالة.

1ـ روى الصدوق بسند صحيح عن ابن أبي عمير قال سمعت موسى بن جعفر عليمها السَّلام أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «لا كبير مع الاستغفار، ولا صغير مع الإصرار».(1)

2ـ روى الصدوق باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد في حديث شرائع الدين: «والكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه... والإصرار على صغائر الذنوب».(2)

3ـ روى الكليني بسند صحيح عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لا واللّه لا يقبل اللّه شيئاً من طاعته على الإصرار على شيء من معاصيه».(3)

4ـ في موثقة السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من علامات الشقاء جمود العين... والإصرار على الذنب».(4)

وإطلاق الروايتين، شامل للإصرار على الصغيرة، و وجه التقييد واضح لأنّه يورث في النفس هيئة لاينفع معها ذكر مقام الربّ تعالى. وهي الاستهانة بأمر اللّه وعدم المبالاة ، بهتك حرماته والاستكبار عليه ولاتبقى معه عبودية ولاينفع معه ذكر.(5)


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 47 من أبواب جهاد النفس، الحديث 11.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 36.
3 . الوسائل: الجزء 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث1، 2 ولاحظ الحديث 3.
4 . الوسائل: الجزء 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث1، 2 ولاحظ الحديث 3.
5 . العلاّمة الطباطبائي الميزان:4/19،ط طهران.


(236)

وأمّا الإصرار فقد فسّّره الجزري في النهاية بقوله:

«أصرّ على الشيء إصراراً: إذا لزمه ، و داومه و ثبت عليه. و أكثر ما يستعمل في الشرّ والذنوب».(1)

وهناك صور لارتكاب الصغيرة بعضها داخل في الإصرار قطعاً، و البعض الآخر مشكوك الدخول و إليك بيانها:

1ـ إذا ثبت على المعصية الصغيرة بالتكرار والدوام مع عدم تخلل التوبة بينها.

2ـ إذا ثبت عليها بالتكرار والدوام مع تخلل التوبة بينها.

3ـ إذا ارتكبها مرّة واحدة و كان عازماً على فعلها في المستقبل.

4ـ إذا ارتكبها مرّة واحدة و لم يُحدِّث نفسُه بالتوبة.

5ـ إذا ارتكبها مرّة واحدة مع العزم على التوبة و إن لم يَتب.

لا شكّ في كون الأُولى من مصاديق الإصرار موضوعاً، كما أنّ الثانية والثالثة ملحقتان بها حكماً لا موضوعاً لدلالتهما على قلّة المبالاة ووعدم الإخلاص في التوبة.

وأمّا الرابعة، فالظاهر خروجه عن الإصرار موضوعاً وحكماً، لكونه مكفَّراً باجتناب الكبائر. و يظهر من رواية جابر دخوله في الإصرار حيث روى عن أبي جعفر: «أنّ الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّه تعالى ولا تحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار».(2)

يلاحظ عليه : أنّ الرواية مع ضعفها سنداً لوقوع عمرو بن شمر في سندها، أنّه لا يصدق على المفروض فيه، الإصرار لغة أوّلاً، و هو مكفَّر بالاجتناب عن


1 . النهاية:3، ماده «صرر».
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 48 من أبواب جهاد النفس، الحديث 4.


(237)

الكبائر، ثانياً، وأولى من هذه الصورة ، الصورة الخامسة.

بقي هنا أُمور:

1ـ يظهر من المحقّق، أنّ مواقعة الصغائر في الأغلب ليس إصراراً و لكنّه ملحق به حكماً قال: «وكذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار أو في الأغلب».

2ـ نقل المحقّق في صورة الندرة قولين وقال: قيل لا يقدح لعدم الانفكاك منها إلاّ فيما يقل فاشتراطه التزام للأشقّ، وقيل يقدح لإمكان التدارك بالاستغفار والأوّل أشبه.

والقول الأوّل لابن إدريس و ردّ تارة بأنّه لا يمكن التوبة في أغلب الأحوال لأنّ من شرائط التوبة العزم على ترك المعاودة، ولا شكّ أنّ الصغائر لا ينفك منها الإنسان فلا يصحّّ منه العزم غالباً، و أُخرى بأن ّ العلم بتوبة المرتكب يحتاج إلى زمان طويل.

والأوّل كما ترى، إذ كيف لا يمكن التوبة في أغلب الأحوال، ثمّ إنّه لا حاجة إلى التعرّف من المرتكب على العزم على الترك أبداً لأنّه مكفَّر بالاجتناب كما لا يخفى.

3ـ هل يقدح ترك المندوبات على نحو الإعراض عن الجميع، في العدالة أو لا؟ ذهب لفيف من الفقهاء كالمحقّق والعلاّمة إلى أنّه غير مضرّ مالم يبلغ حداً يؤذن بالتهاون بالسنن و أضاف في المسالك:ولو اعتاد ترك صنف منها كالجماعة والنوافل ونحو ذلك فكترك الجميع لاشتراكهما في العلّة المقتضية لذلك نعم لو تركها أحياناً لم يضرّ.(1)

أقول: لابدّ من تفسير التهاون فإن أُريد منه التثاقل و التكاسل، فليس بحرام و إن أُريد منه الاستخفاف بالدين والاعتراض عليه، فهو موجب للخروج


1 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/447.


(238)

عن الدين.

4ـ يظهر من غير واحد من الأصحاب أنّ ترك المروءة قادح في العدالة قال الشيخ:العدالة في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال، متساوياً وأمّا في الشريعة فهو من كان عدلاً في دينه عدلاً في مروءته ، وعدلاً في أحكامه، أمّا العدل في الدين أن يكون مسلماً لا يُعرف منه شيء من أسباب الفسق، وفي المروءة أن يكون مجتنباً للأُمور التي تسقط المروءة مثل الأكل في الطرقات ومدّ الرجل بين الناس و لبس الثياب المصبغة وثياب النساء، و العدل في الأحكام أن يكون بالغاً عاقلاً عندنا، و عندهم أن يكون حرّاً فأمّا الصبي فأحكامهم ناقصة فليسوا بعدول».(1)

وعلّله في المسالك بأنّ عدم رعايتها إمّا يكون لخبل و نقصان في العقل أو قلّة مبالاة و حياء، وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا قليل الحياء، فمن لا حياء له يصنع ما شاء كما ورد في الخبر ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ طرح للمروءة أمثلة كثيرة فراجعها.(2)

لا يهمّنا تفسير المرؤة لغة و أنّه هل هي بمعنى الإنسانية أو الرجولية ، أو الكمال فيهما؟بل المهم بيان ما أُريد منها في المقام، فالظاهر من كلامهم هو رعاية العادات الرائجة بين الناس وهي تختلف حسب اختلاف الأزمان والأجيال إذ ربّ عمل كان يعاب به في زمان، ولا يعاب به الآن كالمشي في الأسواق والمجامع مكشوف الرأس، و قد صار اليوم أمراًعادياً جميلاً.

وعلى كلّ تقدير فلو كانت مخالفة العادات حاكية عن خبل و نقص في العقل أو قلّة مبالاة بالسنن والقوانين، وإلاّ فلا تكون قادحة.

5ـ إنّ العادات العرفية، التي يعبّر عنها بالحسن والقبح العرفيين، تتغير


1 . الطوسي، المبسوط:8/217.
2 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/448.


(239)

بتغير الأجيال والأزمان، فكم من قبيح عرفي صار اليوم جميلاً؟ وكم من جميل صار اليوم قبيحاً؟ فالأولى التركيز على أنّ ترك العادات بما هي هي قادح للعدالة أو لا، لا على الأمثلة .

6ـ إنّ العدالة على القول بأنّها ملكة، ليست ملكة بسيطة غير قابلة للتقسيم والتجزئة بل هنا ملكات فربّ إنسان ذو ملكة راسخة بالنسبة إلى معصية كالقتل والسرقة و ليس كذلك بالنسبة إلى الكذب و الغيبة نعم العدالة المعتبرة في الشاهد ، تجب أن تكون معتمدة على الملكة التامة الرادعة من عامّة المعاصي.

مسائل

المسألة الأُولى: في شهادة المخالف في الأُصول والفروع

هل الفسق من حيث العقيدة يوجب ردَّ الشهادة و عدم قبولها، أو يختصّ الردُّ بالفسق من حيث العمل، كالسرقة و شرب الخمر؟ فيه خلاف بين الفقهاء.

قال الشيخ :كلّ من خالف الحقّ قد بيّنا أنّه لا تقبل شهادته سواء كان ممن يُكفَّر أو يفسَّق.(1)

ثمّ إنّه قد بيّن آراء الفقهاء في كتاب الخلاف و إليك نصّه:

لا يجوز قبول شهادة من لا يعتقد إمامة الأئمّة الاثني عشر ولا منهم إلاّ من كان عدلاً يعتقد العدلَ والتوحيد ونفي القبيح عن اللّه تعالى و نفي التشبيه، ومن خالف في شيء من ذلك كان فاسقاً لا تقبل شهادته.

وقال الشافعي: أهل الآراء على ثلاثة أضرب: منهم من نخطِّئه ولا نفسِّقه كالمخالف في الفروع فلا تردّ شهادته إذا كان عدلاً، و منهم من نفسِّقه ولا نكفِّره كالخوارج و الروافض، نفسِّقهم ولا نكفِّرهم، و منهم من نكفِّره وهم القدرية


1 . الطوسي، المبسوط: 8/220 و تبعه ابن إدريس في السرائر، لاحظ: 2/119.


(240)

الذين قالوا بخلق القرآن و نفي الرؤية و إضافة المشيئة إلى نفسه، وقالوا: إنّا نفعل الخير والشرّ معاً، فهؤلاء كفّار، ولا تقبل شهادتهم، وحكمهم حكم الكفّار، وبه قال مالك وشريك و أحمد بن حنبل.

وقال ابن أبي ليلى وأبوحنيفة: لا أردّ شهادة أحد من هؤلاء، و الفسق الذي تردّ به الشهادة ما لم يكن على وجه التديّن كالفسق بالزنا و السرقة: وشرب الخمر، فأمّا من تديّن به و اعتقده مذهباً، و ديناً يدين اللّه به، لم أردَّ شهادته، كأهل الذمّة عنده، فسقوا على سبيل التديّن، وكذلك أهل البغي فسقوا عنده فوجب أن لا ترد شهادتهم .

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم و لأنّه قد دلّت الأدلّة القاطعة على صحّة هذه الأُصول التي أشرنا إليها و ليس هيهنا موضع ذكرها، والمخالف فيها كافر و الكافر لا تقبل شهادته.(1)

قال المحقّق: كلّ مخالف في شيء من أُصول العقائد تردّ شهادته سواء استند في ذلك إلى التقليد أو إلى الاجتهاد، ولا تردّ شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحقّ إذا لم يخالف الإجماع ولا يُفسَّق وإن كان مخطئاً في اجتهاده.

ولعلّ ما ذكره المحقّق هوالرأي السائد بين الإماميّة.

أقول: إنّ المخالفة في الأُصول تارة تستلزم الكفر، كما إذا أنكر ضرورياً من ضروريات الدين خصوصاً إذا كان ملتفتاً إلى أنّه ضروريّ من ضرورياته، ومثله الغلاة و الخوارج والنواصب، فلا شكّ في عدم قبول شهادتهم لفقد الإسلام الذي تعرفت على شرطيته وفهمت شرطيته في كلمات الأصحاب من شرطية الإيمان بالمعنى الأخصّ، و أُخرى لا يكون كذلك كالمجسِّمة و المجبّرة والقائلين بوحدة الوجود بالمعنى الفاسد فوجه عدم القبول لأجل تقصيرهم في طلب الحقّ مع


1 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات، المسألة 50.


(241)

انفتاح باب العلم فيه. إنّما الكلام في سائر الأُصول الكلامية التي ابتكرها الشيخ المفيد و تلاميذه وصار مذهباً للشيعة الإمامية عبْر القرون وتعد اليوم من الضروريات، كعصمة الأنبياء من الصغائر والكبائر قبل البعثة وبعدها وعدم سهو النبيّو ما أشبههما فالظاهر أنّ المخالفة فيها إذا كان عن اجتهاد و تقليد غير قادحة لأنّ أصل العصمة على وجه الإجمال و إن كان من ضروريات الدين، لكن سعتها لما قبل البعثة من الصغائر ليست كذلك فالقائل بعدمها مخطئ، لكن ليس بفاسق حتّى لا تقبل شهادته.

وبالجملة القادح في قبول الشهادة في مورد الأُصول، هو المخالفة مع ضروريات الدين أو المذهب الإمامي، بحيث تعدّ المخالفة تقاعساً في طلب الحقّ، وتقصيراً في الاجتهاد، وأمّا غيرهما، فالمخالف مخطئ لا فاسق.

وأمّا الفروع فقد استثنى المحقّق مخالف الإجماع و كان عليه أن يقسم الفروع إلى أقسام أربعة:

1ـ ما هو من ضروريات الدين، كوجوب الصلاة والزكاة والحجّ.2ـ ما هو من ضروريات المذهب كحلّية المتعة، وبطلان العول والتعصيب، وجواز الوصية للوارث، ومسح الرجلين وغيرهما. 3ـ ما هو من ضروريات الفقه، كحرمة وطء الحائض. 4ـ مسائل فقهية اضطربت الآراء فيها، و ربّما يكون أحد الآراءمشهوراً.

والذي لا يقدح في العدالة هو القسم الأخير، فمن أفتى بشيء يخالف الحكم المشهور مخطئ وليس بفاسق، والإجماع الذي ذكره المحقّق يرجع إلى أحد الأُمور الثلاثة.

المسألة الثانية: في شهادة القاذف

لا شكّ في انّه لا تقبل شهادة القاذف إذا لم يلاعن، أو لم يُقم البيّنة أو لم يقرّ


(242)

المقذوف، ويدل عليه نصّ الكتاب والسنّة المستفيضة قال سبحانه: «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعةِ شُهداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ* إِلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ» (النور/4ـ5) والمراد من المحصنات : العفائف من النساء.

فقد حكم سبحانه في الآية على القاذف بأحكام ثلاثة: 1ـ «فاجلدوهم ثمانين جلدة» ، 2ـ «لا تقبلوا لهم شهادة أبداً» ، 3ـ «وأُولئك هم الفاسقون» .

ثمّ إنّه سبحانه استثنى في الآية الثانية التائبين منهم. فوقع الخلاف في أنّ الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة «أُولئك هم الفاسقون» أو إلى الجميع، وعليه فلو تاب فلا يُجلد، و تقبل شهادته أيضاً و بالنظر إلى مفاد الآية و الروايات الواردة، وقع النزاع في مواضع أربعة:

الأوّل: هل الموضوع لعدم قبول الشهادة هو مجرّد الرمي أو هو مع إجراء الحدّ؟

الثاني: إذا تاب، هل تقبل شهادته أولا، وإن صار عادلاً؟

الثالث:ما هي كيفية توبته فهل يكفي الاستغفار من الذنب أو يجب عليه إكذاب نفسه عند الإمام أو عند المسلمين؟

الرابع: ما هو المراد من قوله سبحانه:«وأصلحوا» بعد قوله «إلاّالّذين تابوا من بعد ذلك»فهل الإصلاح نفس التوبة أو شيء آخر؟ فلنأخذ كلّواحد بالبحث:

أمّا الأوّل: فقال أبو حنيفة: لا تردّ بمجرّد القذف حتّى يُجْلَد فإذا جُلِدَ ردّت شهادته بالجلد لا بالقذف وقال الشافعي: تردّ شهادته بمجرّد القذف.(1) أقول: الظاهر من الآية هو انّ الرمي تمام الموضوع لردّ الشهادة ، ولا يتوقف على إجراء


1 . الطوسي، الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة 11.


(243)

الحدّ حتّى يكون الموضوع هو المحدود بشهادة عطف الجملة الثانية على الأولى بالواو وقال: «فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً» فلو كان الجلد، شرطاًلعدم القبول كان اللازم أن يقول: ـ فلو جُلدوا، لا تقبلوا لهم شهادة أبداً ـ.

والذي يعرب عن ذلك أنّ قوله: «أُولئك هم الفاسقون» بمنزلة التعليل لعدم قبول شهادتهم، ومن المعلوم أنّ الحكم بالفسق غير معلّق على إجراء الحدّ فعدم قبول الشهادة مثله حكم، غير معلّق بشيء.

وأمّا الثاني: ـ أي قبول شهادتهم بعد التوبة ـ فقد عرفت أنّه مبنيّ على رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل الثلاث. و لعلّه الظاهر و إن كانت الأخيرة هي المتيقنة و ذهب أكثر فقهاء أهل السنة إلى عدم القبول .قال الشيخ : القاذف إذا تاب و صلح، قبلت توبته و زال فسقه بلا خلاف و تقبل عندنا شهادته فيما بعدُ، وبه قال عمر بن الخطاب، و روي عنه أنّه جَلَد أبابكرة حين شهد على المغيرة بالزنا ثمّ قال له: تب تُقْبَل شهادتك. وعن ابن عباس أنّه قال: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وبه قال في التابعين عطاء و طاووس.(1)

وأمّا غيرهما فقد صرّح الشيخ بأنّ شريحاًوالحسن البصري و النخعي و الثوري و أبا حنيفة وأصحابه قالوا بأنّه لا تقبل شهادته.(2) ونقل الطبرسي في تفسير الآية : أنّ الزهري و مسروق و عطاء وطاووس وسعيد بن جبير والشعبي والشافعي وأصحابه قالوا بقبول شهادته(3) وعلى أيّ حال النصوص من أئمّة أهل البيت ـ ـ عليهم السَّلام ـ ـ مستفيضة على القبول و يظهر من رواية القاسم بن الحسن، أنّ المشهور لدى السنّة هو عدم القبول (4) وسيوافيك بعض النصوص في البحث الثاني .


1 . الطوسي، الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة 11.
2 . الطوسي، الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة 11.
3 . الطبرسي، مجمع البيان: 4/126، ط صيدا.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 36 من أبواب الشهادت، الحديث 2.


(244)

وأمّا الثالث: أي كيفية التوبة فقد تضافرت السنّة على إكذاب نفسه لكنّهم اختلفوا في أمرين:

الأوّل: هل التوبة نفس إكذاب نفسه، أوهي شيء وراء الإكذاب؟

الثاني: كيف يكذب نفسه، فهل يلزم أن يقول: كذبت فيما قلت أو يكفي أن يقول: القذف باطل ولا أعود إلى ما قلت؟

أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ الإكذاب غير التوبة، فالأوّل أشبه بحقوق الناس لصيانة عرض الناس، والثاني من حقوق اللّه حيث اقترف الحرام و في بعض الروايات إشارة إلى التغاير كخبر (1) «أبي الصباح الكناني» عن القاذف إذا أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟قال: نعم.(2)وفي متن آخر : سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن القاذف بعدما يُقام عليه الحدّما توبته؟قال: «يكذب نفسه» .قلت: أرأيت إن أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال: «نعم» .(3) فانّ عطف التوبة على الإكذاب ، دليل التغاير، وأمّا اكتفاء الإمام في تفسير التوبة بالإكذاب، لأجل معلومية الجزء الآخر أعني: الندامة المبرَزة بالاستغفار. و لأجل ذلك روي عن أحدهما عليمها السَّلام :«يجيئ فيكذب نفسه عند الإمام و يقول: قد افتريت على فلانة و يتوب ممّا قال».(4)

وأمّا الثاني: فالوارد في الروايات هو إكذاب نفسه، غاية الأمر أنّه لو كان صادقاً، يورّي كما عليه المحقّق في الشرائع.

ويظهر من غير واحد تعيّن غيره قال ابن إدريس: و كيفية توبته في القذف أن يقول: القذف باطل و حرام ولا أعود إلى ما قلت.(5) وذلك لأنّه إذا قال:


1 . لضعف الراوي عنه، أعني: محمّد بن الفضيل، وهوغير محمّد بن الفضيل الأزدي، وغير محمّد بن الفضيل بن غزوان.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 36 من أبواب الشهادات، الحديث 6و1و4.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 36 من أبواب الشهادات، الحديث 6و1و4.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 36 من أبواب الشهادات، الحديث 6و1و4.
5 . ابن إدريس، السرائر: 2/116.


(245)

كذبتُ فيما قلت ربّما كان كاذباً في هذا، لجواز أن يكون صادقاً في الباطن، وقدتعذّر عليه تحقيقه.

وتبعه ابن سعيد حيث قال: وإن شهدوا دون الأربعة بالزنا فحُدُّوا، توبتهم أن يقولوا : ندمنا على ما كان ولا نعود إلى ما يتهم فيه فتقبل شهادتهم.(1)

أضف إليه ما في المسالك من أنّه تعريض بقذف جديد غير الأوّل.(2) ونقله الشيخ في الخلاف عن أبي إسحاق المروزي واختاره أيضاً و قال: والّذي قاله المروزي قويّ لأنّه إذا أكذب نفسه بما كان صادقاً في الأوّل فيما بينه و بين اللّه فيكون هذا الإكذاب كذباً و ذلك قبيح (3) .وعلى كلّ تقدير فيجب أن يصل الإكذاب إلى من وصل إليه الرمي، ولعل الإكذاب عند الإمام أو عند المسلمين في بعض الروايات(4) كناية عنه.

يلاحظ عليه بأنّ غاية ما يلزم هو لزوم التعريض و التورية إذا كان كاذباً.

وأمّا الرابع، أعني: كون الإصلاح وراء التوبة و الإكذاب أو لا، فظاهر الآية، انّه غيرهما . قال الشيخ : إذا أكذب نفسه و تاب لا تقبل شهادته حتّى يظهر منه العمل الصالح و هو أحد قولي الشافعي إلاّ أنّه اعتبر ذلك سنة و نحن لم نعتبره لأنّه لا دليل عليه والقول الآخر أنّه يكفي مجرّد الإكذاب.(5) وهو خيرة ابن سعيد قال: ولا يحتاج إلى إصلاح عمل.(6) ولا يصحّّ إلاّ بجعل الجملة تفسيراً للتوبة، ويمكن أن تكون كناية عن الإكذاب، وبما أنّ النصّ ذو وجوه، فمقتضى الأصل العملي استصحاب الحكم السابق حتّى يعلم المزيل.


1 . ابن سعيد، الجامع للشرائع: 541.
2 . زين الدين العاملي، المسالك: 2/449.
3 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات ، المسألة 12.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 37 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
5 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات ، المسألة 13.
6 . ابن سعيد ، الجامع للشرائع: 541.


(246)

المسألة الثالثة: في اللعب بآلات القمار

اللعب بآلات القمار على أقسام ثلاثة:

1ـ أن يلعب بها لغاية القمار والرهان.

2ـ أن يقصد به اللهو والتنزّه.

3ـ أن تكون الغاية الحذق والتفتح.

لا إشكال في حرمة اللعب على الوجه الأوّل و أنّه من الكبائر وقد عرفت أنّ من طرق التعرّف على كون الفعل من الكبائر، لحن الدليل و تشديد النهي، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الخَمْرُ وَ المَيْسِرُ وَ الأَنْصابُ وَ الأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَ البَغْضاءَ فِي الخَمْرِوَ المَيْسِرِوَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (المائدة/90ـ 91) وقد فسّر الميسر في غير واحد من الروايات بالقمار(1)و الآية الأُولى و إن كان تؤكد على نفس الآلة لا على اللعب بها، لكن الآية الثانية تركز على إعمالها حيث إنّ المراد من قوله: «في الخمر والميسر» هو شرب الخمر واستعمال الميسر بقرينة قوله: «ويصدّكم عن ذكر اللّه » و من المعلوم أنّ الصادّ عن ذكر اللّه هو الممارسة بهذه الآلات لانفسها.

أضف إلى ذلك ما ورد من الروايات من عدّ اللعب بها من أقسام الباطل(2) و أنّ صاحب الآلات لا يغفر في شهر رمضان.(3) كلّ ذلك لا يدع شكاً في أنّه من المعاصي الكبيرة و بما ذكرناه، ظهر ضعف ما اختاره الشهيد الثاني في المسالك في


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 12 والباب 100، الحديث 15.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 5و6.
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 5و6.


(247)

كونه من صغائر المعاصي: و ظاهر النهي أنّها من الصغائر فلا يقدح في العدالة إلاّ مع الإصرار عليها.(1)

إنّما الكلام في القسمين: الثاني و الثالث أي اللعب بها لغاية التنزه أو الحذق من دون رهان ولا قمار، فهل هناك إطلاق يعمّ تلك الصورتين أو لا؟ ولنذكر بعض كلمات الفقهاء:

1ـ قال الشيخ في الخلاف : و اللعب بالشطرنج حرام على أيّوجه كان و يُفسّق فاعله به و لا تقبل شهادته، وقال مالك و أبوحنيفة مكروه، إلاّ أنّ أباحنيفة قال :هو يلحق بالحرام ، وقالا جميعاً تردّ شهادته، وقال الشافعي: هو مكروه و ليس بمحظور.(2)

2ـ وقال في النهاية: وتردّ شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج وغيرهما من أنواع القمار والأربعة عشر والشاهَين.(3)

3ـ وقال في المبسوط:اللاعب بالشطرنج عندنا تقبل شهادته بحال وكذلك النرد والأربعة عشر وغير ذلك من أنواع سواء كان على وجه المقامرة أو لم يكن.(4)

4ـ وقال ابن البراج: ولايجوز شهادة الفسّاق و مرتكبي القبائح من شرب الخمر، والزنا و اللواط واللعب بالشطرنج أو النرد أو ما يجري مجرى ذلك من آلات القمار.(5)


1 . زين الدين، المسالك: 2/449.
2 . الطوسي، الخلاف: 3، كتاب الشهادات، المسألة 51.
3 . الطوسي، النهاية:325.
4 . الطوسي، المبسوط: 8/221، والظاهر سقوط حرف النفي عند الطبع من قوله: تقبل بقرينتين وذلك :1ـ قوله: «بحال» 2ـ التسوية في ذيل كلامه، فإنّ حرمة المقامرة لا شبهة فيها فكيف يقبل قول المقامر؟! اللّهمّ إلاّ أن تكون من صغائر المعاصي كما عرفت عن المسالك وهو بعيد جدّاً.
5 . ابن البراج، المهذّب: 2/557.


(248)

5ـ وقال ابن إدريس: ولا تقبل شهادة فحاش وتردّ شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج وغيرهما من أنواع القمار والأربعة عشر و الشاهين ـ بفتح الهاء ـ لأنّ ذلك تثنية «شاه» لأنّه كذاب بقوله: شاهك مات، يعني به أحد أقطاع الشطرنج ولغته بالفارسية الملك.(1)

6ـ وقال المحقق: اللعب بآلات القمار كلّها حرام كالشطرنج والنرد والأربعة عشر وغير ذلك سواء قصد الحذق أو اللهو، أو القمار.

إلى غير ذلك من الكلمات المتماثلة(2)، إذا علمت ذلك فاعلم أنّ اللعب بآلات القمار بلا رهان له صورتان:

الأُولى: إذا كان اللعب بلا رهان بالآلة المعدّة للمقامرة بين الناس على وجه يقامرون بها، فالحقّ حرمته وإن لم يكن هناك رهان لانصراف بعض الأسئلة إلى خصوص هذه الصورة مضافاً إلى الإطلاقات.

أمّا الأوّل كموثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ انّه سئل عن الشطرنج ، فقال: «دعوا المجوسية لأهلها لعنها اللّه». (3) إذ لا يحتمل أن يسأل مسعدة عن القمار بالشطرنج، بعد معلومية حكمه بين المسلمين، و إنّما يصحّّ السؤال عن اللعب به لبعض الغايات.

ومثلها موثقة زرارة (4) عن أبي عبد اللّه انّه سئل عن الشطرنج، وعن لعبة شبيب التي يقال لها لعبة الأمير، وعن لعبة الثلث فقال: «أرأيتك إذا ميّز اللّه الحقّوالباطل، مع أيّهما تكون؟» قال: مع الباطل، قال:«فلا خير فيه».(5) وقوله: «لا خير فيه» وأنّه كان يشعر بالكراهة، لكن بما أنّه ليس بعد الحقّ إلاّ الضلال كما


1 . ابن إدريس، السرائر: 2/121.
2 . لاحظ مفتاح الكرامة:4/56.
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب ، الحديث 7.
4 . لوقوع ابن فضال في سند الحديث.
5 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 5.


(249)

في قوله سبحانه:«فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال» (يونس/32)، يحمل على الحرمة. إذ من المحتمل قويّاً أنّ الباطل بمعنى الضلال، نعم الباطل بمعنى غير المفيد لا يلازم الحرمة كما هو الحال في اللغو فإنّه من أقسام الباطل و ليس بحرام.

روى أبو الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال : سئل عن الشطرنج والنرد. فقال: «لا تقربوهما».(1)

إنّ إرجاع هذه الأسئلة ، إلى السؤال عن القمار بالآلات، بعيد جدّاً، فإنّ معناها أنّ مسعدة و زرارة و غيرهما، صاروا يسألونهم ـ عليهم السَّلام ـ عن الأُمور الواضحة.

وأمّا الإطلاقات فحدّث عنها ولا حرج ويكفيك مارواه السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:« نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن اللعب بالشطرنج والنرد».(2) وما رواه البزنطي في جامعه عن أبي بصير عن أبي عبدا للّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «بيع الشطرنج حرام، و أكل ثمنه سحت، واتخاذها كفر، واللعب بها شرك، والسّلام على اللاهي بها معصية وكبيرة موبقة ـ إلى أن قال: ـ والناظر إليها كالناظر في فرج أُمّه، و اللاهي بها، والناظر إليها في حال ما يلهى بها، والسّلام على اللاهي بها في حالته تلك، في الإثم سواء».(3) والموضوع في الحديثين هو اللعب واللهو بالشطرنج والنرد، على وجه الإطلاق.سواء كان معه رهان أم لاولاحظ سائر الروايات الواردة في البابين(4) من أبواب ما يكتسب به.

و يمكن الاستدلال أيضاً على الحرمة برواية تحف العقول حيث قال: «إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيئ منها الفساد محضاً نظير البرابط والمزامير والشطرنج وكلّ ملهو به ـ إلى أن قال: ـ ومايكون منه و فيه الفساد محضاً، ولا يكون منه ولا فيه شيء من وجوه الصلاح فحرام تعليمه وتعلّمه والعمل به ، و أخذ الأُجرة عليه وجميع التقلّب فيه في جميع وجوه الحركات كلّها و من المعلوم أنّ


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 10.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102، الحديث 9 و الباب 103، الحديث 4. وسائر الروايات.
3 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102، الحديث 9 و الباب 103، الحديث 4. وسائر الروايات.
4 . الوسائل: الجزء 12، الباب 102، الحديث 9 و الباب 103، الحديث 4. وسائر الروايات.


(250)

اللعب بها بلا رهان نوع تقلّب فيها .

وما أفاده السيّد الخونساري من الإشكال في شمول الإطلاق لهذه الصورة من أنّ اللعب بلا رهان يعد لغواً (1) غير تام لأنّ المحرك إلى اللعب لا ينحصر في الرهان بل هنا غايات أُخر تبعث إليه، كإظهار التفوق، أو التهيؤ للمقامرة في المستقبل القريب، و لو كان لغواً لما شاع بين الناس، وهم عقلاء.

الثانية: اللعب بلا رهان بالآلة الخارجة عن كونها آلة المقامرة و أصبح آلة، يلعب بها لأحد الأمرين: التنزه أو الحذق فيكون أشبه، بانقلاب الخمر خلاً، فهل الإطلاقات منصرفة عن هذه الصورة أو هي قاصرة عن الشمول، والقصور بعيد ، لما عرفت من أنّ الموضوع في لفيف من الروايات ، هو اللعب و اللهو . فتعمّ هذه الصورة أيضاً ولو قلنا بصحّة الانصراف لكن إحراز الصغرى و كون الآلة خارجة بين العقلاء عن كونها آلة للقمار ، مع كونها مخترعة لهذه الغاية، أشكل من القول بالانصراف من غير فرق بين الشطرنج و غيره. ومع الشكّ في الصغرى و الكبرى فاستصحاب الحرمة محكّم كما لا يخفى.

المسألة الرابعة: في شهادة شارب الخمر

اتّفقت كلّمتهم على عدم قبول شهادة شارب الخمر، لكون شربه من المعاصي الكبيرة، و قد عدّه الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ في رسالته إلى المأمون من المعاصي الكبيرة وقال: «واجتناب الكبائر وهي قتل النفس الّتي حرّم اللّه تعالى، و الزنا، والسرقة وشرب الخمر»(2) مضافاً إلى ما ورد من أنّ شربه يخرج الإنسان عن الإيمان، ويفارقه روحُ الإيمان وقد قورن بالزنا في النهي عنه(3) ورود الحدّ فيه و في شرب كلّ


1 . الخونساري، الجامع للمدارك:3/27.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33.
3 . الوسائل: الجزء 11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33.


(251)

مسكر.(1)

إنّ الكتاب و إن حرّم الخمر، ولكن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حرّم كلّ مسكر . روى الكليني إنّ اللّه حرّم الخمر بعينها وحرّم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كل مسكر من كلّ شراب.(2)روى علي بن يقطين عن أبي الحسن الماضي ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته ، عاقبةَ الخمر، فهو خمر».(3) وفي رواية أُخرى عنه ـ عليه السَّلام ـ :«فما فعل فعل الخمر» ، فهو خمر.(4) وفي رواية ثالثة : «حرّمها لفعلها و فسادها».(5)

ومن استعارة الخمر، لسائر المسكرات، و وجود الحدّ فيها ـ كما مرّ ـ يشرف الفقيه على كون الكلّ من المعاصي الكبيرة، من غير فرق بين الفقاع والمتّخذ من الشعير والنبيذ المتخذ من التمر، فإنّ الجميع مسكر، غاية الأمر للإسكار درجات ومراتب حسب كثرة المادة الكحولية و قلّتها، فقد ذكر بعض الكيميائيين أنّ المادة الكحولية في الصناعي 55% وفي غيره يترواح بين 3% إلى نهاية درجتها 25%.

هذا كلّه حول الخمر وسائر المسكرات.

وأمّا العصير العنبي، سواء غلى بنفسه أو بالنار، فيحرم شربه مالم يذهب ثلثاه إنّما الكلام في كونه من الكبائر و يمكن استظهاره مضافاً إلى ما قيل من أنّها الأصل في المحرّمات، ممّا ورد من أنّ الثلثين نصيب الشيطان.(6)

نعم لا بأس باتّخاذ الخمر للتخليل . روى عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلاً؟ قال: «لا بأس».(7)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب حدّ المسكر، الحديث 1و2.
2 . الكافي، باب التفويض إلى الرسول والأئمّة :1/209.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1، 2، 3.
4 . الوسائل: الجزء 17، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1، 2، 3.
5 . الوسائل: الجزء 17، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث 1، 2، 3.
6 . الوسائل: الجزء 17، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 4 وغيره.
7 . الوسائل: الجزء 17، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 3و غيره.


(252)

المسألة الخامسة: الغناء من الكبائر فعلاً وسماعاً

لسنا في المقام بصدد تبيين مفهوم الغناء لغةً وسنّةً، بل بصدد بيان أنّه من الكبائر، سواء أكان وصفاً لهيئة الكلام على ما يظهر من المحقّق حيث فسّره بالصوت المشتمل على الترجيع المطرب، أو كان وصفاً للمضمون والمعنى على وجه ضعيف. وأنّه هل يتحقق بنفس الصوت، فقط أو به و بالملاهي أيضاً؟

ويمكن الاستدلال على كونه من الكبائر بالوجه التالي:

قد فسّر لهو الحديث الذي أوعد بالعذاب، بالغناء(1) قال سبحانه:«وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْو الحَديث لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْر عِلْم وَيَتَّخِذها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهين» .(لقمان/6) كما فسّر الزور في غير واحد من الروايات المقترن بالأوثان به أيضاً. (2) قال سبحانه: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثان وَاجْتَنِبُوا قَولَ الزُّور» (الحج/30) مضافاً إلى تضافر النهي في الروايات.

وهل هو كذلك في السامع أيضاً، أو يختص بالفاعل، الظاهر هو الأوّل ويكفي فيه ما ورد من تفسير قوله سبحانه:«الّذين لا يشهدون الزور» (الفرقان/72) بالغناء(3) والمراد من شهوده هو الحضور في مجلسه، مضافاً إلى ما ورد من أنّ الغناء مجلس لا ينظر اللّه إلى أهله(4) على أنّ تضافر النهي لغاية إبعاد الناس عن سماعه من غير فرق بين الفاعل والسامع وقد مرّ أنّه من علائم كون الفعل من الكبائر.


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 99 من أبواب يكتسب به، الحديث 6، 7.
2 . المصدر نفسه، الحديث 2، 8، 16.
3 . المصدر نفسه، الحديث 2، 8، 16.
4 . المصدر نفسه، الحديث 2، 8، 16.


(253)

المسألة السادسة: في استعمال الملاهيً

إنّ استعمال الملاهي حرام والمقصود إثبات كونه من الكبائر و لنذكر كلمات الفقهاء:

1ـ قال الشيخ في الخلاف: الغناء حرام سواء كان صوتَ المغني أو بالقضيب أو بالأوتار مثل العيدان والطنابير والنايات والمعازف وغير ذلك وأمّا الضرب بالدّف في الأعراس والختان فإنّه مكروه و قال الشافعي : صوت المغنّي والقضيب مكروه و ليس بمحظور، و ضرب الأوتار محرّم، و ضرب الدف في الختان و الأعراس مباح.(1)

2ـ وقال في المبسوط: وجملته عندهم (العامة) أنّ الأصوات على ثلاثة أضرب: مكروه و

محرم ومباح فالمكروه صوت المغني و القضيب معاً لأنّه و إن كان بآلة فهو تابع للصوت والغناء فلهذا كان مكروهاً، وهو عندنا حرام من الفاعل والمستمع تردّ به شهادتهما.

وأمّا المحرّم و هو صوت الأوتار والنايات والمزامير كلّها، فالأوتار : العود والطنابير و المعزفة ، والرباب و نحوها والنايات والمزامير معروفة وعندنا كذلك محرّم تردّ شهادة الفاعل والمستمع.

روي أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّ اللّه حرّم على أُمّتي الخمر و الميسر والمرز و الكوبة والقنين ، فالمرز شراب الذرة، والكوبة الطبل، والقنين البربط، و التفسير في الخبر.

و روى محمّد بن علي المعروف بابن الحنفية عن علي ـ عليه السَّلام ـ ، أنّ النبيّ عليه و آله السّلام قال: «إذا كان في أُمّتي خمسَ عشر خصلة حلّ بهم البلاء: إذا اتّخذوا


1 . الطوسي: الخلاف:الجزء3، كتاب الشهادات، المسألة 55.


(254)

الغنيمة دولة، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وجفا أباه، وعقّ أُمّه ، ولبسوا الحرير، و شربوا الخمر، واشتروا المغنيات والمعازف، وكان زعيم القوم أرذَلهم، وأُكْرِمَ الرجلُ السوء خوفاً منه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وسبّ آخر هذه الأُمّة أوّلها، وفي بعضها و لعن آخرُ هذه الأُمّة أوّلها، فعند ذلك يرقبون ثلاثاً: ريحاً حمراء، وخسفاً و مسخاً».

فإذا ثبت أنّ استماعه محرّم إجماعاً فمن استمع إلى ذلك فقد ارتكب معصية مجمعاً على تحريمها، فمن فعل ذلك أو استمع إليه عمداً رُدّت شهادته.

وأمّا المباح فالدف عند النكاح و الختان، لما روى ابن مسعود أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: اعلنوا النكاح، واضربوا عليها بالغربال يعني الدفّوروى أنّه ـ عليه السَّلام ـ قال: فصِّل ما بين الحلال والحرام، بالضرب بالدف عند النكاح، وعندنا أنّ ذلك مكروه غير أنّه لا تردّ به شهادته فأمّا في غير الختان والعرس فمحرّم.(1)

3ـ قال ابن إدريس في عداد الكسب المحظور من السرائر: فهو كلّ محرّم ـ إلى أن قال:ـ وآلات جميع الملاهي على اختلاف ضروبها من الطبول و الدفوف، و الزمر، و ما يجري مجراه و القضيب، و السير، و الرقص و جميع ما يطرب به من الأصوات و الأغاني.(2)

4ـ قال المحقّق: الزمر و العود، والصنج وغير ذلك من آلات اللهو حرام يفسق فاعله و مستمعه و يكره الدف في الإملاك والختان خاصة.(3)

5ـ وقال في النافع: والعمل بآلات اللهو سماعها، والدف إلاّ في الإملاك والختان.(4)

6ـ وقال العلاّمة: وتردّ شهادة اللاعب بآلات القمار ـ إلى أن قال: ـ و


1 . الطوسي، المبسوط: 8/223ـ224.
2 . الحلي، السرائر:2/215.
3 . المحقق، الشرايع:4/128.
4 . ابن فهد الحلّي، المهذّب:4، قسم المتن55.


(255)

مستمع الزمر والعود والصنج والدف إلاّ في الإملاك والختان خاصّة وجميع آلات اللهو.(1)

7ـ وقال في التذكرة :يحرم اتّخاذ الملاهي من الدفّ وشبهه وقد روى جواز ذلك في العرس والغناء فيه و منع ابن إدريس و هو المعتمد لأنّ اللّه ذمّ اللهو واللعب بما يقتضي تحريمهما.(2)

8ـ وقال المحقّق الأردبيلي: وكذا تردّ شهادة فاعل الزمر بأنواعه، ومستمعه كذلك وكذا العود وهو نوع خاص من آلات اللهو معروف وكذا الصنج وكذا الدفّ الذي معه الجلاجل ـ وأضاف ـ لعلّ تحريم كلّ ذلك و غيره من جميع آلات اللهو مثل الطنبور و غيره بالإجماع عندنا والأخبار من طرق العامة في الجملة و الخاصة إلاّ الدفّ الخالي عن الجلاجل والصنج في الإملاك ـ بالكسر ـ أي التزويج و في الختان للصبيان خاصّة.(3)

هذا بعض ما وقفنا عليه من كلمات علمائنا تتّفق على تحريم استعمال الملاهي، إنّما الكلام في كونه من المعاصي الكبيرة فالذي يمكن أن يكون سنداً لها، هو تضافر النهي عليه في غير واحد من الروايات التي ربّما تتجاوز الأربعين وقد جاء كثير منها في كتاب جامع الأحاديث (4) فإنّ العناية الهائلة في الروايات بالنهي عنه وبيان آثاره السيّئة دليل على كونها كبيرة.

وقد نقل قسماً منها الحرّ العاملي في الوسائل والأكثر و إن كان غير نقية السند لكن بعضها يشدّ بعضاً، ويورث القطع بصدور بعضها و هو كاف في الحكم و إليك بعض الروايات المعتبرة:


1 . العلاّمة الحلّي، إرشاد الأذهان:2/157.
2 . العلاّمة الحلّي: التذكرة 2/582، كتاب النكاح في أحكام الوليمة .
3 . الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/340.
4 . جامع الأحاديث:17، الباب 21 من أبواب ما يكتسب به.


(256)

1ـ معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : أنهاكم عن الزفن، والمزمار، والكوبات، والكبرات».(1)

والزفن هو الرقص، والمزمار قصبة يزمر بها، يقال زمر الرجل، يزمر إذا ضرب المزمار، والكوبات جمع الكوبة وهي الطبل، و الكبرات جمع الكبر على وزن الفرس، و فسّره في المنجد بالطبل أيضاً و قال: إنّه دخيل. هذا ما رواه الكليني، ونقله الحميري في الجعفريات، وصاحب الدعائم في دعائم الإسلام.(2)

2ـ معتبر إسحاق بن جرير و قال سمعت أبا عبد اللّه يقول: «إنّ شيطاناً يقال له : القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحاً بالبربط و دخل الرجال وضع ذلك الشيطان كلّ عضو منه على مثله من صاحب البيت نفخَ فيه نفخة فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار».(3) و البربط هو العود و هو آلة من المعازف يضرب بها.

3ـ روى الصدوق بأسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون بأنّ الإيمان هو أداء الأمانة واجتناب الكبائر ـ وعدّ منها ـ الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الذنوب.(4)

4ـ روى الصدوق باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد عليمها السَّلام في حديث شرائع الدين قال:والكبائر محرّمة و هي الشرك باللّه وقتل النفس ـ إلى أن قال:ـ و الملاهي التي تصدّ عن ذكر اللّه عزّ وجلّ مكروهة كالغناء وضرب الأوتار والإصرار على صغائر الذنوب.(5) والمراد من المكروه هو الحرام بقرينة عدّها من الكبائر و ـ لعلّ اقحام كلمة «مكروه» ـ في الأثناء للتقية و قد عرفت على فتوى العامة على الكراهة عن الخلاف.


1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 100 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 6.
2 . لاحظ جامع أحاديث الشيعة: الجزء17، الباب 21 من أبواب ما يكتسب ، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: الجزء12، الباب 100من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33و36.
5 . الوسائل: الجزء11، الباب 46 من أبواب جهاد النفس، الحديث 33و36.


(257)

و موجز الكلام في استعمال الملاهي أنّه لا شكّ في حرمته و كونه من الكبائر و أنّ هنا عنوانين متغايرين محرّمين:

1ـ الغناء.

2ـ استعمال الملاهي.

و اجتماعهما في مورد كما في كلام الشيخ في الخلاف ليس دليلاً على وحدة الموضوع المحرّم وأمّا الموسيقي فليس موضوعاً للحكم في الأدلّة حتى نبحث عن مفهومه و الناظر في الروايات الواردة ترى أنّ النهي تارة تعلّق بأسماء الآلات، وأُخرى بعنوان الملاهي الذي هو جمع الملهاة، بمعنى آلة اللهو فلو كان الموضوع هو استعمال هذه الآلات بما هي هي فيحرم مطلقاً و إن ترتبت عليه فائدة عقلائية غير منهية عنها، كما في الحروب، ومواقع الإنذار، وأمّا لو قلنا إنّ الموضوع استعمالها بما هي ملهاة وأنّ العمل عمل لهوي، فيخرج الموارد التي تترتب عليها، منافع محلّلة جماعية و ما أقلّ تلك المنافع، وما أكثر المنافع المحرّمة، فلاحظ.

ثمّ لو قلنا بأنّ الموضوع هو الانتفاع اللهوي، فالفرد المشكوك بين كونه لهوياً وغيره محكوم بالحلّية فعلاً و سماعاً. لكن بما أنّ هذه الآلات مصائد للشيطان، مثيرة للشهوات فاللازم هو الاجتناب إلاّ في مورد نقطع بأنّه ليس الاستعمال بلهوي كالانتفاع بها في الحروب والتدريب.

هذا كلّه حكم المستعمل و أمّا حرمة الاستماع فتكفي فيها معتبرة مسعدة بن زياد، قال: كنت عند أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فقال له رجل: بأبي أنت وأُمّي أدخل كنيفاً ولي جيران وعندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود فربّما أطلتُ الجلوس استماعاً منّي لهنّ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «لا تفعل» فقال الرجل: واللّه ما أتيتهن، إنّما هو سماع أسمعه بأُذني، فقال ـ عليه السَّلام ـ :«باللّه أنت، أما سمعتَ اللّه يقول: «إِنّ السّمعَ والبَصرَ والفؤادَ كُلُّ أُولئكَ كانَ عنهُ مسؤولاً»(1) ؟! «فقال: بلى! واللّه كأنّي لم أسمع بهذه


1 . الإسراء:36.


(258)

الآية من كتاب اللّه من عربيّ ولا عجميّ، لا جرم انّي لا أعود إن شاء اللّه ، وإنّي أستغفر اللّه ، فقال له: «قم فاغتسل وصلّ ما بدا لك، فإنّك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متَ على ذلك ، أحمِد اللّهَ وسله التوبةَ من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلاّ كلّ قبيح، والقبيح دعه لأهله فانّ لكلّ أهلاً.(1)

نعم استثنى المحقّق صورتين وقال: يكره الدف في الإملاك والختان ، استناداً إلى ما رواه البيهقي . قال النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال يعني الدفّ، و روى أيضاً: فصل ما بين الحرام والحلال ، بالضرب بالدف في النكاح، وقد عرفت أنّ بعضهم قيد الدف بكونه خالياً عن الصنج، وعبّر عنه الأردبيلي، بالجلاجل. والرواية مع أنّها خاصّة بالنكاح دون الختان، ضعيف و منع ابن إدريس و أخذ بعموم النهي. و لعلّ عمومات النهي عن استعمال الملاهي إذا عدّ العمل لهويّاً غير قابل للتخصيص كما هو واضح لمن لاحظها فاللازم عند التحليل وجود فائدة عقلائية فالتخصص بالرواية العامية غير تام.

المسألة السابعة: في الحسد

الحسد معصية كبيرة بلا إشكال، كيف لا و قد ورد في الصحيح أنّه يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب.(2) وانّه آفة الدين(3) إلى غير ذلك من التعبيرات الدالّة على أنّه من عظائم المحرّمات، ولا ينفك عن البغضة التي هي أيضاً من إحدى المحرّمات الكبيرة و في صحيح مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رسول للّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حديث: إلاّ انّ التباغض الحالقة لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين.(4) وهل الحسد الكامن في النفس بنفسه معصية أو استعماله و


1 . الوسائل: الجزء2، الباب 18 من أبواب الأغسال المسنونة، الحديث 1 و رواه الصدوق و الشيخ. لاحظ جامع أحاديث الشيعة:ج17، الباب 22 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6.
2 . الوسائل: الجزء11، الباب 55 من أبواب جهاد النفس.
3 . الوسائل: الجزء11، الباب 55 من أبواب جهاد النفس.
4 . الوسائل: الجزء 8، الباب 136 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 7.


(259)

إظهاره؟ الظاهر هو الثاني لما في خبر حمزة بن حمران عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه التفكر في الوسوسة في الخلق، والطيرة، و الحسد، إلاّ أنّ المؤمن لا يستعمل حسده».(1)

المسألة الثامنة: في لُبس الحرير

لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختياراً محرّم كما بيّن في محلّه، و في النافع في باب ما يحرم به التكسّب : تزيين الرجل بما يحرم عليه، والأوّل هو المتعيّن، لأنّ لبسه محرّم مطلقاً سواء كان للتزيين أم لا ومثله التختم بالذهب على النحو المذكور في كتاب الصلاة، باب لباس المصلّي.

المسألة التاسعة: في اتخاذ الحمام

اتّخاذ الحمام للانس وإنفاذ الكتب إلى غير ذلك من الدواعي المحلَّلة، جائز للأصل إنّما الكلام في اتّخاذها للّعب ففي خبر العلاء بن سيابة قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شهادة من يلعب بالحمام؟ فقال: «لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق.(2) إلاّ إذا كان اللعب به منافياً للمروّة على القول باشتراط عدمه، أو موجباً لإيذاء الجيران إلى غير ذلك من اللوازم غير المحمودة التي يترتّب عليه أحياناً.

المسألة العاشرة : في شهادة أرباب الصنايع المكروهة

لا تردّ شهادة أحد من أرباب الصنايع المكروهة كالصياغة وبيع الأكفان ولا من أرباب الصنايع الدنية كالحجامة والحياكة، بعد عدم كون عملهم محرّماً و كونها خلاف المروّة أوّل الكلام لأنّها تختلف حسب تشخّص الأفراد على أنّك عرفت أنّه لا دليل على اعتبار عدم ارتكاب خلافها بما هو هو إلاّ إذا كان كاشفاً عن الخبل في العقل أو عدم الاستقامة في رعاية القوانين والسنن.


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 55 من أبواب جهاد النفس، الحديث 8.
2 . الوسائل: الجزء18، الباب 54 من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(260)

الشرط السادس:

ارتفاع التهمة

تقدم أنّه يشترط في الشهود صفات سبع، وقد استوفينا الكلام في خمسة منها أي البلوغ و كمال العقل،و الإسلام و الإيمان، والعدالة فبقى اثنان منها و هما: 1ـ ارتفاع التهمة،2ـ طهارة المولد. و إليك الكلام فيهما واحداً تلو الآخر.

أمّا الأوّل فقد اتّفق الأصحاب على شرطيته على وجه الإجمال و دلّت عليه الرّوايات، ولنذكر شيئاًمن كلمات الفقهاء:

قال المفيد: «ولا تقبل شهادة الفاسق ولا ذي الضغن والحسد، و العدوّ في الدّنيا و الخصم فيها ولا تُقْبَلُ شهادة المتهم ولا الظنين».(1)

وقال الشيخ في النهاية: «ولا يجوز قبول شهادة الظنين و المتهم والخصم والخائن والأجير».(2)

وقال في الخلاف: «إذا كان بين رجلين عداوة ظاهرة مثل أن يقذف أحدهما صاحبَه أو قذف الرجلُ امرأته فانّه لا تُقبل شهادة أحدهما على الآخر، وبه قال الشافعي و قال أبو حنيفة: تُقبل ولا تأثير للعداوة في ردّ الشهادة بحال. دليلنا ما روى طلحة بن عبيد اللّه قال: أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منادياًفنادى لا تُقْبل شهادة خصم ولا ظنين والعدوّ منهم. (وفي بعض النسخ متهم) وقال: لا تقبل شهادة الخائن والخائنة ولا الزاني ولا الزانية ولا ذي غمز على أخيه، وذو الغمز من كان في قلبه حقد أو بغض».(3)


1 . المفيد: المقنعة: 726.
2 . الطوسي: النهاية:325.
3 . الطوسي: الخلاف3، كتاب الشهادات، المسألة 43.


(261)

وقال ابن البرّاج: فالعدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم و تثبت في الإنسان بشروط: وهي البلوغ، وكمال العقل، والحصول على ظاهر الإيمان ، والستر والعفاف واجتناب القبائح ونفي الظِنَّة والحسد، والتهمة والعداوة.(1)

وقال ابن سعيد: «ولا تقبل شهادة المتّهم على من يتّهم عليه».(2)

إلى غير ذلك من الكلمات وأمّا الرّوايات فقد عبّرت عن التهمة بالظنين والمتهم، فتارة جمعت بينهما(3) و أُخرى فرّقت بينهما فاستخدمت المتهم دون الظنين(4) وثالثة عكست.(5)

قال الفيّومي : الظِنَّة ـ بالكسر ـ التهمة ، و هي اسم من ظننته إذا أتهمته فهو ظنين «فعيل»بمعنى مفعول و في السبعة «وما هُوَ عَلَى الغيبِ بضَنِين» (التكوير/24): بمتهم، وأظننتُ به الناس: عرّضته للتهمة.(6)

أقول: إنّ في قوله سبحانه:«وما هو على الغيب بضنين» قراءتين فمن قرأه بالظاء أُخت الطاء فقد فسره بـ «متّهم». و هو يتعدى إلى مفعول واحد يقال ظننتُه: اتهمتَه أي ليس فيما يخبر عن اللّه بكاذب فإنّ أحواله ناطقة بالصدق و من قرأ بالضاد أُخت الصاد، فقد فُسِّر بـ «بخيل » أي ليس:ببخيل ـ فيما يؤدِّي عن اللّه ـ أن يعلِّمه كما علّمه اللّه.(7) ولعل قوله سبحانه «وما هُوَ بقولِ شيطان رَجِيم»(التكوير/25) يؤيّد المعنى الأوّل و من ذلك يعلم صحّة ما عن الصحاح من أنّ المراد من الظنين: المتهم. وعندئذ يكون اللفظان مترادفين.


1 . ابن البرّاج: المهذّب:2/556.
2 . ابن سعيد الحلّي، الجامع للشرائع: 539.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 30 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 3،، 5، 6.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
6 . القيومي: المصباح، مادة ظن.
7 . الطبرسي: مجمع البيان: 5/446، ط صيدا.


(262)

إجابة عن سؤال

إذا كان اللفظان مترادفين فما وجه الجمع بينهما؟ وقد أجاب عنه صاحب الجواهر، بأنّ المراد من الظنين: هو المتهم في دينه بقرينة إدخال الخائن و الفاسق تحته في بعض الروايات(1) و عندئذ يكون المراد من المتهم هو المتهم في خصوص الواقعة(2) وعلى ضوء ما ذكره لا تقبل شهادة اثنين:

1ـ المتهم في دينه الذي ربّما لا يتورّعُ عن الكذب و الزور. 2ـ المتهم في خصوص الواقعة لعداوة دنيوية بين الشهود والمشهود عليه أو لكونه منتفعاً من الشهادة.

إجابة عن سؤال ثان

إذا تبيّن الجواب عن السؤال الأوّل و هو الفرق بين الظنين والمتهم ، يتوجّه هنا سؤال ثان: وهو أنّه بعد اشتراط العدالة التي هي الشرط الخامس، فلا وجه لهذا الشرط السادس و ذلك لأنّه إذا أُريد من الظنين ، هو الخائن و الفاسق، كما في بعض الروايات، فقد استغنينا عنه بالشرط الرابع أي كونه عادلاً فلا يجتمع العدل، مع الخيانة والفسق.

و الجواب أنّ مراد الأصحاب من المتهم في المقام بعد اشتراط العدالة ليس المتهم في دينه بأن يكون إنساناً غير ملتزم بالأحكام الشرعيّة بل المراد، هو المتهم في نفس الواقعة إتهاماً، لا يناقض عدالته وهذا شرط تعبدي وراء العدالة، والشارع الحكيم يريد أن يكون نظام القضاء في الإسلام، منزّهاً عن توهم أيّ انحياز في الشاهد و القاضي و عن أي وصمة ريب و شكّ و إيهام، فإذا كان الشاهد يجرّ


1 . لاحظ الوسائل: الجزء18، الحديث 1، 2، 3 من الباب 30 من أبواب الشهادات.
2 . النجفي: الجواهر:41/61.


(263)

بشهادته نفعاً ـ و ربّما يكون صادقاً ـ لا يقبل منه لكن لا لأجل كونه مناقضاً للعدالة بل لأنّ الشارع أراد تنزيه نظام القضاء عن وصمة التحيّز حتى يطمئنّ المترافعان في مجلس القضاء.

ولكن لمّا كان مطلق الاتهام غير قادح في الشاهد لضرورة صحّة شهادة الزوج في حقّ الزوجة و بالعكس و الصديق في صديقه و الوالد في حقّ الولد، لم يُتخذ الاتهام ضابطة كلية للردّ بل اقتصروا بالموارد التي ورد فيها النصّ و إلاّ فالشاهد المتهم داخل تحت حجيّة البيّنة العادلة.

يقول المحقّق الأردبيلي حول قول العلاّمة:« السادس:ارتفاع التهمة و لها أسباب»:العدالة مانعة عن ردّ الشهادة وهي سبب لقبولها، ومجرّد التهمة وأيّة تهمة كانت ليست سبباً للرد فإنّ العدالة تمنع الخيانة و إن كان له فيها نفع. نعم التهمة في الجملة مانعة بالنص والإجماع و ليس لها ضابطة و أشار إلى تحقيق ذلك بقوله: «و لها أسباب».(1)

و بالجملة لمّا كان مطلق التهمة غير قادح من جانب، و من جانب آخر، تضافرت النصوص و الإجماع على قادحيتها، حاول المحقّق والعلاّمة وغيرهما إطراح كلّ مورد بخصوصه لعدم كون مطلق التهمة ضابطة كلية و ذلك في ضمن مسائل. وإليك البحث في ضوء كلام المحقّق.

المسألة الأُولى: لا تقبل شهادة من يجرّ بشهادته نفعاً أو يستدفع ضرراً

لا تقبل شهادة من يجرّ بها إلى نفسه نفعاً، أو يستدفع ضرراً وقد مثلوا لذلك بالأمثال التالية:

1ـ الشريك فيما هو شريك فيه.


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/383.


(264)

2ـ صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه.

3ـ السيّد لعبده المأذون.

4ـ الوصي فيما هو وصيّ فيه.

و أضاف العلاّمة مثالاً خامساً.

5ـالوارث إذا شهد على جرح مورّثه قبل الاندمال.

6ـالعاقلة إذا جرح شهود جناية الصبيّ.

و لنأخذ بالبحث عنها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: منع شهادة الشريك في حقّ الشريك فيما هو شريك فيه

فقد استدلوا على عدم القبول بوجهين:

1ـ إنّ الشاهد عندئذ يكون مدّعياً، ولا يقبل قول المدّعي بلا بيّنة.

2ـ تضافر الروايات على عدم قبول شهادته و إليك ما ورد في المقام.

روى الصدوق بإسناده عن فضالة عن أبان بن عثمان قال: سُئل أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه قال: «تجوز شهادته إلاّ في شيء له فيه نصيب» وعلى هذا المتن فقد سمعه أبان عن أبي عبد ا للّه ـ عليه السَّلام ـ و إن كان السائل غيره لكن الظاهر من نقل الشيخ أنّه مرسل حيث روى عن أبان عمن أخبره عن أبي عبد اللّه مثله(1) ولا تعارض و لعلّ الصدوق ظفر بالسند ولم يعثر عليه الشيخ.

ثمّ إنّ الكليني روى عن أبان عن عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه (البصري) قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، عن ثلاثة شركاء شهد اثنان عن واحد قال: «لا تجوز شهادتهما» (2) وظاهر الحديث انّواحداً من الشركاء ادّعى على شخص، و شهد


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث1، 3.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث1، 3.


(265)

اثنان من الشركاء له، و الحديث ظاهر أو محمول على ما إذا كان مورد الادعاء و الشهادة، المالَ المشترك. وعلى ذلك فلا تعارض بينه و بين ما رواه الشيخ بنفس السند قال سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن ثلاثة شركاء ادّعى واحد و شهد اثنان، قال:« يجوز». (1) فإنّه محمول على ما إذا شهدا على شيء ليس لهما فيه شركة، أو محمول على سقط لفظة «لا» من التهذيب وكم فيه من التصحيف.

و ربّما يستدل على عدم الجواز بخبر محمّد بن الصلت قال : سألت أبا الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق وأخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: «لا تقبل شهادتهم إلاّ بإقرار اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم».(2)

والحديث غير قابل للاحتجاج من وجوه:

1ـ إنّ محمّد بن الصلت من أصحاب الصادق ـ عليه السَّلام ـ ـ على ما في رجال الشيخ ـ و كنيته :« أبو العديس »و هو مجهول أو مهمل في كتب الرجال. لم يوصف بشيء من الوثاقة و الضعف فكيف يحتج به؟!

2ـ إنّه من المحتمل أن يكون متعلّق الشهادة كونهم قطاع الطريق حتى يجري عليهم حكم اللّه الوارد في قوله سبحانه:«إِنَّما جَزؤُا الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاف أَوْ يُنْفَوا مِنَ الأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظيمٌ » (المائدة/33).

3ـ إنّ الرواية ـ على فرض الاحتجاج ـ مطلقة، تدل على عدم حجّية شهادة بعض أهل القافلة لبعض، سواء كان المشهود به المال المشترك أو لا. و الالتزام بالإطلاق أمر مشكل، لعدم الموجب لمنع الشهادة في غير المشترك، كما إذا شهد


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 4، 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 4، 2.


(266)

أحد الغرماء، على عين أنّها لبعضهم، فإنّه عندئذ يكون بماله أولى من سائر الغرماء فلا يضربون معه فيها و المورد فيما إذا كان المشهود به غير مشترك، نظير هذا.

اللّهمّ إلاّ أن يمنع الإطلاق، و تحمل الرواية على قافلة تجارية أغار عليها قطاع الطريق، و كان الرسم الدارج، مشاركة القافلة فيما يحملون من مال التجارة من نقطة كالحجاز إلى الشام أو بالعكس.

4ـ و يحتمل أن يكون المنع، لالأجل الشركة بل لأجل العداوة، حيث إنّ قطاع أخافوهم وقطعوا الطريق عليهم، فأورث عملهم عداوةً عليهم في قلوب أهل القافلة فيخرج الحديث عن موضع البحث أي عدم قبول شهادة الشريك في حقّ الشريك الآخر.

ثمّ إنّ الأصحاب علّلوا عدم القبول في المقام بأنّ الشاهد لأجل جرّالنفع ينقلب مدّعياً مكان كونه شاهداً. وهو متين لكن ينبغي بيان أحكام صور:

أ: لو شهد بأنّ له نصفه، وبما أنّه شهد على سهم الشريك دون سهمه قال في الجواهر: «قُبل»، و لكن لو علم القاضي بأنّ المشهود به، مشاع بين الشاهد و المشهود له، لزمه الردّ، لأنّه يجرّ بها النفع لنفسه لأنّ النصف الثابت بالشهادة لأحد الشريكين، لا يختصّ به بل يبقى على مشاعه، كما ذكرناه في كتاب القضاء.

ب: و لو شهد أحد الشريكين للآخر، ليس له فيه نصيب بالفعل و لكنّه يرث المشهود له، إذا مات، كالولد للوالد، فظاهر مسند أو مرسل أبان هو الجواز لتخصيصه المنع «بماله فيه نصيب».(1)

ج: لو قال أنّ زيداً أتلف من عمرو أو استقرض منه أو غصب منه كذا و كان المال مشتركاً بين الشاهد و المشهود له فلا يقبل في حصّته، وأمّا في حصة الشريك فظاهر الجواهر عدم القبول و لكن الظاهر القبول، للفرق بين العين و


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 3.


(267)

الدين فإنّ الشهادة على الأولى، في حصّة الشريك تجرّ النفع إلى الشاهد لأنّ النصف الثابت باسم سهم الشريك يكون مشاعاً أيضاً بخلاف الدين، فإذا تملّكه المشهود له، بفضل شهادة الشريك يختصّ له إذا دفعه المشهود عليه ، بنيّة أنّه سهم المشهود له لما مرّمن سهم كلّ من الدُيّان، يتعيّن بنيّة الداين، نعم لو دفعه بما أنّه مال للشركة لكان لما ذكره وجه.

الثاني: صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه

إذا شهد صاحب الدين للمعسر المحجور عليه لفلس ـ بعد الحجر له ـ بأنّ له على زيد كذا و أنّ المال الفلاني له بحيث لو ثبت أنّه له يأخذ عوض دينه منه، إمّا الكلّ إن لم يكن له شريك و إلاّ فبعضه من غير فرق بين كون المشهود به ديناً أو عيناً و ذلك لأنّ حجر الحاكم على المفلس يُسقط ذمّته عن الاعتبار و يكون متعلّق الديون، هو ما بقي من ماله ـ بعد إخراج المستثنيات من الديون ـ فلو ثبت بشهادته، أنّ تلك العين ماله أو أنّ له ديناً على ذمّة شخص، يتعلّق طلب الغرماء بالعين و الدين بالمباشرة لخروج ذمّته عن الاعتبار لدى العقلاء فلو قلنا بالثبوت يلزم انقلاب الشاهد مدّعياً.

ومن هنا تبيّن الفرق بين المحجور عليه، والمديون المُعْسِر الذي لم يحكم عليه بالحجر، فبما أنّ لذمّة المعسر اعتباراً يتعلّق طلب الغرماء بذمّته غير أنّه ينظر إلى ميسرة، فإذا شهد أحد الغرماء بأنّ له تلك العين أو أنّ له ديناًعلى آخر، لا يتعلّق بالمشهود به دين الغرماء فإنّ المسؤول أمامهم، ذمّته، لا العين الخارجية و لا الدين الذي له على ذمّة آخر.

الثالث: السيّد لعبده المأذون

وجهه أنّ ما في يده لمولاه فينقلب الشاهد مدّعياً، و ينطبق عليه قوله: «في


(268)

شيء له فيه نصيب».(1)بخلاف العكس، فيجوز شهادة العبد لمولاه قال المفيد: «و تقبل شهادة العبيد لسادتهم إذا كانوا عدولاً».(2) و ليس مطلق التهمة مانعاً إلاّ أن ينطبق عليه عنوان وحدة المدّعي والشاهد، أو يرد فيه نصّ.

الرابع: الوصي في ما هو وصيّ فيه

إذا شهد الوصي بشيء للميت، يدخل المشهود به تحت ولايته و إن لم يدخل تحت ملكه وقد اختلفت في المقام كلمة الأصحاب قال الشيخ : «ولا بأس بشهادة الوصي على من هو وصي له، و له، غير أنّ ما يشهد به عليه، يحتاج أن يكون معه غيره من أهل العدالة». (3)

وقال ابن البرّاج:« وشهادة الوصي لمن هو وصى له، و شهادته عليه إذا كان معه غيره من أهل العدالة»(4) و مع ذلك نرى أنّ المحقق منع جواز شهادته ، مخصِّصاً المنع «فيما هووصي فيه» (5)ليدخل في ولايته، و من الممكن حمل كلامهما على ما إذا كان المشهود به خارجاً عن ولايته، كما إذا عيّن للصرف في الوصايا عيناً أو نقداً و لم يكن المشهود به منهما فيرتفع الخلاف بين الكلمات .وتبعه الشهيد في الدروس فقال: «والوصي في متعلّق وصيته ، وغرماء المفلس و الميت و السيّد لعبده».(6)

أقول: وجه المنع فيما إذا كان للوصيّ الأُجرة على التصرف في المشهود به واضح، إنّما الكلام فيما إذا يشهد من دون أن يكون له فيه ولاية التصرف، أو معها و لكن بدون الأُجرة، ففيه التفصيل، فلو كان مدّعياً، فلا يكون شاهداً لبطلان وحدة المدّعي والشاهد و أمّا لو كان المدّعي غيره من سائر الورثة فالمنع عن نفوذ


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
2 . المفيد: المقنعة:726، أي يشهد على ضرره و صالحه.
3 . الطوسي: النهاية: 326.
4 . ابن البرّاج: المهذّب: 2/556.
5 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/129.
6 . محمّد المكي: الدروس:2/ 128، الدرس146.


(269)

شهادته غير ظاهر مضافاً إلى مكاتبة الصفار إلى أبي محمّد ـ عليه السَّلام ـ : هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع: «إذا شهد معه آخر عدل، فعلى المدّعي يمين»(1) فإنّ المراد من الميت هو الموصي، و قوله:«فعلى المدّعي اليمين» دليل على أنّ المدّعي غير الوصي فينتج المنع إذا صار الوصي مدّعياً و شاهداً، و الجواز في غيره.ومثلها المكاتبة الثانية (2)حيث تشهد فيها «لوارث الميت»، فلا وجه لعدم القبول و إنّما أوجب اليمين على المدّعي، مع أنّ عليه البيّنة، ففيه وجوه محتملة:

1ـ إنّها للاستظهار لوجود التهمة، كما ورد في وصايا الإمام لشريح.(3)

2ـ احتمال أن يكون المدّعى عليه أيضاًميتاً، فيكون أيضاً للاستظهار لاحتمال أدائه الدين وتؤيده المكاتبة الثالثة:«أو تقبلشهادة الوصي على الميت مع شاهد آخر عدل فوقع: نعممن بعد يمين»فإنّ المراد من الميت المشهود عليه.(4)

3ـ احتمال سقوط «و إلاّ» بين قوله: «معه آخر عدل» وقوله:« فعلى المدّعي اليمين».

والحاصل أنّ الأصل في البيّنة العادلة هو نفوذ شهادتها و منها الوصي، ولا يترك الأصل إلاّ إذا انطبق عليه قوله:«إلاّ في شيء له فيه نصيب» أو عنوان المدّعي و في غير هذين الموردين تقبل و منه تظهر حال الوكيل.

الخامس: إذا شهدالوارث بجرح مورّثه

إذا شهد أنّ زيداً جرح من يرثه، فلا يخلو إمّا أن يموت بهذا الجرح أو لا، فعلى الأوّل لا تقبل الشهادة لأنّه بمنزلة شهادة وارث الدم على القتل فإنّها شهادة


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 3.


(270)

لنفسه.

نعم يمكن القبول في صورة خاصة و هو لو كان الميت، المجروح مديوناً يصرف دينه في دينه، فإنّ النفع يرجع إلى الديّان لا إلى الوارث.

وأمّا إذا لم يمت فلا وجه لعدم القبول لأنّ شهادته للمورِّث المجروح لا لنفسه.

السادس: العاقلة تجرح شهود جناية الصبي

من أسباب التهمة من ترد بشهادته ضرراًعلى نفسه و من هذا القبيل:

ما إذا اتُهِمَ الصبي بالجناية على رجل و شهدا اثنان على جنايته فالدية تتوجّه على العاقلة ، فلو جرح شهود الجناية، لا يقبل منه لأنّه يستدفع بشهادته الضرر (الدية) عن نفسه.

إلى هنا تمّت الفروع الواردة في المسألة الأُولى لبيان موارد التهمة، و إليك الكلام في المسألة الثانية في هذا الصدد أيضاً.

المسألة الثانية: في العداوة المانعة عن قبول الشهادة

العداوة الدينيّة لا تمنع القبول، و إلاّ يلزم منع شهادةِ المسلم على الكافر، والمؤمن على المخالف، لأنّ هذه العداوة لولم تؤكد العدالة لا تخالفها إنّما الكلام في العداوة الدنيوية فقالَ المحقّق: إنّها تمنع سواء تضمّنت فسقاً أو لم تتضمن. فيقع الكلام في الموارد التالية:

1ـ إذا تضمّنت العداوة الفسق كما إذا قذف المشهودَ عليه أو ضربه أو اغتابه بلا سبب مبيح، فلا إشكال في المنع، لكنّه يرجع إلى فقدان الشرط الرابع أعني العدالة.


(271)

2ـ إذا لم تتضمّن الفسقَ، مثل ما إذا كانت العداوة بعد حصول ضرر أو أذى منه له ، كما إذا ضربه أو شتمه، أو قتل من أرحامه، فإنّ القول بالمنع مع كونها نابعة عن سبب صالح، يحتاج إلى الدليل.

وقد استدل للمنع بما يلي:

أ: روى الصدوق عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيه عن آبائه ـ عليهم السَّلام ـ قال: «لا تقبل شهادة ذي شحناء أو ذي مخزية في الدين»(1)، و إسماعيل بن مسلم هو السكوني الذي كنيته «أبو زياد» ، نعم روى الكليني بسنده عن السكوني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّ أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كان لا يقبل شهادة فحّاش ولا ذي مخزية في الدين.(2)

ولو قلنا بوحدة الروايتين، لأشكل الاستدلالُ به لتردّد الصادر بين قوله: «شهادة ذي شحناء» أو «فحّاش» والاستدلال يتمُّ على الأوّل دون الثاني و يمكن القول بتعددها لأنّ الأُولى تروي قول الإمام ـ عليه السَّلام ـ و الثانية تروى فعله، و يمكن أن يكون محل الابتلاء هو الفحّاش دون ذي شحناء و على فرض صحة الاستدلال فهي منصرفة إلى القسم الأوّل الموجب للفسق لا ما إذا كان لها وجه صالح.

ب: روى الصدوق مرسلاً في معانيه: «ولا ذي غمز على أخيه» و قد فسره الصدوق بالشحناء والعداوة.(3)

ج: وروى في حديث آخر، قال: لا تجوز شهادة المريب والخصم.(4)ويحتمل أن يراد به العدو، كما يحتمل ـ ضعيفاً ـ أن يراد أحد المتخاصمين في المرافعة.

وعلى كلّ تقدير فبما أنّ حجّية البيّنة، لا تخصّص إلاّ بالحجّة فالقدر المتيقن هوالعداوة المورثة للفسق، لا ما إذا كانت نابعة عن أصل صالح طبيعي،على نحو


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32، من أبواب الشهادات، الحديث 5، 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32، من أبواب الشهادات، الحديث 5، 1.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32، من أبواب الشهادات، الحديث 8، 7.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 32، من أبواب الشهادات، الحديث 8، 7.


(272)

لا يختصّ بفرد دون فرد.

3ـ ثمّ إنّ المحقّق فسّر العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الآخر و المساءة بسروره ، لكنّه لو كان للتمني مبدأ صالح فطريّ كظلمه وشتمه، وضربه، فلا وجه للمنع. نعم لو لم يكن له مبدأ صالح و إنّما كان نابعاًعن الحسد و نظيره، فهو داخل في المنع.

4ـ إذا كانت العداوة من جانب المشهود عليه، لا الشاهد، فلا وجه للمنع والقدر المتيقن، هو عداوة الشاهد، وإلاّ ليقع ذريعة لرد الشهادة الحقّة حيث تظهر العداوةَ لإسقاط نفوذ شهادة الآخر.

5ـ إذا شهد العدوّ، لعدوه قبلت أخذاً بإطلاق حجّية البيّنة ولأنّها في هذا المورد تؤكد صدقها.

6ـ لوشهد بعض الرفقاء لبعض، على القاطع عليهم الطريق قال المحقّق: تمنع لتحقّق التهمة. والأصل في ذلك رواية محمّد بن الصلت: سألت أبا لحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن رفقة كانوا في طريق فقطع عليهم الطريق و أخذوا اللصوص فشهد بعضهم لبعض، قال: «لا تقبل شهادتهم إلاّ بإقرار من اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم».(1)

وقد مضى تحقيق الكلام في الحديث عند البحث عن شهادة الشريك وقلنا إنّ إطلاق حجّية البيّنة محكَّمة مالم يدلّ دليل على خلافه، فلو قلنا بأنّ الحديث راجع إلى الشهادة بكونهم قطاع الطريق لأجل اجراء الحدّ، ،فلا يصلح للاستدلال بها للمنع في باب الأموال و الحقوق، وإن قلنا برجوعه إليهما. فلو قلنا بأنّ سبب المنع هوالشركة فالقدر المتيقن ما إذا جرّ نفعاً، وإن قلنا بأنّ المانع هوالعداوة، فالقدر المتيقن ما إذا أوجب فسقاً لا ما إذا كان له مبدأ صالح عقلائي. وبذلك يعلم أنّ رمي صاحب الجواهر بعض هذه الاحتمالات بانّها اجتهاد في مقابلة النص غير ظاهر.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 27، من أبواب الشهادات، الحديث2.


(273)

المسألة الثالثة: في أنّ النسب غير مانع عن قبول الشهادة

قال المحقّق : «النسب و إن قرب لا يمنع قبول الشهادة، كالأب لولده وعليه، و الولد لوالده، و الأخ لأخيه و عليه، و في قبول شهادة الولد على والده خلاف والمنع أظهر. سواء شهد بمال، أو بحقّ متعلّق ببدنه كالقصاص، و الحدّ» كما لو شهد الولد على سرقة الوالد أو قتله نفساً.

أقول: تضافرت الروايات و النصوص على عدم مانعية الرابطة النسبية عن نفوذ الشهادة كما تضافرت الفتاوى عليه، و لأجل عدم خلاف بين الأصحاب نقتصر بذكر الكلمات عن نقل الروايات التي نقلها الحرّ العاملي في وسائله.

اتّفق ا(1)لأصحاب على عدم كون النسب مانعاًإلاّ أنّهم اختلفوا في مقامين:

المقام الأوّل: في جواز شهادة الولد على والده

1ـ قال المفيد:« تُقبل شهادة الوالد لولده وعليه، و تقبل شهادة الولد لوالده و لا تقبل شهادته عليه».(2)

2ـ وقال السيّد المرتضى:«و ممّا انفردت به الإمامية في هذه الأعصار وإن روى لهما وفاق قديم، القول: بجواز شهادات ذوي الأرحام والقرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً من غير استثناء لأحد إلاّ ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمداً على خبر يرويه من أنّه لا يجوز شهادة الولد على الوالد و إن جازت شهادته له و يجوز شهادة الوالد لولده و عليه».(3)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 26من أبواب الشهادات.
2 . المفيد: المقنعة:726.
3 . السيّد المرتضى: الانتصار:244.


(274)

و يظهر ممّا ذكره الشيخ و الشريف المرتضى أنّ الرأي السائد لأهل السنّة، هو مانعية النسب على وجه الإطلاق إلاّلفيف منهم قال بالجواز.

3ـ قال الشيخ: تُقبل شهادة الوالد لولده والولد لوالده، وتقبل شهادة الوالد على ولده، ولا تقبل شهادة الولد على والده، و به(1) قال عمر، و عمربن عبد العزيز و المزني، وأبو ثور و إحدى الروايتين عن شريح و اختاره المُزني، و قال باقي الفقهاء أنّها لا تقبل ثمّ استدل على الجواز بعموم الآية «واستشهِدُوا شَهِيدينِ مِن رجالِكُم»(2) و «أشهِدوا ذَوي عدل منكُم»(3) .

ثمّ قال شهادة الولد على والده لا تقبل بحال. و قال الشافعي: إن تعلّق بالمال أو بما يجري مجرى المال كالدين والنكاح و الطلاق قبلتْ، وإن شهد عليه بما يتعلّق بالبدن كالقصاص وحدّ الفرية، فيه وجهان: أحدهما «تُقْبل» و الثاني وهو الأصحّ أنّها لا تقبل. دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم فإنّهم لا يختلفون فيه.(4)

4ـ وقال الشيخ في النهاية:لا بأس بشهادة الوالدة لولده و عليه مع غيره من أهل الشهادة و لا بأس بشهادة الولد لوالده ولا يجوز شهادته عليه. و لا بأس بشهادة الأخ لأخيه وعليه.(5)

5ـ وقال الحلبي:ولا تقبل شهادة العبد على سيّده ولا الولد على والده بما ينكرانه و تقبل شهادتهما عليهما بعد الوفاة.(6)

6ـ وقال سلاّر: وإن شهد والد لولده ، و عليه قبل، و الولد تقبل شهادته لوالده ولا تقبل عليه.(7)


1 . مرجع الضمير، قبول الشهادة في غير الأخير و أمّا الأخير أي شهادة الولد على الوالد فقد تعرض بها في المسألة الثانية.
2 . البقرة:282.
3 . الطلاق: 2.
4 . الطوسي: الخلاف:3، كتاب الشهادة، المسألة :44ـ45.
5 . الطوسي: النهاية:330.
6 . الحلبي: الكافي: 435.
7 . المراسم العلوية:233.


(275)

7ـ قال ابن البرّاج: ولا شهادة الولد على الوالد ولا العبد على سيّد.(1)

8ـ وقال ابن حمزة: الولد تقبل شهادته لأبيه ولا تقبل عليه.(2)

9ـ وقال ابن إدريس: لا بأس بشهادة الوالد لولده وعليه، مع غيره من أهل الشهادة ولا بأس بشهادة الولد لوالده و لا يجوز شهادته عليه وقال السيّد المرتضى: تجوز أيضاً شهادته عليه والأوّل هو المذهب وعليه العمل والإجماع منعقد ولا اعتبار بخلاف من يعرف باسمه و نسبه.(3)

10ـ وقال العلاّمة في الإرشاد: و كذا تقبل شهادة النسيب على نسيبة إلاّالولد على والده خاصة.(4)

11ـ وقال ابن سعيد:«و تقبل شهادة ذوي النسب بعضهم لبعض، و عليهم إلاّ شهادة الولد على والده فإنّها لا تقبل حيّاً و تقبل شهادته عليه بعد موته.(5)

12ـ و ذكر العلاّمة في مختلف الشيعة أنّه مختار ابني بابويه.

أقول : لا شكّ في أصل الحكم و عدم مانعية الرابطة النسبية إنّما الكلام في صحّة الاستثناء وهي تعتمد على الأُمور التالية:

أ: الشهرة الفتوائية تكشف عن وجود النصّ و إن لم يصل إلينا بعينه، وقد أشار الصدوق إلى ذلك النصّ بقوله:« وفي خبر آخر أنّه لا تقبل شهادة الولد على والده».(6)

ب: قوله سبحانه: «وصاحِبهُما في الدّنيا مَعرُوفاً» (لقمان/15) بدعوى أنّ ردّ قول الوالد و تكذيبه يضادّ المصاحبة بالمعروف.


1 . ابن البرّاج: المهذّب:2/558.
2 . ابن حمزة: الوسيلة:231.
3 . ابن إدريس: السرائر:1/134.
4 . مجمع الفائدة، قسم المتن:12/404.
5 . ابن سعيد الحلي: الجامع للشرائع: 539.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 26، الحديث 6.


(276)

ج: هو نوع عقوق يمنع عن قبول الشهادة.

أقول: إنّ الشهرة الفتوائية لا تقبل الإنكار و لم يعلم الخلاف من السيّد، على نحو القطع والجزم ، لأنّه بصدد بيان أصل الحكم أي أنّ النسب لا يمنع عن جواز الشهادة إجمالاً و عند ذلك نسب الاستثناء إلى بعض علمائنا من دون تبيين لرأيه فيه. نعم فهم ابن إدريس ـ كما مرّ ـ من كلامه، خلاف ما استظهرناه و أنّ شهادة الولد على الوالد نافذة عنده .و يظهر من العلاّمة في الإرشاد، التردّد، ونقل التردد عن تحريره أيضاً، لكنّه في المختلف أفتى بمذهب المشهور(1) لكن الّذي يصدّنا عن الاعتماد على مثل تلك الشهرة أنّها مستندة إلى ما فهموه من ظاهر الكتاب و أنّ نفوذها على خلاف المصاحبة بالمعروف أو أنّه عقوق و من المعلوم عدم دلالته على ما راموه، فإنّ الآية بصدد بيان حكم المعاشرة بما هي هي، مع قطع النظر عن سائر الطوارئ كما إذا كانت في السكوت، إماتة للحقّ، و إحياء للباطل فهي غير ناظرة إلى هذه الصور.

و منه يظهر حال العقوق، فإنّ حرمتها سواء أفسرت بالعصيان و ترك الشفقة والإحسان والاستخفاف أم بغيرها ناظر إلى الحياة العاديّة ولا حكومة لها على سائر الواجبات والمحرّمات، فلو كانت إطاعته سبحانه موجبة للعقوق، فلا عبرة بمثل ذلك العقوق قال سبحانه:«وإنْ جاهداكَ على أنْ تُشْرِكَ بِي ما ليسَ لكَ بهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُما» (لقمان/15).

وإن شئت قلت : إنّ ما دلّ على لزوم المصاحبة بالمعروف أو الاجتناب عن العقوق كدليل النذر واليمين ناظر إلى ما هو مباح و حلال بالذات و أمّا المحرّم و الواجب، فلا يقلّبهما عما هو عليه، فلا يكون الحرام جائزاً إذا كان تركه على خلاف المصاحبة بالمعروف أو موجباً للعقوق كما لا يكون حلالاً بالنذر واليمين ، ومثل الحرام، الواجب فلا ينقلب عمّا هو عليه بهذه الطوارئ و العوارض.


1 . العلاّمة الحلّي: مختلف الشيعة، الفصل السابع في الشهادات:168.


(277)

هذا و أنّ دليل القول بجواز الشهادة قويّ جدّاً، فانّه يعتمد:

على قوله سبحانه:«يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونوا قوّامينَ بالقِسْطِ شهداءَ للّه ولو على أنفُسِكم أو الوالديْنِ والأقرَبِين» (النساء/135). فإنّه صريح في جواز الشهادة على الوالدين و التحريض على الشهادة دليل على قبولها و إلاّ يكون لغواً.

وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على قبول شهادة الولد على الوالدة و إنّما الخلاف في شهادته على الوالد.

وتؤيّد الجواز رواية علي بن سويد السائيّ عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: كتب في رسالته إليّ: «سألتَ عن الشهادات لهم فأقم الشهادة للّه و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين فيما بينك و بينهم، فإن خفت على أخيك ضيماً فلا»(1)، والضيم هو الظلم.

المقام الثاني: في شهادة الزوج و الزوجة

هذا هوا لمقام الثاني الذي أشرنا إليه فيما سبق، وقد تبيّن أنّ العلقة النسبيّة غير مانعة عن قبول الشّهادة إلاّ في مورد واحد على رأي بعض الأصحاب و أمّا الرابطة السببية، فغير مانعة بالاتّفاق منّا وأمّا أهل السنّة فهم على طوائف ثلاثة بين قائلة بالجواز مطلقاً كالشافعي أو نافية مطلقاً، كأهل العراق، ومفصّلة بين شهادة الزوج لزوجته فتُقبل دون العكس.(2)إنّما الكلام بين أصحابنا في لزوم ضمّ عدل آخر، بحيث لولاه لما ترتّب الأثر على الشهادة مطلقاً و إن ضمّ إليها يمين، و عدم لزومه.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب الشهادات، الحديث 1 و رواه في الباب 19 عن داود بن الحصين برقم 3.
2 . ستوافيك نصوصهم عن كتاب الخلاف للشيخ الطوسي.


(278)

توضيحه: انّه قد تبيّن فيما سبق و ستوافيك، حجّيةُ شهادة العدل الواحد مع اليمين، في مورد المال و الحق. كما أنّ من المحقّق في محلّه حجّية شهادة المرأة الواحدة في رُبع ميراث المُستهِّل، وفي ربع الوصية. فعندئذ، لو قلنا بعدم لزوم ضمّ العدل الآخر في كلا المقامين، تكون شهادة الزوج و الزوجة كشهادة غيرهما، فيجري فيهما ما يجري في غيرهما فتكفي ـ مع شهادة الزوج ـ يمين المرأة، لكفاية العدل الواحد مع يمين المدّعي في غير مورد الزوجيّة أيضاً أو تكفي شهادة الزوجة وحدها لإثبات ربع الوصية لزوجها ولا عبرة بيمين الرجل المدّعي إذا كان الشاهد امرأة. وأمّا لو قلنا بلزوم الانضمام، تخرج شهادة الزوج والزوجة عن الضابطين فلا تكفي في مورد شهادة الزوج، يمين زوجته، و لا تكفي شهادة الزوجة لإثبات رُبْع الوصيّة، لزوجها.

وأمّا كلمات الأصحاب فهي على ثلاثة أوجه:

أ: فمنهم من لم يشترط الانضمام وجعل شهادة أحد الزوجين كشهادة غيرهما من باب واحد، كالمفيد في المقنعة و الشيخ في الخلاف، و ابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في الجامع وهم بين من لم يذكر من الضميمة شيئاً كالشيخ في الخلاف، أو ذكره و لكن صرّح بكفاية يمين الزوجة كالمفيد في المقنعة وابن إدريس في السرائر.

قال المفيد: تقبل شهادة الرجل لامرأته إذا كان عدلاً أو شهد معه آخر من العدول أوحلفت المرأة مع الشهادة لها في الديون والأموال.(1)

وقال الشيخ في الخلاف: تُقبل شهادة أحد الزوجين للآخر، و به قال الشافعي، وقال أهل العراق : لا تقبل، وقال النخعي وابن أبي ليلى: تقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا تقبل شهادة الزوجة لزوجها.(2)


1 . المفيد: المقنعة:726.
2 . الطوسي: الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة49.


(279)

3ـ وقال ابن إدريس ـ بعد التصريح بجواز شهادة كلّ للآخر مع عدل آخرـ :و قولنا في جميع ذلك إذا كان معه غيره من أهل العدالة على ما أورده بعض أصحابنا وإلاّ إذا لم يكن معه غيره تجوز أيضاً شهادته له، مع يمين المدّعي فيما يجوز قبول شهادة الشاهد الواحد مع اليمين.(1)

4ـ وقال ابن سعيد: و تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر و عليه.(2)

فترى أنّ الشيخ في الخلاف و ابن سعيد في الجامع لم يحدِّثا عن ضمّ العدل بشيء، ولكن الشيخ المفيد وابن إدريس وإن ذكرا ضمّ عدل آخر و لكن استدركوا بأنّه لا لخصوصية له، و إنّما هو لأجل إكمال البيّنة وإلاّ فحيث تكفي شهادة الزوج وحدها يثبت المدّعى بيمين المدّعي (الزوجة).

ب: منهم من يشترط وجود عدل آخر في كلا الطرفين، في نفوذ الشهادة لا لإكمال البيّنة.

5ـ قال الشيخ في النهاية:ولا بأس بشهادة الرجل لامرأته وعليها إذا كان معه غيره من أهل العدالة، ولا بأس بشهادتها له، وعليه فيما يجوز قبول شهادة النساء إذا كان معها غيرها من أهل الشهادة.(3)

6ـ وقال ابن البرّاج: شهادة الزوج لزوجته و عليها ، مع غيره من أهل العدالة.(4)

ترى أنّ العلمين يذكران العدل الآخر بعنوان القيدية لا لأجل إكمال البيّنة نعم اقتصر ابن البرّاج بذكر شهادة الزوج و لم يذكر الزوجة، ويعلم حكمها من اشتراط العدل في شهادة الزوج، بوجه أولى لأنّه إذا لم تكن شهادة الزوج نافذة


1 . ابن إدريس: السرائر: 2/134و حاصله أنّه إذا لم يكن معهما عدل آخر تقبل شهادة الزوج مع يمين المدّعي، دون الزوجة.
2 . ابن سعيد: الجامع للشرائع:539.
3 . الطوسي: النهاية:330.
4 . ابن البرّاج: المهذّب:2/557.


(280)

وحدها بل مشروطة بضمّ العدل، فشهادة الزوجة له تكون مشروطة بطريق أولى

ج: و منهم من فصَّل بين شهادة الزوج فلم يعتبر و شهادة الزوجة فاعتبره.

7ـ قال المحقّق: «و كذا تقبل شهادة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها ، مع غيرها من أهل العدالة»(1).

ثمّ إنّ المحقّق علّل وجه التفصيل بقوله: «و لعلّ الفرق إنّما هو لاختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج من أن تجذبه دواعي الرغبة». قال: وتظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية.

هذه كلمات الأصحاب وإليك النصوص:

1ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال: «تجوز شهادة الرجل لامرأته. والمرأة لزوجها إذا كان معها غيرها».(2)

وفي السند علي بن الحكم و أبو المعزاء و الأوّل مشترك بين الثقة و غيرها و تُميّز الثقة، برواية أحمد بن محمّد بن عيسى عنه ـ كما في المقام ـ . و الثاني هو حميد ابن المثنى الصيرفي الذي قال النجاشي في حقّه: «ثقة ثقة» .

وأمّا الدلالة، فلو قلنا بأنّ الضمير في «معها» يرجع إلى الزوجة، يكون دليلاً على قول المحقّق المفصِّل بين الزوج و الزوجة، ولو قلنا برجوعه إلى الشهادة، المعلومة من القرينة ، فيكون دليلاً على القول الثاني كما قيل و فيه تأمّل. ولكن الظاهر هو الأوّل بشهادة الموثقة الآتية.

2ـ موثقة سماعة قال: سألته عن شهادة الرجل لامرأته قال: «نعم» و المرأة لزوجها؟ قال: «لا إلاّ أن يكون معها غيرها».(3)


1 . نجم الدين الحلي: الشرائع:4/130.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب الشهادات، الحديث3.


(281)

3ـ صحيح عمار بن مروان قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، أو قال: سأله بعض أصحابنا عن الرجل يشهد لامرأته قال: «إذا كان آخر جازت شهادته معه لامرأته».(1) وفي بعض النسخ مكان «آخر»، «خيراً» و لكنّه لا يلائم مع قوله: «معه» و الرواية صحيحة و عمّار بن مروان هواليشكري الذي وثّقه النجاشي مع أخيه عمرو و قال: «هو و أخوه عمرو ثقتان» و إذا كان نفوذ شهادة الزوج مشروطاً بعدل آخر لكان نفوذ شهادة الزوجة أيضاً مشروطاً به لعدم القول بالتفصيل بهذا المعنى فيكون الصحيح دليلاً على الاشتراط مطلقاً.

فتلخّص أنّ الأوّلين دالان على التفصيل الوارد في كلام المحقّق، والثالث دالّ على القول الثاني أي الاشتراط مطلقاً و لم نجد دليلاً على القول الأوّل أي عدم الاشتراط مطلقاً، سوى إطلاق حجّية قول الشاهد مع يمينه، وإن كان الشاهد زوجاً أو إطلاق حجّية قول المرأة في إثبات ربع الوصية و إن كانت المرأة، زوجة المشهود له.

ويمكن أن يقال: إنّ الزوج و الزوجة في المقام سيّان لا فرق بينهما،و أنّ اشتراط ضمّ آخر إليها في صحيح الحلبي و موثقة سماعة، لأجل أنّه لولا الانضمام، إلى شهادة الزوجة، لا يثبت بشهادتها شيء، إلاّ مورد نادر و هو إثبات ربع الوصية ولأجل ذلك اشترط ضم آخر إليها، و هذا بخلاف الزوج فإنّه تثبت بشهادته بلا ضمّ آخر، الأموال و الحقوق، إذا حلفت الزوجة، وهو في نفسه كثير، فلم يذكر في شهادة الزوج انضمام عدل آخر و على ذلك فالخبران ناظران إلى غير باب الوصيّة ، فحينئذ، صيانة شهادة الزوجة عن اللغوية (في غيرالوصية) يتوقف على الانضمام، دون الرجل، فإنّه لو لمينضمّ إليه عدل آخر ، لما لزمت اللغويّة لكفاية شهادة الرجل في الحقوق و الأموال مع يمين المدّعي (الزوجة).

ولعل من شرط الانضمام في شهادتها كالطائفة الثانية و الثالثة يريدون ذلك


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب الشهادات، الحديث2.


(282)

لا أنّه لا يثبت شيءبشهادتها بلاضم، حتّى ربع الوصية.

بقي الكلام في صحيح عمار بن مروان حيث يشترط الانضمام مطلقاً، ولعلّه ناظر إلى مجال أوسع من باب الحقوق و الأموال، و من المعلوم أنّه لا يثبت بشهادة الزوج و لو انضم إليها يمين المدّعي، كثير من الأُمور، إلاّ أن يضم إليها عدل آخر أو امرأتان.

ثمّ إنّ المراد من قوله:«إذا كان معها غيرها» في صحيح الحلبي و الموثقة، ما يكفي في إثبات المطلوب، و عليه لا يكفي ضم إمرأة عادلة أو رجل عادل، بل لابدّ من ضمّ امرأة و رجل حتى تكتمل البيّنة، وهذا بخلاف المراد من الانضمام في ناحية الزوج فيكفي الرجل الواحد، أو الامرأتان.

ثم إنّ مورد الروايات كمورد شهادة الوالد أو الولد هو جواز شهادة أحد الزوجين لآخر، ويمكن إلحاق صورة الشهادة على أحدهما به و ادعاء الأولوية، لابتعادها عن التهمة و يمكن أن يتمسك في إثبات الجواز بإطلاق أدلّة حجّية شهادة العدل إذا تمّت شرائطها، كما لا يخفى.

شهادة الصديق لصديقه

وتقبل شهادة الصديق لصديقه و إن تأكدت بينهما الصحبة والملاطفة، لأنّ المفروض عدالته و ليس مطلق التهمة مانعة، و منه يُعلم جواز شهادته عليه بالأولوية. ولشمول أدلّة حجّية شهادة العدل لكلتا الصورتين.

المسألة الرابعة: في عدم نفوذ شهادة السائل

اتّفقت كلمة الأصحاب على عدم جواز شهادة السائل في الجملة، وإن اختلفوا في بعض مصاديقه:

وقبل أن نذكر كلمات الأصحاب، نذكر صوره المختلفة حتى نكون في


(283)

دراسة الروايات على بصيرة .

إنّ الاستجداء وسؤال الناس له صور مختلفة:

أ: السائل بكفّه مع اتّخاذه حرفة و ربّما يملك معاش شهر أوسنة، ومع ذلك يستجدي كلّ يوم بكفه لأنّه اتّخذه حرفة.

ب: المستجدي بالدوران على الأبواب و الأسواق والناس وربّما يقنع بقليل من النقد و المتاع وشيء من الخبز و يتخذه مهنة.

ج: من تدفعه الضرورة في الحياة إلى الاستجداء على وجه مؤقت، وربّما يكون الداعي إليه، هو تأخير راتبه التي يصل إليه من بلده، أو طروء حادث قاصم، لا يقيم ظهره إلاّ السؤال بالكف أو بالدوران.

د: من يسأل الناس و يطلب الإعانة بالمباشرة و بنفسه مع الوقار، و المذاكرة على نحو يحفظ شرفه وكرامته، ولا يريق ماء وجهه.

هـ: من يسأل الناس لا بالمباشرة و بنفسه، بل يتوسط بعض الناس في جلب الأموال إليه سواء كان الإرسال بواسطة، أو بلا واسطة و إن كان لها دور في توجيه الناس إليه.

و: الطفيلي و هو من يحضر طعام الغير بلا دعوة.

هذه هي صور المسألة، وإليك نصوصَ الأصحاب، لدراسة تبيين سعتها لجميع الصور أو بعضها:

1ـ قال الشيخ: لا تجوز شهادة السائلين على أبواب الدور وفي الأسواق، و تجوز شهادة ذوي الفقر والمسكنة المتجملين، الساترين لأحوالهم إذا حصل لهم شرائط العدالة.(1)


1 . الطوسي: النهاية:326.


(284)

2ـ وقال ابن البرّاج: و لا شهادة السائلين في الأسواق ولا على أبواب الدور.(1)

3ـ وقال ابن إدريس: قد روي أنّه لا تجوز شهادة السائلين على أبواب الدور و في الأسواق و إن كانت شرائط العدالة فيهم حاصلة، إلاّ أنّ ذلك يختص بمن يكون ذلك عادتَه وصناعتَه ، ويتخذ ذلك حرفة وصناعة وبضاعة فأمّا من أخرجته ضرورة مُجحفة في بعض الأحوال، فلا تردّ شهادتُه بحال لأنّه لا دليل على ذلك و قد أعطينا الرواية الواردة بذلك حقّها.(2)

ووافقه المحقّق و قال: ولو كان ذلك مع الضرورة نادراً لم يقدح في شهادته.(3)

5ـ وقال العلاّمة بعد نقل كلام ابن إدريس: الوجه المنع.(4)

6ـ واستحسن الشهيد تفصيل المحقّق في المسالك.(5)

وأمّا الروايات فهي كما تلي:

1ـ صحيح علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن السائل الذي يسأل بكفّه هل تقبل شهادته؟ فقال: «كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفّه» (6) وفي سند الحديث «العمركي» وهو ابن علي البوفكي و «بوفك» قرية بنيسابور، وثّقه النجاشي.

2ـ موثق محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «ردّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شهادة السائل الذي يسأل في كفّه» قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «لأنّه لا يُؤمن على الشهادة و


1 . ابن البرّاج: المهذّب:2/558.
2 . ابن إدريس: السرائر:2/122.
3 . نجم الدين الحلي: الشرائع:4/130.
4 . العلامة الحلي: مختلف الشيعة، كتاب القضاء:166.
5 . زين الدين العاملي: المسالك: 2/452.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 35 من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(285)

ذلك لأنّه إن أُعطي رضي و إن مُنع سخط».(1)

وفي السند ابنفضال والظاهر أنّ المقصود هو والد الحسن بنعلي بن فضال بشهادة رواية ابن خالد عنه وفي رواية الشيخجاء التعليلجزء منكلام الرسول.

3ـ معتبر الحميري في قرب الإسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليمها السَّلام قال: سألته عن السائل بكفّه أتجوز شهادته؟ فقال: «كان أبي يقول : لا تقبل شهادة السائل بكفه».(2)

لا شكّ في شمول الروايات ، لمن يتخذ الإستجداء مهنة و حرفة سواء أكان السؤال بالكف، أو بالدور على الأبواب و الناس، والذوق الفقهي يساعد إلغاء خصوصية السؤال بالكف، كما لا شكّ في عدم شموله، لمن دفعته الضرورة إلى الاستجداء بكلا الطريقين على وجه لم يتخذه مهنة و إنّما اتخذه طريقاً لسدّالجوع و صيانة الحياة.

إنّما الكلام في مَن يسأل الناس مباشرة و بنفسه، لكن مع حفظ الوقار و الكرامة و اختار الشهيد الثاني دخوله فيها، قائلاً بأنّ المراد بالسائل بكفّه، من يباشر السؤالَ والأخذَ بنفسه والسؤال في الكفّ كناية عنه.(3)

و لكن الظاهر عدم دخوله فيها للفرق الواضح بين الأوّلين و هذا القسم ، ففيهما يصدق قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إنّه لا يؤمَنُ على الشهادة و ذلك لأنّه إن أعطي رضي و إن منع سخط» و التعليل و إن لم يكن من قبيل ملاكات الأحكام و مناطاته بل من قبيل الحِكَم والنكات، لكنّه يصلح لأن يكون سبباً لانصراف الروايات عن القسم الرابع لعدم وجوده فيه. و إنّما يوجد بوجه غالبي في القسمين الأوّلين.

ومنه يظهر حال القسم الخامس و عدم دخوله تحت الروايات، وأمّا الطفيلي


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 35 من أبواب الشهادة، الحديث 2، 3.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 35 من أبواب الشهادة، الحديث 2، 3.
3 . زين الدين العاملي: المسالك: 2/452.


(286)

فهو خارج عن موردها وإلحاقه بها، أشبه بالقياس إلاّ إذا اتخذه حرفة و مهنة ويرصد كلّ يوم و ليلة، الضيافات، حتى يدخل في زمرة المدعوين وهذا أيضاً لو سُمِحَ له بالدخول يرضى و إن مُنِعَ سخط.

ثمّ إنّ السؤال و الاستجداء إذا تضمّن كذباً أو تدليساً، فهو حرام موجب للفسق، وإلاّفلا دليل على حرمته سوى كونه موجباً لإراقة ماء الوجه و هدم الكرامة الإنسانية و لعلّه كاف في حرمته و إيجاد الفسق، وقد ورد في الحديث أنّ اللّه تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شيء إلاّ إذلال نفسه ...(1)قال سبحانه «للْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْأَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً وَ ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللّهَ بِهِ علِيمٌ»(البقرة/273) .

فلو قلنا بأنّ القيد احترازي و أنّ معنى الآية: هؤلاء الّذي أُحصروا في سبيل الحقّ، لا يسألون الناس إلحافاً و إنّما يسألونهم بلا إلحاف و إصرار، فيكون دليلاً على عدم كون السؤال مذموماًللفقير الواقعي إذا كان مجرداً عن الإصرار و أمّا لو قلنا بأنّ القيد ناظر إلى بيان حال نوع الفقراء حيث يسألون الناس إلحافاًو إصراراً، ومعنى الآية أنّ هؤلاء المحصورين ليسوا من هذه الطبقة، فيكون معنى الآية أنّهم لا يسألون أبداً وإن كان النبيّ يعرفهم بسيماهم و بعلامة موجودة في وجوههم، فتكون الآية دليلاً على ذمّ السؤال مطلقاً و إن كان مع الإصرار أشدّ. إلاّإذا وجب لحفظ الحياة فيرتفع الذمّ.

المسألة الخامسة: في شهادة الضيف والأجير

اتّفقت كلمة الأصحاب على أنّه تجوز شهادة الضيف للمضيِّف وعليه،


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 12 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 3.


(287)

مثل اتّفاقهم على جواز شهادة الأجير على الموجر، وإنّما اختلفت في جواز شهادته للموجر على قولين فالمشهور من عصر والد الصدوق الّذي توفي عام 329 وولده المتوفى عام 381 إلى عصر ابن حمزة صاحب الوسيلة الذي توفي حوالي عام 550 هو عدم الجواز تمسكاً بنصوص ستة دالّة على المنع و أوّل من خالفهم و أفتى بجوازها هو ابن إدريس (543ـ 598) و تبعه المحقّق ( 602ـ676) والعلاّمة في كتابيه: الإرشاد والمختلف، و الشهيد الثاني و المحقّق الأردبيلي ، فأصبحت المسألة ذات قولين أحدهما للقدماء و الآخر للمتأخرين إلاّ ابن سعيد فإنّه وافق القدماء كما سيوافيك والكلّ يستمدّ من الدليل النقلي و مورد الخلاف فيما إذا تحمّل الشهادة و أدّاها و هو بعدُ لم يفارقه و أمّا إذا أدّى بعد مفارقته الموجرَ، فلا خلاف فيه. ثمّ إنّ الخلاف في الأجير و الموجر، لا في الموجر والمستأجر و إليك نقل كلماتهم:

1ـ قال الشيخ: و من أشهد أجيراً له على شهادة ثمّ فارقه، جازت شهادته له، و تجوز شهادته عليه و إن لم يفارقه، ولا بأس بشهادة الضيف إذا كان من أهلها.(1)

2ـ وقال أبو الصلاح الحلبي: ولا تقبل شهادة الشريك فيه ولا الأجير لمستأجره.(2)

3ـ وقال ابن البرّاج :شهادة الأجير على مستأجره سواء كان مقيماً معه أو كان قد فارقه، و شهادته له بعد مفارقته.(3)

4ـ وقال ابن حمزة:لا تقبل شهادة خمسة نفر... و الأجير إذا شهد لمستأجره مادام معه.(4)


1 . الطوسي: النهاية: 327.
2 . الحلبي: الكافي: 436 والمراد من المستأجر، هو الموجر فلا تغفل.
3 . ابن البرّاج: المهذّب:2/556.
4 . ابن حمزة: الوسيلة:230.


(288)

5ـ وأوّل من خالف الرأي العام، هو ابن إدريس فقال:

ولا شهادة الخصم و الخائن و قال شيخنا«والأجير» و هذا خبر واحد لا يُلْتفت إليه ولا يُعرّج عليه بل شهادة الأجير مقبولة سواء كانت على من استأجره أو له، و سواء فارقه أم لم يفارقه لأنّ أُصول المذهب تقتضي قبول هذه الشهادة و هو قوله تعالى: «واستشهِدُوا شَهيدَينِ مِن رِجالِكُم»(البقرة/282) و «و أشهِدوا ذَوَي عدل مِنكُم» (الطلاق/2) ولا مانع يمنع من قبول شهادته و هذا عدل فينبغي أن تُقْبَلَ شهادتُه فلأنّه لا يَجرُّ بشهادته إليه نفعاً ولا يدفع عنه ضرراً ولا يعرف بشيء من أسباب الفسق ، ولا دليل على ردّ شهادته من كتاب و لا سنة مقطوع بها ولا إجماع ـ إلى أن قال: ـ ولا بأس بشهادة الضيف إذا كان من أهلها.(1)

6ـ وقال المحقّق: تقبل شهادة الأجير والضيف و إن كان له ميل إلى المشهود له لكن يرفع التهمة تمسكهما بالأمانة.(2)

7ـ وقال ابن سعيد: و تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر... و الأجير على مستأجره و له بعد مفارقته.(3) و مفهومه عدم الجواز إذا لم يفارق و هو موافق لفتوى القدماء كما عرفت.

8ـ وقال العلاّمة: و تقبل شهادة الأجير و الضيف.(4)

9ـ وقال في المختلف : والوجه عندي أنّ شهادته إن تضمنت تهمة أو جرّنفع لم تقبل و عليه تحمل الروايات المانعة.(5)

10ـ وقال الشهيد الثاني: إنّ القول بالقبول أجود.(6)


1 . ابن إدريس: السرائر: 2/121ـ 123.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/130.
3 . ابن سعيد الحلي: الجامع للشرائع:539.
4 . ابن المطهر الحلي: إرشاد الأذهان:2/158 و مختلف الشيعة، كتاب القضاء:166.
5 . ابن المطهر الحلي: إرشاد الأذهان:2/158 و مختلف الشيعة، كتاب القضاء:166.
6 . زين الدين العاملي: المسالك :2/452.


(289)

11ـ وقال المحقّق الأردبيلي ـ بعد المناقشة في سند الروايات المانعة و دلالتهاـ: و لكن عموم أدلة القبول و الجواز كثيرة و ليس في المنع شيء عن صحيح صريح، فالمصير إليه و تخصيص الأدلّة مشكل.(1)

أقول: إنّ مقتضى القواعد العامة هو القبول، و الردّ يحتاج إلى الدليل، إذ يكفي في الجواز الآيتان المباركتان وعموم أدلّة حجّية البيّنة و ما جاء في رواية مسعدة بن صدقة، «والأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة» (2) إنّما المهم دراسة أدلة القائلين بالمنع ، و إليك سردها:

1ـ موثقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً» قال :«و يكره شهادة الأجير لصاحبه، ولا بأس بشهادته لغيره ولا بأس به له بعد مفارقته».(3)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث كسيف ذي حدَّين، صالح للاستدلال لكلا القولين، أمّا الجواز، فلظهور لفظ الكراهة فيه و أنّها ليست ممنوعة منعاً باتّاً، مضافاً إلى أنّ مفهوم قوله: «ولا بأس به له بعد مفارقته» وجود البأس قبل مفارقته وهو يعادل الكراهة لا الحرمة، وأمّا المنع، فلماذكره الأردبيلي من أنّ الكراهة المصطلحة هنا بعيدة إذ لو كانت الشهادة مقبولة، ينبغي وجوبها عيناً مع الغير و إلاّ كفاية(4)و بعبارة أُخرى أنّ مورد الشهادة هو الحقوق والأموال، فلو كانت الشهادة جامعة الشرائط، يجب القبول ، وإلاّفيحرم، ولا تتوسط الكراهة بينهما في مورد الشهادة، من غير فرق بين الأداء والقبول.

2ـ صحيح صفوان عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن رجل أشهد أجيره


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/409.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
4 . الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/408.


(290)

على شهادة ثمّ فارقه أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: «نعم و كذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته».(1)

أقول: إنّ القيد جاء في كلام الراوي و ثبوت الحكم للموضوع المقيّد في لسانه لا يكون دليلاً على عدمه عند انتفاء القيد. اللّهمّ إلاّ أن تستظهر مدخليته في الحكم من تكراره في لسان الإمام في العبد الذي عطفه الإمام عليه مع هذا القيد و إن لم يسأله الراوي عنه.

3ـ موثق سماعة قال: سألته عمّا يرد من الشهود، قال: :المريب، و الخصم، و الشريك ودافع مغرم، والأجير والعبد والتابع والمتهم، كلّ هؤلاء تردّ شهادتهم».(2) وفي السند «الحسن» وهو الحسن بن علي بن زياد الوشاء، وهو من الطبقة السادسة الذي يروي عنه الحسين بن سعيد الأهوازي وهو من الطبقة السابعة والحديث موثق. وقد جاء الأجير مقابل التابع، ولعلّ المراد من الثاني خادم البيت و هذه الروايات الثلاث صالحة للاحتجاج سنداً و مضموناً، و أمّا الثلاث الآتية فلا تصلح إلاّللتأييد.

4ـ خبر العلاء بن سيّابة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:« كان أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لا يجيز شهادة الأجير».(3) وهو ضعيف السند، والمحكيّ عمل الإمام لا قوله فلا يؤخذ بإطلاقه ، إلاّيستظهر أنّ ملاك المنع هو كونه أجيراً فقط، لا كونه جارّاً لنفسه النفع أو دافعاً عن نفسه الضرر.

5ـ روى الصدوق مرسلاً في الفقيه: و قال في حديث آخر قال: لا تجوز شهادة المريب والخصم و دافع مغرم أو أجير أو شريك أو متهم أو تابع.(4)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب32 من أبواب الشهادات، الحديث3.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب الشهادات، الحديث2.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب32 من أبواب الشهادات، الحديث7.


(291)

6ـ وروى أيضاًمرسلاً في معاني الأخبار قال: «قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :لا تجوز شهادة خائن...ولا التابع من أهل البيت»(1) و فسره الصدوق بالخادم والتابع والأجير.

والحديثان الأخيران ضعيفان للإرسال والأحاديث التي يمكن الاحتجاج بها هي الثلاثة الأُوَل و لعلّها كافية، فما ذهب إليه القدماء أقوى و لكن المتأخرين القائلين بالجواز أوّلوا الروايات المانعة بالنحو التالي:

1ـ الممنوع هو الإشهاد و أمّا إذا تحمّل ـ مع المنع ـ تجوز شهادته و يؤيده أنّ الوارد في صحيح صفوان، هو الإشهاد قال: سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثمّ فارقه أتجوز شهادته له بعد أن يفارقه.(2)

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ القيد في لسان الراوي، لا الإمام،و قد أتى به مقدمة للسؤال عن حكم نفس الشهادة على أنّه لا يساعده لسان سائر الروايات، فانّ المطلوب فيها هو بيان حكم الشهادة، وأدائها لا الإشهاد والتحمّل.

2ـ حمل المنع على الكراهة، ولكنّه لا تساعده موثقة سماعة لأنّه ورد الأجير فيها في عداد الشريك ودافع مغرم، ولا يمكن حمل النهي فيهما على الكراهة والمرجوحية على أنّك عرفت أنّه لا معنى للمرجوحية.

3ـ حمل المنع على ما إذا كانت هناك تهمة كجلب نفع أو دفع ضرر كما لو شهد بدفع الثوب لمن استأجره على قصارته أو خياطته.

يلاحظ عليه: أنّ الردّ يكون عندئذ أمراًاستثنائياًوعندئذ يطرح السؤال التالي و هو إذا كان الأصل هو القبول، فلماذا ذكر عدمه بصورة الضابطة؟

4ـ المراد هوالخادم الذي يوجر جميع منافعه، كما فسر به الصدوق، بقرينة


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب32 من أبواب الشهادات، الحديث 8 ولاحظ الفقيه:3/25 ط النجف و معاني الأخبار، باب التابع و المعترّ :208 ط الغفاري.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب الشهادات، الحديث1.


(292)

قوله:«فارقه» فيكون الدليل أخصّ من المدّعى، ولا يدلّ على ردّشهادة كلّ أجير و إن كان أجيراً يوماًأو يومين و شهد .

والذي تسكن إليه النفس هو الأخذ بالمنع، غير أنّه إذا أعاد الشهادة بعد المفارقة، تقبل قطعاً، كما سيوافيك في مبحث اللواحق.

بحث في اللواحق

الأولى: هل يشترط كون الشاهد جامعاً لشرائط القبول حين تحمل الشهادة، أو يكفي كونه كذلك حين التأدية فتظهر الثمرة في الصغير و الكافر، و الفاسق المعلن إذا عَرفوا شيئاًو تحمّلوه و هم في تلك الحال المانعة من القبول ثمّ زال المانع عنهم فأقاموا ما تحملوه. التحقيق هوالثاني و ذلك بوجهين:

1ـ عموم الأدلة، فإنّهم عند التأدية من مصاديق البيّنة العادلة.

2ـ الروايات الخاصّة المتضافرة الدالّة على قبول شهادة الذمي واليهودي والنصراني بعد ما أسلموا و إن تحمّلوا في حال كفرهم(1) ولا يعادله ما في صحيح جميل قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن نصراني أُشهد على شهادة ثمّ أسلم بعدُ أتجوز شهادته؟ قال: «لا، و يحمل على الإسلام المجردّ من الاقتران بالعدالة».

وما ورد في قبول شهادة الصبيان إذا تحملوا قبل البلوغ و أدّوا بعده.(2)

ولو شهد العبد على مولاه فرُدَّت ثمّ أعادها بعد زوال المانع أو شهد الولد على الوالد ورُدّت ثمّ مات الأب وأعادها، فمقتضى الضابطة، الأخذ بمقتضى الإطلاقات وقد أشار إليه الشيخ في خلافه و نقل الأقوال وقال: إذا شهد صبي أو عبد أو كافر عند الحاكم فردّ شهادتهم ثمّ بلغ الصبي و أعتق العبد و أسلم الكافر


1 . الوسائل : الجزء 18، الباب 39 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ7.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 21 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ4.


(293)

فأعادوها قُبِلتْ، و كذلك إن شهد بالغ مسلم حرّ بشهادة فبحث عن حاله فبان فاسقاً ثمّ عُدِّل فأقامها بعينها قُبِلَتْ منه و حكم بها و به قال داود، وأبو ثور، و المزني و قال مالك : أردّالكل، وقال أهل العراق و الشافعي: أقبل الكلّ إلاّالفاسق الحرّ البالغ فإنّه إذا ردّت شهادته لفسقه ثمّ أعادها وهو عدل لا تقبل شهادته، دليلنا: كلّ ظاهر ورد بقبول شهادة العدل فإنّها محمولة على عمومها.(1)

نعم ورد في رواية السكوني، تقييد جواز شهادة العبد، بعدم سبق الردِّ روى عن علي ـ عليه السَّلام ـ : «والعبد إذا شهد بشهادة ثمّ أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق»، وقال علي ـ عليه السَّلام ـ : «وإن أعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته».(2)

ولعلّ عدم القبول لأجل أنّ ردّالحاكم كان لفسقه لا لكونه عبداً، فلو عُتق مع بقاء الحال لا يُقبل.

وأمّا ما روي عن عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، فظاهر فيما إذا كان العتق لأجل الشهادة، فيكون الردّ لأجل التهمة.

وأمّا الفاسق، فهو على قسمين: معلن و مستتر، فلا شكّ في قبول شهادة الأوّل بعد التوبة والصلاح، وإن رُدّتْ في حال الفسق إنّما الكلام في المستتر إذا قام فردّت بجرحه ممّن له خبرة بباطن أمره ثمّ تاب، فإن شهد بأمر جديد فتُقبل و أمّا لو أعاد ما رُدَّت فربّما يستشكل قبول شهادته لأجل تهمة الحرص على رفع الشبهة عنه لاهتمامه بإصلاح الظاهر و دفع العار عنه بخلاف المتجاهر بالفسق والكفر، ولكنّه شبهة في مقابل الإطلاقات و العمومات ، فلا يعتد بها كما ذكره المحقّق.

الثانية:المعتبر في قبول شهادة الشاهد ـ مع استجماعه للصفات المعتبرة فيه ـ علمه بما يشهد به، سواء كان سببُ العلم استدعاءَ المشهود له و عليه للإشهاد، أم اتّفاق علمه بالواقعة لاشتراك الجميع في المقتضي وهو العلم و تترتب عليه


1 . الطوسي: الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة 60.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات، الحديث 13.


(294)

صحّة الشهادة في المواضع التالية:

1ـ إذا سمع الإقرار من المقرِّ بلا استدعاء من الطرفين أو الطرف الواحد، وما هذا إلاّ لأنّ الأمر بالإشهاد في الآية، أمر إرشادي، وأمّا أنّه هل تجب عليه الإجابة إذا دعي أو لا؟ فسيجي تحقيقه.

2ـ لو سمع اثنان يوقعان عقداً كالبيع والإجارة والنكاح.

3ـ إذا شاهد الغصب أو الجناية.

4ـ إذا سمع منهما ما يوجب حكماً و إن قال الغريمان أو أحدهما لا تشهد عليهما.

إنّما الكلام في الصورة الخامسة أي إذا استتر فنطق المشهود عليه مسترسلاً فالمشهور عند علمائنا هو قبولها وخالف ابن الجنيد و سيوافيك نقل كلامه عن غاية المراد.

قال الشيخ في الخلاف: شهادة المختبي مقبولة و هو إذا كان على رجل دين يعترف به سرّاً و يجحده جهراً، فخبئ له صاحب الدين شاهدين يريانه ولا يراهما ثمّ حاوره الحديث فاعترف به فسمعاه و شاهداه، صحّت الشهادة و به قال ابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، و عمرو بن حريث القاضي والشافعي، و ذهب شريح إلى أنّها غير مقبولة، وبه قال النخعي والشعبي.وقال مالك: إن كان المشهود عليه جلَداً قبلت وإن كان مغفَّلاً يُخْدَع مثله لم أقبلها عليه . دليلنا ما قلناه في المسألة الأُولى(1) وأيضاً قوله تعالى: «إلاّ مَن شَهِدَ بالحقِّ و هُم يَعلَمُون» (2) وهذا شهد بالحق لأنّه علمه.(3)


1 . قال في المسألة المتقدمة : إذا شهد صبي... ثمّ بلغ و شهد يقبل لأنّ كلّ ظاهر ورد بقبول شهادة العدل فإنّها محمولة على عمومها.
2 . الزخرف:86.
3 . الخلاف، ج3، كتاب الشهادات، المسألة 61.


(295)

قال ابن إدريس: إذا سمع الشاهد رجلاً يقرّ بدين، فيقول : لفلان عليّ ألف درهم، صار السامع به شاهداً بالدين، قال المقرّ إشهدوا عليّ بذلك أو لم يقل، وكذلك إذا شاهد رجلين تعاقدا عقداً، كالبيع،و الصلح والإجارة والنكاح، وغير ذلك، و سمع كلام العقد، صار شاهداً بذلك، وكذلك الأفعال، كالغصب، والقتل، والإتلاف، يصير به شاهداً، وكذلك إذا كان بين رجلين خلف في حساب، فحضرا بين يدي شاهدين وقالا لهما قد حضرنا لنتصادق، فلا تحفظا علينا ما يقرّ به كلّ واحد منّا لصاحبه، ثمّ حصل من كلّ واحد منهما إقرار لصاحبه بالدين، صارا شاهدين، ولا يلتفت إلى تلك المواعدة، لأنّ الشاهد بالحقّ، من علم به، فمتى علم له صار شاهداً.

فأمّا شهادة المختبي فمقبولة عندنا، وهو إذا كان على رجل دين، يعترف به سرّاً و يجحده جهراً، فاحتالَ صاحبُ الدين، فخبأ له شاهدين، يسمعانه، ولا يراهما، ثمّ جاراه، فاعترف به، وسمعاه، وشهدا به، صحّت الشهادة عندنا، و خالف في ذلك شريح فقط.(1)

وعن غاية المراد عن ابن الجنيد المنع حيث قال:« أو كان من خدع فسُتِر عنه لم يكن له أن يشهد عليه» ثمّ ردّ عليه أنّه سبقه الإجماع أو تأخر عنه.

وقال في الجواهر بعد نقل كلام غاية المراد: وهذا هو العمدة.(2)

وأورد عليه بأنّ هذه الشهادة في إيثار التهمة ليس بأقل من التبرع بالشهادة في حقوق الآدميين قبل السؤال في الحاكم في مجلس الحكومة، فإذا كانت الثانية مردودة فلتكن الأُولى كذلك.

يلاحظ عليه: ما ذكرنا من أنّ مطلق التهمة ليس بمانع وإلاّ يلزم ردّ غالب الشهادات وإنّما المانع ما ورد فيه النص بالخصوص أو قام على ردّه الإجماع كما هو


1 . ابن إدريس: السرائر: 2/120ـ 121.
2 . النجفي: الجواهر: 41/100.


(296)

المدّعي في باب التبرّع، وليس المقام من أحدهما، على أنّ الداعي لتحمّل الشهادة بهذا النحو ربّما يكون باستدعاء من صاحب الحقّ على وجه يشقّ عليه ردّه، وليس مثل هذا دليلاً على الحرص للشهادة.

حكم إقامة الشهادة بلا إشهاد

إذا تحمّل الشهادة بلا استدعاء من المشهود له و عليه، فهل تجب عليه الإقامة إذا دُعي إليها أو لا بعد الاتفاق على وجوبه إذا شهد بالاستدعاء، قال سبحانه: «ولا تكْتُموا الشهادةَ و مَنْ يكْتُمها فإنّه آثِمٌ قَلْبُه و اللّهُ بما تَعْمَلُونَ عليم» (البقرة/283).

ولنذكر كلمات الأصحاب:

1ـ قال ابن الجنيد (ت381 ): وإذا حضر الإنسان حساب اثنين فأقرّ أحدهما لآخر سبباً ثمّ جحده إيّاه فاحتيج إلى شهادة الحاضر كان ذلك إلى الشاهد إن شاء حكى ما حضر من غير أن يُثبتَ الشهادة وإن شاء تأخّر لأنّ صاحب الحقّ لم «يستر» عنه الشهادة.(1)

2ـ قال الشيخ :و من علم شيئاً من الأشياء ولم يكن قد أُشهد عليه ثمّ دُعي إلى أن يشهد كان بالخيار في إقامتها وفي الامتناع منها اللّهمّ إلاّأن يعلم أنّه إن لم يُقمها بطلَ حقُّ مؤمن فحينئذ تجب عليه إقامة الشهادة.(2)

3ـ قال أبو الصلاح:هو مخيّر فيما يسمعه و يشاهده بين تحمّله و إقامته وتركهما.(3)


1 . ابن الجنيد: مختلف الشيعة، كتاب الشهادات،،173، ولعلّ الصحيح «لم يطلب منه».
2 . الطوسي: النهاية، كتاب الشهادات،330.
3 . الحلبي: الكافي: 436.


(297)

4ـ وقال ابن البرّاج:إذا علم شيئاً و لم يكن قد أُشهد عليه ثمّ دُعي إلى الشهادة بذلك، كان مخيّراً بين أن يقيمها وبين أن لا يقيمها، فإن علم أنّه متى لم يُقِمْها بطل حقُّ مؤمن وجب عليه إقامتها.(1)

5ـ وقال ابن حمزة: فإذا شاهد شيئاً من ذلك وعلم حقيقته فقد تحمل شهادته و جاز له إقامة الشهادة على حسب ما شاهد و قد تجب إقامتها إذا أدّى الامتناع منها إلى ضياع حقّ من حقوق المسلمين.(2)

6ـ وقال ابن إدريس: ومتى علم شيئاً من الأشياء و لم يكن قد أُشهد عليه ثم دُعي إلى أن يشهد فالواجب عليه الأداء لقوله تعالى: «ومَن يكتُمها فانّهُ آثمٌ قلبُه» (البقرة/283) ولا يكون بالخيار في إقامتها.(3)

ولمّا كان ظاهر عبارة ابن إدريس موهماً للخلاف والردّ على الشيخ، حاول العلاّمة في المختلف أن يزيل الوهم و أنّه ليس اختلاف بين ابن إدريس والآخرين قال:والتحقيق أنّه لا نزاع في المعنى هنا لأنّ الشيخ قصدَ بالجواز و الخيار من حيث إنّه فرض كفايةً يجوز تركه، إذا قام غيره مقامه، ولهذا إذا لم يُقم غيره مقامه، وخاف لحوقَ ضرر بإبطال الحقّ وجب عليه إقامة الشهادة فإن قصد ابن إدريس الوجوب هنا عيناً فهو ممنوع. نعم في الحقيقة لا يبقى فرق بين أن يشهد من غير استدعاء وبين أن يشهد معه.(4)

وأمّا المنصوص فهي على أقسام ثلاثة:

أ: ما يدلّ على أنّ الشاهد بالخيار و إن دُعي وهو ما يلي:

1ـ صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سمع الرجل


1 . ابن البرّاج: المهذّب: 2/561.
2 . ابن حمزة: الوسيلة: 232.
3 . ابن إدريس: السرائر: 2/132.
4 . ابن المطهّر الحلي: مختلف الشيعة، كتاب الشهادات،173و الظاهر أنّ المقصود من «هنا» هو الصورة الأُولى أي إذا قام مقامه شخص آخر، وإلا فالوجوب في غيرهذه الصورة ليس ممنوعاً.


(298)

الشهادة ولم يُشهَد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت».

والظاهر أنّ لمحمّد بن مسلم رواية واحدة رواها الكليني تارة عن ابن محبوب عن العلاء بن رزين عن ابن مسلم عن أبي جعفر، و أُخرى عن صفوان بن يحيى عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ و ثالثة عن ابن فضال عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، وعلى ذلك فتتحد الروايات الثلاث.(1) غير أنّ الأخيرة تشمل على قيد، سقط من الأوّلين و هو قوله:«إلاّ إذا علم من الظالم ولا يحلّ له إلاّ أن يشهد».

2ـ خبر محمّد بن مسلم (2) قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما قال: «ذلك إليه إن شاء شهد و إن شاء لم يشهد، وإن شهد، شهد بحقّ قد سمعه، و إن لم يشهد فلا شيء، لأنّهما لم يُشهداه».

والظاهر أنّ لمحمّد بن مسلم رواية ثانية رواها الكليني عن طريق محمّد بن هلال، عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر، و رواها الصدوق باسناده المذكور في المشيخة عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ فتتحد الروايتان(3) الواردتان في الوسائل برقم 5و6.

3ـ صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يُشهَد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت» وقال: «إذا أُشهدَ لم يكن له إلاّأن يُشهد».(4)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 3، 4.
2 . وصفناه بالخبر، لوقوع محمّد بن عبد اللّه بن هلال في السند ولم يوثق.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات ، الحديث 5، 6.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات ، الحديث 2.


(299)

ب: ما يدل على لزوم الشهادة إذا دُعي

4ـ خبر محمّد بن مسلم(1) عن أبي جعفر الباقرعليمها السَّلام في الرجل يشهد حساب الرجلين ثمّ يدعى إلى الشهادة قال: «يشهد». (2) ولا يخفى وجود التعارض بينه و بين الرواية الثانية لابن مسلم، حيث إنّه ـ عليه السَّلام ـ حكم فيها بالخيار مع الدعوة، و حكم هنا بالشهادة ولولا الاختلاف في المضمون، لحكمنا بوحدته، مع الرواية الثانية وقال في الجواهر: ويؤيّده خبر ابن أشيم (3)و لكنّه لا صلة له، بالمقام و إنّما يدل على أنّ سماع الطلاق كاف في صحّته، ولا يتوقف على الإشهاد وهو غير ما نحن فيه.

ج: ما يدل على لزوم الإجابة إذا توقف دفع الظلم عليه

5ـ مرسلة يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إذا سمع الرجل الشهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد، وإن شاء سكت إلاّإذا علم مَن الظالم فيشهد ولا يحل له أن لا يشهد».(4)

وتدل عليه رواية ابن مسلم (5) المشتملة على هذا القيد أيضاً كما مرّو ليستا رواية واحدة لاختلاف الراوي و المروي عنه.فابن مسلم يروي عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، ومرسلة يونس مروية عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ .

ويؤيده ما رواه الصدوق مرسلاً قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوماً»(6) ولعلّه نفس ما جاء في الروايتين و قد نقل بالمعنى.


1 . وصفناه بالخبر، لوقوع أحمد بن يزيد في سنده وهو لم يوثق.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 7.
3 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 8.
4 . الوسائل: الجزء 18 ، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 10.
5 . الوسائل: الجزء 18 ، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 4.
6 . الوسائل: الجزء 18 ، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 9.


(300)

وبذلك ظهر عدم الخلاف في المسألة فتوىً و نصّاً ، قال المحقّق الأردبيلي: «ولا شكّ أنّ ظاهر هذه الأخبار عدم وجوب الإقامة مع عدم الاستشهاد أوّلاً، ولكن العقل يأبى عن ذلك في الجملة و يستبعد تجويز الشارع تضييع حقّ امرئ مظلوم مع علم الشاهد بذلك و بأنّه قد يجيئ بشهادته و تجويز السكوت; لأجل أنّه ما استشهد و إن كان هو قصّر في الأوّل.وتدلّ على الوجوب، الآيات و الأخبار كما تقدّم.

فيمكن التصرّف والتأويل فيها(الأخبار الدالّة على عدم الوجوب)، فإنّه ليس فيها صحيح صريح في جواز السكوت و عدم الشهادة مع العلم بتضييع حقّ الناس وحصر الشاهد فيه مع استدعاء صاحبه الشهادة منه مع عدم الضرر عليه ولا على أحد من إخوانه المؤمنين.

فيمكن الحمل على عدم وجوبه العيني، ولا على عدم طلب صاحبها، ولا على عدم العلم اليقيني، ولا على عدم الاستدعاء إلى التحمّل، لا الأداء.

قال في الفقيه ـ بعد نقل رواية محمّد بن مسلم و غيرها ـ: قال مصنف هذا الكتاب: معنى هذا الخبر الذي جُعل الخيار فيه إلى الشاهد بحساب الرجلين، هو إذا كان على ذلك الحقّ غيره من الشهود، فمتى علم أنّ صاحب الحقّ مظلوم ولا يحيى حقّه إلاّ بشهادته، وجب عليه إقامتها ولم يحلّ له كتمانها فقد قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «العلم شهادة إذاكان صاحبه مظلوماً».

كأنّه إشارة إلى رواية محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: إذا سمع الرجل الشهادة و لم يُشهَد عليها فهو بالخيار إن شاء شهد و إن شاء سكت إلاّ إذا علم مَن الظالم فيشهد فلا يحلّ له إلاّأن يشهد، فتأمّل».(1)

وقد علمت أنّ التفصيل ـ لولا حكم العقل أيضاً ـ هومقتضى النصوص.


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/520ـ 521، ولا يخفى أنّ في العبارة ضعفاً و أظنّ أنّ لفظة«و لا» في الموارد الثلاثة مصحف «أو» العاطفة فلاحظ.


(301)

الثالثة: التبرع بالشهادة قبل سؤال القاضي

لا عبرة بشهادة من شهد قبلَ سؤال القاضي، بلا خلاف، ولكن يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: ما هو الدليل على المنع؟

الثاني: بعد ثبوت الدليل و النهي، فهل النهي تكليفي يورث عصيانُه الفسقَ بلا إصرار أو معه، أو وضعيّ بمعنى عدم ترتب الأثر كيمين المنكر قبلَ طلب المدّعي أو القاضي؟

الثالث: إذا رُدَّت شهادته، فهل تقبل في موضعها في نفس المجلس أو في مجلس آخر أو لا؟

الرابع : هل الدليل يعمّ الجاهل أو يختص بالعالم؟

الخامس: هل الحكم مختص بحقوق الناس أو يعمّ حقوق اللّه تبارك و تعالى؟

وقبل الورود في صلب الموضوع نذكر كلمات الأصحاب:

1ـ قال المفيد: لا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يُسأل.(1)

2ـ قال الشيخ: ولا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة.(2)

وقال الحلبي:ولا يجوز أن يشهد إلاّ أن يُستشهد.(3) والمقصود: قبل أن يُسأل، وليس المراد قبل أن يُشْهَد لتعرّضه له بعد هذا الكلام.

4ـ وقال ابن البرّاج:ولا يجوز لإنسان أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة.(4)


1 . المفيد: المقنعة: 5728.
2 . الطوسي: النهاية: 330.
3 . الحلبي : الكافي: 436.
4 . ابن البرّاج:المهذب: 2/561.


(302)

5ـ وقال ابن إدريس:ولا يجوز للشاهد أن يشهد قبل أن يسأل عن الشهادة.(1)

6ـ وقال المحقّق: التبرّع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة فيمنع القبول.(2)

7ـ قال العلاّمة : وتردّ شهادة المتبرّع قبل السؤال للتهمة إلاّفي حقوقه تعالى والمصالح العامة على إشكال.(3)

8ـ وقال الشهيد الثاني: من أسباب التهمة: الحرص على الشهادة بالمبادرة إليها قبل استنطاق الحاكم سواء كان بعد دعوى المدّعي أم قبله.(4)

ترى أنّ كلام القُدامى من العلماء خال عن التعليل بالتهمة و إنّما جاء التعليل بهذا في كلام المحقّق و مَن بعده.

هذا نصوص علمائنا وكأنّ عدم الجواز عندهم أمر مسلّم إلاّ أنّ المهم دراسة الأمر الأوّل وهو تبيين الدليل مع العلم بأنّ مقتضى الكتاب والسنّة هو حجّية قول العادل فمالم يَقُم دليل قاطع على الخروج عن إطلاقهما، فهو محكَّم. و يحتمل أن يكون الدليل المخرج أحد الوجوه التالية:

أ: وجود دليل صالح واصل إليهم

إن إطباق القدماء خصوصاً مثل المفيد والشيخ على عدم الجواز، كاشف عن وجود دليل صالح على الحكم وصل إليهم و لم يصل إلينا، ومن البعيد أن يكون الدليل ما سيوافيك عن طريق غيرنا من الروايات التي لا يُحتّج بها إلاّ بعد التأكد من صحة مضمونها وقد تقرر في محلّه أنّ الرسم الدارج بين القدماء من عصر والد الصدوق (ت329) إلى عصر الشيخ (ت460) هو الإفتاء بنفس


1 . ابن إدريس:السرائر: 2/133.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/131.
3 . ابن المطهّر: إرشاد الأذهان:2/158.
4 . زين الدين العاملي: المسالك :2/454.


(303)

عبارة الرواية أو مضمونها كما هو الغالب بتجريد المتون عن الأسانيد و على هذا الغرار، أُلِّفَ فقه الرضا لوالد الصدوق، و المقنعة للمفيد والنهاية للشيخ وقد كان سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي يعتمد على ما ورد في الأخيرين بعض الاعتماد إن لم يجد نصّاً في الكتب الحديثية، وقد مضى اتّفاقهم على لفظة «لا يجوز».

ب: المبادرة مظنّة التهمة

إنّ التعليل بالتهمة، جاء في كلام المحقّق فهو أوّل من علّل عدم القبول بأنّه يطرق التهمة إلى الشاهد وأنّه شهد للمدّعي زوراً بسبب حرصه على ذلك، من غير فرق بين كونه قبل دعوى المدّعي أوبعدها متمسّكاً بإطلاق ما ورد من عدم قبول شهادة المتهم.(1) و ممّن ركن إلى هذا الوجه، صاحب الرياض و أفتى بأنّه لو انتفت التهمة تُقْبَل، وإن رُدّت، كما إذا كان المشهود له عدوَه، والمشهود عليه خصمَه أو كانت المبادرة لأجل الجهل بالحكم الشرعي.

يلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من أنّ مطلق التهمة ليس مانعاً وإلاّ يلزم ردّ كثير من الشهادات و إنّما يُردُّ بالتهمة إذا كان هناك نص، أو إجماع فإن تمّ استكشاف النص عن اتفاق القدماء أو أكثرهم أو أحرزنا عدم الخلاف كما عليه صاحب الجواهر.(2) فهو و إلاّ فالتمسك بإطلاق ما دلّ على عدم قبول شهادة المتهم، غير تام إذ فيه ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّه لو أخذنا بإطلاقه لزم ردّ أكثر الشهادات ـ أنّ المتهم مجمل من حيث المفهوم، إذ من المحتمل أن يكون المراد، المتهم في عقله ودركه، أو بصره و سمعه و بتعبير آخر من عرف بكثرة الغلط و الغفلة، كما عبربه أيضاً الخرقي في متن المغني و قال: ولا تقبل شهادة من يعرف بكثرة الغلط و الغفلة.(3)


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 3، 5، 6.
2 . الجواهر: 41/104.
3 . ابن قدامة: المغني: 10/255، قسم المتن.


(304)

قال المحقّق الأردبيلي بعد ذكر هذا الوجه: و أنت تعلم أنّ التهمة غير ظاهرة خصوصاً إذا كان جاهلاً فإنّما نجد كثيراً مَن يشهد قبل الاستشهاد من غير ميل إلى إثبات المشهود، بل قد يكون إلى عدمه أميل لغرض مثل فقر المشهود عليه أو مصاحبته أو عداوة المشهود له، اعتقاداً لوجوب الشهادة و تحريم كتمانها كيف و العدالة تمنع من الشهادة على الكذب مع العلم بقبحه، و الوعيد في الكتاب والسنّة و تحريمه بإجماع المسلمين ـ إلى أن قال : ـ و بالجملة ردّشهادة العدل بمجرّد ذلك ـ مع وجوب قبول العدل و عدم ردّه بالكتاب و السنّة والإجماع ـ مشكل إلاّ أن يكون إجماعياً.(1)

ج: التجاوز إلى حريم صاحب الحقّ

إنّ الشهادة قبل سؤال الحاكم، تجاوز على حريم حقّ القاضي لأنّه يعتبر فيها سؤاله عن الشهود فحينئذ تكون الشهادة قبل السؤال نحو يمين المنكر قبل إذن صاحب الحقّ، ويشهد على هذا الوجه أنّهم قالوا بقبول شهادة المتبرع في المجلس الآخر، بل في نفس المجلس إذا كان بعد سؤال الحاكم فلو كان المانع هوالتهمة يجب أن تردّ مطلقاً لبقائها في كلا المجلسين . قال الشهيد في المسالك: «و لو أعاد تلك الشهادة في مجلس آخر على وجهها ففي قبولها وجهان من بقاء التهمة في الواقعة، واجتماع شرائط الشهادة الثابتة وهذا أجود».(2)

د: وجود نصوص عن غير طرقنا

جاء في مسانيد القوم و سننهم ما يدلّ على منع تلك الشهادة نظير:

أ: «ثمّ يجيئ قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها».(3)

ب: «ثمّ يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد».(4)


1 . الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/399ـ 400.
2 . المسالك : 2/454.
3 . مسند أحمد: 4/426.
4 . سنن ابن ماجه: 2/791برقم2363.


(305)

ج: «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يُستشهدوا».(1)

إلى غير ذلك من نبويّات ، لا يحتج بها لعدم ثبوت وثاقة رواتها.

إلى هنا تمّ الكلام في الأمر الأوّل و تبين أنّ الصالح للاستدلال هو الوجه الأوّل والثالث ويقرب من الأوّل ادعاء الإجماع على المنع. وإن كان الأوّل أظهر.

وأمّا الأمر الثاني أي كون النهي تكليفياً أو وضعياً، فلو قلنا بالوجه الأوّل أي استكشاف النص من كلمات الأصحاب أو كونها معقد الإجماع فالظاهر أنّ النهي وضعي لا تكليفي، إرشادي لا مولوي، فيكون النهي لتعليم الشاهد، حتّى لا يشهد لعدم ترتب الأثر عليها، كالنهي عن بيع مال الغير، إذا لم يتصرف فيه، أو عن بيع ماليس عنده و مثله القول بأنّ دليل النهي، هو التهمة أو التجاوز إلى حريم القاضي فالظاهر أنّ النهي، إرشادي لبيان عدم ترتّب الأثر نعم لو كان المستند الروايات النبوية، فالظاهر أنّ النهي تكليفي، يورث الفسق، وأمّا على المختار، فلا يورث الفسق و لا يحتاج إلى توبة.

ومنه يظهر حال الأمر الثالث من قبولها في نفس المجلس أو بعده، لأنّ النهي كان تعليمياً إرشادياً، فإذا وقعت الشهادة في موضعها، لا تردّ.

وأمّا الأمر الرابع فالظاهر عمومه للعالم والجاهل أي لا يعتدّبمثل هذه الشهادة و إن شهد عن جهل بآداب القضاء الإسلامي .

وأمّا الأمر الخامس من اختصاصه بحقوق الناس أو شموله لحقوق اللّه أيضاً فالأصحاب فيه على طائفتين: بين متردد في الشمول وجازم بعدم الشمول.

قال المحقق: أمّا في حقوق اللّه أو الشهادة للمصالح العامة (كالوقف على المساجد و القناطيرة)فلا يمنع إذ لامدّعي لها وفيه تردّد.(2)

وقال العلاّمة: و تردّ شهادة المتبرع قبل السؤال للتهمة إلاّ في حقوقه تعالى


1 . دعائم الإسلام: 2/506.
2 . نجم الدين الحلّي الشرائع: 4/917.


(306)

والمصالح العامة على إشكال.(1)

وأمّا الجازم فمنهم الشهيد الثاني، والمحقّق الأردبيلي، و صاحب الجواهر . قال الشهيد: وجه التردّد من عموم الأدلة الدالة على الردّ، و تطرّق التهمة، و من ثبوت الفرق الموجب لاختصاص الحكم بالأوّل لأنّ هذه الحقوق لا مدّعى لها، فلو لم يشرع فيها التبرع لتعطّلت وهو غير جائز و لانّه نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وهو واجب و أداء الواجب لا يعدّ تبرعاً وهذا هو الأقوى.(2)

والظاهر عدم تصوّر التبرع في الشهادة في الحدود، لما علمت سابقاًمن خروجها عن مجال القضاء وأنّ دوره فيها هوالعمل بالبيّنة بعد إحراز الشهود، فليس فيها تخاصم و ترافع، وعلى ذلك فطبيعة الموضوع تقتضي المبادرة وإعلام الحاكم ولو أغمضنا عن ذلك فالأظهر عدم الفرق بين الحقوقين، لإطلاق الدليل المستكشف عندنا، و وجود التهمة في كلا الموردين عند غيرنا كما لا يخفى.

الرابعة: في الفاسق إذا تاب لقبول شهادته

إذا كان الشاهد فاسقاً فلا يخلو إمّا أن يكون عادلاً و ذا ملكة راسخة رادعة، ثمّ صار فاسقاً فتاب فلا شكّ أنّه تقبل شهادته لأنّ ملكة العدالة لا تزول بعصيان واحد، غير أنّ الفسق مانع عن قبول قوله فإذا تاب صار كمن لم يذنب فتُقبل شهادتُه.

إنّما الكلام في المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادتُه فقد نقل عن الشيخ في المبسوط أنّه قال: «إنّه إذا قال له الحاكم تب و تاب قبلت شهادته» و علّله الشهيد الثاني بصدق التوبة المقتضي لعود العدالة و انتفاء المانع فيدخل تحت


1 . ابن المطهر الحلّي :إرشاد الأذهان:2/158.
2 . زين الدين العاملي: المسالك :2/454، لاحظ مجمع الفائدة:12/400، والجواهر: 41/108.


(307)

عموم قبول شهادة العدل.(1) وقد نقل عن ابن سعيد أيضاً في جامعه و سيوافيك نصّه بعد الفراغ من تحليل كلام الشيخ .

أقول: ذكره الشيخ في المبسوط في فصل «شهادة القاذف»، و نحن نذكر موجز كلامه ليتبين أنّ محور كلامه خصوص القاذف فقط إذا أمره الإمام بالتوبة.

قال: المعصية لا تخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون فعلاً أو قولاً فإن كانت فعلاً كالزنا و السرقة و اللواط و الغصب و شرب الخمر فالتوبة ههنا أن يأتي بالضد ممّا كان عليه و هو صلاح عمله لقوله تعالى: «إلاّ مَن تابَ و آمنَ وعمِلَ عَملاً صالحاً فأُولئكَ يُبدِّلُ اللّه سيّئاتِهِم حَسَنات» (الفرقان/70) فإذا ثبت أنّها صلاح عمله (2) فمدّته التي يقبل بها شهادته سنة و من الناس من قال يُصلِحُ عملَه ستة أشهر.

وأمّا إن كانت المعصية قولاً لم يخل من أحد أمرين إمّا أن يكون ردّة أو قذفاً فإن كان ردّة فالتوبة، الإسلام و هو أن يأتي بالشهادتين و أنّه بريء من كلّ دين خالف الإسلام فإذا فعل هذا فقد صحّت توبته، و ثبتت عدالته، و قبلت شهادته، ولا يعتبر بعد التوبة مدّة يصلح فيها عمله.

وأمّا إن كانت المعصية قذفاً لم يخل من أحد أمرين إمّا أن يكون قذف سبّ أو قذف شهادة فإن كان الأوّل فالتوبة إكذابه نفسه ـ إلى أن قال: ـ فإذا ثبت صفة التوبة فهل تفتقر عدالته التي يقبل بها شهادته إلى صلاح العمل أو لا؟ قال قوم: مجرد التوبة يجزيه و قال قوم: لابدّ من صلاح العمل و هو الأقوى لقوله تعالى: «إلاّالّذين تابُوا مِنْ بعْدِ ذلك و أصلَحُوا» (النور/5).

وإن كان الثاني أي قذف الشهادة فهو أن يشهد بالزنا دون الأربعة فإنّهم


1 . زين الدين العاملي: المسالك : 2/455، و سيوافيك أنّ تعليل المسالك يتمشى فيمن كان عادلاً وصار فاسقاً، لا في المشهور الفاسق الذي لم يزل فاسقاً الذي هو مورد كلام المحقق.
2 . كذا في النسخة المطبوعة ولعلّ الصحيح «انّه أصلح عمله».


(308)

فسقة فالتوبة ههنا أن يقول قد ندمت على ما كان منّي ولا أعود إلى ما أُتّهِم فيه فإذا قال هذا زال فسقه و ثبتت عدالته وقبلت شهادته ولا يراعى صلاح العمل.والفرق بين هذا و قذف السب هو أنّ قذف السبّ ثبت فسقه بالنص وهذا بالاجتهاد عندهم.

و يجوز للإمام عندنا أن يقول تب أقبل شهادتك و إنّما قلنا ذلك لأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمر بالتوبة .(1)

أقول: إنّ الإمعان في كلامه يعطي أنّه يقبل توبة الفاسق لغاية قبول الشهادة في مورد واحد و هو قذف الشهادة لا قذف السبّ فلا يصحّ أن يقال إنّ الشيخ يقول بأنّه يجوز للإمام أن يقول للعاصي تب أقبل شهادتك و إن كان عصيانه بالفعل دون القول و في القول، بقذف السب وغيره.

نعم ليس كلام الشيخ نقياً عن الإشكال خصوصاً أنّه فسر الآية الواردة في قذف الشهادة، بقذف السب، فإنّ الظاهر أنّ الآية ناظرة إلى قضية الإفك التي قذفت فيها زوجة النبي أوغيرها بعمل منكر وهي من مقولة قذف الشهادة لا قذف السبّ هذا كلّه راجع إلى تفسير كلام الشيخ.

وأمّا ابن سعيد فقال في جامعه :و لو قال القاضي لشخص تب أقبل شهادتك، فظهرت منه التوبة قبلها .(2) فالمتبادر من كلامه، من علم منه أنّه تاب واقعاً و ندم على ما مضى مع العزم على الترك فيما يأتي، لا مجرّد التوبة غير المعلوم كونه للّه أو لقبول شهادته.

وأمّا تحقيق المطلب في المسألة فنقول قدعرفت أنّ الكلام في المشهور بالفسق و من المعلوم أنّه بالتوبة لا يصير عادلاً لأنّ العدالة ملكة راسخة في النفس تحصل بالمراقبة التامة للوظائف بالإتيان بالواجبات و ترك المحرّمات فكيف يكون مجرّد التوبة سبباً لرجوع العدالةوما نقلناه عن المسالك إنّما يناسب


1 . الطوسي: المبسوط: 8/178ـ 179.
2 . ابن سعيد الحلي: الجامع للشرائع: 541.


(309)

العادل الذي صدرت منه المعصية نادراً فإذا تاب يزول المانع و تؤثر العدالة المخزونة في النفس لا في المشهور بالفسق.

نعم لو دلّ الدليل في مورد على أنّ مجرّد التوبة كاف في قبول شهادة الشاهد نأخذ به و لكن ليس هناك دليل عليه إلاّ ما ورد في مورد القذف من الروايات التي جمعها الشيخ الحر في الباب 36 من أبواب الشهادات فإن تمّت دلالتها نأخذ بها و إلاّ فالكتاب هو المحكّم فإنّ الظاهر منه عدم كفاية التوبة و لزوم مشاهدة الصلاح في أفعاله بعد التوبة قال سبحانه: «إلاّ الّذينَ تابُوا مِن بعد ذلكَ و أصلحُوا فإنّ اللّهَ غفورٌ رحِيم» (النور/5).

ويمكن الجمع بين مفاد الآية والروايات الدالة على قبول توبته، بأنّها وردت لردّ الفكرة الخاطئة في عصر صدور الروايات حيث كان الناس يقولون: «توبة القاذف فيما بينه و بين اللّه و لا تقبل شهادته أبداً»(1) فلما سُئلوا ـ عليهم السَّلام ـ عن قبول توبته قالوا بقبول توبته ناويين ردّ هذه الفكرة و أمّا أنّه هل تكفي التوبة أو يشترط الصلاح في العمل حتى يتّصف بالعدالة فليست الروايات بصدد بيان أحد الأمرين.

هذا ما يرجع إلى نفس المسألة وأمّا ما هو حقيقة التوبة وما شرائطها فإنّما يطلب لنفسه مجالاً خاصاً حتى نذكر فيه آراء الفقهاء و المتكلفين وعلماء الأخلاق فلنقتصر بما أفاده شيخنا الشهيد في المسالك(2) قال: أمّا التوبة الواقعية (التوبة المنقذة من النار) فهي عبارة عن الندم على ما مضى و يترك مثله في الحال و يعزم على أن لا يعود عليه، ثمّ إذا كانت المعصية لايتعلّق بها حقّ اللّه تعالى ولا العباد فتكفي التوبة ولا شيء عليه سوى ذلك، وإن تعلّق بها حقّ مالي كمنع الزكاة و الغصب و الجنايات في أموال الناس فتجب مع ذلك تبرئة الذمة منه، و هل إبراء


1 . الوسائل:الجزء18، الباب 36 من أبواب الشهادات، الحديث 2.
2 . زين الدين العاملي، المسالك :2/455.


(310)

الذمة محقّق للتوبة أو هو واجب آخر؟ فيه وجهان.

وإن تعلّق العصيان بما ليس أمراً مالياً كشرب الخمر فله أن لا يُظهره و يتوب، كما له أن يظهر، ليقام عليه الحدّ.

وإن كان حقاً للعباد كالقصاص فعليه أن يأتي المستحق و يمكّنه من الاستيفاء و أمّا القذف و الغيبة فإن بلغه الأمر فكذلك و إن لم يبلغه ففيه وجهان: من أنّه حقّ آدمي فلا يزول إلاّ من جهته و من استلزامه زيادة الأذى، فعلى الأوّل يجب عليه الاستحلال وعلى الثاني يكفيه الاستغفار في حقّه.

وأمّا التوبة الظاهرة التي يترتّب عليها قبول الولايات و نفوذ الشهادات فإن كان العصيان قوليّاً كالقذف فقد وقفت على كيفية التوبة و أنّ الأثر لا يترتب إلاّ بعد الإصلاح و ما دلّ من الروايات على قبول توبته ليست ناظرة إلى نفي ما ذكرنا وأمّا الفعلية فلا يكفي إظهار التوبة لأنّه لا يؤمن أن يكون له في الإظهار غرض فاسد، على أنّه لا ينسلك بمجرّد التوبة في عداد العدول.

فقد تلخص من هذا البحث الضافي أُمور:

1ـ إنّ العادل إذا فسق بالعصيان الواحد تكفي فيه التوبة ولا يتوقف على مشاهدة العمل الصالح في حياته.

2ـ إذا كان الشاهد مشهوراً بالفسق فالشيخ الطوسي يقول في مورد واحد بكفاية التوبة وهو في قذف الشهادة.

3ـ الحقّ أنّ التوبة لا تكفي في القذف لتصريح الآية بلزوم الإصلاح بعد التوبة و الروايات الدالة على قبول توبته ليست بصدد نفي العمل الصالح بل بصدد نفي الفكر الخاطئ من أنّه لا تقبل توبته.

4ـ إنّ التوبة الواقعية المؤثرة في نجاح الإنسان في الآخرة يتوقف على الندم على ما مضى والعزم على الترك في ما يأتي و الخلوص من توابع الذنب على


(311)

التفصيل السابق.

5ـ التوبة الظاهرية التي يراد منها عود الولايات وقبول الشهادات تتوقف على انسلاك العاصي في زمرة العدول ولا يكفي صرف التوبة مالم تتحقق فيه ملكة العدالة.

المسألة السادسة: إذا تبيّن في الشهود ما يمنع القبول

إذا تبيّن للحاكم في الشهود ما يمنع القبول فله صور:

1ـ إذا تبيّن للقاضي في مورد الشاهد أنّه صار فاسقاً بعد صدور الحكم.

2ـ إذا تبيّن أنّه صار فاسقاً بعد إقامة الشهادة و قبل صدور الحكم.

3ـ إذا تبيّن انّه كان فاسقاً قبل إقامة الشهادة و استمرّت حاله إلى زمان الإقامة.

4ـ إذا عثر القاضي بعد صدور الحكم بالجارح أو أقام المنكر البيّنةَ على فسق الشاهد حين إقامة الشهادة.

5ـ إذا تبيّن للقاضي أنّ الشاهد شهد زوراً و ظلماً.

هذه هي الصور المتصوّرة والفرق بين الأربعة الأُوَل و الصورة الخامسة هو تبيّن كذب الشاهد في الأخيرة دون الصور الأُولى، لأنّ تبيّن الفسق في زمن الإقامة لا يلازم كونه كاذباً إذ ليس كلّ فاسق كاذباً في قوله، و إن كان كل كاذب فاسقاً وعليك بيان أحكام الصور واحدة تلو الأُخرى:

أمّا الصورتان الأُوليتان فلا موجب للنقض لأنّ الشهادة كانت جامعة للشرائط حين الإقامة و إن فقد الشاهدُ الشرطَ إمّا بعد الإقامة كما في الصورة الثانية أو بعد القضاء كما في الصورة الأُولى و الملاك في جواز الشهادة و نفوذها كونها جامعة للشرائط حين الأداء و لأجل ذلك لو ماتَ الشاهدُ بعد الإقامة أو


(312)

جُنَّ فلا يوجب بطلانها و لأجل ذلك اتّفقت كلمتهم على صحّة القضاء فيهما.

وأمّا الصورة الثالثة فالحقّ فيه نقض الحكم لأنّه تبيّن أنّ القضاء لم يكن واجداً للشرط الشرعي و إن شئت قلتَ: انّه قد تبيّن للقاضي أنّ الحكم كان فاقداً لشرطه و معه كيف يمكن أن يكون نافذاًغير قابل للنقض؟!

فإن قلت: ما الفرق بين باب الشهادة و صلاة الجماعة، فلو تبيّن فسق الإمام بعد إقامة الصلاة لا تجب الإعادة مع أنّه كان فاقداً للشرط حينَ الإقامة فلو كانت العدالة شرطاً واقعياً لزمت الإعادة والنقض فيهما ولو كان شرطاًعلمياً يلزم عدمهما أيضاً كذلك؟

قلت: إنّ لسان الدليل في باب الجماعة يعرب عن كون الشرط علمياً لا واقعياً حيث قال: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه»(1) الظاهر في أنّ الموضوع هو الوثوق سواء أوافق الواقع أم لا بخلاف باب الشهادة فإنّ المتبادر من قوله سبحانه: «و أشهِدُوا ذَوَي عدل مِنكُم»(الطلاق/2) هو كونه عادلاً في الواقع و بذلك يُتبين أنّ العلم في صلاة الجماعة أُخِذَ موضوعياً بخلاف باب الشهادة فقد أُخذ فيه طريقياً محضاً.

وأمّا الصورة الرابعة: أعني إذا قامت البيّنة على فسق الشاهد حين الشهادة فهل ينقض الحكم أو لا؟ الظاهر لا لأنّ البيّنة المزبورة لا تقتضي العلم بفساد ميزان الحكم خصوصاً مع معارضتها ببيّنة أُخرى حال القضاء دالّة على عدالة الشاهد.

فإن قلت: إذا تعارض الجارح مع المعدِّل، يقدم الجارح.

قلت: الضابطة مختصّة بما تعارضا قبل صدور الحكم لا بعد صدوره على وجه صحيح فلا ينقض إلاّ بالعلم بفقدان الشرط و ذلك لأنّ القضاء مبني على


1 . الوسائل: الجزء5، الباب 10من أبواب الجماعة، الحديث 2.


(313)

الدوام و التأبيد فلا يُنقض إلاّ بعد العلم بالفساد و فقد القضاء الشرط اللازم لا ما إذا قامت البيّنة على فقدان الشرط فأدلّة حرمة نقض الحكم محكَّمة مالم يعلم الفساد خصوصاً إذا قامت البيّنة الجارحة لدى القاضي الآخر، مع إمكان حمل القضاء الأوّل على الصحّة.

وأمّا الصورة الخامسة: فحكمها واضح لا يحتاج إلى البيان و إنّما ذكرت لأجل إيضاح الفرق بينها وبين الصور المتقدّمة.

تمّ الكلام في الشرط السادس من شروط الشهادة العامة، بقي الكلام في الشرط الأخير و هو ما يلي:

الشرط السابع: طهارة المولد

يشترط في الشاهد طيب المولِد و طهارته فلا تقبل شهادة ولد الزنا و لننقل كلمات الفقهاء:

1ـ قال السيّد المرتضى في الانتصار: و ممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ شهادة ولد الزنا لا تقبل و إن كان على


(314)

ظاهر العدالة. ثمّ احتجّ بإجماع الطائفة عليه.(1)

2ـ وقال الشيخ في النهاية: ولا تجوز شهادة ولد الزنا فإن عرفت منه عدالة قُبِلتْ شهادتُه في الشيء الدون.(2)

3ـ وقال الشيخ في الخلاف: شهادة ولد الزنا لا تقبل و إن كان عدلاً.(3)

4ـ وقال ابن البرّاج: ولا يجوز قبول شهادة مبطل على محق وإن كان على ظاهر الإسلام و كذلك شهادة ولد الزنا.(4)

5ـ قال ابن حمزة: ولا تقدح في قبول الشهادة، الولادةُ من الزنا إذا كان المشهود به شيئاًقليلاً حقيراً.(5)

6ـ وقال ابن زهرة: ولا تقبل شهادة ولد الزنا بدليل هذا الإجماع.(6)

7ـ وقال ابن إدريس: ولا تجوز شهادة ولد الزنا لأنّه عند أصحابنا كافر بإجماعهم عليه قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: فإن عرفت منه عدالة قبلت شهادتُه في الشيء الدون. وهذا غير مستقيم لأنّه إن كان عدلاً فتقبل شهادته في الدون وغير الدون و إن كان عنده كافراً فلا تقبل شهادته في الدون و لا غير الدون، و إنّما هذا خبر واحد، أورده إيراداً، لا اعتقاداً.(7)

8ـ وقال المحقّق: لا تقبل شهادة ولد الزنا أصلاً و قيل تقبل في اليسير مع تمسّكه بالصلاح و به رواية نادرة و لو جُهلت حاله، قبلت شهادته و إن نالته بعض الألسن.(8)

9ـ وقال يحيى بن سعيد: ولا شهادة ولد الزنا و روي ان عرفت منه عدالة قُبلت في الشيء الدون.(9)

10ـ وقال العلامة: الخامس طهارة المولد فتردّ شهادة ولد الزنا و إن قَلَّتْ.(10)

11ـ قال الخرقي في المختصر: وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا و غيره.

12ـ وقال ابن قدامة في شرحه:«هذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء و


1 . المرتضى، الانتصار:247.
2 . الطوسي: النهاية:326.
3 . الطوسي: الخلاف: ج3، كتاب الشهادات، المسألة 57، تركنا نقل الباقي من كلام الشيخ لأنّ النسخ لعامتها سقيمة و اكتفينا في نقل آراء أهل السنة بما سيوافيك من المغني لابن قدامة.
4 . ابن البرّاج: المهذّب: 2/557.
5 . ابن حمزة: الوسيلة : 230.
6 . ابن زهرة: الغنية:440.
7 . ابن إدريس: السرائر: 2/122.
8 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/132.
9 . ابن سعيد الحلي: الجامع للشرائع: 539.
10 . ابن المطهر : إرشاد الأذهان: 2/157.


(315)

الحسن و الشعبي والزهري والشافعي و أبو عبيد، وأبو حنيفة ، وأصحابه وقال مالك و الليث: لا تجوز شهادته في الزنا وحده لأنّه منهم، فإنّ العادة فيمن فعل قبيحاً أنّه يُحِبُّ أن يكون له نظراء، وحُكي عن عثمان انّه قال: ودّت الزانية أنّ النساء كلّهن زنين.

ثمّ احتج على القبول بإطلاق دليل قبول العادل وأضاف:

أوّلاً: أنّولد الزنا لم يفعل قبيحاً.

ثانياً: أنّ الزاني لو تاب لقبلتْ شهادته وهو الذي فعل القبيح فإذا قبلت شهادته فغيره أولى.(1)

وقال سبحانه: «ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزرَ أُخرى» (الأنعام/164).

ولنذكر قبل سرد الروايات أمرين:

الأوّل: إنّ مقتضى الكتاب والسنّة هو قبول شهادته، لانسلاكه في عداد المسلم المؤمن العادل، ولا يعدل عنهما إلاّبدليل قاطع كما هو سيرتنا في تخصيص الكتاب والسنة القطعية.

الثاني: إنّ الحكم بعدم القبول لا يُنشأ من الحكم عليه بالكفر كما عليه ابن إدريس في سرائره، إذ لا دليل على كفره و إطلاق ما وصف الإسلام والإيمان والعدالة يعمّ طيب المولد و خلافه، وعدم قبول إسلامه يباين قوله سبحانه:«ولا تزر وازرة وزر أُخرى» بل المنشأ هو الروايات المتضافرة و إن كانت بعضها قاصرة السند لكن فيها صحيحة و موثقة ، و يشدّ بعضها بعضاً، على أنّ اتّفاق العامة على الجواز إلاّمالك في مورد يؤيد صدور هذه الروايات و أنّها ناظرة إلى ردّهم و إليك ما وردعنهم ـ عليهم السَّلام ـ :


1 . ابن قدامة: المغني: 10/263.


(316)

1ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:سألتهعن شهادة ولد الزنا فقال:لاولاعبد(1)وفيه دلالة على عدم قبول شهادة العبد أيضاً وإن كان المعروف عندنا قبول شهادته،فالرواية صحيحة سنداً ولولا هذا الذيل،كانتنقية مضموناً.

2ـ صحيح محمّد بن مسلم قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا تجوز شهادة ولد الزنا».(2) و وصفه صاحب الجواهر بالخبر، مع أنّه صحيح و لعلّه لأجل وجود محمّد ابن عيسى بن عبيد اليقطيني في السند و هو عندنا ثقة صرح به النجاشي و إن استثناه ابن الوليد عن رجال نوادر الحكمة.

3ـ معتبر أبي بصير قال: سألت أبا جعفر عن ولد الزنا أتجوز شهادته؟ فقال: «لا»، فقلت: إنّ الحكم بن عُتَيْبَة يزعم أنّها تجوز؟ فقال: اللّهمّ لا تغفر ذنبه ما قال اللّه للحكم«وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ)(3).(4) ووصفه في الجواهر بالخبر، والأردبيلي بالرواية، وما هو إلاّلورود سهل بن زياد في سنده، والأمر في سهل، سهل و أمّا أبان فهو أبان بن عثمان الذي يعدّ من أصحاب الإجماع وقد أوضحنا معنى الكلمة المعروفة في حقّه أنّه «ناووسي» في كتابنا: كليات في علم الرجال.

4ـ موثقة عبيد بن زرارة عن أبيه قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لو أنّ أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل و فيهم ولد زنا لحددتهم جميعاً لأنّه لا تجوز شهادته ولا يؤمّ الناس».(5) وفي السند إبراهيم بن محمّد بن الأشعري القمي الذي وثقة النجاشي و ابن فضال الفطحي الثقة ، و عبيد بن زرارة الذي وصفه النجاشي بأنّه ثقة ثقة.

5ـ و مرسلة العياشي عن عبيد اللّه الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «ينبغي لولد الزنا أن لا تجوز له شهادته و لايؤم الناس».(6) وهي مشعره بالكراهة.


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31، أبواب الشهادات، الحديث 6و3.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31، أبواب الشهادات، الحديث 6و3.
3 . الزخرف:44
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 4، 9، 8.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 4، 9، 8.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31 من أبواب الشهادات، الحديث 1، 4، 9، 8.


(317)

6ـ خبر علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: «لا يجوز شهادته و لايؤم».(1)

ولعلّ هذا المقدار من الروايات التي فيها الصحيح و الموثق كاف في تخصيص الكتاب والسنة.

بقي الكلام في ما استثناه الشيخ و ابن حمزة من قبول شهادته في الشيء الدون وقد وردت به رواية.و هي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه سئل عن شهادة ولد الزنا فقال: «لا تجوز إلاّ في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً ».(2) رواه عيسى بن عبد اللّه ابن سعد بن مالك القمي الذي روى الكشي في حقّه أنّ الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «هو منّا أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ».(3)

وقد أفتى بمضمونه الشيخ في النهاية و ابن حمزة في الوسيلة كما عرفت و وصفه المحقّق بالندرة والمراد كونه متروكاًغير معمول به وإلاّ فالسند صحيح والرواية مروية عن الحسين بن سعيد الأهوازي الثقة عن فضالة بن أيوب الأزدي الثقة، عن أبان بن عثمان و هو من أصحاب الإجماع عن عيسى بن عبد اللّه القمي. و حمله في الوسائل على التقية.

وقال الأردبيلي: في الطريق ضعف (4) و أجاب العلامة في المختلف عن الاستدلال بالرواية بأنّ قبول شهادته في اليسير يعطي المنع من قبول الكثير من حيث المفهوم ولا يسير إلاّ و هو كثير بالنسبة إلى مادونه فإذن لا تقبل شهادته إلاّفي أقلّ الأشياء الذي ليس بكثير بالنسبة إلى مادونه إذ لا دون له، و مثله


1 . قرب الاسناد/122، و ما في الوسائل«تجوز شهادته» محمول على سقط حرف النفي من نسخته وقد صرّح بأنّ المثبت فمن مسائل علي بن جعفر هو لا تجوز.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 31 من أبواب الشهادات، الحديث 5.
3 . الكشي: معرفة الرجال: 281.
4 . الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/381 ولم يعلم وجه الضعف ولعلّه خفي عليه المراد من عيسى بن عبد اللّه و لكنّك عرفته شخصه بقرينة نقل أبان عنه.


(318)

لايتملك.(1)

يلاحظ على الأخير بأنّ المراد هو الشيء اليسير العرفي و من المعلوم أنّه في العرف مضبوط و إن كان يختلف حسب الأجواء والبيئات.

وهل الممنوع هو الشهادة والإمامة أو يعم المنعُ غيرهما كاستماع الطلاق و النكاح و لعلّ الثاني هو الأجود لأنّ الغاية من الاستماع هو الشهادة فلو كانت شهادته غير جائزة تكون قرينة على انصراف الدليل عن مثله فلا يكفي حضور ولد الزنا في مجلس العقد و الطلاق و إن لم يشهد بعدُ.

حكم من نالته بعض الألسن بكونه ولد زنا

قال المحقق: ولو جُهِلت حاله قُبلت شهادته و إن نالته بعض الألسن.

وقد علل القبول بإطلاق الأدلة و عمومها والمراد إطلاق أدلة حجّية قول العادل و عمومها.

يلاحظ عليه: بأنّه من قبيل التمسك بالإطلاق والعام في الشبهة المصداقية لأنّ الفرد المبهم دائر بين كونه داخلاً تحت العام أعني قوله سبحانه: «وأشهِدُوا ذَوي عَدل مِنكُم» (الطلاق/2) أو خارجاً عن تحته وواقعاً تحت المقيّد والمخصص و في مثله لا يُتمَسّك بواحد منهما بل يكون المرجع هو الأصل العملي.

نعم يمكن التمسك بقاعدة الفراش إذا ولد مِنْ أُمّ لها فراش و إن اشتهر في الألسن أنّه وليد غير زوجها فما لميثبت الثاني فهو محكوم بكونه وليد الفراش.

ويظهر من صاحب الجواهر قبول شهادته و إن لم تكن هناك قاعدة الفراش قال: بل و لو لم يكن فراش على الأصح في نحوه مما جاء النهي فيه على طريق


1 . ابن المطهر : المختلف الشيعة، كتاب الشهادات:166.


(319)

المانعية الظاهرة في اختصاص المعلوم دون المشكوك فيه الداخل في العمومات.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر كلامه هو اختصاص المخصص بالمعلوم دون المشكوك والحقّ انّ الخارج هو ولد الزنا بوجوده الواقعي سواء كان معلوماً أو مجهولاً أو مشكوكاً، فلا يصحّ التمسك بالعمومات لكونه شبهة مصداقية للعام حسب الإرادة الجدّية.

ثمّ إنّه يظهر منه تصحيح شهادته عن طريق آخر و هو تنقيح موضوع العام المخصص بأصل شرعي و إحرازه به فيحكم بطهارة مولد كلّ من لم يعلم أنّه ابن زنا .

ولعلّ مراده هو التمسك باستصحاب العدم الأزلي في مورد الفرد المبهم حيث لم يكن ولد زنا قبل الولادة فنشك في انقلابه إلى خلافه بعد الولادة فيستصحب فيحكم عليه بكونه باقياً على العنوان العدمي إلى حين الولادة فيبقى تحت العام .

يلاحظ عليه : بتغاير القضيتين فإنّ المتيقن عدم كونه ولد زنا في حال عدم الموضوع والمشكوك كونه كذلك بعد الولادة و إن شئت قلت المتيقن هو السالبة بانتفاء الموضوع و المشكوك هو السالبة بانتفاء المحمول و إسراء حكم أحدهما إلى الآخر أشبه بالقياس و أنسب بالأصل المثبت.

تمّ الكلام في شرائط الشاهد و لندخل في بيان مستند الشهادة.


1 . النجفي: الجواهر:41/121 وفي العبارة حزارة والأولى أن يقول: الظاهرة في اختصاصها بالمعلوم دون المشكوك فيه فيدخل المشكوك في العمومات.


(320)

المقصد الثاني
في مستند الشهادة

و قد عبّرنا عنه في صدر الكتاب بقولنا: «بماذا يصير الشاهد شاهداً».

اتّفقت كلّمتهم على أنّه يشترط في الشهادة أن تكون مستندة إلى العلم إلاّ ما خرج ممّا تكفي فيه الاستفاضة و الشياع و إن لم تكن مفيدة للعلم كما سيوافيك الكلام في الاستثناء وإليك كلمات الأصحاب:

1ـ قال المفيد: و أذا نسي الشاهدُ الشهادةَ، أو شكّ فيهالم يجُز

له إقامتها، وإن أُحضِرَكتاب فيه خطّيعتَقد أنّه خطّه، ولم يَذكر الشهادة، لم يشهد بذلك، إلاّ أن يكون معه رجل عدل يُقيم الشهادة فلا بأس أن يشهد معه.(1)

2ـ وقال الشيخ :لا يجوز للشاهد أن يشهد حتى يكون عالماً بما يشهد به حين التحمل وحين الأداء لقوله تعالى: «وَ لاتَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم» (الاسراء/36) وقال تعالى: «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (الزخرف/86).

و روى ابن عباس قال: سُئل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن الشهادة فقال: هل ترى الشمس ؟ قال: نعم قال: على مثلها فاشهد أودع.(2)

3ـ وقال أيضاً: وإذا أراد إقامة شهادة، لم يجز له أن يقيم، إلاّعلى ما يعلم، ولا يعوِّل على ما يجد خطّه، به مكتوباً. فإن وُجد مكتوباً و لم يذكر الشهادة لم يَجز


1 . المفيد: المقنعة:728.
2 . الطوسي: المبسوط: 8/180و لاحظ ص330.


(321)

له إقامتها فإن لم يذكر، شهد معه آخر ثقة، جاز له حينئذ إقامة الشهادة.(1)

4ـ وقال أبو الصلاح الحلبي: ولا يحلّ أن يتحّمل شهادة لا يعلم مقتضاها من أحد طُرقِ العلم و إن رأى خطّه.(2)

5ـ و قال ابن البرّاج: إذا أراد إقامة شهادة لم يجز له إقامتها إلاّ على ما يعلم ولا يعتمد على خطّه إن لم يكن ذاكراً للشهادة فإن لم يذكره وشهد معه آخر، جاز أن يقيمها والأحوط الأوّل.(3)

6ـ وقال ابن حمزة: لا تجوز إقامة الشهادة لأحد إلاّ أن يتحمّلها وهو عالم بها والعلم يحصل في ذلك بأحد ثلاثة أشياء: بالشهادة وحدها، وبالسماع والمشاهدة معاً، وبالسماع والاستفاضة.(4)

7ـ وقال ابن إدريس: و إذا أراد إقامة شهادة لم يجز له أن يُقيم إلاّ على ما يعلمه و يُتقنه و يقطع عليه ولا يعوِّل على ما يجد خطّه به مكتوباً، أو خاتمه به مختوماًلما قدّمناه من قوله تعالى: «وَ لاتَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم» (الإسراء/36) وقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لما سئل عن الشهادة فقال للسائل: فهل ترى الشمس، على مثلها فاشهد أو دع.(5) و ما روي عن الأئمّة الأطهار ـ عليهم السَّلام ـ في مثل هذا المعنى أكثر من أن تحصى قد أورد بعضه شيخنا أبوجعفر في استبصاره ثمّ نقل عن الشيخ الاعتمادَ على خطّ الشاهد و الخاتم إذا شهد معه ثقة، ثمّ ردّ عليه بأنّه خبر واحد و قد عدل عنه الشيخ في استبصاره.(6)

8ـ وقال المحقّق: والضابط العلم ثمّ استدل بآية سورة الإسراء وحديث الرسول.(7)


1 . الطوسي: النهاية:330.
2 . الحلبي: الكافي: 136.
3 . ابن البرّاج: المهذّب: 2/561.
4 . ابن حمزة: الوسيلة: 232.
5 . الوسائل: الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 3، مرسلة المحقق.
6 . ابن إدريس: السرائر: 2/131.
7 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/132.


(322)

9ـ وقال العلاّمة: مستند الشهادة هو العلم إلاّ ما استثنى.(1)

10ـ قال الشهيد الثاني: الأصل في الشهادة البناء على العلم واليقين ثمّ استدل بالآية والحديث النبوي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(2)

11ـ وقال المحقّق الأردبيلي: مستند الشهادة وما يصير به الشاهد شاهداً هوالعلم اليقيني إلاّ ما استثنى من الشهادة والاستفاضة في الأُمور الخاصة.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات و يدل عليه مضافاً إلى ما عرفت في كلماتهم من الآية و الرواية النبوية ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ روايات:

1ـ موثقة السكوني قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا تشهد بشهادة لا تذكرها فإنّه من شاء كتب كتاباً و نقش خاتماً».(4)

2ـ خبر عليّ بن غياث عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «لا تشهدنّ بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك».(5)

3ـ صحيح الحسين بن سعيد قال: كتب إليه جعفر بن عيسى: جعلت فداك جاءني جيران لنا بكتاب زعموا أنّهم أشهدوني على ما فيه، وفي الكتاب اسمي بخطي قد عرفته، ولست أذكر الشهادة وقد دعوني إليها، فأشهد لهم على معرفتي أنّ اسمي في الكتاب و لست أذكر الشهادة؟ أو لا تجب الشهادة عليّ حتى أذكرها، كان اسمي في الكتاب أو لم يكن؟ فكتب: «لا تشهد».(6)

4ـ مرسلة الصدوق: قال: قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوماً».(7)


1 . ابن المطهر : إرشاد الأذهان:2/161.
2 . زين الدين العاملي: المسالك: 2/456.
3 . المحقّق الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/451.
4 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 4، 3، 2، و جعفر بن عيسى في السند ممدوح.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 4، 3، 2، و جعفر بن عيسى في السند ممدوح.
6 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 4، 3، 2، و جعفر بن عيسى في السند ممدوح.
7 . الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب الشهادات، الحديث 9.


(323)

نعم يُعارض ما ذكر صحيح عمر بن يزيد الثقة المعروف ببيّاع السابري قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الرجل يُشْهِدني على شهادة فاعرف خطي و خاتمي ولا أذكر من الباقي قليلاً و لا كثيراً قال:فقال لي: «إذا كان صاحبك ثقة و معه رجل ثقة فاشهد له».(1) و في سند الحديث الحسن بن علي بن النعمان وقد وثقه النجاشي فلا غبار على السند و قد أفتى بمضمونه المفيد في المقنعة، والشيخ في النهاية، وجعل ابن البرّاج الأحوط في خلافه و ردّه ابن إدريس بحماس و ربّما حُمل على حصول العلم من رؤية خطّه و شهادة أخيه و ردّعليه ابن إدريس بقوله: «و أيّ علم يحصل له إذا شهد معه آخر ثقة ولم يذكر هو الشهادة فهذا يكون شاهداً على شهادة و هو حاضر ولا تجوز الشهادة على الشهادة إلاّ إذا تعذّر على شاهد الأصل، الحضورُ و هاهنا شاهد الأصل حاضر و أيضاً فلابدّ أن يكون اثنين حتى يقوما مقامه و ههنا شاهد الفرع واحد».(2)

وعلى كلّ تقدير فالرواية مخالفة لمقتضى القواعد و لا يمكن رفع اليد عنها بهذا الخبر.

1ـ الشهادة استناداً إلى الاستصحاب

قد عرفت اتّفاقهم على اشتراط العلم في الشهادة فهل المراد من العلم في المقام، هو العلم المنطقي أي الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، أو العلم العرفي و هو الاطمئنان الذي بمنزلة العلم عندهم أو المراد هو الحجّة الأعم من العقلية و الشرعية و يعمّ الأُصول العملية وجوه، والكلام مركّز فعلاً على الاعتماد على الأدلّة الشرعية كالبيّنة و الاستصحاب و اليد و أصل البراءة أمّا البيّنة فسيأتي الكلام فيها و أنّها تكون من قبيل الشهادة على الشهادة، إنّما الكلام في الشهادة اعتماداً و


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
2 . ابن إدريس: السرائر: 2/132.


(324)

استناداً إلى الاستصحاب فربّما يقال بجواز الشهادة به و ذلك بوجهين:

1ـ الدليل العام الدال على حجّية الاستصحاب بناءً على إطلاقه الشامل لحال الشهادة.

يلاحظ عليه: أنّه ناظر لبيان تكليف نفس الإنسان المتيقّن سابقاً، حيث يجوز له الاعتماد عليه في طهارته وصلاته و صومه و أمّا جواز الاستناد إليه في مقام الشهادة على الغير فلا إطلاق فيه.

2ـ ما روي صحيحاً عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة ويدَع فيها عياله ثمّ يأتينا هلاكه و نحن لا ندري ما أحدثَ في داره ولا ندري ما أحدث له من الولد إلاّ أنّا لا نعلم انّه أحدث في داره شيئاً ولا حدَث له ولد، ولا تُقسَّم هذه الدار على ورثته الذين تَرك في الدارحتى يشهد شاهدا عدل أنّ هذه الدار دار فلان بن فلان مات و تركها ميراثاً بين فلان و فلان، أوَ نشهدُ على هذا؟ قال: نعم.

قلت: الرجل يكون له العبد والأمة فيقول: أبَقَ غلامي أو أَبَقَتْ أمتي، فيُؤخذ بالبلد فيكلفه القاضي البيّنة أنّ هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد على هذا إذا كَلفناه و نحن لم نعلم انّه أحدث شيئاً؟ فقال: «كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته، أو غاب عنك لم تشهد به».(1)

و يمكن الإجابة عنه ـ مضافاً إلى التعارض الصريح بين الصدر والذيل حيث إنّه جوّز الشهادة في مسألة الدار وحصر الوارث في الموجود فيها ولكنّه لم يجوّز في مورد العبد والأمة إذا ادعيا الحرّية حيث قال: «لم تشهد به» ـ أنّ المقصود هي الشهادة على حدّ علمه و هو أنّه كان مالكاً للدار قبل ثلاثين سنة و له من الأولاد ما علم حين ذاك و ليس له الشهادة زائداًعلى ما علم و هو أنّ الرجل كان


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 17من أبواب الشهادات ، الحديث 2.


(325)

مالكاً إلى موته و ليس له من الأولاد إلاّ هذا.

و يشهد لهذا الحمل روايته الأُخرى قال: قلت له: إنّ ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار مات فلان و تركها ميراثاً و انّه ليس وارث غير الذي شهدنا له، فقال : «اشهد بما هو علمك» قلت: إ نّ ابن أبي ليلى يُحلفنا الغموس، فقال: «احلف إنّما هو على علمك».(1)

وعلى ضوء ما ذكرنا يمكن دفع التعارض بين الصدر و الذيل بحمل النهي في الشق الثاني، على الشهادة ببقاء المشهود به على ما كان، ومن المعلوم عدم العلم ببقاء الوضع السابق إلى الآن و حمل الشق الأوّل على مقدار علمه وما ذكرنا من التفريق وإن كان تصرفاً في الرواية لكنّه بالنظر إلى روايته الأُخرى قريب.

وأمّا أثر هذه الشهادة، فيظهر فيما إذا لم تكن الدار، بيد الأولاد، فالشهادة على كون الأب مالكاً سابقاً، وهؤلاء أولاده في ذلك الظرف يجعلهم صاحب اليد، فمن ادعى خلافه، يكون مدّعياً تجب عليه إقامة البيّنة، نعم لا يجوز للشاهد أن يستصحب فيشهد، لأنّه شهادة على غير علم، نعم له العمل به في حياته الشخصية في مورد المشهود به، كما أنّه ليس للقاضي الاستصحاب لأنّ أدلّة القضاء منحصرة في البيّنة و اليمين و الإقرار، نعم له أن يتخذه حجّة حتى يثبت خلافه، لا أن يقضى على وفقه لأنّ من بيده الدار، له حجّة شرعية على مالكيته، ولا يحتاج إلى الحكم بأنّه له و إنّما يكون أثر العلم السابق أنّ للقاضي أن يطلب من مدّعي الخلاف البيّنة فإذا لم يأت به انتهى النزاع بعدم إثباته.

2ـ الشهادة استناداً إلى اليد

مقتضى القواعد ، عدم جواز الشهادة استناداً إلى اليد و إن كان يجوز


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 17 ، الحديث 1.


(326)

العمل بها فيما يرجع إلى الحياة الشخصية، كما يجوز له الإخبار بذلك عند السؤال، إذا لم يكن هناك ترافع و نزاع إنّما الكلام في الشهادة في المحكمة عند الترافع والتنازع اعتماداً على اليد، فالظاهر عدم الجواز لعدم العلم المعتبر في موضوع الشهادة ، لكن المتبادر من معتبرة حفص بن غياث، جوازها اعتماداً عليها. ففيها عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال قال له رجل: إذا رأيتُ شيئاًفي يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: «نعم» قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «أفيحلّ الشراء منه؟» قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه مِنْ قِبَلِه إليك» ثمّ قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(1)

أقول : إنّ هنا أُموراً ثلاثة:

1ـ جواز العمل بمقتضى اليد في الحياة الشخصية.

2ـ جواز الإخبار بأنّه له.

3ـ جواز الشهادة عند النزاع و الترافع استناداً إلى اليد.

والظاهر أنّ المراد من «الشهادة بأنّه له»؟ هو الإخبار بأنّه له، لا الاستناد إليه في مقام الشهادة والدليل عليه أمران:

أ: لوكان التسلط مسوِّغاً للشهادة يلزم عدم انفكاك ذي اليد عن البيّنة في مورد من الموارد لأنّ الاستيلاء يسمح لكل عادل أن يشهد أنّه له، مع أنّهم يقسمون ذا اليد إلى ذي بيّنة وعدمها.

ب: إنّ قوله: «و إلاّ لما قامَ للمسلمين سوق» دليل على جواز الاستناد إلى


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(327)

اليد في الحياة الشخصية، ومقام الإخبار لا غير.

والحاصل أنّ الأدلة الدالة على عدم جواز الشهادة إلاّ بالعلم قويّ لا يمكن تخصيصه بهذه الأُمور.

بقي الكلام في مورد واحد ربّما يعدّ نقضاً للقاعدة و هو جواز الشهادة على إقرار المرأة إذا حضر من يعرفها و إن لم يعرفها الشاهد، ففي خبر علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل ـ عليه السَّلام ـ قال: لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة و ليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها . (ولا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر فينظر إليها)، فأمّا إذا كانت لا تعرف بعينها ولا يحضر من يعرفها، فلا يجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر و ينظرون إليها. ومابين القوسين رواه الصدوق في الفقيه، كما أنّ ما بعدهما رواه الكليني في الكافي.(1)

و ربّما يستظهر من مكاتبة الصفار إلى أبي محمّد الحسن بن علي عليمها السَّلام التعارض وهي : في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر و يسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك و هذا كلامها، أو لا تجوز الشهادة حتى تبرزنَّ وتثبتها بعينها ؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «تتنقب و تظهر للشهود إن شاء اللّه» وقال الصدوق :وهذا التوقيع عندي بخطه ـ عليه السَّلام ـ (2) .

وفي الجواهر أنّ قوله: «تتنقب و تظهر للشهود» محمول على التقيّة لما ورد في


1 . الفقيه: 3/40، الكافي: 7/400، والعجب أنّ صاحب الوسائل، صرح في فهرس الوسائل: ج18، الباب 43 من أبواب الشهادات بأنّ في هذا الباب ثلاثة أحاديث مع أنّه في المطبوع الذي بأيدينا ليس فيه إلاّ حديث واحد و هذا دليل على أنّ النسخة غير صحيحة ، و قد رأيت فيما بعد الحديث في نسخة الوسائل تحقيق مؤسسة آل البيت، ج27، ص 401، الباب 43 من أبواب الشهادات، الحديث 3.
2 . الفقيه:3/40، برقم 132. و قد سقط من الوسائل المطبوعة.


(328)

الرواية الأُولى: «من أنّه لا يجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر إليها» .

ولا وجه للحمل على التقية، إذمن الجائز أن يكون لتحمّل الشهادة طرق ثلاثة:

1ـ أن يعرفها الشاهد.2ـ أن يحضر في مجلس الشهادة من يعرفها.3ـ أن تبرز بالنقاب الذي يستر شيئاً من الوجه ، ويبدي شيئاًو ليست المكاتبة صريحة في ردّ الأوليين. وعلى كلّ تقدير، فالرواية الأُولى محمولة على ما إذا حصل العلم و أمّا تخصيص الأدلة فهو بعيد لإباء لسان عمومات اشتراط العلم.

مستند الشهادة إمّا مشاهدة أو سماع أو كلاهما

إذا كانت صحّة الشهادة مشروطة بعلم الشاهد، فإنّ أدوات العلم إمّا الشهود بالعين، أو السماع أو بهما.

فلا يشهد على الأفعال إلاّ بالمشاهدة، ولأنّ آلة السمع لا تدركها كالغصب و السرقة والقتل والرضاع و الولادة و الزنا و اللواط فلا يصير شاهد اً بشيء إلاّ مع المشاهدة من غير فرق بين كونه سامعاً أو أصم، لأنّ السمع ليس دخيلاً فيها و يكفي في حقّه الإطلاق.

ومايخالفه أعني ما رواه إسماعيل بن مهران الثقة، عن درست، عن جميل قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن شهادة الأصم في القتل؟ فقال: «يؤخذ بأوّل قوله ولا يؤخذ بالثاني»(1) ، فهو مخدوش من جهات:

1ـ عدم صحّة السند ، فانّ درست بن منصور لم يوثق.

2ـ احتمال كون الأصم مصحف «الصبي» حيث ورد فيه هذا المضمون


1 . الوسائل: الجزء 18، الباب 43 من أبواب الشهادات، الحديث3.


(329)

فيـه.

قال في الوافي: و العلّة فيه غير ظاهرة و يحتمل أن يكون قد بُدِّل الصبي بالأصم فإنّ الصبي هو الذي يختلف في قوله ولا دخل للسمع في شهود القتل و صدوره من المشهود عليه و إنّما المدار على البصر.(1)

3ـ على أنّ الثاني لو كان منافياًللأوّل كان رجوعاًعن الشهادة فلا يقبل و إن لم يكن منافياً، لا يكون ثانياً.(2)

والظاهر قبول شهادته فيما يعتبر فيه المشاهدة فقط.وقال سيّدنا الأُستاذ: يجوز للأعمى و الأصم تحمّل الشهادة و أداؤها إذا عرفا الواقعة و تقبل منهما فلو شاهد الأصمّ الأفعال جازت شهادته فيها ولو سمع الأعمى و عرف صاحب الصوت علماً جازت. وكذا يصحّ للأخرس تحمل الشهادة و أداؤها فإن عرف الحاكم إشارته يحكم و إن جهلها اعتمد فيها على مترجمين عدلين و تكون شهادته أصلاً. و يحكم بشهادته(3).

و سوف نرجع إلى البحث عن الأعمى والأخرس حسب ترتيب الشرائع و إن كان الأولى البحث عن الجميع في المقام و لكن المحقّق أخّر البحث عنهما.

كفاية العلم المستند إلى الحس

قد عرفت لزوم استناد الشهادة إلى العلم و أنّه لا تكفي فيها الظنون ولا الحجج الشرعية و مع ذلك يقع الكلام في موضعين:

1ـ هل يكفي مطلق العلم و إن كان مستنداً إلى غير الحس كالأسباب غير


1 . الفيض: الوافي: أبواب قضاء الشهادات/146، الطبعة الحجرية.
2 . النجفي، الجواهر: 41/128.
3 . الإمام الخميني: التحرير ، كتاب الشهادات، المسألة 4، ص 446.


(330)

العادية من الجفر والرمل و غيرهما أو يشترط أن يكون مستنداً إلى الأسباب العادية كالحواس الظاهرية. لا شكّ في اعتبار الثاني وانصراف الأدلّة عن الأوّل و إن كان القطع الحاصل منهما حجّة للقاطع في حياته الشخصية و هذا كاشتراط كون الفتوى مستنبطة من الكتاب و السنّة والعقل و لا اعتبار بالمستنبطة من غيرها.

2ـ هل يكفي مطلق العلم الحاصل من الأُمور العادية و الحواس الظاهرية من دون التزام أن يكون العلم المتعلِّق بالمبصرات، حاصلاً من الإبصار والمشاهدة، بل يكفي و إن حصله من السماع، و بالعكس أولا، مثلاً لو حصل العلم بالقتل الذي هو من المبصرات من الخبر المتواتر أو المحفوف بالقرينة فهل للشاهد أن يشهد بالمسبب ـ مضافاً إلى السبب ـ بحجّة أنّ الملاك هو العلم الحاصل من الحس والمفروض أنّه حاصل من سماع الخبر المتواتر أو لا يكفي بحجّة أنّ المتيقن من الأدلة هو استناد الشهادة إلى العلم الحاصل من الحس المختص بنوع الواقعة وهو المشاهدة في المبصرات والسماع في المسموعات قولان.

ذهب صاحب الرياض إلى المنع، خلافاً لصاحب الجواهر حيث اختار الجواز واستدل القائل بالمنع بوجوه و هي:

1ـ إنّ الشهادة مأخوذة من الشهود و هو لغة الحضور، و المعتمد على السماع في المبصرات لم يحضر الواقعة فلايقال له إنّه شهد و حضر بل يوصف الشاهد بأنّه لم يكن شاهداً و حاضراً للمشهود به.

2ـ إنّ في قول النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و قد سئل عن الشهادة و قال: «هل ترى الشمس على مثلها فاشهد أو دع»(1) إشعاراً باعتبار الرؤية في الشهادة في خصوص المبصرات و مثله قول الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :«لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك».(2)

3ـ إنّ القطع المستند إلى الحس الباطني ربّما يختلف شدّة و ضعفاً فكيف يطمئن بشهادته و هذا .

4ـ و هذه الوجوه و إن اقتضى عدم الاكتفاء بالعلم المستند إلى التسامع والاستفاضة في ما سيأتي من الموارد السبعة إلاّ أنّ الإجماع كاف في الاكتفاء به فيها مضافاً إلى قضاء الضرورة و مسيس الحاجة إليه اللّذين استدلوا بهما للاكتفاء به.


1 . النوري: المستدرك، الجزء 17 ، الباب 15 من كتاب الشهادات، الحديث 2.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب الشهادات، الحديث 3.


(331)

5ـ و لو شككنا في كفاية السماع في مورد المبصرات فمقتضى الأصل هو عدم القبول.(1)

هذا خلاصة ما أفاده القائل بالمنع و أجاب صاحب الجواهر عن هذه الوجوه بما يلي بتلخيص منّا:

1ـ لو كان الحضور شرطاً في صحّة الشهادة فليس لنا أن نشهد بتنصيب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ للإمامة ولا على ما صدر من الخلفاء بالنسبة إلى بنته و حبيبته إذ لم نكن نحن حاضرين في الواقع مشاهدين إيّاه بل وصل إلينا من طريق السماع.

2ـ لو كان الإبصار بالعين شرطاً في الشهادة في مورد المبصرات لزم عدم صحّة شهادة الأعمى فيها مع ما ورد من صحّة شهادته إذا أثبت.(2)

3ـ إنّ الموارد السبعة مستثناة من اعتبار العلم في الشهادة حيث إنّه يشترط فيها العلم إلاّ هذه الموارد بل يكفي فيها الظن المتاخم للعلم الذي يعبر عنه بالاطمئنان وقد غفل المستدل و زعم أنّها مستثناة من شرطية المشاهدة في المبصرات إلاّ فيها. نعم عبارة المحقق ـ كما يأتي في البحث التالي ـ يوهم ذلك.

4ـ إنّ الشهادة هو الإخبار الجازم من غير مدخلية الحضور فعندئذ يكون


1 . السيّد علي: رياض المسائل: 2/381.
2 . الوسائل: الجزء 18، الباب 42 من كتاب الشهادات، الحديث 1، 2، 4.


(332)

العلم الضروري الحاصل من المتواتر كالعلم الحاصل من المشاهدة.

5ـ والذي يدل على عدم اعتبارها أنّ الشهادة لا تتوقف على المشاهدة و السماع بل يكفي الذوق في المذوقات والشم في المشمومات، و الحس في الملموسات.(1)

ويؤيد ما ذكره من أنّ استثناء السبعة يرجع إلى الاستثناء من لزوم تحصيل العلم هو أنّ العلامة ذكر في موردها العبارة التالية و قال: الشرط الرابع العلم و هو شرط في جميع ما يشهد به إلاّ النسب، و الملك المطلق، و الموت، و النكاح، و الوقف، و العتق و الولاء فقد اكتفى في ذلك بالاستفاضة بأن تتوالى الأخبار عن جماعة من غير مواعدة أو تشتهر حتى يقارب العلم.(2)

و نقول إكمالاً لدليل المجوّز: إنّ الشهادة و إن كان يستعمل في معنى الحضور كما في قوله:«وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنين» (النور/2) أي فليحضر عذابهما طائفة منهم، لكنّه استعمل في الذكر الحكيم في مطلق العلم الجازم قال سبحانه حاكياً عن لسان اخوة يوسف: «فَقُولُوا يا أبانا إنّ ابنكَ سَرَقَ و ما شَهِدْنا إلاّ بما عَلِمْنا» (يوسف/81) مع أنّهم لم يحضروا وقت السرقة و إنّما علموا بها من إخراج صواع الملك من رحله، ومع ذلك قالوا «وما شهدنا» و منه قوله سبحانه: «شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ المَلائِكَةُ وَ أُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ» (آل عمران/18) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي استعملت فيها تلك المادة في مطلق العلم و التفريق بين هذه الآيات والروايات الواردة في باب ثبوت الدعوى بشهادة العدلين بتخصص الثانية للمشاهدة والرؤية، تفكيك بلا وجه بعد كون المادة موضوعة للمعنى الواحد و مستعملة في جميعها بملاك فارد.

و أمّا الروايتان فهما ناظرتان إلى لزوم تحصيل العلم القطعي و عدم كفاية الظن لا إلى أنّه تشترط المشاهدة في المبصرات.


1 . النجفي: الجواهر: 41/130.
2 . ابن المطهر: إرشاد الأذهان:2/16.


(333)

والحقّ أنّ العمومات الواردة في باب الشهادات تعمّ العلم بكل خبر يكون العلم مستنداً إلى الحس سواء كان مدركاً بالمشاهدة أو بغيرها و لأجل ذلك نكتفي في غير المبصرات و المسموعات بالحواس الثلاثة الأُخر.

نعم يجب أن لا يتسرّع الشاهد فيتخيل الظنَ الغالب علماً كما أنّه ربّمايقطع بما لا يفيد القطع خصوصاً إذا انضم إليه بعض الأغراض النفسانية بخلاف العلم الحاصل بالأُمور المفيدة له. عرفاً عند المستقيمين الخالين عن الأغراض الذين لهم قابلية النقد والتميز بين المراتب فانّه لا يتخلّف غالباً.(1)

ما يكفي فيه التسامع والشياع

واعلم أنّ المحقّق ذكر أنّ مستند الشهادة إمّا المشاهدة أو السماع أو هما فقال، فما يفتقر إلى المشاهدة، الأفعال، ـ إلى أن قال: ـ «و ما يكفي فيه السماع فالنسب و الموت والملك المطلق، لتعذّر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب.(2)

و الظاهر أنّ قوله: «فما يكفي فيه السماع» تبيين للشق الثاني من مصادر الشهادة حيث جعل مصدر الشهادة المشاهدة تارة و السماع أُخرى، و يؤيد ذلك أنّه لا يذكر ما يكفي فيه السماع بعد ذلك شيئاً و إنّما ينتقل بعد ذكر أُمور ترتبط بالاستفاضة، إلى الثالث أعني ما يشترط فيه المشاهدة والسماع.

و هناك احتمال آخر و هو أنّه ليس راجعاً لبيان حكم الشق الثاني بل العبارة ناظرة إلى الاستثناء من شرطية العلم و أنّه ليس بشرط في الموارد الثلاثة التي ذكرها و على ذلك فالسماع في عبارته بمعنى التسامع المرادف بالشياع والاستفاضة. و تشهد بذلك عبارة العلاّمة في الإرشاد حيث قال: الرابع من الشرائط العامة: العلم و هو شرط في جميع ما يشهد به إلاّ النسب إلى آخر ما ذكره.


1 . النجفي: الجواهر: 41/131.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/132.


(334)

و اعلم أنّ في الاستفاضة مسألتين:

الأُولى: ماذا يثبت بالاستفاضة؟ و قد مرّ البحث عنهما في كتاب القضاء حيث قال المحقق : تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة و كذا يثبت بها النسب و الملك المطلق و الموت والنكاح و الوقف والعتق، فللقاضي أن يقضى بهذه الأُمور لو ثبت عنده بالاستفاضة.(1)

الثانية: هل يجوز للشاهد أن يشهد بما ثبت عنده بالاستفاضة لا بالمشاهدة و الرؤية و هذه هي المبحوث عنها في المقام .

نعم إنّ المحقّق أيضاً ينتقل إلى البحث عن المسألة الأُولى أيضاً في المستقبل فانتظر.

وعلى كلّ تقدير فقد اختلفت كلمتهم فيما يصحّ الشهادة عليه بالاستفاضة فقد استثنى ابن الجنيد النسب فقط قال:

1ـ لا تصح الشهادة بالشائع من الأُمور إلاّ أن تتصل الشهادة بالشهادة إلى إقرار، أو رؤية إلاّ في النسب و حده.(2)

2ـ قال الشيخ: فأمّا ما يقع العلم به سماعاً فثلاثة أشياء: النسبِ و الموتِ و الملكِ المطلق.

ومراده من العلم هو الاطمئنان أو الظن القوي المتاخم للعلم بشهادة ذيل كلامه حيث قال:

أمّا النسب فإذا استفاض في الناس أنّ هذا فلان بن فلان صار متحملاً للشهادة له بالنسب ـ إلى أن قال:ـ و لأنّه لا يمكنه التوصل إلى معرفته قطعاً فصار عالماً متحمّلاً للشهادة بالاستفاضة.

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ أفاض الكلام في الموت و الملك المطلق و قال ما هذا حاصله:


1 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/70.
2 . ابن المطهر: المختلف، كتاب الشهادات177.


(335)

وأمّا الموت فكذلك يتحملها بالاستفاضة لأنّ أسباب الموت كثيرة مختلفة فإذا سمع الناس يقولون قد مات فلان صار شاهداً بموته.

و أمّا الملك المطلق فكذلك إذا استفاض في الناس أنّ هذا ملك فلان من دار أو دابة أو عبد أو ثوب صار شاهداً بذلك لأنّ أسباب الملك كثيرة مختلفة، يُملك بالشراء، و الهبة، والغنيمة، والإحياء، والإرث، فلهذا صار به شاهداًبالاستفاضة كالموت والنسب سواء. فإذا ثبت هذا فإنّما يشهد بالملك المطلق بالاستفاضة دون سببه فلا يقول ملكه بالشراء أو بالهبة أو بالإحياء أو غنيمة لأنّ هذه الأسباب لا يشهد بها بالاستفاضة.(1)

3ـ وقال في الخلاف: تجوز الشهادة على الوقف والولاء و العتق والنكاح بالاستفاضة كالملك المطلق و النسب وللشافعي فيه وجهان فقال الاصطخري مثل ما قلناه و قال غيره لا يثبت شيء من ذلك بالاستفاضة ولا يُشهد عليها بذلك دليلنا أنّه لا خلاف أنّه يجوز لنا الشهادة على أزواج النبي و لم يثبت ذلك إلاّ بالاستفاضة لأنّا ما شهدناهم وأمّا الوقف فهو مبنيّ على التأبيد فإن لم تجز الشهادة بالاستفاضة أدّى إلى بطلان الوقوف لأنّ شهود الوقف لا يبقون أبداً فإن قيل يجوز تجديد شهادة على شهادة أبداً قلنا: الشهادة على الشهادة لا تجوز عندنا إلاّ دفعة واحدة وأمّا البطن الثالث فلا يجوز على حال. و على هذا يؤدي إلى ما قلناه.(2)

فلو ذكر الشيخ في المبسوط موارد ثلاثة، فقد أضاف في الخلاف إليها موارد أربعة فصارت الموارد سبعة.

4ـ وقال قطب الدين الكيدري: ولا يحصل العلم بالمشهود عليه إلاّ بمشاهدة أو سماع أو بهما معاً ـ إلى أن قال ـ و الثاني (السماع): النسب و الموت والملك المطلق يعلم ذلك بالاستفاضة.(3)


1 . الطوسي: المبسوط: 8/180ـ 181.
2 . الطوسي: الخلاف، كتاب الشهادات، المسألة 15.
3 . قطب الدين الكيدري: اصباح الشيعة: 531.


(336)

5ـ وقال المحقّق في المختصر النافع:أمّا السماع فيثبت به النسب و الملك والوقف و الزوجية.(1) فقد ذكر منها أربعة مع أنّه اكتفى في الشرائع على الثلاثة حيث قال:

6ـ و ما يكفي فيه السماع فالنسب والموت والملك المطلق لتعذّر الوقوف عليه.(2)

7ـ وقال العلاّمة:و يثبت بالسماع: النسب والملك المطلق و الوقف و الزوجية.(3)

وقد اقتصر على موارد أربعة: مع أنّه وسَّع الأمر في الإرشاد حيث قال: و العلم شرط في جميع ما يُشهد به إلاّ النسب و الملك المطلق و الموت والنكاح والوقف و العتق و الولاية فقد اكتفى في ذلك بالاستفاضة.(4)

إنّ المستثنى منه في كلام الكيدري و المحقّق، هو الرؤية و المشاهدة و أنّه لا يعتبر فيها المشاهدة، لا أنّه لا يعتبر فيها العلم، نعم صريح كلام الشيخ و العلاّمة، انّ المستثنى منه هو اعتبار العلم إلاّ في هذه الموارد، و قد استثنى في بعض الكلمات أربعة، وفي بعضها سبعة، إلى سبعة عشر.

و الدليل على الاستثناء أمران:

1ـ مرسل يونس: «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات، والتناكح والأنساب و الذبائح والشهادات » (5) إذا فسر الحكم بحكم الناس، وقد مرّ تفسيره في محلّه.(6)


1 . نجم الدين الحلي: المختصر النافع:289، ط مصر.
2 . نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/133.
3 . ابن المطهر: تبصرة المتعلّمين.
4 . ابن المطهر: الإرشاد: 2/160.
5 . الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
6 . لاحظ ج1من هذا الكتاب.


(337)

2ـ ما ورد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في قضية إسماعيل ـ عندما دفع بضاعته لشارب الخمر ليتّجربه ولامه الإمام واعتذر اسماعيل بأنّه لم يره يشرب الخمر إنّما سمع الناس يقولون ـ : « يا بنيّ إنّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه :«يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ» يقول: يصدِّق اللّه و يصدّق للمؤمنين». (1)

أقول: الحديث الأوّل مرسل يشمل على غير ما ذكره الأصحاب، و لا صلة للثاني بالمقام إذ ليس المراد من ا