welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الملل والنحل /ج4 (حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب )

بحوث
في الملل والنحل

دراسة موضوعية مقارنة للمذاهب الاسلامية

الجزء الرابع

ويتناول حياة ابن تيمية وابن عبد الوهاب وعقائدهما

الفقيه المحقّق

الشيخ جعفر السبحاني


(2)

المؤلف :   الاُستاذ المحقق الشيخ جعفر السبحاني

الموضوع:   حياة ابن تيميمه وابن عبد الوهاب وعقائدهما

الجزء:    الرابع

الطبعة:    الثالثة

المطبوع:    2000

التاريخ:    ربيع الثاني 1414 هـ

مؤسسة النشر الاسلامي

التابعة لجماعة المدرسّين بقم المقدسة


(3)


(4)


(5)

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الخاتم وعلى آله المصطفين الأخيار.

أما بعد: فهذا هو الجزء الرابع من موسوعتنا الكلامية حول المذاهب الإسلامية، ونستعرض فيه دراسة المذهب الوهابي الّذي نشأ في أوسط القرن الثاني عشر في إقليم «نجد» وقد غاب نجمه يوم طلوعه، وصار خامل الذكر، ثم أعيد الي الساحة الإسلامية في أواسط القرن الرابع عشر، بعد استيلاء العائلة السعودية على الحرمين الشريفين (مكة و المدينة)، وتبنّت الدعايات السياسية الزمنية ترويج ذلك المسلك بترغيب وإرهاب، وقامت الدوائر الإعلامية العالمية ـ عن طريق المجلات والصحف، والمؤلفين المأجورين الجدد ـ بنشر تعاليمه و تفاصيله. أسأل اللّه سبحانه أن يوفقنا في هذا الجزء، ويعيننا في هذه الدراسة، ويوصلنا إلى الحق الصواب إنه قريب مجيب.

إنّ المذهب الوهابي المفروض على الشعب المسلم في الجزيرة العربية وغيرها، قام على الأفكار الّتي ورثها مؤسّسها محمد بن عبدالوهاب (ت 1115 ـ م 1207) من أحمد بن تيمية (ت 661 ـ م 728) الّذي بذر هذه الأفكار في أواخر القرن السابع (698) وأوائل القرن الثامن، وكانت بذرته الّتي بذرها مودوعة في الكتب وزوايا المكتبات، إلى أن أحيى محمد بن عبد الوهاب ما دثره الدهر، واتّخذ من عقائد شيخه في المذهب ابن تيمية قاعدة


(6)

لمذهبه، وحذف منها ما يمتّ إلى مسألة التشبيه والتجسيم وإثبات الجهة والفوقية بصلة، واهتم بما يرجع من عقائده إلى مسألة التوحيد والشرك .

ولأجل أن تكون الدراسة متكاملة الأطراف، مترامية الجوانب، نشرع باذيء بدء دراسة حياة شيخه ابن تيمية أولا، ثم نعقبها بدراسة مجدّد مذهبه ومسلكه في القرن الثاني عشر الهجري، وإليك البحث عن حياة ابن تيمية وآراء معاصريه في حقّه، وآرائه، مع تحليل ما اعتمد عليه من الأُصول لمذهبه، ولكن بعد تقديم مقدّمة تكشف عن الظروف العصيبة الّتي أُلقيت فيها هذه البذرة، ونشأ فيها هذا المذهب .

قم ـ الحوزة العلمية

جعفر السبحاني

شوال المكرم / 1410 .


(7)

تصدير

كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة

دعامتان للإسلام

بُنىّ الإسلام على كلمتين هما دعامتاه المبدئيتان: كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة; أمّا الأُولى فقد دعا إليها النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، بل الأنبياء والمرسلون قاطبة، ولم يكن لهم هدف سوى إرساء قاعدة التوحيد والقضاء على الوثنية، وما سوى ذلك من التعاليم من فروع تلك الشجرة الطيبة وأغصانها وثمارها، ولولا هذا الأصل لما قام للدين عمود ولا اخضرّ للإسلام عود. قال سبحانه: (و لقد بَعَثْنَا في كُلِّ أُمَّة رَسُولا أنِ اعبُدُوا اللّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) .(1)

وأمّا الثانية فهي الدعامة الثانية لإرساء صرح الإسلام، بل هي الركن الركين لنشر تعاليمه وكبح جماح الجبابرة والطواغيت، ولولا وحدة الكلمة لكان الإسلام في بدء طلوعه فريسة لمطامع الظالمين، وقد دعا إليها الذكر الحكيم في غير مورد من آياته. قال سبحانه: (وَ اعتَصِموا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا واذكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُم إذْ كُنْتُم أعداءً فَألَّف بين قُلُوبِكُم فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْواناً)(2) .

وقد قام النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في دار هجرته بتجسيد مفهوم الاخوّة بين أصحابه، قال سبحانه: (إنَّما المؤْمنونَ إخوةٌ فأَصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُم)(3)،


1. سورة النحل : الآية 36 .
2. سورة آل عمران : الآية 103 .
3. سورة الحجرات : الآية 10 .


(8)

فآخى بين الأوس و الخزرج، وبين المهاجرين والأنصار، وآخى بين نفسه وصنوه وصهره عليّ صلوات اللّه عليه(1) .

ثمّ إنّ الرسول الأكرم ـ انطلاقاً من هذا المبدأ ـ شبّه المؤمنين مع كثرتهم ووفرتهم بالجسد الواحد وقال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد (الواحد) إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(2) .

ولقد كان النبي الأكرم يراقب أمر الأُمة، لا يشقّ عصاها منازع جاهل أو عدوّ غاشم، وكان يقودها إلى الأمام برعايته الحكيمة، وكلّما واجه خلافاً أو شقاقاً ونزاعاً بادر إلى ترميم صدعها بحزم عظيم وتدبير وثيق، ولقد شهد التاريخ له بمواقف في هذا المجال انتخبنا منها ما يلي:

1- انتصر المسلمون على قبيلة بني المصطلق وقتل من قتل من العدوّ وأُسر من أُسر منهم; فبينما رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على مائهم، نشب النزاع بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين، فصرخ الأنصاري فقال: يا معشر الأنصار، وصرخ الآخر وقال: يا معشر المهاجرين، فلما سمعها النبي، قال: دعوها فإنّها منتنة.. يعني إنّها كلمة خبيثة، لأنّها من دعوى الجاهلية، واللّه سبحانه جعل المؤمنين إخوة وصيّرهم حزباً واحداً، فينبغي أن تكون الدعوة في كل مكان وزمان لصالح الإسلام و المسلمين عامة، لا لصالح قوم ضدّ الآخرين، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية يُعزّر (3).

فالنبي الأكرم يصف كل دعوى تشقّ عصا المسلمين و تمزّق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة، فكيف لا يكون كذلك وهي توجب انهدام الدعامة للكيان الإسلامي، وبالتالي انقضاض صرح الإسلام .


1. راجع في الوقوف على مصادر الحديث كتاب الغدير. ج 3 ص 112 ـ 124 .
2. مسند أحمد ج 4 ص 270 .
3. السيرة النبويّة، ج 3 ص 303 غزوة بني المصطلق، ولا حظ التعليقة للسهبيلي، وراجع مجمع البيان، ج 5 ص 293 وغيره من التفاسير .


(9)

2- نزل النبي الأكرم دار هجرته والتفّت حوله القبيلتان: الأوس والخزرج، فمرّ شأْس بن قيس ـ الّذي كان شيخاً عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الّذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: قد اجتمع ملأُ بني غيلة بهذه البلاد، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار، فأمر فتىً شاباً من اليهود كان معهم فقال: اعمد اليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث، يوم اقتتلت فيه الأوس و الخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للأُوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ حضير بن سماك الأشهري، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي، فقتلا جميعاً .

دخل الشاب اليهودي مجمتع القوم فأخذ يذكر مقاتلتهم ومضاربتهم في عصر الجاهلية، فأحيى فيهم حميتها حتّى استعدوا للنزاع والجدال بحجة أنّهم قتل بعضهم بعضاً في العصر الجاهلي يوم بعاث، وأخذ الشاب يُؤجّج نار الفتنة ويصب الزيت على النار حتّى تواثب رجلان من الحيّين فتقاولا .

فبلغ ذلك رسول اللّه فخرج، إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتّى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين! اللّه، اللّه، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم اللّه بالإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر وألّف به بين قلوبكم؟

كانت كلمة النبي كالماء المصبوب على النار بشدة وقوة، حيث عرف القوم أنّها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مذعنين، متسالمين، مطيعين قد دفع اللّه عنهم كيد عدو اللّه شأْس بن قيس، فأنزل اللّه تعالى في شأْس وما صنع (1)..


1. السيرة النبوية ج 2 ص 250 .


(10)

3- كان لقضية الإفك في عصر الرسول دوىّ بين أعدائه، فكان عدوّ اللّه «عبد اللّه بن أُبي» يشيع الفاحشة ويؤذي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقام رسول اللّه في الناس يخطبهم، فحمد اللّه وأثنى عليه ـ ثم قال: «أيّها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق، واللّه ما علمت منهم إلاّ خيراً، ويقولون ذلك الرجل، واللّه ما علمت منه إلاّ خيراً، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلاّ وهو معي ـ و كان كبر ذلك الإفك عند عبد اللّه بن أُبي بن سلول في رجال من الخزرج .

فلمّا قال رسول اللّه تلك المقالة، قال «أسيد بن حضير» وكان أوسياً: يا رسول اللّه! إن يكونوا من الأوس نكفكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فواللّه إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم، فقال سعد بن عبادة ـ وكان خزرجياً ـ : كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم، أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلاّ أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد: ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين. و عندئذ تساور الناس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ. وفي لفظ البخاري: فصار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همُّوا أن يَقْتَتِلوا ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قائم على المنبر، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت(1) .

هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات الّتي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته وهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يصنع من الخلاف وئاماً ومن النزاع وفاقاً، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة، وما هذا إلاّ لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين: كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة .

وهذا صنو النبي الأكرم ووصيه وخليفته ـ إذ حرم من حقّه المشروع، وبدلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعدي، ثم إلى أُمّية ـ قد


1. السيرة النبوية ج 3 ص 312 ـ 313، و صحيح البخاري ج 5 ص 119 باب غزوة بني المصطلق .


(11)

بقي حليف بيته وأليف كتاب اللّه، وهو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل، بل يرى تراثه نهباً، ومع ذلك كله لم ينبس ببنت شفة إلاّ في موارد خاصة، حفظاً للوفاق والوئام، وهو ـ عليه السَّلام ـ يشرح لنا تلك الواقعة بقوله: «فواللّه ما كان يُلْقَى في رُوعي، وَ لا يَخْطُرُ ببالي، أنّ العَرَبَ تُزعِجُ هَذَا الأَمرَ مِنْ بَعْدِهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عَنْ أهْل بَيتِهِ، وَ لا أنّهُمْ مُنَحُّوهُ عنّي مِنْ بَعْدِهِ، فما رَاعَني إلاّ انثيالُ الناسِ على فُلان يُبَايِعُونَهُ فَأمْسَكْتُ يدي حتّى رأيتُ راجعة الناسِ قد رَجَعَتْ عن الإسلام يَدْعُونَ إلى مَحْقِ دينِ مُحَمّد فخَشيتُ إن لَمْ أنْصُرِ الإسلامَ و أهلَهُ أن أرَى فيه ثَلْماً أو هَدْماً تَكُونُ المُصيبَةُ بِهِ علىَّ أعْظمَ مِنْ فَوْتِ ولايَتِكُم، الّتي إنّما هِىَ مَتاعُ أيّام قَلائِلَ...»(1).

وعندما تسنّم سدّة الخلافة ورجع الحق إلى مداره، قام خطيباً فقال: «والزَمُوا السّوادَ الأعظَمَ، فإنَّ يدَ اللّهِ مَعَ الجماعَةِ و إيّاكُمْ و الفُرْقَةَ فإنّ الشّاذَّ مِنَ الناسِ للشيطانِ كَمّا أنّ الشّاذّ مِنَ الغَنَمِ للذِّئْبِ. ألا مَنْ دَعَا إلى هذا الشّعارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تحتَ عِمَامَتي هَذَهَ»(2) .

هذه هي سيرة النبي الاكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرة وصيّه وتلميذه، وهما تعربان عن أنّ حفظ الوحدة من أهمّ الواجبات وأوجب الفرائض، ولكن يا للأسف لم تراع الأُمّة نصح النبي الأكرم عبر القرون والأجيال، وهذه مأساة سقيفة بني ساعدة المسرحية وما تمخّض عنها. واقرأها بدقة وإمعان ترَ أنّ الجانبين المهاجرين والأنصار تشبّثوا بدعاوي منتنة تشبه دعوى الجاهلية، فمندوب الأنصار يجرّ النار إلى قرصه بحجة أنّهم نصروا النبي الأكرم و آووه، كما أنّ المتكلم عن جانب المهاجرين (و لم يكن في السقيفة منهم آنذاك إلاّ خمسة أشخاص) يراهم أحقّ بتداول الخلافة بحجة أنّهم عشيرة النبي الأكرم، وفي الوقت نفسه لم نجد في كلامهما ما يشير إلى ما يخدم صالح الإسلام والمسلمين، وأنّ المصالح الكبرى تكمن ضمانتها في تنصيب من توفّرت فيه شرائط وسمات وملامح القيادة الربّانية دون سائر أفراد الأُمّة .


1. نهج البلاغة، الرسالة 62 .
2. نهج البلاغة، الخطبة 127 .


(12)

وقد توإلى الخلاف والشقّاق، ودارت الدوائر على المسلمين بعد مقتل عثمان وانتخاب علي ـ عليه السَّلام ـ للزعامة باتفاق المهاجرين والأنصار، إلاّ من شذّ ولا يتجاوز عددهم خمسة، وعند ذلك ثقل على الأُمّة عدل علىّ وسيرته، فثارت الضغائن البدرية ضدّه فوقع ما وقع، وتوالت الوقائع والأحداث، فجاءت وقعة الجمل الّتي أُريقت فيها دماء المسلمين، لأجل إزالة الإمام وتنحيته عن حقّه ومقامه. وبعد ما انتصر الإمام على الناكثين وعاد الحق إلى مقره، نجم قرن آخر تمثل في وقعة صفين الّتي ذهبت ضحيتها عشرات الآلاف من المسلمين، إلى أن انتهى الأمر إلى وقعة النهروان الّتي شغلت بال الإمام واستنفدت طاقات المسلمين، واستشهد الإمام، والمسلمون بعد لم يندمل جرحهم، وبويع ولده الإمام الحسن السبط للخلافة، وأخذ بزمام الأمر أشهراً قلائل، غير أنّ ابن ابي سفيان شنّ الغارة على العراق وشيعة الحسن ـ عليه السَّلام ـ ومبايعيه، فانجرّ الأمر إلى التصالح، وأُنيخ جمل الخلافة على باب بني أُميّة يتداول كرتها واحد بعد واحد، حتّى انتكث عليهم فتلهم وأجهز عليهم عملهم بانتفاضة الأُمة ضدّهم، إلى أن استولى العباسيون فصاروا خلفاء الأُمة وقادتها، ولم يكونوا بأحسن من الأمويين .

يا ليت جور بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العباس في النار

كان العباسيون يتوارثون الخلافة من الآباء إلى الأولاد، و كان للإسلام صولة وللمسلمين هيبة، ولم تكن تجترىء القوى الكافرة في العالم عبر قرون على غزو المسلمين، وإن كانت الفتن والحروب الداخلية دائرة بينهم. غير أنّ تلك الحروب وضعف القيادة الإسلامية أتاحت فرصة صالحة للقوى الكافر ة المتربّصة بالمسلمين لشنّ الغارة على الوطن الإسلامي وضرب الإسلام والمسلمين ضربة قاضية في أوائل القرن السادس، حيث أنشبت مخالبها في جسد الإسلام والمسلمين، وانقضّت عليهما بالحملات الصليبية في أوائل ذلك القرن، وكان منطلق شنّ تلك الحملات والغارات من جانب الغرب، عن طريق البحر تارة على سواحل الشامات، وأُخرى عن طريق البر عبر القسطنطنية.

كانت تلك الحروب لا تزال طاحنة ومشتعلة ينتصر فيها المسلمون على


(13)

العدو في فترة بعد فترة، إذ بدأت الحملات الاُُخرى من جانب الشرق على يد التتار والمغول، فكان مختتم الحروب الصليبية مبدأ للحروب الوثنية بايدي عبدة الشمس والكواكب، ولعلّ هذا يعرب عن اتفاق الصليب والصنم، وبالتالي الصليبيين والصنميين على تدمير الحضارة الإسلامية... ولسنا أول من تنبّه إلى اتفاق هاتين القوتين في ذلك العصر المظلم، بل يظهر عن طريق الإمعان في ثنايا التاريخ أنّ ذلك كان أمراً مدبّراً، ولو لم يكن هناك اتفاق في بدء الأمر لكن حصل الاتفاق بين الصليبي والوثني في أثناء تلك الحروب، وفي كلام ابن الأثير المعاصر لهذه الحروب إشارة إلى ذلك حيث يقول: «وقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأُمم. منها هؤلاء التتار ـ قبحهم اللّه ـ أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال الّتي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها خروج الإفرنج ـ لعنهم اللّه ـ من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها، وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه تعالى ونصره عليهم»(1) .

ثم إنّ ابن الأثير يشير إلى ضعف القيادة الإسلامية في تلك العصور، ويزيح النقاب عنها بقوله: «يسرّ اللّه للمسلمين و الإسلام من يحفظهم ويحوطهم، فلقد دفعوا من العدو إلى عظيم، ومن الملوك المسلمين إلى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه...»(2) .

ولأجل إيقاف القارىء على مدى الخسائر الفادحة الواردة على الإسلام والمسلمين، الناجمة عن هذه الحروب الصليبية والتترية، نذكر لمحة خاطفة من هاتين الحربين كنموذج تمثيلي، ليعلم بذلك داء المسلمين فيه، ثم نبحث عن الدواء الّذي كان ينبغي لعلماء الإسلام أن يقدّموه إلى المجتمع الإسلامي، والمصل الناجع، ونقدّم الكلام عن الحروب الصليبية أوّلا، ثم عن التترية ثانياً، ثم تنامي رقعة الهجمات الصليبية في الوطن الإسلامي بهجومهم على الأندلس ثالثاً، وقد استغرقت هذه الهجمات الصليبية والتترية قرنين، من


1. الكامل في التاريخ ج 12 ص 360 .
2. الكامل في التاريخ ج 12 ص 376 .


(14)

أوائل القرن السادس إلى أواخر القرن السابع أو أزيد.

الحروب الصليبية (491 ـ 616)

كانت النصارى بالمرصاد للمسلمين، وكان من أُمنياتهم الاستيلاء على بيت المقدس و سلبه من أيدي المسلمين بحجّة أنّه قبلة الأُمم المسيحية ومثوى ومنتجع عواطفهم الدينية، فشنّوا الغارة على بلاد المسلمين حوالي سنة 491 إلى أواخر القرن السابع، وكانت للحروب الصليبية مراحل ثمان أو تسع، فكانوا ينتصرون في بعضها، كما تلحقهم الهزيمة في بعضها الآخر، ومن المراحل التي انتصروا فيها على المسلمين المرحلة المعروفة التي: «ساروا فيها إلى بيت المقدس، فحاصروه ونصبوا عليه برجين، وملكوه من الجانب الشمالي، وسلّط على الناس السيف، ولبث الإفرنج في البلد أُسبوعاً يقتلون فيه المسلمين، وقتل بالمسجد ما يزيد على سبعين ألفاً، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء» (1) .

إنّ التواريخ الإسلامية تعرف السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (م 589 هـ) الفاتح الكبير والقائد الفذّ، الّذي صمد في وجه، الصليبيين حيث طرد الإفرنج عن الشامات، غير أنّه لم يقض في فتوحاته على غائلة الحروب الصليبية بشكل نهائي، بل امتدت هذه الحروب في الوطن الإسلامي بعده ايضاً. كيف وقد وقعت حرب ضروس في سنة 593 هـ بين الملك العادل ابي بكر بن ايوب وبين الإفرنج، فأنقذ مدينة يافا من الساحل الشامي من يد الإفرنج(2) وقد ذكر ابن الأثير أيضاً في حوادث سنة 614: «أن الإفرنج اقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة 615 فساروا في البحر إلى دمياط، فوصلوا في صفر، فأرسلوا على بر الجيزة بينهم وبين دمياط النيل...»(3) .

زحف التتار إلى البلاد الإسلام

قد ذكر المؤرخون بعض الدوافع لاشتعال هذه الحرب في أوائل القرن


1. تاريخ مختصر الدول، للملطي المعروف بابن العبري، المتوفى 675 هـ .
2. الكامل ج 12 ص 126 .
3. الكامل ج 12 ص 323 .


(15)

السابع بين الوثنيين والمسلمين قالوا: إنّ ملك التتار المعروف بـ «جنكيز خان» قد سيّر جماعة من التجار ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى ما وراء النهر، سمرقند وبخارى، ليشتروا به ثياباً للكسوة، فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمّى «أوترار» وهي آخر ولاية «خوارزم شاه» وكان له نائب هناك، فلما وردت عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم، ويذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال، فقتلهم وسيّر ما معهم، وكان شيئاً كثيراً، فلما وصل إلى خوارزم شاه فرّقه على تجار بخارى و سمرقند، وأخذ ثمنه منهم، فبلغ الخبر إلى جنكيزخان فأرسل رسولا إلى خوارزم شاه يقول: «تقتلون أصحابي و تجاري وتأخذون مالي منهم، فاستعدوا للحرب فإنّي واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به» (1) .

ويظهر من بعض الآثار أنّ يد بعض الأساقفة كانت وراء تحريض ملك التتار على الزحف والحرب، يقول ابن العبري: «عظم الأمر عند جنكيزخان وتأثر منه إلى الغاية وهجره النوم، وصار يحدث نفسه ويفكر في ما يفعله، ففي اليلة الثالثة رأى في منامه راهباً عليه السواد وبيده عكازة وهو قائم، فذكر رؤياه للأسقف فقال الأسقف: يكون الخان قد رأى بعض قديسينا، ومن ذلك الوقت صار يميل إلى النصارى ويحسن الظن بهم ويكرمهم، ومن هذه السنة (616) قصد جنكيزخان البلاد الإسلامية»(2).

الداهية العظمى أو خروج التتار إلى بلاد الإسلام

إنّ عظمة الداهية بلغت حداً لا يستطيع القلم واللسان تبيينها وترسيمها ولا يستطيع المسلم أن يسمع ذكراً منها أو يقرأ فصلا من فصولها، حتّى أنّ ابن الأثير بقي عدة سنين معرضاً عن ذكر الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فبقي يقدّم رجلا ويؤخّر أُخرى، ثم علّل إعراضه عن تحرير هذه الواقعة


1. الكامل ج 12 ص 361 ـ 362 .
2. تاريخ مختصر الدول ص 230 .


(16)

بقوله: «ومن ذا الّذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني متّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلاّ أنّه حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رايت أنّ ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول: هذا الفصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمّت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال قائل إنّ العالم مذ خلق اللّه سبحانه وتعالى آدم و إلى الآن لم يبتلوا بمثله لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا ما يدانيها .

ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب بيت المقدس، وما بيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد، الّتي كل مدينة منها أضعاف بيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا؟ فإنّ أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لن يروا مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا، إلاّ يأجوج ومأجوج .

وأمّا الدجال فإنّه يبقي على من اتّبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلي العظيم، ولهذه الحادثة الّتي استطار شررها، وعمّ ضررها، وصارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون، ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخارى وغيرهما، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكاً، وتخريباً وقتلا، ثم يتجاوزونها إلى الري، وهمدان، وبلد الجبل وما فيها من البلاد إلى حد العراق، ثم يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية يخربونها ويقتلون أكثر أهلها ومن ينجو إلاّ الشريد الفارّ (فعلوا كل ذلك) في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله .

ثم لما فرغوا من آذربيجان وأرانية صاروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه


(17)

ولم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم، وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز، ومن في ذلك الصقع من الأُمم المختلفة فأوسعوهم، قتلا، ونهباً، وتخريباً، ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عدداً، فقتلوا كل من وقف لهم، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها في أسرع زمان، ولم يلبثوا إلاّ بمقدار مسيرهم لا غير.

ومضت طائفة أُخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء وأشد. وهذا ما لم يطرق الأسماع مثله. فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤرخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، إنّما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً. وإنّما رضي من الناس بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه، وأكثره عمارة وأهلا، وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرة في نحو سنة، ولم يبق في البلاد الّتي لم يطرقوها إلاّ وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه» (1) .

ثم إنّ ابن الأثير تتبّع مسير التتار وهجماتهم الوحشية، فذكر الحوادث المفجعة سنة بعد سنة، إلى أن وصول إلى حوادث (628 هـ) وبعدها بقليل .

و أظنّ أنّ فيما ذكره على وجه الإجمال غنى وكفاية، ولا يحتاج إلى سرد التفاصيل الّتي جاءت بعد هذا الإجمال، ولكنّه لم يدرك الهزيمة النكراء الّتي أصابت المسلمين عند سقوط بغداد، ولكن المؤرخين الذين جاءوا بعده ذكروا سقوط العاصمة في أيدي أولئك الوحوش الضواري، وقد ارتكبوا جرائم لا تغسل عن ساحة الذاكرة الإنسانية بماء المحيط، فضلا عن البحر والنهر، ولاجل إيقاف القارىء على مدى الخسائر الفادحة الروحية والجسدية الواردة على المسلمين، نذكر من تلك الهجمات العديدة هجومهم على بغداد، فإنّه يوقفنا على حقيقة ما جرى في غيرها، معتمدين في ذلك على ما سطره ابن كثير في تاريخه.


1. الكامل لابن الأثير ج 12 ص 358 ـ 361 .


(18)

سقوط الخلافة العباسية بأيدي وحوش التتار

لم تستهل هذه السنة إلاّ وجنود التتار قد أحاطت ببغداد بصحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكوخان، وقد جاءت إليهم أمداد صابح الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبّحهم اللّه تعالى، وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة الّتي لا ترد من قدر اللّه سبحانه وتعالى شيئاً، كما ورد في الأثر «لن يغني حذر عن قدر» و كما قال تعالى: (إنَّ أجَلَ اللّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ) (1) وقال تعالى: (إنَّ اللّهَ لا يُغيِّرُ ما بِقَوم حتّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم وَإذا أرادَ اللّهُ بِقوم سُوءاً فَلا مَردَّ لَهُ وَمَا لَهم مِن دُونِهِ مِن )وَال)(2). وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة خطاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي اصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه وقدره أذهب عن ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها ـ وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة.

ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن باللّه ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم بقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتّى استعطى كثير منهم في الأسواق وعلى أبواب المساجد، و أنشد فيهم الشعراء قصائد يرثونهم ويحزنون على الإسلام وأهله .

ولما فتحوا البلد، قتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء


1. سورة نوح: الآية 4 .
2. سورة الرعد: الآية 11 .


(19)

والوالدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار و أماكن الحوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون، وكان الجماعة من الناس يجتمعون في الخانات ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إمّا بالكسر و إمّا بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم بالأسطحة، حتّى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم... وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، وبذلوا عليه أموالا جزيلة حتّى سلموا وسلمت أموالهم، وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلّها، كأنّها خراب ليس فيها إلاّ القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة .

وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد، كما قصّ اللّه تعالى، علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: (وَ قَضَينا إلى بَني إسرائيلَ في الكتابَ لَتُفْسِدُُنَّ في الأرضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كبيراً * فإذا جاءَ وَعدُ أولاهُما بَعَثْنا عَليكُم عَباداً لَنا أُولي بَأْس شَديد فَجاسُوا خِلالَ الدّيارِ وَكَانَ وَعْداً مَفعولا)(1) .

وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء، وأسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخرب بيت المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء، فصار خاوياً على عروشه واهي البناء .

وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي نفس، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ باللّه العلىّ العظيم، وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً .

ولما انقضى الأمر المقدور وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على


1. سورة الإسراء: الآية 4ـ5 .


(20)

عروشها ليس بها أحد إلاّ الشاذّ من الناس، القتلى في الطرقات كأنّها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيّرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغيّر الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتّى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام; فمات خلق كثير من تغيّر الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

ولما نودي ببغداد الأمان، خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنّهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الّذي يعلم السرّ وأخفى اللّه لا إله إلاّ هو له الأسماء الحسنى، وكان رحيل السلطان المسلّط هولاكوخان عن بغداد في جمادي الأُولى من هذه السنة (666 هـ) إلى مقر ملكه (1) .

ثم امتدّت الهجمات بعد سقوط بغداد حتّى وصل جيش العدو إلى عين جالوت وغزة في فلسطين، وكانت الأُمنية الكبرى للعدو هي الاستيلاء على الشامات ثم مصر، ولكن الزحف توقف بتدبير الملك الظاهر بيبرس (659 ـ 676 هـ) ولكن العدو حاول الاستيلاء ثانياً على الشامات...(2) .

وهذا اليافعي يتتبّع مسير التتار وهجومهم، فيقول في حوادث عام 700 هـ :

«حصلت أراجيف بالتتار وجاء غازان بجيشه الفرات وقصد حلب فتشوشت الخواطر...» .

ويقول في حوادث عام 702 هـ : «طرق غازان الشام ولكن انهزم عند سور دمشق وتفرّقت جيوشه، ثم جهّز غازان جيوشه فصاروا إلى مرج دمشق وتأخر المسلمون وبات أهل دمشق في بكاء واستغاثة وخطب شديد، وقدم


1. البداية والنهاية، ج 13، ص 200 ـ 213 .
2. فيليب حتي. تاريخ العرب المترجم إلى الفارسية، ج 2 ص 883، 851، 828 .


(21)

السلطان وانضمّت إليه جيوشه...»(1) .

هذا قليل من كثير مما جنت يد التتار على الإسلام والمسلمين، وقد امتدّ الدمار والهلاك بعد هذه السنة حتّى تجاوز القرن السابع إلى أواخر القرن الثامن. فابتدأت الحروب التترية من عام 603 هـ وانتهت عام 807 هـ بموت تيمورلنك الّذي تظاهر هو بالإسلام وبعض من قبله، ولكن لمن تزل القلوب مضطربة باستيلاء هؤلاء على المناطق الإسلامية .

* * *

إبادة المسلمين في الأندلس

انتهت الحروب الصليبية والتترية في مختتم القرن الثامن، ولكن نار الحرب بين المسلمين والمسيحيين كانت مشتعلة في الوطن الإسلامي «الأندلس» عن طريق إبادة المسلمين وإجلائهم عن وطنهم والتنكيل بهم .

إنّ المسلمين بفضل المجاهدين الإسلاميين وصلوا إلى تلك البلدة الخصبة عام 92 هـ واستمرّوا في الفتح إلى أن وصلوا إلى قلب فرنسا عند مدينتي «تور» و«بواتييه» عام 112 هـ (2) وهناك توقفت الفتوحات بسبب ضعف القيادة الإسلامية في بغداد، وقطع صلة الحكام بالأندلس عنها، وعند ذلك طمع الصليبيون في سلب تلك البلدة من أيدي المسلمين، فبدأوا بالحروب ضدهم، وكانت الأندلس في نهاية القرن الخامس الهجري قد انقسمت إلى عدة ممالك صغيرة، عرف حكامها بملوك الطوائف، وكان نصارى الشمال يهددون هذه المنطقة»(3) .

إلى أن حلت الهزيمة بالمسلمين في موقعة العقاب في 15 صفر 609 هـ أي في نفس الوقت الّذي كان التتار قد بدأوا بشنّ الغارة على المسلمين من الشرق إلى الغرب وبالتالي زال سلطان «الموحدين» وسقطت هذه البلاد في يد


1. مرآة الجنان ج 4 ص 234 ـ 235 .
2. دائرة المعارف الإسلامية، مادة «أندلس» .
3. تاريخ الإسلام، تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن، ج 4 ص 537 .


(22)

«الإسبان» ولم يبق في أيدي المسلمين سوى منطقة جبلية في جنوب شرقي إسبانية حيث قامت مملكة «غرناطة» الإسلامية على أيدي بني نصر (بني الأحمر) الذين بايعوا الخليفة الحفصي أقوى حكام المغرب في ذلك الحين (1) .

ولكن العدو لم يرض بما اكتسب من الفتوح فشنّ الغارة عليهم حتّى أبادهم عام 898 هـ فصار الأندلس كله للإسبان.

ثم إنّ التاريخ يحكي لنا تعامل الإفرنج مع المسلمين معاملة سوء، حيث أجبروهم على التنصّر وعلى خروج النساء مكشوفات، فهرب المسلمون إلى الجبال فصاروا يطاردونهم كما تطارد الفرائس. وقد عدّ بعض المؤرخين عدد العرب المطرودين في قرن واحد (أي من عام 791 إلى عام 898 هـ) نحواً من ثلاثة ملايين كانوا نخبة المسلمين وأعظمهم صناعة وعلماً .

و أنت إذا قرأت التاريخ وقلبت صفحاته تقف على أنّ هذه القرون الأربعة أي من بداية 500 إلى 900 هـ شرّ القرون وأسوأها بالنسبة إلى المسلمين، فقد حلت بهم عقوبات وضحايا لم يسجّل التاريخ لواحد من الأُمم مثلها، وإليك مبدأ هذه الحروب ومختتمها:

1- الحروب الصليبية. بدأت من عام 489 هـ واستمرت إلى عام 660 هـ .

2- الحروب التترية، ابتدأت من عام 603 وانتهت عام 807 هـ بموت تيمور لنك الّذي تظاهر بالإسلام .

3- إبادة المسلمين في الأندلس و إجلاؤهم بعد انحصار سلطانهم في منطقة صغيرة في غرناطة، ابتدأت من عام 609 إلى 898 هـ .

حصيلة البحث

نحن نستنتج من هذا البحث الضافي أنّ الخلافة العباسية وملوكها وسلاطينها بلغوا من الفساد والانحلال إلى حدّ غاب عنهم معه ما كان يجري


1. المصدر نفسه، ص 318 .


(23)

خارج قصورهم، فقد كانت القوى الكافرة محيطة بدار الخلافة، والخليفة كان غافلا عمّا يجري خارج القصر، وكانت تلعب بين يديه جاريته فلم يوقظه من الغفلة أو السكرة إلاّ إصابة نبل الخصم لجاريته، فإذا كان هذا هو الإسلام وهذا خليفته، وهذا شعوره وإحساسه، فعلى الإسلام السلام، وعلى تلك الخلافة العفاء .

وقد عرفت أنّ ابن الأثير كان من المشاهدين للقضايا عن كثب، ويعرف الخلفاء وسلاطينهم بأنّهم بلغوا من العقلية إلى درجة لا يهمّهم إلاّ ما يهمّ البهيمة من إشباع بطنها و إرضاء فرجها (1) .

ومن المعلوم أنّ الفساد لم يكن مقتصراً على بلاط الخلفاء، بل الانحلال الخلقي والانحطاط المعنوي كان سائداً على الغالبية العظمى من المجتمع، إذ الناس على دين ملوكهم، ومن العجب أنّ المؤرخين الأباعد يحملون وزر سقوط الخلافة العباسية على عاتق الوزير الشيعي مؤيّد الدين ابن العلقمي، الّذي يصفه ابن الكثير بقوله: «وكان عنده فضيلة في الإنشاء وليديه فضيلة في الأدب» ويضيف أيضاً: «إنّه أشار على الخليفة بأن يبعث إلى هولاكو بهدايا سنية ليكون ذلك مدارة له عمّا يريده من قصد بلادهم، فخذّل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير «أيبك» وغيره، وقالوا إنّ الوزير إنّما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكوخان»(2) .

ومن الظلم إلقاء جريرة سقوط بغداد على عاتق هذا الوزير مع كون الخليفة على الحال الّتي سمعتها من ابن الكثير، وكون الملوك والسلاطين لا يهمّهم إلاّ بطنهم وشهوتهم، مع اشتعال نار الخلاف بين الرؤساء والقادة الشاغلين منصّة قيادة المجتمع الإسلامي، فلا تنتج تلك المقدمات إلاّ هذا الوضع الوبيل، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون .


1. الكامل في التاريخ ج 12 ص 375 .
2. البداية والنهاية ج 13 ص 214 .


(24)

الحواضر الإسلامية آنذاك، دواؤها وذواوها

قد تعرّفت على الأوضاع المؤسفة السائدة في الحواضر الإسلامية، وما آلت إليه من الدمار والهلاك والمذابح الفظيعة، والمجازر الرهيبة الّتي تعرّض لها سكانها الأبرياء، بسبب تلك الحملات العدوانية، وعندئذ نسأل كل مسلم حر الضمير عن دواء هذا الداء الّذي ألمّ بالمسلمين، وعلاج تلك المأساة الّتي وقع فيها الإسلام ؟

ولا أشك في أنّ دواءها الوحيد كان هو إحياء التعاليم الإسلامية ـ آنذاك ـ في مجال الجهاد والمقاومة، وإعادة الثقة إلى النفوس، والعمل على تقوية المعنويات ورفع المستوى العسكري لدى المسلمين عملا بقوله تعالى: (وَ أعِدُّوا لهم مَا استَطَعْتُم مِن قُوَّة وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَ عَدُوَّكُم)(1) .

ثم السعي في توحيد ما تفرّق وتشتّت من صفوف المسلمين، وحثّهم على تعمير ما تهدم من حضارة الإسلام، وإحياء شتى مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ممّا انهارت تحت ضربات الأعداء من الشرق والغرب .

ولا يكون ذلك إلا بإعادة العلم الناجع إلى الساحة، وتناسي الخلافات الفرعية، والدعوة إلى التمسّك بمبادىء الوحدة، وتجسيد قوله سبحانه: (إنَّما المُؤمنُونَ إخوةٌ)(2) ورفض البحث عن الخلافات الّتي تثير النزاع، وتوجد الفرقة وتمزق الصفوف.

هذا ما يحكم به ضمير كل إنسان حر، فلو وجدنا في مثل هذه الظروف العصيبة من يثير نار الخلافات الطائفية والمذهبية، وبالتالي يضرب المسلم بالمسلم ويشغلهم بالبحث عن فروع ليس لها من الأهمية بالقياس إلى علاج الدمار الرهيب الّذي حلّ بالمسلمين ـ لو وجدنا رجلا بهذا الوصف والنعت ـ فلا نشك أنّ نعرته نعرة جاهلية، وحركته حركة مشبوهة، ودعوته دعوة منتنة


1. سورة الانفال: الآية 60 .
2. سورة الحجرات: الآية 10 .


(25)

حسب تعبير النبي، ومن الظلم والجناية على الإسلام والمسلمين تلقيب هذا الداعي بـ «شيخ الإسلام» أو «محيي الشريعة» أو «محيي السنة» أو غير ذلك من ألفاظ الثناء الوافر الّذي يوصف به هذا الرجل في هذا القرن، بترغيب وترهيب من أصحاب الثراء والسلطة، بعد أن كان معروفاً بغيرها في القرون الغابرة، كما ستوافيك كلمات معاصريه ومن جاء بعدهم إلى هذه الأعصار .

إنّ طرح الخلافات الكلامية والفقهية ـ في العصر الّذي كانت القوارع تنصبّ فيه على رؤوس المسلمين من الشرق والغرب، وتهدم الديار وتقتل النفوس البريئة، وتشقّ بطون النساء والأطفال، ويرفع الرجال على أعواد المشانق وتخضب الأراضي بدماء المسلمين ـ ما هو إلاّ من قبيل صب الزيت على النار، وتعميق الجرح غير المندمل .

إنّ طرح المسائل على ضوء العقل إذا كان لغاية التعرّف على الحقائق أمر يستحسنه العقل ويقبله الشرع في جميع الحالات ولكن طرح هذه المسائل على وجه يتضمن تكفير الفرق الإسلامية واتهامهم بالشرك، وتجويز قتلهم وإهدار دمائهم، في الوقت الّذي غمس العدو يده في دمائهم إلى مرفقه، وقتل منهم الملايين، لا يصحّ تفسيره إلاّ بأحد وجهين: إمّا أن يكون رجلا غبياً لا يعرف الداء ولا الدواء، أو رجلا مُعقّداً مغرماً بالشهرة وحبّ العظمة.

وما هذا الرجل إلاّ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت 661 ـ م 728 هـ ) فقد ولد في شر القرون وعاش في أجوائها الصعبة على المسلمين، ومات في ظروف الهزيمة الّتي حلت بالمسلمين، لعلل تعرّفت عليها، فقد أثار في تلك الظروف العصيبة مسائل خلافية لا تزيد في الطين إلاّ بلّة ولا في الجرح إلاّ تعميقاً، فهو بدل أن يعيد إلى الساحة الإسلامية الأخلاق والعمل بالإسلام، ويعظ الملوك والساسة بالقيام بالوظائف وفتح معسكرات لإعداد الشباب وتدريبهم، وإيجاد روح الكفاح، تجده يرفع عقيرته بالمسائل الّتي لا تعود على المسلمين في تلك الظروف العصيبة بشيء سوى تعميق الخلاف وتعكير الصفو، وتشديد النزاعات المذهبية والطائفية .

ورؤوس المسائل الّتي طرحها ابن تيمية وأصرّ عليها وخالف الرأي العام


(26)

للمسلمين ـ ولأجل ذلك اعتقل ونفي إلى مصر ـ هي الأُمور التالية:

1- يجب توصيفه سبحانه بالصفات الخبرية بنفس المعاني اللغوية من دون تصرّف، كالاستواء على العرش، و أن له يداً ووجهاً، وأن له نزولا وصعوداً.

2- يحرم شدّ الرحال إلى زيارة النبي وتعظيمه بحجّة أنّها تؤدّي إلى الشرك.

3- يحرم التوسّل بالأولياء والصالحين.

4- تحرم الاستغاثة بالأولياء ودعوتهم.

5- يحرم بناء القبور وتعميرها.

6- لا يصح أكثر الفضائل المنقولة في الصحاح والسنن في حقّ علىّ وآله .

إلى غير ذلك من المسائل الفرعية في أبواب الطلاق وغيرها كما ستقف عليها عند عرض آرائه. هب أيّها القارىء لما أنّ تبنّاه من الآراء مسحة من الحق ـ وليست آراء ساقطة تضاد القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة المسلمين ـ هب أنها آراء صحيحة ـ ولكنّها هل كانت مفيدة في تلك الظروف، هل كانت دواءً لداء الأُمة الإسلامية؟ أو كانت أموراً غريبة عمّا يجب القيام به، بل كانت مؤيدة لما يتوخاه العدو من تشتيت الشمل وتمزيق الصفوف؟!!

إنّ من البداهة بمكان أنّ هذه المسائل لم تكن مما يخشاه العدو، فإنّ هذا النوع من المسائل الجدلية لا تفضح نوايا العدو ولا تعرقل خططه، لأنّها لا تعيد إلى المسلمين روح الوثبة والمقاومة والاستبسال، بل من شأنها أن تستنفد طاقاتهم من دون جدوى، و تفني قواهم من دون أثر يتّصل بالواقع .

فلو كان ابن تيمية «شيخ الإسلام» حقاً لكان عليه أن يدع ما يلهي المسلمين عن مصيرهم، بل ما يعمّق محنتهم، ويتصدّى لمواجهة العدو بإعادة الروح الجهادية إلى نفوسهم، وبث المعنويات في قلوبهم، وتوجيه همم


(27)

المسلمين، إلى إعادة بناء كيانهم العسكري والصناعي والعلوم الناجعة، حتّى يستعيدوا بذلك مجدهم المندثر الّذي تألق في القرن الرابع الهجري .

ويا للأسف إنّه بدل القيام بوظائف شيخوخة الإسلام الحقيقية انصرف إلى مسائل اجتهادية ليست ناجعة في ذلك العصر ولا بعده .

ابن تيمية لم يكن سلفياً

إنّ الموالين لابن تيمية والمقتفين أثره يصفونه بالسلفية، ويتقولون فيه بأنّه محيي مذهب السلف. هب أنّ السلفية مسلك ومذهب، ولكن السلفي عبارة عمَّن لا يتخطّى عمّا سلكه السلف الصالح طيلة قرون سبعة، ولكن أراءه وأفكاره على طرف النقيض من أراء السلف. إنّ المسلمين طيلة قرون كانوا يحترمون قبر النبي ويزورونه، ولم تقع الزيارة في تلك العصور ولو مرة واحدة ذريعة إلى الشرك، بل كان الداعي إلى زيارته في كل فترة من الفترات، كونه نبىّ الإسلام نبىّ التوحيد، ومكافح الشرك ومنابذه، فيجب احترامه وتكريمه وحفظ آثاره وقبره، وآثار أصحابه وزوجاته وأبنائه انطلاقاً من هذا المبدأ (أي كونه نبىّ التوحيد، مشيد بنائه الشامخ) ولكنّا نرى أنّ ابن تيمية يخالف هذه السيرة الموروثة من الصحابة إلى زمانه، ويحرّم شدّ الرحال إلى زيارته تمسكاً بحديث غير دال على ما يرتئيه، كما سيوافيك.

إنّ المسلمين طيلة القرون الغابرة إلى ميلاد ابن تيمية كانوا يتبرّكون بالنبي وآثاره، ولا يرون ذلك شركاً ولا ذريعة إليه، حتّى أنّ الشيخين أوصيا بمواراتهما في جوار النبي، لما استقرّ في قرارة ضميرهما بأنّ للمكان شرافة ومكانة بالغين، وأنّ المواراة في ساحة النبي لها كرامة، ولم ينبس أحد من الصحابة ببنت شفة بأنّ ذلك ذريعة إلى الشرك، إلى أن ألقى الشر بجرانه إلى الأرض بميلاد ابن تيمية وآرائه الساقطة، فجعل ينكر هذا العمل ويخالف السلف.

إنّ السلف الصالح في حياة النبي وبعده كانوا يستغيثون بالنبي لما له من كرامة عند اللّه، لما أمرهم اللّه سبحانه بالمجيء إليه وطلب الاستغفار منه، ولم يخطر ببال أحد أن الاستغاثة بالملخوق شرك أو ذريعة إلى الشرك، وكان هذا


(28)

ديدن السلف في جميع القرون، فجاء ابن تيمية ينكر الاستغاثة والتوسل، ثم يصف نفسه سلفياً، فما معنى هذه السلفية؟ (ما هكذا تورد يا سعد الإبل) .

تقييم إنجازات ابن تيمية

إنّ قيمة كل امرىء بما يقدّمه إلى الأُمة من خدمات وخيرات، فإمّا أن يشيد بناء ثقافتهم ويضمن تقدمهم في ميادين العلم والعمل، ويرفع من مستوى أخلاقهم وسلوكهم الإنساني والإسلامي، وإمّا أن يرفع مستوى معيشتهم و يسعى في ترفيههم بمشاريع البرّ و الإحسان، من بناء المدارس ومراكز التعليم والمستشفيات والمستوصفات، ودعم الكفاح بالتدريب العسكري وغيره مما يرجع إلى دعم البنية المادية للمجتمع.

هلم معي نطرح إنجازات ابن تيمية على طاولة النقاش والمحاسبة، فهل قام بأحد الأمرين؟

أمّا من جانب المعنى فلم نر أنّه قدم إلى المجتمع، دراسة نافعة في الحقوق والسياسة والاقتصاد أو الاجتماع، أو ألف جامعاً حديثياً يكون هو المرجع للمسلمين كما قام بعض معاصريه بهذا الأمر، فلم يبق منه إلاّ التركيز على المسائل الّتي قدمنا رؤوسها والّتي كفّر بها مخالفيه، وبالتالي كفّر جمهور المسلمين الذين عاشوا طيلة سبعة قرون .

هب أنّه قدم إلى المسلمين دراسات توحيدية، ولكن ما كانت نتيجة تلك الدراسات، فغاية ما أنجز وأتى ـ بعد ما تصوب وتصعد ـ أنّه يجب توصيفه سبحانه بنفس الصفات الخبرية بمعناها اللغوي، فصار معناه هو التجسيم والتشبيه وإثبات الجهة والفوقية للّه سبحانه، وقد فهم الكل هذا المعنى من دراساته. هب أنّه لم يقصد من إثبات هذه الصفات ما نسب إليه من الجسمية، ولكنّه صبّ ما رآه في قوالب أذْعَنَ الكُلُّ ـ الداني منهم والنائي ـ بأنّه مُجسّم مشبّه مُثْبت للّه سبحانه الجهة والفوقية، مع أنّه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني، و أنَّهُ ليس كمثله شيء .

ما معنى هذه الدراسات العميقة الّتي لم تورث إلاّ هذه الأفكار الباطلة،


(29)

وسوف يوافيك أنّ الرجل مجسّم وإن كان لا يتفوه به، ولكن جُمَلَهُ وألفاظه وعباراته وما أصرّ عليه لا تنتج إلاّ ذلك.

وقس عليه سائر إنجازاته من جانب المعنى، فقد منع شدّ الرحيل إلى زيارة النبي الأكرم، مع أنّ قبور الأنبياء لم تزار تزل من عصر النبي وقبله وبعده، وليست الغاية من زيارتهم إلاّ التوقير والتكريم و عقد الميثاق مع ما جاءوا به من أُسس التوحيد، فكيف يكون ذلك ذريعة إلى الشرك؟

وحصيلة البحث هي أنّنا لم نجد في جميع إنجازاته شيئاً بديعاً يرفع به رأسه ويفتخر به على من سواه، سوى ما في كلامه من الغلظة والأذى .

اللسان والقلم مرآتان للضمير

إنّ اللسان والقلم مرآتان لضمير صاحبهما يعربان عن نفسيته الخبيثة أو الطيبة، الشريرة أو الخيّرة، فاللسان البذيء يكشف عن نفسيته المستهترة المريضة، كما أنّ اللسان و مثله القلم النزيهين يكشفان عن ملكة فاضلة. ومن رجع إلى كتب ابن تيمية يعرف أنّه ما كان يملك لسانه وقلمه عن التقوّل على المسلمين والتهجّم عليهم فجاءت كتاباته مليئة بالقول البذيء و إساءة الأدب، الّذي هو على طرف النقيض من الإسلام والعلم.

ابن تيمية في مرآة الرأي العام

ولقد كانت ثورة الرأي العام الإسلامي عليه من جانب الفقهاء والحكام والمتكلمين والمحدثين أدلّ دليل على انحرافه عن الخط المستقيم والطريق المهيع، فليس من القضاء الصحيح تخطئة جمهور المسلمين وتصويب رجل واحد، فمنذ نشر الرجل رأيه حول الصفات الخبرية عام 698 هـ في «الرسالة الحموية» جاءت الاستنكارات تترى من جميع الطوائف، وكلما تعرض الرجل للعقائد الإسلامية الّتي اطبقت عليها الأُمة في جميع القرون، تعالى الاستنكار، حتّى أُلقي عليه القبض ونفي من بلد إلى بلد، وتعرض لاعتقال بعد اعتقال، إلى أن منع من القرطاس والكتابة، حتّى مات في السجن ممنوعاً من كل شيء .

ولو كان الرجل شيخ الإسلام ورائده وناصحه، لما ضاق عليه المجال من


(30)

جانب أبناء جلدته من قضاة وحكام: شوافع وأحناف .

نعم الأسف كلّه على الناشئة الجدد الذين وقعوا فرائس في أحابيل الدعاية الوهابية الّتي يقودها النظام السعودي ويغذيها بثروته الواسعة، ويدعمها الاستعمار الغاشم لغاية إضعاف المسلمين بالخلافات وإشغالهم بقضايا ومسائل لا تمتّ إلى الحياة بصلة.

ولأجل ذلك نضع حياة الرجل وشخصيته أولا، وآراء معاصريه ومن جاء بعده في القرون اللاحقة في حقه في ميزان النقد والقضاء ثانياً، ثم نبحث عن آرائه و أفكاره ونعرضها على الكتاب والسنة ثالثاً، حتّى يتبين الحق ويظهر، ويزهق الباطل .

(31)

ابن تيمية: حياته والرأي العام فيه

هو أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي، ولد في العاشر من شهر ربيع الأول سنة 661 هـ ، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة الإسلامية في بغداد، وانغمار المسلمين في مشاكل كثيرة.

كان مولده بمدينة حران مهد الصابئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام، وقد نشأ النشأة الأُولى إلى أن بلغ السابعة من عمره، فلما أغار عليها التتار، فرّ سكانها منها، وكان ممن هاجر أُسرة ابن تيمية، حيث هاجرت إلى دمشق، وقد اتّجه إلى العلم منذ صغره، وكان يدرس الفقه الحنبلي ويتتبّع سير ذلك المذهب، وكان أبوه من شيوخ هذا المذهب، ففي المدارس الحنبلية تخرج ابن تيمية، ودرس في كنف ابيه وتوجيهه ولم ير منه بادرة إلاّ بعد ما كتب رسالة في جواب سؤال أهل حماة، سألوه بقولهم: «ما قول السادة العلماء أئمة الدين ـ أحسن اللّه إليهم أجمعين ـ في آيات الصفات، كقوله تعالى: (الرّحمنُ عَلىَ العَرْشِ اسْتَوى) وقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّماء) إلى غير ذلك من الآيات وأحاديث الصفات، وأيضاً كقوله (صلى الله عليه و آله): «إنّ قلوب بني آدم بين اصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «يضع الجبّار قدمه في النار» إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وليبسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء اللّه؟»(1) .


1. الرسالة الحموية، ص 425 ـ طبعت في ضمن مجموعة الرسائل الكبرى ج 1 .


(32)

فأجاب بما هو نصّ في التجسيم، وإن ذيّل كلامه بشيء يريد به الستر على عاره، ولكنّه لا يسمن ولا يغني من جوع، وسيوافيك نصّه عند تبيين عقائده، فاوجد الجواب ضجة كبرى، وعرف بالشذوذ والانحراف، وكان ذلك عام 698 هـ.

يقول تلميذه «ابن كثير» في حوادث تلك السنة: «قام عليه جماعة من الفقهاء وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي «جلال الدين الحنفي» فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة الّتي كان قد سأله عنها أهل حماة، المسماة بالحموية...»(1) .

وقد كانت له محنة أُخرى في عام 705 هـ يذكره ابن كثير في حوادث تلك السنة ويقول: «وفي يوم الإثنين ثامن رجب حضر القضاء وفيهم «الشيخ تقي الدين ابن تيمية» عند نائب السلطنة بالقصر، وقرأت عقيدة الشيخ تقي الدين (الواسطية)، وحصل بحث في أماكن منها، وأُخّرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور، وحضر الشيخ صفي الدين الهندي وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاماً كثيراً، ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين الزملكاني هو الّذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين الزملكاني، وجودة ذهنه، وحسن بحثه، حيث قاوم «ابن تيمية» في البحث وتكلم معه...

ثم عقد المجلس في يوم سابع شعبان بالقصر، واجتمع الجماعة على الرضى، إلى أن صدر القرار بنفي الشيخ إلى مصر إن لم يعزف عن بوادره وعقائده، فأدى به الأمر إلى انتدابه في مجلس بالقلعة اجتمع فيه القضاة، وانتدب للبحث معه شمس بن عدنان، وادّعى عليه عند «ابن مخلوف» المالكي أنّه يقول: إنّ اللّه فوق العرش حقيقة، وإنّ اللّه يتكلم بحرف وصوت، فحكم عليه القاضي بالحبس في برج أياما، ثم نقل منه إلى الحبس المعروف بالجب، وكُتِبَ


1. البداية والنهاية ج 14 ص 4 و 26 .


(33)

كتاب نودي به في البلاد الشامية والمصرية، وفيه الحط على الشيخ تقي الدين، فانضمّ إلى صفّه جماعة كثيرة من الفقهاء والفقراء، وجرت فتن كثيرة منتشرة، وحصل للحنابلة بالديار المصرية إهانة عظيمة(1) .

بقي الشيخ في السجن بسبب عقيدته الّتي لا تجتمع مع عقيدة جمهور المسلمين حتّى مطلع سنة (706 هـ) .

يقول ابن كثير: وفي ليلة عيد الفطر من تلك السنة، أحضر الأمير سيف الدين سلار نائب مصر، القضاة الثلاثة وجماعة من الفقهاء، فالقضاة: الشافعي والمالكي والحنفي، والفقهاء: الباجي، والجزري، والمنواري، وتكلموا في إخراج الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الحبس، فاشترط بعض الحاضرين عليه شروطاً في ذلك منها أنّه يلتزم بالرجوع عن بعض عقائده، فأرسلوا إليه ليحضر ليتكلموا معه في ذلك، فامتنع عن الحضور .

استهلّت سنة (707 هـ) والشيخ معتقل في قلعة الجبل بمصر، إلى أن أُطلق سراحه يوم الجمعة 23 من ربيع الأول، وخيّر بين الإقامة بمصر أو الروح إلى موطنه الشام، وقد اختار هو الإقامة بمصر، ولكنّه لم يبرح في غلوائه وأفكاره إلى أن واجهته محنة ثالثة، وقد ذكرها ابن كثير ايضاً في تاريخه.

المحنة الثالثة

وفي شوال عام 707 هـ ، شكي منه أيضاً، فردّ الأمر إلى القاضي الشافعي، فعقد له مجلس، وادّعى له ابن عطاء بأشياء ورأى القاضي بدر الدين بن جماعة أنّ في آرائه قلة أدب بساحة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فحضرت رسالة إلى القاضي إلى أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة، فتمّ الأمر بحسبه في سجن القضاة، ودخل السجن، وأُفرج عنه في مستهل سنة 708 هـ وبقي في القاهرة إلى أن توجّه منفياً إلى الإسكندرية في ليلة سلخ صفر في عام 709 هـ وأقام هناك ثمانية أشهر إلى أن تغيرت الظروف، فعاد


1. المصدر نفسه .


(34)

الشيخ منها إلى القاهرة يوم عيد الفطر سنة 709 هـ فاقام بها إلى سنة 712 هـ ثم رجع إلى الشام (1) .

وشغل الشيخ منصة التدريس والإفتاء إلى سنة 718 هـ . وقد صدر منه فتاوى شاذة، وكان مصرّاً عليها، فعقد له يوم الخميس ثاني رجب من شهور سنة 820 هـ مجلس بدار السعادة، فحضر نائب السلطنة، وحضر القضاة والمعنيون من المذاهب، وحضر الشيخ وعاتبوه، ثم حبس في القلعة خمسة أشهر، إلى أن ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء، سنة 721 هـ .

وظل الشيخ بعد خروجه من الحبس مستمراً في التدريس إلى عام 726 هـ .

يقول جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي: «ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة 726 بأن يجعل في قلعة دمشق، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواتاً[ دواةً] ولا قلماً ولا ورقاً»(2) .

وقال اليافعي: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير، تقي الدين أحمد، بن تيمية، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق»(3) .

هذا، وقد لفظ الرجل نفسه ومات في قلعة دمشق عام 728 هـ وبذلك طويت صحيفة حياته، وبقيت آثاره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

إنّ ما تلوناه عليك من حياته يعرب:

أولا: إنّه لم يكن رجلا موضوعياً يهمّه ما كان يعاني منه المسلمون في تلك الظروف العصيبة، الّتي كانت الدعوة إلى الوحدة فيها أحوج ما يحتاج إليه


1. البداية والنهاية ج 14 ص 52، وكانت إقامته بمصر سبع سنين.
2. المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، ص 340 .
3. مرآة الجنان ج 4 ص 277 .


(35)

الناس، فكان يبثّ بذور الخلاف فترة بعد فترة، ويشغل الحكومات والقضاة عن القيام بالواجب بنقل الشيخ من مقام إلى مقام .

وثانياً: إنّ جماهير الفقهاء والقضاة كانوا يخالفونه فيما يبديه من الآراء الشاذة، في مجال الأُصول والفروع، وإنّ آراءه كانت مخالفة لما هو المشهور المجمع عليه بين العلماء .

وثالثاً: إنّ الرجل كان معروفاً بالقول بالتجسيم والتشبيه والجهة، وكان اعتقاله لأجل التفوّه بها، فكلّ من أراد تنزيهه عن هذه التهمة، خالف الرأي العام في حقّه وما عرف منه يوم حياته .

نعم إنّ هناك أُناساً ترجموا للرجل ترجمة وافية، فأثنوا عليه الثناء البالغ، وذكروا ذكاءه وتوقّد ذهنه، وإحاطته بالكتاب والسنّة، كما ذكروا آثاره العلمية من كتب ورسائل، ولكن يؤخذ عليهم بأنّه لماذا ركّزوا على جانب واحد من حياته، ولم يشيروا إلى الجانب السلبي منها، فإنّه لا يمكن لأحد تخطئة أولئك العلماء الذين ناظروه، وباحثوه، وأصدروا أرائهم فيه، وهم كثيرون، ولأجل ذلك نشير إلى المصادر الّتي أخذتها العصبية العمياء فجاءوا كأنّهم يعرفون رجلا أطبق علماء عصره على نزاهته وصفاء فكره، فمن أراد أن يقف عليها فليرجع إلى المصادر التالية:

1- تذكرة الحفاظ للذهبي 4/ 1496، بالرقم 1175. وإن استدرك زلّته هذه ببعث رسالة مستقلة إلى ابن تيمية يستنكر فيها عليه أعماله وأقواله كما ستوافيك .

2- شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي (م 1098) 6/80 .

3- طبقات الحفاظ، لجلال الدين السيوطي، (ت 911 هـ)، ص 52 .

4- الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب زين الدين، أبي الفرج، عبدالرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي، (736 ـ 795 هـ) 2/ 387، بالرقم 495 .


(36)

5- الوافي بالوفيات، لصلاح الدين، خليل بن أيبك الصفوي 7/15 ـ 33 بالرقم 2964 .

6- طبقات المفسرين، للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي (م 945 هـ )، ص 45 ـ 49 بالرقم 42 .

7- تاريخ الشيخ زين الدين عمر، الوردي، المعروف بتاريخ ابن الوردي ج 2 ص 406 .

8- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، تاليف محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ)، ج 1 ص 63 ـ 72 بالرقم 40 .

9- البداية والنهاية، للحافظ عماد الدين، أبي الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، (م 744 هـ)، ج 14، في حوادث سنة (698 هـ)، وغيرها. ولكنّه أشار في مواضع آخر إلى بعض زلاته ومخالفته للرأي العام في ذلك اليوم كما عرفت .

10- الأعلام للزركلي، ج 1 ص 44 .

نعم هؤلاء هم الدين ركّزوا على الجانب الإيجابي وتناسوا الجانب السلبي، مع أنّ التقييم لا يصحّ إلاّ بملاحظة كلا الجانبين، ولكن هناك جماعة موضوعيين واقعيين، لم تملأ عيونهم كتب الرجل ورسائله، فجاءوا بتقييم آرائه فيما صار سبباً لاشتهاره، وإليك نصوص هؤلاء حتّى لا نخرج في التقييم عن حد العدل .

آراء معصاريه ومقاربي عصره في حقه

قد تعرّفت على حياة الشيخ وأنّه لم يزل ينتقل من معتقل إلى آخر، ومن مصر إلى مصر، وكان الرأي المتفق عليه بين القضاة والمعنيين من الحكام هو أنّه رجل يصدر عن عقائد وآراء في مجال العقائد والأحكام تخالف الرأي العام بين أهل السنة، ولأجل ذلك كانوا يصدرون الحكم عليه بعد الحكم، ويعاقبونه مرة بعد أُخرى; وقد علمت أنّه منع من الكتابة حتّى في نفس السجن، فما حال من كان على طرف الخلاف من قضاة المذاهب وحكامهم و علمائهم؟


(37)

وبذلك تعرف أنّ الدعايات الأخيرة هي الّتي تريد أن تعرّفه بشيخ الإسلام و محيي السنة، فما معنى هذه الشيوخة لأهل السنة مع أنّهم أجمعوا على ضَلاله وشذوذه؟

ولأجل أن يقف القارىء على آراء معصاريه في حقه ومقاربي زمانه، نقتطف من غضون التاريخ جملا تكشف عن إطباق العلماء، على الرد عليه ونقد آرائه، وستوافيك في أثناء البحث رسالة الذهبي إليه بنصها.

وإليك قائمة الشخصيات الذين ردّوا عليه في عصره أو بعده بقليل:

1- الشيخ صفي الدين الهندي الأرموي (ت 715 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «متكلم على مذهب الأشعري، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن وأدراهم بأسراره، متضلّعاً بالأصلين، ومن تصانيفه في علم الكلام «الزبدة»، وفي أصول الفقه: «النهاية»، وكل مصنفاته حسنة جامعة، لاسيما «النهاية» .

مولده ببلاد الهند سنة 644 هـ ثم قدم دمشق سنة 685 هـ واستوطنها وتوفي بها سنة 715 هـ ولما وقع من ابن تيمية في «المسألة الحموية» ما وقع، وعقد له المجلس بدار السعادة(1) بين يدي الأمير «تنكز» وجمعت العلماء، أشاروا بأنّ الشيخ الهندي يحضر، فحضر، وكان الهندي طويل النفس في التقرير، إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهة ولا اعتراضاً إلاّ اشار إليه في التقرير، بحيث لا يتم التقرير إلاّ وقد بعد على المعترض مقاومته، فلما شرع يقرّر، أخذ ابن تيمية يعجّل عليه على عادته، ويخرج من شيء إلى شيء.

فقال له الهندي: ما أراك يا بن تيمية إلاّ كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكان، فرّ إلى مكان آخر .

وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلّهم، فكلّهم صدر عن رأيه، وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة، وهي


1. قال المعلق: كان ذلك سنة (705 هـ)، راجع البداية والنهاية ج 14 ص 36 ـ 38 .


(38)

الّتي تضمّنت قوله بالجهة، ونودي عليه في البلاد وعلى أصحابه، وعزلوا من وظائفهم(1) .

2- الشيخ شهاب الدين اببن جهبل الكلابي الحلبي (ت 733 هـ)

قال «السبكي»: «درس وأفتى وشغل بالعلم مدة بالقدس ودمشق.

مات سنة 733 هـ ووقفت له على تصنيف صنفه في نفي الجهة رداً على ابن تيمية» وبما أنّ الرسالة مفصّلة نكتفي في المقام بذكر مقدمتها. يقول: «أمّا بعد فالذي دعا إلى تصدير هذه النبذة. ما وقع في هذه المدة، مما علّقه بعضهم في إثبات الجهة واغترّ بها من لم يرسخ له في التعليم قدم، ولم يتعلّق بأذيال المعرفة، ولا كبحة لجام الفهم ولا استبصر بنور الحكمة فاحببت أن أذكر عقيدة أهل السنة وأهل الجماعة ثم أُبيّن فساد ما ذكره، مع أنّه لم يدّع دعوى إلاّ نقضها ولا أطّد قاعدة إلاّ هدمها»(2) .

3- قاضي القضاة كمال الدين الزملكاني (667 ـ 733 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «الإمام العلاّمة المناظر، ولد في شوال سنة 667 هـ ودرس بالشامية البرانية ـ إلى أن قال ـ : ثم ولي قضاء حلب، وصنفّ الرد على ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة(3) .

4- الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي (ت 748 هـ)

ترجمه في «تذكرة الحفاظ» غير أنّه لم يذكر مما ردّ عليه بشيء، وهذا عجيب من الحافظ الذهبي، ولكنّه نصحه في رسالة بعثها إليه ويذكر ما فيه ويقول:

«الحمدللّه على ذلّتي، يا ربّ ارحمني، وأقلني عثرتي، واحفظ علىّ


1. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 162 ـ 164 .
2. تاج الدين، أبونصر، عبدالوهاب بن علي بن عبدالكافي السبكي (ت 727 ـ م 771) طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 34 ـ 35) .
3. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 190 ـ 191.


(39)

إيماني، واحزناه على قلة حزني، واأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونوني على البكاء، واحزناه على فقد أُناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتبّاً لمن شغله عيوب الناس عن عيبه.

إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذمّ العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

]: «لا تذكروا موتاكم إلاّ بخير، فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدموا» بل اعرف أنّك تقول لي لتنصر نفسك: إنّما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شمّوا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

]وهو جهاد، بلى واللّه عرفوا أخيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل! باللّه عليك كفّ عنّا، فإنّك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

[ وآله

] المسائل وعابها، ونهى عن كثرة السؤال وقال: «إنّ أخوف ما أخاف على أُمّتي كل منافق عليم اللسان» وكثرة الكلام بغير زلل، تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات الّتي تعمي القلوب، واللّه قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟.

لنرد عليها بعقولنا، يا رجل! قد بلعت «سموم» الفلاسفة وتصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليه الجسم، وتكمن واللّه في البدن، واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبّر وخشية بتذكّر وصمت بتفكّر. واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار، فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، باللّه خلّونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدّوا في ذكر بدع كنّا نعدّها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس


(40)

التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون، وتعدّ النصارى مثلنا، واللّه في القلوب شكوك، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتّبعك فإنّه معرض للزندقة والانحلال، لاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً، لكنّه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدوّ لك بحاله وقلبه .

فهل معظم أتباعك إلاّ قعيد مربوط خفيف العقل؟ أو عامي كذّاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم اقدم حمار شهوتك لمدح نفسك، إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغر العباد؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح ـ واللّه ـ بها أحاديث الصحيحين؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك .

بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف و الإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى ـ واللّه ـ ما أذكر أنّك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت. فما أظنك تقبل علي قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتّى أقول البتة سكت، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك ـ واللّه ـ فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء، عما أنّ أولياءك فيهم فجزة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر، قد رضيت منك بأن تسبني علانية، وتنتفع بمقالتي سراً، فرحم اللّه امرأً أهدى إلىّ عيوبي، فإنّي كثير العيوب، غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وافضيحتي من علاّم الغيوب! ودوائي عفو اللّه ومسامحته وتوفيقه وهدايته، والحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على سيدنا محمّد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين». (1)


1 . تكملة السيف الصقيل، للمحقّق المعاصر الكوثري، ص 190 ـ 192 كتبه من خط ابن قاضي: شهبة، منقولا من خط قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة وكتبه، هو من خط الشيخ الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ من خط الذهبي، وجاء شطر منه في «فرقان القرآن» تأليف الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي في مقدمة كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي ص 129. وقد طبعت صورة خط ابن قاضي شهبة في تكملة السيف الصقيل ص 187 ـ 189.

(41)

5- الشيخ الإمام صدر الدين المرحل (ت حوالي 750 هـ)

عرّفه السبكي بقوله: «كان إماماً كبيراً، بارعاً في المذهب والأصلين، يضرب المثل باسمه، فارساً في البحث، نظاراً مفرط الذكاء، عجيب الحافظة ـ إلى أن قال ـ : وله مع ابن تيمية، المناظرات الحسنة، وبها حصل عليه التعصّب من أتباع ابن تيمية، قيل فيه ما هو بعيد عنه، وكثر القائل فارتاب العاقل، وكان الوالد يعظّم الشيخ صدر الدين ويحبّه، ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري (1) .

6- الحافظ علي بن عبدالكافي السبكي (ت 756 هـ)

ترجمهُ ولده في طبقات الشافعية، وهو أحد من ردّ على ابن تيمية، وألّف فيه كتاباً أسماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام» وربما سمي «شنّ الغارة على من أنكر السفر للزيارة»(2) وهو يعرّف والده ويقول: «إمام ناضح عن رسول اللّه بنضاله، وجاهد بجداله، حمى جناب النبوة الشريف، بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره... إلى أن قال: قام حين خلط على ابن تيمية الأمر، وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر، حين سد باب الوسيلة وأنكر شدّ الرجال لمجرّد الزيارة، وما برح يدلج ويسير حتى نصر صاحب ذلك الحمى الّذي لا ينتهك، وقد كادت تذود عنه قسراً صدور الركائب. وتجر قهراً أعنة القلوب بتلك الشبهة الّتي كادت شرارتها تعلق بحداد الأوهام... كيف يزار المسجد ويخفى صاحبه، أو يخفيه الإبهام؟ ولولاه ـ عليه السلام ـ لما عرف تفضيل ذلك المسجد، ولولاه لما قدّس الوالي، ولا أسس على التقوى مسجد في ذلك النادي


1. طبقات الشافعية الكبرى ج 9 ص 253 .
2. طبقات الشافعية ج 10 ص 308 .


(42)

شكر اللّه له، قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع»(1) .

وكان لهذا الكتاب دوي في ذاك العصر، حيث جابه السبكي ضوضاء الباطل بكتابه الهادي، وصار مدار الدراسة والقراءة، وهذا هو الشيخ صلاح الدين الصفدي قرأ الكتاب على المؤلف، يقول السبكي (ولد المؤلف): قرأ علي الشيخ الإمام (المراد تقي الدين السبكي) ـ رحمه الله ـ جميع كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام»(2) .

وقال أيضاً في خطبة كتابه «الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية» ما هذا لفظه: «أمّا بعد فإنّه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أُصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنّة، مظهراً أنّه داع إلى الحق، هاد إلى الجنة، فخرج عن الإتباع إلى الإبتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدسة، وإنّ الإفتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات اللّه تعالى، وإنّ القرآن محدث تكلم اللّه به بعد أن لم يكن، وإنّه يتكلم ويسكت، ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قدم العالم، والتزم بالقول بأنّه لا أوّل للمخلوقات فقال بحوادث لا أوّل لها، فأثبت الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل، ولا نحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين الّتي افترقت عليها الأُمّة، ولا وقفت به مع أُمّة من الأُمم همة. وكل ذلك و إن كان كفراً شنيعاً، لكنّه تقل حملته بالنسبة إلى ما أحدث في الفروع.

ثم إنّ السبكي لما وقف على كتاب «منهاج السنة» في الرد على «منهاج الكرامة» للعلامة الحلي، أنشأ قصيدة، ومما جاء فيها ناقداً لابن تيمية قوله:


1. طبقات الشافعية ج 10 ص 149 ـ 150 وللكلام صلة .
2. المصدر نفسه، ص 5 .


(43)

ولابن تيمية رد عليه وفي * بمقصد الرد واستيفاء أضربه

لكنّه خلط الحق المبين بما * يشوبه كدراً في صفو مشربه

يرى حوادث لا مبدا لأولها * في اللّه سبحانه عما يظن به

لو كان حياً يرى قولي ويفهمه * رددت ما قال أقفو اثر سبسبه

كما رددت عليه بالطلاق وفي * ترك الزيارة ردّاً غير مشتبه (1)

إنّ الشيخ الذهبي من الحنابلة الذين يتعصّبون للمذهب الحنبلي، ومع ذلك نرى أنّه يصف تقي الدين السبكي الّذي ولي مشيخة دار الحديث وخطابة الجامع الأموي بدمشق بقوله:

لِيَهْنَ المنبرُ الأموىُّ لما * علاه الحاكمُ البحر التقىُّ

شيوخ العصر أحفظهم جميعاً * وأخطبهم «وأقضاهم علىُّ»

فإذا كان هذا مقام السبكي عند الذهبي، فليكن حجة على الحنابلة ممن يبغض السبكي لنقده نظرية ابن تيمية في الزيارة وغيرها(2) .

7- محمد بن شاكر الكتبي (ت 764 هـ)

قال في «فوات الوفيات» في ترجمته: «إنّه ألّف رسالة في فضل معاوية، وفي أنّ ابنه يزيد لا يسب»(3) .

هذه الرسالة تعرب عن نزعته الأموية، ويكفي القول في الوالد والوالد: «ووالد وما ولد» أنّه بدّل الحكومة الإسلامية إلى الملكية الوراثية، ودعا عباد اللّه إلى ابنه يزيد، المتكبّر، الخميّر، صاحب الديوك والفهود والقرود، وأخذ البيعة له على خيار المسلمين بالقهر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهديد والرهبة، وهو يطلع على خبثه ورهقه، ويعاين سكره وفجوره، ولما استتبٌ

الأمر ليزيد، أوقع بأهل الحرة الوقيعة الّتي لم يكن في الإسلام أشنع منها ولا أفحش، وظن أنّه قد انتقم من أولياء اللّه فقال مجاهراً بكفره:


1. المصدر نفسه ج 10 ص 186 وتوفي السبكي تقي الدين والد تاج الدين عام (756 هـ)وتوفي الولد عام (771 هـ) .
2. فرقان القرآن ص 129 .
3. فوات الوفيات ج 1 ص 77 .


(44)

لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل

وهذا هو المروق من الدين، وقول من لا يرجع إلى اللّه ولا إلى دينه ولا إلى كتابه ولا إلى رسوله، ثم من أغلظ ما انتهك وأعظم مااخترم سفكه دم الحسين بن علىّ، بن فاطمة بنت رسول اللّه، مع موقعه من رسول اللّه ومكانه منه، ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول اللّه له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على اللّه، وكفراً بدينه، وعداوة لرسوله، ومجاهدة لعترته، واستهانة بحرمته، فكأنّما يقتل به وبأهل بيته، قوماً من الكفار(1) .

8- أبو محمد المعروف باليافعي (ت 768 هـ)

قال في كتابه «مرآة الجنان» في ترجمة ابن تيمية: «مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن تيمية معتقلا، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر عن الدواة والورق، وسمع من جماعة وله مسائل غريبة ـ أنكر عليها وحبس بسببها ـ مباينة لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وطعنه مشايخ الصوفية، وكذلك ما قد عرف من مذهبه كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة، وما نقل فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك ما هو معروف من مذهبه، ولقد رأيت مناماً في وقت مبارك يتعلّق بعضه بعقيدته، ويدل على خطئه فيها، وقد قدمت ذكره في حوادث سنة 558 هـ في ترجمة صاحب «البيان» .

وقال: كان ابن تيمية يقول: قوله: «إنّ اللّه على العرش استوى»، استواء حقيقة، وإنّه يتكلّم بحرف وصوت، وقد نودي في دمشق وغيرها: من كان على عقيدة ابن تيمية حل ماله ودمه! (2) وقال في حوادث سنة 728 هـ : وله


1. مأخوذ من كتاب (المعتضد) الّذي تلي على رؤوس الأشهاد في أيامه. نقله الطبري في تاريخه ج 11 ص 77 .
2. مرآة الجنان ج 4 ص 277، في حوادث سنة 728 هـ وص 240 .


(45)

مسائل غريبة أنكر عليها وحبس بسببها مباينة لمذهب (أهل السنة) ثم (عدّ له) قبائح، قال: ومن أقبحها نهيه عن زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

9- أبوبكر الحصني الدمشقي (ت 829 هـ)

يقول: «فاعلم أنّي نظرت في كلام هذا الخبيث الّذي في قلبه مرض الزيغ، المتتبّع ما تشابه من الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة، وتبعه على ذلك خلق من العوام وغيرهم ممن أراد اللّه عزّوجلّ إهلاكه، فوجدت فيه ما لا أقدر على النطق به، ولا لي أنامل تطاوعني على رسمه وتسطيره، لما فيه من تكذيب ربّ العالمين، في تنزيهه لنفسه في كتابه المبين، وكذا الازدراء بأصفيائه، المنتخبين وخلفائهم الراشدين، واتباعهم الموفقين، فعدلت عن ذلك إلى ذكر ما ذكره الأئمّة المتّقون، وما اتّفقوا عليه من تبعيده وإخراجه ببغضه من الدين(1) .

10- شيخ الإسلام، شهاب الدين، أحمد بن حجر، العسقلاني (ت 852 هـ)

ترجمه ابن حجر في كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وذكر حياته على وجه التفصيل وقال: «وأول ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة 698 هـ قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية، وبحثوا معه، ومنع من الكلام» ثم ذكر معتقلاته وسجونه إلى أن أدركته المنيّة بما لا حاجة إلى ذكره، ونقتبس مما ذكره الجمل التالية:

أ ـ يقول: «حكم المالكي بحبسه فأُقيم من المجلس وحبس في برج، ثم بلغ المالكي أنّ الناس يترددون عليه، فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلاّ فقد ثبت كفره، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب، وعاد القاضي الشافعي إلى ولايته، ونودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله، خصوصاً الحنابلة، وقرأ المرسوم وقرأها ابن الشهاب محمود في الجامع، ثم جمعوا الحنابلة من


1. دفع شبهة من شبّه وتمرّد، ص 216، طبع بمصر عام 1350 هـ .


(46)

الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنّهم على معتقد الإمام الشافعي» .

ب ـ نقل عن جمال الدين السرمري أنّه قال: وكان ابن تيمية يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس: «... ومن ثم نصب أصحابه إلى الغلوّ فيه، واقتضى ذلك العجب بنفسه حتّى زها على أبناء جنسه، واستشعر أنّه مجتهد يرد على صغير العلماء وكبيرهم، قديمهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيء، وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثم خالف فيها، وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة، حتّى أنّه سب الغزالي،.. فعظم ذلك على الشيخ نصر المنبجي، وأعانه عليه قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد المثيرة وقعت منه في مواعيده وفتاواه، فذكروا أنّه ذكر حديث النزول، فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا(1) ، فنسب إلى التجسيم، وردّه على من توسّل بالنبي، فأشخص من دمشق في رمضان سنة (705 هـ) .

ثم يقول: إنّه اختلف الناس بعد إخراجه عن بعض معتقلاته، فمنهم من نسبه إلى التجسيم، لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك، كقوله إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية للّه، وإنّه مستو على العرش بذاته، فقيل له يلزم من ذلك التحيّز والإنقسام، ومنهم من أنكر كون التحيّز والانقسام من خواص الأجسام (2) .

ومنهم من ينسبه إلى الزندقة، لقوله: إنّ النبي لا يستغاث به، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي، ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علىّ


1. سيوافيك نص ابن بطوطة السياح المعروف في ذلك، وأنه سمعه بأذنه ورآه بعينه، فانتظر .
2. اقرأ واضحك على عقلية القائل .


(47)

ماتقدم، ولقوله إنّه كان مخذولا حيثما توجّه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، إنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله إنّه كان يحب الرئاسة، وإنّ عثمان كان يحبّ المال، ولقوله أبوبكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلىّ أسلم صبياً والصبي لا يصحّ إسلامه على قول(1) .

11- جمال الدين يوسف بن تغري الأتابكي (812 ـ 874 هـ)

وقد ترجمه جمال الدين في كتابه: «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي» ومما جاء فيه: قال القاضي كمال الدين الزملكاني: «ثم جرت له محن في مسألة الطلاق الثلاث، وشدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وحبّب للناس القيام عليه، وحبس مرات في القاهرة والإسكندرية ودمشق، وعقد له مجالس بالقاهرة ودمشق، إلى أن ورد مرسوم شريف من السلطان في شعبان سنة (726 هـ) بأن يجعل في قلعة دمشق، فاقام فيها مدة مشغولا بالتصنيف، ثم بعد مدة منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما كان عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواتاً [ دواةً ]ولا قلماً ولا ورقة.

ومما وقع له قبل حبسه أنّه ناظر بعض الفقهاء، وكتب محضراً، فإنّه قال. أنا أشعري ثم أخذ خطه بما نصه:

أنا أعتقد أنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه، وهو صفة من صفات ذاته القديمة، وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وأنّ قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) ليس على ظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلمه إلاّ اللّه، والقول في النزول كالقول في الاستواء، وكتبه أحمد بن تيمية، ثم أشهدوا عليه جماعة أنّه تاب مما ينافي ذلك مختاراً، وشهد عليه بذلك جمع من العلماء وغيرهم»(2) .


1. الدرر الكامنة ج 1 ص 154 ـ 165 .
2. «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي» ج 1 ص 336 ـ 340، والزملكاني هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعي، ولد سنة (667 هـ) وتوفي سنة (733 هـ) .


(48)

وترجمه أيضاً في كتابه الآخر: «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» بنفس النص الوارد في «المنهل الصافي»(1) .

12- شهاب الدين، ابن حجر، الهيثمي (ت 973 هـ)

قال في ترجمة ابن تيمية: «ابن تيمية عبد خذله اللّه، وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه، بذلك صرّح الأئمة الذين بيّنوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد، أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العزّ بن جماعة، وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفيةولم يقصر اعتراضه على متأخّري السلف الصوفية، بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعلىّ بن ابي طالب رضي الله عنهما.

والحاصل أنّه لا يقام لكلامه وزن، بل يرمى في كل وعر وحزن ويعتقد فيه أنّه مبتدع، ضالّ، مضلّ، غال، عامله اللّه بعدله، وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله. آمين! إلى أن قال: إنّه قائل بالجهة، وله في إثباتها جزء، ويلزم أهل هذا المذهب الجسمية والمحاذاة والاستقرار. أي فلعلّه بعض الأحيان كان يصرّح بتلك اللوازم فنسبت إليه، وممن نسب إليه ذلك من أئمة الإسلام المتفق على جلالته وإمامته وديانته، وإنّه الثقة العدل المرتضى المحقق المدقق، فلا يقول شيئاً إلاّ عن تثبت، وتحقق، ومزيد احتياط، و تحر، لا سيما إن نسب إلى مسلم ما يقتضي كفره، وردّته، وضلاله، وإهدار دمه»(2) .

وقال أيضاً في كتابه: «الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم»: «فإن قلت: كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله، كما


1. «النجوم الزاهرة...» ج 2 ص 279 .
2. الفتاوى الحديثية، ص 86. ونقله العلامة الشيخ محمد بخيت (م 1354 هـ ) في كتابه «تطهير الفؤاد» ص 9 ط مصر.


(49)

رآه السبكي في خطه، واطال ابن تيمية في الاستدلال بذلك بما تمجّه الأسماع وتنفر منه الطباع، بل زعم حرمة السفر لها إجماعاً، وأنّه لا تقصر فيه الصلاة، وأنّ جميع الأحاديث الواردة فيها موضوعة، وتبعه بعض من تأخّر عنه من أهل مذهبه! .

قلت: من هو ابن تيمية حتّى ينظر إليه؟ أو يعوّل في شيء من أُمور الدين عليه؟ وهل هو إلاّ كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقّبوا كلماته الفاسدة، و حججه الكاسدة، حتّى أظهروا عوار سقطاته، وقبائح أوهامه وغلطاته، كالعز بن جماعة: عبد أذلّه اللّه وأغواه، وألبسه رداء الخزي وبوّأَهُ من قوة الإفتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان...»(1) .

13- ملاّ علي القارىء الحنفي (ت 1016 هـ)

وقال ملاّ علي القارىء الحنفي في شرحه على الشفاء(2): «وقد أفرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كما أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة. وجاحده محكومع ليه بالكفر، ولعلّ الثاني أقرب إلى الصواب، لأنّ تحريم ما أجمع العلماء فيه على الاستحباب يكون كفراً، لأنّه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب» .

14- أبو العباس أحمد بن محمد المكناسي، الشهير بابن القاضي (960 ـ 1025 هـ)

وقد ترجمه ابن القاضي في ذيل وفيات الأعيان المسمى بـ «درة الحجال في أسماء الرجال» قال: «أحمد بن عبد الحليم مفتي الشام ومحدّثه وحافظه، وكان يرتكب شواذ الفتاوى، ويزعم أنّه مجتهد»(3) .


1. فرقان القرآن، ص 132 ـ طبع في مقدمة كتاب الأسماء والصفات للبيهقي .
2. «درة الحجال في أسماء الرجال» ج 1 ص 30 .
3. تأليف الحافظ أبي الفضل عياض بن موسى القاضي (ت 544 هـ) وأسماه: «الشفا في تعريف حقوق المصطفى» وله شروح كثيرة ذكره الكاتب الحلبي في كتابه .


(50)

15- النبهاني (ت 1350 هـ)

قال النبهاني في تأليفه «شواهد الحق» بعد نقل أسماء عدة من الطاعنين به: «فقد ثبت وتحقّق وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أنّ علماء المذاهب الأربعة قد اتّفقوا على ردّ بدع ابن تيمية، ومنهم من طعنوا بصحة نقله، كما طعنوا بكمال عقله، فضلا عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل الّتي شذّ بها في الدين، وخالف بها إجماع المسلمين، ولا سيما فيما يتعلّق بسيّد المرسلين ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ » .

16- المحقق الشيخ محمد الكوثري المصري (ت 1371 هـ)

إنّ الشيخ الكوثري هو أكثر الناس تتبّعاً لمكامن حياة ابن تيمية، وقد شهره وفضحه، بنشر كتاب «السيف الصقيل» للسبكي وجعل له تكملة، نشرهما، معاً فمن وقف على هذا الكتاب وما ذيّل به، لعرف مواقع الرجل، وإليك كلمة من الكوثري في حق الحشوية، يقول في تقديمه لكتاب «الأسماء والصفات» للحافظ البيهقي ـ بعد ما يسرد أسماء عدة من كتب الحشوية كالاستقامة لخشيش بن أصرم، والسنة لعبد اللّه بن أحمد «والنقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسم ـ : «إنّ السجزي أول من اجترأ بالقول «إنّ اللّه لو شاء لا ستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته، فكيف على عرش عظيم» وتابعه الشيخ ابن تيمية الحراني في ذلك، كما تجد نص كلامه في «غوث العباد» المطبوع سنة 1351 بمطبعة الحلبي» (1) .

وقال ايضاً في مقدمته على السيف الصقيل:

جزى اللّه علماء أُصول الدين عن الإسلام خيراً، فإنّ لهم فضلا جسيماً في صيانة عقائد المسلمين بادلّة ناهضة مدى القرون، أمام كل فرقة زائفة ـ إلى أن قال ـ :

ومن طالع من ألّفه بعض الرواة على طول القرون من كتب في التوحيد


1. مقدمة الأسماء والصفات للبيهقي، ص «ب» .


(51)

والصفات والسنة، والردود على أهل النظر، يشكر اللّه سبحانه على النور الّذي افاضه على عقله، حتّى نبذ مثل تلك الطامات بأول نظرة.

وقد استمرّت فتن المخدوعين من الرواة على طول القرون مجلبة لسخط اللّه تعالى، ولاستسخاف العقلاء، من غير أن يخطر ببال عاقل أن يناضل عن سخافات هؤلاء، إلى أن نبغ في أواخر القرن السابع بدمشق، حرّاني تجرّد للدعوة إلى مذهب هؤلاء الحشوية السخفاء، متظاهراً بالجمع بين العقل والنقل على حسب فهمه من الكتب، بدون أُستاذ يرشده في مواطن الزلل، وحاشا العقل الناهض والنقل الصحيح أن يتضافرا في الدفاع عن تحريف السخفاء إلاّ إذا كان العقل عقل صابئي والنقل نقل صبي، وكم انخدع بخزعبلاته أُناس ليسوا من التأهّل للجمع بين الرواية والدارية في شيء، وله مع خلطائه هؤلاء، موقف في يوم القيامة لا يغبط عليه.

ومن درس حياته يجدها كلها فتناً لا يثيرها حافظ بعقله، غير مصاب في دينه، وأنّى يوجد نصّ صريح منقول أو برهان صحيح معقول يثبت الجهة والحركة والثقل والمكان ونحوها للّه سبحانه؟ .

وكل ما في الرجل أنّه كان له لسان طلق، وقلم سيال، وحافطة جيدة، قلّب ـ بنفسه بدون أُستاذ رشيد ـ صفحات كتب كثيرة جداً من كتب النحل الّتي كانت دمشق امتلأت بها بواسطة الجوافل من استيلاء المغول على بلاد الشرق، فاغترّبما فهمه من تلك الكتب من الوساوس والهواجس، حتى طمحت نفسه إلى أن تكون قدوة في المعتقد والأحكام العملية، ففاه في القبيلين بما لم يفه به أحد من العالمين، مما هو وصمة عار وأمارة مروق في نظر الناظرين، فانفضّ من حوله أُناس كانوا تعجّلوا في إطرائه ـ بادىء بدء ـ قبل تجريبه، وتخلّوا عنه واحداً إثر واحد على تعاب فتنة المدونة في كتب التاريخ،ولم يبقَ(1) معه إلاّ أهل مذهبه في الحشو من جهلة المقلدة، ومن ظن أن علماء


1. وقال في التعليق: وثناء بعض المتأخرين عليه لم يكن إلا عن جهل بمضلات الفتن في كلامه، ووجوه الزيغ في مؤلفاته، ومنهم من ظن أنه دام على توبته بعد ما استتيب فدام على الثناء، ولا حجة في مثل تلك الأثنية، وأقواله الماثلة أمامنا في كتبه لا يؤيدها إلاّ غاو غوى، نسأل اللّه السلامة .


(52)

عصره صاروا كلهم إلباً واحداً ضدّه حسداً من عند أنفسهم، فَلْيَتّهم عقله وإدراكه قبل اتّهام الآخرين، بعد أن درس مبلغ بشاعة شواذه في الاعتقاد والعمل، وهو لم يزل يستتاب استتابة إثر استتابة، وينقل من سجن إلى سجن إلى أن افضى إلى ما عمل وهو مسجون فقير، هو وأهواؤه في البابين، بموته وبردود العلماء عليه، وماهي ببعيدة عن متناول رواد الحقائق .

كلامه في حق تلميذه ابن القيم

وكان ابن زفيل الزرعي المعروف بابن القيم يسايره في شواذه حياً وميتاً، ويقلده فيها تقليداً أعمى في الحق والباطل، وإن كان يتظاهر بمظهر الاستدلال، لكن لم يكن استدلاله المصطنع سوى ترديد منه لتشغيب قدوته، دائباً على إذاعة شواذ شيخه، متوخياً ـ في غالب مؤلفاته ـ تلطيف لهجة أُستاذه في تلك الشواذ لتنطلي وتنفق على الضعفاء، وعمله كله التلبيس والمخادعة والنضال عن تلك الأهواء المخزية، حتى أفنى عمره بالدندنة حول مفردات الشيخ الحراني .

تراه يثرثرفي كل واد ويخطب بكل ناد، بكلام لا محصل له عند أهل التحصيل، ولم يكن له حظ من المعقول، وإن كان كثير السرد لآراء أهل النظر، ويظهر مبلغ تهافته لمن طالع شفاء العليل له بتبصّر، ونونيته(1) و عَزَوْه من الدلائل على أنّه لم يكن ممن له علم بالرجال ولا بنقد الحديث، حيث أثنى فيهما على أُناس هلكى، واستدل فيهما باخبار غير صحيحة على صفات اللّه سبحانه.

وقد ذكره الذهبي في المعجم المختص بما فيه عبرة، ولم يترجم له الحسيني


1. وهي قصيدته البالغة خمسة آلاف بيت في العقائد، وهي الّتي رد عليها السبكي بتاليف كتاب السيف الصقيل، وأكمله محمد الكوثري وأسماه تكملة السيف الصقيل، وها نحن ننقل هاتيك العبارات منها.


(53)

ولا ابن فهد ولا السيوطي في عداد الحفاظ في ذيولهم على طبقات الحفاظ، وما يقع من القارىء بموقع الأعجاب من أبحاثه الحديثية في زاد المعاد وغيره، فمختزل مأخوذ مما عنده عن كتب قيّمة لأهل العلم بالحديث، كـ «المورد الهني في شرح سير عبدالغني» للقطب الحلبي ونحوه .

ولو لا محلى ابن حزم «وأحكامه» و «مصنف» ابن أبي شيبه «وتمهيد» ابن عبدالبر لما تمكن من مغالطاته وتهويلاته في «أعلام الموقعين» .

وكم استتيب وعذر مع شيخه وبعده على مخاز في الاعتقاد والعمل، تستبين منها ما ينطوي عليه من المضي على صنوف الزيغ تقليداً لشيخه الزائغ، وسيلقى جزاء عمله هذا في الآخرة ـ إن لم يكن ختم له بالتوبة والأمانة ـ كما لقي بعض ذلك في الدنيا .

كلام الحافظ الذهبي وغيره في حق ابن القيم

قال الذهبي في المعجم المختص عن ابن القيم هذا: «عني بالحديث بمتونه وبعض رجاله وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حبس مدة لإنكاره على شد الرحل لزيارة قبر الخليل (إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ) ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، لكنّه معجب برأيه جريء على الأُمور .

قال ابن حجر في الدرر الكامنة: «غلب عليه حب ابن تيمية حتّى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الّذي هذب كتبه ونشر علمه... واعتقل مع ابن تيمية بالقلة، بعد أن أُهين وطيف به على جمل مضروباً بالدرة، فلما مات أُفرج عنه، وامتحن مرة أُخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره وينالون منه».

قال ابن كثير: «كان يقصد للإفتاء بمسألة الطلاق، حتى جرت له بسببها أُمور يطول بسطها مع ابن السبكي وغيره... وكان جماعاً للكتب فحصّل منها ما لا يحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.. وهو طويل النفس في مصنفاته، يتعانى


(54)

الإيضاح جهده، فيسهب جداً، ومعظمها من كلام شيخه بتصرف في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها ويحتج لها.. وجرت له محن مع القضاة، منها في ربيع الأول طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه، وآل الأمر إلى أنّه رجع عما كان يفتي به من ذلك» .

كلام ابن الحصني في حقه

وقال التقي الحصني: كان ابن تيمية ممن يعتقد ويفتي بأنّ شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء حرام لا تقصر فيه الصلاة، ويصرّح بقبر الخليل وقبر النبي (صلى اللّه عليهما وسلم) ، وكان على هذا الاعتقاد تلميذه ابن قيم الجوزية الزرعي، وإسماعيل بن كثير الشركويني، فاتّفق أنّ ابن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف، ورقي على منبر في الحرم ووعظ وقال في أثناء وعظه بعد أن ذكر المسألة: وها أنا راجع ولا أزور الخليل.

ثم جاء إلى نابلس، وعمل له مجلس وعظ، وذكر المسألة بعينها حتى قال: فلا يزور قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقام إليه الناس وأرادوا قتله، فحماه منهم والي نابلس، وكتب أهل القدس وأهل نابلس إلى دمشق يعرّفون صورة ما وقع منه، فطلبه القاضي المالكي فتردد وصعد إلى الصالحية إلى القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأسلم على يديه، فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزّره لأجل ابن تيمية... ثم أحضر ابن قيم الجوزية وادُّعي عليه بما قاله في القدس الشريف وفي نابلس فأنكر، فقامت عليه البينة بما قاله، فأُدّب وحُمل على جمل، ثم أُعيد إلى السجن، ثم أُحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه، فما كان جوابه إلاّ أن قال: إنّ القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي، فأُعيد إلى الحبس إلى أن أُحضر الحنبلي فأخبر بما قاله، فأُحضر وعزّر وضرب بالدرة، وأُركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية، وردّوه إلى الحبس ـ وجرسوا ابن القيم وابن كثير، وطيف بهما في البلد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسالة الطلاق .


(55)

قال ابن رجب: قد امتحن و أوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً، لم يفرج عنه إلاّ بعد موت الشيخ .

وقد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه و أضداده والمتحايدين في حقه، ليعتبربها المغرورون به. على أنّ الخبر اليقين فيما يجده القارىء الكريم في حقه في هذا الكتاب، وأرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقه فيما كتبناه.

وأحق الناس بالرثاء وأجدرهم بالترحّم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخيّر أُستاذاً رشيداً يهديه، ومثله إذا دوّن أسفاراً لا يزداد بها إلاّ بسمعه ولا يبصر بعداً عن اللّه وأوزاراً، وهو الّذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلاّ ببصره في جميع شؤونه، ويبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى، ولو فكر قليلا لكان أدرك أنّ من السخف بمكان، وضعه لشيخه في إحدى كفّتي الميزان ليوازن به جميع العلماء والفقهاء من هذه الأُمة في كفته الأُخرى فيزنهم ويغالبهم به فيغلبهم في علومهم!! وهذا ما لا يصدر من حافظ بعقله، ولا سيما بعد التفكير في تلك المخازي من شواذه .

نعم، يمكن أن يكون عنده أو عند شيخه بعض تفوق في بعض العلوم على بعض مشايخ حارته، أو أهل خطته أو قريته أو مضرب خيام عشيرته، لكن لا يوجب هذا أن يصدق ظنه في حق نفسه أن جوّ هذه الأرض يضيق عن واسع فهومه، وعرض هذه البحار لا يتّسع لزاخر علومه»(1) .

17- الشيخ سلامة القضا العزامي (ت 1379 هـ)

قال: «بدأ ابن تيمية حياته بطلب العلم على ذكاء وتصالح، ورفق به أكابر العلماء لأنّ اباه كان رجلا هادئاً وكان من بيت علم، فساندوه وشجعوه وأثنوا عليه خيراً، حتّى إذا أقبل عليه الناس بدأ يظهر بالبدع، وأبطرته الغرة، فتمادى في التعصب لآرائه، وما زال يتلاعب به الهوى حتّى كان مجموعة بدع


1. تكملة السيف الصقيل ص 4 ـ 9 .


(56)

شنعاء، ودائرة جهالات وأباطيل شوهاء، فتجده في مسائل من علم التوحيد حشوياً كرامياً، يقول في اللّه بالأجزاء والجهة والمكان، والنزول والصعود الحسيين، وحلول الحوادث بذاته تعالى، ومن ناحية أُخرى تجد فيه حضيضة الخوارج، يكفّر أكابر الأُمة ويخطىء أعاظم الأئمة وقال: من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين والأولياء من أهل القبور، أوذبح له ذبيحة كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه فيكون بذلك كافراً، ويطيل في ذلك الكلام، واغترّ بكلامه بعض من تأخّر عنه من العلماء ممن ابتلي بصحبته أو صحبة تلاميذه، وهو منه تلبيس في الدين، وصرف إلى معنى لا يريده مسلم من المسلمين، ومن خبر حال من فعل ذلك من المسلمين وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للمتقين من الأنبياء والأولياء إلاّ الصدقة عنهم، وجعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنة منعقدة على أنّ صدقة الأحياء نافعة للأموات واصلة إليهم.

ولقد تعدّى هذا الرجل حتّى على الجناب المحمدي فقال: إنّ شد الرحال إلى زيارته معصية، وإنّ من ناداه مستغيثاً به بعد وفاته فقد أشرك، فتارة يجعله شركاً أصغر، وأُخرى يجعله شركاً أكبر، وإن كان المستغيث ممتلىء القلب بأنّه لا خالق ولا مؤثر إلاّ اللّه، وأنّ النبي إنّما ترفع إليه الحوائج ويستغاث به، على أنّ اللّه جعله منبع كل خير، مقبول الشفاعة، مستجاب الدعاء كما هي عقيدة جميع المسلمين مهما كانوا من العامة .

وقد أوضح ذلك كل الإيضاح قبلنا أكابر جهابذة العلم لا سيما علَمُ أعلام هذا العصر، حامل لواء الحكمة الإسلامية، وأحد جماعة كبار العلماء بحق، الشيخ يوسف الدجوي، فيما كتبه في مجلة الأزهر ـ أدم اللّه تأييده بروح منه، وجلله بالعافية من لدنه ـ .

وهذه البدعة من مبتكراته قد اغتر بها ناس، فقالوا بكفر من عداهم من جماهير المسلمين، وسفكت في ذلك دماء لا تحصى، وقد أُلفت الكتب الكثيرة في رد هذه البدعة وفروعها، بين مطوّل قد جوّده صاحبه، ومختصر أفاده مؤلفه وأجاد.


(57)

ومن عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأولين والآخرين كذباً وزوراً، وربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة، فتجده في منهاجه مثلا يدّعي أنّه ما من حاديث إلاّ وقبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي، ثم يقول: وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون. وبعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أول مخلوق ما هو؟ أهو القلم أم الماء؟ وبينما تراه يتكلّم بلسان أهل الحق المنزهين، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً(1) وسمّى كل من لا يقول بذلك معطّلا، وزنديقاً، وكافراً، وقد جمع تلميذه «ابن زفيل» سفاهاته ووساوسه في علم أصول الدين، في قصيدته النونية، وبينما تراه يسب جهماً والجهمية، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى، وأن أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً ـ إلى أن قال ـ: وليس من غرضنا بسط الكلام في بدع هذا الرجل، فقد كفانا العلماء ـ شكر اللّه سعيهم ـ من عصره إلى هذا العهد، المؤنة بالتصانيف الممتعة في الرد عليها، ولكن رفع الجهل رأسه في عصرنا هذا، وانتدب ناس من شيعته لطبع الكثير من كتبه وكتب تلميذه ابن زفيل، ففضحوا الرجل وشهّروا به عند المحققين من أهل الفقه في الدين، وتبينت صحة نسبة ما كان يتورع العلماء عن نسبته إليه، وإنّ نصيحتي الّتي أسديها لكن مسلم نصيحة للّه ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم، هي لزوم جماعة المسلمين في أُصول الدين وفروعه، ولولا أنّي اشفق على القارىء أن يملّ لتحدّثت إليه طويلا فيما أصاب الإسلام والمسلمين من عظائم هذا الرجل، ولبسطت له ما قال أكابر العلماء فيه وفي شيعته، ولكنّي أرجو أن يكون ما قدّمته كافياً لذوي النهى»(2) .

18- الشيخ محمد أبو زهرة (1316 ـ 1396 هـ)

ألّف الشيخ محمد أبو زهرة، كتاباً في حياة ابن تيمية وشخصيته، ومع


1. كذا في النسخة ولعل المراد: «جهمياً» .

[أو لعل المراد: نسبته إلى من يقول في اللّه بالجهة

] الناشر .
2. فرقان القرآن ص 132 ـ 137 وقد فرغ المؤلف منه سنة 1358 هـ .


(58)

أنّه أغمض عن كثير من الجوانب السلبية في حياته، وأخرج كتابه على وجه يلائم روح المحايدة في الكتابة، ومع ذلك انتقد عليه في موارد، ومنها: منعه التبرك بآثار النبي. يقول: «دفن النبي في حجرة عائشة لأنّ يكون قبره قريباً من المسجد، وأن يكون قبره معروفاً غير مجهول، فإنّه لو دفن بالبقيع في الصحراء، فقد يجهل موضعه، ويكون بعيداً عن مسجده، وأمّا إذا دفن في حجرة عائشة فإنّه يكون قريباً من مهبط الوحي ومبعث الدعوة ومكان التنزيل، وبعد فإنّا نخالف ابن تيمية منعه التبرك بزيارة قبر الرسول و المناجاة عنده، وعدم الندب إليه، وإنّ التبرك الّذي نريده ليس هو العبادة أو التقرب إلى اللّه بالمكان. إنّما التبرك هو التذكّر والاعتبار والاستبصار. وأىّ امرىء مسلم علم حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسيرته، وهدايته، وغزواته وجهاده، ثم يذهب إلى المدينة ولا يحس بأنّه في هذا المكان كان يسير الرسول ويدعو ويعمل، ويدبّر ويجاهد، أو لا يعتبر ـ ولا يستبصر، أو لا يحس بروحانية الإسلام و عبقرية النبي الأمين، أو لا تهزّ أعطافه محبة للّه ورسوله والأخذ بما أمر اللّه به، والانتهاء عما نهى عنه إلاّ من أعرض عن ذكر اللّه ولم يكن من أولي الأبصار؟ إنّ الزيارة إلى قبر الرسول هي الذكرى والاعتبار، والهدي والاستبصار والدعاء عند القبر دعاءً، القلب خاشع، العقل خاضع، والنفس مخلصة، والوجدان مستيقظ، وإنّ ذلك أبرك الدعاء»(1) .

وهذه النصوص الرائعة من أئمة الحديث والتفسير والكلام في حق الرجل تغنينا عن إفاضة القول فيه، وقد اكتفينا بهذا المقدار عن الكثير، فإنّ الناقدين له أكثر مما ذكرنا. وقد نشر كتيب باسم «الوهابية في نظر المسلمين»(2) وذكر بعض من لم نذكره، كما أنّه لم يذكر بعض ما ذكرنا من النصوص .

والّذي يعرب عن أنّ الرأي العام يوم ذاك كان على ضدّه هو أنّ لفيفاً من العلماء من معاصريه والمتأخرين عنه ردّوا عليه بكتب ورسائل فندوا فيها.


1. ابن تيمية حياته وشخصيته ص 228 .
2. تأليف: إحسان عبداللطيف البكري.


(59)

الرجل حول الصفات الخبرية أولا، والزيارة والتوسل ثانياً، إلى غير ذلك مما أثار عجاباً في السحاة الإسلامية، وإليك الإيعاز بالردود الّتي كتبت على آرائه.

الناقضون والرادّون على ابن تيمية

وإليك قائمة ممن ألف كتاباً أو رسالة حول آرائه:

1- شفاء السقام في زيارة خيرالأنام، لتقي الدين السبكي .

2- الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية، له أيضاً .

3- المقالة المرضية، لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبداللّه الأخنائي .

4- نجم المهتدي ورجم المقتدي، للخفر ابن المعلم القرشي .

5- دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد، لتقي الدين الإمام أبي بكر الحصني الدمشقي (ت 729 هـ) .

6- التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة، لتاج الدين عمر بن علي اللخمي المالكي الفاكهاني (ت 734 هـ) .

ومما جاء فيه قوله: أخبر جمال الدين عبداللّه بن محمد الأنصاري المحدث قال: رحلنا مع شيخنا تاج الدين الفاكهاني إلى دمشق، فقصد زيارة نعل رسول اللّه الّتي بدار الحديث الأشرفية بدمشق، وكنت معه، فلما رأى النعل المكرمة، حسر عن رأسه، وجعل يقبله ويمرغ وجه عليه ودموعة تسيل وأنشد:

فلو قيل للمجنون: ليلى ووصلها * تريد أم الدنيا وما في طواياها

لقال غبار من تراب نعالها * أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها(1)

7- اعتراضات على ابن تيمية، لأحمد بن إبراهيم السروطي


1. الغدير: ج 5 ص 155 نقلا عن الديباج المذهب .


(60)

الحنفي (1) .

8- إكمال السنة في نقض منهاج السنة، للسيد مهدي بن صالح الموسوي القزويني الكاظمي (ت 1358 هـ)(2).

9- الإنصاف والإنتصاف لأهل الحق من الإسراف، في الرد على ابن تيمية الحنبلي الحراني، فرغ منه مؤلفه سنة (757 هـ)، توجد نسخة منه في المكتبة الرضوية ـ مشهد ـ رقم 5643 .

10- البراهين الجلية في ضلال ابن تيمية، للسيد حسن الصدر الكاظمي (ت 1354 هـ) (3).

11- البراهين الساطعة، للشيخ سلامة العزامي (1379 هـ) (4) .

12- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين (أحمد بن تيمية وأحمد بن حجر)، للشيخ نعمان بن محمود الألوسي(5) .

13- الدرة المضيّة في الرد على ابن تيمية، لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي كمال الدين المعروف بابن الزملكاني (6) .

14- الرد على ابن تيمية في الاعتقاد، لمحمد بن حميد الدين الحنفي الدمشقي (7) .

الفتيا الّتي اصدرها الشاميّون في حق ابن تيمية

وفي الختام نثبت في المقام صورة الفتيا الّتي أصدرها الشاميون ونقلها


1. معجم المؤلفين: ج 1 ص 140 .
2. الذريعة ج 10 ص 176 .
3. الذريعة ج 3 ص 79 .
4. ابن مرزوق: كتاب التوسل بالنبي، ص 253 .
5. إيضاح المكنون: ج 1 ص 263، معجم المؤلفين ج 13 ص 107 .
6. كشف الظنون ج 1 ص 744، معجم المؤلفين ج 11 ص 22 .
7. معجم المؤلفين ج 8 ص 316 .


(61)

الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل، وإليك ما ذكره:

«وقد اصدر الشاميون فتياً وكتب عليها البرهان ابن الفركاح الفزاري نحو أربعين سطراً بأشياء، إلى أن قال بتكفيره، ووافقه على ذلك الشهاب بن جهبل، وكتب تحت خطه، كذلك المالكي، ثم عرضت الفتيا لقاضي القضاة الشافعية بمصر: البدر بن جماعة، فكتب على ظاهر الفتوى:

الحمد للّه، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إن زيارة الأنبياء والصالحين بدعة، وما ذكره من نحو ذلك، ومن أنّه لا يرخص بالسفر لزيارة الأنبياء، باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء أنّ زيارة النبي فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ـ يعني ابن تيمية ـ ينبغي أن يزجر عن مثل هذه الفتاوى الباطلة عند الأئمة والعلماء، ويمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليحتفظ الناس من الاقتداء به.

وكتبه محمد بن إبراهيم بن سعد اللّه بن جماعة الشافعي .

وكذلك يقول محمد بن الجريري الأنصاري، الحنفي: لكن يحبس الآن جزماً مطلقاً، وكذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي، ويبالغ في زجره حسبما تندفع تلك المفسدة وغيرها من الفاسد .

وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي:

وهؤلاء الأربعة قضاة المذاهب الأربعة بمصر أيام تلك الفتنة في سنة (726 هـ)(1) .

ولو أردنا أن نستقصي كل ما كتب رداًعلى ابن تيمية، لخرجنا عمّا هو الهدف، وكفى في ذلك ما نشر باسم «الوهابية في نظر المسلمين»(2) .

إلى هنا تمّ تبيين الرأي العام في ابن تيمية، في حياته ومماته، وقد عرفت


1. راجع تكملة السيف الصيقل، ص 155، ودفع الشبهة لتقي الدين الحصني ص 45 ـ 47 .
2. تأليف إحسان عبداللطيف البكري: الطبعة الرابعة، ومجلة «تراثنا» .


(62)

فما هو الحق، غير أن تقييم الرجل بنقل آراء الأكابر من العلماء وإن كان له قيمة ـ ولكنّه تقييم تقليدي لهم ـ ومن أراد تقييمه عن اجتهاد وإمعان فيجب أن يستعرض آراءه وأقواله من كتبه ورسائله، ليعرف ما هو الحق في ذلك المجال، وعندئذ يصدر القاضي عن اجتهاد وإمعان، لا عن تقليد واقتداء بالغير، ولأجل ذلك نخص الفصل الآتي بنقل آرائه في مواضع مختلفة، ونكتفي ببعضها الّذي أوجد ضجة في الأيام الغابرة، وقام العلماء في وجهه كصف واحد، وزجروه وعاتبوه ونفوه وسجنوه، إلى أن مات في سجن دمشق، ولا ينافي كل ذلك ما للرجل من فضل وفضيلة في نواح من العلوم الإسلامية، فإنه لولا تحلّيه بالذكاء والتوقّد، أو بالعلم بالكتاب والسنة لما اكتسب مقاماً في الأوساط الإسلامية، ولم يكن لآرائه قيمة، فالمبدع لا يكون ناجحاً في بدعه وضلاله إلاّ إذا خلط الحق بالباطل ـ وإلاّ ـ فالباطل المطلق لا يكون له نجاح ونفوذ، ولنعم ما قال أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ :

«إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، ويتولى عليها رجال رجالا، على غير دين اللّه. فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه السنُ المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى»(1) .


1. نهج البلاغة الخطبة 49 .

(63)

الإتهام بالشرك والبدعة

إنّ أكثر شيء تداولا وأرخصه في كتب الوهابيين ودعاياتهم هو اتّهام المسلمين بالشرك والبدعة، وكأنهم لا يجدون في كنانتهم شيئاً يرمون به المسلمين سوى هاتين الفريتين.

ترى أنّهم يتّهمون جميع المسلمين من عرب وعجم وسنة وشيعة بالشرك في العبادة، وأنه ليس تحت السماء وفوق أديم الأرض أُمة موحّدة سوى محمد بن عبدالوهاب وأتباعه .

كما أنهم بدل تكريم المسلمين عند اللقاء، وتهنئتهم بالتسليم ونشر العطور ونثر الازاهير عليهم، يتهمونهم بالابتداع، ويسمونهم بالمبتدعة.

ولأجل ذلك يجب على كل محقق وناقد لمزاعم الوهابيين الموروثة من ابن تيمية القيام بأمرين مهمين وهما:

1- تحديد العبادة تحديداً منطقياً بحيث يكون جامعاً ومانعاً .

2- تحديد البدعة تحديداً دقيقاً مثل الشرك في العبادة .

ثم القيام بتطبيق ما أوقفه عليه البحث والتنقيب على ما يصفونه بالشرك والبدعة، حتّى يتبيّن أنّ التطبيق صحيح أولا؟ فها نقدّم إليك أيّها القارىء الكريم بحثاً ضافياً حول هذين الموضوعين المهمين، حتّى يتّضح الحقّ بأجلى مظاهره، وتقف على أنّ أكثر من يصفونه بالشرك والبدعة خيال وضلال وجهل بحقيقتهما.


(64)


(65)

ابن تيمية

وملاكات التوحيد والشرك في العبادة

إنّ المفتاح الوحيد لردّ شُبَهِ الوهابيين هو تحديد العبادة وتمييزها عن غيرها، فما لم يتحدّد مفهموم العبادة بشكل منطقي حتّى تتميز في ضوئه العبادة من غيرها، لم يكن البحث والنقاش ناجحاً، ولأجل ذلك نخصّص هذا الفصل لتعريف العبادة، و نبيّن ما ذكر حولها من التعاريف.

إنّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الإسلام في الكتب الكلامية والتفسيرية، ونحن نشير إلى هذه المراتب على وجه الإجمال، ونركزٌ على التوحيد في العبادة:

الأُولى: التوحيد في الذات، أو التوحيد الذاتي، والمراد منه هو: أنه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له. قال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ)(1) .

الثانية: التوحيد في الخالقية، والمراد منه هو: أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّه، ولا مؤثر مستقل سواه، وأنّ تأثير سائر الأسباب الطبيعية وغيرها بأمره وإذنه وإرادته سبحانه. قال سبحانه: (قُلَ اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيء وَ هُوَ الوَاحِدُ القَهّارُ)(2) .

الثالثة: التوحيد في الربوبية والتدبير، والمراد منه أن للكون مدبّراً واحداً


1. سورة الإخلاص: الآية 1 .
2. سورة الرعد: الآية 16 .


(66)

ومتصرّفاً فرداً لا يشاركه في التدبير شيء آخر، وأنّ تدبير الملائكة وسائر الأسباب بأمره وإذنه، فلم يفوّض أمر التدبير إلى الأجرام السماوية والملائكة والجن. قال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرش يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أفَلاَ تَذَكَّرُونَ)(1) .

والمراد من الشفيع هو العلل الطولية، وسُمّي بالشفيع لأنّ تأثيره متوقف إلى ضمّ إذنه سبحانه إليه، والشفع هو الضم، سمي السبب شفيعاً لأنه يؤثر بانضمام إذنه تعالى .

وإذ انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين، أو الاعتضاد بأعضاد، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأُمور ـ وهو الشفاعة ـ إلاّ من عبد إذنه تعالى، فهو سبحانه السبب الأصلي الّذي لا سبب بالأصالة دونه، وأمّا الأسباب فإنها أسباب بتسبيبه، وشفعاء من بعد إذنه(2) .

الرابعة: التوحيد في التشريع والتقنين، والمراد منه حصر الحاكمية التشريعية في اللّه فليس لأحد أن يأمر وينهى ويحرم ويحلل إلاّ اللّه سبحانه. قال تعالى: (إنِ الحُكْمُ إلاّ للّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه)(3) .

الخامسة: التوحيد في الطاعة، والمراد منه هو: أنه ليس هناك من تجب طاعته بالذات إلاّ اللّه تعالى، فهو وحده الّذي يجب أن يطاع، ولو وجبت طاعة النبي فإنما هو بإذنه. قال سبحانه (فاتّقوا اللّهَ مَا اسْتَطَعْتُم واسْمَعُوا و أطَيعُوا)(4) .

السادسة: التوحيد في الحاكمية، والمراد منه هو: أن جميع الناس سواسية، فلا ولاية لأحد على أحد بالذات، بل الولاية للّه المالك الخالق، فمن مارس الحكم في الحياة يجب أن يكون بإذنه، قال سبحانه: (إنِ الحُكمُ )


1. سورة يونس: الآية 3 .
2. الميزان ج 10، ص 76 .
3. سورة يوسف: الآية 40 .
4. سورة التغابن: الآية 16 .


(67)

إلاّ للّهَ يَقُصُّ الحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصلينَ))(1) .

السابعة: التوحيد في الشفاعة والمغفرة، والمراد منه هو: أن كلا من الشفاعة والمغفرة حق مختص به فلا يغفر الذنوب إلاّ هو، ولا يشفع أحد إلاّ بإذنه. قال سبحانه: (وَ مَن يَغْفرُ الذُّنوبَ إلاّ اللّه)(2) .

وقال سبحانه: (مَنْ ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذنِهِ)(3) .

الثامن: التوحيد في العبادة، وحصرها في اللّه سبحانه، فلا معبود إلاّ هو، لا يشاركه فيها شيء، وهذا الأصل مما اتفق عليه الموحدون، فلا تجد موحداً يجوّز عبادة غير اللّه. إنّما الكلام في المصاديق والجزئيات، وأن هذا العمل مثلا (الاستغاثة بالأولياء وطلب الدعاء منهم والتوسل بهم) هل هو عبادة لهم حتّى يحكم على المرتكب بالشرك، لأنّه عبد غيراللّه، أوْ لا؟ وهذا هو البحث الّذي عقدنا هذا الفصل لبيانه، وما تقدم ذكره من أقسام التوحيد كان استطراداً في الكلام(4).

جاءت لفظة العبادة في المعاجم بمعنى الخضوع و التذلل. قال ابن منظور: أصل العبودية: الخضوع والتذلل، وقال الراغب: العبودية إظهار


1. سورة الأنعام: الآية 57 .
2. سورة ال عمران: الآية 135 .
3. سورة البقرة: الآية 255 .
4. إنّ الوهابية تعترف بنوعين من التوحيد وهما التوحيد الربوبي والتوحيد الالوهي، ويفسرون الأول بالتوحيد في الخالقية، والثاني بالتوحيد في العبادة، وكلا الاصطلاحين خطأ.
أمّا الأول فالمراد من الربوبية هو تدبير المربوب وإدارته، وأن وظيفة الرب الّذي هو بمعنى الصاحب، إدرة مربوبه، كرب الدابة والدار والبستان بالنسبة إليها. فالتوحيد في الربوبية غير التوحيد في الخالقية، وإن كان ربما تنتهي الربوبية إلى الخالقية.
و أمّا الثاني، أعني التوحيد في الالوهية فهو مبنىّ على أن الإله بمعنى المعبود، ولكنه خطأ، بل هو ولفظ الجلالة بمعنى واحد، غير أن الأول كلّيّ والثاني علم لواحد من مصاديق ذلك الكلّي .
ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مفاهيم القرآن، الجزء الأول ص 432. وعلى ضوء هذا كلما أطلقنا لفظ الإله أو الالوهية فلا نريد منه إلاّ هذا، لا المعبود .


(68)

التذلل، والعبادة أبلغ منها، ولكن هذه التعاريف وأمثالها كتفسيرها بالطاعة كما في القاموس، كلها تفسير بالمعنى الأعم، فليس التذلل وإظهار الخضوع والطاعة نفس العبادة، وإلاّ يلزم الالتزام بأُمور لا يصحّ لمسلم أن يلزم بها:

1- يلزم أن يكون خضوع الولد أمام الوالد، والتلميذ أمام الأُستاذ، والجندي أمام القائد، عبادةً لهم.

قال تعالى: (وَاخْفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرحْمَةِ)(1) .

2- يلزم أن يكون سجود الملائكة لآدم، الّذي هو من أعلى مظاهر الخضوع، عبادةً لآدم. قال سبحانه: (وَ إذ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ...)(2) .

3- يلزم أن يكون سجود يعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف عبادة له. قال سبحانه: (وَ رَفَعَ أبَوَيْهِ عَلَى العَرشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يَا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياىَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّي حَقاً)(3) .

4- يلزم أن يكون تذلل المؤمن عبادة له، مع أنه من صفاته الحميدة، قال تعالى: (فَسَوفَ يَأتِي اللّه بَقَوْم يُحبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أذِلَّة عَلَى المُؤمِنينَ أعَزّة عَلَى الكَافِرينَ)(4) .

كل ذلك يدفع بنا إلى القول بأنّ تفسير العبادة بالتذلل والتخضع أو إظهارهما، وبالطاعة وما يشابه ذلك تفسير بالمعنى الأعم، ولا يكون الخضوع ضعيفهُ وشديدهُ عبادةً إلاّ إذا دخل فيه عنصر قلبي خاص يميزه عن مماثلاته ومشابهاته، وهذا العنصر عبارة عن أحد الأمور التالية:

1- الاعتقاد بألوهية المعبود .


1. سورة الإسراء: الآية 24 .
2. سورة البقرة: الآية: 34 .
3. سورة يوسف: الآية 100 .
4. سورة المائدة: الآية 54 .


(69)

2- الاعتقاد بربوبيته .

3- الاعتقاد باستقلاله في الفعل من دون أن يستعين بمعين أو يعتمد على معاضد.

إنّ هذه العبارات الثلاثة تهدف إلى أمر واحد، وهو أنّ مقوّم العبادة ليس هو ظواهر الأفعال وصورها، بل مقومها هو باطن الأعمال ومناشئها، والخضوع الّذي ينبعث عن اعتقاد خاص في حق المعبود، وهو:

إمّا عبارة عن الاعتقاد بألوهية المعبود، سواء أكانت ألوهية حقيقية أم الوهية كاذبة مدّعاة، فاللّه سبحانه إله العالم وهو الإله الحقيقي الّذي اعترف به كل موحد على وجه الأرض، كما أنّ الأوثان والأصنام آلهة مدّعاة اعتقد بألوهيتها عبدتها والعاكفون عليها، فاللّه سبحانه عند المشركين كان إلهاً كبيراً وهؤلاء آلهة صغيرة، وزّعت شؤون الإله الكبير عليهم.

أو عبارة عن الاعتقاد بربوبية المعبود، وأنّه المدبّر والمدير بنفسه.

أو عبارة عن الاعتقاد باستقلال الفاعل في فعله وإيجاده، سواء أكان مستقلا في وجوده وذاته كما هو شأن الإله الكبير عند المشركين، أم غير مستقل في ذاته ومخلوقاً للّه سبحانه، ولكنه يملك شؤونه سبحانه من المغفرة والشفاعة، أو التدبير والرزق أو الخلق، إلى غير ذلك مما هو من شؤونه سبحانه، والمراد من تملّكه بعض هذه الشؤون أو كلها، هو استقلاله في ذلك المجال، فكأنه سبحانه فوضها إليه وتقاعد هو عن العمل .

هذه هي الملاكات الّتي تضفي على كل خضوع خفيف أو شديد، لون العبادة وتميزه عن أي تكريم وتعظيم للغير. وفي الآيات القرآنية إلماعات إلى هذه القيود الّتي ترجع حقيقتها إلى أُمور ثلاثة:

أمّا الأول: فإليك بعض الآيات: قال سبحانه: (أمْ لَهُم إلهٌ غَيْرُ اللّه، سُبْحانَ اللّه عمّا يُشرِكُونَ)(1) فقد جعل في هذه الآية اعتقادهم بألوهية


1. سورة الطور: الآية 43 .


(70)

غير اللّه هو الملاك للشرك. يقول سبحانه: (إنّهم كانُوا إذا قيلَ لَهُم لا إله إلاّ اللّه يستَكبرون)(1) أي إنّهم يرفضون هذا الكلام لأنّهم يعتقدون بألوهية معبوداتهم، ويعبدونها بما أنّها آلهة حسب تصورهم، ولأجل تلك العقيدة السخيفة، قال تعالى: (إذا دُعيَ اللّه وَحْدَهُ كَفَرْتُم وَإنْ يُشْرَك بِهَ تُؤمِنُوا فالحُكْمُ للّهَ العلىّ الكَبير)(2) .

وقال سبحانه: (وَإذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمأزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ لا يُؤْمِنُونِ بالآخِرَةِ وَ إذا ذُكِرَ الّذينَ مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبشِرُونَ)(3) .

والآيات في هذا المجال وافرة جداً لا حاجة لنقلها، ومن تدبّر في هذه الآيات يرى أن التنديد بالمشركين لأجل اعتقادهم بألوهية أصنامهم وأوثانهم. قال سبحانه: (الذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(4) .

وأما الثاني: أي كون الاعتقاد بالربوبية مؤثراً في إضفاء طابع العبادة على الخضوع، فيكفي قوله سبحانه: (يا أيُّها الناس اعْبُدُوا ربَّكُمُ الّذي خَلَقَكُم والَّذينَ مِنْ قَبْلِكُم)(5) .

وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكم لا إلهَ إلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شيء فَاعْبُدُوه)(6) .

فتعليل لزوم العبادة بكونه سبحانه «ربكم» في الآية الأُولى أو «ربكم وخالق كلّ شيء» في الآية الثانية، يعرب عن أن الدافع إلى العبادة هو ذلك الاعتقاد، وبالتالي ينتج أنه لا يتصف الخضوع بصفة العبادة إلاّ إذا اعتقد الإنسان أن المخضوع له خالق ورب أو ما يقاربه، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه


1. سورة الصافات: الآية 35 .
2. سورة غافر: الآية 12 .
3. سورة الزمر: الآية 45 .
4. سورة الحجر: الآية 96 .
5. سورة البقرة: الآية 21 .
6. سورة الأنعام: الآية 102 .


(71)

ينفي صلاحية من في السماوات والأرض لأن يكون معبوداً لأجل أنهم عباد الرَّحمن، قال: (إن كُلّ مَنْ في السّمواتِ والأرْضِ إلاّ آتي الرّحمنِ عَبْداً)(1)، فليسوا أرباباً ليدبّروا أُمورهم، ولا خالقين ليخلقوهم .

نعم، الاعتقاد بالربوبية ينحل إلى الاعتقاد بأنه يملك شؤون العابد، إمّا في جميع الجهات كما هو الحال في إله العالم عندن الموحدين، أو بعض الشؤون كالشفاعة والمغفرة، أو قضاء الحوائج ورفع النوازل، كما هو الحال في الآلهة الكاذبة عند المشركين، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينفي عن معبوداتهم كونهم مالكين لكشف الضر. قال: (لاَ يَمْلِكُونَ لاِنفُسِهِم نَفْعاً وَ لا ضرّاً)(2)، وقال تعالى: (لا يَمْلِكُونَ كَشْف الضُّرّ عَنْكُمْ وَ لا تَحْويلا)(3) وقال: (لا يَمْلُكون عَنِ الشّفاعة إلاّ مَنِ اتّخَذَ عِنْدَ )الرّحْمنِ عَهْداً)(4) .

وقال: (إنّ الذينَ تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُم رِزْقاً)(5) إلى غير ذلك من الآيات الّتي بتاتاً، تملّك معبوداتهم المدعاة شيئاً من شؤونه سبحانه .

وهذا يعرب عن أنّ وجه اتّصاف خضوعهم بالعبادة ودعائهم لها، هو اعتقادهم بأنهم أرباب يملكون ما ينفع في حياتهم عاجلا أو آجلا، ويؤيد ذلك ما كانوا يرددون في ألسنتهم حين الطواف والسعي ويقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك .

وأما الثالث: وهو الاعتقاد بكون المخضوع له مستقلا إمّا في ذاته وفعله، أو في فعله فقط، الإلماع إليه في غير موضع من كتاب اللّه العزيز، وهو توصيفه سبحانه بالقيوم، قال سبحانه: (اللّه لا إله إلاّ هُوَ الحَيُّ)


1. سورة مريم: الآية 93 .
2. سورة الرعد: الآية 16 .
3. سورة الإسراء: الآية 56 .
4. سورة مريم: الآية 87 .
5. سورة العنكبوت: الآية 17 .


(72)

القَيُّومُ))(1) وقال: (وَعَنَتِ الوُجوهُ للحيِّ القَيُّومِ)(2) والمراد منه هو الموجود القائم بنفسه، ليس فيه شائبة من الفقر والحاجة، وأنّ كل ما سواه قائم به، ومن المعلوم أن القائم بنفسه والغني في ذاته، غني في فعله عن غيره، فلو استغثنا بأحد باعتقاد أنه يملك كشف الضر عنّا فقد طلبنا فعل اللّه سبحانه من غيره، لأنه تعالى وحده الّذي يملك كشف الضر لا غيره، والغني في الفعل هو اللّه سبحانه، فلو أقمنا موجوداً آخر مكان اللّه سبحانه في مجال الإيجاد، وزعمنا أنه يخلق ويرزق ويدبّر الأُمور، أو أنه يغفر الذنوب ويقضي الحاجات من عند نفسه، أو بتفويض من اللّه سبحانه واعتزاله عن الساحة، فقد وصفناه بالربوبية أولا (التعريف الثاني) ولو زعمنا أنه قائم بنفس الفعل الّذي يقوم به سبحانه ثانياً فكأننا أعطينا غيره صفة من صفاته سبحانه، وهي القيومية ولو في مجال الإيجاد (التعريف الثالث) .

هذا وللتفويض شؤون واسعة:

منها تفويض اللّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء، ويسمى بالتفويض التكويني .

ومنها تفويض الشؤون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع والمغفرة والشفاعة ويسمى بالتفويض التشريعي .

وهذا هو الذكر الحكيم يصف أهل الكتاب بأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه يقول: (اتّخَذوا أحْبَارَهُم وَ رُهْبانَهُم أرباباً مَنْ دُون اللّه والمَسيحَ ابنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِروا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلهاً واحِداً لا إله هُوَ سُبْحانَهُ عمّا يُشرِكُون)(3) .

إنّ أهل الكتاب لم يعبدوهم من طريق الصلاة والصوم لها، وإنما


1. سورة البقرة: الآية 255 .
2. سورة طه: الآية 111 .
3. سورة التوبة: الآية 31 .


(73)

أشركوهم في تفويض أمر التشريع والتقنين إليهم، وزعموا أنهم يملكون شأناً من شؤونه سبحانه.

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «واللّه ما صَامُوا لَهُم، وَ لاَ صَلُّوا لَهُم، وَلَكِن أحَلُّوا حَرَماً وَ حَرّموا عَلَيْهِم حَلاَلا فاتّبعوهم»(1).

روى الثعلبي في تفسيره: عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي، اطرح هذا الربق من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً) حتّى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون ما أحلّه اللّه، فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتستحلّونه؟ قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادة(2) .

وفي ضوء هذا البحث الضافي تستطيع أن تميّز العبادة عن غيرها، والتعبّد عن التكريم، والخضوع العبادي عن التعظيم العرفي وتقف على أنّ سجود الملائكة لآدم، ويعقوب وزوجته وأبنائه ليوسف، لم تكن عبادة قط، وما هذا إلاّ لأن خضوعهم لم يكن نابعاً عن الاعتقاد بألوهيتهما أو ربوبيتهما، أو أنهما يملكان شؤون اللّه سبحانه، كلها أو بعضها، ويقومان بحاجة المستنجد بنفسهما وذاتهما.

ومما يؤيد أنّ خضوع المشركين أمام أوثانهم وأصنامهم كان ممزوجاً بالاعتقاد بكونهم آلهة صغيرة، أو أرباباً، وموجودات تملك شؤون الرب أو بعضها، أنهم كانوا يصفونها بأنها أنداد للّه سبحانه. قال سبحانه: (وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونَ اللّه أنْداداً يُحِبُّونَهُم كَحُبّ اللّه)(3) ولما زعموا أن معبوداتهم المصطنعة، تستجيب دعاءهم وتشفع لهم مثله، عادوا يحبّونها كحب اللّه، ويذكر في آية أُخرى أنّ المشركين كانوا يسوّون آلهتهم بربّ العالمين.


1. الكافي ج 1 ص 53 .
2. مجمع البيان ج 3 ص 23 والبرهان في تفسير القرآن ج 2 ص 120 .
3. سورة البقرة: الآية 165 .


(74)

قال سبحانه: (تاللّه إنْ كُنّا لَفِي ضَلال مُبين * إذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ العَالمين)(1) .

والمراد هو التسوية في شؤونه سبحانه جميعها أوبعضها، وأمّا التسوية في العبادة فكانت من شؤون ذلك الاعتقاد، فإنّ العبادة خضوع من الإنسان للمعبود، فلا تتحقق إلاّ أن يكون هناك إحساس من صميم ذاته بأن للمعبود سيطرة غيبية عليه، يملك شؤونه في حياته، وكان المشركون في ظل هذه العقيدة يسوّون أوثانهم برب العالمين. وبالتالي يعبدونهم. وليس المراد من التسوية هو التسوية في خصوص توجيه العبادة، إذ لم يعهد من المشركين المتواجدين في عصر الرسول توجيه العبادة إلى اللّه، ويؤيد ذلك: أنّ الوثنية دخلت مكة ونواحيها أول ما دخلت بصورة الشرك في الربوبية، وفي ذلك يكتب ابن هشام:

كان عمرو بن لحي أول من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عما يفعلون بقوله: «ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدونها؟» قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونني منه فأسير به إلى أرض العرب فيعبدون؟!.

ثم إنّه استصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم (هبل)، ووضعه على سطح الكعبة المشرفة ودعا الناس إلى عبادتها(2)، فطلب المطر من هذه الأوثان يكشف عن اعتقادهم بأن لهذه الأوثان دخلا في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان.

الوهابيون وملاكات التوحيد و الشرك

ثم إنّ الوهابيين لما لم يضعوا للعبادة حدّاً منطقياً تتميّز به عن غيرها،


1. سورة الشعراء: الآية 97 ـ 98 .
2. سيرة ابن هشام ج 1 ص 79 .


(75)

عمدوا إلى وضع ملاكات للعبادة، عجيبة جداً، وهي مبثوثة في كتبهم وثنايا دعاياتهم وهي:

1- الاعتقاد بالسلطة الغيبية .

2- الاعتقاد بأن المدعو يقضي حاجته بسبب غير عادي .

3- طلب الحاجة من الميت .

4- طلب الحاجة مع كون المطلوب منه عاجزاً .

إلى غير ذلك من المعايير الّتي لا تمت إلى التوحيد والشرك بصلة أبداً ولكون هذه الملاكات تدور على ألسنتهم و تتكرر في كتبهم، نركّز على هذه المعايير وأشباهها لنخرج بنتيجة قطعية، وهي أنّ الملاك في تمييز التوحيد عن الشرك أمر واحد وهو الاعتقاد بالألوهية والربوبية، أو كون الفاعل مستقلا ومفوضاً إليه الأمر، وأمّا هذه المعايير فكلها معايير عرضية، بل لا تمت إلى مسألة العبادة بصلة أصلا، بل كل منها يوصف بالتوحيد على وجه، وبالشرك على آخر، وإليك البيان:

1- هل الاعتقاد بالسلطة الغيبية معيار للشرك ؟

«إنّ هناك من يتصور أن الاعتقاد بالسلطة الغيبية في المدعو يلازم الاعتقاد بكونه إلهاً. يقول الكاتب المودودي: «إنّ التصوّر الّذي لأجله يدعو الإنسان الإله ويستغيثه ويتضرّع إليه هو ـ لا جرم ـ تصور كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على الطبيعة، وللقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة»(1) وهذا الكلام صريح في أنّه جعل الاعتقاد بهذه السلطة ملازماً للاعتقاد بالألوهية، وعلى ضوء ذلك فكل من اعتقد في واحد من الصالحين بأنّ له تلك السلطة فهو معتقد بألوهيته، فيصبح دعاؤه عبادة، والداعي عابداً له .

وهو مردود من وجهين:


1. المصلطحات الأربعة ص 17 .


(76)

أولا: إنّ التصور الّذي لأجله يدعو الإنسان الإله، لا ينحصر في تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة، بل يكفي الاعتقاد بكونه مالكاً للشفاعة والمغفرة، كما كان عليه فريق من عرب الجاهلية، إذ كانوا يعتقدون في شأن أصنامهم بأنّها آلهتهم لأنّها تملك الشفاعة والمغفرة، وهو غير القول بوجود السلطة على عالم التكوين، وبذلك يظهر الضعف في كلام آخر له، حيث يقول:

«إنّ كلا من السلطة والألوهية تستلزم الأُخرى»(1).

والحال أنّ الإعتقاد بالألوهية أعمّ من الاعتقاد بالسلطة، فلو افترضنا أن الاعتقاد بالسلطة يستلزم الألوهية، ولكن الاعتقاد بالألوهية لا يستلزم الاعتقاد بالسلطة، بل يكفي أن يعتقد أنّ المدعو يملك مقام الشفاعة والمغفرة، أو شأناً من شؤونه سبحانه .

وثانياً: إنّ الاعتقاد بالسلطة إنّما يستلزم الاعتقاد بالألوهية إذا كان ينطوي على الاعتقاد بأنّه فوّضت إليه تلك السلطة تفويضاً، بحيث يقوم بأعمالها باختياره من دون استئذان من اللّه سبحانه واعتماد عليه، وعلى ضوء ذلك لا يكون الاعتقاد بها ـ إذا كان إعمال تلك السلطة بإذن اللّه ـ ملازماً للاعتقاد بالألوهية، وإلاّ وجب أن لا نسجّل أحداً من المسلمين المعتقدين بالقرآن في ديوان الموحدين، فإنّه يثبت ليوسف وموسى وسليمان والمسيح، بل لأناس آخرين ليسوا بأنبياء سلطة غيبية. هذا قوله سبحانه في قصة سليمان:

(قال يَا أيُّها المَلأ أيُّكُم يَأتِيني بِعَرْشِها قَبْلَ أن يَأتُوني مُسلِمينَ * قال عِفْريتٌ مِنَ الجنّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أمينُ * قَالَ الّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْك طَرْفُكَ فَلَمّا رَآه مُستَقرّاً عَندَهُ قَالَ هَذَا مَنْ فَضلَ رَبّي لِيَبْلُوني أأشْكُرُ أم أكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ رَبَّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ)(2).


1. المصلطحات الأربعة ص 30 .
2. سورة النمل: الآية 38 ـ 40 .


(77)

ولا يرتاب أحد في أنّ سليمان سأل ما سأل بعد اعتقاده بكونهم أصحاب السلطة الغيبية، أفيصح للمودودي أن يرمي ذلك النبي العظيم بما لا يليق بساحته، بل لا يحتمل في حقه؟ .

إنّ الذكر الحكيم يثبت ـ لسليمان ـ نفسه سلطة غيبية، وأنّه كان له سلطة على الجن والطير حتّى أصبحا من جنوده، كما يقول: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنودُهُ مِنَ الجِنّ وَ الإنسِ وَ الطّيرِ...)(1).

وكانت له السلطة على عالم الحيوانات حتّى أنّه كان يخاطبهم ويطلب منهم تنفيذ أوامره، كما يقول: (وَ تَفَقَّدَ الطّيرَ فَقالَ مَاليَ لا أرَى الهُدْهُدَ أم كَانَ مِنَ الغَائَبينَ * لاُعذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَديداً أو لأَذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأتِيَنىّ بِسُلطان مُبين)(2)، وكانت له السلطة على الجن، فكانوا يعملون بأمره وإرادته، كما يقول:

(وَ مِنَ الجنّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَإذْنِ رَبَّهِ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ...)(3)، وكانت له السلطة على الريح أيما تسليط كما يقول: (وَ لِسُلَيَْمانَ الرّيحَ عاصَفَةً تَجْرِيَ بأَمْرِهِ)(4) .

وعلى أىّ تقدير فايّة سلطة أعظم وأوضح من هذه السلطة الّتي كانت لسليمان؟ والجدير بالذكر أنّ بعض الآيات صرحت بأنّ كل هذه الأُمور غير العادية كانت تتحقق بأمره .

هذا ما ذكره القرآن في حق سليمان، وقد ذكر نظيره في حق غير واحد من الأنبياء، لاحظ الآيات(5) فكيف يكون الاعتقاد بالسلطة الغيبية المهيمنة على الطبيعة على وجه الإطلاق ملازماً للاعتقاد بالألوهية ؟


1. سورة النمل: الآية 17 .
2. سورة النمل: الآية 20 ـ 21 .
3. سورة سبأ: الآية 12 - 13 .
4. سورة الأنبياء: الآية 81 .
5. سورة يوسف: الآية 93 ـ 96، سورة الشعراء: الآية 63، سورة البقرة: الآية 60 (في حق موسى)، سورة آل عمران: الآية 49 (في حق المسيح)، سورة المائدة: الآية 110 (في حقه أيضاً) .


(78)

2- هل طلب قضاء الحاجة بأسباب غير طبيعية معيار للشرك ؟

يرى المودودي ان التوسل بالأسباب الطبيعية ليس بشرك، أمّا طلب الحاجة وإنجازها بأسباب غيرها فهو يلازم الشرك. يقول: فالمرء إذا كان أصابه العطش فدعا خادمه وأمره بإحضار الماء، لا يطلق عليه حكم الدعاء، ولا أن الرجل اتخذ إلهاً، وذلك أنّ كل ما فعله الرجل جار على قانون العلل والأسباب، ولكن إذا استغاث بولىّ في هذا الحال فلا شك أنّه دعاه لتفريج الكربة واتّخذه إلهاً، فكأنّي به يراه سميعاً بصيراً، ويزعم أنّ له نوعاً من السلطة على عالم الأسباب مما يجعله قادراً على أن يقوم بإبلاغه الماء، أو شفائه من المرض(1) .

أقول: إنّ ما ذكره صورة أُخرى للمعيار الأول، وكلاهما وجهان لعملة واحدة، فإنّ طلب التوسل بالأسباب غير الطبيعية لا ينفك عن الاعتقاد بكونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة .

يلاحظ عليه: أنّ المودودي تصوّر أنّ طلب التوسل بالأسباب الطبيعية ليس بشرك، وإنّما الشرك هو طلب التوسل بغيرها. والحال أنّ كلا منهما على وجهين: فلو تصوّر أنّ القائم بعمل على وفق الأُصول الطبيعية، إنّما يقوم به عند نفسه وباقتدار مستقل من دون اعتماد على اقداره سبحانه واستئذان منه، فقد اعتقد بألوهيته وطلب فعل الإله من غيره، وأمّا إذا اعتقد أنّ الخادم يحضر الماء بقدرة مكتسبة واستئذان منه فهو نفس التوحيد. ومثله الكلام في الأسباب غير الطبيعية، فلا شك أنّ أُمة المسيح كانوا يعتقدون في حقه ـ بعدما رأوا الآيات والمعجزات منه ـ أنّ له سلطة غيبية، وكانوا يسألونه إبراء مرضاهم وإحياء موتاهم، أفهل يتصوّر أنّ سؤالهم هذا كان شركاً؟ وأنّ المسيح كان مجيباً لدعوتهم الشركية؟! فمن ذا الّذي يسمع قول المسيح بين بني إسرائيل: (أنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيئَةِ الطّيرِ فَأنْفُخُ فِيْهِ فَيَكُونُ طَيراً بإذنِ اللّهِ و أُبْرَىءُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ و أُحيِ المَوْتى بِإذنِ اللّهِ وأُنَبِّئُكُم بِما تَأكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي )


1. المصطلحات الأربعة ص 30 .


(79)

بُيُوتِكُم إنَّ في ذَلِكَ لآيةً لَكُمْ إنْ كُنْتُم مُؤمِنينَ))(1) .

فَمَنْ ذا الّذي يسمع كلامه هذا ـ ولا يعتقد بسلطته الغيبية؟ ولا يسأله كشف الكرب والملمات بإذنه سبحانه؟ أفيصح للمودودي أن يتّهم أُمة المسيح وفيهم الحواريون الذين أُنزلت عليهم مائدة من السماء ومدحهم سبحانه في الذكر الحيكم(2)بالشرك ؟

هذا هو الذكر الحكيم ينقل عن السامري قوله: (بَصُرْتُ بِما لَمْ يِبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَ كَذَلِكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي)(3) .

وهو يعطي أنّ السامري توسّل بالتراب المأخوذ من أثر الرسول، وكان له أثر خاص في إخراج العجل الّذي كان له خوار. فلو اعتقد المسلم ـ تبعاً للقرآن ـ بأنه توسل باسباب غير طبيعية لإضلال قومه، فهل يصحّ اتهامه بالشرك؟ .

وبالجملة: ليس الاعتقاد بالسلطة الغيبية في مقابل الاعتقاد بالسلطة العادية، كما وليس التوسل بالأسباب غير العادية في مقابل التوسل بالأسباب العادية، معيارين للتوحيد والشرك، بل كل واحد منهما يمكن أن يقع على وجهين، فعلى وجه يوافق الأُصول التوحيدية، وعلى آخر يخالفها .

3- هل الموت والحياة ملاكان للتوحيد والشرك؟ .

يظهر من الوهابيين أنهم يجوّزون استغاثة الأحياء، وفي الوقت نفسه يرون استغاثة الأموات شركاً. يقول محمد بن عبدالوهاب: وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي رجلا صالحاً تقول له: ادع اللّه لي، كما كان أصحاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يسألونه في حياته، وأمّا بعد مماته فحاشا وكلاّ أن يكونوا سألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء اللّه عند قبره، فكيف بدعاء نفسه(4) .


1. سورة آل عمران: الآية 49 .
2. سورة المائدة: الآية 115 وسورة الصف: الآية 14 .
3. سورة طه: الآية 96 .
4. كشف الشبهات ـ طبع مصر ـ ص 70 .


(80)

عجيب جداً أن يكون عمل محدد ومشخّص إذا طلب من الحي، نفس التوحيد، وإذ طلب من الميت يكون عين الشرك. إنّ القرآن ينقل عن بعض شيعة موسى ويقول: (فاسْتَغَاثَهُ الّذي مِنْ شِيَعتِه عَلَى الّذي من عَدوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوْسى فَقَضى عَلَيْهِ)(1)فنفس هذه الاستغاثة في حال الحياة، يتصور على وجهين، يحكم على أحدهما أنه موافق لأصول التوحيد، وعلى الآخر بخلافها!!

إنّ هذه الاستغاثة إنما تكون على وفق التوحيد إذا اعتقد أنّ موسى في حال حياته يقوم بالاغاثة بقدرة مكتسبة وإذن منه سبحانه، ولو اعتقد بأصالته في إغاثة المستغيث فقد اعتقد بألوهيته، فإذا كان هذا هو المعيار في الاستغاثة من الحي، فليكن هذا هو المعيار عند الاستمداد بالأرواح المقدسة العالمة الشاعرة حسب أخبار القرآن (أو الأموات) على زعم الوهابيين .

فلو فرضنا أنّ أحداً من شيعة موسى استغاث به بعد خروج روحه الشريف عن بدنه على نحو الاستغاثة الأُولى، فهل يتصوّر أنّه أشرك باللّه؟ وأنّه عبد موسى لاعتقاده أنّه يغيث المستغيث حياً وميتاً؟ .

ولو كانت حياة المستغاث ومماته معياراً، فإنّما يصحّ أن يكون معياراً في الجدوائية وخلافها، لا في الشرك و التوحيد.

وبذلك تقف على ضعف كلام تلميذ ابن تيمية حيث يقول: «و من أنواع الشرك طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإنّ الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً»(2) .

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الدليلين لا يثبت مدّعاه، لأنّ قوله: «فإنّ الميت قد انقطع عمله» على فرض صحته، يثبت عدم الفائدة في


1. سورة القصص: الآية 15 .
2. فتح المجيد، تأليف حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب ص 67 الطبعة السادسة .


(81)

الاستغاثة بالميت، لا انّه شرك، وأمّا قوله: «ولا يملك نفسه ضراً ولا نفعاً» فهو جار في الحي والميت، فليس في صفحة الوجود من يملك لنفسه شيئاً، فإنما يملك بإذنه وإراته سواء أكان حياً أم ميتاً، ومع الإذن الإلهي يقدرون على إيصال النفع والضر أحياءً وأمواتاً.

هذا كلام التلميذ، فهلمّ ندرس كلام أُستاذه ابن تيمية وهو يقول: كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية وجعل يقول: يا سيدي فلان أنصرني وأغثني... فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب، وإلاّ قتل(1) .

يلاحظ عليه: أنّ الإستغاثة بالأموات ـ حسب تعبير الوهابيين، أو الأرواح المقدسة حسب تعبيرنا ـ إذا كانت ملازمة للاعتقاد بنوع من الألوهية، يلزم أن تكون الاستغاثة بالأحياء ملازمةً لذلك، لأنّ حياة المستغاث ومماته حدّ لجدوائية الاستغاثة وعدمها، وليس حداً للتوحيد والشرك، في حين أنّ الاستغاثة بالحي تعد من أشد الضروريات للحياة الاجتماعية .

وهناك كلام آخر له هلم معي نستمع إليه يقول:

«والذين يدعون مع اللّه ألهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنّها تخلق الخلائق، أو تنزل المطر، وإنّما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم; يقولون: ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إى اللّه زلفى، أو هؤلاء شفعاؤنا»(2) .

إنّ قياس استغاثة المسلمين بما يقوم به المسيحيون والوثنيون، والخلط بينهما ابتعاد عن الموضوعية، لأنّ المسيحيين يعتقدون بألوهية المسيح، والوثنيين يعتقدون بتملّك الأوثان مقام الشفاعة والمغفرة، بل مقام التصرف في الكون كإرسال الأمطار على ما نقله ابن هشام(3) ولأجل هذا الاعتقاد كان طلبهم واستغاثتهم بالمسيح والأوثان عبادة لها .


1. فتح المجيد ص 167 .
2. نفس المصدر .
3. السيرة النبوية ج 1 ص 79 .


(82)

وأمّا استغاثة المسلمين بالأرواح المقدّسة فخالية من هذه الشوائب فعندئذ، لا يكون شركاً ولا عبادة، بل استغاثة بعبد لا يقوم بشيء إلاّ بإذنه سبحانه، فإن أذن أجاب، وإن لم يأذن سكت، فما معنى توصيف هذا بالشرك ؟

4- هل القدرة والعجز حدان للتوحيد والشرك ؟

وهناك معيار مزعوم آخر يظهر من كلمات ابن تيمية، وهو أنّ قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة يوجب أن لا يكون الطلب شركاً ولكن عجزه عن قضاء الحاجة يضفي على الطلب لون الشرك، يقول ابن تيمية: «مَنْ يأتي إلى قبر نبيى أو صالح ويسأل حاجته ويستنجد به، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه عزّوجلّ. فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاّ قتل»(1) .

وليس هذا ملاكاً جديداً بل هو وجه آخر للملاك السابق، غير أنّه عبّر في السابق بموت المستغاث وحياته، وهنا بالعجز والقدرة، يقول الصنعاني:

«الاستغاثة بالمخلوقين في ما يقدرون عليه مما لا ينكرها أحد، وإنّما الكلام في استغاثة القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أُموراً لا يقدر عليها إلاّ اللّه تعالى، من عافية المرض وغيرها، وقد قالت أُم سليم: يا رسول اللّه. خادمك أنس، ادع اللّه له، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء منه وهو حي، وهذا أمبر متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء أن يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم، ونحو ذلك من المطالب الّتي لا يقدر عليها إلاّ اللّه»(2) .

وعلى أىّ تقدير، فسواء أكان هذا وجهاً آخر للملاك السابق أم ملاكاً آخر بقرينة عطف الأحياء على الأموات في هذا الكلام، فليست القدرة والعجز ملاكين للتوحيد والشرك، وإنّما هما ملاك الجدوائية وعدمها.


1. زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور، ص 156 ـ والهداية السنية، ص 40 .
2. كشف الإرتياب ص 272 نقلا عن الصنعاني .


(83)

5- طلب فعل اللّه من غيره

هذا هو الملاك الحقيقي الّذي أو عز إليه الصنعاني، ويوجد في كلمات ابن تيمية وقد عرفت قوله:

«مَن يأتي إلى قبر نبي أو صالح ويسأله أن يزيل مرضه ويقضي دينه أو نحو ذلك مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه تعالى» وهذا مما لا إشكال فيه، غير أنّ الكلام في تمييز فعل اللّه عن فعل غيره، أمّا الكبرى فمسلمة عند الكل، فقد اتفق الموحدون على أنّ طلب فعله سبحانه من غيره، ملازم للاعتقاد بألوهية المسؤول وربوبيته، فاللازم دراسة الصغرى، وأنّ فعل اللّه ما هو؟ والتركيز عليه .

ترى أنّ ابن تيمية قد سلم أنّ شفاء المريض وقضاء الدين على وجه الإطلاق من أفعاله سبحانه، مع أنّ الحق أن قسماً منهما يعدّ فعلا للّه سبحانه دون قسم آخر .

إنّ إبراء المريض وقضاء الدين ورد الضالة وغيرها بالسنن الطبيعية أو غيرها على وجه الاستقلال ومن دون استعانة بأحد هو فعل اللّه سبحانه، فلو طلب نفس ذلك من غيره لا ينفك عن الاعتقاد بالألوهية والربوبية .

وأمّا لو طلب منه مع الاعتقاد بأنّه مستغاث يقوم بهذه الأُمور عن طريق العلل الطبيعية أو غيرها، مستمداً من قدرة اللّه وقائماً بإذنه ومشيئته، فليس هذا فعل اللّه حتّى يكون طلبه من غيره شركاً. لأنّه سبحانه يقوم بالفعل مستقلا وبلا استمداد.

كيف وقد صرح القرآن بأنّ المسيح «يبرىء الأكمه والأبرص بإذنه» مع أنّ ابن تيمية وأتباعه زعموا أنها من أفعاله سبحانه، قال سبحانه: (وَ تُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأبْرَص بِإذني وَ إذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي)(1) وقد نسب الذكر الحكيم


1. سورة المائدة: الآية 110 .


(84)

كثيراً من الأمور الخارقة للعادة إلى أنبيائه، فلم تكن هذه النسبة إلاّ لأجل أنّهم يقومون بما يقومون، بإذنه سبحانه .

وحصيلة الكلام: التوسّل بالأسباب بقيد أنّها أسباب ـ سواء أكانت طبيعية أم غير طبيعية ـ لا يلازم الشرك، نعم، السبب ربما يكون سبباً واقعياً، وأُخرى سبباً كاذباً وخاطئاً، والاشتباه في سببية السبب لا يستلزم الاعتقاد بألوهية السبب أو ربوبيته، أو كون الطلب منه طلب فعل اللّه من غيره .

ونعيد الكلام حتّى يتّضح الحق بأجلى مظاهره فنقول: إنّ التعلّق بالشيء والطلب منه مع الاعتقاد بالسببية، وأنّ اللّه سبحانه أعطاه المقدرة على إنجاز المأمول يمتنع أن يتصف بالشرك، لأنّ المفروض أنّ المتوسل إنّما تعلّق به بقيد كونه رابطاً وسبباً.

نعم يمكن أن يكون المتوسل صائباً في الاعتقاد بالسببية أو خاطئاً، ولكن الاشتباه في الموضوع لايكون دليلا على الاعتقاد .

وأمّا إذا كان التعلق بالشيء لا بوصف السببية والرابطية، بل بما أنّ المطلوب منه، موجود مستقل في فعله وإيجاده، يقوم بالفعل بنفسه، ويقوم بحاجة المستنجد من صميم ذاته من دون أن يكون سبباً ورابطاً بين الإنسان وربّه، فهذا يكون ملازماً للإعتقاد بالألوهية من دون نقاش .

كان اللائق بابن تيمية ونظرائه دراسة فعل اللّه سبحانه وتمييزه عن غيره، حتّى لا يحكموا بضرس قاطع بأنّ الإعانة والإماتة والشفاعة وغيرها على الإطلاق من أفعال اللّه سبحانه، بل الحق أنّ كلاّ من هذه الأفعال يقع على وجهين، فهو على وجه فعله سبحانه، وعلى وجه آخر يصحّ أن يعدّ فعلا للسبب، ولأجل ذلك نرى أنه سبحانه ينسب فعلا واحداً لذاته، وفي الوقت نفسه ينسبه لمخلوق من مخلوقاته، وإليك نماذج من ذلك:

1- يعدّ القرآن ـ في بعض آياته ـ قبض الأرواح فعلا للّه تعالى، ويصرح بأنّ اللّه هو الّذي يتوفّى الأنفس حين موتها إذ يقول مثلا:


(85)

(اللّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(1) .

بينما تجده ينسب التوفّي في موضع آخر، إلى غيره، قال: (حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتهُ رُسُلُنا)(2) .

2- يأمر القرآن ـ في سورة الحمد ـ بالاستعانة باللّه وحده إذ يقول: (وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ)(3)، في حين نجده في آية أُخرى يامر بالاستعانة بالصبر والصلاة إذ يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)(4) .

3- يعتبر القرآن الكريم الشفاعة حقاً مختصاً باللّه وحده، إذ يقول: (قُلْ للّهِ الشّفَاعَةُ جَميعاً)(5) .

بينما يخبرنا ـ في آية أُخرى ـ عن وجود شفعاء غير اللّه كالملائكة ويقول: (وَكَم مِنْ مَلَك في السّمواتِ لاَ تُغْني شَفَاعَتُهُم شَيئاً إلاّ مَنْ بَعْدِ أنْ يأذَنَ اللّه)(6) .

4- إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده إذ يقول: (وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيّتُون)(7) في حين أنّ القرآن يعتبر الملائكة كتبة أعمال العباد إذ يقول: (بَلَى وَرُسُلُنا لَدَيْهم يَكْتُبُونَ)(8) .

5- قد تضافرت الآيات على أنّه سبحانه هو المدبّر، يقول: (وَمَن يُدَبّرُ الأمرَ فَسَيَقُولُونَ اللّه)(9) بينما يصرّح القرآن بمدبرية غيره ويقول:


1. سورة الزمر: الآية 42 .
2. سورة الأنعام: الآية 61 .
3. سورة الفاتحة: الآية 5 .
4. سورة البقرة: الآية 45 .
5. سورة الزمر: الآية 44 .
6. سورة النجم: الآية 26 .
7. سورة النساء: الآية 81 .
8. سورة الزخرف: الآية 80 .
9. سورة يونس: الآية 31 .


(86)

(فَالمُدبّراتِ أمراً)(1) .

وهذه نماذج من الآيات مما نسب الفعل إلى اللّه سبحانه، وفي الوقت نفسه نسب إلى عباده، وما المصحح إلاّ ما ذكرنا، وهو أنّ المنسب إليه سبحانه غير المنسوب إلى العباد، وأنّ قيامه سبحانه بالأفعال على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على سبب عال أو قوة عليا، وأمّا قيام غيره فإنما هو بالسببية والرابطية والمأمورية.

وفي ضوء هذا تقدر على تمييز فعله سبحانه عن فعل غيره، فليس شفاء المريض وقضاء الدين وردّ الضالة على وجه الإطلاق، من فعله سبحانه، ولا من فعل عباده، بل لكلّ سمة وعلامة، بها يتميز عن غيره. والحد الفاصل بين فعله سبحانه وفعل غيره هو كون الفاعل مستقلا في الايجاد، ومالكاً لفعله، وكونه غير مستقل في الفعل وغير مالك له، والأول (أي الّذي يصدر عن الفاعل على وجه الاستقلال) لا يطلب إلاّ منه، والثاني يطلب من غيره.

فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّ كل خضوع قلبي أو لساني أو خشوع فعلي لا يتصف بالعبادة إلاّ إذا اعتقد الخاضع بأنّ في المخضوع له، عنصر الألوهية والربوبية، وأنّه مستقل في الذات والفعل، أو في الفعل فقط، وأمّا إذا كان قلب الخاضع خالياً عن الاعتقاد بهذا العنصر، بل كان معتقداً بعبوديته وعدم مالكيته شيئاً، وعدم قيامه بأمر إلاّ بإذنه، وأنّه ليس له دور سوى دور السببية، فطلب أىّ شيء منه لا يتّسم بالعبادة، سواء أطلب منه القيام عن طريق أسباب طبيعية، أم القيام به عن طريق أسباب خارقة للعادة .

وسواء اعتقد أنّ فيه سلطة غيبية يقوم بأعمال خارقة للعادة في ظلها أو لا

وسواء أكان المطلوب منه عاجزاً أم قادراً.

وسواء أطلب أُموراً عادية كالسقي، أم أُموراً غير عادية كبرء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى .


1. سورة النازعات: الآية 5 .


(87)

إذ ليس شيء منها هو العامل المؤثر لإضفاء العبادة على الطلب، وإنّما الموثر هو ما ذكرناه، وبذلك نقدر على القضاء في الموضوعات التالية الّتي وصفتها الوهابية بأنّهاشرك محرّم وهي:

1- طلب الشفاعة من الأنبياء والصالحين .

2- الاستعانة بأولياء اللّه .

3- طلب شفاء المريض من غير اللّه .

4- دعوة الصالحين، مثل: يا محمد أغثني .

فإنّ الوهابيين تبعاً لشيخهم في المنهج يصورون جميع هذه الدعوات دعوات شركية أشبه بدعاء عبدة الأصنام .

ولكنّك بعدما أحطت خبراً بما ذكرنا سرعان ما ترجع وتقضي بحكمين مختلفين ينشآن من اختلاف عقيدة الداعي وتقول: إنّ كل واحد من هذه الاُمور على وجه، شرك، وعلى وجه آخر ليس بشرك، ولا يعلم أىّ واحد منهما إلاّ أن نقف على عقيدة السائل .

فلو كان المدعو في اعتقاد الداعي هو اللّه العالم أو غيره، لكن باعتقاد أن له سهماً من الألوهية أو الربوبية، فهو عبادة بلا شك، حتّى لو سئل منه السقي بالماء وإيصاد الباب، وما شابههما من الأُمور العادية البسيطة والمتعارفة.

وأمّا إذا كان المدعو حسب اعتقاد الداعي عبداً مرزوقاً ومربوباً محتاجاً، قائماً في ذاته باللّه سبحانه، مستمداً في فعله منه، ولا يقوم بفعل إلاّ بإقداره واذنه، فلا يكون الطلب منه ولا دعاؤه متسماً بوصف العبادة، بل أقصى ما يمكن أن يقال هو أنّه إذا كان المسؤول والمدعو قادراً على العمل، يكون الطلب مفيداً، وإلاّ يكون لغواً .

وبذلك يظهر أنّ الميزان في توصيف العمل بالشرك والانحراف عن خط التوحيد ليس هو صور الأعمال وظواهرها، بل المراد حقائقها وبواطنها. فما ورد


(88)

في كلمات القوم من تشبيه عمل المسلمين بعمل عبدة الأصنام تشبيه باطل لا يعوّل عليه.

بقيت هنا كلمة وهي :

ما هو المراد من النهي عن دعوة غير اللّه ؟

إنّ الآفة كل الآفة هي أن الوهابيين كشيخهم ابن تيمية يسردون الآيات والروايات من دون أن يتفكروا في مفادهما ومواردهما، ولكنهم يأخذون بالظواهر الابتدائية مع تناسي ما حول الآيات من القرائن، فتراهم يعدون دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والطلب منهم شركاً، بحجّة أنّه سبحانه عد دعاء المشركين للأصنام والأوثان شركاً وقال:

(وَ أنّ المَساجِدَ للّه فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللّه أحَداً)(1) .

(لَهُ دَعوَةُ الحَقّ والّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِه لا يَسْتَجيبونَ لَهُم بِشَىء)(2) .

(إنّ الّذينَ تَدْعونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عَبادٌ أمْثَالَكُمُ)(3) .

(وَالّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهَ مَا يَملِكُونَ مِن قِمطير)(4) .

(قُلِ ادْعُوا الّذينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُم وَلا تَحويلا)(5) .

(أُولئِكَ الّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهم الوَسيلَة...)(6) .


1. سورة الجن: الآية 18 .
2. سورة الرعد: الآية 14 .
3. سورة الأعراف: الآية 194 .
4. سورة فاطر: الآية 13 .
5. سورة الإسراء: الآية 56 .
6. سورة الإسراء: الآية 57 .


(89)

(وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّه مَا لا يَنْفَعُكَ وَ لا يَضُرُّكَ...)(1) .

(وَ مَنْ أضَلّ مَمَّن يَدْعُو مَنْ دُونِ اللّه مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إلى يَومِ القيامَةِ)(2) .

ترى أنهم يسردون هذه الآيات الواردة في حقّ المشركين المعتقدين بالوهية الأصنام وربوبيتهم، وكونهم مفوّضاً إليهم القيام بالأفعال والأعمال، من الشفاعة والمغفرة، والشفاء وغيرها. يسردون هذه الآيات بصلافة وقحة في حق المسلمين الإلهيين الذين لا يعتقدون في حق الأنبياء والصالحين سوى كونهم عباداً مقربين، تستجاب دعوتهم إذا دعوا، ويقومون بحاجة المستنجد بإذنه سبحانه وقدرته، وإليك محصّلها:

1- إنّ هذه الآيات وما ضاهاها تختص بالمشركين الذين كانوا يصورون أوثانهم وأصانهم آلهة يملكون كشف الضر والتحويل، وينصرون بلا استئذان منه سبحانه، لأنّهم يملكون هذا الجانب من الأفعال الإلهية، وأين هو من عقيدة المسلم الموحد في حقّ الأنبياء والصالحين من أنهم عباد مكرمون، لا يعصون اللّه ما أمرهم، وهم بأمره يعملون، وبإذنه يشفعون و...؟

2- إنّ المراد من الدعاء في هذه الآيات، ليس الدعوة المجردة بمعنى النداء بل المراد هو الدعاء الخاص المرادف للعبادة، وليس ذلك بغريب، فقد جمع سبحانه في آية واحدة، بين الدعوة والعبادة، وفسّر الأُولى بالثانية نحو قوله: (وَقالَ رَبُّكُم ادْعُوني أستَجِب لَكُم إنَّ الّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنم دَاخرينَ)(3) .

يقول الإمام زين العابدين ـ عليه السَّلام ـ : «وسميت دعاءك عبادة، وتركه استكباراً وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين»(4) .


1. سورة يونس: الآية 106 .
2. سورة الاحقاف: الآية 5 .
3. سورة غافر: الآية 60 .
4. الصحيفة السجادية، الدعاء 49 .


(90)

وما ورد في الحديث: «الدعاء مخّ العبادة» فالمراد هو هذا القسم من الدعاء، أي الدعاء المقرون بالوهية المدعو بنحو من الأنحاء .

3- إنّ المنهي عنه هو جعل المدعو في مرتبة اللّه الخالق، كما يعرب عنه قوله: (وَ أنَّ المَسَاجِدَ للّه فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّه أحَداً)(1) وكان هو أساس عبادة المشركين، قال سبحانه: (و جَعلوا للّهِ أنداداً لِيُضلُّوا عَنْ سبيله)(2) وقال: (إذْ نُسَوِّيكُم بِرَبّ )العَالمين)(3) وأين هذه الآيات من الموحدين الذين لا يرون مع اللّه شيئاً، بل يرون الكل دونه لكونهم مربوبين؟.


1. سورة الجن: الآية 18 .
2. سورة إبراهيم: الآية 30 .
3. سورة الشعراء: الآية 98 .


(91)

البدعة في الدين وما هو حدها

«البدعة» هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، ولا شك أنّ البدعة محرّمة بنص الكتاب العزيز، قال سبحانه: (اللّهُ أذِنَ لَكُمْ أم عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ)(1) دلّت الآية على أنّ كل ما ينسب إلى اللّه سبحانه بلا إذن منه فهو أمر محرّم، ومن أدخل في الدين ما ليس منه فقد افترى على اللّه، ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يعد من افترى على اللّه أظلم الناس; قال سبحانه: (فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بآياتِهِ إنّه لا يُفْلِحُ الُْمجْرِمُونَ)(2) .

نرى أنّه لما اقترح المشركون على النبي أن يأتي بقرآن غير هذا أو يبدله إلى الآخر، تحاشى عن ذلك وقال: (قُلْ مَا يَكُونُ لي أنْ أُبَدِّلَهُ مَنْ تَلْقَاءِ نَفْسي إنْ أتَّبِعُ إلاّ مَا يُوحى إِلَىَّ إنّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذابَ يَوم عَظيم )(3) .

فالمبدع في الشريعة، مبدل لها، وسوف يحيق به عذاب أليم .

هل التقاليد والآداب من البدع؟

قد تعرّفت أنّ مقوّم البدعة هو أن يقوم الإنسان بفعل ما، باسم الدين والشريعة، وباعتقاد أنّه جزء منها، وأمّا إذا قام بأمر مباح في حد نفسه، ومن


1. سورة يونس: الآية 59 .
2. سورة يونس: الآية 17 .
3. سورة يونس: الآية 15 .


(92)

دون أن ينطبق عليه أحد العناوين المحرمة كشرب الخمر واقتراف الميسر، لا بما انّه من الدين، بل بما أنّه من العادات والتقاليد المتعارفة في حياة الشعب، من دون أن يمت إلى الدين بصلة، مثلا إذا احتفل شعب بيوم استقلالهم، وخروجهم عن ذل الاستعباد، أو إذا احتفلوا في أول الربيع بما أنه أول السنة، وترددوا في أندية الأحبّة والإخوان، فلا يكون ذلك بدعة، وذلك لأنّ المحتفلين لا يقومون به بما أنه من الدين، وأنّ الشارع أمر بذلك، وإنّما يقومون به باسم التقاليد والعادات الّتي جرت عليها الآباء والأجداد، أو ابتكرها الجيل الحاضر تشييداً لعزائم الشعب، في طريق حفظ استقلالهم، والخروج عن سيطرة القوى الكبرى عليهم، مع كون العمل غير محرم في ذاته، بل هو اجتماع وإنشاد قصائد، وإلقاء خطب وشرب شاي، ولقاء إخوان، إلى غير ذلك .

لقد مرّت على الشعب الجزائري أعوام عديدة كان يسيطر عليهم فيها الإستعمار الفرنسي، ينهب أموالهم وثرواتهم الطائلة، ويدمر ثقافتهم الإسلامية وهو يتهم الدينية، ثم إنّ اللّه سبحانه منحهم ـ في ظل عزائمهم القوية واستعدادهم لبذل النفس والنفيس في سبيل هدفهم المنشود ـ الإستقلال والحرية، والرجوع إلى هويتهم الإسلامية، فلو عزم هذا الشعب على أن يقيم في ذلك اليوم في كل سنة احتفالا عظيماً غير مقترن باقتراف المنكرات وارتكاب المعاصي، لا يلامون ولا يذمّون على فعلهم هذا، بل يمدحهم العقلاء بفطرتهم السليمة، ولا يدور في خلد أحد أنّهم ارتكبوا بدعة في الدين، وذلك لأنّهم لم يقوموا بما قاموا به، باسم الدين والشريعة، وأنّ النبي أمر بذلك، بل قاموا بذلك باسم حفظ المصالح الشعبية وتشييد عزائمهم الّذي هو في حد ذاته حلال بلا ريب: فمن حكم بحرمة هذه التقاليد والآداب و الرسوم، سواء أكانت لها جذور في الأعوام السابقة أم كانت من محدثات العصر، فقد ارتكب الخطأ في تحديد البدعة، ولم يميّزها عن غيرها من المراسم والآداب .

ولو صحّ تقسيم البدعة إلى الحسنة والسيئة، فإنما يصحّ في هذا القسم، أي التقاليد والآداب العرفية، فقد يتصف بالحسن وأُخرى بالقبح، وأمّا


(93)

البدعة بمعنى إدخال ما ليس من الدين في الدين فهو قبيح مطلقاً، لا ينقسم وليس له إلاّ قسم واحد، وهو أنّه قبيح محرّم على الإطلاق .

هذا ابن تيمية باذر هذه البذور الخبيثة والشكوك الساقطة يصرح بأنّ الأصل في العادات هو الحلية، إلاّ ما حظره اللّه، قال: «فالأصل في العبادات لا يشرع منها إلاّ ما شرعه اللّه، والأصل في العادات لا يحظر منها إلاّ ما حظره اللّه»(1) .

وبذلك يعلم أنّ تضييق الأمر والتقاليد الّتي لم يرد فيها حظر من الشرع، لا يصدر إلاّ من الجاهل، فإنّ الشريعة الإسلامية سمحة سهلة(2) لم تتدخل في عادات الناس وتقاليدهم، بل خوّلتها إلى أنفسهم حتّى يختار كل شعب ما يناسب بيئته و ظروفه وملابساته، وهذا هو الأساس، لكون الإسلام خاتم الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيّه خاتم الأنبياء ولو كان محدداً للتقاليد والآداب، والرسوم والمراسم لوقع التصادم بينه وبين حياة الشعوب وحضاراتها المتكاملة مع مر الحقب والأزمان .

هل الاحتفال بالمواليد من التقاليد أو من صميم الدين ؟

البحث المهم في المقام هو تعيين حكم هذا المصداق، وأن الاحتفال بميلاد النبي هل هو كالاحتفال بمواليد سائر الأفراد كالآباء والأجداد أو الأولاد الّذي جرى عليه ديدن العقلاء في العالم؟ أو أن الاحتفال به يعد من الأُمور الدينية؟

لا اظن أنّ من لمس روح الاحتفالات والمهرجانات الّتي تقام بين المسلمين يوم الميلاد وغيره أن ينسبها إلى التقاليد والرسوم والآداب القومية، فإذن ذلك شيء لا يلائم روح الاحتفالات وأغراض المقيمين لها، فلا شك أنهم يقومون


1. المجموع من فتاوى ابن تيمية، ج 14 ص 196 .
2. صحيح البخاري ج 1 كتاب الإيمان باب «الدين يسر» ص 12 روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أحب الدين إلى اللّه الحنيفية السمحة» .


(94)

به باسم الدين، ويرجون ثواباً جزيلا في عقباهم، فالإصرار على أنّه من الآداب والرسوم خطأ، لا يتفوه به من شاهدها وعاينها وعاشر المقيمين لها، فيجب على المسوغ والمانع البحث في أمر آخر، وهو أنه هل لهذا الأمر أصل في الشريعة على الوجه الكلي حتّى يكون الإحتفال تجسيداً له في هذه الظروف، أو ليس له اصل في الشريعة حتّى يكون بدعة؟ والأسف كله أن المانعين والمسوغين لم يركزوا على هذا المهم إلاّ القليل منهم(1) فعلى من يحاول حسم مادة الخلاف تبيين تلك النقطة الحساسة، وترك ما يثار حوله من الجدال والحوار .

فنقول:

إنّ كون شيء أمراً جائزاً في الدين على قسمين:

تارة يقع النص عليه بشخصه، كالاحتفال في عيدي الفطر والأضحى، أوالاجتماع في عرفة ومنى، فلا شك أنّ هذا الاجتماع والاحتفال أمر به الشارع بشخصه، فخرج به عن كونه بدعة.

وأُخرى يقع النص عليه على الوجه الكلي، ويترك انتخاب أساليبه وأشكاله وألوانه إلى الناس حسب الظروف ورعاية المقتضيات، وإليك بعض الأمثلة :

1- ندب الشارع إلى تعليم الأولاد ومكافحة الاُمّية، ولا شك أنّ لهذا الأمر الكلي أشكالا أو ألواناً حسب تبدل الحضارات وتكاملها، فلو كان التعليم والكتابة في الظروف السابقة متحققة بالكتابة بالقصب والحبر، وجلوس المتعلم أمام المعلم على الأرض في الكتاتيب، فقد تطورت كيفية التعليم من هذه الحالة البسيطة إلى حالة تستخدم فيها الأجهزة المتطورة، حيث أصبح الناس يتعلمون عن طريق الإذاعة والتلفاز، و (الكمبيوتر)، والأشرطة، إلى غير ذلك من وسائل التعليم وأجهزة الإعلام، سواء أكان ما يذيعه تعليمياً أم تبليغياً، فالشارع أمر


1. ولقد أعطى العلامة الحجة السيد جعفر مرتضى في كتابه القيم «المواسم والمراسم» للتحقيق في هذا المجال حقه. شكر اللّه مساعيه .


(95)

بالتعليم والتعلم، وخوّل اتخاذ الأساليب إلى الظروف والمقتضيات، ولو كان مصراً على لون خاص من كيفية التعليم، لفشل في طريق هدفه المقدس، لأن الظروف ربما لا تناسب الأداة الخاصة والكيفية المختصة الّتي يعينها ويحددها.

2- ندب الإسلام إلى الإحسان إلى اليتامى، والتحنن عليهم وحفظ أموالهم، وتربيتهم، غير أن هذا الأمر الكلي له ألوان وأساليب مختلفة، تجاري مقتضيات، العصر وإمكانياته، فاللازم علينا هو امتثال ما ندب إليه الشارع، وأما كيفية الإحسان فقد خولت إلى أوليائهم حسب إمكانيات الظروف ومقتضياتها، فمن أصر على أن الشارع بين خصوصيات الامتثال ومشخصات إطاعة ذلك الأمر، فقد جهل الإسلام ولم يعرف أساس كونه خاتماً، إذ لا يكون خاتماً إلاّ إذا أخذ باللب (الإحسان إلى الأيتام) وترك القشر واللباس إلى الناس ومقتضيات الظروف .

3- إنّ الصحابة ـ حسب رواية أهل السنة ـ قاموا بجمع آيات القرآن المتفرقة في مصحف واحد، ولم يصف أحد منهم هذا العمل بدعة، وما هذا إلاّ لأن عملهم كان تطبيقاً لقوله سبحانه: (إنّا نَحْنُ نَزّلْنَا الذّكْرَ وإنّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(1)، فعملهم في الواقع كان تطبيقاً عملياً لنصوص شرعية من الكتاب والسنة، وعلى ذلك جرى المسلمون في مجال الاهتمام بالقرآن من كتابته وتنقيطه، وإعراب كلمه وجمله، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمر، وأخيراً طباعته ونشره، وتقدير حفاظه وتكريمهم والاحتفال بهم، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي كلها دعم لحفظ القرآن وتثبيته وبقائه، وإن لم يفعله رسول اللّه ولا الصحابة ولا التابعون، إذ يكفي وجود أصل له في الأدلة .

4- الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأعدّوا لَهُم ما اسْتَطَعْتُم مَنْ قُوّة)(2)، وأما كيفية الدفاع ونوع السلاح ولزوم الخدمة العكسرية


1. سورة الحجر: الآية 9 .
2. سورة الأنفال: الآية 60 .


(96)

فالكل تطبيق لهذا المبدأ وتجسيد لهذا الأصل، فما ربما يرمي التجنيد العمومي إلى أنّه بدعة، غفلة عن حقيقة الحال، وإنّ الإسلام يتبنىّ الأصل، ويترك الصور والألوان والأشكال إلى مقتضيات الظروف .

هذا هو الأصل الّذي به نميز «البدعة» عن «التطبيق»، و«الابتداع» عن «الاتّباع» وإليك بعض الكلمات من المخالفين للذكريات وغيرهم حول ما هو بدعة وما ليس ببدعة، والكل يؤكد ما قلناه:

قال ابن رجب: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «وإيّاكم ومحدثات الأُمور فإنّ كل بدعة ضلالة» تحذير للأُمة من اتّباع الأُمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة» والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأمّا ما له أصل فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغةً، وفي صحيح مسلم: «عن جابر رضي اللّه عنه أن النبي كان يقول في خطبته: «إن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة...» وقوله: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أُصول الدين، وهو شبيه بقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه(1).

وقال ابن حجر في شرح قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ أحسن الحديث كتاب اللّه» والمحدثات ـ بفتح الدال ـ جمع محدثة، والمراد ما أُحدث وليس له اصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له اصل يدل عليه الشرع، فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة، فإنّ كل شيء أُحدث على غير مثال يسمى بدعة، سواء أكان محموداً أم مذموماً، وكذا القول في المحدثة(2) .


1. جوامع العلوم والحكم ص 233 .
2. فتح الباري ج 13 ص 253 .


(97)

ومن راجع القرآن والسنة يقف على أصل رصين في الإسلام في حق النبي الأكرم، وهو لزوم تكريم النبي وتعظيمه حياً وميتاً، وهو أصل لا يمكن لمسلم إنكاره، وإذا ثبت ذلك الاصل يقع الكلام في أن هذه الاحتفالات هل هي تجسيد لهذا الأصل أو لا؟ فيلزم البحث في موردين:

الأول: لزوم تكريم النبي حياً وميتاً

من أمعن في القرآن الكريم يقف على أنه يحثّ المسلمين على تكريم النبي وتعظيمه، وأنه لا يصحّ للمسلمين أن يعاملوه معاملة الإنسان الاعتيادي، وإليك ما يمكن استنباط هذا الأصل منه .

1- قال سبحانه: (الّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)(1) .

إن الكلمات الواردة في هذه الآية هي: 1- «آمنوا به» 2- «عزروه» 3- «نصروه» 4- «اتبعوا النور الّذي أُنزل معه» .

فالآية تدعو إلى الإيمان بالنبي وتعزيره ونصرته واتّباع النور الّذي أُنزل معه، والمراد من التعزير، ليس مطلق النصرة، لأنه ذكره بقوله «نصروه» ولا حاجة لتكراره; ولا مطلق منع الأعداء عنه، بل المراد هو توقيره وتعظيمه(2)، أو نصرته مع التعظيم (3) .

وعلى كل تقدير فالمفهوم من الآية هو تعزير النبي واحترامه، ومن المعلوم أنّ احترامه ليس إلاّ لأجل كونه سراجاً منيراً للأُمة وهادياً إلى الشريعة ودينه سبحانه .

2- أشار سبحانه إلى مكانته المرقومه ولزوم توقيره وتكريمه بقوله: (يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبَي وَ لاَ تَجْهَرُوا لَهُ بَالْقَولِ)


1. سورة الأعراف: الآية 157 .
2. تفسير الجلالين ص 225 مجمع البيان ج 2 ص 488 .
3. الميزان ج 8 ص 296، مجمع البحرين مادة «عزر» .


(98)

كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْض أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم وَ أنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ))(1)، فجعل رفع الصوت فوق صوته والجهر له كجهر بعضكم بعضاً، سبباً لحبط الأعمال فما أعظم شأنه وأجلّ قدره .

3- وقال سبحانه: (لا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً)(2) .

4- وأشار إلى حرمة التسرّع في إبداء الرأي بقوله: (يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إنّ اللّهَ سَميِعٌ عَلِيمٌ)(3) .

5- إنّه سبحانه قرن طاعة النبي بطاعته وقال: (أطِيعُوا اللّهَ وَ أطِيعُوا الرّسُولَ)(4)، وجعل طاعته طاعة نفسه وقال: (مَنْ )يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللّه)(5)، وجعل اتّباع الرسول آية لحب اللّه سبحانه، وقال: (قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ )اللّه)(6)، وندّد بمن قدّم حبّ الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن على حب الرسول، وقال: (قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُم وَ إخْوانُكُم وَ أَزواجُكُم وَعَشيرَتُكُم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَهَا أحَبّ إلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ أبناؤكُم وَجِهَاد فِي سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأتِيَ اللّهُ بِأمْرِهِ)(7).

وروى أنس أنَّ رسول اللّه قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، وروى أنّ رسول اللّه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن الإيمان، أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما...»(8) .


1. سورة الحجرات: الآية 2 .
2. سورة النور: الآية 63 .
3. سورة الحجرات: الآية 1 .
4. سورة النساء: الآية 59 .
5. سورة النساء: الآية 80 .
6. سورة آل عمران: الآية 31 .
7. سورة التوبة: الآية 24 .
8. مسند أحمد، مما أسند أنس بن مالك ج 3 ص 103 و 174 و 230، انظر صحيح البخاري ج 1 ص 8 «باب حب الرسول من الإيمان» والروايات حول حب النبي وعترته كثيرة، لاحظ جامع الأصول، وكنز العمال.


(99)

6- إنّه سبحانه أمر بالصلاة والتسليم على النبي وقال: (إنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصلُّونَ عَلَى النبِىّ يَا أيُّها الّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(1) .

وروي أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «البخيل من ذُكِرتُ عنده فلم يصلّ علىّ» وقال: «من صلّى علىّ واحدة صلّى اللّه عليه بها عشراً»(2) .

والصلاة عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أحد أركان الصلاة، من تركها عامداً بطلت صلاته، والدعاء له بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود عقيب الأذان أمر محمود، وفيه فضل كبير .

7- أشار إلى كيفية معاشرة المؤمنين معه ومع أزواجه بعد وفاته، فقال:

(يَا أيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِىَّ إلاّ أن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَام غَيْرَ نَاظِرينَ إناهُ، ولَكِن إذَا دُعِيتُم فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا، وَ لاَ مُستَأنِسِينَ لِحَديث إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤذِي النَّبِىّ فَيَسْتَحِي مِنكُم وَاللّهُ لا وَلاَ يَسْتَحيِي مِنَ الحَقّ وَإِذَا سَأَلُْتمُوهُنّ مَتاعاً فَاسْألُوهُنّ مِنْ وَراءِ حِجَاب ذَلِكُم أطْهَرُ لِقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنّ وَمَا كَانَ لَكُم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللّه وَلاَ تَنْكِحُوا أزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أبَداً إنّ ذَلِكُم كَانَ عِنْدَ اللّه عَظيماً)(3) .

ومن وقف على خصائص النبي الّتي ذكرها الفقهاء في الكتب الفقهية، يقف على مكانته عند اللّه، وعظمته عند المسلمين، ولزوم توقيره وتكبيره وتعظيمه.

هذه الآيات والأحاديث تفيد بأنه سبحانه فرض محبة النبي ومودته على


1. سورة الأحزاب: الآية 56 .
2. مسند أحمد، مما أسند إلى علي بن الحسين ج 1 ص 201، والدر المنثور ج 5 ص 217 في تفسير قوله: «إن اللّه وملائكته»، ورواه الترمذي في ج 5، في كتاب الدعوات .
3. سورة الأحزاب: الآية 53 .


(100)

المؤمنين، وأنّ المؤمن لا يتم له إيمان حتّى يكون ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أحب إليه من نفسه وماله وأهله، ومن شك في ذلك فهو شاك في البديهيات الدينية.

وهنا يقع الكلام في المقام الثاني، وهو ما يتحقق به التكريم، وما يمكن الاستقلال به على أنه صادق في حبّ النبي، وإليك البحث فيه.

الثاني: الاحتفال تجسيد لتكريم النبي

أذا دلّت الآيات والأحاديث على لزوم تكريم النبي وتعظيمه أولا، وحبه ومودته ثانياً، فعندئذ يقع الكلام: فيما يتحقق به ذلك الأصل، وتتجسم به هذه الفريضة .

لا شك أنّ لتكريم الإنسان وتعظيمه طرقاً مختلفة مألوفة للناس، ولكن صاحب الشخصية العالمية إذا أراد الشعب المسلم تكريمه وتعظيمه، فالاحتفال بولادته وإقامة العزاء يوم رحلته، تكريم وتعظيم له، وتجسيد لذلك الأصل الّذي نطق به الكتاب والسنة، وليس ذلك أمراً خفياً على الناس فإنّ العقلاء بفطرتهم يحتفلون بذكرى شخصياتهم ولادة ووفاة، تكريماً واحتراماً لهم، والفرق بين تكريم النبي وتكريم تلك الشخصيات أنّ تكريمهم من قبيل التقاليد والآداب الشعبية، فلو لم يرد حظر منه كفى في جواز ذلك عدم الحظر .

وأمّا تكريم النبي الأكرم فله أصل في الشريعة الغرّاء، وله تجليات في الظروف المختلفة، فلو احتفل المؤمنون في كل دورة وكورة بميلاد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من دون اقتراف المعاصي والمنكرات، وأقاموا احتفالا حاشداً يبهر العيون ويحير العقول، فقام الخطباء فيه بإلقاء الكلم حول فضائله ومناقبه، وما نزل في حقه من الآيات والآثار، وما ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية أُمته، وقام الشعراء بإنشاء القصائد الّتي تُستلهم من الكتاب والسنة خالية عن الغلو والإفراط، ثم قاموا بإطعام الإخوان و المحبين لرسول اللّه من مال اللّه الّذي جعل الناس فيه مستخلِفين،... فلا شك أنهم جسدوا ذلك الأصل الرصين (تكريم النبي وتعظيمه) بعملهم المشرق، كما أظهروا بذلك محبتهم وولاءهم لصاحب الرسالة.


(101)

وعند ذلك كيف يمكن أن توصف تلكم الاحتفالات الباهرة بالبدعة؟ أوليست البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين؟ وهل المسلمون أدخلوا في الدين ما ليس منه؟ أوليس تكريمه وتوقيره هو الأصل الرصين؟ أوَليس الإحتفال الباهر تحقيقاً عملياً لذلك المبدأ عند جميع العقلاء، فأين البدعة ياترى؟ أوَليس القرآن والسنة ندبا المسلمين إلى حب النبي، وهل الحب يجب أن يبقى كامناً في مكامن النفس، ولو تظاهر به الإنسان كان عاصياً، أو أن المحبة والمودة لها مظاهر ومجال، وإظهار الفرح يوم ولادته والحزن يوم رحلته دليل على الحب الأصيل والمودة المكنونة في القلب .

ولسنا ننكر أن لإظهار المودة وتوقيره طرقاً أُخرى، منها التمسك بسة قولا وعملا وتعلماً وتعليماً وإيثاراً، أو التأسّي بأخلاقه وآدابه، ونشر سنته وأحاديثه، إلى غير ذلك مما يمكن أن يكون مظاهر للحب، ـ ولكن أيها الأخ العزيز ـ لا ينحصر إظهار الحب والتكريم في هذه الأُمور، فإنّها من الوظائف الدينية الّتي يجب على المسلم القيام بها في كل يوم وليلة، وهي في الوقت نفسه مظاهر لتوقير النبي وتكريمه وإظهار المودة والحب له، ولكن الاحتفال بمولده وإقامة العزاء في يوم رحلته أيضاً مظهر آخر للتوقير والتكريم وإظهار المودة، فلماذا نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ .

فكيف تقام الاحتفالات في نفس المملكة السعودية لأبناء عائلتها وتغفل عن النبي الأكرم وأهل بيته، وإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى العدد (102) من مجلة «الفيصل» الّتي تصدر في طباعة أنيقة جداً في السعودية، فهو يحتوي على تقرير مبسوط عن الاحتفال الكبير الّذي أقامته السلطات السعودية بمناسبة عودة «الأمير سلطان» من الرحلة الفضائية في مركبة «ديسكفري»، ويحتوي هذا العدد على صور كثيرة تحكي عن حجم المبالغ الطائلة الّتي صرفت في ذلك الاحتفال، وقد نشرت الكلمات والقصائد الّتي أُلقيت فيه، وقرىء فيها المدح المفرط والثناء المسرف على آل سعود عامة والأمير العائد من الرحلة الفضائية خاصة...

ألا يستحق رسول الإسلام أن تخلُّد ذكرى مولده الشريف، وتنشر مناقبه


(102)

وفضائله وإنجازاته العظيمة، وعطاؤه الزاخر، وخدماته الجليلة، وجهاده وجهوده وغير ذلك، حتّى يعرف الصديق والعدو ما أسداه هذا النبي العظيم من خدمة، وما قدمه من عطاء، وما تحمّل من عناء وعذاب في سبيل هداية البشر، وهل التكريم إلاّ الاحتفال به، ونشر قِيَمهِ الفاضلة، والحث على الاقتداء به والأخذ بهديه، والمحافظة على آثاره؟ ما هذا التناقض بين القول والعمل؟ تقيمون الاحتفال لأمير البلد، وتحرّمون الاحتفال للنبي الأكرم؟ .

فلو أُقيم احتفال في أيّ بلد من بلاد اللّه تبارك وتعالى، سواء أكان في ميلاد النبي أم غيره، وقرأ المقرىء الآيات النازلة في حقه، أو تليت قصيدة حسان بن ثابت الّذي قال رسول اللّه بأنّ لسانه على المشركين أشد وقعاً من السيوف على رقابهم، كقوله في قصيدة رثى بها النبي بعد رحلته، يقول فيها:

بطيبة رسمٌ للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتهمد

يدل على الرّحمن من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد

إمام لهم يهديهم الحق جاهداً * معلِّم صدق إن يطيعوه يسعدوا(1)

أو ألقي فيها شعر كعب بن زهير الّذي يمدح به النبي ويقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متّيم إثرها لم يُفْد مكبول

نُبّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني * والعفو عند رسول اللّه مأمول

مهلا هداك الّذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ و تفصيل * إن الرسول لَنورٌ يستضاءيه مهنّدٌ من سيوف اللّه مسلول(2)

أو ما أنشأه عبداللّه بن رواحه ويقول فيه:

خلّوا بني الكفار عن سبيله * خلّوا فكل الخير في رسوله

يارب إنّي مؤمن بِقيلِه * أعرف حق اللّه في قبوله(3)

أو قرأ فيها قصيدة البوصيري الّتي أنشأها عن إيمان وإخلاص بالرسول لغاية التكريم والاحترام مستهلها:

أمِْن تذكُّر جيران بذي سَلَم * مَزجْتَ دمعاً جرى من مقلة بدم


1. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 666، والقصيدة .
2. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 513 .
3. السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 371 .


(103)

أم هبت الريح من تلقاء كاظمةً * وأومض البرق في الظلماء من أضم(1)

فهل يتصور أن يعد ذلك أمراً محرماً وبدعة؟ وكأنّ الرسول يجب أن يكون خامل الذكر. ولو هتف به هاتف بالتكريم يكون آثماً، يجب أن يجلد أو يقتل لأجل البدعة أو الشرك: سبحانك يا رب ما أعظم جرأتهم على الحط من كرامة الرسول وعظمته!!

نرى أنه سبحانه خَلَّدَ ذكره ورفع مقامه بمنْحِهِ النبوة وقال: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)(2) فلنفترض أن الآية: «رفعنا لك ذكرك» تشير إلى منح منصب النبوة، ومقام الرسالة له، ولكن يستفاد من الآية أن رفع النبي أمر مطلوب للّه سبحانه، وأن تتويجه بالنبوة سبب لذلك الرفع المحمود، فالاحتفال بمولده ليس إلاّ تجسيداً لذلك الرفع المطلوب، وليس لقائل أن يقول: إنّ المطلوب هو رفعه بمنح النبوة له فقط، فلا يسوغ ترفيعه وتخليد ذكراه في المجتمع عن طريق آخر، فإنّ ذلك يأباه الذوق السليم .

هذا هو معنى البدعة، وهذا تحديدها، فاتخذه مقياساً تميز به المبتدع عن المتشرع، والبدعة عن السنة، وبذلك تقف على أن أكثر ما يصفونه بالبدعة له أصل في القرآن والسنة، ولأجل أن يكون البحث مترامي الأطراف نردفه بالبحث عن التبرك، حتّى يكون الوقوف على حقيقته معيناً على حل عقدهم ومشاكلهم، وسيوافيك البحث مستقلا عن الاحتفال بالمواليد .


1. جواهر الأدب، أحمد الهاشمي، ص 467 والقصيدة لشرف الدين محمد بن سعيد البوصيري صاحب «البردة» و «الهمزية» ولهذه القصيدة شروح.
2. سورة الإنشراح: الآية 4 .


(104)


(105)

التبرك بآثار النبي الأكرم والصالحين

جرت سيرة الموحدين على التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين، وجرت سيرة المسلمين على التبرّك بآثار النبي الأكرم، والتبرك بالآثار إمّا تطبيقاً لمبدأ الحب والمودة لرسول اللّه، وإمّا طلباً لأثر معنوي وضعه اللّه سبحانه في الشيء المتبرّك به، كما في التبرك بماء زمزم، وماء ميزاب الكعبة وكسوتها، وماء الفرات وسؤر المؤمن، إلى غير ذلك مما وردت الأحاديث في التبرك به. فسواء أكان تجسيداً للمحبة والمودة كتقبيل الأضرحة والمنبر والأبواب، أم كان لطلب الآثار الخاصة الّتي وردت النصوص فيها، فلا يمت ذلك إلى الشرك في العبادة بصلة، وقد عرفت أن العنصر المقوّم لتحقق مبدأ الشرك هو الاعتقاد بـ «الألوهية» والربوبية، أو كون المدعو مبدأً لأفعال إلهية، وأمّا إظهار المودة والمحبة لآثار المحبوب على حد قول الشاعر :

أمرّ على الديار ديار ليلى * أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

أو طلب الشفاء من الأسباب الّتي ورد الحديث بأن فيها الشفاء، فليس عبادة; فإنّ الشافي هو اللّه سبحانه، وماء زمزم وماء ميزاب الكعبة أسباب له، فهذه الأسباب المعنوية كالأدوية الكيمياوية الّتي عمّت العالم، يأوي إليها كل مريض من موحد ومشرك، غير أنّ الموحّد يستعملها بما أنها السبب، والشافي هو اللّه سبحانه، وهو الّذي أعطى السببية لها، ولو أراد لسلبها عنها .


(106)

فالمهم في المقام دراسة ما ورد في الشرع حول التبرك بآثار الأنبياء والأولياء، وتبيين موضع الصحابة من آثار الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبل أن نسرد بعض ما وقفنا عليه، نشير إلى كتابين كريمين في ذلك المجال:

1- «تبرك الصحابة» للشيخ محمد طاهر مكي، من علماء الحرم الشريف، طبع مكة المكرمة .

2- «التبرك» تأليف الأستاذ الفذ الشيخ علي الأحمدي، وقد استقصى فيه جل ما ورد في التبرك، ولا اظن أن من قرأ هذين الكتابين يبقى له الشك في جوازه، إن كان ممن يستمع القول فيتّبع أحسنه، وإلاّ يزيده إلاّ خساراً.

التبرّك في القرآن الكريم

إنّ القرآن الكريم يذكر أنّ يوسف أمر البشير أن يذهب بقميصه إلى ابيه، وقال: القوا بقميصي هذا على وجهه فيعود بصيراً، واللّه سبحانه يحكي عن يوسف هكذا: (اذهَبُوا بِقَميصي هَذَا فَألْقُوهُ عَلَى وَجهِ أبي يَأتِ بَصيراً وَ أُتوني بِأهْلِكُم أجْمَعين)(1) (فَلَمّا جَاءَ البَشيرُ ألْقاهُ عَلَى وَجهِهِ فارتَدّ بَصيراً قَالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ إنّي أعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(2) فالآيات صريحة في أن يعقوب تبرّك بقميص ابنه يوسف، ولا شك أن قميص يوسف كان من القطن، والقطن كالحديد الّذي يصنع منه الأضرحة والأبواب، والقطن والحديد لا يؤثران في رفع المرض وكشف الكربة، ولكنّه سبحانه تكريماً للنبي يمنّ على المريض بالشفاء بعد التبرك به، وكأنّ هناك صلة معنوية غير مرئية ولا ملموسة ولا مدركة في المختبرات بين التبرك بالقميص وآثار الأنبياء ونزول الشفاء من اللّه سبحانه، كما نرى تلك الرابطة بين استعمال الدواء وحصول البرء بعده، ومن المعلوم أنّه سبحانه هو مسبب الأسباب، وجاعل السببية للسبب.


1. سورة يوسف: الآية 93 .
2. سورة يوسف: الآية 96 .


(107)

إنّ هيئة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حول الضريح النبوي الشريف والمسجد الحرام يرفعون عقيرتهم بأنّ هذا (الضريح) حديد، والحديد لا يفيد، فليستمعوا إلى قول اللّه سبحانه: (اذهبوا بقميصي هذا)، فعلى ضوء كلامهم قميص يوسف من القطن، والقطن كالحديد، ولكنّه سبحانه منح الشفاء لعين نبيه غِبّ تبركه بقميص ولده لصموده في سبيل اللّه .

وأمّا الأحاديث والآثار الواردة حول التبرك فحدّث عنها ولا حرج، فإنها تتجاوز المائة، ومن أراد فليرجع إلى الكتابين الجليلين اللذين نوهنا بهما، وقبل أن نورد بعض الآثار، نذكر بعض الكلمات في هذا المجال من كبار العلماء :

قال ابن حجر: «كل مولود في حياة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يُحكم بأنّه رآه، وذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبي للتحنيك والتبرك، حتّى قيل: لمّا افتتحت مكة، جعل أهل مكة يأتون إلى النبي بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم بالبركة»(1) .

يقول مؤلف تبرك الصحابة: «لا شك أنّ آثار رسول اللّه ـ صفوة خلق اللّه وأفضل النبيين ـ أثبت وجوداً وأشهر ذكراً، فهي أولى بذلك التبرك وأحرى، وقد شهده الجم الغفير من الصحابة، وأجمعوا على التبرك بها والاهتمام بجمعها، وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون، فتبركوا بشعراته وفضل وضوئه وبعرقه وثيابه، وبمس جسده الشريف، وغير ذلك مما عرف من آثاره الشريفة الّتي صحت بها الأخبار عن الأخيار» (2) .

ولنقدم بعض ما ذكره الشيخان (البخاري ومسلم) لكون صحيحيهما من أتقن الكتب عند أهل السنة وأصحها:

1- هذا الشيخ البخاري يروي أنّ الصحابة كانوا يتبركون بفضل وضوئه، قال:


1. الإصابة في تمييز الصحابة ج 1 ص 5 .
2. تبرك الصحابة ص 5 .


(108)

«لما خرج علينا رسول اللّه بالهاجرة، فأتى بوضوء فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه ويتمسحون به»(1).

2- إنّ الصحابة كانوا يتبركون بشعره، فروى أنس أنّ رسول اللّه لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره(2) .

3- إنّ الصحابة كانوا يتبركون بالإناء الّذي شرب منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، قال أبو بردة: قال لي عبداللّه بن سلام: ألا اسقيك في قدح شرب النبي فيه؟(3) .

ويفهم من الرواية أنّ عبداللّه بن سلام كان يحتفظ بذلك القدح للتبرك، لشرب رسول اللّه منه.

4- كان الصحابة يتبركون بيديه الشريفتين، فعن أبي حجيفة: خرج رسول اللّه بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ـ إلى أن قال ـ : وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك(4) .

لا أظن أنّ الوهابي يجترىء على ردّ أحاديث البخاري، لأنّه أصحّ الكتب وأتقنها، خصوصاً أنّ هذه الروايات جاءت فيها متواترة، وهم القائلون:

وما من صحيح كالبخاري جامعاً * ولا مسند يلفى كمسند أحمد

هذا بعض ما رواه البخاري، وهلم معي ندرس ما ذكره مسلم في صحيحه:

ذكر مسلم أنّ الصحابة كانوا يأتون بصبيانهم إلى النبي للتبرك والتحنيك، قال: إنّ رسول اللّه كان يؤتى إليه بالصبيان، فيبارك عليهم ويحنكهم(5) .


1. صحيح البخاري ج 1 ص 59، فتح الباري ج 1 ص 256 .
2. صحيح البخاري ج 1 ص 54 .
3. صحيح البخاري ج 1 ص 147، فتح الباري ج 10 ص 85 .
4. صحيح البخاري ج 4 ص 188 .
5. صحيح مسلم ص 1691 .


(109)

كما روي في حق شعره: «أنّ رسول اللّه أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم اتى منزله بمنى، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس(1) .

هذا بعض ما رواه الشيخان، وأمّا ما رواه غيرهم فحدّث عنه ولا حرج، وقد عقد البخاري في صحيحه باباً سماه: «باب ما ذكر من درع النبي وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك، مما لم يذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته، مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته»(2) .

إنّ فاطمة ـ عليها السَّلام ـ الّتي لا شك أنها من أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً حضرت قبر أبيها، وأخذت قبضة من تراب القبر تشمه وتبكي وتقول:

ماذا على من شمّ تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

صُبّت علىّ مصائبٌ لو أنها * صُبّت على الأيام صرن لياليا

وفي لفظ: فجعلتها على عينيها ووجهها(3) .

نعم، كانت بنو أُمية وأذنابهم يمنعون الناس عن التبرك بقبر رسول اللّه وآثاره، فمن منع التبرك فإنما هو على خطهم.

روى الحاكم في المستدرك: «أقبل مروان يوماً فوجد رجلا واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته، ثم قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: إنّي لم آت الحجر، وإنما جئت رسول اللّه، سمعت رسول اللّه يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا على الدين إذ وليه غير أهله(4) .


1. صحيح مسلم ج 3 ص 947 .
2. صحيح البخاري ج 4 ص 82 .
3. وفاء الوفاء: ج 2 ص 444، صلح الإخوان، ص 57 وغيرهما من المصادر .
4. مستدرك الصحيحين للحاكم ج 5 ص 515، ومجمع الزوائد ج 4 ص 2، باب وضع الوجه على قبر سيدنا رسول اللّه .


(110)

قال العلامة الأميني :

«إنّ هذا الحديث يعطينا خبراً بأنّ المنع عن التوسل بالقبور الطاهرة إنما هو من بدع الأمويين وضلالاتهم، منذ عهد الصحابة، ولم تسمع أُذن الدنيا قط صحابياً ينكر ذلك، غير وليد بيت أُمية، مروان الغاشم .

نعم... «الثور يحمي انفه بروقه»(1) .

نعم... لبني اُمية عامة، ولمروان خاصة ضغينة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ منذ يوم لم يُبقِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في الأسرة الأموية حرمة إلاّ هتكها، ولا ناموساً إلاّ مزقه، ولا ركناً إلاّ أباده، وذلك بوقيعته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيهم، وهو لا «ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، علّمه شديد القوى» فقد صحّ عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قوله: «إذا بلغت بنو أُمية أربعين، اتّخذوا عباد اللّه خولا، ومال اللّه نحلا وكتاب اللّه دغلا»(2) .

نعم تبع مروان بن الحكم ـ الوزغ ابن الوزغ ـ ابن طريد رسول اللّه من بعده الحجاج بن يوسف، هذا هو المبرّد ينقل في كامله، قال: ومما كفرت به الفقهاء الحجاج بن يوسف والناس يطوفون بقبر رسول اللّه منبره. لقوله: «إنما يطوفون بأعواد ورمّة»(3) ومراد الحجاج من الأعواد: المنبر، ومن الرّمة: عظام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيستسخر من المسلمين ويهينهم بكلامه، وهذا يعرب عن أنّ المسلمين كانوا يطوفون حول قبر رسول اللّه .

قال ابن أبي الحديد: خطب الحجاج بكوفة، فذكر الذين يزورون قبر


1. الروق: القرن، وهو مثل يضرب لمن يدافع عن شخصيته وعرضه .
2. الغدير: ج 5 ص 149 .
3. التبرك ص 161 .


(111)

رسول اللّه بالمدينة، فقال: تبّاً لهم، إنهم يطوفون بأعودا ورمّة بالية. هلا طافوا بقصر أميرالمؤمنين عبدالملك؟ ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله؟(1) .

هذا بعض ما يمكن أن يقال حول التبرك، ومن أراد التفصيل والتبسط فليرجع إلى كتاب «التبرك» فقد بلغ الغاية في ذلك المجال .

* * * * *

هذا وقع عقد العلامة الأميني فصلا أسماه «التبرك بالقبر الشريف بالتزام وتمريغ وتقبيل» وذكر هناك نصوصاً كثيرآ تحكي عن جريان السيرة على التبرك بالقبر الشريف، فمن أراد فليرجع إلى الجزء الخامس: ص 146 ـ 164 .


1. شرح نهج البلاغة ج 15 ص 242 .

(112)


(113)

عقائد ابن تيمية

عقائده و آراؤه

إنّ الآراء والمعتقدات، مقياس شخصية الإنسان، ومستوى عقليته وثقافته، كما أنّ ما يمت منها الى الإسلام بصلة، مقياس عرفانه بالكتاب والسنة، وسلامة ذوقه وصفاء ذهنه، وقد حان تقييم شخصية ابن تيمية عن طريق عرض آرائه على المصادر الإسلامية، ليعلم مدى صحتها وانطباقها على المصدرين وحدّ سلامة ذوقه وصفاء ذهنه في مقام الاستضاءة بهما، وإليك البيان :


(114)

(1)

ابن تيمية ورأيه في الصفات الخبرية

(1)

إنّ المحنة الأُولى لابن تيمية بدأت ممّا نشره باسم «العقيدة الحموية» حيث أجاب فيها عن سؤال أهل «حماه» في آيات الصفات، مثل قوله: (الرَّحمنُ عَلى العَرْشِ استوى) وقوله: (ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ)، وأحاديث الصفات، كقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من اصابع الرحمن»، وقوله: «يضع الجبار قدمه في النار» بما هذا نصه:

«فهذا كتاب اللّه من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الائمة مملوء بما هو إمّا نص وإمّا ظاهر في أنّ اللّه سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وأنّه فوق السماء، مثل قوله: (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيّبُ، وَ العَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ)، (إنّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلىَّ)، (أمِنْتُم مَنْ فِي السّماءِ أنْ يَخسِفَ بِكُمُ الأرْضَ...)، (أمِنْتُم مَنْ في السّماءِ أنْ يُرسِلَ عَلَيْكُم حَاصباً...)، (بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إليْهِ...)(إلَيْهِ تَعْرُجُ...وَالرُّوحُ...)(يَخَافُونَ رَبَّهم مِنْ فَوْقِهِم...)(ثُمَّ استَوى عَلى العَرْشِ))(في ستة مواضع). (الرّحمنُ عَلَى العَرْشِ استَوى)، (يا هَامَانُ ابْنِ لي صَرْحاً لَعَلّي أبْلُغُ الأسبابَ، أسْبَابَ السَّمواتِ، فأطَّلِعَ إلى إله)


1. الصفات الخبرية، هي الصفات الّتي أخبر عنها القرآن والسنة، مقابل ما يدل عليه العقل كالعلم والقدرة .


(115)

موسى وَ إنِّي لاَظُنّهُ كاذِباً...))، (تَنزيلٌ مِنْ حكيم حميد)، (مُنَزّلٌ مِنْ رَبِّك) إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلاّ بكلفة .

وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى، مثل قصة معراج الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إلى ربّه، ونزول الملائكة من عنداللّه وصعودهم إليه، وقوله في الملائكة: «الذين يتعاقبون بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم»، وفي الصحيح في حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء» وفي حديث الرقية الّذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا اللّه الّذي في السماء تقدس اسمك. أمرك في السماء كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين»، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ من إخوانه فليقل: «ربنا اللّه الّذي في السماء ذكره»، وقوله في حديث الأعمال: «والعرش فوق ذلك، واللّه فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» وقوله في حديث قبض الروح: «حتّى يعرج به إلى السماء الّتي فيها اللّه» .

وقول عبداللّه بن رواحة الّذي أنشده للنبي وأقره عليه:

شهدت بأنّ وعد اللّه حقٌ * وأنّ النار مثوى الكافرينا

وأنّ العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش ربّ العالمينا

وقول أُمية بن أبي الصلت الّذي أنشده للنبي، فاستحسنه، وقال: آمن شعره وكفر قلبه .

مجّدوا اللّه فهو للمجد أهل * ربّنا في السماء أمسى كبيراً

بالبناء الأعلى الّذي سبق النا * س وسوىّ فوق السماء سريرا

شرجعاً(1) ما يناله بصر الـ * ـعين ترى دونه الملائك صوراً(2)

إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلاّ اللّه، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية الّتي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، إنّ الرسول المبلغ


1. الشرجع: الطويل .
2. الصور، جمع أصور: المائل العنق.


(116)

عن اللّه ألقى إلى أُمته المدعوين: أنّ اللّه سبحانه على العرش استوى وأنّه فوق السماء، كما فطر اللّه على ذلك جميع الأُمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلاّ من اجتالته الشياطين عن فطرته .

ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو أُلوفاً، ثم ليس في كتاب اللّه ولا في سنة رسول اللّه، ولا عن أحد من سلف الأُمة ولا من الصحابة والتابعين، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف، حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط إنّ اللّه ليس في السماء ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه ليس في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها، بل قد ثبت في الصحيح عن جابر أن النبي لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره رسول اللّه، جعل يقول: ألا هل بلّغت؟ فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم فيقول: اللّهمّ اشهد، غير مرة، وأمثال ذلك كثيرة(1) .

وقد كرر ابن تيمية ما اختاره في باب الصفات الخبرية في غير واحد من آثاره، فقال في العقيدة الواسطية: «وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح الّتي تلقّاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها، كذلك مثل قوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «يضحك اللّه إلى رجلين أحدهما يقتل الآخر، كلاهما يدخل الجنة» .

وقوله: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتّى يضع رب العزة فيها قدمه» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في رقية المريض: «ربنا اللّه الّذي في السماء ـ تقدس اسمك ـ أمرك في السماء والأرض...» .


1. العقيدة الحموية الكبرى ـ الرسالة الحادية عشرة ـ من مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية ص 429 ـ 432 .


(117)

وقوله: «والعرش فوق ذلك، واللّه فوق ذلك، واللّه فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه» وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للجارية: «أين اللّه؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول اللّه. قال: أعتقها فأنها مؤمنة» وقوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه»، وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» .

وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان باللّه، الإيمان بما أخبر اللّه به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأُمة من أنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علىٌّ على خلقه، وهو معهم سبحانه أينما كانوا»(1) .

وقال: «وقد سألوه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم: نعم، وسأله أبو رزين: أيضحك ربنا؟ فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيراً. ثم إنهم لما سألوه عن الرؤية، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر، فشبه الرؤية بالرؤية(2) .

وقال رداً على نُفاة الصفات(3): إمّا أن يكون اللّه يحب منّا أن نعتقد قول النفاة، أو نعتقد قول أهل الإثبات، أو نعتقد واحداً منهما; فإن كان مطلوبه منّا اعتقاد قول النفاة، وهو أنّه لا داخل العالم ولا خارجه، وأنّه ليس فوق السماوات ربُّ ولا على العرش إله، وأنّ محمداً لم يعرج به إلى اللّه، وإنما عرج به إلى السماوات فقط، لا إلى اللّه، فإنّ الملائكة لا تعرج إلى اللّه بل إلى ملكوته، وإنّ اللّه لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، وأمثال ذلك. وإن كانوا يعبّرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام، كقولهم: ليس بمتحيز، ولا جسم، ولا جوهر، ولا هو في جهة، ولا مكان، وأمثال هذه


1. العقيدة الواسطية، الرسالة التاسعة، من مجموع الرسائل الكبرى، ص 398 ـ 400 بتلخيص .
2. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203، طبع لجنة التراث العربي .
3. المراد: الصفات الخبرية كاليد والوجه .


(118)

العبارات الّتي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص، ومقصدهم أنّه ليس فوق السماوات ربّ ولا على العرش إله يعبد، ولا عُرج بالرسول إلى اللّه، ولو كان هذا هو المطلوب كان من المعلوم أنه لا بد أن يبينه الرسول، وقد علم بالاضطرار أنّ الرسول وأصحابه لم يتكلموا بمذهب النفاة(1) .

وقال: «إنّ المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنّه قال: اللّه في السماء، وعلمه في كل مكان، ولأنّ علماءهم حكموا إجماع السنة والجماعة على أنّ اللّه بذاته فوق عرشه»(2) .

وقال ـ نقلا عن ابن أبي حنيفة ـ «أنّه سئل عمن يقول: لا أعرف ربّي في السماء أو في الأرض؟ قال: كفر، لأنّ اللّه يقول: (الرَّحمن على العرش استوى) وعرشه فوق سبع سماواته، فقال السائل: إنّه يقول على العرش، ولكن لا أدري العرش في السماء أو في الأرض؟ فقال: إنّه إذا أنكر أنّه في السماء كفر، لأنّه تعالى في أعلى عليين، وإنّه ليدعى من أعلى لا من أسفل(3) .

ونقل عن عبداللّه بن المبارك أنّه سئل: بماذا تعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق سماواته على عرشه، بائن عن خلقه قلت بحد لا يعلمه غيره. ثم نقل عن كثير من أئمة الحديث كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد، وإسحاق، عن كون اللّه سبحانه فوق العرش بذاته، وأنّ علمه بكل مكان(4).

إلى غير ذلك مما نقله وأرسله على نسق واحد، والكل يهدف إلى أن الصفات الخبرية يجب أن تجري على اللّه سبحانه بحرفيتها وظهورها التصوري، من دون تفصيل وتأويل، بإرجاعها إلى المعاني المجازية أو الكنائية .


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203 .
2. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 203 .
3. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 207 .
4. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 208 ـ 209 .


(119)

الآراء المتضاربة حول الصفات الخبرية

إنّ للمتكلمين وأهل الحديث في تفسير الصفات الخبرية مذاهب نشير إليها:

1- جريها على اللّه سبحانه كجريها على المخلوقين، وهذا ما يعبّر عنه بالتكييف، وعليه المجسمة وأصحاب الجهة والتشبيه ـ خذلهم اللّه سبحانه ـ وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً، أو جسمانياً جالساً على كرسي جسماني، ناظراً من عرشه إلى تحته كنظر الملك الجبار إلى عبيده وغلمانه .

2- جريها على اللّه سبحانه بنفس المفاهيم اللغوية والمعاني الابتدائية، والمدلولات التصوّرية، بلا تصرف وتعليل وتدخّل فيها، واللّه سبحانه يتّصف بها لكن بلا تكليف، والفرق بين هذا القول و القول الأوّل هوأنّ القول الأوّل يثبت المعاني مع الكيفية، وهذا القول يثبتها بنفس المعاني لكن بلا تكييف، وهذا هو الّذي اختاره ابن تيمية، ويذكر ذلك في رسائله ويقول: «والقول الفاصل هو ما عليه الأُمة الوسط من أنّ اللّه مستو على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختص به، فكما أنّه موصوف بأنّه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنّه سميع بصير، ولا يجوز أن نثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض الّتي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا نثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق، ولوازمها»(1).

ويقول ايضاً: «ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات اللّه بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، فيعطّلون أسماءه الحسنى يحرّفون الكلم عن مواضعه. أمّا المعطّلون، فإنهم لم يفهموا من أسماء اللّه وصفاته إلاّ ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل، مثلوا أولا وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة باللّه سبحانه»(2) .


1. العقيدة الحموية ص 428 ـ 440 .
2. المصدر نفسه .


(120)

3- جريها على اللّه سبحانه بمفاهيمها التصديقية، بعد الإمعان في القرائن الموجودة في نفس الآيات والروايات الصحيحة وأمّا غيرهما، فأكثر ما ورد في ذلك من وضع الأحبار والرهبان الذين دسّوا هذه الأحاديث بين المسلمين بخداع خاص .

وعلى ضوء ذلك فالكل قائلون باستوائه على العرش، لكن الطائفة الأُولى يفسرونه بالجلوس والاستقرار على العرش كاستقرار الإنسان على عرشه، الّذي له قوائم أربع.

والطائفة الثانية يفسرونه بنفس هذه المفاهيم، ولكن يقولون: استقراراً وجلوساً لائقاً بحاله سبحانه، وعرشاً لائقاً بساحته، فهو مستقر وجالس لا كجلوس الإنسان وله عرش لا كعروشه، بل الكل ما يليق بساحته، من غير تكييف ولا تمثيل.

والطائفة الثالثة يفسرونه بالاستيلاء، أخذاً بالقرائن الموجودة في نفس الآيات، وما ورد في كلمات البلغاء والفصحاء في استعمال نظيره في كلماتهم ومحاوراتهم.

4- وهناك طائفة رابعة يقولون بالتفويض، وأنّه ليس لنا تفسير الآية، بل نفوّض معانيها إليه سبحانه .

قال الشهرستاني: «اعلم إِنَّ جماعة كثيرة من السلف، كانوا يثبتون للّه صفات خبرية مثل اليدين والوجه، ولا يؤوّلون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون: إنَّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله: (الرَّحمن على العرش استوى) ولسنا مكلفين بمعرفة هذه الصفات»(1) .

وقال الرازي: «إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى اللّه تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها»(2) .


1. الملل والنحل ج 1 ص 93 بتلخيص .
2. أساس التقديس ص 223 .


(121)

إلى غير ذلك من الكلمات الّتي نقلناها في هذه الموسوعة(1) .

ثم إنّ أصحاب التنابز بالألقاب وصفوا الطائفة الثالثة بالمعطّلة تارة، والمؤوّلة أُخرى، ولكنهم غير معطلة أبدا، لأنهم لم يعطلوا في مقام توصيفه سبحانه شيئاً مما ورد في الكتاب، غير أنهم قاموا بتعيين المراد من هذه الصفات فأجروها عليه، وأمّا المؤولّة، فإنما يصحّ توصيفهم بهذا الوصف إذا أُريد منها المعاني التصورية الابتدائية، وأمّا المعاني التصديقية الّتي تدل عليها القرائن، فلا يؤوّلون شيئاً منها، والملاك في صدق التأويل هو المعاني التصديقية، لا التصورية .

هذه هي الأقوال المعروفة في باب الصفات على وجه الإجمال، هلمّ معي ندرس نظرية ابن تيمية فيها، حتّى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره .

نظرية ابن تيمية تلازم الجهة والتجسيم

لا يشك من نظر إلى ما نقلناه عن ابن تيمية في مواضع متعددة من رسائله وكتبه في أنه صريح في التجسيم والتشبيه، خصوصاً أنه يصرح بأنه تصحّ الإشارة الحسية بالأصابع إليه، ولا هدف له من جمع كل ما ورد في ذلك المجال من غثّ وسمين وصحيح وزائف. إلاّ إثبات أن هذه الصفات تجري عليه سبحانه بمعانيها اللغوية، غير أنّ تذرعه بلفظ «بلا كيف» أو «بلا تمثيل» أو ما يقاربهما ربما يوجب عدم عدّه من المجسّمة والمشبهة، لأنّه يقول بأنّ له سبحانه هذه الصفات لا كصفات المخلوقين، ولكن هذا التذرّع واجهة يريد به تبرير توصيفه سبحانه بها بمعانيها اللغوية، وعدم اتهامه بالقول بالتجسيم والتشبيه، ولكنها لا تفيد شيئاً وذلك:

إنّ هذه الصفات كاليد والرجل والنزول والجلوس موضوعة لغةً على معانيها المتكيفة بكيفيات جسمانية، فاليد هي الجارحة المعروفة من الإنسان والحيوان، وهكذا الرجل والقدم، ومثلها النزول، فإنها موضوعة للحركة من العالي إلى السافل، والحركة من صفات الجسم، فالكيفية مقوّمة لمعاني هذه


1. راجع الجزئين الثاني والثالث .


(122)

الألفاظ والصفات، فاليد والرجل بلا كيفية ليستا يداً ورجلا بالمعنى اللغوي المتبادر عرفاً، وعلى ضوء ذلك فليس هنا إلاّ سلوك أحد طريقين:

1- جريها بنفس معانيها اللغوية الّتي تتبادر منها المفاهيم المتكيفة، فهو نفس القول بالتجسيم .

2- جريها بمفاهيمها المجازية، ككون اليد كناية عن القدرة، كما في قوله سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيفَ يَشاء)(1)، فهذا هو قول المؤوّلة، أو المعطلة باصطلاح ابن تيمية، وليس ههنا معنى ثالث ينطبق على ما يتبنّاه ابن تيمية، وهو إجراؤها على اللّه بنفس مفاهيمها، لكن من غير تكييف، وذلك لما عرفت أنّ مفاهيمها متقوّمة بالتكييف والتمثيل، فلو حذفنا الهيئة والكيفية من اليد، فلا يبقي منها شيء، كما أنّا لو حذفنا الحركة الحسية من النزول لا يبقى منه شىء، إلاّ إذا حملا على الكناية والتأويل، وهو ما لا يقبله ابن تيمية وأتباعه .

ولو صحّ حمل هذه المفاهيم عليه سبحانه بالتذرّع بـ «بلا تكيف» و «لا تمثيل» لصحّ توصيفه سبحانه بكل شيء فيه أدنى كمال، ونقول: إنّه جسم لا كالأجسام، وله قلب لا كهذه القلوب، وله لسان ناطق لا كهذه الألسنة.

وخلاصة القول: إنّ ابن تيمية يرى نفسه بين أمرين:

أحدهما: القرآن بظواهره الحرفية حجة لا يصحّ لأحد تأوليها أو حملها على الكناية والمجاز .

ثانيهما: إنَّ القرآن صريح في أنّه ليس كمثله شيء، وأنّ المشركين ما قدروا اللّه حق قدره، إلى كثير من آيات التنزيه.

فعند ذلك يريد أن يجمع بين الأمرين باللجوء إلى أنّ المقصود ما يناسب ساحته، زاعماً بأنّه ينجيه عن القول بالجهة والتجسيم، مع أنّه ليس لنا إلاّ اختيار أحد الأمرين: الأخذ بالمفاهيم اللغوية بلا تأويل ومرجعه إلى


1. سورة المائدة: الآية 64 .


(123)

التجسيم، أو الإمعان في الآيات والآثار الصحيحة وتفسيرها حسب الدلالة التصديقية، بالمعاني الكنائية أو المجازية أو غير ذلك .

وأمّا ما ادّعاه من أنّ ما ذكره نفس معتقد السلف فقد أجاب عنه العلامة الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي (ت 1379 هـ) قال: «إذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف: إنما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، فلا تظن أنهم أرادوا أنّ ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض، فجزء منها يد وجزء منه وجه، غير أنه لا يشابه الأيدي والوجوه الّتي للخلق .

حاشاهم من ذلك، وما هذا إلاّ التشبيه بعينه، وإنما أرادوا بذلك أنّ لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات الّتي تليق بالذات العلية، كالعظمة والقدرة، غير أنهم يتورعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التهجم على ذلك المقام الأقدس، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام، وخدعوا بها الأغمار من الناس، وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه، وتبرأوا من اسمه، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء»(1) .

وقد صرح بما ذكرنا ـ الأخذ بالمفاهيم اللغوية يلازم الجهة والتجسيم ـ ناصر ابن تيمية في جميع المواقف (إلاّ في موقف أو موقفين) الشيخ محمد أبو زهرة حيث لم يستطع أن يستر الحقيقة، فقال: «ولا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنه في السماء، وأنه يستوي على العرش، وبين تنزيهه المطلق عن الجسمية والمشابهة للحوادث. وإن التأويل (حملها على المجاز و الكناية) بلا شك في هذا يقرب العقيدة الى المدارك البشرية، ولا يصح أن يكلف الناس ما لا يطيقون، وإذا كان ابن تيمية قد اتسع عقله للجمع بين الإشارة الحسية وعدم الحلول في مكان والتنزيه المطلق، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً»(2) .

يقول أيضاً: «ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنّه لاصق بهم، فإذا جاء ابن


1. فرقان القرآن ص 80 - 81 .
2. ابن تيمية، حياته وعصره ص 270 .


(124)

تيمية من بعدهم بأكثر من قرن فقال: «إنّه اشتراك في الإسم لا في الحقيقة» فإن فسّروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الإقعاد والجلوس، والجسمية لازمة لا محالة، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل، وقد وقعوا فيهما نهوا عنه، وفي الحالين قد خالفوا التوقف الّذي سلكه السلف»(1) .

أقول: ليس ابن تيمية فريداً في هذا الباب، بل المذهب الّذي أرسى قواعده شيخه ابن حنبل من التعبد بالظواهر بحرفيتها ومعانيها التصورية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه، ومهما حاولوا الفرار عنه وقعوا فيه من حيث لا يشعرون. نعم حاول ابن الجوزي أن يدافع عن أُستاذ مذهبه فوجّه اللوم إلى تلاميذه، فقال: «رأيت من أصحابنا من تكلم في الأُصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبداللّه بن حامد(2) وصاحبه القاضي (أبو يعلي) (3) وابن الزاغواني(4)، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام فحملوا الصفات على مقتضى الحس; فسمعوا أنّ اللّه سبحانه وتعالى خلق آدم ـ عليه السَّلام ـ على صورته، فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواءً لوجهه، ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس .

وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها بالصفات تسمية مبتدعة، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى


1. ابن تيمية حياته وعصره ص 272 - 273 .
2. شيخ الحنابلة في عصره، البغدادي، الوراق، المتوفى سنة 403 له كتاب في أصول الإعتقاد سماه «شرح أُصول الدين» وفيه أقوال تدل على التشبيه والتجسيم.
3. القاضي أبو يعلى محمد الحسين بن خلف بن الفراء الحنبلي المتوفى سنة 458 وقد تكلم في أُصول الإعتقاد كلاماً تبع أُستاذه ابن حامد وأكثر من التشبيه والتمثيل حتّى قال فيه بعض العلماء:
«لقد شان أبويعلى الحنابلة شيئاً لا يغسله ماء البحار» .
4. هو أبو الحسن علي بن عبيداللّه بن نصر الزاغواني الحنبلي المتوفى سنة 527 وله كتاب في أصول الإعتقاد اسمه «الإيضاح» قال فيه بعض العلماء: «إنّ فيه من غرائب التشبيه ما يحار فيه النبيه» .


(125)

النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة للّه تعالى، ولا إلى إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل حتّى قالوا: صفة ذات، ثم لمّا أثبتوا أنها صفات، قالوا: «لا نحملها على توجيه اللغة، مثل يد على نعمة وقدرة، ولا مجيء وإتيان على معنى بر ولطف، ولا ساق على شدة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين»، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن، فإن صرفه صارف حمل على المجاز.

ثم يتحرجون من التشبيه ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون نحن أهل السنة، وكلامهم صريح في التشبيه، ولقد تبعهم خلق من العوام، وقد نصحت التابع والمتبوع وقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتّباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل ـ رحمة اللّه ـ يقول وهو تحت السياط: «كيف أقول ما لم يقل به» فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه .

ثم قلتم في أن الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم: الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، وينبغي أن لا يحمل ما لا يثبته الأصل وهو العقل، فإنّا به عرفنا اللّه وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم نقرأ الأحاديث ونسكت، لما أنكر عليكم، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح، فلا تُدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس فيه»(1) .

أقول: عزب عن ابن الجوزي الحنبلي أنّ إمامه هو الّذي دعم هذه الفكرة في كتبه، وأنّه هو الّذي حشا كتبه بأحاديث التجسيم والتشبيه، ومن اراد الوقوف عليها، فليرجع إلى كتاب السنة الّذي رواه عنه ابن عبداللّه، وقد روينا قسماً وافراً من رواياته في الجزء الأول(2) .

نعم، قسَّم عز بن عبدالسلام الحشوية وقال بأنهم على ضربين:


1. ابن تيمية، حياته وعصره، ص 273 ـ 274 نقلا عن دفع شبهة التشبيه لابن الجوزي، ونقله ملخصاً الشيخ سلامة في فرقان القرآن ص 82 .
2. بحوث في الملل والنحل ج 1 ص 130 ـ 143 .


(126)

أحدهما «يتحاشى عن الحشو والتشبيه والتجسيم، والآخر تستّر بمذهب السلف، ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التشبيه والتجسيم»(1) .

والحق أنّ الحشوية بأجمعهم مجسّمة، والتسمك بمذهب السلف واجهة ستروا بها قبح عقيدتهم، ولو رفع الستر لبان أنهم مجسمة ومشبهة،وفي هذاالصدد يقول الزمخشري :

ولو حنبلياً قلت قالوا بأنني * ثقيل حلولىُّ بغيض مجسم

ويقول أبوبكر ابن العربي في حقهم:

قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا * عنها العدول إلى رأي ونظر

بينوا عن الخلق لستم منهم أبداً * ما للأنام ومعلوف من البقر(2)

نعم، الظواهر هي الأصل ولا يجوز لأحد العدول عنه: ولكن الظواهر منها ظاهر حرفي، ابتدائي، تصوري، فهو ليس بحجة أبداً، ومنها ظاهر جملي تصديقي استمراري، وهو الحجة قطعاً، فإذا قلت: رأيت أسداً في الحمام، فالظهور الإبتدائي التصوري الحرفي للفظ الأسد هو الحيوان المفترس، ويقابله الظهور التصديقي الجملي الاستمراري وهو الرجل الشجاع، وهؤلاء الذين يضلون العوام يغترون بالقسم الأول من الظاهر، دون الثاني. وإذا قال المحققون: ظواهر الكتاب والسنة حجة لا يصح العدول عنها ولا يجوز لأحد تأويلها، يريدون الظهورات التصديقية الّتي تنعقد للكلام بعد الإمعان في القرائن المتصلة أو المنفصلة، ولكن من يتبع الظواهر الحرفية فقد ضل، وغفل عن أن كلام العرب والبلغاء والفصحاء مليء بالمجازات والكنايات .

وحصيلة البحث أن الجمود على الظواهر عبارة عن الجمود على ظواهرها الحرفيةو ولا شك أنه يجر إلى الكفر أحياناً، فمن جمد على ظاهر قوله سبحانه: (ليس كمثله شيء) يجب عليه أن يقول: إنّ للّه مثلا وليس كهذا المثل شيء، كما أنّ التأويل ضلال، والمراد منه هو العدول عن الظواهر


1. نقض المنطق ص 119، كما في كتاب «ابن تيمية» لمحمد أبي زهرة.
2. فرقان القرآن ص 98 .


(127)

التصديقية الّتي تتبادر إلى أذهان أهل اللغة بعد الإمعان في سياق الكلام، والتأمّل في نظائره في كلمات العرب. فلو استقرّ ظهور جملة في شيء بهذا الشرط، فالعدول عنه يوجب مسخ كلام اللّه ومحو الشريعة.

فعلى العالم الباحث أن يمعن النظر في الصفات الخبرية الّتي جاءت في الكتاب والسنة، ويتلقاها آيات متشابهة، ويمعن في الآيات المحكمة حتّى يزيل عنها التشابه. «ومن تتبّع براهين القرآن واستقرأ آياته العظام وجد كثيراً مما تشابه فيه، ورأى كثيراً منه محكماً، وهو ما كان من المجاز البيّن الشائع في لغة العرب، وعلى قدر الرسوخ في العلم يكون زوال التشابه أو أكثره عن الكثير من المتشابه، ولما كان الراسخون في العلم متفاوتين لا جرم تفاوتت أنصباؤهم في زوال التشابه عنهم...»(1) .

وفي الختام نذكر أُموراً:

الأول: إنّ ابن تيمية وإن تستّر بقوله (بما يناسب ساحته) ونظيره، ولكنّه أظهر عقيدته الواقعية في مجالات خاصة، وهذا ابن بطوطة ينقل في رحلته: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون، إلاّ أنه كان في عقله شيء، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء.. ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزوادي المالكي وقال: إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيمية، وأحضر الشهود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة.

قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلاّ اللّه، فأعاد عليه فاجاب عليه بمثل قوله، فامر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، وصنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه بالبحر المحيط .

ثم إنّ أُمه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن


1. كلام الإمام ابن دقيق العيد، كما في فرقان القرآن ص 97 .


(128)

وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق. فحضرته يوم الجمعة، وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والمنال ضرباً كثيراً»(1).

* * *

الثاني: إنّ ابن تيمية ومن لفّ لفّه يستدلون على مقالتهم بالقياس، ويقولون: إنّ الوجه، والعين، واليدين، والقدمين والساق صفات مثل سائر الصفات، كالحياة والعلم والإرادة، فكما أنّ له سبحانه حياة لا كحياة الإنسان، فهكذا صفاته الخبرية، فله وجه لا كالوجوه، ويد لا كالأيدي، ورجل لا كالرجل .

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالقياس في مجال العقائد أشد خطأ من الاستدلال به في المسائل الفقهية، وعلى فرض الصحة فالقياس مع الفارق، وذلك أنّ كلا من العلم والقدرة موضوع لمعنى غير متقيد بالجسم والمادة، فالعلم من ينكشف لديه المعلوم، والقادر من يستطيع على الفعل عن اختيار، فلأجل ذلك لكل واحد منهما مراتب ودرجات، فمنه حصولي ومنه حضوري، فمنه زائد على الذات، ومنه عين الذات، وأمّا الصفات الخبرية كالوجه فإنها موضوعة على الموجود المادي الّذي له شكل خاص، ولو كانت له مصاديق متفاوتة كوجه الإنسان والفرس والأسد فإنما هي في إطار الجسم المادي، فالوجه بأي نحو أطلق يجب أن يكون موجوداً مادياً متهيئاً بهيئة خاصة، فالوجه الفاقد للمادة والهيئة، ليس وجهاً لغة، ومثله الرجل واليد، فالقول بأنّ له سبحان يداً لا كالأيدي، إن أُريد منه التأويل، أي تأويله بالقدرة، فهذا هو الّذي ذهب إليه أهل التنزيه، وإن أُريد به المعنى اللغوي بلا تدخل ولا تصرف، ومع ذلك فهو يفقد المادة والهيئة والشكل فهذا أشبه بالتناقض.

* * *


1. ابن بطوطة: الرحلة ص 95 ـ 96 طبع دار صادر (1384 هـ ).


(129)

الثالث: إنّ ابن تيمية ينسب إلى السلف بأنّهم لا يؤوّلون ظواهر الكتاب في مجال الصفات الخبرية، ثم يستنتج منه أنهم يحملونها على ظواهرها اللغوية، ويقولون: إنّ للّه وجهاً ويداً ورجلا، ونزولا ونقلة بنفس معانيها اللغوية، غاية الأمر أنّ الكيف مجهول .

يلاحظ عليه: أنّ ما نسب إلى السلف إذا كان صحيحاً يهدف إلى توقّفهم في تعيين المراد وتفويض الأمر إلى اللّه، إذ في الأخذ بالظاهر اليدوي مغبة الجهة والتجسيم، وفي تعيين المراد مظنة التفسير بالرأي، فكانوا لا يخوضون في هذه الأبحاث الخطرة، وأمّا أنهم يحملونها على ظواهرها ويفسرونها بنفس معانيها الابتدائية التصورية، كما زعمه ابن تيمية، فهو افتراء على المثبتين منهم .

نعم، كان أهل التحقيق يخوضون في هذه المباحث ويعينون المعنى المراد، وهذا ما يطلق عليه التأويل، ولكن التأويل صحيح على وجه، وباطل على وجه آخر، فإن كان هناك شاهد عليه في نفس الآية والحديث، أو كان التأويل من قسم المجاز البيّن الشائع، فالحق سلوكه من غير توقف، وإن لم يكن في النصوص عليه شاهد، أو كان من المجاز البعيد، فهذا هو التأويل الباطل، وهو يلازم الخروج عن الملة والدخول في الكفر والإلحاد.

كما أنّ التأويل بلا قيد و شرط كفر وضلال، كما عليه الباطنية، فهكذا التعبد بالظواهر الابتدائية والمعاني التصورية، وعدم الاعتناء بالقرائن المتصلة أو المنفصلة أيضاً كفر وضلال وتعبّد بالتجسيم والتشبيه.

إنّ المتحرّي للحقيقة يتبع الحق ولا يخاف من الإرهاب والإرعاب، ولا من التنابز بالألقاب، فلا يهوله ما يسمع من ابن تيمية وابن عبدالوهاب من تسمية المنزهين للحق عن الجهة والمكان، معطّلة وجهمية، وتلقيب القائلين ببدع اليهود والنصارى بالموحدين والمثبتين، فلا يصرفنّك النبز بالألقاب إلى الإنحراف عن الحق الصراح، الّذي أرشدك إليه كتاب اللّه وسنة رسوله القويمة، والعقل الّذي به عرفت اللّه سبحانه، وبه عرفت رسله ومعاجزه وآياته .


(130)

ومما يدل على أنّ السلف لا يحملون الصفات الخبرية على ظواهرها، بل لا يتكلمون ويفوضون الأمر إلى اللّه، هو ما نقل عن عالم المدينة مالك بن أنس عندما سئل عن قوله سبحانه: (ثمَّ استوى على العرش)أنّه كيف استوى؟ قال: الإستواء معلوم، والكيف غير معقول(1). نعم إنّ ابن تيمية وأبناء الوهابية يحكون عنه أنّه قال: «الكيف مجهول»، والفرق بين العبارتين واضح، فالأول يهدف إلى التنزيه، والثاني يناسب التجسيم، إذ معناه أنّ لاستوائه على العرش كيفية من الكيفيات ولكنها مجهولة لنا. ويدل على أن الوارد هو «غير معقول» ما جاء في ذيل الرواية أنّ مالك بعدما سمع السؤال وأجاب بما ذكرناه، علته الرحضاء، أي العرق الكثير وقال: «ما أظنك إلاّ صاحب بدعة» وما ظنّه كذلك إلاّ لأنّ سؤاله كان عن الكيفية، فأحس أن السائل يريد إثبات الكيفية لاستوائه سبحانه، فأخذته الرحضاء من سؤاله واعتقاده .

* * *

الرابع: إنّ ابن تيمية يكرر كثيراً استواءه سبحانه على العرش، ويعتمد على ظاهره، ويتخيل أنّ الإستواء بمعنى الاستقرار أو الجلوس، ولكنّه تستراً لمذهبه، يضيف إليه «بلا تكييف» ولأجل رفع الستر عن معنى الآية نأتي بكلام شيخ السلف من المفسرين أبي جعفر الطبري، ولا يشك أحد في أنّه سلفي، فهو يقول:

الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه:

1- انتهاء شباب الرجل وقوته، ويقال: إذا صار كذلك قد استوى الرجل .

2- استقامة ما كان فيه أود من الأُمور والأسباب. يقال: استوى لفلان أمره إذا استقام له بعد أود، ومنه قول الطرماح:


1. نقله الذهبي في كتابه «العلو» عن مالك وشيخه ربيعة، كما نقله أيضاً بالسند عن أبي عبداللّه الحاكم وابن زرعة، لاحظ فرقان القرآن ص 14 ـ 15 ونقله عن الإلكائي في شرح السنة.


(131)

طال على رسم محدد أبده * وعفا واستوى به بلده

يعني استقام به .

3- الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال: استوى فلان على فلان، بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه .

4- الاختيار والاستيلاء، كقولهم: استوى فلان على المملكة، أي احتوى عليها وحازها.

5- العلو والارتفاع، كقول القائل: استوى فلان على سريره، يعني به علوه عليه .

ثم قال: وأولى المعاني بقول اللّه جلّ ثناؤه: (ثمّ استوى إلى السماء فسوّاهنّ): علا عليهن وارتفع، قد برهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات(1) .

وهذا الشيخ السلفي لا يفسر الاستواء على العرش، بالجلوس ولا بالاستقرار، بل بعلو الملك والسلطان، كما هوالمراد من قوله سبحانه:(وَهُوَ العَلِىّ العَظِيمُ)(2)، والعرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يفهمون من الاستواء إذا وقع وصفاً لموصوف بالقدرة والعظمة، سوى العلوّ، قال الشاعر:

قد استوى بِشْرٌ على العراقِ * من غير سيف ودم مهراق

وقال الآخر:

ولما علونا واستوينا عليهم * تركناهم مرعىً لنسر وكاسر

والأسف أنّ ابن تيمية وأتباعه إذ فسروا الاستواء بالعلو، يفسرونه بالعلو بالمكان، ولا يدرون أن الفضيلة والكرامة في العلو المعنوي لا العلو المكاني، فما قيمة العلو في المكان إذا لم يكن هناك علو معنوي، وهذا هو القرآن يركّز على العلو المعنوي، ويقول: (وَلاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَونَ إن كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)(3)، وقال سبحانه: (ألاّ تَعْلُوا عَلَىّ وَ أْتُوني)


1. تفسير الطبري ج 1 ص 150، سورة البقرة الآية 29 ط دارالمعرفة .
2. سورة البقرة: الآية 255 .
3. سورة آل عمران: الآية 139 .


(132)

مُسْلِمينَ))(1) وقال سبحانه: (إنّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وَجَعَلَ أهْلَهَا شِيَعاً)(2) وقال تعالى: (وَ أنْ لاَ تَعْلُوا عَلَى اللّه إنّي آتِيْكُم )بِسُلطَان مُبِين)(3) وقال: (لاَ تَخَفْ إنّكَ أَنْتَ الأعْلَى)(4) .

هذا كلّه حول الاستواء، وأمّا العرش فهو سرير الملك الّذي يجلس عليه للحكم، وهذا هو أصل الوضع، ثم يكنّى به عن السلطة والسيطرة، حتّى صار يستعمل في هذا المعنى ولا ينصرف إلى المعنى اللغوي، فإذا كان الملك آخذاً بزمام الأُمور ومسيطراً على البلد وأهله يقال: استوى على العرش، أو هو مستو عليه، وإذا كان ضعيفاً في الإدارة غير نافذ أمره في البلد وأهله، وكان هناك انتفاضة بعد انتفاضة، يقال: إنّه غير مستو على عرشه .

ومن تتبّع القرآن الكريم وأمعن النظر في الموارد الّتي ورد فيها استواؤه سبحانه على العرش في موارد متعددة يجد أنّه ذكر مقروناً بفعل من أفعاله، دال على غناه المطلق، مثل رفع السماوات بغير عمد، قال سبحانه: (اللّهُ الّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَها، ثُمَّ استَوى عَلَى العَرْشَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ)(5)، أو (خَلَقَ السَّموَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيّام) .

وإليك الآيات الّتي جاء فيها هذا الأمر، قال سبحانه: (إنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرضَ في سِتَّةِ أيّام، ثُمَّ اسْتوى عَلَى العَرْشِ، يُغشي اللَّيلَ النَّهارَ)(6) وقال سبحانه: (اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ وَ الأرضَ فِي سِتَّةِ أيّام، ثُمّ اسْتَوى عَلَى )العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمرَ، ما مِنْ شَفِيع إلاّ مِنْ بَعْدِ إذنِهِ)(7)، وقال سبحانه: (اللّهُ الّذي خَلَقَ السّمواتِ وَ الأرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا)


1. سورة النمل: الآية 31 .
2. سورة القصص: الآية 4 .
3. سورة الدخان: الآية 19 .
4. سورة طه: الآية 68 .
5. سورة الرعد: الآية 2 .
6. سورة الأعراف: الآية 54 .
7. سورة يونس: الآية 3 .


(133)

في سِتَّةِ أيّام، ثُمّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ الرّحمنُ فَسْئلْ بِهِ خَبِيراً))(1) وقال سبحانه: (اللّهُ الّذي خَلَقَ السّمواتِ وَ الأرْضَ وَمَا )بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أيّام ثُمّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِىٍّ وَ لاَ شَفيع أفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ)(2) وقال سبحانه: (هُوَ الّذي خَلَقَ )السَّمواتِ وَ الأرْضَ فِي سَتَّةَ أيّام ثُمّ استَوى عَلَى العَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْها وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السّماءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيها)(3) .

والناظر في هذه الآيات يرى أنّه سبحانه عندما يذكر استواءه على العرش يذكر آثار قدرته وعظمته من خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وتدبيره الأمر «يدبّر الأمر»، وأنّه لا مؤثّر ولا موجد إلاّ بإذنه «ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه»، ومن علمه الوسيع بما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. كلّ ذلك يعرب عن أنّ الآية في جميع الموارد تهدف إلى علوّه سبحانه على عالم الوجود الإمكاني، وأنّه بجملته في سلطانه وقدرته، ولا يخرج شيء من حيطة قدرته، وأين هذا من تفسيره بالجلوس على العرش فوق السماوات ناظراً إلى ما دونه.(تَعَالَى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً).

ولو تتّبع المعاصرون المنتمون إلى السلف يجدون خير السلف كالطبري(4) يفسر «الواسع» في قوله: (واللّهُ وَاسعٌ )عَلِيم)(5) ويقول: واللّه واسع الفضل، جواد بعطاياه، فزوّجوا إماءكم فإنّ اللّه واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء، كما أنّ الشيخ البخاري يفسر الوجه في قوله: (كُلُّ شَىء هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ) بالملك(6) .

* * *


1. سورة الفرقان: الآية 59 .
2. سورة السجدة: الآية 4 .
3. سورة الحديد: الآية 4 .
4. تفسير الطبري ج 18 ص 98 .
5. سورة النور: الآية 32 .
6. صحيح البخاري ج 6 ص 112، تفسير سورة القصص، الآية 88 .


(134)

الخامس:إنّ الفرقة المشبهة ليست وليدة عصرنا هذا، بل لها عرق ممتدّ إلى زمن التابعين، الّذي كثرت فيه مسلمة اليهود والنصارى، فأدخلوا في الأحاديث ما يروقهم من العقائد، فتأثر بهم السذّج من المسلمين والمحدثين، فأولئك هم المعروفون بالحشوية نسبة إلى الحشو (بسكون الشين) وهو اللغو الّذي لا اعتبار له، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى اللّه ورسوله، أو مذهباً يدان اللّه به، وما زال أهل الحق لهم بالمرصاد.

وقد كان القول بالتجسيم والتشبيه ردّ فعل لما كان عليه علىّ ـ عليه السَّلام ـ وأولاده من الدعوة إلى التنزيه، والاجتناب عن التشبيه، في مجال الحق وذاته وصفاته، نعم حكي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم معطّل ومقاتل مشبّه، فأفرط جهم في النفي (نفي الصفات الجسمانية) حتّى قال: «وإنّ اللّه ليس بشيء» وافرط مقاتل في الإثبات، حتّى جعل اللّه تعالى مثل خلقه»(1) .

ولكن الإمام أبا حنيفة تسامح في نسبة التجسيم إلى مقاتل، بل لها جذور في الأحاديث المروية في الصحاح والمسانيد التي دسها مسلمة اليهود والنصارى في الأحاديث، وكثير من المحدثين راقتهم تلك الأحاديث، وبما أنّ عليّاً وابناء بيته الطاهر كانوا على التنزيه، وهذه خُطَبهُ الرفيعة الرائعة في تنزيه الحق، حاولت السلطة الأموية أنْ تُروّج كل حديث يتضمّن ضدّ ما كان عليه عليّ، ويُحترم كل محدث يجنح إلى بثّ هذه الخرافات .

السادس: إنّ أتباع ابن تيمية ومن كان على ذاك الخطّ قبله من الحشوية، يفرّون من الاستدلال والبرهنة وعلم الكلام والمناظرة، ويحرّمون الاستماع إلى البراهين العقلية والمجادلة بالتي هي أحسن، ولكنّه من تمويهاتهم الّتي يريدون بها دعم مبادئهم وصيانتها عن النقد والإشكال، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه سبحانه:

(...قُلّ هَاتُوا بُرْهَانَكُم إنْ كُنْتُم صَادِقين)(2) أو قوله سبحانه:


1. تهذيب التهذيب ج 10 ص 281 ترجمة مقاتل .
2. سورة البقرة: الآية 111 .


(135)

(الّذين يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَه...)(1) أو قوله سبحانه: (ادعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بَالْحِكْمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ )وَجَادِلْهُم بِالَّتي هِىَ أحسنُ)(2).

والكل يهدف إلى أنّ المسلم الواعي إنّما يتّبع البرهان ولا يعرض عنه، ولا يعطّل عقله حتّى يميّز الأحسن عن غيره، ويجادل المخالف بالبرهان والدليل. نعم لو أُريد من علم الكلام، المراء والجدال وكسب العظمة والمقام، فلا شك أنّه مرغوب عنه .

نعم، ليس لهم هدف من تحريم البحث والنظر إلاّ الستر لعوار بدعهم، وعقائدهم الباطلة، ولا يجحد النظر في العقائد إلاّ أحد رجلين: رجل غبىّ يشق عليه سلوك أهل التحصيل والناس أعداء ما جهلوا، ورجل يعتقد بمذاهب فاسدة يخاف من ظهور عوار مذهبه وفضائح عقيدته .

هذا قليل مما ذكره ابن تيمية وأتباعه في الصفات الخبرية، ولو أردنا أن نستقصي كلمات الرجل في المقام لطال بنا الكلام، ولنكتف بهذا المقدار، وقد عرفت الحق، والحق أحق أن يتّبع .


1. سورة الزمر: الآية 18 .
2. سورة النحل: الآية 125 .


(136)

(2)

ابن تيمية وشد الرحال إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

ذهب ابن تيمية إلى أنّ شد الرحال إلى زيارة قبر رجل صالح حرام، وقال: ثبت في الصحيحين عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» ثم قال: ولو نذر السفر إلى قبر الخليل ـ عليه السَّلام ـ أو قبر النبي لم يجب الوفاء بهذا النذر بإتفاق الأئمة الأربعة، فإنّ السفر إلى هذه المواضع منهّي عنه لنهي النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإذا كانت المساجد الّتي هي من بيوت اللّه، الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس، قد نهي عن السفر إليها، فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه، فما ظنك بغيرها؟ فقد رخص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، ولا احتجوا بحجة شرعية ـ إلى أن قال ـ : وكل حديث يروى في زيارة قبر النبي فإنه ضعيف، بل موضوع، ولم يرو أهل الصحاح والسنن والمسانيد، كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئاً، ولكن الّذي في السنن ما رواه أبو داود عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: «ما من رجل يسلّم عليّ إلاّ ردّ اللّه عليّ روحي حتّى أرد عليه السلام، فهو يردّ السلام على من سلم عليه عند قبره ويبلغ [إليه] سلام من سلم عليه من البعيد، كما في النسائي عنه أنّه قال: «إنّ اللّه وكل بقبري ملائكة يبلغون لأمتي السلام» وفي السنن عنه أنه قال: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة


(137)

وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علىّ(1) .

أقول: إن هنا مسألتين:

الأولى: شد الرحال إلى زيارة الأنبياء والصالحين .

الثانية: حكم زيارة قبر الصلحاء والأنبياء والنبي الأعظم، وإن لم يكن هناك شد للرحال، ونحن ندرس كلتا المسألتين في ضوء الكتاب والسنة، فنقول:

أفتى ابن تيمية بتحريم شدّ الرحال إلى زيارة الصلحاء والأنبياء والأئمة مستدلا بما ورد من النهي من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، والاستدلال بهذا يتوقف على الإمعان في سند الحديث ودلالته، فنقول: روي الحديث بصور ثلاث، والّذي يصحّ الإستدلال به إنّما هو الصورة الأولى والثانية لا الثالثة، وإليك البيان:

1- لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى.

2- إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إليياء.

3- تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد(2).

فلو قلنا بأنّ لفظة «إنما» تفيد الحصر، تكون الصورة الثانية مثل الصورة الأُولى في إفادة الحصر، وإلاّ فينحصر الاستدلال بالصورة الأُولى، فلنفترض أنّ الحديث ورد على نمط الصورتين الأُوليين، فنقول: إنّ الاستثناء


1. مجموعة الرسائل الكبرى ج 2 ص 57 ـ 65 الرسالة الثالثة في زيارة بيت المقدس .
2. أورد مسلم هذه الأحاديث في صحيحه ج 4 ص 126، كتاب الحج باب (لا تشد الرحال) وذكره أبو داود في سننه ج 1 ص 469 كتاب الحج، وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي ج 3 ص 37 و 38 وقد ذكر السبكي صوراً أُخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدل، لاحظ شفاء السقام ص 98 .


(138)

لا يستغني عن وجود المستثنى منه، وحيث لم يذكر في كلامه، فيلزم تقديره وهو أحد الأمرين:

أ ـ لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة .

ب ـ لا تشد الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد .

أمّا الأول فيجب علينا ملاحظة الأمور التالية:

الأول: إنّ الحديث لو دلّ على شيء فإنما يدلّ على النهي عن شدّ الرحال إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة، وأمّا شد الرحال إلى الأماكن الأُخرى فالحديث ساكت عنه، غير متعرّض لشيء من أحكامه، بل النفي والإثبات يتوجّهان إلى المسجد، فالمساجد ينهى عن شد الرحال إليها غير المساجد الثلاثة، والاستدلال به على حكم شد الرحال إلى المنتزهات و المراكز العلمية أو الصناعية أو مقابر الأولياء والشهداء أو الصديقين والصلحاء فهو ساكت عنه، ومن العجيب أن نستدل به على تحريم شد الرحال إليها .

الثاني: إنّ النهي عن شد الرحال إلى غير هذه المساجد لا يعني تحريمه بل يعني نفي الفضيلة فيه، وذلك لأنّ المساجد سوى الثلاثة، لمّا كانت متساوية في الفضيلة والثواب فلا ملزم لتحمّل العبء بشد الرحال إليها، فالمساجد الجامعة متساوية في الفضيلة في عامة البلاد، فلا وجه لشد الرحال إلى مسجد لإقامة الصلاة فيه، ولكنّه إذا شدّ الرحال بقصد الصلاة فيه والعبادة لربّه، لا يعد عمله محرماً، بل غاية الأمر لا يترتب عليه ثواب خاص .

وبذلك يتبين بطلان ما ذكره ابن تيمية من الاستدلال بالأولوية بأنّه إذا حرم شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة مع أنه من بيوت اللّه الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس يكون شد الرحال إلى زيارة القبور حراماً بطريق أولى، إذ ليست ساحة القبور مراكز للعبادة، فهي أقل درجة من سائر المساجد .

وجه الضعف أنّ الإستدلال مبني على أنّ التحريم تحريم مولوي تعبدي، وأما على ما استظهرناه من أن النهي إرشادي إلى أنه لا وجه لتحمل العبء في هذا الطريق، لتساوي المساجد في الفضيلة والكرامة، فلا وجه للإستدلال، لترتب الثواب على زيارة القبور .


(139)

الثالث: إنّ الحديث نص أو ظاهر في الحصر، مع أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي كان يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً يصلّي فيه(1) فكيف يجتمع هذا العمل مع هذا الحصر، ولسان الحديث لسان الإباء عن التخصيص؟ فلا يصحّ لنا أن نقول إنّ النهي خصّص بعمل النبي، وهذا ربما يكشف عن كون الحديث غير صحيح من رأس، أو أنّه نقل محرّفاً، خصوصاً أنّه نقل عن طريق أبي هريرة، والاستدلال بمتفرداته أمر مشكل، وقد تنبّه ابن تيمية لهذا الإشكال فحاول أن يرفع التناقض بين الحصر، فقال: «إنّه يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إلى مسجد قبا» ولكنّه لا يرفع الإشكال، فإنّ الكلام في تخصيص النص الدال على الحصر، وأنّه لا يشد إلى غيره أبداً، سواء المقيم والمسافر.

هذا كله على فرض كون المستثنى منه هو المسجد، وقد عرفت كونه أجنبياً عن السفر إلى غير المساجد، وبما أنّ المستثنى منه هو المسجد فالمناسب هو كون المستثنى من هذا القبيل .

وأمّا على التقدير الثاني وهو تقدير الأماكن وما يقاربه ويعادله، فلازم ذلك أن تكون كافة الأسفار محرّمة غير السفر إلى المساجد الثلاثة، وهل يلتزم بذلك مسلم، وهل يفتي به أحد؟ كيف ولو كان الحديث بصدد منع كافة الأسفار المعنوية، فكيف كان النبي والمسلمون يشدّون الرحال في موسم الحج إلى عرفات والمشعر ومنى، وهذا دليل على أنّ المستثنى منه هو المساجد لا الأماكن .

أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم والأحاديث الصحيحة حثّا على السفر إلى طلب العلم، والجهاد في سبيل اللّه، وصلة الرحم، وزيارة الوالدين، قال سبحانه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدّينَ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يَحْذَرُونَ)(2) .


1. صحيح مسلم ج 4 ص 127 وصحيح البخاري ج 2 ص 176 السنن للنسائي، المطبوع مع شرح السيوطي ج 2 ص 127 .
2. سورة التوبة: الآية 122 .


(140)

مضافاً إلى ما ورد في السفر لطلب الرزق، فلو كان الحكم عاماً، فما معنى هذه التخصيصات الكثيرة الوافرة الّتي تنافي البلاغة، والّتي تزلزل الحصر، وهناك كلمة قيّمة للغزالي في إحياء العلوم يقول:

«القسم الثاني هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحج أو جهاد.. ويدخل في جملة زيارة قبور الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته، يتبرك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام و المسجد الأقصى» لان ذلك في المساجد، فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه(1) .

تحليل آخر للنهي عن السفر

ولنفترض أنّ المستثنى منه هو الأمكنة، ولكن المتبادر من الحديث أن يكون الدافع إلى السفر هو تعظيم ذلك المكان، فيختص النهي بما إذا أُريد من شد الرحال إلى مكان، تعظيمه ولو بإيقاع العبادة فيه، وعندئذ يخرج السفر إلى زيارة النبي عن منطوق الحديث، لأنّه لا يسافر لتعظيم بقعته، وإنما يسافر لزيارة من فيها مثل ما لو كان حياً. ويؤيد ذلك أمران:

1- روي عن بعض التابعين أنّه سأل ابن عمر أنّه يريد أن يأتي الطور، فأجابه: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد... ودع الطور فلا تأته(2) .

2- أفتى الجمهور بأنّه لو نذر أن يأتي مسجداً من المساجد سوى الثلاثة


1. كتاب إحياء علوم الدين للغزالي ج 2 ص 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت .
2. الفتاوى الكبرى ج 2 ص 24 .


(141)

فلا ينعقد النذر، فإنّه ليس في قصد مسجد بعينه غير الثلاثة قربة مقصودة، وما لا يكون قربة ولا عبادة فهو غير ملزم بالنذر .

كل ذلك يحدد مصب الحديث وهدفه، وأنّ المقصود هو المنع عن تعظيم مكان تشد الرحال إليه، وأمّا إذا كانت الغاية تعظيم من عظّمه اللّه سبحانه وأكرمه ورزقه فضلا كبيراً ـ كما قال -: (وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)(1)، فهو خارج عن مورد الحديث .

ومع ذلك فإنّ النهي عن شد الرحال إلى مكان خاص ليس لغاية تحريمه، وإنما هو إرشاد إلى نفي الفضيلة. قال ابن قدامة الحنبلي: «إن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها، قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، والصحيح إباحته وجواز القصر فيه، لأنّ النبي كان يأتي قبا ماشياً وراكباً، وكان يزور القبور، وقال: زوروها تذكركم الآخرة، وأمّا قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد، فيحمل على نفي الفضيلة، لا على التحريم، فليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر ولا يضر انتفاؤها(2) .

هذا كله حول الحديث وتحديد مضمونه، وقد عرفت أنّ شد الرحال إلى زيارة النبي خارج عن موضوع الحديث على كلا التقديرين، فالاستدلال به على التحريم باطل جداً .

الدليل على جواز السفر إلى زيارة القبور

ثم إنّ هنا سؤالا يثار في المقام، وهو أنّ الحديث وإن كان قاصراً عن إثبات التحريم، ولكن ما هو الدليل على جواز السفر لزيارة قبر النبي أو سائر


1. سورة النساء: الآية 113 .
2. المغني لابن قدامة المتوفى سنة 620، ج 2 ص 217 ـ 218، وذكر في ج 3 ص 498 استحباب الزيارة، وكيفية زيارة النبي فلاحظ، وما نقله عن ابن عقيل غير ثابت، لأنّ السبكي نقل عنه خلافه، لاحظ شفاء السقام ص 113 .


(142)

القبور، خصوصاً إذا كان السفر دينياً ومنسوباً إلى الشرع، فإنّ الإفتاء بجوازه بما أنّه عمل يؤتى به لأجل كونه أمراً دينياً يحتاج إلى الدليل، وإلى الجواب:

يدل على جواز السفر لفيف من الدلائل، وإليك بيانها:

الأول: ما ورد من الحث على زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وستوافيك نصوصها فإنّها بين صريح في جواز السفر أو مطلق يعم المقيم والمسافر، فقول النبي وفعله حجتان، أمّا قوله:

فقد روي عن عبداللّه بن عمر أنّه قال: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : من جاءني زائراً لا تعمله (تحمله) إلاّ زيارتي كان حقاً علىّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

روي أيضاً عن عبداللّه بن عمر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي .

والثاني صريح في جواز السفر، والأول مطلق يعم المسافر والمقيم في المدينة، وستوافيك هذه النصوص عن أعلام المحدثين .

وأمّا فعله، فقد روي عن طلحة بن عبداللّه قال: خرجنا مع رسول اللّه يريد قبور الشهداء ـ إلى أن قال ـ : فلمّا جئنا قبور الشهدا، قال: هذه قبور إخواننا(1) .

الثاني: الإجماع، لإطباق السلف والخلف، لأنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإن منهم من يفعل ذلك قبل الحج، قال السبكي: هكذا شاهدناه، وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، وكلهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة، وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من


1. أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 311، والبيهقي في السنن الكبرى ج 5 ص 249 والمراد من الشهداء شهداء أحد، كما هو مورد الحديث .


(143)

مشارق الارض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّوجلّ، ومن تأخر فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه، وودّ لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ فهو المخطىء .

وما ربما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهي الصلاة في المسجد، باطل جداً. فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت، فالمقصود الأعظم في المدينة، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة، الحج أو العمرة، وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كل من توجّه إلى المدينة ما قصد بذلك(1) .

الثالث: إنّه إذا كانت الزيارة قربة وأمراً مستحباً على الوجه العام والخاص، فالسفر وسيلة القربة، والوسائل معتبرة بالمقاصد، فيجوز قطعاً.

الرابع: ما نقله المؤرخّون عن بعض الصحابة والتابعين .

1- قال ابن عساكر في ترجمة بلال: إنّ بلالا رأى في منامه رسول اللّه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، اما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجلا، خائفاً، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين - رضي اللّه عنهما ـ فجعل يضمّهما ويقبّلهما، فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الّذي كنت تؤذن به لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الّذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «اللّه أكبر، اللّه أكبر» ارتجّت المدينة، فلمّا أن قال: «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه»، ازدادت رجّتها، فلمّا أن قال: «أشهد أنّ محمداً رسول اللّه» خرجت العواتق من


1. شفاء السقام، في زيارة خير الأنام لتقي الدين السبكي ص 85 ـ 86 ط بولاق مصر .


(144)

خدورهن فقالوا: أبعث رسول اللّه؟ فما رئي يوماً أكبر باكياً بالمدينة بعد رسول اللّه من ذلك اليوم(1) .

2- إنّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىء النبي السلام، ثم يرجع، قال السبكي: إنّ سفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبدالعزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبي، ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك من أمر الدنيا، ولا من أمر الدين، ولا من قصد المسجد، ولا غيره .

3- إنّ عمر لمّا صالح أهل بيت المقدس، وقدم عليه كعب الأحبار وأسلم، وفرح عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتّع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد، سلم على رسول اللّه(2) .

4- ذكر ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن بأسانيدهما إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وزرته وسلمت بحذائه، فجاءه أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل، إنّ اللّه أنزل إليك كتاباً صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أنّهمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللهَ واستَغفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوّاباً رَحيماً) وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً فيها بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكم

وقد ذيّله أبو الطيب أحمد بن عبدالعزيز بأبيات وقال:

وفيه شمس التقى والدين قد غربت من بعد ما أشرقت من نورها الظلم


1. شفاء السقام ص 44 ـ 47 وقد نقله من مصادر كثيرة، قال: وذكره الحافظ أبو محمد عبدالغني المقدسي في «الكمال في ترجمة بلال».
2. المصدر نفسه .


(145)

حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت في الشرق والغرب من أنواره الأُمم(1)

وبذلك تعرف قيمة ما ذكره ابن تيمية حول السفر إلى المشاهد وقال: وقد رخّص بعض المتأخرين في السفر إلى المشاهد، ولم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة، ولا احتجّوا بحجّة شرعية(2) .

وبما أنّك تعرّفت على الحجج الشرعية على الجواز، هلمّ معي ندرس نصوص الأعلام من علماء الإسلام لنعرف موقف ابن تيمية في التثبّت والأمانة، وإليك نصوصهم حول السفر للزيارة نقتطف موضع الحاجة من كلماتهم:

نصوص الأعلام على جواز السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

لعل القارىء يتصوّر أنّ لما ذكره ابن تيمية من عدم الإفتاء بجواز السفر، مسحة من الحق والصدق، ولكنّه إذا أمعن النظر فيما وصل إلينا من فتاواهم، يقف على أنّ الحق على ضد ما نسب إليهم، وإليك البيان:

1- قال أبو الحسن أحمد بن محمد المحاملي الشافعي المتوفّى سنة (425 هـ) في «التجريد»: ويستحب للحاج إذا فرغ من مكة أن يزور قبر النبي .

2- وقال أبو الحسن الماوردي المتوفّى سنة (450 هـ)، في الأحكام السلطانية، ص 105: «فإذا عاد (ولي الحاج) سار بهم على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه، ليجمع لهم بين حج بيت اللّه عزّوجلّ وزيارة قبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، رعاية لحرمته، وقياماً بحقوق طاعته(3) .

3- وقال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الفقيه البغدادي الحنبلي المتوفّى سنة (510 هـ) في كتاب الهداية: «فإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي وقبر صاحبيه».

4- قال القاضي عياض المالكي،المتوفّى سنة (544 هـ) في «الشفاء»، نقلا


1. شفاء السقام ص 52 .
2. نفس المصدر .
3. مجموعة الرسائل الكبرى ج 2 ص 60 .


(146)

عن إسحاق بن إبراهيم الفقيه: «ممّا لم يزل من شأن من حج، المزور(1) بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول اللّه، والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه، وملامس يديه، ومواطن قدميه، والعمود الّذي استند إليه، ومنزل جبرئيل بالوحي فيه عليه، ومن عمره وقصده من الصحابة وائمة المسلمين .

5- قال أبو محمد عبدالكريم بن عطاء اللّه المالكي المتوفى سنة (612 هـ) في مناسكه: فصل: إذا كمل لك حجك وعمرتك على الوجه المشروع، لم يبق بعد ذلك إلاّ إتيان مسجد رسول اللّه للسلام على النبي والدعاء عنده، والسلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع وزيارة ما فيه من قبور الصحابة والتابعين .

6- وقال نجم الدين بن حمدان الحنبلي المتوفى سنة (595 هـ) في الرعاية الكبرى في الفنون الحنبلية: «ويسن لمن فرغ من نسكه، زيارة قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبر صاحبيه، وله بعد فراغ حجه، وإن شاء قبل فراغه» .

7- قال القاضي الحسين: «إذا فرغ من الحج... ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبي» .

8- قال الإمام ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي، المتوفى سنة (737 هـ) في (المدخل) في فصل زيارة القبور (1: 257): وأمّا عظيم جناب الأنبياء والرسل ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ فيأتي إليهم الزائر، ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة.

9- قال الشيخ تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة (756 هـ) في «شفاء السقام في زيارة خير الأنام»: «ومن روي عنه السفر إلى زيارة النبي، بلال بن أبي رباح» ثم ذكر قصته. لاحظ الباب الثالث من كتاب شفاء السقام فقد عقده في ما ورد في السفر إلى زيارته .

10- ذكر شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي المتوفى


1. مصدر ميمي بمعنى الزيارة .


(147)

سنة (925 هـ) في «أسنى المطالب» (1/501) «فيما يستحب لمن حج»: ثم يزور قبر النبي ويسلم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرفة..

11- أفتى الشيخ محمد بن الخطيب الشربيني المتوفى سنة (977 هـ) في مغني المحتاج (1/357) باستحباب زيارة النبي مطلقاً، وأنّ تخصيص بعض باستحبابه بعد الفراغ عن الحج لأجل التأكيد، وأنّه يتأكد للحاج أكثر من غيره .

12- وقال الشيخ زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ) في شرح الجامع الصغير، ج 6 ص 140: وزيارة القبر الشريف من كمالات الحج .

13- عقد الشيخ حسن بن عمار الشرنبلالي في «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح» فصلا في زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: زيارة النبي من أفضل القربات فإنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حرض عليها وبالغ في الندب إليها فقال: من وجد سعة فلم يزرني فقد جفاني .

14- وقال القاضي شهاب الدين الخفاجي الحنفي المصري المتوفى سنة (1062 هـ) في شرح الشفاء (3/566) واعلم أنّ هذا الحديث «لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» هو الّذي دعا ابن تيمية ومن معه كابن القيم إلى مقالته الشنيعة الّتي كفّروه بها، وصنّف فيها السبكي مصنفاً مستقلا وهي منعه من زيارة قبر النبي وشد الرحال إليه، وهو كما قيل:

لمهبط الوحي حقاً ترحل النجب * وعند ذاك المرجّى ينتهي الطلب

فتوهمّ أنّه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها.

15- قال الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1087 هـ) في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (1/157): «من أحسن المندوبات، بل يقرب من درجة الواجبات زيارة قبر نبينا وسيدنا محمد، وقد حرض ـ عليه السَّلام ـ على زيارته وبالغ في الندب إليها، ثم قال: فإن كان الحج فرضاً فالأحسن أن يبدأ به إذا لم يقع في طريق الحاج المدينة المنورة، ثم يثني بالزيارة.


(148)

16- قال أبو الحسن السندي محمد بن عبدالهادي الحنفي المتوفي سنة (1138هـ) في شرح سنن ابن ماجة ج 2 ص 268 قال الدميري: فائدة: زيارة النبي من أفضل الطاعات وأعظم القربات، لقوله من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلاّ زيارتي كان حقاً علىّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة .

17- قال الشيخ إبراهيم الباجوري الشافعي المتوفى سنة (1277 هـ) في حاشيته على شرح ابن الغزي على متن الشيخ أبي شجاع في الفقه الشافعي، (1/347): ويسن زيارة قبره ولو لغير حاج ومعتمر كالذي قبله، ويسن لمن قصد المدينة الشريفة لزيارته أن يكثر من الصلاة والسلام عليه في طريقه .

18- قال الشيخ عبدالمعطي السقاء في الإرشادات السنية ص 260: زيارة النبي إذا أراد الحاج أو المعتمر الانصراف من مكة ـ أدام اللّه تشريفها وتعظيمها ـ طلب منه أن يتوجّه إلى المدينة المنورة للفوز بزيارته عليه الصلاة والسلام .

19- وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تكملة السيف الصقيل ص 156 : ولم يخف ابن تيمية من اللّه في رواية عدّ السفر لزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة عن الإمام ابن الوفاء ابن عقيل الحنبلي ـ وحاشاه عن ذلك ـ راجع كتاب التذكرة له تجد فيه مبلغ عنايته بزيارة المصطفى والتوسل به، كما هو مذهب الحنابلة، ثم ذكر كلامه وفيه القول باستحباب قدوم المدينة وزيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكيفية زيارته(1) .

وهذه النصوص تدل على أنّ شد الرحال إلى زيارة النبي الأكرم كان أمراً متسالماً عليه، وقد شذّ من حرّمه وسعى في منع الناس من زيارته .

20- ثم إنّ تقي الدين السبكي ذكر فروعاً فقهية عن أئمة المذاهب،


1. قد أخذنا هذه النصوص برمتها من كتاب الغدير للمحقق الأميني من ج 5 ص 109 ـ 125 وقد نقل أربعين كملة عن أعلام المذاهب الأربعة حول زيارة النبي الأقدس، ونحن اقتطفنا منه ذلك، ويدل على استحباب السفر فقط، وأما استحباب زيارته فسيوافيك في فصل آخر .


(149)

تدل على محبوبية شد الرحال إليها من أرجاء الدنيا، فمن أراد فليرجع إليه(1).

وفيما ذكرنا من النصوص غنى، كما أنّ فيما ذكرنا من الحجج كفاية لمن أراد الحق وتجنب عن العصبية، فحان حين البحث حول نظريته في نفس الزيارة، وما أثار حولها من شبهات .

* * *

(وَمَنْ أظْلَمُ مِمّنْ افْتَرَى عَلَى اللّه كَذِباً أوْ كَذّبَ بآياتِهِ إنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ)(2) .


1. شفاء السقام ص 42 .
2. سورة الأنعام: الآية 21 .

(150)

(2)

ابن تيمية ورأيه في زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

المعروف من ابن تيمية وأبناء الوهابية هو جواز زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتحريم السفر إليها، لكن ما نقلناه في البحث الثاني ينافي ذلك، فإنّ الظاهر أنّه يحرّم أصل الزيارة وقد عرفت أنّه قال: كل حديث يروي في زيارة قبر النبي فإنّه ضعيف، بل موضوع، ولم يرو اهل الصحاح والسنن والمسانيد كمسند أحمد وغيره من ذلك شيئاً(1).

وقال السبكي: قد يتوهم أنّ نزاع ابن تيمية قاصر على السفر للزيارة دون أصل الزيارة، وليس كذلك، بل نزاعه في الزيارة أيضاً كما سنذكره من الشبهتين وهما:

1- كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة .

2- كون الزيارة من تعظيم غير اللّه المفضي إلى الشرك .

وما كان كذلك، كان ممنوعاً، وعلى هاتين الشبهتين بنى كلامه، وقد نقل السبكي فتياً بخط ابن تيمية ولكن كلامه فيها مضطرب، ففي صدرها ما يشعر بمنع الزيارة مطلقاً، وفي ذيلها ما يقتضي أنّه إذا كانت الزيارة بمعنى السلام عليه والدعاء له، جازت، ويطابق ذلك ما نقلناه عن الرسالة الثالثة.

والحاصل أنّه يقسم الزيارة إلى الزيارة البدعية والزيارة الشرعية فيجوّز


1. مجموعة الرسائل الكبرى ج 2 ص 65 الرسالة الثالثة .


(151)

الثانية ويقصرها في السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمناً، يقول: فالزيارة لقبر المؤمن، نبياً كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له كما يدعى إذا صلى على جنازته(1).

فاللازم البحث عن زيارة القبور أولا، وزيارة قبر النبي الأعظم بشخصه ثانياً .

* * *

زيارة القبور في السنة

لا شك أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية هامة، لأنّ مشاهدة هذا الوادي الهادي ـ الّذي يضم في أعماقه مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذا الحياة الدنيا ثم انتقلوا إلى الآخرة ـ تخفّف روح الطمع والحرص على الدنيا، ولربما يغيّر الإنسان سلوكه في هذه الحياة، فيترك الجرائم والمنكرات، ويتوجّه إلى اللّه والآخرة .

ولذا يقول الرسول الأعظم:

1- «زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة»(2) .

ودل بعض الأحاديث على أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة القبور في أول الأمر، ولعل النهي كان لأجل أن الأموات يوم ذاك كانوا مشركين وعبدة للأصنام، فنهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن زيارة الأموات، ولمّا كثر الشهداء بين المسلمين وماتت مجموعة كبيرة من المسلمين في المدينة وأطرافها، رخّص النبي بإذن من اللّه سبحانه وقال:

2- «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة»(3) .


1. شفاء السقام ص 107.
2. سنن ابن ماجة ج 1 ص 113.
3. السنن لابن ماجة ج 1 ص 114 طبعة الهند ـ باب ما جاء في زيارة القبور، وصحيح الترمذي، أبواب الجنائز ج 3 ص 274 .


(152)

3- وروى مسلم في صحيحه: «زار النبي قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله... وقال: استأذنت ربّي أن أزورَ قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنّها تذكركم الموت»(1) .

4- وقالت عائشة: «إنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رخّص في زيارة القبور»(2) .

5- وقالت: إنّ النبي قال: أمرني ربي أن آتي البقيع فأستغفر لهم. قلت: كيف أقول يا رسول اللّه؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون(3) .

وجاء في أحاديث أُخرى نص الكلمات الّتي كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقولها عند زيارة القبور، وهي:

6- «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا وإياكم متواعدون غدا ومواكلون، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد»(4) .

وجاء في حديث آخر نص الكلمات بما يلي:

7- «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم»(5) .

وفي حديث ثالث:


1. صحيح مسلم ج 3 ص 65 باب استئذان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ربه عزّوجلّ في زيارة قبر أُمه .
2. صحيح ابن ماجة ج 1 ص 114 .
3. صحيح مسلم ج 3 ص 64، باب ما يقال عند دخول القبور، السنن للنسائي ج 3 ص 76.
4. السنن للنسائي ج 4 ص 76 ـ 77 .
5. السنن النسائي ج 4 ص 56 ـ 77 .


(153)

8- «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون»(1) .

ويستفاد من حديث عائشة أن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخرج إلى البقيع في آخر الليل من كل ليلة، ويقول:

9- «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد»(2) .

ويستفاد من حديث آخر أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور المقابر مع جماعة من أصحابه، ويعلمهم كيفية الزيارة:

10- «كان رسول اللّه يعلمهم ـ إذا خرجوا إلى المقابر ـ فكان قائلهم يقول: السلام على أهل الديار ـ أو ـ السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء اللّه لاحقون، أسأل اللّه لنا ولكم العافية»(3) .

النساء وزيارة القبور

ولعل هنا من يتوهم أن الزيارة تسوغ للرجال دون النساء، لما روي عن النبي: لعن رسول اللّه زوارات القبور(4) .

ويناقض هذا الحديث ما نقله مسلم في صحيحه والنسائي في سننه أنّ النبي زار البقيع مع حليلته عائشة، وعلّمها كيفية الزيارة كما مرّ في الرقم (5) من الروايات، ولأجل ذلك يجب أن يعالج هذا الحديث بشكل خاص وهو التفريق بين زائرات القبور وزواراتها، ولعل الثاني كان مقروناً بأُمور محرّمة كالتبرّج المنهي عنه، أو البكاء بما يقترن بالنوح المحرم، أو غير ذلك من الوجوه الّتي يمكن الجمع بها بين المتعارضين، وإلاّ فأىّ فرق بين الرجل والمرأة في هذا الأمر حتّى تكون لأحدهما جائزة وللاُخرى محرّمة، لولا المحذورات الخاصة؟


1. السنن لأبي داود ج 2 ص 196 .
2. صحيح مسلم ج 3 ص 63 باب ما يقال عند القبور .
3. صحيح مسلم ج 3 ص 11، باب ما يقال عند دخول القبر .
4. صحيح ابن ماجة ج 1 ص 478، كتاب الجنائز الطبعة الأولى بمصر .


(154)

أضف إلى ذلك جريان السيرة بين المسلمين حتّى في نفس عصر الصحابة والتابعين على زيارة السيدات لقبور أعزائها، فهذه السيدة فاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ كانت تخرج إلى زيارة قبر عمها حمزة في كل جمعة، أو أقلّ من ذلك، وكانت تصلّي عند قبره وتبكي(1) .

وهذه عائشة زوجة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لما جاءت إلى مكة خرجت لزيارة قبر أخيها عبدالرحمن بن أبي بكر، وأنشدت بيتين من الشعر في رثائه(2) .

هذا كله في زيارة قبور المسلمين، وأمّا زيارة أوليائهم من النبي والأئمة والشهداء والصالحين فلا شك أنّ لزيارتهم نتائج بنّاءة، نشير إليها:

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هو نوع من الشكر والتقدير لتضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى والفضيلة، والدفاع عن المبدأ والعقيدة، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم وحدها، بل يدفعنا إلى إبقاء ذكرياتهم حيّة ساخنة، والمحافظة على آثارهم، وإقامة المهرجانات في ذكرى مواليدهم، وعقد المجالس وإلقاء الخطب المفيدة في أيام رحلاتهم، وهذا شيء مما يدركه كل ذي مسكة، فلأجل ذلك نرى أنّ أبناء الأُمم الحية يتسابقون في زيارة مدافن رؤسائهم وشخصياتهم الذين ضحوا أنفسهم و أموالهم في سبيل إحياء الشعب و اسقلاله، و نجاته من يد المستعمرين والظالمين، ويقيمون الذكريات المئوية لإحياء معالمهم وآثارهم وأسمائهم، ولا يخطر ببال أحد أنّ هذه الأُمور عبادة لهم، فأين التعظيم والتعزيز للشخصيات من عبادتهم؟ فإنّ التعظيم تقدير لجودهم، والعبادة رمز لألوهيتهم وربوبيتهم، فهل منّا من يخلط بين الأمرين؟

إذا وقفت على الآثار البنّاءة لزيارة مطلق القبور، وزيارة قبور الأولياء والصالحين، وتعرّفت على مجموعة من الروايات الحاثّة على زيارة قبور دار


1. مستدرك الصحيحين للحاكم ج 1 ص 277 .
2. صحيح الترمذي ج 4 ص 275، كتاب الجنائز باب ما جاء في زيارة القبور .


(155)

المؤمنين، فلنذكر خصوص ما ورد من الروايات الّتي فيها الحث على زيارة قبر النبي الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

قد نقل قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن عبدالكافي السبكي 15 حديثاً في ذلك المجال وتكلم في أسنادها و صحّح كثيراً منها (1) .

كما قام العلامة السمهودي المتوفّى سنة (911 هـ) في كتابه القيم (وفاء الوفاء بأحوال دار المصطفى) بنقل روايات كثيرة في ذلك المجال(2) .

كما أنّ فقهاء المذاهب الأربعة في مصر العزيزة في العصر الحاضر أفتوا بأن زيارة قبر النبي أفضل المندوبات. ورد فيها أحاديث. وقد اعتمدوا على رواية عبداللّه بن عمر عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنه قال: (من زار قبري وجبت له شفاعتي)(3).

وبما أنّ العلامة الأميني قد تحمّل جهوداً جبارة في جمع الأحاديث الواردة حول زيارة النبي الأكرم، والفحص عن مظانّها ومصادرها من أقدم العصور إلى عصرنا هذا، فنحن ـ تقديراً لجهوده الجبارة ومثابرته الجليلة في هذا الطريق ـ ننقل عن تلك الموسوعة نفس الروايات ومصادرها. قال قدس سره:

(1)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من زار قبري وجبت له شفاعتي».

أخرجته أُمة من الحفاظ وأئمة الحديث، منهم:

1- عبيد بن محمد أبو محمد الوراق النيسابوري المتوفى سنة (255 هـ) .

2- ابن أبي الدنيا أبو بكر عبدالله بن محمد القرشي المتوفى سنة (281 هـ).


1. شفاء السقام في زيارة خير الأنام، ص 3 ـ 34، الباب الأول: في الأحاديث الواردة في الزيارة .
2. وفاء الوفاء ج 4 ص 1336 .
3. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 505 .


(156)

3- الدولابي أبو بشر محمد الرازي المتوفى سنة (310 هـ) في الكنى والأسماء ج 2 ص 64 .

4- محمد بن إسحاق أبو بكر النيسابوري المتوفى سنة (311 هـ) الشهير بابن خزيمة، أخرجه في صحيحه .

5- الحافظ محمد بن عمرو أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة (322 هـ) في كتابه .

6- القاضي المحاملي أبو عبداللّه الحسين البغدادي المتوفى سنة (330 هـ) .

7- الحافظ أبو أحمد بن عدي المتوفى سنة (365 هـ) في الكامل.

8- الحافظ أبو الشيخ أبو محمد عبداللّه بن محمد الأنصاري المتوفى سنة (369 هـ) .

9- الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ) في سننه .

10- أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي المتوفى سنة (450 هـ) في «الأحكام السلطانية» ص 105 .

11- الحافظ أبوبكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) في «السنن» وغيره .

12- القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي المتوفى سنة (492 هـ) في فوائده .

13- الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل القرشي الإصبهاني المتوفى سنة (535 هـ) .

14- القاضي عياض المالكي المتوفى سنة (544 هـ) في «الشفاء» .

15- الحافظ أبو القاسم علي بن عساكر المتوفى سنة (571 هـ)، في تاريخه في باب (من زار قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهذا الباب أسقطه المهذب من الكتاب في طبعه، واللّه يعلم سر تحريفه هذا وما أضمرته سريرته .

16- الحافظ أبو طاهر أحمد بن السلفي المتوفى سنة (576 هـ) .

17- أبو محمد عبدالحق بن عبدالرحمن الأندلسي المتوفى سنة


(157)

(581 هـ) الأحكام الوسطى والصغرى(1).

18- الحافظ ابن الجوزي المتوفى سنة (597 هـ) في «مثير الغرام الساكن» .

19- الحافظ علي بن مفضل المقدسي الإسكندراني المالكي المتوفى سنة (611 هـ) .

20- الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي المتوفى سنة (648 هـ) .

21- الحافظ أبو محمد عبدالعظيم المنذري المتوفى سنة (656 هـ).

22- الحافظ أبو الحسين يحيى بن علي القرشى الأموي المالكي المتوفى سنة (662 هـ). في كتابه «الدلائل المبينة في فضائل المدينة».

23- الحافظ أبو محمد عبدالمؤمن الدمياطي المتوفى سنة (705 هـ).

24- الحافظ أبو الحسين هبة اللّه بن الحسن .

25- أبو الحسن يحيى بن الحسن الحسيني في كتاب «أخبار المدينة» .

26- أبو عبداللّه محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج المتوفى سنة (737 هـ)، في «المدخل» ج 1 ص 261 .

27- تقي الدين علي بن عبدالكافي السبكي الشافعي المتوفى سنة (756 هـ)، بسط القول في ذكر طرقه في شفاء السقام، ص 3 ـ 12 وقال في ص 8: والرواة جميعهم إلى موسى بن هلال ثقاة لا ريبة فيهم، وموسى بن هلال، قال ابن عدي: أرجو أنه لا باس به، هو من مشايخ أحمد، وأحمد لم يكن يروي إلاّ عن ثقة، وقد صرح الخصم بذلك في الرد على البكري .

ثم ذكر شواهد لقوة سنده فقال: وبذلك تبين أن اقل درجات هذا الحديث أن يكون حسناً إن نوزع في دعوى صحته، إلى أن قال: وبهذا بل


1. قال في خطبة الأحكام الصغرى: أنه تخيرها صحيحة الأسناد معروفة عند النقاد، قد نقلها الإثبات وتداولها الثقاة، وقال في خطبة الوسطى: إنَّ سكوته عن الحديث دليل على صحته... الخ راجع (شفاء السقام) ص 9 .


(158)

بأقل منه يتبين افتراء من ادّعى أن جميع الأحاديث الواردة في الزيارة موضوعة، فسبحان اللّه! أما الستحي من اللّه ومن رسوله في هذه المقالة الّتي لم يسبقه إليها عالم ولا جاهل، لا من أهل الحديث ولا من غيرهم؟ ولا ذكر أحد موسى بن هلال ولا غيره من رواة حديثه هذا بالوضع، ولا اتهمه به فيما علمنا، فكيف يستجيز مسلم أن يطلق على كل الأحاديث الّتي هو واحد منها موضوعة، ولم ينقل إليه ذلك عن عالم قبله، ولا ظهر على هذا الحديث شيء من الأسباب المقتضية للمحدثين للحكم بالوضع، ولا حكم متنه بما يخالف الشريعة، فمن أي وجه يحكم بالوضع عليه لو كان ضعيفاً؟ فكيف وهو حسن وصحيح .

28- الشيخ شعيب عبداللّه بن سعد المصري، ثم المكي الشهير بالحريفيش المتوفى سنة (801 هـ) في «الروض الفائق» ج 2 ص 137 .

29- السيد نور الدين علي بن عبداللّه الشافعي القاهري السمهودي(1) المتوفى سنة (911 هـ) في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 394 .

30- الحافظ جلال الدين عبدالرحمن السيوطي المتوفى سنة (911 هـ) في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه: ج 8 ص 99 .

31- الحافظ أبو العباس شهاب الدين القسطلاني(2) المتوفى سنة (923 هـ)، في «المواهب اللدنية» من طريق الدارقطني، وقال: رواه عبد الحق في أحكامه الوسطى والصغرى وسكت عنه، وسكوته عن الحديث فيه دليل على صحته .

32- الحافظ ابن الدبيغ أبو محمد الشيباني المتوفى سنة (944 هـ)، في «تمييز الطيب من الخبيث» ص 162 .

33- الشيخ شمس الدين محمد الخطيب الشربيني المتوفى سنة (977 هـ)، في «المغني» ج 1 ص 494 عن صحيح ابن خزيمة .

34- زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ)، في «كنوز


1. السمهود قرية كبيرة غربي نيل مصر .
2. نسبة إلى قسطلة بلدة بالأندلس .


(159)

الحقائق» ص 141، وشرح الجامع الصغير للسيوطي ج 6 ص 140 .

35- الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1078 هـ)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157.

36- أبو عبداللّه محمد بن عبدالباقي الزرقاني المصري المالكي المتوفى سنة (1122 هـ) في «شرح المواهب» ج 8 ص 298 نقلا عن أبي الشيخ وابن أبي الدنيا .

37- الشيخ إسماعيل بن محمد الجراحي العجلونيي المتوفى سنة (1162 هـ)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 250 نقلا عن أبي الشيخ، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة.

38- الشيخ محمد بن علي الشوكاني المتوفي سنة (1250 هـ)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325 نقلا عن غير واحد من أئمة الحديث .

39- الشيخ محمد بن السيد درويش الحوت البيروني المتوفى سنة (1276 هـ) في «حسن الأثر» ص 246 .

40- السيد محمد بن عبداللّه الدمياطي الشافعي المتوفى سنة (1307 هـ)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144 .

41- عدة من فقهاء المذاهب الأربعة في مصر اليوم في «الفقه على المذاهب الأربعة» ج 1 ص 590 .

(2)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من جاءني زائراً لا تعمله إلاّ زيارتي، كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة. وفي لفظ: لا تحمله إلاّ زيارتي. وفي آخر: لم تنزعه حاجة إلاّ زيارتي وفي رابع: لا ينزعه إلاّ زيارتي كان حقاً على اللّه عزّوجلّ، وفي خامس للغزالي: لا يهمه إلاّ زيارتي أخرجه جمع من الحفاظ لا يستهان بهم وبعدتهم منهم:

1- الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان السكن البغدادي المتوفى بمصر


(160)

سنة (353 هـ) في كتابه «السن الصحاح» جعل في آخر كتاب الحج (باب ثواب من زار قبر النبي) ولم يذكر في الباب غير هذا الحديث. قال السبكي في «شفاء السقام» ص 16: وذلك منه حكم بأنه مجمع على صحته بمقتضى الشرط الّذي شرطه في الخطبة، وابن السكن هذا إمام حافظ ثقة كثير الحديث واسع الرحلة... الخ .

قال في خطبة كتابه: اما بعد: فإنك سألتني أن أجمع لك ما صحّ عندي من السنن المأثورة الّتي نقلها الأئمة من أهل البلدان، الذين لا يطعن عليهم طاعن فيما نقلوه، فتدبرت ما سألتني عنه فوجدت جماعة من الأئمة قد تكلفوا ما سالتني من ذلك وقد وعيت جمع ما ذكروه، وحفظت عنهم أكثر ما نقوله، واقتديت بهم، وأجبتك إلى ما سألتني من ذلك، وجعلته أبواباً في جميع ما يحتاج إليه من احكام المسلمين، فأول من نصب نفسه لطلب صحيح الآثار: البخاري وتابعه مسلم، وأبو داود، والنسائي وقد تصفحت ما ذكروه وتدبرت ما نقلوه فوجدتهم مجتهدين فيما طلبوه، فما ذكرته في كتابي هذا مجملا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرته بعد ذلك مما يختاره أحد من الأئمة الذين سميتهم، فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما يتفرد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره، وباللّه التوفيق .

2- الحافظ أبوالقاسم الطبراني المتوفى سنة (360 هـ)، أخرجه في معجمه الكبير .

3- الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري الإصبهاني المتوفى سنة (381 هـ)، في معجمه .

4- الحافظ أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ)، أخرجه في أماليه .

5- الحافظ أبو نعيم الإصبهاني المتوفى سنة (402 هـ).

6- القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الخلعي الشافعي المتوفى سنة (492 هـ) صاحب «الفوائد» .


(161)

7- حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة (505 هـ)، في «إحياء العلوم» ج 1 ص 246 .

8- الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة (571 هـ)، صاحب «تاريخ الشام» .

9- الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي المتوفى سنة (648 هـ) .

10- الحافظ يحيى بن علي القرشي الأموي المالكي المتوفى سنة (622 هـ) .

11- الحافظ أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد في كتابه .

12- تقي الدين السبكي الشافعي المتوفى سنة (756 هـ) فصل القول في طرق هذا الحديث، وأخرجه من طرق شتى وصححه في «شفاء السقام» ص 13 ـ 16 .

13- السيد نور الدين علي بن عبداللّه الشافعي القاهري السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 396، ذكره من طرق شتى، منها طريق الحافظ ابن السكن فقال: ومقتضى ما شرطه في خطبته أن يكون هذا الحديث مما أجمع على صحته ثم قال: قلت: ولهذا نقل عنه جماعة منهم الحافظ زين الدين العراقي أنه صححه... الخ .

14- أبو العباس شهاب الدين القسطلاني المتوفى سنة( 924 هـ)، في «المواهب اللدنية» وقال: صححه ابن السكن .

15- الشيخ محمد الخطيب الشربيني المتوفى سنة (977 هـ)، في «مغني المحتاج» شرح المنهاج ج 1 ص 494 وقال: رواه ابن السكن في سننه الصحاح المأثورة .

16- الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1078 هـ)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157.

(3)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» وفي غير واحد من طرقه زيادة: وصحبني. أخرجه جمع من الحفاظ منهم:


(162)

1- الحافظ عبد الرزاق أبو بكر الصنعاني المتوفى سنة (211 هـ) .

2- الحافظ أبو العباس الحسن بن سفيان الشيباني المتوفى سنة (303 هـ) .

3- الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي المتوفى سنة (307 هـ) في مسنده .

4- الحافظ أبو القاسم عبداللّه بن محمد البغوي سنة (317 هـ) .

5- الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة (360 هـ) .

6- الحافظ أبو أحمد بن عدي المتوفى سنة (365 هـ) في «الكامل» .

7- الحافظ أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري المتوفى سنة (381 هـ) .

8- الحافظ أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ)، في سننه وغيرها.

9- الحافظ أبوبكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) في سننه ج 5 ص 246 .

10- الحافظ ابن عساكر الدمشقي المتوفى سنة (571 هـ) في تاريخه .

11- الحافظ ابن الجوزي المتوفى سنة (597 هـ) في «مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن» .

12- الحافظ أبو عبداللّه بن النجار البغدادي المتوفى سنة (643 هـ)، في كتابه «الدرة الثمينة في أخبار المدينة» .

13- الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي المتوفى سنة (648 هـ) .

14- الحافظ أبو محمد عبدالمؤمن الدمياطي المتوفى سنة (705 هـ).

15- أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد الحداد في كتابه .

16- الحافظ أبو الحسين المصري .

17- ولي الدين الخطيب التبريزي في «مشكاة المصابيح» المتوفى سنة (737 هـ)، في باب حرم المدينة في الفصل الثالث .

18- تقي الدين السبكي المتوفي سنة (756 هـ)، بسط القول في طرقه في «شفاء السقام» ص 16 - 21 ورواه عن كثير من هؤلاء الحفاظ المذكورين وغيرهم .


(163)

19- الشيخ شعيب عبداللّه المصري الحريفيش المتوفى سنة (801 هـ)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137 .

20- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، فصل القول في طرقه في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 397 .

21- الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (911 هـ)، في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ج 8 ص 99 .

22- قاضي القضاة شهاب الدين الخفاجي الحنفي المتوفى سنة (1069 هـ)، في شرح الشفاء للقاضي عياض ج 3 ص 567 .

23- الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1078هـ)، في «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157 .

24- الشيخ محمد الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325 .

25- السيد محمد بن عبداللّه الدمياطي الشافعي المتوفى سنة (1307 هـ)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144 .

(4)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني» أخرجه جمع منهم:

1- الحافظ أبو حاتم محمد بن حبَّان التميمي البستي المتوفى سنة (354 هـ)، في «الضعفاء» .

2- الحافظ ابن عدي المتوفى سنة (365 هـ)، في «الكامل» .

3- الحافظ الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ)، في كتابه أحاديث مالك الّتي ليست في الموطأ .

4- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (765 هـ)، من غير طريق في «شفاء


(164)

السقام» ص 22، وردّ حكم ابن الجوزي على الحديث بالوضع .

5- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (921 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 398.

6- أبو العباس شهاب الدين القسطلاني المتوفى سنة (922 هـ)، في «المواهب اللدنية» نقلا عن ابن عدي، وابن حبان، والدارقطني.

7- الشيخ اسماعيل الجراحي العجلوني المتوفى سنة (1162 هـ)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278 نقلا عن ابن عدي، وابن حبان، والدارقطني .

8- الشيخ المرتضى الزبيدي الحنفي المتوفى سنة (1205 هـ)، في «تاج العروس» ج 10 ص 74 .

9- الشيخ محمد الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325 .

(5)

عن عمر مرفوعاً: «من زار قبري (أو من زارني) كنت له شفيعاً (أو شهيداً) ومن مات في أحد الحرمين بعثه اللّه عزّوجلّ في الآمنين يوم القيامة» أخرجه:

1- الحافظ أبو داود الطياليسي المتوفى سنة (204 هـ)، في مسنده ج 1 ص 12 .

2- الحافظ أبو نعيم الإصبهاني المتوفى سنة (430 هـ) .

3- الحافظ البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) في «السنن الكبرى» ج 5 ص 245 .

4- الحافظ ابن عساكر الدمشقي المتوفى سنة (571 هـ)، في «تاريخ الشام» .

5- الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي المتوفى سنة (648 هـ) .


(165)

6- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 22 .

7- نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 399 .

8- أبوالعباس القسطلاني المتوفى سنة (923 هـ)، في «المواهب اللدنية».

9- الحافظ ابن الدبيع المتوفى سنة (944 هـ)، في «تمييز الطيب» ص 162 .

10- زين الدين عبدالرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ)، في «كنوز الحقائق» ص 141 .

11- الشيخ إسماعيل العجلوني المتوفى سنة (1162 هـ)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278 .

(6)

عن حاطب بن أبي بلتعة مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين». أخرجه:

1- الحافظ أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ)، في «السنن» .

2- الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) .

3- الحافظ ابن عساكر الدمشقي المتوفى سنة (571 هـ) .

4- الحافظ أبو الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي المتوفى سنة (648 هـ) .

5- الحافظ أبو عبداللّه عبدالمؤمن الدمياطي المتوفى سنة (705 هـ) .

6- أبو عبداللّه العبدري المالك ابن الحاج المتوفى سنة (737 هـ)، في «المدخل».

7- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 25 .


(166)

8- الشيخ شعيب الحريفيش المتوفى سنة (810 هـ)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137 .

9- نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 399 .

10- أبو العباس القسطلاني المتوفى سنة (923 هـ) في «المواهب اللدنية» عن البيهقي .

11- الجراحي العجلوني المتوفى سنة (1162 هـ)، في «كشف الخفاء» ج 2 ص 551 عن ابن عساكر والذهبي، وحكى عن الأخير أنّه قال: إنّ هذا الحديث من أجود أحاديث الباب إسناداً.

12- الشيخ محمد الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ) في «نيل الأوطار» ج 4 ص 325 .

13- الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروني المتوفى سنة (1276 هـ)، في «حسن الأثر» ص 246 .

(7)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من حج حجة الإسلام وزار قبري، وغزا غزوة وصلى علىّ في بيت المقدس لم يسأل اللّه عزوجل فيما افترض عليه» .

أخرجه الحافظ محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي المتوفى سنة (374 هـ)، في فوائده، ورواه عنه الحافظ السلفي أبو طاهر الإصبهاني المتوفى سنة (576 هـ) بإسناده، وأخرجه بالطريق المذكور تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ) في «شفاء السقام» ص 25، وذكره السيد السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 400 والشيخ محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 326 .

(8)

عن أبي هريرة مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي،


(167)

ومن زارني كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» أخرجه:

1- الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه المتوفى سنة (416 هـ).

2- الحافظ أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن الإصبهاني المتوفى سنة (540 هـ).

3- أبو الفتوح سعيد بن محمد اليعقوبي في فوائده المتوفى سنة (552 هـ) .

4- الحافظ أبو سعد عبدالكريم السمعاني الشافعي المتوفى سنة (562 هـ) .

5- ابن الأنماطي إسماعيل بن عبداللّه الأنصاري المالكي المتوفى سنة (619 هـ) .

6- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ) في «شفاء السقام» ص 26 .

7- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 400 .

(9)

عن أنس بن مالك مرفوعاً: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شفيعاً». وفي رواية أُخرى عنه أيضاً:

«من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة، ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة».

وفي لفظ ثالث له زيادة: وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة. أخرجته أُمة من الحفاظ منهم:

1- ابن أبي فديك محمد بن إسماعيل المتوفى سنة (200 هـ) .

2- ابن أبي الدنيا أبو بكر القرشي المتوفى سنة (281 هـ) .

3- الحافظ أبو عبداللّه الحاكم النيسابوري المتوفى سنة (405 هـ) .

4- الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) في «شعب الإيمان» .

5- القاضي عياض المالكي المتوفى سنة (544 هـ) في «الشفاء» .


(168)

6- الحافظ علي بن الحسن الشهير بابن عساكر المتوفى سنة (571 هـ) .

7- الحافظ ابن الجوزي المتوفى سنة (597 هـ) في «مثير الغرام الساكن» .

8- الحافظ عبد المؤمن الدمياطي المتوفى سنة (705 هـ) .

9- أبو عبداللّه العبدري المالكي ابن الحاج المتوفى سنة (737 هـ) في «المدخل» ج 1 ص 261 .

10- شمس الدين أبو عبداللّه الدمشقي الحنبلي المعروف بابن القيم الجوزية المتوفى سنة (751 هـ)، في «زاد المعاد ج 2 ص 47» .

11- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 27 .

12- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 400 .

13- أبو العباس شهاب الدين القسطلاني المتوفى سنة (923 هـ) في «المواهب اللدنية» .

14- جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (911 هـ)، في «الجامع الكبير» كما في ترتيبه ج 8 ص 99 .

15- الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده المتوفى سنة (1078 هـ)، «مجمع الأنهر» ج 1 ص 157 بلفظ: «من زارني في المدينية متعمداً كان في جواري إلى يوم القيامة» .

16- الشيخ محمد الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ)، في «نيل الأوطار» ج 4 ص 326 .

17- أبو عبداللّه الزرقاني المالكي المتوفى سنة (1122 هـ)، في «شرح المواهب» ج 8 ص 299 .

18- الجراحي العجلوني المتوفى سنة (1162 هـ)، في كشف «الخفاء» ج 2 ص 251 .


(169)

19- السيد أحمد الهاشمي في مختار الأحاديث النبوية، ص 169 .

20- السيد محمد بن عبداللّه الدمياطي الشافعي المتوفى سنة (1307هـ)، في «مصباح الظلام» ج 2 ص 144 .

21- الشيخ منصور علي ناصف في «التاج» ج 2 ص 216 .

(10)

عن أنس بن مالك مرفوعاً: «من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر» أخرجه:

1- الحافظ أبو عبدالله محمد بن محمود ابن النجار المتوفى سنة (643 هـ)، في كتابه «الدرة الثمينة في فضائل المدينة».

2- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 28 .

3- الحافظ زين الدين العراقي المتوفى سنة (806 هـ)، أشار إليه كما في «المواهب» .

4- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ)، في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 400 .

5- أبو العباس شهاب الدين القسطلاني المتوفى سنة (923 هـ) في «المواهب اللدنية» .

6- العجلوني المتوفى سنة (1162 هـ)، في «كشف الخفاء» ص 278 .

(11)

عن ابن عباس مرفوعاً: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتّى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً، أو قال: شفيعاً».

أخرجه الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة (322 هـ)، في كتاب


(170)

«الضعفاء» في ترجمة فضالة بن سعيد المازني، والحافظ ابن عساكر المتوفى سنة (571 هـ) كما في «شفاء السقام» ص 21، و«وفاء الوفاء» ج 2 ص 401، و«نيل الأوطار» للشوكاني ج 4 ص 325 ـ 326 .

(12)

عن علي أميرالمؤمنين مرفوعاً وغير مرفوع: «من زار قبري بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزر قبري فقد جفاني» أخرجه:

1- أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر الحسني في كتابه «أخبار المدينة» .

2- أبو سعيد عبدالملك بن محمد النيسابوري الخركوشي المتوفى سنة (406 هـ)، في «شرف المصطفى» .

3- الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة (571 هـ) .

4- الحافظ أبو عبداللّه ابن النجار المتوفى سنة (643 هـ) في كتاب «الدرة الثمينة» .

5- الحافظ عبد المؤمن الدمياطي المتوفي سنة (705 هـ) .

6- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 29 .

7- الشيخ شعيب الحريفيش المتوفى سنة (801 هـ)، في «الروض الفائق» ج 2 ص 137 .

8- السيد نور الدين السمهودي المتوفى سنة (911 هـ) في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 401 .

9- زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ) في «كنوز الحقائق» ص 141 .

(13)

عن بكر بن عبداللّه مرفوعاً: «من أتى المدينة زائراً لي وجبت له شفاعتي


(171)

يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعث آمناً».

أخرجه أبو الحسين يحيى بن الحسن الحسني في كتابه «أخبار المدينة» كما في «شفاء السقام» للسبكي ص 30، و «وفاء الوفاء» للسمهودي، ج 3 ص 402 .

(14)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي» أخرجه:

1- الحافظ سعيد بن منصور النسائي أبو عثمان الخراساني المتوفى سنة (227 هـ).

2- الحافظ أبو القاسم الطبراني المتوفى سنة (360 هـ) .

3- الحافظ أبو أحمد ابن عدي المتوفى سنة (365 هـ) .

4- الحافظ أبو الشيخ الأنصاري المتوفى سنة (369 هـ) .

5- الحافظ أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ) .

6- الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ) .

7- القاضي عياض المالكي المتوفى سنة (544 هـ) .

8- قاضي القضاة الخفاجي الحنفي المتوفى سنة (1069هـ)، في شرح الشفاء ج 3 ص 565 نقله عن البيهقي، والدارقطني، والطبراني، وابن منصور.

9- زين الدين عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة (1031 هـ)، في «كنوز الحقائق» ص 141 بلفظ: «من زار قبري بعد موتي».

10- العجلوني المتوفي سنة (1162 هـ) في «كشف الخفاء» ج 2 ص 251، نقلا عن أبي الشيخ، والطبراني، وابن عدي، والبيهقي .

(15)

عن ابن عباس مرفوعاً: «من حجّ إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان» .

أخرجه الفردوس في مسنده كما في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 401 و«نيل الأوطار» ج 4 ص 326 .


(172)

(16)

عن رجل من آل الخطاب مرفوعاً: «من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه اللّه في الآمنين (من الآمنين)». وزاد الشحامي عقب قوله «يوم القيامة»: «ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» روي بأسناده. فيه من الحفاظ. :

1- الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفى سنة (322 هـ) .

2- الحافظ أبو الحسن الدارقطني المتوفى سنة (385 هـ) .

3- الحافظ أبو عبداللّه الحاكم المتوفى سنة (405 هـ) .

4- الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى سنة (458 هـ)، في «شعب الإيمان» .

5- الحافظ ابن عساكر الدمشقي المتوفى سنة (571 هـ) .

6- الحافظ أبو محمد بن المؤمن الدمياطي المتوفى سنة (705 هـ)، وأخرجه من طريق هؤلاء الحفاظ .

7- ولي الدين الخطيب العمري التبريزي في «مشكاة المصابيح» المتوفى سنة (737 هـ) في باب حرم المدينة في الفصل الثالث .

8- تقي الدين السبكي المتوفى سنة (756 هـ)، في «شفاء السقام» ص 24 وقال: مرسل جيد، ورواه عنه السيد نور الدين السمهودي في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 399 .

(17)

عن عبداللّه بن عمر مرفوعاً: «من زارني بالمدينة كنت له شهيداً وشفيعاً»، أخرجه الحافظ الدارقطني بأسناده في «السنن» كما في «وفاء الوفاء» ج 2 ص 398 .


(173)

(18)

روي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، قال: «من وجد سعة ولم يفد «يغد» إلي فقد جفاني».

ذكره ابن فرحون في مناسكه، والغزالي في «الإحياء» ج 1 ص 246، والقسطلاني في «المواهب اللدنية»، والعجلوني في «كشف الخفاء» ج 2 ص 278 .

(19)

قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من زارني بعد وفاتي وسلم علىّ رددت عليه السلام عشراً، وزاره عشرة من الملائكة، كلهم يسلمون عليه، ومن سلم علىّ في بيته رد اللّه تعالى علي روحي حتّى أسلم عليه» .

ذكره الشيخ شعيب الحريفيش المتوفى سنة (801 هـ) في «الروض الفائق» ج 2 ص 137 .

(20)

عن أبي عبداللّه محمد بن العلاء رحمه اللّه قال: دخلت المدينة وقد غلب علي الجوع، فزرت قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وسلمت عليه وعلى الشيخين رضي اللّه عنهما وقلت: يا رسول اللّه جئت وبي من الفاقة والجوع ما لا يعلمه إلاّ اللّه عزّوجلّ، وأنا ضيفك في هذه الليلة، ثم غلبني النوم فرأيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في المنام فأعطاني رغيفاً فأكلت نصفه ثم انتبهت من المنام وفي يدي نصفه الآخر، فتحقق عندي قول النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «من رآني في المنام فقد رآني حقاً، فإنّ الشيطان لا يتمثل بي». ثم نوديت: يا أبا عبداللّه: «لا يزور قبري أحد إلاّ غفر له ونال شفاعتي غداً».

ذكره الشيخ شعيب الحريفيش في «الروض الفائق» ج 2 ص 138 فقال في المعنى

من زار قبر محمد * نال الشفاعة في غد

باللّه كرر ذكره * وحديثَهُ يا منشدي

واجعل صلاتك دائماً * جهراًعليه تهتدي


(174)

فهو الرسول المصطفى * ذو الجود والكف الندي

وهو المشفع في الورى * من هول يوم الموعد

والحوض مخصوص به * في الحشر عذب المورد

صلى عليه ربنا * ما لاح نجم الفرقد

(21)

مرفوعاً عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا عذر لمن كان له سعة من أُمتي ولم يزرني». رواه الشيخ عبدالرحمن شيخ زاده في «مجمع الأنهر» في شرح ملتقى الأبحر ص 157، وَعَدّهُ من أدلة الباب من دون غمز فيه.

(22)

عن أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ : «من زار قبر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان في جواره» أخرجه ابن عساكر كما في «نيل الأوطار» للشوكاني ج 4 ص 326 .

* * *

وبعد هذه النصوص المتضافرة لا حاجة إلى نقل كلمات أعلام المذاهب الإسلامية حول زيارة النبي الأقدس، وهي وافرة، وقد نقلنا شطراً منها عند البحث عن شدّ الرحال إلى زيارته، فمن أراد أن يقف على تلك النصوص فليرجع إلى الأثر القيم «الغدير» للعلامة الأميني(1) .

وأخيراً نذكر كلام محمد بن عبدالوهاب، مجدد مذهب ابن تيمية في المقام قال: «تسن زيارة النبي إلاّ أن لا تشد الرحال إلاّ إلى زيارة المسجد والصلاة فيه» (2) .

انظر كيف يسير إثر أُستاذه في المنهج حذو النعل بالنعل.

إلى هنا اتضح الحق بأجلى مظاهره، وبقي هنا أمر وهو دفع ما أثار ابن


1. الغدير ج 5 ص 109 ـ 129 .
2. الهدية السنية، الرسالة الثانية..


(175)

تيمية من الشبهة في زيارة النبي الأكرم الّتي أشرنا إليها في صدر البحث وهي:

1- كون الزيارة على هذا الوجه المخصوص بدعة.

2- كون الزيارة من تعظيم غير اللّه المفضي إلى الشرك .

أمّا الشبهة الأُولى فهي باطلة من رأس، وذلك لأنّ البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، فهل يمكن لأحد بعد هذه النصوص المتضافرة، التقوّل بأنّه لم يرد في الدين شيء حول زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يامر بها؟ كيف وقد أمر هو بزيارة القبور؟ فهل يُتصوّر أنه لا يعادل زيارته زيارة قبر مسلم؟ (كَبُرَت كَلِمةٌ تَخْرُجُ مِنْ أفواهِهِم)وقد أمر النبي بزيارة قبور المؤمنين .

وأمّا الشبهة الثانية فنقول: كيف تكون زيارة النبي مفضية إلى الشرك مع أنّ زيارة قبر نبي التوحيد، استشعار لحقيقته، وتقديس لمعناه؟ فإنّ التقديس الّذي يتصل بالرسل إنما هو من فكرتهم وهدايتهم. فالتقديس لمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تقديس للمعاني الّتي دعا إليها وَحَثَّ عليها، فكيف يتصوّر من مؤمن عرف حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مضمراً لأي معنى من معاني الوثنية، وهو يستعبر ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة والروضة المنيفة؟

فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار والدهور فإنه خوف من غير جهة، لأنّ الناس كانوا يزورون قبر الرسول إلى أول القرن الثامن، ثم باتوا إلى العصور من بعده إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينظر أحد إليه نظر عبادة أو وثنية، ولو أفرط بعض العوام فذلك لا يمنع تلك الذكريات العطرة، بل يجب إرشادهم وتفهيمهم لا منعهم من الزيارة ولا تكفيرهم .

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري :

«إنّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارته يدل على ضغينة كامنة فيه نحو الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكيف يتصوّر الإشراك بسبب الزيارة،


(176)

والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقّه أنّه عبده ورسوله، وينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير، إدامة لذكرى ذلك، ولم يزل أهل العلم ينهون العوام عن البدع في كل شؤونهم، ويرشدونهم إلى السنة في الزيارة وغيرها إذا صدرت منهم بدعة في شيء، ولم يعدّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل، وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية، وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودماءهم لحاجة في النفس»(1) .

ثم إنّ آخر ما في كنانة ابن تيمية وأتباعه في عدّ الزيارة بدعة وتقسيمها إلى قسمين، ما رواه أحمد في مسنده، وهو أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: أللّهمّ لا تجعل قبري وثناً يعبد(2).

وسيوافيك الكلام في معنى الحديث عند البحث عن الاحتفال بميلاد النبي، ولا صلة لهذا الحديث بالزيارة، والزائر المسلم لا يعبد النبي ولا يعبد قبره، كما هو واضح، بل يعبد اللّه سبحانه، وإنما يزور قبر نبيه كما يزور قبور آبائه وأجدادهم من غير فرق، غير أنّه يترتب على زيارة قبر نبي التوحيد ما لا يترتب على غيره .

* * *

(أُولَئِكَ الَّذينَ هَدَى اللّه فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه)(3) .


1. تكملة السيف الصقيل ص 158 .
2. مسند أحمد ج 3 ص 248 .
3. سورة الأنعام: الآية 90 .

(177)

(4)

ابن تيمية والبناء على القبور

إنّ إبن تيمية هو أول من أفتى بحرمة البناء على القبور، سواء أكان صاحب القبر صالحاً أم طالحاً، وإليك نصه:

قال: وقد اتفق أئمة الإسلام على:

1- أنّه لا يشرع بناء هذه المشاهد الّتي على القبور .

2- ولا يشرع اتخاذها مساجد .

3- ولا تشرع الصلاة عندها .

4- ولا يشرع قصدها لأجل التعبد عندها بصلاة واعتكاف، أو استغاثة وابتهال، ونحو ذلك، وكرهوا الصلاء عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها... إلى أن قال: وإنما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحده، وهي المساجد التي تشرع فيها الصلاة جماعة وغير جماعة، والاعتكاف وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء له.. وذكر بعض الآيات الواردة في تعظيم المساجد، وعدّ منها قوله تعالى:

(في بُيُوت أذنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فيها اسْمُهُ، يُسَبّحُ لَهُ فيها بِالغُدُوِّ والآصالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهم تِجارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَإقامِ الصّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيه القُلُوبُ وَ الأبْصَارُ)(1) .


1. سورة النور: الآية 36 ـ 37 وقد أفتى في كلامه هذا بحرمة أمور اربعة، سنبحث عنها واحداً بعد واحد إلاّ مسألة قصد المشاهد، لما استوفينا الكلام فيه عند البحث عن قصد السفر إلى زيارة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .


(178)

وأمّا اتّخاذ القبور أوثاناً فهو من دين المشركين(1) .

يقول تلميذه ابن القيم: يجب هدم المساجد الّتي بنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوماً واحداً(2) .

وعلى هذا الأصل لمّا استولى السعوديون على الحرمين الشريفين هدموا المراقد المقدسة في البقيع، وبيوت أهل البيت، بعدما رفعوا سؤالا إلى علماء المدينة المنورة، وإليك السؤال والجواب:

السؤال: ما قول علماء المدينة المنورة ـ زادهم اللّه فهماً وعلماً ـ في البناء على القبور، واتخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟ وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها، ومنع الصلاة عندها أم لا؟.

وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع، وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه لما فيه من ظلم المستحقين ومنعهم استحقاقهم أم لا؟

الجواب: أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحة الأحاديث الواردة في منعه، ولذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث علىّ (رضي اللّه عنه) أنّه قال لأبي الهياج:

«ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته»(3) .

والامعان في الاستفتاء يعرب عن أنه لم تكن الغاية منه الوقوف على حكم


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 59 ـ 60 طبع مصر، تحت إشراف السيد محمد رشيد رضا .
2. زاد المعاد في هدى خير العباد، ابن القيم ص 661 .
3. جريدة أم القرى،وقد نشرت نص الإستفتاء وجوابه في العدد الصادر بتاريخ 17 شوال سنة 1344 هـ .


(179)

اللّه، سواء أكان جائزاً أم حراماً، وإنما كانت الغاية هي أخذ الاعتراف منهم على الحظر، ولأجل ذلك أدرج المستفتي الجواب في السؤال وقال: «بل هو ممنوع منهي عنه نهياً شديداً» وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على أن المستفتي قام على رأس المفتين فأخذ منهم الجواب بالتخويف والتهديد.

ثم إنّ المستفتي أي الشيخ النجدي المعروف بسليمان بن بليهد، يقول في مقال نشرته جريدة «أم القرى» في عددها الصادر في شهر جمادى الآخرة من شهور سنة 1245 هجرية:

«إنّ بناء القباب على مراقد العلماء صار متداولا منذ القرن الخامس الهجري» .

وهذا ما يكرره علماء الوهابية في دعاياتهم، ويضيفون إلى حديث «أبي الهياج» حديث «جابر» عن النبي الّذي سيوايك بيانه ونقده سنداً ومتناً.

ولأجل إيضاح الحال، نحلل ما جاء في الجواب، من الاستدلال بالإجتماع تارة، والحديث ثانياً، فنقول:

هل هناك إجماع على التحريم؟

إنّ للإجماع الوارد في كلامه احتمالات:

1- الإجماع التقديري، بحجة وجود الحديث الصحيح في الصحاح، بمعنى أنه لو وقف العلماء عليه لأفتوا بمضمونه كما أفتى به المجيب، ولا يخفى أنه غير مفيد، إذ هو فرع كون الحديث صحيحاً سنداً وكاملا من حيث الدلالة على مقصوده عند غيرهم، وكلا الأمرين غير ثابت، بل ثبت خلافهما كما سيوافيك بيانه .

2- الإجماع المحقق، وأنّ العلماء أفتوا في كتبهم بالتحريم حدوثاً وبقاءً، وهذا خلاف نصوصهم; ونكتفي بالنص الوارد في الفقه على المذاهب الأربعة الّذي اتفق عليه علماء أهل السنة في العصر الحاضر، حيث قالوا بكلمة واحدة:


(180)

«يكره أن يبنى القبر ببيت أو قبة أو مدرسة أو مسجد»(1) :

وهذا شارح صحيح مسلم يقول في شرح حديث أبي الهياج: أمّا البناء فإن كان في ملك الباني فمكروه، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام، نص عليه الشافعي والأصحاب(2) .

وتحريم البناء ـ عندئذ ـ لأجل عنوان عرضي لا ذاتي، وهو المزاحمة لأهداف الواقف وأغراضه .

3- سيرة المسلمين وعملهم منذ أن ارتحل النبي الأكرم إلى يومنا هذا، سوى الوهابيين .

أما سيرة المسلمين فحدّث عنها ولا حرج، فقد دفن النبي الأكرم في بيته الرفيع، ولم يخطر ببال أحد من الصحابة الحضور أن البناء على القبر حرام، وأنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عنه نهياً شديداً، ولما كان البيت متعلّقاً بزوجته (عائشة) جعلوا في وسطه ساتراً، ولما توفي الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ تبرّكاً بذاته ومكانه، ولم تسمع من أيّ ابن أُنثى نعيرة أنّه حرام ولا مكروه، وعلى ذلك استمرت سيرة المسلمين في حق الصلحاء والأولياء والعلماء، يدفنونهم في البيوت المعدة لذلك، أو يرفعون لمراقدهم قواعد وسقفاً بعد الدفن تكريماً لهم وتقديراً لتضحياتهم، ولم يخطر ببال أحد أنه على خلاف الدين والشرع .

وهذا عمل المسلمين وسيرتهم القطعية في جميع الأقطار والأمصار، ملء المسامع والأبصار على اختلاف نزعاتهم، من بدء الإسلام إلى هذا العصر من الشيعة والسنة، وأىّ بلاد من بلاد الإسلام من مصر أو العراق أو الحجاز أو سوريا، وتونس ومراكش وإيران، وهلمٌ جرّاً ليس فيها قبور مشيدة، وضرائح منجدة وهؤلاء أئمة المذاهب: الشافعي في مصر، وأبو حنيفة في بغداد، ومالك بالمدينة، وتلك قبورهم من عصرهم إلى اليوم شاهقة القباب،


1. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 421 .
2. صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 كتاب الجنائز طبع مصر .


(181)

شامخة المباني غير أنّ الوهابيين لما استولوا على المدينة هدموا قبر مالك. وهذه القبور قد شيدت وبنيت في الأزمنة الّتي كانت حافلة بالعلماء وأرباب الفتاوى، وزعماء المذهب، فما أنكر منهم ناكر، وليس هذا رائجاً بين المسلمين فقط، بل جرى على هذا جميع عقلاء العالم، بل يعد تعمير قبور الشخصيات من غرائز البشر ومقتضيات الحضارة وشارة الرقي، فكل هذا دليل على الجواز لو لم نقل يفوق ذلك، ولو لم تكن تلك السيرة المسلمة بين المسلمين والعقلاء عامة غير مفيدة في المقام، فلا يصحّ الاستناد إلى أية سيرة قاطعة بين المسلمين أو الناس .

وليس يصحّ في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل

النتائج المحمودة لحفظ الآثار الإسلامية

إنّ المحافظة على آثار الأنبياء وخاصة آثار النبي الأكرم من قبره وقبور زوجاته وأولاده وأصحابه والشهداء الذين ضحوا بانفسهم في سبيل دينه، نتائج محمودة لا تستغني عنها الأُمة الإسلامية في وقت من الزمن، فإنّ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب، ونبيه خاتم الأنبياء، فهي حجة على الناس إلى قيام الساعة الّتي لا يحيط بوقتها إلاّ اللّه تعالى، قال سبحانه:

(قُلْ إنَّما عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لاَ يُجَلِّيَها لِوَقْتِهَا إلاّ هُوَ)(1) .

فمن الممكن أن تمر على عمر الدنيا، وبالتالي على عمر الشريعة الإسلامية آلاف السنين، فالقضاء على آثار الشريعة ومعالم وجود نبيها يجعلها في معرض التشكيك والتردد، وأنه هل لما يدّعيه المسلمون من الرجة الكبرى ببعث النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومواقفه وقضاياه وتشريعاته مسحة حق؟ بل ربما تحولها بعد مدة إلى أُسطورة تاريخية، حيث لا يجد الناس بعد حقب من الدهر آثاراً ملموسة من صاحب الشريعة، وليس هذا شيئاً غريباً، وهذه هي المسيحية قد مضى من عمرها عشرون قرناً، وقد تحول المسيح وأُمه العذراء


1. سورة الأعراف: الآية 187 .


(182)

وكتابه الإنجيل وتلاميذه إلى أساطير تاريخية، وصار بعض المستشرقين يشككون مبدئياً في وجود رجل اسمه المسيح واسم اُمه مريم وكتابه الإنجيل، وكادوا يعتبرونه أُسطورة خيالية تشبه اُسطورة (المجنون العامري وليلاه) وما هذا إلا لعدم وجود أثر ملموس منه، ولا من كتابه الواقعي وأصحابه وحوارييه .

وأمّا المسلمون فهم يواجهون العالم مرفوعي الرؤوس، ويقولون: يا أهل العالم قد بعث نبي في ارض الحجاز قبل ألف وأربعمائة سنة، وقدحقق نجاحاً في مهمته، وهذه آثار وجوده وحياته، فهذه هي الدار الّتي ولد فيها، وهذا هو غار حراء، مهبط وحيه في بدء الأمر، وهذا هو البيت الّذي دفن فيه، وهذه مدارس أولاده و...

فالإبقاء على الآثار الإسلامية وصيانتها من الزوال، صغيرة أو كبيرة، دعم لاستمرار رسالة هذا الدين وبقائه على مدى العصور والأزمان، وتدميرها سبب رئيس لتعريضها للشك والإنكار، وإعانة على أهداف المخالفين .

وقد اهتمّ المسلمون اهتماماً كبيراً بشأن آثار النبي وسيرته وسلوكه، حتّى أنهم سجلوا دقائق أُموره وخصائص حياته و مميزات شخصيته إلى درجة أنهم سجلوا حتّى ما يرتبط بخاتمه وحذائه، وسواكه وسيفه، ودرعه، ورمحه، وجواده وإبله وغلامه، والآبار الّتي شرب منها الماء، والأراضي التى وقفها لوجه اللّه سبحانه، و مشيته، وأكله، وشربه، وما يرتبط بلحيته المقدسة وخضابه لها وغير ذلك، ولا زالت آثار البعض باقية إلى يومنا هذا .

ولو كان ابن تيمية موجوداً في تلك الأعصار، وكان ينظر إلى الموضوع بالفكرة التي نشأ عليها، لرمى الصحابة الأجلاء والسلف الصالح بالشرك والوثنية، وزعم أنهم اتخذوا نبيهم وثناً يعبد، ولكن من حسن الحظ أنه لم يكن موجوداً فيها، ولكن كتب السير حافلة بذكرها فليقض عليهم بالحق.

وما أشبه عمل من يدمر الآثار النبوية تحت واجهة قلع الشرك بعمل الصبيان النوكى الذين يتلاعبون بميراث آبائهم بالتمزيق والتدمير، أوالبيع بثمن بخس .


(183)

ولأجل أن تعرف مدى شيوع هذه السيرة فارجع إلى ما يكتبه أحد الكتاب الوهابيين ويقول:

«وهذا أمر عمّ البلاد، وطبق الأرض شرقاً وغرباً، بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام إلاّ فيها قبور ومشاهد، بل مساجد المسلمين غالباً لا تخلو من قبر ومشهد، ولا يسع عقل عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت علماء الإسلام»(1) .

فلو كانت هذه سيرة المسلمين، فما معنى ادّعاء الإجماع على حرمة البناء ووجوب هدمه؟

فلو كان الهدم واجباً فلماذا لم يأمر الخليفة عمر بهدم قبور الأنبياء عندما فتح المسلمون بيت المقدس؟.

فهل الخليفة تسامح في هذا الأمر الخطير، أم أنه وسائر الصحابة الحضور في الواقعة، وجدوه أمراً مطابقاً للفطرة والشريعة الإسلامية، فلأجل ذلك أبقوها على حالها، وقام المسلمون بصيانتها وحفظها طوال القرون؟ .

إلى هنا تبين أنه لا إجماع في المسألة، بل لم تكن المسألة خلافية إلى عصر ابن تيمية، وقد خالف هو وحده وتبعه تلميذه ابن القيم، وكانت الفتوى مدفونة في الكتب إلى أن أحياها تلميذه في المنهج محمد بن عبدالوهاب، فنبش تلك الدفائن واستخرج هاتيك الكوامن والبذور المهلكة، فأثمرت قتل النفوس، وقطع الرؤوس كما سيوافيك تفصيل هذه الكوارث .

وقد استند ابن تيمية وأتباعه في ادّعاء الحرمة لحديث أبي الهياج، ونحن نذكر متن الحديث بالسند الّذي رواه مسلم في صحيحه.

«حديثنا يحيى بن يحيى، وأبوبكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا وكيع عن سفيان، عن حبيب بن أبي


1. تطهير الاعتقاد ص 17 طبع مصر. ثم إنه حاول أن يجيب عن هذا الأمر بما الإعراض عن ذكره أحسن .


(184)

ثابت، عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علىّ بن أبي طالب: ألا ابعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه، أن لا تدع تمثالا إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته(1) .

زعم المستدل أن معناه: ولا قبراً عالياً إلاّ سوّيته بالأرض.

والاستدلال به باطل، لأنه ضعيف السند، قاصر الدلالة.

وأمّا السند فيكفي أن علماء الرجال ضعفوا هؤلاء الأربعة الواقعين في السند:

1- وكيع.

2- سفيان الثوري .

3- حبيب بن أبي ثابت .

4- أبو وائل الأسدي(2).

ويكفي في ضعف الحديث أنه رواه أبو الهياج وليس له في الصحاح والمسانيد حديث غير هذا، فكيف يستدل بسند يشتمل على المدلسين والمضعفين والذين لا يحتج بحديثهم، كما ذكره ابن حجر في ترجمة هؤلاء الأربعة .

وإليك نقل اقوال العلماء في حقهم:

1- وكيع: هو وكيع بن الجراح بن مليح، الرواسي، الكوفي، روى عن عدة منهم سفيان الثوري، وروى عنه جماعة منهم يحيى بن يحيى، وهو مع ما مدحوه نقلوا فيه أيضاً قدحاً كثيراً، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:

قال عبداللّه بن أحمد عن أبيه (أحمد بن حنبل) قال: سمعت أبي يقول: كان وكيع أحفظ من عبدالرَّحمن بن مهدي كثيراً كثيراً، وقال في


1. صحيح مسلم، ج 3 كتاب الجنائز ص 61، السنن للترمذي ج 2 ص 256، باب ما جاء في تسوية القبور، السنن للنسائي ج 4 باب تسوية القبر ص 88 .
2. لاحظ تهذيب التهذيب للعسقلاني الأجزاء 3، 4، 11 ص 179، 115، 130، 125 .


(185)

موضع آخر: ابن مهدي أكثر تصحيفاً من وكيع: ووكيع أكثر خطأ منه .

وقال في موضع آخر: أخطأ وكيع في خمسائة حديث .

وقال ابن عماد: قلت لوكيع: عدّوا عليك بالبصرة أربعة أحاديث غلطت فيها، فقال: حدثتهم بعبادان بنحو من ألف وخمسمائة، وأربعة ليس بكثير في ألف وخمسمائة.

وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدث بألفاظه لكان عجباً.

وقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدث بآخره من حفظه، فيغيّر ألفاظ الحديث كأنه كان يحدث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان(1) .

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال بعدما مدحه:

قال ابن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدث بألفاظه كان عجباً(2).

* * *

2- سفيان الثوري: وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، أكثروا المدح في حقه، وقال الذهبي: مع أنه كان يدلس عن الضعفاء، ولكن كان له نقد وذوق، ولا عبرة بقول من قال: يدلس ويكتب عن الكذابين(3) .

وقال ابن حجر: قال ابن المبارك: حدث سفيان بحديث فجئته وهو يدلس، فلما رآني استحيى، وقال: نرويه عنك؟(4) .

وقال في ترجمة يحيى بن سعيد بن فروخ قال: أبوبكر، وسمعت يحيى يقول: جهد الثوري أن يدلس علي رجلا ضعيفاً فما أمكنه(5) .


1. تهذيب التهذيب ج 11 ص 123، 131 .
2. ميزان الإعتدال ج 4 ص 336 .
3. ميزان الإعتدال ج 2 ص 169 برقم 3322 .
4. تهذيب التهذيب ج 4 ص 115 في ترجمة سفيان .
5. تهذيب التهذيب ج 11 ص 218 .


(186)

والتدليس هو أن يروي عن رجل لم يلقه، وبينه وبينه واسطة فلا يذكر الواسطة.

وقال أيضاً في ترجمة سفيان: قال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: لم يلق سفيان أبا بكر بن حفص، ولا حيان بن أياس، ولم يسمع من سعيد بن أبي بردة، وقال البغوي: لم يسمع من يزيد الرقاشي. وقال أحمد: لم يسمع من سلمة بن كهيل حديث المسائية، يضع ماله حيث يشاء ولم يسمع من خالد بن سلمة بتاتاً، ولا من ابن عون إلاّ حديثاً واحداً(1) .

وهذا تصريح من ابن حجر بكون الرجل مدلساً، وعندئذ يكون فاقداً لملكة العدالة، لأنه كان يصور غير الواقع واقعاً.

وقال الإمام الذهبي: قال صاحب الحلية: أخبرنا أبو أحمد الفطريفي، أخبرنا محمد بن أحمد بن مكرم، أخبرنا علي بن عبد الحميد، أخبرنا موسى بن مسعود، أخبرنا سفيان، دخلت على جعفر بن محمد وعليه جبة خز وكساء خز دخاني، فقلت: يابن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليس هذا من لباس آبائك قال: كانوا على قدر اقتار الزمان، وهذا زمان قد اسبل عزاليه ثم حسر عن جبّة صوف تحته، وقال: لبسنا يا ثوري هذا للّه وهذا لكم، فما كان للّه أخفيناه وما كان لكم أبديناه(2) .

إنّ هذا الإعراض يدل على عدم فهمه للأُمور، وعدم معرفته بها .

* * *

3- حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار: تابعي، وثقه بعض، ولكن قال ابن حبان في الثقات: كان مدلساً، وقال العقيلي: غمزه ابن عون، وقال القطان: له غير حديث عن عطاء لا يتابع عليه، وليست محفوظة.

وقال ابن خزيمة في صحيحة: كان مدلساً.

وقال العقيلي: وله عن عطاء أحاديث لا يتابع(3) .


1. تهذيب التهذيب ج 4 ص 115 والمسائية: العبد المعتق .
2. تذكرة الحفاظ ج 1 ص 167 .
3. تهذيب التهذيب ج 2 ص 179 .


(187)

وقال ابن حجر ايضاً في تقريب التهذيب:

حبيب بن أبي ثابت: قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي، مولاهم أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومائة(1) .

ونقل ابن حجر عن كتاب الموضوعات لابن الجوزي من نسخة بخط المنذري أنه نقل فيه حديثاً عن أبي كعب في قول جبرئيل: لو جلست معك مثل ما جلس نوح في قومه ما بلغت فضائل عمر، وقال، ولم يعله ابن الجوزي إلاّ بعبد اللّه بن عامر الأسلمي شيخ حبيب بن أبي ثابت(2) .

* * *

4- أبو وائل الأسدي: وهو شقيق بن سلمة الكوفي، كان منحرفاً عن علىّ بن أبي طالب، قال ابن حجر: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك: علىّ أم عثمان؟ قال: كان علىّ أحبّ إلىّ ثم صار عثمان(3) .

ولفظة «أحب» هناك ليست صيغة التفضيل بل المراد أنه كنت علوياً ثم صرت عثمانياً، وكان الحزبان يومذاك يبغض أحدهما الآخر.

ويشهد لذلك ما ذكره ابن أبي الحديد حيث قال: ومنهم أبو وائل شقيق بن سلمة، كان عثمانياً يقع في علىّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقال إنّه كان يرى رأي الخوارج، ولم يختلف في أنّه خرج معهم، وأنّه عاد إلى علي ـ عليه السَّلام ـ منيباً مقلعاً. روى خلف ابن خليفة، قال: قال أبو وائل: خرجنا أربَعة آلاف فخرج إلينا علىّ فما زال يكلّمنا حتّى رجع منّا ألفان .

وروى صاحب كتاب «الغارات» عن عثمان بن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري قال: سمعت أبا وائل يقول: شهدت صفين وبئس الصفوف كانت!.


1. تقريب التهذيب ج 1 ص 148 تحت رقم 106 .
2. لسان الميزان ج 2 ص 168 في ترجمة حبيب بن ثابت .
3. تهذيب التهذيب ج 4 ص 362 .


(188)

قال وقد روى أبوبكر بن عاصم بن أبي النجود قال: كان أبو وائل عثمانياً(1).

ويكفي أنّه كان من ولاة عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه .

قال ابن ابي الحديد: وقال أبو وائل: استعملني ابن زياد على بيت المال بالكوفة(2) .

هذا كله حول سند الرواية، وقد عرفت أنّ سندها يشتمل على ضعاف، وعلى فرض ورود المدح في حقهم فو معارض بما عرفت من الجرح، وعند التعارض يقدّم الجارح على المادح فيسقط الحديث عن الاعتبار، و يرجع إلى أدلة أُخرى، وسيوافيك أنّ الأصل في المقام الجواز، كما سيأتي ذلك في آخر البحث .

* * *

وأمّا ضعفه دلالةً فإليك البيان .

إنّ تبيين ضعف دلالة الحديث يتوقف على توضيح معنى اللفظين الواردين في الحديث المذكور:

1- «قبراً مشرفاً».

2- «إلاّ سوّيته» .

أمّا الأول فقد قال صاحب القاموس: والشرف محركة: العلو. ومن البعير سنامه، وعلى ذلك فيحتمل أن يراد منه مطلق العلو، أو العلو الخاص كسنام البعير ولا يتعين ذلك إلاّ بالقرينة .

أمّا الثاني، أعني قوله: «سوّيته» فهو يستعمل على وجهين:

أ ـ يطلق ويراد منه مساواة شىء بشىء، فيتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه (إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ)(3) .


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 99 .
2. شرح نهج البلاغة ج 12 ص 223 .
3. سورة الشعراء: الآية 98 .


(189)

أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع رب العالمين، فنضيف إليكم ما نضيف إلى رب العالمين. وقال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة (يَوْمَئِذ يَوَدُّ الّذينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوِّى بِهِمُ الأرْضُ وَ لاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً)(1) أي يودّون أن يكونوا تراباً أو ميتاً مدفوناً تحت الأرض .

ب ـ يطلق ويراد منه ما هو وصف لنفس الشيء، لا بملاحظة شيء آخر، فيكتفي بمفعول واحد، قال سبحانه: (الّذي خَلَقَ فَسَوَّى)(2) وقال سبحانه: (بَلَى قَادرينَ عَلَى أنْ نُسَوِّي بَنَانَهُ)(3) وقال سبحانه: (فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهَ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا )لَهُ سَاجِدينَ)(4) في هذه الموارد وقعت التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره. ويراد منه حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامتها في مقابل نقصها واعوجاجها، وهذا هو المقصود في الآيات الكريمة، وأُخرى تسطيحه مقابل اعوجاجه، وبسطه مقابل كونه كالسنام .

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى الحديث ولنطبق الضابطة عليه، فبما أنّه استعمل مع مفعول واحد فلا يراد منه المعنى الأول، أي مساواته بالأرض، وإلاّ كان عليه أن يقول «سويته بالأرض» بل يراد منه ما هو وصف لنفس القبر والمعنى المناسب هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه، وهذا هو الّذي فهمه شراح الحديث، وبما أنّ السنة هي التسطيح، والتسنيم بدعة، أمر علىّ ـ عليه السَّلام ـ بأن تكافح هذه البدعة، ويسطّح كل قبر مسنم .

ويؤيد ما ذكرناه أنّ المحققين من أهل السنة لم يفهموا من الحديث إلاّ ما ذكرنا، وإليك نقل كلماتهم :

1- قال القرطبي في تفسير الحديث: «قال علماؤنا: ظاهر حديث أبي


1. سورة النساء: الآية 42 .
2. سورة الأعلى: الآية 2 .
3. سورة القيامة: الآية 4 .
4. سورة الحجر: الآية 29 .


(190)

الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة»(1) .

إنّ دلالة الحديث على منع تسنيم القبور ظاهرة، وأمّا دلالتها على عدم ارتفاعها فغير ظاهر، بل مردود باتفاق أئمة الفقه على استحباب رفعها قدر شبر(2) .

2- قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري ما هذا نصه:

(مسنَّماً بضم الميم وتشديد النون المفتوحة أي: مرتفعاً. زاد أبو نعيم في مستخرجه: وقبر أبوبكر وعمر كذلك واستدل به على أنّ المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية .

وقال أكثر الشافعية ونص عليه الشافعي: التسطيح أفضل من التسنيم، لأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سطح قبر إبراهيم، وفعله حجة لا فعل غيره، وقول السفيان التمار «رأى قبر النبي مسنّماً في زمان معاوية» لا حجة فيه، كما قال البيهقي، لاحتمال أنّ قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقبري صاحبيه لم تكن في الأزمنة الماضية مسنّمة ـ إلى أن قال ـ : ولا يخالف ذلك قول علىّ ـ عليه السَّلام ـ أمرني رسول اللّه أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته، لأنّه لم يرد تسويته بالأرض، وإنّما أراد تسطيحه جمعاً بين الأخبار، ونقله في المجموع عن الأصحاب(3) .

3- وقال النووي في شرح صحيح مسلم: إنّ السنة أن القبر لا يرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، ولا يسنم بل يرفع نحو شبر، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه، ونقل القاضي عياض عن أكثر العلماء أن الأفضل عندهم تسنيمها، وهو مذهب مالك(4) .

ويؤيد ذلك أنّ صاحب الصحيح (مسلماً) عنون الباب بـ (باب تسوية القبور) ثم روى بسنده إلى تمامه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم ،


1. تفسير القرطبي ج 2 ص 380 تفسير سورة الكهف .
2. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 42 .
3. إرشاد الساري ج 2 ص 468 .
4. صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 ص 36 الطبعة الثالثة ـ دار إحياء التراث العربي .


(191)

فتوفي صاحب لنا، فأمر فضال بن عبيد بقبره فسوي، قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يأمر بتسويتها، ثم أورد بعده في نفس الباب حديث أبي الهياج المتقدم(1) .

وفي الختام نذكر أُموراً:

1- القول بوجوب مساواة القبر بالأرض مخالف لما اتّفقت عليه كلمات فقهاء المذاهب الأربعة، وكلهم متّفقون على أنّه يندب ارتفاع التراب فوق الأرض بقدر شبر(2) ولو أخذنا بالتفسير الّذي يرومه الوهابي من حديث أبي الهياج من مساواة القبر بالأرض يجب أن يكون القبر لاطئاً مساوياً معه .

2- لما عجز الوهابيون في مقابل سيرة المسلمين، حيث دفنوا النبي في بيته فصار القبر عليه بناء، عمد بعضهم إلى التفريق بين الأمرين فقال: الحرام هو البناء على القبر لا الدفن تحت البناء، وقد دفنوا النبي تحت البناء ولم يبنوا على قبره شيئاً(3) ولكنّه تفريق بلا وجه، لأنّ حديث أبي الهياج مطلق يعم الصورتين .

3- حديث أبي الهياج ـ على فرض صحة سنده ودلالته ـ يهدف إلى تخريب القبر ومساواته بالأرض، لا هدم البناء الواقع عليه، فالاستدلال به على الثاني استدلال عجيب.

* * *

ب ـ حديث جابر وتحليله سنداً ومتناً

إنّ الوهابيين يستدلون بحديث جابر على حرمة البناء على القبور، وقد ورد بنصوص مختلفة، ونحن نذكر نصاً واحداً منها:

روى مسلم في صحيحه: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص


1. المصدر السابق .
2. الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 42 .
3. رياض الجنة، بقلم مقبل بن الهادي طبع الكويت .


(192)

ابن غياث، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يجصّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه(1) .

والاستدلال بحديث جابر غير صحيح سنداً ومتناً .

أمّا الأول فلأنّ جميع أسانيده مشتملة على رجلين هما في غاية الضعف :

1- ابن جريج: وهو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج .

2- أبو الزبير. وهو محمد بن مسلم الأسدي .

أمّا الأول فإليك كلمات أئمة الرجال في حقه:

سئل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج قال: فقال: ضعيف، فقيل له إنّه يقول: أخبرني قال: لا شيء.. كله ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان جاء بمناكير.

وقال مالك بن أنس: كان ابن جريج حاطب ليل .

وقال الدارقطني: يجنب تدليس ابن جريج فإنّه قبيح التدليس، لا يدلس إلاّ في ما سمعه من مجروح .

وقال ابن حبان: كان ابن جريج يدلس في احاديث(2).

وأمّا الثاني: فإليك أقوال علماء الرجال فيه:

فعن إمام الحنابلة عن أيوب إنّه كان يعتبر أبا الزبير ضعيف الرواية .


1. لاحظ للوقوف على متون الحديث المختلفة وأسانيده: صحيح مسلم، كتاب الجنائز ج 3 ص 62، والسنن للترمذي ج 2 ص 208، طبع المكتبة السلفية، وصحيح ابن ماجة، ج 1 كتاب الجنائز، ص 473، وصحيح النسائي ج 4 ص 87 إلى 88، وسنن أبي داود ج 3 ص 216، باب البناء على القبر، ومسند أحمد ج 3 ص 295 و 332 ورواه أيضاً مرسلا عن جابر ص 399 .
2. تهذيب التهذيب ج 6 ص 2 ـ 4 و ص 5 ـ 6 طبع دار المعارف العثمانية. ولاحظ ما ذكرناه في الجزء الأول ص 96 .


(193)

وعن شعبة: لم يكن في الدنيا أحبّ إلىّ من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزبير، فقدمت مكة فسمعت منه فبينا أنا جالس عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردّ عليه، فافترى عليه فقلت: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنّه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك شيئاً.

وعن ورقاء قال: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يزن ويسترجع في الميزان .

وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الزبير، فقال: يكتب ولا يحتج به قال: وسألت أبا زرعة عن أبي الزبير فقال: يروي عنه الناس قلت: يحتج بحديثه؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات(1) .

باللّه عليك أيصحّ الاستدلال بهذا الحديث؟ أفهل يصحّ هدم آثار النبوة والرسالة والصحابة بهذه الرواية؟ .

على أنّ بعض الأسانيد مشتمل على عبد الرحمن بن أسود المتّهم بالكذب والوضع .

هذا كله ما يتعلّق بالسند، وأمّا المتن ففيه ملاحظتان:

الأُولى: إنّ الحديث روي بِصوَر سبع، مع أنّ النبي نطق بصورة واحدة، ولو رجعت إلى متونه المبعثرة في المصادر الّتي أوعزنا إليهاترى فيها الاضطراب العجيب، وإليك صورها:

1- نهي رسول اللّه عن تجصيص القبر والاعتماد عليه .

2- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الكتابة على القبر .

3- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن تجصيص القبر، والكتابة والبناء عليه، والمشي عليه .


1. تهذيب التهذيب، ترجمة أبي الزبير ج 9 ص 442 طبع حيدرآباد ـ دكن عام 1326، ولاحظ: الطبقات الكبرى ج 5 ص 481 .


(194)

4- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر، وتجصيصه، والبناء والكتابة عليه .

6- نهي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر، وتجصيصه والبناء عليه .

7- نهي رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن الجلوس على القبر وتجصيصه والبناء عليه، والزيارة عليه، والكتابة عليه(1).

مضافاً إلى اختلافات أُخرى في أداء مقصود واحد، فيعبّر عنه تارة بالاعتماد، وأُخرى بالوطء، وثالثة بالقعود.

ومن المعلوم إِنَّ الاعتماد غير الوطء، وهما غير القعود، فمع هذا الاضطراب والاختلاف في المضمون لا يمكن لأي فقيه أن يعتمد عليه؟!.

الثانية: إنّ الحديث على فرض صحته لا يثبت سوى ورود النهي من النبي ولكن النهي منه تحريمي ومنه تنزيهي، وبعبارة أُخرى: نهي تحريم، ونهي كراهة، وقد استعمل النهي في كلمات الرسول في القسم الثاني كثيراً ولأجل ذلك حمله الفقهاء على الكراهة، فترى الترمذي يذكر هذا الحديث في صحيحة تحت عنوان كراهية تجصيص القبور، والسندي شارح صحيح ابن ماجة ينقل عن الحاكم النيسابوري أنّه لم يعمل بهذا النهي (بالمضمون التحريمي) أحد من المسلمين، بدليل أنّ سيرة المسلمين قائمة على الكتابة على القبور .

وأمّا الكراهة فربما تكون مرتفعة بالنسبة إلى المصالح العظيمة المترتبة عليه، كما إذا صار البناءعلى القبر سبباً لحفظ الآثار الإسلامية، وإظهار المودة لصاحب القبر الّذي فرض اللّه مودته على الناس(2)، أو يكون لاستظلال الزائر وتمكّنه من تلاوة القرآن وإهداء ثوابه إلى صاحب القبر، إلى غير ذلك من الأُمور


1. لاحظ في الوقوف على المتون المختلفة للحديث مضافاً إلى المصادر الّتي أوعزنا إليها، كتابنا (الوهابية في الميزان) ص 88 ـ 89 .
2. قال سبحانه: (قل لا أسألكم عليه أجراً الاّ المودة في القربى) (الشورى/23) .


(195)

الّتي يتمكّن الإنسان منها تحت الظل لا تحت الشمس ولا في برد الليل، فالنهي التنزيهي أشبه بالمقتضيات الّتي ترتفع بأقوى منها .

أحاديث ثلاثة في الميزان

فقد ورد في ذلك المجال أحاديث أُخر نذكرها بسندها ومتنها:

روى ابن ماجة في صحيحه ما يلي:

1- حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد اللّه الرقاشي، حدثنا وهب، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي سعيد أنّ النبي نهى أن يبنى على القبر(1) .

ويذكر ابن حنبل حديثاً آخر بسندين هما:

2- حدثنا حسن، حدثنا بريد بن أبي حبيب، عن ناعم مولى أُم سلمة عن أُم سلمة قالت: نهى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبنى على القبر أو يجصّص .

3- علي بن إسحاق، حدثنا عبد اللّه بن لهيعة، حدثني بريد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أُم سلمة: أنّ النبي نهى أن يجصّص قبر أو يبنى عليه أو يجلس(2) .

فسند الحديث الأول يشمل على (وهب) وهو مردد بين سبعة عشر رجلا، وفيهم الوضّاعون والكذّابون(3) .

والحديث الثاني والثالث لا يحتج بهما لاشتمالهما على (عبداللّه بن لهيعة) الّذي يقول فيه ابن معين:

ضعيف لا يحتج به، ونقل الحميدي عن يحيى بن سعيد أنّه كان لا يراه شيئاً(4) .


1. صحيح ابن ماجة ج 1 ص 474 .
2. مسند أحمد ج 6 ص 299 .
3. ميزان الاعتدال ج 3 ص 350 ـ 355 .
4. ميزان الاعتدال ج 2 ص 476، وتهذيب التهذيب ج 1 ص 444 .


(196)

هذه حال الأحاديث الّتي صارت ذريعة بيد الوهابيين لتدمير الآثار الإسلامية منذ أن استولوا على الحرمين الشريفين، حيث لا تمر سنة إلاّ ويدمّر أثر من الآثار الإسلامية بحجة توسيع الحرم الشريف، حتّى المكتبات وبيوتات بني هاشم ومدارسهم، وبيت مضيف النبي أبي أيوب الأنصاري، وفي الوقت نفسه يعكفون على حفظ آثار اليهود في خيبر وغيرهم باسم الحفاظ على الآثار التاريخية.

ثم إنّ القاضي ابن بليهد قد أعوزته الحجة فتمسّك بكون البقيع مسبلة موقوفة، وأنّ البناء على القبور مانع عن الانتفاع بأرضها. سبحان اللّه ما أتقنه من برهان؟ من أين علم أنّ البقيع كانت أرضاً حية وقفها صاحبها على دفن الأموات؟ .

ومن أراد أن يقف على حال البقيع، وأنه لم يكن فيها يوم أُعِدَّت للتدفين أي أثر من الحياة، فليرجع إلى كتاب (وفاء الوفاء) .

آخر ما في كنانة المستدل

ذكر البخاري في صحيحه في باب كراهة اتّخاذ المساجد على القبور الخبر التالي:

لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته القبّة على قبره سنة، ثم رفعت، فسمعوا صالحاً يقول:

ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه الآخر: بل يئسوا فانقلبوا(1) .

إنّ هذا الخبر لو صحّ فهو على نقيض المطلوب أدل، فهو يدل على جواز نصب المظلّة على القبر، ولو كان ذلك حراماً لما صدر من امرأة الحسن بن الحسن ـ عليهما السَّلام ـ لأنه كان بمرأى ومسمع من التابعين وفقهاء المدينة، ولعلها نصبت تلك القبة لأجل تلاوة القرآن في جوار زوجها وإهداء ثوابها إلى روحه .

وأمّا قول الصالح فهو أشبه بقول غير الصالح، كما أنّ الجواب أيضاً


1. صحيح البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 111، السنن للنسائي ج 2 كتاب الجنائز ص 171.


(197)

مثله، لأنه بصدد الشماتة على امرأة افتقدت زوجها وهي مستحقة للتعزية والتسلية لا الشماتة، لأنها ليست من أخلاق المسلمين، ولم تكن المرأة تأمل عودة زوجها إلى الحياة حتّى يقال إنها يئست، بل كان نصبها للمظلة للغايات الدينية والأخلاقية .

ترى هؤلاء الأغبياء يدمّرون آثار الرسالة وهم يتمسكون في ذلك بركام من الأوهام، ويسخرون من الذين أظهروا حباً لأهل بيت رسول اللّه الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وفرض مودّتهم وولاءهم وقال: (قُلْ لاَ أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى)(1) .

* * *

إلى هنا تبين أنّه ليس للقوم دليل، بل ولا شبهه على حرمة البناء على القبور، وأنهم لم يدرسوا صحاحهم ومسانيدهم حسبما درس السلف الصالح. والآن هلمّ معي أتلو عليك أدلة القائلين بالجواز، سواء أكان صاحب القبر رجلا عادياً أم كان عظيماً من عظماء الدين، وإليك بيانها:

عرض المسألة على الأدلة المحكمة

إذا وقفت على ضعف ما استدل به القوم على تحريم البناء على القبور، وسقوطه عن الاعتبار، فيجب عرض المسألة على الأدلة المحكمة الّتي لا يصحّ لأحد النقاش في اعتبارها وحجيتها .

فإذا دلت تلك الأدلة على الجواز، فلا محيص من طرح هذه الأحاديث الضعاف، أوحملها على الكراهة، أو غير ذلك. وإليك بيان تلك الأدلة:

1- الكتاب والبناء على القبور

يظهر من الكتاب أنّ البناء على القبور، بل بناء المسجد عليها كان جائزاً في الشرائع السابقة، وأنّ الناس عندما وقفوا على قبور أصحاب الكهف،


1. سورة الشورى: الآية 23 .


(198)

اختلفوا على قولين: فمن قائل: (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)(1) .

ومن قائل آخر: (لَنَتَّخِذَنّ عَليْهِم مَسْجداً)(2) .

والاستدلال بالآية واضح لمن يرى القرآن قدوة وأُسوة.

فإنّ القرآن ينقل كلا القولين، من دون أن ينتقدهما أو يعترض عليهما ويردع عنهما بل الظاهر أنّه ينقلهما بصورة التحسين، وأنّ أصحاب الكهف بلغ بهم ثباتهم في طريق العقيدة إلى حد لما عثر عليهم الناس اجتمعوا على تكريمهم واحترامهم، بل التبرك بهم، فمن قائل بلزوم البناء عليهم. وآخر باتخاذ مراقدهم مسجداً، وليس القرآن كتاب قصة وأُسطورة، وإنما هو كتاب إرشاد وقدوة وإمام. فلو كانوا في عملهم هذا ضالين لعلق على قولهم بشىء أو عابه، كما هو الحال فيما ينقل عن المشركين، والكافرين، عملا، أو رأياً.

قال سبحانه حاكياً كيفية غرق فرعون: (حَتّى إذَا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أنّهُ لاَ إلهَ اَلاّ الّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرائيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ)(3) ولأجل إيقاف المؤمنين على أنّ الإيمان في هذا الظرف غير مفيد، عقّب عليه بقوله:(ألآن وَقَد عَصَيْتَ قَبْلُ )وَكُنْتَ مِنَ الْمُفسِدِينَ)(4) .

فلأجل ذلك يكون القرآن قدوة في كل ما ينقله من أعمال الماضين، إلاّ إذا عقّب عليه بالرد، أو دلّت القرائن على كونه عملا غير مقبول .

2- السيرة المستمرة بين المسلمين

لم يزل الإلهيون من أهل الكتاب والمسلمين في قاطبة الأعصار يهتمون بمقابر الأنبياء والأولياء بالبناء والتعمير، ثم التطهير والتنظيف، حتّى نرى أنّ كثيراً من المتمكّنين يخصصون أموالهم ويوقفونها في هذا المجال.

فهذه القباب الشاهقة، والمنائر الرفيعة، والساحات الوسيعة حول


1. سورة الكهف: الآية 21 .
2. سورة الكهف: الآية 21 .
3. سورة يونس: الآية 90 .
4. سورة يونس: الآية 91 .


(199)

مراقد الأنبياء والأولياء، في مختلف البلاد شرقها وغربها، وهذا دليل قاطع على أنّ هذه السيرة كانت مرضية عن صاحب الشريعة وخلفائه وأصحابه، وإلاّ كان عليهم رفضها وردها بالبنان والبيان، والسلطة والقوة، فالسكوت في بعض الفترات ودعمها في بعض الأحايين أدلّ دليل على كونها سيرة مرضية.

نعم، إذا كان اتّخاذ المقابر مساجد على النحو الرائج عند اليهود والنصارى فهو محرّم، وقد نصّ الرسول على تحريمه، كما تأتي الروايات مع توضيحها، وهو مسألة أُخرى غير مجرّد البناء على القبور الّذي هو مسألتنا.

هذا هو السلف الصالح قد وقفوا ـ بعد ما فتحوا الشام ـ على قبور الأنبياء ذوات البناء الشامخ... فتركوها على حالها من دون أن يخطر ببال أحدهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بأنّ البناء على القبور أمر محرّم يجب أن تهدم، وهكذا الحال في سائر القبور المشيدة عليها الأبنية في أطراف العالم، وإن كنت في ريب فاقرأ تواريخهم، وإليك نص ما جاء في دائرة المعارف الإسلامية:

إنّ المسلمين عند فتحهم فلسطين وجدوا جماعة من قبيلة «لخم» النصرانية يقومون على حرم إبراهيم بـ «حبرون» ولعلهم استغلوا ذلك ففرضوا أتاوة على حجاج هذا الحرم.. وربما يكون توصيف تميم الداري نسبة إلى الدار، أي: الحرم، وربما كان دخول هؤلاء اللخميين للإسلام، لأنّه قد مكّنهم من القيام على حرم إبراهيم الّذي قدّسه المسلمون تقديس اليهود والنصارى من قبلهم(1) .

وجاء أيضاً في دائرة المعارف الإسلامية في مادة «الخليل»: ويقول المقدسي، وهو أول من أسهب في وصف الخليل: إنّ قبر إبراهيم كانت تعلوه قبة بنيت في العهد الإسلامي، ويقول مجير الدين: إنها شيدت في عهد الأمويين، وكان قبر إسحاق مغطّى بعضه، وقبر يعقوب قباله، وكان المقدسي أول من ذكر تلك الهبات الثمينة الّتي قدّمها الأُمراء الورعون من أقاصي البلاد إلى هذا الضريح، وذلك الاستقبال الكريم الّذي يلقاه الحجاج من جانب


1. دائرة المعارف الإسلامية ج 5 ص 484 مادة تميم الداري .


(200)

التميميين (1) .

ولو قام باحث بوصف الأبنية الشاهقة الّتي كانت مشيدة على قبور الأنبياء والصالحين قبل ظهور الإسلام، وما بناه المسلمون في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يومنا هذا في مختلف البلدان، لجاء بكتاب فخم ضخم، يعرب عن أنّ السّنة السنية الرائجة في تلك الأعصار قبل الإسلام وبعده، من عصر الرسول والصحابة والتابعين لهم إلى يومنا هذا، هي مشروعية البناء على القبور، والعناية بحفظ آثار رجال الدين، ولم ينبس أىّ ابن أُنثى حول ذلك ببنت شفة، وما اعترض عليها، بل تلقوها إظهاراً للمحبة والود لأصحاب الرسالات والنبوات وأصحاب العلم والفضل، ومن خالف تلك السنة وعدّها شركاً أو أمراً محرّماً فقد اتّبع غير سبيل المؤمنين قال سبحانه:

(وَمَنْ يَشَاقَقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلَ الْمؤْمِنينَ نُوَلِّه مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً)(2) .

وقد وارى المسلمون جسد النبي الأكرم في بيته المسقف، ولم يزل المسلمون مذ أن وورِيَ جثمانه، على العناية بحجرته الشريفة بشتى الأساليب، وقد بنى عمر بن الخطاب حول حجرته جداراً وقد جاء تفصيل كل ذلك مع ذكر وصف الأبنية الّتي توالت عليها عبر القرون في الكتب المتعلقة بتاريخ المدينة، لا سيما وفاء الوفاء للعلامة السَّمهودي المتوفى عام (911 هـ)(3) والبناء الأخير الّذي شيّد عام (1270 هـ) قائم لم يمسه سوء، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً عن الاجتراء .

وأمّا المشاهد والقباب المبنية في المدينة في العصور الأُولى فحدّث عنها ولا حرج، ولا سيما في بقيع الغرقد، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب التاريخ وأخبار المدينة .

هذا هو المسعودي المتوفى عام (345 هـ) يقول: «وعلى قبورهم في هذا


1. دائرة المعارف الإسلامية ج 8 ص 420 مادة خليل .
2. سورة النساء: الآية 115.
3. وفاء الوفاء ج 2 الفصل التاسع ص 458 إلى آخر الفصل .


(201)

الموضع من البقيع رخامة مكتوبه عليها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمدللّه مبيد الأُمم ومحي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علىّ بن أبي طالب، وعلىّ بن الحسين بن أبي طالب، ومحمد بن علىّ و جعفر بن محمد»(1) .

وذكر السبط ابن الجوزي المتوفى عام 654 هـ في تذكرة الخواص ص 311 نظير ذلك، وهذا هو محمد بن أبي بكر التلمساني يصف المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: «وقبر الحسن بن علىّ عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلا، عليه مكتوب: هذا قبر الحسن بن علىّ، دفن إلى جنب أُمه فاطمة رضي اللّه عنها وعنه(2) .

ويقول الحافظ محمد بن محمود بن النجار المتوفى عام 643 هـ في أخبار مدينة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :.. في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أول البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة، رضي اللّه عنهم(3) .

يقول ابن جبير ذلك السائح الطائر الصيت المتوفى عام 614 هـ في رحلته في وصف بقيع الغرقد: مقابل قبر مالك، قبر السلامة الطاهرة إبراهيم ابن النبي عليه قبة بيضاء وعلى اليمين منها تربة ابن عمر بن الخطاب (رضي الّه عنه)... وبإزائه قبر عقيل ابن أبي طالب (رضي اللّه عنه). وعبداللّه بن جعفر الطيار (رضي اللّه عنه)، وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويليها روضة العباس بن عبدالمطلب والحسن بن علي (رضي اللّه عنه)، وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج من، رأس الحسن إلى رجلي العباس (رضي اللّه عنهما)، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع، إلصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر، وعلى هذا


1. مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج 2 ص 288 .
2. مجلة العرب رقم 5 ـ 6 المؤرخ 1393 .
3. أخبار مدينة الرسول اهتم بنشره صالح محمد جمال ـ طبع مكة المكرمة 1366 .


(202)

الشكل قبة إبراهيم ابن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويعرف ببيت الحزن... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين (رضي اللّه عنه)، وعليه قبة صغيرة مختصرة، وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُم علىّ (رضي اللّه عنها) وعن بنيها(1).

روى البلاذري أنّه لما ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلى عليها «عمر» وكان دفنها في يوم صائف، ضرب «عمر» على قبرها فسطاطاً(2) ولم يكن الهدف من ضربه تسهيل الأمر لمن يتعاطى دفنها، بل لأجل تسهيله لأهلها حتّى يتفيّأوا بظلّه ويقرأوا ما تيسّر من القرآن والدعاء، فلاحظ .

حصيلة البحث

إنّ سيرة المسلمين من عصر الصحابة إلى التابعين إلى تابعي التابعين، إلى عصرنا هذا أقوى حجة على الحكم الشرعي ـ فإنّ اتفاق العلماء في عصر و «إجماعهم على حكم» حجة شرعية عليه، فكيف اتفاقهم عليه طيلة قرون، ولا سيما الصحابة العدول .

فالصحابة واروا جسد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في بيته، ولم يخطر ببال أحد أن البناء على القبور محرّم، ولا أظن أنّ جاهلا متنسّكاً يفرق بين البناء المتقدم على الدفن والمتأخر عنه، فضلا عن عالم، فإنّ كون قبر الميت تحت بناء تكريم له وتعظيم، والقوم يتلقونه شركاء لأنّه تعظيم لغير اللّه، فلا يفرق بين البناء على القبور أو دفن الميت تحت بناء .

وليس هذا شيء ينكره أحد من المسلمين .

والعجب أنّ الوهابيين لما واجهوا هذه السيرة المستمرة عمدوا إلى تفسير هذه السيرة بأنّ النبي إنما دفن في بيته، لأجل حديث رواه أبوبكر، قال ابن كثير: إنّ أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يدروا أين يقبرون


1. رحلة ابن جبير، بيروت دار صادر. وقد زار المدينة المنورة عام 578 هـ .
2. أنساب الأشراف ج 1 ص 436 .


(203)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى قال أبوبكر: سمعت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول:: لم يقبر نبىّ إلاّ حيث يموت(1) .

ثم أضاف المؤلف: فعلمنا من هذه الأحاديث أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دفن في بيته كما أمر بذلك، فعلى هذا فلا حجة فيه للقبوريين في البناء على القبور، إذ لم يبن على قبره، وإنّما دفن في بيته(2) .

ولا يخفى وجود التهافت في عبارته، فصدرها يدل على أنّ دفن النبي في بيته كان بأمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ولو لم يكن أمره لما دفنوه فيه، لأنّ الدفن في البناء حرام، وذيل العبارة يدل على التفريق بين الدفن تحت البناء القائم والبناء على القبر .

فلو أراد الوجه الأول كما هو ظاهره حيث استقصى مصادر الحديث المذكور قرابة ست صفحات، فهو مردود بدفن الشيخين في البيت، مع أنّه لم يرد في حقهما ما ورد في حق النبي .

ولو أراد الثاني فهو تفريق لا يجنح إليه ذو مسكة، بعد وحدة الملاك والاشتراك في المفسدة المزعومة.

وبعد دلالة الذكر الحكيم والسيرة على الجواز، لا مناص عن طرح هذه الروايات أو تأوليها.

3- البناء تعظيم لشعائر اللّه

إنّ تعظيم قبور الأنبياء والأولياء وتنظيفها وحفظها عن تطرق الفساد والانهدام مظهر لتعظيم شعائر اللّه قال سبحانه:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظَّم شَعَائِرَ اللّهِ فإنَّها مِنْ تَقْوى القُلُوبِ)(3) .


1. البداية والنهاية ج 5 ص 266، وقد جاءت مصادر هذه الرواية في كتاب رياض الجنة ص 264 .
2. رياض الجنة 269 .
3. سورة الحج: الآية 32 .


(204)

والاستدلال بالآية يتوقف على ثبوت صغرى وكبرى:

الغصرى عبارة عن كون الأنبياء وأوصيائهم ومن يرتبط بهم أحياءً وأمواتاً من شعائر اللّه... والكبرى عبارة عن كون البناء والتنظيف وصيانة المقابر تعظيم لشعائر اللّه .

ولا أظن أنّ الكبرى تحتاج إلى مزيد بيان، إنما المهم بيان الصغرى، وأنّ الأنبياء والأوصياء من شعائر اللّه، وبيان ذلك يحتاج إلى نقل ما ورد حول شعائر اللّه من الآيات :

1- (إنَّ الصّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّه)(1) .

2- (يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللّهَ وَلاَ الشّهْرَ الحَرَامِ وَلا الهَدْيَ وَ لاَ القَلاَئِدَ وَ لاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرَامَ يبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رضْوَاناً)(2) .

3- (وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِر اللّه لَكُمْ فِيْهَا خَيْرٌ)(3) .

4- وفي رواية أُخرى جعل مكان شعائر اللّه، حرمات اللّه وقال:

(ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنِ الأوثَانِ...)(4) .

ما هو المقصود من (شعائر اللّه) ؟

هنا احتمالات:

1- تعظيم آيات وجوده سبحانه .

2- معالم عبادته وأعلام طاعته .

3- معالم دينه وشريعته وكل ما يمتإليهما بصلة .


1. سورة البقرة: الآية 158 .
2. سورة المائدة: الآية 2 .
3. سورة الحج: الآية 36 .
4. سورة الحج: الآية 30 .


(205)

أمّا الأول فلم يقل به أحد، إذ كل ما في الكون آيات وجوده، ولا يصحّ تعظيم كل موجود بحجة أنه دليل على الصانع .

وأمّا الثاني فهو داخل في الآية قطعاً، وقد عدّ الصفا والمروة والبدن من شعائر اللّه، فهي من معالم عبادته وأعلام طاعنه، إنما الكلام في اختصاص الآية بمعالم العبادة وأعلام طاعته، الظاهر المتبادر هو الثالث، أي معالم دينه سبحانه، سواء أكانت أعلاماً لعبادته وطاعة أم لا، فالأنبياء والأوصياء والشهداء والصحف والقرآن الكريم والأحاديث النبوية كلها من شعائر دين اللّه وأعلام شريعته، فمن عظمها فقد عظم شعائر الدين .

قال القرطبي: فشعائر اللّه: أعلام دينه، لا سيما ما يتعلق بالمناسك(1) ولقد أحسن حيث عمّم أولا، ثم ذكر مورد الآية ثانياً، ومما يعرب عن ذلك أنّ إيجاب التعظيم تعلق بـ (حرمات اللّه) في آية أُخرى .

قال سبحانه: (وَمَنْ يُعظَّمْ حُرُماتِ اللّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ ربّه)، والحرمات ما لا يحل انتهاكه، فأحكامه سبحانه حرمات اللّه، إذ لا يحل انتهاكها، وأعلام طاعته وعبادته وحرمات اللّه، إذ يحرم هتكها وأنبياؤه وأوصياؤهم وشهداء دينه وكتبه وصحفه من حرمات اللّه، يحرم هتكهم، فلو عظّمهم المؤمن أحياء وأمواتاً فقد عمل بالآيتين: «وَمَن يَعظّم حرمات اللّه» «ومن يعظّم شعائر اللّه».

4- الإذن في ترفيع بيوت خاصة

لقد أذن اللّه تعالى في ترفيع البيوت الّتي يذكر فيها اسمه فقال: (في بُيُوت أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوَّ وِ الآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاّبَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّه)(2) وقد عرفت أنّ ابن تيمية جعل الآية دليلا على تكريم المساجد، ولكنّه غفل عن أنّ البيوت غير المساجد، فهناك بيت وهناك مسجد، والبيت هو البناء الّذي يتشكّل من جدران أربعة وعليها


1. تفسير القرطبي، طبع دار إحياء التراث العربي، ج 12 ص 56 .
2. سورة النور: الآية 36 ـ 37 .


(206)

سقف قائم، ولأجل ذلك يقال للكعبة بيت اللّه، وللساحة المحيطة به (المسجد الحرام) وأيضاً يستحب أن تكون المساجد غير مسقّفة، وترى المسجد الحرام مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يظلّه، دون البيت فالسقف من مقوماته .

قال سبحانه: (وَلَوْلاَ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بَالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِم سُقُفاً مِنْ فِضّة وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُون)(1) .

فالبيوت غير المساجد، ولو تنزلنا فهي أعمّ منها تشمل المسجد وغيره. هذا كله حول البيوت، وأمّا الرفع الوارد في الآية الكريمة فسواء أفسّر بالرفع الحسي بإرساء القواعد وإقامة الجدران كما في قوله سبحانه: (وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإسماعِيلُ)(2)، أَمْ فسّر بالرفع المعنوي كما هو الحال في قوله سبحانه: (وَرَفَعَنَاه مَكَاناً عَلياً)(3). أي منحناه مكانة عالية. فلو فسرّ بالرفع الحسّي يكون دليلا على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء، وتعميرها في حياتهم وبعد وفاتهم حسب إطلاق الآية، وقد كان بيوت كثير من الأئمة الصالحين هي مقابرهم، فتشييد هذه البيوت عمل جائز بنص الآية، وأمّا لو فسّر بالرفع المعنوي، وأنّ من وظائف المسلمين تكريم هذه البيوت كما هو المتبادر، فتعمير بيوتهم من مظاهر ذلك التعظيم المعنوي، كما أنّ تدميرها وجعلها معرضة لما لا يناسب ساحتهم، تجاهل لهذه الآية وتولٍّ عنها .

ومن لطيف ما روي في المقام ما رواه الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك، وبريدة، أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قرأ قوله: (في بيوت أذن اللّه أن ترفع) فقام إليه رجل وقال: أي بيوت يا رسول اللّه؟ فقال: «بيوت الأنبياء» فقام إليه أبوبكر وقال: يا رسول اللّه وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت علىّ وفاطمة ـ فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم من أفاضلها(4) .


1. سورة الزخرف: الآية 33 .
2. سورة البقرة: الآية 127 .
3. سورة مريم: الآية 57 .
4. الدر المنثور: ج 5 ص 50 .


(207)

فهذه الآية وحدها كافية في جواز تعظيم بيوت الأنبياء والأوصياء وأهل بيت النبي مطلقاً، ومقابرهم ومراقدهم إذا كانت بيوتهم .

5- إظهار المودة للنبي والقربى

إنّ القرآن الكريم ـ يأمرنا ـ بكل صراحة ـ بحب النبي وأقربائه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ومودّتهم ومحبّتهم فيقول:

(وَمَنْ يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ)(1) .

(قُل لا أسْالُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَودَّةَ فِي القُرْبَى)(2) .

ومن الواضح لدى كل من يخاطبه اللّه بهذه الآية أنّ البناء على مراقد النبي وأهل بيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو نوع من إظهار الحب والمودة لهم، وبذلك يخرج عن كونه بدعة لوجود أصل له في الكتاب والسنة، ولو بصورة كلية .

وهذه العادة متبعة عند كافة الشعوب، والاُمم في العالم، فالجميع يعتبرون ذلك نوعاً من المودة لصاحب ذلك القبر، ولذلك تراهم يدفنون كبار الشخصيات السياسية والعلمية في كنائس ومقابر مشهورة، ويزرعون أنواع الأزهار والأشجار حولها .

إلى هنا تمّ الكلام حول جواز البناء على القبور مطلقاً، وقبور الأنبياء والأوصياء والصالحين خاصة، على وجه لم يبق لمتدبّر فيه شكّ، ولا لمكابر إنكار، إلاّ من أعمى اللّه بصره وبصيرته .

هذه هي الآيات الواضحة الدلالة على جواز البناء، وهذه هي سيرة المسلمين المشرقة طوال القرون .


1. سورة المائدة: الآية 56 .
2. سورة الشورى: الآية 23 .


(208)

فلو فرضنا تعارض الأدلة من الجانبين، فالأصل هو الإباحة كما سيوافيك .

6- الأصل هو الإباحة

إنّ القائل بالحرمة يجب أن يستدل عليها، والقائل بالإباحة يكفيه الأصل (عدم الحرمة إلاّ ما قام الدليل على تحريمه) وقد عرفت أنّه ليس هناك شبه دليل على الحرمة، والآيات أدل دليل على أنّه سبحانه لا يعذب أُمَّةً إلاّ بعد إرسال الرسل و بعثهم، وهو كناية عن وصول البيان والتشريع إلى الناس، فلو لم يصل ـ وإن بلغه الرسول ـ لا يكون منجزاً في حق العبد. قال سبحانه:

(وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا)(1) .

وظاهر الآيات يعطي أن وظيفة التشريع تبيين المحرمات لا المباحات. قال سبحانه:

(قَلْ تَعَالُوا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم)(2) .

وقال: (قُلْ لاَ أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَىّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ..)(3) .

فإذا كان صعيد التشريع فارغاً عمّا يدل على التحريم فهو حجة على كون الشيء مباحاً محللا.

وإليك البحث عن بناء المساجد على قبور الصالحين، وهو الموضوع الخامس فيما طرحه ابن تيمية .

* * *


1. سورة الإسراء: الآية 15.
2. سورة الأنعام: الآية 151 .
3. سورة الأنعام: الآية 145 .

(209)

(5)

ابن تيمية وبناء المساجد على القبور

قال ابن تيمية: «ولا يشرع اتّخاذها ـ أي القبور ـ مساجد»(1) .

وقال أيضاً: «لا يجوز بناء المسجد على القبور» .

وقد استدلّ الوهابيون على ما يتبنّونه بالحديث التالي المروي بعبارات مختلفة:

1- «قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .

2- «لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

3- «ألا ومن كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك» .

4- «أخرجوا أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أنَّ شرار الناس الذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

5- «لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(2) .


1. مضى مصدرها .
2. راجع للوقوف على مصادر هذه الأحاديث صحيح البخاري كتاب الجنائز ج 2 ص 111، السنن للنسائي ج 2 كتاب الجنائز ص 871، صحيح مسلم ج 2 ص 568 كتاب المساجد وغيرها، وقد جمع مصادر الحديث وصوره المختلفة محمد ناصر الدين الألباني في كتابه تحذير الساجد ص 11 ـ 28 فذكر للحديث 14 صورة كما جمعها أبو عبدالرحمن مقبل بن هادي الوادعي في كتاب رياض الجنة ص 278 ـ 281 .


(210)

إنّ الوهابيين استغلوا هذا الحديث وخرجوا بهذه النتيجة بأنّ مفادها:

أ ـ حرمة بناء المساجد على القبور .

ب ـ وحرمة قصد الصلاة فيها .

حتّى قال ابن تيمية: إنّ المسجد والقبر لا يجتمعان(1) .

وهذا هو الكلام الّذي يجتره ويكرره كل من جاء بعده، فنظروا إلى الروايات بعقيدة مسبقة، وتركوا إجماع الأُمة ودلالة الكتاب على الجواز كما بيّناه، فنقول: إنّ لهذه الروايات محتملات:

1- الصلاة على القبور بالسجود عليها تعظيماً .

2- الصلاة باتّجاه القبور واتّخاذها قبلة .

3- بناء المساجد على القبور وقصد الصلاة فيها تبركاً بالمقبور .

4- إقامة الصلاة عند مراقد الأنبياء ومقابرهم فقط .

فهل للحديث إطلاق يعم هذه الصورة والمحتملات كما ادّعاه الألباني تبعاً لشيخه ابن تيمية، وزعم أنّ هذا الحديث من جوامع كلمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

أو أنّ الحديث ينصرف ـ بشهادة القرائن المتصلة والمنفصلة ـ إلى بعض الصور مما يلازم كون العمل شركاً، والمصلي مشركاً وخارجاً عن الحدود الّتي حددها الكتاب والسنة، كما هو الحق بشهادة القرائن العشر التالية؟ وإليك البيان:

1- إنّ الحديث يركّز على عمل اليهود والنصارى، وأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وينهى المسلمين عن متابعتهم في ذلك .


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 59 ـ 60 وزاد المعاد تأليف ابن القيم ص 661 .


(211)

وبما أنّ أهل الكتاب معروفون بالشرك وعبادة غير اللّه طيلة الأجيال والقرون، فالمسيحية تعبد ـ المسيح وأمه ـ كما أنّ كثيراً منهم اتخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون اللّه، يحرّمون ما أحلّ اللّه ويحلّلون ما حرّم اللّه .

اليهود هم الذين طلبوا من نبيهم أن يجعل إلهاً كما أنّ لغيرهم آلهة، وهم الذين عبدوا العجل، بل عبدوا بعد رحلة الكليم أرباباً وآلهة، فهم كأنهم مفطورون على الوثنية وعبادة البشر ـ فعند ذلك ـ ينصرف الحديث إلى عمل يلحق المسلم بهم، ولا يمكن أن يدّعى أنّ الحديث يعم ما إذا كان عمل اتخاذ القبور مساجد مجرّداً عن أىّ شرك، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرك بهم .

2- نرى أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يصف هؤلاء الجماعة بكونهم شرار الناس. فقد روى مسلم في كتاب المساجد أنّ أُم حبيبة وأُم سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها في الحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجد، وصَوّر فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللّه(1) .

إنّ توصيفهم بأنهم شرار الخلق عند اللّه، يميط الستر عن حقيقة عملهم، إذ لا يوصف الإنسان بالشر المطلق، إلاّ إذا كان مشركاً. قال سبحانه: (إنَّ شَرَ الدَّوابِّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الّذينَ لاَ يَعْقِلُونَ)(2)، وقال تعالى: (إنَّ شَرَّ الدّوَابِّ عِندَ اللّهِ الّذينَ )كَفَرُوا فَهُم لاَ يُؤْمِنُونَ)(3) .

كل ذلك يكشف عن مرمى الحديث، وأنّ عملهم لم يكن عملا مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملا مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة، كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة، أو السجدة عليها بمعنى اتخاذها مسجوداً .

3- إنّ الروايات الناهية الواردة في المقام على قسمين:


1. صحيح مسلم ج 2 كتاب المساجد ص 666 .
2. سورة الأنفال: الآية 22 .
3. سورة الأنفال: الآية 55 .


(212)

قسم يشتمل على اللعن، وهذا مختص باتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.

وقسم آخر مشتمل على مجرد النهي من دون اقتران باللعن، وقد ورد ذلك في مطلق القبور .

1- عن أبي مرصد الغنوي قال: قال رسول اللّه: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها(1) .

2- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : الأرض كلها مسجد إلاّ المقبرة و الحمّام(2) وغير ذلك .

3- عن عبداللّه بن عمر: نهى عن الصلاة في المقبرة(3) .

فعندئذ يجب التأمل في هذا التفريق، لماذا اقترن الأول (اتخاذ قبور الأنبياء مساجد) باللعن دون الآخر، وإنّما ورد فيه مجرد النهي، (المحمول على الكراهة مطلقاً، أو في ما إذا كان القبر بحيال المصلي، أو كانت الصلاة بين القبرين) وما هذا إلاّ لأنّ القسم الأول ناظر إلى عمل اليهود والنصارى في مورد قبور أنبيائهم .

وبما أنه كان مقترناً بالشرك بالسجود لها تعظيماً لهم، أو باتخاذها قبلة، استحقوا اللعن، وعرفوا بأنهم شرار الناس، ووهي المسلمون عن اتّباعهم .

وأمّا القسم الآخر فلم يكن مقترناً بذلك أبداً، فجاء فيه النهي مجرداً عن اللعن .

وبهذا لا يمكن القول بإطلاق الحديث و عموميته لكل الأحوال .

4- إنّ السيدة عائشة، قالت: قال رسول اللّه: «لعن اللّه اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: فلولا ذاك لأبرز قبره،


1. صحيح مسلم ج 7 ص 38 .
2. سنن أبي داود ج 1 ص 184 .
3. موارد الضمآن ص 10 كما في رياض الجنة .


(213)

غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً (1)

إنّ المسلمين بعدما دفنوا الّنبي في بيته سوّروه بحائط مستدير، لا مربّع، لئلا يشابه الكعبة .

ومن المعلوم أنّ التسوير بالجدران وعدم إبراز قبره إنما يمنع عن اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، وأمّا الصلاة في جنبه فلم يكن الجدار مانعاً عن إقامة الصلاة .

ومراد السيدة عائشة: إنّ عدم إبراز القبر وستره بالحيطان منع المسلمين عن أن يرتكبوا ما كان اليهود والنصارى يرتكبونه .

ومن المعلوم أنّ الجدران منعت عن الصور الشركية كصورة اتخاذه مسجوداً له أو قبلة، لا إقامة الصلاة المجردة من هذه الضمائم .

وهذا دليل واضح على أنّ الحديث كان بصدد نهي المسلمين عن اتخاذ القبر مسجوداً له أو قبلة .

والعجب من الشيخ الالباني حيث أراد استغلال الحديث لتأييد مذهبه، وموقفه، وفسِّر قولها: «فلولا ذاك لأبرز قبره» بأنّ المقصود هو الدفن خارج بيته، مع أنّ العبارة لا تتحمّل هذا، لانها تركزّ على ا لقبر الموجود، فيكون المقصود: ولو لا ذاك لكشف قبره ولم يتخذ عليه حائط .

5- قال أبو هريرة: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أللّهمّ لا تجعل قبري وثناً، لعن اللّه قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

إنّ العلاقة بين الجملتين تكشف عن أنّ المقصود هو: اتخاذ قبور الأنبياء مساجد على نحو يعود القبر وثناً يعبد، أو يصلى إليه .

وأمّا الصلاة للّه تبارك وتعالى وإلى الكعبة عند القبر تبركاً به فلا تجعل القبر وثناً يعبد، وهذا هو قول اللّه تعالى وهو يأمر الحجيج باتّخاذ مقام إبراهيم مصلّى، ويقول: (وَاتَّخِذوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلّى)(2)


1. البخاري ج 3 ص 159 ومسلم ج 2 ص 76 .
2. سورة البقرة: الآية 125 .


(214)

وليست الصلاة عند القبر إلاّ كمثل الصلاة عند مقام إبراهيم .

غير أنّ جسد النبي إبراهيم قد لامس هذا المكان مرة أو مرات عديدة، ولكن مقابر الأنبياء احتضنت أجسادهم الّتي لا تبلى دائماً.

6- إنّ علماء الحديث وجهابذته فهموا من هذه الأحاديث نفس ما قلناه، وإن لم يذكر الألباني وغيره شيئاً من هذه التفاسير .

أ ـ يقول العسقلاني: إنّما صوّروا أوائلهم الصور ليستأنسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أنّ أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها... إلى أن يقول: قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشانهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم ولا للتوجه نحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور(1).

ب ـ ويقول النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء إنما نهى النبي عن اتخاذ قبره و قبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدّى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأُمم الخالية. ولما احتاجت الصحابة والتابعون إلى زيادة في مسجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حين كثر المسلمون، وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة، مدفن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وصاحبيه، بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلاّ يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويعود المحذور. ولهذا قالت عائشة في الحديث عنه: ولو لا ذلك لأبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتّخذ مسجداً(2) .

ج ـ وقال السندي شارح الصحيح للنسائي: اتخذوا قبور أنبيائهم


1. فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 1 ص 525 ط دار المعرفة، وقريب منه ما في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ج 2 ص 437 باب بناء المساجد على القبور .
2. صحيح مسلم بشرح النووي، ج 5 ص 13 ـ 14 .


(215)

مساجد، أي قبلة للصلاة ويصلون إليها، أو بنوا مساجد يصلون فيها، ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يقضي إلى عبادة نفس القبر .

إلى أن يقول: يحذّر النبي أُمته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها، أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها(1).

د ـ وقال شارح آخر: إنّ حديث عائشة يرتبط بالمسجد البنوي قبل الزيادة فيه... أمّا بعد الزيادة وإدخال حجرتها فيه فقد بنوا الحجرة بشكل مثلث كي لا يتمكّن أحد من الصلاة على القبر، إنّ اليهود والنصارى كانوا يعبدون أنبياءهم بجوار قبورهم أو يجعلونهم شركاء في العبادة(2) .

هــ ـ قال الشيخ علي القاري: سبب لعنهم إمّا لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لهم، وذلك هو الشرك الجلي، وإمّا لأنهم كانوا يتخذون الصلاة للّه تعالى في مدافن الأنبياء، والسجود على مقابرهم، والتوجه إلى قبورهم حال الصلاة، نظراً منهم بذلك إلى عبادة اللّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وذلك هو الشرك الخفي. فنهى النبي أُمته عن ذلك إمّا لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود، أو لتضمنه الشرك الخفي. كذا قال بعض الشراح من أئمتنا ويؤيده ما جاء في رواية. يحذر مثل الّذي منعوا(3) .

و ـ إنّ المروي عن أئمة أهل البيت هو ما فهمه أولئك الشراح .

1- روى الصدوق مرسلا قال: وقال النبي: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإنّ اللّه لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(4). والمراد من قوله «مسجداً» بقرينة «قبلة» هو السجود عليه تعظيماً.

روى الشيخ الطوسي بأسناده عن معمر بن خلاد، عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ


1. السنن للنسائي ج 2 ص 41 طبع الأزهر .
2. صحيح مسلم ج 22 ص 66 .
3. مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح ج 1 ص 456 .
4. الوسائل: الجزء الثاني الباب 65 من أبواب الدفن. الحديث 2 .


(216)

قال: لا بأس بالصلاة بين المقابر ما لم يتخذ القبر قبلة(1) .

3- روى الصدوق في علل الشرائع بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر (الباقر) ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: الصلاة بين القبور، قال: بين خللها، ولا تتخذ شيئاً منها قبلة، فإنّ رسول اللّه نهى عن ذلك وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجداً، فإنّ اللّه عزّوجلّ لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(2) .

ولو كان المراد هو اتخاذ القبر قبلة حقيقة، بأن يصلى عليه من كل جانب كالكعبة، يكون حراماً لكونه بدعة، ولو كان المراد كون القبر أمامه وحيال وجهه، فيحمل على الكراهة لجريان سيرة المسلمين على الصلاة في الصفة في مسجد النبي، والقبر بحيال المصلي .

7- روى المفسرون في تفسير قوله سبحانه: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُم وَلاَ تَذَرُنَّ وُدّاً وَلاَ سُواعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)(3) .

عن ابن عباس: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قومهم، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، فلمّا طال عليهم الأمد عبودهم .

قال القرطبي: روى الأئمة عن أبي مرصد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يقول: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها (لفظ مسلم) أي لا تتخذوها قبلة، فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى(4) .

8- روى مسلم في صحيحه عن النبي الأكرم أنّه قال حينما قالت أُم حبيبة وأُم سلمة بأنهما رأتا تصاوير في إحدى كنائس الحبشة: إنّ أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصورة،


1. الوسائل الجزء الثالث، الباب 25 من أبواب مكان المصلي، الحديث 3 والباب 26 الحديث 3 .
2. نفس المصدر .
3. سورة نوح: الآية 23 .
4. تفسير القرطبي ج 10 ص 380 .


(217)

أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة(1) .

إنّ الهدف من وضع صور الصالحين بجوار قبورهم إمّا لغاية اتخاذها قبلة أو عبادة ذويها، كالصنم المنصوب، ومعه لا يمكن أن يستدل به على تحريم مطلق اتخاذ القبور، مساجد .

9- إنّ أقصى ما يدل عليه الحديث لو قلنا بإطلاقه هو أن يتّخذ مدفن الأنبياء مساجد، وأمّا بناء مسجد في جنب مدافنهم بحيث يكون المسجد وراء المدفن كما هو الحال في المشاهد المشرفة لأئمة الشيعة فلا يعمه النهي أبداً .

10- وعلى فرض وجود الإطلاق فإذا دار الأمر بين الأخذ بالكتاب(2) والسنة الرائجة بين المسلمين من عهد التابعين إلى يومنا هذا، حيث يصلون في مسجد النبي وقبره في وسطه، وبين إطلاق هذه الرواية فالأول هو المتعين .

إذا تبين عدم صلاحية الحديث للاستدلال على التحريم، فيجب علينا عرض المسألة على سائر الأدلة، وإليك البيان.

عرض المسألة على القرآن

كان الواجب على الوهابيين الذين يدمّرون الآثار الإسلامية بهذه الأحاديث عرض المسألة على القرآن الكريم الّذي هو تبيان لكل شيء .

قال سبحانه:

(وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شيء)(3) .

والقرآن صادق مصدّق لا يكذب ـ يذكر سبحانه ـ في قصة أصحاب الكهف أنّ القوم لما عثروا على أجسادهم المطرية في الغار اختلفوا على قولين: تذكرهما الآية التالية :

(وَكَذَلِكَ أعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَأنَّ السّاعَةَ لاَ رَيبَ)


1. صحيح مسلم ج 2 ص 66 كتاب المساجد .
2. سيوافيك بيان دلالة الكتاب على الجواز .
3. سورة النحل: الآية 89 .


(218)

فيها إذْ يَتنازَعُونَ بَيْنَهُم أمْرَهُم فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَبُّهُم أعْلَمُ بِهِم قَالَ الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِم لَنَتَّخِذَنّ عَلَيْهِم مَسْجداً))(1) .

فالآية صريحة في أن القوم بعد ما عثروا عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم على قولين:

1- البناء على قبورهم «ابنوا عليهم بنياناً».

2- بناء المسجد على قبورهم «لنتخذن عليهم مسجداً».

وكلتا الطائفتين يريدان التعظيم والتكريم على اختلاف منهجهم، والمعروف بين المفسرين أنّ القائلين بالقول الأول كانوا هم المشركين، وأنّ القائلين بالقول الثاني هم الموحدون والمسلمون، وسواء أثبت ذلك أم لا فإنّ العاثرين عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم، وعلى كل تقدير فالآية حجة على جواز بناء المسجد على القبور أولا، وعلى جواز بناء المسلمين عليها ثانياً، وذلك لأنّ القرآن يذكر القولين من دون رد وطعن، ولو كان كل من القولين ـ وخصوصاً القول الثاني ـ على خلاف الهداية وفي جانب الضلالة، لأشار إلى ردّه وطعنه، وليس القرآن كتاب قصة وإنما هو كتاب هداية، فلو كان يذكر شيئاً من الأُمم السالفة، فإنما هو للعبرة والاعتبار، ولأجل ذلك كثيراً ما يردّ عليهم بعد نقل كلامهم، فسكوت القرآن تجاه هذين القولين ونقلهما عن القوم بصورة كونه عملا مستحسناً، أقوى دليل على جواز العمل المذكور في الأُمة المحمدية .

قال الطبري في تفسير قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِه إلى المَدينةَ):

«إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فزعاً، ورأى أنّه حيران، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه: أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل، أمّا الغداة فاسمعهم، وكل


1. سورة الكهف: الآية 21 .


(219)

إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف...»(1) .

وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحدة مؤمنة متدينة بشريعة المسيح، رغم ما كانوا على ضده قبل ثلاثمائة سنة .

وقال في تفسير قوله تعالى: (فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْياناً) فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف: ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم يقول: رب الفتية أعلم بشأنهم وقوله: «قَالَ الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِم» يقول جلّ ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنّ عليهم مسجداً .

وقد نقل عن عبداللّه بن عبيد بن عمير: فقال المشركون نبني عليهم بنياناً، فإنهم آباؤنا، ونعبد اللّه فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منّاً، نبني عليهم مسجداً ونعبد اللّه فيه(2) .

وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الألباني في الرد على الاستدلال بالآية، من أنّ المراد من الغالبين هم أهل السلطة ولا دليل على حجية فعلهم، رجم بالغيب، فإنّ ما ذكره الطبري يدل على أنّ المراد هو الغلبة في مجال الدين، وتدهور الوثنية وازدهار التوحيد .

وهذا يدلّ على أنّ سيرة العقلاء في العالم تكريم موتاهم، وأنّ سيرة المؤمنين الموحدين اتخاذ مقابر الصالحين مساجد ليتبركوا بوجودهم وأجسادهم الذين كرسوا حياتهم في إشادة قوائم التوحيد ورفعوا صرحه، وكيف يتصور ممن قام بتكريم إمام الموحدين وسيدهم، أن ينحرف عن خطه الأصيل (التوحيد) ويعبد غيره سبحانه ويكون مشركاً، إلاّ إذا كان منحرفاً وأشرب في قلبه العجل ـ أعادنا اللّه من وساوسهم .

* * *


1. تفسير الطبري ج 15 ص 219 طبع مصطفى الحلبي بمصر، سورة الكهف الآية 19 .
2. تفسير الطبري ج 15 ص 225، ولاحظ تفسير القرطبي والكشاف للزمخشري وغرائب القرآن للنيسابوري في ذيل هذه الآية .


(220)

(6)

ابن تيمية وإقامة الصلاة عند قبور الأنبياء

هذا هو الموضوع السادس الّذي قال في حقه ابن تيمية: «ولا تشرع الصلاة عندها، ولا يشرع قصدها لأجل التعبّد عندها بصلاة واعتكاف، أو استغاثة وابتهال ونحو ذلك، وكرهوا الصلاة عندها، ثم كثير منهم قال: الصلاة باطلة لأجل النهي عنها، إلى أن قال: وإنما دين اللّه تعالى تعظيم بيوت اللّه وحدها التي تشرّع فيها الصلوات جماعة وغير جماعة، والاعتكاف، وسائر العبادات البدنية والقلبية من القراءة والذكر والدعاء له(1) .

يقول محمد بن عبد الوهاب: لم يذكر أحد من أئمة السلف أنّ الصلاة عند القبور وفي مشاهدها مستحبّة، ولا أنّ الصلاة والدعاء هناك أفضل، بل اتفق الكل على أنّ الصلاة في المساجد والبيوت أفضل منها عند قبور الأولياء والصالحين(2) .

وجاء في الجواب المنسوب إلى علماء المدينة: «أمّا التوجه إلى حجرة النبي عند الدعاء فالأولى منعه، كما هو معروف من معتبرات كتب المذهب، لأنّ أفضل الجهات جهة القبلة» .

وقد تجاوزت هذه المسألة على مر الزمان مرحلة المنع إلى مرحلة الشرك ،


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 60 .
2. زيارة القبور ص 159 ـ 160 .


(221)

حتّى أنهم اليوم يعتبرون ذلك شركاً، وكل من فعل ذلك يكون عندهم مشركاً، وإليك توضيح المسألة:

1- لا شك أنّ إقامة الصلاة عند القبور لغاية عبادة صاحب القبر أو اتخاذه قبلة شرك، ولكن لاتجد على وجه البسيطة مسلماً يفعل ذلك، بل لا يحوم حوله البعداء من الأوساط الإسلامية، فضلا عن المتحضّرين منهم، المتواجدين في الأوساط الدينية .

2- إنّ هدف المسلمين من إقامة الصلاة والدعاء عند قبور الأولياء، هو التبرك بالمكان الّذي احتضن جسد حبيب من أحبّاء اللّه، فيتمتع ذلك المكان بمنزلة سامية، فالصلاة والدعاء هناك يعودان بثواب أكثر على فاعلهما.

إنّ لمشاهد الأولياء ومراقدهم شرفاً وفضيلة خاصة لا توجد في غيرها، ولأجل ذلك أوصى الشيخان بدفنهما في جوار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فالمصلي لدى قبورهم لا يقصد سوى ما قصده الشيخان لا غير. فلو كان قصد التبرك بمكان شركاً فلماذا أوصى الشيخان بالدفن بجوار النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟ .

3- إنّ القرآن الكريم يأمر حجاج بيت اللّه الحرام بإقامة الصلاة عند مقام إبراهيم، وهو الصخرة الّتي وقف عليها إبراهيم لبناء الكعبة، فيقول: (وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً للنّاسِ وَأمْناً وَاتَّخذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهيمَ مُصَلّىً)(1) .

إنّ الصلاة في مقام إبراهيم لأجل التبرك بمقام النبي إبراهيم، فلو كانت عبادة اللّه تبارك وتعالى مقرونة بالتبرك بمكان المخلوق شركاً، فلماذا أمر به سبحانه، فهل هناك فرق بين مقامهم ومثواهم؟ .

4- سأل المنصور العباسي مالك بن أنس وهما في مسجد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا أبا عبد اللّه، أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول اللّه؟ فقال مالك: لم تصرف عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعك اللّه (2) .


1. سورة البقرة: الآية 125 .
2. وفاء الوفاء ج 4 ص 1376 .


(222)

والعجب أنّ الكاتب الوهابي (الرفاعي) حاول أن يكذب القصة، قال: «إنّ أبا جعفر المنصور كان من أعلم علماء عصره، فلا يصح أن يكون جاهلا فيستفسر» .

يا للعجب! من أين علم أنه كان مثل مالك بن أنس إمام المدينة المنورة؟

وهل له آثار في الفقه والحديث مثل مالك؟

ماهذه الكلمة الساقطة؟ وأي دليل على أنه لم يكن جاهلا بهذه المسألة فيستفسر مثله أو من هو أعلم منه ؟

5- روى السيوطي في أحاديث المعراج أنّ النبي الأكرم نزل في المدينة وطور وسيناء وبيت لحم، وصلّى فيها، فقال له جبرائيل: يا رسول اللّه أتعلم أين صلّيت؟ إنّك صليت في طيبة، وإليها مهاجرتك، وصلّيت في طور سيناء، حيث كلم اللّه موسى تكليماً، وصليت في بيت لحم حيث ولد عيسى(1) .

ولا أظن أن يتوهم أحد وجود الفرق بين المولد والمرقد بالتجويز في الأول دون الثاني .

6- إنّ المسلمين جميعاً يصلّون في حجر إسماعيل، مع أنّ الحجر مدفنه ومدفن أُمه هاجر، فأيٌ فرق بين مرقد النبي ومدفن أبيه إسماعيل؟

7- ولقد بلغت هاجر أُم إسماعيل مرتبة عند اللّه بسبب صبرها وتحمّلها المتاعب في سبيل اللّه سبحانه، فجعل اللّه موضع أقدامها محلا للعبادة، وأوجب على حجاج بيته الحرام أن يسعوا فيها كما سعت هاجر بين جبلي الصفا والمروة، فنسأل إذا كان صبرها على المكاره، وتحمّلها المتاعب في سبيل اللّه تعالى قد منحا الكرامة لموضع أقدمها، وأوجب اللّه على المسلمين أن يعبدوه سبحانه في ذلك المكان بالسعي بين الصفا والمروة، فلماذا لا يكون قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1. الخصائص الكبرى لجلال الدين السيوطي ج 1 ص 154 .


(223)

مباركاً ومقدساً، في حين أنّه تحمّل أنواع المصاعب والمصائب والمكاره من أجل إصلاح المجتمع وإرشاده .

قال ابن القيم ـ تلميذ ابن تيمية ـ : «إنّ عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطىء أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبّدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه»(1) .

8- إذا كانت الصلاة عند القبر محرّمة في الشريعة الإسلامية، فلماذا قضت عائشة عمرها في البيت الّذي دفن فيه الرسول؟ .

9- إنّ السيدة فاطمة الزهراء الّتي قال في حقها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ اللّه يرضى برضى فاطمة ويغضب بغضبها»(2) كانت تزور قبر عمّها حمزة في كل جمعة أو في كل أسبوع مرتين، وكانت تبكي وتصلّي عند قبره .

يقول البيهقي: كانت فاطمة (رضي اللّه عنها) تزور قبر عمّها حمزة كل جمعة، فتصلّي وتبكي عنده(3) .

10- إنّ مراقد الأنبياء ومشاهدهم تعدّ جزءاً من مطلق الأرض الّتي جعلها اللّه سبحانه محلا لعبادته، وقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً»(4) .

فما الدليل على إخراج مشاهد الأنبياء والأولياء والصالحين عن إطلاق الحديث المتفق عليه، أفيزعم الوهابي ان الصلاة في مشاهد الأنبياء ومراقدهم أقل ثواباً من مطلق الأرض؟!


1. زاد المعاد في هدى خير العباد طبع مصطفى البابي الحلبي، القاهرة بإشراف طه عبدالرؤوف 1390 هـ ق .
2. صحيح البخاري ج 5 باب مناقب قرابة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ص 20 ومستدرك الحاكم ج 3 ص 154 .
3. السنن للبيهقي ج 4 ص 78 مستدرك الصحيحين للحاكم ج 1 ص 377 .
4. صحيح البخاري ج 1 ص 91، مسند أحمد ج 2 ص 222 .


(224)

وأخيراً نرى أنّ المسلمين يقيمون الصلاة طيلة أربعة عشر قرناً عند قبر النبي والخليفتين، من دون أن يختلج ببال أحد من أنّ إقامة الصلاة عند القبور حرام أو مكروه .

كيف، ولو كان مكروهاً أو حراماً لما أوصى الإمام الحسن بن علي بدفن جسده المطهر عند قبر جده المصطفى ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى حالت بنو أُمية دون إنفاذ وصيته .

هذه الوجوه العشرة كافية لمن أراد اتباع الحق، ولا أظنّ أنّ المنصف المتحرّي للحقيقة ـ إذا تجرّد عن الهوى ـ ينبذ هذه الأدلة وراء ظهره .

* * *

وفي الختام نذكر حكم الإضاءة عند القبور، فربّما يحكم بالحرمة لما رواه النسائي عن ابن عباس أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لعن زائرات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسرج(1) .

إنّ هذا الحديث وأمثاله يهدف إلى ما إذا كانت الإضاءة تبذيراً للمال، أو تشبّهاً ببعض الأُمم والشعوب، وإلاّ فالإضاءة إذا كانت لغاية قراءة القرآن والدعاء لا تكون محرمة .

بل يقول العلامة السندي في شرحه على الحديث: «والنهي عنه لأنّه تضييع مال بلا نفع»(2) .

أضف إلى ما في الحديث من لعن زائرات القبور، مع أنّ عائشة زارت البقيع مع النبي، وقد علّمها كيفية الزيارة كما تقدم حديثه .


1. السنن للنسائي ج 3 ص 77 .
2. السنن للنسائي ج 3 ص 77 طبع مصر وج 4 ص 95 طبع بيروت شرح الجامع الصغير ج 2 ص 198 .


(225)

(7)

ابن تيمية والتوسل بالأنبياء والصالحين

إنّ التوسل بالأنبياء والصالحين في حال حياتهم أو بعد التحاقهم بالرفيق الأعلى من الأُمور الرائجة بين الموحدين في جميع الأجيال والقرون، وقد أثارت فتوى ابن تيمية فيها بالحرمة ضجّة كبرى بين المسلمين، فالمسلمون كانوا إلى عصر ابن تيمية على جواز التوسل بشروطه المسوغة، إلى أن جاء ابن تيمية فأفتى بالحرمة، وتبعه الوهابيون، فأقصى ما جاز عندهم من التوسل هو التوسل بدعاء النبي في حال حياته، غير أنّ الشبه والظنون الّتي اعتمدوا عليها في منع التوسل كانت تقتضي منع هذا القسم أيضاً، لأنّه توسل بالمخلوق لا محالة في مقام العبادة، لكنّهم لم يجدوا منتدحاً عن القول بجوازه لتصريح القرآن به، حيث حثّ المسلمين على المجىء إلى النبي وطلب الاستغفار منه، قال سبحانه: (وَلَوْ أنّهُم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(1)، وقال سبحانه: (وَإذَا قِيلَ لَهُم تَعَالَوا يَسْتَغْفِرْ لَكُم رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُؤوُسَهُم )وَرَأيْتَهُم يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(2) وقال سبحانه ناقلا عن أبناء يعقوب (يَا أبَانا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنّا كُنّا خَاطِئِينَ)(3) .


1. سورة النساء: الآية 64 .
2. سورة المنافقون: الآية 5 .
3. سورة يوسف: الآية 97 .


(226)

ولأجل الحط من شأن النبي وكرامته يجعلون النبي مساوياً للمؤمنين ويقولون: «إنّ التوسل الجائز هو التوسل بدعاء المؤمن حال حياته، ولو جاز التوسل بدعاء النبي فليس هذا إلاّ لكونه أحد المؤمنين، ويجوز التوسل بدعاء كل أخ مؤمن من غير فرق بين النبي وغيره، وأمّا غير ذلك فكله ممنوع».

وستوافيك أقسامه وكلماتهم فيها، وبما أنّ الوهابيين مازالوا يستدلون ضد المتوسلين ببعض الآيات، نقدم البحث عنها ونقول:

آيتان على طاولة التفسير

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُم وَلاَ تَحْويلا * أُولئِكَ الّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِم الوَسِيلَةَ أيُّهُمْ أقْرَبُ، وَيَرجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُوراً)(1).

يقول محمد نسيب الرفاعي مؤسس الدعوة السلفية وخادمها في الرياض: إنّك ترى أنّ اللّه تعالى يلفت أنظار المؤمنين إلى أنّ عمل المشركين بالتزلّف إلى اللّه بأشخاص المخلوقين لا يفيدهم شيئاً، لأنهم لا يملكون كشف الضرّ عنهم ولا تحويلا، فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يوصلهم، لأنهم أخطأوا الطريق إلى اللّه .

إنّ هاتين الآيتين في سورة الإسراء نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنّيون، أمّا الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعروا بإسلامهم، فأخبرهم اللّه بوحيه المنزل على عبده ورسوله محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّ هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقرّبونهم إلى اللّه زلفى، يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم بالتقرّب إلى الله تعالى، ويرجون رحمته و يخشون عذابه، فكيف أيها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم وتوسّطونهم، فما الّذي تؤملون منهم وهم على أشدّ ما يكونون حاجة إلى اللّه تعالى، فالذي لا يملك شيئاً، لا يعطي شيئاً(2).


1. سورة الإسراء: الآية 56 ـ 57 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 12 ـ 13 .


(227)

إنّ الاستدلال بهاتين الآيتين على رد التوسل الشائع بين المسلمين من عجيب الأُمور، فإنّ التوبيخ فيهما متوجّه إلى المشركين الذين كانوا معتقدين بألوهية معبوداتهم، وأنهم يملكون كشف الضر وتحويل السوء عن الدعاة، واللّه سبحانه يرد عليهم بأنّ المدعوين في أشد الحاجة إلى طلب التقرب إلى اللّه سبحانه، فكيف يمكن لهم كشف الضر عنهم؟ وأيّة صلة بين أولئك المشركين المعتقدين بألوهية المدعوين، والموحدين الذين يعتقدون بأنّه لا يملك كشف الضر إلاّ اللّه، ولكنّهم يوسّطون بينهم وبين ربّهم أحد عباد اللّه الصالحين، الّذي له مكانة عند اللّه، لعلّه سبحانه يجيب دعوته لأجله وحرمته ومقامه، وليس ذلك ببدعة، فقد أمر بتوسيط دعاء النبي في طلب المغفرة من اللّه، وأمر العصاة أن يطلبوا منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الاستغفار على ما عرفت .

والقسمان يشتركان في توسيط المخلوق، سواء أكان ذاته القدسية أمْ دعاءَهُ المستجاب .

ثم إنّه في ذيل كلامه يقول: «إنّ الذين كان العرب يوسطونهم في توسلاتهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة، فما بال المسلمين المتوسلين لا يقتدون بهم، ولم لا يفعلون ما يفعلون ما داموا بهم وبصلاحهم واثقين»؟ .

وللملاحظة والتدبّر في كلامه مجال واسع:

أمّا

أولا ـ فمن أين علم أنّ هؤلاء الذين كان العرب يوسطونهم كانوا يتقربون إلى اللّه بأعمالهم الصالحة؟ فليس في الآية شيء يدل على ذلك .

وثانياً ـ لو صحّ ذلك فمعنى كلامه أنّ التوسل منحصر في ذلك، مع أنّه من المجوزين لتوسل المسلم بدعاء النبي في حال حياته، بل بدعاء أخيه المسلم، فلماذا صار التخلف هيهنا عن هديهم ومذهبهم جائزاً مع أنهم لم يكونوا متقربين إلاّ بأعمالهم فقط .

والحق أنّ الكاتب اتّخذ موقفاً مسبقاً في مجال التوسل، وهو إحياء ما بذره ابن تيمية، فلذلك ترى أنّه يقفو في كتابه أثر شيخه، بلا تخلّف عنه قيد شعرة، مع أنه يتظاهر في بدء كتابه بأنه يريد أن يعالج الموضوع علاجاً محايداً


(228)

عن كلّ تحيّز(1) .

أقسام التوسل: المشروع والممنوع عند الوهابيين

ثم إنّ الرفاعي لغاية التظاهر بالحياد في الكتابة عن التوسل، يقسمه إلى مشروع وممنوع ويقول: وينقسم التوسل المشروع إلى ثلاثة أقسام:

1- توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بذاته العلية، وبأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى .

2- توسل المؤمن إلى اللّه تعالى بأعماله الصالحة .

3- توسل المؤمن إلى الّه تعالى بدعاء أخيه المؤمن له .

ثم إنّه يقدم الكتابة في الموضوعات الثلاثة فيما يقرب من مائة وسبعين صفحة، مع أنّ هذه الموضوعات من المسائل البديهية لدى الأُمم جمعاء، فضلا عن المسلمين، ولكنّه جاء يصرف القلم والحبر والورق في هذه الموضوعات لغاية التظاهر بأنه ليس مانعاً من التوسل، لكن التوسل المشروع هو هذه .

ثم إنّه خصّ الشطر الآخر من كتابه التوسل الممنوع، وجعله ثلاثة :

1- التوسل إلى اللّه بذوات النبيين والصالحين، وبالأمكنة الفاضلة كالكعبة والمشعر الحرام، وبالأزمنة المباركة كشهر رمضان وليلة القدر وأشهر الحج والأشهر الحرم .

2- التوسل إلى اللّه بجاه فلان أو حرمته أو ما أشبه ذلك .

3- الإقسام على اللّه تعالى بالمتوسل به .

ثم إنّه بدأ في البحث عن أحكام هذه التوسلات الثلاثة، وخرج بالمآل بحرمتها إمّا بالطعن في أسناد الأحاديث، أو بنقد مضامينها، مع أنّ المأثورات الواردة في ذلك المقام مستفيضة أو متواترة بالمعنى، فمن العجيب المناقشة في أسناد المستفيض أو المتواتر. نعم إنّ الشيخ الرفاعي تنازل عن توصيف هذه


1. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 9 .


(229)

التوسلات بالشرك، وأفتى بحرمتها، مع أنّ المعروف من ابن تيمية وأذنابه هو توصيفها بالشرك، أو كونها ذريعة له .

يقول ابن تيمية في بيان مراتب التوسل :

أحدها: إنَّ الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، وسواء أكان من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أمْ غيرهم، فيقال: يا سيدي أغثني، وأنا مستجير بك وغير ذلك، فهذا هو الشرك باللّه .

الثاني: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء الصالحين: ادع اللّه وادع لنا ربك ونحو ذلك، فهذا مما لا يستريب عالم في أنه غير جائز .

الثالث: أن يقول: أسالك بجاه فلان عندك وحرمته ونحو ذلك(1) .

ترى أنّه وصف الصورة الأُولى بالشرك والثانية والثالثة بعدم الجواز، فقد فرغنا من تبيين معيار التوحيد والشرك فلا نعيد، وإنّما نتكلم في الجواز وعدمه، ولنبحث عن الصور الثلاث الّتي جاءت في كلام الرفاعي، وزعم أنها ممنوعة، فنقول:

* * *


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 22 ـ 23 .

(230)


(231)

اقسام التوسل:

(1)

التوسل بالأنبياء والصالحين أنفسهم

احتج الشيخ السلفي المعاصر على التحريم بوجوه واهية مدحوضة، وإليك بيانها:

1- لو كان هذا النوع من التوسل مشروعاً حقيقة لذكره الشارع في زمرة ما ذكره وحثّ كذلك الناس عليه، وليس معقولا أن يهمله اللّه تعالى ولا يبلّغه رسوله .

2- إنّ اللّه عاب في الآية المتقدمة (آية الإسراء) محاولتهم القربى والزلفى إليه تعالى بالأشخاص والعباد المخلوقين، فكلا الأمرين في الآية عيب وذنب .

3- إن أرادوا بالواسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد فهو من أعظم الشرك(1) .

يلاحظ على الوجه الأول: أنّ القائلين بالتوسل بالأشخاص يدّعون أنّ النبي ذكره في كلامه، وقد نقل هو في نفس الكتاب ستة وعشرين دليلا عنهم، وهو بين حديث مروي عن النبي، وأثر منقول عن الصحابة في ذلك المجال، وهو وإن ناقش في أسنادها غالباً، لكنّه غفل ـ بعد تسليم ما ناقشه ـ عن أنّ هذا العدد الهائل من الأخبار، أخبار متواترة بالمعنى، ولا وجه للمناقشة في


1. التوصل إلى حقيقة التوسل 177 ـ 180 .


(232)

المتواتر، ولو صحّ النقاش في المتواتر فربما تكون جميع الأسناد زائفة باطلة .

ويلاحظ على الوجه الثاني: أنّ اللّه تعالى عاب عليهم بعبادتهم الوسائل الّتي يوسّطونها بينهم وبين اللّه، لا لتوسلهم بالأشخاص والعباد. قال سبحانه نقلا عنهم: (مَا نَعْبُدُهُم إلاّ لِيُقَرّبُونَا إلى اللّهِ زُلْفَى)(1) فكم فرق بين أن يعيب سبحانه توسيط الصالحين في دعائه سبحانه، وأن يعيب عبادتهم الصالحين ليتوسطوا بينهم وبين اللّه، والآية تهدف إلى الثاني دون الأول، وما هذا الاعوجاج في الفهم لو لم يكن عناداً؟ .

يلاحظ على الوجه الثالث: أنّه فرية واضحة لا تصدر عن مسلم، بل يريدون منهم الدعاء والطلب من اللّه مثل حال حياتهم، أو يطلبون من اللّه سبحانه قضاء حاجتهم، لأجل حرمة الوسائط الذين كرمهم اللّه في الدنيا والآخرة، فالمدعو الحقيقي هو اللّه سبحانه، وهو الكعبة المقصودة مآلا .

إذا وقفت على دلائله الداحضة. هلمّ نقرر أدلة القائلين بجواز هذا النوع من التوسل، وهي أدلة مشرقة لا تبقي لأحد شكاً، وإليك البيان:

1- توسل الضرير بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

عن عثمان بن حنيف أنه قال:

إنّ رجلا ضريراً أتى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال:

ادع اللّه أن يعافيني .

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير .

قال: فادعه! فأمره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يتوضّأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين. ويدعو بهذا الدعاء:

«أللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إنى أتوجه


1. سورة الزمر: الآية 3 .


(233)

بك إلى ربي في حاجتي لتقضى، أللّهمّ شفّعه فيّ» قال ابن حنيف:

واللّه ما تفرّقنا وطال بنا الحديث، حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضر.

كلمات حول سند الحديث

قال ابن تيمية: وقد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنه علّم رجلا أن يدعو فيقول:

«أللّهمّ إنّي أسألك وأتوسل بنبيك... وروى النسائي نحو هذا الدعاء(1) .

وقال الترمذي: هذا حديث حق حسن صحيح .

وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح .

وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح ومشهور...(2) .

نعم حاول السيد محمد رشيد رضا، مؤلف المنار، الّذي علق على كتاب مجموعة الرسائل والمسائل، تأليف ابن تيمية، أن يضعف الحديث بحجة أنه ورد في سنده أبو جعفر، وأنه غير أبي جعفر الخطمي(3) .

ولكن المحاولة فاشلة، فإنّ إمام مذهبه أحمد في مسنده وصفه بالخطمي، ونقل الرفاعي عن نفس ابن تيمية أنّه جزم بأنّه هو أبو جعفر الخطمي، وهو ثقة(4) ووصفه الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه بـ (الخطمي المدني) .

ولأجل أن يقف القارىء على مظانّ الحديث في الصحاح نذكره مصادره:

1- سنن ابن ماجة، الجزء الأول، ص 441 رقم الحديث 1385


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 13 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 158 .
3. مجموعة الرسائل والمسائل ص 13 قسم التعليقة .
4. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 228 .


(234)

تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء الكتاب العربي، وقد عرفت تنصيصه بأنه حديث صحيح .

2- مسند أحمد، ج 4 ص 138 عن مسند عثمان بن حنيف، طبع المكتب الإسلامي مؤسسة دار صادر، وقد روي هذا الحديث عن ثلاثة طرق .

3- صحيح الترمذي ج 5، كتاب الدعوات، الباب 119، الحديث برقم 3578، وقد عرفت كلمته في حق الحديث .

4- مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري، الجزء الأول ص 313 طبع حيدر آباد الهند .

قال بعد ذكر الحديث: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه .

5- المعجم الكبير للطبراني: الجزء التاسع باب (ما أسند إلى عثمان بن حنيف) ص 17 برقم 8311 ، قال المعلق في ذيل الصفحة: ورواه في الصغير 1/183 ـ 184 وقال: لم يروه عن روح بن أبي القاسم إلاّ شبيب بن سعيد المكي، وهو ثقة، وهو الّذي يحدث يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي ـ واسمه عمير بن يزيد ـ وهو ثقة، تفرد به عثمان بن عمر بن فارس بن شعبة، والحديث صحيح .

وبعد هذا كله لا مجال للمناقشة في سند الحديث أو الطعن فيه، كيف والخصم الّذي يحاول أن يضعف كل صحيح، فشلت محاولته في حقه، فسلم سنده، ولكن مضى يناقش في دلالته، وسيوافيك أنها أيضاً محاوله فاشلة .

دلالة الحديث

إنّ الحديث يدلّ بوضوح على أنّ الأعمى توسل بذات النبي بتعليم منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فهو وإن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر، ولكنّ النبي علّمه دعاء تضمّن التوسل بذات النبي، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث .


(235)

وبعبارة ثانية: الّذي لا ينكر عند الإمعان في الحديث أمران:

الأول: إنّ الراوي طلب من النبي الدعاء، ولم يظهر منه توسل بذات النبي .

الثاني: إنّ الدعاء الّذي علّمه النبي تضمّن التوسل بذات النبي بالصراحة التامة، فيكون دليلا على جواز التوسل بالذات، وإليك الجمل الّتي هي صريحة في المقصود:

1-اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك .

إنّ كلمة «بنبيك» متعلقة بفعلين: «أسالك» و «أتوجه إليك» والمراد من النبي نفسه المقدسة وشخصه الكريم، لا دعاؤه .

إنّ من يقدّر كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيك» ويصوّر أنّ المراد: أسألك بدعاء نبيك، أو أتوجه إليك بدعاء نبيك، فهو يتحكم بلا دليل، ويؤوّل بلا جهة، ولو أنّ محدثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهمية والقدرية .

2- «محمد نبي الرحمة» .

لكن يتضح أنّ المقصود هو السؤال من اللّه بواسطة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وشخصيته جاءت بعد كلمة (نبيك) جملة «محمد نبي الرحمة» لكن يتضح الهدف بأكثر ما يمكن .

3- إنّ جملة «يا محمد إني أتوجه إلى ربي» تدل على أنّ الرجل ـ حسب تعليم الرسول ـ اتخذ النبي نفسه وسيلة لدعائه، أي أنه توسل بذات النبي لا بدعائة .

4- إنّ قوله: «وشفّعه فىّ»: معناه يا ربّ اجعل النبي شفيعي وتقبّل شفاعته في حقي، وليس معناه تقبّل دعاءه في حقي .

5- فإنَّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتّى يكون معناه: استجب دعاءه في حقي، ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي، إذ


(236)

ليس دعاؤه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من الأُمور غير المهمة حتّى يتسامح الراوي في حقه .

نعم، إنّ الراوي طلب الدعاء من النبي، والنبي وعده بالدعاء حيث قال: إن شئت دعوت، ولكن النبي لمّا علّمه دعاء مؤثراً في قضاء حاجته، وسكت عن دعاء نفسه، صار هذا قرينة على أنّ وعده بالدعاء، كان أعم من الدعاء المباشري أو التسبيبي. فالدعاء الّذي وعد به النبي هو نفس الدعاء الّذي علمه الضرير، فكان دعاء له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالتسبيب كما كان دعاء للضرير بالمباشرة .

فالنقطة المركزية في هذا التوسل هي شخص رسول اللّه وشخصيته الكريمة، لا دعاؤه، وإن كان دعاؤه ـ في سائر المواضع ـ أيضاً مؤثراً مثل التوسل بشخصيته، ومن تأمل في ما ذكرنا من القرائن يجزم بأنّ المتوسل به بعد تعليم النبي، هو نفس الرسول و شخصيته .

6- ولنفترض أنّ معنى قوله: «وشفّعه فىّ»: استجب دعاءه في حقي، ونفترض أنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ مضافاً إلى ما علّمه من الدعاء ـ قام بنفسه أيضاً بالدعاء، ودعا الباري سبحانه أن يرد إليه بصره، ولكن أيّة منافاة بين الدعاءين حتّى يكون أحدهما قرينة على التصرف في الآخر .

فهناك كان دعاء من النبي ولم يذكر لفظه، ودعاء آخر علمه الرسول للضرير وقد تضمّن هذا الدعاء التوسل بذات النبي وشخصه، وليس بين الدعاءين أي تزاحم وتعارض حتّى نجعل أحدهما قرينة على الآخر .

تشكيك الرفاعي في دلالة الحديث

إنّ الخصم قد عجز عن الدفاع عن مذهبه وهو يواجه هذه الرواية، فإنها بصراحتها تقاومه وتكافحهه، فعاد يكرر ما ذكره شيخه في رسائله، غير أنّ شيخه: نقله بصورة الاحتمال، ولكن الرفاعي ذكره بحماس.

قال ابن تيمية: «ومن الناس من يقول: هذا يقتضي جواز التوسل بذاته مطلقاً، حياً وميتاً، ومنهم من يقول: هذه قضية عين وليس فيها إلاّ


(237)

التوسل بدعائه وشفاعته، لا التوسل بذاته»(1) .

ترى أنّ شيخ الرفاعي ينسبه إلى الغير عن تردد وشك، ولكن الرفاعي عاد يكرر هذا المطلب بثوب جديد، ويدّعي أنّ السائل لم يقصد التوسل بذات الرسول بل بدعائه المستجاب، ويستدل على ذلك بالعبارات التالية:

1- قول الأعمى لرسول اللّه: ادع اللّه أن يعافيني.

2- جواب الرسول له: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت .

3- إصرار الأعمى على طلب الدعاء منه بقوله: فادعه .

4- قول الأعمى في آخر دعائه الّذي علمه إياه رسول اللّه: اللّهمّ شفّعه فىّ. فاستنتج من ذلك كله أنّ المتوسل به هو دعاؤه .

ولقد عزب عن المسكين أن الوجوه الثلاثة الأُولى لا تمت إلى مقصوده بصلة، لما عرفت من أنّ الأعمى في محاورته مع الرسول لم يكن يخطر بباله إلاّ طلب الدعاء، ولأجل ذلك طلب منه الدعاء، وأنّ الرسول لما خيره بين الدعاء والصبر على الأذى، اختار الدعاء ورفض الصبر، غير أنّ النقطة المركزية للاستدلال ليست هذه المحاورة، وإنّما هو الدعاء الّذي علّمه رسول اللّه الضرير، فإنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ علمه دعاء يتضمن التوسل بذات النبي: وبعبارة ثانية: كانت هناك حالتان:

الأُولى: المحاورة الابتدائية الّتي وقعت بين النبي والضرير، فكان الموضوع هناك دعاء الرسول بلا شك .

الثاني: الدعاء الّذي علمه الرسول، فإنه تضمن التوسل بذات النبي، فالتصرف في هذا النص بحجة أن الموضوع في المحاورة الأُولى هو الدعاء، تصرف عجيب، فإنّ الأعمى وإن لم يتردد في خلده سوى دعاء الرسول المستجاب، ولكن الرسول علمه دعاء جاء فيه التوسل بذاته. ونحن نفترض أنه كان من الرسول، دعاء غير ما علمه للضرير، ولكن أية ضرورة تقضي بأن نؤوّل ما ورد في العبارة التي علّمها للسائل؟


1. مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 13 .


(238)

فما هذه الشبه والظنون الّتي يتمسك بها الرفاعي في سبيل دعم مذهبه؟

باللّه عليك أيها الكاتب الوهابي الّذي يعيش عيشاً رغداً في الرياض في ظل الثروة الطائلة للسلطة، لولا أنّك من القائلين بمنع التوسل بذات النبي، هل كان يخلد ببالك أن المراد من الدعاء الّذي علمه للضرير، هو التوسل بدعاء النبي لا ذاته؟ ولولا أنك قد أخذت موقفاً مسبقاً في الموضوع، هل كان يتردد في ذهنك تأويل ذلك النص؟ وأنت وأشياخك ونظراؤك تصبّون القارعات على الذين يؤوّلون الصفات الخبرية كاليد والاستواء والوجه، وتصفونهم بالجهمية والمؤوّلة وغير ذلك من الألفاظ الركيكة، فكيف تسوّغون تأويل هذا النص الّذي لا يرتاب فيه إلاّ من اتخذ رأياً مسبقاً؟

وأمّا قوله: «وشفّعه فيّ» فقد قلنا إنّ المراد: اجعله شفيعاً لي، وليس معناه استجب دعاءه في حقي، وإلاّ لما عدل عن اللفظ الصريح إلى هذا اللفظ الّذي ليس بواضح في ما يريدون .

والعجب أنّ الرفاعي يتمسك بالطحلب ويقول:

«لو كان قصده التوسل بشخص الرسول أو بحقه أو بجاهه لكان يكفيه أن يبقى في بيته، ويدعوا اللّه قائلا مثلا: اللّهمّ ردّ بصري بجاه نبيك، دون أن يحضر ويتجشم عناء المشي...

ولكن ليس هذا بعجيب ممن اتّخذ رأياً مسبقاً في الموضوع، وذلك لأنّ الضرير لم يكن متذكراً هذا النوع من التوسل حتّى يجلس في بيته ويتوسل به ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وإنّما علّمه النبي الأكرم، وما معنى هذا الترقب من الرجل؟.

ثمّ إنّ الكاتب يدّعي أن لفظ الحديث ومفاهيم اللغة العربية وقواعدها كلها تشهد بأنّ معناه هو التوسل بدعاء النبي، ماذا يريد من لفظ الحديث؟ هل يريد المحاورة الأولى الّتي لا تمتّ إلى مركز الاستدلال وموضعه بصلة، أو يريد الدعاء الّذي علمه الرسول؟ فهو يشهد بخلافه ؟


(239)

وماذا يريد من مفاهيم اللغة العربية وقواعدها، وأيّة قاعدة عربية تمنع الأخذ بظاهر الدعاء؟

(ما هكذا تورد يا سعد الإبل!) .

إنّك إذا قرأت ما جاء به الكاتب من صخب وهياج في ذيل كلامه، لتعجبت من عباراته الفارغة وكلماته الجوفاء، الّتي هي بالخطابة أشبه منها بالبرهان.

* * *

2- التوسل بالنبي بتعليم من الصحابي الجليل

روى الطبراني عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف: أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: «أللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نبىّ الرحمة يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي، فتذكر حاجتك، ورح حتّى أروح معك. فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثم أتى باب عثمان بن عفان (رضي اللّه عنه) فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفتان (رضي اللّه عنه) فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كان الساعة؟ وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها، ثم إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك اللّه خيراً، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلىّ حتّى كلّمته فىّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلمته، ولكن شهدت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : فتصبر! فقال يا رسول اللّه. ليس لي قائد فقد شقّ علي. فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ائت الميضأة فتوضأ، ثم صل ركعتين، ثم ادع بهذه الدعوات...

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث، حتّى دخل علينا


(240)

الرجل كأنه لم يكن به ضرّ قط(1) .

ورواه في المعجم الصغير فقال: لم يروه عن روح بن القاسم إلاّ شبيب بن سعيد، أبو سعيد المكي، وهو ثقة، وهو الّذي يحدث عنه أحمد (ابن أحمد) ابن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد، وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح، وروى هذا الحديث عون بن عمارة عن روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (رضي اللّه عنه) وهو فيه عون بن عمار، والصواب شبيب بن سعيد(2).

إنّ دلالة الحديث على جواز التوسل بالنبي أظهر من الشمس وأبين من الأمس، ولكن الكاتب الوهابي أخذ يناقش في الحديث من جوانب أُخرى. فقال: «إنّ هذا الحديث تتجلى فيه آثار الصنع، ويدل عليه أُمور :

1- إنّ ما ذكره لا يوافق سيرة عثمان بن عفان لما اشتهر عنه من الرقة واللين .

2- إنّ معنى التوسل عند الصحابة هو دعاء الشخص المتوسل به إلى اللّه تعالى بقضاء حاجة المتوسل، لا كما يعرفه القوم في زماننا هذا من التوسل بذات المتوسل به .

3- لو كان دعاء الأعمى الّذي علّمه رسول اللّه دعاء ينفع لكل زمان ومكان، لما رأينا أىّ أعمى على وجه البسيطة» .

يلاحظ عليه: أنّ كل واحد من هذه الوجوه ساقط جداً لا يمكن أن يستدل به على جعل [وضع] الحديث .

أمّا الأول: فلأنّ المعروف من الخليفة هو تكريم الأقربين والإحسان إليهم، خصوصاً بني أبيه، لا تعميمه إلى الجميع. هذا هو التاريخ ضبط عطاءه


1. المعجم الكبير، للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني المتوفي سنة 360 هـ، ج 9 ص 16 ـ 17، باب ما أسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8310 .
2. المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 183 ـ 184، طبع دار الفكر .


(241)

لمروان بن الحكم خمس غنائم افريقية، والحارث بن الحكم ثلاثمائة ألف درهم، وقضى ما استقرضه الوليد بن عقبة من عبد اللّه بن مسعود الّذي كان أمين بيت المال في عصر ولاية الوليد على الكوفة، إلى غير ذلك من عطاياه إلى بني أبيه وأقربائه(1)وفي الوقت نفسه كان أبو ذر يعيش في الربذة ويعاني من جوع أليم، ويليه في الفقر وبساطة الحياة عبد اللّه بن مسعود، وعمار بن ياسر، فلا يمكن أن يقال إنّ الخليفة كان ينظر إلى الجميع بعين واحدة، وقد كان عمله هذا هو الّذي أجهز عليه وانتكث عليه فتله. هذا هو الإمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ يصف ذلك العصر بقوله:

«إلى أنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ وَمُعْتَلَفِهِ وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أبِيهِ يَخْضمُونَ مَالَ اللّه خِضْمَةَ الإبلِ نَبْتَةَ الرّبيعِ»)(2) .

وفي رسالته إلى عثمان بن حنيف عامله على البصرة يقول:

(أوْ أبيتَ مِبْطاناً وَحَولي بُطُونٌ غَرْثَى وأكْبادٌ حَرّى، أو أكُونَ كَمَا قَالَ القَائِلُ:)

وَحَسْبُكَ دَاءً أنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة * وَحَوْلَكَ أكْبَادٌ تَحِنُّ إلى القِدّ)(3) .

وهو يشير بذلك إلى الأوضاع السائدة في عصره وعصر من تقدمه .

وأمّا الثاني فهو من: غرائب الكلام، فقد جعل مذهبه دليلا على ضعف الرواية، وهو أنّ معنى التوسل عند الصحابة ـ هو التوسل بدعاء الشخص لا بذاته ـ فمن أين يدّعي أن هذا مذهب الصحابة، وما هو المصدر لذاك الحصر؟ مع أنّ الحديثين المرويين من طريق ذلك الصحابي الجليل، يدلان على خلافه .


1. لاحظ في ذلك تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 168، والمعارف لابن قتيبة، ص 84، والأنساب للبلاذري ج 5 ص 52 ولاحظ الغدير ج 8 ص 286، تجد فيه قائمة من عطايا الخليفة الهائلة لنبي أبيه .
2. نهج البلاغة الخطبة 3 .
3. نهج البلاغة قسم الكتب رقم 45 .


(242)

وأمّا الثالث فهو إطاحة بالوحي وازدراء به، ولو صحّ فلقائل أن يقول: لو صحّ قوله سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أسْتَجِب لَكُمْ)(1) يجب أن لا يبقى على وجه البسيطة ذو حاجة .

ولو صحّ قوله: (أمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء...)(2) يجب أن لا يبقى على وجه البسيطة مضطرّ أو فقير، مع أنّ البسيطة مليئة بالمضطر والمحتاج .

نعم، إنّ الدعاء سبب لنزول الرحمة ودفع الكربة، ولكن ليس تمام السبب لإنجاح المقصود، بل له شروط ومعدات، وله موانع وعوائق، ولأجل ذلك نرى أنّ كثيراً من الأدعية لا تستجاب مع أنّه سبحانه يحث عباده على الدعاء، وأنّه يستجيب إذا دعاه ويقول:(وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم).

هذا كله حول مناقشاته في متن الرواية ومضمونه.. هلمّ معي نستمع مناقشته في السند:

يقول: إنّ في سند هذا الحديث رجلا اسمه (روح بن صلاح) وقد ضعّفه الجمهور، وابن عدىّ، وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة.

يلاحظ عليه: أنّ الطبراني نقل الرواية بهذا السند:

«حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري، ثنا أصبغ بن الفرح، ثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف»(3) .

كما نقله بهذا السند في المعجم باختلاف يسير لا يضرّ بوحدة السند .


1. سورة غافر: الآية 60 .
2. سورة النمل: الآية 62 .
3. المعجم الكبير للطبراني ج 9 ص 17 وفي المعجم الصغير أصبغ بن الفرج مكان (الفرح) .


(243)

ورواه البيهقي بالسند التالي:

«أخبرنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد ـ رحمه اللّه ـ أنبأنا الإمام أبوبكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، قال: أنبأنا أبو عروبة، حدثنا العباس بن الفرج، حدثنا إسماعيل بن شبيب، حدثنا أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني...(إلى آخر السند) (1) .

وأنت ترى أنه ليس في طريق الرواية «روح بن صلاح» بل الموجود هو روح بن القاسم، والكاتب صرّح بأن الرواية رواها الطبراني والبيهقي، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب لم يرجع إلى المصادر وإنّما اعتمد على تقوّل الآخرين .

نحن نفترض أنه ورد في سند الرواية روح بن صلاح، ولكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدقه المعاجم الموجودة فيما بأيدينا، وإنما ضعّفه ابن عدي، وفي الوقت نفسه وثّقه ابن حبان والحاكم. وسيوافيك الكلام في حقه في حديث فاطمة بنت أسد، فانتظر. أهكذا أدب نقد الرواية يا شيخ؟ هداك اللّه إلى النهج القويم .

وفي الختام نقول: إنّ السبكي نقل الرواية عن المعجم الكبير للطبراني بنفس السند الّذي نقلناه، وهذا يكشف عن صحة المطبوع(2) .

* * *

4- توسل الخليفة بعم النبي

قبل أن نذكر نص توسل الخليفة عمر بعم النبي: ننبّه على أمر وهو:

إنّ سيرة المسلمين في حياة النبي وبعد وفاته تعرب عن أنهم كانوا يتوسلون بأولياء اللّه، من دون أن يتردد في خلد واحد منهم بأنه أمر حرام أو شرك أبو بدعة، بل كانوا يرون التوسل بدعاء النبي والصالحين رمزاً إلى التوسل بالنبي ومنزلته وشخصيته، فإنه لو كان لدعائه أثر، فإنما هو لأجل قداسة نفسه


1. دلائل النبوة ج 6 ص 168 .
2. لاحظ: شفاء السقام ص 139 ـ 140 .


(244)

وطهارة ذاته، ولولاها لما استجيبت دعوته، فما معنى الفرق بين التوسل بدعاء النبي والتوسل بشخصه وذاته؟ حتّى يكون الأول نفس التوحيد، والآخر عين الشرك أو ذريعة إليه؟

لم يكن التوسل بالصالحين والطيبين والمعصومين والمخلصين من عباد اللّه أمراً جديداً بين الصحابة، بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الإسلام، فقد تضافرت الروايات التاريخية على ذلك، وإليك البيان:

استسقاء عبدالمطلب بالنبي وهو رضيع

إنّ عبد المطلب استسقى بالنبي الأكرم وهو طفل صغير، حتّى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل

إلى ما وقع في زمن عبدالمطلب حيث استسقى لقريش والنبي معه غلام(1) .

استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة، قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام يعني النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كأنه شمس دجى تجلت عن سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذ النبي أبوطالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ إلى الغلام وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق واغدودق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي، والبادي، وفي ذلك يقول أبوطالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل(2)

وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام، بل استسقاء عبدالمطلب


1. فتح الباري ج 2 ص 398 ودلائل النبوة ج 2 ص 126 .
2. فتح الباري ج 2 ص 494 والسيرة الحلبية ج 1 ص 116 .


(245)

به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة مما يحفظه أكثر الناس .

ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان موضع رضا منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فإنه بعد ما بعث للرسالة استسقى للناس فجاءالمطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حياً لقرّت عيناه، ومن ينشدنا قوله؟ فقام علىّ ـ عليه السَّلام ـ وقال: يا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كأنك أردت قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)

إنّ التوسل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع; هذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأحب أن يخرج الصبيان، و يتنظفوا للاستسقاء، وكبار النساء، ومن لا هيبة منهن; ولا أحب خروج ذات الهيبة، ولا آمر بإخراج البهائم(2). ما هو الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم؟ كل ذلك يعرب عن أن التوسل بالأبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح الستنزال الرحمة وكأن المتوسل يقول: ربي وسيدي، الصغير معصوم من الذنب، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، وكلتا الطائفتين أحق بالرحمة والمرحمة. فلأجلهم أنزل رحمتك علينا، حتّى تعمّنا في ظلّهم .

إنّ الساقي ربما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة، وفي ظلها تسقى الأعشاب وسائر الخضراوات غير المفيدة.

وعلى ضوء ذلك تقدر على تفسير توسل الخليفة بعمّ الرسول: العباس بن عبدالمطلب، الّذي سنتلوه عليك، وأنه كان توسلا بشخصه وقداسته وصلته بالرسول، وأنه كان امتداداً للسيرة المستمرة قبل هذا، ولا


1. إرشاد الساري ج 2 ص 338 .
2. الأم ج 1 ص 230 .


(246)

يمت إلى التوسل بدعاء العباس بصلة، وإنما هو شيء اخترعه الوهابيون لحفظ موقفهم المسبق في هذه المباحث .

التوسل بعم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

ما تعرفت عليه سابقاً كان تقدمة لدراسة هذا الحديث الّذي يرويه البخاري في صحيحه ويقول: «كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب (رضي اللّه عنه) وقال: أللّهمّ إنّا كنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا. قال: فيسقون»(1) .

هذا نص البخاري، وهو يدل على أنّ عمر بن الخطاب عند دعائه واستسقائه توسل بعم النبي وشخصه وشخصيته، وقداسته وقرابته من النبي، لا بدعائه، ويدل على ذلك أُمور:

1- قول الخليفة عند الدعاء.. قال: «أللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا». وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بالدعاء في مقام الاستسقاء، وتوسل بعم الرسول في دعائه، ولو كان المقصود هو التوسل بدعائه، كان عليه أن يقول: يا عم رسول اللّه كنّا نطلب الدعاء من الرسول فيسقينا اللّه، والآن نطلب منك الدعاء فادع لنا.

2- روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لما اشتدّ القحط، فسقاهم اللّه تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا واللّه الوسيلة إلى اللّه والمكان منه. وقال حسان:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا * فسقى الغمام بغرة العباس

عمّ النبي وصنو والده الذي * ورث النبي بذاك دون الناس

أَحَيى الإله به البلاد فأصبحت * مخضرة الأجناب بعد إلياس

ولما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين(2).


1. صحيح البخاري، باب صلاة الإستسقاء ج 2 ص 32 .
2. الجزري: أُسد الغابة ج 3 ص 111 طبع مصر.


(247)

أمعن النظر في قول الخليفة: هذا واللّه الوسيلة .

3- ويظهر من شعر حسان أنّ المستسقي كان هو نفس الخليفة وهو الداعي حيث قال: «سأل الإمام...» وكان العباس وسيلته لاستجابة الدعاء .

وأظنّ أنّ هذه الروايات الصحيحة لا تبقي شكاً ولا ريباً في خلد أحد في جواز التوسل بالصالحين .

تشكيك الرفاعي في دلالة الحديث

يقول الرفاعي: «لا ريب في أنّ هذا الحديث صحيح، وما ظنك بحديث يرويه الإمام البخاري» ولكنه بصلافة خاصة به يدَّعي أنه من قبيل توسل المؤمن بدعاء أخيه المؤمن، ويقول: إنّ الحديث يخبرنا أنّ أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب (رضي اللّه عنه) كلّف العباس أن يستسقي للمسلمين ويدعو اللّه تعالى أن يستسقيهم الغيث; وبيّن الأسباب الموجبة لتكليف العباس، فقال: أللّهمّ إنّا كُنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسل إليك بعم نبيّنا فاسقنا(1).

ثم أضاف: أنّه لو كان قصده ذات العباس لكانت ذات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أفضل وأعظم وأقرب إلى اللّه من ذات العباس بلا شك ولا ريب، فثبت أن القصد كان الدعاء ولم تكن ذات الرسول مقصودة عندما كان حياً(2) .

لا أظن أنّ أحداً يحمل شيئاً من الإنصاف تجاه الحقيقة يسوغ لنفسه أن يفسر الحديث بما ذكره، فمن أين يقول: إنّ عمر بن الخطاب كلّف العباس أن يستسقي للمسلمين، بل الخليفة قام بنفسه بالاستسقاء متوسلا بعم النبي


1. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 253 .
2. التوسل إلى حقيقة التوسل، ص 253 و 256 وقد أخذه من ابن تيمية حيث قال: «وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به، ويقولوا في دعائهم في الصحراء: نسألك ونقسم عليك بأنبيائك أو نبيك أو بجاههم، مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 12 .


(248)

العباس حيث قال: «أللّهمّ إنّا نتوسل..» فإنّ الاستسقاء وظيفة الإمام، وكان الإمام هو الخليفة نفسه لا العباس وقد عقد البخاري باباً وقال: (باب إذا استشفعوا إلى الإمام يستسقي لهم لم يردهم)(1) .

ويؤيد أنّ المستسقي هو الامام ومن كان معه في المصلى، ما رواه المؤرخ الكبير ابن الأثير فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس، عام الرمادة، لما اشتد القحط، فسقاهم اللّه تعالى به وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا واللّه الوسيلة إلى اللّه والمكان منه. وقال حسان:

سأل الإمام وقد تتابع جدبنا * فسقى الغمام بغرة العباس

عم النبي وصنو والده الذي * ورث النبي بذاك دون الناس

أحيى الإله به البلاد فأصبحت * مخضرة الأجناب بعد الياس

ولما سقي الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك ساقي الحرمين(2) .

يقول القسطلاني: إنّ عمر لما استسقى بالعباس قال: أيها الناسن إنّ رسول اللّه يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدو به في عمه، واتخذوه وسيلة إلى اللّه تعالى .

ثم إنّ الاستسقاء وإن كان يتم بصرف الدعاء، ولكن أفضله هو الاستسقاء بركعتين من الصلاة. وروى البخاري أنّ النبي استسقى فصلى ركعتين، وقلب رداءه .

وروى أيضاً أنّ النبي خرج إلى المصلّى يصلّي، وأنّه لمّا دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحوّل رداءه(3).

ولو كان الاستسقاء بإقامة الصلاة، فكانت الإمامة للخليفة، والإئتمام للباقين .


1. صحيح البخاري ج 2 ص 20 .
2. أسد الغابة في معرفة الصحابة ج 3 ص 111 طبع مصر.
3. صحيح البخاري ج 2 ص 31، أبواب الإستسقاء .


(249)

ولو تحقق بصورة الدعاء، فكان الدعاء من الخليفة، و المرافقة بالتأمين من غيره. ولا ينافي ذلك أن يكون لكل من المأمومين دعاء على حدة، وراء الدعاء الّذي يدعو به الإمام، وقد ضبط متن الدعاء الّذي دعا به العباس، وقد نقلوا أنه كان من دعائه :

أللّهمّ لم ينزل بلاء إلاّ بذنب، ولم يكشف إلاّ بتوبة، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث(1) .

ولقد ورد في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت استحباب إخراج الصغار الرضّع، والكبار الركّع إلى المصلى، ليكون الحال أنسب لنزول الرحمة الإلهية، فإنّ الصغير معصوم من الذنب، والكبير الطاعن في السن أسير اللّه في أرضه، وكلتا الطائفتين، أحق بالرحمة والمرحمة، فببركتهم تنزل الرحمة وتعم غيرهم، وبذلك يظهر الجواب عما ذكره الرفاعي من أنّه لو كان قصد الخليفة ذات العباس لكان النبي أولى وأقرب إلى اللّه من ذات العباس ـ لما عرفت ـ من أنّ الهدف من إخراج عم النبي إلى المصلى وضمه إلى الناس، هو استنزال الرحمة، قائلين بأننا لو لم نكن مستحقين لنزول الرحمة لكن عمّ النبي لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحهُ من أزمة القحط والغلاء وبالتالي تعم غيره; ومن المعلوم أن هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسل بإنسان حي يكون شريكاً مع الجماعة في المصير، وفي عناء العيش ورغده، لا مثل النبي الراحل الخارج عن الدنيا و النازل دار الآخرة، ولو توسل به أيضاً، فإنما هو بملاك آخر، ولم يكن مطروحاً في المقام .

* * *

4- توسل الأعرابي بالنبي نفسه

روى جمع من المحدثين أنّ أعرابياً دخل على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقال: لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط، ثم أنشأ يقول:


1. إرشاد الساري، للقسطلاني، ج 2 ص 338 .


(250)

أتيناك والعذراء تدمى لبانها * وقد شغلت أُم الصبي عن الطفل

ولا شيء مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل

وليس لنا إلاّ اليك فرارنا * وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسل؟

فقام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يجر رداءه حتّى صعد المنبر، فرفع يديه وقال: أللّهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً... فما رد النبي يديه حتّى ألقت السماء... ثم قال: للّه در أبي طالب، لو كان حياً لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟

فقام علىّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وقال: كأنّك تريد يا رسول اللّه قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يطوف به الهُلاّك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل

فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أجل .

فأنشد علىّ ـ عليه السَّلام ـ أبياتاً من القصيدة، والرسول يستغفر لأبي طالب على المنبر، ثم قام رجل من كنانة وأنشد يقول:

لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر(1)

دلالة الحديث

إنّ الإمعان في مجموع الرواية يعرب عن أنّ الأعرابي توسل بشخص النبي وطلب منه قضاء حاجته، والدليل على ذلك الأُمور التالية:

أ ـ أتيناك وما لنا بعير يئط .

ب - أتيناك والعذراء تدمى لبانها .

ج ـ وليس لنا إلاّ إليك فرارنا .


1. السيرة الحلبية ج 1 ص 116، لاحظ فتح الباري ج 2 ص 494 والقصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام ج 1 ص 272 ـ 280 .


(251)

د ـ واين فرار الناس إلاّ إلى الرسل؟

هـ ـ إنشاء علىّ بن أبي طالب شعر والده، وهو يتضمن قوله: «وأبيض يستسقي الغمام بوجهه» .

روى ابن عساكر عن أبي عرفة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا ابا طالب! أقحط الوادي وأجدب، فهلم واستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجى، فأخذه ابو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأصبعه الغلام وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هيهنا وهيهنا وأغدق واغدودق، انفجر له الوادي، وأخصب البادي والنادي، وإلى تلك الحادثة يشير أبوطالب في شعره:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل(1)

فمماثلة الحادثتين تحكم بأنّ التوسل كان بذات النبي، كما كان توسل أبي طالب بنفس النبي.

و ـ قول رجل من كنانة في شعره، «سقينا بوجه النبي المطر» .

كل ذلك يعرب عن أنّ التوسل كان من الأعرابي وغيره بنفس النبي .

نعم إنّ النبي الأكرم قام بالدعاء، فلا يكون دعاء النبي قرينة على أنّ الأعرابي توسل بدعائه، إذ لا منافاة بين أن يكون توسله بشخص النبي وكرامته وفضيلته، وبين أن يقوم النبي بقضاء حاجته (استنزال المطر) بطلبه من اللّه سبحانه .

فمن يريد أن يؤوّل هذه النصوص ويجعلها من قبيل التوسل بالدعاء، فهو إنما يحاول دعم رأيه المسبق .

نقد ما ذكره الرفاعي

إنّ الشيخ الرفاعي لكونه قد اتخذ موقفاً مسبقاً خاصاً في التوسل بالأنبياء


1. مر المصدر.


(252)

والصالحين، تجشّم عناء تأويل نصوص الأحاديث بما يتبناه، ولما كان الحديث صريحاً في التوسل بنفس النبي صار يعترض على هذه الدلالة قائلا بأنّ الأعرابي جاء إلى النبي لأن يدعوا اللّه لهم بأن يستسقيهم الغيث، وإلاّ لبقي الأعرابي في منزله، واكتفى أن يقول وهو في بيته: اللّهمّ اسقنا الغيث بجاه نبيك، أو بذات نبيك، ولما تجشّم المجيء من أهله وبيته إلى النبي في المدينة(1) .

يلاحظ عليه: أنَّه لا منافاة بين الأمرين حتّى يكون أحدهما قرينة على الأُخرى، حتّى يتصرّف في النصوص بتفسيرها الخاص بالتوسل إلى الدعاء، فالأعرابي توسل بذات النبي، ولا يهمّه سوى قضاء حاجته من اي طريق كان، سواء أتحقق بدعاء النبي أم بإعجازه و كرامته، وأمّا أنه لماذا تجشم عناء المجي من أهله وبيته إلى النبي ولم يكتف بالتوسل نفسه فلأنه كان يرى للمثول أمامه فضيلة وكرامة، أو أنّ توسله بشخصه إذا انضمّ إليه دعاء النبي يوجب قضاء حاجته ولا يتحقق إلاّ بالحضور لديه، فلأجل ذلك جاء إلى النبي وتوسل بشخصه وشخصيته، فصار ذلك سبباً لقيام النبي، ولا يعني هذا أنه توسل بدعائه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ إذ لا منافاة بين أن يتوسل الأعرابي بشخصه، وبين أن يكون هذا داعياً للنبي أن يقوم بالدعاء، فلا يكون دعاؤه قرينة على كيفية التوسل .

وأخيراً يؤاخذ الرفاعي بأنه ذكر متن الحديث بصورة مختصرة، فترك ما ذكرناه من القرائن، ولم يشر إلى المصادر الكثيرة الّتي نقلت هذا الحديث .

المناقشة في سند الحديث

جاء الرفاعي يناقش في سند هذا الحديث بأنّ في سنده (مسلم الملائي)، ونقل عن علماء الرجال أنه متروك، وقال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال يحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه، وقال يحيى أيضاً: زعموا أنه اختلط، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال الذهبي: إنّه روى


1. التوصل إلى حقيقة التوسل ص 291 وقد أخذه من شيخه ابن تيمية. لاحظ مجموعة الرسائل والمسائل ج 1 ص 13 .


(253)

حديث الطير الّذي أهدته أُم أيمن لرسول اللّه، وحديث الطائر موضوع عند أهل الحديث .

أقول: إنّ ذيل العبارة يكشف عن الدافع الّذي دفع هؤلاء إلى تضعيف الرجل، وهو ليس إلاّ كونه ناقلا لفضيلة ساطعة للإمام علىّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ .

روى أحمد بن حنبل بسنده عن سفينة مولى رسول اللّه قال: أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول اللّه طيرين بين رغيفين، فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : أللّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك، فجاء علىّ ـ عليه السَّلام ـ فرفع صوته، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : من هذا؟ قلت: علىّ، قال: فافتح له، ففتحت له فأكل من الطير مع النبي حتّى فنيا(1) .

وعلى ضوء هذا لا تقام لهذا التضعيف قيمة .

5- توسل المنصور بالنبي بتعليم مالك

إنّ المنصور الدوانيقي سأل مالك بن أنس، إمام المالكية، عن كيفية زيارة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ والتوسل به، فقال لمالك:

يا أبا عبداللّه، أستقبل القبلة وأدعو. أَم أَستقبل رسول اللّه؟

فقال مالك في جوابه:

لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى اللّه يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه اللّه، قال اللّه تعالى: (ولَو أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنفُسَهُم جاءُوكَ فَاستَغْفَروا اللّهَ واستغفرَ لَهُم الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً)(2) .


1. فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج 2 ص 560 ورواه غيره لاحظ العمدة لابن البطريق ص 242 ـ 253.
2. وفاء الوفاء ج 2 ص 253، النساء: 64 .


(254)

وقد نقل ابن حجر الهيثمي عن الإمام الشافعي هذين البيتين:

آل النبي ذريعتي * وهمُ إليه وسيلتي

أرجو بهم أُعطى غداً * بيدي اليمين صحيفتي(1)

هذه النقول و النصوص من أئمة الأمة و مشاهير تكشف عن أمرين:

1- إنّ التوسل بالصالحين ـ وفي الطليعة الأنبياء العظام ـ كان أمراً رائجاً بين المسلمين، ولم يخطر ببال أحد أنّه شرك، كما لم يخطر ببالهم التفريق بين التوسل باشخاصهم وذواتهم، ولم يصنع هذا التفريق سوى الوهابيين الذين يسعون في الحط من منزلة الصالحين ومكانتهم، ويجعلون التوسل بدعائهم كالتوسل بدعاء الأخ المؤمن، وإنّه لا فرق بين هذا وذاك، وهم وإن كانوا لا يصرحون بهذه التسوية، لكنهم يكنون ذلك ويضمرونه .

2- إنّ هذه النصوص تفسّر لنا قوله تعالى: (يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسيلَةَ وَجَاهِدوا في سَبيلِهِ لَعِلَّكُم تُفْلِحُونَ)(2) .

فإنّ الوسيلة سواء أفسّرت بمعنى القرابة والمنزلة والدرجة، كما عليه أكثر المفسرين مأخوذاً من قولهم توسلت إليه، أي تقرّبت .

قال عنترة بن شداد:

إن الرجال لهم إليك وسيلة * أن يأخذوك تلجلجي وتحصني

ويقال: وسل إليه، أي: تقرّب. قال لبيد:

بلى كل ذي رأي إلى اللّه واسل.

وعليه فمعنى الوسيلة:الوصلة والقربة .

أم فسرت بما يتقرب به إلى الغير ويجمع على الوسائل والوسل، كما عليه أهل اللغة، قال الجوهري في صحاحه: الوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسل والوسائل، وتوسل إليه بوسيلة أي: تقرُّب إليه بعمل .

وفي القاموس: الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك والدرجة والقربة.


1. الصواعق المحرقة ص 178 .
2. سورة المائدة: الآية 35 .


(255)

وفي المصباح: وسلت إلى اللّه بالعمل: رغبت وتقربت، ومنه اشتقاق الوسيلة، وهي ما يتقرب به إلى اللّه، والجمع الوسائل، وعلى أي تقدير:

فالتوسل بالصالحين بما لهم من مكانة ومنزلة عند اللّه، إمّا أنّه بذاته تقرب إلى اللّه تعالى، لأنّ إظهار المودة لمن يحبه اللّه محبوب وعمل صالح، أو وسيلة يتقرب به الإنسان إلى اللّه سبحانه، فهذه النقول تعرب عن مصداق للوسيلة في عرض سائر المصاديق من الأعمال الصالحة والعبادات، خصوصاً الجهاد ضد العدو الداخلي والخارجي الّذي جاء في ذيل الآية، فتخصيص الوسيلة بالعبادات والاستغفار تخصيص بلا جهة.

إلى هنا تم الكلام حول التوسل بالصالحين أنفسهم وذواتهم، وبقي الكلام في التوسل بمنزلتهم وكرامتهم وحقهم، وإليك البيان:

(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُم وَمَا يُعْلِنُونَ)(1) .


1. سورة القصص: الآية 69 .


(256)

أقسام التوسل:

(2)

التوسل إلى اللّه بحق النبي وحرمته ومنزلته

إنّ من التوسلات الرائجة بين المسلمين منذ وقعوا في إطار التعليم الإسلامي، التوسل بمنازل الصالحين وحقوقهم على اللّه.

وليس معنى ذلك أنّ للعباد أو لبعضهم على اللّه سبحانه حقّاً ذاتياً يلزم عليه سبحانه

[عدم

]الخروج عنه، بل للّه سبحانه الحق كلّه، فله على الناس حقّ العبادة والطاعة إلى غير ذلك، بل المراد المقام والمنزلة الّتي منحها سبحانه عباده تكريماً لهم، وليس لأحد على اللّه حقّ إلاّ ما جعله اللّه سبحانه حقّاً على ذمّته لهم تفضّلا وتكريماً، قال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ المُؤمِنِينَ)(1) .

وسيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن أحلاف اللّه سبحانه بحق المخلوق، فانتظر .

إنّ هذا النوع من التوسل لا يفترق عن التوسل بذات النبىّ وشخصه، فإنّ المنزلة والمقام مرآة لشخصه وذاته، فإنّ حرمة الشخص وكرامته ومنزلته نابعة من كرامة ذاته وفضيلتها، فلو صحّ التوسل بالأوّل كما تعرفت عليه من الأحاديث، يصحّ الثاني من دون إشكال أو إبهام .

ويدلّ عليه من الأحاديث ما نذكره:


1. سورة الروم: الآية 47 .


(257)

أ ـ التوسل بحق السائلين

روى عطية بن العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لايغفر الذنوب إلاّ أنت. إلاّ اقبل اللّه عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك»(1) .

فالحديث واضح مضموناً، ويدل على أن للإنسان أن يتوسل إلى اللّه بحرمة أوليائه الصالحين ومنزلتهم وجاههم، فيجعلها وسيلة لقضاء حاجته .

إنّ الكاتب الوهابي الرفاعي، حيث لم يجد ضعفاً في الدلالة، أخذ يضعف سند الحديث، قائلا بأنّ «في سنده عطية العوفي وهو ضعيف»(2) .

أقول: إنّ الدافع الوحيد لتضعيف عطية، ذلك التابعي الشهير، كما وصفه به الذهبي في ميزان الاعتدال هو تشيّعه وولاؤه لعلي وآله ـ عليهم السَّلام ـ ، ولأجل ذلك نرى أنّ الذهبي ينقل عن سالم المرادي: «كان عطية يتشيّع»، وإنّ التشيّع أحد وجوه التضعيف لدى القوم، ومع ذلك قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ضعيف، وقال ابن معين: صالح .

وقال ابن حجر في تقريب التهذيب: «عطية بن سعد بن جناده العوفي الجدلي الكوفي أبوالحسن صدوق يخطئ كثيراً، كان شيعياً مدلساً»(3)

وقال في تهذيب التهذيب: قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات، ولعطية عن أبي سعيد أحاديث عدة، وعن غير أبي سعيد، وهو مع ضعفه يكتب حديثه، وكان يعدّ من شيعة أهل الكوفة. قال الحضرمي: توفي سنة إحدى عشرة ومائة.


1. سنن ابن ماجة، ج 1 ص 256، الحديث برقم 778 ومسند الإمام أحمد، ج 3، ص 21.
2. التوصل إلى حقيقة التوسل، ص 212 .
3. تقريب التهذيب، ج 2 ص 24، برقم 216 .


(258)

وقال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبّ علىّ ـ إلى أن قال ـ وكان ثقة إن شاء اللّه، وله أحاديث صالحة. كان أبو بكر البزار يعده في التشيع، روى عن جلّة الناس. وقال الساجي: ليس بحجة، وكان يقدّم عليّاً على الكل(1) .

وهذه النصوص تعرب عن تضارب الأقوال في حقه، كما تكشف عن أنّ الدافع المهم لتضعيفه، تشيّعه وحبّه وولاؤه وتقديمه علياً، وهل هذا ذنب؟ .

إنّ لوضع الحديث دوافع خاصة يوجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة والجنة والنار، وأمّا مثل هذا الحديث الّذي يعرب بوضوح عن أنه كلام إنسان خائف من اللّه سبحانه، ترتعد فرائصه من سماع عذابه، فبعيد عن الوضع والجعل .

ب ـ توسل النبي بحقه و حق من سبقه من الأنبياء

روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه، أنه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أُم علي ـ رضي اللّه عنهما ـ دخل عليها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فجلس عند رأسها، فقال: رحمك اللّه يا أُمي. كنت أُمي بعد أُمي، تجوعين وتشبعينني، وتعرين وتكسينني، وتمنعين نفساً طيباً وتطعمينني، تريدين بذلك وجه اللّه والدار الآخرة، ثم أمر أن تغسل ثلاثاً ثلاثاً، فلما بلغ الماء الّذي فيه الكافور، سكبه رسول اللّه بيده، ثم خلع رسول اللّه قميصه فألبسها إياه، وكفّنها ببرد فوقها، ثم دعا رسول اللّه أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري، وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون، فحفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد، حفره رسول اللّه بيده، وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول اللّه فاضطجع فيه وقال: «اللّه الّذي يحيي ويميت وهو حىّ لا يموت، اغفر لأُمي فاطمة بنت أسد، ولقّنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك


1. تهذيب التهذيب، ج 7 ص 227، برقم 413 .


(259)

والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين»، وكبّر عليها أربعاً، وأدخلها اللحد هو والعباس وأبوبكر .

رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (260 ـ 360 هـ) .

والاستدلال به مبني على تمامية الرواية سنداً و مضموناً، وإليك البحث فيهما معاً:

1- رواه الطبراني في المعجم الأوسط، ص 356 ـ 357، وقال: لم يروه عن عاصم إلاّ سفيان الثوري، تفرّد به «روح بن صلاح» .

2- ورواه أبو نعيم من طريق الطبراني في حلية الأولياء: 3/121 .

3- رواه الحاكم في مستدركه، ج 3، ص 108، وهو لا يروي في هذا الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين (البخاري و مسلم) .

4- رواه ابن عبد البر في الإستيعاب. لاحظ هامش الإصابة، ج 4، ص 382 .

5- نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 118 ـ برقم 17 .

6- ورواه الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى سنة 708 هـ في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج 9 ص 256 ـ 257 .

وقد جمع فيه زوائد مسند الإمام أحمد، وأبي يعلى الموصلي أبي بكر البزاز، ومعاجم الطبراني الثلاثة، وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقَّه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح .

7- رواه المتقي الهندي في كنز العمال، ج 13، ص 636، برقم 37608 .

هؤلاء الحفاظ نقلوا الحديث في جوامعهم، وصرّحوا بأنّ رجال السند رجال الصحيح، وأنه لو كان هناك ففي روح بن صلاح، وقد وثَّقهُ العلمان: ابن حبان والحاكم .


(260)

وقال الذهبي: روح بن صلاح المصري، يقال له ابن سيابة، ضعّفه إبن عدي، يكنّى أبا الحارث، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحاكم: ثقة مأمون(1) .

ولكن الكاتب الوهابي المعاصر يقول في سند الحديث: إنّ هذا الحديث غير صحيح لأنّ في سنده رجلا هو روح بن صلاح وقد ضعّفه الجمهور، وقد روى أحاديث منكرة، كما صرح بذلك ابن يونس وابن عدي(2) .

وأنت خبير بأنّه إنما ضعّفه (ابن عدي) وأين هذا من قوله: وقد ضعّفه الجمهور، أليس ابن حبان من أعلام الحديث ورجاله؟ أو ليس الحاكم هو الحافظ الكبير الّذي استدرك على صحيحي الشيخين بما تركاه؟

إنّ الإنسان إذا اتّخذ موقفاً مسبقاً في الموضوع، يحاول أن يضعف الصحيح والقوي، ويقوي ويصحح الضعيف، وعلى كل تقدير فليس لنا ترك هذا الحديث وعدم العمل به بمجرد تضعيف ابن عدي لتوثيق غيره .

وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ أنّ الدافع إلى تضعيف نظراء روح بن صلاح هو ولاؤه ومودته لأهل بيت النبوة، حيث نقل هذه الدرة الباهرة في حق أُم سيد الأوصياء.

هذا كله حول السند، وأمّا الدلالة فلا أظن أنّ من يملك شيئاً من الإنصاف يشك في دلالة الحديث على توسل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بحقه وحق أنبيائه .

ج ـ توسل آدم بحق النبي

روى البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: ربي أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال اللّه عزّوجلّ: يا آدم. كيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: لأنك يا


1. ميزان الاعتدال، ج 2، ص 85، رقم 2801 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل، ص 227 .


(261)

رب لمّا خلقتني بيدك ونفخت فيَّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه، فعلمت أنّك لم تضف إلى إسمك إلاّ أحب الخلق إليك، فقال اللّه ـ عزّوجلّ ـ : صدقت يا آدم. إنه لأحب الخلق إلىَّ وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك. ولو لا محمد ما خلقتك .

قال البيهقي: تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، من هذا الوجه عنه، وهو ضعيف (واللّه أعلم) (1) .

إنّ الشيخ الرفاعي لما رأى صراحة الحديث في التوسل بحق النبي أخذ يناقش في الحديث من جهات أُخرى، وإليك بيانه:

1- إنّ الحديث تضمّن الإقسام على اللّه بمخلوقاته، وهو أمر خطير يقرب من الشرك، إن لم يكن هو ذاته، فالإقسام على اللّه بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، وإنه شرك لأنه حلف بغير اللّه، فالحلف على اللّه بمخلوقاته من باب أولى .

يلاحظ عليه: أنّه سيوافيك جواز الحلف بالمخلوق، سواء حلف بمخلوق على مخلوق أو بمخلوق على اللّه، وأن القرآن مليء بالإقسام بالمخلوقات، فلو كان أمراً حراماً أو ذريعة إلى الشرك أو الشرك نفسه لما حلف سبحانه بمخلوقاته، وسيوافيك توضيحه، ولا يلازم الحلف بالمخلوق جعله في مرتبة الخالق، بحجة «إنّا نحلف باللّه فلو حلفنا بمخلوقه يلزم من ذلك جعله في مرتبة الخالق»، كيف ونحن نطيع اللّه سبحانه ونطيع رسوله، أفهل يتصور من ذلك أنّا جعلنا الرسول في مرتبة الخالق؟ قال سبحانه: (أَطيعوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكُم...)(2)، قال سبحانه:(أَنِ اشْكُرْ لي وَلِوالِدَيكَ إلَىَّ )المَصيرُ)(3)، أفيلزم من ذلك أن يكون الوالدان في رتبة الخالق


1. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 384 ـ م 458 هـ ) طبع دار الكتب العلمية ـ بيروت، ج 5، ص 489 .
2. سورة النساء: الآية 59 .
3. سورة لقمان: الآية 14 .


(262)

لأنّه سبحانه أمر بشكر نفسه وشكر الوالدين .

إنّ الحلف لا يستلزم أزيد من كون المحلوف به أمراً عظيماً عزيزاً لائقاً بالحلف به، وأمّا كونه في درجة الخالق فزعم عجيب واستدلال غريب .

وأمّا كونه شركاً فقد عرفت أنّ المقصود هو الشرك في العبادة، والعنصر المقوم لتحققها هو الاعتقاد بكونها إلهاً أو ربّاً أو مفوضاً إليه فعله سبحانه، والمفروض عدمه .

ترى أنّ الكاتب يجعل معتقده دليلا على بطلان الحديث وضعفه، أهكذا أدب النقد؟ .

2- إنّ الحوار الوارد في الحديث كان بعد اقتراب الخطيئة، ولكنّه قبل أن يخطىء، علّمه اللّه الأسماء كلها، ومن جملة الأسماء كلها اسم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وعلم أنه نبي ورسول، وأنه خير الخلق أجمعين، فكان أحرى أن يقول آدم: ربي إنك أعلمتني به أنه كذلك، لمّا علمتني الأسماء كلها .

يلاحظ عليه: أنَّ المسكين زعم أن المراد من الأسماء أسماء الموجودات، وغفل عن أن المراد هو العلم بحقائق الكون وقوانينه وسننه ورموزه بقرينة قوله سبحانه: «ثم عرضهم على الملائكة» فلو كان المراد الأسماء لكان الأنسب أن يقول: ثم عرضها، على أنّه لا فضيلة رابية في تعلّم أسماء الموجودات وألفاظها .

سلمنا أن المراد ما ذكره، لكن الظاهر من الحديث أنه وقف على ذلك بعد الخلقة ونفخ الروح فيه، قبل أن يحظى بتعلّم الأسماء كلها، حيث قال: لمّا خلقتني بيدك ونفخت فىَّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش...

والمتبادر من العبارة أن هذا العلم كان علماً خاصاً جزئياً وقف عليه بعد فتح عينيه على الحياة في الجنة، قبل تعلمه جميع الأسماء، وأمّا هو فقد كان مرحلة أُخرى أوسع من هذا العلم، بل لا يقاس عليه .

وبالجملة: إنّ الحديث لا غبار عليه من حيث الدلالة. نعم يقع الكلام


(263)

في السند. فقد ورد فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد ضعّفه الذهبي اعتماداً على تضعيف أحمد وغيره(1) .

ولكن الحاكم النيسابوري أورده في مستدركه، قائلا بصحته(2) .

وعلى ذلك فليس الخبر على حد يحكم عليه بالوضع والجعل، كما يصر عليه الرفاعي بل هو كسائر الأحاديث الّتي اختلف العلماء في تصحيحها، فلو لم يكن دليلا على المدعى يكون مؤيداً له، كيف وقد رواه جلال الدين السيوطي في تفسيره(3) .

وهناك نكتتان ننبه عليهما:

الأُولى: إنّ أحاديث التوسل وإن كانت تتراوح بين الصحيح والحسن والضعيف، لكن المجموع يعرب عن تضافر المضمون وتواتره، فعند ذلك تسقط المناقشة في أسنادها بعد ملاحظة ورود كمية كبيرة من الأحاديث في هذا المجال، وأنت إذا لاحظت ما مضى من الروايات، وما يوافيك، تذعن بتضافر المضمون أو تواتره .

الثانية: نحن نفترض أنّ الحديث الراهن مجعول موضوع، ولكنه يعرب عن أنّ التوسل بالمخلوق والإقسام على اللّه بمخلوقاته ليس شركاً ولا ذريعة إليه، بل ولا حراماً .

وذلك لأنّه لو كان شركاً وذريعة إليه أو حراماً، لما رواه الرواة الثقات واحد عن واحد، وهم أعرف بموازين الشرك ومعاييره، ولما أورده الأكابر من العلماء في المعاجم الحديثية، كالبيهقي في دلائل النبوة، والحاكم في مستدركه، والسيوطي في تفسيره، والطبراني في المعجم الصغير، وأكابر


1. ميزان الاعتدال، ج 2 ص 564 .
2. المستدرك على الصحيحين، ج 2 ص 615 .
3. الدر المنثور، ج 1 ص 59، ونقله كثير من المفسرين عند تفسير الآية .


(264)

المفسرين في القرون الغابرة، لأنّ الشرك أمر بيّن الغىّ، فلا معنى ولا مسوّغ لنقله بحجة أنه رواية .

فكل ذلك يعرب عن الفكرة الخاطئة في توصيف الحلف على اللّه بمخلوقاته شركاً(1) .

* * * * *

(فَبِأَىِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤمِنونَ)(2) .


1. قد تركنا البحث عن التوسل بجاه النبي الوارد في كلام الرفاعي لأنه ليس قسماً ثالثاً، بل داخلا في القسم الثاني، أي التوسل بحقه .
2. سورة المرسلات: الآية 50 .

(265)

أقسام التوسل:

(3)

التوسل بدعاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ

قد تعرفت في صدر البحث على أنّ ابن تيمية وأتباعه يجوّزون التوسل بدعاء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حال حياته، ويجعلونه من التوسلات الجائزة الداخلة في إطار «التوسل بدعاء الأخ المؤمن» ولكنهم يخصّونه بحال حياته، ويحرّمونه بعد رحلته، قال ابن تيمية:

«أجمع أهل العلم على أن الصحابة كانوا يستشفعون به حال حياته ويتوسلون بحضرته، وأمّا في مغيبه أو بعد موته فلم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية ومن كان يحضرهما من الصحابة والتابعين لما أجدبوا استسقوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم ينقل عنهم أنهم في هذه الحالة استشفعوا بالنبي عند قبره ولا غيره، بل عدلوا إلى خيارهم... ثم إنّ المسلمين بعد موته إنما توسلوا بغيره من الأحياء بدلا عنه، فلو كان التوسل به ـ حياً وميتاً ـ مشروعاً لم يميلوا عنه وهو افضل الخلق وأكرمهم على ربه، إلى غيره ممن ليس مثله. فعدولهم عن هذا إلى هذا مع أنهم السابقون الأولون، وهم أعلم منّا برسوله وبحقوق اللّه ورسوله، وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لا يشرع ولا ينفع، وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق، دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه، ولهذا ذكر الفقهاء في كتبهم في الاستسقاء ما فعلوه دون ما تركوه، وذلك أنّ التوسل به حياً هو الطلب لدعائه وشفاعته، وهو من جنس مسألته أن يدعو، فما زال المسلمون


(266)

يسألونه ليدعو لهم في حياته، وأمّا بعد موته فلم يسأل الصحابة منه ذلك، لا عند قبره ولا عند غيره كما يفعله كثير من الناس عند قبور الصحالين(1) .

وقد علق السيد محمد رشيد رضا مؤلف المنار على هذا الموضوع بقوله:

«يزعم بعض الناس في زماننا أنّه لا فرق في طلب الدعاء والشفاعة منه بين هذه الحياة و الممات، لأنّه حي في قبره وكأنهم يدعون أنهم أعلم من الصحابة وسائر أئمة السلف بذلك، فالصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ فرقوا بين الحالين، وإن شئت قلت بين الحياتين، والأُمور التعبّدية لا تشرع بالعقل ولا بالقياس(2).

يلاحظ عليه: أنّ المعروف أنّ السنّة عبارة عن قول المعصوم وفعله وتقريره، فالحجة عبارة عن أحد هذه الأمور، ونحن نفترض أن الصحابة بأجمعهم من المعصومين. فإنّ أقصى ما يمكن أن يحتج به هو أنّ فعل الصحابة دليل على جواز الفعل، وأمّا أنّ تركهم دليل على حرمته، وعدم جوازه، فمن عجائب الأُمور وغرائبها، ولم يعهد هذا الاستدلال من أهل الفتوى والدليل.

وأمّا عدول الصحابة عن التوسل بدعاء النبي في حال مماته، إلى التوسل ببعض أهل بيته فقد ذكرنا وجهه، وهو: أنّ التوسل بالإنسان الصالح الحي لأجل إظهار أن ذلك الفرد يتّحد مع المتوسلين في المصير، وأنه لولا نزول الرحمة لعمَّهُ الهلاك والدمار مثلهم، وبما أنه صالح لنزول الرحمة عليه، فلتنزل رحمتك عليه يا رب فإنه أهل لذلك، وإن كنا غير مستحقين لها .

ومن المعلوم أنّ ترسيم هذا، الّذي هو أحد الأسباب لاستنزال الرحمة، إنما يتحقق بالصالح الحي دون غيره، لأنّ غير الحي ليس متحداً في المصير مع الأحياء، ولأجل ذلك نرى الصحابة يتوسلون بالحي دون غيره، وما هذا إلاّ


1. مجموعة الرسائل والمسائل، ج 1 ص 14 .
2. المصدر نفسه .


(267)

لأجل ذلك. وقد أشار إلى ذلك «السبكي» وقال: ليس في توسله بالعباس إنكار للتوسل بالنبي أو بالقبر، ولعل توسل عمر بالعباس لأمرين:

أحدهما: ليدعو كما حكينا من دعائه .

الثاني: إنَّه من جملة من يستسقي وينتفع بالسقيا وهو محتاج إليه، بخلاف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه الحالة فإنه مستغن عنها، فاجتمع في العباس الحاجة وقربه من النبي وشيبه، واللّه يستحيي من ذي الشيبة المسلم، فكيف من عم نبيه، ويجيب دعاء المضطر فلذلك استسقى عمر بشيبته(1) .

هذا ويصرح الذكر الحكيم بأنه ما نفع إيمان قوم بعد إشراف العذاب عليهم، إلاّ قوم يونس، قال سبحانه:

(فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمَانُها اِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ في الحَيَاةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلَى حِين)(2) .

ذكر المفسرون: إنّ قوم يونس لما عاينوا العذاب، أشار إليهم العالم الموجود فيهم بقوله: افزعوا إلى اللّه فلعلّه يرحمكم ويرد العذاب عنكم، فاخرجوا إلى المفازة وفرّقوا بين النساء والأولاد وبين سائر الحيوان وأولادها، ثم ابكوا وادعوا. ففعلوا فصرف عنهم العذاب(3) .

ولم يكن هذا العمل إلاّ لأجل استنزال الرحمة على النحو الّذي عرفت .

نعم، ما ذكره في آخر كلامه من أنه أمر عبادىّ يحتاج إلى الدليل فهو كلام متقن، ولكنّه ليس معناه أن يكون الدليل المطلوب دليلا بالخصوص، بل لو كان هناك عام أو إطلاق حول التوسل بدعاء النبي فيؤخذ بإطلاقه، سواء أكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في دار التكليف أم في البرزخ، وإليك البيان:


1. شفاء السقام: ص 143 ـ 144 .

2. سورة يونس: الآية 98 .
3. مجمع البيان: ج 3 ص 135 .


(268)

وهو يتوقف على بيان أُمور:

1- بقاء الروح بعد الموت

دلّت الآيات القرآنية على بقاء الروح بعد الموت، وأنّ الموت ليس بمعنى فناء الإنسان، بل هو عبارة عن انخلاع الروح عن البدن، وبقائه مستقلا عنه، من غير فرق بين المسلم وغيره، والمقتول في سبيل اللّه وغيره، والآيات في ذلك متضافرة .

قال سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرونَ)(1)، وهناك آيات نشير إلى مواردها، ومن أراد التوسع في الموضوع: فليرجع إليها(2) .

2- الحقيقة الإنسانية هي الروح

إنّ الإنسان وإن كان بحسب التحليل الظاهري يتركب من شيئين: المادة والمعنى، والجسم والروح، ولكن الحقيقة الإنسانية عبارة عن نفس الإنسان وروحه، ولأجل ذلك يردّ الوحي الإلهي على من زعم أنّ البدن الإنساني يضل في العالم بعد الموت، حيث حكى عنهم قولهم: (وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَديد) فردّ عليهم بقوله:

(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(3) .

ومعنى التوفّي في الآية هو الأخذ، ومعنى الآية أنّ تناثر أجزاء البدن في أجواء العالم وثناياه، لا يضر بالمعاد، فإنّ الحقيقة الإنسانية وواقعيتها محفوظة عند اللّه، وأنّ ملك الموت يأخذكم، وليس المأخوذ إلاّ الروح .


1. سورة البقرة: الآية 154 .
2. لاحظ: سورة آل عمران: الآية 169 ـ 171، سورة يس : الآية 25 ـ 26، سورة غافر الآية 46 .
3. سورة السجدة: الآية 10 ـ 11 .


(269)

3- إمكان الاتصال بالأرواح

إنّ الذكر الحكيم يصدق صحة اتصال الإنسان العائش في الدنيا بالأرواح المتواجدة في عالم البرزخ، ويصرّح بأنّ بعض الأنبياء كصالح وشعيب كلّموا أرواح أُممهم الهالكة، ويظهر ذلك بالإمعان في الآيات التالية:

يقول في حق أُمة شعيب:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحوا في دَارِهِمْ جاثِمينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوا فِيها، الَّذينَ كَذَّبوا شُعَيباً كانُوا هُمُ الخَاسِرينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقَالَ يا قَوْمِ لَقَد أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلَى قَوْم كافِرينَ)(1) .

ترى أنّ قوله: «فتولّى عنهم» جاء بعد الإخبار بدمارهم وهلاكهم كما هو صريح سياق الآيات، وعندئذ خاطب الهالكين بقوله: «يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي...» .

ويقول في حق أُمة صالح:

(فَعَقَروا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرسَلينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبِحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحينَ)(2) .

وكيفية الاستدلال واضحة بعد التدبّر في ما ذكرناه، فإنّ المخاطبة والمحاورة وقعت بعد هلاكهم، فلا يمكن لنا رفض سياق الآية والقول بأنه كلمهم في حال حياتهم.

إنّ الذكر الحكيم يأمر النبي بسؤال المرسلين ويقول: (وَاسْأَلْ مَنْ)


1. سورة الأعراف: الآية 91 ـ 93 .
2. سورة الأعراف: الآية 77 ـ 79 .


(270)

أرْسَلنا مِنْ قَبْلِكِ مِنْ رُسُلِنَا أجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ))(1) .

وتأويل الآية بإرجاعها إلى سؤال علماء أهل الكتاب تأويل بلا دليل، ولا منافاة بينهما حتّى يرجع أحدهما إلى الآخر .

إنّ المسلمين جميعاً يخاطبون النبي بالسلام في حال التشهد، ويقولون: «السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته» وقد اتفق الفقهاء على كونه جزءاً من التشهّد(2) .

وفي ضوء هذه الأُمور الثلاثة تثبت إمكانية التوسل بالأرواح المقدسة، فالأولياء والأنبياء من جانب أحياء يرزقون، من جانب آخر، إنّ حقيقة الإنسان هى النفس الباقية بعد الموت أيضاً، ومن جانب ثالث، إِنَّ الأنبياء كلّموا أرواح أُممهم الماضية. كل ذلك يدل على إمكانية الاتصال بهم ووقوعه، وأنهم يسمعون كلامنا وسلامنا ومحاورتنا.

بقي الكلام في جواز التوسل شرعاً، حتّى يكون تعبداً مع الدليل .

إنّ الذكر الحكيم يحثّ المذنبين على المجيء إلى النبي وطلب الاستغفار منه يقول: (وَلَو أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (3) والمتبادر إلى أذهاننا في هذا الزمان اختصاص الآية بحال حياة النبي، ولكن الصحابة فهموا منه الأعم من حال الحياة والارتحال إلى الرفيق الأعلى، ويدل على ذلك ما نذكر:

1- روى البيهقي عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: يا رسول اللّه. استسق اللّه لأُمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول اللّه في المنام وقال: ائت عمر


1. سورة الزخرف: الآية: 45 .
2. الخلاف، للشيخ الطوسي، ج 1 ص 47، وقد نقل صوراً مختلفة للتشهد عن أئمة المذاهب والكل يشتمل على خطاب النبي بالسلام .
3. سورة النساء: الآية 64 .


(271)

فاقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون(1) .

فالحديث يعرب عن أنّ التوسل بدعاء النبي بعد رحلته كان رائجاً، ولو كان عملا محرّماً أو بدعة فلماذا توسل هذا الرجل بدعائه؟ ولماذا بكى الخليفة بعد سماع كلامه، كما هو في ذيل الحديث ؟

يقول السمهودي بعد نقل الحديث: ومحل الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وهو في البرزخ، ودعاؤه لربه في هذه الحالة غير ممتنع، وعلمه بسؤال من يسأله قد ورد، فلا مانع من سؤال الاستسقاء وغيره منه كما كان في الدنيا(2) .

2- روى ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن» وغيرهما بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فزرته وجلست بحذائه، وجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل! إنّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم ـ )إلى قوله: رحيماً)) وإني جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي متشفعاً بك، وفي رواية: «وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي» ثم بكى وأنشأ يقول:

ياخير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم استغفر وانصرف.

3- وقال السمهودي: قال الحافظ أبو عبداللّه محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام»: إنّ الحافظ أبا سعيد السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علىّ بن أبي طالب ـ رضي اللّه عنه - قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنّا رسول اللّه بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي وحثا من ترابه على


1. دلائل النبوة، ج 7 باب ما جاء في رؤية النبي في المنام، ص 47 .
2. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1371 .


(272)

رأسه وقال: يا رسول اللّه. قلت قسمعنا قولك، ووعيت من اللّه سبحانه منا وعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوكَ فاستغفروا اللّه...) وقد ظلمت وجئتك تستغفر لي(1) .

شبهات للكاتب الوهابي

إنّ للكاتب الوهابي، الرفاعي صخباً وهياجاً حول الحديث، فقد أشكل عليه بوجوه ستة لا يهمنا ذكرها والإجابة عن جميعها، لأنه غفل عن كيفية الاستدلال بهذه النقول، وسنشير إليها. نعم، يهمنا أن نذكر بعض اعتراضاته:

1- يقول: إنّ التوسل بدعاء النبي بعد موته رهن أن يسمع الرسول أو يتكلم، أو يصدر عنه أي عمل بعد موته، مع أنه قد انقطع عمله نهائياً كما قال هو ـ عليه السَّلام ـ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» ولا شك أنّ رسول اللّه يشمله هذا الحديث .

عزب عن المسكين مفاد الحديث، فإنه بصدد بيان انقطاع ابن آدم عن العمل الّذي يترتب عليه الثواب، بقرينة استثناء الأُمور الثلاثة، وقال أميرالمؤمنين في هذا المجال: «وإنّ اليوم عمل ولا حسابن، وغداً حساب ولا عمل»(2) .

وقال أيضاً: «الا وإنّ اليوم المضمار، وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب عن خطيئة قبل منيته، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه؟»(3) .

فكيف يمكن القول بانقطاع عمل الميت نهائياً مع أنّ الشهداء في سبيل


1. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1361 .
2. نهج البلاغة; الخطبة 42 .
3. نهج البلاغة; الخطبة 28 .


(273)

اللّه يقومون بأعمال ينوّه بها الذكر الحكيم ويقول: (فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِم أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤمِنينَ)(1).

أو ليس الفرح بما أوتوا من فضله سبحانه، والاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم، والاستشعار بعدم الخوف والحزن، والاستبشار بنعم اللّه سبحانه، أفعالا للراحلين إلى دار الآخرة؟ مضافاً إلى ما ورد من أنهم يرزقون عند ربهم(2) .

2- يقول: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ اللّه، فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعياً، وعلى هذا فيستحيل الاتصال بينهم، لا ذاتاً ولا صفاتاً واللّه سبحانه يقول: (وَمِنْ وَرائِهمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُونَ)(3) .

عجيب واللّه أمر هذا الرجل، إنه يأتي بالشُّبه والأوهام بصورة البرهان، ويجتهد في مقابل النص، وقد تعرفت على الآيات الّتي تحدثت عن محاورة الأنبياء أرواح أممهم الهالكة، وقد تعرفت على أنه سبحانه أمر النبي بالسؤال عن الأنبياء. فما هذا الاجتهاد في مقابل النص؟

لقد تناسى الرجل حديث تكلم النبي مع أصحاب القليب المقتولين من كفرة قريش، وقد ذكره أصحاب الحديث والتاريخ، وإليك نص صحيح البخاري في ذلك: وقف النبي على قليب بدر وخاطب الذين قُتلوا وأُلقيت أجسادهم في القليب:

لقد كنتم جيران سوء لرسول اللّه، أخرجتموه من منزله وطردتموه، ثم اجتمعتم عليه فحاربتموه، وقد وجدتُ ما وعدني ربي حقاً.


1. سورة آل عمران: الآية 170 ـ 171 .
2. سورة آل عمران: 169 .
3. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 267، سورة المؤمنون: الآية 100 .


(274)

فقال له رجل: يا رسول اللّه ما خطاب لِهام سديت؟

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : واللّه ما أنت بأسمع منهم، وما بينهم وبين أن تأخذهم الملائكة بمقامع من حديد إلاّ أن أعرض بوجهي ـ هكذا ـ عنهم(1) .

وروى ابن هشام عن أنس بن مالك، قال: لما سمع أصحاب رسول اللّه كلام رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ من جوف الليل وهو يقول: يا أهل القليب، وياعتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أُمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام ـ فعدّد من كان منهم في القليب ـ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فقال المسلمون: يا رسول اللّه. أتنادي قوماً قد جيفوا؟(2) قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني(3) .

لما وقعت الفتنة بالبصرة، خرج كعب بن سور، وكان قاضي البصرة لحرب خليفة رسول اللّه وإمام زمانه، ولما كان النصر حليفاً له ـ عليه السَّلام ـ مرّ على جسد كعب بن سور، فقال لمن حوله: أجلسوا كعب بن سور، فأجلسوه بين شخصين يمسكانه، فقال ـ عليه السَّلام ـ : يا كعب بن سور قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟ ثم قال: أضجعوه، وسار قليلا حتّى مرّ بطلحة بن عبيد اللّه، فقال: أجلسوا طلحة، فكلّمه بمثل ما كلّم كعب بن سور، فقال له رجل: يا أميرالمؤمنين ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : يا رجل واللّه لقد سمعا كلامي، كما سمع أهل القليب كلام رسول اللّه(4) .

3- يقول إنّ القرآن يخبر بأنّ النبي لا يستطيع إسماع الموتى ويقول: (إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى)(5)، وقال (وَمَا أَنْتَ )بَمُسمِع مَنْ فِي


1. صحيح البخاري: ج 5، باب قتل أبي جهل، ص 76 ـ 77 .
2. قد جيفوا: أي قد صاروا جيفة .
3. السيرة النبوية لابن هشام، ج 2 ص 294، طبع دار إحياء التراث العربي ـ بيروت .
4. الجمل، للشيخ المفيد، ص 210 ط النجف، حق اليقين للسيد شبر، ج 2، ص 73 .
5. سورة النمل: الآية 80 .


(275)

القُبُورِ))(1)، والرسول بعد أن توفّاه اللّه هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت انه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا(2) .

ولكنّه غفل عن أنّ طرف المحاورة ليس الأجساد الخالية عن الأرواح، بل أرواح هذه الأبدان، فإنّ لها عيشة برزخية مقترنة مع بدن برزخي. وأمّا الوقوف على القبر ـ مع أنّ التكلّم مع أرواحهم لا مع أجسادهم ـ فإنما هو لأجل تحصيل حالة نفسانية يستطيع معها الإنسان التوجه إلى أرواحهم، والالتفات إليهم حتّى يكلمهم بما يقصد .

ومن عجيب الأمر أنه يقول: إنّ قوله سبحانه:(ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم...) يختص بالمنافقين، فعلى ما ذكره يكون المنافق أعز عند اللّه من المؤمن، حيث يجوز للأول، طلب الاستغفار منه دون المؤمن، فهو أشمل لرحمة اللّه من الثاني «فاقض ما أنت قاض» مع أنّ مورد الآية لا يخصّص إطلاقها، بل الآية عامة لكل من ظلم نفسه سواء أكان منافقاً أم غيره.

هذا عمدة ما استدل به الكاتب على عدم صحة الاحتجاج بالرواية، وأمّا الإشكال على سنده، أو اشتمال متنه على الشذوذ فلا يضر أبداً، فلنفترض نحن أنّ السند ضعيف، وأنّ في المتن بعض الإشكال، لكن لو كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً يوجب الخروج عن الدين، أو أمراً محرّماً يجب أن يتوب عنه المسلم، فلماذا قامت جموع كثيرة من المحدثين بنقله والاحتجاج به، أوَ ليس عاراً على محدّث إسلامي أن ينقل في جامعه وكتابه أثراً يشتمل على الشرك والأمر المحرّم الواضح، ولا يعود عليه بشيء.

ولنفترض أنّ الراوي وضع هذا الحديث ولم يكن له حقيقة، ولكن الواضع إنما يضع الحديث لأجل إلفات الناس إليه، فلو كان ذلك الأمر موجباً للشرك أو ما يقارنه، فالدواعي تكون عن وضعه مصروفة. كل ذلك يعرب


1. سورة فاطر: الآية 22 .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل، ص 268 .


(276)

عن أنّ هذا العمل كان أمراً مباحاً فجاء هذا الراوي ينقل هذا الأمر على عفو الخاطر .

والاستدلال بهذه الرواية وما يأتي بعده بهذا الوجه، ولأجل ذلك لم نحاول أن نصحح السند .

4- روى السمهودي عن الإمام محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام» عن محمد بن المنكدر: أودع رجل أبي ثمانين ديناراً وخرج للجهاد، وقال لأبي: إنّ احتجت أنفقها إلى أن أعود. وأصاب الناس جهد من الغلاء، فأنفق أبي الدنانير، فقدم الرجل وطلب ماله، فقال أبي: عد إلىَّ غداً، وبات بالمسجد يلوذ بقبر النبي مرة وبمنبره مرة، حتّى كاد أن يصبح يستغيث بقبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فبينما هو كذلك فإذا بشخص في الظلام يقول:

دونكها يا أبا محمد. فمدّ أبي يده، فإذا بصرّة فيها ثمانون ديناراً، فلمّا أصبح جاء الرجل فدفعها إليه(1) .

وقد نقل السمهودي في هذا الفصل قصصاً كثيرة عن شخصيات إسلامية، فمن أراد فليرجع إليه(2) .

وقد تعرّفت أنّ كيفية الاستدلال بهذه القصص ليس على أساس صحة إسنادها أو خلو متونها عن الشذوذ، وإنما هو على أساس أنه لو كان هذا الأمر شركاً أو أمراً محرماً لما اهتم المحدثون والمؤرخون بنقلها، بل ولما قام الوضّاعون بوضعها، فإن الغرض من وضع الحديث هو بثّه بين المحدثين الواعين، ومن المعلوم أنه إذا كان التوسل بدعاء النبي بعد رحلته شركاً وبدعة على ما تدعيه الوهابية، لكانت الدواعي عن وضعها ونقلها مصروفة جداً، وهذا يعرب عن ان العمل كان مشروعاً وسائغاً بين المسلمين، فلأجل ذلك قام هؤلاء بنقل


1. وفاء الوفاء: ج 4 ص 1380 .
2. نفس المصدر: ج 4 ص 1380 ـ 1387 .


(277)

هذه الأحاديث، وقام المتوسلون ـ على فرض الصحة ـ بهذا العمل، أو قام الوضاعون على احتمال، بوضعها.

إلى هنا تبيّنت أحكام التوسل بأقسامه الثلاثة :

* التوسل بذوات الصالحين وأنفسهم .

* التوسل بحقهم ومنزلتهم ومكانتهم .

* التوسل بدعائهم بعد رحلتهم ووفاتهم .

وأرى أن بسط الكلام في هذه المواضع أزيد من ذلك ضياع للوقت، ومن أراد الحق فيكفيه ما حررناه، فطوبى لمن يستمع القول ويتبع أحسنه، وتبّاً لقوم «نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم كانهم لا يعلمون» .

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسيلةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1) .


1. سورة المائدة: الآية 35 .


(278)


(279)

(8)

إبن تيمية وطلب الشفاعة ممن ثبت كونه شفيعاً

إتفق المسلمون عامة على شفاعة النبي الأكرم يوم القيامة، وإن اختلفوا في معنى الشفاعة بين كونها سبباً لغفران الذنوب كما عليه الأشاعرة والإمامية وأهل الحديث، أو لترفيع الدرجة كما عليه المعتزلة. إنما الكلام في طلب الشفاعة من النبي في حال حياته ومماته، فالمسلمون إلى عهد ابن تيمية اتفقوا على جوازه حياً وميتاً، وهو من فروع طلب الدعاء من المشفوع له، إلى أن جاء ابن تيمية في القرن الثامن الهجري ورفع راية الخلاف بين المسلمين، وقال: «لا يجوز طلب الشفاعة من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فهو يسلم بأن نبي الإسلام وسائر الأنبياء لهم حق الشفاعة في الآخرة، ولكن يقول: لا يطلب الشفاعة إلاّ من اللّه، يقول ابن تيمية:

«قد ذكر العلماء وأئمة الدين الأدعية المشروعة وأعرضوا عن الأدعية المبتدعة، ثم بيّن مراتب الأدعية المبتدعة على النحو التالي»:

1- الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، وسواء أكان من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أم غيرهم فيقال: يا سيدي فلان أغثني، وأنا مستجيرك ونحو ذلك، فهذا هو الشرك باللّه...

2- أن يقول للميت أو الغائب من الأنبياء: ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك ونحو ذلك، فهذا لا يستريب عالمٌ أنه غير جائز...

3- أن يقول: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته ونحو ذلك، فهو


(280)

الّذي تقدم عن أبي محمد أنه أفتى بأنه لا يجوز في غير النبي، وأفتى أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما أنه لا يجوز في حق أحد من الأنبياء، فكيف بغيرهم...؟(1)

يلاحظ على مجموع ما ذكره:

أمّا القسم الأول، فإنّ عدّه شركاً، عجيب جداً، هذا هو القرآن الكريم يذكر عن شيعة موسى قوله: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَُدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ)(2)، ومعه كيف يقول: إنّ قول القائل «يا سيدي فلان أغثني» شرك سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً، أوَ لم يكن موسى حياً حين استغاثه الّذي من شيعته؟ ولو خصّ الشرك بصورة كون المدعو ميتاً ـ فمع أنه مخالف لصريح كلامه ـ لا يكون سبباً للشرك، إذ لا معنى لكون خطاب في حال، عين التوحيد، وفي أُخرى نفس الشرك، نعم، الموت والحياة يؤثران في الجدوائية وعدمها.

وأمّا القسم الثالث، أعني قول القائل: أسألك بجاه فلان عندك أو بحرمته، فهو داخل في القسم الثاني من التوسل الّذي قدمنا الكلام فيه، وذكرنا هناك توسل شخص النبي بحقه وحق الأنبياء .

نعم، الكلام في القسم الثاني، وهو أن يخاطب الأنبياء والصالحين بقوله: «ادع اللّه لي، أو ادع لنا ربك» وهذا هو الّذي ذكر في حقه «أنه لا يستريب عالم في أنه غير جائز» مع أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء من الشافعين في حال حياتهم ومماتهم .

ثم إنّ لأتباع محيي مسلك ابن تيمية في القرن الثاني عشر، أعني محمد بن عبدالوهاب، تعبيراً واضحاً في ذلك المجال يقول:

«إنّ طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا من الشفعاء بأن يقول:


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 22 .
2. سورة القصص: الآية 15 .


(281)

اللّهمّ شفّع نبيّنا محمداً فينا يوم القيامة، أو اللّهمّ شفّع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك مما يطلب من اللّه لا منهم، فلا يقال: يا رسول اللّه أو يا ولي اللّه أسألك الشفاعة أو غيرها مما لا يقدر عليه إلاّ اللّه، فإذا طلبت ذلك في أيام البرزخ كان ذلك من أقسام الشرك(1) .

هكذا نرى أنّ الاتهام بالشرك أرخص وأوفر شيء في كتب الوهابية وشيخها ابن تيمية، ولتحقيق الحال نركّز على أمرين يبتني عليهما جواز طلب الشفاعة عن الأنبياء والصالحين في هذه الدنيا وهما:

1- إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء .

2- إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمر مستحب في الاسلام، وقد جوّزته الوهابية إذا كان المدعو حياً، وإليك بيانهما:

أ ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء

إنّ شفاعة النبي وسائر الشفعاء هي الدعاء إلى اللّه وطلب المغفرة منه سبحانه للمذنبين، واللّه سبحانه أذن لهم في الدعاء في ظروف خاصة، فيستجاب فيما أذن، وهم لا يدعون في غير ما أذن اللّه لهم .

نعم، نحن لا نحيط بكنه الشفاعة في يوم القيامة، ولعلّ لها في ذلك اليوم مرتبة أُخرى، ولكن الدعاء إلى اللّه من مراتبها ومن أوضح مصاديقها، فقول القائل مقابل قبر النبي «يا وجيهاً عند اللّه اشفع لنا عند اللّه» لا يقصد إلاّ هذا المعنى. هذا هو المفسر المعروف النيسابوري يذكر عن مقاتل في تفسير قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصيبٌ مَنْهَا، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)(2):... الشفاعة إلى اللّه إنما هي دعوة اللّه لمسلم(3) .


1. الهدية السنية، الرسالة الثانية: ص 42 والرسالة لأحد أتباعه .
2. سورة النساء: الآية 85 .
3. تفسير النيسابوري: ج 5 ص 118 بهامش تفسير الطبري .


(282)

وهذا هو الإمام الرازي يفسر الشفاعة بالدعاء والتوسل إلى اللّه، فقد قال في تفسير قوله سبحانه: (وَيَسْتَغْفِرون لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَىء رَحْمَة) هذه الآية تدل على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين، وإذا ثبت هذا في حق الملائكة فكذلك في حق الأنبياء، لا نعقاد الإجماع على أنه لا فرق(1) .

وقال أيضاً قال تعالى لمحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَاسْتَغْفِرْ لَذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنينَ وَالْمُؤمِنَات) فأمر محمداً أن يذكر أوّلا الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، وحكى عن نوح ـ عليه السَّلام ـ أنه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَلِوالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بِيتِيَ مُؤمِناً وَلِلْمُؤمِنينَ وَالمُؤمِنات)(2) .

وعلى هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب، وطلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه، وقد سمي في الأحاديث: دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي أنه قال: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لايشركون باللّه إلاّ شفّعهم اللّه فيه(3) .

فلو أنّ رجلا أوصى في حال حياته أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء على أن يقوموا بالدعاء له بعد موته وفوته، فقد طلب الشفاعة منهم .

وقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم» وأفرد باباً آخر بعنوان «إذ استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»(4) .

كل ذلك يدل على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء إلى اللّه، وطلبها هو طلب الدعاء .


1. مفاتيح الغيب: ج 7 ص 286 ـ طبع مصر، سورة غافر: الآية 7 .
2. مفاتيح الغيب: ج 8 ص 220، سورة محمد: الآية 19 و سورة نوح: الآية 28 .
3. صحيح مسلم: ج 3 ص 54 .
4. صحيح البخاري ج 2 ص 29 ـ أبواب الاستسقاء .


(283)

ب ـ طلب الدعاء من المؤمن ليس شركاً ولا حراماً

لا يتصور أن يكون طلب الدعاء من المؤمن أو الصالح أو الأنبياء العظام شركاً سواء أكانوا أحياءً أمْ أمواتاً، أمّا الأحياء فقد صرح القرآن الكريم بجوازه، وأمر الظالمين بالمجيء إلى النبي وطلب الاستغفار منه. قال سبحانه:

(وَلَو أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُم جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرو اللّهَ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدوا اللّهَ تواباً رحيماً)(1). وحكى عن ولد يعقوب أنهم قالوا لأبيهم (يَا أبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إنّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي)(2) .

كما أنه لا يكون شركاً، لا يكون حراماً أيضاً، ونحن ننقل مجموعة من الأحاديث مما ورد فيه طلب الشفاعة:

1- هذا هو الترمذي يروي في صحيحه عن أنس أنه قال: سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة فقال: أنا فاعل. قلت: فأين أطلبك؟ قال: على الصراط(3) .

والعجب من الشيخ الرفاعي الّذي يأتي بكل ما ذكره ابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب حرفاً بحرف، لكن بثوب جديد وصبغة جديدة، استشكل على الاستدلال بهذا الحديث بقوله:

2- إنّه ليس من قبيل التوسل بالمخلوق، بل من قبيل التوسل إلى ربه بدعاء أخيه المؤمن له .

3- طلب أنس من الرسول أن يشفع له يوم القيامة، يفيد أن أَنَساً


1. سورة النساء: الآية 64 .
2. سورة يوسف: الآية 97 ـ 98 .
3. سنن الترمذي: ج 4 ص 42، باب ما جاء في شأن الصراط .


(284)

يقصد أن يدعو له اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة، أي يجعله في جملة الحد الّذي يحده له فيشفع فيهم(1) .

يلاحظ عليه: أنّ الهدف من الاستدلال بالحديث هو إثبات جواز طلب الشفاعة من المخلوق، لا التوسل بذوات المخلوقين، فإنه بحث آخر، وله حجج أُخرى قدمناها. هذا حول الإشكال الأول .

وأمّا الثاني فهو تأويل لظاهر الحديث دعماً للمذهب الّذي تبناه، فإنّ المتبادر من قوله: «سألت النبي أن يشفع لي يوم القيامة» أي قلت له يا رسول اللّه اشفع لي يوم القيامة، وأين هو من التأويل الّذي يذكره الرفاعي من أنه قصد أن يدعو اللّه تعالى أن يشفّعه به يوم القيامة؟ ولو كان المقصود هذا فإنّ أنساً من العرب العرباء، كان له أن يفصح عن مراده ويقول: يا رسول اللّه ادع اللّه تعالى أن يشفعك فىّ، يوم القيامة .

وليس هذا التاويل وأمثاله الّذي ارتكبه ذلك الكاتب إلاّ تحريفاً للكلم ليروج متاعه .

ثمّ إنه استشكل على الحديث بضعف السند، فقال: «إنّ في سنده أبا الخطاب حرب بن ميمون وهو ضعّف ووثّق» وإليك ما ذكره الذهبي في حقه: حرب بن ميمون، ابو الخطاب الأنصاري، بصري صدوق يخطىء، قال أبو زرعة: ليّن، وقال يحيى بن معين: صالح وثّقه علي بن المديني وغيره.

وأمّا البخاري فذكره في الضعفاء(2) .

وقال ابن حجر: «قال الخطيب في المتفق والمفترق: كان ثقة .

وقال الساجي في حرب بن ميمون: الأصغر، ضعيف عنده مناكير، والأكبر ثقة، والوارد في سند الرواية هو الأكبر، وقال ابن حبان: في الثقات، يخطىء .


1. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 320 .
2. ميزان الإعتدال: ج 1 ص 470، رقم 1773 .


(285)

وقرأت بخط الذهبي: وثّقه ابن المديني ومات في حدود الستين والمائة»(1) .

ترى أنّ الأكثرية الغالبة وثّقته غير البخاري، وهو ذكره في الضعفاء، ومن المعلوم أنه لا يمكن ترك حديثه بمجرد ذكر البخاري إياه في الضعفاء، ولم يعلم وجه كونه ضعيفاً عنده، ولعله لأجل كونه قدرياً كما يظهر من ابن حجر في تهذيب التهذيب، أي قائلا بالاختيار الّذي هو على طرف النقيض من القول بالجبر، وهو موجب لقوّته لا لضعفه، فالرواية حجة بلا إشكال.

كيف لا يجوز طلب الشفاعة من الصالحين وهذا هو الطبراني روى في المعجم الكبير أنّ سواد بن قارب ـ رضي اللّه عنه ـ أنشد قصيدته:

وأشهد أنّ اللّه لا ربّ غيره * وأنّك مأمون على كل غائب

وأنّك أدنى المرسلين وسيلة * إلى اللّه يابن الأكرمين الأطائب

فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وإن كان فيما فيه شيب الذوائب

وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة * بمغن فتيلا عن سواد بن قارب(2)

والشاهد هو البيت الأخير حيث طلب الشفاعة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

إنّ الكاتب الوهابي الرفاعي لم يجد بداً عن التسليم لما يفيده البيت الأخير وقال:

«إنّ سواد بن قارب يخاطب رسول اللّه ويرجوه أن يدعو اللّه تعالى أن يكون له شفيعاً يوم القيامة، والخطاب هذا لا شك كان في حياته، وطلب الشفاعة منه في حياته لا بأس به، لأنه طلب لدعائه لأن يكون سواد في جملة من


1. تهذيب التهذيب: ج 2 ص 225 ـ 226، رقم 418 .
2. دلائل النبوة: ج 2 ص 248 ونقله الطبراني فى المعجم الكبير، ج 7 ص 109 ـ 111 ورواه الحاكم في مستدركه، وابن كثير في تاريخه ج 1 ص 344 والهيثمي في مجمع الزوائد ج 8 ص 250 .


(286)

يشفعه فيهم يوم القيامة(1) .

أقول: الّذي اعتذر به الرفاعي هو الّذي وصفه بالشرك شيخ منهجه أحمد بن تيمية، قال: الدعاء لغير اللّه سواء أكان المدعو حياً أم ميتاً... فهذا هو الشرك باللّه(2) .

فما هذا التناقض بين كلامه وكلام شيخه، فالذي يجيزه، هو الّذي يصفه شيخه بالشرك، أبهذه المناقضات تكفّرون المسلمين وتدعون الناس إلى نهج الحق ومعين التوحيد؟

ثم إنّه نقل عن بعض الوهابيين أعني إسماعيل الأنصاري أنه ضعّف سند الحديث، وذكر وجوهاً للضعف، وقد سبقه معلق مجمع الزوائد، غير أنه غفل عن وجه الاستدلال و هو ما ذكرناه فيما سبق:

إِنَّ هذا الحديث ونظائره على فرض الصدق وعدمه حجة على ما في مدلوله، إذ لو كان صادقاً فهو وإن كان مجعولا فلماذا ذكره المحدّثون الكبار في جوامعهم كالطبراني في معجم الكبير، والبيهقي في دلائل النبوة وغيرهما؟ ولا يعني من هذا أنهم لا يذكرون الأحاديث الضعاف في جوامعهم حتّى يقال إنّ المحدثين بين ملتزم بنقل الصحيح وغيره، بل المقصود أنّه إذا كان طب الشفاعة شركاً على ما ذكره أحمد بن تيمية، أو مما لا يستريب عالم في أنه غير جائز، فلماذا نقلوا الحديث الباطل من دون أن يناقشوا في مضمونه ومتنه؟ إذ لا يصحّ لهؤلاء أن يمروا على خرافة شركية في كتبهم، أو أمر محرّم لا يستريب فيه عالم، مرور الكرام .

كل ذلك يعرب عن أنّ المضمون ليس عليه غبار، وأمّا ضعف السند فلا يكون دليلا على كذبه، فإليك السند الّذي رواه الطبراني به، فقد ورد فيه هؤلاء:


1. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 399 .
2. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 22 .


(287)

حدثنا محمد بن محمد التمارة البصري، ثنا: بشر بن حجر الشامي، ثنا علي بن منصور، عن الأنباري، عن عثمان بن عبدالرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي .

3- كيف يكون شركاً وقد جاء في التاريخ أنّ رجلا اسمه «تبع» قد بلغه أنّ نبي آخر الزمان سوف يظهر من مكة ويهاجر إلى المدينة، فكتب كتاباً ودفعه إلى بعض أقربائه كي يسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وذكر فيه إسلامه وإيمانه، وأنّه من أُمة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ و مما جاء في هذه الرسالة: «فإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة ولا تنسني» ومات الرجل، وكان الكتاب ينتقل من واحد إلى آخر، فلما قدم النبي المدينة دفعوا إليه الكتاب فقال: مرحباً بالأخ الصالح»(1) .

فهل يصحّ للنبي أن يصف المشرك بالأخ الصالح؟ أو أن تقراً عليه الرسالة ويقف على ما طلبه منه من الأمر المحرم دون أن يرد عليه؟

كل ذلك يعرب عن أنّ طلب الدعاء وطلب الشفاعة من الصالحين والأنبياء ليس شركاً في العبادة، ولا أمراً محرماً، ما هذا الجمود في فهم الإسلام؟ وما هذه الظنون والشبه الّتي تعتمدون عليها؟ فإنّ الإسلام دين حنيف سهل .

نعم لهم اعتراض على ما ذكرناه من الأدلة، بأنها ترجع إلى طلب الشفاعة من الأحياء، وأن البحث إنما هو في طلبه من غيرهم، والجواب من وجهين:

الأوّل: قد عرفت في البحث السابق بوجوه قيمة من أنّ الطلب متوجه إلى الأرواح المقدسة الّتي لم تنقطع صلتها بنا، وقد جرت السنة على ذلك، وقد عرفت الأدلة على جواز التكلم مع الأرواح المؤمنة والمشركة، كما عرفت أنّ الأنبياء العظام كصالح وشعيب، والنبي الأكرم كلّموا قومهم بعد هلاكهم ودمارهم، غير أنّه تكميلا للبحث نذكر بعض ما ورد من الأثر في ذلك


1. المناقب، لابن شهر آشوب: ج 1 ص 16 .


(288)

المجال، أي طلب الدعاء بعد الالتحاق إلى رحمة اللّه .

هذا ابن عباس يقول: لما فرغ أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ من تغسيل النبي، قال:

«بأبي أنت وأُمي، اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك»(1) .

ويروي أهل السنة أنه لما توفّي رسول اللّه جاء أبوبكر من سلع، ووقف على فوته وكشف عن وجهه وقبله وقال: بأبي أنت وأُمي طبت حياً وميتاً واذكرنا عند ربك»(2) .

فما معنى المعارضة مع هذه النصوص ومعاكستها؟

(فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤمِنُونَ)(3) .

أدلة الوهابيين على حرمة طلب الشفاعة

لقد تعرّفت فيما مضى على أنّ طلب الشفاعة يساوق طلب الدعاء، ولا يتصوّر أن يكون من أقسام الشرك في العبادة، أو يكون طلبه من المخلوق عبادة له، إلاّ أن يكون طلب الدعاء من مخلوق شركاً وعبادة، وهو مما لم يقل به أحد حتّى الوهابيون .

نعم لهم شبهة ربما يغتر بها البسطاء، وهي أنّ المشركين كانوا يطلبونها من أصنامهم، فسمّاه اللّه عبادة لهم وقال: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُم وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤلاءِ شُفَعَاؤنَا عِنْدَ اللّه قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّه بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمواتِ وَلاَ فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(4) .

والشاهد في قوله: «ويعبدون من دون اللّه» مع ملاحظة ما في ذيل


1. نهج البلاغة: الخطبة رقم 235 ونقل السيد الأمين في كشف الإرتياب، ص 265 أنه قال: بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من همك، نقلا عن مجالس المفيد .
2. السيرة الحلبية: ج 3 ص 392 .
3. سورة الأعراف: الآية 185 .
4. سورة يونس: الآية 18 .


(289)

الآية: «ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه» وكان وجه عبادتهم لهم هو قولهم: «هؤلاء شفعاؤنا»(1) .

إنّ الاستدلال بالآية على كون طلب الشفاعة شركاً من غرائب الاستدلال وعجائبه، فإنّ الآية لو لم تدل على أنّ طلب الشفاعة يغاير عبادتهم لها، لا تدل على أنّ طلب الشفاعة عبادة للمدعو، وذلك أنه ورد في الآية جملتان نسبتهما إلى المشركين:

1- ويعبدون من دون اللّه ما لا يضرّهم ولا ينفعهم .

2- ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه .

والعطف يدل على المغايرة، وأنّ هنا عبادة، وأنّ هناك أمراً آخر وهو طلب الشفاعة، وما هذا الخلط؟

ولنفترض أنّ طلب شفاعتهم كان عبادة لمعبوداتهم، وأنّ الجملة الثانية من قبيل عطف العام على الخاص ولكن أين طلب شفاعة المسلم الموحّد من سيد الموحدين، من طلب شفاعة عبدة الأصنام والأوثان، فالمشركون كانوا يعتبرون الأوثان مالكة للشفاعة والمغفرة، فكان اللّه في معزل عنهما تماماً، ولا شك أنّ طلب الشفاعة من أىّ موجود مقروناً بهذا الاعتقاد يعد شركاً، لأنّ هذا الطلب مقرون بألوهية المدعو وربوبيته، في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة والدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرباً إلى اللّه، وإنساناً وجيهاً عنده، أذن اللّه تعالى له في شفاعة المجرمين، وادّخرها النبي لأهل الكبائر من أُمته، كما ورد عن النبي الأكرم، ورواه الفريقان .

والمصدر لهذه التهمة هو أنّ القوم لم يضعوا حداً منطقياً جامعاً ومانعاً للعبادة حتّى يميزوا به الدعاء العبادي عن غيره، فجعلوا يخبطون خبط عشواء لا يميزون بين الصحيح والسقيم .

نعم، إنّ الشفاعة حق خاص باللّه دل عليه الذكر الحكيم وقال: (أَمِ)


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 15 .


(290)

اتَّخَذُوا مِنْ دونِ اللّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيئاً وَلاَ يَعْقَلُونَ * قُلْ للّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً))(1) .

ولأجل كونه حقاً مختصاً باللّه، لا يشفع النبي الأكرم ولا الشفعاء الأُخر لأحد إلاّ بإذنه سبحانه، ولكن قوله «للّه الشفاعة جميعاً» ليس معناه أنه سبحانه هو الشفيع دون غيره، لبداهة أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند أحد، بل معناه أنه مالكٌ لمقام الشفاعة، لا يملكه غيره ولا يشفع إلاّ بإذنه .

هذا وإنّ المشركين كانوا على خلاف ذلك كما يعرب عنه قوله سبحانه: «قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً» .

وفي الختام نذكر النقطة الأخيرة من كلامهم، وهي أنّ النبي الأكرم بعد التحاقة بالرفيق الأعلى لا يسمع بدليل قوله سبحانه (إنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ)(2) .

وقوله: (إنَّ اللّه يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع مِنْ في القُبُورِ)(3)، ولكنّك عرفت أنّ الآيتين لا تمتّان إلى طلب الشفاعة عن الأنبياء بصلة، فإنّ الأجساد الراقدة تحت التراب، غير قادرة على الإدراك والسماع، ولكن المخاطب هو الروح الطاهرة والحية الّتي تعيش بالجسد البرزخي في عالم البرزخ، والخطاب لتلك الأرواح النورانية والشفاعة تطلب منها، وأمّا السعي إلى الحضور في مقابرهم ومراقدهم فلأجل أنّ الحضور فيها يهيّىء أنفسنا للاتصال بأرواحهم المقدسة، وعند ذلك نجد في أنفسنا دافعاً إلى التحدّث معهم وهم يستمعون إلينا.

هذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أحد الأئمة يعلّم شيعته كيفية زيارة أئمة أهل البيت بقوله:


1. سورة الزمر: الآية 43 ـ 44 .
2. سورة النمل: الآية 80 .
3. سورة فاطر: الآية 22 .


(291)

«عالماً أنّك تسمع كلامي وترد سلامي... فكن لي إلى اللّه شفيعاً، فما لي وسيلة أوفى من قصدي إليك وتوسّلي بك إلى اللّه»(1) .

وجاء في كلام آخر له ـ عليه السَّلام ـ : «اللّهمّ... وأعلم أنّ رسولك وخلفاءك ـ عليهم السَّلام ـ أحياء عندك يرزقون، يرون مقامي ويسمعون كلامي ويردون سلامي، وأنك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم»(2) .

هذا وقد قال ابن تيمية: وفي سنن أبي داود عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال: ما من رجل مسلم سلّم علىّ إلاّ ردّ اللّه علىّ روحي حتّى أردّ عليه السلام، وفي موطأ الإمام مالك أنّ عبداللّه بن عمر ـ رضي اللّه تعالى عنهما ـ كان يقول: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبه، ثم ينصرف، وكذلك أنس بن مالك وغيره من الصحابة رضي اللّه عنهم، نقل عنهم السلام على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (3) .

فأىّ فرق بين التسليم على الميت وبين طلب الدعاء منه؟ وإذا كان قادراً على رد السلام، يكون قادراً على الدعاء إلى اللّه، والشفاعة للداعي، ولو فرضنا أنّه قادر على شيء واحد وهو رد السلام، وليس قادراً على الدعاء، يكون طلبه عندئذ لغواً، لا شركاً ولا محرماً، ويكون أشبه باعتقاد أثر في نبات مع كونه خطأ. أو كون شخص قادراً على إنجاز عمل ولم يكن كذلك. ولم يقل أحد بكون هذا النوع من الاعتقاد شركاً .


1. بحارالأنوار: ج 97، ص 295 .
2. عدة الداعي لابن فهد الحلي، 841 .
3. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 23 .

(292)

(9)

ابن تيمية والنذر لأهل القبور

قال ابن تيمية: وإذا كان الطلب من الموتى ـ ولو كانوا أنبياء ـ ممنوعاً خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكان القبور نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان .

ويقول: ومن اعتقد أنّ في النذر للقبور نفعاً أو أجراً فهو ضالّ جاهل، ثم يقرر: إنّ ذلك نذر في معصية، وإنّ من يعتقد أنها باب الحوائج إلى اللّه، وأنها تكشف الضر وتفتح الرزق وتحفظ العمر، فهو كافر مشرك يجب قتله(1).

أقول: إنّه قد ذيل كلامه بشيء لا يعتقد به أحد من المسلمين، حتّى يجعل ذلك ذريعة لقبول صدر كلامه. فأىّ مسلم يعتقد أن النبي يكشف الضرر ويفتح الرزق ويحفظ العمر؟ بل معتقَدُ جماهير المسلمين هو أنّ كل الأُمور بيده سبحانه، وأنّ الناس هم الفقراء واللّه هو الغني الحميد، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ)(2) .

ولو اعتقد أحد من المسلمين أن الأنبياء والصالحين ربما يقومون بأُمور خارجة عن السنن العادية فهو نفس الاعتقاد بأنهم أصحاب المعاجز والكرامات، وقد تواترت النصوص على ذلك وأنهم يبرئون الأكمه والأبرص


1. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، ص 103 .
2. سورة فاطر: الآية 15 .


(293)

ويحيون الموتى بإذن اللّه(1) .

ومن يصف أحداً من الصالحين بباب الحوائج فإنما يصفه بهذا المعنى، يعني أنه سبحانه يستجيب دعاءه إذا دعاه، أو أنّه سبحانه أعطاه مقدرة كبيرة مثل ما أعطى لمن كان عنده علم من الكتاب(2) .

فإذا صحّ ما في القرآن من أنّ أُناساً من الأنبياء وغيرهم كانوا أصحاب مقدرة كبيرة يقومون بخوارق العادات وعجائب الأعمال بإذن اللّه، لصحّ التصديق في غيرهم ممن لم يجىء عنهم ذكر في القرآن، فما معنى الإيمان ببعض والكفر ببعض؟

وأمّا النذر للأموات، فتحقيقه يتوقف على بيان مقدمة:

النذر معناه أن يلزم الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقق هدفه وقضيت حاجته، فيقول: للّه علىَّ أن أفعل كذا، إذا كان كذا. مثلا يقول: للّه علىَّ أن اختم القرآن إذا نجحت في الامتحانات الدراسية .

هذا هو النذر الشرعي، ويجب أن يكون للّه، فإذا قال الناذر: نذرت لفلان، ففي قوله مجاز لغاية الاختصار، والمعنى نذرت للّه على أن أفعل شيئاً يكون ثوابه لفلان، وثواب النذر يقع على ثلاثة أقسام:

1- أن يكون الثواب لنفس الإنسان الناذر .

2- أن يكون لشخص ميت .

3- أن يكون لشخص حي .

وهذه الأقسام الثلاثة كلها جائزة، ويجب على الناذر الوفاء بنذره إذا قضيت حاجته، وقد مدح اللّه سبحانه أهل البيت، لأجل الوفاء بالنذر. قال


1. سورة آل عمران: الآية 49 وسورة المائدة: الآية 110 .
2. قال سبحانه: (قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الجنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ... قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدّ إلَيكَ طَرفُكَ)سورة النمل: الآية 39 ـ 40 .


(294)

تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً)(1)، هذا هو النذر .

وقد تعارف بين المسلمين أنّ النذر للّه وإهداء ثوابه لأحد أولياء اللّه وعباده الصالحين، وكانت عليه السيرة بين المسلمين، إلى أن جاء الدهر بابن تيمية فحرّم ذلك كما عرفت من عبارته، وقد نقل عنه أيضاً العبارة التالية، وقال: «من نذر شيئاً للنبي أو غيره من النبيين والأولياء من أهل القبور، أو ذبح ذبيحة، كان كالمشركين الذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابد لغير اللّه، فيكون بذلك كافراً»(2) .

عجيب جداً حكم ابن تيمية وتكفيره المسلمين بحجة أنّ عمل الناذر يشبه عمل المشركين، أيصحّ في ميزان النصفة الحكم بتكفير المسلمين الذين أرسوا قواعد التوحيد، وحملوه جيلا بعد جيل إلى عصر ابن تيمية، بمجرد أنّ عمل الذابح والناذر يشبه عمل المشركين .

فلو كان هذا ملاكاً للتكفير فابن تيمية والوهابيون وحماة هذه البدع من أعظم المشركين! فإنّ كثيراً من مناسك الحج و فرائضه (الّتي يقوم بها المسلمون من غير فرق بين الوهابي وغيره) تشبه في ظاهرها أعمال عبدة الأصنام، فقد كانوا يطوفون حول أصنامهم ويقبّلونها، ونحن أيضاً نطوف حول الكعبة المشرفة ونقبّل الحجر الأسود، ونذبح الذبائح ونقرّب القرابين في منى يوم عيد الأضحى، كما كانوا يذبحون لأصنامهم، أفيصح تكفير الجميع لأجل هذه المماثلة؟

أو المقياس هو النية القلبية، وأنّ المعيار هو النية والضمائر دون المشابهة والظواهر، وقد قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : إنما الأعمال بالنيات(3) .


1. سورة الإنسان: الآية 7 .
2. نقله عنه شهاب الدين ابن حجر الهيثمي في كتاب «الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم» كما في فرقان القرآن للعزامي القضاعي، ص 132 .
3. صحيح البخاري: ج 1، كتاب الإيمان ص 16 .


(295)

ولا يصحّ التسرّع في الحكم بمجرد المماثلة، لأنّ كل من ينذر لأحد من الأولياء فإنما يقصد النذر للّه، وإهداء الثواب للولي الصالح ليس إلاّ، ولا تجد في أديم الأرض من يسجّل اسمه في ديوان المسلمين إلاّ وينوي ذلك، نعم شذّ عنهم ابن تيمية ومن أحيى مسلكه حيث اتّهموا المسلمين بغير ذلك .

يقول الشيخ الخالدي رداً على ابن تيمية:

«إنّ المسألة تدور مدار نيات الناذرين، وإنما الأعمال بالنيات، فإن كان قصد الناذر الميت نفسه، والتقرّب إليه بذلك، لم يجز ـ قولا واحداً ـ وإن كان قصده وجه اللّه تعالى وانتفاع الأحياء بوجه من الوجوه به، وإهداء ثوابه لذلك المنذور له، وسواء عيّن وجهاً من وجوه الإنتفاع، أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس، أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك، ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور»(1) .

قال العزامي:

«...ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للأموات ـ من الأنبياء والأولياء ـ إلاّ الصدقة عنهم، وجعل ثواباها لهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنة منعقد على أن صدقة الأحياء نافعة للأموات، واصلة إليهم، والأحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.

فمنها: ما صحّ عن سعد أنّه سأل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: يا نبىّ اللّه إنّ اُمّي قد افتلتت، وأعلم أنها لو عاشت لتصدّقت أفإن تصدّقتُ عنها أينفعها ذلك؟

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : نعم. فسأل النبي: أىّ الصدقة انفع يا رسول اللّه؟

قال: الماء .


1. صلح الأخوان: للخالدي، ص 102 وما بعده .


(296)

فحفر بئراً وقال: هذه لأُم سعد(1) .

وقد أخطأ محمد بن عبدالوهاب فادّعى أن المسلم إذا قال: «هذه الصدقة للنبي أو للولي: فاللام بنفسها هي اللام الموجودة في قولنا: «نذرت للّه» يراد منها الغاية» .

بل العمل للّه، بينما لو قال: للنبي، يريد بها الجهة التي يصرف فيها الصدقة من مصالح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته ومماته.

وفي هذا الصدد يقول العزامي ـ بعد ذكر قصة سعد ـ :

«اللام في هذه لأُم سعد»، هي الام الداخلة على الجهة الّتي وجهت إليها الصدقة لا على المعبود المتقرب إليه، وهي كذلك في كلام المسلمين، فهم سعديون لا وثنيون، وهي كاللام في قوله تعالى: (إنّما الصّدقات للفرقاء) لا كاللام في قوله سبحانه: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا في بَطْني مُحرَّراً)(2) أو في قول القائل: صلّيت للّه ونذرت للّه، فإذا ذبح للنبي أو الولي أو نذر الشيء له فهو لا يقصد إلاّ أن يتصدق بذلك عنه، ويجعل ثوابه إليه، فيكون من هدايا الأحياء للأموات، المشروعة، المثاب على إهدائها، والمسألة محرّرة في كتب الفقه وفي كتب الردّ على الرجل ومن شايعه»(3) .

وهكذا ظهر لك ـ أيها القارىء ـ جواز النذر للأنبياء والأولياء من دون أن تكون فيه شائبة شرك، فيثاب به الناذر إن كان للّه وذبح المنذور باسم اللّه: فقول القائل «ذبحت للنبي» لا يريد أنه ذبحه للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بل يريد أن الثواب له، كقول القائل: ذبحت للضيف، بمعنى أن النفع له والفائدة له، فهو السبب في حصول الذبح .

ويوضح ذلك ما روي عن ثابت بن الضحاك قال:


1. لاحظ: فرقان القران ص 133 .
2. سورة آل عمران: الآية 35 .
3. فرقان الفرقان: ص 133 .


(297)

«نذر رجل عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن ينحر إبلا بـ «بوانة» فأتى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فأخبره، فقال النبي:

هل كان فيها من يعبد من أوثان الجاهلية؟

قالوا: لا .

قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟

قالوا: لا .

قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ للسائل: أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء في معصية اللّه، ولا فيما لا يملك ابن آدم»(1) .

وروي أيضاً:

«إنّ امرأة أتت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت: يا رسول اللّه... إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، كان يذبح فيه أهل الجاهلية .

فقال النبي: الصنم؟

قالت: لا .

قال: الوثن؟

قالت: لا.

قال: في بنذرك»(2) .

وعن ميمونة بنت كردم أنّ أباها قال لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : يا رسول اللّه إني نذرت إن ولد لي ذكر، أن أنحر على رأس بوانة «في عقبة من الثنايا» عدة من الغنم..

قال «الراوي عنها»: لا أعلم إلاّ أنها قالت: خمسين .


1. سنن أبي داود: ج 2 ص 80 .
2. سنن أبي داود: ج 2 ص 81 .


(298)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : هل من الأوثان شيء.

قالت: لا .

قال: فأوف بما نذرت به لله...»(1) .

أرأيت أيّها القارىء ـ كيف يكرر النبي ـ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ السؤال عن جود الأصنام في المكان الّذي تذبح فيه الذبائح؟

إنّ هذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للأصنام، حيث كان ذلك عادة أهل الجاهلية، كما قال تعالى:

(وَمَا ذُبحَ عَلَى النُّصُبِ... ذَلِكُمْ فِسْقٌ)(2) .

ومن اطّلع على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة ومراقد أولياء اللّه الصالحين يعلم جيداً أنهم ينذرون لله تعالى ولرضاه، ويذبحون الذبائح باسمه عزّوجلّ، بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها، وانتفاع الفقراء بلحومها، وبذلك تعرف سقوط كلمة محمد بن عبدالوهاب في اتّهام المسلمين بأنهم ينحرون للنبي، وِزانَ النحر لله سبحانه، حيث يلقِّن أتباعه الحجة ويقول: «فقل: فإذا عملت بقول اللّه تعالى: «فصل لربك» وأطعت اللّه ونحرت له هل هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: فإن نحرت لمخلوق: نبي أو أجنبي أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير اللّه؟ فلابد أن يقرّ ويقول: نعم» (3) .

والمسلمين تخيّل أنّ اللام في «هذا للنبي» نفس اللام في «نذرت لله» وقد عرفت أن إحداهما للغاية، والأُخرى للإنتفاع .

وختاماً لهذا الفصل نذكر كلمة للخالدي ـ بعد أن ذكر ما رواه أبو داود في سننه ـ قال:


1. سنن أبي داود: ج 2 ص 81 .
2. سورة المائدة: الآية 3 .
3. صلح الإخوان للخالدي، ص 109 .


(299)

«وأمّا استدلال الخوارج بهذا الحديث على عدم جواز النذر في اماكن الأنبياء والصالحين. زاعمين بأنّ الأنبياء والصالحين أوثان ـ والعياذ باللّه ـ وأعياد من أعياد الجاهلية، فهو من ضلالاتهم وخرافاتهم وتجاسرهم على أنبياء اللّه وأوليائه، حتّى سمّوهم أوثاناً، وهذا غاية التحقير لهم، خصوصاً الأنبياء، فإنّ من انتقصهم ولو بالكناية ـ يكفر ولا تقبل توبته ـ في بعض الأقوال ـ وهؤلاء المخذولون بجهلهم، يسمّون التوسل بهم عبادة، ويسمونهم أوثاناً، فلا عبرة بجالهة هؤلاء وضلالاتهم، واللّه أعلم»(1) .

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَاً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسكينَاً وَيَتيمَاً وَأَسيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً)(2) .


1. كشف الشبهات، ص 8 .
2. سورة الإنسان: الآية 7 - 9 .


(300)

(10)

ابن تيمية والحلف بغير اللّه تعالى

إنّ من المسائل المهمة عند الوهابيين هو الحلف بغير اللّه، وذهب ابن تيمية إلى كونه شركاً، اعتماداً على ما رواه الترمذي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» وتحقيق الحق يتوقف على توضيح الأُمور التالية:

1- هل اليمين الفاصل في الدعاوي هو الحلف باللّه، أو يعمه وغيره؟

2- هل ينعقد اليمين بالحلف بالنبي مثلا، بحيث لو حنث لزمته الكفارة أو لا؟

3- هل يجوز الحلف بغير اللّه سبحانه أولا؟

وإليك نقل أقوال أئمة المذاهب الفقهية في المجالات المتقدمة:

أ - ما هو الحلف الفاصل في الخصومات؟

أمّا فقهاء الشيعة فقد اتفقت كلمتهم على أن اليمين الفاصل في الخصومات هو الحلف باللّه وأسمائه. قال المحقق الحلي: لا يستحلف أحد إلاّ باللّه ولو كان كافراً، فلا يجوز الإحلاف بغير أسماء اللّه سبحانه، كالكتب المنزلة، والرسل المعظمة، والأماكن المشرفة(1) وأمّا السنّة فلم أجد لهم نصاً في خصوص هذه المسألة في الكتب الفقهية، نعم يعلم حكمها مما سنذكره عنهم في المسألتين التاليتين .


1. جواهر الكلام، في شرح شرائع الإسلام، ج 40 ص 225 .


(301)

ب ـ هل ينعقد الحلف بغيره سبحانه؟

قال ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أنّه لا ينعقد اليمين بغير اللّه، ولو حلف بالكعبة أو بالملائكة أو بالأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ لم تنعقد يمينه، ولم يقل أحد إنه ينعقد اليمين بأحد من الأنبياء، فإنّ عن أحمد في انعقاد اليمين بالنبي روايتين، لكن الّذي عليه الجمهور كمالك والشافعي، وأبي حنيفة أنه لا ينعقد اليمين به، كإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو الصحيح(1) .

وقال ابن قدامة في المغني: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحلف فيها... وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفارة، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول اللّه وحنث فعليه الكفارة. قال أصحابنا: لأنه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفارة، كالحلف باسم اللّه(2) .

وبالإمعان في كلام ابن قدامة يظهر عدم صحة ما ذكره ابن تيمية من أنه «اتفق العلماء على أنه لا ينعقد اليمين بغير اللّه» وأين هو من قول ابن قدامة: «قال أصحابنا: الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفارة؟ وهو وابن قدامة كلاهما حنبليان، وبما أن المسألة فقهية لا نستعرضها أزيد من ذلك، وإنما نركز البحث على المسألة الثالثة .

ج ـ هل يجوز الحلف بغير اللّه أو لا؟

هذه المسألة هي الّتي عقدنا الفصل لبيان حكمها. قال ابن تيمية: «لا يشرع ذلك بل ينهى عنه إمّا نهي تحريم وإمّا نهي تنزيه، وإنّ للعلماء في ذلك قولين، والصحيح أنه نهي تحريم، وفي الصحيح عنه (صلى اللّه عليه وآله) أنه قال: من كان حالفاً فليحلف باللّه أو ليصمت، وفي الترمذي أنه قال: من


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 209 .
2. المغني لابن قدامة: ج 11 ص 17 .


(302)

حلف بغير اللّه فقد أشرك(1) .

وقال الصنعاني: إنّ الحلف بغير اللّه شرك صغير(2)، وقال ابن قدامة: ولا يجوز الحلف بغير اللّه وصفاته، نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام. قال الشافعي: أخشى أن يكون معصية. قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجمع عليه، وقيل; يجوز ذلك لأنّ اللّه تعالى أقسم بمخلوقاته فقال: «والصّافّات صفّاً، والمرسلات عرفاً، والنازعات غرقاً»، وقال النبي للأعرابي السائل عن الصلاة: «أفلح وأبيه إن صدق» وفي حديث أبي الشعراء: «وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزاك» ثم إن لم يكن الحلف بغير اللّه محرّماً فهو مكروه، فإن حلف فليستغفر اللّه تعالى، أو ليذكر اللّه تعالى، كما قال النبي: من حلف باللاّت والعزّى فليقل: لا إله إلاّ اللّه(3) .

أنت ترى أنّ ابن تيمية وتلميذ منهجه الشيخ الصنعاني أفتيا بالحرمة، ولكن الظاهر من عبارة ابن قدامة أن المسألة مما اختلف فيه الفقهاء، فهم بين محرّم ومجوّز، حتّى أنّ الشافعي قال: أخشى أن يكون معصية، وإذ كانت المسألة على هذا المستوى من الاختلاف، فهل يجوز تكفير الحالف بمثل هذه المسألة؟ مع أنّ أكثر الفقهاء قائلون بالجواز.

قال في الفقه على المذاهب الأربعة: «إذا قصد الحالف إشراك غير اللّه معه في التعظيم ففيه تفصيل في المذاهب، ثم ذكر التفصيل بالنحو الآتي»:

«الحلف بالطلاق نحو: علىّ الطلاق: إن فعلت كذا، جائز بدون كراهة، ويلزمه الطلاق إذا كان الغرض منه الوثيقة، أي وثوق الخصم بصدق الحالف، جاز بدون كراهة. وإذا لم يكن الغرض منه ذلك، أو كان حلفاً على الماضي فإنه يكره، وكذلك الحلف (بنحو وأبيك ولعمرك) .

وقالت الشافعية: يكره الحلف بغير اللّه إذا لم يقصد شيئاً مما ذكر في أعلى الصحيفة، ويكره الحلف بالطلاق .


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 17 .
2. تطهير الاعتقاد، ص 14 .
3. المغني لابن قدامة: ج 11 ص 163 (كتاب الأيمان) طبع دارالكتاب العربي ـ بيروت .


(303)

وقالت الحنابلة: يحرم الحلف بغير اللّه وصفاته، ولو بنبي أو ولي، ويكره الحلف بالطلاق والعتاق والمشهور الحرمة»(1) .

فعلى ضوء هذا فقد أفتى الحنابلة من بين المذاهب الأربعة بالحرمة، وذهبت الحنفية والشافعية إلى الجواز وللمالكية قولان .

هذه هي الأقوال في المسألة، وإليك تحليلها فقهياً واجتهاداً:

عرض المسألة على القرآن

إنّ القرآن الكريم هو الثقل الأكبر والقدوة العليا والمثل الحي لكل مسلم، نرى فيه الحلف بغير اللّه في غير واحد من السور، فقد أقسم تعالى في سورة الشمس وحدها بغير ذاته وصفاته، أعني الشمس وضحاها، والقمر والنهار والليل، والسماء والأِض، والنفس الإنسانية، وأقسم سبحانه في سورة النازعات بأمرين: المرسلات والناشرات، كذلك ورد الحلف بغير اللّه في سورة «الطارق» و «القلم» و «العصر» و «البلد» وغيرها.

وإليك نماذج من آيات الحلف بغير اللّه سبحانه الواردة في غير هذه السور:

(وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ * وَطُورِ سِينيِينَ * وَهَذَا البَلَدِ الأمينِ)(2) .

(وَالليلِ إذَا يَغْشَى * وَالنَّهارِ إذَا تَجَلّى)(3) .

(وَالفَجْرِ * ولَيال عَشْر * والشَّفْعِ وَالوَتْرِ * وَالليلِ إذَا يَسْرِ)(4) .

(وَالطُّورِ * وَكِتاب مَسْطُور * فِي رَقٍّ مَنْشور * وَالبَيتِ المَعْمُورِ * والسَّقْفِ المَرفُوعِ * وَالبَحْرِ المَسجُورِ)(5) .


1. الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2 (كتاب اليمين)، ص 75 .
2. سورة التين: الآية 1-3 .
3. سورة الليل: الآية 1-2 .
4. سورة الفجر: الآية 1-4 .
5. سورة الطور: الآية 1-6 .


(304)

إذا كان القرآن كتاب هداية للبشر والناس يتخذونه قدوة وأُسوة، فلو كان هذا النوع من الحلف حراماً على العباد، وأمراً خاصاً باللّه سبحانه، لكان المفروض أن يحذّر منه القرآن، ويذكر بأن هذا من خصائصه سبحانه .

ومن هنا يعلم أنّ توصيف الحلف بغير اللّه بكونه شركاً صغيراً يستلزم نسبة الشرك إلى اللّه سبحانه، وإذا كانت ماهية الحلف بغير اللّه ماهية شركية فلا يفرق بينه وبين عباده، فإذا كانت ماهية الشيء ظلماً وتجاوزاً على البريء، فاللّه وعباده فيه سيان، قال تعالى: (قُلْ إنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمونَ)(1) .

إنّ الحلف بهذه العظائم كما يتضمن الدعوة إلى التدبّر والدقة في صنعها، والنواميس السائدة عليها، واللطائف الموجودة فيها، وبالتالي يحتج بها على صانع لها عالم وقادر وحي و...، كذلك يتضمن جواز الحلف بها إذا كان موجوداً مقدساً، كما حلف سبحانه بحياة النبي وقال:

(لَعَمْرُكَ إنَّهُم لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمِهُونَ)(2) .

عرض المسألة على الأحاديث

هذا بالنسبة إلى القرآن، وإليك عرض المسألة على سنة النبي الأكرم، أعني قوله وفعله وتقريره، فقد حلف بغير اللّه في موارد عديدة منها:

1- روى مسلم في صحيحه:

«جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول اللّه أىّ الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما وأبيك فننبئنّك: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء»(3) .

2- روى مسلم أيضاً:


1. سورة الأعراف: الآية 28 .
2. سورة الحجر: الآية 72 .
3. صحيح مسلم، ج 3، كتاب الزكاة ـ باب أفضل الصدقة، ص 94 .


(305)

«وجاء رجل إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ـ من نجد ـ يسأل عن الإسلام، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : خمس صلوات في اليوم والليل .

فقال: هل علىّ غيرهن؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع، وصيام شهر رمضان .

فقال: هل علىّ غيره؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.

فقال الرجل: هل علىَّ غيرها؟

قال: لا... إلاّ أن تطّوّع .

فأدبر الرجل وهو يقول: لا أزيد على هذا ولا أنقص منه .

فقال رسول اللّه: أفلح وأبيه(1) إن صدق .

أو قال: دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق»(2) .

3- وروي الحديث في مسند أحمد بن حنبل، وفي نهايته: أنّ النبي قال له:

«... فلعمري لئن تتكلم(3) بمعروف و تنهى عن منكر، خير من أن تسكت»(4) .

وهناك أحاديث أُخرى لا يسع الكتاب ذكرها(5) .

وقد أقسم الإمام علىّ ـ عليه السَّلام ـ ـ ذلك النموذج البارع في التربية


1. أي حلفاً بأبيه، فالواو واو القسم .
2. صحيح مسلم، ج 1 باب ما هو الإسلام، ص 32 .
3. أي تتكلم ـ للمخاطب ـ كما في قوله تعالى: «فأنت له تصدى» «أي تتصدى» .
4. مسند أحمد، ج 5 ص 225 .
5. راجع مسند أحمد: ج 5 ص 212، وسنن ابن ماجة: ج 1 ص 255 وج 4 ص 595 .


(306)

الإسلامية والقيم العالية ـ بنفسه الشريفة مرات في خطبه ورسائله وكلماته(1) .

وهذا أبوبكر بن أبي قحافة يقول للسارق الّذي سرق حلي ابنته، فقال: «وأبيك ما ليلك بليل سارق»(2) .

ولا أرى البحث أكثر من هذا إلاّ تطويلا بلا طائل، وبما أنّ الوهابيين يتمسكون ببعض الأحاديث فلا بأس بدراستها:

1- إنّ رسول اللّه سمع عمر و هو يقول: وأبي، فقال: إنّ اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف باللّه أو يسكت(3) .

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ وجه النهي عن الحلف بالآباء، أنّ أباءهم في الغالب كانوا مشركين وعبدة الأصنام، فلم تكن لهم حرمة ولا كرامة حتّى يحلف أحد بهم، ويؤيد ذلك ما روي عن النبي أنه قال: «ولا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمهاتكم ولا بالأنداد»(4) وروي أيضاً: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت»(5) .

على أنّه يحتمل أن يكون النهي عن الحلف بالأب في مقام فصل الخصومات و حسم الخلافات، وقد عرفت أنّ الفاصل في هذا المجال هو الحلف باللّه وصفاته .

وأكثر ما يمكن أن يقال: إنّ النهي تنزيهي لا تحريمي بشهادة ما سبق من الحلف بغير اللّه في حديث الرجل النجدي .

2- جاء ابن عمر رجل فقال: أحلف بالكعبة؟ قال له: لا، ولكن احلف برب الكعبة، فإنّ عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ


1. نهج البلاغة: تعليق محمد عبده: الخطبة رقم 22 و25 و56 و85 و161 و168 و182 و183 و187 والرسالة رقم 6 و9 و54 . 2. الموطأ، أخرجه في باب الحدود برقم 29 .
3. سنن ابن ماجة: ج 1 ص 277، سنن الترمذي: ج 4 ص 109 وغيرهما.
4. سنن النسائي ج 7 ص 9 .
5. سنن النسائي: ج 7 ص 7، سنن ابن ماجة: ج 1 ص 278 ـ والطواغيت هي الأصنام .


(307)

لا تحلف بأبيك فإنّ من حلف بغير اللّه فقد أشرك(1) .

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الحديث يتألف من أُمور ثلاثة:

1- إِنَّ رجلا جاء إلى ابن عمر فقال: أحلف بالكعبة؟ فأجابه بقوله: لا، ولكن احلف برب الكعبة .

2- إِنَّ عمر بن الخطاب كان يحلف بأبيه، فنهاه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ذلك .

3- إِنَّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ علل ذلك بقوله: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» .

والمتبادر من كلام الرسول حيث وقع تعليلا لنهي عمر عن الحلف بوالده ـ الكافر ـ ما إذا كان المحلوف به شيئاً غير مقدس كالكافر والصنم، وأما إذا كان المحلوف به مقدساً وذا فضيلة وكرامة كالكعبة، فكلام الرسول منصرف عنه، وإنما اجتهد ابن عمر حيث حمل كلام الرسول حتّى على الحلف بالمقدس، كالكعبة، واجتهاده حجة على نفسه لا على غيره .

وهناك جواب آخر، وهو أنه يحتمل وقوع التحريف في الخبر، وأن قوله فقال: «رسول اللّه» مصحّف قوله: وقال رسول اللّه، وعندئذ يكون كلام الرسول مستقلا، لا تعليلا بشيء حتّى النهي عن الحلف بالكافر، وعلى هذا فالحديث مركب من أُمور ثلاثة جمعها ابن عمر في حديث واحد .

والّذي يعرب عن أنّ كلام الرسول كان كلاماً مستقلا غير واقع في ذيل النهي عن الحلف بالأب، ما رواه إمام الحنابلة عن ابن عمر، قال:

«كان يحلف أبي، فنهاه النبي وقال: من حلف بشيء دون اللّه فقد أشرك»(2) فلو كان كلام الرسول مصدّراً بنهي عمر عن الحلف بأبيه كان اللازم أن يقول: «فقال» مكان «قال» وعلى فرض استقلاله ووروده بدون


1. السنن للبيهقي: ج 1 ص 29، وقريب منه في مسند أحمد: ج 2 ص 69 .
2. مسند أحمد: ج 2 ص 34 .


(308)

«الفاء» يكون القدر المتيقن منه الحلف بالأصنام .

ويشهد على ذلك ما رواه النسائي: أن النبىَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال: «من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلاّ اللّه»(1) .

والحديث يعرب عن أن رواسب الجاهلية كانت باقية في بعض النفوس، فكانوا يحلفون بأصنامهم المعبودة، فأمرهم النبي أن يقولوا بعد الحلف: «لا إله إلاّ اللّه» ليقضي على تلك الرواسب الجاهلية .

وحصيلة الجوابين: إنَّ قول النبي: «من حلف بغير اللّه فقد أشرك» إمّا مختص بغير المقدسات كالحلف باللات والعزى والكافر، أو مختص بالأصنام والأوثان فقط، ولا يعم الكافر فضلا عن المقدسات .


1. سنن النسائي: ج 7 ص 8 .


(309)

(11)

ابن تيمية والحلف على اللّه بحق الأولياء

إنّ من نقاط الاختلاف بين جماهير المسلمين والوهابيين هي مسألة الحلف على اللّه بحق الأولياء .

قال ابن تيمية: التوسل في لغة الصحابة: أن يطلب من النبي الدعاء والشفاعة فيكونون متوسلين و متوجهين بدعائه وشفاعته، ودعاؤه وشفاعته من أعظم الوسائل عند اللّه، وأمّا في لغة كثير من الناس: أن يسأل بذلك، ويقسم عليه بذلك، واللّه تعالى لا يقسم عليه بشيء من المخلوقات، بل لا يقسم بها بحال، فلا يقال أقسمت عليك يا رب بملائكتك، ونحو ذلك، بل إنما يقسم باللّه وأسمائه وصفاته... وأمّا أن يسأل اللّه ويقسم عليه بمخلوقاته، فهذا لا أصل له في الإسلام .

وقال: وقوله: «اللّهمّ إنّي أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك وجدك الأعلى وكلماتك التامة» مع أنّ في جواز الدعاء به قولين للعلماء: فجوّزه أبو يوسف وغيره، ومنع منه أبو حنيفة وأمثاله، فينبغي للخلق أن يدعوا بالأدعية المشروعة الّتي جاء بها الكتاب والسنة(1) .

ترى أنّ ابن تيمية يفتي بالحرمة من دون أن يذكر لها مصدراً، بل يفتي على خلاف النص كما ستعرفه .


1. مجموعة الرسائل والمسائل: ج 1 ص 21 .


(310)

وجاء الرفاعي يتفلسف في تبيين حرمة الحلف على اللّه بمخلوقه، ويقول:

إنّ الإقسام على اللّه بمخلوقاته أمر خطير يقرب من الشرك، إن لم يكن هو ذاته، فالإقسام على اللّه بمحمد وهو مخلوق بل وأشرف المخلوقين لا يجوز، لأنّ الحلف بمخلوق على مخلوق حرام، وإنّه شرك لأنّه حلف بغير اللّه، فالحلف على اللّه، بمخلوقاته من باب أولى، أي جعلنا المخلوق بمرتبة الخالق، والخالق بمرتبة المخلوق، لأنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، ولذلك كان الحلف بالشيء دليلا على عظمته، وأنّه أعظم شيء عند المحلوف عليه(1) .

ومن هنا كان الحلف بالمخلوق على اللّه شركاً باللّه، لأننا خصصنا هذه المكانة العليا بالمخلوق، مع أنها هي بالخالق أولى(2) .

يلاحظ عليه: أنّ كلامه يشتمل على أمرين:

1- إنَّ الحلف بغير اللّه شرك .

2- إنَّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه .

وكلتا الدعويين باطلتان، أمّا الأُولى فقد عرفت في البحث السابق أن الحلف بغير اللّه ليس بحرام، بل هو سنة متبعة بين المسلمين، فقد حلف رسوله ووصيه بغير اللّه، وأن الكتاب قدوة وأسوة، فقد حلف بعمر النبي وحلف بالقرآن الكريم وقال: «يس والقرآن الحكيم» فما هذا الإفتاء به دليل، والتشريع بلا برهان؟

(قُلْ ُآللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرونَ)(3) .


1. تلاحظ أن هذا لا ينسجم مع ما سبق منه: «إنّ المحلوف به أعظم من المحلوف عليه» وفي النسخة بعد لفظة «عليه» لفظة «به» .
2. التوصل إلى حقيقة التوسل: ص 217 ـ 218 .
3. سورة يونس: الآية 59 .


(311)

و أمّا الثانية فالمصيبة فيها أعظم، فإن لازم الحلف بشيء على اللّه، أن يكون المحلوف به محترماً عند اللّه و مقبول الشفاعة والدعاء، لا كونه أعظم من المحلوف عليه، فالرجل لم يفرق بين كونه أكرم عند الّه وبين كونه أعظم من اللّه، والحاصل أنّ هذه التفلسفات لا تكون مدركاً للتشريع والإفتاء بالحرمة، فيجب اتّباع النص وتعليل المسألة في ضوء القواعد الفقهية، فها هنا مقامان:

1- هل الحلف بمخلوق على اللّه شرك؟

2- هل هناك ما يدل على حكم هذا الحلف؟

أمّا الشرك فقد حددناه ووضعنا له حداً منطقياً، وهو الخضوع عن اعتقاد بألوهية المخضوع له وربوبيته، أو كونه قائماً بفعله سبحانه، وهل ينطبق هذا الحد على الحلف بالمخلوق على اللّه؟

إنّ الذكر الحكيم يصف بعض عباد اللّه ويقول:

(الصَّابِرينَ والصَّادِقينَ والقَانَتِينَ والمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرينَ بِالأسْحَارِ)(1) .

فلو أنّ إنساناً قام في هزيع من الليل وصلّى لربه ركعات، ثم تضرع إلى اللّه قائلا:

«اللّهمّ إنّي أسألك بحق المستغفرين في الأسحار، اغفرلي ذنبي» فهل يصحّ لنا أن نعده مشكركاً، وأنه أشرك الغير في عبادة اللّه، مع أنه رفع يديه إلى اللّه سبحانه ودعاه بالضراوة؟

إنّ القرآن الحكيم ذكر مقياساً للتمييز بين المشرك والموحّد فقال:

(إِنَّهُم كَانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إلاّ اللّه يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقولُونَ أَئِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِر مَجْنُون)(2) .


1. سورة آل عمران: الآية 17 .
2. سورة الصافات: الآية 35 ـ 36 .


(312)

وقال: (وَإذَا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإذَا ذُكِرَ الَّذينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(1)وقال سبحانه: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُم، وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤمِنُوا فَالحُكْمُ لَلّهِ العَلِىِّ الكَبير)(2) .

فهل ينطبق هذا المقياس المركز عليه في الذكر الحكيم على من أحلف اللّه بحبيب من أحبائه، أو شهيد من شهداء دينه؟ فهل هو من الذين إذا دعي اللّه وحده كفر، وإن أشرك به آمن؟

كلاّ وألف كلاّ .

إنّ أرخص شيء وأوفره في سوق الوهابيين هو البذاءة في اللسان، وتكفير المسلمين واتهامهم بالشرك، فكأنهم لا يوجد في علبتهم إلاّ السب والكلام البذيء والاتهام بالشرك، معرضين عن قوله سبحانه:

(وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً)(3)

وكأنه سبحانه خوّل تفسير الشرك إلى الوهابيين ليفسروه كيف يشاؤون، فيعتبروا جماعة مشكرين وأُخرى موحدين .

أمّا المقام الثاني، أعني استخراج حكم المسألة من الكتاب والسنة، فيكفي في ذلك :

1- ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما خرج رجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي...(4) .

2- ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ :


1. سورة الزمر: الآية 45 .
2. سورة غافر: الآية 12 .
3. سورة النساء: الآية 94 .
4. لاحظ ص 257، 261، 232، 258 من هذا الجزء .


(313)

لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد إلاّ غفرت لي..»(1) .

3- وما رواه عثمان بن حنيف عن رسول اللّه من دعاء الرسول للضرير وفيه «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبىّ الرحمة...» (2) .

4- وما روي من دعاء النبي عند دفن فاطمة بنت أسد، قال: اغفر لفاطمة بنت أسد ووسّع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي» (3) .

إنّ هذه الأحاديث وإن خلت من لفظ القسم بعينه، لكن مضمونه موجود لمكان الباء فيها، والمعنى: أقسم عليك بحقّهم .

هذا ما روي عن النبي الأكرم، وإليك ما روي عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .

5- هذا إمام المتقين أميرالمؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ يقول في دعائه بعد صلاة الليل: «اللّهمّ إني أسألك بحرمة من عاذ بك منك، ولجأ إلى عزّك، واستظلّ بفيئك، واعتصم بحبلك، ولم يثق إلاّ بك» (4).

6- ويقول في دعاء علّمه لأحد أصحابه... «وبحق السائلين عليك، والراغبين إليك، والمتعوذين بك، والمتضرعين إليك، وبحق كل عبد متعبّد لك في كل برّ أو بحر أو سهل أو جبل، أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته» (5) .

7- وهذا أبو الشهداء الإمام الحسين بن علىّ ـ عليهما السَّلام ـ يقول في دعائه:

«اللّهمّ إني أسالك بكلماتك، ومعاقد عزك، وسكان سماواتك وأرضك، وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسر،



(1، 2، 3) المصدر السابق .
(4، 5) الصحيفة العلوية: ص 370 .


(314)

فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل من أمري يسراً».

8- وهذا هو الإمام زين العابدين يقول في دعائه يوم عرفة وهو يناجي ربّه:

«بحقّ من انتخبت من خلقك، بمن اصطفيته لنفسك، بحقّ من اخترت من بريّتك، ومن اجتبيت لشأنك، بحقّ من وصلت طاعته بطاعتك، ومن نيطت معاداته بمعاداتك»(1) .

وهذا هو الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ يقول عندما زار مرقد جده الإمام أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«اللّهمّ استجب دعائي، واقبل ثنائي، واجمع بيني وبين أوليائي بحق محمد وعلىّ وفاطمة والحسن والحسين»(2) .

ولعلّ القارىء يسأل: هل للوهابيين على تحريم هذا النوع من الحلف دليل؟

والجواب: نعم، إنّ لهم شُبهاً وظنوناً فحسب، وإليك البيان:

1- إنّ الإقسام على اللّه بمخلوق منهي عنه باتفاق العلماء(3) .

إنّ معنى الإجماع على حكم هو اتفاق علماء الإسلام في جميع الأعصار، أو في عصر واحد على حكم .

وأيضاً نسأل من أين وقف هذا الناقل للإجماع على اتفاق علماء الإسلام على التحريم؟ ونحن نسامحه ونقول: هل أفتى خصوص أئمة المذاهب الأربعة بالحرمة؟ فأين هذه الفتاوى؟ دلونا على محلها ومصادرها وكتبها!.

ثم ما قيمة هذه الفتاوى المدّعاة تجاه النصوص والأحاديث الصحيحة


1. الصحيفة السجادية: الدعاء 47 .
2. مصباح المتهجد: ص 681 .
3. الهدية السنية، المنسوب إلى عبدالعزيز بن محمد بن مسعود كما في كشف الارتياب، ص 329 .


(315)

والآثار المروية عن أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، أو ليسوا من السلف الصالح والقادة الأعلين؟ .

2- إنّ المسألة بحق المخلوقين لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق .

إنّ هذا الاستدلال عجيب جداً. هذه هي الآيات القرآنية تثبت حقوقاً على اللّه سبحانه لعباد اللّه الصالحين، وكذلك الأحاديث الشريفة:

(وَكَانَ حَقَّاً عَلَينَا نَصْرُ المُؤمِنِينَ)(1) .

(وَعْداً عَلَيهِ حَقّاً فِي التَّوراةِ وَالإنجيلِ)(2) .

(كَذَلِكَ حَقّاً عَلَينَا نُنْجِ المُؤمِنينِ)(3) .

وبالإضافة إلى ما سبق من الآيات الكريمة... هناك مجموعة كبرى من الأحاديث الشريفة في هذا المجال، وإليك نماذج منها:

ألف ـ قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «حقٌّ على اللّه عون من نكح التماس العفاف مما حرم اللّه»(4) .

ب ـ «ثلاثة حق على اللّه عونهم: الغازي في سبيل اللّه، والمكاتب الّذي يريد الأداء، والناكح الّذي يريد التعفف»(5) .

ج ـ «أتدري ما حق العباد على اللّه...»(6) .

نعم إنّ من الواضح أنه ليس لأحد بذاته حق على اللّه، فعندئذ، ربما يُسأل عن معنى هذا الحق؟


1. سورة الروم: الآية 47 .
2. سورة التوبة: الآية 111 .
3. سورة يونس: الآية 103 .
4. الجامع الصغير، للسيوطي: ج 2 ص 33 .
5. سنن ابن ماجة: ج 2 ص 841 .
6. النهاية لابن الأثير، مادة حق .


(316)

الجواب: إنّ المقصود من الحق هو المنزلة الّتي يمنحها اللّه تعالى لعباده مقابل طاعتهم وانقيادهم له، وهو مزيد من التفضل والعناية منه تعالى حقاً، فهذا هو الحق الّذي نقسم به على اللّه، حق جعله اللّه ومنحه لعبده، لا أنّ للعبد حقاً على اللّه ذاتاً، وهذا مثل القرض الّذي يستقرضه سبحانه من عباده ويقول:

(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرضاً حَسَناً)(1).

وهذا النوع من التعبير لطف من اللّه سبحانه وعناية فائقة بعباده، حيث يعتبر نفسه المقدسة مدينة وعباده دُيّاناً، فلما أعظم لطفه، مع أنّه سبحانه هو المالك، والعباد خلفاؤه .

قال: (آمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنفِقُوا مَمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)(2).

ترى أنّ مالك الملوك يستقرض من خلفائه ونوابه .

3- عن جندب بن عبداللّه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : قال رجل: واللّه لا يغفر اللّه لفلان، فقال اللّه عزّوجلّ:

«من ذا الّذي يتألى علىّ أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك» .

رواه مسلم:

وقد استدل به الشيخ عبدالرَّحمان حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتابه «قرة عيون الموحدين»(3) .

ولم يذكر كيفية الاستدلال، وذيّل كلامه بحديث أبي هريرة الّذي رواه أبو داود عنه قال: سمعت رسول اللّه يقول: كان رجلان في بني إسرائيل


1. سورة البقرة: الآية 245 .
2. سورة الحديد: الآية 7 .
3. ص 333، طبع لاهور .


(317)

متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: اقصر، فوجده يوماً على ذنب فقال له: اقصر، فقال: خلني وربي، أبُعثت علىّ رقيباً؟ واللّه لا يغفر اللّه لك ولا يدخلك الجنة، فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكتب بي عالماً؟ أو على ما في لِدي قادراً؟ فقال للمذنب: أذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: إذهبوا به إلى النار(1) .

والحديث الثاني يفسر الحديث الأول، وأنّ المراد من قوله: «يتألى علّي أن لا أغفر لفلان» هو الحلف بلا علم على اللّه، كما ورد في الحديث الثاني: «أكنت بي عالماً، أو على ما في يدي قادراً»؟ .


1. قرة عيون الموحدين: ص 233، والحديث في التعليقة وفي المتن إشارة إليه .

(318)

(12)

ابن تيمية وتكريم مواليد أولياء اللّه ووفياتهم

إنّ من المنكرات والبدع عند ابن تيمية وابن عبدالوهاب هو تكريم مولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالاحتفال وقراءة القرآن و إنشاد القصائد والأشعار، والإحسان إلى المؤمنين بالإطعام، إلى غير ذلك مما يعد مجلي لحب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتكريمه ورفعه، كما رفعه اللّه سبحانه وقال: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَك)(1) .

وقد عرفت في ترجمة ابن تيمية أنّ مسلكه يشتمل على أبعاد أربعة، وأحد الأبعاد هو الحط من كرامة النبي وعظمته الّتي جاءت في الكتاب والسنة، فجاء يحقق بغيته بتحريم الاحتفال بالمواليد والتأبين في الوفيات، مع أنه لا يشك ذو مسكة أنّه ليس عبادة للنبي، لما عرفت من أنّ العنصر المقوم للعبادة هو الاعتقاد بألوهية المعبود أو ربوبيته أو كونه مفوضاً إليه فعل الرب، وليس في الاحتفال شيء من ذلك .

وكما أنه ليس عبادة، ليس بدعة، لأنه تجسيد للأصل الوارد في الذكر الحكيم، وهو حب النبي ومودته على وجه يكون النبي مقدماً على الإنسان ونفسه ونفيسه، وقد قام به السلف طيلة قرون، وإجماع العلماء في عصر حجة، فكيف في قرون، ومع ذلك فابن تيمية يظهر ما يضمره عن طريق تحريم هذه الاحتفالات ويقول:


1. سورة الانشراح: الآية 4 .


(319)

إنّ اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيداً، حتّى يحدث فيه أعمالا، إذا الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الإتباع لا الإبتداع، وللنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ خطب وعهود، ووقائع في ايام متعددة، يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً، وإنما يفعل مثل هذا، النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ـ عليه السَّلام ـ أعياداً، أو اليهود، وإنما العيد شريعة، فما شرعه اللّه أتبع، وإلاّ لم يحدث في الدين ما ليس منه .

وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاةً للنصارى في ميلاد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، وإمّا محبة للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيماً له، واللّه قد يثيبهم على هذه المحبة، والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عيداً مع اختلاف الناس في مولده، فإنّ هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق به منّا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص(1) .

إنّ هذه البذرة الّتي بذرها ابن تيمية استغلّها تلميذه ابن القيم وبعده الوهابية، وإليك بعض نصوصهم:

قال ابن القيم: «نهى رسول اللّه عن اتّخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج، واشتد نهيه في ذلك حتّى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القبور، ونهى أن يتخذوا عيداً»(2) .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ:

«وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور الّتي تعبد من دون اللّه، ويسمونها عيداً كمولد البدوي بمصر وغيره، بل هي أعظم لما يوجد فيها


1. اقتضاء الصراط المستقيم: ص 293 - 294 .
2. زاد المعاد في هدى خير العباد: ج 1 ص 179 .


(320)

من الشرك والمعاصي العظيمة»(1) .

وقال محمد حامد الفقي: «والمواليد والذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء، هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم»(2).

وقد استدلوا بما رواه أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا علىَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنت»(3) .

وملاحظة هذه الكلمات تفيد أنهم يستدلون على التحريم بأُمور:

الأول: إِنَّها عبادة للأولياء وأصحاب الذكريات .

الثاني: إِنَّها بدعة، وإِنَّها مما لم يشرعه الشارع الشريف .

الثالث: لو كان هذا خيراً لأقامه السلف .

الرابع: الاستدلال برواية أبي هريرة من النهي عن اتخاذ قبر النبي عيداً .

هذه هي الوجوه المهمة الّتي يستدل بها ابن تيمية وأتباعه على تحريم تكريم المواليد، ونحن ندرس كل واحد من هذه الأدلة واحداً بعد آخر :

أ ـ هل الاحتفال بالمواليد شرك؟

قد عرفت أنّ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية أفتى بكونه شركاً، وقال: هو نوع من العبادة للأولياء وتعظيمهم.

ولكنّه كعامة الوهابيين لم يفرّق بين التكريم والعبادة، ولذلك عطف التعظيم على العبادة، وهذا هو الداء العياء في دعاية الوهابيين وكتبهم وخطبهم، وأرخص شيء عندهم هو الشرك في العبادة، فلا تميل يميناً ولا يساراً


1. قرة العيون، كما في فتح المجيد: ص 154 .
2. تعليق فتح المجيد: ص 154 .
3. مسند أحمد: ج 3 ص 248 .


(321)

إلاّ وتسمع من الجماعة المتسمين بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يصرخون في وجهك «يا حاج! هذا شرك» وهم لم يحددوا للعبادة حداً منطقياً حتّى يميزوا في ضوئه العبادة عن التعظيم، فعادوا يسمّون كل تعظيم شركاً، ولو كان تعظيم وخضوع عبادة، للزم كفر المملوك والزوجة، والولد والخادم، والأجير، والرعية، والجنود، بإطاعتهم وخضوعهم للمولى والزوج والأب والمخدوم والمستأجر والملك والأمراء، وجميع الخلق لإطاعتهم بعضهم بعضاً، بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آباءهم وخضوعهم لهم، وقد أوجب اللّه طاعة أوامر الأبوين، وخفض جناح الذل لهما، وقال لرسوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَن اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِيِنَ)(1)، وأمر بتعزير(2) النبي وتوقيره، وأمر بإِطاعة الزوجة لزوجها، وأوجب إطاعة العبيد لمواليهم وسمّاهم عبيداً(3) .

وقد عرفناك على أنّ العنصر المقوم لكون التعظيم عبادة، هو الاعتقاد بألوهية المعظَّم له، أو ربوبيته، أو كونه مالكاً لمصير المعظّم، وأنّ بيده عاجله وآجله، ومنافعه و مضارّه، ولا اقل مغفرته وشفاعته، وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، وقام بالاحتفال بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه من أجل استقلال أُمته وإخراجها عن نير الاستعباد، وهيّأ لهم أسباب الاستقلال، فلا يعد ذلك عبادة له، وإن كان هناك احتفال أو احتفالات، وأُلقي فيها عشرات القصائد والخطب فلا صلة لهذابالعبادة. نعم يدور أمر كل ذلك بين الحلال والحرام، وهل الشارع رخص ذلك أو لم يرخص، وسيوافيك أنّ باذر هذه الشكوك ابن تمية، يرى أن الأصل في العادات عدم الخطر، إلا ما حظره اللّه(4). نعم، الاحتفال بمولد النبي ليس من العادات، ولا يقام بما أنه أمر عادي بل بما هو أمر قربي له أصل في الكتاب والسنة كما مرّ وسيأتي أيضاً .


1. سورة الشعراء: الآية 215 .
2 . إشارة إلى قوله سبحانه:(فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوه النور الّذي أُنزل معه)سورة الأعراف:الآية 157
3. كشف الارتياب، ص 103 وللكلام صلة مفيدة جداً فمن أراد فليرجع إليه .
4. المجموع من فتاوى ابن تيمية: ج 4 ص 195 .


(322)

ب ـ هل الاحتفال بالمواليد بدعة؟

إنّ القوم يعدّون الاحتفال شركاً تارة، وبدعة ثانياً، وقد عرفت أنه ليس بشرك لفقدان العنصر المقوم للشرك فيه، وأمّا كونه بدعة فقد عرفت بطلانه عند البحث عن أنه عبارة عن إحداث أمر باسم الدين، وليس له فيه نصّ أو أصل، والاحتفال، وإن لم يكن فيه نص، لكن له أصلا في الكتاب والسنة، وهو حبّ النبي ومودته وإظهاره; فليست هذه الاحتفالات إلاّ تجسيداً للحب لا للعداء والنصب والبغضاء، نعم، المنع عنه إظهار للضغينة الكامنة في القلوب .

هلمّ معنا ندرس دليلهم الثالث:

ج ـ لو كان خيراً لأقامة السلف

هذا هو الدليل الثالث الّذي يركن إليه المانع، وهو من أعجب الدلائل، فكأنّ السلف مقياس الحق والباطل في الفعل والترك معاً، فلو تركوا شيئاً دل ذلك على أنه باطل يجب تركه، نحن نفترض أنّ السلف لم يقيموه ولم يحوموا حوله، ولكن الخلف أبناء الدليل، فلو كان له أصل في القرآن والسنة لا يعبأ بترك السلف. على أنّ هذا ما يقوله القائل، ونحن إذا رجعنا إلى التاريخ نجد أنّ السلف أقامه عبر القرون والأجيال قبل أن يتولد باذر هذه الشكوك .

هذا مؤلف تاريخ الخميس يقول: ولا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، يظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، يعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كل فضل عميم(1) .

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ـ عليه السَّلام ـ ، ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات،


1. تاريخ الخميس، ج 1 ص 323 للديار بكري .


(323)

ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات ويعتنون بقراءة مولده الكريم. ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم... فرحم اللّه امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشدّ علّةً على من في قلبه مرض وأعياه داء .

ولقد أطنب ابن الحاج في «المدخل» في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع و الأهواء، والغناء بالآلات المحرمة في العمل بالمولد الشريف، واللّه تعالى يثيبه على قصده الجميل(1) .

وقال ابن عباد في رسائله الكبرى: «وأمّا المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين، وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح والسرور بذلك المولد المبارك... أمر مباح لا منكر»(2) .

كلمة أخيرة

إنّ المانعين عن الاحتفال بمولد النبي يقولون: إنّ أول من احتفل بمولد النبي هو الأمير أبو سعيد مظفر الدين الاربلي عام 630 هـ ، وربما يقال: أول من أحدثه بالقاهرة، الخلفاء الفاطميون، أولهم المعز لدين اللّه، توجه من المغرب إلى مصر في شوال 361 هـ ، وقيل في ذلك غيره(3) وعلى أي تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض عليهم أىّ ابن أُنثى، وعلى أىّ حال فقد تحقق الإجماع على جوازه وتسويغه واستحبابه قبل أن يتولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الإجماع حجة؟ مع أن اتّفاق الأُمة بنفسه أحد الأدلة، وكانت السيرة على تبجيل مولد النبي إلى أن جاء ابن تيمية، والعز بن عبد السلام، وابن رجب، والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه بالبدعة، مع أنّ الإجماع انعقد قبل هؤلاء بقرون، أو ليس انعقاد الإجماع في عصر من العصور حجة بنفسه ؟


1. المواهب اللدنية: ج 1 ص 27 .
2. لاحظ المواسم والمراسم، نقلا عن القول الفصل في الاحتفال بمولد خير الرسل ص 175 .
3. المواسم والمراسم: ص 20 .


(324)

الدليل الأخير «لا تجعل قبري وثناً يعبد»

آخر ما في كنانة القوم من نبال مرشوقة إلى المؤمنين المحتفلين بمولد النبي الأكرم، ما روى أبو هريرة، قال: قال رسول اللّه: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا علىّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم» .

وفي الاستدلال بالحديث مجال للنظر:

أولا: إنّ إمام الحنابلة رواه في مسنده عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. عن النبي أنه قال: «اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً. لعن اللّه قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(1) .

ورواه في كنز العمال بالنحو التالي:

«اللّهمّ لا تجعل قبري وثناً يصلّى إليه، فإنّه اشتدّ غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(2) .

وفي الوقت نفسه رواه إمام الحنابلة عن أبي هريرة: قال رسول اللّه: «لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وحيثما كنتم فصلّوا علّي فإنّ صلاتكم تبلغني»(3) .

وروى أبو داود في صحيحه عن أبي هريرة نفس هذا المتن(4) .

ومن المتحمل جداً طروء التصحيف على الرواية، فبدل «وثناً» إلى «عيداً» ويؤيد ذلك ذيل الرواية، أعني قوله: «ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً» فإنه يناسب قوله: «لا تجعل قبري وثناً» .

وثانياً: إنّ العيد في اللغة هو الموسم، وهو كل يوم فيه اجتماع أو تذكار


1. مسند أحمد: ج 2 ص 246 .
2. كنز العمال: ج 2 برقم 3802 .
3. مسند أحمد: ج 2 ص 367 .
4. سنن أبي داود: ج 2 ص 218، طبع دار إحياء التراث العربي .


(325)

لذي فضل، أو حادثة مهمة، سمّي عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد.

فعلى هذا لا يصحّ أن يقع خبراً لقوله: «قبراً» إذا لا معنى لجعل القبر عيداً، فإنما يصحّ جعل موسم أو يوم مشخّص عيداً، فهو يقع خبراً أو صفة للزمان لا للمكان، ولو صحّ جعله صفة للمكان فإنما هو باعتبار اليوم الّذي يجتمع الناس فيه في ذلك المكان، فالتعبير الوارد في الحديث لا يوافق الذوق العربي السليم، فكيف يمكن نسبته إلى أشرف من نطق بالضاد، ولو أُريد منه ما يحاول المستدل أن يثبته كان الأولى أن يقول: لا تتخذوا مولدي عيداً، لا قبري عيداً، أو يقول: لا تتخذوا مولدي حول قبري عيداً.

وحصيلة الكلام أنّ يوم العيد هو يوم الفرح ويوم الزينة، ولا يمكن تطبيق هذا المعنى على القبر، إلاّ بارتكاب مجاز متكلف فيه .

وثالثاً: إنّ الرواية لم يعمل بها الصحابة حيث جعلوا بيت النبي قبوراً، إذ دفن فيه النبي الأكرم، وبعده أبو بكر وعمر، فصار بيته قبوراً.

وأمّا الاعتذار بأنّ للأنبياء خصوصية ليست لغيرهم وهي أنهم يدفنون حيث يقبضون، لا يدفع الإشكال، إذ ليست هذه الخصوصية في غيرهم كصاحبيه «أبي بكر وعمر» فلماذا جعل بيت النبي قبوراً .

ورابعاً: إنّ الحديث يحتمل معاني مختلفة وراء ما يرتئيه المستدل .

1- منها ما ذكره الحافظ المنذري من أنه يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبر النبي، وأن لا يهمل حتّى يكون بمثابة العيد(1) .

2- ومنها ما ذكره السبكي حيث قال: «ويحتمل أن يكون المراد: لا تتخذوا وقتاً مخصوصاً لا تكون الزيارة إلاّ فيه، كماترى أنّ كثيراً من المشاهد، لزيارته يوم معين كالعيد، وزيارة قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ليس لها يوم بعينه، بل أي يوم كان(2)


1. شفاء السقام: ص 67، نقلا عن زكي الدين المنذري (أي: يزار بين المدة الطويلة كالعيد الّذي لا يكون في كل عام إلاّ يوماً واحداً أو يومين) .
2. المصدر نفسه .


(326)

3- ومنها ما ذكره أيضاً من أنه يحتمل أن يراد أن يجعل كالعيد في العكوف عليه، وإظهار الزينة والاجتماع وغير ذلك مما يعمل في الأعياد، بل لا يؤتى إلاّ للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه .

وقال العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي: «يحتمل قوياً أن يكون المراد أنّ اجتماعهم عند قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ينبغي أن يكون مصحوباً بالخشوع والتأمل والاعتبار، حسبما يناسب حرمته واحترامه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فإنّ حرمته ميتاً كحرمته حياً، فلا يكون ذلك مصحوباً باللهو واللعب والغفلة والمزاح وغير ذلك مما اعتادوه في أعيادهم، ثم عقبه بقوله: ولعل هذا مراد السبكي»(1) .

وخامساً: إنّ الحديث بكلتا صورتيه (وثناً ـ عيداً) ضعيف .

أمّا الصورة الأُولى فقد وقع في السند «سهيل بن أبي صالح» وهو ليس بالقوي في الحديث، والحديث ليس بحجة; قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقد كان اعتلّ بعلّة فنسي بعض حديثه، وقال ابن المديني: مات أخ لسهيل ووجد عليه فنسي كثيراً من الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: ابن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يثقون بحديثه، وقال مرة: ضعيف(2) .

وأمّا الصورة الثانية فقد وردت في مسند الإمام أحمد وأبي داود «عبداللّه بن نافع» قال البخاري: يعرف حفظه وينكر، وقال أحمد بن حنبل: لم يكن صاحب حديث، وكان ضعيفاً فيه، ولم يكن في الحديث بذاك، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو لين يعرف حفظه وينكر، ووثّقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال ابن عدي: روى عن مالك غرائب، وهو في رواياته مستقيم الحديث(3) .

هذا هو حال الحديث الّذي يحتج به ابن تيمية ومن يلعق قصعته من


1. المواسم والمراسم: ص 71 .
2. ميزان الاعتدال: ص 243 - 244، ونقل أقوال الآخرين في توثيقه، فالرجل مختلف فيه جداً .
3. شفاء السقام: ص 66 .


(327)

الوهابية، وبذلك أفتوا بحرمة الاحتفال بذكرى النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

وهذه هي أدلة المانعين وشواهدهم، وقد عرفت ضعفها وعدم دلالتها على ما يرتأون، ولنختم البحث بذكر أُمور:

الأول: إنّ الاحتفال بالمواليد يجب أن يكون بعنوان أنّه تطبيق للأصل القرآني من لزوم تكريم النبي وتوقيره وتعظيمه، ولأجل ذلك يصحّ إيقاعه في كل شهر وأُسبوع ويوم، وعند ما يقام الاحتفال بمولده فإنما يقام بما أنّه جزئي لذلك بالتكريم بالخصوص، حتّى يكون الاحتفال تجسيداً لهذا الأمر، فهو بدعة لا يصار إليها، ولا أرى أحداً يدّعي أنّه ورد الأمر بالخصوص بمولده .

الثاني: يجب أن يكون الاحتفال مطابقاً للسنن الإسلامية، خالياً عما يستقبح فعله في الشريعة، كعزف المعازف، واتخاذ القيان، واختلاط الرجال بالنساء، فلو فرض أنه اقترنت بعض هذه الاحتفالات بالمحرمات، فلا يكون دليلا على حرمة نفس الاحتفال، ولا يكون سبباً للمنع عنه، فالنّ بعض الفرائص ربما تكون ذريعة لما هو أعظم من هذه المحرمات .

الثالث: ليست لإقامة الاحتفال كيفية خاصة، بل ينبغي أن يكون الكل في إطار الشريعة الغراء، ويكون في طريق تكريم النبي وتعظيمه، وإظهار الحب، وأحسن الطرق هو تلاوة الآيات الواردة في حقه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ثم الإيعاز إلى الجهود الّتي بذلها الرسول في طريق إنقاذ البشر، وبلغ بهم إلى أعلى مراتب العز والعظمة، ثم دعوة المسلمين عن طريق إلقاء الخطب بالتمسك بالكتاب والسنة، والسعي لتطبيق وتجسيد مبادئها في الحياة، ودعم الصحوة الإسلامية للنهوض والوقوف في وجه القوى الكبرى الّتي تتربص بهم الدوائر، إلى غير ذلك من الاُمور الّتي فيها خير وسعادة المسلمين كافة، في عاجلهم وآجلهم .

يقول العالم الجليل السيد محمد علوي بن عباس المالكي المكي الحسني:


(328)

«إنّنا نرى أنّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لا بد من الالتزام وإلزام الناس بها، بل إنّ كل ما يدعو إلى الخير ويجمع الناس على الهدى ويرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم، يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي، ولذلك فلو اجتمعنا على شيء من المدائح الّتي فيها ذكر الحبيب ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وفضله، وجهاده، وخصائصه، ولم نقرأ قصة المولد النبوي الّتي تعارف الناس على قراءتها، واصطلحوا عليها حتّى ظن بعضهم أن المولد النبوي لا يتم إلاّ بها، ثم استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ وإرشادات، وإلى ما يتلوه القارىء من آيات; أقول: لو فعلناه فإنّ ذلك داخل تحت المولد النبوي الشريف، ويتحقق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وأظنّ أنّ هذا المعنى لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان» انتهى(1) .

ومن المؤسف جداً أنّ الوهابية قامت بشن حملة شعواء على هذا الكتاب، ولم تراع أدب الكتابة والمناظرة إلى حد اعتراف الكاتب بأسولبه القاسي في المحاورة، وينتهي في خاتمة كتابه إلى قوله: «ونكرر أسفنا وتأثرنا من القسوة الّتي آثرنا أن يشتمل عليها أسلوبنا في رد ترهاته، وأباطيله، ويعلم اللّه أن الباعث لهذا الأسلوب القاسي، الغيرة لحق اللّه(2) .

ويؤاخذ عليه أن الغيرة لحق اللّه يجب أن تكون في إطار الأدب الّذي ندب إليه الذكر الحكيم وقال: (ادْعُ إلى سبِيلِ رَبِّكِ بِالحِكْمِةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ)(3) .

وكان الإمام أميرالمؤمنين علىّ ـ عليه السَّلام ـ يؤدب أصحابه عند مقابلة الشاتمين من الشاميين، من أصحاب معاوية القاسطين بقوله: إنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَن تَكُونُوا سَبَّبابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَو وَصَفْتُم أعْمَالَهُم وَذَكَرتُم حَالَهُمْ، كَانَ أصْوَبَ في القَولِ، وأبلَغَ فِي العُذْرِ، وَقُلتُم مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللّهُمّ احْقِن دِمَاءَنَا


1. حوار مع المالكي، تأليف عبداللّه بن سليمان بن منيع، ص 168 .
2. حوار مع المالكي، ص 190 .
3. سورة النحل: الآية 125 .


(329)

وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِم وَاهْدِهِم مِنْ ضَلاَلَتِهِمْ حَتّى يَعْرِفَ الحَقُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرعَوِيَ عَنِ الغَىِّ وَالعُدُوانِ مِن لهج به(1) .

الرابع: روى أهل السنة عن الإمام علىّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ أنّ رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويصلّي عليه، ويصنع من ذلك ما انتهره عليه علىّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ فقال له: ما يحملك على هذا؟ قال: حبّ التسليم على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، فقال علىّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ : هل لك أن أُحدّثك حديثاً عن أبي؟

قال: نعم، فقال له علىّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا علىّ وسلّموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم(2) .

ولو صحّ الحديث فلعل انتهاره كان لأجل أنّ الرجل زاد في الحدّ وخرج عن الحد الأوسط، ولا صلة له بنفي الزيارة بتاتاً، كما لا صلة له بإقامة الاحتفال والذكريات .

إنّ هذه الرواية ظاهرة في أنه عليه الصلاة والسلام قد لاحظ أنّ ذلك الرجل قد ألزم نفسه بأمر شاق، وهو المجي، يومياً للصلاة عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وزيارته، فأراد ـ عليه السَّلام ـ التخفيف عنه وإفهامه أنّ بإمكانه الصلاة و التسليم عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حيثما كان، فسيبلغه ذلك، فلا داعي لإلزام نفسه بما فيه كلفة ومشقّة، ولم ينهه عن الصلاة والدعاء عند قبره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (3)

* * * * *


1. نهج البلاغه، الخطبة: 206 .
2. رواه السبكي عن عبدالرزاق عن القاضي إسماعيل في كتاب فضل الصلاة على النبي، بسنده إلى علي بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ ورواه عبدالرزاق في مصنفه بسنده إلى الحسن بن علي; لاحظ شفاء السقام، ص 280 ـ 281 .
3. المواسم والمراسم: ص 73 .


(330)

إلى هنا تمّ تبيين عقائد ابن تيمية ومحيي مسلكه ابن عبدالوهاب فبقي الإلماع إلى حياة المحيي وناصره، وهو ما سيوافيك في البحث التالي .

«والحمد لله رب العالمين»

* * * * *


(331)

محمد بن عبدالوهاب

مؤسس الحركة الوهابية

نشأته ووفاته

استشفاف بوادر الضلال من كلماته

اتفاق الشيخ ومحمد بن سعود

بدء الدعوة ونشرها

صِدام بين ابن عبدالوهاب وأمير عيينة

تكفير محمد بن عبدالوهاب جميع المسلمين

حروبه مع المسلمين


(332)


(333)

تاريخ الوهابية

مؤسسها، ناصرها وتطورها

قد وقفت في الفصول السابقة على العقائد الوهابية عن كثب، وأنها لم تكن شيئاً جديداً سوى ما ابتدعه أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري وقد كاد أن يصير نسياً منسياً، ويذهب أدراج الرياح، غير أنّ بذورها لما كانت تقبع في طيات كتبه ورسائله، قام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي بتجديد العهد بها، وإحيائها مرة أُخرى بفضل سيف آل سعود في الشطر الثاني من القرن الثاني عشر إلى أوليات القرن الثالث عشر الهجري، أي من سنة 1160 إلى سنة 1207 هـ الّتي وافاه الأجل فيها، ثم تعاهد أبناؤه من بعده مع أبناء بيت قبيلة آل سعود فترة بعد فترة، على أن تكون الدعوة والإرشاد والتخطيط على أبنائه، والتطبيق والتنفيذ والسلطة على كاهل آل سعود، فلم تزل هذه المعاهدة باقية إلى يومنا هذا، غير أنها اتخذت في هذه الآونة لنفسها شكلا آخر، وهو أن القوة والسلطة كانت في بدء التأسيس آلة طيّعة بيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكنه في عصرنا هذا تبدلت رأساً على عقب، فأصبحت السلطة الدينية أداة طيعة في يد آل سعود، يأتمرون بكل ما يلقى إليهم من البلاط السعودي والملك الحاكم من قبلهم على شبه الجزيرة العربية.

وهذه إحدى الصور الّتي تحكي لنا عن تراجع الوهابية عن مبادئها الأولية الّتي قامت على أعتابها يوم تأسيسها، وسنوافيك بما يحكي لك المزيد من ذلك .


(334)

نشأته ووفاته

اختلف المؤرخون في عام ولادته ووفاته، فمن قائل(1) بأنه ولد سنة 1111 هـ وتوفي عام 1207 هـ فيكون عمره ستاً وتسعين; إلى آخر(2) بانه ولد عام 1115 هـ وتوفي 1207 هـ فيكون قد ناهز إحدى وتسعين، نشأ وترعرع في بلده «العيينة» في نجد، وتلقى دروسه بها على رجال الدين من الحنابلة، ثم غادر موطنه ونزل المدينة المنورة ليكمل دروسه، يقول أحمد أمين المصري: «سافر الشيخ إلى المدينة ليتم تعلمه، ثم طاف في كثير من بلاد العالم الإسلامي، فأقام نحو أربع سنين في البصرة، وخمس سنين في بغدادن وسنة في كردستان، وسنتين في همدان، ثم رحل إلى إصفهان، ودرس هناك فلسفة الإشراق والتصوّف، ثم رحل إلى «قم» ثم عاد إلى بلده، واعتكف عن الناس نحو ثمانية أشهر، ثم خرج عليهم بدعوته الجديدة»(3) .

وقد ذكر كثير من المؤرخين تجواله وترحاله في هذه البلاد، منهم عبد الرزاق الدنبيلي في كتابه «مآثر سلطانية»(4)، والشيخ أبو طالب الإصفهاني الّذي كان معاصراً للشيخ محمد بن عبدالوهاب، فقد ذكر سفر الشيخ إلى إصبهان وإلى أكثر بلاد العراق وإيران، حتّى إلى «غزنين» الّذي هو بلد في أفغانستان(5) .

استشفاف بوادر الضلال من كلماته

إنّ الإنسان مهما كان ذكياً مواظباً على ستر عقيدته لا يتمكن من إخفائها في الفترة الّتي يكون فيها الوعي غائباً والذهن خاملا، وعند ذلك يبدو على صفحات وجهه وفلتات لسانه ما يكتمه ويخفيه في الأوعية، قال أميرالمؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :


1. زيني دحلان: الدرر السنية: ص 42 طبع الآستانة وغيره .
2. أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ص 10 بيروت، وقد أرّخ الآلوسي ولادته بـ 1111 هـ لكنه أرّخ وفاته بـ 1206 هـ .
3. نفس المصدر السابق: ص 10 .
4. مآثر سلطانية: ص 82 و...
5. ميرزا أبو طالب سفرنامه: ص 409 و...


(335)

«ما أضمر أحد شيئاً إلاّ في ظهر فلتات لسانه وصفحات وجهه»(1) وقد كان محمد بن عبدالوهاب ممن يتفرّس مشايخه وأساتذته فيه الضلال، حيث كان عندما يتردد إلى مكة والمدينة لأخذ العلم من علمائهما، وعندما كان يدرس على الشيخ محمد بن سليمان الكردي، والشيخ محمد حيات السندي كانا يتفرسان فيه الغواية والإلحاد، بل يتفرس غيرهما فيه مثل ذلك، وكان ينطق الكل بأنه سيضل اللّه تعالى هذا، ويضل به من أشقاه من عباده، حتّى أنّ والده عبدالوهاب ـ وهو من العلماء الصالحين ـ كان يتفرس فيه الإلحاد ويحذّر الناس منه، حتّى أنّ أخاه الشيخ سليمان ألف كتاباً في الرد على ما أحدثه من البدع والعقائد الزائفة، وكان محمد بن عبدالوهاب بادىء بدء كما ذكره بعض المؤلفين مولعاً بمطالعة أخبار من ادّعى النبوة كاذباً كمسيلمة الكذاب وسجاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي وأضرابهم(2).

يكتب ميرزا أبو طالب الإصفهاني وهو معاصره ويقول: أخذ في أول أمره عن كثير من علماء مكة والمدينة، وكانوا يتفرسون فيه الضلال والإضلال، وكان والده عبدالوهاب من العلماءالصالحين، وكان يتفرس فيه ذلك ويذمه كثيراً، يحذر الناس منه، وكذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه، وألف كتاباً في الرد عليه، وكان في أول أمره مولعاً بمطالعة أخبار مدّعي النبوة كمسيلمة و...»(3) .

لو صحّ هذا فهو يعرب عن أنّ محمد بن عبدالوهاب كان يضمر في مكامن ذهنه شيئاً يشاكل فعل هؤلاء المتنبئين، فصبّ ما أضمره في الدعوة الجديدة إلى التوحيد، وعاد يكفّر رجال الدين عامة في كافة العصور، وينسبهم إلى الجهل والضلال، وهذه سمة المبتدعين عامة.

انتقال عبد الوهاب إلى «حريملة»

ترك أبوه «العيينة» ونزل بلدة «حريملة» وبقي فيها إلى أن وافته المنيّة


1. نهج البلاغه، قسم الحكم 260 .
2. صدقي الزهاوي: الفجر الصادق ص 17 والسيد أحمد زيني دحلان: فتنة الوهابية ص 66 .
3. ميزرا أبو طالب: سفرنامه، ص 409 .


(336)

سنة 1143(1) ولم يكن راضياً عن ابنه، وطالما زجره ونهاه، ولمّا توفّي الوالد تجرّأ عليه أهل «حريملة» وهمّموا بقتله، فلم يجد بداً من الهرب إلى «العيينة» وهي مسقط راسه ودار نشأته، وقد تعاهد هو وأميرها «عثمان بن معمر» على أن يشد كلُّ أزر الآخر، فيترك الأمير للشيخ الحرية في إظهار الدعوة والعمل على نشرها، لقاء أن يقوم محمد بن عبد الوهاب بدوره بشتى الوسائل لسيطرة الأمير على نجد بكاملها، وكانت يومذاك موزعة إلى ست أو سبع إمارات منها إمارة العيينة(2) ولكن لكي تقوى الروابط بين الاثنين زوّج الأمير أُخته «جوهرة» من الشيخ، فقال له الشيخ: «إنى لآمل أن يهبك اللّه نجداً وعربانها»(3) .

هكذا بدأ التآلف بين الشيخ والأمير، واحدة بواحدة... مساومة ثم أخذ وعطاء، والثمن هو الدين والشعب، أمّا زواج الشيخ من «جوهرة» فتثبيت للتحالف، وضمان للوفاء... لقد سخر محمد بن عبد الوهاب الدين لأجل الدنيا، وتطوع لتعزيز حكمه دون أن يكون على يقين من عدله، أو يأخذ منه موثقاً لتحسين الأوضاع وراحة الناس، والعمل للصالح العام، بل على العكس، فقد وعده بملك نجد وعربانها... ولكن لا بالاقتراح وحرية تقرير المصير، بل بالحرب والغزو وبأشلاء الضحايا(4) .

أبعد ذلك يصحّ أن يعدّ الشيخ من المصلحين المجددين، وممّن له رسالة إنسانية كما عدّه نفر منهم أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح في العصر الحديث، ومهما كان فإنّ التحالف بين الشيخ والأمير لم يطل عمره ولم يتم أمره، وما تمخّص إلاّ عن زواج الشيخ بجوهرة، وهدم قبر زيد بن الخطاب، وإثارة الفتن والقلاقل فقط ـ لم يطل عمر التحالف بين ابن عبد الوهاب والأمير ابن معمر ـ لأنّ سليمان الحميدي صاحب الأحساء والقطيف أمر عثمان بن معمر ـ وكان أقوى منه ـ أن يقتل الشيخ .


1. محمد جواد مغنية: هذه هي الوهابية ص 111 .
2. الآلوسي ـ السيد محمود: تاريخ نجد، ص 11 .
3. فيلبي ـ عبداللّه: تاريخ نجد، ص 36 .
4. مغنية ـ محمد جواد: هذه هي الوهابية ص 112 .


(337)

يقول عبداللّه فيلبي في تاريخ نجد: «قرر عثمان أن يتخلص من ضيفه، فطلب منه أن يختار المكان الّذي يريد الذهاب إليه، فاختار «الدرعية»، فأرسل عثمان معه رجلا اسمه فريد: وكلفه أن يقتل ابن عبد الوهاب في الطريق، ولكن فريداً خذلته إرادته، وترك الشيخ وقفل راجعاً دون أن يمسه بسوء(1) .

ويذكر السيد محمود شكري الآلوسي انتقال الشيخ من «عينية» إلى «حريملة» نحو ما مرّ ويزيد: خرج إلى «الدرعية» سنة: 1160 هـ وهي بلاد مسيلمة الكذاب(2) .

اتفاق الشيخ ومحمد بن سعود

ورد الشيخ إلى الدرعية في العام الّذي عرفت، وكان أميرها آنذاك محمد بن سعود جد السعوديين، وتمّ الاتفاق بين الأمير والشيخ على غرار ما كان قد تمّ بينه وبين ابن معمر في «العيينة»، فقد وهب الشيخ نجد وعربانها لابن سعود، كما وهبهما من قبل لابن معمر، ووعده أن تكثر الغنائم عليه والأسلاب الحربية الّتي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب(3) على أن يدع الأمير للشيخ ما يشاء من وضع الخطط لتنفيذ دعوته .

وتقول الرواة: إنّ الأمير سعود بايع محمد بن عبد الوهاب على القتال في سبيل اللّه... ومعلوم انهما لم يفتحا بلداً غير مسلم في الشرق أو في الغرب، وإنما كانا يغزوان ويحاربان المسلمين الذين لم يدخلوا في طاعة ابن سعود، ولأجل ذلك قال الأمير لابن عبدالوهاب: «أبشر بالنصر لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد، لكن أُريد أن اشترط عليك اثنين:

أولا: إذا قمنا بنصرتك وفتح اللّه لنا ولك، أخشى أن ترحل عنّا وتستبدل بنا غيرنا فعاهده الشيخ أن لا يفعل .


1. فيلبي ـ عبداللّه: تاريخ نجد، ص 390 ط المكتبة الأهلية بيروت .
2. كشف الارتياب ص 13 ـ 14 نقلا عن كتاب تاريخ نجد لمحمود شكري الآلوسي .
3. فيلبي: تاريخ نجد ص 39 .


(338)

ثانياً: إنّي أتقاضى من أهل «الدرعية» مالا وقت الثمار، وأخاف أن تمنع ذلك، فقال الشيخ: لعل اللّه يفتح الفتوحات فيعوضك اللّه من الغنائم ما هو أعظم منها»(1) .

وعلى هذا تم الاتفاق بين أمير «الدرعية» والشيخ .

إنّ بعض المستشرقين مثل «فيليب حتّى»(2) و «جولد تسيهر»(3) وغيرهما يذكرون أنه قد تقوّت الروابط بين الاثنين بمثل ما تقوّت بينه وبين أمير «عيينة» وزوّج محمد بن سعود ابنه عبدالعزيز من إحدى بنات محمد بن عبد الوهاب، ولا يزال العهد بين آل سعود وعائلة عبد الوهاب مستمراً إلى يومنا هذا، وإن اختلف مضمومنه مع استمرار التزاوج على نطاق وسيع(4) .

بدء الدعوة نشرها

شعر محمد بن عبد الوهاب بقوته عن طريق هذا التحالف الجديد، وأن الامارة السعودية اصبحت تناصره وتؤازره، فلأجل ذلك جمع الشيخ أنصاره وأتباعه وحثهم على الجهاد، وكتب إلى البلدان المجاورة المسلمة أن تقبل دعوته، وتدخل في طاعته، وكان يأخذ ممن يطيعه عشر المواشي