welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة

سلسلة المسائل الفقهية
1

الوضوء
على ضوء الكتاب والسنّة

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً)).(1)


1- المائدة: 3 .


(4)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه:(وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...)) .(1)

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1- آل عمران: 103 .


(5)

1

آية الوضوء آية محكمة

اتّفق المسلمون تبعا ً للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصحّ إلاّبطهور، والطهور هو الوضوء والغسل والتيمّم وقد بَيّن سبحانه سرَّ التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله:(ما يُريدُ اللّهُ لِيَجعلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكن يُريد ليُطهّركُمْ)) .(1)

وقد حظا الوضوء في التشريع الإسلامي بأهمية بالغة كما نطق بها الكتاب والسنّة فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«لا صلاة إلاّ بطهور».(2) وفي كلام آخر له:«الوضوء شطر الإيمان».(3)


1- المائدة:6.
2- الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء.
3- الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء.


(6)

فإذا كانت هذه مكانةَ الوضوء فمن واجب المسلم التعرّف على أجزائه وشرائطه ونواقضه ومبطلاته، وقد تكفّلت الكتب الفقهية بيانَ هذه المهمة.

والذي نركِّز عليه في المقام هو تبيين ما اختلفت فيه كلمة الفقهاء، أعني: حكم الأرجل من حيث المسح والغسل، فنقول:

قال سبحانه في كتابه العزيز مبيِّناً وجوب الوضوء وكيفيته بقوله:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطّهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَأَحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجوهكُمْ وَأَيديكُمْ مِنْهُ ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّركُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتهُ عَلَيْكُمْ)


(7)

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) .(1)

الآية تشكِّل إحدى آيات الأحكام التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية العملية الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشؤون حياتهم الدينية والدنيوية.

وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير،ونصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هو الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي عليها،وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقلية التي تُشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلِّعين، خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.

والإنسان إذا تأمّل في هذه الآيات ونظائرها من الآيات التي تتكفَّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمةَ التعبير، ناصعةَ البيان، واضحةَ الدلالة، تخاطب المؤمنين كافّة لتُرسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.


1- المائدة:6.


(8)

والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد، وعن التقديم والتأخير، وعن تقدير جملة أو كلمة حتّى يقف على مضمونها عامة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بدقائق القواعد العربية وغير عالم بها.

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهية لأئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الأمين بهذه الآية على قلب سيّد المرسلين، فتلاها على المؤمنين وفهموا واجبَهم تجاهها بوضوح، دون تردد، ودون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض، وإنّما دبّ الغموضُ فيها في عصرِ تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.

فمن قرأ الآية المباركة بإمعان يقول في قلبه ولسانه:


(9)

سبحانك اللهم ما أبلغ كلامَك وأفصح بيانَك، قد أوضحت الفريضةَ وبيّنت الوظيفةَ فيما يجب على المسلم فعلهُ قبل الصلاة، فقلت:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة)) .

ثمّ قلتَ مبيّناً لكيفية الوظيفة وانّها أمران:

أ. (فَاغْسِلُوا وُجُـوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلـى المَرافِـق)) .

ب.(وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجلكُمْ إِلى الكَعْبَين)) .

سبحانك ما أبقيت إجمالاً في كلامك، ولا إبهاماً في بيانك، فأوصدتَ باب الخلاف، وسددتَ باب الاعتساف بتوضيح الفريضة وبيانها.

سبحانك اللّهم إن كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَديه مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ))(1) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات المرويّة عن


1- المائدة:48.


(10)

النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي بين آمرة بغسل الأرجل و آمرة بمسحها.

فماذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المروية عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي،ولا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلاّ الأخذ بما نادى به كتابك العزيز وقرآنك المجيد وقدبيّنه في جملتين تعربان عن واقع الفريضة وأنّها تتألّف من غسلتين، (فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق)) .

كما تتألّف من مسحتين: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ إِلى الْكَعْبَين)).

(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً)).(1)


1- الأنعام:114.


(11)

2

بداية الاختلاف

كان المسلمون قبل عهد الخليفة الثالث على وفاق في أمر الوضوء، فلم يكن آنذاك أيُّ خلاف بارز في مسح الرجلين أو غسلهما، وإنّما بدأ الخلاف في عهد الخليفة الثالث كما يظهر من كثير من الروايات البيانيّة المروية عن عثمان، وقد ذكر مسلم طائفة منها في صحيحه.

2. أخرج مسلم عن حُمران مولى عثمان قال: أتيتُ عثمانَ بن عفان بوضوء فتوضأ، ثمّ قال: إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحاديث لا أدري ما هي؟ ألا إنّي رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ توضّأ مثل وضوئي هذا، ثمّ قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى


(12)

المسجد نافلة.(1)

2. أخرج مسلم عن أبي أنس انّ عثمان توضّأ بالمقاسمة فقال: ألا أُريكم وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ثم توضّأ ثلاثاً ثلاثاً. وزاد قتيبة في روايته، قال سفيان: قال أبو النضر عن أبي أنس قال: وعنده رجال من أصحاب رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم.(2)

وهناك روايات بيانية أُخرى على لسان عثمان لم يذكرها مسلم وإنّما ذكرها غيره يشير الجميع إلى أنّ ظهور الاختلاف في كيفية وضوء النبي كان في عصره، وأمّا ما هو سبب الاختلاف فسيوافيك بيانه.


1- صحيح مسلم بشرح النووي:3/115، برقم 229.
2- صحيح مسلم بشرح النووي:3/115، برقم 230.


(13)

3

القرآن هو المهيمن

و

المرجع الوحيد عند اختلاف الآثار

القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، وهو ميزان الحقّ والباطل فما ورد فيها يؤخذ به إذا لم يخالف الكتابَ العزيز وإلاّفيضرب عرض الجدار.

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فالكتاب مهيمن عليها، فيؤخذ بالسنّة ـ إذا صحت الاسناد ـ مادامت غير مخالفة للكتاب.


(14)

ولا يعني ذلك الاكتفاء، بالكتاب وحذف السنّة من الشريعة، فانّه من عقائد الزنادقة، بل السنّة حجّة ثانية للمسلمين ـ بعد الكتاب العزيز ـ بشرط ان لا تضاد السنة الحاكيةُ السندَ القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقاً بشيء من المسح أو الغسل فما قيمة الخبر الآمر بخلافه، فلو أمكن الجمع بين القرآن والخبر، بحمل الثاني على فترة من الزمن ثمّ نسخه القرآن فهو، و إلاّ فيضرب عرض الجدار.

قال الرازي: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «إذا رُوي لكم حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فان وافقه فاقبلوه، وإلاّفردّوه».(1)


1- مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير:3/252، ط سنة 1308 بمصر .


(15)

4

سورة المائدة آخر سورة نزلت

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وليس فيها آية منسوخة.

أخرج أحمد، وأبوعبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي وابن المنذر، والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير.

قال: حججت فدخلتُ على عائشة فقالت لي: يا جُبير تَقرأ المائدة، قلت: نعم، فقالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلِّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه.

وأخرج أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس قالا: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «المائدة من آخر القرآن


(16)

تنزيلاً، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها».

وأخرج الفريابي وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن أبي ميسرة، قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها وليس فيها منسوخ، وعدّمنها (وَإِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا)) .

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: لم ينسخ من المائدة شيء.

وأخرج عبد بن حميد قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة؟ قال: لا.(1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي، فلا محيص من العمل على وفقها وليس فيها أي نسخ.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على أنّ


1- الدر المنثور:3/3ـ4.


(17)

سورة المائدة آخر سورة نزلت وليس فيها آية منسوخة.

أخرج محمد بن مسعود العياشي السمرقندي باسناده عن علي ـ عليه السَّلام ـ :«كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنّما يؤخذ من أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ب آخره، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء».(1)

أخرج الشيخ الطوسي باسناده عن الصادق والباقر ـ عليهما السَّلام ـ ، عن أمير المؤمنين علي ـ عليه السَّلام ـ ، إذ قال في حديث طويل: «وسبق الكتاب الخفّين، إنّما نزلت السورة قبل أن يُقبض بشهرين».(2)

وعلى ضوء ذلك لو دلّ الكتاب على شيء من المسح والغسل، فالآثار المخالفة له، إمّا تُؤوّل بكونها منسوخة بالقرآن أو تُطرح.


1- نور الثقلين:1/483.
2- نور الثقلين:1/483.


(18)

5

مصدر الاختلاف

فإذا كانت بداية الاختلاف في عهد الخليفة الثالث، فهناك سؤال يطرح نفسه: ما هو سبب الاختلاف في أمر الوضوء بعد ما مضت قرابة عشرين سنة من رحيل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فنقول: هناك وجوه واحتمالات:

1. اختلاف القراءة

ربما يتصوّر انّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة حيث إنّ القرّاء اختلفوا في إعراب (وأرجلكم)) في قوله سبحانه: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسكم وَأَرجلكم))، فمنهم من قرأ بالجرِّ عطفاً على الرؤوس الذي يستلزم وجوب المسح على الأرجل، ومنهم من قرأ


(19)

بالفتح عطفاً على (وجوهكم)) في قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم))الذي يستلزم الغسل.

إنّ هذا الوجه باطل جداً، فانّ العربي الصميم إذا قرأ الآية مجرّداً عن أي رأي مسبق لا يرضى بغير عطف الأرجل على الرؤوس، سواء أقرأ بالنصب أم بالجر، وأمّا عطفه على وجوهكم فلا يخطر بباله حتّى يكون مصدراً للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في عصر نزول الآية ويسمع كلام اللّه من فم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أصحابه، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه و بين ربه، وليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت .

فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية، وعن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح:


(20)

إنّ الوضوء غسلتان و مسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على وجوهكم؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرّح فيهما بحكمين:

بدئ في الجملة الأُولى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق))بغَسْل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف.

ثمّ بدئ في الجملة الثانية:(وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكَعبين))بمسح الرؤوس ثمّ عطفت الأرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف، والواو تدلّ على مشاركة مابعدها لما قبلها في الحكم.

والتفكيك بين حكم الرؤوس وحكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم، بل يراه مخالفاً لظهور الآية.


(21)

2.التمسّك بروايات الغسل المنسوخة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في فترة من عمره، ولمّا نزلت سورة المائدة وفيها آية الوضوء والأمر بمسح الأرجل مكان الغسل، أخذ ـ بعد فترة من الزمن ـ مَن لا يعرف الناسخ والمنسوخ بالسنّة المنسوخة، وأثار الخلاف غافلاً عن أنّ الواجب عليه الأخذ بالقرآن الناسخ للسنّة وفيه سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

أخرج ابن جرير عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنّة بالغسل.(1)

ويريد من السنّة عمل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل نزول القرآن، ومن المعلوم أنّ القرآن حاكم وناسخ.

وقال ابن عباس:أبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح.(2)


1- الدر المنثور:3/1، 4.
2- الدر المنثور:3/1، 4.


(22)

وبهذا يمكن الجمع بين ما حكي من عمل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الغسل وبين ظهور الآية في المسح، وانّ الغسل كان قبل نزول الآية.

ونرى نظير ذلك في المسح على الخفّين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: «سبق الكتابُ الخفّين».(1)

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سبق الكتاب الخفّين. ومعنى ذلك انّه لو صدر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في فترة من عمره، المسح على الخفّين، فقد جاء الكتاب على خلافه ناسخاً له حيث قال: (وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم))أي امسحوا على البشرة لا على النعل ولا على الخفّ ولا الجورب.(2)


1- مصنف ابن أبي شيبة:1/213، باب من كان لا يرى المسح، الباب217.
2- مصنف ابن أبي شيبة:1/213، باب من كان لا يرى المسح، الباب217.


(23)

3.إشاعة الغسل من قبل السلطة

كان الحكام مصرّين على غسل الأرجل مكان المسح ويُلزمون الناس على ذلك بدل المسح لخبث باطن القدمين، وبما انّ قسماً كثيراً منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.

1. روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة انّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وانّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.

فقال أنس:صدق اللّه وكذب الحجاج قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم)) قال: وكان أنس


(24)

إذا مسح قدميه بلّهما.(1)

2. وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيد الغسل، وتؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى أنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّخفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّـي بكم صلاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلمّـا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّابن أخت لنا، قال: ابن اخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّى.(2)

هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يُبرّر بها الغَسْل مكان المسح مع دلالة الكتاب العزيز على المسح، والأقرب هو الثاني ثمّ الثالث.


1- تفسير القرآن لابن كثير:2/25; تفسير القرآن للطبري:6/82.
2- مسند أحمد:5/342; المعجم الكبير :3/280 برقم 3412.


(25)

6

ما هو العامل في قوله: (وأرجلكم)؟

إنّ آية الوضوء هي الدليل المبرم على وجوب الوضوء وكيفيته، وهي آية واضحة نزلت لتبيين ما هو تكليف المصلّي قبل الصلاة، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون آية واضحة المعالم، محكمة الدلالة، دون أن يكتنفها إجمال أو إبهام، قال سبحانه:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة)).

(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلى المَرافِـق)).

(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجلَكُمْ إِلى الكَعْبَين)).

وتعيين أحد القولين من مسح الرجلين أو غسلهما رهن تشخيص العامل في لفظة (وأرجلكم)).

توضيحه:إنّ في الآية المباركة عاملين وفعلين كل


(26)

يصلح في بدء النظر لأن يكون عاملاً في قوله: (وأرجلكم)) إنّما الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي؟

والعاملان هما:

فاغسلوا:

وامسحوا:

فلو قلنا: إنّ العامل هو الأوّل يجب غسلهما، ولو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما، فملاك إيجاب واحد منهما رهن تعيين العامل في «أرجلكم».

لا شكّ انّ الإمعان في الآية ، مع قطع النظر عن كل رأي مسبق وفعل رائج بين المسلمين، يُثبت انّ الثاني، أي (فامسحوا))هو العامل دون الأوّل البعيد.

وإن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب، أي الرؤوس لا على البعيد، أعني: الوجوه، ونوضح ذلك بالمثال التالي:


(27)

لو سمعنا قائلاً يقول: أحب زيداً وعمراً ومررت بخالد وبكر من دون أن يُعرب «بكر» بالنصب أو الجرّ، نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» و العامل فيه هو الفعل الثاني وليس معطوفاً على «عمرو»حتّى يكون العامل فيه هو الفعل الأوّل.

وقد ذكر علماء العربية أنّ العطف من حقّه أن يكون على الأقرب دون الأبعد، وهذا هو الأصل والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، وإلاّربما يوجب اللُّبس واشتباه المراد بغيره.

فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً، فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، وأمّا خالداً فهو عطف على «بكراً»، ولا يدور بخلده خلاف ذلك.

قال الرازي: يجوز أن يكون عامل النصب في قوله(أرجلكم))هو قوله : (وامسحوا)) ويجوز أن يكون هو قوله (فاغسلوا))لكن العاملين إذا اجتمعا على


(28)

معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (أرجلكم)) هو قوله :(وامسحوا)).

فثبت انّ قوله: (وأرجلكم)) بنصب اللام توجب المسح.(1)

فإذا كانت الحال كذلك ولا يجوز الخروج عن القواعد في الأمثلة العرفية، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة كذلك.

وليس المثال منحصراً بما ذكرنا، بل بإمكانك الإدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية.

فلو إنّك عرضت الآية على أيّ عربيّ صميم يجرّد نفسه عن المذهب الذي يعتنقه، وسألته عن دلالة الآية يجيبك:

إنّ هناك أعضاءً يجب غسلها، وهي الوجوه والأيدي.


1- التفسير الكبير:11/161.


(29)

واعضاءً يجب مسحها وهي الرؤوس والأرجل.

ولو أُلفت نظره إلى القواعد العربية تجده انّه لا يتردد انّ العامل في الرؤوس والأرجل شيء واحد وهو قوله: (فامسحوا)) ولا يدور بخلده التفكيك بين الرؤوس والأرجل بأن يكون العامل في الرؤوس قوله (فامسحوا))والعامل في قوله (وأرجلكم)) هو قوله: (فاغسلوا)) .

فإذا اتّضحت دلالة الآية على واحد من المسح والغسل فلا نحتاج إلى شيء آخر، فالموافق منه يؤكّد مضمون الآية، والمخالف يعالج بنحو من الطرق أفضلها انّها منسوخة بالكتاب.


(30)

7

القراءتان والمسح على الأرجل

إنّ اختلاف القرّاء في لفظة: (وأرجلكم)) بالفتح والجر لا يؤثر في دلالة الآية على وجوب المسح، فالقراءتان تنطبقان على ذلك القول بلا أي إشكال.

توضيح ذلك:

إنّه قرأ نافع و ابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه قوله:(وأرجلكم))بالنصب، وهذه هي القراءة المعروفة التي عليها المصاحف الرائجة في كلّ عصر وجيل.

وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ.

ونحن نقول:إنّ القراءتين تنطبقان على القول


(31)

بالمسح بلا تريّث وتردد.

أمّا الثاني أي قراءة الجر، فهو أقوى شاهد على أنّه معطوف على قوله: (برءُوسكم)) إذ ليس لقراءة الجرِّ وجه سوى كونه معطوفاً على ما قبله. وعندئذ تكون الأرجل محكومة بالمسح بلا شك.

وأمّا قراءة النصب فالوجه فيه أنّه عطف على محل (برءُوسكم))لأنّه منصوب محلاً مفعول لقوله: (وامسحوا))وعندئذ تكون الأرجل أيضاً محكومة بالمسح فقط، والعطف على المحل أمر شائع في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم.

أمّا القرآن فقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشرِكين وَرَسُولُه)) (1) فقراءة: (ورسوله)) بالضم هي القراءة المعروفة الرائجة و لا وجه لرفعه إلاّ كونه معطوفاً على محل اسم إنّ، أعني: لفظ الجلالة في (انّ اللّه)) لكونه


1- التوبة:3.


(32)

مبتدأ.

وقد ملئت مسألةُ العطف على المحل كتبَ الأعاريب، فقد عقد ابن هشام باباً خاصاً للعطف على المحل وذكر شروطه.(1)

وأمّا في الأدب العربي فحدِّث عنه ولا حرج، قال القائل:

معاوي انّنا بـشر فاسجـح فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فقول: «ولا الحديدا» بالنصب عطف على محل «بالجبال» لأنّها خبر ليس في قوله «فلسنا».

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ اختلاف القراءتين لا يؤثّر في تعيّن القول بالمسح، وسوف يوافيك دراسة القراءتين على القول بالغسل.

ثمّ إنّ لفيفاً من أعلام السّنة صرحوا بدلالة الآية


1- مغني اللبيب: الباب4، مبحث العطف. قال: الثاني: العطف على المحل ثمّ ذكر شروطه.


(33)

على المسح قائلين بأنّ قوله (وأرجلكم)) معطوف على الأقرب لا الأبعد، وانّ العامل فيه هو (فامسحوا)) ، ونذكر بعض تلك الكلمات:

1. قال ابن حزم: وأمّا قولنا في الرجلين، فانّ القرآن نزل بالمسح ، قال تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم))، وسواء قرئ بخفض اللام أو فتحها، فهي على كلّ حال عطف على الرؤوس امّا على اللفظ و إمّا على الموضع، ولا يجوز غير ذلك.(1)

وقال الرازي: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.

وأمّا القراءة بالنصب، فقالوا ـ أيضاً ـ انّها توجب المسح، وذلك لأنّ قوله (وامسحوا برءُوسكم)) في محل النصب، ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الأرجل على


1- المحلى:2/56.


(34)

الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور النحاة.(1)

2. وقال الشيخ السندي الحنفي ـ بعد ان جزم انّ ظاهر القرآن هو المسح ـ ما هذا لفظه: و إنّما كان المسح هو ظاهر القرآن، لأنّ قراءة الجر ظاهرة فيه، وقراءة النصب محمول على جعل العطف على المحل.(2)

ولعلّ هذا المقدار من النقول يكفي في تبيين انّ كلتا القراءتين تدعمان المسح فقط وتنطبقان عليه بلا إشكال.


1- التفسير الكبير:11/161.
2- شرح سنن ابن ماجة:1/88، قسم التعليقة.


(35)

8

القراءتان وغسل الأرجل

قد عرفت أنّ اختلاف القراءة في قوله: (وأرجلكم)) لا يؤثر في القول بمسح الرجلين، سواء أقرأنا قوله:(وأرجلكم))بالنصب أم قرأناه بالجر، فكلتا القراءتين تدعمان المسح وبالتالي العامل في قوله: (أَرْجلكم)) هو قوله: (فامسحوا)) و لفظة (وأرجلكم))معطوفة على (برءُوسكم))إمّا لفظاً أو محلاً.

إنّما الكلام في إمكانية تطبيق القول بالغسل على القراءتين المعروفتين ومقدار انسجامه معهما والقواعد العربية. وسيتضح من خلاله انّ فرض الغسل على الآية خرق واضح للقواعد العربية، وإليك البيان:


(36)

الغَسْل وقراءة النصب

فلو قلنا بدلالة الآية على غسل الأرجل، فلا محيص من أن يكون العامل هو قوله في الجملة المتقدّمة (فاغسلوا)) وأن يكون معطوفاً على قوله: (وجوهَكم )) وهذا يستلزم الفصل بين المعطوف(وأرجلكم)) و المعطوف عليه (وجوهكم))بجملة أجنبية وهي (وامسحوا برءُوسكم)) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد فضلاً عن جملة أجنبية، ولم يُسمع في كلام العرب الفصيح قائل يقول:«ضربت زيداً» و «مررت ببكر وعمراً» بعطف «عمراً» على «زيداً».

1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدئة.(1)

2. وقال أبو حيان: ومن ذهب إلى أنّ قراءة النصب


1- المحلى:2/56.


(37)

في (وأرجلكم)) عطف على قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم))وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: (وامسحوا برءُوسكم))فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية.(1)

3. وقال الشيخ الحلبي في تفسير الآية: نصب (وأرجلكم))على المحل وجرها على اللفظ، ولا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وامسحوا برءُوسكم)) والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف عمراً على زيد.(2)

4. وقال الشيخ السندي: وحمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطّراد العطف على المحل،


1- تفسير النهر الماد:1/558.
2- غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالحلبي الكبير:16.


(38)

وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.(1)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بأنّ قراءة النصب واستفادة الغسل يتوقّف على خرق قاعدة نحوية، وهي الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية.

الغسل وقراءة الجر

إنّ القائلين بغسل الأرجل برّروا قراءة النصب بوجه قد عرفت ضعفه وعدم انسجامه مع القواعد العربية، ولكنّهم لمّا وقفوا على قراءة الجرّ وانّها تدلّ على المسح دون الغَسْل حاروا في تبريرها وتوجيهها مع القول بالغسل، فانّ قراءة الجر صريحة في أنّ لفظة (وأرجلكم)) معطوفة على ( برءُوسكم))فيكون حكمها حكم الرؤوس، وعند ذلك مالوا يميناً ويساراً حتّى يجدوا لقراءة الخفض مع القول


1- شرح سنن ابن ماجة:1/88.


(39)

بالغَسل مبرّراً، وليس هو إلاّ القول بالجرّ بالجوار.

وحاصله: انّ قوله (وأرجلكم)) محكوم حسب القواعد بالنصب لكونها معطوفة على قوله: (وجوهكم))، ولكنّه اكتسب اعراب الجرّ من قوله: (برؤوسكم))لأجل وقوعه في جنب لفظ مجرور وهذا ما يقال له: «الجرّ بالجوار» وهو ترك اللفظ اعرابه الطبيعي واكتساب اعراب اللفظ المجاور معه، وقد مثلوا له بقولهم «جحر ضبّ خرب» فانّ قوله «خرب» خبر لقوله: «جحر» ولكنّه قرأ بالجرّ لوقوعه في جنب كلمة ضبّ حيث إنّه مجرور باعتبار كونه مضاف إليه.

وبما انّ الجرّ بالجوار إمّا غير واقع في فصيح اللغة، وعلى فرض وقوعه فله شروط مفقودة في المقام، نعقد لبيان الموضوع الفصل التالي.


(40)

9

الجر بالجوار صحة وشرطاً

لما كان القائلون بغسل الأرجل يفسّرون قراءة الجرّ بالجوار، نذكر كلمات أعلام الأُدباء في المقام ليُعلم مدى صحّة الجرّ بالجوار، و على فرض صحّته ما هي شروطه؟

1.قال الزجاج: ربما يقال: (وأرجلكم)) مجرور لأجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة، نظير قول القائل: جُحر ضب خرب، فإن «خرب» خبر «لجحر» فيجب أن يكون مرفوعاً، لكنّه صار مجروراً لأجل الجوار.

هذا، ثمّ ردَّ عليـه بقوله: وهـو غير صحيح، لاتّفـاق أهل العربية عـلى أنّ الاعراب بالمجاورة شاذ نـادر، ومـا هـذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غيـر


(41)

ضرورة يُلجــأ إليهـا.(1)

2.قال علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمى بالخازن: وأمّا من جعل كسر اللام في «الأرجل» على مجاورة اللفظ دون الحكم. واستدل بقولهم: «جحر ضب خرب» و قال: الخرب نعت للجحر لا الضب، وإنّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيّد لوجهين:

أ. لأنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، لأنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر.

ب. ولأنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، امّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.(2)

3. أنكر السيرافي وابن جنّي الخفض على الجوار وتأوّلا قولهم «خرب» بالجر على أنّه صفة للضب، و من


1- معاني القرآن واعرابه:2/153.
2- تفسير الخازن:2/16.


(42)

أراد التفصيل فليرجع إلى المغني.(1)

4. قال ابن هشام: ولا يكون الجر بالجوار في النسق، لأنّ العاطف يمنع التجاور.(2)

ويتلخص من هذه الكلمات التي نقلناها بالإيجاز الأُمور التالية:

أوّلاً: انّ الخفض بالجوار لم يثبت في الكلام الفصيح.

ثانياً: انّ الخفض بالجوار على فرض ثبوته إمّا لضرورة الشعر أو لأجل استحسان الطبع المماثلةَ بين اللفظين المتجاورين، وكلّ من الوجهين منتفيان في المورد فليس هنا ضرورة شعرية ولا استحسان الطبع في إخلاء لفظ (وأرجلكم)) من إعرابه الواقعي واكتسابه إعراب جاره.

ثالثاً: انّ العطف بالجوار إنّما يجوز فيما إذا يؤمن عن


1- مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.
2- مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.


(43)

الاشتباه كما في المثل المعروف فان «خرب» وصف للجحر لا للضبّ وان جرَّ ، بخلاف المقام فانّ قراءة الجرّ تورث الاشتباه، فلو كان الأرجل في الواقع محكومة بالغسل فالجرّ بالجوار يوهم كون الأرجل محكومة بالمسح وانّها معطوفة على الرؤوس من دون أن يلتفت المخاطبُ إلى أنّ الجرّ للجوار فلا داعي لارتكاب هذا النوع من الخفض الذي يضاد بظاهره مراد القائل.

ورابعاً: لم يثبت الجر بالجوار إلاّ في الوصف والبدل وأمثالهما لا في المعطوف كما في الآية .

وظهر من هذا البحث الضافي انّ القول بالمسح ينطبق على كلتا القراءتين بلا أدنى تأويل وحرج، وهذا بخلاف القول بالغسل فانّه لا ينسجم لا مع قراءة النصب ولا مع قراءة الجرّ.


(44)

10

الاجتهاد تجاه النص

إنّ آفة الفقه هو التمسك بالاعتباريات والوجوه الاستحسانيّة أمام النصّ، لأنّه يضاد مذهب التعبديّة، فالمسلم يتعبد بالنص ـ و إن بلغ ما بلغ ـ و لا يقدِّم رأيه على كتاب اللّه وسنّة رسوله الصحيحة، وهو آية الاستسلام أمام اللّه وأمام رسوله وكتابه وسننه، قال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله ِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم)).(1)

أي لا تتقدّموا على اللّه ورسوله بافتراض رأيكم على الرسول والأُمّة المسلمة.


1- الحجرات:1.


(45)

إنّ تقديم الوجوه الاستحسانية على النصّ تقدّمٌ على اللّه ورسوله، ونعم ما قال الإمام الشافعي: «من استحسن فقد شرّع».

وقد وقف غير واحد من أعلام السنّة على أنّ ظاهر الآية أو صريحها هو مسح الرجلين واعترفوا بذلك بوجدانهم أو بلسانهم وقلمهم، ولكن التعبد بمذهب الأئمّة الأربعة وغيرهم عاقهم عن الأخذ بمضمون الآية، فاتبعوا المذهبَ الموروث بدل الاتّباع للقرآن الكريم، ولولا انّهم نشأوا على هذه الفكرة منذ نعومـة أظفارهم، لما قدّمـوا اجتهاداتهم على كتاب اللّه العزيز الدالّ على المسح، وحرّروا تفكّرهم عن قيد التقليد، وإليك شيئاً من هذه الاجتهـادات التـي لا يرتضيهـا العقل ولا الـوجدان الحرّ .


(46)

1. الغَسْل يشمل المسح

زعم الجصاص انّ آية الوضوء مجملة فلابدّ من العمل بالاحتياط، وهو الغَسْل المشتمل على المسح أيضاً، بخلاف المسح فانّه خال عن الغسل ثمّ رفع ابهام الآية بادعاء اتّفاق الجميع على انّه لو غَسَل فقد أدّى الفرض.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه كيف يرمي الآية بالإجمال مع أنّها واضحة الدلالة، لأنّها بصدد بيان ما هو الواجب على عامة المصلّين عند القيام إلى الصلاة، ومثل هذا يجب أن يكون مبيّن المراد، غير محتمل إلاّ لمعنى واحد، وإنّما دعاه إلى القول بالإجمال الفرار عن ظاهر الآية الدالّ على أنّ فريضة الأرجل هو المسح لا الغسل.

وثانياً: أنّ ما يقوله إنّ الغسل يشمل المسح دون العكس فانّه خال من الغسل، غير صحيح، لأنّ المراد من الغسل في المقام هو إسالة الماء على العضو، كما أنّ المراد من المسح فيها هو إمرار اليد على العضو بالبلل


1- أحكام القرآن:2/346.


(47)

المتبقّى في اليد، وعندئذ يُصبح الغَسْل والمسح فريضتين مختلفتين على نحو يغاير كلّ الآخر، فلا الغسل يشتمل على المسح ولا المسح على الغسل .

وثالثاً: أنّ ادعاء رفع ابهام الآية بانّه إذا غسل فقد أدّى فرضه باتّفاق الجميع مصادرة بالمطلوب إذ كيف يدعي الاتفاق عليه مع انّ القائلين بالمسح بين الصحابة والتابعين كما سيوافيك أسماؤهم، ليسوا بأقلّ من القائلين بالغسل كما أنّ الإمامية وهم ربع المسلمين يرون بطلان الغسل ولزوم المسح فأين اتّفاق الجميع على الغَسْل.

2. نسخ السنّة للكتاب

وهناك من يرى دلالة الآية على المسح بوضوح ويبطل القول بأنّ أرجلكم معطوف على قوله: «وجوهكم» ويقول: لا يجوز ألبتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف، لأنّه إشكال وتلبيس


(48)

وإضلال لا بيان. لا تقول: ضربت محمداً و زيداً و مررت بخالد وعمراً، وأنت تريد أنّك ضربت عمراً أصلاً، فلما جاءت السنّة بغسل الرجلين صحّ انّ المسح منسوخ عنهما.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يصحّ نسخ الكتاب إلاّبالسنّة القطعية، لأنّ الكتاب دليل قطعي لا ينسخه إلاّ دليل قطعي مثله.

وأمّا المقام فالسنّة الدالة على الغسل متعارضة مع السنّة الدالة على المسح، فكيف يمكن أن نقدّم أحد المتعارضين على القرآن الكريم بغير مرجح؟ وستوافيك الروايات المتضافرة الدالة على أنّ النبي وأصحابه كانوا يمسحون الأرجل مكان الغسل.

وثانياً: اتّفقت الأُمّة على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وانّها لم تنسخ آية منها، وقد مرّ من


1- الإحكام في أُصول الأحكام لابن حزم:1/510.


(49)

الروايات وأقوال الصحابة ما يدلّ على ذلك.

وثالثاً: كان اللازم على ابن حزم أن يجعل الآية دليلاً على منسوخية السنّة، ولو ثبت انّ النبي غسل رجليه في فترة من الزمن فالآية ناسخة لها لا أنّها ناسخة للقرآن.

3. التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء

وقد وقف الزمخشري على أنّ قراءة الجر تُلزم الإنسان بمسح الأرجل لا غسلهما، فصار بصدد منع الدلالة، وانّ الأرجل وإن كانت معطوفة على الرؤوس ومع ذلك يفقد العطفُ الدلالةَ على الغسل، قال:

قرأ جماعة(وأرجلكم)) بالنصب فدلّ على أنّ الأرجل مغسولة.

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟

قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغسل بصب الماء عليها، فكان مظنة للإسراف المذموم


(50)

المنهيّ عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتُمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها وقيل إلى الكعبين.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من الوجه إنّما يصحّ إذا كانت النكتة ممّا تعيه عامة المخاطبين من المؤمنين، وأين هؤلاء من هذه النكتة التي ابتدعها الزمخشري توجيهاً لمذهبه؟

وبعبارة أُخرى: انّما يصحّ ما ذكره من النكتة إذا أمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يؤمن منه، وبالتالي يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح غفلة عن النكتة البديعة!! للشيخ الزمخشري.

وثانياً: أنّ الأيدي أيضاً مظنة للإسراف مثل الأرجل، فلماذا لم ينبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء فيها أيضاً؟!


1- الكشاف:1/326.


(51)

كل ذلك يعرب عن أنّ هذا الوجه توجيه للمذهب الذي نشأ وترعرع صاحب الكشاف عليه ، ولولا ذلك لم يرد بخلده هذا الوجه.

4. سهولة غسل الرجلين دون الشعر

لما وقف ابن قدامة على أنّ مقتضى عطف الأرجل على الرؤوس هو المسح، سواء أقرئت بالنصب أو بالجر، أخذ يتفلسف ويجتهد أمام الدليل الصارم ويقول: إنّ هناك فرقاً بين الرأس والرجل، ولأجله لا يمكن أن يحكم عليهما بحكم واحد، وهذه الوجوه عبارة عن:

1. انّ الممسوح في الرأس شعر يشقّ غسله، والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات.

2. انّهما محدودان بحد ينتهي إليه فأشبها باليدين.

3. انـّهما معرّضتان للخبث لكونهما يُوطّأ بهما على الأرض بخلاف الرأس.(1)


1- المغني:1/124.


(52)

يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد مقابل النص وتفلسف في الأحكام.

فأمّا الأوّل: فأيّ مشقّة في غسل الشعر إذا كان المغسول جزءاً منه فإنّه الواجب في المسح، فليكن كذلك عند الغسل.

وأمّا الثاني: فلأنّ التمسك بالشَّبه ضعيف جداً، إذ كم من متشابهين يختلفان في الحكم.

وأفسد منه هو الوجه الثالث فإنّ كون الرِّجْلين معرّضتين للخبث لا يقتضي تعيّـن الغسل، فإنّ القائل بالمسح يقول بأنّه يجب أن تكون الرِّجل طاهرة من الخبث ثمّ تمسح.

ولعمري إنّ هذا الوجه وما تقدّمه للزمخشري تلاعب بالآية لغاية دعم المذهب، والجدير بالفقيه الواعي هو الأخذ بالآية، سواء أوافقت مذهب إمامه أم لا. ولصاحب المنار كلمة قيّمة في حقّ هؤلاء الذين يقدّمون فتاوى الأئمّة على الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة يقول:


(53)

إنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله.(1)

5. اتّباع السلف في الغسل

لمّا وقف ابن تيمية على أنّ قراءة الخفض تستلزم العطف على الرؤوس فيلزم حينئذ مسح الرجلين لا غسلهما، التجأ إلى تأويل النص، وقال:

«ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس، لأوجه: أحدها: انّ الذين قرأوا ذلك من السلف، قالوا: عاد الأمر إلى الغسل».(2)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأنّ السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم وأخذوا بما لا يوافق القرآن، ولو كان رجوعهم لأجل نسخ الكتاب فقد عرفت أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. ولو سلّمنا جواز النسخ


1- محمد رشيد رضا،المنار:2/386.
2- التفسير الكبير:4/48.


(54)

فسورة المائدة لم يُنسَخ منها شيء.

ومن العجب أنّ ابن تيميّة ناقض نفسه فقد ذكر في الوجه السابع ما هذا نصه:«إنّ التيمّم جُعل بدلاً عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء وخُفّ الشطر الثاني، وذلك فإنّه حذف ما كان ممسوحاً ومسح ما كان مغسولاً».(1)

فلو كان التيمّم على أساس حذف ما كان ممسوحاً فقد حذف حكم الأرجل في التيمّم، فلازم ذلك أن يكون حكمه هو المسح حتّى يصحّ حذفه، فلو كان حكمه هو الغسل لم يحذف، بل يبقى كالوجه واليد ويُمسح.

6. التحديد آية الغسل

إنّ المفسر المعروف بالشيخ إسماعيل حقي البروسوي أيّد القول بالغسل بأنّ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات.(2)


1- التفسير الكبير :4 /50.
2- روح البيان:2/351.


(55)

يريد بكلامه هذا انّ الأرجل حُدّدت بالكعبين فأشبه غَسْل الكعبين بغسل الأيدي المحدَّد بالمرافق، فيحكم عليها بالغسل بحكم الاشتراك في التحديد.

يلاحظ عليه: أنّ كلاً من المغسول والممسوح جاء في الآية محدّداً وغير محدّد، فالوجوه في الآية تغسل ولم تحدد، والأيدي تغسل وحُدّدت بقوله:«إلى المرافق»، فيعلم من ذلك انّ الغسل تارة يكون محدّداً وأُخرى غير محدد، فلا التحديد دليل على وجوب الغَسْل ولا عدم التحديد دليل على وجوب المسح، وهكذا الحال في الممسوح فالأرجل ـ على المختار ـ تُمسح ويكون محدداً إلى الكعبين والرأس تمسح وهو غير محدد، فجعل التحديد علامة للغسل أشبه بجعل الأعم دليلاً على الأخص، وما ذكره من أنّه لم يجئ في شيء من المسح تحديد، أوّل الكلام، وهو من قبيل أخذ المدّعى في الدليل.

ولو قلنا بهذه الاستحسانات، فالذوق الأدبي يقتضي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة.


(56)

قال المرتضى: إنّ الآية تضمّنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه وعطف عليه مغسول محدود وهما اليدان، ثمّ استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود وهو الرأس فيجب أن تكون الأرجل ممسوحة وهي محدودة ومعطوفة عليه دون غيره، لتتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود وفي عطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.(1)

7. المرجع هو السنّة بعد تعارض القراءتين

ذهب الآلوسي إلى أنّ القراءتين المتواترتين المتعارضتين كأنّهما آيتان متعارضتان، والأصل في مثله هو السقوط والرجوع إلى السنّة؟

قال: إنّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق أهل الإسلام كلّهم، ومن القواعد الأُصولية عند الطائفتين انّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية


1- الانتصار:24.


(57)

واحدة فلهما حكم آيتين، فلابدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أوّلاً، مهما أمكن، لأنّ الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأُصول، ثمّ نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثمّ إذا لم يتيسر لنا الترجيح فنتركهما ونتوجّه إلى الدلائل الأُخر من السنّة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ من الغرائب أن نجعل القراءتين متعارضتين ثمّ نسعى في رفع التعارض بالوجوه التي ذكرها القائل، فانّ فرض التعارض بين القراءتين رهن فرض المذهب على القرآن وتطبيقه عليه وإلاّ فالقراءتان ليس فيهما أي تعارض وتهافت وكلتاهما تهدفان إلى أمر واحد وهو مسح الرجلين، لأنّ قوله :(وَأَرجلكم)) على كلتا القراءتين معطوف على لفظ واحد وهو قوله: (رءُوسكم)) ، لكن إمّا عطفاً على المحل فتُنصب أو عطفاً على الظاهر فتُجر.


1- روح المعاني:6/74.


(58)

8. الغسل إضافة من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

ذهب جمال الدين القاسمي إلى أنّ الآية صريحة في أنّ الفريضة هي المسح كما قاله ابن عباس وغيره، ولكن إيثار غسلهما في المأثور عنه إنّما هو للتزيّد في الفرض والتوسّع فيه حسب عادته، فانّه سنّ في كلّ فرض سنناً تدعمه وتقوّيه في الصلاة والزكاة والصوم والحجّ.

وممّا يدلّ على أنّ واجبهما المسح تشريع المسح على الخفّين والجوربين ولا سند له إلاّ هذه الآية ، فانّ كلّ سنّة أصلها في كتاب اللّه منطوقاً أو مفهوماً، فاعرف ذلك واحتفظ به واللّه الهادي.(1)

يلاحظ عليه: حاشا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يزيد أو ينقص في الفرائض، بل هو يتّبع الوحي، وكان شعاره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (قُل إِنّما أتّبع ما يوحى إِليَّ مِنْ رَبّي))(2) وقوله: (قُلْ ما يَكُونُ لي )


1- التأويل:6/112.
2- الأعراف:203.


(59)

أَنْ أُبدّلَهُ مِنْ تِلْقاءِنَفسي إِنْ أَتِّبعُ إِلاّما يُوحى إِلَيَّ) (1) ولو زاد في الصلوات فإنّما بأمر من اللّه سبحانه.

ثمّ لو زاد ما زاد فإنّما يزيد فيما ثبت أصله بالسنّة، لا بالكتاب العزيز كاضافة ركعتين في الرباعية وركعة في الثلاثيّة.

أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين.(2)

فلو افترضنا أنّ الفريضة كانت هي المسح دون الغسل وانّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ زاد في الفرض بحكم الروايات الآمرة بالغسل، لكن ماذا نفعل عندئذ بالروايات الآمرة بالمسح، وهي روايات صحاح هائلة كما سيوافيك، فهل هنا ملجأ بعد التعارض إلاّ الذكر الحكيم؟!

وكلّ هذه الكلمات تعرب عن أنّ أصحابها اتّخذوا موقفاً مسبقاً حيال الآية الصريحة الواضحة الدلالة،


1- يونس:15.
2- صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافرين.


(60)

وفرضوا مذهبهم عليها، الأمر الذي أوقعهم في حيص بيص ومأزق، وطرقوا كافة الأبواب للخروج منه وتشبّثوا بوجوه استحسانية لا تغني عن الحقّ شيئاً.

9. التمسّك بالمصالح

لما استشعر صاحب المنار، بأنّ الآية ظاهرة في مسح الرجلين باليد المبلّلة بالماء حاول صرف الآية عن ظاهرها بالتمسّك بالمصالح، وقال:

لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، وينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.(1)

يـلاحظ عليـه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الأحكام الشرعية تابعة


1- تفسير المنار : 6 / 234 .


(61)

للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار اصبع أو اصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

وهناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال ـرحمه اللّهـ: نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد ب آراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة عنها إلى ما سواها. وأوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّ وجلّ، وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الأرجل من الدنس


(62)

فلابدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه .(1)

10. اعتراض جملة:(فَامْسَحُوا...) لبيان الترتب

إنّ الفصل بين المتعاطفات بقول:(فامسحوا برءُوسكم)) لبيان تقدّم المسح على غسل الأرجل.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ في وسع المتكلم أن يجمع بين ذكر الترتيب ووضوح البيان بتكرار الفعل بأن يقول: «فامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم» فيكون كلامه مبيّناً لمقصده وفي الوقت نفسه نزيهاً عن اللُّبس.


1- مسائل فقهية ^ 82 . وقد علّق في الهامش قائلاً : ولذا ترى حفاة الشيعة والعمال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.
2- مجلة الفيصل العدد235 صفحة 48، مقالة أبي عبدالرحمن الظاهري.


(63)

11

المسح على الأرجل

في الأحاديث الصحيحة

قد تعرّفت ـ من دلالة الآية ـ على أنّ الفرض في مورد الأرجل هو المسح، وبما انّ الآية نزلت في أُخريات حياة النبي ولم تنسخ بعد فهي بنفسها كافية في الدلالة على المقصود.

غير انّنا تعزيزاً للمطلب نذكر ما روي عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأصحابه من لزوم المسح على الأرجل، ونقتصر في ذلك بالمتون مع تجريد الأسانيد، لأنّ الرسالة لا تسع لذكرها.


(64)

ما روي عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول مسح الأرجل

1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هكذا توضّأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنده.(1)

2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ توضّأ كما توضّأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(2)

3. وفي مسند عبداللّه بن زيد المازني انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ توضّأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ومسح رأسه


1- مسند أحمد:1/109، الحديث489.
2- كنز العمال:9/436، الحديث 26863.


(65)

ورجليـه مرتين.(1)

4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة ورجليه إلى الكعبين ولحيته تهطل على صدره ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، كذا كان وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

5. عن(2) عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه.(3)

6. عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت


1- كنز العمال:9/451، الحديث26922.
2- كنز العمال:9/448 برقم 26908.
3- كنز العمال:9/429 برقم 26822.


(66)

رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يمسح ظاهرهما.

7. عن رف(1)اعة بن رافع انّه سمع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقول: «إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّوجلّ، ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».(2)

8. ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً.(3)

9. عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن


1- مسند أحمد :1 / 153 برقم 739و ص 183 برقم 919.
2- سنن ابن ماجة :1 / 156، حديث 460; سنن النسائي:2/226.
3- صحيح البخاري:1/23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث1.


(67)

أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّى بهم فكبر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة.(1)

10. عن عباد بن تميم المازني، عن أبيه انّه قال: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.(2)

11. عن أوس بن أبي أوس الثقفي انّه رأى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضّأ ومسح على قدميه.(3)

12. عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذ جاءه رجل فدخل المسجد، فصلّى فلمّـا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى القوم، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ارجع فصلّ فانّك لم تصل» وجعل الرجل يصلّي، وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب


1- مسند أحمد:5/342.
2- سنن ابن ماجة :1 / 156، الحديث460.
3- تفسير الطبري:6/86; المعجم الكبير:1/221 برقم 603.


(68)

منها، فلمّـا جاء فسلم على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلى القوم قال له النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وعليك ارجع فصلِّ فانّك لم تصل».

قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال له الرجل: ما أدري ماعبت من صلاتي؟

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّه لا تتم صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثمّ يكبر اللّه تعالى ويثني عليه، ثمّ يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه ويسر، ثمّ يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتّى تطمئن مفاصله، ويسترخي ثمّ يقول:

سمع اللّه لمن حمده، ويستوي قائماً حتّى يقيم صلبه ويأخذ كلّ عظم مأخذه، ثمّ يكبر فيسجد فيمكن وجهه. قال همام: وربما قال جبهته من الأرض حتّى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثمّ يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتّى


(69)

فرغ، ثمّ قال: لا يتم صلاة أحدكم حتّى يفعل ذلك.

13. (1)عن ابن عباس انّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر فقال عمر بن الخطاب: سعد أفقه منك، فقال عمر: يا سعد انّا لا ننكر انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسح ـ أي على القدمين ـ ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة فانّها أحكمت كل شيء وكانت آخر سورة من القرآن إلاّ براءة.

14. عن(2) عروة بن الزبير انّ جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ لمّا نزل على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أوّل البعثة فتح بالإعجاز عيناً من ماء فتوضأ ومحمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ففعل النبي محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما رأى جبرئيل يفعل.(3)

15. روى عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه انّ


1- المستدرك للحاكم:1/241.
2- الدر المنثور:3/29.
3- الخصائص الكبرى:1/94.


(70)

أبا جبير قدم على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع ابنته التي تزوجها رسول اللّه، فدعا رسول اللّه بوضوء فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه واستنشق بماء، ثمّ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثمّ مسح رأسه ورجليه.(1)

إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم على وجه عابر، وهي تدلّ على أنّ قول النبي وفعله كان على المسح لا الغسل.

ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الأرجل

16. حدث سفيان قال: رأيت علياً ـ عليه السَّلام ـ توضّأ فمسح ظهورهما.(2)

17. عن حمران انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل، فغسل كفيه ثلاثاً ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(3)


1- أُسد الغابة:5/156.
2- مسند أحمد : 1 / 200، الحديث 1018.
3- كنز العمال:5/106.


(71)

18. عن عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل. وهذا اسناد صحيح.(1)

19. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

20. عن عبد اللّه العتكي، عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل انّما نزل فيهما المسح .

21. عن جابر عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: امسح على رأسك وقدميك.

22. عن ابن علية بن داود، عن عامر الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جُعِلَ عليه المسح وما كان عليه المسح أُهمِل (في التيمّم).

23. عن عامر الشعبي، قال: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل في الوضوء، وأبطل ما أمر أن


1- الأحاديث 18ـ 26 ، كلّها منقولة من تفسير الطبري:6/82.


(72)

يُمسح في الوضوء: الرأس والرجلان.

24. عن عامر الشعبي قال: أُمر أن يُمْسح بالصعيد في التيمّم، ما أمر أن يُغسل بالماء، وأهمل ما أمر أن يمسح بالماء.

25. عن يونس قال حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنّما يمسح عليهما حتّى خرج منها.

26. عن قتادة في تفسير قوله سبحانه: (فاغْسِلُوا وُجوهكُمْ وَايديكُمْ إِلى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ إِلى الكَعْبَين) افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

27. قال موسى بن أنس لأبي حمزة انّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق


(73)

اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وَامسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ).

قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.

قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه.(1)

28. عن الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح، ثمّ قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمم أن يمسح ما كان غسل ويلغى ما كان مسحاً.(2)

29. عن إسماعيل قلت لعامر الشعبي: إنّ أُناساً يقولون إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبرئيل بالمسح.(3)

30. عن النزال بن سبرة انّ علياً دعا بماء فتوضأ ثمّ مسح على نعليه


1- الطبري: جامع البيان:6/82; القاسمي: محاسن التأويل:6/111; ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم:2/27.
2- تفسير القرآن العظيم:2/27.
3- تفسير القرآن العظيم:2/25.


(74)

وقدميه، ثمّ دخل المسجد فخلع نعليه ثمّ صلّى.(1)

31. عن أبي ظبيان قال: رأيت علياً وعليه إزار أصفر وخميصة وفي يده عنزة أتى حائط السجن، ثم تنحى فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى.(2)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، فمن تفحّص المسانيد والصحاح ومجامع الآثار يقف على أكثر ممّا وقفنا عليه على وجه عابر.

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّه ُفِبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(3)


1- كنز العمال:9/435برقم26856.
2- كنز العمال:5/126.
3- الأنعام:90.


(75)

12

التجاهل لروايات المسح

قد تجاهل ابن كثير ومن تبعه روايات المسح وقال:

قد خالف الروافض في ذلك(غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل وضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر.(1)

وكأنّه لم يمعن النظر في الآية الكريمة ونصوع دلالتها على لزوم المسح، وكأنّه لم يقف على تلك الأحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر على الغَسْل ، أو


1- تفسير القرآن العظيم:2/518.


(76)

وقف عليها ولم يتأمّل فيها.

وقد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلاً: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، ورووا في المسح خبراً ضعيفاً شاذّاً.(1)

وكذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:

ولا حجّة لهم في دعوى المسح إلاّ بما روي عن علي ـ كرم اللّه تعالى وجهه ـ (انّه مسح(2) وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً).(3)

ولو كان البروسوي والآلوسي معذورين في هذا العزو، وأنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات


1- تفسير روح البيان:2/351.
2- كذا في المصدر، والصحيح: غسل.
3- روح المعاني:6/87.


(77)

الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلابدّ أن نقول إنّه مستفيض.

أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلاّ الأخذ بما يوافق الكتاب، وتأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه بأن يقال: كان يغسل في فترة بعد البعثة لكن نسخته الآية المباركة أو غير ذلك من المحامل.

(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم).(1)


1- الإسراء: 36 .


(78)

13

أسماء أعلام الصحابة والتابعين

القائلين بالمسح

قد تعرّفت على الروايات الدالّة على لزوم المسح في الوضوء، وقد رواها أعلام الصحابة والتابعين ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

ولأجل إيقاف القارئ على أسمائهم وشيء من مكانتهم في النقل نذكر أسماءهم مع الإيعاز إلى ترجمتهم على وجه الإيجاز مرفقةً برقم حديثهم. ليقف القارئ على أنّ القائلين به هم جبهة الصحابة والتابعين وسنام الثقات:

1. الإمام علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وانّه ـ عليه السَّلام ـ قال: لو


(79)

كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، لكن رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مسح ظاهرهما. (أُنظر الحديث 6).

2. الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني: شقّه، فعَلِمَ أصله وخفيه(1) (أُنظر الحديث21).

3ـ بسر بن سعيد، الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي، حدّث عن عثمان بن عفان، وثّقه: يحيى بن معين والنسائي، قال محمد بن سعد: كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث.(2) (أُنظر الحديث 1).


1- تذكرة الحفاظ: 1/124، تهذيب التهذيب: 9/350، حلية الأولياء: 3/180، شذرات الذهب: 1/149، الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/149.
2- الذهبي: سير أعلام النبلاء: 4/594.


(80)

4. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان: يروي عنه (أُنظر الحديث 2 ) وكان من أهل الوجاهة، ذكره ابن حبان في الثقات.(1)

5. عثمان بن عفان، وقد تقدم في الحديث (1 و 2) انّه كان يتوضأ ويمسح على رجليه ويقول: هذا وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

6. أبو مطر ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه الحجاج بن أرطأة.(2)(أُنظر الحديث 4) .

7. عبد اللّه بن زيد المازني صاحب حديث الوضوء عن فضلاء الصحابة يعرف بابن أُم عمارة(3). ذكره ابن حبان في الثقات (4). (أُنظر الحديث 3).

8. النزال بن سبرة الهلالي الكوفي، روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعلي ـ عليه السَّلام ـ (أُنظر الحديث 30) وعثمان وأبي بكر وابن


1- ابن حبان: الثقات: 4/179.
2- الثقات: 7/664.
3- سير أعلام النبلاء: 2/377.
4- الثقات: 3/223.


(81)

مسعود، وقال العجلي: كوفي تابعي، ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات.(1)

9. عبد خير بن يزيد، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات التابعين و جزم بصحبته عبد الصمد بن سعيد الحمصي في كتاب الصحابة.(2) (أُنظر الحديث 6).

10. عباد بن تميم بن غزية الأنصاري الخزرجي المازني: روى عن أبيه وعن عمه عبد اللّه بن زيد وعن عويمر بن سعد، وثّقه: العجلي والنسائي وغيرهما، وحديثه في الصحيحين (البخاري ومسلم)(3) وذكره ابن حبان في الثقات(4) . (أُنظر الحديث 5 ، 10).

11. عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، وكان يسمّى البحر لسعة علمه، و يسمّى


1- تهذيب التهذيب: 10/423; البخاري: التاريخ الكبير: 8/117.
2- تهذيب التهذيب: 6/124.
3- الاصابة: 4/23.
4- الثقات: 5/141.


(82)

حبر الأُمّة. وقال عبد اللّه بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وقال: ما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ منه، ولا أفقه في رأي عنه، ولا أعلم بتفسير القرآن منه(1) . (أُنظر الحديث 13، 19).

12. أوس بن أبي أوس الثقفي: روى له أصحاب السنن الأربعة، أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه(2) . (أُنظر الحديث 11).

13. الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد، هو الإمام الحافظ الفقيه المتقي استاذ أبي حنيفة و شيخه. قال أحمد بن حنبل، والعجلي: مرسل الشعبي صحيح، لأنّه لا يكاد يرسل إلاّ صحيحاً. و قال ابن عيينة: العلماء ثلاثة: ابن عبـاس فـي زمانـه، والشعبي في زمانه، والثوري فـي


1- أُسد الغابة: 3/192 ـ 195.
2- الاصابة: 1/92.


(83)

زمانه(1). (أُنظر الحديث 22، 23 ، 24، 28).

14. عكرمة: أبو عبد اللّه المدني مولى ابن عباس، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة.(2) (أُنظر الحديث 25، 20).

15. رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي، شهد بدراً. وروى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مات في أوّل خلافة معاوية.(3) ذكره ابن حبان في الثقات.(4) (أُنظر الحديث 7، 12).


1- تذكرة الحفّاظ: 1/79، تهذيب التهذيب: 5/65، حلية الأولياء للاصبهاني: 4/310، شذرات الذهب: 1/126، طبقات الحفاظ: 43.
2- تهذيب التهذيب: 7/293، تذكرة الحفاظ: 1/95، تهذيب الأسماء: 1/340.
3- تهذيب التهذيب: 3/281.
4- الثقات: 4/240.


(84)

16. عروة بن الزبير بن العوام القرشي أخو عبد اللّه بن الزبير، فقيه عالم، وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم، ذكره ابن حبان في الثقات.(1) (أُنظر الحديث 14).

17. قتادة بن عزيز الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه المفسر. قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ . وأطنب في ذكره . وكان أحفظ أهل البصرة، مات بواسط في الطاعون سنة 118هـ.(2) وذكره ابن حبان في الثقات(3) . (أُنظر الحديث 26).

18. أنس بن مالك بن النضر خادم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،


1- الثقات: 5/194 ـ 195، تذكرة الحفّاظ: 1/92، تهذيب التهذيب: 7/180.
2- تذكرة الحفّاظ: 1/122 ـ 124.
3- الثقات: 5/321، البداية والنهاية لابن كثير: 9/313، تهذيب الأسماء: 2/57، تهذيب التهذيب: 8/337.


(85)

قدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المدينة وهو ابن عشر سنين، وتوفي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو ابن عشرين سنة، انتقل إلى البصرة وتوفي بها عام 91 هـ.(1) (أُنظر الحديث 18).

19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه مكحول وحميد الطويل.(2) (أُنظر الحديث 27).

20. حصين بن جندب الكوفي الجنبي (أبو ظبيان الكوفي) يروي عن علي بن أبي طالب وسلمان، روى عنه: إبراهيم والأعمش، مات سنة 56 هـ، ذكره ابن حبان في الثقات.(3) (أُنظر الحديث 31).

21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، يروي عن: أبي ذر وأبي الدرداء، روى عنه أهل الشام،


1- الثقات: 2/4، أُسد الغابة: 1/84، تذكرة الحفاظ: 1/44، شذرات الذهب: 1/100 .
2- الثقات: 5/401.
3- المصدر السابق: 4/156.


(86)

كنيته أبو عبد الرحمن، مات سنة 80 هـ بالشام، ذكره ابن حبان في الثقات.(1) (أُنظر الحديث 15).

22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد اللّه الكوفي، قال العجلي: وكان رجلاً صالحاً ثقة ثبتاً وكان طحاناً. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان. مات سنة 146 هـ . (2) (أُنظر الحديث 29).

23. تميم بن زيد المازني، أبو عباد الأنصاري من بني النجّار، له صحبة، وحديثه عند ولده.(3) (أُنظر الحديث 5، 10).

24. عطاء القداحي، يروي عن عبد اللّه بن عمر، و


1- الثقات 4/111، تذكرة الحفاظ: 1/52، تهذيب التهذيب: 2/64، شذرات الذهب : 1/88.
2- تذكرة الحفاظ: 1/153، تهذيب التهذيب: 1/291، العبر: 1/203.
3- الثقات: 3/41.


(87)

روى عنه: عروة بن قيس، والد يعلى بن عطاء، ذكره ابن حبان في الثقات.(1) (أُنظر الحديث 11).

25. أبو مالك الأشعري: الحارث بن الحارث الأشعري الشامي الصحابي، روى عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعنه أبو سلام الأسود. يكنى أبا مالك، طعن أبو مالك الأشعري وأبو عبيدة بن الجراح في يوم واحد، وتوفي في خلافة عمر.(2) (أُنظر الحديث 9).

وإن تعجب فعجبٌ قول الشوكاني، حيث يقول: لم يثبت من أحد من الصحابة خلاف ذلك (أي الغسل) إلاّ علي وابن عباس وأنس.(3)

غير انّ اعتقاده بالغسل عاقه عن الفحص والتتبّع في السنن والمسانيد.


1- الثقات: 5/202.
2- تهذيب التهذيب: 2/136 و 12/218.
3- الشوكاني: نيل الأوطار: 1/163.


(88)

14

وضوء النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

عن لسان أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

إنّ أئمّة أهل البيت هم المرجع الثاني للمسلمين بعد كتاب اللّه فيما اختلفوا فيه، فإنّهم حفظة سنن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعيبة علمه، فقد نصّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على ذلك في حديث الثقلين الذي اتّفق المسلمون على نقله وصحته وقال:

«إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي».(1)


1- حديث متّفق عليه رواه أصحاب الصحاح والمسانيد.   
ـ أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم وهو الحديث 873 من أحاديث كنز العمال: 1/173.
   ـ أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت في الجزء الخامس من مسنده: 492.   
 ـ أخرجه الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت أيضاً وهو الحديث 873 من أحاديث الكنز: 1/173.  
 ـ أخرجه الحاكم في الجزء الثالث من المستدرك: 148، ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين . 
  ـ أخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك: 3/148. معترفاً بصحته على شرط الشيخين . 
  ـ أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري في الجزء الثالث من مسنده: 394، الحديث 10747.   
ـ أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز: 1/186. 
  ـ أخرجه ابن حجر في أواخر الفصل 2 من الباب 9 من الصواعق المحرقة: 75.


(89)

فإذا كانت هذه مكانة أهل البيت، فلنرجع إليهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإنّهم ارتشفوا من عذب معين، وحفظوا سنةّ الرسول بنقل كابر عن كابر، وإليك ما رووه:

1. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وأبي داود


(90)

جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: إنّ أبي كان يقول: إنّ للوضوء حدّاً من تعدّاه لم يؤجر، وكان أبي يقول: إنّما يتلدّد، فقال له رجل: وما حدّه؟ قال: تغسل وجهك ويديك، وتمسح رأسك ورجليك.(1)

2. علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل ابن شاذان جميعاً، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟» فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء، ثم وضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفّه اليمنى، ثم قال: هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة، ثم غرف فملأها ماءً فوضعها على جبينه، ثم قال: «بسم اللّه» وسدله على أطراف لحيته، ثم أمرّ يده على وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها،


1- الكليني: الكافي: ج 3، كتاب الطهارة، باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء والغسل ومن تعدّى في الوضوء، الحديث 3.


(91)

ثم وضعه على مرفقه اليمنى وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم غرف بيمينه ملأها، فوضعه على مرفقه اليسرى، وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه .

قال: وقال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى»، قال زرارة: قال أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «سأل رجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عن وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فحكى له مثل ذلك».(1)

3. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة وبكير أنّهما سألا أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ


1- الكليني: الكافي: ج3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 4.


(92)

عن وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه، ثم غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه، لم يحدث لهما ماءً جديداً، ثم قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك، قال: ثم قال:إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول:

(يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمتُم إلى الصلاةِ فاغسِلُوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم)) .(1)

فليس له أن يدع شيئاً من يديه إلى المرفقين إلاّ غسله، لأنّ اللّه يقول: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) ثم قال: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى )


1- المائدة: 6.


(93)

الكعبين) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.

قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: ههنا، يعني: المفصل دون عظم الساق، فقلنا: هذا ما هو؟

فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك.

فقلنا: أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كلّه(1).

4. عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي ابن الحكم، عن داود بن النعمان، عن أبي أيوب، عن بكير ابن أعين، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فأخذ بكفّه اليمنى كفّاً من ماء فغسل به


1- الكليني: الكافي: ج3، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 5.


(94)

وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفّاً من ماء فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفّاً من ماء فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه.(1)

(إِنّما يُريد اللّه ليذهبَ عَنكُمُ الرِّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً). (2)


1- المصدر نفسه: الحديث 2.
2- الأحزاب:33.


(95)

خاتمة المطاف

الآن حصحص الحق

لقد بانت الحقيقة وظهرت بأجلى مظاهرها وذلك بالأُمور التالية:

1. تصريح الكتاب بمسح الأرجل وأنّ غسلها لا يوافق القرآن الكريم.

2. إِنّ لفيفاً من أعلام الصحابة وسنامها ـ الذين هم عيبة السنّة وحفظة الآثار ـ كانوا يمسحون ويُنكرون الغسل أشدّ الإنكار، وقد وقفت على رواياتهم الكثيرة البالغة حدّ التضافر.

3. انّ أئمّة أهل البيت، وفيهم: الإمامان الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ بيّنوا وضوء رسول اللّه، وانّه كان يمسح


(96)

الأرجل بدل غسلها، وقد مرت كلماتهم.

4. إِنّ ما دلّ على غسل الأرجل ففيه الصحيح، والضعيف ، بل الضعاف أكثر من الصحاح، فعلى الفقيه معالجة تعارض الروايات الدالّة على الغسل، بعرضها على الكتاب أوّلاً وعلى السنّة الدالة على المسح ثانياً.

5. إِنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالأخذ بأقوال العترة حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي» فالتمسّك بأقوالهم وأحاديثهم امتثال لقول الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو لا يصدر إلاّ عن الحق، فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلالة، ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول .

مضافاً إلى أنّ علياً . باب علم النبيّ . هو المعروف بالقول بالمسح، ويقول الرازي في الاقتداء بعليّ: «ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل


(97)

عليـه قولـه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اللّهمّ أدر الحق مـع علي حيث دار» (1).

6. إذا كان الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلّتها الشرعيّة فلماذا اختصّت هذه النعمة الكبرى بالأئمّة الأربعة دون سواهم، وكيف صار السلف أولى بها من الخلف؟!

هذا ونظيره يقتضي لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه والإمعان في عطاء الكتاب والسنّة في حكم هذه المسألة ونظائرها ممّا ستمرّ عليك في هذه السلسلة متجرداً عن قول الأئمّة الأربعة ونظرائهم.

إِنّ الاجتهاد رمز خلود الدين وصلاحيّته للظروف والبيئات وليس من البدع المحدثة، بل كان مفتوحاً منذ زمن النبيّ وبعد وفاته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد أُغلق لأُمور سياسية عام 665 هـ .


1- الرازي: مفاتيح الغيب: 1/111.


(98)

قال المقريزي في بدء انحصار المذاهب في أربعة: فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 هـ حتى لم يبق في مجموع أقطار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وانكر عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلِّداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم عداها، والعمل على هذا إلى اليوم. (1)

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


1- راجع الخطط المقريزية: 2/333 ـ 344.

Website Security Test