\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : التقيّة مفهومها، حدّها، دليلها*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التقيّة مفهومها، حدّها، دليلها

23

التقيّة
مفهومها، حدّها، دليلها

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(6)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(7)

التقيّة

من المفاهيم الإسلامية السامية

تُعدّ التقية من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، المنسجمة مع حكم العقل، وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدسة وسماحتها، وضرورات العمل الإسلامي، وقد وردت في القرآن الكريم، وأكّدتها السنة الشريفة، وآمن بمشروعيتها علماء المسلمين.

ولا ريب في أنّ الشيعة ـ و بحكم الظروف العصيبة التي حاقت بهم على امتداد فترات تاريخية طويلة ـ اشتهروا بالعمل بالتقية، واللّياذ بظلها كلما اشتدت عليهم وطأة القهر والظلم.

وقد سعى الصائدون في الماء العكر من حُكّام الجور والمغرضين والمتعصّبين إلى استغلال هذا الأمر، وذرّ الرماد في العيون من خلال إيجاد تصوّرات وأوهام باطلة، وغرسها في أذهان


(8)

الناس، بدعوى أنّ التقية عند الشيعة ضرب من النفاق والخداع والتموية، وأنّها تجعل منهم منظّمة سرية غايتها الالتفاف على الإسلام وتشويه صورته وتهديم أركانه.

إنّ العمل بالتقية والاحتراز عن الإفصاح عن المبادئ والأفكار لا يعنيان أبداً أنّ للشيعة أسراراً وطلاسم يتداولونها بينهم، ولا يتيحون للآخرين فرصة الاطلاع عليها ومعرفتها،ولا يعنيان أيضاً أنّ لهم نوايا عدوانية ضدّ الإسلام وأهله، وإنّما يتعلّق الأمر كلّه بإرهاب فكري وسياسي مُورس ضدهم، وجرائم وحشية ارتكبت بحقهم، ألجاتهم إلى اتخاذ التكتّم والاحتراز أسلوباً لصيانة النفوس والأعراض والمحافظة عليها. ونحن إذا نظرنا إليهم في بعض العهود التي استطاعوا أن يتنفسوا فيها نسائم الحرية، نجد كيف أنّهم بادروا وبنشاط إلى نشر أفكارهم وآرائهم وبثّ مبادئهم وتعاليمهم، وكيف أنّهم ساهموا ـ مع إخوانهم من سائر المذاهب والطوائف ـ في صنع حضارة الإسلام الخالدة.

وإذا كان الانصاف يدعو إلى تبرير موقف ضحايا القمع والاستبداد بالالتجاء إلى حمى التقية لضمان السلامة والتوقّي من


(9)

الشر المستطير... وإذا كان الضمير الحي يدعو إلى مواساة هؤلاء المظلومين الذين تُحصى عليهم أنفاسهم ويعانون أفانين الضغط والإكراه، وأشكال التضييق والمحاربة، فإنّ شيئاً من هذا ولا ذاك لم يحصل، بل حصل العكس، إذ عمد الكثير من أهل السنّة والجماعة ـ و مع الأسف ـ إلى الإغضاء عن الجزّارين أو معاضدتهم، وإلى التنديد بالضحايا والتشهير بهم!!

وأخيراً، نحن نعتقد أنّ العمل بالتقية أمر لا مفرّ منه، وأنّ مجانبتها تماماً وفـي كلّ الأحوال والعصـور أمـر لا واقع ولا حقيقـة لـه. وأنت إذا رميت ببصرك إلـى بعض الشعوب التي تحكمها أنظمة قمعية استبدادية، لوجدت أنّها ـ و فيها من هم مـن أهـل السنـّة ـ تتجنّب الإعلان عـن آرائها وأهـدافها جهـرةً، و تسكت عمّا يُمارس بين ظهرانيها من أعمال منافية للإسلام، وما ذلك إلاّ خوفاً من البطش والقتل والأذى الذي سيصيبها لو أنّها نطقت بما يخالف إرادة المستبدين.

وهذه الرسالة المتواضعة، ستميط الستر عن وجه الحقيقة وتثبت ، انّ التقية ثمرة البيئة التي صودرت فيها الحريات، ولو كان


(10)

هناك لومٌ وانتقاد، فالأجدر أن نتوجه بهما إلى من حمل المستضعفين على التقية، لا أنفسهم.

وستتضح للقارئ في غضون هذه الرسالة، انّ التقيّة من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفسَ من يمتُّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل (2) ، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً (لغة و اصطلاحاً)، و تاريخاً وغايةً ودليلاً وحدّاً، حتى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.

وتحقيق المسألة يتم ببيان أُمور:


1 . القصص: 20.
2 . النحل: 106.


(11)

1

التقية لغة

التقية اسم مصدر لـ«إتقى يتقي» و أصل اتقى: إوتقى فقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، ثمّ أُبدلت تاءً وادغمت وقد تكرر ذكر الاتقاء في الحديث ومنه حديث علي: «كنّا إذا احمّر البأس اتقينا برسول اللّه»، أي جعلناه وقاية لنا من العدو.(1)

وقد أخذ «اتقى» من وقي الشيء، يقيه إذا صانه، قال اللّه تعالى: (فَوقاهُ اللّهُ سيّئاتِ ما مَكَرُوا)(2) أي حماه منهم فلم يضرّه مكرهم.

وربما تستعمل مكان التقية لفظة «التُّقاة» قال سبحانه: (لا يَتّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ )


1 . النهاية: مادة وقي.
2 . غافر:45.


(12)

المؤمِنينَ ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شيْء إلاّ أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاة).(1)

قرأ الأكثر «تقاة» إلاّ يعقوب فقرأ «تقيّة» وكلاهما مصدر لفعل اتقى«فتقاة، أصله «وقية» أبدلت الواو تاءً كما أبدلوها في تُجاة وتكاة وانقلبت الياء الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على وزن فُعل كتؤدد وتخمة.(2)


1 . آل عمران:28.
2 . عن تعليق أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية:5/423.


(13)

2

التقية اصطلاحاً

التقية كما عرّفها السرخسي هي أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان ما يضمر خلافه.(1)

وقال ابن حجر: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير.(2)

وعرفها صاحب المنار بأنّها ما يقال أو يفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر.(3)

وعرفها الشيخ محمد أبو زهرة بأنّها أن يخفي الشخص ما يعتقد دفعاً للأذى.(4)


1 . المبسوط للسرخسي: 25/45.
2 . فتح الباري:12/314، ط المكتبة السلفية.
3 . تفسير المنار:3/280.
4 . محمد أبو زهرة: الإمام الصادق:255.


(14)

والتعريف الثالث أشمل من الرابع لاختصاص الأخير بالعقيدة وعمومية الآخر لها وللفعل.

وأمّا الشيعة فقد عرّفها الشيخ المفيد بقوله: التقية كتمان الحقّ وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا.

وفُرض ذلك، إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحقّ ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية.(1)

وعرفها الشيخ الأنصاري بقوله: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.(2)


1 . شرح عقائد الصدوق:66، ط تبريز.
2 . رسالة التقية للشيخ الأنصاري:37.


(15)

3

التقية تاريخيَّاً

ربما يتصوّر لأول وهلة انّ للتقية مبدأً تاريخياً ظهر في المجتمع الإنساني، ولكن هذا التصور يجانب الحقّ، فظاهرةُ التقية زامنت وجود الإنسان على هذا الكوكب يوم برز بين البشر القويّ و الضعيف، وصادر الأوّل حريات الثاني ولم يسمح له بإبداء ما يضمره عن طريق القول والفعل.

فظهور التقية في المجتمع البشري إذن، كان تعبيراً عن مصادرة الحريات، وسلاحاً لم يجد الضعيف بدّاً من الجوء إليه للدفاع عن نفسه وعرضه وماله.

1. التقيّة في عصر الكليم

وأظهر مورد تبنّاه القرآن الكريم في هذا الصدد هو


(16)

مؤمن آل فرعون، يقول اللّه تعالى:

(وَقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ يكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّي اللّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّنات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادِقاً يُصِبكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُم إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).(1)

وكانت عاقبة أمره أن(فَوقاهُ اللّه سيّئاتِ ما مَكَرُوا وحَاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذاب).(2)

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتعميته، استطاع أن ينجّي نبيَّ اللّه من القتل كما يحكيه سبحانه عنه ويقول: (قالَ يا مُوسى إِنَّ المَلأَ يَأتمِرُونَ بِكَ لَيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِين).(3)

نقل الثعلبي عن السدي و مقاتل انّ مؤمن آل فرعون كان ابن عم فرعون و هو الذي أخبر اللّه تعالى عنه فقال: (وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى).(4)


1 . غافر: