welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء

الخمس
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

شرح استدلالي مقارن على كتاب الخمس من العروة الوثقة بأسلوب موجز

تأليف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(4)

«وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ»

الأنفال: 41


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عباد اللّه الصالحين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.

أمّا بعد; فإنّ هذه الصحائف تحتوي لبّ ما ألقيته من محاضرات على ثُلّة من الأفاضل وجملة من روّاد العلم وطلاّب الفقه، عند دراسة أحكام الخمس على ضوء كتاب: «العروة الوثقى» لسيد الطائفة السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي قدَّس سرَّه ، فأرجو أن ينتفع بها الإخوان الكرام إن شاء اللّه تعالى.

وبما أنّ الخمس هو أحد الحقوق المالية في الإسلام فلا بأس بالبحث إجمالاً في أصناف الأموال التي تتولاّها أئمة المسلمين، والتي تعدّ عماداً للحكومة الإسلامية وسنادها، وقد وردت أُصولها في الكتاب العزيز و السنّة الشريفة وفصّلها فقهاؤنا في كتبهم ـ رضوان اللّه عليهم ـ نذكرها في المقام تمهيداً للبحوث الآتية، وردّاً على من يزعم أنّ الشريعة الإسلامية تعتمد في إدارة البلاد على مجرّد الخمسوالزكاة، ولا يمكن لأيّ حكومة أن تسدّ نفقاتها الهائلة بالفريضتين المحدودتين.(1)

والإشكال نابع من عدم الاطّلاع على المنابع المالية للحكومة الإسلامية، وفيما يأتي عرض موجز لقائمة المنابع المالية للدولة الإسلامية.


1 . لاحظ مفاهيم القرآن: 2/569 ـ 588.


(6)

تمهيد

المنابع المالية للحكومة الإسلامية

إنّ المنابع المالية للحكومة الإسلامية التي بها تستطيع القيام بالوظائف الملقاة على عاتقها عدّة أُمور:

1. الأنفال

وهي كلّ أرض ملكت بغير قتال، والموات، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية، والآجام والغابات (إذا لم تكن لمالك خاصّ تبعاً للأرض ولو بالإحياء)، وميراث من لا وارث له، وما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، و المياه، والأحراش الطبيعية، والمراتع التي ليست حريماً لأحد، وقطائع الملوك، وضياعهم غير المغصوبة، فذلك كلّه أمره بيد الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وفي غيبته بيد المجتهد الجامع للشرائط إذا كان مبسوط اليد أو مطلقاً، فيتصرّف فيها في إطار المصالح العامّة،وتصرف عوائدها في مصالح المسلمين وشؤونهم، وقد وردت في هذا الصدد آيات وروايات عديدة، ولإيقاف القارئ على مقدار ما تشكّل هذه المصادر الطبيعية من ثروة، نقول: إنّ إيران وحدها تمتلك 19 ميليون هكتاراً من الغابات الغنيّة بالأخشاب التي قدرت بـ300ميليون متر مكعب من الخشب ذي النوعية


(7)

العالية، هذا مضافاً إلى ما تعطيه أشجار الغابات من الثمار والمواد الخام التصنيعية والكيماوية التي تشكّل ثروة طبيعية هائلة ومورداً ماليّاً ضخماً.

هذا ويكفي أن نعلم أنّ العالم الإسلامي ينتج 66% من مجموع ما أنتجه العالم من الزيت الخام (النفط) وحده، وينتج 70% ممّا ينتجه العالم من المطاط(1) الطبيعي، و40% ممّا ينتجه العالم من الجوت الطبيعي، و 56% من زيت النخيل، ويوجد لدى المسلمين معادن عظيمة للحديد والنحاس، حتى اليورانيوم الذي أصبح ثميناً للغاية.(2)

2. الزكاة

وهي ضريبة تجب في تسعة أشياء: الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم; والنقدين، وهما: الذهب والفضة; والغلاّت، وهي: الحنطة والشعير والتمر والزبيب.(3)

3. زكاة الفطرة

وتسمّى بزكاة الأبدان، وهي: التي تجب على كلّ مسلم في عيد الفطر، ومقدارها مذكور في كتب الفقه.

4. الخراج والمقاسمة

وهما ضريبتان مضروبتان على من يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال، وسبب ذلك أنّ هذه الأراضي ليست للمقاتلين، بل هي ملك للمسلمين


1 . هو المادة المرنة المعروفة بالكاو تشوك.
2 . كتاب الأنفال والثروات العامة.
3 . وهناك آراء ومذاهب أُخر فيما تتعلّق به الزكاة. لاحظ الفقه على المذاهب الخمسة.


(8)

إلى يوم القيامة، فتصرف عوائدها في مصالحهم بعد أن يكون للعامل فيها حصّة إزاء عمله.

فالخراج، عبارة عن الضريبة المالية النقدية على الأرض، مثل أن يدفع العامل عليها عشرة دنانير سنوياً على كلّ جريب.

والمقاسمة، عبارة عن: الشركة في حاصل الأرض الخراجية بالكسر المشاع، كأن يكون عُشر حاصلاتها للدولة.

5. الجزية

وهي الضريبة العادلة المفروضة على أهل الذمّة على رؤوسهم أو أراضيهم إذا قاموا بشرائط الذمّة المقرّرة في موضعها.

6. الخمس

ويجب في سبعة أشياء أو أكثر كما سيوافيك.

الأوّل: الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة.

الثاني: المعادن من الفضّة والرصاص والصفر والحديد والياقوت والزبرجد وغيرها، إلى غير ذلك من الموارد التي ستوافيك في الكتاب.

7. المظالم

وهي ما يتعلّق بذمّة الإنسان بتعدّ أو تفريط أو إتلاف في مال الغير إذا لميعرف صاحبها، فتحوزها الحكومة الإسلامية وتصرفها في المصارف المقرّرة لها.


(9)

8. الكفّارات

مثل كفّارة قتل العمد، والخطأ، ومخالفة النذر، والعهد، و اليمين،وما يتعلّق بذمّة الإنسان في الحجّ; فللحاكم الإسلامي أن يتولّـى أمرها بدلاً عن صاحب الكفارة تصرفها في محالّها ويسدّ بذلك حاجة المسلمين.

9. اللقطة

وهي الضالّة من الأشياء ولم يعرف لها صاحب، فيجوز للحاكم الإسلامي التصرّف فيها حسب الشروط المقرّرة.

10. الأوقاف ونظائرها

الأوقاف، والوصايا، والنذور العامة، والقرابين التي يذبحها الحجاج في منى، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها وصرفها في مصالح المسلمين مطابقاً لنيّة الواقف والموصي والناذر.

11. الضرائب الموكولة إلى نظر الحاكم

هناك ضرائب ليس لها حدّ معيّن ولا زمان خاص، بل هي موكولة إلى نظر الحاكم الإسلامي يفترضها عند الحاجة، من عمران البلاد، أو جهاد في سبيل اللّه، أو سدّ عيلة الفقراء، أو غير ذلك، ممّا يحتاج إليه قوام العباد، والبلاد.

وهذا هو الذكر الحكيم يصف صاحب الرسالة والممثل الشرعي للحكومة بقوله:«النَّبِيُّ أَولى بِالْمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»(1) فهو أولى بهم من أموالهم يتصرّف


1 . الأحزاب:6.


(10)

فيها كيفما اقتضت المصلحة، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ يقول في عهده إلى مالك الأشتر حين ولاّه مصر: «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ـ إلى أن قال: ـ فربّما حدث من الأُمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد، احتملوه طيبة أنفسهم به، فإنّ العُمران محتمل ما حمّلته، وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها».(1)

فلو كان للخراج حدّ معيّن غير متجاوز عنه لما كان لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «احتملوه طيبة أنفسهم» وجه، فانّ معناه: إنّهم قبلوا ما طلبته من الناس بطيب خاطرهم فيعطونك كذلك، وأمّا المقدار اللازم فيجب عليهم دفعه سواء طابت أنفسهم أم لا.

أضف إلى ذلك قوله ـ عليه السَّلام ـ : «فانّ العمران محتمل ما حمّلته» فإنّه يدل على أنّ الوالي إذا عمّر البلاد وصارت عامرة وخصبه وغارقه في الخيرات والنعم، يمكن له أن يفرض عليهم الخراج إزاء ما عمّر.

روى محمّد بن مسلم وزرارة بن أعين، عن الباقر والصادق ـ عليهما السَّلام ـ قالا: «وضع أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ على الخيل العتاق الراعية في كلّ فرس في كلّ عام دينارين، وجعل على البراذين ديناراً».(2)

وفيما رواه الشيخ الأقدم محمّد بن الحسن الصفار (المتوفّى عام 290هـ) بإسناده عن علي بن مهزيار، دلالة على أنّ للإمام الصلاحية في تخفيف الضرائب


1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، الرسالة 53.
2 . الوسائل: الجزء 6، كتاب الزكاة، أبواب ما تجب فيه الزكاة وما تستحب فيه، الباب 16، الحديث 1. فقوله : وضع، يدل على ما ذكرنا من أنّ الحاكم الإسلامي له جعل الضرائب كلّما احتاجت مصلحة البلاد إلى ذلك.


(11)

الإسلامية أو تصعيدها، وبما أنّ الرواية طويلة يُرجى من القارئ الكريم الرجوع إلى مصدرها.(1)

وهذه وأمثالها من النصوص تدلّ على أنّ هناك قسماً من الضرائب التي ليس لها حدّ معيّن ، بل موكولة إلى نظر الحاكم.

12. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية

وللحكومة الإسلامية أن لا تكتفي بما يحصل لها من هذه الطرق بل يجوز لها باستخدام الصناعات الأُم والتجارات والتأمين والشركات الزراعية، وتوفير الطاقة، وإدارة شبكات الري، والمواصلات الجوّية والبحرية والبرّية، وغير ذلك من الخدمات، وهذه العوائد تكفي لميزانية الدولة الإسلامية في مختلف العصور والأجيال.

هذه نبذة موجزة من فهرس المنابع المالية للحكومة الإسلامية ذكرتها ردّاً لزعم بعض الجُدد من أنّ الحكومة الإسلامية لا تمتلك منابع مالية لإدارة المجتمع سوى زكاة الإبل والبقر والغنم أو خمس الغنائم والأرباح، أعاذنا اللّه من الكلام بغير علم، و الاستهزاء بالدين، ولنعطف عنان البحث إلى ما ذكره السيد الطباطبائي رحمه اللّه في العروة الوثقى من كتاب الخمس فنقول:


1 . الوسائل: الجزء 6، كتاب الخمس، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 8 ، الحديث 5.


(12)

كتاب الخمس

وهو من الفرائض، و قد جعلها اللّه تعالى لمحمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وذرّيته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم، و من منع منه درهماً أو أقلّ كان مندرجاً في الظالمين لهم، و الغاصبين لحقّهم، بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين.

ففي الخبر عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : ما أيسر ما يدخل به العبد النار؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «من أكل من مال اليتيم درهماً و نحن اليتيم».(1)

و عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه لا إله إلاّ هو حيث حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، و الخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال».(2)

وعن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : «لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».

وعن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول:


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2. وعبّر عن الأوّل بالخبر لوقوع أبي حمزة البطائني في سنده، وعبّر عن الثاني بقوله: «وعن الصادق» لكن في الوسائل: وقال الصادق; والتعبير الثاني دليل على إذعان الصدوق بصدور الحديث عن الإمام دون التعبير الأوّل. ولاحظ أيضاً الحديث 3، 4و 5 من هذا الباب.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2. وعبّر عن الأوّل بالخبر لوقوع أبي حمزة البطائني في سنده، وعبّر عن الثاني بقوله: «وعن الصادق» لكن في الوسائل: وقال الصادق; والتعبير الثاني دليل على إذعان الصدوق بصدور الحديث عن الإمام دون التعبير الأوّل. ولاحظ أيضاً الحديث 3، 4و 5 من هذا الباب.


(13)

«يا ربّ اشتريته بمالي» حتّى يأذن له أهل الخمس».(1)(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أقول: توضيح ما ذكره يتمّ ببيان أُمور:

1. الخمس في الكتب الفقهية

قد اعتنى أصحابنا الإمامية بالبحث عن الخمس، وموارده، ومصارفه، وقد أفرده كثير منهم بالتأليف، وألّفوا رسائل مستقلّة تقف عليها إذا راجعت الفهارس كفهرس الشيخ والنجاشي ومنتجب الدين،وقلّما يتّفق لفقيه أن يؤلّف عدّة كتب في الفقه إلاّ وله كتاب في الخمس، كلّ ذلك على خلاف ما صنعه فقهاء العامّة حيث لم يفردوه بالتأليف ولا بالعنوان أيضاً، بل أدرجوا البحث فيه في كتاب الجهاد عند البحث عن الفيء والغنائم، كما أدرجوا البحث عن أحكام المعادن والركاز ـ مع القول بالتخميس فيهما ـ في كتاب الزكاة، مع أنّ مصرف الخمس في هذه الموارد غير مصرف الزكاة حسب آراء الحنفية.

وأحسن كتاب لهم في هذا الباب كتاب «الأموال» للحافظ أبي عبيد (المتوفّى عام 255هـ) ففيه بُغية الطالب، وهو يكشف الغطاءعن كثير من المسائل المبهمة، ويؤيد نظرية الإمامية في بعض الموارد، فللباحث عن الضرائب المالية مراجعة ذلك الكتاب ونظائره.

غير أنّ شيخ الطائفة لم يُفرِّد للخمس كتاباً في كتاب الخلاف، بل أدرج كثيراً من مسائله في كتاب الجهاد والفيء والزكاة ،وذلك تحفّظاً على النظام الدائر بين أهل السنّة، لأنّ الغاية من تأليف ذلك الكتاب هي التركيز على القول بأنّ الهوّة المزعومة بين فقهي الشيعة والسنّة زعم لا أساس له، ولذلك راعى النظم المألوف


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 10، وهو مرسل العياشي. والعجب أنّه تمسّك بالمرسل وترك المسانيد في الباب الأوّل ولعلّ فيه نكتة.


(14)

في كتبهم، وأثبت بفضل اطّلاعه أنّه ما من مسألة فقهية إلاّ وللشيعة فيها موافق من الصحابة والتابعين أو سائر الفقهاء إلاّ الشاذ النادر.

2. الخمس فريضة و حقّ مالي لأصحابه

الخمس فريضة كسائر الفرائض بالأدلّة الثلاثة، وحقّ مالي لأصحابه كما هو صريح الآية: «فأنّ للّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ وَلِذي القُربى»(1) «واللام» آية التملّك، وهو ملك لهم، لا لأشخاصهم بما هم مؤمنون، بل بما هم أئمّة وولاة، فالمالك في الحقيقة هو جهة الإمامة كما يأتي بيانه، وبه صرّح الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ في روايته، روى الصدوق بإسناده، عن أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ : إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتابِ اللّه وسنّة نبيّه».(2)

وعلى كلّ تقدير فالخمس حقّ مالي فرضه اللّه سبحانه على عباده في موارد خاصة، لنفسه، ونبيّه، وذريّته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، عوضاً عن الصدقات إكراماً لهم كما في الحديث، وسيوافيك سرّ هذا التشريع وفلسفته عند البحث في قسمة الخمس فانتظر.

وتعلّق سهم من الخمس به سبحانه لا ينافي غناه، لأعمية ملاك التشريع من الحاجة، كيف، وقد جعل أمر سهمه بيد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليصرفه في مصالح الدين، ونظير ذلك قوله سبحانه: «إِنْ تُقْرِضُوا اللّه قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ وَاللّهُ شَكُورٌ حَلِيم».(3)


1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.
3 . التغابن:17.


(15)

3. حكم منكر الخمس

لا شكّ أنّ وجوب الخمس كوجوب الزكاة على وجه الإجمال من الضروريات التي يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة المحمّدية، فيعدّ منكره كافراً مرتداً عن الفطرة أو الملّة، وأمّا تفاصيل الحكمين فمن ضروريات الفقه والدين.

توضيح ذلك: أنّ الضروريات على قسمين، قسم يرجع إنكاره إلى إنكار الرسالة في نظر الناس أو نظر المنكر على ما هو الأقوى (في الارتداد وهو الملازمة بين الإنكارين في نظر المنكر لا الناس) ، فهذا ممّا لا شكّ في كونه سبباً للارتداد.

وهناك قسم آخر ليس له هذا الشأن لعدم وضوحه كوضوح القسم الأوّل، وهذا يُعدّ من ضروريات الفقه.

فتفاصيل أحكام الخمس والزكاة من ضروريات الفقه التي لا يخرج منكرها عن ربقة الإسلام، لا من ضروريات الدين، كما أنّ الاعتقاد بولادة المهدي ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ وحياته من ضروريات مذهب التشيّع لا من ضروريات الإسلام، فإنكار ولادته وحياته مخرج للمنكر عن زمرة هذه الطائفة، لا من زمرة المسلمين، ولكلّ حكمه، فلا تختلط.

والحاصل : أنّ أصل الخمس ممّا عرفته الأُمّة من زمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فهو يعد من صلب الدين، وأمّا شعبه وفروعه وأنّه في الموارد السبعة كما عليه فقهاء الشيعة، أو في خصوص الغنائم الحربية، أو بضميمة المعادن والرّكاز، فليست من ضروريات الدين التي يرجع إنكارها إلى إنكار الرسالة، وليست الملازمة بين إنكار هذه الفروع وإنكار الرسالة المحمّدية على حدّ ينتقل من إنكارها إلى نفي الرسالة، بخلاف إنكار وجوب الصلاة والصوم، الذي يلازم إنكار رسالة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند المسلمين.


(16)

1
فصل فيما يجب فيه الخمس

وهو سبعة أشياء: (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) أقول: لا دليل على الحصر إلاّ الاستقراء، نعم ورد في صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول:« ليس الخمسُ إلاّ في الغنائم خاصة» وذكر صاحب الوسائل فيه وجهين:

1. المراد ليس الخمس الواجب بظاهر القرآن إلاّ في الغنائم، فانّ وجوبه فيما سواها إنّما ثبت بالسنّة.

2. المراد جميع الأصناف التي يجب فيه الخمس بحملها على مطلق ما يُظفرُ عليه(1) والأوّل خلاف الظاهر، و الثاني هو المتعيّن.

كما أنّ عدّه سبعة لا يخلو عن تأمّل، لعدم دخول أخذ العنبر من سطح البحر في الغوص، فلو قلنا بوجوب الخمس فيه تكون الأصناف ثمانية، كما أنّ عدّالملاّحة(بفتح الميم وتشديد اللام ما يخلق فيه الملح) من المعادن لا يخلو من غموض، خصوصاً إذا أخذ الملح من ساحل البحر، وعليه تكون الأصناف تسعة.

وفي مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح ـ عليه السَّلام ـ قال: الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن، والملاحة.(2) فقد عدّ


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 و 4.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 و 4.


(17)

الملاحة في مقابل المعدن.

وفي المقنع قال: روى محمد بن أبي عمير، أنّ الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة. ونسى ابن أبي عمير الخامسة(1) .

لعلّ المنسي هو الملاحة الواردة في المرسلة، أو الأرض المشتراة من المسلم، أو الحلال المختلط بالحرام.

والحقّ دخول الجميع تحت الغنائم، إلاّ الأرض المشتراة، وإلاّ الحلال المختلط بالحرام، لخروجهما عن تحت ذلك العنوان، و على كلّ تقدير فالمتّبع في وجوب الخمس هو الدليل، بلغ موارده إلى السبعة أو تجاوز عنها.

ثمّ إنّ أساس الخمس هو الكتاب العزيز، فاللازم هو تفسير الآية بمفرداتها وجملها، قال سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَاليَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْن السَّبيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرقان يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعانِ وَاللّهُ عَلى كُلّ شَيْء قَدِير» .(2)

إنّ تفسير الآية بوجه موجز رهن الإمعان في مفرداتها وجملها، وإليك الإشارة لبعض نكاتها:

1. قال سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء» استخدم المبهمين أعني: «ما» الموصولة ولفظ «شيء» لإفادة وجوب أداء الخمس، قلّ أو كثر.

2. قال سبحانه:«فَأَنّ للّهِ خُمُسهُ » جعل نفسه تعالى من أصحاب الخمس كرامة للآخرين كما هو واضح، وبهذا الملاك ربّما يستقرض من الأُمّة ويقول: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم» .(3)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . الأنفال:41.
3 . الحديد:11.


(18)

3. قال سبحانه:«وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى » أعاد حرف الجر للإشارة إلى استقلالهم في أخذ سهامهم الخاصّة بهم.

4. قال سبحانه: «وَلِذِي الْقُرْبى » المراد منهم أقرباء الرسول بقرينة تقدّم الرسول عليهم، وقد ورد «ذي القربى»ونظيره كذوي القربى، وأُولوا القربى في الكتاب الكريم، ويتّضح المراد منه بلحاظ الجملة المتقدّمة عليه، ففي المقام يحمل على أقرباء الرسول لتقدّمه عليهم، كما يحمل على مطلق أقرباء الإنسان وأرحامه في قوله سبحانه : «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكين)(1) لتقدّم الوالدين.

5. قال سبحانه: «وَالْيَتامى وَالمَساكين وَابن السَّبيل» أي يتامى الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم، لا مطلق اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، لما تقدّم من أنّ لفظ «الرسول» و«ذي القربى» قرينة على أنّ المعطوف عليهم له صلة بهم.

6. قال سبحانه: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ» قضية شرطية حذف جزاؤها، أي إن كنتم آمنتم باللّه فادفعوا الخمس إلى أصحابه، ويدلّ عليه مضمون قوله «فأنّ للّه خمسه» أي الخمس ملك لهم أو مختصّ بهم فلازمه دفعه إلى أصحابه.

7. قال سبحانه: «وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْم الفُرْقان» أي آمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، ذهب المفسرون إلى أنّ المراد ما نزل يوم الفرقان من النصر ونزول الملائكة، فكأنّه سبحانه يقول: «إن كنتم مؤمنين ومشاهدين ما نصرناكم به في ذلك اليوم العصيب، فادفعوا الخمس إلى أصحابه».

وثمّة وجه آخر لتفسير: «ما نزّل على الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » ولعلّه أحسن، وهو أنّ أصحاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ اختلفوا في الغنائم التي حازوها اختلافاً شديداً على وجه لولا كتاب من اللّه لمسّهم عذاب عظيم، قال سبحانه: «لَولاكِتابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ


1 . النساء:36.


(19)

لَمَسّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيم)(1) ففي تلك الحالة القاسية أصدر سبحانه حكمه القاطع قائلاً: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ للّهِ وَالرَّسُول» .(2)

والمراد من الأنفال هي مطلق الزيادة التي تشمل الغنائم يوم نزولها، والأنفال في مصطلح القرآن أعم منه في مصطلح الفقه ، وحمل الآية على المعنى المصطلح الذي يقابل الغنائم الحربية، كرؤوس الجبال وبطون الأودية وغيرهما، يوجب خروج المورد، لأنّها نزلت في وقعة «بدر» و لم يكن يوم ذاك أي كلام حول الجبال وبطون الأودية والأراضي المأخوذة بلا قتال ولا ....

فإذا كان الحكم الأوّلي هو كون الخمس من شؤون القيادة المتمثلة في الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلا حقّ لكم فيه غير أنّه سبحانه أجاز لكم التصرّف فيها رحمة بكم، فعليكم ردّ الخمس إلى أصحابه بلا هوادة أمام تلك الكرامة.

8. قال سبحانه: «يوم الفُرقان» هو يوم بدر، وفيه فرّق اللّه سبحانه بين الحقّ والباطل.

9. قال سبحانه: «يَوْمَ الْتَقى الجَمْعان» وهم جمع المسلمين لا يتجاوز عن ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وجمع الكافرين وهم بين تسعمائة وألف، فهزموهم وقتلوا منهم زيادة عن السبعين وأسروا منهم مثل ذلك.

10. قال سبحانه: «أَنَّما غَنِمْتُمْ» .

فالغنيمة وإن كانت في الاصطلاح الفقهي هي الغنائم الحربية، لكنّها في اللغة والقرآن والأحاديث الشريفة تطلق على مطلق ما يحوزه الإنسان، وإليك البيان.


1 . الأنفال:68.
2 . الأنفال:1.


(20)

الغنيمة في اللغة:

يظهر من أئمّة أهل اللغة أنّ الغنيمة تستعمل في مطلق ما يحوزه الإنسان ، ويفوز به، ولو كان بغير حرب وقتال، والخصوصية المأخوذة أحد الأُمور الثلاثة:

1. أن يظفر به بيُسر وسهولة ، كما هو صريح بعض اللغويين.

2. أن يظفر به بلا بذل مقابل، ويؤيده كونه في مقابل الغرم وهو أن يبذل شيئاً لأجل جبر ضرر أو خسارة بلا أخذ مقابل.

3. أن يظفر به من دون ترقّب وتوقّع.

وعلى كلّ تقدير، لم يؤخذ في مفهومه الفوز بالشيء من طريق الحرب والقتال، وإن اشتهر في ألسن الفقهاء كما صرّح به ابن فارس فإنّه بعدما أشار إلى المعنى اللغوي قال: «ثمّ يختص بما أخذ من مال المشركين» كما سيوافيك، وإليك بعض نصوص اللغويين:

1. قال ابن فارس في مقاييسه: «غَنْم أصل صحيح واحد يدل على إفادة شيء لم يُمْلَك من قبل ثمّ يختص بما أخذ من مال المشركين».(1)

2. وقال الراغب في مفرداته: «والغنم: إصابته، والظفر به، ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدو وغيرهم».(2)

3. فسره ابن الأثير بالزيادة، وقال في تفسير قوله: «الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» وغنمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته.(3)


1 . مقاييس اللغة: مادة غنم.
2 . مفردات الراغب: مادة غنم.
3 . غريب مفردات الحديث: مادة غنم.


(21)

4. ذكر مثله ابن منظور في لسانه.(1)

5.وقال الفيروز آبادي في قاموسـه: «والغنـم ـ بالضم ـ الفوز بالشيء بلا مشقة، وأغنمه كذا تغنيماً نَفَله إيّاه واغتنمه وتغنّمه: عدّه غنيمة».(2)

6.وقال الأزهري في تهذيبه: «قال الليث: الغنم الفوز بالشيء فاز به والاغتنام انتهاز الغنم».(3)

وممّا قال أئمّة اللغة في الغنيمة نعرف أنّ العرب كانت تستعمل هذه اللفظة في كلّ ما يفوز به الإنسان حتى ولو لم يكن من طريق الحرب والقتال، وقد وردت هذه اللفظة في الكتاب والسنّة واستعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان، وإليك الشواهد منهما فيما يلي.

الغنيمة في الكتاب والسنّة

لقد استعمل القرآن لفظة المغنم فيما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق القتال بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الأُخروي، إذ يقول سبحانه:

«يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمناً تَبْتَغُونَ عَرضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ مَغانمُ كَثِيرة» .(4)

والمراد بالمغانم الكثيرة هو ما وعد اللّه سبحانه لعباده في الآخرة بدليل مقابلته لعرض الحياة الدنيا فيعلم أنّ لفظ «المغنم» لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا وفي ساحات الحروب فقط، بل هي عامة


1 . لسان العرب: مادة غنم.
2 . قاموس اللغة: مادة غنم.
3 . تهذيب اللغة: مادة غنم.
4 . النساء:94.


(22)

شاملة لكلّ مكسب وفائدة ولو في الآخرة.

ثمّ إنّه قد وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء: فقد روى ابن ماجة في باب «مايقال عند إخراج الزكاة» عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».(1)

وفي مسند أحمد،عن رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«وغنيمة مجالس الذكر الجنّة».(2)

وفي وصف شهر رمضان عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«غنم للمؤمن».(3)

وفي نهاية ابن الأثير: «الصوم في الشتاء غنيمة باردة» وإنّما سمّاها غنيمة لما فيها من الأجر والثواب.

ثمّ إنّ بعض الفقهاء ـ رضوان اللّه عليهم ـ حاول استنباط جميع أحكام الموارد السبعة من الآية الشريفة.

ولا يخفى ما فيه من التكلّف، لعدم شمولها للأرض التي اشتراها الذمي من المسلم، وللحلال المختلط بالحرام.

إنّ تعميم وجوب الخمس إلى غير المأخوذ من طريق القتال لا يختصّ بالشيعة، فقد ذهب غيرهم إلى ثبوت الخمس في المعادن والركائز كما يأتي في محلّه، وإن جعلوا مصرفهما مصرف الزكاة، إلاّ الأحناف كما سيوافيك، وروى البخاري أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «وفي الركاز الخمس».(4)


1 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، الحديث 1797.
2 . مسند أحمد:2/330 و 374 و524.
3 . مسند أحمد:2/177.
4 . صحيح البخاري:8/43، كتاب الزكاة.


(23)

أصحاب الخمس هم أصحاب الفيء

دلّت الآية المباركة على أنّ خمس ما يفوز به الإنسان فهو لأصحابه الستّة كما دلّت آية الفيء على أنّ جميع ما أفاء اللّه على نبيّه وأرجعه إليه بلا خيل ولا ركاب، فهو كلّه للّه وللرسول ولذي القربى والثلاثة الباقية، قال سبحانه: «وَما أَفاءَ اللّه عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُربى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْن السَّبِيل كَيْ لا يَكُون دَولَةً بَيْنَ الأَغْنِياء مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقاب»(1) والآية بصدد مصرف الفيء المذكور في الآية وقد نزلت في فيء بني النضير، والمورد غير مخصص، فكلّ ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فهو للّه وللرسول ولذي القربى والأصناف الثلاثة، كما قال سبحانه: «وَما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكابوَلكنَّ اللّه يُسَلّط رُسلهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ عَلى كُلّ شَيْء قَدِير»(2) وإيجاف الدابة ، تسييرها بإزعاج وإمراغ، و«الخيل» الفرس، و«الركاب» الإبل، أي ما أرجعه سبحانه على رسوله، من الموارد التي ما أوجفتم عليه أنتم ـ أيّها المؤمنون ـ بخيل وركاب حتى يكون لكم فيه حقّ وإنّما هو أمر سلّط اللّه سبحانه نبيّه عليه، فأمره بيده; وهل جميع الفيء لهؤلاء الستة أو الخمس منه؟ ظاهر الآية هو الأوّل، ولا وجه للثاني.

والمراد من الثلاثة الأخيرة بقرينة الرسول وذي القربى هم أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وروي الأعم، رواه في مجمع البيان(3) والتفصيل موكول إلى محلّه.


1 . الحشر:7.
2 . الحشر:6.
3 . الطبرسي: مجمع البيان:5/261.


(24)

مالكية أصحاب الخمس له

ثمّ الكلام في قوله: «وللرَّسُول وَلِذِي القُرْبى» فهل اللاّم فيه ، لام الاختصاص أو لام التمليك؟ الظاهر هو الثاني لتبادره، وعلى هذا فهل المالك هو شخص الرسول بما هو هو أو هوجهة الرسالة والقيادة والإمامة المتمثلة فيه ؟ الظاهر هو الثاني، والإمام يملك أوسع من الخمس والفيء بما أنّه إمام الأُمّة وقائدها، ليصرفها في مصارفها المعيّنة أو المصالح العامة . قال سبحانه: «كَيْ لا يَكُونَ دَولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ»والدولة اسم للشيء الذي يتداوله القوم يداً بيد، أي جعلنا الفيء لهؤلاء الستة لئلاّ يكون الفيء متداولاً بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية.

ويؤيد كون المالك هو الرسول والإمام للجهة الخاصّة ما رواه أبو علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ : إنّما نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي ـ عليه السَّلام ـ بسبب الإمامة فهو لي، و ما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب اللّه وسنّة نبيّه».(1)

والحديث صريح في أنّ للإمام مالين: مالٌ بسبب الإمامة، ومالٌ بما هو من آحاد الناس يملك كما يملك آحادهم، والثاني يُورث دون الأوّل فهو ينتقل إلى ممثِّل الزعامة بعده.

نعم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يملك الخمس والفيء بسبب الإمامة، ولكنّه إذا نحله لشخص، فالمنحول له يتملّكه شخصياً كسائر أمواله، فما نحله الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لبنته وكريمته فاطمة الزهرا ء ـ عليها السَّلام ـ من فدك، نحله بما هو إمام الأُمّة وبيده أُمور الفيء، وهي ـ سلام اللّه عليها ـ تملّكته كما يتملّك سائر الناس، فصارت مالكة تتصرف


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6.


(25)

الأول: الغنائم المأخوذة من الكفّار من أهل الحرب قهراً بالمقاتلة معهم، بشرط أن يكون بإذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، من غير فرق بين ما حواه العسكر وما لم يحوه، والمنقول و غيره، كالأراضي والأشجار و نحوها.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه ما تشاء ولا يحلّ لأحد المنع من تصرّفها بحجّة أنّه كان فيئاً، فإنّه كان فيئاً قبل النحل والبذل وبعده صار ملكاً شخصياً لها فليس فيئاً ولا ملكاً للرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فما حدث بعد رحيل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من إخراج عمّال الصديقة الطاهرة ومصادرته، كان ظلماً وتعدّياً.

فدع عنك نهباً صيح في حجراته * ولكن حديثاً ما حديث الرواحل

وبذلك يعلم حكم تصرّف الفقيه في الأخماس والفيء فلا يملكه شخصياً، بل يملكه بما هو زعيم للمسلمين يصرفه كما يصرفه الإمام المعصوم، فإذا نحله أو وهبه أو ملّكه لشخص فهو يتملّكه شخصياً، كسائر أمواله.

بقي الكلام في الخمس وأرباح المكاسب، وربّما يقال: ليس منه أثر في كلمات الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا الأئمّة المتقدّمين على الباقر والصادق ؟، ولكنّه زعم باطل، بل نجد جذوره فيها في كلمات الرسول وأحاديثه نشير إليه في محلّه.

إذا عرفت ما ذكرنا، فلنرجع إلى تبيين الموارد التي ثبت فيها الخمس حسب ما ذكره السيد الطباطبائي في عروته.

(*) أثبت الخمس في الغنائم بشروط أربعة:

1. كون المأخوذ منه كافراً حربيّاً.

2. أن يكون الأخذ بالقهر لا بالنهب.


(26)

3. بالمقاتلة معهم لا صلحاً.

4. أن يكون بإذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ . وإليك بيانها:

1. كون المأخوذ منه كافراًحربيّاً

المحاربون من الكفّار طوائف ثلاث:

1. الملاحدة المنكرون للمبدأ والمعاد.

2. المشركون المعترفون باللّه غير موحدين في الخالقية أو الربوبية أو العبادة.

3. أهل الكتاب المنتمون لإحدى الشرائع السماوية النازلة قبل رسالة نبيّنا ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ويجوز قتال هؤلاء إذا لم يكن بينهم و بين المسلمين اتفاق على صلح أو تهادن إلى مدّة، وإلاّ فالعهد محترم إلى أن ينقضي وقته، أو ظهرت بوادر النقض أو المكر والخدعة من جانب العدو، فعندئذ يُنبذ إليهم، عملاً بقوله سبحانه: «وَإِمّا تَخافنَّ مِنْ قَوْم خِيانَةً فَانبِذ إِلَيْهِمْ عَلى سَواء إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الخائِنين» .(1)

والتفصيل موكول إلى محلّه:

وأمّا المرتدّ، ملّة وفطرة، فهو وإن كان يشارك الكافر في وجوب القتل وحرمة ذبيحته ونجاسة سؤره، لكن عُصم ماله بإسلامه قبل أن يرتدّ فهو مال محترم لا يجوز أخذه بدون رضاه، أو رضا وارثه، إذا قلنا بتقسيم ماله قبل قتله.

وأمّا الباغي، فالمحكّم فيه سيرة الإمام ـ عليه السَّلام ـ في البصرة حيث لم يتعرّض لأموالهم ولم يَسب نساءهم وأولادهم، بل اكتفى بما حواه العسكر في ميدان الحرب، وبالجملة، المرجع عند الشكّ في حلّيّة أخذ مال الشخص المعتصم


1 . الأنفال:58.


(27)

بالإسلام بنحو من الأنحاء هو قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ» .(1) وكقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفسه» .(2)

نعم، ورد في بعض الروايات بجواز أخذ مال الناصب كيفما اتّفق(3) وسيوافيك البحث عنه.

2. أن يكون مأخوذاً بالقهر والغلبة

احترازاً عن الأخذ غيلة أو سرقة لأنّ الموضوع «كلّ شيء قوتل عليه».(4)

3. أن يكون الأخذ بالقتال

وبإيجاف الخيل والركاب، كما في الآية المباركة(5) فخرج المأخوذ بالصلح كما هو الحال في «فدك» وغيرها، وسيوافيك أنّ المأخوذ بالصلح من الأنفال.

4. أن يكون القتال بإذن الإمام

والمتبادر منه الإمام المعصوم، وسيوافيك الكلام في هذا الشرط فانتظر.

ثمّ إنّ المراد ممّا حواه العسكر هو ما تسلط عليه فلا فرق بين المقبوض وغير المقبوض، كما لا فرق بين المنقول وغيره كالأراضي والأشجار.

قال في المستند: وهو صريح الحلّي ،وخمس الشرائع، والفاضل في المنتهى،


1 . النساء:29.
2 . غوالي اللآلي: 2/113، الحديث 309.
3 . الوسائل:6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و 7.
4 . الوسائل:6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.
5 . الحشر:6، قال سبحانه: «وَما أَفاءَ اللّه عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكاب» .


(28)

والمحقّق الأردبيلي، وعن المبسوط، أنّه مقتضى المذهب، وقيل: هو الظاهر من جميع الأصحاب. وفي الجواهر: بل هو معقد إجماع المدارك، وكأنّه من المسلّمات عندهم، وإليك بعض كلماتهم:

1. قال الشيخ في النهاية: وما لم يحوه العسكر من الأرضين والعقارات وغيرها من أنواع الغنائم يخرج منه الخمس والباقي تكون للمسلمين قاطبة.(1)

2. وقال في الخلاف في كتاب الفيء: مالا ينقل ولا يحول من الدور والعقارات والأرضين عندنا أنّ فيه الخمس.(2)

3. وقال في المبسوط: فإن فُتح عنوة كانت الأرض المحياة وغيرها من أموالهم ما حواه العسكر وما لم يحوه العسكر غنيمة، فيخمس الجميع.(3)

4. وقال في الشرائع: غنائم دار الحرب ممّا حواه العسكر ومالم يحوه من أرض وغيرها.(4)

5. وقال في المنتهى: الغنائم التي توجد في دار الحرب ما يحويه العسكر ومالم يحوه أمكن نقله كالثياب والأموال والدواب وغير ذلك أو لا يمكن كالأرضين والعقارات.(5)

استدل على قول المشهور بوجوه:

الأوّل: إطلاق الآية لصدق الغنيمة على المنقول وغيره.


1 . النهاية: 198، باب قسمة الغنائم والأخماس.
2 . الخلاف: 4/333، كتاب الفيء، المسألة 18.
3 . المبسوط:2/28، كتاب الجهاد.
4 . الشرائع: 1/179، كتاب الخمس.
5 . المنتهى: 1/44; ويظهر من القاضي في المهذّب خلاف ما هو المشهور حيث قال: الأرض إذا فتحت عنوة كانت لجميع المسلمين ولم يستثن الخمس; لاحظ الجزء1/182.


(29)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ الأراضي ومالا يملكه المقاتلون،غير داخلة في مفاد الآية ولا تشملها الآية بخطابها ومضمونها، وإنّما تشمل ما يملكونه، فيخاطبون بدفع خمس ما ملكوا ،وذلك لأنّ الغنيمة وإن كانت صادقة على الأراضي وغيرها، لكن إضافتها في الآية إلى المقاتلين، أعني قوله تعالى: «إِنّما غَنِمْتُمْ» تخصصها بما يقع في اختيارهم ويدخل في ملكهم، وهو ليس إلاّ المنقول، لا غيرها، ولا وجه لخطاب من لا يملكه بدفع الخمس منه.

وإن شئت قلت: إنّ فرض الخمس على المقاتلين لأجل اغتنامهم، فيؤمرون بدفع الضريبة المالية، وأمّا ما ملكه غيرهم أعني المسلمين إلى يوم القيامة، فلا وجه لتوجيهه إلى المقاتلين، إذ عندئذ يكون من مصاديق قول القائل: «غيري جنى وأنا المعاقب فيكم» غيري ملك وأنا المخاطب بدفع الضريبة.

وأُجيب عن الاستدلال بالآية تارة بأنّ دليل الأراضي مخصص للآية(1) ، وأُخرى بأنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه، فالآية خاصّة لأجل كون الموضوع فيها الخمس، عامّة لشمولها الأراضي وغيرها، ودليل الأراضي خاص لاختصاصه بها، وعام لشموله مقدار الخمس وغيره، فالمرجع هو البراءة من دفع الخمس.(2)

يلاحظ عليهما: أنّهما مبنيان على شمول الآية للأرضين لكي نحتاج في إخراجها عن حكم الآية بدليل خاص، أو لأجل التعارض، وأمّا على ما ذكرنا فالآية منصرفة عن الأراضي ولا تعمّها.

مضافاً إلى ما في بيان النسبة بين الدليلين، فالنسبة تلاحظ بين الموضوعين، وليس الخمس في الآية موضوعاً، وإنّما هو حكم فلاحظ.

الثاني: خبر أبي بصير، عن الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن


1 . السيد الحكيم:المستمسك:9/444.
2 . جامع المدارك:2/103.


(30)

لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه فانّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المراد من «كلّ شيء قوتل عليه»: هو المنقول بشهادة قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس» والأراضي المفتوحة عنوة غير قابلة للشراء، لا بمقدار الخمس ولا غيرها.

وبعبارة أُخرى : مورد الرواية ما إذا أمكن شراء العين، ففي مثله يقول: لا حقّ لأحد أن يشتري من الخمس، والأراضي لا يصحّ شراؤها مطلقاً، فلا ينطبق عليه قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس»، وهذا قرينة على أنّ المراد من كلّ شيء «قوتل عليه» هو المنقول.

الثالث: مرسلة أحمد بن محمّد، قال: حدّثنا بعض أصحابنا ورفع الحديث، قال: الخمس من خمسة أشياء: من الكنوز، والمعادن، والغوص، والمغنم الذي يقاتل عليه، ولم يحفظ الخامس.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد ذكر رؤوس ما يتعلّق به الخمس على وجه الإجمال، ويدلّ عليه قوله من خمسة أشياء، وأنّ الراوي نسي الخامس، وليس في مقام سائر الخصوصيات حتّى يتمسك بالإطلاق.

الرابع: صحيحة عمر بن زيد الثقة، عن أبي سيّار مسمع بن عبد الملك الثقة في حديث قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّي كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك، وأعرض لها وهي حقّك الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا، فقال:«وما لنا من الأرض، وما أخرج منها إلاّ الخمس؟! يا أبا سيّار الأرض كلّها لنا، فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا»، قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه، فقال لي: «يا أبا سيّار قد طيّبناه لك وحلّلناك منه فضمّ إليك مالك».(3)

أقول: الظاهر أنّ ما في الوسائل:«وما لنا من الأرض» مصحف «أو ما لنا من الأرض» كما في الكافي وعلى ذلك تخرج الرواية عن صلاحية الاستدلال، لأنّ أبا سيّار لما دفع إليه الخمس زعم أنّ الخمس مالهم.

فأعاد الإمام كلامه بصورة الإنكار قائلاً: «أو مالنا من الأرض وما أخرج اللّه منها إلاّالخمس؟!» أي تتصور أنّ ما يرجع إلينا هو خصوص الخمس، بل: «يا أبا سيّار الأرض كلّها لنا فما أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا» فالرواية بصدد بيان أنّ الأرض كلّها للإمام لا الخمس منها، وهذه ملكية تشريفية لا تنافي ملكية الناس على أموالهم.


1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
2 . الوسائل:6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث11.
3 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12. وفي الكافي مكان «وما لنا» : «أو مالنا» . لاحظ الكافي:1/480، كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض كلّها للإمام.


(31)

الاستدلال على خروج الأراضي من موارد الخمس

هذا ما يمكن الاستدلال به للقول المشهور، مضافاً إلى الإجماع المدّعى في كلام المدارك، وحاله معلوم، وقد عرفت عدم تمامية دلالته.

بقي الكلام فيما يمكن به الاستدلال على القول الآخر، أي خروج الأرض عن تعلّق الخمس بها، فقد استدل له بوجوه غير تامّة نشير إليها:

1. صحيحة الربعي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتاه المغنم، أخذ صفوه وكان ذلك له، ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه».(1)


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.


(32)

وجه الدلالة ظهورها في أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأخذ الخمس ممّا يقسم بين الناس، والأرض ليست ممّا تقسم.

وبعبارة أُخرى: ما دلّ من الأخبار على قسمة الغنائم أخماساً، ويشعر بأنّ مورد الخمس متصوّر على ما فيه هذه الأقسام والأراضي لا تقسم على الغانمين بل هي ملك لجميع المسلمين إلى يوم القيامة.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الرواية مضيّق لا ينطبق إلاّ على المنقول وهو «إذا أتاه المغنم» فلا يكون دليلاً على عدم تعلّقه بغيره.

2. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: «يؤخذ الخمس من الغنائم، فيجعل لمن جعله اللّه له ويقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولى ذلك ـ إلى أن قال : ـ والأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها».(1)

وجه الدلالة: أنّه بعدما بيّن أوّلاً حكم الغنائم ولزوم أخذ الخمس منها توجّه إلى بيان الأرضين وجعلها مقابلة للغنائم، فإنّ المتبادر أنّه استثناء من تعلّق الخمس عليها وأنّها خارجة عنه.

واحتمال أنّ قوله: «والأرضون بمنزلة الاستثناء عن الحكم بتقسيم أربعة أخماس لا بمنزلة الاستثناء عن أصل تعلّق الخمس بالغنائم، ويكون قوله في الذيل: «ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير» بمعنى أنّه ليس من ذلك الخراج الذي يكون لأربعة (كذا) أخماس الباقي للإمام شيء(2) بعيد إلى الغاية، وذلك لأنّه لو كان المراد منه ما ذكره فقد تقدّم التصريح به قبل هذه الفقرة وقال: «وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه إلاّ ما احتوى عليه العسكر» ومع هذا التصريح لا حاجة إلى الاستثناء الجديد.

بل الظاهر أنّه استثناء من أصل تعلّق الخمس عليه لا للمقاتلين، كما صرّح


1 . الوسائل: 11، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.
2 . كتاب الخمس للحائري قدَّس سرَّه : 25.


(33)

به قبله، ولا لنفس الإمام كما قال: «وليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير» وأبعد منه تفسيره للذيل لأنّه إيضاح للواضح.

قال المحدّث البحراني: إنّ الأخبار الواردة في الأراضي ونحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنّما دلّت على أنّها فيء للمسلمين من وجد ومن سيوجد إلى يوم القيامة، وأنّ أمرها إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبلها أو يعمّرها ويصرف حاصلها في مصالح المسلمين ـ إلى أن قال: ـ ويؤيد ما قلناه الأخبار الواردة في حكم الأرض المفتوحة عنوة ومنها خيبر، وعدم التعرض فيها لذكر الخمس بالكلية مع ذكر الزكاة فيها ولو كان ثابتاً فيها لكانت أولى بالذكر لتعلّقه برقبة الأرض.(1)

3. ملاحظة الأخبار الخراجية فلا تجد فيها أثراً للخمس، ولو كان من ارتفاع الأرض، بل الوارد فيها أمران: قبالة الأرض، وإجارتها للسلطان، والعشر ونصف العشر من باب الزكاة، فلاحظ كتاب الجهاد، الباب 72، من أبواب جهاد العدو الذي عنوانه «باب أحكام الأرضين»، وقد ورد في رواية صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر: وعلى المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر ونصف العشر في حصصهم.(2)

وفي صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: «وما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخيبر قبل أرضها ونخلها».(3)

و من هذا الباب ما ورد في أرض السواد، من أنّها للمسلمين جميعاً.(4)

4. إنّ الأراضي المفتوحة عنوة، ضريبة إسلامية تحت سلطة الإمام، يصرف


1 . الحدائق: 12/325.
2 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الأرضين، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الأرضين، الحديث 1و2.
4 . الوسائل:ج12، الباب 21 من أبواب عقدالبيع، الحديث 4 و5; وج17 الباب 18 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 1. مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبله نيابة عن المسلمين لا نيابة وأصالة بالنسبة إلى الخمس كما لا يخفى.


(34)

عوائدها في مصالح المسلمين، و الخمس يتعلّق بما في يد غير الإمام، وأمّا ما هو في يده واختياره كالأراضي فتعلّق الخمس به بعيد جدّاً، وهذا نظير الموقوفات العامّة التي تصرف عوائدها في مصالح المسلمين، فلا تتعلّق به الضريبة من الخمس والزكاة.

فلم يبق في المقام ما يدلّ على تعلّق الخمس بالأراضي، إلاّ أحاديث تحليل الخمس للشيعة لتطيب مواليدهم، فيحتمل أن يكون المقصود مثل هذه الأراضي ففيها إشعار تعلّق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة، لكنّها ليست صريحة في الأراضي، فلاحظ دراسة هذه الروايات بدقّة.

إكمال

قد عرفت أنّ ما دلّ على حكم الأرضين من أنّها للمسلمين بالنسبة إلى الآية على فرض دلالتها بإطلاقها على تعلّق الخمس بالأراضي هو الخصوص المطلق أو من وجه، ولكن صريح المحقّق الهمداني أنّ كون الآية أخص حيث قال: وأمّا ما دلّ على أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين فهي غير آبية عن التقييد بالآية الشريفة وغيرها(1) ، وضعفه واضح.

ثمرة البحث

تظهر الثمرة فيما إذا باع رجل شيئاً من الأراضي المأخوذة عنوة، فعلى القول الأوّل يكون الكل للمسلمين ولا يتعلّق به الخمس، ويكون البيع باطلاً، ولا تجري أصالة الصحة لعدم وجه للصحة أبداً، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بتعلّق الخمس بها فمن المحتمل أن يكون البيع من سهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ وصل إلى البائع عن توارث.

نعم على القول بأنّه يجوز للإمام عند الضرورة ، بيع الأراضي المفتوحة عنوة ، تنتفي الثمرة.


1 . مصباح الفقيه: 11، كتاب الخمس.


(35)

بعد إخراج المؤن الّتي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي ونحوها منها، وبعد إخراج ما جعله الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، وبعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الورقة، والمركب الفاره. والسيف القاطع والدرع فإنّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، و كذا قطائع الملوك فإنّها أيضاً له ـ عليه السَّلام ـ .(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إنّما يتعلّق الخمس بعد استثناء أُمور:

1. المؤن.

2. الجعائل.

3. صفايا الغنائم

4. صوافي الملوك

5. قطائعهم

6. الرضائخ للنساء والعبيد وغيرهم ممّن لا حقّ لهم في الغنيمة.

7. النفل، وهو العطاء للغانمين.

ولم يذكر المصنّف شيئاً من الأخيرين ولأجله تركنا ذكرهما.

وإليك توضيحها:

1. إخراج المؤن

المراد تقسيط المؤنة على مستحق الخمس والمقاتلين حسب النسبة، لأنّ تحميلها على واحد منهما على خلاف قاعدة العدل والانصاف، وهي محكّمة في كلّ مال مشترك بين شخصين أو أشخاص، إذا توقف حفظها أو نقلها على مؤنة، فتقسّط المؤنة على الجميع.


(36)

ثمّ المؤن المبذولة على الغنيمة على قسمين، قسم تنفق لأجل تحصيلها، وقسم تنفق لأجل حفظها بعد تحصيلها، وخصّ المصنف الخارج بالقسم الثاني، دون الأوّل، وعلى ذلك فالمؤن التي تنفق في طريق التسلّط على الغنائم وتحصيلها لا تخرج من الغنيمة، بخلاف ما تنفق لأجل التحفظ عليها أو نقلها من مكان غير مأمون إلى مكان مأمون أو سقي الدواب ورعيها إذا كانت من الغنائم.

وهذا بخلاف الموارد الأُخر، ففي المعدن إنّما يتعلّق الخمس إذا كان ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مؤنة الإخراج والتصفية ونحوهما، ومثله المال في الكنز والغوص، إنّما يعتبر النصاب بعد إخراج مؤنة الإخراج.

ولكن الظاهر عدم الفرق بين ما ينفق قبل تحصيلها، وما ينفق بعده، فإنّ المؤن المبذولة على الغنائم بالمعنى الأخص قبل تحصيلها، نوعان، نوع لا يعدّ مؤنة للغنائم كالنفقات التي يتوقف عليها أصل الجهاد والهجوم على العدو، وهذا ما لا يحتسب من مؤنة الغنائم الحربية. ونوع يعدّ من مؤنة نفس الغنائم، كما إذا استلزم التسلّط على الغنائم بعد هزيمة العدو واستلامه، بذل مؤنة لجمعها من جبهات الحرب والصحاري ثمّ حملها إلى مركز الغنائم حتى يتسلط عليها الحاكم الإسلامي والموكّلون من جانبه عليها.

ومثل ذلك لا يعدّ من المؤن اللاحقة بل من المؤن السابقة على تحصيلها، بمعنى التسلط الكامل عليها، وعلى ذلك فلا فرق بين الغنيمة بالمعنى الأخصّ والغنيمة بالمعنى الأعم، فإنّ المؤن السابقة يخرج منها بشرط أن تكون المؤنة مبذولة في طريق التسلط على الغنائم لا مؤنة على أمر آخر كحمل المقاتلين إلى جبهات القتال ممّا لا يعدّ مؤنة للغنائم.

إنّما الكلام فيما هو الدليل على استثناء المؤن، فيمكن الاستدلال عليه:

أوّلاً: بعدم صدق الاغتنام إذا تساوت المؤنة مع الغنيمة أو علت عليها، فلا


(37)

ينطبق عليه قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَإِنَّ للّهِ خُمسهُ» .(1)

وثانياً: ما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ من أنّ الخمس بعد المؤنة(2) وهي و إن كانت منصرفة إلى الخمس في الأرباح والفوائد دون الغنائم مع وجود الضعف في سند بعضها(3) ، لكن يمكن الاستيناس بها على حكم المورد، لو لم يمكن إلغاء الخصوصية.

نعم لا تشمل الروايات لما ينفق بعد التسلّط الكامل إذا كان بقاء الغنيمة متوقفاً عليها، ففي مثله يرجع إلى قاعدة العدل والإنصاف فيشترك في تأديتها أصحاب السهام حسب نسبتها.

ثمّ إنّه لو قلنا بتعلّق الخمس على المال بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلي في المعيّن فالقول ببسط المؤن على الخمس وسهم المقاتلين واضح، لأنّ المؤنة مؤنة للعين وهي متعلّقة للطرفين بنحو من الأنحاء.

وأمّا لو قلنا بأنّ تعلّقه على العين بنحو تعلّق الحقّ على العين كتعلّق حقّ الراهن على العين المرهونة أو ما يضاهيه ـ كما سيوافيك تفصيله في محلّه ـ فربّما يستشكل بأنّ المؤن على العين لا على الحق، ولكنّه ضعيف لأنّ العين لمّا كانت متعلّق الحقّ فحفظها حفظ الحقّ ومؤنتها مؤنته، فلو هلكت العين لهلك الحقّ أيضاً، ولعلّ هذا الجواب يتمشّى مع تمام الاحتمالات إذا قلنا بأنّ تعلّقه بالعين أشبه بتعلّق الحقّ على العين، وسيوافيك تفصيله.


1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، والباب 8 من تلك الأبواب الحديث 1ـ4.
3 . الرواية الثالثة في الباب 12 من أبواب قسمة الخمس، لا الثانية. أعني: ما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، فانّه كان وكيل الرضا ـ عليه السَّلام ـ . رجال الكشي: 467، فما عن بعضهم من عدم وضوح السند كأنّه ليس في محلّه.


(38)

2. الجعائل

وأمّا الثاني: أعني إخراج ما جعله الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، فهو ما يعبّر عنه بالجعائل، قال الشيخ في المبسوط: يجوز للإمام ـ عليه السَّلام ـ وخليفته إذا دخل دار الحرب أن يجعل الجعائل على ما فيه مصلحة المسلمين، فيقول: من دلّنا على قلعة كذا فله كذا، وكذلك على طريق غامض فله كذا، وما أشبه ذلك، ثمّ لا يخلو إمّا أن يجعله من ماله أو مال أهل الحرب، فإن جعله من ماله لم يصح حتى يكون معلوماً موصوفاً في الذمّة أو مشاهداً معيناً، لأنّه عقد في ملكه فلا يصحّ أن يكون مجهولاً، وإن كان من مال المشركين جاز مجهولاً ومعلوماً، فيقول: من دلّنا على القلعة الفلانية فله جارية منها أو جارية فلان.(1)

وجهه، أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بنصّ الكتاب، فهو عندئذ أولى بالتصرّف في أموالهم الشخصية حسب المصالح، فكيف الغنائم، أضف إلى ذلك أنّ الجعل إذا كان قبل التسلّط على الغنائم يمتنع دخوله تحت عنوان الغنائم ولا تعمه أدلّته من رأس، وأمّا إذا كان بعد التسلّط وبعد كون المجعول مصداقاً للغنائم ومتعلّقاً لحكمها فالإمام ـ عليه السَّلام ـ بما له الولاية على أموال مستحق الخمس والمقاتلين، يصحّ له أن يهدي من أموالهم إلى من شاء، إذا كان فيه مصلحة، وليس على الآخذ شيء، إلاّ إذا قلنا بوجوب الخمس في الهدية، وعندئذ يخرج عن الغنيمة بالمعنى الأخص ويدخل تحت الغنيمة بالمعنى الأعم، ويجب إخراج الخمس إذا حال الحول.

وتدل على ذلك صحيحة زرارة قال: الإمام ـ عليه السَّلام ـ يجري و ينفل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، وقد قاتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوم لم يجعل لهم في الفيء


1 . المبسوط: 2/27.


(39)

نصيباً، وإن شاء قسّم ذلك بينهم.(1)

ومثله ما في مرسلة حمّاد(2) :«له أن يسدّبذلك المال جميع ما ينوبه»(3) من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك ممّا ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شيء أخرج الخمس منه فقسّمه في أهله وقسم الباقي على من ولي ذلك، وإن لم يبق بعد سدِّ النوائب شيء فلا شيء لهم.

ولا يجب على المجعول له شيء من باب الغنيمة، فإنّه غنيمة الحرب بالنسبة إلى المقاتلين، لا بالنسبة إلى المجعول له، بل هو من الجوائز والمِـنَح، نعم يتعلّق به الخمس من باب الأرباح والفوائد ويخمس بعد المؤنة.

3. صفايا الغنائم

قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: وله أيضاً من الغنائم قبل أن تقسم، الجارية الحسناء، والفرس الفاره، والثوب المرتفع، وما أشبه ذلك ممّا لا نظير له من رقيق أو متاع.(4)

وقال الشيخ في كتاب الفيء وقسمة الغنائم من كتاب الخلاف: المسألة السادسة: ما كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصفايا قبل القسمة، فهو لمن قام مقامه، وقال جميع الفقهاء: إنّ ذلك يبطل بموته.(5)

وقال في المبسوط: وكان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الصفايا، وهو ما اختاره من الغنيمة قبل القسمة من عبد أو ثوب أو دابة فيأخذ من ذلك ما يختاره ولم يقسم عليه بلا خلاف، وهو عندنا لمن قام مقامه من الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .(6)


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
3 . أي يصيبه: والنائبة هي المصيبة.
4 . النهاية: 199.
5 . الخلاف:2/184، كتاب الفيء، المسألة 6.
6 . المبسوط: 2/65، كتاب قسمة الفيء.


(40)

والظاهر من العبارة كون المسألة إجماعية بين المسلمين.

وقال العلاّمة في المنتهى: ومن الأنفال ما يصطفيه من الغنيمة في الحرب مثل: الفرس الجواد، والثوب المرتفع، والجارية الحسناء، والسيف القاطع، وما أشبه ذلك، ما لم يجحف بالغانمين; وذهب إليه علماؤنا أجمع. روى الجمهور :أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يصطفي من الغنائم الجارية والفرس.(1)

وتدل على ذلك، صحيحة ربعي بن عبد اللّه بن الجارود، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتاه المغنم أخذ صفوة وكان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ـ إلى أن قال : ـوكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ».(2) و مرسلة حمّاد: و للإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال، صفوها الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع ممّا يحبّ أو يشتهي فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس.(3)

ثمّ إنّ اختصاص صفايا الأموال للإمام ـ عليه السَّلام ـ تقطع النزاع بين المقاتلين، لزيادة الاشتياق من الناس إلى الصفايا.

وهل المراد من الصفو كلّ ما ينتخبه الإمام ويصفيه كما هو الظاهر ممّا رواه في الوسائل عن المقنعة: عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «ولنا صفو المال» يعني يصفوها ما أحبّ الإمام من الغنائم واصطفاه لنفسه قبل القسمة.(4) أو المراد ما يكون صفواً ونقياً في نفسه وقد جاء في خبر أبي بصير:«الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع ـ ثمّ قال: ـ فهذا صفو المال»؟(5) الظاهر هو الثاني، وما رواه في المقنعة محمول على الغالب، لأنّه لا يحب إلاّ صفو المال.


1 . منتهى المطلب:1/553.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال ،الحديث 4، 21.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال ،الحديث 4، 21.
5 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 15.


(41)

4. صفايا الملوك

صفايا الملوك، بل كلّ شيء يعدّ من مختصاتهم، قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: الأنفال كانت لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاصة في حياته وهي لمن قام مقامه بعده في أُمور المسلمين، وهي: كلّ أرض خربة ـ إلى أن قال: ـ وصوافي الملوك وقطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير وجه الغصب.

وقال العلاّمة في المنتهى: و من الأنفال صفايا الملوك وقطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير جهة الغصب، ممّا كان يختصّ بملكهم فهو للإمام ـ عليه السَّلام ـ إذا لم يكن غصباً من مسلم أو معاهد.

وتدل على ذلك مرسلة حمّاد: وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود.(1)

والظاهر من مرسلة حمّاد أنّ للإمام صوافي الملوك، مع أنّ الظاهر من موثق سماعة كلّ شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام.(2)

5. القطائع

المراد الأراضي التي أقطعها لنفسه فهي أيضاً للإمام، ويدل عليه ما رواه داود بن فرقد قال، قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قطائع الملوك كلّها للإمام وليس للناس فيها شيء.(3)

وكان على الماتن أن يذكر الرضائخ، وهو العطاء اليسير للنساء والعبيد، فيخرج من المال قبل التقسيم ولا يؤخذ خمسه، ففي مرسلة حمّاد: «وله أن يسدّ بذلك جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك ممّا ينوبه».


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4 ولاحظ 8و31 من هذا الباب.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 8 ولاحظ الحديث 31.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 6 و30و32.


(42)

وأمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ،فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة، خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط، و إن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) في المسألة قولان:

الأوّل: شرطية الإذن، فلولاه لصار المجموع للإمام، اختاره الشيخ في النهاية و الخلاف، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب، وابن إدريس في السرائر، والكيدري في إصباح الشيعة، والمحقّق في الشرائع، وابن سعيد في الجامع للشرائع، والعلاّمة في التذكرة والإرشاد، والشهيد الثاني في المسالك.

الثاني: عدم شرطية الإذن، وهو الظاهر من المحقّق في النافع، والعلاّمة في المنتهى، والأردبيلي في مجمع الفائدة، والسيد السند في المدارك، وهذان القولان على طرفي النقيض.

وهناك تفاصيل أُخرى نأتي بها عند الفراغ من استعراض القولين ودليلهما، وإليك نصوص الأصحاب في المقام، ولنقدم كلام القائلين بالشرطية:

1. قال الشيخ في النهاية: وإذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام فغنموا كانت غنيمتهم للإمام ـ عليه السَّلام ـ خاصة دون غيره.(1)

2. وقال في كتاب الفيء من كتاب الخلاف في المسألة السادسة عشرة: إذا


1 . النهاية : 200، باب الأنفال.


(43)

دخل قوم دار الحرب وقاتلوا بغير إذن الإمام فغنموا كان ذلك للإمام خاصة، وخالف جميع الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

3. وقال في كتاب السير (الجهاد) في المسألة الثالثة: إذا غزت طائفة بغير إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فالإمام مخيّر إن شاء أخذه منهم، و إن شاء تركه عليهم، و به قال الأوزاعي والحسن البصري، وقال الشافعي يخمس عليهم، وقال أبو حنيفة : لا يخمس (أي ملك للمقاتلين). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)

4. وقال القاضي في المهذّب في باب ذكر الأنفال: وكلّ غنيمة غنمها قوم قاتلوا أهل الحرب بغير إذن الإمام أو ممّن نصبه ـ إلى أن قال: ـ و جميع الأنفال كانت لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حياته وهي للإمام القائم مقامه.(3)

5. وقال ابن إدريس: إذا قاتل قوم أهل حرب بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة خاصة للإمام دون غيره.(4)

6. وقال الكيدري: وما غُنم من أهل الحرب بغير إذن الإمام كان كلّ هذا للإمام القائم مقام الرسول.(5)

7. وقال المحقّق في باب الأنفال: وما يغنمه المقاتلون بغير إذنه فهو له.(6)

8. وقال ابن سعيد الحلي في بيان الأنفال: وكلّ غنيمة قوتل عليها أهلها: الحربيون من غير إذن الإمام.(7)


1 . الخلاف: 4/190، كتاب الفيء، المسألة 16.
2 . الخلاف: 5/518، كتاب السير، المسألة 3.
3 . المهذّب: 1/186.
4 . السرائر: 1/ 497، باب ذكر الأنفال.
5 . إصباح الشيعة: 128.
6 . الشرائع: 1/183.
7 . الجامع للشرائع: 150.


(44)

9. وقال العلاّمة في التذكرة: وما تأخذه سرية بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصة عندنا.(1)

10. وقال الشهيد الثاني في المسالك عند شرح قول المحقّق «فهو للإمام»:هذا هو المشهور بين الأصحاب، وبه رواية مرسلة منجبرة بعمل الأصحاب.(2)

هذه النصوص هي لمشاهير القائلين بالقول الأوّل، وإليك نصوص القائلين بعدم الشرطية:

1.قال المحقّق في المختصر النافع: وقيل إذا غزا قوم بغير إذنه فغنيمتهم له(الإمام)و الرواية مقطوعة.(3)

2.وقال العلاّمة: وإذا قاتل قوم من غير إذن الإمام ففتحوا كانت الغنيمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ . ذهب إليه الشيخان والسيد المرتضى رحمه اللّه وأتباعهم.

وقال الشافعي: حكمُها حكم الغنيمة مع إذن الإمام لكنّه مكروه.

وقال أبو حنيفة:وهي لهم ولا خمس.

ولأحمد ثلاثة أقوال، كقول الشافعي، وأبي حنيفة، وثالثها :لا شيء لهم فيه(أي للإمام).

احتجّ الأصحاب بما رواه عباس الوراق، عن رجل سمّـاه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال:« إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس».


1 . التذكرة: 1/426، كتاب الجهاد.
2 . المسالك: 1/474.
3 . المختصر النافع : 126.


(45)

احتجّ الشافعي بعموم قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء» الآية، وهو يتناول المأذون فيه وغيره.

واحتجّ أبو حنيفة بأنّه اكتساب مباح من غير جهاد، فكان كالاحتطاب والاحتشاش.

واحتجّ أحمد على ثالث أقواله بأنّهم عصاة بالفعل فلا يكون ذريعة الفائدة التملّك الشرعي، إلى أن قال: و إن كان قول الشافعي فيه قوياً.(1)

3. وقال المحقّق الأردبيلي، بعد نقل رواية الورّاق ونقد سندها: والجبر بالعمل غير مسموع لعدم الدليل، وما يدل على ملكية المال المأخوذ ممّن لا حرمة لماله من الإجماع وغيره يدل على عدمه.(2)

4. وقال السيّد السند في المدارك بعد تضعيف رواية الورّاق:وقوى العلاّمة في المنتهى مساواة ما يغنم بغير إذن الإمام لما يغنم بإذنه. وهو جيد لإطلاق الآية الشريفة، وخصوص حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في الرجل من أصحابنايكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال: «يؤدّي خمسنا ويطيب له».(3)

هذه هي نصوص فقهائنا، وقد وقفت على أقوال العامة في عبارة المنتهى، وذكرها أيضاً ابن قدامة في كتابه.(4)

واللازم دراسة القولين (الشرطية وعدمها) ثمّ دراسة التفاصيل.


1 . المنتهى:1/ 553ـ554 ، كتاب الخمس وقد نقلناه بطوله لما فيه من الوقوف على أقوال أهل السنّة ودلائلهم.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/343.
3 . مدارك الأحكام:5/417ـ418.
4 . لاحظ المغني: 1/294.


(46)

أدلّة القائلين بالاشتراط

استدل القائلون بالاشتراط بحديثين:

أحدهما ضعيف سنداً تام دلالة، والآخر على العكس، وإليك بيانهما:

1. مرسلة عباس الوراق، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإذا غزوا بأمر الإمام ـ عليه السَّلام ـ فغنموا كان للإمام الخمس».(1)

لا غبار في الدلالة، وإنّما الإشكال في السند، إذ فيه: الحسن بن أحمد بن يسار (بشّار) وهو مجهول لم يعنونه أصحاب الرجال ; كالمامقاني في تنقيحه، والتستري في قاموسه، نعم ذكره السيّد الخوئي في معجمه ولم يذكر في حقّه شيئاً يذكر.

وهو يروي عن «يعقوب» المشترك بين تسعة عشر رجلاً وإن كان بعضهم خارجاً عن دائرة الاحتمال، وهو يروي عن العباس الورّاق، وهو عباس بن موسى الثقة، عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه، فهي رواية مقطوعة.

2. صحيحة معاوية بن وهب: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسّم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمامعليهم، أُخرج منها الخمس للّه وللرسول وقسِّم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام ـ عليه السَّلام ـ يجعله حيث أحبّ».(2)


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 16.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3 ورواه في كتاب الجهاد.


(47)

ولكن ظهوره البدائي يعرب عن أنّ الإمام بصدد التفصيل بين أمير أمّره الإمام، وأمير لم يأمره الإمام، لكن الذيل يدلّ على أنّه كان بصدد التفصيل بين الأخذ عن قتال والأخذ بغير قتال مع كون الأمير في كلتا الصورتين مبعوثاً عن طرف الإمام، فما أخذوا بالقتال يخمس، وما أخذوا بالغيلة والسرقة فهو للإمام، وأين هو من التفصيل بين الأخذ بالإذن وعدمه؟

مضافاً إلى أنّ السائل فرض كون السرية مبعوثة من جانب الإمام، حيث قال: السرية يبعثها الإمام، وعندئذ يكون كلا الشقين الواردين في كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ واردين على ذاك المفروض لا غير.

أمّا الشقّ الأوّل، أعني قوله: إن قاتلوا مع أمير أمّره الإمام عليهم فهو ظاهر; وأمّا الشق الثاني، أعني قوله: وإن لم يكونوا...، فهوبمعنى إن لم تكن السرية بعثها الإمام قاتلوا عليها المشركين وإنّما أخذوه من غير طريق القتال فهو للإمام. فالبعث من جانب الإمام مفروض في كلا الشقين في جانب الموضوع، وإنّما التفصيل بين القتال وعدمه لا بين البعث وعدمه.

دليل القول بعدم اشتراط الإذن

واستدل بعدم شرطية الإذن بوجوه:

1. إطلاق الآية من دون تقييد بالإذن ولا يرفع عنه إلاّ بدليل قاطع، ويكفيك في تمامية إطلاق الكتاب أنّ المحقق لم يجوّز تقييد الكتاب وعمومه بالخبر الواحد، وقد عرفت ضعف مرسلة الوراق، ولم يثبت استناد الأصحاب إليها في مقام الإفتاء وإن أفتوا بمضمونه، وهذا هو المهمّ.


(48)

وأمّا صحيحة معاوية بن وهب، فقد عرفت أنّه ظاهر في التفصيل بين القتال وغيره كالخدعة والسرقة والصلح مع كون البعث من جانب الإمام في كلا الشقين، وأمّا القتال بغير إذنه فليس مورداً للسؤال والجواب.

2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدّي خمساً ويطيب له»(1) مع كون القتال لم يكن عن إذنهم ـ عليهم السَّلام ـ .

وأجاب صاحب الجواهر عن الاستدلال بوجهين:

الأوّل: حمله على الإذن منه ـ عليه السَّلام ـ له في تلك الغزوة، إذ الغالب عدم صدور أصحابهم إلاّ بإذنهم خصوصاً في مثل ذهاب الأنفس.

الثاني: حمله بسبب ما تقدّم على التحليل منه ـ عليه السَّلام ـ لذلك الشخص.(2)

ويردّ الأوّل: أنّ محور البحث هو كون البعث والقتال عن إذنه لا كون فرد مأذوناً منه والإذن لفرد واحد غير كاف في تحقّق الشرط، كيف وقد قال في صحيحة معاوية بن وهب: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ ».

ويردّ الثاني: أنّ الظاهر كون المال ملكاً لرجل لأجل الاغتنام لا لأجل التحليل، وإلاّ كان المناسب أن يقول أحللت له الباقي.

والأولى في الاستدلال على القول الثاني أن يقال بعدم التعارض بين المرسلة والصحيحة، وذلك بوجهين:


1 . الوسائل ج6، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 8.رواه الشيخ عن سعد، والمراد به سعد بن عبد اللّه بشهادة روايته عن علي بن إسماعيل بن عيسى الثقة، والرواية صحيحة رجالها كلّهم ثقات، وسند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في المشيخة والفهرست.
2 . الجواهر:16/127.


(49)

1. إنّ المتبادر من الإمام في المرسلة هو الإمام المعصوم، ولكن الصحيحة حاكمة عليها ومفسرة لها وتكشف عن أنّ المقصود هو مطلق الحاكم الإسلامي، ولذلك قال ـ عليه السَّلام ـ : «يؤدّي خمساً ويطيب له»وعلى ذلك فالحروب التي خاضها الأمويون والعباسيون في طريق نشر الدعوة الإسلامية، كانت من مصاديق المرسلة.

ويؤيد ذلك أنّ الإمام في المرسلة بصدد إعطاء الضابطة لما يجري في عصره أو جرى قبل عصره، ولو كان المراد منه الإمام المعصوم لاختص الحكم بعصر الرسول والوصي، وصارت الأعصار اللاحقة، مصداقاً للشق الأوّل.

ومنه يظهر حال صحيحة معاوية بن وهب على القول بدلالتها حيث قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام...» فلو أُريد منها المعصوم يلزم إرجاع كلام الإمام إلى ما لا يكون له موضوع في زمانه إلى يومنا هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد منه فيها هو الأعمّ من المعصوم والعادل و الفاسق، يكون الحكم الصادر ناظراً إلى الحروب الموجودة وأنّها على قسمين.

2. إنّ الموضوع هو الإمام المعصوم أو من نصّبه تنصيباً خاصاً أو عاماً ، ولكنّهم ـ عليهم السَّلام ـ أمضوا ما كان يجري في أعصارهم من الحروب والغزوات وبعث السرايا للدعوة إلى الإسلام وقد صدروا في إمضائهم عن علمهم بمصالح الدين والعباد حيث إنّهم ـ عليهم السَّلام ـ «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع و رواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل».(1)

وعلى ضوء ذلك، يرتفع النزاع، فتكون النتيجة أنّ الغزو إذا كان بأمر حاكم إسلامي، فهو من الغنائم، وإلاّ فيكون الكلّ للإمام، وكلّ ذلك لدفع الهرج


1 . نهج البلاغة، الخطبة 234، والكلمة في حقّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .


(50)

والفوضى.

والفرق بين الوجهين واضح لمن كان له ذوق سليم.

3. صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبوجعفر ـ عليه السَّلام ـ ـ وفيه ـ : «والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله».(1)

وتوهم أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ لم يكن إلاّ في مقام بيان أصل الخمس لا شرائطه كما ترى.

4. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح في حديث:« كلّ أرض فتحت أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، إلى آخر الأبد، وما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور و أهل العدل، لأنّ ذمّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الأوّلين والآخرين ذمّة واحدة».(2)

نجد فيها أنّه عطف الأراضي المفتوحة بيد أهل الجور، على ما فتحت أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعدّ الجميع من الأراضي الخراجية، فيستأنس منها كفاية إذن الجائر في الأراضي وغيرها.

5. ما ورد في باب تحليل الخمس والفيء والأنفال لشيعتهم ليطيب مولدهم، والمتبادر من الروايات هو السبايا ، وهي تحكي عن عدم اشتراط الإذن في تعلّقه بالغنائم وإلاّ كان الجميع لهم، لأنّ هذه الغنائم في عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين كانت مأخوذة بغير إذنهم.(3)


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5. والمراد من الاصطلام وهو الاستيصال .
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.
3 . لاحظ الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1، 19، 20.


(51)

ولا يخفى قوّة أدلّة هذا القول في نفسه، وكلّ ما ذكرنا يصلح لأن يكون قرينة على أنّ المراد من الإمام في مرسلة الوراق، هو مطلق القائد والآخذ بزمام الأُمور باسم الحاكم، وقد عرفت أنّه هو الظاهر من صحيحة معاوية بن وهب، إذ لم يكنلأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ولا للأئمّة من قبله أي إمكان لإرسال السريّة، بل الإمكانيات كلّها كانت بيد الخلفاء والعاملين من قبلهم وهم الذين كانوا يبعثون السرايا إلى القتال، وعلى ذلك فالروايتان ناظرتان إلى التفصيل بين القتال بأمر الخلفاء أو بغير إذنهم، فيخمس في الأُولى دون الثانية، بل يكون الجميع للإمام.ولو كان ذلك الاستظهار صحيحاً لارتفع الخلاف بين الطائفتين من الروايات.

تفاصيل في المسألة

قد تعرفت على القولين وأدلّتهما، فهلمّ معي ندرس التفاصيل الموجودة في حكم المسألة وهي ثلاثة:

الأوّل: المأخوذ على وجه الجهاد والتكليف بالإسلام للإمام، قال الشهيد في الدروس: ويجب في سبعة: الأوّل: ما غنم في دور الحرب على الإطلاق.

1. إلاّ ما غنم بغير إذن الإمام فله 2. أو سرق أو أخذ غيلة فلآخذه.(1)

وأورد عليه في الحدائق بأنّ الظاهر من الأخبار، أنّ الذي يكون للإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ متى كان بغير إذنه ـ إنّما هو ما يؤخذ على وجه الجهاد والتكليف بالإسلام كما يقع من خلفاء الجور لا ما أُخذ جهراً، وغلبة وغصباً ونحو ذلك من ما لم يكن سرقة ولا غيلة فانّه يكون غنيمة بغير إذنه ويكون له، فإنّه لا دليل عليه ولا قائل به في ما


1 . الدروس: 1/258.


(52)

أعلم.(1)

والحاصل: أنّ القدر المتيقن من الأدلّة ما إذا كان للغزو صبغة إسلامية وهي الغزو لغاية الدعوة الإسلامية، لا ما إذا كان لأغراض دنيوية وإلاّ فهي للغزاة مطلقاً.

وجه التفصيل هو أنّ الرسول هو الأُسوة، والآيات النازلة منه بالموضوع فيها هي في الغزو الذي له صبغة إسلامية وأهداف معنوية وأمّا الغزو للأهداف المالية والمناصب الدنيوية فهو خارج عن مفاد الآيات والروايات.

وأمّا غزوة «بدر» فقد كان الهدف معنوياً، لأنّ حركة الرسول من المدينة قد كانت إلهية ليلقي القبض على أبي سفيان والأموال التي كان يحملها إلى مكّة، ليكسر بذلك شوكة الكفر، ويعبِّد الطريق، لدخول الإسلام، فلمّـا أفلت هو وما معه من الأموال استشار أصحابه لحرب أبي جهل ومن معه من قادة الشرك لتحطيم الوثنيّة في الجزيرة وإعلاء كلمة الحقّ، فلبّوه خصوصاً الأنصار، فأمرهم بالرحيل إلى وادي بدر، فأيّ غزوة أولى من غزوة بدر التي أُرغمت فيها أنوف المشركين على وجه أعلنوا الحداد إلى سنة في مكة المكرّمة.

الثاني: الفرق بين زمان الحضور والغيبة، فلو كانت الحرب في زمان الحضور بغير إذن الإمام مع إمكان الاستئذان منه، فالغنيمة للإمام، وإن كان في زمان الغيبة، فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط وإن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام; هذا خيرة السيّد الطباطبائي.


1 . الحدائق: 12/322.


(53)

وهو مخدوش في كلا شقيه:

أمّا زمان الحضور فلما عرفت من إمضائهم ـ عليهم السَّلام ـ لما يقوم به الخلفاء من قتال الكفّار، وعلى ذلك يدور كون المأخوذ غنيمة أو لا مدار إذن الحاكم الإسلامي وعدمه، لا إذن الإمام المعصوم وعدمه.

وأمّا زمان الغيبة فالمأخوذ غنيمة إمّا لعدم اشتراط الإذن كما عليه الماتن، أو لكفاية إذن الحاكم الإسلامي، كما قوّيناه فلا تظهر للاختلاف ثمرة.

نعم، يبقى الكلام معه في تعميمه حيث قال: خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، بل هو المتيقن في كون المأخوذ غنيمة، وأمّا غيره فليست بغنائم بل هي من الفوائد سواء أُخذ بإذن حاكم إسلامي أو لا.

الثالث: ما ذهب إليه السيد الحكيم من التفصيل بين الجهاد والدفاع، فيعتبر الإذن في الأوّل، وإلاّ فالغنيمة كلّها للإمام دون الثاني فيخمس مطلقاً، وسيوافيك حكم الدفاع.

والذي يمكن أن يقال بعد كفاية كون الحرب بإذن حاكم إسلامي، إنّ هنا صورتين:

الصورة الأُولى: إذا كانت الحرب بإذن حاكم إسلامي ولنشر الدعوة الإسلامية فيخمس تخميس الغنائم.

الصورة الثانية: أن لا يكون للحرب صبغة إسلامية، بل كانت حرباً شخصية وأغراض توسعية، فهذا يخمس تخميس الفوائد، فانّ الظاهر ممّا ورد حول الغنائم هو أن تكون الحرب لغاية مقدسة ،فإذا خرجت عن ذلك الإطار فهي غنيمة بالمعنى الأعم لا بالمعنى الأخص، ولكلّ حكم فيستثنى مؤنة السنة فلا يتعلّق بها الخمس في الفوائد والأرباح، فانّ الخمس يتعلّق بها بعد إخراجها دون الغنائم.


(54)

و من الغنائم الّتي يجب فيها الخمس الفداء الّذي يؤخذ من أهل الحرب بل الجزية المبذولة لتلك السريّة، بخلاف سائر أفراد الجزية، و منها أيضاً ما صولحوا عليه، وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم ولو في زمن الغيبة فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مؤنة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب و سائر الفوائد.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ذكر المصنف في المقام أُموراً نتناولها بالبحث واحداً تلو الآخر:

1. الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب.

2. الجزية المبذولة لتلك السرية.

3. ما صولحوا عليه.

4. ما يؤخذ منهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم.

فلا شكّ في وجوب الخمس في الفداء، لأنّه بدل عن المغنم ـ أي الأسير ـ الذي أخذه المسلمون فيعامل بالفداء فيقع موضعه.

إنّما الكلام في أمرين:

1. «الجزية المبذولة » وهو بذل شيء للمقاتلين حسب رؤوسهم، وهي غير الجزية التي تؤخذ من أهل الكتاب إذا عاشوا في ظلّ الدولة الإسلامية بالشروط المقرّرة لأهل الجزية، والهدف من الجزية المبذولة في المقام للسرايا إمّا إيقاف الحرب و الإعلان بالهدنة أو عدم شروعها.

2. «ماصولحوا عليه» والمراد عقد الصلح سواء كان قبل الحرب أو بعدها. وتعلّق الخمس بهما يختلف حسب اختلاف المباني:


(55)

1. الخمس يتعلّق بالغنائم التي يصيبها المسلمون بعد الحرب والغلبة، والمراد من الغلبة هو حصول الانتصار النهائي للمسلمين والهزيمة للعدو كما كان الحال كذلك في غزوة «بدر».

2. كفاية القتال واشتعال نار الحرب وإن لم تكن هناك غلبة وانتصار وكان كلّ من الطرفين مستقراً في مكانه.

3. كفاية التهيّؤ و الاستعداد في دخول كلّ ما يحويه العسكر، تحت عنوان الغنائم.

4. المراد هو التسلّط على مال الكافر بأيّ وسيلة تحقّق ولو كان المتسلِّط فرداً كما هو الحال في حليّة مال الناصب.

لا شكّ في عدم اعتبار الأوّل أي الانتصار النهائي للإسلام والهزيمة للعدو وكفاية اشتعال نار الحرب و إن لم يكن انتصار إذ لا شكّ أنّه لو امتد القتال ولم يحصل هناك انتصار، يطلق على ما حصله المسلمون اسم الغنائم كما كان الأمر كذلك في محاصرة الطائف حيث حاصرها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يحصل الانتصار ورجع إلى المدينة بعد الوقوف هناك حوالي شهر .(1) ويكفي في ذلك إطلاق الآية وخبر أبي بصير: «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ اللّه»(2) وصحيحة معاوية بن وهب «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ عليهم أُخرج منها الخمس».(3)

ومرسل الوراق: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام ... وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس».(4)

وبذلك يظهر أنّ الأقوى هو المبنى الثاني دون الثالث، فيجب التفصيل بين


1 . مغازي، الواقدي: 3/937 ;سيرة ابن هشام:4/125.
2 . الوسائل : ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
3 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3و16.
4 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3و16.


(56)

ما إذا تحقق هناك قتال واستعدّ الخصم وبدفع مبلغ بعنوان الجزية للسرية أو عقد الصلح، دونما إذا لم يكن هناك أي قتال وإنّما استعدّ لدفعه لئلاّ تشتعل نار الحرب، فتكون النتيجة قوة الاحتمال الثاني لا الثالث.

وأمّا المنقول عن تفسير النعماني قال: والخمس يخرج من أربعة وجوه، من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين. حيث إنّ الظاهر إصابة المسلمين بوصف الاجتماع سواء كان هناك قتال أو لا، فغير واضح، لأنّه ليس في مقام البيان، حتى يؤخذ بإطلاقه.

فظهر أنّ الميزان طروء القتال، وصراحة بعضها في مورد الغزو يصدّنا عن التعميم، فيكون الملاك كل غنيمة استولى عليها المسلمون من خلال الحرب والقتال فهو موضوع للخمس دون ما إذا لم يكن هناك قتال بل الخوف من شوكة المسلمين ألجأهم إلى الجزية للسرية أو الصلح فهو من الفوائد المكتسبة.

وأمّا المبنى الرابع، فهو ساقط في المقام وجوازه لا يدل على دخوله في الغنائم المصطلحة.

وتظهر الثمرة: في إخراج مؤنة السنة وجواز تأخيره إلى حيلولة السنة، فعلى فرض كونها من الغنائم بالمعنى الأعم يدفع الخمس بعد إخراج مؤنة السنة ويجوز تأخيرها إلى نهايتها. ولكن الظاهر انتفاء الثمرة لما سيوافيك من أنّ إخراج مؤنة السنة مختصّة بأرباح المكاسب، وأنّ ما وراءها يخمس بلا إخراج المؤنة وإطلاق الدليل يقتضي تعلّقه به مطلقاً من دون حاجة إلى حيلولة الحول، نعم خرجت الأرباح والروايات الواردة مختصّة بها.

بقي الكلام فيما يؤخذ منهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم كما كان هو الحال في غزوة «أُحد»، فالظاهر صدق الغنيمة مع عدم اشتراط الإذن في الدفاع مطلقاً أمكن أم لم يمكن.


(57)

المسألة 1: إذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة، فلا يلاحظ فيها مؤنة السنة، وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغيلة، نعم لو أخذوا منهم بالرباء أو بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مؤنة السنة، وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) فرّق المصنف بين الإغارة والسرقة والغيلة وبين الربا والمأخوذ بالدعوى الباطلة، فألحق الثلاثة بالغنيمة بالمعنى الأخص دون الأخيرين.

وفصّل بعضهم بين الثلاثة الأُوَل ، بإلحاق الإغارة بالغنائم دون المأخوذ عن سرقة وغيلة، كما عليه السيّد الحكيم في مستمسكه.

وألحق بعضهم الكلّ بالفوائد المكتسبة، وتظهر الثمرة في إخراج مؤنة السنة وعدمه وجواز الانتظار إلى حيلولة السنة وعدمه، وعلى كلّ تقدير فالمأخوذ بالإغارة إنّما يحتمل عدّها من الغنائم بالمعنى الأخص إذا كانت الغاية هو تضعيف العدوّ لينقاد إلى دولة الإسلام ،وإلاّ فهو من الغنيمة بالمعنى الأعم قطعاً كما هو الحال في المأخوذ سرقة وغيلة إذا كان فرديّاً، وإنّما الكلام إذا كان بصورة جماعية بحيث عدّ العمل عملاً عسكرياً، وعلى ذلك فالحقّ فيه في السرقة والغيلة هو التفصيل بين ما كان هناك قتال وحرب وقام العسكر في بعض النواحي بالسرقة والغيلة بحيث يعدّ ما فازوا به من نتائج القتال فيلحق بالغنائم بالمعنى الأخص، فإذا لم يكن هناك قتال وحرب بل كان استعداداً فيلحق بالغنائم بالمعنى الأعم، وأمّا المأخوذ، بالمعاملة الربوية أو الدعوى الباطلة، فلا شكّ أنّه من الفوائد المكتسبة سواء قلنا بجواز المعاملة الربويّة أم لا.

وممّا يؤيد ذلك أنّ المراد من الغنائم هو ما يستولي عليها المسلمون خلال الحرب والقتال، ما ورد في مكاتبة علي بن مهزيار: «ومثل عدو يُصْطلم فيُؤخذ


(58)

المسألة 2: يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماله»(1) والمراد من العدو هو العدو من حيث العقيدة، فلو كان مطلق التسلّط على مال العدو كافياً في دخوله في الغنائم بالمعنى الأخص لما صحّ جعله في المكاتبة من الفوائد المكتسبة.

(*) يقع الكلام في مقامات:

1. معنى الناصب.

2. ما هو حكم ماله؟

3. وعلى فرض جواز أخذ ماله، فهل هو من الغنيمة بالمعنى الأخص، أو من قبيل الفوائد المكتسبة؟ فالذي يدل على الحكم، حديثان:

1. صحيحة ابن أبي عمير، عن حفص البختري (الثقة)، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».(2)ورواه ابن إدريس في آخر السرائر عن كتاب «نوادر المصنف» لمحمد بن علي بن محبوب الأشعري الجوهري القمي بنفس السند، وكان الكتاب بخط شيخنا الطوسي فنقله ابن إدريس من خطّه.

2. صحيحة ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الحضرمي، عن المعلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».(3) ورواه في السرائر عن سيف، عن المعلى بلا توسيط أبي


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
2 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7 وقد سقط لفظ «المعلّى» قبل لفظة «مثله» في نسخ الوسائل من الطبعة الحديثة، لاحظ السرائر: 3/607.
3 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7 وقد سقط لفظ «المعلّى» قبل لفظة «مثله» في نسخ الوسائل من الطبعة الحديثة، لاحظ السرائر: 3/607.


(59)

الحضرمي.

فرواه ابن أبي عمير عن الإمام تارة بواسطة واحدة، وأُخرى بثلاث وسائط، وبما أنّ الراوي عن الإمام مختلف، فتارة رواها عنه ـ عليه السَّلام ـ حفص البختري، وأُخرى المعلى بن خنيس، تحسب روايتين وإن اتحدا لفظاً.

ثمّ إنّ سيف بن عميرة في سند الرواية الثانية كوفي ثقة، وأمّا أبو بكر الحضرمي فهو عبد اللّه بن محمد وقد يطلق على محمد بن شريح المجهول، والأقوى وثاقة الأوّل وإن لم يرد فيه توثيق في الأُصول الرجالية.

3. عن فضالة، عن سيف، عن أبي بكر، عن معلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا خمسه».(1)

والروايتان متحدتان لانتهائهما إلى المعلّى في كلتيهما.

فتلخص أنّ الوارد في المقام حديثان ينتهي أحدهما إلى «حفص بن البختري» والآخر ، إلى «معلّى بن خنيس».

4.ويؤيّده خبر إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «مال الناصب وكلّ شيء يملكه حلال إلاّ امرأته فانّ نكاح أهل الشرك جائز، و ذلك أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا تسبّوا أهل الشرك فانّ لكلّ قوم نكاحاً، ولولا أنّا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم، ورجل منكم خير من ألف رجل منهم، لأمرناكم بالقتل لهم، ولكن ذلك إلى الإمام».(2)

5. روى في الفقيه: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «صنفان من أُمّتي لا نصيب لهم في


1 . التهذيب: ج9، المكاسب، الحديث 1150; ونقله في الوسائل ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7. ولاحظ السرائر: 3/606.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 2.


(60)

الإسلام: الناصب لأهل بيتي حرباً، وغال في الدين مارق منه».(1)

إذا وقفت على ما ذكرناه، فلنبحث في المقامات المتقدمة:

المقام الأوّل:

الظاهر أنّ المتبادر من الناصب هو من ينصب العداء لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ويؤيّده كثير من الأحاديث الواردة حول الناصب في الأبواب المختلفة.

ففي باب الأسآر، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كره سؤر ولد الزنا...وكان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب».(2)

وفي باب النجاسات عن خالد القلانسي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : ألقى الذمِّي فيصافحني... قلت: فالناصب؟ قال:«اغسلها».(3) إلى غير ذلك ممّا ورد في أبواب الحمام والأطعمة والأشربة.

وفسره ابن إدريس بمن ينصبون الحرب للمسلمين، وإلاّ فلا يحلّ أخذ مال مسلم ولا ذمي بوجه من الوجوه.(4)

وأورد عليه في الحدائق بوجهين:

1. إنّ إطلاق الناصب على أهل الحرب خلاف المعروف لغة وعرفاً وشرعاً، فانّ الناصب لغة هو: المبغض لعلي ـ عليه السَّلام ـ ، كما نصّ عليه في القاموس، وإن كان أصل معنى النصب، العداوة إلاّ أنّه صار مختصاً بالمبغض له.

2. إنّ إطلاق المسلم على الناصب وأنّه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام


1 . الوافي: 2/229، الباب 23، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج1، الباب 3 من أبواب الأسآر ، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج2، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
4 . السرائر: 3/607.


(61)

خلاف ما عليه الطائفة المحقّة سلفاً وخلفاً من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله.(1)

أقول: إنّ ما فسر به ابن إدريس الناصب(ممّن نصب حرباً للمسلمين) وإن كان بعيداً، لكن يمكن أن يقال: إنّ المراد في خصوص المقام ـ بمناسبة تحليل ماله ـ هو من نصب حرباً لأهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وشيعته لا مطلق الناصب، ويشهد له ما نقلناه عن الفقيه فينطبق على البغاة ،وسيوافيك أنّ الحلال ما حواه العسكر فقط، فلاحظ.

المقام الثاني:

أمّا حكم مال الناصب، فلو صحّ ما فسّر به في الفقيه، وإلاّ فالاعتماد على تلك الروايات مشكل لوجوه:

1. إنّ الأصل في الأموال هو الحرمة، وعليه سيرة العقلاء، ويؤيّده المرسل النبوي: «الناس مسلّطون على أموالهم»، وما روي عن الناحية المقدّسة أنّه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير إلاّ بإذنه، والخروج عن هذه القاعدة القطعية يتوقف على دليل يفيد الاطمئنان بالصدور والدلالة.

2. لم يثبت عمل المشهور بالروايات، ولم يتعرّض للمسألة من القدماء إلاّ ابن إدريس، وقد فسّره بما علمت. نعم استدل صاحب المدارك على جواز أخذ مال الكافر غيلة وسرقة بالحديثين أخذاً بالمناط وإلغاء الخصوصية، وأورد عليه صاحب الحدائق بأنّه أشبه بالقياس.(2)

3. انتحال الناصب بالإسلام صان ماله كالمرتد، فقد اعتصم ماله بإسلامه


1 . الحدائق: 12/323.
2 . الحدائق: 12/323.


(62)

و كذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النصّاب و دخلوا في عنوانهم وإلاّ فيشكل حلّيّة مالهم.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الارتداد.

4. إنّ القيام بذلك، يضرّ بسمعة التشيع في هذه الأعصار ،والأحوط الترك وإرجاع الأمر في ذلك كلّه إلى وليّ الأمر كما أشير إليه في خبر إسحاق بن عمّار.

المقام الثالث:

لو قلنا بجواز أخذ ماله، فهل هو داخل في الغنيمة بالمعنى الأخص، أو داخل في الغنيمة بالمعنى الأعم؟ فإطلاق الدليل يقتضي الأوّل، فيجب إخراج خمسه من دون انتظار حيلولة السنة وإخراج المؤنة، كما عرفت أنّ الحال كذلك في عامة الغنائم لقصور في المخصص، أعني قولهم:«إنّ الخمس بعد المؤنة» فانّه مختص بأرباح المكاسب والصناعات والتجارات والحرف، وأمّا الموارد الأُخر فالمستثنى من الخمس هو مؤنة نفس العمل كإخراج الكنز وتصفية المعدن لا مؤنة سنة الإنسان، وسوف يوافيك بيانه.

(*) قال الشيخ في الخلاف: الباغي: من خرج على إمام عادل، وقاتله ومنع تسليم الحقّ إليه، وهو اسم ذمّ، وفي أصحابنا من يقول: إنّه كافر، ووافقنا على أنّه اسم ذم جماعة من العلماء بأسرهم ويسمّونهم فسّاقاً، وكذلك جماعة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وقال أبو حنيفة: هم فسّاق على وجه التديّن، وقال أصحاب الشافعي: ليس باسم ذمّ عند الشافعي بل هو اسم من اجتهد فاخطأ بمنزلة من خالف من الفقهاء في بعض مسائل الاجتهاد. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاًقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» صريح بذلك، لأنّ المعاداة من اللّه لا تكون إلاّ للكفار دون المؤمنين.(1)

وما ذكره أصحاب الشافعي ناش من رأي مسبّق لهم من تنزيه الناكثين والقاسطين، ولأجل ذلك صاروا ينحتون أعذاراً مفتعلة لتبرير أعمالهم كمسألة الاجتهاد والخطأ فيه، وليت شعري هل يصحّ الاجتهاد تجاه النصوص المتضافرة وبيعة الأُمّة من المهاجرين والأنصار للإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ؟!ويقع البحث في مقامين:


1 . الخلاف: 5/335، كتاب الباغي، المسألة 1.


(63)

المقام الأوّل: في سبي نسائهم وذراريهم من الأطفال

الظاهر من كلمات الأصحاب عدم جواز السبي، وإليك مقتطفات منها:

1. إذا أسر من أهل البغي من ليس من أهل القتال مثل: النساء والصبيان والزمنى والشيوخ الهرمى ـ لا يُحبسون وللشافعي ـ فيه قولان نص في الأُمّ على مثل ما قلناه، ومن أصحابه من قال يحبسون كالرجال الشباب المقاتلين. دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمة، وإيجاب الحبس عليهم يحتاج إلى دليل.(1)

2. وقال المحقّق في كتاب الجهاد: مسائل: الأُولى: لا يجوز سبي ذراري البغاة ولا تملّك نسائهم إجماعاً.(2) ووجهه واضح، لأنّ هذه الذراري والنساء بحكم الإسلام ، ولم يظهر أيّ عداء للإمام أو خروج عليه حتى يتغيّر حكمهم.

3. وقال في المنتهى: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أنّه لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي، أعني: الذين لهم ويرجعون إليهم والذين لا لهم، ولا تملك نسائهم، لأنّهم مسلمون، فلا يستباح ذراريهم ونسائهم.(3)


1 . الخلاف: 5/341، كتاب الباغي، المسألة 7.
2 . الشرائع: 1/337.
3 . المنتهى: 2/988.


(64)

4. وقال في التذكرة : لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي، ولا تملك نسائهم بلا خلاف بين الأُمّة، وقال في أموال أهل البغي التي لم يحوها العسكر لا يخرج من ملكهم، ولا يجوز قسمته بحال.(1)

5. قال في المختلف: المشهور بين علمائنا تحريم سبي نساء البغاة وهو قول ابن أبي عقيل، ونقل عن بعض الشيعة: أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ بالخيار إن شاء منّ عليهم وإن شاء سباهم.(2)

6. وقال في الجواهر ، بعد قول المحقق:«لا يجوز تملك نسائهم إجماعاً» محصلاً ومحكياً عن التحرير وغيره بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه بين أهل العلم وعن التذكرة بين الأُمّة، لكن في المختلف والمسالك نسبه إلى المشهور.(3)

وأمّا النصوص فبعضها يؤيّد عدم الجواز، والأكثر على الجواز، غير أنّ للإمام ـ عليه السَّلام ـ المنّ عليهم كما منّ علي ـ عليه السَّلام ـ .

يدل على الأوّل لفيف من الروايات:

1. روى مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه ،« أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنّه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا».(4)

2. روى أبوالبختري،عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «القتل قتلان: قتل كفارة، وقتل درجة; والقتال قتالان: قتال الفئة الباغية حتى يفيئوا، وقتال الفئة الكافرة حتى يسلموا».(5)


1 . التذكرة: 1/461.
2 . المختلف:4/453، كتاب الجهاد، في أحكام البغاة.
3 . الجواهر:21/334. لاحظ المسالك:3/93.
4 . الوسائل: ج11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، الحديث 10و11.
5 . الوسائل: ج11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، الحديث 10و11.


(65)

فمقتضى كونهم إخوة أو كونهم غير كفرة بل مسلمة باغية عدم التعدي على نسائهم، والغاية هي تحقّق الإطاعة، والمفروض أنّه حصل، وفي سند الروايتين مالا يخفى.

3. روي عن مروان بن الحكم قال: لما هَزَمْنا عليّ بالبصرة ردّ على الناس أموالهم، ومن أقام بيّنة أعطاه، ومن لم يقم بيّنة أحلفه، قال فقال له قائل: يا أمير المؤمنين: اقسم الفيء بيننا والسبي، قال: فلمّا أكثروا عليه، قال: أيُّكم يأخذ أُمّ المؤمنين في سهمه فكفّوا.(1)

ويظهر من بعض الروايات أنّ الحكم هو جواز السبي واستغنام الأموال، غير أنّ الإمام منّ عليهم لمّا كان يعلم من أنّ دولة الباطل ستغلب على شيعته، فلو سار فيهم بالسبي والاستغنام، لسَبَوا شيعته واستغنموا أموالهم.

منها: ما روى عبد اللّه بن سليمان، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ الناس يروون أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قتل أهل البصرة وترك أموالهم، فقال: «إنّ دار الشرك يحلّ ما فيها وإنّ دار الإسلام لا يحلّ ما فيها فقال: إنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ إنّما منّ عليهم كما منّ رسول اللّه على أهل مكة، وإنّما ترك علي ـ عليه السَّلام ـ ،لأنّه كان يعلم أنّه سيكون له شيعة وأنّ دولة الباطل ستظهر عليهم، فأراد أن يُقتدى به في شيعته وقد رأيتم آثار ذلك، هو ذا يُسار في الناس سيرة علي، ولو قتل عليّ ـ عليه السَّلام ـ أهل البصرة جميعاً واتّخذ أموالهم لكان ذلك له حلالاً، لكنّه منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده».(2)

أقول: بما أنّ الروايات من كلا الجانبين غير نقية السند، فالمرجع فعل الإمام


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 5; وهونفس ما رواه عن الصدوق لاحظ رقم 7 من ذلك الباب.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 6; ولاحظ الحديث 3 من ذلك الباب.


(66)

سواء أكان ذلك هو الحكم الأوّلي أو كان من باب المنّة، وفي بعض الروايات إشارة إلى أنّ عليه العمل حتى يقوم القائم.(1)

المقام الثاني: التصرّف في أموالهم

فالمشهور بين الأصحاب في هذا المقام عدم جوازه فيما لم يحوه والجواز فيما يحويه.

1. قال الشيخ في الخلاف: ما يحويه عسكر البغاة يجوز أخذه والانتفاع به ويكون غنيمة يقسّم في المقاتلة، وما لم يحوه العسكر لا يتعرض له.(2)

2. وقال في النهاية، في باب قتال أهل البغي: يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر ويقسم على المقاتلة حسب ما قدّمناه، وليس له مالم يحوه العسكر ولا له إليه سبيل على حال.(3)

3. قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: فأمّا أموالهم فلا يغنم منها إلاّ ما حواه العسكر دون ما سواه ممّا لم يحوه ولا تسبى ذراريهم.(4)

4.وقال ابن زهرة: ولا يغنم ممن أظهر الإسلام من البغاة والمحاربين إلاّما حواه العسكر من الأموال والأمتعة التي تخصهم فقط.(5)

5. وقال المحقّق: وهل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل ويحول؟ قيل: لا، لما ذكرناه من العلّة; وقيل: نعم، عملاً بسيرة علي ـ عليه السَّلام ـ وهو الأظهر.(6)


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1و3 وغيرهما.
2 . الخلاف: 5/346، كتاب الباغي، المسألة 17.
3 . النهاية: 297.
4 . المهذب: 1/326.
5 . الغنية:203.
6 . الجواهر:21/339، قسم المتن.


(67)

6. وقال العلاّمة في المختلف: وقد نقل القول بالجواز، عن العمّاني والإسكافي وابن حمزة وثاني الشهيدين والكركي على ما حكي، وهو خيرته في الكتاب.(1)

نعم هناك قائل بالمنع:وهو المنقول عن السيد المرتضى في الناصريات.

7. قال الناصر لدين اللّه أحمد: «يُغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي...»وقال السيد معلّقاً عليه: هذا غير صحيح، لأنّ أهل البغي لا تجوز غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك، ومرجع الناس كلّهم في هذا الموضع إلى ما قضى به أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في محاربي البصرة، فإنّه منع غنيمة أموالهم، فلما رُجع عليه في ذلك، قال : أيُّكم يأخذ عائشة في سهمه.

وليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي لقتال أهل دار الحرب في هذا الباب كما يخالف في أنّنا لا نتبع مولِّيهم وإن كان اتباع المولِّي من باقي المحاربين جائزاً، وإنّما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي وسلاحهم في حال قيام الحرب.(2)

8. وقال الشيخ في المبسوط: إذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغي إمّا بالهزيمة أو بأن عادوا إلى طاعة الإمام ـ عليه السَّلام ـ وقد كانوا أخذوا الأموال وأتلفوا، وقتلوا نظرت فكل من وجد عين ماله عند غيره فهو أحقّ به، سواء كان من أهل العدل أو أهل البغي، لما رواه ابن عباس: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «المسلم أخو المسلم لا يحلّ دمه وماله إلاّبطيبة من نفسه»،وروى أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ لما هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين ألا تأخذ أموالهم ؟ قال: «لا، لأنّهم تحرّموا بحرمة الإسلام فلا


1 . الجواهر:21/339ـ 440.
2 . الناصريات: 43 المسألة 206; ونقله العلاّمة في المختلف: 4/449 باختلاف كثير في التعبير.


(68)

يحلّ أموالهم في دار الهجرة».(1)

9. ونقل المنع عن ابن إدريس،والعلاّمة، في بعض كتبه، والشهيد في الدروس، وهذه الكلمات تعرب عن وجود قولين معروفين بين الأصحاب.

والدليل الوحيد في المقام فعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ في أهل البصرة والقدر المتيقن، هو أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ ما أحلّ نساءهم ومالم يحوه العسكر.

وأمّا ما حواه العسكر، فالروايات فيه مختلفة:

منها: ما هو ظاهر في عدم الجواز; فعن مروان بن الحكم، أنّه قال قائل لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : اقسم الفيء بيننا والسبي، فلمّا أكثروا عليه قال: «أيّكم يأخذ أُمّ المؤمنين في سهمه فكفّوا».(2) ورواه الصدوق مرسلاً،(3) وهو ظاهر في عدم الجواز.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استفادة حكم المال من عدم جواز السبي مشكل. لعدم دلالة عدم الجواز في الأقوى على عدمه في غيره.

وثانياً: يحتمل أنّ الإمام طرح أُمّ المؤمنين ليقنع بها أصحابه في حقّها حتى يكون مقدمة لإقناعهم في غيرها حتى يتمكّن الإمام من السير بسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أهل مكّة، فلا يدلّ على أنّ الاستغنام كان حراماً.

ومنها: ما يدلّ على الجواز لكنّه منّ عليهم; كصحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لولا أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ سار في أهل حربه بالكفّ عن السبي والغنيمة للقيتْ شيعتُه من الناس بلاءً عظيماً، ثمّ قال: واللّه لسيرته كانت خيراً لكم ما طلعت عليه الشمس».(4)


1 . المبسوط: 7/266.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.
3 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.
4 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.


(69)

ويظهر من بعض الروايات أنّ السيرة محكّمة إلى قيام دولة القائم ـ عليه السَّلام ـ .

روى أبو بكر الحضرمي، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لسيرة علي ـ عليه السَّلام ـ في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم لسُبيتْ شيعتُه» قلتُ: فأخبرني عن القائم ـ عليه السَّلام ـ يسر بسيرته؟ قال: «لا أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ سار فيهم بالمنّ لما علم من دولتهم، وأنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنّه لا دولة لهم».(1)

ومنها: ما يدل على أنّه أمر بردّ ما أخذ، روي عن مروان بن الحكم قال: لما هزمنا علي ـ عليه السَّلام ـ بالبصرة، ردّ على الناس أموالهم، من أقام بيّنة أعطاه، ومن لم يقم بيّنة أحلفه.(2)

ومنها: ما يدل على أنّه قسّم الأموال المحوزة، وقد روى المحدّث النوري روايات في هذا الباب، نكتفي ببعضها:

فعن دعائم الإسلام، لما هزم أهل الجمل جمع كلّ ما أصابه في عسكرهم ممّا أجلبوا به عليه، فخمسه، وقسّم أربعة أخماسه على أصحابه ومضى فلمّا صار إلى البصرة قال أصحابه: يا أمير المؤمنين اقسم بيننا ذراريهم وأموالهم، قال: «ليس لكم ذلك» قالوا: وكيف أحللت لنا دماءهم ولم تحلل لنا سبي ذراريهم؟ قال: «حاربنا الرجال فقتلناهم، فأمّا النساء فلا سبيل لنا عليهن لأنّهن مسلمات وفي دار هجرة، فليس لكم عليهنّ من سبيل، وما أجلبوا به واستعانوا به على حربكم


1 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 ولاحظ الحديث 3و6 من هذا الباب.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.


(70)

وضمَّه عسكرهم وحواه فهو لكم، وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض اللّه وعلى نسائهم العدة، وليس لكم عليهنّ ولا على الذراري من سبيل».(1)

وفي هذه الرواية وما أشرنا إليه في ذيل الورقة دلالة واضحة على التفصيل المحكي عن الأصحاب من التفريق بين ما حازه العسكر وما لم يحزه، فقد أحلّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ ما كان في معسكر القوم من سلاح وكراع وكان المعسكر بعيداً من بلدة البصرة، فلمّا ورد البلد احترم أموالهم ودورهم ونساءهم وذراريهم.

وعلى ذلك فما دلّ من أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمر بردّ ما أخذوه، يحمل على ما إذا أخذوه من غير المعسكر ـ واللّه العالم ـ .

ولمّا كانت الروايات متعارضة، توقف المصنف عن الحكم بالجواز إلاّ إذا انطبق عليهم عنوان الناصب ، وقد عرفت أنّ مجرّد النصب لا يجوّز الأخذ إلاّ إذا أقاموا حرباً.

وبما أنّ البغي لا ينفك عن النصب غالباً فلو نصبوا حرباً، يجوز أخذ ما حواه العسكر.

وأخيراً، نقول: قال محمّد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة (المتوفّى سنة 187هـ) :لو لم يقاتل معاوية علياً ظالماً له متعدياً باغياً كنّا لا نهتدي لقتال أهل البغي.(2)

ومراده، أنّ الدليل في هذا الباب للفقيه، هو قول علي ـ عليه السَّلام ـ وفعله في الحروب الثلاثة، أعني: الجمل وصفين والنهروان.


1 . المستدرك: 11/56، الباب 23 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1; وبهذا المعنى الحديث: 2، 5، 6، 9، 15.
2 . الغدير: 10/275، طبع بيروت نقلاً عن كتاب: الجواهر المضيئة:2/26.


(71)

المسألة 3: يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمّي أو معاهد أو نحوهم ممّن هو محترم المال، وإلاّ فيجب ردّه إلى مالكه.

نعم لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه و إعطاء خمسه وإن لم يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم.

و كذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها. (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ذكر: المصنف فيها فروعاً ثلاثة:

الفرع الأوّل: فيما إذا وجد في المغنم مال له حرمة، كمال المسلم والذمي والمعاهد كالعبيد والإماء وغيرهم.

فقال الشيخ بعدم ردّ الأعيان إلى أصحابها حيث قال: فأمّا العبيد فانّهم يقوّمون في سهام المقاتلة ويُعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال، وكذلك الحكم في أمتعتهم وأثاثاتهم على السواء.(1)

وقال القاضي بدفع الأعيان إلى أصحابها ويدفع الثمن إلى من خرج المغصوب في سهمه كلّ ذلك إذا لم يظفر به قبل القسمة وإلاّ فهو أحقّ بماله بلا كلام قال: وإذا ظفر به وغنم وعرفه صاحبه كان له أخذه واسترجاعه قبل القسمة ووجب تسليمه إليه إذا ثبت له البيّنة، وإن كان بعد القسمة كان ذلك له أيضاً، لكن يدفع الإمام إلى من حصل في سهمه قيمته.(2)

وما اختاره القاضي هو الموافق للقاعدة، لأنّ المالك أحقّ بماله أين ما


1 . النهاية:295.
2 . المهذّب:1/312.


(72)

وجده، وأنّ استيلاء الجيش عليه، لا يخرجه عن ملكه، بل يكشف عن عدم كونه من المغنم رأساً، وأنّ من خرج باسمه، خرج باطلاً، غاية الأمر يعوض سهمه من المغنم نفسه.

هذا مقتضى القاعدة، وأمّا الروايات فمختلفة:

يدل على مختار القاضي صحيح هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سأله رجل عن الترك يُغيرون على المسلمين فيأخذون أولادهم، فيُسرَقُون منهم، أيردّ عليهم؟ قال: «نعم والمسلم أخو المسلم، والمسلم أحقّ بماله أينما وجده».(1) والظاهر أنّ الضمير في «فيأخذون» يرجع إلى الغزاة الترك، وأنّ الفعل الثاني «فيسرقون منهم» مبني على المجهول والضمير يرجع إلى الأولاد، فحكم الإمام ـ عليه السَّلام ـ على السارق المسلم أن يردّ المسروق إلى صاحبه، والسؤال عن الأولاد والجواب بالأموال فيدل على حكم مورد السؤال بالأولى والرواية غير مفصّلة بين بعد القسمة وقبلها. لكن خبر «طربال» يفصّل بينهما وأنّ المقاتل الذي خرج المغصوب في سهمه يرجع إلى أمير الجيش قال: فإن لم يصبها حتّى تفرّق الناس وقسّموا جميع الغنائم فأصابها بعدُ؟ قال: يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البيّنة ويرجع الذي هي في يده إذا قام البيّنة على أمير الجيش بالثمن.(2)

ويدل على مختار الشيخ مرسلة هشام بن سالم من حديث: «وأمّا المماليك فانّهم يقامون(3) في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين»(4) والرواية مخالفة للقواعد أوّلاً وضعيفة للإرسال.

ويظهر من بعض الروايات أنّ صاحب المال أحقّ بماله بشرط دفع ثمنه،


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 3و 5.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 3و 5.
3 . كذا في الوسائل: ولعلّ الصحيح«يقومون» كما يخبر به الشيخ في النهاية.
4 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 1.


(73)

المسألة 4: لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصحّ.(*)

المسألة 5: السلب من الغنيمة فيجب إخراج خمسه على السالب. (**)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ففي مرسل جميل: «وإن وقع عليه قبل القسمة فهو له، وإن جرى عليه القسم فهو أحقّ به بالثمن»(1) وصحيح الحلبي«وإن كانوا أصابوه بعدما حازوه (لعلّ المراد قسّموه) فهو فيء المسلمين فهو أحقّ بالشفعة».(2) والأُولى ضعيفة لإرسالها ، والثانية غير واضحة الدلالة، فالعمل على مقتضى القواعد المؤيدة بصحيح هشام، هو المتعيّن.

الفرع الثاني: لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه، لعدم احترام ماله مادام كونهم محاربين.

الفرع الثالث: ما كان عند المحاربين من أموال أهل الحرب بعنوان الأمانة، يجوز اغتنامه، لعدم احترام أموالهم.

(*) لعدم الدليل على التقييد.

(**) السلب ما يأخذ القاتل من المقتول من اللباس والنقد والسلاح وغيرها، وهنا مسائل ثلاث كان على الماتن الإشارة إليها:

الأُولى: إنّ تعلّق السلب بالسالب هل حكم شرعي فهو له، سواء جعل الإمام أو لا، أو أنّه من الجعائل وإنّما يكون له إذا جعله الإمام له، كسائر الجعائل؟

الثانية: على القول بأنّه من الجعائل فهل يُحْتسب عليه من الإمام أو لا؟


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 4و2.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 4و2.


(74)

الثالثة: ما ذكره الماتن، فهل يجب على السالب إخراج خمسه من باب الغنيمة بالمعنى الأخص، أو لا بل هو من الغنيمة بالمعنى الأعم وإنّما يخمس بعد إخراج مؤنة السنة.

أمّا المسألة الأُولى: فليس في المقام إلاّ مرويات تحكي فعل النبي وأحياناً قوله لكنّهما مجملان مثلاً أنّ قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» كما يمكن أن يكون وارداً لبيان الحكم الشرعي وقد ألقاه بصورة القضية الحقيقية، يمكن أن يكون قضية خارجية وحكماً حكومياً مختصاً بمورده، وكلا الاحتمالين على السواء والقدر المتيقن هو كونه بجعل الإمام كما أفاده الشيخ في الخلاف قال: السلب لا يستحقه القاتل إلاّ أن يشرط الإمام .وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: هو للقاتل وإن لم يشرط له الإمام. وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل. دليلنا : أنّه إذا شرط استحقّه بلا خلاف، وإذا لم يشرط له ليس على استحقاقه له دليل.(1)

وإليك ما روي في غضون كتب الحديث والسيرة من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول السلب:

1. روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «عين» من المشركين، وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفتل. فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اطلبوه فاقتلوه، فقتلتُه فنفّلني سلبَه.

2. روى أبو داود عن عوف بن مالك و خالد بن وليد: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.(2)

والظاهر تكرره لأنّ الأُولى راجعة إلى «خيبر» والثانية راجعة إلى «حنين» بقرينة «الرجلين» عوف بن مالك و خالد بن وليد ،فإنّ الأوّل كان قائد المشركين في غزوة حنين ثمّ أسلم، وقد شارك خالد بن وليد في غزوة مؤتة ورجع مهزوماً وفي


1 . الخلاف: 4/185،، كتاب الفيء، المسألة8، لاحظ المبسوط:2/66.
2 . لاحظ جامع الأُصول:3/292، كتاب الجهاد برقم 1186; والأموال:319 باب نفل السلب.


(75)

فتح مكّة ولم يكن هناك أيّ قتال و«غزوة حنين» التي كانت حرباً طاحنةً بين المسلمين والمشركين.

3.عن أبي قتادة: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال ـ يوم حنين بعدما وضعت الحرب أوزارها ـ: «من قتل قتيلاً له به بيّنة فله سلبه»; و عن أنس قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحده عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم.(1)

وقد عقد أبو عبيد في «الأموال» باباً «لنفل السلب وهو الذي لا خمس فيه»، أورد فيه عدة من الروايات والأقوال للصحابة ، فلاحظ.(2)

نعم كانت السيرة في الجاهلية أنّ السلب للقاتل، ولمّا قتل الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، بطلَ الشرك «عمرو بن عبدود» ولم يسلُبه، قال له عمر بن الخطاب: «هلا استلبْتَه درعَه فانّه ليس من العرب درع مثلها...».

ولما وقفت أُخت عمرو على مقتله سألت عمّن قتله؟ فأخبروها بأنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هو الذي قتله، قالت: كانت منيّته على يد كفو كريم من قومه ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر.

وقال الإمام في ضمن أبيات له يحكي عن الواقعة:

وعففت عن أثوابه ولو أنّني * كنــتُ المقطَّرَ بزَّني أثـــوابي(3)

وظاهر الشعر أنّ الإمام كان له السلب ولكن تركه.

ومع ذلك فالاعتماد عليه مشكل، والقدر المتيقن هو ما ذكرنا.

المسألة الثانية: إذا كان السلب من الجعائل، فهل يحاسب على الإمام أو لا؟


1 . أبو عبيد: الأموال: 306ـ 311، ط دارالكتب العلميّة.
2 . أبو عبيد: الأموال: 306ـ 311، ط دارالكتب العلميّة.
3 . المستدرك على الصحيحين: 3/32; السيرة النبوية لابن هشام: 3/225; والسيرة الحلبية: 2/643.


(76)

قال الشيخ في الخلاف: إذا شرط له الإمام السلَب لا يحتسب عليه من الخمس، ولا يخمس، وعند أبي حنيفة يحتسب عليه من الخمس.

ثمّ استدل عليه بقوله: دليلنا: أنّه ينبغي أن يكون لشرط الإمام تأثير، ولو احتسب عليه من الخمس لم يكن فيه فائدة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ فائدة كلامه هو تعيّن السلب في سهام الخمس، ولولاه يمكن أن يقع في سهام المقاتلين، والأولى أن يستدل بما مرّ في الجعائل، ففي صحيح زرارة قال: الإمام يجري وينفِّل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، وقد قاتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوم لم يجعل لهم في الفيءنصيباً، وإن شاء قسّم ذلك بينهم.(2)

المسألة الثالثة: هل يجب على السالب، تخميس السلب أو لا؟ قال الشيخ في الخلاف: ولا يخمس ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي: لا يخمّس، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وقال ابن عباس : يخمس السلب قليلاً كان أو كثيراً، وقال عمر: إن كان قليلاً لا يخمّس وإن كان كثيراً يخمس، واستدل الشيخ على عدم تخميسه بأنّ ظاهر شرط الإمام يقتضي أنّه له، ومن قال إنّه يُخمَّس فعليه الدلالة.(3)

وما أشار إليه هو الدليل الواضح، وهو أنّ ظاهر الجعل أنّ السلب كلّه له، لا أربعة أخماسه، وتظهر الثمرة في إخراج مؤنة السنة وعدمه، فعلى القول بأنّه من الغنيمة بالمعنى الأخص يخمّس قبل لحاظ مؤنة السنة، بخلاف ما إذا قلنا إنّه من الأرباح والفوائد.

والظاهر انتفاء الثمرة لما قلنا من انصراف ما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤنة


1 . الخلاف: 4/186، كتاب الفيء، المسألة 9.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
3 . الخلاف: 4/186، كتاب الفي، المسألة 9، بتلخيص.


(77)

الثاني: المعادن من الذهب والفضّة و الرصاص والصفر والحديد والياقوت والزبرجد والفيروزج والعقيق و الزيبق والكبريت والنفط والقير والسبخ و الزاج و الزرنيخ وا لكحل و الملح، بل والجصّ والنورة و طين الغسل و حجر الرحى و المغرة ـ وهي الطين الأحمر ـ على الأحوط، و إن كان الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة، بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤنة السنة، والمدار على صدق كونه معدناً عرفاً، وإذا شكّ في الصدق لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثيّة، بل يدخل في أرباح المكاسب، ويجب خمسه إذا زادت عن مؤنة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه. (*)

ـــــــــــــــــــــــــ

إلى أرباح المكاسب، لا مثل الجعائل، فالظاهر تعلق الخمس به كما في المتن.

وإذا كان السلب يُملّك بإذن الإمام فلا فرق بين أن يكون السالب قاتلاً، أو لا، ولعلّ تعبير الماتن بالسالب مكان القاتل مبنيّ على ما ذكرناه.

(*) يقع الكلام في أُمور:

1. الركاز وما يراد منه

قد ورد التعبيرعنه تارة بالركاز، وأُخرى بالمعدن، أمّا الأوّل فقد روى الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن أبي جعفر، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس. وقال: ما عالجته بمالك، ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى، الخمس».(1)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.


(78)

وقد ورد نفس اللفظ عن طرق أهل السنّة، غير أنّهم اختلفوا في معناه، فهل هو أعمّ من المعدن والمال المدفون كما عليه العراقيون، أو خصوص الكنز كما عليه الحجازيون؟ و الأوّل هو الحقّ، روى أبو هريرة ، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس».(1) وقد جاء المعدن في مقابل الركاز فخص الخمس بالركاز وهو الكنز.

أقول: يمكن أن يراد من الركاز المعنى الأعم، وبما أنّ الخمس في مطلق الركاز لا في خصوص المعدن عدل عنه إلى الركاز.

ويؤيده ما روي من أنّ المزني، سأل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن اللقطة توجد في الطريق العامر، أو قال: الميْتاء؟ فقال: «عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلاّفهي لك»، قال: يا رسول اللّه فما يوجد من الخرب العاديّ؟ قال: «فيه وفي الركاز الخمس».(2)

والمراد من «الخرب العادي» الخرابات المنسوبة إلى عاد القبيلة المعروفة التي أُرسل إليها هود ـ عليه السَّلام ـ .

فقد استدل أبو عبيد، بهذه الرواية على أنّ الركاز استعمل في مقابل المال المدفون، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فيه وفي الركاز الخمس» فيكون بمعنى المعدن ولم يرتض محقّق الكتاب ذاك التفسير من أبي عبيد ورماه بالتكلّف في فهم الحديث، وقال: كلّ من


1 . الأموال: 332، والعجماء الدابة المتروكة و«جبار» هدر، و المراد لا ضمان على صاحب الدابة إذا ضرب الآخر، كما لا ضمان على من يحفر المعدن في ملكه أو موات فيسقط فيه أحد المارة فيموت فلا ضمان عليه.
2 . الأموال: 332; والميتاء، الطريق المسلوكة وقد وردت هذه اللفظة في أحاديث العترة ـ عليهم السَّلام ـ ، فلاحظ الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3، فقد استعمل الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في المعادن وهو مدنيّ.


(79)

الركاز والمال المدفون غير المعدن، فالركاز هو المال القديم الذي تكون سكّته من ضرب الجاهلية، والمال المدفون (فما يوجد في الخرب العادي) هو النقود التي يُخبئها أصحابها في الخربات وتكون سكّتها مضروبة في الإسلام، فجعل حكمها حكم الركاز في وجوب الخمس، لأنّ كلاًّ منهما حصل بلا نفقة ولا عمل.

وقد خفي على المحقّق بأنّه لم يكن وقت صدور الحديث أيّ سكّة إسلامية وعندئذ كيف يمكن تفسير «الخرب العادي» بما يخبأ من النقود الإسلامية فيه؟

ولقد أحسن أبو عبيد، وقال: فقد تبيّن لنا أنّ الركاز سوى المال المدفون لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وفيه وفي الركاز» فجعل الركاز غير المال ،فعلم بهذا أنّه المعدن، وقد روي عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أنّه جعل المعدن ركازاً في حديث يروى عنه مفسّراً.

وقد روى أبو عبيد، عن الحرث بن أبي الحرث الأزدي، أنّ أباه كان من أعلم الناس بالمعدن، وأنّه أتى على رجل قد استخرج معدناً فاشتراه منه بمائة شاة مُتْبِع، فأتى أُمّه، فأخبرها ، فقالت: يا بنيّ إنّ المائة ثلاثمائة، أُمهاتها مائة، وأولادها مائة، وكفاتها مائة، فارجع إلى صاحبك فاستقله، فرجع إليه، فقال: ضع عنّي خمس عشرة فأبى ذلك. قال فأخذه، فأذابه فاستخرج منه ثمن ألف شاة، فقال له البائع: رُدّعليّ البيع. فقال: لا أفعل، فقال: لآتينّ علياً فلأثينّ(1) عليك، فأتى عليّاً ـ يعني علي بن أبي طالب ـ فقال: إنّ أبا الحارث أصاب معدناً، فأتاه علي فقال: «أين الركاز الذي أصبت؟» فقال: ما أصبت ركازاً إنّما أصابه هذا فاشتريته منه بمائة شاة متّبع، فقال له علي:«ماأرى الخمس إلاّ عليك»، قال: فخمس المائة شاة.

قال أبو عبيد: أفلا ترى أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قد سمّى المعدن ركازاً، وحكم عليه


1 . يقال: أثيت بالرجل إلى السلطان والمراد أسعى.


(80)

بحكمه، وأخذ منه الخمس. ونقل عن ابن شهاب أنّه سئل عن الركاز والمعادن، فقال: يخرج من ذلك كلّه الخمس.(1)

وعلى كلّ تقدير، فقد نقل أبو عبيد اختلاف العراقيين مع الحجازيين في معنى الركاز، وأنّ أهل العراق يقولون بأنّه الأعم بخلاف الحجازيين فهو المال المدفون خاصة عندهم، ونصر أبو عبيد مذهب العراقيين ونقد مذهب الحجازيين وفي مقدمهم، مالك، حيث كان يقول: المعدن بمنزلة الزرع يؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حين يحصد، وقال: هذا ليس بركاز، إنّما الركاز دفن الجاهلية الذي يوجد من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كبير عمل، وهذا رأي مالك وأهل المدينة، وأمّا الآخرون فيرون المعدن ركازاً ويجعلون فيه الخمس بمنزلة المغنم.(2)

وعلى قول العراقيين يصرف الخمس فيما يصرف فيه خمس المغنم بخلاف ما إذا ألحقناه بباب الزكاة، فإنّ مصرف الزكاة ومقدار ما يخرج منها يخالف الخمس كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الرواية على تفسيرها بالمعدن دليل على وجوب الخمس فيه، وهو مذهب الشيعة.

وأمّا أهل السنة فلم يقل أحد بالخمس في المعدن إلاّ أباحنيفة على التفصيل الذي نقله الشيخ عنه في الخلاف(3)، والشافعي في أحد أقواله على ما نقله العلاّمة في التذكرة.(4)

هذا كلّه حول الركاز، وإليك الكلام في العنوان الآخر ، أعني المعدن:


1 . الأموال: 335ـ 336، 334.
2 . الأموال: 335ـ 336، 334.
3 . الخلاف: 2/116، كتاب الزكاة، المسألة 138، سيوافيك نصه.
4 . التذكرة:5/411.


(81)

2. المعدِن وما يراد منه

1. قال في اللسان: المعدن من عدن بالمكان، أقام فيه; وعدنتُ البلد، توطنتُّه; ومركز كلّ شيء معدنه; واسم «عدنان» من «العدن»، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، وإنّما سمّي المعدن معدناً، إمّا لأنّه المكان الذي يثبت فيه الناس لأنّ أهله يقيمون فيه ولا يتحولون عنه شتاءً ولا صيفاً، وإمّا لإنبات اللّه فيه جوهراً وإثباته إيّاه في الأرض حتى عدن أي ثبت فيها.(1)

2. وقال أحمد بن فارس في المقاييس: «عدن» العين والدال والنون أصل صحيح يدل على الإقامة. وقال الخليل: العدن، إقامة الإبل في الحَمض خاصة، تقول: عدنتْ الإبل، تعدِن، عدناً، والأصل الذي ذكره الخليل هو أصل الباب، ثمّ قيس به كلّ مقام، فقيل: جنّة عدن، أي إقامة، ومن الباب المعدن معدن الجواهر، و يقيسون على ذلك فيقولون: هو معدن الخير والكرم.(2)

3. وقال الفيروز آبادي في القاموس، بعد الإشارة إلى أنّه في الأصل من الإقامة :والمعدن كمجلِس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه لإقامة أهله فيه دائماً أو لإنبات اللّه عزّ وجلّ إيّاه فيه، ومكان كلّ شيء فيه أصله.(3)

والظاهر من كلماتهم أنّ المعدن كلّ ماله أصل في الأرض، سواء كان من الفلزّات أم من غيره سواء كانت في أعماق الأرض أم في ظاهرها، كما أنّ الظاهر أنّه اسم للمحلّ، ولكن الظاهر من الروايات أنّه اسم للحالّ أيضاً، وكأنّه من باب تسمية الحال باسم المحل ثمّ صار حقيقة.


1 . اللسان:13/279.
2 . معجم مقاييس اللغة:4/248، مادة «عدن».
3 . القاموس المحيط: 4/246 ـ 247، مادة «عدن».


(82)

ولكن الكلام في أنّ المراد منه ماهو؟ هل هو مركز كلّ شيء، أو شيء خاص؟ وعلى الثاني، فهل المراد خصوص الذهب والفضة، أو بإضافة مطلق الفلزات التي تقبل الانطباع والصّياغة بالحرارة، أو مطلق ما خرج عن اسم الأرض وتبدّل منها إلى صورة نوعيه خاصة كما في القير والنفط والزيبق، أو مطلق ما اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها وإن لم يخرج عن حقيقة الأرض كما في الأحجار الكريمة؟

ولا يظهر من اللغويين تحديد واضح، واللازم الرجوع إلى كلمات الأصحاب وأحاديث الباب حتى تظهر سعة الموضوع وضيقه.

كلمات الأصحاب

1. قال المحقّق: المعادن سواء كانت منطبعة كالذهب والفضة والرصاص، أو غير منطبعة كالياقوت والزبرجد والكحل، أو مائعية كالقير والنفط والكبريت.(1)

2. قال العلاّمة في المنتهى: يجب الخمس في كلّ ما يطلق عليه اسم المعدن، سواء كان منطبعاً بانفراده كالرصاص والنحاس والحديد أو مع غيره كالزيبق، أو غير منطبع كالياقوت والفيروزج والعقيق، أو مائعية كالقير والنفط والكبريت.(2)

3. وقال في التذكرة: المعادن، وهي: كلّ ما خرج من الأرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة سواء كان منطبعاً بانفراده كالرصاص والصفر والنحاس والحديد، أو مع غيره كالزيبق، أو لم يكن منطبعاً كالياقوت والفيروزج والبلخش والعقيق و البلور والسَّبَج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة والملح، أو كان مائعاً


1 . الشرائع:1/179.
2 . المنتهى:1/545.


(83)

كالقير والنفط والكبريت.(1)

ولولا التمثيل بالأحجار الكريمة، لكان المعدن عندهم عبارة عن كلّ ما خرج عن حقيقته الأرضية، ويتخذ المحلُ صورة نوعية خاصة غير أنّ التمثيل بها يصدّنا عن النسبة، لأنّ الأحجار من جنس الأرض ومسمّاها لكنّها من أعلاها تبذل بإزائها الأموال.

4. وقال في الدروس:المعادن على اختلاف أنواعها حتى المغرّة والجص، والنورة، وطين الغسل، والعلاج وحجارة الرحى والملح والكبريت.(2)

5. وقال الشهيد الأوّل في البيان: المعادن واشتقاقها من عدن إذا قام لإقامتها في الأرض، سواء كانت منطبعة كالنقدين والحديد والصفر والرصاص، أم غير منطبعة كالياقوت والعقيق،والبلخش والفيروزج، أم سائلة كالقار والنفط والكبريت والملح وألحق به حجارة الرحى وكلّ أرض فيها خصوصية تعظم الانتفاع بها كالنورة والمغرة والجصّ.(3)

أقول: لا شكّ أنّ تخصيص المعدن بالفلزات فضلاً عن تخصيصه بالذهب والفضة لا دليل عليه بعد تفسير المعدن بكلّ ما ثبت وركز في الأرض، فيشمل كلّ ما خرج بإشراق الشمس ونزول الأمطار عن حقيقته الأرضية كالملح والنفط سواء كان مائعاً أو لم يكن مائعاً.

إنّما الكلام في شموله: لكلّ ما يعظم الانتفاع به وإن كان يعدّ أرضاً سواء قبل عملية الإحراق كالجص أو لا كأحجار الرحى والرخام المستعملة في الأبنية فإن صدق المعدن عندنا وأحرزت وحدة المفهوم في زماننا وعصر صدور الروايات، وإلاّ فالمتّبع النصوص، وإن شك فيرجع إلى مقتضى القواعد، وسيوافيك مقتضاها. وإليك النصوص البيانية.


1 . التذكرة:5/409.
2 . الدروس: 1/260.
3 . البيان: 214.


(84)

المعدن في النصوص

اختلف لسان الروايات من حيث السعة والضيق على طوائف:

1. ما يخصّه بالفلزات كالذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص.

روى محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر، والحديد، والرصاص فقال: «عليها الخمس جميعاً».(1)

ومثله صحيح الحلبي.(2)

2. ما خرج عن حقيقة الأرض وأخذ لنفسه صورة نوعية غيرها.

روى محمد بن مسلم قال :سألت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ عن الملاّحة فقال: «وما الملاّحة؟» فقلت: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، فقال: «هذا المعدن فيه الخمس» فقلت : والكبريت والنفط يخرج من الأرض؟ قال: فقال: «هذا وأشباهه فيه الخمس».(3) وما جاء في هذه الرواية بجمعها خروجه عن حقيقة الأرض.

ويمكن تعميمه إلى ما يخرج عنها ابتداء كالنفط، أو انتهاءً وهذا كالجص والنورة فانّهما بعد الإحراق لا يصدق عليهما الأرض.

3. ما يدلّ على شرطية وجود جذر له في الأرض.

ففي صحيح زرارة سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» وقال:« ما عالجته بمالك ففيه ـ ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى ـ الخمس».(4)

وعلى ذلك، فمثل الملاحة بالمعنى الوارد في الحديث ليس بمعدن ويلحق به حكماً ويؤيده أنّ الصدوق رواه بالنحو التالي: «هذا مثل المعدن فيه الخمس».


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3من أبواب ما فيه الخمس، الحديث 1و2.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3من أبواب ما فيه الخمس، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4و3.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4و3.


(85)

فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ المعدن عبارة عمّا خرجت في ظلّ عوامل طبيعية عن الصورة الأرضية وكان لها جذر في الأرض، فيشمل الزبرجد والياقوت والعقيق.

نعم أحجار الرحى وأمثالها التي ينتفع بها أكثر مما ينتفع بغيرها ليست من المعادن، كالطين الأحمر .

والحاصل: أنّه مادام تصدق عليه الأرض ولم يخرج عن صورتها النوعية وإن كانت ذات فوائد كثيرة ليست بمعدن، فلو شكّ في مورد، فالمرجع ، هو العموم، إلاّ إذا ثبت كونه معدناً.

والمراد من العموم هو قوله: «الخمس على جميع ما يستفيد الرجل من قليل أو كثير من جميع الضروب».(1) وعلى ذلك يتعلّق الخمس بالمشكوك، وإن لم يبلغ النصاب الخاص للمعدن، ولا يتعلّق الخمس إلاّ بما زاد عن مؤنة السنة، لو قلنا بتعلّقه بكلّ فائدة وعدم اختصاصه بالتجارة والكسب، كما هو الحقّ على ما سيوافيك.

فإن قلت: إنّ التمسك بالعموم في مورد المشكوك، تمسّك بالعام في مورد الشبهة المصداقية للخاص وهو غير جائز.

قلت: إنّ إجمال المخصص مفهوماً إنّما يسري إلى العام إذا كان متّصلاً به مثلاً إذا قال: أكرم العلماء غير الفساق، وشكّ في أنّ مرتكب الصغيرة، فاسق أو لا، فلا يمكن التمسك في مورده لا بالعام ولا بالخاص، لا ما إذا كان منفصلاً، فلا يسري إجماله إلى العام فلو قال: أكرم العلماء، ثمّ قال في مقام آخر، بأنّه لا تكرم فساق العلماء، ففي مورد الشكّ يتمسّك بعموم العام ويحكم بوجوب إكرام مرتكب الصغيرة من العلماء، وذلك لأنّ العام حجّة في تمام أفراده إلاّ إذا ورد دليل


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(86)

ظاهر على إخراج فرد أو نوع ممّا لم تدل حجّة على خلافه يؤخذ به، والتفصيل في الأُصول.

إلى هنا تبين وجوب الخمس في المعدن بالمعنى الذي عرفت.

وأمّا أهل السنّة فلم يقل بوجوب الخمس في المعادن إلاّ أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وأمّا الباقون فقالوا بوجوب الزكاة إذا بلغ المخرَج حدّ النصاب.

قال الشيخ في الخلاف: المعادن كلّها يجب فيها الخمس من الذهب والفضة. إلى أن قال:

وقال الشافعي: لا يجب في المعادن شيء إلاّالذهب والفضة، فانّ فيهما الزكاة وماعداهما ليس فيه شيء انطبع أو لم ينطبع.

وقال أبو حنيفة: كلّما ينطبع مثل الحديد والرصاص والذهب والفضة ففيه الخمس، وما لا ينطبع فليس فيه شيء، مثل الياقوت والزمرّد والفيروزج، فلا زكاة فيه، لأنّه حجارة.(1)

وقال العلاّمة: الواجب في المعادن الخمس لا الزكاة، عند علمائنا. وبه قال أبو حنيفة وخصّه بالمنطبعة. وقال الشافعي : لا يجب إلاّفي معدن الذهب والفضّة خاصّة على أنّه زكاة، لأنّه مال مقوّم مستفاد من الأرض فأشبه الطين.(2)

والصحيح أن يقول: فأشبه الزرع كما قال مالك على ما رواه أبو عبيد في الأموال.(3)


1 . الخلاف:2/116، كتاب الزكاة، المسألة 138.
2 . التذكرة:5/410.
3 . الأموال: 342.


(87)

ولا فرق في وجوب إخراج خمس المعدن بين أن يكون في أرض مباحة أو مملوكة، و بين أن يكون تحت الأرض أو على ظهرها، ولا بين أن يكون المخرج مسلماً أو كافراً ذمّياً، بل و لو حربيّاً و لا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً، وعاقلاً أو مجنوناً فيجب على وليّهما إخراج الخمس و يجوز للحاكم الشرعيّ إجبار الكافر على دفع الخمس ممّا أخرجه و إن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هنا فروع

1. لا فرق في المعدن بين كونه واقعاً في أراضي مباحة أو مملوكة لإطلاق الأدلّة، ويتملّك المعدن تبعاً للأرض في الأراضي المملوكة على الحدّ الذي يعدّ تبعاً للأرض وإلاّ فلا، وبالإحياء والحيازة في الأرض المباحة، ويشترط الإذن من الإمام ـ عليه السَّلام ـ أو نائبه في القسم الثاني الذي يعدّ من الأنفال، وثبوت الإذن العام للشيعة في زمان الغيبة بلا حاجة إلى الاستئذان من الفقيه، مشكل.

2. لا فرق بين كون المعدن تحت الأرض أو ظهرها، لصحيحة محمّد بن مسلم(1) الماضية بشرط أن يكون مدخراً طبيعياً لا مطروحاً، فلو وجد شيء من المعدن في الصحراء فأخذه فلا خمس فيه من باب المعدن. نعم يمكن أن يقال بوجوبه لعدم الموضوعية للاستخراج والملاك هو العثور على المعدن كما سيوافيك.

3. لا فرق بين أن يكون المخرِج مسلماً أو كافراً ذمياً ولو حربياً، أمّا المسلم فواضح، وأمّا الكافر فهو مبني على أحد أمرين:


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.


(88)

1. كونه مكلّفاً بالفروع كتكليفه بالأُصول وإن كان لا يقبل منه، لأنّ الأداء مشروط بالإيمان.

2. كون الخمس حقّاً مالياً للغير متعلّقاً بماله كتعلّق الأروش والديات بماله، وعلى الجملة، فهو ضريبة متعلّقة بالمال ولا عبرة بالمالك كالضمان والجناية، والكفّار وإن لم يكونوا مكلّفين بالفروع ولا يتوجّه إليهم تكاليف لكن الضرائب والغرامات والضمانات بل كلّ الأُمور الوضعية ليست إلاّ أُموراً وضعية لها أسباب شرعية أو عقلائية، فالعبرة هناك بالأسباب والمسبّبات دون الأفراد والأشخاص، فلو قتل الكافر خطأ أو جرح إنساناً أو غير ذلك يتعلّق بذمّته أو ماله الدية، ويؤيّده ظهور الآية، فهي ظاهرة أنّ الخمس من الغنيمة ملك للمستحق من غير فرق بين كون المالك مسلماً أو كافراً.

وما ذكر من التقريب صحيح لولا أنّ النصوص صريحة في عدم وجوب شيء آخر للذمي سوى الجزية على الأموال أو الرؤوس; روى الكليني بسند صحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ في أهل الجزية يؤخذ من أموالهم ومواشيهم شيء سوى الجزية ؟ قال: «لا».(1)

ثمّ إنّ التفريق بين الزكاة فيشترط في وجوبها، البلوغ; والخمس، فلا يشترط، ويجب على الولي تخليص ماله من الحقّ الثابت فيه، يحتاج إلى الدليل، حيث قالوا في الزكاة: لا تجب على غير البالغ في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول، ولا على غير بالغ في بعضه اعتماداً على ما ورد من النص :«ليس على مال اليتيم زكاة، وإن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، ولا عليه فيما بقي حتى يدرك»(2) والزكاة والخمس من باب واحد، كلاهما فريضة ماليّة، يجب إيصالها إلى أصحابها،


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 68 من أبواب جهادالعدوّ ،ص 115.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3.


(89)

و يشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مؤنة الاخراج و التصفية ونحوهما، فلا يجب إذا كان المخرج أقلّ منه، و إن كان الأحوط إخراجه إذا بلغ ديناراً بل مطلقاً.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

والتقريب المذكور في مورد الكافر، جار في الصبي والمجنون، لولا حديث رفع القلم عن ثلاثة(1) فانّ مقتضى إطلاق رفع قلم التكليف عنهما، هو عدم تعلّق تكليف فيهما لا وضعاً ولا تكليفاً ومعه لا ينتفي الاستدلال المذكور.

وممّا ذكرنا يعلم النظر في ما ذكره المصنف حيث قال: ولا بين أن يكون بالغاً أو صبيّاً أو عاقلاً، أو مجنوناً فيجب على وليهما إخراج الخمس.

كما يظهر النظر في قوله: ويجوز للحاكم الشرعي إجبار الكافر على دفع الخمس ممّا أخرجه وإن كان لو أسلم سقط عنه مع عدم بقاء عينه. لما عرفت من ظاهر الأدلّة عدم وجوب شيء عليه سوى الجزية.

(*) في نصاب المعدن

اختلفت كلمة أصحابنا في بلوغ ما أخرج من المعدن إلى حدّ خاص إلى أقوال خمسة كما سيوافيك، لكنّ الظاهر من أبي حنيفة أنّه يجب الزكاة في قليله وكثيره خلافاً للشافعي ومالك، وإليك نصّ الشيخ:

قال الشيخ في الخلاف: قد بيّنا أنّ المعادن فيها الخمس ولا يراعى فيها النصاب. وبه قال الزهري وأبو حنيفة كالركاز سواء.

قال ابن قدامة في كتاب الزكاة: الفصل الثالث في نصاب المعادن، وهو ما يبلغ من الذهب عشرين مثقالاً ومن الفضّة مائتي درهم، أو قيمة ذلك من غيرهما


1 . الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدّمات العبادات ، الحديث 11.


(90)

وهذا مذهب الشافعي.(1) وأوجب أبوحنيفة الخمس في قليله وكثيره من غير اعتبار نصاب بناء على أنّه ركاز لعموم الأحاديث التي احتجّوا بها عليه، ولأنّه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب كالركاز.(2)

وقال ابن رشد في كتاب الزكاة: المسألة الخامسة: وهي اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن وقدر الواجب فيه، فانّ مالكاً والشافعي راعيا النصاب في المعدن، وإنّما الخلاف بينهما أنّ مالكاً لم يشترط الحول واشترط الشافعي، وكذلك لم يختلف قولهما أنّ الواجب فيما يخرج منه، هو ربع العشر، وأمّا أبو حنيفة فلم ير فيه نصاباً ولا حولاً، وقال: الواجب هوالخمس.(3)

وأمّا أقوال أصحابنا ـ رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ـ فلهم أقوال خمسة:

1. عدم اعتبار النصاب: اختاره الشيخ في الخلاف وقدعرفت عبارته; وأطلق ابن البرّاج وقال: وأمّا المعادن التي ذكرناها، فإنّه يجب فيه الخمس في كلّ شيء منها.(4)

وحكى ابن سعيد الحلي، في الجامع للشرائع القولين بلا ترجيح، وقال: ولا يعتبر قدره (النصاب) في المعادن على قول، وعلى قول آخر يعتبر نصاب الزكاة، وقيل: يعتبر فيها دينار.(5)

وحكى هذا القول عن الشيخ في اقتصاده، وقال العلاّمة في المختلف: وأطلق ابن الجنيد وابن عقيل والمفيد والسيد المرتضى وابن زهرة وسلاّر واختار ابن


1 . ما ذكره الشافعي من النصاب وقدر الواجب راجع إلى الزكاة فانّه لا يقول في المعادن إلاّ بالزكاة.
2 . المغني :3/24.
3 . بداية المجتهد:250.
4 . المهذّب: 1/178.
5 . الجامع للشرائع:149.


(91)

حمزة الأوّل(اعتبار النصاب)واختار ابن البرّاج قوله في الخلاف وهو قول ابن إدريس.(1)

أقول: قد عرفت أنّ ابن البرّاج في المهذّب قد أطلق ولم يُصرِّح بعدم النصاب، وعلى ذلك فلم يظهر اختيار ذاك القول إلاّ من الشيخ في خلافه واقتصاده وإلاّ من ابن إدريس، ويظهر الميل إليه من المحقّق في شرائعه كما سيجيئ.

2. بلوغه ديناراً واحداً: اختاره أبوالصلاح في الكافي، قال: وما بلغ من المأخوذ من المعادن والمخرج بالغوص قيمة دينار فمازاد.(2)

وقال في المختلف: رواه ابن بابويه في المقنع ومن لا يحضره الفقيه.

3. بلوغه عشرين ديناراً: أفتى به الشيخ في النهاية، والمبسوط.

قال في النهاية: ومعادن الذهب والفضة لا يجب فيها الخمس إلاّ إذا بلغت إلى القدر الذي تجب فيه الزكاة.(3)

وقال في المبسوط: وجميع ما ذكرناه يجب فيه الخمس قليلاً أو كثيراً ومعادن الذهب والفضّة فانّه لا يجب فيها الخمس إلاّ إذا بلغت إلى القدر الذي يجب فيه الزكاة.(4)

والتعبير في كلا الكتابين مأخوذ من الرواية، ونقله المحقّق، احتمالاً في المسألة وقال: ويجب فيه الخمس بعد المؤنة، وقيل: لا يجب حتى يبلغ عشرين


1 . المختلف، كتاب الخمس:3/318.
2 . الكافي : 170.
3 . النهاية:197.
4 . المبسوط:1/237.


(92)

ديناراً وهو المروي والأوّل أكثر.

ومثله العلاّمة في التذكرة قال: يجب الخمس في المعدن بعد تناوله وتكامل نصابه إن اعتبرناه.(1)

ويقرب منه قوله في المنتهى.(2) والظاهر أنّ مراده من النصاب هو بلوغ العشرين.

واختاره صاحب المدارك ونسبه إلى عامة المتأخرين.

وقال في المسالك: إنّه المروي والعمل على المروي.

وقال في الحدائق: اختاره ابن حمزة وعليه جمهور المتأخرين.(3)

4. اعتبار أقلّ الأمرين من نصاب النقدين: أي بلوغه إمّا إلى عشرين ديناراً أو مائتي درهم، وهو للفقهاء المعاصرين.

5. نقل الشهيد الثاني في المسالك اكتفاء الشهيد وجماعة ببلوغه مائتي درهم، لأنّها كانت قيمة عشرين ديناراً في صدر الإسلام.(4)

هذه هي الأقوال، وليست المسألة إجماعية، والآراء مستندة إلى الروايات، فيجب دراستها:

أمّا القول الأوّل: فقدتمسّك له بإطلاق روايات دلّت على الخمس في المعدن من دون ذكر النصاب، كرواية عمّار بن مروان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف


1 . التذكرة:5/411.
2 . المنتهى:1/545.
3 . الحدائق: 13/330.
4 . مسالك الافهام:1/459.


(93)

صاحبه والكنوز، الخمس».(1)

ومرسل ابن أبي عمير: الخمس على خمسة أشياء على: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة. ونسي ابن أبي عمير الخامس.(2)

والجواب عنه واضح، لأنّ الإطلاق فيهما في مقام بيان أصل الحكم دون شرائطه أوّلاً، وإمكان تقييدهما بما دلّ على النصاب ثانياً.

وقد عرفت أنّ القائل به مثل الشيخ اضطربت كلماته، وأنّ الآخرين غير ابن إدريس أطلقوا، والإطلاق ليس دليلاً على النفي.

وأمّا القول الثاني: فقد استدل بصحيح البزنطي، عن محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعن معادن الذهب والفضّة هل فيها زكاة؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «إذا بلغ قيمتهديناراً ففيه الخمس»(3)، وبما أنّ الياقوت والزبرجد من المعادن، كالذهب والفضة، وكأنّه قال: اللؤلؤ، والمعادن الأربعة إذا بلغت قيمتها ديناراً ففيها الخمس.

ثمّ إنّ الراوي سأل عن تعلّق الزكاة، والإمام أجاب بتعلّق الخمس، والرواية معمولة بها في باب الغوص، فلا يمكن ردّها من جهة الإعراض، وقد عمل بمجموعها أبو الصلاح الحلبي في الكافي كما عرفت. ثمّ إنّه أُجيب عن الرواية بوجوه:

1. تخصيصه بما يرويه نفس البزنطي ـ كما سيوافيك ـ في خصوص المعدن من لزوم بلوغه عشرين ديناراً، فتكون النتيجة اختصاص الرواية الأُولى


1 . الوسائل:ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7.
2 . الوسائل:ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7.
3 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث5.


(94)

بالغوص.(1)

يلاحظ عليه: أنّ التخصيص إنّما يصحّ لو كان الوارد في الرواية الأُولى لفظاً جامعاً يعمّ الغوص والمعدن بعنوان واحد لا ما إذا ورد فيهما نوعان كاللؤلؤ والمعادن، إذ يكون إخراج المعادن معارضاً لا مخصصاً، وهذا نظير ما إذا قال: أكرم زيداً وعمراً ثمّ قال: لا تكرم زيداً.

2. جهالة الراوي، أعني: محمّد بن علي بن أبي عبد اللّه.

يلاحظ عليه: أنّ الراوي عنه هو البزنطي، وهو لا يروي إلاّ عن ثقة، لأنّه أحد الثلاثة الذين نصّ الشيخ عليهم في العدة بالخصوص.(2)

3. احتمال سقوط لفظ «عشرين» من الرواية، وكأنّه قال: إذا بلغت قيمته عشرين ديناراً.

يلاحظ عليه: لازمه أنّ سقوطها عن الحجّية في باب الغوص، وهم قد عملوا بها فيه.

4. حملها على الاستحباب في خصوص المعدن، فيستحب إخراج خمسه إذا بلغ ديناراً وإنّما يجب في العشرين ديناراً.

يلاحظ عليه: بأنّ لازمه التفكيك في المدلول بمعنى القول بوجوب الخمس في الغوص إذا بلغ ديناراً، واستحبابه في المعدن إذا بلغ هذا المقدار.

نعم ما يمكن أن يقال: كان هنا روايتان: رواية في الغوص ونصابه دينار


1 . يظهر ذلك الجمع من الشيخ في تهذيبه حيث قال: لا تضاد بين الخبرين، لأنّ الأوّل تناول حكم المعدن والثاني حكم ما يخرج من البحر، ولعلّ الباعث إلى هذا الحمل وقوع ما يخرج من البحر في صدر الحديث الحاكي عن عناية الراوي به، فيحمل الجواب على مهمّته وهو كما ترى.
2 . عدة الأُصول:1/154، حجّية خبر الواحد، الطبعة المحقّقة.


(95)

واحد، ورواية في المعدن ونصابه عشرون ديناراً، وقد جمعها الراوي في رواية واحدة فحصل الاشتباه.

ويؤيد ذلك أمران:

أ. إفراد الضمير وتذكيره في «قيمته» الظاهر في رجوعه إلى الغوص، وعلى ذلك فالجواب يرجع إلى الغوص فقط.

ب. اختلاف التعبير من السؤالين، فقد عبّر في الأوّل بقوله: «عمّا يخرج» وفي الثاني بقوله: «هل فيها زكاة».

أضف إلى ذلك أنّ الراوي عن الإمام ليس له في مجموع الفقه إلاّ روايات ثلاث، وهو يشهد على بعده عن نقل الحديث والانس مع نقلته(1) وليس من البعيد عن مثله خلط الروايتين.

وأمّا القول الثالث: فاستدل له بما رواه البزنطي بسند صحيح، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟ قال: «ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً».(2)

والاستدلال به يتوقّف على بيان فقه الحديث:

1. انّ قوله: «من قليل أو كثير» قرينة على أنّ السؤال إنّما عن النصاب لا عن أصل الوجوب.

وبعبارة أُخرى: انّ السائل كان عالماً بأنّه يجب عليه شيء في ما أخرج


1 . لاحظ معجم رجال الحديث:16/306 رقم الراوي11267، فله حديث في الكافي في كتاب الصلاة باب «النوادر» الحديث 12، وحديثان في التهذيب باب الخمس والغنائم ، الحديث 356، وباب كيفية الصلاة، الحديث 452.
2 . الوسائل: ج6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(96)

المعدن، ولكن لا يعلم أنّه من قليله أو كثيره، ولأجل ذلك جاء الجواب مطابقاً للسؤال.

2. المراد من «شيء» في السؤال هو الخمس بقرينة الجواب، ولولاه لكان مبهماً متردّداً بين الزكاة والخمس.

3. فاعل الفعل في قوله: «يبلغ» هو الضمير العائد إلى «ما أخرج المعدن».

4. مفعول الفعل هو «ما يكون» والمراد من الموصول هو حدّ النصاب.

5. قوله:«عشرين ديناراً» عطف تفسير للموصول.

6. قوله: «ما يكون في مثله الزكاة»، بيان للحدّالذي يجب فيه «شيء» وأنّه إذا بلغ الحدّ الذي يجب في مثله الزكاة يجب فيه الشيء الذي ورد في السؤال، وهذا قرينة على أنّ الواجب في المقام غير الزكاة، وإلاّ لكان الإتيان «بمثله» زائداً وكان له أن يقول ما يجب فيه الزكاة، وعلى هذا يكون حاصل الجواب، أنّ الحدّ الذي يجب في مثله الزكاة يجب فيه شيء وليس ذاك الشيء إلاّ الخمس لعدم خروج الواجب عن كلا العنوانين، ويكفي في رفع إبهام الشيء ما قلناه من أنّ المراد من «شيء» في السؤال هو الخمس بقرينة ما في الجواب، فالسؤال كان عن النصاب والإمام ـ عليه السَّلام ـ أجاب عنه بعطف المسألة على باب الزكاة وأنّه في البابين واحد، فكما لا يجب الزكاة في النقدين إلاّإذا بلغ عشرين ديناراً، فهكذا لا يجب الخمس فيما يخرج من المعادن كلّها ذهباً كان أو فضّة أو غيرهما إلاّ إذا بلغ ذلك المخرج من حيث القيمة ذلك الحدّ.

ويؤيّد ذلك ما فهمناه من الرواية، روايته الثالثة في مورد الكنز عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز؟ فقال: «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(1)


1 . الوسائل: ج6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(97)

فإنّ كلاًّ من السؤال والجواب يصلح قرينة على رفع الإبهام من الآخر، فالإبهام الموجود في سؤال الرواية الأُولى (هل فيه شيء) يرتفع، بما ورد من التصريح بالخمس في سؤال الرواية الثانية.

كما أنّ الإبهام الموجود في جواب الرواية الثانية (حيث لم يصرح بأنّ النصاب هو العشرون) يرتفع بما جاء صريحاً في جواب الرواية الأُولى من التصريح بالعشرين، وإليك كلا السؤالين:

1. عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟

2. سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز.

وإليك الجوابين:

1.ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً.

2. ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس، فبالمقارنة يرتفع الإبهام.

وبذلك يعلم أنّ ما جاء في رواية الغوص والمعادن من التعبير بالزكاة حيث قال: «هل فيها زكاة» يحمل على التزكية اللغوية مثل قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها»(1) أو المراد منه مطلق الواجب مشيراً إليه باللفظ الغالب، أعني: الزكاة.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني صاحب المصباح أورد على الاستدلال بالحديث وجوهاً نذكر ملخّصها:

1. إعراضهم عن النص المزبور مع صحّته وصراحته في نفي وجوب شيء عليه مالم يبلغ النصاب.


1 . التوبة:103.


(98)

2. ما حكي عن الشافعي وغيره من العامة القول بوجوب الزكاة في معدن الذهب والفضّة وإشعار الرواية بإرادتها، فتكون الرواية على هذا التقدير جارية مجرى التقية.

3. لو كان المقصود أنّه بعد بلوغ النصاب يكون فيه الخمس، لكان محتاجاً إلى بيان زائد; بخلاف ما لو كان المراد به الزكاة، فانّه يفهم من سوق التعبير.

4. إنّ صحيحة محمّد بن مسلم تصرّح بوجوب الخمس في الملح المتّخذ من الأرض السبخة المالحة التي يجتمع فيها الماء فيصير ملحاً، وتنزيلها على ما إذا بلغ هذا الحدّ لا يخلو من بعد.(1)

والكلّ غير تام، أمّا حديث الإعراض، فقد عرفت أنّ الشيخ أفتى بمضمونه في النهاية والمبسوط، واختاره ابن حمزة في الوسيلة; وأمّا القدماء فقد أطلقوا ولم يصرّحوا بعدم لزوم النصاب، كما لاحظت العبارة التي نقلناها عن المهذّب، وصرّح العلاّمة في المختلف بإطلاق كلامهم.

أمّا كونها واردة مجرى التقية وأنّها بصدد بيان الزكاة في المعادن، فبعيد عن ظاهر الرواية، إذ لو كان هذا هو المراد، لما جاء بلفظ «مثله» وكان الأنسب أن يقول: أن يبلغ المخرج القدر الذي يكون فيه الزكاة.

وأمّا الثالث: فالظاهر أنّ الأمر بالعكس، لو أراد منه الخمس لكانت العبارة وافية، ولو أراد منه الزكاة لكانت العبارة مغلقة، لتدخل كلمة «مثله».

وأمّا الرابعة: فلأنّ دخول الملح المجتمع في الأرض المالحة في المعادن حكمي لا موضوعي، إذ ليس له ثبات وركاز في الأرض إلاّ إذا كان له جذور في الأرض


1 . مصباح الفقيه: 26، كتاب الخمس، الطبعة الحديثة.


(99)

وبلوغه لعشرين ديناراً ليس بعيداً، وبالجملة لا يجوز رفع اليد عن الصحيحة بهذه الوجوه.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني، حاول الإجابة عن الإشكالات التي طرحها بوجوه غير تامة، فلاحظ.

وأمّا القول الرابع: فقد استدل له بأنّ الملاك في صحيح البزنطي هو البلوغ إلى الحدّ الذي يكون في مثله الزكاة، والحدّ الذي يكون فيه الزكاة في الذهب عشرون ديناراً وفي الفضة مائتا درهم، وعلى ذلك فلو بلغت قيمة المخرج أحد الحدّين لصدق عليه قوله: «حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة»، وعلى ذلك يكون قوله: «عشرين ديناراً» محمولاً على التمثيل.

قال الشيخ الأنصاري: «وهل يجزي بلوغ قيمته مائتي درهم، أم لابدّ من بلوغه عشرين ديناراً؟ قولان منشؤهما: ظهور قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ما يجب في مثله الزكاة» في الأوّل، وظهور الاقتصار ـ في بيانه ـ على عشرين ديناراً مع أنّ الأصل في نصاب الزكاة، الدراهم، واعتبر بالدنانير لأنّها عِدل الدراهم ـ كما في غير واحد من الأخبار ـ في الثاني».(1)

ولكن العرف يساعد الوجه الأوّل، ويحمل العشرين على أنّه من باب التمثيل.

ويؤيد كون «العشرين ديناراً» من باب التمثيل، عدم وروده في رواية الكنز فقد اكتفى فيه بقوله : «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».

وأمّا القول الخامس: فقد ذكرنا وجهه عند نقل الأقوال.


1 . كتاب الخمس:32.


(100)

الخمس بعد إخراج المؤنة والتصفية:

هنامسألتان:

إحداهما: هل الخمس يتعلّق بمجموع ما أخرجه المعدن حتى بما صرفه في إخراجه وتصفيته، أو يتعلّق بما يبقى بعد استثناء المؤن المصروفة في سبيلهما؟

ثانيتهما: هل يكفي في تحقّق النصاب، بلوغه له قبل استثناء المؤنة، أو لا يكفي إلاّ إذا بلغه بعد استثنائه؟ فلو كان الخارج من المعدن ثلاثين ديناراً وكانت المؤنة خمس عشرة ديناراً، فعلى الأوّل يتعلّق الخمس بالباقي بعنوان المعدن، بخلافه على القول الثاني فلا يتعلّق به إلاّ بعنوان الفوائد المطلقة.

وإليك الكلام في كلتا المسألتين:

المسألة الأُولى: قال الشيخ في الخلاف: وقت وجوب الخمس في المعادن حين الأخذ، ووقت الإخراج حين التصفية والفراغ منه، ويكون المؤنة وما يلزم عليه من أصله والخمس فيما يبقى. وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، وللشافعي فيه قولان ـ إلى أن قال: ـ وأمّا احتساب النفقة من أصله فعليه إجماع الفرقة.(1)

وقال يحيى بن سعيد: وما أوجب أصحابنا فيه الخمس، أُخرج من الغنم في الحال وبعد إخراج ما خرّج على المعدن.(2)

وقال المحقّق في الشرائع في المقام: ويجب فيه الخمس بعد المؤنة.(3)

وعلّق الشهيد في المسالك بقوله: إنّ أكثر الأصحاب لم يعتبروا نصاباً، بل


1 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 140.
2 . الجامع للشرائع: 149.
3 . الشرائع :1/179.


(101)

أوجبوا الخمس في الزائد عن المؤنة.(1)

وقال المحقّق في الشرائع في آخر الفصل الأوّل: الفرع الرابع: الخمس يجب بعد المؤنة التي يفتقر إليها إخراج الكنز والمعدن من حفر وسبك وغيره.(2)

وقال العلاّمة في التذكرة : يعتبر النصاب بعد المؤنة، لأنّها وصلة إلى تحصيله وطريق إلى تناوله، فكانت منهما كالشريكين; وقال الشافعي وأحمد: المؤنة على المخرج لأنّه زكاة وهو ممنوع.(3)

ويدل على الحكم المتسالم عليه أُمور:

1. إنّ الخمس ضريبة على الفوائد، وهي الباقية بعد استثنائها لا قبلها.

2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيح زرارة: «ما عالجته بمالك ففيه ـ ممّا أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفّى ـ الخمس».(4)

فإنّ الظاهر أنّ المراد من المصفّى هو ما يبقى بعد استثناء المؤنة، قال في الحدائق: الظاهر أنّ معنى آخر الخبر أنّ الخمس إنّما يجب فيما عولج بعد وضع مؤنة العلاج ومرجعه إلى تقديم إخراج المؤنة على الخمس، وبه صرّح جملة من الأصحاب.(5)

وأمّا تفسيره بالتصفية، فمعناه عدم تعلّق الخمس على المعدن إلاّ بعد التصفية وهو أمر شاذ، لأنّ مقتضى ذلك إلغاء الخمس في جلّ المعادل، لأنّ المخرج يباع قبل التصفية، وليس على المشتري الخمس، لأنّه لم يتملّكه بالإخراج بل بالاشتراء.


1 . المسالك:1/459.
2 . الشرائع:1/181.
3 . التذكرة:5/427.
4 . الوسائل:ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
5 . الحدائق:12/329.


(102)

3. ما ورد في قوله ـ عليه السَّلام ـ : إنّ الخمس بعد المؤنة كما في توقيع الرضا ـ عليه السَّلام ـ (1) وفي مكاتبة ابن أبي نصر قال: كتبت إلى أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ الخمس أُخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب: «بعد المؤنة».(2)

وقد حكى محمد بن الحسن الأشعري (3) مكاتبة بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ : أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه: «الخمس بعد المؤنة».(4)

والظاهر أنّ المراد من المؤنة، هو مؤنة سنته، لا مؤنة الإخراج والتصفية، فقد وردت الفقرات التاليات:

1. الخمس بعد المؤنة (5) 2. الخمس ممّا يفضل من مؤنته (6) 3. إذا أمكنهم بعد مؤنتهم (7) 4. الخمس بعد مؤنته (الرجل) ومؤنة عياله وبعد خراج السلطان.(8)

وما ورد في رواية علي بن مهزيار وعلى الصُّـنّاع فهو مصحف «الضياع» بقرينة رواية الهمداني حيث حكى مكاتبة علي بن مهزيار بقوله: «وعلى أصحاب الضياع».(9)

والجمع منصرف إلى مؤنة سنته، لكن فيما ذكرنا من المناسبة وصحيح زرارة غنى وكفاية.


1 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
2 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
3 . ابن أبي خالد المعروف به «شنبوله».
4 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
5 . لاحظ الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2، 3 ، 4.
6 . لاحظ الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2، 3 ، 4.
7 . لاحظ الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2، 3 ، 4.
8 . لاحظ الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 1، 2، 3 ، 4.
9 . الباب 8. الحديث 4 وقال: «أقرأني عليٌّ كتاب أبيك، والمراد علي بن مهزيار فيما أوجبه على أصحاب الضياع ـ إلى أن قال: ـ و إنّه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤنته.


(103)

وأمّا المسألة الثانية : هل يكفي البلوغ قبل الاستثناء، أو لا يكفي إلاّإذا بلغه المعدن بعد استثناء المؤن، فلولم يبلغ المصفّى ذاك الحدّ فلا يجب الخمس وإن بلغ قبل الإخراج؟

قال في المدارك: فهل يعتبر النصاب بعد المؤنة أم قبلها فيخرج منه ما بقي بعد المؤنة؟ وجهان أظهرهما الثاني.(1) واختاره المحقّق الخوئي في تعليقته وقال: الظاهر كفاية بلوغ المخرج عشرين ديناراً قبل استثناء المؤنة وإن كان ما يجب فيه الخمس بعد استثنائها.

استدل للقول الأوّل بوجهين:

1. انّ الظاهر من صحيح البزنطي وجوب الخمس في نفس العشرين، ولو اعتبر النصاب قبل المؤنة كان متعلّق الخمس أقلّ من العشرين، وهو خلاف مفاد الصحيح.

قال الشيخ الأنصاري: وهل يعتبر النصاب قبل المؤنة أو بعدها ؟ الأقوى الثاني، إلى أن قال: لأنّ الظاهر من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «ليس شيء فيه حتى يبلغ عشرين ديناراً» هو وجوب الخمس فيه إذا بلغ عشرين بأن يكون الخمس في نفس العشرين، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا اعتبر العشرون بعد المؤنة.(2)

وبعبارة أُخرى: ظاهر الصحيحة اعتبار النصاب بعد المؤنة لأنّها تدل على ثبوت الخمس في مجموع النصاب، فلو اعتبر قبل إخراج المؤنة لم يكن الخمس في مجموعه بل الباقي منه بعد المؤونة.

توضيحه : انّ قوله:«حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً» ،


1 . المدارك:5/392.
2 . الخمس:127.


(104)

يحتاج إلى متمم، أعني نظير : «فإنّ فيه الخمس»،والضمير المجرور يرجع إلى نفس العشرين وظاهر أنّ في مجموع العشرين الخمس، ولو قلنا بكفاية بلوغ العشرين قبل إخراج المؤنة يكون الخمس في بعضه لما سبق من أنّه لا يتعلّق الخمس بالمؤنة، وهو خلاف ظاهر الحديث.

2. انّ الظاهر، المتبادر أنّ النصاب، نصاب للمعدن بما هو غنيمة ولا يوصف بها إلاّ بعد استثناء المؤن، فجعله معياراً قبل الاستثناء يستلزم أن يكون نصاباً أعم من أن يكون غنيمة أو لا وهو خلف.

واستدل على القول الآخر بإطلاق البلوغ في صحيح البزنطي سواء كان قبل إخراج المؤنة أو لا.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الإطلاق ـ بقرينة كون النصاب متعلّق الخمس ـ محمول على كونه نصاباً بعد الاستثناء، وإلاّ فلو كان نصاباً قبله، يلزم التغاير بين النصاب ومتعلّق الخمس.

وثانياً: إنّك عرفت عدم تعلّق الخمس بالمؤنة، فعلى هذا لابدّ من تقييد القضية به على أحد الوجهين، إمّا في جانب الموضوع بأن يقال:إذا بلغ بعد المؤنة ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً ففيه الخمس، فيكون المفاد خروج المؤنة عن متعلّق الخمس أوّلاً وعن دخالتها في تحقّق النصاب ثانياً.

أو في جانب المحمول بأن يقال: «إذا بلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً ففيه الخمس بعد المؤنة، فيكون مفاده خروجها عن تعلّق الخمس عليه لا خروجها عن دخالتها في تحقّق النصاب، ومع هذا العلم الإجمالي يسقط الإطلاق عن الحجّية وليس لنا دليل سواه، فيكون المرجع أصالة البراءة من تعلّق الخمس بعنوان المعدن إلاّ إذا بلغ حدّ النصاب بعد استثناء المؤنة.

والظاهر قوّة القول المنسوب إلى المشهور، وأنّ التفريق بين المسألتين مشكل، فالمؤنة لا يتعلّق بها الخمس أوّلاً كما هي ليست جزءاً من النصاب.


(105)

ولا يعتبر في الاخراج أن يكون دفعة، فلو أخرج دفعات و كان المجموع نصاباً وجب إخراج خمس المجموع.(*)

ــــــــــــــــــــــ

(*) ثمّ إنّ في المقام فروعاً ذكرها المصنف وتدور حول الأُمور التالية:

1. وحدة الإخراج.

2. وحدة المستخرَج.

3. وحدة المخرَج.

فإليك البيان:

أ. هل يشترط في الإخراج أن يبلغ النصاب دفعة واحدة، فلو أخرج دفعات وكان المجموع نصاباً لا يجب الخمس أو لا يشترط؟

2. لو شاركوا في استخراج المعدن، فهل يشترط بلوغ سهم كل مستخرج إلى النصاب، أو يكفي بلوغ سهم المجموع إليه؟

3. هل يشترط اتحاد جنس المخرَج، فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد وبلغ قيمة المجموع نصاباً، لا يجب إخراجه أو لا يشترط؟

وإليك بيانها واحداً بعد الآخر.

1. وحدة الإخراج

لا شكّ في تعلّق الخمس إذا بلغت قيمة الكمية الخارجة من المعدن في الإخراج الأوّل عشرين ديناراً، إنّما الكلام إذا بلغت أقلّ منه، فهل ينضمّ الإخراج الثاني إلى الأوّل في تشكيل النصاب أو لا؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ الرائج في الأزمنة السابقة بالنظر إلى الأدوات الرائجة في ذلك الزمان، هو عدم بلوغ الخارج في


(106)

وإن أخرج أقلّ من النصاب فأعرض ثمّ عاد و بلغ المجموع نصاباً فكذلك على الأحوط.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدفعة الأُولى حدّالنصاب بخلاف اليوم فانّ المكائن الكبيرة تخرج بعمل واحد أكثر من الحدّ المزبور، وعلى ذلك فيضم الدفعات بعضها إلى بعض، هذا.

نعم اشترط كثير من المعلّقين على العروة، الوحدة العرفية في الإخراج بأن تعدّ الدفعات إخراجاً واحداً، لا إخراجين، وعلى ذلك لو وقع بين الإخراجين فصل طويل، فلا تُضمَّ الدفعات بعضها إلى بعض. هذا من غير فرق بين بقاء ما أخرجه في الدفعة الأُولى وعدمه، لأنّ الملاك كون الإخراج واحداً أو متعدداً، فلو عدّه العرف واحداً لما ضرّ بيع ما أخرجه في الدفعة الأُولى، لأنّ العملين بمنزلة العمل الواحد وانتفاء السابق لا يؤثر فيه، إلاّ أن يدّعى انصراف الأدلّة إلى صورة البقاء.

والظاهر عدم الدليل على اعتبار الوحدة العرفية في الإخراج، ولا وجه لانصراف الأدلّة إليها وإطلاق صحيحة البزنطي هو المحكّم،والميزان هو ما أخرج المعدن من قليل أوكثير(1) ، أو قوله: ما عالجته بمالك ففيه ـ ممّا أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى ـ الخمس(2) ، وبذلك يعلم حكم الفرع التالي.

(*) فيما إذا أعرض

لو قلنا باعتبار الوحدة العرفية في الإخراج، هل الإعراض مضرّ بها مطلقاً كما عليه العلاّمة والشيخ الأعظم، أو فيما إذا عدّ عملاً استئنافيّاً لا إعراضاً عن


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.


(107)

الإعراض السابق كما عليه المحقّق الهمداني، أو فيما إذا كان هناك ـ مع الإعراض ـ الفصل الطويل بين الإخراجين كما عليه السيد الحكيم، أو فيما إذا لم يبق ما أخرجه في الدفعة الأُولى أوّلاً فيضم كما احتملناه في الدورة السابقة وجوه؟

قال العلاّمة في المنتهى: يعتبر النصاب فيما أخرج دفعة واحدة أو دفعات لا يترك العمل بينهما ترك إهمال، فلو أخرج دون النصاب وترك العمل مهمِلاً له ثمّ أخرج دون النصاب وكملا نصاباً، لم يجب عليه شيء، ولو بلغ أحدهما نصاباً أخرج خمسه ولا شيء عليه في الآخر، أمّا لو ترك العمل لا مهملاً بل للاستراحة أو لإصلاح آلة أو طلب أكل وما أشبه ذلك، فالأقرب وجوب الخمس إذا بلغ المنضم النصاب.(1)

وفصّل المحقّق الهمداني في مصباحه: بين ما إذا عدّ العود بعد الإعراض عملاً استئنافيّاً عرفاً من غير ارتباط بين الفعلين، وما إذا كان العود بمنزلة الإعراض عن إعراضه السابق فللعملان نصاب واحد.(2)

اعتبر السيّد الحكيم في تحقّق الإعراض من الإهمال مدّة طويلة بحيث يصدق تعدّد الإخراج.(3)

ويمكن أن يقال: إنّ وحدة العمل إنّما يعتبر عند عدم بقاء ما أخرجه في الدفعة، وأمّا إذا كان باقياً فيضمّ الباقي اللاحق سواء عدّ العملان إخراجاً واحداً أو إخراجين أخذاً بظاهر الصحيحة.

وعلى كلّ تقدير، فاعتبار وحدة العمل أو وحدة المعدن ليس له دليل واضح سوى بعض الاعتبارات العرفية، وعليه لا يضرّ الإعراض مطلقاً، فيضمّ الدفعات بعضاً إلى بعض.


1 . المنتهى:1/549.
2 . مصباح الفقيه:14/35.
3 . مستمسك العروة الوثقى:9/460.


(108)

و إذا اشترك جماعة في الإخراج ولم يبلغ حصّة كلّ واحد منهم النصاب و لكن بلغ المجموع نصاباً فالظاهر وجوب خمسه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) 2. في وحدة المستخرج

ولكنّهم اتّفقوا على خلافه في باب الزكاة ، قال الماتن: إذا كانت الأعيان الزكويّة مشتركة بين اثنين أو أزيد يعتبر بلوغ النصاب في حصّة كلّ واحد، فلا تجب في النصاب الواحد إذا كان مشتركاً.(1)

قال في الحدائق: لو اشترك جماعة في استخراج المعدن، اشترط بلوغ نصيب كلّ واحد منهم النصاب، وظاهر النصّ العدم، وتتحقّق الشركة بالاجتماع على الحيازة والحفر.(2)

أقول: إنّ الاشتراك يتصوّر على قسمين:

الأوّل: تشارك جماعة في العمل في الحيازة والحفر، ولكن يتملّك كلّ ما استخرجه من دون أن يكون هناك شركة بين المستخرجين، فالقول بكفاية بلوغ المجموع نصاباً في إيجاب الخمس في غاية البعد، وذلك لما عرفت من أنّ متعلّق الخمس هو النصاب، ومعنى ذلك إذا ملكت النصاب فاخرج خمسه، والمفروض انّ كلّ واحد لم يملك على حدّ النصاب وما بلغ حدّالنصاب ليس ملكاً لواحد منهم فكيف يؤمر بالخمس؟

وبعبارة أُخرى: أنّ الخمس ليس ضريبة على المعدن حتى يقال: إنّ الميزان


1 . العروة الوثقى، كتاب الزكاة، المسألة 7.
2 . الحدائق:12/331.


(109)

وكذا لا يعتبر اتّحاد جنس المخرج فلو اشتمل المعدن على جنسين أو أزيد و بلغ قيمة المجموع نصاباً وجب إخراجه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

هو الإخراج سواء كان لشخص واحد أو لا، بل هو ضريبة على الغنيمة التي يحوزها الإنسان من المعدن، وهذا يوجب أن يبلغ نصيب كلّ، حدّ النصاب، ويؤيد ذلك أنّ الإمام شبّه المقام بالزكاة وقال: «ما يكون في مثله الزكاة» وقد اتّفقت كلمتهم فيها على بلوغ نتاج كلّ واحد حدّ النصاب.

الثاني: تأسيس شركة لها شخصية حقوقية لها هيئة أُمناء ومدير عامل يديرها بحيث تعدّ الشركة مالكاً للمعدن، والأفراد ليس لهم دور سوى الانتفاع ، ففي مثل ذلك يمكن أن يقال: بكفاية بلوغ ما يخرج حدّ النصاب وإن كان المخرج بالنسبة إلى السهام غير بالغ حدّ النصاب، وذلك، لأنّ الشركة تعد ذاتاً شخصية حقوقية، تملك وتبيع وتشتري حسب اعتبار العقلاء، وفي مثله صحيح أن يقال: إنّ مالك النصاب هو الشركة وهي تُكلّف بإخراج خمسها.

(*) 3. في وحدة المخرَج

عملية الاستخراج إمّا تنحصر بمعدن واحد أو بأكثر، وعلى الأوّل إمّا أن يكون المخرج عنصراً واحداً كالذهب فقط أو الفضّة كذلك أو متعدداً; فعلى الأوّل فالحكم واضح. وعلى الثاني فهل الملاك بلوغ كلّ عنصر نصاباً معيّناً أو كفاية بلوغ المجموع؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ الموضوع هو «ما أخرج المعدن» أو استفادة الإنسان من المعدن، وعلى كلّ تقدير فإذا بلغ الاغتنام حدّ النصاب يجب عليه الخمس وليس الموضوع العناصر التي تخرج منها حتى يكون كلّ عنصر موضوعاً


(110)

نعم لو كان هناك معادن متعدّدة اعتبر في الخارج من كلّ منها بلوغ النصاب دون المجموع، و إن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع، خصوصاً مع اتّحاد جنس المخرج منها سيّما مع تقاربها بل لا يخلو عن قوّة مع الاتّحاد والتقارب. (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مستقلاً، يظهر هذا بعد الاطلاع على أنّ غالب المعادن تشتمل على عناصر مختلفة وإنّما يسمّى بالعنصر الغالب، وهذا هو معدن النفط يشتمل على عناصر مختلفة تجمعها كلمة النفط، ومعدن الذهب يشتمل على عناصر أُخرى من النحاس والحديد.

هذا كلّه إذا كانت عملية الاستخراج منحصرة بمعدن واحد; وأمّا إذا كانت المعادن متعددة ، فهي إمّا أن تكون متقاربة عرفاً، أو متباعدة ; وعلى الثاني، إمّا أن تُعدّ عرفاً معدناً واحداً، أو متعدداً; وعلى الجميع إمّا أن يكون المخرَج عنصراً واحداً، أو أكثر .

(*) فهناك احتمالات:

1. كفاية بلوغ المجموع في جميع الصور، لأنّ الموضوع هو الاستغنام من المعدن من غير فرق بين وحدته وتعدّده وعلى فرض التعدّد كانا قريبين أو بعيدين، تعدّد جنس المخرَج أم اتّحد.

2. بلوغ كلّ من المعدنين النصاب سواء كان الخارج جنساً واحداً أم جنسين سواء تقاربا أم تباعدا، لأنّ ذلك مقتضى الانحلال وظهور القضية في كونها حقيقية بعد فرض تعدّد المعدن.


(111)

و كذا لا يعتبر استمرار التكوّن ودوامه، فلو كان معدن فيه مقدار ما يبلغ النصاب فأخرجه ثمّ انقطع جرى عليه الحكم بعد صدق كونه معدناً.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3. ذاك القول إلاّ أنّه إذا تقاربا وكان جنس المخرج منهما واحداً.

فالحقّ عدم اعتبار الاتحاد لما عرفت من أنّه ضريبة على الانتفاع من المعدن، ودعوى انسباق الاتحاد ممنوعة ودعوى الانحلال وأنّ لكلّ معدن حكماً خاصاً أوّل الكلام.

والذي يؤيده هو كفاية بلوغ المجموع حدّ النصاب في زكاة الأنعام، يقولالسيد الطباطبائي: إذا كان ملك المالك الواحد متفرقاً ولو متباعداً يلاحظالمجموع، فإذا كان بقدر النصاب وجبت ولا يلاحظ كلّواحد على حدة.

(*) وهو مقتضى الإطلاق بعد صدق المعدن بعد اختلاف المعادن غالباً في المواد قلّة وكثرة، لكن في كشف الغطاء: أنّه لو حصل شيء من قليل من المعدن في مكان فاستنبطه مرّة بمقدار النصاب ثمّ انقطع ففي دخوله في حكم المعدن إشكال.(1)

واستقربه في الجواهر، ولكن استدرك بقوله: وإن كان الأقوى في النظر وجوبه لإطلاق الأدلّة المقتضي دخول ذلك، ولأنّ بعض المعدن ينفد أو ينهدر إلى طرف آخر من الأرض كما في المعادن السيّالة، بل يختلف قلّة أو كثرة.


1 . كشف الغطاء:360.


(112)

المسألة 6: لو أخرج خمس تراب المعدن قبل التصفية فإن علم بتساوي الأجزاء في الاشتمال على الجوهر أو بالزيادة فيما أخرجه خمساً أجزأ، وإلاّ فلا لاحتمال زيادة الجوهر فيما يبقى عنده.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لو أخرج خمس تراب المعدن لم يجزه لجواز اختلافه في الجوهر ولو علم التساوي جاز.

وجه التفصيل، هو الأخذ بقاعدة الاشتغال، إذ في صورة اشتمال الأجزاء الباقية على الجوهر الزائد يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف، وهو المختار لصاحب المدارك.(1)

ولكن في الجواهر: الإشكال في الإجزاءحتى فيما علم التساوي أو الاشتمال على الزيادة، قائلاً بظهور صحيح زرارة في تعلّق الخمس بعد التصفية وظهور الجوهر، بل قد يدّعى ظهور غيره في ذلك أيضاً، بل لعلّه المتعارف، ولذا صرّح الأُستاذ في كشفه بعدم الإجزاء.(2)

ومراده من صحيح زرارة قوله ـ عليه السَّلام ـ : « كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس» وقال:«ما عالجته بمالك ففيه ـ ما أخرج اللّه سبحانه من حجارته مصفّى ـ الخمس».(3)

وقال الشيخ الأعظم: الظاهر أنّ أوّل وقته بعد التصفية فيما يحتاج إليها لظاهر صحيحة زرارة :«ما عالجته بمالك ففيه ـ ما أخرج اللّه سبحانه منه من


1 . مدارك الأحكام:5/368.
2 . الجواهر:16/21.
3 . الوسائل:ج6،الباب 3، من أبواب مايجب فيه الخمس، الحديث 3.


(113)

حجارته مصفّى ـ الخمس».(1)

والقول بتعلّق الخمس حين التصفية خلاف الظاهر من الأصحاب، قال الشيخ: وقت وجوب الخمس في المعادن حين الأخذ ووقت الإخراج حين التصفية والفراغ منه.(2)

والقول بأنّه يتعلّق عند التصفية يلزمه عندما نقله إلى آخر ببيع أو صلح ونحوه قبل التصفية، عدم وجوب الخمس على أحدهما، أمّا على الأوّل: فلإخراجه عن ملكه قبل تعلّق الخمس به، وأمّا على الثاني: فلانتقاله إليه بسائر الأسباب غير الموجبة للخمس.(3)

وقد مرّ أنّ قوله ـ عليه السَّلام ـ : «مصفّى» يحتمل أنّ المراد منه هو وضع المؤنة واستثناؤها،لا إخراج حجارتها وترابها وجعلها جوهراً خالصاً كما تصور; ويشهد على ذلك، أنّ المعادن على قسمين: قسم يحتاج إلى التصفية، وقسم منه لا يحتاج إلى التصفية كالأحجار الكريمة وما شابهها; فيلزم التفصيل بين ما يحتاج إليالتصفية فوقت تعلّقه هو بعد التصفية، وما لا يحتاج فهو قبلها وهو ممّا ترى.

ولو فرضنا أنّ المراد من «مصفّى» هو التصفية، فالمراد أنّه يدفع الخمس من خالصه لا من الخليط لا أنّ وقت تعلّقه هو وقت التصفية، وهو ظاهر عند التأمّل.


1 . كتاب الخمس:36.
2 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 140.
3 . مصباح الفقيه:14/ 38.


(114)

المسألة 7: إذا وجد مقداراً من المعدن مخرجاً مطروحاً في الصحراء، فإن علم أنّه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما، أو علم أنّ المخرج له حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب، بل الأحوط ذلك و إن شكّ في أنّ الإنسان المخرج له أخرج خمسه أم لا.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قال كاشف الغطاء:«ولو وجد شيئاً من المعدن مطروحاً في الصحراء فأخذه فلا خمس عليه» وعلّله في الجواهر باحتمال ظهور الأدلّة في اعتبار الإخراج في وجوب الخمس، والمفروض أنّه لم يخرجه بل استولى على ما أخرج.(1)

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما إذا كان عامل الإخراج غير صالح للتملك، كالزلزال والسيل والأعصار.

الثاني: ما إذا كان عامل الإخراج له قابلية التملك.

أمّا المقام الأوّل، فله صور:

أ. لو وجده مطروحاً ولم يأخذه وقد مرّ عليه.

ب. إذا أخذه بقصد التملّك.

ج. إذا أخذه لا بقصد التملّك، بل بقصد التصرّف والاقتناء والانتفاع.

د. إذا أخذه بقصد الرؤية ثمّ وضعه مكانه.

لا شكّ في عدم وجوب الخمس في الوجه الأوّل، لعدم تحقّق الاستيلاء بوجه من الوجوه:


1 . الجواهر:16/22; راجع الكشف:360.


(115)

إنّما الكلام في الوجه الثاني، أي إذا أخذه بقصد التملّك فلا شكّ أنّه يتملّكه بالحيازة، ولكن يقع الكلام في وجوب الخمس عليه من باب خمس المعدن وعدمه.

والمسألة مبنية على بيان ما هو الموضوع لوجوب الخمس، فهل الموضوع ما استخرجه من معدنه، أو أنّ الموضوع ما استولى عليه بعد خروجه منه؟

ذهب المحقّق الأردبيلي وتبعه المحقّق الخوئي إلى اعتبار الإخراج في تعلّق الخمس.

فقال الأوّل عند البحث عن العنبر المأخوذ من الماء: إنّ المتبادر من الأدلّة من استخرج من معدنه لا مثل ذلك إلاّ أن يكون معدن العنبر وجه الماء.(1)

وقال الثاني: إنّ المعدن في اللغة منبت الجوهر إلاّ أنّ في إسناد الخمس إليه تجوّزاً فيراد به ما يخرج منه تسمية للحال باسم المحلّ بعد وضوح عدم تخميس نفس المنبت، فخصوصية الإخراج وإفصال الحالّ عن محلّه ملحوظة في هذا الإطلاق.(2)

أقول: الظاهر عدم شرطية التملّك عن طريق الإخراج، بل يكفي الاستيلاء على ما أخرج، وذلك لأنّ لسان الأدلّة على قسمين:

قسم علّق الخمس على نفس المعدن، قال: سألته عن معادن الذهب والفضة، قال: «عليها الخمس».(3)

وقسم آخر علّق الخمس فيه على «ما يخرج» أو «فيما يخرج» أو «عمّا أخرج


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/36.
2 . مستند العروة الوثقى: 55، كتاب الخمس.
3 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2و3.


(116)

المعدن».(1)

وبما أنّ المعدن مالم يخرج عن منبته لا يتعلّق به الخمس، فالموضوع هو ما جاء في النصوص الأخيرة، والعناية فيها على المخرَج لا على المستخرج، فسواء استولى على ما أخرجه بنفسه أو استولى على ما أخرجه غيره.

والذي يدل على ذلك وجوب تعلّق الخمس إذا أخرجه الفضولي أو الغاصب بعد استيلاء المالك على ما أخرجاه، أضف إلى ذلك أنّ مناسبة الحكم والموضوع يقتضي إلغاء شرطية الإخراج، لأنّ الخمس ضريبة على الأموال التي خلقها اللّه تعالى تحت الأرض، فإذا اغتنمها الإنسان فعليه الخمس، فالموضوع هو الاغتنام والإخراج طريق غالبي لا دائمي.

وقد فصّل المحقّق الهمداني بين ما استخرجه الفضولي أو الغاصب أو الجاهل بزعم أنّ الأرض ملكه ثمّ انكشف الخلاف، فالخمس على المالك بعد الاستيلاء; وبين ما أخرجه السيل والزلزال وطرحه في مكان آخر فلا يجب الخمس.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بلا وجه، فإنّ الموضوع لوجوب الخمس أحد أمرين، إمّا استناد الإخراج إلى الدافع مباشرة أو تسبيباً أو الاستيلاء على ما أخرج.

فعلى الأوّل لا يجب الخمس في جميع الأقسام، وعلى الثاني يجب في جميعها فالتفريق بلا وجه.

هذا كلّه في الصورة الثانية، وأمّا الصورة الثالثة أي الأخذ للتصرف والاقتناء لا للتملّك أو الأخذ للرؤية ثمّ طرحه في مكانه، فالظاهر وجوب الخمس عليه من باب أداء مال الغير إليه. فانّ خمس المطروح لأصحابه وقد استولى عليه إمّا بقصد


1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و6، والباب 4 ، الحديث 1.
2 . مصباح الفقيه:14/ 36ـ 37، كتاب الخمس.


(117)

الاقتناء أو بقصد الرؤية فخوطب بأداء مال الغير إلى الغير، فيجب عليه دفع الخمس، وله اغتنام أربعة أخماس أيضاً.

هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني، وهو ما إذا كان عامل الإخراج صالحاً للتملّك، فله صور خمس:

أ. إذا حفر الأرض بقصد إخراج الماء ثمّ ظهر المعدن فأخرجه بلا قصد الحيازة وطرحه في الصحراء.

ب. إذا قصد إخراج المعدن فحازه وتملّكه ثمّ طرحه في الصحراء معرضاً عنه.

ج. تلك الصورة، ولكنّه حمله معه ثمّ ضاع في الطريق.

د. تلك الصورة، ولكنّه وضعه في نقطة معينة ليرجع إليه فيما بعد ولكن لم يتمكّن من الرجوع.

هـ. إذا حاز في الصحراء على قطعة من المعدن ولم يعلم قصد المخرج بوجه من الوجوه، وهذا هو مورد نظر الماتن.

فلنذكر حكم جميع الصور:

أمّا الأُولى فيجب عليه الخمس بالحيازة، وقد علمت عدم شرطية الإخراج، فعليه دفع الخمس وتملّك أربعة أخماس.

ومنه يظهر حكم الصورة الثانية على القول بأنّ الإعراض يخرج الشيء عن الملكيّة.

وأمّا الصورتان الثالثة والرابعة فعليه إخراج الخمس، وأمّا أربعة أخماسه فهي لقطة على الصورة الثالثة ومجهول المالك على الصورة الرابعة.


(118)

المسألة 8: لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها، و إذا أخرجه غيره لم يملكه، بل يكون المخرج لصاحب الأرض وعليه الخمس من دون استثناء المؤنة لأنّه لم يصرف عليه مؤنة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وأمّا الصورة الخامسة فيجب دفع الخمس إذا علم بعدم دفعه أو شكّ لما عرفت من وجوب إيصال المال المضمون إلى صاحبه.

إنّما الكلام في جواز تملّك الأربعة أخماس، لأنّها مردّدة بين كونها قابلة للحيازة كما إذا كان المخرج عاملاً قسرياً أو إنساناً غير قاصد للحيازة أو معرضاً عن الملكية، وبين كونه لإنسان مالك لها مردّد بين اللقطة وغيرها.

فقد ذهب السيد الخوئي إلى جواز التملّك لاستصحاب عدم سبق اليد عليه.

ولكن الظاهر عدم الجواز، لأنّ طبع المال يقتضي الحرمة والحلّية بحاجة إلى ذلك فلو أمكن حفظه فهو، وإلاّ فيتصرّف فيه بإذن المالك بنيّة ردّ القيمة إذا وجد صاحبها.

(*) المسألة تشير إلى أمرين:

الأوّل: أنّ المعدن ملك لمالك الأرض بتبعها.

الثاني: أنّه لو استخرجه غيره لم يملكه، وإنّما المُخرَج للمالك وعليه الخمس بلا استثناء مؤنة، وهو متفرّع على الأمر الأوّل، ولو ثبت لثبت، إنّما الكلام في أنّ الإنسان يملك المعدن بتبع الأرض، أو أنّه من الأنفال من غير فرق بين كونه في الموات أو في المعمورة، أو أنّه من المباحات الأصلية، أو التفصيل بين المركوز في الأنفال فمنها، والمركوز في المعمورة حال الفتح فللمسلمين.


(119)

والتفصيل موكول إلى كتاب إحياء الموات، ويظهر من قول الشهيد في المسالك أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة، وإليك عبارتها ممزوجة مع عبارة المحقّق:

1. ومن فقهائنا من يقول باختصاص المعادن ظاهرها وباطنها بالإمام، وهو المفيد وسلاّر مفوِّضاً الإصابة فيها على إذنه مع حضوره لا مع غيبته.

2. وقيل يختصّ بما كان في أرضه كالموات لا ما كان في المحياة، لأنّه يلزم من ملكها ملك ما فيها.

3. وأكثر الأصحاب على أنّ المعادن للناس شرّع عملاً بالأصل مع ضعف المخرِج عنه، وهذا هو الأقوى.

وحصيلة الأقوال:

1. المعدن كلّه ظاهره وباطنه للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، ولا يملكه الإنسان إلاّ بإذنه في حضوره وبإذن الفقيه في غيبته على القول بسعة ولايته، وهذا خيرة المفيد وسلاّر.

قال المفيد: الأنفال: كلّ أرض فتحت من غير أن يوجف عليها ـ إلى أن قال : ـ و الآجام والبحار والمفاوز والمعادن وقطائع الملوك... وليس لأحد أن يعمل في شيء ممّا عددناه من الأنفال إلاّ بإذن الإمام العادل، فمن عمل فيها بإذنه فله أربعة أخماس


(120)

المستفاد منها، وللإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس، ومن عمل بغير إذنه، فحكمه حكم العامل فيما لا يملكه بغير إذن المالك من سائر المملوكات.(1)

قال سلاّر في المراسم: والأنفال له أيضاً خاصة ـ إلى أن قال ـ: والأرض الموات وميراث الحربي، والآجام والمفاوز والمعادن والقطائع، وليس لأحد أن يتصرّف في شيء من ذلك إلاّ بإذنه، فمن تصرّف فيه بإذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس.(2)

2. إنّها من المباحات الأصلية العامة التي فيها الناس شرع، قال العلاّمة في القواعد: والأقرب اشتراك المسلمين فيها.(3)

وقال الشهيد في الدروس: المتأخّرون على أنّ المعادن للناس شرع، إمّا لأصالة الإباحة، وإمّا لطعنهم في أنّ الموات للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإمّا لاعترافهم به وتخصيص المعادن بالخروج عن ملكه، والكل ضعيف.(4)

ويترتّب على القولين ثمرة فقهية، وهي: أنّه يجوز للإمام ـ عليه السَّلام ـ إقطاع المعادن على الأوّل، إذ هي للإمام ـ عليه السَّلام ـ فله إقطاعها، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المسلمين مشتركون، إذ لا يجوز منع بعضهم عن حقّه.

وقد حكي هذا القول، وعدم جواز الإقطاع، الملازم لعدم كونه من الأنفال، واشتراك الناس فيها ،عن عدّة كتب، كالمبسوط والمهذّب والسرائر وجامع الشرائع والتذكرة والتحرير والإيضاح والقواعد والدروس واللمعة وجامع المقاصد والمسالك والروضة، وهو ظاهر الوسيلة، والإرشاد، بل قد يظهر من المبسوط والسرائر، نفي الخلاف عن ذلك فإنّ فيهما : ليس للسلطان أن يقطع مشارع الماء بلا خلاف، وكذا المعادن الظاهرة.

وقد صرّح ـ بأنّ الناس فيها شرع سواء ـ في المبسوط والمهذّب والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع، واللمعة في موضعين منها، وجامع المقاصد والمسالك والقواعد، وهو ظاهر الشرائع والتذكرة، ونفى عنه البعد في الكفاية، وفي الدروس نسبته إلى المتأخرين، وفي جامع المقاصد أنّه المشهور بين المتأخرين، وفي الكفاية


1 . المقنعة: 45.
2 . المراسم: 140،طبع بيروت.
3 . مفتاح الكرامة:7/41.
4 . المصدر السابق:7/30 عند البحث عن إقطاع الإمام المعادن.


(121)

أنّه المشهور، وفي المسالك والكفاية والمفاتيح أنّه مذهب الأكثر، ولعلّ مستندهم عموم «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَميعاً»(1) وأنّ فيه زيادة مشقّة بالتوقّف في الأخذ منها على إذنه ـ عليه السَّلام ـ إذا كان ظاهراً، وأنّه لا دليل على الاختصاص.(2)

3. التفصيل بين معادن الموات فهو للإمام ومعادن المفتوحة عنوة فهي للمسلمين تبعاً للأرض، فالموات للإمام ومعادنه له; والمفتوحة عنوة للمسلمين، فالمعادن لهم. استحسنه في الروضة، وهو الذي حكاه في الإيضاح عن السرائر.(3)

ويظهر من المحقّق صحّة هذا التفصيل، حيث قال في نقد القول الأوّل:إن كان يريد به أنّ ما يكون في الأرض المختصّة (الأنفال) أمكن، أمّا ما يكون في أرض لا تختص بالإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فالوجه أنّها لا تختصّ به، لأنّها أموال مباحة تستحق بالسبق إليها والإخراج بها. والقائل بالقول الأوّل يطالب بدليل ما أطلقه.(4)

ومقتضى هذه الأقوال أن تكون المعادن كلّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ أو للمسلمين، أو التفصيل بين ما في ملكه ـ عليه السَّلام ـ فهو له، وما في غيره للمسلمين، وأمّا المعادن المركوزة في الملك الشخصي فهي له وليس لأحد التعدي عليها، ولو لم يستلزم تصرّفاً في ملكه، كما إذا استولى عليه من طريق النقب، ولكن لابدّ من تقييده بما تعدّ من توابعها عرفاً وأمّا الخارج عنها فلا يملك، كالمعادن المركوزة في عمق مائة متر أو أزيد، فلو استولى عليه غير المالك، فلا يملكه مالك الأرض لخروجه عن التبعية، من غير فرق بين كون الاستيلاء عن طريق النقب أو الحفر في أرض المالك. إذا عرفت هذا فالأولى عطف عنان الكلام لبيان حال الأقوال السابقة فنقول:


1 . البقرة: 29.
2 . مفتاح الكرامة:7/29ـ 30.
3 . مفتاح الكرامة:7/29ـ 30.
4 . مفتاح الكرامة: 7/29.


(122)

أدلّة القول بأنّها من الأنفال

استدل على القول بأنّ المعادن ظاهرها وباطنها من الأنفال، فلا تستخرج إلاّ بإذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ أو الحاكم العادل، إلاّ ما جرت السنّة على استخراجه بلا إذن، كما إذا كانت الأرض مالحة بظاهرها، بروايات:

الأُولى: ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن إسحاق بن عمّار، ونذكر الرواية على مقاطع ثلاثة:

قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الأنفال فقال:

1. هي القرى التي خربت وانجلى أهلها، فهي للّه وللرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وما كان للملوك فهو للإمام ـ عليه السَّلام ـ .

2. وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها.

3. و من مات وليس له مولى فماله من الأنفال.(1)

أمّا فقه الحديث فقد اشتمل على فقرتين :

الأُولى: هي القرى التي قد خربت وانجلى عنها أهلها فهي للّه وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام.

فقوله: «هي» مبتدأ، وما يليه أعني: «القرى التي خربت وانجلى أهلها...» خبره، وقوله: «فهي للّه وللرسول» كالنتيجة للجملة، أي إذا كانت القرى بهذا الوصف من الأنفال فهي ملك للّه والرسول.

كما أنّ الجملة الثانية أعني قوله: «وما كان للملوك فهو للإمام»، جملة تامّة


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 20.


(123)

كالجملة السابقة.

إنّما الكلام في المقطع الثاني أعني : «و ما كان من الأرض...» فالموصول أعني: «وما كان» مبتدأ عطف عليه أمران، أعني:

1. وكلّ أرض لا ربّ لها.

2. والمعادن.

وخبر الجميع قوله:«منها» وكأنّه قال:

«ما كان من الأرض... وكلّ أرض...والمعادن، من الأنفال» فيدلّ على أنّ المعادن من الأنفال.

وما ربّما يقال: من أنّه لو كان الضمير راجعاً إلى الأنفال لكان المناسب أن يصرح بالمرجع ويقول: من الأنفال، لا أن يضمر، بشهادة أنّه صرّح في آخر المقطع وقال: «فماله من الأنفال»، مدفوع، بأنّ المتكلّم ليس في مقام إلقاء الخطابة، بل يجري في كلامه كجريه في سائر المقامات . مضافاً إلى أنّ احتمال كون الرواية منقولة بالمعنى لا بعين اللفظ.

وهناك احتمال آخر وهو: أنّ ضمير«منها» من متعلّقات المعادن، والضمير يرجع إلى الأرض التي لا ربّ لها، فتكون النتيجة : المعادن المتّخذة من أرض لا ربّ لها، من الأنفال لا كلّ معادن، كالمتخذة من المفتوحة عنوة، أو من الملكالشخصي، والخبر محذوف بقرينة ما سبق «أي فهي للّه وللرسول أو فهي للإمام».

ويؤيده ما في بعض النسخ من لفظة «فيها» مكان «منها» كما نقل المحقّق الهمداني.

الثانية: روى العياشي مرسلاً، عن أبي بصير، قال: قال ـ عليه السَّلام ـ : «لنا الأنفال»،


(124)

قلت:وما الأنفال؟ قال: «منها المعادن والآجام...».(1)

الثالثة: روى العياشي أيضاً ، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: قلت: وما الأنفال؟ قال: «بطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام والمعادن...».(2)

الرابعة : روى في المستدرك، عن كتاب عاصم بن حميد الحنّاط، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «ولنا الصفي» ـ إلى أن قال :ـ قلت له: وما الأنفال؟ قال: «المعادن منها والآجام وكلّ أرض لا ربّ لها».(3)

ولعلّ هذا القول أوضح، ويؤيد ذلك جريان السيرة في الحكومات على عدّها من الأموال العامة التي تتولاّها الحكومات ولا يجعلونها فريسة لكل شحيح وطعمة لكلّ طامع.

نعم لا يمكن إنكار جريان السيرة في المعادن الموجودة في الأملاك الشخصية على تبعيتها للملك إذا كان على وجه يصحّ عدّها جزء منه، كالمعادن الواقعة في عدة أمتار، وأمّا المعادن الواقعة في أعماق الأرض التي لا تعدّ جزءاً من الملك ولا تبعاً له فليست السيرة ثابتة ولا معقولة حسب ما يشير إليه قوله سبحانه:«لِكَي لا يَكونَ دولَةً بَيْنَ الأَغْنياء» .(4)

وأمّا نصوص الفقهاء من أنّ المعدن الواقع في الأملاك الشخصية تابع لها فمنصرفة إلى الوجه المتعارف الذي تصح عند العرف عدّ الشخص مالكاً له، لا الواقعة في أغوار الأرض وأبعادها.


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 28و 32.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 28و 32.
3 . المستدرك: 7/295، كتاب الخمس، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 1.
4 . الحشر :7.


(125)

أدلّة القول بأنّ المعادن من المباحات العامّة

واستدل على كون المعادن من المباحات العامة بروايات لا مساس لها بالمعادن، وقد ورد فيها أنّ الماء والنار والكلاء والملح من المباحات:

1. روى محمّد بن سنان، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن ماء الوادي، فقال: «إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء».(1)

والمراد من الماء، ماء السماء والأنهار التي لا مالك لها، والكلاء المباح، ونار الشجر الذي يحطبه الناس.

2. وعن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «لا يحلّ منع الملح والنار».(2)

3. وروى المتقي الهندي في كنز العمّال: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلاء، والنار». وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلاء والنار». وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خصلتان لا يحلّ منعهما :الماء والنار».(3)

ولم يرد في واحد من النصوص كون المعادن منها، وأمّا التمسك بقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً»(4) فكما ترى، فإنّه وارد في بيان الغاية، وأمّا كيفية التصرّف والانتفاع فيطلب من دليل آخر.


1 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.
3 . كنز العمّال: الحديث 9635، 9322، 9638.
4 . البقرة:29.


(126)

أدلّة القول بأنّ المعدن تابع للأرض

قد عرفت أنّ القول الثالث، أعني: أنّ المعادن في كلّ أرض تابعة لها، ففي الأنفال، أنفال، وفي المفتوحة عنوة، ملك للمسلمين، وفي الملك الشخصي ملك لصاحبها، لا وجه له، غير رواية «إسحاق بن عمّار» من إرجاع الضمير في «منها» إلى الأرض التي لا ربّ لها، وغير جريان السيرة، من استفادة كلّ إنسان من المعدن الموجود في ملكه، والدليل إمّا غير تام كما ذكرناه في تفسير الرواية، والسيرة مقبولة في المقدار الخاص الذي يعدّ جزءاً من الأرض وتبعاً له، وسيوافيك توضيحه.

هذا خلاصة البحث، وبذلك يظهر الحال في المسألة، فنقول: صور المسألة أربع:

الأُولى: أن يستخرج المعدن من ملكه الشخصي.

الثانية: أن يستخرجه من ملك الغير المختص به.

الثالثة: أن يستخرجه من الأراضي المفتوحة عنوة.

الرابعة: أن يستخرجه من أراضي الأنفال.

وقدتعرّض الماتن رحمه اللّه للصورتين الأُولتين في هذه المسألة، وللأخيرتين في المسألة الآتية، وإليك البيان حسب تعرّض الماتن، على ضوء الأقوال التي تعرفت عليها.

أمّا على القول بأنّها من المباحات، فواضح لأنّه يتملّك بالحيازة، ومثله القول بأنّه جزء الملك، فمن ملك شيئاً يملك توابعه فلا يحتاج إلى الإجازة من الإمام أو الحاكم الإسلامي.

وبذلك يعلم، أنّ ما أطلقه المحقّق في كتاب الإجارة من «أنّ من أحيا أرضاً


(127)

المسألة 9: إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوةـ الّتي هي للمسلمين ـ فأخرجه أحد من المسلمين ملكه وعليه الخمس، وإن أخرجه غير المسلم ففي تملّكه إشكال.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فظهر فيها معدن ملكه تبعاً لها لأنّه من أجزائها» محمول على ما يعدّ تبعاً للأرض.

وأمّا على القول بأنّها من الأنفال، فقد جرت السيرة على استفادة كلّ إنسان من المعادن الواقعة في ملكه الشخصي لكنّها موجودة في الأبعاد المتعارفة وفي غيرها يحتاج إلى الإذن.

إذا أخرجه غير المالك، فعلى ما ذكرناه، لا يملكه إذا كان المخرَج ممّا يعدّ من توابع الأرض عرفاً، ويكون المخرَج لصاحب الأرض وعليه الخمس من دون استثناء المؤنة، لأنّه لم يصرف عليه مؤنة.

وأمّا إذا كان من غير ذلك القسم فلا يملك إلاّ بالإجازة، سواء قلنا بأنّها من الأنفال أو من المباحات، أمّا على كونها من الأنفال فواضح، وأمّا على القول بأنّها من المباحات، فانّ الظاهر أنّ عدم الحاجة في الأُمور الثلاثة، أعني: الماء والكلاء والنار، دون الثروات الطائلة التي توجد السيطرة عليها، الشقّة، وهو خلاف المطلوب للشارع الحكيم حيث قال سبحانه:«كَيْ لا يَكُونَ دولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ»(1) أي تدور بين الأُمّة ولا تكون الثروة دولة بين خصوص الأغنياء.

(*) هذه هي الصورة الثالثة، أعني: استخراج المعدن من الأرض المفتوحة عنوة، فقد أفتى المصنف بأنّ المستخرج إذا كان مسلماً يملكه وعليه الخمس، دون الكافر، ففرّق في الأراضي العامرة من المفتوحة عنوة بين كون المستخرج مسلماً أو كافراً،


1 . الحشر:7.


(128)

دون الموات، كما سيوافيك.

يلاحظ عليه: بأنّ إطلاق كلامه لا ينطبق مع القواعد، إذ لو كانت المعادن من الأنفال ، فلا تملك إلاّ بإذن الحاكم، فكيف أفتى بأنّها تملك من دون تقييد بإذن الحاكم؟ ولو كانت من المباحات العامةـ مع احتياجها إلى إذن الحاكم ـ فالمسلم والكافر أمامها سواء، فيكون التفريق بين المسلم والكافر الذمّي غير تام، ولو كانت تابعة للأرض فهي وما وقع تحتها كلّها للمسلمين، فكيف يملك الشخص ما هو ملك لجميعهم؟

قال الشيخ : الذمّي إذا عمل في المعدن يمنع منه، فإن خالف وأخرج شيئاً منه ملكه، ويؤخذ منه الخمس. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي(1) وإطلاق كلامه يعمّ ما إذا أخرج في المعمورة حال الفتح.

ويرد عليه: أنّ المنع من العمل لا يجتمع مع القول بالملكية إذا استخرج، فانّ التملّك آية كونه ليس ملكاً للإمام ـ عليه السَّلام ـ أو المسلمين، بشهادة أنّه يملك مع نهي الإمام وعدم رضاه، والمنع آية كونه ملكاً له أو لهم، فكيف يجتمع؟

والقول بأنّ النهي سياسي لئلاّ يتوسّعوا في الأموال، كما ترى، وإلاّ يجب المنع عن الاتّجار والزراعة والصناعة، ولم يقل به أحد.

والحقّ أنّه إذا كان من الأنفال يحتاج إلى إذن الحاكم، كما أنّه كذلك إذا كان من المباحات، لأنّ أُمورها بيد الحاكم، فلو كان الاستخراج موافقاً للمصلحة يأذن له فيملك، وإلاّ يمنع من الاستخراج ولا يملك لو عصى، من غير فرق بين كونها في الأراضي المفتوحة عنوة أو غيرها، وكون الأرض للمسلمين لا يقتضي كون ما فيها من المعادن لهم ولا ما يعدّ جزءاً من الأرض.


1 . الخلاف: 2/120، كتاب الزكاة: المسألة 144.


(129)

وأمّا إذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أنّ الكافر أيضاً يملكه وعليه الخمس.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هذه هي الصورة الرابعة، وهو استخراج المعدن من الموات الذي يعدّ من الأنفال، ولم يفرق بين المسلم والكافر في هذا القسم، مع أنّه لا فرق بين الصورتين إذا قلنا بكونها من الأنفال أو من المباحات فلا يملك الكافر إذا كان هناك منع أو عدم إذن.

فإن قلت: لماذا لا يشمل إطلاق قوله: «أيُّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمّروها فهم أحقّ بها» للمقام، و قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».(1) وقد وردت النصوص في تملّك الذمي إذا أحيا الأرض؟(2)

قلت: إنّ الإحياء عبارة عن إجراء المياه وغرس الأشجار فيها، وأمّا استخراج المعادن فليس إحياء للأرض كما لا يخفى.

فإن قلت: لماذا لا يشمله قوله: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به»؟(3)

وكذلك ما رواه السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في رجل أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه ، فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».(4)

قلت: الروايات ناظرة إلى الأشياء المباحة بالذات كالماء والكلاء الباقيين


1 . الوسائل:ج17، الباب 1 من أبواب الإحياء، الحديث 1و5.
2 . الوسائل: ج17، الباب 4 من أبواب الإحياء، الحديث 1.
3 . سنن أبي داود: 3/177، كتاب الخراج والإجارة، الحديث 3071.
4 . الوسائل: ج16، الباب 38 من أبواب الصيد، الحديث 1.


(130)

المسألة 10: يجوز استيجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر، وإن قصد الأجير تملّكه لم يملكه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الإباحة الأصلية لا إلى ما كان مملوكاً للإمام ـ عليه السَّلام ـ بما أنّه إمام، فالتملّك بالإخراج بلا إذن منه يحتاج إلى دليل غيرتلك الإطلاقات.

والظاهر أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ لو رأى أنّ في الإقطاع للكافر مصلحة تعود على الإسلام والمسلمين جاز له الإقطاع ويملك المخرِج، وإلاّفيتوقف تملّكه على الإذن.

فتلخص لزوم الإذن في المخرِج في الأراضي المفتوحة عنوة والأنفال من غير فرق بين المسلم والكافر.

(*) صور المسألة:

1. إذا أخرج الأجير المعدن من الأرض التي يملكها المستأجر.

2. إذا أخرجه من الأرض التي للمستأجر حقّ اختصاص بها، عن طريق التحجير.

3. إذا أخرجه من أرض ميتة.

4. ثمّ إنّ متعلّق الإجارة تارة يكون إخراج المعدن وحفره، وأُخرى إخراجه بقصد أن يتملّكه المستأجر.

5. وعلى كلا التقديرين فمورد الإجارة تارة يكون عمله الخاص الذي سيوجد، وأُخرى يكون كلياً في ذمّته.

ثمّ إنّ بعض المشايخ لا يقول بكونه ملكاً للمستأجر إلاّ إذا كانت الأرض له، أو ما كان له فيها حقّ اختصاص، وبعضاً آخر كالسيد الحكيم يقول بالصحّة إذا كانت الإجارة على منفعته الشخصية دون ما في الذمّة، وإليك البيان:


(131)

لا شكّ في أنّ المخرَج للمستأجر، سواء نوى الوفاق أو الخلاف، فيما إذا كان المعدن واقعاً في الملك الشخصي على الشرط المذكور في المسألة السابقة، أو كان له حقّ اختصاص، إنّما الكلام فيما إذا كان واقعاً في المفتوحة عنوة، أو في الموات الأنفال، وربّما يقال بعدم قبول الحيازة للنيابة وبالتالي لا يملكه المستأجر.

قال المحقّق في ضابط ما لا تدخل فيه النيابة: إنّ ضابطه ما تعلّق قصد الشارع بإيقاعه من المكلّف مباشرة كالطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحجّ مع القدرة والأيمان والنذور والغصب والقسم بين الزوجات، والظّهار واللعان، وقضاء العدّة والجناية والالتقاط والاحتطاب والاحتشاش.(1)ولتعلّق غرض الشارع بصدورها من نفس الفاعل.

يلاحظ عليه: أنّ في انطباق الضابطة على الأُمور الثلاثة الأخيرة خفاءً، إذ من أين علم تعلّق قصد الشارع بإيقاعها من المكلّف مباشرة؟

فإن قلت: إنّ الحائز يتملّك بمجرّد الحيازة لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من حاز ملك» فلا يبقى مجال للنيابة.

قلت: إنّما يتملّك بالحيازة إذا لم يملك الغير عملَه الخارجي وبالتالي منفعته، أي المحوز، وإلاّ فلا يملك لمجرّد الحيازة.

وعلى ذلك فلو آجر نفسه على الحيازة ـ كما هو المرتكز عرفاً ـ يكون ما حازه ملكاً للمستأجر لا للأجير،لأنّ المستأجر يملك نفس عمل الأجير وهو الحيازة، وملكيتها عبارة أُخرى عن ملكية ما حازه، إذ تملّك العمل لغاية تملك ما يحصل منه كما لا يخفى، ولأجل ذلك قال الماتن: وإن قصد الأجير تملكه لم يملك لسبق


1 . الشرائع: 2/195، كتاب الوكالة. ولكن الظاهر منه في كتاب الشركة أنّ الاحتطاب و الاحتشاس والاصطياد قابلة للنيابة; لاحظ: الشرائع: 2/134، كتاب الشركة، المسألة التاسعة.


(132)

المسألة 11: إذا كان المخرج عبداً كان ما أخرجه لمولاه وعليه الخمس.(*)

المسألة 12: إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته، كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليّاً أو كان مثل الياقوت والعقيق فحكّه فصّاً مثلاً اعتبر في إخراج خمس مادّته فيقوَّم حينئذ سبيكة أو غير محكوك مثلاً، و يخرج خمسه.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مالكية المستأجر عمله وأثره بالعقد الصحيح الشرعي.

والحاصل: أنّه إذا كان المعدن واقعاً في غير الملك الشخصي، أو في غيرما للموجر نحو اختصاص له، فهو يملك أفعال الأجير وحركاته، والمراد من السيطرة على أفعاله، تملّك ما يحصل منها، وبذلك يظهر النظر في ما أفاده السيدالمحقّق البروجردي في تعليقته على هذه المسألة، من قوله: إنّ صرف كون عمله الخاص أوجميع أعماله للمستأجر لا يجعله كأحد مخازنه الجمادية كلّما دخل فيه صار تحت استيلائه قهراً، بل هو بعد إنسان له عمل وإرادة وعناوين أعماله تابعة لإرادته.

ما ذكره صحيح لولا أنّه باختياره سلّط المستأجر على أفعاله ونتائجها فلا يؤثر الخلاف بعد صحة العقد.

(*) يظهر وجهه ممّا حرّرناه في مسألة الأجير، فلاحظ.

(**) لا شكّ أنّ الملاك في تعلّق الخمس هو بلوغ مادّته حدّ النصاب، فلو لم تبلغ المادة حدّه وإنّما بلغت مع الهيئة العارضة لها فلا يتعلّق به الخمس أخذاً بظاهر الدليل من «بلوغ ما يخرج منها» أو «ما يجب في مثله الزكاة».


(133)

إنّما الكلام، في قدر الإخراج، فهل يخرج خمس قيمة المادة، أو يخرج خمس قيمة المادة والهيئة؟ احتمالان مبنيان على تعلّق الخمس بالعين بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، فيلاحظ الكل لأنّ العمل لمّا وقع فضولياً في سهم أصحاب الخمس لا يستحقّ العامل في مقابله أُجرة بالنسبة إلى سهمهم، اللّهمّ إلاّ إذا استجاز من الحاكم، ورأى الحاكم مصلحة في تأخير الإخراج فأجاز له العمل في السبوك.

وأمّا على القول بتعلّق الخمس بالعين على وجه تعلّق الحق، أو أنّه يتعلّق بالذمّة، فتلاحظ المادة، وتختصّ الصورة للعامل، ولا مانع من تملّك الصورة تبعاً لتملّك المادة كما هو الفرض.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى أنّ الهيئة من حيث هي لا مالية لها ولا يقَّسط الثمن عليها ولا شأن لها، غير أنّها توجب ازديادَ مالية المادة المتلبسة بها ولأوفرية رغبة العقلاء إليها بالإضافة إلى المجردة منها، ولأجلها يبذل بازائها أكثر ممّا يبذل بازاء العاري عن تلك الصفة، من غير أن يكون لنفس تلك الهيئة حظٌّ من المالية.

ثمّ استنتج ممّا ذكره بأنّ تعليل ما ذكره في المتن بأنّ الصفة لعاملها في غير محلّه فإنّها ليست لأحد، لا للعامل ولا لغيره، لعدم ماليتها بوجه، فضلاً عن أن تكون ملكاً لأحد.(1)

إنّ ما ذكره مبني على ما أفاده الشيخ الأنصاري ـ في غير موضع من متاجره ـ من أنّ الثمن لا يقسط على الأوصاف والشروط ولذلك قال: إن تعلّق الأرش في تخلف الجزء مطابق للقاعدة دون وصف الصحة ، وإنّ تعلّقه عند تخلفها من باب التعبّد، وبقي الباقي كأوصاف الكمال من الكتابة وغيرها والشروط تحت المنع.


1 . مستند العروة:68ـ69، كتاب الخمس.


(134)

وكذا لو اتّجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناوياً الإخراج من مال آخر ثمّ أدّاه من مال آخر، وأمّا إذا اتّجر به من غير نيّة الاخراج من غيره، فالظاهر أنّ الربح مشترك بينه و بين أرباب الخمس.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولكنّه مخالف لارتكاز العقلاء، إذ ربّما يتعلّق الغرض بالعوارض دون الجواهر، كبذل الثمن للأمة المغنية لحسن صوتها، أو للفرس لأجل كونه عربياً، ولأجل ذلك قلنا بصحّة أخذ الأرش في عامة التخلّفات من أوصاف الصحّة والكمال والشروط.

وما استدل به على مختاره، من عدم جواز بيع المادة دون الهيئة أو العكس أو شركة شخص في العين على أن يكون المادة لأحدهما والهيئة للآخر، كما ترى، إذ لا ملازمة بين الأمرين، وعدم بذل الثمن في مقابل الهيئة.

(*) لا شكّ أنّ لمستخرج المعدن وغيره ولاية في تبديل الجنس إلى النقد وأدائه إلى أصحاب الخمس وهو أمر لا سترة فيه، ولكن هل له نقله إلى الذمّة حتى إذا نوى الأداء من غيره يكون لنيته تأثير في اختصاص العين به، وتمحص الربح له، أو لا؟ الظاهر، لا، ولأجل ذلك لا أثر لنيّة الإخراج وعدمه، فليست المسألة مبنيّة على نيّة الإخراج وعدمها، بل هي مبنيّة على كيفيّة تعلّق الخمس بالعين بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، أو تعلّقه بالذمّة أو بالعكس ،لكن على نحو تعلّق حقّ المرتهن بها; فعلى الأوّلين يكون الربح مشتركاً حسب السهام إذا لحقه الرضا من وليّ الأمر، وإلاّ تكون المعاملة باطلة بالنسبة إلى سهم أرباب الخمس ويكون للمشتري خيارتبعّض الصفقة; وأمّا على الثالث، تصحّ مطلقاً ويكون الربح له; وعلى الرابع، تكون المعاملة فضولية بالنسبة إلى سهم أرباب الخمس ولا تتنجّز إلاّ بالفك وهو أداء حقّهم، هذا هو حكم المسألة حسب المباني.


(135)

ثمّ إنّه ربّما يستدل بولاية الإنسان على بيع الخمس بلا إجازة من وليّه برواية «الحارث بن حصيرة الأزدي» قال: وجد رجل ركازاً على عهد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فابتاعه أبي منه بثلاثمائة درهم، ومائة شاة مُتْبِع، فلامته أُمّي وقالت: أخذت هذه، بثلاثمائة شاة أولادها مائة، وأنفسها مائة وما في بطونها مائة، قال: فندم أبي، فانطلق ليستقيله، فأبى عليه الرجل فقال: خذ منّي عشرة شياه، خذ منّي عشرين شاة، فأعياه فأخذ أبي الركازَ وأخرج منه قيمة ألف شاة، فأتاه الآخر فقال: خذ غنمك وأتني ما شئت فأبى فعالجه فأعياه، فقال: لأضرّن بك، فاستعدى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ على أبي، فلمّا قصّ أبي على أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، أمره، قال لصاحب الركاز: «أدّ خمس ما أخذت، فانّ الخمس عليك فانّك أنت الذي وجدت الركاز وليس على الآخر شيء، لأنّه إنّما أخذ ثمن غنمه».(1)

وظاهر الرواية ولاية البائع في بيع ما تعلّق به الخمس بلا إجازة من ولي أصحاب الخمس.

ولكنّ الرواية ضعيفة للإرسال وغيره، وأمّا الحارث بن حصيرة فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادقين عليمها السَّلام ، وقال ابن حجر في تقريبه: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض.(2) وعليه فالحديث معلّق أيضاً مضافاً إلى الإرسال في أثناء السند.

ولعلّ أمر الإمام ـ عليه السَّلام ـ بدفع الخمس من ثمن المعدن لأجل تنفيذه المعاملة، لمصالح أعرف بها، فلاحظ.


1 . الوسائل: ج6، الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال كما مرّ عند البحث في معنى المعدن والركاز فلاحظ.
2 . تقريب التهذيب:1/140 برقم 128.


(136)

المسألة 13: إذا شكّ في بلوغ النصاب وعدمه فالأحوط الاختبار.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) وقال في كتاب الزكاة: تتعلّق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة إذا بلغ خالصهما النصاب، ولو شكّ في بلوغه ولا طريق للعلم بذلك ـ ولو للضرر ـ لم تجب، وفي وجوب التصفية ونحوها للاختبار إشكال، أحوطه ذلك، وإن كان عدمه لا يخلو عن قوّة.(1)

فالأقوى عند السيّد الطباطبائي في كلا البابين هو عدم الوجوب، ولا شكّ في كونه أحوط، ومع ذلك علّق عليه السيد الخوئي في المقام«والأظهر عدمه» و هو غير ظاهر، ولعلّه تصوّر أنّ المتن، الأقوى الاختبار، فعلّق عليه: الأظهر عدمه.

واستدل صاحب الجواهر على وجوب الاختبار بوجوه:(2)

1. إذا عُلّق الوجوب على شرط كالاستطاعة، في الحجّ، فالشرط هو وجوده الواقعي لا وجوده العلمي، فليس له الاقتصار في انتقال التكليف بصورة العلم بهما، بل التكليف يدور مدار وجود الشرط عالماً أو شاكاً.

يلاحظ عليه: أنّه لا يُثبت وجوب الفحص، لأنّ الشك في وجود الشرط، موجب لدخول المقام في الشكّ في التكليف وهو مجرى البراءة ولو كان الشرط موجوداً في الواقع فهو معذور في المخالفة.

2. إنّ فيه إسقاطاً لكثير من الواجبات.

يلاحظ عليه: إذا كانت مخالفة الواقع ناشئةً عن إعمال القواعد والأُصول فهو في مخالفته معذور، والمفروض في المقام كذلك، لأنّ المورد من قبيل الشكّ في التكليف للشكّ في شرط الوجوب.


1 . العروة الوثقى: كتاب الزكاة، فصل زكاة النقدين، المسألة 3.
2 . الجواهر:15/196.


(137)

3. خبر زيد الصائغ في الدراهم المغشوشة:«إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضّة الخالصة، من فضّة، ودَعْ ما سوى ذلك من الخبيث». قلت: وإن كنت لا أعلم أنّ ما فيها من الفضّة الخالصة إلاّ أنّـي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة، قال: فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث، ثمّ تزكّي ما خلص من الفضة لسنة واحدة».(1)

ولكنّه خارج عن محطّ البحث، لأنّ الكلام فيما إذا شكّ في أصل التعلّق لا في مقداره والالتزام بالاختبار فيه، فلا يكون دليلاً على لزومه في الأوّل.

ثمّ إنّ القائل بعدم لزوم الاختبار استدل ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ بأنّه لو وجب الفحص، لوجب في باب النجاسات، مع اتفاقهم على عدم وجوبه فيها، مضافاً إلى صحيحة زرارة حيث سأله بقوله: فهل عليّ إن شككت أنّه أصابه شيءأن أنظر فيه؟ قال: «لا ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع فيك».(2)

يلاحظ عليه: أنّ قياس باب الحقوق والفرائض المالية، بباب النجاسة، غير تام للعلم بوجود التسهيل فيها دونهما.

4. الرجوع إلى الاستصحاب بمفاد العدم الناقص، كما إذا كان الاستخراج تدريجياً حيث يشير إلى ما استخرجه أوّلاً، بأنّه لم يكن بالغاً حدّ النصاب في الوجبة الأُولى ويشكّ في بقائه بعد استخراج الوجبة الثانية والأصل بقاؤه على ما كان، أو الاستصحاب الأزلي، كما لو شكّ في بلوغ النصاب في نفس الوجبة الأُولى.


1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 2، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1.


( 138 )

الثالث: الكنز

وهو المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، و المدار الصدق العرفيّ، سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر و سواء كان في بلاد الكفّار الحربيّين أو غيرهم، أو في بلاد الإسلام في الأرض الموات أو الأرض الخربة الّتي لم يكن لها مالك، أو في أرض مملوكة له بالإحياء أو بالابتياع، مع العلم بعدم كونه ملكاً للبائعين، وسواء كان عليه أثر الإسلام أم لا، ففي جميع هذه يكون ملكاً لواجده و عليه الخمس. (*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) يقع الكلام في مواضع:

1. في دليل الخمس في الكنز.

قال الشيخ في الخلاف: الركاز هو الكنز المدفون، يجب فيه الخمس بلا خلاف، ويراعى عندنا فيه أن يبلغ نصاباً يجب في مثله الزكاة ،وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: يخمس قليله وكثيره. وبه قال مالك وأبوحنيفة.(1)

والمسألة عندنا إجماعية لم يختلف فيها اثنان، ووردت فيها روايات سبع، وهي بين ما يدل على أصل الحكم، و ما يدل ـ مضافاً إلى أصل الحكم ـ على خصوصياته.


1 . الخلاف: 2/121، كتاب الزكاة، المسألة 146.


(139)

1. ما رواه حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح قال: «الخمس من خمسة أشياء من الغنائم والغوص، ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة».(1)

2. ما رواه الصدوق في المقنع: قال : روى محمد بن أبي عمير: أنّ الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة. ونسي ابن أبي عمير الخامسة.(2)

3. ما رواه في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده، عن علي ـ عليه السَّلام ـ :«والخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، و من الغوص».(3)

4. صحيح الحلبي في حديث قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الكنز كم فيه؟ قال: «الخمس».(4)

رواه المشايخ الثلاثة:

5. صحيح عمّار بن مروان اليشكري قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز، الخمس».(5)

6. صحيح زرارة ، قال : سألت عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس،الحديث 4 وهو نفس ما رواه برقم 9 في ذلك الباب.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2، وهو متّحد مع ما رواه في ذلك الباب برقم 11، وما رواه في الباب 3 برقم 7.
3 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 2، من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث12.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2; ورواه الصدوق بسند صحيح لاحظ الباب 5، الحديث 1; كما رواه الكليني عن ابن أبي عمير مرفوعاً.
5 . المصدر نفسه، الحديث 6.


(140)

ركازاً ففيه الخمس».(1)

وقد مرّ أنّ الركاز يطلق على كلّ ما يثبت في الأرض فيشمل الكنز والمعدن.

وهذه روايات ست، وإن كانت لحاصرها عشر. ومن الصنف الثاني.

7.صحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(2) سواء قلنا بأنّ المراد هو المماثلة في المقدار فيكون بصدد بيان النصاب، أو بصدد بيان المماثل في الجنس، فيختصّوجوب التخميس بما إذا كان المعثور من الذهب والفضة المسكوكين.

ما هو الكنز لغةً وعرفاً؟

عرّفه الماتن بقوله: المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، والمدار الصدق العرفي:

قال ابن فارس : الكنز: يدل أصله على تجمع في شيء من ذلك ناقة«كِنازُُاللحم» أي مجتمعه، وكنزت التمر في وعائه: أكنزه.(3)

قال ابن منظور: الكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء، ولما يحرز فيه، وقيل: الكنز المال المدفون وجمعه كنوز، يقال: كنزت البُرّ في الجراب فاكتنز، إلى أن قال: وسمّى العرب كلّ كثير مجموع يتنافس فيه كنزاً، في الأصل: المال المدفون تحت الأرض.(4)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 3.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
3 . مقاييس اللغة:5/141.
4 . لسان العرب: 5/402.


(141)

وقال الجزري: الكنز: المال المدفون تحت الأرض.(1)

وبه فسر القاموس وقال: الكنز: المال المدفون... وكلّ شيء غمّرته في وعاء أو أرض فقد كنزته(2).

وفي مجمع البحرين: أصل الكنز المال المدفون لعاقبة ما ،ثمّ اتسع فيه، فيقال لكلّ قَيْنَة يتخذها الإنسان كنز.(3)

ترى الاختلاف بين التعبيرين الأخيرين حيث يعتبر الثاني وجود القصد في الدفن والستر لوجود كلمة: لعاقبة ما ، بخلاف الأول. وعلى كلّ تقدير يجب البحث عن عدّة نقاط:

الأُولى: هل يشترط في صدق الكنز كون الإدّخار مقصوداً للمالك، وإلاّ يكون بحكم اللقطة؟ يظهر من الماتن اشتراطه، وقال الشهيد الثاني في المسالك: يعتبر كونه مقصوداً ليتحقق الكنز، فلا عبرة باستتار المال بالأرض بسبب الضياع بل يلحق باللقطة، ويعلم ذلك بالقرائن الحالية كالوعاء.(4)

وقال في الروضة : المال المذخور تحت الأرض قصداً.(5)

ولكن الحقّ خلافه لوجوه:

أوّلاً: إنّ المتبادر من معادله في سائر اللغات هو المال المستور عن الإنسان، سواء كان ستره بقصد المالك أو بحادث سماوي أو أرضي، ولا يتوقف الإنسان في إطلاقه على المعثور عليه على إحراز قصد المالك وأنّه ستره لوقت ما.


1 . النهاية:4/202.
2 . القاموس المحيط: 2/189، مادة «الكنز».
3 . مجمع البحرين:4/32، مادة «كنز».
4 . المسالك:1/460.
5 . الروضة: 2/68.


(142)

وثانياً: إنّ لفظ الكنز أُطلق في القرآن على كلّ مستور عن الأعين من غير إيماء إلى كونه مدّخراً من جانب المالك، قال سبحانه حاكياً عن قول المشركين:«لَولا انزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَمَعَهُ ملك» .(1)

وقال أيضاً: «أَو يُلقى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُون لَهُ جَنّة يَأْكُل مِنْها» .(2)

وثالثاً: لا ثمرة في النزاع، فلو قلنا بالاشتراط في صدق:الكنز، فلا نقول به في صدق الركاز الذي أُطلق بمعنى واحد على المعدن والكنز، ولا يخطر في بال أحد، كون المعدن مدخراً، والجامع كونه راسخاً وثابتاً في الأرض، وقال الفقيه الهمداني: الإنصاف أنّ صدق اسم الكنز حقيقة على المال المستتر في الأرض بنفسه لا بفعل فاعل لا يخلو عن تأمّل، وإن كان ربّما يساعد عليه العرف في بعض موارد استعمالاتهم كقولهم : عَثَرَ فلان على كنز، فانّهم لا يلتفتون في مثل هذا الإطلاق إلى كون ذلك الشيء الذي عثر عليه ممّا كنزه الإنسان لفاقته، كما فسّر الكنز به في مجمع البحرين، أو كونه مستتراً في الأرض بنفسه، ولكن لا يبعد أن يكون هذا الإطلاق مبنياً على التوسّع وعدم الالتفات إلى جهة قيامه بالفاعل.(3)

الثانية: هل يشترط كونه واقعاً تحت الأرض أو يكفي كونه مستوراً لا يُعْثَر عليه بسهولة؟ ولأجل ذلك جعل الماتن رحمه اللّه الميزان ، الصدق العرفي، والدليل على عدم الاشتراط قوله سبحانه في حقّ قارون: «آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما انّ مَفاتحهُ لتَنُوء بالعُصْبة أُولى القُوّة».(4)


1 . هود:12.
2 . الفرقان:7.
3 . مصباح الفقيه: 14/46.
4 . القصص:76.


(143)

وهذا يدل على أنّ كنوزه كانت في بيوت مقفلة أو صناديق كذلك، و ما عن بعض الأجلة، من عدم الصدق على المخفي في مكان معين للحفظ المؤقّت كالصندوق لا يخلو من تأمّل، إلاّ أن يكون عدم الصدق لكون الهدف الحفظ المؤقت، ويؤيد ما ذكرناه قول ابن منظور في اللسان: الكنز: اسم للمال إذا أُحرز في وعاء، ثمّ قال: وقيل: الكنز المال المدفون.

الثالثة: ما هوالكنز من حيث الجنس والنوع؟

فهل هوعبارة عن النقدين المسكوكين، أو يعم مطلق الذهب والفضة وإن لم يكونا مسكوكين، أو هو عبارة عن كلّ نفيس مدفون تحت الأرض كالجواهر والنفائس من الظروف؟ أقوال:

1. الاختصاص بالنقدين

يظهر من الشيخ في النهاية: الاختصاص بالنقدين، حيث قال: والكنوز إذا كانت دراهم أو دنانير يجب فيها الخمس فيما وجد منها إذا بلغ الحدّ الذي قدّمنا ذكره.(1)

2. الاختصاص بالذهب والفضة

ويظهر منه في المبسوط: شموله لمطلق الذهب والفضة، حيث قال: ويجب أيضاً في الكنوز التي توجد في دار الحرب، من الفضة والذهب والدراهم والدنانير.(2)


1 . النهاية: 198.
2 . المبسوط:1/236.


(144)

3. مطلق المال المدفون

الظاهر من المهذّب لابن البراج(1) والجامع للشرائع(2) كما هو الحال في المسالك والمدارك هو الإطلاق، وإن ركزوا البحث بما فيه سكّة الإسلام وعدمها.

ولا أظنّ أن يكون مستند التفصيل هو اللغة وقد مرّت كلمات اللغويين ولم يكن فيها تصريح ولا تلويح بالاختصاص، قال ابن قدامة في توصيف الركاز الذي فيه الخمس: هو كل ما كان مالاً على اختلاف أنواعه من الذهب و الفضة والحديد والرصاص والصفر والنحاس والآنية وغير ذلك.(3)

ثمّ ذهب الشيخ الأكبر كاشف الغطاء والسيد الخوئي إلى القول الأوّل لصحيحة البزنطي، قال: سألته ـ عليه السَّلام ـ عمّا يجب فيه الخمس من الكنز ؟ فقال: «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(4)

وقد اختلفت الأنظار في تعيين الموصول الوارد في السؤال، أعني:«عمّـا يجب فيه» ،فهل السؤال عن المقدار والكمية أي عن المقدار الذي يجب فيه الخمس من الكنز، أو السؤال عن الجنس الذي يجب فيه الخمس، أو السؤال عن المقدار والجنس؟ وعلى ضوء واحد من هذه الاحتمالات يظهر معنى الموصول في الجواب ووجه المماثلة الواردة في الجواب حيث قال:«ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس» أي المماثلة من حيث المقدار، أو الجنس، أو كلا الأمرين.

والظاهر هو الأوّل، لوجوه:


1 . المهذّب:1/178.
2 . الجامع للشرائع: 149.
3 . المغني:3/20، وهو بصدد بيان الركاز الذي يطلق ويراد منه الكنز لا المعدن، فلاحظ.
4 . الوسائل:6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(145)

الأوّل: وجود لفظة: «في مثله» إذ لو أُريد المماثلة من حيث الجنس لزم حذفه، ويجب أن يقول: ما يجب الزكاة فيه (النقدين) ففيه الخمس، ولا وجه لإقحام كلمة «في مثله» لأنّ الزكاة تجب في نفس النقدين لا في مثلهما.

الثاني: ما رواه نفس البزنطي في مورد المعدن، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عمّا أخرج المعدن من قليل أو كثير هل فيه شيء؟ قال:« ليس فيه شيء حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين ديناراً».(1)

فانّ الروايتين وإن كانتا متفاوتتين، حيث إنّ السؤال في الثانية صريح في المقدار ،فلا معنى لحمل المماثلة على الجنس حتّى تكون منحصرة.

ولا يعمّ غيرهما لعدم المماثلة الجنسية في غيرهما، لكن وحدة السائل والمسؤول عنه يقرب كون حيثية السؤال في الروايتين واحدة.

الثالث: ما رواه المفيد في المقنعة، قال: سئل الرضا ـ عليه السَّلام ـ عن مقدار الكنز الذي يجب فيه الخمس؟ فقال: «ما يجب فيه الزكاة من ذلك بعينه ففيه الخمس، ومالم يبلغ حدّ ما تجب فيه الزكاة فلا خمس فيه».(2)

والظاهر أنّ ما نقله المفيد ليس حديثاً مستقلاً بل هو نفس ما رواه البزنطي بالمعنى.

الرابع: صحيح زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس»(3) ثابتاً أو مدفوناً تحت الأرض ففيه الخمس سواء كان من جنس النقدين أو غيره.


1 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . الوسائل: 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
3 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.


(146)

الخامس: إنّ حمل السؤال على الجنس، فرع وجود احتمال في ذهن السائل وهو اختصاص وجوب الخمس بالنقدين.

السادس: يتلقى العرف الخمس ضريبة على الاستغنام المجّان الذي عثر عليه الواجد، وتخصيصه بخصوص الجنسين فضلاً عن النقدين يحتاج إلى دليل قاطع لكونه على خلاف الارتكاز،ومع إجمال الدليل فالمرجع آية الغنيمة وإطلاقات الكنز كما لا يخفى.

مضافاً إلى شذوذ القول باختصاص الكنز بالنقدين، وحكاه صاحب الجواهر عن كشف الغطاء، واختاره صاحب مستند العروة، فلاحظ.

الرابعة: في مكانه، فنقول الصور المتصورة أربع.

لأنّ الكنز تارة يوجد في دار الإسلام، وأُخرى في دار الحرب، فعلى التقديرين إمّا أن يكون فيه أثر الإسلام بأن تكون السكّة سكة أموية أو عباسية، أو نظائرها، أو لا، وعلى كلّ تقدير تارة تكون الأرض غير مبتاعة، وأُخرى مبتاعة، ولنقدّم الكلام فيما إذا لم تكن مبتاعة .

العثور على الكنز في أرض غير مبتاعة

إذا عثر على الكنز في أرض، فالظاهر خروج موردين عن محطّ البحث:

1. إذا عثر عليه في دار الحرب، كانت عليه السكّة الإسلامية أو لا، فيجوز التملّك ويؤدّي خمسه.

2. إذا عثر عليه في الأملاك العامة كالأنفال والمفتوحة عنوة، ولم يكن عليه أثر الإسلام ، يجوز تملّكه لأدلّة حيازة المباحات مضافاً إلى الروايات الواردة في المقام لظهورها أنّ الباقي بعد التخميس للواجد.


(147)

وإنّما الاختلاف فيما إذا وجد في الأملاك العامة كالأنفال والمفتوحة عنوة وكان عليه أثر الإسلام، فهل هو ملحق بالكنز فيملك الباقي بعد الخمس، أو لقطة، إن أمكن التعرّف على مالكها بعد الفحص، أو مجهول المالك كما إذا لم يكن كذلك؟ وإليك الأقوال:

ويظهر من ابن قدامة، التفصيل بين ماعليه أثر الإسلام فهو لقطة وما ليس كذلك فهو للواجد ، قال: إنّ الركاز الذي يتعلّق به وجوب الخمس ما كان من دفن الجاهلية، هذا قول الحسن والشعبي ومالك والشافعي وأبي الثور ويعتبر ذلك بأن ترى عليه علامتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك، وإن كان عليه علامة الإسلام أو اسم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو واحد من الخلفاء المسلمين أو وال لهم أو آية من قرآن أو نحو ذلك فهو لقطة، لأنّه ملك مسلم لم يعرف زواله عنه، وإن كان على بعضه علامة الإسلام وعلى بعضه علامة الكفر فكذلك.(1)

يظهر من الشيخ في الخلاف: عدم الفرق بين الأقسام، قال: إذا وجد كنزاً عليه أثر الإسلام بأن تكون الدراهم أو الدنانير مضروبة في دار الإسلام وليس عليه أثر ملك، يؤخذ منه الخمس ـ إلى أن قال : ـ دليلنا: عموم ظاهر القرآن والأخبار الواردة في هذا المعنى، وتخصيصها يحتاج إلى دليل.(2)

وكلامه مطلق يعمّ المعثور عليه في دار الإسلام والكفر لو لم نقل بانصرافه إليها.

ويظهر منه في المبسوط ومن ابن البرّاج في المهذّب، والمحقّق في الشرائع، التفصيل بين ما عليه أثر الإسلام وما ليس عليه.


1 . المغني: 3/18.
2 . الخلاف2/122، كتاب الزكاة، المسألة 149.


(148)

قال في المبسوط: فأمّا الكنوز ...أو وجدت في أرض لا مالك لها فهي على ضربين، فإن كان عليها أثر الإسلام مثل أن يكون عليها سكّة الإسلام فهي بمنزلة اللقطة... وإن لم يكن عليها أثر الإسلام أو كانت عليها أثر الجاهلية من الصور المجسمة وغير ذلك فانّه يخرج منها الخمس وكان الباقي لمن وجدها.(1)

قال القاضي في المهذّب: فإن كان عليه أثر الإسلام كان بمنزلة اللقطة.(2)

وقال في الشرائع، في كتاب الخمس: إذا وجد كنزاً في أرض موات من دار الإسلام فإن لم يكن عليه سكّة، أو كان عليه سكّة عادية أخرج خمسه وكان له الباقي، وإن كان عليه سكّة الإسلام، قيل: يعرّف كاللقطة، وقيل: يملكه الواجد، وعليه الخمس، والأوّل، أشبه.(3)

ولكن الظاهر منه في كتاب اللقطة موافقة قول الشيخ في الخلاف قال: ما يوجد في المفاوز أو في خربة قد هلك أهلها فهو لواجده ينتفع به بلا تعريف، وكذا ما يجده مدفوناً في الأرض لا مالك لها.(4)

قال العلاّمة في المنتهى: فإن كان عليه أثر الإسلام فهو لقطة.(5)

قال ابن سعيد في الجامع: وإن وجد الكنز في أرض لا مالك لها وعليه سكّة الإسلام فهي لقطة.(6)

قال في المسالك : وكنز دار الإسلام مع وجود أثره، الأصح أنّه لقطة.(7)


1 . المبسوط:1/236.
2 . المهذّب:1/178.
3 . الشرائع:1/180، كتاب الخمس.
4 . الشرائع: 3/293، كتاب اللقطة.
5 . المنتهى:1/546.
6 . الجامع للشرائع: 149.
7 . المسالك: 1/463.


(149)

ولكن صريح المدارك كونه ملحقاً بالأقسام السابقة، فلاحظ:

والإشكال فيـه ـ لأجل دلالة أثر الإسلام في كونه ملكاً لمسلم وكونها أمارة قوية على كونه ملكاً لمسلم فلا يحلّ التصرف فيه ـ موضع تأمّل.

فإنّ السكّة الإسلامية يستعملها المسلم والكافر، كما أنّ السكّة غير الإسلامية يستملكها الصنفان، فليس أثر الإسلام دليلاً على كونه ملك المسلم وأثر الكفر دليلاً على كونه ملكاً للكافر، وكم من مسلم يتملّك الأشياء العتيقة عليها صور الكنائس والبَيَع، وكم من كافر يتملّك أشياء عليها أثر المساجد والمنارات وغيرها ،فالتفريق بين الصور من هذه الناحية مشكل جدّاً، ولكن المسألة مسلّمة عندهم.

والذي يمكن أن يقال :إنّه يجوز التملّك مع عدم العلم بكونه ملكاً للمسلم أو الذمي إلى حين الوجدان، من دون فرق بين العثور عليه في دار الإسلام أو الكفر، إنّما الكلام فيما إذا علم بكونه ملكاً لمسلم أو ذمّي علماً وجدانياً، أو ظنّ بذلك من كونه مذخوراً في دار الإسلام وعليه علامته.

والظاهر جواز التصرف والتملّك لوجوه:

1. إنّ الأموال التي ليس لها مالك معروف على قسمين:

قسم يعدّ في العرف بلا مالك بحيث لو سئل عن مالكه يقال بأنّه لا مالك له كالآثار الباقية في البلاد القديمة من الأُمم السابقة، وربّما تستولي عليه الدولة لصيانتها عن الضياع إذ لا مالك شخصي له حتى يصونها عن الانهدام.

وقسم منه لا يسلب عرفاً إضافته إلى مالك، بل يقال إنّ مالكه غير معروف، فهو بين كونه لقطة إذا ضاع على مالكه، أو مجهول المالك إذا لم يعرف مالكه وإن لم يضع، والقسم الأوّل ـ ما يعدّبلا مالك ـ يجوز حيازته وتملّكه لأنّه شيء بلا


(150)

مالك.(1)

توضيحه: انّ الملكية إضافة اعتبارية عقلائية يعتبرها العقلاء بين الشيء والإنسان في شرائط خاصة اسمها التسلّط عليه بإحدى الوسائل المشروعة عند العقلاء وأُمّها الحيازة وما يتفرع عليها، ولكنّه إذا بعُد العهد بين المالك والمملوك ولم يتّفق منهم تعاهد له في عصر بعد عصر، لا من نفسه ولا من وارثه ـ على فرض وجوده ـ أصبح الشيء في نظر العقلاء مالاً بلا مالك، ومن الممكن أن يكون له مالك موجود إذا كان من المعمّرين أو كان أعقابه موجودين، لكن لأجل انقطاعه أو انقطاعهم عنه صار سبباً لإنقطاع العلقة بينه أو بينهم وبين الشيء، وعندئذ يصبح من المباحات يسبق عليه من شاء، ويصير من مصاديق: «من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له».(2) ويدخل تحت قوله: «للعين ما رأت ولليد ما أخذت»(3) إلى غير ذلك من الأحاديث، وليست الملكية من قبيل لازم الوجود للشيء حتى لا تنفكّ عنه، فإنّه لو صحّ إنّما يصحّ في الأُمور التكوينية كالزوجية، بل هي من الأُمور الاعتبارية التي قوامها بمعتبرها، والاعتبار يتقوّم على الأثر الملموس لا الأثر الشاذ، فإذا لم يُر من المالك عصراً بعد عصر، أثر ولا سمع منه خبر يتوقف العقلاء عن اعتبارها لهذه الأشياء، فتصبح في أنظارهم كالمباحات الأصلية.

غاية الأمر أنّ المباحات على قسمين: طبيعية كالأنهار والأشجار، وغير طبيعية كالأموال المدفونة تحت التراب بيد الإنسان أو الحوادث الجوّية أو الأرضية أو غير ذلك.


1 . مصباح الفقيه:14/63ـ64 بتصرّف.
2 . سنن أبي داود:3/177، كتاب الخراج والأمارة ، الحديث 3071; سنن البيهقي:6/142.
3 . الوسائل: الجزء 16، الباب 38 من أبواب الصيد، الحديث 1.


(151)

فإن قلت: ماذا تصنع بما دلّ على أنّ الأصل في الأموال هو الاحترام وعدم جواز التملّك كما عليه العقل و العقلاء، والتوقيع الشريف، من أنّه لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه؟(1)

قلت: ما ذكرته صحيح، لكن فيما إذا كانت العلقة باقية بين الإنسان وماله ومحفوظة ومعتبرة عرفاً لا ملغاة ومنقطعة، ونظير ذلك ما إذا انقطع تعاهد الإنسان عن نفيسه حيث يصبح مالاً بلا مالك ومرور الزمان وانقطاع التعاهد يقوم مقام الإعراض عند العقلاء.

ومقتضى ذلك أنّه لو علم أنّه جرت عليه يد إنسان مسلم، ولكن بعد العهد ومرور الزمان أوجب في نظر العقلاء انقطاع العلقة، وهذا أشبه بما يقال في ألسن الحقوقيين الجدد من قاعدة «مرور الزمان» وحدوده بثلاثين سنة لكن الشرع أبطله بقوله: «إنّ الحقّ قديم لا يبطله شيء».(2)

وعن الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ : «الحقّ جديد وإن طالت عليه الأيّام، والباطل مخذول وإن نصره أقوام».(3) وما نذكره مخصوص بما إذا طال العهد وأصبحت الأشياء في نظر العقلاء أموالاً بلا مالك وأشياء بلا صاحب تذروها الرياح وتمطر عليها السماء، فعند ذلك لو حفر رجل واستولى عليه لا يقال إنّه استولى على المغصوب، وعلى ذلك جرت سيرة الناس في جميع الأعصار، إذ لم يزل الناس من قديم الأعصار يمارسون عملية الحفر في البقاع التي هلكت أهلها ولم يبق منها إلاّرسم وطلل، وإن احتملوا أنّ للخازن وارثاً حياً أو جرت عليه يد مسلم.

2. إنّه وإن لم يرد عموم أو إطلاق يفيد أنّ الكنز على وجه الإطلاق لواجده


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 7.
2 . إثبات الوصية، للمسعودي:149، ط مكتبة بصيرتي.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 17 من أبواب إحياء الموات، الحديث 3.


(152)

بعد أداء الخمس، وإنّما يحكم بالخمس بعد فرض أنّ الكنز لواجده، إلاّ أنّ عد ورود الكنز في عداد المعدن والغوص يعرب بوضوح أنّ حكمه حكمها، ولو كان خاصاً بمكان دون مكان لكان عليه البيان والتحرّز عن الإهمال.

3. صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن الدار يوجد فيها الورق؟ فقال: إن كانت معمورة، فيها أهلها فهي لهم، وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(1)

وله أيضاً عن أحدهما ـ عليهما السَّلام ـ قال: وسألته عن الورق يوجد في دار؟ فقال: «إن كانت معمورة فهي لأهلها، وإن كانت خربة فأنت أحقّ بما وجدت».(2)

والظاهر أنّ المنقولين رواية واحدة إذ من البعيد أن يسأل محمّد بن مسلم عن مسألة واحدة مرّتين، تارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ وأُخرى عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ .

ولعلّ المراد من «أحدهما» هو أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ ،ولأجل ذلك يجب تقييد الثانية بما ورد في الأُولى من انجلاء أهلها ،فبذلك يعلم أنّ الميزان ليس كون المكان خربة أو معمورة، بل الميزان هو الانجلاء وعدمه، فكأنّ الانجلاء يوجب انقطاع العلقة دون ما لم يكن.

وبذلك يعلم عدم المخالفة بينه و بين ما يرويه محمد بن قيس، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ كما سيوافيك.

والقدر المتيقن هو العثور عليه في دار الإسلام، وإطلاقه يشمل ما لو كان فيه أثر الإسلام ، إلاّ أنّ الإشكال في كون المعثور عليه كنزاً، لاحتمال أنّها نقود متفرقة أُخفيت تحت التراب لأجل صيرورته خربة، فعدّ مثل هذا كنزاً لبعيد.

وربّما يستدل لما اخترناه بوجهين:


1 . الوسائل:ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 1و2.
2 . الوسائل:ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 1و2.


(153)

1. الأصل في الأشياء هو الحلّية.

2. أصالة عدم جريان يد محترمة عليه. وكلا الوجهين ضعيف.

أمّا الأوّل: فلأنّ الأصل في الأشياء الإباحة، لكن الأصل في الأموال كالدماء، والأعراض هو الاحتياط، كما أنّ الأصل في اللحوم هو الحرمة.

أمّا الثاني: أعني: التمسك بأصالة (عدم جريان يد محترمة عليه) فهو بين ما له حالة سابقة لكنّه مثبت، وما ليس له حالة سابقة لأنّه بصورة النفي التام ذو حالة سابقة، ولكنّه بالنسبة إلى المال المشكوك مثبت، وبصورة النفي الناقص أي عدم جريان يد محترمة على هذا المال فاقد للحالة السابقة، لأنّ عدم المحمول مع عدم الموضوع غير عدمه مع وجود الموضوع، فظهر أنّ الصحيح هو الوجوه الثلاثة الأُولى، فلاحظ.

ثمّ إنّ مقتضى الوجه الأوّل، أعني: انقطاع العلقة وعدم اعتبار المالكية، كون المعثور بحكم الكنز والباقي للواجد من غير فرق بين الصور الآتية:

1. لم يحرز أنّه كان ملكاً لإنسان محترم المال من مسلم وذمّي.

2. تلك الصورة، ولكن لم يحرز كونه مات عن وارث محترم، أو مات ولم يُحرز بقاؤه.

3. أحرزنا أنّه كان ملكاً لإنسان محترم المال ومات عن وارث محترم نسلاً بعد نسل، ولكن لا نعرفه، ولا يمكن الوصول إليه.

ففي جميع الصور يعدّ المعثور عليه من المباحات، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بباقي الوجوه، إذ عندئذ على هذا يعدّ المال في الصورة الثانية من الأنفال، لأنّه ميراث من لا وارث له، ويصبح المال في الصورة الثالثة مجهول المالك، فلا يمكن تملّكه مع إخراج الخمس.


(154)

ولأجل ذلك ألحق السيّد الحكيم الصورة الثانية باللقطة وقال: يتصدّق عنه، والصورة الثالثة بميراث من له وارث.

ويمكن استظهار حكم الصور من الصحيحين بادّعاء الإطلاق في جميع الصور وأنّ قوله: «قد جلا عنها أهلها» ظاهر في وجود الوارث غيرالمعروف بقرينة الانجلاء فانّه غير الإبادة.

والخارج عن حكم الكنز ما إذا علم الوارث واحتمل إمكان الوصول إليه فانّ العلم بالوارث يوجب دخوله تحت قوله ـ عليه السَّلام ـ :«إنّ الحقّ قديم لا يبطله شيء» خصوصاً إذا جاء وطلب مال ميراثه.

استدل للقول الآخر بوجوه:

1. إنّ كونه في دار الإسلام آية كونه ملكاً لمسلم، خصوصاً إذا كان عليه أثر الإسلام، فلا يصحّ تملّكه، بل يحكم عليه بكونه لقطة يجب الفحص عن مالكه.

والاستدلال كما ترى، لأنّ كونه في دار الإسلام مظنّة كونه لمسلم ولم يقم دليل على حجّيتها، وإلاّ يجب أن يكون كذلك فيما لو وجد في دار الإسلام وإن لم يكن عليه أثر الإسلام، والعجب تسميته لقطة مع أنّه المال الضال أو الضائع على المالك. وهو غير المدفون تحت الأرض، خصوصاً إذا كان بقصد الإدخار أو لدفع استيلاء العدو عليه، والأنسب على فرض صحّة الدعوى تسميته مجهول المالك، وهو أيضاً غير صحيح لما عرفت من أنّه فرع اعتبار الملكية في هذه الموارد، و من هنا يعلم بطلان التمسّك بإطلاقات اللقطة كما لا يخفى.

2. الملكية أمر حادث يحتاج إلى الدليل، والأصل عدمه.

يلاحظ عليه: أنّ الأصل مدفوع بإطلاق الصحيحة أوّلاً، وإطلاق قوله: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد، فهو له » ثانياً. وليس المراد منه، عدم سبق أحد إليه


(155)

منذ وجود الشيء ، بل المراد عدم استيلاء أحد عليه فعلاً وكأنّ الكنوز المكتنزة لأقوام مضوا في القرون الغابرة ولم ير منهم أثر في الأجيال التالية ـ وإن احتمل بقاء إنسان وأجيال منهم ـ من مصاديق هذا الكلي.

3. إنّ الأصل في الأموال، هو الاحترام وعليه سيرة العقلاء، ويؤيّده التوقيع المروي من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «لا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه».(1)

ويظهر الجواب عنه بما مرّ.

4. موثقة محمّد بن قيس عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «قضى علي ـ عليه السَّلام ـ في رجل وجد ورقاً في خربة أن يعرّفها فإن وجد من يعرفها و إلاّ تمتّع بها».(2)

5. موثقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة، فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال: «يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها» .قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال:« يتصدّق بها».(3)

أمّا الموثقة الأُولى: فهي محمولة على ما إذا لم ينجل عنها أهلها وضربوا الخيام أو بنوا بيوتاً جديدة حولها، فلو راجعهم لأمكن العثور على صاحبه. وأمّا صحيحة ابن مسلم فقد عرفت أنّها راجعة إلى ما إذا انجلى عنها أهلها وأعرضوا عنها، فمثل هذا لا يقاس بما إذا لم يتحقّق الانجلاء.

وأمّا الثانية: فليس العثور من قبيل الكنز أبداً، لأنّ بيوت مكّة آنذاك أشبه بالفنادق في هذه الأيّام، وكان الحاج يخاف من اللص عند الطواف والسعي ويخفي ورقه تحت التراب مؤقّتاً حتى إذا فرغ عن الأعمال يأخذه من مكانه، و لربّما حالت الحوائل من الوصول إلى ماله فيبقى تحت التراب أو زاوية البيت ويعثر عليه الزائر


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 6.
2 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 5و3.
3 . الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 5و3.


(156)

الآخر، فمثل ذلك لا يسمّى كنزاً، بل يجب الرجوع إلى ربّ البيت لعلّه يعرف صاحب الورق، وإذا يئس يتصدّق به كاللقطة.

والإنصاف، أنّ قوة القول الأوّل لا تنكر، خصوصاً مع ما عرفت من عدّ الكنز في عداد الغوص و المعدن، وصحيحة ابن مسلم، والسيرة السائرة في العالم وبين المسلمين، وغرابة اعتبار العلقة بعد طوال سنين لم ير من المالك أثر ولا تعاهد.

فقد خرجنا بهذه النتائج أنّ الكنز لواجده عدا الخمس، إذا وجد في بلاد الحرب أو الذمة أو الإسلام أو أرض مملوكة بالإحياء، نقطعُ بعدم كون المحيي مالكاً له، أو أرض خربة انجلى أهلها عنها أو باد أو أرض موات من غير فرق بين كون أثر الإسلام عليه وعدمه، إلاّ إذا علم بوجود وارث له لو تفحص لوقف عليه.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين فصّل بين بعض الصور، وحاصله: الفرق بين العلم بأنّ له وارثاً محترم المال من مسلم أو ذمّي نعلم بوجوده، وإن لم يعرف فهذا داخل في عنوان مجهول المالك ،فلا يمكن تملّكه وإخراج خمسه، وبين ما إذا لم يحرز ذلك حيث لم يعلم ثبوت الوارث بالفعل، إمّا لعدم ثبوته من أصله، أو كان وقد انقرض فمقتضى القاعدة الانتقال إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ لأصالة عدم وجود وارث محترم له، فيدخل في موضوع: «من مات ولم يكن له وارث» المحكوم بالدخول في ملك الإمامعليه السَّلام .

فالكنز في المقام حيث أصبح بلا مالك بمقتضى أصالة عدم الوارث، فهو يتبع الأرض المدفون فيها، فيء للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وقد أباحه ـ عليه السَّلام ـ للمسلمين كما هو الشأن في كلّ أرض لا ربّ لها فيملكه الواجد وعليه خمسه.(1)


1 . مستند العروة: 84.


(157)

و لو كان في أرض مبتاعة مع احتمال كونه لأحد البائعين عرّفه المالك قبله، فإن لم يعرفه المالك فالمالك قبله و هكذا فإن لم يعرفوه فهو للواجد وعليه الخمس.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يلاحظ عليه: أنّ الحكم بكونه مالاً للإمام ـ عليه السَّلام ـ يتوقف على كونه مات بلا وارث محترم المال، وهو غير متحقق، وما استند إليه من الأصل أصل مثبت، إذ المتيقن هو عدم المحمول مع عدم الموضوع، فهو عند ما لم يكن مخلوقاً، لم يكن له وارث، لكن الكلام في عدم المحمول بعد وجود الموضوع فالنفي التام لا يثبت النفي الناقص وعليه يكون شبهة مصداقية لقوله: «الإمام وارث من لا وارث له».

العثور على الكنز في أرض مبتاعة

(*) إنّ الكنز تارة يوجد في الأرض المباحة، وأُخرى في أرض مملوكة للواجد، وثالثة في أرض مستأجرة أو مستعارة، وقد فرغنا من الكلام في القسم الأوّل، وبقي البحث عن القسم الثاني و الثالث، وقد ذكر له الماتن قدَّس سرَّه أحكاماً:

1. وجوب تعريفه للبائع، وإن احتمل كونه للسابق عليه عرفه له فإن لم يعرفه أو لم يعرفوه، فهو له وعليه الخمس.

2. إذا ادّعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بيّنة.

3. إذا تنازع الملاّك يجري عليه حكم التداعي.

4. إذا ادّعى المالك السابق إرثاً وكان له شركاء نفوه، دفعت إليه حصّته، وملك الواجد الباقي.

قال المحقّق : ولو وجده في ملك مبتاع عرّفه البائع، فإن عرفه فهو أحقّ به،


(158)

وإن جهله فهو للمشتري وعليه الخمس.(1)

قال ابن سعيد: ولو وجده في دار اشتراها عرّفه البائع فإن عرفه، وإلاّ خمّسه وأخذ الباقي لنفسه، وإن وجده في دار ورثها مع غيره كان له ولشركائه بعد الخمس.(2)

وقال في المدارك: وإن كانت مبتاعة ولم يدخل الكنز في البيع، قال جماعة: على أنّه يجب تعريفه كلّ من جرت يده على المبيع مقدّماً الأقرب فالأقرب فإن عرفه فهو له، وإلاّ فكالموجود في الأرض المباحة.(3)

الظاهر أنّ المراد من التعريف هو إخباره بالحال، فإن ادّعاه أعطاه وإن ردّه يخبر السابق فالسابق بالحال، وليس المراد هو طلب العلائم حتى يذعن بأنّه له، إذ عندئذ يكون بحكم اللقطة، ولا يكون بين البائع وغيره أيّ فرق.

والدليل على لزوم الرجوع إلى البائع أُمور:

الأوّل : أنّ يد المالك الأوّل على الدار، يد على ما فيها، واليد قاضية بالملك.

وأورد عليه: بأنّه لو تمّ لوجب الحكم به من دون ادعاء، بل يجب الدفع إليه إذا لم يكن قابلاً للادعاء كالصبي والمجنون والميت فيدفع إلى ورثته إن عرفوا، وإلاّ فإلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ ،مع أنّهم لا يقولون به.

وأجاب عنه الفقيه الهمداني قدَّس سرَّه صاحب المصباح: بأنّ هذا النحو من اليد التبعية غير المستقلة لا يتم ظهورها في الملكيّة لصاحب اليد إلاّ بضميمة الادّعاء، خصوصاً مع ظهور فعله ـ وهو نقل الدار ـ في عدم اطّلاعه بما هو مدفون فيها، وليس اعتبار اليد تعبّديّاً محضاً، كي يقال: إنّها إن كانت معتبرة فمقتضاها ما ذكر،


1 . الشرائع: 1/180، كتاب الخمس.
2 . الجامع للشرائع: 149.
3 . المدارك :5/372.


(159)

وإلاّ فلا عبرة بها، بل عمدة مستندها بناء العقلاء، وإمضاء الشارع حسب ما جرت سيرتهم عليه، وهم لا يرون لليد السابقة ـ غير الباقية بالفعل بالنسبة إلى هذه الأموال ـ اعتباراً أزيد من قبول ادّعائه للملكيّة وتقديم قوله على قول خصمه في مقام التداعي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحجّة عند العقلاء اليد الفعلية لا الزائلة، خصوصاً إذا صدر منه ما يورث الاطمئنان بعدم اطلاعه على ما في الأرض، وإلاّ لم يقدم على البيع، أفهل يصح الاعتماد على مثل هذه اليد؟

والظاهر سقوط هذا الوجه عند العقلاء، وأعجب منه ترتيب الأثر عليه بالنسبة إلى السابق فالسابق وتقديم اللاحق على السابق وجعله بمنزلة المنكر، والسابق بمنزلة المدعي، والحكم بالاشتراك لدى التداعي إذا كان المتداعيان عرضين، فإنّ استفادة هذه الأحكام من اليد الزائلة ممّا لا يخلو عن إشكال.

بل يمكن أن يستفاد عدم اعتبار اليد الزائلة من صحيحة ابن مسلم حيث قال: «وإن كانت خربة قد جلا عنها أهلها فالذي وجد المال أحقّ به».(2)

فإذا كان الانجلاء دليلاً على سقوط اليد الزائلة عن الأثر فالبيع مثله.

الثاني: الاستئناس ببعض الروايات:

1. ما ورد في صحيحتي ابن مسلم حيث قال: «إن كانت معمورة ففيها أهلها فهي لهم».(3) بتقريب أنّه لو وجده المشتري قبل الاشتراء كان عليه أن يردّه على أهله بحكم أنّه وجده في دارهم، أفهل يمكن أن يتغيّر حكمه بالشراء مع اشتراك الموردين في الجهة الجامعة بينهما؟


1 . مصباح الفقيه: 14/65ـ 66.
2 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة ، الحديث 1و2.


(160)

يلاحظ عليه: أنّه أشبه بالقياس، إذ لعلّ بين وجود اليد على الأرض وعدمه تأثيراً في اختلاف الحكم.

2. موثقة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «قضى علي ـ عليه السَّلام ـ في رجل وجد ورقاً في خربة أن يعرّفها فإن وجد من يعرفها و إلاّ تمتّع بها».(1)

وجه الاستدلال: أنّ المعثور عليه في الخربة إذا كان محكوماً بالردّ إلى من يعرفها ففي المعمورة المبتاعة بطريق أولى.

يلاحظ عليه: أنّ الحديث بظاهره مخالف لما عليه صحيحة ابن مسلم، من «أنّ الواجد أحقّ بما وجد». (2) وقد عرفت أنّه محمول بحكم صحيحة ابن مسلم الأُولى على ما إذا لم ينجل عنها أهلها، وعلى ذلك فليس الميزان العمران وضدّه، بل الميزان كون أهلها فيها وعدمه، وعلى ذلك فالاستدلال أشبه بتنقيح المناط.

3. موثقة إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ عن رجل نزل في بعض بيوت مكة فوجد فيه نحواً من سبعين درهماً مدفونة ـ إلى أن قال: ـ يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها.(3)

يلاحظ عليه: أنّ الورق المدفون بحكم اللقطة، ولا شكّ أنّه يُعرَّف، وإلاّ يتصدّق، وأين هو من الكنز؟!

4. رواية عبداللّه بن جعفر الحميري، قال: كتبت إلى الرجل ـ عليه السَّلام ـ أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ : «عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها فالشيء لك رزقك اللّه إيّاه».(4)


1 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 5.
2 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب اللقطة، الحديث 2و3.
4 . الوسائل: ج17، الباب 9 من أبواب اللقطة ، الحديث 1و2.


(161)

وإن ادّعاه المالك السابق فالسابق أعطاه بلا بيّنة (*)، وإن تنازع الملاّك فيه يجري عليه حكم التداعي(**) ، و لو ادّعاه المالك السابق إرثاً و كان له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يلاحظ عليه: أنّه من أقسام اللقطة، لظهور أنّ الحيوان قد ابتلعه في يومه أو يوم قبله، ومن المعلوم انّ اللقطة يجب الفحص عنها، وأقرب المحتملات هو البائع، وأمّا غيره فلأجل أنّ الأنعام تنقل من بلد إلى بلد، فلأجل أنّه يعسر تعريفها عند ذاك أسقط التعريف، فلذا قال: إنّه رزق رزقك اللّه.

ومع هذه المناقشات في الروايات كلّها، يمكن انتزاع قاعدة كلية منها، وهي: أنّ المال المعثور عليه كنزاً كان أو لقطة إذا احتمل أنّ له مالكاً بالفعل ويمكن التعرّف عليه، يجب الرجوع إليه، لأجل احترام المال، والأقرب بين المحتملات هو الذي كان المال تحت يده، فإن عرفه فهو له بلا بيّنة، وبهذا الملاك يجب الرجوع إلى السابق منه بعد عدم عرفانه، وهكذا.

وأمّا التملّك عند اليأس، فهو لأجل كونه كنزاً ومالاً بلا مالك.

نعم هاهنا نكتة، وهي أنّ الرجوع إلى المالك اللاحق فيما إذا احتمل جريان يده عليه وهكذا الرجوع إلى السابق، وأمّا إذا علم عدم جريان يدهما عليه كما إذا كان من الكنوز القديمة فالرجوع إليهما ساقط قطعاً.

(*) لعين الوجه السابق، فلا نعيده.

(**) يظهر من سياق العبارة أنّ تملّكهم كان مترتّباً بشهادة «كلمة السابق فالسابق» وعلى ذلك فيكون اللاحق بمنزلة المنكر والسابق بمنزلة المدعي، إذ اليد الفعلية لللاحق، ولا يد للسابق. فيجري حكم المدعي والمنكر، وفرض التداعي يستلزم ارتكاب خلاف السياق وفرضهما مشتركين كما إذا كانوا وارثين من مورث، وأمّا ما هو حكم التداعي؟ فموكول، إلى باب القضاء والشهادة.


(162)

شركاء نفوه دفعت إليه حصّته، و ملك الواجد الباقي(*) و أعطى خمسه، ويشترط في وجوب الخمس فيه النصاب و هو عشرون ديناراً.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) يجب حسب ما ذكرناه تعريفه للمالك السابق ونفي الورثة اللاحقين لا يكون حجّة على السابقين، نعم فإن نفوه، يتملّك ويعطي خمسه.

في نصاب الكنز

(**) وفيه أقوال:

1. عدم اشتراط النصاب، يظهر من إطلاق بعض القدماء على ما حكاه في الجواهر.

2. بلوغه قيمة دينار فصاعداً، ونسبه في الجواهر إلى الغنية، وقال: ولكن في الغنية أنّه بلوغ قيمة دينار فصاعداً بدليل الإجماع، ثمّ قال: وهو غريب، بل دعواه الإجماع أغرب، إذ لم نعرف له موافقاً ولا دليلاً.(1)

لكن في النسخة المطبوعة من الغنية المصحّحة خلافه قال: ويعتبر في الكنوز بلوغ النصاب الذي يجب فيه الزكاة.(2)

نعم ورد الدينار في نصاب الغوص والمعدن وقد عرفت حاله.(3)

3. بلوغه عشرين ديناراً مطلقاً في الذهب والفضة، ولا يكفي في الثاني بلوغه مائتي درهم، وذلك ظاهر الشرائع وكلّ من عبّر به، حيث قال: إذا بلغ


1 . الجواهر:16/26ـ 27.
2 . الغنية: 129.
3 . الوسائل: ج6، الباب 3من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(163)

المسألة 14: لو وجد الكنز في أرض مستأجرة أو مستعارة وجب تعريفهما و تعريف المالك أيضاً. (*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عشرين ديناراً، ولم يسم الدرهم.

4. بلوغه عشرين ديناراً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة فيؤخذ من كلّ بنصابه فلو كان الكنز ذهباً فالأوّل، وإن كان فضة فالثاني.

5. كفاية أقلّ الأمرين لأنّ الكنز قد يكون من غيرهما.

أقول: لا وجه للقول الأوّل والثاني، بل الثالث، لأنّ الدليل الواضح، هو : «ما يجب الزكاة في مثله يجب فيه الخمس»(1) وقد عرفت أنّ المراد من الحديث ـ لأجل القرينة ـ هو المماثل في المقدار ،وليست الزكاة منحصرة في عشرين بل هي ثابتة في مائتي درهم أيضاً، وبذلك يثبت القول الرابع.

وأمّا وجه الخامس: فهو نتيجة القول بكون كلّ من العشرين ديناراً ومائتي درهم نصاباً للذهب والفضة، فإذا بلغ قيمة الكنز في غير الذهب والفضة أحد النصابين من حيث القيمة يصدق أنّه بلغ إلى الحدّالذي يجب فيه الزكاة أوّلاً، والخمس ثانياً، فيكون القول الخامس أظهر.

(*) مقصوده ما إذا عثر على الكنز ثالث ليس بمستأجر ولا مستعير بأن يكون أجيراً للمستأجر أو المستعير أو غاصباً أو يعمل تبرّعاً، وأمّا إذا وجده نفس المستأجر أو المستعير فلم يأت في العبارة ،وإنّما طرحه الشيخ في الخلاف، وقال:

إذا وجد ركازاً في دار استأجرها فاختلف المكتري والمالك، فادّعى كلّ واحد منهما أنّه له، كان القول قول المكتري مع يمينه. وبه قال الشافعي، وقال


1 . الوسائل: ج6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(164)

فإن نفياه كلاهما كان له(*) وعليه الخمس، وإن ادّعاه أحدهما أُعطي بلا بيّنة، و إن ادّعاه كلّ منهما، ففي تقديم قول المالك وجه، لقوّة يده، والأوجه الاختلاف بحسب المقامات في قوّة إحدى اليدين.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــ

المزني: القول قول المالك. دليلنا: أنّ الظاهر أنّه للمكتري، لأنّ المالك لا يكري داراً وله فيها دفين، فإن فعل فهو نادر، والغالب ما قلناه.(1)

فلنرجع إلى المتن، فنقول: أمّا الرجوع إلى المستأجر والمستعير من جانب والمالك من جانب آخر فلجريان يدهما عليه، ولكنّه مشكل إذا لم تكن يد المستأجر أو المستعير قوية، كما إذا استأجره عدّة أيّام أو أسابيع بحيث يستبعد العرف استناد الكنز إلى دفنه، والظاهر من الماتن كون الرجوع إلى المستأجر والمالك في عرض واحد مع أنّ أيديهما مترتبتين، والظاهر أنّه لأجل فعلية يدهما في زمن الاستئجار والاستعارة لثبوت يدهما على المنافع ويده على الأعيان، وسيوافيك أنّ الأظهر في التعريف تقديم ما هو الأقوى يداً.ثمّ الرجوع إليهما فيما إذا لم تشهد القرائن على عدم جريان يدهما عليه، كما إذا دلّت على كونه من الكنوز القديمة، لعدم جريان يدهما عليه، وتصور أنّ الإنسان إذا تملّك داراً تملّك ما في جوفها وأنّ الكنز تبع للدار، ضعيف غايته، إذ هو شيء أجنبي وضع في جوف الأرض لم يتعلّق به النقل والانتقال بل كالمعادن إذا كانت خارجة عمّا يعدّ جزءاً للأرض كما مرّ.

(*) مقتضى ما ذكره سابقاً الرجوع إلى الملاّك والمستأجرين والمستعيرين السابقين، فلو نفوه كان للواجد و يخمس.

(**) ففيه احتمالات:


1 . الخلاف: 2/123، المسألة 151، كتاب الزكاة.


(165)

المسألة 15: لو علم الواجد أنّه لمسلم موجود هو أو وارثه في عصره مجهول، ففي إجراء حكم الكنز أو حكم مجهول المالك عليه وجهان:(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1. تقديم قول المالك، لأنّ يده أقوى لكونها أصلية.

يلاحظ عليه: أنّه ربّما تكون يد المستأجر أقوى كما في القرى المستأجرة لسكّانها طيلة سنين، وليس للمالك صلة سوى أخذ السهام من الزراعة.

2. تقديم قول المستأجر، لما عرفت من الشيخ من أنّ المالك لا يكري داره وله فيها دفين.

يلاحظ عليه: أنّ غايته حصول الظن لا الاطمئنان الذي هو علم عرفاً وعادة على أنّك عرفت أنّه ربّما تكون يده ضعيفة كما إذا استأجره مدّة أسابيع.

3. جريان حكم التداعي لثبوت يد المالك على الرقبة والمستأجر على المنافع.

يلاحظ عليه: أنّه متوقف على مساواة اليدين في القوة والضعف، وليس كذلك في كلّ مورد.

4. الأخذ بأقوى اليدين، وقد أخذ به المشهور في باب التنازع فيما إذا تنازع راكب الدابة والآخذ بلجامها في كلّ الفرس، أو تنازع ساكن الدار والمسلّط على مفتاحها، فيقال بتقدّم قول الراكب والساكن على الآخذ والمسلّط، على المفتاح، ولو كان هناك تفاوت في اليد من حيث السلطة فينبغي تقديم الأقوى في التعريف على الأضعف، لا تعريفهما معاً كما هو الظاهر من المصنف.

(*) أقول توضيحاً لما في المتن:

1. إنّ الكنز المعثور عليه إذا لم يعلم أنّه ملك مسلم أو كافر يتملّكه الواجد


(166)

سواء كان عليه أثر القدمة، أو لا، لعدم إحراز جريان يد مسلم أو محترم المال عليه.

2. إذا علم أنّه ملك مسلم في القرون السابقة سواء مات عن وارث أو لا، وسواء كان نسله محفوظاً أو لا، فهو كنز تشمله أدلّته، لأنّ المال يعدّمالاً بلا مالك، للفصل الحاصل بينه وبين ما له، فهو أيضاً للواجد لشمول أدلّة الكنز عليه.

نعم السيّد الحكيم والسيّد الخوئي قالا: الأوجه إجراء حكم ما لا وارث له، بحجّة أنّه إذا كان الخازن مسلماً محترم المال وهو الآن مجهول الحال حكم عليه بالانتقال إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ بمقتضى أصالة عدم الوارث، فيدخل عندئذ في الفيء.

يلاحظ عليه: أنّ الأثر مترتّب على السلب الناقص، وهو موت المورث بلا وارث وهو ليس مسبوقاً به، وأمّا سلب المقام، وهو أصالة عدم الوارث فهو وإن كان مسبوقاً بالعدم لكن ليس موضوعاً للأمر، والأولى إدخاله تحت إطلاقات الكنز.

وأمّا ما ذكره المحقّق الشاهرودي: من أنّ الضابطة الكلّية في إجراء حكم الكنز هو عدم كونه من الأموال المحترمة، ومع العلم أو الحجة على أنّه من الأموال المحترمة يكون محكوماً بحكم غيره، فغير تام، فإنّ الحرمة وعدمها من العناوين الاعتبارية، ومرور الزمن وعدم التعاهد يخرجه من كونه من مصاديقه، فيكون أشبه بما إذا أعرض.

3. لو كان الكنز، كنزاً حديثاً وعلم أنّ الخازن محترم المال ولم يعرف هو ولا وارثه فيحكم عليه بكونه مجهول المالك، لانصراف أدلّة الكنز، ولا وجه لتردّد الماتن قدَّس سرَّه في هذه الصورة.

4. هذه الصورة، ولكنّه لو تفحّص عنه لعرفه، فيجب الفحص.


(167)

ولو علم أنّه كان ملكاً لمسلم قديم، فالظاهر جريان حكم الكنز عليه.(*)

المسألة 16: الكنوز المتعدّدة لكلّ واحد حكم نفسه في بلوغ النصاب وعدمه، فلو لم يكن آحادها بحدّ النصاب وبلغت بالضمّ لم يجب فيها الخمس. نعم المال الواحد المدفون في مكان واحد في ظروف متعدّدة يضمّ بعضه إلى بعض فانّه يعدّ كنزاً واحداً و إن تعدّد جنسها.(**)

المسألة 17: في الكنز الواحد لا يعتبر الإخراج دفعة بمقدار النصاب، فلو كان مجموع الدفعات بقدر النصاب وجب الخمس، وإن لم يكن كلّ واحدة منها بقدره.(***)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قدعرفت وجهه، وهو مشمول الإطلاقات.

(**) وقد مرّت في باب المعدن وقال: لو كان هناك معادن متعددة اعتبر في الخارج في كلّ منها بلوغ النصاب دون المجموع، وإن كان الأحوط كفاية بلوغ المجموع.

والظاهر ـ كما قلنا هناك ـ كفاية بلوغ المجموع، سواء كان من جنسين، أو من جنس واحد، تقاربت أو تباعدت، وذلك لأنّ الخمس وإن كان على الكنز حسب لسان النصوص، لكنّه في الحقيقة ضريبة على الاغتنام الذي يحصله الإنسان من هذا المجرى، ولذلك لا فرق بين جميع الأقسام، كما هو الحال في باب الزكاة حيث يضم حاصل أرض إلى أرض أُخرى وإن كانتا متباعدتين.

(***) قد مرّ الكلام في نظيرتها في باب المعدن، وقال: هناك: ولا يعتبر في


(168)

المسألة 18: إذا اشترى دابّة ووجد في جوفها شيئاً فحاله حال الكنز الّذي يجده في الأرض المشتراة في تعريف البائع، و في إخراج الخمس إن لم يعرِّفه، ولا يعتبر فيه بلوغ النصاب.(*)

ــــــــــــــــــــــــ

الإخراج أن يكون دفعة واحدة، فلو أخرج دفعات وكان المجموع نصاباً وجب إخراج الجميع، لما مرّ من أنّ الميزان هو الاستغنام، اللّهمّ إلاّإذا عاد إلى العمل وكان ما أخرجه أوّلاً غير باق.

(*) ذكر فيها أحكاماً ثلاثة: 1. تعريفه البائع ، 2. وجوب إخراج الخمس إن لم يعرف، 3. عدم اشتراط النصاب.

وقد جرى عليها المشهور في الكتب الفقهية، وتطبيقه على القواعد مشكل، إذ لو كان ملحقاً بالكنز يجب فيه اعتبار بلوغ النصاب، و إن كان لقطة أو مجهول المالك يجب بعد التعريف و اليأس، أن يتصدّق بلا إخراج الخمس، ولكن أفتى به المشهور.

1. قال الشيخ في النهاية: إن ابتاع بعيراً أو بقرة أو شاة، فذبح شيئاً من ذلك، فوجد في جوفه شيئاً له قيمة عرّفه من ابتاع ذلك الحيوان منه، فإن عرفه أعطاه، وإن لم يعرفه أخرج منه الخمس وكان له الباقي، فإن ابتاع سمكة فوجد في جوفها درّة أو سبيكة أو ما أشبه ذلك أخرج منه الخمس وكان له الباقي.(1)

2. وقال في المراسم: فما وجده في بطن شيء، فإن كان انتقل إليه بميراث أو من بحر و ماء، أخرج منه خمسه والباقي ملكه، وإن انتقل إليه بالشراء عرّف ذلك إلى البائع، فإن عرفه ردّه إليه، وإلاّ أخرج خمسه والباقي له.(2)


1 . النهاية: 321، كتاب اللقطة.
2 . المراسم:209.


(169)

3. وقال في المهذّب: وإذا ابتاع شيئاً من الإبل والبقر والغنم فذبحه فوجد في جوفه مالاً، أو ما له قيمة، فعليه أن يعرِّفه للبائع، فإن عرفه دفعه إليه، وإن لم يعرفه كان عليه إخراج الخمس منه، ثمّ يتصرف في الباقي فهو له، وإذا ابتاع سمكة ووجد في جوفها سبيكة أو صرة أو ما أشبه ذلك أخرج من ذلك الخمس وكان الباقي له.(1)

4. قال في الجامع للشرائع: وإن اشترى حيواناً كالإبل والغنم والخيل والسمك، فوجد في جوفه جوهراً أو مالاً عرف بائعه، فإن عرف بائعه، وإلاّ فهو له.(2)

وقد أفتى به المحقّق في الشرائع في كتاب الخمس، والشهيد الثاني في المسالك، وسبطه في المدارك، وتدل عليه صحيحة عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال: كتبت إلى الرجل ـ عليه السَّلام ـ أسأله عن رجل اشترى جزوراً أو بقرة للأضاحي، فلمّا ذبحها وجد في جوفها صرة فيها دراهم أو دنانير أو جوهرة، لمن يكون ذلك؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ :«عرّفها البائع، فإن لم يكن يعرفها، فالشيء لك رزقك اللّه إيّاه».(3)

أقول: أمّا تملّك الواجد، فهو إمّا لأجل التخصيص في أدلّة مجهول المالك كما هو الظاهر لأنّ الغالب في الصرة التي تبتلعها الدابة أن يكون لإنسان مسلم حيّ أو وارثه إذا كان في بلد المسلمين، ومقتضى القاعدة التصدّق، لكن الرواية خصصت تلك الأدلّة، أو لانصراف أدلّة مجهول المالك عن مثل هذا المال الذي يعدّتالفاً عرفاً كالسفينة المغروقة إذا استخرج ما فيها بالغوص فانّه للغائص كما سيوافيك بيانه.


1 . المهذّب: 568.
2 . الجامع للشرائع: 356، كتاب اللقطة.
3 . الوسائل: ج17، الباب 9 من أبواب اللقطة، الحديث 1و2.


(170)

وكذا لو وجد في جوف السمكة المشتراة مع احتمال كونه لبائعها، وكذا الحكم في غير الدابّة و السمكة من سائر الحيوانات.(*)

ــــــــــــــــــــــــــ

وأمّا تعريفه للبائع فيمكن أن يقال: إنّ الدواب يوم ذاك كانت منتقلة من واد إلى واد، ولأجل ذلك يعتبر التعريف والحال هذه، وبذلك يعلم أنّه لو احتمل أنّه للبائع الأسبق يعرّفه له، كما أنّه لو قطع بأنّه ليس له يسقط التعريف، كما إذا اشترى ما صاده الصياد من الغزال فوجده في بطنه، فإنّه ليس للبائع قطعاً، فيسقط التعريف.

وأمّا الخمس فقد ورد في فتوى المشهور، وليس في الرواية ذكر عنه، ولو كفت الشهرة في الإفتاء، وإلاّ فيحمل على كونه أحوط، وأمّا عدم اعتبار النصاب فلأجل عدم كونه من أقسام المعدن ولا الكنز، فلو تعلّق به، لتعلّق من باب الفوائد لا بعنوان الكنز.

(*) فيحكم فيه بالتعريف أوّلاً، ثمّ التملّك بعد اليأس منه ثانياً، والتخميس ثالثاً.

أمّا الأوّل: فيختص بالسمكة المربّاة في الحياض المخصوصة له، والصحيحة وإن كانت واردة في مورد الدابّة ولكن لا فرق بين الدابّة والسمكة في هذه الخصوصية، أمّا إذا اصطادها من البحر فهي للواجد ولا يجب تعريفها للصائد، لأنّه إنّما يتملك بالحيازة وهي فرع القصد، ولم يتعلّق قصده إلاّبالسمكة لا بما في جوفها من اللآلي.

وأمّا الثاني: فمقتضى القاعدة عدم كون ما في بطن السمكة ملكاً للصائد باعتبار الحيازة التي تتقوم بالقصد وهو لم يقصد إلاّ حيازة نفس السمكة مع الغفلة


(171)

المسألة 19: إنّما يعتبر النصاب في الكنز بعد إخراج مؤنة الإخراج.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عمّا في بطنها، والقصد الإجمالي غير كاف في ذاك المورد كما أنّ البيع لم يتعلّق إلاّ بالسمكة لا بما في بطنها فلا يصحّ أن يقال، إنّه انتقل إليه بالبيع على فرض تملّك الصائد له.

والاعتبار العرفي يقتضي كونه مالاً بلا مالك يتملّكه من استولى عليه، وقد وردت في هذا المضمار روايات(1) راجعة إلى حكاية عمل الأُمم السابقة، والظاهر منها وحدة الحكم فيها فيهم وفي الأُمّة الإسلامية.

وأمّا التخميس، فلم يدل عليه دليل، اللّهمّ إلاّإذا كان من باب مطلق الفوائد.

(*) قد تقدّم نظير ذلك في باب المعدن قال: ويشترط في وجوب الخمس في المعدن بلوغ ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مؤنة الإخراج والتصفية.

قد مضى أنّ هنا مسألتين:

إحداهما: اعتبار النصاب قبل إخراج المؤنة أو بعده.

ثانيتهما: تعلّق الخمس بالباقي بعد كسر المؤنة لا عليهما.

والحقّ كما اختاره في الموضعين اعتبار النصاب بعد استثناء المؤنة، وقد ذكرنا وجهه في باب المعادن، وهو أنّ الظاهر من قوله: «ليس فيه شيء حتّى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة»(2) أي انّه إذا بلغ ما يكون في مثله الزكاة ففي جميعه الخمس،


1 . الوسائل: ج17، الباب 10 من أبواب اللقطة، الحديث 1، 2، 3، 4.
2 . الوسائل: ج6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث2.


(172)

المسألة 20: إذا اشترك جماعة في كنز، فالظاهر كفاية بلوغ المجموع نصاباً و إن لم يكن حصّة كلّ واحد بقدره.(*)

ـــــــــــــــــــــ

ولا يتم ذلك إلاّ إذا اعتبر النصاب بعد كسر المؤنة لا قبلها، وإلاّ يكون في بعضه الخمس، ومثله المقام، ففي صحيحة البزنطي قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: «ما يجب الزكاة في مثله، ففيه الخمس».(1)

والضمير في قوله: «ففيه» يعود إلى الموصول، أي في البالغ ما يجب فيه الزكاة، والظاهر هو تعلّق الخمس بالجميع لا بالبعض، فما في مستند العروة وغيره، من عدم الدليل على تقييد النصاب بما بعد إخراج المؤن كما ترى.

(*) قد مرّ نظيره في المعادن، والحكم في الموردين واحد، وقد عرفت أنّ الأقوى لزوم بلوغ حصّة كلّ واحد، ولا يكفي بلوغ حصّة المجموع، لما قلنا من أنّ الظاهر من لسان الأدلّة وإن كان هو تعلّق الخمس بالكنز، ولكنّه ضريبة على منافع الإنسان من هذه الطريق، ومقتضى الاعتبار العرفي هو بلوغ منافع كلّ إنسان من هذا الطريق الحد المضروب والنصاب المعتبر، وبذلك يعلم عدم تمامية ما يقال: إطلاق الدليل يقتضي اعتبار النصاب في نفس الكنز لا في الحصّة الواصلة إلى الواجد.

نعم لو كانت هنا شركة تجارية لها شخصية حقوقية، مع قطع النظر عن أصحابها وشركائها، بحيث تعدّ الشركة مالكة وداينة ومدينة، فلا يشترط بلوغ سهم كلّ من الشركاء إلى حدّ النصاب، بل يكفي بلوغ النصاب.


1 . الوسائل: ج6، الباب 4 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(173)

الرابع: الغوص

وهو إخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ و المرجان وغيرهما معدنيّاً كان أو نباتيّاً، لا مثل السمك ونحوه من الحيوانات. (*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا خلاف في وجوب الخمس في الغوص، قال الشيخ في النهاية: ويجب أيضاً الخمس من الكنوز المذخورة على من وجدها، وفي العنبر وفي الغوص ـ إلى أن قال: ـ والغوص لا يجب فيه الخمس إلاّ إذا بلغت قيمتُه ديناراً.(1)

وقال سلاّر في المراسم: في عِداد ما يجبُ فيه الخمس: و المعادن والكنوز والغوص والعنبر.(2)

وقال القاضي في المهذّب: في عداد مايجب فيه الخمس: والنفط والقير والغوص و....(3)

وقال ابن سعيد في الجامع: وفي العنبر والغوص و....(4)

وقال المحقّق في الشرائع: كلّ ما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر والدرر بشرط أن تبلغ قيمته ديناراً فصاعداً.(5)


1 . النهاية: 197ـ 198.
2 . المراسم: 139.
3 . المهذّب:1/177.
4 . الجامع للشرائع: 148.
5 . الشرائع:1/180.


(174)

وقال العلاّمة في المنتهى: الغوص وكلّ ما يستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وغير ذلك يجب فيه الخمس.(1)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تعرب عن الاتفاق.

إنّما الكلام في تعيين ما هو الملاك في تعلّق الخمس، وإن شئت قلت: ما هو الموضوع حقيقة لوجوبه؟

العناوين الواردة في الروايات لا تتجاوز عن خمسة:

1. الغوص، 2. غوص اللؤلؤ، 3. ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، 4. العنبر، 5. ما يخرج من البحر.(2)

فقد اختلف النظر في الجمع بين الروايات على وجوه:

1. فذهب المحقّق إلى الجمع بين العنوانين وقال : كلّما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر والدرر فلو أخذ من البحر من غير غوص لم يجب الخمس. وتبعه المحقّق الهمداني نظراً إلى صلاحية كلّ منهما لتقييد الآخر فيجمع بينهما، عملاً بالقاعدة.

2. أو يجعل كلّ منهما موضوعاً مستقلاً للحكم نظراً إلى عدم الموجب للتقيد، لعدم كونهما مثبتين وعدم التنافي في البين ليتصدّى للعلاج أو لإرجاع أحدهما إلى الآخر وهو خيرة المحقّق الخوئي.

3. أو الأخذ بعنوان الغوص، وحمل ذكر البحر على الغالب.

4. أو الأخذ بالبحر، وحمل الغوص على الغلبة، لأنّ الغالب في إخراج


1 . المنتهى: 1/547.
2 . لاحظ العنوان الأوّل في الوسائل، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 4و9، 11 والباب 3 ، الحديث 7; ولاحظ الثاني في الباب 7 ، الحديث 1; ولاحظ الثالث في الباب 7 ، الحديث 2; ولاحظ الرابع في الباب 7 ، الحديث 1; ولاحظ الخامس في الباب 13، الحديث 6.


(175)

الجواهر، هو الغوص.

5. أو الأخذ بكلّ منهما لا بمعنى استقلالها في الموضوعية، بل بمعنى إرجاع الجميع إلى عنوان واحد وما هو يخرج من قعر الماء، مقابل المعدن الذي يؤخذ من غور الأرض.

والظاهر هو الأخير.

توضيحه: إنّ مقتضى الذوق الفقهي هو إرجاع الثاني إلى الأوّل وأنّ ذكر اللؤلؤ بعنوان المثال فيكون الموضوع الغوص.

كما يمكن إرجاع الثالث والرابع إلى الخامس وأنّ ذكر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد والعنبر من باب التمثيل وأنّ الموضوع هو ما يخرج من البحر، وعندئذ تكون النسبة بين الموضوعين أعني: الغوص، وما يخرج من البحر عموماً وخصوصاً من وجه، فعلى الأوّل الموضوع خاص لاختصاصه بالغوص بالبدن وعام لشموله البحر والأنهار الكبيرة، وعلى الثاني الموضوع خاص لاختصاصه بالبحر، عام لشموله الإخراج بالغوص وغيره كالآلات، فيتفقان فيما إذا غاص ببدنه في البحر فاستخرج الجواهر والدراري، ويفترق الأوّل عن الثاني فيما إذا غاص ببدنه في الشطوط الكبيرة فاستخرج الجواهر، فيجب الخمس على الأوّل دون الثاني، كما يفترق الثاني عن الأوّل فيما إذا أخرج من البحر بالأدوات فيجب الخمس على الثاني دون الأوّل، فما وجه الجمع عندئذ في المقام؟

أقول: إنّ العرف يتلقّى الخمس ضريبة على الاغتنام في المقام ويعطف الغوص على المعادن بجامع أنّ المعدن يخرج من أعماق الأرض وذاك من أعماق الماء، ويجعل الموضوع هو الاستغنام من الغائصين في الماء والتراب، ولأجل ذلك يلغي شرطية الغوص بالبدن كما يلغي اشتراط كون الأخذ من ماء البحر، بل يكفي كونه في أعماق الماء إذاكان تكوّن الجواهر فيه أمراً طبيعياً كما في الشطوط الكبيرة،


(176)

فإذاً يُصبح الموضوع ما أُخرج من الماء الكثير كالبحر والبحيرة والخليج والشطوط العظيمة المنهدرة إليه سواء كان الاستخراج بالغوص أو بالآلات.

وإن شئت قلت: الموضوع هو الجامع المشترك بين الغوص وما يخرج من البحر، وهو ما يخرج من الماء الكبير، فتكون النتيجة ثبوت الخمس في جميع مصاديقها لا في خصوص مورد التصادق، وإنّما اخترنا ذلك لكون الدليلين مثبتين وليس أحدهما نافياً والآخر مثبتاً، وفي مثل ذلك يؤخذ بهما على النحو الذي عرفت.

والحاصل: حمل كلّ من الخصوصيتين أي الغوصية والبحرية على المثال، وأنّ المدار هو مطلق إخراج شيء من الماء الكثير، هو المتبادر لدى الأذهان العرفية.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني تبع المحقّق في الشرائع، فخصّ الخمس بالقدر الجامع بين الموضوع، وهو الغوص في البحر ونفاه في غيره، وحاصل ما أفاده:

1. إنّ مقتضى ظواهر كلمات الأصحاب ـ كظواهر النصوص، خصوصاً الأخبار الحاصرة للخمس في خمسة ـ عدم كون كلّ من العنوانين بحياله موضوعاً مستقلاً يناط به الحكم، فيجب إرجاع بعضها إلى بعض بشيء من الدعاوى المزبورة، أو بتقييد كلّ من العنوانين بالآخر والالتزام بأنّ الخمس لا يجب إلاّفي ما أخرج من البحر بالغوص.

2. انّ مقتضى القواعد عند دوران الأمر بين كون الإطلاق جارياً مجرى الغالب أو القيد كذلك، إهمال الإطلاق لا إلغاء الخصوصية المعلّق عليها الحكمُ في عنوان دليله الأخص.

3. مقتضى الأصل بعد فرض تكافؤ الاحتمالات وعدم إمكان الالتزام باستقلال كلّ من العنوانين بالموضوعية، هو الرجوع فيما عدا القدر المتيقن ـ و هو مورد تصادق العنوانين ـ إلى أصالة البراءة من وجوب الخمس.


(177)

4. هذا كلّه بعد الإغماض عن إمكان دعوى انصراف كلّ من الإطلاقين، خصوصاً إطلاق الغوص إلى الأفراد المتعارفة الشائعة التي هي مورد الإجماع، واستنتج من هذه الأدلّة أنّ الأظهر اختصاص وجوب الخمس بما يخرج من البحر بالغوص.(1)

ولا يخفى عدم تمامية هذه الوجوه الأربعة:

أمّا الأوّل: أعني حفظ الحصر في خمسة، فيرد عليه:

أوّلاً: أنّ الصيانة على الحصر كما يتحقق بتقيد أحدهما بالآخر كذلك يتحقّق بإرجاعهما إلى الجامع بين العنوانين حتى لا يكون كلّ موضوعاً بحياله واستقلاله.

وثانياً: أنّ الوجه في عدم استقلالهما في الموضوعية إنّما هو المناسبة المودعة في الأذهان في المقام من أنّ هنا موضوعاً واحداً لحكم واحد، نظير المعادن غير أنّ الأخير إخراج من البرّ و الآخر إخراج من البحر، وأمّا الاستناد في إثبات عدم الانفراد بالموضوع بالرواية الحاصرة لما يجب فيه في خمسة، فقد عرفت ما فيه في صدر الكتاب من أنّ الحصر غير حاصر، وأنّ مورده أزيد، وأنّ الحصر الوارد في رواية ابن أبي عمير لابدّمن تأويله.

وأمّا الثاني: فإنّ تقييد إطلاق الدليلين إنّما يلزم إذا كان بين الدليلين تناف في الحكم، كما إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً، وأمّا إذا كانا مثبتين كما في المقام فالجمع بعد تسليم استقلال كلّ منهما في الموضوعية، كما يحصل بالتقييد، يحصل بإرجاعهما إلى جامع بين الدليلين كما عرفت.

وأمّا الثالث: وهو الرجوع إلى البراءة في غير مجمع العنوانين، أعني: ما أخرج من البحر بغير الغوص، أو أخرج بالغوص من غير البحر، فضعيف جدّاً، بعد


1 . مصباح الفقيه: 122، الطبعة القديمة; ص 86، الطبعة الحديثة.


(178)

إمكان رفع التعارض بما ذكرنا وشمول الدليل لموردي الافتراق.

على أنّ وجوب الخمس في كلا الموردين مسلّم، غير أنّ الشك في كيفية تعلّقه، وأنّه هل هو بعنوان الغوص أو بعنوان الفوائد؟ ولا أصل خاص في المقام بعد العلم الإجمالي بتعلّقه بأحد العنوانين.

وأمّا الرابع: فالانصراف ممنوع، لأنّه إنّما يصحّ إذا كان ناشئاً من كثرة الاستعمال، وهو بعد غير محرز بعد كثرة وجود الغوص في الأنهار الكبيرة وإخراج ما في البحر بالآلات.

والحاصل: أنّ الطريق الصحيح هو الأخذ بالجامع بين العنوانين.

والقول بأنّ الخمس في الغوص ضريبة على كلّ ما يخرج من الماء ـ إلاّ ما قام الدليل على عدم وجوب الخمس فيه كالسمك ـ و في المعادن ضريبة على ما يخرج من الأرض، لا يخلو من قوّة.

وبما ذكرنا يظهر حال ما ذكره السيّد الحكيم: من أنّ النصوص المشتملة على الغوص واردة في مقام الحصر، ولا كذلك نصوص ما يخرج من البحر، فيتعيّن أن تكون مقيدة لإطلاق غيرها، وحينئذ فلا مجال لتعميم الحكم للإخراج لا بطريق الغوص.(1) لما عرفت من أنّه لا تصل الحاجة إلى التقييد بعد إمكان إرجاع العنوانين إلى القدر المشترك.

فإذا كان المناط هو ما يخرج من ماء البحر وما يشبهه، فالأدلّة منصرفة عن السمك وإن أُخرج بالغوص في الماء، إذ لو كان واجباً لبان واشتهر، لكثرة الابتلاء به أوّلاً، ولاقتران المعادن بالغوص ثانياً وهو قرينة على أنّ المراد إخراج ما يكون في البحر من الجمادات والنباتات، لا الحيوان.


1 . المستمسك:9/483.


(179)

فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ قيمته ديناراً فصاعداً فلا خمس فيما ينقص من ذلك.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وممّا يقضي منه العجب تخصيص المدارك متعلّق الخمس بالعنبر واللؤلؤ، قال: استدل عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ قال: «عليه الخمس». وهي قاصرة عن إفادة التعميم لاختصاصها بغوص اللؤلؤ إلاّ أن يقال: إنّه لا قائل بالفرق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العرف يساعد حمل اللؤلؤ على المثال، أضف إليه وجود رواية صحيح عن ابن أبي عمير التي علّق فيها الحكم على نفس الغوص، قال: الخمس على خمسة أشياء على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة ونسي ابن أبي عمير الخامس.(2) أي في مطلق ما يخرج عن طريق الغوص، والرواية وإن كانت مرسلة لكن الأصحاب كما صرّح به الشيخ في العدة تلقّوا مراسيله بالقبول ، مع أنّه رواها عن غير واحد من الأصحاب.

(*) الكلام في نصاب الغوص

ذهب الشيخ المفيد إلى أنّ:النصاب هو عشرون ديناراً، وذهب المشهور إلى أنّه دينار واحد، واستظهر المحقّق الخوئي، عدم اعتبار النصاب وأنّه يتعلّق بقليله وكثيره.

قال المفيد في الرسالة الغرية: الخمس واجب فيما يستفاد من غنائم الكفّار والكنوز والعنبر والغوص، فمن استفاد من هذه الأربعة الأصناف عشرين ديناراً


1 . مدارك الأحكام:5/375.
2 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.


(180)

أو ما قيمته ذلك كان عليه أن يخرج منه الخمس.

وقال العلاّمة بعد نقله قول المفيد وهذا القول ليس بواضح فانّه يشعر باعتبار العشرين في الغنائم والغوص والمشهور في الأوّل، إيجاب الخمس في قليله وكثيره وفي الغوص اعتبار دينار واحد.(1)

وقال في الحدائق: إنّه لا خلاف في اعتبار النصاب، وإنّما الخلاف في تقديره، فالمشهور أنّه ما بلغ قيمته ديناراً ، ثمّ نقل قول الشيخ المفيد تقديره بعشرين ديناراً وقال: لم نقف على مستنده.(2)

ومستند المشهور رواية محمد بن علي بن أبي عبد اللّه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد عن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».(3)

والراوي عن الإمام مجهول، يروي عنه حسب ما صرّح به المامقاني: علي بن أسباط وأحمد بن أبي نصر البزنطي، والذي يدفع عنه الجهالة نقل البزنطي عنه على القول بأنّه لا يروي إلاّعن ثقة كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى. كما أوضحناه في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».

نعم كثرة رواية الثقة عن شخص أمارة كونه ثقة، ولكن رواياته لا تتجاوز عن اثنين أو ثلاث، وفي نفسي في صحّة المتن شيء، إذ يحتمل أن يكون الصحيح عشرين ديناراً، فسقطت لفظة العشرين وبقيت لفظة «ديناراً» ويقرّب ذلك أُمور:

1. فتوى الشيخ المفيد على النصاب في الغوص عشرون ديناراً، ولعلّه استند


1 . المختلف:3/320، كتاب الخمس.
2 . الحدائق: 12/344.
3 . الوسائل: ج6، الباب 3من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5; ورواه الصدوق مرسلاً ،لاحظ الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(181)

ولا فرق بين اتّحاد النوع و عدمه ، فلو بلغ قيمة المجموع ديناراً وجبالخمس(*)، ولا بين الدفعة والدفعات فيضمّ بعضها إلى البعض(**) كما أنّ المدار على ما أخرج مطلقاً، وإن اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كلّ منهم النصاب(***)، و يعتبر بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن كما مرّ في

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى هذه الرواية وكانت نسخته مشتملة على لفظ «العشرون».

2. إنّ الراوي سأل عن الغوص والمعدن، فلو كان الصادر عنه ـ عليه السَّلام ـ عشرون ديناراً يكون جواباً عن السؤالين، بخلاف ما لو كان «ديناراً» إذ ينحصر عندئذ بالغوص، وهو خلاف الظاهر.

3. إنّ مقتضى عطف الغوص على الكنز والمعادن في كثير من الروايات وحدة النصاب، نظراً إلى أنّ الأوّلين انتفاع من الأرض والثالث انتفاع من الماء.

وعلى كلّ تقدير، فلو ثبت رواية الدينار وقلنا بجبرها بعمل المشهور فهو، وإلاّ فالأحوط تعلّقه بالقليل والكثير.

(*) قد تقدّم أنّ المتبادر هو الاستغنام، فلا فرق بين وحدة النوع وعدمها.

(**) لمثل ما مرّ في الفرع السابق، نعم لو قل وكان الفصل كثيراً، لا يلحق الثاني بالأوّل.

(***) قد عرفت أنّ الأقوى خلافه، وأنّه يشترط بلوغ نصيب كلّ حدّ النصاب، وذلك لأنّ متعلّق الخمس هو النصاب، ومعنى ذلك إذا ملكت النصاب فأخرج خمسه، والمفروض أنّ كلّ واحد لم يملك نصاباً، وقد مرّ شرحه في المعدن، فلاحظ. نعم يستثنى صورة واحدة، وهي: ما إذا كان للشركة شخصية حقوقية وراء ذات الشركاء، وقد مرّ في المعادن.


(182)

المعدن(*); و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط(**) وأمّا لو غاص و شدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه(***)، نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة، بل يدخل في أرباح المكاسب، فيعتبر فيه مؤنة السنة، ولا يعتبر فيه النصاب.(****)

المسألة 21: المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصاً. وأمّا إذا تناول منه و هو غائص أيضاً، فيجب عليه إذا لم ينو

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) والدليل عليه قوله: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس»(1) فإنّ الظاهر وحدة مرجع الضميرين، أعني: قيمته و«ففيه» ،وعلى ذلك فالخمس يتعلّق بمجموع النصاب، وبما أنّ الخمس يؤدّى بعد المؤنة، فيكون النصاب أيضاً بعدها، وإلاّ يلزم تعلّق الخمس ببعض النصاب كما مرّ.

(**) على الأقوى، لما عرفت من أنّ الموضوع هو الجامع الصادق عليه أيضاً.

(***) للدليل السابق.

(****) وحكي عن الشهيدين أنّهما استقربا مساواة ما يؤخذ من غير غوص بما يؤخذ بالغوص، ولعلّ العرف يساعدهما، لما عرفت من أنّ الغوص والإخراج طريق لتملّك ما خلقه اللّه سبحانه في البحر من الجواهر وأمثالها.


1 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(183)

الغوّاص الحيازة، وإلاّ فهو له، و وجب الخمس عليه.(*)

المسألة 22: إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاًففي وجوب الخمس عليه وجهان، والأحوط إخراجه.(**)

المسألة 23: إذا أخرج بالغوص حيواناً وكان في بطنه شيء من الجواهر فإن كان معتاداً وجب فيه الخمس، وإن كان من باب الاتّفاق بأن يكون بلع شيئاً اتّفاقاً فالظاهر عدم وجوبه، و إن كان الأحوط.(***)

المسألة 24: الأنهار العظيمة كدجلة و النيل والفرات حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر.(****)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا نوى الغوّاص الحيازة فهو له وعليه الخمس، وأمّا إذا لم ينوها، فحكمه حكم الخارج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء، والعرف يساعد إلحاقه بالغوص، لأنّ الملاك هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر، وهو حاصل. هذا كلّه فيما إذا لم يكن غائصاً، وأمّا إذا غاص وتناول منه، فيجب فيه الخمس، لإطلاق الدليل، إمّا على الغائص الأوّل إذا نوى الحيازة، أو على الثاني إذا لم ينوها.

(**) بل الأقوى وجوبه إذا نوى التملّك وهو غائص.

(***) أمّا إذا كان معتاداً فلأنّ قصد حيازة الحيوان لا ينفك عن قصد حيازة ما في بطنه، وأمّا إذا لم يكن كذلك، فقد عرفت أنّ الملاك هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر من الجواهر.

(****) قد مرّ أنّ الملاك هو ما يتكوّن في الماء، من غير فرق بين البحر وغيره.


(184)

المسألة 25: إذاغرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه، ولا يلحقه حكم الغوص على الأقوى، وإن كان من مثل اللؤلؤ و المرجان، لكن الأحوط إجراء حكمه عليه.(*)

المسألة 26: إذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلاّ بالغوص فلا إشكال في تعلّق الخمس به،

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) أمّا أنّ ما أخرجه الغواص فهو له ما رواه الكليني بسند معتبر، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «وإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم»(1)، ورواه الشيخ، عن الشعيري الذي هو لقب آخر للسكوني، واسمه إسماعيل بن أبي زياد، وسند الكليني معتبر دون سند الشيخ، ففيه منصور بن العباس الذي لم يُوثّق، ومثله أُمية بن عمرو، وقد جاء في النقل الأوّل «تركه صاحبه» الذي هو بمعنى أعرض عنها، لكنّه ليس فيما رواه الشيخ صاحبه أعرض عنها، ولعلّه سقط من المتن، وإطلاقه يعمّ ما عرف صاحبه ولم يعرف، أعرض عن كره، أو عن قهر، لعدم القدرة على الإخراج، وأمّا كون ما غاص عليه الناس فهو لهم لأجل الحيازة، وأمّا ما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله، فهو أيضاً بملاك الاستيلاء له قبل الآخرين لا أنّه يقسم بين من يسكن الساحل وإن لم يشارك في الحيازة.

وأمّا عدم إلحاقه بالغوص فلأنّ الظاهر من الأدلّة تعلّق الخمس بما يتكوّن في البحر، ويكون فيه إلى أن يخرج، فلا يعمّ ما إذا لم يكن مما يتكوّن فيه أو تكوّن فيه، لكنّه أخرج عنه، ثمّ ورد عليه.


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 11 من أبواب اللقطة، الحديث 1، ولاحظ الثاني أيضاً.


(185)

لكنّه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان، والأظهر الثاني.(*)

المسألة 27: العنبر إذا أُخرج بالغوص جرى عليه حكمه، و إن أُخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان، والأحوط اللحوق، وأحوط منه إخراج خمسه و إن لم يبلغ النصاب أيضاً.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المعدن المتكوّن تحت الماء ينطبق عليه عنوانا: المعدن،والمخرج من الماء، فهل يتعلّق به الخمس بعنوان المعدن أو بعنوان الغوص؟ تظهر الثمرة إذا بلغ ديناراً ولم يبلغ العشرين، فعلى الأوّل لا يتعلّق به الخمس فيدخل في الأرباح والمكاسب، بخلاف الثاني، وقد رجّح المصنف القول الثاني، ولعلّ وجهه: أنّه ينطبق عليه كلا العنوانين، غير أنّ أحد العنوانين فاقد لشرطه، دون الآخر، فيؤثر الجامع للشرط، ولا يكون فقدان الآخر، مانعاً من تعلّقه بالعنوان الجامع لشرطه.

هذا، ويمكن أن يقال: إنّ الغوص منصرف إلى ما يتكوّن في قعر الماء على وجه الأرض، بحيث لا يحتاج إلى الحفر والقلع، فلا يصدق عليه إلاّ عنوان المعدن.

وهناك احتمال ثالث، تعلّق الخمس الواحد، مالم يبلغ العشرين، وأمّا إذا بلغ، فيتعلّق به الخمسان بعنوانين لو لم نقل إنّه إحداث قول ثالث.

(**) يقع الكلام في أُمور:

1. لا شكّ أنّه يتعلّق الخمس بالعنبر، لصحيح الحلبي قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «عليه الخمس».(1)

2. ما هو العنبر؟ فقد اختلفت فيه كلمة المعاجم، وإليك موجز نظرهم:


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(186)

أ. اتّفقوا على أنّه مادة صلبة فاقدة للطعم والريح، وكلّما سحق أو أُحرق ينتشر منه الريح الحاد.

ب. وأمّاحقيقته، فقيل إنّه رجيع الحيوان البحري، أو أنّه عين في البحر نابعة، وقيل إنّه نبات ينبت في قعر البحر.(1)

وفي المعجم الفارسي، للدكتور معين: أنّه مادة دهنية لها طيب، رمادي اللون، يتكوّن في جوف السمك الموسوم بالعنبر، ويتراوح وزنه بين 5 إلى 10 كيلوغرام، و يتكوّن العنبر في معدة السمك المزبور، من تغذيته من السمك المركب(2).

3. وعلى ما ذكره، فلا ينطبق عليه عنوان المعدن، وما ذكره المحقّق الهمداني من أنّ العنبر حيث إنّ له مكاناً خاصاً يتكوّن فيه ولا يوجد في غيره وهو البحر، فاذاً يصدق على ذلك المكان أنّه معدنه وأنّه أخذ من معدنه توسعاً(3)، غير تام، لوضوح كون الاستعمال من باب التوسّع، وإلاّ فيجب القول بتعلّقه بالسمك أيضاً، لأنّ له موضعاً خاصاً وهو البحر.

وعلى ما ذكره فهو داخل في الغوص، وقد قلنا :إنّه لا مدخلية للغوص، وأنّ الموضوع هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر ابتداءً، فيتعلّق به الخمس، سواء أُخرج بالغوص، أو أُخذ عن وجه الماء. و الأحوط دفع خمس ما دفعه البحر إلى الساحل مطلقاً.

4. أمّا نصابه، فبما أنّه من قبيل الغوص فيكون نصابه ديناراً واحداً، لرواية محمد بن علي بن أبي عبد اللّه.(4)


1 . أقرب الموارد، مادة عنبر.
2 . فرهنگ فارسى ، دكتر معين، كما في لغت نامه دهخدا،مادة عنبر.
3 . مصباح الفقيه:14/90.
4 . الوسائل:ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(187)

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام

على وجه لا يتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره فيحلّ بإخراج خمسه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) تحقيق المسألة يتوقف على بيان صورها وسرد الأقوال في كلّ واحد منها.

أمّا الصور فهي أربع:

أ. إذا كان الحرام غير معلوم المقدار ومجهول الصاحب.

ب. إذا كان الحرام معلوماً من كلا الجانبين.

ج. إذا كان الحرام معلوم المقدار، دون صاحبه.

د. عكس الصورة الثالثة.

فلنقدم البحث في الصورة الأُولى تبعاً للماتن.

الصورة الأُولى

المعروف عند الأصحاب هو تعلّق الخمس به، وبإخراجه يحلُّ لصاحبه التصرّف في الباقي وذكره من المتقدّمين المفيد في مقنعته (حيث اقتصر بنقل الرواية فقط) وأبو الصلاح في كافيه، والشيخ في نهايته، والقاضي في مهذّبه، وابن زهرة في غنيته، وابن إدريس في سرائره، والمحقّق في الشرائع، وابن سعيد في جامعه، والعلاّمة في منتهاه.


(188)

نعم لم يذكره القديمان: ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، ولا سلاّر ولا ابن حمزة ولا الكيدري (قدّس اللّه أسرارهم)، ولنذكر بعض كلماتهم:

1. قال المفيد: وسُئل ـ عليه السَّلام ـ عن رجل اكتسب مالاً من حلال و حرام، ثمّ أراد التوبة من ذلك و لم يتميز له الحلال بعينه من الحرام فقال: «يخرج منه الخمس وقد طاب، إنّ اللّه تعالى طهّر الأموال بالخمس».(1)

2. قال أبو الصلاح الحلبي: وعلى ما اختلط حلاله بحرامه ولم يتميز أحدهما من الآخر ولا يعين مستحقه.(2)

3. قال الشيخ في النهاية: إذا حصل مع الإنسان مال قد اختلط الحلال بالحرام ولا يتميز له وأراد تطهيره، أخرج منه الخمس، وحلّ له التصرف في الباقي، وإن تميّز له الحرام وجب عليه إخراجه وردّه إلى أربابه، ومن ورث مالاً ممّن يعلم أنّه كان يجمعه من وجوه محظورة مثل الربا والغصب وما يجري مجراهما ولم يتميز له المغصوب منه ولا الربا، أُخرج منه الخمس واستعمل الباقي، وحلّ له التصرف فيه.(3)

4. وقال القاضي: وأمّا المال الحرام إذا اختلط بالحلال، فانّه ينبغي أن يحكم فيه بالأغلب، فإن كان الحرام الغالب احتاط من هو في يده في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له ذلك أخرج منه الخمس، ويصحّ تصرّفه في الباقي على وجه الحلال.(4)

5. وقال ابن زهرة: وفي المال الذي لم يتميز حلاله من حرامه.(5)


1 . المقنعة: 288، كتاب الزيادات من الزكاة.
2 . الكافي في الفقه: 170.
3 . النهاية 197، باب الخمس من كتاب الزكاة.
4 . المهذّب: 1/178.
5 . غنية النزوع: 2/129.


(189)

6. وقال ابن إدريس: ما يقرب من عبارة الشيخ في النهاية: وإذا اختلط المال الحرام بالحلال حكم فيه بحكم الأغلب، فإن كان الغالب حراماً احتاط في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له، أُخرج الخمس، وصار الباقي حلالاً، والتصرّف فيه مباحاً، وكذلك إن ورث مالا....(1)

7. وقال المحقّق : الحلال إذا اختلط بالحرام فلا يتميّز، وجب فيه الخمس.(2)

8. وقال يحيى بن سعيد في بيان ما يجب فيه الخمس: وفي مال المختلط حلاله بحرامه ولم يتميّز صاحبه ولا قدره، فإن تعيّن صاحبُه صولح، وإن تعيّن قدره فقط تصدّق به عنه.(3)

9. وقال العلاّمة في المنتهى: ذكره أكثر علمائنا.(4)

هذه هي مقتطفات من أقوال علمائنا، وأمّا الدليل فقد استدل بروايات:

الأُولى: صحيحة عمّار بن مروان

قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه، والكنوز، الخمس.(5)

وقد نقلها صاحب الوسائل عن الخصال للصدوق بسند صحيح، وفي السند محمد بن عيسى وهو محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني(6) وهوثقة بلا كلام،


1 . السرائر: 1/487.
2 . الشرائع: 1/181.
3 . الجامع للشرائع: 148.
4 . المنتهى:1/548.
5 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
6 . هكذا نقلها صاحب الوسائل، ولكن الموجود في الخصال المطبوع: أحمد بن محمد بن عيسى، وهو أرجح لكثرة روايته عن الحسن بن محبوب (الخصال، باب الخمسة، الحديث 51).


(190)

وقد وثقه النجاشي واستغرب من استثناء ابن الوليد إيّاه من رواة نوادر الحكمة للأشعري.

وكون الرواية مروية في غير الكتب الأربعة لا يضرّ بالمقصود، فإنّ الصدوق الذي رواها في خصاله هو مؤلف الفقيه، أحد الكتب الأربعة.

نعم ذكر المحقّق النراقي: أنّ الرواية على النحو المذكور إنّما نقلها عنه بعض المتأخرين.(1)

ولعلّه أراد صاحب الحدائق، فقد نقلها فيه بالنحو المذكور(2) ولكنّه موجودفي الخصال المطبوع قديماً وحديثاً كما ذكرناه، فلا وجه للوسوسة في هذا الحديث.

الثانية: صحيحة الحلبي

عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيُصيب غنيمة، قال: يؤدِّي خمساً ويطيب له.(3)

والاستدلال ضعيف جدّاً، لأنّ الخمس فيه بعنوان الغنائم، وهي تدل على أنّ أئمّة أهل البيت أمضوا الجهاد الابتدائي للخلفاء، فلذلك طلب منه خمس المال لا جميعه.

الثالثة: قضاء علي ـ عليه السَّلام ـ

قد نقل المشايخ الثلاثة في كتبهم قضاء علي ـ عليه السَّلام ـ لكن بمضامين مختلفة،


1 . مستند الشيعة: 10/39.
2 . الحدائق: 12/364.
3 . الوسائل: 6، الباب 2من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.


(191)

والجميع حديث واحد وإن كانت الألفاظ والطرق مختلفة، ولأجل ذلك تعدُّ رواية واحدة.

أ. ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «أتى رجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً وقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه والحرام، وقد اختلط عليّ؟ فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : تصدّق بخمس مالك، فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال».(1)

والرواية وردت في الحلال المختلط بالحرام فانّ قوله:«أغمضت في مطالبه» بمعنى «أغمضت في طلبه» والمطالب جمع المطلب وهو مصدر ميمي أو اسم زمان و مكان، أي ما راعيت في طلبه ومظانّه الحلال والحرام، بل جمعت كلّ ما وصلت إليه يدي.

والسند لا بأس به فيكون حجّة في المقام.

وثمّة خصوصيات في الرواية:

1. عبّر بالتصدّق مكان الخمس.

2. فسّر الحكم بأمر ارتكازي: «انّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس».

ب. ما رواه الصدوق ،عن السكوني بما يقرب من هذا المتن، فقال: جاء رجل إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً، فقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه ولا الحرام، فقد اختلط عليّ.

فقال عليّ ـ عليه السَّلام ـ : «اخرج خمس مالك، فانّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الإنسان


1 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.


(192)

بالخمس، وسائر المال كلّه لك حلال».(1)

والاختلاف بين الروايتين واضح، فانّ لفظ الكليني إنّما «تصدق بخمس مالك» ولفظ الفقيه«اخرج خمس مالك» فالمصرف على الأوّل مصرف الصدقة، وعلى الثاني مصرفه مصرف الخمس.

وبذلك يعلم الإشكال في كلام صاحب الوسائل حيث قال: ورواه (أي ما رواه الكليني) الصدوق بإسناده عن السكوني فإنّ ظاهره وحدة مضمونهما مع أنّه ليس كذلك.

ج. ما رواه الصدوق مرسلاً قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: «إئتني بخمسه» فأتاه بخمسه، فقال: «هو لك أنّ الرجل إذا تاب، تاب ماله معه».(2)

د. ما رواه الشيخ بسند ضعيف، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال، فإنّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبُه يُعلَم».(3)

وفي السند الحكم بن بهلول، وهو لم يوثق.

ويتّحد في التعبير مع ما رواه الصدوق حيث قال: «اخرج الخمس».

هـ. ما رواه المفيد في المقنعة وقد مرّ نصّه، عند ذكر الأقوال.

وهذه الصور الخمس تحكي عن قضاء واحد لأمير المؤمنين، والمحكي


1 . الفقيه: 3، كتاب الدين والقروض، برقم 35.
2 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(193)

واحد، وإنّما الاختلاف في الحكاية.

وعلى أيّ حال تصلح دليلاً على المسألة، ويأتي الكلام فيها عند البحث عن مصرفه.

الرابعة: موثّقة عمّار

عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه سأل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: «لا إلاّأن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت».(1)

والسند يتضمّن فطحيين وهم أحمد بن حسن بن علي (ابن فضال)، وعمرو بن سعيد، والمصدق بن صدقة، عن عمّار، والدلالة لا تخلو عن قصور، إذ نحتمل أن يكون المراد من قوله: «شيء» هي الغنائم الحربية التي كانت عماداً لحياة الدولة الإسلامية آنذاك، فيكون مدلول الرواية متّحداً مع صحيح الحلبي الماضي.

قال المحقّق النراقي: إنّ الشيء فيه مطلق شامل للحلال محضاً والحرام كذلك والمشتبه، والحرام والحلال المختلطين ، فالحمل على الأخير لا وجه له، بل الظاهر أنّه من باب خمس المكاسب.

وأمّا النهي عن عمل السلطان، فهو لأجل عمله لا لحرمة ما يأخذ، فمراده ـ عليه السَّلام ـ : أنّه لا تدخل في عمل السلطان، وإن اضطررت إليه ودخلت واكتسبت مالاً فأدّ خمسنا.(2)

وعلى ضوء ذلك فانحصر الدليل في روايتين:


1 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . مستند الشيعة:10/40.


(194)

أحدهما: صحيح عمّار بن مروان، والأُخرى: موثقة السكوني، وربّما يستدل برواية ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه قال: «الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس.(1)

وجه الاستدلال: أنّ الصدوق بعد ما نقل الرواية، قال: قال مصنف هذا الكتاب: أظنّ الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالاً يرثه الرجل وهو يعلم أنّ فيه من الحلال والحرام، ولا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، ولا يعرف الحرام بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس.(2)

وممّا لا شكّ فيه أنّ ظن الصدوق كظن غيره لا يغني من الحقّ شيئاً، ولعلّ الذي نسيه ابن أبي عمير هو العنبر أو الملاّحة، وقد مضى ورودها في الروايات.

فانحصر الدليل في الروايتين.

ثمّ الظاهر أنّ الشارع جعل الخمس طريقاً تعبّدية لتشخيص الحرام المجهول المقدار، كما جعل صرفه في مواضعه طريقاً إلى إيصاله إلى المالك، كما أنّ التصدّق في اللقطة ومطلق مجهول المالك طريق آخر للوصول إلى مالكه، وعلى ذلك فتعلّق الخمس به لا من باب الغنيمة وأنّ لأصحاب الخمس حقّاً فعلياً في هذا المال، بل الظاهر أنّه محاولة من الشرع لحلّ المشكلة، فبالخمس قُدِّر الحرام وبصرفه في مصارفه بما أنّه عمل قربي جُعل واصلاً إلى صاحبه.

ولأجل ذلك لو وقف قبل التخميس على مقداره وعرف صاحبه كان عليه العمل على علمه لا على التخميس.


1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7. وفي الوسائل المطبوع عن أحمد ابن زياد عن جعفر، ولكن في الخصال أحمد بن زياد بن جعفر وهو الصحيح، لأنّ الصدوق يروي عن علي بن إبراهيم بواسطة واحدة.
2 . الخصال: 291، الحديث 53،باب الخمسة.


(195)

وربّما يوجّه الأمر بالتخميس في المقام بأنّ الحرام عند الجهل بمالكه، يصير ملكاً لمالك الحلال على حسب ما يملكه من سائر ما يغتنمه ممّا يتعلّق به الخمس، فتسميته حراماً انّما هي بعلاقة ما كان، وإلاّ فهو بالفعل حلال كسائر ما يستفيده ممّا يجب فيه الخمس.

وربّما يؤيد هذا الاحتمال بوجوه:

1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في مرسلة الصدوق: هو لك أنّ الرجل إذا تاب تاب ماله معه.

2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية السكوني: تصدّق بخمس مالك.

3. وفي رواية المقنعة : أخرج خمس مالك.

4. قوله ـ عليه السَّلام ـ : فانّ اللّه قد رضي من المال بالخمس.

والمعهود في باب الخمس هو الآية الشريفة الواردة في الغنائم، وتطبيق الآية عليه يستلزم كون دفع الخمس من باب الغنيمة.

وعلى ذلك فيمكن أن يقال: إنّه لا يعدّ في القول بتملّك مال الغير قهراً أو بالقصد إذا لم يمكن إيصاله إليه، وإذا انتقل المال إلى الشخص يصير غنيمة له، ويصير موضوعاً للخمس في قبال سائر الموضوعات، ولو لم ينتقل الحرام إليه كان مقتضى القاعدة الاجتناب عن جميع المال، فالحرام المختلط بالحلال بعد التوبة كأنّه غنيمة جديدة.

ويؤيّد انتقال الحرام إلى مالك الحلال بعض الروايات:

1. ما رواه سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أُمية وهو يتصدّق منه ويصل منه قرابته ويحجّ ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول: «إنّ الحسنات يذهبن السيئات»، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة وأنّ الحسنة تحطُّ الخطيئة» ثمّ قال: «إن كان خلط الحرام حلالاً،


(196)

فاختلطا جميعاً فلا يعلم الحرام من الحلال فلا بأس».(1)

ويؤيده أيضاً، ما ورد في باب الربا من الروايات الصحاح في مورد المال الحلال المختلط بالربا .

روى الكليني بسند صحيح عن أبي المغراء قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً فليأكله».(2)

وروى العياشي، عن الحلبي، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ في الحلال المختلط بالربا قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله فخذ رأس مالك، ورُدّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً».(3)

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاحتمال لا يوافقه الذوق العرفي والفقهي، إذ كيف يصحّ أن ينسب إلى الشارع إنّه قام بتحليل الحرام للشخص ثمّ طلب منه الخمس من باب الغنيمة، فإنّ الخمس يتعلّق بالحلال دون الحرام من المال والشارع الأقدس وإن كان مالك الملك والملكوت فله التصرف في الأنفس والأموال، لكنّه يحتاج إلى عناية بالغة في التعبير، لا بمثل هذه التعابير التي لا يخرج عن حدّالإشعار.

وأمّا جواز التصرّف فيما استشهد به من الروايات فهي محمولة على كون الشبهة غير محصورة، أو لوجود دليل خاص كما في باب الربا، فالروايات محمولة على إحدى الصورتين كما لا يخفى.


1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
2 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 2و3.


(197)

ومصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مصرف هذا الخمس

اختلفت كلمتهم في مصرف هذا الخمس على أقوال واحتمالات:

أ. مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

ب. مصرفه مصرف الصدقة.

ج. التخيير بين المصرفين.

د. يعطى للسادة الفقراء.

والأقوى من هذه الوجوه الأوّل، ويدلّ عليه أُمور:

الأوّل: وحدة السياق في صحيح عمّار بن مروان ، فلو كان المصرف متغايراً لزم البيان دفعاً للاشتباه.

الثاني: ما ورد في قضاء أمير المؤمنين بالتعابير التالية:

ففيما رواه الصدوق مسنداً عن السكوني: «أخرج خمس مالك» وفيما رواه مرسلاً : «ائتني بخمسه» وكلا التعبيرين يدلاّن على أنّ أخذ الخمس من باب الولاية والمنصب.

وفي رواية الشيخ: «أخرج الخمس من ذلك المال».

نعم في رواية الكليني «تصدّق بخمس مالك»، ومع التعارض لا يمكن الأخذ بواحد منهما لو لم نقل بقوّة الأخذ بالأوّل، وعندئذ يراد من التصدّق الوارد في كلام الكليني هو التصدّق بالمعنى اللغوي، لا المقابل للخمس، ويؤيد ذلك أنّه ورد في رواية الكليني بعد الأمر بالتصدّق قوله : «فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس» واللام فيه إشارة إلى الخمس المعهود، وليس الخمس المعهود إلاّ ما جاء


(198)

في الآية المباركة «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء» .

الثالث: التعليل بالأمر الارتكازي الوارد في قضاء علي حسب نقل الكليني والشيخ والصدوق، أعني قوله:« إنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الأشياء بالخمس».

وبذلك ظهر ضعف القول الثاني، أعني: كون مصرفه مصرف الصدقة.

وأمّا القول الثالث فمصدره هو تعارض النصوص، فهي بين ظاهر في التصدّق كنقل الكليني، وظاهر غيره في الخمس، فيكون مخيّراً بين المصرفين.

يلاحظ عليه: أنّ التصدق وإن كان ظاهراً في التصدّق المقابل للخمس كما ورد في رواياتنا، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه الذي لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال».(1)

ومع ذلك ربّما تُستعمل الصدقة في مطلق الأمر القربي، ففي رواية علي بن مهزيار: إنّ مواليّ ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس ، قال اللّه تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم» (2) .(3)

وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده المحقّق الهمداني حيث قال: لو قلنا بظهور خبر السكوني في التصدّق بالخمس، لا الخمس المصطلح كما يقتضيه الانصاف، لكان مقتضى الجمع بينه وبين غيره ممّا ظاهره إرادة الخمس المعروف كخبر ابن مروان، هو الالتزام بجواز كلّ منهما وكون المكلّف مخيراً بين التصدّق


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . التوبة: 103.
3 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(199)

وأمّا إن علم المقدار و لم يعلم المالك تصدّق به عنه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

بخمسه أو صرفه في مصرف الخمس المصطلح. فالقول به غير بعيد إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.(1)

ولا يخفى أنّه إحداث قول ثالث انعقد الإجماع على نفيه كما أشار إليه في كلامه، وبذلك يعلم ضعف الاحتمال الرابع، فليس له وجه سوى الاحتياط.

(*) مقصوده أنّه يتصدّق بالمقدار المعلوم، سواء كان المعلوم مساوياً لخمس المال أو كان أزيد أو أقل، وعلى كلّ تقدير فالمسألة فيها وجوه واحتمالات:

واعلم أنّ البحث تارة في تعيين المقدار المخرج،وأُخرى في مصرفه، وإليك الأقوال:

1. وجوب التصدّق بالمقدار المعلوم، وهذا هو القول المشهور الذي اختاره الماتن.

قال صاحب الحدائق: إنّ مستند هذا القول هو الأخبار الدالة على الأمر بالتصدّق بالمال المجهول المالك، ومن أجل ذلك أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص.

2. دفع المقدار المعلوم خمساً لا صدقة قلّ أو كثر.

3. إخراج الخمس وصرفه في مصرفه، سواء كان الحرام أقلّ منه أو أكثر، وهو خيرة صاحب الحدائق قائلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة، وأنّه لا دليل على إخراجها.(2)


1 . مصباح الفقيه:14/160.
2 . الحدائق الناضرة: 12/365.


(200)

4. إخراج الخمس ثمّ الصدقة بالزائد في صورة الزيادة.

ثمّ إنّ كلّ قول يتضمن أمرين أحدهما يرجع إلى المقدار المخرج، والآخر إلى مصرفه.

القول الأوّل

فلنأخذ القول الأوّل بالدراسة، فدليله يتركّب من أمرين:

أحدهما: انصراف الروايات السابقة التي كانت تحدد المقدار المخرج، بالخمس عن هذه الصورة، لأنّ التعبّد بأداء الخمس فيما إذا كان الحرام أكثر أو أقل، وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه يحتاج إلى نصّ خاص، ولأجل ذلك تنصرف أدلّة التحديد عن هذه الصورة فلا تشتغل الذمة إلاّ بالمقدار المعلوم لا غير.

الاستئناس للمقام بما ورد في المظالم ومجهول المالك حيث عدّ طريقاً من طرق إيصال المال إلى صاحبه نظير ما يلي:

1. روى علي بن أبي حمزة، عن رجل من كتّاب بني أُمية، أنّه سأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بقوله: فهل لي مَخرج منه؟ قال: «إن قلت لك تفعل؟»قال: أفعل، قال له: «فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على اللّه عزّ وجلّ الجنّة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الرواية أنّ جميع أمواله كانت حراماً، ولذلك أمر بردّ ما عرف صاحبه، والتصدّق بمالم يعرفه، ولعلّ الجميع كان مغصوباً فلم يكن محيص عنه. وعلى ذلك يفارق ما نحن فيه حيث إنّ المفروض اختلاط الحرام بالحلال، لا كونه حراماً، فيقصر في التطهير بالمقدار الحرام لا كله، نعم يصحّ الاستئناس به لأمر آخر وهو إنّ الطريق إلى إيصال المال إلى صاحبه عند عدم


1 . الوسائل: ج12، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. وعلي بن أبي حمزة في آخر السند هو الثمالي وهو وأخواه الحسين ومحمد وأبوه من الثقات.


(201)

المعرفة هو التصدّق.

2. صحيحة يونس بن عبدالرحمان ، قال سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به، قال: «تحملونه حتى تلحقوه بالكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه» قال له: على من جعلت فداك؟ فقال: «على أهل الولاية».(1)

نعم مورد الحديث هو المتميز والبحث في المختلط، وكيفية الاستئناس على نحوِ ما قلناه في الرواية السابقة.

3. ما رواه علي بن ميمون الصائغ: قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به، قال: تصدّق به فإمّا لك و إمّا لأهله.(2)

ويحتمل وروده في المختلط، بقرينة قوله ـ عليه السَّلام ـ : «فإمّا لك و إمّا لأهله» فكأنّ بعض التراب للصائغ، ويحتمل كون المعنى أنّ المالك الواقعي لو أعرض يكون ملكاً للصائغ وتقع الصدقة عنه.

4. وقد ورد في لقطة الحرم بأنّه إن لم يجد له طالب يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن.(3)

5. كما ورد فيما يؤخذ من اللصوص، أنّه يجب ردّه على صاحبه إن عرف، وإلاّ تصدّق به.(4)

6. وقد رخّص التصدّق في ميراث المفقود والمال المجهول المالك، فروى


1 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2 وفيه: حتى تحملوه إلى الكوفة; وفي الكافي: حتى تلحقوهم بالكوفة، والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.
2 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الصرف، الحديث 1 وغيره.
3 . الوسائل: ج17، الباب 17 و18 من أبواب اللقطة، الحديث 2و1.
4 . الوسائل: ج17، الباب 17 و18 من أبواب اللقطة، الحديث 2و1.


(202)

نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى عبد صالح: لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنعُ بها، فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب:«اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتّى يخرج».(1)

وما ورد من الحفظ في هذا الباب من الروايات محمول على صورة عدم اليأس من عرفان مالكه كما لا يخفى.

وهذه الأحاديث وإن كانت واردة في الحرام المتميّز، أو مال كله حرام، لكن العرف يقطع بعدم الخصوصية، ويرى أنّ التصدّق أحد الطرق إلى وصول المال إلى صاحبه من غير فرق بين المتميّز والمختلط.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب الحدائق، حيث قال: إنّ مورد تلك الأخبار الدالة على التصدّق إنّما هو المال المتميز في حدّ ذاته لمالك مفقود الخبر، وإلحاق المال المشترك به مع كونه ممّا لا دليل عليه، قياس مع الفارق، لأنّه لا يخفى أنّ الاشتراك في هذا المال سار في كلّ درهم درهم وجزء جزء منه فعزل هذا القدر المعلوم للمالك المجهول، مع كون الشركة شائعة في أجزائه كما أنّها شائعة في أجزاء الباقي، لا يوجب استحقاق المالك المجهول له، حتى أنّه يتصدّق به عنه، فهذا العزل لا ثمرة له، بل الاشتراك باق مثله قبل العزل.(2)

والظاهر أنّ العرف يساعد لإلغاء الخصوصية، قائلاً بأنّ الملاك هو الجهل بالمالك، سواء كان متميزاً أو لا.

بقي في المقام في صحّة إفراز مال الغير عن المال المشترك، ومقتضى القاعدة بقاء الشركة وعدم تعيّن المفروز للمالك المجهول إلاّ بولاية عليه، ولذلك تجب


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه، الحديث 3.
2 . الحدائق:12/365.


(203)

مراجعة المجتهد الجامع للشرائط الذي له الولاية على الغائب كما هو الحال في إفراز مال اليتيم والقاصر إذا اختلط مع غيره ولم يكن له ولي منصوص، ولو صحّ تدخل الفقيه وعمّت ولايته لتلك الموارد يعمّ المورد قطعاً، ولأجل ذلك نقول: الأقوى (لا الأحوط كما عليه الماتن) أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط، حتّى يكون الإفراز صحيحاً قاطعاً للشركة.

مضافاً إلى ما ذكرناه من رواية أبي حمزة فإنّ موردها هو المال الممتزج إذ من البعيد أن يكون جميع أمواله حراماً ولم يكن فيه حلال مختلط بالحرام، ولعلّ أمر الإمام بالإخراج عن الجميع ناظر إلى ما اكتسبه من الحرام، إذ لا وجه للخروج عن الحلال. هذا كلّه حول القول الأوّل الذي هو المشهور بين الأصحاب كما يظهر من الحدائق، حيث قال: أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص المتقدمة أي دفع الخمس.

دليل القول الثاني

وأمّا القول الثاني: أعني دفع ذلك المقدار خمساً لا صدقة قلّ أو كثر، فقد علّله المحقّق الهمداني: بأنّه لدعوى استفادته من الأخبار التي ورد فيها الأمر بالخمس، بتنقيح المناط، نظراً إلى أنّ الجهل بالمقدار انّما يناسب تحديد مقداره بالخمس لا تخصيص مصرفه بأرباب الخمس، فيستكشف من ذلك أنّ قصره عليهم دون سائر الفقراء منشؤه عدم تمييز عينه لا الجهل بقدره.(1)

حاصله: أنّ الصورة السابقة كانت تتميز بأمرين: الجهل بالمقدار، والاختلاط والجهل بالمالك فأمر بالخمس لأجل الأمر الأوّل، وهو غير موجود في المقام فيجب عليه دفع المقدار المعلوم كونه حراماً. كما أمر بصرفه خمساً لأجل الأمر الثاني، وهو الاختلاط والجهل بالمالك، وهو مشترك بين الصورتين.

وبعبارة أُخرى : أنّه مع الجهل بالمقدار، يقدّر الحرام خمس المال، ومع العلم به يخرج ما عُلِم قلّ أو كثر، فالعلم بالمقدار يؤثر في عدم التحديد بالخمس، ولا يؤثر في المصرف.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا علم لنا بالمناط المذكور، لاحتمال أنّ للجهل بالمقدار مدخليّة في كون مصرفه مصرف الخمس، و المفروض في الصورة الثانية، خلافه.

وثانياً: أنّ الأخذ بالمناط المنقح مشكل بعد كون الضابطة الأوّلية في مجهول المالك هو إيصاله إليه من طريق الصدقة كما عليه الروايات، فترك تلك الروايات والتمسّك بتنقيح المناط مشكل.

نعم مقتضى الاحتياط، رعاية الجمع بين المصرفين.


1 . مصباح الفقيه:14/173.


(204)

القول الثالث

القول الثالث هو خيرة صاحب الحدائق ناقلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة وأنّه لا دليل على إخراجها.

يلاحظ عليه : أمّا أوّلاً: بأنّ القول بإطلاق هذه الروايات وشمولها لمعلوم المقدار، والقول بعدم شمول أخبار التصدّق للحرام المختلط واختصاصها بالمتميز، على خلاف الانصاف،وذلك لأنّ الحكم بإخراج الخمس من الصورة الأُولى كان طريقاً تعبّدياً لتشخيص مقدار الحرام عن حلاله، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو العمل بقاعدة الاشتغال حتى يعلم الفراغ، والتعبّد فرع وجود الشكّ في المقدار، والمفروض في المقام خلافه، فكيف يصحّ إسراء الحكم الوارد في موضع الشكّ إلى صورة اليقين؟

وثانياً: أنّ الحكم بالتخميس مع العلم بأنّ الحرام أقلّ بكثير منه، أمر ينكره


(205)

و الأحوط أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

العرف، إلاّ إذا كان في المسألة نصّ واضح، كما أنّ الاكتفاء به فيما إذا كان الخمس أقلّ من الحرام بكثير بعيد عن الذوق، بل ربّما يكون ذريعة إلى التوصل إلى أكل مال الغير، فربّما ينتهز الرجل الفرصة فيخلط حراماً كثيراً في حلال قليل، ليحلّله بإخراج الخمس وهو كما ترى.

القول الرابع

يرجع القول الرابع إلى ما إذا علم أنّ الحرام أزيد من خمس المال، فيصرف خمسه في مصرف الخمس، والزائد صدقة، وقد نقله صاحب الحدائق قولاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المورد إمّا داخل تحت أخبار الصدقة فيصرف الجميع في مورد الصدقة، أو تحت أخبار الخمس، فيكتفى بالخمس ويصرف في مورده فلا وجه للتقسيم في المصرف، وإلاّفيرجع إلى الأُصول، والأصل الحاكم هو الاشتغال، إلاّ إذا صرفه في السادة الفقراء، فيعلم ببراءة الذمة، فالتفصيل ليس بتام.

(*) إنّ المال المحترم لا يجوز تركه بحاله حتى يضيع، والتصرف في مال الغير يتوقف على الولاية عليه حتى يكون إفرازه نافذاً ويتعين مال كلّ من الشريكين فيما أُفرز، ولم يثبت ولاية لغير المجتهد فيتعيّن هو، لأنّ ترك التصرّف مقطوع البطلان، والأمر دائر بين كونه للحاكم تعييناً أو تخييراً بينه وبين غيره، والأولى هو القدر المتيقن.

وبعبارة أُخرى: كلّ فعل لم يُسمَّ فاعله ولم يعيّن في الشرع مسؤوله فهو من


1 . الحدائق: 12/365.


(206)

شؤون الحاكم الفقيه.

قال الشيخ الأعظم: كلّ معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج، إن علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء، أو كلّ من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف، فلا إشكال في شيء من ذلك، وإن لم يعلم ذلك واحتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع إليه.(1)

هذا، ويمكن استفادة كونه من شؤون الحاكم من رواية داود بن أبي يزيد، وإن كان السند لا يخلو عن ضعف كما سيوافيك.

عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً، وإنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه، قال: فقال له أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «واللّه أن لو أصبته تدفعه إليه؟» قال: إي واللّه، قال: «فأنا، واللّه ماله صاحب غيري» قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره قال: فحلف، فقال: «فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه» قال: فقسّمته بين إخواني.(2)

روى محمد بن القاسم عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ في رجل كان في يده مال لرجل ميت لا يعرف له وارثاً كيف يصنع بالمال؟ قال: «ما أعرفك لمن هو؟!»، يعني نفسه.(3)

إنّ القرائن الموجودة في نفس الرواية تفيد أنّه ـ عليه السَّلام ـ لم يرد من قوله :


1 . المتاجر: 154، الطبع الجديد.
2 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 12.


(207)

«ماله صاحب غيري»، أنّه مالكه الشخصي، بل أراد أنّه صاحبه ولاية وتولية، وذلك:

أوّلاً: لو كان المراد هو الأوّل كان الأنسب حسب الموازين العرفية التي عليها ينطبق فعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ هو السؤال عن خصوصيات المال المصاب مع أنّه أجاب بأنّه لا صاحب له غيره.

ثانياً: لو كان المراد كونه مالكه الشخصي كان الأنسب مطالبة المال لا الأمر بتقسيمه بين الأخوان الدال على أنّها لقطة مجهولة المالك.

ثالثاً: لو كان المراد هوالأوّل، لما كان وجه لقوله«ولك الأمن ممّا خفت منه» إذ لا وجه للخوف بعد ردّ المال إلى صاحبه الشخصي، وإنّما الخوف فيما إذا لم يرد على صاحبه ولكن قسّمه بين الأخوان، فتأمين الإمام ـ عليه السَّلام ـ له دليل على أنّه قام بهذا العمل بإذن ولي الأمر النافذ حكمه.

ولأجل ذلك، يعلم أنّ الأولى أن يقول: الأقوى أن يكون بإذن المجتهد، لا الأحوط، كما لا يخفى.

نعم في سند الحديث، موسى بن عمر، وهو مردّد بين عمر بن بزيع، الثقة(1) وعمر بن يزيد الذي لم يوثق(2) ووقوعه في أسناد كامل الزيارة لا يفيد شيئاً لما قلنا في محله: من أنّ ما ذكره في ديباجة كتابه راجع إلى مشايخه الذين يروي المؤلف عنهم مباشرة، لا كلّ من وقع في السند.


1 . ذكره الشيخ في أصحاب الهادي ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: موسى بن عمر بن بزيع ثقة . لاحظ رجال الطوسي:405، الرقم 11.
2 . ذكره النجاشي وقال: موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، مولى بني نهد«أبو علي» وله ابن، اسمه علي وبه يكنّى، له كتاب طرائف النوادر وكتاب النوادر. لاحظ رجال النجاشي:2/336 برقم 1076.


(208)

ولو انعكس بأن علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان، الأحوط الثاني، والأقوى الأوّل إذا كان المال في يده.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) هذه هي الصورة الثالثة وقد ذكر فيها وجوهاً ثلاثة: 1. الصلح أوّلاً ، 2.الاكتفاء بالأقلّ لو لم يتراضيا به على الأقوى، 3. ودفع الأكثر على الأحوط. وإليك توضيح الأقوال:

1. الصلح إن تراضيا:

لا إشكال في الصلح إذا تراضيا، ومرجعه إمّا إلى الإبراء إذا كان الحقّ أكثر ممّا تراضيا عليه، أو الهبة إذا كان الحقّ أقلّ منه.

2. الاكتفاء بالأقلّ :

يجوز له الاكتفاء بالأقلّ لدوران الأمر بين كون الواجب هو الأقل أو الأكثر، وبما أنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين لا الارتباطيين فينحلّ العلم الإجمالي إلى واجب قطعي وشك بدئي فتجري البراءة عن الزائد.

فإن قلت: إنّ أصالة البراءة تنفي استحقاق الغير ولا يثبت كونه ملكاً لذي اليد، كما أنّ قاعدة «اليد» دليل الملكيّة إذا شُكّ في كون ذي اليد مالكاً أو لا، ما إذا شكّ نفس ذي اليد.

قلت: اليد أمارة عقلائية على الملكية مطلقاً بالنسبة إلى ذات اليد أو الغير، إلاّإذا كان الغالب عليها، عدمها كيد السمسار وصاحب الفندق، فقوله: «ولولاه لما قام للمسلمين سوق» أو: «من استولى على شيء فهو له» دليل الملكية.


(209)

3. وجوب الأكثر:

إنّما يتّجه ذلك في الموارد التالية:

1. إذا كان المال تحت يد الغير ولم تكن هناك أمارة على كونه مالكاً للزائد من الأقل.

2. أو كان تحت يده، ولكن قلنا بأنّ اليد أمارة لملكية الغير لا لملكية من كان المال تحت يده.

3. إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ عرضه النسيان، فبما أنّ ذمّته اشتغل بالواقع، ولا يخرج منه إلاّ بدفع الأكثر.

4. إذا تردّد المال بين المتبائنين، لكن كان من حيث العدد أو القيمة من قبيل الأقل والأكثر، كما إذا كان المال بين كيسين أحدهما أقلّ عدداً من الآخر، أو بين الشاة والفرس، الثاني أكثر قيمة.

ففي جميع هذه الصور لا براءة يقينية إلاّ بالعمل بدفع الأكثر.

فإن قلت: إذا دفع الأقلّ المتيقن في الحرام المختلط لا يبقى علم إجمالي بالنسبة إلى الباقي.

قلت: إنّ الحكم بالاشتغال أثر العلم السابق، لا العلم الفعلي غير الباقي، وهذا نظير خروج أحد الطرفين ـ بعد العلم الإجمالي ـ عن محلّ الابتلاء، أو إراقة أحد الإناءين، فالعلم الفعلي بالحرام وإن كان غير موجود، لكن وجوب الاجتناب أثر العلم السابق.

4. وجوب الخمس

ذهب بعضهم إلى أنّ الواجب هو الخمس، قائلاً: بشمول قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ


(210)

اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس» واختاره العلاّمة في التذكرة(1) لكنّه غير تام، لأنّ مورد الروايات الدالة عليه هو ما لم يعلم صاحبه، كما في رواية عمّار: «إذا لم يعرف صاحبه» وفي رواية الحسن بن زياد :«واجتنب ما كان صاحبه يعلم» ومعه كيف يصح إسراء الحكم إلى المعلوم صاحبه؟

أضف إليه، أنّ الحكم بالخمس لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أنّ مصرفه مصرفه، أو يكون مصرفه هو المالك، والأوّل بعيد جدّاً مع عرفان مالكه، وعلى الثاني فدفع الخمس إليه مع كون حقّه أزيد من الخمس ظلم عليه، ومع كون حقّه أقل، ظلم على الدافع.

وبالجملة، فضعف هذا القول، واضح.

5. التنصيف

القول بالتنصيف، أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف «التي تطابقت عليه العقلاء في مخاصماتهم» وهذا يكفي سنداً ودليلاً، وربّما يؤيده بعض الروايات الواردة.

مثل ما رواه عبد اللّه بن مغيرة، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، فقال: «أمّا الذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه ويقسم الآخر».(2)

فإن قلت: إنّ الرواية على خلاف القاعدة، وذلك لأنّ الظاهر استيلاء كلّ منهما على كلا الدرهمين، فيكون لكلّ يد على كلّ نصف من الدرهمين، فيكون كلّ درهم بينهما مشاعاً، وقضية ذلك هو حلف مدعي الدرهم الواحد وأخذ الجميع، لا الأخذ بالنصف بلا يمين فيكون الحكم صادراً على خلاف القاعدة


1 . تذكرة الفقهاء:5/422.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1.


(211)

ومثله لا يتعدى عنه إلى غيره.

قلت: الظاهر أنّ الموردين من قبيل التداعي، لأنّ الاستيلاء على أحد الدرهمين صوري من جانب مدعي الدرهم الواحد، وخارج عن محل الخصومة من جانب مدعي الدرهمين، فيبقى الدرهم الواحد، فلكل استيلاء عليه، فمقتضاه هو كونه بينهما بالإشاعة والتقسيم على وجه المناصفة، فيكون الحكم موافقاً للقاعدة.

ما رواه السكوني عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، عن أبيه، في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها، قال: «يعطي لصاحب الدينارين ديناراً ويقسم الآخر بينهما نصفين».(1)

ومع الفرق بين المقام ومورد الروايتين، يمكن إلغاء الخصوصية واصطياد الضابطة بالنسبة إلى المخاصمات التي لا يمكن حلّها بالقرائن والشواهد أو بالقواعد و الضوابط، فالمرجع عندئذ العمل بقول كلا المدعيين. فالأقوى في غير ما ينحلّ فيه العلم الإجمالي، هو القول بالتنصيف.

6. القرعة

ولو عمل بالقاعدة المصطادة المذكورة، وإلاّ فالقرعة متعينة، لأنّ مظانها هي المخاصمة ليس غير، وقد درسنا روايات القرعة مرّة بعد مرّة فوجدناها واردة في موضع المخاصمة كتاباً وسنة، غير رواية واحدة شذت عن تلك الموارد، وردت في الشاة الموطوءة المشتبهة في قطيع غنم، ولو عمل بها في مواضع المخاصمة لم يلزم تأسيس فقه جديد وإن اشتهر في الألسن، والظاهر أنّ المقام من مشاكل الأُمور التي لم يرد فيه شيء سوى القول بالتنصيف إذا أمكنت استفادة حكم المقام منه، ولولاه القول بالقرعة في المقام قوي.


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 12 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 12.


(212)

وإن علم المالك وا لمقدار وجب دفعه إليه.

المسألة 28: لا فرق في وجوب إخراج الخمس و حلّيّة المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها، كما إذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه.(*)

المسألة 29: لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن يعلم إجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس، و بين صورة عدم العلم ولو إجمالاً، ففي صورة العلم الإجماليّ بزيادته عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس، فإنّه مطهّر للمال تعبّداً، و إن كان الأحوط ـ مع إخراج الخمس ـ المصالحة مع الحاكم الشرعيّ أيضاً بما يرتفع به يقين الشغل و إجراء حكم مجهول المالك عليه، و كذا في صورة العلم الإجماليّ بكونه أنقص من الخمس، وأحوط من ذلك المصالحة معه ـ بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا كان الاختلاط على وجه الإشاعة، كما في اختلاط الدهن بالدهن يكون عدم التميّز واقعياً، وهذا بخلاف ما إذا كان اشتبه بين أفراد جنسه كاشتباه كتاب بين الكتب، أو بين أُمور مختلفة الجنس كشيء من أثاث البيت فعدم التميّز ظاهري، وعلى الأوّل، يكون المخرج عين المال المعلوم مالكه، أو مجهوله فلا يحتاج إلى معاوضة قهرية، بخلاف الثاني، فلوكان المخرج في نفس الأمر نفس ماله، فهو،وإلاّ فيجب التصالح على معاوضة قهرية بين ماله ومال المالك حتى يكون حلالاً له.

والظاهر شمول الاختلاط لجميع الصور.


(213)

إخراج الخمس ـ بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا جهل مقدار الحرام، فتارة يعلم بأنّ مقداره يزيد عن الخمس ويتردّد بين ربعه أو ثلثه، وأُخرى يعلم بأنّه ينقص منه قطعاً ويتردّد بين كونه سدسه أو سُبعه، وثالثة لا يعلم واحداً من الأمرين، وقد مضى حكم القسم الثالث إنّما الكلام في الصورتين الأُولتين.

الصورة الأُولى : إذا علم بزيادة الحرام عن الخمس: ففيها وجوه واحتمالات:

الأوّل: ما اختاره الماتن من الاكتفاء بالخمس في تطهيره من الحرام وأنّه مطهّر تعبّدي، وربّما يؤيد هذا القول بالنبويّ المرويّ في غوالي اللآلي «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرامُ الحلالَ»(1) فيغلب جانب الحلّية الجانب الآخر ويتملّك الكل ويكتفي بالخمس، وليس له دليل سوى التمسك بإطلاق صحيحة عمّار بن مروان من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس».(2)

وربّما يؤيد هذا القول بأنّ موضوع الأخبار وموردها هو الخلط وعدم الميز لا عدم معلومية المقدار، و من المعلوم عدم المجال لدعوى القدر المتيقّن فيما أخذ موضوعاً في لسان الأدلّة، لأنّ العبرة بعدم الميز والخلط الذي هو صادق على جميع الصور المتصورة من حيث مقدار الحرام فيصدق على الجميع بمناط واحد بلا تفاوت بينها، فلا وجه لمنع الإطلاق، ولا لدعوى الانصراف.

ولا يخفى عدم إمكان المساعدة، مع هذا القول.

أمّا أوّلاً: فلأنّ ادّعاء الإطلاق في صحيحة عمّار أمر مشكل، لأنّه ليس إلاّ في


1 . غوالي اللآلي: 2/132 برقم 358.
2 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.


(214)

مقام بيان الخمس على وجه الإجمال، وفي مثله الأخذ بالإطلاق أمر مشكل، والقول بأنّ تمام الموضوع هو عدم الميز والخلط مثل القول بأنّ تمام الموضوع هو المعادن والكنز والحال أنّ الخمس لا يتعلّق بهما إلاّبشروط، وهذا يكشف عن عدم كون الصحيحة في مقام البيان.

وأمّا الأحاديث الحاكية عن قول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فبما أنّ اللفظ الصادر عنه ـ عليه السَّلام ـ غير معلوم، فلا يمكن الاعتماد عليه في الموارد المشكوكة.

وثانياً: أنّ الاكتفاء بالخمس فيما علم كون الحرام أزيد والإلزام به فيما إذا كان أقلّ أمر بعيد حسب الأُصول المسلّمة، فالتعبّد به يحتاج إلى تصريح خاص، ولا يصحّ فيه الاكتفاء بالإطلاق، ولأجل ذلك قال صاحب الجواهر: لو اكتفي بإخراج الخمس هنا لحلّ ما علم من ضرورة الدين خلافه إذا فرض زيادته عليه كما أنّه لو كُلِّف به مع فرض نقيصته عنه وجب عليه بذل ماله الخاص له.

وثالثاً: ما أفاده الشيخ في جانب التعليل بأنّ قوله ـ عليه السَّلام ـ :«فإنّ اللّه قد رضي من المال بالخمس» بمعنى كفاية الخمس عن الزائد الواقعي لو ثبت، لا عن الزائد المعلوم.

الثاني: إخراج خمسه وصرفه في مصرف الخمس، وإخراج الزائد والتصدّق به بحكم أنّه مجهول المالك، وهو الظاهر من بعض أعلام العصر.

يلاحظ عليه: أنّ المورد داخل تحت إحدى الطائفتين لا كلتيهما، فعلى الطائفة الأُولى يُكْتفى بالخمس لا غير، وعلى الطائفة الثانية يجب التصدّق بالجميع والمعاملة معه معاملة المجهول المالك، فالجمع بينهما لا تساعده الأدلّة.

الثالث: إخراج الخمس والزائد معاً وصرفه في مصرف الخمس، وهو خيرة المحقّق الخوئي. الظاهر أنّه جمع بين الأمرين المتنافيين، لأنّ صرف الجميع في مصرف الخمس آية أنّه داخل تحت روايات المقام (الحرام المختلط بالحلال) مع أنّ


(215)

المسألة 30: إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان، أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه، أو استخراج المالك بالقرعة، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة وجوه، أقواها الأخير.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لازمه هو إخراج الخمس لا الجميع، وإخراج الجميع دليل على دخوله تحت نصوص الصدقة مع أنّ مصرفه الفقراء، لا الخمس، فالجمع بين دفع الجميع وصرفه في مصرف الخمس جمع بين الأمرين المتنافيين.

الرابع: إنّ هذه الصورة من فروع القسم الثاني، لا القسم الأوّل، أعني: «ما إذا علم مقداره ولم يعلم مالكه تصدق به عنه»، غير أنّ معلومية المقدار على قسمين، إمّا أن يعلم على وجه التحقيق وإمّا أن يعلم نسبياً وإضافياً. فقد عرفت انصراف أدلّة الخمس عن هذه الصور فالواجب في المقام هو التصدّق فقط، نعم لا يجب عليه التصدّق إلاّ بالقدر المتيقن، مثلاً إذا علم أنّ الحرام الموجود في ماله، أزيد من الخمس، وفي الوقت نفسه يتراوح بين الربع والثلث، فالأوّل هو القدر المتيقّن والثاني هو القدر المشكوك فيكلّف بدفع الأوّل دون الثاني.

إلاّ إذا كان عامل منجّز للأكثر، على ما ذكرناه في القسم الثالث كما إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ طرأ عليه النسيان.

أمّا الصورة الثانية: فالقول بلزوم دفع الخمس خلاف منصرف أخباره، خصوصاً أنّه في مقام الامتنان، وأي امتنان في إلزام دفع الأكثر؟! فالحقّ الاكتفاء بالحق المعلوم، ويكون مصرفه مصرف الصدقة.

(*) قد ذكر في المتن وجوهاً أربعة للتخلّص من الحرام.

الأوّل:

وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان، للعلم


(216)

بالاشتغال، ولا يُقْطع بالبراءة إلاّ من هذا الطريق. وهو خيرة المحقّق الخوئي في مستنده(1) وتعليقته على العروة، ويتوجّه عليه إشكالان:

1. استلزامه الضرر غير القابل للتحمّل كما إذا كان العدد المحصور عشرة أو فوقها، ومعنى ذلك أن يدفع أضعاف ما عليه من المال، وهو مرفوع بقاعدة لا ضرر على القول بحكومتها على الأحكام الشرعية.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أجاب عن الإشكال بما ذكره الشيخ الأنصاري عند البحث عن دليل الانسداد في فرائده(2) وقال: إنّ حديث نفي الضرر إنّما يتكفّل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم بنفسه فكلّ حكم كان تشريعه في مورد ضرراً على المكلّف فهو منفي في الشريعة المقدسة بالدليل الحاكم، وأمّا إذا لم يكن الحكم بنفسه ضرريّاً وإنّما الضرر نشأ من إحراز الامتثال كما في المقام فمثله غير مشمول للحديث بوجه.

وبعبارة أُخرى: الواجب على المكلّف الضامن هو إعطاء المال الحرام وتسليمه إلى مالكه، وهذا الحكم في نفسه لا ضرر فيه بوجه، وإنما يترتّب الضرر على إحراز الوصول إليه الناشئ من حكم العقل بوجوب الاحتياط من أجل تنجيز العلم الإجمالي، وهو أجنبي عن الحكم الشرعي.(3)

يلاحظ عليه: أنّ حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي فرع شمول إطلاق الدليل لهذه الصورة كالنبوي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»(4) أو قوله: «حرمة ماله كحرمة دمه»(5) وإلاّ فلا يحكم العقل بالتنجيز، وعليه يعود الضرر إلى إطلاق


1 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.
2 . الفرائد: 121، طبعة رحمة اللّه.
3 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.
4 . المستدرك:14/7ـ8، الباب 1 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث12.
5 . الوسائل:ج8، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3.


(217)

التشريع وشموله لهذه الصورة لا إلى حكم العقل. أضف إليه عدم الفرق بين الضررين في نظر العرف المخاطب بنفي الضرر و الضرار.

2. قد عرفت أنّ الحكم بالتنجيز فرع شمول الدليل لصورة الاختلاط. ولا يستبعد شموله إذا كان الاستيلاء عدواناً، كما هو مفاد قاعدة «على اليد» فيجب عليه الخروج عن اشتغال الذمة بالمقدمة العلمية وبما أنّه يكون هو السبب، فلا يشمله حديث لا ضرر ولا ضرار، لأنّه حديث امتنان والغاصب ليس أهلاً للامتنان الذي فيه الضرر على صاحب المال.

وأمّا إذا كان الاختلاط بعامل طبيعي، أو إنسان آخر ، فادّعاء لزوم تحصيل البراءة فرع وجود الإطلاق وشمول دليل ردّ مال الغير إليه لهذه الصورة فلابدّ من تحصيل البراءة بوجه آخر.

الثاني: كونه بحكم مجهول المالك

هذا هو الوجه الثاني، وعطفه على مجهول المالك فرع كون الموضوع للتصدّق هو الجهل بالمالك لا عدم التمكّن من إيصاله، وإلاّ فلا يصحّ العطف، والظاهر من روايات الباب أنّ الموضوع عدم التمكن من الإيصال، ففي صحيحة يونس بن عبد الرحمان قال: سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضرفقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة».(1) ثمّ إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمر بالتصدّق في ذيل الحديث بعد اليأس عن التمكّن منه.

الثالث:

استخراج المالك بالقرعة، لكونه من موارد التنازع وقد وردت فيها القرعة، وهو خيرة السيد الحكيم.


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2.


(218)

وأورد عليه في مستند العروة من عدم شمول دليلها، لأنّه في كلّ أمر مشكل، أي لم يتضح فيه التكليف الواقعي ولا الظاهري غير المنطبق بالمقام، لأنّه بعد العلم بالضمان وتردد المالك بين محصور، فبمقتضى العلم الإجمالي يجب الخروج عن العهدة بإرضاء المالك الواقعي.(1)

يلاحظ عليه: بعدم تمامية الإشكال، لأنّ حكم العقل بتنجز الواقع، فرع وجود إطلاق في دليل ردّ مال الغير إليه، فيحكم بوجوب البراءة العقلية وبالتالي لا يبقى للقرعة موضوع. ولكنّه غير تام لما عرفت من أنّه يصحّ فيما إذا كان الاستيلاء عن عدوان لا عن غيره، كما إذا صار عمل الغير أو العامل الطبيعي سبباً لاختلاط مال الغير مع ماله، فهو عندئذ يكون أشبه للودعي، حيث لم يكن الاستيلاء لأجل الانتفاع بمال الغير.

نعم يرد على القول بالرجوع إلى القرعة، بأنّ الرجوع إليها منحصر بما إذا لم يكن هناك حلّ شرعي أو عقلي أو عقلائي، فإذا كانت هنا قاعدة عقلائية وسيرة سائدة منهم من الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف فتكون أدلّة القرعة منصرفة عن هذه الصورة لوجود مفزع عقلائي كما عرفت.

الرابع: التوزيع

والمراد منه، هو القيام بما يكون موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف، فلو تردّد بين شخصين فينصف وإلاّفيثلث وهكذا.

الخامس:

التخيير بين القرعة والتوزيع، لأنّ لكلّ من القرعة والتوزيع وجهاً. وفي القرعة موافقة احتمالية ولو أصاب الواقع يصل المال إلى صاحبه بأجمعه، وفي الثاني موافقة قطعية للعلم بوصول جزء من المال إلى صاحبه وإن اشتمل على


1 . مستند العروة 152، كتاب الخمس.


(219)

مخالفة قطعية للعلم بوصول مقدار من مال المالك إلى غيره، وبما أنّه لا ترجيح لأحد الأمرين فيكون مخيّراً بين القرعة والتوزيع.

وهناك احتمال سادس ذكره السيد الحكيم: وهو التخيير بين التوزيع والدفع إلى واحد منهم(1) لعدم إمكان الاحتياط، فيدور الأمر بين الموافقة الاحتمالية الملازمة للمخالفة الاحتمالية، وبين الموافقة القطعية مع المخالفة القطعية كذلك، ولا مرجّح في نظر العقل.

ثمّ إنّ السيّد الحكيم أورد على هذا الاحتمال ما هذا حاصله:

أنّ ذلك يتمّ مع تميز المال وعدم ضمان اليد كالودعي ونحوه،وأمّا مع عدم التميّز فولاية القسمة لذي اليد محتاجة إلى دليل، كما أنّه مع ضمان اليد لا مجال لحكم العقل لرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير، وإنّما يجدي في رفع العقاب لا غير، فرفع الضمان يحتاج إلى دليل، ولأجل هذا الإشكال لا يجدي الرجوع إلى الحاكم الشرعي في القسمة لأنّها لا ترفع الضمان، نعم لو أمكن الرجوع إليه في دفع المال بعد القسمة والخروج عن الضمان كان الحاكم هو المكلّف بالإيصال إلى المالك ويتخيّر حينئذ بين التوزيع ودفعه إلى واحد لما عرفت، لكن ثبوت الولاية للحاكم في القبض عن المالك مع حضوره وإمكان الإيصال إليه، غير ظاهر، لعدم الدليل عليها حينئذ فالمتعيّن الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل.(2)

وحاصل ما أفاده أنّ التخيير إنّما يصحّ بشرطين:

أ. أن يكون مال الغير متميّزاً غير محتاج إلى القسمة، ولم يكن من بيده المال ضامناً كالودعي دون المقام الذي اختلط ماله بماله، وكان ذو اليد ضامناً فليس له


1 . لو كان أساس الدفع هو إصابة القرعة باسمه يرجع إلى الاحتمال الخامس لكن تعليله«بعدم إمكان الاحتياط» ينافي ذلك وان وجهه هو عدم التمكن من إصابة القرعة.
2 . المستمسك:9/498.


(220)

و كذا إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه في عدد محصور، فإنّه بعد الأخذ بالأقلّ كما هو الأقوى، أو الأكثر كما هو الأحوط، يجري فيه الوجوه المذكورة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

الولاية على التقسيم أوّلاً، ولا يرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير.

ب. نعم لو رجع إلى الحاكم الشرعي فيما إذا كان له الولاية يصحّ الإفراز والتقسيم ويتعيّن المال المفروز لغيره، ويكون ذو اليد ضامناً لإيصال ما عيّنه الحاكم إلى صاحبه ، ولا يرتفع الضمان، لا بالتوزيع ولا بالتخيير بل بإرضاء كلّ مثل بما تحت يده.

وليس للحاكم الشرعي تنفيذ عمله مع كون المالك معلوماً ومحصوراً بين شخصين.

يلاحظ عليه: أنّه صحيح فيما إذا كان غاصباً أو ضامناً أو كان مباشراً للاختلاط، دون ما إذا كان العامل له أمراً طبيعياً أوإنساناً غيره، فيصحّ له القيام بالإفراز بإذن الحاكم الشرعي، فيكون أشبه بالودعي حيث لم يكن الاستيلاء لصالح الانتفاع، فيكون مخيّراً بين الأمرين لعدم الترجيح.

فالحقّ، أنّ هذه الحوادث أوضح مصداق لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» فله الولاية في القسمة وتعيين ماله وإخراجه عن يد المديون، فعندئذ يكون مختاراً بين التوزيع والقرعة لما عرفت من اعتبار كلتا القاعدتين، أو بين التوزيع، والتخيير، أعني: الدفع إلى واحد منهم لعدم المزية لواحد على الآخر.

(*) إذا لم يعلم قدر المال تحقيقاً، ولكن علم نسبيّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر،


(221)

المسألة 31: إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: في المقدار الذي يجب دفعه، فهل هو الأخذ بالأقل، أو الأخذ بالأكثر، أو التفصيل الماضي في الأخذ بالأقل، إلاّ في موارد مثل ما إذا سبق العلم التفصيلي بمقداره، ولكن عرض النسيان، أو دار الأمر بين المتبائنين، أحدهما أكثر عدداً أو قيمة؟ وقد عرفت الحقّ فيه في شرح قوله: ولو انعكس بأن علم المالك ولم يعلم المقدار تراضيا بالصلح ونحوه وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقل....

الثاني: كيفية دفعه ففي الوجوه المذكورة في الفرع السابق من هذه المسألة.

(*) أقول: للمسألة صورتان:

أحدهما:

إذا استولى على مال الغير بغصب وغيره فأتلفه قبل الاختلاط فطرأ الجهل بالمقدار أو بالمالك أو كليهما.

ثانيهما:

إذا استولى على مال الغير وحصل الخلط ثمّ أتلفه بنفسه أو بآفة سماوية، فيقع الكلام في هذه الصورة في لحوقها بالمال الموجود المختلط حلاله بحرامه وعدمه، والذي يدل على ذلك ما ذكره الشيخ وغيره(1).بأنّه إذا تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس بذمّته (الصورة الثانية) ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة (الصورة الأُولى). إذا علمت ذلك فنقول:


1 . كتاب الخمس لشيخنا الأنصاري: 268، المسألة 19; جواهر الكلام :16/76.


(222)

أمّا الصورة الأُولى: فلا موضوع للخمس، لأنّ الموضوع هو المال المختلط، وأمّا الثابت ابتداءً في الذمّة فهي مشغولة بنفس الحرام فيجب عليه أداؤها حسب القواعد.

وأمّا الصورة الثانية: ففيه وجهان مبنيان على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط بالحرام كنفس تعلّقه بسائر الموارد كالمعادن والغوص، وأنّ أصحاب الخمس يملكون بعد الاختلاط جزءاً من المال على وجه الإشاعة، أو على نحو الكلي في المعيّن، أو بنحو آخر نظير تعلّق حقّ الرهانة بالعين المرهونة كما سيوافيك.

أوّ أنّ تعلّق الخمس عليه من سنخ آخر، وهو أنّه لو أراد المالك إفراغ ذمّته من الحرام وتطهير ماله منه فقد صالحه الشارع بالخمس وجعله طريقاً تعبدياً لتشخيص الحرام فما لم يقم بالتطهير ليس لأصحاب الخمس في المال المختلط شيء فلا تكون العين مشتركة بينهم وبين المالك ولا متعلّقاً للحقّ.

فعلى الأوّل: يكفي التخميس وإن أتلفه ذو اليد بعد الاختلاط، لأنّه يكون المورد نظير إتلاف المعادن والكنوز حيث لا يتغيّر حدّ الواجب سواء بقيت العين أم لم تبق، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالثاني، فإنّ الخمس إنّما يتعلّق بماله إذا قام بالتخميس وأخرجه من ماله، وأمّا إذا لم يقم بذلك حتى تلفت العين كلّها فلا موجب للخمس وهو المصالحة، ولا مناص عليه إلاّ الخروج عن نفس ما اشتغلت به ذمّته ولو بالاحتياط.

وربما يستظهر من رواية عمّار بن مروان أنّ تعلّقه به كتعلّقه بسائر الموضوعات وعليه فاللازم هو الاكتفاء به إذا كان مختلطاً أتلفه المالك أو تلفت بآفة سماوية، ولكن استفادة الإطلاق من رواية عمار لا يخلو عن إشكال لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، وسيوافيك تفصيل القول فيه عند تعرض الماتن للمسألة في المسألة الثامنة والثلاثين فانتظر. نعم إذا غصبه وأتلفه بلا


(223)

و حينئذ فإن علم جنسه و مقداره(1) و لم يعلم صاحبه أصلاً، أو علم في عدد غير محصور، تصدّق به عنه بإذن الحاكم، أو يدفعه إليه، وإن كان في عدد محصور، ففيه الوجوه المذكورة، والأقوى هنا أيضاً الأخير.

و إن علم جنسه و لم يعلم مقداره(2) بأن تردّد بين الأقلّ و الأكثر أخذ بالأقلّ المتيقّن و دفعه إلى مالكه إن كان معلوماً بعينه.

وإن كان معلوماً في عدد محصور فحكمه كما ذكر.

و إن كان معلوماً في غير المحصور أو لم يكن علم إجماليّ أيضاً تصدّق به عن المالك بإذن الحاكم أو يدفعه إليه، وإن لم يعلم جنسه و كان قيميّاً فحكمه كصورة العلم بالجنس إذ يرجع إلى القيمة و يتردّد فيها بين الأقلّ والأكثر، وإن كان مثليّاً ففي وجوب الاحتياط وعدمه وجهان.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختلاف فلا يجزي فيه الخمس لعدم شمول أدلّته لهذا المورد لعدم الاختلاط المصحح للمصالحة، فما ذكره الماتن قدَّس سرَّه على وجه الإطلاق منظور فيه بل يجب تقييده بما إذا لم يكن هناك اختلاط.

(*) إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله يقع الكلام في موضعين:

أحدهما: في مقدار ما يجب دفعه.

ثانيهما: إلى من يجب دفعه؟

ولنقدّم الكلام في الثاني على الأوّل، فنقول: إذا كان مال الغير في ذمّة


1 . إشارة إلى الصورة الأُولى.
2 . إشارة إلى الصورة الثانية.


(224)

شخص فهو لا يخرج عن صور أربع، إمّا أن يكون المالك معلوماً بشخصه، أو معلوماً في عدد محصور، أو معلوماً في عدد غير محصور، أو مجهولاً مطلقاً.

ففي الأوّل يدفع إلى مالكه، وفي الثاني ففيه الوجوه الخمسة المذكورة في المسألة السابقة، أي ما إذا كان مال الغير مختلطاً بمال الشخص وتردّد في عدد محصور، وقد مرّ الأقوى من الأقوال، وفي الثالث والرابع يتصدّق من جانب المالك، وبما أنّ حكم الأُولتين واضح، فلنبحث حكم الأخيرتين فنقول:

أمّا التصدق في الصورتين الأخيرتين (العدد غير المحصور والمجهول المطلق) فهو الظاهر من الأخبار، وموردها وإن كان هو الأعيان الشخصية لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية وتعميمه إلى ما في الذمة، وقد عرفت تعميم ما ورد في الأعيان المتميزة إلى غير المتميزة، وهذا إحدى القرائن على صحّة ما قلناه من لزوم التصدّق فيما إذا جهل الشخص وعلم المقدار.

وعلى كلّ تقدير فالأخبار دالة على أنّ المالك إذا لم ينتفع من ماله فلينتفع من ثوابه، ويمكن استفادة ذلك من بعض الروايات.

1. ما رواه يونس بن عبد الرحمان، قال: سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال: رفيق لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منزلنا فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه فتصدّق بثمنه» الخ.(1)

والحديث وإن ورد في المال المشخص خارجاً، لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، وأنّ التصدّق أحد الطرق لوصول المال إلى صاحبه بعد اليأس،


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2، والمروي في الكافي(ج5/309 ح22) يغاير الموجود في الوسائل في العبارة.


(225)

ويستفاد من الحديث سقوط التعريف سنة إذا كان الواجد آيساً.

2. وما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في رجل كان له على رجل حقّ، ففقده ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحيّ أم ميّت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً؟ قال: «اطلب»، قال: فإنّ ذلك قد طال فأتصدّق به قال: «اطلبه».(1)

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ إنّما أمر بالطلب والفحص لأجل عدم حصول اليأس، ويستظهر منه أنّه مع اليأس فالوظيفة المسلّمة بين الإمام والسائل هو الصدقة، والرواية واردة في الحقّ المتمثل في الذمّة لا في المال الموجود في الخارج.

3. روى الصدوق مرسلاً قال: وقد روي في خبر آخر «إن لم تجد له وارثاً وعرف اللّه عزّ وجلّ منك الجهد فتصدّق بها».(2)

وعلى ذلك فالأمر من الجهة الثانية ، أعني: كيفية إيصاله إلى المالك واضح، ففي المعيّن يدفعه إليه، وفي المحصور يعمل بالقرعة، أو التوزيع، وفي غير المحصور أو المجهول المطلق يتصدّق .

إنّما الكلام في المقدارالذي يجب أن يدفعه، وقد ذكر المصنف صوراً ثلاث:

1. إذا علم الجنس والمقدار.

2. إذا علم الجنس دون المقدار.

3. إذا جهل الجنس دون المقدار.

ولم يذكر الصورة الرابعة إذا جهل الجنس والمقدار.

أمّا الصورة الأُولى: فلو علم صاحبه فلا إشكال، ولو علم في عدد محصور يجري فيه ما تقدّم فيما إذا كان الحرام مختلطاً، وإن كان في عدد غير محصور أو لا


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 2و11.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 2و11.


(226)

يعلم صاحبه بوجه من الوجوه فيتصدّق، لعدم إمكان إرضاء الكل، وقد عرفت أنّ الظاهر من الروايات أنّ التصدّق أحد طرق إيصال المال إلى صاحبه.

أمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كان الجنس معلوماً والمقدار مجهولاً، سواء كان قيمياً كما إذا علم أنّه أتلف شاة الغير مردداً بين الواحد والاثنين، أو مثلياً كما إذا علم أنّه أتلف حنطة الغير وتردّد بين كونه خمسين منّاً، أو ثلاثين، فيقتصر في كلا الموردين بالأقل لانحلال العلم الإجمالي، وأمّا كيفية الإيصال فيأتي فيها الأقسام المذكورة في الصورة الأُولى من كون المالك معلوماً بشخصه، أو في عدد محصور، أو غير محصور، أو لا يعلم أصلاً، والحكم واحد.

أمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا كان الجنس مجهولاً دون المقدار، فلها أقسام:

1. ما يكون التالف قيمياً مردداً بين الجنسين كالشاة والبقرة.

2. ما يكون التالف مثلياً مردداً بين الجنسين كالحنطة والشعير.

3. ما يكون التالف مردداً بين المثلي والقيمي كما لو تردّد المغصوب بين الشاة والحنطة.

وإليك الكلام في جميع الأقسام:

القسم الأوّل: إذا كان التالف قيمياً

إذا كان التالف قيمياً، يكون مضموناً بقيمته، فإن تساوت قيمة الجنسين (الغنم والبقر) فلا إشكال، وإلاّ فيدفع أقلّ القيمتين أخذاً بالانحلال، إلاّ إذا كان علم القيمة التي استقرت في الذمّة ثمّ طرأ عليه النسيان.

هذا من غير فرق بين القول بضمان قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الأداء، فانّ الاختلاف في القيمة ناش من إبهام التالف، وأنّه هل هو الغنم أو البقر؟ وأمّا اختلاف الفقهاء في قيمة أيّ يوم من الأيّام، فغير مؤثر في ذلك، لأنّ


(227)

الاختلاف في اليوم الذي يجب أداء قيمتها فيه، لا يؤثّر في تردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر، وذلك لأنّ ضمان العين في القيمي ينتهي إلى ضمانها بقيمتها فتكون ذمّته مشغولة بالقيمة بعد ما كانت مشغولة بالعين فبعد التبدّل يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر.

وبذلك يظهر ما في حاشية بعض الأساطين حيث فصّل بين ما اشتغلت الذمة بالقيمة كما في الضمانات ففيه الأقل، وما إذا اشتغلت بنفس العين كما في العقود فحكمه حكم المثلي، فقوّى وجوب الاحتياط في المتبائنين بتحصيل المراضاة مع الإمكان، وإلاّ فيوزّع على محتملات ما اشتغلت به الذمة، ففي المردّد بين جنسين يعطي نصف كلّ منهما وفي الثلاث ثلث كلّ منهم.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر دائر بين المتبائنين من قبيل الانقلاب إلى القيمة، وحكمه الاحتياط، ولكن بعد الانقلاب إلى القيمة يدور الأمر بين الأقل والأكثر وعلى ذلك يكفي الأقل.

وما تقدّم منّا من لزوم الاحتياط في موردين:

1. إذا عرضه النسيان ، 2. إذا دار أمر الحرام بين المتبائنين فإنّما هو فيما إذا كان الحرام باقياً غير تالف، أي كان موجوداً بين الحلال لا ما في مثل المقام الذي تلف وانتهى ضمانه إلى الضمان بالقيمة فإنّ مقتضى القواعد هو الأخذ بالأقل.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده بعض الأعلام المعاصرين من أنّ الثابت في الذمّة في التالف أو المتلف نفس العين حسب قوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و على ذلك فنفس العين في ذمّة الضامن. نعم في مقام الأداء يؤدي القيمة من جهة كونها مرتبة نازلة من العين بعد تعذرها فيكون حكمه حكم المثلي (القسم الثاني).

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاختلاف غير مؤثر في المسألة، لأنّا نفترض أنّ العين


(228)

باقية على ذمّة الضامن إلى يوم الأداء، ولكنّه في وقت الأداء يتبدل إلى القيمة ويكون أمر المتبدل إليه دائراً بين الأقل والأكثر حسب اختلاف المتبدَّل ويأتي حديث الانحلال بعد الانتقال.

والفرق بين القيمي والمثلي هو أنّ القيمي ينتقل نهاية إلى القيمي ويكون المضمون قيمته، بخلاف المثلي فالمضمون فيه هومثله فيبقى، المضمون في ذمّته من دون انتقال إلى القيمي، ولذلك يفترق حكمه، مع حكمه الذي سيوافيك في القسم الثاني.

وهنا احتمال آخر وهو أنّه يدفع القدر المعلوم المتيقن من القيمي وينتصف الزائد، عملاً بقاعدة العدل والانصاف، وقد مرّ في كلام بعض الأساطين.

القسم الثاني: إذا كان التالف مثلياً

إذا كان الجنس المردّد مثلياً كما إذا دار أمر التالف بين الحنطة والشعير، فيكون المرجع إلى المتبائنين دون الأقلّ والأكثر، لأنّ المضمون هو نفس الجنس المردّد بين الحنطة والشعير، واختلافهما في القيمة لا يوجب كون المورد من قبيل الأقل والأكثر.

فهنا وجوه لإفراغ الذمة:

1. التوزيع: ويمكن تصويره بأحد وجهين:

أ. توزيع العين، لأنّه يعلم أنّ عليه شيئاً مردداً بين منّ حنطة أو منِّ شعير، فيعطي من كلّ نصفه.

ب. إنّ الجهل بالجنس يوجب الانتقال إلى القيمة ويعطي القدر المعلوم وينتصف الزائد، كلّ ذلك أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف.


(229)

2. القرعة: وذلك لأنّ الواجب على الضامن إيصال المال إلى المضمون عنه، وهو يحصل بدفع كلا المالين إليه، وبما أنّه ليس له التصرّف في كلا المالين، ينحصر الطريق بالقرعة فإذا كان المرجع نهايتاً، هو القرعة فليكن هو المرجع في المبدأ وأنّ الضامن يقرع بين الجنسين بإذن الحاكم.

3. دفع الأقلّ: ببيان أنّه ليس للمالك أخذ شيء من هذه الأجناس فلا محيص من إسقاط الخصوصية واختيار القيمة، فحينئذ الأمر يدور بين الأقلّ والأكثر، فلا يأخذ المالك إلاّ الأقل، لا أنّ الدافع لا يكون مكلّفاً إلاّ بالأقل، حيث إنّ الواجب عليه في هذه الصورة مردّد بين المتبائنين، بخلاف ما لو كان قيمياً لأنّه مردّداً بين الأقل والأكثر فلا يكون مكلّفاً إلاّ بدفع ما اشتغلت به ذمّته وهو الأقل. نعم بعد إسقاط الخصوصية يرجع إلى ذلك.

وعلى هذا الاحتمال لا فرق بين القيمي والمثلي في أنّ الواجب هو أخذ الأقل.

القسم الثالث: إذا كان التالف مردداً بين المثلي والقيمي

إذا كان التالف مردّداً بين المثلي والقيمي، كما لو تردّد الحرام بين الحنطة والشاة، فيعلم حكمه ممّا ذكرناه في المثلي، ففيه الوجوه الثلاثة.

ولعلّ الأوضح هو الوجه الأوّل.

***

وأمّا الصورة الرابعة : أي إذا كان الجنس والمقدار مجهولين، كما إذا تردّد التالف بين الحنطة والارز، وعلى كلّ تقدير تردّد بين ثلاثين منّاً أو خمسين، فيعلم حكمه ممّا ذكر.


(230)

المسألة 32: الأمر في إخراج هذا الخمس إلى المالك كما في سائر أقسام الخمس، فيجوز له الإخراج و التعيين من غير توقّف على إذن الحاكم، كما يجوز دفعه من مال آخر و إن كان الحقّ في العين.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) اتّفقت كلمتهم على ولاية المالك لإخراج خمس ماله ودفعه من غيره من دون توقّف على إذن الحاكم، وأمّا جواز صرفه في مجاله بنفسه فسيأتي في المستقبل، وهل الحكم في المقام أيضاً كذلك أو يحتاج الإخراج والدفع من مال آخر إلى إذن الحاكم الشرعي؟

فقد حكم بعضهم باتحاد حكمه مع سائر الموارد وثبوت الولاية في الإخراج والدفع من غير المال متمسّكاً بأنّ تعلّق الخمس عليه نظير تعلّقه بالموارد الأُخر على ما في رواية عمّار بن مروان، فيجري فيه ما يجري فيها، وخالف أكثر مشاهير العصر وقالوا بالاستجازة.

والحقّ، هو الثاني: لأنّ طبع المسألة يقتضي ذلك لوجود الفرق بينهما، لأنّ روح التخميس في سائر الموارد، عبارة عن تخميس نفس ماله والقيام بالوظيفة بأداء الخمس من ماله وتصرف الإنسان في ماله لا يحتاج إلى الاستئذان، وسيوافيك أنّ العين ليس مشاعاً بين المالك وأصحاب الخمس، بل غاية ما يستفاد تعلّق حقّهم عليها كتعلّق حقّ المرتهن وأمثاله، وللإنسان القيام بترخيص ماله عن الرهن، وهذا بخلاف المال المختلط بالحرام فانّه يتصرف في مال الغير، ويقرّره ويشخصه في المفروز، ويتملّكه ويدفع من مال آخر.

فالقيام بها يستدعي الولاية وهي ثابتة للحاكم دون المالك.

وبذلك يعلم أنّه لا يصحّ التمسك بالإطلاقات في كلا الموردين، إذ ليست في ذلك الصدد حتّى يكون السكوت دليلاً على العموم.


(231)

المسألة 33: لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه، كما هو كذلك في التصدّق عن المالك في مجهول المالك فعليه غرامته له، حتّى في النصف الّذي دفعه إلى الحاكم بعنوان أنّه للإمامعليه السَّلام.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

والتمسك بالإطلاق المقامي وأنّه لو كان الإذن شرطاً لاشتهر وبان، إنّما يصح في الموارد التي كان التصرف فيها أمراً طبيعياً كما في دفع خمس ماله، لا في مثل المقام الذي طبعه المنع وعدم الجواز، لأنّ الحكم الأوّلي للتصرّف في مال الغير بلا إذنه هو الحرمة، والتصرّف يتوقف على الجواز، ففي مثل المقام لا يصحّ الاعتماد بالسكوت.

(*) في المسألة قولان:

الأوّل: الضمان ، اختاره الشهيد في الروضة وقال: ولو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس ففي الضمان له وجهان، أجودهما ذلك. واختاره صاحب الجواهر حيث جعل مقتضى الحكم بالتخميس هو رفع الإثم فقط مع التحفّظ على الضمان.(1)

أقول: استدل على الضمان بوجوه:

الأوّل: كونه مقتضى الاستيلاء العدواني، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي.

الثاني: الإتلاف، بدفعه إلى أصحاب الخمس.

الثالث: إلحاقه بباب اللقطة، وأنّ حكم الشارع بالدفع لا يرفع الضمان كما هو كذلك فيها.(2)

بل يمكن استظهار الضمان في مطلق مجهول المالك وإن لم يكن لقطة،


1 . الجواهر:16/75.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 2و5.


(232)

وذلك بما رواه حفص بن غياث المِنقري، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: «لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرّفه حولاً، فإن أصاب صاحبَها ردّها عليه، وإلاّ تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له».(1)

فإذا ثبت الضمان في باب اللقطة وفيما أودعه بعض اللصوص، يمكن إلغاء الخصوصية والحكم بالضمان في المقام أيضاً، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على الضمان.

الثاني: عدم الضمان وعدم كفاية الأدلة المذكورة في إثباته:

أمّا اليد، وإن كانت عدوانيةً، لكنّها صارت بعد المراجعة إلى الحاكم الشرعي يداً مأذونة، والإطلاقات غير شاملة لمثلها، وعلى فرض الشمول، فلو دلّ دليل على عدم الضمان نقيّد الإطلاق به.

وأمّا الإتلاف فلا يوجب الضمان إذا كان بأمر الشارع، فالمتبادر منه رفع التكليف والوضع معاً، إلاّ إذا دلّ عليه دليل كما في اللقطة، وأمّا الحكم بالضمان في مورد قبول الوديعة من اللصوص فلعلّه لأجل علمه بكون المودع مال الغير ، وبذلك صارت يده يداً عاديّة، لا يداً مأذونة، فالحكم بالضمان فيه لا يصير منشأ للضمان في المقام، وليس الأمر بالدفع حكماً ظاهرياً متوقفاً على عدم مطالبة المالك، كيف؟ وأنّ الحكم الظاهري لابدّ أن يكون محتمل المطابقة للواقع، وهنا نعلم بمخالفته للواقع على كلّ حال، بل هو من قبيل الواقعي الثانوي، ومقتضى إطلاق دليل الإجزاء.


1 . الوسائل: ج17، الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


(233)

وأمّا إلحاقه بباب اللقطة كما في دليل القائل بالضمان فغير صحيح، لأنّ الحكم في المقيس عليه على خلاف القاعدة، فكيف يصحّ القياس مع بطلانه في ذاته؟ كما عرفت الفرق بين المقام، وما أودعه بعض اللصوص، ثمّ إنّ في الروايات قرائن تدل على عدم الضمان.

1. انّ المتبادر من الروايات الحاكية لفعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ أنّ التخميس مصالحة شرعية نيابة عن المالك، وولاية عليه، وبذلك تفرغ ذمّته عن أيّة تبعة، والحكم بالضمان بعد مطالبة المالك، يخالفه.

2. إنّ ظاهر قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس» أنّه لو أدّى الخمس، يكون الباقي له بلا إشكال، فالحكم بالضمان ولزوم الأداء منه بعد المطالبة لا تساعده العبارة، وتوهم أنّ التصالح بالخمس راجع إلى تحديد الحرام به ليحلّ له الباقي فقط ولا صلة له بالتصالح من جانب المالك ولاية، كما ترى.

3. إنّ الظاهر من رواية داود بن أبي يزيد ولاية الشارع على مجهول المالك، حيث قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي ـ إلى أن قال: ـ «فأنا واللّه، ماله صاحب غيري».(1)

والحديث يحتمل أن يكون المصاب لقطة أو شيئاً قد اغمض في طلبه من جهة كونه حلالاً أو حراماً.

ومع فرض الولاية والقيام بالتخميس أو التصدّق بأمر الشارع فالحكم بالضمان لأجل الإتلاف بعيد عن الأذهان، وأمّا الضمان في باب اللقطة فليس من باب الإتلاف، بل هو حكم تعبّدي يحدث، عند المطالبة، ولأجل ذلك لو لم يطالب لما كان ضامناً، ولو كان وجه الضمان الإتلاف، يجب أن يستقرّ عليه قبل المطالبة وهو خلاف المشهور وخلاف ظاهر الروايات، وبذلك يعلم عدم صحّة


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


(234)

المسألة 34: لو علم بعد إخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية، وهل يجب عليه التصدّق بما زاد على الخمس في الصورة الأُولى أو لا؟ وجهان، أحوطهما الأوّل، وأقواهما الثاني.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

التمسك بقاعدة الإتلاف، إذ لو كانت هي مصدر الضمان يثبت الضمان مطلقاً وإن لم يتبيّن المالك، بل يجب عليه إيصاؤه، وكلّ ذلك على خلاف القاعدة.

نعم: لو قام بالتخميس من عند نفسه من دون مراجعة إلى الحاكم الشرعي كان للضمان وجه، لا ما إذا دفعه إليه أو قام به نيابة ووكالة عنه.

ثمّ الظاهر من الماتن، اختصاص الضمان بالخمس لا ما اشتغلت به ذمّته، وهو غير تام، إذ لو صحّت المصالحة لما كان للضمان وجه، ولو لم تتم يضمن ما تعلّقت به ذمّته ولو بالعمل بالاحتياط لا الخمس.

(*) للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا علم الحرام أزيد من الخمس.

الثانية: إذا كان الحرام أقلّ منه.

أمّا الأُولى: يقع البحث في وجوب التصدّق بمازاد على الخمس، ففيه وجوه:

1. يسترجع الخمس ويتصدّق بمقدار الحرام لأهل الصدقة.

2. إنّ الباقي بعد التخميس موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام فيجري عليه حكمه من الصور الأربع السابقة، ويعمل في كلّ صورة بحكمها الخاص، وهو خيرة المحقّق الخوئي.


(235)

3. صحّة التخميس الأوّل والتصدّق بالباقي لافتراض كون المقدار الحرام معلوماً.

4. كفاية التخميس وعدم لزوم التصدق بالباقي.

أقول: الوجه الأوّل، احتمال محض، ومدفوع، بأنّ استرجاعه، إبطال لعمل عبادي وقع بأمر الشارع، وهو يحتاج إلى الدليل، أضف إلى ذلك قوله ـ عليه السَّلام ـ : «وإنّ اللّه قد رضي من هذا المال بالخمس»واسترجاعه، يخالف هذا الرضا.

ويمكن الاستئناس بما ورد في اللقطة: إذا جاء صاحبها فانّه لا يسترجع الصدقة: والذي يجمع بينهما كون العملين من الأُمور العبادية.

والوجه الثاني: حاصله أنّ الباقي بعد التخميس ـ المعلوم بعد وجود الحرام فيه ـ موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فيجري عليه حكمه من أنّه:

1. إن علم مقداره ومالكه دفعه إليه.

2. وإن يعلم مقداره ولم يعلم مالكه تصدّق.

3. وإن جهل كلاهما تعلّق به خمس آخر.

وهذا الوجه يخالف إطلاق الأدلّة فإنّها ظاهرة في حلّية المال مطلقاً وإن انكشف أنّ الحرام أزيد، خصوصاً قوله ـ عليه السَّلام ـ «وسائر المال لك حلال» وهذا يؤيد ما قلناه، من أنّ التخميس مصالحة شرعية بين الحاكم نيابة عن المالك وصاحب المال المختلط، ومعنى المصالحة، هو الاكتفاء بالمدفوع، وإن تبيّن الخلاف وأنّ الحرام أزيدمن الخمس فإيجاب الزائد يحتاج إلى الدليل سواء كان بصورة الصدقة أو بصورة التخميس.

والوجه الثالث: مدفوع، بإطلاق الروايات بكفاية التخميس. وبذلك يعلم قوّة الوجه الرابع، لأنّ ظاهره كفاية المصالحة عمّا يطرأ ويتبين من الزيادة.


(236)

المسألة 35: لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً(*) فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزيه إخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان، والأقوى الثاني لأنّه كمعلوم المالك حيث إنّ مالكه الفقراء قبل التخليط.(**)

ـــــــــــــــــــــــ

وأمّا الصورة الثانية: فاحتمال استرداد الزائد مدفوع بما ذكرناه ،وقد عرفت أنّ طبيعة المصالحة لا تنفك عن احتمال الزيادة والنقص غالباً، وفائدة التخميس هو جواز تصرفه في المال المخلوط، وهو في مقابل دفع الشيء الزائد ليس بقليل، وقد عرفت أنّه عمل قربيّ لا يبطل.

(*) مشخصاً في الخارج غير معلوم المقدار.

(**) قال في الجواهر: ولو خلط الحرام بالحلال، عمداً خوفاً من كثرة الحرام لتجتمع شرائط الخمس فيجتزي بإخراجه، عصى بالفعل وأجزأه الإخراج، ويحتمل قويّاً تكليف مثله بإخراج ما يقطع بالبراءة إلزاماً له بأشقّ الأحوال، ولظهور الأدلّة في غيره.

والظاهر أنّ الوجه هو انصراف أدلّة التخميس عن المورد لأجل وروده في المختلط ابتداءً، بل يعمّ ذلك وما كان متميّزاً وصار مخلوطاً لعوامل خارجية، إذ الاقتصار على الأوّل يوجب خروج أكثر الموارد و ـ مع ذلك كلّه ـ لا يشمل الاختلاط لغاية التخميس والسيطرة على مال الغير عن ذاك الطريق، بل مورده مورد الإنسان المتهيّئ لإخراج الحرام من ماله، وهذا هو الوجه لعدم الشمول لا ما ذكره المصنف: من أنّه كمعلوم المالك حيث إنّ مالكه الفقراء. وذلك لأنّهم لا


(237)

المسألة 36: لو كان الحلال الّذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال الّذي فيه.(*)

ـــــــــــــــــــ

يتملّكون إلاّ بالقبض، فكيف يكون معلوم المالك أو كمعلومه؟

وتظهر الثمرة بين القولين في موردين.

فلو قلنا بشمول الأدلّة لهذه الصورة، يتعيّن الخمس والمصرف مصرفه، وعلى ما قوّينا يتعين الأقل، إلاّ إذا عرضه النسيان، أو دار أمره بين المتبائنين فيتعيّن الأكثر والمصرف مصرف الصدقة.

(*) وهو مقتضى القاعدة لتعدّد الأسباب المقتضي لتعدّد المسبب، إلاّ إذا دلّ دليل على الاكتفاء بالمسبب الواحد، كما في موارد تعدّد أسباب الحدث الأكبر والأصغر، قال في الجواهر: ولو كان خليط الحرام ممّا فيه الخمس أيضاً لم يكف خمس واحد، كما صرّح به بعضهم لتعدد الأسباب المقتضي لتعدّد المسببات، فيجب حينئذ بعد إخراج خمس التطهير، خمس آخر.(1)

وبعبارة أُخرى: أنّ المختلط بالحرام تارة يكون مالاً موروثاً يعلم بوجود الحرام فيه أو موهوباً أو نحو ذلك، وأُخرى يكون ممّا تعلّق به الخمس كالمعادن وأرباح المكاسب، فالحكم بالتخميس في روايات الباب ناظر إلى حلّ مشكلة الاختلاط.

وأمّا الحيثيّة الثانية فليست مطروحة حتى ينفى وجوب التخميس الثاني عنه


1 . الجواهر:16/76.


(238)

بالإطلاق، أو بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وسائر المال لك حلال» والحاصل، أنّ المختلط عنوان، والمعدن عنوان آخر، ولكلّ حكمه.

نعم احتمل المحقّق الهمداني قدَّس سرَّه الاكتفاء بالخمس الأوّل: قائلاً بأنّ حمله على إرادته من حيث الاختلاط مع وروده في المال المجتمع بالكسب في الأزمنة السابقة الذي يتعلّق به خمس الاكتساب أيضاً لا يخلو من بعد، خصوصاً مع ما فيه من التعليل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العبارة الحاكية لقضاء أمير المؤمنين مختلفة، ففي رواية السكوني: «كسبت مالاً» وفي رواية الحسن بن زياد و مرسلة الصدوق: «أصبتُ مالاً»، وبما أنّ الرواية منقولة بالمعنى فلا اعتبار بلفظ السكوني وأمثاله. أضف إلى ذلك، أنّ أحكام الخمس خصوصاً في أرباح المكاسب قد بيّنه الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ في الظروف المتأخرة عن زمن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمصلحة فيه فلا يكون السكوت دليلاً على عدمه.

ثمّ الظاهر من الماتن تقديم خمس الاختلاط على خمس السبب الآخر، فلو عمل كذلك فأخرج خمس الجميع، يبقى أربعة أخماس، فإن علم مقدار ما تعلّق به الخمس فهو، وإلاّ فهل الواجب هو إخراج خُمْس الباقي (أربعة أخماس) أو يقتصر بخمس المتيقن بكونه حلالاً، لاحتمال أنّ بعض ما بقي من مال الغير، فيكون تعلّق الخمس بغير المتيقن بكونه حلالاً، مجرى للبراءة؟

إذا وقفت على ذلك فاعلم أنّه لا وجه لتقديم تخميس الاختلاط على الخمس، وهو أشبه بتعلّق الضريبة على الضريبة، فلو قدّمنا تخميس الاختلاط فلازمه دفع الخمس من الخمس الثاني الذي هو ملك للإمام ـ عليه السَّلام ـ والسادة.


1 . مصباح الفقيه:14/163.


(239)

وإن شئت قلت: إنّ الهدف من تخميس الاختلاط هو إفراز المال المجهول من ناحية المالك والمقدار، والمفروض أنّ خمس الأرباح ليس مجهولاً من حيث المالك، فلا وجه لتعلّقه به.

وربّما يعلل تقديم تخميس الجهة الأُخرى على التخميس من جهة الاختلاط بأنّ الروايات ناظرة إلى المال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فموضوعه المال المؤلف من هذين الصنفين.

فبعض له حلال وبعضه حرام لا يعرف صاحبه، وأمّا المشتمل على صنف ثالث بحيث لا يكون له ولا يكون من المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه، فهو غير مشمول لتلك الأدلّة، ومقامنا من هذا القبيل فهو يعلم أنّ مقداراً من هذا المال المختلط، أعني: الخمس، من حصّته لا له ولا من المال الحرام، بل هو ملك للسادة والإمام ـ عليه السَّلام ـ وعليه لابدّ من إخراجه ليتمحض المال في كونه حلالاً مخلوطاً بالحرام ثمّ يخمس بعدئذ للتحليل وبعنوان الاختلاط.

وعلى ذلك، يكفي تقديم خمس الجهة الثانية، وهو لا يتعلّق ظاهراً إلاّ بالمقدار المتيقن من الحلال فيدفع خمسه لا مجموع المال بخلاف تخميس الاختلاط فإنّه يتعلّق بالمجموع، وعلى ذلك فلوكان مجموع المال 100 ديناراً وكان المتيقن منه حلالاً هو 50 ديناراً يخمس الثاني ويدفع 10 دنانير فيبقى له 90 ديناراً ثمّ يخمسه بعنوان تطهيره من مال الغير ويدفع 18 ديناراً فيبقى له 72 ديناراً.

وأمّا إذا قدّمنا تخميس الاختلاط، فبما أنّه يتعلّق بالمجموع يجب عليه أن يدفع 20 ديناراً من تلك الجهة، ثمّ لو قلنا بتعلّق الخمس بمقدار الحلال وهو الخمسون فيخرج عشرة دنانير فيبقى له 70 ديناراً.

نعم لو قلنا بتعلّق الخمس بالباقي ـ لا بالمقدار المتيقن كونه حلالاً ـ أعني الثمانين فيخرج ستة عشر ديناراً فيبقى له 64 ديناراً.


(240)

المسألة 37: لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ فهو كمعلوم المالك على الأقوى، فلا يجزيه إخراج الخمس حينئذ.(*)

المسألة 38: إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف لم يسقط و إن صار الحرام في ذمّته فلا يجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى و حينئذ فإن عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، و إن لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقّن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع

ــــــــــــــــــــــ

(*) قد تقدّم عند قوله: الخامس: المال المختلط بالحرام أنّه لو علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح ونحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ، أووجوب إعطاء الأكثر وجهان الأحوط الثاني، والأقوى الأوّل إذا كان المال بيده.

إذا عرفت ذلك فهل يلحق المقام بما ذكره هناك من الصلح أو الاكتفاء بالأقلّ أو لزوم الأكثر؟ والإلحاق مبني على انصراف أدلّة تخميس الحلال المختلط بالحرام عن مثله فإنّ الأخماس والزكوات والأوقاف إن لم يكن لها مالك شخصي لكن لها مالك كلي وهو الجهات والعناوين الكلية الواردة في لسان الأدلّة.

وعلى ذلك يجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي لولايته على هذه الأموال والأُمور، وهل يجوز الاكتفاء بالمتيقن من هذه الأُمور، أو يجب تحصيل البراءة ويدفعالأكثر المحتمل، أو الفرق بين ما علم و عرض النسيان له و بين الجهل بالمقدار من أوّل الأمر؟ الأقوى الثالث، ثمّ الأوّل، و ربّما يكون أزيد من الخمس أو أقلّ.


(241)

به يقين الشغل وجهان الأحوط الأوّل، والأقوى الثاني.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا شكّ أنّه لو تصرّف الإنسان في الحرام المشخص الخارجي، المجهول المالك يجب الخروج عنه بدفعه صدقة. إنّما الكلام فيما إذا كان مخلوطاً بالحلال هل هو كذلك، أو لا.

قال الشيخ: لو تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس بذمته ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة.(1)

أقول: المسألة مبنية على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط كتعلّقه بسائر الموارد الأُخرى فكما أنّ لأصحاب الخمس سهماً فيما يخرج من المعادن وغيرها فهكذا لهم سهم في الحلال المختلط أو أنّ تعلّقه به بنحو آخر، وهو أنّه إذا ندم الإنسان وأراد تخليص ذمّته فعندئذ رضي الشارع بدفع الخمس منه فكأنّه نوع مصالحة بين ولي المالك المجهول وصاحب المال المختلط.

فعلى الوجه الأوّل: يجب الخمس سواء كان موجوداً أو صار تالفاً، كسائر الموارد التي يتعلّق بها الخمس: فلو أتلف ما أخرج من المعدن أو أتلف ما ملكه من طريق العثور على الكنز، يتعلّق الخمس بذمّته.

وعلى الثاني: يتعيّن التصدّق، لانتفاء الموضوع بالإتلاف فانّ الاختلاط من صفات الأعيان الخارجية ومع إتلاف المال كلّه لا موضوع له، فالذمة تشتغل بنفس الحرام الواقعي لا الخمس.

وبما أنّ المختار عندنا،هو القول الثاني كما مرّ الكلام في المسألة الحادية والثلاثين، يتعيّن القول بجريان المظالم على الأقوى وذلك لظهور الأدلّة في وجوب الخمس من المال الخارجي عند التطهير، وذلك كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «فانّ اللّه قد رضي


1 . كتاب الخمس: 268، قسم المسائل، المسألة 19.


(242)

المسألة 39: إذا تصرّف في المختلط قبل إخراج خمسه ضمنه كما إذا باعه مثلاً. فيجوز لوليّ الخمس الرجوع عليه، كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه، ويجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة، و أمّا إذا باعه بأقلّ من قيمته فامضاؤه خلاف المصلحة، نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

من ذلك المال بالخمس» ، فهو إشارة إلى المال الخارجي، وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ائتني بخُمسه» وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وسائر المال لك حلال» فالكلّ ظاهر في المال الخارجي فتظهر الثمرة في مصرفه، وذلك لأنّه على القول بعدم شمول روايات الباب لما أتلفه قبل التخميس، يتعين صرف ما تحصل به البراءة في مصرف الصدقة، بخلاف ما لو قلنا بالوجه الآخر، فهل يجب إخراج القدر المتيقن من الحرام وصرفه في مصرف الصدقة أو يجب دفع الأكثر لتحصيل اليقين بالبراءة أو تنصيف المقدار المتيقن والمقدار المحتمل وأخذ النصف من كلّ منهما؟ وجوه أقواها، الأوّل، أحوطها الثاني ثمّ الثالث.

وعلى القول بوجوب الخمس، فلو علم قدر المال المختلط التالف اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، وإن لم يعرفه، ففي وجوب دفع ما يتيقن معه البراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل، أو التفصيل بين ما علم و طرأ عليه النسيان فالأوّل وبين غيره فالثاني أقواها، الأخير.

(*) ما ذكره من الوجوه مبني على أنّ تعلّق الخمس بالمال المختلط كتعلّقه بسائر الموارد من المعادن والكنوز وأرباح المكاسب، وأنّ أصحاب الخمس يملكون فعلاً شيئاً من ذاك المال، إمّا بنحو الإشاعة أو الكلي في المعين أو بنحو كون المال موضوعاً لحقّ فعليّ لهم، إلى غير ذلك من الوجوه التي تشترك جميعاً في أنّ أصحابه


(243)

يملكون فعلاً شيئاً من ذلك المال.

وأمّا على المختار من أنّ الخمس وسيلة لتشخيص الحرام من الحلال، إذا كان المالك بصدد التطهير منه، وأمّا إذا لم يكن بهذا الصدد، فلا صلة لولي الخمس بهذا المال، يكون الحرام المختلط بالحلال باقياً على ملك مالكه الحقيقي، ويكون أمره بيد الحاكم الشرعي حسب ولايته على المال المجهول.

ولنطرح المسألة على كلا المبنيين.

أمّا على المبنى الأوّل يكون تصرّف البائع في مقدار الخمس فضوليّاً فإن اختار وليّ الخمس الردَّ، يرجع في استرجاع الخمس إلى كلّ من البائع والمشتري لجريان يدهما عليه، وإن اختار الإمضاء يرجع إلى من شاء منهما أيضاً، لأنّه باع بقيمته الواقعية أو أزيد فيأخذ الخمس من الثمن، نعم لو باع بأقلّ من قيمته الواقعية فليس له الإمضاء إلاّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وبذلك يعلم أنّ قوله : «ضمنه» إنّما يناسب إذا كان التصرّف في المال المختلط متلفاً للعين، وأمّا إذا كان ناقلاً لها بالبيع، فالخمس باق على ملك أصحابه، والبيع بالنسبة إليه فضوليّ، ولا تخلو الحال عن صورتين: إمّا أن يمضي فينتقل الخمس إلى الثمن المختلط، وإمّا أن يرد فيكون الثمن مشتركاً بين البائع والمشتري، فللأوّل أربعة أخماس منه لأنّه لا يملك أزيد منها، وللمشتري خمس واحد لأنّه استرجع منه خمس المبيع بالرد، وبهذه النسبة يكون المبيع مشتركاً بين المشتري وأصحاب الخمس، فللأوّل، أربعة أخماس، وللثاني، خمس واحد

ثمّ إنّه ربّما يستظهر من أدلّة التحليل كونه عامّاً لكلّ من لم يُخمِّس سواء كان معتقداً به أم لا، وأنّ الغاية من التحليل، هي صحّة المعاملات الواردة على المناكح والمساكن والمتاجر، لا سقوط الخمس وتحليله واقعاً، فلو صححنا ذلك الاستظهار تصحّ المعاملة مطلقاً، غير أنّه إذا لم يكن للعين بدل ينتقل الخمس إلى


(244)

السادس: الأرض الّتي اشتراها الذمّيّ من المسلم

سواء كانت أرض مزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها فيجب فيها الخمس، ومصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصحّ، و في وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات إشكال، فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة، و إن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوّة. وإنّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذمة البائع كما إذا وهبه وإلى الثمن كما إذا باعه، هذا كلّه على المبنى الأوّل.

وأمّا على المبنى الثاني، الذي هو المختار، فأمره موكول إلى الحاكم الشرعي فإن أمضاه ينتقل حقّ المالك المجهول إلى الثمن، ويخرج الموضوع عن تحت الباب (تطهير المال المختلط بالحرام بالخمس) لأنّها واردة في نفس العين المختلط لا في ثمنها، وينحصر التخلّص بالتصدّي من باب «ردّ المظالم» بأحد وجوه:

1. التصدّق بما يحصل معه البراءة اليقينية.

2. التصدّق بما يرتفع معه اليقين بالاشتغال وإن لم تحصل البراءة اليقينية.

3. تنصيف المردّد بين كونه لنفسه أو للغير.

4. التفصيل بين ما سبق العلم بالمقدار ثمّ طرأ النسيان وغيره، فيكلّف في الأوّل بتحصيل اليقين بالبراءة، دون الثاني فيكتفي فيه بما فيه دفع الشغل اليقيني.

وإلاّ يكون البيع فضولياً في غير ما يملك.


(245)

والأشجار والنخيل إذا كانت فيه، و يتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها، و مع عدم دفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه و بين إجارته، و ليس له قلع الغرس و البناء، بل عليه إبقاؤهما بالأُجرة، و إن أراد الذمّي دفع القيمة و كانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوَّم مشغولة بها مع الأُجرة فيؤخذ منه خمسها، ولا نصاب في هذا القسم من الخمس، ولا يعتبر فيه نيّة القربة حين الأخذ حتّى من الحاكم، بل ولا حين الدفع إلى السادة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) التصديق الفقهي لما ورد في هذه المسألة يتوقف على الوقوف على آراء فقهاء السنّة فيها في زمن صدور روايات المسألة، إذ كما أنّ للآيات شأن نزول، فهكذا لأكثر روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ سبب صدور، يكون كالقرينة المتصلة لفهم المراد من الرواية، وإليك تفاصيل آرائهم في المسألة:

1. آراء الفريقين في المسألة

قال أبو عبيد في كتاب الأموال:

1. أخبرني محمد (المراد محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة) عن أبي حنيفة قال: إذا اشترى الذمي أرض عُشر تحوّلت أرض خراج.

2. وقال أبو يوسف: يضاعف عليه العُشْر. وحكي عن جماعة من الناس أنّهم كانوا يأخذون من الذمي بأرض البصرة العُشْر مضاعفاً.

3. كان سفيان بن سعيد يقول: عليه العُشر على حاله. وكان محمّد بن الحسن يقول: مثل قول سفيان.

4. وقال مالك: لا شيء عليه فيها لأنّ الصدقة إنّما هي على المسلمين زكاة لأموالهم وطهرةٌ لهم، ولا صدقة على المشركين في أراضيهم ولا مواشيهم إنّما الجزية


(246)

على رؤوسهم.

5. وروى بعضهم عن مالك، أنّه لا عُشْرَ عَليه، ولكنّه يُؤمَر ببيعها لأنّ في ذلك إبطالاً للصدقة.

6. قال الحسن بن صالح: أنّه لا عُشْر عليه ولا خَراج إذا اشتراها الذمي من مسلم وهي أرض عُشْر وقال: هذا بمنزلته لو اشترى ماشية، أفلست ترى أنّ الصدقة قد سقطت عنه فيها. وقد حُكي عن شريك بن عبد اللّه شيء شبيه بهذا.(1)

وعلى ما نقله أبو عبيد عن مالك، فقد ذهب هوإلى سقوط العشر لا مضاعفته على المشتري، نعم نقل أصحابنا عنه القول بالمضاعفة، وعلى كلّ تقدير فالمراد من المضاعفة تبديل العُشْر إلى العُشْـرَين (الخمس) من عوائد الأرض وفوائدها ومصرفه مصرف الزكاة، لا وجوب الخمس (العُشرين) من نفس الأرض المشتراة.

وأمّا الأصحاب: فقال المفيد في المقنعة: الذمّي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس.(2) وبهذه العبارة عبّر الشيخ في النهاية.(3) وقال في المبسوط: إذا اشترى ذمّي من مسلم أرضاً كان عليه فيها الخمس.(4)

وهذه العبائر، ظاهرة بتعلّق الخمس بالرقبة لا بالعوائد.

نعم الظاهر من عبارة الشيخ في الخلاف تعلّقه بالعوائد. قال في كتاب الزكاة: إذا اشترى الذميّ أرضاً عُشرية وجب عليه فيها الخمس.


1 . الأموال: 101ـ102.
2 . المقنعة: 46.
3 . النهاية: 197.
4 . المبسوط: 1/237.


(247)

وبه قال أبو يوسف فإنّه قال: عليه فيها عُشران. وقال محمّد: عليه عشر واحد. وقال أبو حنيفة: تنقلب خراجية. وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنّهم لا يختلفون في هذه المسألة، وهي مسطورة لهم منصوص عليها، وروى ذلك أبو عبيدة الحذّاء، قال سمعت أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «أيّما ذمي اشترى من مسلم أرضاً فانّ عليه الخمس»(1).(2)

وذلك لأنّه عدّ أبا يوسف موافقاً لمختاره، حيث قال: «وبه قال أبو يوسف» فمقتضاه هو تعلّق الخمس بالعوائد، وأمّا إذا كان ملاك الموافقة هو القول بالخمس الأعم من أن يتعلّق بالعين أو بالفائدة كان مقتضاه تعلّقه بالعين، وعندئذ يتّحد مع ما أفاده في النهاية والمبسوط.

وأمّا بعض المتأخرين: فقد أفتى بمضمون الرواية.

قال المحقّق: السادس: إذااشترى الذمي أرضاً من مسلم وجب فيها الخمس.(3)

قال العلاّمة في التذكرة بعد نقل القول بالمضاعفة عن أهل البصرة وأبي يوسف والحسن وعبيد بن الحسن العنبري : وعند علمائنا قريب منه فإنّهم أوجبوا على الذمي الخمس إذا اشترى أرضاً من مسلم سواء وجب فيها الخمس كالمفتوحة عنوة أو لا، كأرض من أسلم أهلها طوعاً وأرض الصلح. وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله. وقال أبوحنيفة: تصير أرض الخراج. وإنّما أوجب أصحابنا الخمس لإجماعهم وهو قول الباقر ـ عليه السَّلام ـ .(4)


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . الخلاف: 2/73، كتاب الزكاة، المسألة 85.
3 . الشرائع: 1/180.
4 . التذكرة: 2/22.


(248)

وعلى أي حال فالرواية خالية عن لفظة «فيها» وعبارات الأصحاب المعبّر فيها بلفظ الحديث مشتملة عليها وهي أظهر في تعلّقه بالرقبة، وعلى أيّ تقدير ففي الرواية عدّة احتمالات:

1. إنّ المراد من الخمس، العُشران من العوائد، فيحمل على التقية لموافقته فتوى أهل الخلاف.

يلاحظ عليه: أنّ مجرد الموافقة لا يسوِّغ الحمل على التقية، بل المسوّغ هو تعارض الروايتين، لا ما إذا لم يكن هناك أيّ تعارض واختلاف كما في المقام.

2. هذا المعنى لكن لبيان الحكم الواقعي وأنّ حكمه هو دفع العُشرين من العوائد.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد هذا لما كان وجه للعدول من العُشْرين إلى الخمس، ومصرف الأوّل هو مصرف الزكاة دون مصرف الخمس، فلو كان المراد هو دفع العُشرين من باب الزكاة كان عليه التعبير بما يدلّ عليها عرفاً.

3. حملها على ما فهمه الأصحاب من تعلّقه بنفس الرقبة، ولعلّ وجه التعلّق هو تقليل رغبة الذمي إلى شراء أراضي المسلمين لانتهائه إلى ضعفهم وتسلّط الكفّار عليهم فهذه فلسطين المحتلّة فقد تسلّط عليها اليهود من خلال شراء أراضي المسلمين منهم أوّلاً، ودعوة اليهود من أقطار العالم ثانياً، ثمّ الثورة على المسلمين ثالثاً.

وأمّا السند، فقد رواه الشيخ بإسناده إلى سعد بن عبد اللّه القمي الثقة، وسنده إليه صحيح في المشيخة و الفهرست، وأمّا باقي السند فالكل ثقات، فرواه سعد ،عن أحمد بن محمّد المردّد بين الثقتين، لكن المراد منه هو ابن عيسى، لأنّ الشيخ رواها في التهذيب عن أبي جعفر الّذي هو كنية ابن عيسى، عن الحسن بن محبوب الثقة، عن أبي أيّوب الخزاز الثقة وهو إبراهيم بن غياث أو إبراهيم بن


(249)

عيسى، وكفى في صحّتها اعتماد الأصحاب على الرواية من عصر المفيد إلى الأزمنة المتأخرة، فتبين أنّ الظاهر هو ما فهمه المشهور من الرواية وهو تعلّق الخمس بالرقبة.

2. هل الحكم مختص بأرض مزروعة أو لا؟

هل الحكم مختص بأرض مزروعة أو يعمّ أرض مسكن أو أرض دكان وخان أو غيرها؟ وجهان، من إطلاق الرواية، و من أنّ موضع البحث في زمان صدور الرواية بين الفقهاء هوالأرض الزراعية فيكون قرينة متصلة على أنّ المراد منها هو أرض مزروعة.

نعم لا شكّ في اختصاص الرواية بما إذا كانت الأرض هي المقصودة من الشراء لا البناء ولا هي معه، فلو اشترى حماماً أو دكاناً وكان البناء رميماً شملته الرواية دون ما إذا كان عامراً.

والحاصل: أنّ الظاهر من الرواية كون الأرض هي المقصودة من الشراء وكان الباقي تبعاً لها، فلو كان كل من الأرض والبناء مقصوداً كان خارجاً عن مدلولها، وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي حيث اكتفى بكون الأرض مقصودة في عرض البناء وقال: إنّ الدار والبستان اسم لمجموع الأرض والبناء، وكذا الخان والدكان، كما أنّ البستان اسم لمجموع الأرض والأشجار فكلّ منهما مقصود بالذات وملحوظ بحياله في مقام الشراء من غير تبعية، وإنّما يصحّ ادعاء التبعية في الأسلاك والمصابيح.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المدّعى انصراف الرواية إلى ما كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه، وليس القائل بالانصراف مدّعياً بأنّ الأرض في مثل الخان المعمور والدار


1 . مستند العروة: 177، كتاب الخمس.


(250)

المعمورة مقصود بالتبع حتى يقال: إنّها مقصودة في عرض البناء. بل يعترف بكونها مقصودة بالذات، لكن ليس تمام المقصود، بل جزءه، والموضوع هو المقصود بالذات وتمام المقصود، لا جزئه.

3. مصرفه مصرف الخمس

إنّ مصرف الخمس في المقام مصرف غيره من الأقسام، لأنّه المتبادر من لفظة الخمس في لسان الصادقين، ولو كان مصرفه، غير مصرف الآخرين، كان عليه التعبير بلفظ آخر.

4. اختصاص الحكم بالشراء أو عمومه

هل يختص الحكم بما إذا اشترى الذمي الأرض أو يعمّ مطلق الانتقال إليه ولو بغير الشراء من سائر المعاوضات؟ والأوّل خيرة السيد الحكيم، وهو مقتضى ظاهر الرواية، ومقتضى احتمال كون الحكمة هو المنع من تسلط الكفّار على أراضي المسلمين هو الثاني، ويكون قرينة على إلغاء الخصوصية من لفظة «الشراء».

ثمّ إنّ الماتن ذكر اشتراط دفع الخمس على الذمي، وهي ناظرة إلى ما إذاانتقل إليه بغير الشراء، لا في صورة الشراء وقال: فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة وإن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لايخلو عن قوة، وعلى ذلك يجب عليه الخمس إمّا لأجل نفس المعاوضة أو للشرط.

ويظهر من السيد الحكيم إرجاع الاشتراط إلى أصل المسألة، أعني: صورة الشراء، لا إلى خصوص المنتقلة إليه بغيره كما هو الظاهر حيث قال: الأحوط


(251)

الاقتصار في أخذ الخمس على صورة الاشتراط، إذ الظاهر أنّه لا إشكال في جواز البيع بدون اشتراط ذلك.(1)

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه تأمّل في صحّة الاشتراط، ولعلّ وجهه، أنّ الاشتراط إمّا أن يكون على نحو شرط النتيجة، أو بنحو شرط الفعل، والأوّل باطل، لأنّ الملكية تحتاج إلى سبب خاص والمفروض عدمه، وليس إلاّ الاشتراط وهو ليس سبباً شرعياً لحصول الملكية; والثاني، لا يفيد في المقام، لإمكان أن يتخلف عن الشرط، ولا يترتّب عليه سوى تسلّط البائع على الفسخ.

وعلى كلّ تقدير يجب الخمس في مطلق الانتقال إلى الذمي والمقام أشبه بمنع بيع العبد المسلم من الكافر، حيث يساعد العرف على إلغاء الخصوصية وأنّ ذكر البيع من باب الفرد الغالب والموضوع انتقاله إليه بأي سبب كان.

5. متعلّق الخمس هو الأرض دون ما عليها

لا يتعلّق الخمس إلاّبرقبة الأرض دون الأشجار والأبنية الموجودة في الأرض الزراعية لظهور النص في كون متعلّقه هو الأرض، والذمي مخيّر بين دفع العين أو قيمة الخمس كسائر الموارد التي يتعلّق بها الخمس، حيث إنّ لصاحبها التبديل إلى القيمة، ولو دفع العين فوليّ الخمس مخيّر بين بيعه من الذمي أو غيره أو إيجاره إذا اقتضت المصلحة لذلك.

التخيير بين البيع والإيجار

ثمّ إنّ متولي الخمس يتخيّر بين بيع خمس الأرض من الذمي أو إيجاره منه. نعم ربّما يقال: بأنّ التخيير بين البيع والإيجار يختصّ بسهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الخمس


1 . مستمسك العروة الوثقى:9/508.


(252)

حيث إنّ كيفية التصرف فيه منوط برضا الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فلو كان الإيجار مقروناً بالصلاح دون البيع أقدم بإيجاره وأمّا النصف الآخر الذي هو ملك للسادة فبما أنّ المالك هو الكلي فالمقدار الثابت من ولاية الحاكم الشرعي ولايته على القبض عنهم والصرف عليهم، وأمّا الولاية على التصرّف فيه بإيجار ونحوه فيحتاج إلى دليل آخر يثبت له هذه الولاية زائداً على ولايته على القبض والصرف، وليس لنا ذلك، إذاً فتصدّيه للإيجار مشكل، نعم يجوز له أخذ أُجرة المثل للمدّة المنصرمة قبل أداء الخمس إذ لا تذهب تلك المنافع هدراً على أربابها وهم السادة سواء استوفاها الذمي أم لا، لثبوت ضمان اليد على التقديرين.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا قصور في أدلّة ولاية الفقيه في الأُمور التي ليس لها مسؤول بالخصوص، فعنذئذ يقوم بها الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين الأُمور الثلاثة: البيع، والإيجار، وأخذ أُجرة المثل فيعمل بما هو الأصلح.

6. ليس لصاحب الخمس قلع الشجر

تعلّق الخمس بالأرض المبنيّة أو المغروسة فرع شمول الرواية لمثلها، ولو قلنا بانصرافها إلى ما إذا كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه، لا يتعلّق الخمس للأرض المشغولة بالبناء والشجر ويختص بالأراضي الخالية، أو ما كان البناء رميماً غير مقصود أصلاً.

وعلى فرض التعميم فالذمي تارة يدفع الخمس من نفس الأرض وأُخرى من قيمتها.

فعلى الأوّل ليس لصاحب الخمس، قلع الغرس والبناء، بل عليه إبقاؤهما


1 . مستند العروة الوثقى: 180، كتاب الخمس.


(253)

بالأُجرة جمعاً بين الحقّين.

وليس لصاحب الخمس الإبقاء في خمس الأرض مجّاناً كما هو الحال في كلّ أرض نقلت إلى آخر شاغلة بالبناء والغرس فمقتضى الجمع بين الحقّين هو الإبقاء مع الأُجرة.

وإن شئت قلت: إنّ الذمي اشترى الأرض المغروسة أو المشغولة بالبناء ولم يشتر الأرض الخالية، فله حقّ إبقاء الغرس والبناء، ومن جانب آخر، إنّ خمس الأرض لأصحابه فلا يملك الذمّي الإبقاء فيه مجّاناً، فيكون مقتضى الجمع بين الحقّين هو الإبقاء مع الأُجرة.

وعلى الثاني أي إذا أراد دفع القيمة وكانت الأرض مشغولة بأحدهما فلابدّ أن تقوّم الأرض بما هي مشغولة بأحدهما مع الأُجرة ،فيؤخذ منها خمسها، وذلك لأنّ تقويم الأرض خالية عن الأشجار والبناء على خلاف الواقع، لأنّ الذمي اشترى حديقة أو فندقاً لا أرضاً خالية، كما لا تقوّم مشغولة بأحدهما بلا أُجرة، لما عرفت أنّ مقتضى الجمع بين الحقّين هو دفع الأُجرة، فيتعيّن الثالث الذي هو الحدّ الوسط بين التقويم بلا إشغال، والتقويم به مجّاناً.

7. لا نصاب ولا يعتبر فيه القربة

ولا نصاب في هذا القسم من الخمس لإطلاق الدليل، كما لا نصاب في الغنيمة والحلال المختلط بالحرام وأرباح المكاسب.

ولا يعتبر فيه القربة لا من الدافع لعدم تمشّيه منه مع الكفر، ولا من الحاكم حين الأخذ منه أو حين الدفع إلى مصارفه لعدم كونه مالكاً ومكلّفاً بدفع الخمس وإن كان الأحوط نيّته القربة حين الدفع.


(254)

المسألة 40: لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و بيعت تبعاً للآثار ثبت فيها الحكم، لأنّـها للمسلمين فإذا اشتراها الذمّي وجب عليه الخمس، وإن قلنا بعدم دخول الأرض في المبيع، وإنّ المبيع هو الآثار، و يثبت في الأرض حقّ الاختصاص للمشتري، وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه فواضح، كما أنّه كذلك إذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها، فإنّهم مالكون لرقبتها، ويجوز لهم بيعها.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا شكّ أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين إلى يوم القيامة لا يباع ولا يورث إلى يوم القيامة كما نصّ به الإمام ـ عليه السَّلام ـ في أراضي العراق.

عن محمد الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد».(1)

ولكن ربّما يصحح بيع الأرض بوجوه ذكر الماتن منها ثلاثة وإن كان المتصور أربعة:

1. إذا بيعت الأرض تبعاً لبيع الآثار، وقد أشار إليه في المتن بقوله: وبيعت تبعاً للآثار.

2. إذا بيعت الآثار كالأشجار والأبنية قائمة على حالها، وعندئذ يثبت للمشتري حقّ الإبقاء ونحو اختصاص، وهذه هي الصورة الثانية في كلامه، وأشار إليه بقوله: وإن قلنا بعدم دخول الأرض في البيع وأنّ المبيع هو الآثار....

3. إذا اقتضت المصلحة بيع الأراضي المفتوحة عن طريق الحاكم الشرعي، ولعلّه إلى هذا القسم والقسم الآتي يشير الماتن، بقوله: وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.


(255)

فواضح.

4. إذا باع أهل الخمس من الذمي سهامهم، على القول بأنّه يتعلّق بالمنقول وغيره من المغنم، وقد حكم المصنف في جميع الصور بلزوم الخمس، والموافقة معه مشكلة.

أمّا الأوّل: فقد أثبت الماتن فيه الخمس، ولعلّه لكفاية صدق الشراء عناية ومسامحة. ولكنّه ممنوع صغرى وكبرى، أمّا الصغرى: فلعدم جواز بيعها على وجه الاستقلال أو تبعاً للآثار لأنّها ملك للمسلمين إلى يوم القيامة، وأمّا الكبرى: فلأنّه لو فرضت صحّة بيعها تبعاً فلا يشمله دليل الخمس، لما عرفت من انصراف الرواية إلى ما إذا كانت الأرض مشتراة حقيقة لا مسامحة كما هو المفروض، سلّمنا لكن يجب الخمس فيما إذا كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه كما في المقام.

أمّا الثاني: فلأنّه خارج عن مدلول الرواية، لأنّ الأرض فيه غير مشتراة، وإنّما ثبت له حقّ اختصاص مادامت الآثار باقية.

وأمّا الثالث: فلو صحّ بيعها عند اقتضاء المصلحة يتعلّق بها الخمس إذا بيعت من الذمي، فالحاكم الشرعي وإن لم يكن مالكاً لها لكنّه مالك لأمر بيعها للولاية.

وأمّا الرابع: فهي ممنوعة كبرى، لعدم تعلّق الخمس في الغنائم الحربية إلاّ على المنقول دون الأراضي، وقد أوضحنا حالها في صدر الكتاب.

إذا خربت الأرض المفتوحة عنوة

فهنا صورتان:

1. إذا عادت الأراضي المفتوحة عنوة إلى الخراب فأحياها أحد من المسلمين، فإن قلنا بأنّـها بخرابها تخرج عن ملك المسلمين وتدخل في ملك


(256)

المسألة 41: لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه أو انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر، كما لو باعها منه بعد الشراء أو مات وانتقلت إلى وارثه المسلم، أو ردّها إلى البائع بإقالة أو غيرها، فلا يسقط الخمس بذلك ، بل الظاهر ثبوته أيضاً لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

المحيي لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».(1) وأنّه يشمل حتى الأرض المفتوحة عنوة، يتعلّق بها الخمس إذا بيعت من الذمي لصدق شراء الأرض من المسلم.

2. وإن قلنا بعدم الخروج، غاية ما في الباب أنّه يتعلّق به حقّ الاختصاص، فالمحيي يملك الآثار لا الرقبة، فلا يتعلّق بها الخمس إذا باع الآثار من الذمي لعدم صدق شراء الأرض ويمكن أن يكون قول المصنف:«وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه» ناظراً إلى صورة الإحياء بعد صيرورتها خربة.

(*) ظاهره ثبوت الخمس في جميع الصور الأربع، ووجهه أنّ تملك الذمي الأرض بالاشتراء كاف في تعلّق الخمس وزواله لا يوجب ارتفاعه.

وبعبارة أُخرى: أنّ الخمس يثبت في الأرض المشتراة بمجرّد الشراء سواء بقيت على ملكه أو خرجت منه بنحو من الأنحاء الأربعة:

أ. باعها الذمي من مسلم آخر.

ب. مات الذمي وانتقلت إلى وارثه المسلم.

ج. استقالة الذمي بإقالة البائع المسلم فردّ الأرض وأخذ الثمن.

د. فسخ البائع المسلم، العقد فأخذ المبيع وردّ الثمن.


1 . الوسائل: ج17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 5و6.


(257)

وفي جميع هذه الصور يثبت الخمس في الأرض المشتراة، ولا يكون الانتقال سبباً لعدم وجوبه على الذمي.

وهذا الحكم على إطلاقه ـ لو صحّ ـ لا صلة له بمسألة تحليل الخمس للشيعة في موارد خاصّة كما سيأتي البحث عنه في فصل «قسمة الخمس : المسألة التاسعة عشرة».(1)

نعم هنا بحث آخر، وهو أنّه إذا باع الذمي الأرض من مسلم، أو انتقل منه إلى المسلم قبل أن يدفع الخمس، فهل يتعلّق الخمس بالرقبة أو على ذمّة الذمّي؟ فربّما يفصَّل بين كون المنتقل إليه شيعياً، أُبيح له التصرّف في المال غير المخمّس وبين كونه غير شيعي، ففي الأوّل يتعلّق بالثمن الذي أُخذ إذا كان موجوداً أو بذمّته إذا كان تالفاً، بخلاف الثاني فإنّ البيع يكون بالنسبة إلى مقدار الخمس فضولية غير نافذة، فللحاكم الرجوع إليه أو إلى المشتري في مقدار الخمس.

نعم لو كان الانتقال إلى المسلم الشيعي بنحو الوراثة، فلا موضوع للخمس لعدم البيع حتّى يتعلّق بالثمن ولا حياة للذمّي حتى يتعلّق بذمّته.

كلّ ذلك يرجع إلى إيضاح المتن، لكن في ثبوت الخمس في الصورتين الأخيرتين تأمل واضح، لانصراف النصوص إلى بقاء العقد بحاله، وما ذكرنا من الانصراف غير ما يدّعيه صاحب الجواهر من انصرافه إلى العقد اللازم دون الجائز، فإنّ ما ذكره من الانصراف ممنوع، لعدم كون العقد الجائز فرداً نادراً استعمالاً ووجوداً حتى يصحّ الانصراف.

فتكون النسبة بين القولين عموماً وخصوصاً من وجه، فيثبت في الأوّلين على


1 . وهي: إذا انتقل إلى شخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد بوجوبه كالكافر لم يجب عليه إخراجه فإنّهم ـ عليهم السَّلام ـ أباحوا لشيعتهم ذلك سواء كان من ربح تجارة أو غيرها وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها.


(258)

المسألة 42: إذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس لم يصحّ، وكذا لو اشترط كون الخمس على البايع، نعم لو شرط على البائع المسلم أن يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

كلا القولين، ولا يثبت إذا استقال المشتري عندنا لعدم البقاء، ويثبت عنده، وينعكس إذا كان جائزاً ولم يفسخ حتى قضى الأجل فيثبت عندنا لبقاء العقد، ولا يثبت عنده.

بل ثبوت الخمس فيما إذا انتقل إلى المسلم الشيعي بأحد الأنحاء الخمسة، محلّ تأمّل فإنّ التحليل للشيعة يتصوّر على وجهين:

1. جواز تصرفه في الرقبة و انتقال الخمس إلى ذمة الذمي.

2. إبراؤه من تعلّق الخمس بماله لمصلحة من المصالح وعلى هذا لا موضوع له بعد الإبراء.

(*) إنّ اشتراط عدم تعلّق الخمس بالأرض أو تعلّقه بالبائع شرط على خلاف السنة الصحيحة، وأمّا اشتراط دفع مقدار الخمس على البائع بمعنى قضاء دينه الشرعي فهو من قبيل شرط الفعل فيجوز كسائر الشرائط، فلو دفع يسقط عن ذمّة الذمي وإلاّ يبقى في ذمته غاية الأمر للذمّي خيار تخلّف الشرط.

فإن لم يفسخ يستقرّ على ذمّته لا على ذمّة المشروط عليه، إذ لم يكن في ذمّته سوى الفعل أي الأداء، لا كونه مديوناً لأصحاب الخمس، وبالجملة كان الشرط، هو شرط الفعل لا النتيجة، ومع ذلك يظهر من تعليقة السيد الحكيم على العروة عدم سقوط الخمس بالدفع أيضاً، ولعلّه إمّا بقياسه بتولّي الغير له تبرعاً، مع وجود الفرق بين تولي المتبرّع وتولي البائع فإنّ السقوط في الأوّل خلاف مقصود الشارع من تقسيم الثروة بخلاف الثاني إذ المشتري عند اشتراط الخمس على البائع يشتريه


(259)

المسألة 43: إذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانياً وجب عليه خمسان: خمس الأصل للشراء أوّلاً، و خمس أربعة أخماس للشراء ثانياً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

بثمن غال، وإمّا لعدم كونه قابلاً للنيابة، لكونه من الأُمور العبادية المشروطة بالنيّة وقصد القربة، وهو لا يتمشى إلاّ عمّن وجب عليه الخمس ابتداء، لا عمّن يؤدي عنه المال نيابةً.

ولكنّه غير تام أيضاً، إذ ليس أداء الخمس من الأُمور التي يشترط فيها المباشرة، بل يكفي كون الأداء مستنداً إليه، كما في المقام، حيث إنّ أداء البائع مستند إلى اشتراطه لا إلى تلقاء نفسه.

(*) أمّا تعدّد الخمس فلتعدّد السبب، أعني: شراء الأرض من مسلم، إنّما الكلام في متعلّق الخمس، فلا شكّ في أنّ متعلّقه في الشراء الأوّل هو تمام الأرض، وإنّما الكلام في الشراء الثاني، فقد أفتى الماتن بتعلّقه فيه بأربعة أخماس نظراً إلى أنّ الذمي لم يكن مالكاً إلاّ لأربعة أخماس، والعقد على الزائد عليها كان فضولياً غير نافذ إلاّ بإجازة الحاكم الشرعي، والمفروض عدم تنفيذه، والمفروض اشتراؤه ثانياً ما باعه قبلاً وهو بعد لم يبع إلاّ أربعة أخماس.

نعم هنا نكتة تفطّن بها بعض المحقّقين، وهو أنّ ما ذكر في المتن، إنّما يصحّ إذا كان المشتري مسلماً غير شيعي وأمّا إذا كان مسلماً شيعيّاً فيصحّ البيع الثاني في تمام الأخماس لإحلالهم حقوقهم لشيعتهم غاية الأمر أنّ الخمس ينتقل إلى الثمن إذا كان هناك معاوضة أو إلى الذمة إذا كانت هبة مجردة.

وعلى ذلك يكون المبيع في بيع الذمي من المسلم أوّلاً هو العين كلّها كما يكون المبيع في بيع المسلم من الذمي ثانياً هو العين كلّها فيتعلّق الخمس بتمامها، لا بأربعة أخماس كما لا يخفى.


(260)

المسألة 44: إذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس. نعم لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض(كالهبة) فأسلم بعد العقد و قبل القبض سقط عنه لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

(*) حاصل الكلام ، إنّ هنا فرعين:

الأوّل: إذا أسلم الذمي بعد الشراء فلا يسقط الخمس، لشمول الدليل له عند ما كان ذمياً، فلا وجه لسقوطه بالإسلام، إلاّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الإسلام يجبُّ ما قبله»(1) وهو غير مروي عن طرقنا، وعلى فرض ثبوته فهو ناظر إلى التكليفية من الأحكام من العصيان والخلاف وعبادة غير اللّه تعالى وارتكاب المعاصي، وأمّا الحقوق والغرامات والديون والضمانات فهي باقية على ذمّته.

فإن قلت: ما الفرق بين الزكوات والأخماس التي تسقط عن ذمّته بإسلام الكافر؟

قلت: وجود الفرق بين الواجبين ، فالأوّل يطلب منه بنحو العموم كالصلاة والزكاة، والخمس في غير هذا المورد فلا يطلب منه ظاهراً، إمّا لعدم وجوبه عليه كما عليه بعض الفقهاء، أو كون السقوط مقتضى كونه ذمّياً، فيسقط عنه كلّ شيء إلاّ الجزية، أو لأجل الإجماع على السقوط وإن لم يعلم وجهه، وأمّا المطلوب منه بالخصوص بقيد أنّه ذمّي فلا يسقط كما في المقام، وهذا نظير الجزية التي تطلب منه بقيد كونه كافراً.

الثاني: لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيها على القبض كما في الهبة، فوهبها المسلم للذمي وأسلم قبل القبض، فهل يجب عليه الخمس أم لا الظاهر،


1 . كنز العمال:1/66، رقم الحديث 243.


(261)

لا؟ لأنّ الشراء في النص ـ على القول بإلغاء الخصوصية منه ـ كناية عن حصول الملكية للذمي وهو كافر، والمفروض أنّها غير حاصلة له إلاّ بعد القبض وهو في هذا الحال مسلم، اللّهمّ إلاّ أن يكتفى بإنشاء التمليك وإن لم يحصل المنشأ حقيقة إلاّ بعد القبض، وربّما يقال بابتناء المسألة على كون القبض ناقلاً أو كاشفاً، والظاهر أنّ القبض في الهبة، كالقبض في السلف، والتقابض في النقدين جزء السبب فهو لا ناقل ولا كاشف بل وزانه وزان القبول، إذا انضم إلى الإيجاب.

نعم المسألة مبنية على إلغاء الخصوصية من لفظة الشراء، وهو غير بعيد كما مرّفلاحظ.(1)

ولو اشترى له من المسلم فأجاز بعد الإسلام، فهل يبتني وجوب الخمس على كون الإجازة كاشفة فيجب الخمس أو ناقلة فلا يجب؟ الظاهر التفصيل بين كون الإجازة كاشفة بالمعنى المشهور، وكونها كاشفة على المختار، فلو فُسِّر الكشف بالمعنى المعروف من ثبوت الملكية الحقيقيّة له قبل الإجازة التي كشف عنها الإجازة لم يسقط، لأنّه ملكه حين هو كافر، ولكن الكشف بهذا المعنى، تناقض في التقنين أوّلاً، لأنّ معنى ذلك عدم اعتبار الإذن والرضا وهو خلاف ظاهر الأدلّة، ومستلزم لاعتبارين متضادين ثانياً، فيكون المبيع ملكاً لشخصين، البائع والمشتري في زمان واحد.

وأمّا لو فسر الكشف بأنّ الإجازة تنشئ ملكية جديدة في المبيع فيما مضى بعد زوال ملكية المالك الأوّل فيعتبر كونه المالك فيما مضى، ويكون له النماء، فيسقط الخمس عنه، لأنّ لازمه هو مالك للأرض بعد الإسلام، لأنّه حكم بمالكيته فيما سبق بعد ما أسلم، فإنشاء الملكية بالإجازة بعد الإسلام وإن كان أثره المالكية فيما سبق.


1 . مستند العروة: 188، كتاب الخمس.


(262)

المسألة 45: لو تملّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض ففي ثبوت الخمس وجهان، أقواهما الثبوت.(*)

ـــــــــــــــــــــــــ

(*) الفرق بين هذه المسألة وما تقدمها ـ بعد اشتراكهما في أنّ للقبض دوراًفي حصول الملكية على وجه لولاه ، لما كان الإنشاء كافياً في حصولها ـ هوأنّالناقل في المسألة السابقة كان مسلماً والمنقول إليه (الموهوب له) كانذمّياًفأسلم قبل القبض، فوقع الكلام في تعلّق الخمس به وعدمه، باعتبارتخلل الإسلام بين العقد والقبض وقد عرفت عدمه لتعلّق الخمسبالانتقال إلى الذمّي من المسلم والمفروض عدمه إلاّ بالقبضوالمفروضأنّه أسلم قبله فلا يصدق الانتقال من المسلم إلى الذمي.

وأمّا المقام فالناقل والمنقول إليه ذمّيان وقد وهب أحدهما للآخر، الأرض، لكن أسلم الناقل قبل القبض، فيقع الكلام في تعلّق الخمس وعدمه، والظاهر تعلّقه لأنّ الشراء ـ كما مرّ ـ كناية عن الانتقال والمفروض أنّ الأرض انتقلت إليه في حال كون الناقل مسلماً والموهوب له كافراً.

نعم يمكن أن يقال: انصراف النص إلى ما إذا وقع جميع أجزاء العقد المملِّك من العقد والقبض في حال كون الناقل مسلماً والمنقول إليه كافراً، وهو خلاف المفروض، لأنّ القبض وإن وقع في حال كون الناقل مسلماً، لكن العقد وقع في حال كونه ذمّياً.


(263)

المسألة 46: الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البائع على الذمّي أن يبيعها بعد الشراء من مسلم.(*)

المسألة 47: إذا اشترى المسلم من الذمّي أرضاً ثمّ فسخ بإقالة أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه، لكن الأوجه خلافه، حيث إنّ الفسخ ليس معاوضة.(**)

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) وجه عدم السقوط، أنّ الخمس مترتّب على شراء الذمي من مسلم وهو متحقق، واشتراط بيعهما من مسلم، لا يكون سبباً لسقوط ما ثبت.

ثمّ إنّ في صحّة هذا الشرط كلاماً معروفاً(1) وحاصله: أنّ القول بالصحّة يستلزم الدور، لأنّ بيعه من مسلم يتوقف على ملكيته للمبيع، المتوقفة على بيعه، أي العمل بالشرط، فيدور.

يلاحظ عليه: أنّ بيعه منه يتوقف على ملكيته المتزلزلة، وهي غير متوقفة على بيعه من مسلم، بل يتوقف على إنشاء البيع وقبوله، والمفروض حصوله، نعم لزومه يتوقّف على العمل بالشرط فلا دور.(2)

(**) ليس الفسخ معاوضة ولا مملّكاً وإنّما هو حلّ للعقد السابق عليه وإزالة للسبب وجعله كأن لم يكن، والنص منصرف إلى ما إذا كان السبب باقياً بحاله، وإن انتقل منه إلى غيره بإرث أو بعقد، وأمّا ما إذا زيل فلا.

وإن شئت قلت: إنّ الفسخ موجب لعود كلّ مال إلى صاحبه الأوّل، لا من حين الفسخ بل من حين العقد، وتكون النتيجة عدم انتقال الأرض إلى الذمي حتّى يشمله النص.


1 . لاحظ التذكرة:1/490.
2 . لاحظ المختار في أحكام الخيار.


(264)

المسألة 48: من بحكم المسلم بحكم المسلم.(*)

المسألة 49: إذا بيع خمس الأرض الّتي اشتراها الذمّي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الّذي اشتراه و هكذا.(**)

ــــــــــــــــــــــ

(*) يريد أنّ الصغير والمجنون والسفيه والغائب من المسلمين ولقيط دار الإسلام محكومون بالإسلام، فالبيع عنهم بيع من مسلم، وبذلك يعلم أنّ من بحكم الكافر محكوم بالكفر، فيُعدّ البيعُ من صغير الكفّار وسفيههم وغائبهم واللقيط في دار الكفر بيعاً من الكافر فيتعلّق به الخمس أخذاً بإطلاق الدليل.

(**) للمسألة فرضان:

1. إذا أدّى الذمي خمس العين من نفسها ثمّ اشتراه من أصحابه، يجب عليه أداء الخمس، لأنّه موضوع جديد من غير فرق بين القول بتعلّق الخمس بالعين، بنحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن أو كون تعلّقه بالعين من قبيل تعلّق الحقّ بها والعين أخماسها ملك للمشتري.

2. وأمّا إذا لم يؤد من العين وإنّما حاول تملّك الخمس عن طريق قيمة الخمس إلى أصحابه ليكون خمسها له فيختلف الحكم حسب اختلاف المباني، فعلى القولين الأوّلين يكون تملّك الخمس بأداء القيمة موضوعاً جديداً لتعلّق الخمس أيضاً لأنّه به يتملّك الخمس(1)، ولا كذلك ، على القول بأنّ التعلّق على العين من قبيل تعلّق الحقّ لأنّ المفروض أنّ العين بأخماسها خمسه للمشتري وقد


1 . فعلى هذا لا يتملك الرقبة إلاّبدفع الخمس مرة، وخمس الخمس مرة أُخرى وهذا أمر غريب، وبطلان النتيجة دليله على بطلان المبنى وهو تعلّق الضريبة على العين بأحد الوجهين.


(265)

السابع: ما يفضل عن مؤنة سنته و مؤنة عياله

من أرباح التجارات و من سائرالتكسّبات من الصناعات والزراعات والإجارات حتّى الخياطة والكتابة والنجارة والصيد وحيازة المباحات وأُجرة العبادات الاستيجاريّة من الحجّ والصوم والصلاة و الزيارات و تعليم الأطفال وغير ذلك من الأعمال الّتي لها أُجرة، بل الأحوط ثبوته في مطلق الفائدة و إن لم تحصل بالاكتساب كالهبة والهديّة والجائزة و المال الموصى به ونحوها، بل لا يخلو عن قوّة، نعم لا خمس في الميراث، إلاّ في الّذي ملكه من حيث لا يحتسب فلا يترك الاحتياط فيه، كما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات و كان هو الوارث له، و كذا لا يترك في حاصل الوقف الخاصّ، بل و كذا في النذور، و الأحوط استحباباً ثبوته في عوض الخلع

ــــــــــــــــــــــــــ

دفع خمسها بإخراج القيمة، غاية الأمر أنّ العين رهن أو مثل رهن لأصحابه فإذا أدّى تحرّر خمس العين من الرهانة.

ولو قلنا بالشركة لكن في المالية بمعنى أنّ مالية الأرض لا شخصها مشترك بين أصحاب الخمس والذمي، وأنّ السادة لايملكون من الأرض إلاّ خمس ماليّتها لا خمس عينها، فحينئذ يكون دفع القيمة موجباً لتملّك خمس ماليتها لا نفسها وشخصها، ومثله ليس مشمولاً للدليل.


(266)

والمهر و مطلق الميراث حتّى المحتسب منه و نحو ذلك.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) السابع: خمس أرباح المكاسب والفوائد

هذا القسم من أقسام ما يتعلّق به الخمس هو المهم في هذه الأيام، لأنّ بعض هذه الأقسام يتوقف على وجود الحكومة الإسلامية المقتدرة المجرية لأحكام الإسلام والأُمّة الإسلامية تفقدها منذ قرون، ولأجل ذلك صار خمس الغنائم وخمس الأرض المشتراة كأحلام النائم ليس منهما عين ولا أثر ، وأمّا المعادن الكبيرة كالنفط والغاز والنحاس فقد وضعت الحكومات يدها عليها تستخرجها وتبيعها ممّن تشاء، وقد تقدّم عدم تعلّق الخمس بمثلها لأنّها تصرف في المصالح العامة، وأدلّة الخمس منصرفة عنها، ولم يبق إلاّ الصغار التي يستخرجها الشعب برخصة من الحكومة فيتعلّق بها الخمس وليست لها أهمية كثيرة ، وأمّا غير هذه الثلاثة، كالكنز، والغوص، والعنبر، فالأوّل نادر، والأخيران على فرض شيوعهما قليل النفع، فصار العامل المهم في تمويل الحوزات الإسلامية الشيعية هو أرباح المكاسب والعوائد.

ولأجل ذلك وقعت فروعها ومسائلها مورداً للنظر والدّقة، ربّما لا تجد مثلها في غير هذا النوع، والمسائل الرئيسية فيه عبارة عن الأُمور التالية:

1. ما هو الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع؟

2. أدلّة وجوب الخمس في هذا النوع كتاباً وسنة.

3. في سعة متعلّق هذا النوع وضيقه.

4. ما هو المفهوم من أدلّة تحليل الخمس للشيعة؟

فهذه هي المسائل الرئيسية التي بحث عنها المصنف في المقام إلاّ الأخير، ونحن نقتفي أثره فيها من دون أن نعقد لكلّ منها فصلاً.


(267)

الأوّل: الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع

لو تفحصت الكتب الفقهية من أقدم العصور إلى العصر الحاضر، ترى اتّفاق كلمتهم على ثبوت وجوب الخمس في أرباح المكاسب أو مطلق الفوائد، على ما سيأتي . نعم اختلفوا في تحليله في زمان الغيبة، وهو لا ينافي ثبوته بل هو دليل على ثبوته وتشريعه، نعم نسب إلى القديمين ـ ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد ـ عدم الوجوب، لكن العبارة المنقولة عنهما لا تدل بذلك، بل ظاهر الأوّل، هو التوقّف، وظاهر الثاني، الموافقة مع المشهور احتياطاً. حكى المحقّق: عن الأوّل العبارة التالية: قال ابن أبي عقيل: وقد قيل الخمس في الأموال كلّها حتى على الخياطة والنجارة وغلّة الدار والبستان والصانع في كسب يده، لأنّ ذلك إفادة من اللّه وغنيمة.(1)

ونقل العلاّمة في المختلف، عن ابن الجنيد، أنّه قال: فأمّا ما استفيد من ميراث أو كدّ بدن أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك، فالأحوط إخراجه لاختلاف الرواية في ذلك، ولو لم يخرجه الإنسان لم يكن كتارك الزكاة التي لا خلاف فيها، إلاّ أن يوجب ذلك من لا يسع خلافه ممّا لا يحتمل تأويلاً، ولا يرد عليه ورخصة في ترك إخراجه.(2)

والعجب أنّ جامع فتاوى القديمين من الكتب الفقهية غفل عمّا نقله المحقّق عن ابن أبي عقيل، في معتبره بل اكتفى بما في مختلف الشيعة، وبما أنّ نقل فتاوى العلماء طيلة القرون يوجب الإطناب فلنطوي الكلام عن ذكرها والوقوف عليها سهل لمن حاول، وإنّما الكلام في إقامة الدليل على وجوبه في هذا النوع وهو المقام الثاني.


1 . المعتبر:1/293، الطبعة القديمة.
2 . المختلف:3/313، المقصد السادس في الخمس.


(268)

الثاني: ما يدل على وجوب دفع الخمس في الفوائد والأرباح

الكتاب والسنة وأحاديث العترة الطاهرة الحاكية للسنّة النبوية.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه:«وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فانّ للّهِ خُمسهُ وَلِلرَّسُول وَلِذي الْقُرْبى وَاليَتامى وَالْمَساكِين وَابْن السَّبيل...».(1)

وقد أوضحنا دلالة الآية على وجوب الخمس في كلّ ما يفوز به الإنسان، وقد اعترف بما ذكرنا القرطبي(2) إلاّ أنّه خصص مضمون الآية بالمعروف عند المتشرعة على عدم وجوبه في غيرالغنائم الحربيّة، وعلى ما ذكرنا فمفاد الآية أنّ كلّما يصدق عليه الغنم ففيه الخمس.

نعم هناك فرق بين الزكاة والخمس، فالأُولى للفقراء ومصالح المسلمين والنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان مأموراً بالأخذ . قال سبحانه:«خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» .(3) فلأجل ذلك كان يبعث العمّال لأخذ الزكوات، وهذا بخلاف الخمس فانّه حقّ له ولأقربائه ـ وإن لم يكن ملكاً شخصياً له ـ فلم يؤمر بالأخذ، بل أمر الناس بالدفع حيث خوطبوا بقوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا انَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء» ولأجل ذلك تطلب الزكاة من الناس، دون الخمس الذي هو حقّ له وقد أمر الناس بالدفع.

هذا كلّه حول دلالة الآية، وإليك الكلام في شرعية الخمس في عهود النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومكاتيبه.

تضافرت الروايات على أنّ الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يطلب في رسائله إلى


1 . الأنفال:41.
2 . الجامع لأحكام القرآن:8/1.
3 . التوبة:103.


(269)

قبائل مسلمة نائية عن المدينة دفع الخمس، كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على تعلّق الخمس بأرباح المكاسب والفوائد، فلنذكر شيئاً ممّا ورد في السنّة النبوية وشيئاً ممّا ورد في أحاديث العترة الطاهرة.

الخمس في رسائل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعهوده

1. لما قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين، وأنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر الحرم، فمرنا بجمل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنّة وندعوا إليها من وراءنا. فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان باللّه وهل تدرون ما الإيمان باللّه؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم».(1)

ومن المعلوم أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب، كيف، وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم خوفاً من المشركين؟! وعلى هذا يكون المراد المغنم بمعناه الحقيقي وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون أو يستفيدون.

2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم... هذا... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشْر ما سقي البعل، وسقت السماء ونصف العشر ممّا سقي الغرب».(2)


1 . صحيح البخاري: 9/160، باب واللّه خلقكم و ما تعملون من كتاب التوحيد و 1/13 و19 و ج3/53; صحيح مسلم:1/35 و36، باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 2/333 ; مسند أحمد:3/318; والأموال 12 وغيرها.
2 . فتوح البلدان:81; سيرة ابن هشام:4/265.


(270)

والبعْل ما سُقي بعروقه، والغرب الدلو العظيمة.

3. كتب إلى شرحبيل بن كلال ونعيم بن كلال وحارث بن كلال رؤساء قبيلة ذي رعين ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه».(1)

4. كتب إلى سعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام، كتاباً واحداً يعلّمهم فيه فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة.(2)

إنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حينما طلب دفع الخمس على أيدي رسوليه، لم يطلب خمس غنائم الحرب التي خاضوها مع الكفّار ،وإنّما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس الأرباح.

5. كتب للفجيع ومن تبعه:

«من محمّد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه وأعطى من المغانم خمس اللّه».(3)

6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه».(4)

7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«وتشربوا ماءها على أن تؤدّوا الخمس».(5)


1 . تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك:1/157.
2 . طبقات ابن سعد:1/270.
3 . طبقات ابن سعد:1/304 ـ 305.
4 . طبقات ابن سعد:1/270.
5 . الوثائق السياسية: 142.


(271)

8. كتب لملوك حمير فيما كتب:

«وآتيتم الزكاة ومن المغانم خمس اللّه وسهم النبي وصفيه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة».(1)

9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفيّ».(2)

10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:

«من أسلم منهم... وأعطى من الغنائم الخمس».(3)

ويتبيّـن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي خاضوا فيها بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.

ثمّ إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض حرب واكتساب الغنائم.

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بالنحو الذي يجب بعد أن يستخرج منها الخمس ولا يملك أحدٌ من الغزاة عدا سلب القتيل(على قول) شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاً.

فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من شؤون


1 . فتوح البلدان:1/85; سيرة ابن هشام: 4/258.
2 . الإصابة: 2/189; أُسد الغابة:3/34.
3 . سنن أبي داود: 2/55، الباب 20 ;سنن النسائي:2/179.


(272)

النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فما ذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب وفي عهد بعد عهد؟ فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن له صلة بغنائم الحرب.

هذا، مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهبة بشدة ففي كتاب الفتن باب النهي عن النهبة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من انتهب نهبةً مشهورة فليس منّا».(1)

وقال: «إنّ النهبة لا تحلّ».(2)

وفي صحيح البخاري و مسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن لا ننتهب.(3)

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدوا وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اللّه يمشي متكئاً على قوسه فاكفأ قدورنا بقوسه ثمّ جعل يرمل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة».(4)

وعن عبد اللّهبن زيد: نهى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن النهبى والمثلة.(5)

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد .

وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.


1 . سنن ابن ماجة: 2/ 1298ـ 1299 ح3935 و 3938.
2 . سنن ابن ماجة: 2/ 1298ـ 1299 ح3935 و 3938.
3 . صحيح البخاري: 2/48، باب النهبى بغير إذن صاحبه.
4 . سنن أبي داود:3/66 برقم 2705.
5 . رواه البخاري في الصيد، راجع التاج:4/334.


(273)

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير إذن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جائزة، لم تكن الغنيمة تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة في كتب النبي هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال، بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.

وعلى الجملة: إنّ الغنائم المطلوبة في هذه الرسائل النبوية، أداء خمسها إمّا أن يراد ما يستولى عليه أحد من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى من طريق الكسب والكدّ.

والأوّل ممنوع بنص الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خمس النهيبة.

وعلى الثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مباشرة، فهو الذي يأخذ كلّ الغنائم، ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الخمس من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعين.

وقد ورد فرض الخمس في غير غنائم الحرب في أحاديث منقولة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ففي سنن البيهقي عن أبي هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أنّه قال: «في الركاز الخمس» قيل: وما الركاز يا رسول اللّه ؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرضين يوم خلقت».(1) وقد تقدم الكلام فيه.


1 . سنن البيهقي:4/152 و155.


(274)

خمس الأرباح والفوائد في أحاديث العترة ـ عليهم السَّلام ـ

لقد تضافرت الروايات عن العترة ـ عليهم السَّلام ـ على وجوبه فيها وننقل منها ما يلي:

1. معتبرة سماعة

سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1) والرواية موثقة لوجود سماعة في آخر السند، وغيره كلّهم إماميون ثقات.

والرواية معتبرة رواها علي بن إبراهيم،عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن شيخه ابن أبي عمير، عن شيخه الحسين بن عثمان الأحمسيّ البجلي (عرّفه النجاشي بقوله: كوفي ثقة، كتابه: رواية ابن أبي عمير ثمّ ذكر سنده إلى كتابه وقال: عن ابن أبي عمير عن الحسين)(2) عن سماعة الذي عرفه النجاشي بقوله: ثقة ثقة.(3)

والرواية صحيحة، لولا أنّ سماعة رُمي بالوقف وإن كان غير ثابت، ومن كان واقفياً، لا يصفه خرّيت الفن النجاشي، بما عرفت من تكرير «الثقة».

2. صحيح أبي علي بن راشد

روى الشيخ بإسناده إلى علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فاعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أجيبه فقال: «يجب عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ


1 . وسائل الشيعة:6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
2 . رجال النجاشي: 1/165 برقم 121.
3 . رجال النجاشي: 1/431 برقم 515.


(275)

شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وضياعهم»(1) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤنتهم».(2)

وسند الشيخ إلى علي بن مهزيار في التهذيب صحيح، وأمّا أبو علي بن راشد هو الحسن بن راشد مولى آل المهلب أبوعلي البغدادي من أصحاب الجواد والهادي عليمها السَّلام كما يظهر من رجال الشيخ.(3)

قال في المدارك: إنّ أبا علي بن راشد لم يوثق صريحاً.

3. مرسلة الشيخ عن الريان بن الصلت

روى الشيخ في التهذيب وقال: «وروى الريان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد ـ عليه السَّلام ـ : ما الذي يجب علي يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبرديّ وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب:« يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه تعالى».(4)

و«الغلّة»: الدخل من كراء دار وفائدة أرض.

و«البَردي» :بالفتح، نبات كالقصب كان قدماء المصريين يستخدمون قشره للكتابة، والبردي بالضم من أجود الثمرة.

و«الأجمّة» الشجر الكثير الملتف.


1 . كذا في التهذيب، ج4، باب الخمس رقم 10، و ربّما يذكر: «صنائعهم» وهو مصحّف بقرينة قوله فيما بعد:« والصانع بيده»، وقد تكرر لفظة الصنائع في روايات الخمس مكان الضياع.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
3 . رجال الشيخ: 400.
4 . التهذيب:4/184، رقم 16 من باب الخمس; الوسائل: ج6،الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث9.


(276)

وعبّرنا عنها بالمرسلة، لأنّ الشيخ نقلها على نحو ما ذكرت، ولم يذكر سنده إلى كتابه في المشيخة، وبذلك صارت الرواية مرسلة، وما في الوسائل «وبإسناده عن الريان بن الصلت» ناظر إلى إسناده إلى كتابه في الفهرست وسنده إليهصحيح، فبذلك تُصبح الرواية صحيحة، والريان بن الصلت ثقة بلا كلام.

وأورد عليه في المدارك بقوله: إنّـها قاصرة من حيث المتن لاختصاصها بالأرض القطيعة، وهي أرض الخراج أو محالّ ببغداد أقطعها المنصور (العباسي) أُناساً من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها ،كما ذكره في القاموس، ومستحق الخمس فيها غير مذكور فجاز أن يكون غير مستحق الغنائم.(1)

يلاحظ عليه: أنّ السؤال غير مختص بالأرض الخراجية، بل يعمّ دخل الرحى الواقعة فيها، فهل يحتمل أن يكون للأرض مدخلية في تعلّق الخمس به؟

وما ذكره من أنّه لم يذكر فيها مصرف الخمس، غير تام، لأنّه لا يتبادر من مصرفه سوى ما جاء في الآية المباركة، ولا يتبادر إلى ذهن أحد أنّ مصرفه غير ما جاء فيها، فالرواية صالحة للاحتجاج.

4. خبر أبي عمارة عن الحارث بن المغيرة النصري

روى الشيخ عن أبي عمارة، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: إنّ لنا أموالاً من غلاّت و تجارات ونحو ذلك، وقد علمت أنّ لك فيها حقّاً، قال: «فلم أحللنا إذاً لشيعتنا إلاّ لتطيب ولادتُهم، وكلّ من والى آبائي فهو في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا، ليبلغ الشاهد الغائب».(2)


1 . المدارك: 5/383.
2 . الوسائل: ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9.


(277)

والسند لا غبار عليه إلاّ أنّ أبا عمّارة وهو عمران بن عطيّة لم يوثق، ووصفها في المدارك بالصحّة لأجل نهاية السند حيث قال: يمكن أن يستدل على ثبوت الخمس في هذا النوع في الجملة بصحيحة الحارث بن المغيرة النصري(1) وقد عرفت أنّ الراوي عنه لم يوثق، إلاّ أن تستظهر وثاقته من رواية البزنطي عنه، لأنّه لا ينقل إلاّ عن ثقة كما أوضحناه في البحوث في علم الرجال.

5. خبر محمّد بن علي بن شجاع

روى الشيخ في التهذيب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن محمّد ابن علي بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العُشر عشرة أكرار، وذهبَ منه بسبب عِمارة الضيعة ثلاثون كُرّاً وبقي في يده ستون كرّاً ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(2)

والسند لا غبار عليه إلاّ نهاية الحديث فإنّه مهمل في الرجال غير معنون، والمذكور في التهذيب والاستبصار(3) هو ما ذكرناه محمّد بن علي بن شجاع، لكن نسب المامقاني هذا إلى التهذيب، وعلي بن محمّد إلى الاستبصار ولكن الوارد في المطبوع منهما هو الأوّل، نعم رجح المحقّق التستري كون الصحيح هو علي بن محمد، لوروده في الكشي في ترجمة سلمان ففيه: طاهر، عن أبي سعيد السمرقندي، عن علي بن محمد بن شجاع، عن أبي العباس المروزي عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال في


1 . المدارك: 5/384.
2 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
3 . التهذيب: 4/16; الاستبصار:2/17.


(278)

الحديث الذي روي فيه أنّ سلمان محدّثاً: إنّه كان محدّثاً عن إمامه لا عن ربّه»(1).

وفيه تأمّل إذ لو كان المروزي ناقلاً عن الصادق بلا واسطة، فكيف يروي صحابي الإمام الهادي عن صحابي الإمام الصادق؟ إلاّ إذا كانت الرواية مرسلة.

وعلى كلّ تقدير فالرواية مؤيدة وكاشفة عن اشتهار الحكم عند أصحاب الأئمّة، لكن الكلام كان في تعلّق الخمس على المؤنة وعدمه فأوضحه الإمام.

6. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمد وعبد اللّه بن محمد جميعاً، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر ـ عليه السَّلام ـ وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة قال: «إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه وهي سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار وسأفسر لك بعضه إن شاء اللّه إنّ موالي ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك، فأحببت أن أطهّرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس. قال اللّه تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَميعٌ عَلِيمٌ* أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يقبلُ التَوبَة عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَدقاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّاب الرَّحيم* وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلكُمْ وَرَسُولهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهادة فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .(2)

ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفاً منّي عن موالي


1 . قاموس الرجال:7/558.
2 . التوبة: 103 ـ 105.


(279)

ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال اللّه تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَللرَّسُول وَلِذي القُربى وَالْيَتامى وَالمَساكِين وَابْن السَّبيل إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرقان يَومَ التقى الجَمْعان وَاللّهُ عَلى كُلّ شيء قَدير )(1) والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يُحتسب من غير أب ولا ابن ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله ومثلُ مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى مواليّ من أموال الخرّمية الفسقة فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقة فليتعمّد لإيصاله، ولو بعد حين فانّ نيّة المؤمن خير من عمله، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعتُه تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك».(2)

والحديث صحيح لأنّ سند الشيخ إلى الصفّار صحيح في التهذيب والفهرست، والمراد من أحمد بن محمد وأخيه، هما: أحمد بن محمد بن عيسى (شيخ القميين) وعبد اللّه بن محمد الملقّب بـ «بتان» قوله: قال: أي كلّ من أحمد وعبد اللّه، قوله: كتب إليه أبوجعفر، أي كتب إلى عليّ بن مهزيار الإمام الجواد ـ عليه السَّلام ـ .

قوله: «وقرأت أنا» أي كلّ من الأخوين، فالسند معتبر، لكن في ظاهر الحديث إشكالات ثلاثة ذكرها صاحب المدارك وقال:

1. أمّا رواية علي بن مهزيار فهي معتبرة، لكنّها متروكة الظاهر من حيث


1 . الأنفال: 41.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(280)

اقتضائها وجوب الخمس فيما حال الحول عليه من الذهب والفضّة.

2. ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدوّ في اسم الغنائم، فيكون مصرف الخمس فيهما مصرف الغنائم.

3. وأمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلاّت فغير مذكور صريحاً، مع أنّا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً.(1)

وقد ذكرها صاحب المدارك، كما تعرّض لبعضها ابن خاله صاحب المعالم في منتقى الجمان، وأضاف شيئاً آخر لم يذكره الأوّل، والفضل يرجع إلى الأوّل لسبقه عليه، لأنّه فرغ من قسم الصيام والاعتكاف من كتاب المدارك عام 995هـ، وقد فرغ ابن خاله عن قسم الصلاة من منتقى الجمان عام 1004هـ، وعلى كلّ تقدير فهما غصنان من شجرة واحدة تتلمذا على يدي المحقّق الأردبيلي وعاشا معاً، فلا بأس بتحليل ما استشكلا على الرواية.

الإشكال الأوّل

إنّ أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام خزنة العلم وحفظة الشرع لا يغيّرون الأحكام بعد انقطاع الوحي، فكيف يستقيم قوله في هذا الحديث:«أوجبت في سنتي هذه ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام» ؟إلى غير ذلك من العبارات الدالّة على أنّه ـ عليه السَّلام ـ يحكم في هذا الحقّ بما شاء واختار.(2)

وحاصل الإشكال أنّ الإمام تصرّف في حكم الخمس من حيث الزمان


1 . مدارك الأحكام: 5/383.
2 . منتقى الجمان:2/438ـ 439.


(281)

بسنة خاصة، كما تصرّف في متعلّق الخمس حيث خصّه بعض الأشياء دون بعض.

والجواب أنّ الوجه في إيجابه في سنة 220هـ، دون غيرها، لأنّه كان يعلم أنّها السنة الأخيرة من عمره الشريف لانتقال الإمامة بعده إلى ولده أبي الحسن الثالثعليه السَّلام .

وأمّا التصرّف الثاني أي التصرف في متعلّق الخمس حيث أوجب في الذهب والفضة وأسقطه عن المتاع والآنية والدواب والربح والضيعة إلاّ في ضيعة خاصّة التي ذكرها في الحديث(من التفصيل بين ضيعة تقوم بمؤنة صاحبها ففيها نصف السدس دون ما لا تقوم) فمرجعه إلى إسقاط حقّه لمصلحة فيه، ولا يعدّ مثل هذا تصرّفاً في الحكم، أو تبديلاً له وأمّا المصلحة فغير معلومة، وقد أشار الإمام إليها بقوله: «اكره لمعنى من المعاني اكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء اللّه».

وبالجملة هذا المقدار من التصرّف مع ما أعطوا من الولاية على الأموال والنفوس ممّا لا إشكال فيه، فقد كان الرسول يتصرّف في الغنائم وبما يخص المهاجرين بها وأُخرى يخص الأنصار وربّما يشاركهم وكأنّه المعنى بقوله سبحانه: «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِحِساب».(1)

الإشكال الثاني

إنّ قوله: «ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم» ينافيه قوله: بعد ذلك: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(2)


1 . ص:39.
2 . منتقى الجمان:2/439.


(282)

والجواب عنه واضح وهو أنّ الحصر يرجع إلى عام الوفاة وهي سنة 220هـ.

وأمّا الثاني: فهو لبيان قاعدة كلية راجعة إلى غيرها. والحاصل أنّ الإمام لمصالح غير معلومة ولعلّ عدم بسط يده في نفس السنة، أسقط حقّه في بعض ما يتعلّق به الخمس من غير تصرّف فيما يرجع إلى الباقي غير هذه السنة.

الإشكال الثالث

إنّ قوله: «وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول» خلاف المعهود إذا الحول يعتبر في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة لا في تعلّق الخمس بهما.

أقول: إنّ الذهب والفضة كما يقعان مورداً للزكاة مثل ما لو ترك المورث ما بلغ حدّ النصاب وحال عليهما الحول فيجب إخراج زكاتهما كذلك يقعان مورداً للخمس إذا كانا من الأرباح كما هو الحال في الصائغ فلا مانع من تعلّق الخمس بهما بعد ما حال عليهما الحول كسائر المنافع.وأي إشكال في ذلك؟ وأمّا إثبات الخمس فيهما وإسقاطه عن غيرهما من متاع وآنية ودواب وخدم وربح ربحه في تجارة فلمصلحة اقتضت ذلك.

الإشكال الرابع

اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدو في اسم الغنائم فيكون تصرّفه مصرف الخمس.

يلاحظ عليه: أيّ مانع من دخول الجميع تحت عنوان الغنائم؟ وقد علمت أنّ معنى الغنيمة كلّ ما يفوز به الإنسان بسهولة أو بمشقّة. مع أنّ الإمام أردف


(283)

الغنائم بلفظ الفوائد وقال: «والغنائم والفوائد رحمك اللّه».

ويحتمل أن يكون المراد من قوله:«والمال الذي لا يعرف له صاحب» المباحات العامّة لا اللقطة، وإلاّ كان عليه أن يعبّر عنه بما «لا يعرف صاحبه».

الإشكال الخامس

إنّ مصرف السهم المذكور في آخر الرواية أعني: «ونصف السدس في الضياع والغلاّت» غير مذكور صريحاً.

ولا يخفى ضعف الإشكال، لأنّ الرواية بصدد بيان أحكام الخمس فقط، فيكون مصرف نصف السدس هو مصرف الخمس أيضاً وإلاّ كان عليه التنبيه على تعدد الصرف.

الإشكال السادس

انّ وجوب نصف السدس في الضياع لم يقل به أحد .

يلاحظ عليه: أنّه صحيح لكن الإمام ليس بصدد بيان الحكم الشرعي، بل بصدد بيان ما أسقط وما أثبت من باب الولاية، فيكون حكماً ولائيّاً مؤقتاً، ويشهد لذلك قوله: «تخفيفاً منّي عن مواليّ و منّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم».

إلى هنا تبيّن اندفاع الإشكالات وأنّ الرواية صالحة للاستدلال على وجوب الخمس في الغنائم والفوائد.

إكمال

ثمّ إنّ الكتاب الذي كتبه الإمام الجواد ـ عليه السَّلام ـ ، إلى علي بن مهزيار، وقرأه


(284)

الأخوان، أعني: أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى، هوالكتاب الذي قرأه إبراهيم بن محمد الهمداني أيضاً، روى الشيخ: كتب إليه (إلى الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ ) إبراهيم بن محمد الهمداني: واقرأني علي (بن مهزيار)كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤنة وأنّه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤنته نصف السدس ولا غير ذلك فاختلف من قِبَلِنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع، الخمس بعد المؤنة مؤنة الضيعة وخراجها لا مؤنة الرجل وعياله: فكتب (الإمام الهادي إلى إبراهيم بن محمد الهمداني) وقرأه علي بن مهزيار (أيضاً): «عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله وبعد خراج السلطان».(1)

ولا يخفى ما في تعبير الشيخ من الإجمال حيث قال: «وكتب إليه أبوجعفر» من دون تعيين المرجع، ومثله في الحديث المتقدّم قال: قال لي أبو علي قلت له. غير أنّ المرجع كان في كتاب علي بن مهزيار معيّناً، حيث صدر الباب بأحاديث الإمام الهادي فجاء بعده بالضمير والشيخ أخذ الحديث من الكتاب، بنصّه غافلاً من أنّ النقل بهذا النحو يوجب الإجمال.(2)

الثالث: في متعلّق الخمس من هذا القسم

أقول: إنّ الفوائد التي يحوزها الإنسان على أقسام، إمّا أن


1 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.
2 . منتقى الجمان:2/442.


(285)

تحصل بالاكتساب كالتجارة والصناعة والزراعة والإجارة، وإمّا أن تحصل بشرط القبول فقط كالجوائز والهدايا، وإمّا أن تدخل في ملك الإنسان بلا اختيار كالإرث، وإمّا أن تحصل في ملكه من دونه كالتوالد وارتفاع القيمة السوقية.

وكان سيّدنا المحقّق البروجردي يقسّمها بشكل آخر: إنّ الفوائد إمّا أن تحصل بتبادل شيء بشيء كالتجارات و الإجارات، وإمّا أن تحصل بتغيّـر المادة وتصويرها بصورة كالصناعة ،وإمّا أن تحصل بالتزايد والنمو كالثمار والزراعات، وإمّا أن تحصل بلا عمل إلاّ القبول كالجوائز، وإمّاأن تحصل بلا اختيار كالإرث.

ولك أن تقول أنّ مدار المعيشة إمّا على الإنتاج بالإنماء كالزراعة والرعي، أو على تبديل المواد الأوّلية إلى أُمور صناعية وهذا هي الصناعة، أو بالاقتناء والتوزيع في أزمنة وأمكنة مختلفة كالتجارة أو بالأعمال اليدوية كالنجارة، والكلّ لا يخلو عن تعب; وأمّا ما لا تعب فيه فإمّا لا يحصل إلاّ بالقبول كالهبة والجائزة والصداق وعوض الخلع والمال الموصى به ونحوها، أو يحصل بلا حاجة إلى القبول كالميراث وهو إمّا ميراث محتسب أو غير محتسب، ولا يخفى أنّ رحى المعيشة على الأُمور الأربعة الأُول، وأمّا الباقية فأُمور اتفاقية.

وعلى كلّ تقدير فقد اختلفت آراؤهم فيما هو متعلّق الخمس في هذا القسم على أربعة أقوال:

1. اعتبار التكسب مطلقاً فتخرج غير الأربعة.

2. تقييد الكسب باتخاذه مهنة وشغلاً مستمرّاً نسب إلى جمال المحقّقين في حاشيته على اللمعة .

3. عموم الحكم لكلّ فائدة، اختيارية أو غير اختيارية فيشمل الهبة والهدية والخلع والمواريث ولو غمضنا النظر عن القول الثاني يدور الأمر بين قولين:

1. تعلّق الخمس بمطلق ما يملكه الإنسان ولو بإرث ونحوه.

2. تعلّقه بمطلق فائدة يحصل من طريق التكسب وإن لم يطلق في بعضها على فاعلها الكاسب، دون ما يدخل في ملكه بغير هذه الأسباب كالإرث والصدقة والصداق، والعطية ونحوها، فمال شيخنا الأنصاري إلى الأوّل، وجزم المحقّق الهمداني بالثاني.


(286)

وأمّا كلمات الأصحاب فيظهر من الشيخ في النهاية، وأبي الصلاح في الكافي، وابن زهرة في الغنية، العموم لوجود كلمة «غير ذلك» في عبارتي النهاية والغنية، بل عبارة الكافي صريحة في الموضوع .

وإليك ما يستفاد منه العموم من العبارات.

قال الشيخ في النهاية: ويجب الخمس أيضاً في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات والزراعات وغير ذلك بعد إخراج مؤنته ومؤنة عياله.(1)

ويحتمل أن يكون «غير ذلك» إشارة إلى الصناعات والإجارات، كما يحتمل أن يكون إشارة إليهما وإلى غيرهما.

وقال أبو الصلاح الحلبي: وما فضل عن مؤنة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك.(2)

وقال في الغنية: ويجب الخمس أيضاً في الفاضل عن مؤنة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة بأيّ وجه كان بدليل الإجماع المشار إليه وطريقه الاحتياط.(3)

هذا ما وقفنا عليه من الكلمات التي تُعبِّر عن عموم الحكم، ومع ذلك ففي دلالة غير عبارة الحلبي على العموم تأمّل لاحتمال أن يراد من قولهما «أو غير ذلك» ما يشبه التكسب كالإجارات والاحتطاب والاحتشاش وجمع العسل من الجبال، وبالجملة كلّ عمل يدوي يورث نفعاً.

وفي مقابلها ما يستظهر منه الخصوص أو هي نص فيه.


1 . النهاية: 196ـ 197.
2 . الكافي: 170.
3 . الغنية: 129.


(287)

فمن الأوّل عبارة الشيخ في الخلاف، قال: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤنة الرجل لنفسه ومؤنة عياله سنة.(1)

ومن الثاني: عبارة السرائر: ويجب الخمس أيضاً في أرباح التجارات والمكاسب وفيما يفضل من الغلاّت والزراعات على اختلاف أجناسها عن مؤنة السنة له ولعياله.(2)

وقال: بعد صفحة : والعسل الذي يؤخذ من الجبال، وكذلك المنّ، يؤخذ منه الخمس وجميع الاستفادات من الصيود والاحتطاب و الاحتشاش والاستقاء والإجارات، والمجتنيات والاكتسابات، يخرج منه الخمس.(3)

ثمّ نقل عبارة الكافي لأبي الصلاح ـ حيث ذهب إلى تعلّق الخمس بالميراث والهدية والهبة ـ وقال: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً.(4)

والظاهر من المفيد في المقنعة، والسيد المرتضى في الانتصار،وسلاّر في المراسم، وابن حمزة في الوسيلة، والمحقّق في المعتبر،الاختصاص.

وأمّا المتأخرون المتقاربون لعصرنا فقد قوّى الشيخ الأعظم، سعة الحكم، وقال في رسالته: الوجوب لا يخلو عن قوّة وفاقاً للمحكي عن الحلبي وعن المعتبر، و اختاره في اللمعة، ومال إليه في شرحها، وهو ظاهر الإسكافي، لكن من حيث الاحتياط.(5)

وقال المحقّق الهمداني: إنّه يمتنع عادة إرادة ثبوت الخمس من مثل الإرث


1 . الخلاف: 2/118 كتاب الزكاة، المسألة 139.
2 . السرائر: 1/486، 488، 490.
3 . السرائر: 1/486، 488، 490.
4 . السرائر: 1/486، 488، 490.
5 . كتاب الخمس:191 ـ 192.


(288)

والهبة مع عموم الابتلاء بهما وكونهما من اشيع ما يملكه الإنسان، من غير تصريح به ـ إلى أن قـال ـ: ولو كان هذا مرادهم لم يكن وجه يعتد به، لحصرهم الخمس في فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم المحكية في أقسام معدودة، كي يوهم ذلك خلاف مقصودهم، بل كيف يحتمل كون كلّ الأصحاب أو جلهم أو كثير منهم قائلين بثبوت الخمس في الإرث ونحوه، ولم يشتهر ذلك بين العوام اشتهار الشمس في رابعة النهار مع عموم الابتلاء به؟ مضافاً إلى ما يظهر من الحلّي وغيره، بل كلّ من تعرض له مخالفة القول بثبوت الخمس في الإرث والهبة والصدقة للمشهور، بل اختصاص القول به في القدماء بالحلبي.(1)

والذي يسهل الخطب، أنّ عدم التصريح بالعموم والاكتفاء بالاكتساب لا يعدّ دليلاً على الإعراض لما بيّنّا من أنّ وجوب الخمس في هذا القسم برز وظهر في عصر الصادقين عليمها السَّلام ولم يكن قبل عصرهما منه اسم ولا أثر وإن كان أصله موجوداً في كلمات النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على ما بيّناه، وعلى هذا الأساس لا بأس أن يختفي حكم بعض أصنافه على أكثر القدماء، أضف إلى ذلك وجود الاختلاف بين استنباط القدماء والمتأخرين حيث إنّ المتأخرين يستعملون الدقة في الأحاديث أكثر من القدماء ويحيطون بها ببركة الجوامع أكثر من غيرهم ويصنّفون الروايات على وجه يظهر منه حكم كثير من الفروع وعلى ذلك لا يعدّ عدم إفتائهم دليلاً على الإعراض.

ولأجـل ذلك يجب إمعان النظر في روايات الباب والدقة في الكلمـات الواردة فيها حتى نستقطب الإطلاقات ونستفيد منها أحكاماً وراء المكاسب.


1 . مصباح الفقيه: 127، و من الطبعة الحديثة: 14/112ـ113.


(289)

الجوائز والعطايا

فنقول: يمكن استفادة حكم المقام، أعني: الجوائز والعطايا من الآية والروايات.

أمّا الآية المباركة: فانّ لفظ الغنيمة يصدق على العطايا والجوائز، هذا ابن فارس يقول: إنّها بمعنى إفادة شيء لم يملك من قبل. وقال الراغب: والغنم إصابته والظفر به ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العِدى وغيرهم. إلى غير ذلك من الكلمات التي قدّمناها في صدر البحث عن أدلّة تعلّق الخمس بهذا الصنف.

أمّا الروايات فهناك روايات متضافرة بين صحيح وغير صحيح تؤيّد تعلّقه بكلّ فائدة ومنفعة وإليك بيانها.

1. والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر.(1)

والفائدة في اللغة بمعنى الزيادة التي تحصل للإنسان والفعل في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «والفائدة يفيدها» من باب الإفعال بمعنى يستفيدها وهو ليس منحصراً بالاكتساب بل هو أحد الطرق وله طرق أُخرى، كما في الجوائز والعطايا والمال الموصى به، وما ذكره الإمام ـ عليه السَّلام ـ من قوله:«والجائزة الخ» بيان مصداق له، وتقييدها بالخطر لأجل أنّه لولاه لما يبق إلى آخر السنة بل تصرف في مؤنة الحياة. وبعبارة أُخرى القيد غالبي، ولو حمل قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويفيدها على الاكتساب لكفى قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الجائزة من الإنسان».

2. صحيحته الأُخرى نقلاً عن أبي علي بن راشد الثقة... فقال: «يجب


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(290)

عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم»، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤنتهم»(1) . والمتاع كلّ ما يتمتع به من عروض الدنيا كثيرها وقليلها.

3. موثقة سماعة، قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(2) أي أوجب حصول زيادة في المال للناس وهو بعمومه يعمّ غير المكاسب.

4. ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، الثقة، عن سهل بن زياد (والأمر في سهل، سهل) عن محمّد بن عيسى (ابن عبيد ـ الثقة ـ ) عن علي بن الحسين بن عبدربّه (وهو من أصحاب الإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ ووكيله معتمد عليه) قال: سرح الرضا ـ عليه السَّلام ـ بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحتَ إليّ خمس؟ فكتب إليه: «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس».(3)

«السراح» هو التسهيل، والمراد الصلة التي سهّل بها أمر الحياة للمهدى إليه، والحديث يعرب عن تعلّق الخمس بطبيعة الصلة، إلاّ أن يُسرّح به صاحب الخمس، وإلاّ فيكون القيد زائداً.

هذه هي الروايات الصحيحة أو المعتبرة في المقام وهناك روايات غير نقيّة الأسناد تؤيد ما ذكرناه والمجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم.

5. رواية محمد بن الحسن الأشعري (وهو ابن خالد المعروف بـ «شنبولة» ولم يوثق) قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني ـ عليه السَّلام ـ :أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى جميع الصناع؟


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 و 6.
2 . الوسائل: ج6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 و 6.
3 . الوسائل: ج6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(291)

وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه: «الخمس بعد المؤنة».(1)

وربّما يتراءى أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، ولكنّه بعد الدقة جواب يشمل على أمر زائد وهو لزوم الخمس في هذه الموارد بعد إخراج المؤنة.

6. رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن (بن) يزيد أو عن يزيد، وعلى كلّ تقدير فهو مجهول، وربّما يحتمل أنّ المراد هو يزيد ابن إسحاق ويؤيّده أنّه من مشايخه كما ذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث.(2) وعنونه النجاشي: يزيد ابن إسحاق بن أبي الخسف، ولم يوثقه، لكن رواية أحمد بن محمد يضفي إليه السلامة في الحديث، لأنّه كان رجلاً محتاطاً في نقل الحديث، لا أقول: إنّه لا يروي عن الضعفاء أبداً، بل أقول: إنّه رجل لا ينقل إلاّ ما يعتمد، قال: كتبت : جعلت لك الفداء تعلّمني ما الفائدة وما حدّها؟ رأيك أبقاك اللّه إن تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لا أكون مقيماً على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: «الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة».(3)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «يفيد إليك» أي يحصل لك.

7. رواية محمد بن علي بن محبوب، الثقة، عن محمد بن الحسين أبي الخطاب الثقة، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرمي ـ قال النجاشي: كذّاب غال ـ عن عبد اللّه ابن سنان قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «على كلّ امرئ غنم أو اكتسب، الخمس».(4)

والمراد من «غنم» الفوز بمال من غير طريق الاكتساب بقرينة المقابلة.

8. ما رواه محمد بن إدريس في آخر السرائر عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ :


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . معجم رجال الحديث: 2/303.
3 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7، 8.
4 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7، 8.


(292)

كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب: «الخمس في ذلك».(1)

وفي السند أحمد بن هلال قال النجاشي: صالح الرواية يعرف منها وينكر، وقد روي فيه ذموم من سيّدنا أبي محمد العسكري ـ عليه السَّلام ـ .(2)وأبان بن عثمان الأحمر المرمى بالناووسية وهو من أصحاب الإجماع.

9. ما رواه علي بن موسى بن طاووس في كتاب الطرف بإسناده عن عيسى ابن المستفاد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه عليمها السَّلام :«أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال لأبي ذرّ وسلمان والمقداد... وإخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين وأميرهم».(3) والحديث ضعيف بعيسى بن المستفاد وقال: النجاشي روى عن أبي جعفر الثاني ولم يكن بذاك.(4)

10. ما رواه في تحف العقول عن الرضا ـ عليه السَّلام ـ في كتابه إلى المأمون قال: «والخمس من جميع المال مرّة واحدة».(5)

11. ما في الفقه الرضوي، من قوله: «وربح التجارة وغلّة الضيعة وسائر الفوائد والمكاسب والصناعات والمواريث وغيرها لأنّ الجميع غنيمة وفائدة».(6)

وهذه الروايات المتضافرة كافية في الإفتاء بالوجوب في مطلق الفائدة من غير فرق بين الاكتساب وغيره. والإمعان في هذه الروايات يثبت أنّ الموضوع ما يملكه الإنسان بطريق من الطرق من غير اعتبار المهنة،ولا القصد ولا الاختيار مضافاً إلى أنّ الهدية والجائزة والميراث غير المحتسب مذكورة فيها.


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.
2 . رجال النجاشي:1/218 برقم 197.
3 . الوسائل: ج6، الباب 4من أبواب الأنفال، الحديث 21.
4 . رجال النجاشي:2/151 برقم 807.
5 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 13.
6 . الفقه الرضوي: 294 بتفاوت يسير.


(293)

المال الموصى به

وبذلك يتّضح حكم المال الموصى به سواء كانت الوصية عهدية بأن يعهد إلى الوصي أن يعطي فلاناً بعد وفاته ذاك المال. فيكون شبه هدية من الميّت إلى الحي كالجائزة التي هي من الحي إلى الحي، أو تمليكية بأن يملّك مقداراً من ماله لزيد ويقول: هذا المتاع لزيد بعد وفاتي. سواء قلنا باحتياجه إلى القبول، أو قلنا إنّ له الرد ولا يحتاج إلى القبول، فعلى الأوّل يصحّ كالهدية، وعلى الثاني يصدق عليه أنّه غنم وفائدة وإن لم يصدق له عنوان التكسب.

الميراث غير المحتسب

الأقوال فيه لا تتجاوز الثلاثة:

الأوّل: الوجوب مطلقاً، كما عليه ظاهر الفقه الرضوي وظاهر الكافي للحلبي.

الثاني: عدمه مطلقاً، كما عليه السرائر، وقال ردّاً على الحلبي: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً والأصل براءة الذمة.

الثالث: التفصيل، بين المحتسب وغيره، فيجب في الثاني دون الأوّل، لصحيحة علي بن مهزيار قال: والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن .(1)

وما ذكره ابن إدريس غير تام لندرة هذا النوع من الإرث وإنّما يتمّ في مطلق الميراث ونحن لا نقول به، والدليل الوحيد هو الحديث.وما ربّما يقال: من عدم صدق الفائدة في الإرث المرجو فلا يصدق على الوارث أنّه غنم إذ عدم الترقّب


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(294)

والرجاء كأنّه مأخوذ في صدق عنوان الغنم خصوصاً في نسبته إلى الفاعل، غير تام، فلو صحّ ما ذكره لوجب عدم صدقه على ما يحصل من الإجارات والتجارات إذا كان الربح مرجوّاً كما هو الغالب، بل الوجه ـ مع صدق الفائدة ـ هو أنّ المسألة لمّا كانت عامة البلوى فلوكان الخمس ثابتاً لظهر وبان.

نعم صوّر المصنف الميراث غير المحتسب بما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات وكان هو الوارث له، لكن التصوير لا يتوقف على ذينك القيدين بل يمكن تصويره في الرحم القريب العائش معه في البلد فيما إذا كان أخ وله أولاد كثيرة وهلك الجميع ومات الأخ وورثه الأخ الآخر من غير احتساب، وما ذكره من التصوير، لبيان الفرد الواضح.

الوقف الخاص

ما يحصل من الوقف الخاص يملكه الموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول فيصدق عليه الغنم والفائدة فيشبه بالمال الموصى به إذا كانت الوصية تمليكية غير محتاجة إلى القبول، هذا إذا كان الحاصل بغير اختيار، وأمّا الحاصل منه مع الاختيار كالغرس والزراعة فيتعلّق به الخمس لكونه داخلاً في أقسام التجارة.

وأمّا الموقوف بوجه عام فلا يملكه الإنسان إلاّ بالقبض، كما إذا وقف ضيعة على العلماء والقرّاء، وما أكثر مصاديقها، فلا يجب على كلّ واحد منهم إلاّ إذا تملّكه بالقبض فلو زاد بعده يجب فيه الخمس كالخاص فيكون أشبه بالهبة، وأمّا النذور فبما أنّ الملكية تتوقّف على قبول المنذور له فيشبه الهدية، ويكون حكمها، حكمها.


(295)

عوض الخلع والمهر

إنّ في صدق الغنم والفائدة عليهما غموضاً، بل هو أشبه بتبديل شيء بشيء، فالمهر في مقابل البضع والتسلّط عليها بأنواعه، وهي وإن كانت تفوز بمال لكن في مقابل ماتبذل من رأس مالها، واللّه العالم إنّها نفعت أو خسرت. ويقابله الخلع فالرجل يرفع سلطانه على المرأة وتمتعه بها في مقابل عوض الخلع فأشبه بمعاوضة شيء بشيء، أضف إلى ذلك أنّه لو وجب الخمس فيهما لبان لكثرة الابتلاء بهما.

تعلّق الخمس بأُجرة الحجّ

إذا آجر نفسه للحجّ عن الغير وتملّك الأُجرة فلا شكّ أنّه لا يتعلّق الخمس قبل القيام بالحجّ، إنّما الكلام إذا صرف الأُجرة في الحج وفضل منها شيء فلا وجه لعدم تعلّقه به بعد صدق كونه من مصاديق ما يفوز به الإنسان ويستفيد.

نعم يظهر من صحيح محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن مهزيار عدم تعلّقه به مطلقاً. قال : كتبت إليه: يا سيّدي رجل دُفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ : «ليس عليه الخمس».(1) وبما أنّ التخصيص بعيد، لابدّ من تأويل الرواية بالحمل على الصورة الأُولى، وإن كان على خلاف الظاهر.

إكمال

إذا آجر نفسه أكثر من سنة واحدة وأخذ تمام الأُجرة، فيقع الكلام في


1 . الوسائل: ج6،الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(296)

وجوب تخميس تمام ما أخذ، أو إتمام ما بقي إذا صرف شيئاً منه في مؤنة سنته، أو لا يتعلّق إلاّ بما يقابل عمل السنة الأُولى، وأمّا ما يقابل عمل السنة الثانية فلا يتعلّق به الخمس إلاّ بعد انقضاء السنة الثانية.

ومثله ما إذا آجر نفسه للحجّ في السنة القادمة وأخذ الأُجرة بتمامها، فهل يتعلّق الخمس بما أخذ، أو بما بقي منه في السنة الأُولى قبل أن يحجّ أو لا يتعلّق، إلاّ إذا انقضت السنة الثانية وفضلت الأُجرة بتمامها أو ببعضها عن مؤنة سنتها؟

الظاهر هو الثاني لأنّ ما يتعلّق بغير السنة الأُولى لا يوصف بالغنم والفائدة، بل هو مدين في مقابل الأُجرة الباقية نظير ما إذا استدان ولم يصرفه إلى نهاية السنة والمتبادر من موثقة سماعة «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(1) ما إذا خلص الباقي، ولم يتعلّق بذمة المكلّف في مقابله دفع مثله أو عمل، وهذا في الوضوح بمكان.

إتمام الكلام ما إذا آجر داره سنتين وأخذ تمام الأُجرة بتمام أنّه لا يعدّ ديناً بل خلص له الأُجرة في السنة التي آجر الدار وإن كانت الأُجرة مقسطة على الانتفاع من الدار سنتين، فلا يبعد تعلّق الخمس به باستثناء الخسارات التي تتوجه إلى الدار طيلة الاستفادة منها فلا يصدق على تمام الأُجرة أنّه فائدة وغنيمة بل قسم منه ما يتدارك به خسارة الدار.

وربّما يقال باستثناء ما يوجب نقصاً في مالية العين ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة تسوى بأقل منها لو لم تكن مسلوبة، فكانت تقوم الدار بألف ومع السلب بثمانمائة فلو أجر الدار سنتين بأربعمائة دينار، وصرف مائة دينار في مؤنة السنة الأُولى، وبقي له ثلاثمائة دينار، فلا يتعلّق الخمس إلاّ بمائة دينار، لأنّ المائتين منها يجبر به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة سنتين.(2)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8، من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
2 . مستند العروة الوثقى: 220ـ 221 بتلخيص، كتاب الخمس.


(297)

المسألة 50: إذا علم أنّ مورّثه لم يؤدّ خمس ما تركه وجب إخراجه سواء كانت العين الّتي تعلّق بها الخمس موجودة فيها، أو كان الموجود عوضها، بل لو علم باشتغال ذمّته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

يلاحظ عليه: أنّ انخفاص القيمة عند إجارة الدار أمر مؤقت ولذا لو انقضت مدة الإجارة تقوم بألف أيضاً أو أزيد فلا يعد مثل هذا خسارة إلاّ إذا باعها في نهاية السنة الأُولى بثمانمائة لا ما إذا أبقاها حتى انتهت الإجارة وصارت يعامل عليها بنفس القيمة الأُولى.واللّه العالم.

(*) لا يخفى، أنّه لو كان الخمس ديناً في ذمّة الميت يجب إخراجه مثل سائر الديون لقوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَو دين».(1)

إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة أو تبدل إلى عين أُخرى، فإن كان المورِّث ممّن لا يعتقد بوجوب الخمس فسيوافيك تحليله من جانب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، وأمّا إذا كان معتقداً فتساهل في دفعه فلا وجه للسقوط بالموت، فيتعلّق الخمس بالعين أو بدلها.

ولكن الكلام في صحّة المعاملة الواقعة عليها فيختلف حكمها حسب اختلاف المباني في كيفية تعلّق الخمس. ويظهر من قول المصنف: «بل كان الموجود عوضها» صحّة المعاملة مطلقاً، ولكنّها ليست على إطلاقها.

فنقول هنا صور:

1. إذا قلنا بتعلّقه بالعين على نحو الإشاعة أو الكلي في المعيّن، فلو كانت


1 . النساء:12.


(298)

المسألة 51: لا خمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة وإن زاد عن مؤنة السنة، نعم لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات.(*)

ـــــــــــــــــــــــــ

المعاملة في أثناء السنة فتصح، لأنّ له الولاية في تبديلها إلى جنس آخر أو إلى نقد.

2. إذا كانت المعاملة بعدها، وأمضاها الحاكم صحّت وانتقل الحقّ إلى العوض.

3. تلك الصورة ولكن لم يمضه فتبطل المعاملة بمقدار الخمس فله الرجوع إلى كلّ من البائع والمشتري لتوارد أيديهما عليها ، وبذلك يظهر أنّ قول الماتن قدَّس سرَّه : «لو كان الموجود عوضها» ممّا لا حاصل له على هذا المبنى، بل العوض مشترك بين البائع والمشتري وسهم أصحاب الخمس منحصر في المبيع.

4. إذا قلنا بتعلّقه عليه كتعلّق الحقّ، كحقّ المرتهن على العين المرهونة فالمعاملة بعد السنة فضوليّة، وإنّما تتنجّز بعد فكِّها عن حقّ أصحاب الخمس بأدائه من دون حاجة إلى إذن الحاكم، وأمّا إذا لم يؤدّ فالصحة موقوفة على إذن الحاكم حتى ينتقل الحقّ إلى العوض.

5. إذا قلنا بأنّ متعلّق الخمس هو المالية الكلية السيالة بين العين وعوضه وليست نفس المال بشخصه متعلّقة له ،فيصحّ البيع ويستقرّ حقّ أصحابه على العوض، وسيوافيك توضيحه.

(*) هذا على القول بجواز الإعطاء بما يزيد على سنة، وإلاّ فلا تتصور الزيادة ولا يملكها، نعم لو قتّر على نفسه أو أهدي إليه شيء في أثناء سنته يزيد ما أخذ على مؤنة سنته.


(299)

فيقع الكلام في تعلّق الخمس عليه، أو لا، لا شكّ في تعلّقه على نمائه كسائر النماءات كما إذا زادت الأنعام بالتوالد والتناسل، أو أثمرت الشجرة فزادت عن مؤنة سنته، فإنّ النماءات فوائد وعوائد لا تقصر عن سائر الفوائد والعوائد.

إنّما الكلام في تعلّقه بنفس ما أخذه خمساً وزاد عن مؤنة سنته، وقد استدل على عدم التعلّق بوجوه:

1. إنّه ملك للسادة والفقراء، فكأنّه يدفع إليهم ما يطلبونه فيشكل صدق الفائدة.

يلاحظ عليه: أنّه لامنافاة بين كونه ملكاً ومطلوباً لهم وبين تعلّق الخمس إذا زاد عن المؤنة كأُجرة الأجير وثمن المبيع فالكلّ ملك للأجير والبائع، ومطلوب لهم، مع أنّه يتعلّق بهما الخمس إذا زاد عن المؤنة.

2. ما رواه سهل بن زياد ـ و الأمر فيه سهل ـ عن محمّد بن عيسى (وليس المراد منه والد أحمد بن محمّد بن عيسى القمي، بل المراد منه هو ابن عبيد بقرينة نقل سهل عنه الذي اعتمد عليه النجاشي (1) وإن ضعّفه ابن الوليد استاذ الصدوق وقال: ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه) عن علي بن الحسين بن عبد ربّه الذي كان وكيلاً للإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ وكفى في الاعتماد عليه، قال: سرح الرضا ـ عليه السَّلام ـ بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحت إليّ خمس؟ فكتب: «لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخ(2)مس». أي فيما سهّل به صاحب الخمس.

لا شكّ أنّ المال المعطى لم يكن من ماله الشخصي، وإلاّ لم يقل فيما سرح به صاحب الخمس، فالتعليق يدل على أنّ المال كان من الخمس، إنّما الكلام هل


1 . رجال النجاشي: ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى برقم 940.
2 . الوسائل: ج6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(300)

كان عمله من باب تطبيق الكلي على الفرد، والعنوان على المعنون، وأنّ الآخذ كان من أصحاب الخمس فعند ذلك يدلّ على الحكم المطلوب وأنّ المال إذا ملكه شخص من باب الخمس فلا خمس فيه إذا زاد عن مؤنته؟

أو كان المال من أموال الخمس لكن الإمام أعطى له هديّة تسهيلاً وعندئذ لا يدل على الحكم المطلوب وإنّما يدلّ على أنّ الهدية من أصحاب الخمس لا خمس فيه. لا كلّ مملوك من باب الخمس لا خمس فيه؟

وبعبارة أُخرى: هل الإمام بعطائه حاول تطبيق آية الخمس على موردها، أو أنّه حاول تسريح وكلائه بالخمس فأهداه شيئاً من مال الخمس ولاية؟ فعلى الأوّل يدل على المطلوب وأنّ المأخوذ خمساً لا خمس فيه، وعلى الثاني يدلّ على أنّ المملوك من مال الخمس هديّة لا خمس فيه.

نعم لا يدل على عدم الخمس إذا أهداه من أموالهم الشخصية، والرواية ظاهرة في الصورة الثانية.

3. قوله ـ عليه السَّلام ـ في مرسلة حمّاد: «وليس في مال الخمس زكاة».(1) وذلك بتنقيح المناط فلا خمس في مال الخمس.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه أشبه بالقياس ـ أنّ الاستدلال بالحديث ناش من الغفلة عمّا في ذيله فهو يوضح المراد من الجملة، وحاصله أنّ عدم تعلّق الزكاة بمال الخمس لأجل كفاية الزكاة لرفع حاجة الفقراء، فلا فقير بعد الزكاة حتّى تتعلّق الزكاة بمال الخمس، ولذلك لم يكن على مال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والولي ـ عليه السَّلام ـ زكاة، لأنّه لم يبق فقير محتاج كما أنّ الخمس أغنى أقرباء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلم يبق فقير منهم ببركة الخمس فالخمس أغناهم عن كلّ شيء سواه.

وأين هذا من الدلالة على عدم تعلّق الخمس بالمأخوذ خمساً إذا زاد عن


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.


(301)

المسألة 52: إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّاً فإن أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن ويرجع هو على البائع إذا أدّاه، و إن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع، وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات، وإن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله.(*)

ــــــــــــــــــــــــ

المؤنة؟ وعلى الجملة فلم نجد دليلاً صالحاً على عدم تعلّق الخمس بالمال المأخوذ خمساً، إلاّ إذا كان المأخوذ عطاء من صاحب الخمس منه وهدية من صاحب الولاية، والمتعارف عند الدول أخذ الضرائب عن الموظفين الذين يعيشون بالضرائب التي يدفعها الناس إلى الدولة وهي تحرسهم بها.

وعلى كلّ تقدير فقول الماتن:« أو الصدقة المندوبة » فالتقييد بالمندوبة خال عن الوجه، بل الواجبة كالكفّارات و المندوبة سواء، والتشكيك في صدق الفائدة بالنسبة إلى الخمس والزكاة والنماءات غير المقصودة، كما ترى.

(*) ما ذكره مبني على القول بالشركة سواء كان بنحو الإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، فإن أمضاه يتخيّر في الرجوع، فله أن يرجع إلى البائع كما أنّ له أن يرجع إلى المشتري، فلا يتعيّن الرجوع إلى الثاني كما هو ظاهر المتن لترتب أيديهما على المبيع، وإجازة البيع ليس بمعنى رفع الضمان، كما أنّه مع عدم الإمضاء إنّما يرجع إلى المشتري إذا كانت العين باقية، فأمّا إذا تلفت فله أن يرجع إلى أحدهما بالبدل مثليّاً كان أو قيميّاً لجريان أيديهما عليه.

هذا كلّه على القول بالشركة أو الكلي في المعيّن، وأمّا على القول بأنّ تعلّق الخمس عليه كتعلّق حقّ المرتهن على العين المرهونة فهنا صور:


(302)

المسألة 53: إذا كان عنده من الأعيان الّتي لم يتعلّق بها الخمس أو تعلّق بها لكنّه أدّاه فنمت و زادت زيادة متّصلة أو منفصلة وجب الخمس في ذلك النماء. وأمّا لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم يجب خمس تلك الزيادة لعدم صدق التكسّب، ولا صدق حصول الفائدة. نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن، هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة و رأس مالها كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، وأمّا إذا كان المقصود الاتّجار بها ، فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. إذا أدّى الخمس يتنجّز البيع، فيكون من مصاديق من باع ثمّ ملكه، أي تسلّط على البيع الصحيح كما في المقام بلا حاجة إلى إذن الحاكم.

2. إذا لم يؤدِّ وأمضاه الحاكم مطلقاً، فلا تكون العينُ ولا العوض متعلّقاً للحقّ.

3. تلك الصورة لكن أمضاه مشروطاً بأداء الخمس تكون العين متعلّقاً للحقّ لدى المشتري.

4. إذا لم يؤدّ ولم يمضه، يكون حكمه حكم الثالثة، وأمّا على القول بأنّ المشاع هو المالية الكلية فتصح المعاملة ويكون العوض متعلّقاً للخمس على النحو المفروض.

ثمّ إنّ الظاهر من النص الوارد في باب الزكاة صحّة المعاملة إذا باع العين الزكوية بلا أداء زكاتها.(1)


1 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


(303)

أمكن بيعها وأخذ قيمتها.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

(*) الزيادة إمّا أن تكون عينيّة أوحكميّة راجعة إلى زيادة قيمتها السوقيّة من دون زيادة في العين.

ثمّ الزيادة العينيّة، تارة تكون متصلة كالنموّ في الأشجار، والسمن في الحيوان، والصوف في الغنم; أو منفصلة كالفواكه واللبن، وعلى ذلك يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في الزيادة العينية المنفصلة.

الثانـي: في الزيادة العينيّة المتصلة.

الثالث: في الزيادة الحكمية لأجل ارتفاع القيمة السوقية.

الأوّل: الزيادة العينية المنفصلة

لا شكّ في تعلّق الخمس بالزيادة العينية المنفصلة عند حلول السَّنة، لأنّها غنيمة وفائدة فلو قلنا بكفاية ظهور الربح في تعلّق الوجوب، فيتعلّق عنده وإلاّ فعند الانضاض.

الثاني: الزيادة العينية المتصلّة

إنّ في الزيادة العينية المتصلة كالسمن في الغنم والنمو في الشجر، وجوهاً واحتمالات:

1. ما حكم به الماتن من تعلّقِ الخمس بها من غير تفصيل، وجهه: صدق حصول الفائدة حيث كان فاقداً لها، حيث كان الشجر فسيلاً فصار شجراً كبيراً،


(304)

وكان الحيوان سِخالاً، فصار غنماً.

2. ماأفاده السيّد الاصفهاني في تعاليقه على المتن من التفصيل، بين ما إذا كان المقصود من إبقائها الانتفاع والتكسب بعينها كالأشجار غير المثمرة التي يُنتفع بخشبها وما يقطع من أغصانها وكالأغنام الذكور التي تبقى لتُسمن فينتفع بلحمها، فيجب الخمس في نمائها المتصل، وأمّا ما كان المقصود، الانتفاع والتكسب بنمائها المنفصل كالأشجار المثمرة والأغنام الاناث التي ينتفع بنتاجها ولبنها فإنّما يتعلّق الخمس بنمائها المنفصل دون المتصل.

3. عن الماتن في المسألة 55 تفصيل آخر، وحاصله، التفصيل بين من عمّر البستان للانتفاع بثمرها وتمرها، لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان، فالظاهر وجوب الخمس في نموّ أشجاره ونخيله والفرق بين التفصيلين واضح، فالأوّل يعتمد على التفصيل بين كون نفس النمو مقصوداً بالذات فيتعلّق بالنمو، وبين كون النمو مقصوداً بالتبع وكان الثمر والنتاج مقصوداً بالذات فلا يتعلّق بالنمو، والثاني يعتمد على التفصيل بين كون تأسيس البستان للتجارة بأصله وبيعه ومبادلته بشيء آخر، فيتعلّق بنموِّه، وبين إبقائه والانتفاع بثمره فلا يتعلّق بنموّه.

والظاهر عدم تعلّق الخمس بها في جميع الصور مطلقاً، إلاّ إذا حال وقت الانتفاع.

توضيحه: إنّ الميزان صدق الفائدة والعائدة لما عرفت من عدم اعتبار التكسب في لزوم تعلّق الخمس، فالكبرى مسلّمة، وإنّما البحث في الصغرى، وصدقها على الزيادة المتصلة مطلقاًحتى وإن لم يصل أوان الانتفاع، فالظاهر أنّه لا يعدّ النموّ في الأشجار فائدة إذا لم يصل وقت الاستفادة، ومثله السمن فلا يعدّ من الفوائد إلاّ إذا حان وقت القطع وبيع الحيوان ولأجل ذلك جرت السيرة على


(305)

عدم محاسبة النمو والسِمَن في كلّ سنة من غير فرق بين كون الهدف هو الانتفاع بنموها أو بثمرها من غير فرق بين كون الغاية من التأسيس هو الاتّجار بأصلها أو الانتفاع بثمرها فلا يعدّ النمو من المنافع إذا لم يَحِن وقت الانتفاع به كقطع الشجر للبيع والحيوان للبيع.

والحاصل: أنّ النمو والسمن وكلّ زيادة متصلة لا يعدّ من العوائد السنوية إلاّ إذا حان وقت الانتفاع منهما على ما عرفت وذلك فيما ساعدت الظروف لبيع نفس الشجر والحيوان لاما إذا اقتضى بقاءهما على حالهما.

وأمّا التفصيلان فلا يرجعان إلى محصل فانّه إذا حان وقت الاستفادة من الزيادة المتصلة، عُدّت من العوائد والغنائم سواء كان النمو هو المقصود أو غيره وسواء كان التأسيس بنيّة الاتّجار بأصله أو الانتفاع بثمره، إذ الأثر مترتب على صدق عنوان الغُنْم والفائدة ولا يتحقّقان إلاّ إذا حان وقت الانتفاع وإنّما ذهبوا إلى هذا التفصيل بتصوّر أنّه يجب دفع الخمس في كلّ سنة سواء حان وقت الانتفاع أم لا.

هذا من غير فرق بين تملك الأصل عن طريق الميراث أو الإحياء أو لأجل الصداق أو عوض الخلع أو عن طريق الشراء فلا شكّ أنّه يصدق على الزيادة العينية أنّـها فائدة مطلقاً أو إذا حان وقت الانتفاع بها، على ما مرّ، وعلى ما ذكرنا في تعلّق الخمس عند وقت الانتفاع، لا فرق بين القول باختصاص الخمس بالتكسب أو عموميته له ولغيره، وذلك لصدق العنوان المزبور، عند بيع الأشجار والأغنام التي كبرت أو سمنت.

ولا ينافي ذلك ما سيوافيك من أنّ وقت تعلّق الوجوب هو ظهور الربح، لا وجوده أي انضاضه. وذلك لأنّ الشيء إذا كان ممّا لا يباع إلاّ بعد مضيّ سنين، ففي مثله لا يصدق ظهور الربح عرفاً (وإن كان يصدق عقلاً) إلاّ إذا حان وقت


(306)

بيعهما على وجه يصير المطلوب حفظ المالية لا بصورته الشخصية ولأجل ذلك اقتصرنا بما إذا حان وقت بيعه. فتلخّص أنّه يخمس كلّ زيادة متصلة إذا حان وقت البيع، من غير فرق بين كون المطلوب هو النمو، أو الثمرة.

الثالث: في الزيادة الحكمية

إذا أدّى خمسَ الأصل أو ملك وكان ممّا لا يتعلّق به الخمس كما إذا ورث ثمّ عالت القيمة السوقية من غير زيادة في العين، فقد قسّمه الماتن إلى قسمين:

الأوّل: فيما إذا كان المقصود هو صيانة ماليته وخصوصيته والانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، كما إذا اشترى بستاناً ليتّجر بثمرها، أو سيارة ليوجرها وهذا ما يعبّر عنه بالاقتناء كان الانتفاع لسدّ الحاجة أو لازدياد الثروة فقال الماتن: لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن إذا باعها. فلا يتعلّق بها الخمس إلاّ إذا باعها فيتعلّق الخمس بتلك الزيادة من الثمن.

الثاني: إذا كان المقصود هو التحفظ على ماليّته دون الخصوصية كما إذا كان المقصود الاتّجار بها فيتعلّق الخمس بالزيادة بعد تمام السنة عند بيعها.

الصورة الأُولى: في الانتفاع بنمائها

إذا كان الهدف هو التحفظ على الخصوصية العينية لا إبدالها وبيعُها فارتفاع القيمة ونزولها لا يعدّ نفعاً ولا ضرراً نظير ارتفاع قيمة البيت الذي يسكنه الإنسان و يعدّ من المؤنة فلا يعدّ الارتفاع انتفاعاً ولا النزول ضرراً.

هذا إذا كان الأصل ممّا لم يتعلّق به الخمس أو تعلّق به ولكنّه أدّاه، وإلاّ فلا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة لوضوح أنّ تمام العين متعلّق للخمس بنحو من الأنحاء وإذا ارتفعت قيمة أربعة أخماسها ارتفعت قيمة خمسها، فيجب الخروج


(307)

عن عهدة التكليف بأداء خمس قيمتها الفعلية.

يلاحظ عليه: أنّه بإطلاقه غير تامّ ، وذلك لأنّ الادّخار قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحياء أو بالنكاح كالمهر فربّما يصحّ أن يقال لم يربح شيئاً إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر فقد كان مالكاً للبستان قبل عشرين سنة والآن أيضاً ملكه، زادت قيمته أو نقصت، وذلك لأنّه لا يتعلّق الخمس بالإرث مطلقاً وإن بقيت التركة وزادت قيمته، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإطلاق، نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن هذا، ويتعيّن ما علّقه السيد البروجردي عليه بقوله، لكن الأقوى عدمه إذا كان المقصود ما ذكرناه من الصورة .

وقد يفرض فيما إذا ملك بالمعاوضة أو بالثمن والظاهر أنّه محط نظره لقوله: «لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة في الثمن» ففي مثله الأقوى تعلّق الخمس لصدق الفائدة بالتبديل، وعلى ذلك لا يصحّ ما ذكر السيد البروجردي في المقام.

وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده السيد الحكيم من التفصيل بين ما إذا ملكها بغير معاوضة فباعها كما لو ورثها فباعها أو وهبت له فباعها فلا يتعلّق الخمس بالزيادة، وبين ما إذا كان ملكها بالمعاوضة للاقتناء فزادت قيمتها فباعها بأكثر من الثمن وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة.(1)

وعلى ذلك فيدخل فيه ما إذا ملكها من طريق الإحياء أو كانت صداقاً أو عوض الخلع فلا يتعلّق بالزيادة خمس وإن تحقّق البيع.

والتفصيل مبني على ما ذكرنا من أنّه إذا ملكها بالمعاوضة يصير ما دفعه من العوض مأخذاً للحكم بالغنم والخسران، دون ما إذا ملكه بغير هذا الطريق فليس هنا أساس للحكم بأحدهما، وليس البيع عندئذ إلاّ تبديل مال الإرث بغيره، ولا


1 . المستمسك: 9/527.


(308)

يطلق على مثله الفائدة، فلو باع العين بأعلى الثمن لا يصدق عليه أنّه استفاد شيئاً، بل بدّل عيناً مكان عين أُخرى لا أنّه ربح وغنم.

اللهمّ إلاّ أن يقال إنّه إذا كان الميزان في صدق الغنم والفائدة هو قيمة العين يوم ورث أو وهب، فإذا زادت بعد سنين، فلماذا لا يعدّ الزيادة غنماً وفائدة عند البيع؟ ولولا اتّفاقهم على عدم الخمس في الميراث والأرض المحياة عند ارتفاع القيمة لكان للتأمّل في هذه الصورة مجال.

وربّما يفصّل في صورة الادّخار بين ما إذا باعها بجنس الثمن الذي اشترى به كما إذا اشترى الغنم بخمسين ديناراً لينتفع من ألبانها وأصوافها ثمّ باعه بمائة، فيتعلّق الخمس بالخمسين، وما إذا باعها بغيره كما إذا باعه بالبقر فلا يتعلّق به الخمس في الصورة الثانية، لعدم صدق الزيادة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الميزان هو المالية فلا فرق فيما إذا ملك من طريق الاشتراء بين بيعها بالثمن الذي اشتراه أو بغير ذاك الثمن من النقود أو بالعروض فالميزان ارتفاع ماليته ولا نظر إلى الخصوصية من الريال والدولار أو اللّيرة أو العروض.

فما عن السيد الحكيم من التفصيل ـ بين ما إذا اشتراها للاقتناء فباعها بغير الثمن، كما إذا اشترى فرساً بدينار فباعها ببقرة أو بدراهم مع زيادة قيمتها فلا خمس عليه لعدم الزيادة المالية، وبين ما إذا باعها بأكثر من الثمن الذي اشترى به وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة(2) ـ غير تام.

الصورة الثانية: في الاتجار بنمائها

إذا كان المقصود الاتجار بنمائها فيتعلّق الخمس إذا باعها وأخذ قيمتها.


1 . المستمسك:9/527.
2 . المستمسك:9/527.


(309)

المسألة 54: إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة، لعدم تحقّقها في الخارج، نعم لو لم يبعها عمداً بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) وحاصله، التفصيل بين النزول بعد الارتفاع في أثناء السنة أو بعد السنة فلا يضمن في الأوّل، لعدم تحقّق الزيادة في الخارج دون الثاني.

ويرد على تعليل عدم الضمان في الصورة الأُولى «لعدم تحقّقها في الخارج» بأنّها كيف لم تتحقق مع أنّ المفروض ارتفاع قيمة العين أثناء السنة وإن نزلت قبل انتهائها؟ والأولى، التعليل بكونه مأذوناً في الإبقاء وعدم البيع إلى آخر السنة والإذن فيه آية عدم الضمان.

وإن شئت قلت: إنّ الفائدة تحقّقت لكن لم تستقر إذ الاستقرار عبارة عن بقاء العين على تلك الحالة إلى أن تتم السنة.

ثمّ إنّ الضمان في الصورة الثانية، أي نزول القيمة بعد السنة لابدّ له من وجه، وليس هو إلاّ قاعدة الإتلاف بصوره المختلفة:

1. إتلاف ذات العين.

2. إتلاف منافعها كجنس الدابة المعدة للإكراء.

3. إتلاف صفاتها الصحية أو الكمالية على ما قوّيناه من ضمان الصفات مطلقاً.

4. إتلاف ماليّته، كغصب الثلج في الصيف وأداء مثله في الشتاء، أو ردّ النقود عند سقوطها عن الرواج، والكل غير متحقق في المقام، وإنّما المتحقّق هوحبسها عند وجود الرغبة الأكيدة ودفعها عند قلّتها، فليس ذلك من مواردها


(310)

حتى في الغصب، فكيف في المقام؟ فلو غصب الدابة عند ارتفاع قيمتها ودفعها بعد نزول قيمتها صحيحة فلا يكون ضامناً للزيادة.

ثمّ إنّ القول بالضمان على الوجه الثالث (تعلّقه بالذمة وكون العين كالرهن) مبني على تعلّق وجوب الخمس بظهور الربح، وهو أمر غير مسلّم عندهم.

1. قال صاحب الحدائق: وهل يكفي ظهور الربح في أمتعة التجارة أم يحتاج إلى البيع والانضاض؟ وجهان ولعلّ الثاني هو الأقرب.(1)

2. وقال المحقّق الهمداني: ولا عبرة بزيادة القيمة السوقية، لأنّها أمر اعتباري لا يعدّ ربحاً بالفعل، ولذا يقال عرفاً: إنّه لو باعه بتلك القيمة كان يربح فمتى باعه بأكثر من رأس ماله دخلت حينئذ في الأرباح.(2)ولكن صريح الشيخ الأعظم خلاف ذلك، فقال: ثمّ إنّ الظاهر تعلّق الوجوب بمجرّد ظهور الربح من غير حاجة إلى الانضاض فتصدق الاستفادة بمجرّد ذلك.(3)

وهو الظاهر من صاحب الجواهر قال: ثمّ لا فرق في الربح بين النماء والتولد وارتفاع القيمة ولو للسوق كما صرّح به في الروضة وغيرها لصدق الربح والفائدة، لكن في المنتهى ـ واستجوده في الحدائق ـ: «لو زرع غرساً فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب عليه الخمس في الزيادة، أمّا لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه ولم يبعه لم يجب عليه».(4)

ويظهر من تعاليق السيد المحقق البروجردي عدم تعلّق الوجوب إلاّ


1 . الحدائق:12/354.
2 . مصباح الفقيه:14/124.
3 . الخمس: 195.
4 . الجواهر:16/57.


(311)

المسألة 55: إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله.(*)

ــــــــــــــــــــــــ

بالبيع.

والحقّ أنّ المسألة مبنية على كيفية تعلّق الخمس بالعين، ويتفاوت الحكم بالضمان مع تفاوت المباني، فلو قلنا: بأنّ الخمس يتعلّق على العين بالإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، وأنّ السادة شركاء في العين، فلا وجه للضمان، لبقاء العين، وليس ارتفاع القيمة إلاّ زيادة اعتبارية تتصف بها العين اعتباراً بارتفاعها ونزولها.

ولو قلنا: بتعلّقه بالذمّة المحضة، أو بها مع كون العين متعلّقة له كتعلّق حقّ المرتهن بها، فللضمان وجه، لأنّه استقر خمس القيمة المرتفعة على الذمّة حسب الفرض عند انتهاء السنة.

ولو قلنا: بأنّ متعلّقه هو خمس مالية العين بلا تعلّقه بالذمّة، ولا يتجدّد إلاّ بتبديل العين إلى القيمة والمفروض عدمه، فلا وجه أيضاً للضمان كما لا يخفى، لبقاء ماليّة خمس العين.

(*) لا يخفى أنّ ما أفاده في المقام من التفصيل بين كون قصده من تعمير البستان الاقتناء والتحفظ بالأعيان والانتفاع بالثمر، وبين كون قصده هو الاكتساب بأصل البستان، ينافي ما تقدّم منه في المسألة (53) من الحكم بالخمس في الزيادة المتصلة من غير تفصيل موجود هناك.


(312)

المسألة 56: إذا كان له أنواع من الاكتساب والاستفادة كأن يكون له رأس مال يتّجر به، وخان يؤجره، وأرض يزرعها ، وعمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤنته.(*)

ــــــــــــــــــــــ

ثمّ إنّ البستان الذي ينتفع من ثمره مع التحفظ على عينه، تارة يعدّ من المؤنة، كما إذا انتفع هو وعائلته من ثمار البستان واستغنوا بذلك عن اشترائها من السوق، وأُخرى يكون معدّاً للاتجار كبيع ثمارها في السوق فيتجر بمنافعه دون أعيانه كالسائق الذي يكتسب بأُجرة السيارة، فالظاهر تعلّق الخمس في كلا القسمين بالزيادة العينية إذا حان وقت قطع الشجر، وكون الثمرة مؤنة لا يكون سبباً لعدم تعلّقه بالأصل إذا عدّت فائدة، كما إذا أراد قطع أشجار البستان وتبديلها إلى أرض زراعية.

(*) كان المناسب أن يذكر المصنف هذه المسألة والمسألة الرابعة والسبعين معاً، لأنّ روح المسألتين واحدة، وإنّما الاختلاف في جهة البحث فإنّها في المقام عبارة عن كيفية محاسبة المؤنة، وفي المسألة الثانية جبران الخسران. وعلى أيّ حال يمتاز خمسُ الأرباح عن سائر ما يتعلّق به الخمس بتعلّقه على ما زاد عن مؤنة الشخص في السنة بخلاف غيره فلا تستثنى منه مؤنة الشخص، وإنّما يتعلّق بنفس الخارج عن المعدن وغيره بعد وضع مؤنة الإخراج والتحصيل، وسيوافيك أنّ اعتبار الحول هنا ليس بمعنى توقف الوجوب على مضيّ الحول، بل بمعنى جواز تأخير إخراجه احتياطاً له، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أو نقصها.


(313)

وعندئذ فلو كان للكاسب نوع واحد من الكسب، فلا شكّ في أنّ الفاضل من المؤنة يتعلّق به الخمس، وأمّا إذا كان له أنواع من الاكتساب وأصناف من الأرباح المختلفة من حيث الزمان، فهل يضم بعضها إلى بعض ويحسب المجموع ربحاً واحداً لسنة واحدة وتستثنى المؤنة من مجموع تلك الأرباح أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله ولكل سنةٌ مستقلة؟

وعلى ذلك فلو ربح في النصف الأوّل من العام مبلغاً من التجارة وتوقف أمره، وربح من الزراعة في النصف الثاني من السنة، فلو قلنا بملاحظة كلّ ربح مستقلاً فالمؤنة المصروفة بين الربحين تستثنى من الربح الأوّل فقط ولو كان غير واف بها فلا يجبر من الثاني، والمؤنة المصروفة في النصف الثاني إلى آخر السنة تستثنى من كلا الربحين كما أنّ المؤنة المصروفة في النصف الأوّل من السنة الثانية تختص بالربح الثاني.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام فللمجموع سنة واحدة تنتهي بانتهاء السنة الأُولى أو بدخول الشهر الثاني عشر على الخلاف الآتي، فالمؤنة تُستثنى من مجموع الربحين ومؤنة السنة الثانية تستثنى من الأرباح الحاصلة فيها; وممن اختار القول الأوّل هو الشهيد في الروضة حيث قال: ولو حصل الربح في الحول تدريجاً اعتبر كلّ خارج عام بانفراده، نعم تُوزَّع المؤنة في المدّة المشتركة بينه و بين ما سبق عليها ويختص الربح المتجدّد بالباقي.(1)

وعلى ذلك فلو ربح في كلّ شهر مقداراً قليلاً صرفه في مؤنته، ولكنّه ربح في الشهر الآخر أضعافاً مضاعفة لا يتعلّق الخمس إلاّ بعد مضي أحد عشر شهراً عليه، بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام، فإنّه يتعلّق به وتتم السنة بانتهاء ذلك الشهر.


1 . الروضة البهية: 1/182، كتاب الخمس.


(314)

وعلى كلّ تقدير فالانضمام هو الأظهر .و ربّما يستدل عليه بقوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» حيث يستظهر منه أنّ مجموع الغنائم تلاحظ غنيمة واحدة والأرباح ربحاً واحداً، وعند ذلك تخرج المؤنة من المجموع.

يلاحظ عليه: الفقرة المزبورة ليست في مقام بيان انضمام الفوائد بعضها إلى بعض أو لحاظها مستقلاً، بل هو بشهادة السياق في مقام بيان أنّه ـ عليه السَّلام ـ لم يسقط خمس الغنائم والفوائد بل أوجبه في كلّ عام بخلاف غيره فقد خفف فيه الأمر بل أسقط خمس البعض واكتفى في بعضها الآخر بنصف السدس، وأمّا كيفية ملاحظة العام في الفوائد فليست بصدد بيانها.

والأولى أن يقال: إنّ المستثنى من الخمس إذا كان هو مؤنة السنة بصورة وحدانية لا «مؤنات» فهو ملازم عرفاً كون المستثنى منه أيضاً هو ربح السنة بهذه الصورة، ولازم ذلك انضمام الأرباح بعضها إلى بعض وإخراج المؤنة عن الجميع، ويوافقه الاعتبار العرفي، فالضرائب الموضوعة على أرباح الكسبة والتجرة عند الدول في كلّ سنة على أساس ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض ووضع المؤنة من الكل لا محاسبة كلّ ربح مستقلاً وتتبعه المؤنة.

وربما يستدل على القول الآخر بموثقة سماعة قال : سألت أبا الحسن عن الخمس؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1)حيث إنّ المستفاد انحلال الحكم، فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس، كما هو الحال في المعادن والكنوز(2).

يلاحظ عليه: بأنّه بصدد بيان أنّه لا فرق في متعلّق الخمس بين القليل والكثير، وأنّه يتعلّق بكلّ شيء لا أنّ كلّ ربح في أثناء السنة موضوع مستقل.


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
2 . مستند العروة الوثقى: 241، كتاب الخمس.


(315)

المسألة 57: يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره فلو اشترى شيئاً فيه ربح و كان للبائع الخيار لا يجب خمسه إلاّ بعد لزوم البيع ومضيّ زمن خيار البائع.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

أضف إلى ذلك أنّ لحاظ المؤنة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب العسر فيمن يربح وقتاً دون وقت وربّما يتخلل الفصل الطويل وأُخرى الفصل القصير وإن لم يكن كذلك فيمن يربح كلّ يوم تقريباً أو في فترات يسيرة، فإنّ أقصى ما يلزم في هاتين الصورتين أداؤه قبل انتهاء السنة وهو أمر جائز، وإنّما يسوغ التأخير إلى نهاية السنة احتياطاً للمكتسب لاحتمال تجدد مؤنة غير مترقبة عند ظهور الربح.

(*) الرائج في البيع الخياري هو بيع العين بأقلّ من القيمة العادية، لأنّ تزلزل العقد يوجب عدم الرغبة إلى شرائها بقيمتها الواقعية ، و مع ذلك لا يصدق الربح ولا يقال إنّ المشتري ربح في حال كون العقد في معرض الزوال والتزلزل.

لكنّ هنا أُموراً يجب التنبيه عليها:

1. هل المراد الاستقرار الشرعي بانقضاء الخيار أو بإسقاطه في ضمن عقد لازم، أو يكفي الاستقرار العرفي؟ كما إذا علم المشتري بعدم قدرة البايع على ردّ مثل الثمن أو انتقاله إلى بلد ناء لا ينتفع بالخيار معه، ولا يبعد كفاية الاستقرار العرفي، إذ يصدق في العرف أنّه ربح وغنم.

2. أنّ ما ذكره من التزلزل إنّما يجري في أصل العين المشتراة ونمائها المتصلة وارتفاع القيمة، وأمّا المنافع المستوفاة فإنّما يتعلّق بها الخمس لو زاد على المؤنة، لكونها ملكاً للمشتري مطلقاً، لازماً كان العقد أو جائزاً، لكون العين ملكاً للمشتري وإن كان متزلزلاً ومنافعها المستوفاة له، خلافاً للشيخ حيث قال: يتوقف


(316)

المسألة 58: لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس إلاّ إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

ملكية العين ومنافعها على انقضاء زمان الخيار.

3. هذا كلّه إذا لم يتصرّف في العين، ولو باعها المشتري ـ بناء على جوازه ـ وإن كان الخيار للبائع لكونه ملكاً له فربح يتعلّق به الخمس، ولو فسخ البائع الأوّل فلا ينفسخ العقد الثاني، بل يجب على المشتري ضمانه بردّ مثله أو قيمته كما هو مقرّر في محلّه.

4. إذا كان العقد في السنة الأُولى في عام تجارته وصار مستقراً في السنة الثانية، فهل الربح من أرباح السنة الأُولى فيقسط مؤنتها عليه، أو من أرباح السنة الثانية فلا تقسط مؤنة السنة الأُولى عليه بل تستثنى منه مؤنة الأخير؟ وجهان، من وقوع العقد في السنة الأُولى والاستقرار أخذ بنحو الشرط المتأخر وقد حصل فيكشف عن إيجابه في الأُولى، ومن عدم صدقه إلاّ بالاستقرار وهو حصل في السنة الثانية، ولعلّ الثاني هو الأوفق بالاعتبارالعرفي وللسيد المحقّق الخوئي في المقام تفصيل آخر فلاحظ.

(*) حاصله أنّه إذا كانت الإقالة في أثناء السنة وكانت موافقة لشأن المقيل، فيعدّ الإعراض عن الربح بمنزلة الأُمور التي لا تعدّ إسرافاً وتبذيراً كالعطاء والهبة، وأمّا إذا لم يوافقه أحد الأمرين كما إذا كانت بعد تمامية الحول، أو كانت الاستقالة غير موافقة بشأنه فلا يسقط، لاستقرار الخمس في ذمّته في الأوّل، وكون الاستقالة إسرافاً وتبذيراً وخارجاً عن المؤنة المستثناة في الثاني.

ولكن الظاهر جواز الاستقالة في أثناء السنة مطلقاً للأمر بقبول الإقالة.


(317)

المسألة 59: الأحوط إخراج خمس رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة و يتّجر به يجب إخراج خمسه على الأحوط ثمّ الاتّجار به.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قد تضافرت الروايات والفتاوى على عدم تعلّق الخمس بالمؤنة، والكلام في المقام في تحديدها وأنّ رأس المال هل هو من المؤنة أو لا؟ وتحقيق المطلب فيه وفي نظائره يتوقف على البحث في أُمور:

1. المؤنة في اللغة

قد ورد لفظ «المؤنة» في غير واحد من الروايات كما ستوافيك، وهل هو أجوف واوي كما يظهر من ابن فارس حيث قال: «مؤن» الميم والواو والنون وهي المُؤن التي تمون عيالك، أي تقوم بكفايتهم وتتحمل مؤنتهم، والأصل موُنة بغير همزة.(1) وعلى ذلك فالفعل «مان يمون مؤنة».

أو مهموز العين كما يظهر من القاموس حيث قال: «مأن» بالهمزة وقال: مأن القوم: احتمل مؤنتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز «فالفعل مانهم».

وقال من ذاك الباب أيضاً: التموّن، كثرة النفقة على العيال ومأنه: قام بكفايته فهو مموِّن.(2)

وجعله في «اللسان» من كلا البابين وقال: مأن القوم ومأنهم، قام عليهم، ورجّح كونها في الأصل مهموزة.(3)


1 . المقاييس:5/286.
2 . القاموس المحيط:4/269 و 273 مادة «المأنة» و «التموّن».
3 . لسان العرب:13/369; مادة «مأن».


(318)

2. المؤنة في الروايات

قد ورد في غير واحد من الروايات عدم تعلّق الخمس بالمؤنة، وهي تطلق ويراد منها تارة مؤنة تحصيل الربح مثل ما يصرفه الإنسان في استخراج المعدن والكنز والغوص وما يبذله في طريق التجارة من النفقات، وأُخرى مؤنة سنة الإنسان وعياله ونفقاته ممّا به قوام حياته ومعاشه.

أمّا الأوّل فهو أمر واضح ولا إجمال فيه ولا يصدق الربح بدون استثنائها، وأمّا الثاني فهو أيضاً مسلم إجماعاً ونصّاً، إنّما الكلام في تحديدها، ولنذكر بعض الروايات:

1. عن علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزَكّي، فأخذ منه العُشر عَشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «لي منه الخمس ممّا يفضل عن مؤنته».(1)

والضمير في قوله: «لي منه» يرجع إلى قوله: «ستّون كرّاً» والمراد مؤنة سنته، والرواية دالة على أنّ ما يصرف في عمارة الضيعة ولو لأجل تحصيل الربح في غير سنة الربح، مستثنى من الخمس، حيث إنّ ما صرفه في عمارة الضيعة يرجع إلى غير سنة الربح.

2. عن علي بن مهزيار قال، قال لي أبو علي بن راشد (الثقة) قلت له: ...ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم.(2) و المراد به بقرينة ضمير الجمع مؤنة


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 و 3.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 و 3.


(319)

الرجل والعيال.

3. وفي مكاتبة الهمداني التي قرأها علي بن مهزيار الواردة في حاصل الضيعة وأنّ عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله وخراج السلطان.(1)

4. وفي مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : « ...فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك».(2)

نعم ورد في مكاتبة البزنطي إلى أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب:« بعد المؤنة».(3) كما ورد في توقعيات الرضا ـ عليه السَّلام ـ إلى إبراهيم ابن محمّد الهمداني أنّ الخمس بعد المؤنة، وهي مردّدة بين مؤنة التحصيل ومؤنة السنة.(4) ولعلّ ما حكاه محمّد بن الحسن الأشعري من كتابه لبعض أصحابنا، إلى أبي جعفر، وقد جاء فيه: الخمس بعد المؤنة، هو نفس رواية البزنطي، والاحتجاج بهما أو بها فرع وجود الإطلاق في لفظ المؤنة وعدم انصرافها في ذلك العصر إلى ما ينفق في تحصيل الربح.

3. المراد مؤنة السنة

المتبادر من المؤنة هو مؤنة السنة، وهو صريح كلمات الفقهاء، قال الشيخ: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤنة الرجل لنفسه ومؤنة عياله سنة.(5)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.
3 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
5 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.


(320)

وقال ابن إدريس:ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور بعد أخذها، ولا يعتبر مؤن السنة بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت تحتاج إلى ذلك.(1)

أقول: وقع لفظ السنة والعام في رواية علي بن مهزيار، قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّالزكاة التي فرضها اللّه عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول».

وقال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».

وقال: «فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته».(2)

وقد قارن المؤنة بخراج السلطان الذي يؤخذ كلّ سنة في رواية إبراهيم الهمداني.(3)

ولأجل هذه التعابير حمل الفقهاء، المؤنة على مؤنة السنة ولو أُريد ذلك فهو، وإلاّ فإرادة غيرها تحتاج إلى قرينة.

4. الآراء في تحديد المؤنة

ما هو المراد من المؤنة المستثناة؟ وقد عرفت أنّ القاموس فسرها، القوت، ومن المعلوم أنّه تفسير بأظهر الأفراد، فالمستثنى لا يختص بما يأكل بل يعمّ الملبس والمسكن ، ولذلك عمّمها في ذيل كلامه بـ «ما قام بكفايته» وبما أنّ الفرّاء فسره بالتعب والشدّة، والمازني بما ثقل على الإنسان ـ كما في اللسان ـ يكون المقصود: ما


1 . السرائر: 1/489، كتاب الخمس.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و4.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و4.


(321)

ينفقه الإنسان في سبيل حياته ويُحصِّله بتعب وشدّة، ثمّ أطلق على كلّ ما ينفقه في هذا الطريق من دون اعتبار تعب والقدر المتيقن ما ينفقه في مأكل نفسه وعياله، وملبسهم ومسكنهم وما يتوقف عليه قوام نظام معاده ومعاشه. فيدخل في الأوّل ما ينفقه في طريق واجباته، كما يدخل في الثاني، ما ينفقه في مأكله وملبسه ومسكنه وما يُنفقه في طريق الفرائض العرفية هذا هو القدر المتيقن.

ولكن الظاهر من الشيخ الأعظم هو كون النفقة أوسع من ذلك، قال الشيخ الأعظم في تفسيرها: ما يحتاج إليه الشخص في إقامة نظام معاده ومعاشه، ولو على وجه التكميل، غير الخارج عن المتعارف بالنسبة إلى مثله من حيث الغنى والشرف، فمثل الضيافات والهبات ممّا يتعلّق بالدنيا ومثل الزيارات والصدقات والإحسانات داخل في المؤنة بشرط عدم خروج ذلك من متعارف أمثاله.(1)

والأوّل أحوط والثاني أقوى.

ويدخل في ذلك ما لا يصرف ويبقى طيلة سنين، كالسجاجيد والظروف وما شابههما.

إنّما الكلام في إخراج رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به، فهل يجب إخراج خمسه ثمّ الاتّجار به أو لا؟ فيه وجوه:

1. تعلّقه مطلقاً.

2. عدم تعلّقه به كذلك.

3. التفصيل بين ما كان في نفسه محتاجاً إليه بحيث لولاه عاد فقيراً أو شاغلاً بشغل يعدّ نقصاً له فلا يتعلّق به.


1 . كتاب الخمس: 92.


(322)

وما إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان قادراً على الإعاشة من طرق أُخرى مناسبة لشأنه كالتعليم والخياطة والطبابة، فيتعلّق به.

4. التفصيل بين رأس مال يعادل مؤنة سنته وبين الزائد عليه، فلا خمس في خصوص الأوّل.

وجه الأوّل: واضح لأنّ المتفاهم من «المؤنة» ما يصرف و ينفق في ضروريات الحياة أو كمالاته، وأمّا رأس المال فهو وسيلة لتحصيل المؤنة وما يصرف، فلا تشمله الأدلّة، وقد عرفت من أصحاب المعاجم أنّه إذا كان من باب «مأن، يمون» يكون بمعنى «صرف يصرف» أو «أنفق ينفق» وقال في القاموس: التموّن عبارة عن كثرة النفقة على العيال، فكأنّه أخذ في مفهومه، الخرج والصرف ورأس المال ليس كذلك.

وبعبارة أُخرى: أنّ رأس المال إنّما يكون محتاجاً إليه في السنة اللاحقة، وأمّا سنة الربح فهو حاصل لديه غير محتاج إلى رأس مال آخر.

وجه الثاني: أنّ تخصيص المؤنة بما يصرف ينافي عدّ الأواني والفرش والشجرة المثمرة والبقرة إذا احتاج إلى ثمرتها ولبنها، من المؤنة. وعلى ذلك فكلّ ما يكون قواماً للحياة سواء كان ممّا يصرف أو سبباً لتحصيله، فهو من المؤنة.

ولا يخفى وجود الفرق بين المقام والأمثلة المعدودة منها، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه، فصرف الأواني والفرش باستعمالهما حتى تندرس، ولمّا كان الثمر و اللبن معددوين من أجزاء الشجرة والبقرة فالاستفادة منهما نوع إهلاك لهما تدريجاً بمرور الزمن، وهذا بخلاف المقام إذ الاسترباح بالاتجار مع حفظ رأس المال لا يعدُّ صرفاً له ونوع إهلاك له.

وجه الثالث: وهو خيرة أكثر الأعاظم، هو أنّه إذا كان محتاجاً إلى رأس المال بحيث لولاه لوجب الاشتغال بشغل لا يناسب شأنه أو تأمين حياته بالصدقات


(323)

والمبرّات، فيصير عندئذ كحُليّ المرأة والفرش والأواني المحتاج إليها.

والحاصل ، وجود الفرق بين ما إذا كان الاحتياج إليه لتحصيل المؤنة فقط مع تمكّنه من تحصيلها بطرق أُخرى ملائمة لشأنه، وبين انحصار الطريق بالاتجار برأس المال بحيث لولاه لعاد فقيراً أو شاغلاً بشغل لا يلائم، نعم لو كان أداء الخمس غير مخلّ بالاتجار بالباقي، يجب عليه الخمس بلا كلام.

وجه الرابع: إذا استفاد الرجل في أوّل السنة مقدار 360 ديناراً وفرضنا أنّ مؤنته كلّ يوم دينار واحد ولكن صرفه في المؤنة كما يمكن بصرفه كلّ يوم ديناراً، يمكن باشترائه سيارة ليعيش بأُجرته كلّ يوم ديناراً، وعلى ذلك فهو محتاج إلى صرف ذلك المبلغ بأحد الوجهين فلا موجب لتعين الأوّل، والخمس يتعلّق بمازاد على الحاجة.(1)

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يتم إذا حصل مثل ذلك الربح في بدايات السنة، فيقال: إنّ المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، فهو مخير بين أحد الأمرين ولا موجب لتعين الأوّل. وأمّا إذا حصل في أواخر السنة، فلا يتم، بل يتعلّق الخمس بما بقي من مثل ذلك الربح.

والنزاع في التعلّق وعدمه يدور حول تفسير المؤنة المستثناة، وهل هي تختص بما يصرف وينفق أو يعمّه؟ وما يتوقّف عليه تحصيل ما يصرف وينفق فعلى الأوّل يتعلّق به دون الثاني، ويمكن استظهار الوجه الثاني بوجوه:

1. ما رواه علي بن محمّد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ، ما يزكّي، فأخذ منه العُشر، عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستّون كرّاً ما


1 . مستند العروة الوثقى: 246، كتاب الخمس.


(324)

الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(1)

فقد فرض الراوي عدم تعلّقه على ما صرفه في عمارة الضيعة، والظاهر من الجواب بحكم السكوت عدم تعلّقه به حيث لم يردّ عليه، وأجاب بأنّه يتعلّق على الستين كرّاً بعد استثناء مؤنة الرجل، وليس الصرف في عمارة الضيعة ممّا ينفق بل ممّا يتوقف عليه تحصيله.

وبعبارة أُخرى: هذا المقدار ليس نفس المؤنة، بل ممّا يتوقف عليه تحصيلها.

2. ما في صحيحة أبي علي بن راشد، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده، فقال:« إذا أمكنهم بعد مؤنتهم».(2) حيث إنّ الإمام لم يتعرّض لخمس ما يتّجر به، وخمس أدوات الصناعة بل سكت عنه.

3. الاستئناس بما يصرفه في الملبس والمسكن والظروف والحلي لزوجته والخاتم لنفسه، فإنّ الجميع من باب واحد، وهو أنّه ليس فيه إتلاف العين وصرف المال، بل إبقاؤه إمّا بنفسه كما في رأس المال، أو إبقاؤه بصورة أُخرى ويجمع الكل توقف الإعاشة عليه من غير فرق بين أن يقدر على شغل آخر، لا يتوقف على وجود رأس المال وما لا يقدر، لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين الاكتساب برأس المال، أو الاشتغال بشغل غير موقوف عليه، وتعيين الثاني يتوقف على دليل.

نعم لو كان له مال آخر يصلح لأن يتّجر به، فلا وجه لإخراج رأس مال آخر عن تحت أدلّة الخمس.

فقد ظهر ممّا ذكر عدم اختصاص المؤنة بما يصرف و ينفق بل يعمّ ما يتوقف


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.
2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.


(325)

عليه تحصيل ما يُنْفَق، كرأس المال، وأدوات الإنتاج. وبالجملة ما يتوقف عليه نظام معاشه ويكون محتاجاً إليه بالفعل، ويعدُّ وسيلة لتحصيل ما ينفقه، فهو مؤنة. وبالجملة «رأس المال» برزخ بين صرف الربح وإفنائه، وبين حفظه وإيداعه في البنك خوفاً من الضياع، فهو لا من قبيل الأوّل ولا من الثاني، ولكنّه وسيلة ومقدمة لتحصيل ما ينفقه فهو في نظر العرف مؤنة.

ولو استطاع تحصيل ما ينفق من عمل آخر كالخياطة والكتابة، يكون المحتاج إليه هو الجامع بين العمل، والاتجار برأس المال فلا دليل على تعيّن الأوّل بل هو مخير بين العملين.

وأولى منه إذا كان محتاجاً في إعاشة سنته أوحفظ مقامه إلى تجارة متقومة بمجموعه بحيث إذا أخرج خمسه لزم التنزل إلى كسب لا يفي بمؤنته أو لا يليق بمقامه وشأنه.

نعم لو كان المخصص مجملاً وشكّ الفقيه في صدقه على مثل رأس المال، فالمرجع عموم العام، لعدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام، كما حقق في محلّه.

5. ما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية

هل تعمّ المؤنة لما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية، كصرف الربح في غرس الأشجار، وتسطيح الأرض وإصلاحه ليستغلّه في السنين الآتية ويعيش على فوائده ومنافعه، أو لا لعدم الحاجة إليه بالفعل؟

الظاهر من الشيخ هو التعميم، قال:والظاهر أنّه لا يشترط التمكّن من تحصيل الربح منه بالفعل، فيجوز صرف شيء من الربح في غرس الأشجار لينتفع


(326)

بثمرها ولو بعد سنين، وكذلك اقتناء إناث أولاد الأنعام لذلك.(1)

ويمكن الاستشهاد عليه برواية ابن شجاع النيسابوري كما مرّ.

6. ادّخار الربح لشراء الدار بعد سنين

إذا لم تكن له دار واحتاج إلى شراء دار، ولا يتمكّن من شرائها بالربح الحاصل في سنة واحدة، بل يتوقف على جمع أرباح سنين، فهل تحسب من المؤنة أو لا؟الظاهر هو الثاني وإنّما يحسب من المؤنة إذا أمكن رفع الحاجة بأحد الأمرين: صرف العين أو صرف المنافع، والمفروض عدم وفاء ربح السنة الأُولى لشراء المسكن بل لا محيص عن صرف العين بالإيجار إلى سنتين أو سنين، وهذا بخلاف رأس المال، بأنّ المحتاج إليه فيه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، ولاموجب لتعيّن الأوّل.

7. بيع داره التي اشتراها في السنين السابقة

لو باع داره التي اشتراها في السنين السابقة وقبض ثمنها فلا يخلو عن صورتين:

إمّا أن يشتري بثمنه داراً، أو لا.

أمّا الصورة الأُولى، فلا يتعلّق به الخمس، وذلك لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين شراء دار أو إيجارها، ولا وجه لتعين الثاني، بل هو مخير، فلو صرف في الأوّل، وإلاّ يخمس، ومنه يعلم حكم الصورة الثانية.


1 . كتاب الخمس: 201.


(327)

المسألة 60: مبدأ السنة الّتي يكون الخمس بعد خروج مؤنتها حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، وأمّا من لم يكن مكتسباً وحصل له فائدة اتّفاقاً فمن حين حصول الفائدة.(*)

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) لما كان الخمس متعلّقاً بما زاد على مؤنة السنة، وقع الكلام في مبدئها، والأقوال أربعة:

1. الشروع بالاكتساب.

2. ظهور الربح وحصوله.

3. الفرق بين الاكتساب، والفائدة الاتفاقية، فالمبدأ في الأوّل، هو الشروع في الاكتساب; وفي الثاني حصول الربح، من غير فرق بين الاكتساب المقارن لحصول الربح من أوّل يومه، أو عدمه، أعني: ما لا يربح إلاّ بعد فترة.

4. الفرق بين التجارة والصناعة، فالمبدأ هو حال الشروع بهما وبين الزراعة والغرس وتربية الأنعام، فالمبدأ هو حصول الربح.

هذه هي الوجوه المحتملة.

وعلى هذا فلو شرع في الكسب في محرّم الحرام، وربح في شهر رجب، فعلى القول بكون المبدأ هو الشروع تُسْتثنى مؤنةُ بين الشهرين من ذاك الربح وتتم سنة الربح في آخر ذي الحجة، ولكن على القول بكون المبدأ هو حصول الربح لا تستثنى وتتم سنة الربح في آخر جمادى الآخرة وتستثنى مؤنة النصف الأخير منه.

أمّا الأوّل: فهو خيرة الدروس والحدائق والشيخ الأعظم.

قال في الدروس(1) كما قال في الحدائق: ولا يعتبر الحول في كلّ تكسّب، بل


1 . الدروس: 1/259، كتاب الخمس.


(328)

مبدأ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تمّ الحول، خمّس ما بقي عنده.(1)

وقال الشيخ الأعظم:ومبدأ السنة من حين ظهور الربح ـ كما صرّح ـ أو التكسّب(2).

وجهه أنّ المتعارف بين العقلاء في عام الربح والمؤنة المستثناة هو عام الشروع في العمل كما هو الحال قطعاً في الصنائع المبنيّ ربحُها على التجدّد يوماً فيوماً، أو ساعة بعد أُخرى، تنزيلاً لها باعتبار إحرازها قوّة، منزلة الربح الواحد الحاصل في أوّل السنة.(3)

يلاحظ عليه: أنّه يتم في مثل ما يتجدّد ربحه يوماً فيوماً لا في مطلق الاكتساب، فلا وجه لاحتساب المؤنة السابقة على حصول الربح، مع فرض تأخّر حصوله عن أوّل زمان التكسّب، إذ هو حينئذ كالزمان السابق على التكسّب.(4) ولذلك فصّل الماتن بينه وبين ما لا يحصل بالاكتساب من الفوائد، فانّ مبدأ عامه زمان حصوله، لأنّ نسبته إلى الأزمنة السابقة سواء، وبذلك يظهر وجه القول الثالث الذي هو خيرة الماتن قدَّس سرَّه .

وأمّا الثاني: فهو خيرة المسالك والروضة والمدارك والكفاية والجواهر، قال في المسالك: يجب في الأرباح فيما علم زيادتُها عن المؤنة المعتادة من حين ظهور الربح، ولكن الوجوب موسّع طول الحول من حين ظهور الربح، احتياطاً للمكلّف باحتمال زيادة مؤنته بتجدّد ولد ومملوك وزوجة وضيف غير معتاد وغرامة لا يعلمها وخسارة في تجارة، ونحو ذلك.(5)


1 . الحدائق:12/354.
2 . رسالة الخمس:201.
3 . الجواهر:16/81.
4 . الجواهر:16/81.
5 . المسالك:1/468.


(329)

وقال في الروضة:والمراد بالمؤنة هنا مؤنة السنة ومبدؤها ظهور الربح.(1)

وقال في المدارك : ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شيء من الربح ثمّ احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤنة ذلك الحول كان حسناً(2) .

وعلّله في الجواهر: بأنّ المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤنة السنة من أوّل حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس.

وما ذكره في الجواهر من كون الخطاب بالخمس بعد ظهور الربح هو المعتمد، فما لم يربح لا موضوع للأمر بالتخميس، ولا لقوله ـ عليه السَّلام ـ :«الخمس بعد المؤنة» وإنّما يتوجّه الخطاب بالتخميس، وبعده الخطاب بأنّه يتعلّق بالفاضل عن المؤنة إذا ربح لا قبله، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من إخراج مؤنة السنة هو عام حصول الربح وظهوره لا من عام الشروع.

وإن شئت قلت: إنّ الخمس يتعلّق بمال المغتنم، لا الشارع بالكسب ولا من جعل نفسه في مهبِّ الغنم وإن لم يصل إليه، فلا معنى لتعلّقه بمن لم يغنم كما هو لازم قول القائل: بأنّ المراد عام الاكتساب. فإنّ تجويز استثناء المؤنة التي صرفها في الفصول التي لم يربح فيها من الربح الحاصل في الفصول الأُخرى فرع توجّه الخطاب بالتخميس في عام الشروع حتّى يصحّ خطاب الاستثناء، مع أنّ المفروض تأخّر الخطاب إلى زمان ظهور الربح وهذان لا يجتمعان.

وأمّا إخراج المؤن المصروفة لحصول الربح وإن كانت قبله فلأجل عدم صدقه لو لم يتفاضل الربح عليها، فلو كان الربح مساوياً لها أو كان أقلّ لا يصدق عليه أنّه اغتنم، وقد مرّ توضيحه.


1 . الروضة البهيّة:1/182.
2 . المدارك:5/391.


(330)

وربّما يؤيد المختار بوجهين:

1. إنّ عدم بيان مبدأ السنة مع كون المتكلّم في مقام البيان يقتضي الحمل على عام حصول الربح، لأنّ تعيّن زمان ظهور الربح يصلح لأن يكون قرينة على تعيّن المبدأ وليس ما يصلح لتعيينه سواه، فيتعين أن يكون الاعتماد عليه.(1)

2. لزوم التفكيك في مبدأ العام بين الفوائد، إذ لا ريب أنّ مبدأ العام بالنسبة إلى الفوائد غير الحاصلة بالكسب أوّل زمان حصول الفائدة والخطاب لا يقبل التفكيك.

يلاحظ على الأوّل: أنّه لا وجه لكون مقتضى الإطلاق المقامي ما ذكره مع قطع النظر عمّا ذكر صاحب الجواهر، من توجّه الخطاب بعد حصول الربح، فليس هو دليلاً بحياله بدونه.

يلاحظ على الثاني:بأنّ القول بالتفصيل ليس تفكيكاً في مفهوم عام الربح، وإنّما هو تفكيك في مصداقه، ولا مانع منه، فعام ربح كلّ شيء بحسبه، فعام ربح التجارة والصناعة ممّا يحصل الربح فيه متدرجاً غالباً، هو عام الشروع، وعام ربح الزراعة أو ما يحصل من طريق الاكتساب من الجوائز والميراث غير المحتسب هوعام ظهور الربح.

وبما ذكرنا علم أنّ الشارع تلقى أرباح السنة غنيمة واستثنى منه ما يصرف في تحصيل الربح أو في حوائج الإنسان، وبكلمة جامعة ما يجلب به الربح، أو يُدفع به الضرّ.

وهل يجب عليه، أن يجعل مبدأها، مبدأ السنة القمرية أو الشّمسية، أو له الخيار في اتخاذ أيّ شهر مبدأً إلى أن يمضي عليه اثنا عشر شهراً؟ الظاهر هو الثاني.والميزان طبيعة السنة، لا السنة المعيّنة.


1 . المستمسك:9/536.


(331)

المسألة 61: المراد بالمؤنة مضافاً إلى ما يصرف في تحصيل الربح ما يحتاج إليه لنفسه وعياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة من المأكل والملبس والمسكن و ما يحتاج إليه لصدقاته و زياراته و هداياه و جوائزه وأضيافه و الحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأ، وكذا ما يحتاج إليه من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب، بل ما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم، و نحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض و في موت أولاده أو عياله إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في معاشه، و لو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفهاً و سرفاً بالنسبة إليه لا يحسب منها.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

كما أنّه لا فرق بين السنة القمرية أو الشمسية الهجريّة أو الميلاديّة كما هو مقتضى الإطلاق، على أنّ الضياع والغلاّت الواردة في صحيحة ابن مهزيار، تناسب الشهور الشمسية، فظهور الربح فيها إنّما هو بانتهاء الصيف الذي يحصد الزرع، يصفّى الحبّة ويباع وينضاض الربح.

(*) قد تطلق المؤنة ويراد منها ما يبذل في طريق تحصيل الربح كأُجرة السيارة والدكان وحقوق الموظفين والدلال وغيرهما ممّا يتوقف عليه تحصيل الربح، ولا كلام في عدم تعلّقه به لعدم صدق الاسترباح إذا كان ما صرفه في سبيل تحصيله مساوياً لما استفاده، بل يعدّ في العرف خاسراً ومضيّعاً للوقت ورأس المال.

وقد تطلق ويراد منها ما يصرف في معاش نفسه وعائلته سواء كانت واجبة النفقة أم لا، وقيده الماتنرحمه اللّه بقوله:«بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة» وجه التقييد انصرافها إلى المتعارف بحسب شؤونه وخصوصيات حياته، فلو كان الميزان هذا فهو، وإلاّ لوجب البيان، كما هو كذلك في الإنفاق على الزوجة وكلّ من وجب


(332)

الإنفاق عليه، فالكل مكلّف بما يليق بشأنه، والإسراف والتوسع والتقتير يلاحظ بحسب حاله وهو يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد ومنزلتهم وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطها كُلّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (1) وقال تعالى: «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يسرفُوا وَلَمْ يقْتروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قواماً)(2) غير أنّ القوام ونحوه يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد إذ رُبّ فعل يعدّ بالنسبة إلى أحد تقتيراً ولا يعدّ بالنسبة إلى فرد آخر كذلك، قال سبحانه: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوان الشَّياطين» (3) وقال سبحانه: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين» (4) وقال: «وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّار الآخرَة وَلا تَنْس نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّه إِلَيْك وَلا تَبْغ الْفَساد فِي الأَرْض إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين».(5)

هذه الآيات تهدف إلى أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل، وفي الروايات الإسلامية تصريحات بذلك، فلنكتف بهذا المقدار وهذا التفصيل حاكم على جميع الأُمور من المستحبّات الشرعية والأفعال القربيّة.

نعم استشكل فيه صاحب مستند العروة، وقال: الظاهر عدم صحّة التفصيل وأنّه لا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل اللّه ذخراً لآخرته لينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤنة لاحتياج الكل إلى الجنّة ولا يعدّ ذلك من الإسراف والتبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدس بذلك.(6)


1 . الإسراء:29.
2 . الفرقان:67.
3 . الإسراء:26ـ27.
4 . الأعراف:31.
5 . القصص:77.
6 . مستند العروة:250 ، كتاب الخمس.


(333)

المسألة 62: في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المؤنة إشكال، فالأحوط كما مرّ إخراج خمسه أوّلاً، و كذا في الآلات المحتاج إليها في كسبه، مثل آلات النجارة للنجّار و آلات النساجة للنسّاج وآلات الزراعة للزرّاع و هكذا، فالأحوط إخراج خمسها أيضاً أوّلاً.(*)

المسألة 63: لا فرق في المؤنة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول والمشروب ونحوهما وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه مثل الظروف والفروش ونحوها، فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها و إن بقيت للسنين الآتية أيضاً. (**)

ـــــــــــــــــــــــ

ولكن ظاهر الآية يصادمه حيث يقيد الانفاق الذي هو أمر مستحب بالقوام وينهى عن الإسراف في الإنفاق والتقتير، والظاهر من الآيات والروايات أنّ الاقتصاد في العبادات والمعاملات هو المرضيّ.

(*) قد مضى الكلام في هذه المسألة ولا وجه لإعادته إلاّبيان حكم الآلات المحتاج إليها في الكسب وقد قلنا بعدم تعلّقه بها، ولو قلنا بكونه من المؤنة فالقول بعدم تعلّقه بالآلات أولى منه، لأنّ صرف الربح في سبيل تهيئة تلك الآلات والأدوات واستعمالها في تحصيل الربح نوع صرف له، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه ولا فرق بينها و بين الظروف والفرش.

(**) إنّ المؤنة على قسمين، تارة لا تبقى عينه مع الصرف كالمأكول، وأُخرى تبقى معه كالظروف والفُرش، فلا يجب الخمس بعد مضيّ السنة، وهذا القسم على قسمين، تارة تبقى عينه مع بقاء الحاجة إليها كما في المثالين وأُخرى مع انتفائها عنها كحليّ النساء وسيجيئ من الماتن التعرّض للقسم الثاني منه، أمّا الأوّل فلأنّه


(334)

المسألة 64: يجوز إخراج المؤنة من الربح و إن كان عنده مال لا خمس فيه بأن لم يتعلّق به أو تعلّق و أخرجه فلا يجب إخراجها من ذلك بتمامها ولا التوزيع وإن كان الأحوط التوزيع، و الأحوط منه إخراجها بتمامها من المال الّذي لا خمس فيه و لو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم يكن عنده كان من المؤنة لا يجوز احتساب قيمتها من المؤنة، و أخذ مقدارها، بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً.(*)

ــــــــــــــــــــــ

بعد ما صرف الربح في شراء الظروف واستمرّت الحاجة إليها يعدُّ من المؤنة، ورفع الحاجة عنهما بالإيجار مع كونه على خلاف المتعارف، فيه نوع حرج وعسر، فهو بهذه الصورة داخل في المستثنى.

وهناك بيان آخر لبعض المحقّقين، وهو: أنّ موضوع الخمس هو الفائدة، ولا يطلق بعد مضيّ السنة أنّه استفاد مع بقاء الحاجة، بل مع الاستغناء عنها كالحلي للنساء، أو بعض الكتب لأهل العلم، فليس هناك إفادة جديدة وفائدة حادثة.

كما سيوافيك عند تعرّض الماتن لحكم القسم الثاني: أعني: ما إذا صرف الربح في مورد الحاجة، لكن استغنى عنه بعد.

(*) لا شكّ في جواز صرف الربح في المؤنة إذا لم يملك شيئاً سواه، كما أنّه لا شكّ في جواز إخراج المؤنة ممّا يملك سوى الربح، إنّما الكلام إذا كان له مال آخر لا يحتاج إليه وادّخره لهدف آخر، فهل يجوز صرف الربح في المؤنة مع وجود مال زائد له أو لا؟

الأقوال ثلاثة: قد أشار إليه في المتن، من عدم جواز إخراجها منه، وجواز إخراجها، والتوزيع. ثمّ إنّ المال الآخر إمّا أن يكون محتاجاً إليه من كسبه وتجارته كرأس المال أو لا، وعلى الثاني، إمّا أن يكون ممّا جرت العادة على صرف الزائد في


(335)

المؤنة كالأقوات والثمار الباقية من السنة الماضية أو لا، كالضياع والعقار والزائد من رأس المال.

وعلى كلّ تقدير ، فالكلام تارة في إخراج المؤنة من الربح وصرفه فيها حتى لا يتعلّق بمقدارها مع كونه مالكاً لمال لا خمس فيه، وأُخرى في احتساب مايجده من المؤنة حتى يضع قيمتَه من الربح.

والكلام في المقام في القسم الأوّل، أعني: جواز إخراج المؤنة من الربح حتى لا يتعلّق بمقدارها الخمس، أو عدمه بحيث لو أخرج يتعلّق به الخمس ، أو التوزيع.

وأمّا الكلام في القسم الثاني، أعني: احتساب ما يجده من المؤنة لغاية وضع قيمته من الربح فسيأتي التعرّض له في كلام المصنف، أعني قوله: «ولو كان عنده عبد أو جارية» إذا عرفت ذلك فنقول:

قد استدل للقول بعدم جواز الإخراج من الربح بما ذكره الشهيد الثاني بقوله: ولو كان له مال آخر لا خمس فيه إمّا لكونه مخمساً أو لانتقاله إليه بسبب لا يوجب الخمس به كالميراث، والهبة،والهدية والمهر، وعوض الخلع فالمؤنة مأخوذة منه في وجه وعن الأرباح في آخر، والأوّل أحوط، والأعدل احتسابها منهما بالنسبة، فلو كانت المؤنة مائة، والأرباح مائتين، والمال الآخر ثلاثمائة مثلاً بسطت المؤنة عليهما أخماساً، فيسقط من الأرباح خمسها، ويخمّس الباقي وهو مائة وستون وهكذا.(1)

وقال المحقّق الأردبيلي: لو كان عنده ما يموّن به من الأموال التي تصرف في المؤنة عادة (فالظاهر عدم اعتبارها ممّا فيه الخمس)(2) بل يجب الخمس من الكلّ


1 . المسالك: 1/465.
2 . ما بين القوسين مجمل، فتأمّل.


(336)

لأنّه : 1. أحوط، 2. ولعموم أدلّة الخمس، 3. وعدم وضوح صحّة دليل المؤنة،وثبوت اعتبار المؤنة على تقدير الاحتياج بالإجماع ، 4. ونفي الضرر، وحمل الأخبار عليه وتبادر الاحتياج من بعد المؤنة «الواقع في الخبر»، 5. ولأنّه يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها أصلاً، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعاتهم والأكابر من التجّار والزرّاع، وهو مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة، ويحتمل التقسيط، ولكنّه غير مفهوم من الأخبار، إلاّ أنّه أحوط بالنسبة إلى إخراجها من الأرباح بالكلّية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا وجه للتمسّك بالاحتياط بعد وجود الدليل على أحد القولين.

وثانياً: أنّ القول بعدم صحّة دليل (خروج) المؤنة غير تام وقد عرفت وجود روايات صحيحة وبذلك يظهر عدم تمامية ما فرّع عليه من ثبوت خروج المؤنة بالإجماع.

وثالثاً: أنّ نفي الضرر من جانب أصحاب الخمس معارض بنفيه عن المكتسب.

والمهم في المقام أنّ المقام من مصاديق التمسّك بإطلاق المخصص، أعني: الخمس بعد المؤنة الذي يشمل ما لو كان له مال، وليس من مصاديق التمسّك بإطلاق العام أعني آية الخمس وغيرها.

ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّ لازمه عدم تعلّق الخمس على أرباح التجارة، غير تام، لأنّ مؤنتهم وإن كانت كبيرة إلاّ أنّ أرباحهم غالباً أكثر من مؤنتهم.

وبذلك يظهر وجه القول الثالث وهوإطلاق أدلّة المخصص، وادعاء انصرافه إلى صورة الحاجة صحيحة لو أُريدت الحاجة النوعية، وهو حاصل، وإن


1 . مجمع الفائدة:4/318.


(337)

أُريدت الحاجة الشخصية إلى صرف الربح وإن لا يملك الإنسان سواه فلا وجه له.

وبذلك تبيّن وجه القول الثاني وهو جواز إخراج المؤنة من الربح أخذاً بإطلاق الصحيحة.

هذا كلّه إذا كان الربح غير مخلوط مع سائر الأموال، وأمّا إذا كان مخلوطاً كما هو الغالب، فالحكم كذلك أيضاً، لأنّ سيرة العقلاء خلط الأموال بعضها مع بعض.

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» وارد في هذه الظروف، فتكون النتيجة وضع ما صرفه في المؤنة عمّا استحصله ربحاً ثمّ إخراج الخمس من الربح الباقي. هذا كلّه حول القسم الأوّل، أعني: جواز الإخراج من الربح مع كونه مالكاً لما يمكن صرفه في المؤنة.

وأمّا الكلام في احتساب ما يملكه من المؤنة لغاية وضع قيمته من الربح، وهذا هو الذي أشار إليه في آخر كلامه، فالظاهر عدم صحّة الاحتساب، لأنّ الظاهر أنّ المراد من المؤنة في الصحيحة هو المؤنة الفعلية لا التقديرية بحيث لو لم يكن واجداً كان من المؤنة.

وإن شئت قلت: المراد نفس المؤنة، أي ما يصرف وينفق في سبيل الحياة لا مقدارها، فالخمس بعد نفس المؤنة المصروفة لا مقدارها حتى يصحّ له وضع قيمة الشيء عن الربح. نعم يجوز له صرف الربح في تحصيل ما يجده ثانياً كاستخدام خادم ثان إذا لم يعدّ إسرافاً وتبذيراً.

وبذلك يعلم أنّ الحقّ هو التفصيل في جميع صور المسألة، وهو أنّه يجوز صرف الربح في اشتراء مثل ما يجده في البيت من الأثاث والأقوات بل وحتى الدار وإن كان واجداً لها ميراثاً إذا كان مناسباً لشأنه ولا يجوز احتساب قيمة ما يجده من المؤنة ووضعها من الربح.


(338)

المسألة 65: المناط في المؤنة ما يصرف فعلاً لا مقدارها، فلو قتر على نفسه لم يحسب له، كما أنّه لو تبرّع بها متبرّع لا يستثنى له مقدارها على الأحوط، بل لا يخلو عن قوّة.(*)

المسألة 66: إذا استقرض من ابتداء سنته لمؤنته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح.(**)

ــــــــــــــــــــــــ

(*) يجب الخمس فيما قتر على نفسه وبقي زائداً على المؤنة، وذلك لما ذكرنا من أنّ المراد من المؤنة الفعلية لا التقديرية، أي لو لم يكن مقتراً لصرفه وأنفقه. وبعبارة أُخرى: المراد ما يصرف لا مقدار ما يصرف.

ولكن ظاهر عبارة العلاّمة في التذكرة، أنّه لو قتر يحسب له قال: بعد إخراج مؤنة السنة له ولعياله على الاقتصاد من غير إسراف ولا تقتير ، ولعلّ وجهه حمل المؤنة على مقدارها سواء أسرف أم قتر.

ووافقه الشهيد في المسالك قال: فإن أسرف حسب عليه ما زاد وإن قتر حسب له ما نقص.(1)

(**) المسألة مبنية على ما سبق في المسألة(60)، وهو انّ مبدأ السنة هل هو مبدأ الشروع في الاكتساب أو مبدأ حصول الفائدة؟ فلو قلنا بالأوّل، صحّ وضع مقداره من الربح; وأمّا إذا قلنا بالثاني، فلا وجه لوضع ما صرفه من رأس المال في مؤنته إذ لا يعدّ المصروف من مؤنة سنة الربح، وهذا فيما إذا صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح وأمّا إذا استدان فالكلام فيه كالكلام في الدين السابق على عام الربح، وقد فصّل الماتن الكلام فيه في المسألة (71) وقال بأنّه إذا


1 . المسالك: 1/464.


(339)

المسألة 67: لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤنة من مثل الحنطة و الشعير والفحم و نحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به ـ مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها ـ فالأقوى عدم الخمس فيها، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط إخراج الخمس منها و كذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

لم يتمكّن من أدائه يُعدّ الأداء والإخراج من مؤنة ذاك العام.

ولكن التحقيق أنّ أداء الدين المطالب يعدّ من مؤنة السنة التي أدّى فيها دينه وإن كان السبب سابقاً من استدانة أو إتلاف أو قتل، لكن المسبب، أعني: لزوم إخراج ذمّته منه، متحقّق بالفعل كلزوم إطعام نفسه وعياله.

(*) أمّا الأوّل ، أعني: ما لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤنة وليس من شأنه البقاء فلأجل تبيّن الخلاف، وانكشاف أنّه لم يكن مؤنة وإنّما تخيّل حاجته إليه ولا وجه للاستصحاب موضوعياً كان أو حكمياً بعد انكشاف الخلاف فيشمله الإطلاق.

وأمّا الثاني: إذا بقي ما كان مؤنة من السنة السابقة إلى اللاحقة كالأواني والألبسة والفرش، فهل يجب فيها الخمس، أو لا؟ وجهان مبنيان على استظهارين من قوله ـ عليه السَّلام ـ :«الخمس بعد المؤنة» فإن قلنا بأنّ المتبادر منه هو أنّ وصف الشيء بالمؤنة في فترة من الفترات كاف في عدم تعلّقه به، وإن خرج عن المؤنة في أثناء السنة أو بعد انتهائها كما لو احتاج إلى شراء بعض الأعيان في بعض الشهور واستغنى عنه بقية السنة، فلا يتعلّق بها الخمس بعد انتهاء السنة.

وإن قلنا بأنّ الخارج ما يعدّ من مؤنة السنة مادام كونه من مؤنتها، فلو خرجت السنة وبقيت عينها لم يصدق عليها أنّها من مؤنة السنة التي ربح فيها،


(340)

بل هو بعد خروج السنة يعدّ غنماً وفائدة.

أقول: الظاهر عدم وجوب الخمس، لأنّ ما هو المؤنة في سنة الربح في مثل الدور والثياب والألبسة عبارة عمّا لا تفنى بانتهاء السنة، بل المؤنة في سنة الربح في مثل تلك الأشياء هي الأعيان التي تبقى سنين ولا تفنى بانتهائها، فهذه اللوازم بهذه الخصوصية تعدّ مؤنة لسنة الربح، وقد خرج عن تحت العام، وبقاؤها بعد انتهاء سنة الربح لا يخرجها عن كونها مؤنة لسنة الربح، فهذه الأشياء بهذه الخصوصية مؤنة السنة، وهي لا تنقلب عمّا هي عليها.

وبالجملة: كون الشيء مؤنة لسنة الربح على قسمين: قسم يكون مؤنة بوجوده المؤقّت كالأقوات، وقسم يكون مؤنة لها ومن شأنه البقاء مدّة تزيد على السنة فهو بهذا الوصف خرج عن تحت العام فلا معنى لتعلّقه به بعد انتهاء السنة.

وإن شئت قلت: إذا أحسّ الإنسان بحاجة إلى اللباس والفرش في سنة من السنين لا يقوم بابتياع ما يسدّ حاجته في تلك السنة خاصة، بل يقوم بابتياع ما من شأنه أن يسدّ حاجته سنين متمادية هذا هو طبيعة الإنسان وخاصة تلك اللوازم فإذا خوطب هذا الإنسان بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» يحكم على تلك اللوازم بالخروج عن تحت أدلّة الخمس إلى الأبد .قائلاً: بأنّـها من مصاديق مؤنة سنة الربح. ولا يلتفت إلى أنّها خرجت عن كونها مؤنة السنة بانتهاء السنة وبقاء تلك اللوازم، لما عرفت أنّ هذه الأُمور بتلك الخصوصية عُدّت من مؤنة سنة الربح لا بخصوصية كونها مؤقتة بالسنة.

وعلى ذلك فالمرجع هو عموم أو إطلاق الخمس بعد المؤنة من دون حاجة إلى استصحاب حكم المخصص .

هذا إذا خرجنا بهذه النتيجة، وإن شككنا بين النظرين فالاستصحاب


(341)

بعدم تعلّقه بها هو المحكّم، وذلك لأنّه كما يحتمل أن يكون الحكم دائراً مدار كونه مؤنة السنة، كذلك يحتمل أن يكون دائراً مدار صدق المؤنة في فترة من الفترات وإن خرجت عن كونها مؤنة بعدها.

وبعبارة أُخرى: يحتمل أن يكون الموضوع هو صدق المؤنة حدوثاً وبقاءً في الحكم، كما يحتمل أن يكون الموضوع صدقة حدوثاً لا بقاء، وهذا الاحتمال كاف في استصحاب عدم تعلّق الخمس به، نظير ذلك«الماء المتغير الذي زال تغيّره بنفسه» ومنشأ الشكّ هو احتمال أن يكون الحكم دائراً مدار التغير حدوثاً وبقاءً أو يكون الحكم دائراً مدار حدوثها آناً ما، و يكفي حدوثه كذلك في بقائها إلى الأبد، ومع هذا التردّد يصحّ استصحاب الحكم الشرعي لكون الترديد بين الأمرين موجباً لحدوث الشكّ في البقاء.

فإن قلت: كيف يتمسك باستصحاب حكم المخصص، مع أنّ الإطلاق الأحوالي للعام (لا الأفرادي لخروج الفرد عن تحته أثناء السنة قطعاً) حاكم على وجوب الخمس؟

قلت: إنّ الإطلاق الأحوالي تابع للإطلاق الأفرادي، فإذا خرج المورد عن تحت العام خروجاً أفرادياً فلا يبقى موضوع للإطلاق الأحوالي حتى يعمّ العام صورة الاستغناء عنه.

وبذلك يظهر حكم الصورة الثالثة، أعني: ما إذا خرج عن كونها مؤنة حتى في السنة اللاحقة كحلي النساء إذاجاز وقت لبسهن، فالحلي الخارج عن تحت الإطلاقات لم يكن إلاّ حليّاً قابلاً للبقاء بعد السنة أو السنين فهي بهذه الخصوصية الذاتية خرجت وعُدَّت من مؤنة سنة الربح فلا يضرّ خروجها عن المؤنة على الإطلاق.

أضف إلى ذلك أنّ العام أعني قوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ


(342)

المسألة 68: إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤنة في باقيه، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.(*)

المسألة 69: إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤنتها من ربح السنة اللاحقة.(**)

ــــــــــــــــــــــــــ

شَيْء» ليس إلاّ عاماً أفرادياً لا زمان فيه، فإذا خرجت منه الألبسة أو الحُليّ في ظرف من الظروف، فالمحكّم هو إطلاق دليل المخصص إن كان، وإلاّ فعلى الاستصحاب إذ لا يعدّ بقاء الحكم في الزمان الثاني تخصيصاً جديداً فلو خرج الفرد سنة أو سنتين أوإلى آخر العمر لم يلزم أكثر من تقييد أو تخصيص واحد.

وهناك وجه آخر لعدم التعلّق وهو عدم صدق الغنم لا في القسم الثاني أعني الظروف والألبسة ولا في القسم الثالث كحليّ النساء لأنّ الغنم تجدد فائدة لم تكن موجودة. لا ما كان موجوداً ومحتاجاً إليه غير أنّه استغنى عنه، وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم من أنّه إذا خرج عن كونه مؤنة قبل آخر السنة بمدة فهو لا ريب في صدق الفائدة عليه حينئذ وليس هو مؤنة، فيجب الخمس فيه.(1)

(*) لأنّ المدار على المؤنة الفعلية لا التقديرية، وأنّه لو كان حيّاً يموّن مقداراً خاصّاً.

وإن شئت قلت: لا موضوع للمؤنة بعد موت الرابح

(**) لانصراف الدليل إلى مؤنة الاكتساب أو الربح لا مطلق السنة، نعم لو


1 . المستمسك:9/544.


(343)

المسألة 70: مصارف الحجّ من مؤنة عام الاستطاعة فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير ـ بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام ـ احتسب مخارجه من ربحه، وأمّا إذا لم يتمكّن حتّى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلاّ فلا، و لو تمكّن و عصى حتّى انقضى الحول فكذلك على الأحوط و لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، وأمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكّن من المسير وإذا لم يتمكّن ـ فكما سبق ـ يجب إخراج خمسه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدان لمؤنة تلك السنة وحصل له الربح في السنة اللاحقة جاز أداؤه من ربحها ولا يتعلّق به الخمس، لأنّ أداء الدين المطالب يُعدّ من المؤنة حين الأداء وسيوافيك بيانه في المسألة (71).

(*) قد عرفت أنّ مدار صدق المؤنة هو الصرف والإنفاق، وعلى ذلك فمصارف الحجّ من مؤنة عام الإتيان به فلو لم يأت به قصوراً أو تقصيراً يتعلّق به الخمس، ويعلم من التفصيل الذي ذكره المصنف في المسألة أنّ الميزان عام الإتيان لا عام الاستطاعة.

ثمّ إنّ الصور المستخرجة من المتن أربع:

الأُولى: إذا ربح واستطاع أثناء السنة وتمكّن من العمل وحجّ، يعدّ ما صرفه في ذلك العام من المؤنة بل هو من أوضح مصاديقها مع الإيجاب الشرعي.

الثانية: إذا ربح واستطاع ولم يتمكن من السير عن عذر حتى انقضى العام، وجب عليه خمس ذلك الربح، لأنّ عدم التمكّن كاشف عن عدم الوجوب عليه وأنّه لم يكن هناك موضوع للمؤنة، فحينئذ إن بقيت الاستطاعة إلى السنة


(344)

التالية وجب وإلاّ سقط.

هذا ممّا لا غبار عليه إنّما الكلام فيما إذا سجّل اسمه في إدارة الحجّ ودفع الثمن، ولكنّها تقوم بحمل الحجاج، بالتدريج، فخرج اسمه في غير سنة الربح، فهل يجب عليه خمس ذلك الثمن أو لا؟ الظاهر، لا، ـ خلافاً للمشايخ ـ للفرق بينه و بين الصورة الثانية، إذ المفروض أنّه صرفه وليس بيده شيء حتى يخمس، والتخميس متفرع على فسخ ما عقده مع إدارة شؤون الحجّاج واسترجاع الثمن ولا دليل على لزومه، والحكم ـ لزوم التخميس ـ لا يثبت موضوعه أي استرجاع ما دفعه، وتملّكه، و المقام نظير ما يشتري الإنسان أشياء لتجهيز بنته، والجامع هو أنّ الصرف يجعله من المؤنة.

الثالثة: تلك الصورة ولكنّه تمكّن وعصى وانقضى الحول، فيجب أداء خمسه، لعدم صرفه في أداء الواجب، فلا يكون مصداقاً للمؤنة، وهذا نظير ما إذا قتّر على نفسه ولم ينفق، فقد مضى تعلّقه به وأنّه لا يحسب له كما بيّنه في المسألة الخامسة والستين ـ و مع ذلك ـ فقد أفتى بعدم الاحتساب فيها، ولكنّه احتاط هنا، وذلك لتصوّر أنّ الأمر الشرعي بالإنفاق في المقام وإن لم ينفق ربّما يدخله تحت المؤنة، بخلاف ما إذا قتّر إذ ليس هناك أمر به، ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المدار في صدقها هو الصرف والإنفاق والمفروض عدمه فيهما.

وأمّا وجوب الحجّ في العام القابل فلا شكّ في وجوبه إذا بقي على الاستطاعة مع أداء الخمس، وأمّا إذا خرج عنها بأداء الخمس فيجب عليه الحجّ متسكّعاً لسقوط شرطية القدرة الشرعية لأجل العصيان وكفاية القدرة العقلية.

الرابعة: لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق عام الاستطاعة لعدم صدقها عليه، وإنّما الكلام في المقدار المتمم لها في تلك السنة فيجري فيه أحكام الصور الثلاث أيضاً.


(345)

المسألة 71: أداء الدين من المؤنة إذا كان في عام حصول الربح أو كان سابقاً و لكن لم يتمكّن من أدائه إلى عام حصول الربح، وإذا لم يؤدّ دينه حتّى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً، و أداء الدين ممّا بقي و كذا الكلام في النذور و الكفّارات.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ. إذا تمكّن من المسير وسار فلا يتعلّق به لكونه من أظهر مصاديق المؤنة.

ب. إذا تمكّن ولم يسر عصياناً وجب إخراج الخمس في المقدار المتمم حسب ما مرّ فيما إذا استطاع في عام واحد ويجب الحجّ متسكعاً لوخرج عن الاستطاعة بأدائه.

ج. إذا لم يتمكّن وجب إخراج الخمس دون الحجّ لكشف عدم التمكن، عن عدم وجوبه.

(*) حاصل ما أفاده أنّ الدَيْن إذا كان دين عام الربح فهو من المؤنة وإذا كان للعام السابق على عام الربح فليس منها إلاّ إذا كان غير متمكن من أدائه إلى عام الربح.

وبما أنّ الخارج من تحت العموم هو المؤنة، فالبحث مركّز على أنّ الدين هل هو من المؤنة أو لا؟ مع العلم بأنّه لا خصوصية للدين والملاك صدقها، وعلى ضوء ذلك فنقول: الدين إمّا أن يكون لعام الربح، أو للعام السابق عليه، أو للعام اللاحق ولا شق رابع له، فيبحث عن أحكام الشقوق الثلاثة.

أ. دين عام الربح

إنّ لدين عام الربح صوراً:

1. إذا استدان لمؤنة سنة الربح من المأكل والملبس والمسكن لتأمين مصارف


(346)

الكسب من أُجرة العمّـال والدلال فالكلّ من المؤنة، وسيوافيك عند البحث عن قول الماتن في تلك المسألة«وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام...» أنّ مقدار الدين هنا مؤنة سواء وفى تلك السنة أم لم يف، لانطباق الضابطة، أعني: الحاجة والصرف حيث صرفه مشروطاً بردّ العوض، فصرف الدين كصرف عوضه، وعلى هذا فالمؤنة هنا هو مقدار الدين لا وفاؤه وأداؤه، مضافاً إلى أنّ الرائج هو تأمين المؤنة بوجوه مختلفة، تارة برأس المال، وأُخرى بالأرباح وثالثة بسائر الأموال ورابعة بالاستدانة حسَب الظروف المختلفة للمكتسب.

2. إذا حصل الدين بإتلاف أو جناية، فلا شكّ أنّه من مؤنة سنة الربح إذا أدّاه، وأمّا إذا لم يؤدِّه فالظاهر أنّه من مؤنة سنة الأداء، والفرق بين القسمين أنّ العرف لا يصف ما استحصله بالغُنْم ما لم يضع مؤنة الحياة ومؤنة نفس الكسب عنه، ولأجل ذلك كان مقدار الدين هنا من المؤنة بخلاف ما إذا جنى أو أتلف، فبما أنّه أمر منفصل عن نفس الكسب فلو أدّاه يحسب من المؤنة ويوضع من الربح بخلاف ما إذا لم يؤده.

3. إذا استدان لشراء ضيعة أو مسكن أو فرش من دون حاجة إليها مع بقاء عينها إلى آخر السنة فلا يحسب من المؤنة لعدم الحاجة إليها، فهو من قبيل تكثير المال ورفع الثروة ولو وضعه من الربح ينتقل الخمس إلى بدله، أعني: الأعيان المشتراة، فليس مثل ذلك الدين من مؤنة سنة الربح ولا من مؤنة سنة الأداء.

نعم إنّ أداء الدين من


(347)

الأغراض العقلائية لكنّه لا يوجب إلاّ جواز صرف الربح في أدائه لا وضع ما صرف فيه، خصوصاً بعد صدق الغنيمة على الأعيان المشتراة من غير فرق بين وجود مال آخر وراء الربح يصلح لأداء الدين منه أولا.

4. تلك الصورة، لكن مع تلف الأعيان المشتراة في أثناء السنة وكان الاشتراء للاقتناء لا للتجارة وإلاّ فلها أحكام خاصّة، فلا شكّ أنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية ويحسب من المؤنة بشرطين:1. أن لا يكون له مال آخر، 2. أن يصرف الربح في أداء الدين فليس نفس الدين في المقام من المؤنة بل أداؤه مع الشرط.(1)

وهذا نظير أرش الجناية وقيمة الإتلاف فإنّما يحسب من المؤنة إذا قام بالأداء وإلاّ فلا يعدّ من المؤنة وقد عرفت حكم العرف بالفرق بين الاستدانة للملبس والمأكل وبين سائر الموارد، ففي الأوّل لا تصدق الغنيمة إلاّ بوضع ما استدان في ذلك السبيل بخلاف ما إذا صار مديوناً بأسباب اختيارية كشراء أعيان ـ وإن تلفت لا باختيار ـ أو أسباب قهرية فالمؤنة هناك هو الأداء لا التقدير.

والحاصل ، أنّه فرق بين الاستدانة للمؤنة في عام الربح وبين صيرورته مديوناً ، للجناية والإتلاف في ذاك العام، ففي الأوّل نفس الدين من المؤنة بخلاف القسم الآخر، فالمؤنة فيه هو الأداء والوفاء ولو لم يتحقق لا يكون مؤنة.

نعم أقصى ما يمكن أن يقال في القسم الأوّل، إنّ الدين من المؤنة ولكن مشروطاً بعدم الإبراء فلو أبرأ كشف عن عدم كونه مؤنة.

ب. الدين السابق على عام الربح

أمّا الدين السابق على عام الربح فله صور:

1. إذا استدان في عام سابق عليه وكانت الغاية صرفه في مؤنة عام الربح وصرفه فيه فيكون من مؤنته .

2. إذا استدان لابتياع مسكن أو ملبس يسكنه أو يلبسه في كلا العامين فهو


1 . ولا ينافي ذلك ما يأتي في المسألة الثالثة والسبعين من أنّ تلف غير رأس المال لا يجبر بالربح، للفرق الواضح بينه و بين المقام، لأنّ التالف في المقام دين مطالب وليس له مال آخر بخلاف تلف متاع البيت الذي لا يعدّ من رأس المال.


(348)

من مؤنة عام الربح، لأنّه محتاج إليه في كلّ عام من غير فرق بين قدرته على أدائه أم لا.

3. إذا استدان لابتياع بضاعة وبقيت إلى العام اللاحق ولم يكن مورد الحاجة وبما أنّ الغاية هو الاقتناء وتكثير الثروة فلا يعدّ من المؤنة مطلقاً أدّاه من ربح العام اللاحق أم لم يؤدّه، ولو أدّاه من الربح ينتقل الخمس إلى مقابله كما هو الحال في تصرّف التاجر في الأرباح فيتصرّف فيها بالبيع والشراء طول السنة مرّات فيستقرّ الخمس في البدل المقابل.

4. هذه الصورة مع عدم بقاء العين، فهل يعدُّ الأداء من المؤنة، أو يفصّل بين كونه متمكّناً منه في السابق وعدمه، أو بين تمكّنه من مال آخر يمكن أداء الدين به وعدمه، الحقّ هو الأخير، وأمّا التفصيل بين تمكّنه حين الاشتراء وعدمه فليس له أيّ دخل في عدّه من مؤنة عام الربح، لأنّ العام الذي اشترى فيه مضى وانتهى وقد تلفت العين فتمكّنه منه في ذاك الوقت لا يؤثر في عدّه من المؤنة في العام اللاحق وإنّما المؤثّر تمكّنه في العام اللاحق من أدائه من مال آخر أو لا، فعلى الأوّل ، فالأداء وإن كان من الأغراض العقلائيّة لكنّه ليس متعيّناً أداؤه من الربح، إذ نسبة الدين إلى الربح والأموال الأُخر سواسية والمفروض أنّ الدين سبق على عام الربح فلا يتبادر من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» كون أداء الدين منها مطلقاً إلاّ إذا كان غير متمكن من الأداء فيعدّ حفظ العِرْض من المؤنة، ولو كان السبب سابقاً.

5. إذا استدان للصرف في مؤنة السنة السابقة ولم يربح فيها إلاّ أنّه ربح في السنة اللاحقة فنفس الدين وإن لم يكن مؤنة لذاك العام إلاّ أنّ أداءه من المؤنة لأنّه من أعلى الأغراض العقلائية.

والكلام فيه كالكلام في الشق الرابع، وحاصله أنّ نفس دين العام السابق


(349)

المسألة 72: متى حصل الربح و كان زائداً على مؤنة السنة تعلّق به الخمس، وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة فليس تمام الحول شرطاً في وجوبه، وإنّما هو إرفاق بالمالك لاحتمال تجدّد مؤنة أُخرى زائداً على ما ظنّه فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس، وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــ

لا يعدّ مؤنة بالنسبة إلى عام الربح بخلاف دين نفس عام الربح فإنّ نفسه تعدّ مؤنة لما عرفت من جريان السيرة على رفع الحاجة من الربح ورأس المال والدين ثمّ الحكم بأنّه مغتنم أو لا، ولأجل ذلك لا يعدّ من المؤنة إلاّ إذا أدّاه.

وبذلك يعلم حال قول الماتن:«وإذا لم يؤدّ فيه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي» فإنّ ذلك إنّما يصحّ في غير ما يعدّنفس الدين مؤنة وأمّا فيه فنفس الدين مؤنة أدّى أو لا، غاية الأمر مشروط بعدم الإبراء.

وأمّا قوله:«وكذا الكلام في النذور والكفّارات».

فما يبرّ به نذره ويقوم بواجب الكفارة إنّما يعدّمؤنة إذا قام بصرفه وأدّى لا في غيره فهو من مؤنة سنة الوفاء بالنذر وإنجاز الكفّارات لا سنة الربح.

ج: الدين اللاحق لعام الربح

إذا استدان، لمؤنة العام اللاحق فلا يوضع من ربح العام السابق لتعلّق الخمس بالربح كلّه ولا صلة للاستدانة للعام اللاحق بهذا الربح.

*الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في تعيين زمان الحكم الوضعي، أعني: تعلّق الخمس.

الثاني: في زمان تعيين الحكم التكليفي، أعني: وجوب الأداء.


(350)

مبدأ تعلّق الخمس (الحكم الوضعي)

هل الخمس يتعلّق بظهور الربح ولا يشترط بانقضاء الحول كما عليه المشهور من عصر المحقّق إلى زماننا هذا، أو يتوقّف وجوبه على انقضاء الحول فلا وجوب قبله؟

قال في الحدائق:واعتبار الحول هنا ليس في الوجوب بمعنى توقّف الوجوب عليه، خلافاً لابن إدريس كما نقله عنه في الدروس، بل بمعنى تقدير الاكتفاء، فلو علم الاكتفاء في أوّل الحول، وجب الخمس ولكنّه يجوز تأخيره احتياطاً له وللمستحق، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أونقصها، كما صرّح به شيخنا الشهيد في البيان.(1)

وقال في الجواهر: وكذا لا اعتبار للحول في الأرباح أيضاً على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكى عن السرائر اعتباره مع أنّ عبارتها ليست بتلك الصراحة، بل ولا ذلك الظهور كما اعترف به بعضهم، بل قد وقع لمثل العلاّمة في المنتهى ـ ممّن علم أنّ مذهبه عدم اعتبار ذلك ـ بعض العبارات الظاهرة في بادئ النظر في عدم الوجوب إلاّ بعد الحول المراد منها بعد التروّي، التضييق كعبارة السرائر.(2)

وعلى أيّ حال فقد اتّفقت كلمتهم على عدم اعتبار الحول، ولكن يؤخر احتياطاً للمكتسب وإرفاقاً به.

وفي الروايات إشعارات بذلك وربّما تصل إلى حدّ الدلالة.

1. ما في رواية حكيم مؤذن بني عيس في تفسير الآية: «هي واللّه الإفادة يوماً


1 . الحدائق: 12/353.
2 . الجواهر:16/79.


(351)

فيوم إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكُوا».(1) فالإفادة فيها تفسير للغنيمة الواجب فيها الخمس و«يوماً» ظرف للإفادة.

2. ما في رواية عبد اللّه بن سنان: «حتى الخيّاط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».(2)فالمتبادر منه وجوبه يوم الحصول غير أنّه تخرج منه المؤنة فقط، وهو ليس موقوفاً على مضي السنة.

3. قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية علي بن مهزيار: «ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته و من كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته».(3) فجعل الملاك كفاية الضيعة المؤنة وعدم كفايتها لا مضيّ الحول، لأنّ الكفاية لا تتوقف على الحول.

ومثله قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية شجاع النيشابوري:«الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(4) فالملاك فضل الربح من المؤنة.

4. وفي الروايات ما يشمل على لفظ«بعد المؤنة» و هو يحتمل وجهين الأوّل: المراد منه، «البعد» الرُتبيّ والمراد من «المؤنة» المؤنة التقديرية لا الخارجية ونظير قوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَين» .(5)

إذ المراد أنّ الورّاث يرثون السهام بعد وضع الوصية والدين، فالوراثة محققة وإن لم يفرز في الخارج، ويحتمل أن يكون المراد هو «البعد» الزماني و المؤنة الخارجية، وإن كان الأوّل أظهر، ولأجل ذلك تعدّ دلالة هذا الصنف أضعف من السابق.


1 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.
2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
3 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
4 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
5 . النساء:11.


(352)

الاستدلال على القول الآخر

يمكن الاستدلال على القول الآخر وهو أنّ ظرف التعلّق هو نهاية العام بوجهين:

1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار :«فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من العبارة هو وجوب الخمس فيهما في كلّ عام بخلاف غيرهما فإنّه إنّما يجب في سنة خاصّة أو لا يجب أبداً حيث قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام، ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي حال عليهما الحول ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك تخفيفاً منّي عن موالي ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم فأمّا الغنائم والفوائد، الخ»، ترى أنّ العناية في العبارة على أُمور ثلاثة:

أ. ما لا يجب مطلقاً كما في الأمتعة ونحوها.

ب. أو يجب مرّة واحدة في السنة كما في الذهب والفضّة.

ج. أو يجب في كلّ عام كما في الغنائم. فالحديث في بيان الإيجاب مرّة واحدة طول إمامته أو في كلّ عام وليس بصدد بيان شرطية انقضاء الحول في تعلّق الوجوب.

2. التمسك بأصل البراءة من الوجوب قبل انقضاء الحول أو عدم إمكان العلم بمقدار المؤنة.


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(353)

يلاحظ عليه : أنّ الأصل مندفع بالأدلّة الاجتهادية وعدم العلم بمقدار المؤنة لا يوجب الضرر على واحد منها لجواز تأخير إخراج مقدار من الخمس للمؤن المحتملة كما سيوافيك.

هذا كلّه في تعيين زمان التعلّق وبيان زمان الحكم الوضعي، وإليك الكلام في مبدأ التكليف بالأداء.

مبدأ التكليف بالأداء

إنّ في المقام احتمالات ووجوهاً نشير إليها:

الأوّل: أن يكون واجباً في زمان ظهور الربح لكن موسعاً إلى انقضاء السنة فيكون مضيّقاً بمعنى وجوبه فوراً ففوراً.

الثاني: أن يكون مشروطاً بحلول الحول، وعلى ذلك فلو افترضنا القطع بعدم الصرف في المؤنة إلى نهاية السنة لم يجب الأداء فعلاً فيجوز التأخير لعدم تحقّق الشرط.

الثالث: أن يكون مشروطاً بعدم الصرف في المؤنة بنحو الشرط المتأخّر استظهاراً من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة».

والمراد من الشرط المتأخّر كفاية العلم بالزيادة على المؤنة، فتكون النتيجة هو الوجوب عند حصول العلم وإن لم يحلّ الحول ويتردّد بين الوجوب الموسَّع فيتّحد مع القول الأوّل، أو المضيق.

والظاهر هو القول الأوّل ويدلّ عليه:

1. السيرة المستمرّة ، ولزوم الحرج في إخراج خمس كلّ ربح برأسه دون الصبر إلى انقضاء السنة، خصوصاً في المكاسب التي لا تنفك عن الربح التدريجي.


(354)

المسألة 73: لو تلف بعض أمواله ـ ممّا ليس من مال التجارة ـ أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح و إن كان في عامه إذ ليس محسوباً من المؤنة.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام » فإنّها ظاهرة