\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

السيرة الذاتية للمؤسّس
إنّ صحائف التاريخ تذكّرنا برجال عظام نذروا أنفسهم لهداية البشر وإنقاذ الإنسانية من مهاوي الفساد والضلال، ولم يتوانوا في سبيل تحقيق هذا الهدف فبذلوا الغالي والنفيس .
وقد كان أنبياء الله على رأس هذه القافلة المباركة، ثم أوصيائهم النجباء الطاهرين ، فكانوا مشاعل الوعي والهداية، وقد كافحوا الشرك والكفر، والضلال، وأثاروا مدافن عقول البشر بعلومهم، وقادوا الإنسانية إلى أنوار العلم وسواحل الإيمان.
 
وهكذا العلماء الربّانيون قد ساروا على نهج الأنبياء والأوصياء، وأكملوا المسيرة المقدّسة في طريق إزالة آثار الجهل والضلال ونشر العلم والهداية، وتحقيق أركان السعادة للإنسانية جمعاء وإيصالها إلى بر الأمان، وبهذا فقد أصبح علماء أُمّتنا المجاهدون مصداقاً بارزاً للقول المأثور: «العلماء ورثة الأنبياء»، و «الفقهاء أُمناء الرسل»، و «المؤمنون الفقهاء حصون الإسلام» .
إنّ فقهاء الإسلام بذلوا النفوس والأموال ولم يتقاعسوا في سبيل بيان أحكام الحلال والحرام وقيادة المسلمين نحو طاعة الله تعالى، وكابدوا في سبيل تحقيق هذا الهدف الرباني الكثير من الويلات، وعانوا من الفقر والحرمان والتغرب والهجرة والأسر والمرض والشهادة.
وأحد هؤلاء الفقهاء ـ الّذي صرف عمره الشريف في التدريس وتربية طلاب العلوم الدينية، ونشر المعارف الإسلامية، والدفاع عن عقائد الإسلام وأفكاره، وتأليف عشرات الكتب القيّمة ـ : المفكّر الكبير، العلاّمة المحقّق، المفسّر الرجالي، الفيلسوف المتكلم ، المؤرّخ المدقّق، والفقيه الأُصولي آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني دام ظله العالي. إنّ الإلمام بحياة الشيخ السبحاني بكافة جوانبها رهن كتاب مفرد، غير أنّا نشير في هذه الصفحات إلى زوايا مضيئة من شخصيته الفذّة وحياته العلمية ونشاطاته الاجتماعية وآثاره القيّمة، داعين الله له بطول العمر، والتوفيق لخدمة الإسلام والدفاع عن عقائده الحقّة .
والحمد لله رب العالمين
ولادته
ولد سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني في 28 شوال المكرم 1347 هـ في تبريز في بيت عريق مشهور بالعلم والفضيلة والتقوى.
 
والده
نشأ سماحته في أحضان العلم والمعرفة، فوالده هو الزاهد العابد العلاّمة المرحوم آية الله الحاج محمد حسين السبحاني الخياباني، (1299 ـ 1392 هـ) (1)، أحد كبار علماء وفقهاء تبريز، الّذي أمضى أكثر من خمسين سنة من عمره في إرشاد أبناء مدينته وتربية طلاب العلوم الدينية فيها.
وقد شرع في دراسة العلوم الدينية منذ صباه، فحضر في تبريز على أشهر أساتذة الحوزة آنذاك ; أمثال: آية الله السيد أبو الحسن الأنگجي، والشيخ العلاّمة حسين القراجه داغي، وميرزا علي آقا المنجم.
وبعد أن أتمّ دراسة السطوح غادر مدينته ـ وهو في عمر 28 سنة (1327 هـ) ـ قاصداً النجف الأشرف لينهل بجوار باب مدينة علم الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)من نمير علوم الإسلام التي تدرس في الجامعة الإسلامية هناك، فحضر دروس كلٍّ من:
1. السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (المتوفّى 1337 هـ) صاحب «العروة الوثقى».
2. ملا فتح الله شيخ الشريعة الاصفهاني (1266 ـ 1339 هـ) صاحب «إفاضة القدير».
3. ضياء الدين العراقي (المتوفّى 1361 هـ) صاحب «شرح التبصرة».
وبقي في ربوع هذه المدينة المقدّسة وحوزتها العامرة ينهل من علومها إلى عام 1339 هـ ، حيث عاد إلى موطنه بعد أن حصل على إجازة الرواية والاجتهاد من عدد من أساطين العلم في النجف الأشرف وقم المقدسة أمثال: الميرزا محمد تقي الشيرازي، والسيد محمد الفيروزآبادي، والحاج أبو الحسن الاصفهاني، والشيخ عبدالكريم الحائري مؤسّس الحوزة العلمية في قم المقدّسة.
وبعد أن استقرّ به المقام في تبريز بدأ هناك بالتعليم والتربية والتوجيه والإرشاد وإقامة الجماعة والتصدّي لسائر شؤون المجتمع الدينية إلى أن وافاه الأجل، فنقل جثمانه من تبريز إلى مدينة قم المقدّسة، ودفن إلى جوار كريمة أهل البيت: السيدة فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر(عليهم السلام)(في مقبرة أبو حسين)، وقد كتب على صخرة قبره البيتان التاليان:
إن الّذي صنع الجميل مخلد *** لا سيّما في العلم والعرفان
فإذا انقضت أيام مدة عمره *** فجميل صنع المرء عمر ثان
وقد ترك (رحمه الله) آثاراً علميّة قيّمة في الكثير من العلوم، نذكر منها:
1. نخبة الأزهار في أحكام الخيار (وهو تقريرات درس أُستاذه آية الله شيخ الشريعة الاصفهاني).
2. كتاب الصلاة (وهو تقريرات درس أُستاذه الاصفهاني أيضاً ).
3. حكم ملاقي الشبهة المحصورة.
4. تحديد الكر وزناً ومساحةً.
5. الفرق بين الحق والحكم.
6. إرشاد الأفاضل إلى مطالب الرسائل (في جزأين).
7. نكت الكفاية.
8. حاشية على كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري.
9. توقّف الاجتهاد على علم الرجال.
10. تعريف البيع (وهو تقريرات درس شيخ الشريعة الاصفهاني).
وقد طبع بعض هذه المؤلفات وما زال القسم الآخر منها مخطوطاً يحتفظ به قسم المخطوطات في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)في قم المقدسة.
 
نشأته الدراسية
إنّ نشأة شيخنا الجليل آية الله جعفر السبحاني في مثل هذا البيت العريق وترعرعه في أحضان أبيه هذا العالم الكبير، جعلته يحث الخطا على منهجه في طلب العلم ، فبعد أن أتمّ دراسته الابتدائية دخل مكتب المرحوم ميرزا محمود فاضل (وهو ابن الشيخ فاضل المراغي من تلاميذ الشيخ الأنصاري).
استاد سبحانى، در آن زمان سخت مشغول تعليم وتعلم (دروس مقدمات) و مباحثه و تأيف بود. يادگار قلمى ايشان از آن زمان (با اينكه نوجوانى 17 ساله بود) دوكتاب است كه هم اينك موجود مى باشد:
وفي الرابعة عشرة من عمره (1361 هـ) دخل المدرسة الطالبية في تبريز ودرس فيها مرحلتي المقدّمات والسطوح.
فقرأ العلوم الأدبية على المرحوم الحاج الشيخ حسين النحوي، والشيخ علي أكبر النجومي، ودرس قسماً من المطول، ومنطق المنظومة، وشرح اللمعة على يد العلاّمة الكبير العالم الورع الميرزا محمد علي المدرس الخياباني صاحب «ريحانة الأدب» (1296 ـ 1373 هـ).
كما درس على يد الأديب البارع الشيخ علي أكبر الأهري (1296 ـ 1383 هـ)، وقرأ على يد والده الجليل المغفور له الشيخ محمد حسين الخياباني التبريزي، الفقه وأُصوله وشيئاً من فرائد الشيخ الأنصاري .
وقد استمرت فترة دراسته هذه إلى خمس سنوات (أي إلى عام 1365 هـ). وكان سماحته إلى جانب دراسته وخلال هذه الفترة يدّرس دروس المقدّمات، ويؤلّف، ومن آثار قلمه في تلك الأيام: كتاب «معيار الفكر» في المنطق، و «مهذب البلاغة» في علم المعاني والبيان والبديع .
 
الهجرة إلى قم المقدّسة
بعد الاضطرابات السياسية والعسكرية الّتي حدثت في آذربيجان وظهور الفرقة الشيوعية الضالّة وتأسيس الحكومة العميلة للاتحاد السوفياتي (المنحل)، أصبحت الدراسة في تبريز أمراً صعباً، ولذا فقد بات لزاماً على سماحته أن يقوم بالبحث عن مكان بديل ليستمر في دراسته، لذا شدّ الرحال إلى مدينة قم المقدّسة حدود عام (1366 هـ)، فدخل في صفوف الجامعة الإسلامية الكبرى ليكمل ما قرأه في موطنه على أساتذة السطوح العالية، فأتمّ «فرائد الأُصول» على يد الميرزا محمد مجاهدي التبريزي (1327 ـ 1379 هـ)، وميرزا أحمد الكافي (1318 ـ 1412 هـ)، ودرس «كفاية الأُصول» عند آية الله السيد محمد رضا الگلپايگاني (المتوفّى 1414 هـ) .
وبعدها أخذ يتردّد على دروس مراجع الدين في الفقه والأُصول أمثال:
1. آية الله العظمى السيد محمد حسين البروجردي (1292 ـ 1380 هـ) والّذي كان يدرس آنذاك مبحث المواقيت من كتاب الصلاة. ويمتاز السيد البروجردي بأنّه كان يحث طلابه على تتبّع آراء القدماء وفتاوى أهل السنّة، والاطّلاع على سند الروايات وفهمها، واستخراج أُصول المسائل المطروحة في دروسه.
2. آية الله العظمى السيد الحاج محمد الحجة الكوهكمري(1301 ـ 1372 هـ) والّذي كان مشغولاً بتدريس كتاب البيع. ويمتاز درس السيد (رحمه الله) بالتقسيم الرائع والتصنيف الفائق للمواضيع المطروحة والنتائج المتوصّل إليها.
3. آية الله السيد الإمام روح الله الموسوي الخميني(1320 ـ 1409 هـ) والّذي كان يدرّس آنذاك بحث الاستصحاب من أُصول الفقه .
وقد دوّن الشيخ السبحاني بدقة فائقة دروس أُستاذه الكبير الخميني (قدس سره)الّتي ألقاها على مسامع طلابه خلال سبع سنوات وقدمها لطلاب هذا العلم مطبوعة عام 1375 هـ ، باسم «تهذيب الأُصول» .
وقد أُعجب الإمام الراحل (قدس سره)بهذا الكتاب، وهذا ما نلمسه من التقريظ الّذي كتبه عنه، وإليك نصه:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
وبعد فممّا منّ الله تعالى على هذا العبد اتفاق صحابة جمّ من الأفاضل وعدّة من الأعلام أيّدهم الله تعالى ، ومنهم العالم العلم التقي صاحب الفكر الثاقب والنظر الصائب الآغا ميرزا جعفر السبحاني التبريزي وفقه الله لمرضاته، وكثّر الله أمثاله، ولقد جدّ واجتهد في تنقيح مباحث الألفاظ من بحث هذا الفقير بحسن سليقته وتوضيحها بجودة قريحته فصار بحمد الله وله المنّة صحيفة كافلة لمهمات المسائل .
في تاريخ 24 شهر ربيع المولود 1375 هـ حررّه روح الله الموسوي الخميني
لقد كان لصدور هذا الكتاب إلى المكتبات صدى واسع وأثر بالغ، حيث إنّ مؤلفه لم يتجاوز الربيع الثامن والعشرين، كما أنّه قد كتبه بأُسلوب عربي سلس.
وإضافة إلى حضوره دروس الفقه والأُصول فقد اهتمّ سماحته منذ أيام شبابه بتعلّم الفلسفة وعلم الكلام وحضر دروس الفلاسفة والمتكلمين وأساتذة المنطق والمعقول في تبريز وقم.
فدرس في تبريز كتاب «قواعد العقائد للعلامة الحلي» بحضور الحاج السيد محمد البادكوبه أي (المتوفّى 1390 هـ) .
وأمّا في الحوزة العلمية في قم المقدسة فقد واصل مطالعاته الفلسفية وشارك في دروس المنطق والفلسفة لآية الله العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي (المتوفّى 1402 هـ)، ودرس عنده شرح المنظومة، وقسماً كبيراً من كتاب الأسفار.
وكان يحضر ليالي الخميس والجمعة الجلسات الّتي يعقدها العلاّمة الطباطبائي لنقد الفلسفة المادية، ونتيجة هذه الجلسات والدروس كانت تأليف كتاب «أُصول الفلسفة» الّذي صدره سماحة السيد الطباطبائي بتقريظ قيّم.
 
التربية والتدريس
منذ السنوات الأُولى لمرحلة الدراسة الّتي قطعها آية الله السبحاني ـ دام ظله ـ اعتنى كثيراً بالتدريس والتعليم لطلاب الجامعة الإسلامية الكبرى «الحوزة العلمية»، فبدأ في عام 1361 هـ بتدريس دروس المقدمات وهو في الثامنة عشرة من عمره، وبعد ذلك أخذ بتدريس دروس مرحلة السطوح.
فقد درّس خلال سبع سنوات كتاب المطول، وعدّة دورات من كتابي المعالم واللمعة، وسبع دورات لكتاب «فرائد الأُصول» للشيخ الأنصاري، وعدة دورات لكتابي «المكاسب» و «الكفاية»، وخمس دورات درّس فيها كتاب شرح المنظومة.
وبدأ من سنة 1394 هـ بتدريس البحث الخارج في الفقه والأُصول، وما زال يواصل التدريس فيهما.
ويعتبر درسه الخارج في الأُصول من أبرز الدروس في الحوزة العلمية في قم المقدسة في الوقت الحاضر، حيث يحضره أكثر من 600 طالب.
وبهذا يكون سماحة الشيخ حفظه الله قد أكمل تدريس خمسة دورات أُصولية كاملة، حيث إنّ كل دورة تستغرق حوالي 6 سنوات، وكان حاصل الدورتين الأخيرتين كتابي: «المحصول في علم الأُصول» وهو تقريرات درسه الّتي كتبها المازندراني في أربعة أجزاء ، و «إرشاد العقول إلى علم الإُصول» وقد دوّنها الشيخ محمد حسين الحاج العاملي وطبع في أربعة أجزاء.
وأمّا تدريسه البحث الخارج في الفقه فقد درّس حفظه الله على مدى 20 سنة الكثير من المواضيع الفقهية منها: كتاب الزكاة، كتاب الحدود والديات، كتاب القضاء، كتاب المضاربة (وقد درّسه لمرتين)، كتاب المكاسب المحرمة والخيارات، كتاب الطلاق والنكاح، كتاب الإرث، كتاب الخمس، وأخيراً يقوم حالياً بتدريس كتاب البيع .
وقد قام عدد كبير من فضلاء الحوزة العلمية ومن حضّار دروسه بتدوين محاضراته، وتمّ طبع عدد كبير من تقريرات درسه في كتب مستقلة سنشير إليها لاحقاً.
هذا بالإضافة إلى الفقه والأُصول والفلسفة فقد درّس سماحة الأُستاذ: العقائد، وعلم الرجال والدراية، وتاريخ الإسلام والتشيّع والملل والنحل، والتفسير والآداب، ونتيجة هذه الدروس والمحاضرات هي إصدار مجموعة نفيسة من المؤلفات القيّمة الّتي لا يستغني عنها طالب العلم والمثقف المسلم.
منهجه في التدريس
عُرف الشيخ السبحاني باهتمامه الكبير بدروسه ومحاضراته، وهذا ما يتّضح من خلال حرصه على تقليل أيام العطل وحضوره الدائم في أوقات الدرس، لا بل أنّه يحضر دوماً قبل موعد الدرس، كما أنّه قبل أن يبدأ درسه يقرأ سورة الفاتحة ويهدي ثواب قراءتها إلى العلماء والحكماء الذين مضوا على هذا الطريق السامي.
كما أنّ الشيخ ـ حفظه الله ـ في بداية درسه يعرض تخطيطاً شاملاً لما سيلقيه، ثم إنّه يبقى ملتزماً بهذا المخطط بدقة ولا يتجاوزه خلال الوقت المحدد للدرس، كما أنّه يستمع بدقة لكل إشكال أو تعليق أو استفسار مفيد في الدرس من قبل الطلاب، ويجيب عنه ويصحّح بعضها، ويستحسن البعض الآخر ويشجّع عليه.
كما أنّه يؤكد خلال دروسه على الكتابة بخط جميل ورعاية الجوانب الفنية والتحقيقية في الكتابة، والإكثار من العناوين والمصادر، ثم إنّه يلاحظ دفاتر طلابه ويحثّهم على الاهتمام بجمال الخط ونظافة الصفحات المكتوبة.
كما أنّه يتابع في مباحثه الفقهية رجال سند الروايات الّتي استدل بها الفقهاء السابقون على آرائهم ويعرض الفهم الدقيق لهذه الروايات، كما أنّه يتبع في دروسه الأُصولية منهج كتاب «كفاية الأُصول»، ويذكر آراء الأُصوليين ويقوم بنقدها وتقديمها وتبنّي ما يراه صحيحاً منها، أو أنّه يذكر آراءً جديدة يعتبرها من مختاراته في المقام.
والآن نرى الكثير من طلابه وحضّار درسه قد تصدوا للتدريس والتعليم، أو دخلوا مجلس الشورى، أو أصبحوا أئمة للجمعة والجماعات في مختلف المدن الإيرانية، وهم يدينون للأُستاذ حفظه الله بالفضل والعرفان.
 
المشاركة في تأسيس مجلة مكتب الإسلام
في الفترة الّتي سبقت سنة 1378 هـ ، كان الشباب يعاني من الفراغ الفكري، وقد انتشر الفساد في الكثير من مؤسسات الدولة، وصدر عدد من المجلات الّتي تهدف إلى تخريب البناء الأخلاقي والثقافي لمطالعيها.
وفي هذه الظروف الصعبة قام الأُستاذ وعدد من فضلاء الحوزة ـ وبتوجيه من المراجع العظام آنذاك ودعم من المؤمنين ـ بالعمل على إصدار مجلة ترعى الشباب وتجيب عن إشكالاتهم، وتنوّر أفكارهم، وتقرّبهم من دينهم وعقائدهم.
وهكذا شقّت مجلة «دروس من مكتب الإسلام» (2) طريقها إلى النور، وهي مجلة شهرية منتظمة، صدر العدد الأوّل منها في جمادى الأُولى عام 1378 هـ ، وما زالت تصدر إلى الآن، وآخر ما صدر منها حمل الرقم 579، (بتاريخ شعبان 1430 هـ) ، وهو العدد الخامس من السنة التاسعة والأربعين.
لم يكن المشرفون على المجلة يتصوّرون أنّ المجلة سوف تلقى هذا الاهتمام الكبير والاستقبال الرائع، ولذا فقد اضطروا إلى إعادة طباعة الكثير من أعدادها عدة مرات لزيادة الطلب عليها، كما يلاحظ ذلك من يراجع الأعداد القديمة منها.
من المسؤوليات الّتي اتخذها الشيخ السبحاني على عاتقه مراجعة مواضيع المجلة وتقييمها وتصحيحها، وحث أصحاب القلم للمشاركة في الكتابة فيها ورفدها بالجيد والجديد من نتاجاتهم الفكرية والعلمية والأدبية.
ومازال حفظه الله يعتبر هو صاحب الامتياز لإصدار هذه المجلة، ويعينه في ذلك عدد من الفضلاء ومثقفي الحوزة العلمية في قم المقدسة.
 
المشاركة في تدوين القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية في إيران:
منذ الأيام الأُولى لانطلاقة الثورة الإسلامية على أرض إيران وبدء المواجهات الجهادية مع حكومة الطاغوت، شارك الأُستاذ ـ حفظه الله ـ مع بقية علماء الإسلام المجاهدين جنباً إلى جنب مع أبناء الشعب الإيراني المسلم وتصدوا بحزم لعملاء النظام البائد من أجل أسقاط الحكومة الملكية وإقامة دولة إسلامية تتّخذ القرآن الكريم دستوراً لها.
وبعد انتصار الثورة الإسلامية شارك سماحته في انتخابات «مجلس الخبراء لتدوين الدستور»، ممثلاً لأهالي محافظة آذربيجان الشرقية (تبريز وتوابعها)، وقد أحرز المرتبة الأُولى في محافظته والثانية في إيران بعد المرحوم آية الله الطالقاني، وكان الدافع وراء مشاركته في الانتخابات هو إحساسه بالمسؤولية، وأمر الإمام الخميني له وحثّه على أداء وظيفته الشرعية.
وبهذا فقد شارك وبشكل فاعل في تدوين القانون الأساسي للبلاد، وقد أشار إلى دوره وإنجازاته في هذا الصدد السيد الشهيد البهشتي (رحمه الله) رسمياً من على منصة المجلس.
 
ابتكار التفسير الموضوعي للقرآن الكريم:
يشتمل القرآن الكريم على عدد لا يحصى من المعارف الدينية والكونية والأدبية والتاريخية وغيرها، ويمكن أن يعثر من يطالع تفاسيره على الكثير من المواضيع، إلاّ أنّه سيجدها مبعثرة ومتباعدة في أجزاء الموسوعات التفسيرية .
وقد أحس سماحة الأُستاذ بضرورة جمع هذه المواضيع والربط بينها من خلال التفسير المبتكر (وهو التفسير الموضوعي) والّذي يختلف عن التفسير الترتيبي الّذي يبدأ بتفسير سورة الفاتحة وينتهي بتفسير سورة الناس، وتفسّر الآيات حسب موقعها، وربّما يكرر المفسر ما كان قد كتبه من قبل في تفسير الآيات المتشابهة المتقدمة على ما بيده من آيات.
وبهذا يصبح القارئ غير ملتفت إلى العلاقة بين أجزاء القرآن وآياته.
ولذا جاءت مبادرة الشيخ السبحاني ـ دام ظله ـ ترفع هذا الإشكال وتؤكد للأذهان وحدة القرآن وعظمته، وأنّه نزل لهداية البشر وإرواء عطشهم الفكري وسد حاجاتهم التشريعية.
فكتب سماحته عدة مقالات نشرت أوّلاً في مجلة «مكتب إسلام»، ثم جمعت على شكل تفاسير سمّيت بأسماء السور القرآنية، فنجد أنّه فسّر سور: التوبة، والرعد، والفرقان، ولقمان، والحجرات، والحديد، والصف، والمنافقون، وطبعت هذه التفاسير ـ لاحقاً ـ بشكل منفرد.
ثم إنّه بعد طباعة هذه التفاسيرتوجّه وبإخلاص لتدوين تفسير موضوعي كامل لكل القرآن الكريم، فكان كتابه الشهير وموسوعته التفسيرية الباهرة «مفاهيم القرآن» في عشرة أجزاء .
وقد ابتهج المثقفون والعلماء بهذا الإنجاز العلمي، وقرّظه عدد كبير من فطاحل الأُمة وعظمائها وكبار علمائها ومثقفيها، نذكر منهم: السيد الشهيد محمد باقر الصدر، والعلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، والشيخ محمد تقي التستري، والشيخ المرحوم محمد جواد مغنية، والسيد مرتضى العسكري (رحمهم الله)، وغيرهم.
وبعد أن أحسّ الأُستاذ بحاجة المكتبة الفارسية لمثل هذا العمل