welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
الخمس فريضة شرعية
الخمس فريضة شرعية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
شكّل الدور التاريخي المؤثّر لعلماء الإسلام في حياة الأُمّة، تحدّياً سافراً للأعداء الطامعين بها، والمتربّصين بها الدوائر.. فلقد أثبتت الأحداثُ الجمّة التي مرّت على العالم الإسلاميّ، أنّ القيادة العلمائيّة، هي الأجدر بتحمّل مسؤولية الحفاظ على المبادئ والقيم التي آمنت بها الأُمّة، والدفاع عن كيانها، وصَوْن كرامتها وعزّتها.
إنّ ما قام به العلماء من دور فاعل في مقارعة الاستعمار الغربيّ بشتى وجوهه، وفي مواجهة قوى الإلحاد والطغيان والاستبداد، أمر لا يمكن أن يُنكره أحد يحترم الحقيقة، كيف؟ وهذه صفحات التاريخ المعاصر، قد سَطّرت بأحرف من نور مواقفَهم الجريئة والحكيمة في التصدي للمشروع الاستعماري البغيض، وقُدراتِهم الجبارة في تعبئة الجماهير باتجاه هذا الهدف المقدّس، وسعيَهم الدائبَ لفضح مؤامراتهم ومخطّطاتهم الشيطانية الرامية إلى خداع الأُمة عن دينها ومبادئها وتطلّعاتها وآمالها، وإلى تحطيم مقوّمات وحدتها وقوّتها ومنَعَتها.
ولم يكتفِ العلماء بذلك، بل قادوا جموعَ الثائرين، وانضمّوا إلى صفوف المقاتلين في ساحات الجهاد، للذَّود عن الدين والشرف والوطن، وتحرير البلاد وتطهيرها من دَنَسهم.
وبرز هذا الدور بشكل أكبر في أواخر القرن الهجري الماضي، ومطلع هذا القرن عندما هلَّ هلالُ الفتح والنصر على العالم الإسلاميّ، بتأسيس دولة إسلامية، تهدف إلى تحكيم القرآن المجيد والسنّة الشريفة، وإحلال الأحكام الشرعية محلّ القوانين الوضعية الغربية، وذلك بفضل ثورة، قادها علماء الإسلام ومراجع الدين، وبمساندة قطاعات الشعب المختلفة، التي التفّت حولهم، من أجل تطبيق الشريعة في كافة نواحي الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها.
وقد أوجد هذا الحدثُ الفذُّ هزَّةً عنيفةً في العالم، وأحدثَ زلزالاً كبيراً في المنطقة (على حدّ وصف رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك)، أرعب المستكبرين وصنائعَهم، من الكيان الصهيوني، والأنظمة الجائرة الحاكمة في بعض البلدان الإسلامية، لِما تحملُه هذه الثورة من مشروع تغييريّ شامل، يحقِّق طموح الناس للعيش في أفياء حياة حرّة كريمة طيّبة، بعدما ذاقُوا مرارةَ الحرمان، وذُلَّ الهوان في ظلٍّ من يحموم الأنظمة التابعة للشرق أو للغرب.
ولمّا أحسّ الأعداءُ وأذنابُهم، بأنّ أَثَر هذه الثورة المباركة قد امتدّ إلى سائر الشعوب الإسلامية، بل إلى الشعوب المستضعَفة، وأنّ الصحوة الإسلامية أخذت تتوسّع، والوعيَ الدينيّ والسياسيّ بدأ ينمو في أوساط الأُمة، جنّ جنونُهم، وانهمكوا في وضع الخطط والبرامج لإيقاف هذا الزحف الميمون، أو للحدّ من تقدّمه، وذلك بإشعال نار الفتن الداخلية، والحصار الاقتصادي، والغزو الفكري والثقافي، ودفع بعض الحمقى وأعوانهم ممّن تتحكّم بهم العُقد الطائفية، والروح الفرعونية إلى معاداة الثورة ومحاربتها إعلامياً وسياسياً، وشنّ الحرب العسكرية ضدها.
ولمّا لم تأتِ هذه الأساليب أُكُلَها كما يشتهون ضمّوا إليها أسلوباً آخر، لعلّهم يتوصّلون به إلى تحقيق مآربهم الشريرة، وقد تمثّل هذا الأُسلوب في توجيه ضربات للمرجعية الدينية، والكيان الحوزوي، باعتبارهما قمّة الهرم في التحرك الجماهيري الواعي والمتّزن، والعملِ على فكّ الارتباط والالتحام بين المرجعية الدينية وبين القاعدة الشعبية العريضة التي تؤمن بقيادتها، وتستجيب لتوجيهاتها وإرشاداتها .
وسعياً وراء تحقيق هذا الغرض، كرّس الأعداء، وأصحاب المطامع والأهواء، ومن خسرت صفقتهم في سوق العقل والدليل والبرهان، كرّسوا جهودهم لتشويه صورة المرجعية الرشيدة، وإثارة الشبهات حولها، وتوجيه سهام الانتقادات إليها، ومحاولة تجفيف منابعها المالية التي تستعين بها على إقامة أمر الدين، وتعزيز الوجود الإسلامي، وإنعاش حياة المسلمين المحرومين .
إنّ المرء لَيعجب من كثرة الكتابات التي تطرحها المطابع كل أسبوع، وبمختلف اللغات، وتُنشر على نطاق واسع، ولا غاية لها سوى تهميش وإلغاء دور المرجعية الدينية وكيانها المتمثل في العلماء المخلصين، وعزل الجماهير عنها، ليسهل لهم فيما بعدُ تمريرُ سياساتهم التي تضادّ مصالح الأُمّة، وتنفيذُ مآربهم في السيطرة على ثرواتها، والتحكّم بمقدّراتها.
ومن نماذج هذه الإصدارات كتاب نشر تحت عنوان: «الخمس بين الفريضة الشرعية والضريبة المالية»، تأليف سليمان بن صالح الخراشي. وكان هذا الكتاب قد نُشر ـ من قَبل ـ على موقع (فيصل النور) الالكتروني، كما تم تلخيصه وطبعه باسم «الخمس جزية العصر»، وزُعم أنّ مؤلفه شخص يُدعى : السيد علاء عباس الموسوي.
والكتاب يدل على أنّ المؤلف ليس فقيهاً حتّى في مذهبه الحنبلي ولا عارفاً بالفقه الشيعي، والشاهد عليه وجود التناقض في عباراته، فتارة ينكر وجوب الخمس في غير الغنائم، وأُخرى يُقرّ به ولكن يُنكر وجود الدليل على دفعه إلى الفقهاء، وثالثة يُصرّ على أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد أحلّوه في زمان الغيبة، إلى غير ذلك من المشاغبات العديدة في كلامه.
وقد كشف المؤلف حسب زعمه في الفصل الأوّل عن ثمان حقائق، اعتبرها خطيرة ومفيدة، ويبدو أن أكثر ما أقلق المؤلف هو دفع الخمس إلى الفقهاء، وإلاّ فلا نراه يُبالي فيما إذا دُفع الخمس إلى السادة وسائر المستحقين مباشرة، وهذا يشير إلى أنّ الهدف هو تضعيف المرجعيّة، التي هي سند النهضة الإسلامية وعمادها الرصين.
وبما أنّ القارئ الكريم سيقف على زيف هذه الحقائق ـ التي هي أشبه بالأوهام ـ لذا نترك البحث فيها، وندخل في صلب الموضوع على النحو التالي:
1. الخمس في كتاب الله وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام).
2. تفسير ما دلّ على حلّية الخمس في موارد أو فترة خاصّة.
3. جهاز الوكالة في عصر الحضور.
4. فريضة الخمس وتولّي الفقهاء.
5. تشريح كتاب الخراشي وما فيه من خزايا وخطايا.
6. خاتمة: الأسئلة التي طرحها الكاتب، وأجوبتها .
نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لمّا فيه رضاه، وأن يجمع شمل المسلمين، ويقطع ألسنة المفرِّقين الذين لا همّ لهم سوى إثارة الفتن والأحقاد بين أبناء الجسد الإسلامي الواحد، لكي يُرضوا أسيادهم وأولياء نعمتهم.
الفصل الأوّل
الخمس في الكتاب والسنة
سوف نتطرق في هذا الفصل إلى ما جاء في الكتاب والسنة، ممّا يدلّ على وجوب الخمس في كل ما يغنمه الإنسان ويفوز به .
الخمس في الكتاب العزيز
الأصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ والله على كُلِّ شيء قديرٌ)(360).
لا شك في أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر » الكبرى ، لكن الكلام في أنّ قوله: (ما غَنِمْتُمْ) هل هو عام لكل ما يفوز به الإنسان في حياته، أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟
وعلى فرض كونه عامّاً، فهل المورد مخصّص أو لا ؟
فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: الغنيمة: مطلق ما يفوز به الإنسان
الظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الأصل أعمّ ممّا يظفر به الإنسان
في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الإنسان، وإليك بعض كلماتهم:
1ـ قال الأزهري: «قال الليث: الغنم: الفـوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم»(361).
2ـ قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم قال: (واعلموا أنَّما غنمتم من شيء)، (فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّباً)والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: (فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة )(362).
3ـ قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يُملك من قبل، ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين (363).
4ـ قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة (364).
5ـ قال ابن الأثير: في الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غنمه: زيادته ونماؤه وفاضل قيمته» (365).
6ـ قال الفيروزآبادي: «الغنم»: الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة (366).
وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك، وإن كانت لا تستعمل في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن إلاّ في ما يظـفر به في ساحة الحرب.
ولأجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الإنسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.
لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الإنسان، وإن لم يكن عن طريق القتال، بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي، أو ما يناله من نعيم في الآخرة إذ يقول سبحانه:
(يا أيُّها الَّذين آمنُوا إذا ضَربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلام لَستَ مُؤمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرة)(367).
والمراد بالمغانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا، فيدلّ على أنّ لفظ المغنم لا يختصّ بالأُمور والأشياء التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا وفي ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة.
ثمّ إنّه قد وردت هذه اللفظة في الأحاديث وأُريد بها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.
روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما»(368).
وفي مسند أحمد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «غنيمة مجالس الذكر الجنّة»(369).
وفي وصف شهر رمضان عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «غنم للمؤمن»(370).
وفي نهاية ابن الأثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب (371).
فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب في الأعصار المتأخّرة، وبعد نزول الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.
الثاني: المورد لا يخصّص
إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الإنسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيقاً لعمومه. وإذا وقفنا على أنّ التشريع الإسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع مؤكّداً لإطلاق الآية، ولا يكون وروده في الغنائم الحربية رافعاً له.
استدلال الفقهاء بالآية في غير مورد الغنيمة
ما يدل على أنّ الغنيمة في الآية بمعنى مطلق ما يفوز به الإنسان وإن لم يكن عن طريق الحرب، هو استدلال الفقهاء على وجوب الخمس في المعادن.
قالت الحنفية والمالكية بوجوب الخمس على ما يُستخرج من المعادن.
قال الفقيه المعاصر وهبة الزحيلي: المعدن والرِّكاز أو الكنز بمعنى واحد وهو كل مال مدفون تحت الأرض، إلاّ أنّ المعدن هو ما خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز أو الكنز هو المال المدفون بفعل الناس الكفّار.
ثم ذكر أنّ المعادن ثلاثة أنواع، وذكر من النوع الأوّل ما هو جامد يذوب وينطبع بالنار كالنقدين والحديد والنحاس والرصاص ويلحق به الزئبق.
وقال: ولا يجب الخمس إلاّ في هذا النوع سواء وجد في أرض خراجية أو عُشرية، ويصرف الخمس مصارف خمس الغنيمة، ودليلهم الكتاب والسنة الصحيحة والقياس، أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ)(372)، ويُعدّ المعدن غنيمة.(373)
وغير خفيّ على النابه أن عدّ المعدن غنيمة لا يصح إلاّ إذا فُسّرت بكل ما يفوز به الإنسان، وإلاّ فلو خُصّت بما يفوز به الإنسان عن طريق الحرب، فليس المعدن من أقسامه.
نعم لو كانت المعادن في أراضي الكفار واستولى المسلمون عليها عن طريق الحرب، ربّما يمكن عدّ المعادن من الغنائم، ولكن ليس كل معدن كذلك، فإن كثيراً منها في البلاد الإسلامية التي حكمها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، ولا يُعدُّ استخراجه بعد هذه الحقبة من الزمن استيلاءً على مال الكفّار.
ونقل ابن الأثير عن مالك في وجه الخمس في الركاز: إنّه إنّما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يُطلب بمال ولم يتكلّف فيه نفقة، ولا كبير عمل ولا مؤونة، فأمّا ما طُلب بمال وتُكلف فيه عمل كبير، فأُصيب مرة وأُخطئ مرة فليس بركاز .(374)
وكأنّ ابن الأثير يُريد إدخال الركاز الّذي ورد فيه الخمس تحت عنوان الغنيمة إذا لم تتكلف فيه نفقة ولا كثير عمل ولا مؤونة، وهذا لا يصح إلاّ بتفسير الغنيمة بمطلق ما يفوز به الإنسان بسهولة.
ويؤيد ما ذكرنا ما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام)عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام)قال: «إنّ عبدالمطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام .. إلى أن قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس وتصدّق به، فأنزل الله: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ) (375).
ويؤيد عموم المعنى، التعبير عما يجب فيه الخمس بلفظة «من شيء» التي هي كالصريحة في أن متعلّقه كل شيء.
ولعلّ ما ذكرنا حول الآية من القرائن والشواهد يكفي في الاستدلال به على وجوب الخمس في مطلق ما يفوز به الإنسان، فلنرجع إلى السنة الشريفة.
الخمس في السنّة النبويّة
تضافرت الروايات عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)على وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب. وإليك النصوص أوّلاً ثم تبيين ألفاظها ثانياً:
روى لفيف من الصحابة كابن عباس، وأبي هريرة، وجابر، وعُبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في هذا المجال:
1ـ في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل: عن ابن عباس قال:
قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الركاز ، الخمس (376).
2ـ وفي صحيحي مسلم والبخاري، واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
«العجماء جُرْحُها جُبار(377)، والمعدن جبار، وفي الرِّكاز الخمس»، وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار (378).
قال القاضي أبو يوسف : كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قَليب (379) جعلوا القليب عَقَله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عن ذلك فقال: «العجماء جُبار، والمعدن جُبار ، والبئر جُبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول الله؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت»(380).
3ـ وفي مسند أحمد: عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «السائمة جبار، والجُبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي (381).
4ـ وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت، قال:
من قضاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والجُبار هو الهَدَر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس (382).
5ـ وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حاجته، فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا، فأخذها فأتى بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم، فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس» (383).
6ـ وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول الله مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): « فيه، وفي الركاز الخمس» (384).
7. وقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفرّاء الحنبليّ: فأما الرِّكاز، فهو كلّ مال وُجد مدفوناً من ضرب الجاهلية، وفي موات، أو طريق سابل، يكون لواجده وعليه الخُمُس .(385)
8ـ وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سَيْب» واللفظ للأوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ لوائل بن حجر: «وفي السُّيوب الخمس». السُّيوب: الركاز.
قالوا:
«السُّيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسُّيوب: جمع سَيْب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لأنّه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه» (386).
تفسير ألفاظ الأحاديث:
العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه إنسان فلا غُرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وُجد من دفن أهل الجاهلية، فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له (387).
والآرام: الأعلام وهي حجارة تُجمع وتُنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه (388).
وفي لسان العرب وغيره من معاجم اللغة: ركَزَه يركُزُه رَكزاً: إذا دفنه.
والركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الأرض أو المعدن، واحده الركزة كأنّه ركز في الأرض.
وفي نهاية اللغة: والركزة: القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها وجمع الركزة الركاز.
إنّ هذه الروايات تعرب عن كون وجوب الخمس في الكنز والمعادن، ضريبة غير الزكاة، وقد استند إليها أُستاذ الفقهاء أبو يوسف في كتابه «الخراج». وإليك نصّه:

كلام أبي يوسف في المعدن والركاز :

قال أبو يوسف: في كل ما أُصيب من المعادن من قليل أو كثير، الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على موضع الغنائم (389)، وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذاً فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة ـ مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة ـ فلا خمس في شيء من ذلك، إنّما ذلك كلّه بمنزلة الطين والتراب(390).
قال: ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دَين فادح لم يُبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أنّ جنداً من الأجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خُـمِّسَت ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.
قال: وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله عزّ وجلّ في الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمـن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحـد ـ فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب ـ فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمَّس وما بقي فلهم.
قال: ولو أنّ حربياً وجد في دار الإسلام ركازاً و كان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذمّياً أُخذ منه الخمس كما يؤخذ من المسلم، وسلِّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الإسلام فهو له بعد الخمس ... (391).

خمس أرباح المكاسب في الحديث النبوي

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر بإخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الإنسان من أرباح المكاسب وغيرها. وإليك بعض ما ورد في المقام:
1ـ لمّا قدم وفد عبد القيس على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: «إنّ بيننا وبينك المشركين وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحرم فمُرنا بجُمل الأمر، إن عَمِلنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن وراءنا» فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان باللّه، وهل تدرون ما الإيمان، شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم» (392).
ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب، كيف؟ وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم، خوفاً من المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.
وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وفرض فيها الخمس على أصحابها، وستتبيّن لك ـ بعد الفراغ من نقلها ـ دلالتُها على الخمس في الأرباح، وإن لم تكن غنيمة مأخوذة من الكفّار في الحرب ، فانتظر.
2ـ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
«بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» (393).
والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.
3ـ كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل (394) ذي رعين، ومعافر وهمدان:
«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأُعطيتم من المغانم خمس الله» (395).
4ـ كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه: أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه» (396).
5ـ كتب للفُجَيع ومن تبعه:
«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه... وأسلمَ، وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله ...» (397).
6ـ كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:
«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله، وسهم النبي، وفارقوا المشركين، فإنّ لهم ذمّة الله وذمّة محمد بن عبد الله» (398).
7ـ كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:
«إنّ لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس» (399).
8 ـ كتب لملوك حمير فيما كتب:
«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس الله، وسهم النبي وصفيّه، وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة» (400).
9ـ كتب لبني ثعلبة بن عامر:
«من أسلم منهم، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وأعطى خمس المغنم، وسهم النبي والصفي» (401).
10ـ كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:
«من أسلم منهم، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وأطاع الله ورسوله، وأعطى من الغنائم الخمس»(402).

إيضاح الاستدلال بهذه المكاتيب:

يتبيّن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.
ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.
هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه، هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة شيئاً من ذلك سوى ما يسلبه من القتيل ، وإلاّ كان سارقاً مغلاًّ.
فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟
فيتبيّن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهب بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«من انتهب نهبة فليس منّا» (403) ، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ» (404)، وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن لا ننهب(405).
وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله، فأصاب الناسَ حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول الله يمشي متّكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلَّ من الميتة» (406).
وعن عبد الله بن زيد: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن النهبى والمثلة (407).
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.
وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.
فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير إذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة فيها، هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال، أو النهب الممنوع في الدين.
وعلى الجملة: أنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خُمُسها، إمّا أن يراد بها ما يستولي عليه أحد عن طريق النهب والإغارة، أو ما يستولي عليه عن طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولي عليه عن طريق الكسب والكد.
والأوّل ممنوع، بنصّ الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خمس النهيبة.
والثاني يكون أمر الغنائم فيه بيد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم، بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلبه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّن.
الخمس في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام)
قد وردت في وجوب الخمس روايات عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في غير مورد الغنيمة المأخوذة من الكفّار في الحرب، نشير إلى عناوينها وشيء من أدلّتها:
1. المعادن
يجب الخمس في المعادن، روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر ] الباقر [(عليه السلام)قال: سألته عن معادن الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص؟
فقال: «عليها الخمس جميعاً» (408).
2. الكنز
وممّا يجب فيه الخمس الكنز الّذي يُعثر عليه، روى الحلبي أنّه سأل أبا عبدالله ]الصادق [(عليه السلام)عن الكنز، كم فيه؟ فقال: «الخمس»...(409)
3. ما يخرج من البحر بالغوص
وممايجب فيه الخمس ما يخرج من البحر بالغوص فيما لو كان ذا قيمة نفيسة، روى الحلبي قال: سألت أبا عبدالله ] الصادق [(عليه السلام)عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ فقال: «عليه الخمس». (410)
4. أرض الذمي إذا اشتراها من مسلم
وممّا يجب فيه الخمس الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، روى أبو عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا جعفر ] الباقر [ (عليه السلام)يقول: «أيّما ذمّي اشترى من مسلم أرضاً، فإنّ عليه الخمس» (411).
5. الحلال المختلط بالحرام
إذا اختلط الحلال بالحرام على وجه لا يُعرف مقدار الحرام كما لا يُعرف صاحبه، فلابد في تطهيره من دفع خُمُسه، روى الحسن بن زياد عن أبي عبدالله ] الصادق [(عليه السلام)قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام)فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: أخرج الخمس من ذلك المال، فإن الله عزّوجل قد رضي من المال بالخمس، واجتنب ما كان صاحبه يُعْلَم» .(412)
6. أرباح التجارات والصناعات والزراعات
ممّا يجب فيه الخمس ما زاد من أرباح التجارات والصناعات والزراعات بعد إخراج مؤونة السنة منها، وهذا هو المسمّى بأرباح المكاسب، وقد وردت الإشارة إليه في تعاليم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)التي أوصى بها الوافدين عليه من قبيلة عبد القيس.
وإليك ما ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)في هذا الصدد:
الخمس في كلام الإمام الصادق (عليه السلام)
1. روى أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر، هل عليه فيها الخمس؟ فكتب (عليه السلام): «الخمس في ذلك»، وعن الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء بمائة درهم أو خمسين درهماً، هل عليه الخمس؟ فكتب: «أمّا ما أكل فلا، وأمّا البيع فنعم، هوكسائر الضياع» (413).
الخمس في كلام الإمام الكاظم (عليه السلام)
2. روى سماعة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس؟ قال: «في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(414).
3. روى حماد بن عيسى، عن رجل (من بعض أصحابنا)، عن العبد الصالح (عليه السلام)قال: «الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم، والغوص، ومن الكنوز، ومن المعادن، ومن الملاحة ».(415)
وما يعود إلى الإنسان من الملاحة فهو من أرباح المكاسب، ذكره الإمام بالخصوص لنكتة، هي كونه محلّ ابتلاء السائل أو شيئاً مغفولاً عنه عنده.
4. روى عمران بن موسى عن موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: قرأت عليه آية الخمس فقال: «ما كان لله فهو لرسوله، وما كان لرسوله فهو لنا»، ثم قال: «والله لقد يسّر الله على المؤمنين أرزاقهم بخمسة دراهم، جعلوا لربهم واحداً وأكلوا أربعة أحلاء، ثمّ قال: هذا من حديثنا صعب مستصعب لا يعمل به ولا يصبر عليه إلاّ ممتحن قلبه للإيمان» .(416)
فإن قوله: «أرزاقهم» يشير إلى مطلق ما يفوز به الإنسان ويستفيده من عمله.
الخمس في كلام الإمام الرضا (عليه السلام)
5. روى الصدوق باسناده عن إبراهيم بن محمد الهمداني، أنّ في توقيعات الرضا (عليه السلام) إليه: «أنّ الخمس بعد المؤونة» (417).
والحديث ناظر إلى الأرباح التي يكسبها الإنسان من عمله، وأنّ الخمس يتعلق بما زاد على المؤونة أي مؤونة الكسب أو مؤونة الإنسان، ولا يمكن حمل الرواية على الغنائم الحربية لأنّها من وظيفة الحاكم المسلم، والخطاب هنا لواحد من عامة الناس.
6. جاء في فقه الرضا قوله (عليه السلام): كل ما أفاده الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص ومال الفيء الّذي لم يختلف فيه وهو ما ادّعي فيه الرخصة، وهو ربح التجارة، وغلَّة الضيعة وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات، والمواريث وغيرها، لأنّ الجميع غنيمة وفائدة ومن رزق الله عزوجل، فإنّه روي أنّ الخمس على الخياط من إبرته، والصانع من صناعته، فعلى كل من غنم من الوجوه مالاً فعليه الخمس (418).
7. كتب رجل من تجّار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا (عليه السلام)يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: «إنّ الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى أموالنا، وما نبذله ونشتري من أعرافنا ممن نخاف سطوته، فلا تَزوُوه عنّا، ولا تُحْرِموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم، وماتمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم» .(419)
8. عن محمد بن زيد قال: قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)فسألوه أن يجعلهم في حلّ من الخمس، فقال: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودّة، بألسنتكم وتزوون عنا حقّاً جعله الله لنا وجعلنا له، لا نجعل لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ» (420).
الخمس في كلام الإمام الجواد (عليه السلام)
9. كتب محمد بن الحسن الأشعري إلى الإمام الجواد (عليه السلام)وسأله عن الخمس، وقال: أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصناع، وكيف ذلك؟ فكتب الإمام (عليه السلام)بخطه: «الخمس بعد المؤونة»(421).
ولعل القرائن كانت تشهد بأنّ السائل يسأل عن كيفية تعلّق الخمس، فهل هو على جميع ما يستفيد أو عليه بعد إخراج المؤونة، فكتب الإمام (عليه السلام): «الخمس بعد المؤونة».
وكانت إمامة الإمام الجواد (عليه السلام)من سنة 203 ـ 220 هـ ، وهذا يدل على أنّ الحكم بلغ من الوضوح إلى درجة تعلق فيها السؤال بالكيفية لا بالأصل.
10. كتب الإمام الجواد (عليه السلام)في رسالة لعلي بن مهزيار عام 220 هـ ، قال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال الله تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(422)، والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الّذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن» .(423)
الخمس في كلام الإمام الهادي (عليه السلام)
11. روى علي بن محمد بن شجاع النيسابوريّ، قال: سألت أبا الحسن الثالث (عليه السلام)عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزكّى، فأخذ منه العشر عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً (424)، ما الّذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟
فوقّع (عليه السلام): «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته» (425).
وكلام الإمام يرجع إلى عصر إمامته (من عام 220 ـ 254 هـ).
12. روى علي بن مهزيار، قال: قال لي أبوعلي بن راشد: قلت له (عليه السلام): أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: ففي أي شيء؟ فقال: في أمتعتهم وصنائعهم، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم (426).
هذه اثنا عشر حديثاً اقتصرنا بها تيمُّناً بهذا العدد المبارك وهي تدل بوضوح على لزوم الخمس في الفوائد والأرباح وكل ما يستفيده الإنسان .
ومن هنا يقف القارئ على كذب ما ذكره مؤلف الكتاب، حيث قال في الحقيقة الثالثة من حقائقه الثمان التي ادّعى كشفها: «إنّ هذه النصوص تجعل حكم أداء الخمس للإمام نفسه وفي حال حضوره، الاستحباب أو التخيير بين الأداء وتركه، وليس الوجوب» (427).
وكأنّ كاتب هذه الشبهات لم يقرأ هذه الأحاديث أو تجاهلها عمداً، أفيمكن تفسير قول الإمام الرضا (عليه السلام)بالاستحباب عندما سأله بعض الشيعة أن يجعلهم في حلّ من الخمس فأجابهم: «ما أمحل هذا؟ تمحضونا المودة بألسنتكم، وتزوون عنا حقّاً جعله الله لنا وجعلنا له: لا نجعل، لا نجعل لا نجعل لأحد منكم في حلّ»(428).
وأمّا ما تشبث به في عدم وجوب الخمس بما دلّ على تحليله للشيعة، فسيأتي تفسير هذه الروايات في الفصل التالي، فانتظر.
الفصل الثاني
ما هو المقصود من
تحليل الخمس في بعض الروايات؟
قد مرّ أنّ الخمس فريضة شرعية، دلّ عليها الكتاب والسنة النبوية والأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام). وهذا الحكم الشرعي، لم يُنسخ أبداً بل بقي على ما كان عليه في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس لأحد بعد رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم)نسخ حكم شرعي أتى به.
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف تُفسَّر الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والدالّة على تحليل الخمس لشيعتهم؟
والجواب: إنّ تحليله كان في ظرف خاص، ولمصلحة مؤقتة اقتضت تجميد العمل به، ولم يكن تصرّفاً في الحكم الشرعيّ; بل هو باق على ما كان عليه، ولن يتغيّر أبداً.
وتكمن هذه المصلحة في دفع الأخطار الناجمة عن تطبيق هذا الحكم الشرعيّ في بعض الأوقات، فلقد تعرّض الأئمة(عليهم السلام)وشيعتهم في بعض الفترات الزمنية لمضايقات جمّة، ولفنون الظلم والاضطهاد على أيدي حكّام الجور، الذين كانوا يبثّون العيون والجواسيس، لمراقبة تحركّاتهم واتصالاتهم ونشاطاتهم.
ولاشكّ في أنّ الحاكم المستبدّ، يجد في إيصال الأموال إلى الإمام المعصوم مصدر خطر كبير عليه وعلى نظامه، فبالإضافة إلى دور المال في تعزيز القاعدة الشعبية للإمام، فإنّه يرى فيه تعبيراً عن عدم الاعتراف بشرعيّة حكمه.
ومن هنا لم يجد الأئمة(عليهم السلام)بُدّاً من تقديم الأهمّ على المهمّ، فأجازوا لشيعتهم إبقاء الخُمس في أيديهم، لما يترتّب على دفعه إليهم(عليهم السلام)من مخاطر وأضرار تلحق بهم جميعاً.
هذا هو السبب المهمّ، وثَمّة أسباب أُخرى للتحليل، تتضح عند دراسة الروايات الدالة على التحليل.
ثم إنّ الروايات الحاكية عن التحليل على أقسام خمسة، هي:
القسم الأوّل: تحليل خمس الغنائم
كان المسلمون خلال حياة الأئمة(عليهم السلام)يخوضون حروباً لنشر الإسلام في كافة أرجاء العالم، وكانوا يرجعون بغنائم كثيرة (من إماء ومتاع وأموال)، وكانت تباع في الأسواق فتتداولها الأيدي بالبيع والشراء، وكان الشيعة ـ وهم جزء من هذا المجتمع ـ يشترون الأمتعة والإماء .
ومن المعلوم أنّ خمس الغنائم الّذي أوجبه الله وجعله من حق الله ورسوله كان لا يُخرج من هذه الغنائم، ولا يُدفع للإمام، والتكليف بالخمس لم يكن متوجهاً للشيعة أوّلاً وبالذات، بل يتعلّق بأموال وقعت في أيدي الشيعة، فأوجد هذا الأمر مشكلة لهم. ولأجل رفع هذه المشكلة، أحلّ الأئمةُ لهم خمسَ الغنائم التي تقع بأيديهم، وأكثر ما يدل على التحليل راجع إلى هذا القسم، وسنذكر بعض ما ورد فيه:
1. روى الفضلاء ـ أبو بصير وزُرارة ومحمد بن مسلم، كلهم ـ عن أبي جعفر ]الباقر [(عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «هلك الناس في بطونهم وفروجهم لأنّهم لم يؤدّوا إلينا حقنا، ألا وإنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ».(429)
إنّ قوله (عليه السلام): «فروجهم» راجع إلى الإماء فيكون قرينة على أنّ المراد من بطونهم هو ما يتملكوه من غنائم الحرب.
2. روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)] يعني الباقر أو الصادق [قال: «إنّ أشد ما فيه الناس يوم القيامة أن يقوم صاحب الخمس فيقول: يا رب خمسي، وقد طيَّبنا ذلك لشيعتنا لتطيب ولادتهم ولتزكوا أولادهم».(430)
فإنّ قوله: «لتطيب ولادتهم» أصدق شاهد على أنّ التحليل يتعلق بالسراري التي يشتريها الشيعة، وهي من الغنائم الحربية.
فلنقتصر على هذا، ولنذكر شيئاً من الروايات التي تشير إلى تحليل هذا النوع:
ففي رواية الحارث بن المغيرة: «فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلاّ لتطيب ولادتهم»(431) .
وفي حديث فضيل: «إنّا أحللنا أُمهات شيعتنا لآبائهم ليطيبوا»(432).
وفي رواية زرارة: «حللهم من الخمس لتطيب ولادتهم» .(433)
وفي رواية إسحاق بن يعقوب: «لتطيب ولادتهم ولا تخبث».(434)
وفي رواية الإمام العسكري (عليه السلام): «لتطيب مواليدهم ولا يكون أولادهم أولاد حرام» .(435)
فالناظر إلى هذه الروايات يذعن بأنّ مصب التحليل فيها راجع لما يقع في أيدي الناس من المناكح التي لم تُخمَّس، واشتراها الشيعة واستولدوها.
يقول الشهيد الثاني: المراد بالمناكح السَّراري المغنومة من
أهل الحرب في حالة الغَيبة، فإنّه يباح لنا شراؤها ووطؤها وإنْ كانت
بأجمعها للإمام على القول بأنّها من الأنفال، إذ كل جهاد مع العدو لم يكن بإذن الإمام، فالغنائم كلها للإمام (عليه السلام)على ما مرّ، أو بعضها ـ الخمس ـ على القول الآخر.(436)
القسم الثاني: التحليل لمن ضاق عليه معاشه
يظهر من بعض الروايات أنّ التحليل كان لطائفة خاصة من الناس الذين ضاق عليهم العيش، ويدل على ذلك:
1. ما رواه الصدوق في الفقيه عن يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام)فدخل عليه رجل من القمّاطين فقال: جُعلت فداك، يقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعلم أنّ حقك فيها ثابت وإنا عن ذلك مقصِّرون، فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «ما أنصفناكم إن كلفناكم ذلك اليوم» (437).
فظاهر الحديث أنّ ملاك التحليل، هو عسر السائل وكثرة ورود الظلم على الشيعة من جانب المخالفين، فاقتضت المصلحة رد الخمس إليهم أو تحليله لهم، ويشهد على ذلك قوله: «ما أنصفناكم إن كلفناكم». ويمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى القسم الثالث الآتي، إذ ربّما تقع الأموال غير المخمّسة في أيدي الشيعة عن طريق البيع والشراء، فتكليف الشيعة بإخراج خُمُسها كان إحراجاً لهم .
2. ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب لأبي جعفر (عليه السلام)من رجل يسأله أن يجعله في حلّ من مأكله ومشربه من الخمس، فكتب بخطه: «من أعوزه شيء من حقي فهو في حِلّ ».(438)
القسم الثالث: تحليل ما ينتقل إلى الشيعة من غير المخمّس
يظهر من روايات أُخرى أنّ ملاك التحليل أنّ أكثر الناس كانوا غير معتقدين بوجوب التخميس في الأرباح والمكاسب، فربما تقع أموالهم عن طريق البيع والشراء بيد الشيعة، وفيها حقهم(عليهم السلام)، وهذا هو الّذي أباحه الأئمة للشيعة رفعاً للحرج والضرر، ويدل على ذلك ما رواه أبو سلمة سالم بن مُكرم ـ وهو أبو خديجة ـ عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قال رجل وأنا حاضر: حلّل لي الفروج؟ ففزع أبو عبدالله (عليه السلام)، فقال له الرجل: ليس يسألك أن يعترض الطريق إنّما يسألك خادماً يشتريها، أو امرأة يتزوّجها، أو ميراثاً يصيبه، أو تجارة أو شيئاً أعطيه، فقال: «هذا لشيعتنا حلال، الشاهد منهم والغائب، الميّت منهم والحيّ، وما يولد منهم إلى يوم القيامة فهو لهم حلال، أما والله لا يحل إلاّ لمن أحللنا له، ولا والله ما أعطينا أحداً ذمّة، (وما عندنا لأحد عهد) ولا لأحد عندنا ميثاق» .(439)
فالرواية مشتملة على موضوعين:
1. ما يقع في أيدي الشيعة من الغنائم، وهو قوله: «إنّما يسألك خادماً يشتريها أو امرأة يتزوجها».
2. ما يقع في أيدي الشيعة من الأموال غير المخمسة وهو قوله: «أو ميراثاً يصيبه أو تجارة أو شيئاً أعطيه».
نعم يقع الكلام، هل التحليل يختص بأموال غير المعتقدين بالخمس، أو يعم الشيعة المعتقدين به ولكن يبيعون الأموال بلا تخميس؟
القدر المتيقن هو الأوّل وهو مصب الروايات، بقرينة التركيز على لفظ الشيعة.
القسم الرابع: التحليل لمرحلة زمنية خاصّة
تدل بعض الروايات على أنّ التحليل كان في فترة زمنية معيّنة، كان إيصال الأموال فيها إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أمراً مشكلاً وحرجياً ربّما يستعقب ما لا تحمد عقباه.
ومن قرأ حياة أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وتضييق الحكام الأمويين على الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وإحراج العباسيين للإمام الصادق والكاظم (عليهما السلام)، يقف على أنّ التضييق قد بلغ ذروته في بعض الفترات. وكانت السياسة العامة للأمويين وفترة من حكم العباسيين، هي إشخاص الإمام ومساءلته، أو إلقاء القبض عليه وإيداعه السجن، ثم استحدث المأمون سياسة جديدة (سار عليها الحكام من بعده)، تقوم على نقل الإمام إلى عاصمة المُلك، وإخضاعه للمراقبة الشديدة، وقد عانى من هذه السياسة: الإمام الرضا (عليه السلام)والجواد والهادي والعسكري(عليهم السلام).
ولا شك في أنّ الاتصال بالإمام (عليه السلام)في مثل هذا الظرف القاسي، ونقل الأموال إليه يورث الحرج والخطر عليه وعلى شيعته.
ويدل على هذا الخطر المحدق بالشيعة ما رواه الشيخ الطوسي في فصل عقده لذكر الممدوحين من وكلاء الأئمة(عليهم السلام)، قال : ومنهم المعلّى بن خُنيس، وكان من قوّام أبي عبدالله (عليه السلام)، وإنّما قتله داود بن علي بسببه وكان محموداً عنده (الإمام) ومضى على منهاجه، ولما قُتل عظمُ ذلك على أبي عبدالله (عليه السلام)واشتد عليه، وقال له: «ياداود على ما قتلت مولاي وقيّمي في مالي وعيالي؟ والله إنّه لأوجه عند الله منك».(440)
ويدلّ عليه أيضاً، ما ورد في قصة محمد بن أبي عمير (وكان من خلص أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)) فقد حُبس في أيّام الرشيد ليدلّ على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام).
وروي بأنّه: ضُرب أسواطاً بلغت منه، فكاد أن يُقرّ لعظيم الألم، فسمع محمد بن يونس بن عبدالرحمن، وهو يقول: اتق الله يا محمد بن أبي عمير، فصبر، ففرج الله .(441)
ويشهد على ما ذكرنا ما رواه حكيم مؤذن بني عبس عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: قلت له: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ)(442) قال: هي والله الإفادة يوماً بيوم إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكوا.(443)
فإنّ قوله (عليه السلام): «إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ»، يدل على أنّ الحلّ كان راجعاً إلى فترة خاصة، وأمّا الإمام الصادق (عليه السلام)نفسه فقد سكت عن ذلك مشعراً بأنّ الحكم باق على فعليته، ولعله كان راجعاً إلى الفترة التي حصل فيها بعض الانفراج السياسي، بسبب سقوط الدولة الأموية على أيدي العباسيين وما نشب خلال ذلك من صراع بينهما.
والنماذج التي حوتها كتب التاريخ كثيرة.
وبما أنّ الظروف المختلفة التي أدت إلى تحليل الخمس للشيعة تارة، وأخذه تارة أُخرى، صارت سبباً للإبهام، قام الإمام الجواد (عليه السلام)برفع الشبهة، وذلك ببيان قاطع، إذ كتب إلى بعض أصحابه، قائلاً: «إنّ الّذي أوجبتُ في سنتي هذه، وهذه سنة عشرين ومائتين، فقط لمعنى من المعاني، أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء الله، إنّ مواليّ ـ أسأل الله صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهِّرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس»، إلى أن قال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام، قال الله تعالى: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ...)والغنائم والفوائد ـ يرحمك الله ـ فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها، والجائزة من الإنسان إلى الإنسان التي لها خطر، والميراث الّذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن...»، إلى آخر ما ذكره .(444)
وهذه الروايات التي يفسر بعضها بعضاً، تدلّ على أنّ مسألة الخمس صارت تثير المشاكل في حين دون حين، ولذلك رخّص الأئمة(عليهم السلام)في تركه، ولما كثر السؤال عنه في عصر الإمام الجواد (عليه السلام)كتب هذه الرسالة وأعلن وجوب دفع الخمس في الموارد التي ذكرها.
القسم الخامس: تحليل الأنفال
إنّ الغنائم الحربية هي من نصيب المجاهدين، بعد إعطاء خمسها لأصحابه، وأمّا الأنفال ـ أعني: كل أرض ملكت بغير قتال ـ وكل موات، ورؤوس الجبال، وبطون الأودية، والآجام والغابات، وميراث من لا وارث له، وكافة ما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام، وكافة المياه العامة والأحراش الطبيعية والمراتع التي ليست حريماً لأحد، وقطائع الملوك وصفاياهم غير المغصوبة، فالكل لله ولرسوله وبعده للإمام، وقد مرّ معنى كون الأنفال للرسول والإمام فلا يجوز التصرف فيها إلاّ باذنه.
هذا من جانب ومن جانب آخر، فإنّ بعض هذه الأُمور تقع في متناول الشيعة، وهذا ما أحلّه الأئمة(عليهم السلام)لهم خصوصاً ما يرجع إلى الأرض، ويدل عليه ما رواه أبو سيّار مِسْمَع بن عبدالملك، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّي كنت وليت الغوص فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأعرض لها، وهي حقك الّذي جعل الله تعالى لك في أموالنا، فقال: «ومالنا من الأرض وما أخرج الله منها إلاّ الخمس؟ يا أبا سيّار، الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا» قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كلّه؟ فقال لي: يا أبا سيّار، قد طيبناه لك وحللناك منه، فضمّ إليك مالك، وكلّ ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون، ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق لما كان في أيدي سواهم، فإنّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتّى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغرة».(445)
لقد ظهر من هذا البحث الضافي أنّ روايات التحليل ـ التي قد وقعت ذريعة بأيدي بعض المناوئين لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)وشيعتهم، لاسيّما المرجعية الدينية التي تتولى قيادة الشيعة في حياتهم الفردية والاجتماعية ـ لا صلة لها بما يرتئيه البعض من تحليل الخمس في عامة الموارد وفي جميع الأزمنة، بل هي تدور حول الموضوعات التالية:
1. خمس الغنائم في الحروب التي خاضتها الدولتان (الأموية والعباسية) .
2. خمس مال من ضاق عليه معاشه.
3. خمس الأموال غير المخمسة المنتقلة إلى الشيعة.
4. تحليل الخمس في فترة خاصة، كان إيصاله إلى الأئمة(عليهم السلام)يشكّل خطراً عليهم.
5. تحليل الأنفال التي ترجع إلى الله ورسوله والإمام من بعده فأذنوا فيها للشيعة، خصوصاً ما يتعلّق بالأراضي الموات منها.
الخمس بدل الزكاة لبني هاشم
لقد حرّم الله سبحانه الزكاة على فقراء بني هاشم وجعل مكانها الخمس، على ذلك اتفقت كلمة الفقهاء، من غير فرق بين الشيعة والسنة.
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «إنّما جعل الله هذا الخمس خاصة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم من صدقات الناس، تنزيهاً من الله لهم لقرابتهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة، ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض، وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الذين ذكرهم الله فقال: ( وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )(446)وهم بنو عبدالمطلب أنفسهم الذكر منهم والأُنثى» (447) .
فإذا كانت حياة فقرائهم معتمدة على الخمس، فكيف يمكن لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)تحليله في عامة الأزمنة إلى قيام القائم، إذ أن لازم ذلك إما أن يموتوا جوعاً أو أن يعتمدوا على الزكاة المحرَّمة عليهم.
إذا عرفت ذلك فهلم معي نسأل مؤلف كتاب «الخمس جزية العصر» حيث يقول في الحقيقة الثانية التي يدعي اكتشافها ـ وكأنّه اكتشف كنزاً ـ : إنّ كثيراً من النصوص الواردة عن الأئمة تسقط الخمس عن الشيعة وتبيحه لهم خصوصاً في زمن الغيبة إلى حين ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام).
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو صحّ ما زعم من دلالة النصوص، فهي ناظرة إلى عصر الظهور لا إلى عصر الغيبة لأنّها مروية عن الإمام الباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)فكيف تكون ناظرة إلى عصر الغيبة.
ثانياً: قد عرفت أنّ مفاد النصوص لا يمت إلى ما يرتئيه بعضم بصلة، فأين الروايات التي تُدّعى دلالتها على تحليل الخمس بأنواعه (الغنائم، الكنز، الغوص، المعادن، الحلال المختلط بالحرام، الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم، خمس الأرباح والفوائد)، مطلقاً في جميع الأزمنة والفترات إلى يومنا هذا، فمن ادّعى ذلك ونسبه إلى أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فهو إمّا جاهل أو متجاهل.
الفصل الثالث
جهاز الوكالة في عصر الحضور
انتهجت السلطتان: الأموية والعباسية في معظم فترات حكمهما، سياسة القمع والبطش، ومصادرة الحريات، لاسيّما تجاه أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، الذين كان يصعب عليهم الاتصال بأئمتهم(عليهم السلام)، لِما يسبّبه لهم من مشاكل ومخاطر في حياتهم، قد تُفضي بهم أحياناً إلى الهلاك.
ولأجل التخفيف من وطأة هذه المخاطر، وتيسير حاجات الشيعة، تمّ إنشاء جهاز الوكالة، الّذي يضمّ مجموعة من الوكلاء، يتمّ توزيعهم على مختلف المناطق، ليقوموا بمهمة تعليم الأحكام، وتسلّم أموال الفرائض المالية، وغير ذلك من الأعمال.
وكان الأصل المهم في الوكالة، كون الرجل ثقة عادلاً تسكن إليه النفوس، وقد حفل تاريخ الأئمة(عليهم السلام)بذكر وكلائهم في أعصارهم، حتّى أنّ بعض هؤلاء الوكلاء قد استشهدوا بسبب وكالتهم للأئمة(عليهم السلام). وها نحن نذكر أسماء عدد ممن كانوا مرجعاً لتعليم الأحكام، وأخذ الفرائض المالية:
1. المُعَلّى بن خُنَيس
كان المعلّى بن خنيس أحد وكلاء الإمام الصادق (عليه السلام)في أخذ الحقوق الشرعية، ولما وقف على ذلك داود بن علي (والي المدينة من قبل العباسيين)، أمر بقتله . روى الكشِّي عن ابن أبي نجران عن حماد الناب عن المسمعي، قال: لما أخذ داود بن علي المعلى بن خنيس حبسه وأراد قتله، فقال له المعلى بن خنيس: أخرجني إلى الناس فإن لي دَيناً كثيراً ومالاً حتّى أشهد بذلك، فأخرجه إلى السوق، فلمّا اجتمع الناس، قال: يا أيها الناس أنا معلى بن خنيس فمن عرفني فقد عرفني، اشهدوا أن ما تركت من مال من عين أو دين أو أمة أو عبد أو دار أو قليل أو كثير، فهو لجعفر بن محمد (عليه السلام). قال: فشدَّ عليه صاحب شرطة داود فقتله. قال: فلما بلغ ذلك أبا عبدالله (عليه السلام)خرج يجرّ ذيله حتّى دخل على داود بن علي، وإسماعيل ابنه خلفه، فقال: يا داود قتلت مولائي وأخذت مالي. فقال: ما أنا قتلته ولا أخذت مالك. فقال: «والله لأدعونّ الله على من قتل مولائي وأخذ مالي».(448)
وروى المجلسي: لما وليّ داود المدينة من قابل أحضر المعلى وسأله عن الشيعة؟ فقال: ما أعرفُهم. فقال: اكتبهم لي، وإلاّ ضربت عنقك. فقال: أبالقتل تهددّني، والله لو كانت تحت أقدامي ما رفعتها عنهم. فأمر بضرب عنقه وصلبه. فلما دخل عليه الصادق (عليه السلام)قال: «ياداود قتلت مولاي ووكيلي، وما كفاك القتل حتّى صلبته».(449)
2. حُمران بن أعيَن
ينتمي حمران (أخو زرارة بن أعين) إلى بيت عريق في العلم، والموالاة لأهل البيت(عليهم السلام)، وكان من أصحاب الباقر والصادق (عليهما السلام).
جاء في رسالة أبي غالب الزراري التي ألّفها في أحوال آل أعين: أنّ حمران بن أعين لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، وكان من أكبر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يُشكّ فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومَن يُعدّ ويذكر اسمه في القراءات، وروي أنّه قرأ على أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) .(450)
وكان مع ذلك عالماً بالنحو واللغة، وقد ذكر الكشي في رجاله روايات عديدة في مدحه.(451)
وعدّه الشيخ الطوسيّ من وكلاء الأئمة المحمودين .(452)
وهذا يدل على أنّ جهاز الوكالة كان موجوداً في عصر الباقر (عليه السلام)أيضاً، بل ربّما يستفاد من بعض الروايات وجوده في حياة الإمام الحسن السِّبط (عليه السلام) .
روى الإربلي في كشف الغمة: أنّ رجلاً جاء إلى الحسن (عليه السلام)وسأله حاجة... إلى أن قال: فدعا الحسن (عليه السلام)بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها، قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف درهم .(453)
3. نصر بن قابوس اللخمي
ذكره الشيخ الطوسي في وكلاء الإمام الصادق (عليه السلام)وقال: روي أنّه كان وكيلاً لأبي عبدالله (عليه السلام)عشرين سنة ولم يُعلَم أنّه وكيل، وكان خيّراً فاضلاً.(454)
4. عبدالرحمن بن الحجّاج
قال الشيخ الطوسي: هو أحد الفقهاء في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)أخذ عنه الفقه، وكان وكيلاً له ومات في عصر الإمام الرضا (عليه السلام).(455)
5. المُفضَّل بن عمر الجُعفي
كان المفضل بن عمر من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)وقد أملى عليه الإمام رسالة التوحيد في مجالس. روى الشيخ الطوسي عن هشام بن الأحمر قال: حملت إلى أبي إبراهيم (عليه السلام)إلى المدينة أموالاً، فقال: رُدّها فادفعها إلى المفضّل بن عمر، فرددتها إلى الجعفي فحططتها على باب المفضل .(456)
وروى أيضاً عن موسى بن بكر قال: كنت في خدمة أبي الحسن (عليه السلام)فلم أكن أرى شيئاً يصل إليه إلاّ من ناحية المفضّل، ولربّما رأيت الرجل يجيء بالشيء فلا يقبله منه ويقول: أوصله إلى المفضل .(457)
6. عبدالله بن جندب البجلي
قال الشيخ الطوسي: ومنهم (يعني الوكلاء) عبدالله بن جندب البجلي، وكان وكيلاً لأبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا (عليهما السلام)وكان عابداً رفيع المنزلة لديهما على ما روي في الأخبار .(458)
7. محمد بن سنان
ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الأئمة(عليهم السلام)وقال: روي عن علي بن الحسين بن داود، قال: سمعت أبا جعفر الثاني (عليه السلام)يذكر محمد بن سنان بخير ويقول: «رضي الله عنه برضائي عنه فما خالفني وما خالف أبي قط».(459)
8. علي بن مهزيار
كان علي بن مهزيار من وكلاء الإمام الجواد (عليه السلام)ويدل على مكانته ومنزلته ما مرّ من الروايات حيث كاتب الإمام وكاتبه هو.
ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الإمام أبي جعفر الثاني.(460)
9. أيوب بن نوح بن درّاج
روى الشيخ في غَيبته عن عمرو بن سعيد المدائني، قال: كنت عند أبي الحسن العسكري (عليه السلام)إذ دخل عليه أيوب بن نوح ووقف قُدّامه، فأمره بشيء ثم انصرف .(461)
10. علي بن جعفر الهُماني
قال الشيخ الطوسي في الفصل الّذي عقده لبيان وكلاء الأئمة(عليهم السلام): كان فاضلاً مرضياً من وكلاء أبي الحسن وأبي محمد (عليهما السلام). ثم نقل أنّه حج أبو طاهر بن بلال فنظر إلى علي بن جعفر وهو ينفق النفقات العظيمة، فلما انصرف كتب بذلك إلى أبي محمد (عليه السلام)فوقّع في رقعته:
قد كنا أمرنا بمائة ألف دينار، ثمّ أمرنا له بمثلها فأبى قبوله (قبولها) إبقاءً علينا، ما للناس والدخول في أمرنا فيما لم ندخلهم فيه، قال: ودخل على أبي الحسن العسكري (عليه السلام)فأمر له بثلاثين ألف دينار.(462)
11. أبو علي الحسن بن راشد
ذكره الشيخ الطوسي ضمن وكلاء الأئمة (عليهم السلام)، وروى عن محمد بن عيسى أنّ الإمام العسكري (عليه السلام)كتب إلى الموالي ببغداد والمدائن والسواد وما يليها: قد أقمت أبا علي بن راشد مقام علي بن الحسين بن عبد ربه ومَن قبله من وكلائي، وقد أوجبت في طاعته طاعتي، وفي عصيانه الخروج إلى عصياني.(463)
روي عن أبي عليّ بن راشد أنّه قال: قلت لأبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّما نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال: ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وماكان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه .(464)
12. صالح بن محمد بن سهل الهمداني
روى الشيخ الطوسي عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه قال: كنت عند أبي جعفر الثاني (عليه السلام)إذ دخل عليه صالح بن محمد بن سهل الهمداني ـ وكان يتولى له ـ فقال له: جعلت فداك اجعلني من عشرة آلاف درهم في حلّ فإنّي أنفقتها، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): أنت في حِلّ .(465)
13. علي بن أبي حمزة البطائني
14. زياد بن مروان القندي
15. عثمان بن عيسى الرواسي
نقل الشيخ الطوسي عن محمد بن إسماعيل وعلي بن محمد الحسنيين: كلهم كانوا وكلاء لأبي الحسن موسى (عليه السلام)وكان عندهم أموال جزيلة، فلمّا مضى أبوالحسن موسى (عليه السلام)وقفوا طمعاً في الأموال، ودفعوا إمامة الرضا (عليه السلام)وجحدوه.(466)
16. عثمان بن سعيد العمري
روى الشيخ الطوسي بسنده عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبدالله الحسنيين قالا : دخلنا على أبي محمد الحسن (عليه السلام)بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتّى دخل عليه بدر خادمه، فقال: يا مولاي بالباب قوم شعثٌ غُبْر، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن (في حديث طويل يسوقانه إلى أن ينتهي) إلى أن قال الحسن (عليه السلام) لبدر : فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمريّ، فما لبثنا إلاّ يسيراً حتّى دخل عثمان، فقال له سيّدنا أبو محمد (عليه السلام): امض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال.
ثم ساق الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: ياسيّدنا، والله إنّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وإنّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى. قال: نعم، واشهدوا أنّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهدّيكم .(467)
17. أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري
روى الشيخ الطوسي عن أبي نصر هبة الله قال: وجدت بخط أبي غالب الزراري (رحمه الله وغفر له) أنّ أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله)مات في آخر جمادى الأُولى سنة خمس وثلاثمائة... إلى أن قال: إنّه كان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة، يحمل الناس إليه أموالهم ويُخرج لهم التوقيعات بالخط الّذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا .(468)
18. الحسين بن روح النوبختي
روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي عبدالله جعفر بن محمد المدائني المعروف بابن قزدا، قال: كان من رسمي إذا حملت المال الّذي في يدي إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سره)أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمثله: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للإمام (عليه السلام)، فيقول لي: نعم دعه فأراجعه، فأقول له: تقول لي: إنّه للإمام؟ فيقول: نعم للإمام (عليه السلام)فيقبضه.
فصرت إليه آخر عهدي به (قدس سره)ومعي أربعمائة دينار، فقلت له على رسمي، فقال لي: امض بها إلى الحسين بن روح، فتوقفت فقلت: تقبضها أنت مني على الرّسم؟ فردّ علي كالمنكر لقولي وقال: قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح. إلى أن قال: فعدت إلى أبي القاسم بن روح وهو في دار ضيّقة فعرّفته ما جرى فسرّ به وشكر الله عزوجل ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمل إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك (من الدنانير) .(469)
إنّ هؤلاء كانوا وكلاء أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وقد حفظ التاريخ أسماء وأحوال قليل منهم، فإنّ طبيعة الحال تقتضي أن يكون جهاز الوكالة أوسع من ذلك، وقد عرفت وجوده من عصر الإمام الحسن المجتبى إلى نهاية الغيبة الصغرى، فهل يجتمع ذلك مع تحليل الفريضة المالية المسمّاة بـ «الخمس» في عامة الظروف والأحوال؟
الفصل الرابع
فريضة الخمس وتولّي الفقيه
قد تبيّن من الفصل السابق وجوب الخمس في الأنواع السبعة، وأنّ شيعة أهل البيت(عليهم السلام)كانوا يدفعون تلك الفريضة إلى أئمتهم أو إلى وكلائهم عبر قرون، إنّما الكلام في وجوب دفعه إلى المرجع الديني في عصر الغيبة،وهذا هوالّذي أقلق الكاتب، وجعله محور البحث في كتيِّبه. ومن المعلوم أنّ وراء تلك الكلمة سياسة مُغرضة، ترمي إلى تضعيف المرجعية ومن ثم تضعيف الشيعة، لأنّ القائم بأُمور الدين والدنيا في عصر الغيبة هم الفقهاء الذين هم أُمناء الأُمّة وزعماء الدين، والزعامة تتوقف على إمكانات مالية تُيسِّر إنجاز مسؤولياتها حيال الفرد والمجتمع.
وبما أنّ هذا الأمر صار هو الهدف الأصلي للكاتب وأسياده، فهو يركّز عليه أكثر من كل شيء، ويثير الشكوك حوله، ويقول بأنّه لا دليل على وجوب إعطاء الخمس للفقيه، وليس المهم عنده إخراج الخمس أو عدم إخراجه، بل ما يهمّه هو عدم وجوب إعطائه للفقيه.
وبما أنّ المؤلف بعيد عن دراسة الفقه الإمامي، فلذا زعم أنّ المسألة تفقد الدليل. وإليك ـ عزيزي القارئ ـ البيان :
يقسم الخمس إلى ستة أسهم:
سهم لله سبحانه، وسهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسهم للإمام (عليه السلام)، فما كان لله وللرسول فهو للإمام الحيّ.
وثلاثة أسهم أُخرى هي للأيتام والمساكين وأبناء السبيل، من الهاشميين.
وقد اختلفت كلمات الفقهاء في النصف الأخير، أعني: ما يصرف في مورد الأيتام والمساكين وابن السبيل ، بعد اتفاقهم على وجوب صرف سهامهم عليهم في عصر الغيبة، فقال بعضهم بأنّه يجوز للمالك دفعها إليهم بنفسه.
غير أنّ قسماً من الفقهاء قالوا بأنّ الأحوط فيه أيضاً الدفع إلى المجتهد أو بإذنه، لأنّه أعرف بمواقعه والمرجِّحات التي ينبغي ملاحظتها. وسيوافيك أنّ مقتضى الأدلّة تولّي نائب الإمام ذلك، فانتظر.
هذا كله في النصف الثاني، وأمّا النصف الأوّل فالمشهور هو دفعه إلى المرجع الديني، وهذا هو الّذي أثار حفيظة الكاتب، وأصر مؤكِدّاً أنّه لا دليل على دفعه إلى الفقيه.
وأكثر ما عنده من الدليل أنّ الشيخ المفيد وتلميذه الشيخ الطوسي لم يذكرا ذلك، ولو كان دفعُ هذه الأسهم الثلاثة إلى الفقيه أمراً لازماً لنبّها عليه .
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه كيف جعل قول الشيخين دليلاً على المدّعى ولم يعتد بفتوى الآخرين الذين جاءوا بعدهما وأقاموا صرح الفقه وأكملوه. وما هذا إلاّ لأنّ ما استنتجه من قول العلمين موافق لرأيه وفكره، ولذلك اهتم برأيهما ولم يعتد بالآخرين.
ثانياً: أنّ استنتاجه من كلام العلمين غير صحيح جدّاً، حيث مرّ على كلامهما مروراً عابراً، أو اعتمد في ذلك على نقل الآخرين.
فأمّا الشيخ المفيد، فقد اختار في نصيب الإمام الإيصاء إلى من يثق به إلى أن يظهر الإمام، ولم يقل بصرفه في مورد. وإليك نص عبارته: وبعضهم يرى عزله لصاحب الأمر (عليه السلام)، فإن خشي إدراك المنيّة قبل ظهوره، وصّى به إلى من يثق به في عقله وديانته، ليسلِّمه إلى الإمام (عليه السلام)إن أدرك قيامه، وإلاّ وصّى به إلى من يقوم مقامه في الثقة والديانة. ثم على هذا الشرط إلى أن يظهر إمام الزمان (عليه السلام).
و قال: هذا القول عندي أوضح من جميع ما تقدم. إلى أن قال: فوجب حفظه عليه إلى وقت إيابه، أو التمكن من إيصاله إليه .(470)
ترى أنّ الشيخ المفيد أفتى بالحفظ لا بالصرف، ومع هذا لا يبقى موضوع للدفع إلى الفقيه أو إلى غيره، حتّى يتخذ عدم ذكره دليلاً على عدم لزومه. أفيصحّ بعد هذا عدّ الشيخ المفيد ممن لا يعتبر لزوم الإعطاء للفقيه؟
وبعبارة أُخرى: إنّ كلامنا على القول بعدم سقوط سهم الإمام ولزوم صرفه، فعلى هذا الأصل يقع الكلام في لزوم الدفع إلى الفقيه وعدمه، وأمّا إذا كان القائل قد اختار لزوم الحفظ فلا يبقى موضوع للبحث والاستناد إلى كلامه.
ومنه يظهر مقصود الشيخ الطوسي حيث إنّه اختار أحد الأمرين، الدفع أو الوصاية حيث قال: ولو أنّ إنساناً استعمل الاحتياط، وعمل على أحد الأقوال المتقدم ذكرها من الدفن أو الوصاة، لم يكن مأثوماً .(471)
ترى أنّ الشيخ اختار مذهب أُستاذه بوجه أوسع، حيث ضمّ الدفن إلى الوصاية، ومعه لا يبقى موضوع للبحث عن وجوب دفعه إلى الفقيه، أو تولي صاحب المال تقسيمه بنفسه .
وأنت ترى التمويه وإسدال الستر على الحقائق لإثبات مطلبه، حيث استدل بكلام العلَمين على ضد المشهور عند الإمامية، مع أنّ كلامهما خارج عن موضوع البحث .
إذا عرفت ذلك، نقول: إنّ فطاحل الشيعة وفقهاءهم الذين يرون صرف الخمس في محاله من غير فرق بين سهم السادة وسهم الإمام، يُصرّون على وجوب دفعه إلى الفقيه، خصوصاً فيما يرجع إلى سهم الإمام، وإن كان الأمر في سهم السادة أسهل في نظر بعضهم، وها نحن نذكر بعض مَنْ وقفنا عليه فإن الاستقصاء يورث الملل:
1. قال أبو الصلاح (374 ـ 447 هـ): يجب حمل الزكاة والخمس إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله تعالى أو إلى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه في مواضعه فإنْ تعذّر الأمران فإلى الفقيه المأمون (472).
2. يقول ابن حمزة (المتوفّى حوالي 550 هـ): الرابع: أن يكون إلى الإمام إن كان حاضراً، وإلى من وجب عليه الخمس إن كان الإمام غائباً وعرف صاحبه المستحق وأحسن القسمة (فبها) وإن دفع إلى بعض الفقهاء الديانين ليتولى القسمة كان أفضل، وإن لم يحسن القسمة وجب عليه أن يدفع إلى من يحسن القسمة من أهل العلم بالفقه .(473)
ولعل كلامه ظاهر في مجموع السهام لا في خصوص نصيب الإمام.
3. وقال المحقّق الحلّي (602 ـ 676 هـ) في الشرائع: يجب أن يتولى صرف حصة الإمام ـ في الأصناف الموجودين ـ مَنْ إليه الحكم بحق النيابة، كما يتولّى أداء ما يجب على الغائب (474).
4. وقال العلاّمة الحلّي (648 ـ 726 هـ) في القواعد: ومع حضوره (عليه السلام)يجب دفع الخمس إليه، ومع الغيبة يتخيّر المكلّف بين الحفظ بالوصية إلى أن يسلّم إليه، وبين صرف النصف إلى أربابه وحفظ الباقي، وبين قسمة حقّه على الأصناف، وإنّما يتولّى قسمة حقه (عليه السلام)الحاكم .(475)
5. وقال في التحرير: الثامن: يجب أن يتولى صرف حصة الإمام في الأصناف الموجودين مَن إليه الحكم بحق النيابة، كما يتولّى أداء ما يجب على الغائب .(476)
فالمحقّق والعلاّمة قائلان بوجوب صرف سهم السادة في أنفسهم، وصرف سهم الإمام في تلك الأصناف أيضاً، إلاّ أن المتولّي في الصرف هو «من إليه الحكم» وفسر «من إليه الحكم» في المختلف بالفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى والحكم، فإنْ تولّى ذلك غيره كان ضامناً .(477)
6. وقال الشهيد الأوّل، محمد بن مكّي العامليّ (734 ـ 786 هـ) في الدروس: والأقرب صرف نصيب الأصناف عليهم والتخيير في نصيب الإمام بين الدفن والإيصاء، وصلة الأصناف مع الإعواز بإذن نائب الغيبة، وهو الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى .(478)
إن الشهيد وسّع الأمر في نصيب الإمام، وضمّ إلى الدفن والإيصاء، الصرف في الأصناف الثلاثة مع إعوازهم، وجعل المتولي هو الفقيه.
7. وقال ابن فهد الحليّ (المتوفّى 841 هـ): وفي حال الغيبة يصرف النصف إلى مستحقه، ويصرف مستحقه (عليه السلام)إلى الأصناف مع قصور كفايتهم، ويتولّى ذلك الفقيه .(479)
8. وقال المحقّق الثاني، عبدالعالي الكركيّ (المتوفّى 940 هـ): وإنّما يتولّى قسمة حقّه (عليه السلام)الحاكم .(480)
9. وقال الشهيد الثاني، زين الدين بن علي العاملي (المتوفّى 966 هـ) : وليس له ـ صاحب المال ـ أن يتولّى إخراجه بنفسه إلى الأصناف مطلقاً، ولا لغير الحاكم الشرعي، فإن تولاه غيره ضمن .(481)
10. وقال العلاّمة المجلسي (المتوفّى 1110 هـ) في زاد المعاد: وأكثر العلماء قد صرّحوا بأنّ صاحب الخمس لو تولّى دفع حصّة الإمام (عليه السلام)لم تبرأ ذمّته، بل يجب عليه دفعها إلى العالم المحدث العادل، وظنيّ أنّ هذا الحكم جار في جميع الخمس.(482)
11. وقال المحقّق أحمد النراقي (المتوفّى 1245 هـ) : لا تشترط مباشرة النائب العام ـ وهو الفقيه العدل ـ ولا إذنه في تقسيم نصف الأصناف على الحق للأصل خلافاً لبعضهم فاشترط، ونسبه بعض الأجلة إلى المشهور.
وهل تشترط مباشرته (الفقيه) في تقسيم نصيب الإمام كما هو صريح جماعة، أم لا؟ والحق هو الأوّل، إذ قد عرفت أن المناط في الحكم بالتقسيم هو الإذن المعلوم بشاهد الحال، وثبوته عند من يجوّز التقسيم، إجماعيّ ولغيره غير معلوم، لاسيّما مع اشتهار عدم جواز تولّي الغير، بل الإجماع على عدم جواز تولية التصرف في المال الغائب، الّذي هذا أيضاً منه، خصوصاً مع وجود النائب العام، الّذي هو أعرف بأحكام التقسيم وأبصر بمواقعه .(483)
12. وقال السيد محمد كاظم الطباطبائي (المتوفّى 1337 هـ) في العروة: الأحوط الدفع إلى المجتهد أو بإذنه لأنّه أعرف بمواقعه والمرجِّحات التي ينبغي ملاحظتها.(484)
إلى غير ذلك من الكلمات الدالة على لزوم دفع نصيب الإمام، أو كله إلى الحاكم، والمهم هو بيان الدليل عليه.
بيان ما يدل على تولّي الفقيه
1. أنّ الخمس في عامة الأنواع ليس ملكاً شخصياً للرسول أو الإمام، وإنّما هو ملك للمنصب الّذي يتقلده الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام (عليه السلام)من بعده. وبعبارة أُخرى: هو ملك لمقام الإمامة والزعامة، التي يتقلدها الأئمة واحداً بعد الآخر، ويدل على ذلك صحيح أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه» (485).
فإذا كان الخمس راجعاً لمقام الإمامة، وهو أمر غير قابل للتعطيل، فإنّ من يقوم مقام الإمامة ويشغل هذا المنصب يكون نائباً عنه في شؤون الإمامة كافة، ومنها ما يتعلق بالخمس. وليس هو إلاّ الفقيه العارف بالكتاب والسنة.
إنّ تعطيل ما يرجع إلى شؤون الإمامة يؤدي إلى محق الدين وذهاب الشريعة، فإنّ الإمام وإن غاب لكن وظائف الإمامة ليست منقطعة عن الأُمّة، ففرض التعليم، ونشر الدين، ومكافحة البدع، وإرشاد الناشئة إلى الحق المبين، وصيانتهم من تأثير التيارات الإلحادية والفلسفات المادية، كلّ ذلك من وظائف الإمامة المستمرة والّتي قوامها بذل المال في سبيل تحقق هذه الأهداف .
إنّ الأموال في عصر الحضور كانت تجلب إلى الأئمة (عليهم السلام)، بما أنّهم كانوا هم القائمين بوظائف الإمامة في عصرهم، فمقتضى نيابة الفقهاء كونه كذلك في غيبتهم، واحتمال اختصاص ذلك بعصر الحضور ينافي القول باستمرار وظائف الإمامة وإن انقطعت .
2. أنّ تولّي أرباب الأموال تقسيم الخمس بأنفسهم يستلزم الهرج، من دون أن يصرف المال في مواقعه الصحيحة والتي تصب في صالح وظائف الإمامة.
3. أنّ الإمام الصادق (عليه السلام)جعل الفقيه العارف بأحكام الله الناظر في الحلال والحرام حاكماً على الشيعة، وقال: «من كان منكم ممّن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك».(486)
لقد نصب الإمام الصادق (عليه السلام)، الفقيه حاكماً، نظير الحكام المنصوبين من جانب الخلفاء، ومن الواضح أنّ الفرائض المالية كالزكاة والخمس والخراج كانت بيد حكامهم، فكل شيء كان أمره بيد الحاكم في الخلافة العباسية، فهو بيد الفقيه لتنزيله منزلة الحاكم عندهم، فيدل الحديث بمقتضى عموم التنزيل أن الفرائض المالية بيد الفقهاء الأُمناء على الدين والدنيا.
4. نفترض أنّه ليس هناك دليل على دفع الخمس أو نصفه إلى الفقيه القائم بأُمور المجتمع، وعلى ذلك فيدور الأمر بين صرف كل شخص سهم الإمام وسهم السادة في مصارفهما، وبين دفعه إلى المجتهد القائم بأُمور المجتمع ليصرفه في مظانه.
فأيّهما أقرب إلى الصواب؟
5. أنّ صرف الفرائض المالية يُتصوّر على وجوه ثلاثة:
أ. دفعها إلى الملوك والأُمراء ليصرفوها كما شاءوا.
ب. صرفها من قبل المكلّف نفسه في الموارد المذكورة.
جـ . دفعها إلى الفقيه التقي، الّذي تقلد زعامة الأُمّة وتدبير أُمورها.
فأي هذه الوجوه يقبله العقل الحصيف ؟
يقول المحقّق أحمد النراقي: لاشكّ أنّ مع وجود أمين الشخص وخليفته وحجّته والحاكم من جانبه ووارثه، الأعلم بمصالح أمواله، والأبصر بمواقع صرفه، الأبعد عن الأغراض، الأعدل في التقسيم ولو ظناً، لا يعلم الإذن ـ إذن الإمام الغائب ـ في تصرف الغيرومباشرته، فلا يكون جائزاً.
نعم لو تعذر الوصول إلى الفقيه جاز تولي المالك، كما استظهره بعض المتأخرين، وزاد: أو تعسّر.(487)
6. أن كل من يقول بجواز صرف الفريضة المالية في مظانها مباشرة، من دون أن يكون هناك جهاز عام ينجز هذا الأمر، قد نظر إلى الإسلام نظرة قاصرة، فإنّ الإسلام دين عالمي، وما هوكذلك فلابد أن يكون متكامل الأركان، ومن أركانه المهمة وجود القدرة المالية لدى الحاكم، ليستطيع من خلالها القيام بمسؤولياته الهامة تجاه المجتمع الإسلامي، وليس هو عند الشيعة سوى الفقيه .
إنّ المسؤولية ليست منحصرة في دفع عيلة الفقير والمسكين وابن السبيل من الهاشميين، حتّى يقوم كل بواجبه بل المسؤولية الكبرى هي الالتفات إلى كافة الجوانب المتعلقة بتقدم المجتمع ورفاهه، فالمجتمعات تحتاج إلى جامعات ومدارس ومراكز أبحاث ومستشفيات ومصانع ومؤسّسات إدارية وخَدَمية، وغير ذلك، وتحقيق هذه الأُمور رهن توفر إمكانات مادية كبيرة، ومنها نصيب الخمس الراجع إلى منصب الإمامة.
7. الأمر دائر بين التعيين والتخيير، فإما أن يكون الدفع إلى الفقيه أمراً متعيِّناً أو يكون صاحب المال مخيّراً بين دفعه إليه وبين صرفه بنفسه في الموارد المذكورة، وفي مثله يحكم العقل بالأول، لأنّ فيه الامتثال القطعي بخلاف الثاني فالامتثال فيه محتمل، فإذا دار الأمر بين الامتثالين، فالقطعي هو المتعيّن.
وبذلك تظهر ضآلة ما ذكره مؤلف الكتيب إذ يقول: إنّ دفع الخمس إلى الإمام أمر مستحب، فكيف ارتقت درجة أدائه إلى الفقيه فصار الدفع إلى الفقيه أمراً واجباً، فكيف تغير الحكم وارتفع من درجة الاستحباب إلى الوجوب؟(488)
أقول: إنّ دفع الخمس إلى الإمام كان أمراً واجباً، وبقي على وجوبه إلى زماننا هذا ولم يتبدل إلى الاستحباب، وأمّا كون الدفع إلى الفقيه واجباً فإنّما هو مقتضى كونه نائباً عنه، فمقتضى المنطق أن يكون حكم الدفع إليهما على نحو سواء، فلو كان الدفع إلى الفقيه أمراً مستحباً لانتقض المنطق.
بانت الحقيقة بأجلى صورها
لقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الخمس فريضة مالية يتولاها الإمام في حياته، ونائبه في غيبته، وقد ثبتت نيابة الفقيه عن الإمام في غيبته في ما يرجع إلى وظائف الإمامة، فإنّ الإمامة وإن انقطعت ولكن الوظائف بعده مستمرة، فالقائم بها هو الفقيه.
فكما أنّهم(عليهم السلام)يتولَّونه في حال حضورهم، فإنّ نوّابهم من الفقهاء يتولّونه عند الغيبة .
وأمّا ما نقل عن القدماء من الدفن أو الإيصاء إلى من يثق به، فإنّ كل ذلك كان مبنياً على أنّ الإمام الغائب (عليه السلام)سيظهر قريباً، فلذلك أفتوا بهذين الأمرين، ولو كانوا واقفين على أنّه ستطول غيبته لما أفتوا بذلك.
وبذلك يُعلم أنّ فتوى كل من المفيد والطوسي بالوصاية أو الدفن كانت مبنية على تلك الفكرة، ولذلك توقفا عن صرف نصيب الإمام، ولو كانا شاهدين لما نشاهد، لما أفتيا بذلك.
وأمّا إفتاء كثير من العلماء بتولّي صاحب المال تقسيم نصيب السادة عليهم، فذلك مبنيّ على زعم أنّه فريضة فردية، وليس راجعاً إلى منصب الإمامة، وأمّا على ما ذكرنا فلا فرق بين نصيب السادة ونصيب الإمام حسب رواية أبي علي بن راشد (489) في أنّ المتولي هو الإمام أو من يقوم مقامه.
وإذا كان المؤلف يعتمد على قول الشيخ الطوسي، فلينظر إلى قوله فيمن يقول بالتحليل، حيث قال (قدس سره): وأمّا التصرف فيه على ما تضمنه القول الأوّل (الترخيص لشيعتهم التصرف في حقوقهم ممّا تعلق بالأخماس وغيرها) فهو ضدّ الاحتياط، والأولى اجتنابه حسب ما قدمناه .(490)
الفصل الخامس
دراسة نقدية للكتاب
إنّ كتاب «الخمس جزية العصر»، قد نُشر لغايات سياسية لا علمية، إذ لم يكن الكاتب مؤهّلاً للخوض في هذه المسائل، وإنّما جمعه من كتابين لشخصين خرجا عن المنهج السليم في البحث العلمي:
أحدهما: «الشيعة والتصحيح» لموسى الموسوي (491) .
الثاني: «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه» لأحمد الكاتب .
وقد اعتمد على ذينك الكتابين في تأليف هذه الرسالة اعتماداً كاملاً، كما اعتمد على قضائهما في مورد الخمس ومصارفه وأدلته.
ولعلّ المؤلف لا يعرف بُعد هذين الكاتبين عن الموضوعية والحياد في البحث العلميّ، ولايعرف نَزَعاتهما، ولا منزلتهما عند الشيعة.
وسنخصّص هذا الفصل لتشريح الكتاب وبيان خصوصياته، حتّى تقف ـ عزيزي القارئ ـ على أخطائه وأوهامه، ومواطن ضعفه، وتهافُت أفكاره، بعون الله تعالى، ويقع ذلك ضمن أُمور:
***
الأوّل: افتراؤه على السيد محمد الصدر
ذكر المؤلف أنّ السيد الشهيد محمد الصدر (قدس سره)قد ذكر صدر الحديثين ولم يذكر ذيلهما، وقد اتهمه بأنّه بتر الحديثين لأجل أن الصدر ينفعه دون الذيل.
أقول: ما ذكره سوء ظن بعالم كبير، وقف نفسه لإصلاح الأُمّة حتّى استشهد في سبيل ذلك، لأنّ تقطيع الحديث أمر رائج بين الفقهاء حيث إنّه يأتي بما له صلة بمقصوده.
ثم إنّه اتهمه بتهمة أشنع، وهي اختراع روايتين وليس منهما أثر في المصادر الروائية القديمة الأربعة .(492)
أقول: فمن جانب يتهم السيد الشهيد باختراع الحديث ومن جانب يقول: «لم أجد...»، كأنّ عدم وجدانه دليل على العدم!! ثم إنّ المصادر غير منحصرة بالقديمة فقط. وإليك نص الروايتين مع الإشارة إلى مصادرهما:
1. «من أكل من مالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً»(493).
2. «لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على كل من أكل من مالنا درهماً حراماً» .(494)
«ما هكذا تورد ياسعد الإبل».
***
الثاني: تحريفه لكلام الشيخ الطوسي
ربّما يظنّ القارئ أنّ ما نسبه إلى الشهيد الصدر كان هفوة أو زلّة قلم، ولم يكن عن قصد وعناد، ولكنّه عندما يصل إلى ما نسبه إلى الشيخ الطوسي من الرأي الساقط ثمّ يقارنه بفتوى السيد الخوئي ويحكم بأنّ بين الرأيين بوناً شاسعاً واختلافاً غير قابل للجمع، ولكنه عندما يصل إلى ذلك يذعن بأنّ الأول كالثاني نابع عن الجهل بالواقع أو سوء الفهم. وإليك البيان.
لقد نسب إلى الشيخ الطوسي الرأي التالي:
«يقسِّم الطوسي الخمس قسمين:
قسم مصدره مكاسب وأرباح التجارات والمساكن والمناكح، يختار هو إباحته وإسقاطه.
والقسم الآخر هو الّذي يرد ممّا تبقّى من أنواع المال والكنوز وغيرها كما يعبّر الطوسي، وهذا يرجّح قسمته أيضاً نصفين، والنصف الّذي هو حق الإمام لا يجيز التصرف به لأيّ كان، بل إمّا يدفن أو يوصى به والنصف الآخر هو لبني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، مرجعه إلى المالك مع ترجيح قسمته عليهم من قبله».
أقول: إنّه ارتكب في كلامه خطأين :
الأوّل: أنّ الشيخ أفتى بحلِّيّة التصرف في المناكح والمتاجر والمساكن فقط، ومراده من المناكح الإماء والسراري التي يغنمها الغزاة، كما أنّ مراده من المتاجر الأموال والأمتعة التي يستولي عليها المجاهدون ثم تتداول في أيدي الناس ومنهم الشيعة، ولا يريد بها أرباح المكاسب. ومراده من المساكن الأنفال، كالمملوكة بغير قتال وغيرها.
والّذي يدلّ على ذلك أنّه ذكر إباحة الخمس في الأُمور الثلاثة في ذيل القتال والجهاد، وقال: فإذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام فغنموا كانت غنيمتهم للإمام خاصّة دون غيره، وليس لأحد أن يتصرّف في ما يستحقّه الإمام من الأنفال والأخماس إلاّ بإذنه، فمن تصرَّف في شيء من ذلك، كان عاصياً... إلى أن قال: هذا في حال ظهور الإمام، وأمّا في حال الغيبة فقد رخّصوا لشيعتهم التصرُّف في حقوقهم ممّا يتعلق بالأخماس وغيرها فيما لابد لهم منه من المناكح والمتاجر والمساكن، فأمّا ما عدا ذلك فلا يجوز له التصرف فيه على حال.(495)
فنلفت نظر القارئ إلى الأُمور التالية:
1. أنّ مصبّ البحث في كلامه الغنائم الحربية، فلو كان هناك استثناء وإباحة فإنّما يرجع إليها أو إلى ما يناسبها كالأنفال في المساكن.
2. أنّ الشيخ الطوسي وصف المستثنى من الخمس ـ أعني: المناكح والمتاجر والمساكن ـ بقوله: «ممّا لابد لهم منه»، وهو أقوى قرينة على ما ذكرنا، حيث إنّ الشيعة كانوا يعيشون مع إخوانهم السنة جنباً إلى جنب، فلم يكن لهم بدّ من شراء الإماء أو الأمتعة المغنومة، غير المخمّسة، فأين هذا من إباحة أرباح المكاسب والمتاجر التي يمارسها الشيعة أنفسهم؟
وبما أنّ الكاتب كان جاهلاً بالمصطلح، وضع مكان «المتاجر» في عبارة الشيخ لفظة «مكاسب وأرباح التجارات». وقد فسر غير واحد من فقهاء الشيعة المصطلحات الثلاثة في كتبهم :
يقول المحقّق الحلّي: ثبتت إباحة المناكح والمساكن والمتاجر في حال الغيبة .
ويقول الشهيد الثاني: المراد بالمناكح السراري المغنومة من أهل الحرب في حال الغيبة، فإنّه يباح لنا شراؤها وإن كانت بأجمعها للإمام، أو بعضها على القول الآخر.
والمراد بالمساكن، ما يتخذه منها في الأراضي المختصة به (عليه السلام)كالمملوكة بغير قتال ورؤوس الجبال.
والمراد بـ «المتاجر» ما يشترى من الغنائم المأخوذة في الحرب حالة الغيبة أو ما يشترى ممّن لا يعتقد الخمس .(496)
وممّا يدل على ذلك هو أنّ الشيخ بعدما فرغ من حليّة الموضوعات الثلاثة بدأ الكلام في غيرها، وقال: «وما يستحقونه من الأخماس، في الكنوز وغيرها في حال الغيبة، فقد اختلف قول أصحابنا فيه».
ومراده من «غيرها» هو ما ذكره في أوّل الفصل الّذي عقده باسم «باب الخمس والغنائم» وقال: الخمس واجب في جميع ما يغنمه الإنسان، ثم عدّ منها :
1. الغنائم أي كل ما يؤخذ بالسيف من أهل الحرب.
2. أرباح التجارات والزراعات .
3. الكنوز المُدَّخرة.
4. الذميّ إذا اشترى من المسلم أرضاً .
إلى غير ذلك ممّا ورد في كلامه.(497)
الخطأ الثاني: ما قاله من أنّه لم يورد ذكر الفقيه في كل تفاصيل الفتوى أبداً، بل صرح الشيخ الطوسي أنّ المتولّي لذلك ليس بظاهر.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ قول الشيخ الطوسي : «إنّ المتولي لذلك ليس بظاهر» راجع إلى النصف الآخر الّذي هو لبني هاشم فقط، ويشهد على ذلك قوله: «لأن هذه الثلاثة أقسام مستحقها ظاهر، وإن كان المتولّي لتفريق ذلك فيهم ليس بظاهر». فتوسيع كلامه إلى مطلق النصفين خطأ ظاهر.
وثانياً: أنّه لم يذكر الفقيه في النصف الأوّل، لأجل أنّه اختار فيه الدفن أو الإيداع، ومعه لايبقى موضوع لذكر الفقيه، فإنّ تولّي الفقيه مبني على القول بصرفه في مظانه، وأمّا على القول بعدم الصرف، فلايكون وجه لذكر الفقيه وعدمه.
وبذلك يظهر أنّ ما صوّره من الجدول وقارن فيه بين فتوى
الشيخ الطوسي وبين فتوى السيد الخوئي، مستنتجاً مخالفتهما، مبنيٌّ
على استنتاجاته الخاطئة من كلام الطوسي، وبذلك ذهبت جهوده
في الجدول سدىً، ولا حاجة للتفصيل.
وأمّا قوله في آخر الجدول: «لاحظ أنّ فتوى الخوئي مخالفة جملة وتفصيلاً لفتوى الشيخ الطوسي» فليس بشيء، والمخالفة الجزئية بين الفقهاء أمر رائج.
***
الثالث: «حقائق ثمانية» أو انطباعات خاطئة؟!
قدّم الكاتب في ديباجة كتابه أُموراً ثمانية زعم أنّه اكتشفها بعد ما كانت خافية عن أنظار العالمين، وكأنّه يتبجّح بذلك ، وها نحن نذكر خلاصة تلك الحقائق!!! حتّى يثمنها القارئ:
1. أنّ أداء خمس المكاسب إلى الفقيه لا يستند إلى أي دليل ولا أصل له بتاتاً في أي مصدر من المصادر الحديثية الشيعية المعتمدة.
2. أنّ كثيراً من النصوص الواردة عن الأئمة تُسقط الخمس عن الشيعة وتبيحه لهم، خصوصاً في زمن الغيبة.
3. أنّ هذه النصوص تجعل حكم أداء الخمس للإمام نفسه في حال حضوره الاستحباب أو التخيير بين الأداء وتركه، وليس الوجوب.
4. أنّ أحداً من علماء المذهب الأقدمين لم يذكر قط مسألة إعطاء الخمس للفقهاء.
5. أنّ حكم أداء الخمس إلى الإمام في كثير من الروايات المعتبرة الاستحباب، وصار أداؤه إلى الفقيه واجباً.
6. أنّ الخمس في أصل تكوينه يقسم إلى قسمين: النصف الأوّل حق الله تعالى ورسوله وذي القربى، وأمّا النصف الآخر، فهو لليتامى والمساكين وابن السبيل، إلاّ أنّ الواقع المشاهد أنّ الفقيه يأخذ الخمس كلّه.
7. أنّ نصف الخمس لفقراء بني هاشم لا للأغنياء، فما يفعله هؤلاء (الأغنياء) من أخذ الأموال باسم الخمس باطل.
8. أنّ إخراج الخمس وإعطاؤه للفقهاء لا يستند إلى أي نص.
فلندرس تلك الحقائق الهامة التي أخذ الكاتب يركز عليها ويناور بها وهي في الحقيقة إمّا ادّعاءات متكررة أو متناقضة أو انطباعات خاطئة .
أمّا الأوّل: أعني التكرار، فالحقيقة الأُولى، والثامنة، وهكذا الرابعة، كلّها في الواقع ادعاء واحد، وهو عدم الدليل على إعطاء الخمس للفقيه، غاية الأمر يدّعي في الأُولى والثامنة عدم الدليل في الكتاب والسنة، وفي الرابعة عدم الفتوى بين الأقدمين، ومرجع الجميع واحد.
أمّا الثاني: أعني التناقض فيدّعي في الحقيقة الثانية سقوط الخمس عن الشيعة، ولكنه في الحقيقة السادسة يسلّم بوجوب الخمس، وأنه يقسم قسمين: الصنف الأوّل لله ورسوله وذي القربى، والنصف الآخر لبني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولكنه يعترض على أدائه للفقيه ، الّذي يأخذ ـ في زعمه ـ الكل دون مراعاة هذه القسمة. وهذا هو نفس التناقض .
وأمّا الثالث: أعني انطباعاته الخاطئة، فنذكرها واحداً بعد الآخر:
1. عدم الدليل على إعطاء الخمس للفقيه
إنّ الرسالة تهدف إلى التشكيك في صلاحية الفقيه لأخذ الخمس، وهو قلِق من هذا الموضوع، ونحن نلفت نظره إلى الفصل الثاني، حيث ذكرنا دلائل وجوب إعطائه للفقيه تحت عنوان «بيان ما يدلّ على تولّي الفقيه».
2. خلوّ القرآن والسنة عن ذكر الخمس
يذكر هو في الحقيقة الثانية سقوط الخمس عن الشيعة، ولكن في ثنايا الكتاب ينكر وجوب الخمس في الشريعة الإسلامية المقدسة ويقول: لقد خلا القرآن الكريم وخلت سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وسيرته وكذلك سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من حكام المسلمين من ذكر «الخمس» ولم نجد في تاريخ الإسلام ولا غيره ضريبة كانت تفرض على أموال الناس وتجاراتهم بهذا القدر.(498)
كبرت كلمة تخرج من أفواههم، وكأنّه لم يقرع سمعه قوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ... )(499) .
أو لم يقرأ شيئاً من أحاديث الرسول حيث قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الركاز الخمس.(500)
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) (لمّا قدم إليه وفدُ عبدالقيس وقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين وإنا لا نصل إليك إلاّ في الأشهر الحرم فمرنا بجمل الأمر): «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع. ثم ذكر الأربع بقوله: شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم».
وقلنا في محله إنّ المراد مطلق ما يفوز به الإنسان.
أليس من الصلافة، قوله: لقد خلا القرآن الكريم وخلت سنة النبي وسيرته وكذلك سيرة الخلفاء الراشدين وغيرهم من حكّام المسلمين من ذكر الخمس.(501)
3. ارتقاء الحكم من الاستحباب إلى الوجوب
يذكر في الحقيقة الخامسة أنّ أداء الخمس في كثير من الروايات المعتبرة إلى الإمام نفسه مستحب، ولكنه ارتقت درجة أدائه إلى الفقيه فصار واجباً!!
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره كلام شعري يستحسنه ذوقه وشعوره، فإنّ حكم الخمس لم يزل واجباً ولم يتبدل حكمه إلى الآن وبقي أداؤه إلى الفقيه على الحكم السابق، وأمّا الترخيص للشيعة فقد عرفت أنّه بين ما لا يمتّ إلى الخمس المصطلح (أرباح المكاسب) بصلة، أو ما يرجع إليه ولكنّه أُحلّ لهم بسبب الظروف القاسية، التي كان إيصاله فيها إلى الإمام ينجم عنه مخاطر ومشاكل كبيرة للشيعة وللأئمة أنفسهم.
4. أخذ الفقيه الخمس كلّه
يقول: إنّ الخمس يقسم إلى: نصفين نصف للإمام ونصف للسادة، إلاّ أنّ الفقيه يأخذ الخمس كله من دون مراعاة هذه القسمة (502).
لا أدري أين شاهد ذلك مع أنّ عامة الرسائل العملية والكتب الاستدلالية تصرح بأنّ الخمس يقسم إلى نصفين على النحو المذكور حتّى أن كثيراً من الفقهاء، قالوا بوجوب صرف نصيب الإمام في حاجات بني هاشم: أيتامهم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وقد عرفت أن المحقّق الحلّي وغيره، تبنّوا هذا. ولو أخذه الفقيه كله، فإنّما يأخذه ليصرفه في مصارفه كالإمام المعصوم نفسه، لكونه زعيم الشيعة.
5. أخذ اغنياء بني هاشم الخمس
ادّعى في الحقيقة السابقة أنّ الأغنياء من بني هاشم يأخذون الأموال باسم الخمس بحجة النسب . وهو يدّعي أنّ هذه الحقيقة مجهولة من قبل عامة من يقول بدفع الخمس، إذ يدفعون الخمس لكل من يدّعي النسبة.(503)
أقول: إنّ أهل البيت أدرى بما فيه، وفي المثل السائر «أهل مكّة أدرى بشعابها» فإنّ المؤمنين يمسكون عن دفع المال إلاّ بعد إحراز الفقر والحاجة، ولو أقدم بعضهم على دفع الخمس بلا تحقيق، فلا يكون ذلك دليلاً على العموم، على أنّ ذلك أجنبي عن البحث العلمي، ولعلّ الكاتب لا يعرف منهج البحث العلمي.
6. لم يذكر أحد المتقدمين تولّي الفقيه
قال في الحقيقة الرابعة: إنّ أحداً من علماء المذهب الأقدمين، لم يذكر قط مسألة إعطاء الخمس للفقهاء، بل لم يخطر لهم على بال.
كيف يقول ذلك مع أنّ الشيخ أبا الصلاح الحلبي (374 ـ 447 هـ) يقول في الكافي: يجب على من تعيّن عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يُخرج ما وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله سبحانه (الإمام المنصوب) أو إلى من يُنصِّبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه (النيابة الخاصة)، فإنْ تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون، فإن تعذّر تولّى ذلك بنفسه .(504)
والشيخ الحلبي أقدم من الطوسي ولادة ووفاة، وقد ذكره الطوسي في رجاله فلاحظ.
الرابع: مصدر شرعية الخمس
يستمد الخمس شرعيته من الكتاب والسنة حسب ما عرفته في الفصل الأوّل، وأنّ جميع الفقهاء يستدلون على وجوب الخمس بما ورد في الكتاب والسنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، غير أنّ الكاتب نسب إلى بعض علماء الشيعة أنّه يدافع عن أخذ الخمس بأنّها تصرف على المدارس الدينية والحوزات العلمية والشؤون المذهبية الأُخرى (505) .
أقول: إنّ المؤلف كالغريق يتشبث بكل طحلب، ولم يجد مصدراً صالحاً سوى ما أشار إليه في الهامش، ومؤلِّف لم يُعتمد عليه، وهو معروف لدى الأوساط التي يعيش فيها بأنّه لا يتمتع بمؤهّلات كريمة تجعله صالحاً لأن يكون مصدراً في القضايا العلمية الإسلامية، والعاقل تكفيه الإشارة .
وياليته أشار إلى فقيه اعتمد في إيجاب الخمس على شرعية المصرف، ومن ذكرها فإنّما ذكرها كمصرف للخمس، دون أن تكون شرعية المصرف دليلاً على وجوب الخمس. ثم إنّ الخمس راجع إلى مقام الإمامة، ومن شؤون الإمامة قيادة المجتمع روحياً ودينياً، وهي رهن إعداد الدعاة والمبلغين لنشر الإسلام في العالم، وبذلك يظهر أن إطنابه في هذا الموضوع فضول من الكلام، لا يليق أن يُنقض ويردّ.
***
الخامس: مهمّات الشرع رهن الدليل القاطع
عقد الكاتب فصلاً لغاية إثبات أنّ مهمّات الشرع رهن أدلّة واضحة قطعية الدلالة، غير قابلة للردّ أو التأويل كالصلاة والزكاة وبرّ الوالدين وحرمة الربا وحرمة الزنا حتّى يكون الطريق مسدوداً أمام الراغبين في الإفلات من التكاليف الشرعيّة، ولكن خمس المكاسب لم تثبت بمثل هذه الأدلّة أي النصوص القرآنية، والأدلّة القاطعة، ثمّ بدأ بتفسير آية الخمس وأنّ موردها الغنائم المأخوذة من الكفّار المحاربين.
أقول: إنّ الكاتب يُركِّز على خمس المكاسب دون سائر أنواع الخمس كالمعدن والكنز والغوص والمال الحلال المختلط بالحرام والأرض التي اشتراها الذمي من المسلم إلى غير ذلك، لأنّ موارده قليلة لا تنتفع به المرجعية الدينية في أداء وظائفها الملقاة على عاتقها، وإنّما تنتفع بأرباح المكاسب، فلذلك يصرّ على عدم الدليل على لزوم الخمس فيها.
ولكنّه نسي أنّه قد سلّم في بعض الحقائق الثمانية بلزوم الخمس، وإنّما أنكر وجوب دفعه إلى الفقيه، وعلى كل تقدير، فمن قرأ الآية برأي مسبق، يخصّها بالغنائم المأخوذة من الكفار، وأمّا من قرأها مجرَّداً عن ذلك، ومن دون أن يتأثر بالمناقشات المذهبية، فسيجد دلالتها على لزوم الخمس في كل ما يفوز به الإنسان أمراً واضحاً بشهادة أنّه سبحانه يقول: (واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيء...) فلفظة الشيء نكرة تشمل كل ما يغنم، وقد أثبت العلماء في محلّه أنّ المورد لا يخصّص إذا كانت القاعدة كلية، ولذلك اعتمد على الآية فقهاء الأحناف في ثبوت الخمس في المعادن.(506)
نظراً لعزوفه عن سائر المصادر، فإنّه لم يقف على مصادر الخمس في السنة النبوية، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في الفصل الأوّل، كما أنّه أسدل الستار على أحاديث العترة الطاهرة الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه وأحد الثقلين اللّذين بهما تناط سعادة الإنسان في الدارين، وقد ذكرنا اثني عشر حديثاً تدلّ بوضوح على وجوب الخمس في الأرباح والمكاسب.
(فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )(507)
***
السادس: تكرّر ذكر الزكاة دون الخمس
استدلّ الكاتب على نفي وجوب الخمس بتكرّر ذكر الزكاة في عشرات الآيات، بينما لم يرد لخمس المكاسب ذكر في القرآن الكريم .
أقول: جاءت كلمة الزكاة (32) مرّة في القرآن الكريم، (11) مرة منها في السور المكية، والباقي في السور المدنية، والجميع يدعو إلى تزكية المال وليس جميع هذه الآيات تشير إلى الزكاة المصطلحة في الكتب الفقهية، وذلك لأنّ الزكاة بالمعنى الخاص فرضت في المدينة في السنة الثانية للهجرة الشريفة، فلايمكن أن يكون الجميع ناظراً لما لم يُشرَّع ولم تُبيّن كيفيّته، بل وجبت صدقة الفطرة قبل وجوب الزكاة بالمعنى الخاص.
يقول ابن حجر: وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضاً والنسائي وابن ماجة والحاكم في حديث قيس بن سعد بن عبادة. قال: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة ثم نزلت فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله. وقال: اسناده صحيح رجاله رجال الصحيح. ثم قال: وهودالّ على أنّ فرض صدقة الفطر، كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان .(508)
وعلى هذا فقد وجب صوم شهر رمضان فوجبت صدقة الفطر ثم وجبت الزكاة بالمعنى الخاصّ، كل ذلك يلزمنا بأنّ كثيراً من موارد استعمال الزكاة في القرآن المجيد يراد بها تزكية المال، وهو بالمعنى الجامع يشمل فريضة الخمس، وصدقة الفطر، والزكاة، بل يشمل سائر ما يجب
على المسلم من الفرائض المالية حتّى الكفّارات. نعم الآيات تدلّ على التزكية بالمعنى الجامع، وأمّا الخصوصيات فإنّما وردت في السنة النبوية شيئاً فشيئاً.
وممّا يدلّ على أنّ الزكاة في الذكر الحكيم يراد بها مطلق تطهير المال، لا الزكاة بالمعنى الخاص، ورود وجوبها في الشرائع السابقة، كما ينقل سبحانه عن لسان عيسى (عليه السلام)أنّه قال: (وَأَوْصَاني بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)(509) .
كما ينقل عن لسان إسماعيل (عليه السلام)قوله: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)(510) .
ونحن نسأل الكاتب هل الآيات الواردة في السور المكية وقبل وجوب فريضة الزكاة تهدف إلى المعنى العام، فيدخل الخمس في ضمنه؟ أو أنّها تهدف إلى الزكاة بالمعنى الخاص قبل إيجابها، وهو ممّا لا يتفوّه به فقيه؟!
على أنّ دراسة الآيات التالية تدلّ على أنّ الشريعة المقدّسة تأمر بإنفاق ما زاد، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ)(511)، وقال سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ... )(512).
نقل الطبري في تفسير قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) أي خذ العفو من أموال الناس وهو الفضل ، وأُمر بذلك قبل نزول الزكاة.(513)
سُئل عبدالله بن عمر عن تفسير قوله تعالى: (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ)(514): أهي الزكاة؟ فقال: إن عليك حقوقاً سوى ذلك، ونقل عن الشعبي أنّه قال: إنّ في المال حقّاً سوى الزكاة، وعن الأعمش عن إبراهيم قال: في المال حق سوى الزكاة.(515)
وعلى ضوء ما ذكرنا، فلفظة الخمس وإن لم ترد في القرآن الكريم إلاّ مرة واحدة إلاّ أنّ المضمون بشكل عام قد ورد في غير واحدة من الآيات المكية وحتّى المدنية.
وأخيراً نقول: إنّ من يدرس الموضوع على ضوء عقائده المسبقة لا يستطيع أن ينظر بواقعية وموضوعية للأدلّة التي ذكرناها.
وأما من يدرس الموضوع بعيداً عن العصبية المذهبية والطائفية، فيكفيه قليل ممّا ذكرنا من الأدلّة على وجوب الخمس في الأرباح.
***
السابع: المقارنة بين الزكاة وخمس المكاسب
يقول: إنّ الله عزّوجلّ يفرض على أغنيائنا ربع العشر من أموالهم أي من كل أربعين واحداً (401) ومن كل مائة، اثنين ونصف (1005,2) إذا بلغت النصاب وهو ما يعادل عشرين مثقالاً من الذهب مرّة واحدة في العام... وفي الوقت نفسه يوجب على عباده في الأرباح والفوائد الخمس (51) وهو يزيد على فريضة الزكاة بكثير.. فلو بلغ رأس ماله عشرين ديناراً يجب عليه دفع أربعة دنانير لأجل الخمس ونصف دينار لأجل الزكاة، فكيف فرض الأقل (الزكاة) بالأدلّة القاطعة ولم يفرض الأكثر (الخمس) بهذه الطريقة بل ولا يذكره ولو مرة واحدة مع أنّه أضخم منها وأكبر أضعافاً مضاعفة؟!(516).
يلاحظ عليه: أنّه وإن ذكر الأقل ـ حسب فرضه ـ غير مرّة، ولكنّه ذُكر الأكثر أيضاً بمثله، لما عرفت من أنّ الآيات الدالة على تزكية الأموال آيات عامّة تشمل كل فريضة مالية ولا تختص بالزكاة بالمعنى الخاص على أنّ السنة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة فرضت ذلك بالأدلة القاطعة.
هلمّ معي نستعرض الخلط الّذي وقع فيه، حيث تصور أنّ فريضة الزكاة في الدينار أقل من فريضة الخمس، لأنّ الفريضة هناك 401 وهنا 51 ولكنّه غفل عن أمرين:
الأوّل: أنّ زكاة النقدين تُخرج قبل إخراج المؤونة السنويّة، بخلاف الخمس الّذي يتعلّق بما فضل عن المؤونة، وقد تضافر عنهم قولهم: الخمس بعد المؤونة .
فإخراج الأقل حسب فرضه واجب على من ملك النصاب سواء كان فقيراً أو غنياً. دائناً أو غير دائن، مالكاً لمؤونة سنته أو لا، بخلاف الخمس فإنّه يُخرج إذا لم يكن فقيراً، مالكاً لمؤونة سنته، غير دائن.
الثاني: أنّ الزكاة تتعلّق بالنقدين في كل عام مالم ينزل عن النصاب فلو ملك أربعين ديناراً فيجب عليه في كلّ سنة إعطاء 401 من باب الزكاة حتّى ينزل عن النصاب ويصير 19 ديناراً، بخلاف الخمس فلو دفع ثمانية دنانير مرّة واحدة في العمر صار المال مُخمَّساً والمُخمَّس لا يُخمّس، فعندئذ تنعكس الأقلية والأكثرية، وترتفع فريضة الزكاة على فريضة الخمس. كل ذلك بشرط أن يكون المال جامعاً لشرائط وجوب الخمس بأن زاد على مؤونة سنة ولم يكن دائناً في نفس السنة إلى غير ذلك من الشروط.
تمثيل باطل للمقارنة!!
إنّ الكاتب حاول أن يكبّر فريضة الخمس ويصغر فريضة الزكاة في الكمية في الفقه الشيعي، فافترض مثالاً، وقال:
لو افترضنا أنّ رجلاً يمتلك بيتاً وبستاناً وسيارة ومالاً على شكل نقد، فما مقدار الزكاة الواجبة عليه، وما مورد الخمس؟
ثم قال: الزكاة
البيت: لا زكاة عليه.
السيارة: كذلك لا زكاة عليها.
البستان: لا زكاة إلاّ على ثماره عند جنيها إذا بلغت النصاب.
النقود: إذا لم تكن بالغة النصاب فلا زكاة عليها، والنصاب ما يعادل عشرين مثقال ذهب .
فلو أنّ رجلاً ملك هذه الأموال وبلغت نقوده مليون دينار، وحال عليه الحول، فيجب عليه خمسة وعشرون ألف دينار، هذا هو حال الزكاة في فقه الإمامية.
أمّا الخمس، لو فرضنا أنّ قيمة كل من البيت والبستان والسيارة ثلاثة ملايين وكان عند هذا الرجل قيمة النصاب مليون دينار، فيكون المجموع عشرة ملايين دينار. خمسها في الفقه الشيعي يساوي مليونين أي ما يعادل الزكاة الواجبة عليه ثمانين مرّة. هذا كلامه.
ونقول: طوبى لك يا فقيه الأُمة وفقيه الإسلام وفقيه المذاهب الإسلامية! ما هذه العبقرية في الحساب ؟! وما أنت وفقه الإمامية؟ عجباً إنّه ينقض ويبرم، وهو لا يعرف أبجدية فقه الطائفة!!
وذلك: أنّ البيت لا خمس عليه، لأنّه من المؤونة.
والسيارة: كذلك لا خمس عليها لأنّها من المؤونة أيضاً .
أما البستان، فلا خمس على رقبته إذا كان من محاويج الرجل ولا على ثماره إذا كانت كذلك، إلاّ إذا فضلت عن مؤونة سنته ومؤونة عياله.
فلم يبق إلاّ نقوده التي فرضها مليون دينار.
فالخمس وإن كان يزيد على الزكاة في الظاهر، لكنه لا يزيد عليها في الواقع، إنْ لم يكن الأمر على العكس لما عرفت من أنّ الخمس يجب مرة واحدة في العمر، والزكاة في كل سنة حتّى ينزل المال عن النصاب.
فالخمس في مليون دينار يكون مائتي ألف دينار بشروطه، ولكن الزكاة ـ لأجل أنّه يجب عليه كل سنة إعطاء401 من النقد الموجود حتّى لا يبقى منه إلاّ 19 ديناراً ـ تبلغ إلى 000,981 دينار على مرّ السنين، وعند ذلك تنعكس القضية.
أضف إلى ذلك: أنّ ما ذكره إطاحة بالوحي فإنّ المسلم من يسلّم الأمر إلى الله سبحانه، ولرسوله. يقول عزّ اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(517) .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا وإنّ الإسلام هو التسليم»، فأنّى لعقولنا إدراك الملاكات الشرعية والمصالح والمفاسد، حتّى نمشي على ضوئها، ويصبح الخمس فريضة باهظة والزكاة فريضة عادلة في مقياسنا نحن؟!
قد تعرفت على مواقع خطئه في المقارنة بين الزكاة والخمس، ومع ذلك ولأجل المقارنة بين الزكاة والخمس في الفقه الشيعي رسم الكاتب جدولاً على حسب الأخطاء الماضية، وها نحن نأتي بجدوله الخاطئ ثم نردفه بالجدول الصحيح حتّى تتميز مواضع خطئه. وإليك جدول الكاتب :
مقارنة خاطئة بين الزكاة والخمس
في الفقه الشيعي
الزكاة
الخمس
1. نسبتها بالأرقام 401 أو 1005,2 أو 100025.
2. لابد فيها من بلوغ النصاب.
3. يشترط لها دوران الحول.
4. في أصناف محدودة من المال.
5. على الأغنياء فقط.
6. يصرف لثمانية أصناف.
7. شرعت لسد حاجة الأُمّة جميعاً.
8. لا حق فيها إلاّ لمحتاج.
9. ورد ذكرها في عشرات الآيات.
10 مهملة لا يهتم بها مع أن الله أكد عليها كل هذا التأكيد.
1. نسبته بالأرقام 51 أو 10020 أو 1000200.
2. لا يشترط ذلك.
3. لا يشترط ذلك.
4. في جميع الأصناف حتّى الهدايا والمسكن والاثاث.
5. على مكاسب الأغنياء والفقراء.
6. يعطى لصنف واحد، هم الفقهاء أو السادة.
7. جعل لطبقة واحدة هي طبقة الفقهاء أو السادة.
8. يعطى للفقيه أو السيد بغض النظر عن كونه محتاجاً أم لا.
9. لم يرد ذكره أبداً في القرآن الكريم اللهم إلاّ خمس الغنائم.
10. يؤكد عليه تأكيداً بالغاً مع أنّه أهمله ولم يذكره.
وإليك مواضع الخطأ في الجدول المذكور، الّذي لا يعكس الرأي الشيعي في بابي الزكاة والخمس.
أخطاؤه حول «الزكاة» في الفقه الشيعي
1. يشترط لها حوَلان الحول.
أقول: ما ذكره صحيح في زكاة الأنعام والنقدين، وأما المستخرج من الأرض كالمعادن والكنز والغلات، فلا يشترط فيها حولان الحول.
3. قال: على الأغنياء فقط.
أقول: على الأغنياء والفقراء. فمن تعلقت به الزكاة خصوصاً فيما لا يشترط فيه حَوَلان الحول يجب عليه إخراجها، وإن كان فقيراً في آخر السنة، ويعيش ـ عند الفقر ـ على حساب بيت المال .
4. قال: لاحق فيها إلاّ لمحتاج.
أقول: لا حق فيها لمحتاج إلاّ في المؤلفة قلوبهم فلا يشترط فيهم الفقر، لأنّ الغاية من إعطائهم، هي تأليف قلوبهم، ودَرْء شرّهم عن المسلمين.
5. قال: مهملة لا يهتمّ بها، مع أنّ الله أكد عليها كل هذا التأكيد.
أقول: مهتمٌّ بها عبر الأعصار، ومانسبه إلى الإمامية افتراء عليهم، فإنّ الفقهاء يذكرون الزكاة إلى جانب الخمس، ولا تجد كتاباً فقهياً يُذكر فيه الخمس دون الزكاة .
وأمّا العناية الخارجية، فإنّ الناس يُسلِّمون أطيب أموالهم إلى الفقهاء من دون أن يكون هناك جهاز إداري أو ضغط خارجي يجبر الناس على دفع الفرائض المالية.
ونحن لا ننسى أنّه كان في بعض البلاد جهاز خاص لجمع الزكوات وإيصالها إلى أهلها، وفي هذا الإطار قام الشيخ علي أكبر الأردبيلي(518) (الحاكم الإسلامي في تلك المحافظة) بتأسيس جهاز لجمع الزكوات، تأديةً لواجبه الشرعي.
أخطاؤه حول «الخمس» في الفقه الشيعي
1. قال: لا نصاب إلاّ في الكنز والمعدن.
أقول: هذا غير صحيح لوجود النصاب في الغوص أيضاً .
2. قال: في جميع الأصناف حتّى الهدايا والمسكن والأثاث.
أقول: هذا غير صحيح لعدم تعلق الخمس بالمسكن والأثاث، لأنّ الجميع من المؤونة، والخمس بعد المؤونة. وأمّا الهدايا فإنّما يجب فيها الخمس عند البعض إذا كانت خطرة .
3. قال: على مكاسب الأغنياء والفقراء.
أقول: هذا من زلاّته إذ لم يقل أحد بتعلق الخمس بالفقير، وإنّما يجب الخمس على من يملك مؤونة سنته.
4. قال: يعطى لصنف واحد وهم الفقهاء أو السادة.
أقول: هذا خطأ واضح لأنّ الخمس يصنف إلى صنفين، والفقيه يؤمِّن عَيلة السادات، وربّما يصل إليهم أكثر ممّا يصل إلى الصنف الآخر .
5. قال: يعطى للفقيه أو السيد بغض النظر عن كونه محتاجاً أو لا.
أقول: هذه زلة واضحة، فأمّا الفقيه فيعطى له بما أنّه زعيم الشيعة وإليه يرجع المحتاجون من عامة الناس، وأمّا السيد فإنّما يعطى له إذا كان محتاجاً.
6. قال: لم يرد ذكره أبداً في القرآن الكريم، اللهم إلاّ خمس الغنائم.
أقول: هذا خطأ، لِما قلنا من عدم اقتصار الخُمس الوارد في الآية الكريمة على الغنائم، ولوروده بمحتواه لا بلفظه في الآيات الدالة على لزوم تزكية الأموال.
7. قال: يؤكد عليه تأكيداً بالغاً مع أنّ الله أهمله ولم يذكره.
أقول: الصحيح أن يقول: مع أنّ الله تعالى قد ذكره في كتابه وأكدت عليه أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأئمة أهل البيت(عليهم السلام).
هذه هي أخطاؤه في الجدول الّذي رسمه لبيان موقف الفقه الشيعي من الزكاة والخمس، وقد عرفت أنّه أخطأ في كلا الموردين.
ولإيقاف القارئ على ما هو الصحيح عند الشيعة فلينظر إلى الجدول التالي:
المقارنة الصحيحة بين الزكاة
والخمس في الفقه الشيعي
الزكاة
الخمس
1. نسبتها بالأرقام 401 في كل سنة حتّى ينزل عن النصاب .
2. لابد فيها من بلوغ المال النصاب .
3. يشترط لها حوَلان الحول.
4. في أصناف تسعة من المال ويستحب في غيرها.
5. على الأغنياء والفقراء .
6. يصرف للأصناف الثمانية المذكورة في القرآن .
7. يشترط الفقر في الأصناف الثمانية إلاّ المؤلفة قلوبهم.
8. شُرِّعت لسدّ حاجات الاصناف الثمانية.
9. ورد ذكرها في القرآن كثيراً.
10. مهتمٌّ بها عبر العصور.
1. نسبته بالأرقام 51 مرة واحدة في العمر.
2. لا نصاب في الخمس إلاّ في الكنز والمعدن والغوص.
3. لا يشترط إلاّ في أرباح المكاسب، بمعنى إخراج مؤونة السنة ثم التخميس.
4. في كل ما يفوز به الإنسان إلاّ إذا كان مؤونة له، فلا خمس في المسكن والأثاث والسيارة والهدايا الحقيرة.
5. على مكاسب الأغنياء فقط .
6. يصرف نصفُه في الأصناف الثلاثة: الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، والنصف الآخر في حاجات الأُمة حسب تشخيص الإمام، أو نائبه الفقيه .
7. يُعطى للمحتاج من الأصناف الثلاثة، ويصرف النصف الآخر في مهام الأُمور.
8. شُرِّع لرفع حاجات الأصناف الثلاثة، وحاجات الأُمّة.
9. ورد في القرآن بلفظ الخمس مرة واحدة وأُكد مضمونه في عشرات الآيات.
10. مهتمٌّ به، ومؤكَّد في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت(عليهم السلام).
وأنت أيها القارئ الكريم إذا قارنت هذا الجدول الّذي عليه فقه الشيعة مع ما رسمه الكاتب ترى فرقاً شاسعاً بينهما، وبذلك يتبين أنّ أكثر انطباعاته عن الروايات وأقوال العلماء، مبنيٌّ على رأي مسبق يحفزه إلى تفسير الآيات والروايات بما يعتقده ويهتمّ به.
الأمر الثامن: الخمس سياسة يوسفية لا فرعونية!
إنّ آخر ما كان في كنانة الكاتب من السهام المسمومة، تشبيه الخمس بالسياسة الفرعونية، قال: جاء في الكتاب المقدس، فاشترى يوسف جميع أراضي المصريّين لفرعون، لأنّ المصريين باعوا حقولهم، لأنّ المجاعة اشتدت عليهم فصارت الأرض لفرعون. وأمّا الشعب فاستعبده من أقصى حدود مصر إلى أقصاها.
وقال يوسف للشعب: إنّي اشتريتكم اليوم أنتم وأراضيكم لفرعون فخذوا لكم بذراً تزرعونه في الأرض، فإذا خرجت الغلال تعطون منها الخمس لفرعون والأربعة أخماس تكون لكم بذراً للحقول، وطعاماً لكم، ولأهل منازلكم، وطعاماً لعيالكم.
قالوا: قد أحييتنا، فلْتَنَل حُظَوة في عيني سيدنا ونكون عبيداً لفرعون، فجعل يوسف ذلك فريضة على أرض مصر إلى هذا اليوم.(519)
هذا نص التوراة في سفر التكوين ثم إنّ المؤلف بعد ذكر هذا النص ـ مع وجود الاختلاف بين الموجود في التوراة وما نقله ـ رتّب عليه قوله: إنّ فرعون على طاغوتيته ـ واستكباره ـ لم يستحل أخذ الخمس من مكاسب شعبه إلاّ بعد أن اشتراهم واشترى أراضيهم فصاروا عبيداً له وصارت أراضيهم ملكاً له، فحينما أخذ الخمس عاملهم معاملة السيد مع عبيده. وكأنّ الخمس في شريعة فرعون لا يؤديه إلاّ العبد المملوك تجاه السيد المالك.
فهل شريعة فرعون أرحم وأرقى نظرة إلى الإنسان من شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)السماوية التي حرّرت البشرية من قيود العبودية .(520)
أقول: أوّلاً: لو صحّ ما جاء في التوراة وصحّ الاستناد إليه في القضاء، فإنّ الإشكال يعود على فقهاء السنَّة، لإيجابهم الخمس في المعدن والكنز .
روى أبو هريرة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «وفي الركاز الخمس». (521)والركاز يشمل الكنز والمعدن ـ على قول ـ فهل تعاملت الشريعة المحمدية مع أصحاب المعادن والكنوز معاملة السيد والعبد، مع أنّ تلك الشريعة قد حررت البشرية من الظلم وقيود العبودية؟
ثانياً: إنّ السياسة التي ذكرتها التوراة تنسبها إلى يوسف لا إلى فرعون، وإن القائم بذلك هو يوسف النبي المعصوم (عليه السلام)الّذي اشترى رضا الله تبارك وتعالى بالزَّجّ في السجن بضع سنين ، فهل يعمل النبي ـ في نظر الكاتب ـ لصالح الطاغية أو لصالح الشعب ؟
والكاتب لم يمعن النظر في هذه السياسة اليوسفية التي تحدّثت عنها التوراة، فإنّه (عليه السلام)لم يتمكّن من توزيع ما عنده من الغلات على الناس مجاناً وبلا مقابل، ولذا قام بتوزيعها مقابل النقود، وبعد أن نفدت النقود التجأ إلى توزيعها مقابل أراضيهم، ثم بعد أن نفدت قام ببيعها عليهم مقابل استعبادهم.
لقد أتبع (عليه السلام)هذه السياسة حتّى ينجي الشعب من المجاعة التي عمّت أراضي مصر، وقد استطاع بهذه السياسة إرجاع أراضيهم إليهم وتمليكها لهم مع الاحتفاظ بأربعة أخماس غلاّتها، في مقابل إعطاء الخمس لخزانة فرعون، وكانت هذه سياسة إلهية لكي يصبحوا مالكين لأراضيهم وتعود سيادتهم عليها.
وبهذا يظهر أنّ أداء الخمس ليس علامة لكون المعطي عبداً والآخذ سيداً، وإنّما وضعت هذه الضريبة في هذه الظروف القاسية، إذ لم يمكن هناك حَلٌّ للمشكلة إلاّ باتباع هذه الطريقة التي ابتكرها يوسف(عليه السلام).
فالكاتب بدل أن ينسب هذه السياسة إلى يوسف، قد نسبها إلى فرعون حتّى يصوِّر في ذهن القارئ أنّ الخمس ضريبة فرعونية ظالمة.
الخاتمة
أسئلة وأجوبة
عقد المؤلف فصلاً خاصاً أسماه: «خمس المكاسب بين النظرية والتطبيق» وطرح فيه أسئلة. وإليك دراسة ما يستحق منها الذكر:
1. قال: إنّ الاعتقاد بأنّ الخمس من حق ذرية أهل البيت(عليهم السلام)وأقارب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوجب على من يستلم هذه الأموال أن يقوم بعمل إحصائية في كل حي من الأحياء ممن يسكنه ممن ينتسب إلى أهل البيت(عليهم السلام)، لا سيما الفقراء منهم من أجل تقسيم الخمس عليهم، وليس ذلك بمستحيل (522).
أقول: ما اقترحه من القيام بعمل إحصائي كان أمراً رائجاً في القرون الإسلامية الأُولى، وكان للطالبيين نقابة خاصة،وقد تولّى الشريف الرضي (359 ـ 406 هـ) مثلاً النقابة لمدة تزيد على العشرين سنة، ثم تولاّها أخوه المرتضى (355 ـ 436 هـ) واستمرت النقابة إلى عصر السيد ابن طاووس (المتوفّى 664 هـ)، ولما سقطت الخلافة العباسية على يد هولاكو، وجاء دور الملوك انخفض دور النقابة بشكل واضح، وعلى الرغم من ذلك ففي كل بلد من بلدان الشيعة يوجد علماء يرجع إليهم السادة الفقراء في أخذ حقوقهم ونصيبهم من الخمس.
والعجب أنّ الكاتب يصف الخمس بأنّه سياسة فرعونية ثم يأتي هنا بوضع برنامج لتوزيعه على مستحقيه، فهل هناك أكثر شناعة من هذا التناقض؟!
2. قال: الواقع المشاهد أنّ كل مجتهد يحق له استلام الخمس دون النظر إلى كونه ينتمي إلى بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أم لا، بل دون النظر حتّى في كونه عربياً أم أعجمياً، مع أنّ نص الآية يذكر قيد «ذي القربى» لا «ذي الفتوى» فبأي حق يكون له نصيب فيه؟
أقول: ما ذكره يعرب عن عدم إلمامه بالفقه الشيعي، لما ذكرنا من أنّ الخمس يقسم إلى قسمين: الأوّل منه يُصرف في فقراء آل البيت ومساكينهم وأبناء سبيلهم.
والقسم الثاني ـ الّذي هو لله وللرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولذوي القربى ـ يُسلَّم إلى الإمام في عصر الحضور، وإلى نائبه في عصر الغيبة، وبذلك يظهر لك ضعف منطقه ـ حيث يقول:
من دون النظر في كونه عربياً أم أعجمياً، وكأنّ العربية شرط للنيابة، والأعجمية مانعة عنها.
وأفحش من ذلك قوله: أنّ نص الآية يذكر قيد ذي القربى لا ذي الفتوى.
نعم انّه سبحانه يقول الأوّل دون الثاني ولكن غيبة ذي القربى سببت لأن يقوم مقامه ذو الفتوى وهو المجتهد الجامع للشرائط.
3. قال: هل كان الفقهاء في زمان الخليفة الراشد علي (عليه السلام)في المناطق البعيدة كالحجاز ومصر وخراسان يأخذون خمس مكاسب الناس في تلك الأمصار باعتبارهم نواباً للإمام.
أقول: قد عرفت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد ركز على دفع الخمس من المغنم والغنيمة، وقد تبيّن أنّ المراد ليس الغنائم المأخوذة من الكفار.
وأما عدم أخذ الخمس في عصر الخليفة الراشد (عليه السلام)إذا صحّ، وأيّده الدليل التاريخي ـ مع أنّ الكاتب لم يذكر دليله ـ فلعل ذلك لأجل أنّ الخلفاء قبله قد أسقطوا سهم الله ورسوله وسهم ذي القربى من خمس الغنائم، وبذلك خالفوا الكتاب العزيز، أفيمكن بعد ذلك إلزام الناس بدفع الخمس من أرباح المكاسب وغيرها؟
ولكنّك عرفت وجود جهاز مالي لأئمة أهل البيت(عليهم السلام)يستلم الخمس من الناس.
4. قال: ولنا سؤال آخر: إذا كان المقلد يعطي (خمسه) إلى الفقيه، فلمن يعطي الفقيه (خمسه)، إذا لم يكن من ذرية (أهل البيت)؟ أو كان أعجمياً ليس بعربي؟!
أقول: يجب علينا أن نمر على هذا السؤال وعلى ما يتبعه من أسئلة تنبع عن حقده على العلماء، وبالأخص إذا كانوا غير عرب.
فما ذكره عصبية جاهلية لا تمتّ للإسلام بصلة، وأنا أضنّ بوقتي وبأوراقي من أن أقوم بالإجابة عن هذه الأسئلة، الّتي منها افتراءات على الفقهاء والعلماء، والله سبحانه يؤاخذه بها ويحاسبه عليها.
وها نحن نجعجع بالقلم عن الإفاضة في مناقشة هذا الكتاب.
والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

360 . الأنفال: 41.
361 . تهذيب اللغة: مادة «غنم».
362 . المفرادت : مادة «غنم».
363 . مقاييس اللغة: مادة «غنم».
364 . لسان العرب: مادة «غنم».
365 . نهاية اللغة: مادة «غنم».
366 . قاموس اللغة، مادة «غنم».
367 . النساء: 94.
368 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
369 . مسند أحمد : 2 / 330 و 374 و 524.
370 . المصدر نفسه: 177.
371 . النهاية، مادة «غنم».
372 . الأنفال: 41 .
373 . الفقه الإسلامي وأدلته: 2 / 776 .
374 . جامع الأُصول من أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): 4 / 620 .
375 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
376 . مسند أحمد : 1/314; سنن ابن ماجة: 2/839 ، ط 1373 هـ .
377 . جُبار: هَدَر.
378 . صحيح مسلم : 5/127، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار ، من كتاب الحدود; وصحيح البخاري: 1/182، باب في الركاز الخمس.
379 . القَلِيب: البئر.
380 . الخراج: 22.
381 . مسند أحمد: 3/ 335.
382 . المصدر نفسه: 5/ 326.
383 . المصدر نفسه: 3/ 128.
384 . المصدر نفسه: 2/ 186.
385 . الأحكام السلطانية: 143 .
386 . النهاية : مادة «سيب».
387 . سنن الترمذي: 6/145، باب ما جاء في العجماء.
388 . النهاية ، مادة «ارم».
389 . ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في آية الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.
390 . هذا رأي أبي يوسف، وإطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته لروايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّها تفرض الخمس في الجميع.
391 . الخراج: 22.
392 . صحيح البخاري: 4/250، باب (وَ اللهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ) من كتاب التوحيد، وج1 ص 13 و 19 ، وج3 ص 53; صحيح مسلم: 1/35 ـ 36 باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 1/333; مسند أحمد: 1/318; الأموال: 12، وغيرها.
393 . فتوح البلدان : 1/ 81 ، باب اليمن; سيرة ابن هشام: 4/ 265 ; تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1/ 157.
394 . قيل، جمعه: أقيال، قال في لسان العرب: القيل، الملك من ملوك حمير... ومنه الحديث إلى قيل ذي رُعين أي ملكها وهي قبيلة من اليمن تنسب إلى ذي رعين .
395 . الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (الطبعة الرابعة، بيروت).
396 . الطبقات الكبرى: 1/ 270.
397 . المصدر نفسه: ص 304 ـ 305.
398 . المصدر نفسه: ص 270.
399 . الوثائق السياسية: 265 برقم 157.
400 . فتوح البلدان: 1/ 82 ; سيرة ابن هشام: 4/ 258.
401 . الإصابة: 2/ 189 ; أُسد الغابة: 3/ 34.
402 . الطبقات الكبرى: 1/ 271.
403 . سنن ابن ماجة: 1298 برقم 3937، كتاب الفتن .
404 . سنن ابن ماجة: 1298 برقم 3938، كتاب الفتن .
405 . صحيح البخاري: 2 / 48، باب النهب بغير إذن صاحبه.
406 . سنن أبي داود: 2/ 12.
407 . رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4/ 334.
408 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
409 . الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .
410 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .
411 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .
412 . الوسائل: ج 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .
413 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10 .
414 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .
415 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .
416 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .
417 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .
418 . فقه الرضا (عليه السلام): 40; مستدرك الوسائل: 7 / 284، باب وجوب الخمس فيما يفضل عن مؤونة السنة.
419 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 2 .
420 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 3 .
421 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1 .
422 . الأنفال: 41 .
423 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 .
424 . الكر يساوي 384 كيلو غرام.
425 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .
426 . نفس المصدر والباب، الحديث 3 .
427 . الخمس جزية العصر: 9 .
428 . مرّ برقم 8 .
429 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1 .
430 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 5 .
431 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9 .
432 . نفس المصدر، الحديث 10 .
433 . نفس المصدر، الحديث 15.
434 . نفس المصدر، الحديث 16 .
435 . نفس المصدر، الحديث 20 .
436 . مسالك الأفهام: 1 / 475.
437 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
438 . نفس المصدر والباب، الحديث 2.
439 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 4.
440 . الغيبة للطوسي: 347 .
441 . رجال النجاشي: 2 / 204، برقم 888 .
442 . الأنفال: 41 .
443 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8 .
444 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5 .
445 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.
446 . الشعراء: 214 .
447 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8 .
448 . رجال الكشي: 323، برقم 241 .
449 . بحار الأنوار: 47 / 181 ; الغيبة للشيخ الطوسي: 347، برقم 300 .
450 . رسالة أبي غالب الزراري: 129 ـ 130. وانظر: غاية النهاية في طبقات القرّاء: 1 / 261، برقم 1189 .
451 . اختيار معرفة الرجال: 1 / 412 ـ 416 برقم 303 ـ 312 .
452 . الغيبة للطوسي: 346 .
453 . بحار الأنوار: 43 / 347 .
454 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 302 ; بحار الأنوار: 47 / 343 .
455 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 302 ; بحار الأنوار: 47 / 343 .
456 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 298 .
457 . الغيبة للطوسي: 347، برقم 299 ; بحار الأنوار: 47 / 342، برقم 30 .
458 . الغيبة للطوسي: 348، برقم 302 ; بحار الأنوار: 49 / 274 .
459 . الغيبة للطوسي: 348، برقم 304 ; بحار الأنوار: 49 / 275 .
460 . الغيبة للطوسي: 349، برقم 306; بحار الأنوار: 50 / 105 .
461 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 307 .
462 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 308 ; بحار الأنوار: 50 / 220.
463 . الغيبة للطوسي: 350، برقم 309 ; بحار الأنوار: 50 / 220 .
464 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
465 . الغيبة للطوسي: 351، برقم 311 .
466 . الغيبة للطوسي: 352 .
467 . الغيبة للطوسي: 355 ـ 356، برقم 317; بحار الأنوار: 51 / 345 .
468 . الغيبة للطوسي: 366، برقم 334 .
469 . الغيبة للطوسي: 367 ـ 368، برقم 335 ; بحار الأنوار: 51 / 352 .
470 . المقنعة: 286 .
471 . النهاية: 201 .
472 . الكافي: 172. ونقله الشهيد عنه في البيان: 200 .
473 . الوسيلة: 137 .
474 . شرائع الإسلام: 1 / 138 .
475 . قواعد الاحكام: 1 / 365 .
476 . تحرير الأحكام: 1 / 445 .
477 . المختلف: 3 / 354 ـ 355 .
478 . الدروس الشرعية: 1 / 206 .
479 . الرسائل العشر: 184 .
480 . جامع المقاصد: 3 / 56 .
481 . الروضة البهية: 2 / 79 .
482 . الحدائق: 12 / 468 ; الجواهر: 16 / 178 .
483 . مستند الشيعة: 10 / 136 .
484 . العروة الوثقى: الفصل الثاني من كتاب الخمسن، المسألة 7.
485 . الوسائل: ج 6، الباب 2، من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
486 . أُصول الكافي: 1 / 67، باب اختلاف الحديث، الحديث 10.
487 . مستند الشيعة: 10 / 136 .
488 . الخمس جزية العصر: 10.
489 . مرّ ذكر الرواية في الصفحة: 270.
490 . النهاية: 201 .
491 . ولا ندري من أين استعار لقب الدكتوراه للمؤلف ووصفه به عند ذكر المصادر .
492 . الخمس جزية العصر: 41.
493 . الوسائل : ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 7. وراجع كمال الدين للصدوق: 522 ; والاحتجاج للطبرسي: 479 .
494 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 8 . وراجع: كمال الدين: 522 برقم 51 ; الاحتجاج: 480 .
495 . النهاية: 200 .
496 . المسالك: 1 / 475ـ 476 .
497 . النهاية: 196 ـ 198 .
498 . الخمس جزية العصر: 81 .
499 . الأنفال: 41 .
500 . مسند أحمد: 1 / 314 ; سنن ابن ماجة: 2 / 839، طبعة 1373 هـ .
501 . الخمس جزية العصر: 81 .
502 . الخمس جزية العصر: 11.
503 . نفس المصدر: 11.
504 . الكافي: 172.
505 . الخمس جزية العصر: 42، نقله عن كتاب الشيعة والتصحيح لموسى الموسوي.
506 . الفقه الإسلامي وأدلّته، لوهبة الزحيلي: 2 / 776 .
507 . الأعراف: 185 .
508 . فتح الباري: 3 / 266، ط . دار المعرفة.
509 . مريم: 31 .
510 . مريم: 55 .
511 . البقرة: 219 .
512 . الأعراف: 199 .
513 . جامع البيان: 6 / 191، طبع دار ابن حزم، عمان، 1423 هـ .
514 . المعارج: 24 ـ 25 .
515 . جامع البيان: 29/ 50 ـ 51، طبع دار المعرفة.
516 . الخمس جزية العصر: 54.
517 . الحجرات: 1 .
518 . توفي (قدس سره)عام 1346 هـ ، اقرأ ترجمته في طبقات الفقهاء في القسم الأوّل من القرن الرابع عشر: 462 برقم 4700.
519 . الكتاب المقدس، سفر التكوين الفصل 47، الفقرات 20 ـ 26 .
520 . الخمس جزية العصر: 83 .
521 . أخرجه البخاري، فتح الباري: 3 / 364. ط. السلفية.
522 . الخمس جزية العصر: 86 .

Website Security Test