welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
أحكام صلاة المسافر
أحكام صلاة المسافر

وقع السفر في الشرع موضوعاً لعدّة أحكام في الأجزاء المتقدّمة، ونشير إلى بعضها الآخر في المقام:
1. التقصير في الصلاة عزيمة لا رخصة.
2. الإفطار في الصوم الواجب والمستحب عزيمة إلاّ ما استثني:
أ. صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع لقوله سبحانه: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَة أَيّام فِي الحَجِّ وَ سَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشرَةٌ كامِلَة)(26) .
ب. صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً، وهو ثمانية عشر يوماً.
ج. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصاً أو سفراً وحضراً دون النذر المطلق.
د. لا يجوز الصوم المندوب في السفر إلاّ ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة. والتفصيل موكول إلى كتاب الصوم.
3. سقوط النوافل النهارية:
تسقط النوافل النهارية كنافلة الظهرين، ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر، قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(27)
أمّا نافلة المغرب فلا تسقط لقوله: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر».(28)
كما أنّه لا تسقط نافلة الفجر، روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر في السفر والحضر».(29)
إنّما الكلام في سقوط نافلة العشاء، فقد اختلفت كلمتهم في سقوطها وعدمه.
قال الشيخ: وليس على المسافر شيء من نوافل النهار، فإذا سافر بعد زوال الشمس قبل أن يصلّي نوافل الزوال فليقضها في السفر بالليل أو بالنهار، وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدمناه.(30)
والمراد ممّا قدّمه ما ذكره في أوائل كتاب الصلاة من أنّ سنن السفر سبع عشرة ركعة: أربع ركعات بعد المغرب، كحالها في الحضر، وإحدى عشرة ركعة صلاة الليل، وركعتا صلاة الفجر، فهذه سبع عشرة ركعة. ـ ثمّ قال: ـ ويجوز أن يصلّي الركعتين من جلوس التي يصليها في الحضر بعد العشاء الآخرة.(31) ترى أنّه لم يجعلهما من سنن السفر، وإن حكم بجواز الإتيان، وهذا يدلّ على وجود التفاوت بين الحكمين من حيث الوضوح والخفاء.
قال ابن إدريس: وعليه نوافل الليل كلّها حسب ما قدّمناه إلاّ الوُتيرة.(32)
وقال المحدّث البحراني: الأظهر عندي هو القول بما صرّح في النهاية من بقاء استحبابها في السفر كما في الحضر لعدّة من الأخبار.(33)
أقول: السقوط هو الموافق للقاعدة لسقوط الفرع بسقوط الأصل إلاّ أن يدلّ دليل على التخصيص وهو ليس ببعيد.
1. روى الصدوق في الفقيه عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام)أنّه قال: «إنّما صارت العتمة مقصورة وليس نترك ركعتيها، لأنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوعاً ليتم بهما بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوع».(34)
وقال الصدوق: وما كان فيه عن الفضل بن شاذان من العلل التي ذكرها عن الرضا (عليه السلام)فقد رويته عن عبدالواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري العطار ـ رضي اللّه عنه ـ عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام)(35). وكلاهما لم يوثّقا.
أقول: إنّ عبد الواحد بن عبدوس من مشايخ الصدوق الذين أخذ منهم الحديث والمعروف في لسانهم عدم الحاجة إلى توثيقهم، لأنّ اعتماد المشايخ المتقدّمين على النقل عنهم وأخذ الأخبار منهم والتتلمذ عليهم يزيد على قولهم في كتب الرجال«فلان ثقة».
وأمّا علي بن محمد بن قتيبة فهو من مشايخ الكشي الذي أكثر الرواية عنه(36) في كتابه المشهور في الرجال.
أضف إلى ذلك: أنّ الدليل غير منحصر بذلك، ويمكن استظهار عدم السقوط من روايات أُخرى كما سيوافيك تالياً.
2. ما تضافر عنهم (عليهم السلام)بأظهر تأكيد على الحثّ على الإتيان بهما حتى عُدّ عدم الترك من لوازم الإيمان باللّه واليوم الآخر. وهذه الروايات وإن كانت مطلقة قابلة للتخصيص بالحضر لكن لسانها يأبى عن التخصيص، بل يعد حاكماً على ما دلّ على سقوط النوافل إثر سقوط الركعتين.
روى الشيخ بسند صحيح عن زرارة قال، قال أبو جعفر (عليه السلام): «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يبيتن إلاّ بوتر».(37) والمراد منه حسب ما ورد في رواية أبي بصير هو الركعتان بعد العشاء الآخرة.(38)
ثمّ إنّ النسبة بين هذه الروايات وما دلّ على سقوط النافلة عند سقوط الفريضة الرباعية، عموم وخصوص من وجه. فهي خاص بالوتيرة، وعام لأجل شمولها السفر والحضر، وما دلّ على الملازمة بين السقوطين خاص لأجل اختصاصها بالسفر، وعام لأجل شمولها الوتر ونوافل الظهرين ومقتضى القاعدة سقوطهما في مورد الاجتماع وهو الوتر في السفر، لكن لسان القسم الأوّل، يأبى عن التخصيص فيقدم على الثاني وتكون النتيجة اختصاصه بنوافل الظهرين.
فإن قلت: إنّ مفهوم الروايات أنّ من بات بلا وتر، فليس بمؤمن باللّه واليوم الآخر، ولذلك لابدّ من تفسير الوتر بصلاة العشاء وتسميته وتراً، لأجل أنّها الصلاة الخامسة.
قلت: إنّ هذه التعابير واردة في المكروهات والمستحبات لبيان شدة الكراهة أو الاستحباب، قال الصادق (عليه السلام): «لا يحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تدع ذلك (عانتها) فوق عشرين يوماً».(39)
وورد أنّ من سافر وحده فهو شرّ الناس.(40)
و ورد اللعن على من أكل زاده وحده، والنائم في بيته وحده، والراكب في الفلاة وحده.(41) وأمّا تفسير الوتر بالعشاء فغير صحيح إذ لم يرد في حديث تسميتُها وتراً، ولكن سمى نافلة العشاء وتراً في غير واحد من الروايات.
3. يظهر من بعض الروايات أنّ الفرائض والنوافل كانت خمسين ركعة، فأضاف النبيُّ ركعة عليها ليكون عدد النوافل ضعف الفرائض:
ففي صحيح معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «كان في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام): ... أمّا الصلاة فالخمسون ركعة».(42)
و في صحيح الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «الفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدّ بركعة مكان الوتر».(43) ومعناه أنّه لا صلة لها بصلاة العشاء، غير أنّها تقع بعدها شُرِّعت لتدارك احتمال فوت الوتر.
و مثله خبر المفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت: أُصلي العشاء الآخرة، فإذا صليتُ، صليتُ ركعتين وأنا جالس فقال: «أما إنّها واحدة، لو متّ، متّ على وتر»(44).
وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: « ... نعم انّهما بركعة فمَن صلاّهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر، فإن لم يحدث به حدثُ الموت يصلّي الوتر في آخر الليل».(45)
إلى هنا تمّ دليل القائل بعدم السقوط، وفي مقابله ما يمكن الاستدلال به على السقوط كالتالي:
1. حذيفة بن منصور، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)أنّهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».(46)
2. روى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب ثلاث».(47)
3. روى أبو يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بُنيّ لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».(48) والتقييد بالنهار في سؤال الراوي لا في كلام الإمام.
يلاحظ على الأُولى والثالثة بأنّهما محمولتان على النوافل النهارية بقرينة صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن الصلاة تطوعاً في السفر؟ قال: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً».(49)
نعم يظهر من رواية أبي بصير كرواية ابن سنان المذكورة انّ السقوط يعم النهاريّة والليليّة: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلاّ المغرب، فإنّ بعدها أربع ركعات لا تدعهن في سفر ولا حضر، وليس عليك قضاء صلاة النهار وصلّ صلاة الليل واقضه».(50)فإنّ الاستثناء دليل على عموم قوله: «ليس قبلهما ولا بعدهما شيء».
ولكن لو تمّ العموم، يخصص بالوتيرة وأمّا على القول بأنّها تقديم للوتر الوارد في صلاة الليل فيكون تخصصاً.
و منه يظهر الجواب عن التعليل الوارد في قوله: «لو صلحت النافلة تمت الفريضة» فان الظاهر ان الوتيرة خرجت عن تحت المنع تخصصاً لأنّها شرعت لتدارك احتمال فوت الوتر، نعم بما أنّ التعليل، تعليل بأمر ارتكازي يشكل القول بخروجها تخصيصاً ، وبما أنّ المسألة لا تخلو عن شوب إشكال فالأولى الإتيان به برجاء المطلوبية.
4. عدم سقوط نافلة المغرب والصبح وصلاة الليل
اتّفقت كلمتهم على عدم سقوط نافلة المغرب والفجر وصلاة الليل.
أمّا الأوّل فقد تضافرت الروايات على عدم سقوطها، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «أربع ركعات بعد المغرب لا تدعهن في حضر ولا سفر».(51) وأمّا الأخيران فعن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا (عليه السلام)أنّه كان في السفر يصلّي فرائضه ركعتين ركعتين ـ إلى أن قال ـ : ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر من سفر ولا حضر. (52) وأمّا النوافل غير الرواتب فيجوز، لإطلاق أدلّتها.
5. جواز الإتيان بالنافلة إذا خرج بعد الزوال
قد عرفت تضافر الروايات على سقوط نافلتي الظهر والعصر في السفر، غير أنّه ورد الاستثناء في موردين أشار إليهما السيد الطباطبائي في المسألة الأُولى والثانية،(53) وإليك البيان، قال السيد:
إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر، ثمّ سافر قبل الإتيان بالظهرين يجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً وإن كان يصلّيهما قصراً، وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها.
و يدلّ على ما ذكره موثقة عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سُئل عن الرجل إذا زالت الشمس، وهو في منزله ثمّ يخرج في السفر، فقال: «يبدأ بالزوال فيصلّيها ثمّ يصلي الأُولى بتقصير ركعتين، لأنّه خرج من منزله قبل أن تحضر الأُولى» وسُئل: فإن خرج بعدما حضرت الأُولى، قال: «يصلّي الأُولى أربع ركعات، ثمّ يصلّي بعدُ النوافلَ ثماني ركعات، لأنّه خرج من منزله بعدما حضرت الأُولى، فإذا حضرت العصر، صلّى العصر بتقصير وهي ركعتان، لأنّه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر». (54)
والسند نقيّ قابل للاحتجاج، والدلالة واضحة، إنّما الكلام في تطبيق المضمون على القواعد المعتبرة وآراء الأصحاب ففيها:
أوّلاً: أنّه قد جمع في الإجابة عن السؤال الأوّل بين الإتيان بالنوافل في السفر، والإتيان بالفريضة قصراً وعلّل بأنّه خرج من المنزل وقد دخل وقت النوافل، ولم يدخل وقت الفريضة بمعنى أنّه إذا زالت الشمس يدخل وقت النوافل دون الفريضة وإنّما يدخل وقتها بعد مضي شيء كالقدم والذراع.
وهو مخالف لما تضافر من الروايات من أنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّ أنّ هذه قبل هذه.(55)
وثانياً: فقد حكم في الإجابة عن السؤال الثاني بأنّه إذا خرج بعدما حضرت الأُولى (وقت صلاة الظهر) يصلّي الظهر في السفر أربع ركعات، ومعناه أنّ المناط في التقصير والإتمام هو وقت الوجوب، لا وقت الأداء وهو خلاف المشهور بين الأصحاب.
وثالثاً: لم يعلم وجه تقديم الفريضة الرباعية في السفر، على نوافلها حيث قال: «ثمّ يصلي بعد النوافل ثماني ركعات»، مع أنّها متأخّرة في الحضر والمفروض أنّ الإتيان بها رباعية لأجل أنّه دخل وقتها وهو في الحضر، فيلزم أن يعامل معها مثل الحضر، ومن المعلوم أنّ نوافل الظهر متقدّمة على الفريضة في الحضر من غير فرق بين قراءة «بعد» في الحديث مضموماً غير مضاف أو منصوباً مضافاً فتأمل.
و رابعاً: أنّ مفاد الموثقة أضيق ممّا جاء في العروة لأنّه يخص الإتيان بنوافل الظهر بما إذا لم يدخل وقت الظهر وهو قبل بلوغ الظل إلى قدر القدم أو الذراع مع أنّ كلامه مطلق، يعم كلّ من خرج عن البلدة بعد الزوال وإن دخل وقت صلاة الظهر وزاد الظل عن القدم أو الذراع.
6. التنفّل في السفر إذا أخّر الفريضة
هذا هو المورد الثاني الذي استثني من سقوط النافلة في السفر وهو إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر ولكنّه ترك الإتيان بالظهر أو العصر حتى يدخل المنزل أو محلّ الإقامة فيأتي بها تماماً، فهل يجوز الإتيان بنوافلها حال السفر؟ هذا في نافلتي الظهرين، وأمّا نافلة العشاء فبأن يقال: إذا صلّى العشاء في الحضر(56) ثمّ سافر، فهل يجوز له الإتيان بالنافلة في السفر؟ فقد أفتى السيد بالجواز في الجميع اعتماداً على التعليل الوارد في رواية الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم جميعاً، عن أبي يحيى الحنّاط قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال: «يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمّت الفريضة».(57)
والسند لا غبار عليه إلاّ في آخره، أعني: أبا يحيى الحنّاط فقد ذكره النجاشي في باب الكنى برقم 1237 ولم يذكر فيه شيئاً من المدح والذم، وذكر سنده إلى كتابه عن طريق شيخه الحسين بن عبيـد اللّه الغضـائري المتوفّى عام 411 هـ ، والد ابن الغضائري، ويروي كتابه عنه الحسن بن محمد بن سماعة(58). وذكره الشيخ في الفهرست وذكر سنده إليه المنتهي إلى الحسن ابن محبوب عنه. ونقلت الرواية في التهذيب والاستبصار والفقيه عن الحسن بن محبوب، عن أبي يحيى، وعناية المشايخ بذكر السند إلى كتابه، ونقل الحسن بن محبوب وعلي بن الحكم عنه، يورث اطمئناناً بوثاقته خصوصاً إذا كثرت الرواية عنه، والمضمون غير بعيد عن كلمات المعصومين إنّما الكلام في دلالتها، والظاهر عدمها بوجهين:
1. أنّها تدل على أنّه لو صلحت النافلة، لتمّت الفريضة، لا العكس أي لا أنّه لو تمت الفريضة، لصلحت النافلة.
2. سلّمنا أنّها تدلّ على الملازمة بين تمامية الفريضة، وصلاحية النافلة، لكنّها فيما إذا تمت الفريضة في السفر، تكون ملازماً لصلاحية النافلة لا مطلقاً كما في المقام حيث إنّه تتم الفريضة في الحضر. فالأقوى عدم مشروعية النافلة في هذه الفروض.
7. حكم العالم والجاهل في الصوم
اتّفقت الإمامية على أنّ صيام شهر رمضان في السفر حرام، وانّ الإفطار عزيمة، وظاهر الآية يدل على أنّ واجبَ من شهد الشهر، هو الصيام، وواجبَ من لم يشهده، هو صيام أيّام أُخر من أوّل الأمر، ولو قيل بالقضاء، فلأجل وجود المقتضي للصيام في حقّ كلّ المكلّفين، وإلاّ فبالنظر إلى المانع فالواجب في حقّ غير الشاهد هو صيام العدّة، قال سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ
)(59).
وقال سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِديَةٌ طَعامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)(60).
فإن قلت: إنّ قوله سبحانه في آخر الآية: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)دليل على كون الإفطار رخصة.
قلت: إنّه راجع إلى مجموع ما جاء في الآية، فإنّه سبحانه ذكر قبل هذه الجملة أُموراً:
1. أنّ عناء الصيام قليل، لأنّه ليس إلاّ أيّاماً معدودات.
2. أنّ المكتوب في حقّ المريض والمسافر، هو الصيام في أيّام أُخر.
3. المفروض على الذين يطيقونه، فدية طعام مسكين.
4. ومن تطوّع بزيادة الطعام أو بكلّ خير، فهو خير له.
5. أنّ صيامكم خير لكم كما قال: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ)مشيراً، إلى أهمية الصيام وكونه الركن الثاني بعد الصلاة، وأنّه لا يصحّ لمسلم التخطّي عنه بالحجج الواهية.
فقوله: هذا (و أن تصوموا)خطاب للمخاطب الوارد في صدر الآية حيث قال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ولا صلة له بالمسافر، لأنّه غير شاهد، وأمّا المريض أو المطيق، فالرجوع إليهما باطل بالاتفاق، ولم يقل أحد أنّ صيام المريض، خير من إفطاره، أو صيام الشيخ والشيخة المطيقين خير من إفطارهما لأنّ المفروض أنَّ صومهما حرجي، والتكليف الحرجي مرفوع بقوله سبحانه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج)(61) .
وقد حضرت في مؤتمر فقهي لأهل السنّة حول أحكام السفر، فكان الحاضرون من الأحناف القائلين بصحّة الصوم في السفر وقد أوضحت مفاد الآية. فلم أسمع منهم شيئاً قابلاً للذكر إلاّ التمسك بذيل الآية: (وَ أَن تَصُوموا خَيْرٌ لَكُمْ)زاعمين أنّه راجع إلى خصوص المسافر، وهو كما ترى.
وعلى ذلك فصيام العالم بالحكم باطل بلا شكّ مضافاً إلى الروايات الواردة، إنّما الكلام في الجاهل بالحكم أوّلاً، والجاهل بالخصوصيات ثانياً، والجاهل بالموضوع ثالثاً.
أمّا الأوّل: فيصحّ لصحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال: « إن كان لم يبلغه انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء وقد أجزأ عنه الصوم».(62)
وصحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام في السفر فقال: «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه».(63)
وصحيح العيص بن القاسم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه».(64) ومثله صحيح ليث بن البختري المرادي.(65)
إنّما الكلام في الجاهل، وهو على أقسام:
1. جاهل بأصل الحكم، 2. جاهل بالخصوصيات، 3. جاهل بالموضوع.
قال في الجواهر: ولا يبعد إلحاق الصوم بالصلاة كما نصّ عليه في الدروس... إلى أن قال: ويؤيده في الجملة تلازم القصر والإفطار والصيام والتمام وأنّهما سواء.(66)
و قال السيد الطباطبائي: حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة فيبطل مع العلم والعمد ويصحّ مع الجهل بأصل الحكم، دون الجهل بالخصوصيات ودون الجهل بالموضوع.(67)
أقول: كان عليه أن يستثني صورة النسيان، لأنّ مقتضى قوله: «حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة» أن يكون الناسي في باب الصوم مثل الناسي في مورد الصلاة، مع اختصاص دليل الناسي بباب الصلاة.
وعلى كلّ تقدير فمن قائل باختصاص الأجزاء بالجهل بأصل الحكم، إلى قائل آخر بشمول الحكم لعامة صور الجهل حتى الخصوصيات، والموضوع ذهب إليه السيد الخوئي وبعض آخر.
وأمّا الروايات فعلى أقسام ثلاثة:
1. ما يدلّ على عدم الإجزاء كصحيح معاوية بن عمّار قال: سمعته (عليه السلام)يقول: «إذا صام الرجل رمضان في السفر لم يجزه وعليه الإعادة». (68)
ونظيره صحيح الفضل، عن الرضا (عليه السلام).(69)
2. ما يفصِّل بين بلوغ نهي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وعدم بلوغه، ففي صحيح الحلبي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام في السفر؟ فقال: «إن كان بلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فعليه القضاء، وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه».(70)
وفي صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه البصري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر؟ فقال: « إن كان لم يبلغه أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن ذلك فليس عليه القضاء، وقد أجزأ عنه الصوم».(71)
3. ما يفصِّل بين الجهالة وعدمها، ففي صحيح العيص بن القاسم(72)وأبي بصير ليث بن البختري المرادي: «و إن صامه بجهالة لم يقضه».(73)
لا شكّ أنّ الصنف الأوّل يخصّص أو يقيّد بما في الصنفين الأخيرين، إنّما الكلام في عموميتهما لعامة صور الجهل:
قال السيد الحكيم(قدس سره)ما هذا حاصله: أنّ الصنف الثالث وإن كان يعمّ جميعَ صور الجهل، لكنّه مخصص بالصنف الثاني الذي هوأخصّ منه، ويدل على المعذورية في صورة الجهل بالحكم فيقدم للأخصية، ولو سلم التساوي وعدم الترجيح في الظهور، فالمرجع إطلاق ما دلّ على بطلان الصوم في السفر.(74)
أقول: الظاهر أنّ المراد من الجهالة ليس مطلق الجهل بل بحسب ما ذكره الراغب في مفرداته بأن الجهل هو فعل الشيء بخلاف ما حقّه أن يفعل. (75) واستشهد لقوله: (أَنْ تُصيبُوا قَوماً بِجَهالَة) ، ويدل عليه قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَة)(76)، وقوله سبحانه: (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سوءاً
بِجَهالة) (77)، وقوله تعالى: (لِلّذِينَ عَمِلُوا السوءَ بِجَهالة) (78) فلا يصدق إلاّ على ما إذا كان هناك تقصير فيخرج منه الجهل بالموضوع والجهل بالخصوصيات إذا كان المورد ممّا لا يبتلى به المكلّف غالباً، وعليه فيتّحد مفاد الصنفين من دون أن يكون بينهما تناف حتى يخصص أحدهما بالآخر.
إنّ هنا نكتة مهمة وهي كما أنّ للآيات شأن نزول، فهكذا للأحاديث المروية أسبابَ صدور، لو رجع الفقيه إليها لزال الإبهام، فهذه الروايات مشيرة إلى ما ورد في الباب الأوّل من أبواب ما يصحّ منه الصوم متضافراً ونقتصر بذكر واحدة ; روى العيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر، وقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم(79) دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر، ثمّ أفطر الناس معه، وتم أُناس على صومهم فسماهم العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه».(80)
فالمراد من نهي رسول اللّه هو هذا النهي الوارد في سفره إلى فتح مكة فأفطر في «كراع الغميم» فأفطر أكثر الصحابة وصام قليل منهم وسمّاهم رسول اللّه عصاة، فإذا كان المراد منه هذا النهي، فلا شكّ أنّه مشير إلى الجهل بأصل الحكم، روى زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قوله عزّوجلّ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) قال: «ما أبينها من شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه».(81) فالروايات الأربعة من غير فرق بين قوله: إن كان بلغه أنّ رسول اللّه نهى عن ذلك، وقوله: «وإن صام بجهالة» كلها مشيرة إلى هذا النهي الوارد في الواقعة الخاصة، وتعم كلّ واقعة مثلها كالعلم بأصل الحكم لا إلى غير مثلها كالجهل بالخصوصيات أو الجهل بالموضوع، إذ لم يرد نهي عن النبي في ذينك الموردين حتى يتعلق به العلم والجهل.
و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي، فقال في كلام مسهب حاصله: أنّ نهي النبي عن الصوم في السفر انحلالي ـ كما في سائر النواهي ـ ينحل إلى نواهي عديدة بعدد أفراد الصيام الواقعة في الأسفار فلكل، نهي يخصّه مغاير لغيره، ومن المعلوم أنّ هذا الفرد الشخصي الصادر من الجاهل بالخصوصية لم يبلغ نهيُه، فيكون محكوماً بعدم وجوب القضاء بمقتضى صحيح الحلبي وغيره.
ومع التنزل والشكّ في أنّ مرجع الشكّ هل هو الطبيعي أو الصنف الخاص، فغايته إجمال صحيحي عبد الرحمن والحلبي، ويرجع إلى إطلاق صحيح العيص الدال على نفي القضاء عن مطلق الجاهل من غير معارض.(82)
يلاحظ عليه: ما عرفت من أنّ روايات الباب، ناظرة إلى النهي الصادر عن النبي في فتح مكة، ولم يكن النهي فيها إلاّ نهياً في واقعة خاصة غاية الأمر يعم الحكم كلّ واقعة مثلها، لا غيرها، وأمّا ما أفاده أخيراً من أنّ المرجع إطلاق صحيح العيص الدالّ على نفي القضاء عن مطلق الجاهل، فقد عرفت من أنّ لفظ الجهالة، غير لفظ الجهل; وأنّ الأوّل يستعمل في المورد الذي من حقّه أن لا يفعل وهو يلازم العمل الصادر عن تقصير وغرور فلا يعم الجهل بالموضوع ، ولا الجهل بالخصوصيات التي ليس من شأن المكلّف أن يتعلمها قبل الابتلاء.
ثمّ إنّ له(قدس سره)بياناً آخر لشمول الحكم للجهل بالموضوع، وهو لا يخلو من تأمّل وإشكال نتركه للقارئ الكريم.
8 . إذا لم يصلّ الجاهل بالحكم ثمّ علم
إذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت، ثمّ علم بوجوب القصر على المسافر، فهل يقضيه قصراً أو يقضيه تماماً؟
ومثله ما إذا لم يصلّ ناسي الحكم أو الموضوع ثمّ خرج الوقت فهل يقضيه قصراً أو تماماً؟
لا شكّ أنّ مقتضى قاعدة: «اقض ما فات كما فات» هو القضاء قصراً، وإنّما احتمل خلافه لأجل أنّه لو صلّى تماماً، لكان صحيحاً فيحتمل أن يكون الواجب في حقّه هو التمام فتقضى تماماً.
و الظاهر هوالقضاء قصراً لما عرفت من أنّ الواجب في حقّ المكلّفين قاطبة هو القصر، وأنّ الشارع تقبل التمام مكان القصر، لمصلحة يراها من دون انقلاب التكليف الواقعي في حقّه إلى التمام، لعدم دلالة الأدلّة الماضية خصوصاً رواية الفاضلين عليه، وعلى ذلك فيختص التقبّل بظرف الجهل فإذا علم بواجبه يرتفع العذر، فيجب عليه القضاء حسب ما فات.
وبعبارة أُخرى: القضاء في الحقيقة توسعة في وقت الفعل بدليل غير دليل الأداء، فهو في الحقيقة كمن علم في الوقت قبل أن يُصلّي، وقوله (عليه السلام): «كما فاتته» يراد منه كيفيات الفعل الّتي قررها الشارع له في الواقع لا بحسب زعم المكلّف.(83)
نعم لو بقى على جهله وقضاها تماماً خارج الوقت، لكان للقول بالصحّة وجه، لإطلاق رواية الفاضلين وغيرهما وأنّ الجهل مادام موجوداً فهو عذر في حقّه.
ومنه يعلم حكم الناسي فلو ارتفع النسيان قبل القضاء فيقضي قصراً، وإلاّ فيكفي قضاؤها تماماً جرياً على النسيان.
9. إذا تذكّر الناسي في أثناء الصلاة
قد ذكر السيد الطباطبائي في هذه المسألة فروعاً لا بأس بالإشارة إليها ثمّ بيان حكمها:
1. إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة وكان التذكر قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، أتم الصلاة قصراً.
2. إذا تذكّر بعد الدخول بطلتْ ووجبت عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة.
3. إذا تذكّر بعد الصلاة تماماً وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فتجب إعادتها قصراً.
4. إذا شرع الجاهل بالموضوع أو بالخصوصية بنيّة التمام، ثمّ علم بذلك في الأثناء أنّ حكمه القصر، فحكمه في جميع الصور حكم الناسي.
5. من كانت وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً ـ كما هو الحال في المقيم الجاهل ـ ثمّ تذكّر في الأثناء، يعدل إلى التمام ولا يضرّه أنّه نوى من الأوّل ركعتين مع أنّ الواجب عليه أربع ركعات، لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق لا التقييد.
هذه هي الفروع المذكورة في هذه المسألة ولنأخذ كلّ واحد بالبحث.
أمّا الأوّل: أي تذكّر قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة، أي في مورد يمكن العود إلى القصر لعدم فوت محلّ العدول، فوجوب إتمامها قصراً بهدم القيام، يتوقف على ثبوت أمرين:
أ. انّ عنوان التمامية والقصرية ليس من العناوين القصدية، فلو نوى التمام مكان القصر فلا يضرّ تخلف قصد العنوان، وذلك لعدم الدليل على ذلك وإنّما الواجب نيّة فرض الوقت من الصلاة، وقد صرح به الشيخ في الخلاف وقال: القصر لا يحتاج إلى نيّة القصر، بل تكفي نيّة فرض الوقت. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجوز القصر إلاّ بثلاثة شروط: أن يكون سفراً تقصّر فيه الصلاة، وأن ينوي القصر مع الإحرام، وأن تكون الصلاة أداء لا قضاء، فإن لم ينو القصر مع الإحرام لم يجز له القصر. قال المزني: إن نوى القصرَ قبل السلام جاز له القصر. دليلنا: انّه قد ثبت بما دللنا عليه أنّ فرضه التقصير، وإذا ثبت ذلك لم يحتج إلى نيّة القصر، ويكفي أن ينوي فرض الوقت، فإن فرض الوقت لا يكون إلاّ مقصوراً، وأيضاً: الأصل براءة الذمّة فمن أوجب عليها هذه النية فعليه الدلالة.(84)
و كفانا الشيخ في إقامة الدليل على عدم وجوب نيّة القصر، وحاصله: أنّ واجبه هو مصداق القصر وواقعه لا عنوانه، ويكفي في قصد الواقع، قصد فرض الوقت فهو عنوان مشير إلى القصر بالحمل الشائع.
ب. مشكلة قصد الأمر المخالف: إذ هو قصد الأمر المتعلّق بالتمام ولم يقصد الأمر المتعلّق بالقصر، فما قصد لم يكن واجباً وما وجب لم يقصده.
وحلّها بما عرفت، من أنّ هنا أمراً واحداً متعلّقاً بصلاة الظهر مثلاً، وإنّما الاختلاف في المصداق كاختلاف الصحيح والمريض فيه، فالمكلّف حاضراً كان أو مسافراً، صحيحاً كان أم مريضاً يقصد الأمر الواحد المتعلّق بفرض الوقت من الظهر والعصر، وإنّما الاختلاف في المصداق المحقِّق لها، فالواجب على الحاضر، الإتيان بها في ضمن الفرد التام، والواجب على المسافر الإتيان بها في ضمن الفرد المقصور. نعم الأمر الثاني أمر إرشادي لا مولوي، لبيان الفرد المطلوب من المكلّف في هذه الحالة، وعلى ذلك فالأمر المقصود لكلّ من الصنفين أمر واحد، غير أنّ الاختلاف في المصداق والمحقّق للطبيعة وقد عُيّن المصداق بأمر إرشاديّ، فقد فرض على الحاضر امتثال الأمر المتعلّق بفرض الوقت في ضمن الفرد التام، كما فرض على المسافر امتثال نفس ذلك الأمر في ضمن الفرد المقصور.
وبذلك يظهر مقصود السيد الطباطبائي من قوله: «إنّه لا يضر كونه ناوياً من الأوّل التمام، لأنّه من باب الداعي والاشتباه في المصداق لا التقييد، فيكفي قصد الصلاة والقربة بها».
وحاصله: أوّلاً: أنّ نيّة القصر ليست بواجبة، فلا تكون نيّة التمامُ مُخلّة.
وثانياً: أنّ نيّة التمام عنوان مشير إلى قصد الأمر المتعلّق بفرض الوقت وداع إلى التوجه إليه. بتصور أنّه يجب امتثاله في ضمن الفرد التام مع كونه تصوراً خاطئاً.
وثالثاً: أنّ نية التمام ليس تقييداً في مقام الامتثال بأن ينوي أنّه إنّما يمتثل الأمر المتعلّق بفرض الوقت، إذا أمكن امتثاله في ضمن الفرد التمام، وإلاّ فليس قاصداً لامتثاله.
ثمّ إنّ للسيد المحقّق الحكيم ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ عبارة لا تخلو من تأمّل قال: إنّ الحاضر والمسافر يأتيان بفعل واحد ممتثلين أمراً واحداً، غير أنّ الحاضر يقصد امتثال ذلك الأمر في ضمن امتثاله للأمر المنبسط على الركعات الأربع، والمسافر يقصد(85) الأمر المتعلق بالركعتين مستقلاً بلا ضمّ امتثال الآخر إليه، بل يقصد امتثال الأمر بهما بقيد عدم زيادة عليهما.(86)
ولا يخفى ما فيه مضافاً ـ إلى الغموض في التعبير ـ أنّ الأمر الثاني، ليس أمراً مولوياً بل إرشادي، أي أنّ فرد الطبيعة المطلوب منه في هذه الحالة هو ذاك الفرد، دون الفرد الآخر فليس للأمر الثاني امتثال، حتى يكون له امتثال في ضمن امتثال الأمر الأوّل كما هو ظاهر كلامه.
أمّا الثاني: إذا تذكّر بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، فقد قال السيد الحكيم : «بطلت صلاته ووجبت عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة». و ذلك لأنّه تذكر والوقت باق ولو بعناية إذا تذكّر وقد بقي من الوقت ركعة فيدخل تحت قوله: «مَن أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت جميعاً». وهذا النص وإن لم يرد في موسوعاتنا الروائية لكن نقله المحقّق في المعتبر (87)، ويؤيّده سائر روايات الباب من أدرك ركعة من الصلاة، أو من العصر....(88)
إنّما الكلام إذا تذكّر وقد ضاق الوقت فهل يتمّه اتماماً ويجتزئ به أو يُحْكَم ببطلانها ويقضيها؟ وجهان من أنّ قوله: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد»(89) كناية عن إمكان الإتيان بها في الوقت والمفروض عدمه فيدخل في الشّق الثاني: «و إن لم يذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا إعادة عليه» ومن أنّ
ما دلّ على الصحّة مختص بما لو ذكر وفرغ من الصلاة المفروض أنّه بعدُ فيها.
والأقوى هو الثاني لما ذكر في الوجه الثاني من أنّ مورد الرواية فيما لو تذكّر وقد فرغ من الصلاة، فتكون الزيادة سهوية مغتفرة، وأمّا المقام فقد تذكر وهو في ركوع الركعة الرابعة(90) فإنّ إتمامها يُعدّ. زيادة عمدية ولا دليل على كونها مغتفرة فلا محيص عن القول بالبطلان والقضاء.
وأمّا الثالث: أي إذا تذكر بعد الصلاة تماماً وقد بقى من الوقت ركعة فيجب إعادتها قصراً، لدخول المورد في الشقّ الأوّل من رواية أبي بصير: «إن ذكر في ذلك اليوم فليعد» بناء على أنّ اليوم كناية عن بقاء الوقت كما في الظهرين.
وأمّا الرابع: أي إذا شرع الجاهل بالموضوع أو بالخصوصية بنيّة التمام ثمّ علم بذلك أنّ حكمه القصر، فحكمه في جميع الصور حكم الناسي، وذلك لأنّ الجاهل يفترق عن الناسي في نفس الوقت إذا أتم، فلا يعيد الجاهل بخلاف الناسي، وأمّا إذا صار عالماً في الأثناء فهو مثل ما إذا تذكر فيه الناسي، فتجري فيه الصور المذكورة مع ما فيها من النقض والإبرام.
وأمّا الخامس: أي من كانت وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً كما هو الحال في المقيم الجاهل ثمّ تذكر في الأثناء فهو يعدل إلى التمام في جميع الحالات، ويشترك الفرع مع الفرع الأوّل في الإشكال والدفاع، لما عرفت من أنّ التمام والقصر ليسا من العناوين القصدية ولا تضره نيّة القصر مع كون المفروض عليه واقع التمام، إلى آخر ما ذكرناه.
10. لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد
ذكر السيد الطباطبائي صورتين للمسألة:
1. لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد (مع العلم بالحكم والموضوع) .
2. لو كان جاهلاً بأنّ وظيفته القصر فنوى التمام لكنّه قصّر سهواً.
ولكن الظاهر من الشيخ والمحقّق أنّ محلّ البحث هو الصورة الثانية .
قال الأوّل: إذا قصّـر المسافر مع الجهل بجواز التقصير بطلت صلاته، لأنّه صلّى صلاة يعتقد أنّها باطلة.(91)
وقال المحقّق: ولو قصّر المسافر إتّفاقاً لم تصح، وحمله في الجواهر(92) على صورة الجهل حيث استدلّ للبطلان بما استدل به الشيخ، كما سيوافيك.
وذكرالسيّد العاملي صوراً ثلاث للمسألة.(93)
وذكر نظيرها السيد المحقّق الخوئي في مستنده(94)، وإليك بيانها:
1. إذا شرع في الصلاة ولم يكن ملتفتاً إلى شيء من التمام والقصر، كما لو اقتدى المسافر بإمام في ركعته الثالثة وسلّم بتبعته في الرابعة والتفت بعد السلام.
2. إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام وقد نسي الموضوع أو حكم صلاة المسافر فسلّم على الركعتين اتّفاقاً.
3. إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام جهلاً بالموضوع أو بالحكم ولكنّه قصّر سهواً.
ولندرس حكم صورة الجهل ويعلم منها حكم الصورتين الأُولتين، إذ لو صحّت الصلاة في صورة الجهل، تكون الصحّة فيهما أولى، ولأجل ذلك جعل السيد الطباطبائي الاحتياط في صورة الجهل آكد من غيرها.
نقول: قد تقدم أنّ الأمر المتعلّق بفريضة الوقت، واحد في حقّ الحاضر والمسافر، والكلّ مخاطبون بقوله سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْل) (95)، وإنّما الاختلاف في الأمر الإرشادي إلى إيجاد الكلي في ضمن فرد خاص ويشير إلى وحدة الأمر قوله سبحانه: (أَنْ تقصروا من الصلاة)(96)، فكأنَّ صلاة المسافر نفس صلاة الحاضر إلاّ أنّها مقصورة ومقطوعة من الآخر. فإذا كان كذلك فقصد التقرب حاصل، بلا كلام، ونيّة التمام ليست مخلّة، إذ ليست هي والقصر من العناوين القصدية حتى يُخِلَّ قصدُ الضد، وإنّما هي مشيرة إلى ما هو الواجب في وقت الفريضة، خاطئاً في التطبيق، مع القصد الجدي إلى إفراغ الذمة ممّا هو الواجب عليه بلا كلام، وقد مرّ توضيح كلّ ذلك.
نعم المشهور هو البطلان، وقد نقله في مفتاح الكرامة عن الشرائع والتحرير، والهلالية وغاية المراد وغيرها.(97) وبما أنّ المسألة ليست من الفقه المنصوص بل من الفقه المستنبط، فلا أثر لفتوى المشهور أبداً.
وقد استدلّ صاحب الجواهر على البطلان بوجوه أربعة:
1. أنّه صلّى صلاة يعتقد فسادها وأنّها غير المأمور به.
2. لم تكن الصلاة المقصورة، مقصودة بحال.
3. لم يقصد التقرب.
4. انّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد.(98)
والجميع منظور فيه:
أمّا الأوّل: أي قوله: «صلّى صلاة يعتقد فسادها وأنّها غير المأمور به»، فإنّما يضر إذا صلّى مع هذا الاعتقاد والمفروض أنّه قصّر غافلاً عن هذه العقيدة، فلا تكون مخلّة.
أمّا الثاني: فيلاحظ عليه بما مرّ من وحدة الأمر فهو قصد الأمر المتعلّق بفريضة الوقت وهو كاف في حصول القربة.
و به تظهر الإجابة عن الثالث من أنّه لم يقصد التقرب.
وأمّا ما أفاده من أنّ ما قصده لم يقع وما وقع لم يقصد، فإن أراد به عنوان التمامية فهو حقّ، وقد عرفت أنّه ليس من العناوين القصدية، وإن أراد الأمر المتعلّق بفريضة الوقت فقد قصده ووقع.
وبما ذكرنا يظهر وجه قول السيد الطباطبائي من أنّ الاحتياط بالإعادة في صورة الجهل آكد وأشدّ، من الصورة الأُولى أي ما قصّر اتّفاقاً لا عن قصد.
وذلك لأنّه في صورة الجهل قصد الخصوصية (التمامية) المغايرة لما هو الواقع بخلاف الأُولى فقد قصد نفس الأمر بلا خصوصية. نعم تشترك صورة النسيان مع صورة الجهل، في نيّة الخصوصية المغايرة.
و يحتمل أن يكون وجه الآكدية احتمال انقلاب الواجب في حقّ الجاهل إلى التمام، مع أنّه أتى بخلافه وقد عرفت ضعفه، وأنّ الثابت إجزاء التمام عن الواجب، لا انقلابه إليه.

26 . البقرة: 196.
27 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 1.
28 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها، الحديث 7.
29 . الوسائل: ج 3، الباب 25 من أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، الحديث 6. ولاحظ بقية روايات الباب.
30 . النهاية: 125، صلاة المسافر.
31 . النهاية: 51.
32 . السرائر: 1/ 344.
33 . الحدائق: 6/ 46.
34 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3.
35 . الوسائل: ج 19، خاتمة الكتاب في ذكر طرق الصدوق ، رقم 251.
36 . تنقيح المقال:2/ 308.
37 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1 .
38 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 8. ولاحظ الحديث 2، 4 .
39 . الوسائل: ج 1، الباب 86 من آداب الحمام، الحديث 1.
40 . الوسائل: ج 8 ، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 4.
41 . الوسائل: ج 8 ، الباب 30 من آداب السفر، الحديث 7.
42 . الوسائل: ج 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 1.
43 . الوسائل: ج 3، الباب 13 من أبواب اعداد الفرائض، الحديث 2.
44 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.
45 . الوسائل: ج 3، الباب 29 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.
46 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 2 .
47 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 3 .
48 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.
49 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
50 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 7.
51 . الوسائل: ج 3، الباب 24 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
52 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 8.
53 . العروة الوثقى: 3 / 508، أحكام صلاة المسافر، المسألة 1 و 2 .
54 . الوسائل: ج 3، الباب 23 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.
55 . الوسائل: ج 3، الباب 4 من أبواب المواقيت.
56 . اختلافهما في التصوير لأجل تقدّم نافلتي الظهرين عليهما وتأخّر نافلة العشاء عنه، فلذلك اختلف تصويرهما.
57 . الوسائل: ج 3، الباب 21 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 4.
58 . رجال النجاشي: برقم 1237.
59 . البقرة: 185.
60 . البقرة: 184.
61 . الحج: 78.
62 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.
63 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3.
64 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
65 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.
66 . الجواهر:14/ 345.
67 . العروة الوثقى: 3 / 511، أحكام صلاة المسافر، المسألة 4 .
68 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 .
69 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4 .
70 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 3 .
71 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2 .
72 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5 .
73 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6.
74 . المستمسك:8/ 166.
75 . المفردات: 120، مادة «جهل».
76 . النساء: 7.
77 . الأنعام: 54.
78 . النحل: 119.
79 . موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال. معجم البلدان: 4/ 443.
80 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.
81 . الوسائل: ج 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 8 ، ولاحظ روايات الباب.
82 . مستند العروة:8/ 375.
83 . الجواهر :14/352، وجه التأمل احتمال كون الفريضة عليه في نفس الأمر هوالتمام فلا وجه لقوله: «بحسب زعم المكلف».
84 . الخلاف: 1 / 579، كتاب الصلاة، المسألة 335.
85 . لعلّ الصحيح لا يقصد.
86 . المستمسك:8/ 169.
87 . المعتبر: 2 / 47 : قال في منَ أدرك ركعة من آخر الوقت أنّه مؤد لا قاض لقوله (عليه السلام): «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت».
88 . الوسائل: ج 3، الباب 30 من أبواب المواقيت.
89 . الوسائل: ج 5، الباب 17 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
90 . لأنّ المفروض عدم بقاء الوقت و لو بإدراك ركعة فلابدّ من تغيير الفرض إلى ما ورد في العروة الوثقى.
91 . المبسوط: 1/ 139.
92 . الجواهر:14/ 350.
93 . مفتاح الكرامة: 3/ 604.
94 . مستند العروة: 8/ 388.
95 . الإسراء: 78.
96 . النساء: 101.
97 . مفتاح الكرامة:3/ 604.
98 . الجواهر:14/ 350.

Website Security Test