welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
في صفات القاضي
في صفات القاضي

إنّ المحاور الأصليّة في القضاء ثلاثة وهي: الأوّل: صفات القاضي. الثاني: في آداب القاضي. الثالث: فيكيفية الحكم .
وسنخصّص البحث هنا عن صفات القاضي و مؤهّلاته لذلك الأمر الخطير ، فنقول: ذكر الفقهاء هنا صفات نذكرها بعد بيان النكتة التالية:
القضاء من الأُمور الخطيرة المهمّة التي يطلب لنفسه شروطاً تعطي للإنسان صلاحية القيام بها والقضاء من أخطرها و أهمها، وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أُموراً بعنوان صفات القاضي وهي بين ما هو بيّن الثبوت لايشكّ في لزومها اثنان، وما ليس كذلك بل يحتاج القول بالاشتراط وعدمه إلى دراسة علميّة.والصفات المذكورة في كلام المحقق وغيره عبارة عن الأُمور التالية:
1ـ البلوغ، 2ـ كمال العقل، 3ـ الإسلام، 4ـ الإيمان، 5ـ العدالة،6ـ طهارة المولد، 7ـ الذكورة، 8 ـ الاجتهاد 9 ـ الضبط، 10ـ الكتابة، 11ـ البصر، 12ـ النطق ، 13 ـ السمع 14ـ الحريّة . وأضاف المحقّق بعد اشتراط العدالة:الأمانةَ والمحافظةَ على الواجبات.ولكنّهما مستدركان باعتبار دخولهما في العدالة إلاّ أن يكون التخصيص بالذكر لأجل العناية ببعض المصاديق ولنأخذ بالبحث واحداً بعد الآخر:
الشرط الأوّل والثاني: البلوغ وكمال العقل
البلوغ وكمال العقل من الشروط القطعية التي لم يختلف فيهما اثنان لا من العقلاء ولامن الفقهاء وطبيعة الموضوع تقتضي شرطيتهما، فلم يـُـرَ صبيّ ولاسفيه على منصّة القضاء، وكيف يمكن للصبي أن يدير دفّة القضاء مع أنّه رفع عنه القلم(1113) وعمده وخطؤه سيّان(1114)؟! أضف اليه أنه هو مولّى عليه، فكيف يكون وليّاً للمتحاكمين؟! على أنّ شرطية العدالة تلازم اشتراطهما، لأنّ العدالة أو الفسق فرع التكليف، وأمّا قوله سبحانه:(وآتَيناهُ الحكم صبيّاً)(1115) حيث نصب يحيى على القضاء والحكم وهو صبيّ، فإنّما هو من باب الكرامة على سبيل خرق العادة فلايقاس عليه ولاعلى أئمّة أهل البيت ، آحاد الناس.وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لايقاس بآل محمّد من هذه الأُمّة أحد».(1116)
غير أنّ المحقق عبّـر عن الشرط الثاني بكمال العقل والظاهر أنّ مراده هو أن لايكون سفيهاً بحيث يقال إنّه ناقص العقل، وأمّا الذكاء والتوقد الفكري، أو الفطنة فلايطلبه أصل القضاء.
غير أنّ هنا نكتة نلفت نظر القاضي إليها وهو أنّ الموضوع إذا كان ملتوياً ومعقداً، بحيث لايطمئنّ القاضي بتمحيصه وتشخيصه، يلزم عليه أن لايمارسه، بل يستعين فيه بالخبراء الذين لهم ذكاء خاص في حلّ الأُمور المعقّدة والمعضلات من المسائل القضائية، لأجل الممارسة الممتدّة.
و ذلك لأنّ المسائل القضائية مع اشتراك الجميع في جهة، تختلف في البساطة والتعقيد ، وليس كل موضوع منهلاً لكل وارد وشارد، وعليه في الأُمور المعقدة، التي تطلب لنفسها مهارة وذكاء وتوقداً خاصاً يجب أن لايمارسها القاضي إلاّ بعد توفّر الشروط التي تطلب لنفسها إمّا بجعلها شورى بين القضاة، أو الاستعانة بمن توفرت فيه الشروط كما لايخفى.
الشرط الثالث: الإسلام
لم يشكّ في اعتبار الإسلام أو مانعية الكفر اثنان، ولم يُـرَ في تاريخ القضاء كافر يشغل منصَّة القضاء قال المحقّق :لأنّه ليس أهلاً للأمانة ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:
1ـ القضاء منصب يستتبع ولاية، والعصمة بين المسلم والكافر مقطوعة فكيف يكون وليّاً للمسلم، وهو سبحانه ينهى عن اتّخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ومن يتولهم فهو منهم(1117) ؟! أفيصح ـ بعد ذلك ـ أن يُضفِيَ لهم ولاية في مقام القضاء؟!
2ـ إنّه سبحانه ينهى عن التحاكم إلى الطاغوت، ويأمر بالكفر به، ويقول:(أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يَزْعُمُونَ انّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و ما أُنْزل مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَى الطاغُوتِ وَ قَدْ أُمرُوُا أنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُريدُ الشيطانَ أن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعيداً)(1118). والتحاكم لدى الكافر من مصاديق التحاكم إلى الطاغوت، روى المفسرون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي:أُحاكم إلى محمّد لأنّه عَلِم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم، فقال المنافق:لا ! ، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف (اليهودي) لأنّه عَلِم أنّه يأخذ الرشوة فنزلت الآية.(1119)
3ـ إنّه من قبيل السبيل للكافر على المسلم حيث إنّ القضاء لا ينفكّ غالباً عن الجلب وإصدار القرار والحبس، والقضاء في مورد الجزاء، لاينفك عن الإعدام وإجراء الحدّ والتعزير، وقد قال سبحانه: (وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلكافِرينَ عَلَى المُؤمِنينَ سَبيلاً)(1120). وما ربّما يقال: إنّه من قبيل إجراء الحكم الحقّ في حقّ المحكوم وليس بسبيل، مدفوع بأنّ مالكية الكافر للمسلم أيضاً تمسك بالحكم المشروع مع أنّه يعدّ سبيلاً، وللقاضي سيادة على المحكوم في أنظار الناس وهو لاينفك عن جعل السبيل.
4ـ إنّ اشتراط العدالة تلازم شرطية الإسلام وليس المراد منها المعنى النسبي أي العادل في دينه بل المعنى المطلق كما سيوافيك.
5ـ طبيعة الموضوع تقتضي الاشتراط، إذ كيف يمكن تسليط الكافر على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم مع أنّه ليس أهلاً للأمانة؟!
نعم الأنظمة الإلحاديّة غير معترفة بهذا الشرط حتى الإيمان بالله،و قائلة بأنّ حرمان طائفة من القضاء لأجل العقيدة مخالف للعدل الاجتماعي، ومشاركة الناس في الحقوق من دون تبعيض.
يلاحظ عليه: أنّه ليس تبعيضاً وإنّما هو أخذ لصالح القضاء والمتحاكمين فإنّ من لايؤمن بالقضاء الإسلامي ومصادر أحكامه، كيف يتحرّى الحقيقة في إجرائه؟! ولكن الجنس إلى الجنس يميل !! «وكلّ اناء بالّذي فيه ينضح». نعم نقل الشهيد الثاني جواز قضاء الكافر لأهل نحلته ووصفه بأنّه شاذ.(1121)
الشرط الرابع: الإيمان
إن ّ الايمان له استعمالات:
1ـ ربما يستعمل ويراد منه نفس ما يراد من الإسلام من غير فرق بينهما(فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمينَ)(1122). والمراد منهما الاعتقاد الجازم بالله ورسالة نبيّه وما جاء به.
2ـ ربما يطلق الإسلام ويراد منه التظاهر به من دون نفوذ إلى القلب، ويقابل الإيمان وهو التسليم النافذ من الظاهر إلى الباطن، وعلى ذلك قوله سبحانه:
(قالَتِ الأعرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ)(1123).
3ـ وربمايطلق ويراد منه الإيمان بالمعنى الخاص وهو كونه إمامياً، وهذا هو المراد هنا بعد اشتراط الإسلام ولنذكر شيئاًمن كلمات الفقهاء.
اشتراط الإيمان في كلمات الفقهاء
1ـ قال المفيد: ولا ينبغي لأحد أن يتعرّض له حتى يثق من نفسه بالقيام به، وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه...(1124) ولم يصرح باشتراط الإيمان.
2ـ قال الشيخ :وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لايتمكّنون فيه مِنْ تولّيه بنفوسهم، فمن تمكَّن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك وله بذلك الأجر والثواب.(1125)
3ـ قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما ولي، ولا يجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به. وقال الشافعي :ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد... ولاتجوز أن تكون المرأة قاضية في شيء من الأحكام....(1126) وليس فيه تصريح باشتراط الإيمان.
4ـ وقال في «المبسوط»: وأمّا من يحرم عليه أن يلي القضاء فأن يكون جاهلاً ثقة كان أو غير ثقة، أو يكون فاسقاًمن أهل العلم.(1127) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن التصريح.
5ـ قال ابن إدريس: فأمّا من تحرم عليه فأن كان جاهلاً، ثقة كان أو غير ثقة أو فاسقاً من أهل العلم.(1128) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن التصريح.
6ـ وقال المحقق: «ويشترط الإيمان والعدالة» غير أنّه أراد به الإسلام بشهادة قوله: فلا يعقد للكافر لأنّه ليس أهلاً للأمانة وكذا الفاسق.(1129)
7ـ وقال العلاّمة: ويشترط الإيمان والعدالة فلاينفذ قضاء الكافر والفاسق.(1130) ولأجل خلوّ عبارة القواعد عن هذا الشرط حاول السيّدالعاملي إدخال غيرالإمامي، تحت الفاسق تارة، والكافر أُخرى لاشتراكه معه في القضاء بأُصول لانعترف بها فلا يجوز نصبه للقضاء.
8 ـ وقال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً، بصيراً، كاملاً، كاتباً، عالماً بالقضاء ديّناً، وورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(1131) وليس فيه تصريح بهذا الشرط.
9ـ قال العلاّمة في الإرشاد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(1132)
10ـ ونسب التردد إلى المحقّق الأردبيلي ولم يظهر لي من كلامه. نعم جوّز قضاء العامي إذا اقتضت المصلحة نصبه.(1133)
11ـ وقال في «الجواهر»: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضائهم، بل هو من ضروريات مذهبنا.(1134)
12ـ وقال السيد الأُستاذ: يشترط في القاضي : البلوغ و العقل، والإيمان، والعدالة، والاجتهاد المطلق، و الذكورة وطهارة المولد، والأعلميّة ممن في البلد أو مايقربه على الأحوط.(1135)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأصل هو عدم نفوذ رأي أحد على أحد إلاّ الله سبحانه أو من عيّنه و أنفذ رأيه، والقدر المسلّم من هذا الاستثناء هو رأي النبي والوصيّ والفقيه الإمامي الجامع للشرائط حسب مقبولة عمر بن حنظلة(1136)، وأبي خديجة.(1137) وأمّا غيرهم سواء أكان شيعياً غير إمامي كالزيدي والإسماعيلي ، أم غير شيعيّ فليس هناك إطلاق يتمسّك به فعدم الدليل على نفوذ قضائه كاف في المقام ولانحتاج إلى الدليل على عدم الصحّة.
الاستدلال على عدم الاشتراط
ويمكن الاستدلال على عدم الاشتراط بنصب علي (عليه السلام) شريحاً على مقام القضاء أو إبقائه عليه، وطبع الحال يقتضي أنّه أبقى سائر القضاة المنصوبين قبله على مناصبهم حتّى أنّ الإمام ربّماكان يرفع الشكوى إليه. روى عبد الرحمن بن الحجّاج أنّ عليّاً كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال علي(عليه السلام): «هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة» فقال له عبد الله بن قفل:اجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحاً....(1138)
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالفعل إنّما يصح إذا علمت جهته إذ من المحتمل أنّ الإبقاء كان لضرورة اجتماعية دعت الإمام إلى إبقاء شريح مقامه، ولأجل ذلك أفهمه تلويحاً بأنّه ليس لائقاً لهذا المنصب وقال:«جلست مجلساً لايجلس فيه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ».(1139) وفي مورد آخر شرط عليه أن لاينفذ قضاءه حتى يعرضه عليه.(1140) و عندئذ لايبقى اطمئنان بأنّ وجه النصب هو صلاحيته في نفسه مع قطع النظر عن الضرورة الاجتماعية.
إكمال
لاشكّ في استفاضة الروايات في أنّه لايجوز الرجوع إلى غير فقهاء الشيعة، وهي مبثوثة في أبواب صفات القاضي لكن يقع الكلام فيما هو المانع وهو مردّد بين الأُمور التالية:
1ـ العقيدة المخالفة للحق.
2ـ اعتماده على أُصول لانقول بحجّيتها.
3ـ كونه منصوباً من جانب حكّام الجور.
وتختلف النتيجة حسب اختلاف الموضوع، فلو كان المانع، هو الأوّل، يلزم حرمان كل فقيه غير إمامي، ولو كان الثاني، يتحدّد الحرمان بما إذا قضى بأُصول غير مرضية، بخلاف ما إذا التزم بأُصول صحيحة ورفض القياس والاستحسان، وقول الصحابي بما هو صحابي من دون ثبوت صدوره عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وغير ذلك، وعلى الثالث يختص الحرمان بما إذا كان منصوباً من جانبهم، وإلاّ فلو كان قاضياً حرّاً وإن قضى بأُصول باطلة، لما أخل.
ولكن لم نجد ما بأيدينا من الروايات ما يعتمد على الوجه الأوّل، وإنّما السبب في النهي عن الرجوع إليهم يدور بين الأُمور التالية:
1ـ الإفتاء بغير علم والقضاء بلا وعي، وقد عقد صاحب الوسائل باباً بهذا العنوان وقال: باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين.(1141)
2ـ الإفتاء بغير الكتاب والسنّة، وقد عقد صاحب الوسائل باباً له.(1142)
3ـ القضاء بالمقاييس والاستنباطات الظنّيّة، وقد عقد أيضاً باباً له.(1143)
وهذه الجهات الثلاث ترجع إلى الملاك الثاني وهناك بعض الروايات ما يؤيد كون الملاك هو الثالث، وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك.(1144)
روى أبو بصير قال:قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) قول الله عزّ وجلّ في كتابه:(ولاتَأكُلوا أموالَكُم بَينكُمْ بالباطلِ وتُدلوا بِها إلى الحُكّام)(1145) فقال: «يا أبابصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور».(1146)
وعلى كل تقدير فلو كانت الروايات الناهية قاصرة الدلالة على المنع المطلق، فلايخلّ بالمقصود لما عرفت من أنّ الجواز يحتاج إلى الدليل وعدمه كاف ولايحتاج عدم الجواز إلى الدليل.
نحن نفترض أنّ هذه الروايات الناهية واردة في الملاكين الأخيرين غاية الأمر تكون النتيجة عدم دلالتها على المنع المطلق، ولكنّه غير كاف في إثبات جواز التصدي ، لأنّ الجواز يطلب الدليل وعدمه كاف في كون الأصل الأوّلي محكّماً.
وعلى فرض المنع ، فهل لايجوز نصبه حتى على أهل نحلته أو يختصّ التحريم، بما إذا نصب على غيرهم من الشيعة؟ وجهان. وقد تقدّم نظيره في قضاء الكافر على أهل نحلته. و هاتان المسألتان تطلبان بحثاً واسعاً
تستمدان من قوله سبحانه:(فَإِنْ جاءوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعرض عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإنْ حكمت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ)(1147).
الشرط الخامس: العدالة
وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الشرط:
منهم من جعل الفسق مانعاً كما عليه الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر .
ومنهم من جعل العدالة شرطاً، كالمحقق في الشرائع والعلاّمة في القواعد، والسيد الأُستاذ في التحرير.
ومنهم من عبّر بالموصوف مكان الوصف وقال ديّناً و ورعاً، كابن سعيد في الجامع(1148)، ومنهم من عبّر بالورع.(1149)
والظاهر أنّ التعابير من قبيل التفنّن في العبارة والكل يشير إلى أنّه يلزم أن تكون للقاضي حالة نفسانية تصدَّه عن ارتكاب المحرّمات واقتراف المعاصي خوفاً من الله وخشية منه أو ما يقرب من ذلك ولم يختلف فيه اثنان، ولأجله أرسله صاحب المفتاح إرسال المسلّم بلا إيعاز إلى مخالف وقال:وأمّا الفاسق فيشمل المؤمن وغيره، من غير فِرَق المسلمين، أمّا المؤمن الفاسق فلعدم ثقته وصلاحيته في الصلاة والشهادة والإفتاء فالقضاء أولى.(1150)
وقد أدى حقّ المقال في هذا التعبير الموجز وإليك التفصيل :
يدلّ على الاشتراط أُمور:
1ـ التصريح بالاشتراط في رواية سليمان بن خالد(1151)، وأخذه أمراً مسلّماً في مقبولة ابن حنظلة(1152)، حيث قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما » و قدجعل التفاضل فيها مرجحاً.
2ـ كونه شرطاً في المفتي والشاهد، وإمام الجماعة وفي الولاية على القُصَّر والغيّب والتقسيم(1153) يقتضي اشتراطه في القضاء بوجه أولى، لأنّ القاضي بيده الدماء والأعراض، والأموال والحقوق وأين هو من إمام يصلّي ويترك كل شيء للمأموم؟!
3ـ طبع الموضوع يقتضي الاشتراط لخطورته وعظمته كما مرّ مراراً.
وظاهر الأدلّة ، كونه عادلاً على وجه الإطلاق، لا أن يكون أميناً ومحترزاً عن الحكم بالباطل فقط ومع ذلك ربّما يقترف المعاصي، إذ مع كونه خلاف المتبادر أنّ الأصل هو عدم نفوذ القضاء إلاّ من دلّ على نفوذه دليل قطعي وهو العادل المطلق.
وذكر المحقّق وراء العدالة اشتراط الأمانة والمحافظة على فعل الواجبات، وقد عرفت كونهما داخلين ضمن العدالة.
الشرط السادس: طهارة المولد
قال المحقّق: لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله كما لاتصحّ إمامته ولاشهادته في الأشياء الجليلة. (1154)
وادّعى في الروضة عليه الإجماع قال في شرح قول الشهيد:«الفقيه الجامع للشرائط» وهي: البلوغ والعقل والذكورة والإيمان والعدالة وطهارة المولد إجماعاً. (1155)
وقال في المسالك: أمّا طهارة المولد فلقصور ولد الزنا عن تولّي هذه المرتبة حتى أنّ إمامته وشهادته ممنوعتان فالقضاء أولى. (1156)
إنّ مقتضى العمومات هو جوازه، إذا كان إماميّاً والمنع يتوقّف على الدليل على خلاف المسألة السابقة، وقد استدل على المنع بأُمور ثلاثة:
1ـ الإجماع: وقد حكاه في الروضة ولم يتعرّض العاملي في المفتاح لأيّ خلاف، وهو كما ترى، لعدم ذكر لفيف من الفقهاء هذا الشرط كالشيخ في المبسوط، (1157) وابن سعيد في الجامع. (1158)
2ـ الأولوية: لأنّه إذا لم يجز له التولية لإمامة الصلاة ـ على ما استفاضت الروايات عليه ـ ولم تقبل شهادته ، فالقضاء أولى ففي صحيح زرارة: لا يصلين أحدكم خلف المجنون وولد الزنا (1159)، وفي صحيح ابن مسلم قال:قال أبو عبداللّه(عليه السلام): «لا تجوز شهادة ولد الزنا». (1160)
3ـ نفور طباع الناس منه ولكنّه فرع علم الناس به. والمسألة قليلة الفائدة. وهناك نكتة نفيسة لابدّ من الإشارة إليها: وهي إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حال يعلم والده أو أُمّه أو كلاهما أنَّهما ينقضان القانون، ويكسران عهداً من عهود الله، وهو إحساس ينتقل عن طريق النطفة إلى الوليد طبقاً لقانون التوارث الطبيعي، فيخرج المولود من الزناء مختمراً بحس نقض العهد واختراق القانون وينشأ ويشبّ عليها، وإلى ذلك يشير الإمام الصادق(عليه السلام)عند التحدث عن ولد الزنا:«إنّه يحنّ إلى الحرام، والاستخفاف بالدين وسوء المحضر». (1161)
فإذا كانت هذه نفسيته وحالته التي يحملها، فكيف يجوز أن تفوّض إليه مقاليد القضاء ليحكم في النفوس والأعراض والأموال والحقوق؟!
نعم هذه الحالة أرضية مناسبة للانحراف والشذوذ، ومقتض للفساد والإفساد وليست بعلّة تامّة، إذ في وسعه تطهير نفسه من الشوائب العالقة بطبيعته فلا يوجب ذلك جبراً في حياته وشقائه.
ولأجل هذا نرى أمير المؤمنين يؤكّد على مالك الأشتر أن يختار للحكم أفضل رعيته ويقول: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور». (1162)
ويوصي له في جميع عمّاله بانتخاب ذوي الأحساب ويقول: «ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنّهم جماع من الكرم، وشعب من العرف». (1163)
نعم يبقى هنا شيء و هو أنّ هذا التسالم بين فقهائنا، كيف يجتمع مع ما روي عن علي(عليه السلام) أنّه نصب زياد بن أبيه على ولاية فارس؟ وليس القضاء بأعظم من الولاية وربّماكان الوالي قاضياً، والمعروف أنّه وليد الزنا؟!
روى علي بن محمد المدائني قال:لمّا ولّى علي (عليه السلام) زياداً فارس أو لبعض أعمال فارس ضبطها ضبطاً صالحاً وجبى خراجها وحماها. (1164)
وقد كتب الإمام إليه رسالة عندما كان زياد خليفة ابن عباس في البصرة، وكان عبد الله بن عباس عامله عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان. (1165)
وكتب رسالة أُخرى إليه عندما بلغه أنَّ معاوية كاتبه ليستلحقه بأبيه أبي سفيان. (1166)
ويشهد على ذلك أنّه كان يدعى زياد بن عبيد وهو زوج أُمه (سميّة) ولماّ استلحقه معاوية قيل ابن سميّة، وكانت أُمّه تحت عبيد، وربّما قيل: إنّ نسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه. (1167)
أمّا أنّه كان غير طيب المولد فقد روى البلاذري قال: تكلّم زياد وهو غلام حدث بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين، فقال عمرو بن العاص: لله أبوه لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: أما والله إنّه لقرشي ولوعرفته لعرفت أنّه خير من أهلك، فقال: ومن أبوه؟ أنا والله وضعته في رحم أُمّه فقال: فهلا تستلحقه؟ قال: أخاف هذا العير الجالس أن يخرق عليَّ إهابي. (1168)
ويمكن استظهار كون زياد وليد الزنا من قول الإمام الطاهر أبي الشهداء الحسين بن علي (عليهما السلام) : «وقد ركزني الدعيّ بن الدعيّ بين الاثنتين: السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة». (1169) والمراد منهما هو عبيد الله بن زياد.
ويمكن أن يقال: إنّ الدعيّ ليس مرادفاً لابن الزنا، بل هو كما يقول الطريحي: الدعيّ من تبنّيتَه، والأدعياء جمع «دعي» وهو من يدّعي في نسب كاذباً.(1170) وفي أقرب الموارد: الدعيّ من تبنّيته أي جعلته ابناً لك، والمتّهم في نسبته، والذي يدعي (يدعيه) غير أبيه والجمع أدعياء.(1171) وأُمّه وإن كانت زانية وقد زنى بها أبو سفيان لكن لما لم يثبت كونه متخلّقاً من مائه، صار محكوماً بكونه ابن أبيه (عبيد) شرعاً بحكم الولد للفراش، ولأجل ذلك كتب الإمام رسالة إليه ينهاه عن قبوله قول معاوية كما عرفت. فكان مجهول النسب لا وليد الزنا قطعاً، فلا يكون نصبه دليلاً في المسألة.
وممّا يدل على أنّه كان مجهول النسب ولكن محكوماً شرعاً بالانتساب إلى الأب ما روي عن الحسن البصريّ : انّه ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها، واستلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقتله حجر بن عدي فياويله من حُجر وأصحاب حُجر.(1172)
وقد كتب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى معاوية رسالةً يندد فيها بأعمال معاوية وممّا جاء فيها قوله: «أولست المدّعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان؟! وقد قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر». (1173)
وعلى ذلك كان زياد مجهول النسب، ولمّا لم يعلم كونه وليد الزنا قطعاً، فصار محكوماً بكونه وليد الفراش، أعني: زوج أُمّه «عبيد» ـ فلا يكون مورداً للنقض.
الشرط السابع: الذكورة
اشتهر القول باشتراط الذكورة في القاضي ويظهر من الشيخ أنّ المسألة خلافية بين الفقهاء. قال: لا يجوز أن تكون المرأة قاضية في شيء من الأحكام. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة :يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن تكون شاهدة فيه، وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص. وقال ابن جرير: يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه، لأنّها من أهل الاجتهاد.(1174)
وقال ابن قدامة: إنّ المرأة لاتصلح للإمامة العظمى، ولالتولية البلدان ولهذا لم يولِّ النبيّ ولا أحد من خلفائه ولامن بعدهم امرأة للقضاء ولاولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً. (1175)
ولمّا كانت المسألة قد أثارت جدالاً ونقاشاً واسعاً بين الطبقات المثقفة ، لابأس بالبحث عنها في إطار الأدلّة الشرعيّة، وقد أجمل الأصحاب فيها الكلام و لم يعطوها حقّها كما هو حالهم ـ أنارالله برهانهم ـ في سائر المسائل.
ولنذكر بعض الكلمات في المقام:
قال الشيخ في «المبسوط»: الشرط الثالث في القاضي أن يكون كاملاً في الأمرين: كمال الخلقة والأحكام... وأمّا كمال الأحكام فأن يكون بالغاً عاقلاً حرّاً ذكراً فإنّ المرأة لاينعقد لها القضاء بحال. وقال بعضهم: يجوز أن تكون المرأة قاضية والأوّل أصحّ، ومن أجاز قضاءها، قال: يجوز في كلّ ما تقبل شهادتها فيه وشهادتها تقبل في كل شيء إلاّ في الحدود والقصاص.(1176)
ومع ذلك لم يذكره المفيد في المقنعة، ولا الشيخ في النهاية، ولا الحلبي في الكافي، ولا ابن إدريس في السرائر، ولا العلامة في المختلف.(1177)
نعم ذكره لفيف من المتأخرين وإليك نصوصَهم:
قال المحقّق في الشرائع: ويشترط فيه البلوغ و... والذكورة.(1178)
وقال العلاّمة في التحرير: يشترط في القاضي البلوغ... والذكورة، ولاينعقد القضاء للمرأة في الحدود وغيرها.(1179)
وقال في القواعد:ويشترط فيه البلوغ والعقل والذكورة.(1180)
وأنت إذا لاحظت الكتب المؤلفة في هذه العصور أو بعدها ترى أنّها متّفقة على اشتراطها إمّا بالتصريح أو بأخذ الرجل في التعريف، مثلاً، قال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً بصيراً كاملاً كاتباً عالماً بالقضاء، ديّناً ورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(1181)
وقال الشهيد في المسالك: و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط، أي الشرائط المعتبرة في القضاء غير الذكورية، وهو موضع وفاق، وخالف فيه بعض العامة فجوّز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه.(1182)
وقال في مفتاح الكرامة: أمّا المرأة فلما ورد في خبر جابر عن الباقر(عليه السلام): «ولاتولّي القضاءَ» المرأةُ وقد أنكر الدليل المقدّس الأردبيلي إن لم يكن إجماع، وهذا خبر منجبر بالشهرة العظيمة إن أنكر الإجماع.(1183)
إلى غير ذلك من هذه الكلمات ممّا لانطيل المقام بنقلها، والظاهر أنّ الشهيد الثاني استثنى الذكورة عن موضع الوفاق بين الفريقين لمخالفة أبي حنيفة في المسألة لا أنّه موضع خلاف بين الإمامية، والمحقّق الأردبيلي إن أنكر فإنّما أنكر صحّة الخبر لا الإجماع قال: وأمّا اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر، وأمّا في غير ذلك فلا نعلم دليلاً واضحاً، نعم ذلك هو المشهور فلو كان إجماعاً فلا بحث.(1184)
نعم الإجماع في هذه المسألة مستند إلى الآيات والروايات والسيرة الموجودة بين المسلمين حيث لم تُرَ قاضية بين المسلمين على منصَّة القضاء، وإلى سائر الجهات التي تدعم عدم صلاحيتها للقضاء فيصبح الإجماع مدركياً لاتعبدياً، ولامحيص للفقيه عن دراسة الأدلّة.
هذا وأنّ الأصل الأوّلي في المقام هو عدم الجواز فعلى المجوّز إقامة الدليل، إذ العمومات الواردة في القاضي المنصوب منصرفة إلى الرجال، وهي بين ما ورد فيه لفظ «منكم» كما في مقبولة ابن حنظلة(1185)، أو «رجل» كما في رواية أبي خديجة(1186). فهذان التعبيران، لو لم يدلا على اختصاص القضاء بالرجل فلا أقلّ أنّها منصرفة عن المرأة، ويؤيد الانصراف عدم التعارف، إذ لم تر في زمن الخلفاء ولابعدهم امرأة تتولى مهمّة القضاء، وما قيل من أنّ مدار الانصراف، كثرة الاستعمال وندرته، لاكثرة الوجود وقلّته، لو تمّ، فالمقام من موارد عدم الوجود لاقلّته.فلو كان هذا المقدار كافياً في عدم الجواز فالفقيه في فسحة من الاستدلال بالآيات والروايات، وإلاّ فإن استشكل في انصراف العمومات فلامحيص من دراسة سائر الأدلّة ولنذكر ما يمكن الاستدلال به على المنع ولنقدّم البحث عن الآيات:
الآية الأُولى: (الرجال قوّامون على النساء)
إنّ الحياة الإنسانية في المجتمع لاتدوم إلاّ على منهج سيادة الرجال
على النساء بما أودع الله في فطرة كل منهما ما هو الأحسن والأصلح بنظام التكامل في الوجود، ويدل عليه قوله سبحانه:(الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيَّاً كَبيراً)(1187) والاستدلال رهن دراسة المواضع التالية:
المواضع الهامة الثلاثة في تفسير الآية
1ـ ما هو المراد من كون الرجال قوّامين على النساء، فهل هو بمعنى القيمومة لهنّ؟
2ـ ما هو ملاك القيمومة؟
3ـ إذا تبيّن ملاك القيمومة، فما هو إطار تلك القيمومة فهل تختصّ بما يمت بالشؤون الاجتماعية في حياة الزوجين ولاتتجاوز عن ذلك الإطار، أو يعمّ مطلق الشؤون الاجتماعية من غير فرق بين الزوجين وغيرهما فالرجال على الإطلاق قوّامون على النساء في الحياة الاجتماعية من غير فرق بين الزوج وغيره؟
وإليك دراسة تلك المواضع، بشرح مفرداتها وجملها:
1 ـ ما هو المراد من قوله سبحانه: (الرجال قوّامون على النساء) ؟
«قوّامون» جمع «القوام» وهو و «قيّم» وقيّام بمعنى واحد، والمراد أنّ الرجال قائمون بشؤون النساء قيام الولاة على الرعيّة في مجال التدبير والتأديب والذبّ عن التعدي إليهن.يقال:قام الرجل على المرأة: قام بشأنها، وليس المراد من قيامهم بشأنهنّ هو إنفاقهم عليهن، لأنّه سبب الولاء لامورده كما يشير إليه فيما بعد بقوله: «وبما أنفقوا من أموالهم » بل المراد هو القيام بسائر الشؤون ممّا تقوم عليه الحياة الاجتماعية التي تتوقف على العقل والتدبير، والقوّة والاستطاعة، وقد فسرت الآية بنحو ما ذكرنا و إليك بعض الكلمات:
1ـ قال الطبرسي : إنّ الرجال قيّمون على النساء، مسلّطون عليهنّ في التدبير والتأديب.(1188)
2ـ وقال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:(الرجال قوّامون على النساء)أي الرجل قيّم المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا أعرجت.(1189)
3ـ وقال الفيض في تفسيره: أي يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعيّة.(1190)
إلى غير ذلك من الكلمات المترادفة.
إنّ مرجع القيمومة هاهنا، ليس إلى تصويرهن كالمجانين والسفهاء والأطفال، وتكون قيمومة الرجال عليهن، كقيمومة الأب والجدّ ، بل مرجعها إلى قيمومة الوالي على الرعية، والدولة على الشعب، وليس هنا من يتلقى ولاية الوالي عليه، نقصاً وتحقيراً، لأنّ الشعب المتفرق في البلد يحتاج إلى من يدبّر أمره ويؤدب خاطئه ويذبّ عن كيانه وشرفه وماله.ومثله العائلة فالبيت مجتمع صغير في مقابل البلد الذي هو مجتمع كبير، والولاية عليه كالولاية على الجماعة الكبيرة .
إذا عرفت مفاد القيمومة فلنرجع إلى الأمر الثاني من الأُمور الثلاثة.
2ـ ما هو ملاك القيمومة والسيطرة؟
إذا دلّت الآية على قيمومة الرجال على النساء فلابدّ لها من ملاك يبرّر تلك السلطة وإلاّ فهما فردان من طبيعةواحدة، مصداقان لهما، وقد ذكر الكتاب العزيز، لها ملاكين أشار إليهما بقوله:( بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم).
فهذان الملاكان يختلفان في أنّ الأوّل موهوبيّ والثاني اكتسابي، بمعنى أنّه سبحانه خصّهم بلا اختيار بفضيلة ثمّ هؤلاء قاموا بكسب فضيلة أُخرى.
الملاك الموهوبي
أمّا الملاك الخارج عن الاختيار فهو أنّه سبحانه فضّل الرجال على النساء في مجالي التكوين والخليقة، والتشريع والتقنين.
ومع أنّ المراد هو تفضيلهم على النساء يقول سبحانه: (بما فضّل الله بعضهم على بعض) ، والمقصود من البعض الأوّل هو الرجال ومن الثاني هو النساء، والتنوين في «بعض» عوض عن الضمير.وإنّما عبّر بهذا دون أن يصرّح مثل ما قلناه، لأجل إفادة أنّ الطائفتين داخلتين تحت نوع أو جنس واحد، مشاركتين في الإنسانية والبشرية ولكن فُضِّلَ بعض أفراده على البعض الآخر منه، وبذلك استطاعت الآية أن تحفظ شأن المرأة ومقامها وتفيد أنّ تفضيل الرجال عليها لايوجب دخولهما تحت طبيعتين أو جنسين متغايرين، بل هما مع الوحدة في النوع والجنس يختلفان في العوارض والخصوصيات، وهذا النوع من التعبير شائع في القرآن الكريم.
قال سبحانه:(أنّي لا أُضيعُ عَملَ عامِل مِنكُم مِن ذَكر أو أُنثى بَعْضُكُم مِن بَعض)(1191).
ثمّ إنّ مجرى هذا التفضيل الذي يخبر عنه سبحانه إمّا التكوين أو التشريع. أمّا التكوين فيرجع إلى أمرين بهما فُضِّلَ الرجال على النساء، وهما العقل والإدراك، والقدرة والاستطاعة; إذ لاشكّ أنّ عقول الرجال أكثر كمالاً، كما أنّ قدرتهم على الأعمال الشاقّة أوفر، وليس هذا شيء ينكر ولو وجدنا هناك لفيفاًمن النساء يفضلن على لفيف من الرجال في العقل والتدبّر أو وقفنا على نساء لهنّ المقدرة والاستطاعة البالغة على أعمال شاقّة، فلا يكون ذلك ملاكاً لتفضيل النساء على الرجال، فإنّ الملاك في القضاء هو الغلبة الساحقة والغالب على الرجال في مجال العقل والتدبير هو الزيادة على النساء فيهما، ولأجل ذلك فيهم من العقلاء ما ليس فيهنّ كما أنّ مقدرتهم على الأعمال الشاقّة أكثر. وبالجملة: الملاك هو المتوسطات من النساء و المتوسطون من الرجال .
1ـ قال الشيخ الطوسي: «والمعنى الرجال قوّامون على النساء بالتدبير والتأديب لما فضّل الله الرجال على النساء في العقل والرأي».(1192)
2ـ وقال الطبرسي في تفسير قوله:(بما فضّل الله بعضهم على بعض)هذا بيان سبب تولية الرجال عليهنّ، أي إنّما ولاّهم الله أمرهنّ لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم.(1193)
3ـ وقال الزمخشري: إنّ الرجال يفضلون على النساء بالعقل والحزم والعزم والقوّة والفروسية، والرمي وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى.(1194)
هذا هو التفضيل في التكوين. وأمّا التفضيل في التشريع فالراجع إلى الفقه الإسلامي يجد هناك تفوقاً للرجال على النساء نشير إلى لفيف منه:
أـ وضع عنهنّ الصلاة والصوم في أيام خاصة لطروء الضعف عليهنّ في ميدان العمل.
ب ـ جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد وقال: (فَرجُلٌ وامرأتان)(1195).
ج ـ خاطب الرجال بالنفر والخروج، وقال:(انفِرُوا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدُوا بأموالِكُم وأنفُسِكُم فِي سبيلِ الله)(1196).
وخاطب النساء بقوله:(وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنّ ) (1197).
د ـ جعل الطلاق بيد الزوج وقال:« الطلاق بيد من أخذ بالساق» والعدّة بيد النساء.
هـ ـ جعل ميراث الذكر مثل حظّ الأُنثيين.
وـ جعل دية المرأة نصف دية الرجل.
ز ـ رفع عنهنّ الجمعة والجماعة.
ح ـ خصّ الرجال بالنبوة والخلافة.
إلى غير ذلك من التشريع المختلف الحاكي عن تفضيل بعضهم على بعض.
الملاك الاكتسابي
هذا كلّه يرجع إلى التفضيل بالملاك الأوّل، وأمّا التفضيل بالملاك الثاني ـ أي الملاك الاكتسابي ـ فإليه أشار بقوله:(وبما أنفقوا من أموالهم)، فالإنفاق بالأموال في الحياة اليومية وفي مجال المهر ومن المعلوم مزية المنفِق على المنفَق عليه.
إلى هنا تمّ بيان ملاك القيمومة، وعلمت أنّ أحدهما وهبيّ والآخر اكتسابي، وأنّ مرجع الأوّل تارة هو التكوين وأمر الخلقة وأُخرى إلى التشريع الإسلامي المبني على مصالح واقعية، وإنّما المهم هو بيان مجال الولاية وإطارها وأنّ قيمومة الرجل إلى أيّ مدى؟
وهنا نكتتان نلفت إليهما نظر القارئ قبل بيان حدِّها:
الأُولى: إنّ التشريع الإسلامي في مجال الرجل والمرأة يبتني على رعاية فطرتهما أوّلاً والمصالح الاجتماعية ثانياً، فلو رفع بعض التكاليف عنها فإنّما هو لأجل رعاية حالها أوّلاً أو المصالح الاجتماعية ثانياً، فهذا النوع من التشريع لايعني الإطاحة بمقام المرأة فلو رفع الجهاد عنها فلأجل أنّ طبيعة المرأة طبيعة عاطفية حساسة لايناسب الأعمال الشاقة البالغة الصعوبة، فلو جعل ميراثها نصف ميراث الرجل فلأجل مصلحة ملزمة في ميدان المعيشة، فإنّ الرجل هو المتكفّل في حياة العائلة وهو الباذل لكل ما يحتاجون إليه دون المرأة.
الثانية: إنّ رفع بعض التكاليف وإن كان يوجب حرمانها من الثواب والأجر الأُخروي لكن الإسلام تداركه بوضع وظائف أُخرى على عاتقها لو قامت بها لأدركت الثواب الفائت من الجهاد مثلاً، وهناك حوار بين وافدة النساء والنبي الأكرم حيث عرّفت نفسها بأنّها وافدة النساء وقالت: بأبي أنت وأُمي إنّي وافدة النساء إليك، واعلم نفسي لك الفداء أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولاغرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي.
إنّ الله بعثك بالحقّ إلى الرجال والنساء فآمنّا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وأنّكم معاشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحجّ بعد الحجّ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وأنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا لكم أموالكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟
فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصحابه بوجهه كله، ثمّ قال:هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟
فقالوا: يا رسول الله ! ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا.
فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها ، ثم قال لها: انصرفي أيتها المرأة، واعلمي من خلفكِ من النساء أنّ حسن تبعل إحداكنّ لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته، تعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً.(1198)
و لأجل ذلك التدارك يصفهنَّ سبحانه بقوله: (فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغيبِ بِما حَفِظَ الله )(1199).
فالصالحة عبارة عن القانتة، والمطيعة لزوجها إطاعة دائمة مهما أرادوا منهنّ ممّا له مساس بالتمتّع وسائر الجهات المرتبطة بشؤون الحياة الزوجية وهي في مقابل قوله سبحانه:(واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ)(1200).
(حافظات للغيب) أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه من النفس والمال. وإخراج الحكم والأمر بصورة الوصف آكد في الوجوب.
قوله:(بما حفظ الله) الباء للمقابلة، أي يقمن بما ذكر في مقابل ما حفظ الله لهم من الحقّ فأوجب عليهنّ الإطاعة وحفظ الغيب لهم.
3ـ سعة القيمومة وضيقها
إلى هنا فرغنا من الأمرين المهمين: إثبات القيمومة، وملاكها .
بقي الكلام في إطارها وسعتها وضيقها فنقول:
إنّ ملاك القيمومة ـ بعد الإمعان في الآية ـ يتلخّص في مجموع أمرين:
1ـ بما فضل الله الرجال على النسـاء في مجـال الإدارة والتدبير، والقـدرة والاستطاعة الجسمية.
2ـ بما يقومون من عمل الإنفاق على النساء.
فالملاك مجموع الأمرين فلأجلهما للرجال قيمومة على النساء.
وعلى ذلك تتحدد القيمومة بالحياة الاجتماعية للعائلة. فلو كان أمراً فردياً، كالغزل والخياطة فلا ولاية له عليها، إذا لم يكن مانعاً عن تمكينها للاستمتاع. أو كان أمراً اجتماعياً ولكن خارجاً عن العلاقات الزوجية، كما إذا تصدى للوكالة عن الغير، والقضاء بين المتخاصمين الأجنبيين فهو خارج عن مفاد الآية لعدم ملاك للقيمومة في الغير، ولا في المتخاصمين على المرأة، حتى لا تصلح للوكالة والقضاء.
وبعد ثبوت اختصاص ملاك القيمومة بالأُمور الاجتماعية العائليّة.فهل تعمّ كل الأُمور ولوكان خارجاً عن إطار الزوجية أو تختص بهذا الإطار وهذا هو المهم؟
وبعبارة أُخرى: هل تختص الولاية بالعلاقات الزوجية ونظام العائلة؟ ففي كل أمر له صلة بهذا النظام، فالرأي هو رأي الزوج وله التسلط والسيطرة إلاّ إذا خالف الكتاب والسنة، وأمّا الخارج عن هذا الإطار فلا، سواء كان راجعاً إلى الحياة الفردية لكل من الزوجين، أو راجعاً لكل من الرجال والنساء وإن لم تكن بينهما علاقة الزوجية، سواء أكان من الأُمور الفرديّة أم الاجتماعيّة ففيها الرجل والمرأة سواء.
أو أنّها تعمّ لجميع المجالات الاجتماعية ولاتختصّ بالحياة العائلية ففي الجهات العامة الاجتماعية التي لها صلة بما فضل الله به الرجال على النساء، لهم قيمومة عليهنّ؟ وجهان:
يؤيد الوجه الأوّل:ـ مضافاً إلى مسألة الإنفاق ـ سياق الآية، فإنّه بصدد بيان وظائف الزوجين وشؤونهما وإن كانت تستعين بلفظ الرجال والنساء لكن المقصود هو الزوجان، يقول سبحانه:(ولكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ (1201) مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربُونَ...)(1202) أي لكل من الزوجين، فتأمل.
(الرّجالُ قَوّامُونَ على النساءِ... واللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ...)(1203).
(وإن خِفْتم شِقاقَ بَينهِما فَابعثُوا حَكماً من أهلهِ وحكماً مِن أهلِها)(1204).
فالموضوع في الآيات، هو الزوجان، وإعطاء القيمومة لواحد منهما، لايعني كونه قيّماً في خارج هذا الإطار.
ويؤيده أيضاً شأن نزولها الذي نقله المفسّرون:نزلت في امرأة نشزت على زوجها فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي فقال:أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : لتقتصّ من زوجها، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه فقال النبي : ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني وأنزل الله هذه الآية فقال:أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد خير ورفع القصاص .(1205)
ويؤيد الوجه الثاني: أنّ مورد الآية وإن كان خاصاً لكن الملاك الذي فضّل به الرجال على النساء عام يعم كل جهة اجتماعية ترتبط بحياة الرجال والنساء، فعموم العلّة يعطي أنّ الحكم المبنيّ عليها، أعني قوله:(الرجال قوّامون على النساء)، غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعاً فالجهات العامة الاجتماعية الّتي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء مثلاً إنّما تقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدّة وقوة التعقّل. كل ذلك ما يقوّم الرجال على النساء.
وعلى هذا فقوله: (الرجال قوّامون على النساء ) ذو إطلاق عام وأمّا قوله بعد:(فالصالحات قانتات...)الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق وجزئي من جزئياته، مستخرج منه من غير أن يتقيد به إطلاقه.(1206)
ومع ذلك ففي النفس من عمومية الحكم أو إطلاقه شيء، وهو أنّ وقوع الحكم ـ أعني: كون الرجال قوّامون على النساء ـ في ثنايا الأحكام المربوطة بالزوجين، وكون الملاك الثاني للتفضيل والقيمومة هو الإنفاق، المختصّ بالزوج، يصدّنا عن الحكم القاطع بإطلاقه.
وبعبارة واضحة: لو كان سبب القيمومة هو الوجه الأوّل ـ أعني: الرجاحة في العقل، والقوة في التدبير، والقدرة في الدفاع ـ لكان كافياً في ثبوتها لهم مطلقاً ولكنّها ليست هي السبب الوحيد، بل منضمّة إلى الإنفاق والقيام بتجهيز وسائل الحياة، وهو مختصّ بالزوجين. نعم لو كان كل سبباً مستقلاً لها، لعمت مطلق الرجال والنساء فلاحظ.
***
الآية الثانية: (وللرجالِ عليهِنَّ درجةٌ)
قال سبحانه :(والمُطلّقاتُ يتربَّصنَ بأنفسهِنَّ ثلاثةَ قُروء ولايحلُّ لَهنَّ أن يكتُمنَ ما خلقَ اللّهُ في أرحامهِنَّ إن كُنَّ يؤمنَّ باللّهِ واليَومِ الآخرِ وبُعُولتُهُنَّ أحَقُّ بردّهنَّ في ذلكَ إن أرادُوا إصلاحاً ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعرُوفِ وللرجالِ عليهِنَّ درجةٌ واللّهُ عزيزٌ حكيم)(1207).
الآية متضمنة لبيان أحكام الطلاق الرجعيّ وتذكر الأُمور التالية:
1ـ المطلّقة تتربّص ثلاثة أطهار ولاتتزوّج فيها لئلا يلزم اختلاط المياه ويفسد النسل، والقُرء في الآية بمعنى الطهر، لا الحيض خلافاً للعامّة، وذلك لأنّه من القَرء بمعنى الجمع، والدم يجتمع أيام الطهر شيئاً فشيئاً حتى يقذفه الرحم أيام الحيض والذي يدل على أنّه بمعنى الجمع، قوله سبحانه:(لا تُحرِّك بهِ لسانكَ لِتعجَلَ به* إنّ عَلَينا جَمْعهُ وقرآنَهُ * فإذا قرأناهُ فاتّبِع قُرآنَه)(1208). وقال أيضاً:(وقرآناً فَرقناهُ لِتَقرأهُ على الناسِ على مُكث)(1209).
وجه الاستدلال: أنّه سبحانه عبّر بالقرآن، ولم يعبّر بالكتاب أو الفرقان أو ما شابهما، للتناسب الموجود بين الجمع والقرآن في الآية الأُولى، والقرآن والتفريق في الآية الثانية.
2ـ تحرم عليهنّ كتمان الولد في الرحم استعجالاً في خروج العدّة أو إضراراً بالزوج في رجوعه.
3ـ للزوج الرجوع مادامت هي في العدّة، وليكن الرجوع لغاية الإصلاح لا للإضرار.
4ـ ولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف، أي أنّ الحقوق بينهما متبادلة، ولو استحق الزوج شيئاً عليها، فهي تستحق شيئاً آخر عليه. قال الطبرسي: وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمّة وإنّما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة وترك المضارة والتسوية في القَسم والنفقة والكسوة، كما أنّ للزوج حقوقاً مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له وأن لاتَدخل فراشَ غيره، وأن تحفظ ماءه فلاتحتال في إسقاطه.(1210)
5ـ وللرجال عليهن درجة: أي منزلة فضيلة عليهنّ مع كون الحقوق بينهما متبادلة، ولمّا كان ذلك موهماً ، لتساوي منزلتهما، دفع ذلك الوهم بأنّ للرجال عليهنّ منزلة وفضيلة وكون الحقوق متبادلة لايقتضي تساويها في جميع المراحل الاجتماعية ولأجل ذلك صار سهم الذكر ضعف الأُنثى في الميراث، وحقّ الطلاق بيد الزوج، والرجعة موكولة إليه ولم يكتب الجهاد على المرأة لعدم تلائمه مع فطرتها إلى غير ذلك من الأُمور التي تثبت، تقدّم الرجل عليها في مجالات خاصة.
هذا كلّه يرجع إلى توضيح جمل الآية إنّما الكلام في عمومية قوله:«وللرجال عليهنّ درجة» بالنسبة إلى القضاء وفصل الخصومة ويمكن منعه لأنّها قضية موجبة جزئية، تصدق بوجود المنزلة للرجال في موارد خاصة كالميراث والطلاق، والجهاد وغيرها ممّا عرفت ولايتوقف صدقها على حرمانها من القضاء فيكون التمسك بها في مورد المنع عن القضاء تمسّكاً بالدليل في الشبهة المصداقية.
نعم هناك وجه آخر للتمسّك ربّما يظهر من كلام العلاّمة الطباطبائي(قدس سره)ويمكن تقريره بالنحو التالي:
إنّه سبحانه يقول قبل هذه الجملة:(ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف) فلو قلنا إنّ المعروف هو العمل المطابق بالفطرة تكون الخلقة ميزاناً لتمييز مالها عمّا عليها، ولمّا كان أمر القضاء مما يطلب لنفسه العقل والدراية الكثيرة بخلاف الحضانة وأمثالها فيكون للرجل في القضاء عليهن درجة دون الحضانة.
ولكن تفسير المعروف بماذكره، غير واضح لأنّه كما يقول الراغب في مفرداته (1211): كل فعل يعرف حسنه بالعقل أو الشرع والمنكر ما ينكر بهما. وكون القضاء أمراً معروفاً بالنسبة إلى الرجل دون المرأة أوّل الكلام.
***
الآية الثالثة: قوله:(وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين)
قال سبحانه:(أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا في الحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين )(1212).
لما ذكر قول المشركين بأنّ الله سبحانه اتخذ ممّا يخلق بنات و أصفاهم بالبنين ردّه سبحانه بوجهين:
1ـ كيف تصفونه بأنّه سبحانه اتخذ لنفسه بنات، مع أنّ أحدكم إذا بشر بها ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم؟ فإذا كان اتخاذ البنات أمراً حسناً، فَلِماذا تتسوّد وجوهكم عند التبشير بها؟ ولو كان الاتّخاذ قبيحاً فلِمَ تنسبونه إلى الله؟
2ـ كيف تصفونه سبحانه باتخاذ البنات، مع أنّ الأُنثى تنشأ وتشب في الحلية و في الوقت نفسه فهي في مقام المخاصمة والاحتجاج ضعيفة التقرير، والتعلّق الشديد بها آية كونها موجودة حساسة عاطفية، ضعيفة التعقّل، ومع ذلك فكيف تصفون الله باتخاذه بنات؟
وجه الاستدلال: إنّ قوام القضاء بالاحتجاج والجدال وتحقيق الحقّ وهو رهن منطق قوي وعقل واع، والمرأة فاقدة لذلك. لأنّ المتوسطين من الرجال أعقل من متوسطات النساء وأبين حجّة وأوضح بياناً، فلا تصلح الثانية لها .
لكن كون القضاء رهن الاحتجاج والجدال غير واضح خصوصاً إنّ القضاء في المحاكم يتوقف على الدقة في كلمات المترافعين وما حول القضية من الأمارات والقرائن التي تثبت صدق دعوى المدعي أو كذبها ولاحاجة إلى جدال ولايقوم على المناظرة.
هذا كلّه حول الآيات ، واتضح عدم دلالتها القطعية على المراد وإليك البحث في الروايات الواردة في المقام.
الاستدلال بالروايات
1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لعلي (عليه السلام)قال: «يا علي! أُوصيك بوصية فاحفظها فلاتزال بخير ما حفظتَ وصيّتي ـ إلى أن قال: ـ ليس على المرأة جمعة ولاجماعة، ولا أذان ولاإقامة ولاعيادة مريض ولا اتّباع جنازة ولاهرولة بين الصفا والمروة ولااستلام الحجر ولاحلق ولاتولّى القضاء ولاتستشار». (1213) ببيان أنّه بصدد بيان نفي التشريع بقرينة بعض ما جاء فيها كالحلق.
لكنّها ضعيفة سنداً ودلالة. أمّا الأوّل فلأنّ حمّاد بن عمرو، سواء كان الصنعائي أو الكوفي مجهول. ومثله أنس بن محمد، وليس له رواية في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية(1214) ، على أنّ في سند الصدوق إليهما مجاهيل يظهر من الرجوع إلى المشيخة فإنّ فيها: «وما كان فيه عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمّد في وصية النبي لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقد رويته عن محمّد بن علي الشاه بمرو الرود، قال: حدّثنا أبوحامد أحمد بن محمّد بن أحمد بن الحسين، قال: حدثنا أبويزيد أحمد بن خالد الخالدي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن صالح التميمي قال:أخبر محمّد بن حاتم القطّان، عن حمّاد بن عمرو عن جعفر بن محمّد الخ.
قال: ورويته أيضاً عن محمد بن علي الشاه، قال :حدّثنا أبو حامد، قال: أخبرنا أبو يزيد، قال:أخبرنا محمّد بن صالح التميمي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني أنس بن محمد أبو مالك عن أبيه عن جعفر بن محمّد.(1215)
وأمّا الثاني فلأنّ الظاهر أنّ المرفوع هو الوجوب بقرينة أكثر ما جاء فيه من الأذان والإقامة واتباع الجنازة وعيادة المريض، إلاّ الحلق فإنّه محرّم عليها.
2ـ ما رواه جابر عن الباقر (عليه السلام): «ولا تولّى المرأة القضاء ولاتولّى الإمارة».(1216) وهي مرسلة لاتصلح للاحتجاج.
3ـ ما في «نهج البلاغة» في الوصية التي كتبها الإمام لولده الحسن عند منصرفه من صفين بحاضرين:«ولاتملك المرأة ما جاوز نفسَها فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة» والمراد الأُمور الخارجة عن قدرتها. وكون القضاء من مصاديقه أمر مشكوك فلايمكن التمسّك به.
نعم قال (عليه السلام) قُبيَل تلك الجملة: «وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهن إلى أفن(1217) وعزمهنّ إلى وهن».(1218) ولكن النهي عن المشاورة بمعنى أن تقع طرف المشاورة، والقضاء يجرها إلى المشاورة، لا أن تكون طرف المشاورة.
4ـ ما رواه البخاري مسنداً واحتجّ به الأصحاب في الكتب الاستدلالية عن أبي بكرة قال:لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأُقاتل معهم قال:لمّا بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال:لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.(1219)
والرواية على فرض القبول لأجل استناد الأصحاب إليها في الكتب الاستدلالية، تنهى عن الحكومة العامة والولاية المطلقة على البلد والمدينة وأين ذلك من مراجعة النساء لحلّ العقد، إلى امرأة في قرية أو مدينة ومن المعلوم أنّ ثبوت الحكم في القوي لايلازم ثبوته في الضعيف.
إذا عرفت ذلك فلنا أن نقول ـ بعد هذا البحث الضافي ـ :
1ـ إنّ كل واحد من هذه الأدلّة وإن كان غير واف بالمراد، وغير صالح للاستدلال، لكن حكم المجموع غير حكم كل فرد، ولعلّ المجموع من حيث هو، كاف في إفادة الاطمئنان على عدم صلاحيتها للقضاء وهذه هي السيرة المستمرة بين الفقهاء في أمثال المقام إذ ربما لاتكون الأدلّة إذا لوحظت بانفرادها مفيدة للاطمئنان لعدم خلوّها عن المناقشة لكن إذا لوحظت بصورة المجموع، ربّما تكون قوة دلالة البعض جابرة لضعف دلالة الآخر وبالعكس، أي قوّة سند البعض جابرة لضعف سند الآخر فيتفاعلان ويؤثران.
2ـ التمسّك بالسيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإنّ السيرة وإن كانت على الإيجاب في جانب الرجل، وهي بوحدتها لاتسلب الصلاحية عن المرأة لكن استمرارها على نصب الرجال دون النساء، ربّما تحمل بياناً سلبياً بالنسبة إلى المورد الآخر.
3ـ إنّ الأصل الأوّلي في باب القضاء هو عدم الجواز، فعلى القائل بالجواز إقامة الدليل، لاعلى النافي، لما عرفت من أنّ الأدلّة الواردة في زمان عدم بسط اليد، واردة في مورد الرجل أو منصرفة إليها.
أضف إلى ذلك أنّ ممارسة القضاء للمرأة لاتخلو في زماننا هذا عن مضاعفات تحطّ من منزلتها وكرامتها وتقواها وتجعلها في مقربة ممّا لاتحمد عاقبته كما لايخفى إلاّ إذا حدَّدت أعمالها بتخصيص رجوع النساء إليها. ولذلك يلزم عليهنّ الاشتغال في مراكز تحفظ كرامتهن.
الشرط الثامن: الاجتهاد
هذا الشرط يعبّر عنه تارة بالاجتهاد المطلق، وأُخرى «بالعلم بجميع ما وليه»، وسيوافيك أنّ الشرط الواقعي هو صدور القاضي عن الكتاب والسنة مباشرة و هو لا ينطبق في الأعصار المتأخرة إلاّ على المجتهد دون المقلِّد، وما يبدو منّا من كون الشرط هو الاجتهاد فهو من باب المجاراة للقوم في الاصطلاح و إلاّ فالشرط الواقعي هو ما ذكرناه.
ومعنى الشرط عدم صلاحية المقلِّد لتصدي القضاء ولا المتجزي، وهو معروف بين الأصحاب لم يخالف فيه إلاّ المحقّق القمي عند الاضطرار على ماحكاه المحقق الرشتي في قضائه(1220)، ويظهر من صاحب الجواهر جواز تصدّي المقلّد في موضع من كلامه(1221) وقبل الخوض في الأدلّة نذكر كلمات الأصحاب:
1ـ قال الشيخ في الخلاف: لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما ولي ولا يجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به. وقال الشافعي: ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد ولايكون عامياً، ولا يجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه. وقال في القديم مثل ماقلناه. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكون جاهلاً بجميع ما وليه إذا كان ثقة ويستفتي الفقهاء ويحكم به، ووافقنا في العامي أنّه لايجوز أن يفتى به.(1222)
2ـ وقال في النهاية:وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه، وعامِه وخاصِه وإيجابه، ومحكمِه ومتشابِهه، عارفاً بالسنّة وناسخها ومنسوخها، عالماً باللغة مضطلعاً بمعاني كلام العرب، بصيراً بوجوه الإعراب.(1223)
3ـ وقال أبو الصلاح الحلبي في بيان شروط القاضي:العلم بالحقّ في الحكم المردود إليه، والتمكّن من إمضائه على وجهه، ثم قال:واعتبرنا العلم بالحكم لما بيّناه من وقوف صحّة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبراً، بالحكم عن الله سبحانه، نائباً في إلزامه عن رسول الله.(1224)
4ـ وقال ابن البراج:والقضاء لاينعقد للقاضي إلاّ بأن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، وكونه عالماً بأن يكون عارفاً بالكتاب والسنّة والإجماع والاختلاف ولسان العرب.(1225)
5ـ وقال ابن إدريس: وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه إلى آخر ما ذكره الشيخ في النهاية بلفظها.(1226)
6ـ وقال المحقّق :وكذا لاينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولايكفيه فتوى العلماء ولابدّ أن يكون عالماً بجميع ماوليه وفسّره في الجواهر بقوله: أي مجتهداً مطلقاً كما فسره به في المسالك فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.(1227)
7ـ وقال العلامة في القواعد: ولا المرأة إن أجمعت باقي الشرائط ولا ولد الزنا ولا الجاهل بالأحكام ولاغير المستقل بشرائط الفتوى ولايكتفي بفتوى العلماء ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه.(1228)
8 ـ وقال الشهيد في المسالك عند قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالم»: المراد بالعالم هنا المجتهد في الأحكام الشرعية، وعلى اشتراط ذلك إجماع علمائنا ولافرق بين حالة الاختيار والاضطرار ـ ثمّ قال ـ والمراد بكونه عالماً بجميع ما وليه كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.(1229)
9ـ وقال العاملي في مفتاح الكرامة عند شرح قول العلاّمة:«ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه»: فالاجتهاد دون التقليد قوة قريبة أو فعلاً فلايكفي التجزي إجماعاً كما هو ظاهر المسالك والكفاية.(1230)
10ـ وقال في الجواهر عند شرح قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى»: بلا خلاف أجده.(1231) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاقهم على شرطية الاجتهاد المطلق في القضاء وسيوافيك من بعضهم مايخالفه.
و قد اكتفى العلاّمة في المختلف بنقل كلام الشيخ في المبسوط على تفصيله و لم يزد شيئاً عليه.(1232)
أدلّة القول بشرطيّة الاجتهاد
استدل القائل بشرطية الاجتهاد بأُمور:
الأوّل: الشهرة الفتوائية المحقّقة لو لم نقل بوجود الإجماع من فقهائنا عليها وقد ذكرنا شيئاً من عبائرهم. لكن الاعتماد عليه مشكل لاحتمال استناد المجمعين على ما سيوافيك من الأدلّة النقلية.
الثاني: إنّ الأصل في القضاء هو المنع ولم يخرج منه إلاّ العالم بالحكم لا الحاكي عن الغير.وتمامية الدليل يتوقف على دراسة ما ورد من الأدلّة في المقام وهي روايات معدودة ونأتي بالمهمّة منها:
الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة:
روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحُصين عن عمر بن حنظلة قال:سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟قال: مَن تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ )(1233).
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران (إلى) من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله».
قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما،واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولايلتفت إلى ما يحكم به الآخر ».
إلى أن قال:
قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟فقال:«ماخالف العامّة ففيه الرشاد».(1234)
أمّا من جاء في السند فالكل غير الأخير أجلاّء ثقات، وإليك ترجمتهم إجمالاً:
1ـ محمّد بن يحيى: هو العطار القمي شيخ الكليني، وقد أكثر الرواية عنه.
2ـ محمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمْداني (المتوفّى 262 هـ) جليل من أصحابنا عظيم القدر، وكثير الرواية، ثقة عين، حسن التصانيف مسكون إلى روايته.(1235)
3ـ محمّد بن عيسى العبيدي اليقطيني الذي وثقه النجاشي وإن راب في حقّه أُستاذ الصدوق ابن الوليد ولايعبأ به بعد توثيق النجاشي إيّاه وغيره.
4ـ صفوان بن يحيى، ثقة جليل توفّي عام (210) غني عن الترجمة.
5ـ داود بن الحصين الأسدي، هو أسدي الولاء كوفي المولد ، قال النجاشي:ثقة روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن وهو زوج خالة علي بن الحسن الفضال(1236) وإن وصفه الشيخ بكونه واقفياً، إلاّ أنّ النجاشي لم يتعرّض لوقفه وهو أضبط، فلم يبق في السند إلاّ عمر بن حنظلة وهو لم يوثق وحاول الشهيد الثاني توثيقه بوجوه مذكورة في معجم رجال الحديث.(1237) ولكنّا في المقام في غنى عن توثيقه فقد تلقّى المشهور هذه الرواية بالقبول ولأجل ذلك سمّيت مقبولة، وعليها المدار في كتاب القضاء. (1238) وإتقان الرواية يكشف عن صدورها عن الإمام (عليه السلام) ، وقد قلنا في محلّه إنّ الملاك هو الوثوق بالصدور، لا الوثوق بالراوي.
هذا هو حال السند وإليك دراسة المتن فنقول:
والمستفاد منه أنّ القاضي لابدّ أن يتمتّع بشروط يجب الأخذ بجميعها:
1ـ يجب أن يكون شيعياً إماميّاً لقوله (عليه السلام) :«إلى من كان منكم»، وبما أنّ الزيدية كانت منفصلة عن الإمام الصادق (عليه السلام)يوم صدور الرواية فلاتعمّهم الرواية ولا أضرابهم كالإسماعيلية، ويكون المراد الفقيه الإمامي.
2ـ أن يحكم بحكمهم لقوله (عليه السلام) :«فإذا حكم بحكمنا»، فلو كان موالياً لهم ولكن حكم بحكم فقهاء العامة، فلاينفذ حكمه.
3ـ أن يكون رواياً لحديثهم لقوله (عليه السلام) :«روى حديثنا»والمتبادر كونه ممارساً لأحاديثهم،لاأنّه روى حديثهم مرّة أو مرّات، ونقل الحديث مقدّمة للشرط الآتي.
4ـ أن يكون صاحب النظر والفكر في الحلال والحرام لقوله (عليه السلام) :«نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» وليس المراد من النظر، الالتفات إليهما سطحياً، بل النظر في الحلال والحرام والحكم الشرعي المروي عنهم بإمعان ودقّة قال سبحانه:(فَسِيروا في الأرضِ فَانظُروا كيفَ كان عاقبةُ المُكذِّبين)(1239) وممّا يؤيّد ذلك، استعمال لفظ «عرف» فإنّه لايستعمل إلاّ في المورد الذي سبقه الاشتباه والاختلاط، وكل ذلك يخصّ المقبولة، بصاحب النظر المعبّر عنه بالمجتهد.
5ـ وبما أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، فلايكفي العلم بواحد أو اثنين من أحكامهم، بل يجب أن يكون على حدّ يقال إنّه عارف بأحكامهم، وهو الفقيه العارف باستنباط جميع ما يبتلى به، وعند ذاك تكون المقبولة ظاهرة في المجتهد المطلق وقسم من المتجزئ.
6ـ ويؤيد ذلك الظهور قوله :كلاهما اختلفا في حديثكم، فلو أُريد الاختلاف في مضمون الحديث فهو شأن الفقيه، وإن أُريد الاختلاف في نقل الحديث فهو أيضاً لاينفك عن الاجتهاد غالباً وإن لم يكن دائماً كذلك.
7ـ ويؤيد أيضاً قوله:«فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما».
8 ـ وقوله:أرأيت الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة.
والناظر في جميع القيود الواردة في المقبولة يقف على أنّ الإمام (عليه السلام)نصب الفقيه الإمامي ـ الذي يمارس الأحاديث وينظر في الحلال والحرام ويعرف الأحكام الصادرة عن الأئمة ويصدر في فتياه عن الكتاب والسنّة ـ قاضياً. وهذا لاينطبق إلاّ على الفقيه المستنبط لجميع الأحكام الشرعية، أو مايقاربه فيما تبتلي به الأُمّة في فترات مختلفة.
الثانية: مشهورة أبي خديجة الأُولى
روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة. قال:بعثني أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا فقال قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(1240)
والحديث لاغبار عليه من حيث السند فإنّ محمّد بن علي بن محبوب الأشعري ثقة عين فقيه كما قاله النجاشي; وأمّا الباقون ـ أعني: أحمد بن محمّد، والحسين بن سعيد ـ فلم يشكّ في وثاقتهما أحد ; وأمّا أبو الجهم فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق (عليه السلام) ولمّا بلغه موته قال في حقّه: أما والله لقد أنزله الله بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام). (1241)ومن أحفاده حسن بن الجهم.
ربما يقال: السند بظاهره مخدوش بوجهين:
1ـ كيف يصحّ أن يروي حسين بن سعيد الأهوازي عن أبي الجهم المتوفّى في عصر الصادق (عليه السلام)، فإنّ الحسين بن سعيد من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي (عليهم السلام) وتوفّي الإمام الرضا عام 203، والإمام الجواد عام 220 والهادي عام 254، فكيف تصحّ روايته عمّن توفي في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) الذي توفي عام 148 ففي السند سقط.
ولكن يمكن أن تستظهر الواسطة من سائر الروايات التي نقل فيها الحسين بن سعيد عن بكير بواسطة أو بوسائط وإليك أسماءهم:
أ ـ حريز بن عبد الله عن بكير.(1242)
ب ـ ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن بكير.(1243)
ج ـ حمّاد بن عيسى عن حريز عن عبد الله عن بكير.(1244)
د ـ صفوان عن عبد الله بن بكير عن أبيه بكير بن أعين.(1245)
هـ ـ حمّاد بن عيسى عن عمر بن أُذينة عن بكير.(1246)
و هؤلاء كلّهم ثقات و ربّما يتخيّل أنّ المكنّى بأبي الجهم غير «بكير» وأنّ المراد هو «ثوير بن أبي فاختة» ولكنّه لايذب الإشكال لأنّه من أصحاب السجّاد والباقر والصادق وأبوه يروي عن علي. ولاطريق للتعيين إلاّ التميز عن طريق الراوي عنه، ولو مع الواسطة، وليس لحسين بن سعيد رواية عن أبي الجهم باسم ثوير بن فاخته، فتعين كون المروي عنه بكيراً.
2ـ إنّ سالم بن مكرم (بالفتح وإن كان المعروف على الألسن هو الكسر)، الذي يكنّى بأبي خديجة تارة وأبي سلمة أُخرى وقد كنّاه به أبو عبدالله (عليه السلام)، اختلفت فيه كلمة الرجاليين.
قال النجاشي بعد ذكر كنيتيه: إنّه ثقة ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) . (1247)
وقال الكشي: سألت أبا الحسن علي بن الحسن عن اسم أبي خديجة قال:سالم بن مكرم، فقلت له: ثقة؟ فقال: صالح ، ثمّ ذكر أنّ أبا عبد الله قال له: لاتكنى بأبي خديجة. قلت: فبم أُكنى؟ قال: بأبي سلمة.(1248)
وعدّه البرقى من أصحاب الصادق (عليه السلام) قائلاً: أبو خديجة ويكنى أبا سلمة ابن مكرم.
هؤلاء الأقطاب الثلاثة من علماء الرجال اتفقوا على أمر وهو:
اتفق الكشي والنجاشي على أنّه ثقة وصالح.
إنّ أبا سلمة كنية نفس أبي خديجة أي سالم، وليس كنية لأبيه (مكرم) بل الإمام الصادق (عليه السلام) كنّاه بأبي سلمة. وعلى رأي هؤلاء فهو مقبول الرواية.
وأمّا التضعيف فقد نقله العلاّمة عن الشيخ فقال:قال الشيخ إنّه ضعيف وقال في موضع آخر: إنّه ثقة ثمّ قال: الوجه عندي التوقف.(1249)
والظاهر أنّ الذي ضعّفه الشيخ غير الذي وثّقه الكشي و النجاشي ويعلم بالرجوع إلى عبارته في كتابي الرجال والفهرست.
قال في الأوّل: سالم بن مكرم أبو خديجة الجمّال الكوفي مولى بني أسد.(1250)
وقال في الفهرست: سالم بن مكرم يكنى أباخديجة، ومكرم يكنى أبا سلمة ضعيف ـ إلى أن قال: ـ في بيان طريقه إلى كتابه... عن عبد الرحمن بن أبي هاشم البزاز عن سالم بن أبي سلمة وهو أبو خديجة.(1251)
ترى أنّ الشيخ جعل أباسلمة كنية أبيه (مكرم) مع أنّ الأقطاب الثلاثة اتّفقوا على كونه كنية لنفس سالم فتخيّل الشيخ أنّ أبا خديجة، هو سالم بن أبي سلمة الذي ضعّفه ابن الغضائري والنجاشي، قال الأوّل: روى عنه ابنه، لايعرف روى عنه غيره ضعيف جداً.(1252)
وقال النجاشي: سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني حديثه ليس بنقي، وإن كنّا لانعرف منه إلاّ خيراً له كتاب، ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب وانتهى إلى قوله: «حدّثنا محمّد بن سالم بن أبي سلمة عن أبيه بكتابه».(1253)
والذي دفع الشيخ إلى تضعيفه تصوره اتحادهما، وأنّ سالم بن مكرم هو سالم بن أبي سلمة الذي اتفقوا على ضعفه.
فأصبحت الرواية ـ بحمد الله ـ صالحة للاستناد.
هذا كله حول السند
وأمّا دراسة المتن فالظاهر من قوله:«عرف» هو المعرفة الفعلية لكون مبادي الأفعال ظاهرة فيها، وقوله:«حلالنا وحرامنا» ظاهر في العموم ولو لم يصح حمله على الاستغراق العقلي لأجل عدم كون الرواة في ذلك الزمان عارفين بجميع الأحكام ، فلامحيص عن حمله على الاستغراق العرفي فيكون الموضوع هو العارف بالحلال والحرام فعلاً، على حدّ يقال في حقّه قد عرف حلالنا وحرامنا، وبما أنّ مادّة العرفان تستعمل في الموارد التي تشتبه في أوّل الأمر ثمّ يقف الإنسان على الصحيح، فالمراد منه من له قوّة عرفان الحقّ عن الباطل ومن يعرف من بين المشتبهات، الحقّ عن الباطل، والحلال عن الحرام وهو يعادل صاحب النظر فلايعم المقلّد.
وأمّا شموله للمجتهد المتجزئ فسيوافيك الكلام فيه.
الثالثة : مشهورة أبي خديجة الأُخرى
روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن أحمد بن عائذ أبي حبيب الأحمسي البجلي الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال:قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً فتحاكموا إليه» .(1254) ورواه في الكافي غير أنّه قال:مكان (قضايانا) قضائنا.(1255)
والرواية صحيحة، وسند الصدوق إلى أحمد بن عائذ في الفقيه بالشكل التالي: عن أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي الوشّاء، عن أحمد بن عائذ.(1256) والكل غير أحمد من أجلاء الأصحاب وعيونهم. وأمّا أحمد فيكفي في وثاقته قول النجاشي في حقّه: «مولى ثقة كان صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه وعرف به».(1257) ولايشك في وثاقة الحسن بن علي الوشاء إلاّ غير العارف بأساليب التوثيق في علم الرجال، فإنّه وإن لم يصرّح بوثاقته ولكن جاء في ترجمته ما يفيد أنّه كان في الدرجة العالية منها، وهذا النجاشي يعرفه: «بأنّه من وجوه هذه الطائفة». وقد قلنا في كتابنا «كليّات في علم الرجال» أنّ هذا النوع من التعابير، يفيد أنّه في الدرجة العالية من الوثاقة.
ثمّ إنّه يستدلّ بها تارة على شرطية الاجتهاد، وأُخرى على كفاية التجزي في الاجتهاد.
أمّا الأوّل فهو مبني على كون المقلِّد جاهلاً لاعالماً ولولا كونه كذلك لما وجب عليه الرجوع إلى العالم، أو تفسير العلم بالاعتقاد الجازم والمقلّد يفقده.
وكلا الوجهين غير تامّين، أمّا الأوّل فلأنّا نمنع كونه جاهلاً بعد الرجوع إلى العالم.
وأمّا الثاني، فلأنّه مبني على تفسير العلم بالاعتقاد الجازم مع أنّه في لسان الأئمّة بمعنى الحجّة والمقلّد بعد الرجوع إلى العالم واجد له. والحاصل: أنّ استظهار شرطية الاجتهاد من الرواية مشكل.
نعم صدور هذا المتن بعد احتمال اتحاد الروايتين مشكوك، فلايمكن الاستناد إليه بعد اختلافهما في شرطيّة الاجتهاد و عدمها. والحاصل: لمّاكان المتن مشكوك الصدور فهي غير صالحة للاحتجاج لا في المقام (شرطية الاجتهاد و عدم كفاية التقليد) ولا في المقام الآتي، أعني: كفاية الاجتهادغير المطلق، وأمّا الثاني فسيوافيك في محلّه.
الرابعة : التوقيع الرفيع
التوقيع الرفيع الذي رواه الصدوق في «كمال الدين»، عن محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله».(1258)
والاحتجاج رهن دراسة الحديث سنداً ومتناً.
أمّا محمّد بن محمّد بن عصام، فهو أيضاً «كليني» ومن مشايخ الصدوق كما هو ظاهره في كتاب كمال الدين، وقال في مشيخة الفقيه: وما كان فيه عن محمّد بن يعقوب الكليني فقد رويته عن محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد بن موسى، ومحمد بن أحمد الشيباني ـ رضي الله عنهم ـ (1259) واعتماد الصدوق والترضية عليه لعلّه يعرب عن كونه ثقة عنده. وليس له في كتب الرجال عنوان سوى هذا.
وأمّا إسحاق بن يعقوب، فهو أخو الكليني وقد ورد السلام عليه في التوقيع بلفظ «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب الكليني». (1260) والتسليم وإن كان لايدل على شيء، لأنّ الراوي هو نفسه لكن القرائن تشهد على الاعتماد عليه والتوقيع الذي يرويه.
وأمّا المضمون ففيه احتمالات:
1ـ المراد من الحوادث، ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة كأموال الغُيَّب والقُصَّر.
2ـ ما يتفق من المسائل التي لايعلمون حكمها حيث كانوا يرجعون إلى الأئمّة فنص الإمام بلزوم الرجوع إلى الرواة.
3ـ حوادث خارجية معيّنة اتّفقت في تلك الأيام لاتعلم خصوصياتها.
والثالث ضعيف فيدور الأمر بين الأوّلين، والاستدلال متوقّف على كون المراد ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة. نعم على فرض الثبوت لم تكن الرواة يوم ذاك أشخاصاً عاديين، بل كانوا ممارسين للأحاديث، وبالتالي كانوا علماء، ولأجل ذلك استأهلوا أن يكونوا حجج الإمام (عليه السلام) .
الخامسة: مرسلة الحرّاني
روى أبو محمّد الحسن بن شعبة الحرّاني في كتابه «تحف العقول عن آل الرسول» عن الإمام السبط الشهيد الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: ويروى عن أمير المؤمنين، ومضمون الخطبة بأجمعها يدل على أنّها ألقيت في عصر السبط وممّا جاء فيها قوله:«... وقد ترون عهود الله منقوضة فلاتفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله محقورة، والعُمْي والبُكْم والزمنى في المدائن مهملة لاتُرحمون، ولافي منزلتكم تعلمون، ولامن عمل فيها تعينون، وبالإدّهانِوالمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمركم الله به من النَّهي و التناهي وأنتم عنه غافلون.
وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غُلِبْتُم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سُلِبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحق، وإختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة».(1261)
وملاحظة مجموع الكلام من أوّله إلى آخره يثبت أنّ المراد من الأُمور، في قوله: «مجاري الأُمور» هو ما كان يقوم به الخلفاء بعد رسول الله في قيادة الأُمّة وأنّ الإمام يُندِّد بهم وبأعمالهم ويقول: إنّ هذه الأُمور شأن طبقة خاصة وهم: العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، والمراد من العالم بالله، من درس التوحيد: الذاتي والصفاتي والأفعالي حتى صار عالماً به، وشرب من منهل العلم وأملأت قلبه الخشية والخوف، قال سبحانه: (إنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ)(1262) فصار أميناً على حلاله وحرامه، ولاينطبق ذلك إلاّ على الأقل من الطبقة من العلماء فضلاً عن المقلّد.
سؤال وإجابة
إنّ دلالة هذه الروايات على لزوم اتّصاف القاضي بكونه حاكماً بالكتاب والسنّة، وقاضياً بما يفهمه من الأدلّة، واضحة فلايشمل العناوين الواردة فيها المقلِّد، لكن هنا سؤال وهو عدم وجود الاجتهاد الرائج، في عصر الأئمّة وأقصى مايدلّ عليه ما سبق من الأدلّة ، كون القاضي صادراًعن الكتاب والسنّة، وأمّا كونه مستنبطاً فلا وعندئذ يصبح نفوذ قضاء المجتهد بالمعنى الاصطلاحي بلا دليل.
والإجابة عنه واضحة، لأنّ ما هو الشرط هو الصدور عن الأدلّة الشرعية، والقضاة في ذلك العصر، والمجتهدون في أعصارنا كلهم يصدرون عنهما، غير أنّ فهم المصدرين الرئيسيين والصدور عنهما كان في ذلك الزمان قليل المؤونة لكنّه أصبح في عصرنا كثيرها، وليس بين العملين فرق جوهري إلاّببذل الجهد القليل والكثير، وقد أوضحنا حاله في رسالتنا في الاجتهاد والتقليد، و أمّا المقلّد فليس يصدر عن الكتاب والسنّة وإن كان ينتهي إليهما نهاية لكنّ المراد الصدور عنهما بالمباشرة وستوافيك زيادة توضيح لهذا الجواب عند البحث عن تصدّي المقلّد مهمّة القضاء، فانتظر.
وربّما يظهر من بعضهم التفرقة بين ما يصدر القاضي في قضائه عن الكتاب والسنّة، وما يصدر عن الأُصول العقلية كالبراءة العقلية أو التخيير العقلي بين المحذورين أو المتزاحمين والإجماعات المنقولة والشهرات المحكيّة فإنّه لايصدق فيها الحكم بحكمهم ...
يلاحظ عليه: أنّ المراد الصدور عن حجّة شرعية والكل من مصاديقها و ذكر الكتاب والسنّة لأجل أنّهما من الحجج الشرعية.
في صلاحية المتجزئ لممارسة القضاء
قد عرفت أنّ لسان الأكثر ناظر إلى شرطية الاجتهاد المطلق أي وجود القدرة على استخراج الحكم من الكتاب والسنّة في كل ما يرجع إليه وشمول ذلك للمتجزي بعيد جدّاً. نعم لو بلغ المتجزي مرتبة يستطيع معها، على استنباط أحكام كثيرة وإن كان لايستطيع استنباط جميعها، فلايبعد صدق العناوين الماضية عليه، أعني:
«نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» في مقبولة عمر بن حنظلة.
«قد عرف حلالنا وحرامنا ...» في المشهورة الأُولى لأبي خديجة.
« فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» في التوقيع الرفيع عن صاحب الزمان (عليه السلام) .
«مجاري الأُمور بيد العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه» في الكلام المنسوب إلى السبط الشهيد.
فإنّ هذه العناوين صادقة لمرتبة خاصة من التجزي فلايشترط الاجتهاد المطلق، ويؤيد ذلك أُمور:
1ـ إنّ القضاة التي كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم يكن لهم معرفة فعلية لجميع الأحكام، لتفرّق الروايات بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتى يكونوا متدرعين بالعلم بجميع الأحكام.
2ـ كان الأمر في عصر النبيّ والوصيّ(عليهما السلام)أيضاً كذلك فقد بعث النبي معاذاً ، إلى اليمن وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال:
أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟»، قال :بسنّة رسول الله ... (1263) أتظن أنّ معاذاً كان مسلّطاًعلى جميع الأحكام المشرّعة إلى يوم ذاك؟!
3ـ كتب الإمام إلى واليه مالك الأشتر في عهده وقال: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لاتضيق به الأُمور ولاتمحكه الخصوم ـ إلى أن قال: ـ وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج».(1264)
وهل كانت مصر في ذلك اليوم تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين جميع الأحكام الشرعية، وإنّما كانوا يحفظون من الكتاب والسنّة وعمل الصحابة أشياء يقضون بها ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في
مصر.
نعم كلّما تقدّمت ا لحضارة الإسلامية ،و تفتحت العقول وازداد العلماء علماً وفهماً، تسنَّم منصَّة القضاء من له خبروية كاملة في الفقه، وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، ولم يكن ذلك بوازع ديني، بل كان نتيجة سيرالعلم وتقدّم الثقافة.
نعم قد أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنِّياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين فلامناص عن إشراف قاض مدرّب ومجرّب على عمل القضاة المتجزئين في الاجتهاد، حتى يحصل لهم قدم راسخ في مجال القضاء.
الاستدلال على كفاية التجزي برواية أبي خديجة الثانية
وربّما يستدل على كفاية التجزي، بمشهورة أبي خديجة الثانية الماضية حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاًمن قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(1265)
ولكن خطورة الموقف ومعضلة بعض المسائل، كتعيين المدّعي والمنكر في بعض الموارد، وصحّة القضاء بالنكول أو بعد ردّ اليمين أو غير ذلك من المسائل المهمّة، تدفعنا إلى تفسير الحديث بالمتجزي الممارس للفقه مدّة لايستهان بها وإن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق .
على أنّه يحتمل اتحاد الحديثين المختلفين في اللسان، إذ أحد اللسانين (عرف أحكامنا) يطلب للقضاء مرتبة عليا من التجزي بخلاف اللسان الآخر (يعلم شيئاً من قضايانا) وبما أنّ الصادر مردّد بين الأمرين نأخذ بالقدر المتيقّن وهو المرتبة العليا من التجزي وتبقى المرتبة الدانية تحت الأصل الأوّلي وهو المنع ، ولولا هذا الأصل لانقلب الأمر إلى العكس، أي نأخذ بالأقل في مقام الشرطية دون الأكثر، بإجراء البراءة من شرطية المرتبة العلياء، فتدبّر.
ثمّ إنّه ربّما استشكل على الاستدلال بها على كفاية المتجزئ بالنحوالتالي:
1ـ إنّ القلّة المستفادة في قوله:«شيئاً» إنّما هو بالنسبة إلى علومهم وإن كان كثيراً في حدّ نفسه.(1266)
يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر، فإنّها وردت في مجال ردع الشيعة عن الرجوع إلى غيرهم، وعندئذ يخاطب الإمام شيعته بأنّه يكفيهم أن يرجعوا إلى من يعلم شيئاً من قضاياهم. وعند ذلك يناسب جعل الملاك هو نفس علم الراوي قلّة وكثرة، لاعلم الإمام كما لو قال إنسان ناصح مشفق لأخيه: إذا لم تستطع على العمل الكبير فعليك بما في وسعك، فكأنّ الإمام (عليه السلام) يقول: إذا فاتكم الرجوع إلى هؤلاء الحكّام لأخذ الحقوق ، فلايفوتنّكم الرجوع إلى عالم شيعي يعلم شيئاً من قضايانا.
2ـ إنّ الرواية ناظرة إلى القاضي الذي اختاره الطرفان لفصل
الخصومة، فلو دلّت على كفاية التجزي فإنّما تدل في مورد قاضي التحكيم لا المنصوب ابتداء، وذلك لأنّه فرّع قوله: «فإنّي قد جعلته قاضياً ـ إلى قوله ـ فاجعلوه بينكم» فتكون النتيجة كفاية التجزي في قاضي التحكيم لا
المنصوب.(1267)
يلاحظ عليه: بأنّه ليس الهدف من قوله (عليه السلام) :«فاجعلوه بينكم» كونه قاضياً مجعولاً من قبل المتخاصمين حتى تختصّ الرواية به، بل هو يهدف إلى معنى آخر. وذلك لأنّ القاضي المنصوب من قبل السلطة والدولة ينفذ حكمه مطلقاً، سواء أرضي الطرفان بحكمه أم لا، بخلاف القاضي الذي يرجع إليه المتخاصمان من الشيعة، فلايمكن نفوذ حكمه إلاّ بتحقق رضا الطرفين به، لا أنّ لرضائهما به مدخلية في الحكم والجعل، بل لأنّ التنفيذ فرع الرضا. وبعبارة أُخرى: إنّ الإمام نصب كل من يعلم شيئاًمن قضاياهم للحكم والقضاء ولكن تحقق الغاية رهن رضا الطرفين بحكمه وخضوعهما له. بعد عدم قوّة تقهر المتخاصمين على القبول.ولأجل ذلك قدّم قوله: «فاجعلوه بينكم» وهو لازم الظروف التي وردت فيها الرواية.
***
المقلِّد ومنصَّة القضاء
تمّ الكلام في نفوذ قضاء المجتهد ، مطلقاً كان اجتهاده، أو غير مطلق وحان حينُ البحث عن قضاء المقلِّد فنقول:
تصدي المقلِّد لمهمة القضاء يتصوّر على وجوه أربعة:
1ـ أن يستقلّ بالحكم والقضاء.
2ـ أن يكون منصوباً من جانب المجتهد، وعندئذ يقع الكلام في جواز نصبه للقضاء وعدمه.
3ـ أن يكون وكيلاً عن المجتهد، والفرق بين النصب والوكالة واضح، فإنّ النصب مستند إلى سعة ولاية المجتهد حتى بالنسبة إلى نصب العامي للقضاء، وأمّا التوكيل فليس التوكيل في المقام إلاّ كالتوكيل في سائر الأُمور.
وبعبارة أُخرى: انّ عمل العامي مع النصب، عمل نفسه، لاعمل الناصب، بخلاف الوكيل فإنّ عمله، عمل الموكّل.
4ـ أن يتصدى للقضاء عند الاضطرار وعدم التمكّن من الرجوع إلى المجتهد.
وإليك الكلام في هذه الوجوه واحداً تلو الآخر:
أـ استقلال المقلّد في القضاء
مقتضى الأصل الأوّلي هو المنع ولم يخرج منه إلاّ المجتهد بكلا قسميه، والقول بجواز استقلاله يحتاج إلى دليل خصوصاً إذا كانت هناك شبهة حكمية و لايدري أنّ مجراها أصل البراءة أو الاحتياط أو مقتضى الاستصحاب، أو إذا كان تشخيص المدّعي عن المنكر أمراً عويصاً متوقفاً على إعمال قواعد ـ حسب ما قالوا ـ ، فإنّ القيام بحلّ هذه الأُمور العويصة خارج عن طاقة المقلّد، إلاّ إذا تربّى تحت يد قاض مدّة لايستهان بها، وشاهد القضايا ووقف على حكمها من كتب وعرف حكم الأمثال والأضداد وهو قليل جدّاً، ومع ذلك فقد استدل على جواز استقلاله بالقضاء بالوجوه التالية:
1ـ إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف
إذا كان القضاء من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصديه، إطلاقات أدلّتهما نظير قوله تعالى: (والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهُم أولياءُ بعض يأمُرونَ بالمعروفِ وينهَوْنَ عنِ المنُكر)(1268).
يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما، هو الدعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذب أو يظلم وهذا هو الذي يجب على المؤمن والمؤمنة تحت شرائط، وأمّا التكليف الذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه، لما كان هناك تكليف ، فلاتشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف. مثلاً إذا اختلف العامل والمالك فقال الأوّل:رددت رأس المال،وأنكره المالك. فليس هنا أي تكليف متوجه إلى العامل بعد ادّعاء ردّ المال وإنّما يتوجه إليه التكليف بالردّ، بعد قضائه بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه عليه تكليف بالردّ، بعد مالم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولاً لأدلّتهما.
وإن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفقا الآمر والمأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدعوة لاما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف، كما هو الحال قبل القضاء.
2ـ إطلاق الحكم بالحقّ والعدل
إنّ المستفاد من الكتاب والسنّة صحّة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من كل المكلّفين ، قال الله تعالى:(إنّ اللّهَ يأمُركُم أن تُؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكمتُم بينَ النّاسِ أن تحكُمُوا بالعدل)(1269).
(يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونُوا قوّامينَ للّهِ شُهداءَ بالقِسطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شنئانُ قوم على أن لاتعدِلُوا)(1270).
(يا أيّها الّذِينَ آمنُوا كُونُوا قوّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ للّهِ و لوعلى أنفسِكُم أوِ الوالِدَينِ والأقربينَ إن يكُن غَنِياً أو فَقِيراً فاللّهُ أولى بهما
فَلاتتَّبِعُوا الهوى أن تَعْدِلُوا وإن تَلْووا أو تُعرِضُوا فإنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيراً
)(1271).
ومفهوم قوله تعالى:(ومَن لَم يَحكُم بما أنزلَ اللّهُ فأُولئكَ همُ الفاسِقون)(1272)، وفي أُخرى (...هُمُ الكافِرون)(1273)، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «القضاة أربعة: ثلاثة في النار وواحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة». (1274)
وقال (عليه السلام): « الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية».(1275)
3ـ وقال أبو جعفر (عليه السلام) : «الحكم حكمان: حكم الله عزّ وجلّ وحكم أهل الجاهلية، وقد قال الله عزّ وجلّ:(ومَن أحسنُ مِنَ اللّهِ حُكماً لِقوم يُوقِنون)(1276) وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية».(1277)
إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالّة على أنّ المدار الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ وأنّه لاريب في اندراج من سمع منهم (عليهم السلام) أحكاماً خاصّة مثلاً وحكم بها بين الناس فيهاوإن لم تكن له مرتبة الاجتهاد.
يلاحظ على الجميع:
إنّ الآيات والروايات ليست بصدد بيان شرائط الحاكم وخصوصياته حتى يتمسّك بإطلاقها وإنّما هي بصدد بيان أمر آخر.
فالآية الأُولى والثانية بصدد بيان خصوصيات الحكم وأنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل وقضاءً بالقسط و أن لايخاف الحاكم من شنئان قوم فيحكم على خلافهما وأين هما من بيان خصوصيات الحاكم حتى يتمسّك بإطلاقهما؟!
ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل الله، لابصدد بيان خصوصيات الحاكم.
ومثل الآيات، تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم الله لابحكم الجاهلية وليس بصدد بيان شرائط الحاكم من كونه رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً وبصيراً، والاستدلال بالجميع غفلة عن شرائط انعقاد الإطلاق فإنَّ التمسك به في المقام نظير تمسّك بعضهم بإطلاق قوله سبحانه:(فَكُلوا مِمّا أمسكنَ عليكُم )(1278) على أنّه يجوز الأكل ممّا أمسك الجوارح بالأنياب بلا لزوم غسل مواضعها، مع أنّ الآية بصدد بيان شيء آخر وهو حلّية ما أمسكته وأنّه من الطيّبات لامن المحرّمات، وأمّا أنّه هل يؤكل مطلقاً أو بعد الغَسْل فليس بصدد بيانه حتّى يتمسّك بإطلاقه.
وهناك وجه آخر وهو أنّ الآيات والروايات بمعزل عن باب القضاء، لأنّ المراد من الحقّ، هو الحقّ في الشبهات الحكمية،والحقّ في باب القضاء يرجع إلى الحقّ في الشبهات الموضوعية غالباً كما لايخفى.
3ـ الاستدلال بإطلاق حديث الحلبي
قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيه فيتراضيان برجل منّا، فقال: «ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(1279)
والاستدلال موهون جدّاً، لعدم كون الإمام بصدد بيان شرائط القاضي حتى يتمسّك بإطلاق لفظ «رجل» وإنّما هو بصدد الفصل بين القاضيين وأنّه لايجوز الرجوع إلى قضاة العامّة بل يجب الرجوع إلى قضاة الشيعة، وأمّا ما هو صفاتهم وخصوصياتهم فليس الصحيح بصدد بيانه.
4ـ صحيح أبي خديجة
قال: قال أبوعبدالله جعفربن محمّد (عليه السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم
بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم... ».(1280)
وقد أُجيب عن الاستدلال بهذه الرواية على قضاء المقلِّد بوجوه نأتي بها:
أـ انّ الوارد فيها لفظ العلم وهو لايشمل المقلّد، لأنّ العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، والمقلِّد فاقد له.
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم المصطلح عليه في علم المنطق، والعلم الوارد في الكتاب والسنّة والمراد من الأوّل ما ذكر في كلامه ،والمرادبه في الحديث من هو ما قامت عليه الحجّة وإلاّ لزم عدم صحّة قضاء المجتهد لعدم علمه بالواقع، والعلم بالحكم الظاهري مشترك بين المجتهد والمقلِّد.
ب ـ انّ الرواية محمولة على صورة الاضطرار وعدم التمكّن ممن يعرف الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، وبما أنّ الشيعة كانت متفرقة آنذاك في بلاد نائية، ولم يكن في كل بلد وكورة، من يعرفها بالدليل، اكتفى صاحب الشريعة بمن يعلم شيئاً من الأقضية حتّى يصدّ بذلك باب الرجوع إلى أبواب الطواغيت.
يلاحظ عليه : بأنّه حمل تبرعي لادليل عليه وليس في الرواية ما يحكى عن كونها واردة في صورة الاضطرار، نعم هو احتمال في الحديث.
ج ـ إنّ العلم بشيء من قضاياهم مختصّ بالفقيه أو منصرف إليه، لأنّ العامي إمّا أن يتّكل إلى فتوى الفقيه في القضاء فلايصدق أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم بل هو يعلم فتوى الفقيه وهو طريق إلى حكم الله. وإمّا أن يتّكل بإخبار الفقيه بقضاياهم وهذا غير جائز، لأنّه لايزيد عن رواية مرسلة غير جائزة العمل، إلاّ بعد الفحص عن الجهات الأربعة: الصدور، والدلالة ،وجهة الصدور، وعدم المعارض. وأنّى للمقلّد هذا.
يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل، وهو الأخذ بإفتاء الفقيه لكنّه عند المقلّد هو حكم الإمام وقضاؤه، خصوصاً إذاكان الإفتاء بلفظ الحديث، كما في الفقيه والنهاية، والإفتاء وإن كان غير التحديث، والأوّل مشتمل على إعمال النظر، دون الثاني لكنّه لدى العرف، يعكس حكم الكتاب والسنّة وحلال الأئمّة وحرامهم.
والحق في الإجابة أن يقال: إنّ الصادر من الإمام مردّد بين ما نقل وبين ما جاء في روايته الأُخرى التي جاء فيها :«اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً». (1281) وقد عرفت أنّ لفظ «العرفان» لايستعمل إلاّ إذا كان هناك اشتباه يعقّبه التميز وهو لايصدق إلاّ في حقّ الفقيه لا المقلّد المحض. ولمّا تردّد لفظ النص بين ما يصح الاستدلال به وما لايصح، يسقط الاستدلال بها.
وبعبارة أُخرى: لمّا تردّد بين كون الخارج عن تحت الأصل خصوص المجتهد ولو كان متجزئاً أو مطلق من يعلم شيئاً، فيؤخذ بالقدر المتيقن في مقام الخروج . وهو الأوّل وقد مرّتوضيحه أيضاً.
5ـ الاستدلال بخبر محمّد بن حفص
قد يستدل بخبر محمّد بن حفص (1282) عن عبد الله بن طلحة (1283) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها ] فتحرّك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه[ فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج، حملت عليه بالفاس فقتلته. فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «اقض على هذا كما وصفتُ لك فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه، دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها إنّه زان وهو في ماله عزيمة وليس عليها في قتلها إيّاه شيء] لأنّه سارق [قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولا قود»(1284).
يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ ضمان الموالي، دية الغلام على خلاف القاعدة وعلى فرض كونهم عاقلة، إنما تضمن الدية في مورد الخطأ لا في مورد العمد.
وثانياً: أنّه من المحتمل أن يكون كلامه هذا: «اقض على هذا
كما وصفت» أشبه بالمشاكلة لا الحقيقة وأنّ المراد بيان الحكم الشرعي للمسألة.
وثالثاً: يحتمل كون ابن طلحة ممن كان ينطبق عليه المقياس الوارد في المقبولة.
رابعاً: أنّه يصح الاستدلال بها على صورة النصب أو الوكالة والثانية أظهر من النصب، لاعلى التصدي على وجه الاستقلال.
6ـ الاستدلال بالسيرة
إنّ الموجودين في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ممّن أمر بالترافع إليهم كانوا قاصرين عن مرتبة الاجتهاد وكانوا يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد، عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدليل.(1285)
وأجاب عنه المحقّق الآشتياني بأنّ الشرط الواقعي هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، فالمنصوبون من قبل الأئمّة كانوا يعلمون الأحكام وإن كانوا غير مجتهدين وأمّا زماننا هذا فالعلم فيه لايحصل إلاّ بالاجتهاد فليس للاجتهاد موضوعية إلاّ كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام وهو كان حاصلاً للمنصوبين يوم ذاك دون مقلدي أعصارنا. (1286)
وحاصله: أنّ الميزان ، هو العلم بالأحكام، لا الاجتهاد، والعامي في السابق كان عالماً بالأحكام بخلاف العامي في أعصارنا.
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من العلم ، العلم بالأحكام الواقعية فهو لم يكن حاصلاً يوم ذاك للمنصوبين ولا للمجتهدين في الأعصار المتأخرة ضرورة أنّ أصحاب الأئمّة ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، وقد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة والصادرة عنهم تقية إلى غير ذلك ممّا لا يوجب العلم بالحكم الواقعي، ومثله المجتهد، فإنّ ما يحصله أحكام قامت عليها الحجّة لا أنّها أحكام واقعية.
وإن أراد الأعمّ من الحكم الواقعي، فهو حاصل لمقلدي عصرنا.
والأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط فيتّجه الإشكال، وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع له هو من روى حديثهم، ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم. فهو كان صادقاً على قضاة عصر الرسول ومن بعده.كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة من المحدّثين والفقهاء لاتصالهم بالمعصومين ، وسماعهم منهم أو عمّن سمع منهم، وأمّا في عصرنا هذا فلايصدق إلاّ على من له قوّة الاستنباط حتّى يبذل الجهد بالتتبع في الروايات وينظر في حلالهم وحرامهم، ويعرف نهاية أحكامهم، فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار، غير أنّ بُعد العهد واختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات، والصادر تقية بالصادر لبيان الواقع، صار سبباً لعدم صدقه إلاّ على لفيف قليل أي المجتهدين، لأنّهم هم الممارسون بأحاديثهم والناظرون في حلالهم وحرامهم والعارفون بأحكامهم ولايصدق ذلك على المقلّد المحض الذي لايعرف شيئاً منها سوى ما جاء في رسالة مقلَّده.
ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح، فإنّ جواب المحقّق الآشتياني مبنيّ على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً، وأمّا في عصرنا فليس ميسوراً إلاّ على من له ملكة الاجتهاد.
وأمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّي هو ما جاء في لسان الرواية، أعني قوله:« روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا» وهو كان صادقاً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً(مجتهداً كان أو لا) ولكنّه في عصرنا هذا لايصدق إلاّ على المجتهد فليس الاجتهاد شرطاً وإنّما هو طريق لتحصيل موضوع الدليل.
ب: في نصب المجتهد، المقلِّد للقضاء
فرغنا عن البحث في تصدي المقلّد منصب القضاء استقلالاً، وقد عرفت عدم الدليل على جوازه ونفوذ قضائه، إنّما الكلام في تصديه له بعد نصب المجتهد إيّاه للنظر في المرافعات، والقضاءفيها على وفق رأيه .
إنّ جواز النصب للمجتهد رهن أمرين:
1ـ أن يكون النصب جائزاً في نفسه بأن لاتكون الفقاهة شرطاً شرعياً للقضاء ونفوذ الرأي كالذكورة والإيمان وإلاّ فلا ، لأنّها لو كانت شرطاً لايجوز للإمام فكيف يجوز للمجتهد الذي هو نائبه؟!
2ـ إنّ كل حكم يجوز للإمام يجوز للفقيه الجامع للشرائط.
فالدعوى الأُولى بمنزلة الصغرى للثانية وهي كبرى للأُولى، أمّا الأُولى فيمكن أن يقال إنّها غير ثابتة، أي لا نعلم أنّه يجوز للإمام نصب العامي للقضاء أو لا، والشكّ فيه كاف في الحكم بالمنع بالنسبة إلى المجتهد.
ومع قطع النظر عن ذلك نقول:إذا دلّت المقبولة والمشهورة على أنّ المأذون للقضاء من ينطبق عليه عنوان الناظر في الحلال والحرام والعارف بالأحكام، وفرضنا عدم انطباقه على المقلّد، يصير قضاء المقلّد، كقضاء المرأة فكما لايصح نصبها للقضاء، فهكذا العامي العارف بمسائل القضاء.
هذا كلّه على القول بدلالتهما على شرطية الاجتهاد في القضاء، و أمّا لو قلنا بعدم دلالتهما على شرطية الاجتهاد فنفس الشك في جواز نصبه المقلّد كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ لما قلنا إنّ الأصل عدم حجية رأي أحد في حقّ أحد إلاّ إذا قام عليه الدليل، وبذلك ظهر أنّ لتبيين حكم المسألة مراحل ثلاث:
1ـ الشكّ في جواز نصب العامي للقضاء، لنفس الإمام وعدمه ومع الشكّ فيه، لاتفيد أدلّة ولاية الفقيه إذ لا يتجاوز عن كونه منزّلاً منزلته. مع وجود الشكّ في المنزّل عليه.
2ـ مع قطع النظر عنه، إذا قلنا بدلالة المقبولة وغيرها على شرطية الاجتهاد، ومعه كيف يجوز للفقيه ، نصبه للقضاء؟!
3ـ إذا كانت دلالتها قاصرة فنفس الشكّ يكفي في الحكم بالعدم أخذاً بحكم الأصل الأوّلي.
وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده سيّدنا الأُستاذ (قدس سره) في ردّ الاستدلال حيث قال: إنّ المقبولة لاتدل إلاّ على نصب الإمام الفقيه للقضاء، وأمّا كون ذلك بإلزام شرعي بحيث يستفاد منها أنّ الفقاهة من الشرائط الشرعية فلا.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه لو افترضنا أنّ المقبولة والمشهورة ليستا بصدد بيان شرائط من له حقّ القضاء، لكن نفس الشكّ في مشروعية قضاء العامي العارف بمسائل القضاء عن تقليد، كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ وذلك مثل الشك في جواز التعبّد بالظن، فإنّ نفس الشك كاف في الحكم بحرمة التعبد ولا يحتاج إلى دليل آخر.
ويمكن أن يستدل على عدم مشروعية قضاء العامي بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصيّ نبيّ».(1287)
فإنّها صريحة في أنّ القضاء شرّع للأنبياء وأوصيائهم، ولا ينافيه ما دلّ على جوازه للفقهاء، لأنّهم أوصياء الأنبياء(1288) بوجه، فتكون المقبولة حاكمة عليها بالتصرّف في الموضوع وتوسيعه وإدخال مالايدلّ عليه ظاهرها (الصحيحة) والعامي ليس وصياً لنبي. فلم يدل دليل على مشروعية قضائه.
ج: في توكيل المقلّد للقضاء
قد عرفت عدم جواز استقلال المقلّد للقضاء ولانصب المجتهد إيّاه للتصدّي، بقي الكلام في توكيله حتّى يقوم العامي المقلّد، بفعل المجتهد ويعمل عمله، لاعمل نفسه، كما هو الحال في صورة النصب على ما عرفت الفرق بينهم.
والقول بالجواز مبني على ثبوت أحد أمرين على نحو مانعة
الخلو :
1ـ أن يكون هنا دليل خاص من العرف وغيره على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل والنيابة ومع ثبوته بالخصوص، لايشترط في الوكيل سوى ما يشترط في غيره.
2ـ إذا لم يدلّ دليل خاص على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل وصارت النيابة فيه مشكوكة، ولكن كان في باب الوكالة دليل يدلّ على أنّ كلّ أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج بالدليل، ومعه لايبقى شك في كونه قابلاً للنيابة وتعمه أدلّة الوكالة وعموماتها.
وبذلك ظهر أنّ المراد من الأمر الثاني، ليس مطلق عمومات باب الوكالة كعمومات باب البيع والعقود، التي لاتفيد عند الشك في كون شيء قابلاً للبيع أو العقد عليه، بل الدليل الخاص الدال على أنّ كل أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج، وهذا غير عمومات باب الوكالة الناظرة إلى الحكم ، دون قابلية الموضوع كسائر العمومات.
إذا عرفت ذلك، فالمسألة غير معنونة في كلمات القدماء فلنكتف بكلمات المتأخّرين فقد قال المحقّق الرشتي: «الحقّ عدم الجواز وفاقاً للكل أو الجلّ، لأنّ التوكيل مشروط بعدم اشتراط المباشرة في تأثير الحكم وإلاّ لم يعقل فيه التوكيل واشتراطها هنا معلوم أو مشكوك والتمسّك بأدلّة الوكالة غير مجد في المقام.(1289)
أمّا الأمر الأوّل أي الدليل الخاص فتوضيح المقام:
إنّ الموضوعات من جهة ترتّب الأثر عليها مختلفة وهي:
1ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة كونه قائماً بفاعل خاص كالمضاجعة فهي محكومة بالحلّية إذا كان المباشر لها هو الزوج لاغير.
2ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة أصل وجوده في الخارج من غير خصوصية للفاعل، وذلك كتطهر الثوب بالماء فهو يطهر، سواء كان المباشر للغَسل إنساناً بالغاً أو صغيراً أو غير إنسان بل حيواناً أو ريحاً. فالموضوع هو تحقّق الغسل بالماء كيفما كان.
3ـ ما يترتّب عليه الأثر المقصود بملاحظة قيامه بإنسان عاقل بالغ مباشرة أو تسبيباً كالبيع والإجارة، والنكاح والطلاق.
4ـ ما يشك في أنّه من أيّ قسم من هذه الأقسام، كالقضاء كما سيأتي.
فالأوّلان لايقبلان الوكالة، لاعتبار الفاعل الخاص في ترتّب الأثر في الأوّل ومثله لاينفك عن اعتبار المباشرة، وعدم لحاظ الفاعل في الثاني حتى يكون هناك نائب ومنوب عنه، والثالث يقبلها بلاشك.
وأمّا الرابع: فيمكن أن يقال: إنّه مع الشك يحكم بأنّه غير قابل للنيابة كنظائره والضابطة الكلية: إنّ كل عمل يتوقف على إعمال النظر والدقّة والعلم واليقين بالموضوع، وبالتالي اتخاذ عقيدة خاصة فيه فهو يقوم بالفاعل المباشر، ولاتصح نسبته إلى الغير الفاقد لهذه الأُمور ، وبالجملة: إنّ تشخيص كل واحد ينسب إلى نفسه و لاتقبل النسبة إلى غيره بالتسبيب .
وعلى ذلك يترتّب عدم جواز الوكالة في الأُمور التالية:
1ـ الطبابة: فإنّ الطبيب بعد المعاينة والدقّة في أحوال المريض وأوصافه، يتبنّى عقيدة ونظراً في حقّ المريض، فيأخذ بكتابة نسخة العلاج ويأمره بالاتباع فهذا أمرقائم بالطبيب ولا تصح نسبته إلى الشخص الآخر وإن أمر بالمعالجة وذلك لعدم وجود شيء من هذه الأُمور فيه حسب الفرض.
2ـ الحلف 3ـ الإقرار 4ـ الشهادة. فإنّ الجميع إخبار عن واقع بعلم جازم قاطع أخذاً بماهية هذه الأُمور، فلو تحقّق في الوكيل دون الموكّل، لاتصح له نسبة هذه الأُمور إلى الموكّل لافتقاره مقوِّمها وإن تحقّق في الموكّل دون الوكيل، لايصح من الوكيل الإقرار والشهادة والحلف لتقوّمها بالعلم والاطلاع القاطع، وهو فاقد له وإن تحقق في كليهما، كلّ يقوم بعمل نفسه.
5ـ ومنه يظهر حال القضاء فإنّ مورده إمّا شبهة حكمية أو موضوعية، فالقضاء في الصورة الأُولى بنفس الإفتاء وهو قائم بالمجتهد دون العامي، كما أنّه في الثانية يتضمّن الإفتاء في مورد جزئي، والإفتاء لايقبل النيابة لأنّه فرع العلم بالحكم والعامي فاقد له.
وبذلك يعلم أنّ القضاء لايقبل الوكالة وإن كان الوكيل مجتهداً. سواء وكّله بالقضاء على رأي الموكّل أو رأي الوكيل، و إن كان يظهر من السيّد الطباطبائي جوازه حيث قال: قد تكون هناك ما يوجب الحاجة إلى التوكيل، كما إذا لم يرض المترافعان إلاّ بالرجوع إلى مجتهد وكان معذوراً في المباشرة، فحينئذ يوكل مجتهداً آخر مع فرض عدم رضاهما بالإرشاد إلى ذلك الآخر وقالا: إنّا نريد أن تكون أنت الفاصل بيننا بالمباشرة أو التسبيب ـ ثم ّ قال: ـ وهل على النائب حينئذ أن يقضي في المسائل الخلافية بمقتضى رأيه أو برأي المستنيب يظهر من المسالك الأوّل وأنّه لايجوز أن يقضي إلاّ برأيه، والظاهر جواز الأمرين وكونه تابعاً لكيفية التوكيل، فإن وكّله في أصل القضاء فيعمل برأيه، وإن وكّله في القضاء بينهما بمقتضى رأي الموكّل فيعمل برأيه.(1290)
يلاحظ عليه: أنّ القضاء يتضمّن الإفتاء وهو لايقبل الوكالة، لأنّه إن قضى برأي نفسه، فقد قضى مباشرة لا وكالة ; وإن قضى برأي الموكّل، فهو فرع جواز الوكالة في الفتوى.
ولو رفضنا تلك الضابطة و افترضنا الشكّ في قابلية القضاء للوكالة فلايمكن التمسك في إثبات القابلية له بالعمومات الواردة فيه لعدم كونها بصدد بيان تلك الجهة.
و أمّا الكلام في الأمر الثاني أي وجود دليل في باب الوكالة يدلّ على أنّ كل موضوع قابل للنيابة إلاّ ما دلّ على اعتبار المباشرة فيه، فربّما يوهمه بعض الروايات التالية:
1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال:من وكّل رجلاً على إمضاء أمر من الأُمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها.(1291)
والإمعان فيها يوضح أنّه ليس بصدد بيان قابلية كل «أمر من الأُمور» للوكالة، بل بصدد بيان أنّ عمل الوكيل نافذ إلى أن يبلغه العزل.
2ـ صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الأُمور وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال :اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبلَ العزل فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل. كره الموكّل أم رضي.قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يَعْلَمَ العزل أو يبلغه أنّه قد عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟! قال: «نعم» قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضي الأمر ثمّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟! قال : «نعم، إنّ الوكيل إذا وكّل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض أبداً والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة».(1292)
وهذه الرواية كسابقتها ليست بصدد بيان أنّ الوكالة في كل أمرماض، وإنّما هي بصدد بيان مضيّ ونفوذ الوكالة في كل ما تصحّ الوكالة فيه، مالم يبلغه العزل بثقة، كما هو واضح. فإذا شككنا في أنّ القضاء يقبل الوكالة أو لا فليس هنا دليل على صحّة التوكيل فيه.
ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي نقل عن المسالك دليلاً على عدم الجواز ـ ولم نعثر عليه فيها ـ حاصله: أنّه يشترط في القاضي أن يكون مجتهداً، ومعه لافرق بين النائب والمستنيب في ثبوت ولاية القضاء له فلامعنى لكون أحدهما وكيلاً عن الآخر، فهو نظير توكيل أحد الوليين أو الوكيلين أو الوصيين للآخر، فكما أنّه لغو فهكذا في المقام.(1293)
يلاحظ عليه : أنّ ذلك خلط بين النصب والوكالة، فبما أنّ المنصوب مستقل في عمله يشترط فيه ما يشترط في الناصب ، وهذا بخلاف الوكالة فإنّ الوكيل يقوم بنفس عمل الموكّل كأنّ المجتهد، يقضي بواسطة وكيله. فيكفي وجود الشرط فيه من دون لزوم وجود شرط خاص في الوكيل سوى الشروط العامة في مطلق الوكالة.
فالحقّ في عدم جواز الوكالة منه ، لعدم ثبوت كون القضاء ممّا يقبل الوكالة، ولم يدل دليل عليه، لامن العرف ولاغيره.
د: نصب المقلّد للقضاء عند الاضطرار
ما تلوناه عليك من الأدلّة على عدم جواز تصدّي العامي للقضاء استقلالاً أو نصباً إنّما كان راجعاً إلى حال الاختيار، وأمّا الكلام في حال الاضطرار، فقد قال المحقّق: إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام (عليه السلام) كما اتّفق لبعض القضاة في زمن علي(عليه السلام)وربّما منع من ذلك.(1294)
وقال في المسالك: إذا اقتضت المصلحة عند الإمام تولية من لم يستكمل شرائط القضاء بأن كان قاصراً في العلم أوالعدالة ففي جواز توليته عندنا وجهان: أحدهما: المنع لفقد الشرط المقتضي لفقد المشروط ـ إلى أن قال: ـ الثاني: الجواز نظراً إلى وجود المصلحة الكلية التي هي الأصل في شرع الأحكام ولوقوع مثله في زمن عليّ (عليه السلام) فقد كان ولّى شريحاً القضاء مع ظهور مخالفته له في الأحكام المنافية للعدالة التي هي أحد الشرائط.(1295)
يلاحظ عليه: أنّ التمسك بسيرة الإمام غير واضح، لعدم وضوح وجهة عمله ولعلّ القاضي كان صالحاً يوم ذاك!!، أو كان الإمام مضطراً في إبقائه في منصبه، لاشتغاله بالقضاء من عصر الخليفة الثاني إلى زمان الإمام، ولا يعني ذلك أنّ الإمام كان يعمل بالتقية، حتى يقال إنّه ما كان يعمل بالتقية، بل المصالح اقتضت الإبقاء وتصوّر أنّ المصالح كانت تقتضي إبقاء معاوية فلماذا رفضها؟ مردود بأنّ المبايعين الذين صدّروا عليّاً منصَّة الخلافة وبايعوه، كانوا هم المضطهدون المطالبون عزل ولاة عثمان الذين امتصوا دماء الأُمة، فعزل معاوية ـ مضافاً إلى أنّه كان واجباً شرعياً على الإمام ـ كان واجباً اجتماعياً. وعلى كل تقدير يمكن تقرير الجواز بالوجه التالي:
إنّ حفظ الحقوق رهن فصل الخصومات ورفع المنازعات، فإذا لم يتمكّن من الرجوع إلى المجتهد، ولم يجز نصب العامي للقضاء تقليداً، لزم بعد ذلك ارتكاب أحد محاذير ثلاثة:
1ـ فإمّا أن يُرفع الشكوى إلى ديوان الظالمين، وهو حرام.
2ـ أو يمنع من الترافع إلى الأبد، وفيه إبطال للحقوق ورفع للأمان عن الدماء والأعراض والأموال.
3ـ أو يلزم الصبر إلى أن يتمكّن من الرجوع إلى الفقيه، وهو موجب للعسر والحرج وربّما لايتمكّن المدّعي من إقامة الشاهد عند ذاك.
وعلى ضوء ذلك: لامناص للفقيه من نصب (العامي) للقضاء تقليداً في الشبهات الموضوعية والحكمية حفظاً للحقوق، إذاكان له المقدرة على التمييز والتشخيص في تطبيق الأحكام والكلّيات على مصاديقها.
فإن قلت: إنّ الرجوع إلى المحاكم العادية التي لا تحكم على وفق الكتاب والسنّة يحفظ الحقوق، كما كانت الحال على ذلك قبل الثورة الإسلامية في إيران.
قلت: إذا دار الأمر في حفظ الحقوق بين الرجوع إلى المحاكم العادية، والنزول عند حكم المقلّد العارف بالأحكام الإسلامية عن تقليد، فالثاني هو المتعيّن، لأنّ حرمة الأُولى مطلقة متأكدة، قال سبحانه:(ألَم تَرَ إلى الّذِينَ يزعُمونَ أنّهم آمنوا بِما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتحاكَمُوا إلى الطاغوتِ وقد أُمروا أن يكفُروا بِهِ ويريدُ الشيطانُ أن يُضِلَّهُم ضَلالاً بعيداً)(1296). ولأجل ذلك لامناص في حفظ الحقوق من اختيار قضاء المقلّد وتقديمه عليها.
وعلى ذلك فوجود المحاكم العادية وعدمها سواء، فيتعيّن على الفقيه نصب العامي العارف بالقضاء لرفع الخصومات بين الناس، من غير فرق بين كون المورد من قبيل الشبهات الموضوعية أو الحكمية، وهو من القضايا التي قياساتها معها، لأنّ ترك المرافعة والقضاء يؤدي إلى تضييع الحقوق والأموال وإيقاف الأمر إلى التمكّن من المجتهد، لاينفع إذا طال الزمان وما زالت الشكاوى والدعاوى تترى وتتزايد وشدّ الرحال إلى المجتهد النائي أمر مشكل، وعندئذ فإذا كانت الشبهة موضوعية، يعمل بقواعد «المدّعي والمنكر» (التي مارسها مدّة على أيدي القضاة المهرة). وإذا كانت الشبهة حكمية مثل منجزات المريض وثبوت الشفعة إذاكانت الشركاء أزيد من ثلاثة، وتحريم عشر رضعات فبما أنّ القضاء فيها لايحتاج إلى إقامة بيّنة وجرحها وتعديلها يكفي العثور على رأي المجتهد والحكم على وفقه.
وإن شئت قلت: إنّ الشرط هو الصدور عن الكتاب والسنّة، فلامانع من سقوط شرطيته عند الاضطرار وفقد القائم به.
فإن قلت: إنّ القضاء في الشبهات الحكمية والموضوعية لايخلو عن إفتاء بالحكم الكلي أو الإفتاء بالحكم الجزئي وليس العامي أهلاً له.
قلت: يظهر حلّه بعد بيان ما تجب على العامي مراعاته من باب الاحتياط والأخذ بالقدرالمتيقّن وإليك بيانها:
الأوّل: إذا قلنا بسقوط شرطية الاجتهاد في حال الاضطرار لكن القدر المتيقّن للجواز هو العامي الذي ينصبه المجتهد لذلك المقام. وذلك لالوجود الدليل على الشرطية (لما عرفت من أنّه لايجوز نصب العامي للقضاء في حال الاختيار) بل لاحتمال مدخلية نصب المجتهد في هذه الحالة، دفعاً للهرج والمرج وحفظاً لنظام القضاء على الحدّ الممكن.
الثاني: للتأكد من إصابة الحقّ ، والتجنب من الاشتباه يلزم عليه التشاور في القضاء والسؤال عن سائر العارفين بالقضاء، فإنّ الرأي الصادرعنده أقرب إلى الحقّ وألصق بالواقع، وحقّ الرأي للمنصوب فقط.
الثالث: إذا نصب المجتهد العامي العارفَ بالقضاء في زمان كان الرجوع إلى المجتهد موجباً للعسر والحرج، فهل يختصّ قضاؤه بخصوص لو كان مناط الرجوع موجوداً ، أو يعمّه وما إذا كان الرجوع إليه سهلاً ويسراً؟ وجهان:
1ـ إنّ الحكم النابع عن العسر والحرج يدور مدارهما فلو كان رفع الشكوى إلى المجتهد سهلاً، يلزم عليه إرجاع المتداعيين إلى المجتهد وإلاّ فيباشر بنفسه خصوصاً إذا قلنا بأنّ العسر الرافع للحرج هو الشخصي منه لا النوعي.
2ـ إنّ تحديد القضاء بوجود العسر الشخصي وعدم كفاية العسر النوعي يوجد الغموض في أمر القضاء و ربّما يزيد في العسر والحرج، والأوّل أحوط والثاني أقوى، خصوصاً إذا كان هنا نظام في القضاء يشتغل فيه أشخاص كثيرون، لايمكن تعليق عملهم يوماً دون يوم.
الرابع: إذا نصب المجتهد العامي للقضاء يجب عليه العمل بفتوى الأعلم، وليس له أيّ تدخل في ترجيح الآراء بعضها على بعض، وتقديم المشهور على الشاذ، إذا كان فتوى الأعلم مطابقاً للثاني، أو ترجيح مايؤيّد بعض الظنون على الأُخر، لأنّ كل ذلك من وظائف أصحاب النظر فقط .
الخامس: إذا نصبه مجتهد للقضاء فهل له الصدور عن رأي الأعلم أو عن رأي المجتهد الناصب له، أو يتخيّر؟ فالأقوى هو الأوّل، كما عرفت لأنّه من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير.
السادس: إذا كان هناك من هو أعرف بموازين القضاء تقليداً من غيره وإن كان له أيضاً عرفان بالقضاء فيقدم الأعرف فالأعرف في مقام النصب، إلاّ إذا لم يستعد الأعرف للقضاء فيتعيّن غيره.
السابع: إذا تعذّر النصب من جانب المجتهد، فعلى ا لمسلمين أن يختاروا أعرفهم بموازين القضاء، ولو عن تقليد.
الثامن: الذي يترتّب على قضاء العامي، هو لزوم طاعته وتنفيذ رأيه، وأمّا عدم جواز نقضه وعدم جواز تجديد المرافعة، لدى التمكّن من المجتهد فلا، لأنّ كلّ ذلك من آثار قضاء المجتهد، لا العامي العارف بالقضاء. نعم لا يصحّ النقض إلاّ من جانب المجتهد الناصب، لاغيره لأنّه يستلزم الهرج والمرج.
وبذلك اتضح جواب الإشكال السابق، وذلك لأنّ القضاء في المقام ليس قضاء حقيقياً حتى يعترض عليه بأنّ القضاء لايخلو عن إفتاء، وهو شأن المجتهد دون العامي، بل عمل بالواجب بالقدر الممكن وإن كان مشوباً بالخلاف.
وعلى كل تقدير لو كان في هرم النظام مجتهد جامع للشرائط، فعليه أن يتكفّل بهذه الأُمور، وعليه النصب والعزل والنقض وليس للآخرين التدخل وإلاّ استلزم الفوضى في النظام.(1297)
وبما ذكرنا يظهر أنّ المسوغ لنصب المقلّد العارف بالأحكام على القضاء ليس هو المصالح العامة الواردة في عبارة المحقّق وغيره حتى يقال: «إنّ الأحكام الشرعية لاتتغير بالمصالح المرسلة فلايجوز رفع اليدعن بعض شرائط النكاح والطلاق والمعاملات بمجرّد وجود مصلحة تقتضي خلافها، بل يلزم العمل بإطلاق أدلّة الشرائط فلايجوز رفع اليد عن شرطية العدالة، أو الاجتهاد في القاضي بوجود مصلحة ملحوظة في قضاء الشخص الفاقد لذلك الشرط».
وذلك لما عرفت من أنّ المسوّغ، هو أدلّة رفع الحرج في الشرع، أو كون الاضطرار مسقطاً لشرطية الشرط إذا كان في دليل المشروط إطلاق، وإلاّ فالمصالح المرسلة ليست مناطاً للتشريع في فقه الإمامية.
ثمّ إنّ بعض المانعين عن ممارسة المقلّد مهمّة القضاء عند الاضطرار قال:
إنّ التخلّص من هذه المشكلة الاجتماعية لاينحصر بذلك، بل هنا طرق أُخرى تنحلّ معها عقدتها، وإليك الطرق:
1ـ العمل بالبيّنة لو كانت، و إلاّ فيخلي سبيل المنكر، كما هو الحال بين الأُمم غير الدينية، من دون حاجة إلى الحلف.
2ـ العمل ببيّنة المدّعي أو أيّ دليل يقيمه بحيث يحصل العلم منه، وإلاّ فيتوجّه الحلف على المنكر بناءً على عدم اختصاص الحلف بصورة وجود القاضي، ولمّا كان المفروض قبول المتنازعين الحقّ والحكمَ الشرعي فيمكن لهما العمل بذلك من دون حاجة إلى وجود شخص ثالث.
3ـ الرجوع إلى قاعدة العدل والإنصاف وليس مصداق العدالة أمراً خفيّاً.
4ـ العمل بالصلح القهري حيث يدور الحقّ بين شخصين.
5ـ العمل، بالقرعة في الشبهات الموضوعية لا الحكمية.
يلاحظ عليه: أنّ صاحب النظرية افترض المترافعين رجلين عادلين يريدانِ العمل بالحقّ المرّ، فعند ذلك يصحّ بعض ما افترضه رافعاً للمشكلة، ولكن قلّما يتّفق ذلك وتصوّر أنّ موضوع البحث هو ما إذا لم يكن للإمام قدرة ظاهرية والدافع الى العمل بالحكم إيمانهما، ليس بمعنى أنّه ليس لقضائه في نفوذ الحقّ أيّ تأثير ، إذ ربّما يكون لقضائه تأثير في العمل بالحقّ وإن كانا يعرفانه قبل القضاء أيضاً بحيث لولا القضاء لما كان دافع تامّ للعمل بالحقِّ، مضافاً إلى أنّ موضوع البحث أعمّ من ذلك، ويعمّ ما إذا قامت دولة إسلامية قاهرة ولكن كانت القضاة الجامعة للشرائط أقلّ ممّا تحتاج إليه الأُمّة فيقع البحث في نصب المقلّد العارف على القضاء فتكون للقاضي قدرة التنفيذ.
وعلى ذلك فالفرضان الأوّلان، لايتمشيان إلاّ في مجتمع أشبه بالمدينة الفاضلة التي صوّرها أفلاطون ولاينفعان في مجتمعنا، والرجوع إلى قاعدة العدل والإنصاف لاتفيد في الشبهات الحكمية وليس بأقرب إلى الواقع من العمل بقول المقلّد العارف، والطريق الرابع منحصر فيما إذا كان الحقّ بين شخصين خاضعين للصلح.وبالجملة اقتراح هذه الطرق، يعرب عن كون المقترح بعيداً عن المشاكل الاجتماعية، وأمّا العمل بالقرعة فلايتمّ إلاّ في مورد وجود حقّ مردد بين الشخصين لافيما إذا تردد الأمر بين وجود الحقّ وعدمه وهو الأكثر ولم ترد القرعة في المورد الأخير فلاحظ. وعلى أيّ تقدير فشكر الله مساعي كلّ من فكّر في رفع مشاكل الأُمّة الإسلامية.
الشرط التاسع :كونه ضابطاً
لاشكّ في شرطية الضبط في القضاء كاشتراطه في الإفتاء والشهادة ونقل الرواية، غير أنّ المهم تقديره، فاكتفى المحقِّق بعدم غلبة النسيان عليه، فلو غلبه النسيان لم يجز نصبه.(1298)
يلاحظ عليه: أنّ لازمه جواز نصب المساوي مع أنّه لاتجوز توليته. ولأجل ذلك عطف العلاّمة عليه في القواعد، مساواتهما وقال:«ولوغلب النسيان أو ساوى ذُكرَه، لم تجز توليته».(1299)
والظاهر عدم كفاية مجرّد غلبة الذُّكر على النسيان وإن كان قليلاً كما إذا زاد ذُكره على نسيانه بواحد، بل لابدّ ـ مع ذلك ـ أن يعدّ إنساناً ضابطاً، لاناسياً ويكون نسيانه أمراً عاديّاً لاعلى خلاف العادة، والدليل على اعتباره ـ مضافاً إلى خطورة الموقف، وبناء العقلاء في المورد ونظائره ـ انصراف النصوص إلى الإنسان المتعارف، ومن غلب نسيانه ذُكرَه ، أو ساواه، أو غلب ذُكره عليه بمقدار قليل، لايعدّ إنساناً عادياً.
الشرط العاشر: العلم بالكتابة
اختلفت كلمة الفقهاء في شرطية العلم بالكتابة وإن كان الاجتهاد، لا ينفكّ عن العلم بها غالباً. وقلّما يتّفق لإنسان، بلغ قمّة الاجتهاد، ومع ذلك يقرأ ولايكتب.
قال الشيخ في «المبسوط»: فإن كان يحسن الكتابة انعقد له القضاء. وإن كان لايحسن الكتابة قال قوم: انعقد له القضاء، لأنّه ثقة من أهل الاجتهاد وكونه لايكتب لايقدح منه، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إمام الأئمّة ، ماكان يكتب ولم يُؤثَر ذلك منه. وقال آخرون: الكتابة شرط لأنّه يحتاج أن يكتب إلى غيره وأن يكتب غيره إليه....(1300)
وعلّله في «المسالك» بقوله: بأنّه ربّما يضطر إلى معرفة الوقائع والأحكام التي لايتيسر ضبطها غالباً إلاّ بها، وهذا اختيار الشيخ والمصنف (المحقق) وأكثر الأصحاب، والتمسّك بأُميّة النبيّ وأنّه كان لايكتب مدفوع بأنّه كان مصوناً بالعصمة المانع من السهو والغلط.(1301)
وقد عرفت أنّ المسألة قليلة الجدوى جدّاً لعدم التفكيك بين الاجتهاد والكتابة، ومع ذلك فليست الكتابة شرطاً لجواز التصدّي كالبلوغ والعدالة، فلو نصب للقضاء في أُمور لاتتوقف على الكتابة والضبط صحّ نصبه وقضاؤه وإن لم يعرف الكتابة، غير أنّ القضاء في اليوم خصوصاً القضاء العام ، لا ينفكّ عن الحاجة إلى الضبط بالكتابة ولايكون القاضي مصوناً من الاشتباه وغدر المترافعين، حتّى أنّهم قالوا: ينبغي للقاضي أن يتّخذ كاتباً بين يديه يكتب عنده الإقرار والإنكار.(1302)
الشرط الحادي عشر: البصر
قال الشيخ: أمّا كمال الخلقة فيشترط أن يكون بصيراً، فإن كان أعمى لم ينعقد له القضاء، لأنّه يحتاج إلى معرفة المقرِّ من المنكر، والمدّعي من المدّعى عليه وما يكتبه كاتب بين يديه، وإذا كان ضريراً لم يعرف شيئاً من ذلك.(1303)
وقال المحقّق: وفي قضاء الأعمى تردّد أظهره أنّه لاينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم وتعذر ذلك مع العمى إلاّ فيما يقلّ. (1304)
وقد علم حاله ممّا ذكرناه في الكتابة ، وأنّه ليس كسائر الشروط من البلوغ والعدالة فيجوز نصبه لأُمور، لايتوقّف القضاء فيها على البصر لكنّه قليل جدّاً. والاضطرار إليه في أغلب الموارد، يجرنا إلى القول بعدم جواز نصبه.
الشرط الثاني والثالث عشر: السلامة من الصمم والخرس
قالوا باشتراط السلامة من الصمم والخرس، لكن وزانهما وزان ما سبق من اشتراط الكتابة والبصر. فلانطيل.
الشرط الرابع عشر: الحرية
وأمّا الحرّية فلادليل على الاشتراط أوّلاً، وأنّ عدم الابتلاء به أغنانا عن البحث عنه ثانياً.


1113 . الوسائل: ج 18، الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
1114 . الوسائل: ج 19 ، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2،3،5.
1115 . مريم: 12 .
1116 . نهج البلاغة: 1 / 30، الخطبة 2، شرح عبده.
1117 . لاحظ : النساء: 144، المائدة: 51.
1118 . النساء: 60.
1119 . راجع التبيان: 3 / 238، في تفسير الآية.
1120 . النساء: 141.
1121 . المسالك: 2/389.
1122 . الذاريات: 35ـ36.
1123 . الحجرات: 14.
1124 . المقنعة:721.
1125 . النهاية: 301 ، كتاب الجهاد.
1126 . الخلاف: 3 / 207، كتاب القضاء، المسألة 1ـ6.
1127 . المبسوط: 8/83.
1128 . السرائر: 3/153.
1129 . الشرائع:4/67.
1130 . مفتاح الكرامة : 10/9 ، قسم المتن.
1131 . الجامع للشرائع: 522.
1132 . مجمع الفائدة: 12 / 18.
1133 . مجمع الفائدة: 12 / 22.
1134 . الجواهر: 40/13.
1135 . تحرير الوسيلة: 2 / 407.
1136 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
1137 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 5.
1138 . الوسائل: ج 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.
1139 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.
1140 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1141 . الوسائل: ج 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي.
1142 . الوسائل: ج 18، الباب 5 من أبواب صفات القاضي.
1143 . الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.
1144 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.
1145 . البقرة:188.
1146 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.
1147 . المائدة: 42.
1148 . تقدّمت مصادر كلماتهم عند البحث عن شرطية الإيمان.
1149 . الكافي في الفقه : 423.
1150 . مفتاح الكرامة: 10/9.
1151 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث3 .
1152 . الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1 .
1153 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب عقد البيع، الحديث 1، حديث إسماعيل بن سعد الأشعري ; والجزء 13، الباب 88 من أبواب الوصايا، الحديث 2 حديث سماعة.
1154 . الشرائع: 4/67.
1155 . الروضة: 3/62.
1156 . المسالك : 2/389.
1157 . المبسوط:8/99.
1158 . الجامع للشرائع : 529.
1159 . الوسائل: ج 5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2. ولاحظ الحديث 1، 4، 5، 6.
1160 . الوسائل: ج 18، الباب31 من أبواب الشهادات، الحديث 3. ولاحظ أيضاً الحديث 1، 4، 5، 7.
1161 . السفينة: 1/560.
1162 . نهج البلاغة: 3 / 94، قسم الرسائل: 1، برقم 53.
1163 . نهج البلاغة: 3 / 94، قسم الرسائل: 1، برقم 53.
1164 . شرح نهج البلاغة: 16/181.
1165 . نهج البلاغة : 3 / 19، برقم 20 .
1166 . نهج البلاغة : 3 / 94، برقم 44.
1167 . شرح النهج: 16/180.
1168 . شرح نهج البلاغة: 16/181.
1169 . نفس المهموم: 132، الطبعة الأُولى.
1170 . مجمع البحرين: 1/144.
1171 . أقرب الموارد: 13/337.
1172 . شرح نهج البلاغة: 16/193.
1173 . الإمامة والسياسة: 1/165.
1174 . الخلاف: 6 / 212، كتاب القضاء، المسألة 6.
1175 . المغني :10/127.
1176 . المبسوط: 8 / 101 .
1177 . لاحظ المقنعة: 721، والنهاية: 337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، والمختلف 4/76.
1178 . الشرائع: 4 / 67.
1179 . تحرير الأحكام: 5 / 110 ـ 111 .
1180 . مفتاح الكرامة: 10 / 9، قسم المتن.
1181 . الجامع للشرائع: 522.
1182 . المسالك: 2 / 283.
1183 . مفتاح الكرامة: 10 / 9.
1184 . مجمع الفائدة: 12/15.
1185 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1186 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5و8.
1187 . النساء: 34.
1188 . مجمع البيان: 2/43.
1189 . تفسير ابن كثير : 2/275.
1190 . تفسير الصافي:1/353.
1191 . آل عمران: 195 .
1192 . التبيان: 3/ 189. والغاية من نقل عبارته، هو آخرها لا أوّلها لما مرّ الكلام فيه، والغرض بيان ملاك التفضيل.
1193 . مجمع البيان: 2/13.
1194 . الكشاف: 1/206.
1195 . البقرة: 282.
1196 . التوبة: 41.
1197 . الأحزاب: 33.
1198 . الدر المنثور:2/153.
1199 . النساء: 34.
1200 . النساء: 34.
1201 . الموالي:أي الأولى بالميراث.
1202 . النساء: 33.
1203 . النساء: 34.
1204 . النساء: 35.
1205 . مجمع البيان: 2/43 ط صيدا . ونقله غيره أيضاً.
1206 . الميزان: 4/365و366.
1207 . البقرة: 228.
1208 . القيامة: 16ـ 18.
1209 . الإسراء: 106.
1210 . مجمع البيان: 1/327.
1211 . المفردات: 331، مادة «عرف».
1212 . الزخرف: 18.
1213 . الوسائل: ج 18، الباب 2من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1214 . تنقيح المقال:1/155.
1215 . الفقيه: 4 / 134 ، قسم المشيخة.
1216 . البحار: 103/254، الحديث1.
1217 . الأفن ـ بسكون الفاء ـ : النقص وبالتحريك ضعف الرأي.
1218 . نهج البلاغة: 3 / 56 ، قسم الرسائل: الرسالة 33.
1219 . صحيح البخاري: 6 / 10، كتاب المغازي وغيره .
1220 . كتاب القضاء : 29.
1221 . جواهرالكلام: 40/18.
1222 . الخلاف: 6 / 207 ، كتاب القضاء، المسألة 1.
1223 . النهاية: 337 ، كتاب القضايا والأحكام.
1224 . الكافي: 421ـ422.
1225 . المهذّب: 2/597.
1226 . السرائر: 2/154.
1227 . الجواهر: 40 / 15 ، قسم المتن.
1228 . مفتاح الكرامة: 10 / 9 ، قسم المتن.
1229 . المسالك: 2/389.
1230 . مفتاح الكرامة:10/9.
1231 . الجواهر: 40/15.
1232 . المختلف: 8 / 416 ، كتاب القضاء، شرائط القاضي، المسألة 3.
1233 . النساء: 60.
1234 . الوسائل: ج 18، الباب 11و 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
1235 . رجال النجاشي: 2 / 220، برقم 898.
1236 . رجال النجاشي: 1 / 367، برقم 419.
1237 . معجم رجال الحديث: 13 / 27 ، برقم 8720 فقد أتى بها وضعّفها كلّها، فلاحظ.
1238 . ولعلّ ما رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 عن داود بن الحصين عن أبي عبد الله بلا وساطة عمر بن حنظلة جزء من هذه الرواية، و ليس حديثاً مستقلاً سقطت الواسطة فيها.
1239 . آل عمران: 137.
1240 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.
1241 . رجال الكشي: 181.
1242 . التهذيب : 2 / 255، الحديث 1012.
1243 . الاستبصار: 1 / 61، رقم 182.
1244 . الاستبصار: 1 / 248، رقم 892 ويحتمل أن يكون لفظ «عن »مصحف «بن» فالمراد حريز بن عبد الله كما يحتمل أن يكون المراد عبد الله بن بكير.
1245 . الاستبصار: 1 / 430، رقم 1660.
1246 . الاستبصار: 2 / 270، رقم 960.
1247 . رجال النجاشي: 1/421ـ 422، برقم 499.
1248 . رجال الكشي : 301، برقم 201.
1249 . الخلاصة: 227 ، القسم الثاني. سيوافيك تنصيص الشيخ في الفهرست على الضعف.
1250 . رجال الطوسي: 209، باب السين، برقم 116.
1251 . الفهرست:105، برقم 339.
1252 . الخلاصة: 228 ، برقم 4 في باب سالم ، القسم الثاني.
1253 . رجال النجاشي: 1/427، برقم 507.
1254 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
1255 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
1256 . الفقيه: 4 / 125 ، قسم المشيخة.
1257 . رجال النجاشي: 1/249، برقم 264.
1258 . الوسائل: ج 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
1259 . الفقيه: 4 / 116 ، قسم المشيخة، ط دار الكتب الإسلامية . وفيه « السنائي» مكان الشيباني.
1260 . الغيبة للطوسي: 176; كمال الدين: 2/482.
1261 . تحف العقول: 238. ط مؤسسة النشر الإسلامي.
1262 . فاطر: 28.
1263 . جامع الأُصول: 10/551.
1264 . نهج البلاغة: 3 / 94، قسم الرسائل، برقم 53.
1265 . الوسائل: ج 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
1266 . مباني تكملة المنهاج: 1 / 8 .
1267 . مباني تكملة المنهاج: 1/8.
1268 . التوبة: 71.
1269 . النساء: 58.
1270 . المائدة: 8 .
1271 . النساء: 135.
1272 . المائدة: 47.
1273 . المائدة: 44.
1274 . الوسائل: ج 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث 6 .
1275 . الوسائل: ج 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث 7 .
1276 . المائدة: 50.
1277 . الوسائل: ج 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث 8 .
1278 . المائدة: 4.
1279 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
1280 . الوسائل: ج 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
1281 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي،الحديث 6.
1282 . محمد بن حفص بن خارجة، مجهول لم يعنون في كتب الرجال ما عدا التنقيح.
1283 . هو الهندي الكوفي، لم يذكر في حقّه توثيق ولامدح.
1284 . الوسائل: ج 19، الباب 23 من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.
1285 . الجواهر : 40/15ـ16.
1286 . كتاب القضاء للآشتياني: 9 .
1287 . الوسائل: ج 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 ; المستدرك: ج 17، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10و48.
1288 . الوسائل: ج 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
1289 . كتاب القضاء للرشتي: 1/52.
1290 . ملحقات العروة: 2 / 12.
1291 . الوسائل: ج 13، الباب 1 من أبواب الوكالة، الحديث 1.
1292 . الوسائل: ج 13، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث1.
1293 . ملحقات العروة: 2/12 ، كتاب القضاء.
1294 . الشرائع: 4/863.
1295 . المسالك: 2 /395.
1296 . النساء: 60.
1297 . لاحظ رسالة القضاء للمحقّق ميرزا حبيب الله الرشتي (المتوفّى 1312هـ) فقد صدرنا في المقام عن تلك الرسالة الجزء الأوّل: باب :ما يختص بأحكام المقلّد المنصوب للقضاء، ص:60، 61، 62، 63.
1298 . الشرائع: 4 / 67، في صفات القاضي.
1299 . مفتاح الكرامة:10/100، قسم المتن.
1300 . المسبوط: 10/119.
1301 . المسالك: 2/389.
1302 . المبسوط: 8/112.
1303 . المبسوط: 8/109.
1304 . الشرائع: 4/ 68، في صفات القاضي.

Website Security Test