welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
في أحكام النظر
في أحكام النظر

وفيه مسائل:
المسألة الأُولى :
في جواز النظر إلى المرأة عند الخطبة
إنّ القول بجواز النظر إلى المرأة عند الخِطْبة ، يعدّ تخصيصاً في أدلّة حرمة النظر إلى الأجنبية، وله نظائر كنظر الطبيب والشاهد. وإنّما يصحّ عدّه تخصيصاً إذا لم نقل بجواز النظر إلى الوجه والكفّين مطلقاً حتّى يكون الحكم بالجواز في المقام استثناءً بالنسبة إليه، أو قلنا بالجواز هناك أيضاً لكن مرّة واحدة لا مرّات، بخلاف المقام فيجوز تكرار النظر حتّى يحصل المطلوب وهو الوقوف على محاسنها ومعايبها.
والمسألة معنونة في فقه الفريقين، قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: يجوز النظر إلى امرأة أجنبية يريد أن يتزوّجها إذا نظر إلى ما ليس بعورة فقط، وبه قال أبوحنيفة ومالك والشافعي إلاّ أنّ عندنا وعند مالك والشافعي أنّ ما ليس بعورة : الوجه والكفّان فحسب، وعن أبي حنيفة روايتان: أحدهما مثل ما قلناه، والثانية: والقدمان أيضاً، وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إليها ولا إلى شيء منها أصلاً، وقال داود: ينظر إلى كلّ شيء من بدنها وإن تعرّت.(729)
والظاهر أنّ أصل الجواز أمر مفروغ عنه وإنّما الخلاف في مقامين:
الأوّل: في تحديد ما يجوز النظر إليه من أعضائها.
الثاني: في كيفية النظر مع الثياب أو بدونها.
أمّا المقام الأوّل: فجوّز الشيخ النظر إلى ما ليس بعورة وفسّره في الخلاف بالوجه والكفّين، واختار في النهاية جواز النظر إلى المحاسن عامة قال:
«ولابأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها، وينظر إلى محاسنها: يديها ووجهها. ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها».(730)
ولم يعنون المسألة من القدماء غير الشيخ. وليس في الكافي (لأبي الصلاح)، ولا المهذّب (لابن البرّاج)، ولا الوسيلة (لابن حمزة )من المسألة أثر.
قال المحقّق: يجوز أن ينظر إلى وجه امرأة يريد نكاحها وإن لم يستأذنها. وقال في الجواهر في شرح العبارة:«لاخلاف بين المسلمين في الجواز بل الإجماع بقسميه عليه».(731)
وقال العلاّمة في التذكرة:«لا نعلم خلافاً بين العلماء في أنّه يجوز لمن أراد التزويج بامرأة أن ينظر إلى وجهها وكفّيها مكرّراً».(732)
وقال السيد الاصفهاني:« يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إليها...على وجهها وكفّيها ومحاسنها».(733) هذا ما لدى الأصحاب وأمّا غيرهم:
قال ابن رشد القرطبي: «وأمّا النظر إلى المرأة عند الخطبة فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفّين فقط، وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين، ومنع ذلك قوم على الإطلاق، وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفّين».(734)
وقال ابن قدامة: «ومن أراد أن يتزوّج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها».(735)
ثمّ إنّ لسان الأحاديث الواردة في المقام بين: مطلق ومقيّد، بوجهها ومعاصمها، أو خلفها ووجهها، أو شعرها ومحاسنها، أو خصوص شعرها أو محاسنها فقط. والذي يقتضي التحقيق، هو عدم اختصاصه بهما.(736) ويمكن استفادة ذلك من وجوه:
أ : التعليل المستفيض الوارد في عدّة من الروايات:
1ـ صحيحة أبي أيّوب الخزاز (وهو إبراهيم بن عثمان أو ابن عيسى الثقة) عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إليها؟ قال: «نعم إنّما يشتريها بأغلى الثمن».(737)
2ـ صحيحة يونس بن يعقوب (البجلي الثقة) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يريد أن يتزوّج المرأة يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: «نعم وترقِّق له الثياب لأنّه يريد أن يشتريها بأغلى الثمن». (738)
3ـ موثقة غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام)في رجل ينظر إلى محاسن امرأة يريد أن يتزوّجها؟ قال: «لابأس إنّما هو مستام فإن يُقضَ أمر يكون».(739)
4ـ خبر الحكم بن مسكين، عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):
الرجل يريد أن يتزوّج المرأة أينظر إلى شعرها؟فقال: «نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن».(740)
5ـ خبر مسعدة بن اليسع الباهلي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لابأس أن ينظر الرجل إلى محاسن المرأة قبل أن يتزوّجها فإنّما هو مستام، فإن يقضَ أمر يكون».(741)
6ـ مرسلة معلّى بن محمّد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنّه سأله عن الرجل ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوّجها؟ قال: «نعم فَلِمَ يعطي ماله».(742)
7ـ مرسلة (المجازات النبويّة) عنه (عليه السلام)أنّه قال للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة: «لو نظرت إليها فإنّه أحرى أن يؤدم بينكما». (743)
فإنّ التعليل المستفيض ـ كما عرفت ـ يقتضي جواز النظر فيما هو دخيل في ارتفاع الثمن وانخفاضه ودوام العيش.والسؤال في خبر الحكم وإن كان عن الشعر لكن العلّة تعمّم الحكم.
ب: التصريح بجواز النظر إلى الشعر في مرسلة (عبد اللّه بن الفضل) (744) وخبر (عبد اللّه بن سنان)(745) ففي الأوّل قال (عليه السلام): «لابأس بالنظر إلى شعرها ومحاسنها، إذا لم يكن متلذذاً»، وفي الثاني :«نعم إنّما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن» ـ بعد السؤال عن النظر إلى شعرها ـ وهما وإن كانـا خبرين لكن يصلحان للتأييد.
ج : وقد ورد جواز النظر إلى المحاسن في موثقة غياث بن إبراهيم (746)، وخبر عبد اللّه بن الفضل (747)، وهو يعمّ كلّ ما يعدّ موضع الحسن.
د: الأمر بترقيق الثياب في صحيحة يونس بن يعقوب حيث يقول: «نعم وترقّق له الثياب».
هذه الجهات الأربع يشرف الفقيه إلى الإذعان بعدم اختصاص الحكم، بالوجه والكفّين بل الحكم أوسع من ذلك، غاية الأمر يقتصر على ما يعدّ من محاسن المرأة.
وبذلك يظهر النظر فيما اختاره المحقّق من التخصيص بالوجه والكفّين، إذ لا وجه له، سوى صحيحة هشام بن سالم قال: «لابأس بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». (748)
ولايخفى أنّ الحديث، على الخلاف أدلّ، لأنّ المعاصم أوسع من الكفّين إذ هي تطلق على فوق الزند الذي هو خارج عن مفهوم الكفّ.
وبذلك يعلم سرّ اختلاف لسان الروايات، فإنّ الظاهر أنّ الكلّ من باب المثال والمقصود الإشارة إلى مواضع الحسن التي بها يرتفع المهر أو تشتدّ العلاقة أو تقلّ أو غير ذلك.
فلا معارضة بين ما خصّ الجواز بالوجه والمعاصم، وبين ما خصّه بالوجه والخلف أو خصّه بالوجه والشعر لما عرفت من حديث التمثيل.
ثمّ إنّ شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري (رحمه الله) اقتصر بالموارد الواردة في الروايات قائلاً بأنّه لايصحّ تعليل الخاص بما يكون علّة للعام، فلو كان العلم مثلاً علّة لإكرام كلّ من كان متّصفاً به، لم يصحّ تعليل إكرام خصوص زيد بما هو زيد بكونه عالماً والإمام (عليه السلام)علّل جواز النظر إلى الوجه والمعاصم بإرادة التزويج وقال: « بأن ينظر إلى وجهها ومعاصمها إذا أراد أن يتزوّجها». فيعلم كونه علّة لخصوصهما دون غيرهما وإلاّ يلزم تفسير الخاص بالعام. (749)
يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على حمل الموارد في الروايات على التحديد فيرد عليه ما ذكره، وأمّا إذا حملت على التمثيل، فيأبى عن كونه علّة للخصوص إذ عندئذ يكون الوجه أو المعصم عنواناً للمحاسن. والإصرار بأنّ المذكور في الروايات من باب التحديد لاالتمثيل، تدفعه العلّة المستفيضة الظاهرة في أنّها من باب التمثيل.
والحاصل أنّ الظاهر من الروايات هو النظر إلى ما يعدّ محاسن للمرأة ولها دخل في غلاء المهر وقلّته. وأمّا ما في العروة من أنّه لايبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، فإثباته بالدليل مشكل. بل اللازم الاقتصار بمواضع الحسن. هذا كلّه حول المقدار.
وأمّا المقام الثاني: أعني الكيفية، فلاتتجاوز عمّا هو المتعارف في ذلك المجال، من لبس الثياب والجورب ولها ترقيق الثياب، على الوجه المألوف بينهم.كما في صحيحة يونس بن يعقوب. والاكتفاء على المتعارف في باب الكيفية، هو الأحوط.
المسألة الثانية:
في النظر إلى نساء أهل الذمّة وشعرهن
هذا هو التخصيص الثاني تعرّض له الأصحاب في المقام ولم نجدها معنونة في كتب غيرهم وما نقله العلاّمة في المختلف عن الخلاف أنّه قال: «لابأس بالنظر إلى نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء» لم نجده فيه وهو قريب ممّا ذكره الشيخ في النهاية والعبارة المنقولة أنسب بسياق النهاية لاالخلاف كما هو واضح لمن مارسهما.(750)
وقال في المقنعة:«لابأس بالنظر إلى وجوه نساء أهل الكتاب وشعورهن لأنّهنّ بمنزلة الإماء ولايجوز النظر إلى ذلك منهنّ لريبة» وعلى ذلك جرى الأصحاب في كتبهم، ما عدا ابن إدريس فلم يجوّز النظر تمسّكاً بالعمومات، واستقربه العلاّمة في المختلف، وحكى في الحدائق الجواز عنه في باقي كتبه.
استدلّ ابن إدريس بقوله سبحانه:(قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ)(751)، وقوله تعالى: (لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ). (752) والآية الأُولى عام يتوقّف
التمسك بها على عدم ورود التخصيص عليها في السنّة، والقائلون بالجواز يدّعونه، والآية الثانية لاصلة لها بالمقام، والمراد من الأزواج هو الأصناف، أي الأصناف من الكفّار إذا كان مفعولاً، لقوله تعالى:(متّعنا) ، أو أصنافاً من النعم إذا كان حالاً، والمراد لاتنظر إلى النعم التي أحاطت بهم، حسرة فانّها نعم زائلة وداثرة غير باقية، نظير قوله سبحانه:(ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى)(753)، والمراد من مدّ العينين هو النظر إلى كلّ ما أُوتوا من زخارف الدنيا نظراً مزدوجاً «مكرّراً» مع الحسرة والحزن.والاستدلال بها في المقام حاك عن عدم التدبّر في الآية.
أدلّة المجوّز
استدل المجوّز بوجوه:
الأوّل: تعليل جواز النظر بأنّهنّ كالإماء فيترتّب عليهنّ كلّ مايترتّب على الإماء من جواز النظر إليها وإن لم يكن المالك راضياً، لأنّ الجواز شرعيّ لا مالكي. والظاهر من الروايات عموم المنزلة كما سيظهر وإليك ما روي في المقام.
1ـ صحيحة أبي بصير ـ يعني المرادي ـ عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية، له أن يتزوّج عليها يهودية؟ فقال: «إنّ أهل الكتاب مماليك للإمام، وذلك موسّع منّا عليكم خاصّة فلابأس أن يتزوّج»، قلت: فإنّه تزوّج عليهما أمة؟ قال: «لايصلح له أن يتزوّج ثلاث إماء، فإن تزوّج عليهما حرّة مسلمة ولم تعلم أنّ له امرأة نصرانية ويهودية ثمّ دخل بها فإنّ لها ما أخذت من المهر فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، وإن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت».(754)
ترى أنّه ينزّل الكتابية منزلة الإماء وظاهره عموم المنزلة وذلك من وجوه:
الأوّل: إنّ عدّتها عدّة الأمة.
الثاني: لايجوز تزويج أمة على الكتابيتين، لعدم جواز الجمع بين ثلاثة إماء.
الثالث: لايجوز تزويج الحرّة المسلمة على الكتابيتين، لأنّها بمنزلة نكاح الحرّة على الأمة. وعلى ذلك يترتّب عليه كلّ الآثار حتى جواز النظر إليها كالإماء.
2ـ صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني وطلّقها هل عليها عدّة مثل عدّة المسلمة؟فقال: «لا،لأنّ أهل الكتاب مماليك للإمام ، ألا ترى أنّهم يؤدّون الجزية كما يؤدّي العبد الضريبة إلى مواليه».(755)
والمراد من «عدّة المسلمة» هو عدّة الحرّة فنفيها يلازم كون عدّتها عدّة الأمة فتكون عدّتها خمسة وأربعين يوماً. والصحيحتان كافيتان في إثبات عموم المنزلة، كما لايخفى. ولأجل ذلك اعتمد عليهما المحقّق من بين روايات الباب.
الثاني: تعليل الجواز في الروايات بأنّهنّ لاينتهين إذا نهين وقد جاءت في المقام روايات:
1ـ روى الكليني عن ابن محبوب، عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «لابأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنّهم إذا نهوا لاينتهون».(756)
وتذكير الضمير للتجوّز والتغليب أو تطرّق التصحيف إلى الرواية: والصحيح ـ كما في الجواهر ـ : «لأنّهنّ إذا نهين لاينتهين» و يوافقه لفظ «علل الشرائع» كما سيوافيك.
والمراد من «العلوج» هو الكافر كما في المجمع وغيره من كتب اللغة.
2ـ ورواه في الفقيه بتغيير يسير «والأعراب وأهل البوادي من أهل الذمّة والعلوج».(757)
وما في الوسائل من أنّ المنقول في الفقيه متّحد مع ما في الكافي غير تامّ لما عرفت.
3ـ ورواه في العلل بنحو آخر وهو «وأهل السواد من أهل الذمّة لأنّهن إذا نهين لاينتهين».(758)
والنقل الأوّل سؤال عن مطلق أهل الذمّة، والثاني يخصه لأهل البوادي من أهل الذمّة لا لأهل الحواضر، والثالث يخصّه لأهل السواد منهم.
وإلغاء الخصوصية بين ما ذكر وما لم يذكر ممكن بفضل التعليل الوارد في الجميع الذي يشمل جميع أهل الذمّة إلاّ إذا كانت المرأة ممّن تنتهي إذا نهيت.
والرواية موثقة، لكون عبّاد بن صهيب عامّي وثّقه النجاشي وذكر الشيخ الطوسي أيضاً أنّه عامّي، والرواية قابلة للاستناد.
الثالث: ما يدلّ على الجواز بلا تعليل وبمعناه روايات:
1ـ ما رواه النوفلي عن السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا حرمة لنساء أهل الذمّة أن ينظر إلى شعورهنّ وأيديهنّ».(759)والأصحاب يعملون بروايات النوفلي والسكوني وهما ثقتان.
2ـ روى في قرب الإسناد عن السندي بن محمّد وهو ثقة عن أبي البختري، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)قال: «لابأس بالنظر إلى رؤوس نساء أهل الذمة»، وقال: «ينزل المسلمون على أهل الذمة في أسفارهم وحاجاتهم، ولاينزل المسلم على المسلم إلاّ بإذنه».(760)
والمجموع صالح لتخصيص الآية الكريمة :(يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)وإن كان تخصيص الذكر الحكيم بالخبر الواحد، مشكل، لكن عرفت تضافر الروايات ولكن يجب الاقتصار على الرؤوس والأيدي مع السواعد مع عدم التلذذ والريبة كما قيّده الأصحاب والرجوع في غيرها إلى العمومات كما لا يخفى.
هذا كلّه في الذمّيّات، وأمّا نساء أهل البوادي والقرى والسافرات من النساء المسلمات اللاتي لاينتهين إذا نهين فهل يجوز النظر أخذاً بالتعليل بشرط عدم الريبة والتلذذ أو لا ؟ وجهان: أحوطهما الاجتناب.
المسألة الثالثة:
في نظر كلّ من الرجل والمرأة إلى مثله
يجوز أن ينظر الرجل إلى مثله ما خلا عورته شيخاً كان أو شابّاً، حسناً كان أو قبيحاً مالم يكن النظر لريبة أو تلذذ وكذا المرأة.(761) والمسألة من ضروريات الفقه وقد استمرّ عليه عمل المسلمين في الأعصار، وتدلّ عليه روايات الحمّام، حيث خصّ ما يلزم ستره، بالعورة.
روى حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لاينظر الرجل إلى عورة أخيه».(762)
والاختلاف إنّما هو في معنى العورة فهل هي السوأتان، أو بين السرة والركبة لا في غيرها؟
هذا من غير فرق بين كونه شيخاً أو شاباً، وفي الشاب بين الأمرد والملتحي إذا تجرّد عن التلذذ والريبة.
نعم روى ابن قدامة عن الشعبي قال:«قدم وفد عبد القيس على النبيّوفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وراء ظهره».(763)
وبما أنّه لم يأمره بالاحتجاب يستكشف أنّ الأمر كان للتعفف الشديد غير البالغ حدّ الوجوب.
وأمّا النظر إلى المثل عن تلذذ وريبة، فخارج عن منصرف الدليل. والمراد من التلذذ: هو النظر الموجب لهيجان الشهوة ومادّة الجماع ، وأمّا التلذذ الطبيعي الذي يحصل لكلّ إنسان عادي كالحاصل من النظر إلى المناظر الطبيعية الزاهرة، فليس بمحرم. فما في الجواهر من الحكم بالتسوية بينهما وأنّ التفريق من الشيطان ومصائده فلم يعلم كنهه، والإنسان على نفسه بصيرة. وهل يحتمل أحد أن يكون نظر الوالدين إلى أولادهما مع جمال الخلقة، حراماً؟!
المسألة الرابعة:
كشف المسلمة بين يدي الكافرة
يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف رأسها للكافرة، ويجوز دخول الحمام معها، وعليه استمرّت السيرة غير أنّ المنقول عن الشيخ عدم الجواز
في أحد قوليه تمسّكاً بقوله سبحانه:(وَ لايُبْدينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَني إخْوانِهِنَّ أَوْ بَني أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ).(764) قائلاً بأنّ الذمّية ليست منهنّ.
يلاحظ عليه: أنّ في قوله (أو نسائهنّ) عدّة احتمالات:
1ـ المراد: مطلق النساء والهدف استثناء الجنس المماثل، ويكفي في الإضافة أدنى الملابسة ككونهم متجانسين ومتماثلين، وعندئذ يكون المراد من الجملة التالية: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) هو العبيد وإنّما عبّر بصيغة الإضافة لحفظ سياق الآية فإنّ الكلمات فيها مضافة إلى الضمير ،مثل آبائهنّ وأبنائهنّ.
2ـ المراد: الحرائر من النساء و أمّا الإماء فهي داخلة في قوله:(أَوْ
ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ
) .
3ـ المراد: المؤمنات من النساء وملاك الإضافة هو الإيمان.
4ـ المراد: النساء اللاتي لهنّ المعاشرة من الأقوام والجيران، دون غيرهن.
لاوجه للرابع ولم يقل به أحد. وأمّا الثالث، فلو صحّ فإنّما هو لأجل إضافة النساء إلى المؤمنات (765) ، فيلزم أن يكون المضاف مؤمناً كالمضاف إليه، ولكنّه غير صحيح وإلاّ يلزم تخصيص الآباء والأبناء وغيرهم في قوله:(أو آبائهنّ...) بالمؤمن منهم لإضافتها إلى المؤمنات مثل النساء وهو كما ترى، لأنّه ينتج حرمة إبداء الزينة للأب الكافر مع كون البنت مسلمة. على أنّ الالتزام بالوجه الثالث بعيد لكثرة معاشرة النساء المؤمنات مع الكتابيات في عصر الأئمّة (عليهم السلام)وكان قسم منهنّ في خدمة بيوتهم. فبقي الاحتمالان وعلى كلا التقديرين يثبت المطلوب. نعم في صحيحة حفص بن البختري كراهة الكشف حيث روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لاينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنّهنّ يصفن ذلك لأزواجهنّ». (766)ولابأس بالقول بها في حدّ الكراهة في مظنّة التوصيف لا مطلقاً.
بقي في المقام فرعان:
1ـ نظر الزوج إلى الزوجة وبالعكس.
2ـ النظر إلى المحارم.
وإليك البيان:
أمّا نظر الزوج إلى الزوجة وبالعكس فجائز بالضرورة، فللرجل أن ينظر إلى جسد زوجته باطناً وظاهراً وكذا المرأة ـ بتلذذ وغيره ـ،مضافاً إلى ما تضافر من الروايات من جواز نظر الرجل إلى امرأته وهي عريانة وكراهة النظر إلى الفرج حين الجماع لأنّه يورث العمى كما أنّ التكلّم يورث الخرس في الولد.(767)
ويمكن ادّعاء الكراهة مطلقاً في حال الجماع وغيره لأنّ القرآن يعبّر عن العورة بالسوأة ويقول:(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا ما وُرِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْءاتِهِما) .(768)
وأمّا النظر إلى المحارم والمراد منها من يحرم عليه نكاحهنّ نسباً أو رضاعاً أو مصاهرة أو ملكاً، فيجوز للرجل النظر إليها ما عدا العورة والأولى الاكتفاء بما لا يستر عادة عند المحارم ولا خلاف في الجواز، بشرط عدم التلذذ والريبة لأنّه القدر المتيقن من السيرة .ولكن لا ملازمة بين كونها من المحارم بمعنى حرمة نكاحها وجواز النظر، فإنّ أُخت الزوجة يحرم نكاحها ولا يجوز النظر إليها، وعلى ذلك فليس كلّ من يحرم نكاحها يجوز النظر إليها، فلأجل ذلك لابدّ من التعرّف عليها بدليل آخر.
المسألة الخامسة:
فيما إذا اشتبه مَن يجوز النظر إليه بغيره
إذا اشتبه مَن يجوز النظر إليه فهنا صور:
الأُولى: إذا اشتبه بالشبهة المحصورة وجب الاجتناب عن الجميع لمنجّزية العلم الإجمالي.
ومثله إذا اشتبه من يجب التستّر عنه بين من لا يجب، فيجب التستّر عن الجميع والأمثلة واضحة.
وإن كانت الشبهة غير محصورة أو بدئيّة فلها صور:
1ـ إذا شكّ في كونه مماثلاً للناظر أو لا.
2ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم النسبية.
3ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم السببية كالزوجة.
4ـ إذا علم أنّه امرأة وشكّ في كونها من المحارم الرضاعية.
فذهب المشهور إلى حرمة النظر أو وجوب التستر في الجميع وعلّل بوجوه:
الأوّل: التمسّك بعموم العام
أي عموم وجوب الغضّ على الرجال إلاّ من المحارم النسبية والسببية، وعلى النساء إلاّ من نسائهن والرجال المذكورين في الآية، فكلّ فرد علم خروجه منه بعد التخصيص يؤخذ به وإلاّ فيبقى تحت العام، فإذا شكّ في كون فرد من مصاديق تلك العناوين يتمسّك بالعام حتّى يثبت خروجه.
يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على القول بصحّة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصِّص وقد تبيّن بطلانه.
وحاصله: أنّ التقييد بالمنفصل، كالتقييد بالمتصل. فالتقييد على كل حال يجعل الموضوع مركّباً من شيئين: ظاهراً كما في المقيّد المتّصل، أو لبّاً كما في المنفصل فإذا قلت:أكرم العالم العادل، أو قال: أعتق رقبة ولاتعتق رقبة كافرة، يكون الموضوع أمراً مركّباً من شيئين فلايكفي كون الرجل عالماً أو عبداً، بل يجب إحراز كلا القيدين والتخصيص بالمنفصل وإن لم يجعل الموضوع مركّباً من شيئين ظاهراً لكنّه يجعل العام حجّة في غير عنوان الخاص، فإذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم العالم الفاسق، فالموضوع حسب اللفظ وحسب الإرادة الاستعمالية هي العلماء لكن العام ليس حجّة فيه. بل حجّة فيه فيما لايصدق عليه عنوان الخاص(الفاسق).
وإلى هذا يرجع ما ذكره المحقق الخراساني في كفايته حيث قال:
إنّ الخاص وإن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه فعلاً إلاّ أنّه يوجب اختصاص حجّية العام في غير عنوانه من الأفراد فيكون «أكرم العلماء» دليلاً وحجّة في العالم غير الفاسق .فالمصداق المشتبه وإن كان مصداقاً للعام بلاكلام إلاّ أنّه لم يعلم أنّه من مصاديقه بما هو حجّة لاختصاص حجّيته بغير الفاسق.(769)
فنقول في المقام: إنّ قوله سبحانه:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) (770) على فرض عمومه لكلّ إنسان مماثل أو غير مماثل، خصّ بالدليل المنفصل وخرج عنه المماثل، فالآية حجّة في الإنسان غير المماثل، وأحد الجزأين وإن أُحرز بالوجدان لكن الجزء الثاني أي كونه غير مماثل بعد غير محرز، وكون الموضوع في الآية مطلق الإنسان وهو محرز لايكفي في التمسك بها، لأنّها ليست حجّة في موضوعه الأعم بعد التخصيص وإنّما هو حجّة في غير عنوان المخصص وهو ـ عدم عنوان المخصص ـ بعد لم يحرز.
على أنّه يمكن أن يقال: إنّ موضوع العام بعدُ غير محرز، إذ ليس موضوعه مطلق الإنسان، خرج عنه المماثل حتّى يكون المورد ـ المشتبه من حيث التماثل وعدمه ـ من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص مع إحراز موضوع العام، بل الموضوع هو الجنس المخالف وغير المماثل، فإذا قيل للرجال: غضّوا أبصاركم، لايفهم منه إلاّ الغضّ عن النساء، وإذا قيل للنساء: غضنَ أبصاركنّ، لا يفهم منه إلاّ الغضّ عن الرجل والقرينة الحالية خصصت العامين بالجنس المخالف، فلو شكّ في كون المنظور إليه مماثلاً أو لا فهو شكّ في تحقّق نفس موضوع العام.
وربّما يتوهّم من وجود العموم في الآيتين وأنّ الموضوع هو الإنسان بقرينة إخراج النساء بقوله سبحانه:(أو نسائهنّ) ولكنّه مدفوع بأنّ قوله : (أونسائهنّ) ليس راجعاً إلى الغضّ حتّى يكون مخصِّصاً بالنسبة إليه، بل هو
راجع إلى إظهار الزينة فلاحظ قوله سبحانه:(وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُروُجَهُنَّ وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ ... أَوْ نِسائِهِنَّ) .(771)
نعم يكون الشكّ في غير «الغضّ» أعني: الأفعال المعطوفة عليها، شكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص لأنّ الموضوع فيها هو الإنسان، وبما أنّه محرز والشكّ في صدق عنوان المخصّص فيكون الشكّ فيها من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، لاللعام كما في الغضّ ،على البيان المذكور أخيراً.
الثاني: التمسك بقاعدة المقتضي والمانع
الفرق بينها وبين قاعدة الاستصحاب هو أنّه لو كان الشكّ متعلّقاً ببقاء ما تعلّق به اليقين، كما إذا شكّ في الطهارة بعد اليقين بها، يكون المورد مصداقاً لقاعدة الاستصحاب، وأمّا إذا تعدّد المتعلّق، كما إذا شكّ في النوم بعد الإذعان بالطهارة فهو من مصاديق قاعدة المقتضي والمانع، وعلى ذلك لو أذعن بالقتل وشكّ في كون المقتول مرتدّاً، أو أيقن بالملاقاة مع النجس، وشكّ في كون الملاقي كرّاً فالجميع من موارد القاعدة فيقال: المقتضي للقصاص والتنجيس موجود، والشكّ في وجود المانع من تأثير الارتداد والكرّية فهو مرفوع بالأصل.
وهذه القاعدة لها جذور في كلمات القدماء ولكن جدّدها المحقّق الشيخ هادي الطهراني (قدس سره)واستظهرها من روايات الاستصحاب خصوصاً من الصحيحة الأُولى لزرارة.
يلاحظ عليه : أنّ كون مورد الصحيحة من موارد القاعدة لايقتضي أن تكون القاعدة المجعولة فيها، قاعدةَ المقتضي والمانع وكفى الاستصحاب في عدم وجوب الوضوء مع الشكّ في النوم، لأجل تحقّق أركانه وهو الشكّ في بقاء الوضوء بعد الإذعان به، لا لأجل إحراز المقتضي والشكّ في المانع نعم صار الشكّ في النوم سبباً للشكّ في نفس الطهارة، والمعنى: لاتنقض اليقين بالطهارة بالشكّ فيها وإن كان هذا الشكّ ناشئاًمن الشكّ في تحقق رافعها. والتفصيل موكول إلى محلّه.
هذا كلّه حول نفس القاعدة وعلى فرض صحّتها فهي غير تامّة في الصورة الأُولى، لعدم إحراز المقتضي وهو كون المرئي غير مماثل مع الناظر. نعم تتم القاعدة على فرض صحّتها في الصور الباقية.
الثالث: إحراز عدم عنوان المخصص بالأصل الموضوعي
إنّ التمسك بالعام وإن كان غير جائز لكن العنوان الوارد في المخصِّص إذا كان وجودياً يمكن إحراز عدمه بالأصل، فأحد الجزأين يحرز بالوجدان وهو كونه إنساناً، والآخر أعني: عدم كونه مماثلاً، أو أُختاً ـ نسبية أو رضاعيةـ أو زوجة بالأصل، فإنّ الأصل عدم تحقّق هذه الأُمور وهذا ما يسمّى بأصل العدم الأزلي، و يقال في المثال المعروف: «المرأة ترى الدم إلى خمسين إلاّ القرشية فإنّها ترى الدم إلى ستّين»: الموضوع للعام بعد التخصيص هي المرأة غير القرشية، فالأوّل محرز بالوجدان والثاني محرز بأصالة عدم كونها قرشية حيث إنّها عندما لم تكن، كانت فاقدةً للوجود ووصفها (القرشية) وبعد التكوّن نشكّ في انقلاب وصفها إلى الوجود، فالأصل بقاؤها على ما كانت .
يلاحظ عليه: أنّ الأصل الأزلي ـ مضافاً إلى كونه بعيداً عن الأذهان العرفية إذ لايراه العرف مصداقاً لقوله: لاتنقض، إذ لو خالفه وقال بقرشيتها، فلايقال إنّه نقض يقينه بالشكّ وإنّما يقال: إنّه حكم بلا علم وقضى بلا دليل ـ أنّ الأصل المزبور مثبت فإنّ العدم المحمولي الذي يجتمع مع عدم الموضوع وإن كانت له حالة سابقة لكنّه ليس موضوعاً للحكم، والعدم النعتي الذي هو موضوع له، ليس له حالة سابقة.فالموضوع لرؤية الدم هي المرأة غير القرشية فهي ترى الدم إلى خمسين، وبعبارة أُخرى العدم المأخوذ في الموضوع عدم نعتي لا محمولي، والمستصحب عدم محمولي لا نعتي.
توضيحه: أنّه يجب تنقيح ما هو الموضوع في جانب المستثنى منه في قولنا: «كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية» فإنّها تحيض إلى ستّين فنقول: الموضوع في المقام له خصوصيتان، بمعنى أنّه مركّب من قيدين: 1ـ المرأة. 2ـ لم تكن قرشية، وبما أنّ الحكم الواحد أعني: ترى، أو (تحيض) يطلب لنفسه موضوعاً واحداً يجب أن تكون بين جزأين صلة وربط. فلا مناص من أن يكون الجزء الثاني وصفاً له، حتى يقع بوحدته موضوعاً لحكم واحد وعند ذاك يصبح العدمُ عدماً نعتياً له، لا محمولياً فيكون الموضوع للدليل الاجتهادي «المرأة الموصوفة بأنّها لم تكن قرشية » لا (المرأة +لم تكن قرشية بلا توصيف) والأوّل ممّا لاسابقة له، فكيف يستصحب.وتصوّر أنّ العدم محمولي، غيرتامّ لأنّه يستلزم فقدان الصلة بين جزئي الموضوع وهو ينافي وحدة الحكم المقتضية لوحدة الموضوع، وعند ذلك يصبح الاستصحاب الأزلي في أمثال المقام مردّداً بين ما ليس موضوعاً للحكم (العدم المحمولي) وما ليس له حالة سابقة (العدم النعتي).
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ممن أصرّ على صحّة ذلك الاستصحاب في تعليقته على «أجود التقريرات»، ومحاضراته العلمية المختلفة، وفي كتاب مستند العروة، وحاصل ما أفاد في الذبّ عن الإشكال يتلخّص في وجهين:
1ـ الإشكال وارد فيما إذا علم أنّ العدم مأخوذ على نحو النعتية، لظهور الدليل أو لجهة أُخرى نظير ما لو أجرى استصحاب عدم البصر في المشكوك كونه أعمى أو بصيراً فانّه لايثبت كونه أعمى، ولكنّه في المورد غير تام، فإنّه إنّما يتمّ في جانب المستثنى لا في جانب المستثنى منه، فإذا قيل: المرأة ترى
الدم إلى خمسين إلاّ القرشية ،فالموضوع في جانب المستثنى هي المرأة الموصوفة بالقرشية، وأمّا في جانب المستثنى منه فليس الموضوع هو الفرد المتّصف بعدم الوصف المأخوذ في المستثنى فإنّه يحتاج إلى العناية والتكلّف ولايقتضيه الدليل بنفسه، إذ أنّ الاستثناء لايقتضي إلاّ خروج العنوان المذكور ـ المستثنى ـ من الحكم الثابت للمستثنى منه.وأمّا اتّصاف المستثنى منه بعنوان آخر مضادّ للمستثنى فليس فيه اقتضاء لذلك، وعليه يكون الباقي تحت العام بعد الاستثناء في قولنا:«كلّ امرأة تحيض إلى خمسين إلاّ القرشية» هي المرأة التي لاتكون قرشية على النحو السالبة المحصّلة بمعنى أنّ موضوع الحكم إنّما هي المرأة التي لاتتّصف بالقرشية لاالمرأة المتّصفة بأنّها ليست قرشية.
وبعبارة أُخرى: الذي يقتضيه الاستثناء إنّما هو كون الموضوع مقيّداً بكونه ليس من المستثنى فيكون القيد عدمياً لا محالة. أمّا كونه مقيّداً باتّصافه بأنّه غير المستثنى بحيث يكون القيد وجوديّاً، فهو بحاجة إلى عناية زائدة ولا يقتضيه الاستثناء.
2ـ أنّ العدم يستحيل أن يكون نعتاً ووصفاً لشيء، إذ لا وجود له كي يكون كذلك، وإنّما يؤخذ على نحو من العناية بأن يلحظ أمر وجودي ملازم له، فيكون ذلك الأمر الوجودي نعتاً له وإلاّ فالعدم غير قابل للناعتية.(772)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الباقي تحت المستثنى منه هو العدم النعتي لاالعدم المحمولي، وذلك لأنّ وحدة الحكم تكشف عن وحدة الموضوع فإنّ الحكم في جانب المستثنى منه واحد وهو «ترى» فيجب أن يكون الموضوع أيضاً واحداً والجزءان عبارة عن أمرين: 1ـ المرأة 2ـ التي لاتكون قرشية، وعندئذ إمّا أن يلاحظ كل من الجزأين أمراً مستقلاً من دون ارتباط الثاني بالأوّل، أو لا. فعلى الأوّل يكون الموضوع متكثّراً يستتبع تعدّد الحكم وهو خلف، وعلى الثاني يجب أن يكون بينهما ربط وصلة بأن يكون الثاني من متمّمات الأوّل وقيوده وهو عين كونه وصفاً ونعتاً، وإلاّ يلزم أن تكون «المرأة» بوحدتها و«التي لاتكون قرشية» باستقلالها من دون أن يكون بينهما صلة واتصال، موضوعاً للحكم الواحد وهو غير متصوّر.
وبعبارة أُخرى: إمّا أن يلاحظ كلّ مستقلاً وأن يكون وزان الثاني إلى المرأة كوزان سائر الأُمور غير المرتبطة بالمرأة فيستحيل أن يقع مثل ذلك موضوعاً لحكم واحد، وإمّا أن يلاحظا مرتبطين ولا معنى للارتباط سوى كون الثاني من قيود الأوّل ومتمّماته وحالاته وصفاته.
وثانياً: أنّ ما أفاد من البرهان العلمي من أنّ العدم يستحيل أن يكون وصفاً ونعتاً إلخ، فهو خلط بين التكوين والاعتبار ففي عالم الاعتبار يصحّ أن تقع السالبة المحصلة وصفاً للموضوع والاعتبار خفيف المؤونة.
نعم العدم في صفحة التكوين، أمر باطل لايمكن أن يحكي عن واقعية حتّى يقع وصفاً ولكن البحث في لسان التشريع والاعتبار فله أن يأخذ الأمر السلبي وصفاً للموضوع وإلاّ لما صحّ جعل المعدولة وصفاً مثل قوله: زيد اللاكاتب، مع أنّ حقيقة اللاكاتب ليس إلاّ أمراً عدمياً يكون محصله عدم القدرة على الكتابة. هذا وقد بسطنا الكلام في المقام عند البحث عن تنقيح حال موضوع المخصص بالأصل، في علم الأُصول، فلاحظ.
الرابع: تعليقة المحقّق النائيني
ما أفاده المحقّق النائيني ـ ره ـ في تعليقته على العروة الوثقى قال: يدلّ نفس هذا التعليق على إناطة الرخصة والجواز بإحراز ذلك الأمر وعدم جواز الاقتحام عند الشكّ فيه فيكون من المداليل الالتزامية العرفيّة. وأوضحه تلميذه الكاظمي في تقريراته عند البحث عن البراءة وقال: إنّ تعليق الحكم على أمر وجودي يقتضي إحرازه فمع الشكّ في تحقّق ذلك الأمر الوجودي الذي علّق الحكم عليه يبنى ظاهراً على عدم تحقّقه لا من جهة استصحاب العدم، إذ ربّما لايكون لذلك الشيء حالة سابقة قابلة للاستصحاب بل من جهة الملازمة العرفية بين تعليق الحكم على أمر وجودي وبين عدمه عند عدم إحرازه. وهذه الملازمة تستفاد من دليل الحكم ولكن لا ملازمة واقعية بل ملازمة ظاهرية، أي في مقام العمل يبنى على عدم الحكم مع الشكّ في وجود ما علّق الحكم عليه.
ويترتّب على ذلك فروع مهمّة:
منها: البناء على نجاسة الماء المشكوك الكرّية عند ملاقاته للنجاسة مع عدم العلم بحالته السابقة، لأنّه يستفاد من دليل الحكم أنّ العاصمية إنّما تكون عند إحراز الكرّية لا من جهة أخذ العلم والإحراز في موضوع الحكم بل من جهة الملازمة العرفية الظاهرية.
ومنها: أصالة الحرمة في باب الدماء والفروج والأموال. فإنّ الحكم بجواز الوطء، مثلاً قد علّق على الزوجية وملك اليمين، والحكم بجواز التصرّف في الأموال قد علّق على كون المال ممّا أحلّه اللّه كما في الخبر: لايحلّ مال إلاّ من وجه أحلّه اللّه ، فلا يجوز الوطء أو التصرّف في المال مع الشكّ في كونها زوجة أو ملك اليمين أو الشكّ في كون المال مما قد أحلّه اللّه.(773)
أقول: إنّ ما أفاده وإن كان متيناً لكنّه يختصّ بما إذا كان طبع القضية يقتضي الاجتناب إلاّ إذا دلّ دليل على الجواز ففي تلك الموارد، يكون الاجتناب أصلاً محكّماً في موارد الشبهة ولايجوز الاقتحام إلاّ إذا كان هناك دليل واضح وإن كانت الشبهة موضوعية ،وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء في أبواب الفقه، ولعلّه أصل عقلائي في حياتهم وإليك بعض الأمثلة:
1ـ التصرّف في الوقف بالبيع والهبة فإنّ الحكم الأوّلي فيه البطلان إلاّ إذا أُحرز المجوّز، فلو قام رجل ببيعه لا يصحّ لنا منه الشراء إلاّ بعد الوقوف على المجوّز وليس المورد من موارد أصالة الصحّة، لأنّ الحظر في بيع الوقف غالب على إباحته، فالإباحة بالنسبة إلى التحريم نادر.
2ـ التصرّف في مال اليتيم بالبيع والشراء ممنوع ذاتاً إلاّ إذا أُحرز المجوّز، فلو قام غير الولي ببيعه وإن احتمل وجود المسوّغ، لا يجوز لنا منه الشراء إلاّ بعد الوقوف على المسوّغ، لأنّ الغالب في التصرّف في أموال الأيتام هو الحظر ولا يكون الموردان من مجاري أصالة الصحّة، مع أنّ ذلك البائع لو قام بالصلاة على الميّت واحتملنا فساد صلاته، يحمل عمله على الصحّة إذ ليس الفساد غالباً في الصلاة على الميّت.
3ـ الأصل في اللحوم هو حرمة الأكل والحلال منه بالنسبة إلى المحرّم، قليل جدّاً فليس لنا الاقتحام على الأكل وإن كانت الشبهة موضوعية، وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء من هذه الأبواب، ونظائرها ولذلك ترى أنّ الشيخ الأعظم(قدس سره) يقول في فرائده عند البحث عن أصالة الصحّة: وأولى بعدم الجريان ما لو كان العقد في نفسه لو خلّي وطبعه مبنياً على الفساد بحيث يكون المصحِّح طارئاً عليه كما لو ادّعى بائع الوقف وجود المصحّح له، وكذا الراهن أو المشتري من الفضولي إجازة المرتهن والمالك.(774)
وعلى ذلك فيجب التفريق بين الصور، ففي ما إذا شكّ في كون المرئي مماثلاً أو مخالفاً، لايحكم بالتحريم إذ ليس نظر الإنسان إلى الإنسان محكوماً بالتحريم خرج عنه ما خرج، بل النظر على قسمين قسم جائز وقسم منه غير جائز وكلا الحكمين بالنسبة إلى المورد المشكوك سواء.
وهذا بخلاف ما إذا أُحرز أنّه امرأة فشكّ في كونها محرماً لأجل العلاقة النسبية أو السببية أو اللحمة الرضاعية، فالأصل الأوّلي هو التحريم حتى يثبت الجواز، أضف إلى ذلك وجود الأصل الحاكم المحرز لموضوع العام المحرّم في بعض الصور: كأصالة عدم الزوجية أو عدم تحقق الرضاع المحرّم. نعم لو شكّ في كونه من المحارم النسبية فليس هناك أصل منقّح للموضوع لأنّ المرأة من أوّل يوم إمّا أُخت للرائي أو لا، وأمّا الصور الباقية فإليك البيان.
إذا شكّ في كون المرئي إنساناً أو حيواناً أو شجراً. لا ينبغي الشكّ في الجواز لعدم إحراز الموضوع وهو كونه إنساناً فضلاً عن كونه امرأة ; كما أنّه إذا شكّ في كون المرأة بالغة أو لا، فالظاهر هو الحكم بجواز النظر لاستصحاب عدم البلوغ المنقّح للموضوع. ومنه يعلم إذا شكّ في كونها مميّزة أو لا فالأصل هو عدم التميز.
المسألة السادسة:
في نظر الرجل إلى الأجنبية
قال المحقّق: ولا ينظر الرجل إلى الأجنبية أصلاً إلاّ لضرورة.
أقول: الحكم من الضروريات، فهو من ضروريات الفقه، أو ضروريات المذهب، وعلى حدّ قول الجواهر من ضروريات الدين، وعلى قوله يكون المنكر محكوماً بالكفر، لكنّه مبنيّ على كونه من ضروريات الدين لا من ضروريات الفقه وبينهما فرق، ففي الكتاب والسنّة نصوص كافية.
1ـ قوله سبحانه:(قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ).(775)
الغض في الأصل بمعنى الكفّ والنقصان وهو غير الغمض الذي هو ضمّ الجفان يقال: ما ذقت غمضاً من النوم ولا غماضاً، أي كقدر ما تغمض فيه العين.والغض هو نقصان النظر وإدناء الجفان، والغمض هو ضمّها.(776)
وأمّا دخول لفظة (من ) على قوله (أبصارهم) ففيه وجهان:
أ : ما ذكره الزمخشري وقال: «من» للتبعيض والمراد غضّ البصر عمّا يحرم، وإنّما دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفرج، لأجل دلالة أنّ أمر النظر أوسع، لأنّ المحارم لابأس بالنظر إلى شعورهنّ وصدورهنّ وأمّا الفرج فالأمر فيها غير موسّع.
ب : يمكن أن يكون الوجه الإشارة إلى أنّ المراد من الغضّ هو نقصان النظر، لا ضمّ العيون والأبصار، وعلى ذلك فالآية تشير إلى أنّ الواجب على المؤمنين نقص النظر وكفّه، بمعنى التبعيض في عمل العين وإبصارها فلايفتحون العيون والأجفان بل يدنونها فلأجل ذلك دخلت «من» الدالّة على التبعيض في الرؤية والمرئي.
فإن قلت: فعلى ذلك يكون المعنى هو النهي عن النظر الدقيق، لاالنظر المسامحي وهذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء فإنّ النظر إلى الأجنبية حرام مطلقاً، كان على وجه الدقة أو غيره.
قلت: إنّ تنقيص النظر كناية عن عدم النظر إلى المرأة بمعنى عطف النظر إلى نقطة أُخرى كالأمام بعد النظرة الاتفاقية حتّى يعطى للنظر بذلك نقصاناً وكفّاً، ولأجل ذلك لايتبادر في الأوساط العربية من قوله:«غضّ بصرك» إلاّ عدم النظر إلى المنهي عنه بعطف النظر إلى موضع آخر، ولا يتبادر منه غمض العين وطبق الجفنين حتّى لايرى شيئاً وهذا هو مفاد الآية.
وعلى كلّ تقدير فالآية تدلّ بوضوح على حرمة النظر إلى المرأة خرج عنه ما خرج.
2ـ قوله سبحانه: (وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ)(777)، فالآية تدلّ على ستر الزينة وحرمة إبدائها، ومن المعلوم أنّه لا موضوعية للستر إلاّ لأجل حرمة نظر الرجل إليها. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ النسبة بين وجوب الستر وحرمة النظر هو العموم من وجه، فتارة تجتمعان كما في غير الوجه والكفّين من الأجنبية، وأُخرى يجوز النظر مع وجوب الستر كما في الكتابية، وثالثة يحرم النظر مع عدم وجوب الستر كما في المجنونة.
3ـ ما دلّ على جواز النظر لمن يريد أن يتزوّج، وما دلّ على جواز النظر إلى الكتابيات وأهل البوادي، ولولا حرمة النظر إلى الأجنبية لما كان لهذه الروايات وجه، فهي تدلّ على أنّ الأصل هو حرمة النظر إلاّ في هذه الموارد.
4ـ الروايات الواردة حول النظر وأنّه سهم من سهام إبليس.(778) فإنّ أحاديث الباب وإن لم تخل عن علّة ولكن المجموع يفيد الاطمئنان بصدور مضمونها عن الأئمّة (عليهم السلام)والقدر المتيقّن هو النظر مع الالتذاذ والشهوة، لكن إطلاق غيرها يكفي في إثبات حرمة النظر مطلقاً.
المسألة السابعة:
في النظر إلى الوجه والكفّين منها (779)
قال المحقّق: «ويجوز أن ينظر إلى وجهها وكفّيها على كراهية ولايجوز معاودة النظر».
أقول: إنّ المسألة مع كونها عامة البلوى لم يهتمّ المتقدّمون لبيان حكمها فلم يتعرّض الصدوق لها في المقنع، ولاالمرتضى في الانتصار، والمسائل الناصريات، ولاالقاضي في جواهر الفقه، ولا سلاّر في المراسم، ولاالشيخ علاء الدين أبوالحسن علي بن الحسن الحلبي في إشارة السبق، ولا ابن زهرة في الغنية، ولاابن حمزة في الوسيلة، ولا المحقّق في نكت النهاية، ولا يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع، ولعلّهم اكتفوا بما دلّ من الإطلاقات على وجوب الغضّ عن الأجنبية مطلقاً، إلاّ أنّ الشيخ في المبسوط أفتى بكراهة النظر وقال: «لا تحلّ للأجنبي أن ينظر إلى أجنبية لغير حاجة وسبب، فنظره إلى ما هو عورة منها محظور، وإلى ما ليس بعورة مكروه، وهو الوجه والكفّان لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ). وروي أنّ الخثعمية أتت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في حَجَّة الوداع تستفتيه في الحَجّ وكان الفضل بن عبّاس رديف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فأخذ ينظر إليها وأخذت تنظر إليه فصرف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وجه الفضل عنها وقال:«رجل شاب وامرأة شابة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».
وروي أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال لعلي (عليه السلام): «لاتتبع النظرة النظرة فإنّ الأُولى لك والثانية عليك».(780)
وأمّا غيرالشيخ وحتّى نفسه في غير المبسوط فلم يتعرّضوا للمسألة، نعم ذكروا جواز النظر عند التزويج. وإليك كلماتهم في ذلك المقام:
1ـ قال المفيد في المقنعة في باب نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّجها وما يحلّ له من ذلك وما لا يحلّ: إذا أراد الرجل أن يعقد على امرأة فلاحرج عليه أن ينظر إلى وجهها قبل العقد ويرى يديها بارزة من الثوب وينظر إليها ماشية في ثيابها، وإذا أراد ابتياع أمة نظر إلى وجهها وشعر رأسها ولايحلّ له أن ينظر إلى وجه امرأة ليست بمحرم ليتلذذ بذلك دون أن يراها للعقد عليها.(781)
2ـ قال الشيخ: لابأس أن ينظر الرجل إلى وجه امرأة يريد العقد عليها: يديها ووجهها ويجوز أن ينظر إلى مشيها وإلى جسدها من فوق ثيابها، ولايجوز له شيء من ذلك إذا لم يرد العقد عليها، ولابأس أن ينظر الرجل إلى أمة يريد شراءها وينظر إلى شعرها ومحاسنها ولايجوز له ذلك إذا لم يرد ابتياعها.(782) فقوله: «لايجوز شيء من ذلك» يشمل الوجه والكفّين.
3ـ قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: ويجوز للرجل النظر إلى وجه المرأة التي يريد العقد عليها وإلى محاسنها وجسمها من فوق ثيابها فإن لم يكن مريداً للعقد عليها لم يجز شيء من ذلك، وكذلك يجوز له في الأمة التي يريد ابتياعها فإن لم يرد ابتياعها لم يجز شيء من ذلك أيضاً.(783)
فإنّ تخصيص جواز النظر إلى الوجه بصورة إرادة التزويج أو الابتياع دالّ على المنع في غير هاتين الصورتين.
4ـ وقال الحلبي: ولايحلّ لأحدهما ذلك ( النظر إلى وجهها وبدنها) من دون إرادة التزويج.(784)
5ـ وقال ابن حمزة في الوسيلة :وإذا زوّج الرجل جارية من الغير لم يجز له أن ينظر إليها منكشفة وإذا بانت منه جاز له ذلك.(785)
إلى هنا لم نقف على أحد من القدماء ممّن يصرّح بجواز النظر إلاّ ما عرفت من المبسوط، فهم بين ساكت عن الإشارة إلى المسألة أو مطلق حرمة النظر الشامل لهما.
6ـ نعم أوّل من عنون المسألة بصراحة ـ بعد الشيخ الطوسي في المبسوط ـ وأفتى بالجواز مع كراهية هو المحقّق فجوّز النظرة الأُولى، دون الثانية، وقد عرفت كلامه.
7ـ وتبعه العلاّمة في القواعد: حيث قال: ولا يحلّ النظر إلى الأجنبية إلاّ لضرورة كالشهادة عليها ويجوز إلى وجهها وكفّيها مرّة واحدة لاأزيد.(786)
8 ـ ومع ذلك فقد أفتى في التذكرة بخلاف ما قال به في القواعد فقال فيها:
النظر إمّا أن يكون لحاجة أو لا، «القسم الأوّل»: أن لايكون لحاجة فلايجوز للرجل النظر إلى الأجنبية التي لايريد نكاحها في ماعدا الوجه والكفّين، فأمّا الوجه والكفّان فإن خاف الفتنة حرم أيضاً، لقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) وإن لم يخف الفتنة قال الشيخ (رحمه الله): إنّه يكره وليس بمحرّم لقوله تعالى:(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها) وهو مفسّر بالوجه والكفّين وهو قول أكثر الشافعية، ولهم قول آخر إنّه يحرم ـ إلى أن قال: ـ وهو الأقوى عندي وليس المراد من الكفّ مجرّد الراحة بل من رؤوس الأصابع إلى المعصم، وللشافعية وجه و هو أنّه يختصّ الحكم بالراحة وأخمص القدمين.« القسم الثاني»: أن يكون هناك حاجة إلى النظر فيجوز إجماعاً. كمن يريد نكاح امرأة.(787)
9ـ وقال الشهيد في اللمعة: ولاينظر الرجل إلى الأجنبية إلاّ مرّة من غير معاودة إلاّ لضرورة كالمعاملة والشهادة عليها والعلاج.(788)
10ـ واختار المحدّث البحراني: الجواز استناداً إلى روايات ظاهرة في استثناء الوجه والكفّين.(789)
11ـ واضطرب كلام السيد الطباطبائي ـ قدس اللّه سره ـ فاختار المنع في باب النكاح وأفتى بالجواز في كتاب الصلاة في باب الستر وقال: ويجب ستر المرأة تمام بدنها عن ما عدا الزوج والمحارم إلاّ الوجه والكفّين مع عدم التلذذ والريبة.
12ـ وقال السيد الفقيه الاصفهاني : ويحرم النظر إلى الوجه والكفّين إذا كان بتلذذ وريبة، وأمّا بدونها ففيه قولان بل أقوال: الجواز مطلقاً، وعدمه مطلقاً، والتفصيل بين نظرة واحدة فالأوّل وتكرار النظر فالثاني. وأحوط الأقوال بل أقواها أوسطها. (790)
13ـ واختاره السيد الأُستاذ ـ ره ـ إلاّ أنّه جعل الأوسط أحوط الأقوال لاأقواها. وهذا يعرب عن كون الأقوى عنده هو الأوّل.
وهذه الآراء المختلفة تكشف عن عدم وجود إجماع في المسألة على واحد من الأقوال، والأقوال تستمدّ من الكتاب والسنّة حسب الاستنباط.
وأمّا أهل السنّة، فقال ابن قدامة في المغني: فأمّا نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنّه محرّم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد، قال أحمد: لايأكل مع مطلّقته، هو أجنبي لايحلّ له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها، ينظر إلى كفّها؟ لا يحلّ له ذلك. وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفّين لأنّه عورة، ويباح له النظر إليهما مع الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة. وهذا مذهب الشافعي لقول اللّه تعالى:(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها) قال ابن عبّاس: «الوجه والكفّين» وروت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا ـ وأشار إلى وجهه وكفّيه ـ رواه أبو بكر وغيره، ولأنّه ليس بعورة فلم يحرم النظر إليه بغير ريبة كوجه الرجل.(791)
أدلّة المجوّزين
استدل المجوّز بوجوه نأتي بها:
1ـ قوله سبحانه :(وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ).(792)
ومحلّ الاستشهاد هو قوله: (إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها ) حيث فسّر في الروايات بالوجه والكفّين، وعلى ذلك فأُطلق الحالّ (كالكحل والخاتم) وأُريد المحلّ أي مواضع الزينة بجهة أنّ إبداء الزينة بما هو ليس بمحرّم. فتعيّن أن يكون المراد مواضعها وهو الوجه والكفّان، لوجود الاتفاق على حرمة إبداء غيرهما. ولايخفى ما في الاستدلال من نظر وذلك لوجهين:
1ـ إنّ إطلاق الزينة وإرادة مواضعها غير متعارف في القرآن الكريم ولاتجد له نظيراً في استعمالاته وإليك ما ورد فيه مايناسب المقام ، قال
سبحانه: (وَ قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلاَهُ زِينَةً) (793)، وقال سبحانه: (يا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) .(794)
وقال سبحانه:(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ) .(795)
ونفس الآية:(وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) ، والمراد هو الخلخال، وعلى ذلك فلا وجه لتفسير الزينة بمواضعها مع كون الاستعمال غريباً.
فإن قلت: إنّ الداعي إلى هذا التفسير هو كون إبداء نفس الزينة بلا إبداء موضعها جائزاً بالاتّفاق ولايحتاج مثله إلى الاستثناء، فلأجل ذلك فسّر بإبداء مواضعها.
قلت: إنّ هنا احتمالاً ثالثاً، وهو أنّ المراد ليس نفس المواضع، ولا نفس الزينة مجرّدة، بل نفس الزينة إذا تحلّت بها المرأة فما ظهر منها يجوز، ومالم يظهر لايجوز، وجواز إظهارها لايلازم جواز إظهار الوجه والكفّين.
2ـ كما يحتمل أن يكون المراد من الزينة الكحل والخاتم ونظائرهما ممّا يلازم إبداؤها عند التحلّي بهما إبداءَ مواضعها، كذلك يحتمل أن يكون المراد، الثياب الفاخرة التي تظهر بنفسها، ولايلازم إبداؤُها إبداءَ موضع من مواضع بدنها، فتصير الآية مجملة من جهة المصداق فلابدّ من الرجوع إلى الأخبار، فإن تمّت، وإلاّ فلا تكون الآية سنداً للجواز. وسيوافيك البحث في الروايات.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (دام ظلّه) استشكل على الاستدلال بالآية حتّى بعد ثبوت كون المراد من المستثنى هو الوجه والكفّان قائلاً بأنّ البداء بمعنى الظهور كما في قوله تعالى: (فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) والإبداء بمعنى الإظهار، فإذا كان متعلّقاً بشيء ولم يكن متعدّياً باللام يكون في مقابل الستر، وإذا كان متعدّياً باللام كان في مقابل الإخفاء بمعنى الإعلام والإراءة، كما يقال: يجب على الرجل ستر عورته وليس له إظهارها فيما إذا كان يحتمل وجود ناظر محترم، وكذلك يقال: إنّ بدن المرأة كلّه عورة، فيراد به ذلك. وأمّا إذا قيل: أبديت لزيد رأيي أو مالي، فمعناه أعلمته وأريته.
ومن هنا يظهر معنى الآية الكريمة. فإنّ قوله عزّ وجلّ أوّلاً: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها) باعتبار عدم اقتران الفعل باللام إنّما يفيد وجوب ستر البدن الذي هو موضع الزينة وحرمة كشفه ما عدا الوجه واليدين لأنّهما من الزينة الظاهرة، فيستفاد منه أنّ حال بدن المرأة حال عورة الرجل لابدّ من ستره بحيث لايطّلع عليه غيرها باستثناء الوجه واليدين فانّهما لايجب سترهما، لكنّك قد عرفت أنّ ذلك لايلزم جواز نظر الرجل إليهما، في حين أنّ قوله عزّ وجلّ ثانياً: (وَلايُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ...)باعتبار اقتران الفعل باللام يفيد حرمة إظهار بدنها وجعل الغير مطلعاً عليه وإراءته مطلقاً من دون فرق بين الوجه واليدين وغيرهما إلاّ لزوجها والمذكورين في الآية الكريمة.
فيتحصل من جميع ما تقدّم أنّ الآية الكريمة بملاحظة النصوص الواردة في تفسير الزينة تفيد حكمين:
الأوّل: حكم ظهور الزينة في حدّ نفسه فتفيد وجوب ستر غير الظاهرة منها دون الظاهرة التي هي الوجه واليدان.
الثاني: حكم إظهار الزينة للغير فتفيد حرمته مطلقاً من دون فرق بين الظاهرة والباطنة إلاّ للمذكورين في الآية الكريمة حيث يجوز لها الإظهار لهم.
وحيث عرفت أنّ حرمة الإظهار، ووجوب التستر تلازم حرمة النظر إليها فتكون الآية الكريمة أولى بالاستدلال بها على عدم الجواز من الاستدلال بها على الجواز.(796)
يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فلأنّ التفريق بين الجملتين في آية واحدة (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها) و (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ) بأنّ المراد من الأُولى هو لزوم ستر الزينة إلاّ ما ظهر، ومن الثانية هو
حرمة الإبداء والإظهار للغير خلاف الظاهر، فإنّ هنا حكماً واحداً وهو إبداء الزينة للغير فيحرم إبداؤها إلاّ ما ظهر منها وهو مفاد الجملة الأُولى ويستثنى ممّا يحرم إبداؤه لهم، الزوج والمذكورون في الآية وهو مفاد الجملة الثانية، فكأنّه قال: يحرم إبداء الزينة إلاّ ما ظهر منها ويستثنى من تحريم الإبداء البعول و... فالتفكيك بين الجملتين بصرف الأُولى إلى لزوم الستر، والثانية إلى حرمة إبداء الزينة. كما ترى.
وبعبارة أُخرى: إنّ الجملة الأُولى تكون بصدد بيان ما كانت الثانية في مقام بيانه وهو تحديد الإبداء والإظهار، غاية الأمر الأُولى تحدده من حيث الموضوع، والثانية من حيث الناظر، والثانية مكملة للأُولى ومفادهما: يحرم إبداء الزينة وإظهارها إلاّ ما ظهر منها ويحرم إبداء غير ما ظهر منها إلاّ للمذكورين في الآية.
ثمّ إنّه ماذا يراد من وجوب ستر بدن المرأة؟ فإن أُريد مع عدم وجود الناظر فالقول بوجوبه عجيب، حتّى في عورة الرجل فضلاً عن بدن المرأة مع استثناء الوجه والكفّين. والعجب أنّه ملتزم بذلك حيث يقول بعد صحائف: أفاد الحكم الأوّل أنّ بدن المرأة ـ ما عدا الوجه والكفّين ـ كعورة الرجل يجب ستره في نفسه ولايتوقّف صدق عنوان البدء والإبداء على وجود الناظر.(797)
وإن أُريد منه مع وجوده فهو يرجع إلى الإظهار والإبداء فيحرم عليها إبداء زينتها لغير من استثنى وليس حكماً مستقلاً وراء مفاد الجملة الثانية.
وثانياً: أنّ ما ذكره من الضابطة منقوض بالآيات التالية التي استعملت فيها لفظة الإبداء بدون اللام وأُريد منه الإظهار ضدّ الإخفاء لا ضدّ الستر، قال سبحانه: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً) .(798)
وقال سبحانه: (تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثيراً) .(799)
والظاهر أنّ المراد من اللفظة في كلا المقامين أمر واحد وهو إبداء الزينة وإظهارها، فلو كان المستثنى في الجملة الأُولى خصوص الزينة الظاهرة يكون المراد منها حرمة إبداء ما عدا الزينة الظاهرة لغير المذكورين في الآية لا وجوب الستر في نفسه.
ولأجل الاحتمالين، يجب في رفع الإبهام عن الاستثناء الوارد في الآية إمعان النظر في الروايات الواردة في تفسير الآية من حيث إتقان الدلالة وصحّة السند.
فنقول: قد وردت في المقام روايات تفسّر «ما ظهر» تارة بالوجه والكفّين والقدمين، وأُخرى بالزينة الموجودة في الأيدي والوجوه الملازم مع إبداء العضو المتحلّى بها، والروايات بين صحيحة وغير صحيحة لكن الثانية تصلح للتأييد.
الروايات وجملة «ما ظهر منها»
1ـ موثقة الحسين بن سعيد، عن القاسم بن عروة، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في قول اللّه عزّوجلّ:(إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها)قال: «الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم».(800)
والسند معتبر، غير أنّ القاسم بن عروة لم يوثّق صريحاً في الكتب الرجالية.
أقول: إنّ القاسم بن عروة من مشايخ ابن أبي عمير (المتوفّى سنة 217 هـ) ، وأحمد بن أبي نصر البزنطي (المتوفّى عام 221 هـ)، والحسن بن علي بن فضال المتوفّى قبله بثمانية أشهر أوسنة، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازي صاحبا كتب الثلاثين، ومحمّد بن خالد المكنّى بـ «أبي عبد اللّه»، وغير ذلك من الثقات الأعاظم ولا يمكن طرح رواية مثل تلك بحجّة أنّه لم يوثق، ولأجل ذلك اعتمد عليه العلاّمة، وكفى له فضلاً أنّه روى عنه الفضل بن شاذان (المتوفّى 260 هـ) وهذا المقدار من القرائن يكفي في اعتباره واعتبار روايته.
2ـ معتبرة الحسين بن محمّد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعد بن مسلم، عن أبي بصير، قال: سألته عن قول اللّه عزّوجلّ: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها) قال:« الخاتم والمسكة وهي القلب».(801)
أقول: الذي صدّر به سند الحديث هو الحسين بن محمّد بن عامر الأشعري القمي الثقة، روى عن أحمد بن إسحاق بن عبد اللّه الأشعري المكنّى بـ «أبي علي» كبير القدر، وقال العلاّمة: ثقة، روى عن سعد بن مسلم صاحب الأصل ، يقول المحقق الداماد: شيخ كبير جليل القدر، وهو من رجال كامل الزيارات، وترجمه النجاشي والشيخ في كلا كتابيه، وهو يروي عن أبي بصير الثقة وكان قائده فالرواية معتبرة.
وأمّا ما أورد عليه المحقّق الخوئي من أنّ السؤال عن القسم الأوّل الوارد في الآية الكريمة، دون القسم الثاني فلا تدلّ إلاّ على جواز كشف الوجه واليدين، وعدم وجوب سترهما في نفسه، وذلك لايلازم جواز النظر، فقد عرفت أنّ التفكيك بين الجملتين غير تامّ وأنّهما بصدد بيان حكم واحد وهو حكم إبداء الزينة منعاً وجوازاً.
3ـ عبد اللّه بن جعفر في «قرب الإسناد»، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: سمعت جعفراً وسئل عمّا تظهر المرأة من زينتها؟قال: «الوجه، والكفّين».(802) وهارون بن مسلم: ثقة وجه، كما أنّ مسعدة بن زياد الربعي: ثقة، وأمّا المؤلف فهو عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال النجاشي في حقّه: شيخ القميين ووجههم . وإنّما سمّي بقرب الإسناد لقلّة الوسائط بينه وبين الأئمّة (عليهم السلام).(803)
4ـ صحيحة علي بن سويد، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنّي مبتلى بالنظر إلى المرأة الجميلة، فيعجبني النظر إليها؟فقال: «يا علي لابأس إذا عرف اللّه من نيّتك الصدق، وإيّاك والزنا فإنّه يمحق البركة ويهلك الدين».(804)
وقد استدلّ بها الشيخ الأنصاري في نكاحه، وحمله المحقّق الخوئي على اقتضاء عمله لذلك وأنّ النظر إنّما يكون اتّفاقياً بمعنى أنّه يقع نظره عليها من دون قصد أو تعمّد فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.
يلاحظ عليه: أنّه لا يصحّ حمله على من كان النظر، مقتضى عمله حتّى يكون النظر لا عن اختيار، إذ لو كان كذلك، لكان مقتضاه الابتلاء بالنظر إلى النساء على وجه الإطلاق، لا خصوص الجميلة كما هو مورد السؤال، فلامحيص عن حمله على من اعتاد النظر إلى الجميلة عن اختيار، ويكون التلذذ الحاصل أيضاً كذلك، كيف ولو كان النظر اتّفاقيّاً، لما كان لقوله (عليه السلام): «من نيّتك الصدق» وجه إذ لا نيّة في الاتّفاق، ولا يكون التلذذ الوارد فيه، تلذذاً بالاختيار كما هو ظاهر الرواية بل خارج عنه.
5ـ ما رواه في «قرب الإسناد» ، عن علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الرجل ما يصلح أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحلّ له؟ قال: «الوجه والكف وموضع السوار».(805)
والمراد من «لا تحل» أي لا يحلّ النظر إليها، لا ما لايحلّ نكاحها حتّى يختصّ الحكم بالمحارم كما استظهره صاحب مستند العروة، فإنّ الجواز فيها أوسع ممّا جاء في الرواية كما سبق.
6ـ صحيحة الفضيل: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الذراعين من المرأة هما من الزينة التي قال اللّه:(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ) قال: «نعم وما دون الخمار من الزينة وما دون السوارين».(806) الظاهر أنّ لفظة «دون» بمعنى التحت (807)، والمراد أنّ ما تحت الخمار أي ما يستره الخمار من الرأس و الرقبة، فهو من الزينة التي يحرم إبداؤها، وأنّ ما تحت السوار وما يستره ممتدّاً إلى الساعد والمرفق، منها أيضاً. قال الفيض «و ما دون الخمار» يعني ما يستره الخمار من الرأس والرقبة و هو ما سوى الوجه منهما «و ما دون السوارين» يعني من اليدين و هو ما عدا الكفين منهما. (808)
7ـ مرسلة مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)فقلت: ما يحلّ للرجل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً ؟ قال: «الوجه والكفّان والقدمان».(809) والرواية مرسلة ، تصلح لتأييد الصحيح.
8 ـ رواية عمرو بن شمر: عن أبي جعفر (عليه السلام)عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: خرج رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يريد فاطمة (عليها السلام)وأنا معه فلمّا انتهينا إلى الباب وضع يده عليه فدفعه ثمّ قال:«السلام عليكم ،فقالت فاطمة (عليها السلام): وعليك السلام يا رسول اللّه، قال: أدخل؟ قالت: أُدخل يا رسول اللّه، قال: أدخل ومن معي؟ قالت: ليس عليّ قناع، فقال: يا فاطمة خذي فضل ملحفتك فقنّعي به رأسك، ففعلت ثمّ قال: السلام عليك، فقالت: وعليك السلام يا رسول اللّه قال: أدخل؟ قالت: نعم يا رسول اللّه ، قال: أنا ومن معي؟ قالت: ومن معك، قال جابر: فدخل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ودخلت وإذا وجه فاطمة أصفر كأنّه بطن جرادة، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): مالي أرى وجهك أصفر؟!قالت : يا رسول اللّه الجوع ،فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): اللّهمّ مشبع الجوعة ودافع الضيعة أشبع فاطمة بنت محمّد. قال جابر: فو اللّه لنظرت إلى الدم ينحدر من قصاصها حتّى عاد وجهها أحمر فما جاعت بعد ذلك اليوم».(810)
وفي السند إسماعيل بن مهران: الثقة، عن عبيد بن معاوية بن شريح: المهمل، عن سيف بن عميرة: الثقة، عن عمرو بن شمر: الضعيف، وبما أنّ جابر بن عبد اللّه توفّي عام 76 من الهجرة في عصر إمامة السجّاد (عليه السلام)الذي توفّي عام 94ـ 95 هـ ، فطبع الحال يقتضي نقل القصة إلى والده لا إلى ولده الباقر الذي ولد عام 57 هـ ، وتوفّي عام 114 هـ، وكان له من العمر يوم مات جابر قرابة عشرين سنة.
9ـ رواية علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبي الجارود في قوله تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها)فهي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكفّ والسوار.(811)
والرواية مرسلة، و«أبو الجارود» هو زياد بن منذر الكوفي التابعي الذي يروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام)ولمّا خرج زيد بن علي (عليه السلام)التحق به وصار زيدياً وإن رجع أخيراً إلى الإمام الصادق (عليه السلام). والجاروديّة منسوبة إليه.
10ـ ما رواه الحسن بن فضل في «مكارم الأخلاق»، عن محاسن البرقي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في قوله جلّ ثناؤه:(إلاّ ما ظهر منها)قال: «الوجه والذراعان».(812)
هذا ما وقفنا عليه من الروايات من طرق الشيعة. وأمّا من طرق أهل السنّة:
فعن عبد اللّه بن مسعود تفسير الزينة الظاهرة، بالثياب، لكن المروي عن عدّة أُخرى من أعلام الصحابة كابن عباس، بالكحل والخاتم والقلادة والقرط تارة، وبخضاب الكفّ والخاتم أُخرى، ووجهها وكفّيها والخاتم ثالثة، وبرقعة الوجه وباطن الكفّ رابعة.
وعن عائشة: الزينة الظاهرة، القلب والفتخ وضمّت طرف كمّها.
وعن سعيد بن جبير: الوجه والكفّ.
روت عائشة: أنّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء، إنّ المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلاّ هذا»وأشار إلى وجهه وكفّه. وعن قتادة مثله.(813)
وقد أيّده في الحدائق ، قال: المشهور، أنّ بدن المرأة كلّه عورة ما خلا الوجه والكفّين والقدمين ، فلم يوجبوا سترها في الصلاة، وهو أظهر ظاهر في تجويزهم النظر إلى هذه الثلاثة، وبإطباق الناس في كلّ عصر على خروج النساء على وجه يحصل منه بدوُّ ذلك من غير نكير.(814)
والأوضح من الكلّ، أنّ كثرة الابتلاء يقتضي وجود النصوص البارزة الظاهرة في الحرمة في المقام ولايصحّ الاكتفاء في مثل هذه المسألة بالإيماء والإشارة إذا كان النظر حراماً واقعاً أو الستر واجباً كذلك، فليست المسألة من جهة الابتلاء بأقلّ من سائر المحرّمات التي ورد النصّ بالحرمة فيها بوضوح.فلا مانع من الاعتماد على هذه النصوص الظاهرة في جواز النظر التي يؤيّد بعضها بعضاً إذا سلمت عن المعارض، وإليك البحث عن أدلّة المانعين:
أدلّة القائلين بالتحريم
استدل المانع بوجوه من الآيات:
1ـ إطلاق قوله سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِنيِنَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ) .(815)
يلاحظ عليه: أنّ التقييد لو تمّ ، لما كان للاستدلال بالإطلاق مجال.
(وَ لا يُبْدينَ زِينَتَهُنَّ) (816).
يلاحظ عليه : أنّ مصبّ الاستدلال لو كانت الفقرة الأُولى فهي مخصصة بمخصّص متّصل(إلاّ ما ظهر) مجمل بين الثياب، والوجه والكفّين فلايصح التمسّك به في مورد النزاع. ولو كانت الفقرة الثانية في الآية، فالمراد منها أيضاً ما عدا (ما ظهر منها ) بحكم توالي الفقرتين وهو أيضاً مجمل بين الأمرين والعام المخصص بمتّصل مجمل، لايكون حجّة في مورد الشكّ .
3ـ قوله سبحانه:(وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ).(817) والحجاب هو الستر الكامل.
يلاحظ عليه: أنّ الآية لا صلة لها بمورد البحث من جهات:
أوّلاً: أنّ البحث في ستر المرأة، والحجاب هو الحاجز بين الشيئين ، قال سبحانه: (حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ) .(818) وقال سبحانه: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً)(819) فالستر والساتر ما تلبسه المرأة، والحجاب ليس بهذا المعنى ويظهر مفاد الآية إذا لوحظ شأن نزولها فكان المؤمنون يسألون أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)مباشرة عن أشياء يحتاجون إليها فأُمروا أن لايكلّموا إلاّ من وراء حجاب.
وثانياً: أنّ الآية وما قبلها وما بعدها راجعة إلى نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فلهنّ شأن خاص، ووظائف خاصة، كما هو صريح قوله:(يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ...) (820) لايشترك فيها غيرهنّ من النساء وإسراء حكمهنّ إلى غيرهنّ أشبه بالقياس.
(وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبرِّجات بِزِينَة). (821) حيث خصّ وضع الثياب بالقواعد.
يلاحظ عليه: أنّ المراد وضع الخمار والجلباب لا إبداء الوجه والكفّين مع التحفظ عليهما.
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لاَِزْواجِكَ وَ بَناتِكَ وَ نِساءِ المُؤْمِنينَ يُدْنينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (822)، وكان سيّد مشايخنا آية اللّه البروجردي (قدس سره)يستدلّ بها على لزوم
ستر الوجه في درسه الشريف عند البحث عن مقدار ما يجب ستره للمرأة في الصلاة قائلاً بأنّ إدناء الجلباب وإرخاءه يلازم ستر الوجه، والمراد يدنين جلابيبهن إلى جانب وجوههنّ فتكون النتيجة إسدالها إليها.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية لاتدلّ على ما رامه ـ وإن كان السيد الأُستاذ(قدس سره)مصرّاً على الدلالة ـ فسواء فسّر الإدناء بالاقتراب وأخذ الجلباب، مقابل الخروج عن البيت بلاجلباب، أو فسّر بالتستر بها، فغاية الأمر به، هو التميّز عن الإماء حتّى لايؤذين في الطرق والشوارع حيث كان المنافقون يمازحون الإماء وربّما يتجاوزون إلى ممازحة الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك قالوا: حسبناهنّ إماء، قطع اللّه عذرهم فأمرهنّ بإدناء الجلباب قائلاً بأنّ ذلك أدنى وأقرب إلى أن يعرفن بزينتهنّ إنّهنّ حرائر ولسن بإماء فلايؤذيهنّ أهل الريبة.(823) فإذا كان الهدف ذلك فهو يحصل بستر الرأس والجيوب والصدور مقابل الإماء حيث يخرجن كاشفات الرؤوس والجيوب، من دون توقّف على ستر ما عداها من الوجه والكفّين.
وثانياً: لو كان المراد ما يرومه لكان الأولى أن يقول: يرخين جلابيبهنّ ويسدلنها على وجوههنّ إذ يكفي في إدناء الجلباب إدناؤه من فوق الرأس إلى بدء الناصية حتى يستر الشعر والرأس جميعاً، وأمّا إرخاؤه ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ إلى جانب الوجه وإسداله إلى الذقن ، فاستفادته منها تحتاج إلى الدليل.
هذه حال الآيات التي استدل بها المانع وإليك ما استدلّ به من الروايات:
6ـ الروايات الواردة حول النظر، وأنّ النظر سهم من سهام إبليس، وأنّه زنا العين، وقد أوردها صاحب الوسائل (قدس سره)في الباب 140 من أبواب مقدّمات النكاح.
ولكن لا صلة لها بموضوع البحث، فإنّها ناظرة إلى النظر بقصد التلذذ وخوف الفتنة، وأين هو من النظر المجرّد من ذلك أو من لزوم الستر عليها؟! لاحظ قوله (عليه السلام): «النظرة سهم من سهام إبليس مسموم وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة».(824)
7ـ خبر سعد الإسكاف(825) عن أبي جعفر (عليه السلام)، استقبل شابّ من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ، فنظر إليها وهي مقبلة، فلمّا جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سمّاه ببني فلان فجعل ينظر خلفها واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشقّ وجهه. فلمّا مضت المرأة نظر فإذا الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فقال: واللّه لآتينّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)ولأخبرنّه فأتاه. فلمّا رآه رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:« ما هذا؟» فأخبره.
فهبط جبرئيل (عليه السلام)بهذه الآية: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللّهَ خَبيرٌ بِما يَصْنَعُونَ) .(826)
ولا يخفى ضعف الاستدلال به في ناحية حرمة النظر وفي مقدار الستر، فإنّ النظر في الخبر لم يكن مقصوراً على الوجه والكفّين وكذا عدم سترها، لأنّه لم يكن عليها يومئذ أيّ ستر لازم، لقوله (عليه السلام):«وكانت النساء يتقنّعن خلف آذانهنّ».
8 ـ ما رواه ابن قدامة في المغني، والمحدّث النوري في المستدرك، عن بعض نسخ فقه الرضا: «كان الفضل بن عبّاس رديف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فجاءته الخثعمية تستفتيه فجعل الفضل ينظر إليها فصرف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وجه الفضل عنها وقال:«رجل شابّ وامرأة شابّة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان».(827)
ولا يخفى أنّه على العكس أدلّ ، فهو يدلّ على أنّ وجه المرأة كان غير مستور، وقد حجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)العام العاشر. وأمّا نهيه عن النظر، فلأنّه لم يكن خالياً عن الريبة والتلذذ كما يظهر ممّا نقله صاحب المستدرك عن بعض نسخ فقه الرضا.
9ـ روى الصدوق في الفقيه قال: كتب محمّد بن الحسن الصفّار (رضي الله عنه)إلى أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام)في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها، أو لاتجوز الشهادة عليها حتّى تبرز وتثبتها بعينها؟ فوقّع (عليه السلام): « تتنقّب وتظهر للشهود إن شاء اللّه » وقال: هذا التوقيع عندي بخطّه (عليه السلام).(828)
يلاحظ عليه: ما سيوافيك عند البحث عن المستثنيات، من أنّ الإسفار أمر إلزامي على الزوجة إذا لم يعرفها الشاهد أو لم يعرفها من يحضر المجلس من العدول، وأمّا في غير هذين الموردين فلا يجب، ولمّا كان في مورد الرواية ما يرفع الإبهام كالعدلين خيّرها الإمام بين الظهور، وعدمه، حفظاً لحقوقها.
نعم يبقى وجه الأمر بالتنقّب عند إرادة الظهور: فلعلّه لأجل أنّ كثيراًمن العفائف لا يرضين بالظهور بلا نقاب فأرشدها الإمام إليه حتّى تتمكّن من الظهور ـ إذا شاءت ـ ومع هذا الاحتمال، لاتكون الرواية سنداً لوجوب ستر وجهها مطلقاً.
10ـ الروايات الدالّة على جواز النظر إلى وجه المرأة ويديها إذا أراد تزويجها فإنّ مفهومها عدم الجواز إذا لم يكن مريداًتزويجها.
11ـ ما ورد في جواز النظر إلى وجه الذمّية ويديها معلّلاً بأنّه لا حرمة لهنّ فإنّه ـ كالصريح في أنّ منشأ الجواز إنّما هو عدم وجود حرمة لأعراضهنّ ـ فيدلّ على عدم الجواز إذا كانت المرأة مسلمة وذات حرمة.
ولا يخفى ما في الدليلين من الضعف، أمّا الأوّل :فلأنّ الموضوع عند إرادة التزويج أوسع من غيرها فالجواز على النحو الموسّع مشروط بها، فانّ الروايات فيه بين مجوّزة مطلق النظر، أو مقيدة بالنظر إلى خلفها ووجهها، أو النظر إلى شعرها ومحاسنها أو خصوص شعرها، أو محاسنها إلى غير ذلك مما يفيد كون الموضوع أوسع ممّا نحن فيه، وقد وردت في رواية واحدة: وجهها ومعاصمها ،وهي رواية حمّاد.(829) ومن المعلوم أنّها ليست حجّة إلاّ في مدلولها لا في نفي غيره ممّا ورد في سائر الروايات كما مرّت.
أمّا الثاني: فالموضوع فيها هو الشعور والأيدي والرؤوس.(830)والموضوع في المقام هو الوجه والكفّان فقط فالاستدلال بهاتين الطائفتين على حرمة النظر إلى الوجه والكفّين كما ترى.
12ـ المرأة كلّها عورة، وقال العلاّمة في التذكرة: وهو قول كلّ من يحفظ منه العلم، والعورة سوأة الإنسان وذلك من العار، وأُطلقت عليها لأنّ ظهورها يورث العار.
و لكنّ الاستدلال بهذه الكلمة المأثورة من دون أن يعلم سندها غير تامّ، مع ذهاب الكثير إلى عدم العار في ظهور الوجه والكفّين.
هذه هي الوجوه التي استدل بها المانع في مقابل الوجوه العشرة التي استدل بها المجوّز.
الجمع الدلالي بين الأدلّة
والحق أنّه لاتعارض بين أدلّة الطرفين وقد حصل الخلط بين المسألتين : مقدار الستر، وجواز النظر . فالحقّ كون الوجه والكفّين خارجين عن مقداره، ومع ذلك لا يجوز النظر إليهما بلا حاجة مقتضية له على الأحوط وليست في المقام ملازمة بين عدم لزوم الستر وجواز النظر.
توضيح ذلك: أنّ ما استدلّ به القائل للجواز من الآيات والروايات، راجع إلى مقدار الستر ولا مانع من القول به، وقد اكتفى به الشارع دفعاً للعسر والحرج خصوصاً في القرى والبلاد التي تقوم النساء بأعمال فلاحية أو نساجية أو صناعية أو تجارية أو غير ذلك.
وليس للإنسان المتقشّف المتظاهر بالغيرة، الاعتراض على الحكم، ولا شكّ أنّ الستر أوفق بالعفّة وأحفظ من الزلّة هذا ومن جانب أنّ الحكم ليس إلزامياً وإنّما هو باختيار المرأة حسب ظروفها وملابساتها الحافّة بها.
وأمّا جواز النظر، فالدليل عليه عبارة عن الأمرين التاليين:
1ـ الروايات الماضية، وهي لا تتجاوز عن ثلاثة: صحيحة علي بن سويد، ومرسلة مروك، وخبر علي بن جعفر.(831) والعبرة بالأُولى، والثانية مرسلة، والثالثة قابلة للتأييد لا الاستدلال. والقدر المتيقن منه هو النظر لحاجة، كالمعالجة والمعاملة، والتدريس الذي لا يستقيم الإفهام إلاّ به والشهادة عليها أو لها، وغير ذلك من الأُمور التي لا تتمّ إلاّ بالنظر لكن العاري عن التلذذ المحرّك للشهوة والافتتان، وأمّا جواز النظر إليها لا لحاجة، فالقول به غير تامّ في مقابل إطلاقات الغضّ.وحمل آيات الغضّ على النظر الشهوي لا المطلق دون إثباته، خرط القتاد، بل الظاهر الحرمة مطلقاً، حسماً لمادة الفساد، ولاتجد فقيهاً يفتي بالجواز على وجه الإطلاق ولو لم يكن هناك حاجة. وأمّا سائر الروايات فالكلّ راجع إلى مقدار الستر.
2ـ إدّعاء الملازمة بين جواز الكشف وجواز النظر، ولكنّه مورد تأمّل خصوصاً إذا كان الملاك لجواز الكشف، هو دفع العسر والحرج عنها، ولا يكون مثل ذلك دليلاً على جواز النظر إذا لم يكن الرجل في عسر وحرج عند الغضّ.
أضف إلى ذلك: أنّ السيرة المستمرة بين المتدينين هو الغضّ، بل الغمض على الفرق الواضح بينهما.
وأمّا التفرق بين النظرتين: الأُولى والثانية، فقد استدلّ عليه بما ورد من الروايات التي أثبتها صاحب الوسائل في الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح. مثل ما نقل الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «النظر بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة».(832) ولايخفى أنّها أجنبية عن محلّ النزاع لأنّها راجعة إلى النظرات المتكرّرة مع الالتذاذ والشهوة.
المسألة الثامنة:
في نظر المرأة إلى الرجل
لاشكّ في حرمة نظرها عند خوف الفتنة، أو بقصد الالتذاذ، وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن فيه أحد هذين العنوانين، المحتملات بل الأقوال أربعة:
الأوّل: التحريم مطلقاً، ذهب إليه صاحب المسالك وقال: ونظر المرأة إلى الرجل كنظره إليها لوجود المقتضي فيها ولقوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ) فلايجوز لها النظر إلى وجهه وكفّيه.(833)
ويظهر ذلك من فخر المحققين في الإيضاح حيث قال: نظر المرأة إلى الرجل كنظره إلى المرأة، لقوله تعالى:(قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ ) ثمّ ذكر رواية أُمّ سلمة وقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لها ولميمونة: «أفعمياوان أنتما».(834)
وقريب منهما الشهيدان في اللمعة والروضة حيث قال: يحرم على المرأة أن تنظر إلى الأجنبي أو تسمع صوته إلاّ لضرورة كالمعاملة والطب، وإن كان الرجل أعمى، لتناول النهي له ولقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأُمّ سلمة وميمونة: «...أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه».(835)
ويقرب من ذلك قول العلاّمة في القواعد وشارحه كاشف اللثام: يقول العلاّمة: «ولاللمرأة النظر إليه» أي للأعمى وبطريق أولى لغيره.(836)
والعجب أنّ كثيراً من الكتب الفقهية خالية من عنوان المسألة، فقد راجعنا الكتب التالية فلم نجد المسألة معنونة فيها:المقنع والهداية للصدوق، والمقنعة للمفيد، والانتصار والمسائل الناصريات للسيد المرتضى، والنهاية والمبسوط للشيخ الطوسي، والمراسم لسلاّر بن عبد العزيز الديلمي، وإشارة السبق لأبي الحسن الحلبي، وجواهر الفقه والمهذّب لابن برّاج، والغنية لابن زهرة، والوسيلة لابن حمزة الطوسي، والجامع للشرائع ليحيى بن سعيد الحلي; ولعلّ وضوح المسألة عندهم أغناهم عن عنوانها.
الثاني: مساواة المرأة في الحكم في المستثنى والمستثنى منه، وهو الذي حكاه العلاّمة في التذكرة عن علمائنا قال: منع جماعة من علمائنا نظر المرأة إلى الرجل كالعكس. لقوله تعالى:(قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ)فلايجوز لها النظر إلاّ إلى وجهه وكفّيه، لأنّ الرجل في حقّ المرأة كالمرأة في الرجل وهو قول أكثر الشافعية. وقال بعضهم: إنّها تنظر إلى ما يبدو عنه عند المهنة دون غيره إذ لاحاجة إليه. وقال بعضهم: إنّها تنظر إلى جميع بدنه إلاّ ما بين السرّة والركبة وليس كنظر الرجل إلى المرأة، لأنّ بدنها عورة
في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة ولأنّهما لو استويا لأُمر الرجل بالحجاب كالنساء.(837)
الثالث: التفصيل بين النظرة الأُولى وغيرها. وهو مختار المحقق (قدس سره)في الشرائع فيجوز في الأُولى دون الثانية .
الرابع: جواز النظر إليه، من دون اختصاص بالوجه والكفّين وهو مختار صاحب مستند العروة.
دليل القائل بالحرمة على الإطلاق
استدل القائل بالحرمة: بآية الغض من جانب المؤمنات حيث يقول سبحانه: (قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ)(838)من دون استثناء صالح يخصص عموم الآية، والغضّ وإن كان بمعنى نقصان النظر، لكنّه كناية عن عدم النظر إلى الرجل، نعم ربّما يقال بأنّ استخدام الغضّ مكان الغمض لأجل أحد أُمور:
1ـ نقصان النظر ، لأجل جواز النظر إلى بعض أجزاء المبصر كالوجه والكفّ.
2ـ نقصان النظر، لأجل جواز النظر إلى بعض أفراده كالمحارم.
3ـ نقصان النظر، لأجل الانصراف عن المبصر، والتوجّه بالنظر إلى غيره وفرضه مغفولاً عنه.
4ـ نقصان النظر، بمعنى تقليل الدقة وعدم تعميق النظر، كما احتمله بعض. ولكن الظاهر أنّه كناية عن عدم النظر. والمحتملات الأربعة الأخيرة خالية عن الدليل.
هذا هو الدليل الواضح للقول الأوّل، وأمّا ما تمسك به من الروايات فهو غير تام، فهي بين ضعيفة السند وضعيفة الدلالة.
كمرسلة البرقي: استأذن ابن أُمّ مكتوم، على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعنده عائشة وحفصة فقال لهما: «قوما فادخلا البيت» فقالتا: إنّه أعمى؟! فقال: «إن لم يركما فإنّكما تريانه».(839) وضعف السند ظاهر.
وخبر الصدوق في عقاب الأعمال: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«اشتدّ غضب اللّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها...».(840)
يلاحظ عليه: أنّه مع كونه ضعيف السند، ضعيف الدلالة ، لأنّ البحث في النظر المجرّد لا ما إذا ملأت عينيها بالنظر إلى الغير، ولا ينفكّ مثله عن ريبة وافتتان والتذاذ وشهوة .ومرسلة مكارم الأخلاق: عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ فاطمة (عليها السلام)قالت في حديث: خير النساء أن لايرين الرجال ولايراهنّ الرجال، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «فاطمة منّي».(841)
يلاحظ عليه: بالإرسال وكون الحكم فيها أخلاقيّاً.
وفي مكارم الأخلاق أيضاً: عن أُمّ سلمة ما يتّحد مضمونه مع الأوّل، وعلى ذلك لايمكن الاستدلال إلاّ باطلاق الآية وهو إنّما يتمّ إذا لم يكن هناك مخصص.
دليل المساواة مع الرجل منعاً وترخيصاً
وهذا القول هو الظاهر من العلاّمة في التذكرة فرخّص نظرها إلى وجه الرجل وكفّيه مع أنّه منع نظر الرجل إليهما، وعلى كلّ تقدير فاستدل عليه:
أوّلاً: بالتلازم بأنّه متى جاز النظر منه إليها، جاز النظر منها إليه.
ولكنّ إثبات الملازمة مشكل لعدم العلم بوحدة الملاك مع كونهما صنفين، فمن الممكن أن يجوز من جانب دون جانب آخر.
وثانياً: التمسك بلفظة (من) في قوله: (من أبصارهنّ) مستظهراً بأنّ التبعيض في النظر لأجل خروج الوجه والكفّين.
يلاحظ عليه: أنّه يحتمل أن يكون التبعيض لأجل خروج المحارم، أو لغير ذلك من الوجوه المذكورة في تفسير الغض الذي هو بمعنى نقصان النظر.
ثالثاً: ادّعاء الإجماع ولكنّه غير ثابت وقد عبّر العلاّمة بقوله: «أكثر علمائنا».
ورابعاً: العسر والحرج في الغضّ المطلق.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الملاك ذينك الأمرين يلزم التفصيل بين وجود الحرج وعدمه، لأنّ الملاك فيهما شخصيّ لا نوعي.
وخامساً: السيرة المستمرة بين المسلمات فإنّهنّ ينظرن إلى الرجال وإلى نفس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة (عليهم السلام)ولو من وراء الحجاب ولم يرد النهي عنه، ويؤيّد ذلك عدم ورود السؤال عن نظرها إليه مع وروده في عكسه، فمن البعيد أن يكون سببه كون النظر واضح الحرمة، بل من المحتمل جدّاً أنّ سببه كونه واضح الجواز.
لكن القدر المسلّم في الحكم هو ما جرت العادة على كشفه من الرجل كالرأس واليدين أو الذراعين على تأمّل، وأمّا الزائد فهو مدفوع بإطلاق الآية كما لايخفى.
المسألة التاسعة:
في النظر إلى المرأة في موارد الضرورة
وقد استثني من حرمة النظر، موارد الضرورة في الرجل والمرأة بأدلّة عامّة أو خاصّة.
منها: الشهادة
قال المحقق: ويجوز عند الضرورة إذا أراد الشهادة عليها، ويقتصر الناظر على ما يضطرّ الاطّلاع عليه من غير فرق بين التحمّل والأداء. ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا) (842)، وقوله سبحانه:(وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (843)، فلو دعي من له الحقّ رجلاً، إلى تحمّل الشهادة على زوجته الزانية تجب الإجابة لإطلاق الآية الأُولى.
وفي الاستدلال بالآيتين تأمّل، لأنّ إطلاقهما لايشمل ما إذا كان في تحمّلها أو أدائها ارتكاب للحرام كما في المقام، ومثله وجوب الحجّ فإنّه لايشمل ما إذا كان في أدائه ارتكاب للمحظور. نعم لو كان مورد الشهادة تحمّلاً وأداءً من الأُمور المهمّة التي ترتفع عندها حرمة النظر واللمس، كان جائزاً، وليس كلّ شهادة من هذا القبيل.
ويمكن الاستدلال بصحيحة علي بن يقطين، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)قال: «لابأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو يحضر من عرفها، ولايجوز عندهم أن يشهد الشهود على إقرارها دون أن تسفر وينظر إليها».(844) بناء على أنّ مفادها هو: أنّه إذا عرفت بعينها، أو حضر من العدول من يعرفها فلا حاجة إلى الإسفار.وأمّا إذا لم يعرفها ، ولم يحضر من العدول من يعرفها، فلا يجوز إلاّ بالإسفار خلافاً لأهل السنّة حيث قالوا بالإسفار مطلقاً كما هو ظاهر قوله (عليه السلام): «ولايجوز عندهم أن يشهد الشهود»، ولعلّ هذا هو المستفاد من المتن الذي نقله الكليني عن علي بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل قال (عليه السلام): «لابأس بالشهادة على إقرار المرأة وليست بمسفرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها، فأمّا أن لاتعرف بعينها ولايحضر من يعرفها، فلايجوز للشهود أن يشهدوا عليها وعلى إقرارها دون أن تسفر وينظروا إليها».(845)
وبما أنّ الستر والإسفار من حقوق المرأة فلاتلزم على الإسفار أبداً إلاّفي المورد الذي لايعرفها الشاهد ولايعرفها الحاضرون، لما عرفت أنّ الحديث، حديث الحقّ ولاتلزم برفع اليد عنه إلاّ إذا توقف عليه الأمر الشرعي. فلو توقف تحمّل الشهادة أو أداؤها على الإسفار، تلزم على الإسفار جمعاً بين الحقّين وإلاّ فلا.
3ـ مكاتبة الصفّار المتقدّمة في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها بمحرم هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر ويسمع كلامها إذا شهد عدلان أنّها فلانة بنت فلان التي تشهدك وهذا كلامها ،أو لا تجوز الشهادة عليها حتّى تبرزنَّ وتثبتها بعينها؟ فوقّع (عليه السلام): «تتنقّب وتظهر للشهود إن شاء اللّه» .(846)
ويقيّد إطلاقها، بما تقدّمها. وقد تقدّم فقه الرواية فلاحظ.
فتلخّص أنّ الأظهر هو الاستدلال بالروايات دون الآيات ثمّ الاستثناء على قول من لايقول بجواز النظر إلى الوجه والكفّين ، وإلاّ فلا حاجة إلى الاستثناء ويمكن القول بأنّ النظر في مقام الشهادة يتوقّف على إعمال النظر وتعميقه وهو ليس بجائز في غيرها، فالاستثناء لابدّ منه مطلقاً.
منها: النظر لأجل العلاج
العلاج تارة يتوقّف على النظر، وأُخرى على المسّ، وثالثة على الجرح والكسر. وعلى كلّ تقدير علاج الأجنبي تارة يكون مع إمكان المماثل، وأُخرى مع عدمه ووجود الضرورة ; ثمّ العلاج تارة يتوقف على المباشرة في مقدّماتها، وأُخرى يقبل الاستنابة فيقوم أحد المحارم عليها ويخبره بالنتيجة، وعلى فرض المباشرة تارة يمكن المعالجة بالنظر إلى المرآة أو استخدام الوسائل التلفزيونية ،وأُخرى لا؟
والجواب على الجميع يتوقّف على دراسة أدلّة الحكم.
أمّا إذا لم يوجد المماثل الذي يصدق عليه الاضطرار العقلي فتكفي فيه أدلّة رفع الحرمة عند الاضطرار في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة... ما اضطرّوا إليه».(847) وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «رفعت عن أُمّتي أربع خصال: ما اضطرّوا إليه، وما نسوا، وما أُكرهوا عليه، وما لم يطيقوا».(848)
وفي موثقة سماعة: «... وليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه اللّه لمن اضطرّ إليه».(849)
وفي الأُخرى: «...وليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ وقد أحلّه لمن اضطرّ إليه».(850)
ولا إشكال في جواز مراجعة المريضة المضطرّة إلى الطبيب. وما عن السيد الحكيم (قدس سره)من أنّ أدلّة الاضطرار مختصة بالمضطرّ ولا يعمّ الطبيب، غير تام للملازمة بين الرفعين أو الجوازين وإلاّ يلزم لغوية الرفع وأيّ فائدة لجواز كشفها إذا حرم على الطبيب النظر واللمس.
وإنّما الكلام فيما إذا لم يكن مضطرّاً بأن يوجد المماثل فلاشكّ أنّ أدلّة الاضطرار غير شاملة لها، لكن يمكن استكشاف جوازه من رواية أبي حمزة الثمالي وهي صحيحة على الأصحّ، لأنّ الظاهر أنّ علي بن الحكم فيها هو مَن وثّقه الشيخ في الفهرست والعلاّمة في الخلاصة، بقرينة رواية أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري عنه.
فعن أبي جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن المرأة المسلمة يصيبها البلاء في جسدها إمّا كسر وإمّا جرح في مكان لايصلح النظر إليه يكون الرجل أرفق بعلاجه من النساء أيصلح له النظر إليها؟ قال:« إذا اضطرّت إليه فليعالجها إن شاءت».(851)
وبما أنّ كلام الإمام (عليه السلام)جواب عن سؤال السائل وهو لم يفرض فقدان المماثل بل أرفقية الرجل من النساء، يستفاد كون المراد من الاضطرار هو الحاجة ورجحان معالجة الرجل على المرأة.
نعم في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سئل أمير المؤمنين (عليه السلام)عن الصبي يحجم المرأة؟ قال: إذا كان يُحسِنُ يصف فلا».(852)
وما رواه علي بن جعفر، قال: سألته عن المرأة يكون بها الجرح في فخذها أو بطنها أو عضدها هل يصلح للرجل أن ينظر إليه يعالجه؟ قال: «لا».(853)
ولكنهما محمولتان على صورة وجود المماثل وعدم الحاجة إلى الجنس المخالف وعدم أرجحيته، وإلاّ فيجوز أخذاً بمفاد الرواية السابقة.
وأمّا الاستنابة أو الاستفادة من الأجهزة الصناعية، فلو كانت رافعة للحاجة وخالية عن العسر فالأحوط تقديمها على المباشرة وإلاّ فيباشر بنفسه.
منها: النظر للشهادة على الزنا
وهل يجوز النظر للشهادة على كلّ عمل منكر له حد أو لا؟ جوّزه العلاّمة قائلاً بأنّه وسيلة إقامة حدود اللّه ولما في المنع من عموم الفساد واجتراء النفوس على هذا المحرّم وانسداد باب ركن من أركان الشرع. ويلزم من حرمة النظر أن لاتسمع شهادته بالزنا لتوقف تحمّلها على النظر المحرّم إلاّ إذا علمت توبته.(854)
يلاحظ عليه: أنّ إقامة الحدود لو كانت واجباً مشروطاً لايجب تحصيل شرطه ـ أعني: النظر المباح ـ فكيف إذا كان الشرط أمراً محرّماً، وإن كان واجباً مطلقاً يجب تحصيل شرطه لكن إذا كانت المقدّمة محلّلة ـ كما في النظر صدفة ـ لامحرّمة ويكفي في رفع الفساد وإجراء الحدود في الموارد التي يتّفق فيها النظر، على أنّ عدم اكتفاء الشارع بشهادة عدلين والتماس شهادة أربعة أشخاص حاك عن قلّة اهتمامه بالثبوت.
ولعلّه لذلك استقرب في التذكرة المنع لأنّه نظر إلى فرج محرّم فيكون حراماً وليست الشهادة على الزنا عذراً، لأنّه مأمور بالستر.
ومنها: النظر للشهادة على الولادة والرضاع
استثنى في المسالك: النظر للشهادة بالولادة والرضاع إذا لم يمكن إثباتهما بالنساء العادلات، أو لم يبلغ عددهنّ مرحلة تفيد الاطمئنان وعلّل الجواز بكونه من مهامّ الدين وأتمّ الحاجات خصوصاً أمر الثدي ويكفي في دعاء الضرورة إلى الرجال، المشقّة في تحصيل أهل العدالة من النساء على وجه يثبت به الفعل.(855)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره قليل الاتّفاق إذ قلّما يتّفق مورد لايبلغ عدد النساء إلى حدّ يحصل من قولهم العلم بالرضاع والولادة، نعم لو مسّت الحاجة الشديدة بحيث تصدق عليه الضرورة الدينية، لجاز.
المسألة العاشرة:
في النظر إلى القواعد من النساء
والأصل في جواز كشفهنّ والنظر إليهنّ قوله سبحانه:(وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجات بِزِينَة وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .(856)
ويقع البحث عن أُمور:
1ـ ما هو المراد من القواعد؟
المراد من القواعد من النساء هي التي فسّرت بقوله سبحانه:(لايرجون نكاحاً) والمراد من النكاح هو التزويج، وتفسيره بالحيض بعيد عن ظاهر اللفظ، وعلى المختار فالمراد: النساء اللاتي لايرغب في تزويجهنّ غالباً وفسرتها الرواية بـ «إذا كانت المرأة مسنّة» أو «ممن قعدن عن النكاح».(857)
والكلّ يشير إلى منشأ واحد، وهو بلوغ المرأة إلى حدّ لايثير النظر إليها شهوة الرجال ولايمكن تحديد ذلك بسنّ خاص، وربّ امرأة يائسة حفظت جمالها يعجب الشبّان وجهها وسائر محاسنها، وربّ امرأة لايرغب في نكاحها وإن لم تبلغ حدّ اليأس. ولأجل ذلك قال سبحانه:(لايرجون نكاحاً)، وفسرت في النصوص بالمرأة المسنّة وهو تفسير بالفرد الغالب كما في صحيحة حريز (858)، وبمن قعدن عن النكاح كما في خبر علي بن أحمد بن يونس(859). وعلى ذلك فالقدر المتيقّن هو المرأة المسنّة التي لا ترجو نكاحاً، ولايرغب في نكاحها أغلب الناس فلايكون النظر إلى تلك موجباً لثوران الشهوة بل يعاملهنّ الناسُ معاملة الأُمّهات، وأمّا إذا لم تبلغ إلى تلك المرحلة فاللازم حفظ ثيابها.
2ـ مقدار ما يجوز وضعهنّ من الثياب
أمّا مقدار ما يجوز وضعهنّ من الثياب فقد اختلفت الأخبار في حدّها ففي بعضها: الجلباب. روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في قول اللّه عزّوجلّ: (وَ القَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) ما الذي يصلح لهنّ أن يضعن من ثيابهن؟ قال: « الجلباب».(860) ومثله خبر أبي الصباح الكناني(861)، وخبر محمّد بن أبي حمزة بإضافة «وحده» (862) ولعلّها إشارة إلى إبقاء «الخمار» الذي أصغر منه.
وهناك روايات تدلّ على أنّ الموضوع أوسع من الجلباب، ففي صحيحة الحلبي: «الخمار والجلباب».(863) ومثله صحيحة حريز قال: «الجلباب والخمار إذا كانت المرأة مسنّة». (864)
وفي خبر محمّد بن سنان، عن الرضا (عليه السلام)تفسير الآية بقوله: «أي غير الجلباب فلابأس بالنظر إلى شعور مثلهنّ». (865)
ويمكن الجمع بالحمل على مراتب التعفف الذي يدلّ عليه ذيل الآية: حيث قال تعالى: (وَ أَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) فالتعفف الكامل عدم وضع أي ثياب، ودونه وضع الجلباب، ودونه الخمار وإن كان رفع كليهما جائزاً.
ولا يعدّ مثل هذا الجمع تبرعياً، ويدلّ على ذلك خبر الكناني(866): حيث جوّز لخصوص الأمة إذا كانت من القواعد رفع الكل مع أنّ الأمة شابّتها ومسنّتها ليس عليها حجاب ولاستر، وهذا يدل على أنّ التفريق بين الحرة والأمة إذا كانتا من القواعد تنزيهي، وأمّا القول المحكي عن الشهيد من جواز كشف سائر الأعضاء من البدن أخذاً بإطلاق الثياب فلم يقل به أحد.
3ـ مقدار ما يجوز النظر إليها
وأمّا مقدار ما يجوز النظر إليها فيختلف حسب مقدار ما تضع من ثيابها، فعلى القول باختصاصها بالجلباب يجوز النظر إلى اليدين والذراعين وبعض الشعر، لأنّ الخمار لايكون ساتراً لجميع شعرها. وعلى الثاني أي: جواز وضع الجلباب والخمار معاً، يجوز النظر إلى جميعها وعنقها وعليه يحمل ما في خبر علي بن أحمد بن يونس قال: ذكر الحسين أنّه كتب إليه يسأله عن حدّ القواعد من النساء التي إذا بلغت جاز لها أن تكشف رأسها وذراعها؟ فكتب (عليه السلام): «من قعدن عن النكاح».(867)
وما في صحيحة البزنطي قال: سألته عن الرجل يحلّ له أن ينظر إلى شعر أُخت امرأته؟ فقال: «لا ، إلاّ أن تكون من القواعد»، قلت له: أُخت امرأته والغريبة سواء؟قال: «نعم» قلت: فما لي من النظر إليه منها؟ فقال: «شعرها وذراعها».(868) ومع ذلك ليس لهنّ التبرّج بالزينة. كما هو صريح الآية.
المسألة الحادية عشرة:
في حكم الصبي والصبية من جهات
1ـ حكم البالغ بالنسبة إلى غير المميّز
يجوز النظر من المخالف البالغ إلى غير المميّز صبياًكان أو صبية لانصراف الأدلّة عن مثلهما والسيرة القطعية، ويؤيّده ما دلّ على جواز غسل الرجل للصبية إذا كانت دون الخمس.(869)
وبذلك يعلم أنّه إذاكان الناظر غير مميّز و المنظورة بالغة فلايجب على المرأة التستر، لانصراف الأدلّة عن مثله فعلم أنّ غير المميّز لاحكم له من النظر إليه، أو نظره إلى غيره حتّى يجب عليه التستر منه من غير فرق بين العورة وغيرها والتعفف أليق وأحوط.
2ـ حكم البالغ بالنسبة إلى المميّز صبيّاً أو صبيّةً
يقع الكلام تارة في حكم النظر إليهما، وأُخرى في وجوب التستر إذا كان هناك ناظر مميّز . أمّا الأوّل أعني: النظر إلى غير المماثل المميّز، فيجوز للرجل النظر إليها، لصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام)عن الجاريّة التي لم تدرك متى ينبغي لها أن تغطي رأسها ممّن ليس بينها وبينه محرم؟ ومتى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة؟ قال: «لاتغطّي رأسها حتّى تحرم عليها الصلاة».(870) وحرمة الصلاة عليها: كناية عن صيرورتها حائضاً، والرواية وإن دلّت على جواز كشف الصبية رأسها حتى تحيض، وتدلّ بالملازمة العرفية على جواز النظر إليها حتّى تحيض لكن خرجت عنها البالغة وإن لم تحض وبقيت غيرها.
ومنه يعلم حكم نظر المرأة إلى الصبي المميّز لاتّحاد حكم الرجل والمرأة في باب النظر ويمكن الاستدلال على جواز نظرها إلى المميّز، بما سيأتي من أنّه لايجب عليها الستر من الغلام حتّى يحتلم، بتقريب أنّ جواز كشف الرأس يلازم جواز نظرها إليه.
هذا على قول من يقول بحرمة نظرها إلى الرجل، وأمّا على قول
من يجوّز النظر كما هو الظاهر من صاحب مستند العروة، فلاحاجة إلى الاستثناء.
3ـ فيما إذا كانت المميزة ناظرة أو المميز ناظراً
هذا كلّه إذا كان المميّز والمميّزة منظوراً إليه أو إليها. أمّا إذا كانت المميّزة ناظرة فلا يجب على الرجل التستر من المرأة الناظرة البالغة فضلاً عن المميّزة.
وأمّا إذا كان الناظر هو المميّز فهل يجب على المرأة التستر؟ وجهان: الجواز، لصحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السلام)قال: «يؤخذ الغلام بالصلاة وهو ابن سبع سنين ولاتغطي المرأة شعرها منه حتّى يحتلم».(871) ونحوها خبر قرب الإسناد.(872) وعدم الجواز بقوله سبحانه:(وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ...أَوِ الطِفْلِ الّذينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) .(873)
قائلاً بأنّ الظهور كناية عن العلم والاطّلاع وتمييز الأُمور. قال الطبرسي:
يريد به الصبيان الذين لم يعرفوا عورات النساء ولم يعثروا عليها لعدم شهوتهم فيختصّ ذلك بغير المميّز.
ويمكن أن يقال: إنّ الآية كناية عن البلوغ والمراد من الظهور هو الغلبة والقدرة والمراد من غلبتهم على عورات النساء، قدرتهم على الجماع والاستمتاع، قال سبحانه: (كَيْفَ وَ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إلاًّ وَ لا ذِمَّةً) .(874)
وقال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) . (875)
ويؤيده إيجاب الاستئذان على الأطفال عند البلوغ.قال سبحانه:(وَ إِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .(876) فالبالغ يستأذن في كلّ الأوقات، وأمّا الأطفال والعبيد يستأذنون في الأوقات الثلاثة التي ذكرها سبحانه في قوله:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنُكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّات).(877)
ونقله الطبرسي قولاً، وقال: وقيل: لم يطيقوا مجامعة النساء فإذا بلغوا مبلغ الشهوة فحكمهم حكم الرجال. وعلى ضوء هذا فالقول ـ أي عدم وجوب الستر ـ إذا كان الناظر غير بالغ هو الأظهر أخذاً بظاهر صحيحة البزنطي ومنطوق الآية.
ويمكن حمل الآية ـ إذا قلنا بأنّ الظهور كناية عن العلم ـ على ما إذا ترتّب على الإبداء ما لا تحمد عاقبته مثل ثوران الشهوة، لا ما إذا لم يترتّب عليه ذلك، وقد جرت السيرة على الإبداء إلاّ في هذه الصورة والقدر المتيقّن من الصحيحة أيضاً ما إذا لم يترتّب عليه ذلك.
وأمّا إذا كان النظر من المميّز والمميّزة موجباً لذلك، فإنّهما وإن كانا غير مكلّفين، لكن كان العمل مبغوضاً بذاته، يجب قطع السبيل على الناظر والناظرة، أمّا الأوّل فبستر المرأة، وأمّا الثاني فبمنع الولي إيّاها وعدم السماح لها، للنظر.
وأمّا النظر منهما إلى عورة البالغ أو نظره إلى عورتهما فربّما يستدل على الحرمة بقوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ) .(878)
مدّعياً بأنّ المراد الأعم من الجماع والنظر، ويمكن أن يقال:إنّ حكم العورة حكم الأشياء التي تعدّ حسب الطبع أمراً محظوراً محرّماً فالجواز يحتاج إلى الدليل، وإنّما خرجنا عنها في غير المميز لدليل هذا كلّه فيما إذا لم يبلغا مبلغاً يترتّب على النظر منهما أو إليها ثوران الشهوة، وإلاّ فلاكلام في الحرمة.
4ـ تقبيل الرجل الصبية
لا إشكال في تقبيل الصبية التي ليست بمحرم ووضعها في الحجر قبل أن يأتي عليها ستّ سنين للنصوص المتضافرة: كصحيح علي بن الحكم الكوفي (الثقة الجليل) عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي (الذي كان وجهاً عند أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)) وهو يروي عن أبي أحمد الكاهلي (المهمل الذي لم يوجد له في الكتب الأربعة إلاّرواية واحدة) والرواية مضمرة ويقول: وأظنّني قد حضرته قال: سألته عن جارية «جويرية خ ل» ليس بيني وبينها محرم تغشاني فأحملها وأقبّلها؟ فقال: «إذا أتى عليها ستّ سنين فلاتضعها على حجرك».(879)
وروى الصدوق في الفقيه بسنده عن عبد اللّه بن يحيى، قال: سأل محمّد بن النعمان أبا عبد اللّه (عليه السلام)فقال له: عندي جويرية ليس بيني وبينها رحم ولها ستّ سنين؟ قال: «لاتضعها في حجرك».(880)
وربّما يحتمل أن يكون أبو أحمد الكاهلي في الرواية الأُولى، هو نفس محمّد بن النعمان في الرواية الثانية فتتحد الروايتان، وعلى فرض صحّة الاحتمال فمحمّد بن النعمان مردّد بين محمّد بن علي بن النعمان الأحول البجلي الثقة المعروف بمؤمن الطاق، ومحمّد بن النعمان الأزدي الكوفي من رجال الصادق (عليه السلام)الذي ترجمه الشيخ في رجاله برقم (352)، ومحمّد بن النعمان الحضرمي الذي هو أيضاً كذلك وترجمه الشيخ في رجاله برقم (351)، ولكن وجود الاختلاف في المتن، يأبى عن توحيد الروايتين.
ثمّ إنّ دلالة الروايتين على عدم جواز التقبيل إذا مضت عليها ستّ سنين بالأولوية، فإذا كان الوضع ممنوعاً فالتقبيل بطريق أولى، وأمّا دلالتهما على جواز التقبيل إذا لم تبلغ ستّ سنين فلأنّ الوضع على الحجر يلازم غالباً التقبيل فإذا جاز، جاز.
وأمّا ما أفاده صاحب مستند العروة: أنّ الإمام (عليه السلام)أجاب عمّا هو أهون منهما، فيستفاد منه أنّه لا مانع من التقبيل والحمل ما لم تبلغ ستّ سنين.ففيه: أنّ جواز الأهون لايدلّ على جواز غيره وإنّما الملازمة في صورة العكس فلاحظ. ثمّ إنّ القول بالتحريم إذا جاوزت الستّ مشكلة.
أمّا أوّلاً : فلأنّه ورد التعبير في غير واحد من الروايات بلفظ «لاينبغي» المشعر بالكراهة: روى زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا بلغت الجارية الحرّة ستّ سنين فلاينبغي لك أن تقبّلها».(881)
وثانياً: أنّ كثرة الابتلاء يقتضي تضافر النصوص والإفتاء بها، والمسألة غير معنونة في كلماتهم وهذا آية كون الحكم على الكراهة.
نعم هناك بعض المراسيل تحكي عن عمل الإمام حيث إنّه نحى عن اقتران الجارية إليه على اختلاف مضمونها.
ففي مرسلة هارون بن مسلم عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): أنّ بعض بني هاشم دعاه مع جماعة من أهله فأتى بصبية له فأدناها أهل المجلس جميعاً إليهم، فلمّا دنت منه سأل عن سنّها؟ فقيل: خمس، فنحاها عنه.(882)
وفي مرسلة علي بن عقبة: وقال: «إذا أتت على الجارية ستّ سنين لم يجز أن يقبّلها رجل ليست هي بمحرم له ولايضمّها إليه».(883)
وفي مرفوعة زكريا المؤمن: رفعه أنّه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا بلغت الجارية ستّ سنين فلا يقبّلها الغلام، والغلام لايقبّل المرأة إذا جاز سبع سنين».(884) وكون المورد هو الغلام لا يضرّ بالمقصود، فإذا حرم في الأهون ففي غيره بطريق أولى.
لكن الكلّ مراسيل لايصحّ الاستدلال بها، مع اختلافها في المضمون والقول بالكراهة مالم تبلغ ، هو الظاهر لكن إذا لم تكن عن شهوة لكون المنع في هذه الصورة، هو المرتكز، قبل البلوغ أو بعده.
المسألة الثانية عشرة:
حكم صوت الأجنبية ومصافحتها
يحرم على المرأة إسماع الصوت الذي فيه تهييج للسامع بتحسينه وترقيقه، قال تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً)(885)، والآية وإن كانت خطاباً لنساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّ قوله: ( فَلا تَخْضَعْنَ)بيان للتقوى في قوله:( إنِ اتَّقَيْتُنَّ ) كما أنّ الأحكام الواردة بعدها كلّها بيان له ، أعني: قوله سبحانه:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ) .(886)
وقال سبحانه: (وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللّهِ وَ الحِكْمَةِ إِنَّ اللّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً).(887)
ومن المعلوم أنّ مراعاة التقوى واجبة على كلّ أحد، وعند ذلك لا فرق بين سائر النساء ونساء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)واحتمال كون الإمساك عن التخضّع من مراتب كمال التقوى، خلاف الظاهر، بقرينة ما ورد بعد من قوله: (وَقَرْنَ) ، (وَ لا تَبَرَّجْنَ)، (وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ)، وبالجملة كون الإسماع في هذه الصورة حراماً لاشكّ فيه ويؤيده الارتكاز.
وإنّما الكلام فيما إذا كان صوتها مجرّداً عن ذلك.
فقال المحقّق: لا يجوز له سماع صوت المرأة الأجنبية، لأنّه عورة. وحكي عن القواعد والتحرير، والإرشاد، والتلخيص، وقال في الجواهر:بل قيل إنّه مشهور، وإليك الأقوال:
قال في الحدائق: المشهور تحريم سماع صوت المرأة الأجنبية، مبصراً كان أو أعمى، وإطلاق كلامهم شامل لما أوجب إسماع التلذذ والفتنة أم لا.(888)
قال المحقّق في «الشرائع» : الثانية: الأعمى لا يجوز له سماع صوت الأجنبية.
وقال العلاّمة في «القواعد»: ولا للأعمى سماع صوت الأجنبية.(889)
وقال في «التذكرة»: وصوت المرأة عورة يحرم استماعه مع خوف الفتنة لابدونه، وينبغي لها أن تجيب المخاطبين لها أو قارع الباب، بصوت غليظ ولاترخم صوتها. وللشافعية وجهان: في أنّه عورة، أم لا لكن يحرم الإصغاء إليه مع خوف الفتنة، لما رواه الصدوق أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)كان يسلّم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهنّ وقال(عليه السلام): «أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل من الإثم عليّ أكثر ممّا طلبت من الأجر». (890)
وقال في التحرير: لا يجوز للأعمى سماع صوت المرأة الأجنبية، ولا للمرأة النظر إليه، لأنّ ابن أُمّ مكتوم دخل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)....(891)
وقال الشهيد الثاني في المسالك: يحرم على الأعمى سماع صوت المرأة لأنّ صوتها عورة. وإطلاق الحكم يشمل ما إذا خاف الفتنة، أو تلذّذ وعدمه، ويفيد تحريم سماع صوتها للمبصر بطريق أولى. لكنّه لم يذكره في حكم المبصر واكتفى بالتنبيه عليه ضمناً.(892)
قال المحقّق الكركي(893): الرابع: صوت المرأة عورة يحرم استماعه مع خوف الفتنة لابدونه... واعلم أنّه كما يحرم استماع صوتها يحرم عليها إسماعه الأجانب كما يحرم عليها التكشف.
ولكن الموافقة مع الحرمة على إطلاقها من دون تقييدها بالتلذّذ والريبة مشكلة جدّاً بل غير صحيح، إذ يدلّ على جواز سماع صوتها أُمور:
1ـ تخصيص الآية النهي بصورة التخضّع، لامطلق التكلّم، وإلاّ لكان توجيه النهي إليه أولى.
2ـ السيرة القطعية بين المسلمين من تكلّم النساء مع الرجال والمحادثة بينهم من دون تقيّد بحال الضرورة، وهذا هو التاريخ، ضبط كلام النبيّ مع النساء في الحروب وغيرها.
3 ـ إنّ العيش في البادية التي تقام فيها المآتم والأعراس لاينفكّ عن اختلاط النساء مع الرجال وتكلّم كلّ مع الآخر، ولو كان سماع صوتها حراماً لكان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والأئمّة (عليهم السلام)التصريح الأكيد بالمنع.
4ـ ما زالت النساء تتعامل مع الرجال في الأسواق والشوارع من غير نكير. إلى غير ذلك من الوجوه التي يشرف الفقيه على القطع بالجواز.
واستدلّ على الحرمة بوجهين:
الأوّل: ما في الشرائع من أنّ صوتها عورة ولم نجد له سنداً.ومثله ما يقال: صوت المرأة كبدنها عورة.
الثاني: الروايات الناهية من ابتداء الرجل بالسلام على المرأة.
مثل موثقة ابن مسعدة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لاتبدؤوا النساء بالسلام ولاتدعوهنّ إلى الطعام، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: النساء عيّ وعورة فاستروا عيّهن بالسكوت واستروا عوراتهن بالبيوت».(894)
يلاحظ عليه: أنّ هذه الرواية وما بمضمونها يحمل على الكراهة والتنزيه، لأنّه ثبت متواتراً من تكلّم فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبناته الأُخر مع الناس، كما ثبت مخاطبة النساء للنبيّ والأئمّة (عليهم السلام)ولايمكن حمل كلّ ذلك على الاضطرار الدينيّ أو الدنيوي، والآية الكريمة المخصصة للنهي بصورة التخضع، مشعرة بالجواز في غير هذه الصورة، مع أنّ النساء في جميع الأجيال كنّ يتعاملن مع الناس في حوائجهنّ وكمالاتهنّ، فكيف يمكن رفع اليد عن هذه السيرة بهذه الرواية؟
وممّا يؤيّد التنزيه ، ما رواه الصدوق، قال: كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يسلّم على النساء ويرددن عليه وكان أمير المؤمنين(عليه السلام)يسلّم على النساء ويكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ ويقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ من الإثم أكثر ممّا طلبت من الأجر.(895)
فبالجملة: نفس التكلّم بما هو هو من غير فرق بين الشابّة وغيرها، لاشكّ في جوازه، وأمّا الطوارئ الموجبة لحدوث الفتنة، واقتراب الإنسان من الذنب فهو خارج عن موضوع البحث.
مصافحة الرجل المرأة الأجنبية
لاشكّ في أنّ كلّ موضع حكم فيه بتحريم النظر، فاللمس أولى، إنّما الكلام في المصافحة باليد فقد وردت حرمتها، إلاّمن وراء حجاب، ولايغمز كفّها.(896)
وأمّا العضو المبان، فهل هو على حكمه الثابت في حال الاتصال، أو لا؟ أو الفرق بين الأظفار والسن وغيرهما من سائر الأجزاء، فالأحوط عدم جواز اللمس والنظر إلى الرأس المقطوع والبدن المقطوع ـ إلاّ إذا صار على وجه يعدّ شيئاً أشبه بالجماد ـ لثبوت حرمته، قبل الانفصال والأصل بقاؤها على ما كان خصوصاً حكم السوأتين.
خاتمة في الخنثى المشكلة
يقع الكلام تارة في الخنثى المشكلة في جواز نظر كلّ من الرجل والمرأة إليها وأُخرى في نظرها إلى كلّ من الطائفتين وتستّرها عنهما.
أمّا الأوّل: فالظاهر جواز نظر كلّ منهما إليها، لأنّ حرمة النظر في جانب الرجل، مشروط بإحراز الأُنوثية في الطرف المقابل وهي بعدُ لم تحرز وعلى العكس في جانب المرأة وليس هناك خطاب واحد متوجّه إليهما، وهذا مثل واجدي المني في الثوب المشترك حيث لا يجب الاغتسال على كلّ واحد منهما، مع العلم بكون أحدهما جنباً، وما هذا إلاّ لأنّ كلاً منهما، شاكّ في توجّه الخطاب بالنسبة إليه وعلم كل واحد بأنّ هنا خطاباً واحداًمتوجّهاً إمّا إليه أو إلى شريكه غير منجّز بعد كون النتيجة، هو الشكّ في حدوث التكليف، ومثله المقام، فإنّ كلاً من الرجل والمرأة، واقف بحكم (حرمة النظر إلى الخنثى) متوجّه إلى واحد منهما، ومثل هذا لا يخرج عن الشكّ في التكليف، وبهذا البيان لا تحتاج لإثبات الجواز إلى استصحاب الحكم في حال الصغر.
وأمّا الثاني: وهو تكليف نفس الخنثى، فلايجوز لها النظر إلى كلّ من الرجل والمرأة لعلمها بحرمة النظر إلى واحد من الطائفتين ، إمّا الرجال، وإمّا النساء، فتجتنب عنهما لتحصيل البراءة ، إلاّ إذا كان هناك عسر وحرج في الاجتناب.
نعم، لايجب عليها ستر بدنها ما عدا العورة لعدم العلم بكونها امرأة واحتمال كونها رجلاً، نعم لو كانت هنا امرأة ناظرة وقلنا بوجوب ستر ما عدا العورة على الرجل أيضاً إلاّ ما جرت العادة على عدم سترها وجب عليها ستر ما عداها أيضاً.


729 . الخلاف: 2/357، كتاب النكاح، المسألة 3 .
730 . النهاية:484 ،كتاب النكاح.
731 . الجواهر: 29/63.
732 . التذكرة: 2 / 572 ، كتاب النكاح، المقدمة الثانية في النظر، الطبعة الحجرية.
733 . وسيلة النجاة:2/305 ط. طهران منشورات مكتبة الصدر.
734 . بداية المجتهد: 2/3، كتاب النكاح.
735 . المغني: 7/17، كتاب النكاح.
736 . أي بالوجه والكفّين.
737 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1. والعجب أنّ صاحب الجواهر عبر عنها «بخبر محمّد بن مسلم» مع أنّها صحيحة.
738 . المصدر نفسه، الحديث 11.
739 . المصدر نفسه، الحديث 8 .
740 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7 .
741 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 12.
742 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4 .
743 . المصدر نفسه: الحديث 13.
744 . المصدر نفسه، الحديث 5.
745 . المصدر نفسه، الحديث 7.
746 . المصدر نفسه: الحديث 8 .
747 . المصدر نفسه: الحديث 5 .
748 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث2.
749 . النكاح لشيخ مشايخنا العلاّمة الحائري بقلم تلميذه الجليل الشيخ محمود الآشتياني ـ قدّس سرّهما ـ ، ص3.
750 . لاحظ المختلف: 7 / 93 ، كتاب النكاح ; النهاية: 484.
751 . النور: 30.
752 . الحجر: 88 .
753 . طه: 131.
754 . الوسائل: ج 14، الباب 8 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.
755 . الوسائل: ج 15، الباب 45من أبواب العدد، الحديث 1.
756 . الوسائل: ج 14، الباب 113 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1. وعبّاد بن صهيب، وثّقه النجاشي.
757 . الفقيه: 3/144ح 1438، باب النوادر.
758 . العلل: 2 / 565، الباب 365، الحديث1.
759 . الوسائل: ج 14 ، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
760 . المصدر نفسه، الحديث 2.
761 . الشرائع: 2 / 269 ، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة.
762 . الوسائل: ج 1، الباب 3 من أبواب آداب الحمّام، الحديث: 1. ولاحظ الأحاديث 2ـ5 من هذا الباب.
763 . المغني: 7/26.
764 . النور: 31.
765 . لأنّ الضمير في «نسائهنّ» يرجع إلى المؤمنات الواردة في صدر الآية: «قل للمؤمنات».
766 . الوسائل: ج 14، الباب 98 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
767 . المصدر نفسه، الباب 59 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
768 . الأعراف: 20.
769 . الكفاية: 1/342ـ343، طبعة المشكيني.
770 . النور: 30.
771 . النور: 31.
772 . مستند العروة الوثقى: 1/122ـ123،كتاب النكاح.
773 . فوائد الأُصول: 3 /140، بحث البراءة (ص384 من الطبعة الجديدة).
774 . الفرائد: بحث أصالة الصحّة ، التنبيه الثالث.
775 . النور: 30.
776 . مقاييس اللغة: 4/383و396.
777 . النور: 31.
778 . الوسائل: ج 14، الباب 104، من أبواب مقدّمات النكاح.
779 . هنا مسألتان: 1ـ هل يجب على المرأة ستر الوجه والكفّين أو لا؟ 2ـ هل يجوز للأجنبي النظر إليهما إذا كانتا مكشوفتين؟ والمسألتان مخلوطتان في كلمات القوم، ولو كانت المسألتان محرّرتين بحيالهما لكان أحسن، وسوف نشير في ثنايا البحث إليهما.
780 . المبسوط: 4/160.
781 . المقنعة: 521.
782 . النهاية: 484.
783 . المهذّب: 2/221.
784 . الكافي:296.
785 . الوسيلة: 75.
786 . إيضاح القواعد: 3/7، قسم المتن.
787 . التذكرة: 2 / 573، كتاب النكاح، المقدّمة الثامنة في النظر، الطبعة الحجرية.
788 . الروضة البهية:2/54.
789 . الحدائق: 23 / 855.
790 . وسيلة النجاة: 303، كتاب النكاح، ولاحظ تحريرها.
791 . المغني لابن قدامة: 7 / 22ـ23.
792 . النور: 31.
793 . يونس: 88 .
794 . الأعراف: 31.
795 . القصص: 79.
796 . مستند العروة: 1/55، كتاب النكاح .
797 . مستند العروة: 1 / 60، كتاب النكاح.
798 . الأحزاب: 54.
799 . الأنعام: 91.
800 . الوسائل: ج 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
801 . المصدرنفسه، الحديث 4، والقُلب ـ بالضم ـ : السوار.
802 . الوسائل: ج 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.
803 . لاحظ أُصول الحديث وأحكامه 78ـ 79، للمؤلف.
804 . الوسائل: ج 14، الباب 1 من أبواب النكاح المحرّم، الحديث 3.
805 . قرب الإسناد: 102. ورواه في البحار: 104/34.
806 . الوسائل: ج 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
807 . مجمع البحرين: 2 / 72 ، مادة «دون».
808 . الوافي: 12 / 819.
809 . الوسائل: ج 14، الباب 109 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
810 . المصدر نفسه، الباب 120 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
811 . مستدرك الوسائل: ج 14، الباب 85 من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 3.
812 . المصدر نفسه: الحديث1.
813 . الدر المنثور: 5 / 41 ـ42.
814 . الحدائق : 23/53.
815 . النور: 30.
816 . النور: 31.
817 . الأحزاب: 53.
818 . ص: 32.
819 . مريم: 17.
820 . الأحزاب: 32.
821 . النور: 60.
822 . الأحزاب: 59.
823 . مجمع البيان: 4/370.
824 . الوسائل: ج 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 وغيره .
825 . سعد الإسكاف وسعد الخفاف وسعد بن ظريف، واحد، راجع جامع الرواة وهو ناووسي لم يوثق، وغيره ممّن ورد في السند كلّهم ثقات.
826 . الوسائل: ج 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
827 . المغني لابن قدامة: 7/22، والمسالك: 1/436، والمستدرك: 2/554 ح7 وغيره، الباب 80 من أبواب مقدّمات النكاح.
828 . الفقيه: 3/40، باب الشهادة على المرأة، الحديث 2.
829 . الوسائل: ج 14، الباب 36 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
830 . المصدر نفسه، الباب 112 من أبواب مقدّمات النكاح.
831 . تقدّمت الروايات فلاحظ الرقم 4، 7و5.
832 . الوسائل: ج 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
833 . المسالك: 1/348.
834 . الإيضاح: 3/8.
835 . الروضة: 5/99.
836 . القواعد: 3/8، قسم المتن.
837 . التذكرة: 2/574،كتاب النكاح، الطبعة الحجرية.
838 . النور: 31.
839 . الوسائل: ج 14 ، الباب 129 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
840 . المصدر نفسه: الحديث 2.
841 . المصدر نفسه: الحديث3.
842 . البقرة: 282.
843 . البقرة: 283.
844 . الفقيه: 3/41 ح1، باب الشهادة على المرأة.
845 . الكافي: 7/400، كتاب الشهادات، باب الرجل يشهد على المرأة.
846 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 68 ، باب الشهود على المرأة ، الحديث 3347.
847 . الخصال:417، باب التسع، الحديث 9.
848 . الوسائل: ج 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 10، مرسلة العياشي.
849 . الوسائل: ج4، الباب 1، من أبواب القيام ، الحديث 6.
850 . الوسائل: ج 4، الباب 1 من أبواب القيام ، الحديث 7.
851 . الوسائل: ج 14، الباب 130 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
852 . المصدر نفسه: الحديث2.
853 . الوسائل: ج 14، الباب 130 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث3.
854 . نقله الشهيد في المسالك في المقام عن القواعد ولم نعثر عليه في نكاح القواعد لاحظ إيضاح القواعد 3/7.
855 . المسالك2/9.
856 . النور: 60.
857 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4و5.
858 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
859 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.
860 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 .
861 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
862 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
863 . الوسائل: ج 14 ، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
864 . الوسائل: ج 14 ، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
865 . الوسائل: ج 14، الباب 104 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 12.
866 . المصدر نفسه: الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
867 . الوسائل: ج 14، الباب 110 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 5.
868 . الوسائل: ج 14، الباب 107من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.
869 . الوسائل: ج 2، الباب 23 من أبواب غسل الميّت، الحديث 4.
870 . الوسائل: ج 14، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 2.
871 . الوسائل: ج 14 ، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
872 . الوسائل: ج 14 ، الباب 126 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
873 . النور: 31 .
874 . التوبة: 8 .
875 . الصف: 9.
876 . النور: 59.
877 . النور: 58.
878 . المؤمنون: 5.
879 . الوسائل: ج 14، الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
880 . الفقيه:3 / 275 ، كتاب النكاح، الباب 128، الحديث 2.
881 . الوسائل: ج 14، الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث2و7.
882 . الوسائل: ج 14، الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
883 . الوسائل: ج 14، الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 6.
884 . الوسائل: ج 14، الباب 127 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 4.
885 . الأحزاب: 32.
886 . الأحزاب: 33.
887 . الأحزاب: 34.
888 . الحدائق: 23/66.
889 . متن إيضاح القواعد:3/8.
890 . التذكرة: 2/574، كتاب النكاح، الطبعة الحجرية.
891 . التحرير: 3 / 420، كتاب النكاح .
892 . المسالك: 1/349.
893 . جامع المقاصد: 12 / 43، كتاب النكاح، حكم صوت المرأة .
894 . الوسائل: ج 14، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1.
895 . الوسائل: ج 14، الباب 131 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 3.
896 . الوسائل: ج 14، الباب 115 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1و2.