\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسائل فقهية
تعلّق النية بالإحرام ووجوبها
تعلّق النية بالإحرام ووجوبها

تعلّق النية بالإحرام
ذكر السيد الطباطبائي تبعاً للفقهاء أنّ من واجبات الإحرام النية وفسر بمعنى القصد إليه، وعلى ضوء ما ذكره يكون الإحرام مقصوداً، والقصد متوجهاً إليه، فهل يعمّم ذلك على عامة النظريات في حقيقة الإحرام أو لا؟ وإليك دراسته.
أمّا على الأُولى، فلو كان الإحرام أمراً مركباً من أُمور ثلاثة، أحدها النية، والآخران التلبية ولبس الثوبين، فلا يتعلق به النية، لأنّ أحد أجزائه، هو النية، فكيف تتعلّق النية بها، إلاّ أن يقال بأنّه أمر بسيط يحصل من الأُمور الثلاثة، فتتعلّق به النية، وقد عرفت إشكاله.
وأمّا على الثانية: توطين النفس على ترك المنهيات فهو بالذات أمر قصدي، فلا تقع متعلّقاً للنية.
وأمّا على الثالثة، الإحرام أمر اعتباريّ، يتحصل بالتلبية، فتتعلق به النية. أمّا السبب ـ أي التلبية ـ فواضح، وأمّا المسبب فمن طريق تعلقّها بالسبب.
وأمّا الرابعة، أعني: كونه أمراً إنشائياً يوجده المحرم بتحريم المحرمات على نفسه، فلو كان آلة الإنشاء، هو الالتزام النفساني فهو بالذات أمر قصدي وإن كانت التلبية فيصحّ تعلّقها بها.
وأمّا الخامسة، أعني: الحالة التي تمنع عن فعل شيء من المحرمات المعلومات، فبما أنّها لا تحصل إلاّ بالسبب، يكون حكمها حكم النظرية الرابعة.
وأمّا السادسة، أعني: الدخول في العمرة والحجّ، بالتلبية، فتعلّقها به واضح.
الإحرام بلا نية
لو أحرم من غير نية أصلاً بطل، سواء كان عن عمد أو عن سهو أو عن جهل.
أمّا الأوّل ـ أعني: الترك عن عمد ـ فيبطل نسكه، أي مجموع العمرة أو الحجّ، لأنّ العبادة بلا نية كالجسد بلا روح، ولا يصحّ إلاّ بالرجوع إلى الميقات فينوي ويأتي ببقية الأعمال، وقد تقدّم ذلك في فصل أحكام المواقيت، المسألة3.
وأمّا الثاني: أعني: إذا تركه مع السهو والجهل فقد سبق أنّه لا يبطل النسك ويجب عليه تجديده من الميقات إذا أمكن، وإلاّ فمن حيث أمكن على ما مرّ في المسألة السادسة من ذلك الفصل، فلاحظ.
اعتبار القربة والخلوص في النية
يشترط في صحّة امتثال الأمر العبادي أمران:
1. كونه آتياً به للّه سبحانه، لا لغيره، وهذا هو المراد من القربة فيعتبر أن يكون العمل للّه سبحانه.
2. أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، لا للرياء ولا للسمعة حتى يراه الناس ويسمعوه، وهذان الأمران معتبران في صحّة كلّ أمر عبادي.
وجوب النية من أوّل الشروع في الإحرام
وجه مقارنتها للشروع فيه واضح، لأنّ الأعمال بالنيات، والنيّة تتعلّق بالعمل من أوّله إلى آخره، فلو أتى ببعض العمل بلا نيّة لا يكون مجزياً.
ثمّ إنّ صاحب العروة نقل عن بعضهم من أنّ الإحرام تروك، وهي لا تفتقر إلى النية، والقدر المسلّم من الإجماع على اعتبارها إنّما هو في الجملة ولو قبل التحلّل.
وأورد عليه أوّلاً: منع كون الإحرام تروكاً فإنّ التلبية ولبس الثوبين
أفعال.
وثانياً: اعتبارها فيه على حدّ سائر العبادات في كون اللازم تحقّقها حين الشروع فيها.
ولم أعثر على القائل وإلاّ فضعفه واضح كما ذكره السيد الطباطبائي، بل التروك من أحكام الإحرام لا نفسه.
نعم هو خيرة الشيخ في «المبسوط» إذ قال فيه: الأفضل أن تكون مقارنة للإحرام، فإن فاتت جاز تجديدها إلى وقت التحلل.(572)
ولعلّ الشيخ قد أراد من عدم مقارنة النيّة هو تفكيك التلبية عن الصلاة في الميقات فقد ورد ذلك في بعض الروايات.
ففي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا فرغت من صلاتك وعقدت ما تريد، فقم وامش هنيهة، فإذا استوت بك الأرض ـ ماشياً كنت أو راكباً ـ فلبّ...».(573)
وعلى ذلك لا تنفك النيّة عن العمل لما عرفت من أنّ الإحرام يتحقّق بالتلبية.
لزوم تعيين خصوصيات الإحرام في النية
قد سبق عن الشرائع والتذكرة والمنتهى، من أنّ الواجب في النية أن يقصد في قلبه أُموراً أربعة:
1. تعيين كون الإحرام لحجّ أو عمرة، وهذا ما يعبّر عنه في كلام القدماء بـ«ما يحرم به».
2. تعيين نوعه، لأنّ حجّة الإسلام على ثلاثة أقسام يجب أن يعين نوعه: إمّا تمتعاً، أو إفراداً، أو قراناً.
3. تعيين أنّ الحجّ، حجّة الإسلام أو النذري أو الندبي. وهذا ما يعبّر عنه في كلامهم بـ«ما يحرم له».
4. نية الوجه من الوجوب والندب.
وإليك دراستها:
أمّا الأوّل: أي تعيين (ما يحرم به) من عمرة أو حجّ، فقد اختلفت كلمتهم في تعيين ما يُحرم به من عمرة أو حجّ، فذهب الشيخ في «المبسوط» وابن البراج في «المهذب» وابن حمزة في «الوسيلة» والعلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» إلى عدم وجوب التعيين حين النية، بل هو بالخيار بين أن يجعله للحجّ أو للعمرة، نعم إن كان في غير أشهر الحجّ تعين للعمرة. وإليك كلماتهم:
قال الشيخ: إذا أحرم منهما ولم ينو شيئاً لا حجّاً ولا عمرة، كان مخيراً بين الحجّ والعمرة أيّهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحجّ، وإن كان في غيرها فلا ينعقد إحرامه إلاّ بالعمرة .(574)
وقريب من هذه العبارة عبارتا «المهذب»(575) و«الوسيلة».(576)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ولو نوى الإحرام مطلقاً ولم يذكر لا حجّاً ولا عمرة انعقد إحرامه، وكان له صرفه إلى أيّهما شاء.(577) وكذا عبارة «المنتهى».(578)
استدلّ القائل بوجوب التعيين بأمرين:
1. انّ الأمر المتعلّق بالعمرة غير الأمر المتعلّق بالحجّ، فتعيين امتثال أحد الأمرين فرع قصد العنوان، أي كونه عمرةً أو حجّاً.
يلاحظ عليه: أنّه مبني على لزوم قصد الأمر في تحقّق الامتثال، ولكنّه غير تام، إذ يكفي في امتثال الأُمور القربية والتعبد، إتيان العمل للّه سبحانه خالصاً لوجهه الكريم كما هو سيرة المسلمين، ويؤيده قوله سبحانه: (قُلْ إِنّما أَعِظُكُمْ بِواحدة أَن تَقُومُوا للّهِ مَثْنى وَفُرادى).(579)
2. يظهر من غير واحد من الروايات أنّ عنواني العمرة والحجّ من العناوين التي يجب قصدهما كعنواني الظهر والعصر....
ففي صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه أمر بالدعاء بعد الصلاة، وقد جاء فيها: «اللّهمّ إنّي أُريد التمتع بالعمرة إلى الحجّ على كتابك وسنّة نبيّك».(580)
وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أردت الإحرام والتمتع فقل: اللّهمّ إني أُريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحجّ فيسّـر ذلك لي وتقبّله منّي وأعنّي عليه».(581)
وفي صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي أُريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحجّ فكيف أقول؟ قال:«تقول: اللّهمّ إنّي أُريد أن أتمتّع بالعمرة إلى الحج...».(582)
وفي صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال: «ينوي العمرة ويحرم بالحجّ».(583)
إلى غير ذلك من النصوص المتضمنة ذكر التعيين ولكنّ في دلالة أكثرها على لزوم التعيين، نظراً.
أمّا الأوّل فلأنّ الدعاء مشتمل على أُمور مستحبة، ومعه كيف يحتج به على لزوم خصوصه؟! وأمّا الثلاثة الباقية فلأنّ المفروض فيها من جانب الإمام كما في الثانية، أو من الراوي كما في الأخيرتين، هو انّ الحاج يريد من أوّل الأمر حجّ التمتع، فيأمره الإمام أن يقول: اللّهمّ إنّي أُريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحجّ.
وأمّا لزوم التعيين مطلقاً، حتّى فيما لا يريد سوى الإحرام المطلق، والتعيين بعده فهو ممّا لا يستفاد منها.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر أيّد لزوم التعيين بوجهين آخرين:
1. ما عليه الفقهاء من أنّه إن لم يتوفق للحج فيعدل إلى عمرة مفردة، ضرورة أنّه لو لم يعتبر التعيين لم يحتج إلى العدول المعتبر فيه ما عرفت، لأنّ الفرض مشروعية النية على الإطلاق....
2. ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار من الإشراط وأنّه يقول: «اللّهم إن لم يكن حجة فعمرة» وهذا يدلّ على وجوب التعيين عند الإحرام، ولذلك ربّما يشترط أنّه إذا لم يكن حجة فعمرة.
وسيوافيك ما هو الكلام الحاسم في المقام، فانتظر.
حجّة القائل بعدم الوجوب
استدلّ القائل بعدم وجوب قصد أحد العنوانين بوجوه:
الأوّل: انّ النسكين (العمرة والحجّ) غايتان للإحرام غير داخلين في حقيقته ولا تختلف حقيقة الإحرام نوعاً ولا صنفاً باختلاف غاياته، فالأصل عدم وجوب التعيين كما هو الحال في غايات الوضوء، حيث لا يعتبر نيتها عند التوضّؤ.
الثاني: انّ أخبار التعيين مبنية على الغالب أو الفضل وكذا الاشتراط.(584)
يلاحظ على الوجهين: أمّا الأوّل: فإنّ قياس الإحرام بالوضوء قياس مع الفارق فإنّه أمر عباديّ أو تقرّبي في نفسه ولا تتوقف عباديته أو مقربيته على تعيين الغاية، بخلاف الإحرام فإنّه جزء للعبادة، ولا يتعين للجزئية إلاّ بتبعية الكل، والمفروض أنّه لم ينو الكل.
وأمّا الثاني: فهو خلاف المتبادر، مع تضافر الأمر به.
الثالث: ما ذكره العلاّمة في «التذكرة» قائلاً بأنّ الإحرام بالحجّ يخالف غيره من إحرام سائر العبادات، لأنّه لا يخرج من الحجّ بالفساد (بخلاف الصلاة). وإذا عقد(في الحجّ) عن غيره، أو تطوعاً وعليه فرضه، وقع عن فرضه، فجاز أن ينعقد مطلقاً (ثانياً).(585)
أقول: إنّ إمكان إبطال الصلاة بالمنافيات وعدم إمكان إبطال الحجّ بها، لا صلة له بالمقام، أي عدم لزوم قصد العنوان في الحجّ ولزومه في الصلاة، والاختلاف في الأحكام في مورد لا يكون مؤثراً فيما نحن فيه.
الرابع: ما رواه الفريقان من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من المدينة لا يُسمّي حجّاً ولا عمرة بل ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، فأمر أصحابه من كان، منهم أهلّ ولم يكن معه هدي، أن يجعلوها عمرة.(586)
يلاحظ عليه: أمّا أصحابه فقد كانوا أهلّوا بالحجّ تبعاً للرسم الرائج في الجاهلية من تفكيك العمرة عن الحج، فأحرم كلّهم للحجّ، حتّى أنّهم طافوا وسعوا قبل النزول إلى عرفات بعنوان الحجّ وتقديم بعض أجزائه،فعند ذاك نزل جبرئيل والنبي على المروة فأمره أن يأمر الناس أن يحلوا إلاّ سائق هدي، فقال رجل: أنُحلُّ ولم نفرغ من مناسكنا؟!(587)
وأمّا ما ذكره من خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون أن يسمّي حجّاً ولا عمرة، فهو غير صحيح، لأنّه أحرم حج قران وساق الهدي، وكذلك أمر علياً أيضاً بعدم الإحلال لأنّه أهلَّ بإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
الخامس: أنّ الشكّ في المقام شكّ في التكليف وفي وجوب التعيين ومقتضى الأصل عدم وجوبه وبراءة الذمة.
يلاحظ عليه: أنّ الأصل دليل حيث لا دليل، وقد عرفت الدليل على لزوم التعيين .
ثمّ إنّ صاحب العروة أشار إلى فرعين:
1. كفاية التعيين الإجمالي ولو بأن ينوي الإحرام لما سيعيّنه.
2. ما لو نوى مردداً مع إيكال التعيين إلى ما بعد، فقال بالصحة في الأوّل والبطلان في الباقي.
والظاهر أنّ الفرق بينهما غير ظاهر، والفرعان ينبعان من مصدر واحد، لأنّه بعدُ لم يعين فيكون مبهماً في الواقع، وأشار إلى ما ذكرنا بعض المعلّقين قائلاً: الفرق بينه و بين الفرض الآخر مشكل، نعم ذكر المحقّق الخوئي شيئاً وربما يكون فارقاً حيث قال: باعتبار أنّ المنوي معين في علم اللّه، فيكون إشارة إليه.(588) فلو صحّ ذلك لصحّ في الفرض الآخر.
في صلاحية الظروف لتعيين كون الإحرام للعمرة أو الحج
ثمّ إنّ محط البحث في لزوم تعيين كون الإحرام للعمرة أو الحجّ، ما صلحت الظروف لكلّ واحد منهما ، كما إذا أتى بحجة الإسلام في السنة السابقة مثلاً وصح أن يتمتع، أو يفرد ويقرن، وأمّا إذا لم يصلح إلاّ لواحد كما إذا لم يحجّ أصلاً، فبما أنّ الزمان لا يصلح إلاّ للعمرة في المتمتع، أو للحجّ كما في المفرد والقارن فهو متعين واقعاً، وليس له إلاّ قصد ما هو الوظيفة، لا قصد الجامع، لأنّه ليس بمحبوب. ونظيره ما إذا كان الإحرام في غير أشهر الحجّ، فإنّ الزمان لا يصلح إلاّ للعمرة المفردة. والجامع غير مطلوب إلاّ في ضمن الفرد المعين.
كلام حاسم
إنّ السيد المحقّق البروجردي كان يقول بأنّ كلّ عنوان وقع تحت الأمر، فهو ظاهر في لزوم قصده، كعنوان الظهر والعصر والأداء والقضاء، وعلى ضوء ما ذكره، فكلّ من العناوين التالية: العمرة والحجّ بأنواعه: التمتع والقران والإفراد وقعت تحت الأمر، كما هو ظاهر لمن راجع الأخبار، وليست هذه العناوين، عناوين مشيرة إلى ذات العمل، حتّى يكفي نفس القيام بالعمل من دون قصد عنوانه.
فالقول بلزوم القصد والتعيين من أوّل الأمر في الموردين لا يخلو من قوّة.
ومنه يظهر حال الأُمور التالية:
1. عنوان حجة الإسلام، إذ يكفي فيه، قصد التمتع أو أحد قسيميه من دون حاجة إلى قصد عنوان آخر.
2. كونه لنفسه أو لغيره إذا صلح الزمان لكلّ من العملين، فالظاهر كفاية قصد الجامع، لأنّ الجامع أمر مطلوب ومحبوب، وكفاية التعيين بعده.
3. إذا وجب عليه كلا الحجين حجة الإسلام والحج النذري إذا كان فورياً فهل يجب التعيين؟ والظاهر عدم إمكان تصوير مورد يصلح لكلا العملين، فإنّ التأثير للسبب المتقدم، فلو نذر، ثم استطاع فيقدم الحجّ النذري على غيره، كما أنّه إذا انعكس، عكس.
4. إذا اجتمع الأمر الندبي والوجوبي، فلا شكّ في تقدم الثاني، لما قلنا في محله من أنّ الأصل في امتثال الأمر هو الفوريّة والتأخير يحتاج إلى الدليل، إلاّ إذا كان الواجب محدداً بزمان متأخّر.
إلى هنا تبيّن حكم الأُمور الثلاثة، وأمّا الأمر الرابع ـ أعني: قصد الوجه ـ فقد طرحه السيد الطباطبائي في المسألة التالية.
عدم وجوب قصد الوجه من الوجوب والندب
لقد حقّق في محلّه من عدم وجوب قصدهما وأنّ الواجب هو قصد الأمر أو كون العمل للّه تعالى، وأمّا قصد وجه العمل فليس على وجوبه دليل. وذلك لأنّ الواقع لا يخلو من أحد أمرين:
1. انّ قصد الوجه من القيود التي لا يصح أخذها في متعلّق الأمر العبادي، فعلى ذلك لا يصحّ التمسّك بالإطلاق اللفظي بأن يقال: إنّ متعلق أوامر العباد، مطلقة ليس فيها لهذا القيد عين ولا أثر.
2. انّ قصد الوجه ممّا لا يصحّ أخذه في متعلق الأوامر، حسب ما اختاره الشيخ الأنصاري، وتبعه المحقّق الخراساني ـ قدس الله سرهما ـ فلا يصحّ عندئذ التمسك بالإطلاق اللفظي، إذ لا يكون عدم ذكره في المتعلّق دليلاً على عدم مدخليته، لكنّه لما كان من القيود التي يغفل عنها أكثر الناس، فعلى الشارع أن يشير إليه ولو بدليل منفصل وهو أيضاً ليس بموجود، وهذا نسمّيه بالإطلاق المقامي.
لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته
لا شكّ أنّ الحجّ والصوم يشتركان في لزوم ترك أُمور، تعدّ من المفطرات في الصوم كالأكل والشرب، ومن المحرمات في الحجّ كالعقد والزينة واستعمال الطيب والنظر إلى المرآة والمراء والجدال إلى غير ذلك.
ومع ذلك كلّه فإنّ بين الأمرين فرقاً واضحاً وهو أنّه يشترط في الصوم، العزم على ترك المفطرات في مجموع النهار فيكون في كلّ جزء من أجزاء النهار مأموراً بالإمساك، فلابدّ أن يكون كلّ جزء مقترناً بالنية، فلو أفطر أو نوى استعمال المفطر يبطل صومه وإن لم يفطر لعدم استمرار نية العزم على تركه.
وهذا بخلاف الحجّ، فالمعتبر فيه ـ حسب تعبير السيد الطباطبائي ـ هوالعزم على تركها مستمراً عند الإحرام، فلو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك، بطل; وأمّا لو عزم عند الإحرام على استمرار الترك ثمّ تهاون في أثنائه فارتكب بعض المحرمات، فلا يكون الحجّ باطلاً لعدم اشتراط استدامة النية في الحجّ دون الصوم.
وبعبارة أُخرى: إنّ الصوم عبارة عن نية الإمساك في كلّ جزء جزء من أجزاء الزمان، فلو أفطر في جزء فقد فات منه الصوم لعدم نية الإمساك في جزء من أجزاء الزمان; بخلاف الحجّ، فإنّه يكفي العزم على تركها مستمراً عند الإحرام فقط والمفروض تحقّقه ولا يعتبر استمرار العزم على ترك المحرمات، وبعبارة أُخرى: يعتبر في حدوثه، لا في بقائه.
هذا هو الّذي قصده السيد الطباطبائي (رحمه الله) ، وعلى ذلك فالواجب هو العزم على تركها مستمراً عند الإحرام لا استمرار العزم على ترك المحرمات.
ويترتّب على ذلك أنّه لو كان عازماً على ارتكاب المحرم من أوّل الأمر كالاستظلال، يبطل إحرامه، لأنّ الإحرام هو العزم على ترك المحرمات والمفروض أنّه لم يكن كذلك.
وأمّا إذا كان عازماً على الترك مستمراً عند الإحرام لكن بدا له في ثنايا العمل الاستظلال أو التزين، فهو لا يبطل الحجّ وإنّما تجب الكفّارة. وكأنّه كالبيع، فلو عدل البائع بعد الإنشاء والقبول والتفرق فلا يؤثر في البيع.
إنّ ما ذكره اعتبار العزم الاستمراري، حدوثاً لا بقاءً يتم على أكثر الوجوه المذكورة في تفسير الإحرام، سواء قلنا بأنّه مركّب من أُمور ـ منها النيّة ـ على فرض توسيع متعلّقها إلى التروك وعدم حصره في الأُمور الأربعة المذكورة في كلام العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى»، أم قلنا بأنّه من مقولة «توطين النفس على ترك المنهيات» فيكفي التوطين حدوثاً لا بقاءً.
أو قلنا بمقالة السيد الحكيم وأنّه صفة خاصة اعتبارية تحصل للمحرم بتوسط الالتزام بترك المحرمات أو نية ترك المحرمات، فيكفي الالتزام الحدوثي، أمّا على القول بأنّ التلبية سبب الإحرام وعلته ـ كما عليه المحقّق الخوئي ـ أو بما قلنا بأنّه عبارة عن الدخول في العمرة أو التمتع، فالالتزام بالتروك من أحكام الإحرام لا من مقوماتها فلا يضرّ حتّى ولو كان قاصداً لعدم الترك من أوّل الأمر.
والحاصل: أنّه إذا كان الإحرام عبارة عن التلبية بنية الدخول في العمل الّذي له أحكام. فلا يبطل الحجّ حتّى ولو لم يعزم من الأوّل على استمرار الترك، لأنّ ترك المحرمات ليس من مقومات الإحرام، بل من أحكامه.فالعزم على عدم العمل بالأحكام غير العزم على ترك الإحرام.
والحاصل: أنّ المتبادر من الروايات أنّ الإحرام هو التلبية بنية الدخول في عمل العمرة أو الحجّ، وهذا متحقق وله آثار قد يمتثلها المكلف وأُخرى يخالفها، على أنّ نشوء العزم القطعي بالنسبة إلى كلّ واحد من المحظورات ربّما لا يتمشّى من كلّ زائر من أوّل الأمر.
لو نسي المحرم ما عيّنه من حج أو عمرة
المسألة معنونة عند الفريقين، وهذا يعرب عن وجود الابتلاء بها ،وفيها أقوال نستعرضها فيما يلي:
1. يجعله عمرة
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا أحرم فنسي، فإن عرف أنّه أحرم بشيئين ولم يعلم ما هما جعلهما عمرة; وإن نسي فلم يعلم بماذا أحرم منهما، أو لم يعلم هل بهما أو بأحدهما، مثل ذلك جعله عمرة ويتمتع .
واستدلّ عليه: بأنّه إن كان الإحرام بالحج فقد بيّنا أنّه يجوز له أن يفسخه إلى عمرة يتمتع بها، وإن كان بالعمرة فقد صحّت العمرة على الوجهين، وإذا أحرم بالعمرة لا يمكنه أن يجعلها حجة مع القدرة على إتيان أفعال العمرة، فلهذا قلنا: يجعلها عمرة على كلّ حال.(589) وما ذكره من العدول والفسخ فقد ذكره في المسألة 37: من أنّه من أحرم بالحجّ ودخل مكة جاز أن يفسخه ويجعله عمرة ويتمتع بها، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: هذا منسوخ. دليلنا: إجماع الفرقة والأخبار التي رويناها، وأيضاً لا خلاف أنّ ما قلناه هو الذي أمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه وقال لهم: «من لم يسق هدياً فليحل وليجعلها عمرة» وروى ذلك جابر وغيره بلا خلاف في ذلك .
وحاصل كلامه: أنّه إن أحرم بنية التمتع، فيتعين في العمرة، وإن أحرم بنية حجّ الإفراد، فقد ثبت أنّه يجوز لمن نوى الإفراد إذا ورد مكة أن يعدل إلى عمرة التمتع .
وما ذكره متين ولكنّه خاص بصورة واحدة، وهي ما إذا أحرم في أشهر الحجّ وتردد بين عمرة التمتع وحجّ الإفراد.
واختاره في التحرير وقال: لو أحرم بنسك ثمّ نسيه... وفي الخلاف جعل ذلك عمرة وهو حسن.(590)
واستحسنه في «المنتهى» أيضاً ونقل دليل الشيخ في «الخلاف».(591)
وهو خيرة أحمد قال الخرقي في متن المغني: وإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة.(592)
2. يتخير بين جعله عمرة أو حجاً
قال في «المبسوط»: ومن أحرم ونسي بماذا أحرم كان بالخيار إن شاء حجّ وإن شاء اعتمر، لأنّه لو ذكر أنّه أحرم بالحجّ جاز له أن يفسخ ويجعله عمرة على ما قدّمناه.(593)
يلاحظ عليه: بأنّ التعليل لا يثبت التخيير في عامة الصور، وذلك لأنّه لو أحرم للحجّ جاز له العدول إلى عمرة التمتع ـ حسب ما مرّ عن الخلاف ـ وأمّا إذا أحرم للعمرة فلا يجوز له العدول إلى حجّ الإفراد فكيف يكون مخيّراً مطلقاً؟!
وقال في «الشرائع»: ولو نسي بماذا أحرم، كان مخيراً بين الحجّ والعمرة، إذا لم يلزمه أحدهما.(594)
وقال في شرح المغني: إذا أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف فله صرفه إلى أي الأنساك شاء، فإنّه إن صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد أصاب، وإن كان حجّاً مفرداً أو قراناً فله فسخهما إلى العمرة على ما سنذكره.(595)
ولا يخفى قصور الدليل من إثبات التخيير، لأنّه لو أحرم لحج الإفراد، جاز له العدول إلى عمرة التمتّع، بخلاف العكس.
3. يخير إذا لم يلزمه أحدهما
ذهب المحقّق إلى أنّه مخيّر بينهما إذا لم يلزمه أحدهما، قال: ولو نسي بماذا أحرم كان مخيراً بين الحجّ والعمرة إذا لم يلزمه أحدهما.
وفي «القواعد»: ولو نسي ما عينه تخيّر إذا لم يلزمه أحدهما.(596)
وقال في «الجواهر» بعد نقل عبارة «الشرائع»:«وإلاّ صرف إليه»: كما صرح به الفاضل والشهيدان وغيرهم، لأنّه كان له الإحرام بأيّهما شاء إذا لم يتعين عليه أحدهما، فله صرف إحرامه إلى أيّهما شاء، لعدم الرجحان وعدم جواز الإحلال بدون النسك إلاّ إذا صد أو أُحصر، ولا جمع بين النسكين في إحرام، أمّا إذا تعين عليه أحدهما صرف إليه، لأنّ الظاهر من حال المكلف الإتيان بما هو فرضه خصوصاً مع العزم المتقدم على الإتيان بذلك الواجب.(597)
يلاحظ عليه: أنّ عدم لزوم أحدهما لا يكفي في الحكم بالتخيير، بل يجب مع ذلك صلاحية الزمان لكلا الأمرين، ولذلك يجب التفصيل الآتي.
4. يتخير لو لم يلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عنهما
الفرق بين هذا القول، والقول الثالث، أنّ السابق منهما، اكتفى في نفي التخيير، بقيد واحد، وهو إذا لزمه أحدهما، وأمّا هذا القول فهو يُقيّد التخيير بقيدين:
أ. إذا لم يلزمه أحدهما.
ب. وصحّ الإحرام عن كلا الأمرين.
وحاصل هذا التفصيل:
1. إذا تعيّن أحد الأمرين من العمرة والحجّ فيقدم المتعيّن، لأنّ الظاهر من حال المكلّف الأخذ بما هو الواجب.
2. إذا لم يلزمه أحدهما وكان الزمان صالحاً لأحد الأمرين كالعمرة المفردة في غير أشهر الحجّ، فيجعله لما يصح.
3. إذا لم يلزمه أحدهما وصحّ الإحرام عن كلا الأمرين، فهو مخيّر بين الأمرين.
5. تجديد النيّة
وهذا هو الظاهر من السيد الطباطبائي حيث قال: لو نسي ما عينه من حجّ أو عمرة وجب عليه التجديد.
وجهه هو بطلان إحرامه لإجمال المكلّف به وعدم الطريق إلى امتثاله ولو بالاحتياط بفعل كلّ محتمل.(598)
وما ذكره السيد الطباطبائي هو الموافق للقاعدة بشرط أن لا يتمكّن من الامتثال الإجمالي، وإلاّ فهو مقدّم على تجديد النية.
وبعبارة أُخرى: أنّ القول بالتجديد عبارة أُخرى عن الحكم ببطلان الإحرام الأوّل، فلا يحكم ببطلانه إذا لم يتمكّن من الامتثال التفصيلي أو الإجمالي، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى التجديد. وإليك بعض الأمثلة في ذلك المجال.
1. إذا تردد بين نية حجّ الإفراد ونية العمرة المفردة فالامتثال الإجمالي ممكن حيث يذهب إلى المواقف ثمّ يرجع إلى مكّة فيأتي بأعمال الحجّ بنية المردد بين الحجّ والعمرة، فإنّ أعمال الحجّ في مكة مشتركة بينه و بين العمرة كالطواف وصلاته والسعي.
2. إذا تردّد بين العمرة المفردة وعمرة التمتّع يتم أعمال العمرة بقصد ما نواه وقصّر وأحلّ، لأصالة البراءة من وجوب الحجّ بعدها وإن أراد الاحتياط يأتي بأعمال الحجّ رجاءً.
فتلخص من ذلك أنّه لو أمكن الامتثال الإجمالي فهو المقدّم، وإلاّ فيحكم عليه بالبطلان.
نعم إذا لم يمكن الامتثال الإجمالي ودار الأمر بين الباطل والصحيح فتصل النوبة إلى بطلان الإحرام الأوّل وتجديد النية مثلاً.
3. إذا أحرم في غير أشهر الحجّ ثمّ شكّ في أنّ إحرامه كان للعمرة المفردة ليكون إحرامه صحيحاً أو للحجّ فيكون فاسداً، ففي هذا يحكم ببطلان الإحرام ولا يمكن تصحيحه بإجراء أصالة الصحة في العمل، لأنّ جريانها فرض إحراز عنوان العمل الّذي يوصف بالصحّة والبطلان، كما إذا باع وشكّ في أنّه كان ربوياً أو لا فيحكم بالصحّة، وأمّا إذا كان العنوان مشكوكاً، كما إذا صدر منه فعل وتردد بين كونه بيعاً أو قماراً، فلا تجري أصالة الصحّة، لعدم إحراز العنوان، وما نحن فيه من هذا القبيل، لأنّ أحد العنوانين (عمرة التمتع) محكوم بالصحة، والآخر ـ أعني: الحجّ ـ محكوم بالبطلان، ومع عدم إحراز العنوان فلا مجرى لأصالة الصحّة. فيصحّ قول السيد الطباطبائي بتجديد نية الإحرام.
لا يصحّ الإحرام بنية واحدة للحج والعمرة
هل المراد من الاكتفاء بالنية الواحدة للحجّ والعمرة هو عدم التحلّل بينهما الذي كان يرومه الخليفة الثاني، قائلاً بأنّه يكره أن يراهم معرسين بهن في الأراك ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم(599) ، أو المراد به هو الاكتفاء بنية واحدة وإحرام واحد لعملين مختلفين وإن كان بينهما فصل وتحلل؟ الظاهر هو الثاني وانّ محور البحث هو وحدة النية ، لا ما ربّما يتبعه من عدم الإحلال بين العملين، وربما يظهر من كلمات العلاّمة في «المختلف» انّ النظر إلى وحدة النية وما يتبعها، من عدم الإحلال بينهما .(600)
ثمّ لا يخفى أنّ تعبير «الشرائع» أفضل من تعبير صاحب العروة، قال فيه: «ولو أحرم بالحجّ والعمرة» فجعل محط البحث، هو وحدة الإحرام لكلا العملين، بخلاف السيد الطباطبائي فجعل محط البحث وحدة النية للعمرة والحجّ وجعلهما عملاً واحداً، فالمقصود واحد والاختلاف في التعبير. وعلى كلّ تقدير ففي المسألة أقوال ثلاثة:
الأوّل: بطلان النية ويجب تجديدها
إنّ الحجّ أمر عبادي توقيفي، لا يمتثل إلاّ بما بيّنه الشارع، والمبيّن إنّما هو الإحرامان لعملين، بنيّتين متعددتين، والامتثال بغير هذا الطريق يحتاج إلى دليل.
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب المدارك بقوله:
لأنّ المنوي ـ أعني: وقوع الإحرام الواحد للحجّ والعمرة معاً ـ لم يثبت جوازه شرعاً، فيكون التعبّد به باطلاً، وغيره لم يتعلّق به النية.(601)
و على ضوء هذا لو قصد أن يكون إحرامه هذا إحراماً للحجّ والعمرة فقد شرّع أوّلاً، وما أتى بما أُمر به ثانياً، وهذا كاف في فساد العمل من غير فرق بين أشهر الحجّ التي تصحّ فيها نية الإحرام للعمرة والحجّ، وغيرها الذي لا يصحّ إلاّ الإحرام للعمرة، وقد صرّح به في «القواعد » حيث قال: ولو نوى الإحرام ولم يعيّن لا حجاً ولا عمرة أو نواهما معاً، فالأقرب البطلان وإن كان في أشهر الحجّ.(602)
الثاني: يصرفه إلى المتعيّن منهما إذا تعين عليه أحدهما
هذا هو القول الثاني وحاصله:
1. انّه لو تعيّن أحد الفردين يصرفه إلى المتعيّن، وذلك كما في الموردين التاليين:
أ. إذا أحرم في غير أشهر الحجّ فيصرفه إلى المتعيّن، كالعمرة المفردة.
ب. إذا أحرم في أشهر الحجّ، وعليه حجّ التمتع، فيصرفه إليه.
2. ولو لم يتعيّن عليه، كما إذا أتى بالفريضة، يتخيّر بين جعله عمرة مفردة، أو حجّاً إفرادياً، ونقله المحقّق في «الشرائع» قولاً وقال: ولو أحرم بالحجّ والعمرة وكان في أشهر الحجّ، كان مخيّراً بين الحجّ والعمرة، إذا لم يتعيّن عليه أحدهما. وإن كان في غير أشهر الحجّ تعيّن للعمرة.(603)
وقوّاه الفاضل الاصفهاني في كشفه وقال: فإنّهما إذا لم يدخلا في حقيقة الإحرام فكأنّه نوى أن يحرم ليوقع بعد ذلك النسكين وليس فيه شيء.(604) والظاهر أنّه (قدس سره) يريد تصحيح الإحرام في صورة التعيين والتخيير.
يلاحظ عليه: أنّ الإحرام من المفاهيم ذات الإضافة، فكيف يمكن أن يكون الإحرام بما هوهو عبادة فإنّ عبادية الإحرام بما يضاف إليه من العمرة والحجّ، وقد مرّ في بيان حقيقة الإحرام أنّ الإحرام عبارة عن الدخول في العمرة والحجّ، والإحرام جزء من أحد النسكين، وعندئذ فتصوير عباديته خارجاً عمّا يضاف إليه كما ترى.
الثالث: يصحّ في غير أشهر الحجّ و يبطل فيها
وهذا هو القول الثالث، وحاصله: أنّه لو كان في أشهر الحجّ بطل ولزم التجديد. وهو خيرة المحقّق في «الشرائع» حيث قال: لو كان في أشهر الحجّ بطل ولزم التجديد، وإن كان في غيرها صحّ عمرة مفردة
ولعلّ وجهه: أنّه إذا كان الزمان غير صالح إلاّ للعمرة، يكون قصد الحجّ إلى جنب العمرة من باب الخطأ في التطبيق، فكأنّه بصدد امتثال أمر الشارع ولكنّه يتصوّر أنّه مجموع العملين بإحرام واحد، والخطأ في التطبيق غير مضر لعدم الإخلال بقصد القربة.
بخلاف ما إذا كان الزمان صالحاً لكلّ منهما، فالمنوي غير مشروع، وما هو المشروع غير منويّ، وليس هنا واقع محفوظ حتى يدخل تحت عنوان الخطأ في التطبيق. ولعل الصحّة في هذه الصورة أقوى من القول بتجديد النيّة، وإن كان الثاني أحوط.
وما ذكرنا في التصحيح إنّما يجري إذا كان جاهلاً بالحكم الشرعي، وأمّا العالم بالحكم ومع ذلك أحرم على النسكين وحاول إتيانهما بإحرام واحد، فهو مشرع والعمل مبغوض.
وأمّا تصحيح ما إذا كان الزمان صالحاً لكلا الأمرين بجعل قصد الغايتين على نحو تعدد المطلوب، فهو غير تام، لخروجه عن محط البحث، لاستلزامه تعدد النيّة، وهو خلف.
لو نوى كإحرام فلان
إنّ هذه المسألة ربّما تبتلي بها العامة، فإنّ بعض الناس إذا كان مع عالم عارف بأحكام الحجّ وآدابه ينوي الإحرام كإحرام ذلك العالم، حتّى تكون النيّة والمنويّ حذوَ نيّته وإحرامه. ولذلك اعتنى الفقهاء بعنوان هذه المسألة.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا أحرم كإحرام فلان وتعيّن له ما أحرم به، عمل عليه وإن لم يعلم حجّ متمتعاً. وقال الشافعي: يحجّ قارناً على ما يقولون في القران.(605)
وأساس البحث هو كفاية النية الإجمالية وعدمها، لكن لا ينبغي الشكّ في كفايتها، لأنّ الميزان في صحّة العبادة تمشّي القربة وتميّز المنوي في الواقع، وإمكان امتثاله، فلو كان الجميع متحقّقاً فلا وجه للشكّ في الصحّة، وعلى ذلك فللمسألة صور:
إذا أحرم بإحرام الغير فتارة لم يكن ذلك الغير محرماً في هذا الوقت.
وأُخرى كان محرماً وكان التابع واقفاً على نيّة المتبوع وكيفية إحرامه وأنّه لعمرة التمتع أو غيرها.
وأُخرى: يكون المتبوع محرماً ولكن التابع لم يكن عارفاً بكيفية إحرامه.
أمّا الأُولى: فلا شكّ في بطلانه، لأنّه أحرم إحراماً لا واقع له; كما أنّه لا شكّ في صحّة الثانية، لعلمه بكيفية إحرامه حينه.
إنّما الكلام في الصورة الثالثة، أي إذا أحرم وكان المتبوع محرماً ولكن التابع لم يكن عالماً بكيفية إحرامه.
فتارة تنكشف له كيفية نيته وإحرامه فيما بعد، وأُخرى تبقى على حالة الإبهام دون أن تكشف شيئاً.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: إذا كان غير عالم حين الإحرام ولكن انكشف له كيفية إحرام المتبوع فيما بعد، فالظاهر صحّته،وذلك لأنّ صحّة العبادة ـ كما تقدّم ـ رهن أُمور ثلاثة:
1. تمشّي القربة.
2. تميّز المنوي في الواقع.
3. إمكان امتثاله في ظرفه.
والجميع موجود في المقام. فخرج ما لو علم بإحرامه ولكنّه لا يتمكّن من العلم بواقع إحرامه، لعدم التمكّن من امتثاله.
هذا حسب القاعدة، وربما يستدلّ عليه بفعل الإمام علي (عليه السلام) ففي صحيح معاوية بن عمّار أنّ علياً قدم من اليمن وسأله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «وأنت يا عليّ بما أهللت؟!» قال: «قلت يا رسول اللّه: إهلالاً كإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) » فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كن على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي».(606)
وفي حديث الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: وأقبل علي(عليه السلام) من اليمن فوجد فاطمة (عليها السلام) قد أحلت ووجد ريح الطيب، فانطلق إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)مستفتياً... فقال ]رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) [: لا تحلّ أنت، فأشركه في الهدي، وجعل له سبعاً وثلاثين، ونحر رسول اللّه ثلاثاً وستين.(607)
ولكن الاستدلال بالحديث لا يخلو من إشكال:
1. أنّ الظاهر من حديث الحلبي أنّ علياً ـ كما مرّ ـ لم يُسق الهدي وإنّما اكتفى بقوله: إهلالاً كإهلال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن المعلوم أنّه لا يكفي في كون الإحرام إحرام قران ما لم يسق الهدي، وعندئذ يكون حكم علي (عليه السلام) حكم سائر المسلمين الذين لم يسوقوا الهدي، فكيف شارك في هدي رسول اللّه وأمره بعدم الإحلال مع أنّ وظيفته كالآخرين في الإحلال؟!
2. وجود التناقض بين رواية الحلبي ورواية معاوية بن عمّار، فإنّ الظاهر من رواية الحلبي هو أنّ علياً لم يسق الهدي، وإنّما خصّ له النبي سبعاً وثلاثين.
والظاهر من صحيحة معاوية بن عمّار أنّ علياً ساق الهدي حيث جاء فيها: «فلمّا أضاء له النهار أفاض حتّى انتهى إلى منى فرمى جمرة العقبة، وكان الهدي الّذي جاء به رسول اللّه أربعاً وستين أو ستاً وستين وجاء عليٌّ بأربعة وثلاثين أو ست وثلاثين.
فنحر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)ستاً وستين ونحر عليٌّ أربعاً وثلاثين بدنة، وعلى هذا يكون إحرام علي (عليه السلام) إحرام حجّ القران بلا إشكال من دون حاجة إلى النيّة الإجمالية.
ومع ذلك ففي نفس رواية معاوية بن عمار تدافع بين الصدر والذيل، فأمّا الذيل فقد عرفت، وأمّا الصدر فقد جاء فيه: «فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كن على إحرامك مثلي وأنت شريكي في هديي».
وهذا يعرب عن أنّ علياً لم يسق هدياً.
فالأولى الاستدلال على الصحّة بنفس القاعدة.
الفرع الثاني: إذا لم يكن عارفاً بكيفية النيّة عند الإحرام وبقي على الإبهام دون أن ينكشف واقع نيّة المتبوع. ففيه قولان:
1. البطلان، وهو خيرة صاحب العروة.
2. يتمتّع إذا كان في مقام يصحّ له العدول إلى التمتّع.
أمّا القول الثاني فهو خيرة الشيخ في «الخلاف» فقال: وإن لم يعلم حجّ متمتعاً.(608) ويؤيد ذلك ما مرّ في المحرم الناسي، فلاحظ ما ذكرناه .
لو وجب عليه نوع من الحج ونوى غيره
هذا الفرع يختلف عمّـا مضى في أوّل الفصل من اشتراط النيّة وأنّه لو أحرم من غير قصد أصلاً بطل، وذلك لأنّ الموضوع فيما سبق هو لمن لم ينو أصلاً، وأمّا المقام فالمفروض أنّه نوى غير المفروض عليه، وعندئذ لا يجزي عن الفرض، كما إذا نوى حجّ الإفراد مع كون المفروض عليه هو حجّ التمتّع، فلا يجزي عن الفرض، أي حجّ التمتع، وهو واضح، وأمّا وقوع ما نوى ففيه التفصيل بين ما يصحّ وقوعه عنه في هذه الحالة، كما إذا نوى العمرة المفردة في أشهر الحجّ حيث يصحّ العمرة المفردة مع أنّ الفرض هو عمرة التمتع وحجّه وما لا يصحّ وقوعه فيها كما إذا نوى الإحرام للحجّ المفرد مع وجوب حجّ التمتع عليه.
لو نوى نوعاً ونطق بغيره
وذلك لأنّ الأعمال بالنيّات، والألفاظ طريق إلى النيّة، فإذا تعلّقت النيّة بشيء وتخلّف عنه الطريق فلا يؤخذ به.
لو كان في أثناء نوع وشك في أنّه نواه
وذلك لجريان أصالة الصحّة، في ما أتى، وليس الشكّ في أصل النيّة حتّى يكون الموضوع لجريان أصالة الصحّة غير محرز.
توضيحه: إذا وجب عليه حجّ التمتّع ورأى نفسه أنّه يطوف لهذا النوع من الحجّ، فلو شكّ في أنّه هل نوى حجّ التمتّع أو غيره؟ فقد اختار السيد الحكيم البطلان، قائلاً: بأنّ قاعدة التجاوز أو الصحّة إنّما تجري مع الشكّ في تحقّق ما له دخل في تمامية المعنون بعد إحراز عنوانه، والنيّة لما كانت بها قوام العنوان، فمع الشكّ فيها، يكون الشكّ في العنوان لا في المعنون.(609)
وذهب السيد الخوئي إلى الصحّة ، قائلاً: بأنّ الشكّ ليس في أصل النيّة حتّى يكون في أصل العنوان.(610)
والظاهر ما اختاره السيد الحكيم ، لأنّ أمر النيّة بما هي هي لا يكفي في إحراز العنوان، بل يجب إحراز ما يضاف إليه من الإحرام لحجّ التمتّع، والمفروض أنّه غير محرز، لاحتمال أنّه نوى غيره.
ولو صحّ ما ذكره السيد الخوئي من كفاية إحراز نية الحج، وإن لم يحرز نوع العمل، فالأولى التفصيل بين الصورتين التاليتين:
1. إذا صحّ كلا العملين منه في هذه الحالة، كما إذا تردد أنّه نوى العمرة المفردة أو حجّ التمتع مع كون الواجب عليه هو الثاني، فلا يثبت أصالة الصحّة أو قاعدة التجاوز أنّه نوى ما عليه، لأنّ نسبتها إليهما على السواء، فيجب عليه الجمع بين العملين، بجعل ما في هذه عمرة مفردة، ثمّ الإحرام لحجّ التمتع.
2. إذا لم يصحّ إلاّ أحد العملين، كما إذا تردد أنّه نوى عمرة التمتّع، أو حجّ الإفراد، فإنّ أصالة الصحّة بالنسبة إلى حج الإفراد على طرف النقيض، فيحكم بصحّة العمل وأنّ ما بيده هو الفريضة.
في استحباب التلفّظ بالنية
يستحبّ عند الإحرام التكلّم بالنية، ويدلّ عليه صحيحتا معاوية بن عمار وعبد اللّه بن سنان(611) ، وقد خلط صاحب العروة في نقلهما فأخذ شيئاً من صدر رواية عبد اللّه بن سنان وشيئاً من رواية معاوية بن عمار فصار رواية واحدة، وعلى كلّ تقدير فالأمر سهل لا خلاف فيه.
يستحب أن يشترط عند إحرامه الإحلال إذا عرض له مانع
واعلم أنّ للمصدود والمحصور في طريق الحجّ أحكاماً خاصة.
أمّا المصدود فهو مَن تلبس بالإحرام ثمّ صُدّ عن الوصول ولم يكن له طريق غير موضع الصد، أو كان له طريق وقصرت نفقته، فهو يتحلّل بالهدي ونية التحلّل، ويجوز نحره في موضع الصدّ سواء كان حلاًّ أو حرماً.
وأمّا المحصور وهو الممنوع بالمرض ،فيبعث هديه مع أصحابه ليذبحوه عنه في موضع الذبح، إذا كان قد ساق هدياً، وإلاّ بعث ثمنه، ويبقى على إحرامه إلى ذلك اليوم، فإذا حلّ الموعد يقصّر ويحلّ من كلّ شيء إلاّ النساء.(612)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الفريقين اتّفقا على استحباب الاشتراط عند الإحرام بأن يشترط على اللّه أن يحلّه إذا عرض مانع من إتمام نسكه من حجّ أو عمرة. وأن يتم إحرامه عمرة إذا كان للحجّ ولم يمكنه الإتيان.
قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز للمحرم أن يشترط في حال إحرامه أنّه إن عرض له عارض يُحبسه، أن يحلّ حيث حبسه من مرض، أو عدو، أو انقطاع نفقة، أو فوات وقت، وكان ذلك صحيحاً يجوز له أن يتحلل إذا عرض شيء من ذلك. وروي ذلك عن عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وبه قال الشافعي. وقال بعض أصحابه: إنّه لا تأثير للشرط، وليس بصحيح عندهم.
والمسألة على قول واحد في القديم، وفي الجديد على قولين، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الزهري ومالك وابن عمر: الشرط لا يفيد شيئاً، ولا يتعلّق به التحلّل. وقال أبو حنيفة: المريض له التحلّل من غير شرط، فإن شرط سقط عنه الهدي.(613) ولا يخفى أنّه نقل عن ابن عمر قولين، الظاهر أنّ قوله وابن عمر في النقل الأوّل من زيادة النساخ، لأنّه معروف بإنكار الشرط.(614)
وقال في «المغني»: يستحبّ لمن أحرم بنسك أن يشترط عند إحرامه، فيقول: إن حبسني حابس فمحلّـي حيث حبستني. وقال: ويفيد هذا الشرط شيئين:
أحدهما: إذا عاقه عائق من عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه أنّ له التحلّل.
والثاني: أنّه متى حلّ بذلك فلا دم عليه.(615)
وبذلك ظهر أنّ أصل الاشتراط أمر لا غبار عليه، وإنّما الكلام في فائدته، فقد ذكر الأصحاب له فوائد نذكرها تباعاً ثمّ ندرسها:
الأُولى: سقوط الهدي مع الإحصار والتحلل بمجرد النية، وهو خيرة المرتضى في الانتصار(616)، وابن إدريس في «السرائر».
قال في «السرائر»: قال بعض أصحابنا: لا تأثير لهذا الشرط في سقوط الدم عند الحصر والصدّ، ووجوده كعدمه. والصحيح الأوّل، وهو مذهب السيد المرتضى، وقد استدلّ على صحّة ذلك بالإجماع، وبقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب:«حجّي واشترطي وقولي: اللّهم فحلّني حيث حبستني» ولا فائدة لهذا الشرط; إلاّ التأثير فيما ذكرناه من الحكم; فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)(617). قلنا: نحمل ذلك على من لم يشترط، هذا آخر استدلال السيد المرتضى.(618)
الثانية: ما ذهب إليه المحقّق من أنّ فائدة الاشتراط هو جواز التحلّل عند الإحصار من غير تريّث إلى أن يبلغ الهدي محله، فإنّه لو لم يشترط لم يجز له التعجيل، ومعه يتحلل، ولكن لا يسقط الدم والهدي، فعليه أن يواعد أصحابه ليذبحوا عنه يوم المواعدة.(619)
وأمّا المصدود فيجوز له التعجيل من غير شرط اتّفاقاً، لجواز الذبح في مكان الصدّ كما مرّ في صدر البحث.
الثالثة: انّ فائدة هذا الشرط سقوط الحجّ في القابل عمّن فاته الموقفان، ذكره الشيخ في موضع من «التهذيب».(620)
وأورد عليه العلاّمة في «المنتهى» بأنّ الحجّ الفائت إن كان واجباً لم يسقط فرضه في العام المقبل بمجرّد الاشتراط،وإن لم يكن واجباً لم يجب بترك الاشتراط.(621)
الرابعة: أنّ فائدة هذا الاشتراط استحقاق الثواب بذكره في عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به وإن لم يكن له حكم مخالف لحكم غير المشترط.(622)
هذه هي الفوائد المتصورة في هذا الشرط، والقضاء الحاسم يتوقف على دراسة الروايات حتّى يتجلّى الحق، وهي تنقسم إلى طوائف:
1. سقوط الهدي والتعجيل في التحليل
قد عرفت أنّ السيد المرتضى وابن إدريس جعلا فائدة الشرط سقوط الهدي مع الإحصار والتحلّل بمجرّد النية. ويمكن الاستدلال له بصحيحتين:
1. صحيحة ذريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تمتّع بالعمرة إلى الحجّ، وأُحصر بعد ما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال:« أو ما اشترط على ربّه قبل أن يحرم أن يُحلَّه من إحرامه عند عارض عرض له من أمر اللّه؟» فقلت: بلى قد اشترط ذلك. قال: «فليرجع إلى أهله حلاً لا إحرام عليه، إنّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط عليه» قال: فقلت: أفعليه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(623)
دلّت الرواية على التحلل بمجرّد الإحصار من غير تعرض لإنفاذ الهدي، ولو كان واجباً لذكر في مقام البيان، بعد سؤال السائل«كيف يصنع» وليس السكوت في المقام كالسكوت في سائر المقامات.
2. صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن مُحْرم انكسرت ساقه، أي شيء يكون حاله؟ وأيّ شيء عليه؟
قال(عليه السلام) :« هو حلال من كلّ شيء».
قلت: من النساء والثياب والطيب؟
قال: «نعم، من جميع ما يحرم على المحرم».
وقال: أما بلغك قول أبي عبد اللّه(عليه السلام) : «حلّني حيث حبستني، لقدرك الّذي قدّرت عليّ».(624)
ودلالة الصحيحتين على سقوط الهدي والتربّص معاً بالسكوت، إذ لو كان الهدي والتربّص واجبين لذكرهما الإمام، لأنّه في مقام البيان. وقد مرّ أنّ السكوت في المقام ليس كالسكوت في سائر المقامات بعد سؤال السائل عن تكليفه بقوله: «أي شيء عليه» فدلالة الصحيحين على سقوطهما لا غبار عليها.
إذا عرفت ذلك فنقول: وظيفة المحرم ـ لولا الاشتراط ـ هو بعث الهدي أو ثمنه ليذبح في يوم النحر والانتظار إلى أن يبلغ الهدي محلّه، كما قال سبحانه:(فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)(625) وإطلاق الآية يقتضي وجوب البعث والانتظار مطلقاً، سواء اشترط على ربّه أو لا، لكن الصحيحتين أخصّ مضموناً من الآية حيث دلّتا على سقوط الهدي عند الاشتراط، فيقيد إطلاق الآية بهما، وقد أفتى بذلك ـ مضافاً إلى ما عرفت من السيد وابن إدريس ـ لفيف من العلماء كما سيوافيك.
إذا عرفت ذلك فإنّ مقتضى قوله سبحانه: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) هو أنّ المحصر يقوم بأمرين:
1. بعث الهدي إلى محلّه.
2. المواعدة مع من بعث الهدي معه أن يذبحه في وقت كذا، حتى يخرج من الإحرام عنده بالحلق أو التقصير.
وإطلاق الآية يعمّ المشترط وغيره، فيقيّد إطلاقها بالصحيحين فلا يجب البعث ولا التربّص، بل يتحلّل بمجرّد الحصر أو مع نيّة التحلل. وهذا القول هو الظاهر من السيد المرتضى وابن إدريس كما تقدّم.
واختاره ابن سعيد، قال: والمحصر المريض إن شرط على ربّه، أحلّ بلا هدي. (626) فهو صريح في سقوط كلا الأمرين: بعث الهدي والتربّص إلى يوم منى، لأنّه إذا سقط الهدي، لا معنى للتربّص.
نعم يظهر من العلاّمة سقوط الهدي، دون الانتظار قال: ولو اشترط على ربّه جاز له أن يحل وقت بلوغ الهدي إلى محلّه وهو يوم العيد إلاّ في النساء، من دون إنفاذ هدي....(627)
والحقّ أنّ التفكيك بين الهدي والصبر إلى يوم النحر بسقوط الأوّل دون الثاني لا يساعده الذوق السليم ولا مفاد الصحيحين، لما عرفت من أنّ دلالتهما بالسكوت، وهو بالنسبة إلى الأمرين سواء.
نعم أمام الاستدلال بهما على سقوط الأمرين إشكالان:
أ. مشكلة التعارض.
ب. مشكلة تقييد إطلاق الكتاب بالخبر الواحد.
وإليك بيانهما:
الف. مشكلة التعارض
يظهر من صحيحة زرارة ومعتبرة حمزة بن حمران أنّه لا تأثير للاشتراط فلو طرأ الحصر فالمحصر، في حلّ اشترط أم لم يشترط، فإذا لم يكن له تأثير يكون المرجع هو إطلاق الكتاب، أعني: فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي...» وإليك الحديثين:
1. صحيح زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هو حل إذا حبسه، اشترط أم لم يشترط».(628)
2. معتبرة حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول: حلّني حيث حبستني؟ قال: «هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل».(629)
ويرد على الأوّل: انّ السؤال غير مذكور في الأوّل ربّما يحتمل أنّه راجع إلى الاعتكاف. وعلى الثاني، بأنّ حمزة مختلف فيه.
و يرد على الإشكال الأوّل: بأنّ التعبير الرائج في بيان الاشتراط في الحجّ، هو لفظة الحبس ففي صحيحة أبي الصباح الكناني: «أن حلّني حيث حبستني».(630)
وفي معتبرة فضيل بن يسار : «أن يحلّه حيث حبسه».(631)
وفي «قرب الاسناد»: «فحلّني حيث حبستني».(632) إلى غير ذلك من الروايات.(633)
وأمّا الاعتكاف فالرائج فيه قوله: أن يحلك من اعتكافك عند عارض إن عرض لك من علة تنزل بك من أمر اللّه تعالى.(634)
وأقصى ما يمكن أنّ التعبير الأخير مشترك بين الشرط في الحجّ والاعتكاف، وأمّا الحبس فهو مختص بالحجّ والوارد في الروايات هو ذاك اللفظ.
ويرد على الإشكال الثاني بأنّه وردت روايات في جلالته وأكثرها وإن كانت ضعيفة السند لكن في المعتبرة منها كفاية.(635)
والأولى أن يجاب عنهما بما في المدارك بقوله: إنّ أقصى ما يستفاد من الرواية ثبوت التحلّل مع الحبس في الحالين، ونحن نقول به، ولا يلزم من ذلك تساويهما من كلّ وجه، فيجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط ولزومه بدونه.(636)
توضيحه: أنّ المطلوب في المقام أمران:
1. التحلّل، 2. سقوط الهدي.
والأمر الأوّل يحصل بنفس الحصر اشترط أم لم يشترط.
وأمّا الأمر الثاني، فلا يحصل إلاّ بالاشتراط.
فلا منافاة بين الطائفتين، فالطائفة الأُولى تركّز على سقوط الهدي ـ بعد تسليم التحلل ـ و الطائفة الثانية تركّز على التحلل بالحصر، اشترط أم لم يشترط.
بعبارة أُخرى وهو: انّ للحل في قوله: «هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل» أثرين:
1. الحلّ في إتمام العمل.
2. الحلّ من المحظورات والمحرمات.
وصحيحة زرارة ومعتبرة حمزة بن حمران ناظرتان إلى الحلّ من إتمام العمل، لا الحلّ من المحظورات، بخلاف الأُوليين، فهما ناظرتان إلى الحلّ من محظورات الإحرام، لأنّ القاعدة في الحلّ من المحظورات هو سوق الهدي وبلوغه محله، وهو هنا ساقط فيكون محلاً من المحظورات أيضاً.
ب. مشكلة تقييد الكتاب بالخبر الواحد
إنّ تخصيص الآية الكريمة أو تقييدها بالخبر الواحد أمر مشكل، لأنّ الآية ظاهرة في أنّ الحلّ عن المحظورات لا يحصل في المحصور إلاّ ببلوغ الهدي محلّه، فتقييدها أو تخصيصها بمن اشترط الحلّ عند الإحصار بالخبر الواحد أمر لا يساعده الدليل، إذ ليس لنا في حجّية الخبر الواحد إطلاق نأخذ به في المقام أيضاً، بل الدليل هو بناء العقلاء وهو قاصر عن الشمول للمورد، فإنّ للقرآن عظمة وكرامة لا يُعدل عنه إلاّ بدليل مثله.
فإن قلت: ما الفرق بين رفع إجمال الآية بالخبر الواحد حيث إنّه حجّة فيه كما هو الحال في أجزاء الصلاة، وبين تقييدها أو تخصيصها.
قلت: الفرق واضح، فإنّ الآية في القسم الأوّل ساكتة وفاقدة للدلالة، بخلافها في القسم الثاني فإنّها بإطلاقها وعمومها تدلّ على سعة الحكم، والخبر الواحد يخالفه فيها.
2. تعجيل التحليل دون سقوط الهدي
إنّ فائدة الاشتراط هو التعجيل في التحلّل دون سقوط الهدي(637) ، فإنّ الواجب عليه لولا الاشتراط أمران:
أ. بعث الهدي.
ب. الانتظار إلى بلوغه محله.
وأمّا على الاشتراط فيبعث الهدي أو ثمنه لكن لا يجب عليه الانتظار إلى يوم النحر، وهو خيرة لفيف من الفقهاء. وهذا الأثر يختص بالمحصور دون المصدود، لأنّه يتحلّل بنفس الصدّ وذبح الهدي في نفس المحلّ، كما فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما صدّ عن الدخول في الحرم من جانب قريش في السنة السادسة من الهجرة.
قال الشيخ:ومتى شرط في حال الإحرام أن يحلّه حيث حبسه صحّ ذلك، ويجوز له التحلّل ـ إلى أن قال: ـ فإذا حصل الشرط فلابدّ من الهدي لعموم الآية.(638)
وقال في «الخلاف»: إذا شرط على ربه في حال الإحرام ثمّ حصل الشرط وأراد التحلّل فلابدّ من نيّة التحلل ولابدّ من الهدي.(639)
وقد عرفت أنّه خيرة «الشرائع» واختاره في «الجواهر» ويدلّ على تخصيص الحكم بالمحصر في الرواية فإنّ المصدود يجوز له التعجيل من غير شرط اتفاقاً.(640)
استدلّ القائل بعدم سقوط الهدي بروايتين:
الأُولى : صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال: «إنّ الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج معتمراً فمرض في الطريق، فبلغ علياً (عليه السلام)ذلك وهو بالمدينة، فخرج في طلبه فأدركه في السقيا، وهو مريض بها. فقال: يا بني ما تشتكي؟ فقال: اشتكي رأسي، فدعا علي (عليه السلام) ببدنة فنحرها، وحلق رأسه،ورده إلى المدينة، فلمّا برأ من وجعه اعتمر».
فقلت: أرأيت حين برأ من وجعه قبل أن يخرج إلى العمرة أحلّ له النساء؟ قال: «لا تحلّ له النساء حتّى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة». قلت: فما بال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجع إلى المدينة حلّ له النساء ولم يطف بالبيت؟ قال: «ليسا سواء كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مصدوداً والحسين (عليه السلام)محصوراً».(641)
والسقيا موضع بين مسجد الشجرة والجحفة، بينهما و بين الجحفة تسعة عشر ميلاً.
وجه الاستدلال: أنّ الشرط أمر مستحبّ لا يتركه الإمام بلا جهة، والظاهر أنّ الإمام مرض بعد الإحرام لوجوه:
1. انّ الإمام «حلق رأسه وردّه إلى المدينة».
2. ما في صدر الحديث الذي حذفه صاحب الوسائل ونقله في «الكافي»، إذ فيه:«وإن كان مرض في الطريق بعدما أحرم».
3. انّ القيد «بعد الإحرام» مأخوذ في مفهومي الحصر والصد وقد وردا في آخر الرواية.
يرد على الاستدلال وجوه:
أوّلاً : بأنّ الفعل (نحر عليّ، البُدْنة) فاقد للظهور فإنّه يحتمل أن يكون نحر البدنة بعنوان الهدي الواجب، كما يحتمل أن تكون صدقة مستحبة لدفع البلاء عن ولده عليهما السلام واقترانه بالنحر«فدعا علي ببدنة فنحرها وحلق رأسه»، وإن كان يعطي ظهوراً ما بكون البدنة هو الهدي الواجب على المحصور، لكنّه ظهور ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه.
ثانياً: لم يثبت استحباب الاشتراط استحباباً نفسياً حتّى لا يتركه الإمام، إذ يحتمل أن يكون الاشتراط لأجل التسهيل، فالروايات الدالة على الاشتراط، إنّما وردت لأجل تعليم الناس أسهلَ الطريقين لا أنّه مستحبّ ذاتاً.
ثالثاً: لو فرضنا أنّه مستحب في نفسه، لا دليل على أنّ الإمام يعمل بجميع المستحبات، إذ ربما يتركه تعليماً للناس بأنّه ليس بواجب.
رابعاً: أنّ الكلام في وجوب الهدي وسقوطه فيما إذا لم يسق المعتمر الهدي، وأمّا إذا ساق فلا يسقط ولا يحل إلاّ بعد بلوغ الهدي محله. والظاهر من رواية رفاعة بن موسى أنّ الحسين (عليه السلام) هو الذي ساق الهدي....
روى الصدوق باسناده عن رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «خرج الحسين (عليه السلام) معتمراً وقد ساق بدنة حتّى انتهى إلى السقيا فبرسم، فحلق شعر رأسه ونحرها مكانه، ثمّ أقبل حتّى جاء فضرب الباب، فقال علي (عليه السلام): ابني وربّ الكعبة افتحوا له، وكانوا قد حموه الماء فأكبّ عليه فشرب ثمّ اعتمر بعد».(642)
ومع وجود التعارض بين النقلين لا يمكن الاعتماد على النقل الأوّل، واحتمال تعدد الواقعة بعيد جدّاً مع وحدة الخصوصيات.
ويرد على النقل الثاني أنّ البُدنة التي ساقها الإمام لم تكن لها صلة لا بالعمرة ولا بحجّ التمتع، إذ لا يُساق فيهما الهدي فيحمل على أنّه كان من باب الاتّفاق.
خامساً: انّ مورد الرواية هو العمرة المفردة، وعطف العمرة المتمتع بها عليه مبني على وحدة حكم العمرتين.
وسادساً: فإنّ الظاهر من الروايتين: أنّ المعتمر إذا أُحصر ينحر في مكانه ويتحلّل من دون حاجة إلى بعث الهدي إلى محله، ولما كان ذلك مخالفاً للآية الكريمة: (حتّى يَبْلُغَ الهَدي محلّه) حمله صاحب الجواهر «على البعث للنحر في محله» ثمّ الحلق، ثمّ استبعده.(643)
وهذا يؤيد أنّ نحر البدنة كان صدقة مستحبة ولم يكن جزء العمل، ولا الغاية منه التحلّل.
الثانية: خبر عامر بن عبد اللّه بن جذاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، في رجل خرج معتمراً فاعتلّ في بعض الطريق وهو محرم، قال: فقال: «ينحر بدنة، يحلق رأسه ويرجع إلى أهله ولا يقرب النساء».(644)
فقوله: «ينحر بدنة» دليل على عدم سقوط الهدي.
وقوله: «يحلق الرأس» دليل على التحلل.
وهذه الرواية لا يحتجّ بها، لورود روايات ذامّة في حقّ «عامر بن عبد اللّه» نقلها الكشي والكليني.
فتلخص ممّا ذكر أنّ الفائدة الثانية لا يوجد دليل صالح عليها.
ثمّ إنّ الاختلاف في الهدي يختصّ بالعمرة المفردة، والعمرة المتمتّع بها، وأمّا القارن الذي ساق الهدي فهو يبعث بلا كلام لصحيح محمد بن مسلم ورفاعة عن الباقر والصادق (عليهما السلام) : القارن يُحصر وقد قال واشترط فحِلَّني حيث حبستني، قال: «يبعث بهديه».(645)
3. سقوط الحجّ من قابل
إنّ فائدة هذا الشرط، سقوط الحجّ من قابل عمّن فاته الوقت ذكره الشيخ في موضع من «التهذيب»(646)واستدلّ عليه بروايات:
الأُولى: صحيح ضريس بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعاً بالعمرة إلى الحجّ فلم يبلغ مكّة إلاّ يوم النحر، فقال: «يقيم على إحرامه، ويقطع التلبية حين يدخل مكّة، فيطوف، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق رأسه، وينصرف إلى أهله إن شاء» وقال: «هذا لمن اشترط على ربّه عند إحرامه، فإن لم يكن اشترط فإنّ عليه الحجّ من قابل».(647)
وأشكل عليه بوجهين:
1. انّ الحجّ الفائت إن كان واجباً لم يسقط فرضه في العام المقبل بمجرّد الاشتراط، وإن لم يكن واجباً لم يجب بترك الاشتراط.
لا يخفى عليك جودة الإشكال، نعم أفتى به ابن سعيد في جامعه وقال بعد عنوان المسألة: فإذا برأ من وجعه اعتمر إن كان لم يشترط على ربّه في إحرامه، وإن كان قد اشترط فليس عليه أن يعتمر إلاّ أن يشاء فيعتمر.(648)
2. انّه أجنبي عمّا نحن فيه، لأنّ موضوع البحث هو المحصور الممنوع عن الإتمام بمرض، والوارد في الرواية، هو من لم يدرك الموقفين لضيق الوقت، وتأثير الشرط في السقوط في الثاني لا يكون دليلاً على سقوطه في المحصور.
يلاحظ عليه: بأنّ ظاهر التعليل أنّ السبب لسقوط الحجّ، هو اشتراطه، كما هو السبب للتحليل، وفوات الموقفين، مورد التعليل لا جزء منه، فإذا قيل: حرمت الخمر لإسكارها، يكون المتبادر انّ الإسكار تمام العلّة للحرمة، لا إسكار الخمر.
الثانية: صحيح ذريح المحاربي المتقدم وفيه: فقلت: بلى قد اشترط ذلك، قال: «فليرجع إلى أهله حلاً لا إحرام عليه انّ اللّه أحقّ من وفى بما اشترط عليه» قال: فقلت: أفعليه الحجّ من قابل؟ قال: «لا».(649)
الثالثة: ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) ; ورفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّهما قالا: القارن يحصر وقد قال واشترط: فحلني حيث حبستني، قال: «يبعث بهديه» قلنا: هل يتمتع في قابل؟ قال: «لا، ولكن يدخل في مثل ما خرج منه».(650)
وحصيلة هذه الروايات هو عدم وجوب الإعادة.
ثمّ إنّ هنا روايات تعارض ذلك، وتدلّ على وجوب الحجّ من قابل:
1. ما رواه رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشترط وهو ينوي المتعة فيحصر هل يجزيه أن لا يحجّ من قابل؟ قال: «يحج من قابل. والحاج مثل ذلك إذا أحصر».(651)
2. ما رواه حمزة بن حمران أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذي يقول:حِلَّني حيث حبستني؟ فقال:«هو حِلّ حيث حبسه، قال أو لم يقل، ولا يُسقط الاشتراطُ عنه الحجّ من قابل».(652)
3. ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحجّ أن يحله حيث حبسه أعليه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم».(653)
4. ما رواه أبو الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحجّ كيف يشترط؟ قال: «يقول حين يريد أن يُحرم: أن حلني حيث حبستني فإن حبستني فهي عمرة». فقلت له: فعليه الحجّ من قابل؟ قال: «نعم». و قال صفوان: قد روى هذه الرواية عدّة من أصحابنا كلّهم يقول: إنّ عليه الحجّ من قابل.(654)
أقول: يمكن الجمع بين الطائفتين، بحمل الطائفة الثانية على من استقرّ عليه الحجّ أو بقيت استطاعته إلى العام القابل فيجب عليه الحجّ، وحمل الطائفة الأُولى على من لم يستقر عليه الحجّ ولم تبق له الاستطاعة إلى العام القابل، أو كان قد أتى بالحجّ الواجب سابقاً، فلو صحّ هذا الجمع فهو، وإلاّ فالترجيح مع الطائفة الثانية لوجهين:
1. كونها موافقة للكتاب فإنّ الحجّ الواجب لا يسقط إلاّ بالامتثال.
2. كون الطائفة الثانية هي المشهورة بين الأصحاب، وقد مرّ قول صفوان أنّ رواية الإعادة من قابل قد رواها عدّة من أصحابنا كلّهم يقول: إنّ عليه الحجّ من قابل.
4. استحقاق الثواب
ربّما يقال بأنّ فائدة الاشتراط استحقاق الثواب بذكره في عقد الإحرام، لأنّه دعاء مأمور به واختاره صاحب العروة تبعاً لغيره.قال في «المسالك» : أمّا سقوط الهدي فمخصوص بغير السائق، إذ لو كان قد ساق هدياً لم يسقط. وأمّا تعجيل التحلّل فمخصوص بالمحصر دون المصدود، واستحباب الاشتراط ثابت لجميع أفراد الحاج. ومن الجائز كونه تعبّداً، أو دعاءً مأموراً به يترتّب على فعله الثواب.(655)
قد تلخّص من هذا البحث الضافي انّ المتيقّن هو الوجه الرابع، وأمّا الفوائد الثلاثة الباقية فأقواها هي الفائدة الأُولى، لولا ما فيه من تقييد الكتاب بالخبر الواحد.
وكان الأولى للسيد الطباطبائي وغيره تأخير هذا البحث إلى فصل الإحصار والصدّ، فإنّ القضاء الحاسم في فائدة الاشتراط يتوقّف على دراسة أحكام الموضوعين، على وجه الاستقصاء، وبدونها يكون البحث غير ناضج.


572 . المبسوط:1/307.
573 . الوسائل: ج 9، الباب 34 من أبواب الإحرام، الحديث2. ولاحظ سائر أحاديث الباب.
574 . المبسوط:1/316.
575 . المهذب :1/219.
576 . الوسيلة:161.
577 . التذكرة:7/233.
578 . المنتهى: 10 / 217، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
579 . سبأ:46.
580 . الوسائل: ج 9، الباب 16 من أبواب الإحرام، الحديث1.
581 . نفس المصدر والباب، الحديث2.
582 . الوسائل: ج 9، الباب17 من أبواب الإحرام ، الحديث1.
583 . الوسائل: ج 9، الباب21 من أبواب الإحرام ، الحديث2.
584 . كشف اللثام: 5/255.
585 . التذكرة:7/234.
586 . لاحظ التذكرة:7/233; سنن البيهقي:5/6.
587 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.
588 . هامش العروة:520.
589 . الخلاف:2/290، المسألة68.
590 . تحرير الأحكام:1/569.
591 . المنتهى:10/222، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
592 . المغني:3/252.
593 . المبسوط:1/317.
594 . شرائع الإسلام:1/245.
595 . المغني:3/252.
596 . القواعد:1/419.
597 . الجواهر:18/213.
598 . المستمسك:11/367.
599 . صحيح مسلم:4/45.
600 . مختلف الشيعة:4/36.
601 . المدارك:7/260.
602 . القواعد:1/419.
603 . شرائع الإسلام:1/245.
604 . كشف اللثام:5/257.
605 . الخلاف:2/290، المسألة67.
606 . الوسائل: ج 8، الباب2 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.
607 . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث14.
608 . الخلاف:2/290.
609 . المستمسك:11/375.
610 . المعتمد:2/506.
611 . الوسائل: ج 9، الباب16 من أبواب الإحرام، الحديث 1و2.
612 . وأمّا حلّ النساء، فهو يتوقف على طوافها.
613 . الخلاف:2/430، المسألة323.
614 . لاحظ السنن الكبرى:5/223.
615 . المغني:3/243.
616 . الانتصار:104.
617 . البقرة:196.
618 . السرائر:1/533.
619 . الشرائع:1/247.
620 . التهذيب: 5 / 295 برقم 1001.
621 . المنتهى: 13 / 63، في حكم الفوات من مباحث المحصور.
622 . مدارك الأحكام:7/291.
623 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.
624 . الوسائل: ج 9، الباب1 من أبواب الإحصار والصد، الحديث4.
625 . البقرة:196.
626 . الجامع للشرائع:222.
627 . التحرير:2/81، المسألة2515.
628 . الوسائل: ج 9، الباب25 من أبواب الإحرام، الحديث 1.
629 . الوسائل: ج 9، الباب25 من أبواب الإحرام، الحديث 2.
630 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث1.
631 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث 2.
632 . الوسائل: ج 9، الباب23 من أبواب الإحرام، الحديث 3.
633 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث 1، 2.
634 . الوسائل: ج 7، الباب9 من أبواب الاعتكاف، الحديث2.
635 . معجم رجال الحديث:6/260.
636 . المدارك:7/292.
637 . الظاهر ـ كما يدلّ عليه دليل القائل ـ أنّ المراد من عدم سقوط الهدي، هو الأعمّ من بعثه، أو نحره في المكان الذي مرض فيه، فليتدبّر.
638 . المبسوط:1/334.
639 . الخلاف:2/430.
640 . المسالك2/242.
641 . الوسائل: ج 9، الباب1 من أبواب الإحصار والصد، الحديث3. وللحديث صدر، لاحظ الكافي:4/370.
642 . الوسائل: ج 9، الباب6 من أبواب الإحصار والصد، الحديث2. البرسام التهاب في الحجاب الذي بين الكبد والقلب.
643 . الجواهر:18/262.
644 . الجامع للشرائع :221، نقله عن مشيخة ابن محبوب.
645 . الوسائل: ج 9، الباب4 من أبواب الإحصار والصد، الحديث1.
646 . التهذيب:5/295برقم 1001.
647 . الوسائل: ج 10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث2.
648 . الجامع للشرائع:222ـ 223.
649 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.
650 . الوسائل: ج 9، الباب4 من أبواب الإحصار والصد، الحديث1.
651 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث2 .
652 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث 3.
653 . الوسائل: ج 9، الباب8 من أبواب الإحصار والصد، الحديث 4.
654 . الوسائل: ج 9، الباب24 من أبواب الإحرام، الحديث3.
655 . مسالك الأفهام:2/243.
656 . مفتاح الكرامة: 7/487.
657 . المقنعة: 632.
658 . النهاية: 428.
659 . النهاية: 430.
660 . الكافي: 347.
661 . المراسم: 182.
662 . التذكرة: 17 / 54، في شرائط الربح، كتاب القراض، تحقيق مؤسسة آل البيت، قم .
663 . المغني: 5/142.
664 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/250 ـ 251.
665 . الجواهر: 26/367.