\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسائل فقهية
في أقسام العمرة
في أقسام العمرة

العمرة بمعنى الزيارة، وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده، ولا تختص بزمان خاص، ففارقت الحج، هذا إذا كانت مبتولة.(472)
تنقسم العمرة إلى: واجب أصلي كالحج، وواجب عرضي كالواجب بالنذر أو بإجارة، ومندوبة كالعمرة الثانية في من أتى الواجب الأصلي، وبدعيّة كالعمرة المفردة بين عمرة الحجّ المتمتع بها والحج.
وجوب العمرة بأصل الشرع
تجب العمرة كالحجّ على كلّ مكلّف مستطيع مرّة واحدة بالشرائط المعتبرة في الحجّ .
قال الشيخ في «الخلاف»: العمرة فريضة مثل الحجّ. وبه قال الشافعي في «الأُم» وبه قال: ابن عمر، وابن عباس، وسائر الصحابة; ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء; وفي الفقهاء: الثوري، وأحمد، وإسحاق.
قال ] الشافعي[ في القديم: سنّة مؤكّدة، وما علمت أحداً رخّص في تركها، وإليه أومى في أحكام القرآن، وأمالي حرملة، و به قال في الصحابة: ابن مسعود، وهو قول: الشعبي، ومالك وأبي حنيفة وأصحابه. ثمّ أخذ بالاستدلال بالآيات والروايات.(473)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: العمرة فريضة مثل الحجّ، ذهب إليه علماؤنا أجمع. وبه قال علي(عليه السلام)، وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر و سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء، وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق، وقال مالك وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إنّها نفل وليست فرضاً. وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان.(474)
فقد استدلّوا على وجوبها بالكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب فاستدلّوا على وجوبها بآيتين:
1. قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً)(475) فحجّ البيت قصده لإتيان الأعمال المركّبة من العمرة والحج في التمتع، والحج والعمرة في غيره، ويدلّ على ما ذكرنا من التفسير صحيحة عمر بن أذينة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: «لا ولكنّه يعني الحج والعمرة جميعاً، لأنّهما مفروضان». رواها الصدوق في «العلل»، كما رواها العياشي في تفسيره مرسلاً عن عمر بن أذينة.(476)
2. قوله سبحانه: (وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ)(477) بأنّ الأمر للوجوب، ولأنّ العطف بالواو يقتضي التسوية، وقال ابن عباس: إنّها لقرينة الحج في كتاب اللّه.(478)
وقال الشيخ بعد ذكر الآية: والإتمام لا يتم إلاّ بالدخول، فوجب الدخول أيضاً.(479)
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآية تدلّ على وجوب الإتمام ـ إن دخل ـ لا مطلقاً وإن لم يدخل.
وبعبارة أُخرى: الإتمام واجب مشروط بالدخول، وليس واجباً مطلقاً حتى تجب مقدّمته، فليس الدخول مقدّمة، بل شرط للوجوب.
نعم يظهر من الروايات صحّة الاستدلال به على وجوب العمرة عن أئمّة أهل البيت.
روى البيهقي في سننه عن علي (عليه السلام)قال: إتمامه أن تحرم بها من دويرة أهلك.(480)
وروى الفضل أبو العباس ] البقباق[، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)قال: «هما مفروضان».
وروى زرارة، عن أبي جعفر قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لأنّ اللّه تعالى يقول:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) وانّما نزلت العمرة بالمدينة».(481)
وعلى هذا فالمراد من الإتمام هو إقامتها على ما هما عليه لا إكمالهما، ولذلك فسّره في المجمع بقوله: أقيموهما إلى ما فيها، وهو المروي عن:
أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعن سعيد بن جبير، ومسروق، والسدي.(482)
وقال في «لسان العرب» قوله عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)قيل إتمامهما: تأدية كلّ ما فيهما من الوقوف والطواف وغير ذلك.(483)
نعم ذيل الآية ـ أعني قوله: (فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَديُ مَحِلَّه)ـ يناسب تفسير الإتمام بضم أجزائه الأخيرة بما أتى لا بمعنى إتيان الشيء، واللّه العالم.
وأمّا السنّة فقد عقد في «الوسائل» باباً وقال: «باب وجوبها على المستطيع» أورد فيه اثني عشر حديثاً، مع اتّحاد بعضها ببعض. فعن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« العمرة مفروضة مثل الحجّ».(484)
والحاصل: أنّه لا شبهة في وجوبها حسب الكتاب والسنّة، وعرفت قول الشافعي إنّه سنّة لم يرخّص أحد في تركها. ولا يعتدّ بمخالفة أصحاب الرأي كأبي حنيفة، لقلّة اعتدادهم بالسنّة.
وجوب العمرة فوري
قال العلاّمة في «التذكرة»: ووجوب الحجّ والعمرة على الفور لا يحل للمكلّف تأخيره عند علمائنا أجمع. وبه قال: علي (عليه السلام)، ومالك وأحمد والمزني وأبو يوسف، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ، ومن أصحابه من قال: هو قياس مذهبه.(485)
وقال في« الجواهر»: تجب الفورية التي ليست بتوقيت عندنا.(486)
لا يخفى أنّ تفسير الفورية لا بنحو التوقيت إنّما ينطبق على العمرة المبتولة التي ليس معها حجّ، والعمرة المستمتع بها إلى الحجّ.
أمّا الأُولى فلو قلنا بوجوبها ـ كما مرّ ـ فيجب فوراً ففوراً، ولا يسقط وجوبها بتأخيرها من شهر إلى شهر آخر.
أمّا الثانية فبما أنّها ـ مع الحج ـ عمل واحد حيث دخلت العمرة إلى الحجّ، فالفورية فيها هو نفس الفورية في الحجّ بمعنى حرمة التسويف لكن مع عدم سقوط وجوبها بالتأخير من سنة إلى سنة.
وأمّا العمرة المفردة التي معها الحج فيظهر من صحيحة معاوية بن عمار أنّ وقتها هو بعد مضي أيام التشريق ، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل جاء حاجاً ففاته الحج ولم يكن طاف، قال (عليه السلام): «يقيم مع الناس حراماً أيام التشريق ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ، وعليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم».(487)
و جوّز الشهيد تأخيرها إلى استقبال المحرم.(488)
وأورد عليه في «المسالك» بقوله: ويشكل بوجوب إيقاع الحج والعمرة المفردة في عام واحد، إلاّ أن يريد بالعام اثني عشر شهراً، ومبدؤها زمان التلبّس بالحج.(489) وعلى أيّ تقدير فالفورية فيها بمعنى التوقيت.
وعلى كلّ تقدير فالذي يدلّ على فورية العمرة هو ما مرّ غير مرّة، من أنّ مقتضى التكليف هو الفورية، وأنّ التأخير يحتاج إلى البيان.
وبعبارة أُخرى: تكليف المولى لا يترك بلا عذر، فلو صرّح بجواز التأخير فهو عذر وإلاّ فلا مسوّغ لتأخيره.
هل يشترط في وجوب العمرة استطاعة الحج؟
إنّ مقتضى عطف العمرة على الحج، في الآيات والروايات هو كون كلّ منهما واجباً مستقلاً، يكون وجوب كلّ رهن الاستطاعة إليه، فلو استطاع للعمرة المفردة دون الحج يجب، وهكذا العكس، كما هو الحال في الحجّ المفرد.
وهناك قولان آخران:
1. انّ كلاً منهما لا يجب إلاّ عند الاستطاعة للآخر. حكاه النراقي ولم يذكر القائل.(490)
وفي «الجواهر»: أرسله غير واحد لكن لم أعرف القائل به.(491)
2. وجوب العمرة رهن الاستطاعتين دون الحج، وهو خيرة الشهيد قال: ولو استطاع لها خاصة لم يجب، ولو استطاع للحج مفرداً دونها فالأقرب الوجوب.(492)
والحقّ هو القول الأوّل، ويعلم وجهه ممّا تقدّم من أنّهما مفروضان مستقلاّن. فظهر من ذلك: أنّ من استطاع العمرة المفردة يجب الإتيان بها.
هل تجزي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة؟
العمرة المتمتّع بها تجزي عن العمرة المفردة المفروضة، قال النراقي: إجماعاً فتوىً محقّقاً ومنقولاً ونصّاً.(493)
قال العلاّمة: تجزي عمرة التمتّع عن العمرة المفردة، وهو قول علمائنا كافّة.(494)
وقال المحقّق: ولا تصحّ ] عمرة المتمتّع بها [ إلاّ في أشهر الحج(شوال وذوالقعدة وذوالحجة). وتسقط المفردة معها.(495)
وقال في «الحدائق»: ويجب أن يعلم أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض وجوبها.(496)
وقال في «الجواهر»: لا خلاف في إجزاء العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة.(497)
وقد عقد في «الوسائل»: باباً وقال: باب «من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض العمرة» وأورد فيه ثماني روايات، نقتصر على واحدة.
صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(498)
وتظهر الثمرة في موردين:
1. إذا تمتع النائي، فيسقط وجوب العمرة المفردة عنه، وقد عرفت وجوبها عليه وأنّ العمرة والحجّ واجبان مستقلان.
2. إذا قلنا بوجوب العمرة المفردة للنائي ـ كما سيأتي في الفرع الآتي ـ يسقط وجوبها بعمرة التمتع، وعلى هذا تكون الثمرة الثانية متوقّفة على وجوب العمرة المفردة للنائي الذي يأتي فيه الكلام في الفرع الثاني.
هل تجب العمرة المفردة على مَن وظيفته حج التمتع ؟
إذا استطاع مَنْ وظيفته حجّ التمتّع على العمرة المفردة، ولم يكن مستطيعاً للحج، فهل تجب عليه العمرة ، مثلاً كما إذا فرغ الأجير عن عمل النيابة وتمكن من العمرة المفردة فقط، أو إذا تمكّن منها في شهر رجب فهل تجب عليه أو لا؟ ذكر السيد الطباطبائي أنّ عدم الوجوب هو المشهور، وانّ بعضهم أرسله إرسال المسلّمات.
ما ادّعاه من الشهرة لم أقف عليها. وقولهم: يجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة،(499) أو قول المحقّق: وتسقط ] العمرة [ المفردة معها ] عمرة التمتع [، (500) دالّ على خلاف ذلك حيث إنّ المستفاد من هذه التعابير أنّ الأصل هو العمرة المفردة غاية الأمر تقوم عمرة التمتع مكانها، وعلى ذلك لو استطاع على الأصل، دون الفرع فيجب الإتيان به.
قال العلاّمة في «المنتهى»: تُجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة وهو قول العلماء كافّة.
روى الشيخ في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا تمتّع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(501)
وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قول اللّه عزّوجلّ(وأتموا الحجّ والعمرة للّه) يكفي الرجل إذا تمتّع بالعمرة إلى الحجّ مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: «كذلك أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه»(502) ولأنّه أتى بالعمرة متقدّمة فتكون مجزية عن المفردة.
ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «نعم» ، قلت: فمن تمتع يجزئ عنه؟ قال: «نعم»(503).(504)
وهذه الروايات الصحيحة مع ما ورد من الإطلاقات في باب وجوب العمرة التي نقلها صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب العمرة تشهد على خلاف ما نسب إلى المشهور.
نعم يظهر ممّن خصّ المفردة بحاضري المسجد الحرام، كما في «الشرائع» حيث قال: والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام، وتصحّ في جميع أيام السنة. (505)
اختصاص المفردة بالقريب وليست وظيفة النائي إلاّ عمرة التمتّع
وبذلك يعلم وجود التنافي بين عبارتي المحقّق في «الشرائع» حيث قال:
1. «وتسقط المفردة معها» الحاكي عن وجوبها للنائي غاية الأمر تسقط بعمرة التمتع.
2. «والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام»، الحاكي عن اختصاص العمرة بالحاضر دون النائي، فلا معنى لإجزاء العمرة المتمتّع بها عن المفردة لعدم وجوبها للنائي بتاتاً; ولذلك قال في «المسالك»: وبين المفهومين تدافع ظاهراً.(506)
ويظهر من صاحب الجواهر اشتهار الفتوى بالوجوب في عصره حيث قال: وحينئذ يظهر لك ما في المعروف الآن في عصرنا من العلماء وغيرهم من وجوب عمرة مفردة على النائين عن غيرهم مع فرض استطاعتهم المالية، معلّلين بأنّ العمرة واجبة على كلّ أحد والفرض استطاعتهم لها فتجب وإن وجب عليهم الحجّ بعد ذلك مع حصول شرائط وجوبه.(507)
ما هو الحقّ في المقام؟
لا شك أنّ مقتضى إطلاق ما ورد في وجوب العمرة المفردة وجوبها على كلّ مستطيع إليها من غير فرق بين الحاضر والنائي، نظير:
ما رواه الفضل بن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في قول اللّه عزّ وجلّ: (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) قال: «هما مفروضان».(508)
وما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «العمرة مفروضة مثل الحج».(509)
وما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على مَن استطاع إليه سبيلاً».(510)
وملاحظة هذه النصوص ونظائرها تقوّي وجوب العمرة المفردة مطلقاً على عامّة الناس، غاية الأمر أنّ عمرة التمتّع تجزي عنها، وهذا لا يعني عدم وجوبها في حقّ من لا يستطيع حج التمتّع.
ولكن الذي يصدّ الفقيه عن الإفتاء بالوجوب والأخذ بالإطلاق الأُمور التالية:
1. تقسيم العمرة إلى قسمين
ما اشتهر بين الفقهاء من تقسيم العمرة الى متمتّع بها ومفردة.(511)
2. تقسيم الحج إلى ثلاثة
يقسّم الحج إلى: تمتّع وقران وإفراد.
ففي صحيح معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، وقران، وتمتّع بالعمرة إلى الحج، وبها أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والفضل فيها، ولا نأمر الناس إلاّ بها».(512)
وقد تكرر ذلك التقسيم في كلماتهم(عليهم السلام)كقول الإمام الصادق (عليه السلام): «الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتّع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج».(513)
أو قول الإمام الباقر(عليه السلام): «الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج وساق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق الهدي، ورجل تمتّع بالعمرة إلى الحج».(514)
3. وجوب الإفراد والقران لحاضري المسجد الحرام
دلّت الروايات على أنّ الإفراد والقران وظيفة مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً.
روى زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام)قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)(515) قال: «يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً» .(516)
4. التمتّع وظيفة النائي أو الآفاقي
إنّ مَن يكون أهله وراء ثمانية وأربعين ميلاً، ويعبّر عنه بالنائي والآفاقي ووظيفته التمتّع، ولم يخالف في ذلك إلاّ عمر، وخالفه الصحابة وعلى رأسهم علي (عليه السلام) إلى أن ترك قوله.
روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لأنّ اللّه يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)(517) فليس لأحد إلاّ أن يتمتّع».(518)
5. السيرة المستمرة بين المسلمين
السيرة المستمرة بين المسلمين على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج وعدم الحكم بفسقه لو أخّر الاعتمار إلى أشهر الحج.
كلّ هذه الأُمور تشهد على أنّ العمرة وظيفة الحاضر دون النائي، وأنّ العمرة الواجبة على الآفاقي هي العمرة التي دخلت في الحج في السنة العاشرة من الهجرة، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من كونها فريضة، أي في موردها ومحلّها . والحاضر يأتي بها بعد الحج، والآفاقي في ضمن الحج.
وبعبارة واضحة: ما ورد في الباب1 من أبواب العمرة من الروايات الحاثّة على إتيان العمرة من قوله (عليه السلام): «هما مفروضان»، وقوله(عليه السلام): «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ» أو قوله(عليه السلام)في تفسير قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حجّ البَيت): « الحجّ والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان» (519) ، ناظر إلى ردّ الفكر الخاطئ من لزوم تفكيك العمرة عن الحجّ الذي تبنّاه الخليفة بقوله: متعتان كانتا في عصر رسول اللّه حلالاً وأنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء.(520)
وكان عذره أمرين:
1. إنّي أخشى أن يعرّسوا بهنّ في الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً.
2. إنّ أهل هذا البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في مَن يطرأ عليهم.(521)
فتضافرت الروايات على الردّ لهذه الفكرة، ولذلك قال الإمام (عليه السلام): «دخلت العمرة إلى الحجّ إلى يوم القيامة» فالروايات الحاثّة على وجوب العمرة ناظرة إلى لزوم الإتيان بها مع الحجّ لا وجوبها مستقلاً وإن لم يكن مستطيعاً للحجّ.
هل تجب العمرة بالنذر والحلف والعهد...؟
ذكر صاحب العروة أسباباً لوجوب العمرة وهي:
1. النذر، 2. الحلف، 3. العهد، 4. الشرط في ضمن العقد، 5. الإجارة، 6. الإفساد، 7. دخول مكة.
وأضاف المحقّق سبباً ثامناً وهو الفوات قال: قد تجب ] العمرة[: بالنذر، وما في معناه(العهد والحلف)، والاستئجار، والإفساد، والفوات.(522)
أمّا وجوب العمرة بالأسباب الخمسة فواضح، لعموم صحّة النذر واليمين، والعهد والشرط، والإجارة، إنّما الكلام في الثلاثة الباقية، أعني: الإفساد، والفوات، ودخول مكة.
أمّا الأوّل فالمراد هو إفساد العمرة قال النراقي: وبالإفساد، أي إذا أفسد عمرة يجب عليه فعلها ثانياً وإن كانت مندوبة كالحج على ما قطع به الأصحاب.(523) وأمّا إذا أفسد حجّه فالتحلّل بالدم، وسيوافيك الكلام في محله.
وأمّا الثاني ـ أعني: الفوات ـ : فالمراد إذا أحرم وفات منه الحج، فلم يدرك المواقف لا اختياريّها ولا اضطراريّها فلا محيص من الإحلال بعمرة مفردة .
قال المحقّق: من فاته الحج تحلّل بعمرة مفردة. (524) وسيوافيك الكلام في مسائل الحج.
وأمّا الثالث، فقال الشيخ : من دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والرسالة وزيارة الأهل، أو كان مكّيّاً فخرج لتجارة ثمّ عاد إلى وطنه، أو دخلها للمقام بها، فلا يجوز أن يدخلها إلاّ بإحرام. وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي في «الأُمّ». ولأبي حنيفة تفصيل فقال: هذا لمن كانت داره قبل المواقيت، وأمّا إن كانت داره في المواقيت أو دونها فله دخولها بعد إحرام . والقول الآخر للشافعي: إنّ ذلك مستحب غير واجب قاله في عامة كتبه. وبه قال ابن عمر ومالك.(525)
وقال في «النهاية»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلاّ محرماً أيّ وقت كان، وقد رُخّص للمريض والحطّابة دخولها من غير إحرام.(526)
وقال في «المبسوط»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكّة إلاّ محرماً إمّا بحجّ أو عمرة، وقد روي جواز دخولها بغير إحرام للحطّابة والمرضى.(527)
وقال المحقّق: كلّ من دخل مكة وجب أن يكون محرما. (528) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاق الأصحاب على وجوب الإحرام.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي وصف العمرة بالوجوب في مَن يدخل مكة وقال: «وتجب أيضاً لدخول مكة» وهل المراد الوجوب العقلي المقدمي أو الوجوب الشرعي؟
أمّا الأوّل فليس الدخول واجباً، حتّى تكون العمرة واجبة لأجل المقدّمية، وعلى فرض وجوبه فليست العمرة مقدّمة له.
فإن قلت: إنّ الإحرام واجب لمن يريد الدخول، فإذا وجب الإحرام تجب العمرة، لعدم إمكان الإحلال بدونها.
قلت: إنّما يحرم الدخول بلا إحرام، وهو رافع للحرمة، كما أنّ مسّ المصحف حرام والوضوء رافع له، ولأجل ما ذكرنا صار السيد الطباطبائي يفسّر الجملة على وجه يرفع الإشكال وقال: بمعنى حرمته بدونها فإنّه لا يجوز دخولها إلاّ محرماً.
وعلى كلّ تقدير فقد تضافرت الروايات على عدم جواز الدخول إلاّ بإحرام، وقد عقد في «الوسائل» باباً ونقل فيه اثني عشر حديثاً، منها:
صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ مريضاً أو مَن به بطِن». ونحوه غيره.(529)
في حكم الحطّاب والحشّاش والمجتلب إذا دخلوا الحرم
قد ظهر ممّا ذكر أنّه لا يجوز دخول مكة إلاّ محرماً، وقد استثنى طوائف خاصة وردت في الروايات وكلمات الأصحاب.
فاستثنى الشيخ في «النهاية»: المريض، والحطّابة، نظير «المبسوط» كما مرّ.
واستثنى المحقّق صنفين:
1. مَن يكون دخوله بعد إحرامه قبل مضي شهر.
2. مَن يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش. ولم يذكر المريض، ثمّ قال: وقيل من دخلها لقتال، جاز أن يدخل محلاً ، كما دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عام الفتح وعليه المِغْفَر.(530)
واقتصر السيد الطباطبائي بمن يتكرّر دخوله وخروجه كالحطّاب والحشّاش.
والمذكور في الروايات وكلمات الفقهاء عدّة عناوين:
1. الحطّاب والحشّاش والمجتلبين.
2. المرضى، خصوصاً المبطون.
3. الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام.
4. من دخل لقتال. وإليك التفصيل:
الأوّل: الحطاب والحشاش والمجتلب
فقد اتّفقت كلمتهم على أنّه يجوز لهم الدخول بلا إحرام، وقد تقدّم في كلام الشيخ في «المبسوط»، وقال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده.(531)والعمدة في ذلك هو النص.
ففي صحيح رفاعة بن موسى في حديث قال: وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إنّ الحطّابة والمجتلبة أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً».(532)
والمراد من المجتلبة من يجلب حوائج الناس من خارج البلد إليه، فيعمّ الجصّاص والحجّار ونقلة الميرة والرعاة. فيمكن أن يقال: إنّ جواز الدخول بلا إحرام حكم كلّ من له ذلك الشأن، سواء أكان داخلاً في العناوين السابقة أم لا.
وإن شئت قلت: من اتّخذ مهنة لازمها الخروج والدخول في كلّ يوم أو أُسبوع أو شهر.
ولكن جعل الفاضل الاصفهاني هذه العناوين كناية عمّن يتكرر دخوله في كلّ شهر، قال: «إلاّ المتكرر» دخوله كلّ شهر بحيث يدخل في الشهر الذي خرج، «كالحطّاب» والحشّاش والراعي وناقل الميرة، ومَن له ضيعة يتكرّر لها دخوله وخروجه إليها، للحرج. (ثمّ نقل صحيح رفاعة على ما نقلناه).(533)
ولكن التعامل معه مشكل، لابتنائه على تخريج المناط الممنوع في الشرع، فأقصى ما يمكن أن يقال: من كان مهنته مقتضية للخروج والدخول يومياً أو أُسبوعياً أو شهرياً.
وبذلك يعلم أنّ من يتردد بين مكة وجدّة أحياناً لأجل عيادة المرضى في جدّة، لا يدخل إلاّ بإحرام إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، ومثله المدرّس الذي يخرج من مكة إلى خارج الحرم لأجل التدريس، فالجميع لا يدخلون إلاّ بإحرام، وليس هذا أمراً حرجياً، إذ غاية ما يجب عليه الإحرام في كلّ شهر وإتيان العمرة معه وليس هذا أمراً شاقاً في كلّ شهر.
الثاني: المرضى، خصوصاً المبطون
فقد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن».(534)
وفي الصحيح عن عاصم بن حميد قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلاّ محرماً؟ قال: «لا إلاّ مريض أو مبطون».(535)
ومقتضى الروايتين سقوط الإحرام عن المريض، وقد أفتى به الشيخ في «النهاية».(536)
والمحقّق في «المختصر النافع».(537)
ولكن يعارضها صحيحة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالاً، قال: «لايدخلها إلاّ محرماً».(538)
والجمع بحمل النهي على الكراهة.
الثالث: الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام
مَن خرج في الشهر الذي أحرم فيه ودخل مكة واعتمر، يسقط عنه الإحرام، وهذا ما ترك صاحب العروة ذكره في المقام، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل التاسع، أي فصل صورة حجّة التمتع، المسألة الثانية.
ثمّ إنّ الفرق بين هذه الطائفة والمتقدمة هو أنّ سقوط وجوب الإحرام عن الطائفة الثالثة مسبوق بإحرامهم في الشهر الذي دخلوا فيه بإحرام، غير أنّ الحطّاب والحشّاش أو المريض ربّما يكون خروجهم غير مسبوق بإحرام الحج.
الرابع: مَن دخل لقتال
واستدلّ القائل بدخول النبي مكة المكرمة في السنة الثامنة بلا إحرام وهكذا أصحابه، ولعلّه من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
روى الطبرسي في «إعلام الورى» نقلاً عن كتاب أبان بن عثمان، عن بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)ـ في حديث فتح مكة ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ألا إنّ مكّة محرمة بتحريم اللّه لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ من ساعة من نهار إلى أن تقوم الساعة».(539)
واعلم أنّه يجب الإحرام لدخول مكة إذا كان الدخول إليها من خارج الحرم، فلو خرج أحد من مكة ولم يخرج من الحرم، عاد إليها بغير إحرام. ووجهه واضح، لأنّ الدخول محرماً فرع الخروج عن الحرم حتى يحرم من إحدى المواقيت، والمواقيت كلّها خارج الحرم.
في توالي عمرتين ومقدار الفصل بينهما
اختلفت كلمة الفقهاء في توالي العمرتين ومقدار الفصل بينهما، فلهم فيه أقوال ـ من السنّة والشيعة ـ .
أمّا السنّة فقد ذكر الشيخ في «الخلاف» آراءهم على النحو التالي:
1. قال أبو حنيفة والشافعي: له أن يعتمر ما شاء، أي لا يعتبر الفصل بين العمرتين.
2. وقال مالك: لا يجوز ] في كلّ عام[ إلاّ مرّة واحدة. وبه قال: سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين.
3. حكى عن ابن عمر أنّه اعتمر أعواماً في كلّ عام عمرتين في أيّام ابن الزبير.
4. واعتمرت عائشة في شهر واحد عمرتين.(540)
لا تجد في هذه الأقوال أثراً من الفصل بعشرة أو شهر.
ومع ذلك فقد نقل العلاّمة في «المنتهى» استحبابها في كلّ شهر، أو في عشرة أيام عن جماعة وقال: ويستحبّ أن يقيم (يعتمر) الإنسان في كلّ شهر وبه قال علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي وأحمد، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن البصري وابن سيرين ومالك والنخعي.
وقال في المسألة التالية: ويستحب في كلّ عشرة أيّام عمرة مع التمكّن. وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل، لأنّها زيارة للبيت فاستحب تكرارها في الشهر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقد قيل إنّه يحرم أن يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام، وقيل: يكره، وهو الأقرب.(541) وعلى ما ذكره يكون لعطاء ـ وهو من التابعين ـ قولان، فصل بشهر، وفصل بعشر.
وأمّا الشيعة فلهم في ذلك أقوال:
1. جواز توالي العمرتين
ذهب السيد المرتضى إلى أنّ العمرة جائزة في سائر أيّام السنة.(542)
وهو خيرة ابن إدريس حيث قال: وقال بعضهم لا أُوقت وقتاً، ولا أجعل بينهما مدّة، وتصحّ في كلّ يوم عمرة، وهذا القول يقوى في نفسي، وبه أُفتي، وإليه ذهب السيد المرتضى في« الناصريات»... وما روي في مقدار ما يكون بين العمرتين، فأخبار آحاد، لا توجب علماً ولا عملاً.(543)
2. لزوم الفصل بعشرة أيام
ذهب جماعة من الأصحاب إلى لزوم الفصل بين العمرتين بعشرة أيام.
ومنهم ابن الجنيد حيث قال: لا يكون بين العمرتين أقلّ من عشرة أيّام.(544)
ومنهم الشيخ فقد اختار ذلك القول في كتابيه.
قال في «الخلاف»: يجوز أن يعتمر في كلّ شهر، بل في كلّ عشرة أيّام.(545)
وقال في «المبسوط»: أقلّ ما يكون بين عمرتين عشرة أيّام.(546)
و منهم ابن البراج حيث قال: يستحبّ للإنسان أن يعتمر في كلّ شهر، أو في كلّ عشرة أيام.(547)
ومنهم ابن حمزة لكن جعله أحد المرويين وقال: العمرة ضربان: مرتبطة بالحجّ، وغير مرتبطة... فالمتقدمة هي العمرة المتمتع بها إلى الحجّ، ومتأخّرة وهي عمرة القران والإفراد. وغير المرتبطة بالحجّ ضربان: واجبة بالنذر، أو مندوب إليها. فالواجبة يلزمها الإتيان بها على ما نذر، والمندوب إليها يصحّ الإتيان بها في كلّ شهر، وروي في كلّ عشرة أيام.(548)
3. لزوم الفصل بشهر
ذهب أبو الصلاح إلى لزوم الفصل بين العمرتين بشهر حيث قال: وكلّ منهم مرغّب بعد تأدية الواجب عليه إلى الاعتمار في كلّ شهر مرّة أو في كلّ سنة مرة.(549)
4. لزوم الفصل بسنة
وربّما يقال لزوم الفصل بسنة، وهو المحكي عن ابن أبي عقيل قال: لا تجوز عمرتان في عام واحد، وقد تأوّل بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص فزعمت أنّها في المتمتع خاصة، فأمّا غيره فله أن يعتمر في أي الشهور شاء وكم شاء من العمرة، فإن يكن ما تأوّلوه موجوداً في التوقيف عن السادة آل الرسول(عليهم السلام)فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظن فذلك مردود عليهم، وراجع في ذلك كلّه إلى ما قالته الأئمّة(عليهم السلام).(550)
هذه أقوال الشيعة واختلافها رهن الاختلاف في الروايات، أمّا خيرة السيد المرتضى فقد استدلّ عليها بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): العمرة إلى العمرة كفّارة ما بينهما، ولم يفصّل بين ذلك في سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين.
رواه السنّة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(551) والشيعة عن الرضا(عليه السلام)كما
في «الفقيه» (552) والوسائل . (553)
يلاحظ عليه: بأنّه في مقام بيان فضل العمرة، ولا إطلاق لها بالنسبة إلى ما بين الفصل بين العمرتين، وهو نظير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « الحجّة ثوابها الجنة، والعمرة كفّارة لكلّ ذنب، وأفضل العمرة عمرة رجب».(554)
وقد استدلّ للقول الثاني(لزوم الفصل بعشرة أيّام) بما جاء في «الوسائل»: بما رواه الكليني بسند صحيح عن علي بن أبي حمزة في حديث عن أبي الحسن (عليه السلام)قال:
سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والأربعة كيف يصنع قال: «إذا دخل فليدخل ملبّياً، و إذا خرج فليخرج محلاً». وقال:«ولكلّ شهر عمرة»، فقلت: يكون أقلّ؟ فقال: «في كلّ عشرة أيام عمرة»، ثمّ قال: وحقّك لقد كان في عامي هذه السنة ستّ عمر، قلت: ولم ذاك؟ قال: كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف، فكان كلّما دخل دخلت معه.(555) والرواية وإن كانت ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، لكن الأصحاب عملوا بروايته، قائلين بأنّه أخذها ونقلها حين استقامته، على أنّ انحرافه عن الإمام الرضا (عليه السلام)موضع نقاش بين المحقّقين.
و في «الوسائل» رواه الصدوق بإسناده عن القاسم بن محمد، عن علي ابن أبي حمزة مثله.(556)
وظاهر العبارة أنّ الصدوق نقل الحديث كلّه في مكان واحد، وليس الأمر كذلك، فنقل الفقرة الأُولى ـ أي من قوله: «عن الرجل يدخل مكة» إلى قوله: «فليخرج محلاً» ـ و لم ينقل الفقرة الثانية التي هي موضع الاستشهاد.(557)
وروى الصدوق في موضع آخر باسناده عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى قال: «لكلّ شهر عمرة». قال: قلت له: يكون أقلّ من ذلك؟ قال: «لكلّ عشرة أيام عمرة».(558) وهذا نفس ما نقله الكليني.
وعلى كلّ تقدير فرواية العشر تصل إلى علي بن أبي حمزة من غير فرق بين ما رواه الكليني أو الصدوق، واحتمال كونه علي بن أبي حمزة الثمالي، لا البطائني ، غير صحيح بشهادة أنّ الصدوق يرويه عن القاسم بن محمد الذي يروي عن البطائني كثيراً على أنّ علي بن أبي حمزة في الأسانيد ينصرف إلى البطائني لا الثمالي، مضافاً إلى أنّه ليس للثمالي رواية فقهية إلاّ النادر.
فقد تبين أنّه ليس للقول بالعشرة دليل سوى رواية واحدة، وهي رواية ابن أبي حمزة.
الفصل بشهر بين العمرتين
إنّ القول بلزوم فصل شهر بين العمرتين ممّا تضافرت الروايات عليه، ونقتصر بما يلي :
1. صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: في كتاب علي(عليه السلام): «في كلّ شهر عمرة».(559)
2. موثّقة يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«إنّ عليّاً (عليه السلام)كان يقول في كلّ شهر عمرة».(560)
3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان علي(عليه السلام)يقول: لكلّ شهر عمرة».(561)
والإمام يحتج بكتاب علي ليكون أقنع.
4. موثقة إسحاق قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «السنة اثني عشر شهراً يعتمر لكلّ شهر عمرة».(562)
5. خبر علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن العمرة متى هي؟ قال: «يعتمر فيما أحب من الشهور».(563)
6. خبر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام)قال: قال: «لكلّ شهر عمرة».(564)
ويؤيد ذلك أمران:
1. ما دلّ من الروايات على أنّ من أفسد عمرته فعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة.(565)
2. ما دلّ على أنّ الخارج من مكة يدخلها محرماً إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، معللاً بأنّ لكلّ شهر عمرة(566) ، كلّ ذلك يعرب عن أنّ للشهر خصوصية عمل العمرة.
الفصل بالسنة بين العمرتين
قد تقدّم القول بالسنة، ويدلّ عليه صحيحتان:
1. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«العمرة في كلّ سنة مرّة».(567)
2. صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لا تكون عمرتان في سنة».(568)
وحملهما الشيخ على عمرة التمتع وليس ببعيد، لجريان السيرة العملية على العمرة طول السنة.
وعلى كلّ تقدير قد مرّ تضافر الروايات على الجواز في كلّ شهر، فدار الأمر بين الأخذ برواية العشر وهي رواية واحدة، أو روايات الشهر المتضافرة، ولا شكّ انّ صناعة الفقه تقتضي الأخذ بالثانية.
ومع ذلك يمكن القول بأنّ اختلاف النصوص(بينما لا يحدّ، أو يحدّ بعشرة أيام، أو شهر، أو بسنة) محمولة على مراتب الاستحباب، فهو في كلّ يوم مستحب، وبعد تخلل عشرة أيام مؤكّد، وبعد تخلّل شهر آكد، وهكذا، وما دلّ على من أفسد عمرته يقضيها في الشهر الآتي، أو أنّ من دخل مكة غير الشهر الذي أحرم فيه، لا يدخلها إلاّ محرماً، أحكام خاصة لموارد خاصة فلا ينافي استحباب العمرة في كلّ زمان فالإتيان بها فيما دون العشر رجاءً قويّ.
ما هو المراد من الفصل بالشهر؟
قد عرفت تضافر الروايات على الفصل بين العمرتين، بشهر لزوماً أو استحباباً، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد منه؟ فهل أُريد به الفصل بثلاثين، فلو اعتمر في منتصف شهر رجب فليس له الاعتمار في عاشر شعبان لعدم الفصل بين العمرتين بثلاثين يوماً، أو أُريد به ما بين الهلالين، أي من أوّل رؤية الهلال السابق إلى رؤية الهلال الثاني، وعليه يجوز الاعتمار في المورد السابق، بل أقلّ بكثير، كما إذا اعتمر في اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب، يجوز الإحرام للعمرة بعد هلال شعبان في يومه الأوّل؟
المتبادر من الشهر في الكتاب هو ثلاثون يوماً، قال سبحانه: (للَّذِينَ يُؤلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّص أَربعَةِ أَشْهُر )(569)، وقال تعالى: (فَسيحُوا فِي الأَرْض أَربَعة أَشْهُر )(570) ، وقوله: (إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتهُنَّ ثَلاثة أَشْهُر)(571) .إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا المقام فبما أنّ الشهر فيه جاء في مقابل عشرة أيام، أو السنة يكون قرينة على أنّ المراد به هو ثلاثون يوماً أو الشهر الكامل الهلالي، لا بين الهلالين على نحو لو اعتمر في آخر شعبان لجاز له الاعتمار في أوّل رمضان، بحكم أنّ لكلّ شهر عمرة وأنّ الأُولى وقعت في شعبان و الأُخرى في رمضان.
نعم قد ذهب السيد الخوئي إلى أنّ المراد هو ما بين الهلالين، مستظهراً ما اختاره ببعض الروايات، وليست الروايات ظاهرة فيما ادّعى، بل غاية ما في الباب فيها إشعار بما اختاره.
نعم لا يبعد أن يكون المراد من الشهر في قوله:«خرج في الشهر الذي اعتمر فيه ودخل فيه» :ما بين الهلالين، فانتظر.
جواز التوالي في بعض الموارد:
1. الظاهر من النصوص، هو الفصل بين العمرتين إذا كانتا عن نفسه، وأمّا إذا كانت إحداهما عن نفسه والأُخرى عن الغير، أو كانت العمرتان عن شخصين مختلفين، فتجوز لدخولهما تحت الإطلاقات وخروجهمـا عمّا دلّ من الفصل بشهر، فيجوز لشخص واحد النيابة عن شخص أو أكثر في يوم واحد.
2. انّ الظاهر عدم لزوم الفصل بين العمرة المفردة إذا تقدّمت، وعمرة التمتّع إذا تأخّرت، كما إذا اعتمر في العشر الأواخر من رمضان للعمرة المفردة، فيجوز له أن يعتمر، عمرة التمتع في شهر شوال.
3. تجوز العمرة بعد الفراغ من أعمال الحجّ، بلا مرور شهر، نعم لا تجوز العمرة المفردة بين عمرة التمتع والحجّ وإن كان الفصل أزيد من شهرين، لما سيوافيك في محله.


472 . منتهى المطلب: 10/9، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
473 . الخلاف:2/262، المسألة28.
474 . منتهى المطلب :10/17، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
475 . آل عمران:97.
476 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث7و 9.
477 . البقرة:196.
478 . المنتهى: 10 / 17 ـ 18، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
479 . الخلاف:2/263، المسألة28.
480 . سنن البيهقي:4/341و 5/30.
481 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث1، 2.
482 . مجمع البيان:1/290.
483 . لسان العرب: 2/53، مادة «تمم».
484 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث5.
485 . التذكرة:7/17ـ 18، المسألة8.
486 . الجواهر:20/447.
487 . الوسائل: ج 10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3.
488 . الدروس:1/ 337، الدرس88.
489 . المسالك:2/501.
490 . المستند:11/160.
491 . جواهر الكلام:20/444.
492 . الدروس:1/338، الدرس88.
493 . مستند الشيعة:11/160.
494 . المنتهى: 13 / 196، في حج النذر والعمرة، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد.
495 . الشرائع:1/302 تحت عنوان «الرابع: في أقسام العمرة».
496 . الحدائق:16/331.
497 . الجواهر:20/448.
498 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1. ولاحظ سائر الأحاديث.
499 . المنتهى: 13 / 196 .
500 . الشرائع:1/302.
501 . الوسائل: ج 10، الباب 5 من أبواب العمرة، الحديث1.
502 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث 4.
503 . الوسائل: ج 10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث 3.
504 . المنتهى: 13 / 194، في حج النذر والعمرة.
505 . الشرائع:1/303.
506 . المسالك:2/497.
507 . الجواهر:20/450.
508 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 1.
509 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 5 .
510 . الوسائل: ج 10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 8 .
511 . الشرائع:1/302.
512 . الوسائل: ج 8 ، الباب1 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.
513 . المصدر نفسه، الحديث 2.
514 . المصدر نفسه، الحديث 3.
515 . البقرة:196.
516 . الوسائل: ج 8، الباب6 من أبواب أقسام الحج، الحديث3، وغيره.
517 . البقرة:196.
518 . الوسائل: ج 8، الباب3 من أبواب أقسام الحج، الحديث2 وغيره.
519 . الوسائل: ج 10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث 1، 2، 7.
520 . البيان والتبيين: 2 / 193; أحكام القرآن:1/290ـ 293; الجامع لأحكام القرآن:2/261.
521 . لاحظ: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/463.
522 . الشرائع:1/301.
523 . مستند الشيعة:11/161.
524 . الشرائع:1/257.
525 . الخلاف:2/376، المسألة222.
526 . النهاية:247.
527 . المبسوط:1/355.
528 . الشرائع:1/252.
529 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث4.
530 . الشرائع:1/252.
531 . الجواهر:18/448.
532 . الوسائل: ج 9، الباب51 من أبواب الإحرام، الحديث2.
533 . كشف اللثام:5/304.
534 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 2.
535 . الوسائل: ج 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 1.
536 . النهاية: 247.
537 . المختصر النافع: 85.
538 . الوسائل: ج 9، الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث 3 و 8 .
539 . الوسائل: ج 9، الباب 50 من أبواب الإحرام، الحديث12.
540 . الخلاف:2/260، المسألة26.
541 . المنتهى: 13 / 199 ـ 201، في حج النذر والعمرة.
542 . الناصريات: 307 ، المسألة139.
543 . السرائر:1/540ـ541.
544 . المختلف:4/359.
545 . الخلاف:2/260، المسألة 26.
546 . المبسوط:1/309.
547 . المهذب:1/211.
548 . الوسيلة: 195ـ 196.
549 . الكافي: 221.
550 . مختلف الشيعة:4/359.
551 . كنز العمال:3/22.
552 . الفقيه:2/142، رقم الحديث619.
553 . الوسائل: ج 10، الباب3 من أبواب العمرة، الحديث6.
554 . الفقيه:2/142، رقم الحديث620.
555 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث3.
556 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث3.
557 . الفقيه:2/239، برقم 1141، طبعة النجف الأشرف.
558 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث10; الفقيه:2/278، رقم الحديث 1362.
559 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث1 .
560 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 2 .
561 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 4 .
562 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 5.
563 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 10 .
564 . الوسائل: ج 10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 11.
565 . الوسائل: ج 9، الباب12 من كفّارات الاستمتاع، الحديث1، 2، 3و 4.
566 . تقدّمت روايات الباب.
567 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 6.
568 . الوسائل: ج 10، الباب 6 من أبواب العمرة، الحديث 7.
569 . البقرة:226.
570 . التوبة:2.
571 . الطلاق:4.