welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
الخمس في ما يفضل من مؤونة السنة ومؤونة العيال
الخمس في ما يفضل من مؤونة السنة ومؤونة العيال

هذا القسم من أقسام ما يتعلّق به الخمس هو المهم في هذه الأيام، لأنّ بعض هذه الأقسام يتوقف على وجود الحكومة الإسلامية المقتدرة المجرية لأحكام الإسلام، والأُمّة الإسلامية تفقدها منذ قرون، ولأجل ذلك صار خمس الغنائم وخمس الأرض المشتراة كأحلام النائم ليس منهما عين ولا أثر ، وأمّا المعادن الكبيرة كالنفط والغاز والنحاس فقد وضعت الحكومات يدها عليها تستخرجها وتبيعها ممّن تشاء، وقد تقدّم عدم تعلّق الخمس بمثلها لأنّها تصرف في المصالح العامة، وأدلّة الخمس منصرفة عنها، ولم يبق إلاّ الصغار التي يستخرجها الشعب برخصة من الحكومة فيتعلّق بها الخمس وليست لها أهمية كثيرة ، وأمّا غير هذه الثلاثة، كالكنز، والغوص، والعنبر، فالأوّل نادر، والأخيران على فرض شيوعهما قليلا النفع، فصار العامل المهم في تمويل الحوزات الإسلامية الشيعية هو أرباح المكاسب والعوائد.
ولأجل ذلك وقعت فروعها ومسائلها مورداً للنظر والدقة، ربّما لا تجد مثلها في غير هذا النوع، والمسائل الرئيسية فيه عبارة عن الأُمور التالية:
1. ما هو الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع؟
2. أدلّة وجوب الخمس في هذا النوع كتاباً وسنة.
3. في سعة متعلّق هذا النوع وضيقه.
4. ما هو المفهوم من أدلّة تحليل الخمس للشيعة؟
فهذه هي المسائل الرئيسية التي بحث عنها صاحب العروة في المقام إلاّ الأخير، ونحن نقتفي أثره فيها من دون أن نعقد لكلّ منها فصلاً.
الأوّل: الرأي العام بين فقهاء الشيعة في هذا النوع
لو تفحّصت الكتب الفقهية من أقدم العصور إلى العصر الحاضر، ترى اتّفاق كلمتهم على ثبوت وجوب الخمس في أرباح المكاسب أو مطلق الفوائد، على ما سيأتي . نعم اختلفوا في تحليله في زمان الغيبة، وهو لا ينافي ثبوته بل هو دليل على ثبوته وتشريعه، نعم نسب إلى القديمين ـ ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد ـ عدم الوجوب، لكن العبارة المنقولة عنهما لا تدل على ذلك، بل ظاهر الأوّل، هو التوقّف، وظاهر الثاني، الموافقة مع المشهور احتياطاً. حكى المحقّق: عن الأوّل العبارة التالية: قال ابن أبي عقيل: وقد قيل الخمس في الأموال كلّها حتى على الخياطة والنجارة وغلّة الدار والبستان والصانع في كسب يده، لأنّ ذلك إفادة من اللّه وغنيمة.(386)
ونقل العلاّمة في المختلف، عن ابن الجنيد، أنّه قال: فأمّا ما استفيد من ميراث أو كدّ بدن أو صلة أخ أو ربح تجارة أو نحو ذلك، فالأحوط إخراجه لاختلاف الرواية في ذلك، ولو لم يخرجه الإنسان لم يكن كتارك الزكاة التي لا خلاف فيها، إلاّ أن يوجب ذلك من لا يسع خلافه ممّا لا يحتمل تأويلاً، ولا يرد عليه ورخصة في ترك إخراجه.(387)
والعجب أنّ جامع فتاوى القديمين من الكتب الفقهية غفل عمّا نقله المحقّق عن ابن أبي عقيل، في معتبره بل اكتفى بما في مختلف الشيعة، وبما أنّ نقل فتاوى العلماء طيلة القرون يوجب الإطناب فلنطوي الكلام عن ذكرها والوقوف عليها سهل لمن حاول، وإنّما الكلام في إقامة الدليل على وجوبه في هذا النوع وهو المقام الثاني.
الثاني: ما يدل على وجوب دفع الخمس في الفوائد والأرباح
يدلّ الكتاب والسنة وأحاديث العترة الطاهرة الحاكية للسنّة النبوية على وجوب الخمس في الفوائد والأرباح.
أمّا الكتاب فقوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فإنّ للّهِ خُمسهُ وَلِلرَّسُول وَلِذي الْقُرْبى وَاليَتامى وَالْمَساكِين وَابْن السَّبيل...).(388)
وقد أوضحنا دلالة الآية على وجوب الخمس في كلّ ما يفوز به الإنسان، وقد اعترف بما ذكرنا القرطبي(389) إلاّ أنّه خصص مضمون الآية بالمعروف عند المتشرعة على عدم وجوبه في غيرالغنائم الحربيّة، وعلى ما ذكرنا فمفاد الآية أنّ كلّما يصدق عليه الغنم ففيه الخمس.
نعم هناك فرق بين الزكاة والخمس، فالأُولى للفقراء ومصالح المسلمين، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مأموراً بالأخذ . قال سبحانه:(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ
لَهُمْ
) .(390) فلأجل ذلك كان يبعث العمّال لأخذ الزكوات، وهذا بخلاف الخمس فإنّه حقّ له ولأقربائه ـ وإن لم يكن ملكاً شخصياً له ـ فلم يؤمر بالأخذ، بل أمر الناس بالدفع حيث خوطبوا بقوله سبحانه: (وَاعْلَمُوا انَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء)ولأجل ذلك تطلب الزكاة من الناس، دون الخمس الذي هو حقّ له وقد أُمر الناس بالدفع.
هذا كلّه حول دلالة الآية، وإليك الكلام في شرعية الخمس في عهود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومكاتيبه.
تضافرت الروايات على أنّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطلب في رسائله إلى قبائل مسلمة نائية عن المدينة دفع الخمس، كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على تعلّق الخمس بأرباح المكاسب والفوائد، فلنذكر شيئاً ممّا ورد في السنّة النبوية وشيئاً ممّا ورد في أحاديث العترة الطاهرة.
الخمس في رسائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهوده
1. لما قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين، وأنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر الحرم، فمرنا بجمل من الأمر، إن عملنا به دخلنا الجنّة وندعوا إليها من وراءنا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع : آمركم بالإيمان باللّه وهل تدرون ما الإيمان باللّه؟ شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم».(391)
ومن المعلوم أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب، كيف، وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الأشهر الحرم خوفاً من المشركين؟! وعلى هذا يكون المراد المغنم بمعناه الحقيقي وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون أو يستفيدون.
2. كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم... هذا... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عُشْر ما سقي البعل، وسقت السماء ونصف العشر ممّا سقي الغرب».(392)
والبعْل ما سُقي بعروقه، والغرب الدلو العظيمة.
3. كتب إلى شرحبيل بن كلال ونعيم بن كلال وحارث بن كلال رؤساء قبيلة ذي رعين ومعافر وهمدان:
«أمّا بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس اللّه».(393)
4. كتب إلى سعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام، كتاباً واحداً يعلّمهم فيه فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة.(394)
إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما طلب دفع الخمس على أيدي رسوليه، لم يطلب خمس غنائم الحرب التي خاضوها مع الكفّار، وإنّما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس الأرباح.
5. كتب للفجيع ومن تبعه:
«من محمّد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه وأعطى من المغانم خمس اللّه».(395)
6. كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه:
«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه».(396)
7. كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:
«وتشربوا ماءها على أن تؤدّوا الخمس».(397)
8. كتب لملوك حمير فيما كتب:
«وآتيتم الزكاة ومن المغانم خمس اللّه وسهم النبي وصفيه وما كتب اللّه على المؤمنين من الصدقة».(398)
9. كتب لبني ثعلبة بن عامر:
«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفيّ».(399)
10. كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:
«من أسلم منهم... وأعطى من الغنائم الخمس».(400)
ويتبيّـن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي خاضوا فيها بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.
ثمّ إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض حرب واكتساب الغنائم.
هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الإسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بالنحو الذي يجب بعد أن يستخرج منها الخمس ولا يملك أحدٌ من الغزاة عدا سلب القتيل(على قول) شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاً.
فإذا كان إعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من شؤون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب وفي عهد بعد عهد؟ فيتبيّـن أنّ ما كان يطلبه لم يكن له صلة بغنائم الحرب.
هذا، مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن النهبة بشدة ففي كتاب الفتن باب النهي عن النهبة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من انتهب نهبةً مشهورة فليس منّا».(401)
وقال: «إنّ النهبة لا تحلّ».(402)
وفي صحيح البخاري و مسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا ننتهب.(403)
وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأصاب الناس حاجة شديدة وجهدوا وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول اللّه يمشي متكئاً على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه ثمّ جعل يرمل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة».(404)
وعن عبداللّه بن زيد: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن النهبى والمثلة.(405)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردت في كتاب الجهاد .
وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.
فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير إذن النبي جائزة، لم تكن الغنيمة تعني دائماً ما يؤخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة في كتب النبي هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال، بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للإنسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.
وعلى الجملة: إنّ الغنائم المطلوبة في هذه الرسائل النبوية، أداء خمسها إمّا أن يراد ما يستولى عليه أحد من طريق النهب والإغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى من طريق الكسب والكدّ.
والأوّل ممنوع بنص الأحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خمس النهيبة.
وعلى الثاني يكون أمر الغنائم بيد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة، فهو الذي يأخذ كلّ الغنائم، ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الأسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لأن يطلب النبي الخمس من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعين.
وقد ورد فرض الخمس في غير غنائم الحرب في أحاديث منقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ففي سنن البيهقي عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «في الركاز الخمس» قيل: وما الركاز يا رسول اللّه ؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الأرضين يوم خلقت».(406) وقد تقدم الكلام فيه.
خمس الأرباح والفوائد في أحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام)
لقد تضافرت الروايات عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) على وجوبه فيها وننقل منها ما يلي:
1. معتبرة سماعة
سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(407) والرواية موثقة لوجود سماعة في آخر السند، وغيره كلّهم إماميون ثقات.
والرواية معتبرة رواها علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن شيخه ابن أبي عمير، عن شيخه الحسين بن عثمان الأحمسيّ البجلي (عرّفه النجاشي بقوله: كوفي ثقة، كتابه: رواية ابن أبي عمير ثمّ ذكر سنده إلى كتابه وقال: عن ابن أبي عمير عن الحسين)(408) عن سماعة الذي عرفه النجاشي بقوله: ثقة ثقة.(409)
والرواية صحيحة، لولا أنّ سماعة رُمي بالوقف وإن كان غير ثابت، ومن كان واقفياً، لا يصفه خرّيت الفن النجاشي، بما عرفت من تكرير «الثقة».
2. صحيح أبي علي بن راشد
روى الشيخ بإسناده إلى علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد قلت له: أمرتني بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فاعلمت مواليك بذلك، فقال لي بعضهم: وأيّ شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه فقال: «يجب عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وضياعهم»(410) قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم».(411)
وسند الشيخ إلى علي بن مهزيار في التهذيب صحيح، وأمّا أبو علي بن راشد فهو الحسن بن راشد مولى آل المهلب أبوعلي البغدادي من أصحاب الجواد والهادي (عليهما السلام) كما يظهر من رجال الشيخ.(412)
قال في المدارك: إنّ أبا علي بن راشد لم يوثق صريحاً.(413)
3. مرسلة الشيخ عن الريان بن الصلت
روى الشيخ في التهذيب وقال: «وروى الريان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) : ما الذي يجب علي يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي وفي ثمن سمك وبرديّ وقصب أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب:« يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه تعالى».(414)
و«الغلّة»: الدخل من كراء دار وفائدة أرض.
و«البَردي» :بالفتح، نبات كالقصب كان قدماء المصريين يستخدمون قشره للكتابة، والبردي بالضم من أجود الثمرة.
و«الأجمّة» الشجر الكثير الملتف.
وعبّرنا عنها بالمرسلة، لأنّ الشيخ نقلها على نحو ما ذكرت، ولم يذكر سنده إلى كتابه في المشيخة، وبذلك صارت الرواية مرسلة، وما في الوسائل «وبإسناده عن الريان بن الصلت» ناظر إلى إسناده إلى كتابه في الفهرست وسنده إليه صحيح، فبذلك تُصبح الرواية صحيحة، والريان بن الصلت ثقة بلا كلام.
وأورد عليه في المدارك بقوله: إنّـها قاصرة من حيث المتن لاختصاصها بالأرض القطيعة، وهي أرض الخراج أو محالّ ببغداد أقطعها المنصور (العباسي) أُناساً من أعيان دولته ليعمروها ويسكنوها ،كما ذكره في القاموس، ومستحق الخمس فيها غير مذكور فجاز أن يكون غير مستحق الغنائم.(415)
يلاحظ عليه: أنّ السؤال غير مختص بالأرض الخراجية، بل يعمّ دخل الرحى الواقعة فيها، فهل يحتمل أن يكون للأرض مدخلية في تعلّق الخمس به؟
وما ذكره من أنّه لم يذكر فيها مصرف الخمس، غير تام، لأنّه لا يتبادر من مصرفه سوى ما جاء في الآية المباركة، ولا يتبادر إلى ذهن أحد أنّ مصرفه غير ما جاء فيها، فالرواية صالحة للاحتجاج.
4. خبر أبي عمارة عن الحارث بن المغيرة النصري
روى الشيخ عن أبي عمارة، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ لنا أموالاً من غلاّت و تجارات ونحو ذلك، وقد علمت أنّ لك فيها حقّاً، قال: «فلم أحللنا إذاً لشيعتنا إلاّ لتطيب ولادتُهم، وكلّ من والى آبائي فهو في حلّ ممّا في أيديهم من حقّنا، ليبلغ الشاهد الغائب».(416)
والسند لا غبار عليه إلاّ أنّ أبا عمّارة وهو عمران بن عطيّة لم يوثق، ووصفها في المدارك بالصحّة لأجل نهاية السند حيث قال: يمكن أن يستدل على ثبوت الخمس في هذا النوع في الجملة بصحيحة الحارث بن المغيرة النصري.(417) وقد عرفت أنّ الراوي عنه لم يوثق، إلاّ أن تستظهر وثاقته من رواية البزنطي عنه، لأنّه لا ينقل إلاّ عن ثقة كما أوضحناه في البحوث في علم الرجال.
5. خبر محمّد بن علي بن شجاع
روى الشيخ في التهذيب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن مهزيار، عن محمّد بن علي بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كر ما يزكى، فأخذ منه العُشر عشرة أكرار، وذهبَ منه بسبب عِمارة الضيعة ثلاثون كُرّاً وبقي في يده ستون كرّاً ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع (عليه السلام) : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».(418)
والسند لا غبار عليه إلاّ نهاية الحديث فإنّه مهمل في الرجال غير معنون، والمذكور في التهذيب والاستبصار(419) هو ما ذكرناه محمّد بن علي بن شجاع، لكن نسب المامقاني هذا إلى التهذيب، وعلي بن محمّد إلى الاستبصار ولكن الوارد في المطبوع منهما هو الأوّل، نعم رجح المحقّق التستري كون الصحيح هو علي بن محمد، لوروده في الكشي في ترجمة سلمان ففيه: طاهر، عن أبي سعيد السمرقندي، عن علي بن محمد بن شجاع، عن أبي العباس المروزي عن الصادق (عليه السلام) قال في الحديث الذي روي فيه أنّ سلمان محدّثاً: إنّه كان محدّثاً عن إمامه لا عن ربّه»(420).
وفيه تأمّل إذ لو كان المروزي ناقلاً عن الصادق بلا واسطة، فكيف يروي صحابي الإمام الهادي عن صحابي الإمام الصادق؟ إلاّ إذا كانت الرواية مرسلة.
وعلى كلّ تقدير فالرواية مؤيدة وكاشفة عن اشتهار الحكم عند أصحاب الأئمّة، لكن الكلام كان في تعلّق الخمس على المؤونة وعدمه فأوضحه الإمام.
6. ما رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمد وعبد اللّه بن محمد جميعاً، عن علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبو جعفر (عليه السلام) وقرأت أنا كتابه إليه في طريق مكّة قال: «إنّ الذي أوجبت في سنتي هذه وهي سنة عشرين ومائتين فقط لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار وسأفسر لك بعضه إن شاء اللّه إنّ موالي ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم فعلمت ذلك، فأحببت أن
أطهّرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس. قال اللّه تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقة تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَميعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ هُوَ يقبلُ التَوبَة عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَدقاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوّاب الرَّحيم * وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلكُمْ وَرَسُولهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهادة فَيُنَبِّئكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .(421)
ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم، وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول، ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا خدم ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك أمرها تخفيفاً منّي عن موالي ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من
أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم، فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام ، قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَللرَّسُول وَلِذي القُربى وَالْيَتامى وَالمَساكِين وَابْن السَّبيل إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرقان يَومَ التقى الجَمْعان وَاللّهُ عَلى كُلّ شيء قَدير )(422)، والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء
والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر، والميراث الذي لا يُحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله، ومثلُ مال يؤخذ ولا يعرف له صاحب، وما صار إلى مواليّ من أموال الخرّمية الفسقة فقد علمت أنّ أموالاً عظاماً صارت إلى قوم من موالي، فمن كان عنده شيء من ذلك فليوصله إلى وكيلي، ومن كان نائياً بعيد الشقة فليتعمّد لإيصاله، ولو بعد حين فإنّ نيّة المؤمن خير من عمله، فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعتُه تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف سدس ولا غير ذلك».(423)
والحديث صحيح، لأنّ سند الشيخ إلى الصفّار صحيح في التهذيب والفهرست، والمراد من أحمد بن محمد وأخيه، هما: أحمد بن محمد بن عيسى (شيخ القميين) وعبد اللّه بن محمد الملقّب بـ «بتان» قوله: قال: أي كلّ من أحمد وعبد اللّه، قوله: كتب إليه أبوجعفر، أي كتب إلى عليّ بن مهزيار الإمام الجواد (عليه السلام) .
قوله: «وقرأت أنا» أي كلّ من الأخوين، فالسند معتبر، لكن في ظاهر الحديث إشكالات ثلاثة ذكرها صاحب المدارك وقال:
1. أمّا رواية علي بن مهزيار فهي معتبرة، لكنّها متروكة الظاهر من حيث اقتضائها وجوب الخمس فيما حال الحول عليه من الذهب والفضّة.
2. ومع ذلك فمقتضاها اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدوّ في اسم الغنائم، فيكون مصرف الخمس فيهما مصرف الغنائم.
3. وأمّا مصرف السهم المذكور في آخر الرواية وهو نصف السدس في الضياع والغلاّت فغير مذكور صريحاً، مع أنّا لا نعلم بوجوب ذلك على الخصوص قائلاً.(424)
وقد ذكرها صاحب المدارك، كما تعرّض لبعضها ابن خاله صاحب المعالم في «منتقى الجمان»، وأضاف شيئاً آخر لم يذكره الأوّل، والفضل يرجع إلى الأوّل لسبقه عليه، لأنّه فرغ من قسم الصيام والاعتكاف من كتاب المدارك عام 995هـ، وقد فرغ ابن خاله عن قسم الصلاة من «منتقى الجمان» عام 1004هـ، وعلى كلّ تقدير فهما غصنان من شجرة واحدة تتلمذا على يدي المحقّق الأردبيلي وعاشا معاً، فلا بأس بتحليل ما استشكلا على الرواية.
الإشكال الأوّل
إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) خزنة العلم وحفظة الشرع لا يغيّرون الأحكام بعد انقطاع الوحي، فكيف يستقيم قوله في هذا الحديث: «أوجبت في سنتي هذه ولم أوجب ذلك عليهم في كلّ عام» ؟إلى غير ذلك من العبارات الدالّة على أنّه (عليه السلام)يحكم في هذا الحقّ بما شاء واختار.(425)
وحاصل الإشكال: أنّ الإمام تصرّف في حكم الخمس من حيث الزمان بسنة خاصة، كما تصرّف في متعلّق الخمس حيث خصّه ببعض الأشياء دون بعض.
والجواب أنّ الوجه في إيجابه في سنة 220 هـ ، دون غيرها، لأنّه كان يعلم أنّها السنة الأخيرة من عمره الشريف لانتقال الإمامة بعده إلى ولده أبي الحسن الثالث (عليه السلام) .
وأمّا التصرّف الثاني ـ أي التصرف في متعلّق الخمس ـ حيث أوجب في الذهب والفضة وأسقطه عن المتاع والآنية والدواب والربح والضيعة إلاّ في ضيعة خاصّة التي ذكرها في الحديث (من التفصيل بين ضيعة تقوم بمؤونة صاحبها ففيها نصف السدس دون ما لا تقوم) فمرجعه إلى إسقاط حقّه لمصلحة فيه، ولا يعدّ مثل هذا تصرّفاً في الحكم، أو تبديلاً له، وأمّا المصلحة فغير معلومة، وقد أشار الإمام إليها بقوله: «لمعنى من المعاني أكره تفسير المعنى كلّه خوفاً من الانتشار، وسأفسّر لك بعضه إن شاء اللّه».
وبالجملة هذا المقدار من التصرّف مع ما أعطوا من الولاية على الأموال والنفوس ممّا لا إشكال فيه، فقد كان الرسول يتصرّف في الغنائم وبما يخص المهاجرين بها وأُخرى يخص الأنصار وربّما يشاركهم وكأنّه المعني بقوله سبحانه: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِساب) .(426)
الإشكال الثاني
إنّ قوله: «ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم» ينافيه قوله: بعد ذلك: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(427)
والجواب عنه واضح وهو أنّ الحصر يرجع إلى عام الوفاة وهي سنة 220هـ .
وأمّا الثاني: فهو لبيان قاعدة كلية راجعة إلى غيرها. والحاصل أنّ الإمام لمصالح غير معلومة ولعلّ عدم بسط يده في نفس السنة، أسقط حقّه في بعض ما يتعلّق به الخمس من غير تصرّف فيما يرجع إلى الباقي غير هذه السنة.
الإشكال الثالث
إنّ قوله: «وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضّة التي قد حال عليهما الحول» خلاف المعهود إذ الحول يعتبر في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة لا في تعلّق الخمس بهما.
أقول: إنّ الذهب والفضة كما يقعان مورداً للزكاة مثل ما لو ترك المورث ما بلغ حدّ النصاب وحال عليهما الحول فيجب إخراج زكاتهما كذلك يقعان مورداً للخمس إذا كانا من الأرباح كما هو الحال في الصائغ فلا مانع من تعلّق الخمس بهما بعد ما حال عليهما الحول كسائر المنافع.وأي إشكال في ذلك؟ وأمّا إثبات الخمس فيهما وإسقاطه عن غيرهما من متاع وآنية ودواب وخدم وربح ربحه في تجارة فلمصلحة اقتضت ذلك.
الإشكال الرابع
اندراج الجائزة الخطيرة والميراث ممّن لا يحتسب، والمال الذي لا يعرف صاحبه وما يحلّ تناوله من مال العدو في اسم الغنائم فيكون تصرّفه مصرف الخمس.
يلاحظ عليه: أيّ مانع من دخول الجميع تحت عنوان الغنائم؟ وقد علمت أنّ معنى الغنيمة كلّ ما يفوز به الإنسان بسهولة أو بمشقّة. مع أنّ الإمام أردف الغنائم بلفظ الفوائد وقال: «والغنائم والفوائد رحمك اللّه».
ويحتمل أن يكون المراد من قوله:«والمال الذي لا يعرف له صاحب» المباحات العامّة لا اللقطة، وإلاّ كان عليه أن يعبّر عنه بما «لا يعرف صاحبه».
الإشكال الخامس
إنّ مصرف السهم المذكور في آخر الرواية، أعني: «ونصف السدس في الضياع والغلاّت» غير مذكور صريحاً.
ولا يخفى ضعف الإشكال، لأنّ الرواية بصدد بيان أحكام الخمس فقط، فيكون مصرف نصف السدس هو مصرف الخمس أيضاً وإلاّ كان عليه التنبيه على تعدد الصرف.
الإشكال السادس
إنّ وجوب نصف السدس في الضياع لم يقل به أحد .
يلاحظ عليه: أنّه صحيح لكن الإمام ليس بصدد بيان الحكم الشرعي، بل بصدد بيان ما أسقط وما أثبت من باب الولاية، فيكون حكماً ولائيّاً مؤقتاً، ويشهد لذلك قوله: «تخفيفاً منّي عن مواليّ و منّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم».
إلى هنا تبيّن اندفاع الإشكالات وأنّ الرواية صالحة للاستدلال على وجوب الخمس في الغنائم والفوائد.
إكمال
ثمّ إنّ الكتاب الذي كتبه الإمام الجواد (عليه السلام) ، إلى علي بن مهزيار، وقرأه الأخوان ـ أعني: أحمد و عبد اللّه ابني محمّد بن عيسى ـ هو الكتاب الذي قرأه إبراهيم بن محمد الهمداني أيضاً، روى الشيخ: كتب إليه (إلى الإمام الهادي (عليه السلام) ) إبراهيم بن محمد الهمداني: واقرأني علي (بن مهزيار)كتاب أبيك فيما أوجبه على أصحاب الضياع أنّه أوجب عليهم نصف السدس بعد المؤونة وأنّه ليس على من لم يقم ضيعته بمؤونته نصف السدس ولا غير ذلك فاختلف من قِبَلِنا في ذلك فقالوا: يجب على الضياع، الخمس بعد المؤونة مؤونة الضيعة وخراجها لا مؤونة الرجل وعياله: فكتب (الإمام الهادي إلى إبراهيم بن محمد الهمداني) وقرأه علي بن مهزيار (أيضاً): «عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وبعد خراج السلطان».(428)
ولا يخفى ما في تعبير الشيخ من الإجمال حيث قال: «وكتب إليه أبوجعفر» من دون تعيين المرجع، ومثله في الحديث المتقدّم قال: قال لي أبو علي قلت له. غير أنّ المرجع كان في كتاب علي بن مهزيار معيّناً، حيث صدر الباب بأحاديث الإمام الهادي فجاء بعده بالضمير والشيخ أخذ الحديث من الكتاب، بنصّه غافلاً من أنّ النقل بهذا النحو يوجب الإجمال.(429)
الثالث: في متعلّق الخمس من هذا القسم
أقول: إنّ الفوائد التي يحوزها الإنسان على أقسام، إمّا أن تحصل بالاكتساب كالتجارة والصناعة والزراعة والإجارة، وإمّا أن تحصل بشرط القبول فقط كالجوائز والهدايا، وإمّا أن تدخل في ملك الإنسان بلا اختيار كالإرث، وإمّا أن تحصل في ملكه من دونه كالتوالد وارتفاع القيمة السوقية.
وكان سيّدنا المحقّق البروجردي يقسّمها بشكل آخر: إنّ الفوائد إمّا أن تحصل بتبادل شيء بشيء كالتجارات و الإجارات، وإمّا أن تحصل بتغيّـر المادة وتصويرها بصورة كالصناعة ،وإمّا أن تحصل بالتزايد والنمو كالثمار والزراعات، وإمّا أن تحصل بلا عمل إلاّ القبول كالجوائز، وإمّا أن تحصل بلا اختيار كالإرث.
ولك أن تقول: إنّ مدار المعيشة إمّا على الإنتاج بالإنماء كالزراعة والرعي، أو على تبديل المواد الأوّلية إلى أُمور صناعية وهذه هي الصناعة، أو بالاقتناء والتوزيع في أزمنة وأمكنة مختلفة كالتجارة أو بالأعمال اليدوية كالنجارة، والكلّ لا يخلو عن تعب; وأمّا ما لا تعب فيه فإمّا لا يحصل إلاّ بالقبول كالهبة والجائزة والصداق وعوض الخلع والمال الموصى به ونحوها، أو يحصل بلا حاجة إلى القبول كالميراث وهو إمّا ميراث محتسب أو غير محتسب، ولا يخفى أنّ رحى المعيشة على الأُمور الأربعة الأُول، وأمّا الباقية فأُمور اتفاقية.
وعلى كلّ تقدير فقد اختلفت آراؤهم فيما هو متعلّق الخمس في هذا القسم على أربعة أقوال:
1. اعتبار التكسب مطلقاً فتخرج غير الأربعة.
2. تقييد الكسب باتخاذه مهنة وشغلاً مستمرّاً نسب إلى جمال المحقّقين في حاشيته على اللمعة .
3. عموم الحكم لكلّ فائدة، اختيارية أو غير اختيارية فيشمل الهبة والهدية والخلع والمواريث، ولو غمضنا النظر عن القول الثاني يدور الأمر بين قولين:
1. تعلّق الخمس بمطلق ما يملكه الإنسان ولو بإرث ونحوه.
2. تعلّقه بمطلق فائدة يحصل من طريق التكسب وإن لم يطلق في بعضها على فاعلها الكاسب، دون ما يدخل في ملكه بغير هذه الأسباب كالإرث والصدقة والصداق، والعطية ونحوها، فمال شيخنا الأنصاري إلى الأوّل، وجزم المحقّق الهمداني بالثاني.
وأمّا كلمات الأصحاب فيظهر من الشيخ في النهاية، وأبي الصلاح في الكافي، وابن زهرة في الغنية، العموم لوجود كلمة «غير ذلك» في عبارتي النهاية والغنية، بل عبارة الكافي صريحة في الموضوع .
وإليك ما يستفاد منه العموم من العبارات.
قال الشيخ في «النهاية»: ويجب الخمس أيضاً في جميع ما يغنمه الإنسان من أرباح التجارات والزراعات وغير ذلك بعد إخراج مؤونته ومؤونة عياله.(430)
ويحتمل أن يكون «غير ذلك» إشارة إلى الصناعات والإجارات، كما يحتمل أن يكون إشارة إليهما وإلى غيرهما.
وقال أبو الصلاح الحلبي: وما فضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك.(431)
وقال في الغنية: ويجب الخمس أيضاً في الفاضل عن مؤونة الحول على الاقتصاد من كلّ مستفاد بتجارة أو زراعة أو صناعة أو غير ذلك من وجوه الاستفادة بأيّ وجه كان بدليل الإجماع المشار إليه وطريقه الاحتياط.(432)
هذا ما وقفنا عليه من الكلمات التي تُعبِّر عن عموم الحكم، ومع ذلك ففي دلالة غير عبارة الحلبي على العموم تأمّل، لاحتمال أن يراد من قولهما «أو غير ذلك» ما يشبه التكسب، كالإجارات والاحتطاب والاحتشاش وجمع العسل من الجبال، وبالجملة كلّ عمل يدوي يورث نفعاً.
وفي مقابلها ما يستظهر منه الخصوص أو هي نص فيه.
فمن الأوّل عبارة الشيخ في «الخلاف»، قال: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤونة الرجل لنفسه ومؤونة عياله سنة.(433)
ومن الثاني: عبارة «السرائر»: ويجب الخمس أيضاً في أرباح التجارات والمكاسب وفيما يفضل من الغلاّت والزراعات على اختلاف أجناسها عن مؤونة السنة له ولعياله.(434)
وقال بعد صفحة : والعسل الذي يؤخذ من الجبال، وكذلك المنّ، يؤخذ منه الخمس وجميع الاستفادات من الصيود والاحتطاب و الاحتشاش والاستقاء والإجارات، والمجتنيات والاكتسابات، يخرج منه الخمس.(435)
ثمّ نقل عبارة الكافي لأبي الصلاح ـ حيث ذهب إلى تعلّق الخمس بالميراث والهدية والهبة ـ وقال: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ، ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً.(436)
والظاهر من المفيد في المقنعة، والسيد المرتضى في الانتصار، وسلاّر في المراسم، وابن حمزة في الوسيلة، والمحقّق في المعتبر،الاختصاص.
وأمّا المتأخرون المتقاربون لعصرنا فقد قوّى الشيخ الأعظم، سعة الحكم، وقال في رسالته: الوجوب لا يخلو عن قوّة وفاقاً للمحكي عن الحلبي وعن المعتبر، و اختاره في اللمعة، ومال إليه في شرحها، وهو ظاهر الإسكافي، لكن من حيث الاحتياط.(437)
وقال المحقّق الهمداني: إنّه يمتنع عادة إرادة ثبوت الخمس من مثل الإرث والهبة مع عموم الابتلاء بهما وكونهما من أشيع ما يملكه الإنسان، من غير تصريح به ـ إلى أن قال ـ : ولو كان هذا مرادهم لم يكن وجه يعتد به، لحصرهم الخمس في فتاواهم ومعاقد إجماعاتهم المحكية في أقسام معدودة، كي يوهم ذلك خلاف مقصودهم، بل كيف يحتمل كون كلّ الأصحاب أو جلّهم أو كثير منهم قائلين بثبوت الخمس في الإرث ونحوه، ولم يشتهر ذلك بين العوام اشتهار الشمس في رابعة النهار مع عموم الابتلاء به؟ مضافاً إلى ما يظهر من الحلّي وغيره، بل كلّ من تعرض له مخالفة القول بثبوت الخمس في الإرث والهبة والصدقة للمشهور، بل اختصاص القول به في القدماء بالحلبي.(438)
والذي يسهل الخطب، أنّ عدم التصريح بالعموم والاكتفاء بالاكتساب لا يعدّ دليلاً على الإعراض لما بيّنّا من أنّ وجوب الخمس في هذا القسم برز وظهر في عصر الصادقين (عليهما السلام) ولم يكن قبل عصرهما منه اسم ولا أثر وإن كان أصله موجوداً في كلمات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما بيّناه، وعلى هذا الأساس لا بأس أن يختفي حكم بعض أصنافه على أكثر القدماء، أضف إلى ذلك وجود الاختلاف بين استنباط القدماء والمتأخرين حيث إنّ المتأخرين يستعملون الدقة في الأحاديث أكثر من القدماء ويحيطون بها ببركة الجوامع أكثر من غيرهم ويصنّفون الروايات على وجه يظهر منه حكم كثير من الفروع، وعلى ذلك لا يعدّ عدم إفتائهم دليلاً على الإعراض.
ولأجـل ذلك يجب إمعان النظر في روايات الباب والدقة في الكلمـات الواردة فيها حتى نستقطب الإطلاقات ونستفيد منها أحكاماً وراء المكاسب.
الجوائز والعطايا
فنقول: يمكن استفادة حكم المقام، أعني: الجوائز والعطايا من الآية والروايات.
أمّا الآية المباركة: فإنّ لفظ الغنيمة يصدق على العطايا والجوائز، هذا ابن فارس يقول: إنّها بمعنى إفادة شيء لم يملك من قبل. وقال الراغب: والغنم إصابته والظفر به ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العِدى وغيرهم. إلى غير ذلك من الكلمات التي قدّمناها في صدر البحث عن أدلّة تعلّق الخمس بهذا الصنف.
أمّا الروايات فهناك روايات متضافرة بين صحيح وغير صحيح تؤيّد تعلّقه بكلّ فائدة ومنفعة، وإليك بيانها.
1. والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر.(439)
والفائدة في اللغة بمعنى الزيادة التي تحصل للإنسان والفعل في قوله (عليه السلام) : «والفائدة يفيدها» من باب الإفعال بمعنى يستفيدها وهو ليس منحصراً بالاكتساب بل هو أحد الطرق وله طرق أُخرى، كما في الجوائز والعطايا والمال الموصى به، وما ذكره الإمام (عليه السلام)من قوله:«والجائزة الخ» بيان مصداق له، وتقييدها بالخطر لأجل أنّه لولاه لما يبق إلى آخر السنة بل تصرف في مؤونة الحياة. وبعبارة أُخرى القيد غالبي، ولو حمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويفيدها على الاكتساب لكفى قوله (عليه السلام) : «الجائزة من الإنسان».
2. صحيحته الأُخرى نقلاً عن أبي علي بن راشد الثقة... فقال: «يجب عليهم الخمس» فقلت: ففي أيّ شيء؟ فقال: «في أمتعتهم وصنائعهم»، قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: «إذا أمكنهم بعد مؤونتهم»(440) . والمتاع كلّ ما يتمتع به من عروض الدنيا كثيرها وقليلها.
3. موثقة سماعة، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخمس؟ فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(441) أي أوجب حصول زيادة في المال للناس وهو بعمومه يعمّ غير المكاسب.
4. ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى، الثقة، عن سهل بن زياد (والأمر في سهل، سهل) عن محمّد بن عيسى (ابن عبيد ـ الثقة ـ ) عن علي بن الحسين بن عبدربّه (وهو من أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) ووكيله معتمد عليه) قال: سرح الرضا (عليه السلام)بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحتَ إليّ خمس؟ فكتب إليه: «لا خمس عليك فيما سرّح به صاحب الخمس».(442)
«السراح» هو التسهيل، والمراد الصلة التي سهّل بها أمر الحياة للمهدى إليه، والحديث يعرب عن تعلّق الخمس بطبيعة الصلة، إلاّ أن يُسرّح به صاحب الخمس، وإلاّ فيكون القيد زائداً.
هذه هي الروايات الصحيحة أو المعتبرة في المقام وهناك روايات غير نقيّة الأسناد تؤيد ما ذكرناه والمجموع من حيث المجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم.
5. رواية محمد بن الحسن الأشعري (وهو ابن خالد المعروف بـ «شنبولة» ولم يوثق) قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام):أخبرني عن الخمس أعلى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى جميع الصناع؟ وكيف ذلك؟ فكتب بخطّه: «الخمس بعد المؤونة».(443)
وربّما يتراءى أنّ الجواب غير مطابق للسؤال، ولكنّه بعد الدقة جواب يشمل على أمر زائد وهو لزوم الخمس في هذه الموارد بعد إخراج المؤونة.
6. رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن (بن) يزيد أو عن يزيد، وعلى كلّ تقدير فهو مجهول، وربّما يحتمل أنّ المراد هو يزيد بن إسحاق ويؤيّده أنّه من مشايخه كما ذكره السيد الخوئي في معجم رجال الحديث.(444) وعنونه النجاشي: يزيد بن إسحاق بن أبي الخسف، ولم يوثقه، لكن رواية أحمد بن محمد يضفي إليه السلامة في الحديث، لأنّه كان رجلاً محتاطاً في نقل الحديث، لا أقول: إنّه لا يروي عن الضعفاء أبداً، بل أقول: إنّه رجل لا ينقل إلاّ ما يعتمد، قال: كتبت : جعلت لك الفداء تعلّمني ما الفائدة وما حدّها؟ رأيك أبقاك اللّه إن تمنّ عليّ ببيان ذلك لكي لا أكون مقيماً على حرام لا صلاة لي ولا صوم، فكتب: «الفائدة ممّا يفيد إليك في تجارة من ربحها وحرث بعد الغرام أو جائزة».(445)
وقوله (عليه السلام) : «يفيد إليك» أي يحصل لك.
7. رواية محمد بن علي بن محبوب، الثقة، عن محمد بن الحسين أبي الخطاب الثقة، عن عبد اللّه بن القاسم الحضرمي ـ قال النجاشي: كذّاب غال ـ عن عبد اللّه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «على كلّ امرئ غنم أو اكتسب، الخمس».(446)
والمراد من «غنم» الفوز بمال من غير طريق الاكتساب بقرينة المقابلة.
8. ما رواه محمد بن إدريس في آخر السرائر عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : كتبت إليه في الرجل يهدي إليه مولاه والمنقطع إليه هدية تبلغ ألفي درهم أو أقلّ أو أكثر هل عليه فيها الخمس؟ فكتب: «الخمس في ذلك».(447)
وفي السند أحمد بن هلال قال النجاشي: صالح الرواية يعرف منها وينكر، وقد روي فيه ذموم من سيّدنا أبي محمد العسكري (عليه السلام).(448) وأبان بن عثمان الأحمر المرمى بالناووسية وهو من أصحاب الإجماع.
9. ما رواه علي بن موسى بن طاووس في كتاب «الطرف» بإسناده عن عيسى بن المستفاد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) :«أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لأبي ذرّ وسلمان والمقداد... وإخراج الخمس من كلّ ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى وليّ المؤمنين وأميرهم».(449) والحديث ضعيف بعيسى بن المستفاد وقال: النجاشي روى عن أبي جعفر الثاني ولم يكن بذاك.(450)
10. ما رواه في «تحف العقول» عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «والخمس من جميع المال مرّة واحدة».(451)
11. ما في «الفقه الرضوي»، من قوله: «وربح التجارة وغلّة الضيعة وسائر الفوائد والمكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لأنّ الجميع غنيمة وفائدة».(452)
وهذه الروايات المتضافرة كافية في الإفتاء بالوجوب في مطلق الفائدة من غير فرق بين الاكتساب وغيره. والإمعان في هذه الروايات يثبت أنّ الموضوع ما يملكه الإنسان بطريق من الطرق من غير اعتبار المهنة،ولا القصد ولا الاختيار مضافاً إلى أنّ الهدية والجائزة والميراث غير المحتسب مذكورة فيها.
المال الموصى به
وبذلك يتّضح حكم المال الموصى به سواء كانت الوصية عهدية بأن يعهد إلى الوصي أن يعطي فلاناً بعد وفاته ذاك المال. فيكون شبه هدية من الميّت إلى الحي كالجائزة التي هي من الحي إلى الحي، أو تمليكية بأن يملّك مقداراً من ماله لزيد ويقول: هذا المتاع لزيد بعد وفاتي. سواء قلنا باحتياجه إلى القبول، أو قلنا إنّ له الرد ولا يحتاج إلى القبول، فعلى الأوّل يصحّ كالهدية، وعلى الثاني يصدق عليه أنّه غنم وفائدة وإن لم يصدق له عنوان التكسب.
الميراث غير المحتسب
الأقوال فيه لا تتجاوز الثلاثة:
الأوّل: الوجوب مطلقاً، كما عليه ظاهر الفقه الرضوي وظاهر الكافي للحلبي.
الثاني: عدمه مطلقاً، كما عليه السرائر، وقال ردّاً على الحلبي: ولم يذكره أحد من أصحابنا إلاّ المشار إليه ولو كان صحيحاً لنقل أمثاله متواتراً والأصل براءة الذمة.
الثالث: التفصيل بين المحتسب وغيره، فيجب في الثاني دون الأوّل، لصحيحة علي بن مهزيار قال: والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن .(453)
وما ذكره ابن إدريس غير تام لندرة هذا النوع من الإرث وإنّما يتمّ في مطلق الميراث ونحن لا نقول به، والدليل الوحيد هو الحديث.وما ربّما يقال: من عدم صدق الفائدة في الإرث المرجو فلا يصدق على الوارث أنّه غنم، إذ عدم الترقّب والرجاء كأنّه مأخوذ في صدق عنوان الغنم خصوصاً في نسبته إلى الفاعل، غير تام، فلو صحّ ما ذكره لوجب عدم صدقه على ما يحصل من الإجارات والتجارات إذا كان الربح مرجوّاً كما هو الغالب، بل الوجه ـ مع صدق الفائدة ـ هو أنّ المسألة لمّا كانت عامة البلوى فلوكان الخمس ثابتاً لظهر وبان.
نعم صوّر المصنف الميراث غير المحتسب بما إذا كان له رحم بعيد في بلد آخر لم يكن عالماً به فمات وكان هو الوارث له، لكن التصوير لا يتوقف على ذينك القيدين، بل يمكن تصويره في الرحم القريب العائش معه في البلد فيما إذا كان أخ وله أولاد كثيرة وهلك الجميع ومات الأخ وورثه الأخ الآخر من غير احتساب، وما ذكره من التصوير، لبيان الفرد الواضح.
الوقف الخاص
ما يحصل من الوقف الخاص يملكه الموقوف عليه بلا حاجة إلى القبول فيصدق عليه الغنم والفائدة فيشبه بالمال الموصى به إذا كانت الوصية تمليكية غير محتاجة إلى القبول، هذا إذا كان الحاصل بغير اختيار، وأمّا الحاصل منه مع الاختيار كالغرس والزراعة فيتعلّق به الخمس لكونه داخلاً في أقسام التجارة.
وأمّا الموقوف بوجه عام فلا يملكه الإنسان إلاّ بالقبض، كما إذا وقف ضيعة على العلماء والقرّاء، وما أكثر مصاديقها، فلا يجب على كلّ واحد منهم إلاّ إذا تملّكه بالقبض، فلو زاد بعده يجب فيه الخمس كالخاص فيكون أشبه بالهبة، وأمّا النذور فبما أنّ الملكية تتوقّف على قبول المنذور له فيشبه الهدية، ويكون حكمها، حكمها.
عوض الخلع والمهر
إنّ في صدق الغنم والفائدة عليهما غموضاً، بل هو أشبه بتبديل شيء بشيء، فالمهر في مقابل البضع والتسلّط عليها بأنواعه، وهي وإن كانت تفوز بمال لكن في مقابل ماتبذل من رأس مالها، واللّه العالم إنّها نفعت أو خسرت. ويقابله الخلع فالرجل يرفع سلطانه على المرأة وتمتعه بها في مقابل عوض الخلع فأشبه بمعاوضة شيء بشيء، أضف إلى ذلك أنّه لو وجب الخمس فيهما لبان لكثرة الابتلاء بهما.
تعلّق الخمس بأُجرة الحجّ
إذا آجر نفسه للحجّ عن الغير وتملّك الأُجرة فلا شكّ أنّه لا يتعلّق الخمس قبل القيام بالحجّ، إنّما الكلام إذا صرف الأُجرة في الحج وفضل منها شيء فلا وجه لعدم تعلّقه به بعد صدق كونه من مصاديق ما يفوز به الإنسان ويستفيد.
نعم يظهر من صحيح محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن
مهزيار عدم تعلّقه به مطلقاً. قال : كتبت إليه: يا سيّدي رجل دُفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب (عليه السلام) : «ليس عليه الخمس».(454) وبما أنّ التخصيص بعيد، لابدّ من تأويل الرواية بالحمل على الصورة الأُولى، وإن كان على خلاف الظاهر.
إكمال
إذا آجر نفسه أكثر من سنة واحدة وأخذ تمام الأُجرة، فيقع الكلام في وجوب تخميس تمام ما أخذ، أو إتمام ما بقي إذا صرف شيئاً منه في مؤونة سنته، أو لا يتعلّق إلاّ بما يقابل عمل السنة الأُولى، وأمّا ما يقابل عمل السنة الثانية فلا يتعلّق به الخمس إلاّ بعد انقضاء السنة الثانية.
ومثله ما إذا آجر نفسه للحجّ في السنة القادمة وأخذ الأُجرة بتمامها، فهل يتعلّق الخمس بما أخذ، أو بما بقي منه في السنة الأُولى قبل أن يحجّ أو لا يتعلّق، إلاّ إذا انقضت السنة الثانية وفضلت الأُجرة بتمامها أو ببعضها عن مؤونة سنتها؟
الظاهر هو الثاني، لأنّ ما يتعلّق بغير السنة الأُولى لا يوصف بالغنم والفائدة، بل هو مدين في مقابل الأُجرة الباقية نظير ما إذا استدان ولم يصرفه إلى نهاية السنة. والمتبادر من موثقة سماعة «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(455)، ما إذا خلص الباقي، ولم يتعلّق بذمة المكلّف في مقابله دفع مثله أو عمل، وهذا في الوضوح بمكان.
إتمام الكلام ما إذا آجر داره سنتين وأخذ تمام الأُجرة بتمام أنّه لا يعدّ ديناً، بل خلص له الأُجرة في السنة التي آجر الدار وإن كانت الأُجرة مقسطة على الانتفاع من الدار سنتين، فلا يبعد تعلّق الخمس به باستثناء الخسارات التي تتوجه إلى الدار طيلة الاستفادة منها فلا يصدق على تمام الأُجرة أنّه فائدة وغنيمة بل قسم منه ما يتدارك به خسارة الدار.
وربّما يقال باستثناء ما يوجب نقصاً في مالية العين ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة تسوى بأقل منها لو لم تكن مسلوبة، فكانت تقوم الدار بألف ومع السلب بثمانمائة فلو أجر الدار سنتين بأربعمائة دينار، وصرف مائة دينار في مؤونة السنة الأُولى، وبقي له ثلاثمائة دينار، فلا يتعلّق الخمس إلاّ بمائة دينار، لأنّ المائتين منها يجبر به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة سنتين.(456)
يلاحظ عليه: أنّ انخفاض القيمة عند إجارة الدار أمر مؤقت ولذا لو انقضت مدة الإجارة تقوم بألف أيضاً أو أزيد فلا يعد مثل هذا خسارة إلاّ إذا باعها في نهاية السنة الأُولى بثمانمائة لا ما إذا أبقاها حتى انتهت الإجارة وصارت يعامل عليها بنفس القيمة الأُولى.واللّه العالم.
إذا علم أنّ مورّثه لم يؤد الخمس
لا يخفى، أنّه لو كان الخمس ديناً في ذمّة الميت يجب إخراجه مثل سائر الديون، لقوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَو دين).(457)
إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة أو تبدل إلى عين أُخرى، فإن كان المورِّث ممّن لا يعتقد بوجوب الخمس فسيوافيك تحليله من جانب الأئمّة (عليهم السلام) ، وأمّا إذا كان معتقداً فتساهل في دفعه فلا وجه للسقوط بالموت، فيتعلّق الخمس بالعين أو بدلها.
ولكن الكلام في صحّة المعاملة الواقعة عليها فيختلف حكمها حسب اختلاف المباني في كيفية تعلّق الخمس. ويظهر من قول المصنف: «بل كان الموجود عوضها» صحّة المعاملة مطلقاً، ولكنّها ليست على إطلاقها.
فنقول هنا صور:
1. إذا قلنا بتعلّقه بالعين على نحو الإشاعة أو الكلي في المعيّن، فلو كانت المعاملة في أثناء السنة فتصح، لأنّ له الولاية في تبديلها إلى جنس آخر أو إلى نقد.
2. إذا كانت المعاملة بعدها، وأمضاها الحاكم صحّت وانتقل الحقّ إلى العوض.
3. تلك الصورة ولكن لم يمضه فتبطل المعاملة بمقدار الخمس فله الرجوع إلى كلّ من البائع والمشتري لتوارد أيديهما عليها ، وبذلك يظهر أنّ قول السيد الطباطبائي (قدس سره) : «لو كان الموجود عوضها» ممّا لا حاصل له على هذا المبنى، بل العوض مشترك بين البائع والمشتري وسهم أصحاب الخمس منحصر في المبيع.
4. إذا قلنا بتعلّقه عليه كتعلّق الحقّ، كحقّ المرتهن على العين المرهونة فالمعاملة بعد السنة فضوليّة، وإنّما تتنجّز بعد فكِّها عن حقّ أصحاب الخمس بأدائه من دون حاجة إلى إذن الحاكم، وأمّا إذا لم يؤدّ فالصحة موقوفة على إذن الحاكم حتى ينتقل الحقّ إلى العوض.
5. إذا قلنا بأنّ متعلّق الخمس هو المالية الكلية السيالة بين العين وعوضه وليست نفس المال بشخصه متعلّقة له، فيصحّ البيع ويستقرّ حقّ أصحابه على العوض، وسيوافيك توضيحه.
لا خمس فيما ملك بالخمس والزكاة والصدقة المندوبة
هذا على القول بجواز الإعطاء بما يزيد على سنة، وإلاّ فلا تتصور الزيادة ولا يملكها، نعم لو قتّر على نفسه أو أهدي إليه شيء في أثناء سنته يزيد ما أخذ على مؤونة سنته.
فيقع الكلام في تعلّق الخمس عليه، أو لا، لا شكّ في تعلّقه على نمائه كسائر النماءات، كما إذا زادت الأنعام بالتوالد والتناسل، أو أثمرت الشجرة فزادت عن مؤونة سنته، فإنّ النماءات فوائد وعوائد لا تقصر عن سائر الفوائد والعوائد.
إنّما الكلام في تعلّقه بنفس ما أخذه خمساً وزاد عن مؤونة سنته، وقد استدل على عدم التعلّق بوجوه:
1. إنّه ملك للسادة والفقراء، فكأنّه يدفع إليهم ما يطلبونه فيشكل صدق الفائدة.
يلاحظ عليه: أنّه لامنافاة بين كونه ملكاً ومطلوباً لهم وبين تعلّق الخمس إذا زاد عن المؤونة كأُجرة الأجير وثمن المبيع فالكلّ ملك للأجير والبائع، ومطلوب لهم، مع أنّه يتعلّق بهما الخمس إذا زاد عن المؤونة.
2. ما رواه سهل بن زياد ـ و الأمر فيه سهل ـ عن محمّد بن عيسى (وليس المراد منه والد أحمد بن محمّد بن عيسى القمي، بل المراد منه هو ابن عبيد بقرينة نقل سهل عنه الذي اعتمد عليه النجاشي (458) وإن ضعّفه ابن الوليد أُستاذ الصدوق وقال: ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه) عن علي بن الحسين بن عبد ربّه الذي كان وكيلاً للإمام الهادي (عليه السلام) وكفى في الاعتماد عليه، قال: سرح الرضا (عليه السلام) بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحت إليّ خمس؟ فكتب: «لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخمس».(459) أي فيما سهّل به صاحب الخمس.
لا شكّ أنّ المال المعطى لم يكن من ماله الشخصي، وإلاّ لم يقل فيما سرح به صاحب الخمس، فالتعليق يدل على أنّ المال كان من الخمس، إنّما الكلام هل كان عمله من باب تطبيق الكلي على الفرد، والعنوان على المعنون، وأنّ الآخذ كان من أصحاب الخمس، فعند ذلك يدلّ على الحكم المطلوب وأنّ المال إذا ملكه شخص من باب الخمس فلا خمس فيه إذا زاد عن مؤونته؟
أو كان المال من أموال الخمس لكن الإمام أعطى له هديّة تسهيلاً، وعندئذ لا يدل على الحكم المطلوب وإنّما يدلّ على أنّ الهدية من أصحاب الخمس لا خمس فيه، لا كلّ مملوك من باب الخمس لا خمس فيه؟
وبعبارة أُخرى: هل الإمام بعطائه حاول تطبيق آية الخمس على موردها، أو أنّه حاول تسريح وكلائه بالخمس فأهداه شيئاً من مال الخمس ولاية؟ فعلى الأوّل يدل على المطلوب وأنّ المأخوذ خمساً لا خمس فيه، وعلى الثاني يدلّ على أنّ المملوك من مال الخمس هديّة لا خمس فيه.
نعم لا يدل على عدم الخمس إذا أهداه من أموالهم الشخصية، والرواية ظاهرة في الصورة الثانية.
3. قوله (عليه السلام) في مرسلة حمّاد: «وليس في مال الخمس زكاة».(460) وذلك بتنقيح المناط فلا خمس في مال الخمس.
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه أشبه بالقياس ـ أنّ الاستدلال بالحديث ناش من الغفلة عمّا في ذيله فهو يوضح المراد من الجملة، وحاصله أنّ عدم تعلّق الزكاة بمال الخمس لأجل كفاية الزكاة لرفع حاجة الفقراء، فلا فقير بعد الزكاة حتّى تتعلّق الزكاة بمال الخمس، ولذلك لم يكن على مال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والولي (عليه السلام) زكاة، لأنّه لم يبق فقير محتاج، كما أنّ الخمس أغنى أقرباء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يبق فقير منهم ببركة الخمس، فالخمس أغناهم عن كلّ شيء سواه.
وأين هذا من الدلالة على عدم تعلّق الخمس بالمأخوذ خمساً إذا زاد عن المؤونة؟ وعلى الجملة فلم نجد دليلاً صالحاً على عدم تعلّق الخمس بالمال المأخوذ خمساً، إلاّ إذا كان المأخوذ عطاء من صاحب الخمس منه وهدية من صاحب الولاية، والمتعارف عند الدول أخذ الضرائب عن الموظفين الذين يعيشون بالضرائب التي يدفعها الناس إلى الدولة وهي تحرسهم بها.
وعلى كلّ تقدير فقول الماتن: « أو الصدقة المندوبة » فالتقييد بالمندوبة خال عن الوجه، بل الواجبة كالكفّارات و المندوبة سواء، والتشكيك في صدق الفائدة بالنسبة إلى الخمس والزكاة والنماءات غير المقصودة، كما ترى.
إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه
ما ذكره مبني على القول بالشركة سواء كان بنحو الإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، فإن أمضاه يتخيّر في الرجوع، فله أن يرجع إلى البائع كما أنّ له أن يرجع إلى المشتري، فلا يتعيّن الرجوع إلى الثاني كما هو ظاهر المتن لترتب أيديهما على المبيع، وإجازة البيع ليس بمعنى رفع الضمان، كما أنّه مع عدم الإمضاء إنّما يرجع إلى المشتري إذا كانت العين باقية، فأمّا إذا تلفت فله أن يرجع إلى أحدهما بالبدل مثليّاً كان أو قيميّاً لجريان أيديهما عليه.
هذا كلّه على القول بالشركة أو الكلي في المعيّن، وأمّا على القول بأنّ تعلّق الخمس عليه كتعلّق حقّ المرتهن على العين المرهونة فهنا صور:
1. إذا أدّى الخمس يتنجّز البيع، فيكون من مصاديق من باع ثمّ ملكه، أي تسلّط على البيع الصحيح كما في المقام بلا حاجة إلى إذن الحاكم.
2. إذا لم يؤدِّ وأمضاه الحاكم مطلقاً، فلا تكون العينُ ولا العوض متعلّقاً للحقّ.
3. تلك الصورة لكن أمضاه مشروطاً بأداء الخمس تكون العين متعلّقاً للحقّ لدى المشتري.
4. إذا لم يؤدّ ولم يمضه، يكون حكمه حكم الثالثة، وأمّا على القول بأنّ المشاع هو المالية الكلية فتصح المعاملة ويكون العوض متعلّقاً للخمس على النحو المفروض.
ثمّ إنّ الظاهر من النص الوارد في باب الزكاة صحّة المعاملة إذا باع العين الزكوية بلا أداء زكاتها.(461)
في زيادة ونمو الأعيان
الزيادة إمّا أن تكون عينيّة أوحكميّة راجعة إلى زيادة قيمتها السوقيّة من دون زيادة في العين.
ثمّ الزيادة العينيّة، تارة تكون متصلة كالنموّ في الأشجار، والسمن في الحيوان، والصوف في الغنم; أو منفصلة كالفواكه واللبن، وعلى ذلك يقع الكلام في مقامات:
الأوّل: في الزيادة العينيّة المنفصلة.
الثانـي: في الزيادة العينيّة المتصلة.
الثالث: في الزيادة الحكمية لأجل ارتفاع القيمة السوقية.
الأوّل: الزيادة العينية المنفصلة
لا شكّ في تعلّق الخمس بالزيادة العينية المنفصلة عند حلول السَّنة، لأنّها غنيمة وفائدة فلو قلنا بكفاية ظهور الربح في تعلّق الوجوب، فيتعلّق عنده وإلاّ فعند الانضاض.
الثاني: الزيادة العينية المتصلّة
إنّ في الزيادة العينية المتصلة كالسمن في الغنم والنمو في الشجر، وجوهاً واحتمالات:
1. ما حكم به السيد الطباطبائي اليزدي من تعلّقِ الخمس بها من غير تفصيل، وجهه: صدق حصول الفائدة حيث كان فاقداً لها، حيث كان الشجر فسيلاً فصار شجراً كبيراً، وكان الحيوان سِخالاً، فصار غنماً.
2. ما أفاده السيّد الاصفهاني في تعاليقه على المتن من التفصيل، بين ما إذا كان المقصود من إبقائها الانتفاع والتكسب بعينها، كالأشجار غير المثمرة التي يُنتفع بخشبها وما يقطع من أغصانها، وكالأغنام الذكور التي تبقى لتُسمن فينتفع بلحمها، فيجب الخمس في نمائها المتصل، وأمّا ما كان المقصود، الانتفاع والتكسب بنمائها المنفصل كالأشجار المثمرة والأغنام الإناث التي ينتفع بنتاجها ولبنها فإنّما يتعلّق الخمس بنمائها المنفصل دون المتصل.
3. عن صاحب العروة في المسألة 55 تفصيل آخر، وحاصله: التفصيل بين من عمّر البستان للانتفاع بثمرها وتمرها، لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان، فالظاهر وجوب الخمس في نموّ أشجاره ونخيله والفرق بين التفصيلين واضح، فالأوّل يعتمد على التفصيل بين كون نفس النمو مقصوداً بالذات فيتعلّق بالنمو، وبين كون النمو مقصوداً بالتبع وكان الثمر والنتاج مقصوداً بالذات فلا يتعلّق بالنمو، والثاني يعتمد على التفصيل بين كون تأسيس البستان للتجارة بأصله وبيعه ومبادلته بشيء آخر، فيتعلّق بنموِّه، وبين إبقائه والانتفاع بثمره فلا يتعلّق بنموّه.
والظاهر عدم تعلّق الخمس بها في جميع الصور مطلقاً، إلاّ إذا حال وقت الانتفاع.
توضيحه: أنّ الميزان صدق الفائدة والعائدة لما عرفت من عدم اعتبار التكسب في لزوم تعلّق الخمس، فالكبرى مسلّمة، وإنّما البحث في الصغرى، وصدقها على الزيادة المتصلة مطلقاًحتى وإن لم يصل أوان الانتفاع، فالظاهر أنّه لا يعدّ النموّ في الأشجار فائدة إذا لم يصل وقت الاستفادة، ومثله السمن فلا يعدّ من الفوائد إلاّ إذا حان وقت القطع وبيع الحيوان، ولأجل ذلك جرت السيرة على عدم محاسبة النمو والسِّمَن في كلّ سنة، من غير فرق بين كون الهدف هو الانتفاع بنموها أو بثمرها من غير فرق بين كون الغاية من التأسيس هو الاتّجار بأصلها أو الانتفاع بثمرها، فلا يعدّ النمو من المنافع إذا لم يَحِن وقت الانتفاع به كقطع الشجر للبيع والحيوان للبيع.
والحاصل: أنّ النمو والسمن وكلّ زيادة متصلة لا يعدّ من العوائد السنوية إلاّ إذا حان وقت الانتفاع منهما على ما عرفت، وذلك فيما ساعدت الظروف لبيع نفس الشجر والحيوان لاما إذا اقتضى بقاءهما على حالهما.
وأمّا التفصيلان فلا يرجعان إلى محصل فإنّه إذا حان وقت الاستفادة من الزيادة المتصلة، عُدّت من العوائد والغنائم، سواء كان النمو هو المقصود أو غيره، وسواء كان التأسيس بنيّة الاتّجار بأصله أو الانتفاع بثمره، إذ الأثر مترتب على صدق عنوان الغُنْم والفائدة ولا يتحقّقان إلاّ إذا حان وقت الانتفاع وإنّما ذهبوا إلى هذا التفصيل بتصوّر أنّه يجب دفع الخمس في كلّ سنة سواء حان وقت الانتفاع أم لا.
هذا من غير فرق بين تملك الأصل عن طريق الميراث أو الإحياء أو لأجل الصداق أو عوض الخلع أو عن طريق الشراء، فلا شكّ أنّه يصدق على الزيادة العينية أنّـها فائدة مطلقاً أو إذا حان وقت الانتفاع بها، على ما مرّ، وعلى ما ذكرنا في تعلّق الخمس عند وقت الانتفاع، لا فرق بين القول باختصاص الخمس بالتكسب أو عموميته له ولغيره، وذلك لصدق العنوان المزبور، عند بيع الأشجار والأغنام التي كبرت أو سمنت.
ولا ينافي ذلك ما سيوافيك من أنّ وقت تعلّق الوجوب هو ظهور الربح، لا وجوده أي انضاضه. وذلك لأنّ الشيء إذا كان ممّا لا يباع إلاّ بعد مضيّ سنين، ففي مثله لا يصدق ظهور الربح عرفاً (وإن كان يصدق عقلاً) إلاّ إذا حان وقت بيعهما على وجه يصير المطلوب حفظ المالية لا بصورته الشخصية، ولأجل ذلك اقتصرنا بما إذا حان وقت بيعه. فتلخّص أنّه يخمس كلّ زيادة متصلة إذا حان وقت البيع، من غير فرق بين كون المطلوب هو النمو، أو الثمرة.
الثالث: في الزيادة الحكمية
إذا أدّى خمسَ الأصل أو ملك وكان ممّا لا يتعلّق به الخمس، كما إذا ورث ثمّ عالت القيمة السوقية من غير زيادة في العين، فقد قسّمه السيد الطباطبائي اليزدي إلى قسمين:
الأوّل: فيما إذا كان المقصود هو صيانة ماليته وخصوصيته والانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، كما إذا اشترى بستاناً ليتّجر بثمرها، أو سيارة ليؤجرها، وهذا ما يعبّر عنه بالاقتناء كان الانتفاع لسدّ الحاجة أو لازدياد الثروة فقال السيد الطباطبائي: لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن إذا باعها. فلا يتعلّق بها الخمس إلاّ إذا باعها فيتعلّق الخمس بتلك الزيادة من الثمن.
الثاني: إذا كان المقصود هو التحفظ على ماليّته دون الخصوصية كما إذا كان المقصود الاتّجار بها فيتعلّق الخمس بالزيادة بعد تمام السنة عند بيعها.
الصورة الأُولى: في الانتفاع بنمائها
إذا كان الهدف هو التحفظ على الخصوصية العينية لا إبدالها وبيعُها فارتفاع القيمة ونزولها لا يعدّ نفعاً ولا ضرراً نظير ارتفاع قيمة البيت الذي يسكنه الإنسان ويعدّ من المؤونة فلا يعدّ الارتفاع انتفاعاً ولا النزول ضرراً.
هذا إذا كان الأصل ممّا لم يتعلّق به الخمس أو تعلّق به ولكنّه أدّاه، وإلاّ فلا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة لوضوح أنّ تمام العين متعلّق للخمس بنحو من الأنحاء وإذا ارتفعت قيمة أربعة أخماسها ارتفعت قيمة خمسها، فيجب الخروج عن عهدة التكليف بأداء خمس قيمتها الفعلية.
يلاحظ عليه: أنّه بإطلاقه غير تامّ ، وذلك لأنّ الادّخار قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحياء أو بالنكاح كالمهر، فربّما يصحّ أن يقال لم يربح شيئاً إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر فقد كان مالكاً للبستان قبل عشرين سنة والآن أيضاً ملكه، زادت قيمته أو نقصت، وذلك لأنّه لا يتعلّق الخمس بالإرث مطلقاً وإن بقيت التركة وزادت قيمته، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإطلاق، نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن هذا، ويتعيّن ما علّقه السيد البروجردي عليه بقوله، لكن الأقوى عدمه إذا كان المقصود ما ذكرناه من الصورة .
وقد يفرض فيما إذا ملك بالمعاوضة أو بالثمن والظاهر أنّه محط نظره لقوله: «لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة في الثمن» ففي مثله الأقوى تعلّق الخمس لصدق الفائدة بالتبديل، وعلى ذلك لا يصحّ ما ذكر السيد البروجردي في المقام.
وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده السيد الحكيم من التفصيل بين ما إذا ملكها بغير معاوضة فباعها كما لو ورثها فباعها أو وهبت له فباعها فلا يتعلّق الخمس بالزيادة، وبين ما إذا كان ملكها بالمعاوضة للاقتناء فزادت قيمتها فباعها بأكثر من الثمن وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة.(462)
وعلى ذلك فيدخل فيه ما إذا ملكها من طريق الإحياء أو كانت صداقاً أو عوض الخلع فلا يتعلّق بالزيادة خمس وإن تحقّق البيع.
والتفصيل مبني على ما ذكرنا من أنّه إذا ملكها بالمعاوضة يصير ما دفعه من العوض مأخذاً للحكم بالغنم والخسران، دون ما إذا ملكه بغير هذا الطريق فليس هنا أساس للحكم بأحدهما، وليس البيع عندئذ إلاّ تبديل مال الإرث بغيره، ولا يطلق على مثله الفائدة، فلو باع العين بأعلى الثمن لا يصدق عليه أنّه استفاد شيئاً، بل بدّل عيناً مكان عين أُخرى لا أنّه ربح وغنم.
اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّه إذا كان الميزان في صدق الغنم والفائدة هو قيمة العين يوم ورث أو وهب، فإذا زادت بعد سنين، فلماذا لا يعدّ الزيادة غنماً وفائدة عند البيع؟ ولولا اتّفاقهم على عدم الخمس في الميراث والأرض المحياة عند ارتفاع القيمة لكان للتأمّل في هذه الصورة مجال.
وربّما يفصّل في صورة الادّخار بين ما إذا باعها بجنس الثمن الذي اشترى به كما إذا اشترى الغنم بخمسين ديناراً لينتفع من ألبانها وأصوافها ثمّ باعه بمائة، فيتعلّق الخمس بالخمسين، وما إذا باعها بغيره كما إذا باعه بالبقر فلا يتعلّق به الخمس في الصورة الثانية، لعدم صدق الزيادة.(463)
يلاحظ عليه: أنّ الميزان هو المالية، فلا فرق فيما إذا ملك من طريق الاشتراء بين بيعها بالثمن الذي اشتراه أو بغير ذاك الثمن من النقود أو بالعروض، فالميزان ارتفاع ماليته ولا نظر إلى الخصوصية من الريال والدولار أو اللّيرة أو العروض.
فما عن السيد الحكيم من التفصيل ـ بين ما إذا اشتراها للاقتناء فباعها بغير الثمن، كما إذا اشترى فرساً بدينار فباعها ببقرة أو بدراهم مع زيادة قيمتها فلا خمس عليه لعدم الزيادة المالية، وبين ما إذا باعها بأكثر من الثمن الذي اشترى به وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة(464) ـ غير تام.
الصورة الثانية: في الاتجار بنمائها
إذا كان المقصود الاتجار بنمائها فيتعلّق الخمس إذا باعها وأخذ قيمتها.
إذا اشترى عيناً فزادت قيمتها ولم يبعها
إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة، لعدم تحقّقها في الخارج، نعم لو لم يبعها عمداً بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه.
حاصله: التفصيل بين النزول بعد الارتفاع في أثناء السنة أو بعد السنة فلا يضمن في الأوّل، لعدم تحقّق الزيادة في الخارج دون الثاني.
ويرد على تعليل عدم الضمان في الصورة الأُولى «لعدم تحقّقها في الخارج» بأنّها كيف لم تتحقق مع أنّ المفروض ارتفاع قيمة العين أثناء السنة وإن نزلت قبل انتهائها؟ والأولى، التعليل بكونه مأذوناً في الإبقاء وعدم البيع إلى آخر السنة والإذن فيه آية عدم الضمان.
وإن شئت قلت: إنّ الفائدة تحقّقت لكن لم تستقر إذ الاستقرار عبارة عن بقاء العين على تلك الحالة إلى أن تتم السنة.
ثمّ إنّ الضمان في الصورة الثانية، أي نزول القيمة بعد السنة لابدّ له من وجه، وليس هو إلاّ قاعدة الإتلاف بصوره المختلفة:
1. إتلاف ذات العين.
2. إتلاف منافعها كجنس الدابة المعدة للإكراء.
3. إتلاف صفاتها الصحية أو الكمالية على ما قوّيناه من ضمان الصفات مطلقاً.
4. إتلاف ماليّته، كغصب الثلج في الصيف وأداء مثله في الشتاء، أو ردّ النقود عند سقوطها عن الرواج، والكل غير متحقق في المقام، وإنّما المتحقّق هوحبسها عند وجود الرغبة الأكيدة ودفعها عند قلّتها، فليس ذلك من مواردها حتى في الغصب، فكيف في المقام؟ فلو غصب الدابة عند ارتفاع قيمتها ودفعها بعد نزول قيمتها صحيحة فلا يكون ضامناً للزيادة.
ثمّ إنّ القول بالضمان على الوجه الثالث (تعلّقه بالذمة وكون العين كالرهن) مبني على تعلّق وجوب الخمس بظهور الربح، وهو أمر غير مسلّم عندهم.
1. قال صاحب الحدائق: وهل يكفي ظهور الربح في أمتعة التجارة أم يحتاج إلى البيع والانضاض؟ وجهان ولعلّ الثاني هو الأقرب.(465)
2. وقال المحقّق الهمداني: ولا عبرة بزيادة القيمة السوقية، لأنّها أمر اعتباري لا يعدّ ربحاً بالفعل، ولذا يقال عرفاً: إنّه لو باعه بتلك القيمة كان يربح فمتى باعه بأكثر من رأس ماله دخلت حينئذ في الأرباح.(466)ولكن صريح الشيخ الأعظم خلاف ذلك، فقال: ثمّ إنّ الظاهر تعلّق الوجوب بمجرّد ظهور الربح من غير حاجة إلى الانضاض فتصدق الاستفادة بمجرّد ذلك.(467)
وهو الظاهر من صاحب الجواهر قال: ثمّ لا فرق في الربح بين النماء والتولد وارتفاع القيمة ولو للسوق كما صرّح به في الروضة وغيرها لصدق الربح والفائدة، لكن في المنتهى ـ واستجوده في الحدائق ـ : «لو زرع غرساً فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب عليه الخمس في الزيادة، أمّا لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه ولم يبعه لم يجب عليه».(468)
ويظهر من تعاليق السيد المحقق البروجردي عدم تعلّق الوجوب إلاّ بالبيع.
والحقّ أنّ المسألة مبنية على كيفية تعلّق الخمس بالعين، ويتفاوت الحكم بالضمان مع تفاوت المباني، فلو قلنا: بأنّ الخمس يتعلّق على العين بالإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، وأنّ السادة شركاء في العين، فلا وجه للضمان، لبقاء العين، وليس ارتفاع القيمة إلاّ زيادة اعتبارية تتصف بها العين اعتباراً بارتفاعها ونزولها.
ولو قلنا: بتعلّقه بالذمّة المحضة، أو بها مع كون العين متعلّقة له كتعلّق حقّ المرتهن بها، فللضمان وجه، لأنّه استقر خمس القيمة المرتفعة على الذمّة حسب الفرض عند انتهاء السنة.
ولو قلنا: بأنّ متعلّقه هو خمس مالية العين بلا تعلّقه بالذمّة، ولا يتجدّد إلاّ بتبديل العين إلى القيمة والمفروض عدمه، فلا وجه أيضاً للضمان كما لا يخفى، لبقاء ماليّة خمس العين.
إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً
إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله.
لا يخفى أنّ ما أفاد صاحب العروة في المقام من التفصيل بين كون قصده من تعمير البستان الاقتناء والتحفظ بالأعيان والانتفاع بالثمر، وبين كون قصده هو الاكتساب بأصل البستان، ينافي ما تقدّم منه في المسألة (53) من الحكم بالخمس في الزيادة المتصلة من غير تفصيل موجود هناك.
ثمّ إنّ البستان الذي ينتفع من ثمره مع التحفظ على عينه، تارة يعدّ من المؤونة، كما إذا انتفع هو وعائلته من ثمار البستان واستغنوا بذلك عن اشترائها من السوق، وأُخرى يكون معدّاً للاتجار كبيع ثمارها في السوق فيتجر بمنافعه دون أعيانه كالسائق الذي يكتسب بأُجرة السيارة، فالظاهر تعلّق الخمس في كلا القسمين بالزيادة العينية إذا حان وقت قطع الشجر، وكون الثمرة مؤونة لا يكون سبباً لعدم تعلّقه بالأصل إذا عدّت فائدة، كما إذا أراد قطع أشجار البستان وتبديلها إلى أرض زراعية.
إذا كان له أنواع من الاكتساب
يمتاز خمسُ الأرباح عن سائر ما يتعلّق به الخمس بتعلّقه على ما زاد عن مؤونة الشخص في السنة بخلاف غيره فلا تستثنى منه مؤونة الشخص، وإنّما يتعلّق بنفس الخارج عن المعدن وغيره بعد وضع مؤونة الإخراج والتحصيل، وسيوافيك أنّ اعتبار الحول هنا ليس بمعنى توقف الوجوب على مضيّ الحول، بل بمعنى جواز تأخير إخراجه احتياطاً له، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أو نقصها.
وعندئذ فلو كان للكاسب نوع واحد من الكسب، فلا شكّ في أنّ الفاضل من المؤونة يتعلّق به الخمس، وأمّا إذا كان له أنواع من الاكتساب وأصناف من الأرباح المختلفة من حيث الزمان، فهل يضم بعضها إلى بعض ويحسب المجموع ربحاً واحداً لسنة واحدة وتستثنى المؤونة من مجموع تلك الأرباح أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله ولكل سنةٌ مستقلة؟
وعلى ذلك فلو ربح في النصف الأوّل من العام مبلغاً من التجارة وتوقف أمره، وربح من الزراعة في النصف الثاني من السنة، فلو قلنا بملاحظة كلّ ربح مستقلاً فالمؤونة المصروفة بين الربحين تستثنى من الربح الأوّل فقط ولو كان غير واف بها فلا يجبر من الثاني، والمؤونة المصروفة في النصف الثاني إلى آخر السنة تستثنى من كلا الربحين كما أنّ المؤونة المصروفة في النصف الأوّل من السنة الثانية تختص بالربح الثاني.
وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام فللمجموع سنة واحدة تنتهي بانتهاء السنة الأُولى أو بدخول الشهر الثاني عشر على الخلاف الآتي، فالمؤونة تُستثنى من مجموع الربحين ومؤونة السنة الثانية تستثنى من الأرباح الحاصلة فيها; وممّن اختار القول الأوّل هو الشهيد في الروضة حيث قال: ولو حصل الربح في الحول تدريجاً اعتبر كلّ خارج عام بانفراده، نعم تُوزَّع المؤونة في المدّة المشتركة بينه و بين ما سبق عليها ويختص الربح المتجدّد بالباقي.(469)
وعلى ذلك فلو ربح في كلّ شهر مقداراً قليلاً صرفه في مؤونته، ولكنّه ربح في الشهر الآخر أضعافاً مضاعفة لا يتعلّق الخمس إلاّ بعد مضي أحد عشر شهراً عليه، بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام، فإنّه يتعلّق به وتتم السنة بانتهاء ذلك الشهر.
وعلى كلّ تقدير فالانضمام هو الأظهر .و ربّما يستدل عليه بقوله (عليه السلام)في صحيحة علي بن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» حيث يستظهر منه أنّ مجموع الغنائم تلاحظ غنيمة واحدة والأرباح ربحاً واحداً، وعند ذلك تخرج المؤونة من المجموع.
يلاحظ عليه: الفقرة المزبورة ليست في مقام بيان انضمام الفوائد بعضها إلى بعض أو لحاظها مستقلاً، بل هو بشهادة السياق في مقام بيان أنّه (عليه السلام) لم يسقط خمس الغنائم والفوائد، بل أوجبه في كلّ عام بخلاف غيره فقد خفف فيه الأمر، بل أسقط خمس البعض واكتفى في بعضها الآخر بنصف السدس، وأمّا كيفية ملاحظة العام في الفوائد فليست بصدد بيانها.
والأولى أن يقال: إنّ المستثنى من الخمس إذا كان هو مؤونة السنة بصورة وحدانية لا «مؤونات» فهو ملازم عرفاً كون المستثنى منه أيضاً هو ربح السنة بهذه الصورة، ولازم ذلك انضمام الأرباح بعضها إلى بعض وإخراج المؤونة عن الجميع، ويوافقه الاعتبار العرفي، فالضرائب الموضوعة على أرباح الكسبة والتجار عند الدول في كلّ سنة على أساس ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض ووضع المؤونة من الكل لا محاسبة كلّ ربح مستقلاً وتتبعه المؤونة.
وربما يستدل على القول الآخر بموثقة سماعة قال : سألت أبا الحسن عن الخمس؟ قال (عليه السلام) : «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(470) حيث إنّ المستفاد انحلال الحكم، فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس، كما هو الحال في المعادن والكنوز.(471)
يلاحظ عليه: بأنّه بصدد بيان أنّه لا فرق في متعلّق الخمس بين القليل والكثير، وأنّه يتعلّق بكلّ شيء لا أنّ كلّ ربح في أثناء السنة موضوع مستقل.
أضف إلى ذلك أنّ لحاظ المؤونة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب العسر فيمن يربح وقتاً دون وقت وربّما يتخلل الفصل الطويل وأُخرى الفصل القصير وإن لم يكن كذلك فيمن يربح كلّ يوم تقريباً أو في فترات يسيرة، فإنّ أقصى ما يلزم في هاتين الصورتين أداؤه قبل انتهاء السنة وهو أمر جائز، وإنّما يسوغ التأخير إلى نهاية السنة احتياطاً للمكتسب لاحتمال تجدد مؤونة غير مترقبة عند ظهور الربح.
اشتراط الاستقرار في وجوب خمس الربح والفائدة
الرائج في البيع الخياري هو بيع العين بأقلّ من القيمة العادية، لأنّ تزلزل العقد يوجب عدم الرغبة إلى شرائها بقيمتها الواقعية ، و مع ذلك لا يصدق الربح ولا يقال إنّ المشتري ربح في حال كون العقد في معرض الزوال والتزلزل.
لكنّ هنا أُموراً يجب التنبيه عليها:
1. هل المراد الاستقرار الشرعي بانقضاء الخيار أو بإسقاطه في ضمن عقد لازم، أو يكفي الاستقرار العرفي؟ كما إذا علم المشتري بعدم قدرة البائع على ردّ مثل الثمن أو انتقاله إلى بلد ناء لا ينتفع بالخيار معه، ولا يبعد كفاية الاستقرار العرفي، إذ يصدق في العرف أنّه ربح وغنم.
2. أنّ ما ذكره من التزلزل إنّما يجري في أصل العين المشتراة ونمائها المتصل وارتفاع القيمة، وأمّا المنافع المستوفاة فإنّما يتعلّق بها الخمس لو زاد على المؤونة، لكونها ملكاً للمشتري مطلقاً، لازماً كان العقد أو جائزاً، لكون العين ملكاً للمشتري وإن كان متزلزلاً ومنافعها المستوفاة له، خلافاً للشيخ حيث قال: يتوقف ملكية العين ومنافعها على انقضاء زمان الخيار.
3. هذا كلّه إذا لم يتصرّف في العين، ولو باعها المشتري ـ بناء على جوازه ـ وإن كان الخيار للبائع لكونه ملكاً له فربح يتعلّق به الخمس، ولو فسخ البائع الأوّل فلا ينفسخ العقد الثاني، بل يجب على المشتري ضمانه بردّ مثله أو قيمته كما هو مقرّر في محلّه.
4. إذا كان العقد في السنة الأُولى في عام تجارته وصار مستقراً في السنة الثانية، فهل الربح من أرباح السنة الأُولى فيقسط مؤونتها عليه، أو من أرباح السنة الثانية فلا تقسط مؤونة السنة الأُولى عليه بل تستثنى منه مؤونة الأخير؟ وجهان، من وقوع العقد في السنة الأُولى والاستقرار أخذ بنحو الشرط المتأخر وقد حصل فيكشف عن إيجابه في الأُولى، ومن عدم صدقه إلاّ بالاستقرار وهو حصل في السنة الثانية، ولعلّ الثاني هو الأوفق بالاعتبار العرفي وللسيد المحقّق الخوئي في المقام تفصيل آخر فلاحظ.
لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار
لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس إلاّ إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.
حاصله أنّه إذا كانت الإقالة في أثناء السنة وكانت موافقة لشأن المقيل، فيعدّ الإعراض عن الربح بمنزلة الأُمور التي لا تعدّ إسرافاً وتبذيراً كالعطاء والهبة، وأمّا إذا لم يوافقه أحد الأمرين كما إذا كانت بعد تمامية الحول، أو كانت الاستقالة غير موافقة بشأنه فلا يسقط، لاستقرار الخمس في ذمّته في الأوّل، وكون الاستقالة إسرافاً وتبذيراً وخارجاً عن المؤونة المستثناة في الثاني.
ولكن الظاهر جواز الاستقالة في أثناء السنة مطلقاً للأمر بقبول الإقالة.


386 . المعتبر: 1/293 .
387 . المختلف:3/313، المقصد السادس في الخمس.
388 . الأنفال:41.
389 . الجامع لأحكام القرآن:8/1.
390 . التوبة:103.
391 . صحيح البخاري: 9/160، باب واللّه خلقكم و ما تعملون من كتاب التوحيد و 1/13 و19 و ج3/53; صحيح مسلم:1/35 و36، باب الأمر بالإيمان; سنن النسائي: 2/333 ; مسند أحمد: 3/318; والأموال: 12 وغيرها.
392 . فتوح البلدان:81; سيرة ابن هشام:4/265.
393 . تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك:1/157.
394 . طبقات ابن سعد:1/270.
395 . طبقات ابن سعد:1/304 ـ 305.
396 . طبقات ابن سعد:1/270.
397 . الوثائق السياسية: 142.
398 . فتوح البلدان:1/85; سيرة ابن هشام: 4/258.
399 . الإصابة: 2/189; أُسد الغابة:3/34.
400 . سنن أبي داود: 2/55، الباب 20 ;سنن النسائي:2/179.
401 . سنن ابن ماجة: 2 / 1298 ح 3935 .
402 . سنن ابن ماجة: 2/ 1299، ح 3938.
403 . صحيح البخاري: 2/48، باب النهبى بغير إذن صاحبه.
404 . سنن أبي داود:3/66 برقم 2705.
405 . رواه البخاري في الصيد، راجع التاج:4/334.
406 . سنن البيهقي:4/152 و155.
407 . الوسائل : ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
408 . رجال النجاشي: 1/165 برقم 121.
409 . رجال النجاشي: 1/431 برقم 515.
410 . كذا في التهذيب: 4 / 123 ، باب الخمس رقم 10. و ربّما يذكر: «صنائعهم» وهو مصحّف بقرينة قوله فيما بعد:« والصانع بيده»، وقد تكرر لفظة الصنائع في روايات الخمس مكان الضياع.
411 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
412 . رجال الشيخ: 400.
413 . مدارك الأحكام: 5 / 382 .
414 . التهذيب:4/184، رقم 16 من باب الخمس; الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث9.
415 . المدارك: 5/383.
416 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 9.
417 . المدارك: 5/384.
418 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
419 . التهذيب: 4/16; الاستبصار:2/17.
420 . قاموس الرجال:7/558.
421 . التوبة: 103 ـ 105.
422 . الأنفال: 41.
423 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
424 . مدارك الأحكام: 5/383.
425 . منتقى الجمان:2/438ـ 439.
426 . ص:39.
427 . منتقى الجمان:2/439.
428 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.
429 . منتقى الجمان:2/442.
430 . النهاية: 196ـ 197.
431 . الكافي: 170.
432 . الغنية: 129.
433 . الخلاف: 2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.
434 . السرائر: 1 / 486 .
435 . السرائر: 1 / 488.
436 . السرائر: 1/ 490.
437 . كتاب الخمس:191 ـ 192.
438 . مصباح الفقيه: 14 / 112 ـ 113.
439 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
440 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
441 . الوسائل: ج 6 ، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
442 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
443 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
444 . معجم رجال الحديث: 2/303.
445 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.
446 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8 .
447 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.
448 . رجال النجاشي:1/218 برقم 197.
449 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 21.
450 . رجال النجاشي:2/151 برقم 807.
451 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 13.
452 . الفقه الرضوي: 294 بتفاوت يسير.
453 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
454 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
455 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
456 . مستند العروة الوثقى: 220ـ 221 بتلخيص، كتاب الخمس.
457 . النساء:12.
458 . رجال النجاشي: 2 / 242، ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى برقم 940.
459 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
460 . الوسائل: ج 6 ، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.
461 . الوسائل: ج 6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
462 . المستمسك: 9/527.
463 . المستمسك: 9 / 527 .
464 . المستمسك: 9 / 527 .
465 . الحدائق:12/354.
466 . مصباح الفقيه:14/124.
467 . الخمس: 195.
468 . الجواهر:16/57.
469 . الروضة البهية: 1/182، كتاب الخمس.
470 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
471 . مستند العروة الوثقى: 241، كتاب الخمس.