welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
الخمس في الأموال
الخمس في الأموال

الخمس بجميع أقسامه متعلّق بالعين، ويتخيّر المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً ولا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس وإن ضمنه في ذمّته ، ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه، و لو اتّجر به قبل إخراج الخمس كانت المعاملة فضوليّة بالنسبة إلى مقدار الخمس فإن أمضاه الحاكم الشرعيّ أخذ العوض و إلاّ رجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة، و بقيمته إن كانت تالفة، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو على الطرف المقابل الّذي أخذها و أتلفها هذا إذا كانت المعاملة بعين الربح، وأمّا إذا كانت في الذمّة و دفعها عوضاً فهي صحيحة و لكن لم تبرأ ذمّته بمقدار الخمس ويرجع الحاكم به إن كانت العين موجودة، و بقيمته إن كانت تالفة مخيـّراً حينئذ بين الرجوع على المالك أو الآخذ أيضاً.
تحقيق حال هذه الفروع مبني على بيان كيفية تعلّق الخمس بالأموال، فنقول هناك احتمالات:
1. وجوب الخمس وجوب تكليفي
أن يكون التكليف بدفع خمس المال حكماً تكليفياً محضاً من دون أن يستعقب حكماً وضعياً في المقام، ويكون وجوبه كوجوب ردّ السلام.
2. وجوب تكليفي يستتبع اشتغال الذمة به
أن يكون هناك حكم تكليفي بدفع الخمس مستعقب لحكم وضعي وهو اشتغال ذمّة المالك بالخمس، نظير ما إذا استدانه وصرفه، فالذمة مشغولة من دون أن تكون أمواله متعلّقةً بالحقّ.
هذان الوجهان لا يساعدهما لسان الأدلّة كما سيوافيك.
وقد ردّه الشيخ في الخلاف وقال:إنّ كلّ خبر روي في وجوب الزكاة تضمّن «أنّ الإبل إذا بلغت خمساً ففيها شاة» ـ و إلى قوله: ـ «فإذا بلغت ستة وعشرين ففيها بنت مخاض» وكذلك فيما بعد.
وقالوا في البقر «إذا بلغ ثلاثين ففيها تبيع أو تبيعة» إلى أن قال: وهذه الأخبار صريحة بأنّ الفريضة تتعلّق بالأعيان لا بالذمة.(347)
يلاحظ عليه: أنّ بعض ما ذكره وإن كان صحيحاً، لكن الاستدلال بقوله (عليه السلام) : «إذا بلغ الإبل خمساً ففيها شاة» غير صحيح، بل يمكن أن
يكون دليلاً على الخلاف لعدم وجود شاة بين الإبل، لأنّهما من نوعين،
ولعلّه يصلح أن يقع شاهداً لبعض المحتملات من القول بالشركة في
المالية .
3. تعلّق الخمس بالعين على نحو الإشاعة
هذا هو الاحتمال الثالث، واختاره أكثر المشايخ، واستدل عليه بالأُمور التالية:
1. التعبير بالنصيب في بعض الروايات مثل قوله في رواية أبي بصير:«ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا نصيبنا».(348)
2. التعبير بأنّ لنا الخمس ممّا أخرج اللّه منها، ففي رواية مسمع بن عبد الملك فقال: «وما لنا من الأرض و ما أخرج اللّه منها إلاّ الخمس».(349)
3. التعبير عن نفس الفريضة بالخمس الظاهر في الإشاعة.
4. إضافة الخمس في عدّة من الروايات(350) إلى المال، مضافاً إلى نفس الآية.
5. التعبير بالظرفيّة، نظير «ففيه الخمس » كما في رواية زرارة(351)والبزنطي(352) ومرسلة الصدوق(353) ورواية سماعة.(354)
هذه التعابير ظاهرة في كون التعلّق بنحو الشركة والإشاعة.
وأشكل السيّد الحكيم على الاستدلال بالظرفية بقوله:إنّ الخمس وإن كان معناه الكسر المشاع، لكن جعله مظروفاً للعين يناسب جدّاً ـ بقرينة ظهور تباين الظرف والمظروف ـ أن يكون المراد به مقداراً من المال يساوي الخمس قائماً في العين نحو قيام الحقّ بموضوعه. فلا يدل على أنّ التعلّق بنحو الإشاعة بل يمكن أن يكون بوجه من الوجوه الآتية. (355)
يلاحظ عليه: أنّ موضوع تباين الظرف والمظروف إنّما يناسب بما ذكر إذا كان الكلام من قبيل الماء في الكوز والدينار في الصندوق، لا في مثل الجزء كما في المقام، فالمال الكثير ظرف اعتباري يحتوي الجزء القليل منه، وبما أنّهما من نوع واحد يكون قرينة على وجوده فيه، كوجود الكسر في المكسور.
نعم يبعّد ذلك الوجه أمران:
1. إنّ المرتكز عرفاً في الضرائب الحكومية تعلّقه بالذمّة، غاية الأمر ربّما يكون المال موضوعاً للحقّ، بحيث لو امتنع من أداء الضريبة، يحلّ للحاكم استيفاء حقّه من المال، وأمّا كون الحاكم شريكاً مع صاحب المال فممّا لا يخطر ببال العرف، والزكاة والخمس، ضرائب إسلامية، فرضت لغايات صحيحة معلومة، فإذا خوطب العرف مع ما عرفت من الارتكاز، تبادر إلى ذهنه، الشركة والإشاعة.
2. اختلاف التعبير، فقد جاء التعبير في بعض الروايات بحرف الاستعلاء مثل «على»، وأُخرى بحرف الابتداء.
أمّا الأُولى: ففي مرسلة الصدوق عن ابن أبي عمير: أنّ الخمس على خمسة أشياء.(356) وفي رواية الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العنبر وغوص اللؤلؤ فقال: «عليه الخمس».(357)
أمّا الثانية: فعن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «الخمس من خمسة أشياء».(358)
ومرسلة أحمد بن محمد: «الخمس من خمسة أشياء».(359)
التعبير الأوّل يناسب كونه حقّاً قائماً بالعين، والثاني يناسب أكثر الاحتمالات.
4. تعلّقه بالعين على نحو الكلي في المعيّن
وهذا الوجه أحد الاحتمالات في تعلّق الخمس بالعين، وحاصل تصويره: بعد التمثيل به بقولهم: بعتك صاعاً من صبرة، هو أنّ المبيع تارة يقيّد بالمشخصات الفردية، مثل قولك: بعتك هذا الفرس، وأُخرى يكون المبيع أمراً مقيّداً بالمشخصات النوعية والصنفيّة، من دون تقيد بالفردية، وهذا كالمثال السابق، فالمبيع هو صاع من هذه الصبرة، لا من صبرة أُخرى، فالخصوصية النوعية والصنفية ملحوظتان ولو قبل المشتري صاعاً من صبرة أُخرى، فقد رضي بشيء مغاير عوضاً عن المبيع، ولكنّها تشمل على أُصوع متوفرة، فالخصوصية الفردية ملغاة، فأيّ فرد دفعه إلى المشتري فقد دفع المبيع الواقعي. والحاصل إذا كانت العناية متوجهة إلى جنس الشيء ونوعه وصنفه، دون خصوصية الفرد، فهو من قبيل الكلي في المعين، سواء وقع مورد البيع، أو صار متعلّقاً للحقّ كما في المقام.
فالواجب على المالك، دفع خمس ما من الأخماس، من غير فرق بين هذا الفرد وذاك، ويجوز له التصرف فيه مادام الحقّ باقياً فيه حتى بعد انتهاء السنة، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالشركة والإشاعة فليس له التصرّف فيه.
وهذا وجه لا دليل على تعيّنه ـ مضافاً إلى كونه خلاف الارتكاز العرفي في مورد الضريبة، إذ لا يرى الحاكم شريكاً مع المالك و لو بهذا النحو ـ و ما دلّ على أنّ الأئمّة جعلوا شيعتهم في حلّ لتطيب ولادتهم(360) يوافق كلا القولين، من غير فرق بين هذا القول وغيره.
5. تعلّقه بالعين نحو تعلّق الحقّ بها
هناك احتمال خامس وهو أن يكون تعلّق الخمس بالعين من قبيل تعلّق الحق بالعين، وهذا الوجه يتصور على أنحاء:
أ. أن يكون الخمس في ذمّة المالك لكن العين كالرهن فهي متعلّقة لحقوقهم بشخصها، فكما أنّه لا يجوز للراهن التصرّف في العين المرهونة إلاّ بعد فك الرهن فهكذا لا يجوز التصرّف إلاّ بعد أدائه. فتكون التصرّفات الناقلة فضولية قبل الأداء، ويتّحد هذا الوجه، مع الوجهين السابقين: الإشاعة والكلي في المعيّن في النتيجة وهو كون العقد فضولياً، ولو أجاز الحاكم ينتقل الخمس إلى الذمة لا إلى البدل.
ب. أن يكون الحقّ قائماً بشخص العين دون ذمّة المالك، فسواء بقي المالك أو مات، بقي في ملكه أو انتقل، فالحقّ قائم بالعين الشخصية فقط، والفرق بين هذا وما تقدّم، هو: الإذن في التصرّف يوجب انتقال الحقّ إلى الذمّة بخلاف المقام فالحقّ قائم بالعين ولو باعه، فالعين متعلّق للحقّ، وهذا هو الرائج في الضرائب المضروبة على الأبنية والبقاع حيث يأخذ الحاكم حقّه عمّن كان البناء بيده وإن كان حين التعلّق ملكاً لغيره.
نظيره حقّ غرماء الميت في التركة، فهي متعلّقة حقوقهم، وليس للشخص فيه دور، أمّا الميّت فقد هلك،وأمّا الورثة فهم كالغرماء مجتمعون حول هذه التركة يطلبون حقوقهم وليسوا ضامنين لحقوق الغرماء.
وإن كان هناك فرق بين الموردين، حيث إنّه لو تلف شيء من التركة، فلا تتوجّه الخسارة إلى الغرماء بل يستنقذون حقوقهم ممّا بقي منها إذا كانت وافية لها، بخلاف المقام حيث إنّ الخسارة تتوجه على المالك وأصحاب الخمس بالنسبة كما لا يخفى.
ج. تلك الصورة ولكن الحقّ قائم بمالية العين لا بشخصه، وهذا نظير إرث الزوجة من أعيان الدار الموروثة فليست شريكة للورثة فيها، ولكنّها متعلّقة لحقها بماليتها فلو باعها الورثة ينتقل حقّها إلى بدلها .
وإن شئت قلت: المتعلّق هو العين بماليتها القائمة بالعين أو البدل أو بماليتها السيّالة، وعلى ذلك تجوز المعاملة عليها مالم ينته إلى إعدام الموضوع كالهبة والإتلاف.
ولعلّ هذا الوجه هو الأقرب إلى الأذهان، وهي خالية عن الإشكالات المتوجهة إلى سائر الأقوال خصوصاً القول بالإشاعة أو الكلي في المعيّن.
إذا عرفت ما ذكرنا فلنرجع إلى الفروع المذكورة في المسألة فنقول هنا فروع:
الأوّل: يتخير المالك بين دفع خمس العين أو دفع قيمته من مال آخر نقداً أو جنساً.
أقول: تكلّم الأصحاب حول المسألة في كتاب الزكاة بصورة مبسطة، ولكن اقتصروا القول في المقام، ولعلّه لعطف أحدهما على الآخر . قال الشيخ الأنصاري ـ بعد اختيار تعلّق الخمس بالعين ـ : لكن الظاهر عدم وجوب أن يخرج من كلّ عين خمسها، لصدق إخراج خمس الفائدة، بل الظاهر أنّ الحكم كذلك في الكنز والغوص والمعدن إذا اشتملت على أجناس مختلفة، وهل يجوز دفع النقد في هذه الأشياء؟ الظاهر ذلك، كما صرّح به بعض، بل يظهر من حاشية المدقق الخوانساري في مسألة وجوب بسط نصف الخمس على الأصناف أنّ جواز أداء القيمة مذهب الأصحاب ـ إلى أن قال: ـ فالظاهر من الروايات منضمة إلى ملاحظة سيرة الناس هو جواز التصرّف في الأعيان الخمسيّة مع ضمان الجنس.(361) ويدل على ذلك الأُمور التالية:
1. إنّ المشهور في مورد الزكاة هو جواز الدفع من القيمة، قال السيد الطباطبائي في باب الزكاة: بل يجوز للمالك أن يخرج من غير جنس الفريضة بالقيمة السوقية من النقدين أو غيرهما، وإن كان الإخراج من العين أفضل.(362)والظاهر اتّفاق حكمهم في الغلاّت والنقدين، ولو كان هناك خلاف فإنّما هو في الأنعام، ففي صحيح محمد بن خالد البرقي، قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : هل يجوز أن أخرج عمّا يجب في الحرث من الحنطة والشعير، وما يجب في الذهب، دراهم بقيمة ما يسوي، أم لا يجوز إلاّ أن يخرج من كلّ شيء ما فيه؟ فأجاب (عليه السلام) : «أيّما تيسّر يخرج».(363) وإذا جاز في الزكاة جاز في الخمس، لأنّهما ضريبتان يستفيد من كل، طائفة خاصة.
2. ما ورد في زكاة الفطرة من أولوية دفع القيمة، فعن إسحاق بن عمّار الصيرفي قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : جعلت فداك ما تقول في الفطرة يجوز أن أُؤدّيها فضة بقيمة هذه الأشياء التي سميّتها؟ قال: «نعم، إنّ ذلك أنفع له، يشتري ما يريد».(364)
والتعليل وإن جاء في مورد زكاة الفطرة لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية في كلّ ضريبة على النفس والنفيس لأجل مصالح الفقراء فلا يرد على الاستدلال أنّه من باب القياس.
3. السيرة المستمرة بين الشيعة خصوصاً في عصر الجوادين، أو العسكريين حيث كانوا يرسلون النقود إليهم لا نفس الأعيان، وذلك واضح لمن قرأ تاريخ حياتهم.
عدّة من الروايات في باب الخمس
أ. صحيحة الريّان بن الصلت قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) ما الذي يجب عليّ يا مولاي في غلّة رحى أرض في قطيعة لي، وفي ثمن سمك وبُرديّ وقصب ، أبيعه من أجمة هذه القطيعة؟ فكتب:« يجب عليك فيه الخمس إن شاء اللّه».(365) وقد تلقّى الراوي كفاية دفع الثمن في الموارد الثلاثة وإنّما سأل الإمام عن مقداره فأجاب بتعيين المقدار وقال: «الخمس».
ب. خبر أبي بصير : في الرجل يكون في داره البستان فيه الفاكهة يأكله العيال إنّما يبيع منه الشيء بمائة درهم أو خمسين درهماً هل عليه الخمس؟ فكتب:« أمّا ما أكل فلا، وأمّا البيع فنعم هو كسائر الضياع».(366)
ج. ما ورد فيمن وجد ركازاً فباعه بثلاثمائة درهم ومائة شاة متبع. فحكم الإمام علي (عليه السلام)بوجوب أداء خمس ما أخذ وأنّ الخمس عليه، لأنّه الذي وجد الركاز.(367)
وقد أورد السيد الحكيم على الاستدلال بالروايات بوجهين:
الأوّل : إنّ مفادها جواز إيقاع المعاملة على المال الذي فيه الخمس فينتقل إلى الثمن، ولا تدل على جواز دفع القيمة إلاّ أن تكون نوعاً من المعاوضة ولا يخلو من تأمّل. (368)
يلاحظ عليه: بأنّ العرف يلغي الخصوصية، فإذا جاز البيع من الغير لغاية التبديل، فلماذا لا يجوز التبديل بلا بيع، فإنّ التفريق بين بيعه من الغير، أو حفظه لنفسه وأداء الخمس من ماله الآخر لا يساعده الذوق الفقهي.
الثاني: إنّ هذه الروايات ليست في مقام البيان، فالقدر المتيقن هو جواز التبديل أثناء السنة، لا بعد انتهائها الذي هو محلّ البحث اللّهمّ إلاّ أن يتعدّى إليه باستصحاب الولاية الثابتة في أثناء الحول.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره على فرض صحته إنّما يتمّ في الحديثين الأوّلين حيث إنّ موردهما الأرباح، دون حديث الركاز فإنّ الخمس يجب فيه بعد الاستخراج، فقد عرفت أنّ الإمام فرض على بائعه أداء خمس قيمة الركاز ولا يعتبر في تعلّق الخمس به، مرور السنة.
وأمّا الدفع من الجنس فيجوز إذا كان منه أمراً ميسراً لأصحاب السادة أخذاً بالغرض من إيجاب الخمس دون ما إذا لم يكن كذلك، بل يتعين عندئذ تبديله كما إذا كانت مهنته انتاج الدواء أو المواد الكيمياوية المخطورة، فإنّ دفع العين ليس لصالح أصحاب الخمس .
نعم لو استلزم التبديل صرف شيء منه في طريقه، فالظاهر أنّه على عهدة المالك فإنّه مقدمة للقيام بالواجب.
وأمّا الأداء بجنس آخر، فيجوز لما عرفت من تعلّقه بالمالية القائمة بالعين، فإذا كان الجنس الآخر، مساوياً معه فيها، فالأداء به، أداء لخمس المالية.
الفرع الثاني
لا يجوز له التصرّف في العين قبل أداء الخمس وإن ضمنه في ذمّته.
ما ذكره مبني على الأقوال الأربعة: الإشاعة، والكلي في المعين، وكون العين كالرهن، والمالية القائمة بالعين الشخصيّة، وأمّا على القول بأنّ العين متعلّق بالخمس بماليته فيجوز التبديل فيتعلّق ببدله.
ثمّ على الآراء الأربعة، هل يجوز التصرف إذا ضمنه وجعل في ذمّته مطلقاً، أو بشرط الملاءة، أو الاطمئنان من نفسه بالأداء؟ الظاهر لا، لعدم الدليل على صحّة ضمانه بوجه من الوجوه:
هذا على حسب القاعدة، وأمّا حسب النصوص فمقتضى الروايات الثلاث السابقة جوازالتصرف، ولكن مقتضى بعضها عدمه، نظير:
1. خبر أبي بصير : «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، فإنّ لنا خمسه، ولا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقّنا».(369)
2. مرسل العياشي عن إسحاق بن عمّار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول يا ربّ اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس».(370)
وقد ذُكر في الجمع بين الطائفتين وجوه:
1. حمـل الطائفة الأُولى على ما إذا تصرّف مع نيّة الأداء بمال آخر، على خلاف الطائفة الثانية حيث تحمل على ما إذا تصرّف بلا نيّة الأداء.
2. حمل الأُولى على صورة الأداء، والثانية على صورة عدمه.
3. حمل الأُولى على صورة الانضاض للتمكن من أداء الخمس، والثانية على صورة استمرار التجارة لأداء الخمس.
ولعلّ الأولى هو الجمع الأوّل، وهو أنّ التصرّف في الطائفة الأُولى لا ينتهي إلى حرمان أهل الخمس بل يؤدي بعد فترة، بخلاف الطائفة الثانية فإنّه سينتهي إليه، والشاهد هو قوله في رواية إسحاق بن عمّار«لا يعذر عبد اشترى من الخمس شيئاً أن يقول يا ربّ اشتريته بمالي حتى يأذن له أهل الخمس»، حيث يدل على أنّ البائع لم يكن بصدد أداء الخمس، والمشتري أيضاً كان يعتذر بأنّه اشترى بماله.
والذي يقرب ذلك أنّ القدر المتيقن من مورد هذه الروايات هو الغنائم التي كانت تقسم بين السلطة والمجاهدين ، من دون دفع أي سهم لأصحاب الخمس حيث إنّ الخلفاء أسقطوا سهم ذوي القربى من الغنائم ، كما هو مقرر في محلّه .
الفرع الثالث:
ولو أتلفه بعد استقراره ضمنه.
سواء صرفه في مؤونته، أووهبه، وجه الضمان أنّه أتلف ما ليس له.
الفرع الرابع:
ولو اتّجر به قبل إخراج الخمس، كانت المعاملة فضولية بالنسبة إلى مقدار الخمس، فإن أمضاها الحاكم أخذ العوض ورجع بالعين بمقدار الخمس إن كانت موجودة، وبقيمتها إن كانت تالفة، ويتخيّر في أخذ القيمة بين الرجوع على المالك أو الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.
أقول: قوله: «فإن أمضاها الحاكم الشرعي أخذ العوض» إنّما يتم على غير القول بأنّ التعلّق أشبه بكون العين رهناً، إذ عليه ينتقل الحقّ إلى الذمة، لعدم وجود الشركة بين المالك وأصحاب الخمس، غاية الأمر كان ممنوع البيع، فإذا رضى به يملك العوض من كان يملك المبيع.
وأمّا على المختار فليست المعاملة فضولية مطلقاً، غاية الأمر ينتقل الحقّ إلى البدل.
الفرع الخامس:
ويتخير في أخذ القيمة بين رجوعه على المالك أو الطرف المقابل الذي أخذها وأتلفها.
ولا يبعد تعين الرجوع إلى البائع لكون استناد التلف إليه أقوى من استناده إلى المشتري خصوصاً إذا كان جاهلاً.
وحصيلة الكلام أنّه يترتب على المختار أُمور:
1. يجوز التصرّف في المبيع بعد انتهاء السنة مالم ينجرّ الأمر إلى إعدام المالية.
2. إنّ المعاملات الواقعة على الأعيان ليست فضولية محتاجة إلى إذن الحاكم إذا كانت المالية محفوظة.
3. عدم وجوب العزل، أو المصالحة مع الحاكم، أو دفعه إليه ثمّ الاستقراض منه على ما هو الرائج في هذه الأزمنة، بل أصحاب الخمس شركاء المالك في المالية السيّالة لا المالية القائمة بخصوص العين، ويجب على المالك تكليفاً الخروج عن عهدة التكليف ولا يجوز التأخير المنجرّ إلى التسويف. واللّه العالم.
جواز التصرف ببعض الربح ما دام مقدار الخمس منه باق
يجوز له أن يتصرّف في بعض الربح مادام مقدار الخمس منه باق في يده مع قصده إخراجه من البقيّة، إذ شركة أرباب الخمس مع المالك إنّما هي على وجه الكلّي في المعيّن كما أنّ الأمر في الزكاة أيضاً كذلك، وقد مرّ في بابها.
إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها
إذا حصل الربح في ابتداء السنة أو في أثنائها فلا مانع من التصرّف فيه بالاتّجار، و إن حصل منه ربح لا يكون ما يقابل خمس الربح الأوّل منه لأرباب الخمس بخلاف ما إذا اتّجر به بعد تمام الحول فإنّه إن حصل ربح كان ما يقابل الخمس من الربح لأربابه مضافاً إلى أصل الخمس فيخرجهما أوّلاً، ثمّ يخرج خمس بقيّته إن زادت على مؤونة السنة.
الظاهر من الروايات كما تقدّم أنّ الخمس في أرباح المكاسب ضريبة ماليّة سنوية يُخرج مرّة واحدة في السنة كما يدل عليه قوله (عليه السلام) :«فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام، قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ...)والغنائم والفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها».(371)
وعلى ذلك فيلاحظ مجموع الفوائد والعوائد سواء كانت متدرجة أو غير متدرجة، دفعة واحدة، فيخرج في كلّ عام مرّة واحدة، ونتيجته عدم كون كلّ ربح موضوعاً مستقلاً، بل المجموع ربح واحد يتعلّق به الخمس بعد المؤونة في كلّ سنة مرّة واحدة.
وأمّا إذا قلنا بأنّ كلّ ربح موضوع مستقل فلازمه أنّه لو اتّجر وربح ثانياً وثالثاً قبل انتهاء السنة بحيث حصل من الأصل والربح ربح آخر، أن يختص الربح المستند إلى خمس الربح الأوّل بأرباب الخمس.
مثلاً لو اتّجر وربح ستمائة وكانت المؤونة بين الربحين مائة فاتّجر بخمسمائة، التي خُمسها لأربابه وربح مثله، فعلى القول بملاحظة المجموع أمراً واحداً يكون مقدار الخمس الواجب مائتين، وأمّا إذا لوحظ كلّ ربح على وجه الاستقلال فخمس الربح الأوّل عبارة عن مائة، فإذا اتّجر بخمسمائة فقد اتّجر بشيء خمسه مال لأصحاب الخمس، ولو ربح بخمسمائة، فنماء المائة(وهو أيضاً مائة) لهم، فيبلغ سهمهم من خمس الربح الأوّل ونمائه إلى مائتين، وإذا أُضيف إليه خمس الأربعمائة وهو ثمانون، يكون سهمهم عندئذ مائتين وثمانين، وإلى ذلك أشار صاحب الجواهر ناقلاً عن بعضهم ـ ولم يُسمّه ـ : بل قد يقال، إنّ المتّجه وجوب خمس تلك الزيادة وإن لم يكن قد أخرج الخمس مثلاً انتظاراً به تمام الحول ـ إلى أن قال: ـ فلو ربح ستمائة وكانت مؤونته مائة وقد أخذها فاتّجر بالباقي مثلاً من غير فصل معتدّ به فربح خمسمائة كان تمام الخمس مائتين وثمانين، مائة من الربح الأوّل ويتبعها نماؤها من الربح الثاني وهو مائة فيكون الباقي من الربح الثاني أربعمائة وخمسها ثمانون فيكون المجموع مائتين وثمانين.(372)
يلاحظ عليه: أنّه مبني على احتساب كلّ ربح على حدة وكونه بنفسه موضوع الحكم، وكان الاتّجار به من قبيل المضاربة ،لكن الملحوظ عدم احتساب كلّ ربح بنفسه موضوعاً للحكم، بل يلحظ الجميع بالنسبة إلى رأس المال كربح واحد. ويرد على الاحتمال الثاني أمران:
1. يستلزم الحرج، ولا يرتفع إلاّ باستخدام محاسب ليس له شغل إلاّ محاسبة الأرباح.
2. إنّ المراد من المؤونة المستثناة هي مؤونة السنة فلحاظ المؤونة، بصورة أمر واحد، دليل على لحاظ جميع ما يستفاد ممّا فضل من المؤونة أمراً واحداً.
قال الشيخ الأنصاري :إنّ وحدة المؤونة الموضوعة من التجارة والصناعة مع حصول الأرباح المتدرجة، تدل على أنّ المستثنى من الجميع مؤونة واحدة ولا يكون إلاّ بأن يكون لها سنة واحدة.(373)
وهنا وجه ثالث يستفاد من كلام المحقّق الخوئي وهو أنّ المؤونة المستثناة ليس هو المقدّر، بل ما يصرف خارجاً، قال: دلّت على أنّ الخمس إنّما يجب في الربح بعد استثناء ما صرفه من مؤونة سنته من مجموع الأرباح لا من بعضها ليجب دفع تمام البعض الآخر خمساً باعتبار كونه ربح الربح.(374)
ولا يخفى أنّ ما أفاده هو المفتى به قولاً وعملاً، لكنّه مخالف لما اختاروه من القول بالإشاعة، والكلي في المعيّن، فإنّ لازم هذا القول كون الاتّجار أثناء السنة كالاتّجار بالربح غير المخمّس بعد انتهاء الحول، اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم تعلّقه إلاّ بعد مضيّ الحول، وهو كما ترى، وبالجملة عدم صحّة النتيجة دليل على عدم صحّة المبنى.
نعم لو قلنا بأنّ تعلّق الخمس على العين من قبيل تعلّق الحقوق عليها أو كون الاشتراك في المالية السيالة لا المالية القائمة بالعين فقط كان لما ذكر وجه، وعدم تمامية النتيجة دليل على عدم صحّة المبنى، أي: مالكية أصحاب الخمس جزء من المال سواء كانت بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، أو المالية القائمة بالعين، ممّا يوجب تبعيّة ربح الخمس له، ولعلّ الاتفاق والسيرة في هذه المسألة كاشف عن بطلان هذه الفروض.
هل يجوز الاتّجار بالربح بعد تمام السنة؟
كان محور البحث في المسألة السابقة الاتجار في أثناء السنة، ولكن المحور في هذه المسألة هو الاتجار بعد تمام السنة. فنقول: قد عرفت أنّ الخمس يتعلّق بالعين على المباني الأربعة، فلا ولاية للمالك لأن ينقله إلى الذمّة سواء كان من باب الإشاعة أو الكلي في المعيّن أو من قبيل تعلّق الحقوق عليها، أو الاشتراك في المالية القائمة بالعين، وأمّا الحاكم فله الولاية إذا رأى في الصلح مصلحة وحينئذ تختص العين بالمالك وينتقل الخمس إلى الذمة ويكون الربح له إذا اتّجر به.
وبما أنّ مورد المسألة هو التصرّف بعد تمام السنة يظهر عدم صلة ذيل المسألة بموضوعها، أعني قوله: «ولو فرض تجدّد مؤن له في أثناء الحول على وجه لا يقوم بها الربح انكشف فساد الصلح» وذلك لأنّ البحث في الصلح بعد السنة وبعد الفراغ عن المؤونة، وعندئذ فلا معنى لتجدّد المؤن. وإن كان البحث عن التصالح في أثناء السنة فهو أمر غير محتاج إليه، لجواز التأخير إلى آخر السنة، وجواز التصرّف في الأصل والربح، وعدم تعلّق الخمس على خمس الربح، إلى غير ذلك من الأحكام التي قدّمها في الفرع السابق.
جواز إخراج خمس الربح إذا حصل في أثناء السنة
المسألة مبنية على قول المشهور من تعلّق الخمس على الربح بمجرّد ظهور الربح وأنّ التأخير من باب الإرفاق لأجل احتمال تجدّد مؤن غير مترقّبة.
وعلى ذلك فلو رفض الإرفاق وقدم الخمس بعد تقدير المؤونة بما يظن فبان عدم كفاية المقدَّر لها، فحكم السيد الطباطبائي بجواز الرجوع مع بقاء عينه لامع تلفها في يده إلاّ إذا كان عالماً بالحال، وسنشرح المراد من العلم بالحال.
وظاهر «الجواهر» عدم جواز الرجوع مطلقاً، قال في شرح قول المحقّق الحلي: «ولكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطاً للمكتسب»: و المنع له من الرجوع مع تلف العين وعدم علم المستحق لأنّه هو الذي سلّط عليه باختياره، بل و مع العلم أيضاً وبقاء العين في وجه قوي كما استوجهه المسالك، فضلاً عن أحدهما، لاحتمال كون المعتبر عند إرادة التعجيل تخمين المؤونة وظنّها وإن لم يصادف الواقع.(375) و الخمس يتعلّق بما عدا المؤونة المظنونة، فإذا أخرج ماعداها ودفعه إلى صاحبه فقد أدّى الخمس الواقعي.
ولكنّ الحقّ خلافه، لأنّ الخمس بعد ظهور الربح يتعلّق بما عدا المؤونة الواقعية لا بما عدا المؤونة المظنونة، والظنّ في المقام إنّما أخذ طريقاً إلى الواقع وليست له موضوعية حتى يكون الحكم دائراً مدار الظن وافق الواقع أم خالفه، وعلى ذلك فيكون ما دفعه إلى أصحاب الخمس كلّه أو بعضه ملكاً شخصياً له سلّطهم عليه جهلاً بالواقع ويرجع في مثله إلى قواعد الضمان، فلو كان باقياً فهو أولى بملكه من الغير، وتسليط الغير عليه لا يخرجه عن ملكه إذا كان دافعاً بعنوان استحقاق الغير له، مع عدم كونه مستحقاً له وإن كان تالفاً والآخذ جاهلاً لا يكون ضامناً لضابطة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» وملاكه تسليط الغير على ملك بعنوان أنّه له ويجوز فيه التصرف بلا عوض وإن كان الآخذ عالماً بالحال بمعنى أنّ المدفوع خمس وأنّ المؤونة أخرجت تخميناً لا تحقيقاً وأنّه يمكن زيادة المؤونة على المقدار المظنون، فالحقّ ضمانه لأنّ رضا الدافع بالتصرّف فيه على أساس أنّه يجب دفعه إلى مستحقه، والآخذ بما أنّه يحتمل استحقاقه له وعدم استحقاقه فلا يصحّ له الإتلاف إلاّ على وجه الضمان.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ تسليط الدافع للغير على ماله قبل انتهاء السنة مع احتمال أنّ المؤونة يمكن أن تكون زائدة على ما ظن، يوجب جعل ماله معرضاً للإتلاف ويكون هو الهاتك لحرمة ماله فنسبة الإتلاف هنا إلى السبب أقوى من نسبته إلى المباشر، فالقول بعدم الضمان في صورة العلم بالحال أقوى فتأمّل.
لو اشترى بالربح قبل إخراج الخمس
قد عرفت أنّ مختار صاحب العروة تعلّق الخمس بالعين على نحو الكلي في المعين، وعليه يجوز التصرف في العين مادام مقدار الخمس باقياً سواء قصد إخراجه من الباقي أو لا، ولكنّه (قدس سره) قيّد جواز التصرف في ذيل المسألة بشرطين:
1. بقاء مقدار الخمس.
2. كونه قاصداً الإخراج منه.
لكن الظاهر الغناء عن هذا الشرط لجواز التصرّف مادام مقدار الخمس باقياً، إذ ليس تصرّفه عندئذ تصرّفاً في مال الغير سواء أقصد الإخراج أم لا.
وإنّما الكلام فيما إذا تصرّف في جميع المال واشترى به جارية أو ثوباً أو ماء الغسل، فهل يجوز التصرّف فيه أو لا؟
فيقع الكلام في صحّة المعاملة أوّلاً، وجواز التصرّف في المشتراة على فرض صحّة المعاملة ثانياً.
أمّا الأوّل: فالظاهر كون المعاملة فضولية على القول بكون التعلّق على الإشاعة، أو الكلي في المعين، أو كون العين بشخصها موضوعاً لتعلّق الحقّ، أو كون أصحاب الخمس شركاء في المالية القائمة بشخص العين، فيحتاج التنجّز وحصول الملكيّة القطعيّة إلى إجازة ولي الخمس.
وأمّا على القول بكون تعلّقه من قبيل تعلّق الحقّ بالمالية القائمة بعينها أو ببدلها، فالمعاملة صحيحة لانتقال الحقّ إلى المالية القائمة بالبدل هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الثاني، أي التصرّف فيما اشترى: فعلى غير المبنى الأخير لا يجوز التصرّف لعدم حصول الملكية، وأمّا على الأخير فلا تجوز التصرفات المفوّتة للمالية كالأكل والشرب والوطء للاستيلاد والاستعمال الموجب لفوت بدلها.
هذا كلّه إذا وقعت المعاملة على الشراء بنفس العين، وأمّا الشراء بما في الذمّة، والأداء من غير المخمس، فالمعاملة صحيحة والتصرّف نافذ في تمام ما اشترى وإن كانت ذمّته مشغولة للخمس لتفويته.
غير أنّ في النفس شيئاً من سالف الأيّام فيما إذا اشترى بنفس العين غير المخمّس حتى على المباني الأربعة: الإشاعة والكلي في المعيّن و...، وذلك لأنّه لو اشترى بالربح غير المخمّس ولكن يعلم المشتري أنّ البائع راض بالتصرّف في المبيع في مقابل الثمن الذي يحلّ له التصرف في الظاهر وإن لم يكن حلالاً في الواقع، فعندئذ يجوز التصرف في الماء المشترى ويصحّ الوضوء والغسل لتمشي قصد القربة مع إحراز الرضا لإباحة التصرف، ويجوز الوطء لحصول الملكية بإنشائه البيع في مقابل الثمن الذي يأخذه من المشتري إذا حلّ له التصرّف في الظاهر.
وبذلك يمكن تصحيح صلوات كثير من الناس الذين لا يخرجون الفريضة من أموالهم ويتعاملون بها.
ومثله ما إذا كان باع غير المخمّس فيجوز له التصرف في ثمنه إذا أحرز أنّ المشتري راض بالتصرّف في الثمن إذا دفع إليه ما يجوز له التصرف في الظاهر وإن لم يكن حلالاً في الواقع.
نعم لو كانا واقفين على الحال فلا يجوز التصرّف.
وأمّا ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) :«لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقّنا».(376) وما رواه أيضاً قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئاً من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لا يحلّ له».(377) فقد مضى تفسيرها، وهو: أنّ القدر المتيقن ما إذا انتهى التصرّف إلى إبطال حقوقهم، وحرمانهم منها رأساً، ويؤيد ذلك احتمال ورودها في الغنائم التي أسقط الخلفاء حقوق ذوي القربى منها، كما هو محرّر في محلّه.
في مصارف الحج الواجب والمندوب والزيارات
قد مضى فيما سبق أنّ مصارف الحجّ من مؤونة عام الإتيان، فلو استطاع ولم يذهب قصوراً أو تقصيراً يجب عليه الخمس، وليس أمر الشارع بالحجّ إذا لم يذهب موجباً لاحتسابه مؤونة، ولذلك قيّد صاحب العروة كونها من مؤونة عام الربح إذا تمكّن من المسير في تلك السنة، والأولى أن يضيف «وسار».
ثمّ إنّه (قدس سره) جعل المدار في محاسبة شيء من مؤونة عام الربح، حصوله في عام الربح وإن تأخّر صرف بعض المؤونة في خارج ذاك العام، كما إذا تمّت سنة الربح وهو بعدُ في سفر الحجّ ولم يرجع إلى موطنه فيحسب كلّ ما يصرفه من مأكل ومشرب ومسكن من مؤونة سنة الربح المتجددة مع سنة الإتيان به.
وعلى ذلك فما يشتريه من الألبسة وغيرها ممّا يحتاج إليه في سفر الحجّ حتّى السيارة إذا قصد الحجّ بها، لا يتعلّق بها الخمس وإن بقيت أعيانها بعد الفراغ عن الحجّ وهي كاشتراء الظروف والفُرش لمؤونة السنة وإن بقيت أعيانها بعدها.
ومثله ما راج بعد قيام الثورة الإسلامية من عقد اتّفاقية مع إدارة الحجّ والزيارة على مبلغ تتكفل جميع مخارجه إياباً وذهاباً سواء ذهب عام الربح أو تأخّر إلى العام اللاحق لعدم إصابة القرعة به، فمثل ذلك يعدّ من مؤونة عام الربح وإن لم يكن هناك إياب وذهاب.
وأمّا إذا ذهب إلى الحجّ على نفقته الشخصية وطال السفر فتمّ عام الربح ودخل العام الجديد فقد اختار المصنّف: بأنّ ما يصرفه يحسب من مؤونة السنة السابقة فلا يجب إخراج خمسه سواء صرفه في الأكل والشرب والمسكن أو في الذهاب والإياب ، سواء كان من شأنها البقاء أو لا، إذا عدّت من توابع مؤونة الحجّ.
لو جعل الغوص أو المعدن مكسباً له
وجه التعدّد، أنّ كلاً من الغوص والربح الحاصل من المكاسب موضوع مستقلّ في الأدلّة الشرعية، فإذا اجتمع العنوانان في مورد واحد يثبت فيه كلا الحكمين، كما إذا قال: أعط كلّ هاشمي درهماً ثمّ قال: أعط كلّ عالم درهماً، ففيما اجتمعا العنوانان يجب إعطاء الدرهمين وبما أنّ الحكمين مثبتان، لا يحمل أحدهما على الآخر ولا يقيّد إطلاق كلّ بالآخر.
ولكنّه غير تام جدّاً، أمّا أوّلاً فلأنّ الظاهر من النصوص أنّ هنا موضوعاً واحداً يتعلّق به الخمس وهو عنوان الغنيمة الصادقة على الغوص والمعدن وأرباح المكاسب، ومن المعلوم أنّه لا خمس في الغنيمة بالمعنى العام إلاّ خمس واحد قال: فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم كلّ عام قال اللّه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ) .(378)
وقال في رواية حكيم مؤذن بني عيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قلت له: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول) قال: «هي واللّه الإفادة يوماً فيوم، إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكوا».(379)
كل ذلك يعطي أنّ هنا عنواناً واحداً لإيجاب الخمس وهو الاغتنام، وليس هنا عناوين مختلفة، وإن كانت المصاديق مختلفة من حيث الشرائط، فعندئذ يبطل قياسه باجتماع العنوانين المستقلين في تعلّق الحكم.
أضف إليه: أنّه لو كان الواجب هو التعدد، كان التنبيه عليه لازماً في الأحاديث كما لا يخفى.
المرأة الّتي تكتسب في بيت زوجها
المرأة الّتي تكتسب في بيت زوجها و يتحمّل زوجها مؤونتها يجب عليها خمس ما حصل لها من غير اعتبار إخراج المؤونة، إذ هي على زوجها إلاّ أن لا يتحمّل. لأنّ المراد من المؤونة المستثناة، هي المؤونة المصروفة، والمفروض عدمها، نعم لولم ينفق زوجها، وأنفقت هي على نفسها، يتعلّق الخمس بغير ما صرفت.
في اشتراط التكليف والحرية وعدمه
اتّفقت كلمتهم على شرطية البلوغ في تعلّق الزكاة تبعاً للنصوص وقد كتب الإمام الرضا (عليه السلام) إلى محمد بن القاسم بن الفضيل : «لا زكاة على يتيم».(380) إنّما الكلام في شرطيته لوجوب الخمس، والمسألة غير معنونة في كتب الفقهاء، قبل العلاّمة، فقد أفتى بعدم شرطيته في المنتهى(381)، وتبعه المحقّق القمي في الغنائم، وفصّل السيد الطباطبائي اليزدي بين الأرباح وغيرها، فأفتى بعدمها في الثاني، واستشكل في الأوّل ثمّ احتاط بالحكم بالإخراج بعد البلوغ وسيوافيك وجهه.
قال الشيخ في رسالته: الظاهر أنّه لا خلاف في عدم اشتراط البلوغ والعقل في تعلّق الخمس بالمعادن، والكنوز، والغوص، ويدل عليه إطلاق الأخبار، وأمّا الغنيمة فالظاهر أنّه كذلك لما ذكروا في الجهاد من إخراج الخمس من الغنيمة أوّلاً، ثمّ تقسيمه بين من حضر القتال حتى الطفل ودلّ على الإطلاق في الأربعة المذكورة وفي الحلال المختلط، إطلاق رواية عمّار بن مروان: «فيما يخرج عن المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام ـ إذا لم يعرف صاحبه ـ والكنوز، الخمس».(382)
وحاصل دليلهم هو أنّ الخمس ضريبة على نفس المال، وأنّ العناوين السبعة أسباب لتعلّق الخمس بها، كان المالك بالغاً، أو غير بالغ، وتعلّقه بها سنخ تعلّق الحكم الوضعي نظير تعلّق الجمرك بالأموال المستوردة فلا يعتبر فيه شرائط التكليف وذلك كضمان التالف، وهو على المتلف، كان واجداً لشرائط التكليف أو لا.
مثلاً قوله في صحيحة زرارة: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس».(383) وقوله في صحيحة البزنطي عن الرضا(عليه السلام) ، قال: سألته عمّا يخرج من البحر... قال: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».(384) إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في تعلّقه بهذه العناوين بما هي هي.
فإن قلت: فعلى هذا، يلزم التفريق بين قوله: «ففيه الخمس» و«عليه الخمس» كما في تعلّقه بالأرض المشتراة حيث قال: أيّما ذمي اشترى من مسلم أرضاً فإنّ عليه الخمس.(385) فإنّ الثاني ظاهر في كونه على ذمّة المكلّف المختص بالبالغ.
قلت: لا نسلّم ظهوره في التكليف، إذ ربّما يستعمل في الوضعي أيضاً كما في قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» ، أو يقال: «عليه دين».
يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّه لا يتم في الحلال المختلط بالحرام، فقد عرفت أنّ المتبادر من رواياته عدم تعلّق الخمس بالعين من أوّل الأمر وإنّما التخميس طريق لتطهيره وإخراج الحرام منه ولا يصحّ ذلك إلاّ من المكلّف.
نعم لو حاول الوليّ تطهير ماله من الحرام، يخرج منه الخمس، وهذا غير القول بوجود الخمس فيه من أوّل الأمر.
وثانياً: أنّ التمسّك بهذه التعبيرات دقائق عقلية، لا يلتفت إليه، ولأجله ترى التعابير مختلفة، بين قوله: «ففيه الخمس»، أو «عليه الخمس» (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَانَّ للّهِ خُمُسهُ وَللرَّسُول) ، كلّ ذلك تفنن في التعبير، وليس هنا عناية خاصة بكلّ تعبير، بشهادة أنّ المخاطبين بهذه الروايات لم يكونوا ملتفتين لهذه الدقائق، وهذا يعرب عن عدم الدلالة العرفية التي هي الملاك في الحجّية.
وثالثاً: أنّ هذه الروايات ليست في مقام بيان الشرائط حتّى يتمسك بإطلاقها، وليس عدم ذكر شرط التكليف فيه دليلاً على عدمه.
رابعاً: أنّ إطلاق قوله :«رفع القلم عن ثلاثة» يسوّي بين التكليف والوضع، ولا يمكن تقييده بهذه الإشعارات الضعيفة، فإطلاق الحديث محكم إلاّ أن يدل دليل على الوضع كما في باب الغرامات حيث إنّ رفعها خلاف الامتنان للآخرين، ومثلها، التعزير الذي دلّ دليل خاص عليه، فعدم وجوب الخمس على غير المكلّف هو الأقوى.


347 . الخلاف: 2 / 30، كتاب الزكاة، المسألة 29.
348 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 9. ولاحظ الحديث 20; من الباب 4 من الأنفال.
349 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 12.
350 . الوسائل: ج 6 ، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، 2، 3، 4.
351 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 .
352 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .
353 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .
354 . لاحظ الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
355 . المستمسك:9/559.
356 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 2.
357 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
358 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 .
359 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9 .
360 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث9 وغيره.
361 . الخمس: 278ـ 279، المسألة 25.
362 . العروة الوثقى: 2 / 277 ، فصل «زكاة الأنعام الثلاثة»، المسألة 5.
363 . الوسائل: ج 6، الباب 14 من أبواب زكاة الذهب و الفضة، الحديث 1.
364 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب الفطرة، الحديث 6.
365 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 9 .
366 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 10.
367 . الوسائل: ج 6، الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
368 . المستمسك: 9/554.
369 . الوسائل: ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
370 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 10.
371 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
372 . الجواهر:16/55.
373 . كتاب الخمس: 218.
374 . مستند العروة الوثقى : 293، كتاب الخمس.
375 . الجواهر:16/80.
376 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4و5.
377 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4و5.
378 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
379 . الوسائل: ج 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.
380 . الوسائل: ج 6، الباب 1 من أبواب مَن تجب عليه الزكاة، الحديث 4.
381 . المنتهى: 8 / 533، كتاب الخمس، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1423 هـ .
382 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6; لاحظ كتاب الخمس للشيخ الأنصاري : 273ـ 274.
383 . الوسائل: ج 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
384 . الوسائل: ج 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
385 . الوسائل: ج 6، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.

Website Security Test