welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسائل فقهية
في صوم يوم الشك
في صوم يوم الشك

المسألة تشتمل على فرعين:
1. يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان، لا يجب صومه وإن صام فيصوم من شعبان ندباً أو قضاء ويجزيه صومه إن بان الخلاف، ولو بان قبل الغروب يجدد النية.
2. لو صام من رمضان لم يصح و إن صادف الواقع.
وإليك الكلام في الفرعين:
الفرع الأوّل:
قال الشيخ في «الخلاف»: صوم يوم الشكّ يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان،وصومه من غير نية أصلاً لا يجزي عن شيء.
وذهب الشافعي إلى أنّه يكره إفراده بصوم التطوع من شعبان، أو صيامه احتياطاً لرمضان، ولا يكره إذا كان متصلاً بما قبله من صيام الأيّام.
وكذلك لا يكره أن يصومه إذا وافق عادة له في مثل ذلك، أو يوم نذر أو غيره; وحكى أنّ به قال في الصحابة: علي (عليه السلام)، وعمر، وابن مسعود، و عمار بن ياسر; وفي التابعين: الشعبي، والنخعي; وفي الفقهاء: مالك، والأوزاعي.
وقالت عائشة وأُختها أسماء: لا يكره بحال.
وقال الحسن وابن سيرين: إن صام إمامه صام ، وإن لم يصم إمامه لم يصم.
وقال ابن عمر: إن كان صحواً كره، وإن كان غيماً لم يكره; وبه قال أحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: إن صامه تطوعاً لم يكره، وإن صامه على سبيل التحرز لرمضان حذراً أن يكون منه فهذا مكروه.(98)
والإمعان في الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين والفقهاء يثبت أنّ الكراهة وترك الصيام عندهم أفضل.
قال ابن رشد: واختلفوا في تحرّي صيامه ـ يوم الشكّ ـ تطوعاً، فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمّار: «من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم» ومن أجازه فلأنّه قد روي أنّه (عليه السلام) صام شعبان كلّه، ولما قد روي من أنّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين إلاّ أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدُكم فليصمه». وكان الليث بن سعد يقول: إنّه إن صامه على أنّه من رمضان ثمّ جاء الثبت أنّه من رمضان أجزأه.(99)
وعلى كلّ حال فجواز الصوم وكفايته عن رمضان عندنا اتفاقي.
قال المحدّث البحراني: الظاهر أنّه لا خلاف في أنّه لو صام يوم الشك بنية الندب، ثمّ ظهر كونه من شهر رمضان فإنّه يجزي عنه ولا يجب عليه قضاؤه.(100)
وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من المحقّق والعلاّمة نفي الخلاف بين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض حدّ الاستفاضة إن لم يكن متواتراً كالنصوص.(101)
وربما نسب إلى المفيد القول بالكراهة لكن كلامه في المقنعة ينادي بخلاف ذلك.(102) وإليك بعض ما يدل عليه:
1. موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره، فجاء قوم فشهدوا أنّه كان من شهر رمضان، فقال: بعض الناس عندنا: لا يعتدّ به؟
فقال: «بلى».
فقلت: إنّهم قالوا: صُمْتَ وأنت لا تدري أمن شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: «بلى، فاعتدّ به، فإنّما هو شيء وفّقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشك من شعبان ولا تصومه من شهر رمضان».(103)
2. ما رواه الكليني عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك؟ فقال: «هو شيء وُفّق له».(104)
3. ما رواه سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي صُمت اليوم الذي يشك فيه، فكان من شهر رمضان، أفأقضيه؟ قال: «لا، هو يوم وُفقتَ له».(105)
4. ما رواه محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشكُّ فيه، فإنّ الناس يزعمون أنّ من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: «كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفّق له، وإن كان من غيره، فهو بمنزلة ما مضى من الأيّام».(106)
5. ما رواه بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن صوم يوم الشك؟ فقال: «صمه، فإن يك من شعبان، كان تطوّعاً، وإن يك من شهر رمضان فيوم وُفِّقْتَ له».(107)
6. ما رواه الكاهلي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان؟ قال: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».(108)
وهذه الطائفة من الروايات تُعْرب عن جواز الصيام وكفايته عن شهر رمضان إذا بان الواقع.
وأي لفظ أصرح من قوله في رواية سماعة «بلى، فاعتدّ به»; وقوله في رواية الأعرج: «فكان من شهر رمضان، أفأقضيه، فقال: لا».
وفي رواية أُخرى لسماعة: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان، أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له، لا قضاء عليه».(109)
نعم ورد في التهذيب مكان قوله: «فصامه فكان من شهر رمضان» قوله: «فصامه من شهر رمضان»، ولكن نسخة التهذيب مغلوطة والصحيح ما رواه الكليني.
وما ورد فيه قوله: «هو شيء وفق له» مجرداً عن نفي القضاء أُريد من التوفيق صحّة الصوم وعدم وجوب قضائه لو بان أنّه من شهر رمضان بقرينة الروايات التي قورن فيها التوفيق بعدم القضاء.
وهذه الروايات وغيرها تدل بوضوح على القول المشهور المتفق عليه.
نعم في مقابل هذه الروايات ما يعارضها، نقتصر منها على ما يلي:
1. ما رواه قتيبة الأعشى، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صوم ستة أيّام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».(110)
2. عبد الكريم بن عمرو الملقّب بـ «كرّام»، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّي جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم فقال: «صم; ولا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيّام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه».(111)
3. عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اليوم الذي يُشكّ فيه ولا يُدرى أهو من شهر رمضان أو من شعبان؟ فقال: «شهر رمضان، شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان، فصوموا للرؤية وأفطروا للرؤية، ولا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم...».(112)
ولكن النهي محمول على الصوم بنيّة رمضان بشهادة حديث محمد بن شهاب الزهري قال: سمعت علي بن الحسين يقول: «وصوم يوم الشكّ أُمرنا به ونُهينا عنه، أُمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونُهينا عنه، أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشكّ فيه الناس». الحديث.(113)
ويمكن حمل هذه الروايات على التقية لما عرفت من كتاب الخلاف، ذهاب بعضهم إلى كراهته إذا كان مفرداً، أو التفصيل بين الصحو والغيم كما عن ابن عمر أو غير ذلك.
إذا صام قضاءً يجزي عن شهر رمضان
إذا صام ندباً، أو قضاء أو لغيرهما وبان أنّه من رمضان أجزأ عنه في جميع الصور، وربما يقال إنّ المنصرف من صومه على أنّه من شعبان، صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير...ويؤيد قوله (عليه السلام) في رواية بشير النبال:«صمه فإن يك من شعبان كان تطوعاً، وإن يك من رمضان فصوم وُفِّقْتَ له».(114)
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاقات هو الاجتزاء في جميع الصور ولو كانت الصحة مختصة بما إذا صام تطوعاً كان على الإمام البيان، وأمّا رواية بشير فليست بصدد التقييد، بل وردت بعنوان المثال.
تجديد النية لو بان أثناء النهار
هل يجب تجديد النية إن بان في أثناء النهار ولو كان بعد الزوال أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر التردد في الوجوب قائلاً :ثمّ إنّ إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء بذلك، وإن لم يجدّد النية إذا بان أنّه من رمضان في أثناء النهار.(115) لكن مصبّ الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء النهار، فلا يصحّ التمسك بإطلاقها فلابدّ من الرجوع إلى القواعد فربما يقال: إنّ أمامه أحد الأُمور:
1. أن يتخلّى عن النية عند الانكشاف، بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك.
2. أن يستمر على النية السابقة: نية الصوم من شعبان ندباً.
3. أن يجدّد النية.
والأوّل باطل جزماً، والصوم عبادة لا يصحّ بلا نية، والثاني أيضاً مثله لعدم الأمر بالصوم بنية شعبان فتعين الثالث.
يلاحظ عليه: أنّه يتخلّى عن النية السابقة، ويصوم بلا عنوان لما مرّ من أنّ الزمان لا يصلح إلاّ لرمضان، وقد مرّ أنّ في مثله يكفي الصوم بلا نية العنوان، نعم تجديد النية هو الأحوط فربما تحصل بلا اختيار بعد الانكشاف، كما هو الأقوى، وعندئذ يكون البحث عن التجديد وعدمه أمراً لغواً.
الفرع الثاني: لو صام يوم الشكّ بنية أنّه من رمضان، وهذا الفرع أحد الفروع الأربعة الآتية في مسألة أقسام ووجوه صوم يوم الشك.
قال الشيخ في «الخلاف»: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان.(116)
وقال في مسألة أُخرى: إذا عقد النية ليلة الشكّ على أن يصوم من رمضان من غير أمارة من رؤية أو خبر من ظاهره العدالة، فوافق شهر رمضان أجزأه، وقد روي أنّه لا يجزئه.(117)
ولا يخفى وجود التهافت الاجتهادي بين المسألتين، فإذا كان صومه حراماً، فكيف يكون صحيحاً مع اقتضاء النهي في العبادات الفساد؟!
وكلّ من نسب إلى الشيخ الجواز، فإنّما هو بالنظر إلى كلامه في المسألة الأُخرى، وإلاّ فمقتضى كلامه في مسألتنا هو الفساد.
قال العلاّمة في «المختلف» بعد عنوان المسألة: قال ابن أبي عقيل: إنّه يجزئه; وهو اختيار ابن الجنيد، وبه أفتى الشيخ في الخلاف، قال فيه: وقد روي أنّه لا يجزئه.
وقال في المبسوط: وإن صام بنية الفرض روى أصحابنا أنّه لا يجزئه; وقال في النهاية، والجمل، والاقتصاد وكتابي الأخبار: لا يجزئه وهو حرام.
واختاره السيد المرتضى، وابنا بابويه، وأبو الصلاح، وسلاّر، وابن البراج، وابن إدريس، وابن حمزة وهو الأقوى.(118)
وقال في «الحدائق الناضرة» بعد عنوان المسألة : المشهور أنّه يكون فاسداً ولا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان وإن ظهر كونه منه.(119)
وقال في «الجواهر»: على المشهور بين الأصحاب، بل في الرياض نسبته إلى عامة من تأخّر، بل عن المبسوط نسبته إلى الأصحاب مشعراً بدعوى الإجماع عليه لبطلانه بالنهي عنه، المقتضي للفساد.(120)
ويمكن الاستدلال على الصحّة بروايتين:
الأُولى: موثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له لا قضاء عليه».(121)
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على ما رواه الشيخ في التهذيب: «...فصامه من شهر رمضان» ولكن المروي في الكافي قوله: «فصامه ] فكان [من شهر رمضان» بإضافة لفظة «فكان» فيكون دليلاً للفرع السابق، قال في الحدائق: وبذلك يظهر حصول الغلط في الخبر ونقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور وما جرى له فيه من التحريف والتغيير والنقصان في متون الأخبار وأسانيدها.
والثانية: صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال: «هو شيء وفّق له»، بناء على أنّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بقوله:«يصوم».
يلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لوضوح أنّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بـ«يشك» لا بقوله: «يصوم» لأقربية الأوّل.
استدل القائلون بالفساد بروايات:
1. رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: في يوم الشك من صامه قضاه، وإن كان كذلك، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية، قضاه، وإن كان يوماً من شهر رمضان، لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء.(122)
والاستدلال مبني على أنّ التفسير، أعني قوله: «يعني الخ» من الإمام، وإلاّ فقوله: «من صامه قضاه وإن كان كذلك» مجمل مردّد بين الصوم بنية شعبان الذي فرغنا عنه أو صومه بنية رمضان الذي نحن فيه.
نعم يمكن أن يقال: إنّ المراد الصوم بنية رمضان بقرينة ما مضى من الروايات الدالة على الصحّة إذا كانت النية، نيةَ شعبان.
2. صحيح محمد بن مسلم في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، فقال: «عليه قضاؤه وإن كان كذلك».(123)
والاستدلال مبني على تعلّق الظرف (من رمضان) بقوله: «يصوم» حتى يكون الصوم بنية رمضان.
يلاحظ عليه: الظاهر تعلّقه بالأقرب، أعني: يشك، و يكون عندئذ مخالفاً لما دل على الصحة من الروايات والإجماع.
ويمكن أن يكون متعلقاً بالبعيد بأن يكون المراد يصوم ـ يوم الشك ـ من رمضان وذلك جمعاً بينها و بين الروايات الدالة على الصحّة إذا صام بنية شعبان.
والأولى الاستدلال بالروايتين التاليتين:
3. رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث طويل، قال: «وصوم يوم الشك أُمرنا به ونُهينا عنه، أُمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس».(124)
والاستدلال مبني على أنّ المراد من انفراد الرجل، انفراده بصيامه عن سائر الناس فيصوم بنية رمضان.
وفي بعض النسخ على ما في تعليقة الحدائق «أن ينوي» مكان «أن ينفرد».
4. موثقة سماعة في جواب سؤال من قال: رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره؟ فقال (عليه السلام) :« بلى فاعتدّ به فإنّما هو شيء وفقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان، ولا تصومه من شهر رمضان، لأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك».(125)
ودلالة الرواية واضحة، والمقصود من قوله: «ولأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان» أي ينفرد بالصوم بنية رمضان.
هذه هي الروايات التي استدلّ بها على القول المشهور، وإن كانت دلالة بعضها ضعيفة، ولكن في المجموع كفاية.
مضافاً إلى أنّ الصوم بنيّة رمضان بدعة في الدين، لأنّه إذا لم يثبت الهلال لم يثبت كون اليوم من رمضان، فكيف يصوم بنية يوم دل الدليل على أنّه من شعبان؟
وبذلك يظهر مفاد النهي عن الصوم في يوم الشك ففي خبر محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه ـ إلى أن قال: ـ «لا يعجبني أن يتقدم أحد بصيام يومه».(126)
وفي خبر سهل بن سعد قال: سمعت الرضا يقول: «الصوم للرؤية، والفطر للرؤية، وليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية، وأفطر قبل الرؤية للرؤية»، قال: قلت له: يابن رسول اللّه فما ترى في صوم يوم الشك؟ فقال: «حدثني أبي، عن جدّي ،عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».(127)
ومرسل الصدوق قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «لئن أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم يوماً من شعبان، أزيده في شهر رمضان».(128) فإنّ ذيل المرسلة قرينة على المراد من قوله: «لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يومه» هو أن يجعله من رمضان.
وبعد ملاحظة الفتاوى في الفرعين ودراسة الروايات وتفسير بعضها ببعض، يُتبيّن أنّ ما هو المشهور هو الحقّ وإن قال صاحب الجواهر:فالمسألة لا تخلو من إشكال.(129)
أقسام ووجوه صوم يوم الشكّ
صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه:
الأوّل: أن يصوم على أنّه من شعبان، وهذا لا إشكال فيه، سواء نواه ندباً، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك، ولو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه وحسب كذلك.
الثاني: أن يصومه بنيّة أنّه من رمضان، والأقوى بطلانه وإن صادف الواقع.
الثالث: أن يصومه على أنّه إن كان من شعبان كان ندباً أو قضاءً مثلاً.وإن كان من رمضان كان واجباً. والأقوى بطلانه أيضاً.
الرابع: أن يصومه بنيّة القربة المطلقة، بقصد ما في الذمّة، وكان في ذهنه أنّه إمّا من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنويّ لافي نيّته فالأقوى صحّته وإن كان الأحوط خلافه.
تقدم الكلام في الأوّلين إنّما الكلام في الأخيرين، والبحث تارة يقع في الفرق بينهما، وأُخرى في وجه اختلاف حكمهما من حيث عدم صحّة الأوّل وصحّة الثاني.
وجه الفرق بين الصورتين
الظاهر من صاحب العروة أنّ الأوّل من قبيل الترديد في المنويّ حيث فسّر القسم الثاني بقوله: «بأن يكون الترديد في المنوي لا في النية» مشيراً بذلك إلى أنّ الترديد في الأوّل من قبيل الترديد في النية.
يلاحظ عليه: إذا كان المراد من النية هو قصد الصوم والعزم عليه، فهو قاصد وعازم قطعاً فهو غير متردد في نية الصوم وقصده.
وقد حاول المحقّق الخوئي أن يجعله من قبيل الترديد في النيّة بالبيان التالي: وهو أنّ مبنى الصورة الأُولى على الامتثال الاحتمالي، بمعنى أنّ الباعث له على الصيام إنّما هو احتمال رمضان، وأمّا الطرف الآخر، أعني: الصوم الندبي من شعبان، فلا يهتمّ به، بل قد يعلم ببطلانه لعدم كونه مأموراً به في حقّه، كما لو كان عبداً أو زوجة أو ولداً قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي، بناءً على الافتقار إلى الإذن منهم، فيصوم يوم الشك برجاء أنّه من رمضان لا على سبيل البتّ والجزم ليكون من التشريع، فيتعلّق القصد بعنوان رمضان، لكن لا بنية جزمية بل ترديدية احتمالية ... .
وأمّا الصورة الثانية، فليس فيها رجاء أبداً، بل هو قاصد للأمر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب والاستحباب للقطع بتعلّق الأمر بالصوم في هذا اليوم، غاية الأمر أنّ الخصوصية مجهولة، لأنّ صفة المنويّ مرددة بين الوجوب والاستحباب لتردّدها بين رمضان وشعبان.(130)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الصورة الثانية لا غبار عليه، وقد أصلح بما ذكره عبارة صاحب العروة حيث جعل المراد من التردّد في المنوي، هو التردّد في وصف المنويّ لا نفسه، خلافاً لظاهر عبارة صاحب العروة في كون التردّد في نفس المنويّ لا في وصفه، لكن كلامه في الصورة الأُولى غير تام، لأنّه ربما يهتم بكلا الطرفين، كما إذا كان عليه قضاء يريد أن يقضي ما فات لئلاّ تتعلّق به كفارة التأخير، أو كان عليه صوم نذري أو غير ذلك من الدواعي، ومعه كيف يقول: إنّ الداعي هو الاحتمال، للاهتمام بأحد الأمرين دون الآخر؟!
ويمكن أن يقال: إنّه جازم في النية، أي قاصد للصوم، وجازم لامتثال الأمر، المحقّق شرطه في الواقع وإن لم يكن عارفاً به; فكأنّه ينوي، إن كان من شعبان أصومه ندباً لا غير. وإن كان رمضان أصومه واجباً لا غير، وبما أنّ أحد الشرطين محقّق في الواقع، فهو قاصد للأمر المحقّق شرطه، فليس هذا ترديداً في النية ولا في المنويّ، وإنّما هو جهل لوصف الأمر المجزوم، المحقّق شرطه.
والفرق بينها وبين الصورة الثانية هو انّ المنويّ في الثانية هو الأمر الفعلي الماثل أمامه من دون تعليق واشتراط ،وهذا بخلاف المقام فيقصد كلّ أمر مشروطاً، وتكون النتيجة أنّه يقصد الأمر المشروط، المحقّق شرطه عند اللّه.
فليست هاتان الصورتان لا من قبيل الشكّ في النية ولا في المنويّ، والتفاوت بينهما هو كون المنويّ في الأُولى مشروط دون المنوي في الثانية.
نعم لو قال: أصوم إن كان من رمضان ولا أصوم لو كان من شعبان فهو ترديد في النية.
كما أنّه لو قال: أصوم إمّا من رمضان أو من شعبان، فهو ترديد في المنويّ، بلا تعليق على تقدير معين.
بقي هنا شيء :
وهو أنّ صاحب العروة قيّد القربة المطلقة بقصد ما في الذمة في الصورة الثانية، وكأنّه قيد زائد لا يتم فيما إذا لم يكن على ذمته صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة، وأمّا الصوم الاستحبابي فليس على ذمة الإنسان، وعلى هذا، فالإتيان بهذا القيد أمر زائد لو لم يكن مخلاً.
إنّ هنا صورة خامسة، وهي أن يأتي بها تقرّباً إلى اللّه، بناء على كفايته في صحة العبادة وإن لم يلتفت إلى أمره، ولعلّ قول صاحب العروة: «بنية القربة المطلقة» إشارة إلى هذا القسم، دون ما ذكرناه وفسرناه من قصد الأمر الفعلي الماثل، هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي تبيين واقع النيّتين.
ما هو وجه الفرق في الحكم؟
فلنذكر الأقوال ثمّ بيان الفرق:
قال الشيخ: إذا نوى أن يصوم غداً من شهر رمضان فرضة أو نفلة، فقال: إنّه إن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة: أجزأه ولا يلزمه القضاء. وقال الشافعي: لا يجزيه وعليه القضاء.
دليلنا: ما قدّمناه من أنّ شهر رمضان يجزي فيه نية القربة، ونية التعيين ليست شرطاً في صحّة الصوم، وهذا قد نوى القربة وإنّما لم يقطع على نية التعيين فكان صومه صحيحاً.(131)
وقال العلاّمة في «المختلف»: للشيخ قولان: أحدهما: الإجزاء، ذكره في المبسوط والخلاف، والثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه. واختاره ابن إدريس; واختار ابن حمزة الأوّل، وهو الأقوى، وهو مذهب ابن أبي عقيل.(132)
وقال في الحدائق : والصحة ظاهر الدروس والبيان، وإليه يميل كلام المحقّق الأردبيلي، والمحدث الكاشاني; وأمّا البطلان، فقد ذهب إليه المحقّق ، وابن إدريس، والعلاّمة في الإرشاد، واختاره في المدارك ونسبه إلى أكثر المتأخرين.(133)
استدل القائل بالبطلان في الصورة الأُولى بوجوه:
الأوّل: ما نقله العلاّمة عن الشيخ: انّه لم ينو أحد السببين(الأمرين) قطعاً، والنية فاصلة بين الوجهين ولم يحصل، والمراد أنّ النية قاطعة للترديد وموجبة لنية أحد السببين ولم يحصل.
وأجاب العلاّمة: المنع من اشتراط القطع، لأنّه تكليف بما لا يطاق.(134)
توضيحه: أنّه نوى أحد السببين لا بصورة مطلقة، بل بصورة مشروطة، وبما أنّ شرط أحد الأمرين متحقّق فقد نواه وإن لم يتعيّن ظاهراً، فنيّة كلّ من الوجوب والندب على تقدير، مرجعه إلى أنّه لو كان من شعبان فأصوم ندباً فقط ولو كان من رمضان فأصوم وجوباً فقط، فالمنوي في الواقع متعيّن و لا تعيّن عنده، والنيّة الفاصلة بين الوجهين أيضاً محقّقة.
الثاني: الظاهر من النصوص أنّه تتعيّن نيّته من شعبان، فنيّته بهذه الصورة على خلاف ذلك تشريع محرم فلا يتحقّق به الامتثال، وهو معتمد المدارك.(135)
يلاحظ عليه: أنّ النصوص المبيّنة لكيفية النيّة، بصدد المنع عن صومه بما أنّه من رمضان، روى عبد اللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل صام شعبان، فلمّـا كان شهر رمضان أضمر يوماً من شهر رمضان فبان أنّه من شعبان، لأنّه وقع فيه الشكّ؟ فقال: «يعيد ذلك اليوم، و إن أضمر من شعبان فبان أنّه من رمضان فلا شيء عليه».(136)
وهو صريح في أنّ الممنوع نيّة كونه من رمضان لا غير على وجه الجزم، وأمّا صورة الترديد وإيكال الأمر إلى الواقع، فهي خارجة عن حريم الروايات المجوِّزة والمانعة.
وممّا ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي حيث استقرب أن تكون الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمر إما لا يقع خارجاً أو نادر الوقوع جداً، وهو الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان بنية جزمية تشريعية، وبالجملة فالروايات إمّا مختصة بالرجاء أو أنّها مطلقة من هذه الجهة، وعلى التقديرين فتدل على البطلان في هذه الصورة.(137)
لأنّ ما ذكره مجرد احتمال لا تساعده ظواهر الروايات وليس فيها أية إشارة إلى أنّها ناظرة إلى تلك الصورة، ولو افترضنا شمولها بصورة الرجاء، فيشمل ما إذا صام رجاء كونه رمضانَ فقط وهو غير نية كلّ من الأمرين على صورة خاصة.
الثالث: انّ حقيقة صوم رمضان، تغاير الصوم المندوب، كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تُعيَّن حقيقة أحدهما، في النيّة، التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به، لم يقع عن أحدهما; وهو معتمد الشيخ الأعظم.(138)
يلاحظ عليه: بما مرّ من أنّه لا تشترط نيّته عنوان رمضان في صحّة صومه، وذاك لأنّ اليوم المتعيّن شرعاً لصوم خاص لا يُقْبل فيه أي صوم، فتكفي فيه نية صوم الغد والفرض أنّه محقق، وما فسِّرت به النيّة، كأنّه تفسير فلسفي، واختلاف أحكام صوم رمضان يرجع إلى تعيّن اليوم للصوم، لا إلى اختلاف ماهية صومه مع صوم الأيام الأُخر، وعلى ذلك فنيّة صوم الغد، كاف في استحضار حقيقة الفعل المأمور به كما لا يخفى.
هذا كلّه حول الصورة الأُولى.
وأمّا صحة الصورة الثانية، فقد اتضحت ممّا ذكرناه للجزم بالنيّة، والإشارة إلى الأمر المعيّن، غاية الأمر لا يعلم وصفه، وهو غير مضرّ.
لو أصبح يوم الشكّ ناوياً الإفطار
هنا فروع ثلاثة:
1. لو أصبح يوم الشكّ بنيّة الإفطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر، فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء، وأمسك بقيّة النهار وجوباً تأدّباً.
2. وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال.
3. وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر جدّد النيّة وأجزأ عنه.
حكم بالبطلان في الأوّلين دون الثالث، فلنذكر بعض الكلمات:
قال الشيخ : إذا أصبح يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، ويعتقد أنّه من شعبان بنية الإفطار، ثمّ بان أنّه من شهر رمضان لقيام بيّنة عليه قبل الزوال، جدّد النية وصام، وقد أجزأه. و إن بان بعد الزوال، أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة .
وقال الشافعي: يمسك وعليه القضاء على كلّ حال. واختلفوا إذا أمسك هل يكون صائماً أم لا؟ قال الأكثر: إنّه يجب عليه الإمساك ولا يكون صائماً.
وقال أبو إسحاق: يكون صائماً من الوقت الذي أمسك صوماً شرعياً.(139) ولم يذكر ما إذا تناول المفطر.
وقال في «المختلف» بعد نقل كلام الشيخ عن الخلاف: ونحوه قال ابن أبي عقيل. وأطلق ابن الجنيد وقال: إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام، فعلم فيه أنّه من رمضان، فصامه معتقداً لذلك، أجزأ عنه وبناه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال.(140)
وقال في الحدائق: أمّا الحكم الأوّل (الصحّة قبل الزوال)فالظاهر أنّه لا خلاف فيه بينهم، وظاهر المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى والتذكرة أنّه موضع وفاق بين العلماء; وأمّا الحكم الثاني (البطلان فيما بعد الزوال) فهوالمشهور.(141)
واستدل على الصحّة فيما إذا لم يتناول المفطر وعلم قبل الزوال بفحوى ما ورد على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما من قبل.(142)
وما ورد من طريق أهل السنة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر رجلاً من «أسلم» ان أذّن في الناس أنّ من أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإنّ اليوم يوم عاشوراء. (143) ونقله الشيخ في الخلاف كما مرّ.
واستدل في الجواهر بالإجماع وقال: وهو الحجّة بعد اعتضاده بما عرفت.(144)
أقول: الظاهر أنّ الأصحاب انتزعوا ممّا ورد في أبواب مختلفة ضابطة كلية، وهي بقاء وقت النية إلى الزوال.
1. ما ورد في حقّ المسافر في موردين:
أ. ما ورد في خروجه قبل الزوال وبعده، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سُئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم؟ قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».(145)
ب. ما ورد في قدومه قبل الزوال وبعده، فعن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتدّ به».(146)
2. ما ورد في الواجب غير المعين كالقضاء والنذر المطلق من بقاء وقت النية إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهاراً، وهي روايات متضافرة; ففي صحيح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يبدو له بعد ما يُصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم ليصمه وليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئاً».(147)
3. و ما دلّ من الأدلة على صحّة صوم الجاهل والناسي لرمضان إذا تذكر قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، وهو وإن لم يرد فيه نص بالخصوص لكن عرفت أنّ الصحّة هو مقتضى القواعد.
4. اتّفاق المشهور عليها، حيث ألحقوا المريض الذي برأ قبل الظهر بالمسافر مع عدم ورود نصّ فيه، كلّ ذلك ممّا يشرف الفقيه على بقاء زمان النية في الصوم الواجب إلى الزوال، من غير فرق بين صوم رمضان أو غيره، أداء كان أو قضاء.
وما عن السيد المحقّق الخوئي (قدس سره) من أنّ الاجتزاء على خلاف القاعدة، يقتصر على مورد قيام الدليل، وهو خاص بالمريض والمسافر دون غيرهما وإن لم يتناول المفطر، فلا وجه للتعدي(148) غير تام، لما عرفت من عدم ورود النصّ في المريض أوّلاً، وإمكان انتزاع القاعدة الكلية من روايات واردة في موارد مختلفة ثانياً.
بقي الكلام في أمرين:
1. فيما إذا تناول المفطر، وجب القضاء وأمسك بقية النهار وجوباً تأدّباً. أمّا القضاء، فعلى وفق القاعدة، إنّما الكلام في الإمساك بعد الإفطار تأدّباً، فقد ورد صوم التأديب في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في مورد الصبي المراهق والمسافر إذا أكل من أوّل النهار، ثمّ قدم أهله، وكلّ من أفطر لعلة في أوّل النهار ثمّ قوى بعد ذلك، أُمر بالإمساك بقية يومه تأديباً، وليس بفرض.(149) إنّما الكلام في الإمساك التأديبي فرضاً كما في المقام، فليس عليه دليل سوى ارتكاز المتشرعة، فإنّ المرتكز عندهم قبح تناوله بعد علمه.
2. فيما لو لم يتناوله ولكن كان التبيّن بعد الزوال، وقد عرفت أنّ الميزان لتجديد النية، هو قبل الزوال، لا بعده، فلذلك يصوم تأدّباً ويقضي.
تناول المفطر نسياناً في صوم يوم الشكّ بنية أنّه من شعبان
في المسألة فروع ثلاثة، والجامع بينها صوم يوم الشك بنية شعبان:
1. إذا تناول المفطر نسياناً قبل أن يتبيّن أنّه من رمضان.
2. إذا تناول المفطر نسياناً ولم يتبيّن أنّه من رمضان.
3. إذا تناول المفطر نسياناً، بعد أن تبيّن أنّه من رمضان.
وجه عدم القدح هو اختصاص المفطر، بالتناول العمدي، وأمّا غيره فليس بمفطر.
ويؤيده الاتفاق على الصحّة فيما إذا تناول في شهر رمضان نسياناً، فكيف إذا تناول ولم يثبت بعدُ أنّه من رمضان، أو لم يثبت إلى نهاية النهار؟
لو صام بنيّة شعبان ثم أفسد صومه
وذلك لاختصاص الدليل بالصوم الصحيح، فيجدّد النيّة من الصوم الصحيح إلى صحيح آخر، لا من الصوم الباطل، وليس الصوم مجرّد إمساك، بل إمساك بنيّة التقرّب، والمفروض أنّه فاته ذلك القيد في بعض أجزاء النهار.
فإن قلت: ما الفرق بينه و بين ما إذا صام بنية شعبان، ثمّ نوى الإفطار وتبيّن كونه من رمضان، مع أنّها كالرياء مفسدة للصوم، وسيأتي في المسألة التالية الحكم بالصحّة، ومثله: ما إذا صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تبيّن كونه من رمضان، فالمختار عندنا هو الصحّة وإن كان المختار عند صاحب العروة البطلان؟
قلت: سيوافيك الفرق بين المقام والآخرين هو أنّ نية الإفطار في الصورة الأُولى لم تكن محرمة، لأنّه لم يثبت عنده كون الزمان من رمضان، ومثله الصورة الثانية، فإنّ نية الإفطار ليست محرمة إلاّ من باب التجرّي، لأنّ الزمان غير صالح لصوم اليوم المعين، وكونه من رمضان غير ثابت، فلا يكون حكمه منجزاً وتكون نيّة الإفطار تجرياً، وأمّا المقام فالصوم هنا منهي عنه، فكيف يصلح لأن يتقرَّب به ويضم إلى الصوم الصالح الذي يتقرّب به.
ومع ذلك ففي النفس ممّا ذكره شيء لما مرّ من أنّ المصحح هو تجديد النية بعد الوقوف على كونه من رمضان وتقبل الصوم الناقص مكان الكامل، فلا يزيد الرياء في الصوم على نية الإفطار، وسيوافيك أنّه غير مبطل.
إذا صام يوم الشكّ ثم نوى الإفطار
إذا صام يوم الشك ثمّ نوى الإفطار، ولم يتناول شيئاً، ثمّ تبيّـن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل ينعقد صومه أو لا؟
الظاهر انعقاده، لأنّه يكون كمن أصبح يوم الشكّ بنية الإفطار ثمّ بان له أنّه من الشهر، فقد مضى أنّه يصحّ إذا جدّد النيّة قبل الزوال.
والتفصيل بين قبل الزوال وبعده مبنيّ على الضابطة الكلية المنتزعة عن موارد مختلفة، بل الصحّة في المقام أولى، لأنّه إذا صحّ فيما إذا نوى الإفطار إلى قُبيل الزوال ثمّ نوى الصوم، فأولى أن يكون صحيحاً فيما إذا كان في جزء منه صائماً وفي جزء آخر ناوياً الإفطار.
إذا نوى الإفطار في شهر رمضان عصياناً
إذا نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم تنعقد نيّته.
قال الشيخ: إذا نوى في أثناء النهار أنّه قد ترك الصوم، أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه، وكذلك الصلاة إذا نوى أن يخرج منها، أو فكّر هل يخرج أم لا؟ لا تبطل صلاته، وإنّما يبطل الصوم والصلاة بفعل ما ينافيهما .وبه قال أبو حنيفة. واستدل على ذلك بأنّ نواقض الصوم والصلاة قد نُصّ لنا عليها، ولم يذكروا في جملتها هذه النية، فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة.(150)
وقال المحقّق: لو نوى الإفطار في يوم رمضان ثمّ جدّد قبل الزوال، قيل: لا ينعقد وعليه القضاء، ولو قيل بانعقاده كان أشبه.(151)
وبذلك يعلم أنّ التشكيك في كون الصحّة قولاً للشيخ ليس بصحيح، لما عرفت من تصريحه في الخلاف، ونقله في المختلف عن المبسوط أيضاً(152)، وذهب أبو الصلاح في الكافي(153)، والعلاّمة في المختلف(154) إلى البطلان; ودليله واضح، لأنّ الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات
ذلك الجزء لفوت شرطه، ويلزم منه فساد الكلّ، لأنّ الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه.(155)
وبذلك يعلم الفرق بين الصوم والصلاة، فانّ كلّ آن من الفجر إلى الليل، جزء من الصوم، فيجب أن يكون مقروناً بنية الصوم، فلو نوى الإتيان بالمُخلّ، فقد أخلى ذلك الجزء من النية، وفات منه الصوم الكامل ولا دليل على قيامه مقام الصوم الكامل.
استدل على الصحّة بوجوه:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يُصبح وهو يريد الصيام ثمّ يبدو له فيفطر؟ قال: هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار».(156)
وجه الاستدلال: هو دلالتها على أنّه بالنيّة قبل الزوال، يُحسب اليوم.(157)
يلاحظ عليه: ظهور الصحيحة في النافلة ، أو الواجب غير المعيّن ولا يعم المعيّن من الصوم خصوصاً شهر رمضان.
وقال الشهيد الثاني: القول بالصحّة مبني على الاجتزاء بنيّة واحدة مع تقدّمها أو على القول بجواز تأخير النيّة قبل الزوال اختياراً، وانّ نيّة المنافي إنّما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النيّة وشرطيّة الاستدامة أو توقف صحّة الصوم عليها غير معلوم. وإن ثبت ذلك في الصلاة.(158)
يلاحظ عليه: أنّ كلا المبنيين غير ثابت: أمّا الثاني، أي جواز تأخير النية، فهو على خلاف الآية الدالة على لزوم مقارنة نيّة الصوم من الفجر إلى الليل، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل)(159). وأمّا الأوّل أي كفاية النية المتقدمة، فلأنّ النيّة ليست إخطاراً بالبال حتى يكتفي بوجودها المتقدم، بل هي عبارة عن الداعي إلى الإمساك المقارن معه إلى نهاية اليوم والمفروض انتفاؤه في جزء من اليوم.
وأمّا القول بأنّ نيّة المنافي، لا ينافي نيَّة الصوم فهو كما ترى.
إذا صام يوم الشكّ بنية واجب معين
لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل يصحّ من رمضان أو لا؟
وذلك كما إذا نذر أن يصوم آخر شهر شعبان، فصام بهذه النية، ثمّ نوى الإفطار عصياناً ولم يتناول المفطر، ثمّ تبيـّن كونه من رمضان، فجدّد النيّة ثانياً.
وجه البطلان: أنّه يشترط في الصوم الواجب المعيّن، اقتران الإمساك في جميع الوقت بنيّة الصوم، والمفروض عدمه في ظرف العصيان، وبما أنّ صومه هذا من الواجب المعيّن، تكون نيّة الإفطار مبطلة.
ويمكن تصحيحه بالبيان التالي: أنّ نيّة الإفطار إنّما تبطل إذا كان هناك أمر فعلي منجّز دونما إذا لم يكن كذلك، والمفروض أنّه قبل التبيّن لم يتنجّز عليه الأمر بالصوم، لجهله بكونه من رمضان، وأمّا الأمر بالصوم بنية الواجب المعين كالنذر، فقد كان أمراً تخيليّاً، أو ظاهرياً ـ حسب اصطلاح القوم ـ ومخالفته لا تكون مؤثِّرة في بطلان الصوم، غاية الأمر تُعدّ مخالفة العلم تجرياً وله حكمه فعلاً وفاعلاً.
وأمّا بعد ما يتنجز الأمر وعلم أنّه من رمضان، فالمفروض أنّه عقد النية ولم ينو الإفطار، بل عقدها إلى الليل.
وإن شئت فنزّل المقام بما إذا أصبح ناوياً للإفطار ولكن لم يتناول المفطر، فتبيّن أنّه من شهر رمضان، فقد مضى أنّه يصحّ من رمضان، بل المقام أولى بالصحّة لكونه صائماً في فترة من اليوم.


98 . الخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.
99 . بداية المجتهد:1/310.
100 . الحدائق الناضرة:13/39.
101 . جواهر الكلام:16/ 211.
102 . المقنعة:302.
103 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4 .
104 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5 .
105 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.
106 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7 .
107 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.
108 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.
109 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.
110 . الوسائل : ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.
111 . الوسائل : ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.
112 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.
113 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.
114 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.
115 . الجواهر:16/211.
116 . الخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.
117 . الخلاف: 2/180، كتاب الصوم، المسألة 23.
118 . مختلف الشيعة: 3/380.
119 . الحدائق الناضرة:13/34.
120 . الجواهر: 16/207.
121 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.وقد أشار المعلِّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي والتهذيب فلاحظ.
122 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5.
123 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.
124 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8 .
125 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4.
126 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 7 .
127 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 9 .
128 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 8 .
129 . الجواهر: 16/211.
130 . مستند العروة:75ـ 76.
131 . الخلاف: 2 / 179، كتاب الصوم، المسألة 21.
132 . مختلف الشيعة:3/383.
133 . الحدائق: 13/44.
134 . مختلف الشيعة:3/384.
135 . مدارك الأحكام: 6/34.
136 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.
137 . مستند العروة: 1 / 76، كتاب الصوم .
138 . كتاب الصوم للشيخ الأنصاري: 121.
139 . الخلاف:2/178، المسألة 20، كتاب الصوم.
140 . المختلف: 3/379.
141 . الحدائق: 13/46.
142 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 6، 7.
143 . السنن الكبرى: 4/288.
144 . الجواهر: 16/214.
145 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2وغيره.
146 . الوسائل: ج 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 وغيره.
147 . الوسائل: ج 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ، الحديث 2وغيره.
148 . مستند العروة : 1 / 78ـ 79 ، كتاب الصوم.
149 . الوسائل: ج 7 ، الباب 33 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.
150 . الخلاف: 2/222، كتاب الصوم، المسألة 89.
151 . الشرائع: 1/140، فروع ثلاثة.
152 . لاحظ المبسوط: 1/278.
153 . الكافي: 182.
154 . المختلف:3/385.
155 . الحدائق: 13/47; المختلف: 2/385.
156 . الوسائل: ج 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم، الحديث13.
157 . الحدائق: 13/48.
158 . المسالك:2/14.
159 . البقرة: 187.