welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
في سفر المعصية
في سفر المعصية

يشترط في وجوب التقصير كون السفر سائغاً، والمراد منه عدم كونه محرماً، سواء أكان واجباً أم مستحباً أم مباحاً أم مكروهاً، ويقابله السفر المحرم.
ثمّ إنّ المراد منه أحد الأُمور التالية:
1. أن يكون نفس السفر بعنوانه محرماً، كما إذا نهى المولى عن السفر بما هوهو.
2. أن يكون السفر محقّقاً لما هو المحرم كالفرار من الزحف، ونشوز الزوجة، وعقوق الوالد، والإضرار بالبدن، فإنّ هذه العناوين تتحقّق بنفس السفر، فإنّ المحرم في لسان الأدلّة شيء، والسفر شيء آخر، لكن السفر محقق لتلك العناوين حتى فيما إذا نذر عدم السفر إذا كان في تركه رجحان، فإنّ الواجب فيه هو الوفاء بالنذر والمحرم هو نقيضه وهو متحقّق بالسفر.
وبذلك يعلم الضعف في كثير من الكلمات حيث يمثلون لكون السفر حراماً بالفرار عن الزحف وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج، وسفر الولد مع نهي الوالدين، في غير الواجب والسفر المضر، مع أنّ المحرم بالذات ليس نفس السفر، غاية الأمر يكون السفر محققاً له.
3. أو كانت غايته أمراً محرماً، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو للسرقة، أو للزنا، أو لإعانة ظالم، أو لأخذ مال الناس ظلماً ونحو ذلك.
4. أو كانت غايته أمراً محللاً، كالتجارة، ولكن ربما يتفق في أثنائه أمر محرم كالغيبة، أو ترك الواجب، وهل الشرط هو خلوه من القسمين الأوّلين أو يعم الثالث أيضاً؟ احتمالات ولنذكر بعض الكلمات:
قال الشيخ الطوسي: ولا يجوز التقصير إلاّ لمن كان سفره طاعة للّه أو في سفر مباح، وإن كان سفره معصية أو اتّباعاً لسلطان جائر لم يجز له التقصير، وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير.(1)
وقال أيضاً: المسافر في معصية لا يجوز له أن يقصر، مثل أن يخرج لقطع طريق، أو لسعاية بمسلم، أو معاهد، أو قاصداً لفجور، أو عبد آبق من مولاه، أو زوجة هربت من زوجها، أو رجل هرب من غريمه مع القدرة على أداء حقّه، ولا يجوز له أن يفطر، ولا أن يأكل ميتة (إذا اضطرّ) . وبه قال الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وزادوا، المنع من الصلاة على الراحلة والمسح على الخفين ثلاثاً والجمع بين الصلاتين.
وقال قوم: سفر المعصية كسفر الطاعة في جواز التقصير سواء. ذهب إليه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.(2)
وقال ابن البراج: وأمّا المباح فهو مثل سفر التجارة وطلب الأرباح لذلك وطلب القوت لأنفسهم ولأهليهم، وأمّا القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً، ومن هو باغ، أو عاد، أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك، ومن طلب الصيد للّهو والبطر.(3)
قال ابن إدريس: السفر على أربعة أقسام: ...والرابع سفر المعصية، مثل سفر الباغي والعادي، أو سعاية، أو قطع طريق، أو إباق عبد من مولاه، أو نشوز زوج من زوجها، أو اتّباع سلطان جائر في معونته وطاعته مختاراً، أو طلب صيداً للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.(4)
وقال ابن سعيد: ويتم العاصي بسفره كاتّباع السلطان الجائر لطاعته، والصائد لهواً وبطراً.(5)
وقال المحقّق: الشرط الرابع أن يكون السفر سائغاً واجباً، كان كحجّة الإسلام، أو مندوباً كزيارة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو مباحاً كالأسفار للمتاجر. ولو كان معصية لم يقصر، كاتّباع الجائر، وصيد اللهو.(6)
هذه كلمات الأصحاب وآراء المذاهب الفقهية.
لا إشكال في دخول القسم الثالث في مورد الروايات، فإنّ الأمثلة الواردة فيها من هذا القبيل، كالسارق في رواية حماد بن عثمان، والسعاية أو الضرر على المسلمين في رواية عمّار بن مروان، وقصد السلطان الجائر في رواية أبي سعيد الخراساني(7)، إلاّ أنّ الكلام في دخول القسمين الأوّلين اللّذين عدهما المشهور قسماً واحداً وإن جعلناه قسمين، فيمكن الاستدلال على دخولها تحت الروايات بوجهين:
الأوّل: الأولوية فإذا وجب التمام فيما هو مباح ذاتاً، محرم غاية فأولى أن يتم إذا كان بنفسه حراماً.
الثاني: شمول إطلاق قوله: «أو في معصية اللّه»في رواية عمّار بن مروان لهما.
و بذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره الشهيد الثاني في روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قال: وقد عدّ الأصحاب من العاصي بسفره مطلق الآبق، والناشز، وتارك الجمعة بعد وجوبها، ووقوف عرفة كذلك، والفارّ من الزحف، ومن سلك طريقاً مخوفاً يغلب معه ظنّ التلف على النفس، أو على ماله المُجحف، وإدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخص كلّ تارك للواجب بسفره لاشتراكهما في العلّة الموجبة لعدم الترخص، إذ الغاية مباحة فإنّه المفروض وإنّما عرض العصيان بسبب ترك الواجب، فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة ونحوها وبين استلزامه ترك غيرها كتعلّم العلم الواجب عيناً أو كفاية، بل الأمر في هذا الوجوب أقوى.(8)وسيوافيك بيان الحال في هذه الموارد.
نعم، السفر المباح الذي ربما يترتب عليه العصيان، كالغيبة، والكذب وغيره فخارج عن مصب الروايات، وإلاّ فلو قلنا بدخولها في الأدلّة، لم يرخص إلاّ للأوحدي إذ قلّما يتّفق لمكلّف عادي أن يخلو في السفر عن العصيان.
وعلى أيّ حال فاللازم دراسة الأحاديث الواردة في ذلك المجال حتى نقف على ما هو الموضوع بحده:
1. روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: «لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلاّ في سبيل حق».(9)
2. وفي خبر حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في قول اللّه عزّوجلّ: (فَمنِ اضْطُرَّ غَيْر باغ وَلا عاد)قال: «الباغي: باغي الصيد(10)، والعادي: السارق، وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، وهي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا في الصلاة».(11)
3. وفي صحيحة عمّار بن مروان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد، أو في معصية اللّه، أو رسولاً(12) لمن يعصي اللّه، أو في طلب عدو أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين».
والرواية حسب نقل الصدوق ينتهي سندها إلى عمّار بن مروان، وعلى نقل الكليني ينتهي سندها إلى محمد بن مروان، وعمار بن مروان ثقة ولكن محمد بن مروان لم يوثّق.
والظاهر صحّة ما في الفقيه، وانّ الخلط تسرب إلى الكافي المطبوع بشهادة انّ الفيض نقله عن الكافي عن عمّار بن مروان.
كما نقله الشيخ في التهذيب عن عمّار بن مروان، ونقله في الحدائق عن الكافي عن عمّار بن مروان.(13)
4. روى سماعة قال: سألته عن المسافر؟ قال: «ومن سافر فقصر الصلاة وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً مشيعاً لسلطان جائر أو خرج إلى صيد...».(14)
5. وعن إسماعيل بن أبي زياد، عن جعفر، عن أبيه، قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: ... والرجل يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع السبيل».(15)
6. وعن أبي سعيد الخراساني، قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)بخراسان فسألاه عن التقصير؟ فقال لأحدهما: «وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني، وقال للآخر: وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان».(16)
لا شكّ في شمول الروايات للسفر الذي يكون ذا غاية محرمة، وقد ورد فيه نماذج من هذا القسم، أعني:
1. السارق، 2. طلب العدوان، 3. طلب الشحناء، 4. السعاية، 5. ضرر على قوم من المسلمين، 6. المحارب الذي يقطع السبيل، 7. قصد السلطان الجائر.
وأمّا القسمان الأوّلان فهما داخلان قطعاً لوجهين:
الأوّل: انّ مانعية القسم الثاني يوجب مانعية القسمين الأوّلين بطريق أولى.
الثاني: قوله: مشيّعاً لسلطان جائر، فإنّ المحرم هناك نفس السفر لا الغاية، فربما لا تلازم المشايعة مع الأمر الحرام، لكن نفس المشايعة حرام بنفسه، أو لكونه محقّقاً لعنوان الإعانة، أضف إلى ذلك: أنّ قوله «في معصية اللّه» يعم القسمين الأوّلين أيضاً.
وأمّا القسم الرابع، أي ما يكون محلّلاً غايةً، ولكن ربما يشتمل على الحرام، كما إذا سافر للتنزه أو الزيارة، ولكنّه يغتاب في أثناء السفر أو يكذب، فهذا القسم خارج عن مصبّ الروايات، لعدم انطباق أحد العناوين السابقة على هذا القسم، ولو كان مثل هذا مانعاً لاختص التقصير بالأوحدي من الناس.
بقي هنا بعض الأقسام:
الأوّل: السفر للفرار من الدين وترك الواجبات
إذا سافر للفرار عن الدين أو لترك صلاة الجمعة بعد وجوبها، أو لترك الوقوف بعرفات ففيه وجوه واحتمالات:
1. يتم مطلقاً، وذلك لأحد وجهين:
الأوّل: انّ أحد الضدين مقدمة لترك الآخر، فيكون السفر مقدمة لترك أداء الدين المحرم، فيكون محرماً لأجل المقدّمية.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ السفر، يلازم ترك الواجب وليس مقدمة ولا دليل على وحدة المتلازمين في الحكم، انّ المتبادر من قوله: «في معصية اللّه» أن يكون السفر محرماً نفسياً ولو لغاية محرّمة لا مقدمياً.
الثاني: انّه وإن لم يكن مقدمة واقعاً، لكنّه في نظر العرف مقدمة وإن لم يكن كذلك في الواقع فيصدق كون السفر في معصية اللّه حسب ما ورد في صحيحة عمّار بن مروان.
يلاحظ عليه: بما عرفت من ظهور الروايات في الحرمة النفسية وأقصى ما يترتب عليه أنّه يكون حراماً مقدّمياً.
2. التفصيل بين كون السفر، مقدمة منحصرة للأمر المحرم بحيث لو كان في الوطن، لأدّى الدين ولو خوفاً على عرضه وأتى بالواجب; وعدمها، بحيث لو لم يسافر أيضاً لأخلّ بالواجب فيتم في الأوّل لكون السفر مقدمة محرمة دون الآخر، إذ عندئذ يكون، ملازماً للحرام ولا وجه لاتحاد المتلازمين في الحكم.
يلاحظ عليه: بأنّ المتبادر من الروايات هو كون السفر حراماً نفسياً، لا حراماً مقدمياً.
3. التفصيل بين كون الغاية من السفر، هو الأمر المحرم كترك أداء الدين وعدمه، فيكون السفر في الأوّل حراماً نفسياً لا مقدّمياً، كما إذا أراد أن يتوصل بالسفر إلى ذلك الأمر المحرم فيكون المورد من مصاديق السفر لغاية محرمة، دون ما لم يرد بل يكفي نفس الالتفات بأنّه يترتب عليه ذلك، فما في العروة من التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصل إلى ترك الواجب أو لم يكن. ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني، ناظر إلى إدخال السفر، تحت الأسفار ذات الغاية المحرّمة فذكر قصد التوصل، أو الالتفات للإشارة إلى القسمين وإلاّ فالمعيار كون السفر، ذا غاية محرمة والتوصل والالتفات طريقان إلى العلم بكونه كذلك.
وعلى ذلك لا وجه للاحتياط بالجمع في الثاني، حيث لا يكون السفر عنده محرماً.
***
الثاني: السفر بالدابة المغصوبة
إذا كان السفر مباحاً، لكن ركب دابة غصبية أو مشى في أرض مغصوبة فهل هو يقصّر، أو يُتم؟ الظاهر التفصيل بين الأوّل فيقصر، والثاني فيتم.
أمّا الأوّل: فهو يقصر ولا تزاحمه غصبية الدابة، لأنّ المقياس في المنع عن التقصير كون نفس السفر محرماً ولو لأجل غاية محرمة، لا ما إذا اتحد مع عنوان محرم أو صار ملازماً معه كما في المقام، فإنّ نفس السفر ليس بحرام أي ليس من الأقسام الثلاثة الأُوَل، وإنّما الحرام هو الاستيلاء على الدابة وهو متحد مع السفر أو ملازم معه، وهذا نظير ما إذا سافر مع لباس مغصوب.
وأمّا الثاني: فلأنّه لا يشترط في إيجاب التمام كون نفس السفر بعنوانه محرماً وإلاّ لزم وجوب التقصير في القسم الثاني من الأقسام الأربعة، فإنّ المحرم بالذات فيها هو عبارة عن الفرار عن الزحف، أو عقوق الوالدين، أو نشوز الزوج، أو الإضرار بالبدن، لا السفر بل يكفي كون السفر محقّقاً وممثِّلاً لما هو المحرم، ومثله المقام فإنّ الغصب والتصرف العدواني، يتحقّق بالسير على الأرض المغصوبة.
وبذلك يظهر الفرق بين هذا والسفر بلباس مغصوب، فإنّ الغصب في الثاني يتحقّق باللبس، سواء كان هناك سفر أو لا، وليس السفر دخيلاً في تحقّق ذلك العنوان بخلاف السير في الأرض المغصوبة فإنّه محقّق للغصب. واللّه العالم.
***
الثالث: في بيان حكم التابع
واعلم أنّ التابع للجائر، تارة يسافر معه، وأُخرى يسافر وحده لكن بأمره، فهنا بحثان:
الأوّل: إذا سافر التابع مع الجائر، فإمّا أن يكون مجبوراً في التبعيّة بحيث لولاه لانهارت معيشته ولم يكن هناك ما يزيل به علّته، أو مكرهاً، أو قاصداً لدفع المظلمة عن المضطهدين بحيث تكون التبعيّة لأجل الأغراض الصحيحة، ففي جميع تلك الصور يقصِّر لعدم حرمة السفر.
وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن اختار التبعيّة طمعاً في مال الدنيا، قال السيد الطباطبائي: «و كانت تبعيته إعانة الجائر في جوره وجب عليه التمام» وكان عليه أن يعطف عليه أو كونه سبباً لعدّه من أعوان الظلمة، وإن كان نفس العمل حلالاً كالكتابة والمحاسبة، أو موجباً لتقوية شوكته، لكونه من ذوي الجاه، ففي جميع الصور يتم لكون السفر محرماً، وقد مرّقوله (عليه السلام): «أو مشيّعاً لسلطان» في رواية عمّار بن مروان اليشكري.
و ربما يختلف حكم التابع عن المتبوع، فالثاني يقصر إذا كان سفره مباحاً لكونه قاصداً الزيارة فهو يقصر والتابع يتم، لكون سفره معصية لكونه إعانة للظالم.
الثاني: في حكم التابع إذا لم يسافر مع الجائر.
إذا كان التابع موظفاً في دائرة الجائر وإن كان للخدمة أو الكتابة والمحاسبة، فأمره بالسفر يأتي فيه التفصيل السالف الذكر في الأمر الأوّل. فإن كان سفره إعانة للظالم في ظلمه، كما إذا سافر لإبلاغ رسالته إلى بلد خاص وكانت الرسالة تحمل حكماً جائراً على خلاف الكتاب والسنّة فيتم بلا إشكال، لأنّ السفر محرَّم، بحرمة غايته، وما جاء في العروة الوثقى من أنّ الأحوط الجمع لا وجه له.
وأمّا إذا لم يعد سفره إعانة للظالم، كما إذا استأجره للحج عنه، أو لأمر مباح، فالواجب القصر.
***
السفر للصيد
إذا سافر للصيد فله أقسام:
1. سافر لقوته وقوت عياله.
2. سافر للتجارة.
3. سافر لهواً وبطراً، والمراد من اللهو، لهو الاشتغال بما لا ينفع. والبطر هو العمل الحاكي عن الطغيان.
وهذه المسألة ممّا انفردت بها الإمامية، وأمّا المذاهب الأربعة، فقد اتّفقوا على جواز القصر في الصيد مطلقاً.
وإليك كلماتهم:
قال المفيد: ومن كان سفره في معصية اللّه جلّوعزّ، أو صيد لهو وبطر، أو كان تابعاً لسلطان الجور في المعونة له عليه، فهو داخل في حكم المسافر في العصيان.(17)
قال الشيخ: أو طلب صيد للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة، فأمّا الصيد فإن كان لقوته أو قوت عياله فهو مباح، وإن كان للتجارة دون الحاجة روى أصحابنا أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.(18)
وقال أيضاً: وكذلك إن كان سفره إلى صيد لهو أو بطر لم يجز له التقصير، وإن كان الصيد لقوته وقوت عياله وجب أيضاً التقصير، وإن كان صيده للتجارة وجب عليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم.(19)
وقال أيضاً: إذا سافر للصيد بطراً أو لهواً لا يجوز له التقصير، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.(20)
وقال الحلبي: وفرض التمام يختص المسافر في معصية، والمسافر للّعب والنزهة.(21)
وقال ابن البراج: وأمّا السفر القبيح فهو مثل سفر متبع السلطان الجائر مختاراً ومن هو باغ أو عاد أو يسعى في قطع الطريق، وما أشبه ذلك ومن طلب الصيد للّهو والبطر... ومن كان سفره في طلب صيد التجارة لا لقوته وقوت عياله وأهله.(22)
وقال ابن إدريس: أو طلب صيد للّهو والبطر، فإنّ جميع ذلك لا يجوز فيه التقصير لا في الصوم ولا في الصلاة.
فأمّا الصيد الذي لقوته وقوت عياله، فإنّه يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة.
فأمّا إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت، روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم.
وكلّ سفر أوجب التقصير في الصلاة أوجب التقصير في الصوم، وكلّ سفر أوجب التقصير في الصوم أوجب تقصير الصلاة إلاّ هذه المسألة فحسب للإجماع عليها، فصار سفر الصيد على ثلاثة أضرب، وكلّ ضرب منها يخالف الآخر ويباينه.
فصيد اللّهو والبطر، يجب فيه تمام الصلاة والصوم; وصيد القوت للعيال والنفس، يجب فيه تقصير الصلاة والصوم، بالعكس من الأوّل; وصيد التجارة يجب فيه تمام الصلاة وتقصير الصوم.(23)
وقال ابن سعيد: التقصير في السفر فرض إذا كان طاعة أو مباحاً والصيد للقوت من ذلك، فإن صاد للتجارة أتم صلاته وقصّر صومه، ويتم العاصي بسفره كاتباع السلطان الجائر لطاعته والصائد لهواً وبطراً.(24)
وقال المحقّق في «الشرائع»: لو كان السفر معصية لم يقصر كاتباع الجائر وصيد اللهو، ولو كان الصيد لقوته وقوت عياله قصر، ولو كان للتجارة قيل يقصر الصوم دون الصلاة، وفيه تردّد.(25)
حاصل الأقوال:
1. انّه يقصر ويفطر إذا كان لقوته وقوت عياله.
2. لا يقصر ولا يفطر إذا كان للّهو والبطر.
3. وأمّا إذا كان للتجارة ففيه قولان:
ألف. يقصر ويفطر، وهو الظاهر من المحقّق وممن اقتصر بإخراج الصيد لغاية اللهو والبطر ولم يذكر الآخرين; كالمفيد في المقنعة، والشيخ في الخلاف، والحلبي في الكافي، وابن البراج في المهذب.
ب. يتم الصلاة ويفطر الصوم، وعليه الشيخ في المبسوط والنهاية، وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في جامعه، وماقيل من الملازمة بين الإفطار والقصر، صحيح لكنّه خرج المورد بدليل.
وهل السفر للصيد اللهوي والبطري حرام فيكون كلّ الإتمام والصوم موافقاً للقاعدة، أو السفر مانع، لأنّ مطلق اللهو ليس بحرام إلاّ ما استثني من القمار والمزمار، وليس الصيد كذلك بحرام بشهادة كونه جائزاً في الوطن، فلا يكون السفر للصيد لأجل اللّهو حراماً فالحكم تعبديّ.
فلندرس الروايات الواردة في المقام لتنقيح الموضوع جليّاً.
أقول: يقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: حكم الصلاة والصوم في الموارد الثلاثة:
فنقول: إنّ الروايات الواردة على طوائف ثلاث:
الطائفة الأُولى: ما يدل على أنّ السفر للصيد لا يوجب القصر:
1. خبر حماد بن عثمان(26) في قوله اللّه عزّوجلّ: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد) .(27)
قال: الباغي: باغي الصيد، والعادي: السارق(28) والمراد من الباغي، أي طالب الصيد، فلا يجوز له أكل الميتة إذا اضطرّ.
2. صحيح عمار بن مروان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر، إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد».(29)
3. ما رواه الصدوق في الخصال، عن أبي الحسن الأوّل، قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): أربعة يفسدن القلب ويُنبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد».(30) ودلالته على عدم جواز القصر، لأجل كونه من مصاديق سفر المعصية فيتم للضابطة.
الطائفة الثانية: ما يدل على عدم الفرق بين سفر الصيد،
وغيره:
1. روى الصدوق، عن العيص بن القاسم; والشيخ، عن عبد اللّه بن سنان، أنّهما سألا الصادق(عليه السلام)عن الرجل يتصيّد فقال: «إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت فليقصر».(31)
ولعلّ الوقت كناية عن الحدّ، فالدائر حول البلد، لا يقصر، والمتجاوز عنه يقصر. وقال في الوسائل: «الفرض هنا اشتراط المسافة».
2. صحيح الحسن بن محبوب، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام، وإذا جاوز الثلاثة لزمه».(32)
والتفصيل بين الثلاثة وغيرها محمول على فتوى أبي حنيفة، حيث اشترط قطع مراحل ثلاث في ثلاثة أيّام.
الطائفة الثالثة: الروايات المفصِّلة بين اللهو وغيره
1. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والبزاة والكلاب يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصر من صلاته أم لا يقصّر؟. قال: «إنّما خرج في لهو لا يقصّر».(33)
2. سألته عن الرجل يشيّع أخاه اليوم واليومين في شهر رمضان، قال: «يفطر ويقصّر، فإنّ ذلك حقّ عليه».(34)
3. موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن الرجل يخرج إلى الصيد أيقصّر أو يتم؟ قال: «يتم لأنّه ليس بمسير حق».(35) والمراد بقرينة الرواية السابقة هو اللهو، لأنّ الصيد لطلب القوت ليس على خلاف الحقّ قطعاً.
4. روى الشيخ باسناده، عن أحمد بن محمد، عن عمران بن محمد بن عمران القمي(36)، عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصر أو يتم؟ فقـال: «إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر، وإن خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة».(37)
و هل المراد من طلب الفضول، فضول المال، فيعم الصيد للتجارة، أو يراد منه اللهو كناية؟ وعلى كلّ تقدير، فلو عمّ التجارة، فقد أعرض عنها الأصحاب في مورد الصوم، لاتّفاقهم على كونه يفطر.
و أمّا ما رواه الشيخ، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد السياري، عن بعض أهل العسكر، قال: خرج عن أبي الحسن أنّ صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة، فإذا عدل عن الجادة أتم، فإذا رجع إليها قصر.(38) فالسياري ضعيف للغاية، فحديثه ساقط بلا حاجة لتأويله وإن أوّله صاحب الوسائل بوجه بعيد.
وعلى كلّ تقدير فبفضل الطائفة الثالثة، يعالج التعارض بينها بحمل كلّ من الروايات المانعة والمجوزة على موردهما من اللهو، وتحصيل القوت.
بقي الكلام في سفر الصيد للتجارة به:
فهناك قولان ولكن الاحتمالات ثلاثة:
1. التقصير والإفطار، 2. الإتمام والإفطار، 3. الإتمام في الصلاة والصيام.
والظاهر هو الأوّل أي بقاؤه تحت عمومات القصر، ولم يدل دليل قطعي على خروجه عنها، لأنّ ما ورد في الطائفة الثانية عبارة عن العناوين التالية:
أ. خرج في لهو.
ب. ليس بمسير حق.
ج. خرج لطلب الفضول فلا ولا كرامة.
ومن المعلوم عدم شمول الأوّلين للصيد من أجل التجارة، وإنّما الكلام في قوله لطلب الفضول فهو بظاهره وإن كان شاملاً للتجارة بأن يكون المراد طلب الزيادة، ولكن الرواية مرسلة أوّلاً، وضعيفة الدلالة ثانياً، حيث قال: فلا، ولا كرامة; ولذلك لا يمكن تخصيصها بمثل هذه الرواية.
وأمّا الثاني فليس له مصدر سوى ما نقلناه عن الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر حيث قالا: روى أصحابنا أنّه يتم الصلاة ويفطر الصوم، مع أنّه غير موجود في جوامعنا الحديثية وهناك احتمالان:
الأوّل: استنباط التفصيل باعتبارات عقلية ممّا بين أيدينا من الروايات.
الثاني: وجود رواية وصلت إليهم ولم تصل إلينا، وقد استقرب الثاني سيد مشايخنا البروجردي لحسن ظنه بالقدماء، ويؤيده ما في فقه الرضا (عليه السلام)قال: ومن خرج إلى صيد فعليه التمام إذا كان صيده بطراً وشرهاً، وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم، وإذا كان صيده اضطراراً ليعوده على عياله، فعليه التقصير في الصلاة والصوم.(39)
إنّ فقه الرضا ليس كتاباً روائياً، بل هو كتاب فتوى ألّفه عالم خبير بالروايات وجمع فيه لبّ ما جاء فيها بعد تقييد العام بخاصه، والمطلق بمقيده وهو يكشف عن وجود الرواية، ومع ذلك لا يمكن الاعتماد على مثله لعدم إحراز حجّيته.
وأمّا الثالث فهو احتمال، إذ لا قائل في الصلاة والصيام إذا كان الصيد للتجارة لكنّه ورد في رواية زيد النرسي، وجاء فيها: وإن كان ممّن يطلبه للتجارة وليست له حرفة إلاّ من طلب الصيد، فإنّ سعيه حقّ و عليه التمام في الصلاة والصيام، لأنّ ذلك تجارته فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور الأسواق في طلب التجارة.(40)
والالتزام بكلّ من القول الثاني والاحتمال الثالث مشكل، أمّا ما في الفقه الرضوي، فإنّه يخالف الضابطة الواردة في صحيحة معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».(41)
وأمّا ما في رواية زيد النرسي منقولاً عن أصله فرفع اليد بها عن عمومات التقصير في الصلاة والصوم مع كون التجارة أمراً مرغوباً أمر مشكل، والأقوى كون الصيد لطلب التجارة حلالاً تكليفاً، والصائد يقصر ويفطر.
المقام الثاني: في حكم السفر اللهوي تكليفاً
قد عرفت اتّفاق الروايات والفتاوى على الإتمام والصيام في السفر للصيد اللهوي.
إنّما الكلام في كون العمل حلالاً تكليفاً وإنّ عدم جواز القصر والإفطار حكم تعبدي، أو هو فعل محرم وعدم الجواز على وفاق القاعدة لأنّه من أقسام سفر المعصية.
أمّا الفتاوى فلا تظهر القول بالحرمة من القدماء، إلاّ ابن البراج(42) فإنّه جعله من قبيل السفر القبيح كما تقدم، وأمّا الشيخ فقد جعل السفر للصيد اللهوي قسماً لسفر المعصية، قال: فإن كان سفره معصية، أو اتباعاً لسلطان جائر، لم يجز له التقصير، ولذلك (أي كونه سفر معصية) إن كان سفره إلى صيد لهو وبطر لم يجز له التقصير.(43)
وأمّا الخلاف، فقد عقد الشيخ فيه مسألتين، خصّص إحداهما بمسألة سفر المعصية، والأُخرى بسفر الصيد.(44)
وقال ابن إدريس: والمسافر في طاعة إذا مال إلى الصيد لهواً وبطراً، وجب عليه التمام.(45)
وقال ابن سعيد: فإن عدل في طريقه إلى صيد لهو وبطر أتمّ.(46)
و أوّل من صرّح بالحرمة التكليفية هو المحقّق في الشرائع، وتبعه غيره;إنّما المهم دراسة الأدلّة.
ويمكن استظهار الحرمة من رواية حماد بن عثمان، حيث قال في تفسير قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَ لا عاد)(47)، الباغي باغي الصيد والعادي السارق، وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها، هي عليهما حرام ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، وليس لهما أن يقصرا الصلاة.(48)
وجه الدلالة، انّه جعله عِدْل السارق.
وأمّا النهي عن أكل الميتة بالنسبة إليهما، فهو راجع إلى بعض الحالات، كما إذا هجم عليهما الجوع، بحيث لو لم يأكلا لزم الحرج الشديد، ففي هذه الحالة لا يجوز لهما أكل الميتة كما يجوز لسائر المسلمين، وأمّا إذا كان هناك خوف على النفس بالموت جوعاً فهو جائز قطعاً، من غير فرق بين الصائد والسارق وغيرهما.
ويمكن استظهار الحرمة من قوله: «لأنّه ليس بمسير حق».(49) وقوله: «إنّ التصيّد مسير باطل».(50) وقوله: «أربعة يفسدن القلب وينبتن النفاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد».(51)
فإنّ المراد من الباطل في المقام ليس الباطل الوضعي، لأنّ المفروض أنّ الصائد يتملك إذاكان صيده للّهو، فيرجع البطلان إلى العمل ويساوق الحرمة.
نعم الذي يبعد الحرمة هو كثرة الابتلاء بالصيد اللهوي، مع عدم ورود رواية صريحة على حرمته، ولأجل ذلك فالأحوط تركه.
نعم لا فرق بين صيد البر والبحر، لإطلاق الأدلّة، وما ورد في رواية زرارة «من الصقورة والبزاة والكلاب»(52) لا يدل على الاختصاص بعد إطلاق الأدلّة.
كما لا فرق بعد فرض كونه سفراً، بين كونه دائراً حول البلد، وبين ابتعاده عنه، لإطلاق الأدلّة.
كما لا فرق بين استمراره ثلاثة أيام وعدمه.
وما ورد في خبر أبي بصير لا مجال للعمل به.(53)
الرجوع عن سفر المعصية
إذا كان السفر سفر معصية لا يُقصر فيه الصلاة، فهل الرجوع عنه بحكم الذهاب أو لا، أو فيه تفصيل؟ فهناك صور:
1. إذا رجع عن سفره بعد ارتكاب المعصية وبعد تخلّل إحدى القواطع كالإقامة أو المرور على الموطن أو غيرهما، فلا شكّ أنّ الرجوع يكون موضوعاً مستقلاً يتَّبع حكمُه واقعية السفر الثاني من كونه سفراً سائغاً أو غير سائغ، ولمّا كان المفروض أنّه سائغ يقصر.
2. إذا تاب بعد ارتكاب المعصية وهو بصدد الرجوع، فالظاهر أنّ السفر الثاني موضوع مستقل لا يدخل تحت روايات الباب، كصحيحة عمّار بن مروان من قوله: «أو في معصية اللّه»، أو قوله: « لأنّه ليس بمسير حق»، أو قوله: «مسير باطل» خصوصاً إذا كان الرجوع لأجل تحصيل القوت لنفسه ولعياله، وذلك لأنّ تخلل التوبة فَصَلَ الإيابَ عن الذهاب موضوعاً، فقد كان عاصياً حين الذهاب وأصبح طائعاً وتائباً حين الإياب.
3. إذا لم يتب من عصيانه عند الإياب فهل يقصر أو لا؟ فيه وجوه:
أ. إنّ الإتمام والقصر يتبعان كون السفر سفرمعصية أو طاعة والمفروض أنّ الإياب ليس داخلاً في الأوّل وهو يكفي في القصر، لأنّ المقتضي وهو طيّ المسافة موجود، والمانع وهو العصيان مفقود، فيؤثّر المقتضي.
ب . إنّ الاياب يعدُّ من توابع الذهاب، فالعرف يعدّ كلاًّ من الذهاب والإياب سفراً واحداً محكوماً بالحرمة دون جعل فاصل بينهما.
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع ليس هو السفر الواحد حتى يقال بأنّ الإياب جزء من الذهاب بل هو السفر الواحد الذي ينطبق عليه ابتداءً وانتهاءً أنّه سفر معصية، والمفروض أنّه ينطبق على الذهاب فقط دون الإياب.
ج. التفصيل بين عدِّ الإياب جزءاً من السفر عرفاً أو سفراً مستقلاً وعليه أكثر المعلِّقين على العروة.
يلاحظ عليه: بما ذكرناه من الملاحظة السابقة، فإنّ الموضوع عبارة عن السفر الواحد المنطبق عليه عنوان المعصية، وهو غير حاصل في المقام والدليل عليه أنّ الغاية هي السبب لوصف السفر بالعصيان فمادامت الغاية المترتبة عليه غير حاصلة بعدُ يُوصف السفر بالعصيان والحرمة، فإذا حصلت الغاية وتمّ الأمر فلا يوصف الجزء الآتي بعدَ الغاية بالحرمة والعصيان، لأنّ الغاية المحرمة المترتبة توجب كون السفر المترتبة عليه الغاية معصية لا الغاية المتحقّقة التي يعقبها سفر آخر.
فالأقوى أنّ الإياب موضوع للسفر المباح، فيقصر إذا كان مسافة شرعية.
شرطية إباحة السفر ابتداء واستدامة
لا شكّ أنّه إذا كان تمام السفر لغاية مباحة، يُقصّر فيه الصلاة، كما أنّه إذا كان تمامه لغاية محرّمة يتم فيه الصلاة، إنّما الكلام إذا كان السفر مباحاً ابتداءً فقصد المعصية في الأثناء، أو كان سفره ابتداءً معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة، وقد خصّ السيد الطباطبائي المسألة الثالثة والثلاثين لبيان حكم هذين الفرعين مع بعض شقوقهما.
وقبل دراسة أحكام بعض الشقوق وأدلّة الباب، نذكر ما هو المحتمل في هاتين الصورتين، وإن كان التصديق الفقهي يتوقف على الإمعان في الأدلّة، فنقول: فيهما احتمالات ثلاثة:
1. الأخذ بإطلاق أدلّة الترخيص غاية الأمر خرج عنه ما إذا كان المجموع سفراً محرماً، لا بعضه.
2. الأخذ بإطلاق أدلّة الباب، وأنّ وزانها بالنسبة إلى الأدلّة المرخصة وزان المخصّص أو المقيّد، فيكون موضوع أدلّة المرخصة، المسافر غير العاصي بسفره، والسفر الواحد إذا كان بعض أجزائه سفراً محرماً، يصدق عليه أنّه عاص بسفره، أو أنّ سفره في غير مسير الحق أو في مسير الباطل.
3. إنّ الحكم من حيث القصر والإتمام يختلف حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الطاعة والعصيان، ففي السفر الواحد سواء كان على حدّ المسافة الشرعية أو أزيد يُقصِّر في حالة الطاعة، ويتمّ في حالة العصيان، كما هو الحال عند اختلاف حال المكلّف بالنسبة إلى الحضر والسفر، فإن صلّى الظهر في أوّل الوقت في الحضر، أتم وإن سافر بعده، كما أنّه إن صلاها في السفر يُقصِّـر وإن حضر بعد الصلاة وكان الوقت باقياً.
هذه هي المحتملات قبل دراسة الأدلّة، وإليك تحليل المسألة مع شقوقها الواردة في العروة بتقديم وتأخير.والمهمّ في المقام، هو تبيين أنّ المرجع هل هو الأدلّة المرخصة، أو روايات الباب فقط فنقول: إنّ العدول يتصور على وجهين:
الأوّل: لو عدل في الأثناء إلى المعصية
لو كان في ابتداء سفره مطيعاً وصار في أثنائه عاصياً، فله صورتان:
الأُولى: لو سافر بنية سائغة ثمّ عدل إلى المعصية قبل قطع المسافة انقطع ترخّصه ووجب عليه الإتمام فيما بعد، وأمّا ما صلاه قصراً قبل العدول، فمقتضى القاعدة هو الصحّة نظير من صلّى وعدل عن السفر قبل قطعها حيث قلنا بأنّه لا تجب إعادتُها، فهنا دعويان:
إحداهما: أنّه يتم فيما بعد، لأنّ المرجع هو روايات الباب لا الأدلّة المرخصة، لأنّ موردها ما إذا قطع مسافة بنيّة الطاعة، لا ما إذا قطعها ملفقة بنيّتين.
ثانيهما: صحّة ما صلّى قصراً لما عرفتَ أنّ الصحّة مقتضى القاعدة، سواء أكان هناك نصّ أم لا، لأنّه أتى ما أتى، بأمر الشارع وقد انطبق عليه عنوان الفريضة وقام الإجماع على عدم وجوب صلاتين من فريضة واحدة في يوم واحد، تكون النتيجة هي الإجزاء. غاية الأمر النص موجود في المسألة السابقة (عدل عن أصل السفر) دون المقام وهو غير مؤثِّر.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره)استشكل على الصحّة وحاصل ما أفاده: انّ ظاهر الأدلّة كون الموضوع قطع البريدين عن قصد لا مجرّد القصد فقط وإن لم يقطع المسافة وليس المقام مثل الإقامة التي يكفي فيها مجرّد قصدها، وإن عدل بعد القصد عن الإقامة عشرة أيّام إذا صلّـى بعد القصد وقبل العدول رباعية.
يلاحظ عليه: نحن نفترض أنّ الموضوع هو قطع المسافة عن قصد، فلا يكفي أحد الجزءين، لكن تجويز الشارع أداء الصلاة في حدّ الترخص قبل العدول عن القصد يدل بالدلالة الالتزامية على أنّه اقتنع في امتثال تكاليفه بما أتى لكونه وافياً بملاك الواجب الواقعي، وإلاّ لما أمر.
أضف إلى ذلك أنّه من المحتمل أن يكون الموضوع لصحّة الصلاة قبل قطع المسافة هو نفس القصد وإن تعقبه العدول، نعم الموضوع بعد القطع هو البريدان عن قصد.
الثانية: إذا قطع مسافة شرعية بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى قصد المعصية لسفره وكان الباقي مسافة شرعية لكن لم يكن سفراًمستقلاً (كما إذا ابتدأ به بعد المرور على الوطن أو بعد الإقامة عشرة أيام وإلاّ فالتمام متعيّن بلا إشكال) بل كان الباقي استمراراً لما ابتدأ به من السفر بنية سائغة، فهل العدول إلى المعصية يوجب التمام أو لا ؟فيه احتمالات ثلاثة ماضية. والأقرب إلى الاعتبار هو الإتمام لما علمت أنّ التقصير هدية إلهيّة وإرفاق منه سبحانه للمسافر، وهو يناسب المطيعَ في سفره، فإذا كان السفر مختوماً بالشر والعصيان، فالمناسبة المزبورة تقتضي كونه محكوماً بالإتمام، ولا يكفي وجوده (قصد السفر بنيّة الطاعة) الحدوثي، وكفايته في بعض الأحيان كما في مورد الإقامة على ما مرّ لا يكون دليلاً على المقام، نعم هو صحيح في مورد المحدود والسارق والقاتل، ومعنى ذلك كون الطاعة شرطاً ابتداء واستدامة.
والحاصل هل المرجع في المقام هو أدلّة الباب، أو الأدلة المرخّصة للتقصير؟ والظاهر هو الأوّل لأنّ المناسبة بين الموضوع والحكم تقتضي كون الطاعة شرطاً في الابتداء والاستدامة.
والظاهر من الشيخ الأعظم في تعليقته على نجاة العباد، هو التقصير.(54)والمرجع عنده هو إطلاق الأدلّة المرخّصة الشاملة للمقام، وقد خرج منها ما إذا كان مجموع السفر معصية للّه تبارك وتعالى.
توضيحه: أنّ الأدلّة المرخّصة قبل انضمام روايات الباب (سفر المعصية) مطلقة تعم جميع أقسام السفر سائغه ومحرمه، وأمّا روايات الباب، فقد قيدت الموضوع وجعلته أمراً مركباً من قطع الثمانية بشرط أن لا يكون المسير باطلاً، أو يكون المسير حقّاً، أو في غير معصية اللّه من دون أن تتصرف في إطلاق الحكم، وكأنّه قال: «المسافر في سبيل الحقّ أو في غير سبيل الباطل يقصّر». والمفروض تحقّق الموضوع مع قطع الثمانية فراسخ بنيّة سائغة، وعند ذاك يكون محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً وإن كان القطع بعدها في غير سبيل الحقّ. والحاصل أنّ روايات الباب لم تتصرف في إطلاق الحكم، وإنّما تصرفت في الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع في الفترة الأُولى وهو كاف في كونه محكوماً بالقصر على وجه الإطلاق مادام مسافراً.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الالتزام بذلك على إطلاقه مشكل، فلو افترضنا أنّه قصد مائة فرسخ، وقد قطع ثمانية فراسخ بنيّة الطاعة ثمّ عدل إلى نيّة المعصية، فالالتزام بالقصر في بقية المسافة بعيد جدّاً، وهل العاصي بسفره يستحقّ الإرفاق؟!
ثانياً: أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونه قيداً لجميع أجزاء السير لا بالمقدار المحصل للموضوع على الوجه الأقل لكونه إرفاقاً منه سبحانه للطائع لا للعاصي وتصور كونه مطيعاً في فترة من الزمن سبب للإرفاق دائماً وإن انقلب إلى ضدّه بعيد عن الأذهان.
ثالثاً: أنّ ما ذكره من الوجه، احتمال في مقابل احتمال آخر، فكما يحتمل أن يكون قيداً للموضوع يحتمل أن يكون قيداً لإطلاق الحكم، نعم لو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي ولم يعلم كون المرجع هو روايات الباب أو الأدلّة المرخصة، فالمرجع هو الأصل العملي ومقتضاه هو القصر.
تقريب للمحقّق الخوئي
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي(قدس سره)ذكر وجهاً آخر، للقول بالتقصير، وحاصله: أنّ السفر بنيّة سائغة مقتض للقصر مطلقاً مالم ينقطع بقاطع مقتض للتمام، وأمّا سفر المعصية فهو ليس بمقتض للتمام، فإنّه لا يقتضي القصر وليس هو كالمرور على الوطن المقتضي للتمام، وعلى ذلك فاللازم العمل بمقتضي القصر ما لم ينقطع بمقتضي التمام.(55)
إنّ الظاهر من الأدلّة، أنّ سفر المعصية من قبيل المانع لاقتضاء السفر للقصر، فلو تمّ الإطلاق في ناحية المانع، فلا يكون فرق بين الحدوث والبقاء، لا أقول إنّ سفر المعصية مقتض للتمام وإنّما هو مانع عن تأثير المقتضي للقصر، فالمرجع بعد ممنوعية المقتضي للقصر، هو أدلّة التمام فإنّه الأصل في الصلاة، وغيره يحتاج إلى الدليل.
***
الوجه الثاني: لو عدل في الأثناء إلى الطاعة
هذا هو الوجه الثاني الذي عقدت المسألة لبيانه وحاصله: أنّه لو سافر بنية المعصية فعدل عنها في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر سواء كانت المسافة امتدادية أو تلفيقية، وسواء كان الذهاب أربعة أو أقل على ما مرّ.
إنّما الكلام في مورد آخر وهو ما إذا لم يكن الباقي مسافة امتدادية ولا تلفيقية، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالقصر وإن احتاط بالجمع بين القصر والتمام احتياطاً استحبابياً.
وجّه ما ذكره بقوله: فإنّ المدار على حال العصيان والطاعة، فمادام عاصياً يُتمّ، ومادام مطيعاً يقصر من غير نظر إلى كون البقية مسافة أو لا.
توضيحه: أنّ أدلّة الترخيص لها إطلاق أفرادي وإطلاق أحوالي، فما دلّ على الإتمام في سفر المعصية أخرجه عن تحت الإطلاق الأحوالي لا عن الإطلاق الافرادي، فعلى ذلك فالعاصي في سفره في الابتداء لم يخرج عن تحت عمومات القصر خروجاً موضوعياً، وإنّما خرج عن إطلاقه الأحوالي فقط بمعنى أنّ المسافر في حال الطاعة يقصر وفي حال العصيان يتم، فإذا كان كذلك فالمسافر بنية العصيان لم يخرج موضوعياً وإنّما خرج أحوالياً، فإذا زال العصيان وعادت الطاعة يشمله الدليل موضوعياً وأحوالياً.
وإن شئت قلت: إنّ الموضوع حَسَبَ الأدلّة هو من قصد الثمانية، سواء كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، وهذا هو مقتضى الإطلاق الأحوالي.
ثمّ إنّ أدلّة الباب خصصت الأدلّة المرخصة في جانب الإطلاق الأحوالي من دون أن تمس كرامة الموضوع فمن كان في ابتداء سفره عاصياً فقد بقي تحت الأدلّة المرخصة وإنّما خرج عن تحت إطلاقه الأحوالي، أعني قولنا: سواء كان بنية الطاعة أو بنية العصيان، فمادام كونه عاصياً لا يشمله إطلاق الحكم وإن كان باقياً تحت الموضوع، فإذا عاد إلى الطاعة يشمله الدليل المرخص موضوعاً وحكماً.
يلاحظ عليه: أنّ هذه الفروض، فروض ذهنية لا يمكن الاعتماد عليها والشاهد عليه انّه اسْتُظهِر(56) في مسألة واحدة تارة أنّ إباحة السفر مأخوذ في الموضوع وقيد له، وأُخرى أنّه قيد للحكم وتقييد لإطلاقه غير مأخوذ في الموضوع.
ففي الصورة الأُولى، أعني: ما إذا كان في ابتداء سفره مطيعاً وقد قطع ثمانية فراسخ بها ثمّ عاد إلى العصيان، جعل الشيخ الأعظم نيّة الإباحة قيداً للموضوع، ولأجل ذلك حكم بالقصر في حالة العصيان احتجاجاً بتحقّق الموضوع في فترة خاصة، وهو يكفي في بقاء الحكم حتى في حالة العصيان.
وفي الصورة الثانية، أي فيما إذا كان عاصياً في ابتداء السفر ومطيعاً في منتهاه، وكان المجموع بمقدار المسافة جعل السيد الطباطبائي نية الإباحة قيداً للحكم ومقيداً لإطلاقه لا قيداً للموضوع من دون أن يخرج العاصي في ابتداء السفر عن تحت الأدلّة المرخّصة، وإنّما خرج عن تحت إطلاق الحكم، فبما أنّ العاصي في أوّل سفره والمطيع في آخره باق تحت الأدلّة المرخّصة، فما دام عاصياً يتم، وإذا عدل إلى الطاعة يقصر.
كلّ ذلك يعرب عن أنّ تلك الاستظهارات لا تعتمد على أصل صالح للاحتجاج، وإنّما هي ذوقيات فوق مستوى الأفهام العرفية، فالذي يمكن أن يقال أنّ مناسبة الحكم والموضوع ومقتضى أنّه هدية إلهية إنّ نيّة الإباحة قيد لجميع أجزاء السفر الواحد.
وبما أنّ قسماً منه كان بنيّة المعصية لا تشمله الأدلّة المرخّصة ولو قصرت يد الاجتهاد عن الدليل الاجتهادي فمقتضى الأصل العملي هو التمام.
مسألة: لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية
لو كانت غاية السفر ملفقة من الطاعة والمعصية فلها صور:
1. أن يكون كلّ من الداعيين مستقلين بحيث لو فُقد أحدهما كفى الآخر في البعث.
2. أن يكون داعي المعصية مستقلاً بلا حاجة إلى ضميمة بخلاف داعي الطاعة.
3. أن يكون داعي الطاعة مستقلاً بلا حاجة في بعثه إلى ضميمة بخلاف داعي المعصية.
4. أن يكون كلّ منهما جزءاً للباعث بحيث لو لم يكن الآخر لما حصل الانبعاث.
لا إشكال في وجوب الإتمام في الصورة الأُولى والثانية، لأنّ المسير عندئذ ليس بمسير حق، وإنّما هو مسير باطل وسفر معصية.
و ربما يحتمل أنّ المستفاد من الأدلّة: أنّ السفر الذي يجب فيه التمام هو السفر الذي يتحقّق بداعي المعصية محضاً، ففي الصورة الأُولى يجب القصر لعدم تحقّق السفر بداعيه لأنّه مستند إلى الداعيين وإن كان كلّ واحد كافياً في البعث إلاّ أنّه لما اجتمعا يكون السفر مستنداً إلى كليهما.(57)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مجرّد احتمال وليس عليه دليل في الروايات وإنّما الميزان كون السفر، سفر معصية والمسير باطلاً أو على خلاف الحقّ، وهذه العناوين صادقة على مثل هذا السفر.
أمّا الثالثة أعني: إذا كان قصد المعصية تبعاً بحيث لم يكن له أثر
في إيجاد الداعي إلى السفر في نفس المسافر، فالظاهر أنّ التكليف هو
القصر لعدم صدق عنوان «سفر المعصية»، فليس السفر بنفسه ولا بغايته محرماً.
و إن شئت قلت: إذا كان أحد الداعيين شديداً والآخر ضعيفاً، فالسفر في نظر العرف يستند إلى الداعي القوي وإن كان للضعيف أيضاً تأثير بحسب الدقة العقلية، ولأجل ذلك يكون الحكم في الصورة الثالثة على خلاف الصورة الثانية. فالعرف يُسند السفر في الثانية إلى قصد المعصية وفي الثالثة إلى قصد الطاعة.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قد مثل لهذا القسم بما يقع في سفر المسافر من باب الصدفة والاتفاق كالكذب والسبِّ والغيبة والنميمة وشرب الخمر ونحوها ممّا يقع في الطريق أو المقصد.(58)
والظاهر خروج هذا النوع من المعاصي الصادرة في أثناء السفر من دون أن تكون مقصودة في بدء السفر وداعية إليه، بل المراد هو الداعي الموجود في نفس المسافر عند الحركة ولكن داعياً ضعيفاً بحيث لا تأثير له لا في حال الوحدة ولا في حال الجمع إلاّبالدقة العقلية وأمّا ما يتّفق في أثناء السفر أو المقصد من المحرمات غير المقصودة عند إنشاء السفر، والمقصودة عند الفعل، فهو خارج عن محلّ النزاع، إلاّ أن يكون داعياً من بدء الأمر وهو نادر فيما مثل به.
وأمّا الرابعة: وهو ما إذاكانت كلّ من الغايتين غير صالحتين للبعث وإنّما يتأتى البعث من كليهما معاً، ففيه وجهان:
أ. القصر لأنّ القدر المتيقن من أدلّة الباب ما إذا كان داعي المعصية صالحاً للبعث بالاستقلال وهو ليس كذلك، لأنّ المفروض أنّ كلاً من الداعيين لا يوجب البعث إلى المطلوب حلالاً كان أو حراماً.
ب. الإتمام وذلك لأنّ المراد من سفر المعصية ما يكون للحرام فيه دخل والمفروض أنّ له سهماً من التأثير.
والحقّ أن يقال إذا كان الملاك هو صدق سفر المعصية فهو يقصر، وإن كان الملاك كون السفر على مسير الحقّ أو على عدم مسير الباطل، فالظاهر أنّه من مصاديق المسير الباطل.
وإن شئت قلت: إنّ كون المسير باطلاً وغير مرضي لا يتوقف على أن يكون الداعي إليه الغاية المحرمة محضاً بل قد يكون السير باطلاً مع عدم قصد غاية محرمة أصلاً، كما إذا علم أنّه إذا سافر ومشى إلى محل خاص يضطر إلى ارتكاب الحرام، وعليه فهذا المسير باطل وإن لم يكن بداعي الحرام.
***
مسألة: إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟
إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا؟
فإن كانت الشبهة حكمية، فاللازم هو الفحص والنظر في الأدلّة هذا إذا كان مجتهداً، وأمّا المقلّد فيرجع إلى مقلَّده أو يعمل بالاحتياط.
وأمّا إذا كانت موضوعية، فالمرجع أصالة الحل إلاّ أن يكون هناك أصل موضوعي ينقح موضوع الدليل الاجتهادي الدال على الحرمة، كما إذا استأذن العبدُ المولى في السفر أو الزوجة من الزوج، فلم يأذنا، ثمّ شكّ في بقاء المنع، فاستصحاب عدم الإذن ينقح الموضوع للدليل الاجتهادي الدال على حرمة سفر العبد والزوجة بلا إذن المولى والزوج.
مسألة: ما هو المدار في حلية السفر وحرمته؟
ما هو المدار في وصف السفر بالحلية والحرمة، فهل المدار هو الواقع أو ما يقابله؟
ثمّ إنّ ما يقابل الواقع إمّا الاعتقاد بالخلاف (القطع المخالف للواقع) أو الأصل العملي المخالف، فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: ما هو المدار في الوصف بالحلية والحرمة، هل الواقع أو الاعتقاد المخالف للواقع؟ وتظهر الثمرة في الموردين التاليين:
أ. لو سافر لقتل إنسان معتقداً بأنّه محقون الدم فأتم صلاته فبانَ كونه مهدور الدم، فلو كان المدار هو الواقع، وجبت عليه إعادة صلاته لأنّه لم يكن سفر معصية في الواقع، فكان واجبُه هو القصر وقد أتم، ولو لم يصل وفاتته، يقضيها قصراً وهذا بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يُعيد ما صلاّها تماماً ويقضي ما فات تماماً، لا قصراً، لافتراض كونه معتقداً بكونه حراماً وأنّ وظيفة مثله هي التمام داخل الوقت وخارجه، وبما أنّه كان في الواقع سفر حلال وإنّما اعتقد حرمته يعدُّ عمله تجرياً فلو قلنا بعدم حرمته، تظهر الثمرة بين القولين كما بيناها.
وأمّا لو قلنا بحرمة التجرّي وأنّ من اعتقد كونَ فعل حراماً ولم يكن في الواقع محكوماً بالحرمة، يكون الفعل ـ والحال هذه ـ محكوماً بالحرمة، فلا يظهر أثر بين القولين: الواقع والاعتقاد، لأنّ التجري موضوع وحكمه الواقعي هو الحرمة، فيكون السفر حراماً واقعاً.
و بما أنّ التجري على القول بقبحه يشارك المعصية في استحقاق العقاب، لا في سريان الحرمة إلى المتجرى به، تترتب على القولين ثمرة.
ب. ينعكس الحكم في عكس الصورة، فإذا اعتقد أنّ رجلاً مهدور الدم وسافر لقتله فقصر وبان أنّه محقونه، فلو كان الميزان هو الواقع، يعيد ما صلاّها قصراً، تماماً، ولو لم يصلّ حتى خرج الوقت يقضيها تماماً، بخلاف ما لو كان الميزان هو الاعتقاد، فلا يعيد ما صلاها قصراً، وأمّا القضاء، فيقضي ما فات، قصراً، ولا موضوع للتجري لأنّه تحرك وفق علمه وقطعه هذا إذا كان مقابل الواقع هو الاعتقاد، وأمّا إذا كان مقابله هو الأصل العملي، فإليك بيانه في المورد الثاني.
الثاني: إذا كان مقتضى الأصل مخالفاً للواقع فهل المدار في الوصف هو الواقع أو مقتضى الأصل كما إذا كان مقتضى الأصل العملي الحرمة وكان الواقع خلافه، مثل ما إذا كانت الزوجة ممنوعة السفر من جانب زوجها فترة لكنّه عدل عن المنع من دون إعلام لها، فسافرت ومعها استصحاب المنع، فهل المدار هو الواقع أو مقتضى الأصل؟
فلو كان المقياس هو الواقع صحّت صلاتها قصراً لا تماماً، ولو كان المقياس هو الأصل فبما أنّ مقتضى الاستصحاب بقاء منع الزوج، صحّت صلاتها تماماً لا قصراً، ومنه يعلم حال من سافر لقتل إنسان.
فلنرجع إلى الكلام في المقامين:
الأوّل: هل المدار الواقع أو الاعتقاد؟
فربما يقال انّ المدار هو الاعتقاد لا الواقع، لأنّ الموضوع للحرمة في رواية عمّار بن مروان هو «أو في معصية اللّه»، ومن المعلوم أنّ مخالفة الواقع بما هوهو، لا يُضفي على الفعل وصفَ العصيان مالم يتنجز بالعلم، والتنجز فرع العلم بالحرمة، فيكون هو المدار، لا الواقع.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الشرط كسائر الشرائط من كون المسافة بريدين من الشرائط الواقعية. نعم ماهية الشرط على وجه يتوقف تنجزه على المكلّف على العلم، وعلى ذلك يكون الشرط هو الواقع المنجز فلا يكفي وجوده الواقعي من دون تنجزه على المكلّف، كما لا يكفي مجرّد الاعتقاد، وهذا بخلاف البريدين، فإنّه شرط تكويني لا دخل للعلم والجهل فيه.
وعلى ذلك يأتي التفصيل الآتي:
أ. إذا اعتقد حرمة الشيء أو حلّيته، وكان الواقع وِفْقَ اعتقاده. فيتم في الأوّل، ويقصر في الثاني.
ب. إذا كان السفر حراماً في الواقع، ولكنّه اعتقد حليته يقصر صلاته ويفطر صومه، وذلك لأنّ الأدلّة المرخصة تعمّ ذلك المورد، وأمّا روايات الباب فبما أنّ الواقع لم يكن منجزاً عليه فيبقى المورد تحت العمومات المرخِّصة فلا يتصف السفر بالباطل أو بكونه في معصية اللّه أو أنّه على مسير غير الحقّ.
ج. إذا كان السفر حلالاً في الواقع واعتقد حرمته كما لو سافر لقتل شخص بتخيل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فيقصر صلاته ويفطر صومه (إذا لم نقل بحرمة التجري وأنّه معصية بالعنوان الثانوي) ، لأنّ الأدلّة المرخصة شاملة لهذا المورد وروايات الباب غير منطبقة عليه، لأنّه ليس في الواقع تحريم حتى يتنجّز عليه.
فالإتمام والصيام مختصان بصورة واحدة، وهو ما إذا كان سفره حراماً في الواقع وكان المكلّف عالماً به، وأمّا إذا كان حراماً في الواقع من دون علم فالواقع غير منجز لعدم العلم، كما أنّه إذا كان حلالاً في الواقع واعتقد حرمته، فليس هناك حرمة حتى يتنجز.
هذا كلّه حول المقام الأوّل.
المقام الثاني: هل المدار هوالواقع أو الأمارة الشرعية والأُصول العملية؟
وفي هذا تأتي الصور السابقة:
1. إذا كان السفر حراماً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على وفق الواقع، يتم ويصوم.
2. إذا كان السفر حراماً في الواقع، وقامت الأمارة أو الأصل على حلّيته، يُقصر ويفطر لعدم تنجز الواقع بالجهل به وإن كان مستنداً إلى الأمارة والأصل العملي، فتشمله الروايات المرخصة، دون روايات الباب.
3. إذا كان السفرحلالاً في الواقع وقامت الأمارة والأصل على حرمته، فهل المدار على الواقع، أو على الأمارة والأصل فقد عرفت أنّ المدار في مثل هذه الصورة من المقام الثاني على الواقع، إذ لا أمر شرعي في مورد العلم المخالف للواقع حتى يكون امتثاله موجباً للإجزاء، وأمّا المقام فيمكن أن يقال أنّ المدار على الأمارة والأُصول فلو تحرك على وفقهما يجزي مادام الموضوع (أي الجهل بالواقع) موجوداً، فلو صلّى تماماً أو صام يصحّ دون ما قصر وأفطر، نعم لو لم يصل حتى انكشف الواقع يقضيها قصراً.
فإن قلت: إنّ الحكم الظاهري المنكشف خلافه لا يغير الواقع، ولا يوجب قلبه عمّا هو عليه، هو سفر حقّ وإن جهل به المسافر.
قلت: الحكم بصحّة صلاته إذا صلّى تماماً أو صام، ليس لأجل كون الأمارة أو الأصل المخالف للواقع يغيّر الواقع، بل لأجل الملازمة بين الأمر بالأمارة أو الأصل، والاكتفاء في امتثال الأوامر بما أدّى إليه لكونه وافياً بالمصلحة الواقعية.
***
مسألة: إذا كانت الغاية في أثناء الطريق
إذا كانت الغاية المحرمة في أثناء الطريق لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة، فقد أفتى السيد الطباطبائي بالتفصيل بين ما إذا كان بين السفرين استلزام، فيُعدّ المجموع سفر معصية، وما لم تكن ملازمة، فلا يكون جزءاً له.
مثلاً إذاكانت محطة القطار التي ينزل فيها الركاب أبعد بميل من الغاية المحرمة التي يرتكب فيها المعصية، فعليه بعد النزول في المحطة، الرجوعُ إلى الغاية بالسيارة، فلا شكّ أنّ المجموع يعد سفراً واحداً وجزءاً منه، بل مقدمة للغاية المحرّمة.
وهذا بخلاف ما إذا لم يكن السفر الثاني ملازماً للسفر الأوّل عقلاً، لكن يتبعه سفر آخر عادة، كما إذا سافر إلى نقطة خاصة لعمل محرم، ولكن العادة جرت أنّ من سافر إليها، ربما يسافر إلى مصايفها للتنزّه والتفرج، ومن المعلوم أنّ السفر الثاني، سفر مستقل، لا يعدّ جزءاً من السفر الأوّل.
السفر بقصد التنزه ليس بحرام ولا يوجب التمام
إنّ إطلاقات الأدلّة المرخصة تعم السفر السائغ والحرام، خرج عنه الثاني وبقي السائغ بعامة أقسامه، والسفر لغاية التنزه، سفر لغاية محلّلة. قال الإمام علي (عليه السلام): للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرُمُّ معاشَه، وساعة يخلِّي بين نفسه وبين لَذَّتها.(59) والمسألة مورد اتّفاق.
إذا نذر إتمام الصلاة في يوم
قال السيد الطباطبائي: إذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوماً معيّناً وجب عليه الإقامة، ولو سافر، وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام إلاّ إذا كان بقصد التوصل إلى ترك الواجب، والأحوط الجمع.
أقول: يقع الكلام في أُمور:
1. هل يصحّ النذر المذكور أو لا؟
2. إذا فرضنا صحّة النذر، هل تجب الإقامة أو لا؟
3. إذا سافر فهل السفر، سفرُمعصية ليكون المرجع روايات الباب، أو ليس بسفر معصية، ليكون المرجع الأدلّة المرخِّصة، أو سفر معصية ولكن المرجع هو الأدلّة المرخصة أيضاً كما سيوافيك بيانه؟
4. وعلى جميع التقادير، هل ورد نصّ على خلاف القواعد أو لا؟
وإليك البيان:
أمّا الأوّل: فصحّة نذر التمام غير واضح لعدم وجود رجحان في التمام على القصر، إذ كلاهما صلاتان تامتان، نعم يصحّ نذر الصوم في مقابل الإفطار، ففيه الرجحان على مقابله.
أمّا الثاني: فلو قلنا بوجوب المقدمة، تجب الإقامة إذا كان غير حاضر في البلد، وقد حُقِّق في محلِّه عدم وجوبها وجوباً شرعياً بل الوجوب عقلي.
أمّا الثالث: فيمكن تقريب حرمة السفر بوجوه:
أ. إنّ السفر حرام لكونه مقدمة لترك الواجب أي التمام والصيام، وترك الواجب حرام فتكون مقدمته حراماً أيضاً.
يلاحظ عليه: أنّ منصرف روايات الباب كون السفــر حرامـاً نفسيّـاً لا مقدمياً.
ب. إنّ السفر حرام، لأنّ نذر التمام ينحلّ إلى نذرين: نذر التمام ونذر ترك السفر، فإذا كان تركه واجباً يكون فعله حراماً نفسيّاً.
يلاحظ عليه: أنّ الناذر ربما يكون غافلاً عن النذر الثاني، أضف إلى ذلك أنّ النذر يتوقف على الإنشاء ولا تكفي الملازمة العقلية، والشاهد عليه عدم تعدد الكفّارة لو خالف وسافر.
ج. السفر حرام لا لكونه مقدمة للحرام (ترك الواجب) بل لوجود التضاد بينه وبين الواجب، نظير السفر مع مطالبة الديّان، وإمكان الأداء في الحضر دون السفر، فعند ذلك يأتي في التفصيل الماضي في المسألة السابعة والعشرين وهو أنّ الاستلزام إنّما يكون سبباً لحرمة الملازمة إذ أتى به لغاية التوصل إلى ترك الواجب فيكون نفسُ السفر حراماً لكون الغاية محرمة دون ما لم يكن لتلك الغاية.
فإن قلت: ما ذكر من التفصيل يختصّ إذا كان بين السفر والواجب، تضاد ذاتي، كما في مورد السفر وأداء الدين، لا في المقام إذ ليس هنا تضاد بين السفر والتمام، إلاّ كون ترك السفر مقدمة للواجب وقد حقّقنا في الأُصول بأنّها غير واجبة.
قلت: إن أُريد من نفي التضاد، هو التضاد التكويني فمسلّم، وإن أُريد الأعم منه ومن التشريعي فالتضاد بين السفر والتمام متحقق، وهو كاف في صيرورة السفر، سفرَ معصية إذا سافر، لغاية ترك الواجب، وهذا الوجه هو المتعيّن، وقد اعتمد عليه السيد الطباطبائي(قدس سره).
ومع الاعتراف بحرمة السفر إذا كان لغاية الفرار عن الواجب، لكن شمول روايات الباب لهذا المورد غير واضح، بل المقام داخل تحت الأدلّة المرخِّصة، وذلك لأنّه يلزم من شمول روايات الباب للمقام، عدم شمولها ومن الحكم بالإتمام، عدم كونه عاصياً الملازم لارتفاع حكم الإتمام، وذلك لأنّا لو قلنا بأنّ السفر، سفر معصية ولو للفرار عن الواجب، فلو حكم بالقصر فلا يتوجه أيّ إشكال، غاية الأمر يلزم ورود تخصيص على روايات الباب، أي يتم العاصي بسفره إلاّهذا المورد.
وأمّا لو حكمنا عليه بالإتمام يترتب عليه:
إنّه بالإتمام يكون وافياً بنذره، فيخرج عن كونه عاصياً مع أنّه فرض عاصياً، ومع خروجه عن كونه عاصياً، ينتفي الحكم بالإتمام، فهذا هو الذي دعانا، للتفريق بين العصيان والإتمام، وقلنا إنّه يعصي بسفره، ولكنّه يقصر، هذا كلّه حسب القواعد.
هذا ولكن الظاهر من النصوص عدم وجوب الإقامة عند نذر الصوم وتُعْطَف عليه الصلاة، وأنّ الصوم المنذور ليس بآكد من شهر رمضان، حيث إنّه لا تجب الإقامة بل من شَهِدَ الشهرَ يصوم، دون من لم يشهد.
روى عبد اللّه بن جندب، قال: سمعت من زرارة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)أنّه سأله عن رجل جعل على نفسه نذر صوم يصوم فمضى فيه فحضرته نية في زيارة أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «يخرج ولا يصوم في الطريق، فإذا رجع قضى ذلك».(60)
و روى القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم كلّ يوم جمعة دائماً مابقي، فوافق ذلك اليوم يومَ عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق، أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاءه، أو كيف يصنع يا سيّدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بَدَل يوم إن شاء اللّه تعالى».(61)
***
في قصد الغاية المحرمة في خارج الجادة
إذا سافر لغرض مباح في المقصد، ولكنّه يقصد أيضاً الغاية المحرمة في حاشية الجادة كالسرقة من بستان، ونحوها فله صورتان:
الأُولى: أن يكون له من بدء السفر غرضان أحدهما في المقصد والآخر في أثناء السفر.
الثانية: أن يعرض له قصد ذلك في الأثناء وإنّما خرج عن البلد، لغاية مباحة.
أمّا الأُولى: فلا شكّ أنّه يُتم، لما عرفت من أنّ الغاية الملفقة من الطاعة والعصيان، توجب كونَ السفر سيراً في غير طريق الحقّ، فلو قام بما قصد، ثمّ رجع إلى الجادة يكون منشأ للسفر الجديد فلا يقصّر إلاّ أن يكون الباقي على حدّالمسافة ولو ملفّقة، لما عرفت من أنّ من حكم عليه بالتمام، لا يحكم عليه بالقصر إلاّ بإنشاء السفر الشرعي.
وأمّا الثانية: فلو كان خروجه عن الجادة قليلاً بحيث لا يعدُّ جزء للسفر، كأن يدخل البستان الواقع على حاشية الجادة ويتصرف فيه عدواناً، ويخرج فيقصر لكون السفر سفراً مباحاً ولا يضرّ الخروج القليل المحرّم لوحدتها.
و لو خرج عن الجادة وسار مسافة كثيرة وعدّ سيره حاشيتها جزءاً من سفره، فيقع الكلام في حكم صلاته مادام خارجاً عن الجادة ذهاباً وإياباً، وفي حكمها بعد الرجوع إلى الجادة إلى وصول المقصد.
أمّا حكم صلاته في خارج الجادة فإن كان ما قطعه بنية سائغة أقلَّ من المسافة الشرعية فيتمُّ في الحاشية قطعاً، وأمّا إذا كان ما قطعه مسافة شرعية ثمّ عدل إلى النيّة الجديدة فقد عرفت أنّ الشيخ الأعظم تأمّل في الحكم بالتمام في حاشيته على «نجاة العباد»، بتصور أنّه تحقّق الموضوع الشرعي، بسير ثمانية فراسخ سائغة وصار المسافر محكوماً بالقصر مطلقاً وإن رجع بعده إلى المعصية، وبعبارة أنّ الطاعة قيد للموضوع لا للحكم والمفروض أنّه قد تحقّق، ولحوق السير بنيّة العصيان به لا يضرّ تحقّقه المقتضي للحكم بالقصر مطلقاً، سار على نيّة الطاعة أم على نيّة العصيان، نعم لو كان القيد، قيداً للحكم، يجب عليه التمام.
يلاحظ عليه: الظاهر أنّه قيد للسير سواء كان على حدّ المسافة أو أوسع منها، وذلك لأنّه هدية للمطيع بسيره لا للعاصي به، فلازم ذلك كونه معتبراً ابتداء واستدامة، فالأشبه هو ما في العروة من قوله: «فما دام خارجاً عن الجادة يتم».
وأمّا صلاته بعدما رجع إلى الجادة فبما أنّه حصل الانقطاع بين السفرين فإن كان الباقي مسافة يقصر فيها، وأمّا إذا لم يكن فهل يكفي ضمّ ما قبل العصيان إلى ما بعده؟ التحقيق لا، لما عرفت من انصراف الأدلّة المرخصة إلى ما لم يتخلل بينهما ـ سير بلا قصد أو سير مع قصد العصيـان ـ فمعـه يكون السير الثـاني موضوعاً جديداً لا يقصر فيه إلاّ إذا كان على حدّ المسافة ولو ملفقاً. وبالجملة من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر مالم يقصد مسافة جديدة.
***
في قصد الغاية المحلّلة في أثناء الجادّة
هذا كلّه إذا عرض له قصد العصيان في الأثناء، وأمّا لو انعكس بأن كان سفره من بدء الأمر لغاية محرمة ثمّ خرج عن الجادة وقطع مسافة لغرض صحيح، فما هو حكم صلاته عند الخروج عن الجادة ذهاباً وإياباً؟
أمّا ذهاباً فقد أفتى السيد الطباطبائي بأنّه يقصر مادام خارجاً مطلقاً بلغ الذهاب حدّ المسافة أو لا، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فالأقوى فيه التمام لأنّه موضوع مستقل والمفروض كونه أقلّ من المسافة الشرعية.
***
حكم الصلاة في المقصد بعد العصيان
إذا قصد الغاية المحرمة ووصل إلى المقصد، فيقع الكلام في حكم صلاته قبل الارتكاب وبعده مادام في المقصد وحكم صلاته عند الرجوع. لا كلام في أنّه يتم في الأوّل، ويقصر في الثالث إذا قلنا بأنّ الرجوع سفر مستقل لا صلة له بالسفر السابق ـ كما مرّ ـ إنّما الكلام في الثاني، فقال السيد الطباطبائي: حاله حال العود عن سفر المعصية في أنّه لو تاب يقصّر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام بعدّ المجموع سفراً واحداً والأحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر في العود بدعوى عدم عدّه مسافراً قبل أن يشرع في العود.
الظاهر أنّ المقام داخل تحت الضابطة الكلية في أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام، لا يقصر مالم ينشأ للسفر والمقام كذلك مضافاً إلى عدّه من جزء السفر.
***
إذا قطع بعض أجزاء المسافة بنيّة محرّمة
إذا كان السفر لغاية محللة، لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرم منضماً إلى الغرض الأوّل.
الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، فإن قطع مقدار من حاشية الجادة بنية العصيان كان خارجاً عن المسافة الامتدادية، ولم يكن جزءاً منها، بخلاف المقام، فإنّ المفروض قطع جزء من المسافة الامتدادية بنية محرمة وأمّا حكم هذا المقدار الذي يقطعه المسافر بغايتين فقد عرفت لزوم الإتمام في جميع الصور، إلاّ إذا كان العصيان تبعاً محضاً، وبذلك يعلم عدم الوجه للاحتياط فيما إذا لم يكن الباقي مسافة كما في العروة، إذ لا خصوصية لكون الباقي مسافة أو عدم مسافة.
نعم إنّما ينفع الاحتياط في نفس المسافة الباقية غير البالغة حدّالمسافة، فإنّه على القول بضمها إلى القطعة السابقة، فالأقوى القصر إن كان مسافة، والأحوط الجمع إذا لم تكن بنفسها مسافة.
إذا قصد العاصي الصوم ثمّ عدل إلى الطاعة
إذا كان السفر في الابتداء سفر معصية وقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة فله صورتان:
1. أن يكون العدول قبلَ الزوال.
2. أن يكون العدول بعد الزوال.
والمسألة غير منصوصة فلابدّ من استنباط حكمها من إدخالها تحت أحد العناوين المنصوص حكمها، والذي يمكن أن يقال: هو أنّ الأُولى كالخروج من البلد بنيّة سائغة قبل الزوال فيفطر.
والثانية كالخروج من البلد بنيّة سائغة بعد الزوال فلا يفطر.
هذه هي روح المسألة ودليلها وإليك الشرح:
أمّا الأُولى: فقال السيد الطباطبائي: وجب الإفطار، لما حقّق في محلّه من لزوم الإفطار لمن سافر بنيّة سائغة قبل الزوال.
و ما ذكره صحيح بشرط أن يكون الباقي مسافة ولو ملفقة وإنّما لم يقيد لأنّه جعل الطاعة من قيود الحكم لا الموضوع، والمفروض تحقّق الموضوع حتى في صورة العصيان، وإنّما منع من شمول الحكم فقدان قيده، فإذا ارتفع المانع يشمله الحكم فلا يشترط كون الباقي مسافة، ولكنّك عرفت أنّ الإباحة قيد لإجزاء السير جميعاً وهو غير متحقّق، فلا محيص في الحكم بالإفطار من كون الباقي مسافة شرعية.
وأمّا الثانية: ففيها وجهان مبنيان على شمول النصّ لمثل المقام أو لا.
ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم؟ قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».(62)
فإن قلنا بأنّ النصّ وإن ورد فيمن خرج عن البلد بعد الزوال لكن المناط ليس هو الخروج، بل من صحّ صومه إلى الزوال وإن كان وجه صحّته كونه عاصياً لا كونه في البلد، فيكون الحكم فيه الاستمرار على الصوم وعدم الإفطار.
وأمّا لو قلنا باختصاص روايات الباب لمن سافر ابتداءً بعد الزوال بحيث يكون سيره بعد الزوال فلا يشمل المقام، لأنّ السير هناك لم يكن بعد الزوال وإنّما كان السير في كلتا الصورتين قبل الزوال غير أنّ العدول ربما يكون قبله كما في أُولاهما أو بعده كما في الثانية.
و يمكن أن يقال: إنّ للوجهين منشأ آخر وهو أنّه مبني على الاختلاف بين مبنى الشيخ الأعظم والسيد الطباطبائي في كون الإباحة من قيود السفر الموجب للترخص أو من قيود الحكم.
فلو قلنا بالأوّل فلا يتحقّق الموضوع المرخص للسفر إلاّ بعد الظهر، ومن المعلوم أنّ السفر بعده لا يوجب الإفطار، فيصدق في حقّه كأنّه خرج بعد الظهر، وأمّا خروجه قبل الظهر فهو كالعدم.
وهذا بخلاف ما قلناه بأنّه قيد للحكم فقد تحقّق الموضوع أي الخروج من البلد قبل الظهر غاية الأمر كان العصيان مانعاً عن شمول الحكم مع وجود الموضوع، فإذا ارتفع شمله الحكم ولأجل ذلك قال السيد: ففيه وجهان.
وبذلك يعلم أنّه لو قلنا بأنّ المقام من قبيل فقد الموضوع، يختص النزاع بما إذا كان هناك مسافة بعد العدول حتى يكون له شأنية الإفطار وإن لم يكن فعليته لكونه كالخروج بعد الزوال، وهذا بخلاف مالو قلنا بأنّه من قيود الحكم فلا يلزم إلاّ أن يكون المجموع (قبل العدول وبعده) مسافة حتى يكون كالخارج قبل الزوال، ولكن الأقوى هو الأوّل لما عرفت من أنّ الإباحة شرط لأجزاء السير جميعاً.
***
إذا كان الصائم مطيعاً في البدء وعدل إلى المعصية في الأثناء
هذا هو الشقّ الثاني للمسألة السابقة، وحاصله: إذا كان الصائم مطيعاً في ابتداء السفر وعدل إلى المعصية في الأثناء، فهل يصحّ صومه؟
نقول: هنا أيضاً صورتان:
1. أن يكون العدول قبل الزوال.
2. أن يكون العدول بعد الزوال.
ولقد كان مفتاح الحل في الفرع السابق هو إدخال الفرع بالخارج عن البلد قبل الظهر أو بعده، ولكن مفتاحه هنا هو جعله من قبيل من يدخل البلد قبل الظهر أو بعده ولم يفطر في كليهما. والأوّل يصوم دون الثاني وإنّما عليه الإمساك تأدّباً.
إذا علمت ذلك فلنرجع إلى حكم الصورتين:
فهل العدول إلى المعصية بعد قطع المسافة الشرعية قبل الزوال كالداخل إلى الوطن قبل الزوال أو ليس مثله فلا يصحّ صومه؟ والوجهان مبنيان بما ذكر في الفرع السابق من اختصاص النصّ بالمسافر الداخل إلى الوطن قبل الظهر، لا مطلق من صحّ صومه إلى ما قبل الزوال ولو بالعصيان.
والثاني أي العدول بعد قطع المسافة الشرعية بعد الزوال فهل هو كمن دخل بعد الزوال في البلد فيبطل صومه أو ليس كذلك؟ لأنّ النصّ يختص بمن يدخل البلد وهو غير مفطر لا من صحّ صومه إلى ما بعد الزوال وإن لم يدخل البلد، والأحوط في كلا الفرعين الجمع بين الصوم والقضاء.

1 . النهاية: 122.
2 . الخلاف:1/587 برقم 349.
3 . المهذب:1/160.
4 . السرائر:1/327.
5 . الجامع للشرائع : 91.
6 . الشرائع:1/102.
7 . ستوافيك الروايات فانتظر.
8 . روض الجنان: 388.
9 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 1.
10 . و في الوسائل المطبوعة: «الباغي الصيد» و فيه سقط، و نقلنا الرواية عن نفس الكافي.
11 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
12 . وفي الوسائل المطبوعة الحديث3 من الباب 8 من أبواب صلاة المسافر: «أو رسول» و هو مصحف.
13 . لاحظ المصادر التالية، الفقيه: 2 / 92 ، كتاب الصيام، برقم 94; الكافي:4/129، كتاب الصيام برقم 3; الوافي:7/173، الباب التاسع ، باب من كان سفره باطلاً; التهذيب:4/219، برقم 640; الحدائق:11/380.
14 . الوسائل: ج 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 4 .
15 . الوسائل: ج 5 ، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 5.
16 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
17 . المقنعة: 349، كتاب الصوم .
18 . المبسوط:1/136.
19 . النهاية: 122.
20 . الخلاف: 1/ 588، المسألة 350.
21 . الكافي: 116.
22 . المهذب: 1 / 106.
23 . السرائر:1/328.
24 . الجامع للشرائع: 91.
25 . الشرائع: 1/102.
26 . رواه الكليني عن شيخه «الحسين بن محمد»، وهو الحسين بن محمد بن عمران الأشعري الثقة، لكن في السند معلى بن محمد و هو لم يوثق، و أمّا الوشاء الّذي في السند، فهو الحسن بن علي بن زياد الوشاء من وجوه الطائفة.
27 . البقرة: 173.
28 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2.
29 . الوسائل: ج 5، الباب 8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 3.
30 . المصدر نفسه: الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
31 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 2، 8.
32 . المصدر نفسه: الحديث 3.
33 . المصدر نفسه: الحديث 1.
34 . المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.
35 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.
36 . الأشعري، الثقة.
37 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث5.
38 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 6.
39 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6091 .
40 . جامع الأحاديث:7/61، برقم 6090.
41 . الوسائل: ج 5، الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث17.
42 . المهذب:1/106.
43 . النهاية: 122.
44 . الخلاف: 1 / 587 ، كتاب صلاة المسافر، المسألة 349 و 350.
45 . السرائر:1/343.
46 . الجامع للشرائع: 1/ 92.
47 . البقرة:173.
48 . الوسائل: ج 5، الباب8 من أبواب صلاة المسافر، الحديث2.
49 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث4.
50 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 7.
51 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 9.
52 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث1.
53 . الوسائل: ج 5، الباب 9 من أبواب صلاة المسافر، الحديث3.
54 . قال صاحب الجواهر في نجاة العباد (ص 100): «فلو كان ابتداء سفره طاعة فقصد المعصية في الأثناء انقطع ترخصه و إن كان قد قطع مسافات» و علق عليه الشيخ بقوله:فيه تأمّل مع قطع المسافة الموجبة للقصر.
55 . مستند العروة:8/128.
56 . و إن كان المستظهر شخصين، فالمستظهر الأوّل هو الشيخ الأعظم، و المستظهر الثاني هو السيّد الطباطبائي في هذا الفرع.
57 . الصلاة للحائري: 417.
58 . مستند العروة الوثقى: 8 / 135.
59 . نهج البلاغة: 4 / 93، قسم الحكم ، رقم 390.
60 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5; ولاحظ روايات الباب.
61 . الوسائل: ج 7، الباب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2; ولاحظ روايات الباب.
62 . الوسائل: ج 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2.