\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسائل فقهية
في مال القراض
في مال القراض

يشترط فيه عند المشهور أُمور:
الشرط الأوّل: أن يكون عيناً فلا يكفي الدين ولا المنفعة:
قال الشيخ: «ومتى كان له على غيره مال ديناً، لم يجز له أن يجعله شركة أو مضاربة إلاّ بعد أن يقبضه ثم يعطيه إيّاه إن شاء». ( [472])
وقال المحقق: «ومن شرطه أن يكون عيناً». (2)
وقال العلاّمة: «ولايجوز القراض على الديون، ولا نعلم فيه خلافاً» ( [473]).
وقال أيضاً: «ولو قارض بالدين وإن كان على العامل أو بثمن مايبيعه لم تصح». (4)
ونقله في مفتاح الكرامة عن المبسوط والنافع والتحرير والمسالك والروضة والمختلف والتنقيح، وإنّه قال في الرياض: لا خلاف فيه وأنّه لم يذكره في المقنعة والمراسم والكافي والمهذّب والوسيلة والغنية والسرائر واللمعة والمفاتيح، ونقل عن الكفاية أنّه قال: وقالوا: «الظاهر التأمّل في لزوم هذا الشرط». ( [474])
وقال الأردبيلي: «فلولا الإجماع في اشتراط كونه غير دين لأمكن القول بعدمه». ( [475])
ويمكن الاستدلال على لزوم هذا الشرط: بأنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل والمال كما عرفت سابقاً، والدين بما هو في الذمّة ليس بمال، حتى يقع طرفاً للعلاقة، وبيع الكلّـي في الذمة سلفاً، ليس دليلاً على كونه مالاً، وإن قيل في تعريف البيع: إنّه مبادلة مال بمال. وأنّ معنى كون الشيء في الذمة هو تقبّلٌ وتعهّد من البائع على أن يدفع إلى المشتري مقداراً من الحنطة مثلاً في أجل كذا في مقابل الثمن المعيّن، وبذلك فسرنا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فليس معناه أنّ العين المغصوبة سواء كانت موجودة أو تالفة، ثابتة على ذمة صاحب اليد، بل المراد أنّ عليه مسؤولية ردّ العين أو بدلها، مثلاً أو قيمة، ونظيره الكفالة فإنها عبارة عن تقبّل مسؤولية تسليم المكفول للحاكم الشرعي.
ولو تمّ هذا البيان، فلا حاجة إلى دعوى الإجماع الذي تعرف مقدار قيمته مع عدم تعرّض لفيف من الفقهاء له، وإن لم يتمّ. بدعوى أنّ ما في الذمة مالاً، بشهادة أنّه يباع، فكفى في شرطيته مارواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة؟ قال: «لايصلح حتى تقبضه منه».( [476])
وقال الأردبيلي: «وهي مروية في التهذيب عن النوفلي عن السكوني وهما ليسا بموثقين، قيل في الأوّل: إنّه غلا في آخر عمره، والثاني عامّي وفي السند إبراهيم بن هاشم أيضاً، فتأمل». ( [477])
يلاحظ عليه: أنّه روي في الكافي أيضاً بهذا السند، والرجلان ممّن عملت برواياتهما الطائفة في غير مورد، وأمّا إبراهيم بن هاشم فهو فوق الثقة، وقد وردت في حقّه جمل تدل على أنّه فوق أن يوصف بأنّه ثقة، وإن لم يصفه أهل الرجال بالوثاقة.
ومع ذلك كلّه فلو ترك دينه في يد المديون لأن يتّجر به، فاتّجر وربح فالمعاملة صحيحة وإن لم يصدق عليه عنوان المضاربة، لما قلنا من أنّ المعاملات الصحيحة ليست بمنحصرة بما كانت رائجة في عصر الرسالة أو بعده بقليل، بل كلّ تجارة نابعة عن رضا الطرفين، إذا لم تصادم الأُصول والضوابط الشرعية، فهي صحيحة، هذا كلّه في الدين. وأمّا المنفعة، فكما إذا آجر حماماً واتّفق مع المستأجر أن يتّجر بأُجرته شهراً بعد شهر، ولعلّ عدم الصحة لأجل لزوم أن يكون رأس المال محدّداً موجوداً في ظرف العقد، والمنفعة ليست كذلك، وإنّما يتدرّج وجوداً شهراً بعد شهر.
نعم لو جعل أُجرة شهر واحد مالاً للمضاربة بعد وصوله، فلا إشكال، ويأتي فيه ماذكرناه في الدين من أنّه إذا لم تصحّ بعنوان المضاربة، تصحّ بعنوان معاملة مستقلّة.
***
 
الشرط الثاني: أن يكون من النقد:
والمقصود أن يكون دراهم ودنانير مضروبة منقوشة، هذا هو الشرط الثاني عند أكثر العلماء، قال الشيخ: «لايجوز القراض إلاّ بالأثمان التي هي الدراهم والدنانير، وبه قال أبو حنيفة، ومالك والشافعي، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شيء يتموّل، فإن كان ممّا له مِثلٌ كالحبوب والأدهان، يرجع إلى مثله حين المفاصلة، والربح بعده بينهما نصفين، وإن كان ممّا لا مثل له كالثياب والمتاع والحيوان، كان رأس المال قيمته، والربح بعد بينهما، دليلنا: أنّ ما اخترناه مجمع على جواز القراض به، وليس على جواز ما قالوه دليل.
ثم قال: «القراض بالفلوس لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي، وقال محمد: هو القياس إلاّ أنّي أُجيزه استحساناً لأنّها ثمن الأشياء في بعض البلاد، دليلنا: أنّ ما قلناه مجمع على جواز القراض به، وما ذكروه ليس عليه دليل. والاستحسان عندنا باطل».
ثم قال: لايجوز القراض بالورق المغشوش سواء كان الغشُّ أقل أو أكثر أو سواء، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان سواءً أو كان الغش أقلّ جاز، وإن كان الغش أكثر لم يجز، دليلنا: ما قلناه في المسألة الأُولى سواء. ( [478])
وقال القاضي: والقراض من العقود الجائزة، وليس يجوز القراض إلاّ بالأثمان من الدنانير والدراهم، ولا يجوز بغيرهما و لايصحّ بالنقرة ( [479]) لأنّها معتبرة بالقيمة كالثياب والحيوان. ( [480])
وقال: لاتكون المضاربة إلاّ بالأثمان التي هي الدنانير والدراهم، وإنّما قلنا هذا لأنّه لا خلاف في أنّ ماذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك مايخالفه.... (3)
وقال ابن إدريس: ومِنْ شرط ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة أو مسلّمة إلى العامل، ولا يجوز القراض بغير الدنانير والدراهم من سائر العروض، فعلى هذا لا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش. (4)
وقال المحقق: وأن يكون دراهم أو دنانير، وفي القراض بالنقرة تردّد، ولا يصح بالفلوس ولابالورق المغشوش وكذا لايصح بالعروض. ( [481])
وقال ابن سعيد: إنّما يصحّ بالأثمان الخالصة من الغش بشرط ذكر حصة مشاعة من الربح معلومة. (6)
وقال العلاّمة: أن تكون من النقدين دراهم ودنانير مضروبة منقوشة عند علمائنا .( [482])
وقال في الإرشاد: ولا يصح إلاّ بالأثمان الموجودة المعلومة القدر المعيّنة. ( [483])
وقال في القواعد: فلايصح القراض بالعروض ولا بالنقرة، ولابالفلوس ولا بالدراهم المغشوشة. ( [484])
وقال ابن قدامة: ولا خلاف في أنّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنّها قيم الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون من لدن النبيّ إلى زمننا من غير نكير، فأمّا العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، نصّ عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب، وحكاه عنه ابن المنذر، وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي. (3)
إذا عرفت الأقوال فنقول: استدلّ على اشتراط كون المال درهماً أو ديناراً بوجهين:
الأوّل: الإجماع، وقد عرفت عبارة العلاّمة في التذكرة حيث نسبه إلى علمائنا.
والإمعان في كلماتهم يعرب عن أنّ الإجماع انعقد على صحّة المضاربة بالأثمان ولم ينعقد على الصحة بغيرها، لا أنّه انعقد على عدم الصحة في غير الأثمان، وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ عبارة الشيخ في الخلاف والقاضي في الجواهر، فإنّ الأوّل استدلّ في جميع المراحل الثلاث (المضاربة بالدراهم والدنانير، المضاربة بالفلوس، المضاربة بالورق المغشوش) بأنّه لا خلاف في أنّ ما ذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك ما يخالفه. أي الإجماع منعقد على الصحة في الأُولى ولم ينعقد على الصحة في الأخيرتين، وأتى القاضي نفس العبارة في الجواهر، ويظهر ذلك أيضاً من التدبّر في عبارة ابن قدامة، وعلى ذلك فالإجماع منعقد في الجانب الإيجابي دون الجانب السلبي.
الثاني: ماذكره ابن قدامة، وأشار إليه العلاّمة أيضاً. قال الأوّل: إنّ الشركة إمّا أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها.
ولا يجوز وقوع المضاربة على أعيانها، لأنّ الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع وقد يقوّم الشيء بأكثر من قيمته ولأنّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له. ولايجوز وقوعها على أثمانها، لأنّها معدومة حال العقد ولايملكانها. ( [485])
وقال العلاّمة: بأنّها لو جعلت رأس مال، لزم إمّا أخذ المالك جميع الربح أو أخذ المالك بعض رأس المال. ( [486])
توضيح الدليل: أنّ رأس المال إذا كان مثلياً فلا يخلو إمّا أن يكون رأس المال نفس الشيء بما هو هو، لا قيمته السوقية وقت العقد، وإمّا أن يكون قيمته.
فلو كان رأس المال نفس الشيء بما هو هو بحيث يلزم عند المفاصلة دفع العين إن كانت باقية أو مثلها إن كانت تالفة، كما إذا دفع طنّاً من الحنطة وجعلها بما هي هي رأس المال سواء كانت القيمة السوقية ثابتة عند المفاصلة أو مرتفعة أو منخفضة.
وعلى هذا لو كانت قيمتها يوم الدفع ألف درهم و ربحت المضاربة خمسمائة درهم وكانت القيمة السوقية للحنطة غير متغيرة، لا يتوجه إشكال أبداً وإنّما الإشكال في الصورة التالية:
إذا ارتفعت القيمة وصارت قيمة طن من الحنطة ألفاً وخمسمائة درهم، أو انخفضت القيمة فصار الطن منها ثمانمائة درهم، فعند المفاصلة يجب على العامل أن يدفع نفس الحنطة المعيّنة بمقدارها وأن يشتري طنّاً من السوق تارة بألف وخمسمائة درهم، وأُخرى بثمانمائة درهم، فعلى الأوّل يلزم دفع الأصل والربح إلى المالك، وهو معنى قوله: استيعاب جميع المال، وعلى الثاني يلزم أن يدفع إلى المالك بعض رأس المال أي طنّاً من الحنطة المقوّمة بثمانمائة درهم، ويشارك العامل فيما بقي، أعني: المائتين.
هذا كله إذا كان رأس المال مثلياً وكان نفسه رأس المال، وأمّا إذا كان رأس المال قيمته السوقية يوم العقد أو كان رأس المال من الأُمور القيميّة كالأنعام، فعند ذاك لايتوجه أيّ إشكال لأنّه يجعل رأس المال قيمتها وقت العقد، فلا فرق بين تجسيم القيمة وجعله درهماً أو ديناراً، أو جعله عروضاً وتقويمَهُ بأحدهما فلا يكون ارتفاع القيمة فيما بعد أو انخفاضها مؤثراً، فلا يلزم استيعاب المالك الأصل والربح أو مشاركة العامل في بعض الأصل.
نعم يرد عليه ما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني من كلامه، أعني: «ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر ...» .
الإجابة عن الاستدلال :
هذا كلّه توضيح الاستدلال، وأمّا الدفع فهو واضح جداً، لأنّ ارتفاع قيمة المثلي أشبه بالخسران في المضاربة فكما أنّه إذا خسرت المضاربة يرجع العامل صفر اليد فهكذا في المقام، إذ يجب عليه ضمّ الربح إلى الأصل حتى يشتري العين ويدفعها إلى المالك، كما أنّ انخفاض القيمة أشبه بالاسترباح في المضاربة فإنّ اشتراء رأس المال بقيمة رخيصة كثمانمائة، يوجب استرباح العامل بربح كثير، حيث يشتري رأس المال بقيمة رخيصة، ويدفع إلى المالك.
وأما ما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني فمندفع أوّلاً بأنّ التنازع يرتفع بالمقوّم، وثانياً نختار أنّ رأس المال هو الأثمان ولا يضر كونها معدومة حال العقد، بعد كونها في قوة الوجود، وستوافيك صحته.
وبذلك تقف على أنّ لتأمّل صاحب الكفاية في لزوم مراعاة هذا الشرط وجهاً، وقد صرّح المحقق الأردبيلي بالصحة في النقرة وهي الذهب أو الفضة المذابة غير المنقوشة وقال ـ بعد نقل كلام التذكرة الحاكي للإجماع ـ : بل ينبغي عدم الإشكال في الجواز لعموم أدلّة القراض وتسلّط الناس على أموالهم ولايضر عدم الإجماع (على الصحة) وكون القراض على خلاف الأصل إن سلم، فتأمّل. ( [487])
هذا وقد فصّل سيدنا الأُستاذ (قدس سره) بين الفضة والذهب غير المسكوكين والسبائك والعروض فقال بعدم الصحة فيها، وبالصحة في الأوراق النقدية الرائجة في البلاد (2) ، ولم يعلم وجه الفرق إلاّ أن يقال: إنّ الإجماع ناظر إلى نفي الصحة في العروض والمتاع لا إلى نفي الصحة في الأوراق النقدية غير الدراهم والدنانير.
ولكن الحقّ الصحة في الجميع، فإنّ المضاربة لم تكن معاملة تأسيسية من قبل الشارع حتى نتفحّص عن قيودها وشروطها، بل هي معاملة عرفية كانت رائجة قبل الإسلام، وإنّما جاءت الشريعة لتقويم أودها، والعرف لايفرّق بين الأثمان مثل الدراهم والدنانير والسبائك والنقرة والفلوس إذا كانت المعاملة رائجة بها. حتى المغشوش إذا كان كذلك فإنّ لكل ذلك قيمة تكون هي رأس المال حقيقة، وليست المعاملات أُموراً تعبّدية يتوخّى فيها نظر الشارع في كل جزئي من جزئياتها، بل يكفي كونها صحيحة عند العرف وعدم مخالفتها للأُصول المسلّمة الواردة في الإسلام، وبذلك تعرف صحّة ما مال إليه السيد الطباطبائي وإن عدل عنه في آخر كلامه، حيث قال:
«تأمّل بعضهم في الإجماع على عدم صحة المضاربة بالفلوس والعروض وهو في محلّه، لشمول العمومات إلاّ أن يتحقق الإجماع، وليس ببعيد، فلا يترك الاحتياط». ( [488])
نعم، الورق المغشوش على قسمين: تارة يكون الغش معلوماً، وأُخرى مزوّراً، فالأول لا بأس بالمعاملة به، وأمّا الثاني فيحرم المعاملة به وربّما يجب كسرها حسماً لمادّة الفساد، ففي خبر المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليَّ درهماً منها فقال: «ايش هذا؟» فقلت: ستوق. فقال: «ما الستوق؟» فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال (عليه السلام) : «إكسرها فإنّه لايحل بيع هذا ولا إنفاقه»( [489])
***
قال المحقق في الشرائع: لو قال: بع هذه السلعة، فإذا نضّ ثمنها فهو قراض لم يصح، لأنّ المال ليس بمملوك عند العقد ( [490]).
أقول: إنّ للمسألة صوراً:
1 ـ أن تكون نفس السلعة رأس المال بنفسه، هذا مبني على صحة جعل العروض رأس المال في المضاربة، وقد عرفت صحته.
2 ـ أن يقصد العاقد بكلامه هذا ويوكِّل العامل في بيعها وجعل ثمنها رأس المال، بإجراء العقد عن الطرفين وكالة من جانب صاحب السلعة، وهذا أيضاً لا ريب في صحته.
3 ـ أن يقصد بذلك إجـراء العقـد بالفعـل وجعـل الثمن قراضاً عند الانضاض، فهذا هو موضوع البحث، والبحث عن هذه الصورة مبنيّ على عدم صحة جعل العروض رأس المال.
وقد استدلّ على البطلان بما يلي:
ألف: عدم دخول الثمن في ملك صاحب السلعة قبل وقوع البيع فقد جعله رأس المال مع أنّه غير مملوك.
ب ـ أنّه مجهول.
ج ـ العقد معلق. ( [491])
أمّا الأوّل: فلم يدل دليل على كون مال القراض مملوكاً حين العقد بل يكفي كونه مملوكاً بالقوة.
خرج من ليس له قدرة لتبديل شيء إلى الثمن المسكوك، وأمّا صاحب السلعة التي ستبدّل إلى الثمن بعد زمن قليل فهو مالك الثمن فلا وجه للبطلان، ولم يدل دليل على أنّ العقد كالعلل الطبيعية يطلب أثره بعد العقد فوراً.
وأمّا الثاني: فغير مضر إذا آل إلى العلم كما سيوافيك بيانه في الشرط الثالث من شروط مال المضاربة.
وأمّا الثالث: فالتعليق غير مضرّ إلاّ إذا دلّ الدليل الشرعي عليه كما في النكاح والطلاق.
فرع: إذا دفع إنسان إلى صيّاد شبكة:
إذا دفع إنسان إلى صياد شبكة، وقال له: اصطد بها فما رزق الله سبحانه من صيد فهو بيننا، فقد ذهب المشهور إلى بطلانه، قال ابن البرّاج: كان باطلاً فإن اصطاد شيئاً كان له، دون صاحب الشبكة لأنّه صيده ويكون لصاحب الشبكة أُجرة مثله. ( [492])
وقال ابن سعيد: وإن أعطاه شبكة ليصطاد بها بالنصف لم يصحّ، والصيد لصياده، وعليه أُجرة الشبكة، وإن أعطاه بغلاً ليستقي عليه بينهما نصفين فالماء للمستقي، وعليه أُجرة البغل، وإن سلّم إليه أرضاً ليغرسها من ماله على أنّ لكل واحد نصف ما للآخر لم يصح، والأرض لربّها، والغراس لربّه، ولربّ الأرض أن يُقرّه في أرضه بأُجرة أو يقلعه ويضمن أرشه، أو يقوم عليه فيرد قيمته. ( [493])
وقال المحقق: ولو دفع إلى العامل آلة الصيد كالشبكة بحصة فاصطاد كان للصائد ولكن عليه أُجرة المثل للآلة. ( [494])
وقال العلامة: ولو دفع شبكة للصائد بحصة، فالصيد للصائد وعليه أُجرة الشبكة. ( [495])
وجه البطلان واضح وهو انتفاء الشرط على مبنى القوم، أعني: الأثمان المسكوكة، وعدم حصول الشركة وعدم الامتزاج.
ثم إنّ المحقق الثاني قال: إنّ البطلان مبني على أنّه لايتصوّر التوكيل في تملّك المباحات، أو أنّ العامل لم ينو بالتملك إلاّ لنفسه، فلو نوى بالحيازة الملك له ولصاحب الشبكة، وقلنا بحصول الملك بذلك، كان لكل منهما الحصة المعينة له، وعلى كل منهما للآخر من أُجرة مثل الصائد والشبكة بحسب ما أصابه من الملك.( [496])
هذه كلمات القوم، ولكنّك قد عرفت أنّه لا دليل على كون المال من الأثمان المسكوكة، بل تكفي الأعيان الخارجية القابلة للتجارة، والإشكال في موضع آخر وهو أنّ المضاربة عبارة عن الانتفاع بالتجارة، أعني: ارتفاع القيمة، وليس ذلك على فرض عدم شرطية الأعيان المسكوكة من هذا القبيل.
وعلى ذلك يقع الكلام في صحة نفس العقد برأسه. أمّا تصحيحه من جانب التوكيل فهو شيء لايدور في خلد واحد من الطرفين، وإنّما الموجود في نية المتعاملين هو أن تكون الشبكة من واحد، والعمل من آخر والصيد بينهما على نسبة خاصة فيلزم على الفقيه تصحيح ما نويا أو إبطاله، وبما أنّك قد عرفت أنّه لا دليل على اختصاص وجوب الوفاء بالعقود، بالعقود الموجودة في عصر الرسالة، فلا مانع من تصحيح نفس ذلك الاتّفاق برأسه، لكونه تجارة عن تراض وعقداً بين الطرفين ولا يصادم شيئاً من العمومات الناهية أو المطلقات المانعة، خصوصاً مع توفّر هذا النوع من العقد بين العقلاء، حيث إنّ أصحاب السيارات والسفن والقوارب يسلّمونها إلى العمال للانتفاع بها، بالشركة، ولايرونه مخالفاً لأيّ أصل من الأُصول، فالأولى تصحيح هذا النوع من العقود برأسه بما أنّه عقد عقلائي لاتخالفه الأُصول الشرعية.
الشرط الثالث: أن يكون معلوم القدر:
قد عرفت أنّه يشترط في القراض أن لايكون ديناً ويكون من الأثمان المسكوكة حسب رأي القوم، وهناك شرط ثالث ذكروه في المقام، وهو أن لا يكون رأس المال جزافاً بل يكون معلوم القدر.
1 ـ قال الشيـخ: لا يصـح القـراض إذا كان رأس المال جزافاً وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصحّ القراض ويكون القول قول العامل حين المفاصلة، وإن كان مع كل واحد منهما بيّنة، قُدِّمت بيّنة ربّ المال، دليلنا: أنّ القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي وليس في الشرع مايدل على صحة هذا القراض، فوجب بطلانه. ( [497])
2 ـ وقال القاضي: إذا دفع إنسان إلى غيره ثوباً وقال له: بعه فإذا حصل ثمنه فقد قارضتك عليه، كان باطلاً، لأنّ القراض لايصحّ بمال مجهول وهذا قراض بمال مجهول لاتعرف قيمته وقت العقد. ( [498])
3 ـ وقال ابن حمزة: القراض الصحيح: ما اجتمع فيه شروط ثلاثة. . . وتعيين مقدار المال. (2)
4 ـ وقال ابن إدريس: ومن شرط صحة ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة مسلّمة إلى العامل ( [499]).
5 ـ وقال المحقق: لابدّ أن يكون معلوم المقدار، ولاتكفي المشاهدة، وقيل: يصحّ مع الجهالة، ويكون القول قول العامل مع التنازع في قدره. (4) .
6 ـ وقال العلاّمة: الثالث: أن يكون معلوماً فلا يصح على المجهول قدره، وفي المشاهد إشكال فإن جوّزناه فالقول قول العامل مع يمينه في قدره. ( [500])
ومع ذلك فليست المسألة إجماعية، بل خالف الشيخ الطوسي في المبسوط، فصرّح في آخر كلامه بصحة القراض بالمال المجهول، واستجوده في المختلف. ( [501])
قال ابن سعيد: فإن دفع إليه جزافاً صح، والقول قول العامل في قدره مع يمينه، وكذلك ثمن المبيع والسلم والأُجرة، وقيل: لايصح ( [502]).
وقال الشهيد في اللمعة: ينبغي أن يكون رأس المال معلوماً عند العقد. ( [503])
وقال الأردبيلي: وأمّا دليل عدم الجواز بالمشاهد المجهول، فكأنّه الجهل، ونقل عن الشيخ قولاً بالجواز وأنّه مع الاختلاف وعدم البينة، القول قول العامل مع اليمين، بل نقل عنه قولاً بالجواز في الجزاف وإن لم يكن مشاهداً، وإنّه قوّاه في المختلف محتجّاً بالأصل وأنّ المؤمنين عند شروطهم، وإذ لا إجماع ولا دليل واضح على المنع، فالقول به لعموم الأدلة غير بعيد، وإن كان خلاف المشهور، والأحوط التعيين. ( [504])
هذه هي الأقوال والآراء في المسألة والآن: ينبغي ذكر صورها، فنقول:
إنّ المجهول على قسمين: قسم لا يؤول إلى علم، وقسم آخر يؤول إليه ولو بعد وقوع العقد، ونحوه.
أمّا الصورة الأُولى فالموافقة مع الصحة مشكلة لأنّ المعاملة سفهية أولاً، وخطرية ثانياً، فيشمله نهي النبي عن الغرر ( [505]) الذي هو بمعنى الخطر، وعدم الوقوف على الربح والخسران ثالثاً الذي هو الغاية من المضاربة، من غير فرق بين المجهول المشاهد وغيره إلاّ أن يكون المشاهد كافياً في العلم بالمقدار تقريباً، بحيث لايصدق عليه كون المعاملة سفهية، أو كونها مخطورة، وهو خلف الفرض. ولايكفي ارتفاع معظم الغرر، لصدق الغرر أيضاً بعد ارتفاع المعظم.
أمّا المجهول الذي يؤول إلى العلم ولو بعد ساعة أو يوم أو شهر، فلا بأس بالقول بالصحة، لكون المعاملة عقلائية والإطلاقات شاملة لها وليس الجهل المؤقت مانعاً عن الصحة لعدم الفرق عند العقلاء بين العلم من بدء الأمر أو العلم بعد مدة، من غير فرق بين أن يكون المجهول مشاهداً أو غير مشاهد، فالحق هو التفريق بين المجهول الذي لا يؤول إلى علم أو يؤول إليه لا التفريق بين المشاهد وغير المشاهد.
وأمّا تصحيح المضاربة بمال مجهول مطلقاً، بما ذكره الشيخ، من كون المرجع هو قول العامل قدراً وربحاً عند التنازع، فهو فرع كون المعاملة عقلائية وشمول الإطلاقات له، على أنّ المفروض فيما إذا لم يؤل إلى علم، فالاعتماد على قول العامل إن كان لكونه أميناً فهو يرجع إلى القسم الثاني الذي يمكن فيه تحصيل العلم، وإلاّ فالدخول في هذه المعاملة بحجّة أنّ المرجع هو العامل مع فرض كونه ليس أميناً في تعيين المقدار، معاملة سفهية وغررية، ولأجل كون المسألة ذات صورتين احتاط السيد المحقق الخوئي في المسألة وقال: على الأحوط الأولى، نعم أفتى السيد الطباطبائي في المتن باشتراط كونه معلوماً مدة ووصفاً، ولا تكفي المشاهدة وإن زال به معظم الغرر. ( [506])
 
الشرط الرابع: أن يكون متعيناً
قال المحقق: فلو أحضر مالين وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّهما شئت لم ينعقد بذلك قراض. ( [507])
قال العلاّمة: لو دفع إليه كيسين، وقال: قارضتك على أحدهما، والآخر وديعة ولم يعيّن، أو قال: قارضتك على أيّهما شئت، لم يصحّ . (2)
وقال في التذكرة: الثالث أن يكون معيناً، فلو أحضر المالك ألفين، وقال للعامل: قارضتك على إحدى هاتين الألفين، أو على أيّهما شئت، لم تصحّ لعدم التعيين. ( [508])
وقال الأردبيلي: كان دليل اشتراط الحضور بالمعنى المذكور هو إجماعنا فتأمّل. وقال أيضاً: عدم الجواز بأحد الألفين مثلاً كأنّه الإجماع والجهالة في الجملة، ولكن كونه مضرّاً غير ظاهر. ( [509])
وقال في مفتاح الكرامة: قد تُرِك اشتراط ذلك الشرط في الجميع ما عدا الكتب العشرة المذكورة، ويريد من العشرة: التحرير، جامع المقاصد، التذكرة، الإرشاد، والروض، ومجمع البرهان، والمبسوط، والمهذّب، والشرائع، والمسالك. ( [510])
وقال السيد الطباطبائي: الرابع أن يكون معيّناً، فلو أحضر مالين، وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّـهما شئت، لم ينعقد إلاّ أن يعيّن ثم يوقعان العقد عليه، وقال السيد الخوئي في تعليقته: على الأحوط ولايبعد عدم اعتباره. ( [511])
وقد استدل في الجواهر على اعتباره بأنّ المبهم لاوجود له في الخارج وتلزم موقوفية العقد مع التخيير إلى حال وقوعه، وليس في الأدلة ـ حتى الإطلاقات ـ مايدل على مشروعية ذلك، بل لعلّ الأدلّة، قاضية بخلافه ضرورة ظهورها في سببية العقود وعدم تأخر آثارها عنها وجعل الخيار كاشفاً عن مورد العقد من أوّل الأمر، لا دليل عليه، لكونه مخالفاً للأصل ومن هنا لم يحك خلاف في البطلان حتى من القائلين بالجواز مع الجهالة. ( [512])
يلاحظ عليه: أنّ النكرة وإن لم تكن موجودة في الخارج، في النظرة الفلسفية لكنّها ليست كذلك في النظرة العرفية فالعرف يراها موجودة في الخارج، بشهادة أنّه يرى مفهوم أحد الكيسين منطبقاً على الخارج، وكفى في ذلك قوله سبحانه ناقلاً عن لسان شعيب النبيّ (عليه السلام) : ( إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إِحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَني ثَمانِـيَ حِجَج ) (3) خصوصاً على القول بأنّ قوله هذا كان عقداً، لا اقتراحاً منه لموسى (عليه السلام) والمعاملات أُمور عرفية، وليست أُموراً عقلية، فإذا كان العقد أمراً عقلائياً، يكفي في صحته، شمول عمومات المضاربة إذا لم يصادم سائر الأُصول.
ولامانع من أن يكون العقد جزء العلة ويتم العقد باختيار العامل أحد الكيسين، والقول بعدم انفكاك الأثر من العقد من باب قياس الأُمور الاعتبارية بالعلل التكوينية ولم يثبت كون العقد في عالم الاعتبار موثّراً تامّاً في حصول الأثر، بشهادة التمليك في الوصية في ظرف العقد، ولكنّها تحصل بعد الموت، ومثله التدبير، أعني قوله: أنت حر بعد وفاتي، والظاهر عدم اعتباره.
نعم، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً بعد العلم بمقداره ووصفه، فلو كان المال مشتركاً بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صحّ مع العلم بحصته من ثلث أو ربع، وكذا لو قال للمالك مائة دينار مثلاً، قارضتك بنصف هذا المال، صحّ.
الشرط الخامس: أن لايكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به
الغاية من المضاربة هي التجارة برأس المال، وهي المقوّمة لها، فإذا كان رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به إمّا لاشتراط المباشرة وهو عاجز عن القيام بها مباشرة، وإن كان قادراً إذا استعان فيها بالغير، أو لعجزه مطلقاً، حتى مع الاستعانة بالغير، يقع الكلام في الأُمور التالية:
1 ـ صحة العقد وبطلانه:
2 ـ على القول بالبطلان هل الربح للمالك أو العامل.
3 ـ فعلى القول بأنّ الربح للمالك فهل للعامل أُجرة المثل أو لا ؟
4 ـ إذا تلف فهل العامل ضامن أو لا ؟
وعلى كل تقدير فإمّا أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو المالك عالماً والعامل جاهلاً، أو بالعكس فنقول: قال المحقق: وإذا أخذ من مال القراض مايعجز عنه ضمن. ( [513])
أقول: أمّا الأوّل، أعني: حكم العقد، فيمكن أن يقال: إنّ القدرة على التجارة بمال المضاربة من مقوّماتها، فإذا كان عاجزاً عن القيام يبطل العقد لعدم المقوّم كما هو الحال في الاستئجار والوصاية، فلو تبيّن عجز الأجير والوصي يكشف عن بطلانه من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلاً لأنّ القدرة شرط واقعي لصحة العقد وليس العلم والجهل مؤثرين فيهما.
وأمّا الثاني فإنّ الربح تابع للأصل فإذا كان المال للمالك يتبعه الربح، من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين أو مختلفين.
وأمّا الثالث، أعني: أُجرة المثل للعامل، فلأجل احترام عمل المسلم ولكن ربّما يشترط في استحقاقها عدم كون العامل عالماً بفساد العقد سواء كان المالك عالماً أم جاهلاً، فعلم العامل وجهله يؤثران في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، وأمّا علم المالك وجهله فليسا بمؤثرين في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، فإذا كان العامل عالماً بفساد العقد ومع ذلك اتَّجر بعقد فاسد، فقد سلب احترام عمله وأقدم على بذل عمله مجاناً.
ولكن الحق أن يقال: إنّه لم يقدم على بذل ماله بالمجان ولم يسلب حرمة عمله، بشهادة أنّه شرط المشاركة في الربح. فالعلم بفساد العقد لايلازم سلب حرمة عمله كما هو الحال في كل عقد فاسد لم يُقدم الإنسان على بذل المال مجاناً مثل الإجارة وغيرها، نعم قوّى السيد الطباطبائي في كتاب الإجارة، عدم الضمان في صورة العلم بالبطلان فقال: «وكذا في الإجارة على الأعمال إذا كانت باطلة، يستحق العامل أُجرة المثل لعمله دون المسماة إذا كان جاهلاً، وأمّا إذا كان عالماً، فيكون هو المتبرع بعمله سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فيجب عليه ردّ الأُجرة المسمّاة أو عوضها ولايستحق أُجرة المثل. ( [514])
ولكن الحق، التفصيل بين ما إذا كان الفساد مستنداً إلى كون الإجارة بلا أُجرة، فبما أنّ مثل هذا فاسد ومفسد لكونه مخالفاً لمقتضى العقد، فلا يستحق الأُجرة، عالماً كان بالفساد أو لا، لأنّه هتك حرمة ماله، ومثله ما إذا جعل مال الغير أُجرة العمل مع علم الأجير له، وأمّا ما سوى ذلك، فالأقوى هو الضمان لأنّه لم يسلّطه على المنفعة مجاناً حتى يكون خارجاً عن أدلة الضمانات ولم يهتك حرمة ماله وإن علم فساده شرعاً.
وأمّا الرابع، أعني: الضمان، فالظاهر أنّه غير ضامن، لكونه من مصاديق «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فإنّ مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضموناً عليه في الباطلة، ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان»، وقال (عليه السلام) : «ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».( [515])
ثم إنّ هناك تفصيلين:
الأوّل: ما ذكره سيد مشايخنا المحقّق البروجردي من التفصيل في المسألة وحاصله: هو صحة العقد فيما يقدر، وبطلانه فيما لايقدر سواء أخذ مال القراض دفعة أو تدريجاً. قال (قدس سره) : اعتبار القدرة على العمل في تحقق المضاربة عقلاً، لتقوّمها بالمال والعمل، وعدمها (في المقام) بالنسبة إلى جميع المال لكثرته، لايوجب بطلانها، فيما يقدر عليه ويبذله من العمل في بعضه، فالأقوى صحّتها بالنسبة إلى مايقدر عليه، واستحقاق العامل فيما يعمل به، حصتَه من الربح، بل الأمر في الإجارة أيضاً كذلك، وإن كان بينهما فرق من جهة أُخرى. نعم يكون للمستأجر مع جهله خيار التبعّض.
يلاحظ عليه: أنّ هنا معاملة ومضاربة واحدة بالمال المشخص المعلوم، لا تتكثر ولا تتعدد، فكيف يصح التبعيض في الصحة فيصح فيما يقدر، ويبطل فيما لايقدر، خصوصاً فيما إذا كان مايقدر أقل بكثير ممّا لايقدر فهل يمكن هناك استكشاف رضا المالك بالعقد على الأقل الذي لاينفع؟
نعم، لو علم من قرينة خارجية أنّ هناك مطلوبين متعدّدين، فلا مانع من القول بالتبعيض في الصحة وعلى ذلك ينقلب الحكم في المواضع الأربعة فتصح المضاربة فيما يستطيع، ويكون الربح بينهما لا لخصوص المالك، ولاتكون للعامل أُجرة المثل، كما لايكون ضامناً فيما يقدر، لكونه أميناً فيه ومنه يظهر النظر في ما أفاده المحقق الخوئي (قدس سره) من التصحيح في ما يقدر مطلقاً، بحجّة أنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعدّدة على أجزاء رأس المال وإن كانت بحسب الإنشاء واحدة، وحالها في ذلك حال سائر العقود، وحيث إنّ المفروض أنّ العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال، وإن كان عاجزاً عن الاتّجار بمجموعه، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس وفي جميع المال. ( [516])
وذلك لأنّ القول بانحلال العقد حسب أجزاء المال أمر غير عرفي، فلو ضارب الرجل بمليون ريال، فعلى الانحلال أنّ هناك مضاربات بعدد الريالات وهو كما ترى، بل الحق ملاحظة المقدور ومقايسته مع غير المقدور فإذا استكشف تعدد الرضاء، والمطلوب وأنّ المضارب راض أيضاً بالمضاربة بالقليل مع ترك الكثير، فللصحة مجال وإلاّ فلا.
وبذلك يظهر أنّ الميزان استكشاف تعدد الرضا والمطلوب سواء كان المقدار المقدور متميزاً عن غير المقدور أو لا، فما أفاده ذلك المحقق في ذيل كلامه من عدم الريب في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدور، غير واضح إذا كان رضاؤه مشروطاً بالمعاملة مع الكل، وإلاّ فتصح المعاملة مع الأقل وإن لم يكن متميزاً.
الثاني: التفصيل بين ما إذا أخذ الجميع دفعة، وما إذا أخذ مايقدر أوّلاً وما لا يقدر ثانياً، فيحكم بالبطلان إذا أخذ الجميع دفعة، وبالصحة إذا أخذ ما يستطيع معه على التجارة أوّلاً ثم أخذ ما يعجز عن التجارة به ثانياً ولكن لم يمزجه بما أخذه أولاً. حكاه في المسالك وقال: وربّما قيل: إنّه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالأوّل وإن أخذ مقدوره، ثم أخذ الزائد ولم يمزجه به ضمن الزائد خاصة. ( [517])
يلاحظ عليه: بما لوحظ على الأوّل، فإنّ هناك عقداً واحداً وتعهداً فارداً، فلو كان العجز من التجارة بتمامه مانعاً عن صحّة أصل المضاربة، فكل ما يأخذه من هذا المال دفعة أو تدريجاً مبنيّ على العقد الفاسد فيكون الأخذ دفعة وتدريجاً على حدّ سواء، ولو كان مانعاً عن الصحة بالنسبة إلى الزائد على القدر المستطاع فمقتضاه وإن كان هو التفصيل، لكن نسبة العجز والقدرة بالنسبة إلى ما أخذه أوّلاً وما أخذه ثانياً على حدّ سواء، لاترجيح لأحدهما على الآخر، وما ذكره السيد الطباطبائي في تقوية هذا القول بأنّ الأوّل وقع صحيحاً والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه، والمفروض عدم المزج، غير تام، وذلك لأنّ المفروض وحدة المضاربة، فليس ما أخذه بقدر المقدور متعلقاً بمضاربة مستقلة، فإذا ضمّ إليه ما لا يستطيع، تكون نسبة الجميع إلى العقد على حدّ سواء.
وبعبارة أُخرى : أنّه يأخذ المقدور وغير المقدور بنيّة العقد الواقع أوّلاً، فلاوجه لتفكيك ما أخذه أوّلاً عمّا أخذه ثانياً، خصوصاً إذا كان كل واحد ممّا أخذ مقدوراً له، وإن كان الجميع غير مقدور. اللّهمّ إلاّ إذا كانت هناك قرينة تكشف عن تعدّد المطلوب والرضاء فيصح في المقدور كما مرّ وعندئذ لافرق بين الأخذ دفعة أو تدريجاً، وحمل الأخذ الأوّل على وقوع المضاربة معاطاة، خلاف المفروض وإلاّ فيكون في المقام مضاربتان حقيقة.
لو ضارب بما في يد الغاصب معه
ولو كان مال المضاربة في يد غاصب فإذا ضاربه المالك عليه فهل يصح العقد أو لا ؟ وعلى فرض الصحة هل يبطل الضمان أو لا ؟
أمّا صحة المضاربة، فلا إشكال فيها إذا كان مال القراض جامعاً للشرائط، وأمّا بطلان الضمان، فلأجل أنّه مع عقد المضاربة ينقلب العنوان فيصير الغاصب عاملاً أميناً معامليّاً لا أميناً تبرعياً كالودعي فيترتب عليه كل مايترتب على الأمين المعاملي، وأمّا استظهار الضمان من قوله (عليه السلام) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» باعتبار عدم حصول الأداء، فالجواب: أنّه منصرف إلى ما إذا كان الغاصب باقياً على غصبه لا ما إذا انقلب العنوان منه إلى عنوان آخر.
وبذلك يظهر أنّه لا وجه لما يقال من أنّه إنّما يرتفع الضمان إذا اشترى به شيئاً ودفع المال إلى البائع، ولأنّه قد قضى دينه بإذنه، وذلك لما عرفت من أنّ المضاربة تقلب اليد عن العدوانية إلى الأمانية فينقلب الحكم، وبذلك يظهر حكم الرهن إذا كان عند الغاصب ثم رضي المالك بكونه رهناً له في مقابل دينه، فإنّه يرتفع به الضمان.
لو اختلفا في قدر رأس المال
قال المحقق: لو اختلفا في قدر رأس المال فالقول قول العامل مع يمينه، لأنّه اختلاف في المقبوض. ( [518])
أقول: توضيح المسألة وتحقيقها هو أنّ لها صورتين:
1 ـ إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل وكان النزاع مركّزاً عليه فقط، قُدِّم قولُ العامل بيمينه مع عدم البيّنة، من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل، لأصالة عدم إعطائه أزيد ممّا يقوله، وأصالة براءته إذا كان تالفاً من الأزيد.
2 ـ أن يكون النزاع في مقدار رأس المال راجعاً إلى نزاع آخر وهو النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح، كما إذا علم مقدار المال الموجود فعلاً بيد العامل وأنّه ألفا دينار مثلاً، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه، لأجل الاختلاف في مقدار رأس المال، بأن يدّعي المالك أنّ رأس المال هو الألف، والألف الآخر هو الربح، فلكلّ واحد خمسمائة دينار ـ بناءً على أنّ الربح بينهما بالتناصف ـ ، وادّعى العامل أنّ رأس المال هو ثمانمائة دينار وأنّ الربح هو ألف ومائتا دينار، فلكلّ واحد ستمائة دينار، فذهب المحقق إلى أنّ القول قول العامل بيمينه، لأنّه يرجع إلى اختلاف المقبوض، وفي الواصل إليه والداخل تحت سلطانه بالتصرّف فيه، فالمالك يدّعي الأكثر والعامل الأقل، والأصل عدم دخول الزائد تحت سلطانه، فيكون هو المنكر والمالك هو المدّعي، فالقول قول المنكر لو لم يقم المدّعي البينة.
ويمكن أن يقال: إنّ ما ذكره يتمّ في الصورة الأُولى، أعني: إذا كان النزاع مركّزاً على مقدار رأس المال وكان الربح معيّناً لا نزاع فيه، وأمّا إذا كان النزاع فيه راجعاً إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود فلا، لأنّه على تقدير قلّة رأس المال يصير مقدار الربح له أكثر فيكون نصيب العامل أزيد، وعلى تقدير كثرته، يكون بالعكس، ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك إلاّ بمقدار ما أقرّ به للعامل.
وبعبارة أُخرى : أنّ الاختلاف في مقدار رأس المال، واجهة لادّعاء أنّه يستحق شيئاً كثيراً من المال الموجود والمالك ينكره، وقد تسالموا على الألف، وهو يدّعي أزيد منه بمائتين والأصل عدمه.
ويظهر سرّ ذلك إذا وقفنا على أنّ المال أصله وفرعه ملك للمالك بالأصالة ومنه ينتقل إلى العامل وبما أنّ الفرع تابع للأصل والمقدار المسلّم الخارج منه هو ما تسالما عليه، فالزائد عليه يحتاج إلى الدليل. وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر بقوله: «ولأنّ الأصل مع بقاء المال يقتضي كون جميعه للمالك إلاّ ما أقرّ به للعامل».( [519])
فإن قلت: إنّ الأصل عدم دفع أزيد من ثمانمائة دينار إلى العامل فيتعين الباقي للربح.
قلت: إنّ الأصل غير مفيد لأنّ تعيّن الزائد للربح ليس أثراً شرعياً لعدم دفع أزيد من ثمانمائة، بل من لوازمه العقلية. ومثله الأصل الآخر، أعني: أصالة عدم حصول الربح أزيد من مقدار ألف فيتعين الباقي كونه رأس المال، وذلك لأنّ تعيّن الباقي في كونه جزءاً لرأس المال ليس أثراً شرعياً لعدم حصول الربح الزائد بل هو لازم عقلي له.
إنّ ما ذكرناه مبنيّ على أنّ الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، إنّما هو مآل الدعوى ومرجعها وحاصلها فيكون المدّعي ـ على هذا ـ هو العامل. وأمّا إذا كان الميزان، هو مصبُّ الدعوى وظاهرها، فالعامل هو المنكر، والمالك هو المدّعي لموافقة قول العامل الأصل، ومخالفة قوله له فالأصل عدم كون رأس المال زائداً على ثمانمائة. وممّن تنبّه لذلك السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره) في تعليقته على العروة فعلّق على قول السيد: «هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح» قوله: «وكذا إذا رجع إليه إذا كان مصبّ الدعوى، النزاعَ في مقدار رأس المال كما هو المفروض»، ولعلّه لأجل ذلك تأمّل سيد مشايخنا البروجردي (قدس سره) في تعليقته وقال: محلّ تأمّل وإشكال.
والمرجع عندنا في باب تمييز المدّعي عن المنكر، هو العرف لا الأُصول العملية، ولا الظواهر، ولا مصب الدعوى، وعلى هذا فالعرف يتلقّى العامل مدّعياً والمالك منكراً.
نعم، إذا اختلفا في حصول الربح وعدمه فالقول قول العامل، أو اتفقا في مقدار رأس المال وادّعى العامل أنّه ربح ألف، والمالك ربح أزيد، فالقول قوله أيضاً.
وأمّا إذا اختلفا في مقدار الحصة وأنّه النصف أو الثلث، فالقول قول المالك.

[472] . النهاية: 430. 2 . الجواهر: 26/536 (قسم المتن).
[473] . تذكرة الفقهاء: 2/236. 4 . مجمع الفائدة: 10/249 (قسم المتن) .
[474] . مفتاح الكرامة: 7/441.
[475] . مجمع الفائدة: 10/235.
[476] . الوسائل : ج 13، الباب5 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.
[477] . مجمع الفائدة والبرهان: 10/235.
[478] . الخلاف: 3 / 459 ـ 460 ، كتاب المضاربة، المسألة 1 ـ 3.
[479] . الفضة المذابة أو الذهب المذاب غير المسكوكين.
[480] . المهذب: 1/460. 3 . جواهر الفقه: 124. 4 . السرائر: 2/407.
[481] . الجواهر: 26/357، (قسم المتن) . 6. الجامع للشرائع: 314.
[482] . التذكرة: 17 / 18، كتاب القراض، البحث الثالث من الفصل الثاني، تحقيق مؤسسة آل البيت، قم ـ 1428 هـ .
[483] . مجمع الفائدة: 10/447، (قسم المتن) .
[484] . مفتاح الكرامة: 7/440، (قسم المتن) . 3 . المغني: 5/124.
[485] . المغني: 5/124 ـ 125، والعبارة لم تخل من تشويش، ولم يتحقق معنى قوله: «وهذه لا مثل لها» لأنّها صادقة في القيمي لا المثلي، وأعيان العروض ليست قيمية دائمة، بل ربّما تكون مثليّة.
[486] . التذكرة: 17 / 19، كتاب القراض، الفصل الثاني.
[487] . مجمع الفائدة: 10/248. 2 . تحرير الوسيلة: 1/ 577.
[488] . العروة الوثقى: 2 / 639 ، كتاب المضاربة، الشرط الثاني.
[489] . الوسائل: ج 12، الباب 10 من أبواب الصرف، الحديث5.
[490] . الجواهر: 26/362، (قسم المتن) .
[491] . الجواهر: 26/362.
[492] . المهذب: 1/461.
[493] . الجامع للشرائع: 317 ـ 318.
[494] . الجواهر: 26/358، (قسم المتن) .
[495] . قواعد الأحكام: 2 / 333 ; مفتاح الكرامة: 7/441، قسم المتن .
[496] . مفتاح الكرامة: 7/441.
[497] . الخلاف: 3 / 469، كتاب المضاربة، المسألة 17.
[498] . المهذب: 1/460. 2 . الوسيلة: 264.
[499] . السرائر: 2/407. 4 . الجواهر: 26/358، (قسم المتن) .
[500] . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .
[501] . المختلف: 6/253.
[502] . الجامع للشرائع: 314.
[503] . الروضة البهية: 4 / 220، (قسم المتن) .
[504] . مجمع الفائدة: 10/248 ـ 249.
[505] . الوسائل: ج 12، الباب 10 و 12 من أبواب البيع وشروطه، الحديث2و13.
[506] . العروة الوثقى: 2/427، كتاب المضاربة، الشرط الثالث تعليقة السيد الخوئي.
[507] . الجواهر: 26/359، (قسم المتن) . 2 . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .
[508] . التذكرة: 17 / 24، كتاب القراض، الفصل الثاني.
[509] . مجمع الفائدة والبرهان: 10/234 و 248.
[510] . مفتاح الكرامة: 7/444.
[511] . العروة الوثقى: 2 / 640، أحكام المضاربة.
[512] . الجواهر: 26/359. 3 . القصص : 27.
[513] . الجواهر: 26/360، (قسم المتن) .
[514] . العروة الوثقى: 2 / 598، الفصل 3، كتاب الإجارة، المسألة 16.
[515] . الوسائل: ج 13، الباب1 من أبواب كتاب العارية، الحديث6.
[516] . مباني العروة الوثقى: 3/30.
[517] . المسالك: 1/297.
[518] . الجواهر: 26/363 (قسم المتن) .
[519] . الجواهر: 26/364. لاحظ العروة الوثقى: 2 / 682 ـ 685، المسألة: 52، 60 من كتاب المضاربة.