welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
المطاف بين السعة والضيق
المطاف بين السعة والضيق

كان الحجيج في الأزمان المنصرمة يُعدّون بالأُلوف حيث لا يتجاوز عددهم مائة ألف حاج في أغلب السنين، ولم تكن آنذاك أية مشكلة باسم الازدحام في المطاف، إلاّ حين استلام الحجر الأسود، غير أن تطور وسائل النقل البحرية والبرية والجوية جعل هذا العدد يتضاعف كثيراً في كلّ سنة إلى أكثر من ميلوني حاج.
هذا وانّ عدد الحجاج في هذه السنة ـ 1425هـ ـ حسب وكالة الأنباء للمؤتمر الإسلامي في اليوم الثامن من ذي الحجة الحـرام ـ بلـغ مليونين ومائتي وخمسين  ألف (000،250،2 ألف) ، وكان عدد الحجاج الوافـدين من سائر الأقطار يبلغ مليوناً وسبعمائة وخمسين ألف (000،750،1) ، وهذا يعرب عن أن تطور وسـائل المواصلات صار سبباً لتزايد عدد الوافدين إلى البيت الحرام.
وعلى ضوء ذلك، فإنّ عدد الحجاج سوف يشهد تزايداً ملحوظاً في المستقبل.
هذا من جانب ومن جانب آخر المشهور عند فقهاء الشيعة هو أنّ المطاف عبارة عمّا بين البيت والمقام، وهو لا يزيد على 12متراً أو 26ذراعاً ونصف ذراع. ومن المعلوم أنّ طواف هذا العدد الهائل من الحجاج في هذه المسافة الضيقة يوجب ازدحاماً وحرجاً كثيراً في أشهر الحج خصوصاً في الشهر الأخير.
وأشكل من ذلك تحديد المطاف خلف جدار حجر إسماعيل بثلاثة أمتار.
ومن المعلوم أنّ هذا التضييق يوجب العسر والحرج والزحام للشيعة الإمامية.
وهذا ما يلمسه كلّ من يحج في هذه السنوات ويعاني من هذه المشكلة.
وأمّا أهل السنّة فهم في يسر حيث جعلوا ساحة المسجد كلّها مطافاً للحاج حتى تحت الأروقة والسقائف، بل قالوا لو وسع المسجد إلى الحل لكان الجميع مطافاً ، كما سيوافيك.
ولذلك نطرح هاتين المسألتين على صعيد التحقيق.

 
المسألة الأُولى
في تحديد المطاف في الجوانب الثلاثة
ذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى أنّ المطاف هو المسافة الفاصلة بين البيت والمقام الموجود حالياً ونص بذلك جلّ فقهائهم، وستوافيك كلماتهم.
وهناك قولان آخران:
1. جواز الطواف خارج المقام اختياراً على كراهة، وهو خيرة الصدوق والمحقّق الأردبيلي على وجه.
2. جواز إدخال المقام في الطواف في حالة الضرورة، وهو خيرة ابن الجنيد والعلاّمة في «التذكرة». فعلينا دراسة أدلة الأقوال بعد ذكر نصوص من أقوال الفقهاء.
القول الأوّل: المطاف هو الحدّ الفاصل بين الحدّين
تقدّم أنّ المشهور بين فقهائنا أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين البيت والمقام، وتجد النص على ذلك في أغلب الكتب الفقهية، وإليك منها ما يلي:
1. قال الشيخ في «الخلاف»: إذا تباعد من البيت حتى يطوف بالسقاية وزمزم لم يجزه. وقال الشافعي: يجزيه.( [376])
2. وقال في «المبسوط»: وينبغي أن يكون طوافه فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام وتباعد عنه لم يصحّ طوافه.( [377])
3. وقال في «النهاية»: وينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين المقام والبيت ولا يجوزه، فإن جاز المقام أو تباعد عنه لم يكن طوافه شيئاً. (2)
وذيل العبارة في الكتابين يدلّ على أنّ مراده من قوله: «ينبغي» هو الوجوب.
4. وقال ابن البراج : ويجب أن يكون طوافه بين المقام والبيت.( [378])
5. وقال ابن زهرة: والواجب في الطواف النية ـ إلى أن قال: ـ وأن يكون، بين البيت والمقام فمن ترك شيئاً من ذلك لم يجزه الطواف. (4)
6. وقال ابن إدريس: ينبغي أن يكون الطواف بالبيت فيما بين مقام إبراهيم (عليه السلام) والبيت يُخرج المقام في طوافه، ويدخل الحجر في طوافه، ويجعل الكعبة في شماله، فمتى أخلّ بهذه الكيفية أو نسي منها بطل طوافه.( [379])
7. وقال العلاّمة: يجب عندنا أن يكون الطواف بين البيت والمقام ويدخل الحجر في طوافه، فلو طاف في المسجد خلف المقام لم يصحّ طوافه، لأنّه خرج بالتباعد عن القدر الواجب فلم يكن مجزئاً.
وقال الشافعي: لا بأس بالحائل بين الطائف والبيت كالسقاية والسواري ولا بكونه في آخر باب المسجد وتحت السقف، وعلى الأروقة والسطوح إذا كان البيت أرفع بناءً على ما هو اليوم، فإن جعل سقف المسجد أعلاه لم يجز الطواف على سطحه... إلى أن قال: ولو اتّسعت خطة المسجد اتّسع المطاف، وقد جعلته العباسية أوسع ممّا كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .( [380])
8. وقال في «المنتهى»: ويجب أن يكون ]  الطواف  [ بين البيت والمقام.( [381])
9. وقال في «المدارك»: وأمّا أنّه يعتبر كون الطواف واقعاً بين البيت والمقام بمعنى كونه في المحل الخارج عن جميع البيت والداخل عن جميع المقام، فهو المعروف من مذهب الأصحاب.( [382])
10. وقال في «الجواهر»: لا خلاف معتد به أجده في وجوب كون الطواف بينه و بين البيت، بل عن الغنية الإجماع عليه. (4)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يقف عليها المتتبع في الكتب.
نعم المطاف عند فقهاء السنّة أوسع بكثير، كما مرّ عن العلاّمة في «التذكرة». و في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام قريباً من البيت أو بعيداً عنه، فلو طاف من وراء مقام إبراهيم (عليه السلام) أو من  وراء حائل كمنبر أو غيره كالأعمدة أو على سطح المسجد الحرام أجزأه، لأنّه قد حصل حول البيت مادام ضمن المسجد وإن وسع المسجد ومهما توسع ما لم يبلغ الحلّ عند الجمهور، لكن خصّت المالكية الطواف بالسقائف بصورة الزحام.( [383])
والمعروف أنّ المسافة بين «شاذروان» البيت والمقام هي ستة وعشرون ذراعاً ونصف ذراع، وأمّا حسب المتر فالحدّ الفاصل 12 متراً.
وكيف كان فهذا هو القول المعروف بين الأصحاب والدليل الوحيد ـ مضافاً إلى الشهرة ـ صحيحة محمد بن مسلم حسب ما رواه الكليني،  قال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي من خرج منه لم يكن طائفاً بالبيت; قال: «كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطوفون بالبيت والمقام، وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام والبيت، فكان الحدُّ موضعَ المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف، والحدّ قبل اليوم واليوم  واحد قدر ما بين المقام وبين نواحي البيت كلّها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفاً بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لأنّه طاف في غير حدّ، ولا طواف له».( [384])
والاستدلال بالرواية فرع صحّة السند وإتقان الدلالة.
أمّا الأوّل فرجال السند كلّهم ثقات سوى «ياسين الضرير» فإنّه لم يوثق، بل هو مهمل من ذلك الجانب، والرجل إماميٌّ بشهادة عنوان النجاشي له في رجاله.( [385])
وعناية المشايخ بذكره وذكر كتابه، واستحصال السند إليه تعرب عن صلاحية كتابه للاحتجاج. وقد ذكر النجاشي سنده إلى كتابه.
وأمّا إتقان الدلالة، فالدلالة واضحة.
إنّما الإشكال في بعض المضمون  حيث دلّت على أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصار بعده  في المكان الّذي هو فيه اليوم ويؤيده ما نقل عن الطبري: أنّ قريشاً في الجاهلية، كانت قد ألصقته بالبيت خوفاً عليه من السيول، واستمر كذلك في عهد النبي وعهد أبي بكر، فلمّـا ولي عمر ردّه إلى موضعه الحالي، الّذي هو مكانه في زمان الخليل  (عليه السلام)  .( [386])
ولكن فيما ذكره الطبري ملاحظة واضحة، إذ لو كان الأمر كما ذكره الطبري فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بأن يأتي به إلى مكانه اليوم، فلماذا لم ينقله حتّى قام عمر بذلك؟! والمذكور في بعض التواريخ أنّ المقام كان موجوداً في محلّه الّذي هو الآن فيه، في عصر النبي وفترة بعد رحيله.
قال أبو الوليد محمد الأزرقي (المتوفّى قريباً من عام 222هـ) في كتابه «أخبار مكة وما فيها من الآثار»:حدّثني جدّي قال: حدّثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: موضع المقام هذا الّذي هو به اليوم هو موضعه في الجاهلية وفي عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وعمر، إلاّ أنّ السيل ذهب به في خلافة عمر فجعل في وجه الكعبة حتّى قدم عمر فردّه بمحضر الناس. (2)
وقال أيضاً:... حتّى جاء سيل في خلافة عمر بن الخطاب يقال له: سيل أُم نهشل، فاحتمل المقام من موضعه هذا فذهب به حتّى وجد بأسفل مكة، فأُتي به فربط إلى أستار الكعبة في وجهها، وكُتب في ذلك إلى عمر، فأقبل عمر فدخل بعُمرة في شهر رمضان وقد غُبي موضعه وعفاه السيل، فدعا عمر بالناس فقال: أنشد الله عبداً عنده علم في هذا المقام، فقال المطلب بن أبي وداعة السهمي: أنا يا أمير المؤمنين عندي ذلك فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه إلى الركن ومن موضعه إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط، وهو عندي في البيت، فقال له عمر: فاجلس عندي، وأرسل إليها، فأُتي بها فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا، فسأل الناس وشاورهم، فقالوا: نعم هذا موضعه، فلمّـا استثبت ذلك عمر وحقّ عنده أمر به فاعلم ببناء ربضه تحت المقام ثمّ حوله فهو في مكانه هذا إلى اليوم.( [387])
وما ذكره الأزرقي هو الأوفق بالقبول، لأنّ المقام هو العمود من الصخر الّذي كان إبراهيم (عليه السلام) يصعد عليه عند بنائه البيت، فلو كان هذا متّصلاً بالبيت في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان على الزائرين الصلاة وراءه وهي تزاحم طواف الطائفين، والروايات في المورد متعارضة، تحتاج إلى فحص أكيد يوصل إلى رأي حاسم، وعلى أي تقدير، فيجب علينا الطواف بين البيت والمقام الموجود حالياً برواية محمد بن مسلم الماضية، وضعف السند منجبر بعمل المشهور.
 
قولان آخران في المطاف
قد تقدّم أنّ في تحديد المطاف قولين آخرين، وإليك دراستهما:
الأوّل: جواز الطواف خارج المقام اختياراً على كراهة، وقد اختاره قليل من الفقهاء، منهم:
1. الصدوق في «الفقيه» حيث روى بسند صحيح عن أبان بن عثمان، عن محمد بن علي الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطواف خلف المقام، قال:«ما أحب ذلك وما أرى به بأساً، فلا تفعله إلاّ أن لا تجد منه بُدّاً»( [388]). بناء على أنّ الصدوق يُفتي بكلّ ما نقله في الفقيه، لما صرّح به في أوّل الكتاب.
فلو قلنا بأنّ قوله (عليه السلام) : «ما أحب ذلك» ظاهر في الكراهة، وهي تزول مع الضرورة، ويكون دليلاً على أنّ الصدوق ممّن يجوِّز الطواف خارج المقام اختياراً وإن كان مكروهاً، وتزول الكراهة في الضرورة.
2. وقال المحقّق الأردبيلي بعد نقل الرواية المذكورة: فإنّها ظاهرة في الجواز خلف المقام على سبيل الكراهة، وتزول مع الضرورة، ولكن قال في «المنتهى»: وهي تدلّ على ذلك مع الضرورة والزحام وشبهه.
وأنت تعلم أنّ دلالتها على ما قلناه(جواز الطواف خلف المقام اختياراً) أظهر إلاّ أن يقال: إنّه لا قائل به فيحمل على ما قاله في «المنتهى» على أنّ «أبان» الظاهر أنّه ابن عثمان، وفيه قول فلا يقبل منه ما ينفرد به.( [389])
يلاحظ عليه: أنّ أبان بن عثمان من أصحاب الإجماع، وقد اتّفقوا على وثاقة هؤلاء.
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الصدوق والأردبيلي ـ على وجه ـ ذهبا إلى جواز الطواف خلف المقام اختياراً.
الثاني: اختصاص الجواز  بصورة الضرورة والزحام، وعليه ابن الجنيد والعلاّمة في بعض كتبه، وإليك قوليهما:
1. قال العلاّمة في «التذكرة» بعد ما نقل خبر الفقيه: وهو يعطي الجواز مع الحاجة كالزحام.( [390])
2. وقال في «المختلف»: المشهور انّه لا يجوز إدخال المقام في الطواف، وقال ابن الجنيد: يطوف الطائف بين البيت والمقام الآن، وقدره من كلّ جانب، فإن اضطر أن يطوف خارج المقام أجزأه.( [391])
وهذا القول هو الأقوى،  و يدلّ عليه مضافاً إلى صحيح الحلبي :
انّه سبحانه يأمر مجموع الحجيج الحاضرين في المسجد بالطواف بقوله: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبيت العَتيق ) ( [392]) هذا من جانب.
ومن جانب آخر يقول سبحانه: ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) .( [393])
فمقتضى دعوة الحاضرين في المسجد إلى الطواف مع رعاية عدم تسبب الحرج هو كون المطاف في هذه الظروف أوسع من الحدّ المذكور مع ملاحظة الأقرب فالأقرب. بمعنى اتصال الطائف خارج المقام بالطائفين داخل المطاف.
وربما يقال بإيجاب الاستنابة،  عند عدم الاستطاعة أو إذا كان حرجيّاً.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الابتلاء في مورد واحد صحّ ما احتمل، وإلاّ فلو كان ممّا تبتلي به العامّة، فنفس الاستنابة تكون حرجية، فكيف الطواف نفسه.

 
المسألة الثانية
حدّ المطاف خلف حجر إسماعيل (عليه السلام)
هذه هي المسألة الثانية التي ألمعنا إليها.
وإليك توضيحها:
قد تقدم أنّ المطاف هو الحدّ الفاصل بين الكعبة ومقام إبراهيم (عليه السلام) ، وقد حدّد بستة وعشرين ذراعاً ونصف ذراع، وهو يقرب من 12 متراً، فعلى الطائف ألاّ يخرج عن هذا الحدّ إلاّ عند الضرورة كما قلنا.
واتّفقوا على أنّ مبدأ هذا الحدّ في الأضلاع الثلاثة هو جدار الكعبة.
وإنّما الكلام  في الضلع الذي يتصل به حجر إسماعيل فهل يُحسب الحد الفاصل من جدار الكعبة كما هو المشهور عند أكثر فقهائنا; أو يحسب من جدار الحجر إلى نهاية 12متراً، كما عليه لفيف من المتقدمين والمعاصرين؟
فلو قلنا بالاحتمال الأوّل يكون مقدار المسافة للطواف نحو ثلاثة أمتار وهو يسبّب الحرج في أكثر الأوقات، وأكثر ممّا سبق، إذ لازم ذلك أن يكون المطاف في الأضلاع الثلاثة هو 12متراً وفي الضلع المتصل بـ«حجر إسماعيل» 3 أمتار.
وأمّا لو قلنا بالاحتمال الثاني، فبما أنّ مبدأ المسافة هو خارج الحجر يكون المطاف نظير سائر الأضلاع، وبذلك يزول الحرج في غالب الأوقات غير أيّام الحجّ.
إنّما الكلام في استظهار أحد القولين من معتبرة محمد بن مسلم الماضية.
أقول: إنّ الرواية في النظرة  الأُولى تحتمل أحد معنيين ولا يتعيّن المقصود النهائي إلاّ في الإمعان في الغرض الّذي سيقت له، وإليك الاحتمالين:
1. إنّ الرواية بصدد بيان حدي المسافة، ويكون غرضها مصروفاً إلى بيان المبدأ والمنتهى.
2. إنّ الرواية بصدد بيان مقدار المسافة الّتي يطوف فيها الطائف بحيث لو خرج عنها في جانب المقام لبطل طوافه. وإنّما ذكر المبدأ ليتيسّر له ذكر المسافة الّتي لو خرج عنها الطائف لبطل طوافه.
فإذا كان المقصود هو الأوّل، لكانت الرواية مؤيدة للقول المشهور، غير أنّ القرائن المتوفرة تشهد بأنّ الغرض هو بيان مقدار المسافة الّتي لا يجوز الخروج عنها، وأمّا المبدأ فهو وإن تعرضت له الرواية بقوله (عليه السلام) : «قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها» إلاّ أنّه لم تصبَّ اهتمامها عليه، وإنّما جاء ذكره ليكون مقدّمة لبيان حدّ المسافة الّتي لا يجوز للطائف الخروج عنها، لا لبيان الحدّ حتّى من الجانب الذي يُبدأ منه.
لكن القرائن تشهد بأنّ الغرض هو بيان مقدار المسافة لا بيان مبدأ المسافة، وإليك القرائن:
أ. نفس سؤال الراوي حيث ركّز على الحدّ الّذي لا يجوز الخروج عنه، وقال: سألته عن حدّ الطواف بالبيت الّذي «من خرج عنه» لم يكن طائفاً بالبيت، فلابدّ أن يكون الجواب ناظراً إلى تلك الجهة أي بيان الحدّ الّذي لا يجوز الخروج عنه، والخروج يتحقّق من جانب المقام، لا من جانب البيت.
ب. انّ الإمام (عليه السلام) بيّن كيفية طواف الناس أيّام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالبيت والمقام، ثمّ بيّن انقلاب الأمر بعده حتّى صار الناس يطوفون بين البيت والمقام. ثمّ يؤكد بأنّ ذلك لا يؤثر في تغيير الحدّ بقوله:«فكان الحد، موضعَ المقام اليوم فمن جازه فليس بطائف» فهذه التعابير تشير كلّها إلى أنّ المقصود الأصلي في الرواية هو بيان المسافة الّتي يطاف فيها ولا يجوز الخروج عنها، وإنّ نقل المقام في العهود السابقة لا يؤثر في ذلك.
ج. «فالحدّ قبل اليوم واليوم واحد، قدر ما بين المقام وبين البيت» وهو ظاهر في أنّ تغيير مكان المقام لا يؤثر في تحديد المسافة ومقدارها فهي في جميع الظروف واحدة لا تتغير، وإن ذُكر المبدأ «بين البيت» فلأجل أن يتيسّر له بيان حدّ المسافة الّتي لا يجوز الخروج عنه.
ولقد لخّص العلاّمة المجلسي مفاد الحديث بقوله: والحاصل أنّ المعتبر دائماً مقدار، بين الموضع الّذي فيه المقام الآن وبين البيت، سواء أكان المقام فيه أم لم يكن.( [394])
وعلى ضوء ما ذكرنا فالرواية تركّز على بيان الحدّ الفاصل الّذي لا يجوز الخروج عنه في عامة الجوانب لا على مبدئه.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كانت الرواية ظاهرة في تبيين المسافة الّتي يسلكها الطائف، فيجب الأخذ بها في عامة الجوانب.
لكن الأخذ به واضح في الأضلاع الثلاثة، وإنّما الكلام  في الأخذ به في الضلع المتصل بحجر إسماعيل، فهو يتحقق بأحد أمرين:
الأوّل: أن يكون الحجر جزءاً من المسافة والمطاف، فيجوز للطائف سلوكه.
الثاني: ألاّ يكون الحجر جزءاً منها بل خارجاً.
وبما أنّ الروايات المتضافرة أبطلت الاحتمال الأوّل يتعيّن الاحتمال الثاني فيكون المبدأ خارج الحجر إلى نهاية اثني عشر متراً.
ثمّ إنّ المشهور وإن ذهب إلى أنّ المبدأ هو البيت في ذلك الضلع الخاص، غير أنّ جماعة من الفقهاء اختاروا ما ذكرناه، وإليك مقتطفات من كلماتهم:
1. قال الشهيد الثاني في «الروضة»: وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن جعلناه خارجاً من البيت.( [395])
2. وقال أيضاً في «المسالك»: وتجب مراعاة هذه النسبة من جميع الجهات فلو خرج عنها ولو قليلاً بطل، ومن جهة الحجر تحتسب المسافة من خارجه بأن ينزله منزلة البيت وإن قلنا بخروجه عنه.
ثمّ إنّه (قدس سره) تردد فيما ذكر وقال: مع احتمال احتسابه(الحجر) منها على القول بخروجه وإن لم يجز سلوكه.( [396])
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية جواز السلوك في المسافة المحدّدة في عامة الجوانب، فلو كان الحجر جزءاً من المسافة جاز السلوك فيه، مع تضافر الروايات على المنع.
3. وقال سبطه في «المدارك»: وقد قطع الأصحاب أنّه يجب مراعاة قدر ما بين البيت والمقام من جميع الجهات، وفي رواية محمد بن مسلم دلالة عليه، وتحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه وإن كان خارجاً من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوباً من المسافة.( [397])
4. وقال المحقّق السبزواري في «الذخيرة»: وقد ذكر جماعة من المتأخّرين أنّه يحتسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، ومنهم من قال: وإن كان خارجاً من البيت، ومنهم من علّله بوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.( [398])
5. ما نقله المحقّق النراقي عن جماعة من المتأخّرين.( [399])
6. وقال في «الجواهر»: نعم لا إشكال في احتساب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بناءً على أنّه من البيت، بل في «المدارك» وغيرها، وإن قلنا بخروجه عنه لوجوب إدخاله في الطواف فلا يكون محسوباً من المسافة.( [400]) وإن استشكل في ما ذكره وزعم أنّه خلاف ظاهر الخبر.
ويؤيد ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) طاف في عمرة القضاء مع أصحابه الذين صدّهم المشركون في العام الماضي، فهل يمكن أن يطوف هذا الجمّ الغفير في مسافة قليلة لا تتجاوز عن ثلاثة أمتار؟
قال ابن هشام: ثمّ استلم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الركن  وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتّى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتّى يستلم الركن الأسود، ثمّ هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها.( [401])
وقد شارك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية حوالي 700 رجل، ولما صُدُّوا في ذلك العام، قضوا عمرتهم في السنة القادمة، والظاهر أنّهم شاركوا في القضاء بلا استثناء.
قال ابن إسحاق: خرج معه المسلمون ممّن كان صدّ معه في عمرته تلك، وهي سنة سبع، فلمّا سمع به أهل مكة خرجوا عنها.( [402])
ومن المعلوم أنّ طواف هؤلاء في زمان قليل في تلك المسافة الضيّقة، لا يخلو من حرج ولو كان واجباً لنصّ عليه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المطاف من جانب الحجر أوسع ويساوي في السعة سائر الجوانب، فتدبّر.
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان المطاف في الضلع المتصل بالحِجر، ثلاثة أمتار لأوجب ذلك الزحام الشديد في عامّة الأعصار وانتهى إلى طرح السؤال على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، مع أنّا لا نرى أي سؤال قد طرح حوله.

[376] . الخلاف:2/324، المسألة 133.
[377] . المبسوط:1/357.      2 . النهاية:237.
[378] . المهذب:1/233. 4 . الغنية:172.
[379] . السرائر:1/572.
[380] . التذكرة:8/93ـ 94.
[381] . منتهى المطلب: 10 / 320، تحقيق مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424 هـ .
[382] . المدارك:8/130.      4 . الجواهر:19/295.
[383] . الموسوعة الفقهية الكويتية:29/127.
[384] . الوسائل: ج 9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.
[385] . رجال النجاشي: 2 / 432 برقم 1228.
[386] . الجواهر:19/296.    2 . أخبار مكة:2/35.
[387] . نفس المصدر: 2/ 33 ـ 34 .
[388] . الفقيه:2/399، الباب219، ما جاء في الطواف خلف المقام.
[389] . مجمع الفائدة والبرهان:7/87.
[390] . التذكرة:8/93.
[391] . المختلف:4/183.
[392] . الحج:29.
[393] . الحج:78.
[394] . ملاذ الأخيار:7/393.
[395] .  الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:2/249.
[396] . مسالك الأفهام:2/333.
[397] . مدارك الأحكام:8/131.
[398] . ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد:628.
[399] . مستند الشيعة:12/76.
[400] . الجواهر:19/298.
[401] . السيرة النبوية:2/371، عمرة القضاء.
[402] . السيرة النبوية:2/370.