welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
صلاة الطواف ومكانها
صلاة الطواف ومكانها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
أما بعد، فهذه رسالة وضعتها في مكان صلاة الطواف، الّذي صار موضع بحث ونقاش عند الزحام، فنقول:
صلاة الطواف ومكانها
اتّفق الفقهاء على وجوب ركعتين بعد الطواف في العمرة والحجّ إلاّ ما يحكي عن الشافعي في أحد قوليه.( [306]) والكلام في المقام  في مكانها عند الزحام وغيره. والأصل في ذلك قوله سبحانه: ( واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّىً ) أي اتّخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلّون فيه. والمعروف حسب النصوص والروايات وكلمات العلماء أنّ المقام ـ الّذي هو موضع وقوف إبراهيم (عليه السلام) عند بنائه للبيت ـ هو صخرة على شكل مكعب متساوي الأضلاع، وطول الضلع ذراع واحد بذراع اليد، أي ما يساوي 50 سانتيمتراً تقريباً، وهذا المقدار لا يتسع لأداء الصلاة، لأنّ ما يشغله المصلّي المستوي الخلقة ـ عادة ـ من المساحة الكافية لوقوفه وركوعه وسجوده وجلوسه هو 50 سم عرضاً في 100 سم طولاً، وأين هذا من مساحة الحجر؟( [307]) فيقع الكلام في تفسير الآية وسوف يوافيك معناه.
إنّ تعبير المحقّق: «يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام» أثار بحثاً بين الشُّراح قال في «المدارك»:  إنّه غير جيّد، أمّا لو قلنا بأنّ المقام نفس العمود الصخري فواضح، وأمّا إن أُريد به مجموع البناء الّذي حوله فلأنّه لا يتعيّن وقوع الصلاة فيه قطعاً. (2) وقريب منه في «المستند».( [308])
يرد على الاحتمال الثاني: أنّ البناء كان أمراً مستحدثاً ولم يكن في عصر الرسول حين نزول الآية حتّى تفسر به. وقد أُزيل في السنين الأخيرة وكان موجوداً إلى أوائل العقد الثامن من القرن الرابع عشر، أعني: سنة 1381 هـ ، وقد صلّيت فيه مراراً.
وقد وافقه صاحب الجواهر فقال: إنّ تعبير بعض الفقهاء بالصلاة في المقام مجاز تسمية لما حول المقام باسمه، إذ القطع بأنّ الصخرة الّتي فيها أثر قدمي إبراهيم لا يصلّى عليها. (4)
ثمّ إنّ بعض المفسرين من أهل السنّة حاول حفظ ظهور الآية وهو انّ كون الصلاة في المقام حقيقة فقال: المراد من مقام إبراهيم هو عرفة والمزدلفة والجمار، لأنّه قام في هذه المواضع وسعى فيها، وعن النخعي الحرم كلّه مقام إبراهيم.( [309])
واحتمل بعضهم أنّ المراد من المقام هو المسجد الحرام، ولكنّه محجوج بفعل النبي حيث إنّه بعد ما طاف سبعة أشواط أتى إلى المقام فصلاّهما، وتلا قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً ) ، فأفهم الناس أنّ هذه الآية أمر بهذه الصلاة وهنا مكانها.( [310])
وفي صحيح مسلم بسنده عن جابر في بيان حج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ثلاثاً فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم وقرأ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً ) .( [311])
توضيح مفاد الآية
المهم هو توضيح مفاد الآية فهناك فرق بين قولنا: «فاتّخذوا مقام إبراهيم مصلّى» و قوله: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْرَاهيمَ مُصَلّىً ) . وإنّما يلزم المحال عند الجمود على ظاهر الأوّل، لعدم التمكّن من الصلاة في المقام الّذي هو الصخرة.
وأمّا الثاني فقد ذكروا في الجار «من» احتمالات من كونها للتبعيض، أو بمعنى في، أو للابتداء، أو بمعنى عند. والأولى الرجوع إلى الآيات الّتي ورد فيها هذا النوع من التركيب حتّى يتعيّن أحد الاحتمالات.
قال سبحانه: ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) .( [312])
وقال سبحانه: ( تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً ) .( [313])
هذا كلّه  في مورد المكان، وأمّا في غيره فمثل قوله سبحانه:
( لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) . (2)
( ولاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً ) .( [314])
( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً ) . (4)
ومثّل في «الجواهر» وقال: «اتّخذت من فلان صديقاً ناصحاً، ووهب الله لي من فلان أخاً مشفقاً».( [315])
ترى في هذه الموارد أنّ شيئاً عامّاً يؤخذ منه جزء لغرض، فالنحل تتخذ من الجبال جزءاً بصفة البيت، أو أنّهم كانوا يتّخذون من سهول الأرض قصوراً، أو أنّ الشيطان يتّخذ من عباد الله نصيباً، إلى غير ذلك.
فإذا كان هذا ظاهر هذه التراكيب، فالآية منزّلة على هذا النمط من الكلام، فيراد من المقام ما يجاوره ويقاربه تسمية لما حول المقام باسمه، ضرورة أنّ المقام لا يتبعض لأخذ المصلّى منه، فعلى الطائف أن يأخذ جزءاً من هذا المقام المجازيّ مصلّىً يصلّي فيه، وإطلاق الآية يعمّ الخلف وما حوله من اليمين واليسار. ولا يختصّ مفاده بالخلف، لأنّ المقام حسب ما استظهرناه هو المكان المتّسع قرب المقام الحقيقي، المسوِّغ لتسمية ذلك المكان مقاماً أيضاً، فالموضوع هو الصلاة قربه.
فخرجنا بتلك النتيجة: أنّ المقام أُطلق وأُريد منه  ما يجاوره ويليه، وأنّ «من» تبعيضية لا غير، وسائر الاحتمالات الأُخرى غير تامّة.
وعلى ضوء ما ذكرنا فاللازم هو التصرف في لفظ «المقام» على ما عرفت، وأمّا التصرف في الجار، أعني: «من» ، وجعله تارة بمعنى«في»، وأُخرى بمعنى «عند»، فغير وجيه.
وذلك لأنّ مجرد جواز استعمال «من» مكان «في» أو «عند» ـ على فرض صحّته ـ لا يسوّغ تفسير الآية  بهما، لأنّ مادة الفعل «الأخذ» لا يتعدى لا بـ«في» و لا بـ«عند»، ولو فرض صحة استعماله فهو استعمال شاذ، لا يحمل عليه الذكر الحكيم.
هذا هو مفاد الآية فإن دلّت الروايات على أوسع من الآية أو أضيق منه، نأخذه، وإلاّ فمفاد الآية هو المتّبع.
وسيوافيك أنّ المستفاد من الروايات كفاية إتيان الصلاة قريباً من المقام. من غير فرق بين الخلف وأحد الجانبين، فما دام يصدق على العمل كونه «عنده» فهو مسقط للفريضة، وأمّا التركيز على كونها خلف المقام كما في طائفة من الروايات، فالظاهر أنّه بصدد الرد على تقديم الصلاة على المقام ولزوم تأخّرها عنه، لا بلزوم كونها خلفه لا جنبه، وهو يصدق مع إتيانها يميناً ويساراً وخلفاً.

 
العناوين الواردة في كلمات الفقهاء
إذا عرفت ذلك فلنذكر العناوين الواردة في كلمات فقهائنا ثمّ ما هو الوارد في لسان الروايات.
أمّا الأُولى: فقد اختلفت كلمة الفقهاء في التعبير عن موضع الصلاة على الشكل التالي:
1. الصلاة في المقام.
2. الصلاة  خلف المقام.
3. الصلاة عند المقام.
أمّا الأوّل: فقد عبّر عنه كثير من الفقهاء.
قال المحقّق في «الشرائع»: يجب أن يصلّي ركعتي الطواف في المقام.( [316])
وقال العلاّمة: وتجبان ـ الركعتان ـ في الواجب بعده في مقام إبراهيم (عليه السلام) حيث هو الآن ولا يجوز في غيره. (2)
وأمّا الثاني: أي خلف المقام، فقال ابن الجنيد: ركعتا طواف الفريضة فريضة عقيبه خلف مقام إبراهيم، وكذا قال ابن أبي عقيل.( [317])
وبذلك عبّر الشهيد في «الروضة»( [318])، والأردبيلي في «مجمع الفائدة» (2) ، والبحراني في «الحدائق».( [319])
وأمّا الثالث: أي عند المقام فقال ابن البراج: والصلاة ـ ركعتا الطواف ـ عند مقام إبراهيم. (4)
والظاهر أنّ الجميع يرشد إلى معنى واحد وهو الصلاة قرب مقام إبراهيم، ولذلك نرى أنّ الصدوق بعدما قال: ثمّ ائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين قال: واجعله أمامك.( [320])
هذا كلّه ناظر إلى كلمات الفقهاء.
وأمّا النصوص الواردة في تحديد موضع صلاة الطواف فهي على طوائف، وتتلخّص في العناوين التالية:
1. خلف المقام.
2. جعل المقام إماماً.
3. في المقام.
4. عند المقام.
والظاهر رجوع العنوان الثاني إلى الأوّل فإنّ من جعل المقام إماماً، يقع خلف المقام فليس هذا عنواناً جديداً . ففي صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين واجعله إماماً».( [321]) ومعنى ذلك لا تتقدّم عليه وكن خلفه. ولا فرق بين خلفه أو يمينه ويساره ما لم يكن متقدماً عليه .
ولنقتصر بنقل ما يدلّ على لزوم الإتيان بها في موقع خاص من هذه المواقع، على نحو ينفي في بدء النظر جواز إتيانها في موقع آخر، فتكون النتيجة وجود المنافاة بين الروايات. وأمّا ما يدلّ على الجواز في بعض هذه المواقع، كفعل النبي أو الإمام الّذي لا يستفاد منه التعيّن، أو ما لا يدلّ على المطلوب، لكون الرواية في مقام بيان أمر آخر فنتركه للقارئ الكريم.
الطائفة الأُولى: تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام
1. صحيحة معاوية بن عمار  الماضية قال:«فائت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلّ ركعتين، واجعله إماماً، واقرأ في الأُولى منهما سورة التوحيد ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) وفي الثانية ( قُلْ يَا أَيُّهَا الكافِرُونَ ) ، ثمّ تشهد واحمد الله واثن عليه، وصلّ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واسأله أن يتقبّل منك».( [322])
وقد مرّ أنّ مفاد الحديث هو إتيان الصلاة  خلف المقام، والأمر ظاهر في التعيّـن، واشتمال الرواية على قسم من المندوبات لا يضرّ بظهورها فيه، إذ المتبع هو الظهور ما لم يدلّ دليل على الخلاف.
2. مرسلة صفوان، عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس لأحد أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة إلاّ خلف المقام، لقول الله عزّ وجلّ: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً ) ، فإن صلّيتها في غيره فعليك إعادة الصلاة».( [323])
ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه (خلف المقام)، غير واضحة لنا.
3. خبر أبي عبد الله الأبزاري قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي فصلّى ركعتي طواف الفريضة في الحِجر، قال: «يعيدهما خلف المقام، لأنّ الله تعالى يقول: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً ) عنى بذلك ركعتي طواف الفريضة».( [324])
ودلالتها على تعيّن إتيان الصلاة خلف المقام واضحة، وإن كانت دلالة الآية عليه غير واضحة لنا.
4. معتبرة سليمان بن حفص المروزي، عن الفقيه (عليه السلام) قال: «إذا حجّ الرجل فدخل مكّة متمتّعاً فطاف بالبيت وصلّى ركعتين خلف مقام إبراهيم  (عليه السلام) وسعى بن الصفا والمروة وقصّر، فقد حلّ له كلّ شيء ما خلا النساء، لأنّ عليه لتحلّة النساء طوافاً وصلاة».( [325]) ودلالته بظاهره على لزوم إتيانها خلف المقام لا غبار عليها.
5. مرسل جميل، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يصلّي الرجل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام».( [326])
6. صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:«إنّما نسك الّذي يقرن بين الصفا والمروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت، وصلاة ركعتين خلف المقام، وسعي واحد  بين الصفا والمروة، وطواف بالبيت بعد الحجّ».( [327])
ودلالته على لزوم الإتيان بها خلفه في التمتع، لأجل اشتراك الأقسام: التمتع، والقران والإفراد في الحكم إلاّ ما خرج.
7. صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في تعريف المتعة؟ فقال: «يهلّ بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت فصلّى الركعتين خلف المقام وسعى بين الصفا والمروة قصّر وأحل...».( [328])
فالحديث في مقام  بيان مقدّمات حجّ التمتع، وأنّ منها الصلاة خلف المقام.
ولعلّ هذا المقدار من النصوص كاف والروايات أكثر ممّا نقلت، وإنّما تركت بعضها لعدم وضوح دلالتها على التعيين. وسيوافيك أنّ التأكيد على الصلاة خلف المقام لأجل ردّ جواز الصلاة بين البيت والمقام.فانتظر.
 
الطائفة الثانية: وجوب إتيان الصلاة عند المقام
هناك روايات تدلّ على لزوم الإتيان بها «عند المقام» نذكر منها ما يلي:
1. حديث جميل بن دراج، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّ الجاهل  في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم بمنزلة الناسي.( [329])
2. صحيح أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت في حج أو عمرة ثمّ حاضت قبل أن تصلّي الركعتين؟ قال: «إذا طهرت فلتصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم وقد قضت طوافها».( [330])
3. صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلاّ بسياق الهدي، وعليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف بعد الحج، وهو طواف النساء».( [331])
4. صحيحه الأُخر في بيان ما يعتبر في حجّ التمتع عن أبي عبد الله (عليه السلام) : «على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف ـ إلى أن قال: ـ و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ».( [332])
5. صحيحه الثالث قال:«المفرد للحج عليه طواف بالبيت وركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ».( [333])
والأحاديث الثلاثة لابن عمار، بصدد بيان أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة: القران، والتمتع والإفراد، ومن أجزاء الحج بأقسامه الثلاثة، هي الصلاة عند المقام.
6. موثّقة سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ـ إلى أن قال: ـ فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها، ثمّ يأتي مكّة ولا يقطع التلبية حتّى ينظر إلى البيت، ثمّ يطوف بالبيت ويصلي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ...».( [334])
إلى غير ذلك من الأحاديث المبثوثة في أبواب أقسام الحج والطواف.
الطائفة الثالثة: الصلاة في المقام
وهناك ما يدلّ على أنّ المعتبر هو الصلاة في المقام.
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سُئل عن رجل طاف طواف الفريضة ولم يصل الركعتين ـ إلى أن قال: ـ و يرجع إلى المقام فيصلّي ركعتين».( [335]) أي فيه.
2. خبر أحمد بن عمر الحلاّل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصلّي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتّى أتى منى؟ قال: «يرجع إلى مقام إبراهيم فيصلّيهما».( [336]) أي فيه.
3. وفي صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) : «إذا فرغت من طوافك فائت مقام إبراهيم فصلّ ركعتين».( [337]) أي فيه.
الجمع الدلالي بين الروايات
هذه عمدة الروايات الواردة، وقد مرّ أنّ ما ذكر بلفظ «الأمام» يريد به كون المصلّـى خلف المقام، وأمّا الصنف الأخير، الدال على الإتيان بها في المقام، فقد مرّ أنّ الصلاة  فيه غير ممكنة فلابدّ أن يراد به حول المقام ، فلم يبق من العناوين إلاّ العنوانان التاليان:
1. خلف المقام.
2. عند المقام.
وأمّا الجمع بينهما فهو: أنّ التأكيد على الإتيان بها خلف المقام، لغاية نفي التقدّم على المقام، كما إذا صلّى بين البيت و المقام على نحو يكون المقام خلفه، ولعلّ الإصرار على ذلك هو اشتهار أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت ثمّ أتى به إلى المكان المعهود، فكان ذلك سبباً لإتيان الصلاة قبل المقام، فتأكيد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) على الإتيان بالصلاة وراء المقام ، كان رداً لتلك الفكرة، ويشهد على هذا صحيح إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت: للرضا (عليه السلام) : أُصلّي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث هو الساعة، أو حيث كان على عهد رسول الله، قال: «حيث هو الساعة».( [338])
وفي صحيح محمد بن مسلم: «كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام وبين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم».( [339])
وحاصل الكلام: كان المعروف في عصر صدور الروايات، أنّ المقام كان ملصقاً بالبيت، وكان ذلك سبباً، لتوهم جواز الإتيان بالصلاة بين البيت والمقام اليوم، فعمد أئمّة أهل البيت برد الوهم والتأكيد على إتيانها خلف المقام، وجعله أمامه لا خلفه، وعند ذلك يكون الموضوع «كون الصلاة عند المقام» أي حوله. وهو يصدق على الصلاة خلفه أو أحد جانبيه.
والحاصل: كما أنّ للآيات شأنَ نزول، كذلك للروايات أيضاً سبب صدور، وبالرجوع إليه يرتفع الإبهام عن وجوبها.
وعلى ضوء ذلك، فيمكن أن يقال: إنّ سبب التركيز على وقوع الصلاة خلف المقام لا لأجل اعتبار الخلفيّة في مقابل اليمين واليسار، بل التركيز لأجل نفي التقدّم، ولذلك أمر الإمام أن يجعل المقام إماماً، أي لا يتقدّم عليه.
فيكون الموضوع حسب الآية والروايات «الصلاة عند المقام ولديه» سواء كان خلف المقام أو اليمين واليسار، لكن بشرط عدم التقدّم عليه.
وأمّا على مختار الأصحاب من التركيز على شرطية الخلف وعدم كفاية الصلاة في أحد الجانبين فالموضوع عندهم مركب من أمرين:
1. كون الصلاة خلف المقام.
2. كون الصلاة عند المقام.
وعلى ذلك لو صدق كون الصلاة خلف المقام ولم يصدق كونها عنده، فلا يكفي ذلك، كما إذا صلّى خلف المقام لكن بعيداً عنه.
كما أنّه لو صلّى عند المقام دون خلفه، فلا يكفي، كما إذا صلّى في أحد الجانبين: اليمين واليسار.
نعم ورد في خبر أبي بلال المكّي، قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) طاف بالبيت ثمّ صلّى فيما بين الباب والحجر الأسود ركعتين، فقلت له: ما رأيت أحداً منكم صلّى في هذا الموضع، فقال: «هذا المكان الّذي تيب على آدم فيه».( [340])
فلو كان المراد من الباب باب الكعبة كما هو الظاهر، لزم أن يكون الإمام صلّى الركعتين والمقام خلفه لا أمامه.
واحتمال أنّ الإمام صلّى عند المقام محاذياً  بين الباب والحجر الأسود غير صحيح، لأنّ هذا لا يثير تعجّب الراوي، إذ يكون  عملاً عاديّاً.
كما أنّ حمل الصلاة على التطوّع غير صحيح، لأنّ الظاهر أنّ الإمام صلّى في الموضع الّذي صلّى فيه لأجل طوافه بالبيت حيث قال: طاف بالبيت ثمّ صلّى فيه. فالرواية لا يُحتج بها، لأنّها معرض عنها.
اللّهمّ إلاّ أن يحمل على الطواف المجرّد عن سائر الأعمال فيجوز إتيان صلاته من حيث شاء ويدل عليه خبر زرارة.( [341])
ومن ذلك يعرف النظر في بعض الكلمات على ما عرفت، وأنّه ليس للخلفية موضوعية وانّما الموضوعية لعند المقام ولديه.
حكم الصلاة عند الزحام
ما ذكرنا من الحفاظ على عنوان «العندّية» فقط أو «الخلفيّة» و «العندّية» راجع إلى حال الاختيار وعدم الزحام، وأمّا عند كثرة الطائفين فكثيراً ما يكون «خلف المقام » مطافاً للطائفين فيأتون زرافات ووحداناً ، والمصلّون من الشيعة خلف المقام بين قائم وراكع وساجد، وعند ذلك يقع التدافع وتثور ثورة الطائفين من جانب ومنع المصلّين من جانب آخر، وينتهي الأمر إلى الجدال الممنوع في الحجّ فما هو الواجب في هذه الحالة؟
وبما أنّ المسألة ليست حديثة الابتلاء، بل لها جذور في تاريخ الحجّ، تعرض لها الفقهاء في كتبهم، وقد اختلفت كلمتهم في هذا الموضع بالنحو التالي:
1. مخيّر بين وراء المقام أو أحد جانبيه
قال المحقّق: فإن  منعه زحام صلّى وراءه أو إلى أحد جانبيه.( [342])
 
2. تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان
قال صاحب الرياض: الأحوط تقدّم الخلف على الجانب مع الإمكان.( [343])
3 . تحرّي الأقرب فالأقرب
واختار الفاضل الاصبهاني تحرّي القرب منه ما أمكن، وإذا تعذّر لزحام جاز البعد بقدر الضرورة.( [344])
وعلى كلّ تقدير : يقع الكلام  تارة في حكمها من حيث القواعد، وأُخرى من حيث النصوص.
أمّا مقتضى القواعد فهناك احتمالان:
أ. سقوط وجوب الصلاة عند تعذّر الشرط.
ب. سقوط وصف «العندية» أو «الخلفية» لا نفس الصلاة.
أمّا الأوّل: فهو ضعيف جدّاً بشهادة أنّه لو نسي صلاة الطواف يقضيها أينما تذكر إذا شق عليه الرجوع، وإلاّ يرجع فيصلّي في المقام كما سيوافيك.
بقي الثاني: ولكن سقوط «العنديّة» على وجه الإطلاق بمجرّد الزحام غير صحيح، بل يتربّص إلى الحدّ الّذي لا يفوت معه الموالاة بين الصلاة والسعي.
فإذا لم يسقط الواجب ولم يتمكّن من الصلاة عند المقام حتّى بعد الصبر والتربّص يلزم ـ على المختار عندنا ـ عليه الصلاة في كلّ نقطة أقرب إلى المقام بشرط أن لا يتقدّم عليه، من غير فرق بين الخلف والجانبين، بل الموضوع هو حفظ «العنديّة» مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب، وعلى ذلك ينزل ما روي عن حسين بن عثمان بسندين: أحدهما نقيّ والآخر غير نقيّ.
أمّا الأوّل، فقد رواه الكليني في «الكافي» و قال: رأيت أبا الحسن موسى  (عليه السلام) يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد.
وأمّا الثاني فقد رواه الشيخ وقال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يصلّي ركعتي الفريضة بحيال المقام قريباً من الظلال لكثرة الناس.( [345])
والتعبير في كليهما واحد غير وجود التصريح بالسبب في رواية «التهذيب» دون «الكافي»، وما ذكر فيه السبب، وإن كان ضعيف السند، لكن وحدة المتن يكشف عن صدق الراوي في الحديث، ومن البعيد أن يزيد من جانبه شيئاً.
وبذلك يعلم أنّ ابتعاد الإمام (عليه السلام) عن نفس المقام لأجل كثرة الناس، وأمّا انتخابه قريباً من ظلال المسجد وفي الوقت نفسه حيال المقام لأجل أنّه كان في ذلك الوقت أقرب من سائر الأمكنة.
هذا على المختار، وأمّا على مختار الأصحاب فبما أنّ المعتبر عندهم رعاية أمرين: الخلفية والعنديّة ، فقد فصّلوا في ذلك كالتالي:
ففي نجاة العباد: يختار عند الزحام الأقرب إلى المقام من الخلف، وإلاّ فيختار أحد الجانبين، وإلاّ فحيث يشاء مع رعاية الأقرب إلى الخلف.( [346])
وأمّا صاحب العروة فقد أخذ «خلف المقام» محوراً ـ مثل الأصحاب ـ لكن فصّل بوجه أدق، قال:
1. تقدّم الصلاة في الخلف على الصلاة في الجانبين، مادام يصدق عليه كونها عنده.
2. لو كان الابتعاد عن المقام كثيراً على نحو لا يصدق عليها الصلاة خلف المقام بخلاف الصلاة في أحد الجانبين يقدّم الثاني على الخلف.
3. لو لم يتمكن من الصلاة عند المقام مطلقاً، سواء صلّى خلف المقام أو أحدهما، يختار الأقرب إلى المقام من الخلف وأحد الجانبين.
4. ولو تساويا في القرب واشتركا في عدم صدق الصلاة عند المقام، يقدّم الخلف على أحدهما.
5. لو كان الطرفان أقرب من الخلف لكن يفقد الجميع: الصلاة خلف المقام والجانبين وصف كون الصلاة عند المقام، لا يبعد الاكتفاء بالخلف.
ولكن الأحوط بعد الإتيان بالصلاة في الخلف،  الاحتياط بإتيان صلاة أُخرى في أحد الجانبين مع رعاية الأقربية.
وأخيراً احتاط بإتيان الصلاة خلف المقام إذا تمكّن من الفرد الاختياري، أعني: الصلاة خلف المقام إلى أن يضيق وقت السعي.
أرى أنّ هذا التفصيل في «نجاة العباد» والمتن، مبني على إعطاء الأصالة للصلاة خلف المقام، وأمّا على ما قلناه فالميزان هو الصلاة عند المقام مهما أمكن وإلاّ فالأقرب والأقرب إليه.

[306] . الخلاف:2/327.
[307] . مبادئ علم الفقه:3/210.      2 . المدارك:8/141.
[308] . المستند:12/139.     4 . الجواهر:19/318.
[309] . الكشاف:1/287.
[310] . سنن الترمذي:3/211 رقم الحديث856; سنن النسائي:5/235.
[311] . صحيح مسلم:4/40ـ41، باب حجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
[312] . النحل:68.
[313] . الأعراف:74.      2 . النساء:118. 
[314] . النساء:89.     4 . النحل:67.
[315] . الجواهر:19/319.
[316] . الشرائع:1/268. 2 . قواعد الأحكام:1/427.
[317] . المختلف:4/201.
[318] . الروضة البهية:2/250.   2 . مجمع الفائدة:7/87.
[319] . الحدائق:16/135.    4 . المهذب:1/231.
[320] . الهداية:58.
[321] . الوسائل: ج 9، الباب 71 من أبواب الطواف، الحديث3.
[322] . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث3.
[323] . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث1.
[324] . الوسائل: ج 9، الباب 72 من أبواب الطواف، الحديث2.
[325] . الوسائل: ج 9، الباب 82 من أبواب الطواف، الحديث7.
[326] . الوسائل: ج 9، الباب 1 من أبواب الطواف، الحديث9.
[327] . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث6.
[328] . الوسائل: ج 8 ، الباب5 من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
[329] . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث3.
[330] . الوسائل: ج 9، الباب 88 من أبواب الطواف، الحديث2.
[331] . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.
[332] . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث8.
[333] . الوسائل: ج 8 ، الباب2 من أبواب أقسام الحج، الحديث13.
[334] . الوسائل: ج 8 ، الباب8 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.
[335] . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث5.
[336] . الوسائل: ج 9، الباب 74 من أبواب الطواف، الحديث12.
[337] . الوسائل: ج 9، الباب 3 من أبواب الطواف، الحديث1.
[338] . الوسائل: ج 9، الباب71 من أبواب الطواف، الحديث1.
[339] . الوسائل: ج 9، الباب28 من أبواب الطواف، الحديث1.
[340] . الوسائل:ج 9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث3.
[341] . الوسائل:ج 9، الباب73 من أبواب الطواف، الحديث1.
[342] . شرائع الإسلام:1/268.
[343] . رياض المسائل:6/540.
[344] . كشف اللثام:5/449.
[345] . الوسائل: ج 9، الباب75 من أبواب الطواف، الحديث1و2.
[346] . نجاة العباد:33.

Website Security Test