\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسائل فقهية
المؤونة لغة واصطلاحاً
المؤونة لغة واصطلاحاً

قد تضافرت الروايات والفتاوى على عدم تعلّق الخمس بالمؤونة، والكلام في المقام في تحديدها وأنّ رأس المال هل هو من المؤونة أو لا؟ وتحقيق المطلب فيه وفي نظائره يتوقف على البحث في أُمور:
1. المؤونة في اللغة
قد ورد لفظ «المؤونة» في غير واحد من الروايات كما ستوافيك، وهل هو أجوف واوي كما يظهر من ابن فارس حيث قال: «مؤن» الميم والواو والنون وهي المُؤن التي تمون عيالك، أي تقوم بكفايتهم وتتحمل مؤنتهم، والأصل موُنة بغير همزة.( [279]) وعلى ذلك فالفعل «مان، يمون، مؤنة».
أو مهموز العين كما يظهر من القاموس حيث قال: «مأن» بالهمزة وقال: مأن القوم: احتمل مؤنتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز فالفعل «مانهم».
وقال: من ذاك الباب أيضاً: التموّن، كثرة النفقة على العيال، ومأنه: قام بكفايته فهو مموِّن.( [280])
وجعله في «اللسان» من كلا البابين وقال: مأن القوم ومأنهم، قام عليهم، ورجّح كونها في الأصل مهموزة.( [281])
2. المؤونة في الروايات
قد ورد في غير واحد من الروايات عدم تعلّق الخمس بالمؤونة، وهي تطلق ويراد منها تارة مؤونة تحصيل الربح مثل ما يصرفه الإنسان في استخراج المعدن والكنز والغوص وما يبذله في طريق التجارة من النفقات، وأُخرى مؤونة سنة الإنسان وعياله ونفقاته ممّا به قوام حياته ومعاشه.
أمّا الأوّل فهو أمر واضح ولا إجمال فيه ولا يصدق الربح بدون استثنائها، وأمّا الثاني فهو أيضاً مسلم إجماعاً ونصّاً، إنّما الكلام في تحديدها، ولنذكر بعض الروايات:
1. عن علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث  (عليه السلام) عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزَكّي، فأخذ منه العُشر عَشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع (عليه السلام) : «لي منه الخمس ممّا يفضل عن مؤونته».( [282])
والضمير في قوله: «لي منه» يرجع إلى قوله: «ستّون كرّاً» والمراد مؤونة سنته، والرواية دالة على أنّ ما يصرف في عمارة الضيعة ـ ولو لأجل تحصيل الربح في غير سنة الربح ـ مستثنى من الخمس، حيث إنّ ما صرفه في عمارة الضيعة يرجع إلى غير سنة الربح.
2. عن علي بن مهزيار قال: قال لي أبو علي بن راشد (الثقة) قلت له: ...ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤونتهم.( [283]) و المراد به بقرينة ضمير الجمع مؤونة الرجل والعيال.
3. وفي مكاتبة الهمداني التي قرأها علي بن مهزيار الواردة في حاصل الضيعة وأنّ عليه الخمس بعد مؤونته ومؤونة عياله وخراج السلطان.( [284])
4. وفي مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي جعفر (عليه السلام) : « ...فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤونته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك». (3)
نعم ورد في مكاتبة البزنطي إلى أبي جعفر (عليه السلام) : الخمس أخرجه قبل المؤونة أو بعد المؤونة؟ فكتب:« بعد المؤونة».( [285]) كما ورد في توقعيات الرضا  (عليه السلام) إلى إبراهيم بن محمّد الهمداني أنّ الخمس بعد المؤونة، وهي مردّدة بين مؤونة التحصيل ومؤونة السنة. (5) ولعلّ ما حكاه محمّد بن الحسن الأشعري من كتابه لبعض أصحابنا، إلى أبي جعفر (عليه السلام) ، وقد جاء فيه: «الخمس بعد المؤونة» هو نفس رواية البزنطي، والاحتجاج بهما أو بها فرع وجود الإطلاق في لفظ المؤونة وعدم انصرافها في ذلك العصر إلى ما ينفق في تحصيل الربح.
3. المراد مؤونة السنة
المتبادر من المؤونة هو مؤونة السنة، وهو صريح كلمات الفقهاء، قال الشيخ: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤونة الرجل لنفسه ومؤونة عياله سنة.( [286])
وقال ابن إدريس:ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور بعد أخذها، ولا يعتبر مؤن السنة بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت تحتاج إلى ذلك. (2)
أقول: وقع لفظ السنة والعام في رواية علي بن مهزيار، قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها الله عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول».
وقال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».
وقال: «فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤونته».( [287])
وقد قارن المؤونة بخراج السلطان الذي يؤخذ كلّ سنة في رواية إبراهيم الهمداني.( [288])
ولأجل هذه التعابير حمل الفقهاء، المؤونة على مؤونة السنة ولو أُريد ذلك فهو، وإلاّ فإرادة غيرها تحتاج إلى قرينة.
4. الآراء في تحديد المؤونة
ما هو المراد من المؤونة المستثناة؟ وقد عرفت أنّ القاموس فسرها بالقوت، ومن المعلوم أنّه تفسير بأظهر الأفراد، فالمستثنى لا يختص بما يأكل بل يعمّ الملبس والمسكن ، ولذلك عمّمها في ذيل كلامه بـ «ما قام بكفايته»، وبما أنّ الفرّاء فسره بالتعب والشدّة، والمازني بما ثقل على الإنسان ـ كما في اللسان ـ يكون المقصود: ما ينفقه الإنسان في سبيل حياته ويُحصِّله بتعب وشدّة، ثمّ أطلق على كلّ ما ينفقه في هذا الطريق من دون اعتبار تعب والقدر المتيقن ما ينفقه في مأكل نفسه وعياله، وملبسهم ومسكنهم وما يتوقف عليه قوام نظام معاده ومعاشه. فيدخل في الأوّل ما ينفقه في طريق واجباته، كما يدخل في الثاني، ما ينفقه في مأكله وملبسه ومسكنه وما يُنفقه في طريق الفرائض العرفية هذا هو القدر المتيقن.
ولكن الظاهر من الشيخ الأعظم هو كون النفقة أوسع من ذلك، قال الشيخ الأعظم في تفسيرها: ما يحتاج إليه الشخص في إقامة نظام معاده ومعاشه، ولو على وجه التكميل، غير الخارج عن المتعارف بالنسبة إلى مثله من حيث الغنى والشرف، فمثل الضيافات والهبات ممّا يتعلّق بالدنيا، ومثل الزيارات والصدقات والإحسانات داخل في المؤونة بشرط عدم خروج ذلك من متعارف أمثاله.( [289])
والأوّل أحوط والثاني أقوى.
ويدخل في ذلك ما لا يصرف ويبقى طيلة سنين، كالسجاجيد والأواني وما شابههما.
إنّما الكلام في إخراج رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به، فهل يجب إخراج خمسه ثمّ الاتّجار به أو لا؟ فيه وجوه:
1. تعلّقه مطلقاً.
2. عدم تعلّقه به كذلك.
3. التفصيل بين ما كان في نفسه محتاجاً إليه بحيث لولاه عاد فقيراً أو شاغلاً بشغل يعدّ نقصاً له فلا يتعلّق به.
وأمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان قادراً على المعيشة من طرق أُخرى مناسبة لشأنه كالتعليم والخياطة والطبابة، فيتعلّق به.
4. التفصيل بين رأس مال يعادل مؤونة سنته وبين الزائد عليه، فلا خمس في خصوص الأوّل.
وجه الأوّل: واضح لأنّ المتفاهم من «المؤونة» ما يصرف و ينفق في ضروريات الحياة أو كمالاته، وأمّا رأس المال فهو وسيلة لتحصيل المؤونة وما يصرف، فلا تشمله الأدلّة، وقد عرفت من أصحاب المعاجم أنّه إذا كان من باب «مأن، يمون» يكون بمعنى «صرف، يصرف» أو «أنفق، ينفق» وقال في القاموس: التموّن عبارة عن كثرة النفقة على العيال، فكأنّه أخذ في مفهومه، الصرف، ورأس المال ليس كذلك.
وبعبارة أُخرى: أنّ رأس المال إنّما يكون محتاجاً إليه في السنة اللاحقة، وأمّا سنة الربح فهو حاصل لديه غير محتاج إلى رأس مال آخر.
وجه الثاني: أنّ تخصيص المؤونة بما يصرف ينافي عدّ الأواني والسجاجيد والشجرة المثمرة والبقرة إذا احتاج إلى ثمرتها ولبنها، من المؤونة. وعلى ذلك فكلّ ما يكون قواماً للحياة سواء كان ممّا يصرف أو سبباً لتحصيله، فهو من المؤونة.
ولا يخفى وجود الفرق بين المقام والأمثلة المعدودة منها، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه، فصرف الأواني والسجاجيد باستعمالهما حتى تندرس، ولمّا كان الثمر و اللبن معددوين من أجزاء الشجرة والبقرة فالاستفادة منهما نوع إهلاك لهما تدريجاً بمرور الزمن، وهذا بخلاف المقام إذ الاسترباح بالاتجار مع حفظ رأس المال لا يعدُّ صرفاً له ونوع إهلاك له.
وجه الثالث: وهو خيرة أكثر الأعاظم، هو أنّه إذا كان محتاجاً إلى رأس المال بحيث لولاه لوجب الاشتغال بشغل لا يناسب شأنه أو تأمين حياته بالصدقات والمبرّات، فيصير عندئذ كحُليّ المرأة والسجاجيد والأواني المحتاج إليها.
والحاصل ، وجود الفرق بين ما إذا كان الاحتياج إليه لتحصيل المؤونة فقط مع تمكّنه من تحصيلها بطرق أُخرى ملائمة لشأنه، وبين انحصار الطريق بالاتجار برأس المال بحيث لولاه لعاد فقيراً أو مشتغلاً بشغل لا يلائم، نعم لو كان أداء الخمس غير مخلّ بالاتجار بالباقي، يجب عليه الخمس بلا كلام.
وجه الرابع: إذا استفاد الرجل في أوّل السنة مقدار 360 ديناراً وفرضنا أنّ مؤونته كلّ يوم دينار واحد ولكن صرفه في المؤونة كما يمكن بصرفه كلّ يوم ديناراً، يمكن باشترائه سيارة ليعيش بأُجرتها كلّ يوم ديناراً، وعلى ذلك فهو محتاج إلى صرف ذلك المبلغ بأحد الوجهين فلا موجب لتعين الأوّل، والخمس يتعلّق بمازاد على الحاجة.( [290])
يلاحظ عليه : أنّه إنّما يتم إذا حصل مثل ذلك الربح في بدايات السنة، فيقال: إنّ المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، فهو مخيّر بين أحد الأمرين ولا موجب لتعيّن الأوّل. وأمّا إذا حصل في أواخر السنة، فلا يتم، بل يتعلّق الخمس بما بقي من مثل ذلك الربح.
والنزاع في التعلّق وعدمه يدور حول تفسير المؤونة المستثناة، وهل هي تختص بما يصرف وينفق أو يعمّه؟ وما يتوقّف عليه تحصيل ما يصرف وينفق فعلى الأوّل يتعلّق به دون الثاني، ويمكن استظهار الوجه الثاني بوجوه:
1. ما رواه علي بن محمّد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث (عليه السلام) عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ، ما يزكّي، فأخذ منه العُشر، عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستّون كرّاً ما الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع (عليه السلام) : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤونته».( [291])
فقد فرض الراوي عدم تعلّقه على ما صرفه في عمارة الضيعة، والظاهر من الجواب بحكم السكوت عدم تعلّقه به حيث لم يردّ عليه، وأجاب بأنّه يتعلّق على الستين كرّاً بعد استثناء مؤونة الرجل، وليس الصرف في عمارة الضيعة ممّا ينفق بل ممّا يتوقف عليه تحصيله.
وبعبارة أُخرى: هذا المقدار ليس نفس المؤونة، بل ممّا يتوقف عليه تحصيلها.
2. ما في صحيحة أبي علي بن راشد، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده، فقال:« إذا أمكنهم بعد مؤونتهم». (2) حيث إنّ الإمام لم يتعرّض لخمس ما يتّجر به، وخمس أدوات الصناعة بل سكت عنه.
3. الاستئناس بما يصرفه في الملبس والمسكن والأواني والحلي لزوجته والخاتم لنفسه، فإنّ الجميع من باب واحد، وهو أنّه ليس فيه إتلاف العين وصرف المال، بل إبقاؤه إمّا بنفسه كما في رأس المال، أو إبقاؤه بصورة أُخرى ويجمع الكل توقّف المعيشة عليه من غير فرق بين أن يقدر على شغل آخر، لا يتوقف على وجود رأس المال وما لا يقدر، لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين الاكتساب برأس المال، أو الاشتغال بشغل غير موقوف عليه، وتعيين الثاني يتوقف على دليل.
نعم لو كان له مال آخر يصلح لأن يتّجر به، فلا وجه لإخراج رأس مال آخر عن تحت أدلّة الخمس.
فقد ظهر ممّا ذكر عدم اختصاص المؤونة بما يصرف و ينفق بل يعمّ ما يتوقف عليه تحصيل ما يُنْفَق، كرأس المال، وأدوات الإنتاج. وبالجملة ما يتوقف عليه نظام معاشه ويكون محتاجاً إليه بالفعل، ويعدُّ وسيلة لتحصيل ما ينفقه، فهو مؤونة. وبالجملة «رأس المال» برزخ بين صرف الربح وإفنائه، وبين حفظه وإيداعه في «المصرف» خوفاً من الضياع، فهو لا من قبيل الأوّل ولا من الثاني، ولكنّه وسيلة ومقدمة لتحصيل ما ينفقه فهو في نظر العرف مؤونة.
ولو استطاع تحصيل ما ينفق من عمل آخر كالخياطة والكتابة، يكون المحتاج إليه هو الجامع بين العمل، والاتجار برأس المال فلا دليل على تعيّن الأوّل بل هو مخيّر بين العملين.
وأولى منه إذا كان محتاجاً في إعاشة سنته أوحفظ مقامه إلى تجارة متقومة بمجموعه بحيث إذا أخرج خمسه لزم التنزل إلى كسب لا يفي بمؤونته أو لا يليق بمقامه وشأنه.
نعم لو كان المخصص مجملاً وشكّ الفقيه في صدقه على مثل رأس المال، فالمرجع عموم العام، لعدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام، كما حقق في محلّه.
 
5. ما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية
هل تعمّ المؤونة لما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية، كصرف الربح في غرس الأشجار، وتسطيح الأرض وإصلاحها ليستغلّها في السنين الآتية ويعيش على فوائدها ومنافعها، أو لا لعدم الحاجة إليه بالفعل؟
الظاهر من الشيخ هو التعميم، قال:والظاهر أنّه لا يشترط التمكّن من تحصيل الربح منه بالفعل، فيجوز صرف شيء من الربح في غرس الأشجار لينتفع بثمرها ولو بعد سنين، وكذلك اقتناء إناث أولاد الأنعام لذلك.( [292])
ويمكن الاستشهاد عليه برواية ابن شجاع النيسابوري كما مرّ.
6. ادّخار الربح لشراء الدار بعد سنين
إذا لم تكن له دار واحتاج إلى شراء دار، ولا يتمكّن من شرائها بالربح الحاصل في سنة واحدة، بل يتوقف على جمع أرباح سنين، فهل تحسب من المؤونة أو لا؟الظاهر هو الثاني وإنّما يحسب من المؤونة إذا أمكن رفع الحاجة بأحد الأمرين: صرف العين أو صرف المنافع، والمفروض عدم وفاء ربح السنة الأُولى لشراء المسكن، بل لا محيص عن صرف العين بالإيجار إلى سنتين أو سنين، وهذا بخلاف رأس المال، بأنّ المحتاج إليه فيه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، ولاموجب لتعيّن الأوّل.
 
7. بيع داره التي اشتراها في السنين السابقة
لو باع داره التي اشتراها في السنين السابقة وقبض ثمنها فلا يخلو عن صورتين:
إمّا أن يشتري بثمنه داراً، أو لا.
أمّا الصورة الأُولى، فلا يتعلّق به الخمس، وذلك لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين شراء دار أو إيجارها، ولا وجه لتعيّن الثاني، بل هو مخيّر بين الصرف في الأوّل، وإعطاء الخمس، ومنه يعلم حكم الصورة الثانية.
في مبدأ السنة الّتي يجب الخمس فيها
لما كان الخمس متعلّقاً بما زاد على مؤونة السنة، وقع الكلام في مبدئها، والأقوال أربعة:
1. الشروع بالاكتساب.
2. ظهور الربح وحصوله.
3. الفرق بين الاكتساب، والفائدة الاتفاقية، فالمبدأ في الأوّل، هو الشروع في الاكتساب; وفي الثاني حصول الربح، من غير فرق بين الاكتساب المقارن لحصول الربح من أوّل يومه، أو عدمه، أعني: ما لا يربح إلاّ بعد فترة.
4. الفرق بين التجارة والصناعة، فالمبدأ هو حال الشروع بهما وبين الزراعة والغرس وتربية الأنعام، فالمبدأ هو حصول الربح.
هذه هي الوجوه المحتملة.
وعلى هذا فلو شرع في الكسب في محرّم الحرام، وربح في شهر رجب، فعلى القول بكون المبدأ هو الشروع تُسْتثنى مؤونةُ بين الشهرين من ذاك الربح وتتم سنة الربح في آخر ذي الحجة، ولكن على القول بكون المبدأ هو حصول الربح لا تستثنى وتتم سنة الربح في آخر جمادى الآخرة وتستثنى مؤونة النصف الأخير منه.
أمّا الأوّل: فهو خيرة الدروس والحدائق والشيخ الأعظم.
قال في الدروس( [293]) كما قال في الحدائق: ولا يعتبر الحول في كلّ تكسّب، بل مبدأ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تمّ الحول، خمّس ما بقي عنده. (2)
وقال الشيخ الأعظم: ومبدأ السنة من حين ظهور الربح ـ كما صرّح ـ أو التكسّب.( [294])
وجهه أنّ المتعارف بين العقلاء في عام الربح والمؤونة المستثناة هو عام الشروع في العمل كما هو الحال قطعاً في الصنائع المبنيّ ربحُها على التجدّد يوماً فيوماً، أو ساعة بعد أُخرى، تنزيلاً لها باعتبار إحرازها قوّة، منزلة الربح الواحد الحاصل في أوّل السنة. (4)
يلاحظ عليه: أنّه يتم في مثل ما يتجدّد ربحه يوماً فيوماً لا في مطلق الاكتساب، فلا وجه لاحتساب المؤونة السابقة على حصول الربح، مع فرض تأخّر حصوله عن أوّل زمان التكسّب، إذ هو حينئذ كالزمان السابق على التكسّب.( [295]) ولذلك فصّل صاحب العروة بينه وبين ما لا يحصل بالاكتساب من الفوائد، فإنّ مبدأ عامه زمان حصوله، لأنّ نسبته إلى الأزمنة السابقة سواء، وبذلك يظهر وجه القول الثالث الذي هو خيرة صاحب العروة (قدس سره) .
وأمّا الثاني: فهو خيرة المسالك والروضة والمدارك والكفاية والجواهر، قال في المسالك: يجب في الأرباح فيما علم زيادتُها عن المؤونة المعتادة من حين ظهور الربح، ولكن الوجوب موسّع طول الحول من حين ظهور الربح، احتياطاً للمكلّف باحتمال زيادة مؤونته بتجدّد ولد ومملوك وزوجة وضيف غير معتاد وغرامة لا يعلمها وخسارة في تجارة، ونحو ذلك. (2)
وقال في الروضة: والمراد بالمؤونة هنا مؤونة السنة ومبدؤها ظهور الربح.( [296])
وقال في المدارك : ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شيء من الربح ثمّ احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤونة ذلك الحول كان حسناً (4) .
وعلّله في الجواهر: بأنّ المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤونة السنة من أوّل حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس.
وما ذكره في الجواهر من كون الخطاب بالخمس بعد ظهور الربح هو المعتمد، فما لم يربح لا موضوع للأمر بالتخميس، ولا لقوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» وإنّما يتوجّه الخطاب بالتخميس، وبعده الخطاب بأنّه يتعلّق بالفاضل عن المؤونة إذا ربح لا قبله، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من إخراج مؤونة السنة هو عام حصول الربح وظهوره لا من عام الشروع.
وإن شئت قلت: إنّ الخمس يتعلّق بمال المغتنم، لا الشارع بالكسب ولا من جعل نفسه في مهبِّ الغنم وإن لم يصل إليه، فلا معنى لتعلّقه بمن لم يغنم كما هو لازم قول القائل: بأنّ المراد عام الاكتساب. فإنّ تجويز استثناء المؤونة التي صرفها في الفصول التي لم يربح فيها من الربح الحاصل في الفصول الأُخرى فرع توجّه الخطاب بالتخميس في عام الشروع حتّى يصحّ خطاب الاستثناء، مع أنّ المفروض تأخّر الخطاب إلى زمان ظهور الربح، وهذان لا يجتمعان.
وأمّا إخراج المؤن المصروفة لحصول الربح وإن كانت قبله فلأجل عدم صدقه لو لم يتفاضل الربح عليها، فلو كان الربح مساوياً لها أو كان أقلّ لا يصدق عليه أنّه اغتنم، وقد مرّ توضيحه.
وربّما يؤيد المختار بوجهين:
1. إنّ عدم بيان مبدأ السنة مع كون المتكلّم في مقام البيان يقتضي الحمل على عام حصول الربح، لأنّ تعيّن زمان ظهور الربح يصلح لأن يكون قرينة على تعيّن المبدأ وليس ما يصلح لتعيينه سواه، فيتعين أن يكون الاعتماد عليه.( [297])
2. لزوم التفكيك في مبدأ العام بين الفوائد، إذ لا ريب أنّ مبدأ العام بالنسبة إلى الفوائد غير الحاصلة بالكسب أوّل زمان حصول الفائدة والخطاب لا يقبل التفكيك.
يلاحظ على الأوّل: أنّه لا وجه لكون مقتضى الإطلاق المقامي ما ذكره مع قطع النظر عمّا ذكر صاحب الجواهر، من توجّه الخطاب بعد حصول الربح، فليس هو دليلاً بحياله بدونه.
يلاحظ على الثاني: بأنّ القول بالتفصيل ليس تفكيكاً في مفهوم عام الربح، وإنّما هو تفكيك في مصداقه، ولا مانع منه، فعام ربح كلّ شيء بحسبه، فعام ربح التجارة والصناعة ممّا يحصل الربح فيه متدرجاً غالباً، هو عام الشروع، وعام ربح الزراعة أو ما يحصل من طريق الاكتساب من الجوائز والميراث غير المحتسب هوعام ظهور الربح.
وبما ذكرنا علم أنّ  الشارع تلقّى أرباح السنة غنيمة واستثنى منه ما يصرف في تحصيل الربح أو في حوائج الإنسان، وبكلمة جامعة ما يجلب به الربح، أو يُدفع به الضرّ.
وهل يجب عليه، أن يجعل مبدأها، مبدأ السنة القمرية أو الشّمسية، أو له الخيار في اتخاذ أيّ شهر مبدأً إلى أن يمضي عليه اثنا عشر شهراً؟ الظاهر هو الثاني.والميزان طبيعة السنة، لا السنة المعيّنة.
كما أنّه لا فرق بين السنة القمرية أو الشمسية الهجريّة أو الميلاديّة كما هو مقتضى الإطلاق، على أنّ الضياع والغلاّت الواردة في صحيحة ابن مهزيار، تناسب الشهور الشمسية، فظهور الربح فيها إنّما هو بانتهاء الصيف الذي يحصد الزرع، ويصفّى الحبّة ويباع وينضاض الربح.
في معاني أُخرى للمؤونة
قد تطلق المؤونة ويراد منها ما يبذل في طريق تحصيل الربح كأُجرة السيارة والدكان وحقوق الموظفين والدلال وغيرها ممّا يتوقف عليه تحصيل الربح، ولا كلام في عدم تعلّقه به لعدم صدق الاسترباح إذا كان ما صرفه في سبيل تحصيله مساوياً لما استفاده، بل يعدّ في العرف خاسراً ومضيّعاً للوقت ورأس المال.
وقد تطلق ويراد منها ما يصرف في معاش نفسه وعائلته سواء كانت واجبة النفقة أم لا، وقيده صاحب العروة (رحمه الله) بقوله:«بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة» وجه التقييد انصرافها إلى المتعارف بحسب شؤونه وخصوصيات حياته، فلو كان الميزان هذا فهو، وإلاّ لوجب البيان، كما هو كذلك في الإنفاق على الزوجة وكلّ من وجب الإنفاق عليه، فالكل مكلّف بما يليق بشأنه، والإسراف والتوسع والتقتير يلاحظ بحسب حاله، وهو يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد ومنزلتهم، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطها كُلّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) ( [298])وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يسرفُوا وَلَمْ يقْتروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قواماً ) (2) غير أنّ القوام ونحوه يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد إذ رُبّ فعل يعدّ بالنسبة إلى أحد تقتيراً ولا يعدّ بالنسبة إلى فرد آخر كذلك، قال سبحانه: ( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوان الشَّياطين ) ( [299])، وقال سبحانه: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين ) (4) ، وقال: ( وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّار الآخرَة وَلا تَنْس نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ الله إِلَيْك وَلا تَبْغ الْفَساد فِي الأَرْض إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين ) .( [300])
هذه الآيات تهدف إلى أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل، وفي الروايات الإسلامية تصريحات بذلك، فلنكتف بهذا المقدار وهذا التفصيل حاكم على جميع الأُمور من المستحبّات الشرعية والأفعال القربيّة.
نعم استشكل فيه صاحب مستند العروة، وقال: الظاهر عدم صحّة التفصيل وأنّه لا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر، فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل الله ذخراً لآخرته لينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤونة لاحتياج الكل إلى الجنّة ولا يعدّ ذلك من الإسراف والتبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدس بذلك. (6)
ولكن ظاهر الآية يصادمه حيث يقيد الإنفاق الذي هو أمر مستحب بالقوام وينهى عن الإسراف في الإنفاق والتقتير، والظاهر من الآيات والروايات أنّ الاقتصاد في العبادات والمعاملات هو المرضيّ.
في أقسام المؤونة
إنّ المؤونة على قسمين، تارة لا تبقى عينه مع الصرف كالمأكول، وأُخرى تبقى معه كالأواني والسجاجيد، فلا يجب الخمس بعد مضيّ السنة، وهذا القسم على قسمين، تارة تبقى عينه مع بقاء الحاجة إليها كما في المثالين وأُخرى مع انتفائها عنها كحليّ النساء وسيجيء من صاحب العروة التعرّض للقسم الثاني منه، أمّا الأوّل فلأنّه بعد ما صرف الربح في شراء الأواني واستمرّت الحاجة إليها يعدُّ من المؤونة، ورفع الحاجة عنهما بالإيجار مع كونه على خلاف المتعارف، فيه نوع حرج وعسر، فهو بهذه الصورة داخل في المستثنى.
وهناك بيان آخر لبعض المحقّقين، وهو: أنّ موضوع الخمس هو الفائدة، ولا يطلق بعد مضيّ السنة أنّه استفاد مع بقاء الحاجة، بل مع الاستغناء عنها كالحليّ للنساء، أو بعض الكتب لأهل العلم، فليس هناك إفادة جديدة وفائدة حادثة.
كما سيوافيك عند تعرّض صاحب العروة لحكم القسم الثاني: أعني: ما إذا صرف الربح في مورد الحاجة، لكن استغنى عنه بعد.

 
في جواز إخراج المؤونة من الربح
لا شكّ في جواز صرف الربح في المؤونة إذا لم يملك شيئاً سواه، كما أنّه لا شكّ في جواز إخراج المؤونة ممّا يملك سوى الربح، إنّما الكلام إذا كان له مال آخر لا يحتاج إليه وادّخره لهدف آخر، فهل يجوز صرف الربح في المؤونة مع وجود مال زائد له أو لا؟
الأقوال ثلاثة: عدم جواز إخراجها منه، وجواز إخراجها، والتوزيع. ثمّ إنّ المال الآخر إمّا أن يكون محتاجاً إليه من كسبه وتجارته كرأس المال أو لا، وعلى الثاني، إمّا أن يكون ممّا جرت العادة على صرف الزائد في المؤونة كالأقوات والثمار الباقية من السنة الماضية أو لا، كالضياع والعقار والزائد من رأس المال.
وعلى كلّ تقدير ، فالكلام تارة في إخراج المؤونة من الربح وصرفه فيها حتى لا يتعلّق بمقدارها مع كونه مالكاً لمال لا خمس فيه، وأُخرى في احتساب مايجده من المؤونة حتى يضع قيمتَه من الربح.
والكلام في المقام في القسم الأوّل، أعني: جواز إخراج المؤونة من الربح حتى لا يتعلّق بمقدارها الخمس، أو عدمه بحيث لو أخرج يتعلّق به الخمس ، أو التوزيع.
وأمّا الكلام في القسم الثاني، أعني: احتساب ما يجده من المؤونة لغاية وضع قيمته من الربح فسيأتي التعرّض له في كلام صاحب العروة، أعني قوله: «ولو كان عنده عبد أو جارية» إذا عرفت ذلك فنقول:
قد استدل للقول بعدم جواز الإخراج من الربح بما ذكره الشهيد الثاني بقوله: ولو كان له مال آخر لا خمس فيه إمّا لكونه مخمساً أو لانتقاله إليه بسبب لا يوجب الخمس به، كالميراث، والهبة، والهدية والمهر، وعوض الخلع فالمؤونة مأخوذة منه في وجه وعن الأرباح في آخر، والأوّل أحوط، والأعدل احتسابها منهما بالنسبة، فلو كانت المؤونة مائة، والأرباح مائتين، والمال الآخر ثلاثمائة مثلاً بسطت المؤونة عليهما أخماساً، فيسقط من الأرباح خمسها، ويخمّس الباقي وهو مائة وستون وهكذا.( [301])
وقال المحقّق الأردبيلي: لو كان عنده ما يموّن به من الأموال التي تصرف في المؤونة عادة (فالظاهر عدم اعتبارها ممّا فيه الخمس) (2) بل يجب الخمس من الكلّ لأنّه : 1. أحوط، 2. ولعموم أدلّة الخمس، 3. وعدم وضوح صحّة دليل المؤونة، وثبوت اعتبار المؤونة على تقدير الاحتياج بالإجماع ، 4. ونفي الضرر، وحمل الأخبار عليه وتبادر الاحتياج من بعد المؤونة «الواقع في الخبر»، 5. ولأنّه يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها أصلاً، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعاتهم والأكابر من التجّار والزرّاع، وهو مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة، ويحتمل التقسيط، ولكنّه غير مفهوم من الأخبار، إلاّ أنّه أحوط بالنسبة إلى إخراجها من الأرباح بالكلّية.( [302])
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا وجه للتمسّك بالاحتياط بعد وجود الدليل على أحد القولين.
وثانياً: أنّ القول بعدم صحّة دليل (خروج) المؤونة غير تام، وقد عرفت وجود روايات صحيحة، وبذلك يظهر عدم تمامية ما فرّع عليه من ثبوت خروج المؤونة بالإجماع.
وثالثاً: أنّ نفي الضرر من جانب أصحاب الخمس معارض بنفيه عن المكتسب.
والمهم في المقام أنّ المقام من مصاديق التمسّك بإطلاق المخصص، أعني: الخمس بعد المؤونة الذي يشمل ما لو كان له مال، وليس من مصاديق التمسّك بإطلاق العام، أعني: آية الخمس وغيرها.
ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّ لازمه عدم تعلّق الخمس على أرباح التجارة، غير تام، لأنّ مؤونتهم وإن كانت كبيرة إلاّ أنّ أرباحهم غالباً أكثر من مؤونتهم.
وبذلك يظهر وجه القول الثالث وهوإطلاق أدلّة المخصص، وادّعاء انصرافه إلى صورة الحاجة صحيحة لو أُريدت الحاجة النوعية، وهو حاصل، وإن أُريدت الحاجة الشخصية إلى صرف الربح وإن لا يملك الإنسان سواه فلا وجه له.
وبذلك تبيّن وجه القول الثاني وهو جواز إخراج المؤونة من الربح أخذاً بإطلاق الصحيحة.
هذا كلّه إذا كان الربح غير مخلوط مع سائر الأموال، وأمّا إذا كان مخلوطاً كما هو الغالب، فالحكم كذلك أيضاً، لأنّ سيرة العقلاء خلط الأموال بعضها مع بعض.
وقوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» وارد في هذه الظروف، فتكون النتيجة وضع ما صرفه في المؤونة عمّا استحصله ربحاً ثمّ إخراج الخمس من الربح الباقي. هذا كلّه حول القسم الأوّل، أعني: جواز الإخراج من الربح مع كونه مالكاً لما يمكن صرفه في المؤونة.
وأمّا الكلام في احتساب ما يملكه من المؤونة لغاية وضع قيمته من الربح، وهذا هو الذي أشار إليه في آخر كلامه، فالظاهر عدم صحّة الاحتساب، لأنّ الظاهر أنّ المراد من المؤونة في الصحيحة هو المؤونة الفعلية لا التقديرية بحيث لو لم يكن واجداً كان من المؤونة.
وإن شئت قلت: المراد نفس المؤونة، أي ما يصرف وينفق في سبيل الحياة لا مقدارها، فالخمس بعد نفس المؤونة المصروفة لا مقدارها حتى يصحّ له وضع قيمة الشيء عن الربح. نعم يجوز له صرف الربح في تحصيل ما يجده ثانياً كاستخدام خادم ثان إذا لم يعدّ إسرافاً وتبذيراً.
وبذلك يعلم أنّ الحقّ هو التفصيل في جميع صور المسألة، وهو أنّه يجوز صرف الربح في اشتراء مثل ما يجده في البيت من الأثاث والأقوات، بل وحتى الدار وإن كان واجداً لها ميراثاً إذا كان مناسباً لشأنه، ولا يجوز احتساب قيمة ما يجده من المؤونة ووضعها من الربح.

 
الزائد على المؤونة بسبب التقتير
يجب الخمس فيما قتّر على نفسه وبقي زائداً على المؤونة، وذلك لما ذكرنا من أنّ المراد من المؤونة الفعلية لا التقديرية، أي لو لم يكن مقتّراً لصرفه وأنفقه. وبعبارة أُخرى: المراد ما يصرف لا مقدار ما يصرف.
ولكن ظاهر عبارة العلاّمة في «التذكرة» أنّه لو قتّر يحسب له قال: بعد إخراج مؤونة السنة له ولعياله على الاقتصاد من غير إسراف ولا تقتير .( [303])ولعلّ وجهه حمل المؤونة على مقدارها، سواء أسرف أم قتر.
ووافقه الشهيد في المسالك قال: فإن أسرف حسب عليه ما زاد، وإن قتر حسب له ما نقص. (2)
الاقتراض للمؤونة من بداية السنة
المسألة مبنية على ما سبق ، وهو أنّ مبدأ السنة هل هو مبدأ الشروع في الاكتساب أو مبدأ حصول الفائدة؟ فلو قلنا بالأوّل، صحّ وضع مقداره من الربح; وأمّا إذا قلنا بالثاني، فلا وجه لوضع ما صرفه من رأس المال في مؤونته، إذ لا يعدّ المصروف من مؤونة سنة الربح، وهذا فيما إذا صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح وأمّا إذا استدان فالكلام فيه كالكلام في الدين السابق على عام الربح، وقد فصّل صاحب العروة الكلام فيه في المسألة (71) وقال بأنّه إذا لم يتمكّن من أدائه يُعدّ الأداء والإخراج من مؤونة ذاك العام.
ولكن التحقيق أنّ أداء الدين المطالب يعدّ من مؤونة السنة التي أدّى فيها دينه وإن كان السبب سابقاً من استدانة أو إتلاف أو قتل، لكن المسبب، أعني: لزوم إخراج ذمّته منه، متحقّق بالفعل كلزوم إطعام نفسه وعياله.
لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة
لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة من مثل الحنطة والشعير والفحم ونحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به ـ مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها ـ فالأقوى عدم الخمس فيها، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط إخراج الخمس منها، وكذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.
أمّا الأوّل ، أعني: ما لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤونة وليس من شأنه البقاء فلأجل تبيّن الخلاف، وانكشاف أنّه لم يكن مؤونة وإنّما تخيّل حاجته إليه ولا وجه للاستصحاب موضوعياً كان أو حكمياً بعد انكشاف الخلاف فيشمله الإطلاق.
وأمّا الثاني: إذا بقي ما كان مؤونة من السنة السابقة إلى اللاحقة كالأواني والألبسة والفرش، فهل يجب فيها الخمس، أو لا؟ وجهان مبنيان على استظهارين من قوله (عليه السلام) :«الخمس بعد المؤونة» فإن قلنا بأنّ المتبادر منه هو أنّ وصف الشيء بالمؤونة في فترة من الفترات كاف في عدم تعلّقه به، وإن خرج عن المؤونة في أثناء السنة أو بعد انتهائها كما لو احتاج إلى شراء بعض الأعيان في بعض الشهور واستغنى عنه بقية السنة، فلا يتعلّق بها الخمس بعد انتهاء السنة.
وإن قلنا بأنّ الخارج ما يعدّ من مؤونة السنة مادام كونه من مؤونتها، فلو خرجت السنة وبقيت عينها لم يصدق عليها أنّها من مؤونة السنة التي ربح فيها، بل هو بعد خروج السنة يعدّ غنماً وفائدة.
أقول: الظاهر عدم وجوب الخمس، لأنّ ما هو المؤونة في سنة الربح في مثل الدور والثياب والألبسة عبارة عمّا لا تفنى بانتهاء السنة، بل المؤونة في سنة الربح في مثل تلك الأشياء هي الأعيان التي تبقى سنين ولا تفنى بانتهائها، فهذه اللوازم بهذه الخصوصية تعدّ مؤونة لسنة الربح، وقد خرج عن تحت العام، وبقاؤها بعد انتهاء سنة الربح لا يخرجها عن كونها مؤونة لسنة الربح، فهذه الأشياء بهذه الخصوصية مؤونة السنة، وهي لا تنقلب عمّا هي عليها.
وبالجملة: كون الشيء مؤونة لسنة الربح على قسمين: قسم يكون مؤونة بوجوده المؤقّت كالأقوات، وقسم يكون مؤونة لها ومن شأنه البقاء مدّة تزيد على السنة فهو بهذا الوصف خرج عن تحت العام فلا معنى لتعلّقه به بعد انتهاء السنة.
وإن شئت قلت: إذا أحسّ الإنسان بحاجة إلى اللباس والفرش في سنة من السنين لا يقوم بابتياع ما يسدّ حاجته في تلك السنة خاصة، بل يقوم بابتياع ما من شأنه أن يسدّ حاجته سنين متمادية، هذه هي طبيعة الإنسان وخاصة تلك اللوازم، فإذا خوطب هذا الإنسان بقوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» يحكم على تلك اللوازم بالخروج عن تحت أدلّة الخمس إلى الأبد، قائلاً: بأنّـها من مصاديق مؤونة سنة الربح. ولا يلتفت إلى أنّها خرجت عن كونها مؤونة السنة بانتهاء السنة وبقاء تلك اللوازم، لما عرفت أنّ هذه الأُمور بتلك الخصوصية عُدّت من مؤونة سنة الربح لا بخصوصية كونها مؤقتة بالسنة.
وعلى ذلك فالمرجع هو عموم أو إطلاق الخمس بعد المؤونة من دون حاجة إلى استصحاب حكم المخصص .
هذا إذا خرجنا بهذه النتيجة، وإن شككنا بين النظرين فالاستصحاب بعدم تعلّقه بها هو المحكّم، وذلك لأنّه كما يحتمل أن يكون الحكم دائراً مدار كونه مؤونة السنة، كذلك يحتمل أن يكون دائراً مدار صدق المؤونة في فترة من الفترات وإن خرجت عن كونها مؤونة بعدها.
وبعبارة أُخرى: يحتمل أن يكون الموضوع هو صدق المؤونة حدوثاً وبقاءً في الحكم، كما يحتمل أن يكون الموضوع صدقها حدوثاً لا بقاء، وهذا الاحتمال كاف في استصحاب عدم تعلّق الخمس به، نظير ذلك: «الماء المتغير الذي زال تغيّره بنفسه» ومنشأ الشكّ هو احتمال أن يكون الحكم دائراً مدار التغير حدوثاً وبقاءً أو يكون الحكم دائراً مدار حدوثها آناً ما، ويكفي حدوثه كذلك في بقائها إلى الأبد، ومع هذا التردّد يصحّ استصحاب الحكم الشرعي لكون الترديد بين الأمرين موجباً لحدوث الشكّ في البقاء.
فإن قلت: كيف يتمسك باستصحاب حكم المخصص، مع أنّ الإطلاق الأحوالي للعام (لا الأفرادي لخروج الفرد عن تحته أثناء السنة قطعاً) حاكم على وجوب الخمس؟
قلت: إنّ الإطلاق الأحوالي تابع للإطلاق الأفرادي، فإذا خرج المورد عن تحت العام خروجاً أفرادياً فلا يبقى موضوع للإطلاق الأحوالي حتى يعمّ العام صورة الاستغناء عنه.
وبذلك يظهر حكم الصورة الثالثة، أعني: ما إذا خرج عن كونها مؤونة حتى في السنة اللاحقة كحليّ النساء إذا جاز وقت لبسهن، فالحلي الخارج عن تحت الإطلاقات لم يكن إلاّ حليّاً قابلاً للبقاء بعد السنة أو السنين فهي بهذه الخصوصية الذاتية خرجت وعُدَّت من مؤونة سنة الربح فلا يضرّ خروجها عن المؤونة على الإطلاق.
أضف إلى ذلك أنّ العام، أعني قوله سبحانه: ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء ) ، ليس إلاّ عاماً أفرادياً لا زمان فيه، فإذا خرجت منه الألبسة أو الحُليّ في ظرف من الظروف، فالمحكّم هو إطلاق دليل المخصص إن كان، وإلاّ فعلى الاستصحاب إذ لا يعدّ بقاء الحكم في الزمان الثاني تخصيصاً جديداً، فلو خرج الفرد سنة أو سنتين أوإلى آخر العمر لم يلزم أكثر من تقييد أو تخصيص واحد.
وهناك وجه آخر لعدم التعلّق وهو عدم صدق الغنم، لا في القسم الثاني ـ أعني: الأواني والألبسة ـ ولا في القسم الثالث كحليّ النساء، لأنّ الغنم تجدد فائدة لم تكن موجودة. لا ما كان موجوداً ومحتاجاً إليه غير أنّه استغنى عنه، وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم من أنّه إذا خرج عن كونه مؤونة قبل آخر السنة بمدة فهو لا ريب في صدق الفائدة عليه حينئذ وليس هو مؤونة، فيجب الخمس فيه.( [304])
موت المكتسب في أثناء الحول
إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤونة في باقيه، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.
لأنّ المدار على المؤونة الفعلية لا التقديرية، وأنّه لو كان حيّاً يموّن مقداراً خاصّاً.
وإن شئت قلت: لا موضوع للمؤونة بعد موت الرابح.
عدم حصول الربح في تلك السنة
إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤونتها من ربح السنة اللاحقة.
لانصراف الدليل إلى مؤونة الاكتساب أو الربح لا مطلق السنة، نعم لو استدان لمؤونة تلك السنة وحصل له الربح في السنة اللاحقة جاز أداؤه من ربحها ولا يتعلّق به الخمس، لأنّ أداء الدين المطالب يُعدّ من المؤونة حين الأداء .
 
مصارف الحج من مؤونة عام الاستطاعة
قد عرفت أنّ مدار صدق المؤونة هو الصرف والإنفاق، وعلى ذلك فمصارف الحجّ من مؤونة عام الإتيان به، فلو لم يأت به قصوراً أو تقصيراً يتعلّق به الخمس، ويعلم من التفصيل في المسألة أنّ الميزان عام الإتيان لا عام الاستطاعة.
ثمّ إنّ الصور المستخرجة من المسألة أربع:
الأُولى: إذا ربح واستطاع أثناء السنة وتمكّن من العمل وحجّ، يعدّ ما صرفه في ذلك العام من المؤونة بل هو من أوضح مصاديقها مع الإيجاب الشرعي.
الثانية: إذا ربح واستطاع ولم يتمكن من السير عن عذر حتى انقضى العام، وجب عليه خمس ذلك الربح، لأنّ عدم التمكّن كاشف عن عدم الوجوب عليه وأنّه لم يكن هناك موضوع للمؤونة، فحينئذ إن بقيت الاستطاعة إلى السنة التالية وجب وإلاّ سقط.
هذا ممّا لا غبار عليه إنّما الكلام فيما إذا سجّل اسمه في إدارة الحجّ ودفع الثمن، ولكنّها تقوم بنقل الحجاج، بالتدريج، فخرج اسمه في غير سنة الربح، فهل يجب عليه خمس ذلك الثمن أو لا؟ الظاهر، لا، ـ خلافاً للمشايخ ـ للفرق بينه و بين الصورة الثانية، إذ المفروض أنّه صرفه وليس بيده شيء حتى يخمس، والتخميس متفرع على فسخ ما عقده مع إدارة شؤون الحجّاج واسترجاع الثمن ولا دليل على لزومه، والحكم ـ لزوم التخميس ـ لا يثبت موضوعه أي استرجاع ما دفعه، وتملّكه، و المقام نظير ما يشتري الإنسان أشياء لتجهيز زواج بنته، والجامع هو أنّ الصرف يجعله من المؤونة.
الثالثة: تلك الصورة ولكنّه تمكّن وعصى وانقضى الحول، فيجب أداء خمسه، لعدم صرفه في أداء الواجب، فلا يكون مصداقاً للمؤونة، وهذا نظير ما إذا قتّر على نفسه ولم ينفق، فقد مضى تعلّقه به وأنّه لا يحسب له كما بيّنه في المسألة الخامسة والستين ـ و مع ذلك ـ فقد أفتى بعدم الاحتساب فيها، ولكنّه احتاط هنا، وذلك لتصوّر أنّ الأمر الشرعي بالإنفاق في المقام وإن لم ينفق ربّما يدخله تحت المؤنة، بخلاف ما إذا قتّر إذ ليس هناك أمر به، ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المدار في صدقها هو الصرف والإنفاق والمفروض عدمه فيهما.
وأمّا وجوب الحجّ في العام القابل فلا شكّ في وجوبه إذا بقي على الاستطاعة مع أداء الخمس، وأمّا إذا خرج عنها بأداء الخمس فيجب عليه الحجّ متسكّعاً لسقوط شرطية القدرة الشرعية لأجل العصيان وكفاية القدرة العقلية.
الرابعة: لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق عام الاستطاعة لعدم صدقها عليه، وإنّما الكلام في المقدار المتمم لها في تلك السنة فيجري فيه أحكام الصور الثلاث أيضاً.
أ. إذا تمكّن من المسير وسار فلا يتعلّق به لكونه من أظهر مصاديق المؤونة.
ب. إذا تمكّن ولم يسر عصياناً وجب إخراج الخمس في المقدار المتمم حسب ما مرّ فيما إذا استطاع في عام واحد ويجب الحجّ متسكعاً لوخرج عن الاستطاعة بأدائه.
ج. إذا لم يتمكّن وجب إخراج الخمس دون الحجّ لكشف عدم التمكن، عن عدم وجوبه.
هل أداء الدين من المؤونة؟
إنّ الدَيْن إذا كان دين عام الربح فهو من المؤونة، وإذا كان للعام السابق على عام الربح فليس منها إلاّ إذا كان غير متمكن من أدائه إلى عام الربح.
وبما أنّ  الخارج من تحت العموم هو المؤونة، فالبحث مركّز على أنّ الدين هل هو من المؤونة أو لا؟ مع العلم بأنّه لا خصوصية للدين والملاك صدقها، وعلى ضوء ذلك فنقول: الدين إمّا أن يكون لعام الربح، أو للعام السابق عليه، أو للعام اللاحق ولا شق رابع له، فيبحث عن أحكام الشقوق الثلاثة.
أ. دين عام الربح
إنّ لدين عام الربح صوراً:
1. إذا استدان لمؤونة سنة الربح من المأكل والملبس والمسكن لتأمين مصارف الكسب من أُجرة العمّـال والدلال فالكلّ من المؤونة، وسيوافيك عند البحث عن قول صاحب العروة في تلك المسألة«وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام...» أنّ مقدار الدين هنا مؤونة، سواء وفي تلك السنة أم لم يف، لانطباق الضابطة، أعني: الحاجة والصرف حيث صرفه مشروطاً بردّ العوض، فصرف الدين كصرف عوضه، وعلى هذا فالمؤونة هنا هو مقدار الدين لا وفاؤه وأداؤه، مضافاً إلى أنّ الرائج هو تأمين المؤونة بوجوه مختلفة، تارة برأس المال، وأُخرى بالأرباح، وثالثة بسائر الأموال، ورابعة بالاستدانة حسَب الظروف المختلفة للمكتسب.
2. إذا حصل الدين بإتلاف أو جناية، فلا شكّ أنّه من مؤونة سنة الربح إذا أدّاه، وأمّا إذا لم يؤدِّه فالظاهر أنّه من مؤونة سنة الأداء، والفرق بين القسمين أنّ العرف لا يصف ما استحصله بالغُنْم ما لم يضع مؤونة الحياة ومؤونة نفس الكسب عنه، ولأجل ذلك كان مقدار الدين هنا من المؤونة بخلاف ما إذا جنى أو أتلف، فبما أنّه أمر منفصل عن نفس الكسب فلو أدّاه يحسب من المؤونة ويوضع من الربح بخلاف ما إذا لم يؤده.
3. إذا استدان لشراء ضيعة أو مسكن أو فرش من دون حاجة إليها مع بقاء عينها إلى آخر السنة فلا يحسب من المؤونة لعدم الحاجة إليها، فهو من قبيل تكثير المال والثروة ولو وضعه من الربح ينتقل الخمس إلى بدله، أعني: الأعيان المشتراة، فليس مثل ذلك الدين من مؤونة سنة الربح ولا من مؤونة سنة الأداء.
نعم إنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية لكنّه لا يوجب إلاّ جواز صرف الربح في أدائه لا وضع ما صرف فيه، خصوصاً بعد صدق الغنيمة على الأعيان المشتراة من غير فرق بين وجود مال آخر وراء الربح يصلح لأداء الدين منه أولا.
4. تلك الصورة، لكن مع تلف الأعيان المشتراة في أثناء السنة وكان الاشتراء للاقتناء لا للتجارة وإلاّ فلها أحكام خاصّة، فلا شكّ أنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية ويحسب من المؤونة بشرطين:1. أن لا يكون له مال آخر، 2. أن يصرف الربح في أداء الدين فليس نفس الدين في المقام من المؤونة بل أداؤه مع الشرط.( [305])
وهذا نظير أرش الجناية وقيمة الإتلاف فإنّما يحسب من المؤونة إذا قام بالأداء وإلاّ فلا يعدّ من المؤونة، وقد عرفت حكم العرف بالفرق بين الاستدانة للملبس والمأكل وبين سائر الموارد، ففي الأوّل لا تصدق الغنيمة إلاّ بوضع ما استدان في ذلك السبيل بخلاف ما إذا صار مديوناً بأسباب اختيارية كشراء أعيان ـ وإن تلفت لا باختيار ـ أو أسباب قهرية فالمؤونة هناك هي الأداء لا التقدير.
والحاصل : أنّه فرق بين الاستدانة للمؤونة في عام الربح وبين صيرورته مديوناً، للجناية والإتلاف في ذاك العام، ففي الأوّل نفس الدين من المؤونة بخلاف القسم الآخر، فالمؤونة فيه هو الأداء والوفاء ولو لم يتحقق لا يكون مؤونة.
نعم أقصى ما يمكن أن يقال في القسم الأوّل، إنّ الدين من المؤونة ولكن مشروطاً بعدم الإبراء، فلو أبرأ كشف عن عدم كونه مؤونة.
 
ب. الدين السابق على عام الربح
أمّا الدين السابق على عام الربح فله صور:
1. إذا استدان في عام سابق عليه وكانت الغاية صرفه في مؤونة عام الربح وصرفه فيه فيكون من مؤونته .
2. إذا استدان لابتياع مسكن أو ملبس يسكنه أو يلبسه في كلا العامين فهو من مؤونة عام الربح، لأنّه محتاج إليه في كلّ عام من غير فرق بين قدرته على أدائه أم لا.
3. إذا استدان لابتياع بضاعة وبقيت إلى العام اللاحق ولم يكن مورد الحاجة، وبما أنّ الغاية هو الاقتناء وتكثير الثروة فلا يعدّ من المؤونة مطلقاً أدّاه من ربح العام اللاحق أم لم يؤدّه، ولو أدّاه من الربح ينتقل الخمس إلى مقابله كما هو الحال في تصرّف التاجر في الأرباح فيتصرّف فيها بالبيع والشراء طول السنة مرّات، فيستقرّ الخمس في البدل المقابل.
4. هذه الصورة مع عدم بقاء العين، فهل يعدُّ الأداء من المؤونة، أو يفصّل بين كونه متمكّناً منه في السابق وعدمه، أو بين تمكّنه من مال آخر يمكن أداء الدين به وعدمه، الحقّ هو الأخير، وأمّا التفصيل بين تمكّنه حين الاشتراء وعدمه فليس له أيّ دخل في عدّه من مؤونة عام الربح، لأنّ العام الذي اشترى فيه مضى وانتهى وقد تلفت العين فتمكّنه منه في ذاك الوقت لا يؤثر في عدّه من المؤونة في العام اللاحق وإنّما المؤثّر تمكّنه في العام اللاحق من أدائه من مال آخر أو لا. فعلى الأوّل ، فالأداء وإن كان من الأغراض العقلائيّة لكنّه ليس متعيّناً أداؤه من الربح، إذ نسبة الدين إلى الربح والأموال الأُخر سواسية والمفروض أنّ  الدين سبق على عام الربح، فلا يتبادر من قوله (عليه السلام) : «الخمس بعد المؤونة» كون أداء الدين منها مطلقاً، إلاّ إذا كان غير متمكن من الأداء فيعدّ حفظ العِرْض من المؤونة، ولو كان السبب سابقاً.
5. إذا استدان للصرف في مؤونة السنة السابقة ولم يربح فيها إلاّ أنّه ربح في السنة اللاحقة فنفس الدين وإن لم يكن مؤونة لذاك العام إلاّ أنّ أداءه من المؤونة لأنّه من أعلى الأغراض العقلائية.
والكلام فيه كالكلام في الشق الرابع، وحاصله أنّ نفس دين العام السابق لا يعدّ مؤونة بالنسبة إلى عام الربح، بخلاف دين نفس عام الربح فإنّ نفسه تعدّ مؤونة لما عرفت من جريان السيرة على رفع الحاجة من الربح ورأس المال والدين ثمّ الحكم بأنّه مغتنم أو لا، ولأجل ذلك لا يعدّ من المؤونة إلاّ إذا أدّاه.
وبذلك يعلم حال قول صاحب العروة: «وإذا لم يؤدّ فيه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي» فإنّ ذلك إنّما يصحّ في غير ما يعدّنفس الدين مؤونة، وأمّا فيه فنفس الدين مؤونة أدّى أو لا، غاية الأمر مشروط بعدم الإبراء.
وأمّا قوله:«وكذا الكلام في النذور والكفّارات».
فما يبرّ به نذره ويقوم بواجب الكفارة إنّما يعدّ مؤونة إذا قام بصرفه وأدّى، لا في غيره فهو من مؤونة سنة الوفاء بالنذر وإنجاز الكفّارات لا سنة الربح.
ج: الدين اللاحق لعام الربح
إذا استدان، لمؤونة العام اللاحق فلا يوضع من ربح العام السابق لتعلّق الخمس بالربح كلّه ولا صلة للاستدانة للعام اللاحق بهذا الربح.

[279] . المقاييس:5/286.
[280] . القاموس المحيط:4/269 و 273 مادة «المأنة» و «التموّن».
[281] . لسان العرب:13/369; مادة «مأن».
[282] . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 .
[283] . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3 .
[284] و 3 . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.
[285] و 5 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
[286] . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.   2 . السرائر: 1/489، كتاب الخمس.
[287] . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
[288] . الوسائل: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.
[289] . كتاب الخمس: 92.
[290] . مستند العروة الوثقى: 246، كتاب الخمس.
[291] و 2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.
[292] . كتاب الخمس: 201.
[293] . الدروس: 1/259، كتاب الخمس.     2 . الحدائق:12/354.
[294] . رسالة الخمس:201. 4 . الجواهر:16/81.
[295] . الجواهر:16/81 .     2 . المسالك:1/468.
[296] . الروضة البهيّة:1/182.   4 . المدارك:5/391.
[297] . المستمسك:9/536.
[298] . الإسراء:29.   2 . الفرقان:67.
[299] . الإسراء:26ـ27. 4 . الأعراف:31.
[300] . القصص:77. 6 . مستند العروة:250 ، كتاب الخمس.
[301] . المسالك: 1/465.     2 . ما بين القوسين مجمل، فتأمّل.
[302] . مجمع الفائدة:4/318.
[303] . تذكرة الفقهاء: 5 / 420 .     2 . المسالك: 1/464.
[304] . المستمسك:9/544.
[305] . ولا ينافي ذلك ما يأتي في المسألة الثالثة والسبعين من العروة من أنّ تلف غير رأس المال لا يجبر بالربح، للفرق الواضح بينه و بين المقام، لأنّ التالف في المقام دين مطالب وليس له مال آخر بخلاف تلف متاع البيت الذي لا يعدّ من رأس المال.