welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
إقرار المريض
إقرار المريض

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين .
أمّا بعد; لمّا فرغنا من محاضراتنا حول حكم منجزات المريض وانتهينا إلى أنّها تخرج من الثلث ناسب أن نردف البحث السابق ببحث نفوذ إقرار المريض وعدمه، وعلى فرض نفوذه فهل ينفذ مطلقاً أو فيه تفصيل؟
إنّ الإقرار قد يكون بالعين، وأُخرى بالدين. وعلى كلا التقديرين فتارة يقرّ للوارث، وأُخرى للأجنبي.
اختلف الأصحاب في نفوذ إقرار المريض إلى أقوال وردت سبعة منها في الجواهر .( [763]) وأنهاها السيد الطباطبائي في رسالة «منجزات المريض» إلى عشرة( [764])، غير أنّ قسماً من الأقوال متداخلة يمكن إرجاعه إلى قول واحد، والمهم هما القولان التاليان:
 
1. نفوذه من الأصل
ذهب ابن زهرة في الغنية وابن إدريس في السرائر، وابن سعيد في الجامع إلى نفوذه من الأصل.
وقال ابن زهرة: ويصح إقرار المحجور عليه بفرض، وإقرار المريض للوارث وغيره بدليل الإجماع المشار إليه .( [765])
قال ابن إدريس: ويصح إقرار المريض الثابت العقل، للوارث وغيره، سواء كان بالثلث أو أكثر منه. وإجماع أصحابنا منعقد على ذلك. (2)
وقال ابن سعيد: إقرار العاقل غير المحجور عليه صحيح عدلاً وفاسقاً، مريضاً وصحيحاً لأجنبي ووارث .( [766])
وربما يظهر من إطلاق القاضي في المهذب قال: إذا أقرّ البالغ الكامل العقل الّذي ليس بمولى عليه المطلق التصرف على نفسه بشيء كان إقراره ماضياً وحكم عليه به .( [767])
2. نفوذه من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها
وذهب جماعة إلى أنّه يخرج من الأصل مع عدم التهمة ومن الثلث معها، من غير فرق في الموضعين بين العين والدين والوارث والأجنبي، حكي عن الأكثر والظاهر أنّه المشهور.
هذان القولان هما القولان المعروفان، وهناك أقوال ترجع إلى الثاني.
منها: أنّه من الأصل مع العدالة وعدم التهمة، ومن الثلث مع فقد القيدين.
قال الشيخ في «النهاية»: إقرار المريض جائز على نفسه للأجنبي والوارث على كل حال إذا كان مرضياً موثوقاً بعدالته ويكون عقله ثابتاً في حال الإقرار، ويكون ما أقرّبه من أصل المال; فإن كان غير موثوق به وكان متهماً، طولب المقرّ له بالبيّنة، فإن كانت معه بينة أُعطي من أصل المال، وإن لم تكن بيّنة أُعطي من الثلث .( [768])
فإنّ هذا القول نفس القول الثاني، لأنّ العدالة طريق إلى عدم التهمة.
ومنها: أنّه من الأصل إن كان عدلاً وإلاّ فمن الثلث. حُكِي عن المحقّق الثاني في «جامع المقاصد» أنّه نسبه إلى بعض الأصحاب.( [769])
والقائل اكتفى بقيد واحد وهوالعدالة عن قيد عدم التهمة، فيرجع إلى القول السابق .
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي ولم يكن متّهماً، وإلاّ فإن كان متّهماً أو كان للوارث مطلقاً فهو من الثلث. وهو مختار المحقّق في النافع.( [770])
وجه رجوعه أنّه قسّم الإقرار للأجنبي إلى قسمين: إمّا أن يكون متّهماً أو لا يكون، ولكنّه جعل الإقرار للوارث قسماً واحداً لغلبة الاتّهام في الإقرار للوارث. فهذا القول في الحقيقة تفصيل بين المتهم وغيره، غاية الأمر لمّا كانت التهمة شائعة في الإقرار للوارث، جعله قسماً واحداً .
ومنها: أنّه من الأصل إن كان للأجنبي مطلقاً أو كان للوارث وكان غير متهم، وإلاّ فمن الثلث. وهو خيرة ابن حمزة .( [771])
وجه رجوعه أنّه فرض الإقرار للأجنبي قسماً واحداً لغلبة عدم الاتّهام فيه وجعل الإقرار للوارث إلى قسمين. إلى غير ذلك من الأقوال الّتي يمكن إرجاعها إلى القول الثاني.
وللعلاّمة الحلّي كلام في المقام لا يخلو من فائدة، قال:
ولو أقرّ ] المريض [ بدين أو عين لأجنبي، فالأقوى عندي من أقوال علمائنا: إنّه ينفذ من الأصل إن لم يكن متّهماً في إقراره. وإن كان متهماً، نفذ من الثلث، لأنّه مع انتفاء التهمة يريد إبراء ذمّته، فلا يمكن التوصل إليه إلاّ بالإقرار عن ثبوته في ذمّته، فلو لم يقبل منه بقيت ذمّته مشغولةً، وبقي المُقرّ له ممنوعاً عن حقّه، وكلاهما مفسدة، فاقتضت الحكمة قبول قوله. أمّا مع التهمة فإنّ الظاهر أنّه لم يقصد الإخبار بالحقّ، بل قَصَد منعَ الوارث عن جميع حقّه أو بعضه والتبرّعَ به للغير، فأُجري مجرى الوصيّة.( [772])
وأمّا فقهاء السنّة فيظهر فما نقله العلاّمة عن الشافعي خروج الإقرار للوارث في مرض الموت عن محط البحث وانّه لا يقبل .
إنّما الكلام في الأجنبي ففيه روايات ثلاث عن الشافعي :
1. يصح إقراره للأجنبي وأطلق (لم يقيد بالثلث) وهو إحدى الروايات عن أحمد .
2. انّه لا يقبل، لأنّه إقرار في مرض الموت فاشبه الإقرار لوارث.
3. انّه يقبل من الثلث ولا يقبل من الزائد، لأنّه ممنوع من عطية ذلك للأجنبي كما هو ممنوع من عطية الوارث عندهم فلم يصح إقراره بما لا يملك عطيته بخلاف الثلث فما دون. ( [773])
ويظهر من «الخلاف» أنّ الإقرار للوارث أيضاً محل خلاف وليس موضعَ اتفاق:
قال: يصح الإقرار للوارث في حال المرض. وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وهو أحد قولي الشافعي .
والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد. وقال أبو إسحاق المروزي: المسألة على قول واحد وهو أنّه يصح إقراره .( [774])
أقول: مقتضى القاعدة الأوّلية ـ مع قطع النظر عن الروايات الواردة في المسألة ـ هو نفوذ الإقرار. ويدلّ عليه سيرة العقلاء والروايات الدالّة على نفوذ إقرار كلّ شخص على نفسه مريضاً كان أو غير مريض، أقرّ للوارث أو للأجنبي. ولكن دراسة الروايات تستدعي الكلام في موضعين :
الأوّل: إقرار المريض للوارث.
الثاني: إقرار المريض لغير الوارث .

الموضع الأوّل:
في الإقرار للوارث
إنّ الروايات الواردة فيه على طوائف ثلاث:
الأُولى: ما يدل على النفوذ مطلقاً
دلّت صحيحة أبي ولاّد على نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً، سواء أكان المقَرّ به مقدار الثلث، أم أزيد منه،وسواء أكان المقرّ ثقة أم متّهماً في إقراره.
روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن أحمد (بن محمد بن عيسى أو أحمد بن محمد بن خالد) عن ابن محبوب، عن أبي ولاّد ( [775]) قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل مريض أقرّ عند الموت لوارث بدين له على ذلك؟ قال: «يجوز ذلك»، قلت: فإن أوصى بوارث لشيء؟ قال: «جائز» .( [776])
وفي الحديث فقرتان:
الأُولى: إقراره لوارث.
الثانية: إيصاؤه لوارث.
أمّا الأُولى: فلا مانع من الأخذ بإطلاقها، وأمّا الفقرة الثانية فلابدّ من تقييد إطلاقها فيما إذا لم تتجاوز الوصية الثلث.
ويمكن أن يقال: إنّ الفقرة الثانية فاقدة للإطلاق، لأنّها وردت لردّ ما اشتهر بين السنّة من أنّه لا وصية لوارث، وكأنّ السائل سأل عن أصل الوصية من غير نظر إلى كميتها فقال الإمام (عليه السلام) : جائز .
فمقتضى هذه الرواية نفوذ إقرار المريض للوارث مطلقاً من غير فرق بين حال المقِرّ من كونه ثقة أو متهماً، ومن غير فرق بين كون المقرّ به بمقدار الثلث أو لا.
الثانية: ما يدلّ على النفوذ إذا كان المقر مرضيّاً
يستفاد من بعض الروايات نفوذ الإقرار بالدين للوارث بشرط أن يكون المقرّ مرضيّاً غير متّهم. ويدلّ عليه :
1. صحيحة منصور بن حازم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً؟ فقال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».( [777])
وقد مرّ في الرسالة السابقة ( [778]) أنّ المراد من الوصية هنا وحتّى فيما يأتي من الرواية هو الإقرار، بشهادة قوله: «أنّ له عليه ديناً» .
وتتميز الرواية عن الصحيحة بتقييد نفوذ إقرار المقرِّ بكونه مرضياً بخلاف الرواية السابقة فقد كانت مطلقة من هذه الحيثية. نعم هذه الرواية وما يتلوها مطلقتان من حيث المقرِّ من دون تقييده بكونه مريضاً، اللهم إلاّ أن يحمل على المريض بشهادة أنّه أوصى لبعض ورثته بأن له عليه ديناً. والغالب على مثل هذه الوصايا هو حالة المرض .
2. ما رواه الشيخ بسند موثق عن أبي أيوب، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل أوصى لبعض ورثته أنّ له عليه ديناً، قال: «إن كان الميت مرضيّاً فأعطه الّذي أوصى له».( [779])
والكلام في هذه الرواية نفس الكلام في الرواية السابقة، وقد ورد في الروايتين قيدان: كون المقرّ له وارثاً، وكون المقر مرضيّاً.
ولا يمكن إلغاء القيد الأوّل، إذ يلزم منه أن يكون إقرار الإنسان لغير الوارث مشروطاً بكونه مرضياً وهو مخالف لضرورة الفقه، إذ إقرار العقلاء في حق غيرهم جائز ونافذ، كما لا يمكن إلغاء القيد الثاني ـ أعني: كونه مرضيّاً ـ وإلاّ تلزم لغوية الشرط الوارد في كلام الإمام فيكون مضمون الروايتين أنّ الإقرار في حق الوارث نافذ إذا كان المقر مرضياً صادقاً في إقراره، ولا يريد بذلك زيادة ميراثه .
نعم الرواية خالية عن كون المقرّ مريضاً فلو أخذنا بإطلاقه يلزم أن لا يكون إقرار المقر للوارث مطلقاً مريضاً كان أو لا، نافذاً إلاّ إذا كان المقرّ مرضيّاً فيحتج بإطلاقها على المسألة وإن حملت على المريض، لأنّه الغالب حتّى أنّ المسألة معنونة في الخلاف «في حال المرض» تكون دليلاً عليها بالخصوص.
ثم إنّ سيد مشايخنا المحقّق البروجردي بعدما أفاض الكلام في روايتي; منصور بن حازم، وأبي أيوب، قال ما هذا خلاصته:
إنّ إلغاء القيد الأوّل أي كون المقرّ له، وارثاً، يستلزم خلاف ما اتّفق عليه فقه المسلمين، إذ لا يشترط في نفوذ الإقرار في حق الأجنبي كون المقرّ مرضيّاً أخذاً بقوله: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.
وحفظ القيد الأوّل وتعليق الإقرار للوارث على كون المقرّ مرضياً، موافق لمذهب مالك من فقهاء المدينة المعاصر للإمام الصادق (عليه السلام) فتحمل على التقية.( [780])
أقول: التفصيل الوارد في الرواية بين كون المقر مرضيّاً وعدمه، ليس موجوداً في مذهب مالك حسب ما نقله الشيخ في «الخلاف» وقد نقلناه في صدر الرسالة، قال: يصح الإقرار للوارث في حال المرض وبه قال: أبو عبيدة و... إلى أن قال: والقول الآخر: إنّه لا يصح. وبه قال مالك وأبو حنيفة وسفيان الثوري وأحمد .( [781]) فمذهبه عدم صحّة الإقرار للوارث.
أضف إلى ما ذكرنا أنّ مجرد كون مضمون الرواية موافقاً لفتوى مالك الّتي مرت عليك لا يوجب ضعفاً، لأنّ المسؤول هو الإمام الصادق (عليه السلام) المتوفّى 148 هـ ، وأمّا مالك فقد توفّي عام 179 هـ ، والفاصل الزماني بين الوفاتين يتجاوز ثلاثين سنة، فلم يكن لمالك في عهد الإمام الصادق (عليه السلام) دور كدور أبي حنيفة وابن شبرمة في مجال الإفتاء حتّى يتّقى منه. نعم صار إمام دار الهجرة في عهد المنصور وبعده .
الثالثة: ما يدلّ على النفوذ على حد الثلث
تدلّ الرواية التالية على نفوذ إقراره إذا لم يكن زائداً على الثلث .
روى الكليني بسند صحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أقرّ لوارث له وهو مريض بدين له عليه؟ قال: «يجوز عليه إذا أقرّ به دون الثلث» .( [782])
ومقتضاها: أنّه إذا أقرّ المريض بدين للوارث يُقْبل، إذا كان بمقدار الثلث، سواء أكان مرضياً أم لا.
فالرواية مشتملة على القيود التالية:
أ. كون المقرّ مريضاً.
ب. والمقرّ له وارثاً.
ج . وتحديد نفوذ إقراره إذا لم يزد على الثلث .
وفي الوقت نفسه مطلق من حيث كونه مرضياً أو لا.
ومع حفظ القيدين الأوّلين تكون النتيجة: أنّ المريض المقرّ بالدين للوارث ينفذ إقراره على حد الثلث.
ويقرب منها ما رواه الشيخ عن سماعة قال: سألته عمّن أقرّ للورثة بدين عليه وهو مريض؟ قال: «يجوز عليه ما أقرّ به إذا كان قليلاً». ( [783]) وهل المراد، قلة المال في حد نفسه، أو بالنسبة إلى ما تركه من الميراث، أو ثلث المال الذي هو أقل بالنسبة إلى ثلثيه؟ وجوه .
وعندئذ يقع الكلام في وجه الجمع بين هذه الروايات فيمكن الجمع بالوجه التالي:
تدل الطائفة الأُولى على نفوذ إقراره للوارث مطلقاً، سواء أكان متّهماً أم لا، فيقيد إطلاقها بما في الطائفة الثانية من اشتراط كون المقرّ مرضياً.
وأمّا الطائفة الثانية فبما أنّها مقيّدة بكونه مرضيّاً ومطلقة من جهة كونه مريضاً، فإطلاقها حجة في المقام مع احتمال انصرافها إلى المريض فيكون دليلاً خاصّاً.
وأمّا الطائفة الثالثة فتبقى على إطلاقها، لأنّ النفوذ إذا كان محدداً بالثلث فهو نافذ، سواء أكان مرضياً أم غير مرضي، إذ لكل إنسان عند موته الثلث من أمواله.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
1. إذا كان المقرّ به على حد الثلث فلا يشترط فيه شيء لا كونه مرضيّاً ولا كونه مريضاً، لأنّه قيد غالبي لضرورة أن الإنسان يملك ثلث ماله لما بعد موته.
2. إذا كان المقرّ به أزيد من الثلث ففيه التفصيل بين كون المقر مرضياً فينفذ إقراره، وبين كونه غير مرضي فيدخل تحت الضابطة الثابتة من نفوذ إقراره  في الثلث. وهذا القول هو المعروف بين الأصحاب.
نعم أنّ مورد التفصيل، كون الإقرار للوارث مزاحماً لحق سائر
الورثة فيؤخذ به إذا كان مرضياً، وأمّا إذا كان مزاحماً لحق غيرهم من الغرماء فالرواية ساكتة عنه، فهل يقدّم فيه الإقرار أو يقدّم حق الغرماء، فقد مرّ الكلام فيه في الرسالة السابقة، وسيوافيك أيضاً عند الكلام في الإقرار لغير الوارث فانتظر.
فإن قلت: إنّ هنا طائفة رابعة تنفي نفوذ الإقرار للوارث مطلقاً .
1. خبر قاسم بن سليمان قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل اعترف لوارث له بدين في مرضه؟ فقال (عليه السلام) : «لا يجوز وصيته لوارث ولا اعتراف له بدين» .( [784])
2. خبر مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال علي  (عليه السلام) : «لا وصية لوارث ولا إقرار له بدين». يعني إذا أقرّ المريض لأحد من الورثة بدين له عليه فليس له ذلك.( [785])
قلت: مضمون الروايتين يُخالف مذهب الشيعة المأخوذ من أئمة
أهل البيت (عليهم السلام) فإنّهم اتّفقوا على جواز الوصية للوارث، فلا يمكن العمل بها وبما فيها من عدم نفوذ الإقرار للوارث، لأنّ الجميع أخبار ضعاف تلوح منه التقية.
    

الموضع الثاني:
في الإقرار لغير الوارث
إذا أقر لغير الوارث بدين فهل ينفذ مطلقاً، أو لا، أو فيه نفس التفصيل السابق؟
الروايات الواردة فيه على أقسام ثلاثة:
الأوّل: ما لا صلة له بالمقام، نظير:
1. ما رواه سعد بن سعد (الثقة)، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل مسافر حضره الموت فدفع مالاً إلى أحد التجار، فقال له: إنّ هذا المال لفلان بن فلان ليس لي فيه قليل ولا كثير فادفعه إليه يصرفه حيث يشاء، فمات ولم يأمر فيه صاحبه الّذي جعله له بأمر، ولا يدري صاحبه ما الّذي حمله على ذلك كيف يصنع؟ قال: «يضعه حيث شاء».( [786]) فإنّ قوله: «إنّ هذا المال لفلان بن فلان» ظاهر في الإقرار، ولكن قوله: «فادفعه إليه يصرفه كيف يشاء» ظاهر في الوصية، وإلاّ يكون كلاماً لغواً، فالرواية في مورد الإيصاء ولعلّه كان على قدر الثلث أو أقلّ منه.
2. مكاتبة محمد بن عبدالجبار الإمام العسكري (عليه السلام) قال:
كتبت إلى العسكري (عليه السلام) : امرأة أوصت إلى رجل وأقرّت له بدين ثمانية آلاف درهم، وكذلك ما كان لها من متاع البيت من صوف وشعر وشبه ( [787])وصفر ونحاس وكل ما لها أقرّت به للموصى إليه وأشهدت على وصيتها، وأوصت أن يحج عنها من هذه التركة حجّتين، وتُعطي مولاة لها أربعمائة درهم، وماتت المرأة وتركت زوجاً، فلم ندر كيف الخروج من هذا واشتبه علينا الأمر.
وذكر الكاتب: أنّ المرأة استشارته فسألته أن يكتب لها ما يصح لهذا الوصي، فقال: لا تصح تركتك لهذا الوصي إلاّبإقرارك له بدين يحيط بتركتك بشهادة الشهود، وتأمريه بعد أن ينفذ ما توصّيه به، فكتبت له بالوصية على هذا وأقرّت للوصي بهذا الدين، فرأيك ـ أدام الله عزك ـ في مسألة الفقهاء قبلك عن هذا وتعريفنا ذلك لنعلم به إن شاء الله؟ فكتب (عليه السلام) بخطّه: «إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً فيخرج الدين من رأس المال إن شاء الله، وإن لم يكن الدين حقّاً أنفذ لها ما أوصت به من ثلثها، كفى أو لم يكف».( [788])
    
فقه الحديث: إنّ المرأة على ما يعطيه صدر الحديث أقرّت بدين، أو أوصت بأُمور كثيرة تستوعب جميع التركة وكان المعروف عند فقهاء السنّة في المسألة أنّ الإقرار ينفذ من الثلث كالوصية. وكانت المرأة ـ قبل موتها عالمة بذلك ـ شاورت شخصاً، وهو أرشدها إلى طريق تنفيذ جميع ما أقرّت به وما أوصت إليه وهو أن تقرّ للموصى له بدين يحيط بعامة التركة وتستشهد على ذلك ثم تأمر الموصى له بتنفيذ ما أوصت به .
فلمّا وصل الكتاب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) فأجاب بأنّه إذا كان الدين معروفاً مفهوماً (أي ديناً واقعياً لا صورياً) يخرج من رأس المال، وإلاّ لا يعتد بالدين بالإقرار وإنّما ينفذ ما أوصت به من ثلثها على قدر كفايته .
هذا هو المفهوم من الرواية ولكن لا يحتج بها في المقام. لأنّه خصَّ الإخراج من الأصل إذا كان الدين أمراً قطعياً حيث قال: «إن كان الدين صحيحاً معروفاً مفهوماً» وهو خارج عن محل البحث لشمول قوله سبحانه: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن ) ( [789]) له.
القسم الثاني: ما يدلّ على عدم النفوذ مطلقاً
كخبر السكوني، كان علي (عليه السلام) يرد النحلة في الوصية، وما أقرّ به بلا ثبت ولا بيّنة، ردّه .( [790]) بناء على أنّ المراد من الرد هو الرد مطلقاً لا كالرد في الوصية. والرواية معرض عنها لا يحتج بها، وقد مرّ مثلها في المقام الأوّل وهو وإن لم يكن مقيداً بالمريض ولكنّه منصرف إليه أو يعمّه بإطلاقه.
القسم الثالث: النفوذ إذا كان مصدَّقاً أو مأموناً
يستفاد من الروايتين الاوليين ـ بعد الإمعان والدقّة ـ النفوذ من الأصل إذا كان المقرّ مصدّقاً مأموناً، وإلاّ فيخرج من الثلث. وإليك دراستهما:
1. ما رواه الشيخ، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل معه مال مضاربة فمات وعليه دين وأوصى أنّ الذي ترك لأهل المضاربة، أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً» .( [791])
والرواية تدلّ على أنّ المضارب كان عنده مال مضاربة أوّلاً، وعليه دين ثانياً لغير أهلها فخاف الرجل أنّه إذا لم يقر بأنّ المال لأهل المضاربة يتملّكه الدائن بزعم أنّه ملك المديون. فبما أنّ هذا الإقرار بظاهره كان إضراراً على الدائن حيث لم يترك شيئاً يؤدي به الدين سأل الإمام عن جواز هذا الإقرار، فقال (عليه السلام) بالجواز إذا كان مصدقاً، أي مصدقاً عند الناس. ومعنى جواز الإقرار هو تصديقه بأنّ العين أو الأعيان الموجودة عنده لأهل المضاربة فتدفع إليهم وإن أورث ضرراً على الوارث والدائن. والحديث يقرب ممّا ورد في روايات القسم الأوّل: أي الإقرار للوارث فقد جاء فيه تصديقه إذا كان مرضيّاً، والمورد من قبيل الإقرار للأجنبي وهو أهل المضاربة، والمقرّ به، هو العين لا الدين بشهادة قوله: «أن الذي ترك لأهل المضاربة».
2. ما رواه الكليني عن العلاء بياع السابري قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن امرأة استودعت رجلاً مالاً فلمّا حضرها الموت قالت له: إنّ المال الّذي دفعته إليك لفلانة، وماتت المرأة فأتى أولياؤها الرجل فقالوا له: إنّه كان لصاحبتنا مال ولا نراه إلاّ عندك فاحلف لنا مالها قبلك شيء، أفيحلف لهم؟ فقال: «إن كانت مأمونة عنده فليحلف لهم، وإن كانت متّهمة فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه».( [792])
وهل الموضوع جواز الحلف وعدمه، من دون نظر إلى نفوذ إقراره في صورة جواز الحلف، وعدم نفوذه في صورة عدم جوازه، أو أنّ جواز الحلف لأجل نفوذ  إقراره، وعدمه لأجل عدم نفوذه.
المتبادر هو الثاني إذ الغاية من السؤال توجيه الودعيّ إلى ما يجب عليه؟ فهل يدفع الوديعة إلى فلانة أو يدفعها إلى الوارث، فتجويز الحلف فيما إذا كان المقرّ مرضياً، عبارة أُخرى عن لزوم دفع الأمانة إلى صاحبها .
والّذي يشهد على ذلك ذيل الحديث أعني قوله: «فإن كانت متّهمة فلا يحلف ويضع الأمر على ما كان فإنّما لها من مالها ثلثه».
فإنّ معناه أنّها إذا كانت متّهمة يدفع المال إلى الوارث، إذ ليس لها حق التصرف في أموالها، إلاّ في ثلثها لا في جميعها. وهي تصرفت في الجميع.
وهذا هو مضمون التعليل، وأمّا أنّه هل يجوز إقراره في صورة الاتّهام في مقدار الثلث أو لا؟ فالظاهر هو الأوّل لقوله: «ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها، ثُلَثه» فكأنّ الرواية بصدد تنزيل الإقرار منزلة الوصية فكما أنّها إذا أوصت بالزائد على الثلث لا ينفذ إلاّ في مقداره، فهكذا إذا أقر بالزائد، فينفذ في مقداره.
3. صحيح الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يقر لوارث بدين فقال: «إذا كان مليّاً» .( [793])
4. عنه عن أبي عبدالله (عليه السلام) سئل أبو عبدالله عن رجل أقرّ لوارث بدين في مرضه أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مليّاً».( [794])
قال في «مفتاح الكرامة»: لعلّ المراد إذا كان الوارث الّذي أقر له مليّاً، لأنّ ملاءته قرينة على صدقه أو المقرّ، ويكون المراد مليّاً بالصدق والأمانة مجازاً، أو في الثلث وما دونه بأن تبقى ملاءته بالثلثين بعد الإقرار بالثلث.( [795])
أقول: الظاهر أنّ «الملي» وصف «المقر» لا الوارث بقرينة سائر الروايات ثم إنَّ المليّ بالياء المشددة، بمعنى المدّة الطويلة كما في قوله سبحانه حاكياً عن خطاب «آزر» لإبراهيم (عليه السلام) قائلاً: ( وَ اهْجُرْني مَلِيًّا ) ( [796]) ، وأمّا «المليء»: بالهمز فيحتمل أن يكون من الملاءة وهي كناية عن «الغنى»، فيكون غناه دليلاً على صدق مقاله في المقام.
ولكن فسّره في الصحاح بمعنى الوثاقة حيث قال: ومَلُؤُ الرجل: صار مليئاً أي ثقةً، فهو غنيٌ مليءٌ بيّنُ الملاءة ( [797])، وبذلك يظهر أنّ العناوين الثلاثة «مصدّقاً، مأموناً، مليئاً» ترمي إلى معنى واحد وهو أن يكون الرجل معروفاً بالصدق وعندئذ ينفذ إقراره في الكل، وإلاّ ففي الثلث.
فإن قلت: إنّ مقتضى مفهوم صحيحة « إسماعيل بن جابر » عدم نفوذ إقرار المقرّ فيما زاد على الثلث مطلقاً، سواءٌ أكان المقر مصدّقاً ومأموناً أو لا، حيث قال: «يجوز عليه إذا أقرّ دون الثلث» وهذا ينافي منطوق رواية العلاء بياع السابري ورواية أبي بصير الدالتين على نفوذ إقراره، إذا كان المقر مأموناً أو مصدّقاً.
قلت: الظاهر أنّ الصحيحة بصدد ما اشتهر بين فقهاء السنّة من عدم نفوذ الإقرار للوارث كالوصية في حال المرض، ولذلك قال: «يجوز عليه إذا أقرّ دون الثلث».
وأمّا صورة ما زاد على الثلث فليست مطروحة في سؤال الراوي ولا في جواب الإمام (عليه السلام) ، سواء أكان المقر مأموناً ومصدّقاً أو لا، فالصحيحة فاقدة للمفهوم فلا موضوع للتعارض بين المفهوم ومنطوق الأُخريين.
فإن قلت: إنّ بين الروايتين ـ رواية العلاء ورواية أبي بصير ـ : تعارضاً من جانب آخر، فالأُولى منهما تدلّ على أنّ المقرّ إذا كان متّهماً لا ينفذ إقراره في الزائد وإن كان ينفذ في الثلث حيث قال: «وإن كانت متهمةً فلا يحلف، ويضع الأمر على ما كان، فإنّما لها من مالها ثلثه»، والثانية تدلّ على أنّه إذا كان متهماً لا ينفذ مطلقاً سواء في الثلث أو الزائد عليه حيث ورد فيها: وأوصى أنّ هذا الّذي تركه لأهل المضاربة أيجوز ذلك؟ قال: «نعم إذا كان مصدّقاً»، والمتبادر أنّه إذا لم يكن مصدّقاً لاينفذ حتّى في مقدار الثلث.
قلت: الظاهر عدم التعارض وذلك لاختلاف موردهما، فإنّ الإقرار للأجنبي في رواية العلاء كان مزاحماً لحق الوارث فلذلك لو كان مصدقاً ينفذ مطلقاً، وإن كان متهماً ينفذ على حدّ الثلث، كما قال: «فإنّ لها من مالها ثلثه».
وأمّا الإقرار للأجنبي في رواية أبي بصير فقد كان مزاحماً لحق الغريم فلو كان مصدّقاً ينفذ مطلقاً، لأنّه تصرف في ماله حال كونه غير محجور، وأمّا إذا كان متّهماً ومريباً أمره فلا ينفذ مطلقاً ويقدّم حق الغرماء، لما ذكرنا عند البحث في الإقرار للوارث أنّه إذا كان مزاحماً لحق الغريم وكان المقر متهماً، أنّه لا ينفذ مطلقاً، لأنّ الإخراج من الثلث فرع وجود التركة حتّى يخرج المُقرّ به من ثلثها، والدين يعدم التركة، لأنّ الميراث حسب قوله سبحانه: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا أَوْ دَيْن ) عبارة عمّا يبقى بعد إخراج الدين، فلو استوى الدين والتركة أو زاد عليها لا يبقى مال في البين حتّى يصرف في مورد الإقرار.
وحصيلة الكلام : أنّه إذا كان الإقرار بالعين أو الدين في مقابل الدين المسلّم، سواء أكان الدائن أجنبياً أم غيره، لا ينفذ إقراره إذا كان المقرّ متهماً مظنون الكذب لا في الثلث ولا في الزائد عليه، وأمّا إذا كان الإقرار بالدين أو العين مزاحماً لحق الوارث، مضراً بميراثه فينفذ في الثلث وإن كان متهماً، لأنّ لصاحب المال من ماله الثلث.
وبذلك ترتفع المعارضة بين روايتي العلاء وأبي بصير، فنفوذ الإقرار في مقدار الثلث في رواية العلاء عندما كان المقر متهماً، لأجل كون الإقرار في مقابل حقوق الورثة وميراثهم فينزّل إقرار مظنون الكذب، منزلة الوصية فينفذ في الثلث.
وأمّا عدم نفوذ الإقرار حتّى في مقدار الثلث في رواية أبي بصير ـ عندما كان متّهماً ـ فلأجل كون الإقرار بظاهره إضراراً بالغرماء لا بالوارث، وعندئذ يأتي فيه ما ذكرنا من أنّ تنزيل إقرار مظنون الكذب منزلة الوصية فرع وجود التركة، وثلثها والمفروض عدمها.
وقد أوعزنا إلى ذلك التفصيل في رسالة منجزات المريض وقلنا بأنّه لو كانت المنجزات مخرجة من الأصل فلا كلام فيه، وأمّا لوقلنا بأنّه يخرج من الثلث فإنّما يخرج منه إذا لم يكن في مقابله دين مستغرق للتركة وإلاّ فلا يخرج أبداً، وقد استشهدنا على ذلك بصحيحة الحسن بن الجهم وصحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، ولذلك نقول في المقام بنفس هذا التفصيل في الإقرار بالدين فلو كان المتضرر هو الوارث ففيه التفصيل بين المصدق والمتهم، فينفذ في الكل إذا كان مصدقاً، وفي الثلث إذا كان متهّماً، وإن كان المتضرر هم الغرماء فلا ينفذ عند الاتّهام مطلقاً، لأنّ الدين يستغرق التركة فلا يبقى ثلث حتّى يخرج المقرّ به منه .
***

 
خاتمة وفيها مسألتان:
الأُولى: إذا كان مصدَّقاً وضاقت التركة
إذا كان المقرّ مصدَّقاً ومأموناً وأقرّ بالعين، ومع ذلك عليه دين ولم يكن له تركة سواه، أو كان ولم يكن وافياً بأداء الدين، فيقدّم الإقرار بالعين على الدين على كل حال، لأنّها بحكم إقراره المصدق لم يكن مالكاً لها حتّى تورث.
إنّما الكلام فيما إذا أقرّ بالدين وعليه أيضاً دين ثابت بالبينة أو بالإقرار في الصحة، فلو كان هنا سعة في المال، نفذ إقراره من الأصل إذا كان مصدَّقاً كما هو المفروض ولو ضاق المال: عنهما.
قال الشيخ: إذا أقرّ بدين في حال صحته ثم مرض فأقرّ بدين آخر في حال مرضه، نُظر فإن اتّسع المال لهما استوفيا معاً، وإن عجز المال قُسِّم الموجود على قدر الدينين، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا ضاق المال قُدِّم دينُ الصحة على دين المرض، فإن فضل شيء صرف إلى دين المرض. ثم استدل الشيخ على مختاره بأنّهما دينان ثبتا في الذمة فوجب أن يتساويا في الاستيفاء، لأنّ تقديم أحدهما على الآخر يحتاج إلى دليل .( [798])
وقال العلاّمة: ولو ضاق عنهما فهو بينهما بالحصص. وبه قال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور. قال أبو عبيد: إنّه قول ] أكثر [ أهل المدينة، لأنّهما حقّان تساويا في وجوب القضاء من أصل المال لم يختص أحدهما برهن فاستويا، كما لو ثبتا ببيّنة.
وقال النخعي: إنّه يُقدَّم الدَّين الثابت بالبيّنة ـ وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ـ لأنّه أقرّ بعد تعلّق الحقّ بتركته، فوجب أن لا يشارك المُقرّ له مَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة، كغريم المفلس الّذي أقرّ له بعد الحجر عليه .
] قال [ : قلنا: إنّه تعلّق الحقّ بتركته; لأنّ الشارع مَنَعه من التصرّف في أكثر من الثلث، ولهذا لم تُنفذ هباته وتبرّعاته من الأصل، فلم يشارك مَنْ أقرّ له قبل الحجر ومَنْ ثبت دَيْنه ببيّنة الّذي أقرّ له المريض في مرضه .
ولو أقرّ لهما جميعاً في المرض، فإنّهما يتساويان، ولا يُقدَّم السابق منهما.( [799])
أقول: الظاهر صحّة القول الأوّل وهو التقسيم بالحصص كما هو الحال في مال المفلّس إذا ضاق عن أداء الديون وما استدلّ به النخعي من «أنّه تعلّق الحق بتركته، لأنّ الشارع منعه من التصرّف في أكثر من الثلث» إنّما يناسب منجزات المريض لا إقراره، فإنّ المقرّ يخبر عن الدين عليه، ولا يتصرف في ماله، فشارك المقرّ له من ثبت دينُه بالبينة. وأمّا قوله: «فلم يشارك من أقرّ له قبل الحجر» فهو خروج عن موضوع المسألة إذ الموضوع مَنْ أقرّ في حال المرض دون أن يكون محجوراً في التصرف من قبل الحاكم.
الثانية: إذا حابى المشتريَ بثلثي ماله
إذا باع في مرضه عيناً لا يملك غيرها وقيمتها ثلاثون، بعشرة فقد حابى المشتري بثلثي ماله وليس له المحاباة بأكثر من الثلث، فهنا صور:
1. إذا أجاز الورثة ذلك لزم البيع إجماعاً. وإن لم يجز:
2. فإن اختار المشتري فسخ البيع كان له ذلك لتبعض الصفقة عليه.
3. وإن اختار الإمضاء فهناك وجوه:
الأوّل: أنّه يأخذ نصف المبيع بنصف الثمن ويفسخ البيع في الباقي، وهو خيرة العلاّمة وأحد وجهي الشافعي، وسنشير إلى دليله في آخر
البحث .
الثاني: انّ المشتري يأخذ ثلثي العين بالثمن كلّه، لأنّه يستحق ثلث العين بثمنها الّذي دفعه والثلث الآخر بالمحاباة.
الثالث: قال أصحاب الرأي: يقال للمشتري: إن شئت أدّيت عشرة أُخرى وأخذت العين وإن شئت فسخت ولا شيء لك.
الرابع: قال مالك: له أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث العين بالمحاباة ويسمّيه أصحابه خُلع الثلث وهوقول أكثر علمائنا.( [800])
والظاهر قوة القول الأوّل وقد أشار إلى دليله العلاّمة بقوله: إنّ البيع إنّما وقع على مقابلة الثمن بكل المبيع، فإذا بطل البيع في بعض المبيع وجب أن يبطل من الثمن بازائه، كما أنّه لو بطل البيع في الجميع بطل جميع الثمن وله نظائر، مثلاً لو اشترى سلعتين فبطل البيع في إحداهما إما لعيب أو لغيره فإن المشتري يأخذ السلعة الأُخرى بقسطها من الثمن لا بجميعه.
توضيح ما أراد: إنّ مقتضى الجمع بين حق الميّت ورعاية حق الورثة هو أنّ الورثة إذا ملكوا نصف العين مع نصف الثمن، أعني: خمسة دراهم مثلاً فقد استوفوا حقهم، وذلك لأنّ المفروض أنّ العين تساوي ثلاثين درهماً فإذا رُدّ إليهم نصف العين فقد رُدّ إليهم خمسة عشر درهماً من عشرين درهماً فإذا أخذوا خمسة دراهم من المشتري فقد أخذوا حقّهم كله.
15 + 5 = 20 وهويعادل ثلثي قيمة العين.
وفي هذه الحالة فقد تملك المشتري نصف العين بخمسة دراهم من عنده وعشرة دراهم حاباه بها البائع.
وأمّا القول الثاني: فحاصله أنّه يدفع العشرة ويتملك ثلثي العين ثلثاً في مقابل الثمن وثلثاً آخر بالمحاباة.
يلاحظ عليه: أنّ البائع لم يعمل عملين: أحدهما بيع ثلث العين بعشرة، وثانيهما دفع الثلث الآخر محاباةً وعطيةً وإنّما عمل عملاً واحداً وهو البيع بعشرة، فكيف يتملك ثلثي العين ثلث منها بالبيع والثلث الآخر بالمحاباة.
وأمّا القول الثالث: فحاصله التخيير بين دفع عشرة أُخرى وأخذ العين والفسخ بلا استحقاق شيء.
يلاحظ عليه: انّه إذا فسخ لماذا لا يستحق شيئاً، أو ليس نتيجة الفسخ هي رجوع كلّ من الثمن والمثمن إلى محلّه، فإذا رجعت العين إلى الورثة يرجع الثمن إلى المشتري.
وأمّا القول الرابع: وهو قول مالك، أعني: أنّ له أن يفسخ البيع ويأخذ ثلث العين بالمحاباة.
فيلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من أنّ البائع المريض الّذي مات لم يقم بعملين: أحدهما البيع، والآخر المحاباة حتّى يفسخ البيع ويأخذ الثمن وتبقى المحاباة مكانه فيأخذ ثلث العين بالمحاباة.
هذا وللعلاّمة الحلي فروع كثيرة في إقرار المريض، فمن أراد فليرجع إلى التذكرة (باب الوصية).

[763] . الجواهر: 28 / 81 ، كتاب الحجر. وفي كتاب الإقرار: 35 / 116 عند قول المحقّق على أظهر الأقوال الّتي هي ستة أو سبعة، بل قيل هي عشرة وأحال التفصيل إلى كتاب الحجر. فلاحظ .
[764] . رسالة السيد الطباطبائي في المنجزات: 22 .
[765] . غنية النزوع: 271 .   2 . السرائر: 2 / 499، باب الإقرار.
[766] . الجامع للشرائع: 338.
[767] . المهذب البارع: 1 / 404 .
[768] . النهاية: 617 ـ 618 .
[769] . جامع المقاصد: 11 / 107 ـ 108 .
[770] . المختصر النافع: 168، آخر كتاب الوصية.
[771] . الوسيلة: 284 .
[772] . تذكرة الفقهاء: 15 / 267 .
[773] . تذكرة الفقهاء : 15 / 268 .
[774] . الخلاف: 3 / 368 .
[775] . أبو ولاّد الحنّاط، حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن الأوّل (عليهما السلام) .
[776] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 4 .
[777] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .
[778] . لاحظ رسالتنا « منجزات المريض » : 514، من هذا الكتاب.
[779] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 8 .
[780] . المجدي: 184 .
[781] . الخلاف: 3 / 368 .
[782] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 3.
[783] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 9 .
[784] . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب الوصايا، الحديث 12 .
[785] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 13. أضف إليه إطلاق خبر السكوني، الحديث 12 من هذا الباب فإنّه يدل بإطلاقه على عدم نفوذ النحلة والوصية للوارث .
[786] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 6 .
[787] . الشبه ـ محركة ـ : النحاس الأصفر.
[788] . تهذيب الأحكام: 9 / 190، الحديث 9، باب الإقرار في المرض; الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 10 .
[789] . النساء: 11 .
[790] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 12.
[791] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 14.
[792] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 2 .
[793] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 6  .
[794] . الوسائل: 13، الباب 16 من أبواب الوصايا، الحديث 7 .
[795] . مفتاح الكرامة: 12 / 533 .
[796] . مريم: 46 .
[797] . الصحاح: 1 / 73 .
[798] . الخلاف: 3 / 367، المسألة 12 .
[799] . تذكرة الفقهاء: 15 / 269 .
[800] . تذكرة الفقهاء: 2 / 518 ، من كتاب الوصية، ط (الحجرية).

Website Security Test