welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
أحكام المقبوض بالعقد الفاسد
أحكام المقبوض بالعقد الفاسد

1. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه.
2. وجوب الرد إلى المالك.
3. حكم المنافع المستوفاة وغيرها.
4. ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة.
5. إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من قيمته.
6. تعذّر المثل في المثلي.
7. قيمة التالف ومناط تقييمه.
8. حكم بدل الحيلولة.
هذه هي عناوين الموضوعات المطروحة في هذا البحث، وقد ركّز الشيخ الأنصاري على الأمر الأوّل أكثر من غيره، وأشار إلى قاعدتين تدوران ـ كثيراً ـ على ألسن الفقهاء أعني:
1. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
ونحن نقتفي إثر الشيخ في هذه المواضيع، وإليك الكلام في الأمر الأوّل.
 
الأمر الأوّل
ضمان المقبوض بالعقد الفاسد وعدمه
اشتهر في ألسن الفقهاء انّ المشتري لو قبض ما ابتاعه بالعقد الفاسد، لم يملكه وكان مضموناً عليه.
وقد رتبوا على العقد الفاسد أمرين:
1. عدم التملك.
2. الضمان.
أمّا الأوّل فلأنّه مقتضى فساد العقد.
وأمّا الضمان بمعنى كون تلفه عليه (المشتري) فهو من مصاديق القاعدتين المعروفتين:
أ. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
ب. ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.
فالضمان في المقبوض بالبيع الفاسد من مصاديق القاعدة الأُولى، فإذا قام الدليل على الكبرى (ما يضمن بصحيحه) يظهر حكم هذا الفرع، أعني المبتاع بالعقد الفاسد، ظهورَ حكمِ الصغرى عند ظهور حكم الكبرى. فالتركيز في هذه المسألة إنّما هو على الضمان في الأصل وعدمه في العكس، وأمّا عدم التملك فهو من القضايا الّتي قياساتها معها.
وأمّا جواز التصرف فهو مبني على بقاء إذنه فيه حتّى مع العلم بفساد العقد إذ ربما لا يرضى به لو وقف على فساده.
ثمّ الظاهر أنّ القاعدتين لم تردا في رواية ولم تقعا معقد إجماع، وإنّما اصطادهما الفقهاء من الموارد المختلفة الّتي افتوا فيها بالضمان تارة وبعدمه أُخرى، فصار الاستقراء في تلك المواضع أحد الأدلة على القاعدتين. وكان الأولى على الشيخ الخوض في مدرك القاعدتين، إلاّ أنّه ـ لايضاح مفاد القاعدتين ـ قدّم أُموراً قبل ذلك، ونحن نقتفيه:
الأوّل: الاختلاف في التعبير والمفاد متقارب
انّ الفقهاء عبّروا عن القاعدة بتعبيرين:
1. كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
فالمفاد والمقصود فيهما  متقارب. ولعل التعبير بالعبارة الثانية لقصد تعميمها للإيقاعات المشتملة على التعهد والضمان، مثلاً لو بذلت الزوجة مالاً للزوج ليخلعها ويُخلِّصها عن ربقة الزوجية، فخلعها على ما بذلت، ولكن كان الخلع فاسداً لعدم اجتماع شروط صحته، فيضمن الزوج لها ما بذلته له لكونها لم تبذله مجاناً بل عوضاً  عن خلاص نفسها عن تلك الربقة، وكذا الكلام في الجعالة في صورة فسادها حيث إنّ العامل لم يَبذِلْ عملَه تبرّعاً وإنّما بذله بإزاء الجُعل، فيضمن الجاعل له ما استوفاه من عمله بدفع أُجرة مثله.
وعلى كلّ تقدير فالتعبيران: كلّ عقد يضمن... أو: ما يضمن بصحيحه... الخ، أفضل من قولهم: «انّ من أسباب الضمان، القبض بالعقد الفاسد»، فانّ القبض بالعقد الفاسد لا يوجب الضمان على الإطلاق بل يوجب الضمان فيما إذا كان التسليطُ في مقابل العوض، لا ما إذا كان بالمجّان، كالعارية الفاسدة والهبة الفاسدة.
الثاني: ما هو المراد من «الموصول» في قولهم: ما يضمن...
ذكر الشيخ في تفسير «الموصول» ـ بعد تفسيره بالعقد ـ احتمالات:
أ. أن يكون المراد به نوع العقد فإذا كان موجباً للضمان في صحيحه فهو يوجب الضمان في فاسده، وهذا كالبيع والإجارة ، فالبيع يقتضي بنوعه الضمان، وهكذا الإجارة دون الصلح  بما هوهو فانّه لا يفيد إلاّ فائدة الهبة غير المعوضة.
يلاحظ عليه: انّه لو كان المراد ما ذكر من كون الملاك، ملاحظة نوع العقد، يلزم اختصاص القاعدة بالبيع والإجارة، بخلاف ما إذا كان المراد هو الصنف فتعم أكثر العقود،  نظير الصلح إذا اشتمل على العوض، والهبة المعوضة، والعارية المضمونة كالذهب والفضة.
ب.  أن يكون المراد به صنف العقد لجواز أن لا يكون نوع العقد مقتضياً للضمان ولكن كان بعض أصنافه مقتضياً له، وهذا ـ كما مرّ ـ كالهبة فهي بنوعها لا تقتضي الضمان بخلاف الهبة المعوضة الّتي هي صنف من مطلق الهبة، ونظيرها العارية فإنّ عقد العارية لا يوجب الضمان، بخلاف عارية الذهب والفضة، ففي صحيحه الضمان فيتبعه الفاسد. وهكذا الصلح فانّ نوعه لا يوجب الضمان بخلاف صنفه كما إذا اشتمل على الصنف.
ج. أن يكون المراد به شخص العقد بمعنى أنّ كلّ شخص من العقود يضمن به لو كان صحيحاً فيضمن به إذا كان فاسداً، وعلى هذا لا ضمان فيما إذا باع بلا ثمن أو استأجر بلا أُجرة لأنّ شخص هذا العقد ـ لو فرض صحيحاً ـ لم يكن فيه ضمان لا بالثمن ولا بالمثل ولا القيمة، لافتراض أنّه باع بلا ثمن واستأجر بلا أُجرة. فهكذا إذا كان فاسداً.
واعترض عليه الشيخ بقوله: انّ الموضوع هو العقد الّذي وجد له بالفعل فردان: فرد صحيح وفرد فاسد لا ما يفرض تارة صحيحاً وأُخرى فاسداً، فالمتعين بمقتضى هذه القاعدة الضمان فيما إذا باع بلا ثمن لانّ البيع الصحيح يضمن به. نعم ما ذكره بعضهم من التعليل لهذه القاعدة ـ بانّه أقدم على العين مضمونة عليه ـ لا يجري في هذا الفرع لكن الكلام في معنى القاعدة لا في مدركها.( [363])
أقول: قد عرفت انّ القاعدة لم ترد في نص ولم ينعقد عليها إجماع معتبر، وإنّما هي قاعدة مخرجة ومستفادة من الأدلّة. وعلى هذا يجب اخضاع مفاد القاعدة لمدركها لا تفسيرها بما هي هي مع قطع النظر عن مدركها.
أمّا الأصل فلما سيوافيك من أنّها مخرجة من أدلّة احترام مال المسلم وعمله، المختص بصورة عدم اقدام مالكه على اسقاطه والتبرع به، مضافاً إلى قاعدة «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، و امّا العكس فهو مخرج من أدلّة التسليطات المجانية وامانة اليد .
وعلى ضوء ذلك فالضمان وعدمه تابع لمدرك القاعدة، ومن الواضح انّ البائع بلا ثمن لم يحتفظ بكرامة ماله وأقدم على البيع مجاناً، فالمورد عند ذلك داخل في عكس القاعدة لا في أصلها.
وبذلك يتضح انّ الحكم بالضمان وعدمه، تابع لمدرك القاعدة وينبغي اخضاع القاعدة له، فيكون المراد: من الموصول شخص العقد، لا نوعه ولا صنفه.
كما انّ الهبة المشروط فيها العوض، والعارية المشروط فيها الضمان إذا كانتا فاسدتين يحكم فيهما بالضمان، لقاعدة الإقدام، وحفظ كرامة المال، فعندئذ تدخلان في الأصل لا في العكس. وبذلك يتضح الفرق بين كون الميزان، هو النوع، أو الميزان هو شخص العقد، فعلى الأوّل يضمن فيما إذا باع بلا ثمن، ولا يضمن في المثالين الأخيرين أخذاً بحكم النوع. وعلى الثاني لا يضمن في الأوّل، ويضمن في الأخيرين.
ثمّ إنّ هنا احتمالاً آخر وهو انّ انشاء البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة، مصداقان للهبة والعارية الصحيحتين بناء على صحة انشاء عقد بلفظ آخر مع نصب قرينة للمراد، وعلى هذا فعدم الضمان فيهما واضح.
وربّما يفسر الموصول في «ما يضمن» و«ما لا يضمن»، بالمقبوض، فالموصول كناية عنه أو ما بحكمه كالاستيفاء للعمل، لأنّ القبض وما بحكمه هو الموجب للضمان، وأمّا العقد فهو سبب لما يترتب عليه من القبض، وتفسير الموصول بالسبب القريب أولى من تفسيره بالبعيد(العقد)، على انّ سببية العقد تتم في العقد الصحيح، وأمّا الفاسد فلا تأثير له في الضمان أصلاً، بل المؤثر هو القبض.( [364])
يلاحظ عليه: إنّ الموصول أعني: «ما يضمن» من المبهمات، تفسره صلته أي قوله: «بصحيحه» و «بفاسده»، والموصوف بهما هو العقد لا المقبوض باعتبار القبض.
وامّا العقد الفاسد، فهو وإن لم يكن سبباً تامّاً للضمان، لكنه سبب ناقص لأنّه المنشأ للقبض.
الثالث: مصبّ القاعدة
إنّ مورد القاعدة هو ما إذا تلف المبيع أو غيره بالعلل السماوية وشبهها دون أن يكون للمشتري دخلٌ في التلف، وأمّا الاتلاف فهو خارج عن مصبّها إذ هو يوجب الضمان مطلقاً سواء كان في صحيحه ضمان أم لا، فإذا أتلف المستعير العارية، أو المستأجر العين المستأجرة، يثبت الضمان، وإن لم يكن في صحيح العارية والإجارة ضمان.

 
الرابع: ما هو المراد من الضمان
الضمان مصدر ضمن الشيء بمعنى تعهّد به، روى الحسين بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سأله رجل عن القراءة خلف الإمام فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين يئم من خلفه إنّما يضمن القراءة»،( [365]) والمعنى انّ الإمام يتعهد بها، وعليه فالمراد من الضمان هنا تعهد الإنسان بمال شخص آخر، ولازم ذلك أن تكون خسارته من ماله، فكون الخسارة من ماله لازم تعهده بالنسبة إلى المال، ولذلك يقال في العرف: انّا متعهد بالنسبة لما آخذ، ثم يرتب عليه: فلو تلف فالدرك عليَّ. فما فسّر به الشيخ الضمان وقال هو «كون درك المضمون، عليه بمعنى كون خسارته ودركه( [366]) في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه عنه» ( [367]) ، فهو لازم المعنى عرفاً لا نفسه.
ثمّ إنّ التعهد بالنسبة إلى المال المأخوذ على وجهين: إمّا ضمانه بعوض واقعي، أو بعوض جعلي، امّا الجعلي فهو ما اتفقوا عليه من الثمن عند الصحة، وامّا الواقعي فهو تداركه بالمثل إذا كان مثلياً وبالقيمة إذا كان قيمياً. وهذا أمر عرفي اتفق عليه العقلاء حيث يُلزمون المستولي على مال الغير بخروجه عما علا عليه برّد عينه عند بقائه، ومثله أو قيمته عند تلفه ولا يحتاج مثل ذلك إلى دليل سوى ما هو المرتكز عند العقلاء.
وبذلك يعلم انّ العقد الفاسد مساو للصحيح في أصل تحقق الضمان ولكنّهما يختلفان في المضمون وما هو في العهدة، فانّه في الصحيح هو المسمى في العقد، وفي الفاسد هو المثل أو القيمة وأُجرة المثل في الإجارة ونحوها، ومعنى القاعدة: ما يضمن بصحيحه بالمسمى، يضمن بفاسده بالمثل أو القيمة، وهذا الاختلاف لازم صحة العقد وفساده.
فإن قلت: لو كان الضمان في الصحيح بالعوض الجعلي وفي الفاسد بالعوض الواقعي من المثل والقيمة يلزم اختلاف معنى الضمان  بين قوله: ما يضمن بصحيحه... الخ، وقوله: يضمن بفاسده، حيث إنّ الضمان في الأوّل بالمسمّى، وفي الثاني: بالمثل والقيمة، وهو خلاف الظاهر.
قلت: انّ الضمان في كلا المكانين استعمل  بمعنى واحد وهو التعهد ولزوم الخروج عن التعهد، وإنّما الاختلاف في كيفية الخروج ، ففيما إذا كان العقد صحيحاً يتعيّن التدارك بالعوض الجعلي، لاتفاقهما عليه وإمضاء الشارع له.
وامّا إذا كان العقد فاسداً فيمتنع الخروج بالعوض الجعلي لافتراض أنّ الشارع لم يمضه ولم يجزه، فيتعين التدارك بالمثل أو القيمة، لانّهما أقرب الأشياء إلى التالف.
وبذلك يعلم انّ اللازم للدراسة هو  تفسير الضمان فيما إذا كان العقد فاسداً وانّه هل هو بالمثل أو القيمة أو غيرهما لا ما إذا صحّ العقد لكفاية الأدلّة الدالة على صحة العقد في إثبات كيفية الضمان وهو دفع المسمى، وامّا إذا دلّ الدليل على فساد العقد فهذا هو اللازم للبحث والدراسة حتّى ندرس كيفية الخروج من العهدة.
الخامس: ما هو المراد من «الباء» في «بصحيحه»
إنّ معنى «الباء» في قوله: «بصحيحه...» يحتمل أحد الوجهين:
الأوّل: السببية المطلقة الشاملة للناقصة والتامّة، فإنّ العقد قد لا يوجب الضمان إلاّ بعد القبض، كما في السلم والصرف، بل مطلق البيع حيث إنّ البيع قبل القبض مضمون على البائع، بمعنى أنّ دركه عليه وتداركه بردّ الثمن. فلا يضمن المشتري إلاّ بعد قبضه للقاعدة المسلمة: كلّ مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه.
وربما يقال: انّ هذا يتم في العقد الصحيح، حيث إنّه مع القبض سبب تام للضمان. وامّا العقد الفاسد، فسبب الضمان هو القبض لا العقد.
فقد أجاب عنه الشيخ بوجهين:
1. إنّ العقد هو المنشأ للقبض على وجه الضمان الّذي هو سبب للضمان.
2. انّه سبب الحكم بالضمان بشرط القبض.( [368])
توضيحه: انّ الدليل على الضمان  في العقد الفاسد، امّا قاعدة «على اليد» فيكون العقد منشأ للسبب لانّ تسلطه على العين لأجل العقد فيكون أشبه بسبب السبب.
أو يكون قاعدة الاقدام، فيكون العقد جزء العلة للضمان لانّه أقدم على العقد والقبض معاً.
الثاني: الظرفية نحو قوله تعالى: ( نَجَّيْناهُمْ بِسَحَر ) ( [369]) وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْر ) (2) فيكون المراد: انّ ما يضمن في مورد الصحيح للعقد، يضمن كذلك في مورد الفاسد.
السادس: مقتضى اطلاق الكلمات
إنّ مقتضى إطلاق الكلمات، عدم الفرق في الفاسد بين كون الفساد من جهة نفس العقد أو فوات ما يعتبر في المتعاقدين منهما أو أحدهما، أو في العوضين، وسواء كان المتعاقدان عالمين بالفساد أم جاهلين أم أحدهما عالماً والآخر جاهلاً.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أدلة القاعدتين; أصلها وعكسها.
أصل القاعدة ودليلها
قد عرفت انّ للقاعدة أصلاً إيجابياً وهو: ما يضمن بصحيحه، يضمن بفاسده، وعكسا سلبياً: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده، والمهم في المقام هو التأكيد على الضمان في العقد الفاسد، وامّا الضمان عند الصحة بالمسمى ـ كما مرّ ـ فهو أمر لا يحتاج إلى دليل، فكلّ ما سنذكره من الأدلة يُقصد به الضمان عند فساد العقد، وإليك الأدلة:
 
الأوّل: قاعدة الاحترام
جرت السيرة العقلائية على احترام أموال المالك (إذا ملك قانوناً) ومنافعها حتّى الاعمال الّتي لها قيمة في السوق، وهذه السيرة نابعة من الاعتراف بمالكية الشخص، فكلّ من ثبتت مالكيته للشيء فلملكه حرمة واحترام عند الناس والعقلاء في جميع الأعصار، ولم يردّه الشارع لأنّ رحى الحياة تدور على هذه القاعدة، بل أمضاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعابير مختلفة منها:
1. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة الوداع: «وان حرمة ماله كحرمة دمه».( [370])
2. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا يصلح ذهاب حق أحد».( [371])
3. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».( [372])
والظاهر أنّ الشارع لم يكن بصدد تأسيس قاعدة وإنّما كان بصدد التأكيد على هذه السيرة غير أنّه خصّ القاعدة بمال المؤمن دون الكافر المحارب.
وحرمة المال مفهوم عرفي لا يحتاج إلى التفسير، إذ يتبادر منه عند العقلاء حرمة التصرف فيه بلا إذنه فيجب عليه رده إلى مالكه، وإن تلف يجب عليه أداء غرامته فإن كان مثلياً فبالمثل وإن كان قيمياً فبالقيمة.
وبذلك يعلم ضعف ما ربما يقال «من أنّ حرمة المال بمعنى حرمة مزاحمته(ووجوب دفعه إلى المالك) فهي معلّقة على وجود الموضوع أي العين فإذا تلف فلا موضوع لحرمة المزاحمة»، وذلك لانّ عدم الضمان عند التلف لا يجتمع مع حرمة المال، فإنّ المتبادر من حرمته  هو عدم الإضرار بمال المؤمن، ويتحقق ذلك إمّا  بدفع العين أو بدفع البدل، فالإلزام بدفع العين دون البدل عند التلف لا ينسجم مع الحرمة.
وبذلك يعلم انّه إذا سلّط الغيرَ على ماله من دون عوض، فقد هتك هو بنفسه حرمة ماله واهدر كرامته، فلو تلف لا يكون له ضمان فالتمليكات المجانية كالهبة والعارية وغيرهما، لا ضمان فيها على الآخذ في عامة الحالات، سواء أكانت العين باقية أم تالفة. وسيوافيك بيانه عند البحث في عكس القاعدة.
وعلى ضوء ذلك فلو كان العقد صحيحاً فحرمة ماله هو تملكه للثمن بدل العين، وامّا إذا افترضنا فساد العقد، فمن جانب أنّ البائع لا يملك الثمن لافتراض فساد المعاملة، ومن جانب آخر انّ لماله حرمة وكرامة، فالجمع بينهما يتحقّق بتداركه بالمثل إذا كان مثلياً أو بالقيمة إذا كان قيمياً.
فإن قلت: إنّ المتعاقدين تواطئا على تحديد حرمة المال بالمسمّى، فإذا لم يسلّم المسمى للبائع فلا تعهد للمشتري بالنسبة إلى العين عندئذ.
قلت: انّ غاية ما يقتضي فساد العقد هو سقوط المسمّى لا سقوط احترام ماله.
فبذلك يظهر أنّ هذه القاعدة من أوضح الأدلة على الضمان بالمسمّى عند الصحة، وبغيره عند الفساد.
فنتيجة حرمة المال هو صيانة البائع عن توجه الضرر إليه في عامة الحالات سواء أكان العقد صحيحاً أم فاسداً.
انّ قاعدة الاحترام أعمّ من حديث «على اليد» الآتي على القول باختصاص الثاني بالأعيان، بخلاف الأوّل فإنّه يعمّ الأعمال ويكون عمل الأجير بالإجارة الفاسدة مضموناً على المستأجر بأُجرة المثل كما هو مضمون بالمسمّى في الاجارة الصحيحة.
الثاني: قاعدة الإقدام
وقد اشتهر الاستدلال على الضمان بالمسمّى عند الصحة وبغيره عند الفساد بقاعدة الاقدام، وأوّل من تمسك بها من الأصحاب هو الشيخ الطوسي حيث إنّه علل الضمان في غير موضع من العقود الفاسدة، بما معناه من أنّه دخل على أن يكون المال مضموناً عليه، وإليك بعض ما وقفنا عليه في المبسوط:
1. قال في فصل تفريق الصفقة: وإن تلفت في يده كان عليه أكثر ما كانت قيمته من وقت القبض إلى وقت التلف، وفي الناس من قال لا يضمن بقيمته يوم التلف. وإنّما وجب الضمان عليه لأنّه أخذ الشيء بعوض وإذا لم يسلم العوض المسمّى وجب عوض المثل لما تلف في يده سواء أتلفت جملته أم تلف بعض أجزائه.( [373])
2. وقال في كتاب الغصب: فإن كان المبيع قائماً ردّه، وإن كان تالفاً ردّ بدله، إن كان له مثل و إلاّ قيمته، لأنّ البائع دخل على أن يسلم له الثمن المسمّى في مقابلة ملكه، فإذا لم يسلم له المسمّى اقتضى الرجوع إلى عين ماله، فإذا هلكت كان له بدلها.( [374])
وحاصله انّ قبض المال مقدماً على ضمانه بعوض واقعي أو جعلي موجبٌ للضمان، وهذا المعنى يشمل القبوض بالعقود الفاسدة الّتي تضمن بصحيحها.
الشيخ الأنصاري وقاعدة الاقدام
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري ردّ  القاعدة أوّلاً ثم أورد نقوضاً عليها، ثانياً .
أمّا الرد فقال: هذا الوجه لا يخلو عن تأمل لأنّهما إنّما أقدما وتراضيا وتواطئا بالعقد الفاسد على ضمان خاص لا الضمان بالمثل والقيمة، والمفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاص. ومطلق الضمان لا يبقى بعد انتفاء الخصوصية حتّى يتقوّم بخصوصية أُخرى، فالضمان بالمثل أو القيمة إن ثبت فحكم شرعي تابع لدليله، وليس ممّا أقدم عليه المتبايعان.
وبعبارة أُخرى: ما أقدما عليه بالعقد الفاسد، هو الضمان بالمسمّى، وهو لم يثبت لهما وما هو ثابت من العوض بالمثل أو القيمة لم يقدما عليه.
وامّا النقض فقال: إنّ بين قاعدة الإقدام والضمان من النسب عموماً وخصوصاً من وجه.
إذ قد يكون الإقدام موجوداً ولا ضمان، كما في التلف قبل القبض.
وقد لا يكون إقدام في العقد الفاسد مع تحقق الضمان، كما إذا شرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري، وكما إذا قال: بعتك بلا ثمن وآجرتك بلا أُجرة.( [375])
والجميع منظور فيه:
أمّا الردّ; فلأنّ كلّ من يقدم على البيع والشراء منهما يتفق على أن لا يكون خروج المبيع والثمن عن ملكه محاباة وبلا عوض، وهذا أمر ارتكازي عندهما، غاية الأمر بما أنّهما كانا يتصوران صحة البيع فإذا لم يسلّم له المسمّى فالارتكاز السابق باق على حالته فلا يُترك المشتري إذا تلف المبيع في يده  مع عدم تسليم المسمى. فبقاء الضمان بوجه مطلق لا يحتاج إلى خصوصية.
وأمّا النقوض:
امّا الأوّل: ففيما إذا تلف في يد البائع فعدم الضمان لأجل أنّ الاقدام كان مشروطاً بالقبض والمفروض عدمه، فيحكم على البيع بالانفساخ، وإن شئت قلت: انّ المشتري تعهد بالضمان بشرط تسليم المبيع لا مطلقاً.
وأمّا الثاني: أعني ما ذكره من تحقق الضمان مع عدم الإقدام ففيه :
أوّلاً : انّ الضمان مقترن بالاقدام بشهادة انّه أخذ المبيع في مقابل الثمن، فالتزامه به عبارة أُخرى عن انّه أقدم مع العوض، لا مجاناً وبلا شيء ولما كان مقتضى ذلك هو الخروج عن العهدة عند التلف أيضاً ـ بدفع المثل أو القيمة ـ نقل ذلك ـ بعد تحمل الضمان ـ إلى البائع، ومعنى ذلك انّه ضمن في كلتا الحالتين، غير انّه نقله في الحالة الثانية إلى البائع.
ثانياً : ماذا يريد الشيخ من قوله: «مع تحقق الضمان»؟ فهل يريد ضمان المشتري كما هو ظاهر كلامه، فهو على خلاف الشرط إذا قلنا بصحة الشرط ولو قلنا ببطلانه فهو يوجب بطلان العقد، فلا يكون موضوع للضمان، وان اراد ضمان البائع، فعلى زعمه، لا يكون من جانب المشتري ضمان ولا اقدام، لا التفريق بينهما.
وأمّا الثالث : أعني وجود الضمان مع عدم الاقدام كما إذا باع بلا ثمن فقد مرّ أنّه هبة بلسان البيع، فلا ضمان هنا كما لا إقدام.
وبذلك تعلم تمامية قاعدة الإقدام، وعليه فيحكم بالضمان في المقبوض بالعقد الفاسد، أخذاً بما اتفق عليه المتبايعان بان لا يتم خروج المبيع أو الثمن إلاّ بالعوض، فإذا لم يسلّم له العوض يؤخذ بما اتفقا عليه من الأصل، أعني اتفاقهما على عدم خروجهما إلاّ بالعوض.
ثمّ  إنّ للسيد الخوئي هنا كلاماً مبسوطاً وحاصله أنّ سبب الضمان هو اليد والاستيلاء على مال الغير غاية الأمر أنّ التسليط المجاني مانع عن تأثير الاستيلاء في الضمان، وقاعدة الاقدام رافعة لهذا المانع حيث إنّ الطرفين اتفقا على أن لا يكون التسليط بالمجان.( [376])
نعم في شمول كلّ من قاعدتي الاحترام والاقدام لعامة صور التلف مشكل، فإنّ لتلف العين صوراً نشير إليها:
1. إذا فرّط المشتري في حفظ العين وكان العقد فاسداً.
2. ما تلف بسبب خارج عن الاختيار من غير تفريط لكنه لو لم يكن عنده لما تلف، كما إذا سرقه سارق من بيته مع سائر أمواله، بلا تفريط منه.
3. إذا ما تلف بأمر سماوي خاصّ، كما إذا كان الحيوان مريضاً وتلف بيده على نحو لو كان تحت يد البائع لتلف كذلك.
4. ما إذا تلف بأمر سماوي عام، كمّا إذا رجّت الأرض أو أصابه سيلٌ، اتلف أموال عامة الناس ومنها المبيع.
والّذي يمكن أن يقال هو أنّ قاعدة الاحترام أو الاقدام تشمل الوجهين الأوّلين على نحو يكون وقوع المال في يد المشتري مؤثراً في التلف وامّا الشق الثالث والرابع أعني ما إذا كان التلف بسبب على نحو لو كان المبيع في يد البائع أيضاً لعمه التلف، فالقول بالضمان هنا عند التلف خارج عن مقتضى قاعدتي الاحترام والاقدام.
فلو ثبت إجماع أو إطلاق دليل (قاعدة على اليد) فيمكن القول بالضمان فيه أيضاً، وإلاّ فالقول بعدم الضمان أشبه.
الدليل الثالث: قاعدة نفي الضرر
انّ الحكم بعدم ضمان المأخوذ بالعقد الفاسد ضرر على البائع. وقد أورد عليه بأنّ قاعدة لا ضرر متكفلة لنفي الأحكام الضررية ولا تثبت حكماً إيجابياً كالضمان.
يلاحظ عليه: بأنّ ما اشتهر من أنّ القاعدة لا تثبت حكماً إيجابياً لا يوافق مورد الرواية فانّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بقوله: «استأذن يا سمرة» فالأمر بالاستئذان حكم إيجابي نابع عن قوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وعلى ضوء ما ذكرنا انّ «لا ضرر» تارة تنفي الحكم الناشئ منه الضرر وأُخرى تثبت الحكم دفعاً للضرر.
ومن المعلوم أنّ ترك المشتري بلا ضمان عند التلف والحكم بعدم ضمانه عنده أمر ضرري يكون منفياً بقاعدة لا ضرر، وأمّا كيفية الخروج عن الضرر فهو موكول إلى العرف ولا تتكفله القاعدة.
ثمّ إنّه  ربّما يقال بأنّ الواجب في المأخوذ بالبيع الفاسد كون المبيع مضموناً بأقل الأمرين من المسمّى والمثل، فلو كان المثل أقل من المسمّى لم يضمن الزائد لأنّ سبب ضمان الزيادة هو العقد وقد كان باطلاً، ولو كان المسمّى هو الأقل فسبب ضمان المثل ـ و هي اليد ـ وإن كان موجوداً ولكن الّذي يمنع عن ضمان الزيادة إهدار صاحب المال لماله بمقدار الزيادة برضاه بالمبادلة بما هو أقل.
يلاحظ عليه: نحن نختار أنّ المسمّى هو الأقل وسبب ضمان المثل هو اليد، لكن ادّعاء أنّ المالك أهدر من ماله بمقدار الزيادة مدفوع بأنّه إنّما أهدر على فرض صحة المعاملة حيث رضي بالمبادلة بما هو الأقل دون صورة فساد المعاملة، وعلى كلّ تقدير فقد استولى على مال الغير فيجب عليه ردّه إن كان موجوداً وإلاّ فبدله وهو ليس إلاّ المثل أو القيمة.
نعم لو كان المبنى هو قاعدة الإقدام يجب أن لا تكون قيمة المثل أكثر من المسمى، لأنّه لم يقدم إلاّ بالضمان المحدّد، ولذلك ذهب بعضهم إلى أنّ المشتري ضامن للأقل من المسمى أو القيمة.
الدليل الرابع: روايات الأمة المسروقة
استدل على ضمان المقبوض بالعقد الفاسد بالروايات المستفيضة على ضمان الأمة المسروقة، وقد استدل بها الشيخ وقال: ويدل على الحكم المذكور أيضاً قوله في الأمة المبتاعة ـ إذا وجدت مسروقة بعد أن أولدها المشتري ـ : «أنّه يأخذ الجارية صاحبُها ويأخذ الرجل ولده بالقيمة»، فإنّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري، يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل اتلاف النماء بل من قبيل إحداث نماء غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلَف.( [377])
وسيوافيك وجه الاستدلال بها للمقام.
هذا كلام الشيخ وامّا أنّه هل هو من مقولة التلف أو الإتلاف فهو رهن دراسة الروايات بأجمعها:
1. روى الشيخ بسند موثق عن صفوان عن معاوية بن حكيم (2) عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولّدها ثم يجيء مستحق الجارية (مالكها) قال: يأخذ الجارية المستحق ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد الّتي أخذت منه.( [378])
والسند لا غبار عليه، ومعاوية بن حكيم وإن كان فطحياً ولكنه ثقة جليل، والشاهد في ضمان المنفعة التالفة حيث إنّ الولد انعقد حرّاً، فصارت كالتالفة.
2. ويظهر من رواية أُخرى أنّ في السند إرسالاً حيث روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فأولدها فوجدت الجارية مسروقة؟ قال: يأخذ الجاريةَ صاحبُها ويأخذ الرجلُ ولده بقيمته.( [379])
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري يُصرّ في المقام على أنّ استيلادها ليس من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل احداث انمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا كالمتلف، فما وجه هذا الاصرار؟ حيث يقول: انّ ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماءً لم يستوفه المشتري يستلزم ضمان الأصل بطريق أولى، فليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل إحداث إنمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا المتلف.( [380])
ولعل وجهه انّ محل البحث في قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده إنّما هو ضمان اليد دون ضمان الإتلاف، وإلاّ لما كان هناك داع لدفع الدخل المقدّر ببيان انّ حرية الولد من قبيل التلف لا من قبيل الإتلاف.
ويؤيد ما ذُكر (انّ محط البحث عند الشيخ هو ضمان اليد لا ضمان الإتلاف) أنّه خصّص في عكس القاعدة في مسألة ضمان منافع العين بالمنافع غير المستوفاة قائلاً بأنّ استيفاء المنافع يوجب الضمان بلا شك.
هذا هو نظر الشيخ.
وقد أورد على الشيخ بأنّه من قبيل الإتلاف ضرورة أنّ النطفة وإن كانت من الرجل إلاّ أنّها كانت متكوّنة بدم الأُمّ وكان تكوّنها حيواناً بالقوى المودعة في الرحم، فكان صيرورتها حيواناً من قبل الأُمّ، وقد أتلفها الرجل على الأب.( [381])
يلاحظ عليه: انّ ما ذكره تدقيق فلسفي غير مطروح للعرف، ولو صحّ ما ذُكر لوجب على الرجل إعطاء قيمة نطفة المرأة والدم التالف وقيمة القوى المودعة لا قيمة الولد.
ومنه يظهر عدم صحة ما أفاده المحقّق الإيرواني حيث قال: إنّ المشتري استوفى منفعة الرحم باشغاله بمائه ولا أقل من أنّه قد أتلف منفعته على المالك بذلك فإنّه كان مستعداً لانماء نطفة الرق فسلب عنه ذلك بإشغاله بنطفته.( [382])
يلاحظ عليه:   ـ مضافاً إلى أنّه تدقيق فلسفي ـ  أنّه لو صحّ ما ذكر يجب عليه جبران أشغال الرحم بنطفته، لا قيمة الولد.
هذا ما ذكره القوم ولكن الرجوع إلى سائر الروايات الواردة في هذا الموضوع يثبت أنّ قيمة الولد كان عوضاً عن المنافع المختلفة المستوفاة.
3. روى الكليني بسند كالصحيح( [383]) عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : الرجل يشتري الجارية من السوق ويولدها ثم يجيء الرجل فيقيم البيّنة على أنّها جاريته لم تُبَع ولم تُهَب؟ فقال (عليه السلام) : ان يرد إليه جاريته ويعوّضه بما انتفع. قال: كأنّ معناه قيمة الولد.( [384]) والظاهر انّ التفسير من زرارة.
4. خبر زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل أشترى جارية من سوق المسلمين فخرج بها إلى أرضه فولدت منه أولاداً ثم إنّ أباها( [385]) يزعم أنّها له وأقام على ذلك البيّنة؟ قال: يقبض ولده ويدفع إليه الجارية ويعوضه في قيمة ما أصاب من لبنها وخدمتها.( [386])
فلو كان التفسير في الحديث الثالث من الراوي لدلّ على أنّه فهم أنّ قيمة الولد عوض المنافع المستوفاة.
والحديث الرابع ينص على ضمان ما أصاب من لبنها وخدمتها.
وبما أنّ الروايتين الأُوليين لم تنصّا إلاّ على ضمان قيمة الولد ولم يذكر فيهما شيء من قيمة اللبن والخدمة، يمكن أن يقال أنّ قيمة الولد عوض عن كلّ ما انتفع به المشتري من الأُمّة من الانتفاعات الجنسية والخدمة في البيت ورضاع الولد، وبما أنّ تقييم كلّ ذلك كان أمراً غير ميسور قامت قيمة الولد مقامه.
وعلى ما ذكرنا فالاستدلال بها على المقام مشكل. لانّ المنفعة المستوفاة مضمونة قطعاً والكلام في غير المستوفاة حتّى يكون دليلاً على ضمان العين التالفة بلا تفريط ولا تسبيب عن المشتري. وعلى ضوء ما ذكرنا فالروايات الواردة في الإماء المشتراة لا تصلح للاستدلال على المقام.
الدليل الخامس: قاعدة على اليد
«قاعدة على اليد» غير «قاعدة اليد»، فالثانية آية الملكية لقوله (عليه السلام) : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.( [387])
والأولى دليل الضمان، وهي حديث نبوي رواه قتادة عن الحسن البصري عن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
يقول البيهقي ثم ّ انّ الحسن نسي حديثه فقال: هو أمينك لا ضمان عليه.( [388])
ورواه الترمذي عن الحسن عن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»، قال قتادة ثم نسي الحسن فقال فهو: أمينك لا ضمان عليه، يعني العارية.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم إلى هذا، وقالوا: يَضمن صاحب العارية، وهو قول الشافعي وأحمد.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغيرهم: ليس على صاحب العارية ضمان إلاّ أن يخالف، وهو قول الثوري وأهل الكوفة، وبه قال إسحاق.( [389])
ورواه أبو داود بسنده عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، ثمّ إنّ الحسن نسي وقال: هو أمينك لا ضمان عليه.( [390])
أقول: يقع الكلام تارة في سند الحديث وأُخرى في دلالته، امّا السند فساقط جدّاً ولا نتكلم إلاّ عما ورد في حق سمرة بن جندب بن هلال الفزاري.
فقد عرّفه الذهبي في تاريخه وقال: له صحبة ورواية وشرف، ولي امرة الكوفة والبصرة خلافة لزياد، وكان شديداً على الخوارج وقَتَل منهم جماعة، فكان الحسن وابن سيرين يشينان عليه.( [391])
هذا ما يذكره الذهبي في بدأ ترجمته، ولكنه يذكر في حقه ما يدلّ على فسقه، حيث قال: عن أوس بن خالد قال: كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة، وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة، فقلت لأبي محذورة في ذلك: إنّي كنت أنا وهو وأبو هريرة في بيت فجاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: آخركم موتاً في النار، فمات أبو هريرة، ثم مات أبو محذورة.( [392])
وروي عن ابن طاووس وغيره قال النبي لأبي هريرة وسمرة بن جندب وآخر: «آخركم موتاً في النار» فمات الرجل قبلهما، فكان إذا أراد الرجل أن يُغيض أبا هريرة، يقول: مات سمرة، فيُغشى عليه ويصعق، فمات قبل سمرة.
ثمّ قال: وقتل سمرة بشراً كثيراً. ونقل عن عامر بن أبي عامر، قال: كنّا في مجلس يونس بن عبيد فقالوا: ما في الأرض بقعة نشفت من الدم مثل ما نشفت هذه ـ يعنون دار الإمارة ـ قُتِل بها سبعون ألفاً فسألت يونس، فقال: نعم من بين قتيل وقطيع، قيل من فعل ذلك؟ فقال: «زياد وابنه وسمرة».
ثمّ نقل عن أبي بكر البيهقي انّه قال: نرجو له بصحبته.( [393])
وذكر ابن الأثير ما نقلناه عن الذهبي وقال: سكن البصرة وكان زياد يستخلفه عليها إذا صار إلى الكوفة، ويستخلفه على الكوفة إذا صار إلى البصرة، فكان يكون في كلّ واحدة منهما ستة أشهر، إلى آخر ما ذكر.( [394])
روى الطبري في حوادث سنة 50هـ، قال: عن محمد بن سليم قال: سألت أنس بن سيرين، هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.( [395])
ونقل ابن أبي الحديد عن أُستاذه أبي جعفر انّه قال: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروي انّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب (عليه السلام) : ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ) .( [396])
وانّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: ( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ ) ( [397]) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك. (2)
هذا هو حال السند، فكيف يمكن أن يُحتجّ به، وربّما يقال بأنّ ضعف السند منجبر بعمل الأصحاب، لكن الظاهر انّ عمل الأصحاب بها لم يكن اعتماداً على الرواية، بل كان احتجاجاً على الآخرين فقد اعتمد عليه الشيخ في كتاب «الخلاف» في غير واحد من الأبواب، احتجاجاً على المخالف لا دليلاً على نظره ورأيه، مثلاً:
قال في كتاب«الغصب»: إذا غصب شيئاً ثم غيّره عن صفته الّتي هو عليها لم يملكه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا غيّر الغصب تغييراً أزال به الاسم والمنفعة المقصودة، بفعله ملكه. ثم استدل وقال: دليلنا: أنّه ثبت أنّ هذا الشيء قبل التغيير، كان ملكه فمن ادّعى أنّه زال ملكه بعد التغيير فعليه الدلالة.
ثمّ قال (الشيخ): وروى قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي».( [398]) فالظاهر أنّه بصدد الاحتجاج على أبي حنيفة لا أنّه يستند إلى نفس الرواية.( [399])
وعلى ذلك فالاعتماد على الحديث بعمل الأصحاب أمر غير تام.
ومع ذلك فاتقان الحديث ربّما يؤيد صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد كان سيدنا الأُستاذ (قدس سره) يعتمد عليه في درسه الشريف، لأجل اتقان اللفظ والمضمون. واللّه العالم.
هذا كلّه حول السند وأمّا الدلالة، فربما يخدش فيها بأنّ الرواية لا تدل على الحكم الوضعي بمعنى الضمان، لأنّ كلمة «على» ظاهرة في الحكم التكليفي فلا تدل على الضمان.
وأجاب عنه الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الظهور إنّما هو إذا أُسند الظرف إلى فعل من أفعال المكلفين، كما إذا قال: عليه صلاة. لا إلى مال من الأموال كما يقال عليه دين فإنّ لفظة «على» حينئذ لمجرد الاستقرار في العهدة، عيناً كان أو ديناً. ومن هنا كان المتجه صحة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التمييز والشعور.( [400])
أقول: لو صحّ السند فالدلالة على الضمان أوضح من أن تخفى، وذلك لأنّ لفظة «يد» تطلق فيراد منها تارة الجارحة بما هي جارحة، كما قال سبحانه: ( السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزاءً بِمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللّهِ ) .( [401])
وأُخرى تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص القادر كقوله سبحانه: ( فَسُبْحَانَ الّذِي بِيَدْهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) . (3)
وثالثة تطلق وتستعمل في الجارحة لكن كناية عن الشخص بما له من الاستعلاء على الشيء كما في المقام.
وعند ذلك يكون الظرف خبراً للموصول أعني «ما أخذت» ويراد بالظرف (على اليد) الشخص المستعلي، فيكون معنى الرواية: في عهدة الشخص المستعلي ما أخذ حتّى يفرغ ويخرج عن العهدة، وهذا هو نفس الضمان الّذي نحن بصدد إثباته.
والغاية في الرواية وإن كان هو أداء ما استعلى عليه وإرجاعه إلى صاحبه لكن التفاهم عرفاً من الأداء هو المعنى العام، فإن كان موجوداً فيؤديه بعينه وإن كان تالفاً فبما يقوم مقامه عند العرف، فلو كان مثلياً فبالمثل ولو كان قيمياً فبالقيمة.
وبذلك يسقط ، ما ربّما يقال من أنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية هو ردّ العين الموجودة فإذا انتفى فلا موضوع للرد. وذلك لانّه ليس المراد من الاستعلاء هو الاستعلاء الخارجي على العين حتّى يدور مداره، بل الاستعلاء على الشيء كناية عن الاستعلاء على ماليته، فالذي أخذه وإن كان هو العين لكن العين إنّما تكون مطلوبة للناس بما أنّ لها مالية، فإذا استعلى على شيء له مالية فيجب عليه الخروج عن ذلك التعهد، والخروج عند العرف عبارة عن ما ذكرنا من ردّ العين عند وجودها وردّ ما يقوم مقامها عند عدمها.
ومن هنا يمكن استفادة كلا الحكمين من الحديث; الوضعي بالدلالة المطابقية، والتكليفي بالدلالة الالتزامية، فإنّ كون الشيء على العهدة لا أثر لاعتباره إلاّ أن يكون له أثر شرعي.
 
في شمول القاعدة للمنافع والأعمال
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أورد على دلالة الحديث بأنّ مورده مختص بالأعيان فلا يشمل المنافع والأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة.
ثم أجاب بأنّه يمكن أن يستدل على الضمان فيها بقواعد أُخرى نظير احترام مال المسلم، وأدلة نفي الضرر فلابدّ من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام ونفي الضرر.( [402])
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني أجاب عن الإشكال بأنّ مورده وإن كان مختصّاً بالأعيان إلاّ أنّ قضية كونها مضمونة، هي  ضمان منافعها، فضمان المنافع في الإجارة الفاسدة إنّما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة، وبالجملة قضية ضمان اليد ضمان المنافع في ما كانت العين مضمونة بها، فاختصاص مورده بالأعيان لا يوجب اختصاص الضمان بها. (2)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره خارج عن مورد البحث فإنّ مورد النقض عبارة عن الإجارة الفاسدة والعين فيها غير مضمونة، فكيف تكون المنافع مضمونة بتبعها؟
والأولى أن يقال أنّ الأخذ والردّ أشبه بالمتضايفين فلو أمكن الأخذ لأمكن الردّ أيضاً، ولا شكّ انّ المنافع مأخوذة بأخذ العين فتكون مردودة بردّها.
حكم المسابقة الفاسدة
بقي الكلام في ضمان بعض الأعمال المضمونة الّتي لا يرجع نفعها إلى الضامن، ولم تقع بأمره، كالسبق في المسابقة الفاسدة، فهل يُضمن للسابق، لا بالمسمّى بل بأُجرة المثل.
ربما حُكي عن الشيخ الطوسي( [403]) والمحقّق ( [404]) عدم استحقاق السابق أُجرة المثل قائلين: بأنّ عمل العامل لم يعد نفعه إلى الآخر ولم يقع بأمره أيضاً، فاحترام الأموال الّتي منها الاعمال لا يقضي بضمان الشخص له ووجوب عوضه عليه، لأنّه ليس كالمستوفى له، ولذا كانت شرعيته على خلاف القاعدة حيث إنّه بذل مال في مقابل عمل لا ينفع الباذل.( [405])
توضيحه: أنّ مناط الضمان أحد أُمور ثلاثة:
أ. الاستيلاء على أموال الناس وإن لم ينتفع بها.
ب. استيفاء المنافع.
ج. الأمر بعمل محترم مع صدوره من المأمور في الخارج، سواء أوَصَلَ نفع ذلك العمل إلى الآمر أم لم يصل إليه.
وهذا البيان لا بأس به وإن كان لا يخلو عن تأمل كما سيأتي.
ويظهر من المحقّق الخوئي انّ المسابقة صحيحة كانت أم فاسدة من مصاديق القمار لأنّه أكل المال بالباطل، غير  أنّه قد خرجت منها المسابقة الصحيحة لمصالح خاصة وأمّا غيرها فهو باق على حرمته.( [406])
أقول: الظاهر أنّ الاستدلال غير تام لانّ المسابقة لو كانت من مصاديق القمار لكانت من مصاديق الفحشاء، واللّه لا يأمر بها.
قال سبحانه حاكياً عن المشركين حيث كانوا يعللون ويوجهون أعمالهم السيئة بقولهم:
( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .( [407])
وعلى هذا فالمسابقة ليست من مقولة القمار، والقمار عبارة عن أكل المال بالباطل وهو عمل لا يعود على المجتمع بالنفع ولا ينتفع به إلاّ المقامر، وهذا بخلاف المقام  فإنّ في تشريع المسابقة والرمي تعبئة عسكرية تضفي على المجاهدين القوة والقدرة وتكون تجسيداً لقوله سبحانه: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) .( [408])
فينحصر الاستدلال بما مرّ من أنّ وجه الضمان أحد الأُمور الثلاثة والكلّ غير موجود.
ولكن يمكن أن يقال: أنّ هناك أمراً ضمنيّاً من أحد المتسابقين بالنسبة إلى الآخر كأنّه يقول: إرم فإن كنت فائزاً فمني لك كذا، وهكذا الآخر، هذا فيما إذا كان عقد الترامي بين شخصين، وربما يكون الآمر غير المتسابقين كالنوادي والمؤسسات الّتي تعقد هذه المسابقات في ميادين وحلبات السباق الخاصّة، فتكون هي الآمرة والباذلة.
علم الدافع وجهله
الصور المتصورة من ضرب علم وجهل كلّ من الدافع والآخذ، أربعة:
1 . أن يكونا عالمين.
2. أن يكونا جاهلين.
3. أن يكون الدافع عالماً والآخذ جاهلاً.
4. أن يكون الدافع جاهلاً والآخذ عالماً.
فالظاهر من الشيخ وغيره هو الضمان في جميع الصور أخذاً بإطلاق دليل «على اليد»، والسيرة العقلائية القائمة على ضمان اليد مع الإقدام.
وربما يناقش في الضمان في موردين:
1. إذا كانا عالمين فإن علم كلّ من الدافع والآخذ بفساد العقد يدخل الموضوع تحت التسليط المجاني، فالدافع سلّط الآخذ على المال بغير عوض شرعي، وهكذا الآخذ، فلو كان  هناك تلف فلا يضمنه الآخذ، لكون التسليط مع اعتقاد الفساد كان بالمجّان.
وفصّل المحقق النائيني بين الحكم التكليفي أعني حرمة التصرف ووجوب الردّ، والحكم الوضعي أعني الضمان فقال بالأوّل دون الثاني قائلاً بانّه:فرق بين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للقابض للجهل بالفساد أو للبناء على الصحة تشريعاً (عند العلم بالفساد) أو لا هذا ولا ذاك بل مجرد البناء المعاملي ولو عصياناً، كما في بناء الغاصب والمقامر ونحوهما على البيع، وبين الرضا الحاصل من باب أنّه ملك للآذن، وما يوجد في المقبوض بالعقد الفاسد هو الأوّل، والمفروض أنّ الشارع لم يرتب عليه الأثر فالأقوى بالنسبة إلى الحكم التكليفي هو حرمة التصرف ووجوب الرد فوراً.( [409])
أقول: الظاهر هو العكس وانّه يجوز التصرف ولا يجب الردّ لكنّه لو تلف يكون ضامناً وذلك; أمّا الأوّل فلأنّ  المورد داخل تحت قوله: «أو للبناء على الصحة تشريعاً»، وإن شئت قلت: وجود رضا بتصرف المأذون في ملك الآذن مطلقاً سواء أصحت المعاملة عند الشرع أم لا.
وأمّا الحكم الوضعي فالميزان في الضمان هو تسليط الآخر على ماله مع العوض سواء أقرّ بتسليطه الشارع أم لا، وكون العقد فاسداً لا يلازم أنّ الرجل سلّط الغير على ماله بلا عوض، بل ربما يكون غير متشرع وكان يتعامل معاملة القوانين الوضعية القائلة بالصحة.
2. إذا كان الدافع عالماً والآخذ جاهلاً، فتأتي هنا مشكلة الغرور، حيث إنّ الجاهل أقدم على المعاملة بتصور أنّ الضمان بالمسمى ، فلو كانت قيمة المثل أكثر من المسمّى بأضعاف، يعدّ تسليط الدافع العالم بالفساد للآخذ على المال إغراءً منه للآخذ. وعلى هذا فلو قلنا بالضمان فإنّما يضمن بالمسمى وإن كان أقل من قيمة المثل.
يلاحظ عليه: بأنّ الغرور إنّما يصدق إذا كان من الدافع تمهيد لدعوة الآخذ على المعاملة ـ كما ربما يتفق ـ ولكن المفروض انّه لم يكن هناك أي تمهيد من الدافع، وإنّما تبايعا على نسق سائر المعاملات الصحيحة، ومجرد علم الدافع وسكوته لا يستلزم الغرور بمعنى الخدعة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ذكر النقوض الواردة على عكس القاعدة فانهاها إلى خمسة ولم يذكر النقوض الواردة على الأصل فما يمكن أن يورد به على الأصل الإيجابي بالنقض بالبيع من السفيه المحجر عليه لو تلف المبيع في يده مع كون القبض بإذن البائع، فقد حكموا بفساد البيع وعدم تعلق الضمان بالسفيه وإن فُكّ حَجْره.
قال العلاّمة في القواعد: فإن اشترى بعد الحجر فهو بحجره باطل. ويسترد البائع سلعته إن وجدها، وإلاّ فهي ضائعة إن قبضها بإذنه، عالماً كان البائع أو جاهلاً.( [410])
أقول: الظاهر  التفصيل بين علم الدافع بسفه القابض وجهله، ففي الأول لا يضمن السفيه إن تلف لأنّ الدافع هو الذي سلط على ماله من لا يجوز تسليطه على أمواله، فكيف على مال الغير، يقول سبحانه: ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاء أَموالكُمُ الّتي جعَل اللّه لَكُم قياماً ) ( [411]) .
بخلاف ما إذا كان جاهلاً ولم يكن في المورد مظنة السفه حتى لا يكون مقصراً في الاختبار فالظاهر ضمانه إذا كان البيع باذن الولي فلا مناص من القول بضمان السفيه بعد فك حجره.
عكس القاعدة
ما تقدم كان حول القاعدة الإيجابية وأمّا السلبية أعني«ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» فدليلها انّ الصحيح من العقد إذا لم يقتض الضمان مع إمضاء الشارع له، فالفاسد الّذي هو بمنزلة العدم لا يؤثر في الضمان، لأنّ سبب الضمان أحد أمرين:
1. إقدام المتعاملين على الضمان، والمفروض عدمه، وإلاّ لضمن بصحيحه.
2. حكم الشارع بالضمان بواسطة هذه المعاملة الفاسدة، والمفروض أنّها لا تؤثر شيئاً.
فعلى هذا فلو وهب شيئاً بعقد فاسد لا يضمنه المتهب، لأنّه لا ضمان عند الصحة، لافتراض انّ الواهب لم يحفظ حرمة ماله، وأهدر كرامته فيكون في صورة الفساد كذلك لاتحاد المناط.
وبعبارة أُخرى: انّ الأدلة الدالة على الضمان عند الصحة لا تشمل المقام إذ هي عبارة عن الأُمور التالية:
1. حرمة مال المسلم.
2. إقدامه على أن يكون ماله مضموناً.
3. كون عدم الضمان موجباً للضرر.
4. الإجماع على الضمان.
والكلّ غير جار في المقام، لأنّه هو الّذي سلّط الغير على ماله مجّاناً فهدر حرمة ماله وكرامته وأقدم على المعاملة بلا ضمان وبلا عوض. ولو تضرّر فالضرر نابع من جانبه لا من جانب الآخذ. وليس في المقام إجماع على الضمان لو لم يكن على خلافه.
ثمّ إنّ الشيخ استدل على عدم الضمان ـ وراء ما ذكر ـ بالأولوية.
وحاصلها: أنّ الرهن لا يضمن بصحيحه فكيف يضمن بفاسده .
وجه الأولوية : أنّ الصحيح إذا كان مفيداً للضمان أمكن أن يقال: إنّ الضمان من مقتضيات الصحيح، فلا يجري في الفاسد لكونه لغواً غير مؤثر على ما سبق تقريبه: من أنّه أقدم على ضمان خاص والشارع لم يمضه فيرتفع أصل الضمان.( [412])
وهذا بخلاف ما إذا كان عدم الضمان من مقتضيات الصحيح فيكون عدم الضمان من مقتضيات الفاسد بوجه أولى.
ولكنّه عدل عنه وقال: أنّه يجوز أن تكون  صحة الرهن والإجازة المستلزمة لتسلط المرتهن والمؤجر على العين شرعاً مؤثرة في رفع الضمان بخلاف الفاسد الّذي لا يوجب تسلطاً لهما على العين فلا أولوية.
وتبعه المحقّق النائيني وقال: بأنّ المالك في القبض الصحيح إذا سلّط القابض على ماله مجّاناً، تخرج يده عن عموم «على اليد...» إمّا تخصّصاً، أو تخصيصاً، وملاكه في الفاسد بعينه هو الملاك في الصحيح ، ولا أولويّة لأحدهما.( [413])
والأولى أن يستدل على عكس القاعدة بعدم جريان أدلة الضمان كما أوضحناه.
إشكال وإجابة
أمّا الإشكال فهو انّ الفاسد وإن لم يكن له دخل في الضمان إلاّ أنّ مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان، خرج منه المقبوض بصحاح العقود الّتي تكون مواردها غير مضمونة على القابض وبقي الباقي.
وامّا الجواب فيمكن أن يقال بأنّه لا إطلاق لقاعدة «على اليد» في الصور الّتي يسلّط المالكُ الغير على ماله بلا عوض ويُهدر حرمة ماله وكرامته، وذلك بالاستظهار من متن الحديث حيث إنّه يركز على الضمان فيما إذا أخذ ما يجب على الآخذ ردّه، وهو ينحصر في المقبوض غصباً والمقبوض بالعقد الفاسد الّذي لا يرضى المالك بخروج العين عن ملكه بلا عوض. وأمّا فيما أخذ ما لا يجب عليه ردّه كما إذا استأمنه عليه أو ملكه بلا عوض ففي هذه الموارد لا يجب على الآخذ الردّ ما لم يطلب المالك ملكه، فالحديث منصرف عن هذه الصور.
وإن شئت قلت: انّ لحن الحديث، لحن توبيخيّ، ويدلّ على بقاء العين في يد القابض ممّا لا يرضى صاحبها فيناسب اليد العدوانية أو ما يقرب منها أعني ما لا يرضى صاحب العين خروجها عن ملكه إلاّ بعوض يملأ مكانها، ولا عموم للحديث لغير هذين الموردين.
والّذي يؤيد عدم العموم، انّ للحديث شأن صدور، ومن البعيد صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ارتجالاً بلا تقدم سؤال أو نظيره، ومثل هذا الاحتمال القوي يسلب الاعتماد على إطلاق الحديث حتّى يستدل به على المقام.
ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن الإشكال بما حاصله:
انّ عموم ما دلّ على أنّ «مَن لم يُضمّنه المالك فهو ليس بضامن» دليل على عدم الضمان في هذه العقود صحيحها وفاسدها، هذا إجمال الجواب.
ولكنّه قسّم العقود الفاسدة غير المضمونة إلى قسمين:
1. ما لا يكون فيه تمليك، كما إذا دفعه إليه للانتفاع به كالعارية، أو الإجارة، أو استأمنه عليه لحفظه كما في الأمانة أو دفعه إليه لاستيفاء حقه أو العمل فيه بلا أُجرة كالخيّاط المتبرع، أو معها كما في الصانع غير المتبرع.
2. ما دفعه إليه تمليكاً بلا عوض كما في الهبة.
أمّا القسم الأوّل فقد استدل على عدم الضمان فيه بعموم ما دلّ على أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن» بل ليس لك أن تتهمه.
وأمّا الثاني فقد استدل على خروجها من عموم اليد بفحوى خروج مورد الاستئمان، فإنّ استئمان المالك لغيره على ملكه إذا اقتضى عدم ضمانه له، اقتضى التسليطُ المطلق عليه مجاناً عدم ضمانه بطريق أولى، ثم قال:
والتقييد بالمجانية لخروج الهبة المعوضّة.( [414])
ثمّ إنّه لم يأت بدليل على العموم الّذي ادعاه من أنّ «من استأمنه المالك على ملكه فهو غير ضامن».
ولعلَّ نظره (رحمه الله) إلى الروايات التالية:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان، وقال: ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن».( [415])
2. عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال سمعته يقول: لا غرم على مستعير عارية إذا هلكت أو سرقت أو ضاعت إذا كان المستعير مأموناً».( [416])
3. ما رواه غياث عن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أُتي بصاحب حمّام وضعت عنده الثياب فضاعت فلم يضمّنه، وقال: إنّما هو أمين.( [417])
***

 
نقوض القاعدة
ثمّ إنّه أوردت نقوض على عكس القاعدة وحاول المحققون دفعها عنها مع انّ عكس القاعدة كأصلها لم يرد في آية ولا رواية فلا مانع من أن ينتقض في بعض الموارد.
نعم الّذي نُركز على كليته وعدم ورود النقض عليه هو أنّ ملاك عدم الضمان عبارة عن كون قرار المتعاملين على عدم الضمان أو لم تكن  هناك يد و هذا هو الذي لا يقبل النقض، وإليك دراسة بعض النقوض:
النقض الأوّل: النقض بضمان العين المستأجرة بالعقد الفاسد
انّ العين المستأجرة بالعقد الصحيح لا تضمن، ولكنها مضمونة بالعقد الفاسد ـ عند بعضهم ـ وإن اختار البعض الآخر منهم خلاف ذلك.
قال المحقّق الثاني: وهل العين مضمونة بالاستيفاء؟ يلوح من كلامهم العدم، والّذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرف في العين غير جائز( [418]) فهو بغير حق، فيكون ـ في حال التصرف ـ استيلاؤه عليها بغير حق، وذلك معنى الغصب.
ثمّ إنّه (قدس سره) اختار عدم الضمان وقال: أنّه دخل معه على عدم الضمان بهذا الاستيلاء وإن لم يكن مستحقاً( [419])، والأصل براءة الذمة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة إنّما يضمن المنفعة خاصة، ولولا ذلك لكان المرتهن ضامناً في فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حق، وهو باطل. (2)
ويظهر من المحقّق الأردبيلي القول بالضمان، في العالم بالفساد، فقد قال:
ثمّ إنّ الظاهر أنّ العالم كالغاصب، لا يجوز له التصرف، ولا يستحق شيئاً لما مرّ من أنّ الإذن إنّما علم بالعقد لاعتقاد أنّه صحيح ويلزم الطرف الآخر ما يلزمه، وقد بطل وهو عالم بالفرض فيبقى أصل المنع على حاله، كما قيل في البيع الباطل، بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل أيضاً.( [420])
هذه هي كلمات الأصحاب، فلو قلنا بالضمان يلزم النقض.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري حاول إخراج المورد ـ ضمان العين في الإجارة الفاسدةـ  عن عكس القاعدة بوجهين:
الأوّل: إنّ المراد بالمضمون مورد القاعدة، وموردها في الإجارة، المنفعة، فالعين ترجع في حكمها إلى القواعد وحيث كانت  في صحيح الإجارة أمانة مأذوناً فيها شرعاً ومن طرف المالك، لم يكن فيها ضمان، وأمّا في فاسدها فدفع الموجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها لحق الانتفاع فيه والمفروض عدم الاستحقاق فيده عليه يد عدوان لا ضمان، (فخروج العين عن القاعدة خروج موضوعي ومن باب التخصص) لانّ مبنى عدم الضمان ما إذا كان المستأجر مستحقاً لحق الانتفاع والمفروض عدمه، فالتصرف في العين المستأجرة بالإجارة الفاسدة خارج عن القاعدة موضوعاً.
الثاني: إنّ  التصرف في العين المستأجرة وإن كان داخلاً تحت القاعدة لكنّها خصّصت بقاعدة «على اليد».
ثمّ اختار عدم الضمان، قال: والأقوى عدم الضمان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة ولا متخصصة.( [421])
فقوله: غير مخصصة إشارة إلى الوجه الثاني، وقوله: ولا متخصصة، إشارة إلى الوجه الأوّل، فلو قدّم الثاني على الأوّل لكان أفضل.
أقول: هذان الوجهان ضعيفان.
أمّا الأوّل: إنّ ما ذكره من أنّ معقد الإجارة هو المنفعة والعين يرجع في حكمها إلى القواعد على خلاف الارتكاز، فإنّ حقيقة الإجارة هو تسليم العين للانتفاع، فالانتفاع غاية وتسليم العين معقد الإجارة، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الصحيح والعقد الفاسد، بشهادة أنّ المالك عند الإيجار يقول: آجرتك الدار أو الدابة ولا يقول: آجرتك منفعة الدار، أو غير ذلك.
وأمّا الوجه الثاني: من وجود التعارض بين عكس القاعدة  وقاعدة على اليد، فهو أيضاً مدفوع بأنّ لحن قاعدة «على اليد» لحن زجري وهو يناسب الغاصب، ولا يعم من أخذ العين برضا المالك ثم ظهر فساد العقد. فوصف يده بانّها يد عدوان كما ترى، فتأمل.
نعم ما اختاره الشيخ أخيراً هو الأقوى، وعليه سيرة العقلاء، فلو تلفت الدابة أو عطلت السيارة بلا تفريط من المستأجر ولا إفراط بل كان التلف والعطل نتيجة كثرة الانتفاع بهما إذ لكلّ موجود طبيعي أو صناعي استعداد بقاء محدّد لا يتجاوزعنه، فلا يضمن المستأجر أبداً، ولو حُكم بالضمان لعُدَّ حكماً خارجاً عن موازين العدل من غير فرق بين كون العقد صحيحاً أو فاسداً.
النقض الثاني: استعارة المحرم الصيد
قال الشيخ: يشكل اطراد القاعدة في موارد :
منها: الصيد الّذي استعاره المحرم من المحل بناءً على فساد العارية فإنّهم حكموا بضمان المحرم له بالقيمة مع أنّ صحيح العارية لا يُضمن به.
ثمّ إنّه (قدس سره) وجّه ضمانه ـ بعد البناء على انّه يجب على المحرم إرساله وأداء قيمته ـ أنّ المستقر عليه قهراً بعد العارية (لأجل وجوب الارسال) هي القيمة لا العين فوجوب دفع القيمة ثابت قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الّذي هو سبب لضمان ملك الغير في كلّ عقد لا بسبب التلف.( [422])
يلاحظ عليه بوجهين:
1. كان عليه أن يُحرِّر موضع النقض وهو أنّه عبارة عمّا إذا كان المحلّ مالكاً وجازت له الإعارة، كما إذا ملك الصيد في خارج الحرم وأمّا لو ملكه داخل الحرم فالمحل والمحرم سواء، لا يملكان الصيد بل يجب عليهما إرساله، وعلى ضوء ما ذكرنا فموضع النقض ما إذا استعار المحرم الصيد من المحل خارج الحرم .
2. لو فرضنا أنّه يجب عليه الإرسال لكن وجوب الإرسال لا يُعدّ إتلافاً ما لم يُرسل فلا يصحّ إدخال المورد تحت الإتلاف حتّى يكون خارجاً عن مورد القاعدة لأنّ موردها التلف.
3. انّ الوارد في  الأدلة هو حرمة الإمساك لا وجوب الإرسال، وانتقال الحرمة لا يتوقف على الإرسال بل يتحقق برده إلى صاحبه .
وسنذكر ما يدلّ على الحكم الشرعي وهو حرمة الامساك:
1. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن علي بن رئاب عن بكير  بن أعين قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أصاب ضبياً فأدخله الحرم فمات الضبي في الحرم فقال: إن كان حين أدخله خلّى سبيله فلا شيء عليه، وإن كان أمسكه حتّى مات فعليه الفداء.( [423])
2.روى الكليني عن أبي محبوب مثله إلاّ أنّه قال: «من أصاب طيراً في الحل فاشتراه فأدخله الحرم» ثم قال في آخره: «وإن كان أمسكه حتّى مات عنده في الحرم فعليه الفداء».( [424])
وعدم تقيّد الموضوع بالمحرم غير ضار لأنّه إذا ثبت الحكم في غيره ثبت في المحرم بطريق أولى.
نعم: لو كان الصيد بيد المالك فمرجع حرمة الإمساك إلى وجوب الإرسال، وأمّا إذا كان بيد المستعير فالتخلص من الحرمة يكون بأحد وجهين:
1. الرد إلى المالك، ولا ضمان معه.
2. الإرسال، وهو يلازم الضمان.
فخرجنا بالنتيجة التالية: انّ استعارة المحرم الصيد، لا يلازم الضمان كما هو مفاد النقض، بل إذا ارسله.
وبذلك يظهر أنّ التطويل حول المسألة غير لازم.
ثمّ إنّ السيد المحقّق الكوهكمري (رحمه الله)   أشار إلى بعض ما ذكرناه وقال:
أوّلاً: انّه لا دليل على فساد العارية لأنّ الثابت من الأدلة، هو حرمة أخذ الصيد للمحرم  وهي لا تلازم الفساد.
ثانياً: لم يدل دليل على وجوب الإرسال فإنّ الثابت حسب الأدلة، هو حرمة الإمساك، وهو كما يحصل بإرسال الصيد كذلك يحصل برده إلى مالكه، فلا وجه للقول بالضمان مطلقاً، بل إذا أرسله، لا ما إذا ردّه.
ولذلك لم يذكر المحقّق سوى حرمة الإمساك وقال: لا يجوز للمحرم أن يستعير من محلّ صيداً لأنّه ليس له إمساكه فلو أمسكه ضمن ( [425]). ( [426])
النقض الثالث: المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد ( [427])
إنّ المنافع غير المستوفاة غير مضمونة في البيع الصحيح، لانّ الثمن في مقابل العين فقط وليس شيء منه في مقابل منافعها  مع أنّها مضمونة في البيع الفاسد، فيجب على المشتري ـ بعد استرداد الثمن ـ دفع شيء في مقابل المنافع وإن لم يستوفها.قال الشيخ: ويُشكل اطراد القاعدة أيضاً في البيع فاسداً بالنسبة إلى المنافع الّتي لم يستوفها فإنّ هذه المنافع  غير مضمونة في العقد الصحيح مع أنّها مضمونة في العقد الفاسد، ثم أجاب بقوله:  إلاّ أن يقال : إنّ ضمان العين يستتبع ضمان المنافع في العقد الصحيح والفاسد.
وحاصل كلامه: انّ المشتري يضمن العين استقلالاً والمنافع تبعاً في مقابل الثمن فهو  في مقابل الأمرين ولتكن كذلك مضمونة في الفاسد، وعندئذ يكون المورد داخلاً في الأصل لا العكس لكن كيفية الضمان مختلفة، فالضمان في الصحيح بالثمن وفي الفاسد بالقيمة، بعد ردّ الثمن.
ثمّ إنّه (قدس سره) تنظّر فيما ذكره في قوله: وفيه نظر لأنّ نفس المنفعة غير مضمونة بشيء في العقد الصحيح لأنّ الثمن إنّما هو بإزاء العين دون المنافع.( [428])
وقد أجاب السيد الطباطبائي عنه بقوله: إنّ المنافع وإن لم تكن مقابلة بالمال ]  في العقد الصحيح [ إلاّ أنّها ملحوظة في القيمة وزيادة الثمن وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونة.( [429])
أقول: الحق مع الشيخ في كلامه الأخير فإنّ المشتري إنّما يضمن شيئاً واحداً وهو المبيع، والمنافع مندكّة فيه، ولا يطلق عرفاً أنّ المشتري ضمن شيئين: العين والمنفعة؟ نعم للمنافع والقابلية تأثير في ارتفاع القيمة ونقصانها، ومع ذلك ليس لها ضمان، وراء ضمان المبيع. فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ المنافع غير مضمونة في البيع الصحيح. وأمّا الفاسد فالظاهر عدم الضمان أيضاً، وذلك لأنّ المالك والمشتري مشتركان في تفويت المنفعة، حيث سلّط البائع المشتري على المبيع وهو استولى عليه بإذن منه فكلاهما معاً سبب واحد لفوت المنافع فلا وجه لضمان ما لم يستوفها، وبذلك يظهر الفرق بين المورد والغاصب فالغاصب ضامن لما استوفاه لأجل الإتلاف، وغير المستوفاة لأجل كونه مفوتاً للمنفعة على مالك العين كما إذا أقفل
دار المالك أو حبس فرسه العامل وغير ذلك. بخلاف المشتري فهو غير مفوّت .
وما ذكرناه هو مقتضى حكم العقل الفطري في المقام ويساعده العرف حيث إنّه بعدما تبين فساد المعاملة فإن استوفى المنافع فيضمن لأجل الاستيفاء واحترام مال المؤمن وإن لم يستوف فيأخذ المسمى ويدفع المبيع إلى صاحبه.
فتلخص انّ النقض غير وارد. أمّا لوجود الضمان في الصحيح والفاسد معاً كما عليه الشيخ في أوّل كلامه والسيد الطباطبائي فيكون المورد من مصاديق الأصل، أو لعدم الضمان في كليهما كما هو المختار وعلى كلّ تقدير فليس هنا أي تفاوت بين صحيح العقد وفاسده.
النقض الرابع: النقض بحمل المبيع في العقد الفاسد
حكى الشيخ في المتاجر عن الطوسي في المبسوط، والمحقّق في الشرائع، والعلاّمة  في التحرير، بأنّ الحمل في المبيع الفاسد مضمون على المشتري مع أنّه غير مضمون عليه في البيع الصحيح بناءً على أنّه للبائع.( [430])
قال المحقّق: وإذا باع الحامل فالولد للبائع على الأظهر إلاّ أن يشترط المشتري. (2) وامّا انّه غير مضمون على المشتري فلكونه أمانة مالكية بيده في العقد الصحيح، مع انّه مضمون في العقد الفاسد.
يلاحظ عليه: بأنّ بيع الحامل بالعقد الصحيح تارة يكون الحمل جزء المبيع وأُخرى خارجاً عنه فعلى الأوّل يضمنه المشتري بالثمن الّذي يدفعه إلى البائع فالثمن ليس للأم وحدها بل لها مع مالها من الولد، فكيف يقال بأنّ الحمل غير مضمون على المشتري في العقد الصحيح؟
فإذا كان مضموناً على المشتري في مقابل المسمّى في الصحيح فليكن كذلك في العقد الفاسد فهو داخل في أصل القاعدة، أعني ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده لا في عكسها، وعندئذ فلا نقض للقاعدة. غاية الأمر تختلف كيفية الضمان ففي الصحيح الضمان بالثمن المأخوذ وفي الفاسد بعد استرداد الثمن، بردّ قيمة الحمل.
وأمّا إذا لم يكن الحمل جزءاً للمبيع فالحمل عند المشتري أمانة مالكية إذا كان العقد صحيحاً فلا يضمن إلاّ بالإفراط والتفريط.
وأمّا إذا كان بالعقد الفاسد الّذي هو محط النقض فنقول:
انّ الحمل ـ بما انّه لم يكن داخلاً في المبيع ـ  كما هو المفروض، فهو أمانة مالكية أيضاً عند المشتري كما هو الحال في العقد الصحيح، وذلك لانّه لما لم يكن جزء المبيع، ولا من متعلقاته، بل من مقارناته، فيكون حكمه، في العقد الفاسد، كحكمه في العقد الصحيح فلا يضمن إلاّ بالتفريط، فقد أخذه بإذن المالك، فيكون أمانة.
فإن قلت: انّ الإذن من المالك في البيع الفاسد، من جهة اعتقاد كونه مستحقاً عليه، والإذن مقيّد بجهة الاستحقاق والمقيد ينتفي بانتفاء جهة تقييده.( [431])
قلت: انّ اعتقاده بالاستحقاق حيثية تعليلية وليس جهة تقييدية، وبعبارة أُخرى هو من الدواعي لا من المشخصات للموضوع، وتخلفه لا يخرجه عن كونه أميناً، نظير ما قالوا في الاقتداء بإمام بزعم انّه زيد ثم تبيّن خلافه، فلو اقتدى به بما انّه زيد على أنّه لو لم يكن هو لم يقتد به، بطلت صلاته و امّا لو اقتدى بإمام حاضر، لكن بزعم انّه زيد و صار داعياً للاقتداء على نحو لو لم يكن زيداً لاقتدى به، صحت صلاته.
النقض الخامس: النقض بالشركة الفاسدة
لا يجوز التصرف في الشركة الفاسدة فأخذ المال المشترك حينئذ موجب للضمان مع أنّ التصرف في الشركة الصحيحة لا يوجب الضمان، فانتقضت القاعدة: ما لا يضمن بصحيحه، لا يضمن بفاسده.
والظاهر عدم صحة النقض لوجهين:
1. لا يكفي عقد الشركة في جواز التصرف في المال المشترك الّذي تعاقدا على استرباحه مطلقاً، بل لا محيص في جواز التصرف من إذن  خاص في التصرف، والعقد الصحيح والفاسد على نمط واحد فإن كان التصرف بإذن الشريك فلا ضمان مطلقاً، صحيحاً كان أو فاسداً، وإن كان بلا إذنه فهو مضمون في كلتا الصورتين، فعقد الشركة تارة يكون داخلاً في الأصل (إذا كان بلا إذن) وفي العكس (إذا كان مع الإذن).
2. انّ الكلام في التلف لا في الإتلاف.
هذا تمام الكلام في عكس القاعدة وتحليل النقوض الواردة، حسب ما ذكره الشيخ، ولا يخفى أنّ كلامه في هذا المقام غير منسجم من جهتين:
أوّلاً: قدّم البحث في نقوض القاعدة ثم بحث عن دليل العكس وكان الأولى تقديم الدليل على النقوض.
ثانياً : ذكر مسألة ضمان  العين المستأجرة في الفاسد وعدم ضمانها في الصحيح قبل بيان النقوض، مع أنّها من مصاديقها. غير أنّ الشيخ لما كان غارقاً في التفكير والتحقيق غفل عن تنظيم المطالب على نحو يناسب الكتاب الدراسي.
رحم اللّه  علماءنا الماضين وحفظ الباقين منهم.
وهناك نقوض أُخرى لم يتعرض لها الشيخ، ونحن نذكر بعضها:
النقض السادس: ضمان العامل في المضاربة الفاسدة
إذا كان رأس المال في المضاربة بمقدار يعجز العامل عن التجارة به وكان قادراً على التجارة ببعضه واشترط المالك مباشرته في العمل بلا استعانة بالغير، تكون المضاربة عندئذ باطلة حيث إنّه يشترط في العامل أن يكون قادراً على العمل بمال القراض، فمع عجزه تبطل مضاربته، فلو اتجر ببعض المال وربح يكون الربح للمالك ولا نصيب للعامل فيه.
نعم له أُجرة مثل عمله مع جهله بالبطلان، ولو تضرر يكون ضامناً مع أنّه (العامل) غير ضامن في باب المضاربة، فانتقض العكس أي ما لا يضمن بصحيحه ـ في باب القراض ـ يضمن بفاسده.
يلاحظ عليه أوّلاً: المنع من فساد القراض، وذلك لأنّ المعاملة على مجموع رأس المال بالتجارة فيه واسترباحه، وإن كانت واحدة، لكنّها لدى التحليل معاملة على كلّ جزء منه يمكن التجارة به واسترباحه بحصة من ربحه، وفسادها بالنسبة إلى ما كان غير قادر على التجارة به، لا يقتضي الفساد بالنسبة إلى ما كان قادراً فيه من العمل، فيصح ويستحق الحصة من ربحه. ولو تضرّر فالضرر على المالك.
وثانياً: سلمنا  فساد المضاربة لكن موضوع الضمان في القاعدة هو تلف المال، وامّا المقام فهو من قبيل الإتلاف حيث إنّه اتجر وخسر فالحكم بالضمان لا يكون نقضاً للقاعدة.
النقض السابع: استعارة العين المغصوبة
إذا استعار الرجلُ العين المغصوبة من الغاصب وتلفت في يده فيكون ضامناً، مع أنّ العارية ليس فيها ضمان، فانتقضت القاعدة، أعني: «ما لا يضمن بصحيحه ـ أي العارية ـ لكن يضمن هنا بفساده» وعلى ذلك فللمالك الرجوع على أيّ منهما شاء من غير فرق بين كون العين تالفة في يد المستعير أو في يد المُعير لقاعدة تعاقب الأيدي.
يلاحظ عليه: أنّ القاعدة (عدم ضمان العارية) مختصة بالعين المستعارة من المالك لا المستعارة من الغاصب.
فإنّ كلاًّ من المعير والمستعير ضامن، فإن كان المستعير عالماً بالغصب فلا يرجع فيما غرمه للمالك إلى المعير الغاصب، وإن كان جاهلاً فلو رجع المالك على الغاصب المعير بقيمة العين التالفة عند المستعير فلا يرجع بما غرمه للمالك على المستعير المفروض كونه مغروراً من قبله.
وأمّا لو رجع المالك إلى المستعير فهو يرجع إلى الغاصب لأنّ المغرور يرجع فيما غرمه على من غرّه كما في الحديث النبوي.
 
الأمر الثاني:
وجوب الردّ إلى المالك فوراً ( [432])
من أحكام المقبوض بالعقد الفاسد، وجوب ردّه إلى المالك فوراً وهو من آثار عدم تملك المقبوض بالعقد الفاسد.
قال الشيخ: من الأُمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد وجوب ردّه فوراً إلى المالك، والظاهر انّه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرف فيه كما يلوح من مجمع الفائدة( [433]) وقد افترض الشيخ المبنى أمراً مسلماً غنيّاً عن النقاش، ومع ذلك فلندرسه:
حرمة التصرف في المقبوض
يحرم التصرف فيه لانّ التصرف في مال الغير بلا إذنه حرام بلا إشكال.
روى صاحب الوسائل عن صاحب الدار (عليه السلام) في حديث طويل حيث جاء فيه: فلا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.( [434])
فإن قلت: إنّ تمليك المبيع للمشتري يتضمن الإذن في التصرف أيضاً، فيكون التصرف مقروناً بالإذن.
قلت: إنّ بقاء الإذن فرع تحقق التمليك والمفروض فساد العقد الملازم لفساد مضمونه، الملازم لانتفاء التمليك فكيف يبقى الإذن مع انتفاء التمليك؟
نعم لو كان البائع عالماً بالفساد ومع ذلك أقدم على البيع يجوز للمشتري التصرف فيه لعدم تقيّد الإذن بالملكية الشرعية لكونه غير مبال بحكم الشرع، بل انّ تمام همّه كونه بيعاً عنده.
وقد أشار إلى ما ذكرنا من التفصيل ـ بين علم الدافع بالفساد وجهله به ـ السيد الطباطبائي في تعليقته بقوله: لا ينبغي الإشكال في عدم جواز التصرف فيه مع جهل الدافع وأمّا مع علمه فيمكن الإشكال فيه ـ وإن كان باقياً على ملكه ـ وذلك للإذن فيه في ضمن التمليك.( [435])
وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الدافع إنّما جوّز التصرف في المقبوض بالعقد الفاسد من حيث كونه ملكاً للقابض لا على وجه الإطلاق ولما لم تحصل الملكية للقابض ولا أنّ المالك قد أذن له إذناً جديداً حرم على القابض التصرف فيه وضعاً وتكليفاً. (2)
يلاحظ عليه: إنّ الإذن في التصرف لم يكن مقيّداً بالملكية الشرعية حتّى ينتفي بانتفائها، بل كان مقيّداً بالملكية العرفية لكونه غير مبال بحكم الشرع فيكون الإذن باقياً ببقائها، والعجب انّ السيد الطباطبائي قد أشار إلى نفس الإشكال (الّذي أورده السيد الخوئي) ودفعه، وقال: ودعوى انّ الإذن مقيّد بالملكية وهي غير حاصلة، مدفوعة بأنّ القيد ليس إلاّ الملكية في اعتبار البائع وهي حاصلة إذ المفروض انّه أنشأها وبنى على كون المشتري مالكاً وقد قبل هو أيضاً، نعم لو كان مقيّداً بالملكية الشرعية صحّ دعوى عدم حصول القيد، لكنّه ليس كذلك.( [436])
وبذلك يظهر أيضاً عدم ورود ما أفاده السيد الأُستاذ حيث قال: إنّ هذا الإذن إمّا يتعلق بالمبيع قبل نقله فهو خلاف المفروض، وإمّا أن يتعلق به بعده فلا يعقل الجدّ إليه، لأنّه إذن في تصرف المشتري في ماله وهو لا يمكن جدّه ولا أثر لإذنه وطيب نفسه في تصرف صاحب المال (المشتري) في ماله إذا تخلف عن الواقع وكان مال نفسه. (2)
يلاحظ عليه أوّلاً: انّ الإذن في التصرف يتعلق بالمبيع لا قبل النقل ولا بعده، بل يتعلق به حين النقل بالعقد الفاسد حيث إنّ التمليك يتضمن الإذن في التصرف في ماله.
ثانياً: إنّ ما لا يتصور الجد(فيه) لو كان البائع متشرعاً وحاول إنشاء الملكية الشرعية; وأمّا إذا كان غير مبال به فيتمشى الجدّ في إنشاء الملكية العرفية، والمفروض انّ المشتري أيضاً قد قبلها، وأظن انّ تفصيل السيد الطباطبائي جدير بالقبول، وانّ مناقشة العلمين غير تامة.
إذا تبيّن المبنى وانّ التصرف غير جائز عند جهل البائع يقع الكلام في وجوب الردّ .
استدل على وجوب الردّ( [437]) بوجوه:
الأوّل: انّ الامساك من مصاديق التصرف في مال الغير
إنّ الإمساك من مصاديق التصرف فإذا حرم الإمساك وجب ضدّه وهو الردّ وهذا هو خلاصة الاستدلال، وإليك التفصيل.
قال الشيخ: ويدلّ عليه انّ الإمساك آناً ما تصرف في مال الغير بغير إذنه فلا يجوز لقوله(عج): «لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال غيره إلاّ بإذنه».( [438])
ولو نوقش في كون الإمساك تصرفاً كفى عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلاّ عن طيب نفسه»( [439])، حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به الّتي منها كونه في يده.( [440])
وقد سبق أنّ مبنى وجوب الرد هو حرمة التصرف وقد حاول الشيخ أن يثبت أنّ الإمساك تصرف في مال الغير فإذا حرم الإمساك وجب الرد أخذاً بالقاعدة المعروفة أنّه إذا حرم أحد الضدين ـ اللذين لا ثالث لهما ـ وجب الضد الآخر. مثلاً إذا حرمت الحركة وجب السكون.
إنّ الشيخ يرى انّ النبوي أوضح دلالة على حرمة التصرف من التوقيع حيث إنّ الموضوع في التوقيع هو التصرف في مال الغير فلأحد أن يمنع كون الإمساك مصداقاً للتصرف، وامّا النبوي فالموضوع فيه «مال امرئ» و هو يعم عامة الشؤون لمال الغير الّتي منها الإمساك.
والعجب أنّ المحقّق الخراساني عكس الأمر حيث قال: إنّ المناقشة في عموم مثل «لا يحل» (النبوي) لغير التصرفات (الإمساك) أوضح( [441])، ولم يعلم وجه الأوضحية .
أقول: يرد على الاستدلال :
أوّلا : إنّ مفاد الحديثين واضح وكلاهما يهدفان إلى حرمة  التصرفات الخارجية، ويقول انّ المحرم هو التصرفات في كلا الحديثين والإمساك ليس منها.
وثانياً : ما أشار إليه المحقّق الخراساني في تعليقته وهو: أنّ حرمة أحد الضدين إنّما تلازم وجوب الضد الآخر إذا كانا من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما. وأمّا المقام فهناك أمر ثالث وهو إذا حرم التصرف فالتخلص عنه يكون بأحد الأمرين; الرد أو التخلية بينه وبين مالكه، فلا يجب على هذا القول إلاّ أحدهما لا خصوص الرد. (2)
فتبين أنّ الروايتين لا تنهضان لإثبات وجوب الردّ لوجهين:
1. انّ الإمساك لا يُعد تصرفاً. والروايتان ناظرتان إلى التصرفات الخارجية.
2. انّ التخلص من التصرف لا يختص بالردّ بل تكفي التخلية.
 
الثاني: عموم: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»
انّ الحديث  وإن لم يكن متعرضاً للحكم التكليفي بالدلالة المطابقية إلاّ أنّه متعرض له بالدلالة الإلتزامية، فإنّ استقرار الضمان على عهدة القابض ملازم لوجوب الردّ لأنّه لا أثر لاستقرار الضمان على العهدة إلاّ وجوب ردّ العين مادامت باقية وردّ المثل أو القيمة لو كانت تالفة.( [442])و المفروض أنّها باقية.
يلاحظ عليه: انّه يكفي في استقرار الضمان على العهدة وجوب أحد الأمرين; الردّ أو التخلية بين المال والمالك.
إلى هنا تبين عدم نهوض الدليلين لوجوب الردّ ولندرس الدليل الثالث.
الثالث: الاستدلال بما ينصّ على وجوب الردّ
استدل المحقّق الإصفهاني( [443]) بما ورد  في الأخبار من وجوب ردّ كلّ مال وقع في يد الغير إلى صاحبه نظير:
1. ما رواه الشيخ بسنده عن أحمد بن محمد بن أبي النصر قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يصيد الطير الّذي يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه، أيحل له إمساكه؟ فقال: «إذا عرف صاحبه ردّه عليه، وإن لم يكن يعرفه، وملك جناحه فهو له، وإن جاءك طالب لا تتّهمه ردّه عليه».( [444])
2. ما رواه الصدوق باسناده عن زرعة عن سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».( [445])
ويرد على الاستدلال بالرواية الأُولى :
أوّلاً : أنّ الطير ـ في الرواية ـ مقبوض بغير إذن مالكه فأشبه أن يكون بالغصب وقد ورد في مرسلة حماد بن عيسى عن العبد الصالح (عليه السلام) وفيها: «وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لانّ الغصب كلّه مردود»( [446])، وهذا بخلاف المقبوض بالبيع الفاسد فإنّه مقبوض بإذنه فلو وجب الردّ في الأوّل لما دلّ على وجوبه في الثاني.
وثانياً: احتمال  انّ المراد من الردّ هو رفع اليد عنه وتمكين مالكه منه، لا خصوص إيصاله إليه.
ويرد على الثانية  بعدم تمامية دلالته لأنّ الحديث منصرف إلى انحاء التصرفات الخارجية، والإمساك لا يُعدّ تصرفاً خصوصاً إذا كان مسبوقاً بالإذن، والقابض مستعداً للرد إذا طالبه المالك بذلك.
فلو صحّ الاستدلال بهما فليصح الاستدلال بما دلّ على وجوب أداء الأمانات إلى أهلها. مع عدم صحة الاستدلال بها لأنّ مورد الآيتين( [447]) هو الأمانة، وأين هي من المقبوض بالبيع الفاسد؟ فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يجب عليه أحد الأمرين: الردّ أو التخلية.
مؤونة الردّ أو التخلية
قدّ ظهر انّ الأموال  المنقولة يكفي فيها التخلية كغير المنقولة، بمعنى كفاية تمكين الطرف من التسلط على ماله، لكن ربما يتوقف تمكن البائع من التسلط على ماله على مؤونة، فهناك صور:
1. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في بلد القبض فمؤونة النقل على القابض.
2. إذا نقله القابض إلى بلد آخر والمالك في البلد المنقول إليه فلو توقف إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها فمؤونة ذلك على المشتري.
3. إذاكان المبيع في بلد القبض  سواء أكان البائع في نفس البلد أو في بلد آخر فليس على المشتري إلاّ إيصالها إلى مكان يتمكن البائع من التسلط عليها، فلو توقف هذا الأمر على مؤونة فهو  على عهدة المشتري، وأمّا الزائد فلا.
 
الأمر الثالث:
حكم المنافع قبل الردّ
لو كان للعين المبتاعة منفعة فإمّا أن تكون مستوفاة أو غير مستوفاة، فلنقدم البحث في القسم الأوّل:
فنقول فإن استوفاها المشتري قبل الردّ، كان عليه عوضها على المشهور وربما يستظهر من كلام ابن إدريس في السرائر انّ المقبوض بالعقد الفاسد بمنزلة المغصوب عند أصحابنا( [448])، أنّ الحكم إجماعي لانّ وجوب العوض في منافع المغصوب أمر اتفاقي والظاهر من ابن حمزة هو عدم الضمان.( [449])
احتج للقول بالضمان بوجوه:
1. عموم «على اليد ما أخذت» فإنّ عمومها  يشمل المنافع المستوفاة أيضاً، وقبض المنفعة بقبض العين، فتدخل المنفعة في ضمان المستأجر.
وأورد عليه بانّ قبض المنافع وإن كان بقبض العين، لكن دخولها في الحديث ممنوع، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«حتّى تؤديه» فإنّ المتبادر ردّ ما أخذه بعينه، وهو ينطبق على العين دون المنفعة لأنّ المنفعة لا يمكن ردّها بعينها بل ردّ ما يردّ العين.
2. ما رواه أبو ذر عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: وحرمة مال المسلم كحرمة دمه( [450])، والظاهر من هذه الجملة هو «أنّ مال المسلم محترم» ، ومعنى الحرمة ردّه بعينه إذا أمكن أو بما يقابله وينوب عنه. وقد مرّ انّ المنفعة تعدّ مالاً.
وأورد عليه بأنّ الظاهر منه هو الحكم التكليفي، بمعنى أنّه لا يجوز إتلاف مال المؤمن بغير إذنه كما لا تجوز إراقة دمه.( [451])
3. ما دلّ على عدم حلية مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه، روى الكليني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : انّ رسول اللّه وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع فقال: «فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا... إلى أن قال: ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها فانّه لا يحلّ دم امرئ مسلم ولا ماله إلاّ بطيبة نفسه».( [452])
وكيفية الدلالة ، على الضمان على نحو ما ذكرناه في الحديث السابق.
4. قاعدة لا ضرر: فانّ تشريع جواز الاستيفاء بلا عوض ضرر على المالك.
فإن قلت: انّ إيجاب ضمان ما استوفى من المنافع لا يُعدّ ضرراً إذا كان المورد من قبيل الإجارة، فلو استأجر بيتاً ثم بان فساد العقد بعد سنة فيأخذ المسمى ويدفع كراء المثل، فلا ضرر قطعاً.
وامّا إذا ابتاع بيتاً ودفع الثمن وسكن فيه سنة، ثم بان فساد العقد فإيجاب ضمان ما استوفى من المنافع يُعدّ ضرراً ولا يجبره استلام مجرد الثمن، كما هو واضح، مع أنّ البائع ربما ينتفع من الثمن خلال هذه المدّة.
قلت: كما أنّه يجب على المشتري ضمان ما استوفاه من منافع البيت، يجب على البائع ردُّ ما استوفاه من منافع الثمن خلال هذه المدّة، لانّ الثمن ملك المشتري فلو اتجر به البائع فانّما اتجر بمال الغير، فيكون أشبه بالمضاربة بمال الغير فضولة، ولو انتفع فإنّما انتفع بمال الغير فصحة ما ابتاع به تتوقف على إجازة المشتري.
نعم لو لم ينتفع بالثمن، دخل المورد في المنافع غير المستوفاة وسيوافيك الكلام فيها. فضمان المنافع المستوفاة لا يختص بالمبيع بل يعم الثمن أيضاً.
ثمّ إنّه أجيب عن هذه المناقشات بما لا حاجة إلى ذكره هنا.
والّذي ينبغي أن يقال: انّ الفقيه في المقام في غنى عن إقامة الدليل على الضمان بهذه الوجوه الأربعة مع ما فيها من المناقشات والردود فإنّ دليل الضمان هنا أوضح من أن يستدل عليه بهذه الوجوه، وهو وجود السيرة القطعية العقلائية الممضاة عند عامة الشعوب وهو أنّ استيفاء مال الغير لا يذهب هدراً وأنّ حرمة المال أمر فطري، اللّهمّ إلاّ إذا  أهدر المالك كرامة ماله وإذن للآخرين استيفاء أمواله ومنافعها.
وربّما يستدل على الضمان بقاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن، قال السيد الخوئي: وهي بهذه الكيفية وإن لم تُذكر في رواية خاصة ولكنّها قاعدة كلية متصيّدة من الموارد الخاصّة الّتي نقطع بعدم وجود الخصوصية لتلك الموارد وعليه فتكون تلك القاعدة متبعة في كلّ مورد تمس الحاجة إليه والموارد الّتي أخذت منها هذه القاعدة هي الرهن والعارية والمضاربة والإجارة والوديعة وغير ذلك من الموارد المناسبة لها فإنّه قد وردت فيها الاخبار الكثيرة الدالة على أنّ إتلاف مال الغير موجب للضمان وقد استفاد منها الفقهاء رضوان اللّه عليهم قاعدة كلية أعني بها قاعدة «من أتلف مال غيره فهو له ضامن».( [453])
يلاحظ عليه: انّ هنا سببين مستقلين:
1. اتلاف مال الغير.
2. استيفاء منافع مال الغير.
فكلّ منهما سبب للضمان فالإتلاف عبارة عن حيلولة القابض بين المالك وماله فيضيع عليه ماله، وأمّا المقام فليس هناك حيلولة بل يقوم القابض باستيفاء منافع العين الّتي بيده، وعلى ذلك فلا وجه للاستدلال بقاعدة «من أتلف» على المورد، وها نحن نذكر بعض هذه الروايات الّتي أشار إليها المقرر في الهامش.
روى إسحاق بن عمار قال سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يرهن الرجل بمائة درهم وهو يسوي ثلاثمائة فيهلك، أعلى الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم؟، قال: «نعم لأنّه أخذ رهنا فيه فضل وضيّعه».( [454])
إنّ التعليل في الرواية  من أدلة القاعدة  وأنّك ترى أنّه من موارد اضاعة المال على صاحبه لا استيفاء منافعه. إلى غير ذلك من الروايات الّتي وردت في الهامش.
نظرية ابن حمزة وعدم ضمان المنافع المستوفاة
ثمّ إنّ الظاهر من ابن حمزة في «الوسيلة» ـ كما مرّ ـ عدم ضمان المنافع المستوفاة في البيع الفاسد، مستنداً إلى النبوي المعروف: «الخراج بالضمان»، روى أحمد في مسنده عن عروة عن عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «الخراج بالضمان».( [455])
وما رواه أحمد فإنّما هو جزء من حديث روته عائشة، إذ من البعيد أن يتكلم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إرتجالاً ويقول:«الخراج بالضمان» ما لم تكن هناك قضية يتوقف حلُّها على بيان ذلك الحكم.
وقد روى البيهقي في «باب المشتري يجد بما اشتراه عيباً وقد استغله زماناً»، عن مخلد بن خفاف قال: ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظهر منه عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي بردّه وقضى عليّ بردّ غلّته، فاتيت عروة فاخبرته فقال: أروح إليه العشية فأُخبره انّ عائشة أخبرتني انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في مثل هذا، انّ الخراج بالضمان، فعجلّت إلى عمر فاخبرته ما اخبرني عروة عن عائشة عن رسول اللّه فقال عمر فما أيسر من قضاء قضيته، اللّه يعلم أنّي لم أرد فيه إلاّ الحقّ، فبلغتني فيه سُنّة عن رسول اللّه فأردّ قضاء عمر وأنفّذ سنة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الّذي قضى به عليّ.
ثم قال: وبهذا المعنى رواه مسلم بن خالد الزنجي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبه عيب لم يعلم به فاستغله ثم علم العيب فرده فخاصمه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول اللّه انّه استغله منذ زمان فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الغلة بالضمان.( [456])
كيفية الاستدلال: انّ المنافع للمشتري في مقابل ضمانه لمال المالك بالثمن الّذي دفعه إليه، وهذا يعمّ العقد الصحيح والفاسد، ومن المنافع يعمّ المستوفاة وغيرها، فكأنّ الرواية بمنزلة بيان أنّ المشتري ينتفع بالمبيع في مقابل انتفاع البائع بالثمن فهذا يقابل بهذا.
يلاحظ عليه: أنّ اللام في الضمان وإن كانت للجنس فتعم بظاهره الأقسام الثلاثة:
أ. المقبوض غصباً.
ب. المقبوض بالعقد الفاسد.
ج. المقبوض بالعقد الصحيح.
إلاّ أنّه لا يمكن الأخذ بالعموم.
أمّا الأوّل فلأنّه باطل لضرورة الفقه إذ لو عمّه يكون معنى ذلك أنّ كلّ من اغتصب مال الغير وانتفع به مدّة مديدة لا يضمن المنافع المستوفاة في مقابل ضمانه للعين المغصوبة وهذا هو الّذي قضى به أبو حنيفة( [457]) وقد وصفه الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «بمثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركاتها»( [458])، فهذا الاحتمال باطل جدّاً.
بقي الاحتمال الثاني والثالث الّذي نعبّر عنه بالضمان المعاوضي سواء كان العقد صحيحاً أم كان فاسداً لكن مورد الرواية قرينة على أنّ المراد بالضمان هو الضمان المعاملي الصحيح، بأن يكون المشتري مالكاً شرعاً للمبيع ويستغله، ففي هذا المورد تكون الغلة في مقابل الثمن الّذي دفعه إليه فاللام في الضمان تشير إلى هذا النوع من الضمان.
وأمّا الضمان المعاوضي الّذي لم يمضه الشارع ولم تحصل الملكية للمشتري فعموم الرواية بالنسبة إليه مورد تأمل، خصوصاً على ما قلنا من أنّ غرض الرواية أنّ انتفاع المشتري بالمال في مقابل انتفاع البائع بالثمن فيكون هذا مقابل هذا، وهذا يختص بما إذا كان هناك معاملة صحيحة وملكية محققة.
ويشهد على ما ذكرنا من التفسير لفيف من الروايات نذكر أحدها:
روى إسحاق بن عمّار قال حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) وقد سأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع دار فجاء إلى أخيه فقال: ابيعك داري هذه وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ، فقال: «لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه».
قلت: فانّها كانت غلّة كثيرة فأخذ الغلّة لمن تكون الغلّة؟ فقال: «الغلّة للمشتري ألا ترى انّه لو احترقت لكانت من ماله»؟( [459])
ترى أنّ الإمام حكم بأنّ الغلّة للمشتري في مقابل ضمانه للعين حيث لو احترقت لكان من ماله.
لاحظ بعض ما ورد في هذا المعنى فإنّ الجميع يشير إلى ما ذكرنا من معنى الرواية.( [460])
وبذلك يعلم أنّ الاحتمالات الكثيرة حول الحديث كما احتمله السيد الخوئي اطناب غير لازم.( [461])

 
نقوض قاعدة «الخراج بالضمان»
قد أُورد على قاعدة «الخراج بالضمان»  عدة نقوض ناشئة من عدم الوقوف على حقيقتها، حسب ما فسّرناه آنفاً، وهي كما يلي:
1. النقض بالعارية، فإنّ الخراج ـ أي المنفعة ـ للمستعير مع أنّه غير ضامن.
2. تلف المبيع قبل القبض فإنّ الخراج بين العقد والقبض للمشتري كاللبن والصوف، إلاّ أنّ الضمان على البائع.
3. الخراج بعد القبض إذا اشترط الضمان على البائع إلى مدة، فإنّ الخراج للمشتري والضمان على البائع،  لو قلنا بصحة هذا الشرط.
والجواب عن الجميع أنّ الضمان هناك كناية عن الملكية والتعليل في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ورد بأمر فطري إرتكازي، وقد قلنا في محلّه انّ التعليل في لسان الشرع يجب أن يكون بحكم عقلي بديهي أو قريب منه، أو بأمر فطري. إذا عرفت ذلك فمعنى الحديث النبوي انّ مالكية الخراج أي المنافع المشروعة تابع لمالكية العين، فالمشتري بما أنّه مالك للعين سواء أقبضها أم لم يقبض فالمنافع له. وبعبارة أُخرى: من عليه الغرم فله الغُنم وبذلك تبيّن جواب جميع النقوض.
أمّا النقض الأوّل فإنّ المستعير إنّما يتلقى المنافع من المعير، فالمعير مالك والمنافع له أوّلاً وبالذات، ويصدق في حقّه أنّ الخراج بالضمان. وامّا المستعير فإنّما يملك المنافع  بإذنه ولكن المنافع بالذات للمالك.
كما يندفع النقضين الثاني والثالث، فالمنافع للمشتري قبل القبض وبعد القبض في مقابل كونه مالكاً للعين وليس المراد من الضمان هنا الضمان المصطلح حتّى يقال بأنّ البائع ضامن والمنافع للمشتري بل الضمان كناية عن الملكية، فالمنافع للمشتري لكونه مالكاً.
حكم المنافع غير المستوفاة
قد عرفت انّ الروايات الشريفة والسيرة العقلائية قائمة على ضمان المنافع المستوفاة، وانّ مال المسلم لا يذهب هدراً، و انّ مقتضى حرمة المال هو ضمانه، إنّما الكلام في المنافع غير المستوفاة، فقد استقصى الشيخ الأعظم الأقوال وهي خمسة:
الأوّل: الضمان; قال الشيخ: وكأنّه للأكثر، وقال في مكان  آخر: وهو المشهور.
الثاني: عدم الضمان وهو المحكي عن إيضاح فخر المحقّقين، (وقوّاه السيد المحقّق الخوئي).
الثالث: الضمان إلاّ مع علم البائع، وقد حكي عن بعض الحواشي على الشرائع.
الرابع: التوقف في صورة علم البائع، واستظهره صاحب جامع المقاصد، والسيد العميد من عبارة العلاّمة في القواعد.
الخامس: التوقف مطلقاً، حكي عن الدروس والتنقيح والمسالك وهو محتمل قواعد العلاّمة.
هذه هي الأقوال الّتي جمعها الشيخ في المتاجر.( [462]) وقال الشيخ انّ التوقف أقرب إلى الانصاف، ثمّ قال: القول بالضمان لا يخلو عن قوة.والأقوى هو القول الثاني.
وذلك بالبيان التالي:
انّ هناك فرقاً بين الاستيلاء على مال الغير عنفاً وغصباً، وبين اقباض المالك العين للغير وقبضه بتصور أنّ العقد صحيح.
أمّا الأوّل فيمكن أن يقال انّ المال المغصوب بالقهر والعدوان مضمون على الغاصب بجميع خصوصياته وشؤونه، ومن جملة الشؤون المنافع سواء استوفاها أم لم يستوفها فيجب على الغاصب ردّ العين المغصوبة على المالك بجميع منافعها حتّى الفائتة بغير استيفاء.
وأمّا الثاني أي المقبوض باختيار المالك وإذنه فالذي تقتضيه حرمة المال ضمان المنافع المستوفاة برد قيمتها لجريان السيرة العقلائية على الضمان إذ لا وجه لأن ينتفع بمال الغير بلا عوض إلاّ إذا أذن إذناً جديداً، وأمّا غير المستوفاة فبما أنّ نسبة الدافع والقابض بالنسبة إلى فوت المنافع سيّان فلا وجه للحكم على القابض بالخروج عن المنافع الفائتة غير المستوفاة بل يُعدّ ذلك عرفاً، ظلماً وقولاً بالزور، إذ ليس له دور في فوت المنافع إلاّ نفس الدور الّذي للدافع.
وحصيلة الكلام أنّ الضمان ـ بمعنى الاسم المصدري ( [463]) ـ كون المضمون في ذمة الضامن وعهدته ـ كما هو الحال في الغصب، والمقبوض بالسوم، أو الإتلاف ـ يجب أن يكون للضامن فيه دور مستقل، وأمّا إذا لم يكن له ذلك فإلزامه بالضمان لا يناسب قاعدة العدل و الانصاف، ولم نجد دليلاً صالحاً للضمان، وإليك دراسة أدلة القول بالضمان:
1. قاعدة «على اليد»
استُدّل بقاعدة «على اليد» بضمان المنافع غير المستوفاة بالبيان السابق في ضمان المنافع المستوفاة، وهو أنّ الاستيلاء على العين استيلاء
على المنافع وأخذها أخذ بها، بل العين رمز للمنافع فلولاها لم يكن للعين قيمة.
يلاحظ عليه: بما مرّ من القدر المتيقن من الرواية ـ بشهادة رجوع الضمير في قوله «يؤديه» إلى الموصول ـ هو ضمان العين لا المنافع ولا صلة لها بالمنافع، مستوفاة كانت أو لا، نعم هو ضامن للأولى بدليل آخر.
2. قاعدة الاحترام
لا شكّ أنّ مال المسلم محترم كحرمة دمه، ودلّ عليه الروايات التالية:
أ. ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة حجة الوداع: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركهم هذا وفي بلدكم هذا».( [464])
ب. قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً لأبي ذر وفيه: «وحرمة ماله كحرمة دمه».( [465])
ج. ما روي عن صاحب الدار(عج) قوله: لا يحل لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه.( [466])
وجه الاستدلال: هو انّ المنافع ـ كما مرّ ـ مال فلا تحل لأحد بغير إذنه، والمفروض انتفاء إذن المالك وعدم الإذن الشرعي.
يلاحظ على الاستدلال: بعد تسليم أنّ هذه الروايات بصدد بيان الحكم الوضعي ـ كما مرّ ـ  إنّما يطلق المال على الموجود بالفعل أو الموجود بالقوة إذا خرج إلى عالم الوجود، وأمّا الباقي في عالم القوة الّتي هي أشبه بعالم العدم فالروايات لا تشمله أبداً.
3. قاعدة نفي الضرر
ربما يتصور أنّ الحكم بعدم ضمان القابض ـ في المقام ـ  للمنافع غير المستوفاة ضرر على المالك.
يلاحظ عليه: بأنّ مفاد الحديث ـ كما حققناه في محله ـ  نفي الضرر المسبّب من الناس إلى بعضهم، فهذا النوع من الضرر ـ كضرر سمرة على صاحب البستان ـ منفي، ولكنّ الضرر في المقام ليس نابعاً من جانب القابض بل مستند إلى الدافع ثم القابض.
4. قاعدة: «من أتلف»
وقد استدل بها السيد الطباطبائي وقال: الضمان هو الأقوى، بمعنى أنّ حالها حال العين لقاعدة الاتلاف فإنّ الاستيلاء على العين ومنع المالك عن الانتفاع بها تفويت لمنافعها ويصدق عليه الإتلاف عرفاً، ولذا يحكم بالضمان لها في الغصب.( [467])
يلاحظ عليه: بأنّه خلط بين يد المشتري الآخذ للعين بإذن البائع المستولي عليه حديثاً وبقاءً بطيبة نفس المالك، وبين الغاصب المستولي على العين عدواناً وقهراً، فما ذكره يتم في الثاني دون الأوّل.
5. الإجماع
وقد استظهره الشيخ الأنصاري عن كتاب السرائر، بيان ذلك: أنّ صاحب السرائر أفتى في باب الإجارة بضمان منافع المغصوب الفائتة.( [468])وفي الوقت نفسه أفتى بأنّ البيع الفاسد عند أصحابنا بمنزلة الشيء المغصوب إلاّ في ارتفاع الإثم عن إمساكه.( [469])
يلاحظ عليه: انّ الإجماع المنقول ليس بحجة، خصوصاً في هذه المسألة الّتي نعلم قطعاً بعدم ورود نص فيها وصل إليهم ولم يصل إلينا، فمن المظنون أنّهم اعتمدوا على الوجوه الّتي درسناها وأثبتنا ضعفها. فالأقوى كما ذكرنا عدم الضمان.

 
الأمر الرابع:
ضمان المثلي بالمثل
تحليل هذه القاعدة يتوقف على دراسة أمرين:
الأوّل: ما هو الميزان في كون التالف مثلياً أو قيمياً، وهذا بحث صغروي .
الثاني: ضمان المثلي بالمثل وضمان القيمي بالقيمة وهو بحث كبروي. وقد أطال الشيخ (رحمه الله) الكلام في الصغرى وأوجز في الكبرى ولو أوجز في كليهما لكان أفضل.
فلنقدم البحث أوّلاً في الصغرى ثم في الكبرى.
اعلم أنّ هذه القاعدة لم ترد في رواية، وإنّما وقعت موقع الإجماع، في كلام الفقهاء، كما سيوافيك.
وقد عرّف المثلي والقيمي بتعاريف ربّما ناهز عددها العشرة أو أكثر، كما أورده صاحب الجواهر( [470])، غير أنّ الفقهاء بتعاريفهم تلك أرادوا أن يشرحوا ما هو المرتكز في العرف، لأنّ العرف بفطرته يعرف ما هو المثلي والقيمي ويميّز بينهما بلا حاجة إلى هذه التعاريف، ولذلك لو أرجعنا القضاء في ذلك إلى العرف لكان أفضل فما حكم العرف بأنّه مثلي فيضمن بالمثل وما حكم بأنّه قيمي فبالقيمة. وبالرغم من ذلك لا بأس بذكر بعض التعاريف:
الأوّل: المثلي: هو ما تتساوى قيمة أجزائه، وزاد بعضهم بالتمثيل بالحنطة والشعير وغيرهما من الحبوب والأدهان. وبما أنّه ربّما لا تتساوى قيمة أجزاء نوع الحنطة فسّره بعضهم بتساوي قيمة أجزاء الصنف من النوع منه، وبما أنّه لا تتساوى قيمة أجزاء صنف واحد من النوع فسّره بعضهم بالأشخاص من الصنف.( [471])
وبذلك تعرف أنّ القيمي هو الّذي يقابل المثلي أي الّذي لا تتساوى قيمة أجزائه.
فإن قلت: هذا يوجب أن لا يكون الدرهم الواحد مثلياً إذ لو انكسر نصفين نقصت قيمة مثله عن نصف قيمة المجموع.
قلت: النقض غير وارد لأنّ المراد هو نوع الدرهم أو صنفه أو شخصه الصحيح. ولذلك تساوي قيمة درهم واحد قيمة نصف الدرهمين.
فإن قلت: إن أُريد تساوي الأجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساوياً حقيقياً فقلّما يتفق ذلك لأنّ أشخاص ذلك الصنف لا تكاد تتساوى في القيمة لتفاوتها بالخصوصيات الموجبة لزيادة الرغبة ونقصانها، وإن أريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة وإن لم تتساو حقيقة تحقق ذلك في أكثر القيميات مثلاً فإنّ لنوع الأمة أصنافاً متقاربة في الصفات الموجبة لتساوي القيمة، وبهذا الاعتبار يصح السلم فيها. حتّى أنّ الرطب والفواكه من القيميات مع أنّ نوع كلّ منهما مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة بل متساوية عرفاً.
قلت: قد مرّ أنّ المحور في التساوي هو تساوي أجزاء الشخص لا النوع ولا الصنف.
ولعل هذا التعريف هو أفضل التعاريف وأتقنها وهو المشهور، وهناك تعاريف أُخرى نتلوها عليك.
الثاني: المثلي ما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته، وهذا هو المحكي عن التحرير.( [472])
الثالث: المثلي: المتساوي الأجزاء والمنفعة، المتقارب الصفات، وعليه الشهيدان في الدروس والروضة.( [473])
الرابع: ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية، وهو المحكيّ عن غاية المراد.( [474])
الخامس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن.
السادس: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن وجواز بيعه سلماً.
السابع: المثلي ما قُدّر بالكيل أو الوزن، وجاز بيعه سلماً، وبيع بعضه ببعض.
وقد حكيت التعاريف الثلاثة الأخيرة عن فقهاء السنة.( [475])
إلاّ أنّ كلّ هذه التعاريف لا تحلّ العُقدة ـ لو لم تزد في الطين بلة ـ والأولى الرجوع إلى العرف، فما رآه مثلياً فهو مثلي وما رآه قيمياً فهو قيمي، والتعاريف الّتي ذكرنا أتت في خدمة العرف وبيان مرتكزه، إلاّ أنّ الّذي يجب أن نركز عليه أنّ كثيراً من القيميات صارت في أعصارنا مثليات، فقد كان الحيوان والثوب أمراً قيمياً لقلة العثور على حيوان يشبه الآخر تماماً كالغنم، وهكذا الثوب الّذي كان ينسج بالآلآت اليدوية.
ولكن بعد النهضة الصناعية أصبح كثيرٌ من القيميات أُموراً مثليّة، فإنّ مصانع النسيج تخرج إلى الأسواق كلّ يوم آلاف الأمتار من القماش وكلّ منها مثل للآخر أو صنفه أو شخصه.
وكذلك في حقول الدواجن فإنّها تنتج الطيور بوزن واحد ومواصفات متشابهة. ولذلك لا عتب على الإيجاز في التعريف وارجاع الصغرى إلى العرف، إنّما الكلام في الكبرى.
دراسة كبرى القاعدة
أمّا الكبرى فهي مركبة من شيئين:
أ. ضمان المثلي بالمثل.
2. ضمان القيمي بالقيمة.
ونخص المقام بالبحث عن الأمر الأوّل، ونحيل البحث عن الأمر الثاني إلى محله.
ضمان المثلي بالمثل
المشهور هو ضمان المثلي بالمثل وقد استدل عليه بوجوه:
الأوّل: الاستدلال بالكتاب العزيز
قال سبحانه: ( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) .( [476])
و ( الشَّهرُ الْحَرامُ ) عبارة  عن أشهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم الحرام، سميت بذلك لحرمة القتال فيها.
فقوله: ( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرام ) أي من استحل دمكم أيها المسلمون في هذا الشهر فاستحلوا أنتم دمه فيه.
وقوله: ( وَالْحُرُماتُ قِصَاصٌ ) أي مَن ينتهك حرمات اللّه يقتص منه ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع كل عذر يتذرع به من ينتهك الحرمات، فمن استباح دماء الناس وأموالهم واعراضهم استبيح منه ما استباح هو منهم.
وقوله: ( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) بيان لكيفية القصاص، وهو أن تكون العقوبة مماثلة لجناية المعتدي دون زيادة أو نقصان.
هذا هو معنى الآية، إنّما الكلام في الموصول الوارد في قوله: ( بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) ففيه وجهان:
الأوّل: المماثلة في جنس الاعتداء بأن تكون مصدرية غير زمانية، فيكون معنى الآية: اعتدوا عليه بمثل اعتدائه عليكم، فإذن تختص الآية بالاعتداء بالأفعال، ويكون معنى الآية: إنّه إن أتلف أموالكم فلكم أيضاً إتلاف أمواله، وعلى هذا فلا دلالة للآية على الضمان، بل تدل على جواز الإتلاف.
ولعل هذا هو المتيقن لورود الآية في ثنايا آيات الجهاد مع المشركين، فالآية ترخص للمسلمين الاعتداء على المشركين اعتداءً مماثلاً لاعتدائهم حتّى لا يخرجوا عن حدود العدل. وأين هي من الدلالة على ضمان المثلي بالمثلي، مع أنّ الآية تركز على الأفعال، دون الأعيان.
الثاني: المماثلة في المعتدى به بأن تكون «ما» موصولة ويكون المراد بها المعتدى به، فيكون المعنى: فاعتدوا عليه بمثل الشيء الّذي اعتدى به عليكم. فيكون المراد من الموصول الأعيان الخارجية من النقد والعرض. فيصير الاعتداء كناية  عن اشتغال ذمة المعتدي بالمثل، ولكن سُمّي هذا اعتداءً مجاراةً لفعل المعتدي.
 
الثاني: الاستدلال بالسنّة
قد ورد في غير واحدة من الروايات من أنّه إذا اقترض الخبز أو الجوز يجوز ردّ مثله وإن اختلف في الكبر والصغر، منها:
1. روى الصدوق عن الصباح بن سيابة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : انّا نستقرض الخبز من الجيران ونردّ أصغر منه أو أكبر، فقال (عليه السلام) : «نحن نستقرض الجوز  الستين والسبعين عدداً فيكون فيه الكبيرة  والصغيرة فلا بأس».( [477])
2. روى إسحاق بن عمار قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : استقرض الرغيف من الجيران ونأخذ كبيراً ونعطي صغيراً ونأخذ صغيراً ونعطي كبيراً؟ فقال: «لا بأس».( [478])
يلاحظ عليه: انّ الروايتين بصدد بيان عدم لزوم الربا بمناسبة الصغر والكبر، لا بصدد بيان ضمان المثلي بالمثل بل تدلان على أنّ ضمانه به كان أمراً فطرياً ارتكازياً.
الثالث: الإجماع
قال صاحب الجواهر: إنّ ضمان المثلي بالمثل من قطعيات الفقه كما يومي إليه أخذه مسلماً في سائر أبوابه. ففي «جامع المقاصد» الإجماع عليه ، بل في «غاية المراد» أطبق الأصحاب على ضمان المثلي بالمثل.( [479])
والظاهر انّ الدليل الوحيد هو الإرتكاز، وليس الإجماع كاشفاً عن الدليل بل إجماعهم لأجل وجود السيرة العقلائية على ضمان المثلي بالمثل، وذلك لقضاء العرف على أنّه إذا لم يتمكن من ردّ العين يرجع إلى الأقرب من التالف وهو المثل.
ويمكن أن يوجه الارتكاز بما ذكره المحقّق النائيني بقوله: انّ مقتضى النبوي انّ كلّ ما دخل تحت اليد يجب على الضامن ردّه، فمادامت العين موجودة تدخل بخصوصياتها النوعية والشخصية والمالية تحت الضمان، وإذا تلفت لابدّ من ردّ عوضها، فإذا لم يتمكن من ردّ الخصوصية الشخصية تبقى النوعية والمالية في ضمان الشخص.( [480])
ويقول المحقّق الاصفهاني: نعم إذا دخلت العين في العهدة فقد دخلت بجميع شؤونها فيها، فإذا تلفت فقد تلفت بجميع شؤونها وحيثياتها، ومن أحكام عهدة العين التالفة شرعاً وعرفاً أداء بدلها بطبيعتها المماثلة وبماليتها، إذا أمكنتا، وبالأخيرة إذا لم يمكن.( [481])
ولعلّ ما ذكره كان توضيحاً لما هو المرتكز، والظاهر عدم الحاجة إلى هذه الإطالة، ويكفي في ذلك انّ كيفية الضمان أمر عقلائي لا يختص بدائرة الشرع ولا بالمسلمين، وحكم العقلاء في أبواب الغصب وفي إتلاف الأمين أو الإتلاف من دون يد، هو ضمان المثليات بالمثل، فلا تجد تخلفاً عن ذلك من غير فرق بين باب الغرامات والضمانات.
إذا شُكّ في كون شيء مثلياً أو قيمياً
إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً ـ ولعلّ هذا الفرض قليل أو نادر ـ وإن كان الظاهر من الفقهاء أنّه شائع حيث اختلفوا في أنّ الذهب والفضة المسكوكين مثليان كما عليه الفقهاء، أو قيميان كما عليه الشيخ في المبسوط( [482])، كما اختلفوا في الحديد والنحاس والرصاص، وكذلك اختلفوا في الرطب والعنب والزبيب والتمر.( [483])
والمستفاد من الكلمات هو الضمان بالمثل، وسيأتي من الشيخ استثناء مورد من  هذه الضابطة.
واستدل على الضابطة بأنّ كلّ ما أجمعوا على كونه قيمياً يؤخذ به، وأمّا في موارد الشك فيجب الرجوع إلى المثل، لأنّ مقتضى عموم الآية والأخبار وجوب المثل في جميع الموارد خرج منه ما أجمعوا على كونه قيمياً، إلاّ أنّ القيمي مردد مفهوماً بين الأقل والأكثر، ويقتصر في التخصيص على القدر المعلوم وهو ما أُجمع على كونه قيمياً، فيبقى المشكوك تحت العموم.( [484])
توضيح ذلك: أنّه إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثم قال: لا تكرم الفساق من العلماء، فصار مفهوم الفاسق مجملاً مردداً بين كونه مرتكب الكبيرة أو أعم منه ومرتكب الصغيرة، فيقتصر في تخصيص العام بالأقل المتيقّن وهو الكبيرة ويرجع في الصغيرة إلى العام.
يلاحظ على الاستدلال: بانّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان المخصص دائراً بين الأقل والأكثر مفهوماً كما في المثال المذكور لا مصداقاً كما هو الحال في المثال التالي: إذا قال: لا تكرم الفساق، وتردد الفاسق بين التسعة والعشرة مصداقاً ففي هذا المقام لا يتمسك بالعموم في الفرد الزائد على التسعة. ونظيره المقام فإنّ القيمي معلوم مفهوماً، إنّما الإشكال في المصداق كالأمثلة الّتي تقدمت.
وربما يرجع في نفس المسألة (إذا شك في كون شيء مثلياً أو قيمياً) إلى القرعة تارة وإلى حكم الحاكم أُخرى، ولكن الرجوع ضعيف لأنّ موردهما الشبهة الموضوعية، كما إذا تردد الغنم الموطوء بين مائة رأس. لا مثل المقام حيث إنّ الشك تعلق بالحكم الكلي وهو: إذا دار الشيء بين كونه مثلياً أو قيمياً فماذا يكون حكمه الشرعي؟
والأولى أن يستدلّ على الرجوع بالمثل بالوجهين التاليين:
1. إنّ اللازم أوّلاً ردّ نفس العين بجميع خصوصياتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية. فإن تلفت العين ولم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات الشخصية يجب المحافظة على الخصوصيات النوعية والصنفية والمالية، وإن لم يتمكن من المحافظة على الخصوصيات يجب المحافظة على المالية، ويترتب على ذلك انّه لو تمكن من ردّ المثل لا تصل النوبة إلى القيمة.
2. انّ الاشتغال اليقيني بردّ مال الغير يقتضي ردّ المثل، إذ معه يحصل اليقين بالخروج عن الاشتغال دون القيمة.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري استثنى منها مورداً وقال:«وما شك في كونه قيمياً أو مثليّاً ملحقا بالمثلي مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع والتالف ومع الاختلاف(نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصاناً فاحشاً) أُلحِقَ بالقيمي.
قلت: لعلّ وجهه ان المقام يكون من قبيل دوران الأمر بين المتباينين حيث إنّ الواجب مردد بين الخروج عن الذمة بالدرهم والدينار وبين الخروج عنها بالمثل.  ومقتضى تحصيل البراءة اليقينية هو دفع القيمة.
وإنّي أرى أنّ الإطناب في المقام غير مطلوب إذ قلّما يتفق للعرف الشك في كون شيء مثلياً أو قيمياً، ولو كان الشك غير عزيز في الأعصار السابقة ولكن الحضارة الصناعية تجاوزت عن هذه المسألة.

 
الأمر الخامس:
إذا لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل
قال العلاّمة في القواعد:  لو لم يوجد المثل إلاّ بأكثر من ثمن المثل ففي وجوب الشراء تردد.( [485])
أقول : للمسألة صورتان:
الأُولى: إذا كان ارتفاع القيمة لأجل ارتفاع السوق وذلك لكثرة الرغبات والطلبات، فصارت قيمة المثل أكثر من قيمة التالف يوم تلفه، وبعبارة أُخرى: إنّ ارتفاع القيمة لم يكن لعزّة وجوده وقلة حصوله بل الوجود غير عزيز ولكن القيمة مرتفعة لأجل زيادة الطلب.
الثانية: إذا كان ارتفاع القيمة لعزة الوجود وفقده، إلاّ عند من يعطيه بأزيد ممّا يرغب فيه الناس حتّى مع وصف الإعواز بحيث يُعدّ بذل ما يُريد مالكه بإزائه ضرراً عرفاً.
أمّا الصورة الأُولى: فلا إشكال في وجوب شراء المثل وإبراء الذمّة وذلك لوجوب ردّ مال الناس إليهم من غير فرق بين عدم ارتفاع القيمة أو ارتفاعها، ولا يُعدّ ذلك إضراراً من الناس بالنسبة إلى الدافع.
أضف إلى ذلك أنّ الحكم بالضمان ورد في مورد الضرر، فلا يرتفع بدليل نفي الضرر.
وامّا الصورة الثانية: فقد تردد فيها الشيخ بادئ الأمر وقال: فيمكن التردد فيها لأنّ الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم، كالرقبة في الكفارة والهدي في الحج، لكنّه (قدس سره) قال بوجوب الشراء بنفس الدليل المذكور في الصورة الأُولى، ويريد بذلك عموم النص والفتوى.
ولكن المساعدة مع ما ذكره الشيخ مشكلة، لحكومة قاعدة نفي الضرر على العمومات.
وإن شئت قلت: انّ عزة الوجود  إلاّ عند من لا يبيع إلاّ بأزيد من ثمن المثل حتّى في حال الغلاء والقحط، تُلحقُ المورد بالمعدوم، فينتقل إلى القيمة لعدم شمول إطلاقات الأدلة لهذا النوع من المثل، اللّهم إلاّ إذا كانت الزيادة قليلة يتسامح فيها الناس عادة، فيجب عليه شراء المثل.
نعم لو أقدم بنفسه وحده ـ كما في الغاصب ـ كان لما ذُكر وجه، وامّا في مسألتنا ففي صورة الجهل ليس المشتري مُقْدماً على الضرر.

 
الأمر السادس:
لو تعذر المثل في المثلّي
لو تعذر المثل في المثلي، بمعنى انّ المثل كان موجوداً فلم يغرمه حتّى فُقد أو كان مفقوداً حين التلف، ففي المقام أُمور:
1. وجوب دفع القيمة مع المطالبة
إذا فقد المثلُ فهل يجب على القابض دفع القيمة أو لا؟ فهنا صورتان:
أ. أن يطالب المالك بحقه من القابض فيجب دفع القيمة.
ووجهه واضح، لأنّ منع المالك من المطالبة ظلم، ومن جانب آخر إلزام الضامن بالمثل منفيٌّ بالتعذر، فوجبت القيمة جمعاً بين الحقّين.
ب. أن لا يطالب بحقه ويصبر إلى العثور على المثل، فعندئذ لا دليل على سقوط حقه عن المثل، ولم يكن للقابض إجباره بالقيمة.
وبذلك يُعلم أن من أطلق الحكم بالقيمة عند تعذر المثل لعله أراد صورة المطالبة.

 
2. ما هو المعتبر في قيمة المثل المتعذر
هنا عدّة احتمالات نذكر منها ما يلي:
أ. قيمة يوم الأخذ.
ب. قيمة يوم التلف.
ج. قيمة يوم الدفع.
د. أعلى القيم من زمان الأخذ إلى زمان الدفع.
هـ. أعلى القيم من زمان التلف إلى زمان الأداء.
وقد ذكر العلاّمة بعض هذه الاحتمالات في القواعد، قال: ففي القيمة المعتبرة، احتمالات:
أ. أقصى قيمته من يوم الغصب إلى التلف.
ب. أقصى قيمته من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز.
ج. أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز.
د. أقصى القيم من وقت الغصب إلى وقت دفع القيمة.
هـ. القيمة يوم الإقباض(يوم الدفع).( [486])
والاحتمال الأخير هو المشهور.
قال الشيخ: المشهور انّ العبرة في قيمة المثل المتعذر، بقيمته يوم الدفع، وهو الأقوى.
وذلك لأنّ القابض بغير حق شرعي لفساد العقد مسؤول بالنسبة إلى ما أخذ وهو على عهدته لا بمعنى أنّ العين الشخصية في ذمته حتّى يقال انّ العين الخارجية ظرفه الخارج والذمة ظرف للكليات. بل بمعنى أنّ القابض بأخذ مال الغير صار مسؤولاً بالنسبة لما أخذ فما لم يخرج عن العهدة والمسؤولية، فهو مسؤول عن العين لا عن مثلها ولا قيمتها، وإنّما يحصل الانقلاب لأجل الإعواز بالتراضي بالعوض، فتقوّم العين ـ على فرض وجودها ـ وتدفع قيمتها إلى البائع. وهذا عبارة أُخرى عن ضمان قيمة المثل يوم الدفع.
وبذلك يُعلم وجود المسامحة في عبارة الشيخ حيث قال: المعتبر في قيمته المثل المتعذر بقيمته يوم الدفع لأنّ المثل ثابت في الذمة إلى ذلك الزمان فلا دليل على سقوطه بتعذره، كما لا يسقط الدين بتعذر أدائه.( [487])
وجه المسامحة: انّ الصحيح هو أن يقول: إنّ العين ثابتة في الذمة إلى ذلك الزمان... إلى آخر ما ذكره.
وبذلك يُعلم حال سائر الاحتمالات وضعفها، لأنّ أكثرها مبنيّة على انقلاب المثلي إلى القيمة يوم الإعواز أو يوم التلف أو يوم أدائها، وقد عرفت انّ المسؤولية بالنسبة إلى العين باقية إلى يوم التلف ولا أثر لارتفاع القيمة أو نزولها بين الدفع وقبض العوض.
وقد أطال الشيخ الكلام بذكر الاحتمالات المتقدمة وما يصلح دليلاً عليها ولكن الجميع احتمالات ضعيفة مبنية على أصل غير صحيح وهو تبدل المسؤولية من العين إلى غيرها.
فإن قيل: إنّ الضمان لابدّ وأن ينتقل إلى القيمة عند إعواز المثل وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية.
قلت: قد عرفت أنّ الثابت في الذمة ـ بمعنى مسؤولية الإنسان تجاه المالك ـ هو نفس العين من غير فرق بين المثلي والقيمي، فما ذكره في ذيل كلامه: «وإلاّ لم ينتقل إلى المثل أيضاً عند تلف العين الشخصية» غير صحيح. إذ لا ينتقل إلى المثل عند التلف بل الثابت في الذمة مطلقاً هو العين إلى زمان الخروج عن العهدة.
3. تعذر المثل من أوّل الأمر
ثمّ أنّ الظاهر  من كلام العلاّمة في «القواعد» أنّ موضوع المسألة هو ما إذا لم يتعذر المثل حين التلف وإنّما فُقد بعده، حيث قال: لو تلف المثلي في يد الغاصب ـ و المثل موجود فلم يغرمه حتّى فقد ـ. ولكن الظاهر عدم الفرق، لما عرفت من أنّ المسؤولية بالنسبة إلى العين تبقى إلى حين الخروج عن الذمة، فوجود المثل حين التلف وعدمه لا يؤثر فيما ذكرنا.
نعم يمكن أن يتوهم على القول بانقلاب ضمان العين إلى المثل عند التلف.
4. ما هو المناط في التعذر والإعواز
حُكي عن العلاّمة أنّه قال: إنّ المراد بإعواز المثل أن لا يوجد في البلد ولا حوله، وزاد في المسالك قوله: ممّا يُنقل عادة منه إليه، وعن جامع المقاصد: انّه يرجع فيه إلى العرف. ويظهر من الشيخ قول رابع وهو وجوب تحصيل المثل وإن توقف تحصيله على مؤونة كثيرة.
ولكن الظاهر ما ذكره الاعلام الذين تعرّفت على كلامهم، فإنّ سيرة العقلاء جرت في الإعواز وعدمه، وهو وجود المثل وعدمه في البلد وأطرافه، وأمّا البلد النائي أو البلاد النائية الّتي يتوقف تحصيل المثل منها على مؤونة كثيرة فهو ضرر على المشتري.
5. معرفة قيمة المثل
إذا فرضنا إعواز المثل فهل الملاك في التعرف على قيمته، فرض وجوده ولو في غاية العزّة كالفاكهة في أوّل زمانها أو آخره، أو فرض وجوده في غاية الوفرة؟ أو لا هذا ولا ذاك، بل المتوسط بين الفرضين، كما هو الحال في أكثر الموارد وهو الأقوى.
وربما يقال أنّه يقدر وجوده حتّى على نحو العزة، لأنّ المفروض أنّ الثابت في الذمة هو المثل، والقيمة هي قيمته بلا زيادة.
يلاحظ عليه: بأنّ قيمة المثل إذا كانت  مختلفة فلماذا تعيّنت قيمة ذلك المثل؟ ـ أضف إلى ذلك ـ أنّه يستلزم الضرر على المشتري من جانب البائع إذ من المعلوم انّه ترتفع قيمة المثل عند عزة الوجود إلى أضعاف قيمته عند الوفرة. ثم إنّ ما ذكرنا أنّ الملاك هو الزمان المتوسط بين العزة والوفرة لا ينافي ما ذكرنا من كون القابض مسؤولاً عن العين، لكن كيفية الخروج عن العهدة إنّما هو بلحاظ الشيء في وقت لا نادر ولا وافر.
6. سقوط العين عن المالية
لو سقط المثل عن المالية بالمرّة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في المفازة، والثلج في الشتاء إذا أتلفه في الصيف، فلا مناص من دفع القيمة، إنّما الكلام في تعيين قيمته فلا يمكن أن يقال تجب عليه قيمة يوم الدفع، لخروجه عن المالية، ولعل العرف يساعد على قيمة اليوم الّذي سقط فيه المثل عن المالية.
7. إذا تمكن من المثل بعد تعذره
لو دفع القيمة في المثلي المتعذر مثله، ثم تمكن من المثل، فهل يعود المثل إلى ذمته أو لا؟ وجهان:
1. لا يعود المثل إلى ذمته لأنّ المثل كان ديناً في الذمة، سقط بأداء عوضه مع التراضي فلا يعود، كما لا يعود لو تراضيا بعوضه مع وجود المثل.
2. يعود، لانّ المثل بتعذره النازل منزلة التلف صار قيمياً، لا مطلقاً فلذلك يحتمل وجوب المثل عند وجوده لأنّ القيمة حينئذ بدل الحيلولة عن المثل وحكمه حكم المبدل عند انتفاء الحيلولة.
يلاحظ عليه: انّ الظاهر هو الأوّل وذلك لما عرفت من أنّ الثابت في الذمة في المثلي والقيمي هو العين مطلقاً، غير انّ الطرفين يتفقان على سقوط ما في الذمة بالمثلي تارة إذا كان أقرب إلى العين، وبالقيمة ـ تارة أُخرى ـ فإذا كان المثلي متعذراً. فالاتفاق على السقوط نوع تعاهد من الطرفين على الإبراء مطلقاً سواء وجد المثل بعد أم لم يوجد.
وتصور أنّ دفع القيمة كبدل الحيلولة فإذا تمكّن من ردّ العين، يجب ردّها، بعيد عن أذهان العرف، لأنّ في دفع بدل الحيلولة نوع توقيت لما أخذ، كما إذا جعل الخشب المغصوب جزءاً للسفينة وهي في البحر، فما يأخذه من القيمة يكون بدل الحيلولة إلى أن تصل السفينة إلى الساحل ويأخذ خشبته وهذا بخلاف المقام، فإنّ المتبادر هو انتهاء الأمر بينهما بأخذ القيمة، وإنهاء المخاصمة بأخذها.

 
الأمر السابع:
لو كان التالف المبيع بالعقد الفاسد، قيمياً
إذا كان التالف المبيع بالعقد الفاسد قيمياً فهناك بحوث ستة:
البحث الأوّل: ضمان التالف القيمي بالقيمة
اتفق الفقهاء ـ إلاّ من شذ ـ على أنّ التالف القيمي يُضمن بالقيمة، وتدل عليه الاخبار الكثيرة المتفرقة في كثير من القيميات، هذا ما ذكره الشيخ ولم يذكر من الروايات شيئاً، ويمكن أن يستدل عليه ببعض الروايات الواردة في تقويم العبد المشترك إذا باع أحد الشريكين حصته حيث تقوّم الحصة الأُخرى على من باعه، نظير:
1. روى محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليلاً أو كثيراً فاعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه فيعتقه كله، وإن لم تكن له سعة من مال نُظر في قيمته يوم اعتق منه ما اُعتق ثم يسعى العبد بحساب ما بقي حتّى يُعتق»( [488])، والرواية صحيحة لا حسنة، فإنّ إبراهيم بن هاشم من أعلى الثقات وإن لم يوصف بكونه ثقة.
2. روى السكوني قال: سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن سُفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وبيضها وجبنها وفيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «يقوّم ما فيها ويؤكل لأنّه يفسد وليس له بقاء فإن جاء طالبها غرموا له الثمن». قيل له: يا أمير المؤمنين لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي؟ فقال: «هم في سعة حتّى يعلموا».( [489])
امّا إذا لم يكن للتالف مثل فلا شك أنّه يُضمن بالقيمة للارتكاز المسلّم بين العقلاء، وقد مرّ أنّ كيفية الخروج عن الضمان أمر عقلائي.
إنّما الكلام فيما إذا كان قيمياً لكن وُجد له المثل، فهل يجب على الضامن دفع المثل كما فيمن أتلف عبداً من شخص باعه عبداً موصوفاً بصفات ذلك العبد بعينه كما مثل به الشيخ، ويمكن التمثيل بما لو كان له فرسان توأمان باعهما لشخص آخر بعقدين أحدهما فاسد و الآخر صحيح، وقد تلف المأخوذ بالعقد الفاسد، فهل يجب عليه دفع الفرس الآخر الّذي عنده مع كون الفرس قيمياً؟ وهل يجوز للمضمون له رفض القيمة وطلب المثل أو لا؟
الظاهر يجب على القابض دفع المثل كما يجوز للمالك طلبه ورفض القيمة وذلك لما عرفت من انّ الثابت في الذمة هو نفس العين التالفة المضمونة بصفات نوعها وصنفها وشخصها وماليتها، فإذا لم يتمكن من تدارك الصفات ـ بأجمعها ـ تبقى المالية في ذمته وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ بقوله: لأنّ خصوصيات الحقائق قد تقصد، (2) مضافاً إلى أنّ العرف يساعد على ذلك.
ويؤيد ذلك  ما رواه البيهقي في المقام.
روى البيهقي عن أنس أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أُمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت (بعض نسائه) بيده فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة.
وفي رواية أُخرى عن عائشة: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية بعثتْ إلى رسول اللّه باناء فيه طعام فضربته بيدي فكسرته، فقلت يا رسول اللّه: ما كفارة هذا؟ قال: «إناء مكان إناء وطعام مكان طعام».( [490])
وجه الاستدلال بأنّ الأواني من قبيل القيميات مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دفع قصعة صحيحة مكان المكسورة، وهذا يشهد على أنّه إذا كان للقيمي مِثلٌ يقدّم المثل على القيمة، ولذلك نرى أنّ صاحب الجواهر يقول في كتاب القرض: الانصاف عدم خلو القول به من قوة.( [491])
والظاهر أنّ الحكم لا يختص بكتاب القرض بل يعم عامة الضمانات.
وجهه انّ أبواب الضمانات والغرامات من الأُمور العرفية، وكيفية الخروج منها ترجع إليهم، وليس للشارع فيها طريقة خاصة، فطريقته هي طريقة العقلاء، وقد مرّ أنّ  العرف يساعد على جواز مطالبة المضمون له المثلَ الموجودَ من الضامن.
 
البحث الثاني: ما هو الملاك في تعيين القيمة؟
قد عرفت انّه إذا لم يكن للقيمي مثل فلا طريق إلى الخروج عن الضمان إلاّ بأداء القيمة، إنّما المهم هو بيان ما هو الملاك لتعيين هذه القيمة، فهناك احتمالات وقد مرت عند البحث في تعذر المثل، فهل الملاك هو قيمة يوم الضمان أو يوم التلف أو يوم المطالبة أو يوم الأداء، أو أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف، أو أعلاها من يوم القبض إلى يوم الأداء، أو أعلاها من يوم التلف إلى يوم الأداء، وجوه واحتمالات.
أمّا الاحتمالات الثلاثة الأخيرة ـ أعني أعلى القيم ـ فساقطة جدّاً لما عرفت من أنّ المضمون هو نفس العين إلى يوم الأداء فلا وجه بتعيّن أعلى القيم بصوره الثلاثة، إذ ليست القيمة مضمونة حتّى يضمن أعلاها، فبقي الكلام في الاحتمالات الأربعة الأُول: يوم الأداء ، يوم الضمان، يوم التلف، ويوم المطالبة. والأوّل مقتضى القاعدة، والثاني هو المستظهر من صحيحة أبي ولاّد، والثالث والرابع مبنيان على انقلاب العين إلى القيمة في أحد ذينك اليومين، والأَولى دراسة المسألة في مقامين:
الأوّل: مقتضى القاعدة.
الثاني: مقتضى صحيحة أبي ولاّد .
ثم نعرّج إلى القول باعلى القيم.

 
1. مقتضى القاعدة: قيمة يوم الأداء
فنقول: إنّ مقتضى القاعدة كما في المثلي المتعذر مثله، هو تعيّن يوم الأداء، وذلك لما عرفت من أنّ المرتكز في الأذهان أنّ المشتري ضامن للعين فهو مسؤول بالنسبة إليها ومتعهد بها إلى اليوم الّذي يتّفق فيه الطرفان على كيفية الخروج بدفع القيمة وهو يوم الأداء، ففي هذه الصورة لا يجد البائع مناصاً من أن يغض النظر عن الصفات النوعية والصنفية والشخصية ويقتصر على المالية، وعندئذ يحصل التراضي بحلول القيمة محل العين، وتدارك الخسارة المالية بالقيمة، فمقتضى كون العين بماليتها على عهدة المشتري تعيّن قيمة يوم الأداء.
ثمّ إنّي بعدما ذكرت ذلك وقفت على كلام للسيد الأُستاذ (قدس سره) ـ لا في المقام ـ حيث يستدل على أنّ الملاك يوم الأداء بقوله:
إنّ العين في المضمونات على العهدة، إمّا بشخصيتها ، أو بمطلق خصوصياتها، أو بخصوصياتها الدخيلة في الغرامات، أو قلنا بأنّ المثل على العهدة حتّى في القيميات، لما قلنا بأنّ العهدة إذا اشتغلت بالعين أو المثل لابدّ من الخروج عنها وهو بأداء قيمة يوم الأداء، فإنّها نحو أداء لهما، وأمّا أداء قيمة الأيام السالفة أو المستقبلة فلا يُعدّ أداءً إذا نقصت القيمة عن يوم الأداء، وأداءً وزيادةً إذا زادت.( [492])
وقد سبقه إلى اختيار تلك النظرية فقيه عصره السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر وقال: انّ نفس العين باقية في الذمة والعهدة، وبحسب الخروج عن عهدتها، لكن لما لم يمكن ردّ نفسها، وجب دفع عوضها وبدلها فهي بنفسها باقية في العهدة إلى حين الأداء، واعطاء البدل إنّما هو من باب الوفاء، كما إذا كان له عليه منّ من الحنطة ولم يمكنه أداؤه فإنّ الذمة مشغولة بالحنطة حتّى حين التعذر، ودفع البدل من باب الوفاء بغير الجنس ولا ينتقل إلى البدل من حين التعذر.( [493])
هذا هو مقتضى القاعدة الأوّلية فإن دلّ شيء على خلافه نأخذ به وإلاّ فهو المحكّم.
2. مقتضى صحيحة أبي ولاّد
وقد استُدّل على انّ الواجب هو قيمة يوم الضمان بصحيحة أبي ولاّد الحنّاط، وإليك نصّها بطولها، قال: اكتريت بغلاً إلى قصر ابن هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجت في طلب غريم لي، فلمّا صرت قرب قنطرة الكوفة خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجهت نحو النيل، فلمّا أتيت النيل خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى بغداد، فاتبعته وظفرت به، وفرغت ممّا بيني وبينه، ورجعنا إلى الكوفة.
وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوماً، فأخبرت صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعت وأرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهماً، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة، وأخبره الرجل.
فقال لي: وما صنعت بالبغل؟
فقلت: قد دفعته إليه سليماً.
قال: نعم، بعد خمسة عشر يوماً.
قال: فما تريد من الرجل؟
فقال: أُريد كراء بغلي، فقد حبسه عليّ خمسة عشر يوماً.
فقال: ما أرى لك حقّاً; لأنّه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة، فخالف وركبه إلى النيل، وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل، وسقط الكراء، فلمّا ردّ البغل سليماً وقبضتَه لم يلزمه الكراء.
قال: فخرجنا من عنده، وجعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، فأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، فحججت تلك السنة، فأخبرت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بما أفتى به أبو حنيفة.
فقال (عليه السلام) : «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها، وتمنع الأرض بركتها».
قال: فقلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : فما ترى أنت؟
فقال: «أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة  إلى النيل، ومثل كراء بغل راكباً من النيل إلى بغداد، ومثل كراء بغل من بغداد إلى الكوفة توفّيه إيّاه».
قال فقلت: جعلت فداك، قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟
فقال: «لا; لأنّك غاصب».
قال فقلت: أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟
قال: «نعم، قيمة بغل يوم خالفته».
قلت: فإن أصاب البغل كسر، أو دبر، أو غمز؟
فقال: «عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه».
فقلت: من يعرف ذلك؟
قال: «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتري كذا وكذا فيلزمك».
فقلت: إنّي كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني.
فقال: «إنّما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم، ولكن إرجع إليه فأخبره بما أفتيتك به، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك».
قال أبو ولاّد: فلمّا انصرفت من وجهي ذلك لقيت المكاري، فأخبرته بما أفتاني به أبو عبد اللّه، وقلت له: ما شئت حتّى أعطيكه؟
فقال: قد حبّبت إليّ جعفر بن محمّد (عليه السلام) ، ووقع في قلبي له التفضيل، وأنت في حلّ، وإن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك، فعلت.( [494])
 
توضيح مفاد الصحيحة
إنّ صحيحة أبي ولاّد ـ قبل الخوض في الاستدلال بها ـ تحتاج إلى دراستها سنداً ومتناً ، فنقول: أمّا السند فلا غبار عليه لأنّ كلّ من ورد في السند ثقة بلا كلام وامّا أبو ولاّد فهو حفص بن سالم الثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليهما السلام) ، وربما يشك في وثاقته بأنّه خالف ما اتفق عليه كما ورد في الرواية.
لكن هذا العمل وإن كان على خلاف الاتفاق إلاّ أنّه من المحتمل كان عالماً برضا المالك إذا دفع له أُجرة التأخير.
ثمّ إن استرضاءه صاحب البغل مع أنّ القاضي قضى لصالحه دليل على احتياطه وتقواه، كما أنّ سؤاله الإمام الصادق (عليه السلام) عن المسألة ورجوعه إلى صاحب البغل ليوقفه على فتوى الإمام الصادق (عليه السلام) كاشف عن كون الرجل متقياً محتاطاً.
هذا كلّه حول السند، وأمّا المتن، فلابدّ من النظر فيه من جهات:
الأُولى: إنّ البغل جاء منكّراً في موردين حسب نقل صاحب الوسائل ومرآة العقول كما يلي:
أ. أرى له عليك مثل كراء بغل ذاهباً من الكوفة إلى النيل.
ب. نعم قيمة بغل يوم خالفته.
ولكن نقل في سائر الموارد معرّفاً.
وأمّا الكافي( [495]) والوافي ( [496]) والتهذيب ( [497]) فقد نقلوا الجميع معرّفاً باللام.
الثانية: تفسير مفردات الرواية.
النيل: نهر بمصر ونهر بالكوفة، وحكى الأزهري قال: رأيت في سواد الكوفة قرية يقال لها النيل.( [498])
العطب: هو الموت، وامّا النفق فلعلّه عطف تفسير، فيكون المراد هو الموت والهلاك، وربما يفسّر بالكسر وهو غير جيد لأنّه سأل عنه مستقلاً بقوله: فإن أصاب البغل كسرٌ، وبذلك يعلم أنّ الصحيح: ونفق مكان (أو نفق).
الدبر: ـ بالفتح ـ الجراحة تحدث من الرحل وغيره.
الغمز: يقال غمزت الدابة مالت من رجلها.
الثالثة: إنّ فتوى أبي حنيفة على براءة الغاصب مبنية على تفسير الحديث النبوي «الخراج بالضمان» بمطلق الضمان ولو كان غاصباً، وقد عرفت أنّ المراد من الضمان هناك هو الملك لا الضمان المصطلح، فمن ملك شيئاً فخراجه له ـ لماذا؟ ـ لأجل ما دفع من الثمن، «فمن عليه الغرم فله الغنم»، ولا صلة للحديث بضمان الغاصب واستغلاله.
والظاهر انّ أبا حنيفة حمل «الضمان» في الحديث على الضمان بمعنى الاسم المصدري أي كون المال في العهدة، وأنّ مطلق دخول الشيء في العهدة مقتض لاستحقاق منافعه، ويكون معنى الحديث: إنّ ما يحصل من العين من النماء والمنفعة بدل لضمان العين وإن كان الضمان بغير اختيار واقدام بل بحكم الشارع بمقتضى شمول حديث «على اليد» ولكن الظاهر انّ الضمان بمعناه المصدري وهو التعهد الاختياري، وإن شئت قلت: الضمان المعاوضي فإنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي ملكية المنافع والنماء بدلاً عن الضمان المعاوضي ببذل العوض، فإنّ الغرض المهم للمتعهد بذلك، كون المنافع والنماء له مجاناً. والحديث يختص بالضمان المعاوضي ولا صلة له بالضمان غير الاختياري إذ لا مناسبة بين كون المنافع له وكون العين في العهدة من غير اختيار.( [499])
إذا علمت ذلك، فإنّ موضع الاستدلال في الرواية، هو المقاطع الثلاثة التالية:
1. «نعم قيمة بغل يوم خالفته».
2. «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم ترده عليه».
3. «يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتري كذا وكذا فيلزمك».
فظاهر العبارة الأُولى انّ الملاك قيمة يوم المخالفة.
وظاهر العبارة الثانية انّ الملاك في تعيين الأرش قيمة يوم الردّ على المالك.
وظاهر العبارة الثالثة انّ الملاك عند الاختلاف قيمة يوم الاكتراء.
فالجمع بين هذه المضامين الثلاثة أمر يحتاج إلى التدقيق، وقد أفاض الفقهاء المتأخرون الكلام في تبيين مفاد الصحيحة.
الفقرة الأُولى والملاك يوم الضمان
فلنرجع إلى دراسة الفقرة الأُولى: أعني قوله: «نعم قيمة بغل يوم خالفته» فقد ذكر الشيخ في تعلق الظرف ـ أعني قوله: «يوم خالفته» ـ وجوهاً ثلاثة:
الأوّل: جعل اليوم قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل، بمعنى انّ لفظ «القيمة»لما كان جامداً غير قابل لتعلق الظرف به فإذا أُضيف إلى البغل، يوجد فيه شائبة الحدثية فيخرج عن كونه جامداً. فيكون معناه أنّ الثابت في ذمتك هو قيمة المغصوب (بغل) يوم المخالفة.
الثاني: جعل «اليوم » قيداً للقيمة باعتبار إضافة القيمة إليه ثانياً بعد
ما أُضيف إلى البغل أوّلاً، فيكون معنى العبارة: «قيمة بغل قيمة يوم
المخالفة».
ولا يخفى بُعده إذ المضاف إلى شيء لا يضاف إلى شيء آخر.
وعلى كلّ تقدير: فالاستدلال على انّ الملاك هو قيمة يوم المخالفة مبني على كون الظرف أعني «يوم خالفته» متعلقاً بالقيمة بأحد الوجهين.
الثالث: تعلق الظرف (يوم) بقوله: «نعم» القائم مقام قوله (عليه السلام) : «يلزمك». حيث قال السائل: قلت أرأيت لو عطب البغل ونفق أليس كان يلزمني؟ قال: «نعم، يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل»، وعلى هذا فإنّما يدلّ على ضمان يوم المخالفة، بقيمة البغل.
وامّا انّه يضمن قيمة ذلك اليوم فلا يدلّ عليه. وبعبارة أُخرى الإمام بصدد بيان انّ الغاصب يضمن ما حدث يوم المخالفة ولا يضمن ما حدث قبله.
وضعّفه الشيخ بقوله: إنّ غرض السائل هو العلم بما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، والتفسير المزبور لا يكفي جواباً له وإنّما يدلّ على ما هو عالم به من أنّ زمان المخالفة زمان حدوث الضمان.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد ما ذكره الشيخ كان اللازم أن يقول: فماذا يلزمني؟ مع أنّه قال: أليس يلزمني؟ وهذا يدلّ على أنّ السؤال عن أصل الضمان وعدمه.
هذه هي الوجوه الثلاثة في بيان متعلق الظرف. والمهمّ تبيين متعلق الظرف، أعني «يوم خالفته».
فنقول: إنّ لفظة «البغل» إمّا أن تكون محلاة باللام أو منونة، فندرس مضمون الجملة على كلا الاحتمالين.
أمّا على الاحتمال الأوّل: فالاستدلال مبني على أنّ السؤال عمّا يلزمه بعد ما علم أنّ عليه الضمان فقال الإمام: «قيمة البغل يوم خالفته»، ولكن الظاهر ـ كما سيظهر ـ أنّ السؤال عن أصل الضمان لا عما يلزمه.
توضيحه: أنّه لما ألزمه الإمام  بدفع كراء البغل من النيل إلى بغداد ومنها إلى الكوفة طرح أبو ولاّد أمرين، ليدفع بهما وجوب دفع الكراء من هذه المواضع المختلفة هما:
1. أنّه علّفه فله عليه علفه، فأجاب الإمام بالردّ فقال ليس لك، لأنّك غاصب، وهذا يدلّ على أنّ العلف في تلك الأيام كان على الموجر لا على المستأجر. لكنّه لما صار غاصباً كان التعليف عليه.
2. ما تلقاه من أبي حنيفة من سقوط الكراء في مقابل ضمان البغل أي وجود الملازمة بين ضمان البغل وعدم الكراء ولذلك قال: أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني قيمة البغل؟ فهذه الجملة إشارة إلى ما اختلج في ذهنه: كيف يجب عليّ الكراء مع كوني ضامناً للبغل.
فأجابه الإمام: نعم يلزمك الضمان يوم الاستيلاء على مال الغير قيمة البغل ولا منافاة بين الضمان ووجوب الكراء. وقد اخطأ  أبو حنيفة حيث حسب المنافاة بين الضمان والكراء، فعلى هذا فالسؤال والجواب مركزان على الضمان وعدمه فالسائل لأجل تأثره بقول أبي حنيفة: «الضمان بالخراج»، يرجّح عدمه، والإمام يحكم بالضمان بمجرد الاستيلاء على مال الغير، وعلى هذا فذكر «يوم خالفته» بيان لمبدأ الضمان. فكأنّه قال: يلزمك يوم المخالفة ضمان البغل.
والّذي يدلّ على ما ذكرنا، هو انّ الجواب يجب أن يكون مطابقاً للسؤال فالسؤال كان عن أصل الضمان لا عما يلزم عليه أعني قيمة يوم المخالفة، نعم ربّما يُشعر بأنّ المدار قيمة يوم المخالفة ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم المخالفة، قيمة البغل، ينصرف الذهن إلى انّه ضامن قيمة ذلك اليوم ولكنّه إشعار وليس بدلالة.
وعلى هذا فمدار البحث والمذاكرة على حدوث الضمان يوم المخالفة وعدمه لا على ما يلزمه يوم المخالفة، وبعبارة أُخرى: انّ الرواية بصدد بيان انّ مبدأ الضمان هو يوم المخالفة لا قبله، لأنّه كان أميناً قبلها وصار خائناً بالمخالفة فمن ذلك الزمان عليه ضمان البغل إذا عطب أو إذا نقص.
نعم النقصان السابق ـ عيناً وقيمة ـ غير مضمون لأنّه لم يكن غاصباً وإنّما المضمون منه هو بعد المخالفة.
وبذلك يُعلم أنّ الوجه الثالث الّذي استبعده الشيخ ليس ببعيد وهو أن يقال: انّ قوله نعم بمنزلة يلزمك، والمعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل، وامّا ما يلزمه من القيم المختلفة فليس مطروحاً للسائل والإمام.
ولو فرضنا دلالة الرواية على انّ الملاك هو قيمة البغل يوم المخالفة فلعلّ الأمر به لأجل ثبات الاسعار يوم ذاك، فإذا استأجر بغل الغير وسافر به مدة خمسة عشر يوماً يكون قيمة البغل يوم المخالفة نفس قيمته يوم الأداء، وأمّا عدول الإمام عن قيمة يوم الأداء إلى قيمة يوم المخالفة لبيان انّ الاحداث المتقدمة الواردة على البغل قبل يوم المخالفة غير مضمونة، لانّ الرجل لم يكن غاصباً.
وأمّا على الاحتمال الثاني أعني كون  البغل مجرداً عن اللام ومحلّى بالتنوين، فلعلّ الوجه في تنكيره هو أنّ البغل ربّما يكون يوم الضمان سميناً جامعاً لصفات تزيد معها الرغبة فيه، بخلاف يوم الردّ فربّما يصير هزيلاً غير مرغوب فيه. لأجل زيادة الركوب فذكر الإمام كلمة البغل منكراً إشارة إلى ذلك.
وعلى أي حال فالظرف متعلق بالفعل المستفاد من قوله:«نعم»، وهو أنّه يلزمه الضمان يوم المخالفة قيمة بغل كذا وكذا، حتّى تكون هذه الصفات ملحوظة عند الضمان.
وهناك احتمال ثالث وهو تجريد الظرف عن اللام والتنوين وإضافته إلى مابعده بصورة تتابع الاضافات أي قيمة بغل يوم خالفته، وهو وإن كان وارداً في اللغة الفصيحة كقوله سبحانه: ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوح وَعاد وَثَمُودَ )( [500]) ولكنّه بعيد في هذه الجملة.
فقد ظهر من ذلك أنّ الرواية ساكتة عمّا هو الملاك في القيمة والمرجع هو القاعدة الّتي اسّسناها لو لم يدل دليل على خلافها.
الفقرة الثانية قيمة يوم الردّ
وقد يستدل بقوله: «عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه»
ففيه اختلفوا في متعلق الظرف أعني قوله : « يوم تردّه » وربما يقال
انّه متعلق بـ « عليك » وأُخرى بانّه متعلق بـ «قيمة» وثالثة بأنّه متعلق
بـ«العيب».
وقد استدل القائل بأنّ الملاك قيمة يوم الرد بهذه الفقرة جاعلاً الظرف متعلقاً بقوله «قيمة».
والمراد من الردّ إمّا رد البغل أو رد الأرش، ولكن الظاهر أنّ الظرف (يوم تردّه) متعلق بقوله (عليك) الّذي يتضمن معنى الفعل، فيكون المراد من هذه الجملة نفس المراد من الجملة السابقة، وكأنّه يقول: يلزمك يوم تردّه قيمة ما بين الصحة والعيب.
وأمّا ما هو الملاك في تعيين ما به التفاوت فالجملة ساكتة عنه فهو راجع إلى قضاء العرف.
نعم هذه الفقرة لا تخلو عن إشعار بأنّ الملاك قيمة يوم الردّ ببيان انّه إذا قيل: يضمن يوم الردّ قيمة ما بين الصحة والعيب، ينصرف الذهن إلى قيمة يوم الردّ، لكنّه اشعار ليس بدلالة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه لا تعارض بين الفقرتين وانّهما تتكفلان ببيان أصل الضمان لا ما هو الملاك وانّ الظرف فيهما ليس قيداً للقيمة بل لقوله «نعم» في الفقرة الأُولى، ولقوله «عليك» في الفقرة الثانية.
 
الفقرة الثالثة: قيمة يوم الاكتراء
لما حكم الإمام (عليه السلام) بأنّه يجب عليه ردّ قيمة ما بين الصحة والعيب سأله أبو ولاّد عمن يعرف ذلك التفاوت، فقال الإمام (عليه السلام) : «أنت وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك».
أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين أكتُري كذا وكذا فيلزمك.
فمقتضى توجه اليمين إلى صاحب البغل في الجملة الأُولى أن يكون منكراً والمستأجر مدعياً فعلى صاحب البغل اليمين باعتبار كون موقفه هو الإنكار، أو ردّ اليمين على صاحب البغل هذا حسب الفقرة الأُولى.
وامّا حسب الفقرة الثانية من أنّ  له إقامة الشهود والبيّنة فهو مدع لا منكر، فكيف اجتمع في شخص واحد الوصفان: الإنكار والادعاء؟
والجواب: أنّ الإشكال مبني على أنّ المشار إليه في لفظة«ذلك» في قوله: «فمن يعرف ذلك» هو قيمة البغل وعندئذ  يطرح السؤال كيف يتصور أن يكون شخص واحد منكراً ومدعياً، وامّا لو قلنا بأنّ مرجع الإشارة هو تفاوت ما بين الصحيح والمعيب فعند ذلك يمكن أن يقال الموضوع في الفقرتين مختلف لا واحد، بيان ذلك:
إنّ الفقرة الأُولى أعني: «إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، فإن ردّ اليمين...» راجعة إلى قيمة البغل المعيوب الموجود بين أيديهما.
فالمستأجر يدّعي زيادة قيمة المعيب، وانّه يساوي  ثلاثين والمالك يدعي أنّه بسبب العيب انخفضت قيمته وانّه يساوي عشرين بعد اتفاقهم على أن قيمة الصحيح هو الخمسون فلو صحّ قول المالك يكون ما به التفاوت هو ثلاثون ولو صحّ قول المستأجر يكون ما به التفاوت هو عشرون، وعلى هذا فالمالك منكر لموافقة قوله: «الأصل»، والمستأجر مدع، فاليمين على المالك فإن رده على المستأجر فعليه اليمين.
وأمّا الفقرة الثانية ـ أعني قوله: «أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل يوم اكتري كذا وكذا» ـ راجعة إلى اختلافهم في قيمة البغل الصحيح بعد اتفاقهم على قيمة البغل المعيوب، وأنّه عشرون، فالمالك يدّعي زيادة القيمة، والمستأجر ينكرها، يكون صاحب البغل مدّعياً فيجب عليه إقامة الشهود على أنّه يوم اكتري كان يساوي خمسين درهماً، بينما المستأجر يكون منكراً للزيادة، وانّه يساوي أربعين، ومن المعلوم إذا كانت قيمة الصحيح مرتفعة يكون الأرش كثيراً. مثلاً إذا اتّفقا على أنّ المعيب يساوي عشرين، واختلفوا في الصحيح عندما اكتراه فالمالك على أنّه كان يساوي خمسين فالتفاوت بين الصحيح والمعيب ثلاثون، والمستأجر يدّعي أنّه يوم اكتري يساوي أربعين فالتفاوت يساوي عشرين.
إلى هنا خرجنا بأنّه لا دلالة للصحيحة على ما هو الملاك في القيمة فالمرجع هو القاعدة العامّة.
القول الثالث: ضمان أعلى القيم
قد عرفت مفاد الصحيحة وأنّها غير ناظرة إلى ما هو الملاك في تعيين القيمة، وأنّ المرجع هو القاعدة الأوّلية، أعني: ضمان قيمة يوم الدفع. ثمّ إنّ بعضهم ذهب إلى الضمان بأعلى القيم من حين الغصب إلى يوم التلف بوجوه، أنهاها الشيخ الأنصاري( [501]) إلى خمسة، وأضاف إليها المحقّق الخوئي( [502]) وجهين آخرين، والوجوه متقاربة نقتصر بذكر ما ذكره الشيخ وهي:
الوجه الأوّل: ما استظهره الشهيد الثاني في «الروضة البهية» عن صحيحة أبي ولاّد إذ قال: ويمكن أن يستفاد من صحيح أبي ولاّد اعتبار الأكثر منه إلى يوم التلف، وهو قوي عملاً بالخبر الصحيح، وإلاّ لكان القول بقيمته يوم التلف مطلقاً، أقوى.( [503])
وقال الشيخ بعد نقل هذا القول ـ عن الشهيد الثاني ـ : ولم يعلم لذلك وجه صحيح، ولم أظفر بمن وجه دلالتها على هذا المطلب.( [504])
ويمكن توجيهه بأنّ الإمام (عليه السلام) قال أوّلاً:«نعم قيمة  بغل يوم خالفته». ثم قال (عليه السلام) ثانياً:«عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه»، فاعتبر يوم الغصب ويوم الرد معاً، ويستفاد منه أنّ الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب إلى يوم الرد.
وذكر المحقّق الخوئي توجيهاً آخر فقال: إنّ المغصوب مضمون على الغاصب بقيمة يوم المخالفة، والمراد بيوم المخالفة إنّما هو طبيعيّ يوم المخالفة الّذي يصدق على كلّ يوم من أيام الغصب لا اليوم الخاص.( [505])
ولا يخفى ضعف التوجيهين:
أمّا التوجيه الأوّل: فلأنّ الموضوع في الفقرة الأُولى هو موت الدابة، وفي الفقرة الثانية ورود النقص عليها، فانتزاع قاعدة كلية من الفقرتين مبني على وحدة الموضوع في الحكم مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الملاك في موت الدابة هو قيمة يوم المخالفة، وفي ورود النقص عليها هو قيمة يوم الردّ.
أمّا التوجيه الثاني: فلأنّ المتبادر من يوم المخالفة هو اليوم الخاص لا طبيعي المخالفة وبعبارة أُخرى: المراد من اليوم هو اليوم المشخّص، لا مطلق اليوم حتّى يصدق على طبيعيّه.
الوجه الثاني: ما نقله الشيخ  بقوله: «إنّ العين مضمونة في جميع تلك الأزمنة الّتي منها زمان ارتفاع قيمته».
ولمّا كان هذا الكلام إدعاءً مجرداً عن الدليل حاول الشيخ أن يوجّهه فقال  ـ في كلام مفصّل ـ ما هذا ملخصه: إنّ للعين في كلّ زمان من أزمنة تفاوت قيمتها، مرتبة من المالية أُزيلت يد المالك منها وانقطعت سلطنته عنها، فإن رُدّت العين فلا مال سواها يضمن، وإن تلفت استقرت عليا تلك المراتب لدخول الأدنى تحت الأعلى، نظير ما لو فرض للعين منافع متفاوتة متضادة حيث إنّه يُضمن الأعلى منها.
وبعبارة أُخرى: أنّ كلّ زمان من أزمنة الغصب قد أُزيلت يد المالك من العين على حسب ماليته ففي زمان، أزيلت عن مقدار درهم، وفي آخر عن درهمين، وفي ثالث عن ثلاثة وإذا استمرت الإزالة إلى زمان التلف وجبت غرامة أكثرها.( [506])
يلاحظ عليه: بأنّ مجرد إزالة  يد المالك عن أعلى القيم إنّما يوجب الضمان إذا تلفت العين والقيمة هي أعلاها، وأمّا لو انخفضت القيمة بعد وصولها إلى أعلاها ثم تلفت فلا دليل على ضمان  القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يد المالك بشهادة أنّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما كان عليه ضمان بالنسبة إلى القيمة العليا الّتي أزيلت عنها يده.
وبعبارة أُخرى: المدّعى عام والدليل خاص بصورة واحدة وهي إذا ارتفعت قيمة العين وتلفت في نفس الزمان لا مطلقاً حتّى لو انخفضت القيمة بعد ارتفاعها ثم تلفت العين، فعندئذ لا يضمن ارتفاع القيمة بشهادة انّه لو ردّت العين بعد الانخفاض لما ضمن ارتفاع القيمة.
الوجه الثالث: التمسّك بقاعدة الاشتغال وأنّ ذمة القابض مشغولة بحق المالك ولا تحصل البراءة إلاّ بدفع أعلى القيّم.
يلاحظ عليه: بأنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين حيث يدور الأمر بين اشتغال ذمته بالأقل أو الأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر.
الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ من استصحاب الضمان المستفاد من حديث «على اليد...» .
يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد استصحاب ضمانه بالعين فلازمه دفع قيمة يوم الرد، على انّه لا حاجة للاستصحاب بعد دلالة القاعدة الأولية عليه.
وإن أراد اشتغال الذمة بالقيمة بعد التلف فهو مردد بين الأقل والأكثر.
ثمّ إنّ هذه الوجوه العقلية لو تمّت في حدّ نفسها لكنّها مخالفة لصحيحة أبي ولاّد إذا قلنا بدلالتها على أنّ الميزان هو قيمة يوم المخالفة، أو مخالفة للقاعدة الأوّلية الّتي أسسناها.
البحث الثالث: ارتفاع القيمة حسب الأمكنة
قد عرفت حكم ارتفاع القيمة بحسب الأزمنة وانّ القابض لا يضمن سوى قيمة يوم الأداء. فعلى هذا لو كانت قيمة التالف يوم الردّ مختلفة حسب الأمكنة، مثلاً إذا كانت في محل الضمان بعشرة، وفي محل التلف بعشرين، وفي مكان المطالبة بثلاثين، قال الشيخ: فالظاهر اعتبار محل التلف لأنّ مالية الشيء تختلف حسب الأماكن وتداركه حسب ماليته في المكان الّذي تلفت فيه.( [507])
أقول: قد مرّ نظير البحث في المثلي حيث قال الشيخ: ثمّ إنّ لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل بين كونه في مكان التلف أو غيره ولا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم لا، لعموم الناس مسلطون على أموالهم.( [508])
وعلى هذا فبين كلامي الشيخ اختلاف واضح.والظاهر أنّ له المطالبة في أي مكان شاء وذلك لانّ الناس مسلطون على أموالهم فلهم طلب العين إذا أمكن ردّها وإلاّ فمطالبة القيمة في أي مكان، اللّهمّ إلاّ إذا كان ردّ العين أو القيمة في مكان المطالبة أمراً حرجياً وإضراراً بالنسبة إلى القابض كما إذا طلب إبله التالفة في البلاد الصناعية الّتي قلّما يتفق فيها وجود أمثال هذه الدواب.
البحث الرابع: إذا زادت القيمة لزيادة في العين
قال الشيخ: انّ جميع ما ذكرنا من الخلاف  إنّما هو في ارتفاع القيمة السوقية الناشئة من تفاوت رغبة الناس، وأمّا إذا كان حاصلاً من زيادة في العين فالظاهر ـ كما قيل ـ عدم الخلاف في ضمان أعلى القيم. وفي الحقيقة ليست قيم التالف مختلفة وإنّما زيادتها لأجل الزيادة العينية الحاصلة فيه النازلة منزلة الجزء الفائت.
وقال في الجواهر: إذا استند نقصان القيمة إلى حدوث نقص في العين، ثم تلفت، فإنّ الأعلى مضمون إجماعاً.( [509])
أقول: انّ الزيادات الحاصلة في العين تارة تكون منفصلة وأُخرى متصلة.
أمّا الأُولى فهي خارجة عن مصب البحث وإنّ حكمها حكم العين ويجب ردّ عينها، وإلاّ فإن تلفت يجب المثل أو القيمة، إنّما الكلام في الثانية، كما إذا سمنت الدابة في فترة من الزمان ثم هزلت وتلفت، فهل هي مضمونة أو لا؟ فمقتضى القول بأنّ العين مضمونة بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية ضمان الصفات الّتي لها دخل في قيمة التالف، فتقدّر العين وهي موصوفة بتلك الأوصاف و تقوّم حين الردّ، وتردُّ قيمتها إلى البائع.
ومع ذلك ففي كونها مضمونة مطلقاً، موضع تأمل وإنّما تكون مضمونة إذا كانت موجودة من أوّل الأمر، أو حدثت وكانت باقية إلى ان تلفت، وامّا الأوصاف الّتي تحدث في بعض الفصول حسب طبيعتها وتزول في البعض الآخر، فالقول بضمانها مشكل لعدم دور للقابض فيها.
البحث الخامس: في انخفاض القيمة السوقية
لو انخفت القيمة السوقية للعين القيمية وكانت العين يوم أتلفها غالية وفي يوم أداء القيمة أصبحت رخيصة فهل عليه ضمان القيمة المنخفضة أو لا؟
مقتضى القواعد عدم الضمان لما عرفت من أنّ العين مضمونة بعينها على القابض وإنّما ينتقل إلى القيمة يوم الدفع فيكون المتعين قيمة ذلك اليوم، وإن  كانت القيمة منخفضة ولا يُعدّ ذلك ضرراً لأنّ المضمون له بإمكانه أن يشتري به نظير ما تلف عند القابض.
واستدل السيد الخوئي على عدم الضمان بأنّ انكسار القيمة العرفية لا يضمن وإلاّ  للزم تضمين التاجر المستورد لبضاعة، الكاسر بذلك، قيمة البضاعة الموجودة لدى تاجر آخر.( [510])
يلاحظ عليه: بالفرق بين المثال والممثل فإنّ الناس في مورد المثال احرار في التجارة، والتجارة نوع تسابق في اكتساب الربح وهذا بخلاف المورد، فإنّ القابض ضامن لمالية المقبوض عند القبض والمفروض انكسارها عند الأداء، فتأتي هناك شبهة ضمان انكسار القيمة السوقية.
البحث السادس: ضمان انكسار القوة الشرائية
إذا باع الدراهم بعملة أُخرى ثم تبيّن فساد البيع فيجب على القابض دفع ما أخذه من الدراهم فإذا كانت الدراهم عند المعاملة لها قيمة عالية وعند الردّ انخفضت قيمتها، فهل يجب على القابض ضمان انكسار القيمة الشرائية للنقد أو لا؟
وهذا البحث ممّا لم يتطرق إليه الفقهاء الأقدمون لأنّ العملة السابقة كانت درهماً أو ديناراً وهي كانت ثابتة غالباً، ولم يتعرض اقتصادهم
إلى التضخّم ، غير أنّ هذه المسألة ممّا يبتلي بها الناس في أبواب مختلفة
منها:
1. باب القرض، إذا اقرض شخص شخصاً بالعملة الورقية الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة ـ مثلاً عشرين مثقال ذهب خالص ـ ولكنّها عند الردّ تنخفض قيمتها وتساوي (مثلاً 18 مثقالاً). فهل يجب عليه ضمان انكسار القيمة الشرائية بحجة أنّ رأس المال عبارة عن القوة الشرائية وهي كانت عشرين مثقالاً يوم الإقراض وأصبحت 18مثقالاً يوم الدفع، فلا يشمله: ( فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ) .( [511])
2. باب المهور، إذا تزوج على ألف تومان بالنقد الرائج حينئذاك وكانت قوة شرائها يومذاك تعادل30 مثقالاً ذهباً ولكنّها في هذه الأيام تساوي أقل من ذلك فهل يجب على الزوج أن يدفع ما يكون في قوة الشراء مساوياً مع ما أمهرها .
3. باب الغرامات: إذا أتلف شيئاً من العملة الرائجة وكانت لها قوة شرائية معيّنة، وبعد التلف أصبحت لها قوة شرائية أقل، فهل يجب على المتلف ضمان الفرق أو لا؟ إلى غير ذلك من الأبواب.
الظاهر ـ و اللّه العالم ـ وجوب الضمان وجبر الانكسار بشهادة أنّ الناس في كلّ الأبواب يتماكسون في قلة العملة وكثرتها، وما هذا إلاّ لأنّ للكثرة قوة شراء ليست للقلة، كما أنّهم يتماكسون في المهور بين القليل والكثير. أضف إلى ذلك أنّ الإغماض على خلاف قاعدة العدل والانصاف.
وأمّا القرض فلا يجب على المقترض ضمان انكسار القيمة، وذلك لأنّ المقرض قد أهدر كرامة ماله بالنسبة إلى إنكسار القيمة، بإقراض ماله ـ مع علمه ـ بإنّ العملة النقديّة في الأحوال الحاضرة تترقى وترتفع تارة وتنخفض وتُكسر أُخرى، ومع ذلك أقرض ماله مدة سنة فإذا أخذ ما اقرض من العملة النقدية، فقد أخذ رأس ماله.

 
الأمر الثامن:
حكم بدل الحيلولة
إذا  كانت العين المقبوضة بالعقد الفاسد، موجودة فلابدّ من ردّها إلى المالك إذا أمكن الردّ بسهولة.
وإذا كانت تالفة فلابدّ من الخروج عن العهدة; بدفع المثل أو القيمة.
إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة غير تالفة لكن يتعذر ردّها في وقت قصير، كما لو غرقت، وتوقف اخراجها من البحر على عمليات تستغرق وقتاً كثيراً فهل يضمن بدل الحيلولة بدفع قيمته حتّى يتّجر بها إلى أن يخرجه من البحر ونظيره اللوح المغصوب في السفينة إذا خيف من نزعه غرق مال لغير الغاصب، فهل تجب على الضامن دفع القيمة إلى أن يبلغ الساحل  وقد  حال القابض بين المالك وسلطنته على العين وبعبارة أُخرى: الملكية والمالية للعين محفوظة وإنّما الزائل تسلط المالك على العين فلو وجب البدل، فهو بدل للحيلولة بينه وبين سلطة المالك على المال .
مورد بدل الحيلولة
وقبل دراسة أدلّة المسألة نشير إلى الموارد الّتي ربما يتصور كونها من مصاديقها:
1. إذا حال القابض بين المالك وسلطنته وعلم عدم تمكن القابض على ارجاعها.
2. تلك الصورة ولكن يتمكن بعد سنين ملحقة عرفاً لعدم التمكن.
3. يظن أو يعلم بتمكن القابض من الارجاع بعد مدة ربما يستحسن الصبر من المالك، للعثور على العين.
4. يتمكن من الارجاع في زمان قصير جداً، ضمن يوم أو يومين أو اسبوع.
فالأوّل والثاني، يلحقان بالتالف فالعين فيها  في نظر العقلاء تالفة أو كحكم التالف فلا محيص من دفع المثل أو القيمة.
كما انّ الزام  القابض بالبدل في الصورة الرابعة مذموم عند العرف، فتعين  أن يكون مورده، هو الصورة الثالثة.
وعلى أي حال فقد استدل لوجوب دفع البدل بوجوه:
الأوّل: ما روى محمد بن  يحيى عن محمد بن الحسن قال كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام) : رجل دفع إلى رجل وديعة، وأمره أن يضعها  في منزله أو لم يأمره، فوضعها في منزل جاره فضاعت، هل يجب عليه إذا خالف أمره وأخرجها عن ملكه؟ فوقع (عليه السلام) : «هو ضامن لها إن شاء اللّه».( [512])
يلاحظ عليه: انّ الرواية  ناظرة إلى ما لا يرجى العثور عليه، الذي مرّ في صدر البحث انّه ملحق بالتالف  فأين هي من المقام. وقس عليه سائر ما استدل به من الروايات في هذا الباب.
الوجه الثاني: تسلط الناس على أموالهم التي فرض كونها في عهدتهم فيقتضي جوازَ مطالبة الخروج عن عهدتها عند تعذرها، نظير ما تقدم في تسلطه على مطالبة القيمة للمثل المتعذر في المثلي.( [513])
يلاحظ عليه: ـ مع غض النظر عن سند الحديث ـ انّ القاعدة تدلّ على انّ الناس مسلطون على أموالهم بالبيع واللبس والسكنى والهبة وغير ذلك وبعبارة أُخرى: ليس لغير المالك منع المالك عن  التصرف في ماله. وأمّا أنّه إذا تلفت العين فصار الغير مسؤولاً عن المُتْلَف فايجاب بدل الحيلولة إلى أن يخرج عن العهدة بانقاذ ما غرق في البحر بالأدوات فهو ممّا لا بدل عليه الحديث.
وحصيلة الكلام أنّه لا ملازمة بين تسلط الناس على أموالهم وطلب البدل، وما جاء في آخر الكلام من قياس بدل الحيلولة على طلب القيمة عند تعذّر المثل في المثلي فقياس مع الفارق، فإنّ القابض في المقيس عليه مسؤول عن العين بصفاتها النوعية والصنفية والشخصية والمالية، فإذا لم يتمكن من الأُولى تتعين المرحلة الثانية  وهكذا. وأمّا وجوب ردّ البدل إلى أن يدفع العين فلا يقاس عليه.
الوجه الثالث: قاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن»، فالغاصب  قد أتلف سلطنته على العين ـ لافتراض بقاء العين ـ فهو لها ضامن، ولا يخرج عن العهدة إلاّ ببدل الحيلولة.
يلاحظ عليه: انّ مورد القاعدة هو إتلاف العين، لا إتلاف السلطنة مع بقاءها.
الوجه الرابع: قاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
وجه الاستدلال: انّ مفاد الحديث كما يظهر من مورده ـ هو عدم جواز إضرار بعض الناس على بعض، فهذا النوع من الإضرار ليس مشروعاً في الإسلام، ومن المعلوم انّ الحيلولة بين المالك والعين المملوكة مدة طويلة لا قصيرة ـ يُعدّ إضراراً ـ من الناس إلى المالك فمعنى عدم جوازه هو لزوم قيام الضارّ بعمل يسد هذا الضرر ومن طرقه دفع بدل الحيلولة.
فإن قلت: إنّ قاعدة «لا ضرر» تنفي الحكم الضرري ولا تثبت مكان النفي حكماً شرعياً يُسد به الضرر.
قلت: ما اشتهر بين المتأخرين من أنّ القاعدة نافية وليست بمثبتة مخالف لما ورد في موردها فإنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر سمرة بالاستئذان وقال:«استأذن يا سمرة» وليس مصدر هذا الحكم إلاّ قاعدة «لا ضرر» كما هو ظاهر سياق الحديث.
الوجه الخامس: حرمة مال المؤمن الّتي مرّ دليلها نقلاً وعقلاً، فحرمة مال المؤمن من جانب وعدم تمكن القابض من ردّ العين من فوره يقتضي الجمع بين الحقين وهو جبر الخسارة ببدل الحيلولة بحيث يتصرف فيه كأنّه مالك. نعم وجوب الحيلولة، حكم تكليفي لا وضعي.
الوجه السادس: الاستدلال ببناء العقلاء ومرتكزاتهم في نظائر هذه الموارد فإذا حال الإنسان بين المالك وماله بسبب من الأسباب ولم يتمكن من رفع الحيلولة إلاّ بعد مضيّ فترة  يتضرر بها المالك فمرتكزهم هو دفع بدل يقوم مكان الملك الواقعي إلى أن يتمكن القابض على رد المال إلى صاحبه هذا هو مرتكز العقلاء ولم يردع الشارع عنه فهو حجة تغنينا عن الوجوه الخمسة التي عرفت النقاش في كثير منها.
بقيت هنا أُمور:
1. الزام الضامن، المالك بأخذ  البدل
لا شكّ أنّه إذا تلفت العين يجوز إجبار الضامن المالكَ على قبول البدل، إنّما الكلام إذا لم يكن تالفاً بل ضاع أو غرق ويظن أو يرجى تمكنه من ردّها إلى المالك فهل حكم البدل (بدل الحيلولة) هنا كحكم المبدل فيما إذا تلفت العين حتّى يجوز للضامن إجبار المالك على قبول البدل، أو لا؟ الظاهر هو الثاني وذلك لأنّ تجويز طلب البدل من باب الامتنان للمالك على الضامن، فهو حقّ له لا للضامن عليه، فله أن يطلب البدلَ من الضامن وليس للضامن حق عليه حتّى يجبره على قبول البدل. ولذلك لو صبر المالك إلى أن يُعثر على العين لم يكن للضامن الاجبارُ بأخذ البدل.

 
2. هل البدل المبذول ملك لصاحب العين
إذا دفع الضامنُ البدلَ إلى المالك إلى أن يعثر على العين فهل المبذول له يملك البدل وفي الوقت نفسه مالك للعين المضاع أو المغرقة أو لا؟ قال المحقّق: «ويملكه المغصوب منه ولا يملك الغاصب العين المغصوبة ولو عادت كان لكلّ منهما الرجوع».( [514])
قال في الجواهر في شرح عبارة المحقّق: كما صرح بذلك كلّه غير واحد من أساطين الأصحاب كالشيخ وابن إدريس والفاضل والشهيد والكركي، بل في المسالك نسبته إليهم مشعراً بالاتفاق عليه بل في محكي الخلاف والغنية نفي الخلاف عن ملك المغصوب منه البدل المزبور بل ظاهرهما على ما قيل بين المسلمين.( [515])
و أورد عليه الشهيد الثاني وقال: ولا يخلو من إشكال من حيث اجتماع العوض والمعوض على ملك المالك من غير دليل واضح ولو قيل بحصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً أو توقف ملك المغصوب منه للبدل على اليأس من العين وإن جاز له التصرف فيه، كان وجهاً في المسألة.( [516])
وحاصل الإشكال: انّ مالكية المالك للبدل وعدم مالكية الغاصب للمبدل يستلزم اجتماع العوض والمعوض في شخص واحد، وتخلص عنه الشهيد الثاني بوجهين:
أ. حصول الملك لكلّ منهما متزلزلاً. فالغاصب يملك العين والمالك البدل متزلزلا.
ب. عدم تملك المالك البدل إلاّ عند اليأس من العين.
أقول: لا ينبغي الإشكال في بقاء العين المضمونة على ملك مالكها فلا وجه للاحتمال الأوّل، إنّما الكلام في البدل المبذول. فإن قلنا بانّه يقتصر على التصرفات غير المتوقفة على الملك فهو، وامّا لو قلنا بالعموم حتّى المتوقفة على الملك فلا محيص من القول بالملكية لكن ملكية مؤقتة مادامت سلطنته منقطعة، ولا بأس بالجمع بين البدل والمبدل بهذا النوع من الملكية. فلو تلفت العين استقرّ ملك المالك على الغرامة. ولو تمكّن من الردّ وردّها عاد البدل إلى الغارم كما سيوافيك تفصيله. نعم لو قلنا بالملكية المؤبدة وعدم رجوعها إلى الضامن حتّى بعد العثور على العين ودفعها إلى المالك لزم الإشكال.
3. لو فاتت بعض المنافع
انّ بقاء العين على ملك مالكها إنّما هو مع فوت معظم الانتفاعات وأمّا لو لم يفت إلاّ بعض ما ليس به قوام المالية فهل هذا الموضع من موارد إيجاب التدارك بالعدل فيملك العين والبدل معاً بالنحو المذكور، الظاهر لا، وانّ المورد، من موارد إيجاب المثل أو القيمة وفاقاً للشيخ حيث قال «لو ورد دليل على وجوب غرامة قيمة، حينئذ، لم يبعد كشف ذلك عن انتقال العين إلى الغارم مثلاً:
لو وطأ الغاصبُ الحيوانَ الّذي يُركب، فلا يخرج عن المالية وإنّما يجب نفيه عن البلد وبيعه في بلد آخر لكن هذا لا يُعدّ فواتاً لما به قوام المالية، ولذلك ورد في الدابة الموطوءة من الزام الواطئ بأخذ الدابة واعطاء ثمنها.
روى سَدير عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يأتي البهيمة؟ قال: يُحدّ دون الحد، ويغرم قيمة البهيمة لصاحبها، لأنّه أفسدها عليه، وتذبح وتحرق وتدفن إن كانت ممّا يؤكل لحمه. وإن كانت ممّا يركب ظهره أغرم وجلد دون الحد وأخرجها من المدينة الّتي فعل بها فيها إلى بلاد أُخرى حيث لا تعرف فيبيعها فيها كي لا يعيّر بها صاحبها.( [517])
4. إذا خرجت عن المالية مع بقائها على الملكية
كان محور البحث، انقطاع السلطنة عن العين مع بقائها على ماليّتها السابقة.
أمّا لو خرجت عن المالية (عن التقويم حسب تعبير الشيخ) مع بقائها على صفة الملكية فقد اختار الشيخ وجوب كمال القيمة، مع بقاء العين على ملك المالك، لأنّ القيمة عوض الأوصاف والاجزاء الّتي خرجت العين لفواتها عن التقويم لا عوض العين نفسها كما في الرطوبة الباقية بعد الوضوء بالمغصوب ـ جهلاً بالموضوع ـ  فانّ بقائها على ملكها لا ينافي وجوب الغرامة لفوات معظم الانتفاعات به فلا يجوز المسحُ بها إلاّ بإذن المالك( [518])، ثم استشهد بكلام العلاّمة في القواعد بانّه لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة (وطلبها المالك) وجب نزعها، فإن خيف تلفها لضعفها فالقيمة.( [519])
وحاصل كلامه انّ السلطنة المطلقة على البدل، بدل عن السلطنة المنقطعة عن العين وليس بدلاً عن ملكية العين، فلا غرو في أن تكون الرطوبة والخيوط ملكاً للمالك وهذا معنى بدل الحيلولة.
يلاحظ عليه: انّ الماء والخيوط وما أشبههما يُعدّان عندئذ من المتلفات مثل التلف الحقيقي فيكون هناك معاوضة قهرية بين البدل والمبدل. فلو طلب كمال القيمة ومع ذلك لم يُجز المسح بالرطوبة أو طلب الخيوط المقطعة، يُعد عمله هذا على خلاف العدل والانصاف.
وأمّا لو غصب خل الغير، وصار خمراً عند الغاصب فهل يجب رد العين مع القيمة استصحاباً لحق الأولوية الثابتة للمالك قبل الغصب حيث إنّ الخل لو صار خمراً عنده لكان هو أولى به من غيره فيستصحب إلى ما صار خمراً عند الغاصب، أو لا يجب الرد؟ ذهب الشيخ إلى الأوّل، مؤيداً بانّه لو عادت خلاً، ثانياً ردت إلى المالك بلا خلاف ظاهر.
أقول: يؤيد قول الشيخ وجود الفرق بين المثالين والخمر فإنّ الرطوبة الباقية تعد تالفة وهكذا الخيوط، وهذا بخلاف الخمر فانّه قابل للتخليل فلا مانع من بقاء حق الأولوية والاختصاص، غاية الأمر إذا قوّم، فإنّما يقوّم بعنوان الخل الّذي صار خمراً وهو قابل لئن يكون خلاً. وعندئذ تكون القيمة انقص من الخل الّذي اريق وتلف، وعندئذ لا يلزم الجمع بين العوض والمعوض.
5. حكم نماء البدل والمبدل
لما كان الغرض المهم، هو الانتفاع بالبدل، فتكون  عامة نماءات البدل له، إنّما الكلام في نماء المبدل فالتالف منه غير مضمون لأنّ الغاية من دفع البدل تدارك المنافع غير المستوفاة، وأمّا غير التالف كنتاج الغنم فمقتضى القاعدة انّه ملك المالك، لمّا عرفت من عدم خروجه عن ملكه.
6. ارتفاع القيمة بعد الدفع
إذا ارتفعت قيمة العين بعد دفع البدل فهل يضمن الغارم ذلك الارتفاع أو لا، اختار الشيخ عدم الضمان قائلاً بأنّ مقتضى صدق الغرامة على المدفوع، خروج الغارم عن عهدة العين وضمانها، فلا يضمن ارتفاع قيمة العين سواء كان للسوق أو للزيادة المتصلة أو المنفصلة كالثمرة، ولا يضمن منافعها.( [520]) ثم إنّه حكى الضمان عن التذكرة والتوقف عن جامع المقاصد.
وما اختاره الشيخ هو الأقوى، لانّ الغرض الأقصى هو الخروج عن العهدة والضمان مادام لم يردّ العين. فالقول بضمان الارتفاع بعد الدفع وقبل ردّ العين مناقض للغرض المنشود من دفع البدل. وربّما يقال بالتفصيل بين كونه «بدلاً عن العين أو السلطنة المنقطعة، فعلى الأوّل لا يضمن لبقاء العين بخلاف الثاني»لانقطاع السلطنة. وبما أنّ الشيخ يقول بالثاني، فلازم كلامه، ضمان الارتفاع مع انّه لم يقل به هنا.
7. وجوب الردّ عند التمكن
لا شكّ في وجوب رد العين بعد التمكن منه وجوباً تكليفياً، لبقاء المبدل في ملكه، «وعلى اليد ردُّ ما أخذت حتّى تؤدّي»، وان توقف على المؤونة كما كانت الحال كذلك قبل دفع البدل. واستصحاب سقوط وجوب الردّ حين التعذر، غير تام لانّ سقوطه حين التعذر كان للتعذر العقلي وقد انقلب الموضوع. نعم للغاصب حبس العين حتّى يردّ البدل أخذاً بحكم البدلية، خلافاً لصاحب الجواهر حيث قال بعدم جواز الحبس لضرورة عدم المعاوضة الّتي مقتضاها ذلك في المقام، وإن كانت هي معاوضة معنوية فليست هي إلاّ نحو من كانت عنده عين، لمن له عنده كذلك.( [521])
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقام وما قاسه عليه، حيث لا مقابلة ولا بدلية هناك، بخلاف المقام فانّ البدل يحكي عن معناه وانّه عوض ذاك.
 
8. حكم بدل الحيلولة عند التمكن من الردّ
إذا تمكن من الردّ، فهل تخرج الغرامة عن ملك المالك وتعود إلى ملك الغارم فيضمن القابض العين من يوم التمكن ضماناً جديداً، بمثله أو قيمته يوم حدوث الضمان أو يوم التلف أو أعلى القيم، أو تبقى على ملك مالك العين وتكون العين مضمونة بها لا بشيء آخر في ذمّة الغاصب، فلو تلفت استقر بالتلف ملك المالك على الغرامة فلا يحدث بالتمكن سوى حكم تكليف بالردّ.
الظاهر هو الثاني كما عليه الشيخ لأنّ المفروض كونه بدلاً حتّى يردّ، لا أنّه بدل حتّى يتمكن من الردّ ، مضافاً إلى استصحاب كون العين مضمونة بالغرامة وعدم طروء ما يزيل ملكيته عنها.
بلغ الكلام إلى هنا عشية يوم الثلاثاء تاسع
رجب المرجب من شهور عام 1428هـ
في مدينة قم المحمية في جوار
الحضرة الفاطمية عليها
آلاف التحية.
 

[463] .  المراد من الاسم المصدري هو كون الخسارة عليه سواء تعهد أم لا، في مقابل الضمان المصدري الّذي تكون الخسارة عليه لتعهده عرفاً وشرعاً.
[464] . الوسائل:19، الباب1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.
[465] . الوسائل:8، الباب152 من أبواب العشرة، الحديث 3.
[466] . الوسائل:7، الباب3 من أبواب الأنفال، الحديث 7.
[467] . تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 96.
[468] . السرائر:2/ 285.
[469] . المتاجر: 105.
[470] . جواهر الكلام: 37 / 90.
[471] . جواهر الكلام:37/ 89.
[472] . تحرير الأحكام: 4 / 529 ، كتاب الغصب.
[473] . الدروس الشرعية:3/113، الدرس 219; الروضة البهية: 7 / 36.
[474] . غاية المراد: 135.
[475] . جواهر الكلام:37/ 90.
[476] .  البقرة: 194.
[477] . الوسائل:13، الباب21 من أبواب الدين والقرض، الحديث 1.
[478] . نفس المصدر: الحديث 2.
[479] . جواهر الكلام :37 / 85.
[480] . منية الطالب: 135.
[481] . تعليقة المحقّق الإصفهاني: 79.
[482] . المبسوط:3/ 60.
[483] . المبسوط:3/99; مختلف الشيعة:6/ 135.
[484] . المتاجر: 106.
[485] .  قواعد الأحكام:2/ 227.
[486] . قواعد الأحكام:2/227ـ 228، ولاحظ: جامع المقاصد:6/253ـ 254.
[487] . المتاجر: 107.
[488] . الوسائل:16، الباب18 من أبواب العتق. الحديث3، ولاحظ بقية الأحاديث في هذا الباب.
[489] . الوسائل:2، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث 11.     2 . المتاجر:109، طبعة تبريز.
[490] . السنن الكبرى:6/ 96.
[491] . جواهر الكلام:25/ 20.
[492] .  كتاب البيع:1/ 593.
[493] .  تعليقة السيد الطباطبائي على المتاجر: 96.
[494] .  الوسائل:13، الباب 7 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 1.
[495] . الكافي:5/ 290.
[496] . الوافي:10/ 26.
[497] . التهذيب:7/215 برقم 943.
[498] . لسان العرب: 11 / 686، مادة « نيل » .
[499] . بلغة الفقيه:1/ 74.
[500] . غافر: 31.
[501] .  المتاجر: 111.
[502] . مصباح الفقاهة:1/447ـ 452.
[503] . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:7/43ـ 44.
[504] . المتاجر: 111.
[505] . مصباح الفقاهة:2/ 448.
[506] . المتاجر:111، بتلخيص.
[507] . المتاجر: 111.
[508] . المتاجر: 107.
[509] . جواهر الكلام :37/ 107.
[510] .  المحاضرات:2/ 190.
[511] .  البقرة: 279.
[512] . الوسائل:13، الباب5 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1.
[513] . المتاجر: 112.
[514] .  الشرائع:3/ 241.
[515] . جواهر الكلام:37/ 130.
[516] . مسالك الافهام:12/ 201.
[517] .  الوسائل:18، الباب1 من أبواب نكاح البهائم، الحديث4، وسَدير بن حكيم من رجال الباقر والصادق (عليهما السلام) .
[518] . المتاجر: 112.
[519] . قواعد الأحكام:2/235، وفي ما نقله الشيخ عن القواعد تصحيف وما أثبتناه وهو الصحيح. ولعلّه من الناسخ لا الشيخ نفسه.
[520] .  المتاجر: 113.
[521] . الجواهر:37/ 132.

Website Security Test