welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
مقالات في التقريب
التقية رخصة شرعية
التقية رخصة شرعية

كانت لرحلتي إلى الأُردن عام 1418 نتائج بنّاءة في تقريب الخطى وتبيين عقائد الشيعة من خلال المحاضرات التي القيتُها في الجامعات الإسلامية ، وممّا عطفت النظر عليه هي مسألة التقيّة ، وإنّها ليست أصلاً شيعيّاً محضاً بل هي أصل قرآني نطق بها الصادع بالحقّ وأوضحها المفسرون بكلماتهم .
ثمّ إنّي لما قفلت راجعاً إلى إيران وقفت على مقالة بقلم أحد أساتذة جامعة مؤتة نشرتها صحيفة اللواء الأُردنيّة في عددها الصادر 1211 المؤرخة 24 / 7 / 96 وقد استرعى انتباهي ما في آخر المقال من جملة ربما تتُخذ ذريعة لتحريف الحقيقة فعزمت على كتابة رسالة إلى رئيس التحرير وبيّنت فيها موقف المسلمين بالنسبة إلى ما تحتويه تلك الجملة .
ولما كان المقال وثيقة علمية اصحر الحق بها ذلك الكاتب ، آليتُ أن أنشره مع ما ذيلته به ، وإليك المقال .
***
الضرورات تبيح المحذورات والمشقة تجلب التيسير
الحمد لله رب العالمين ملء السّموات والأرض وما بينهما والصّلاة و السّلام على محمّد النبيّ الخاتم وعلد آله الطيّبين الطاهرين الّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ... وبعد .
في بواكير ثقافتي واطلاعي كنت أسمع الكثير من المفتريات والمبالغات التي كانت تدور حول الشيعة وحول التشيّع خاصّة ما يؤمنون من افكار ومعتقدات كنت أصدق كلّ ما يقال وذلك لقلّة اطلاعي .
فقد كنت أسمع عن مبدأ التقية عند الشيعة وكأنّ هذا المبدأ ليس له أصل في الشرع الإسلامي إلاّ انّه مجرّد فكر اختلقه علماء الشيعة ولكن الحقائق بعد الاطلاع ظهرت جلية و ( جاء الحقّ وزهق الباطل انّ الباطل كان زهوقاً ) .
والآن ما هي التقية وما هي أحكامها وأدلّتها الشرعية ؟
التقية : الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس وهي عكس مفهوم النفاق .
ففي التقية يتم اظهار الكفر وابطان الإيمان . أمّا في النفاق فيتم إبطان الكفر وإظهار الإيمان .
والتقيّة رخصة شرعية كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به لانّ الله عزّ وجلّ يقول: ( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فيِ الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهيم هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمينَ ) .
أمّا النفاق: «فهو أشدّ الكفر لانّه أشدّ خطورة والمنافقون في الدرك الأسفل من النار» .
الأدلّة على جواز الأخذ بمبدأ التقيّة :
انّ الأصل في الإسلام هو: عدم موالاة الكافرين واليهود والنصارى والصدع بما أمر الله وعدم خشية أحد في الحقّ إلاّ الله . فالمؤمنون هم الّذين ( يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) (المائدة / 54) .
ولكن الضرورات تبيح المحذورات والمشقة تجلب التيسير .
قال تعالى: ( فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) .
أي من اضطر للوقوع في المحرّم على أن لا يطلبه لذّاته ولا يتعدى على أصل تحريمه فإنّ الإثم عنه مرفوع .
ونحن نعلم انّ الله قد نهانا عن موالاة الكافرين ومودّتهم في الأصل الحكمي ولكن هناك حالات يجوز لنا فيها موالاتهم فيها فما هي لنتعرف عليها من خلال الآية القرآنية الكريمة التالية :
قال تعالى: ( لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير ) (آل عمران / 27) .
مفهوم الآية: نهي وتحذير من الواحد الأحد عزّ وجلّ من موالاة ومودة الكافرين ؟ ومن يفعل ذلك فهو في غاية البعد عن الله . ولكن في حالة خوفكم من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه فهنا الموالاة جائزة كرخصة لا كأصل .
وقال تعالى: ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم وإن يك كاذباً فعليه وإن يك صادقاً يصيبكم بعض الّذي يعدكم انّ الله لا يهدي من هو مسرف كذّاب ) (غافر / 28) .
من خلال الآية السابقة نلاحظ ما يلي :
انّ الرجل من آل فرعون وقوم فرعون فاسقوم والرجل مؤمن وكان هذا الرجل يكتم إيمانه أي يخفيه يظهر الكفر ويبطن الإيمان والسبب في ذلك : خوفاً من فرعون وجنوده لانّ فرعون طغى وفي الأرض علا .
ولكن ما هي المنفعة التي جلبها وحقّقها مؤمن آل فرعون بكتمه إيمانه:
صيانة نفسه وحمايتها وتقديم النصح بعدم قتل موسى بناء على انّه كافر ليس مؤمن وليس له عند موسى أيّ منفعة .
فهنا تمّ تحقيق تكون في حال التمكّن في الأرض وفي حال ضعف المسلمين وتكون في الحرب لانّ (الحرب خدعة) وهي جائزة لصون النفس من الضرر لانّ دفع الضرر عن النفس واجب قدر الإمكان حتى في ساحة القتال . قال تعالى: ( تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال تعالى: ( ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً ) .
أحكام التقية
1 . تكون بالجري على اللسان مع الاطمئنان في القلب بالإيمان .
2 . لو انّه أفصح بالإيمان والخوف حيث تجوز له التقيّة كان ذلك أفضل و ذلك بناء على قاعدة ( وان تصوموا خير لكم ) .
3 . تكون التقية إذا كان الرجل في قوم كفّار ويخاف منهم على نفسه وماله فيداريهم بلسانه ونحن نعرف انّ الدعوة السرية للإسلام استمرت ثلاث سنين قبل أن يصدع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة . ومن ذلك الذي يعيش مثلاً في «اسرائيل» وسيط اليهود أو في روسيا وسط الشيوعين أو في دولة أوروبية تعادي الإسلام .
4 . إنّما تجوز فيما يتعلّق بإظهار الموالاة والدين فأمّا ما يرجع ضرره على الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات واطلاّع الكفّار على عورات المسلمين فذلك غير جائز البّتة لأنّه «لا ضرر ولا ضرار» .
5 . وكما انّ التقيّة جائزة لصون النفس فكذلك هي جائزة لصون المال . قال(صلى الله عليه وآله وسلم) «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله: من قتل دون ماله فهو شهيد» ولانّ الحاجة إلى المال شديدة .
حيث إنّه من المعروف انّ الماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال فكيف لا يجوز ههنا .
6 . انّ التقيّة يؤخذ بها في أيّ وقت إلى يوم القيامة فهي رخصة تطبق عند وجود السبب والضرورة ولا تقتصر على حال ووقت معينّ .
7 . انّ التقيّة واجبة كضرب من اللطف والاستصلاح فمن خاف الكفّار فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه فقد روى البخاري عن أبي الدرداء انّه قال: إنّا لنكشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم . وقال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنّما التقيّة باللسان . وكذا قال أبو العالية وأبو الشقاء والضحّاك والربيع بن أنس ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) .
وكلّنا يعرف قصة آل ياسر وتعذيب قريش لهم فقد نطق ياسر بكلمة الكفر بلسانه من شدّة العذاب ولكن بقي قلبه مطمئناً بالإيمان .
روى الحسن انّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لاحدهما أتشهد انّ محمّداً رسول الله ؟ قال : نعم ، قال: أفتشهد انّي رسول الله ؟ قال : نعم فقال للآخر: أفتشهد انّي رسول الله ؟ فقال: انّي أحم قالها ثلاثاً كلّ ذلك يجيبه مثل الأوّل فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله فقال: أمّا ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له . وأمّا الآخر فقبل رخصة الله فلا يتبعه عليه فعلى هذا تكون التقية رخصة والافضاح بالحق عزيمة .
وإذاً انّ البعض قد أساء فهم مدلول التقية فانّ الخطأ لم يكمن في القاعدة أو الحكم إنّما نقول انّ الله يحبّ أن تؤتى رخصة كما يجبّ أن تؤتى عزائمه . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
***

بسم الله الرحمن الرحيم
«حضرة الأُستاذ حسن التل» رئيس تحرير صحيفة اللواء الأُردنية، الموقّر
أتقد لكم بالتحية الخاصة متمنياً دوام التوفيق .
أمّا بعد: فقد قرأنا في العدد 1211 والمؤرَّخ في 24 / 7 / 96 مقالاً قيّماً حول التقيّة بعنوان: التقية رخصة شرعية بقلم الأُستاذ الفاضل أُسامة عبد الكريم الكساسبة من قسم الدراسات الإسلامية بجامعة مؤتة .
ونحن إذ نقدّر منكم ومن الأُستاذ الكاتب لذلك المقال ، هذه الخطوة الهادفة إلى التقريب بين المذاهب نسأل الله سبحانه أن ينصر المسلمين ويعيد إليهم عزّتهم وكرامتهم على أيدي المخلصين من أبناء امتنا الإسلامية .
انّ المقال المذكور تضمّن ـ ولله الحمد ـ أدلّة مشرقة أثبتت أنّ للتقية أُصولاً وجذوراً في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة والتاريخ الإسلامي ، فهو بحق مقال علمي كشف القناع عن وجه التقية وبيّن الفرق بينها وبين النفاق بوجه واضح .
بيد أنّه جاء في آخر المقالة عبارة مجلة هي: «وإذا كان البعض قد أساء فهم مدلول التقية فانّ الخطأ لم يكمن في القاعدة أو الحكم إنّما الخطأ يكمن في الخطأ في العمل والتطبيق» .
فإذا كان مقصود الكاتب من هذه العبارة ـ كما فهمنا أو احتملنا ـ هو اختصاص أدلّة مشروعة التقيّة باتقاء المسلم من الكافر ، فلا يشمل اتّقاء المسلم من المسلم فهو غير صحيح ، لأنّ الغرض من تشريع التقيّة عند الابتلاء بالكفّار ليس إلاّ صيانة النفس والمال من الشرّ والضرر ، فإذا ابتُلي المسلم بمسلم ظالم صادر حرّيته ، ومنعه من إظهار عقيدته من دون خوف بحيث لو أظهر عقيدته نكلّ به واستباح دمه وماله ، حكم العقل والنقل هنا بصيانة النفس والمال بواسطة التقيّة ، وعدم إظهار المعتقد ، ومماشاة من يهدّد حياته أو ماله ، وحينئذ لا يكون اللوم متوجّهاً إلى المسلم المقهور بل إلى الآخر الذي صادَرَ حرّيته ، وقهره منعه من اظهار معتقده .
وقد صرح بهذا (أي مشروعيّة التقيّة حتّى عند المسلم) طائفة من أعلام المسلمين ، نشير إلى عبارات بعضهم في هذا المجال:
1 . يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: ( إلاّ تتقوا منهم تقاة ) ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين إلاّ أنّ مذهب الشافعي أنّ الحالة بين المسلمين ، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال ؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قُتِل دون ماله فهو شهيد» . (مفاتيح الغيب: 8 / 13) .
2 . نقل جمالُ القاسمي عن الإمام المرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الحق» مانصّه: «وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف التقية عند ذلك بنصّ القرآن وإجماع أهل الإسلام ، ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق وقد صحّ عن أبي هريرة انّه قال في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعائين أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم . (محاسن التأويل: 4 / 82) .
3 . قال المراغي في تفسير قوله سبحانه: ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) : ويدخل في التقية مداراة الكفر والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم في وجوههم وبذل المال لهم لكفّ أذاهم وصيانة العِرض منهم ، ولا يُعدّ هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما وقى المؤمن به عرضَه فهو صدقة» . (تفسير المراغي: 3 / 136 ) .
وهكذا يذهب اعلام من المسلمين إلى مشروعيّة إتقاء المسلم من المسلم إذا خاف على نفسه وحتى ماله من الهلاك والضياع ، ولا إثم على المسلم إذا اتقى أخاه المسلم وعامَلَه بالتقية وأخفى عنه معتقده إذا لم يسمح له أخوه المسلم بأن يظهر عقيدته بدافع العصبية والطائفية .
فالذي ينبغي أن يسعى إليه المسلمون وبخاصة المهتمون بشؤونهم هو فتح آفاق الحوار البنّاء ، والسماح للجميع بإظهار عقائدهم ، بعيداً عن الإرهاب والإرعاب، والتكفير والتفسيق لتعود الأُمّة الإسلامية قوّة متراصة الصفوف، متكاتفة حتى مع الاختلاف في الاجتهادات، والآراء .
وعلى كلّ حال نعود لنثمن جهدكم وجهدَ الكاتب الفاضل هذا .
وفقكم الله وأخذ بأيديكم لما فيه صالح المسلمين .
جعفر السبحاني
قم ـ الجامعة الإسلامية
20 / 4 / 1417 هـ    

Website Security Test