welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
مقالات في التقريب
عناصر الوحدة الإسلامية وموانعها
عناصر الوحدة الإسلامية وموانعها[693]

الوحدة الإسلامية أمنية يتمنّاها كلّ مخلص له أدنى إلمام بالأوضاع المحدقة بالإسلام والمسلمين ولا يشكّ في أنّ المسلمين في أمسَّ الحاجة إلى الوحدة وتقريب الخطى، لأنّ فيه عزّ الإسلام ورفع شوكة المسلمين وتقوية أواصر الاخوّة بينهم، وانّ في التفرقة اضمحلال الإسلام وتشتت شمل المسلمين وتكتلهم إلى فرق وطوائف متناحرة.
وقد حثّ سبحانه على الوحدة بقوله: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) ( [694]).
ويقول أيضاً: ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون ) ( [695]).
وفي الوقت نفسه يذم التفرقة ويشجبها ويقول: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ في شَيْء ) ( [696]). ويقول سبحانه: ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً ) ( [697]) .
انّه سبحانه يعدُّ التفرقة والتشتت من أنواع البلايا والمحن التي تجابه الأُمم ويقول: ( قُلْ هُوَ القادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجلكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذيقَ بَعْضكُمْ بَأْسَ بَعْض أُنْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) ( [698]).
فانطلاقاً من وحي تلك الآيات تجب على كلّ مسلم واع، الدعوةُ إلى توحيد الكلمة للحيلولة دون التشتّت والتفرّق.
إنّ الوضع الراهن للأُمّة الإسلامية يبعث على القلق، واستمرار هذا الوضع يجعلهم ضحيّة للخطط الاستعمارية التي تستهدف الإجهاز على المسلمين واستئصال شأفتهم.
إلاّ أنّ الذي يبعث النشاط في قلوبنا ويزيدنا أملاً بالغد المشرق هي الآيات الدالة على أنّ المستقبل للصالحين من عباده، قال سبحانه: ( انَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِباديَ الصّالِحُونَ ) ( [699]). وقال سبحانه: ( وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْض وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلهُمْ الوارِثين ) ( [700]).
هذه سنّة اللّه تبارك وتعالى لكنّها رهن شروط وخصوصيات كفيلة بتحقيق ذلك الوعد.
انّه سبحانه يصف المسلمين بأنّـهم أُمّة واحدة ويقول: ( إِنَّ هذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّةً واحِدَة وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون ) ( [701]). والأُمّة مشتق من أمَ مَ والمادة تحكي عن القصد والهدف والقيادة والزعامة، وعلى ضوء ذلك فلا يكون المسلمون أُمّة حتى يكون لهم هدف ومقصد أسنى وقيادة وزعامة حكيمة، فالأُمّة الواحدة لها ربّ واحد وكتاب واحد وشريعة واحدة وقيادة وهدف واحد. وهو نيل السعادة الدنيوية والأُخروية.
وثمة سؤال يطرح نفسه، ما هي العناصر الكفيلة لتحقيق الوحدة إذ تحققها مع وجود التفرقة والاختلاف أمر متعذر.
هذه العناصر تكمن في التوحيد في العقيدة والشريعة لا في الوطن ولا في الجنس ولا في اللون ولا في اللغة ولا في الطائفية ولا في القومية، والإسلام قد شطب بخط عريض على تلك الأفكار، ولم يعر لها أهمية تذكر بل حذّر المسلمين من الانخراط تحت لوائها والانجراف معها ، قال سبحانه: ( يا أَيُّهَا النّاس إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ خَبير ) ( [702]) .
وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ العربية ليست بأب والد ولكنّها لسان ناطق، فمن قصر به عمله لم يبلغه حسبه» ( [703]) فعلى ذلك يجب الإلماع إلى العناصر التي تكمن فيها الوحدة وتبتني عليها أواصر الاخوة.
فالعناصر العقائدية هي:
1. التوحيد ومراتبه
التوحيد ـ بمعنى الاعتقاد بوجود إله واحد لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العليا، عالم قادر، حي لا يموت، إلى غير ذلك من صفات الجمال والجلال، وليس في صحيفة الوجود خالق، مدبّر ومعبود، سواه ـ من العناصر البنّاءة للوحدة.
وقد تثار بحوث كلامية حول صفاته تبارك وتعالى، لكنّها بحوث لا تمت إلى صميم الإسلام بصلة.
فهل صفاته سبحانه عين ذاته أو زائدة عليها، فلكلّ من الرأيين دليله ومنطقه إلاّ انّ هذه البحوث ـ مع تثمين جهود باحثيها ـ يجب أن لا تثير الريبة في غرضنا الذي نرمي إليه ألا وهو الوحدة الإسلامية الكبرى.
لا أنسى وأنتم أيضاً لا تنسون انّ مسألة خلق القرآن وحدوثه أو قدمه قد شغلت بال المسلمين أيّام الخلافة العباسيّة سنين طوال، وقد شقّ عصا الوحدة وشتّتهم إلى طوائف وأُريقت دماء ونهبت أموال وما ذلك إلاّ لأنّ طائفة منهم كانوا يقولون بقدم القرآن والطائفة الأُخرى بحدوثه مع أنّها بحوث كلامية لاتمت إلى صميم الإسلام بصلة، فالبحث و الحوار العلمي والانصياع للدليل شيء، وكون هذا الاختلاف يثير كامن العداء والشقاق ويصبح ـ لاسمح اللّه ـ هدفاً لسهام اللوم والتكفير شيء آخر ، فلنفسح المجال للبحث العلمي دون أن يمسّ بالوحدة الإسلامية الكبرى.
2. النبوة العامة والخاصة
إنّ من عناصر الوحدة الإيمان بأنّه سبحانه تبارك و تعالى بعث أنبياءً ورسلاً لترسيخ التوحيد بين الناس وشجب أيّ عبادة سواه.
قال سبحانه: ( وَلَقَدْبَعَثْنا في كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت ) ( [704]) . وهذه هي العقيدة المشتركة بين الأُمّة الإسلامية جميعاً، كما انّ الإيمان بخاتمية الرسول و انّه لا نبي ولا رسول بعده من صميم العقيدة الإسلامية، ومن أنكر الخاتمية وادعى استمرار الوحي بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إمكان ظهور نبي جديد مع شريعة جديدة ، فقد خرج عن ربقة الإسلام، لأنّ ذلك متعارض مع العقيدة الإسلامية قال سبحانه: ( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيينَ وَكانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً ) ( [705]).
3. الإيمان بالمعاد
الإيمان بالمعاد وانّ الدنيا قنطرة الآخرة، وليس الموت بمعنى فناء الإنسان من العقائد المشتركة بين المسلمين ويعدُّ أصلاً من الأُصول التي جاء بها الأنبياء قاطبة، ولولاه لما قام للدين عمود، ولذلك نجد انّ القرآن يعطف الإيمان بالمعاد، على الإيمان بالتوحيد، ويقول: ( مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ )( [706]) وفي آية أُخرى: ( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ذلكَ خَيرٌ ) ( [707]) .
فهذه الأُصول الثلاثة، تشكِّل حجر الزاوية للعقيدة الإسلامية، ويدور عليها رحى الإيمان والكفر ، وقد صبّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اهتمامه على هذه الأُصول وجعلها حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر، فمن آمن بها فقد دخل في زمرة المسلمين ومن أنكر واحداً منها فقد خرج عن ربقة الإسلام، وها نحن نذكر بعض ما روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المضمار لتُعلم من خلالها العناصر الكفيلة بتحقيق الأُخوة الإسلامية. روى البخاري عن عمر بن الخطاب: انّ عليّاً صرخ ، يا رسول اللّه: على ماذا أُقاتل، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه. ( [708])
روى الإمام الشافعي عن أبي هريرة، انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّبحقها وحسابهم عليهم. ( [709])
وروى الإمام الرضا (عليه السلام) وهو أحد أئمّة أهل البيت عن آبائه عن علي (عليه السلام) ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه فإذا قالوا حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم. ( [710])
وحدة الشريعة
إذا كانت العقيدة بعناصرها الثلاثة هي الركيزة الأُولى للوحدة، فوحدة الشريعة عامل آخر لجمع شمل المسلمين وتوحيد كلمتهم وصفوفهم.
فالمسلمون عامة في مجال العبادة يقيمون شعائرهم الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج وجهاد، فلا تجد مسلماً ينكر واحداً من تلك الأُمور.
نعم بين المذاهب الفقهية اختلاف في جزئيات المسائل ولكنّها شروط وآداب لا تمسُّ بجوهر الإسلام، فالمسلم من يؤمن بالشريعة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقيمها حسب الفقه الذي يقلده، واختلاف العلماء لا يمس جوهر الشريعة لانّه اختلاف سطحي في جزئياتها وخصوصياتها. فكما انّ العبادات جزء من الشريعة فالمعاملات بمعناها الأخص أو الأعم جزء من الشريعة أيضاً فالبيع والاجارة والوكالة، والمضاربة والمساقاة والمزارعة معاملات بالمعنى الأخص، كما انّ النكاح والطلاق والوصايا ونظائرها معاملات بالمعنى الأعم، فالمسلمون متحدون في هذا المجال من الشريعة يبيحون ما أباحت الشريعة ويحرمون ما حرّمت الشريعة.
وعلى ضوء ذلك فالشريعة هي الركيزة الثانية للوحدة، واختلاف الفقهاء فيها لا يخل بها.
وحدة القيادة
إنّ التوحيد في القيادة هي الركيزة الثالثة لوحدة الأُمم، فالجميع يؤمن بأنّ القيادة للّه سبحانه ولرسوله ولأُولي الأمر مستلهمين من قوله سبحانه: ( أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ( [711]).
فالقيادة الإسلامية ليست قيادة سياسية بحتة، بل قيادة دينية تقود المجتمع إلى السعادة والرفاه تحت ظل تعاليم الإسلام، وحيث إنّ إطاعة أُولي الأمر جاءت مباشرة بعد إطاعة الرسول في الآية فيلزم أن تكون طاعتهم شبه إطاعة الرسول في علمهم وسياستهم وتقواهم، ولأجل ذلك يجب أن يتوفر فيهم شروط كثيرة تخوّل لهم صلاحية الزعامة.
وحدة الهدف
تقع على عاتق الأُمّة الإسلامية مسؤولية خاصة وهي سوق المجتمع نحو المثُل الأخلاقية والمكارم الإنسانية ، قال سبحانه: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَر وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) ( [712]) .
فالطوائف الإسلامية برمتها لها رؤية مشتركة في الهدف الذي جاء به الإسلام ودعا إليه.
والهدف هو سيادة الدين في الأرض لتكون السيادة للّه وحده ويكون الدين ظاهراً على سائر الأديان، قال سبحانه: ( هُوَ الّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى وَدِينِ الحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( [713]) .
هذه الوحدات الأربع، أي: وحدة العقيدة، وحدة الشريعة، وحدة القيادة، ووحدة الهدف إذا تمسك المسلمون بأهدابها تعود إليهم السعادة المسلوبة والكرامة المنشودة . قال رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما مثل المسلمين كالرجل الواحد إذا وجع منه شيء تداعى له سائر جسده». ( [714])
تكفير أهل القبلة
إنّ تكفير أهل القبلة ما لم يُنكر أحد منهم شيئاً من تلك الأُصول الثلاثة ممّا لم يجوزه أحد من أئمة المسلمين.
قال ابن حزم نقلاً عن أبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري: إنّه لا يُكفَّر ولا يُفسَّق مسلم. ( [715])
وقال السرخسي: لما حضرت الشيخ أبا الحسن الأشعري الوفاة بداري ببغداد أمرني بجمع أصحابه فجمعتهم له، فقال: اشهدوا عليّ إنّي لا أكفر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمَّهم. ( [716])
ولقد أحسن الإمام الأشعري حيث أسمى كتابه بمقالات الإسلاميين واختلاف المصلين فأضفى على جميع الطوائف لفظ الإسلاميين وجعل اختلافهم اختلافَ أهل القبلة كما يشعر بذلك قوله اختلاف المصلين.
وقال القاضي الإيجي: جمهور المتكلمين والفقهاء على انّه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة، واستدل على مختاره بقوله: إنّ المسائل التي اختلف فيها أهل القبلة من كون اللّه تعالى عالماً يعلم أو موجداً لفعل العبد أو غير متحيّز ولا في جهة ونحوها لم يبحث النبي عن اعتقاد من حكم باسلامه فيها ولا الصحابة ولا التابعون، فعلم أنّ الخطأ فيها ليس قادحاً في حقيقة الإسلام. ( [717])
إلى غير ذلك من كلمات لعلمائنا الأبرار تبعاً للسنة النبوية المنكرة لتكفير المسلم.
***
موانع الوحدة
قد عرفت عناصر الوحدة وما يمكن أن يجمع به شمل المسلمين، ولكن مع ذلك ثمة عوامل أُخرى تُعرقل خطا الوحدة، فعلى المعنيّين بوحدة المسلمين دراسة عوامل التفرقة ليعالجوها كي لا تكون سداً أمام تلك الأمنية، وإليك دراسة هذه العوامل.

1. المذاهب الكلامية والفقهية
إنّ المسلمين ينقسمون في المذاهب الكلامية إلى طوائف كالأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والشيعة.
والشيعة تنقسم بدورها إلى زيدية وإسماعيلية واثني عشرية، فكيف يمكن توحيد الكلمة مع سيادة هذه المناهج الكلامية عليهم؟!
والحقّ انّ هذه المذاهب تتراءى في النظر البدئي سداً منيعاً بوجه الوحدة، ولكن بالنظر إلى أواصر الوحدة تبدو وكأنّها موانع وهنة لاتصد المسلمين عن التمسك بأهداب الوحدة على كافة الأصعدة .
أمّا المناهج الكلامية فجوهر الاختلاف فيها يرجع إلى مسائل كلامية لا عقائدية مثلاً انّ الأشاعرة والمعتزلة يختلفون في المسائل التالية:
1. هل صفاته عين ذاته أو زائدة عليها؟
2. هل القرآن الكريم قديم أو حادث؟
3. هل أفعال العباد مخلوقة للّه أو للعباد؟
4. هل يمكن رؤية اللّه في الآخرة أو هي ممتنعة؟
إلى غير ذلك من أمثال هذه المسائل، ومع تثمين جهود الطائفتين فالاختلاف فيها اختلاف في مسائل عقلية لا يناط بها الإسلام ولا الكفر فالمطلوب من المسلم اعتقاده بكونه سبحانه عالماً وقادراً، وأمّا كيفية العلم والقدرة بالزيادة أو العينية فليس من صميم الإسلام، فلكلّ مجتهد دليله ومذهبه، كذلك القرآن هو معجزة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه سبحانه، فليس الحدوث والقدم من صميم العقيدة وقس على ذلك ما تلوناه عليك من المسائل، حتى أنّ مسألة رؤية اللّه في الآخرة وإن أصبحت عقيدة ضرورية لأجل روايات وردت في صحيح البخاري ولكنها من ضروريات المذهب الكلامي الخاص لا من ضروريات الإسلام، فهناك فرق بين ضروريات المذهب الأشعري وضروريات الإسلام، فكلّ أشعري يقول بالرؤية تبعاً لإمامه وهو تبعاً للدليل الذي قام عنده ولا يقول به كلّ مسلم.
وقس على ذلك سائر الوجوه المفرقة التي ترجع كلّها إلى فروق كلامية.
وأمّا المناهج الفقهية فالمشهور هي المذاهب الأربعة مضافاً إلى الزيدية والجعفرية فهذه المذاهب الستة مذاهب فقهية والاختلاف يرجع إلى الاختلاف في فهم الآية والرواية فلو اختلفوا فإنّما يختلفون في فهم الكتاب والسنّة وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على اهتمامهم بهما وإمعانهم في فهمهما والاختلاف أمر طبيعي خصوصاً بعد مضي 14 قرناً من عصر الإسلام.
ولكن اختلافهم في المناهج الفقهية لا يمس بصميم الفقه الإسلامي فهل هناك من يرى صلاة الفجر ثلاث ركعات أو يرى صلاة الظهر والعصر غير أربع ركعات؟
وليس الاختلاف وليد اليوم، بل بدأ الاختلاف بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أبسط المسائل الفقهية كعدد التكبيرات على الميت إلى أعمقها، فالاختلاف الموروث إنّما هو اختلاف في فهم النصوص لا في رفض النصوص وردها.
ولا شكّ انّ الشيعة ترى جواز الجمع بين الصلاتين مع القول بأنّ التفريق هو الأفضل، والسنّة تخص جواز الجمع بالسفر ومواقف خاصة، ولكلّ دليله، وقد ورد في الصحاح والمسانيد قرابة عشرين رواية بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع بين الصلاتين من غير سفر ولا مطر ولا مرض ليوسّع بذلك الأمر على الأُمّة.
وقس على ذلك سائر الاختلافات الفقهية حتى الاختلاف في متعة النكاح، فذهب جمهور السنة إلى النسخ والشيعة إلى بقاء الجواز ، فالاختلاف فيها كالاختلاف في سائر المسائل الناشئة من الاختلاف في النسخ وعدمه.

2. الاختلافات القومية
يتشكل المسلمون من قوميات متعددة من عرب وعجم وترك وبربر إلى غير ذلك من الشعوب والقبائل ولكن هذا الاختلاف، اختلاف تكويني لا يصلح لأن يكون مانعاً عن وحدة الكلمة وقد عالج سبحانه هذا النوع من الاختلاف وقال: ( يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ ) ( [718]).
فالاختلاف في اللون واللسان والدم والوطن وإن كانت عوامل توحد طائفة كبيرة لكنّها عوامل عرضيّة لا تمت إلى جوهر الإنسان بصلة، وأمّا الإيمان بالأُصول الثلاثة فهو عامل باطني ذاتي أقوى من جميع العناصر المتقدمة.
فالمسلم الشرقي إذا تعارف مع المسلم الغربي مع ما بينهما من الهوة السحيقة يتآخيان، لما بينهما من وحدة المبدأ والمعاد والقيادة والهدف وأمّا الاخوان من أُمّ وأب واحد إذا كان أحدهما إلهياً والآخر مادياً يتناكران.
أظن انّ هذين المانعين ليسا من موانع الوحدة وقد عالجها الإسلام بشكل واضح، وإنّما هناك عوامل واقعية تعرقل مسير الوحدة وهي بحاجة إلى الدراسة والوقوف عليها بنحو مسهب.
3. الجهل بمعتقدات الطوائف:
الحقيقة انّ جهل كلّ طائفة بمعتقدات الطائفة الأُخرى يعد من أهمّ الموانع التي تشكل حاجزاً منيعاً عن الوحدة وهذا ليس بالأمر المستسهل، وإليك هذا المثال: كان لي صديق في مكة المكرمة كنت أزوره عند تشرفي إلى زيارة بيت اللّه الحرام وكان يزاول حرفة بيع الأقمشة، سألني يوماً ما تقولون أنتم معاشر الشيعة في آخر الصلاة بعد رفع الأيدي إلى الأُذن؟ قلت: يقولون:اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، فعاد يعتذر ويقول: كنت أعتقد انّكم تقولون: خان الأمين، خان الأمين، خان الأمين!!
فإذا كان هذا مبلغ علم المسلم بعقيدة أخيه الشيعي في قبة الإسلام، فما ظنك بمسلم يسود بينهما آلاف الفراسخ؟! وقد سألني عالم مكي من قضاة مكة المكرمة ومدرسي الحرم عندما نزلت بيته ضيفاً مع أصدقائي، فقال: شيخنا السبحاني!! هل للشيعة تأليف؟ قلت: سبحان اللّه ليست الشيعة طائفة لا تاريخ لها ولا جذور، وإنّما هي طائفة إسلامية منذ عصر النبي إلى يومنا هذا قد شاركوا المسلمين في تأسيس الحضارة الإسلامية العريقة.
ونأتي بمثال ثالث: انّ الشيعة الإمامية اقتداءً بالنبي وأئمّة أهل البيت لا يسجدون في الصلاة إلاّ على الأرض أو ما ينبت منها، بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً، فبما انّ السجود على الأرض في المنازل وحتى المساجد المفروشة غير ميسّـرة يتخذون أقراصاً من التربة يسجدون عليها، فعند ذلك نرى أنّ بعض إخواننا من السنّة يرمون الشيعة بالسجود للحجر والتراب كسجود عُبّاد الوثن له مع أنّهم لا يفرّقون بين المسجود عليه والمسجود له، فالتراب هو المسجود عليه وأمّا المسجود له هو اللّه سبحانه.
وعلى ذلك فلو وقف فقهاء المذاهب على ما لدى الطوائف الأُخرى من الفقه و الأُصول والاستدلال والاجتهاد لما عاب أحدهم الآخر ، وإنّما الخلاف في كيفية الاستدلال وحقيقة البرهان لا في الأخذ بالبرهان ولو أردنا أن نمثل في المقام لطال بنا الكلام وطال مقامنا مع الحضار. وهناك نكتة أود أن أذكرها هي انّ أكثر من كتب عن الشيعة فإنّما أخذ عن كتّاب ليسوا شيعة كابن خلدون أو من المستشرقين الحاقدين على الإسلام عامة وعلى التشيع خاصة، أمثال جولدزيهر.
فعلى من يريد نسبة شيء إلى أي طائفة من الطوائف الرجوع إلى مصادرهم الأصلية المؤلفة من قبل علمائهم.
4. الجهل بالمصطلحات
انّ لكلّ طائفة مصطلحات خاصة في العقيدة والشريعة يجب أن تؤخذ مفاهيمها من كتبهم وليس لنا تفسيره من جانبنا، ولنذكر هنا مثالين.
أ. البداء
البداء عقيدة إسلامية دلّ الكتاب والسنّة عليها، وهي لا تعني إلاّ تغيّر مصير الإنسان بالأعمال الصالحة والطالحة، فالإنسان بما انّه مسؤول عن أعماله بيده تغيير مصيره، فيجعل نفسه من السعداء أو من الأشقياء، وهذا أمر دلّ عليه الكتاب والسنّة. وهذا هو البداء عند الشيعة فقوم يونس بدّلوا مصيرهم السّيئ إلى الحسن بالأعمال الصالحة والإنابة . قال سبحانه: ( فَلَولا كانَتْ قَريَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِين ) ( [719]). فيقال عندئذ «بدا للّه في قوم يونس» أي ظهر لهم ما خفي عليهم ، لا ظهر له ـ نعوذ باللّه ـ بعد ما خفي عليه، وهذا النوع من الاستعمال المجازي شايع على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى في صحيح البخاري في قضية الأبرص والأعمى والأقرع. ( [720]) ولكن يُفسر عند من لا يعرف عقائد الشيعة بتغير إرادة اللّه سبحانه وتعالى وظهور الشيء له بعد خفائه ومن المعلوم انّ الأُولى عقيدة إسلامية والثانية عقيدة إلحادية لا يتفوه بها أحد من المسلمين.
ب . التقية
التقية من المفاهيم الإسلامية، وهي سلاح الضعيف أمام القوي، فإذا خاف المسلم على ماله وعرضه ودمه من أيّ إنسان سواء أكان كافراً أو مسلماً وأراد شخص قوي سلب حرياته فلا محيص له إلاّ كتمان عقيدته وقد أمر به سبحانه وقال: ( إِلاّ مَنْ أُكره وَقَلْبهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمان ) ( [721]) وقد نزلت في حقّ عمّار بن ياسر حيث أظهر الكفر وأخفى الإيمان وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باكياً فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا شيء عليك، فنزلت الآية، ولكنّ التقية يُفسر عند بعض المخالفين بالنفاق، مع أنّ بين التقية والنفاق بوناً شاسعاً، فالتقية إظهار الكفر و إبطان الإيمان، والنفاق على العكس هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
هذه بعض الموانع الماثلة أمام وحدة المسلمين وهناك عوامل أُخرى لا مجال للبحث فيها على هذه العجالة.
نسأله سبحانه أن يرزق المسلمين توحيد الكلمة
كما رزقهم كلمة التوحيد

[693] .  أُلقيت في جامعة الا ُردن شهر محرم الحرام عام 1419 هـ ، عند رحلة المحاضر إليها في ذلك العام.
[694] .  آل عمران: 103.
[695] .  الأنعام: 153.
[696] .  الأنعام: 159.
[697] .  الروم: 31 ـ 32.
[698] .  الأنعام: 65.
[699] .  الأنعام: 105.
[700] .  القصص: 5.
[701] .  الأنبياء: 92.
[702] .  الحجرات: 3.
[703] .  الكافي: 8/246 برقم 342.
[704] .  النحل: 36.
[705] .  الأحزاب: 40.
[706] . 2. البقرة: 62.
[707] .  النساء: 59.
[708] .  رواه البخاري في صحيحه: 1/10، كتاب الإيمان.
[709] .  الشافعي، الأُمّ: 6/ 157.
[710] .  المجلسي، البحار: 68/ 242.
[711] .  النساء: 59.
[712] .  آل عمران: 110.
[713] .  التوبة: 33.
[714] .  مسند أحمد بن حنبل: 4/ 278.
[715] .  ابن حزم: الفصل: 3/ 247.
[716] .  الشعراني: اليواقيت والجواهر: 58.
[717] .  الإيجي: المواقف: 392.
[718] .  الحجرات: 13.
[719] .  يونس: 98.
[720] .  صحيح البخاري:4/171، حيث جاء فيه: بدا للّه أن يبتليهم فبعث إليهم ملكاً... الخ.
[721] .  النحل: 106.

Website Security Test