welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
هدف الجزاء الأُخروي
لكلّ عمل يصدر من العاقل الحكيم هدف معيّن، فما هو الهدف من الجزاء الأُخروي؟ ولماذا يعاقب اللّه الإنسان العاصي يوم القيامة؟

الجواب: إذا كان الهدف من المعاد هو إثابة المحسنين والصالحين ومعاقبة المجرمين والعاصين.وبعبارة أُخرى: الهدف أن يصل كلّ منهما إلى نيل جزاء عمله، فحينئذ يطرح السؤال المذكور: ما هو الهدف من وراء ذلك العمل،ولماذا يعاقب اللّه المجرمين؟
وفي مقام الإجابة عن التساؤل المذكور يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط باعتبارها الهدف من معاقبة المجرمين:
1. تشفّي وتسكين الآلام
ممّا لا شكّ فيه انّ الذي  يتعرّض للأذى أو توجّه إليه الإساءة أو يهضم حقّه في الحياة الدنيا أو يقتل، تخلق تلك الأفعال حالة من الألم والمضض في نفسه أو في نفوس ذويه وأحبته، ولم تهدأ تلك الحرقة ولا تزول تلك المرارة إلاّ إذا رأى هو أو رأى ذووه من عرّضه لذلك الألم والمرارة أو القتل قد نال جزاءه العادل.
2. تربية المجرمين
إنّ  الهدف من بعض العقوبات هو إعادة تأهيل وتربية المجرمين، فعلى سبيل المثال تقوم الحكومة بحجز المخطئين أو الأحداث الذين يقومون باقتراف بعض الجرائم في سجون خاصة من أجل إعادة تأهيلهم وتربيتهم عن طريق تعريضهم لظروف جديدة وضغوط  خاصة تردعهم عمّا اقترفوه من الجرائم.
3. ليكون المجرم عبرة  للآخرين
الهدف الثالث من العقاب بالإضافة إلى تربية المجرم وتأديبه وإعادة تأهيله في المجتمع، هو أنّه حينما يعرض للعقاب أمام الملأ العام، يكون في ذلك عبرة للآخرين للاتّعاظ وعدم الإقدام على الخطأ أو الجرم الذي أقدم عليه.
هذه هي بعض الأهداف من العقاب في الدنيا، وحينئذ يطرح السؤال التالي: ما هو الهدف من العقاب الأُخروي؟ فإذا كان الهدف هو تسكين الآلام، فاللّه  سبحانه وتعالى أسمى من أن يتّصف بتلك الإحساسات المادية اتجاه مَن يعصيه أو يتمرّد على أوامره ونواهيه.
وإذا كان الهدف هو تربية المجرمين وتنبيههم إلى فداحة الخطأ الذي اقترفوه، فلا شكّ  انّ هذا الاحتمال أيضاً فيه مناقشة، لأنّ مجال التنبيه والتربية هو عالم الدنيا لا الآخرة.
وأمّا إذا كان الهدف هو اعتبار الآخرين بما ناله المجرمون من العقاب، فهذا أيضاً لا معنى له، وذلك لأنّه لا معنى للاعتبار والاتّعاظ في عالم الآخرة، وذلك لأنّ الحياة قد انتهت وقامت القيامة ولم يبق مجال حينئذ للاتّعاظ و الاعتبار ونال كلّ إنسان جزاء عمله صالحاً كان أم طالحاً.
وللإجابة عن ذلك نقول:
أوّلاً: انّ الإشكال يرد على القول بأنّ المعاد أمر ممكن وليس أمراً ضرورياً، إذ حينئذ يطرح الإشكال: لماذا أُفيض الوجود على هذا الأمر الممكن وما هي الغاية منه؟ وأمّا إذا قلنا: إنّ هناك سلسلة من العلل و الأسباب تقتضي  ضرورة  المعاد، فحينئذ لا مجال بل لا معنى للسؤال عن العلّة الغائية، وذلك لأنّ هذه السلسلة من الأسباب التي اقتضت ضرورة  المعاد تكمن فيها العلل الفاعلية والعلل الغائية، فلابدّ من البحث عن تلك العلل والأسباب التي اقتضت ضرورة المعاد لكشف غايات وأهداف المعاد والجزاء والعقاب.
ويكفي هنا أن نتعرض لذكر واحد من الأدلّة الستة التي أُقيمت لبيان ضرورة المعاد، وهذا الدليل عبارة عن:
كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي
لا شكّ انّ المعاد  مجلى للعدل الإلهي وبدونه لا يمكن أن يظهر عدله سبحانه بصورة تامّة وبشكل كامل.
ومن المعلوم أنّ ميدان القيامة وساحة المعاد يتحقّق فيها الإحسان إلى المحسنين وإثابة الصالحين، أي تحقّق الحسن والجمال، وهذا من الأُمور التي يحكم العقل بحسنها و بقبح تركها.
وحينئذ يكون جواب السؤال عن علّة تحقّق هذا الفعل الحسن كامناً في نفس الفعل.
وكأنّ الذي طرح السؤال المذكور غفل عن أدلّة ضرورة المعاد وتصوّر أنّ المعاد من الأُمور الممكنة التي ينبغي السؤال عن علّتها ولذلك قال: ما هي الغاية من وراء المعاد؟ ولكنّه لو التفت إلى علل المعاد التي تقتضي  كونه أمراً ضرورياً، فحينئذ تتجلّى له العلّة الغائية للمعاد والتي تكمن فيه، والجدير بالذكر أنّ كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي هو أحد علل وأسباب ضرورية المعاد حيث يوجد إلى جانبه علل أُخرى كثيرة.
ثانياً: انّ هذا الإشكال انّما يرد على بعض العقوبات والمثوبات التي تكتسب صفة اعتبارية جعلية، أي العقوبات التي لا تكون من لوازم وجود الإنسان، وإنّما تفاض عليه من السماء أو يعاقب عليها كذلك من السماء.
ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّه ليس كلّ العقوبات والمثوبات ذات صفة اعتبارية وجعلية، بل البعض منها فقط من هذا القبيل، وأمّا البعض الآخر فهو من لوازم وجود الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان وبسبب قيامه بسلسلة من الأعمال الحسنة أو السيّئة في هذا العالم، تخلق فيه مجموعة من الملكات التي تكون سبباً لتقوّم شخصيته وتحقيقها، وحين تقوم الساعة يحشر هذا الإنسان بتلك الملكات والصفات، وتلازمه تلك الصفات ولا يمكنه أن يتخلّص منها، فتكون سبباً لسعادته وفرحه أو سبباً لعذابه وشقائه.
فالإنسان  المذنب وبسبب انطماسه في الشهوات يمتلك صفات وملكات خاصة تخلق له ـ و بصورة قهرية ـ سلسلة من الصور الخبيثة والمؤذية، وكذلك الإنسان المؤمن والمحسن يمتلك سلسلة من الملكات الجميلة التي تخلق له صوراً بهيّة تلازمه في ذلك العالم، فالصنف الأوّل يتأذى ويتألّم بعمله، والإنسان المؤمن يتنعّم ويلتذ بنفس أعماله أيضاً.
ومن هنا تبيّن انّ هذا الجواب يعتمد على نكتة مهمة، وهي أنّ طائفة من الآلام واللّذات وليدة نفس الإنسان المبعوث والتي تناسب ذلك العالم. ثالثاً: ويمكن الإجابة عن التساؤل المطروح بجواب ثالث وهو: انّ  الأعمال في هذا العالم لها صورة خاصّة، ولها صورة أُخرى في عالم البرزخ وفي القيامة، بمعنى أنّ الشيء الواحد وتبعاً لشروط خاصة يتجلّى بصور مختلفة، ويمكن استكشاف هذا الدليل من خلال الواقعة التالية:
إنّ رجلاً أتى عثمان  بن عفان ; وبيده جمجمة إنسان ميت، فقال: إنّكم تزعمون النار يعرض عليها هذا، وإنّه يعذّب في القبر، وأنا وضعت عليها يدي فلا أحسّ منها حرارة النار!! فسكت عنه عثمان، وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره، فلمّا أتاه وهو في ملأ من أصحابه، قال للرجل: أعد المسألة، فأعادها، ثمّ قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها يا أبا الحسن!
فقال علي(عليه السلام) : إيتوني بزند وحجر، والرجل السائل والناس ينظرون إليه، فأُتي بهما، فأخذهما وقدّح منهما النار، ثمّ قال للرجل: ضع يدك على الحجر فوضعها عليه، ثمّ قال: ضع يدك على الزند، فوضعها عليه، فقال: هل أحسست منهما حرارة النار؟! فبهت الرجل.( [1])
وعلى هذا الأساس يكون القول بأنّ بعض الثواب والعقاب تجسّم للأعمال الحسنة والسيّئة والتي تتجلّى تحت ظروف خاصة بشكل وصور أُخرى.

[1] . الغدير:8/ 214.

Website Security Test