welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
الصراط
هناك آيات وروايات كثيرة تؤكد على وجود الصراط يوم القيامة، ما المراد من الصراط، وما هي حقيقته؟

الجواب: الصراط في اللغة: هو الطريق،وقد استعمل في الذكر الحكيم في نفس هذا المعنى، قال تعالى: ( ...وَاللّهُ يَهْدي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم ) .( [1])
ومن هنا أُطلق الصراط على الطريق الذي ينتهي إلى الجحيم حيث قال سبحانه: ( احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللّه فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحيمِ ) .( [2])
وقال الراغب: الصراط الطريق المستسهل.( [3]) وقد أُخذ في التعريف قيد السهولة، وبالطبع هذا يكشف انّ طريق الجنة والجحيم سهل.
أمّا سهولة طريق الجنة فهي مرهونة بطبيعة الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة والملكات الصالحة، والعمل بالأحكام والقوانين الإلهية التي يتحلّى بها الإنسان المؤمن والتي تنسجم مع الفطرة وطبيعة الإنسان وطبيعته الملكوتية.
وأمّا سهولة طريق الجحيم فهي رهن الاستجابة للميول والغرائز الحيوانية.
وعلى كلّ حال قد يطلق الصراط ويراد به الجسر الذي يربط بين ضفتي النهر.
الصراط معبر عام
إنّ الإمعان في آيات الذكر الحكيم والروايات الشريفة يكشف وبوضوح أنّ الصراط معبر عام لابدّ لجميع الخلائق اجتيازه والمرور عليه، بلا فرق بين المتقين والمؤمنين أو الفجّار والكافرين، وبالرغم من أنّ الآيات لم تصرّح بذلك إلاّ أنّ المفسّرين حملوا الآية التالية على هذا الموضوع، وهي قوله تعالى:
( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضيّاً * ثُمَّ نُنَجّي الَّذينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظّالِمينَ فِيها جِثِيّاً ) .( [4])
ولقد ذكر المفسّرون لتفسير الضمير في قوله: ( واردها ) احتمالين:
الاحتمال الأوّل: انّ المراد منه هو الجحيم، ويكون الورود بمعنى الإشراف والاقتراب، فإنّه قد يطلق في لغة العرب وغيرها من اللغات الورود على الإشراف والاقتراب، كما يقال لمن يقترب من مدخل المدينة ويشرف عليها أنّه قد ورد المدينة.
وقد استدلّ أصحاب هذا الرأي بما ورد في قصة النبي موسى(عليه السلام) حيث قال سبحانه:
( وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ... ) .( [5]) ومن الواضح أنّ موسى(عليه السلام) لم يطأ ماء مدين بقدميه وإنّما اقترب منه وأشرف عليه، لأنّ الماء في أعماق البئر بشهادة أنّه سبحانه يقول بعد ذلك:
( ...وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ... ) .
ومن الواضح أنّ الرعاة والمرأتين ـ ابنتا شعيب ـ قد أشرفوا على الماء واقتربوا منه ولم يدخلوا إلى البئر أو المشرعة.
وعلى هذا الأساس يكون مفاد الآية:  ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها... ) أنّ أصحاب الجنة وأصحاب النار يشرفون جميعاً على النار ويقتربون منها، ثمّ ينجي اللّه المؤمنين ويساقون إلى الجنة ويلقى أصحاب النار في الجحيم، ومن هنا يكون استعمال جملة ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا ) في حقّ المتقين استعمالاً مناسباً جداً لخطورة الموقف.
الاحتمال الثاني: انّ المراد من (الورود) هو الدخول، فيكون معنى الآية أنّ جميع أهل المحشر ـ حتّى أصحاب الجنة ـ يدخلون النار، ثمّ يترك فيها الظالمون والكافرون، وينجي اللّه سبحانه المؤمنين والمتّقين، ومن دون أن يصيبهم أيّ أذى، وذلك بأمر من اللّه سبحانه الذي خاطب النار وقال لها: ( كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهيم ) .( [6])
ولقد استدلّ أصحاب هذا الرأي على رأيهم بطائفة من الآيات والتي منها:
ألف: ما ورد في خصوص فرعون وكيف أنّه يقود قومه والفراعنة إلى النار حيث قال سبحانه:
( يَقْدُمُ قَوْمَهُ... فَاورَدَهُمُ النّارَ... ) .( [7]) ب: ما ورد حول الآلهة المزيّفة للمشركين حيث قال سبحانه:
( إِنَّكُمْ وَما تََعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ * لَوْ كانَ هؤُلاءِآلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ) .( [8])
وليس من السهل القضاء بين النظريتين، لأنّ المعنى أو الاحتمال الأوّل «الإشراف» و «القرب» على خلاف ظاهر الآية، وإذا ما ورد في قصتي موسى ويوسف(عليهما السلام) ، فلوجود  القرينة الخاصة. وذلك لأنّ الآية في قصة موسى(عليه السلام) تقول:
( وَلَمّا  وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ مَا خَطْبُكُما قَالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير ) .( [9])
وهذه قرينة واضحة على أنّه(عليه السلام) أشرف على ماء مدين ـ أي بئرها ـ لا الدخول في البئر، ولكن مع ذلك يمكن الاستفادة انّ الآية السابقة تفيد الإشراف والقرب من جهنم، وذلك لأنّ نجاة المتّقين كما تنسجم مع معنى الدخول كذلك تنسجم مع القول بالإشراف على جهنم.
ثمّ إنّ بعض المفسّرين ذهبوا إلى الاحتمال الثاني (الورود بمعنى الدخول) وفي نفس الوقت قالوا: إنّ دخول جهنم خاص بغير المتقين.
ويرد على هذا الرأي أنّه لا ينسجم مع قوله تعالى: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذينَ اتَّقَوا ) ،  لأنّ  نجاة المتّقين تحكي عن دخولهم فيها، وإذا كان الورود بمعنى الدخول، فهذا يعني أنّ الجميع يدخلون جهنم ولا وجه لاختصاصه بغير المتّقين والمؤمنين.
وعلى كلّ حال  فقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الآية ناظرة إلى صراط وطريق لابد للجميع من المرور عليه وعبوره، وهذه الآية هي الآية الوحيدة التي وردت في هذا المجال في القرآن الكريم. وأمّا الروايات فكثيرة، وقد فصّلت القول في هذا البحث، ونحن نحاول أن نسلّط الضوء على بعض تلك الروايات وبصورة مختصرة.
الصراط في الروايات
1. روى علي بن إبراهيم، عن الإمام الباقر(عليه السلام) في تفسير قوله سبحانه:
( وَجيءَ يَومَئِذ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذ يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ وَأَنّى لَهُ الذِّكْرى ) .( [10])
قال: «سئل عن ذلك رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخبرني الروح الأمين انّ اللّه لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الأوّلين و الآخرين أتى بجهنم تقاد بألف زمام، يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد لها هدّة وغضب وزفير وشهيق ـ إلى أن قال: ـ ثمّ يوضع عليها الصراط  أدق من الشعرة وأحدّ من السيف».( [11])
2. روى المفضّل بن عمر، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الصراط، قال:«هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّ وجلّ، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة; فأمّا الصراط الذي في الدنيا فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه، مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة; ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه عن الصراط في الآخرة، فتردّى في نار جهنم».( [12]) ويستفاد من هاتين الروايتين انّ الصراط جسر ممدود على جهنم، وقد وصف في الحديث الأوّل بأنّه أحد من السيف وأدق من الشعرة.
قال الشيخ المفيد: الصراط في اللغة هو الطريق، فلذلك سمّي الدين صراطاً، لأنّه طريق إلى الصواب، وبه يسمّى الولاء لأمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) من ذريته صراطاً.
ومن معناه قال أمير المؤمنين(عليه السلام) :«أنا صراط اللّه المستقيم، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها». يعني أنّ معرفته والتمسّك به طريق إلى اللّه سبحانه.
وقد جاء الخبر بأنّ الطريق يوم القيامة إلى الجنة كالجسر يمرُّ به الناس، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن شماله أمير المؤمنين(عليه السلام) ويأتيهما النداء من قبل اللّه تعالى: ( أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلّ كَفّار عَنيد )( [13]) .( [14])
وقال التفتازاني: الصراط جسر  ممدود على متن جهنم يرده الأوّلون والآخرون، أدق من الشعرة وأحدّ من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح، ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كلّ أحد النار على ما قال تعالى:
( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها... )( [15]) .( [16])
هذه طائفة من الروايات وكلمات العلماء الواردة حول الصراط.
وخلاصة القول: إنّ الصراط عبارة عن الطريق الممدود على متن الجحيم يجتازه المؤمنون والمشركون على حدّ سواء، غير أنّ الفئة الأُولى تجتازه بإذنه سبحانه والفئة الثانية تسقط في هاوية جهنم. ومع أنّ هذا هو الظاهر المتبادر، إلاّ أنّ ثمّة احتمالاً آخر وهو: أنّ الصراط كناية عن الطريق الذي يختاره كلّ من المؤمن والكافر في هذه الدنيا، فالطريق الذي اختاره المؤمن يوصله إلى الجنة، والطريق الذي اختاره الكافر ينتهي به إلى نار جهنم.
والمعنى الأوّل هو الأوفق بالظواهر، ولكن المعنى الثاني أيضاً محتمل ويؤيّد الاحتمال الثاني ما روي عن علي(عليه السلام) أنّه قال:
«أَلا وَإِنَّ الْخَطايا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَخُلِعَتْ لُجُمها فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النّارِ أَلا وَإِنَّ التَّقْوى مَطايا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها فَأَورَدَتْهُمُالْجَنَّةَ».( [17])
وهذا التعبير من الإمام يؤيد الاحتمال الثاني، وهو أنّ الطريق الذي يسلكه كلّ من المؤمن والفاجر هو صراطهما في النشأة الأُخرى، فيوصل أحدهما إلى الغاية المنشودة والآخر إلى النار. فكلّ مَن اختار طريق الطاعة فهو يوصله إلى الجنة، ومن اختار طريق العصيان فهو يوصله إلى الجحيم. فصراط كلّ إنسان هو الطريق الذي يسلكه في النشأة الدنيا، ثمّ يتجسّد في الآخرة فيجتازه إمّا إلى الجنة أو إلى النار. ومع ذلك كلّه فالاحتمالان على حدّ سواء عندنا دون  أن نجزم بأحدهما، وإن كان الاحتمال الثاني ـ كما قلنا ـ يؤيّده قول أمير المؤمنين(عليه السلام) .
والذي يستفاد من قول أمير المؤمنين(عليه السلام)   انّ طريقي الجنة والنار في الواقع يبدآن من الحياة الدنيا وينتهيان بالآخرة إلى الجنة أو النار، وليس كما يتصوّر أنّه يوجد على جهنم طريق وصراط لابدّ للجميع من عبوره والمرور عليه، بل أنّ الإنسان الذي يختار في الحياة الدنيا طريق الصلاح والتقوى والورع فإنّه في الآخرة تتجسّم أعماله تلك بصورة الطريق والصراط الذي يقوده إلى الجنة ونعيمها، وأمّا الإنسان الذي ينتخب في هذه الدنيا طريق الانحراف والضلال ولا يمر عبر الجادة الوسطى التي رسمها الكتاب والسنّة للإنسان( [18]) فإنّ عمله ذلك سيتجسّم بطريق يقوده إلى النار.
مع ذلك لا يمكن القطع بهذا الاحتمال ونفي الاحتمال الآخر من خلال تلك الخطب والكلمات، وذلك لأنّ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مملوء بالمجاز والكناية والاستعارة، ومن المحتمل هنا أن يكون قسماً من هذه التعابير هي من قبيل الاستعارة التي تنسجم مع كلا الاحتمالين.( [19])

[1] . البقرة: 213.
[2] . الصافات:22ـ 23.
[3] . مفردات الراغب: 230.
[4] . مريم:71ـ 72.
[5] . القصص: 23.
[6] . الأنبياء: 69.
[7] . هود: 98.
[8] . الأنبياء:98ـ 99.
[9] . القصص: 23.
[10] . الفجر: 23.
[11] . بحار الأنوار:8/65، الباب 22 من كتاب العدل والمعاد، الحديث 2.
[12] . المصدر نفسه، الحديث 3.
[13] . ق: 24.
[14] . تصحيح الاعتقاد:50، ط تبريز.
[15] . مريم: 71.
[16] . شرح المقاصد:2/223، ط آستانة.
[17] . نهج البلاغة: الخطبة 16.
[18] . إشارة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « اليمين والشمال مضلّة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب، وآثار النبوة، ومنها منفذ السنّة،وإليها مصير العاقبة » . نهج البلاغة، الخطبة16، طبع صبحي الصالح.
[19] . منشور جاويد:9/343ـ 353.

Website Security Test