welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
تجسّم الأعمال من منظار العقل
كان الكلام السابق حول توجيه نظرية تجسّم الأعمال من خلال القرآن الكريم والروايات الشريفة، ولكن يبقى البحث عن كيفية توجيه هذه النظرية وفقاً لمعطيات العقل والعلم، فكيف توجّهون ذلك؟

الجواب: انّ طائفة من المفسّرين والمتكلّمين أنكروا النظرية وذهبوا إلى امتناع تجسّم الأعمال، ومالوا إلى تأويل الآيات والروايات الواردة في هذا المجال، والعمدة في دليلهم هو: انّ الأعمال التي يقوم بها الإنسان من مقولة العرض، وعلى هذا الأساس ستواجه نظرية تجسّم الأعمال إشكالين أساسيّين، هما:
1. انّ الأعمال من مقولة العرض، والعرض قائم بالجوهر، ومعنى تجسّمها تحقّق العرض بلا جوهر، وهذا أمر محال.
2. انّ ما يقوم به الإنسان من الأعمال الصالحة أو الطالحة يفنى بعد تحقّقه، فكيف يمكن إعادته بعد انعدامه؟
يقول الشيخ الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مُحْضَراً... ) .( [1])
اختلف في كيفية وجود العمل محضراً. فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، عن أبي مسلم وغيره، وهو اختيار القاضي.
وقيل: ترى جزاء عملها  من الثواب و العقاب، فأمّا أعمالهم فهي أعراض قد بطلت، ولا تجوز عليها الإعادة فيستحيل أن ترى محضرة.( [2])
يقول العلاّمة المجلسي(قدس سره) بعد نقل نظرية الشيخ البهائي المؤيدة لفكرة تجسّم الأعمال: القول باستحالة انقلاب الجوهر عرضاً، والعرض جوهراً في تلك النشأة مع القول بإمكانها في النشأة الآخرة قريب من السفسطة، إذ النشأة الآخرة ليست إلاّ مثل تلك النشأة، وتخلّل الموت والإحياء بينهما لا يصلح أن يصير منشأ لأمثال ذلك.( [3])
من هنا يظهر أنّ المخالفين للنظرية يتمسّكون بأمرين، هما:
1. انّ الأعمال من مقولة العرض وهي تفنى بعد صدورها أو بعد  الموت، فلم يبق شيء حتّى يتجسّم بشكل آخر في عالم الآخرة.
2. انّ نظرية التجسّم معناها انقلاب العرض إلى الجوهر، وهو محال.
التحقيق في الأمر
والحقّ انّ كلا الإشكالين غير واردين على النظرية، وذلك لأنّ الإشكال الأوّل لا أساس له من الصحة، وهو باطل قطعاً، لأنّ البراهين العقلية قائمة على أساس أنّ من طرأ عليه الوجود ولبس لباس الوجود لا يعدم أصلاً، وانّه يبقى في المرحلة والظرف الذي تحقّق فيه، وأنّ عدمه بعد انقضاء زمانه عدم نسبي لا عدم مطلق، فكلّ شيء موجود في ظرفه لا يمكن أن يطرأ العدم عليه.
هذا هو الدليل العقلي الحاسم، ويؤيد ذلك قوله تعالى:
( ...وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّفي كِتاب مُبين ) .( [4])
ومن هنا نعلم أنّ الإشكال الأوّل  القائل: إنّ أعمال الإنسان التي يقوم بها تنعدم ويستحيل إعادة المعدوم، لا أساس له من الصحة.
كذلك الكلام في الإشكال الثاني ـ انقلاب العرض جوهراً ـ فإنّه غير صحيح أيضاً، وذلك لأنّنا وإن كنّا نتبنّى نظرية المعاد الجسماني ولكن ليس  ذلك بمعنى سيادة القوانين الدنيوية جميعها على النشأة الأُخرى، بل انّ الاختلاف بين النشأتين قد يورث الاختلاف بينهما في بعض القوانين، يقول سبحانه:
( يَوْمَ  تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزوا للّهِالواحِدِالْقَهّارِ ) .( [5])
أضف إلى  ذلك  انّ  هناك الكثير من الآيات التي يستفاد منها انّ للنظام الأُخروي قوانينه الخاصة به.
نعم هنا بعض الأُصول العقلية التي لا تختص بالعالم الدنيوي، بل تعمّ النشأتين من قبيل استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما، واجتماع الضدين، ولكن ذلك لا يمنع من وجود سلسلة من القوانين العقلية غير المحضة، أن تكون سائدة وفقاً للنظام السائد في الحياة الدنيا ولكنّها تتغيّر وفقاً لعالم الآخرة، من قبيل تبدّل العرض جوهراً، فإنّ كون العرض غير قائم إلاّ بالموضوع في هذه النشأة لا يكون دليلاً على كونه كذلك في النشأة الأُخرى، إذ من الممكن وبسبب تغاير النشأتين أن يكون العرض قائماً بنفسه في النشأة الأُخرى متبدّلاً، متجلّياً بصورة النار والأغلال والسلاسل أو يكون العمل الصالح كالصلاة والصوم قائماً بنفسه في النشأة الأُخرى متجلّياً بصورة الحور والجنان والعيون.
وما ذكرناه لا يختصّ بمسألة تجسّم الأعمال، بل يجري في الصراط والميزان والأعراف، وما شاكلها، فلا ينبغي في تفسيرها قياسها على قوانين النظام الدنيوي.
وبعبارة مختصرة: انّه لا منافاة بين العقل وبين نظرية تجسّم الأعمال، ومن هنا نرى من المناسب أن نذكر كلمات بعض الأعلام في هذا الصدد:
1. يقول صدر المتألّهين: كما أنّ كلّ صفة تغلب على باطن الإنسان في الدنيا وتستولي على نفسه بحيث تصير ملكة لها، يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة يصعب عليه صدور أفعال أضدادها غاية الصعوبة، وربّما بلغ ضرب من القسم الأوّل حدّ اللزوم، وضرب من القسم الثاني حدّ الامتناع، لأجل رسوخ تلك الصفة، لكن لمّا كان هذا العالم دار الاكتساب والتحصيل قلّما تصل الأفعال المنسوبة إلى الإنسان الموسومة بكونها بالاختيار في شيء من طرفيها حدّ اللزوم والامتناع بالقياس إلى قدرة الإنسان وإرادته دون الدواعي والصوارف الخارجية لكون النفس متعلّقة بمادة بدنية قابلة للانفعالات والانقلابات من حالة إلى حالة، فالشقي ربّما يصير بالاكتساب سعيداً وبالعكس، بخلاف الآخرة فانّها ليست دار الاكتساب والتحصيل، كما أُشير إليه بقوله تعالى: ( ...يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً... )( [6]) ، وكلّ صفة بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى الدار الآخرة صارت كأنّها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشئة منها بصورة تناسبها في عالم الآخرة والأفعال والآثار التي كانت تلك الصفات مصادر لها في الدنيا،وربّما تخلّفت عنها لأجل العوائق والصوارف الجسمانية الاتّفاقية، لأنّ الدنيا دار تعارض الأضداد وتزاحم المتمانعات بخلاف الآخرة لكونها دار الجمع والاتّفاق لا تزاحم ولا تضاد فيها، والأسباب هناك أسباب وعلل ذاتية كالفواعل والغايات الذاتية دون العرضية، فكلّما يصلح أثر الصفة النفسانية لم يتخلّف عنها هناك كما يتخلّف عنها هاهنا لمصادفة مانع له ومعاوقة صارف عنه، إذ لا سلطنة هناك للعلل العرضية والأسباب الاتّفاقية ومبادئ الشرور، بل الملك للّه الواحد القهّار.( [7])
2. وأمّا العارف الإسلامي الكبير الشيخ البهائي فقد قال في هذا الصدد: لقد جاءت مسألة نظرية تجسّم الأعمال في الكثير من الروايات الخاصّة والعامّة، وبعد أن نقل رواية «قيس بن عاصم» قال:
إنّ الحيّات والعقارب، بل والنيران التي تظهر في القبر والقيامة، هي بعينها الأعمال القبيحة والأخلاق الذميمة والعقائد الباطلة التي ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة وتجلببت بهذه الجلابيب، كما أنّ الروح والريحان والحور والثمار هي الأخلاق الزكية والأعمال الصالحة والاعتقادات الحقّة التي برزت في هذا العالم بهذا الزي وتسمّت بهذا الاسم، إذ الحقيقة الواحدة تختلف صورها باختلاف الأماكن، فتحلّى في كلّ موطن بحلية، وتزيّى في كلّ نشأة بزيّ، وقالوا: إنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: ( يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالْكافِرينَ )( [8]) ليس بمعنى الاستقبال بأن يكون المراد أنّها ستحيط بهم في النشأة الأُخرى.( [9])
ثمّ إنّ  صدر المتألّهين ضرب مثالاً لتقريب الموضوع، يقول: إنّ الجسم الرطب متى فعل ما في طبعه من الرطوبة في جسم الآخر قبل الجسم المنفعل الرطوبة فصار رطباً مثله، ومتى فعل فعله الرطوبة في قابل غير جسم كالقوة الدراكة الحسية والخيالية إذا انفعلت عن رطوبة ذلك الجسم الرطب، لم يقبل الأثر الذي قبله الجسم الثاني ولم يصر بسببه رطباً بل يقبل شيئاً آخر من ماهية الرطوبة لها طور خاص في ذلك كما يقبل القوة الناطقة متى نالت الرطوبة أو حضرتها في ذاتها شيئاً آخر من ماهية الرطوبة وطبيعتها من حيث هي ولها ظهور آخر عقلي فيه بنحو وجود عقلي مع هوية عقلية، فانظر حكم تفاوت النش آت في ماهية واحدة لصفة واحدة، كيف فعلت وأثرت في موضع الجسم شيء وفي قوة أُخرى شيئاً آخر، وفي جوهر شيئاً آخر، وكلّ من هذه الثلاثة حكاية للآخرين، لأنّ الماهية واحدة والوجودات متخالفة، وهذا القدر يكفي المستبصر  لأن يؤمن بجميع ما وعد اللّه ورسوله أو توعّد عليه في لسان الشرع من الصور الأُخروية المرتبة على الاعتقادات الحقّة أو الباطلة أو الأخلاق الحسنة والقبيحة المستتبعة للّذات والآلام إن لم يكن من أهل المكاشفة والمشاهدة.( [10])
تجسّم الأعمال من منظار العلم
بالرغم من أنّ الأدلّة النقلية والبراهين العقلية تدعم نظرية تجسّم الأعمال، مع ذلك كلّه يمكن الاستفادة من العلوم التجريبية لتقريب تلك النظرية العقلية الدقيقة إلى الذهن البشري، وتوضيح ذلك: إنّ المادة والطاقة مظهران لحقيقة واحدة، المادة عبارة عن الطاقات المتراكمة، وربّما تتبدّل المادة في ظروف خاصة إلى الطاقة، فتكون الطاقة وجوداً منبسطاً للمادة، كتبدّل مادة الغذاء الذي يتناوله الإنسان إلى حركة، وكتبدّل وقود الحافلات إلى طاقة حركية.إنّ مفهوم حفظ الطاقة أحد المفاهيم الأساسية الذي يكون حاكماً على كافة الظواهر الطبيعية بمعنى أنّ كافة التفاعلات والتحوّلات التي تحدث في عالم الطبيعة لا تخرج عن هذا الإطار العام، وهو أنّ عموم الطاقة لا يتغير فيها أبداً.
فالطاقة يمكن أن تتبدّل إلى أنواع مختلفة وهذه الأنواع تشمل الطاقة الحركية، الحرارية، الكهربائية، الكيميائية، والنووية.( [11])
حقيقة العمل في الإنسان
إنّ الإجابة  عن التساؤل عن حقيقة عمل الإنسان الذي هو جزء من عالم المادة، هي: أنّ الإنسان حينما يقوم بعمل ما ـ صالحاً كان أم طالحاً ـ فإنّ بعض ذخائره المادية تتحوّل إلى طاقة، فإذا صلّى مثلاً، فإنّه في الواقع في جميع حالات ولحظات الصلاة، يحوّل قسماً من مادته إلى طاقة، وهكذا إذا ارتكب عملاً سيئاً، كما إذا قام بضرب إنسان بريء فإنّه كذلك يصرف مقداراً من المادة ويحوّله إلى طاقة، وهكذا الكلام في سائر الأفعال التي يقوم بها، سواء كانت تلك الأفعال عضويةً أو كان العمل فكرياً أو نفسياً فتعود حقيقة العمل في الإنسان إلى تبدّل  المادة إلى طاقة.
إذا عرفنا ذلك فنقول: إنّ تجسّم الأعمال يبتني على القواعد التالية:
1. حقيقة العمل هو تبديل المادة إلى طاقة.
2. الطاقة الموجودة في العالم ثابتة لا تتغيّر.
3. المادة والطاقة حقيقتهما واحدة.
4. كما أنّ المادة تتبدّل إلى طاقة، فهكذا تتبدّل الطاقة في ظروف خاصة إلى المادة.
والنتيجة الطبيعية والمنطقية لتلك المقدّمات المذكورة انّ تبدّل أعمال الإنسان وأفعاله (والتي تحوّلت إلى طاقة) تحت شروط خاصة في عالم الآخرة أمرٌ ممكن، كما أنّ ذلك ممكن في هذا العالم، بل يُعدّ من منظار العلم من حقائق عالم الطبيعة.
وعلى هذا الأساس فإنّ مسألة «تجسّم الأعمال» من المعارف الدقيقة والعميقة والتي لا يتسنّى لكلّ أحد إدراكها، ولكن هناك بعض المفكّرين الكبار ومن خلال التأمّل في حالات النفس الإنسانية والاعتماد على الأُصول الفلسفية المسلّمة، والتأمّل في آيات الذكر الحكيم، قد اهتدوا إلى إدراك تلك النظرية الدقيقة، كالفيلسوف الإسلامي الكبير صدر المتألّهين، ومن حسن الحظ أنّ العلم قد دعم هذه النظرية وساعد على إدراكها وهضمها.
ومن الجدير بالذكر أنّ المسائل التي تتعلّق بعالم الآخرة هي من الحقائق الغيبية التي لا يتسنّى للإنسان المحصور في إطار المادة والماديات إدراكها وفهمها، إلاّ إذا ارتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الغيب وشاهد حقائق ذلك العالم عن قرب، وفي الحقيقة انّ الذين يصلون إلى هذا المقام السامي لا يتجاوزون العدد اليسير جداً.( [12])

[1] . آل عمران: 30.
[2] . مجمع البيان:1/431، ط صيدا.
[3] . بحار الأنوار:7/ 229.
[4] . يونس:61، سبأ: 3.
[5] . إبراهيم: 48.
[6] . الأنعام: 158.
[7] . المبدأ والمعاد:341ـ 342.
[8] . العنكبوت: 54.
[9] . البحار:7/ 228.
[10] . المبدأ والمعاد:341ـ 342.
[11] . دائرة المعارف البريطانية:6/ 894.
[12] . منشور جاويد:9/422ـ 446.

Website Security Test