welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
ميزان الأعمال
من الأُمور التي تمّ التأكيد عليها في آيات الذكر الحكيم هو وجود ميزان للأعمال يوم القيامة ما هي حقيقة ذلك الميزان؟

الجواب: من الأُمور  التي تتعلّق  ببحث يوم القيامة بحث ميزان الأعمال، وأنّ أعمال العباد الحسنة والسيئة توزن ويحاسب عليها، وحينئذ يطرح الكلام الذي جاء في متن السؤال وانّه ما هي حقيقة هذا الميزان، وما هي واقعية ذلك التوزين، وبأيّ نحو تتم؟
من المسلّم به أنّه يوجد في ذلك العالم «ميزان»، وأنّ هذا الأمر من الأُمور المنصوصة، حيث أكّد الوحي وجود ذلك، كذلك اتّفقت الروايات وكلمات المتكلّمين عليه، إذاً مسألة «الميزان» من المسائل التي لا يمكن إنكارها أبداً، فلنستعرض أوّلاً الآيات الواردة في هذا المجال.
ومن الملاحظ أنّ الآيات الواردة هنا يمكن تقسيمها إلى طائفتين: طائفة منها تؤكّد أصل وجود «الميزان» و «التوزين»، والطائفة الأُخرى التي تشير إلى بيان النتيجة المترتبة على ذلك. وإليك الآيات من الصنف الأوّل:
1. ( وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ ) .( [1])
فكلمة «الموازين» في الآية جمع «الميزان»، وهذا يعني أنّ الموازين تنصب يوم القيامة، وقد وصفت هذه الموازين بأنّها تمثّل وتظهر العدل والحكم الإلهي.( [2])
وبالنتيجة: انّ الآية ناظرة إلى إثبات أصل وجود الميزان في يوم القيامة.
وأمّا الآيات التي تشير إلى نتيجة إقامة الموازين يوم القيامة فهي:
2. ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ في جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) .( [3])
3. ( فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ * فَهُوَ في عيشَة راضِيَة * وَأَمّا مَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ * فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ) .( [4])
4. ( ...الْوَزْنُ يَومَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) .( [5])
5. ( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) .( [6])
إلى هنا اطّلعنا على الآيات التي تشير إلى أصل وجود الميزان والنتيجة المترتّبة على نصب الموازين يوم القيامة، وحان الوقت للبحث عن حقيقة ذلك الميزان وماهيته في ذلك العالم الآخر ما هو؟
ويكون البحث في هذا المجال  في محورين:
1. نظرية المفسّرين والمتكلّمين في  بيان الميزان.
2. الميزان  من وجهة نظر الآيات القرآنية.
الميزان يوم القيامة كموازين الدنيا
ذهبت طائفة  من متكلّمي المعتزلة وقاطبة أهل الحديث إلى تفسير «الميزان» تفسيراً حرفياً وتمسّكوا بالظهور التصوّري حيث قالوا: إنّه ينصب يوم القيامة ميزان كموازين الدنيا وتوضع الأعمال الصالحة في كفّة منه و الطالحة في الكفّة الأُخرى، فيوزن، فلو رجحت كفّة الأعمال الصالحة فهو سعيد وإلاّ فهو شقي.( [7])
إنّ هذا التفسير يُعدّ من قبيل التفسير الحرفي الذي يفتقر إلى الإمعان والتدبّر في المعنى، وذلك لأنّ للكلام ظهورين: ظهور تصوّري بدوي، والآخر تصديقي يدرك من خلال القرائن الحافّة بالكلام، ومن الواضح أنّ النوع الأوّل «التفسير الحرفي» لا قيمة له في مجال التفسير وتحديد المفاهيم القرآنية.
وأمّا الطائفة الثانية من المتكلّمين فقد اعترضت على هذا التفسير وأوردت عدّة إشكالات على تلك النظرية، ومن جملة تلك الإشكالات، الإشكال التالي: انّ الأعمال من مقولة الأعراض، ومن المعلوم أنّ الأعراض تفتقد الثقل فكيف توزن؟
وفي الحقيقة إذا كان الإشكال الوارد على هذه النظرية ينحصر في هذا الإشكال فقط، فهو قابل للدفع، إذ بإمكان أصحاب النظرية دفعه بأن يقولوا:
إنّ المراد هو توزين صحائف الأعمال، أو جعل الحسنات أجساماً نورانية والسيئات أجساماً ظلمانية.
ولكن في( [8]) الحقيقة أنّ سبب وهن النظرية وعدم ثباتها انّها في الحقيقة تمثّل نظرة سطحية وساذجة لآيات الذكر الحكيم وتعتمد اعتماداً كليّاً وواضحاً على الظهور الحرفي والتصورّي للكلام، ومن الواضح أنّ هذا المنهج لا قيمة علمية له. بل اللازم هو جمع القرائن الحافّة بالكلام وإمعان النظر في الآية والبحوث الأُخرى ثمّ الحصول على الظهور التصديقي للآية واعتماده محوراً للحكم والتفسير. ولتقريب الفكرة نستعين بذكر المثال التالي:
من المتداول على الألسن للتعبير عن الجود والسخاء أن يقال: «فلان باسط اليد ولا يغلق بابه»، ومن الواضح أنّ هذه الجملة تشتمل على ظهورين:
أ. الظهور البدوي والتصوّري وهو: كون يده المحسوسة مبسوطة لا تجمع وانّ باب بيته لا يغلق لعدد من الأسباب والعلل.
ب. الظهور التصديقي وهو: انّ هذا الإنسان كثير العطاء والسخاء والجود، وانّ بابه مفتوح للضيوف والمارة، وانّه يمد يد العون للمحتاجين والمعوزين دائماً.
ولا ريب أنّ التفسير الأوّل غير صحيح قطعاً فلابدّ من حمل الجملة  على المعنى الثاني وتفسيرها وفقاً له، ولا يحق لأحد أن يدّعي أنّ هذا النوع من التفسير لا يصحّ، لأنّه نوع من التأويل الباطل، كذلك لا يصحّ لنا التهرّب من تفسير المفاهيم القرآنية والمعارف الإلهية، مثل «الميزان» و «الصراط» وأمثالها تحت ذريعة  انّ هذا التفسير هو من قبيل التأويل ونصرف النظر عن الظهور التصديقي للآيات كما فعل أصحاب الحديث.
إنّ آفة تفاسير أهل الحديث تكمن في أنّهم لم يضعوا حدّاً مائزاً بين الظهور التصوّري والتصديقي . وبعبارة أُخرى: بين الظهور البدوي والاستمراري، وتمسّكوا بالظهورات التصورية التي تزول بأدنى تأمّل.
الميزان هو العدل الإلهي
بسبب الإشكالات الواردة على النظرية السابقة ذهب البعض  إلى نظرية أُخرى، وهي: أنّ المراد من الميزان هو العدل الإلهي، وانّ اللّه تعالى سيقضي بين عباده بالعدل والقسط يميّز من خلالهما بين المطيعين والعاصين،والمؤمنين والكافرين. وينال كلّ واحد منهم جزاءه الذي يستحقّه.
لا شكّ أنّ اللّه تعالى يحكم يوم القيامة بين عباده بالعدل والقسط، ولكن الكلام هنا في حقيقة «الميزان» هل أنّ  حقيقة الميزان تتلخّص في ذلك، أي في الحكم العدل، أم أنّ للميزان بالإضافة إلى ذلك حقيقة أُخرى يمكن إدراكها واستنباطها من آيات الذكر الحكيم؟
فالخلاصة: أنّ النظرية الأُولى باطلة قطعاً، وأنّ النظرية الثانية لا تبيّن حقيقة «الميزان» كما هي، بل تبيّن نتيجة الميزان دون أن تشير إلى واقعه، وانّه بعد ما يتم التوزين يتعامل سبحانه بالعدل والقسط، وهذا الأمر في الحقيقة يحتاج إلى وسيلة لتبيين حال العباد المطيعين والعاصين، فلابدّ قبل القضاء والتعامل من أداة تبيّن حال العباد من الطاعة والعصيان، حتّى تصل النوبة إلى قضائه سبحانه.
فما هي تلك الأداة التي تكون معياراً لكثرة الطاعات أو قلّتها؟
ولبيان وإجلاء حقيقة «الميزان» في العالم الآخر لابدّ من الإشارة إلى مقدّمتين، هما:
ألف: الميزان واستعمالاته في القرآن
إنّ لفظ «الميزان » بالرغم من أنّه ليس له إلاّ معنى واحد  وهو الآلة التي يوزن بها، مع ذلك كلّه وردت في القرآن الكريم له تطبيقات مختلفة منها:
1. الوسيلة التي يوزن بها المتاع
قال تعالى: ( وَيا قَوْمِ أَوْفُوا المِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ... )( [9]) .( [10])
2. الانسجام والنظم السائدة
تارة يطلق لفظ الميزان على النظم السائدة في عالم الخلق والتي تكون سبباً لثباته واستقامته حيث قال سبحانه:
( وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) .( [11])
ومن الواضح أنّ قوله تعالى: ( وَالسَّماءَ رَفَعَها ) قرينة على أنّ المراد من «الميزان» هو منح النظام الذي قامت على أساسه السماوات والأرض،  فالمنظومة الشمسية قائمة على أساس التعادل والموازنة، ومعتمدة على قانون الجاذبية بحيث لو اختلّ ذلك القانون لانفرط عقد هذه المنظومة وغيرها من المنظومات الأُخرى.
3. الميزان هو التشريعات والقوانين العادلة
لقد أطلق القرآن الكريم لفظ «الميزان» على القوانين والتشريعات العادلة التي تقنّن حياة الإنسان وترسم له مسير حياته وتنشر العدل والقسط في المجتمع حيث قال سبحانه:
( ...وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ... ) .( [12])
فالمراد من «الميزان» بقرينة قوله تعالى: ( أَنْزَلْنا ) هو التشريع السماوي الذي أنزله سبحانه بإنزال كتابه، ويحتمل  أن يكون المراد من «الميزان» هو قضاء العقل الحصيف، ولا شكّ أنّ ذلك منزل كباقي النعم الإلهية والرحمة الإلهية التي من ضمنها الحديد الذي عبّر عنه سبحانه بقوله: ( وَأَنْزَلْنا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَديدٌ ) .( [13])
هذه بعض التطبيقات التي ذكرها القرآن الكريم لكلمة «الميزان».
ب. لكلّ شيء ميزان خاص به
إنّ الكلمات التي جاءت في القرآن الكريم لتصف يوم القيامة ومشاهده، لها مصاديق مختلفة ومتنوعة، فبعضها لنا معرفة به في هذا العالم، ولكن ذلك لا يسمح لنا أن ندّعي أنّ مصاديقها واحدة، بمعنى أنّ ما هو موجود في الدنيا هو عينه موجود في الآخرة،ومن هذه الألفاظ كلمة «الميزان»، فإنّ لها  معنى عرفياً واضحاً، وهو الوسيلة التي يوزن بها المتاع والأشياء، ولكن هل انّ حقيقة الميزان و واقعيته تنحصر بهذا الميزان ذي الكفتين؟ أو أنّ ذلك يمثّل أحد مصاديق «الميزان» الذي ظلّ البشر ولفترة طويلة يستعمله قبل الثورة الصناعية والتطوّر العلمي حيث ظهرت مصاديق أُخرى للميزان تختلف اختلافاً جوهرياً مع الميزان السابق، فقد تطوّر العلم وأحدث وسائل للقياس والوزن بحيث توزن فيها أشياء لا يمكن بحال من الأحوال وزنها وقياسها بالميزان القديم أبداً، مثل وسائل قياس درجات الحرارة والماء والكهرباء والهاتف وضغط الدم وكيفية نبض القلب، وغير ذلك من الأُمور الدقيقة والحسّاسة جداً، بل قفز الإنسان قفزة كبيرة من خلال صناعة الحاسوب الذي استطاع من خلاله أن يزن أدق الأُمور وأخفاها وبيان الصحيح منها من الخاطئ .
على هذا الأساس يمكن القول: إنّ لكلّ شيء ميزاناً خاصاً يناسبه وليس الميزان منحصراً بماله كفّتان، وانّ الإنسان كلّما تطوّر علمياً وتكنولوجيّاً اخترع من وسائل الوزن ما تدهش العقول وجعل لكلّ شيء ميزاناً يناسبه.
ثمّ إنّنا  إذا نظرنا إلى علم المنطق مثلاً نجده يُعدّ ميزاناً لتشخيص الأفكار الصحيحة والخاطئة والفصل بينهما، وكذلك القضايا البديهية والقريبة من البديهية فانّها  ميزان للفصل بين الحقّ والباطل في (التصديقيات).
بناء على هذا الأصل لا يمكن تفسير «الميزان» في عالم الآخرة بما في الحياة الدنيا من وسائل «الوزن» و «القياس»، أو تفسيرها بالعدل الإلهي، بل أنّ مقتضى الاحتياط والتحرّز في بيان المعارف والمفاهيم الإسلامية أن نقول: إنّ الميزان المنصوب في يوم القيامة شيء أعظم ممّا توصل إليه العقل البشري يعلم به صالح الأشياء و طالحها والمحسن و المسيء.
فالخلاصة: انّنا نؤمن بوجود وسيلة للقياس والوزن يوم القيامة ولكنّها وسيلة لها عظمتها الخاصة وأفضليتها وكمالها وإن كان الإنسان الذي لم تنفتح له الآفاق على عالم الغيب يجهل حقيقتها وكنهها ولم يتّضح له محتواها.
نماذج من موازين يوم القيامة
بعد الاعتراف بأنّنا نجهل كنه وحقيقة الميزان يوم القيامة ـ و إن كنّا نعلم بأصل وجوده ـ ولكن يمكن لنا أن نستعين بالآيات الكريمة والروايات الشريفة لتزيح لنا الستار عن جانب من تلك الحقيقة المبهمة وليتّضح لنا حقيقة الميزان يوم القيامة بنحو من الأنحاء.
1. يقول سبحانه وتعالى:
( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) .( [14])
ولقد اختلفت كلمات المفسّرين في تفسير الآية وكيفية إعرابها إلى أقوال مختلفة ومتنوعة، نذكر منها ثلاثة احتمالات:
الأوّل: أنّ الوزن مصدر بمعنى التوزين، وهو مبتدأ خبره الحق، والمراد أنّ توزين الأعمال ومحاسبتها أمر حق لا سترة فيه.
الثاني: أنّ الوزن بمعنى الميزان، أي ما يوزن به، ويكون المراد أنّ ما يوزن به هو الحقّ، فالحقّ هو الذي يعرف به حقائق الأعمال عند قياسها إليه، فكلّ عمل تمتع بقسط وافر من الحقّ ثقّل الميزان عندئذ في مقابل عمل لا يتمتع بقسط من الحقّ أو يتمتع بشيء قليل فيخفّف ميزانه. فيصبح الحق مثل الثقل في الموازين العرفية، غير أنّ الثقل فيها يوضع في كفّة والمتاع في كفّة أُخرى.
وأمّا الحقّ فلا يكون شيئاً منفكّاً عن العمل، بل بمقدار ما يتمتع به ترجح كفّته.
الثالث: أنّ الحقّ  بمنزلة الثقل في الموازين العرفية، ويكون له تجسّم واقعي يوم القيامة، فبمطابقته وعدمها يعرف صلاح الأعمال عن غيرها.
والفرق بين الثاني والثالث واضح، فإنّ الحقّ على المعنى الثاني يكون داخلاً في جوهر الأعمال بمقدار ما يوصف به العمل من الحقّ، وأمّا الاحتمال الثالث فالحقّ بالذات هو الموجود المجسَّم يوم القيامة، ولا يعلم صلاح الأعمال عن ضدّها، إلاّ بعرضها على الحقّ المجسَّم، فبمقدار ما يشبهه ويناسبه يكون موصوفاً بالحقّ، دون ما لم يكن كذلك فيوصف بالباطل.
وهذا المعنى الثالث هو المستفاد من بعض الروايات، قال الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله: ( وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ ) :«هم الأنبياء والأوصياء»( [15])، ولعلّ أعمال كلّ أُمّة تعرض على أنبيائهم فبالمطابقة مع أعمالهم ومخالفتها معهم يعلم كونه سعيداً أو شقياً، ويؤيد ذلك ما نقرأه في زيارة الإمام أميـرالمـؤمنيـن(عليه السلام) حيـث ورد فيها: «السَّـلامُ عَلى يَعْسُـوبِ الإِيمـانِ وَ ميـزانِ الأَعْمالِ».( [16])
وكأنّ الإمام أمير المؤمنين حقّ مجسّم، فمن شابهه فهو ممّن ثقلت موازينه، ومن لم يشابهه فهو ممّن خفّت موازينه.
وإن شئت قلت: إنّ الإنسان المثالي أُسوة في الدنيا والآخرة يميّز به الحقّ عن الباطل، بل الطيب عن الخبيث، وهذا أمر جار في الدنيا والآخرة.
وبذلك تقف على إتقان ما روي عن الإمام زين العابدين(عليه السلام) ، وقد قال فيما كان يعظ به الناس: «ثمّ رجع القول من اللّه في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب، فقال عزّ وجلّ: ( وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا ظالِمين ) .( [17])
فإن قلتم: أيّها الناس، إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما عني بهذا أهل الشرك فكيف ذلك، وهو يقول:
( وَنَضَعُ الْمَوازينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبينَ ) .( [18])
واعلموا عباد اللّه أنّ أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنّما يحشرون إلى جهنم زمراً، وإنّما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام».( [19])
ويؤيد ذلك ما نقل عن الإمام السجاد(عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق».( [20])
وبما أنّ حسن الخلق من أبرز صفات الأنبياء، فمن تمتّع به فهو أشبه بالأنبياء من غيره، فيكون عمله عملاً قيّماً له أثره الخاص.
نماذج من كلمات المفكّرين والعلماء
وفي ختام البحث نشير إلى بعض كلمات أصحاب الاختصاص من العلماء، كالغزالي والفيض الكاشاني وغيرهم.
وللمحقّق الكاشاني كلام في تفسير الملكين المعروفين بمنكر ونكير يناسب ذكره في المقام لصلته بما ذكرنا، يقول:
ويخطر بالبال انّ المنكر عبارة عن جملة الأعمال المنكرة التي فعلها الإنسان في الدنيا فتمثّلتا في الآخرة بصورة مناسبة لها مأخوذ ممّا هو وصف الأفعال في الشرع، أعني: المذكور في مقابلة المعروف.
والنكير هو الإنكار لغة، ولا يبعد أن يكون الإنسان إذا رأى فعله المنكر في تلك الحال أنكره ووبّخ نفسه عليه، فتمثّل تلك الهيئة الإنكارية أو مبدؤها من النفس بمثال مناسب لتلك النشأة، فإنّ قوى النفس ومبادئ آثارها كالحواس ومبادئ اللّمم تسمّى في الشرع بالملائكة.
ثمّ إنّ هذا الإنكار من النفس لذلك المنكر يحملها على أن تلتفت إلى اعتقاداتها وتفتش عنها، أهي صحيحة حسنة حقّة أم فاسدة خبيثة باطلة؟ ليظهر نجاتها وهلاكها ويطمئن قلبها، وذلك لأنّ قبول الأعمال موقوف على صحّة الاعتقاد، بل المدار في النجاة على ذلك كما هو مقرر ضروري من الدين، وإليه أُشير بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «حب علي حسنة لا تضرّ معها سيئة، وبغض علي سيّئة لا تنفع معها حسنة».( [21])
ويقول الحكيم عبد الرزاق اللاهيجي ما هذا تعريبه: إنّ المفاهيم الكلّية ذات مصاديق مختلفة عبر الزمان، فهذا  لفظ القلم كان يطلق على القلم المنحوت من القصب، ولكن تلك الخصوصية لم تؤخذ في ماهيته، ولذلك يطلق على ما إذا كان من حديد وغيره. ونظيره الميزان فإنّ منه ما يوزن به المتاع، ومنه ما يوزن به الوقت، ومنه ما يوزن به الأشكال الهندسية كالفرجال والمسطرة والقوس،ومنه ما يوزن به الأشعار كعلم العروض، ومنه ما يوزن به خطأ الإدراكات وصحتها كالمنطق، وعلى هذا فلا مانع من أن يكون نفس الأنبياء موازين الأعمال، فكلّ عمل يشبه أعمالهم فهو حقّ، وكلّ عمل يخالف أعمالهم فهو باطل.
فكلّ عمل عند المقايسة إلى أعمالهم يعلم كونه صالحاً أو طالحاً، صحيحاً أم فاسداً.( [22])
ويؤيده الحديث التالي:
عن هشام بن سالم، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ:
( وَنَضَعُ الْمَوازينَ القِسْط لِيَوم القِيامَة فَلا تُظلم نَفسٌ شَيْئاً ) ؟
قال: «هم الأنبياء والأوصياء»( [23]).( [24])

[1] . الأنبياء: 47.
[2] . انّ لفظ(القسط) يمكن أن يكون عطف بيان بالنسبة إلى « الموازين » ، كذلك يمكن أن يكون صفة له على تقدير الإضافة لكلمة مقدّرة هي « ذوات » بمعنى أنّ الموازين ذوات القسط، وكأنّ الميزان ينقسم إلى قسمين:
ميزان يقوم على أساس العدل، وميزان يقوم على خلاف العدل، ولذلك وصف الوحي انّ هذه الموازين بالقسط لكي يذكرنا أنّ هذه الموازين علامة للقسط والعدل الإلهي.
[3] . المؤمنون:102ـ 103.
[4] . الرعد:6ـ 9.
[5] . الأعراف:8ـ 9.
[6] . الكهف: 105.
[7] . انظر كشف المراد:297، ط. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
[8] . شرح المقاصد:3/223، ط. آستانه.
[9] . هود: 85.
[10] . ورد في نفس المضمون; الآية 152 من سورة الأنعام، و85 من الأعراف و 84 من سورة هود و9 من الرحمن.
[11] . الرحمن: 7.
[12] . الحديد: 25.
[13] . الحديد: 25.
[14] . الأعراف:8ـ 9.
[15] . بحار الأنوار:7/249، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث 6.
[16] . مفاتيح الجنان، الزيارة الرابعة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .
[17] . الأنبياء: 46.
[18] . الأنبياء: 47.
[19] . بحار الأنوار:7/250، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد ، الحديث 8.
[20] . بحار الأنوار:7/249، الباب العاشر من كتاب العدل والمعاد، الحديث 7.
[21] . الحقائق في محاسن الأخلاق: 446.
[22] . گوهر مراد: 478.
[23] . بحار الأنوار:7/249، باب الميزان، الحديث 6.
[24] . منشور جاويد:9/317ـ 327.

Website Security Test