welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
مواقف القيامة
ما المقصود من مواقف يوم القيامة وعقباتها؟

الجواب: لقد أشارت الروايات إلى أنّ ليوم القيامة مواقف وعقبات متنوّعة ومختلفة يقف المجرمون والمذنبون في كلّ واحدة منها ألف سنة من سنيّ الدنيا، ولذلك لابدّ من التركيز على هذه القضية لمعرفة حقيقة ذلك.
ولابدّ من إلفات النظر إلى أنّ المتكلّمين المسلمين قد أطلقوا على هذه المواقف: مصطلح «القنطرة» تارة، ومصطلح «العقبة» تارة أُخرى، ومن الواضح أنّ المتكلّمين قد أخذوا ذلك الاصطلاح من الآيات والروايات الواردة في هذا المجال.
إنّ مصطلح «الموقف» بمعنى محل الوقوف، ومصطلح «القنطرة» بمعنى «الجسر»، ومصطلح «العقبة» بمعنى الحاجز والعائق.
يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته المعروفة لولده الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) :
«وَاعْلَمْ أَنَّ أَمامَكَ عَقَبَةً كَؤُوداً،الْمُخِفُّ فِيها أَحْسَنُ حالاً مِنَ الْمُثْقِلِ، وَالمُبْطِئُ عَلَيْها أَقْبَحُ حالاً مِنَ الْمُسْرِع، وَأنّ مَهْبِطَكَ بِها لا مَحالَةَ إِمّا عَلى جَنَّة أَوْ عَلى نار...».( [1])
مواقف القيامة من وجهة نظر المتكلّمين المسلمين
لقد مرّ بعض المتكلّمين  المسلمين على هذه المسألة مروراً سريعاً وبنحو الإجمال ولم يولوها أهمية كبيرة، ولكن علمين كبيرين من أعلام الشيعة الكبار قد اهتما بهذه المسألة اهتماماً خاصاً، فكان لكلّ واحد منهما نظرية خاصة في هذا المجال، وهذان العلمان هما: «الشيخ الصدوق المتوفّى 381هـ» و« الشيخ المفيد المتوفّى 413هـ»، وهانحن نعرض هاتين النظريتين ليطّلع عليها القرّاء الكرام.
العقبات عند الشيخ الصدوق
إنّ للشيخ الصدوق(قدس سره) تفسيراً ونظرية خاصة في المجال تنطلق من منهجه الذي اعتمده في دراسة باقي المسائل، وهو منهج الاعتماد على ظواهر الآيات والروايات حيث قال(قدس سره) :
اعتقادنا في العقبات التي على طريق المحشر انّ لكلّ عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض وكان قد قصّر في ذلك الفرض حبس عندها وطولب بحق اللّه فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه أو برحمة تداركه نجا منها إلى عقبة أُخرى، فلا يزال يدفع من عقبة إلى عقبة، ويحبس عند كلّ عقبة فيسأل عمّا قصّر فيه من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيا حياة لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبداً، وسكن في جوار اللّه مع أنبيائه وحججه والصدّيقين والشهداء والصالحين من عباده، وإن حبس على عقبة فطولب بحقّ قصر فيه فلم ينجه عمل صالح قدّمه ولا أدركته من اللّه عزّ وجلّ رحمة زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم ـ نعوذ باللّه منها ـ وهذه العقبات كلّها على الصراط، اسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمّة من بعده(عليهم السلام) ، فمن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأت بها بقي فهوى، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ: ( وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤولون ) ، وأهم عقبة منها المرصاد وهو قول اللّه عزّ وجلّ: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) .( [2])
ويقول عزّ وجلّ:وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم، واسم عقبة منها الرحم، واسم عقبة منها الأمانة، واسم عقبة منها الصلاة، وباسم كلّ فرض أو أمر أو نهي عقبة يحبس عندها العبد فيسأل.( [3])
ولقد حذر الإمام علي(عليه السلام) الظالمين بقوله:«وَلَئِنْ أَمْهَلَ اللّهُ الظّالِمَ فَلَنْ يَفُوتَ أَخْذُهُ وَهو لَهُ بِالْمِرصادِعَلى مَجازِ طَريقِهِ» .( [4])
وكما قلنا:إنّ نظرية المرحوم الشيخ الصدوق في خصوص «مواقف القيامة وعقباتها» في واقعها تلخيص لما ورد في الروايات في هذا المجال، وها نحن نذكر نماذج من تلك الروايات:
1. روى الصدوق في أماليه عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال:«لمّا نزلت هذه الآية: ( وجيء يومئذ بجهنّم ) سئل عن ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أخبرني الروح الأمين أنّ اللّه ـ لا إله غيره ـ إذا جمع الأوّلين و الآخرين أُتي بجهنّم تقاد بألف زمام....
ثمّ يوضع عليها صراط أدقّ من حدّ السيف عليه ثلاث قناطر: أمّا واحدة فعليها  الأمانة والرحم، وأمّا الأُخرى فعليها الصلاة، وأمّا الأُخرى فعليها عدل ربّ العالمين لا إله غيره; فيكلّفون الممرّ عليه فتحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى ربّ العالمين جلّ وعزّ، وهو قوله تبارك وتعالى: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) والناس على الصراط فمتعلّق، وقدم تزل، وقدم تستمسك، والملائكة حولهم ينادون: يا حليم اغفر واصفح وعد بفضلك وسلّم وسلّم، والناس يتهافتون فيها كالفراش، وإذا نجا ناج برحمة اللّه عزّ وجلّ نظر إليها فقال: الحمدللّه الذي نجّاني منك بعد أياس بمنّه وفضله، إنّ ربّنا لغفور شكور».( [5])
2. روى الصدوق(قدس سره) في «ثواب الأعمال» عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، في تفسير قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ )   أنّه قال: «قَنْطَرةٌ عَلَى الصِّراطِ لا يَجُوزُها عَبْدٌ بِمَظْلَمَة».( [6])
3. روى ابن عباس في تفسير قوله: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) قال:إنّ على جسر جهنم سبع محابس: يسأل العبد عند أوّلها عن شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحجّ، فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها، وإلاّ يقال: انظروا، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.( [7]) ومن الواضح أنّ ظاهر الروايات المذكورة وغيرها يدلّ على أنّ في يوم القيامة توجد مواقف وقناطر نصبت على الصراط وفي كلّ موقف من هذه المواقف يسأل الإنسان عن فريضة من الفرائض الإلهية، هذه هي نظرية الشيخ الصدوق(قدس سره) .
نظرية الشيخ المفيد
من المعروف أنّ الشيخ المفيد(قدس سره) اعتمد المنهج العقلي بصورة أكثر في المباحث الكلامية، وسلك ذلك الطريق في تفسيره لتلك المسائل الكلامية، وحاصل كلامه في شرحه لكلام الصدوق(قدس سره) :
إنّ  المراد من العقبات هي الفرائض، فيسأل الإنسان عنها، دون أن يكون في البين جبال وعقبات يعبرها الإنسان حتّى يصل إلى الجنة أو النار، وإنّما سمّيت الفرائض بالعقبات لأنّ إطاعتها لا تخلو من صعوبة ومشقة.( [8])
ثمّ أضاف(قدس سره) : وليس كما ظنّه الحشوية من أنّ في الآخرة جبالاً وعقبات يحتاج الإنسان إلى قطعها ماشياً وراكباً، وذلك لا معنى له فيما توجبه الحكمة من الجزاء، ولا وجه لخلق عقبات تسمّى بالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغيرها من الفرائض يلزم الإنسان أن يصعدها، فإن كان مقصراً في طاعة اللّه، حال ذلك بينه و بين صعودها، إذ كان الغرض في القيامة المواقفة على الأعمال والجزاء عليها بالثواب والعقاب، وذلك غير مفتقر إلى تسمية عقبات، وخلق جبال وتكليف قطع ذلك وتصعيبه أو تسهيله، مع أنّه لم يرد خبر صحيح بذلك على التفصيل فيعتمد عليه وتخرج له الوجوه، وإذا لم يثبت بذلك خبر كان الأمر فيه ما ذكرناه.( [9]) ويدلّ على صحّة ما ذكره المفيد هو أنّه سبحانه سمّى بعض الفرائض بالعقبات، فقد سمّى  فك الرقبة أو الإطعام في يوم المسغبة عقبة، فقال سبحانه:
( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعامٌ في يَوْم ذي مَسْغَبَة * يَتيماً ذا مَقْرَبَة  * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة ) .( [10])
والّذي يلاحظ المنهج القرآني يرى أنّه يعتمد كثيراً على أُسلوب التمثيل والتشبيه لبيان وتفهيم المعارف العميقة والتعاليم العالية، ومن خلال هذا المنهج يسهل على الأذهان المتوسطة إدراك وفهم تلك المفاهيم العميقة والمفاهيم العالية.
وإنّ بحث ودراسة هذه الآيات التمثيلية خارج عن مجال بحثنا هنا، وهو بحاجة إلى بحث مستقل.
وإنّ الآية المذكورة هي إحدى  الآيات التمثيلية التي وردت في القرآن الكريم، حيث تشبّه لنا الحقائق غير المحسوسة بالأُمور المحسوسة، إذ انّ الجميع على علم بالجبال وقممها والسلاسل صعبة العبور ويدركون شدّة الصعاب التي تواجه الإنسان في محاولة العبور منها واجتيازها للوصول إلى الأهداف والمقاصد الدنيوية، ومن هذا المنطلق يؤكّد القرآن الكريم على حقيقة أنّ نيل المقاصد الأُخروية السامية مقرون باجتياز مجموعة من العقبات وتحمّل المشاكل والمحن، وانّ الوصول إلى الهدف متوقّف على الالتزام بالقوانين والأحكام الإلهية، وبما أنّ رعاية الأحكام الإلهية في الحقيقة تتصادم وتتضاد مع الميول والشهوات النفسية، ولذلك يكون العبور منها يشبه إلى حدّ كبير العبور واجتياز العقبات الطبيعية من الجبال والأنهار و...، ولذلك فالإنسان الذي يوفّق في الحياة الدنيا لعبور العقبات من خلال الالتزام بالقوانين الإلهية والأحكام والدساتير الشرعية بصورة كاملة، فإنّه بلا شكّ  سوف يتجاوز العقبات في العالم الآخر، ويسهل عليه «الحساب» يوم القيامة.
والشاهد على ذلك الآيات التالية حيث يقول سبحانه:
( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ) .( [11])
وحصيلة المعنى بعد جمع الآيات الواردة في سورة البلد، هو انّ شقاء الإنسان وسعادته  في الآخرة رهن عبور تلك العقبات، وما هي إلاّ فك الرقبة أو إطعام الأيتام والفقراء والمساكين والأمر بالصبر والمرحمة، إلى غير ذلك من الفرائض، فينتهي أمره إلى أن يكون من أصحاب الميمنة، كما أنّ عكسه ينتهي إلى أن يكون من أصحاب المشئمة، دون أن تكون هناك عقبات ومنعرجات صعبة العبور يؤمر أهل المحشر بطيّها وعبورها.و يدلّك على صحّة ما ذكره الشيخ المفيد أنّ طي العقبات الدنيوية رهن الكفاءات الذاتية، دون العقبات الأُخروية فإنّها رهن الإيمان والعمل الصالح، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ العقبات كناية عن العمل بالفرائض التي يتوقّف العمل بها على الصبر والإيمان الراسخ باللّه والصبر على طاعته.( [12])

[1] . نهج البلاغة، قسم الرسائل والوصايا، رقم 31، ط. صبحي الصالح.
[2] . الحجر: 14.
[3] . بحار الأنوار:7/128، الحديث 11.
[4] . نهج البلاغة: الخطبة 71.
[5] . بحار الأنوار:7/125، الحديث 11و ج8/65، الباب22، ح 2.
[6] . بحار الأنوار:8/ 66.
[7] . بحار الأنوار:8/ 64.
[8] . وعلى هذا الأساس لا يمكن الجمود على ظواهر الروايات، بل حمل هذه التعابير على نحو التشبيه والتمثيل لتقريب الحقائق غير المحسوسة التي لا يمكن إدراكها.
[9] . بحار الأنوار:7/ 129.
[10] . البلد:11ـ 16.
[11] . البلد:17ـ 20.
[12] . منشور جاويد:9/309ـ 316.

Website Security Test