welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
شبهة الآكل والمأكول
من الإشكالات والشبهات التي أُثيرت من قبل منكري المعاد هي الشبهة المعروفة بـ«شبهة الآكل والمأكول» فما هو الجواب الأمثل عن هذه الشبهة؟ بل كيف يمكن لنا أن نتصوّر محاسبة الإنسان بعد أن تحوّل بدنه إلى نباتات وأعشاب أو إلى موجودات أُخرى؟

الجواب: إنّ محور الإشكال قائم على أساس الفكرة التالية: إنّ الإنسان  إذا تحوّل إلى طعام لإنسان آخر وأصبح جزءاً من ذلك الإنسان، سواء كان بصورة مباشرة كما إذا اتّفق أن أكل إنسان إنساناً، أو كان بصورة غير مباشرة كما لو تحوّل بدن الإنسان الميت إلى تراب ثمّ إلى نبات ثمّ تحوّل هذا النبات إلى بدن حيوان فتغذّى الإنسان بلحم ذلك الحيوان، أو أنّ الإنسان تناول ذلك النبات بصورة مباشرة، فحينئذ يطرح التساؤل عن كيفية معاد الإنسان الأوّل من جهة؟ وعن كيفية معاد الإنسان الثاني من جهة أُخرى؟
ومن الجدير هنا أن نشير إلى النكات التي يمكن أن تعالج كلّ واحدة ـ وبنحو ماـ منها جانباً من جوانب الشبهة:
1. لقد أثبتت البحوث العلمية أنّ بدن الإنسان بمنزلة العين الجارية، بحيث يتحوّل وفي ضوء الفعل والانفعالات الطبيعية وبصورة مستمرة من حالة إلى أُخرى، حيث تنمو أجزاء جديدة من جهة وتفنى في مقابلها أجزاء أُخرى غيرها، بل توصل العلم إلى أدق  من ذلك حيث اكتشف انّ الإنسان ينزع بدنه ويبدله ببدن آخر في كلّ ثمانية أعوام من عمره، فالإنسان الذي يعمّر أربعة وستين عاماً يستبدل بدنه خلال هذه الفترة ثماني مرّات ينزع ثوباً ويرتدي ثوباً غيره حاله حال العين النابعة التي لا يقف نبعها، من هنا نعلم أنّ عملية التحوّل والتبدّل مستمرة ومتواصلة في حياة الإنسان، إلاّ أنّها تتم بصورة تدريجية وعلى امتداد فترة طويلة لا يشعر بها.
فلو فرضنا أنّ البدن الأخير أصبح طعمة لإنسان آخر، فهذا لا يعني أنّ الأبدان الأُخرى للإنسان اقترنت بالمانع، إذ من الممكن أن يبعث الإنسان وينشر يوم الحساب بأحد الأبدان الأُخرى، وحتى لو فرضنا أنّ بقية الأبدان كالبدن السادس أو السابع مثلاً تصدق فيها شبهة الآكل والمأكول، فلا شكّ أنّ بقية الأبدان ليست كذلك، إذ من المستبعد جداً أنّ جميع أبدان الإنسان نابتة من بدن إنسان آخر وانّها عرضة للإشكال المطروح.
2. لو افترضنا أنّ البدن الأخير وما تقدّمه من الأبدان قد ابتلي بنفس المصير وانّه صادف المانع وأصبح جزءاً من إنسان آخر، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولكن من الواضح أنّه ليس عامّة الأجزاء من كلّ بدن مأكولاً لفرد آخر، وإنّما  يطرح القسم الأكبر منه خارجاً، ويبقى جزء قليل منه ضمن البدن الآخر، وعندئذ فما هو المانع أن يحشر هذا الإنسان ولو ببدن نحيف، إذ اللازم أن يبعث الإنسان بنفس البدن الدنيوي، ولا يوجد دليل شرعي يدلّ على اشتراط بعثة الإنسان بعين بدنه الدنيوي من ناحية السمن والضعف، فلو بعث الإنسان ببدن نحيف فإنّه حينئذ يبعث ببدنه الأصلي مع فارق يسير جدّاً في الكمية والحجم، وهذا المقدار لا يضرّ ولا يعتبر دليلاً على التغاير الكامل.
3. لو افترضنا ـ جدلاً ـ أن تتحوّل أغلب الأجزاء من كلّ بدن إلى بدن إنسان آخر، بحيث يكون الباقي كافياً في تشكيل بدن المأكول، وحينئذ يمكن الإجابة عن ذلك بوجهين:
الف: ما المانع أن يرجع الإنسان الآكل ـ على فرض خلوه من الموانع ـ الأجزاء التي أخذها من بدن الإنسان المأكول، وحينئذ يحشر الإنسان الآكل ببدن فارغ من الموانع؟
ب: ولو فرضنا ـ وإن كان فرضاً نادراً ـ  أنّ بدني الآكل والمأكول اقترنا بالمانع، على نحو لو فرضنا انّ اعادة الأجزاء المأكولة إلى صاحبها أو أصحابها لا يتقي للآكل شيئاً لكي يحشر فيه، فما المانع من إكمال البدن بالاستعانة بأجزاء ترابية وهوائية أُخرى ليتم من خلالها إكمال بدن الإنسان بصورة تامة، إذ من الواجب في الحشر وحدة البدن العرفية لا العقلية، أي بمعنى أنّه يكفي أن تصدق الإشارة إليه عرفاً أنّه البدن السابق.
ونحن إذا أمعنّا النظر في الآيات القرآنية والروايات الواردة عن الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار(عليهم السلام) ، نجد أنّها تركّز على أنّ كفاية كون البدن المحشور مثل البدن الدنيوي، ولا تصرّ على أن يكون هذا البدن هو عين البدن الدنيوي بنحو لو اختلّ هذا الشرط فإنّه سيؤثر على مسألة المعاد والحشر واستحالة المعاد.
وبالطبع إذا كانت  العينية متيسّرة وانّ جميع أجزاء بدن الإنسان باقية في التراب، فلا ريب أنّه لا حاجة حينئذ إلى الاستعانة بأجزاء جديدة، بل الواجب أن تحشر نفس تلك الأجزاء. وإنّما نحتاج إلى المثلية في حالة واحدة نادرة جداً، وهي فيما إذا لم يبق من بدن الإنسان المأكول شيء لكي يتم إحياؤه مرّة أُخرى.
قال تعالى:
( أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ بِقادِر عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَليمُ ) .( [1])
فمن الواضح أنّه قد استعمل في الآية لفظ: ( مِثْلَهُمْ )   لا «عينهم».
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:
«فإذا قبضه اللّه إليه صيّر تلك الروح إلى الجنة في صورة كصورته فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا».( [2])
فالآية الكريمة والرواية الشريفة تشهدان على أنّ المحور في المعاد هو حفظ صورة الإنسان بنحو يكفي أن يكون الإنسان المبعوث بهيئة الإنسان وشكله الدنيوي، ولا دليل أبداً على أنّ الإنسان يجب أن يبعث بنفس المادة التي خلق منها في الدنيا وبنفس ذراته وأجزائه الترابية.
ولابدّ من إعادة التأكيد على أنّه على فرض إمكانية حشر البدن الدنيوي من دون أي موانع، فلا دليل للعدول منه إلى مادة أُخرى جديدة.
شبهة الآكل  والمأكول والعدل الإلهي
في هذا المجال تطرح الشبهة  المذكورة بأُسلوب جديد وهو: إذا كان الإنسان المؤمن مأكولاً للكافر، يلزم أن يعذب المؤمن بتعذيب الكافر، أو بالعكس إذا كان المأكول كافراً فإنّه ينعم بنعيم المؤمن،وهذا خلاف العدل الإلهي. ومن الواضح هنا أنّ محور الإشكال مبني على مسألة الثواب والعقاب والعدل الإلهي، والحال أنّ الإشكال في الصورة الأُولى مبني على عدم وفاء المادة لحشر كلّ إنسان على النحو الأكمل.
ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال المذكور بوجهين:
الوجه الأوّل: إذا تحوّل عضو من بدن المؤمن وأصبح جزءاً من بدن الإنسان الكافر، فحينئذ ـ و بلا ريب ـ يكون تعذيبه تعذيباً للكافر لا للمؤمن، لأنّ هذا العضو انقطعت صلته بالمأكول واندكّ في الآكل على نحو صار جزءاً منه، فتعذيبه أو تنعيمه يرجع إلى الآكل لا إلى المأكول، وهذا نظير زرع الأعضاء الرائج في الطب الحديث، فإنّ الكلية مثلاً إذا أُخذت من بدن شخص وزرعت في بدن شخص آخر بنحو التحمت مع سائر الأعضاء فتعذيبها وتنعيمها يرجع إلى البدن المنقولة له لا البدن الأوّل، وكذلك الأمر في مسألة الآكل والمأكول.
الوجه الثاني: إنّ  الشبهة نابعة من التفكير المادي الذي يحصر الإنسان في اللحم والجلد والعظام والمواد الطبيعية لا غير، مع أنّ واقع الإنسان وحقيقته أعمق من ذلك وهي روحه ونفسه، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صلة الروح عن الجزء المقطوع، فلا يكون مدبّراً للنفس، فتكون الآلام واللّذات منصبّة على الآكل لا على المأكول وعلى المنقول له لا على المنقول منه.
وفي الختام نؤكّد انّ مركز الآلام و اللّذات هو الروح والنفس الإنسانية، وانّ البدن لا يتجاوز عن كونه وسيلة لإدراك الآلام واللّذات الجسدية لا أكثر، والمفروض انّ هذا العضو لا علاقة له بالبدن السابق ليؤثر في نعيمه أو عذابه.( [3])

[1] . يس: 81.
[2] . بحار الأنوار:6/229، باب أحوال البرزخ، الحديث 32.
[3] . منشور جاويد:9/150ـ 156.

Website Security Test