\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
علم الاجتماع
التركيب بين أصالة الفرد وأصالة المجتمع
كيف يتسنّى لنا أن نذهب إلى أصالة الفرد والمجتمع في آن واحد؟ وكيف يمكن التركيب بين هذين الأصلين؟

الجواب: في البدء لابدّ من الإشارة إلى نكتة مهمة وهي انّ النظرية الإسلامية تذهب إلى أصالة الفرد والمجتمع معاً، وترى أنّ لكلّ منهما واقعية وحقيقة، فلا تتبنّى النظرية الإسلامية أصالة الفرد بصورة محضة بنحو لا ترى للمجتمع أي وجود حقيقي ولا قانون ولا سنّة، ولا انّه قابل للإدراك والمعرفة، وانّ مصير الفرد متميّز مائة بالمائة عن مصير الأفراد الآخرين; وكذلك لا تتبنّى أصالة المجتمع المحضة بنحو لا وجود إلاّ للروح والشعور والإرادة الجماعية فقط، وانّ شعور الفرد ووجدانه إنّما هو نموذج للوجدان الجماعي، وانّ الفرد في هذا الخضم مسلوب الإرادة وفاقد للحرية والاختيار.
بل الإسلام تبنّى حلاً وسطاً واختار طريقاً معتدلاً بين النظريتين. فهو يرى أنّ للمجتمع وجوداً حقيقياً ومصيراً واقعياً وانّه قابل للإدراك والمعرفة. وفي نفس الوقت يرى أنّ للفرد شخصيته وحريته واختياره وإرادته، وحينئذ لابدّ من تسليط الضوء على كيفية ذلك التنسيق، وكيف نتصوّر أنّ للمجتمع وجوداً خاصاً وعينية مستقلة غير وجود الفرد وعينيته واستقلاله؟
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لابدّ من أن نعرّج لبيان وتوضيح أنواع التركيب:
1. المركّب الحقيقي الكيمياوي
المراد من التركيب الحقيقي هنا هو: انّ أجزاء مركّب ما تؤثر بعضها في البعض الآخر وتنتج ظاهرة جديدة بماهية جديدة بنحو تذوب أجزاء المركب بعضها في البعض الآخر وتدغم بصورة تفقد تلك العناصر شخصيتها وآثارها الخاصة بها. فعلى سبيل المثال: التركيب بين عنصري «الكلور » و «الصوديوم» يؤدّي إلى وجود مادة جديدة  هي كلوريد الصوديوم فيذوب كلّ من العنصرين ويفتقد أثره في المركب الجديد.
2. المركب الحقيقي الصناعي
إنّ التركيب الصناعي ـ الذي هو أحد أنواع التركيب الحقيقي ـ يتم من خلال الربط بين أجزاء وقطع آلة معينة بنحو إذا حدث خلل أو عطب في أحد هذه القطعات والأجزاء فإنّه سيؤثر وبصورة أُوتوماتيكية على القطعات والأجزاء الأُخرى ويوقفها عن العمل أيضاً.
نعم الفارق الأساسي بين المركب الطبيعي ـ الكيمياوي ـ والصناعي انّه في المركب الطبيعي الأجزاء تفقد ذاتها أوّلاً ثمّ تفقد أثرها وتذوب ـ ذاتاً وأثراً ـ في المركّب، ولكن في المركّب الصناعي تبقى الأجزاء محافظة على شخصيتها ووجودها ولكنّها تفقد استقلاليتها في التأثير، ولذلك نرى أنّ الأثر الحاصل في المركب الصناعي هو نتيجة مجموع آثار لكلّ جزء جزء بصورة مترابطة.
فعلى سبيل المثال آلة النقل التي تنقل مجموعة من الناس من نقطة إلى أُخرى، فإنّ هذا النقل لا هو نتيجة جزء واحد من أجزاء تلك الآلة بصورة مستقلة، ولا هو نتيجة مجموع التأثيرات للأجزاء بصورة مستقلة وغير مترابطة، وإنّما هو وليد تأثير الجميع حال كونها مترابطة فيما بينها.
3. المركب الاعتباري
إنّ المراد من هذا النوع من التركيب هو التركيب الذهني والوحدة الاعتبارية المبتنية على أساس بعض الاعتبارات والملاحظات، حيث ينتج الذهن من خلال مجموعة من الأُمور المستقلة صورة جديدة ومفهوماً جديداً، مثلاً: عندما يجتمع عدد من الأفراد على مائدة واحدة في مكان واحد ينتج الذهن من هذه الحالة عنواناً مستقلاً يطلق عليه مفهوم «الضيافة»، وهكذا الأمر حينما ينظر الذهن إلى مجموعة كبيرة من الناس تخرج بمسيرة واحدة مردّدين شعاراً موحداً، فإنّ الذهن ينتج من خلال ضم الأفراد بعضها إلى البعض الآخر مفهوماً جديداً ووجوداً جديداً يطلق عليه اسم «المسيرة السياسية» مثلاً و يعدّ جميع الأفراد مجتمعاً واحداً.
بعد أن عرفنا  أنواع التركيب الثلاثة ننتقل إلى النقطة الثانية وهي: معرفة المركب الاجتماعي، وانّه من أيّ أنواع التركيب المذكورة؟
تارة يتصوّر انّ التركيب الاجتماعي هو من نوع المركّب الاعتباري فيكون أفراد المجتمع حالهم حال أفراد الفوج العسكري الذي يجمعهم عنوان (الفوج)،وحينئذ تتكون له وحدة وعنوان خاص، أو انّ حال أفراد المجتمع حال مجموعة من الأفراد الذين يجتمعون لغرض استماع خطبة أو محاضرة وبعد انتهاء الخطاب أو المحاضرة يتفرقون،ولا ريب أنّ هذه الاجتماعات لا تخلق وحدة حقيقية أو مركباً حقيقياً أو صناعياً، بل أقصى ما يوجد هو التركيب الذهني والفكري لا غير.
وقد يتصوّر  انّ التركيب الاجتماعي هو تركيب ميكانيكي آلي، وذلك باعتبار انّ التركيب الميكانيكي أو المركب الصناعي، أحد أنواع المركّب الحقيقي وإن لم يكن طبيعياً، فالمركّب الصناعي كتركيب الماكنة التي ترتبط جميع أجزائها وقطعاتها بعضها مع البعض الآخر مع وجود فارق واحد بين المركب الطبيعي والصناعي، وهو انّه في المركب الطبيعي تفقد الأجزاء هويتها وتذوب في المركّب، ولكن في المركّب الصناعي تحتفظ الأجزاء بشخصيتها وهويتها، ولكنّها تفقد استقلاليتها أوّلاً ثمّ تفقد تأثيرها ثانياً، إذ ترتبط الأجزاء فيما بينها في المركّب الصناعي بنحو تكون آثارها مرتبطة بعضها بالآخر فأيّ تحول في أحد الأجزاء سينعكس على الأجزاء  الأُخر، مثل كفّتي الميزان إذ التحوّل في أحدها يسبب التحوّل في الكفّة الثانية وبعد أن يتمّ التركيب الصناعي تظهر نتيجة وأثر خاص ليس هو عين أثر الأجزاء والقطعات بصورة مستقلة.
إنّ نفس هذا التصوّر ـ المركّب الصناعي ـ يمكن تصوّره في المركب الاجتماعي، وذلك لأنّ المجتمع يتشكّل من مؤسسات وهيئات أصلية وفرعية تمثّل مفاصل المجتمع،وترتبط هذه المؤسسات والأفراد بعضها بالبعض الآخر، بحيث يكون التغيير أو التحوّل في أي مؤسسة ـ سواء كانت ثقافية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية أو تربوية أو قضائية ـ موجباً للتحوّل والتغيير في المؤسسات الأُخرى، وبهذا تظهر إلى الوجود ظاهرة جديدة هي الحياة الاجتماعية ـ باعتبار كونها أثراً قائماً في الكلّ ـ ولكن من دون أن يفقد الأفراد هويتهم وشخصيتهم الخاصة بهم.( [1])
ويمكن أن نشبه التركيب الاجتماعي بأفراد المسرح الواحد، حيث إنّ قسماً منهم يقوم بدور الممثّلين والقسم الآخر يقوم بدور المشاهدين والمتفرجين، ولكنّهم باجتماعهم في مكان واحد ـ جميعاً ـ أفراد مسرح واحد بصورة أُوتوماتيكية.
الرؤية القرآنية للوحدة الاجتماعية
إنّ الرؤية  القرآنية للتركيب الاجتماعي بنحو آخر، إذ يمكن القول: إنّ القرآن يرى المركب  الاجتماعي من قبيل المركب الحقيقي لا الاعتباري ولا الصناعي ولا المركّب الكيمياوي، بل هو تركيب خاص لا نظير له، وإنّ العناصر التي تتّحد في المجتمع وتتركّب ليست هي هياكل الأفراد وأجسامهم، بل الذي يتّحد هو: الأفكار والعواطف والميول والرغبات، والإرادات،وبالنتيجة يكون النسيج تركيباً اقتصادياً ، سياسياً، مذهبياً تربوياً، ولا ريب أنّ هذا النسيج والمركب لا نظير له ولا مثيل، وذلك لأنّه حينما يتّحد الأفراد بطاقاتهم الفطرية والمكتسبة وينزلون إلى ساحة الحياة الاجتماعية، فإنّ كلّ واحد منهم يؤثر تأثيراً مباشراً في الجهات الروحية لبقية الأفراد، يفعل وينفعل، وحينئذ يكتسب المجتمع روحاً واحدة.
إنّ المجتمع الإنساني ـ وفقاً لقوله تعالى: ( وَلِكُلِّ أُمَّة أَجَل ) مجتمع مؤسساتي، بمعنى أنّه في الوقت الذي يكون فيها للأفراد شخصيتهم واستقلالهم، بنحو يمكن أن يقوم بعضهم ضد البعض الآخر، ولكن مع ذلك كلّه يكون الحاكم عليهم روح المجتمع الذي يمكن أن يسخر الجميع له، ويكون كلّ فرد بمنزلة الخلية في الجسم، فيكون المجتمع حينئذ موجوداً حياً له حياة وعمر وأجل معين خاصّ به، وانّ هذه الوحدة وهذه الحياة خاصة به ولا يشابهه فيها أيّ مخلوق آخر، وانّ هذه الوحدة وحدة حقيقية صرفة ولا شائبة فيها أبداً للوحدة المجازية.
إنّ النظرية القرآنية في خصوص أصالة المجتمع تشبهها بعض النظريات الاجتماعية كنظرية العالم الاجتماعي «دوركهيم» حيث يرى « أنّ للمجتمع تشخّصاً ووجوداً وحياة وأصالة» مع وجود تفاوت بين النظريتين حيث إنّه يميل كثيراً نحو أصالة المجتمع إلى حدّ يرى اعتبارية الفرد، فلا يستحقّ الاهتمام والالتفات إليه، بل ينبغي أن يلقى جانباً، ولكن الرؤية القرآنية بالإضافة إلى الاعتقاد بأصالة المجتمع ترى أنّ للفرد واقعية واستقلالاً وأصالة واختياراً، ولذلك ترى أنّ المركّب الاجتماعي مركّب حقيقي وليس طبيعياً ولا صناعياً فضلاً عن كونه اعتبارياً.
فكلّما قلنا: إنّ للمجتمع أصالة فإنّ لازم ذلك ـ و بصورة قهرية ـ أن تحفظ روح المجتمع وشخصيته ووحدته، كخلايا البدن الإنساني تموت وتتغيّر بصورة طبيعية، ولكن مع ذلك يبقى بدن الإنسان وهيكله سالماً.
خلاصة القول: إنّ الروابط  والعلاقات بين أجزاء المجتمع الإنساني ليست من قبيل العلاقة بين اللاعبين، والمتفرجين في الألعاب الأُولمبية، الذين يجتمعون صباحاً وبعد إجراء سلسلة من الألعاب الرياضية ينفض الجميع ويذهب الكلّ إلى مكانه الذي جاء منه، كما أنّها ليست من قبيل أعضاء قافلة سياحية تجتمع في مكان ما لتكسب قسطاً من الراحة ثمّ ينهض الجميع ليتوجّه كلّ منهم إلى الجهة التي يقصدها ولكنّه يحدث في الطريق حدث مفاجئ ومريع يؤدي إلى اجتماعهم مرّة أُخرى، بل انّ العلاقات والروابط والأواصر الاجتماعية أسمى من ذلك، إذ تحكمها روح واحدة هي روح المجتمع.
إنّ القرآن يذهب بعيداً جداً إلى أصالة المجتمع وواقعيته إلى حدّ يرى أنّ المجتمع مسؤولاً عمّا يقوم به من أعمال، وهذا ما أكّده قوله سبحانه:
( تِلْكَ أُمّةٌ قَدْخَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُون )( [2]) .( [3])

[1] . جامعة وتاريخ:17ـ 18.
[2] . البقرة:134و 141.
[3] . منشور جاويد:1/331 ـ 337.