welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
بحوث حول الانسان
حرية الإنسان ومسألة السعادة والشقاء الذاتي
إذا قلنا إنّ الإنسان خلق حراً وانّه مختار في أفعاله وإرادته وانّه لا يوجد ما يجبره على اختيار أيّ شيء من دون إرادته ورغبته، فكيف ياترى تنسجم تلك النظرية مع ما جاء في بعض الآيات والروايات التي تشير إلى السعادة الحتمية أو الشقاء الحتمي، والذي يعني ـ بالطبع

الجواب: إنّ الإجابة عن هذه الإشكالية تقتضي أن نأتي بالآيات التي تحدّثت عن مسألة «السعادة والشقاء» و دراستها وبحثها دراسة معمّقة، ليتّضح الجواب بصورة شفافة وجلية.
ومن هذه الآيات:
1. يصنّف القرآن الكريم الناس يوم القيامة إلى صنفين حيث قال سبحانه:
( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّبِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) .( [1])
ثمّ تعرّض القرآن الكريم لبيان عاقبة ونتيجة كلّ من الطائفتين وثوابهم وجزائهم حيث قال سبحانه:
( فَأَمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خالِدينَ فِيها مادامَتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُريدُ * وَأَمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدينَ فِيها مَا دامتِ السَّمواتُ وَالأَرْضُ إِلاّ ما شَاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذ * فَلا تَكُ فِي مِرْيَة مِمّا يَعْبُدُ هؤلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ ءاباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوص ) .( [2])
ولا ريب انّ  الآيات الكريمة ناظرة إلى بيان العاقبة الحميدة لتلك الطائفة من المؤمنين الذين أعملوا إرادتهم ـ وبحرية كاملة ـ في العمل  الصالح ونيل تلك العاقبة الحميدة، بمعنى أنّ عاقبة الإنسان ـ سواء كانت حميدة أو كانت سيّئة ـ مقرونة بعمله وفعله وأنّ سعادته وشقاءه مرهونان بنوع  الفعل وطبيعة العمل الذي يقوم به في هذه الحياة. ومن المعلوم أنّه لا يوجد أدنى إشارة إلى حالة الجبر أو الضغط على الإنسان لاختيار طريق محدّد.
2. الآية الثانية تشير إلى أنّ المجرمين يعلّلون سبب عاقبتهم التعيسة يوم القيامة بغلبة «الشقاء عليهم» وانّهم يعلمون بتلك العاقبة السيئة في الحياة الدنيا، ولذلك ما كان بإمكانهم الخلاص منها والنجاة من مخالب تلك النتيجة الحتمية، حيث قال سبحانه حاكياً عنهم قولهم:
( أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ * قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنّا قَوْماً ضالّينَ ) .( [3])
والآن لابدّ من بيان ما هو المراد من «الشقاء الدنيوي» الذي غلب على هذه الطائفة من الناس؟ إذ ممّا لا ريب فيه أنّ هؤلاء قد علّلوا تلك العاقبة السيئة بغلبة الشقوة عليهم في الحياة الدنيا. وهذا يقتضي منّا أن ندرس القضية بإمعان لنرى ماذا يعنون من الشقاء الذي غلب عليهم؟ هل انّهم يرون ذلك نتيجة طبيعية لأعمالهم التي كانوا يقومون بها، أو انّهم يرون الشقاء أمراً ذاتياً لهم وملازماً لخلقهم ووجودهم ولا علاقة له بعملهم من قريب ولا من بعيد؟
إنّ ذيل الآية الكريمة يبيّن لنا أنّهم  في الواقع يعتقدون انّ هذا الشقاء أمر مكتسب وناتج عن عملهم الذي يقومون به في الحياة الدنيا وانّ عملهم هذا هو الذي أوصلهم إلى هذه النتيجة البائسة والشقاء، حيث قال سبحانه:
( رَبّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنّا ظالِمُونَ ) .( [4])
ومن المعلوم أنّ طلبهم العودة إلى الحياة الدنيا  ومنحهم الفرصة للعودة مرة أُخرى لتصحيح ما صدر منهم، واعترافهم بأنّهم إن عادوا مرّة أُخرى لنفس أعمالهم السيّئة فهم مقصّرون وظالمون، فإنّ  كلّ ذلك يحكي وبوضوح تام أنّهم يرون أنّ شقاءهم وسعادتهم مرتهن بنوع العمل الذي يقومون به، وأنّه يمثّل النتيجة الطبيعية لأفعالهم، وأنّهم بإمكانهم تبديل مصيرهم حسب ما يشاءُون ويرغبون، ولو كانوا يرون أنّ عاقبتهم معلولة للشقاء الذي غلب عليهم والذي لا يمكن بحال من الأحوال تغييره وتبديله، فحينئذ يكون طلبهم العودة إلى الحياة الدنيا والتعهد بعدم العودة للعمل الباطل، لغواً لا معنى له.
لأنّ المفروض أنّ صورة الخلق في الحالتين واحدة وأنّه لا خلاف بينهم في هذا القسم، ولذلك نرى الإمام الصادق(عليه السلام) يصرّح في تفسير الآية بقوله: «بأعمالهم شقوا».( [5]) إلى هنا  اتّضح جلياً مفاد الآيتين، وأنّ الشقاوة الذاتية التي تلازم الإنسان منذ اللحظة الأُولى لولادته ولا يمكنه الخلاص منها لا معنى لها حسب الرؤية القرآنية، وأنّ القرآن ينفي ذلك ويربط القضيتين«السعادة والشقاء» بعمل الإنسان ومنهجه الذي يعتمده في الحياة الدنيا، إن كان صالحاً فهو في الآخرة من السعداء، وإن كان عمله سيّئاً فهو في الآخرة من الأشقياء.
إذا عرفنا النظرية القرآنية في هذا المجال نعطف عنان القلم لدارسة بعض الروايات التي قد يستفاد منها ـ ظاهراً ـ الشقاوة الذاتية وكذلك السعادة، لندرسها ونرى ما ترمي إليه هذه الروايات التي منها:
1. روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:  «الَشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمّهِ».( [6])
2. «النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهَبِوَالْفِضَّةِ». ( [7])
إنّ الحديث الأوّل ـ على فرض التسليم بصحّة سنده ـ ناظر إلى الصفات الوراثية التي يحملها الطفل وتنتقل إليه من أبويه، لأنّ الصفات الموروثة للأطفال لا تختص بالصفات البدنية والجسمية فقط، بل تعمّ الصفات الأخلاقية كالفضائل النفسية والأخلاقية أو الرذائل النفسية; فالطفل الذي تنعقد نطفته من أبوين مريضين بدنياً وأخلاقياً لا ريب أنّه سيتأثر ومنذ اللحظة الأُولى بذلك الأمر، ويكون ذلك العامل مقدّمة أو مقدّمات لتوفير الأرضية المناسبة للشقاء والتعاسة (نعم نقول: إنّه يوفّر الأرضية المناسبة للسعادة أو الشقاء لا انّه يمثل العلّة التامة لذلك). وعلى العكس من ذلك الطفل الذي تنعقد نطفته من أبوين سالمين بدنياً وأخلاقياً فإنّه وبلا ريب ستتوفّر له الأرضية المناسبة للسعادة والنجاح.
إذاً فبما انّ الصفات الأخلاقية والنفسية من الأُمور التي تورث وتُعدّ بمثابة الأرضية المساعدة للشقاء أو السعادة، وليست هي العلّة التامّة لهما، فبالطبع انّ ذلك لا يستلزم حينئذ أي نوع من الجبر والحتمية التي لا تنفك عن الإنسان ولا يمكنه التخلّص منها.
وأمّا الحديث الثاني فإنّه في الواقع ناظر إلى بيان حقيقة أُخرى لا علاقة لها بالشقاء أو السعادة وهذه الحقيقة هي انّ الحديث يحاول التركيز على نقطة مهمة وهي انّ الناس يختلفون من ناحية الاستعدادات والمواهب الكمالية مثلهم مثل الذهب والفضة في الخلق، فإنّ الصفات الكامنة في الذهب غير الصفات الكامنة في الفضة وغيرها من المعادن، وأنّ كلّ مخلوق في الواقع خلق للقيام بمهمة خاصة وتنفيذ ما يراد منه بمقدار ما منح من الاستعدادات والمواهب والصفات.
وفي الختام نشير إلى الحديث المروي عن الإمام الكاظم(عليه السلام) في هذا المجال:
عن محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام) عن معنى قول رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعيدُمَنْ سَعِدَ في بَطْنِ أُمّهِ»  فقال: «الشقي من علم اللّه وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال الأشقياء، والسعيد من علم اللّه وهو في بطن أُمّه أنّه سيعمل أعمال السعداء».
قلت له: فما معنى قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الجنّ والإنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله عزّ وجلّ: ( وَما خَلَقت الجنّ والإِنس إِلاّ ليعبدُون ) ، فيسّر كلاً لما خلق له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى»( [8]).( [9])
[1] . هود: 105.
[2] . هود:106ـ 109.
[3] . المؤمنون:105ـ 106.
[4] . المؤمنون: 107.
[5] . توحيد الصدوق: 356.
[6] . توحيد الصدوق:356، وروح البيان:1/ 104.
[7] . الكافي:8/177، الحديث197; من لا يحضره الفقيه:4/380، الحديث 5821.
[8] . توحيد الصدوق:356، الحديث 3.
[9] . منشور جاويد:4/385ـ 388.

Website Security Test