\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
حول تأملات في نهج البلاغة
مدح عثمان على لسان الإمام
مدح عثمان على لسان الإمام

يقول الشيخ:
جاء في «نهج البلاغة» على لسان عليّ بخصوص عثمان رضي الله عنهما:
«والله ما أدري ما أقول لك؟ ما أعرف شيئاً تَجْهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنُخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلِّغكه، وقد رأيتَ كما رأينا وسمعتَ كما سمِعنا وصحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشيجة رحم منهما وقد نلت من صهره ما لم ينالا» . فانظر هذا المدح والثناء على عثمان من علي رضي الله عنهما وانظر إلى قوله: «وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب، بأولى بعمل الحق منك» فهذه شهادة على أنّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهم كانا على الحق وعملا به وليسا بأولى من عثمان (رضي الله عنه) في ذلك، فهو لعمل الحق أهل.( [1])
المناقشة:
إنّ فضيلة الشيخ ذكر كلام الإمام مبتوراً وقد حذف صدره، كما حذف ذيله، مع أنّ صدر كلامه وذيله يشهدان بوضوح أنّ الإمام بصدد بذل النصح للخليفة بُغية معالجة المشاكل التي حاقت بالخلافة قبل ان تستفحل الفتنة الّتي أودت بحياته، وما وصفه بكونه «أقرب إلى رسول الله وشيجة رحم منهما وقد نال من صهره مالم ينالا» إلاّ لأجل تشجيعه على إخماد نار الفتنة، وتنشيط عزمه، على إقامة السنّة وإماتة البدعة الّتي غطت حياة الخلافة في عصره. ولأجل إيقاف القارئ على مقاصد الإمام في كلامه هذا نأتي بنصّ كلامه مشفوعاً بمقدّمة الرضي:
ومن كلام له (عليه السلام) لعثمان بن عفّان. قالوا:
لمّا اجتمع الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وشكوا إليه ما نقموه على عثمان، وسألوه مخاطبته عنهم واستعتابه لهم، فدخل (عليه السلام) على عثمان، فقال:
«إنَّ النَّاسَ وَرَائي وقدِ اسْتَسْفَرُوني بينكَ وبينهمْ ; وَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ! مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ، وَلاّ أَدُلُّكَ عَلَى أَمْر لاَ تَعْرِفُهُ !
إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ ; مَا سَبَقْنَاكَ إلى شَيء فَنُخْبرَكَ عَنْهُ، وَلاَ خَلَوْنَا بِشَيء فَنُبَلِّغَكَهُ; وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا، وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا، وَصَحِبْتَ رَسُول اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَمَا صَحِبْنَا. وَمَا ابْنُ أَبي قُحَافَةَ وَلاَ ابْنُ الخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الحقّ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إلى رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَشِيجَةَ رَحِم مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالاَ; فَاللهَ الله في نَفْسِكَ، فَإنَّكَ وَاللهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمىً، وَلاَ تُعَلَّمُ مِنْ جَهْل; وَإنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ، وَإنَّ أعلامَ الدِّينِ لقائمةٌ.
فَاعلَمْ أنَّ أفضل عباد الله عند اللهِ إمامٌ عادلٌ; هُدِيَ وهَدَى، فأقام سُنَّةً معلومةً، وأمات بدعةً مجهولةً; وإنَّ السُّننَ لنيرةٌ لها أعلامٌ، وإنَّ البدع لظاهرةٌ لها أعلامٌ; وإنَّ شرَّ الناس عند اللهِ إمامٌ جائرٌ ضلَّ وضُلَّ به ; فأمات سنَّةً مأخوذةً، وأحيا بدعةً متروكةً! وإنِّي سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقولُ: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر، وليس معه نصيرٌ ولا عاذرٌ، فيلقى في نار جهنَّمَ، فيدور فيها كما تدور الرَّحى ; ثمَّ يرتبط في قعرها.
وإنِّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأُمَّة المقتول! فإنَّهُ كان يقال: يقتل في هذه الأُمَّة إمامٌ يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويُلبِس أُمورها عليها، ويبثُّ الفتن فيها، فلا يبصرون الحقَّ من الباطل; يموجون فيها موجاً، ويمرجون فيها مَرجاً. فلا تكوننَّ لمروان سيِّقةً يسوقك حيث شاء بعد جَلال السِّنِّ، وتقضِّي العمر».
فقال له عثمان (رضي الله عنه) :
كَلِّم النَّاس في أَنْ يؤجِّلوني، حتَّى أخرج إليهم من مظالمهم.
فقال (عليه السلام) :
«ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ; وما غاب فأجله وصولُ أمرك إليه» .( [2])
أقول: إنّ من أمعن في خطبة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وأحاط بالظروف الحرجة التي صدرت فيها، يقف على أنّ الإمام (عليه السلام) ليس بصدد مدح الخليفة وتنزيهه عمّا نقم عليه الناس ، وإنّما كان يتوخّى تحقيق هدفين:
الأوّل: إعادة الخلافة الإسلامية إلى مسارها الصحيح بعد أن زاغت عنه بممارسة الجهاز الحاكم للأعمال المنافية لأهدافها الكبرى، كالاستئثار بأموال المسلمين، وتعيين أغلمة بني أُمية وشبابها المترف في الولايات والأعمال، وتوطيد السبل لطغيانهم واستطالتهم على الناس، وغير ذلك من الأُمور الّتي فتحت باب الفتن والجور على مصراعيه .
فكان في نيّة الإمام بكلامه هذا أن يقوم الخليفة بتغيير الوضع السائد، بعزل ولاة الجور وإعطاء أزمّة الأُمور إلى الصالحين من الأُمّة، وتقسيم بيت المال على المسلمين بالعدل والإنصاف.
الثاني: إنقاذ الخليفة من القتل بيد الثائرين من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من سائر الأمصار الإسلامية، ولم يكن من مصلحة الإسلام قتل الخليفة، ولذلك كان الإمام (عليه السلام) يخاطب عثمان بقوله: «وإنّي أنشدك الله أن لا تكون إمام هذه الأُمّة المقتول».
هذان هما الهدفان اللّذان كان الإمام (عليه السلام) يتوخّاهما، ويدلّ على ما ذكرنا، الأُمور التالية: 1 - انّ الإمام (عليه السلام) كان يندِّد بأعمال عثمان وينقم عليه في غير موقف من مواقفه، فيقول عند بيان الدافع الحقيقي وراء قتل عثمان:
«اسْتَأْثَرَ فَأسَاءَ الأَثَرةَ، وَجَزِعْتُمْ فَأسَأْتُمُ الجَزَعَ، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ في المُسْتَأْثِرِ والجَازِعِ» .( [3])
2 - لما سيّر عثمان أبا ذر ذلك الصحابي العظيم لتنديده بأعمال عثمان وولاته، خرج عليّ يشايعه، وقال له:
«يَا أَبَا ذَرِّ، إنَّكَ غَضِبْتَ للهِ فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَهُ. إنَّ القَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ، وَخِفتَهُمْ عَلى دِينكَ، فَاتْرُك في أيْديهمْ ما خَافُوكَ عَلَيه واهْرُبْ بِمَا خِفْتَهُم عَلَيْه، فَمَا أحْوَجَهَم إلى مَا مَنَعْتَهمْ وَمَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ ».( [4])
فمع هذه العبارات الواضحة، كيف يُنتظَر من الإمام بعد ذلك أن ينزّه الخليفة عمّا نُقم عليه، ويبالغ في إطرائه والثناء عليه، وكأنّه لم يجترح آثاماً، ولم يُحدث أحداثاً، أو يُبدع بدعاً؟!
3 - روى الطبري عن الواقدي، أنّ عبد الله بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لما كانت سنة 34 هـ ، كتب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعضهم إلى بعض أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلاّ نفير: زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلّموا علي بن أبي طالب، فدخل على عثمان، فقال: «الناس ورائي وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئاً تجهله، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه، إنّك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلّغك، وما خُصِّصنا بأمر دونك...»( [5]). إنّ الإمام (عليه السلام) باعتباره سفير الناس إلى الخليفة لإطلاعه على تذمّرهم منه ونقمتهم عليه، كان يتوخّى أفضل السبل لإنجاز مهمّته المتمثّلة في نصح الخليفة وإرشاده، وتليين موقفه المتصلّب الرافض لاستعتابهم وتلبية مطالبهم، ولهذا بدأ (عليه السلام) كلامه بهذا الأسلوب الرقيق الّذي يحرّك في النفس نوازع الخير من خلال التذكير بذلك العهد الّذي أظلّتهم فيه رحمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدله واستقامته وخلقه المعطار.
ثم أعقبه بكلام يحمل في طيّاته تحذيراً شديداً من مغبّة التمادي في سلوك طريق الضلال والإضلال وفي إمامة السنّة وإحياء البدعة .
وقد نجح الإمام (عليه السلام) بهذا الاسلوب ـ الّذي يجمع بين الترغيب والتحذير ـ في تحقيق أهدافه السامية في كبح روح العناد لدى الخليفة، ودفعه إلى استعتاب الثائرين، وآية ذلك النجاح تأثّر الخليفة بكلامه وإقباله عليه، الأمر الّذي حداه إلى مخاطبة الإمام بقوله: كلِّمِ الناس في أن يؤجّلوني حتّى أَخرُجَ إليهم من مظالمهم.
وعلى ضوء ما تقدّم، يُعلم مغزى كلام الإمام (عليه السلام) وأنه ليس بصدد الحديث عن وفور علم عثمان، وإنّما بصدد لفت نظره وتذكيره بمصاحبته للرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من أجل حثّه على مراعاة العدل ومجانبة الظلم والجور والرفق بالرعية وإنصافهم وغير ذلك من الأُمور العامة الّتي ينبغي أن يكون قد وعاها من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته العظيمة. وعليه فإن ما استنتجه فضيلة الشيخ من أنّ كل ما يعلمه الإمام يعلمه عثمان، ليس في محلّه، وبعيد عن الصواب، لغفلته أو تغافله عن ملاحظة الظرف الّذي صدر فيه كلام الإمام (عليه السلام) .
ونحن إذا غضضنا الطرف عن مسألة اختصاص الإمام برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وملازمته له من لدن أن كان وليداً إلى آخر لحظات حياته (صلى الله عليه وآله وسلم) وانتهاله من نمير علمه وبحر عطائه، ولم نأخذ بعين الاعتبار أيضاً مسألة الاختلاف الطبيعي بين الأشخاص في المواهب والقابليات والملكات، ورجعنا إلى التاريخ، فإنّنا لم نجد فيه من يدّعي المساواة بين علم عثمان وعلم أبي بكر وعمر فضلاًعن المساواة بينه وبين علم علي الّذي شاع فيه القول: إنّه أفصح الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأكثرهم علماً وزهداً وتنمّراً في ذات الله تعالى .
قيل لعطاء بن أبي رباح: أكان في أصحاب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) أعلم من علي؟ قال: لا والله لا أعلم.( [6])
وقالت عائشة: علي أعلم الناس بالسنّة.( [7])
وقال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن. ( [8])
أمّا قوله (عليه السلام) : «وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب أولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله وشيجة»، فيمكن بيانه على النحو التالي:
لايشك أحدٌ في أنّ سيرة أبي بكر وعمر في خطوطها العامّة كانت أفضل من سيرة عثمان، ولهذا أراد الإمام بهذا القول أن يحثّه على انتهاج سيرتهما، وأن ينأى بنفسه عن استئثار بني أبيه وأقاربه بالأموال والولايات والمناصب، وأن يعدل في الرعية، ويرفع عنها مظالمها، وهذا لا يعني أنّه (عليه السلام) كان راضياً عن سيرة الشيخين في تفاصيلها، لأنّ هذا المعنى خارج عن موضوع الكلام.
وممّا يؤكد ما نذهب إليه، هو أن الخلافة كانت من علي على طرف الثُّمام( [9])، ولكنّه (عليه السلام) رغب عنها بعد أن اشترط عليه عبد الرحمن بن عوف الاقتداء بسيرة الشيخين!!
فلو كانت سيرتهما مستضيئة بالكتاب والسنّة في كلّ تفاصيلها، لما كان هناك مساغ لرفضه (عليه السلام) لهذا الشرط .

[1] . تأمّلات في كتاب نهج البلاغة: 20 .
[2] . نهج البلاغة، الخطبة 159 ; شرح النهج: 9 / 261 - 262 .
[3] . نهج البلاغة: الخطبة 29، شرح محمد عبده .
[4] . نهج البلاغة: الخطبة 126، شرح محمد عبده .
[5] . تاريخ الطبري: 3 / 375 ، حوادث سنة 34 هـ .
[6] . أسد الغابة: 4 / 22 .
[7] . مختصر تاريخ دمشق: 18 / 25 .
[8] . أسد الغابة: 4 / 22 - 23 ; تهذيب الكمال: 20 / 485 .
[9] . جمع الثمامة، نبت، سهل التناول مثل يضرب لكل أمر يسهل تناوله .