welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
العقيده الاسلاميه
الإمامَةُ والخِلافَةُ
الإمامَةُ والخِلافَةُ

لَقَدْ رَحَلَ النبيُّ الأكرمُ محمّد  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في مطلع العام الحادي عشر الهجري بعد أنْ اجتهد طوال 23 سنة في إبلاغ الشريعة الإسلامية.
ومع رحيل النبيّ الأكرم  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ انقطعَ الوحيُ، وانتهت النُبوَّةُ، فلم يكن نبيٌّ بعده ولا شريعةٌ بعد شريعته، إلاّ أنّ الوظائف والتكاليف التي كانت على عاتق النبيّ محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (ما عدا مسألة تلقِّي الوحي وإبلاغه) لم تنته حتماً.
ولهذا كان يجب أن يكونَ بعد وفاته شخصيةٌ واعيةٌ وصالحةٌ تواصل القيام بتلك الوظائف والمهام وتقود المسلمين ويكون لهم إمامٌ خلافةً عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
إنّ مسألة ضرورة وجود خليفة للنبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ موضعُ اتّفاق بين المسلمين، وإنْ اختلف الشيعة والسنة في بعض صفات ذلك الخليفة وطريقة تعيينه.
فلابدّ في البداية من توضيح معنى «الشيعة» و «التشيع»، وتاريخ نشأته وظهوره، ليتسنّى بعد ذلك البحثُ في المسائل المتعلّقة بالإمامة والخلافة بعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
الأصلُ الثالث والثمانون: الشيعة لغة واصطلاحاً
«الشِيعَة» في اللغة بمعنى التابِع، وفي الاصطلاح تُطلَقُ هذه اللفظة أو التسمية على فريق من المسلمين يعتقدون بأنّ قيادة الأُمّة الإسلاميّةِ بعد وفاةِ رَسُول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هي من حق الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ وأبنائه المعصومين.
وقد تَحَدّثَ النبيُّ الأكرمُ أيّام حياته عن فضائل الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ ومناقبه، وكذا عن قيادته وزعامته للأُمّة الإسلاميّة من بعده، مراراً وفي مناسبات مختلِفة، بشهادة التاريخ المدوَّن.
إنّ هذه التوصيات والتأكيدات تسبَّبت ـ كما تحدِّثُنا الأحاديثُ الموثّقة ـ في أن يلتَفَّ فريقٌ مِنَ الصحابة حول الإمام عليّ ـ عليه السَّلام ـ في حياة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وتحبّه قلوبُهم، فتُعْرف بشيعةِ عليّ ـ عليه السَّلام ـ .
ولقد بقيت هذه الثُلّة من الصحابة على ولائها واعتقادها السابق بعد وفاة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دون أنْ تؤثر المصالحَ الفرديّةَ على تنصيص رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ووصيَّته في مجال الخلافة وقيادة الأُمّة من بعده.
وهكذا سُمِّيَت جماعةٌ من المسلمين في عصر رسول الله، وبَعد حياته الشريفة ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالشيعة. وقد صَرحَ بهذا جماعةٌ من المؤلّفين في الملل والنحل.
فالنوبختي ( المتوفّى 310 هـ ) يكتب قائلاً: الشيعة هُم أتباع علي بنِ أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ المسَمُّون بِشيعةِ علي ـ عليه السَّلام ـ في زمان النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته([1] ).
وقال أبو الحسن الأَشعري: وإنّما قيل لهم (شيعة) لأنّهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ([2] ) .
وقال الشهرستاني: الشيعة هم الذين شايَعوا علِيّاً على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافتِهِ نصّاً ووصيّة.([3] )
وعلى هذا الأساس فليس للشيعة تاريخ غير تاريخ الإسلام وليس له مبدأُ ظهور غير مبدأ ظهور الإسلام نفسه، وفي الحقيقة إنّ الإسلام والتشيّع وَجْهان لعُملة واحدة أو وَجهان لحقيقة واحدة، وتوأمان وُلدا في زَمَن واحد.
وقد ذكر المحدّثون والمؤرّخون أنّ النبيَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ دعا في السَنَوات الأُولى من دعوته بني هاشم، وجمعهم في بيته وأعلن فيهم عن خلافة عليّ ووصايته (في ما يسمّى بحديث بَدء الدعوة أو يوم الدار)([4] ) وأعلن عن ذلك للناس فيما بعد مكرّراً، وفي مناسبات مختلفة ومواقف متعدّدة، وبخاصة في يوم الغدير، الّذي طرح فيه خلافة علي بصُورة رسميّة، وأخذَ البيعة من النّاس له وسيوافيك تفصيله.
إنّ التشيُّع ليس وليدَ حوادث السقيفة ولا فتنة مصرع عثمان وغيرها من الأساطير، بل انّ النبي الأكرم  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ هو الذي بذر بذرة التشيع لأَوّل مرة وغرس غرستها في قلوب الصحابة بتعاليمه السماوية المكرّرة.
ونمت تلك الغرسة فيما بعد شيئاً فشيئاً، وعُرِف صحابةٌ كبارٌ كأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد، باسم الشيعة.
وقد ذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى: ( إنَّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُوْلئكَ هُمْ خَيْرُ البَريّةِ) ([5] ) .
قول النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «هُمْ عَلِيٌّ وَشِيْعَتُهُ»([6] ).
على أنّه لا تَسَعُ هذه الرسالةُ المختصرةُ لذكر أسماء الشيعة الأوائل من الصَّحابة، والتابعين الذين اعتَقَدُوا بخلافَتِهِ للنبِيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بصورة مباشرة وبلا فصل.
إنّ التشيُّعَ بالمفهوم المذكور هو الوجه المشترك بين جميع الشيعة في العالم، والذين يشكّلون قِسماً عظيماً مِن مُسْلِمِي العالم.
ولقد كانَ للِشيعة جنباً إلى جنب مع سائر المذاهب الإسلامية وعلى مدى التاريخ الإسلامي إسهامٌ عظيمٌ في نشر الإسلام، وقَدَّمُوا شخصيات عِلميّة وأَدَبيّة وسياسيّة جدّ عظيمة إلى المجتمع البشري ولهم حضور فاعل في أكثر نقاط العالم الراهِن أيضاً.
الأصلُ الرابعُ والثمانون: الإمامة مسألة إلهية
إنّ مسألةَ «الإمامة» ـ كما سنثبِتُ ذلك من خلال الأُصول القادمة ـ كانت مسألة إلهيّة، وسماويّة، ولهذا كان من اللازم أن يتم تعيينُ خليفة النبي كذلك عبر الوحي الإِلهيّ إلى النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويقوم النبيُّ بإبلاغه إلى الناس.
وقبل أن نعمدَ إلى استعراض وبيان الأدلّةِ النقليّة والشرعيّة في هذا المجال، نستعرض حُكم العقلِ في هذه الحالة، آخذين بنظر الاعتبار ظروف تلك الفترة (أي فترة ما قبل وما بعد رحيل النبيّ)، وملابساتها.
إنَّ العقلَ البديهيَّ يحكم بأنّ أي إنسان مصلح إذا استطاع من خلال جهود مُضنية دامت سَنَوات عديدةً، من تنفيذ أُطروحة اجتماعيّة خاصة له، وابتكر طريقة جديدة للمجتمع البشريّ فإنّه لا بدّ من أن يفكِّر في وسيلة مؤثِّرة للإبقاء على تلك الأُطروحة، وضمان استمرارها، بل رُشدها، ونموّها أيضاً، وليس من الحكمة أن يؤسّسَ شخصٌ مّا بناءً عظيماً، متحمّلاً في ذلك السبيل متاعبَ كثيرة، ولكن لا يفكِّر فيما يقيه من الأخطار، ولا ينصب أحداً لصيانته والعناية به، من بعده.
إنَّ النبيَّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وهو من أكبر الشخصيّات العالميّة في تاريخ البشريّة، قد أوجَد ـ بما أتى من شريعة ـ أرضيّةً مساعدةً لتحوّل إلهيّ عالمي كبير، ومَهَّدَ لقيام حضارة جدُّ حديثة، وفريدة.
إنّ هذه الشخصيّة العظيمة، التي طَرَحَت على البشريّة شريعةً خالدةً، وقادت المجتمعَ البشريّ في عصرِهِ وأيام حياته، من المسلَّم أنّه فَكَّر لحفظ شريعته من الأخطار والآفات المحتملة التي تهدِّدها في المستقبل، وكذا لهداية أُمّته الخالدة، وإدارتها، وبيّن صيغة القيادة من بعده، وذلك لأنّه من غير المعقول أن يؤسّس هذا النبيُ الحكيمُ قواعدَ شريعة خالدة أبديّة، دون أنْ يطرح صيغة قويّة لقيادتها من بعده، يضمن بها بقاء تلك الشريعة.
إنَّ النبيَّ الَّذي لم يألُ جُهداً في بيان أَصغر ما تحتاج إليه سعادةُ البشرية، كيفَ يُعقَل أنْ يسكتَ في مجال قيادة المجتمع الإسلامي وصيغتها، وكيفيتها، والحال أنها من المسائل الجوهريّة، والمصيريّة، في حياة الأُمّة، بل وفي حياة البشريّة، وفي الحقيقة يترك المجتمعَ الإسلاميَّ حيارى مهمَلين، لا يَعرِفون واجبهم في هذا الصعيد؟!
وعلى هذا الأساس لا يمكن مطلقاً القبولُ بالزَّعم القائل بأنَّ النبيّ الأكرم أغمض عينيه عن الحياة دون ان ينبس ببنت شفة في مجال قيادة الأُمّة.
الأصلُ الخامسُ والثمانون: الإمامة والخطر الثلاثي المشؤوم: الروم والفرس والمنافقون
إنّ مراجعةَ التاريخ، وأخذِ الظروف التي كانت تحيط بالمنطقة، وبالعالم في زمان رحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وقُبَيل وفاتهِ بالذات بنظر الاعتبار تثبت ـ بِوُضوحـ بداهة وضرورةَ «تنْصيصيَّة» منصب الاَمامة وذلك لأنّ أخطاراً ثلاثة كانت تهدّد الدينَ والكيانَ الإسلاميَّ، وتحيط به على شكلِ مُثَلّث مَشؤُوم.
الضِلعُ الأوَّل مِن هذا المثلَّث الخَطِر كان يتمثَّل في الإمبراطورية الروميّة.
والضلع الثانِي كانَ يَتمثّل في الإمبراطوريّة الفارسيّة.
والضلعُ الثالث كان يَتَمثَّل في فريق المنافقين الداخِلِيّين.
وبالنسبة لخَطَر الضلعِ الأوّل، وأهميّته القُصْوى يكفي أنَ نعلمَ أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يزل يفكر فيه حتى آخر لحظة من حياته، ولهذا جهّزَ ـ قُبَيل أيّام بل ساعات من وفاته ـ جيشاً عظيماً بقيادة «أُسامة بن زيد» وبَعَثَه لمواجهة الروم، كما ولَعَنَ مَن تَخلَّفَ عنه أيضاً.
وبالنسبة لخطَر الضِلعِ الثاني يكفي أن نعرفَ أنّه كان عَدُوّاً شرساً أيضاً أقدمَ على تمزيقِ رسالةِ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وكتب إلى حاكم اليمن بأنْ يقبضَ على رسولِ اللهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ويبعث به إليه، أو يرسلَ إليه برأسه.
وبالتالي بالنسبة إلى الخَطَر الثالث يجب أن نعلمَ أنّ هذا الفريق (أي المنافقين) كان يقوم في المدينة بمزاحمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ باستمرار وكان المنافقون هؤلاء يؤذونه بالمؤامرات المتنوعة، ويعرقلون حركته، وقد تحدّث القرآنُ الكريمُ عنهم وعن خصالهم، ونفاقهم، وأَذاهم، ومحاولاتهم الخبيثة في سوره المختلفة إلى درجة انّه سمّيت سورة كاملة باسمهم، وهي تتحدّث عنهم وعن نواياهم وأعمالِهم الشرّيرةِ.
والآن نطرحُ هذا السؤالَ وهو: هل مع وجودِ هذا المثلَّث الخَطِر كانَ من الصحيحِ أنْ يترك النبيُ الأكرمُ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الأُمّة الإسلاميةَ، والدينَ الإسلاميَ اللّذَين كانا محاطَين بالأخطار من كلّ جانب، وكان الأعداءُ لهما بالمرصاد من كلّ ناحية، من دونِ قائد معيّن؟!!
إنّ النبيَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ولاشكَّ كانَ يَعْلَم أن حياةَ العرب حياة قَبَليّة، عشائرية وأنّ أفرادَ هذه القبائِل كانَتْ مُتَعَصِبّة لرؤساء تلك القبائل، فهم كانوا يطيعون الرؤساء بشدّة، ويخضَعُون لهُمْ خضوعاً كبيراً، ولهذا فإنَّ ترك مِثل هذا المجتمع مِن دون نصبِ قائد معيّن سوف يؤدّي إلى التشتت والتنازع بين هذه القبائل، وسيستفيد الأعداء من هذا التخاصُم والتَنازع، والإختلاف .
وانطلاقاً من هذه الحقيقة قال الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا: «الاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يؤدي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف»([7] ).
الأصلُ السادسُ والثمانون: تعيين الإمام والخليفة في أحاديث الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ
والآن وَبعدَ أنْ ثَبَتَ أنَّ حِكمةَ النبيّ وعلمهُ كانا يقتَضِيانِ بأن يتخذ موقفاً مناسِباً في مجالِ الِقيادة الإسلاميّة مِن بَعدِهِ، فَلْنرَى ماذا كانَ الموقف الذي اتخذه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا الصعيد؟
هُناكَ نظريَّتان في هذا المَجال نُدرِجُهُما هنا، ونعمَدُ إلى مناقشتهما:
النظرية الأُولى: انّ النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اختار بأمرِ الله تعالى شخصاً مُمتازاً صالِحاً لقيادةِ الأُمّة الإسلامِيّة، ونَصَبَهُ لِخلافَتهِ وأخبرَ النّاسَ بذلك.
النظرية الثانية: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أوكَلَ اختيار القائد والخليفة من بعده إلى النّاس، انفسِهِم، لينتَخِبوا ـ هم بأنفسِهِم ـ شخصاً لهذا المنصب.
والآن يجب أن نرى أيّة واحدة من النظريتين تُستفاد من الكِتابِ والسُّنة والتاريخِ؟
إنَّ الإمعانَ في حياة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مُنذ أن كُلّف بتبليغِ شرِيعتهِ إلى أقربائِهِ وعَشيرته، ثم الإعلان عن دعوتهِ إلى النّاس كافّة، يفيد أن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ سلك طريق «التنصيص» في مسألة القيادة، والخلافة، مراراً، دون طريق «الإنتخاب الشعبيّ» وهذا الموضوع نثبتهُ من خلال الأُمور التالية:
1. حديث يوم الدار
بعد أن مضت ثلاثُ سَنَوات على اليوم الذي بُعِثَ فيه رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، كَلّفهُ اللهُ تعالى بأن يبلّغَ رسالَتَه لأبناءِ قَبيلتِهِ، وذلك عندما نَزَل قولهُ عز وجلّ: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ([8] ) .
فَجَمَع النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رؤوسَ بني هاشم وقال : «يا بني عبد المطّلب إنّي واللهِ ما أعلمُ شابّاً في العَرَبِ جاء قومَه بأفضل ممّا قد جئتكم به إنيّ قد جئتكُم بخَيِر الدُنيا والآخِرة وقد أمَرَنيَ اللهُ تعالى أنْ أدعوكم إليه فأيُّكم يؤازرني على هذا الأمر يكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم». ولقد كرّر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ العبارة الأخيرة ثلاثَ مرّات، ولم يقمْ في كلّ تلك المرّات إلاّ الإمامُ علي  ـ عليه السَّلام ـ ، الّذي أعلَنَ عن استعدادِهِ في كلّ مرّة لمؤازرةِ النَبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ونُصْرته، وفي المرّة الثالِثة قال النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنَّ هذا أخِي وَوَصيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاْسمَعوا لَه وأطيعُوا»([9] ).
2. حَديِثُ المَنْزِلَةِ
لَقد اعتبر النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ منزلةَ «عليّ  ـ عليه السَّلام ـ » منه على غرارِ منزلةِ هارون من موسى ـ عليهما السَّلام ـ ، ولم يستثنِ من منازِلِ ومراتبِ هارون من موسى إلاّ النبوّة حيث قال: «يا عليّ أما ترضى أن تكونَ مِنّي بمنزلةِ هارونَ من مُوسى إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي»([10] ) وهذا النفي والسَلب هو في الحقيقة من بابِ «السالبة بإنتفاءِ الموضوعِ». اذ لم تكن بعد رسولِ الله الخاتم  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نبوّةٌ حتى يكونَ عليٌ نبيّاً من بعده إذ بنُبُوّة رسولِ الإسلام خُتمت النبوّات، وبِشريعتِهِ خُتِمت الشّرائِع.
ولقد كانَ لِهارون ـ بنَصّ القرآنِ الكريمِ ـ مقامُ «النبوّة»([11] ) و «الخلافة»([12] ) و«الوزارة »([13] ) في زمانِ مُوسى، وقد أثبتَ حديثُ «المنزلة» جميعَ هذه المناصب الثابتة لهارون للإمام عليّ  ـ عليه السَّلام ـ ما عدا النُبُوَّة، على أنّه إذا لم يكن المقصودُ مِن هذا الحَديث هو إثباتُ جميعِ المناصبِ والمقاماتِ لعليّ إلاّ النبوَّة، لم يكنْ أيّة حاجة إلى استثناء النُبوّة.
3. حَدِيثُ السَّفِينَةِ
لقد شَبَّه النبيُّ الأكرمُ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أهلَ بيته بِسَفينةِ نوح الّتي من رَكبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق في الطوفانِ كما قال: «ألا إنّ مَثَل أهلِ بيتي فِيكم مَثلُ سَفينة نُوح في قومه مَن رَكبها نَجا، ومَن تَخلَّفَ عَنها غرِق»([14] ).
ونحنُ نَعلمُ أنّ سَفينة «نوح» كانت هي الملجأ الوحيد لنجاة الناس من الطوفان في ذلك الوقت.
وعلى هذا الأساس فإنّ أهلَ البيت النبويّ ـ وفقاً لحديث سفينة نوح ـ يُعتَبرُون الملجأ الوَحيد للأُمّة للنجاة من الحوادث العصيبة والوقائع الخطيرة التي طالما تُؤدّي إلى انحراف البشرية وضلالها.
4. حديث «أمان الأُمّة»
لقدَ وَصَفَ النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أهل بيته بكونهم سَبَباً لوحدة المسلمين، وممّا يوجِبُ ابتعادهم عن الإختلاف والتَشتّت وأماناً من الغَرق في بحر الفِتنة، إذ قال: «النجومُ أمانٌ لأهل الأرض من الغَرَق وأهلُ بَيتي أمانٌ من الإختلاف، فإذا خالَفتها قبيلةٌ مِنَ العَرَب اختَلَفوا فصارُوا حزب إبليس»([15] ).
وبهذا شبّه النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أهل بيته الكرام بالنجوم التي يقول عنها اللهُ سبحانه: ( وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون) ([16] ) .
5. حَديثُ الثَقَلَين
إنّ حديثَ الثَقَلينِ مِنَ الأحاديث الإسلاميّة المتواترة، الّتي نَقَلها وَرَواها علماءُ الفريقين في كتبهم الحديثية.
فقد خاطَبَ رسولُ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الأُمّة الإسلامية قائلا: «إنّي تاركٌ فيكُم الثَقَلَيْن كتابَ الله وَعِتْرَتي أهلَ بَيْتي ما إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بهما لَنْ تَضلُّوا أبَداً وإنّهما لَنْ يَفْتَرِقا حَتى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ»([17] ).
إنّ هذا الحديثَ، يُثبتُ ـ بوضوح ـ المرجَعيّة العِلميّة لأهلِ البَيْت النَبَويّ جَنْباً إلى جنب مع القرآن الكريم، وَيُلزِمُ المُسلمين بأن يتمسَّكُوا ـ في الأُمور الدينيّة ـ بأهل البيت إلى جانب القرآن الكريم، ويلتمسوا رأيهم.
ولكنّ المؤسفَ جدّاً أن يَلتَمس فريقٌ من النّاس رأيَ كلّ أحد إلاّ رأيَ أهلِ البيت، ويطرقوا بابَ بَيْت كلّ أحد إلاّ باب بيتِ أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .
إنّ «حديث الثقلين» الذي يتفق على روايته الشيعةُ والسنةُ يمكنهُ أن يجمع جميع مسلمي العالم حول محور واحد، لأنّه إذا ما اختلفَ الفريقان في مَسألة تعيين الخليفة والقائد، والزعيم السياسي للأُمّة بعد رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  وكان لكلّ فريق نظريّته وآلَ الاستنباطُ التاريخيّ في هذا الصعيد إلى انقسام المسلمين إلى فريقين، فإنّه لا يوجَدُ هناك أيُّ دليل للإختلاف في مرجَعيّة أهلِ البيت العلِميّة، ويجب أن يكونوا ـ طِبقاً لحديث الثقلين المتَّفَق عليه ـ متفقين على كلمة واحدة.
وأساساً كانت مرجعيَّة أهلِ البَيت العلميّة في عَصر الخُلَفاء لعليّ ـ عليه السَّلام ـ أيضاً، فقد كانوا يرجعون إليه عند الإختلاف في المسائل الدينيّة وكانت المشكلة تُحلُّ بواسطته.
وفي الحقيقة منذُ أن عُزل أهلُ بيت النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ساحة المرجَعيّة العلميّة ظهرَ التفرُّقُ والتشرذُمُ، وبرزت الفِرَقُ الكلامِيّةُ المتعدّدةُ الواحدةُ تلو الأُخرى.
الأصلُ السابعُ والثمانون: حديث الغدير
كان رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  ـ كما يبدو في الأحاديث السالفةُ ـ يعرّف بخليفته ووصيه تارةً بصورة كليّة، وأُخرى بصورة معيّنة، أي بذكر اسم الخليفة والوصيّ بحيث يمثّلُ كلُ واحد من تلك الأحاديث حجةً كاملةً وتامّةً لمن يطلبُ الحقيقة وهو شهيدٌ واع. ولكن مع ذلك ولكي يُوصِلَ النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نداءَه إلى كلّ قاص ودان من المسلمين في ذلك اليوم، ويرفعَ كلّ إبهام وغموض، ويدفع كلّ شك أو تشكيك في هذا المجال، توقّفَ عند قُفوله ومراجَعَته من حَجّة الوَداع في أرض تسمى بغدير خم، وأخبر من مَعَه من الحجيج بأنّه كُلِّف مِن جانب الله تعالى بأن يُبلِّغ رسالة إليهم، وهي رسالة تحكي عن القيام بأمر جدّ عظيم، بحيث إذا لم يُبلِّغها يكون كأنّه لم يُبَلّغ شيئاً من رسالته كما قال تعالى:
( يَا أَيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِكَ وإن لَم تَفْعَلْ فَماَ بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) ([18] )([19] )
ثم رقى النبيُّ منبراً من أقتاب الإبل وحُدُوجها، وقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  مخاطباً الناس: «يوشك أنْ اُدعى فأجيب فماذا أنتم قائلون؟»
قالوا: نَشهدُ أنّك قد بَلّغتَ ونَصحتَ وجَهَدتَ فجزاك اللهُ خيراً. فقال  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «ألَسْتم تَشهَدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عَبدُه ورسولهُ وان الساعة آتيةٌ لا ريبَ فيها؟»
قالوا: بَلى نَشْهدُ بذلك.
قالَ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «فإنّي فَرَطٌ (أي أسبقكُم) على الحوض (أي الكوثر)، فَانظُرُوا كيفَ تَخلِفوُني في الثَقَلَين؟»
فنادى مناد: وما الثَقَلان يا رَسولَ الله ؟
قالَ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «الثَقَلُ الأكبر كتابُ الله طَرَفٌ بيدِ اللهِ عزَّ وجَلَّ وطَرَفٌ بأيدِيكُمْ فتمَسَّكُوا به لا تَضِلُّوا، والآخَرالأصغَر عترتي، وإنّ اللطيفَ الخبيرَ نبّأني أَنَّهما لنْ يفترقا حتى يَردا عليَّ الحَوضَ، فلا تقدمُوهُما فتَهلكوا، ولا تقصِّروا عنْهما فَتَهْلَكُوا».
ثم أخذ بيد «عليّ» فَرفَعها حتى رؤي بياضُ آباطهما فعرفَه القومُ أجمعون فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «أيُّها الناسُ من أولى النّاس بالمؤْمِنين من أنفسِهِم؟»
قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ.
قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «إنّ الله مولايَ، وأنا مَولى المؤمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنفسهِمْ، فَمَن كنتُ مَولاه فَعَلِيٌ مولاهُ».
ثم قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : «اللّهُمَّ والِ مِن والاهُ، وعادِ من عاداهُ، وأحِبَّ من أحَبَّهُ، وابْغَضْ مَن أبْغَضَهُ، وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، واخْذُلْ من خَذَلهَ، وأدِرِ الحقَّ معه حيث دارَ، ألا فَلْيُبَلّغِ الشّاهِدُ الغائبَ».
الأَصلُ الثامِنُ والثمانُون: حديث الغدير من الأحاديث المتواترة
إنّ حديثَ الغَدِير منَ الأَحاديثِ المتَواتِرة، وقد رَواهُ من الصَّحابة والتابعين وعُلماءِ الحديث في كلّ قرن بصورَة متواترة.
فقد نقل حديثَ الغدير ورواه (110) من الصحابة، و (89) من التابعين، و(3500) من العلماء والمحدِّثين، وفي ضوء هذا التواتر لا يبقى أيُّ مجال للشَكِ في أصالةِ، وصحّة هذا الحديث.
كما أَنّ فريقاً من العُلَماء ألَّفوا كُتباً مستَقِلّةً حولَ حديث «الغدير» أشْمَلُها وأكثرُها اسْتِيعاباً لِطُرق وأسنادِ هذا الحديث كتابُ «الغدير» للعلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني (1320 ـ 1390 هـ).
والآن يجب أن نَرى ما هو المقصود من لفظة «الموَلى» وماذا تَعني «مولويّة» عليّ ـ عليه السَّلام ـ ؟
إنّ القرائن والشواهدَ الكثيرةَ والعديدةَ تشهد بأنَّ المقصودَ من هذه اللَفظة، والكلمة هو: الزعامة والقيادة، وها نحن نشيرُ إلى بعض هذه الشَواهدِ والقرائن:
ألف: في واقعة الغدير، أمَرَ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأنْ يحطَّ الحُجّاج الّذين كانوا يرجعون معه من الحج، في أرض قاحِلة لا ماء فيها، ولا كلأ، وفي وقتِ الزوال، وتحت أشعّة الشَّمس الحارقة.
ولقد كانت حرارةُ الهَجير من الشِدّة في ذلك الوَقت بحيث أنّ الشخص من الحاضرين في ذلك المشهد كان يضع بعض عباءته تحت رجليه وبعضها فوق رأسه تَوقِّياً من شدّة الرَمضاء، وحرارة الشّمس.
من الطبيعي أن النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان يريد في هذه الحالة الخاصّة، أن يقول ماله دورٌ مصيريٌّ هامٌ في هداية الأُمّة.
ترى أي شيء يمكنه أن يكون له دور مصيريٌّ وهامٌّ في حياة المسلمين أكثر من تعيين القيادة التي توجب وحدةَ كَلِمةِ المسلمين، وتكونُ حافظة لدينهم.
ب : لقد تحدّث رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قبل ذكر مسألة ولاية الإمام علي  ـ عليه السَّلام ـ عَن أُصول الدين الثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأخَذَ من الناس الإقرارَ بها، ثم طرَحَ مسألة ولاية الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ بعد ذلك.
إنّ التقارن بين إبلاغ هذه الرسالة وأخذ الاعتراف والإقرار بالأُصول المذكورة يمكن أن يقودنا إلى معرفة أهميّة الرسالة التي أمَرَ النبيُّ بإبلاغِها إلى النّاس في «غدير خم»، ويمكن معرفة أنّ النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ما كانَ يقصُد مِن ذلك الإجتماع العظيم في تلك الظروفِ الإستثنائيّةِ والملابَسات الخاصّة التوصية فقط بمحبّة وموادّة شخص معيّن..
ج : قبل إبلاغِ الرِسّالة الإلهيّة في شأنِ عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ تحدَّثَ النبيُّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ عن ولايَته ومولويَّتهِ وقال: اللهُ مولايَ وأنا مولى المْؤُمِنِين، وأنا أولى بِهِمْ مِن أنْفسِهِمْ.
إنّ ذكر هذه المطالب دليلٌ على أنّ «مولويّةَ الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ » كانت من نمط وسنخ مولوية النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وأنّ النبي أثبت بأمر الله تعالى مَولويّته وأولويّته بالأمر لعليّ أيضاً.
د :  إنّ النبيّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قال بعد إبلاغ هذه الرِسّالة الإلهيّة: فَلْيبلّغِ الشاهدُ الغائبَ.
الأصلُ التاسعُ والثمانون: كفاءة الخليفة المنتخب قطعت كيد الأعداء
إنّ تاريخَ الإسلام يشهدُ بأنّ أعداء النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ استَخْدَموا كلَّ وسيلة مُمكنة لإطفاءِ نور الرسالةِ المحمديّة، وعَرْقَلَةِ مسير الدَّعوة الإسلاميّة بدءاً من اتّهام النبيّ الأكرم  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بالسِحر والشعوَذة وانتهاءً بمحاولة اغتياله في فراشه، ولكنّهم بفضل العناية الإلهيّة، فشِلوا في خُططهم جمعاء، وحفظ اللهُ نبيّه من كيد المشركين والكافرين ، فلم يبقَ لهم من أمل إلاّ أن يموتَ رسولُ الله  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ فيطفئوا جَذوة دعوته، ويُخمدوا نورَ رسالته (خاصّة أنّه لم يُخَلّف وَلَداً من الذكور).
وقد حكى اللهُ عن أمَلهم الشّرِير هذا بقوله:
( أمْ يَقُولُونَ شاعرٌ نَتربَّصُ به رَيبَ المَنُونِ) ([20] ) .
ولقد كانت هذه النيّة الخبيثَة، وهذه الفطرةُ الشّريرةُ تراوِدُ ذهنَ الكثيرِ من المشركين والمنافقين، ولم يكن عددُهم بين أصحاب النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بِقليل.
ولكنّ النبيَّ  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بِنَصبه خليفةً قوياً وجديراً بالخلافة يقودُ الأُمّة من بَعده وقد تحلّى بسوابق جهاديّة وإيمانيّة مشرقة، وتمتّع بإيمان، وصدق، وثبات في سبيل الإسلام، فوّت الفرصة على المعارضين لرسالته وخيَّب آمالهم، وأبدلها باليأس والقنوط، وبهذا ضَمِنَ بقاء الدين، ورسّخ قوائِمهَ وقواعده، وأكملَ اللهُ بتعيين القائدِ والخليفةِ نعمة الإسلام، ولهذا نزل قول الله تعالى ـ بعد نصبِ عليٍّ ـ عليه السَّلام ـ لخلافةِ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ يومَ «غدير خم» ـ :
( اليَوْمَ يئسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِن دينكُمْ فَلاَ تَخْشَوهُمْ وَاخْشَونِ اليومَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلام دِينَاً) ([21] ) .([22] )
ثم إنّ هناك ـ مضافاً إلى الرّوايات المتواترة المذكورة التي تُثبت أنّ مسألة خلافة النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ مسألةٌ إلهيّةٌ، وأنّه ليس للنّاس أيّ خيار فيها ـ روايات تحكي عن أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان منذ الأيام الأُولى من دعوته في مكّة، يوم لم تُشكَّلْ فيها حكومةٌ في المدينة بعدُ، يرى أنّ مسألة خلافتهِ مسألةٌ إلهيّةٌ يعود أمر البتّ والتعيين فيها إلى الله وحده دون غيره.
فعندما أتى رئيس قبيلة «بني عامر» إلى رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  في موسم الحج مثَلاً، وقال: أرأيتَ إنْ نَحنُ بايعناكَ على أمرِكَ، ثم أظهرَكَ اللهُ على من خالَفَك، أيكونُ لنا الأمرُ من بَعدك قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ : الأمرُ إلى اللهِ يَضَعُهُ حيثُ يَشاء([23] ).
إنّ من البديهيّ أنّ أمرَ مسألة القيادة والخلافَة إذا كانت متروكةً للنّاس، وانتخابهم لكانَ على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أن يقول: «الأمرُ إلى الأُمّة» أو «إلى أهلِ الحَلّ والعَقد» ولكن النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ قالَ غير هذا. وبذلك طابَقَ كلامُ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في شأنِ الخلافة كلامَ الله تعالى في شأن الرسالةِ إذ قال:
( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ([24] ) .
الأصلُ التسعون: تعيين الخليفة أصل متفق عليه
إنّ مَسألة تَنْصِيصيَّة مقام الخلافة، وأنّه ليس للأُمّة أيُّ خيار ولا أيّ دور في تعيين خليفة لرسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان في ذِهن الصَّحابة أيضاً. نعم كان في نظرهم هو أن ينصَّ الخليفةُ السابقُ على الخليفة اللاّحِق بدل نَصّ اللهِ ونبيّه، ولهذا نرى ـ كما هو من مسلّمات التاريخ الإسلاميّ ـ أنّ الخليفةَ الثاني تمّ تعيينهُ ونصبهُ في منصب الخلافةِ بِنص من الخليفةِ الأوّل.
إنّ تصوّر أن تعيينَ الخَلِيفَة الثاني بواسطة أبي بكر لم يَكنْ قراراً قطعيّاً، بل كان من بابِ «الاقتراح»، يخالف ما ثبت من التاريخ، فإنّ الخليفة الأوّل كان لا يزال على قيد الحياة عندما اعترَض جماعةٌ من الصحابة على هذا التعيين والنصب، وكان «الزبير بن العوام» أحد أُولئك المعترضين على أبي بكر في هذا التعيين، والنصب.([25] ) وإنّ من البديهيّ أنّه لو كانَ تعيينُ أبي بكر لِعُمر بن الخطاب مِن باب مجردَّ الاقتراح والترشيح حسب، لما كان لاعتراض الصحابة عليه أيّ مجال ولا مبرّر.
هذا مضافاً إلى أنّ الخليفة الثالث هو الآخر تمّ تعيينُهُ عن طريق شورى تألَّفَتْ من (6) أشخاص عيَّنهُمُ الخليفةُ الثاني، وكانَ هذا نوعاً مِن تعيين الخليفة الّذي مَنَع الآخرين من مراجعة الرأي العامّ.
على أنّ فكرةَ مراجَعة الرأي العامّ، واختيار الخليفة بواسطة الناس لم يَدُرْ في خَلَدِ أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أساساً، وما ذُكِرَ في هذا الصعيد فيما بعد إنّما هو من تبريرات العُلماء والمفكرين، وأمّا من يشار إليهم من الصحابة فقد كانوا يَعتقدون بأنّ الخليفة يجب أن يُعيَّن ويُنصَب من قِبَل الخليفةِ السابق لا غير.
وللمثال عندما جُرح الخليفةُ الثاني، بَعَثَتْ عائشةُ زوجةُ رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ رسالةً شفويّة إلى الخليفة الثاني بواسطة ابنه «عبدِ الله» إذ قالت له: يا بُنيّ أبلغ عمرَ سلامي وقل له: لا تَدَعْ أُمّة محمد بلا راع، إستَخْلِفْ عَلَيْهم، ولا تَدَعْهُمْ بَعدَك هَمَلاً، فإنّي أخشى عَلَيْهمُ الِفتْنَةَ.([26] )
فأتى عبد الله أَباه وكان طريحَ الفراش فحثّه على تعيين الخليفة من بَعده قائلاً: إنّي سَمِعْت النّاسَ يقولون مقالةً فآليتُ أن أقولها لك وَزَعَمُوا أنّك غير مُسْتَخْلِف وأنّه لو كان لك راعي إبِل ـ أو راعي غَنَم ـ ثم جاءَك وتَرَكَها لرأيَتَ أن قدْ ضَيَّعَ فَرِعايةُ النّاسِ أشدُّ.([27] )
الأصلُ الواحدُ والتسعون: ما هي وظائف الإمام بعد وفاة الرسول  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ؟
أشرنا في مطلعِ بحث الإمامة إلى أنّ خليفة النبي والإِمام إنّما هو في نظر المسلمين من يقوم بوظائف رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ (ما عدا تلقي الوحي والإِتيان بالشريعة) ونورد هنا أبرز هذه الوظائف لتتبيّن مكانة الإِمامة وأَهميتها بصورة أوضح. ألف :  تَبيين مفاهيمِ القُرآن الكَريم وحلّ مُعضلاته، وبيان مقاصده، وهذا هو من أبرز وظائف النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ويقول عنها القرآن الكريم: ( وَأَنزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم) ([28] ) .
ب: بيانُ الأحكام الشرعية، فقد كانَ هذا العَمَل من وظائفِ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حيث كان يقوم بذلك عن طريق تلاوة الآيات المتضمنة للأَحكام حيناً وعن طريق السّنة حيناً آخر.
ثمَّ إنّ بَيان الأحكام من جانب النبيّ تم بصورة تدريجيّة، ومتزامناً مع وقوع حوادثَ جديدة، وظهورِ إحتياجات حديثة في حياة الأُمّة، ومثل هذا الأمر يقتضي بطبيعته أن تستمر هذه الوظيفةُ، لعدم انحصار الحاجات بما حدث في عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا يتجاوز عددُ الأحاديث الّتي وَصَلت إلينا عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حول الأحكام (500) حديث([29] ) ولا شك أنّ هذا القدر من الأحاديث الفقهية لا تسدُّ حاجة الأُمّة المتنامِية، ولا توصلُها إلى مرحلة (الإكتفاءِ الذاتيّ) في مجال التقنين.
ج : حيث إنّ النبي  ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ كان محوراً للحق، وكان بتعليماته، يمنع من تطرّق أيّ انحراف، وتسرّبِ أيّ إعوجاج في عقائد الأُمّة، لهذا لم يحدث أيُّ تفرّق عقائديّ، وأي تشتُّت مذهبيّ في عَصره أو لم يكن هناك أَرضية لظهور ذلك. د : الإجابة على الأَسئلةِ الدينيّة والإعتقادية، فقد كان هذا العملُ هو الآخر من وظائف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ الهامَّة.
هـ : إقامةُ القِسطِ والعَدل والأمن العامّ الشامل في المجتمع الإسلاميِّ، وظيفة أُخرى من وظائف النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .
و: حِفظُ الثغور، والحدُود، والثروة الإسلاميّة تجاه الأعداء هو أيضاً من مسؤوليات النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، ووظائفه.
إنّ الوظيفتين الأخيرتين وإن أمكن القيام بهما من قِبَل الخليفة الذي تختارهُ الأُمّة، لكن من المُسَلَّم والقطعيّ أنّ القيامَ بالوظائِفِ السّابقة (وهي بيانُ مَفاهيمِ القرآنِ الكريمِ الخفيّة، الغامِضَةِ، وبيانُ أحكامِ الشَّرع و.. و...) يَحتاج إلى قائد واع خبير، يكون موضعَ عناية الله الخاصّة، كما يكون في عِلمِهِ صنوَ النبيّ ونظيرهُ، أيْ أن يكون حاملاً للعلومِ النَبَوّية ومَصُوناً من كل خطأ وزلل، ومعصوماً من كلّ ذنب وخطل، ليستطيع القيامَ بالوظائف الجسيمة المذكورة، وليملأَ الفراغ الذي أحدثه غيابُ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بسبب وفاته، في الظروف الزاخرة بالأحداث الحُلوة والمرَّة، وبالوقائع الحرجة.
إنّ من البديهيّ أنّ تَشخيصَ مثلِ هذا الشخصِ، والمعرفة به لإيكال منصب القيادة إليه، خارجٌ عن حدود عِلمِ الأُمّةِ ونِطاق معرِفتها ، ولا يمكن أن يتُمَّ بغير رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ وبالأمر الإِلهيّ وتعيينهما إيّاه.
ومنَ الواضح أيضاً أنّ تَحقُّق الأهداف المذكورةِ رهنُ حماية النّاس، واستجابتهم وإطاعتهم للقائد المعيَّن، بواسطةِ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ومجرّدُ التعيين الإلهيّ والنصّ النبويّ على الخليفة لا يكفي لِتحقّقِ الأهداف والوظائف السالِفة. (إذ لا رَأيَ لِمَنْ لا يُطاع).
وهذا جار حتّى في القرآن الكريم والنبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ نفسِه، فإنّهما ما لم يُطاعا لا تتحقّق أهدافهما.
إنّ الحَوادِثَ السَلْبِيَّةَ، وتشتّتَ كلمة المسلمين الذي حَدَثَ بعد وفاة رسولِ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ  لم يكن بسبب أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقُم بوظيفته الحكيمة (والعياذ بالله)، ولا لأجل أنّه لم يُعرِض على المسلمين أُطروحةً موضوعية وحكيمة لإدارة الأُمّة من بعده، أو أنّ أُطروحتَه كانت أُطروحةً ناقصة، بل حدث ما حدث مِنَ المشاكل الألِيمة بِسبب أنّ بعضَ أفراد الأُمّة رجَّحُوا نَظَرَهم على نَظَر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ ، وقدّموا مَصالحهم الشخصية على تنصيص الله ورسولهِ وتعيينِهما.
ولم يكنْ هذا هو المورد الوحيد الذي حدثت فيه مثلُ هذه الواقعة في التاريخ بل لذلك نظائرُ عديدة في تاريخ الإسلام.([30] )
الأصلُ الثّاني والتِسعون: لُزُوم عِصمَةِ الإمام
أثبتنا في الأصْل السّابق أنّ الامام والخليفة ليس قائداً عاديّاً، يقدر على إدارة دفّة البلاد اقتصادياً، وسياسيّاً، وحفظ ثغور البلاد الإسلامية تجاه الأعداء فقط، بل ثمّت وظائف أُخرى يجب أن يقومَ بها مضافاً إلى الوظائف المذكُورة. وقد أشرنا إليها في الأصل السابق. إنّ القيام بِهذه الوَظائف الخطيرة مثل تفسير القرآن الكَريم، وبَيان الأحكام الشرعيّة، والإجابة على أسئلة الناس الإعتقادية ، والحيلولة دون تسرّب الانحراف إلى العقيدة، والتحريف إلى الشريعة، رهنُ علم واسع، لا يخطئ ولا يتطرّق إليه الاشتباهُ، والأشخاص العاديّون إذا تَوَلَّوا هذه الأُمور لن يكونوا في مأمن عن الخطأ والزللِ.
على أنّه يجب أن نَعلمَ بأنّ العصمة لا تساوي النبوّة، ولا تلازمُها ولا تستلزمها، لأنّه ربما يكونُ الشخص معصوماً عن الخطأ ولكن لا يتمتع بمقام النبوة أي لا يكون نبياً.
وأوضحُ نموذج لذلك السيدةُ مريم العذراء التي مرّت الإشارةُ إلّى أدلّة عصمتها، عند الحديث عن عصمة الأنبياءِ والرُسُل.([31] )
ثم إنّ هناك ـ مضافاً إلى التحليل والاستدلال العقلي السابق ـ أُموراً تدلُّ على عصمةِ الإمام نذكر هنا بعضها:
1. تعلّق إرادةِ الله القطعيّة والحتمية بطهارة أهل البيت عن «الرجس» كما قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً) ([32] ) .
إنّ دَلالَة هذه الآية على عِصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ  تكونُ على النحو التالي: إنّ تعلّق إرادة الله الخاصّة بطهارة أهل البيت من أي نوع من أنواع الرّجس يلازمُ عصمَتهم مِن الذُنوب والمعاصي، لأنّ المقصودَ مِن تطهيرهم من «الرِّجس» في الآية هو تطهيرهم من أيّ نوع مِن أنواع القذارة الفِكرية والرُّوحِيَّة، والعَمَليّة التي من أبرزها المعاصي والذُنوب.
وحيث إنّ هذه الإرادة تعلّقَتْ بأفراد مخصوصين لا بجميع الأفراد، فإنّها تَختَلِف عن إرادة التطهير التي تعَلّقت بالجميع بدونِ إستثناء.
إن إرادةَ التَّطهير التي تَشملُ عامّة المسلمين إرادةٌ تشريعيةٌ([33] ) وما أكثر الموارد الّتي تتخلّف فيها هذه الإرادةُ، ولا تتحقق بسبب تمرّد الأشخاص، وعدم إطاعتهم للأوامر والنواهي الشرعية في حين أنّ هذه الإرادة إرادةٌ تكوينيّةٌ لا يتخلّف فيها المرادُ والمتعلَّقُ (وهو العصمة عن الذَّنب والمعصية) عنها أبداً.
والجدير بالذكر أن تعلّق الإرادة التكوينيّة الإلهيّة بعصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ لا توجبُ سَلب الإختيار والحريّة عنهم تماماً كما لا يوجب تعلّق الإرادة التكوينية الإلهيّة بعصمة الأنبياء سلبَ الإختيار والحرية عن الأنبياء أيضاً (وقد جاءَ تفصيل هذا الموضوع في كتب العقائد).
2. إنّ أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يمثِّلون بحكم حديث الثقلين الذي قال فيه رسولُ الله: «إني تاركٌ فيكمُ الثَّقَلَين كتابَ الله وعترتي» عِدلَ القرآن الكريم، يعني أنّه كما يكون القرآنُ الكريمُ مصوناً من أيّ لون من ألوانِ الخطأ والإشتباه، كذلك يكون أئمة أهلِ البَيت مصونين من أيّ لون من ألوانِ الخطأ الفكري، والعملي، ومعصومين من أيّ نوع من أنواعِ الزَلَل والخَطَل.
وهذا المطلب واضحٌ تمامَ الوضوح، إذا أمعنّا في العبارات التي جاءت في ذيلِ الحَديث المذكور.
ألف: «ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِما لَنْ تَضِلُّوا أَبَداً».
ب: «إنَّهما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ».
لأنّ ما يكون التمسُّكُ به موجباً للهداية وأنه لا يفترق عن القرآن (المصون والمعصوم) مَصُونٌ ومعصومٌ هو كذلك .
3. لقد شَبَّهَ رسولُ الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ أهلَ بيته بسفينةِ نوح التي ينجو من الغرق من رَكِبها ويغرق في الأمواج من تخلّف عنها، إذ قال: «إنّما مَثَلُ أهل بَيْتي كَسَفينَةِ نُوْح مَن رَكِبَها نَجا وَمَنْ تخلَّفَ عَنهاَ غَرِقَ»([34] ).
بالنَظَر إلى هذه الأدلّة الّتي بينّها بصورة موجزة تكونُ عصمة أهل البيت واضحةً، وحقيقةً مبرهَناً عليها.
ومن الجدير بالذِّكر أنّ الأدلّة النَقليّة على عِصمة أهل البَيت ـ عليهم السَّلام ـ لا تنحصر في ما ذكرناه.
الأصلُ الثالثُ والتسعون: الأئمِة الإثنا عشر
إنّ معرفةَ الإمام تُمكِنُ مِن طريقين:
ألف:  نَصُّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ على إمامة شخص خاص.
ب : نَصُّ الإمام المعصومِ السابِق على الإمام اللاحِق.
إنّ إمامة الأئمة الاثني عَشَر ثَبَتت من خلال الطَريقين المذكورَين معاً أي عن طريق نصّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حسب الرّوايات المروِيّة عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ في هذا المجال. وكذا عن طريق الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ ، حيث نصّ الإمامُ السابق على الإمام اللاحق.
ونحن رِعايةً للإختصار نوردُ هنا حديثاً واحداً في هذا الصَعيد( [35] ) تفيد أنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يكتف بنَصب عليّ ـ عليه السَّلام ـ ، بل ذكّر بأنّه سَيخلفهُ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ اثنا عشر إماماً تتحقّق بهم عزةُ الإسلام إذ قال: «لا يَزالُ الدّين مَنيِعاً إلى اثنَيْ عَشَر خَلِيفةٌ».
وقد وَرَدت هذه الأحاديث الدالة على وجود اثني عشر خليفة في أوثق صحاح أهل السنة أيضاً.([36] ) ومن المُسلَّم أنّ هؤلاء الخُلَفاء الاثني عشر الذين تتوقّف عليهم عزّة الإسلام ومنعتهُ ومضاؤه، لا تنطبق صفاتهم إلاّ على أئمة الشيعةِ الاثني عَشَر إذ لم تكن تلك الأَوصاف تتوفر في الخلفاء الأُمويين ولا العباسيين قط.
وأئمة الشِيعة الاثنا عشر هم:
1. أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب (المولود قبل البعثة بعشر سنوات والمستشهَد عام 40 هجري) والمدفون في النجف الأشرف .
2. الإمامُ الحسَنُ بن علي (المجتبى) (3 ـ 50 هـ ق) المدفونُ في البقيع بالمدينة.
3. الإمامُ الحسين بن علي سيدُ الشهداء (4 ـ 61 هـ ق) المدفون في كربلاء.
4. الإمامُ عليُّ بن الحسينُ بن علي زينُ العابدين (38 ـ 94 هـ ق) المدفون في البقيع.
5. الإمامُ محمدُ بن علي باقرُ العلوم (57 ـ 114 هـ ق) المدفون في البقيع.
6. الإمامُ جعفرُ بنُ محمد الصادقُ (83 ـ 148 هـ ق) المدفونُ في البقيع.
7. الإمامُ موسى بنُ جعفر الكاظمُ (128 ـ 183 هـ. ق) المدفونُ في الكاظمية قرب بغداد. 8. الإمامُ عليُّ بن موسى الرضا (148 ـ 203 هـ. ق) المدفونُ في خراسان بإيران.
9. الإمامُ محمدُ بن علي الجوادُ (195 ـ 220 هـ ق) المدفونُ في الكاظمية.
10. الإمامُ عليُّ بن محمد الهادي (212 ـ 254 هـ ق) المدفونُ في سامراء بشمال بغداد.
11. الإمامُ الحسنُ بنُ علي العسكريُ (233 ـ 260 هـ. ق) المدفونُ في سامراء.
12. الإمامُ محمدُ بنُ الحسن المعروف بالمهديِّ، والحجة ـ عجَّل الله فرجَه الشريف ـ وهو الإمامُ الثاني عشر، وهو حيٌّ حتى يظهر بأمر الله (طبقاً للوعودِ الواردةِ في القرآنِ في سورة النور / 54، وسورة التوبة / 33 وسورة الفتح / 28 وسورة الصف / 9) ويقيم الحكومة الإِلهيّة على كلّ الكرةِ الأرضِيّةِ([37] ).
ولقد جاءَت تفاصيلُ حياة أئمةِ الشيعة الاثني عشر في كتب التاريخ والسيرة وحيث إِنّ الإمام الثاني عشر لا يزال حيّاً، ويتولّى منصبَ الإمامة بإرادةِ الله تعالى، لهذا سنَذكر نقاطاً حولَ هذا الإمام فيما بعد.
الأصلُ الرابع والتسعُون: مودّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
إنّ محبَّةَ أهلِ البَيت ـ عليهم السَّلام ـ من الأُمور الّتي أكَّد عليها القرآنُ والسُنَّة كما قالَ تعالى: ( قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ في الْقُرْبَى) ([38] ) .
والمقصودُ من «القُربى» هم أقرباءُ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بقرينة أن طالِبَ هذا الأَمر هو النبيُّ نفسه.
إنّ محبّة أهلِ البَيت وموادَّتهم ـ مضافاً إلى كونها كمالاً كبيراً ـ تسبّب في أن يحاولَ الشخصُ المحبُّ أن يجعل نفسَه مشابِهاً للمحبوب، ويقتدي به في كَسب الفضائِل، والإجتناب عن الرَّذائل.
ولقد جاء في الأحاديث المتواترةِ الصادرةِ عن النبيّ الأكرمِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّ محبة أهلِ البَيت علامةُ الإيمان، وبغضَهم علامةُ النّفاقِ والكفر، وأنّ من أحبّهم فقد أحبَّ الله والنبيّ، وأنّ مَن عاداهم فقد عادى اللهَ ورسولَه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ .

[1] . فِرَق الشيعة، ص 17 .
[2] . مقالات الإسلاميين: 1 / 65 .
[3] . الملل والنحل: 1 / 131 .
[4] . راجع تاريخ الطبري: 2 / 62 ـ 64 .
[5] . البينة / 7 .
[6] . الدر المنثور، سورة البيّنة .
[7] . الشفاء، الإلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، 564 .
[8] . الشعراء / 214 .
[9] . مسند أحمد: 1 / 159; تاريخ الطبري: 2 / 406; تفسير الطبري (جامع البيان): 19 / 74 ـ 75، تفسير الشعراء، الآية 214 .
[10] . صحيح البخاري: 6 / 3 طبع 1312 هـ ، باب غزوة تبوك; صحيح مسلم: 7 / 120، باب فضائل الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ; سنن ابن ماجة: 1 / 55 باب فضائل أصحاب النبي; مسند الامام أحمد: 1 / 173، 175، 177، 179، 182، 185 و 230; والسيرة النبوية لابن هشام: 4 / 163 (غزوة تبوك).
[11] . ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمتنَا أخاهُ هارُونَ نَبِيّاً) (مريم / 53).
[12] .( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْني في قَوْمِي) (الأعراف / 142).
[13] . ( وَاجْعَل لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي) (طه / 29).
[14] . مستدرك الحاكم: 3 / 351; الصواعق المحرقة، ص 91; ميزان الاعتدال: 1 / 224; تاريخ الخلفاء، ص 573; الخصائص الكبرى: 2 / 266; ينابيع المودة، ص 28; فتح القدير، ص 113; وكتب أُخرى.
[15] . مستدرك الحاكم: 3 / 149 .
[16] . النحل / 16 .
[17] . صحيح مسلم: 7 / 122; سنن الترمذي: 2 / 307 ; سنن الدارمي: 2 / 432; مسند أحمد: 3 / 14، 17، 26، 59، و ج 4 / 59، 366 و 371، و ج 5 / 182 و 189; الخصائص العلوية، للنسائي ص 20; مستدرك الحاكم: 3 / 109، 148، و 533، وغيرها.
ويمكن مراجعةِ رسالَة «حديثِ الثَقَلين» من منشورات «دار التَقريب بَين المذاهب الإسلامية» القاهرة، مطبعة مخيمر، في هذا المجال أيضاً.
[18] . المائدة / 67 .
[19] . أشار المحدّثون والمفسِّرون المُسلمون إلى نُزُول هذه الآية في حَجّة الوداع، يومَ الغدير، اُنظر: كتابَ «الدرّ المنثور» للسيوطي 2 / 298، و «فتح القدير» للشوكاني 2 / 57; وكشف الغمة للإربلّيّ، ص 94; «ينابيع المودّة» للقندوزي، ص 120; المنار: 6 / 463 وغيرها.
[20] . الطور / 30 .
[21] . المائدة / 3
[22] . ولقد اعتبرَ فريقٌ من الصَحابة والتابعين الآية المذكورة مرتبطةً بواقعة «غدير خم» وذلك مثل: أبي سعيد الخدري، وزيد بن الأرقم، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي هريرة، ومجاهد المكي.
وللوقوف على روايات الأشخاص المذكورين حول الواقعة المذكورة راجع: كتاب «الولاية» لأبي جعفر الطبري، والحافظ ابن مردويه الاصفهاني برواية ابن كثير في ج 2، من تفسيره; والحافظ أبا نعيم في كتاب «ما نزل من القرآن في عليّ» والخطيب البغدادي في ج 8 من تاريخه، والحافظ أبا سعيد السجستاني في كتاب «الولاية» والحافظ أبا القاسم الحسكاني في «شواهد التنزيل»، وابن عساكر الشافعي برواية السيوطي في «الدر المنثور» 2 / 295، والخطيب الخوارزمي في كتاب «المناقب». وعباراتهم موجودة في الغدير 1 / 23ـ 236.
وقال الفخر الرازي في تفسيره (ج 3 ص 529) إنه لمّا نزلت هذه الآية على النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ لم يعَمِّر بعدَ نُزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً وَلَم يَحْصَل في الشريعةِ بَعدها زِيادة ولا نَسخٌ، وَلا تبديلُ البتّةَ.
فعلى هذا الأساس لابُدّ مِنَ القول أنَّ هذه الآية نَزَلت يوم غدير خم. أي اليوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع. وحيثُ إنّ النبيَّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ حسبَ رأي أهلِ السُّنّة توفي في الثاني عشر من ربيع الأوّل، وكانت الأشهر الثلاثة (ذي الحجة، ومحرّم وصفر) 29 يوماً صح أنّه توفي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلم ـ بعد نُزُول الآية المذكورة بـ 81 يوماً (تفسير الفخر الرازي سورة المائدة، الآية الثالثة).
[23] . سيرة ابن هشام: 2 / 422.
[24] . الأنعام / 124 .
[25] . الإمامة والسياسة: 1 / 24 ـ 25 .
[26] . الإمامة والسياسة: 1 / 28 .
[27] . حُلية الأولياء: 1 / 44.
[28] . النحل / 44 .
[29] . الوحي المحمدي ص 212، الطبعة السادسة.
[30] . راجع كتاب «النَصّ والإجتهاد» تأليف العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي.
[31] . راجع كتاب الإلهيّات، تأليف صاحب هذه الرسالة: 2 / 146 ـ 198 .
[32] . الأحزاب / 33 .
[33] . ( وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ) (المائدة / 6) .
[34] . مستدرك الحاكم: 2 / 151، والخصائص الكبرى للسيوطي: 2 / 266 .
[35] . للإطلاع على بقيّة الأحاديث في هذا المجال يراجع كتب الحديث مثل أُصول الكافي، كفاية الأثر ، إثبات الهداة، ومنتخب الأثر، وغيرها.
[36] . صحيح البخاري، 9 / 81 ، باب الاستخلاف; وصحيح مسلم 6 / 3 ، كتاب الامارة; ومسند أحمد 5 / 86 ـ 108 ; ومستدرك الحاكم 3 / 81 .
[37] . قد وقع بعض الاختلاف في تواريخ وفيات ومواليد بعض الأئمة وقد اخترنا احدها، كما انّ التاريخ يثبت انّ أغلب هؤلاء الأئمة قضوا شهداء.
[38] . الشورى / 23 .